الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخوئي ج 8

كتاب الطهارة

السيد الخوئي ج 8


[ 1 ]

التنقيح في شرح العروة الوثقى

[ 2 ]

هوية الكتاب الكتاب: التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريرا لبحث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئى دام ظله العالي (الجزء الثامن) المؤلف: العلامة الحجة الميرزا على التبريزي الغروى الناشر: لطفي المطبعة: العلمية قم عدد الطبع: الطبعة الثانية العدد: 3000 السعر: 1500 ريال التاريخ: شعبان المعظم سنة 1411

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (22) التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريرا لبحث اية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي دام ظله العالي للمحقق حجة الاسلام والمسلمين الميرزا على الغروى التبريزي دامت بركاته الجزء الثامن

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين. وبعد فهذا هو الجزء الثامن من كتابنا (التنقيح) في شرح العروة الوثقى وقد وفقنا الله للشروع في طبعه نسأله تعالى ان يوفقنا لاتمامه واكمال بقية اجزائه فانه خبر موفق ومعين.

[ 7 ]

[ (فصل: في أحكام الاموات) إعلم ان أهم الامور وأوجب الواجبات التوبة من المعاصي (1). ] (فصل: في أحكام الاموات) وجوب التوبة من المعاصي) (1) وجوب التوبة عن المعاصي قد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع والعقل فلا اشكال في وجوبها في الجملة. وانما الكلام في أن وجوبها شرعي مولوي، أو انه عقلي والاوامر الواردة بها في الكتاب والسنة ارشادية إليه؟. وقد يقال: بانها واجبة عقلا والاوامر المتعلقة بها في الكتاب والسنة ارشاد إلى حكم العقل وذلك لعدم امكان حملها على المولوية وإلا كان ترك التوبة محرما وتجب التوبة عنه وترك التوبة عنه أيضا محرم فتجب التوبة عنه وهكذا، إلى ما لا نهاية له فلا مناص من حملها الامر بها على الارشاد. نظير الاوامر الواردة في الطاعة حيث حملناها على الارشاد لانها

[ 8 ]

لو كانت مولوية وكانت الاطاعة واجبة شرعا لزم التسلسل بالتقريب المتقدم لان إطاعة ذلك الامر أيضا تكون واجبة ومأمورا بها شرعا فتجب اطاعته وهذا الوجوب الثاني أيضا تجب اطاعته وهكذا إلى ما لا نهاية له، فوجوب التوبة عقلي لا محالة. والظاهر أن التوبة واجبة شرعا والاوامر الواردة في الكتاب والسنة مولوية وذلك لان الوجه في حمل اوامر الطاعة على الارشاد ليس هو المحذور المتوهم من أن كونها مولوية يستلزم التسلسل. وإلا يمكن الجواب عنه بأن حمل الامر بالطاعة في الآية المباركة على المولوية والحكم بأنها واجبة شرعا أخذا بظاهر الامر مما لا محذور فيه. وانما المحذور المتوهم في كون اطاعة ذلك الامر أيضا مأمورا بها بالامر المولوي أي كونها واجبة شرعا لانه مستلزم للتسلسل فلابد من منع كون تلك الطاعة - أي اطاعة الامر بالطاعة واجبة شرعا - دفعا للمحذور دون حمل الامر الاول بالطاعة على الارشاد لان حمله على المولوية مما لا محذور فيه. وعليه فيحمل الامر الاول بالطاعة على الوجوب الشرعي والمولوية عملا بظاهره، بخلاف الامر الثاني والثالث فانه ارشادي حتى لا يلزم التسلسل. ولا ملازمة بين كون الامر بالطاعة مولويا وبين كون طاعة ذلك الامر أيضا واجبة شرعا ويكون الامر بها مولويا، وبهذا تنقطع السلسلة فلا يلزم من كون الامر الاول بالطاعة مولويا أي محذور. وكذلك نلتزم في المقام بأن الامر بالتوبة مولوى وانها واجبة

[ 9 ]

بالوجوب الشرعي، نعم لا تكون التوبة من ترك التوبة واجبة شرعا وانما الامر بها إرشادي. بل الوجه في حمل الامر بالطاعة على الارشاد أن الامر بها لا يترتب عليه أثر وذلك لان الطاعة منتزعة عن اتيان الواجبات وترك المحرمات وليس للطاعة محقق غيرهما، والعقل مستقل باستحقاق العقاب على ترك الواجب واتيان المحرم وان لم يكن هناك أمر بالطاعة أصلا، فالاثر وهو استحقاق العقاب - ثابت في مرتبة سابقة على الامر بالطاعة، فاذن لا أثر له في نفسه فلا مناص من ان يكون ارشادا إلى ما استقل به العقل قبله. ومن الظاهر أن ذلك لا يأتي في التوبة لانها أمر مستقل غير الاتيان بالواجبات وترك المحرمات أو عصيانهما، وللامر بها أثر وهو استحقاق العقاب بمخالفته وتركه التوبة بحيث لو ترك الواجب وترك التوبة عنه عوقب عقوبتين فتكون التوبة واجبة شرعا ولا محذور فيه فالتوبة مأمور بها بالامر المولوي ومتصفة بالوجوب شرعا كما انها واجبة عقلا. ولا مانع من ان يكون شئ واحد واجبا عقلا وشرعا كالظلم وهو قبيح عقلا ومحرم شرعا، وكما في رد الامانة إلى اهلها فهو واجب عقلا لان تركه ظلم وواجب شرعا وهكذا. ثم انه لا فرق فيما ذكرناه بين التوبة عن المعصية الكبيرة والتوبة عن الصغيرة لان المدار في وجوبها على المخالفة والخروج عن ذي العبودية ووظيفته وهو متحقق في كليهما. نعم لا بد من الالتزام بعدم كون ترك التوبة في الصغائر معصية

[ 10 ]

كبيرة وذلك لبعد ان تكون المعصية صغيرة ويكون ترك التوبة عنها كبيرة. قبول التوبة تفضل: ثم إن هناك بحثا آخر: وهو أن التوبة - كانت واجبة عقلا وشرعا أو عقلا فقط - هل يجب على الله قبولها بحيث تمحى بها المعصية المتحققة ويزول بها استحقاقه العقاب على نحو لو عاقبه الله تعالى بمعصيته بعد التوبة كان ظلما قبيحا أو لا يجب قبولها عليه؟ وقد تعرضنا لهذا البحث في التكلم عن مقدمة الواجب وقلنا ان استحقاقه العقاب الثابت بالمعصية المتقدمة لا يرتفع بالتوبة المتأخرة لان الشئ لا ينقلب عما وقع عليه فلو عاقبه الله سبحانه بعد ذلك كان عقابا واقعا عن استحقاق وفي محله ولم يكن ظلما لا عن استحقاق. إلا ان هذا البحث مجرد بحث علمي لا يترتب عليه أثر عملي كما ذكرناه في بحث مقدمة الواجب لانه ثبت بالكتاب والسنة أن الله يقبل التوبة عن عباده وانه رؤوف بهم وانه لا كبيرة مع الاستغفار (1) المراد به التوبة، فالتوبة وان لم يكن معها عقاب على المعصية إلا انه من باب التفضل من الله سبحانه عملا بوعده لا أنه من باب الوجوب وقد وافقنا على ذلك الاشاعرة خلافا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى وجوب قبول التوبة على الله، وهذا من جملة الموارد التي لابد فيها من الموافقة


(1) الوسائل: ج 11 باب 47 و 48 من أبواب جهاد النفس ح 11 و 3.

[ 11 ]

[ وحقيقتها الندم (1) وهو من الامور القلبية ] مع الاشاعرة دون المعتزلة. حقيقة التوبة: (1) الظاهر انه لم تثبت للتوبة حقيقة شرعية ولا متشرعية، وانما هي بمعناها اللغوي أي الرجوع وهو المأمور به شرعا وعقلا، فكما أن العبد الآبق الفار والخارج عن زي عبوديته يجب أن يرجع عن خروجه هذا فكذلك العبد لابد من أن يرجع إلى مولاه الحقيقي عن طغيانه وتمرده وتعديه. فلا يعتبر في حقيقة التوبة سوى الرجوع وله لا زمان: أحدهما: الندم على عصيانه إذ لو لم يندم على ما فعله لم يكن رجوعه رجوعا حقيقيا عن التمرد والخروج. وثانيهما: العزم على عدم العود لوضوح انه لولاه لم يكن بانيا على الدخول في طاعة الله سبحانه بل هو متردد في الدخول والخروج وهذا بنفسه مرتبة من مراتب التعدي والطغيان فان العبد لابد أن يكون بانيا على الانقياد في جميع الازمان. إذ لو لم يعزم على الطاعة وعدم الطغيان كان مترددا في الطاعة والعصيان كما عرفت وهو قبيح حتى فيما إذا لم يسبقه المعصية أصلا - كما إذا كان في أول بلوغه - فانه لابد من أن يعزم على عدم الاقتحام في العصيان، وهذان الامران من لوازم الرجوع لا أنهما حقيقة التوبة.

[ 12 ]

[ ولا يكفي مجرد قوله: (أستعفر الله) بل لا حاجة إليه مع الندم القلبي وان كان احوط، ويعتبر فيها العزم على ترك العود إليها، والمرتبة الكاملة منها ما ذكره أمير المؤمنين عليه السلام. ] واما الاستغفار اللفظي وقول: اللهم اغفر لي أو استغفر الله ونحوهما فهو غير معتبر في حقيقة التوبة ولا أنه من لوازم الرجوع لان الاستغفار بمعنى طلب الغفران والتوبة بمعنى الرجوع فهما متغايران مفهوما ومصداقا. ويدل على عدم اعتباره في التوبة ومغايرتهما - مضافا إلى وضوحه في نفسه - قوله تعالى (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) (1) فان العطف ب‍ (ثم) يدل على ما ذكرناه، فقد دلت الآية المباركة على أن العبد الآبق يطلب المغفرة من ذنوبه أولا وان لم يرجع ولم يتب لانه سبحانه غافر الذنوب، وبعده يرجع إلى الله بالاضافة إلى ما يأتي. نعم: الاحسن أن يكون رجوع الآبق بقلبه ولسانه وأن تكون توبته واقعية وظاهرية بقول: (اللهم اغفر لي) ونحوه. واكمل مراتب التوبة ما ذكره أمير المؤمنين - ع - في نهج البلاغة من أن للتوبة مراتب ستة. (منها) وهو خامسها: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت


(1) وقعت هذه الجملة المباركة في سورة هود في ثلاثة مواضع آية 3 و 52 و 90 باختلاف يسير في اولها.

[ 13 ]

[ (مسألة 1): يجب عند ظهور امارات الموت أداء حقوق الناس الواجبة ورد الودائع والامانات التي عنده مع الامكان (1) ] فتذيبه بالاحزان والطاعة (1). إلا أنه غير واجب ولا يعتبر في التوبة بوجه، إذ قد يتوب العبد ويرجع ويندم ويعزم على عدم العود فيدركه الموت بعدها بزمان قليل قبل أن يذوب عنه لحمه. الواجبات لدى ظهور علائم الموت: اقسام الحقوق في الذمة: (1) الحقوق الثابتة على ذمة المكلف قد تكون واجبة الاداء فعلا وبالفور كالاموال المغصوبة والمقبوضة بالبيع الفاسد الذي هو بحكم الغصب، والديون التي يطالب بها مالكها أو التي حلت لانتهاء مدتها أو حصول شرطها كالمهور الثابتة على الذمم المقيد اداؤها بالقدرة والاستطاعة. وهذه الحقوق لابد من ردها إلى مالكها ولا يجوز فيها الايصاء لوجوب ردها فورا، سواء في ذلك ظهور امارات الموت وعدمه لانه تكليف فعلي منجز لابد من امتثاله بردها إلى اهلها، ولو مع القطع بالحياة للامر بذلك شرعا، فالايصاء غير جائز حينئذ لعدم كونه امتثالا فوريا للامر بالرد اعني الواجب الفعلي المنجز.


(1) الوسائل: ج 11 باب 87 من أبواب جهاد النفس ح 3.

[ 14 ]

وقد لا تكون الحقوق واجبة الاداء بالفعل كالودائع والامانات لرضى مالكها بالبقاء عنده التي علم من حال مالكها أو احتمل عدم رضائه بايداعها عند شخص آخر. وفي هذه الصورة يجوز له ابقاؤها عنده مادام حيا، وإذا ظهرت امارات الموت أو احتمله في نفسه وجب أن يردها إلى مالكها بالمباشرة للامر بذلك في قوله تعالى (أن الله يامركم ان تؤدوا الامانات إلى اهلها) (1). ولا يجوز فيها الايصاء أي ردها بالتسبيب لفرض عدم رضى مالكها بالايداع عند غيره فيتعين ردها بالمباشرة لانه تكليفي فعلي منجز لابد من احراز الخروج عن عهدته ولا يكون ذلك إلا بردها حال الحياة. وثالثة: لا يكون المال واجب الرد فورا ولا من قبيل الودائع التي لا يرضى مالكها بايداعها عند شخص آخر كاللقطة ومجهول المالك والودائع التي يرضى مالكها بايداعها عند شخص آخر. وفي هذه الصورة لابد للمكلف من أحد أمرين: اما ان يوصلها بنفسه إلى مالكها، أو يوصي بها بالاشهاد والاستحكام حتى تصل إلى مالكها بعد موته أو يودعه عند من يثق به أو يدفعه للحاكم الشرعي ولا يتعين عليه اداؤها بنفسه لعدم وجوبه عليه على الفرض. والدليل على وجوب الرد والايصاء في تلك الموارد هو: أن وجوب رد المال إلى مالكه والودائع إلى اهلها حكم فعلي منجز في حقه ولابد له من الخروج عن عهدة هذا التكليف المنجز وهو لا يتحقق إلا بايصالها بنفسه إلى مالكها - كما في بعض الصور - وبالاعم منه ومن الايصاء


(1) النساء 4: 58.

[ 15 ]

[ والوصية بها مع عدمه، مع الاستحكام على وجه لا يعتريها الخلل بعد موته. (مسألة 2): إذا كان عليه الواجبات التي لا تقبل ] - كما في بعض الموارد الاخرى. - وقد ظهر مما ذكرناه أن الحكم غير مختص بما إذا ظهرت له امارات الموت - كما هو صريح كلام الماتن (قده) بل الرد الواجب فعلي في بعض الصور ولو كان قاطعا بالحياة وبمجرد الشك في الموت في بعض الصور الاخرى وان لم تظهر له امارات الموت. وذلك لان التكليف المنجز الفعلي لابد من احراز الخروج عن عهدته ولا يمكن احرازه إلا بالرد أو الايصاء. واستصحاب بقاء الحياة لا أثر له في ذلك كما ذكرناه في الواجبات الموسعة اداءا أو قضاءا لان تنجز التكليف يقتضي احراز الخروج عن عهدته فبمجرد الشك في الموت يجب عليه الامتثال. بمعنى انه إذا لم يقطع أو لم يطمأن ببقاء حياته إلى آخر الوقت واحتمل موته قبل ذلك وجب أن يأتي به فعلا لتنجز التكليف في حقه وهو يستلزم عقلا احراز الامتثال ولا يحرز إلا باتيانه بالفعل ولا أثر شرعي لاستصحاب بقاء حياته حينئذ، هذا في الحقوق المالية.

[ 16 ]

[ النيابة حال الحياة (1) ] الواجبات التي لا تقبل النيابة حال الحياة: (1) هذا في الحقوق الالهية، إذا كانت على ذمته واجبات من صوم وصلاة وحج ونحوها فان جازت الاستنابة فيها حال حياته لمن لا يتمكن من الحج بنفسه لمرض أو هرم وجب لتنجز التكليف بالاداء والاستنابة وفاءا له. وإذا لم يجز له الاستنابة فيها حال حياته كما إذا ترك الحج عن عمد واختيار أو أن الوقت لم يكن موسم الحج وهو يحتمل موته أو ظهرت له اماراته أو غير ذلك من الفروض وجب الايصاء بها إذا كان له مال يوفى به دينه من الصلاة والصيام والحج وغير ذلك. وذلك في الصورتين لما قدمناه من أن التكليف المنجز الفعلي باداء الدين وافراغ الذمة عن الواجبات يستدعي احراز الخروج عن عهدته بالمباشرة أو التسبيب، وهو لا يكون إلا بالاستنابة فيما أمكنت، وبالايصاء عند عدم امكان الاستنابة. وكذا يجب الايصاء إذا لم يكن له مال إلا انه احتمل ان يكون ايصاؤه سببا لاداء دينه بعد موته وذلك لان الامتثال القطعي إذا لم يمكن للمكلف بأن لم يكن له مال انتقل الامر إلى الامتثال الاحتمالي لا محالة وهذا امتثال احتمالي في حقه. ومن هذا القبيل إعلام من يجب عليه القضاء كالولد الاكبر إذا

[ 17 ]

[ كالصلاة والصوم والحج ونحوها - وجب الوصية بها إذا كان له مال بل مطلقا إذا احتمل وجود متبرع، وفيما على الولي كالصلاة والصوم التي فاتته لعذر يجب اعلامه أو الوصية باستيجارها أيضا. (مسألة 3): يجوز له تمليك ماله بتمامه لغير الوارث (1) ] كانت مما يجب اداؤها على الولد الاكبر بعد موت المورث كما في فوائت الصلاة والصيام لانه لو كان عالما بأن الولد الاكبر يقضيها بعد موته فهو من الامتثال القطعي للتكليف المنجز الفعلي في حقه وإذا كان محتملا له فهو من الامتثال الاحتمالي المتعين على تقدير العجز عن الامتثال العقلي. جواز تمليك الموصي امواله لغير الوارث: (1) كما هو مقتضى العمومات وسلطنة المالك على ماله وهذا قد يكون في حال حياته وهو صحيح البدن ولا اشكال في جواز تمليكه ماله بالتمام لغير الوارث لانه مسلط على ماله وله أن يفعل في أمواله ما يشاء. وأخرى: يكون ذلك في حال مرضه وهو المسألة المعروفة بمنجزات المريض والصحيح فيها صحة تمليكه للغير أيضا وذلك لجملة من

[ 18 ]

[ لكن لا يجوز له تفويت شئ منه على الوارث بالاقرار كذبا (1) لان المال بعد موته يكون للوارث فإذا اقر به لغيره كذبا فوت عليه ماله. ] الاخبار (1) المعتبرة الدالة على ان للانسان ما دامت الروح في بدنه ولم تخرج عنه أن يتصرف في ماله ما يشاء فله أن يملك تمام ماله للغير ويعدم موضوع الارث للورثة. نعم ورد في جملة من الاخبار الاخر عدم جوازه إلا انها محمولة على الكراهة جمعا لكراهة حرمان الوارث من التركة. عدم جواز التفويت على الورثة: (1) قد يريد المالك بقوله: (هذا لزيد) انه له بعد موته إلا انه يبرزه بصورة الاقرار لاحتمال أن الورثة قد لا تعمل على طبق وصيته فلا يصل المالك إلى مرامه من الثواب في ايصال ماله إلى سيد أو فقير قربة إلى الله تعالى: فهو وصية واقعا أبرزها بصورة الاقرار بالتورية من دون أن يكون المال زائدا على ثلثه. وهذا مما لا اشكال في جوازه لان للمورث أن يتصرف في ثلث ماله وهو ملكه وهو أولى بالتصرف فيه من الورثة فلا تفويت على


(1) الوسائل: ج 13 باب 10 و 11 من أبواب احكام الوصايا.

[ 19 ]

الورثة بشئ كما انه لم يرتكب كذبا لان التورية خارجة عن الكذب على ما بيناء في محله وهذا ظاهر. وقد يريد المالك الاعتراف حقيقة دون الايصاء أو يكون المال زائدا على ثلثه ولا ينبغي الاشكال في حرمته حينئذ وذلك من وجوه: (أحدها): ما علمناه خارجا من عدم جواز تفويت المال على مالكه لانه مسلط على ماله وهو محترم كاحترام دم المسلم والتفويت مناف لسلطنته فيحرم الحيلولة بين المالك وماله وتفويته عليه وحيث ان المال للورثة فتكون الحيلولة بين المالك وماله وحرمانه عنه والمنع عن سلطنته وتفويت المال عليه بالاعتراف للغير كذبا حراما لانه تفويت لمال الورثة. (ثانيها): إن تصرف المقر له فيما اعترف له المورث من المال حرام لانه ملك الورثة والتصرف في ملك الغير محرم، والمورث باقراره سبب للمقر له في ارتكاب ذلك الحرام لانه لو لم يقر له لم يكن يرتكبه. وهو نظير ما إذا قدم أحد طعاما حراما للجاهل ليأكله، وقد ذكرنا في محله أن مقتضى الارتكاز في أذهان العقلاء والفهم العرفي عدم الفرق في ارتكاب المحرمات الواقعية بين ارتكابها بالمباشرة والتسبيب فان المولى إذا نهى عبده عن الدخول عليه استفاد العرف منه أن الدخول عليه بالمباشرة أو ايجاده في الغير بالتسبيب ولو بالكذب حرام مبغوض فهذا الاقرار تسبيب للحرام فهو حرام. نعم: هذا الوجه يختص بما إذا لم يكن المقر له عالما بكذب اقرار المقر وإلا لم يكن اقراره سببا في ارتكاب المقر له للحرام فان ارتكابه حينئذ مستند إلى اختياره حيث اقدم عليه عالما بحرمته فلا

[ 20 ]

[ نعم إذا كان له مال مدفون في مكان لا يعلمه الوارث يحتمل عدم وجوب اعلامه (1) لكنه أيضا مشكل، وكذا إذا كان له دين على شخص والاحوط الاعلام وإذا عد عدم الاعلام تفويتا فواجب يقينا. ] يكون محرما من جهة التسبيب وان كان الاعتراف سببا لازالة السلطنة عن المالك. (ثالثها): إن اقراره هذا كذب، والكذب حرام. هل يجب على المورث الاعلام بامواله؟ (1) الصحيح عدم وجوب الاعلام على المورث حينئذ لان حرمان الورثة من مالهم وعدم سلطنتهم عليه مستند إلى جهلهم لا إلى سكوته عن الاعلام ولا يجب عليه اعلامهم وايجاد ما يقتضي السلطنة لهم وانما يحرم ازالة السلطنة كما هو الحال في غير المورث كما إذا كان لاحد مال في موضع وهو لا يعلمه وقد علم به أحد فانه لا يجب عليه أن يعلم المالك بذلك لان سكوته غير مفوت للمال عليه. وكذا الحال فيمن يعلم أن للميت دينا على شخص ولا يعلم به الوارث فانه لا يجب أن يعلم الوارث بالحال لان سكوته ليس تفويتا وسببا لحرمانهم. نعم ما افاده الماتن (قده) من أنه لو عد تفويتا وجب اعلامه صحيح إلا انه لا يعد تفويتا كما ذكرناه.

[ 21 ]

[ (مسألة 4): لا يجب عليه نصب قيم على اطفاله (1) إلا إذا عد عدمه تضييعا لهم أو لمالهم، وعلى تقدير النصب يجب أن يكون أمينا (2). وكذا إذا عين على اداء حقوقه الواجبة شخصا يجب أن يكون امينا (3). نعم لو اوصى بثلثه في وجوه الخيرات غير الواجبة لا يبعد عدم ] مورد وجوب نصب القيم: (1) كما إذا كان في البلد حاكم شرعي أو وكيله أو عدول المؤمنين وهم يتصدون لحفظ الاطفال انفسهم واموالهم. نعم إذا لم يكن هناك من يحفظهم ويحفظ اموالهم وجب عليه نصب القيم عليهم لان الولي يجب عليه حفظ المولى عليه نفسا ومالا وهذا لا يتحقق بعد الموت إلا بنصب احد يتصدى لحفظهم. (2) لعين ما قدمناه من وجوب حفظ المولى عليه على الولي ومع عدم كون القيم أمينا لا يحرز الحفظ الواجب فلابد من نصب الامين حتى يحرز ذلك. (3) لتنجز التكليف برد الامانات والحقوق ولابد من احراز الخروج عن عهدته ولا يتحقق هذا إلا بالايصاء على الامين لعدم احراز ذلك عند عدم امانته.

[ 22 ]

[ وجوب كون الوصي عليها امينا (1) لكنه أيضا لا يخلو عن اشكال (2) ] (1) لان الثلث - على ما هو الصحيح - باق على ملك الميت، والارث إنما هو بعد الايصاء والدين، وبما أن الميت حال حياته كان متمكنا من أن يوكل غير الامين على امواله بل كان له اتلافها فكذلك الحال بعد موته لانه تصرف في ملكه. (2) يمكن أن يكون الوجه في ذلك: حرمة الاعانة على الاثم للعلم بأن غير الامين يتصرف على وجه حرام فالايصاء إليه اعانة على الاثم وهي حرام. وفيه: إن الاعانة على الاثم لم تثبت حرمتها بدليل وانما المحرم التعاون على الاثم، كما في قوله تعالى: (ولا تعاونوا على الاثم) (1) كما ثبتت حرمة اعانة الظالم على ظلمه، وأما حرمة اعانة العاصي على عصيانه فلا دليل عليها. كما يمكن أن يكون الوجه فيه أن الايصاء إلى غير الامين تسبيب للحرام لان غير الامين إذا كان مسلطا على المال قد يرتكب محرما ويتصرف فيه على وجه حرام والايصاء إليه تسبيب للحرام وايجاد له بالتسبيب. وقد تقدم أن المحرم لا فرق فيه بين اصداره بالمباشرة وبالتسبيب. ويدفعه: أن الوصي حينئذ يرتكب الحرام بعلمه واختياره لا


(1) المائدة: 5 الآية 2.

[ 23 ]

[ خصوصا إذا كانت راجعة إلى الفقراء (1). ] بتسبيب الوصي ومع ارتكابه عالما ومختارا لا تسبيب في البين. ثم انا لو قلنا بحرمة الوصية من باب حرمة الاعانة على الاثم أو حرمة التسبيب فانما هي فيما إذا علم أن الوصي يتصرف على وجه حرام، واما لو شك في ذلك فلا بأس بحمل فعله على الصحيح والحكم بجواز الايصاء إليه وجواز الاعانة والتسبيب إليه. نعم للحاكم الشرعي إذا رأى أن القيم يتصرف على وجه حرام أن يجعل ناظرا عليه حتى لا يتصرف على الوجه الحرام غير المرضي عند الله. (1) لم يظهر لنا الوجه في هذا التخصيص لعدم الفرق بين الايصاء لصرف الثلث في الفقراء وصرفه في مثل المساجد والمدارس والقنطرات والحسينيات والمشاهد وغيرها.

[ 24 ]

[ (فصل: في آداب المريض) وما يستحب عليه وهي أمور: (الاول): الصبر والشكر لله تعالى. (الثاني): عدم الشكاية من مرضه إلى غير المؤمن. وحد الشكاية أن يقول: ابتليت بما لم يبتل به أحدا، واصابني ما لم يصب أحدا. واما إذا قال: سهرت البارحة أو كلت محموما فلا بأس به. (الثالث): أن يخفي مرضه إلى ثلاثة أيام. (الرابع): أن يجدد التوبة. (الخامس): أن يوصي بالخيرات للفقراء من ارحامه وغيرهم. (السادس): أن يعلم المؤمنين بمرضه بعد ثلاثة أيام. (السابع): الاذن لهم في عيادته. (الثامن): عدم التعجيل في شرب الدواء ومراجعة الطبيب إلا مع اليأس من البرء بدونهما (التاسع): أن يجتنب ما يحتمل الضرر. (العاشر): أن يتصدق هو واقرباؤه بشئ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (داووا مرضاكم بالصدقة). (الحادي عشر): أن يقر - عند حضور المؤمنين - بالتوحيد والنبوة والامامة

[ 25 ]

والمعاد وسائر العقائد الحقة. (الثاني عشر): أن ينصب قيما أمينا على صغاره، ويجعل عليه ناظرا. (الثالث عشر): أن يوصي بثلث ماله ان كان موسرا. (الرابع عشر): أن يهيأ كفنه. ومن اهم الامور: احكام امر وصيته وتوضيحه وإعلام الوصي والناظر بها. (الخامس عشر): حسن الظن بالله عند موته، بل قيل: بوجوبه في جميع الاحوال ويستفاد من بعض الاخبار وجوبه حال النزع (1). (فصل) عيادة المريض من المستحبات المؤكدة وفي بعض الاخبار (2): ان عيادته عيادة الله تعالى فانه حاضر عند المريض المؤمن ولا تتأكد في وجع العين والضرس والدمل وكذا من اشتد مرضه أو طال. ولا فرق بين أن تكون في الليل أو النهار، بل يستحب في الصباح والمساء ولا يشترط فيها الجلوس بل ولا السؤال ]


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 31 من ابواب الاحتضار. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 15 من ابواب الاحتضار. ح 10، 11

[ 26 ]

[ عن حاله. ولها آداب: (أحدها): أن يجلس ولكن لا يطيل الجلوس إلا إذا كان المريض طالبا. (الثاني): أن يضع العائد إحدى يديه على الاخرى أو على جبهته حال الجلوس عند المريض. (الثالث): أن يضع يده على ذراع المريض عند الدعاء له مطلقا. (الرابع): أن يدعو له بالشفاء. والاولى أن يقول: (اللهم أشفه بشفائك وداوه بدوائك وعافه من بلائك). (الخامس): أن يستصحب هدية له من فاكهة أو نحوها مما يفرحه ويريحه. (السادس): أن يقرأ عليه فاتحة الكتاب سبعين أو أربعين مرة أو سبع مرات أو مرة واحدة فعن أبي عبد الله عليه السلام: (لو قرأت الحمد على ميت سبعين مرة ثم ردت فيه الروح ما كان ذلك عجبا) وفي الحديث: (ما قرأت الحمد على وجع سبعين مرة إلا سكن باذن الله وان شئتم فجربوا ولا تشكوا) وقال الصادق عليه السلام: (من نالته علة فليقرأ في جيبه الحمد سبع مرات وينبغي أن ينفض لباسه بعد قراءة الحمد عليه). (السابع): أن لا يأكل عنده ما يضره ويشتهيه. (الثامن): أن لا يفعل ]

[ 27 ]

[ عنده ما يغيظه أو يضيق خلقه. (التاسع): أن يلتمس منه الدعاء فانه ممن يستجاب دعاؤه. فعن الصادق صلوات الله وسلامه عليه. (ثلاثة يستجاب دعاؤهم: الحاج، والغازي، والمريض). ]

[ 28 ]

[ (فصل: فيما يتعلق بالمحتضر) مما هو وظيفة الغير، وهي أمور: (الاول): توجيهه إلى القبلة بوضعه على وجه لو جلس كان وجهه إلى القبلة، ووجوبه لا يخلو عن قوة (1) ] (فصل: فيما يتعلق بالمحتضر) توجيه الميت إلى القبلة: (1) الكلام في هذه المسألة تارة يقع في كيفية توجيه الميت نحو القبلة واخرى في وجوب استقبال القبلة حال الاحتضار. اما كيفية التوجيه نحو القبلة فقد ذهب أصحابنا إلى ان توجيهه نحوها بجعل قدميه إلى القبلة على نحو لو قعد لكان مستقبل القبلة خلافا للعامة حيث ذهبوا إلى أن استقباله كجعله حال الصلاة عليه. والدليل على ذلك ما ورد في جملة من النصوص (1) الدالة على أن الميت حال الاحتضار تجعل قدماه نحو القبلة. واما الكلام في وجوب الاستقبال بالمعنى المذكور وأن الميت يجب


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 35 من ابواب الاحتضار.

[ 29 ]

أن يوجه نحو القبلة أو يوجه هو نفسه إليها لو كان متمكنا منه ولم يكن عنده أحد، أو لا يجب؟ فقد نسب القول بالوجوب إلى المشهور والاشهر واستدل عليه بوجوه: (منها): إن السيرة يدا بيد إلى زمان المعصومين (ع) جرت على توجيه الميت حال الاحتضار نحو القبلة وحيث انها غير مردوعة فيستكشف أن توجيه الميت نحو القبلة أمر واجب حال الاحتضار. ويدفعه: أن السيرة قائمة على الفعل ولعلها من أجل استحبابه فلا يستفاد منها وجوبه. و (منها): موثقة معاوية بن عمار: سألت أبا عبد الله (ع) عن الميت. فقال: استقبل بباطن قدميه القبلة) (1). وذلك لان السؤال فيها عن نفس الميت لا عن كيفية توجيهه فتدل على ان الميت يجب ان يوجه نحو القبلة حال الاحتضار إذ المراد به هو من يقرب من الموت لعدم وجوب التوجيه بعد الموت. ويندفع: بان ظاهر المشتق ارادة المتلبس بالمبدأ منه فعلا لانه وإن صح ان يستعمل فيمن يتلبس به بعد ذلك إلا انه على نحو المجاز وتحتاج ارادته إلى القرينة لا محالة - كما في قوله (من قتل قتيلا) لوضوح أن القتل لا يقع على المقتول بالقتل. وعليه: فالموثقة تدل على أن الميت بعد موته يوجه نحو القبلة وانه أمر راجح. ودعوى: أن الميت بعد موته يستحب أن يعجل دفنه وكفنه فلا يبقى بعده حتى يستحب توجيهه نحو القبلة.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 35 من ابواب الاحتضار ح 4.

[ 30 ]

ساقطة جزما: وذلك لان المشاهد في الاموات أن الميت يقى بعد موته ساعة أو ساعتين ولو مات في اثناء الليل يبقى إلى الصبح حتى يخير الاقرباء والجيران والاصدقاء ولا يؤخذ بدفنه وكفنه من غير فصل فلا مانع من ان يكون توجيهه نحو القبلة مستحبا وعلى الجملة ان الرواية ناظرة إلى ما بعد الموت لا قبله. و (منها): صحيحة سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا مات لاحدكم ميت فسجوه تجاه القبلة وكذا إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة.) الحديث (1). لان المراد بالميت فيها الميت المشرف على الموت إذ الميت لا يموت ومعه تدلنا الرواية على لزوم توجيه المحتضر نحو القبلة. وفيه: ان المراد بالميت فيها هو الذات التي يطرأ عليها الموت بعد ذلك كالقتيل في قوله (من قتل قتيلا) وذلك لانه وان كان خلاف الظاهر من الميت لظهوره في تلبسه بالمبدأ فعلا إلا انه لقيام القرينة عليه لان الميت كما انه لا يموت كذلك لا يشرف على الموت. وعليه فتدل الموثقة على أن الذات التي يطرأ عليها الموت إذا ماتت يوجه نحو القبلة لا قبل موته. والذي يدلنا على ذلك قوله (فسجوه) فان التسجية بمعنى التغطئة ومعنى (فسجوه) أي (فغطوه) ومن الظاهر أن الميت انما يغطى وجهه بعد الموت لا حال الاحتضار. و (منها): وهو العمدة ما رواه الصدوق مرسلا تارة ومسندا أخرى كما في الوسائل عن الصادق (ع) انه سئل عن توجيه الميت


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 35 من أبواب الاحتضار ح 2.

[ 31 ]

فقال: استقبل بباطن قدميه القبلة قال: وقال أمير المؤمنين (ع) دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على رجل من ولد عبد المطلب وهو في السوق وقد وجه إلى غير القبلة فقال صلى الله عليه وآله: وجهوه إلى القبلة فانكم إذا فعلتم ذلك اقبلت عليه الملائكة وأقبل الله عزوجل عليه بوجهه فلم يزل كذلك حتى يقبض) (1). وفيه: ان ما رواه عن الصادق (ع) ناظر إلى كيفية التوجيه والاستقبال حيث سئل فيه عن التوجيه لا عن حكمه من الوجوب أو الاستحباب فلا تعرض لها لشئ من ذلك، وانما تدل على ان التوجيه لابد أن يكون باستقبال باطن القدمين نحو القبلة على خلاف ما إلتزم به العامة وهذا من مختصات مذهبنا. وأما ما رواه عن علي (ع) ففيه ان التعليل الوارد فيها يدلنا على عدم وجوب التوجيه نحو القبلة وذلك لدلالة التعليل على أن توجيه الميت نحو القبلة حال الاحتضار إحسان إليه حتى تقبل الله وملائكته عليه في آخر حياته. ومن الظاهر أن الاحسان إلى الاخ المؤمن أو المسلم غير واجب وانما هو راجح، هذا على ان المرسلة لا يمكن الاعتماد عليها لارسالها والمسندة ضعيفة (2). اذن ينحصر المدرك في الحكم بالوجوب بالشهرة الفتوائية وهي غير صالحة للاعتماد عليها كما ذكرنا في محله.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 35 من ابواب الاحتضار ح 5 - 6. (2) هكذا افاده (دام ظله) في البحث غير انه عدل عن ذلك في رجاله وبني على وثاقة منبه كما في المعجم ج 18 ص 373.

[ 32 ]

[ بل يبعد وجوبه على المحتضر نفسه أيضا (1). ] هل يجب التوجيه على المحتضر نفسه؟ (1) ثم انه بناءا على القول بالوجوب فهل يختص هذا بالغير أو أن المحتضر نفسه يجب عليه ان يوجه باطن قدميه نحو القبلة إذا لم يوجهه غيره بحيث لو تركه متمكنا منه عوقب عليه. والصحيح - على القول بالوجوب - عدم شموله الميت نفسه لان المدرك في ذلك إن كان هو الشهرة فهي مختصة بالغير ولا شهرة على وجوبه على الميت نفسه لعدم تعرضهم إليه في كلماتهم. وان كان المدرك موثقة معاوية بن عمار أو صحيحة سليمان بن خالد فهما مختصان بالغير أيضا. نعم لو كان المدرك هو مرسلة الصدوق أو مسنده لامكن القول بالتعميم ووجوب التوجيه على نفس المحتضر وذلك لدلالتها على ان الغرض من الامر بالتوجه توجه الله سبحانه وملائكته إلى الميت والمحتضر وحيث أن تحصيل هذه الغاية واجبة فلو لم يكن هناك من يوجه المحتضر إلى القبلة لتحصيل ذلك الغرض فلابد من ان يحصله المحتضر نفسه لو تمكن منه.

[ 33 ]

[ وان لم يمكن بالكيفية المذكورة فبالممكن منها (1) وإلا فبتوجيهه جالسا أو مضطجعا على الايمن أو على الايسر مع تعذر الجلوس. ] هل يجب التوجيه بالمقدار الممكن؟ (1) ثم انه إذا لم يمكن توجيه الميت بباطن القدمين إلى القبلة فهل يجب توجيهه نحوها بالمقدار الممكن كتوجيهه إليه جالسا أو مضطجعا على الايمن أو على الايسر أو ان الوجوب يسقط بالتعذر؟. والصحيح أن الوجوب يسقط عند تعذر التوجيه بباطن القدمين. لعدم دلالة الدليل على الوجوب بالمقدار الممكن عند تعذر التمام. اما الشهرة فلاختصاصها بالتوجيه بباطن القدمين وكذلك الحال في الاخبار حتى رواية الصدوق لان التوجيه إلى القبلة كما في بقية الاخبار هو جعل باطن القدمين إليها ومع التعذر لا دليل على وجوب التوجيه إلى القبلة بالمقدار الميسور منه. ودعوى: ان ذلك مقتضى قاعدة الميسور. مندفعة: بان كبرى القاعدة غير مسلمة - كما ذكرناه في محلها - مضافا إلى عدم تحقق الصغرى لها في المقام لان التوجيه إلى القبلة جالسا أو مضطجعا على الايمن أو الايسر مغاير للتوجيه بباطن القدمين لا أنه ميسوره لدى العرف. نعم لو تعذر توجيه باطن كلتا القدمين إليها وأمكن

[ 34 ]

[ ولا فرق بين الرجل والامرأة (1) والصغير والكبير (2) بشرط أن يكون مسلما (3) ويجب أن يكون ذلك باذن ] توجيه أحدهما لامكن أن يقال: انه ميسور المأمور به المعتذر لا فيما إذا تعذر توجيه باطنهما معا. التسوية بين الرجل والمرأة: (1) لاطلاق موثقة معاوية بن عمار وصحيحة سليمان بن خالد وكذلك رواية الصدوق (1) لانها وان اشتملت على الرجل إلا ان مقتضى تعليلها - وهو كون الميت حال الاحتضار على نحو يقبل الله والملائكة إليه - يعم المرأة والرجل. وكذا الشهرة لانها أيضا غير مختصة بالرجل. (2) لاطلاق الاخبار. اختصاص الوجوب بالمؤمن: (3) هل الوجوب بناءا على القول به يعم المؤمن والمسلم والكافر أو يختص بالمؤمن؟ الصحيح هو الاختصاص لان موثقة معاوية ورواية الصدوق وان كانتا مطلقتين إلا ان دلالتها كصحيحة سليمان بن خالد


(1) تقدم ذكر جميعها في صدر المسألة.

[ 35 ]

[ وليه مع الامكان (1) ] غير تامة - كما مر -. والعمدة هو مرسلة الصدوق أو مسنده، والتعليل الوارد في رواية الصدوق ظاهر في أن الغرض من التوجيه تجليل الميت وتعظيمه بحيث يقبل الله وملائكته إليه في آخر حياته وهذا مختص بالمؤمن فالتعدي عنه إلى المسلم فضلا عن الكافر وغيره مما لا وجه له. وأيضا المذكور فيها هو الرجل فلو تعدينا فنتعدى عنه إلى المرأة وأما إلى غير المسلم فلا. واما صحيحة سليمان بن خالد فهي بقرينة قوله (لاحدكم) ظاهرة في ارادة الميت من المؤمنين حيث اضافة إليهم وكذلك الشهرة مختصة بالمؤمن فليلاحظ. عدم اعتبار اذن الولي: (1) الصحيح عدم اعتبار اذن الولي وغيره في توجيه الميت نحو القبلة حال الاحتضار وذلك للاطلاقات الظاهرة في انه - على القول بوجوبه - تكليف عام يشترك فيه الجميع من دون خصوصية لبعض دون بعض. ومن المحتمل ان يكون جعل هذا الحكم من اجل مراعاة حال الميت وتغسيله والصلاة عليه وهذا أمر يشترك فيه الجميع، كما في قوله (ع) (إذا مات لاحدكم ميت فسجوه تجاه القبلة) لعدم

[ 36 ]

[ وإلا فالاحوط الاستئذان من الحاكم الشرعي، والاحوط مراعاة الاستقبال بالكيفية المذكورة في جميع الحالات إلى ] تقييدها ذلك بالاستئذان من الولي. وأما قوله (ع) (اولى الناس بالميت اولاهم بارثه) فالموضوع فيه هو الميت وهو مختص بالاحكام التي تراعى بعد الموت فلا تشمل حال الاحتضار إذ لا يصدق عليه الميت حينئذ. فلا يعتبر في التوجيه قبل الموت إذن الولي إلا أن يكون التوجيه مستلزما للتصرف في مال الغير كداره ونحوها وهو أمر آخر فلنفرض الكلام فيما لم يكن التوجيه مستلزما للتصرف في مال الغير كما إذا كان الميت في بر أو نحوه مما لا يكون المكان ملكا للغير. وأما قوله تعالى (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) فهي - على تقدير دلالتها - انما تدل على اولوية الولي بعد الموت ولا نظر لها إلى ما قبله. على أن سياقها بملاحظة سابقها ولاحقها هو ارادة خصوص الارث وان الرحم اولى بالرحم من غيره، ولا يرث الغير والرحم موجود. واما توجيهه بعد الموت فالظاهر اعتبار اذن الولي فيه وذلك لما تقدم من قوله (ع) (أولى الناس بالميت اولاهم بميراثه) فيكون التوجيه ونحوه بعد الموت مشروطا باذن الولي لانه أولى بها.

[ 37 ]

[ ما بعد الفراغ من الغسل (1). وبعده فالاولى وصعه بنحو ما يوضع حين الصلاة عليه إلى حال الدفن بجعل رأسه إلى المغرب ورجله إلى المشرق. ] الخلاف في نهاية وجوب التوجيه: (1) وجوب توجيه الميت نحو القبلة بعد الموت إلى أن يرفع للتغسيل وبعده إلى ان يدفن مورد الخلاف فذهب بعضهم إلى أن وجوب التوجيه نحو القبلة انما هو إلى زمان الموت فإذا مات ارتفع وسقط. وعن آخر: وجوبه بعد الموت في الجملة. وعن الثالث: وجوبه إلى أن يرفع الميت من مكانه للتغسيل. وهذا الاخير لو لم يكن اقوى فلا اقل من انه احوط، وذلك لان الاخبار المتقدمة المستدل بها على وجوب التوجيه حال الاحتضار ذكرنا انها لا تدل على ذلك وانما تدل على وجوبه بعد الموت كما في موثقة معاوية بن عمار حيث دلت على أن الميت يوجه نحو القبلة على الترتيب الوارد فيها لان السؤال فيها عن الميت، لا عن كيفية التوجيه فتدل على وجوب التوجيه بعد الموت إلا انها لا دلالة لها - باطلاقها - إلا على الوجوب في الجملة لا الوجوب إلى زمان رفعه للتغسيل. وأما صحيحة سليمان بن خالد فقد دلت على أن من يطرؤ عليه الموت لو مات وجب توجيهه نحو القبلة وحيث انها في مقام البيان

[ 38 ]

وساكتة عن مقدار وجوب التوجيه وانها مشتملة على وجوب تغسيله تجاه القبلة فيستفاد منها ان وجوب التوجيه مستمر إلى أن يرفع الميت للاغتسال لعدم معهودية تغسيل الميت في المكان الذي مات فيه وانما يرفع ويغسل في مكان آخر. اذن يستفاد منها أمران: (أحدهما): وجوب توجيه الميت بعد الموت إلى أن يرفع للتغسيل. و (ثانيهما): وجوب توجيهه نحوها حال الاغتسال أيضا لقوله في ذيلها (إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة.) فوجوب التوجيه نحو القبلة بعد الموت لو لم يكن اقوى فلا اقل من أنه احوط.

[ 39 ]

[ (الثاني): يستحب تلقينه الشهادتين والاقرار بالائمة الاثنى عشر (ع) وسائر الاعتقادات الحقة على وجه يفهم بل يستحب تكرارها إلى ان يموت ويناسب قراءة العديلة. (الثالث): تلقينه كلمات الفرج وأيضا هذا الدعاء (اللهم اغفر لي الكثير من معاصيك واقبل مني اليسير من طاعتك) وايضا (يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير اقبل مني اليسير واعف عني الكثير انك أنت العفو الغفور) وأيضا: (اللهم ارحمني فانك رحيم). (الرابع): نقله إلى مصلاه إذا عسر عليه النزع بشرط أن لا يوجب اذاه. (الخامس): قراءة سورة (ياسين) و (الصافات) لتعجيل راحته وكذا آية الكرسي إلى (هم فيها خالدون) وآية السخرة: وهي (إن ربكم الله الذى خلق السموات والارض.) إلى آخر الآية وثلاث آيات من آخر سورة البقرة: (لله ما في السموات والارض.) إلى آخر السورة ويقرأ سورة الاحزاب بل مطلق قراءة القرآن. ]

[ 40 ]

[ (فصل: في المستحبات بعد الموت) وهي أمور: - (الاول): - تغميض عينه وتطبيق فمه. (الثاني): - شد فكيه. (الثالث): - مد يديه إلى جنبيه. (الرابع): - مد رجليه. (الخامس): - تغطيته بثوب. (السادس): - الاسراج في المكان الذي مات فيه إن مات في الليل. (السابع): - اعلام المؤمنين ليحضروا جنازته. (الثامن): - التعجيل في دفنه فلا ينتظرون الليل إن مات في النهار ولا النهار إن مات في الليل إلا إذا شك في موته فينتظر حتى اليقين وان كانت حاملا مع حياة ولدها فالى أن يشق جنبها الايسر لاخراجه ثم خياطته. (فصل: في المكروهات) وهي أمور: - (الاول): أن يمس في حال النزع فانه يوجب اذاه. (الثاني): تثقيل بطنه بحديد أو غيره. ]

[ 41 ]

[ (الثالث): إبقاؤه وحده فان الشيطان يعبث في جوفه. (الرابع): حضوره الجنب والحائض عند حالة الاحتضار. (الخامس): التكلم زائدا عنده. (السادس): البكاء عنده. (السابع): أن يحضره عملة الموتى. (الثامن): أن يخلى عنده النساء وحدهن خوفا من صراخهن عنده. (الفصل) لا تحرم كراهه الموت نعم يستحب عند ظهور إماراته أن يحب لقاء الله تعالى، ويكره تمني الموت ولو كان في شدة وبلية بل ينبغي أن يقول: (اللهم احيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي) ويكره طول الامل وأن يحسب الموت بعيدا عنه، ويستحب ذكر الموت كثيرا، ويجوز الفرار من الوباء والطاعون وما في بعض الاخبار من: ان الفرار من الطاعون كالفرار من الجهاد مختص بمن كان في ثغر من الثغور لحفظه، نعم لو كان في المسجد ووقع الطاعون في اهله يكره الفرار منه ]

[ 42 ]

[ (فصل) الاعمال الواجبة المتعلقة بتجهيز الميت - من التغسيل والتكفين والصلاة والدفن - من الواجبات الكفائية فهي واجبة على جميع المكلفين وتسقط يفعل البعض فلو تركوا اجمع اثموا اجمع (1) ولو كان مما يقبل صدوره عن جماعة كالصلاة إذا قام به جماعة في زمان واحد اتصف فعل كل منهم بالوجوب. ] (فصل) وجوب تجهيز الميت كفائي: (1) وقع الكلام في أن الصلاة والغسل والكفن والدفن وغيرها من الامور الواجبة بعد الموت التي منها توجيه الميت نحو القبلة، واجبة كفاية والتكليف مشترك بين الجميع في عرض واحد. أو أن التكليف بها متوجه إلى الولي وهو المكلف بها وعلى تقدير امتناعه عنها أو إذنه للغير تجب على غيره فالتكليف بها للغير طولي؟

[ 43 ]

المعروف هو الاول، وذهب صاحب الحدائق (قده) إلى الثاني حيث ذهب إلى انكار الوجوب الكفائي في تلك الامور وادعى أن التكليف متوجه إلى الولي وإذا امتنع جاز لغيره. والصحيح أن الوجوب الكفائي غير قابل للانكار. وذلك لاطلاقات الاخبار وللقطع الخارجي بأن تلك التكاليف إذا أتى بها أحد في الخارج سقطت وارتفعت عن الجميع ومن هذا يستكشف أن التكليف كان مشتركا بين الجميع على نحو الكفاية ولذا سقطت بامتثال احد وقيامه بها. وأما ما عن شيخنا الانصاري (قده) من أن سقوط التكليف بفعل احدهم لا يدل على كونه مكلفا به كفائيا لوضوح اشتراك التكليف بين الجميع وانه يسقط بدفن المجنون أو الصغير وتوجيهه الميت نحو القبلة أو بالزلزال أو بغيرهما من الامور التي لا فاعل اختياري فيها مع أن المجنون ونحوه غير مكلفين، والمجنون والصغير لا معنى لاشتراكهما في التكليف فسقوط التكاليف المذكورة بفعل احدهم اعم من كون التكليف كفائيا وانما هو لانتفاء موضوعها. مندفع: بان سقوط التكليف بفعل واحد إما أن يكون مع سقوط الغرض الداعي إلى الامر والتكليف، واما ان يكون مع بقاء الغرض. فان كان الغرض باقيا استحال سقوط التكليف بفعل احد لان ما اوجد التكليف واحدثه - وهو الغرض - موجود بعينه وهو يقتضي بقاءه وعدم ارتفاعه ما لم يحصل. وإذا كان الغرض ساقطا بفعل واحد منهم فيستكشف بذلك أن

[ 44 ]

العلة الباعثة على التكليف - اعني الغرض - قائم بفعل واحد فكيف يكون الوجوب حينئذ مختصا ببعضهم دون بعض. واما عدم كون المجنون أو الزلزال مكلفا فهو مستند إلى وجود المانع إلا ان فعله موجب لانعدام الموضوع وارتفاعه وسقوط الغرض على الفرض فلا اشكال في الوجوب الكفائي. هل ينافي الكفائية شرطية اذن الولي: وانما الكلام في أن الوجوب الكفائي هل ينافيه كون تلك الامور مشروطة باذن الولي نظرا إلى أن واحدا إذا أتى بها من غير استئذان من الولي ولم يكن ذلك موجبا لارتفاع التكليف لم يمكن أن يكون التكليف كفائيا وإلا لزم سقوطها بفعل غير الولي وان كان من غير اذنه فكونها كفائية ومشروطة باذن الولي امران لا يجتمعان. وقد يجاب عن ذلك: بان التكليف بها انما هو على نحو الكفائي والاشتراط بالاذن شرط لصحة العمل والمأمور به وغير راجع إلى التكليف والوجوب فلا مانع من أن يكون التكليف كفائيا ويكون مشروطا بشئ بالاضافة إلى بعضهم كغير الولي وغير مشروط به بالاضافة إلى الولي. وفيه: أنه لا معنى لكون العمل مشروطا بشرط غير اختياري كاذن الولي في المقام، إلا أن يكون راجعا إلى التكليف على نحو مفروض الوجود ومعه يكون التكليف مشروطا في حق غير الولي وغير مشروط بشئ في حق الولي.

[ 45 ]

بمعنى أن اصل التكليف والوجوب يكون مشروطا بالاذن فلا تكليف قبله لا أن المشروط هو الفعل، وأما الولي فبما ان التكليف في حقه غير مشروط بشئ فيكون هو المكلف بتلك الامور اولا ثم على تقدير امتناعه ينتقل إلى غيره من المكلفين. وهذا يستلزم ان يكون التكليف متوجها ابتداءا إلى الولي، وبعد اذنه أو امتناعه يتحقق في حق غير الولي ولا يكون التكليف مشتركا فيه بين الجميع وفي عرض واحد، كما ذكره صاحب الحدائق (قده). تحقيق المقام: والذي ينبغي ان يقال في المقام ان الوجوب الكفائي لايراد منه سوي كونه على نحو يشترك بين الجميع ويسقط باتيان واحد من المكلفين وقيامه به، إلا أن ذلك لا ينافي كونه مشروطا بالشرائط العامة التي منها القدرة، فان الوجوب العيني والكفائي كلاهما مشروطان بالقدرة لا محالة، وحصول هذا الشرط في بعضهم دون بعض لا يوجب خروج التكليف عن كونه كفائيا. فترى ان انقاذ الغريق في الحوض الواقع في دار شخص من اهم الواجبات الالهية وهو مشروط بالقدرة عليه وهي متحققة في مالك الدار دون غيره لتوقفه على اذن منه في التصرف في داره. وليس لغيره الدخول فيها للانقاذ إلا بعد إذن المالك أو امتناعه منه ومن الانقاذ فانه يجوز له الدخول فيها حينئذ لاهمية وجوب حفظ النفس المحترمة عن حرمة التصرف في مال الغير من غير رضاه ومع

[ 46 ]

ذلك لا يسقط التكليف عن كونه كفائيا بذلك وكذلك الحال في غيره من الواجبات العينية والكفائية وفي غير الولي لوضوح اننا لا نتمكن من الصلاة على من مات في مكان بعيد عنا ولا نتمكن من دفنه وكفنه ويتمكن منها من هو عند الميت من المكلفين. والامر في المقام أيضا كذلك بمعنى أن القدرة حاصلة في الولي وغير حاصلة في غيره إلا باذنه أو امتناعه فلا يكون الحكم الكفائي فعليا في حق غير الولي لعدم قدرته عليه إلا باذنه وليس له أن يقدم على تلك الامور من غير اذنه لانه مزاحمة للولي ومزاحمة الولي غير جائزة إلا أن الولي قادر عليها فيكون الوجوب الكفائي المشترك بين الجميع فعليا في حقه دون غيره إلا ان ذلك لا يخرج التكاليف المذكورة عن كونها كفائية لسقوطها بفعل واحد منهم كما عرفت. ايضاح لما تقدم: لا اشكال ولا خلاف في وجوب الصلاة على الميت وتكفينه ودفنه ولا ينبغي الشبهة أيضا في انها ثابتة لمراعاة حال الميت وانها كفائية - كما قدمناه - فلا وجه لما ذهب إليه صاحب الحدائق من انها متوجهة إلى الولي وهي عينية في حقه وعلى تقدير امتناعه أو اذنه تجب على بقية المكلفين وانه حكم طولي فلا نعيد وجهه. وانما الكلام في أن هذا الوجوب الكفائي المشترك بين الجميع هل ينافيه كونه مشروطا باذن الولي لانه لو أتى به غير الولي من غير اذنه لا يكون مصداقا للواجب بل هو امر منهي عنه والمحرم كيف

[ 47 ]

يقع مصداقا للواجب، أو ان الوجوب الكفائي لا ينافي كونه مشروطا باذن الولي. فقد يجاب عن ذلك: بان الوجوب الكفائي مشترك بين الجميع ولا فرق فيه بين الولي وغيره وانما الواجب مشروط باذن الولي ولا مانع من ان يكون الوجوب مطلقا كفائيا ويكون الواجب مشروطا في حق بعض المكلفين دون بعض لعدم كونه مشروطا بالاضافة إلى الولي وانما هو مشروط باذن الولي في غيره. وقد اجبنا عنه بان الواجب لا يمكن أن يكون مشروطا بأمر غير اختياري ومن الواضح أن اذن الولي غير مقدور للمصلي والمكفن وغيرهما فلا مناص من ان يكون شرطا وقيدا للوجوب ويكون مأخوذا مفروض الوجود ومعه يكون التكليف بتلك الافعال تكليفا مطلقا فعليا في حق الولي ولا يكون كذلك في حق غيره وانما يكون اصل الوجوب مشروطا باذن الولي بالاضافة إلى غيره، وهو ما افاده صاحب الحدائق من كون التكليف طوليا ومتوجها إلى الولي أولا وعلى تقدير اذنه أو إمتناعه يتوضه إلى غيره فالمحذور باق بحاله. والذي ينبغي أن يقال - وهو الصحيح - ان التكليف بتلك الافعال واجب كفائي يشترك فيه الجميع، غاية الامر انه كما روعي فيها الميت من حيث الصلاة عليه وكفنه ودفنه كذلك روعي حال الولي والوارث حتى لا يزاحمه غيره لانه لا يناسب الوارث. فجعل الحق له في المباشرة لتلك الامور أو الاستئذان منه لانه كالتسلية والتعزية له إذ لا يناسبه مزاحمة الغير اياه في الصلاة على والده - مثلا - أو تغسيله أو نحوه

[ 48 ]

وهذا لا ينافي كون الوجوب كفائيا، وذلك لا لان الواجب مشروط بالاذن كما تقدم بل لان الواجب الكفائي كالواجب العيني مشروط بالشرائط العامة - التي منها القدرة - فالوجوب الكفائي ثابت مجعول على الجميع إلا انه يتصف بالفعلية بالاضافة إلى من له القدرة عليه ولا يكون فعليا بالاضافة إلى من لا يقدر عليه. وهذا لا يخرج الوجوب عن كونه كفائيا - كما هو ظاهر - لوضوح أنا لا نتمكن من الصلاة على الميت النائي عن بلدنا ولا نقدر على دفنه وكفنه ويتمكن منها من هو عند الميت من المكلفين فيكون الوجوب فعليا في حقهم وغير فعلي بالاضافة الينا ولا يخرج عن كونه كفائيا بذلك بوجه. واظهر من ذلك ما إذا وقع انسان محترم في الحوض الواقع في دار احد واشرف على الغرق فان انقاذه واجب على الجميع بل من اهم الواجبات الالهية مع أن غير المالك لا يقدر على انقاذه لعدم جواز التصرف في مال الغير من دون اذنه فلا يتمكن من دخول الدار وهذا بخلاف المالك فهو لقدرته عليه فعلي في حقه وليس فعليا في حق غيره. إلا أن يمتنع عن المباشرة والاذن في الدخول للانقاذ فحينئذ يجوز الدخول في داره بل يجب ولو من دون اذنه لاهمية وجوب انقاذ النفس المحترمة وهذا ظاهر. وبما أن الولي في المقام قادر على تلك الافعال وغيره لا يقدر عليها لتوقفه على اذن الولي أو امتناعه عن المباشرة فيكون الوجوب الكفائي فعليا في حقه وغير فعلي بالاضافة إلى الغير مع بقائه على

[ 49 ]

الكفائية كما عرفت فالاشتراط بالاذن غير مناف للوجوب الكفائي بوجه ثمرة النزاع: وتظهر ثمرة النزاع فيما إذا امتنع الولي عن المباشرة وعن الاذن فيها للغير مع علمه بقيام غيره بها، فانه - بناءا على ان التكليف متوجه إليه وعيني في حقه - يكون عاصيا لمخالفته التكليف المتوجه إليه، واما بناءا على ما ذكرناه من انه حكم كفائي يشترك فيه الجميع ولا فرق فيه بين الولي وغيره - فلا عصيان للولي. اما من جهة تركه المباشرة فلجواز ترك الواجب الكفائي عند العلم بقيام الغير به، واما من جهة تركه الاذن للغير فلان الاذن غير واجب عليه وانما هو ثابت له وجعل مراعاة لشأنه لانه كالتسلية والتعزية في حقه فله أن يأذن وأن لا يأذن. نعم الاذن يوجب حصول القدرة للغير إلا ان الامتناع عنه أيضا يوجب القدرة لغيره فلا اثر لاذنه وتركه لتمكن الغير من القيام به على كلا التقديرين فلا معصية في البين. هل للحاكم الشرعي اجبار الولي؟ ومن ذلك يظهر ان الولي لو امتنع عن المباشرة والاذن ليس للحاكم الشرعي اجباره على احدهما وذلك لان الحاكم الشرعي انما

[ 50 ]

يجبر من عليه الحق لا من له الحق، مثلا يجبر الزوج على الانفاق على زوجته أو المديون على اداء ديونه وهكذا. وأما من له الحق فلا مقتضي لاجباره إذ له أن يأخذ به وله أن يتركه، واما المباشرة فلانه واجب كفائي وله تركه عند العلم بقيام الغير به، واما تركه الاذن فلانه له لا عليه ولا فائدة في الاجبار عليه لان القدرة للغير تحصل باذنه وبامتناعه عن الاذن فما الفائدة في الاجبار عليه؟ كما ظهر أن الحاكم أو عدول المؤمنين أو فساقهم - على تقدير عدم العدول - ليس لهم الولاية في الاذن عند امتناع الولي عنه لان الولاية انما ثبتت للحاكم ومن بعده إذا كان عليه الحق وامتنع عن ادائه لا من له الحق لانه له أن يستوفيه وله أن يتركه وعلى كلا التقديرين تحصل القدرة للغير ولا دليل على ثبوت الولاية في الاذن للحاكم. بل الحاكم وغيره سيان في حصول القدرة لغير الولي بامتناعه عن المباشرة والاذن اذن لم تثبت ولاية للحاكم فلا تثبت لغيره بطريق أولى. كما ظهر أن الولي إذا لم يمكن اخباره بموت المولى عليه لعدم القدرة منه عقلا - كما إذا كان نائيا - أو شرعا - كما إذا كان مريضا بحيث لو اخبرناه بموت ولده أو والده لمات - جاز لغير الولي التصدي لتلك الافعال من غير حاجة إلى الاستئذان لتمكنهم من ذلك حينئذ لعدم كونه مزاحمة للولي وعدم امكان اعلامه بالحال.

[ 51 ]

[ نعم يجب على غير الولي الاستئذان منه (1) ولا ينافي وجوبه وجوبها على الكل لان الاستئذان منه شرط صحة الفعل لاشرط وجوبه، وإذا امتنع الولي من المباشرة والاذن يسقط اعتبار اذنه. ] هل يجب على غير الولي الاستئذان منه؟ (1) إذا بنينا على ثبوت الولاية للولي فهل الولاية ثابتة للولي وعلى نحو يجب على غيره الاستئذان منه أو لا يجب؟ فيه كلام. والصحيح ان القدر المتيقن الثابت بالسيرة العملية الخارجية: عدم جواز مزاحمة الولي ومعارضته بحيث لو اراد المباشرة للصلاة على الميت أو تغسيله أو نحو ذلك أو أمر بها شخصا لا يجوز معارضته في ذلك والاقدام بها. واما ان الاستئذان منه واجب على غير الولي بحيث لا يصح منه العمل من غير استئذان فهو مما لا يمكن الالتزام به وذلك لان ما استدل به على وجوب ذلك عدة من الاخبار كلها ضعيفة وغير قابلة للاعتماد عليها. منها: مرسلة الصدوق قال: قال أمير المؤمنين (ع) (يغسل الميت

[ 52 ]

أولى الناس به أو من يأمره الولي بذلك) (1). ومنها: مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال (يصلي على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب) (2) ومنها: مرسلة البزنطي عن بعض اصحابه عن أبي عبد الله (ع) قال: (يصلي على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب) (3). ومنها: رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين (ع) (إذا حضر سلطان من سلطان الله جنازة فهو احق بالصلاة عليها إن قدمه ولي الميت وإلا فهو غاصب) (4). وهذه الروايات واضحة الدلالة على المدعى ومقتضاها ان الاقدام على تلك الاعمال من غير استئذان الولي غير جائز وقد خرجنا عنه فيما إذا امتنع الولي عن المباشرة والاذن وفي غير تلك الصورة لابد من الاستذان. إلا انها ضعيفة سندا بالارسال في الثلاثة الاولى لما مر غير مرة من أن المراسيل ليست بحجة مطلقا سواء أكان مرسلها ابن أبي عمير ام غيره وبالنوفلي (5) في الاخيرة وان كان السكوني لا بأس برواياته. فالاستئذان غير واجب من الولي نعم لا تجوز معارضته للسيرة


(1) الوسائل: ج 2 باب 26 من أبواب غسل الميت ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 23 من أبواب صلاة الجنازة ح 1. (3) الوسائل: ج 2 باب 23 من أبواب صلاة الجنازة ح 2. (4) الوسائل: ج 2 باب 23 من أبواب صلاة الجنازة ح 4. (5) وقد عدل - دام ظله - عن ذلك واستظهر وثاقته فليراجع المعجم

[ 53 ]

[ نعم لو امكن للحاكم الشرعي اجباره له أن يجبره على أحد الامرين، وان لم يمكن يستأذن من الحاكم. والاحوط الاستئذان من المرتبة المتأخرة أيضا. (مسألة 1): الاذن اعم من الصريح والفحوى (1) وشاهد الحال القطعي (2) ] الجارية عليه. وتظهر الثمرة في جملة من الموارد. منها ما قدمناه من ان الولي إذا لم يعلم بموت الميت جازت الصلاة عليه وتغسيله وتكفينه من غير حاجة إلى الاستئذان منه إذ لا مزاحمة مع جهل الولي بالحال. الاذن اعم من التصريح: (1) لحجية الظواهر في الالفاظ بلا فرق في ذلك بين أن يكون الظهور على نحو الدلالة المطابقية أو التضمنية أو الالتزامية وهي المعبر عنها بالفحوى. (2) قيده بالقطعي لان الشاهد الذي يفيد الظن وهو المعبر عنه بظهور الحال لا اعتبار به - كما إذا عظم الولي واحدا من المشيعين واكرمه فانه بمثله لا يجوز الاقدام على الصلاة ونحوها - لان الظهور انما يكون حجة في باب الالفاظ دون غيره فما دام الشاهد لم يوجب القطع أو الاطمئنان لم يمكن الاعتماد عليه.

[ 54 ]

[ (مسألة 2): إذا علم بمباشرة بعض المكلفين يسقط وجوب المبادرة (1) ولا يسقط اصل الوجوب (2) إلا بعد اتيان الفعل منه أو من غيره فمع الشروع في الفعل أيضا ] لو علم بمباشرة احد المكلفين: (1) لان الحكم كفائي ومع مبادرة احد إليه تسقط المبادرة عن غيره. (2) لان الامتثال وسقوط الامر في الواجبات الارتباطية انما يتحقق بالاتيان بآخر جزء منها فالاتيان ببعض اجزائها لا يوجب سقوط الامر حتى بالاضافة إلى ما أتى به من الاجزاء. وذلك لان ما انبسط عليه الوجوب ليس هو مجرد التكبيرة أو القراءة في مثل الصلاة بل التكبيرة المتعقبة ببقية الاجزاء إلى آخرها وهكذا القراءة المتعقبة ببقية الاجزاء إلى آخرها فإذا لم يتعقب الجزء المأتي به ببقية الاجزاء لم يكن مورد للامر بوجه والامر بالمركب غير ساقط. نعم لا يجب الاتيان ثانيا بالاجزاء التي أتى بها بل المكلف مخير بين ان يأتي ببقية الاجزاء حينئذ وبين أن يرفع اليد عنها ويستأذن العمل. فتحصل انه بمجرد شروع أحد بالصلاة على الميت أو التغسيل أو نحوهما لا يسقط الوجوب الكفائي بوجه.

[ 55 ]

[ لا يسقط الوجوب فلو شرع بعض المكلفين بالصلاة يجوز لغيره الشروع فيها بنية الوجوب (1) نعم إذا اتم الاول يسقط الوجوب عن الثاني فيتمها بنية الاستحباب. (مسألة 3): الظن بمباشرة الغير لا يسقط وجوب المبادرة (2) فضلا عن الشك. ] (1) لفرض عدم سقوط الوجوب بمجرد شروع بعض المكلفين بالصلاة، إلا أن الاول إذا اتمها قبله سقط الوجوب عن الثاني فيأتي بالاجزاء الباقية استحبابا هذا. ولا يخفى ان ما افاده انما يتم فيما إذا علم الثاني أو اطمأن بان الاول لا يتم الصلاة لموت ونحوه، اما إذا علم بانه يتمها أو اطمأن به لا يتمشى منه قصد الوجوب لعلمه بان ما يأتي به ليس بمصداق للواجب، إذ مع اتمام الاول يسقط الوجوب فما معنى قصده الوجوب. وكذلك الحال في المصلي الاول فانه إذا علم أو اطمأن بان الصلاة لا تتم لان الميت يرفع في اثنائها أو انه يموت لا يمكنه الشروع فيها بنية الوجوب. الظن بمباشرة الغير: (2) لعدم حجيته وحيث ان العلم بالاشتغال يستتبع احراز الامتثال

[ 56 ]

[ (مسألة 4): إذا علم صدور الفعل عن غيره سقط عنه التكليف ما لم يعلم بطلانه وان شك في الصحة (1) بل ان ظن البطلان، سواء كان ذلك الغير عادلا أو فاسقا (2). (مسألة 5): كل ما لم يكن من تجهيز الميت مشروطا بقصد القربة كالتوجيه إلى القبلة والتكفين والدفن - يكفي صدوره من كل من كان: من البالغ العاقل أو الصبي أو المجنون (3) ] وفراغ الذمة فلا يمكن الاكتفاء في الفراغ بظن مباشرة الغير فيجب الفحص عن ان الميت هل صلي عليه أو يصلي عليه أو انه غسل أم لا؟ حتى يحصل القطع بفراغ الذمة عن التكليف المنجز في حقه هذا فيما إذا وجد الميت والجنازة منفردة كما في البر. واما إذا رآها بايدي جماعة من اصدقاء الميت واقربائه - مثلا - لم يجب الفحص عن الصلاة عليه والغسل بوجه وذلك للسيرة العملية الجارية على ذلك ولو ظن عدم اقامة الصلاة عليه - مثلا -. (1) ولا يجب الفحص عن صحته وبطلانه لاصالة الصحة وحمل فعل المسلم عليه. (2) لعدم اختصاص اصالة الصحة بالعدول بل لابد من حمل فعل كل مسلم على الصحيح عادلا كان أو غيره كان هو الولي أو غيره. (3) لتحقق الموضوع وهو موجب لسقوط التكليف لا محالة.

[ 57 ]

[ وكل يشترط فيه قصد القربة كالتغسيل والصلاة يجب صدوره من البالغ العاقل فلا يكفي صلاة الصبي عليه (1) إن قلنا بعدم صحة صلاته بل وان قلنا بصحتها - كما هو الاقوى - على الاحوط، نعم إذا علمنا بوقوعها منه صحيحة جامعة لجميع الشرائط لا يبعد كفايتها لكن مع ذلك لا يترك الاحتياط. ] اشتراط البلوغ والعقل في العبادات: (1) الكلام في ذلك في مقامين: (أحدهما): ما إذا شككنا في صحة صلاة الصبي على الميت وانه صلى صحيحا أو باطلا، أو في تغسيله بناءا على أن عمله على تقدير صحته مجز عن البالغين فهل يمكن الحكم بصحتها حملا لفعله على الصحيح؟ و (وثانيهما): ما إذا علمنا بان الصبي قد صلى صحيحا أو غسل الميت صحيحا فهل يحتزي بعلمه وبه يسقط عن ذمة المكلفين أو لا يسقط؟ أما المقام الاول: فالظاهر عدم جريان اصالة الصحة في حق الصبي لانها لم تثبت بدليل لفظي يمكن التمسك باطلاقه في الصبي وانما ثبتت بالسيرة الجارية عليها لدى الشك. لان مرادنا من اصالة الصحة في المقام حمل الفعل على الصحيح

[ 58 ]

الواقعي وترتيب الاثر عليه وهي لم تثبت إلا بالسيرة ولم ترد منها حمل فعل المسلم على غير القبيح والمحرم الشرعي لئلا يختص بالبالغين وهذا بخلاف أصالة الصحة في المقام. على انه لم يتحقق مورد صلى فيه الصبي على الميت لتجري سيرتهم فيه على حمل صلاته على الصحيح. ولا اشكال انها مختصة بالبالغين ولا سيرة في مثل صلاة الصبي على الميت وتغسيله. نعم تجري اصالة الصحة في بعض اعماله لجريان السيرة فيه - كما في تطهيره فان الصبي إذا غسل شيئا أو دخل الخلاء واستنجى وعلمنا بنجاسة يده وخرج من الخلاء لا يعامل معه معاملة النجاسة بل يبنون على طهارة يده ولا اشكال في جريان السيرة عليه. إلا انه في مثل الصلاة على الميت لا سيرة تقتضي الحكم بصحة صلاته. ودعوى جريان اصالة الصحة في صلاة الصبي ونغسيله أيضا لعدم القول بالفصل عهدتها على مدعيها لما عرفت من قصور المقتضي لحمل مثل صلاته على الصحة هذا كله في هذا المقام. أما المقام الثاني: وهو ما إذا علم بان الصبي صلى صحيحا أو غسل صحيحا وشككنا في الاجتزاء بصلاته وبسقوطها عن البالغين فإذا بنينا على ان عبادات الصبي تمرينية فلا اشكال في عدم كفاية صلاة الصبي حينئذ ولا يسقط التكليف بفعله عن المكلفين لان صلاته ليست بصلاة مأمورا بها في الحقيقة وانما هي صورة صلاة وشبيهة بها. واما إذا قلنا بمشروعية عباداته وان لم يكن الصبي ملزما بها فهي مستحبة في حقه فهل تكون اعماله المستحبة مجزئة عن البالغين أو لا تجزي؟

[ 59 ]

الكلام في ذلك يقع في مقامين: أحدهما في الاصل العملي وثانيهما في الاصل اللفظي والادلة الاجتهادية. اما المقام الاول: فمرجع الشك في سقوط الواجب عن المكلفين بعمل الصبي إلى أن التكليف على المكلفين هل هو على نحو الاطلاق وانه ثابت على ذمتهم سواء أتى به غير البالغ أم لم يأت به أو انه على نحو الاشتراط وهو مشروط بعدم اتيان الصبي بالواجب ومع الشك في الاطلاق والاشتراط فالاصل هو البراءة وبها يثبت نتيجة الاشتراط وذلك لانه من الشك في أصل توجه التكليف على المكلفين مع فرض اتيان الصبي الصلاة أو التغسيل. هذا وقد يقال: ان الرجوع إلى البراءة عند الشك في الاطلاق والاشتراط انما هو فيما إذا كان الشرط غير حاصل من الابتداء واما إذا كان متحققا في الابتداء وارتفع بعد ذلك فمقتضى الاصل فيه هو الاشتغال. وذلك كما في المقام لان الصلاة على الميت انما هي بعد الموت بزمان فقبل أن يأتي بها الصبي وجبت الصلاة على المكلفين وجوبا فعليا لانه اما مطلق وثابت على ذمتهم على كلا تقديري اتيان الصبي بها وعدمه أو انه واجب عليهم على تقدير أن لا يصلي الصبي عليه والمفروض أن الصبي لم يصل عليه وبه يتحقق شرط الوجوب في حقهم فالتكليف بالصلاة مثلا فعلي في حقهم وإذا اتى بها الصبي وشك في سقوطه عنهم بفعله وعدمه فمقتضى قاعدة الاشتغال وجوبها في حقهم وعدم سقوطه عنهم بذلك لان العلم بالاشتغال يستدعي العلم بالفراغ. وهذا هو الذي ذكره المحقق النائيني (قده) في الشك في الاطلاق والاشتراط.

[ 60 ]

إلا انه لا يمكن المساعدة عليه وذلك لان الشرط شرط معتبر في توجه التكليف عليهم في جميع الازمان بمعنى انه شرط في تكليفهم بحسب الحدوث والبقاء بحيث لو صلى الصبي على الميت بعد ذلك كشف ذلك عن عدم كون الصلاة واجبة على المكلفين من الابتداء لا انه شرط فيه حدوثا وبفعله يسقط التكليف عنهم بعد حدوثه في حقهم قبل الشرط. اذن يؤول الشك في المقام إلى توجه التكليف على البالغين مع فرض اتيان الصبي به وهو مدفوع بالبراءة. واما المقام الثاني: فمقتضى اطلاقات الادلة عدم سقوط التكليف عن البالغين بفعل الصبي لعدم تقييدها الامر بالصلاة ونحوها بما إذا لم يأت بها الصبي فمقتضى الاصل اللفظي وجوب الصلاة والغسل في حقهم أتى بهما الصبي أم لم يأت بهما. ولا ينافي وجوب الصلاة وعدم سقوطها بفعل الصبي استحبابها في حقه لانها مستحبة في حق الصبي إلا ان الدليل لم يقم على كونها مجزئة عن المكلفين فهي واجبة في حقهم وان كانت مستحبة على الصبي. و (دعوى) ان الصلاة المأمور بها طبيعة واحدة ومع اتيان الصبي بها يتحقق الموضوع، وبه يسقط التكليف والوجوب. (ساقطة) لان الطبيعة وان كانت واحدة، إلا ان المصلحة الالزامية لا يتحقق بفعل الصبي فلابد من ان يأتي بها البالغون المكلفون حتى تستوفى تلك المصلحة الالزامية لا محالة.

[ 61 ]

[ (فصل: في مراتب الاولياء) (مسألة 1): الزوج أولى بزوجته من جميع اقاربها (1) ] (فصل: في مراتب الاولياء) اولوية الزوج بزوجته: (1) المعروف والمشهور بين الاصحاب أن الزوج أولى بزوجته من جميع اقاربها كما ذكره الماتن (قده) كما ان المولى أولى بأمته من غيره ولو كانت مزوجة، ثم تنتقل الولاية إلى مراتب الارث فالطبقة الاولى - وهم الاولاد والابوان - مقدمون على الطبقة الثانية - وهم الاجداد والاخوة - وهم مقدمون على المرتبة الثالثة - وهم الاعمام والاخوال - وبعد الطبقة الثالثة فالمعتق وبعده ضامن الجريرة وبعده الحاكم الشرعي ومع عدمه عدول المؤمنين. إلا ان ذلك لا يمكن اثباته بدليل لفظي في غير المولى وامته وذلك لان الامة ملك للمولى ولو كانت مزوجة والمالك اولى بماله من غيره، والحيوان والانسان وان كانا يسقطان عن المالية بموتهما إلا ان الاولوية للمالك لماله بعد التلف قد ثبتت حسب السيرة العقلائية

[ 62 ]

[ حرة كانت أو أمة، دائمة أو منطقعة وان كان الاحوط في المنقطعة الاستئذان من المرتبة اللاحقة أيضا. ثم بعد الزوج: المالك أولى بعبده أو أمته من كل أحد، وإذا كان متعددا اشتركوا في الولاية ثم بعد المالك طبقات الارحام بترتيب الارث: فالطبقة الاولى - وهم الابوان والاولاد مقدمون على الثانية - وهم الاخوة والاجداد والثانية مقدمون على الثالثة وهم الاعمام والاخوال. ثم بعد الارحام المولى المعتق ثم ضامن الجزيرة ثم الحاكم الشرعي ثم عدول المؤمنين. ] من غير نكير. كما ذكرناه في بحث المكاسب المحرمة في مثل كسر الكوز وموت الحيوان وتبدل الخل خمرا وغير ذلك. فانه وان كان خارجا عن الملكية والمالية في بعض الموارد كما في تبدل الخل خمرا الا ان الاولوية للمالك كما عرفت بل الملكية باقية في بعض الصور فالمولى أولى بأمته من غيره. وأما الزوج فالاخبار المستدل بها على كونه أولى بزوجته من غيره كلها ضعاف لا يمكن الاعتماد على شئ منها. نعم قد عبر عن رواية اسحاق بن عمار بالموثقة في كلام المحقق الهمداني (قده) إلا ان الامر ليس كذلك ودعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور قد مر ضعفه غير مرة. بل في بعض الروايات - كصحيحة جعفر بن البختري - أن الاخ

[ 63 ]

مقدم على الزوج حيث سأل عن امرأة تموت ومعها اخوها وزوجها أيهما يصلي عليها؟ قال (ع) (أخوها احق بالصلاة عليها). نعم لا يمكننا الاخذ والاعتماد على هذه الصحيحة أيضا للقطع بكونها على خلاف مذهب الشيعة لان الاخ ليس باولى من الزوج عند الاصحاب بل لا يرث مع وجود الطبقة المتقدمة كما هو واضح ومن هنا لابد من حملها على التقية كما ذكره الشيخ (قده) من ان هذا مذهب الحنفية. واما مراتب الارث فهي أيضا كذلك لما عرفت من أن ما دل على أن امر الميت إلى الولي وهو يصلي عليه أو يأمر من يحب، كلها ضعاف. واما الآية المباركة: (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا ان تفعلوا إلى اوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا). فسواء قلنا ان مدلولها: ان اولي الارحام أولى من الاجانب بقرينة قوله: (من المؤمنين والمهاجرين) أو قلنا انه يدل على أن بعض اولي الارحام أولى من بعض آخر منهم ومن الاجانب فهي راجعة إلى الارث كما يرشد إليه قوله تعالى (إلا ان تفعلو.) اي إلا ان يوصي الميت إلى احد اصدقائه واوليائه وصية فان الوصية تخرج قبل الارث ومراتب الارث هي المذكورة في الكتاب فلا نظر لها إلى الصلاة على الميت وتغسيله وغير ذلك من الامور. مضافا إلى الاخبار الدالة على ذلك. والمتحصل ان ما ذكره المشهور في المقام لا يمكن اثباته بدليل

[ 64 ]

لفظي ومن ثم ذهب الاردبيلي (قده) وغيره إلى ان اولوية الزوج بزوجته استحبابية لا وجوبيه. ومع ذلك لابد من الالتزام بما ذكروه في المقام لان المسألة متسالم عليها بينهم ولم ينقل فيها خلاف وانما خلافهم في ان الاولوية واجبة أو مستحبة، والسيرة العملية أيضا جارية على ذلك بين المتشرعة. بل السيرة العقلائية أيضا كذلك لانها جرت على عدم مزاحمة الولي ومن له الامر في الصلاة على الميت وتغسيله وتكفينه ودفنه. والقدر المتيقن من التسالم والسيرة ثبوت الولاية في ذلك على من يتصدى لتلك الامور وله الزعامة فيها عرفا وهو المعزى والمسلى والمرجع فيها لدى العرف فالسيرة جرت على عدم جواز مزاحمته في تلك الامور وانه غصب لحقه. وعله فلا ولاية للنساء والصبي والمجنون إذ لم تجر العادة على تصدي النساء لتلك الامور وزعامتها، والصبي والمجنون لا زعامة لهما ليتصديان لها. من له الولاية قد لا يكون هو الوارث: ومن هنا يظهر أن من له الولاية قد لا يكون هو الوارث، والوارث لا تثبت له الولاية اصلا كما إذا كان له بنت أو أم واخ فان الاخ لا يرث الميت مع وجود الطبقة الاولى - اعني الاولاد والابوان - ومع ذلك الولاية انما هي للاخ بحسب السيرة وهو المعزى والمتصدي لتلك الامور لدى العرف.

[ 65 ]

[ (مسألة 2): في كل طبقة الذكور مقدمون على الاناث والبالغون على غيرهم ومن مت إلى الميت بالاب والام أولى ممن مت باحدهما، ومن انتسب إليه بالاب أولى ممن انتسب إليه بالام، وفي الطبقة الاولى: الاب مقدم على الام والاولاد وهم مقدمون على أولادهم، وفي الطبقة الثانية: الجد مقدم على الاخوة وهم مقدمون على اولادهم وفي الطبقة الثالثة: العم مقدم على الخال وهما على اولادهما. ] ولعله لذلك ذهب بعضهم إلى أن الوارث إذا كان اب وابن فالولاية للاب وان كانا مشتركين في الارث وفي مرتبة واحدة وذلك لان الزعامة والمرجعية في ذلك هي للاب دون الابن. وكذلك الحال فيما إذا كان الوارث منحصرا بالجد والاخ فان الولاية حينئذ للجد وان كان هو والاخ في مرتبة واحدة في الارث. وذلك لان الزعامة إلى الجد لا لى الاخ فليس المدار في الولاية هو الارث. بل يمكن استفادة ذلك من الاخبار أيضا على تقدير تمامية سندها وذلك لانها دلت على أن تلك الامور لمن هو اولى بالميت والولي ولم تقيد الاولوية فيها بالاولوية في الارث - كما قيده بذلك في ما دل على وجوب قضاء صلوات الميت. حيث دل على انه يقضي صلواته الفائتة من هو أولى للميت بارثه فالمراد بالاولوية هو الاولوية العرفية - اعني من يكون هو المرجع

[ 66 ]

[ (مسألة 3): إذا لم يكن في طبقة ذكور فالولاية للاناث وكذا إذا لم يكونوا بالغين أو كانوا غائبين لكن الاحوط الاستئذان من الحاكم - أيضا - في صورة كون ] والمعزى واليه الزعامة في تلك الامور عرفا كما ذكرنا. بل يمكن ان يقال ان قوله (ع) (يغسل الميت اولى الناس به) (أو يصلي عليه اولى الناس به) أو (يأمر من يحب) يدل على ان الولاية والاولوية لمن يكون قابلا للتصدي لتلك الامور بالمباشرة وبنفسه أو لان يتصدى لها بالتسبب. ومن الظاهر أن المرأة ليس لها التصدي لتغسيل الميت بنفسها لاشتراط المماثلة بين الغاسل والمغسول، اللهم إلا في موارد الضرورة إذا كانت المرأة عن المحارم. كما ان العادة لم تجر على تصدي المرأة للصلاة على الميت وتغسيله وتكفينه ودفنه، والصبي والمجنون يحتاجون إلى الولي فكيف يكونان وليين ومتصديين لتلك الامور. ودعوى: ان الولاية تنتقل (منهما) إلى الوصي أو الحاكم (مندفعة): بانها تحتاج إلى الدليل لان ظاهر الرواية أن الولاية لنفس الولي لا أنها تنتقل إلى غيره فهو يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه. وعلى هذا لا وجه لما ذكره الماتن (قده) في المسألة الرابعة من ان الوارث إذا كان أما وأولاد فالام متقدمة عليهم لما عرفت من أن النساء لا يتصدين لتلك الامور عادة ولا ان لهن الزعامة في تلك الامور. هذا

[ 67 ]

[ الذكور غير بالغين أو غائبين. (مسألة 4): إذا كان للميت أم وأولاد ذكور فالام أولى (1) لكن الاحوط الاستئذان من الاولاد أيضا. ] إذا لم يكن ولي أو لم يمكن الوصول إليه: (1) قد عرفت ان هذا مما لا يمكن المساعدة عليه. ثم انه لو بنينا على مراتب الاولياء على النحو الذى التزم به المشهور وذكره الماتن (قده) وفرضنا تمامية الاخبار المتقدمة سندا ولم يكن للميت وارث أو كان ولم يمكن الوصول إليه هل ينتقل الامر إلى الامام (ع) وعلى تقدير عدم الوصول إليه هل تثبت الولاية للحاكم الشرعي وعلى تقدير عدمه لعدول المؤمنين. أولا ولاية للحاكم فضلا عن عدول المؤمنين فتسقط الولاية حينئذ ويجوز التصدي لها من غير استئذان من الحاكم أو غيره؟ المعروف هو الاول والصحيح هو الثاني وذلك. لان المستند في الحكم بثبوت الولاية للحاكم إن كان هو الاخبار الدالة على ثبوت الولاية للفقيه والحاكم في زمان الغيبة وانه القائم مقام الامام (ع) في جميع الامور الراجعة إلى الامام (ع) على تقدير وجوده والتمكن من الوصول إليه وأن الامور بيد العلماء الامناء بالله وانه لابد من الرجوع إليهم في الحوادث الواقعة.

[ 68 ]

[ (مسألة 5): إذا لم يكن في بعض المراتب إلا الصبي أو المجنون أو الغائب فالاحوط الجمع بين إذن الحاكم والمرتبة المتأخرة، لكن انتقال الولاية المتأخرة لا يخلو عن قوة. وإذا كان للصبي ولي فالاحوط الاستئذان منه أيضا. (مسألة 6): إذا كان اهل مرتبة واحدة متعددين يشتركون في الولاية فلابد من اذن الجميع ويحتمل تقدم الاسن. ] (فيدفعه): ما ذكرناه في بحث الاجتهاد والتقليد والمكاسب من عدم ثبوت الولاية للحاكم في زمان الغيبة لضعف الاخبار المستدل بها على ذلك. وان كان المستند في الحكم أن تلك الامور من الامور الحسبية التي لا مناص من تحققها في الخارج والقدر المتيقن في جوازها هو ما إذا أذن الحاكم الشرعي فيها. (فيرد عليه): ما ذكرناه في بحث الاجتهاد والتقليد والمكاسب ايضا من أن في ذلك تفصيلا حاصلة أن الامور الحسبية على قسمين: فان التصرف فيها قد يكون محرما في نفسه - كما في التصرف في مال الصغير والمجنون والغائب والاوقاف التي لا متولي لها وغير ذلك من الاموال لعدم جواز التصرف في مال الغير إلا باذنه وكذا التزويج فان الاصل عدم نفوذه في حق الغير ومن هذا القسم التصرف في مال الامام (ع) لانه حرام إلا باذنه وبما أن التصرف في تلك الامور أمر لابد منه إذ لولاه لتلف مال الصغير وغيره أو لتلفت نفس

[ 69 ]

الصغير لانه لو لم يبع داره - مثلا - ويعالج الصغير أو المجنون لتلف ومات أو لتلف مال الامام (ع) كما إذا دفن أو القي في البحر أو اوصى به أحد لآخر - فنعلم في مثل ذلك جواز التصرف في تلك الامور شرعا إلا ان القدر المتيقن من جوازه أن يكون التصرف باذن الحاكم الشرعي أو يكون هو المتصدي لاحتمال دخالة اذنه في جواز تلك التصرفات كبيع مال اليتيم أو صرف مال الامام (ع) في موارد العلم برضى الامام (ع) به وفي تلك الامور لابد من الاستئذان من الحاكم الشرعي لانه القدر المتيقن من جواز التصرف في تلك الموارد حينئذ. وقد يكون التصرف في الامور الحسبية جائزا في نفسه - وفي مثله لا حاجة إلى اذن الحاكم أو غيره، ومنها الصلاة على الميت وتغسيله وتكفينه ودفنه وذلك لان مقتضى اطلاق ادلة وجوبها انها امور واجبة على كل واحد من المكلفين - أذن فيها الحاكم أم لم يأذن فيها - ومع اطلاق ادلتها لا حاجة إلى اذن الحاكم. وعلى تقدير عدم كونها مطلقة فمقتضى البراءة عدم اشتراطها بالاذن وذلك للعلم بتوجه التكليف بتلك الامور إلى المكلفين ويشك في انها مقيدة بقيد - وهو اذن الحاكم - ويعتبر فيها الاستئذان من الحاكم، أو أن وجوبها غير مقيد بذلك والاصل البراءة عن هذا الاشتراط والقيد. فتحصل: انه لا دليل على ثبوت الولاية للحاكم فضلا عن عدول المؤمنين بل يجوز التصدي لتلك الامور من غير حاجة إلى الاستئذان

[ 70 ]

[ (مسألة 7): إذا اوصى الميت في تجهيزه إلى غير الولي ذكر بعضهم عدم نفوذها إلا باجازة الولي، لكن من الحاكم الشرعي. ] فذلكة الكلام: والمتحصل: مما ذكرناه في المقام ان مقتضى السيرة بل الاخبار أيضا مع الفض عن سندها هو ثبوت الولاية لمن يتصدى لامور الميت وله الزعامة والمرجعية فيها عرفا وهو الذي يعزى ويسلي دون غيره فلا يجوز مزاحمته في تلك الامور، وعلى ذلك تختص الولاية بالرجال ولا حظ فيها للنساء. وهذا هو الذي تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع إما لان النساء غير قابلات لمباشرة تلك الامور شرعا كما في تغسيل الميت. وإما لعدم جريان العادة بتصدي المرأة لمثل الصلاة على الميت وتغسيله ونحوهما. فما افاده الماتن (قده) من ان الوارث إذا انحصر بالام والابن أو بالجدة والاخ فان الام والجدة يتقدمان على الابن والاخ مما لا يمكن المساعدة عليه بل الامر في كلتا المسألتين بالعكس والولاية للابن والاخ كما عرفت.

[ 71 ]

[ الاقوى صحتها ووجوب العمل بها والاحوط اذنهما معا (1) ولا يجب قبول الوصية على ذلك الغير وان كان احوط. ] وصية الميت لغير الولي: (1) قد يقال: بتقدم الوصية على الولاية لان تبديل الوصية اثم فلا يجوز تغييرها. وأخرى: يقال بتقدم الولاية على الوصية لان الوصية فيما لا يوافق الشرع غير نافذة - كما في الشرط والنذر ونحوهما - وتلك الامور ثابتة للولي فلا تنفذ الوصية على خلافها. والصحيح ما افاده الماتن (قده) من نفوذ الوصية وتقدمها على الولاية مطلقا سواء كان مدركها السيرة أم الاخبار. اما بناءا على أن مدركها السيرة فلوضوح أن القدر المتيقن من السيرة ما إذا لم يوص الميت لاحد، ولا سيرة على عدم جواز مزاحمة الولي عند الوصية للغير ومعه لا تكون السيرة غير موافقة للشرع لقصور المقتضي لثبوت الولاية حينئذ. ومقتضى اطلاق ادلة جواز الوصية ونفوذها لزوم العمل على طبقها وذلك لان اطلاقها هو المحكم ما لم يقم دليل على خلافها. واما بناءا على أن مدرك الولاية هو الاخبار فلان غاية ما يمكن استفادته من الاخبار أن الولي مقدم على غيره من الارحام والاجانب

[ 72 ]

- كما احتملناه في الآية المباركة (واولوا الارحام أولى.) على ما ورد في بعض الاخبار - فالولي أولى بالاضافة إلى غيره من الاقرباء والحق له. واما أن الولي أولى بالاضافة إلى نفس الميت أيضا فيتقدم حقه عليه فهذا لم يثبت بوجه لان الميت أولى بنفسه من غيره. وهكذا غير الميت لانه ليس أحد أولى إلى الشخص من نفسه سوى النبي صلى الله عليه وآله لقوله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم) وعلى ذلك لم يثبت حق الولي بالاضافة إلى الميت بل الميت أولى بنفسه منه فله الوصية بما شاء فله أن يراعي نفسه ويوصي بما شاء لمن شاء كما إذا أوصى أن يدفن في مكان خاص فانه ليس للولي تغيير ذلك. وهكذا إذا أوصى أن يصلي عليه شخص معين فاطلاقات ادلة الوصية محكمة ولم يقم دليل على خلافها لعدم ثبوت كونها على خلاف المقرر في الشرع نعم: هناك كلام آخر وهو أن معنى نفوذ الوصية وصحتها أن للوصي حق التصدي للصلاة أو غيرها مما أوصى له الميت. واما أن قبولها واجب على الوصي ولا مناص من ان يباشرها بنفسه فهذا مما لم يثبت بدليل. كيف؟ وهو اضرار والقاء له في الحرج ولو جاز لصحت الوصية بان يحج عنه ويصلي ويصوم ويقوم بسائر الاعمال الواجبة أو المستحبة ولا اشكال في ان قبولها لو كان واجبا على الوصي كان ذلك ضررا وأمرا حرجيا لا محالة وكيف كان فلا يجب قبول الوصية على الوصي بل له ردها وانما الوصية تولد حقا للوصي في القيام بما أوصى به

[ 73 ]

[ (مسألة 8): إذا رجع الولي عن اذنه في اثناء العمل لا يجوز للمأذون الاتمام وكذا إذا تبدل الولي بان صار غير البالغ بالغا أو الغائب حاضرا أو جن الولي أو مات فانتقلت الولاية إلى غيره (1). (مسألة 9): إذا حضر الغائب أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون بعد تمام العمل من الغسل أو الصلاة مثلا ليس له الالزام بالاعادة. (مسألة 10): إذا ادعى شخص كونه وليا أو مأذونا من قبله أو وصيا فالظاهر جواز الاكتفاء بقوله ما لم يعارضه غيره (2) وإلا احتاج إلى البينة ومع عدمها لابد من الاحتياط. ] واولوية له بالاضافة إلى الغير. (1) والوجه فيما ذكره في هذا الفرع وتاليه ظاهر لا يحتاج إلى مزيد بيان. دعوى الولاية على الميت: (2) كانه شبه (قده) المقام بمن ادعى مالا ولم يمكن له معارض فان مقتضى النص والسيرة جواز الاكتفاء بقوله:

[ 74 ]

[ (مسألة 11): إذا اكره الولي أو غيره شخصا على التغسيل أو الصلاة على الميت فالظاهر صحة العمل إذا حصل منه قصد القربة (1) لانه أيضا مكلف كالمكره. ] إلا انه مما لا يمكن المساعدة عليه، لان النص مختص بالمال ولا يسوغ التعدي عنه إلى غيره والسيرة مفقودة في المقام لعدم جريانها على قبول دعوى مدعي الولاية أو الوصاية أو المأذونية من قبل الولي. نعم: السيرة قامت على قبوله فيما إذا كانت الجنازة بيد من يدعي الولاية أو المأذونية أو الوصاية أو كانت الجنازة بيد جماعة يدعي واحد منهم الولاية من غير معارض كما هو المشاهد في الجنائز الخارجية. وأما إذا لم تكن الجنازة بيده أو بيد جماعة كما إذا كانت هناك جنازة وجاء أحد يدعي الولاية أو المأذونية أو الوصاية عليه فلا سيرة ولا دليل آخر على قبول دعواه فيجوز مزاحمته والقيام بتلك الامور من غير اعتبار الاستئذان منه نعم إذا كان له معارض في دعواه يدخل ذلك في التداعي. إذا غسل الميت أو صلى عليه عن اجبار: (1) ذكر (قده) أن التغسيل أو الصلاة على الميت إذا وقعت عن اكراه، الظاهر جواز الاقتصار على عمل المكره وصحته إذا حصل منه قصد القربة وبه يسقط التكليف عن غيره لانه عمل صدر ممن

[ 75 ]

كلف به وقد حصل منه قصد القربة فيحكم بصحته. هذا. والمناقشة في صحة عمل المكره واسقاطه التكليف عن غيره من جهتين: (الاولى): إن الصلاة - مثلا - عمل صدر عن كره واجبار ومقتضى حديث رفع ما استكرهوا عليه انه كالعدم فكأن العمل لم يصدر من الابتداء وان كان صدر وكان مقرونا بالارادة أيضا إلا انه لعدم اقترانه بالرضى كأنه لم يتحقق عند الشرع تعبدا كما هو الحال في المعاملات الصادرة اكراها. والجواب عن ذلك: إن الحديث انما ورد في مقام الامتنان ويختص الرفع في الامور المذكورة فيه بما إذا كان الرفع موافقا للامتنان، وأي امتنان في الحكم ببطلان الصلاة - مثلا - في المقام والامر بالاعادة على المصلي أو غيره من المكلفين، بل هذا على خلاف الامتنان. وهذا بخلاف المعاملات فان البيع أو النكاح أو الطلاق الصادر لا عن رضى إذا حكمنا بارتفاعه وبطلانه وعدم انتقال مال البائع للمشتري عند عدم رضائه أو عند عدم زوجية المرأة لاحد مع عدم رضاها يكون على وفق الامتنان ومن ثمة يحكم ببطلان المعاملة الصادرة عن اكراه واجبار. واما الواجبات الكفائية أو العينية كما إذا اكره الوالد ابنه على أن يصلي فرائضه وأتى بها عن اكراه فالحكم ببطلانها بالحديث يكون على خلاف الامتنان لان معناه ايجاب الاعادة عليه ولا امتنان فيه أبدا. (الجهة الثانية): إن الصلاة - مثلا - يعتبر فيها قصد القربة ومع استناد الاتيان بها إلى التوعيد والاكراه - أي كون الداعي إلى

[ 76 ]

عمله هو التوعيد - لا تستند الصلاة إلى الداعي القربي والالهي فيحكم ببطلانها. وهذه المناقشة تندفع بوجهين: (أحدهما): ما ذكرناه في مبحث الوضوء وغيره من أن معنى اعتبار قصد القربة في العبادات ليس هو اعتبار أن لا يقترن للعمل شئ‌ئ من الدواعي الخارجية غير قصد القربة بل معناه: ان يقترن العمل بداع قربي قابل للداعوية إلى العمل بنفسه واستقلاله أي بحيث لو لم يكن له داع آخر لاتى به بذاك الداعي الالهي سواء كان معه داع آخر ام لم يكن. كيف؟ وفي جملة من العبادات يجتمع داعيان أو اكثر فيها منها الصوم وترك الافطار على الملا وبين الناس لان العاقل لا يرضى بالانتهاك لدى الناس فالخجل منهم يدعوه إلى الصوم وترك الاكل في الاسواق وعلى رؤوس الاشهاد. ومع انه لا اشكال في صحة صومه لانه وان كان له داعيا آخر إلا أن له داعيا قربيا مستقلا في الداعوية على تقدير انفراده، ومن ثمة يصوم وان لم يكن هناك شخص آخر يشاهده. وفي المقام أيضا يمكن أن يكون للمكره بعد الاكراه والالتفات إلى انه واجب كفائي في حقه - داع الهي وقصد قربي مستقل في الداعوية ويذلك يحكم بصحة عبادته وعمله. و (ثانيهما): ان بطلان العبادة بداع غير قربي انما هو فيما إذا كان الداعي داعيا إلى نفس العمل، واما إذا كان الداعي داعيا إلى العمل بقصد القربة أي كان الداعي غير القربي في طول الداعي

[ 77 ]

الالهي فلا اشكال في صحة العبادة. كيف؟ وان غير الائمة المعصومين (ع) لا يقدمون على العمل والعبادة إلا بداع آخر غير قصد التقرب طولا ولا أقل من الخوف من النار أو من الآثار الوضعية المترتبة على تركها في هذه النشأة - كما إذا جرب انه يخسر أو يموت ولده إذا ترك الصلاة أو الصوم - والجامع الخوف من سخط الله سبحانه في الدنيا أو في الآخرة أو الطمع في الحور والقصور. إلا ان هذه الدواعي تدعو إلى اتيان العمل بقصد القربة لا إلى ذات العمل فلا تكون منافية لعبادية العبادة بوجه، بل لا توجد عباد يقصد بها التقرب من غير داع آخر إلا من مثل علي - عليه السلام - وأولاده الطاهرين (ع). وهذا قد وقع في العبادات المستأجر عليها أيضا لان قضاء العبادة عن أي ميت مأمور به بالامر الندبي والاستحبابي في نفسه والاجير يأتي بالقضاء الذي هو أمر مستحب - أي بالداعي القربي - خوفا من تبعة الامر الوجوبي الناشئ من الاجارة لانه لو لم يأت بهذا المستحب لم تفرغ ذمته وعوقب على مخالفته الامر الوجوبي الاجاري. فهناك أمران: احدهما يدعو إلى الآخر وهما داعيان طوليان لا مانع من ان يكون الداعي الثاني غير قربي، وعليه ففى المقام يحكم بصحة الصلاة على الميت الواقعة عن اكراه إذا قصد بها القربة وان كان هذا العمل المقصود به القربة بمجموعه صادرا عن داع آخر وهو التوعيد والاكراه.

[ 78 ]

[ (مسألة 12): حاصل ترتيب الاولياء: أن الزوج مقدم على غيره ثم المالك ثم الاب ثم الام (1) ثم الذكور من الاولاد البالغين ثم الاناث البالغات ثم اولاد الاولاد ثم الجد ثم الجدة ثم الاخ ثم الاخت ثم اولادهما ثم الاعمام ثم الاخوال ثم أولادهما ثم المولى المعتق ثم ضامن الجريرة ثم الحاكم ثم عدول المؤمنين. ] مراتب الاولياء: (1) قد اسلفنا المناقشة في تقديم بعض الاولياء على البعض الآخر كتقديم الجدة على الاخ أو الام على الابن فلاحظ ما قدمناه في المسألة السادسة يتضح لك الحال في بقية الموارد مفصلا.

[ 79 ]

[ (فصل) (في تغسيل الميت) يجب كفاية تغسيل كل مسلم (1) سواء كان اثنى عشريا أو غيره. ] (فصل) (في تغسيل الميت) عدم وجوب تغسيل الكافر: (1) لا خلاف في أن تغسيل الميت واجب كفائي، كما لا اشكال في اختصاصه بالمسلم وعدم وجوب تغسيل الكافر بل عدم جوازه وذلك لوجوه: (منها): إن تغسيل الميت انما هو لتنظيفه واحترامه وتجليله، والكافر لا احترام له وغير قابل للنظافة لانه نجس.

[ 80 ]

(ومنها) السيرة القطعية الجارية على عدم تغسيل الكافر في عصر النبي والائمة عليهم السلام حيث لم يسمع أن أحدا في تلك الاعصار غسل كافرا أو صلى عليه. (ومنها): قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات ابدا) لان الآية وان كانت واردة في الصلاة إلا أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي ان يكون ذلك من جهة كفرهم وأن الاحكام المترتبة على اموات المسلمين لا تترتب على الاموات الكفرة فنتعدى إلى تغسيلهم أيضا.

[ 81 ]

عدم اختصاص وجوب الغسل بالاثنى عشري والصحيح وفاقا للمعروف أن المسلم يجب تغسيله وأن لم يعترف بالولاية لانه من الاحكام المترتبة على الاسلام واظهار الشهادتين ولم يترتب على الايمان وذلك لوجوه: (منها): السيرة العملية لان الشيعة في زمانهم (ع) كانوا قليلين مختفين، والغلبة كانت مع المخالفين حتى في المعاشرين معهم من وكان من خدمهم لا يعترف بولايتهم وقد كانوا يغسلون موتاهم بمرئى ومنظر منهم (ع) ولم يكونوا يردعون عن ذلك بوجه ولو ببيانه لشيعتهم، وهذا كاشف عن وجوب تغسيل المسلمين وان لم يعترفوا بالولاية. ويوضحه ملاحظة عصر علي (ع) لان أصحابه (ع) لم يكونوا من الشيعة بالمعنى المصطلح عليه عندنا وانما كان جمع منهم يرونه خليفة ثالثة أو رابعة لان بعضهم انكر خلافة عثمان وكانوا معتقدين بالشيخين ومع ذلك لو مات احدهم أو قتل في غير المعركة لغسلوه وصلوا عليه ولم يكن (ع) رادعا عن ذلك بوجه.

[ 82 ]

وذلك لانهم لو كانوا كفرة لم يجز تغسيلهم لانه بدعة وتشريع محرم فإذا ثبت جوازه بالسيرة وعدم ردعهم يثبت وجوبه لانه لو جاز وجب ولو لم يجز حرم ولا واسطة بينهما لانه بالجواز يثبت اسلامهم والمسلم يجب تغسيله. و (منها): المطلقات كموثقة سماعة (غسل الجنابة واجب. وغسل الميت واجب) (1) لان اطلاقه يشمل المسلم والمؤمن كليهما. ودعوى: انها في مقام الاهمال - كما عن المحقق الهمداني (قده). مندفعة: بانه لا يقصر عن قوله تعالى (احل الله البيع) فانه مما لا اشكال في اطلاقه عندهم ويتمسكون به في موارد الشك والشبهات والمقام كذلك. فلا وجه لدعوى كونها مهملة فان قوله (ع) (وغسل الميت واجب بمنزلة القضية الشرطية وأنه إذا مات أحد وجب غسله ولا ينبغي التأمل في اطلاقه بوجه. وكقوله (ع) في مضمر أبي خالد (اغسل كل الموتى: الغريق واكل السبع وكل شئ إلا ما قتل بين الصفين) (2). وقد اجاب المحقق الهمداني (قده) عن ذلك: بان العموم فيها انما هو بالنسبة إلى اسباب الموت من الغرق بالماء واكل السبع أو السم أو غير ذلك إلا الشهادة ولا عموم لها بالاضافة إلى أصناف البشر من الشيعة والعامة وغيرهما وفيه: إن ما أفاده وان كان لا بأس به إلا أنه انما يمنع عن


(1) الوسائل: الجزء 1 الباب 9 من ابواب الجنابة ح 3. (2) الوسائل: الجزء 2 الباب 14 من أبواب غسل الميت ح 3.

[ 83 ]

التمسك بالعموم واما اطلاق الموتى فهو باق بحاله ولا مانع من التمسك به فانه كالقضية الشرطية وانه إذا مات أحد وجب تغسيله

[ 84 ]

[ لكن يجب أن يكون بطريق مذهب الاثني عشري (1). ] وجوب الغسل بطريق الاثني عشر: (1) المقام الثاني: في كيفية تغسيلهم فقد ذكر بعضهم ان المعروف هو أن يغسل المخالف على طريقة المخالفين ولا يغسل على الطريقة الصحيحة ومذهب المغسل. وذهب جملة من المحققين إلى انه لابد أن يغسل المخالف على الطريقة الصحيحة المتداولة بين المؤمنين ولا يجوز تغسيله على الطريقة الباطلة وهذا هو الصحيح. وذلك. لاطلاقات الادلة الواردة في كيفية تغسيل الميت بلا فرق في ذلك بين كون الميت مؤمنا أو مخالفا. ولا دليل على لزوم تغسيل المخالف على طريقته سوى ما توهم من أن قاعدة الالزام تقتضي ذلك. وفيه: ان قاعدة الالزام تتضمن الامر والايجاب كما هو المستفاد من ادلتها، كقوله (الزموهم بما الزموا به أنفسهم). أو ان (من التزم بدين لزمته احكامه) ومن الظاهر أن الميت غير قابل لان يلزم بشئ ويجب في حقه شئ. وانما هو حكم مختص بالاحياء - كما في الارث والطلاق - كان يرى الوارث أن العصبة أيضا تورث فيلزم بذلك في تقسيم الارث بينه وبين العصبة أو يرى صحة الطلاق في مجلس واحد ثلاث مرات فيلزم

[ 85 ]

بذلك أي على عدم جواز رجوعه إليها بعد ذلك لانه من الطلاق البائن ويجوز لغيره أن يتزوجها بعد عدتها وان كان يعتقد بطلان طلاقها على مذهبه. وفي المقام لا تجري القاعدة بوجه لعدم امكان إلزام الميت بشئ نعم يمكن ان يسقط التكليف عن غير الميت لاعتقاد الميت والتزامه بالغسل على الطريقة الباطلة لانه يعتقد صحته إلا انه أمر لا تقتضيه قاعدة الالزام لانها لو اقتضت فانما تقتضي ثبوت الحكم في حق الميت واما سقوطه عن الغير فهو مما لا تقتضيه قاعدة الالزام بوجه. هذا كله. على أنا لو سلمنا شمول القاعدة للاموات أيضا لا يمكننا اجراؤها في المقام لانه لا صغرى لها في محل الكلام حيث ان الميت انما التزم بصحة الغسل ممن يرى صحته - اي المخالف مثله - لا من الشيعي الذي لا يرى صحته لانه امر عبادي والشيعي يعتقد بطلانه واما صحة تغسيل غيره على طريقة المخالفين فلم يلزم بها بوجه لان غيره يرى بطلانه ومعه لا يصدر منه الغسل صحيحا لانه أمر عبادي إذا لا صغرى لقاعدة الالزام في المقام فلابد من تغسيل المخالف على الطريقة الصحيحة. اللهم الا ان تقتضي التقية تغسيله على طريقة المخالفين كما إذا كان بمرأى ومنظر منهم فانه محكوم بالصحة حينئذ لان التقية في كل شئ وبه يكون الغسل على طريقتهم مأمورا به وشرعيا في حقه لان التقية عنوان ثانوي ينقلب بها الحكم الواقعي ويتبدل على ما يستفاد من ادلتها.

[ 86 ]

[ ولا يجوز تغسيل الكافر وتكفينه ودفنه بجميع أقسامه (1) ] بقي شئ: وهو ان المغسل إذا كان من المخالفين وقد غسل المخالف على طريقتهم فهل يجب على غيره ممن يرى بطلان الغسل على تلك الكيفية أن يغسله ثانيا لان الغسل الاول باطل وبحكم العدم أو يقتصر على تغسيله بتلك الطريقة ولا يجب اعادة الغسل. الصحيح هو الثاني للسيرة القطعية المستمرة على ذلك في زمان المعصومين (ع) حيث انهم في تلك الاعصار كانوا يكتفون بتغسيل المخالف للمخالف على طريقتهم ولم يردعوا (ع) عن ذلك بوجه ولم يأمروا بتغسيلهم مرة ثانية ولو مع التمكن منه وإلا لنقل الينا ذلك ومن هذا يستكشف أن التغسيل على طريقتهم حينئذ صحيح ومسقط للوجوب عن بقية المكلفين. هذا كله في المخالف. الكافر لا يغسل ولا يكفن ولا يدفن: (1) لما مر من أن مقتضى السيرة والموثقة المتقدمة (1) المؤيدة


(1) وهي موثقة عمار المروية في الجزء 3 الباب 18 من غسل الميت الحديث 1.

[ 87 ]

[ من الكتابي والمشرك والحربي والغالي والناصبي والخارجي والمرتد الفطري والملي إذا مات بلا توبة واطفال ] برواية الاحتجاج عدم جواز تغسيل الكافر من دون فرق بين اقسامه من الكتابي والمشرك وغيرهما حتى المرتد بل لا ينبفي عده مسلما مستقلا في مقابل الكافر لان ارتداده يتحقق بالتزام اما بالتنصر أو التهود أو الشرك ونحوها فيندرج بذلك تحت أقسام الكافر. نعم هذا يختص في الملي بما إذا كان قبل توبته، واما إذا تاب فحكمه حكم بقية المسلمين فيجب تغسيله ودفنه ويطهر بدنه إلى غير ذلك من الاحكام المترتبة على المسلمين. بل الامر كذلك في الفطري أيضا على ما قدمناه في البحث عن المطهرات وقلنا ان الفطري كالملي تقبل توبته ظاهرا وواقعا ويرتب عليه بعد التوبة جميع الاحكام المترتبة على المسلمين كطهارة بدنه ووجوب تغسيله ودفنه وغيرها من الاحكام. ولكن الاحكام الثلاثة المنصوصة من وجوب قتله وبينونة زوجته وتقسيم أمواله بين ورثته لا تسقط بتوبته إلا انه إذا لم يقتل - ولو لوجود المانع وعدم البسط كما في زماننا هذا - وتاب فيعامل معه معاملة المسلمين فيجب تغسيله أيضا.

[ 88 ]

[ المسلمين بحكمهم (1) وأطفال الكفار بحكمهم (2) وولد الزنا من المسلم بحكمه (3) ومن الكافر بحكمه ] تبعية اطفال المسلمين بالمسلمين: (1) للتبعية المستفادة من الاجماع والسيرة القطعية - على ما قدمناه في المطهرات والمطلقات والاخبار الواردة في تغسيل الصبي والصبية والصلاة على الصبي إذا عقل ومشروعية الصلاة انما هي بعد التغسيل. تبعية اطفال الكفار بالكفار: (2) للتبعية - كما مر في بحث النجاسات - وللسيرة القطعية الجارية على عدم تغسيل ولد الكافر فان المسلمين لا يأخذوه من الكافر ليغسلوه هذا فيما إذا لم يكن مميزا ومعترفا بأحد الاديان الباطلة، وإلا فهو بنفسه يهودي أو مشرك أو نحوهما وليس محكوما بحكمهم للتبعية بل بالاصالة. حكم ولد الزنا من الفريقين: (3) لانه أيضا ولدهما فيتبع حكمهما لان ولد الزنا ولد عرفا

[ 89 ]

[ والمجنون إن وصف الاسلام بعد بلوغه مسلم وان وصف الكفر كافر وان اتصل جنونه بصغره فحكمه حكم الطفل في لحوقه بأبيه أو أمه (1) والطفل الاسير تابع لآسره إن ] وشرعا وحقيقة ومن ثمة لا يجوز له أن يتزوج أمه أو أخته أو عمته أو خالته أو نحوهن ولا يجوز للاب أن يتزوج بها على تقدير الانوثة فيترتب على ولد الزنا جميع الآثار المترتبة على الاولاد. نعم لا يرث من ابيه وهذا تخصيص في أدلة الارث ولم يرد في دليل ان ولد الزنا ليس بولد حتى يكون نافيا للولدية فولد الزنا من المسلم كغيره من اولاده كلهم محكومون بأحكام الاسلام التي منها وجوب التغسيل تبعا. وكذا الحال في ولد الزنا من الكافر لانه بحكمه فيترتب عليه احكام الكفر تبعا، كيف؟ ولو كان الولد حلالا للكافر لكنا حكمنا بعدم وجوب تغسيله مع أن خسته من جهة واحدة وهي كفره فكيف بولده من الزنا الذي خسته من جهتين كفره وكونه من زنا فولد الكافر من الزنا ليس بأولى للارفاق من ولده الحلال. حكم المجانين من الفريقين: (1) بمعنى ان حكمه حكم ما قبل جنونه فان كان قبله مسلما بالغا فهو مسلم بعد جنونه ويقال انه مسلم مجنون كما انه لو كان كافرا

[ 90 ]

[ لم يكن معه أبوه أو أمه بل أو جده أو جدته (1) ولقيط دار الاسلام بحكم المسلم (2) وكذا لقيط دار الكفر إن كان فيها مسلم يحتمل تولده منه. ] بالغا قبله فهو كافر مجنون وذلك للصدق العرفي. وأما إذا كان غير بالغ قبل الجنون فاسلامه أو كفره يتبعان أبويه لان الحكم في غير البالغ من جهة التبعية - كما مر - والصدق العرفي حيث يصدق عليه انه نصراني مجنون مثلا. (1) للتبعية إلى آسره إذا لم يكن معه أبوه أو أمه أو نحوهما، وإلا لتبعهم في كفرهم كما قدمناه في بحث النجاسات والمطهرات. لقيط دار الاسلام: (2) كما هو المشهور بل قيل ان المسألة اجماعية لعدم نقل الخلاف فيها والكلام في مدرك ذلك: وليس الوجه فيه هو الاجماع في المقام لانا نطمئن أو نظن أو نحتمل استنادهم في ذلك إلى مدرك وصل إليهم في المسألة ومعه لا يكون الاجماع تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (ع). كما ان الوجه فيه ليس هو التمسك بعموم ما دل على وجوب تغسيل كل ميت لانه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لاحتمال ان يكون اللقيط ولد الكافر واقعا

[ 91 ]

وقد بينا في محله ان الشك في الشبهات المصداقية ليس راجعا إلى الشك في التخصيص ليدفع بأصالة العموم وانما هو من جهة الشك في انطباق عنوان الخارج على المشكوك فيه ولا يمكن معه التمسك بالعام. كما انه ليس الوجه فيه ما ورد من ان (الاسلام يعلو ولا يعلى عليه) (1) لانه أجنبي عن المقام رأسا لان معناه أن الاسلام قوي الحجة وواضح المحجة والطريق فهو يعلو بنفسه على غيره ولا يعلو عليه شئ، واما أن المشكوك كفره واسلامه فهو مسلم فهذا مما لا يستفاد منه بوجه. وكذا ما ورد من أن (كل مولود يولد على الفطرة) وقوله تعالى (فطرة الله التي فطر الناس عليها) فانها أجنبية عن المقام لان المراد بالفطرة - في الآية والاخبار - فطرة التوحيد لا فطرة الاسلام. فان كل واحد لو التفت إلى خلقته عرف ان له خالقا غيره إذ لو لم يمكن له خالق فاما ان يكون هو الخالق لنفسه أو يكون مخلوقا من غير خالق وكلاهما مستحيل - كما اشار إليه سبحانه بقوله (أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون) وقوله (ولئن سألتهم عمن خلق السموات والارض ليقولن الله قل فأنى تؤفكون) إلى غير ذلك من الآيات. ففطرة التوحيد ثابتة في جميع البشر غير انها تحتاج إلى أدنى


(1) اخرجه عن الصدوق مرسلا في الوسائل الجزء 17 الباب 1 من أبواب موانع الارث الحديث 11 ونقل عن الجامع الصغير باب الثمرة المحلى باللام وكنز العمال في الحديث 246 و 311 من دون كلمة (عليه).

[ 92 ]

اشارة وتنبيه، واليه أشير في قوله تعالى (قال: أو لست بربكم قالوا: بلى) وليس المراد من الفطرة فطرة الاسلام للقطع بعدم كون الاسلام فطريا، كيف؟ ومما يتقوم به الاسلام النبوة التي تتوقف على المعجزة والاثبات وليست أمرا فطريا يعرفه كل بشر. نعم ورد تفسير الفطرة في بعض الاخبار بالاسلام ألا ان ذيله شاهد على ان المراد به هو السلم لله - أي الاقرار بالتوحيد - وليس المراد به الاسلام المصطلح عليه من الاقرار بالتوحيد والنبوة والمعاد. كما هو المراد منه في قوله تعالى اخبارا عن ابراهيم (ع) (كان حنيفا مسلما) لانه (ع) لم يمكن مسلما بالمعنى المصطلح عليه قطعا وانما أسلم الله سبحانه - اي اعترف بالتوحيد ومنه (أسلمت وجهي لله) كما في الدعاء - وكيف كان فلا يمكن التشبث في المقام بحديث الفطرة بوجه. الوجه في قولهم في اللقيط: بل الوجه فيما ذكروه أن الحكم الشرعي قد يترتب على عنوان الاسلام كما في اشتراط جواز التزويج بالكفاءة من حيث الاسلام فلا يجوز تزويج غير المسلمة كما انه لا يجوز أن تتزوج بغير المسلم، وفي مثله إذا شكت المرأة مثلا في أن الرجل الذي يريد أن تزوج نفسها منه مسلم أو كافر فمقتضى استصحاب عدم اتصافه بالاسلام عدم جواز تزويج نفسها منه لان الاسلام صفة حادثة مسبوقة بالعدم يثبت عدمها بالاستصحاب.

[ 93 ]

وقد يترتب الحكم الشرعي على عنوان الكفر كالنجاسة وعدم وجوب التغسيل لان العموم والاطلاق دلا على الطهارة في كل شخص ووجوب التغسيل لكل ميت وانما خرج عنهما عنوان الكافر. فإذا شككنا في كفر أحد واسلامه ليس لنا الحكم بكفره باستصحاب عدم اسلامه وذلك لان الكفر ليس من الامور العدمية وانما هو امر وجودي معناه الاتصاف بعدم الاسلام لا عدم الاتصاف به ليكون أمرا عدميا فانه من العدم والملكة وقد قالوا إن اعدام الملكات لها حظ من الوجود وحاله حال العمى لانه ليس بمعنى عدم الاتصاف بالبصر بل بمعنى الاتصاف بعدم البصر. ومن هنا لو شككنا في عمى أحد أو بصره ليس لنا استصحاب عدم اتصافه بالبصر والحكم بأنه أعمى لان العمى ليس هو عدم البصر بل عبارة عن الاتصاف بعدم البصر وهو لا يثبت باستصحاب عدم البصر. ومن ثمة قلنا في بحث النجاسات ان المشكوك كفره واسلامه محكوم بالطهارة لاستصحاب عدم اتصافه بالكفر إذ لا يجري فيه استصحاب عدم الاسلام لاثبات كفره حيث إن الكفر بمعنى الاتصاف بعدم الاسلام. وعليه ففي المقام يستصحب عدم اتصاف اللقيط بالكفر لان النجاسة وعدم وجوب التغسيل مترتبان على الكفر ولا يمكن اثباته باستصحاب عدم الاسلام لانه أمر وجودي بل يجري استصحاب عدم الاتصاف به، وبه يثبت عدم كفره فيشمله ما دل على وجوب تغسيل كل ميت.

[ 94 ]

[ ولا فرق في وجوب تغسيل المسلم بين الصغير والكبير (1) حتى السقط إذا تم له أربعة اشهر (2) ] هذا كله بناءا على ان المدرك في عدم وجوب تغسيل الميت هو السيرة القطعية لانها جرت على عدم تغسيل الكافر - أي الموضوع فيها هو الكفر - واما بناءا على أن المدرك هو الموثقة المتقدمة فالامر ظاهر لان موضوع الحكم بعدم وجوب التغسيل هو التنصر - غاية الامر انا علمنا ان النصرانية لا خصوصية لها بل التهود والتمجس والشرك أيضا كذلك. ومن الظاهر ان تلك العناوين عناوين وجودية وعند الشك فيها يستصحب عدمها وبه يثبت أن المشكوك فيه من أحد الافراد الباقية تحت العموم وللاطلاق. فتلخص أن الوجه في وجوب تغسيل اللقيط في دار الاسلام أو دار الكفر إذا احتمل كونه من مسلم هو الاطلاقات بعد استصحاب عدم التنصر أو الكفر باستصحاب العدم الازلي. التسوية بين الصغير والكبير: (1) للاطلاقات. (2) الاخبار الواردة في المقام على طوائف: (منها): ما جعل المناط في وجوب التغسيل أن يتم للسقط أربعة اشهر - كما في مرفوعة

[ 95 ]

احمد بن محمد (1) وخبر زرارة (2) (ان السقط إذا تم له اربعة اشهر غسل) ومقتضاهما تحديد وجوب الغسل في السقط بما إذا كان له اربعة اشهر، إلا انهما ضعيفتان أما الاولى فلكونها مرسلة ومرفوعة كذا قالوا، والصحيح انها زائدا على ارسالها مقطوعة أي لم يذكر فيها الامام (ع) والمسؤول عنه. واما الثانية فلان في سندها الحسين بن موسى وهو ضعيف فلا يمكن الاعتماد عليهما و (منها): ما جعل المناط الاستواء كما في موثقة سماعة (3) حيث روى عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل واللحد والكفن؟ قال: (نعم كل ذلك يجب عليه إذا استوى) فقد دلتنا على أن المدار في ذلك على الاستواء لا على مضي اربعة اشهر. والمراد بالاستواء فيها ليس هو القابلية للولادة حتى يعتبر في وجوب غسل السقط مضي ستة اشهر عليه لانه زمان القابلية للولادة على ما ورد في المرفوعة المتقدمة من أن (السقط إذا اتم له ستة


(1) أحمد بن محمد عمن ذكره قال: إذا تم السقط اربعة اشهر غسل وقال إذا تم له ستة اشهر وهو تام وذلك ان الحسين بن علي ولد وهو ابن ستة اشهر الوسائل ج 2 باب 12 من أبواب غسل الميت الحديث 2. (2) زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: السقط إذا تم له اربعة اشهر غسل. الباب المتقدم الحديث 4. (3) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب غسل الميت ح 1.

[ 96 ]

اشهر فهو تام وذلك أن الحسين بن علي (ع) ولد وهو ابن ستة اشهر). والوجه فيه هو ان الموضوع في الموثقة هو السقط - أي غير القابل للولادة -. بل المراد بالاستواء هو تمامية الولد بحسب الصورة والخلقة وبهذا المعنى يستعمل اليوم فيقال: طعام مستوي أي تام بحسب الطبخ وهو زمان قابلية الولد لان تلج فيه الروح فعلى ذلك يعتبر في وجوب تغسيل السقط أن يكون تام الخلقة والصورة ولا عبرة في ذلك بالزمان ومضي أربعة اشهر. و (منها): ما جمع بين الامرين - اعني الاستواء ومضي اربعة اشهر للسقط كما في الفقه الرضوي قال: (إذا اسقطت المرأة وكان السقط تاما غسل. وحد تمامه إذا أتى عليه اربعة اشهر) (1). إلا انه لم يثبت كونه رواية فضلا عن أن تكون معتبرة. اذن لابد من الاخذ بالموثقة ومعه يكون المدار على الاستواء لا على الزمان ومضي اربعة أشهر. نعم: ورد في بعض الروايات - وفيها المعتبرة - أن الاستواء انما يتحقق بعد مضي اربعة اشهر كما في رواية الحسن بن أبى الجهم قال سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: قال أبو جعفر (ع) (ان النطفة تكون في الرحم اربعين يوما ثم تصير علقة اربعين يوما ثم تصير مضغة اربعين يوما فإذا كمل اربعة اشهر بعث الله تعالى ملكين خلاقين فيقولان..) (2). لدلالتها على أن التمامية بحسب الصورة والقابلية لنفخ الروح


(1) فقه الرضا ص 19. (2) الكافي: الجزء 6 كتاب العقيقة ص 13.

[ 97 ]

[ ويجب تكفينه ودفنه على المتعارف (1) لكن لا تجب الصلاة ] فيه انما هو بعد مضي أربعة اشهر - اعني بعد زمان نطفته وعلقته ومضغته. فعلى ذلك يمكن العمل بالروايتين السابقتين أيضا - اعني مرفوعة احمد بن محمد وزرارة المتقدمتين الدالتين على اعتبار مضي اربعة اشهر للملازمة بين الاستواء ومضي اربعة اشهر. إلا ان المدار - إذن - على كون الولد مستويا بحسب الصورة والخلقة لا على الشهور والزمان بحيث لو فرضنا كونه كذلك قبل اربعة اشهر وجب تغسيله أيضا، كما انه إذا لم يكن تاما بعد اربعة اشهر لم يجب تغسيله لان الاستواء هو المناط في الحكم بوجوب التغسيل وما ورد فيه اربعة اشهر لعله من جهة التلازم بينهما. السقط يجب تكفينه ودفنه: (1) لان المستفاد من الموثقة وغيرها من الاخبار المتقدمة: أن السقط بعد الاستواء أو تمامية اربعة اشهر يدفن ويكفن، كما يدفن ويكفن غير السقط من الاموات فلا وجه لما عن المحقق والعلامة وغيرهما من انه يلف بخرقة فالواجب في السقط لا يغاير الواجب في بقية المكلفين.

[ 98 ]

[ عليه (1) بل لا يستحب أيضا، وإذا كان السقط اقل من اربعة اشهر لا يجب غسله (2) بل يلف في خرقة (3) ويدفن. ] السقط لا يصلى عليه: (1) لما يأتي من انها انما تجب فيما إذا عقل الصبي الصلاة بان بلغ ست سنين فلا يجب قبله بل لا يشرع كما يأتي ان شاء الله تعالى. إذا كان السقط اقل من اربعة اشهر: (2) لان الاخبار الدالة على وجوب غسل كل ميت غير شاملة له لاختصاصها بالميت وهو الحي الذي زهقت روحه والسقط حينئذ لم تلجه الروح ليتصف بالموت واما الاخبار الواردة في المقام فلاختصاصها بما بعد الاستواء أو بعد مضي اربعة اشهر هل يجب لفه بخرقة؟ (3) لا دليل على ذلك سوى الاجماع المنقول في المسألة حيث ذكر بعضهم أن المسألة اجماعية لم ينقل فيها خلاف وهو مما لا اعتبار به. والاخبار العامة مختصة بالميت غير الشامل للسقط قبل ولوج الروح فيه.

[ 99 ]

والاخبار الواردة في المقام مختصة بما بعد الاستواء وتمامية اربعة اشهر. وبهذا يمكن الاستشكال في وجوب دفنه أيضا لانحصار مدركه بالاجماع المنقول ولا دليل عليه غيرة لان الاخبار مختصة بالميت كما عرفت، والاخبار الخاصة - الواردة في المقام - غير شاملة إلا للسقط بعد تمامية اربعة أشهر والاستواء فيجوز معه إلقاؤه في البحر أو النهر أو البئر. نعم ورد في الفقه الرضوي: (1) (إذا اسقطت المرأة وكان السقط تاما غسل وحنط وكفن ودفن وان لم يكن تاما فلا يغسل ويدفن بدمه) إلا انه لم يثبت كونه رواية فضلا عن ان تكون معتبرة. واما مكاتبة محمد بن الفضيل قال: كتبت إلى أبي جعفر (ع) اسأله عن السقط كيف يصنع به؟ فكتب الي: (السقط يدفن بدمه في موضعه) (2). المحمولة على السقط قبل الاستواء واربعة اشهر جمعا بينها وبين ما دل على وجوب تغسيل السقط بعد الاستواء وتكفينه ودفنه، فهي ضعيفة السند بسهل بن زياد. فلا دليل على وجوب تغسيل السقط قبل الاستواء وتكفينه ودفنه وان كان الاحوط تكفينه ودفنه للاجماع المنقول والروايتين.


(1) فقه الرضا: ص 19. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 12 من أبواب غسل الميت ح 5.

[ 100 ]

[ (فصل) يجب في الغسل نية القربة (1) على نحو ما مر في الوضوء ] (فصل) اعتبار نية القربة في غسل الميت: (1) لان الاغسال امور عبادية بالارتكاز على ما وصلت الينا يدا بيد خلفا عن سلف حيث إن وظائف أية ملة تنقسم إلى قسمين: قسم يكون المطلوب فيه هو التذلل والتخضع واظهار العبودية المعبر عنه في الفارسية ب‍ (پرستش) وان كان فيه غاية اخرى أيضا. وقسم يكون المطلوب فيه هو اتيان العمل بأي نحو كان. والاغسال يعتبر فيها التذلل والعبودية بالارتكاز بوصولها الينا كذلك يدا بيد وخلفا عن سلف، وبهذا فرقوا بين الغسل بالفتح والغسل بالضم فاعتبروا النية في الثاني دون الاول. ويدل على ذلك ما ورد من أن غسل الميت كغسل الجنابة (1)


(1) الوسائل: باب الثالث من أبواب غسل الميت وعنوانه ان غسل الميت كغسل الجنابة.

[ 101 ]

بضميمة ما قدمناه في بحث غسل الجنابة من اعتبار قصد القربة فيه وما ذكرناه في بحث الاصول من ان قصد القربة مأخوذ في متعلق الامر كغيره من الاجزاء والشرائط. فانه بناءا على هذين الامرين يدل التشبيه في الرواية على ان غسل الميت أيضا يعتبر فيه قصد القربة جزءا أو شرطا وهو داخل في حقيقته. نعم: بناءا على ما سلكه صاحب الكفاية (قده) من ان قصد القربة غير مأخوذ في متعلق الامر وانما هو واجب عقلي لعدم حصول الغرض إلا به لا يستفاد من الرواية أن قصد القربة مأخوذ في غسل الميت شرعا. واما الاستدلال على اعتبار قصد القربة بقوله تعالى (وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (1) ورد عنه صلى الله عليه وآله (لا عمل إلا بنية) (2) و (انما الاعمال بالنيات (3) ولكل امرئ ما نوى) (4) فلا وجه له أصلا. أما الآية المباركة فلان الضمير فيها يرجع إلى المشركين واهل الكتاب المذكورين قبل تلك الآية وتدل على ان الله سبحانه لم يامرهم بعبادة الوثن أو روح القدس أو غيرهما - أي لم يأمرهم بالشرك - وانما امرهم ان يعبدوه. ولا دلالة لها على ان التكاليف المتوجهة إلى الامم السابقة أو في


(1) البينة: 98: 5) (2) و (3) و (4) المرويات في الباب 5 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل الحديث 1 و 3 و 9 و 10.

[ 102 ]

[ والاقوى كفاية نية واحدة للاغسال الثلاثة (1) وان كان الاحوط تجديدها عند كل غسل. ] هذه الشريعة كلها تعبدية. كما ان الاخبار المتقدمة انما اريد منها - كما صرح به في الجهاد - ان العمل لا يترتب عليه إلا ما نواه فاعله وان روح العمل هو النية فلو نوى المجاهد بجهاده وجه الله فلا يترتب عليه إلا رضاه وثوابه وان اريد به أمر دنيوي لا يترتب عليه إلا ذاك الامر الدنيوي ولا ثواب له. كما اشير إليه في قوله تعالى (نؤته منها) ولا دلالة لها على ان التكاليف الواردة في الشريعة المقدسة عبادية. هذا ومما يدلنا على ذلك أو يؤيده ان لازم الاستدلال بالآية والاخبار المتقدمين اعتبار قصد القربة في جميع الواجبات الشرعية وهو مما لا يمكن الالتزام به. إذ كيف يمكن أن يقال أن غسل الثوب أو الانفاق على الزوجة أو رد السلام أو غيرها من الواجبات امور عبادية يعتبر فيها قصد القربة فهذا مما لا يمكن القول به للزوم تخصيص الاكثر المستهجن لان اكثر الواجبات توصلية. [ كفاية نية واحدة عن الاغسال الثلاثة: ] (1) وقع الكلام في أن الاغسال الثلاثة الواجبة أفي غسل الميت

[ 103 ]

[ ولو اشترك اثنان يجب على كل منهما النية (1) ولو كان ] - اعني الغسل بالسدر والغسل بالكافور والغسل بالماء القراح عمل وعبادة واحدة ليكتفي فيها بنية واحدة أو انها عبادات متعددة فتجب النية لكل واحد من الاغسال؟ فقد يقال: - كما في المتن - إنها عمل واحد استظهارا من الامر الواحد المتعلق بالاغسال الثلاثة حيث امر بها بأمر واحد، ومن ثمة ذكر (قده) أن الاقوى كفاية النية الواحدة في الجميع هذا. والصحيح ان هذا النزاع لا يرجع إلى محصل لانه مبني على أن تكون النية بمعنى الاخطار بالقلب فيتكلم حينئذ في انه يجب اخطار الغسل مرة واحدة أو ثلاث مرات. واما بناءا على ما هو الصحيح من أن النية بمعنى الاتيان بالعمل بداع الهي أي بداع مضاف إلى الله سبحانه فلا معنى لهذا النزاع اصلا. لان وجود الداع الالهي إذا كان معتبرا في العبادية فلا يفرق في ذلك بين الحدوث والبقاء لاعتبار بقاء هذه الاضافة إلى آخر اجزاء العمل ومعه يعتبر في جميع تلك الاغسال اضافتها إلى الله سبحانه بنحو من انحائها حتى بقاءا سواء قلنا انها عمل واحد أو اعمال متعددة. (1) لان كلا منهما يأتي بشئ من الواجب العبادي فلو لم ينو احدهما القربة لم يأت بواجبه.

[ 104 ]

[ احدهما معينا والآخر مغسلا وجب على المغسل النية (1) وان كان الاحوط نية المعين أيضا. ولا يلزم اتحاد المغسل (2) فيجوز توزيع الثلاثة على ثلاثة. ] [ المعين لا يعتبر فيه النية: ] (1) وفيه: ان الاعانة خارجة عن الغسل المأمور به ولا يعتبر في الاعانة النية بوجه نعم لو نوى بها القربة ترتب عليه الثواب لانه عمل لابد منه في الخارج وقد قصد به القربة، ومن هنا يظهر ان قوله (وان كان الاحوط نية المعين أيضا) مما لا وجه له. [ المغسل لا يعتبر فيه الوحدة: ] (2) لان الامر انما تعلق بطبيعي المكلفين ولم يتعلق بشخص دون شخص ولا يقاس ذلك بالصلاة على الميت وذلك للعلم الخارجي بانها. لابد من أن تصدر عن مكلف واحد لما ورد من أن أولها التكبيرة وآخرها التسليمة فهي عمل واحد غير قابل للتبعيض بأن يأتي بعض ببعضها ويأتي بعض آخر ببعضها الآخر. وهذا بخلاف المقام لان مقتضى الاطلاق بعد فرض الواجب كفائيا جواز صدورها من اشخاص متعددين.

[ 105 ]

[ بل يجوز في الغسل الواحد التوزيع مع مراعاة الترتيب (1) ويجب حينئذ النية على كل منهم (2). ] (1) لعين ما مر، ولعدم قيام الدليل على لزوم كونه صادرا عن مغسل واحد كما في الصلاة. (2) لان كل واحد منهم يأتي بالغسل الواحد أو ببعضه وهو واجب عبادي.

[ 106 ]

[ (فصل) ] [ تجب المماثلة بين الغاسل والميت في الذكورية والانوثية (1) ] [ (فصل) ] اعتبار المماثلة بين الغاسل والميت: (1) لجملة من الاخبار المعتبرة الدالة على أن الميت إذا لم يكن عنده من يماثله أو من محارمه ولو من النساء وانحصر من عنده بغير المماثل من غير محارمه دفنه غير المماثل من غير تغسيل (1) هذا. وقد نسب إلى الشيخين والحلبي ومن المتأخرين إلى صاحب المفاتيح وجوب التغسيل حينئذ من فوق اللباس وعن ابن زهرة ان الغسل احوط بل عن المفاتيح تغسيله مع وجوب غض البصر على المغسل لئلا يقع نظره على بدن الميت الاجنبي غير المماثل. وهذا مما لا دليل عليه سوى جملة من الاخبار الواردة في ان من


(1) الوسائل: باب 21 و 1 و 2 و 3 و 4 وباب 24 من أبواب غسل الميت ح 12 وغيره.

[ 107 ]

[ فلا يجوز تغسيل الرجل للمرأة ولا العكس ولو كان من فوق اللباس ولم يلزم لمس أو نظر إلا في موارد: أحدها: الطفل الذي لا يزيد سنه عن ثلاث سنين ] عند الميت إذا انحصر بغير المماثل وغير المحارم غسله غير المماثل من فوق اللباس، إلا ان هذه الروايات ضعيفة السند باجمعها ولا يعارض بها الاخبار المعتبرة المتقدمة. على أنا لو أغمضنا عن سندها لم يكن مناص من حملها على الاستحباب لانه مقتضى الجمع العرفي بينهما حيث ان الامر بدفن الميت من غير غسل أو النهي عن تغسيله حينئذ نصان صريحان في جواز الدفن من غير غسل. ومعه يحمل الامر بغسله من فوق الثياب على الاستحباب. والامر والنهي لا ينافيان استحباب الغسل من فوق الثياب لان النهي ورد في مقام توهم الوجوب لوجوب تغسيل الموتى. والامر ورد في مقام توهم الحظر لحرمة دفن الميت من غير غسل وهما ظاهران في الجواز دون الحرمة والوجوب، والجواز يجتمع مع الاستحباب.

[ 108 ]

[ احدها: الطفل الذي لا يزيد سنة عن ثلاث سنين فيجوز لكل منهما تغسيل مخالفه (1) ] الموارد المستثناة عن اعتبار المماثلة: الطفل والطفلة: (1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: أحدهما: الصبي وثانيهما: الصبية. أما المقام الاول: فقد ادعوا الاجماع على عدم اعتبار المماثلة بين الغاسل والميت في محل الكلام - وهو الصبي الذي لا يزيد سنه عن ثلاث سنين - والعبرة في ذلك بزمان الموت دون الاغتسال بمعنى أن يكون قد عاش حيا ثلاث سنين وان وقع غسله بعد ثلاث سنين وهذا هو الصحيح. وذلك لاطلاق الادلة الدالة على وجوب تغسيل الاموات وعدم تقييدها بما إذا كان الغاسل مماثلا للميت، ولا مزاحم لهذا الاطلاق. فان الاخبار المتقدمة الدالة على أن الرجل أو المرأة إذا مات ولم يكن عنده من يماثله يدفن كما هو بثيابه من غير غسل مختصة بالرجل والمرأة وهما غير شاملين للصبي والصبية في مفروض الكلام. لان غاية ما هناك أن نتعدى منهما إلى المميز من الصبي والصبية بمناسبة الحكم والموضوع، واما غير المميز منهما - كما هو مفروض المسألة اعني الصبي أو الصبية غير المتجاوزين عن ثلاث سنوات - فلا

[ 109 ]

فالاطلاق غير مزاحم. ويدل على ذلك صريحا موثقة عمار بن أبي عبد الله (ع) انه سئل عن الصبي تغسله امرأة؟ قال: (انما يغسل الصبيان النساء) (1) حيث دلت على أن غسل النساء للصبيان أمر متعارف عادي. واما المقام الثاني: فالامر فيه أيضا كذلك لان مقتضى الاطلاق عدم اعتبار المماثلة بين الغاسل والصبية كالصبي، والاخبار الدالة على اعتبار المماثلة غير شاملة للصبي والصبية - كما تقدم - فالاطلاقات لا مزاحم له. إلا أنه ربما يقال باعتبار المماثلة في الصبية دون الصبي لوجهين: أحدهما ما عن المعتبر من ان الاصل حرمة النظر أي حرمة نظر الاجنبي إلى الصبية. وفيه: أنه ان اريد من ذلك أن الرجل الاجنبي يحرم عليه النظر إلى بدن الصبية حتى وجهها وكفيها وغيرهما سوى عورتها فهو مقطوع الخلاف للسيرة القطعية الجارية على جواز ذلك بل جواز نظر الرجل إلى الصبية غير المميزة من المسائل المتسالم عليها بينهم. وإن أريد منه أن الرجل يحرم عليه النظر إلى عورة الصبية ولمسها. فيندفع بانه على تقدير ثبوته لا ملازمة بين حرمته وعدم جواز تغسيله لامكان التغسيل من غير نظر ولا لمس. وقد يستدل على اعتبار المماثلة وعدم جواز تغسيل الرجل للصبية بموثقة عمار المتقدمة (2) حيث ورد في ذيلها: وعن الصبية تموت


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب غسل الميت ح 3. (2) في المقام الاول المتقدم آنفا.

[ 110 ]

[ ولو مع التجرد ومع وجود المماثل وان كان الاحوط الاقتصار على صورة فقد المماثل ]. ولا تصاب امرأة تغسلها قال (ع): (يغسلها رجل أولى الناس بها. لدلالتها على أن حكم الصبية حكم المرأة في انه إذا لم يوجد المماثل يغسلها الرجل من ذوي الارحام ولا يجوز أن يغسلها الاجنبي. ويرده: إن المراد باولى الناس بها إما هو الاولوية العرفية - أعني من يلي أمرها - لان الطفل بهذا السن لا يتمكن من ادارة شؤونه من المأكل والمشرب والمنكح وغيرها ولاسيما الصبية فيحتاج إلى من يدير أمره وشؤونه وهو أولى الناس به عرفا. واما ان يراد به الاولوية في الارث - كما هو الحال في الصلاة عليه والدفن وغيرهما على ما تقدم من انهما هي لاولى الناس بالميت من حيث الارث -. وعلى كلا التقديرين لا دلالة لها على اعتبار كون الرجل المغسل للصبية محرما لان الاولوية في الارث لا تستلزم المحرمية بل مقتضى اطلاقها عدم اعتبار كون الرجل من المحارم. ولعل الوجه في تقييد الرجل في الرواية بكونه أولى الناس بها عدم جريان العادة على تغسيل الرجال ومباشرتهم لتنظيف الاطفال وانما جرت العادة على تغسيل المرأة الصبي والصبية فتراهن يصحبن الصبي أو الصبية معهن إلى الحمامات ويغسلنهم دون الرجال، ومن ثمة قيدت الرجل بكونه أولى الناس بها وممن يتصدى لامر الصبية وشؤونها. هذا كله في أصل عدم اعتبار المماثلة بين الغاسل والصبي والصبية.

[ 111 ]

التقييد بعدم زيادة السن عن ثلاث: واما تقييد ذلك بما إذا لم يزد سنهما على ثلاث سنوات فهو المشهور بين الاصحاب وقد ورد ذلك في رواية أبي نمير: قلت لابي عبد الله (ع) حدثني عن الصبي إلى كم تغسله النساء؟ فقال (ع) (إلى ثلاث سنين) (1). وهي وان كانت واردة في الصبي إلا أنها تدل على عدم جواز تغسيل الرجل الصبية بعد ثلاث سنين بطريق اولى. ولا يمكن المساعدة على ذلك بوجه لضعف الرواية بأبي نمير إذ لم يوثق ولم يمدح في الرجال. ودعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور على طبقها يردها ما مر غير مرة وان رواها المشائخ الثلاثة. وعليه فالتحديد بثلاث سنين إن كان اجماعيا فهو وإلا فهو حكم مشهوري لا مثبت له. فلا فرق في عدم اعتبار المماثلة بين الغاسل والصبي والصبية قبل ثلاث سنين وبعدها إلى زمان التمييز. هذا وعن المقنعة والمراسم تحديد ذلك في الصبي - لا في الصبية - بما إذا كان ابن خمس سنين واما إذا زاد سنه على ذلك فلا يجوز للنساء ان يغسلنه بل يدفنه بثيابه. وهذا مما لم نقف على مدرك، نعم نقله الصدوق عن شيخه


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب غسل الميت ح 1.

[ 112 ]

محمد بن الحسن بن الوليد في جامعه - بالاضافة إلى الصبية. فحسب - ونقل حديثا بهذا المعنى ناسبا له إلى الحلبي. وفي الوسائل عن الشهيد في الذكرى أن الصدوق رواه مسندا (1) عن الحلبي عن الصادق (ع) في كتاب مدينة العلم (2). إلا أن شيئا من ذلك لا يصلح للاستدلال به أما ما ذكره شيخ الصدوق في جامعه فهو فتوى منه ولا اعتبار بها في حقنا. وأما ما نسبه إلى الحلبي فلعدم العثور على سنده وكذا الحال فيما نقله الشهيد عن الصدوق في مدينة العلم من الرواية المسندة إذ لا علم لنا بسند ذاك الحديث. فالصحيح عدم الاعتبار بالتحديد بثلاث أو بخمس سنين وثبوت الحكم في حق الصبي والصبية غير المميزين لان مقتضى الاطلاقات عدم اعتبار المماثلة بين الغاسل والميت. وانما التزمنا بها للاخبار المتقدمة وهي مختصة بالرجل والمرأة إلا أن مناسبة الحكم والموضوع يقتضي إلحاق المميز من الصبي والصبية بهما باعتبار المماثلة فيه دون غير المميز منهما.


(1) الوسائل: باب 23 من أبواب غسل الميت ح 4. (2) وهو كتاب لم نره ولم نر من راه لانه كتاب قد فقد.

[ 113 ]

[ الثاني: الزوج والزوجة فيجوز لكل منهما تغسيل الآخر ولو مع وجود المماثل ومع التجرد (1) ] [ من الموارد المستثناة: الزوج والزوجة ] (1) هذا هو المشهور بين الاصحاب أو الاشهر، وعن الشيخ في التهذيبين وابن زهرة في الغنية والحلبي اختصاص الحكم بصورة الاضطرار وعدم جواز تغسيل كل منهما الآخر إلا مع عدم المماثل والكلام في هذه المسألة يقع في مقامين. أحدهما: في جواز تغسيل كل منهما الآخر في الجملة. وثانيهما: بعد ثبوت اصل الجواز هل هو مطلق أو أنه يجوز من وراء الثوب أو الدرع. اما المقام الاول: فلا اشكال في جواز تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه ولو مع وجود المماثل ويدل عليه الاخبار الكثيرة: منها: صحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل أيصلح له أن ينظر إلى امرأته حين تموت أو يغسلها؟ فقال: (لا بأس بذلك انما يفعل ذلك اهل المرأة كراهية أن ينظر زوجها إلى شئ يكرهونه منها) (1). ومنها: ما عن الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: سئل عن


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 24 من أبواب الميت ح 1.

[ 114 ]

[ وان كان الاحوط الاقتصار على صورة فقد المماثل وكونه من وراء الثياب. ] الرجل يغسل امرأته؟ قال: (نعم من وراء الثوب لا ينظر إلى شعرها ولا إلى شئ منها، والمرأة تغسل زوجها لانه إذا مات كانت في عدة منه، وإذا ماتت هي فقد انقضت عدتها) (1) وعلل عدم نظر الزوج إلى زوجته في بعضها الآخر بانه مما يكرهه اهل المرأة - كما مر في الصحيحة المتقدمة - ومنها: غير ذلك من الاخبار المصرحة بالجواز. واما الاخبار المستدل بها على عدم جواز ذلك إلا مع الاضطرار. فمنها: ما دل على أن الرجل لا يغسل المرأة إلا أن لا توجد امرأة كما في رواية أبي حمزة (2) وغيرها (3). وفيه: ان ما دل على ذلك مطلق وغير مختص بالزوج والزوجة فعلى تقدير اعتبار سنده لابد من الخروج عنها بما دل على جواز تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه وهو ظاهر. ومنها: صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يموت وليس معه إلا النساء قال: (تغسله امرأته لانها منه في عدة وإذا


(1) الوسائل: الجزء 4 باب 24 من أبواب غسل الميت ح 11. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 20 من أبواب غسل الميت ح 10. (3) كما فيما رواه أبو بصير قال: قال أبو عبد الله (ع) يغسل الزوج امرأته في السفر والمرأة زوجها في السفر إذا لم يكن بينهم رجل.

[ 115 ]

ماتت لم يغسلها لانه ليس منها في عدة) (1) حيث دلت على عدم جواز تغسيل الزوج زوجته. والجواب عنها: انها وان كانت معتبرة بحسب السند إلا انه لا مناص من حلها على التقية. لما قيل من ذهاب بعض العامة إلى ذلك لدلالة الاخبار الكثيرة المتقدمة على الجواز وقد اشتمل بعضها على هذا التعليل أو التعليل بان ذلك مما يكرهه أهل الزوجة فان ذلك تعليل بالامر الخارجي ولا تدل على عدم الجواز شرعا. بل يستفاد منها الجواز وانما المنع من جهة امر آخر ليس راجعا إلى الشرع، كيف؟ وقد ورد في بعضها ان الزوج احق بزوجته حتى يضعها في قبرها، ومع التصريح بالجواز لابد من حمل الصحيحة على التقية. أو تحمل الصحيحة على الافضلية جمعا بينها وبين صحيحة الحلبي. ومنها: الاخبار الواردة في أن فاطمة (ع) غسلها علي (ع) لانها كانت صديقة والصديقة لا يغسلها إلا صديق (2). وفيما رواه مفضل بن عمر: قلت لابي عبد الله (ع) من غسل فاطمة عليها السلام؟ قال: (ذاك أمير المؤمنين (ع)) فكأنما استضقت (استفظعت) ذلك من قوله، فقال لي: كأنك ضقت مما اخبرتك به؟ فقلت: قد كان ذلك جعلت فداك فقال: (لا


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 24 من أبواب غسل الميت ح 1 (2) الوسائل: الجزء 2 باب 24 من أبواب غسل الميت ح 6 و 15 و 16 و 17 ونحوها.

[ 116 ]

تضيقن فانها صديقة لم يكن يغسلها إلا صديقة.) (1). لدلالتها على ان الرجل لا يجوز له أن يغسل زوجته إلا في مقام الضرورة وعدم المماثل حيث استعظم الراوي تغسيل الامام (ع) لفاطمة (ع) وهو كاشف عن عدم جواز تغسيل الرجل زوجته واجابه (ع) بان ذلك لكونها صديقة وحيث لم توجد في النساء صديقة فغسلها أمير المؤمنين (ع) لانه صديق. ولا يخفى ان تلك الروايات لا دلالة لها على كراهة تغسيل الزوج زوجته فضلا عن الحرمة وذلك لان الراوي لم يستعظم ذلك من جهة علمه بحرمته وذلك لان أمير المؤمنين (ع) لم يكن يرتكب امرا غير مشروع. وانما كان مستندا إلى عظمة مقامه وعدم مناسبته له، لانه (ع) لم يكن غسل إلى ذلك الزمان سوى النبي صلى الله عليه وآله، وتغسيل الاموات ولا سيما المرأة لم يكن مناسبا لمقامه فان النساء انما يغسلهن النساء دون الرجال فاستعظم ذلك. واجاب (ع) بانه لمكانة فاطمة (ع) لانها صديقة، والصديقة لا يغسلها إلا صديق. ومنها: رواية أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع) (يغسل الزوج امرأته في السفر والمرأة زوجها في السفر إذا لم يكن معهم رجل) (2) لدلالتها على اعتبار المماثلة مع الاختيار.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 24 من أبواب غسل الميت ح 6. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 24 من أبواب غسل مس الميت ح 14.

[ 117 ]

ويدفعها: أنها ضعيفة السند بقاسم بن محمد الجوهري (1) فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه. فتحصل انه لا اشكال في جواز تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه في الجملة. هذا كله بالاضافة إلى المقام الاول. عدم اشتراط كون تغسيلهما من فوق الثياب: ] اما المقام الثاني: وهو أن تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه هل يشترط أن يكون من فوق الثياب أو الدرع - الذي هو بمعنى القميص في المقام -؟ أو يجوز أن يغسل كل منهما الآخر ولو مجردا؟ ذهب المشهور - كما عن المسالك - وأكثر العلماء - كما عن المختلف - إلى اعتبار كون الغسل من فوق الثياب والدرع لئلا يقع نظر كل منهما إلى بدن الآخر وعورته، وعن الشيخ (قده) في الاستبصار التفصيل بين تغسيل الزوج زوجته فيعتبر وتغسيل الزوجة زوجها فلا يعتبر. وتفصيل الكلام في ذلك يقع في مقامين: [ تغسيل الزوجة زوجها: ] (أحدهما): في تغسيل الزوجة زوجها، وحاصل الكلام فيه


(1) تقدم غير مرة ان قاسم بن محمد الجوهري ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات ومعه لا يبقى اي ضعف في السند.

[ 118 ]

أنا لم نعثر على دليل يدل على اعتبار كون ذلك من فوق الثياب. بل صحيحة عبد الله بن سنان (1) وغيرها من الاخبار المشتملة على التفصيل بين الزوج والزوجة في جواز النظر إلى بدن الآخر بعد الموت عللت بان الزوجة في عدة من زوجها فلها أن تنظر إلى بدنه، والزوج ليس في عدة من زوجته فليس لها أن ينظر إلى بدنها بعد الموت فتدل على جواز نظر الزوجة إلى بدن زوجها الميت وتغسيلها له ولو مجردا نعم: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يموت وليس عنده من يغسله إلا النساء هل تغسله النساء؟ قال (ع) (تغسله ا امرأته وذات محرم وتصب عليه الماء صبا من فوق الثياب) (2) بناء على رجوع القيد) من فوق الثياب إلى كل من (تغسله امرأته) و (ذات محرم). فالرواية مشعرة باعتبار كون الغسل من فوق الثياب. إلا أن الرواية - مضافا إلى ضعف سندها - قاصرة الدلالة لان القيد كما يحتمل رجوعه إلى كل من (تغسله المرأته) و (ذات محرمة) كذلك يحتمل رجوعه إلى تغسيل ذات المحرم فقط. وقد ورد في بعض الاخبار أن ذات المحرم تغسل الميت من فوق الثياب. وعلى الجملة لا يعتبر في تغسيل الزوجة زوجها أن يكون التغسيل من فوق الثياب.


(1) المتقدمة في المقام الاول. (2) الوسائل: الجزء 4 باب 20 من أبواب غسل الميت ح 4.

[ 119 ]

تغسيل الزوج زوجته: و (ثانيهما): في تغسيل الزوج زوجته؟ وهل يعتبر فيه أن يكون تغسيله من فوق الثياب أو لا يعتبر؟. الصحيح عدم اعتباره وجواز تغسيله لها مجردة وذلك لان الاخبار المشتملة على أن الزوج يغسل زوجته من فوق الثياب لا يستفاد منها ان كون التغسيل من فوق الثياب شرط تعبدي في جواز التغسيل وصحته. بل يستفاد من جملة من الاخبار أن ذلك من جهة أن لا يقع نظره على زوجته بعد موتها لان المرأة أسوأ منظرا حين تموت، وهذا كما في صحيحتي الكناني وغيرها (1). فالامر بكون الغسل من فوق الثياب من جهة أن النظر اليهن مستنكر لا من جهة انه شرط تعبدي فلو غسلها في ظلمة أو كان اعمى لم يعتبر في تغسيله أن يكون من فوق الثياب. بل يستفاد منها ان استنكار النظر إلى الزوجة بعد موتها انما هو لامر خارجي لا أنه امر مكروه أو مبغوض شرعا وذلك لدلالتها على أن ذلك لكراهية أهل الزوجة ذلك ولعدم رضاهم بنظر الزوج إلى زوجته حينئذ. فعليه ما ذكره جملة من الاصحاب من جواز تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه ولو مجردا هو الصحيح.


(1) راجع الحديث 7 و 12 من باب 24 من أبواب غسل مس الميت.

[ 120 ]

إلا أن الافضل ان يكون تغسيل الزوج زوجته من فوق الثياب. وأما ما ورد في بعض الاخبار من أن الزوجة في عدة من زوجها بعد الموت وليس الزوج في عدة من زوجته (1) فلابد من حمله على انه ليس في عدة منها بمرتبة لا أن العلقة الزوجية منقطعة بينهما مطلقا. وإلا فلو كان الزوج اجنبيا عن زوجته بالمرة فكيف ساغ له أن يغسلها من فوق الثياب والدرع - كما في الاخبار - لان الاجنبي لا يجوز ان يغسل الاجنبية ولو من فوق الثياب، وكيف جاز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها وشعرها. مع أن صحيحة الحلبي صريحة في جوازه. بل نفس الاخبار الدالة على جواز تغسيلها من فوق الثياب والدرع دالة على بقاء العلقة الزوجية وجواز نظر الزوج إلى زوجته بعد الموت. لان القميص والدرع انما يستران من فوق المنكب إلى الركبة أو إلى الرجل ويبقى الرأس والرقبة مكشوفان وكذا تبقى يدها من الذراع إلى آخر كفها وكذا رجلاها مكشوفة فكيف جاز له أن ينظر إليها. وغاية ما يمكن استفادته من الاخبار أن الزوج والزوجة يجوز لكل منهما أن يغسل الآخر، وان كان الافضل تغسيل الزوج زوجته فوق الثياب.


(1) الوسائل: باب 24 من أبواب غسل الميت 13 و 11.

[ 121 ]

[ ويجوز لكل منهما النظر إلى عورة الآخر وان كان يكره (1). ] جواز نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر: ] (1) وقع الكلام في أن الزوج والزوجة هل يجوز لكل منهما النظر إلى عورة الآخر بعد الموت أو لا يجوز؟ قد يقال بالجواز للاطلاقات - أعنى ما دل على ان الزوج يغسل زوجته والزوجه تغسل زوجها - بعد حمل ما دل على التغسيل مع الدرع أو الثوب أو بالقاء الخرقة على الاستحباب. وقد يقال بعدم الجواز نظرا إلى انقطاع العلقة الزوجية بالموت فلا يجوز لكل منهما النظر إلى عورة الآخر لانه من النظر إلى عورة الاجنبية. ولكن الصحيح هو الجواز (على كراهية) وذلك اما بالاضافة إلى الزوجة ونظرها إلى عورة زوجها الميت فلانه لم يرد المنع عن نظر الزوجة إلى عورة زوجها بعد الموت إلا في رواية زيد الشحام: (.. وان كان له فيهن امرأة فليغسل في قميص من غير ان تنظر إلى عورته) (1) أي إلى عورة الزوج، وهي وان كانت دالة على المنع عن النظر.


(1) الوسائل ج 2 ب 20 من ابواب غسل الميت ح 7.

[ 122 ]

إلا انها ضعيفة السند بأبي جميلة مفضل بن صالح وهو غير موثق في الرجال. على ان الاخبار الواردة في جواز تغسيل الزوجة زوجها معللة بأنها منه في عدة صريحة الدلالة على بقاء العلقة الزوجية بينهما، ومعها يجوز أن تنظر إلى عورة زوجها لا محالة، فبالاضافة إلى الزوجة لا اشكال في جواز نظرها إلى عورة زوجها. واما بالاضافة إلى الزوج ونظره إلى عورة زوجته فقد يستدل على حرمته بوجوه: (منها) رواية زيد الشحام المتقدمة آنفا لما ورد في صدرها (. فليغسلها من غير ان ينظر إلى عورتها.) وهي صريحة الدلالة على المنع إلا انها ضعيفة السند كما مر. و (منها): صحيحة الكناني (1) لقوله (ع) فيها: (ولا ينظر إلى عورتها) ومقتضى نهيه (ع) حرمة النظر إلى عورة الزوجة الميتة. (ويدفعه): انها قاصرة الدلالة على المدعى لان ذيل الصحيحة قرينة على ان النهي عن النظر إلى الزوجة وعورتها ليس نهيا تعبديا. وإنما هو لاجل أمر تكويني هو صيرورة المرأة أسوأ منظرا إذا ماتت وعدم رضى اهلها ان ينظر الرجل إلى ما يكرهون النظر إليه منها فلا يستفاد منها حرمة النطر تعبدا وانما النهي فيها إرشاد إلى ذلك الامر التكويني. و (منها) صحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج في السفر ومعه أمرأته أيغسلها؟


(1) الوسائل ج 2 ب 24 من أبواب غسل الميت ح 12،

[ 123 ]

[ ولا فرق في الزوجة بين الحرة والامة والدائمة والمنقطعة (1)، ] قال: نعم وأمه واخته ونحو هذا (1)، يلقي على عورتها خرقة) فان الامر بالقاء الخرقة انما هو لاجل عدم جواز النظر إلى عورتها. وفيه: ان الصحيحة مجملة لان قوله (ع) (ويلقي على عورتها خرقة) كما يحتمل رجوعه إلى تغسيل كل من امرأته وأمه واخته كذلك يحتمل رجوعه إلى تغسيل أمه واخته فحسب، هذا. على انها لو كانت ظاهرة في الاول فلا مناص من رفع اليد عن النهي فيها بحمله على الارشاد إلى الامر التكويني وسوء إذا ماتت بقرينة صحيحة الكناني وغيرها. وعليه فالصحيح جواز نظر كل منهما إلى عورة الآخر، ويؤكده اصالة البراءة عن حرمة النظر لعدم دلالة دليل على حرمة النظر إلى العورة بعد الموت. تعميم الحكم للمنقطعة: (1) لان الحكم انما ترتب على الزوجية وفي مثله لا يمكن التفرقة بين الدائم والمنقطع (اللهم الا ان يقوم دليل على اختصاصه بالدائم والمقام ليس كذلك) كما هو الحال في سائر الموارد التي رتب فيها


(1) الوسائل ج 2 ب 20 من ابواب غسل الميت ح 1.

[ 124 ]

[ بل والمطلقة الرجعية (1). ] الحكم على عنوان الزوجية. ودعوى انصرافها إلى الدائمة مما لا وجه له لان الزوجية في الشريعة المقدسة قسمان: دائم ومنقطع، فمع الاطلاق في لسان الدليل وعدم التقييد بأحدهما لابد من تعميم الحكم لكل منهما. تعميم الحكم للمطلقة الرجعية (1) وقع الكلام - بعد ثبوت جواز تغسيل كل من الزوج والزوجة صاحبه - في أن هذا يختص بما إذا كانت العلقة الزوجية باقية بحالها - كما إذا كان قبل الطلاق - أو يعم ما إذا كان بعد الطلاق وفي زمان العدة ما دامت لم تنقض؟ أما إذا كان الطلاق بائنا فلا ينبغي الاشكال في عدم جواز تغسيل كل منهما الآخر لاعتبار المماثلة بين الغاسل والميت وانما اخرجنا عنه في خصوص الزوج والزوجة وهما ليسا بزوج وزوجة في عدة الطلاق البائن بل كل منهما أجنبي عن الآخر وهذا ظاهر. وأما إذا كان الطلاق عديا فالمشهور أن المرأة في العدة الرجعية يجوز لها أن تغسل زوجها وبالعكس. وقد استدلوا على ذلك بما هو المعروف بين الاصحاب من ان المطلقة الرجعية بحكم الزوجة وهذا يدل على التنزيل وان المطلقة

[ 125 ]

الرجعية كالزوجة في الاحكام المترتبة عليها إلا ان يقوم دليل على الخلاف غير أن هذه الجملة مما لم ترد في شئ من الاخبار ولم تدل رواياتنا على تنزيل المطلقة الرجعية منزلة الزوجة في آثارها وإنما هو كلام مشهور بين الاصحاب. والذي ينبغي ان يقال في المقام: ان المطلقة الرجعية زوجة حقيقة لا أنها منزلة منزلة الزوجة. وتقريب ذلك: ما ذكرناه غير مرة من ان الامضاء الشرعي قد لا يكون على وفق ما قصده المنشئ في المعاملات والايقاعات بل الشارع يمضيه مشروطا بشئ، وهذا أمر ممكن في نفسه وواقع في جملة من الموارد. كما في الهبة والصرف والسلم والوقف حيث ان المنشئ قصد التمليك فيها من حين العقد إلا أن الشارع أمضاها مشروطة بالقبض والاقباض. وعلى الجملة ان الشارع المقدس قد يمضي ما أنشأه المنشئ على اطلاقه - كما في اكثر المعاملات والايقاعات الصحيحة. وقد لا يمضي على الاطلاق - كما في المعاملات الفاسدة كالربوي وغيره -. وقد يكون امضاؤه متوسطا بين الامرين فلا هو يمضيه مطلقا ولا هو لا يمضيه مطلقا، بل يمضيه مشروطا بشرط كما عرفت. ومعه يمكن ان يكون الطلاق من هذا القبيل لاي المنشئ وان قصد البينونة مطلقا إلا ان الشارع أمضاه بعد انقضاء العدة فالمرأة قبل انقضائها زوجة حقيقة.

[ 126 ]

[ وان كان الاحوط ترك تغسيل المطلقة مع وجود المماثل خصوصا إذا كان بعد انقضاء العدة (1) ] وهل هذا الامر الممكن واقع؟ الصحيح: نعم، وذلك. لما ورد في الروايات المعتبرة من ان المرأة (إذا انقضت عدتها فقد بانت) حيث علقت البينونة على انقضاء العدة، ومقتضى مفهوم الشرط: عدم البينونة قبل انقضاء العدة والبينونة في قبال الزوجية فيدل مفهوم الرواية على ان الزوجية باقية قبل انقضاء العدة. ويؤيده ما ورد من مرغوبية تزيين المطلقة الرجعية وارائة نفسها من زوجها لعله يرغب في نكاحها والرجوع إليها مع ان الاجنبية لا يجوز لها أن تتزين وتري نفسها للاجنبي. ولاجل ما ذكرنا يجوز لزوجها أن ينظر إليها في زمان العدة ويقبلها ويمسها بل يجوز له كل شئ حتى وطؤها ولو بقصد الزنا وعدم الرجوع. وإن استفدنا من الروايات ان الوطي بنفسه رجوع وهو مبطل للطلاق السابق عليه بخلاف مثل التقبيل واللمس والنظر فكونها رجوعا يحتاج إلى القصد. فالمتحصل: ان المطلقة الرجعية زوجة حقيقة فيجوز لها أن تغسل زوجها وبالعكس. تغسيل الزوجة زوجها بعد عدة الوفاة: (1) ذكرنا أن كلا من الزوج والزوجة يجوز لكل منهما أن

[ 127 ]

يغسل الآخر وينظر إلى بدنه حتى إذا كانت في عدة الطلاق. وهل يجوز ذلك للزوجة بعد انقضاء عدة الوفاء؟ فيه: خلاف بين الاصحاب، والظاهر من محكي كلام الشهيد أن الجواز هو المشهور بيننا، بل الامر كذلك وان تزوجت. وذلك للاطلاقات الدالة على أن الزوج والزوجة يجوز لكل منهما أن يغسل الآخر حيث يستفاد منها كفاية الزوجية حال الممات في جواز تغسيل كل منهما الآخر - كانت في عدة الوفاة أو بعد انقضائها متزوجة كانت ام غير متزوجة - وان كانت المسألة بعيدة الوقوع والاتفاق، لبعد بقاء الميت بحاله من دون ان يتلاشى في مدة العدة وهي أربعة اشهر وعشرا أو بوضع الحمل أو بأبعد الاجلين وتزوجها من زوج ثان. إلا أنه يمكن أن يفرض ذلك بسهولة في البلاد الباردة جدا لان الميت إذا بقيت جثته تحت الثلوج يبقى مدة مديدة كسنة ونحوها من دون أن تتلاشى اعضاؤه واجزاؤه. إلا أنه قد يقال بعدم الجواز نظرا إلى أن طول المدة يصير المرأة اجنبية عرفا، وبه تزول العلقة الزوجية بينهما، والاجنبية لا يجوز لها أن تغسل الاجنبي. وفيه: ان العلقة الزوجية انما تنقطع بالموت عرفا لا بانقضاء العدة، والعدة انما هي حكم شرعي تعبدي انما جعلت تجليلا للميت واحتراما له لا لبقاء العلقة الزوجية إذ لا معنى لاعتبار الزوجية للجماد الذي منه الميت. فالاخبار دلت على ترتب الحكم على الزوجية حال الموت وانها

[ 128 ]

[ وخصوصا إذا تزوجت بغيره إن فرض بقاء الميت بلا تغسيل إلى ذلك الوقت واما المطلقة بائنا فلا اشكال في عدم الجواز فيها. ] الموضوع لجواز تغسيل كل منهما الآخر بعد الموت وهي امر لا ينقلب عما وقع عليه بعد الوقوع. على أن ذلك تنافيه التعليلات الواردة في الاخبار بان الزوجة منه في عدة - كما في صحيحة عبد الله بن سنان وغيرها من الاخبار المتقدمة المصرحة بأن الزوجة لها أن تغسل زوجها وتنظر بدنه مادام لم تنقض عدتها - وهي اربعة اشهر وعشرا أو غيره كما مر. ومنها: يستكشف ان طول المدة كأربعة اشهر وعشرا غير موجب لزوال العلقة الزوجية تعبدا، فإذا لم تنقطع العلقة بتلك المدة لم تنقطع بزيادة ساعة أو يوم عليها كما إذا انقضت عدتها وبعد ساعة ارادت ان تغسل الرجل فطول المدة غير مانع عن المدعى. وقد يستدل عليه بأن الاخبار الدالة على جواز تغسيل الزوج أو الزوجة صاحبه تنصرف إلى الغسل المتعارف كالغسل بعد ساعة من الموت أو ساعتين ونحو ذلك ولا يشمل الفروض النادرة. وفيه: ان الانصراف بدوي وهو مما لا موجب له. على أن ذلك مما تدفعه التعليلات الواردة في الاخبار لان مقتضاها جواز تغسيل الزوجة زوجها مادامت لم تنقض عدتها وظاهر ان الغسل في آخر ايام العدة كالعشرة بعد أربعة اشهر امر نادر أيضا. ومع ذلك تشمله الاخبار من غير شبهة.

[ 129 ]

على انه لا فرق في الندرة بين تغسيلها قبل انقضاء عدتها وتغسيلها بعده بساعة وقد صرحت الاخبار المتقدمة بان الزوجة لها أن تغسل زوجها ما دام لم تنقض عدتها الشاملة لتغسيلها في آخر ازمنة عدتها. وعن بعضهم الاستدلال على ذلك بأن الاخبار المتقدمة قد صرحت بجواز تغسيل الزوجة زوجها إلى ان تنقضي عدتها لتعليلها ذلك بانها منه في عدة فهذه تدلنا على أنه إذا انقضت عدتها ليس لها ذلك لانها ليست منه في عدة. وهذا الاستدلال لعله احسن ما استدل به في المقام إلا انه لا يمكن المساعدة عليه أيضا، لما عرفت من ان تلك الاخبار لابد من التصرف فيها بقرينة صحيحة الحلبي الدالة على جواز تغسيل الزوج زوجته ولو من وراء الثياب مع ان الزوج ليس في عدة من زوجته. ومن الجمع بين الاخبار يظهر أن تلك التعليلات ليست تعليلات لجواز التغسيل وانما هي تعليلات لجواز النظر إلى البدن لان الزوج ليس في عدة من زوجته ومع ذلك جاز له تغسيل زوجته كما مر. فلابد من حملها على جواز النظر إلى بدن زوجها لا إلى جواز تغسيلها فان التغسيل جائز - كان هناك عدة أم لم تكن كما في الزوج - نعم الزوج ليس له أن ينظر إلى بدن زوجته كراهة أو تحريما لعدم كونه من زوجته في عدة والزوجة لها ذلك لكونها منه في عدة. وعليه فبعد انقضاء العدة يكون حال الزوجة حال الزوج قبل الانقضاء فيجوز لها اصل التغسيل وليس لها أن تنظر إلى بدن زوجها حينئذ كراهة أو تحريما كما تقدم. فالصحيح في المسألة هو الجواز وان كان الاحوط ترك ذلك بعد انقضاء العدة ولو لاحتمال كون

[ 130 ]

[ الثالث: المحارم بنسب أو رضاع (1) ] طول المدة قاطعا للعلقة الزوجية - كما قيل - من المورد المستثناة: المحارم: (1) كما هو المشهور، بل لعل المسألة مما لا خلاف فيها، فمع وجود المحرم لا يدفن الميت من غير غسل. وانما الكلام في أن جواز تغسيل المحارم مشروط بفقد المماثل والزوج أو الزوجة أو أن الحكم عام ويجوز تغسيل المحرم ولو مع وجود المماثل والزوج والزوجة؟ الصحيح هو الاختصاص وكونه مشروطا بفقد المماثل والزوج أو الزوجة وذلك لان الاخبار الدالة على جواز تغسيل المحارم كلها واردة في فرض الاضطرار وفقد المماثل أو الزوج والزوجة فيستفاد من مجموعها ان اعتبار المماثلة في صورة الاختيار كان مرتكزا في أذهان المتشرعة. ويؤيد هذا الارتكاز ما ورد من أن المرأة لا يغسلها إلا المرأة (1)


(1) الموجود في الرواية: لا يغسل الرجل المرأة الا أن لا توجد امرأة المروية في الوسائل ج 2 باب 20 ح 10 وفي باب 22 ح 7 من أبواب غسل الميت من الوسائل.

[ 131 ]

- وان كانت هذه الرواية ضعيفة من حيث السند - (1) فجواز تغسيل غير المماثل من الزوج والزوجة أو المحارم يحتاج إلى دليل ولا دليل على جوازه إلا في فرض الاضطرار وفقد المماثل والزوج والزوجة بل ان موثقة أو حسنة عبد الله بن سنان - بالوشاء -: قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إذا مات الرجل مع النساء غسلته امرأته، وان لم تكن امرأته معه غسلته أولاهن به وتلف على يدها خرقة) (2) تدل على ان النوبة لا اصل إلى المحارم مع وجود الزوجة. وقد مر ويأتي أن المراد بأولاهن هو المحارم لصراحة الاخبار في ان الميت إذا لم يكن عنده المحارم دفن من غير غسل لاعتبار المماثلة في غير المحارم. وبما أن الاخبار الواردة في اعتبار المماثلة مطلقة فمقتضى إطلاقها عدم جواز تغسيل المحارم مع الاختيار ووجود المماثل أو الزوج والزوجة لان الخروج عن تلك المطلقات يحتاج إلى دليل. وهو انما دل على سقوط هذا الاشتراط في المحارم عند فقدان المماثل والزوج والزوجة، فمرتبة المحارم متأخرة عن مرتبة الزوج والزوجة المساوية مع المماثل - على الصحيح - أو المتأخرة عنه - على بعض الاقوال - والحسنة أو الموثقة هي المحكمة في المقام.


(1) في السند محمد بن سنان وهو ممن لم تثبت وثاقته. (2) الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب غسل الميت ح 6.

[ 132 ]

اعادة وتوضيح: ذكرنا ان جواز تغسيل المحرم محرمه هو المشهور بل هو أمر متسالم عليه ومما لا خلاف فيه في الجملة. وانما الكلام في ان جواز تغسيل المحارم مشروط بفقد المماثل والزوج والزوجة أو انه غير مشروط بفقدهم؟ المعروف بينهم هو الاشتراط وذهب جماعة إلى عدم الاشتراط، وقد استدل عليه بالاطلاقات الدالة على وجوب تغسيل الميت كفائيا وانما خرجنا عن تلك المطلقات في غير المحارم لما دل على اعتبار المماثلة بين الغاسل والميت وانه يدفن من غير تغسيل فيما إذا لم يوجد المماثل. واما في المحارم فلم يقم على اعتبار المماثلة دليل فمقتضى الاطلاقات جواز تغسيل المحرم محرمه كان هناك مماثل ام لم يكن لان المحرم من احد افراد المكلفين حتى فيما إذا كان المماثل موجودا. وفيه: إن الاستدلال بالمطلقات وان كان صحيحا في نفسه إلا انه متوقف على عدم قيام الدليل على اعتبار المماثلة في المحارم في حال الاختيار وإلا فهو المتبع دون المطلقات كما يأتي إن شاء الله. وأخرى: يستدل عليه بصحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج في السفر ومعه امرأته أيغسلها؟

[ 133 ]

[ لكن الاحوط بل الاقوى اعتبار فقد المماثل ] قال (ع): (نعم وامه واخته ونحو هذا يلقي على عورتها خرقة) (1) حيث دلت على جواز تغسيل المحارم مطلقا من دون تقييد بما إذا لم يوجد مماثل. و (فيه): إن الصحيحة لا دلالة لها على المدعى لان السؤال فيها انما هو عن الرجل يخرج في السفر والسفر من موارد الاضطرار إذ لا يوجد فيه مماثل يغسل الميت غالبا فالصحيحة واردة في مورد فقد المماثل والاضطرار لا في صورة الاختيار. وقد يقال: ان السفر ليس من موارد الاضطرار إذ كثيرا ما يوجد فيه المماثل من النساء والرجال ولو من غير ذوات الارحام. ويندفع: بان مطلق وجود المماثل لا يكفي في ارتفاع الاضطرار وانما يرتفع الاضطرار بوجود مماثل مقدم للتغسيل وهو لا يوجد في السفر إلا نادرا فالاتيان بهذا القيد - اعني السفر - كاشف عن اختصاص الحكم بموارد الاضطرار إذ لو لم يكن له دخل في الحكم لم يكن لذكره وجه في الكلام وللزم ان يسأل عن مجرد جواز تغسيل الرجل زوجته فاضافة قيد السفر من جهة اختصاص الحكم بالاضطرار. إذن لا تكون هذه الصحيحة موجبة للخروج عما دل على اعتبار المماثلة بين الغاسل والميت إلا في حال الاضطرار فان لم يقم دليل على عدم اعتبارها في حال الاختيار لابد من اختصاص الحكم - اعني جواز تغسيل المحرم - بما إذا لم يوجد هناك مماثل. وهذا هو الصحيح اي لم يقم دليل على عدم اعتبار المماثلة في المحارم. وحيث أن الدليل يدل على اعتبارها، وهو الارتكاز المتشرعي


(1) الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب غسل الميت ح 1.

[ 134 ]

في الاذهان المؤيد بما ورد في رواية أبي حمزة من أن المرأة لا يغسلها إلا امرأة (1) فلابد من تخصيص جواز تغسيل المحارم بصورة فقد المماثل والاضطرار ويؤيده أيضا أن الاخبار الواردة في المقام كلها مختصة بصورة فقد المماثل أو السفر ولو في الاسئلة الواردة فيها فلم يقم دليل مخرج عن ذلك في صورة الاختيار، هذا. بل مقتضى حسنة ابن سنان أو موثقته عدم الجواز مع وجود المماثل أو الزوج: قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إذا مات الرجل مع النساء غسلته امرأته وان لم تكن امرأته معه غسلته أولاهن به، وتلف في يدها خرقة) (2). حيث دلت على أن المحارم انما يغسلن الرجل إذا لم تكن امرأته معه فمرتبة المحارم متأخرة عن الزوجة. نعم هي مختصة بالزوجة ولم يذكر فيها المماثل، إلا انها تدل على أن مرتبة المحرم متأخرة عن مرتبة الزوجة، والزوجة اما مرتبتها متساوية مع المماثل أو متأخرة عن مرتبته، وعلى كلا التقديرين تدل على أن مرتبة المحارم متأخرة عن مرتبة المماثل. فالمتحصل: أن مقتضى العموم المستفاد من الارتكاز والروايات المؤيد برواية أبي حمزة والمؤيد باشتمال الاخبار واختصاصها بمورد الاضطرار


(1) الوسائل: ج 4 باب 20 من أبواب غسل الميت ح 10 وفي باب 32 ح 7 وقد أسلفنا قبل الاعادة أن الموجود في الرواية: لا يغسل الرجل المرأة الا ان لا توجد امرأة. (2) الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب غسل الميت ح 6.

[ 135 ]

[ وكونه من وراء الثياب (1). ] هو اعتبار المماثلة بين الغاسل والميت مطلقا حتى في حق المحارم. وانما لا تعتبر المماثلة في المحارم عند الاضطرار وفقد المماثل. اشتراط تغسيل المحارم بكونه من وراء الثياب: (1) هل يعتبر في تغسيل المحارم ان يكون الغسل من وراء الثياب أو يجوز تغسيل الميت مجردا؟ المعروف هو الاول وذهب جماعة إلى الثاني وان المحرم يجوز له أن يغسل محارمه ولو مجردا وانما لا يجوز له أن ينظر إلى عورته لان المحرم يحرم عليه النظر إلى عورة محارمه وهذا هو الاظهر. وذلك لان الاخبار الواردة في المقام وان اشتملت على انه لا تخلع ثوبه ويصيب عليه الماء صبا أو من وراء الثياب وغير ذلك من التعابير، إلا انها لا تدل على ان الغسل من وراء الثياب واجب مولوي تعبدي. بل انما يستفاد منها عرفا انه من جهة حرمة النظر إلى بدن الميت والامر به ارشاد إلى التخلص من الحرام. ويدل على ذلك ما ورد في صحيحة منصور المتقدمة من الامر بالقاء الخرقة على عورتها لانه انما يصح فيما إذا كان بدن الميت عاريا وإلا فمع القميص أو الدرع على بدنه لا معنى للامر به. وبهذا يظهر أن التغسيل مجردا لا محذور فيه وانما المحرم النظر

[ 136 ]

إلى عورته ومن ثمة أمر (ع) بالقاء الخرقة على عورته حتى يتخلص به عن ذاك الحرام. بل يمكن أن يقال: إن التغسيل من وراء الثياب لاجل عدم وقوع النظر على بدن الميت ليس واجبا شرطيا في صحة الغسل أيضا. وذلك لانه بحسب الفهم العرفي انما هو مقدمة لعدم وقوع النظر على بدن الميت بحيث لو غسله ليلا أو كان المغسل اعمى لم يشترط في صحة الغسل ان يكون تغسيله من وراء الثياب. بل لو غسله مع النظر إلى بدنه وارتكابه عصيانا لم يبطل غسله وان ارتكب محرما. وعلى الجملة: حمل الامر أو النهي الواردين في الاجزاء والشرائط على بيان الشرطية أو الجزئية أو المانعية إنما هو لاجل الظهور. وبما أن الاخبار الآمرة بالتغسيل من وراء الثياب غير ظاهرة في الارشاد إلى الشرطية. فلا جرم يحمل الامر بها على بيان الوجوب النفسي دون الشرطي بل مقتضى المناسبة أن يكون ذلك واجبا نفسيا لانه بعد تجويز تغسيل المحرم محرمه أمر (ع) بالقاء الخرقة على عورته، وظاهره أن ذلك واجب في نفسه وليس شرطا في صحة التغسيل بوجه. إذا فلا وجه لرفع اليد عن ظواهر الاخبار في الوجوب النفسي المولوي بل نلتزم بوجوب كون التغسيل من وراء الثياب من غير أن يكون الاخلال به موجبا لبطلان التغسيل.

[ 137 ]

[ الرابع: المولى والامة (1) فيجوز للمولى تغسيل أمته إذا لم تكن مزوجة ولا في عدة الغير ولا مبعضة ولا مكاتبة. ] بقي هناك شئ: وهو أن حسنة أو موثقة ابن سنان المتقدمة اشتملت على الامر بلف الخرقة على يدها فهل هذا واجب معتبر في صحة تغسيل المحارم أو غير معتبر في صحته؟ الظاهر عدم اعتباره في التغسيل وذلك لان كون اللف واجبا تعبديا أمر لا نحتمله وليس ذلك إلا من جهة التحفظ عن وقوع النظر على بدن الميت أو مسه. إلا انه لما لم يكن محرما على المحرم لجواز أن يمعن بدنه وينظر إليه فلا مناص من أن يكون ارشادا إلى التحفظ عن مس عورة الميت من القبل والدبر لانه محرم عليه فلا يكون شرطا معتبرا في صحة التغسيل. فكما ان الامر بالتغسيل من وراء الثياب ارشاد إلى عدم جواز النظر إلى بدن الميت كذلك الامر بلف الخرقة على يدها ارشاد إلى عدم جواز مس عورتي الميت. من الموارد المستثناة: المولى والامة: (1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين.

[ 138 ]

(أحدهما): في تغسيل المولى امته. وثانيهما: في تغسيل الامة مولاها إذا مات. ومحل الكلام في المقامين انما هو الامة التي يجوز وطؤها للمولى كما إذا لم تكن مزوجة أو معتدة أو مبعضة أو مكاتبة قد ادت بعض ما عليها من الثمن. واما إذا كانت محرمة الوطي فهي خارجة عن محل الكلام لحرمة وطيها وعدم جواز نكاحها. أما المقام الاول: (تغسيل المولى أمته) فقد ادعي الاجماع على جواز تغسيل المولى أمته وانه لا يشترط فيه المماثلة، وفي كلام بعض آخرين ان الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب فالمسألة متسالم عليها بينهم ولم ينسب فيها الخلاف صريحا إلى أحد. وانما الكلام في مدرك هذا الحكم المتسالم عليه وأن الامة لماذا قد استثنيت عن كبرى ما دل على اعتبار المماثلة بين الغاسل والميت. والمدرك في ذاك الحكم إن كان هو الاجماع فلا كلام. إلا أن تحصيل اجماع تعبدي يوجب القطع أو الاطمئنان بقول الامام (ع) في المسألة صعب غايته، وذلك لاحتمال استنادهم في الحكم إلى الوجهين الآتيين، فلا يكون الاجماع تعبديا لا محالة. وقد يستدل عليه بانصراف ما دل على اعتبار المماثلة بين الغاسل والميت إلى ما إذا لم يجز للغاسل النظر إلى الميت ومسه، إذ المماثلة انما اعتبرت من اجل حرمة نظر غير المماثل إلى الميت وحرمة مسه فالموارد التي يجوز فيها النظر إلى الميت ويجوز مسه خارجة عن تلك الادلة لانصرافها إلى الموارد التي يحرم فيها المس والنظر.

[ 139 ]

و (فيه): إن ما دل على اعتبار المماثلة بين الغاسل والميت مطلق لا يفرق فيه بين الامة وغيرها لان اعتبار المماثلة حكم تعبدي وليس من أجل حرمة نظر الغاسل ومسه لبدن الميت، ومن ثمة لو غسل الميت اجنبي في الظلمة أو كان اعمى من غير أن يمس بدنه لم نكتف به في الجواز لاعتبار المماثلة بين الغاسل والميت مطلقا فدعوى الانصراف ساقطة. وقد يستدل عليه بما دل على جواز تغسيل الزوج زوجته وعدم اعتبار المماثلة بينهما وذلك لان الزوجة - بمفهومها اللغوي - وان لم تشمل الامة، إلا انها بحسب ما يفهم منها عرفا - ولو بمناسبة الحكم والموضوع - شاملة للامة أيضا لان مفهومها عرفا هو من يجوز وطؤها والاستمتاع بها. و (فيه): إن العلقة الزوجية والملكية قد انقطعت وارتفعت بالموت لان طرف الاضافة فيهما انما هو الحي لا الجماد ومقتضى اطلاق ما دل على اعتبار المماثلة عدم جواز التغسيل من غير المماثل حتى في الزوجة والامة وانما خرجنا عنه في الزوجة لقيام الدليل على أن المماثلة غير معتبرة بين الزوج وزوجته بمعنى ان الدليل قام على أن من كانت زوجة للغاسل قبل موتها يجوز لزوجها أن يغسلها. ولولا ذلك الدليل لقلنا باعتبار المماثلة حتى بينهما، ولم يقم مثله على عدم اعتبارها بين الامة والمولى فلا محالة تبقى تحت المطلقات. وتسرية حكم الزوجة إلى الامة قياس لاحتمال ان تكون للزوجة خصوصية تستتبع الحكم بعدم اعتبار المماثلة فكيف يمكن التعدي معه إلى الامة؟!.

[ 140 ]

[ وأما تغسيل الامة مولاها (1) ففيه اشكال وان جوزه بعضهم بشرط إذن الورثة فالاحوط تركه، بل الاحوط الترك في تغسيل المولى أمته أيضا. ] نعم ورد في صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) عن الرجل يخرج في السفر ومعه امرأته أيغسلها؟ قال: (نعم وامه واخته ونحو هذا يلقي على عورتها خرقة) (1). فلو اريد من (نحو هذا) نحو ما ذكر من المرأة والام والاخت شملت الصحيحة الامة أيضا لان معنى اللفظة حينئذ هو من يجوز النظر إليه أعم من أن يجوز وطؤها أو من يحرم، والامة من يجوز للمولى النظر إليها. نعم: لو اريد منه نحو الام والاخت فحسب كان معناه (من يحرم نكاحها) فلا يشمل الامة لعدم حرمة نكاحها على المولى، وهذا الاحتمال هو الاظهر بقرينة قوله (ع) بعد ذلك (يلقي على عورتها خرقة) لما قدمناه من عدم اعتبار ذلك في الزوجة، ومنه يستفساد اختصاص الحكم بالام والاخت وعدم شموله للامة فقوله (ع): (ونحو هذا) اما مختص بالام والاخت أو انه مجمل. فالمتحصل: أن الحكم بجواز تغسيل المولى امته مشكل وان كانت المسألة موردا للتسالم - كما مر - (1) واما المقام الثاني: (في تغسيل الامة مولاها) فهي خلاف


(1) الوسائل: ج 2 باب 20 من أبواب غسل الميت ح 1.

[ 141 ]

المسألة السابقة مورد الخلاف وفيها اقوال ثلاثة: (احدها): الجواز مطلقا ويمكن الاستدلال عليه بالوجهين المتقدمين في المسألة السابقة ففيهما ما عرفت من عدم انصراف الادلة وعدم شمول الزوجة للامة فلا نطيل. (ثانيهما): التفصيل بين الامة ام الولد فيجوز، وبين غيرها فلا يجوز. ذهب إليه جمع منهم المحقق في المعتبر مستدلا عليه برواية اسحاق ابن عمار عن أبي عبد الله (ع) عن ابيه الباقر (ع) (ان علي بن الحسين عليه السلام اوصى أن تغسله ام ولد له إذا مات فغسلته) (1). وحيث ان الوصية للامر غير المشروع غير جائزة فمنه يستكشف أن تغسيل ام الولد لمولاها جائز في الشريعة المقدسة. وقد ناقش فيها صاحب المدارك (قده) بضعف السند. ويدفعه: ان الخدشة فيها مبتنية على مسلكه (قده) من عدم اعتبار غير الصحاح واما على ما بنينا عليه من عدم الفرق في الحجية بين الصحاح والموثقات والحسنات فلا شبهة في سندها بوجه لان الشيخ يرويها عن محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري وطريقه إليه صحيح في المشيخة والفهرست، وهو يروي عن الحسن بن موسى الخشاب وهو حسن، والخشاب يروي عن غياث بن كلوب أو كلتوب والظاهر أن خدشة صاحب المدارك (قده) انما هي من جهته لانه عامي، إلا انا ذكرنا أن غياث بن كلوب وغيره من غير الاثنى عشرية قد وثقهم الشيخ في عدته وهو كاف في جواز الاعتماد على روايتهم فلا خدش في سندها.


(1) الوسائل: ج 2 باب 25 من أبواب غسل الميت ح 1.

[ 142 ]

نعم: ناقش فيها صاحبا الحدائق والوسائل (قدهما) بانها محمولة على التقية أو مؤولة بارادة المعاونة في التغسيل لما ورد في غير واحد من الروايات من ان المعصوم لا يغسله إلا معصوم مثله. فوصية علي بن الحسين انما هي في اعانة ام ولده في تنظيف بعض المواضع التي كان يكره الباقر (ع) من أن ينظر إليها أو يمسها. وهذه المناقشة جيدة جدا وقد تقدم في اخبار تغسيل علي فاطمة (عليهما السلام) من انها صديقة والصديق لا يغسله إلا صديق (1) ويؤيد ذلك ما ورد في الفقه الرضوي من قوله ويروى إن علي بن الحسين (عليه السلام) لما مات قال الباقر (ع) (لقد كنت اكره أن انظر إلى عورتك في حياتك فما أنا بالذي انظر إليها بعد موتك فادخل يده وغسل جسده ثم دعى أم ولد له فادخلت يدها فغسلت عورته: (2). وروايات الفقه الرضوي وان لم تكن حجة - كما مر غير مرة - إلا انها صالحة للتأييد كما ذكرناه. فتحصل: ان استثناء تغسيل المولى وامته عن اطلاق ادلة اعتبار المماثلة غير ثابت، والتفصيل أيضا لا اساس له، فالصحيح هو القول الثالث - اعني عدم جواز تغسيل الامة سيدها، وان كان الحكم في المسألة الاولى مورد التسالم والاتفاق.


(1) راجع باب 24 من أبواب غسل الميت من الوسائل ج 2. (2) فقه الرضا ص 21 السطر 9.

[ 143 ]

[ (مسألة 1): الخنثى المشكل (1) ] تغسيل الخنثى المشكل: (1) إذا كان عمر الخنثى المشكل غير زائد عن ثلاث سنين فلا كلام في جواز تغسيل كل من الرجال والنساء لها لما تقدم من أن الصبية يجوز للرجل أن يغسلها إذا لم يكن عمرها ازيد من ثلاث سنين. وكذا الصبي يجوز للمرأة ان تغسله إذا لم يتجاوز عمره عن ثلاث سنوات فلا تعتبر المماثلة بين الغاسل والميت إذا لم يتجاوز عمره عن ثلاث سنين. واما إذا كان عمر الخنثى زائدا عن الثلاث فان كانت لها امة فتغسلها امتها بناءا على أن الامة يجوز لها أن تغسل مولاها. واما إذا لم تكن لها أمة أو كانت ولكن لم نجوز تغسيلها لمولاها فيقع الكلام في ان الوظيفة ماذا حينئذ؟ فهل يجوز لكل من الرجال والنساء ان تغسل الخنثى ولا تعتبر المماثلة وقتئذ، أو لا يجب تغسيل الخنثى على المكلفين ولابد من دفنها من غير غسل. قد يقال: بجواز تغسيل كل من الرجال والنساء لها بدعوى أن أدلة اعتبار المماثلة منصرفة إلى صورة حرمة نظر الغاسل إلى الميت ففي موارد جواز النظر إليه لا مقتضي لاشتراط المماثلة بوجه.

[ 144 ]

[ إذا لم يكن عمرها أزيد من ثلاث سنين فلا اشكال فيها. وإلا فان كان لها محرم أو أمة - بناءا على جواز تغسيل الامة مولاها - فكذلك. ] وحيث ان كلا من الرجال والنساء يجوز أن ينظر إلى الخنثى المشكل للشك في رجوليتها وانوثيتها فأصالة البراءة عن حرمة النظر إليها جارية فلا تشملها ادلة اعتبار المماثلة بين الغاسل والميت فيجوز لكل من الرجال والنساء تغسيل الخنثى حينئذ. و (فيه): ما قدمناه من ان اعتبار المماثلة بين الغاسل والميت غير مستند إلى حرمة النظر إلى الميت وانما هو حكم تعبدي. ومن ثمة اشترطنا في تغسيل المحارم فقد المماثل مع ان المحرم يجوز له ان ينظر إلى بدن الميت كما لا يجوز تغسيل غير المماثل للميت في الظلمة أو مع العمى أو غيرهما مما يمنع عن وقوع النظر إلى بدن الميت، فادلة اعتبار المماثلة بحالها. ومعه يقع الكلام في أن وظيفة المسلمين بالنسبة إلى الخنثى المشكل أي شئ؟. ويقع الكلام في ذلك في مقامين: احدهما في غير المحارم. وثانيهما في المحارم. أما المقام الاول: فان قلنا إن حرمة تغسيل غير المماثل ذاتية فلا محالة يندرج المقام بالاضافة إلى الاجانب في كبرى دوران الامر بين المحذورين. وذلك لان كلا من النساء والرجال يعلم بتوجه تكليف الزامي

[ 145 ]

إليه وهو اما وجوب تغسيل الخنثى على تقدير كونها مماثلا للغاسل واقعا. واما حرمة التغسيل على تقدير عدم كونها مماثلا للغاسل، ومع دوران الامر بين المحذورين اي بين الوجوب والتحريم لا مناص من التخيير. بمعنى أن كلا من النساء والرجال له أن يترك تغسيل الميت الخنثى رأسا وله أن يغسلها بقصد القربة رجاءا نعم ليس له أن يغسلها من دون قصد التقرب. وذلك لان المقام من الموارد التي لا يمكن فيها تحصيل الموافقة القطعية ويمكن فيها المخالفة القطعية فان التغسيل واجب عبادي يعتبر فيه قصد القربة فيتمكن المكلف من المخالفة القطعية بان يغسل الخنثى من غير قصد التقرب فانه يعلم حينئذ بالمخالفة حيث ان الخنثى اما مماثل معه فقد ترك تغسيله الواجب وهو التغسيل بقصد القربة، واما انه غير مماثل معه فقد ارتكب الحرام وهو تغسيل غير مماثله فليس له التغسيل من دون قصد التقرب. وحيث ان الموافقة القطعية غير ممكنة فيتنزل العقل إلى المرتبة النازلة من الامتثال وهي الامتثال بالموافقة الاحتمالية باختيار ترك التغسيل أو فعله بقصد القربة رجاءا. والنتيجة ان كلا من النساء والرجال يجوز أن يغسل الخنثى بقصد القربة كما يجوز أن لا يغسلها. إلا ان الحرمة الذاتية في تغسيل غير المماثل مما لا يمكن تتميمه بدليل وذلك لان المستفاد من النهي عن تغسيل غير المماثل وان الرجل لا يغسله إلا رجل، والمرأة لا يغسلها إلا امرأة: ان تغسيل غير

[ 146 ]

المماثل للميت غير واجب فلا يقع مصداقا للمأمور به لعدم الامر به لا انه محرم. لانه نظير النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه أو إلى غير القبلة أو غير ذلك من النواهي والاوامر الواردة في العبادات فان غاية ما يمكن استفادته منها ان الصلاة إلى غير القبلة باطلة وليست مأمورا بها لان القبلة شرط في صحتها. وكذا الصلاة فيما لا يؤكل لحمه ليست مصداقا للمأمور به لانه مانع من الصلاة. لا أن الصلاة محرمة حينئذ، إذن ليس هناك إلا تكليف واحد وهو وجوب تغسيل المماثل، وبما ان المماثلة غير محرزة لكل من الرجال والنساء فوجوب التغسيل مشكوك في كل منهما بالشك البدوي ومقتضى أصالة البراءة عدمه. وبهذا يقوى عدم وجوب تغسيل الخنثى لكل من الرجل والمرأة فان المقام نظير الجنابة المرددة بين شخصين والعلم الاجمالي بتكليف متوجه إليه أو إلى غيره من المكلفين مما لا أثر له. هذا. نعم ربما يقال: إن الخطاب بالتغسيل متوجه إلى عامة المكلفين بلا فرق في ذلك بين المماثل وغيره فالمماثلة ليست شرطا في توجه التكليف والامر بالتغسيل. بل كل انسان - مماثل أو غيره - مكلف بالتغسيل اما بالمباشرة كما في المماثل واما بالتسبيب بالامر به أو الاخبار والاعلام به كما في غير المماثل: نعم المماثلة شرط في المأمور به دون الامر والخطاب. إذن لابد من الاقدام على التغسيل اما بالمباشرة أو التسبيب

[ 147 ]

بمقتضى العلم الاجمالي بلا فرق في ذلك بين الرجال والنساء. وهذه الدعوى دون اثباتها خرط القتاد. لان النواهي الواردة عن تغسيل غير المماثل وان الرجال لا يغسلهم إلا الرجال، والنساء لا يغسلهن إلا النساء إذا انضمت إلى الاوامر الواردة في التغسيل تفيد التقييد لا محالة فيتقيد الامر بالتغسيل بالمماثل ولا يتوجه الامر بالتغسيل إلى غير المماثل بوجه. نعم: يجب على غير المماثل عند العلم بالميت اعلام المماثل وأمره بتغسيله من باب الامر بالمعروف لا من ناحية توجه الامر بالتغسيل إليه بالتسبيب وهذا لا يختص بالمقام بل يجري في جميع الواجبات الشرعية لوجوب الامر بالمعروف وهو ظاهر. والنتيجة: ان الامر بالتغسيل مباشري ومختص بالمماثل وحسب وحيث ان المماثلة مشكوكة بالاضافة إلى كل من النساء والرجال فمقتضى اصالة البراءة عدم وجوبه عليهما كما اختاره صاحب الجواهر (قده). هذا ما يقتضيه تدقيق النظر: ولكن مقتضى تدقيق النظر وجوب تغسيل الخنثى على كل من النساء والرجال، والسر في ذلك. ان النظر إلى الخنثى المشكل جائز على الرجال والنساء حال الحياة للشك في موضوع حرمة النظر - اعني الشك في الرجولية بالاضافة إلى النساء والشك في الانوثية بالاضافة إلى الرجال - ومع الشك في الموضوع

[ 148 ]

تجري البراءة عن حرمة النظر لانه شبهة موضوعية تحريمية. وإذا ماتت الخنثى تشكل لدينا علم الاجمالي في حق كل من النساء والرجال: إما بارتفاع حلية النظر واما بوجوب تغسيل الخنثى. لان الخنثى إن كانت مماثلة مع الغاسل واقعا فقد توجه إليه الامر بتغسيلها وان كانت غير مماثلة معه فقد ارتفعت عنه حلية النظر الظاهرية وحرم عليه النظر إلى بدنها. ولا يمكن اجراء البراءة عن حرمة النظر حينئذ لابتلائها بالمعارض وهو البراءة عن وجوب تغسيلها فالاصلان يتعارضان ويتساقطان. ومقتضى العلم الاجمالي لزوم تغسيلها وعدم جواز النظر إليها. وقد ذكرنا في محله، أن المعارضة الموجب للتساقط لا يفرق فيها بين أن تكون من الابتداء وبين ان تكون بحسب البقاء فان البراءة عن حرمة النظر وان كانت سليمة عن المعارض (قبل الممات) إلا انها بعد ممات الخنثى معارضة باصالة البراءة عن وجوب تغسيلها. اذن يجب على كل من الرجال والنساء أن يغسل الخنثى ولا ينظر إلى بدنها. هذا وقد ذهب الشيخ (قده) إلى القرعة في المقام لتظهر أن الخنثى رجل حتى يغسله الرجال أو انه امرأة فتغسلها النساء ولم يستبعده الماتن (قده) واستدل عليه بالاجماع والاخبار. والظاهر ان مراده بالاخبار هو الاخبار الواردة في ان القرعة لكل امر مشكل أو مشتبه أو مجهول على اختلاف الروايات. وكذا مراده بالاجماع هو الاجماع على أن القرعة للامر المشتبه، وانما الشيخ (قده) طبق معقد الاجماع ومورد الاخبار على المقام

[ 149 ]

[ وإلا فالاحوط تغسيل كل من الرجل والمرأة اياها من وراء الثياب (1) وان كان لا يبعد الرجوع إلى القرعة. ] - اعني الخنثى إذا ماتت -. فلا يرد عليه انه لا اختار ولا اجماع في المسألة، إذ ان مقصوده الاخبار والاجماع في كبرى الامر المشتبه وانما يدعي تطبيقها على المقام. نعم: لا يمكن المساعدة على دعوى التطبيق بوجه وذلك لان القرعة انما هي للامور التي لم يعلم حكمها بحسب الواقع أو الظاهر فلا يتأتي في قبال العلم الاجمالي بحرمة النظر أو وجوب التغسيل في المقام لانه من العلم الاجمالي المتعلق بحكم الزامي مردد بين التعلق بالنظر أو التغسيل. وهو يقتضي الاحتياط في الطرفين ويوجب التغسيل على كل من الرجال والنساء فكيف يكون المقام من الامر المشتبه؟. فان حال المقام حال بقية موارد العلم الاجمالي كالعلم بوجوب القصر أو التمام أو بوجوب الظهر أو الجمعة أو غيرهما فهل تحتمل القرعة في تلك الموارد حتى يحتمل في المقام. نعم: وردت القرعة في بعض موارد العلم الاجمالي مثل الشاة الموطوءة التي وطأها راعيها فارسلها في الشياة إلا ان ذلك للنص الخاص لا أن موارد العلم الاجمالي موارد للقرعة. هل يشترط أن يكون تغسيل الخنثى من وراء الثياب: (1) بعد البناء على وجوب تغسيل الخنثى على كل من النساء

[ 150 ]

والرجال يقع الكلام في ان التغسيل يجب ان يكون من وراء الثياب أو لا يشترط ذلك في تغسيلها؟ اعتبار كون التغسيل في الخنثى المشكل من وراء الثياب لم ينص عليه في الاخبار بخصوصه، والذي يمكن الاستدلال به عليه أمران: (أحدهما): ان تغسيل المحارم يعتبر فيه ان يكون من وراء الثياب فكأن الشارع لم يرض بالتغسيل عاريا في غير الزوج والزوجة فإذا اعتبر ذلك في المحارم فيثبت اعتباره في حق غير المحارم بالاولوية القطعية. وهذه الاولوية وان اعتمد عليها جمع من الاصحاب إلا انها واضحة الدفع والفساد وذلك لامرين: (الاول): انا لم نسلم شرطية كون التغسيل من وراء الثياب في المحارم، وانما بنينا على استحبابه من باب احترام الميت. (الثاني): هب ان كون التغسيل من وراء الثياب معتبر في غير المماثل، إلا ان المماثلة وعدمها غير محرزين في المقام للشك في رجولية الخنثى وأنوثيتها، وانما أثبتنا وجوب تغسيلها بالعلم الاجمالي - كما مر - ومع الشك في الموضوع تجري البراءة عما يحتمل شرطيته فلا يجب أن يكون التغسيل من وراء الثياب. (ثانيهما): إن مقتضى العلم الاجمالي حرمة النظر إلى بدن الخنثى بعد موتها، ولاجله يعتبر في تغسيلها ان يكون من وراء الثياب. و (فيه): إن العلم الاجمالي انما يقتضي حرمة النظر إلى البدن الخنثى الميت ولا يقتضي ان يكون تغسيلها من وراء الثياب فيمكن أن يغسلها في الظلمة أو مع غض عينيه، فالمتحصل إن كون تغسيلها

[ 151 ]

من وراء الثياب لم يثبت بدليل. وانما اللازم أن لا ينظر إلى بدن الخنثى فحسب نعم: لابد من تغسيلها مرتين بان يغسلها كل من الرجل والمرأة وذلك للعلم الاجمالي المتقدم من دون اشتراط كون التغسيل من وراء الثياب -. لان في تغسيل الرجل لها إن كان الخنثى رجلا واقعا فهو من تغسيل المماثل ولا يعتبر فيه التغسيل من وراء الثياب، وان كانت الخنثى امرأة واقعا فتغسيل الرجل لها باطل ولغو سواء كان من وراء الثياب أم لم يكن. وكذلك الحال في تغسيل المرأة للخنثى فلا وجه لاعتبار كون التغسيل من وراء الثياب. ظاهر كلماتهم هو الاقتصار على غسل واحد من محارمها، إلا ان الصحيح هو الثاني وانه لابد من تغسيلها مرتين: تارة يغسلها الرجل واخرى تغسلها امرأة من محارمها. وذلك لان تغسيل المحارم مشروط بعدم المماثل للميت فإذا غسلها رجل منهم فقط مثلا لم يحرز انه مماثل للخنثى ومع الشك في صدور التغسيل من مماثلها يجري استصحاب عدم تحقق الغسل المأمور به فيجب أن تغسلها امرأة ثانيا في المثال حتى يقطع بتحقق الغسل الصحيح المأمور به - أعني تغسيل المحرم المماثل للخنثى - وقد عرفت ان التغسيل لا يعتبر ان يكون من وراء الثياب.

[ 152 ]

[ (مسألة 2): إذا كان ميت أو عضو من ميت متشبها بين الذكر والانثى فيغسله كل من الرجل والمرأة من وراء الثياب (1). ] إذا اشتبه ميت أو عضوه بين الذكر والانثى: (1) المسألة المتقدمة وان تعرضنا لحكمها إلا انها ليست موردا للابتلاء بخلاف مسألتنا هذه فانها مورد الابتلاء وهي ما إذا وجدنا ميتا قد نصفين أو أكله السبع على نحو لا يتميز النصف الباقي انه من رجل أو من انثى. وحكمه حكم المسألة السابقة طابق النعل بالنعل فيجب على كل من الرجال والنساء الاجانب أن يغسله للعلم الاجمالي بحرمة النظر إليه أو بوجوب تغسيله. والمحارم لا يجب عليهم ذلك إلا فيما إذا لم يوجد من يغسله من النساء والرجال الاجانب أو وجد ولم يغسله، ومعه يجب على الرجال المحارم ونسائهم أن يغسلوه مرتين - كما قدمناه في الخنثى ولا نعيد -. واظهر من ذلك في الابتلاء ما إذا وجدنا عضوا من اعضاء الميت ولم يعلم أنه عضو رجل أو عضو امرأة فانه يغسله كل من الرجال والنساء على التفصيل المتقدم من غير اعتبار كون الغسل من وراء الثياب.

[ 153 ]

[ (مسألة 3): إذا انحصر المماثل في الكافر أو الكافرة من اهل الكتاب (1) ] انحصار المماثل في الكافر. (1) فهل يجب دفن الميت من غير غسل أو يغسله المماثل من اهل الكتاب أو لابد أن يغسله المسلم ولو كان غير مماثل له؟ لا وجه للاحتمال الاخير لما دل على أن الميت إذا لم يوجد المماثل له دفن من غير غسل، والمعروف بين الاصحاب انه يغسله اهل الكتاب المماثل للميت، وعن المحقق وجماعة انه يدفن من غير غسل. ويدل على القول المشهور موثقتان واردتان في المسألة احداهما في الرجل والاخرى في المرأة وقد دلتا على هذا الحكم صريحا ونوقش في الاستدلال بها من وجوه. (منها): ان التغسيل واجب عبادي يعتبر فيه قصد التقرب ولا يتمشى ذلك من الكفار لاعتقادهم بطلان هذا الدين ومع اعتقاد البطلان لا يمكنه التقرب بالتغسيل. و (منها): إن من رجال احدى الموثقتين من هو فطحي المذهب ومن رجال الموثقة الاخرى من هو زيدي فلا يعتمد على رواياتهم. و (منها) ما اورده صاحب الحدائق (قده) من أن الموثقتين معارضتان للاخبار الدالة على نجاسة اهل الكتاب إذ مع نجاسة ابدانهم يتنجس الماء وبدن الميت والماء النجس لا يرفع حدثا ولا يزيل خبثا.

[ 154 ]

أما المناقشة الاولى ففيها انها اشبه شئ بالاجتهاد في مقابل النص بل هو بعينه وذلك لان اعتبار قصد التقرب في الواجبات لم يرد فيه دليل عقلي لا يقبل التخصيص. وانما استفيد من الارتكاز وكلمات الاصحاب - أي التسالم على أن الغسل عبادي - وهو امر قابل للتخصيص فيخصص في المقام بالموثقتين ويلتزم فيه بعدم اعتبار قصد التقرب في التغسيل حينئذ فيكون اعتبار النية مختصا بما إذا كان الغاسل ممن يتمشى منه النية. كما هو الحال في غيره كالزكاة إذا اخذت من الكفار جبرا فانها امر عبادي فهل يمكن ان يقال: ان الكافر لا يتمشى منه قصد القربة فلا يجوز أخذ الزكاة منهم بل يلتزم فيه بسقوط ذلك وعدم اعتبار قصد التقرب أو يلتزم بوجوبه ممن يأخذ الزكاة كالحاكم أو نائبه. وفي المقام أيضا يلتزم اعتباره من المسلم الذي يأمر الكتابي بالتغسيل فان الموثقتين واردتان لبيان وظيفة المسلمين وانهم يأمرون الكفار المماثلين بالتغسيل. وكيف كان: فهذه المناقشة ساقطة وبعد دلالة النص الصريح لا يمكن الخدشة في قباله فانه من الاجتهاد في مقابلة النص. أما المناقشة الثانية فهي انما تصح ممن لا يعتمد على غير الصحاح - أي على الموثقات - كصاحب المدارك (قده) ولا تتم من مثل المحقق الذي يعمل بالموثق كما يعمل بالصحيح فان اكثر الرواة بين زيدي أو فطحي أو واقفي أو غير ذلك من الفرق غير الاثنى عشرية وقد اثبتنا في محله أن الموثق حجة كالصحيح. فالعمدة هي المناقشة الاخيرة من أن الموثقتين معارضتان للاخبار

[ 155 ]

الدالة على نجاسة اهل الكتاب وهي اكثر وارجح من الموثقتين. والوجه في المعارضة: هو ما ثبت من الخارج من أن ماء الغسل لابد وان يكون طاهرا فمع نجاسة المغسل يتنجس الماء والماء المتنجس لا يزيل خبثا ولا يرفع حدثا. وهذه المناقشة لا ترجع إلى محصل وذلك لانا إن قدمنا الاخبار الدالة على طهارة اهل الكتاب ولم نعمل بالاخبار الدالة على نجاستهم - وانما لم نفت بالنجاسة لعدم الاجتراء على مخالفة المشهور - وقلنا ان نجاستهم عرضية. كما استظهرناه من بعض الاخبار (1) حيث سئل (ع) عن الاكل في اواني اهل الكتاب فقال: (لا) معللا بانهم يشربون فيها الخمر ويطبخون لحم الخنزير أو الميتة فيها أو يأكلونها فيها. فانهم لو كانوا محكومين بالنجاسة الذاتية لم يصح التعليل بالنجاسة العرضية من جهة شرب الخمر في أوانيهم أو اكل اللحم النجس فيها فلا اشكال في البين لان الكتابي محكوم بالطهارة حينئذ ولعل الامر بتغسيله قبل تغسيل الميت من جهة تطهير بدنه من النجاسة العرضية. واما إذا قدمنا اخبار النجاسة - ولو لعمل المشهور، على طبقها وقلنا بنجاسة أهل الكتاب - فلا اشكال في المسألة أيضا وذلك لان ماء الغسل وان كان يشترط فيه الطهارة إلا أن مقتضى الموثقتين أن الشرط هو الطهارة قبل التغسيل. واما إذا تنجس الماء بنفس تغسيل الميت أو ما هو مقدمة له فلا يكون ذلك مانعا عن ارتفاع الحدث والخبث الناشئ من جهة كونه


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب النجاسات ح 1.

[ 156 ]

[ أمر المسلم المرأة الكتابية أو المسلمة الرجل الكتابي أن يغتسل (1) أولا ويغسل الميت بعده. ] ميتة وان طرأت عليه النجاسة العرضية حينئذ. ولا مانع من العمل بالموثقتين ولو في موردهما لصحة سندهما وصراحة دلالتهما على ذلك. ونظير المقام تطهير المتنجس بالماء القليل - بناءا على نجاسة الغسالة - فانه إذا وصل إلى المتنجس يتنجس قبل الانفصال عنه ومع نجاسته يحصل التطهير مع أن طهارة الماء شرط في التطهير به فمنه يظهر أن المانع هو النجاسة بغير التطهير وقبله، واما النجاسة الحاصلة بنفس التطهير فهي غير مانعة عن التطهير بالماء القليل. اذن لا اشكال في المسألة والمناقشات في قبال الموثقتين من قبيل الاجتهاد في مقابل النص. فالصحيح أن المماثل إذا انحصر في أهل الكتاب لا يدفن من غير غسل وانما يغسله الكتابي المماثل له. اغتسال الكتابى قبل ان يغسل المسلم: (1) الظاهر أن الاصحاب حملوا ذلك على الغسل المتعارف - اعني غسل الرأس ثم الطرف الايمن ثم الطرف الايسر - وكأن هذا أحد الاغسال الواجبة في الشرع وهو الغسل لتغسيل الميت.

[ 157 ]

[ والآمر ينوي النية (1) وان أمكن أن لا يمس الماء وبدن الميت تعين (2) ] لكن الظاهر أن الاغتسال - كما هو معناه في اللغة - بمعنى تنظيف البدن وغسله، المعبر عنه في الفارسية ب‍ (شست وشوكردن) إذ ليس للاغتسال حقيقة شرعية ولا متشرعية وانما هو باق على معناه اللغوي. آمر الكتابى ينوي النية: (1) قدمنا الاشارة إلى ذلك إلا انه أمر محتمل مبني على الاحتياط أذ لم يقم دليل على وجوبه وانما احتملناه من جهة أن الموثقتين واردتان لبيان الوظيفة المقررة على المسلمين وما هو مفرغ لذمتهم. وهو أمر الكتابي بالتغسيل والاغتسال ولو بمناسبة أن الكتابي لا داعي لديه للاقدام على ذلك إلا ان يأمره المسلمون ولو باستيجاره عليه وحيث أن العمل يصدر من الآمر بالتسبيب فناسب أن ينوي هو القربة، إلا انه مبني على الاحتياط والاحتمال - كما مر - ولا دليل على وجوبه. الكتابى لا يمس الماء وبدن الميت: (2) بأن يلبس ما يمنع عن وصول الماء إلى يديه ولا يمس بدن

[ 158 ]

[ ولو وجد المماثل بعد ذلك أعاد (1). ] الكتابي (كاللاستيك) المتداول في عصرنا، والوجه في تعينه أنه مع التمكن من العمل بدليل اشتراط الطهارة في ماء الغسل لا موجب لرفع اليد عنه، ومنه يظهر وجه التعين فيما لو أمكن التغسيل في الكر أو الجاري فلا نطيل. لو وجد المماثل بعد تغسيل الكتابى: (1) إذا انحصر المماثل في الكافر واغتسل وغسل الميت المسلم فهل يترتب عليه الآثار المترتبة على تغسيل الميت أو انه لا يترتب عليه لانه بدل اضطراري؟ فيه جهتان من البحث قد اختلطت احداهما بالاخرى في كلمات بعض الاكابر: (الاولى) إن الكتابي إذا غسل الميت فيما كان المماثل منحصرا فيه لا يجب غسل المس إذا مسه أحد بعد ذلك. وذلك لان التغسيل الصادر من الكتابي وان كان بدلا عن تغسيل المسلم إلا أن الطبيعة المأمور بها هي الطبيعة في كليهما ولا فرق بين تغسيل الكافر والمسلم إلا في الفاعل وحسب، ومع اتحاد الطبيعة لا وجه لغسل المس إذا مس بعد ذلك. لان الاخبار (1) الدالة على انه لا غسل مع المس بعد التغسيل


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب غسل المس.

[ 159 ]

تقتضي - باطلاقها - عدم وجوب الغسل حينئذ لان المس بعد التغسيل. ولا يقاس هذا بما إذا لم يمكن تغسيل الميت فيمم بدلا عنه لان مسه بعد التيمم يوجب الغسل وذلك لان البدل طبيعة اخرى مغايرة لطبيعة المبدل منه وانما هو بدل في رفع الحدث عن الميت بحيث يجوز أن يدفن بذلك. وأما ان المس بعده مس بعد الغسل فلا يصدق أنه مس الميت قبل تغسيله فيجب عليه غسل المس لا محالة. (الجهة الثانية) إذا غسله الكتابي في مفروض المسألة ثم وجد مسلم مماثل للميت قبل أن يدفن وجب اعادة الغسل. وذلك لان تغسيل الكتابي وجواز الاقتصار عليه بدل اضطراري وهو مشروط بعدم وجود المسلم المماثل للميت ما دام لم ينقض وقت الغسل وهو واجب موسع يستمر وقته إلى الدفن. فإذا وجد المسلم المماثل قبل ان يدفن الميت ظهر أن الشرط في جواز تغسيل الكتابي لم يكن متحققا فلابد من أن يغسل ثانيا. و (دعوى): ان الطبيعة واحدة فيترتب على تغسيل الكتابي ما كان يترتب على تغسيل المسلم فلا يجب اعادة غسله. (مندفعة): بأن وحدة الطبيعة انما تفيد في الحكم بعدم وجوب غسل المس بعد تغسيل الكتابي ولا تفيد في الحكم بعدم وجوب اعادته. لما مر من أن جوازه مشروط بعدم المسلم المماثل ما دام الوقت باقيا فإذا وجد انكشف عدم جواز تغسيل الكتابي من الابتداء.

[ 160 ]

[ وإذا انحصر في المخالف فكذلك (1) لكن لا يحتاج إلى اغتساله قبل التغسيل وهو مقدم على الكتابي على تقدير وجوده. (مسألة 4): إذا لم يكن مماثل حتى الكتابي والكتابية ] إذا انحصر المماثل في المخالف: ] (1) وذلك لان النص وان كان مختصا بأهل الكتاب إلا أن تغسيل الكافر إذا جاز عند الانحصار جاز تغسيل المسلم المخالف بطريق أولى لانه ليس في البعد عن الحق أولى من الكتابي. هذا وقد فرع على ذلك - كما في المتن - أن مماثل الميت إذا انحصر بالكتابي والمخالف فالمخالف مقدم على الكتابي للاولوية. أقول: الامر وان كان كما ذكر إلا انه لا حاجة إلى الاستدلال بالاولوية لان الموثقتين (1) المتقدمتين بنفسهما تدلان على تقدم المخالف على أهل الكتاب وعدم جواز الاقتصار على تغسيلهم مع وجوده. وذلك لاشتمالهما على ان المرأة المسلمة تموت وليس معها إمرأة مسلمة أو ان الرجل المسلم يموت وليس معه رجل مسلم، ومن الظاهر أن المسلم أعم من المخالف والموافق فمع وجود المسلم - ولو كان مخالفا - لا تصل النوبة إلى الكفار.


(1) تقدم ذكرهما في صدر المسألة.

[ 161 ]

[ سقط الغسل (1). ] سقوط الغسل إذا لم يكن مماثل: (1) للاخبار الدالة على ذلك (1) وهذا هو المشهور بين الاصحاب وعن الشيخين والحلبي وغيرهم وجوب التغسيل على غير المماثل من وراء الثياب من غير لمس ونظر. ويستدل على ذلك بجملة من الاخبار وهي خمس روايات ما بين قاصرة السند أو الدلالة أو كليهما: (منها) رواية زيد بن علي عن آبائه عن علي (ع) قال: (إذا مات الرجل في السفر مع النساء ليس فيهن امرأته ولا ذو محرم من نسائه، قال:: يوزرنه إلى ركبتيه ويصببن عليه الماء صبا ولا ينظرن إلى عورته ولا يلمسنه بأيديهن) (2). وهي وان كانت صريحة الدلالة على المراد إلا أن في سندها الحسين بن علوان وهو عامي لم يوثق. و (منها): رواية جابر عن أبي جعفر (ع) في رجل مات ومعه نسوة ليس معهن رجل، قال: (يصببن عليه الماء من خلف الثوب ويلففنه في اكفانه من تحت الصدر ويصلين عليه صفا ويدخلنه


(1) الوسائل: ج 2 باب 21 من أبواب غسل الميت. (2) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب غسل الميت ح 3 - وتقدم انه ثقة.

[ 162 ]

قبره) والمرأة تموت مع الرجال ليس معهم امرأة؟ قال: (يصبون الماء من خلف الثوب ويلفونها في اكفانها ويصلون ويدفنون) (1). وهي أيضا من حيث الدلالة واضحة إلا انها من حيث السند ضعيفة بعمرو بن شمر وغيره من الرواة. و (منها): رواية أبي سعيد قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا ماتت المرأة مع قوم ليس لها فيهم محرم يصبون عليها الماء صبا ورجل مات مع نسوة ليس فيهن له محرم فقال أبو حنيفة: يصببن الماء عليه صبا فقال أبو عبد الله (ع) (بل يحل لهن أن يمسسن منه ما كان يحل لهن أن ينظرن منه إليه وهو حي فإذا بلغن الموضع الذي لا يحل لهن النظر إليه ولا مسه وهو حي صببن الماء عليه صبا) (2). وهي ظاهرة الدلالة على المدعى إلا انها ضعيفة السند بحسن بن خرزاد لانه غير موثق أو مهمل كما يمكن الخدشة فيها بغيره من الرواة. و (منها): رواية أبي حمزة عن أبي جعفر (ع) قال: (لا يغسل الرجل المرأة إلا أن لا توجد امرأة) (3). وهي ضعيفة السند بمحمد بن سنان وقاصرة الدلالة على المدعى وذلك لان دلالتها على جواز تغسيل غير المحارم بالاطلاق حيث استفيد من الاستثناء فيها أن المرأة - أي المماثل - إذا لم توجد فالرجل له أن يغسل المرأة الاجنبية ولم يصرح بان الرجل من غير المحارم


(1) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب غسل الميت ح 5. (2) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب غسل الميت ح 10. (3) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب غسل الميت ح 7.

[ 163 ]

فدلالتها على المدعى بالاطلاق. والاخبار المتقدمة الدالة على أن المرأة لا يغسلها إلا المرأة وأن الميت إذا لم يوجد له مماثل أو ذو رحم يدفن من غير غسل تقيد اطلاق هذه الرواية بما إذا كان الرجل من المحارم. و (منها): معتبرة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (المرأة إذا ماتت مع الرجال فلم يجدوا امرأة تغسلها غسلها بعض الرجال من وراء الثوب ويستحب ان يلف على يديه خرقة) (1). وهي من حيث السند لا بأس بها إلا انها قاصرة الدلالة فان دلالتها بالاطلاق لعدم التصريح فيها بان الرجل من غير ذي الرحم فتقيد بالاخبار الدالة على عدم جواز تغسيل الاجنبي وغير المماثل للميت وتختص بالرجل من المحارم. بل في نفس الرواية قرينة على ارادة المحارم دون غيره وهو قوله (ع) (ويستحب أن يلف على يديه خرقة) لان ذلك انما هو في المحارم. واما الاجانب فاللف واجب عليهم لحرمة مس بدن الاجنبية. هذا على أن تلك الاخبار - مضافا إلى معارضتها مع الاخبار (2) الدالة على أن الميت يدفن كما هو ولا يغسله الاجنبي غير المماثل له - معارضة في مواردها بصحيحة داود بن فرقد. قال: مضى صاحب لنا يسأل أبا عبد الله (ع) عن المرأة تموت


(1) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب غسل الميت ح 9. (2) الوسائل: ج 2 باب 21 و 22 من أبواب غسل الميت.

[ 164 ]

مع رجال ليس فيهم ذو محرم هل يغسلونها وعليها ثيابها؟ فقال: (إذن يدخل ذلك عليهم - أي يعاب عليهم - ولكن يغسلون كفيها) (1) لانها كما ترى واردة في نفس موارد الاخبار المذكورة وهي ما إذا لم يوجد مماثل ولا ذو رحم للميت واراد الاجنبي غير المماثل تغسيل الميت من وراء الثياب وقد دلت على انه لا يغسل ولا من وراء الثياب وانما يغسل كفيها. ولا تنافي هذه الصحيحة الاخبار الناهية عن تغسيل الميت إذا لم يوجد له مماثل ولا ذو رحم وأنه يدفن كما هو. وذلك لان النهي في تلك الاخبار قد ورد توهم الوجوب فلا يدل إلا على عدم الوجوب كما أن الامر في هذه الصحيحة قد ورد مورد توهم الحظر، لان قوله (ع) (إذن يدخل ذلك عليهم) اي يعابون على ذلك، دل على أن الميت لا يغسل حينئذ وربما كان يتوهم من ذلك انه لا يغسل حتى كفيها فدفعه (ع) بقوله: (ولكن يغسلون كفيها) اي لا يعاب ذلك عليهم فهو - أيضا - لا يدل على الوجوب بل الامر فيها محمول على الاستحباب. الطوائف المعارضة من الاخبار: ثم إن في المقام طوائف من الاخبار دلت على خلاف ما ذكرناه ولم ينقل من الاصحاب قائل بمضمونها.


(1) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب غسل الميت ح 2.

[ 165 ]

(منها) ما دل على ان الميت إذا لم يجد له مماثل ولا ذو رحم وجب على الاجنبي غير المماثل تغسيل مواضع التيمم فحسب كرواية مفضل بن عمر. قال: قلت لابي عبد الله (ع): جعلت فداك ما تقول في المرأة تكون في السفر مع الرجال ليس فيهم لها ذو محرم ولا معهم امرأة فتموت المرأة ما يصنع بها؟ قال: يغسل منها ما أوجب الله عليه التيمم ولا يمس ولا يكشف لها شيئا من محاسنها التي امر الله بسترها قلت: فكيف يصنع بها؟ قال: يغسل بطن كفيها ثم يغسل وجهها ثم يغسل ظهر كفيها (1). وهي ضعيفة السند بعبد الرحمن بن سالم فلا يعتمد عليها. و (منها) ما دل على وجوب تيمم الميت حينئذ كما في رواية زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام. قال: اتى رسول الله صلى الله عليه وآله نفر فقالوا: إن امرأة توفيت معنا وليس معها ذو محرم فقال: كيف صنعتم بها؟ فقالوا: صببنا الماء عليها صبا فقال: أما وجدتم امرأة من اهل الكتاب تغسلها؟ قالوا: لا فقال: (أفلا يمموها) (2). حيث دلت على وجوب تيمم الميت في مفروض السؤال.


(1) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب غسل الميت، ح 1، وهي ضعيفة أيضا بمحمد بن سنان الواقع في طريق الصدوق (قده) إلى مفضل بن عمر. (2) الوسائل: ج 2 باب 22، من أبواب غسل الميت، ح 4، وتقدم ان الرواية معتبرة.

[ 166 ]

وقد نقل القول بوجوب التيمم وقتئذ عن أبي حنيفة والرواية في سندها الحسين بن علوان وهو عامي لم يوثق. و (منها): ما دل على أن الميت يغسل مواضع الوضوء فيه كما في رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة ماتت في سفر وليس معها نساء ولا ذو محرم فقال: (يغسل منها موضع الوضوء ويصلي عليها وتدفن) (1). وهي ضعيفة السند بعبد الرحمن بن سالم ومحمد بن اسلم الحلبي. و (منها) ما دل على ان الميت في مفروض المسألة يغسل كفاه وهو رواية جابر عن أبي عبد الله (ع). قال: سئل عن المرأة تموت وليس معها محرم قال: (يغسل كفيها) (2). وهي ضعيفة السند بعمرو بن شمر. وصحيحة داود بن فرقد المتقدمة حيث قال: (ولكن يغسلون كفيها) (3). وهي وان كانت صحيحة السند إلا ان الامر بغسل الكفين فيها ورد مورد توهم الحظر - كما تقدم تقريبه - فلا يدل على الوجوب وغاية الامر حملها على الاستحباب. وهذه الرواية - كما عرفت - لا يمكن أن تعارض من الاخبار


(1) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب غسل الميت، ح 6، ومحمد بن أسلم الحلبي موجود في اسناد كامل الزيارات. (2) الوسائل: ج 2 باب 22، من أبواب غسل الميت، ح 8. (3) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب غسل الميت، ح 2.

[ 167 ]

[ لكن الاحوط تغسيل غير المماثل من غير لمس ونظر من وراء الثياب (1) ثم تنشيف بدنه قبل التكفين لاحتمال بقاء نجاسته. (مسألة 5): يشترط في المغسل أن يكون مسلما بالغا عاقلا إثنى عشريا (2). ] المتقدمة المعتبرة الدالة على أن الميت - في مفروض الكلام - يدفن كما هو، لضعف اسنادها وعدم العامل بمضمونها، فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من سقوط الغسل حينئذ. احتياط الماتن خلاف الاحتياط: (1) الاحتياط في كلام الماتن وان كان استحبابا كما ترى، إلا ان الظاهر انه على خلاف الاحتياط لان صحيحة داود بن فرقد المتقدمة (1) دلت على أن في تغسيل الرجال الاجانب المرأة عارا وعيبا يدخل عليهم وان فيه حزازة فالتغسيل حينئذ خلاف الاحتياط. الشرائط المعتبرة في المغسل: (2) أما اشتراط الاسلام والايمان فلم يرد في اعتبارهما دليل وانما اشترطا من جهة ما دل على بطلان عبادة المخالف فضلا عن


(1) المصدر المتقدم.

[ 168 ]

الكافر المنكر للنبوة. واما العقل والبلوغ فلعدم توجه الامر إلى المجنون والصبي لوضوح أن التكليف بالتغسيل كبقية التكاليف مختص بالبالغين. وظاهر المتن كغيره ان الاجتزاء بتغسيل الصبي مبني على القول بشرعية عبادات الصبي فان قلنا بأنها تمرينية فلا يجتزئ بتغسيله وان قلنا انها شرعية يكفي تغسيله في سقوط التكليف عن المكلفين. هذا. ولا يخفى انه بناءا على أن عبادات الصبي تمرينية وان كان الامر كما ذكر الا انه بناءا على كونها شرعية أيضا لا يمكن المساعدة على الاجتزاء بتغسيله وذلك لان هناك مرحلتين: (احداهما) ان عبادات الصبي شرعية بمعنى ان الامر بها هل توجه إلى غير المكلفين كما توجه إلى البالغين وغاية الامر انتفاء الالزام في حق غير البالغين ولا وجوب في حقهم فالعبادات مشروعة راجحة في حقهم، أو انه لا أمر بالعبادة في حق الصبيان؟. وقد ذكرنا غير مرة ان الصحيح شرعية عبادات الصبي للامر المتوجه إلى أوليائهم على ان يأمروا صبيانهم بالصلاة ونحوها من العبادات. و (ثانيهما): انه بعد الفراغ عن شرعية عبادات الصبي هل تكون عبادته مسقطة للامر المتوجه إلى البالغين أو انها غير مسقطة لها؟ وهذه مسألة اخرى غير المسألة المتقدمة، وظاهر أن مسقطية عمل غير البالغ - ولو كان شرعيا - عن البالغ يحتاج إلى دليل، والامر في المقام كذلك لان الامر بتغسيل الميت خاص بالمكلفين، والصبيان خارجون عن دائرة التكليف ومقتضى اطلاق الامر في المكلفين وعدم

[ 169 ]

[ فلا يجزئ تغسيل الصبي وان كان مميزا وقلنا بصحة عبادته على الاحوط وان كان لا يبعد كفايته مع العلم باتيانه على الوجه الصحيح، ولا تغسيل الكافر إلا إذا كان كتابيا في الصورة المتقدمة. ويشترط أن يكون عارفا بمسائل الغسل كما أنه يشترط المماثلة إلا في الصور المتقدمة. ] تقييده بما إذا لم يغسل الصبيان عدم سقوطه عنهم بتغسيل غير المكلفين اللهم إلا أن يقوم عليه دليل ولا دليل عليه. الوظيفة فيما لو غسل المخالف مخالف مثله: استدراك: انا قدمنا سابقا أن تغسيل الميت واجب على جميع المسلمين بلا فرق في الميت بين الاثنى عشري وغيره من الفرق غير المحكوم بكفرهم، وعليه فيقع الكلام في ان الميت المخالف إذا غسله مخالف مثله فهل يجب على الاثنى عشري أن يعيد تغسيله لبطلان عمل المخالف فتغسيله كعدم التغسيل، أو انه إذا علم عدم تمكنه من التغسيل بعد تغسيله وجب عليه المبادرة إلى تغسيله أولا ولو بالتماس واستدعاء ونحوهما، أو لا يجب الاعادة ولا المبادرة حينئذ؟ والصحيح هو الاخير، وهذا لا لقاعدة الالزام حيث ورد أن

[ 170 ]

[ (فصل) قد عرفت سابقا وجوب تغسيل كل مسلم لكن يستثنى ] من دان بدين قوم لزمته احكامهم، أو ألزموهم بما التزموا به على أنفسهم (1). فان تلك القاعدة انما تجري فيما إذا كان المورد قابلا للالزام كما في الورثة إذا اعتقدوا الارث للعصبة واعطوه للاثنى عشري مثلا لانه من عصبتهم فانه يجوز له أخذه الزاما لهم بما التزموا به على أنفسهم وقد ورد في الارث بخصوصه. أو ان المخالف إذا طلق زوجته بما هو باطل عند الاثنى عشري.


(1) الوسائل: ج 15 باب 30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 10 و 11 و 5 و 6 وج 17 باب 3 من أبواب ميراث المجوس ح 2 وغيرهما من الموارد.

[ 171 ]

[ من ذلك طائفتان: (احداهما): الشهيد المقتول في المعركة عند الجهاد مع الامام (ع) أو نائبه الخاص. ويلحق به كل من قتل في حفظ بيضة الاسلام في حال الغيبة (1). ] المستثنى الاول من قتل في حفظ البيضة: (1) كما إذا هجم الكفار على بلاد المسلمين ودافع المسلمون عن بلادهم حفظا لبيضة الاسلام فان المقتول حينئذ مقتول في سبيل الله ولا يجب تغسيله وان لم يكن ذلك في الجهاد لانه دفاع - كما هو ظاهر -. ثم ان الوجه في ذلك ليس هو الاخبار الواردة في الشهيد لاحتمال اختصاص ذلك بمن قتل في الجهاد. ولا رواية أبي خالد قال: (اغسل كل الموتى: الغريق واكيل السبع وكل شئ إلا ما قتل بين الصفين فان كان به رمق غسل وإلا فلا) (1). بدعوى ان اطلاق (من قتل بين الصفين) يشمل المقتول في الدفاع عن بيضة الاسلام أيضا. وذلك لانها بحسب الدلالة وان كانت ظاهرة إلا انها مقطوعة، ويحتمل انها من أبي خالد نفسه.


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب غسل الميت، ح 3 وهي ضعيفة ايضا بعلي بن معبد و عبد الله بن الدهقان، وكذلك بأبي خالد.

[ 172 ]

[ من غير فرق بين الحر والعبد، والمقتول بالحديد أو غيره ] وليست الرواية مضمرة - كما في كلام المحقق الهمداني (قده). ولعل التعبير به من جهة قوله (قال) فان مرجع الضمير فيه غير مذكور في الرواية. بل لصحيحة أبان بن تغلب وحسنته. ففي الاولى منهما قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الذي يقتل في سبيل الله أيغسل ويكفن ويحنط؟ قال:: (يدفن كما هو في ثيابه إلا أن يكون به رمق فان كان به رمق ثم مات فانه يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه لان رسول الله - ص - صلى على حمزة وكفنه وحنطه لانه كان قد جرد). وفي الثانية منها: قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (الذي يقتل في سبيل الله يدفن في ثيابه ولا يغسل إلا ان يدركه المسلمون وبه رمق ثم يموت بعد فانه يغسل ويكفن ويحنط، إن رسول الله صلى الله عليه وآله كفن حمزة في ثيابه ولم يغسله ولكنه صلى عليه) (1). وصدر الروايتين وان كان يشمل مطلق من قتل في سبيل الله كالمقتول في سبيل الامر بالمعروف أو في الدفاع عن نفسه إلا ان ذيلهما يدلان على اختصاص الحكم بمن قتل بين الصفوف وفي المعركة للجهاد أو للدفاع لقوله (ع) (إلا أن يدركه المسلمون وبه رمق) فانه ظاهر في المعركة. ولا سيما بملاحظة التعليل بأن رسول الله صلى على حمزة لانه كالصريح في الاختصاص.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 14 من ابواب غسل الميت ح 7 و 9.

[ 173 ]

[ عمدا أو خطا، رجلا كان أو امرأة أو صبيا أو مجنونا (1) ] تعميم الحكم لجميع المقتولين: (1) لاطلاق قوله (ع) (الذي يقتل في سبيل الله). المؤيد ذلك في الاطفال بما ورد من قتل بعض الصبيان في بدر وأحد وكربلاء، ولم ينقل عن أحد تغسيلهم. هذا. وعن شيخنا الانصاري (قده) المناقشة في شمول الحكم لغير من كان الجهاد راجحا في حقه كالمجانين والصبيان حيث حكي عنه ان الظاهر من حسنة ابان وصحيحته المقتول في سبيل الله فيختص بمن كان الجهاد راجحا في حقه أو جوهد به كما إذا توقف دفع العدو على الاستعانة بالاطفال. وهذه المناقشة وان كانت موجهة لان المكلفين من الرجال مأمورون بالجهاد والدفاع فالمقتول منهم قد قتل في سبيل الله. كما ان الاطفال أو النساء إذا استعين بهن في القتال كذلك حيث ان المقتول قد قتل في الجهاد المأمور به لقتلهم في الاعانة له. واما إذا فرضنا ان الطفل أو المرأة أو المجنون خرج إلى المعركة من عنده من غير توقف الدفاع أو الجهاد على الاستعانة به فلا يصدق انه مقتول في سبيل الله إذ لا أمر بدفاعه أو جهاده وانما قتل من غير أمر.

[ 174 ]

[ إذ كان الجهاد واجبا عليهم (1)، فلا يجب تغسيلهم بل يدفنون كذلك بثيابهم إلا إذا كانوا عراة (2) فيكفنون ] لا انه يمكن القول بان مقتضى الروايتين ان مجرد القتل في المعركة التي أقيمت لاعلاء كلمة الاسلام موجب لسقوط التغسيل مطلقا كان مقاتلة المقتول أيضا بأمر من الشارع أم لم يكن. وذلك لاطلاق قوله (ع): (الذي يقتل في سبيل الله) فان المفروض ان الجهاد أو الدفاع انما هو في سبيل الله فالقتل فيه يكفي في سقوط الغسل لصدق انه مقتول في سبيل الله ولم يقتل في سبيل غير الله (1) وذلك لحرمة تعريض النفس على القتل إلا ان يجب كما في الجهاد والدفاع فالجواز في ذلك مساوق للوجوب لانه إذا جاز وجب وإذا لم يجب حرم ومع التحريم لا يحتمل سقوط التغسيل فالتقييد فيما إذا كان الجهاد واجبا من جهة ان المورد يقتضي ذلك، لا لانه مدلول لدليل خاص. العراة يجب تكفينهم في المعركة: (2) هذه المسألة لا تناسب المقام، لان الكلام في التغسيل وسقوطه والمناسب تأخيرها إلى مبحث التكفين ويتعرض هناك لموارد عدم وجوبه ويستثنى منه العراة من الشهداء فانهم يجب تكفينهم.

[ 175 ]

[ ويدفنون. ويشترط فيه ان يكون خروج روحه قبل ] ثم ان الوجه في ذلك هو الاطلاقات الدالة على ان تكفين كل مسلم واجب وقد خرجنا عنها في الشهيد ومن قتل في سبيل الله حيث ورد أنه يدفن بثيابه وقد فرض فيه الثياب. واما من لم يكن له ثياب من القتلى في سبيل الله فهو غير مشمول للاخبار فلا محالة يبقى تحت المطلقات. هذا. وقد يستدل عليه - كما في الحدائق وغيره - بصحيحة ابان بن تغلب المتقدمة الدالة على ان النبي صلى الله عليه وآله كفن حمزة لانه قد جرد (1). وأورد عليه في الحدائق بأن الصحيحة معارضة بصحيحتي زرارة واسماعيل بن جابر من ان النبي صلى الله عليه وآله كفن حمزة بثيابه ورداه بردائه (2). فلا يمكن الاستدلال بها على وجوب التكفين في العراة. ثم جمع بينهما بحمل الصحيحة المتقدمة على انه جرد من بعض أثوابه فجعل صلى الله عليه وآله الرداء قائما مقام ما جرد منه. وهذا الجمع كما ترى ليس من الجمع العرفي في شئ فالاخبار متعارضة والصحيح في الاستدلال ما ذكرناه.


(1) تقدم ذكرها آنفا. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 14 من ابواب غسل الميت، ح 8.

[ 176 ]

[ اخراجه من المعركة (1). ] شرطية كون الموت في المعركة: (1) ذكر جماعة - منهم المحقق (قده) - أن سقوط الغسل عمن قتل في سبيل الله مشروط بما إذا وقع القتل في المعركة والحرب قائمة ولم تنقض بلا فرق في ذلك بين ان يدركه المسلمون وهو حي وبين أن لا يدركه المسلمون كذلك. فان الدرك وعدمه لا اعتبار بهما في المقام وانما المدار على القتل في المعركة والحرب لم تنقض، وأما إذا اخرج من المعركة فمات أو انه مات بعدما وضعت الحرب أوزارها فلابد من تغسيله وتكفينه. وزاد الماتن على ذلك ما إذا خرج من المعركة ومات بعد ذلك بلا فصل يعتمد به عرفا. وشئ مما ذكره الجماعة والماتن (قدهم) لا يمكن المساعدة عليه. وذلك لان مقتضى صحيحة أبان وحسنته المتقدمتين (1) أن المدار في سقوط الغسل وعدمه هو ادراك المسلمين له وبه رمق الحياة فيغسل وبين ادراكهم له وليس به رمق فلا يغسل بلا فرق في ذلك بين ان تكون الحرب قائمة أم لم تكن وكان الميت في المعركة أو في خارجه إذ المناط صدق القتل في سبيل الله.


(1) تقدمتا في ص 172.

[ 177 ]

وحمل ادراك المسلمين له على اخراجه من المعركة أو ادراكه حيا بعد انقضاء الحرب كما ذكره المحقق الهمداني (قده). مما لا موجب له لانه ارتكاب خلاف ظاهر الروايتين ولا يمكن المصير إليه إلا بدليل ولا دليل عليه. بل الادراك باق على معناه من وصول المسلمين إليه. و (دعوى): ان المسلمين جمع محلى باللام وهو يفيد العموم فلا يمكن ارادة ادراك واحد أو اثنين منهم ولابد من حمله على اخراجه من المعركة أو على ادراكه بعد انقضاء الحرب ليشاهده عامة المسلمين. (مندفعة): بأنه وان كان جمعا محلى باللام وهو قد يراد منه العموم إلا انه غير محتمل الارادة في المقام لعدم امكان ان يشاهد الشهيد جميع المسلمين في العالم. وكذلك الحال إذا حملناه على جميع المسلمين المقاتلين لانهم باجمعهم لا يشاهدون القتيل لاشتغالهم بالحرب أو بسائر الاشغال. فلابد من حمله على ارادة الطبيعة والجنس كما يستعمل فيه بكثير نظير قوله تعالى (انما الصدقات للفقراء والمساكين.) (1) أو (فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين.) (2) فان الالف واللام فيهما بمعنى الطبيعة والجنس فيصدق على درك واحد من المسلمين أو اثنين أو اكثر. فتحصل: ان المدار في سقوط التغسيل وعدمه انما هو على ادراك المسلمين له وفيه رمق الحياة أو ادراكهم له وليس فيه رمق.


(1) سورة التوبة: الآية 60. (2) سورة الانفال: الآية 41.

[ 178 ]

ولا اعتداد بكونه قتيلا في المعركة وكانت الحرب قائمة أو منقضية هذا وقد أيد المحقق الهمداني (قده) ما ذكره من ان المراد من ادراكه المسلمين اخراجه من المعركة أو ادراكه حيا بعد انقضاء الحرب وكون المدار في سقوط التغسيل هو القتل في المعركة والحرب قائمة بقضية عمار بن ياسر. فان الظاهر حضور المسلمين عنده حين استسقى فسقي اللبن الذي كان آخر شرابه من الدنيا - مع أن أمير المؤمنين (ع) لم يغسله - كما يدل عليه اخبار مستفيضة. فدل ذلك على انه لا عبرة بادراك المسلمين وهو حي في وجوب التغسيل، بل يسقط عنه التغسيل وان ادركه المسلمون حيا لانه قتل في المعركة والحرب لم تنقض. وفيه: ان الاخبار الدالة على انه (ع) لم يغسل عمارا ليست بمستفيضة ولا انها بموثقة - كما عبر عنها في الحدائق -. أما انها ليست بمستفيضة فلان جميع الاخبار تنتهي إلى مسعدة (1) ابن صدقة وغاية الامر انه قد يروي ذلك عن عمار (2) عن أبي


(1) نعم في آخر باب 14 من أبواب غسل الميت رواية اخرى تنتهي إلى أبي البختري ولكنها ضعيفة وأما مسعدة بن صدقة فانه موجود في اسناد كامل الزيارات وكذلك في تفسير علي بن ابراهيم القمي (قدس سرهما). (2) كذا في مورد من التهذيب، وفي الاستبصار: مصدق بن صدقة كما ان في مورد آخر من التهذيب والاستبصار: مسعدة بن صدقة عن جعفر عن آبائه عليهم السلام.

[ 179 ]

جعفر واخرى عن بعض ولد عدي بن حاتم فهي مستفيضة من مسعدة لا من الامام (ع) فلا استفاضة في هذه الاخبار. واما انها ليست بموثقة فلما ذكرنا في محله من ان مسعدة عامي أو تبري لم تثبت وثاقته فما استشهد به من الاخبار ساقط عن حيز الاعتبار، هذا كله في هذه المقدمة. واما مقدمته الاولى: وهي أنه قد استظهر درك المسلمين عمارا وبه رمق. ففيها: ان هذا مما لم نقف عليه في رواية ولو ضعيفة بل المنقول في ترجمته انه دعا باللبن قبل خروجه إلى المعركة فشربه وكان آخر شرابه من الدنيا كما قال له النبي صلى الله عليه وآله (آخر شرابك ضياح من لبن) (1) ثم خرج إلى القتال فاستشهد. اذن لا يمكن المساعدة على ما أفاده. نعم روى الكشي - كما في رجال المامقاني (قده) - عن اسماعيل ابن أبي خالد قال: سمعت قيس بن أبي حازم قال عمار بن ياسر: ادفنوني في ثيابي فاني مخاصم (2). إلا انها غير قابلة للاعتماد عليها لان في سندها أربعة من المجاهيل فلا يمكننا رفع اليد عن ظواهر الاخبار المعتبرة بأمثال ذلك من الروايات. فالصحيح ما ذكرناه من ان المدار في سقوط الغسل عن الشهيد انما هو على درك المسلمين له وليس فيه رمق الحياة سواء كان في المعركة وحال الحرب أو في خارجها وبعد انقضائها. نعم: في رواية زيد بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (إذا


(1) و (2) راجع معجم رجال الحديث: ج 12 ص 293.

[ 180 ]

[ الثانية: من وجب قتله برجم أو قصاص (1) ] مات الشهيد من يومه أو من الغد فواروه في ثيابه، وان بقي اياما حتى تغير جراحته غسل) (1) إلا انها ضعيفة بالحسين بن علوان ولم يعمل الاصحاب بمضمونها. المستثنى الثاني: من وجب قتله: (1) سقوط الغسل عن المرجوم والمقتص منه من المسائل المتسالم عليها بين الاصحاب ولم ينقل فيها خلاف من أحد فيما نعلمه، وانما الكلام في مدرك هذا الحكم المتسالم عليه. وقد استدل عليه بما رواه الكليني والشيخ (قدهما) عن مسمع كردين عن أبي عبد الله (ع) قال: (المرجوم والمرجومة يغسلان ويحنطان ويلبسان الكفن قبل ذلك ثم يرجمان ويصلى عليهما. والمقتص منه بمنزلة ذلك يغسل ويحنط ويلبس الكفن ثم يقاد ويصلى عليه) (2). وقد ورد ذلك في رواية اخرى مرسلة: وهذه الرواية وان كانت ضعيفة السند إلا انه لا مناص من العمل على طبقها والاصحاب قد عملوا بها يقينا.


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب غسل الميت حديث 5 وتقدم توثيق الحسين. (2) الوسائل: ج 2 باب 17 من أبواب غسل الميت ح 1.

[ 181 ]

والوجه في ذلك ليس هو انجبار ضعف الرواية بعملهم لانا لا نرى الانجبار بعملهم، بل من جهة ان المسألة محل الابتلاء إذ الرجم وان كان لا يتفق إلا قليلا بل لم يتفق في عصر النبي صلى الله عليه وآله وعلي (ع) إلا في بعض الموارد. إلا أن القصاص كان مورد الابتلاء في عصره صلى الله عليه وآله وعصر علي (ع) وفي زمان الخلفاء فلو كان الغسل واجبا على المرجوم والمقتص منه لاشتهر ونقل لكثرة الابتلاء به، مع انه لم ينقل ذلك بوجه ولا توجد فتوى بوجوب التغسيل عليهما. وقد ذكرنا في جملة من الموارد أن المسألة إذا كانت مما يبتلى بها كان الحكم فيها على تقدير وجوده مشهورا لا محالة، فنفس عدم الاشتهار في مثله دليل على العدم. ومن ذلك مسألة الاقامة حيث إن الاخبار الدالة على وجوبها كثيرة إلا ان المشهور بين المتقدمين لم يلتزموا فيها بالوجوب ولاجله قلنا بعدم وجوب الاقامة لانها مسألة يبتلى بها في اليوم مرات فلو كانت واجبة لنقل واشتهر ولم يخف على المشهور بين الاصحاب فنفس عدم الاشتهار يدل على عدم الوجوب. والمقام أيضا من هذا القبيل. هذا كله في أصل المسألة. التحاق كل من وجب قتله بالمرجوم: وهل يلحق بالمرجوم والمقتص منه كل من وجب عليه القتل في

[ 182 ]

[ فان الامام (ع) أو نائبه - الخاص أو العام - يأمره (1) ] الشريعة المقدسة - كما في اللواط والزنى بالمحارم وارتكاب بعض المنكرات أو ان الحكم بسقوط التغسيل مختص بالموردين؟ المصرح به في كلمات جماعة هو الالحاق فكأنهم حملوا الرجم والقصاص على المثال، إلا أن الصحيح هو اختصاص الحكم بالموردين وذلك لانا لم نعتمد على الرواية في المقام حتى يدعى دلالتها على التعميم بحمل الموردين على المثال وانما استدللنا بالتسالم والاجماع وهما لبيان، ويقتصر في الادلة اللبية على القدر المتيقن وهو المرجوم والمقتص منه فالحاق غيرهما بهما قياس. هذا وبعد ذلك يقع الكلام في خصوصيات المسألة وان هذا الاغتسال قبل الرجم والاقتصاص هو غسل الميت وقد قدم على الموت فيعتبر فيه ما يعتبر في غسل الميت من التغسيل مرة بالماء القراح واخرى بماء السدر وثالثة بماء الكافور أو انه كغسل التوبة حتى يغفر الله له ذنبه فلا يعتبر فيه الخليط؟ وهل يعتبر فيه ان يكون الغسل بأمر الامام أو نائبه أو لا يعتبر ذلك؟ إلى غير ذلك من الخصوصيات. هل يشترط أمر الامام أو نائبه بالغسل؟ (1) وقع الكلام في أن الغسل من المرجوم والمقتص منه هل

[ 183 ]

يشترط في صحته الامر به من الامام (ع) أو غيره، أو لا يعتبر فيه الامر بوجه. وعلى تقدير اعتبار الامر فهل الآمر هو الامام أو نائبه أو لا يتعين ذلك في شخص؟ ذكر الماتن (قده) انه يغتسل بأمر الامام أو نائبه الخاص أو العام، وذكر في آخر كلامه انه لو اغتسل من غير امر الامام أو نائبه كفى، فكأنه يرى أن الامر واجب نفسي لا شرط في صحة الاغتسال. واستدل على ذلك بأن غسل الميت واجب كفائي على المسلمين وحيث ان المرجوم أو المقتص منه يباشر بنفسه ذلك الواجب على المسلمين، مع انه لابد من أن يصدر من المسلمين فاعتبر صدوره منهم بالتسبيب والامر به. وبعبارة اخرى: ان الواجب على المسلمين هو المباشرة لتغسيل الميت كما في غير المرجوم والمقتص منه، وبما أن المباشرة لا يمكنهم فيهما لانهما يتصديان له بنفسهما فاعتبر صدور التغسيل الواجب منهم بالامر به والتسبيب إليه. وهذا الوجه وان ذكره صاحب الجواهر (قده) إلا انه مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لان وجوب التغسيل كفاية على المسلمين انما استفدناه من الروايات الدالة على وجوب تغسيل الاموات، وهي - كما ترى - مختصة بالميت، والمرجوم والمقتص منه حيان فلا مقتضي ولا سبب لتوهم الوجوب الكفائي في مثلهما ليقال: ان المباشرة لما كانت من المرجوم والمقتص منه فاعتبر من المسلمين الاصدار بالتسبيب بالامر به. هذا.

[ 184 ]

وقد يقال: ان منشأ الوجوب الكفائي هو رواية مسمع كردين لدلالتها على ان المرجوم والمرجومة يغسلان ويحنطان ثم يرجمان فيصلى عليهما فيدفنان. والامر في (يغسلان ويحنطان) (1) متوجه إلى المسلمين وهما من باب التفعيل وحيث أن المباشرة غير ممكنة لتصدي المرجوم والمرجومة لذلك فيعتبر منهم اصدار الغسل بالتسبيب والامر به. وهذا الوجه وان كان لا بأس به إلا ان النسخة لم تثبت أنها (يغسلان ويحنطان) وان رواها في الوسائل كذلك فان الشيخ وصاحب الوافي قد نقلا الرواية عن الكليني هكذا: انهما (يغسلان ويتحنطان) (2). وفي شهادة مثل الشيخ والفيض كفاية وان كانت نسخة الكافي الموجودة كما رواه في الوسائل ولكنها غير ثابتة وغاية الامر أن تصبح الرواية مجملة لعدم ثبوت شئ من النسختين، هذا أولا. وثانيا: ان المستند في المسألة ليس هو الرواية حتى نستدل بكلمة (يغسلان ويحنطان) وذلك لضعفها كما مر، وانما المدرك فيها هو الاشتهار وكونها موردا للابتلاء فالدليل لبي ويقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو الغسل فقط، واما اعتبار الامر في ذلك شرطيا أو نفسيا فهو مندفع بأصل البراءة، هذا كله في اصل اعتبار الامر وعدمه.


(1) الوسائل: ج 2 باب 17 من أبواب غسل الميت ح 1. (2) التهذيب: ج 1 باب تلقين المحتضرين، ح 978، والوافي ج 3 باب القتيل 63 من أبواب التجهيز ص 53 الا ان فيه يغتسلان ويحنطان ويلبسان الكفن.

[ 185 ]

[ أن يغتسل غسل الميت مرة بماء السدر ومرة بماء الكافور ومرة بماء القراح (1) ثم يكفن كتكفين الميت إلا أنه ] ثم على تقدير القول به فهل يعتبر أن يكون الامر من الامام (ع) أو نائبه أو يكفي الامر به من سائر المسلمين؟ الرواية مطلقة وليس فيها تقييد بكون الامر من الامام على تقدير دلالتها على اعتبار الامر في الاغتسال فلا دليل على هذا التقييد. وكون المتصدي للحد هو الامام (ع) أو نائبه لا ينافي جواز صدور الامر بالاغتسال من غيره فيأمره غير الامام بالاغتسال والامام (عليه السلام) أو نائبه يقيم الحد لان الحد لا يقيمه غير الامام أو نائبه، فعلى ذلك فاشتراط الامر بالاغتسال مبني على الاحتياط خروجا عن مخالفة من اعتبره في الاغتسال وان لم يكن معتبرا كما مر. ثم إن محل البحث في المقام هو اعتبار الامر في خصوص غسل المرجوم والمقتص منه بما هو غسل صادر منهما، واما وجوب الامر به من باب تبليغ الاحكام لجهالة المرجوم والمقتص منه أو من باب الامر بالمعروف فهو مما لا اشكال فيه، إلا انه امر آخر اجنبي عما نحن بصدده. الامور المعتبرة في اغتسال المرجوم والمقتص منه (1) مقتضى اطلاق الامر بالغسل في الرواية ان الاغتسال في المقام

[ 186 ]

[ يلبس وصلتين منه وهما المئزر والثوب قبل القتل، واللفافة بعده (1) ويحنط قبل القتل كحنوط الميت ثم يقتل فيصلى ] كغيره من الاغسال يكفي فيه الماء القراح فلا وجه لاعتبار التعدد والمزج فيه. و (دعوى) انه غسل الميت قد قدم فيعتبر فيه ما يعتبر في غسل الميت من التعدد والخليط بالسدر والكافور (مندفعة): بان غسل الميت انما هو عقيب الموت وهو ساقط في المرجوم والمقتص منه قطعا كالشهيد فليكن الغسل قبل الرجم والقصاص غسلا مستقلا برأسه إذ لم يقم دليل على أنه غسل الميت قد قدم. على انا لو سلمنا انه غسل الميت قد قدم فليس لنا إطلاق يدل على اعتبار التعدد والخليط بالسدر والكافور في مطلق غسل الميت ولو كان مقدما على الموت وانما ذلك ثبت في تغسيل الميت - أي بعد الموت -. (1) ذكر صاحب الجواهر (قده) انه لم يعثر على من تعرض لكيفية التكفين في المقام فلا قائل بما ذكره الماتن (قده) من انهما يلبسان الازار والمئزر ويلبسان اللفافة وهي المسماة (بسرتاسري) بعد قتلهما. بل مقتضى الامر بالتكفين والتحنيط أن يلبسا جميع الاثواب الثلاثة حتى اللفافة ولا ينافي ذلك القتل بالرجم وهو واضح. واما في القصاص - أي القتل بالذبح - فيفتح منها المقدار اللازم في الذبح ثم بعد ذلك يشد؟

[ 187 ]

[ عليه ويدفن بلا تغسيل. ولا يلزم غسل الدم من كفنه (1) ولو احدث قبل القتل لا يلزم اعادة الغسل (2)، ويلزم ] (1) تعتبر الطهارة في الاكفان بحيث لو تنجس شئ منها وجب غسله أو تبديله ولا يعتبر هذا في المقام. وذلك لان التنجس من لوازم القتل رجما أو قصاصا، ومع ورود الرواية في مورد البيان أو مع كون المسألة محل الابتلاء لم يرد ما يدل على تغسيل الاكفان في المرجوم والمقتص منه. لو احدث قبل القتل: (2) اما الحدث الاصغر فعدم انتفاض الغسل به وعدم وجوب الاعادة بسببه انما هو لاطلاق الرواية وكلمات الاصحاب (قدهم). واما الحدث الاكبر فلما قدمناه من أن الغسل من الاحداث الكبيرة ليس من الواجبات النفسية وانما وجوبها شرطي ولاجل الصلاة، وحيث ان المرجوم والمقتص منه يقتلان فلا موجب لوجوبه في حقهما كما انه لا دليل على وجوبه على غيرهما بأن يغسلهما من الاحداث الكبيرة حتى الجنابة. وأما عدم انتقاض الغسل السابق به فلعدم دلالة الدليل عليه.

[ 188 ]

[ أن يكون موته بذلك السبب فلو مات أو قتل بسبب آخر يلزم تغسيله (1) ] يعتبر استناد موته إلى الرجم أو القصاص: (1) كما إذا مات من الخوف أو ألقى نفسه من شاهق أو قتله شخص آخر ظلما وعدوانا. والوجه في لزوم تغسيله حينئذ أن سقوط الغسل في الموردين ووجوب التغسيل في حال الحياة حكم على خلاف القاعدة ولابد في مثله من الاقتصار على مورد النص والتسالم وهو ما إذا اغتسل للرحم أو القصاص وقتل بسببهما. وفي غير هذا المورد يرجع إلى مقتضى القاعدة والعمومات وهي تدل على وجوب تغسيل كل ميت، ولعل هذا مما لا اشكال فيه. وانما الكلام فيه إذا اغتسل للرجم فقتل قصاصا أو بالعكس، أو انه اغتسل للقصاص لزيد فقتل قصاصا لعمرو فهل يجب أن يعيد غسله أو انه إذا لم يغتسل ثانيا يجب تغسيله بعد موته أو لا؟ لا يبعد القول بسقوط الغسل وعدم وجوب اعادته ولا تغسيل بعد موته. وذلك لان الخارج عما دل على وجوب التغسيل بعد الموت فردان: المرجوم والمقتص منه فإذا اغتسل المكلف لهذا أو ذاك أي للجامع

[ 189 ]

بينهما سقط عنه التغسيل بعد الموت، والمفروض أن ذلك قد تحقق فلا محالة يسقط عنه التغسيل بعد الموت. وغاية الامر انه كان ناويا للغسل للرجم ولم يتحقق الرجم وتحقق الفرد الآخر، إلا أنه لا يشترط في سقوط الغسل قصد الوجه ونية التعيين بل الغسل لاحدهما موجب لسقوط التغسيل بعد الموت وهذا قد تحقق على الفرض. هذا إذا اغتسل للرجم وقتل قصاصا. واما إذا اغتسل للقصاص من جهة فقتل قصاصا من جهة اخرى فالامر فيه اوضح لان الغسل لطبيعي القصاص أو الرجم موجب لسقوط الغسل بعد الموت فان الحكم ثابت للطبيعي - القصاص أو الرجم - لا لافراده، وقصد الفرد المعين لا أثر له. هذا إلا أن مقتضى الاحتياط اعادة الغسل ثانيا للسبب الثاني قبل قتله أو تغسيله بعد موته إذا لم يعد الغسل ثانيا. وذلك لانه إذا احتملنا ان يكون للرجم أو القصاص الذي اغتسل لاجله دخلا في سقوط الغسل بعد الموت لابد من الرجوع إلى المطلقات الدالة على وجوب تغسيل كل ميت إلا أن يعيد غسله ثانيا للسبب الثاني وذلك لانه مع الشك في التخصيص الزائد لا مناص من الرجوع إلى المطلقات.

[ 190 ]

[ ونية الغسل من الآمر (1) ولو نوى هو أيضا صح، كما انه لو اغتسل من غير أمر الامام (ع) أو نائبه كفى، وان كان الاحوط اعادته. (مسألة 6): سقوط الغسل عن الشهيد والمقتول بالرجم أو القصاص من باب العزيمة لا الرخصة (2)، ] نية الغسل من الآمر: (1) ما ذكره (قده) من ان نية الغسل من الآمر عجيب، وكذا ما ذكره بعد ذلك من أنه لو نوى هو أيضا صح، بمعنى ان النية واجبة بينهما على نحو التخيير. وذلك لان الغسل عمل مأمور به للمرجوم والمقتص منه فلابد أن يتصدى هو لنية فعله لانه عبادي، ولا معنى لان يتصدى لنية العبادة غير فاعلها. سقوط الغسل عزيمة: (2) للنهي عن تغسيل الشهيد، ولعدم جواز غسل دمه فكأن الله سبحانه شاء أن يلقى الشهيد ربه متلطخا بدمه، وللنص والتسالم

[ 191 ]

[ واما الكفن فان كان الشهيد عاريا وجب تكفينه (1) وان كان عليه ثيابه فلا يبعد جواز تكفينه فوق ثياب الشهادة (2) ] على تقديم الغسل في المرجوم المقتص منه على الموت. (1) كما مر في مسألة العراة. جواز التكفين فوق الثياب: (2) ولعله لان الاخبار الواردة في الشهيد انما دلت على انه يدفن بثيابه ولا دلالة لها على عدم جواز تكفينه فوق الثياب. وفيه: انه (قده) ان اراد بالتكفين فوق الثياب التكفين المستحب الذي يستحب ان يكون من البرد اليماني كالقطعة الرابعة بل الخامسة غير القطعات الواجبة الثلاثة - اعني الازار والمئزر واللفافة - فهو كما افاده لان ما دل على استحباب الرابعة أو الخامسة غير قاصر الشمول للشهيد. إلا أن هذا غير مراد للماتن (قده) لان الكلام في التكفين الواجب وان سقوطه عن الشهيد سقوط عزيمة أو رخصة كالتغسيل، وليس في التكفين المستحب سقوط عزيمة أو رخصة وهو ظاهر. وان اراد بذلك التكفين الواجب فيرد عليه. ان الاخبار الواردة في الشهيد قد دلت على ان اكفانه ثيابه وان الثياب كافية في تكفينه. اذن لا دليل على التكفين الزائد على ذلك، والتكفين من دون

[ 192 ]

[ ولا يجوز نزع ثيابه وتكفينه، ويستثنى من عدم جواز نزع ما عليه اشياء يجوز نزعها كالخف والنعل والحزام إذا كان من الجلد واسلحة الحرب (1). واستثنى بعضهم الفرو ولا يخلو عن اشكال خصوصوا إذا اصابه دم. واستثنى بعضهم مطلق الجلود وبعضهم استثنى الخاتم، وعن امير المؤمنين عليه السلام: (ينزع من الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والحزام والسراويل) والمشهور لم يعملوا بتمام الخبر والمسألة محل اشكال والاحوط عدم نزع ما يصدق عليه الثوب من المذكورات. ] امر ملحق بالتشريع فالصحيح ان سقوط التكفين كالتغسيل سقوط عزيمة لا رخصة. ما يستثنى من عدم جواز النزع (1) الصحيح انه لا استثناء في ثياب الشهيد بل لابد من دفنه بماله من الثياب ولا يجوز نزع شئ من اثوابه. نعم: ورد في رواية زيد بن علي (ع): (ينزع من الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل الا أن يكون

[ 193 ]

اصابه دم فان اصابه دم ترك، ولا يترك عليه شئ معقود الا حل) (1) الا انها ضعيفة السند ولا يمكن الاستدلال بها في مقابل الاخبار الدالة على ان الشهيد يدفن بدمائه وثيابه. والذي يسهل الخطب ان جملة من الاشياء التي استثنوها في المقام خارجة عن الثياب بالتخصص فان الثياب في لغة العرب اخص من الملبوس - وان لم يكن الامر كذلك في لغة الفرس - فالخاتم ملبوس ولكنه خراج عن الثياب جزما وكذلك الخف والحزام إذا كانا من الجلود. نعم السراويل من الثياب لدخولها فيها عند الاطلاق كما في المقام وان كان خارجا عنها بالمعنى الاخص الذي هو بمعنى الازار كما إذا وردا متقابلين بان قلنا مثلا (السراويل والثياب). فلا وجه لما حكي عن المفيد وابن الجنيد من ايجاب نزع السراويل عن الشهيد الا ان يكون فيها دم. واما الفرو فلا نرى فرقا بينه وبين العباءة وغيرها من الثياب التي تلبس فوق الثياب إذ لا يعتبر في الثوب ان يكون منسوجا فان الثوب قد يكون من الجلد. وعلى الجملة كلما علمنا دخوله في الثياب حرم نزعه وما علمنا خروجه عنها جاز نزعه، واما إذا شككنا في شئ انه من الثياب أو غيرها فهو شبهة مفهومية للثوب ومرجع الشك إلى الشك في حرمة نزعه ولا بد معه من الرجوع إلى الاصل هو يقتضي عدم ثبوت الحرمة في نزع المشكوك ثوبيته.


(1) الوسائل: ج 2 باب 16 من ابواب غسل الميت ح 10. وتقدم ان السند معتبر.

[ 194 ]

[ (مسألة 7): إذا كان ثياب الشهيد للغير ولم يرض بابقائها تنزع (1). وكذا إذا كانت للميت ولكن مرهونة عند الغير ولم يرض بابقائها عليه. (مسألة 8): إذا وجد في المعركة ميت لم يعلم انه قتل شهيدا أم لا فالاحوط تغسيله وتكفينه (2) خصوصا إذا لم يكن فيه جراحة وان كان لا يبعد اجزاء حكم الشهيد عليه. ] إذا كان ثياب الشهيد للغير: (1) وذلك لان الامر بالدفن مع الثياب انما يشمل الثياب التي تصلح للتكفين بها في نفسها، واما ما لا يصلح لذلك فهو غير مشمول للامر بوجه كما إذا كانت ملكا للغير أو متعلقا لحق الغير - كما في المتن - فإذا نزعت ثيابه فان كان له ثوب آخر صالح للتكفين به في نفسه دفن معه، وإذا لم يكن له ثوب بعد النزع فهو من العراة ويجب تكفينه كما سبق. الميت في المعركة إذا لم يعلم شهادته: (2) هذا الاحتياط وان كان استحبابيا لا محالة لعدم استبعاد الماتن

[ 195 ]

اجراء حكم الشهيد عليه، الا انه - استحبابيا كان أم وجوبيا - غير ممكن في المقام وذلك لما تقدم قبل اسطر من ان سقوط التغسيل والتكفين في الشهيد عزيمة لا رخصة وانه لا يجوز غسل دمائه. فانه - على ذلك - يدخل المقام في كبرى دوران الامر بين المحذورين لانه ان كان شهيدا حرم تغسيله وتكفينه وغسل دمائه وان لم يكن شهيدا وجب ولا معنى للاحتياط حينئذ لعدم امكان للاحتياط، والممكن انما هو أحد الامرين فحسب، نعم إذا لم يكن على بدنه دم فهو قابل للاحتياط كما ياتي. واما عدم استبعاد كونه شهيدا فانما هو لمجرد الظهور حيث وجد في المعركة أو من باب الحاق الظن بالشئ الاعم الاغلب، وشئ منهما لا اعتبار به. ودعوى ان السيرة جارية على إلحاقه بالشهيد ساقطة، إذ اي سيرة جرت على اجراء احكام الشهيد على من شك في شهادته. نعم قد تكون الشهادة مورد الاطمئنان لان افراد المعسكر معلومين وكل امراء الصفوف يدرون ان من عندهم برز إلى ميدان القتال فقتل. وكيف كان فان كان هناك امارة على الشهادة مفيدة للقطع أو الاطمئنان فهي والا فالمسالة يبتني حكمها على حكم كبروي وهو جريان الاصل في الاعدام الازلية وذلك للشك في ان القتل أو الموت هل اتصف بكونه في سبيل الله ام لم يتصف. ففي حال حياته لم يكن موت ولا اتصاف بكونه في سبيل الله فإذا علمنا بحدوثه وشككنا في اتصافه بذلك وعدم اتصافه فالاصل انه لم يتصف بكونه في سبيل الله فيجب تغسيله وتكفينه.

[ 196 ]

[ (مسألة 9): من اطلق عليه الشهيد في الاخبار من المطعون والمبطون والغريق والمهدوم عليه ومن ماتت عند الطلق والمدافع عن أهله وماله لا يجري عليه حكم ] بل المورد من موارد الاصل النعتي لان الظاهر من الاخبار (1) ان المقتول في سبيل الله لا يغسل حيث استثني من وجوب تغسيل الميت المقتول فراجع، فالقتل في سبيل الله صفة للانسان لا ان الكون في سبيل الله صفة للموت أو القتل. وبين العنوانين فرق ظاهر فان الاول مورد للاصل النعتي وذلك لان ذلك الشخص الخارجي كان غير متصف بالقتل في سبيل الله قبل موته والاصل انه الآن كما كان ومقتضى هذا الاصل وجوب تغسيله وتكفينه كما عرفت وعلى الجملة: القتل في سبيل الله صفة حادثة مسبوقة بالعدم وعند الشك فيها يستصحب عدمها. وكذا الحال في المرجوم والمقتص منه لانهما صفتان حادثتان مسبوقتان بالعدم. نعم إذا لم يكن الميت به اثر جراحة ولا دم قابل للاحتياط و، لكنه مع الدم فقد عرفت انه من دوران الامر بين المحذورين ولا بد فيه من الرجوع إلى الاستصحاب كما ذكرناه


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب غسل الميت، ح 9. والرواية معتبرة وان كان في السند ابن سنان في الكافي والتهذيب فان المراد به عبد الله كما استظهره صاحب الوسائل.

[ 197 ]

[ الشهيد (1) إذا المراد التنزيل في الثواب. ] من لا يجري عليه حكم الشهيد: (1) يمكن الاستدلال عليه بوجوه: (منها) ان الشهيد منصرف إلى المستشهد في المعركة فهذه الاخبار (1) الواردة في الموارد المذكورة في المتن منصرفة إلى التنزيل


(1) راجع الوسائل: ج 11 باب ب 46 من ابواب جهاد العدو. والمستدرك ج 1 باب 39 من ابواب الاحتضار، ح 40، 47، 48، وفي الاخير الطعن شهادة والطاعون شهادة. والحرق شهادة. وفي الفقيه: ج 1 باب غسل الميت، الحديث 382، قال عليه السلام: موت الغريق شهادة. وورد في باب 11 من ابواب الوضوء ح 35: انك تكون إذا مت على طهارة شهيدا. وفي الصحيح: عن ابي عبد الله (عليه السلام): يا ابا محمد ان الميت منكم على هذا الامر شهيد قلت وان مات على فراشه فقال اي والله على فراشه حي عند ربه يرزق. وغيرها من الروايات راجع: الوافي ج 1، باب البشارات للمؤمن. والحاصل: مضافا إلى ما ذكره السيد الاستاذ: اولا ان الاخبار الواردة في الموارد المذكورة في المتن غير (المدافع) كلها ضعاف مضافا إلى انه لا ينحصر بالموارد المذكورة. وثانيا: ان في بعض تلكم الموارد ورد النص المعتبر بتغسيلهم كما في الغريق والمحروق راجع =

[ 198 ]

بحسب الثواب لا التنزيل منزلة الشهيد من حيث الثواب والاحكام الشرعية المترتبة عليه ولو بملاحظة الاخبار الواردة في القتيل في سبيل الله والقتيل بين الصفين. و (منها): ان السيرة جارية على تغسيل وتكفين المبطون والمطعون والمقتول دون اهله وماله ومن ماتت عند الطلق ولم يسمع ان التي تموت عند الطلق لم تغسل ولم تكفن بل تدفن بثيابها من غير غسل. مع ان الموارد المذكورة محل الابتلاء فلو كان حكمهم حكم الشهيد ولم يجب فيهم التغسيل والتكفين لاشتهر الحكم وكان من الامور الواضحة مع انه لم يفت فقيه بسقوط الغسل والكفن في هذه الموارد. و (منها): انا لو لم ندع الانصراف واغمضنا النظر عن السيرة الجارية على التغسيل والتكفين ايضا لا يمكننا إلحاق المذكورين بالشهيد. وذلك لان الاخبار الواردة في تلك الموارد بانفسها تدل على ان التنزيل انما هو بحسب علو المقام وعظم المنزلة والثواب، لا انه بحسب الاحكام الشرعية. وذلك لانها دلت على ان المذكورين في الروايات (شهيد) فنزلوا منزلة مطلق الشهيد وطبيعيه، ومن الظاهر ان طبيعي الشهيد ليس له حكم شرعي فان سقوط التغسيل والتكفين من الاحكام المترتبة على قسم خاص من الشهيد، وهو الشهيد الذي ادركه المسلمون وليس به رمق الحياة أو الذي قتل في المعركة أو الاعم منها ومن خارجها على الخلاف.


= الوسائل: ج 2 باب 48 من ابواب الحتضار، ح 3، 4 وباب 16 من ابواب غسل الميت ح 2.

[ 199 ]

[ (مسألة 10): إذا اشتبه المسلم بالكافر فان كان مع العمل الاجمالي بوجود مسلم في البين وجب الاحتياط بالتغسيل والتكفين وغيرهما للجميع (1) وان لم يعلم ذلك (2). ] فالمقتول في سبيل الله على قسمين: قسم يغسل ويكفن كالذي ادركه المسلمون وهو حي، وقسم لا يغسل ولا يكفن وهو الذي ادركوه ولم يكن به رمق الحياة. والجامع بينهما ليس بموضوع للحكم بعدم تغسيله وتكفينه، وحيث انهم قد نزلوا منزلة مطلق الشهيد دون الشهيد الذي ادركه المسلمون ولا رمق له، فيعلم من ذلك ان التنزيل انما هو بحسب علو المنزلة والثواب لترتبهما على طبيعي الشهيد، لا انه بحسب الاحكام الشرعية وهذا الوجه هو المعتمد عليه: إذا اشتبه المسلم بالكافر: (1) كما إذا علمنا ان احد الميتين مسلم فيحتاط بتكفينهما وتغسيلهما والصلاة عليهما لان الكافر لا يحرم تجهيزه حرمة ذاتية وانما لا يجوز تشريعا مع الاحتياط لا تشريع في البين. (2) بان وجدنا ميتا وشككنا في اسلامه وكفره، ومفروض الكلام ما إذا لم توجد هناك شئ من امارات الاسلام.

[ 200 ]

[ لا يجب شئ من ذلك (1). ] (1) للشك في وجوب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه وهو شبهة وجوبية بدوية فيدفع باصالة البراءة. هذا. والصحيح هو وجوب التغسيل والتكفين والصلاة عليه في جميع موارد الشك في الكفر والاسلام بلا فرق في ذلك بين موارد العلم الاجمالي وغيرها، وذلك لان الاخبار الواردة في وجوب التغسيل والتكفين مطلقة وغير مقيدة بان يكون الميت مسلما، وقد دلت على وجوب تغسيل الميت مطلقا (1). نعم خرجنا عنها في الكفار بالمخصص المنفصل الخارجي حيث ورد ان النصراني لا يغسل المسلم ولا كرامة (2)، والحقنا به غيره من فرق الكفار لعدم الخصوصية في التنصر. اذن يكون الواجب تغسيله وتكفينه من الاموات هو الميت الذي لا يكون كافرا وحيث انه ميت بالوجدان فلا مانع من احراز عدم كفره بالاستصحاب لان الكفر صفة وجودية مسبوقة بالعدم. حيث ان الكفر - على ما ذكرناه غير مرة - هو الاتصاف بانكار الله سبحانه والنبوة والمعاد - اعني الاتصاف بعدم الاسلام وليس مجرد عدم الاسلام كفرا فان التقابل بينهما تقابل العدم والملكة كالعمى والبصر فان مجرد عدم البصر ليس عمى وانما هو الاتصاف بعدم البصر فلا يمكننا في المقام وامثاله استصحاب عدم اسلامه لانه لا أثر له. (1) الوسائل: ج 2 باب 1 من ابواب غسل الميت. (2) الوسائل: ج 2 باب 18 من ابواب غسل الميت ح 1.

[ 201 ]

[ وفي رواية: يميز بين المسلم والكافر بصغر الآلة وكبرها (1) ] والاثر مترتب على الاتصاف بعدم الاسلام، واستصحاب عدمه لا يثبت الاتصاف بالعدم. بل نستصحب عدم كفره ونضم الوجدان إلى الاصل فنثبت انه ميت ليس بكافر فيدخل تحت المطلقات الدالة على وجوب تغسيله وتكفينه وغيرهما من الآثار المترتبة على الميت المسلم. ومن ثمة قلنا ان من شك في كفره واسلامه وكذا اللقيط ولو في دار الكفر إذا احتمل ان يكون ابوه أو امه مسلما لا يحكم بكفره ونجاسته باستصحاب عدم اسلامه بل يستصحب عدم كفره أو عدم كفر ابيه أو امه وبه يحكم بطهارته لان النجاسة مترتبة على الكفر، ومن لم يحكم بكفره فهو طاهر. نعم لو كان الاثر مترتبا على اسلامه كجواز التزويج منه لم يمكن ترتيبه عليه لاستصحاب عدم اسلامه، كما تقدم في محله. العلامة المميزة للمسلم (1) الرواية صحيحة أو حسنة باعتبار ابراهيم بن هاشم رواها الشيخ عن حماد بن عيسى أو يحيى عن ابي عبد الله (ع): قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر: (لا تواروا الا من كان كميشا - يعني من كان ذكره صغيرا - وقال: لا يكون ذلك الا في كرام

[ 202 ]

[ ولا بأس بالعمل بها في غير صورة العلم الاجمالي (1) ] الناس) (1) وقد جعله الفقهاء كصاحب الوسائل والماتن وغيرهما، ذلك امارة مميزة بين الكافر والمسلم وان لم يعملوا على طبقها وقالوا: ان موردها وان كان وقعة بدر الا ان التعليل الوارد فيها يعم غيرها من الموارد. والصحيح ان الرواية لا دلالة لها على ان ذلك علامة مميزة بين الطائفتين، وذلك للجزم بان الاسلام والكفر ليسا من الاسباب الموجبة لصغر الالة وكبرها، فان غير امير المؤمنين وفاطمة سلام الله عليهما كانوا كفارا ثم اسلموا. فهل يحتمل ان اختلفت آلتهم عما كانت عليه باسلامهم؟! اذن كيف يجعل ذلك امارة مميزة بين الكفار والمسلمين؟ والرواية ايضا لم تدل على انها مميزة بين الطائفتين وانما دلت على الامر بمواراة كميش الذكر من غير فرق في ذلك بين المسلمين وغيرهم لان صغر الآلة - على ما يقولون ولعله الصحيح - انما يوجد في الكرام والنجباء كما ان كبرها علامة على عدمهما فكأنه كلما قرب من الحيوانات وجد بعض اوصافها. والنبي صلى الله عليه وآله قد من على الكفار بعد غلبة المسلمين في وقعة بدر بالامر بمواراة النجباء منهم والاشراف فحسب، لئلا تبقى اجسادهم من غير دفن فلا دلالة في الرواية على التمييز بذلك بين المسلمين والكافرين. (1) وفيه ان الرواية لو كانت واردة للتمييز بين المسلمين والكافرين


الوسائل: ج 11 باب 65 من ابواب جهاد العدو، ح 1.

[ 203 ]

[ والاحوط إجراء أحكام المسلم مطلقا بعنوان الاحتمال وبرجاء كونه مسلما. (مسألة 11): مس الشهيد والمقتول بالقصاص بعد العمل بالكيفية السابقة لا يوجب الغسل (1). (مسألة 12): القطعة المبانة من الميت ان لم يكن فيها عظم لا يجب غسلها ولا غيره (2) بل تلف في خرقة وتدفن ] بتلك الصفة كما هو ظاهر عبارته لم يكن فرق في ذلك بين موارد العلم الاجمالي وغيرها. (1) تقدمت هذه المسألة في البحث عن وجوب غسل مس الميت وقلنا ان مقتضى اطلاق مادل على وجوب الغسل بمس الميت الذي لم يغسل فتشمل مس الشهيد والمقتول بالقصاص ايضا فلا نعيد. القطعة المبانة من الميت: (2) الذي ينبغي ان يقال في المسالة ان القطعة من الميت ان صدق عليها عنوان الميت وجسده وان كان ناقص الاعضاء فلا مناص من أن يرتب عليها جميع آثار الميت من التغسيل والتكفين والصلاة عليه والدفن إذ لا فرق في ذلك بين تام الاعضاء وناقصها. كما لا فرق بينهما حيا كما لو كان الانسان ناقص اليد في حياته

[ 204 ]

وذلك لاطلاق ما دل على أن الميت يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن وهذا كما إذا كان فاقدا للاصبع أو اليد أو الرجل أو الرأس لانه يصدق حينئذ أنه جسد زيد الميت ولكنه ناقص الرأس أو اليد. وكذا إذا كان ناقص الصدر إذ يصدق انه جسد زيد الميت ولكنه ناقص الصدر إذ نسبة الصدر إلى البدن كنسبة الرأس وغيره من الاعضاء إليه. بل الامر كذلك فيما إذا بقيت عظامه من غير لحم كما إذا تناثر لحمه لعارض أو اكله السبع وبقيت عظامه المجردة لصدق انه ميت انساني فاقد اللحم بل المدار في صدق ذلك على بقاء معظم الاجزاء بحيث يصدق انه ميت انساني فاقد لعضو أو عضوين أو اكثر. ومنه: يظهر انه إذا بقي معظم الاجزاء من العظام ولم تبق بتمامها ايضا يجب تغسيله وتكفينه لصدق انه ميت وانسان فاقد اللحم وبعض العظام كما إذا اكل السبع لحمه وعظامه اللطيفة فانه في جميع هذه الصور لابد من التغسيل وغيره من الآثار المترتبة على الميت تام الاعضاء، وهو على طبق القاعدة. واما إذا كانت القطعة عضوا من اعضاء الميت ولم يصدق عليها عنوان الميت كما إذا بقي رأسه أو رجلاه أو يداه أو صدره فانه لا يقال انه زيد الميت مثلا بل يقال هذا رأس زيد الميت وهذه رجله وهكذا. فمقتضى القاعدة عدم وجوب شئ من الآثار الشرعية المترتبة على الميت لاصالة البراءة، نعم لا بد من دفنها لما علمناه من وجوب دفن

[ 205 ]

[ وان كان فيها عظم وكان غير الصدر تغسل وتلف في خرقة وتدفن. وان كان الاحوط تكفينها بقدر ما بقي من محل القطعات الثلاث، وكذا إن كان عظما مجردا. ] قطعات الميت احتراما له ولو كان لحما مجردا. واما استصحاب وجوب التغسيل وغيره من الآثار قبل الانفصال أو قاعدة الميسور فشئ منهما لا يقتضي وجوبها، وذلك لان الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية، على ان الموضوع غير باق بحاله لان المحكوم بتلك الآثار هو الميت الانساني لا الرأس المجرد مثلا، فالموضوع متعدد. وقاعدة الميسور غير تامة في نفسها وعلى تقدير التنازل فموردها ما إذا كان المركب متعذرا بعض اجزائه وكان بعضها الآخر ممكنا للمكلف، ولا تجري في مثل المقام الذي لا يعد الممكن ميسورا للمأمور به المتعذر فان تغسيل الرأس من الميت لا يعد ميسورا من غسل الميت الانساني وانما هما متغايران، هذا كله بحسب القاعدة. روايات المسالة: واما بحسب الاخبار الواردة في المقام فلابد من التعرض لها ليظهر انها موافقة مع القاعدة أو هي على خلافها: (منها): ما رواه محمد بن علي بن الحسين باسناده عن علي بن

[ 206 ]

[ واما إذا كانت مشتملة على الصدر، وكذا الصدر وحده فتغسل وتكفن ويصلى عليها وتدفن. ] جعفر انه سأل اخاه موسى بن جعفر (ع) عن الرجل ياكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال: (يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن) (1). وهي - كما ترى - مطابقة للقاعدة حيث دلت على وجوب ترتيب الآثار المترتبة على الميت عند بقاء عظامه لصدق انه ميت انساني ناقص اللحم كما مر. و (منها): ما رواه باسناده عن اسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) عن ابيه عليهما السلام ان عليا (ع) وجد قطعا من ميت فجمعت ثم صلى عليها ثم دفنت) (2). ووجدان القطع من الميت له صورتان (احداهما) ان تكون القطع الموجودة معظم الميت. و (ثانيهما) ان تكون جملة من اعضائه غير المعظم منها، فلو كانت الرواية شاملة لكلتا الصورتين كانت على خلاف القاعدة لدلالتها على انه (ع) صلى على مقدار مجموع من العظام مع عدم صدق الميت عليها لعدم كونها معظم اعضائه. الا أن الرواية تنقل فعل علي (ع) ولا اطلاق في الفعل فلا يمكن الاستدلال بها على وجوب ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على الميت، على عضو أو عضوين أو غيرهما مما لا يصدق عليه عنوان الميت


(1) الوسائل: ج 2 باب 38 من ابواب صلاة الجنازة ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 38 من ابواب صلاة الجنازة ح 2.

[ 207 ]

و (منها): ما رواه الصدوق عن الصادق (ع) عن رجل قتل ووجدت اعضاءه متفرقة كيف يصلى عليه؟ قال: (يصلى على الذي فيه قلبه) (1). ودلالة هذه الرواية على ان المدار في وجوب الصلاة وغيرها من الآثار على وجود الصدر الذي هو وعاء القلب أو على وجودهما وان كانت غير قابلة للانكار لكونها مطلقة فتشمل ما إذا وجد القلب مع شئ يسير من بقية أعضائه، إلا انها ضعيفة السند بالارسال فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه و (منها): ما رواه الصدوق عن الفضل بن عثمان الاعور عن الصادق عن ابيه عليهما السلام في رجل يقتل فيوجد رأسه في قبيلة، ووسطه وصدره ويداه في قبيلة، والباقي منه في قبيلة قال: (ديته على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه) (2). والرواية بحسب السند لا اشكال فيها لان طريق الصدوق إلى الفضيل ابن عثمان الاعور وان كان مشتملا على (محمد بن عيسى بن عبيد) وقد ضعفه الشيخ (قده) الا ان الظاهر وقاقته لانه وثقه النجاشي وكأن منشأ تضعيف الشيخ له هو ما ذكره ابن الوليد شيخ الصدوق - قدهما - من انه لا يعتمد على ما تفرد به محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس، وحمله على الضعف في الرجل. الا ان النجاشي اعترض على ذلك بقوله (من مثل محمد بن عيسى؟!) فلعل وجه تضعيف ابن الوليد كان لخصوصية فيما يتفرد به عن


(1) الوسائل: ج 2 باب 38 من ابواب صلاة الجنازة ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 38 من ابواب صلاة الجنازة ح 4.

[ 208 ]

يونس (1). ثم ان الموجود في الرجال هو الفضيل بن عثمان الاعور دون الفضل وصاحب الوسائل نقل الرواية عن الفضيل في كتاب القصاص في الباب الثامن من ابواب دعوى القتل وما يثبت به - كما ان الصدوق انما يروي عن الفضيل، فالفضل - كما في هذا المقام - غلط من النساخ (2). واما بحسب الدلالة فهي ظاهرة المطابقة مع القاعدة وذلك لان الظاهر ان المراد بالصدر واليدين في قوله (ع) (ديته على من وجد في قبيلته صدره ويداه والصلاة عليه) هو القطعة الوسطانية من البدن وهي عند قبيلة، والرأس عند قبيلة اخرى والقطعة السفلى - وهي الرجلان - عند قبيلة ثالثة. ولا اشكال في ان القطعة الوسطانية يصدق عليها عنوان الميت ويقال انها جسد زيد فاقد الراس والرجلين، ولا يصدق على الراس فقط أو الاسفل فقط. ويؤيده ما ورد في سؤال السائل من قوله: ووسطه وصدره ويداه في قبيلة) وعليه فالحكم في الرواية على طبق القاعدة. و (منها): ما رواه الشيخ باسناده عن الفضيل بن عثمان


(1) ولتوضيح ذلك راجع معجم رجال الحديث ج 17 ص 129 - 130. (2) الشيخ الصدوق (قده) في هذا الباب يروي عن الفضل وفي باب 67 من ابواب الديات يرويها عن الفضيل بن عثمان والشيخ الطوسي (قده) يروي في البابين عن الفضل والموجود في كتب الرجال كلا التعبيرين راجع المعجم ج 13 ص 333.

[ 209 ]

الاعور (1) وهي مثل الرواية السابقة الا انها ضعيفة بمحمد بن سنان الواقع في سندها. و (منها): ما رواه خالد بن ماد القلانسي عن ابي جعفر (ع) قال: سألته عن رجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال: (يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن، فإذا كان الميت نصفين صلى على النصف الذي فيه قلبه) (2). وهي ايضا على وفق القاعدة لصدق الميت على العظام المجردة كما مر كما انه يصدق على النصف المشتمل على الصدر والقلب فيما إذا قد نصفين، وهذا بخلاف النصف الآخر - أعني الرجلين وما فوقهما - لعدم صدق انه زيد الميت - مثلا -. و (منها): ما عن طلحة بن زيد عن ابي عبد الله (ع) انه قال: (لا يصلى على عضو: رجل أو يد أو رأس منفردا، فإذا كان البدن فصل عليه وان كان ناقصا من الراس واليد والرجل) (3). وهي بحسب السند معتبرة لان طلحة بن زيد وان لم يرد فيه توثيق الا ان الشيخ ذكر ان له كتابا يعتمد عليه وهو توثيق منه له، واما دلالتها على ما ذكرناه فظاهرة. و (منها): صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته عن ابي جعفر (ع) قال: (إذا قتل قتيل فلم يوجد الا لحم بلا عظم لم يصل عليه،


(1) الوسائل: ج 2 باب 38 من ابواب صلاة الجنازة ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 38 من ابواب صلاة الجنازة ح 5. (3) الوسائل: ج 2 باب 38 من ابواب صلاة الجنازة ح 7.

[ 210 ]

وان وجد عظم بلا لحم فصل عليه) (1). فان اريد من قوله (ع) (وان وجد عظم بلا لحم فصل عليه) ان القطعة المبانة من الميت إن وجد عظم منها بلا لحم صلي عليه فهو مما لم يلتزم به احد من اصحابنا لان العظم المجرد لم يوجبوا الصلاة عليه، بل لو كان مع اللحم ايضا لا يجب عليه الصلاة كما تقدم في رواية طلحة بن زيد حيث قال: (لا يصلى على عضو: رجل أو يد أو رأس، منفردا. فالرواية على هذا التقدير - مضافا إلى عدم كونها معمولا بها - معارضة برواية طلحة بن زيد المتقدمة. واما إذا اريد منه ما هو ظاهر الرواية من ان القتيل إذا وجد عظما بلا لحم صلي عليه لا القطعة منه، فهو على طبق القاعدة لان معناها: ان القتيل إذا قطع لحمه أو اكله السبع وبقي عظمه - اي تمام عظامه - وجبت عليه الصلاة، ومن الظاهر ان العظام المجردة يصدق عليها الميت كما سبق بل يصدق الميت على معظم العظام وان لم تكن جميعها. هذا. وقد حملها في (الوسائل) على وجود عظام الصدر، وهو مما لا دليل عليه. و (منها): ما رواه البرقي عن ابي عبد الله (ع) قال: (إذا وجد الرجل قتيلا فان وجد له عضو تام صلي عليه ودفن، وان لم يوجد له عضو تام لم يصل عليه ودفن) (2) ومضمونها ان العبرة في


(1) الوسائل: ج 2 باب 38 من ابواب صلاة الجنازة ح 8. (2) الوسائل: ج 2 باب 38 من ابواب صلاة الجنازة ح 9.

[ 211 ]

[ وكذا بعض الصدر إذا كان مشتملا على القلب، بل وكذا عظم الصدر وان لم يكن معه لحم. وفي الكفن يجوز الاقتصار على الثوب واللفافة الا إذا كان بعض محل المئزر ايضا موجودا، والاحوط القطعات الثلاثة مطلقا. ويجب حنوطها أيضا. ] وجوب الصلاة انما هي بما إذا وجد عضو تام من اعضاء الميت من رأس أو يد أو نحوهما. وتدل عليه أيضا مرسلة الكليني: (وروي انه يصلى على الرأس إذا افرد من الجسد) (1) ورواية بن المغيرة انه قال: بلغني عن ابي جعفر (ع) انه (يصلى على كل عضو: رجلا كان أو يدا، والرأس جزء فما زاد، فإذا نقص عن راس أو يد أو رجل لم يصل عليه) (2). وهذه الاخبار حملها بعض الفقهاء على استحباب الصلاة على العضو التام، وقال المحقق الهمداني (قده) إلى الوجوب، نظرا إلى ان حمل الاخبار على الاستحباب خلاف الظاهر، ولا وجه لطرح ظاهرها. ومن الغريب انه عبر عن رواية البرقي بالصحيحة، والمظنون ان الذي دعاه إلى الاحتياط في الصلاة على العضو التام والميل إلى وجوبها هو تخيله ان الرواية صحيحة. وليت شعري لماذا خفي عليه الامر؟ وهي مرسلة إذ البرقي


(1) و (2) الوسائل: ج 2 باب 38 من ابواب صلاة الجنازة ح 11 - 12.

[ 212 ]

[ (مسألة 13): إذا بقي جميع عظام الميت بلا لحم وجب اجراء جميع الاعمال. ] رواها عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (ع) مع ان الظاهر انه راجع الوسائل في المقام حيث قال: وفي الوسائل: قال الكليني (وروي انه يصلي على الراس إذا افرد من الجسد). وكيف كان: فالروايات ضعيفة حتى ما رواه ابن المغيرة لانه قال: بلغني عن ابي جعفر (ع) ولم يذكر الواسطة في البلوغ إليه. فالاخبار مرسلة باجمعها، ومعارضة مع معتبرة طلحة بن زيد لو سلمنا اعتبار اسناد الروايات ولا يمكن دعوى انجبار ضعفها بعمل الاصحاب، لعدم التزامهم بوجوب الصلاة على العضو التام بل حملها بعضهم على الاستحباب وهو الصحيح لضعف اسنادها ومعارضتها مع معتبرة طلحة بن زيد الصريحة في ان العضو لا يصلى عليه. و (منها): مرسلة عبد الله بن الحسين عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله (ع) قال: (إذا وسط الرجل بنصفين صلي على النصف الذي فيه القلب) (1) وهي مطابقة مع القاعدة لان النصف الذي فيه القلب، يصدق عليه الميت دون النصف الاخر. و (منها): مرسلة البزنطي عن اصحابنا رفعه قال: المقتول إذا قطع اعضاؤه يصلى على العضو الذي فيه القلب) (2) وهي مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها، نعم إذا حمل العضو الذي فيه القلب على النصف الذي فيه القلب أو الجملة المعتد بها والمشتملة على القلب


(1) و (2) الوسائل: ج 2 باب 38 من ابواب صلاة الجنازة ح 11 - 12.

[ 213 ]

كانت مطابقة للقاعدة. فالمتحصل - إلى هنا - ان ما ذكره المشهور من ان اللحم المجرد يلف في خرفة ويدفن، وان كان عظم مجرد أو عظم مع لحم غسل ودفن، واما الصدر المجرد أو هو مع غيره فلابد من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه مما لا يساعده دليل ولا شئ من الاخبار المعتبرة، ومن هنا ذكرنا في التعليقة ان الحكم في تلك الموارد مبني على الاحتياط. نعم. قد يستدل على وجوب تغسيل العظم بالمرسلة المتقدمة في مبحث غسل مس الميت وهي مرسلة ايوب بن نوح عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله (ع) قال: (إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة فإذا مسه انسان فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه) (1). وذلك لان الرواية وان كانت واردة في القطعة المبانة من الحي، الا انه إذا ثبت وجوب الغسل بالمس في الحي ثبت في مس القطعة المبانة من الميت بطريق اولى، وحيث ان بين وجوب الغسل بمس ما فيه العظم ووجوب تغسيله ملازمة فتدل الرواية على ان القطعة المبانة من الميت المشتملة على العظم لابد من تغسيلها ويرد عليه: ان الرواية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها، على انها انما وردت في الحي وتعدينا إلى الميت بالاولوية، ومن الظاهر ان الاصحاب لم يلتزموا بوجوب التغسيل في القطعة المبانة من الحي إذا كانت مشتملة على العظم كالاصبع فمن اين نثبت ذلك في الميت بالاولوية. فالاستدلال بها لو كان تاما فهو في وجوب الغسل بالمس وحسب، هذا.


(1) الوسائل: ج 1 باب 2 من ابواب غسل مس الميت ح 1.

[ 214 ]

على انه لا ملازمة بين وجوب الغسل بالمس ووجوب التغسيل كما في مس بدن الناصب ومن في حكمه من الكفار وغيره فانه يوجب غسل المس ولا يجب تغسيله، وذلك لان التغسيل انما يجب في الميت المسلم لا في المحكومين بالكفر وهو ظاهر. واما الاستدلال بالاجماع، فالانصاف ان دعوى الاجماع على وجوب الدفن في اللحم والعظم والصدر - لان حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا - غير بعيدة، واما التغسيل والتكفين الصلاة عليه فان اريد من الاجماع: الاجماع المنقول فهو موجود وقد نقل في المسألة الا انا لا نعتمد على الاجمات المنقولة بوجه. وان اريد منه الاجماع المحصل التعبدي الكاشف عن قول المعصوم عليه السلام فهو مما لا نحتمله فضلا عن حصول الاطمئنان به وذلك لان اكثر الاصحاب عبروا بالقطعة المشتملة على الصدر ولم يعبروا بالصدر في دعوى الاجماع على وجوب التغسيل والتكفين. وعبر المحقق (قده) بالصدر واليدين، والمظنون انه (قده) تبع رواية الفضيل بن عثمان الاعور المتقدمة، ولعل مرادهم ما إذا كانت القطعة معظم الاعضاء أو غيره مما يصدق عليه عنوان (الميت) فلم يثبت اجماع تعبدي على ترتيب تلك الامور على الصدر المجرد أو الصدر مع بعض الاجزاء التي لا يصدق عليها عنوان (الميت) فالاحكام المذكورة مبتنية على الاحتياط.

[ 215 ]

تتمة الكلام: ذكرنا ان وجوب الصلاة وغيرها من الآثار المترتبة على الميت انما تجب فيما إذا صدق على الموجود الخارجي عنوان الميت، واما إذا لم يصدق عليه ذلك بل كانت قطعة منه كالراس أو الرجلين أو الصدر مجردا أو منضما إلى شئ آخر لا يصدق (الميت) على المجموع فلا يجب الصلاة عليه ولا التغسيل ولا التكفين. ثم لو قلنا بما ذهب إليه المشهور من وجوب الصلاة على الصدر المجرد أو المنضم إلى شئ آخر فهل يجب ترتيب بقية الآثار عليه كالتغسيل والتكفين أو لا يجب؟ قد يقال: ان الصلاة اخص من غيرها فإذا وجبت وجبت البقية ايضا، وان كان يمكن ان تجب البقية من دون ان تجب الصلاة ومن هنا التزم المشهور في العظم المجرد أو مع غيره بوجوب التغسيل من دون وجوب الصلاة. وهذه الدعوى غير بعيدة في نفسها وذلك لان محل الصلاة انما هو بعد التغسيل والكفين فإذا وجبت الصلاة لابد ان يلتزم بوجوب التغسيل والتكفين قبلها والا لم تقع الصلاة في محلها، الا ان هذا فيما إذا وجبت الصلاة على الميت. واما إذا وجبت الصلاة على مالا يصدق عليه (الميت) كالقطعة منه مثل الصدر ونحوه فلم يقع دليل على ان محل الصلاة عليه بعد

[ 216 ]

[ (مسألة 14) إذا كانت القطعة مشتبهة بين الذكر والانثى الاحوط ان يغسلها كل من الرجل والمرأة (1). ] التغسيل والتكفين فلا ملازمة بين وجوب الصلاة عليه وبين وجوب تغسيله وتكفينه ولاسيما في التكفين فان التكفين الواجب ثلاث قطعات: الازار والمئزر واللفافة مع ان القطعة قد لا تتصل بها الرجلان كما إذا وقعتا في محل آخر أو اكلهما السبع ونحو ذلك، ومع عدم بقاء الموضوع للمئزر لا معنى للالتزام بوجوبه ووجوب التكفين بالقطعات الثلاثة فان المئزر للرجلين والمفروض عدمهما. واما استصحاب وجوب التغسيل والتكفين الثابت على الميت واجزائه قبل التقطيع. فقد عرفت ما فيه من ان الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية وعلى تقدير تسليم جريانه في الاحكام لا مجال له في المقام لانهما انما وجبا على الميت لا على اجزائه واعضائه والموجود نو العضو لا الميت، فالموضوع غير باق. اذن لا يبقى الا الشهرة والاجماع المنقول ولا اعتبار بهما، نعم الحكم بالتغسيل والتكفين موافق للاحتياط. إذ كانت القطعة مشتبهة: (1) إذا بنينا على وجوب التغسيل في القطعة المبانة من الميت

[ 217 ]

المشتملة على العظم وكانت القطعة مشتبهة بين الذكر والانثى فحكمها حكم الخنثى بعينها ولا بد من ان يغسلها كل من الرجل والمرأة عملا بالعمل الاجمالي، هذا فيما إذا علمنا انها مبانة من الميت. واما القطعة المبانة من الحي فقد تقدم ان الظاهر من كلماتهم عدم التزامهم بوجوب التغسيل في القطعة المبانة من الحي كما مر.

[ 218 ]

[ (فصل في كيفية غسل الميت) يجب تغسيله ثلاثة اغسال (1): ] (فصل في كيفية غسل الميت) (1) الكلام في ذلك يقع من جهات اربعة: (الجهة الاولى): في ان غسل الميت هل يعتبر فيه التعدد بان يغسل ثلاثة اغسال أو ان الواجب فيه هو الغسل الواحد؟ المعروف والمتسالم عليه بين الاصحاب هو التعدد وقد نسب إلى سلار القول بوجوب الغسل الواحد، الا انه - مضافا إلى شذوذه وكونه خلاف المتسالم عليه بين الاصحاب - مما لا يمكن الالتزام به لان الاخبار الواردة في الباب مصرحة بلزوم التعدد في غسل الميت ومعه لا مجال لدعوى عدم اعتبار التعدد أو اجراء البراءة عن وجوب الزائد على الواحد فانه مع الادلة الاجتهادية الدالة على وجوب التعدد لا مجال للاصل العملي. وقد يستدل على ما ذهب إليه (سلار) بما ورد - في الباب الواحد والثلاثين من ابواب غسل الميت - من ان الميت إذا كان جنبا يغسل غسلا واحدا بدعوى ان الميت المجنب إذا وجب فيه

[ 219 ]

الغسل الواحد فيكفى الواحد في الميت غير المجنب بطريق اولى فلا يعتبر في تغسيله شئ زائد عليه. (وفيه): ان الظاهر من الرواية ان غسل الجناية وغسل الميت يتداخلان في الميت المجنب ولا يجب ان يغسل مرة للجنابة ومرة للموت، وليست فيها دلالة على ان الواجب في غسل الميت هو الغسل الواحد لا المتعدد، وهذا ظاهر من الرواية بوضوح. واخرى يستدل له بما ورد - في الباب الثالث من ابواب غسل الميت - من ان غسل الميت كغسل الجنابة فكما انه واحد فكذلك غسل الميت ايضا واحد. ويدفعه: ان الظاهر من التشبيه انما هو التشبيه في الكيفية وانه كما يعتبر في غسل الجنابة غسل الراس اولا ثم الجانب الايمن ثم الايسر فكذلك الحال في غسل الميت وليست دالة على التشبيه في الكمية والعدد، هذا ثم لو سلمنا دلالة الروايتين على ما ادعاه سلار فلا كلام في ان دلالتهما بالاطلاق فلا بد من تقييدهما بالاخبار المصرحة بلزوم التعدد: اعتبار الخليط وعدمه: (الجهة الثانية): في اعتبار الخليط وعدمه. المعروف بين الاصحاب (قدس سرهم) هو اعتبار المزج بالسدر والكافور، وان الميت يغسل اولا بماء السدر واخرى بماء الكافور وثالثة بالماء القراح. وعن ابني حمزة وسعيد: عدم اعتبار الخليطين الا انه مما لا يمكن

[ 220 ]

[ (الاول): بماء السدر، (الثاني): بماء الكافور (الثالث): بالماء القراح. ] المصير إليه لدلالة الاخبار المعتبرة على الخلط بالسدر في الغسلة الاولى وبالكافور في الثانية. نعم: ورد في بعض الاخبار ان الميت يغسل بالماء والحرض - اي الاشنان - ثم بماء وكافور ثم بالماء القراح، ومقتضى اطلاقها وسكوتها عن اعتبار الغسل بالسدر في مقام البيان عدم اعتبار الخلط به، الا انه لا بد من تقييده بما دل على اعتبار ان يكون الغسل في المرة الاولى بالسدر. ففي صحيحة يعقوب بن يقطين قال: سألت العبد الصالح (ع) عن غسل الميت أفيه وضوء الصلاة ام لا؟ فقال: (غسل الميت تبدأ بمرافقه فيغسل بالحرض ثم يغسل وجهه وراسه بالسدر.) (1) ولا ينافي الامر بتغسيل الميت بماء الحرض وجوب التغسيل بالسدر والكافور فهما مما لابد منه في الخليط وليكن التغسيل بالحرض مامورا به ايضا. وفي موثقة عمار بن موسى الساباطي بعد الامر بالتغسيل بالسدر (وان غسلت راسه ولحيته بالخطمي فلا باس) (2). ولا يدل هذا على الغسل بالخطمي بدلا عن الغسل بالسدر، بل هو دفع لما قد يتوهم من عدم جواز خلط الخطمي بالسدر في التغسيل


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 7. (2) الوسائل ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 10.

[ 221 ]

[ ويجب على هذا الترتيب، ولو خولف اعيد على وجه يحصل الترتيب (1) وكيفية كل من الاغسال المذكورة كما ] بماء السدر - كما هو المرسوم اليوم حيث يخلطون شيئا من الخطمي في السدر - فدفعه (ع) بأنه لا باس بخلط الخطمي في السدر أو بالتغسيل بالخطمي مستقلا فلا يوجب هذا الكلام خللا في وجوب الغسل بالسدر. واما الغسل بالحرض فيحمل على الاستحباب، وقد ورد ذلك في غير تلكم الروايات المتقدمة ففي بعضها (تبدأ بمرافقه فيغسل بالحرض) وفي آخر: (امرني أبو عبد الله (ع) ان اعصر بطنه ثم اوضيه بالاشنان) (1). وذلك لصراحة الاخبار الواردة في المقام في وجوب التغسيل بالسدر والكافور والماء القراح وهي مع كونها واردة في مقام البيان ساكتة عن اعتبار الغسل بالاشنان. اعتبار الترتيب بين الاغسال: (1) (الجهة الثالثة): في اعتبار الترتيب بين الاغسال وعدمه. المعروف المشهور بينهم ان الميت لا بد ان يغسل اولا بماء السدر


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 8 والمنقول هنا في الوسائل موافق للاستبصار وياتي في باب 6 ح 6 وفيه: ثم اوضيه ثم اغسله بالاشنان.، وهو الموافق لما في التهذيب.

[ 222 ]

[ ذكر في الجنابة (1) ] واخرى بماء الكافور وثالثة بماء القراح. وقد نسب إلى ابن حمزة عدم اعتبار الترتيب بينها، وفيه: ان بعض الاخبار الواردة في المقام وان كانت مطلقة (1) حيث دلت على ان الميت يغسل ثلاثة اغسال مرة بالسدر ومرة بالماء يطرح فيه الكافور ومرة بالماء القراح، ولا دلالة لها على الترتيب، الا ان مقتضى جملة اخرى من الاخبار المعتبرة الواردة في المقام هو اعتبار الترتيب بين الاغسال ففي صحيحة ابن مسكان عن ابي عبد الله (ع) قال: (سألته عن غسل الميت فقال: اغسله بماء وسدر ثم اغسله على اثر ذلك غسلة اخرى بماء وكافور - وذريرة ان كانت - واغسله الثالثة بماء قراح) (2) وفي حسنة الحلبي. (ثم تبدأ بكفيه وراسه ثلاث مرات بالسدر. فإذا فرغت من غسله بالسدر فاغسله مرة اخرى بماء وكافور. ثم اغسله بماء بحت غسلة اخرى) (3) وغيرهما من الروايات الظاهرة بل المصرحة باعتبار الترتيب بين الاغسال، ولا موجب لرفع اليد عنها بوجه. كيفية تغسيل الميت: (1) (الجهة الرابعة): في كيفية تغسيل الميت.


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت 1. (3) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت 2.

[ 223 ]

[ فيجب اولا غسل الراس والرقبة وبعده الطرف الايمن وبعده الايسر، والعورة تنصف أو تغسل مع كل من الطرفين، وكذا السرة. ] المعروف بل المتسالم عليه بين الاصحاب ان ترتيبه هو الترتيب المتقدم في غسل الجنابة فيغسل راس الميت اولا، ثم جانبه الايمن ثم الايسر. ويدل عليه موثقة عمار عن ابي عبد الله (ع) (. ثم تبدأ فتغسل الراس واللحية بسدر حتى ينقيه ثم تبدأ بشقه الايمن ثم بشقه الايسر.). ومصححة الحلبي (1): (. ثم تبدأ بكفيه وراسه ثلاث مرات بالسدر ثم سائر جسده وابدا بشقه الايمن (2). إلى غير ذلك من الروايات (3). نعم ورد فيما رواه يونس عنهم عليهم السلام ما ظاهره ان الميت ينصف في التغسيل من راسه نصفين فيغسل احد النصفين من راسه إلى قدمه تارة، والنصف الآخر إلى القدم تارة اخرى حيث ورد فيها. (إذا اردت غسل الميت فضعه على المغتسل مستقبل القبلة فان


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 10. (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 2. (3) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 5 وباب 3 الحديث 1 و 2 و 8.

[ 224 ]

كان عليه قميص فاخرج يده من القميص واجمع قميصه على عورته وارفعه عن رجليه إلى فوق الركبة وان لم يكن عليه قميص فالق على عورته خرقة واعمد إلى السدر فصيره في طشت وصب عليه الماء واضربه بيدك حتى ترتفع رغوته واعزل الرغوة في شئ وصب الآخر في الاجانة التي فيها الماء ثم اغسل يديه ثلاث مرات كما يغسل الانسان من الجنابة إلى نصف الذراع ثم اغسل فرجه ونقه ثم اغسل راسه بالرغوة وبالغ في ذلك واجتهد ان لا يدخل الماء منخريه ومسامعه، ثم اضجعه على جانبه الايسر وصب الماء من نصف راسه إلى قدميه ثلاث مرات وادلك بدنه دلكا رقيقا وكذلك ظهره وبطنه ثم اضجعه على جانبه الايمن وافعل به مثل ذلك. الخ) (1). ذلك ان قوله (ثم اغسل راسه بالرغوة) ليس من الغسل المعتبر في الاغتسال حتى يقال ان الرواية دلت على الترتيب حيث امرت بغسل الراس اولا ثم الجانبين. فان الرغوة مما لا يمكن الغسل به إذ يعتبر في الغسل ان يكون ما به الغسل ماءا أو مايعا اخر فلا يتحقق الغسل بغير المايعات. والرغوة ليست بماء وانما يتحقق به المسح لا الغسل فغسل الراس بالرغوة مقدمة للغسل الواجب في التغسيل وليس معدودا من اجزائه وبعد ذلك إذا لاحظت الرواية ترى انها دلت على ان الميت ينصف في التغسيل نصفين من راسه إلى قدمه ويغسل مرتين: مرة هذا الجانب واخرى ذلك الجانب. وكأن المحقق الهمداني (قده) سلم دلالة الرواية على ذلك


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 3.

[ 225 ]

الا انه لم يلتزم بمضمونها من جهة انها مخالفة للظواهر وجملة من النصوص وفتاوى الاصحاب. هذا وقد يناقش في الرواية سندا ويعبر عنها بالمرسلة نظرا إلى ان ابراهيم بن هاشم يرويه عن رجاله عن يونس الا ان الظاهر عدم كالمناقشة في سندها لان التعبير بالرجال كالتعبير بعدة من اصحابنا ظاهر في كون الرواية مروية عن جماعة وجملة منهم معتد بها لعدم صحة مثل هذا التعبير إذا كانت مروية عن واحد أو اثنين أو ثلاث. ومن البعيد جدا ان لا يكون بين الجمع والرجال من لا يوثق بروايته إذ لو كان الامر كذلك لاسند الرواية إلى شخص معين أو رمز إليه على نحو يدل على عدم ثبوت الرواية عند الاصحاب كقوله عن بعض اصحابنا ونحوه فالرواية من حيث السند لا خدشة فيها. وانما الكلام في دلالتها، وذلك لان الغسل بالرغوة كالغسل بالتراب والصابون فكما ان الغسل به عبارة عن مسح اليد أو غيرها بالصابون أو التراب اولا ثم صب الماء عليه والا كان مسحا لا غسلا فكذلك الحال في الغسل بالرغوة فان معناه مسح الراس بها اولا ثم صب الماء عليه وغسله به، فالغسل بالرغوة غسل بالماء. ويدل على ذلك ما ذكره (ع) بعد ذلك بقوله (وبالغ في ذلك واجتهد ان لا يدخل الماء منخريه ومسامعه) إذ لو لم يكن هناك ماء فما معنى امره بالمبالغة في التحف عن دخول الماء منخريه أو مسامعه؟ وعليه فالغسل بالرغوة يكفي في غسل الراس بالماء. ثم ان الماء الذي يصبه على الراس بعد المسح بالرغوة هو ماء السدر إذ ليس في مفروض الرواية ماء غيره وذلك لقوله (ع)

[ 226 ]

(واعمد إلى السدر فصيره في طشت وصب عليه الماء واضربه بيدك حتى ترتفع رغوته واعزل الرغوة في شئ وصب الآخر في الاجانة التي فيها الماء وهذا هو ماء السدر وبه تغسل راسه. وقوله بعد ذلك: (ثم اضجعه على جانبه الايسر وصب الماء من نصف راسه.) فهو شروع في غسل الجانب الايمن والايسر وقوله: (من نصف راسه) ايضا لا ينافي ما ذكرناه لانه انما ينافيه إذا اريد بالنصف النصف الطولي من الراس وهو قد غسل ولا حاجة إلى تغسيله ثانيا، الا ان من المحتمل ان يراد به النصف العرضي من اذنه إلى اذنه مثلا وذلك من باب المقدمة العلمية في غسل الرقبة لان الرأس هو ما فوق الرقبة فلو اريد به تغسيل الرقبة على نحو يحصل العلم به لا مناص من ان يدخل شيئا من الرأس في غسل كل من النصفين من باب المقدمة العلمية، فيدخل من كل جانب مقدارا من الراس إلى الاذن أو فوقه ليحصل الجزم بتحقق الغسل في الجانبين. فلو ابيت عن ذلك وقلت انه خلاف الظاهر من الرواية فنبقي تنصيف الراس على ظاهره من النصف الطولي فيحمل ذلك على الاستحباب فيستحب بعد غسل الراس عند (غسل) كل جانب غسل نصف الراس معه ثانيا، وهذا مما لا محذور فيه. فتحصل ان الرواية دلت على غسل الراس بماء السدر اولا ثم الجانب الايمن والايسر. ويدل على ذلك: - مضافا إلى ما تقدم - تصريحه (ع) في الغسل بالكافور بغسل الراس اولا حيث قال: (ثم اغسل راسه ثم اضجعه

[ 227 ]

على جنبه الايسر واغسل جنبه الايمن وظهره وبطنه، ثم اضجعه على جنبه الايمن واغسل جنبه الايسر.). واصرح من الجميع قوله (ع) في التغسيل بالماء القراح (واغسله بماء قراح كما غسلته في المرتين الاولتين) اعني الغسل بالسدر والغسل بالكافور. والوجه في صراحته انه لو لم تكن المرتان المتقدمتان بكيفية واحدة بان تكون الغسلة الاولى كالثانية لم يكن معنى لقوله (واغسله بماء قراح كما غسلته في المرتين الاوليتين) فلابد من اتحادهما في الكيفية كي يشبه الثالث بهما. فالانصاف ان الرواية لا اشعار فيها فضلا عن الدلالة على غسل نصف الراس مع الجانب الايمن ونصفه الاخر مع الايسر. تتمة: قد ذكرنا ان الواجب في غسل الميت هو الاغسال الثلاثة - اعني الغسل بماء السدر وماء الكافور والماء القراح - ولا يعتبر فيه شئ زائد على ذلك. وقد ورد في بعض الاخبار الامر بغسل النصف الايمن من الرأس واللحية اولا ثم غسل النصف الايسر من الراس واللحية ثانيا في غسل الراس كما في رواية الكاهلي حيث قال: ثم تبدأ فتغسل الرأس واللحية بسدر حتى تنقيه ثم تبدأ بشقه الايمن ثم بشقه الايسر) (1). وفي بعضها الاخر الامر بالنضح على صدر الميت وركبتيه (حيث قال في موثقة عمار: ثم ينضح على صدره وركبتيه من الماء. (2).


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 5. (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 10.

[ 228 ]

[ ولا يكفي الارتماس (1) على الاحوط في الاغسال الثلاثة مع التمكن من الترتيب. ] وفي ثالث الامر يغسل كفي الميت كما في حسنة الحلبي حيث قال: ثم تبدء بكفيه وراسه (1). وفي بعض اخر: الامر بغسل مرافقه وميامنه كما في صحيحة يعقوب بن يقطين ومصححة الفضل بن عبد الملك (2). والصحيح عدم اعتبار شئ من ذلك في غسل الميت، غاية الامر ان تحمل هذه الاوامر على الاستحباب وذلك لان غسل الميت من الامور التي يبتلى بها كثيرا، إذ لا يوجد بلد متعارف الا ويموت فيه انسان في كل يوم ولو كانت الامور المذكورة واجبة في غسل الميت لظهرت وشاعت وكانت من الامور المعلومة عند المسلمين مع انه مما لم يقل فقيه بوجوبها، والسيرة قائمة على عدم وجوب تلك الامور اذن لا يعتبر في غسل الميت الا الاغسال الثلاثة كما مر. عدم كفاية الارتماس: كما هو المشهور، نظرا إلى ان الاخبار الواردة في غسل الميت كلها اشتملت على الامر بالترتيب وغسل الراس اولا ثم الجانبين. وعن جماعة: كفاية الارتماس عن الترتيب، بدعوى ان الاخبار


الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 2. الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 7 و 9.

[ 229 ]

الآمرة بالترتيب ناظرة إلى الغسل بالماء القليل وقد ورد في الاخبار ان غسل الميت كغسل الجنابة فكما ان الارتماس يكفي في الجنابة فكذلك يكفي في غسل الميت قضاءا للتشبيه والتنزيل. بل غسل الميت هو بنفسه غسل الجنابة لا انه شئ آخر لما ورد (1) من ان الميت تخرج عنه النطفة التي خلق منها حين موته، وبه يكون الميت جنبا، وغسله هو غسل الجنابة بعينه، وغسل الجنابة على قسمين: ترتيبي وارتماسي، ومن ثمة قوى شيخنا الانصاري (قده) جواز التغسيل بالارتماس. والصحيح هو ما ذهب إليه المشهور لان كيفية غسل الجنابة هو الاغتسال ترتيبا على الكيفية المتقدمة في محلها حيث امر في الاخبار بغسل الراس اولا ثم الجانب الايمن ثم الجانب الايسر أو من غير ترتيب بين الجانبين على الخلاف. واما الغسل الارتماسي فهو مسقط للترتيب ومجزء عنه لا انه المأمور به أو فرد منه في غسل الجنابة ومن ثمة ورد: (ان الجنب إذا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة اجزأه ذلك) (2). فان الاجزاء يحتاج إلى شئ يجزء عنه وهو الغسل الترتيبي فوز انه وزان الجماعة المسقطة للقراءة الواجبة في الصلاة، ومقتضى التشبيه والتنزيل ان غسل الميت كغسل الجنابة يجب ان يكون ترتيبيا واما ان ما يجزء عنه في غسل الجنابة يجزء عنه في غسل الميت ايضا فهو محتاج


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من ابواب غسل الميت. (2) الوسائل: ج 1 باب 26 من ابواب الجنابة، ح 5، 12 13، 15.

[ 230 ]

[ نعم يجوز في كل غسل رمس كل من الاعضاء الثلاثة مع مراعاة الترتيب في الماء الكثير (1) ] إلى الدليل. فان الاخبار الواردة في غسل الميت كلها تدل على الترتيب كما مر ولم يرد في شئ منها ما يدل على كفاية الارتماس من التمكن منه لوجود كر من الماء عندهم أو لكونهم قرب الغدران والنقيع أو في شطوط البحار والانهار ولا سيما بلحاظ قوله (ع) (لو ان رجلا جنبا ارتمس. اجزأه ذلك) فانه اثبت الاجزاء على الارتماس الاختياري الصادر عن نفس الجنب. وثبوت ذلك في ارتماس الغير للميت - اي الارتماس غير الاختياري - يتوقف على دلالة الدليل وهو مفقود، والتشبيه انما هو في كيفية التغسيل لا من جميع الجهات والا فقد اعتبر في غسل الميت الخليط والتعدد وغيرهما مما لا يعتبر في الجنابة قطعا. في كفاية رمس الاعضاء عن غسلها: (1) ولا يعتبر فيه الغسل بالصب وذلك لاطلاق الاخبار وعدم تقييدها بغير الغسل الارتماسي مع التمكن منه لوجود الكر عندهم أو لكونهم في اطراف البحار والانهار أو النقيع والغدران. ثم انه إذا تعذر الغسل ترتيبا فهل يجب تغسيل الميت ارتماسا؟

[ 231 ]

[ (مسألة 1): الاحوط إزالة النجاسة عن جميع جسده قبل الشروع في الغسل (1). ] مقتضى ما صنعه الماتن (قده) من عدم الجزم بتعين الترتيب عند التمكن منه بل اختياره من باب الاحتياط: تعين الارتماس عند تعذر الترتيب لان الواجب حينئذ أحدهما - كما في غسل الجنابة - وانما اخترنا الترتيب للاحتياط فإذا تعذر تعين الارتماس لا محالة. واما على ما ذكرناه من اشتراط الترتيب في غسل الميت فلا مناص من التيمم والاحتياط بالتغسيل ارتماسا وذلك لما ذكرناه غير مرة من أن الاوامر الواردة في الارشار إلى الجزئية أو الشرطية غير مختصة بحال القدرة والتمكن، ولازم الشرطية المطلقة سقوط الامر بالغسل عند تعذر الشرط - وهو الغسل الترتيبي - فتنتهي النوبة إلى التيمم إلا أنه يحتاط بالتغسيل الارتماسي لئلا يفوته التغسيل، فالاحتياط في الغسل الارتماسي لا الغسل الترتيبي ما ذكره (الماتن عند التمكن منه. ازالة النجاسة عن جميع البدن: (1) هل يعتبر في غسل الميت تطهير جميع جسده من النجاسات أو يكفي تطهير كل عضو سابقا على تغسيله وإن كانت بقية أعضائه باقية على نجاستها، أو لا يعتبر سبق الطهارة على الغسل بل يكفي

[ 232 ]

صب الماء للغسل والتطهير ويكفي ذلك عن الحدث والخبث - بناءا على طهارة الغسالة كما في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل -؟. الصحيح هو الاخير - كما ذكرناه في الوضوء وغسل الجنابة - إذ أن تحصيل الاجماع التعبدي على اعتبار سبق الطهارة غير ممكن من كلمات الاصحاب (قدهم) لاختلافها وتشتتها، بل لا يكاد يمكن تحصيل الشهرة منها في المسألة فلا مناص من الرجوع إلى النصوص الواردة في المسألة. وإذا راجعنا النصوص ظهر أن اعتبار الطهارة سابقا على الغسل لا دليل عليه، فان الامر بغسل الفرج أو اليدين وان ورد في الاخبار إلا أنه من جهة استحباب ذلك تعبدا وليس مستندا إلى نجاسة الموضع واعتبار تطهيره في غسل الميت وذلك لاطللاق الامر بالغسل ولو مع طهارة الفرج وغيره. والذي يدلنا على ذلك ورود الامر بغسل تلك المواضع في الغسلة الثانية والثالثة - أعني الغسل بماء الكافور والقراح - مع أنه لو كان من جهة التطهير فقد فرض تطهيرها في الغسلة الاولى كما عرفت فلا وجه له سوى استحباب ذلك تعبدا. كما ورد الامر فيها بازالة عين النجاسة الخارجية عن جسد الميت وتنقيته ولو بغير الماء - كما في موثقة عمار: (ويكون على يديك خرقة تنقي بها دبره) (1) وفي معتبرة يونس: (ثم اغسل فرجه ونقه) وقوله: فيها: (فان خرج منه شئ فانقه) (2) -.


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 10. (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 3.

[ 233 ]

والوجه في اعتبار ذلك واضح وهو انه لو كانت على جسده عين نجاسة خارجية تنجس بها الماء، والماء المتنجس بعين خارجية غير الميت لا يكفي في تغسيلة ولكن لا دلالة له على اعتبار تطهير البدن عن النجاسة الخارجية وانما يدل على ازالة العين ولو بالخرقة ونحوها. ونظيره ما دل على أن المقتول في معصية الله يغسل منه الدم (1) فانه من جهة عدم تنجس ماء الغسل بالنجاسة الخارجية غير الميت لا لاجل اعتبار الطهارة في صحة الغسل. اذن لا دليل على اعتبار سبق الطهارة على غسل الميت بل مقتضى اطلاقات الامر بالغسل كفاية الصب مرة واحدة للتطهير والتغسيل - أي في رفع الحدث والخبث معا -. والذي يدلنا على ذلك أن الميت غير قابل للتطهير من النجاسات الخارجية بحسب المرتكز في اذهان المتشرعة لان الميت بنفسه من الاعيان النجسة، والعين النجسة لا تنفك عنها النجاسة بالغسل لدى العرف. وان كان ذلك امرا ممكنا عقلا بان تكون هناك نجاستان عرضية قابلة الارتفاع بالتطهير، وذاتية لا تزول بالغسل، إلا أن ذلك غير معهود في اذهان العامة والمرتكز في اذهانهم أن العين النجسة غير قابلة للتطهير من النجاسة الخارجية. وهذا مما يستأنس به لما ذكرناه، وهو موجب لحمل ما ورد من الامر بالغسل في يد الميت أو فرجه أو غيرهما على الاستحباب التعبدي لا لتطهير المحل، فلا دليل على اعتبار سبق الطهارة على الغسل. بل الدليل دل على عدم اعتباره وهو الارتكاز المتشرعي، ومقتضى


(1) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب غسل الميت.

[ 234 ]

[ وان كان الاقوى كفاية ازالتها عن كل عضو قبل الشروع فيه. [ (مسألة 2): يعتبر في كل من السدر والكافور أن لا يكون في طرف الكثرة بمقدار يوجب اضافته وخروجه عن الاطلاق (1) ] الاطلاقات حينئذ كفاية الاجتزاء بالصبة الواحدة في رفع الحدث والخبث معا - كما ذكرناه في الوضوء وغسل الجنابة - نعم هذا مبني على القول بطهارة الغسالة لانها لو كانت نجسة استلزمت تنجس الاجزاء المتأخرة عن محل الغسل، وبه يتنجس ماء الغسل ولا يكفي في التغسيل. ما يعتبر في كل من السدر والكافور: (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات: اطلاق الماء: (الجهة الاولى): هل يعتبر إطلاق الماء في الغسلتين الاولتين أو يجوز ان يكون مضافا لكثرة السدر والكافور؟ المعروف بينهم اشتراط الاطلاق فيهما، وعن بعضهم جواز كون الماء مضافا فيهما لان الغسل حقيقة هو الغسل الثالث وهو الذي

[ 235 ]

اعتبر فيه ان يكون بالماء القراح والغسلتان الاولتان مقدمة للغسل، ولا بأس بكون الغسل فيهما بالمضاف. والصحيح ما ذهب إليه المشهور ويدل عليه: ما ورد في صحيحتي ابن مسكان وسليمان بن خالد من (أن الميت يغسل بماء وسدر ثم يغسل بماء وكافور) (1). وفي صحيحة يعقوب بن يقطين: (ثم يفاض عليه الماء ثلاث مرات.. ويجعل في الماء شئ من السدر وشئ من الكافور) (2) ودلالتها على اعتبار الطلاق في الغسلتين الاولتين ظاهرة. وفي قبال تلك الاخبار رواية الحلبي وصحيحته حيث ورد فيهما: (أن الميت يغسل ثلاث غسلات مرة بالسدر) أو انه (تبدء بكفيه ورأسه ثلاث مرات بالسدر) (3). وفي موثقة عمار: (فتغسل الرأس واللحية بسدر حتى تنقيه) (4) وظاهرها اعتبار كون الماء في الغسلتين على نحو يصدق عليه انه غسل بالسدر. وفيه: أن الغسل بالسدر أمر لا معنى له لما مر من أن الغسل انما يتحقق بالماء أو بغيره من المايعات المزيلة للاثر ولا معنى للغسل بالجامد إلا الاستعانة به في الغسل، نظير الغسل بالصابون والتراب فيمسح به الشئ أولا ثم يصب الماء عليه وهذا الصب هو الغسل.


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 1 و 6. (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 7. (3) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 4 و 2. (4) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 10.

[ 236 ]

واما المسح بالتراب أو الصابون أو الاشنان أو السدر قبل ذلك فهو استعانة به في الغسل لا انه غسل حقيقة فلا دلالة في تلك الروايات على اعتبار كون الغسلتين بالسدر والمضاف. وهي نظير معتبرة يونس الدالة على غسل رأس الميت بالرغوة (1) حيث تقدم ان المراد به هو المسح بالرغوة أولا ثم صب الماء عليه والغسل هو الصب، والمسح بالرغوة أو غيرها محمول على الاستحباب. نعم: لو كنا نحن وهذه الاخبار لقلنا باعتبار غسل الميت بالسدر بأن يمسح السدر على بدنه أولا ثم يزال بالماء كما هو المتعارف في الغسل بالسدر في الاحياء إلا أن الاخبار المتقدمة دلتنا على أن الغسلة الاولى لابد أن تكون بالماء المطلق الذي فيه السدر والثانية بماء فيه كافور فلا يعتبر فيه المسح بالسدر ثم غسله. وفي رواية الكاهلي أنه (يغسل بماء السدر وماء الكافور) (2) وظاهرها اعتبار الاضافة في الغسلتين. ويرده: أن الرواية ضعيفة السند بمحمد بن سنان وغير تامة الدلالة على المدعى لجواز أن يراد بماء السدر هو الماء المطلق الذي فيه شئ من السدر وان لم يبلغ مرتبة الاضافة. غاية الامر ان تكون الرواية مطلقة ودالة على جواز الغسل بالماء المضاف إلى السدر والماء المطلق الذي فيه شئ من السدر فيقيد بالاخبار المتقدمة الدالة على اعتبار الاطلاق في الماء في الغسلتين الاولتين.


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 5.

[ 237 ]

مقدار الخليط: (الجهة الثانية): في مقدار الخليط من السدر والكافور مقتضى الاخبار الواردة في أن الميت يغسل بماء وسدر وبماء وكافور أن المعتبر في الغسلتين صدق الغسل بالماء والكافور أو بالماء والسدر ولا يجزي المقدار القليل الذي لا يصدق معه الغسل بالماء والسدر، ولا يشترط فيهما كيفية أو كمية خاصة. وقد نسب إلى المفيد (قده) اعتبار كون السدر رطلا، وعن ابن البراج اعتبار أن يكون رطلا ونصف رطل كما نسب اليهما اعتبار كون الكافور نصف مثقال، ولم يظهر أن مرادهما هو المثقال الشرعي الذي هو ثمانية عشر حبة أو المثقال الصيرفي الذي هو اربعة وعشرون حبة. وكيف كان لا دليل على شئ من التقديرين بل المدار على صدق الغسل بالماء والسدر وبالماء والكافور. نعم ورد في موثقة عمار تقدير الكافور بنصف حبة (1)، وفي معتبرة يونس بالحبات (2) وفي رواية مغيرة مؤذن بني عدي انه غسل علي (ع) رسول الله صلى الله عليه وآله بداه بالسدر والثانية بثلاثة مثاقيل من كافور (3).


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 10. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب غسل الميت ح 3. (3) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 11.

[ 238 ]

[ وفي طرف القلة يعتبر أن يكون بمقدار يصدق أنه مخلوط بالسدر أو الكافور. ] ولكن فعله (ع) لا يمكن الاستدلال به على الوجوب لامكان ان يكون ذلك من جهة الاكملية وكونه ارقى مراتب التغسيل. واما الروايتان الاوليتان فهما كذلك أيضا لان الحبة أو الحبات ليس لها كم معين في الخارج لان الكافور قطعات، والحبة من القطعة الكبيرة اكثر من الحبة من القطعة الصغيرة فالحبة مختلفة الحكم ولا تعيين لكمها في الاخبار. كما انه لا تعيين للماء الذي تجعل فيه تلك الحبة فانه لو كانت الحبة بمقدار خاص كافية في صدق الغسل بالماء والكافور في كم معين من الماء كالكر مثلا لكان المعتبر في صدق هذا العنوان عند كون الماء مثلي الاول - كالكرين - القاء حبتين من الكافور. كما أن الماء لو زاد على المثلين لابد من زيادة الكافور أيضا وإلا لم يصدق أن الغسل غسل بالماء والكافور لاستهلاك الكافور وانعدامه عند قلته وكثرة الماء. وحيث لا تعيين لكم الحبة ولا للماء الملقى فيه الحبة فلا يمكن الاعتماد على شئ من الروايتين لاجمالها من هذه الجهة. و (دعوى): أن الحبة نصف مثقال فتنطبق الموثقة على مسلك المفيد وابن البراج (قدهما). (مندفعة): بانه لا دليل عليه إذ يمكن أن تكون الحبة مثقالا أو اقل أو اكثر، فلا يعتبر في كم الخليطين وكيفيته شئ سوى صدق

[ 239 ]

الغسل بالماء والسدر وبالماء والكافور. وقد نسب إلى جماعة من المتقدمين أو اكثرهم اعتبار كون الكافور خاما أي غير مطبوخ لانه على قسمين قطعات، وناعم (1) يطبخ ثم يجمد. و (يدفعه): إطلاق الاخبار لصدق الغسل بالماء والكافور مع الطبخ أيضا، لان المطبوخ كغيره كافور حقيقة و (دعوى): أن المطبوخ منه يتنجس لانه يطبخ بلبن الخنزيرة ليشتد بياضه أو أن الطابخ كافر فتصيبه يده أو رجله أو غيرهما من اعضاء بدنه فيتنجس. (مندفعة): بعدم ثبوت شئ من ذلك، إذ من أين نحرز أنه مطبوخ بلبن الخنزيرة أو اصابته يد الكافر أو رجله مثلا بل حاله حال الاشياء المجلوبة من بلاد الكفار التي لا يعلم اصابة الكفار لها باليد أو بغيرها. اعتبار الخلوص عزيمة أو رخصة؟ (الجهة الثالثه): هل يعتبر الخلوص في الماء القراح بنحو العزيمة أو انه رخصة في قبال اعتبار الخليط في الغسلتين الاولتين فيجوز أن يكون الماء مخلوطا بشئ من السدر والكافور في الغسلة الثالثة أيضا؟. المعروف لزوم كون الماء في الغسلة الثالثة خالصا من الخليطين


(1) وهو صغاره التي يقع في التراب ثم يؤخذ فيطبخ.

[ 240 ]

[ وفي الماء القراح يعتبر صدق الخلوص منهما، وقدر بعضهم السدر برطل، والكافور بنصف مثقال تقريبا، لكن المناط ما ذكرنا. ] وهذا هو الصحيح ويدل عليه الاخبار الواردة (1) في أن الميت يغسل مرة بالماء والسدر وثانية بالماء والكافور وثالثة بالماء القراح. فان التقييد بالقراح كالتقيد بالسدر والكافور فكما أنهما لزوميين ولا يجزي فاقدهما، فكذلك الحال في القراح ولا يجزي الماء المخلوط بالسدر أو الكافور في الغسلة الثالثة. ويؤيده بل يدل عليه ما ورد في معتبرة يونس: (ثم اغسل يديك إلى المرفقين والآنية وصب فيه ماء القراح) (2) لدلالتها على اعتبار خلوص الماء في الغسلة الثالثة من السدر والكافور حيث أمر بغسل يديه والآنية لئلا يبقى فيهما من الخليطين ما يضر بالخلوص في الماء في الغسلة الثالثة. وهل يعتبر الخلوص من غير الخليطين بحيث لو كان الماء مخلوطا بشئ من السكر أو التراب لم يصح التغسيل به؟ الصحيح عدمه لان الاخبار المقيدة للماء بالقراح في المرة الثالثة بقرينة التقييد في الاوليتين بالسدر والكافور ظاهرة في ارادة الخلوص من الخليطين لا في ارادة الخلوص مطلقا حتى من غيرهما.


(1) الوسائل ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب غسل الميت ح 3.

[ 241 ]

كيف؟ ولا يوجد الخالص من الماء في تلك الازمنة بل في الازمنة المتأخرة التي أدركناها إلا نادرا لاختلاطه بالطين على الاقل، فلا بأس بالتغسيل بماء الشط ونحوه من المياه المخلوطة بالطين أو بغيره مما لا يخرجه عن الاطلاق. وقد ورد في رواية معاوية بن عمار (1) الامر بطرح سبع ورقات سدر في الماء القراح وكذا في رواية عبد الله بن عبيد مقيدا بالصحاح حيث قال: (ثم بالماء القراح يطرح فيه سبع ورقات صحاح من ورق السدر في الماء) (2). وظاهرهما الوجوب ولا يوجب ذلك خروج الماء عن الاطلاق والخلوص فانه انما يوجبه إذا امتزج واختلط مع الماء، والورق لا يختلط معه إلا أنه لا بد من حملهما على الاستحباب. لما عرفت من نظائره من أن الحكم في المسائل التي يكثر الابتلاء بها لو كان موجودا لاشتهر، ومع عدمه يستكشف عدم ثبوته في الواقع فالوجوب غير محتمل ولا بد من حملها على الاستحباب.


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب غسل الميت ح 8. (2) الوسائل: باب 6 من أبواب غسل الميت ح 2.

[ 242 ]

[ (مسألة 3): لا يجب مع غسل الميت للوضوء (1) قبله أو بعده وان كان مستحبا والاولى أن يكون قبله. ] وجوب الوضوء مع غسل الميت: (1) يقع الكلام في هذه المسألة من جهات: هل الوضوء واجب مع غسل الميت؟ (الجهة الاولى): هل ان الوضوء مع غسل الميت واجب أو غير واجب؟ المعروف بينهم عدم الوجوب، ونسب إلى المفيد وابن البراج وأبي الصلاح وجوبه استنادا إلى الاخبار الآمرة بالوضوء في غسل الميت، منها صحيحة حريز عن أبي عبد الله - ع - قال: (الميت يبدء بفرجه ثم يوضأ وضوء الصلاة.) (1) وليس بازائها رواية صريحة في نفي الوجوب، ولو كنا نحن وهذه الاخبار لالتزمنا بوجوب الوضوء في غسل الميت الا أن هناك وجوها تمنعنا عن حملها على الوجوب. (منها): ما قدمناه من أن الحكم في مثل غسل الميت الذي يبتلى به كثيرا لو كان لبان واشهر ولم ينحصر قائله بثلاثة أشخاص


(1) الوسائل: باب 6 من أبواب غسل الميت ح 1.

[ 243 ]

- كما في المقام -، والسيرة جارية على خلاف ذلك فلا يمكن الالتزام بوجوب الوضوء في غسل الميت و (منها): المطلقات الدالة على انه (أي وضوء أنقى من الغسل؟) (1) فان غسل الميت أيضا غسل فلا تصل النوبة معه إلى الوضوء، وانما خرجنا عنهما في غسل الاستحاضة حيث يجب فيها الوضوء مع الغسل. و (منها): سكوت الاخبار البيانية عن وجوب الوضوء، هذه صحيحة ابن مسكان سئل فيها عن غسل الميت فأجاب (ع): (اغسله بماء وسدر) (2) من دون تعرض لوجوب الوضوء مع ورودها في مقام البيان فالسكوت في ذلك المقام دليل على عدم اعتبار الوضوء في غسل الميت وإلا كان السكوت اخلالا لما هو المعتبر في الواجب. و (منها): صحيحة يعقوب بن يقطين قال: سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن غسل الميت أفيه وضوء الصلاة أم لا؟ فقال: (غسل الميت تبدأ بمرافقه فتغسل بالحرض.) (3). فان السؤال فيها عن وجوب الوضوء في غسل المت، والامام (ع) أجابه بشئ آخر فلو كان واجبا لاجاب بقوله (نعم)، فعدم الجواب عنه والاجاية بشئ آخر كالصريح في عدم اعتبار الوضوء في


(1) الوسائل: ج 1 باب 34 من ابواب الجنابة، ح 4 وغيرها من الروايات في الباب وقبله. (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 1. (3) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 7.

[ 244 ]

غسل الميت. و (منها): ان غسل الميت كغسل الجنابة ولا يعتبر الوضوء في غسل الجنابة ومقتضى هذه الوجوه عدم وجوب الوضوء في غسل الميت بوجه هل يستحب الوضوء في غسل الميت؟ (الجهة الثانية): هل يستحب الوضوء في غسل الميت أو لا دليل على مشروعيته؟ المعروف بينهم هو الاستحباب وقد قوى في الحدائق عدم مشروعيته والوجه في الحكم باستحبابه هو الامر بالوضوء في أخبار غسل الميت المتقدمة فان مقتضى الجمع بينها وبين الوجوه المتقدمة النافية لوجوبه من المطلقات وغيرها رفع اليد عن ظهورها في الوجوب بحملها على الاستحباب. والعامة وان نسب إليهم الوضوء في غسل الميت إلا انه لا وجه لحمل الاخبار الآمرة بالوضوء على التقية لان الحمل على التقية انما هو في صورة المعارضة ولا معارضة في المقام لوجود الجمع الدلالي وهو رفع اليد عن ظهور الاخبار الآمرة في الوجوب وحملها على الاستحباب. وأما ما ذكره صاحب الحدائق (قده) من ان الحمل على التقية غير موقوف على المعارضة بل ذكر في مقدماته أن الحمل على التقية

[ 245 ]

غير موقوف على القول به من المخالفين لدلالة الاخبار على أنهم (ع) ألقوا الخلاف بين الناس حقنا لدماء الشيعة وتحفظا عليهم. (فما لا يصغى إليه) لحجية الظهور والسند وهي تقتضي العمل بالرواية إلا أن يكون لها معارض وتنتهي النوبة إلى الترجيح بموافقة العامة ومخالفتهم ليحمل الموافق على التقية ويؤخذ بالمخالف. فالصحيح استحباب الوضوء في غسل الميت، ولا سيما على مسلكنا من أن الوجوب والاستحباب خارجان عن المداليل اللفظية والصيغ وانما يستفادان من وجود القرينة على الترخيص وعدمها. فالحاكم بالوجوب أو الاستحباب هو العقل فانه في المقام نرى القرينة على الترخيص موجودة وهي الوجوه المتقدمة المستدل بها على عدم الوجوب فالعقل ينتزع الاستحباب من ذلك لا محالة. هل الاستحباب خاص بما قبل الغسل؟ (الجهة الثالثة): - هل الاستحباب يختص بما قبل الغسل أو أنه مستحب قبله وبعده؟. قد يقال: بعد مشروعية الوضوء بعد التغسيل لان الاخبار الآمرة به مشتملة على كلمة (ثم): يوضأ الميت ثم يغسل رأسه ووجهه). ففي رواية معاوية بن عمار قال: أمرني أبو عبد الله (ع) أن (أعصر بطنه ثم أوضيه بالاشنان ثم أغسل رأسه بالسدر

[ 246 ]

ولحييه.) (1) وهي تدل على التراخي فلا دليل على مشروعية الوضوء بعد التغسيل. هذا ولكن يمكن القول باستحباب الوضوء مطلقا ولو بعد التغسيل. وذلك للمطلقات (2) الدالة على أن كل غسل معه وضوء إلا غسل الجنابة وان الجنابة ليس قبلها ولا بعدها وضوء. وأما هذه الاخبار الدالة على التقييد بكون الوضوء قبل التغسيل فلا تنافي بينها وبين الاخبار المطلقة ليحمل على المقيد فان حمل المطلق على المقيد انما هو من جهة التنافي بينهما لدلالة المقيد على الالزام بالتقييد، والمطلق ينفيه ومن ثمة حمل المطلق على المقيد في الواجبات. وأما في غير الالزاميات فلا تنافي بينهما كي يحتاج إلى الحمل إذ لا الزام في المقيد بل يؤخذ بكلا الدليلين ويحمل المقيد على افضل الافراد، ومن هنا ذكر الماتن (قده) ان الوضوء مستحب وان كان الاولى أن يكون قبل الغسل، هذا. والصحيح عدم استحباب الوضوء بعد غسل الميت وذلك لانه يتوقف على أمرين لا نلتزم بشئ منهما. (احدهما): أن يقال باستحباب العمل الذي بلغ فيه الثواب والالتزام بالتسامح في أدلة السنن بالمعاملة مع الرواية الضعيفة معاملة الرواية المعتبرة أو القول بأن مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت، ح 8. وهي معتبرة وقد قدمنا ان في التهذيب: ثم اوضيه ثم اغسله بالاشنان. الخ. (2) الوسائل: ج 1 باب 35 من ابواب الجنابة، ح 1، 2.

[ 247 ]

في الاعتبار لانه لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة. و (ثانيهما): أن الرواية الضعيفة تقتضي استحباب العمل ولو كانت معارضة بما يدل على عدم استحبابه، وذلك تمسكا باطلاق أخبار من بلغ لدلالتها على استحباب العمل الذي بلغ فيه الثواب عن النبي صلى الله عليه وآله عارضتها رواية اخرى ام لم تعارضها. وذلك لاحتمال ان تكون الرواية الدالة على الاستحباب مطابقة للواقع. إذن يمكننا في المقام الحكم باستحباب الوضوء بعد غسل الميت للرواية المتقدمة الدالة على أن في كل غسل وضوءا إلا الجنابة وان كانت ضعيفة بالارسال لان ابن ابي عمير يرويها عن حماد بن عثمان أو غيره، ومعارضة بصحيحة سليمان بن خالد عن أبي جعفر (ع) قال، (الوضوء بعد الغسل بدعة) (1) فان كل بدعة ضلالة، والضلالة في النار. إلا أن شيئا من الامرين المتقدمين بل الامور الثلاثة لم يثبت بدليل لعدم دلالة اخبار من بلغ على استحباب العمل الذي بلغ فيه الثواب عند عدم كونها معارضة فضلا عما إذا كانت معارضة. كما ان مراسيل ابن ابي عمير كمراسيل غيره لا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال. اذن مقتضى الاخبار الواردة في المقام استحباب الوضوء قبل غسل الميت لا بعده. نعم لا بأس بالاتيان بالتوضؤ بعد الغسل إذا لم يوضأ الميت قبل


(1) الوسائل: ج 1 باب 33 من ابواب الجنابة، ح 9.

[ 248 ]

[ (مسألة 4): ليس لماء غسل الميت حد (1) بل المناط كونه بمقدار يفي بالواجبات أو مع المستحبات. نعم في بعض الاخبار أن النبي (صلى الله عليه وآله) أوصى إلى أمير المؤمنين عليه السلام أن يغسله بست قرب، والتأسي به صلى الله عليه وآله حسن مستحسن. ] التغسيل رجاءا، لعدم حرمة الوضوء بعد الغسل ذاتا، وانما يكون بدعة فيما إذا أتى بعنوان الامر من استحباب أو وجوب، ولا دلالة في الصحيحة المتقدمة على حرمته عند الاتيان به رجاءا لاحتمال الاستحباب واقعا. لا حد لماء غسل الميت: (1) لصحيحة الصفار: كتب إلى أبي محمد (ع) في الماء الذي يغسل به الميت كم حده؟ فوقع (ع): (حد غسل الميت يغسل حتى يطهر ان شاء الله) (1). رواها المشائخ الثلاثة عن الصفار، واسنادهم إليه صحيحة، وقال الصدوق: هذا التوقيع في جملة توقيعاته (ع) عندي بخطه (عليه السلام) في صحيفة، وهي صريحة في أن ماء الغسل لا حد له فيختلف باختلاف الاموات من الصغر والكبر وكثافة الميت ونظافته.


(1) الوسائل: ج 2 باب 27 من ابواب غسل الميت ح 1، 2.

[ 249 ]

نعم في رواية ابن البختري عن ابي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي (ع): (يا علي إذا انا مت فغلسني بسبع قرب من بئر غرس) (1). الا ان الوصية ليست لها دلالة على الوجوب لجواز أن يكون ذلك أفضل ولا سيما بلحاظ التقييد بكون الماء من بئر غرس لعدم وجوبه قطعا. نعم في رواية فضيل سكرة قال، قلت لابي عبد الله (ع): جعلت فداك هل للماء الذى يغسل به الميت حد محدود؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي (ع) (إذا أنا مت فاستق لي سبع (ست) قرب من ماء بئر غرس فاغسلني وكفني وحنطني. ((2). وهي تدل على التحديد بسبع أو ست قرب لانه (ع) بصدد الجواب عن الحد في الماء الذي يغسل به الميت فذكر وصية النبي صلى الله عليه وآله ودلالته على التحديد ظاهرة. إلا انها ضعيفة السند بفضيل سكرة أو ابن سكرة - كما في بعض الاخبار - لعدم ثبوت وثاقته أو مدحه، وغاية ما يمكن القول في حقه انه إمامي وحسب، فالصحيح ان ماء غسل الميت لا حد له.


(1) الوسائل، ج 2 باب 28 من ابواب غسل الميت ح 1. وهي صحيحة. (2) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب غسل الميت ح 2.

[ 250 ]

[ (مسألة 5): إذا تعذر أحد الخليطين سقط اعتباره (1) واكتفي بالماء القراح بدله ويأتي بالاخيرين. ] إذا تعذر احد الخليطين: (1) إذا تعذر الغسل بماء السدر أو بماء الكافور أو القراح هل يسقط وجوب التغسيل عن المكلفين وينقل الامر إلى التيمم؟ أو أن الساقط هو المتعذر من الاغسال وتجب الغسلتان أو الغسل الآخر غير المتعذر؟ المعروف بل المتسالم عليه بين الاصحاب وجوب الغسلين غير المتعذرين وسقوط الغسل المتعذر فقط، وهذا لا لقاعدة الميسور - كما قد يتوهم - وذلك لانها لم تثبت بدليل. والاخبار المستدل بها على تلك القاعدة نبوية أو علوية ضعاف كما لا يمكن العمل بها في المقام نظرا إلى أن المشهور عملوا بها في هذه المسألة. وذلك لان الرواية الضعيفة إن قلنا بانجبار ضعفها بعمل المشهور على طبقها فلا بد من العمل على طبقها في جميع الموارد، وان لم تنجبر الرواية الضعيفة بالعمل لا يمكن العمل بها مطلقا. وأما العمل بها في مورد لان المشهور عملوا بها في ذلك المورد دون المورد الآخر فهو تقليد من المشهور وليس من الستدلال والاستنباط

[ 251 ]

في شئ. بل الوجه في ذلك: أن الاغسال الثلاثة واجبات مستقلة لا ربط لاحدها بالآخر وان كانت النتيجة واحدة من جميعها وهي الطهور إلا انها واجبات متعددة، لا أن الواجب واحد وهي اجزاؤه. وقد صرح بذلك صاحب الجواهر (قده) عند التكلم على أن غسل الميت كغسل الجنابة حيث ذكر أن كل واحد من الاغسال الثلاثة كغسل الجنابة، مع ان هذا لم يرد في رواية وانما استفاده من الرواية لبنائه على أن الواجب متعدد وهو الاغسال الثلاثة وكل منها كغسل الجنابة. وما استفاده هو الصحيح فهي واجبات متعددة. إذن لو تعذر واحد منها أو اثنان لم يكن وجه لسقوط الآخر عن الوجوب. وهذا نظير ما ذكرناه - وذكره المشهور أيضا - في الاستحاضة المتوسطة من انه يجب فيها الغسل والوضوء إلا انه لا يحتمل أن يكون المأمور به هو المجموع ويكون كل من الغسل والوضوء جزءا من الواجب بحيث لو تعذر الغسل سقط الوضوء أيضا عن الوجوب وبالعكس. أو لو شك في وضوئه بعدما دخل في الغسل أو بالعكس لا يمكنه اجراء قاعدة الفراغ في السابق المشكوك نظرا إلى أنه عمل واحد ولا تجري قاعدة الفراغ فيه لعدم الفراغ من العمل. كما وجه شيخنا الانصاري (قده) بذلك - أي بكون الوضوء مثلا عملا واحدا - قول المشهور في عدم جريان القاعدة في الطهارات الثلاثة.

[ 252 ]

[ وان تعذر كلاهما سقطا وغسل بالقراح ثلاثة اغسال. ] فان كل ذلك غير محتمل بل الغسل والوضوء واجبان مستقلان لا ربط لاحدهما بالآخر وان كانت النتيجة واحدة وهي تحقق الطهارة وكيف كان فالاغسال واجبات متعددة وبهذا يمتاز غسل الميت عن باقي الاغسال حيث أن الواجب فيها شئ واحد، وفي غسل الميت الواجب متعدد. وقد ورد في بعض الروايات (يغسل الميت ثلاث غسلات) كما في رواية الحلبي (1)، وان كانت الرواية ضعيفة، وورد في صحيحة سليمان بن خالد أنه يغسل الميت مرة (بماء السدر. واخرى بماء وكافور) (2)، وهذا يدلنا على أن الاغسال واجبات متعددة فلا وجه لسقوط الجميع عن الوجوب عند تعذر واحد منها أو اثنين هذا كله فيما إذا تعذر واحد من الاغسال. إذا تعذر شرط احد الاغسال: ثم إذا تعذر شرط أحدها - كما لو تعذر السدر أو الكافور مع التمكن من الغسل بالماء أو تعذر الماء القراح مع التمكن من التغسيل بماء السدر أو غيره - فهل يجب الغسل بالماء القراح مثلا عند تعذر ماء


(1) كما في رواية الحلبي: الوسائل: باب 2 من ابواب غسل الميت ح 4. (2) الوسائل: الباب 2 من أبواب غسل الميت ح 6.

[ 253 ]

السدر أو يسقط الامر بالغسل رأسا وينتقل إلى التيمم بدلا عن الغسل بماء السدر المتعذر؟ المشهور وجوب الغسل بالماء القراح عند تعذر الخليط، إلا أن الصحيح عدم وجوب الغسل حينئذ والانتقال إلى التيمم. وذلك لان الحكم بوجوب الغسل بالماء القراح حينئذ إما ان يستند إلى قاعدة الميسور أو إلى الاستصحاب ولا يتم شئ منهما. أما قاعدة الميسور فلما اشرنا إليه من عدم ثبوتها بدليل. على أنا لو قلنا بتمامية القاعدة لا يمكن التمسك بها في أمثال المقام مما يعد الميسور مغايرا مع المعسور لا ميسورا منه. وهذا نظير ما إذا أوجب المولى اكرام الهاشمي - مثلا - فتعذر فأكرم غير الهاشمي لانه ميسور لذلك المعسور لاشتراكهما في الانسانية مع انهما متباينان عند العرف. كيف؟ ولا يستدلون بها على وجوب الاجزاء الممكنة من الغسل عند تعذر بعض أجزائه كما إذا فرضنا ان الماء في الغسل لا يفي إلا بثلاثة اخماس الميت أو بتسعة أعشاره فانهم لا يلتزمون بوجوب الغسل في ثلاثة اخماس أو تسعة أعشار الميت بدعوى انه ميسور من الغسل المتعذر. مع ان الاجزاء أولى بالتمسك فيها بالقاعدة من الشروط لان في تعذر الشرط - كما في المقام - قد يقال: ان فاقد الشرط مغاير لواجده لان أحدهما بشرط شئ والآخر بشرط لا، ولا تكون الماهية بشرط لا ميسورا من الماهية بشرط شئ وانما هما متغايران فلا مجال فيه للتمسك بالقاعدة.

[ 254 ]

وهذه المناقشة لا تأتي في الاجزاء إذ يمكن أن يقال: ان معظم الاجزاء ممكنة وتعد ميسورا من الواجب المعسور عند العرف ومع هذا لم يلتزموا بوجوب الغسل في الاجزاء الممكنة فما ظنك بالمشروط عند تعذر شرطه - كما في المقام -؟. وأما الاستصحاب بدعوي أن الغسل عند التمكن من الخليط كان واجبا قطعا وإذا تعذر الخليط وشككنا في بقائه على الوجوب نستصحب وجوبه ونقول انه الآن كما كان. وفيه: ما تعرضنا له في استصحاب الوجوب عند تعذر بعض أجزاء المركب وهو انه من الاصل الجاري في الاحكام ولا نلتزم بجريانه في الشبهات الحكمية كما ذكرنا غير مرة. ثم على تقدير القول بجريانه في الاحكام أيضا لا مجال له في مثل المقام فيما إذا تعذر الخليط قبل موت الميت إذ ليس هناك حالة سابقة فان الغسل لم يجب في زمان ليستصحب وجوبه بل من الاول يشك في وجوبه وعدمه. اللهم الا أن يستصحب معلقا بأن يقال: لو كان الميت قد مات في حال التمكن من الخليط كان الغسل واجبا لوجوب الغسل بالخليط وانه الآن كما كان. وفيه: ان الاستصحاب التعليقي لا يجري في الاحكام فضلا عن الموضوعات كما في المقام. وأما إذا تعذر الخليط بعد الموت فالغسل وان علمنا بوجوبه حينئذ إلا انه لا مجال لاستصحابه بعد تعذر الخليط لارتفاع موضوعه فان الواجب هو الغسل بماء السدر ولم يبق سدر ليجب التغسيل به

[ 255 ]

ومع ارتفاع الموضوع لا مجال للاستصحاب. وهو نظير ما إذا خلط الماء بالسدر واشتغل بالتغسيل واهرق في اثنائه أفيمكن استصحاب وجوب التغسيل حينئذ والحكم بوجوب التغسيل في الباقي بالماء القراح؟ ومن الظاهر انه لا يجري الاستصحاب المذكور لارتفاع موضوعه وهو السدر. فالمتحصل أن مقتضى القاعدة عدم وجوب التغسيل بالماء القراح حينئذ بل يجب التيمم بدلا عنه، إلا أن المشهور لما بنوا على وجوب الغسل بالماء القراح فنجمع بين التيمم والغسل بالماء القراح تحفظا على فتوى المشهور وان كانت القاعدة تقتضي عدم وجوب الغسل - كما عرفت -. ومن هذا يظهر الحال عند تعذر الكافور أو الماء القراح فان مقتضى القاعدة فيهما سقوط الغسل والانتقال إلى التيمم إلا انه يجمع بينه وبين الغسل بالماء القراح عند تعذر الكافور أو بينه وبين الغسل بماء السدر أو ماء الكافور عند تعذر القراح للاحتياط. هذا. ما استدل به صاحب الجواهر (قده): وقد استدل في الجواهر على مذهب المشهور بما ورد في المحرم (1) من انه إذا مات غسل بالماء القراح بدلا عن الغسل بالكافور،


(1) الوسائل: ج 2 والمستدرك: ج 1، باب 13 من ابواب غسل الميت.

[ 256 ]

بضميمة ما دل على أن المتعذر عقلا كالمتعذر شرعا. بتقريب ان الانتقال إلى الغسل بالماء القراح انما هو من جهة تعذر الغسل بالكافور لان المحرم حال حياته يحرم عليه استعمال الكافور فكذا حال مماته بتنزيل الشارع، وحيث ان المتعذر العقلي كالمتعذر الشرعي فنتعدى عن المحرم إلى كل مورد تعذر فيه الغسل بالكافور ونحوه (عقلا). وأورد عليه شيخنا الانصاري (قده) بان الثابت أن المتعذر شرعا كالمتعذر عقلا دون العكس. والذى ينبغى أن يقال في المقام: ان الحكم إذا ترتب على عنوان التعذر لم يفرق في ترتبه بين التعذر الشرعي والعقلي فما ثبت للتعذر العقلي يثبت للشرعي أيضا وبالعكس، فلو ورد أن الصلاة قائما إذا حرمت فتصلى قاعدا معناه أن الشارع إذا سد عليك الطريق إلى الصلاة قائما فصل جالسا ولا فرق فيه بين الانسداد العقلي والشرعي فما اورده شيخنا الانصاري (قده) على صاحب الجواهر (قده) لا يمكن المساعدة عليه. واما إذا لم يترتب الحكم على عنوان التعذر وانما ورد على مورد التعذر - كما في المقام - حيث دلت الرواية على ان المحرم يغسل بالقراح يدلا عن الغسل بالكافور ولم يعلل ذلك بأنه لتعذر التغسيل بالكافور. كما أن الحكم لم يرد على عنوان التعذر بأن يقول إذا تعذر الغسل بالكافور وجب الغسل بالقراح وانما ورد الحكم على التغسيل بالماء القراح بدلا عن الكافور في المحرم، نعم هو مورد التعذر

[ 257 ]

[ ونوى بالاول ما هو بدل السدر، وبالثانى ما هو بدل الكافور (1). ] فكأن الشارع نزل المحرم الميت منزلة المحرم الحي في حرمة استعمال الكافور عليه. فلا يمكننا التعدي عنه إلى غيره فانه في الحقيقة تخصيص في الادلة الدالة على أن الميت يغسل ثلاثا بالسدر والكافور والقراح. حيث دل على أن المحرم لا يغسل بالكافور بل يغسل بالماء القراح. ومعه كيف يمكننا التعدي عنه إلى موارد تعذر السدر أو الكافور مع عدم دلالة الدليل عليه، فالصحيح ما ذكرناه من أن مقتضى القاعدة الانتقال إلى التيمم بدلا عن الخليط وان كان الاحوط الجمع بين التيمم وبين الغسل بالماء القراح خروجا عن مخالفة المشهور. ما ينوي بالغسل الاول والثاني: (1) كما ذكره المحقق الثاني (قده) لمراعاة الترتيب الواجب بين الغسلات لان المؤخر لو قدم وجب اعادته ولاجله لابد أن ينوي البدلية عن الاول في التيمم الاول وعن الثاني في التيمم الثاني. وقد ناقش فيه صاحب الجواهر (قده) بقوله: (فيه تأمل، بل منع) وما ذكره (قده) هو الصحيح إذ ليس للبدلية عين ولا أثر في المقام فان البدلية انما هي فيما إذا كان المأور به المتعذر

[ 258 ]

[ (مسألة 6): إذا تعذر الماء ييمم ثلاثة تيممات (1) بدلا عن الاغسال على الترتيب. ] شيئا والبدل شيئا آخر، فانه عند تعدد المتعذر المأمور به يجب قصد البدلية كما أفيد. نظير ما إذا وجب على المكلف الغسل والوضوء فتعذرا، فانه ينوي في بدليهما من التيممين البدلية عن الغسل أو الوضوء، وإلا لم تتميز أن التيمم المأتي به بدل عن أيهما؟. وأما في المقام فلا وذلك لان وجوب الغسل بالماء القراح بدلا عن الغسل بالسدر والكافور انما يثبت بقاعدة الميسور والاستصحاب ومقتضاهما ان الغسل بالماء القراح عين الواجب الاول لا أنه بدله فكأن الواجب مركب من امرين وجزءين: الغسل بالماء القراح والخلط بالسدر أو الكافور. أو من الشرط والمشروط وقد تعذر أحد الجزءين أو الشرط وسقط عن الوجوب وبقي الجزء الآخر أو المشروط على وجوبه. لا أن الغسل بالقراح بدل عن الواجب بل هو عين الواجب الاول فلا يجب قصد البدلية وان كان أحوط. حكم ما إذا تعذر الماء: (1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: (أحدهما): في ان الغسل بالماء إذا تعذر ولم يمكن تغسيل الميت

[ 259 ]

بالماء والسدر وبالماء والكافور وبالماء القراح هل ينتقل الامر إلى التيمم أو يدفن من غير غسل كما إذا لم يكن عنده مماثل ولو من الكتابي ولا محرم فانه يدفن من دون غسل كما تقدم. و (ثانيهما): بعد ثبوت ان الوظيفة حينئذ وجوب التيمم يقع الكلام في أن الواجب تيمم واحد بدلا عن الجميع أو ثلاثة تيممات. هل ينتقل الامر إلى التيمم؟ أما المقام الاول: فالمشهور بل المتسالم عليه بينهم وجوب التيمم وقد استدل عليه بوجوه: (منها): الاجماع، وفيه: أن المطمأن به أو المظنون أو المحتمل استناد المجمعين في ذلك إلى أحد الوجوه الآتية فلا يكون الاجماع تعبديا كاشفا عن قول المعصوم عليه السلام. و (منها): رواية زيد بن علي عن آبائه (ع) عن علي (ع): إن قوما أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله مات صاحب لنا وهو مجذور فان غسلناه إنسلخ فقال صلى الله عليه وآله: (يمموه) (1). وهذه الرواية وان كانت بحسب الدلالة ظاهرة إلا انها ضعيفة السند. و (منها): المطلقات (2) الدالة على أن التراب أو التيمم أحد


(1) الوسائل: ج 2 باب 16 من أبواب غسل الميت، ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 14، 23 من ابواب التيمم.

[ 260 ]

الطهورين فان مقتضاها كفاية التيمم عن الغسل في المقام. وقد ناقش فيها صاحب الجواهر (قده) بوجهين: (احدهما): ان المستفاد من المطلقات أن التيمم أحد الطهورين ويكفي عن الماء واما انه يكفي عن السدر والكافور فلم يدلنا عليه دليل. و (ثانيهما): ان الاخبار انما دلت على أن التيمم يكفي في رفع الحدث واما انه يكفي في رفع الخبث والحدث فلا يكاد يستفاد من الاخبار، وغسل الميت انما كان موجبا لرفع الحدث والخبث فلا يكون التيمم بدلا عن مثله. ولا يمكن المساعدة على شئ من المناقشتين: (أما الاولى): فلان ما ذكره انما يتم لو كان الواجب هو الغسل بالسدر والكافور أو بالماء المضاف بهما وظاهر الاخبار أن التيمم أحد الطهورين فهو يدل عن الماء لا عن السدر والكافور. وليس الامر كذلك بل الواجب هو الغسل بالماء المطلق وغاية الامر انه يشترط أن يلقى فيه قليل من السدر والكافور بحيث لا يخرج الماء عن إطلاقه، والتيمم بدل عن المأمور به، والسدر والكافور من خصوصياته لا أنهما المأمور به. وهو نظير ما إذا أمر بالغسل من ماء البئر فانه إذا تعذر قام التيمم مقامه ولا يتوهم أنه كان مقيدا ومتخصصا بخصوصية البئر والتيمم لا يكون بدلا عن البئر. وأما (المناقشة الثانية): فتندفع بانه ان أراد بذلك ان التيمم لا يوجب رفع الخبث فهو متين إلا أنه أجنبي عما نحن فيه. وان أراد انه لا يكون بدلا عن الغسل الرافع للحدث الذى يكفي

[ 261 ]

في رفع الخبث أيضا ففيه أنه خلاف المطلقات (1) التي تدل على بدلية التيمم عن الغسل الرافع للحدث لا بشرط، فسواء كان رافعا للخبث أيضا أم لم يكن، فيقوم التيمم مقام ذلك الغسل في رفع الحدث وان لم يوجب ارتفاع خبثه. ويؤيده ما دل (2) على أن غسل الميت هو غسل الجنابة لخروج النطفة منه حال موته ولا اشكال أن التيمم يقوم مقام غسل الجنابة. والانصاف ان هذا الوجه متين، وبه نحكم بوجوب التيمم عند تعذر الغسل بالماء. و (منها): صحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران المروية في الفقيه عن أبي الحسن موسى (ع): ثلاثة نفر كانوا في سفر أحدهم جنب والثاني ميت، والثالث على غير وضوء وحضرت الصلاة ومعهم ماء يكفي أحدهم من يأخذ الماء ويغتسل به وكيف يصنعون؟ قال (ع): (يغتسل الجنب ويدفن الميت بتيمم، ويتيمم الذي عليه وضوء لان الغسل من الجنابة فريضة وغسل الميت سنة والتيمم للآخر جائز (3). حيث دلت على ان الميت عند عدم التمكن من تغسيله يدفن بالتيمم وقد استدل صاحب المدارك (قده) بعين هذه الرواية على عدم وجوب التيمم حينئذ، ولكن أسندها إلى عبد الرحمن بن الحجاج ونقلها بدون لفظة (بتيمم) بعد قوله (ع) (يدفن الميت). وقد أورد عليه في الحدائق ان الراوي للرواية في كتب الحديث


(1) المصدر المتقدم في ذيل بعض الروايات. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب غسل الميت. (3) الوسائل: ج 2 باب 18 من ابواب التيمم ح 1.

[ 262 ]

عبد الرحمن بن أبي نجران لا عبد الرحمن بن الحجاج - نعم لا اثر للاختلاف فيه لاعتبار كليهما -. وتوصيف صاحب المدارك لها بالصحة وان كان صحيحا إلا أن الصحيح هو رواية الفقيه وهي مشتملة على لفظة (بتيمم) بعد (يدفن الميت) وهي تدل على خلاف مقصوده. نعم رواها الشيخ في التهذيب بدون لفظة (بتيمم) إلا أنها ضعيفة من جهة اشتمالها على محمد بن عيسى وهو مردد بين الثقة والضعيف ومن جهة إرسالها فان عبد الرحمن يرويها عن رجل حدثه. هذا. ولكن صاحب الوسائل رواها عن الفقيه والتهذيب مشتملة على لفظة (بتيمم) حيث قال بعد نقل الرواية عن الفقيه: (ونقله محمد بن الحسن باسناده إلى الصفار نحوه. إذ لو كانت رواية التهذيب غير مشتملة على تلك اللفظة لاشار إليه كما هو دابه في الكتاب ولا سيما في الاختلافات التي تختلف الاحكام بها، وحيث أن له طريقا صحيحا إلى التهذيب فبنقله يثبت أن نسخة التهذيب مشتملة على تلك الكلمة. إلا أن صاحب الحدائق (قده) وغيره يروون عن التهذيب من دون كلمة (بتيمم) ومعه يدخل المقام في اختلاف النسخ فلا يثبت أن رواية الشيخ ايهما؟ فلا تشملها أدلة اعتبار الخبر، فان باخبار كل واحد من الرواة وان كان يثبت موضوع وخبر - أعني خبر الراوي الآخر - فيشمله أدلة الاعتبار. إلا انه يتم إلى الشيخ وأما هو فلا يعلم أنه أخبر عن أي شئ حتى يشمله أدلة الاعتبار فلا يمكننا الاعتماد على رواية الشيخ ولو

[ 263 ]

بناءا على صحة سندها كما إذا عملنا بالمراسيل وبنينا على أن محمد بن عيسي العبيدي موثق كما هو الصحيح، وذلك لعدم ثبوت رواية الشيخ. ومعه يبقى صحيح الفقيه المشتمل على لفظة (بتيمم) سليما عن المعارض. ولا يتوهم انها معارضة برواية الشيخ وذلك لانا قد نطمأن بأن للشيخ روايتين: إحداهما مشتملة على لفظة (بتيمم) والاخرى غير مشتملة عليها، فيقع التعارض بين رواية الفقيه واحدى روايتي الشيخ المشتملة على لفظة (بتيمم)، وبين روايته الاخرى الفاقدة لتلك اللفظة لدلالتها على وجوب دفن الميت بلا تيمم، ودلالة الروايتين الاولتين على وجوب دفنه بالتيمم. وذلك غير محتمل في المقام لان للشيخ رواية واحدة فقط ولا ندري انها مشتملة على تلك اللفظة أو فاقدة لها، ومع عدم ثبوت رواية الشيخ وانها أي شئ، لا تشملها أدلة الاعتبار فلا تعارض رواية الفقيه هذا كله في رواية الشيخ. بل يمكن أن يقال: إن رواية الفقيه أيضا لم يثبت اشتمالها على لفظة (بتيمم) وذلك لان صاحب الوسائل والحدائق وغيرهما وان نقلا الرواية مشتملة على تلك اللفظة. الا أن صاحبي الوافي والمنتقى (1) نقلا الرواية عن الفقيه فاقدة للكلمة بل وكذلك العلامة المجلسي (قده) في نسخة الفقيه المصححة بتصحيحه الموجودة عندنا فانها أيضا فاقدة للفظة (بتيمم).


(1) الوافي: ج 1 باب احكام التيمم والمتيمم. والمنتقى ج 1 صفحة 272.

[ 264 ]

ومقتضى نقل هذين أو هؤلاء الثقاة أن نسخ الفقيه كانت فاقدة للكلمة - بتيمم - فتكون رواية الفقيه كرواية التهذيب مرددة في اشتمالها على الكلمة وعدمه فلا تثبت رواية الفقيه انها أي شئ؟ فلا تشملها أدلة الاعتبار. و (دعوى): أن الامر إذا دار بين النقيصة والزيادة تؤخذ بالزيادة لان الغالب هو السهو والاشتباه بنقل الرواية مع اسقاط لفظة أو اقل أو اكثر واما الاشتباه والسهو باضافة لفظة أو اكثر فهو نادر (مندفعة): بأن غاية ما يترتب على ذلك هو الظن باشتمال الرواية على لفظة (بتيمم) فسقطت منها، والظن لا اثر له شرعا، بل المظنون عدم اشتمال الرواية على تلك الكلمة كما يؤيده سياق التعليل الوارد فيها. لان التيمم لو كان جائزا للميت أيضا لكان الاولى ان يقول (ع) والتيمم لهما جائز، ولم يكن وجه لقوله (ع) (والتيمم الآخر جائز) أي للمحدث بالاصغر إلا أن هذا الظن كسابقة لا يمكن الاعتماد عليه. نعم: لم يظهر معنى صحيح للتعليل الوارد فيها، وذلك لان قوله (ع) (لان الغسل من الجنابة فريضة وغسل الميت سنة) إن اريد منه ان غسل الجنابة واجب فلا اثر له لان غسل الميت أيضا واجب. وان اريد منه ان غسل الجنابة مما ثبت وجوبه بالكتاب دون غسل الميت فانه ثبت وجوبه من السنة. فهو صحيح لقوله تعالى (وان كنتم جنبا فاطهروا) (1) المفسر


(1) سورتي المائدة والنساء الآيات 6 و 43.

[ 265 ]

بالاغتسال، وقوله تعالى (ولا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (1) وقد ورد الفرض والسنة بهذا المعنى في بعض الروايات كالاخبار الواردة في اعادة الصلاة من الركوع والسجود والطهور والقبلة دون التشهد ونحوه حيث ورد فيها أن الركوع والسجود والطهور والقبلة فرض والتشهد سنة (2). إلا أن الوضوء للمحدث بالاصغر أيضا فرض ثبت بالكتاب لقوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم.) (3). والذى اظن أن صاحب المدارك (قده) نقل الرواية عن الفقيه غير مشتملة على لفظة (بتيمم) كصاحبي الوافي والمنتقى، وان اشتبه في اسنادها إلى عبد الرحمن بن الحجاج ولم يسندها إلى عبد الرحمن ابن أبي نجران. وذلك لانه وصف الرواية بالصحة ولا يكاد يخفى عليه صحة الرواية وضعفها ولا نحتمل في حقه أن يروي الرواية عن الشيخ مع ارسالها ويعبر عنها بالصحة، كيف؟ وهو من فرسان ميدان الرجال ولا يخفى عليه مثله (4). فتحصل أن الرواية لا يمكن الاستدلال بها على وجوب دفن الميت التيمم ولا على وجوب دفن الميت من غير تيمم. هذا


(1) و (3) سورتي المائدة والنساء الآيات: 6 و 43. (2) الوسائل: ج 5 باب 7 من أبواب التشهد ح 1. (4) وقد نقل خارج البحث عن بعض الطلبة أن صاحب المدارك نقل الرواية في بحث التيمم عن الفقيه وراجعناه ورأينا الامر كما نقله وعليه فنقله عنه هو المتعين.

[ 266 ]

وقد يستدل على وجوب دفنه بالتيمم - كما في الجواهر - برواية التفليسي: سأل أبا الحسن (ع) عن ميت وجنب اجتمعا ومعهما ماء يكفي أحدهما أيهما يغتسل؟ فقال (ع): (إذا اجتمعت سنة وفريضة بدئ بالفرض) (1). وفيه: انها لا تدل على وجوب دفن الميت بالتيمم وانما تدل على أنه لابد من الابتداء بالفرض واما انه يدفن الميت مع التيمم فلا على أن سندها ضعيف بالتفليسي. ورواية الحسين بن النضر الارمني قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن القوم يكونون في السفر فيموت منهم ميت ومعهم جنب ومعهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما، ايهما يبدء به؟ قال: (يغتسل الجنب ويدفن الميت لان هذا فريضة وهذا سنة) (2). وفيه: انها أيضا لا تدل على وجوب دفن الميت بالتيمم أو بدونه إلا بالاطلاق وسندها ضعيف بالحسين بن النضر الارمني لعدم توثيقه ولا مدحه. هل الواجب ثلاثة تيممات: واما المقام الثاني: وهو ان الواجب هل هو تيمم واحد بدلا عن الجميع، أو أن الواجب ثلاثة تيممات؟ المشهور بينهم هو الاول نظرا إلى أن الاغسال وان كانت متعددة إلا أن الاثر المترتب عليها واحد وهو حصول الطهارة لليمت فإذا


(1) الوسائل: ج 1 باب 18 من أبواب التيمم ح 3. (2) الوسائل: ج 1 باب 18 من أبواب التيمم ح 4.

[ 267 ]

[ والاحوط تيمم آخر بقصد بدلية المجموع. وان نوى في التيمم الثالث ما في الذمة من بدلية الجميع أو خصوص الماء القراح كفى في الاحتياط. ] تعذرت وجب التيمم بدلا عنها، وحيث أن الاثر واحد فلا يجب بدلا عنها إلا تيمم واحد. وعن العلامة والمحقق الثاني (قدهما) وجوب ثلاثة تيممات لتعدد الواجب وهذا هو الصحيح. وذلك لان ما ذكره المشهور من وجوب تيمم واحد نظرا إلى وحدة الاثر مغتقض بما إذا وجب على المكلف ضم الوضوء إلى الغسل - كما في غير غسل الجنابة - أو ضم الغسل إلى الوضوء - كما في الاستحاضة المتوسطة - فان الاثر المترتب عليهما شئ واحد وهو حصول الطهارة للمكلف إلا أنه إذا تعذر على المكلف وجب عليه تيممان بدلا عن الجميع. فان المشهور لا يلتزم بذلك في مثله بل يلتزمون بوجوب التيمم بدلا عن الغسل تارة وبدلا عن الوضوء تارة اخرى، كما إنه إذا وجد ماء بمقدار أحدهما يأتي به ويتيمم بدلا عن الآخر. وحل ذلك: أن الاثر المترتب عليهما وان كان واحدا كما ذكر المشهور، إلا أن كلا من الغسل والوضوء مأمور به في نفسه وقد استفدنا من ادلة البدلية أن التيمم بدل عن الغسل والوضوء فمع تعذرهما تنتهي النوبة إلى بدلهما فتيمم بدل عن الغسل وتيمم آخر بدل عن الوضوء. والامر في المقام كذلك لان الواجب متعدد وهو كل واحد من

[ 268 ]

الاغسال ومن ثمة ورد في بعض (1) الاخبار أن الواجب في غسل الميت ثلاثة اغسال، وفاقا لصاحب الجواهر (قده) حيث عبر بلفظة (كل) بقوله: (ان كل واحد من الاغسال الثلاثة كغسل الجنابة) ومع تعدد الواجب لابد من تعدد التيمم بدلا عن الاغسال المتعذرة. هذا بل يمكن ان يقال: إن ما ذكره المشهور من أن اثر الاغسال واحد وهو حصول الطهارة فبدلها تيمم واحد لو تم فانما يتم على مسلكهم من أن الطهارة مترتبة على الغسل والوضوء والتيمم وتلك محصلات للطهارة واسباب لها. ومن هنا ذهبوا إلى عدم جريان البراءة عند الشك في اعتبار شئ في الغسل والوضوء والتيمم نظرا إلى أن المأمور به أمر بسيط وهو الطهارة ولا شك فيه وانما الشك في المحصل ومعه لا بد من الاحتياط. وبهذا علل شيخنا الانصاري (قده) عدم جريان قاعدة التجاوز في تلك الامور بدعوى أن الطهارة شئ واحد لا يتحقق التجاوز فيها عند الشك في الاثناء. وأما بناءا على ما سلكناه من أن الطهارة هي نفس الوضوء أو الغسل فانه اعتبر نورا في الاخبار أو نورا على نور (2)، لا أنها شئ آخر يترتب عليها وقد ورد في صحيحة زرارة (3).


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 1 و 2 وغيرهما: وفي بعضها غسلات. وفي بعضها مرات. (2) الوسائل: ج 1 باب 8 من أبواب الوضوء ح 1. (3) الوسائل: ج 1 باب 42 من أبواب الوضوء ح 1.

[ 269 ]

- وهو على وضوء - وفي جملة من الاخبار أن الوضوء ينقضه كذا ولا ينقضه كذا (1). ومن الظاهر أن الكون على الشئ أو انتقاضه انما يتصور فيما إذا كان له وجود ودوام. ومن هنا بنينا على أن الطهارة هي نفس تلكم الافعال وفاقا لتعبير الاصحاب (الطهارات الثلاثة) ويعنون بها الوضوء والغسل والتيمم. فعليه الطهارة متعددة في المقام فان الواجب قد يكون طهارة واحدة - كما في الوضوء - وقد تكون طهارتان - كالغسل والوضوء كما في الاستحاضة المتوسطة وغير الجنابة من الاغسال على غير مسلكنا - وقد تكون طهارات ثلاث كما في المقام فان الواجب ثلاثة اغسال للميت - أي ثلاث طهارات - ومع التعذر يجب التيمم ثلاث مرات. نعم الاحوط خروجا عن الخلاف أن ينوي في التيمم الثالث البدلية من المجموع أو عن الغسل بالقراح - أي على ما هو الواجب واقعا - لانه بذلك يجزم بالامتثال، إذ الواجب إن كان هو التيمم الواحد بدلا عن الجميع فقد أتى به وان كان هو التيممات المتعددة فقد أتى بها على الفرض. ومن ثمة ذكر الماتن: (وان نوى في التيمم الثالث ما في الذمة من بدلية الجميع أو خصوص الماء القراح كفى في الاحتياط. وظاهره أن طريق الاحتياط منحصر بذلك، إلا أنه لا ينحصر به لانه لو نوى البدلية عن الجميع أو عن أحد الاغسال في غير التيمم الثالث أيضا يتحقق الاحتياط كما لو نوى ذلك في التيمم الثاني أو


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

[ 270 ]

[ (مسألة 7): إذا لم يكن عنده من. الماء إلا بمقدار غسل واحد (1) فان لم يكن عنده الخليطان أو كان كلاهما أو السدر فقط صرف ذلك الماء في الغسل الاول. ] الاول مع فرض الاتيان بالباقي بعد ذلك. صور المسألة: (1) ذكر للمسألة صورا أربعة: الاولى: ما إذا تعذر الخليطان. الثانية: ما إذا أمكن السدر دون الكافور. الثالثة: عكس الصورة الثانية. الرابعة: ما إذا امكن الخليطان. اما الصورة الاولى: فقد ذكر (قده) أن المتعين صرف الماء بدلا عن الغسل بالسدر ثم يأتي بالتيمم بدلا عن الغسل بالكافور والقراح، وبعده احتمل التخيير بين صرفه في الغسل الاول وصرفه في الغسل الثاني أو الثالث وقد التزم جمع من الاصحاب بهذا التخيير. وعن الشهيد والمحقق الثانيين (قدهما) تعين صرفه في الغسل

[ 271 ]

الاول، وذلك نظرا إلى الترتيب المعتبر بين الاغسال ولزوم الاتيان بالثاني بعد الاول والثالث بعد الثاني وإذا صرفه في الاول ينطبق عليه فاقد الماء فيجوز له التيمم بدلا عن الثاني والثالث. والصحيح لا هذا ولا ذاك - لا التخيير ولا تعين الاول - بل اللازم هو الصرف في الغسل الاخير - اعني الغسل بالماء القراح - وذلك لانا ان قلنا بان الاغسال الثلاثة بمنزله الغسل الواحد وله اثر واحد وهو الطهارة والغسل الاول جزء والثاني جزء آخر والثالث جزء ثالث غاية الامر يتميز هذا الغسل عن باقي الاغسال بانه يعتبر فيه غسل الرأس ثلاث مرات بالسدر والكافور والقراح، وكذا الجانب الايمن يعتبر غسله ثلاثا، وكذا الجانب الايسر يعتبر فيه الغسل ثلاثا على الترتيب المذكور في محله. وقد قواه صاحب الجواهر وشيخنا الانصاري والمحقق الهمداني وغيرهم. فمقتضى القاعدة عدم وجوب الغسل اصلا والانتقال إلى التيمم لتعذر جزء أو جزئين من المأمور به فيسقط. ولا يلتزمون بجريان قاعدة الميسور في اجزاء الغسل الواحد - كما إذا فرضنا أن الجنب لا يتمكن إلا من غسل ثلثي بدنه فانه لم يتوهم أحد وجوبه وكفايته عن التيمم -. وكذا الحال فيما نحن فيه كما إذا لم يف ماء السدر إلا بنصف الميت أو ثلثيه لا يلتزمون بوجوب هذا الميسور واغنائه عن التيمم، اذن لا يجب الغسل في المقام أصلا حتى نتكلم في انه يجب صرف الماء في الاول أو يتخير حينئذ فلا موضوع لهذا البحث أصلا. ثم لو تنازلنا عن ذلك وقلنا بجريان القاعدة ووجوب الغسل حينئذ

[ 272 ]

[ ويأتي بالتيمم بدلا عن كل من الآخرين على الترتيب، ويحتمل التخيير في الصورتين الاوليين في صرفه في كل من الثلاثة في الاولى، وفي كل من الاولى والثانية في الثانية. ] لانه ميسور من المعسور فرضا فلماذا يجب التيمم معه؟ فان الغسل الواحد قد تحقق الميسور منه ولا معنى لوجوب التيمم بدلا عن الجزء المعسور لان التيمم بدل عن الغسل والطهور ولا بدلية له عن جزء الغسل أو الوضوء فالجمع بين الغسل والتيمم غير صحيح بل اللازم على هذا القول سقوط الغسل والانتقال إلى التيمم. واما إن قلنا بتعدد الواجب وان كل غسل من الثلاثة غسل مأمور به مستقلا ويترتب عليه الطهارة مستقلا نعم الطهارة المطلقة للميت تتوقف على اكمال الثلاث - كما هو الصحيح -. فهو مورد للاقوال من التخيير أو تعين الاول أو الاخير لانه إذا تعذر شرط لا يستتبع هذا سقوط شرط آخر عن الوجوب كما إذا لم يتمكن من التستر في الصلاة فانه لا يسقط به شرطية الاستقبال وبالعكس، فالتكلم في المسألة يبتني على تعدد المأمور به. إذا عرفت هذا فنقول: الصحيح تعين الصرف في الغسل الاخير، لان المدرك في وجوب الغسل بالقراح عند تعذر الغسل بالسدر أو الكافور منحصر بقاعدة الميسور - كما مر - وهي غير تامة في نفسها، ولا تنطبق على المقام لان الغسل بالقراح مغاير للغسل بالسدر، لا أنه ميسور من المعسور نظير ما إذا وجب اكرام العالم فتعذر واكرم الرجل الجاهل بدعوى

[ 273 ]

أنه ميسور من المعسور لانه يعد مغايرا للمعسور لا ميسورا منه. اذن لابد عند تعذر الغسل بالسدر أو الكافور من الانتقال إلى التيمم بدلا عنهما. واما الغسل الثالث فيما انه ممكن للمكلف فيجب الاتيان به بنفسه، هذا. ثم لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على تمامية القاعدة وانطباقها على المقام فالامر كما ذكرنا أيضا وذلك لعدم دلالة الدليل على جواز تفويت الواجب ابقاءا لميسور الواجب المتعذر فلا مسوغ لترك الغسل بالقراح ابقاءا للميسور من الغسل بالسدر المتعذر على الفرض. بل مقتضى قاعدة الميسور خلافه لانها تقتضي الاتيان بالواجب الميسور وهو الغسل بالقراح وعدم سقوطه بتعذر الواجبين الاولين. نعم الاحوط أن يأتي بتيممين بعد الغسل بالقراح خروجا عن شبهة الخلاف وتحصيلا للجزم بالامتثال لان الواجب لو كان ما ذكرناه من صرف الماء في الاخير فقد أتى به كما أنه لو كان الواجب صرفه في الاول والتيمم للاخيرين فقد أتى به أيضا. وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا أمكن السدر وتعذر الكافور فلا يجوز حينئذ صرف الماء في الغسل الثاني - أي في الغسل بالكافور - لقاعدة الميسور وذلك لعين ما تقدم من عدم تمامية القاعدة في نفسها وعدم انطباقها في المقام

[ 274 ]

بل وعدم جواز تفويت الواجب ابقاءا للميسور من المعسور ولو بناءا على تمامية القاعدة فالمتعين صرفه أما في الغسل بالسدر الممكن ولما في الغسل بالقراح. ولكن الصحيح صرفه في خصوص الغسل بالسدر وذلك لان الاخبار الواردة في المقام لاشتمالها على كلمة (ثم) دلتنا على اعتبار الترتيب في الاغسال فيعتبر في صحة الغسل بالكافور أو القراح أن يتأخرا عن الغسل بالسدر بحيث لو اتى بهما قبله عصيانا أو نسيانا وقعا باطلين. وان كان الغسل بالسدر صحيحا نظير اعتبار الترتيب في العصر بالاضافة إلى الظهر وحيث أن السدر موجود فيجب صرف الماء فيه بمقتضى الاخبار، وبعده يكون المكلف فاقدا للماء فيجوز له التيمم بدلا عن الكافور والقراح. وبعبارة أخرى: المسوغ للتيمم أحد أمرين: إما الفقدان الحقيقي الوجداني أو الفقدان التعبدي كما إذا كان متمكنا من الماء عقلا إلا أن الشارع منعه عن التصرف فيه لانه مغصوب أو موجب لهلاكته فان الممتنع شرعا كالممتنع عقلا، وليس شئ منهما متحققا بالاضافة إلى الغسل بالسدر. أما الوجدان فظاهر لانه متمكن منه على الفرض لوجود الماء والسدر وأما التعبد فلعدم دلالة الدليل على وجوب صرف الماء في الثالث إذ المشهور انما يقول بالتخيير لا بتعين صرفه في الاخير حتى يحرم استعماله في الاول فهو متمكن منه تعبدا ووجدانا فلا يسوغ له التيمم بدلا عن الغسل بماء السدر. بل لابد أن يأتي به بنفسه، وبعده يصدق عليه أنه فاقد الماء حقيقة فيجوز له التيمم بدلا عن الغسل بالكافور والقراح.

[ 275 ]

وهذا نظير المستحاضة القليلة التي يجب أن تتوضأ لكل صلاة فانها إذا لم تتمكن من الوضوء إلا لاحدى الصلاتين كالظهر والعصر لم يجز لها التيمم لصلاة الظهر وابقاء الماء لصلاة العصر لما تقدم من ان المسوغ للتيمم إما هو الفقدان الحقيقي أو التعبدي وليس في المقام شئ منهما فيتعين صرفه في الوضوء للظهر وبعد ذلك يجوز لها أن تتيمم للعصر لانها فاقدة للماء حقيقة. وأما الصورة الثالثة: وهي ما إذا أمكن الكافور دون السدر فهل يتخير بين صرف الماء في الغسل بالكافور وصرفه في الغسل بالقراح؟ بعد سقوط الغسل بالسدر للتعذر ووصول التوبة فيه إلى التيمم. فقد ظهر مما قدمناه في الصورتين المتقدمتين تعين صرف الماء في الغسل بالكافور مع التيمم قبله بدلا عن الغسل بالسدر وبعده بدلا عن الغسل بالقراح. وذلك لما تقدم من عدم جريان قاعدة الميسور في نفسها، وعدم انطباقها في المقام - لو جرت - لمغايرة الغسل بالماء مع الغسل بالسدر وعدم كونه ميسورا منه، فينتقل الامر في الغسل بالسدر إلى التيمم لتعذره، وبما أن الغسل بالكافور متمكن منه في حقه لوجود الماء مع الكافور فيجب صرفه فيه. إذ لا مسوغ للتيمم بدلا عنه فان المسوغ أما هو الفقدان الحقيقي وهو ظاهر الانتفاء وأما هو الفقدان التبعدي فلعدم الدليل على

[ 276 ]

[ وان كان عنده الكافور فقط فيحتمل ان يكون الحكم كذلك، ويحتمل أن يجب صرف ذلك الماء في الغسل الثاني مع الكافور، ويأتي بالتيمم بدل الاول والثالث فييممه اولا ثم يغسله بماء الكافور ثم ييممه بدل القراح. ] وجوب صرفه في الغسل بالقراح لان المخالف يدعي التخيير لا التعيين فيجوز معه صرف الماء في الغسل بالكافور، وغسل الميت إذا جاز وجب، وبعده يكون المكلف فاقدا للماء حقيقة فيسوغ له التيمم بدلا عن القراح. وأما الصورة الرابعة: وهي ما إذا أمكن كلا الخليطين فالمحتمل فيها إبتداءا هو التخيير بين الاغسال الثلاثة للتمكن من أحدها - وان لم يتعرض الماتن له وانما تعرض للتخيير بين الغسلين. إلا أن الصحيح وجوب صرفه في الغسل بالسدر لانه متمكن منه وجدانا وهو واضح، وتعبدا، لعدم احتمال تعين الثاني والثالث فيجوز صرفه في الاول وقد عرفت أن غسل الميت إذا جاز وجب، وبعده ينتقل إلى التيمم في الغسل بالكافور والقراح لعدم التمكن منهما عقلا.

[ 277 ]

[ (مسألة 8): إذا كان الميت مجروحا أو محروقا أو ] وما ذكرناه في هذه الصورة يبتني على تعدد الواجب في غسل الميت، وأما إذا قلنا بأن الواجب هو أمر واحد فقد عرفت ان مقتضى القاعدة حينئذ هو سقوط الغسل، وقاعدة الميسور لا تجري في أجزاء الغسل الواحد لما مر. وما ذكرناه في الصور المتقدمة بناءا على تعدد الواجب المأمور به فهو يبتني على أمرين: (أحدهما): عدم جريان قاعدة الميسور في المقام إما لعدم تماميتها في نفسها أو لعدم انطباقها عليه لعدم كون الغسل بالقراح ميسورا من المأمور به المعسور، أو لان تفويت الواجب لادراك الميسور من الواجب الآخر غير جائز ولا تشمله القاعدة. و (ثانيهما): إن أمر الماء إذا دار صرفه بين أمرين مترتبين لا يجوز صرفه في الاخير مع التمكن من الصرف في الاول بلا فرق في ذلك بين المقام وغيره كما في المستحاضة. ولا يقاس هذا بما إذا دار الامر بين الاتيان بجزء من الواجب أو جزء آخر فانه يحب الاتيان بالاخير دون الاول عند بعضهم إذا كان أهم، أو لا يجب شئ منهما للتعارض عندنا. هذا كله فيما إذا أمكن واحد من الاغسال الثلاثة، ومنه يظهر الحال فيما إذا أمكن اثنان منها وتعذر واحد: اما الاول والثاني أو الثاني والثالث أو الاول مع الثالث فانه يأتي بالمتمكن منه وينتقل في المتعذر إلى التيمم على النحو المتقدم في المسألة.

[ 278 ]

[ مجدورا أو نحو ذلك مما يخاف معه تناثر جلده ييمم (1) - كما في صورة فقد الماء - ثلاثة تيممات. (مسألة 9): إذا كان الميت محرما لا يجعل الكافور في ماء غسله في الغسل الثاني (2) ] إذا كان الميت مجروحا أو نحوه: (1) ظهر الحال في هذه المسألة مما ذكرناه في المسألة السادسة وهي ما إذا تعذر الماء عقلا، وذلك لان المتعذر شرعا كالمتعذر عقلا فينتقل الامر معه إلى التيمم مرة واحدة أو متعددا على الخلاف المتقدم، لعموم أدلة البدلية - بدلية التراب عن الماء -. كما تقدم في تلك المسألة بيان الادلة التي استدل بها على وجوب التيمم حينئذ ومنها رواية زيد بن علي عليهما السلام فليراجع. إذا كان الميت محرما: (2) المسألة متسالم عليها بينهم ولم ينقل فيها خلاف من أحد، وتدل عليه جملة متضافرة من النصوص - فيها الصحاح والموثقة وغيرهما (1) - وهذا تخصيص في أدلة وجوب تغسيل الميت ثلاثا


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من ابواب غسل الميت.

[ 279 ]

[ إلا أن يكون موته بعد طواف الحج أو العمرة (1) ] أحدها الكافور. بلا فرق في ذلك بين الاحرام في الحج للتمتع أو القران أو المفرد ولا بين العمرة المفردة أو عمرة التمتع. وهذا مما لا إشكال فيه. وانما الكلام في الاستثناء من الاستثناء وهو ما يأتي في المسألة الآتية: الاستثناء من الاستثناء: (1) ذكره جمع كثير، والكلام في مدركه لان مقتضى اطلاق الروايات عدم الفرق في المحرم بين أن يموت قبل الطواف أو بعده، ولم يرد في خصوص المحرم الميت بعد الطواف رواية تدل على وجوب تغسيله بالكافور ومن ثمة استشكل في ذلك صاحب الحدائق (قده) حيث قال: (والمسألة محل توقف) وان مال إلى الجواز بقوله: (وأن كان ما اختاره في النهاية لا يخلو عن قرب). والذي ينبغي أن يقال: ان المتفاهم عرفا من الاخبار الواردة في المقام أن تحريم تغسيل المحرم الميت بالكافور انما هو من جهة احرامه قبل الموت، وإلا فالموت لا خصوصية له في التحريم قطعا، فالشارع قد أجرى عليه أحكام الاحرام بعد الموت كما كانت تجري عليه قبل الموت.

[ 280 ]

وهذا هو الذي تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع لانه لو كانت المناسبة بينهما قرينة عرفية في مورد فالمقام أولى بذلك لان المناسبة فيه من أظهر أنحاء المناسبات لان المحرم يحرم عليه استعمال الطيب حيا فكذلك بعد الموت بمقتضى الروايات. ويؤكده النبوي الدال على أن المحرم الميت لا يغسل بالكافور لانه يحشر يوم القيامة ملبيا (1). وعليه فالاستثناء من الاستثناء في محله لاختصاص الحكم حينئذ بالمحرم الميت الذي كان يحرم عليه استعمال الطيب، واما إذا مات بعد الخروج من احرامه فلا مانع من تغسيله بالكافور للمطلقات الدالة على وجوب تغسيل الميت به فهذا المقدار مما لا ينبغي الشبهة فيه، وانما الكلام فيما يخرج به عن الاحرام. أما في الحج: فقد ذكر الماتن (قده) أنه لا بأس بتغسيله بالكافور لو مات بعد الطواف. ولكن الصحيح ما ذهب إليه المشهور من أن الخروج عن الاحرام في الحج انما هو بالسعي بين الصفا والمروة الذي أطلق عليه الطواف في بعض الاخبار، وذلك لان الاخبار الواردة فيما يتحلل به عن احرام الحج مختلفة. فقد دلت بعضها على أنه يخرج عنه بطواف النساء (2) وآخر على


(1) مستدرك الوسائل: ج 1 ب 13 من ابواب غسل الميت، ح 5، 6. (2) راجع الوسائل: باب 13 من أبواب الحلق والتقصير ح 1 و 2 وح 4 من أبواب زيارة البيت وغيره.

[ 281 ]

[ وكذلك لا يحنط بالكافور (1) بل لا يقرب إليه طيب آخر ] أنه يخرج عنه بالطواف (1)، وثالث دل على انه يخرج عنه بالسعي (2)، والطائفة الاولى تحمل على الطواف للاخبار الدالة على أن التحلل بالطواف، والثانية تحمل على السعي لما دل على ان التحلل بالسعي ولو بارادة طبيعي الطواف منه الصادق على السعي لانه طواف أيضا بهذا المعنى. وهذا هو المشهور بين الاصحاب، والمظنون بل المطمأن به أن الماتن لا يرى التحليل بالطواف وانما. ذهب إليه بعض، وهل صلاة الطواف داخلة أم لا؟ فيه كلام. وعليه فالصحيح أن يقال: (إلا ان يكون موته بعد سعي الحج) والظاهر انه اشتباه أو غفلة من الماتن أو المحشين. وأما في العمرة: ففيها اشتباه ثان وذلك لان التحليل عن إحرامها يحصل بالتقصير تارة وبالحلق اخرى في العمرة المفردة، وبالتقصير فقط في عمرة التمتع ولا يحصل الاحلال فيها بالطواف فراجع. (1) لقوله - ع - في جملة من الروايات (لا يمس الطيب) أو (ولا يقربه طيب) (3) بل صرح بعدم جواز التحنيط بالطيب في جملة من الاخبار (4) فراجع.


(1) و (2) راجع الوسائل: باب 13 من أبواب الحلق والتقصير ح 1 و 2 وباب 4 من أبواب زيارة البيت. (3) و (4) الوسائل ج 2 ب 23 من ابواب غسل الميت.

[ 282 ]

[ (مسألة 10): إذا ارتفع العذر عن الغسل أو عن خلط الخليطين أو أحدهما عبد التيمم أو بعد الغسل بالقراح قبل الدفن تجب الاعادة (1). ] إذا ارتفع العذر قبل الدفن: (1) لان المدرك في وجوب تيمم الميت حينئذ إما رواية زيد الدالة على أن المجدور إذا مات ييمم (1)، ولا يتحقق في موردها ارتفاع العذر بعد التيمم. وأما المطلقات الدالة على بدلية التيمم أو التراب عن الماء - كما هو الصحيح - وهي انما تدل على البدلية في صورة فقدان الماء. ومن الظاهر أن المراد به ليس هو الفقدان آناما أو ساعة أو ساعتين، بل المراد به الفقدان في جميع أزمنة الواجب ووقته فإذا يمم الميت ثم وجد الماء أو الخليطان أو أحدهما قبل أن يدفن كشف عن عدم كون التيمم مأمورا به واقعا لعدم تحقق شرطه وان كان اعتقد فقدانه أو اعتمد على الاستصحاب أو البينة ونحوها إلا أن الامر الخيالي أو الظاهري لا يجزي عن المأمور به الواقعي بوجه فتجب الاعادة في مفروض الكلام.


(1) تقدم ذكرها في المسألة السادسة.

[ 283 ]

[ وكذا بعد الدفن إذا اتفق خروجه بعده على الاحوط (1) ] ارتفاع العذر بعد الدفن: (1) إذا اتفق خروج الميت بزلزلة أو نحوها، والكلام في هذه المسألة يقع في صورتين: (احداهما): ما إذا ارتفع العذر في زمان لا يجوز تأخير الدفن إليه كما إذا وجد الماء بعد الدفن بعشرة أيام لعدم جواز التأخير في الدفن إلى عشرة أيام. (ثانيهما): ما إذا ارتفع العذر في وقت يجوز التأخير في الدفن إليه. أما الصورة الاولى: فلا ينبغي الاشكال في عدم وجوب الاعادة لان عدم ارتفاع العذر إلى وقت لا يجوز تأخير الدفن إليه يكشف عن أن الامر بالتيمم كان أمرا واقعيا لتحقق شرطه وهو فقدان الماء مثلا إلى زمان يجوز التأخير إليه وقد امتثله المكلف على الفرض فلا موجب للاعادة.

[ 284 ]

فان ظرف التغسيل الواجب أو بدله انما هو قبل الدفن الاول لما دل على أن الميت يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن، والمفروض عدم التمكن من التغسيل في ذلك الوقت، وأما الدفن الثاني فهو انما يجب بأمر آخر غير الامر الاول. ولم يقم دليل على وجوب التغسيل قبل الدفن الثاني أيضا ومع الشك فالمرجع هو البراءة لا المطلقات لانها انما تدل على وجوب التغسيل قبل الدفن الاول لا الثاني كما مر. وقد يستدل على عدم وجوب الاعادة حينئذ بوجوب الفورية في الدفن الثاني لانه على القول بها ينافي التغسيل. وفيه: إن الفورية - على القول بها - لم تثبت بدليل لفظي يمكن التمسك باطلاقه وانما ثبت بالاجماع وهو دليل لبي يقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو غير صورة وجوب التغسيل قبل الدفن. على أن معنى الفورية عدم جواز المسامحة في الاتيان بالمأمور به، واما عدم جواز الاتيان بما يجب الاتيان به فلا لعدم كونه منافيا للفورية في الامتثال، فالصحيح في الاستدلال على عدم وجوب الاعادة ما ذكرناه. واما الصورة الثانية: فالصحيح فيها وجوب الاعادة لان وجدان الماء وارتفاع العذر في زمان جاز التأخير إليه في الدفن يكشف عن كون التيمم غير

[ 285 ]

مأمور به بالامر الواقعي لعدم تحقق شرطه، واعتقاد الفقدان أو قيام البينة عليه أو الاعتماد فيه على الاصل لا يوجب الاجزاء لان الامر التخيلي أو الظاهري لا يقتضي الاجزاء كما مر. بل لو تمكن المكلف في مفروض الكلام من التغسيل المأمور به قبل خروجه عن قبره لا يبعد القول بجواز النبش لاعادة التغسيل وذلك لكشف ذلك عن عدم كون التيمم مأمورا به بالامر الواقعي فالدفن قد وقع قبل التغسيل المأمور به فينبش القبر ويعاد على الميت غسله. و (دعوى): أن النبش محرم والتمكن بعد الدفن يكشف عن كون التيمم مأمورا به واقعا لعدم التمكن من الماء إلى وقت الدفن وعدم جواز اخراجه من قبره. (مندفعة): بأن النبش لم يقم دليل على حرمته سوى الاجماع المستند إلى حرمة هتك المؤمن لان حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا. والادلة اللبية يقتصر فيها على المورد المتيقن وهو ما إذا كان الدفن بعد الغسل المأمور به لا ما إذا وقع قبله فلا مانع من نبش القبر محافظا على احترام المؤمن وتغسيله. بل قد التزم المشهور بجواز النبش فيما إذا ظهر ان الغسل لم يقع على الوجه الصحيح كما إذا كان بالماء النجس أو غير ذلك مما يوجب بطلان التغسيل، وكذلك الحال في الاخلال بالكفن. نعم لا يجوز النبش للاخلال بالصلاة كما يأتي في محله. وكيف كان: فالنبش في هذه الصورة لا يبعد جوازه وان كان

[ 286 ]

[ (مسألة 11): يجب أن يكون التيمم بيد الحي لا بيد الميت (1) ] يظهر من الماتن في المقام عدم الجواز لانه تعرض لوجوب اعادة الغسل إذا اتفق خروج الميت من قبره. فان ظاهره عدم جواز اخراجه بالاختيار للتغسيل، ولكنه تعرض للمسألة في الكلام على النبش ولم يين على أحد الطرفين بل استشكل في المسألة. هل التيمم لابد ان يقع بيد الحي؟ (1) مقتضى الاحتياط: الجمع بين التيمم بيد الميت والحي إلا أن الاقوى وجوبه بيد الميت. لان المدرك إن كان رواية زيد بن علي فقد ورد فيها (يمموه) (1) والتيمم قائم بالميت. وكذا لو كان المدرك هو المطلقات الدالة على أن التيمم أو التراب أحد الطهورين لان التيمم متقوم بضرب اليدين على الارض فلا يتحقق بدونه فلابد من أن يضرب يدي الميت على الارض وإلا فلو ضرب الحي يديه على الارض ومسح بهما وجه الميت لم يتحقق من الميت


(1) تقدم ذكرها في المسألة السادسة.

[ 287 ]

توضيح وتفصيل: لا إشكال ولا خلاف في أن الوضوء والغسل والتيمم يعتبر فيها المباشرة فلا يكفي فعل الغير فيهما مع تمكن المكلف من المباشرة لها بنفسه. وأما إذا عجز المكلف عن المباشرة فيسقط اعتبارها فيوضؤه أو أو يغسله الغير لان الوضوء والغسل ليسا إلا عبارة عن اجراء الماء على البدن أو أعضاء الوضوء وهذا يتحقق بفعل الغير أيضا. وقد ورد في بعض الاخبار أن الصادق (ع) كان به وجع شديد فأمر الغلمان أن يصبوا الماء على بدنه في الاغتسال (1). هذا كله في الغسل والوضوء. واما التيمم فهو كالغسل والوضوء أيضا فإذا لم يتمكن المكلف من مباشرته سقطت ووجب أن ييممه الغير بأن يأخذ الغير بيدي العاجز ويضربهما على وجه الارض ثم يمسح بهما وجهه ويديه. لا أن يضرب الغير بيديه على الارض وذلك لان التيمم يتقوم بضرب اليدين على الارض فلا يتحقق التيمم من العاجز إلا بضرب يديه على الارض وحيث أنه عاجز عن ذلك بالمباشرة فيوجد الغير ضرب يدي العاجز على الارض فيه.


(1) الوسائل: ج 1 ب 48 من ابواب الوضوء.

[ 288 ]

بل عن صاحب الجواهر دعوى الاجماع على حيث قال: لم أقف على قائل بغيره. نعم إذا عجز المكلف عن ذلك أيضا ولم يكن أن يضرب الغير بيدي العاجز على الارض لليبس أو لغيره من الامور سقط اعتبار ضرب اليدين ووجب على الغير أن يضرب بيديه على الارض ويمسح بهما على وجه العاجز ويديه. فالواجب أولا هو المباشرة، ومع التعذر يقوم الغير به مع وجوب ضرب يدي العاجز على الارض، ومع العجز عنه يسقط اعتباره أيضا ويجب على الغير ضرب يديه على الارض ولا ينتقل من مرتبة إلى دونها إلا بالعجز عنها. والدليل على وجوب ضرب الغير يديه على الارض في المرتبة الثالثة هو أنا لا نحتمل سقوط التكليف بالصلاة عن العاجز عن التيمم وذلك لعدم كونه فاقدا للطهورين - الماء والتراب - لوجود التراب عنده وغاية الامر لا يمكنه أن يضرب يديه على الارض ولو بواسطة الغير. فيجب على الغير أن يحصل له الطهور بضرب يديه على وجه الارض ثم يمسح بهما وجه العاجز ويديه فالحكم على طبق القاعدة ومما تقتضيه أدلة بدلية التيمم من دون حاجة فيه إلى نص بالخصوص، هذا كله في العاجز الحي. وأما الميت فالامر فيه كما عرفت لانه الذي تقتضيه القاعدة وأدلة البدلية، نعم المشهور القائلون بوجوب ضرب الغير يدي العاجز على الارض في العاجز الحي مع التمكن منه يلتزمون في

[ 289 ]

[ وان كان الاحوط تيمم آخر بيد الميت إن امكن، والاقوى كفاية ضربة واحدة للوجه واليدين (1) وان كان الاحوط التعدد. (مسألة 12): الميت المغسل بالقراح لفقد الخليطين أو احدهما، أو الميمم لفقد الماء أو نحوه من الاعذار - ] المقام بأن الحي يضرب يديه على الارض ويمسح بهما وجه الميت ويديه. لكن عرفت أن الصحيح وجوب ضرب يدي الميت على الارض مع الامكان نعم الاحوط هو الجمع بين التيمم بضرب الحي يديه على الارض وبين التيمم بضرب يدي الميت عليها. انتهى التوضيح وقد يقال: ان التيمم بدل عن الغسل فكما ان الغسل واجب على الحي دون الميت فكذلك التيمم واجب على الحي دون الميت. و (يندفع): بأن الغسل انما يقع على الميت لانه الذي يغسل بدنه، غاية الامر بالمباشرة من الحي وهذا لا يقتضي أن يكون بدله - وهو التيمم - قائما بالحي. بل يقتضي ان يكون التيمم كالغسل قائما بالميت بمباشرة الحي اذن يجب ان يكون التيمم بيد الميت لا بيد الحي. بل لعل القائل بكون التيمم واجبا على الحي نظر إلى أن الميت تيبست يداه ولا يمكن أن يضرب بهما على الارض، والامر حينئذ كما ذكر لابد من ان يكون التيمم بيد الحي إلا أنه إذا أمكن بيد الميت وجب كما مر أن الاحتياط يقتضي الجمع. (1) كما يأتي في محله.

[ 290 ]

[ لا يجب الغسل بمسه (1) وان كان احوط. ] مس الميت عند تعذر الغسل المأمور به: (1) بل يجب الغسل بمسه إذا كان الميت ميمما، لما تقدم في مبحث غسل مس الميت من انه يصدق أن الميت مسه قبل التغسيل فيجب الغسل بمسه. وما دل على بدلية التيمم مقام الغسل انما تقتضي قيامه مقام الغسل وحسب، واما كونه كالغسل بالاضافة إلى سائر الواجبات والاحكام أيضا فلا - فليراجع -. نعم إذا غسل الميت بالقراح بدلا عن الغسل بالخليط وقلنا بصحته لم يجب الغسل بمسه لانه يصدق عليه انه مس بعد التغسيل المأمور به.

[ 291 ]

[ (فصل في شرائط الغسل) وهي أمور (1): الاول: نية القربة على ما مر في باب الوضوء. الثاني: طهارة الماء. الثالث: إزالة النجاسة عن كل عضو قبل الشروع في غسله، بل الاحوط ازالتها عن جميع الاعضاء قبل الشروع في اصل الغسل، كما مر سابقا. الرابع: ازالة الحواجب والموانع عن وصول الماء ] (فصل في شرائط الغسل) (1) الشرائط المذكورة في المقام هي الشرائط المتقدمة المتعبرة في الوضوء وغسل الجنابة وغيرهما كاعتبار النية لكونه عبادة واعتبار طهارة الماء واعتبار طهارة البدن وتخليل الشعر لوصول الماء إلى البشرة على خلاف الوضوء واباحة الماء لعدم امكان التقرب بالمعصية والمبغوض، وغير ذلك من الشروط، نعم يزيد في هذا الغسل اشتراط الاباحة في الخليطين أيضا لانهما كالماء دخيلان في غسل الميت.

[ 292 ]

[ إلى البشرة وتخليل الشعر والفحص عن المانع إذا شك في وجوده. الخامس: اباحة الماء وظرفه ومصبه ومجرى غسالته ومحل الغسل والسدة والفضاء الذي فيه جسد الميت واباحة السدر والكافور. وإذا جهل بغصبية أحد المذكورات أو نسيها وعلم بعد الغسل لا تجب اعادته (1). ] العلم بالغصبية بعد الغسل: (1) ما افاده (قده) انما يتم في نسيان الغصبية فيما إذا كان النسيان معذرا كما في نسيان غير الغاصب الغصب، وذلك لحديث الرفع وغيره مما دل على ارتفاع الحكم الواقعي في موارد النسيان فانه مع عدم حرمة التصرف في الماء - مثلا - لا مانع من التغسيل والتقرب به. نعم إذا لم يكن النسيان معذرا كما في نسيان الغاصب لانه مكلف بالاجتناب عما غصبه حتى في حالة النسيان إذ أنه وان كان التكليف ممتنعا حينئذ، إلا انه امتناع بالاختيار ولا ينافي الاختيار لان عجزه مستند إلى قدرته واختياره. وحديث الرفع لا يقتضي رفعه حينئذ لانه انما ورد للامتنان ولا

[ 293 ]

[ بخلاف الشروط السابقة فان فقدها يوجب الاعادة وان لم يكن عن علم وعمد. ] امتنان في رفع الحرمة عن تصرفات الغاصب لانه اتلاف لمال الناس واضرار بهم، بل لعل الاكثر في الغاصب ذلك حيث انه ينسى ما اغتصبه من اموال الناس بعد الغصب. وأما في موارد الجهل بالغصبية فلا يتم ما افاده (قده)، وذلك لبقاء الحرمة الواقعية بحالها كما ذكرناه في بحث الوضوء، والمحرم لا يكون مصداقا للواجب والمبغوض لا يتقرب به وان كان المكلف معذورا في عمله ظاهرا. نعم: هذا انما هو في الماء في الوضوء وسائر الاغسال، وكذا الخليطان في المقام لان حكمهما حكم الماء. واما في المكان والفضاء والسدة والاناء وغيرها فلا مانع من التغسيل بها عند الجهل بحرمتها. والسر فيه: ان المأمور به هو الغسلتان والمسحتان أو صب الماء على البدن فقط والمفروض اباحته لاباحة الماء على الفرض، وانما المحرم هو التصرف في المكان والسدة والفضاء والاناء ونحوها وهي أمور خارجة عن المأمور به. وانما لم نقل بصحة الغسل والوضوء مع العلم بحرمة المذكورات للتزاحم بين الاتيان بالواجب وارتكاب الحرام فإذا جهلنا بحرمتها لم تكن مزاحمة بين وجوب الوضوء أو الغسل وحرمة تلك الامور لعدم فعليتها فيقع الغسل والوضوء صحيحا لا محالة.

[ 294 ]

[ (مسألة 1): يجوز تغسيل الميت من وراء الثياب (1) ولو كان المغسل مماثلا بل قيل: انه افصل، ولكن الظاهر - كما قيل - ان الافضل التجرد في غير العورة مع المماثلة. ] تغسيل الميت من وراء الثياب: (1) لا اشكال في جواز تغسيل الميت مجردا أو من وراء الثياب وانما الكلام في أن المستحب هو التغسيل مجردا والتغسيل من وراء الثوب أمر جائز كما ذهب إليه المشهور، أو أن المستحب هو التغسيل من وراء الثياب والتغسيل مجردا جائز كما التزم به جماعة، أو أنه لا هذا ولا ذاك بل يتخير بين الامرين كما عن المحقق الثاني؟ ومنشأ الخلاف بينهم في المسألة انه ورد في رواية يونس المتقدمة الامر بالتغسيل مجردا حيث قال: (فان كان عليه قميص فاخرج يده من القميص واجمع قميصه على عورته) (1). وورد في جملة من الصحاح الامر بتغسيله من فوق الثياب. منها: صحيحة يعقوب بن يقطين (ولا يغسل إلا في قميص يدخل رجل يده ويصب عليه من فوقه) (2). ومنها: صحيحة ابن مسكان (3) وصحيحة سليمان بن خالد (4)،


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 3. (2) و (3) و (4) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 7 و 1 و 6.

[ 295 ]

فوقع الكلام في أن الامر بالتغسيل مجردا محمول على الاستحباب في رواية يونس والامر بالتغسيل من وراء الثياب في تلك الصحاح محمول على الجواز، أو أن الامر بالعكس. قد يقال: بان رواية يونس لا يمكن أن تعارض الصحاح المتقدمة لضعفها بالارسال فيتعين القول باستحباب التغسيل من وراء الثياب. ويرده: ان رواية يونس لا تندرج تحت المراسيل لان ابراهيم ابن هاشم انما يرويها عن رجاله وهو كرواية الكليني عن عدة من أصحابنا أو الرواية عن غير واحد، وقد مر غير مرة أن مثل ذلك لا يعد من المراسيل. لدلالة هذا التعبير على ان الرواية رواها الجميع أو عدة منهم أو جماعة كثيرة ومن ثمة لم يسند الرواية إلى راو بخصوصه، ومن المطمأن به ان رجال ابراهيم بن هاشم أو عدة من اصحابنا أو غير واحد من الاصحاب مشتمل على الثقاة. ولا يمكن عادة أن يكون الجميع غير موثقين فالرواية لا اشكال فيها من حيث السند، اذن لابد من تحقيق المستحب منهما. والصحيح - كما التزم به صاحب الحدائق (قده) - أن نلتزم باستحباب التغسيل من وراء الثياب وذلك لان معتبرة يونس الآمرة بالتغسيل مجردا وصحيحة يعقوب بن يقطين الآمرة بالتغسيل من وراء الثياب مطلقتان، وصحيحتي ابن مسكان وسليمان بن خالد مقيدتان بالاستطاعة حيث ورد فيهما (ان استطعت أن يكون عليه قميص فغسله من تحته) أو (فيغسل من تحت القميص). إذن يمكننا الجمع بين الصحيحة المتقدمة ومعتبرة يونس بهاتين

[ 296 ]

[ (مسألة 2): يجزئ غسل الميت عن الجنابة والحيض (1) ] الصحيحتين فيكون المأمور به هو التغسيل من تحت الثياب على تقدير التمكن منه وإلا فيغسل مجردا. فصحيحة ابن يقطين محمولة على صورة التمكن ومعتبرة يونس على صورة عدم الاستطاعة من التغسيل وراء الثياب. والمراد بالاستطاعة هو التمكن العرفي، وكلا الامرين كثير الوقوع فان الميت قد يكون مسبوقا بالمرض وتطول مدت ويكون بدنه وسخا لا يمكن الغاسل تغسيله من وراء الثياب عرفا فيغسله مجردا. وإذا امكنه غسله من وراء الثياب فليس عدم الاستطاعة من التغسيل وراء الثياب أمرا نادرا، ومعه يتعين القول باستحباب التغسيل من وراء الثياب لو امكن دون العكس ودون التخيير، للامر به مع التمكن منه فلا تخيير في البين. ثم ان ثوب الميت وان كان يتنجس إذا كان على بدنه عند التغسيل إلا أنه يطهر بالتبع من دون حاجة إلى عصره أو غسله ثانيا وذلك للامر بالتغسيل مع الثوب اما على تمام بدنه واما على عورته من دون اشارة إلى لزوم غسل القميص أو الخرقة وعصرهما وان كان العصر واخراج الغسالة معتبرا في تطهيرهما على تقدير عدم كونهما على بدن الميت. اجزاء هذا الغسل عن غيره: (1) لانه مقتضى القاعدة من غير حاجة فيه إلى الدليل وذلك لما

[ 297 ]

[ بمعنى: أنه لو مات جنبا أو حائضا لا يحتاج إلى غسلهما، بل يجب غسل الميت فقط، بل ولا رجحان في ذلك وان حكي عن العلامة (ره) رجحانه. ] قدمناه من أن غسل الجنابة والحيض وغيرهما من الاغسال ليست بواجب نفسي وانما يجب من جهة اشتراط الطهارة في الصلاة بل ولم يقل أحد بالوجوب النفسي في غير الجنابة، نعم فيها قول بالوجوب النفسي وقد عرفت اندفاعه لضعف الرواية المستدل بها عليه. وحيث ان الميت غير مكلف بالصلاة فلا يجب عليه الغسل من الجنابة أو غيرها. بل لو قلنا بانها واجبات نفسية لا يجب في المقام لان الميت لا يكلف بشئ. فلا يجب على الحي سوى تغسيله بغسل الميت بل ولا يجب عليه تغسيله من الجنابة على تقدير حدوثها بعد تغسيله كما لو قاربه أحد بعد تغسيله وذلك لعدم الدليل على. فلا يقاس المقام بالتداخل في الحي كما إذا كان جنبا ومس الميت أو هما مع الحيض وهكذا فان الواجب عليه اغسال متعددة بتعدد اسبابها فلا يمكن القول بالتداخل إلا أن يقوم دليل عليه كما ورد (إذا اجتمعت عليك حقوق أجزأك حق واحد)، فالمتحصل ان مقتضى القاعدة عدم وجوب التغسيل زائدا على غسل الميت من دون حاجة فيه إلى الدليل. هذا وقد ورد في جملة من الروايات ما ربما يشعر بوجوب التغسيل

[ 298 ]

زائدا على غسل الميت وهي أربع روايات عن العيص (اثنان منها) لا يمكن الاستدلال بهما على هذا المدعى بوجه لاشتمالهما على انه إذا مات الميت وهو جنب غسل غسلا واحدا ثم اغتسل بعد ذلك أو يغسل غسلة واحدة بماء ثم يغتسل بعد ذلك (1). وذلك لان الامر بالاغتسال ثانيا متوجه إلى الغاسل من جهة مس الميت، ولا يتوهم دلالته على وجوب تغسيل الميت ثانيا من الجنابة أو الحيض أو غيرهما. (وثالثتها) ما رواه سعيد بن محمد الكوفي عن محمد بن أبي حمزة عن عيص قال: قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يموت وهو جنب قال: (يغسل من الجنابة ثم يغسل بعد غسل الميت) (2). وظاهرها أن الميت يغسل ثلاثا: تارة: من الجنابة قبل غسل الميت واخرى: من غسل الميت وثالثة: بعد غسل الميت، وهذا مما لا معنى له لان غايته أن يجب غسلان للجنابة ولغسل الميت، وأما الاغسال الثلاثة فلا معنى له في مفروض الرواية. والذي يمكن أن تفسر به الرواية أن يقال: إن معنى قوله (يغسل من الجنابة) - مشددا أو مخففا - أي يغسل من المني لانه قد تطلق عليه الجنابة نظرا إلى انه سبب لها - كما في بعض الاخبار اصاب ثوبي الجنابة، فليراجع (2).


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 5 و 6. (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب غسل الميت ح 7. إذا قرء بعد بالضم بتقدير المضاف إليه فلا تدل الرواية على ثلاثة اغسال. (3) الوسائل: ج 2 باب 43 من أبواب النجاسات ح 1 وباب 44 ح 4 وغيرها.

[ 299 ]

[ (مسألة 3): لا يشترط في غسل الميت أن يكون ] ومعه يكون المأمور به غسل الميت والاغتسال بعده للغاسل من جهة مس الميت. هذا. على أن سندها ضعيف بسعيد بن محمد الكوفي لعدم توثيقه. و (رابعتها): ما رواه عن أبي عبد الله (ع) عن أبيه (ع) في حديث قال: (إذا مات الميت وهو جنب غسل غسلا واحدا ثم يغسل بعد ذلك) (1). وهذا أيضا محمول على ما حملنا عليه رواياته الثلاثة المتقدمة، أي يغسل غسل الميت لا زائدا عليه لقوله (غسلا واحدا ثم يغسل) اي يغتسل من المس، هذا مضافا إلى ضعف سندها بالارسال. اذن لا يجب في مفروض المسألة إلا غسل واحد وهو غسل الميت دون الجنابة أو غيرها، بل لا رجحان للتغسيل من اجلها لعدم دلالة الدليل عليه ولو بناءا على التسامح في ادلة السنن إذ لم تثبت دلالة الرواية على الامر بالتغسيل ثانيا للجناية أو الحيض أو غيرهما لاحتمال ارادة الغسل من مس الميت كما مر. فما حكي عن العلامة - كما في المتن - من رجحان ذلك مما لا موجب له.


(1) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب غسل الميت ح 8.

[ 300 ]

[ بعد برده (1) وان كان احوط (2). (مسألة 4): النظر إلى عورة الميت حرام (3) لكن ] غسل الميت غير مشروط بما بعد البرد: (1) لاطلاق ما دل على أن الميت لابد من تغسيله فلا فرق بين أن يكون بعد برده أو قبله. (ودعوى): ان الحرارة ملحقة بالحياة لانها من شؤونها وتوابعها. (مندفعة) بان الاحكام المترتبة على الميت انما ترتبت على الموت سواء أكان بحرارته أم لم يكن كالتوارث لانه إذا مات الميت فمات ولد من اولاده قبل برد المورث لا اشكال في انه ينتقل ماله إلى ولده ومنه إلى وارثه فلا فرق في وجوب تغسيله بين أن يكون قبل برده أو بعده. نعم: المس قبل البرد لا يوجب الغسل كما مر. (2) ولو لاحتمال كون الحرارة ملحقة بالحياة في الواقع. النظر إلى عورة الميت: (3) لاطلاق (1) ما دل على أن عورة المؤمن على المؤمن حرام


(1) الوسائل: ج 1 باب 1 من أبواب احكام الخلوة ح 3 و 9 من آداب الحمام وغيرها من الموارد.

[ 301 ]

[ لا يوجب بطلان الغسل إذا كان في حاله (1). (مسألة 5): إذا دفن الميت بلا غسل جاز بل وجب نبشه لتغسيله أو تيممه (2) ] فان الميت وان كان بحسب الدقة جمادا إلا انه بالنظر العرفي هو الحي السابق، بل يشمله اطلاق قوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم. وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن.) (1) دلالتهما على أن المؤمن مأمور بغض البصر عن النظر إلى العورة مطلقا، بلا فرق في ذلك بين عورة الحي والميت وكذلك المؤمنة. مضافا إلى الاخبار (2) الواردة في المقام الآمرة بأن يجعل على عورة الميت خرقة لانها بنفسها كافية في اثبات المدعى إذ لو لا حرمة النظر إلى عورته لا وجه للامر يجعل الخرقه عليها. (1) لانه تكليف تحريمي مستقل لا ربط له بصحة الغسل وعدمها وهو نظير ما إذا ارتكب عملا محرما حال تغسيله فانه لا يوجب بطلان تغسيله، وبعبارة اخرى عدم النظر إلى العورة ليس من شرائط صحة الغسل ليبطل عند الاخلال به. إذا دفن الميت بلا تغسيل: (2) لاطلاق ما دل على وجوب تغسيل الميت وتكفينه فانه غير


(1) سورة النور: الآية 30 و 31. (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل الميت ح 2 و 3 وغيرهما.

[ 302 ]

[ وكذا إذا ترك بعض الاغسال ولو سهوا، أو تبين بطلانها أو بطلان بعضها. وكذا إذا دفن بلا تكفين أو مع الكفن الغصبي (1) واما إذا لم يصل عليه أو تبين بطلانها فلا ] قاصر الشمول للتغسيل والتكفين بعد الدفن غير المأمور به. و (دعوى) انصراف الادلة إلى ما قبل الدفن والميت قد دفن في المقام. (مندفعة): بأن الادلة دلت على وجوب التغسيل والتكفين قبل الدفن المأمور به، وأما الدفن غير المأمور به. - كما في المقام - فلا موجب لاختصاص الادلة بما قبله بل اطلاقها شامل لما بعده أيضا من غير انصرافها إلى ما قبله. فالمقتضي لوجوب التغسيل والتكفين بعد الدفن غير المأمور به موجود. اما ما يتوهم ان يكون مانعا عنه وهو حرمة النبش حيث يتوهم أن وجوبهما حينئذ يزاحم الحرمة. ففيه: ان حرمة النبش لم تثبت بدليل لفظي يمكن التمسك باطلاقه وانما ثبتت بالاجماع والمقدار المتيقن منه ما إذا كان الدفن مأمورا به، وفي المقام لا اجماع على حرمة النبش بوجه لذهاب جملة كثيرة إلى جوازه بل وجوبه بل لو كان دليل لفظي على حرمته كان الامر كذلك لاختصاصه بما إذا كان الدفن صحيحا شرعيا - أي كان مأمورا به - ولا يشمل الدفن غير المأمور به. (1) لما عرفت، فان حال التكفين حال التغسيل وكذلك الحال

[ 303 ]

[ يجوز نبشه لاجلها، بل يصلى على قبره (1). (مسألة 6): لا يجوز أخذ الاجرة على تغسيل الميت (2) بل لو كان داعيه على التغسيل أخذ الاجرة على وجه ينافي قصد القربة بطل الغسل أيضا. ] فيما إذا تمم الميت فدفن ووجد الماء بعد الدبن بزمان يجوز تأخير الغسل إليه فانه يكشف عن بطلان التيمم فيجب نبش القبر وتغسيله. إذا دفن ولم يصل عليه: (2) فان الصلاة على الميت وان وجبت قبل الدفن ولكنه إذا دفن الميت من دون صلاة اشتباها أو لمانع من حر أو برد شديدين ونحو ذلك صلي عليه وهو في قبره للاخبار (1) الدالة على ذلك. عدم جواز أخذ الاجرة على التغسيل: (2) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات: (الاولى): لا تنافي بين كون العمل واجبا - أي غير مرخص


(1) الوسائل: ج 2 باب 18 من أبواب صلاة الجنازة.

[ 304 ]

في تركه وبين أخذ الاجرة عليه بلا فرق في ذلك بين الواجب الكفائي والعيني والتعييني والتخييري كما شرحناه في بحث أخذ الاجرة على الواجبات. (الثانية): عبادية العمل الاعم من المستحب والواجب لا تنافي أخذ الاجرة عليه بأن يكون أخذ الاجرة داعيا إلى اتيان العمل بقصد القربة وذلك لان انتهاء الداعي القربي إلى شئ من الدواعي الاخر - دنيوية كانت أو أخروية - ضروري لا مناص عنه. لان اتيان العبادة بداعي أن الله أهل للعبادة مع قطع النظر عن الطمع في الجنة أو الخوف من النار أو التخلص من الفقر - كما في صلاة الليل - أو غير ذلك من الدواعي والاغراض الاخروية أو الدنيوية لا نتصور صدوره إلا من الائمة المعصومين عليهم السلام ولا نعقل ذلك من الاشخاص العاديين بوجه. فترى انه يصلي صلاة الليل لئلا يبتلي بالفقر في حياته أو يأتي بالفرائض لئلا يعذب بالنار أو لكي يدخل الجنة أو لغير ذلك من الآثار المترتبة على العبادات فكون قصد القربة بداع آخر هو في طول الداعي القربي غير مانع عن صحة العبادة. بل الامر الاجاري مؤكد للعبادية وذلك لان العمل لا يصدر بداعي أخذ الاجرة عليه لعدم ترتب العمل عليه إذ يمكنه أن يأخذ الاجرة ولا يأتي بالعمل في الخارج اصلا ولو لم يكن له مناص من الاتيان بالعمل - كما في تغسيل الميت لانه بمرأى من المستأجر - فيمكنه الاتيان بالعمل على وجه الفساد بأن يبقي مقدارا قليلا من بدنه بدون غسل أو بغير ذلك من انحاء الافساد والاخلال.

[ 305 ]

[ نعم لو كان داعيه هو القربة وكان الداعي على الغسل بقصد القربة أخذ الاجرة صح الغسل، لكن مع ذلك أخذ الاجرة حرام إلا إذا كان في قبال المقدمات غير الواجبة فانه لا بأس به حينئذ. ] كما ان العمل لا يصدر بداعي استحقاق الاجرة لعدم الترتب بينهما فان استحقاق الاجرة في عقد الاجارة يترتب على العقد، إذ بتحقق العقد يستحق الا جبر الاجرة سواء عمل في الخارج أم لم يعمل. غاية الامر إذا لم يعمل وانقضت مدة الاجارة تولد للمستأجر حق فسخ العقد فيطالبه بعين الاجرة ان كانت موجودة أو ببدلها مثلا أو قيمة إذا كانت تالفة، فالاستحقاق يترتب على العقد لا على العمل نعم استحقاق المطالبة بالاجرة وعدم جواز تأخيره للمالك المستأجر يترتب على العمل. لان الاجير قبل العمل لا يستحق المطالبة بالاجرة من المستأجر ويجوز له ان لا يدفعه إليه، فلو اتى بالعمل بغاية توليد الحق الشرعي له في مطالبة المستأجر بالاجرة وأن لا يجوز للمستأجر تأخيرها فهو صحيح إلا انه اتيان للعمل بقصد القربة والداعي القربي وليس من الاتيان بداعي أمر آخر. فالمتحصل: أن الاتيان بالعمل بداعي الاخذ الخارجي أو بداعي الاخذ الملكي - أي صيرورة الاجر ملكا له - غير صحيح لان الاخذ الخارجي والملكية لا يترتبان على العمل والاخذ بمعنى جواز المطالبة وحرمة الابطاء في دفعها غاية مترتبة على العمل إلا انه داع قربي

[ 306 ]

وليس من الاتيان بالعمل بداعي أمر آخر. اذن ينحصر الداعي إلى الاتيان بالعمل على الوجه الصحيح بالامر والوجوب الناشئين من عقد الايجار حيث يجب عليه شرعا الاتيان بالعمل وفاءا لعقد الاجارة فالامر الاجاري مؤكد للاتيان بالعمل بقصد القربة لا أنه مناف له. و (دعوى) ان الاجرة لا يمكن ان تكون داعيا إلى الداعي لاستناد العمل معه إلى الداعي الآخر - كأخذ الاجرة مثلا - فلابد من اتيان العمل بداعي اباحة الاجرة له نظير الاتيان بطواف النساء بداعي حلية النساء له أو حلية الرجال عليها. (مندفعة): بأن حلية النساء أو الرجال وان كانت مترتبة على طواف النساء وما أفيد صحيح في الطواف إلا انه ليس بتام في الاجارة لان حلية التصرف في الاجرة مترتبة على العقد لا على العمل فان العقد بتماميته يوجب حلية التصرف في مال الاجارة سواء أتى الاجير بالعمل أم لم يأت به. وغاية الامر انه إذا لم يأت به وانقضت المدة كان للمستأجر فسخ الاجارة والمطالبة باسترجاع الاجرة بعينها أو ببدلها، والغرض أن الحلية ليست غاية للعمل بوجه. (الجهة الثالثة): لا يجوز أخذ الاجرة على التغسيل، وهذا لا لانه واجب والوجوب ينافي أخذ الاجرة عليه، ولا لانه عبادي والعبادة تنافي أخذ الاجرة عليها. بل لما علمناه خارجا من أن الغسل واجب مجاني وهو حق للميت على الاحياء لابد من أن يصدر مجانا نظير الاجرة على الاتيان بفريضة

[ 307 ]

[ (مسألة 7): إذا كان السدر أو الكافور قليلا جدا - بأن لم يكن بقدر الكفاية - فالاحوط خلط المقدار الميسور وعدم سقوطه بالمعسور (1). ] الوقت مثلا فأخذ الاجرة على التغسيل حرام، اللهم إلا ان يأخذها على المقدمات أو الخصوصيات الخارجة عن التغسيل المأمور به كالتغسيل بخصوص هذا الماء أو في مكان خاص ونحوهما. إذا كان الخليط قليلا جدا: (1) هذا الاحتياط يبتني على تمامية قاعدة الميسور في نفسها وعلى صحة انطباقها على المقام، وقد تقدم أن قاعدة الميسور غير صحيحة صغرى وكبرى. أما بحسب الكبرى فلعدم تمامية ادلتها. وأما بحسب الصغرى فلان الواجب هو الغسل بماء السدر أو الكافور، لا الماء الذي فيه شئ قليل منهما جدا بحيث لا يكون بمقدار الكفاية إذ لا يصدق عليه أنه ميسور ذلك المعسور بل هو شئ آخر مباين مع المأمور به.

[ 308 ]

[ (مسألة 8): إذا تنجس بدن الميت بعد الغسل أو في اثنائه بخروج نجاسة أو نجاسة خارجة لا يجب معه إعادة الغسل (1). ] إذا تنجس بدن الميت: (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات: (الاولى): إن بدن الميت أو كفنه إذا تنحس بنجاسة خارجة من الميت أو بنجاسة خارجية هل يجب غسلها وازالتها عن الميت أو لا يجب؟. الصحيح وجوب تطهير بدن الميت وكفنه من النجاسة الطارئة من الخارج أو الخارجة من الميت ثم دفنه طاهر البدن والكفن. وذلك لموثقة روح بن عبد الرحيم عن أبي عبد الله (ع) قال: (إن بدا من الميت شئ بعد غسله فاغسل الذي بدا منه ولا تعد الغسل (1). فان الرواية وان كانت واردة في خصوص النجاسة الخارجة من الميت، إلا أنه من جهة الغالب وإلا فلا فرق بينها وبين النجاسة الخارجية قطعا فمقتضى الموثقة وجوب تطهير البدن من النجاسات. والظاهر أن الرواية موثقة لان غالب بن عثمان الواقع في سندها


(1) الوسائل: ج 2 الباب 32 من ابواب غسل الميت.

[ 309 ]

وان كان إسما لجماعة من الرواة بعض موثق وبعض ضعيف الا أن الظاهر انه غالب الموثق. لان الشيخ ذكر أن غير الموثق ممن يروي عن أبي عبد الله (ع) وأن الموثق لا يروي عن الائمة بلا واسطة وهو في السند كذلك. وقد عبر عنها بالموثقة في الحدائق والجواهر وغيرهما. والوجه في كونها موثقة أن غالب بن عثمان الواقع في سندها الظاهر أنه هو غالب المنقري الثقة. وتوضيحه: ان الشيخ (قده) ذكر شخصين مسمين بغالب بن عثمان أحدهما الشاعر والآخر المنقري وعدهما من أصحاب الصادق (عليه السلام). وذكر النجاشي أن غالب بن عثمان الشاعر زيدي والمنقري ثقة. ثم تعرض الشيخ (قده) لثالث مسمى بهذا الاسم في أصحاب الكاظم (ع) وقال: انه واقفي. وظاهره انه شخص ثالث مسمى بهذا الاسم غير الشاعر والمنقري لما عرفت من أن احدهما زيدي بشهادة النجاشي والآخر عدل إمامي فيكون الواقفي شخصا ثالثا. ويحتمل أن يكون المراد به هو أحد الاولين: الشاعر أو المنقري وغاية الامر ان النجاشي يعتقد بأن أحدهما زيدي والشيخ يعتقد وقفه. ثم تعرض الشيخ لغالب رابع ممن لم يرو عنهم (ع) وذكر له طريقين: احدهما حسن بن علي بن فضال والآخر غيره - كما في الفهرست - وهذا غالب رابع لو كان سابقه ثالثا وإلا فهو ثالث من المسمين بغالب.

[ 310 ]

والشيخ لم يوثق واحدا منهم وانما النجاشي وثق المنقري كما مر. وذكر في ترجمة روح بن عبد الرحيم: روى عنه غالب بن عثمان. والظاهر أن المراد به ليس إلا أحد الاولين - الشاعر أو المنقري - وليس مرددا بين الاربعة أو الثلاثة، وذلك لان النجاشي لم يتعرض لمن سمي بهذا الاسم إلا للشاعر والمنقري فكيف يعرف روح بن عبد الرحيم ويميزه بمن لم يتعرض له أصلا؟!. ثم الظاهر ان المراد به هو المنقري الثقة لان النجاشي ذكر أن له كتابا يرويه عند جماعة فهو المشهور بين الرواة دون الشاعر حيث لم ينقل من يروي عنه اصلا وانما ذكر النجاشي أن له أحاديث مجموعة. فحيث ان المشهور هو المنقري وهو الذي يروي عنه جماعة يكون الراوي عن روح بن عبد الرحيم دون غيره إذ لم يتعرضوا أن له رواية يرويها عنه الرواة، ومن هنا قلنا ان الظاهر كون الرواية موثقة ويؤيدها رواية الكاهلي والحسين بن المختار والوجه في عدها مؤيدة ان في سندها (محمد بن سنان)، هذا كله في البدن. واما وجوب غسل الكفن من النجاسات فلرواية عبد الله بن يحيى الكاهلي عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا خرج من منخر الميت الدم أو الشي بعد الغسل وأصاب العمامة أو الكفن قرض (منه) بالمقراض. ولما عن أبي عبد الله (ع) من انه (إذا خرج من الميت بعد ما يكفن قرض منه). وهاتان الروايتان وان كانتا ضعيفتين على طريق الكليني لوجود سهل بن زياد في سند الاولى ولارسال الثانية، إلا انهما بحسب

[ 311 ]

[ بل وكذا أو خرج منه بول أو مني وان كان الاحوط في صورة كونهما في الاثناء إعادته. ] طريق الشيخ معتبرتان لان الشيخ روى أولاهما باسناده عن احمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن ابي نصر عن عبد الله الكاهلي وهو سند صحيح، وثانيتهما ورواها عن علي بن الحسين عن محمد بن احمد بن علي عن أبي طالب عبد الله بن الصلت عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمد عن غير واحد من أصحابنا. ومحمد بن احمد بن علي هو شيخ والد الصدوق وهو الذي اثنى عليه الصدوق بانه من الزهاد والعباد وغير ذلك مما هو فوق التوثيق فلا اشكال في الروايتين من حيث السند فلا حاجة إلى دعوى انجبار هما بعمل الاصحاب - كما عن بعضهم - كما ان دلالتهما على المدعى واضحة وانما أمر بالقرض فيهما لانه أسهل من التطهير وإلا فلا خصوصية له غير التطهير بوجه. إذا خرجت من الميت نجاسة خبثية: (الجهة الثانية): إذا خرج من الميت شئ من النجاسات الخبثية كالدم - لا الحدثية من بول أو غائط أو مني - أو اصابه من الخارج فهل يجب أعادة الغسل عليه؟. الصحيح عدم وجوب اعادته ويكفينا أصالة البراءة عن وجوبها

[ 312 ]

مع قطع النظر عن الدليل والمطلقات الدالة على ان الميت يغسل أغسالا ثلاثة لاطلاقها من حيث خروج شئ من النجاسات قبلها أو بعدها أو أثناءها. بل يمكن الاستدلال على عدم الوجوب بموثقة روح المتقدمة بالتقريب الآتي في الجهة الثالثة. إذا خرجت من الميت نجاسة حدثية: (الجهة الثالثة): إذا خرج من الميت شئ من النجاسات الحدثية من بول أو غائط أو مني فهل يجب اعادة الغسل؟ قد يقال: بوجوب الاعادة حينئذ، إلا أن الصحيح - وفاقا للمشهور - عدم وجوب الاعادة ويدل عليه موثقة روح بن عبد الرحيم حيث دلت على أن الميت إذا بدا منه شئ غسل الذي بدا منه ولا يعاد الغسل مؤيدة برواية الكاهلي والحسين بن المختار. كما يقتضيه المطلقات الآمرة بالغسل ثلاثا فان مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين خروج نجاسة منه بعد ذلك وعدمه. وقد يستدل على برواية يونس وموثقة عمار المتقدمتين الدالتين على أن الميت يغمز أو يمسح بطنه رفيقا فان خرج منه شئ فانقه ثم أغسله، حيث دلتا على عدم وجوب الاعادة بخروج شئ من الميت حينئذ.

[ 313 ]

والاستدلال بهاتين الروايتين انما يتم في مورد واحد ولا يتم على نحو الاطلاق لان موردهما ما إذا خرج شئ من الميت بين الغسلين - الاولين والثالث، واما لو خرج بين الاول والثاني أو في أثناء غسل واحد فلا دلالة لهما على عدم وجوب الاعادة بسببه. فانه (ع) بعد الامر بتغسيله بالكافور قال. فان خرج شئ فانقه ثم اغسل. وهذا كما ترى يختص بما ذكرناه. نعم لو بنينا على أن الواجب في غسل الميت شئ واحد وكل واحد من الاغسال جزء من المأمور به المركب كغسل الرأس بالاضافة إلى غسل الجنابة مثلا كما قواه صاحب الجواهر (قده) لامكن الاستدلال بهما على عدم وجوب الاعادة فيما لو خرجت النجاسة في أثناء الغسل لانه موردهما حينئذ. إلا أن اثبات ذلك مشكل كما تقدم، لان كل واحد من الاغسال واجب بحياله واستقلاله. ومعه يمكن الاستدلال بموثقة روح المتقدمة على عدم وجوب الاعادة لو خرجت نجاسة بين الاول والثاني أو بينه وبين الثالث إذ يصدق انه بدا بعد الغسل لما تقدم من أن كل واحد من الاغسال الثلاثة غسل ميت كما تقدم. وأما النجاسة الخارجة في أثناء الغسل الواحد فلا. بل يمكن الاستدلال بموثقة روح على وجوب الاعادة فيما لو خرجت النجاسة قبل تمامية الغسل وذلك لان الامام (ع) قيد الحكم بعدم وجوب الاعادة بما إذا خرج منه شئ بعد الغسل.

[ 314 ]

فان التقييد بالبعدية يدل - بمفهوم الوصف - على أن نفي الوجوب مختص بصورة خروج النجاسة بعد الغسل فلو خرجت قبله في أثنائه وجب إعادة الغسل، وهذا استدلال بمفهوم الوصف كما عرفت. ولا يستدل بمفهوم الشرط فيما في قوله (ع) (إن بدا) لان مفهومه (إذا لم يبد منه شئ) وهو سالبة بانتفاء موضوعها. وأما مفهوم الوصف فقد قوينا في محله أن الاتيان به في الكلام يدل على اختصاص الحكم بواجد القيد والوصف وإلا لكان أخذه في الكلام لغوا لا محالة. ولا يمكن الجواب عن ذلك بأن موثقة عمار ورواية يونس المتقدمتين تدلان على عدم وجوب الاعادة فنخرج بهما عما يقتضيه مفهوم الوصف في موثقة روح. وذلك لما تقدم من أن موردهما ما إذا خرجت النجاسة بين الغسل الثاني والثالث، وكلامنا فيما لو خرجت في أثناء غسل واحد، فالروايتان أجنبيتان عما يدل المفهوم على وجوب الاعادة فيه. ما هو الصحيح في الجواب: والصحيح في الجواب عن هذا المفهوم: ان التقييد ببعد الغسل في الموثقة انما هو من جهة كون الحكم الوارد فيها خاصة به فان الحكم انما ترتب على عدم الاعادة، والاعادة هي الوجود الثاني

[ 315 ]

للشئ فلا مناص من أن يتحقق الغسل أولا ثم يحكم بوجوب اعادته أو عدمه إذا خرجت نجاسة حينئذ. إذ لا مورد لهذا الحكم قبل تحقق الغسل وليس التقييد من جهة وجوب الاعادة فيما لو خرجت في الاثناء، نعم الاعادة في باب الصلاة تستعمل كثيرا في الوجود الاول ايضا فترى أنه ورد (إذا تكلم في صلاته أعادها) أو (لو أحدث في صلاته أعادها). إلا أنه في الحقيقة من الاستعمال في الوجود الثاني وذلك لما ذكرناه في بحث الصحيح والاعم من أن الصلاة أسم للتكبيرة والطهور والركوع والسجود فقد تكون الركعة الواحدة مصداقا للصلاة فلو صلى بعد الاتيان بالركعة الواحدة كانت اعادة للصلاة ووجودا ثانيا لها لا محالة. وعلى الجملة: قد تستعمل الاعادة في الوجود الاول إلا أن معناها هو الوجود الثاني للشئ وحيث ان الحكم مترتب على عدمها في الموثقة، ولا معنى لها قبل الوجود فقد قيد فيها ب‍ (بعد الغسل) إذ لا اعادة قبله، لا أن النجاسة لو وقعت في أثنائه وجبت فيه الاعادة، وعليه فلا دليل على وجوب الاعادة فيما لو خرجت في الاثناء. ومقتضى أصالة البراءة عدم وجوب الغسل ثانيا، كما ان مقتضى الاطلاقات أن الواجب هو الاغسال الثلاثة خرجت نجاسة في أثناءها أو بين الاول والثاني أو الثالث والثاني أم لم تخرج. هذا وقد يستدل على وجوب الاعادة فيما لو خرجت النجاسة في الاثناء بالاخبار المستفيضة الدالة على أن غسل الميت كغسل الجنابة

[ 316 ]

[ خصوصا إذا كان في أثناء الغسل بالقراح (1) نعم يجب ازالة تلك النجاسة عن جسد ولو كان بعد وضعه في -. ] أو انه غسل الجنابة فكما أن خروج النجاسة الحدثية في اثناء الغسل - أي غسل الجنابة - موجب للاعادة كذلك في غسل الميت. (وفيه): ان الظاهر المستفاد من تلكم الاخبار أن كيفية غسل الميت مثل كيفية غسل الجنابة لا أن الاحكام المترتبة على غسل الجنابة مترتبة على غسل الميت أيضا. فان المكث في المساجد لا يجوز قبل غسل الجنابة للجنب وليس الامر كذلك في الميت إذ يجوز أن يوضع في المساجد قبل التغسيل ولا يحتمل المنع عنه بدعوى انه جنب أو انه لم يغسل وهو كالجنب قبل الغسل. وفي غسل الجنابة إذا كان الخارج في الاثناء هو المني فلا اشكال في وجوب الاعادة ولو كان الخارج هو البول أو الغائط أو النوم فوجوب الاعادة حينئذ وان كان مورد الكلام إلا أنا قوينا وجوبها حينئذ. ولكن في غسل الميت لا تجب الاعادة خرجت النجاسة بعد أو في اثنائه. (1) لاحتمال ان يكون الغسلان الاولان كالمعد والمقدمة ويكون الغسل المطهر وهو الاخير.

[ 317 ]

[ القبر (1) إذا أمكن بلا مشقة ولا هتك. ] خروج النجاسة بعد الوضع في القبر: (1) وذلك لاطلاق موثقة روح بن عبد الرحيم المتقدمة والروايتان المتقدمتان عن طريق الشيخ الواردتين في الكفن، ولا وجه لتقييد وجوب الازالة بما إذا كان قبل وضعه في القبر. نعم هذا فيما إذا وضع في قبره ولم يقبر - اي لم يجعل عليه التراب - فان مقتضى إطلاق الروايات التخيير فيه بين الغسل والقرض إذا كان المتنجس هو الكفن. وأما ما عن بعضهم من اعتبار القرض إذا كان في القبر والغسل إذا لم يوضع فيه فلا وجه له لانه جمع تبرعي لا شاهد له واما إذا جعل عليه التراب وقبر ثم علم بخروج ما ينجس بدنه أو كفنه لم يجب تطهيره لحرمة النبش بل التنجس بعد ما قبر الميت أمر غالبي لانه بعد تلاشي بعض اعضائه يخرج منه الدم وغيره فينجس به جسده أو كفنه لا محالة.

[ 318 ]

[ (مسألة 9): اللوح أو السرير الذي يغسل الميت عليه لا يجب غسله بعد كل غسل من الاغسال الثلاثة (1) نعم الاحوط غسله لميت آخر وان كان الاقوى طهارته بالتبع وكذا الحال في الخرقة الموضوعة عليه فانها أيضا تطهر بالتبع والاحوط غسلها. ] طهارة الآلات بالتبع: (1) بل لا فائدة في غسل السرير أو اللوح بعد الغسلة الاولى والثانية فان طهارة المواضع الاخرى أو نجاستها ليس لها مدخلية في صحة التغسيل وبطلانه، واما الموضع الذي يوضع عليه الميت فهو يتنجس بمجرد وضعه فيه فالتطهير بعد كل غسلة من الغسلتين لغو لا اثر له، فلا ثمرة في البحث عن كون السرير يطهر بالتبع أو لا يطهر. نعم: بعد الغسلة الثالثة تظهر الثمرة للحكم بطهارة السرير بالتبعية وعدمه لانه لو كان محكوما بالطهارة جاز أن يعامل معه معاملة الاشياء الطاهرة وإلا فلابد من تطهيره. والصحيح طهارة السرير وغيره مما يستعمل في تطهير الميت

[ 319 ]

وتغسيله بالتبع وذلك لسكوت الاخبار الواردة في وجوب تغسيل الميت عن التعرض لوجوب تطهير السرير أو غيره مما لا بد منه في التغسيل وهذا يدلنا على حصول الطهارة له بالتبع كما تقدمت الاشارة إليه في بحث المطهرات.

[ 320 ]

[ (فصل: في آداب غسل الميت) وهي أمور: - (الاول): أن يجعل على مكان عال من سرير أو دكة أو غيرها. والاولى وضعه على ساجة وهي: السرير المتخذ من شجر مخصوص في الهند، وبعده مطلق السرير وبعده المكان العالي مثل الدكة، وينبغي أن يكون مكان رأسه أعلى من مكان رجليه. الثاني: أن يوضع مستقبل القبلة كحالة الاحتضار بل هو أحوط. الثالث: أن ينزع قميصه من طرف رجليه وان استلزم فتقه بشرط الاذن من الوارث البالغ الرشيد والاولى أن يجعل هذا ساترا لعورته. الرابع: أن يكون تحت الظلال من سقف أو خيمة والاولى الاول. الخامس: أن يحفر حفيرة لغسالته. السادس: أن يكون عاريا مستور العورة. ]

[ 321 ]

[ السابع: ستر عورته وان كان الغاسل والحاضرون ممن يجوز لهم النظر إليها. الثامن: تليين أصابعه برفق بل وكذا جميع مفاصله ان لم يتعسر وإلا تركت بحالها. التاسع: غسل يديه قبل التغسيل إلى نصف الذراع في كل غسل ثلاث مرات والاولى أن يكون في الاول بماء السدر، وفي الثاني بماء الكافور، وفي الثالث بالقراح. العاشر: غسل رأسه برغوة السدر أو الخطمي مع المحافظة على عدم دخوله في اذنه أو أنفه. الحادي عشر: غسل فرجيه بالسدر أو الاشنان ثلاث مرات قبل التغسيل. والاولى أن يلف الغاسل على يده اليسرى خرقة ويغسل فرجه. الثاني عشر: مسح بطنه برفق في الغسلين الاولين إلا إذا كانت امرأة حاملا مات ولدها في بطنها. الثالث عشر: أن يبدأ في كل من الاغسال الثلاثة بالطرف الايمن من رأسه. الرابع عشر: أن يقف الغاسل إلى جانبه الايمن. الخامس عشر: غسل الغاسل يديه إلى المرفقين بل إلى المنكبين ثلاث مرات في كل من الاغسال الثلاثة. ]

[ 322 ]

[ السادس عشر: أن يمسح بدنه عند التغسيل بيده لزيادة الاستظهار إلا أن يخاف سقوط شئ من أجزاء بدنه فيكتفي بصب الماء عليه. السابع عشر: أن يكون ماء غسله ست قرب. الثامن عشر: تنشيفه بعد الفراغ بثوب نظيف أو نحوه. التاسع عشر: أن يوضأ قبل كل من الغسلين الاولين وضوء الصلاة مضافا إلى غسل يديه إلى نصف الذراع. العشرون: أن يغسل كل عضو من الاعضاء الثلاثة في كل غسل من الاغسال الثلاثة ثلاث مرات. الحادي والعشرون: إن كان الغاسل يباشر تكفينه فليغسل رجليه إلى الركبتين. الثاني والعشرون: أن يكون الغاسل مشغولا بذكر الله والاستغفار عند التغسيل والاولى أن يقول مكررا: (رب عفوك عفوك) أو يقول: (اللهم هذا بدن عبدك المؤمن وقد اخرجت روحه من بدنه وفرقت بينهما فعفوك عفوك) خصوصا وقت تقليبه. الثالث والعشرون: أن لا يظهر عيبا في بدنه إذا رآه. ]

[ 323 ]

(فصل: في مكروهات الغسل) (الاول): إقعاده حال الغسل. (الثاني): جعل الغاسل اياه بين رجليه. (الثالث): حلق رأسه أو عانته. (الرابع): نتف شعر إبطيه. (الخامس): قص شاربه. (السادس): قص أظفاره بل الاحوط تركه وترك الثلاثة قبله. (السابع): ترجيل شعره. (الثامن): تخليل ظفره. (التاسع): غسله بالماء الحار بالنار أو مطلقا إلا مع الاضطرار. (العاشر): التخطي عليه حين التغسيل. (الحادي عشر): ارسال غسالته إلى بيت الخلاء بل إلى البالوعة بل يستحب أن يحفر لها بالخصوص حفيرة كما مر. (الثاني عشر): مسح بطنه إذا كانت حاملا.

[ 324 ]

(مسألة 1): إذا سقط من بدن الميت شئ من جلد أو شعر أو ظفر أو سن يجعل معه في كفنه ويدفن، بل يستفاد من بعض الاخبار استحباب حفظ السن الساقط ليدفعن معه كالخبر الذي ورد: ان سنا من اسنان الباقر (عليه السلام) سقط فأخذه وقال: الحمد لله، ثم اعطاه للصادق (ع) وقال: (ادفنه معي في قبري). (مسألة 2): إذا كان الميت غير مختون لا يجوز أن يختن بعد موته. (مسألة 3): لا يجوز تحنيط المحرم بالكافور ولا جعله في ماء غسله كما مر. إلا ان يكون موته بعد الطواف للحج أو العمرة.

[ 325 ]

(فصل: في تكفين الميت) يجب تكفينه (1) بالوجوب الكفائي رجلا كان أو امرأة (2) أو خنثى (3) أو صغيرا (4). (فصل: في تكفين الميت) (1) لا اشكال في وجوب التكفين في الشريعة المقدسة والاخبار في ذلك مستفيضة ولم يقع خلاف فيه من أحد، وانما الاختلاف في بعض الخصوصيات. (2) لاطلاق والتصريح بهما في بعض الاخبار. (3) لانها ليست طبيعة ثالثة وانما هي امرأة أو رجل وقد عرفت حكمهما. (4) لما تقدم في البحث عن وجوب غسل الميت من أن السقط إذا استوت خلقته يجب تغسيله وتكفينه ولحده وانه إذا تم له ستة اشهر فهو تام (1) وللمطلقات الدالة على أن الميت يغسل ويكفن فان الميت يشمل الصبي أيضا.


(1) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب غسل الميت.

[ 326 ]

بثلاث قطعات (1) وجوب التكفين بثلاث قطعات (1) هذا هو المعروف بين الاصحاب وقد نسب الخلاف فيها إلى سلار حيث ذهب إلى كفاية قطعة واحدة. ويدل على ما ذهب إليه المشهور جملة من النصوص الدالة على ان الكفن ثلاث قطعات ولا دليل على ما ذهب إليه سلار إلا ما نقله الشيخ في تهذيبة عن زراة (انما الكفن المفروض ثلاث اثواب أو ثوب تام لا اقل منه يواري فيه جسده كله فما زاد فهو سنة. وظاهرها التخيير بين الاقل والاكثر فان واحدا من الثلاثة لابد أن يكون تاما شاملا لجميع جسد الميت فيكون معنى الرواية ان الواجب في الكفن ثلاثة قطعات احداها شاملة لجميع جسده أو ثوب واحد شامل لتمام جسده. والتخيير بين الاقل والاكثر غير معقول نعم. لو بنى القائل بوجوب قطعة واحدة على كفاية القطعات الثلاث بان تلف كل قطعة على قطعة من الميت كان للتخيير وجها في الرواية فانه يرجع إلى التخيير بين ان يكفن الميت بقطعة واحدة تشمل جميع جسد الميت وبين التكفين بالقطع المتعددة بأن يكفن كل قطعة منه بقطعة من الثوب إلا ان القائل بعدم وجوب التعدد لا يرى جواز التكفين بالقطع المتعددة بدلا عن القطعة التامة. على أن الرواية معارضة برواية الكليني التي عطفت (ثوب تام)

[ 327 ]

بالواو لا بأو، ولا بأس بعطف الواو حينئذ لانه من عطف الخاص على العام كعطف النخل والرمان على الفاكهة في قوله تعالى (فيها فاكهة ونخل ورمان) بل عن بعض نسخ التهذيب أيضا روايتها بالعطف بالواو، وعن بعض نسخه الاخرى إسقاط (أو ثوب). ومعه لا يمكننا الاعتماد على نسخة التهذيب المروية بالعطف ب‍ (أو) فان الكليني اضبط ونسخ التهذيب مختلفة فلا يثبت أن المروي أي شئ مضافا إلى عدم معقولية التخيير بين الاقل والاكثر. وعلى الجملة: ان نسخ التهذيب - على ما يظهر من الحدائق - على قسمين: احدهما: ما لا يشتمل على شئ من العاطف والثوب وهي هكذا (انما الكفن المفروض ثلاثة اثواب تام لا اقل منه.). وثانيهما: ما نقله عن شيخنا البهائي في الحبل المتين من كونه كالكافي - اي مع العطف بالواو - فهي هكذا (انما الكفن المفروض ثلاثة اثواب وثوب تام لا اقل سنة.) واحتمل في هذه النسخة ان يكون الواو بمعنى أو، لا أن من نسخه ما يشتمل على (أو). وأما ما يظهر من الوافي فهو ان نسخ التهذيب على اقسام ثلاثة: منها: ما سقط فيه العاطف والثوب. ومنها: ما اشتمل على العطف بالواو مثل الكافي ومنها: ما اشتمل على العطف بأو، وهذا الاخير هو الذي ذكرنا عدم ثبوته. وأما ما في بعض الكلمات من نقل اسقاط العاطف كلية عن اكثر نسخ التهذيب فهو مما لا اساس له

[ 328 ]

[ الاولى: المئزر (1) ] على انه لا معنى له في نفسه إذ ما معنى (المفروض ثلاثة اثواب ثوب تام). فالمتحصل ان الواجب في الكفن ثلاثة اثواب كما ذكره المشهور. القطعة الاولى المئزر (1) المعروف بينهم ان الاجزاء الثلاثة من الكفن هي المئزر والقميص والازار، وان المئزر يجب ان يكون من السرة إلى الركبة والافضل من الصدر إلى القدر، والقميص يجب ان يكون من المنكبين إلى نصب الساق والافضل إلى القدم، والازار ثوب يغطي تمام البدن. وذكر بعضهم ان كون قطعات الكفن بتلك الكيفية التي ذكرها المشهور بأن يكون المئزر من السرة إلى الركبة لا مستند له من الاخبار، وانما الموجود فيها ثوبان وقميص أو ثلاثة أثواب والمتبادر منها أن تكون اثوابا شاملة لتمام البدن. إلا انا علمنا أن احدهما القميص: أما قميصه الذي كان يصلي فيه حال الحياة كما ورد في بعض الاخبار وانه احب (1) أو مطلق القميص فلا يجب أن يكون شاملا لتمام البدن وأما الآخر ان فلابد


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب التكفين.

[ 329 ]

أن يكونا شاملين لتمام البدن، فما هو المعروف من كون احدهما المئزر - وهو ما يستر به ما بين الركبة والسرة - مما لا وجه له. هذا والصحيح ما ذكره المشهور في المقام وذلك لان المئزر كما ذكروه وان لم يرد في الاخبار إلا انه ورد فيها الازار، وظاهر اطلاق الفقهاء الازار في مقابل المئزر في قطعات الكفن وارادتهم منه الثوب الشامل لتمام البدن: ان الازار متى اطلق في الاخبار انما هو بهذا المعنى المذكور. إلا ان الصحيح ان الازار هو ما يشد به من الوسط - اي السرة إلى الركبة أو القدم - فهو بمعنى المئزر في كلماتهم وهو المعبر عنه بالوزرة عند الاصطلاح فان هذا هو معناه لغة فانه من الازر بمعنى الظهر كما في قوله تعالى (اشدد به ازري) والازر بالضم موضع الازار من الحقوين مقابل السرة. ويطلق على كل ما سترك ومنه اطلاقه على الدار لانها ساترة للانسان عن الغير، وعلى المرأة لكونها ساترة الرجل عن الفحشاء وعلى الملكة النفسانية فيقال: العفاف ازاره اي ساتره من المعايب والمعاصي. وظني انه اطلق على تلك الامور بالتبع لانها كالوزرة مما يتستر به لا انها من معاني الازار وانما اختص بالمئزر والوزرة لان العورة اول ما يريد الانسان ستره ولا يرضى بكشفه للغير. وعليه فالازار محمول على معناه اللغوي وهو المئزر في كلماتهم وفي الروايات الواردة في ستر العورة في الحمام ما يدل على ذلك بوضوح كرواية حنان بن سدير وكذا فيما ورد في ثوبي الاحرام من

[ 330 ]

انه ازار وغيره. وبهذا يندفع الاشكال عن المشهور في تفسيرهم المئزر وانه ما يشد على الوسط من السرة إلى الركبتين لان المئزر وان لم يرد في الاخبار إلا ان الازار بمعنى المئزر. فالكفن هو الازار - بمعنى المئزر - والقميص والثوب - اي التام الشامل لتمام البدن -، وهذا الذي ذكره المشهور يستفاد من الاخبار الواردة في المقام بوضوح، ونحن نتعرض إلى الاخبار المعتبرة منها. الاخبار الواردة في المقام (منها): معتبرة يونس عنهم عليهم السلام قال: (في تحنيط الميت وتكفينه قال: (ابسط الحبرة بسطا (وهي الثوب الشامل لتمام البدن) ثم ابسط عليها الازار ثم ابسط القميص عليه وترد مقدم القميص عليه.) (1). وقد مر أن نظائر ذلك من الاخبار لا يعامل معها معاملة المراسيل لانها مروية عن علي بن ابراهيم عن رجاله عن يونس. و (منها): موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) انه سئل عن الميت فذكر حديثا يقول فيه: (ثم تكفنه: تبدء وتجعل على مقعدته شيئا من القطن وذريرة ثم تضم فخذيه ضما شديدا، وجمر ثيابه بثلاثة اعواد ثم تبدء فتبسط اللفافة طولا (اللفافة والحبرة بمعنى


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التكفين ح 3.

[ 331 ]

واحد) ثم تذر عليها من الذريرة ثم الازار طولا حتى يغطي الصدر والرجلين.) (1). و (منها): صحيحة عبد الله بن سنان (2) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) كيف اصنع بالكفن؟ قال: (تأخذ خرقة فتشد بها على مقعدته ورجليه قلت: فالازار قال: لا انها لا تعد شيئا انما تصنع لتضم ما هناك لئلا يخرج منه شئ وما يصنع من القطن افضل.). حيث تعجب عبد الله بن سنان من أمره بأخذ الخرقة اشد مقعدته تخيلا ان ذلك لستر عورته فقال: ان الازار هو الساتر لها فلا حاجة إلى الخرقة فاجابه (ع) بان الخرقة ليست من الكفن ولا لستر العورة بل المتحفظ من خروج شئ منه فتدل على ان الازار انما هو المئزر الذي يشد من السرة إلى الركبتين. (ومنها): صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: (يكفن الرجل في ثلاث اثواب والمرأة إذا كانت عظيمة في خمسة: درع، ومنطق، وخمار، ولفافتين (3) وهي وان لم تدل على ان الكفن في الرجال أي شئ إلا إنا علمنا خارجا أن زيادة الكفن في المرأة عن الرجال انما هو الخمار واللفافة الثانية، فيبقى للرجال ثلاثة: الدرع وهو القميص وقد يطلق على القميص المصنوع من الحديد. والمنطق بمعنى ما يشد به من الوسط أي المئزر وبهذا الاعتبار تطلق المنطقة ومنطقة البروج (بتخيل الدائرة في الفلك كالمنطقة).


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التكفين ح 4. (2) و (3) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب التكفين ح 8 و 9.

[ 332 ]

واللفافة وهي الحبرة أي الثوب التام لتمام البدن، فالاخبار الواردة في المقام يستفاد منها ما ذكره المشهور بوضوح، هذا كله في الاخبار المعتبرة واما غيرها فكثيرة لا حاجة إلى التعرض لها. ويدل على ذلك - مضافا إلى ما ذكرناه من انه معنى الازار لغة واستظهرناه من الاخبار المتقدمة - السيرة العملية الجارية على ذلك، إذ من البعيد ان تكون هذه السيرة على خلاف الحكم الثابت في الشريعة المقدسة فهذا يكشف عن ان المراد بما ورد في الاخبار هو المئزر. وذلك لان الحكم لو كان على خلاف ذلك لاشتهر وبان لان المسألة مما تعم بها البلوى في كل زمان ومكان ولا يكاد يخفى حكمها على أحد، ولم ينحصر المخالف فيها بصاحب المدارك وتلميذه الامين الاسترابادي - كما في الحدائق - ولم تظهر المخالفة في عصرهما بل ظهرت من الابتداء. فتحصل: أن ما ذكره صاحب المدارك من كون الكفن ثوبين وقميصا غير متعين. فهل هو جائز بأن يكفن الميت بدلا عن المئزر ثوبا شاملا؟ الصحيح عدم جوازه أيضا فان الوارد في جملة من الاخبار وان كان مطلق الثوب إلا أن الاخبار المتقدمة التي استظهرنا منها كون احد الاكفان مئزرا - ولا سيما ما دل على أن الكفن في المرأة العظيمة خمسة: درع ومنطقة. فانها صريحة في ارادة المئزر لان المنطقة ما يشد به من الوسط - ظاهرة في تعينه، ولا مسوغ لرفع اليد عن ظهورها في التعين بوجه. فما افاده صاحب المدارك غير مشروع في نفسه فضلا عن تعينه،

[ 333 ]

والمتعين ما ذكره المشهور من كون الكفن الاول هو المئزر. وأما القميص فهل هو متعين أو يجوز ان يلبس الميت بدله ثوبا شاملا؟. ظاهر كلام المدارك هو الجواز لانه جمع بين ما دل على أن الاكفان ثلاثة اثواب وما دل على انها ثوبان وقميص فيحمل على التخيير بين الثوب والقميص، ولما دل على التخيير في ذلك من النصوص وهي روايتان: (إحداهما): ما رواه الصدوق (قده) عن موسى بن جعفر (ع) انه سئل عن الميت يموت أيكفن في ثلاثة ابواب بغير قميص؟ قال: (لا بأس بذلك والقميص احب الي) (1). و (ثانيهما): ما رواه محمد بن سهل عن أبيه قال: سألت أبا الحسن (ع) عن الثياب التي يصلي فيها الرجل ويصوم أيكفن فيها؟ قال: (احب ذلك الكفن، يعني قميصا، قلت: يدرج في ثلاثة اثواب؟ قال: (لا بأس به والقميص احب الي) (2). و (فيه): ان مقتضى القاعدة حمل المطلق على المقيد لا الجمع بينهما بالتخيير، وحيث ان ما دل على ان الاكفان ثلاثة اثواب مطلق فيحمل على ما دل على أن احدها قميص. واما الروايتان فالاولى منهما ضعيفة بالارسال، على انه لم يعلم كونها رواية اصلا لاحتمال أن يشير الصدوق بها إلى ما ورد في ذيل الرواية الثانية عن موسى بن جعفر (ع) لاتحادهما في المضمون. واما الرواية الثانية فهي ضعيفة أيضا لان محمد بن سهل لم يوثق


(1) و (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب التكفين ح 20 و 5.

[ 334 ]

ويجب أن يكون من السرة إلى الركبة (1) والافضل من الصدر إلى القدم. ولم يمدح. على أن دلالتها قاصرة إذ أن قوله (ع) (والقميص احب الي): بمعنى ان القميص الذي كان الميت يصلي فيه ويصوم احب من القميص الذي ليس كذلك أو القميص المصنوع من الاكفان، لا أنه احب من الثوب لتدل على التخيير بين الثوب والقميص وكون الثاني افضل. نعم: دلالة المرسلة على المدعى مما لا اشكال فيها إلا أن سندها ضعيف - هذا كله في القميص. وأما الازار فلم يستشكل احد في تعينه - بمعنى الثوب التام - حتى صاحب المدارك لان هذا الثوب وان لم يرد في الاخبار بعنوان الازار لما تقدم من أنه بمعنى المئزر، إلا انه ورد بعنوان اللفافة والثوب الشامل ونحوهما، فتحصل أن المئزر والقميص والازار - بمعنى الثوب الشامل - واجبات متعينة في التكفين. وجوب كون المئزر من السرة إلى الركبة: (1) وحكي عن بعضهم: الاجتزاء بما يصدق عليه المئزر عرفا وان كان مما دون السرة وفوق الركبة لعدم ورود التحديد بذلك في الاخبار. هذا

[ 335 ]

الثانية: القميص. ويجب أن يكون من المنكبين (1) والصحيح هو ما ذكره المشهور وذلك لما تقدم من أن الازار انما هو مأخوذ من الازر الذي هو بمعنى الظهر والازر الذي بمعنى محل عقد المئزر من الحقوين المحاذي للسرة، فلو كان مما دون السرة لم يصدق عليه الازار لغة. واما من حيث المنتهى فكونه إلى الركبة وان لم يرد في شئ من الادلة إلا ان الظاهر يقتضي اعتباره لما تقدم من ان الازار اخذ في مفهومه التستر والانسان بعد ستر عورتيه يهتم بطبعه بستر ما بين السرة والركبة فترى الجالس عاريا يواظب على التستر فيما بينهما فكان الكشف عما فوق الركبتين ينافي الوقار والابهة والشرف، والاتزار بهذا المقدار هو المتعارف في مطلق الاتزار وفي خصوص باب الاحرام وكيف كان فما ذكروه (قد هم) لو لم يكن اقوى فهو احوط. القطعة الثانية: القميص. (1) لا خلاف في القميص من حيث المبدأ، فان القميص انما يلبس من المنكبين، فلو كان قميص ملبوس مما دونهما لما صدق عليه القميص إلا مجازا، والقميص المعتبر في الاكفان وان لم يكن قميصا إلا أنه مشابه له فلا كلام في حده وابتدائه من المنكبين.

[ 336 ]

إلى نصف الساق (1) والافضل إلى القدم. الثالثة: الازار. ويجب أن يغطي تمام البدن (2) والاحوط أن يكون في الطول بحيث يمكن أن يشد طرفاه (3) (1) أو إلى القدم، وهذا لم يقم عليه دليل إلا كونه هو المتعارف في القميص العربي، إلا انه لا يقتضي تعين ذلك بعد صدق القميص حقيقة على ما هو اقصر من ذلك. القطعة الثالثة: الازار. (2) كما دلت عليه النصوص فيما تقدم. (3) المطمأن به لو لم يكن متيقنا انه اراد بالشد: شد طرفي الثوب في نفسه بأن يكون طويلا بمقدار يمكن شدة بنفسه من طرف الرأس والقدم وهذا مما لم يقم عليه دليل لكنه قد التزم به بعضهم فلذا جعله احوط. واما لو اريد به الشد بالعلاج - أي بغير الكفن كالخيط ونحوه - فلا اشكال في وجوبه لا أنه احوط، لان معنى الكفن ما يستر الميت ومع عدم شده من طرف الرأس أو القدم لا يكون الكفن ساترا لتمامه.

[ 337 ]

وفي العرض بحيث يوضع أحد جانبيه على الآخر (1) والاحوط أن لا يحسب الزائد على القدر الواجب على الصغار من الورثة (2) وان اوصى به أن يحسب من الثلث وان لم يتمكن من ثلاث قطعات يكتفى بالمقدور (3). عرض الازار: (1) هذا لا دليل عليه فان الثوب لابد أن يكون بحيث يدرج فيه الميت بازاره وقميصه وهذا يتحقق فيما إذا كان عرضه بحيث يصل أحد جانبيه إلى الجانب الآخر ويشد بخيط أو بغيره ولا يلزم أن يكون بحيث يقع احدهما على الآخر. (2) يأتي في المسألة (19) أن القدر الواجب من الكفن يخرج من اصل التركة وأنه مقدم على الديون والوصايا لان الميت أولى بتركته من غيره، واما المستحب منه فانما يخرج من الثلث مع الوصية وإلا فيؤخذ من حصة الكبار باجازتهم ولا يؤخذ من حصة الصغار. والمقدار الزائد احتياطا كالمستحب يؤخذ من الثلث مع الوصية والا فمن حصة الكبار باجازتهم من دون أن يؤخذ من حصة الصغار. إذا لم يتمكن من القطعات الثلاث: (3) ما تقدم كله فيما إذا كانت الاكفان الثلاثة ممكنة ومقدورة

[ 338 ]

واما إذا لم يمكن واحد منها أو اثنان فهل يجب التكفين بالممكن والمقدور منها أو لا يجب؟ ذهب صاحب المدارك (قده) إلى عدم الوجوب لسقوط الامر عن الكل والمركب يتعذر بعض اجزائه. وذهب جمع إلى الوجوب لقاعدة الميسور بل ذكر المحقق الهمداني (قده). ان المورد من اظهر موارد صدق الميسور من المأمور به المعسور، أو الاستصحاب بدعوى ان التكفين بذلك المقدور كان متصفا بالوجوب عند التمكن من الجميع فإذا تعذر الكل وشككنا في سقوط الوجوب عن المقدار الممكن منه نستصحب وجوبه. ولا يتم شئ من ذلك. اما قاعدة الميسور فلما ذكرناه مرارا من عدم تماميتها في نفسها لضعف الاخبار المستدل بها على تلك القاعدة. واما الاستصحاب: فهو افحش إذ لا موضوع حتى يستصحب فان المتيقن هو الوجوب الضمني عند التمكن من الكل وهو مرتفع قطعا والمشكوك فيه هو الوجوب النفسي الاستقلالي ولا حالة سابقة له. و (دعوى): ان الاستصحاب يجري في الطبيعي الجامع بين القسمين (غير مسموعة): إذ لا يصدق على رفع اليد عن اليقين السابق عند الشك (نقض اليقين بالشك) لان المتيقن وهو الوجوب الضمني قد ارتفع قطعا. هذا على أنه من الاصل الجاري في الاحكام ولا نقول بجريان الاستصحاب فيها. هذا فيما إذا تجدد العجز بعد الموت، واما لو كان التعذر

[ 339 ]

[ وان دار الامر بين واحدة من الثلاث تجعل ازارا (1) ] سابقا على الموت فلا وجوب ليستصحب إلا على نحو التعليق بان يقال: لو كان الميت قد مات عند التمكن من الاكفان كان التكفين بهذا الجزء واجبا والآن كما كان، ولا نلتزم بالاستصحاب التعليقي بوجه والصحيح في المقام أن يقال بما ذكرناه في الاغسال وحاصله: ان المستفاد من الاخبار الواردة في التكفين ان الواجب انحلالي وان التكفين بكل قطعة من القطعات واجب بحياله، وفي بعض الاخبار ان التكفين بالثوبين والتكفين بالقميص كذا، وهو يدل على ان كلا منها تكفين مستقل فإذا تعذر بعضها فلا موجب لسقوط الآخر عن الوجوب. دوران الامر بين واحدة من الثلاث (1) إذا كانت هناك قطعة يمكن أن تجعل ازارا ويمكن جعلها قميصا أو مئزرا هل يتخير في صرفها بين واحد من الثلاث؟ أو يتعين صرفها في الازار وان لم يمكن ففي القميص؟ تختلف المسألة باختلاف المدرك في الحكم بوجوب التكفين الممكن من الثلاث، فان كان المدرك فيه ما قدمناه من أن مقتضى الاخبار الواردة في المقام هو الانحلال وكون كل قطعة من الثلاث واجبا مستقلا فيدخل المقام في كبرى التزاحم للعلم بوجوب الاكفان الثلاثة في الشريعة المقدسة إلا أنه لا يتمكن من الجميع وانما يتمكن من

[ 340 ]

[ وان لم يمكن فثوبا وان لم يمكن إلا مقدار ستر العورة تعين (1). ] أحدها فيقع التزاحم بين صرفه في الازار أو القميص أو المئزر، وحيث ان احتمال الاهمية مرجح في باب المتزاحمين فلابد من الحكم بصرفه في الازار لاحتمال اهميته بالوجدان، وعلى تقدير عدم التمكن فيه فيصرف في القميص. واما إذا كان المدرك قاعدة الميسور أو الاستصحاب أو الاجماع والعمدة منها الاول والاخير دون الثاني فالحكم المجعول أولا - اعني وجوب المجموع المركب - قد ارتفع بالتعذر، والحكم الثابت بهما حكم جديد لا ندري انه مجعول على الازار أو على القميص أو على المئزر فنشك في الجعل فيكون المقام حينئذ من دوران الامر بين التعيين والتخيير للعلم بانه مجعول اما على خصوص الازار أو على الاعم منه ومن القميص أو على خصوص القميص أو على الاعم منه ومن المئزر، وقد ذكرنا في محله ان احتمال التعيين حينئذ يندفع بالبراءة ونحكم بالتخيير. إذا لم يمكن الا مقدار ستر العورة (1) إذا لم يوجد شئ من الاكفان وتمكن المكلف من ستر عورة الميت وحسب فهل يجب سترها؟ لا دليل على وجوب ستر العورة إلا ما رواه الصدوق (قده) في

[ 341 ]

[ وان دار بين القبل والدبر يقدم الاول (1). ] العلل عن الفضل بن شاذان: (انه روى عن الرضا (ع) انما امر أن يكفن الميت ليلقى ربه طاهر الجسد ولئلا تبدو عورته لمن يحمله أو يدفنه) (1). إلا انها ضعيفة السند لان في طريق الصدوق إلى الفضل عبد الواحد ابن عبدوس، وهو وان كان من مشائخ الاجازة إلا انه لم يرد في حقه توثيق ولا مدح، ومن هنا كان الحكم بوجوب ستر العورة مبنيا على الاحتياط. دوران الامر بين ستر القبل أو الدبر (1) ثم لو قلنا بوجوب ستر العورة احتياطا أو فتوى ولم يف الساتر بكليهما بل انما كان بمقدار القبل أو الدبر فهل يتعين صرفه في القبل أو يتخير المكلف بينهما؟ ذكر الماتن (قده) أنه يتعين صرفه في القبل، والوجه في ذلك: هو احتمال الاهمية في القبل ولو من جهة أن الدبر مستور في الجملة باليتين.


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب التكفين ح 1.

[ 342 ]

[ (مسألة 1): لا يعتبر في التكفين قصد القربة وان كان احوط (1). (مسألة 2): الاحوط في كل من القطعات أن يكون وحده ساترا لما تحته (2) فلا يكتفي بما يكون حاكيا له وان حصل الستر بالمجموع. ] عدم اعتبار قصد القربة في التكفين (1) وذلك لان الاخبار الواردة في المقام لم يدل شئ منها على أن التكفين عبادي ومع الشك في كونه عباديا أو توصليا يرجع إلى اطلاق الدليل أو البراءة من لزوم قصد التقرب - كما ذكرناه في مبحث التعبدي والتوصلي - وحيث انه يحتمل التعبدية في التكفين احتاط الماتن (قده) بقوله (وان كان احوط) إلا انه إذا كفنه لا بقصد القربة لا يجب أن يكفنه ثانيا لما تقدم من أن التكفين توصلي ولم يقم دليل على اعتبار قصد القربة فيه، فالاتيان به مسقط للامر به وان لم يقصد التقرب به. ما هو الاحوط في القطعات (2) ذكر (قده) اعتبار كون الاكفان الثلاثة ساترة لبدن الميت

[ 343 ]

[ نعم لا يبعد كفاية ما يكون ساترا من جهة طليه بالنشاء ونحوه لا بنفسه (1) وان كان الاحوط كونه كذلك بنفسه. ] باجمعها، كما ذكر اعتبار كون كل منها ساترا - اي بحيث لا يرى جسد الميت تحته - أما وجه اعتبار كون المجموع ساترا فيكفينا في ذلك صحيحة محمد بن مسلم وزرارة على رواية الكليني وصحيحة زرارة على رواية الشيخ عن أبي جعفر (ع): (انما الكفن المفروض ثلاث اثواب أو ثوب تام (وثوب) (أو باسقاط: وثوب) لا اقل منه يواري فيه جسده) (1) فاعتبار الستر والمواراة في مجموع الكفن مما لا مفر عنه. وأما وجه اعتبار كون كل قطعة من القطعات ساترة فلما قدمناه من أن الواجب انحلالي وكل من المئزر والقميص والازار كفن واجب باستقلاله وقد أخذ في مفهوم الكفن الستر والمواراة فيقال: كفن الخبزة في الملة - أي الرماد الحار - واراها بها (وهو نوع من طبخ الخبز) وكفن الجمر بالرماد اي غطاه به، ومعه يعتبر أن يكون كل من المئزر والقميص والازار ساترا ومواريا للجسد. (1) إذ لا يعتبر في الكفن أن يكون ساترا بنفسه فلو كان ستره من جهة النشاء كفى في الامتثال. واحتمال ان الستر حينئذ بالنشاء لا بالكفن مندفع بأن النشاء ليس له وجود مستقل غير وجود الكفن ليستند الستر إليه، وانما يستند الستر إلى الكفن المشتمل على النشاء.


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب التكفين ح 1 و 2.

[ 344 ]

[ (مسألة 3): لا يجوز التكفين بجلد الميتة (1) ولا بالمغصوب (2). ] ومن هنا لم يحتمل أحد عدم كفاية مثله في الساتر الصلاتي الذي يجب أن يكون ثوبا نظرا إلى أن الساتر هو النشاء، ولا وجه له سوى ما ذكرنا من أن الكفن هو الساتر ولو لاشتماله على النشاء، لا ان الساتر هو النشاء. عدم جواز التكفين بجلد الميتة: (1) لما استفدناه من اعتبار الطهارة في الكفن حتى انه لو تنجس بعد تكفينه وجب غسله أو قرضه، فإذا كانت النجاسة العرضية مانعة عن التكفين فالنجاسة الذاتية مانعة عن صحة التكفين بطريق أولى. عدم جواز التكفين بالمغصوب: (2) لحرمة كل فعل متعلق بالمغصوب ومنه تكفين الميت به وقد ذكرنا في محله أن أمثال المقام ليس من موارد اجتماع الامر والنهي فان الحرمة إذا كانت ناشئة من الموضوع - كما في المقام وفي الوضوء بماء مغصوب - فهو من النهي عن العبادة أو الواجب، وهذا بخلاف

[ 345 ]

ما إذا كان مكان الوضوء غصبيا من موارد الاجتماع وعليه لا يجوز التكفين بالمغصوب سواء قلنا بجواز الاجتماع أم لم نقل، بل لو كفن به وجب نزعه ورده إلى مالكه. بل لو علم ذلك بعد الدفن وجب نبشه إن أمكن فان التكفين به كلا تكفين فلا مناص من تكفينه ثانيا بعد نزع المغصوب منه امتثالا للامر بالتكفين. وقد يتوهم - كما توهم - ان التكفين واجب توصلي ولا يعتبر في سقوطه قصد التقرب، اذن لا مانع من الحكم بسقوط الامر به بالتكفين بالمغصوب وان كان ذلك عصيانا ومحرما على المكلف لوجوب رده إلى مالكه. ويندفع: بان الواجب التوصلي انما يفترق عن التعبدي بعدم اعتبار قصد القربة والاضافة إلى الله تعالى في الاتيان به، ومن ثمة يتحقق الامتثال في التوصليات بمجرد الاتيان بها. وهذا بخلاف الواجب التعبدي إذ يعتبر فيه قصد التقرب والاضافة إلى الله سبحانه اما شرعا - كما على مسلكنا - وإما عقلا - كما ذكره صاحب الكفاية - فلو اتى به من دون ذلك لم يسقط أمره ولم يكن امتثالا له ولا فرق بينهما زائدا على ذلك. وإذا كان العمل محرما في نفسه - كما في المقام - لا يعقل أن يحصل به الامتثال بلا فرق في ذلك بين التوصلي والتعبدي وذلك لعدم امكان أن يكون المحرم مصداقا للواجب وليس معنى التوصلي أن الحرام يمكن أن يكون مصداقا للواجب. نعم في المقدمات الخارجية عن الواجب - اي المقدمات التي نعلم

[ 346 ]

بعدم مدخليتها في الواجب - لو أتى بها في ضمن أمر حرام لم يضر ذلك بالامتثال كما إذا ركب دابة مغصوبة ومشى بها إلى الحج فانه لا يمنع عن صحة حجه وذلك لخروج المقدمة عن الواجب وعدم كون المقدمة واجبة حتى بالوجوب الغيري على مسلكنا. نعم هي متصفة به على المشهور، إلا ان الوجوب الغيري لا يترتب عليه أثر في المقام، ومنه تطهير الثوب الذي هو مقدمة للصلاة فانه أمر يتحقق بالماء المغصوب أيضا إذ لا يشترط في التطهير اباحة الماء إلا أنه أمر خارج عن المأمور به - كما هو ظاهر - وأما الواجب فيستحيل أن ينطبق على الحرام بلا فرق في ذلك بين التعبدي والتوصلي. نعم لا مانع من الالتزام بسقوط الواجب التوصلي بالمحرم إذا قام عليه دليل ولكنه لا دليل عليه في المقام. وقد ذكرنا في محله ان المبغوضية والحرمة إذا كانتا ناشئتين من قبل الموضوع - كما في المقام وفي التوضؤ بماء مغصوب - يكون العمل بنفسه وعنوانه متعلقا للنهي وهو من النهي في العبادة وليس من بحث اجتماع الامر والنهي ليبتني الحكم بالفساد على القول بالامتناع وتقديم جانب النهي. إذن يتم ما ذكره الماتن (قده) من عدم جواز التكفين بالمغصوب ولو في حال الاضطرار - أي فيما إذا لم يوجد كفن آخر غيره - وذلك لوضوح أن ذلك لا يسوغ التصرف في المغصوب بل يدفن عاريا حينئذ.

[ 347 ]

[ ولو في حال الاضطرار (1) ولو كفن بالمغصوب وجب نزعه بعد الدفن أيضا. (مسألة 4): لا يجوز اختيارا التكفين بالنجس (2) ] (1) إن كان ذلك راجعا إلى خصوص التكفين بالمغصوب فقد عرفت صحته، واما لو كان راجعا إلى كل من التكفين بالمغصوب والميتة فلنا مطالبة الماتن بالدليل على عدم جواز التكفين بالميتة عند الاضطرار. وذلك لانه (قده) يرى جواز الانتفاع بالميتة فيما لا يشترط فيه الطهارة ويأتي منه (قده) ان اشتراط الطهارة في الكفن مختص بصورة التمكن والاختيار. اذن لا مانع من التكفين بالميتة عند عدم التمكن من غيرها. اللهم إلا بناءا على عدم جواز الانتفاع بالميتة مطلقا وهو على خلاف مسلكه. كما انه يلزمه تقييد الميتة بالنجسة لان الميتة الطاهرة كجلد السكمة الميتة إذا كان كبيرا يسع الميت لا مانع من التكفين به إذ ان مطلق الميتة وان كانت مانعة من الصلاة إلا انه للتمسك ببعض الاطلاقات هناك وأما في المقام فلم يرد فيه اي دليل لفظي ليمكن التمسك باطلاقه فلا مانع من التكفين بالميتة الطاهرة. لا يجوز اختيار الكفن النجس: (2) لما تقدم من الروايتين الدالتين على أن كفن الميت إذا تنجس

[ 348 ]

[ حتى لو كانت النجاسة بما عفي عنها في الصلاة على الاحوط (1). ] بما يخرج من الميت وجب قرضه أو غسله، فإذا لم يجز التكفين بالنجس بحسب البقاء فلا يجوز بحسب الحدوث أيضا لعدم الفرق بينهما. النجاسة بما عفي عنه في الصلاة: (1) والوجه في هذا الاحتياط: ان ما دل على اعتبار الطهارة في الكفن - وهو الروايتان المتقدمتان (1) - لا اطلاق له حتى يشمل النجاسة المعفو عنها في الصلاة وذلك لانهما وردتا فيما يخرج من الميت. وهما فيه وان كانتا مطلقتين وشاملتين للدم المعفو عنه في الصلاة إلا انا نحتمل أن يكون للدم الخارج منه خصوصية لانه من اجزاء الميتة ومن ثمة لا يمكننا التعدي عن موردهما إلى غيره إذا كان مما يعفى عنه في الصلاة. نعم نتعدى عنه إلى غيره في غير المعفو عنه في الصلاة للقطع بعدم الفرق بينهما، فما في كلام المحقق الهمداني (قده) وغيره من التمسك بالاطلاق مما لا نرى له وجها معقولا. نعم الفتاوى مطلقة حيث ذكروا عدم جواز التكفين بالمتنجس ولم


(1) تقدمتا في ص 310.

[ 349 ]

[ ولا بالحرير الخالص (1). يستثنوا منه ما إذا كانت النجاسة معفوا عنها في الصلاة ومن ثمة احتاط الماتن في مسألة. ] عدم جواز التكفين بالحرير الخالص: (1) وقد استدلوا على ذلك بوجوه: (منها): الاستصحاب، لان الميت حال حياته كان يحرم عليه لبس الحرير فيحرم ان يلبس به بعد الممات أيضا بالاستصاب، نعم هذا يختص بالرجال لعدم حرمة لبس الحرير على النساء. و (فيه). أولا: انه من الاستصحاب في الاحكام ولا نقول به. وثانيا: عدم بقاء الموضوع، وذلك لان الميت حال الحياة كان يحرم عليه لبس الحرير بالمباشرة وكان يحرم على غيره أن يلبسه ذلك لان التسبيب إلى الحرام محرم على ما بيناه مرارا من ان العرف لا يفرق بين التسبيب والمباشرة فإذا حرم شئ على المكلف بالمباشرة يستفاد منه حرمته بالتسبيب. إلا ان حرمة التسبيب متفرعة على حرمة المباشرة فإذا مات المكلف وسقطت عنه الحرمة بالمباشرة فمن أين تستفاد حرمة التسبيب إذ الميت جماد لا يكلف بشئ فكيف يحكم بحرمة إلباسه الحرير من جهة التسبيب إلى الحرام، فالاستصحاب ساقط في المقام.

[ 350 ]

وقد يستدل عليه بالاجماع ويندفع بأن الاجماع في أمثال المقام لا يمكن التشبث به للاطمئنان - ولا أقل من الاحتمال - باعتمادهم فيه على أحد الوجوه المستدل بها في المسألة ومعه لا يعتمد عليه بوجه. وثالثا: يستدل عليه برواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): (لا تجمروا الاكفان ولا تمسحوا موتاكم بالطيب إلا بالكافور فان الميت بمنزلة المحرم) (1). فانها نزلت الميت منزلة المحرم، ومقتضى عموم التنزيل عدم جواز تلبيسه الحرير لان المحرم يحرم عليه لبس الحرير بضميمة ما ذكره بعضهم من وجوب ان يكون ما يحرم فيه من جنس ما يصلى فيه. و (يرده): ان التنزيل في الرواية يحتمل قريبا أن يكون من جهة حرمة الطيب فحسب، لا أن التنزيل من جميع الجهات فان المحرم يحرم عليه تغطية رأسه ورجليه بالجورب أو الخف ونحوهما ورمسه في الماء وهذا لا تحرم على الميت قطعا - هذا. مضافا إلى انها معارضة بما دل على أن المحرم إذا مات فهو كالمحل سوى أنه لا يقرب منه الطيب (2) فكيف بمن لم يكن محرما قبل الموت؟ بل الرواية في موردها غير معمول بها لعدم حرمة قرب الطيب من الميت بل هو أمر مكروه. على أن سندها ضعيف بمحمد بن سنان وأحمد بن محمد الكوفي وابن جمهور وأبيه أي جمهور نفسه لانه مهمل، وقد وردت في طريق


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب التكفين ح 5. (2) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب غسل الميت.

[ 351 ]

آخر للصدوق وهو ضعيف أيضا لوجود القاسم بن يحيى وجده الحسن بن راشد فيه، وهما ضعيفان (1) والحسن هو مولى المنصور (الضعيف) بقرينة رواية القاسم عنه. ورابعا: يستدل عليه بما عن الفقه الرضوي ودعائم الاسلام من النهي عن التكفين في ثوب ابريسم. ويدفعهما: أن الاولى لم يثبت كونها رواية اصلا، والثانية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها. وخامسا: يستدل عليه بجملة من الروايات الناهية عن التكفين بكسوة الكعبة وثوبها ولا وجه له سوى كونها من الحرير. (منها): رواية مروان بن عبد الملك قال: سألت أبا الحسن (ع) عن رجل اشترى من كسوة الكعبة فقضى ببعض (ببعضه) حاجته وبقي بعضه في يده هل يصلح بيعه؟ قال: (يبيع ما اراد ويهب ما لم يرده ويستشفع به ويطلب بركته قلت: ايكفن به الميت؟ قال: لا. و (منها) رواية حسين بن عمارة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن رجل اشترى من كسوة البيت شيئا هل يكفن به الميت قال: لا. و (منها): رواية عبد الملك بن عتبة الهاشمي قال: سألت أبا الحسن موسى (ع) عن رجل اشترى من كسوة البيت شيئا هل يكفن فيه الميت؟ قال: لا (2).


(1) هما موجودان في اسناد كامل الزيارات فطريق الصدوق (ره) معتبر. (2) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب التكفين ج 1 و 2 و 3.

[ 352 ]

(ويرده): ان هذه الاخبار ضعيفة السند باجمعها، أما الرواية الاولى فلانها مرسلة وفي سندها مروان بن عبد الملك وهو مهمل. واما الثانية: فلوجود أبي مالك الجهني والحسين بن عمارة في سندها وهما غير موثقين. واما الثالثة فلوجود عبد الملك بن عتبة الهاشمي حيث لم يثبت توثيقه ويعبر عنه باللهبي نسبة إلى أبي لهب. هذا كله بالاضافة إلى أنه لم يثبت ان كسوة الكعبة حرير دائما والظاهر أن النهي عن جعلها كفنا من اجل احترامها لانه معرض التنجس بما يخرج من الميت وهو ينافي الاحترام. وسادسا: يستدل عليه بما رواه الحسن بن راشد وهو العمدة، قال: سألته عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل العصب (القصب) اليماني من قز وقطن هل يصلح أن يكفن فيها الموتى؟ قال: (إذا كان القطن اكثر من القز فلا بأس) (1) حيث دلت على عدم جواز جعل الكفن من الحرير المحض أو الممزوج منه ومن غيره إذا كان القز اكثر. وقد يناقش في الاستدلال بها من جهتين: (احدهما): ان مدلولها عدم جواز التكفين الممزوج من الحرير وغيره حتى إذا كانا متساويين، وهذا مما لم يلتزم به الاصحاب بل عن بعضهم انه لم يعثر على قائل بعدم جواز التكفين به اصلا. فالرواية قد اعرض عنها الاصحاب وبذلك تسقط عن الاعتبار. ويمكن الجواب عنها: بأنهم افتوا بعدم جواز التكفين الممزوج


(1) الوسائل: ج 2 باب 23 من أبواب التكفين ح 1.

[ 353 ]

من الحرير وغيره إذا كانا متساويين، إلا أن فتاواهم في عدم جواز التكفين بالحرير مطلقة فتشمل ما إذا كان الحرير مساويا لغيره فلم يعلم ان الرواية معرض عنها، ولاجل اطلاق كلماتهم احتاط الماتن (قده) لزوميا في المسألة السادسة في عدم جواز التكفين بالحرير الممزوج إذا كان مساويا. فالاعراض غير ثابت - على انه لا يضر الرواية عدم افتائهم على طبقها ولا يسقطها ذلك عن الاعتبار بل لابد من الالتزام بمضمونها وليكن هذا من مختصات الكفن. و (ثانيتهما): ان الحسن بن راشد مردد بين الثقة والضعيف ولم يظهر انه من هو؟. ويدفعه: ان الظاهر بحسب القرائن انه حسن بن راشد الثقة وهو البغدادي مولى آل المهلب الذي وثقة الشيخ وعده من رجال الجواد والهادي عليهما السلام، وله روايات عديدة عن العسكري (عليه السلام) ويروي عنه محمد بن عيسى. ومنها: ما رواه في الوصية في سبيل الله حيث روى في الكافي والتهذيب والفقيه عنه عن العسكري انه يصرف في الشيعة أو الحج. ومنها: روايته عنه في الارث للارحام. وحيث أن الراوي عنه في المقام هو محمد بن عيسى فلا نحتمل أن يكون الحسن الضعيف الذي هو مولى بني العباس المعبر عنه بمولى المنصور الذي كان وزيرا لهارون من الشيعة. وذلك لانه من أصحاب الصادق (ع) وقد ادرك الكاظم (ع) على ما هو منقول في ترجمته والراوي عنه حفيده القاسم بن يحيى.

[ 354 ]

وعليه لا يتردد الحسن في هذه الرواية بين البغدادي وبين مولى المنصور (1) وانما هو مردد بين البغدادي الثقة وبين الثالث الذي عبر عنه النجاشي بالطغاوي وضعفه، وفي رجال المامقاني (المطغاوي) وفي قاموس الرجال ان الصحيح هو الطغاوي ويروي عنه علي بن اسماعيل السندي الذي هو من أصحاب الرضا (ع) ولكن الظاهر أن الرجل هو الثقة لما اشرنا إليه من روايته متكررا عن العسكري (ع) يرويها عنه محمد بن عيسى، وبهذه القرينة ينصرف حسن بن راشد إلى الثقة حيث يرويها عنه محمد بن عيسى، وبذلك تتصف الرواية بالوثاقة لا محالة. نعم يبقى هنا شئ‌ئ: وهو أن الرجاليين لم يعدوا الرجل من أصحاب العسكري (ع) ومعه كيف يمكننا قبول روايته عنه. والجواب عن ذلك: انه يحتمل أن يكون ذلك غفلة من اهل الرجال، كما يحتمل أن يراد بالعسكري هو الهادي (ع) لانه كثيرا يطلق العسكري على الحسن العسكري (ع) لكن قد يطلق على الهادي (ع) ايضا. ويدل عليه أن الرواية المتقدمة عن الرجل التي قلنا انها مروية في الكافي والتهذيب والفقيه عنه عن العسكري رواها الصدوق عنه عن أبي الحسن العسكري - على ما في الوافي -، ومن الظاهر انه الهادي (عليه السلام). وقد تقدم ان الرجل عدوه من أصحاب الهادي (ع) فلا اشكال في سند الرواية وبها نحكم بعدم جواز التكفين بالحرير الممزوج إذا


(1) مضافا إلى ما تقدم من ان الحسن بن راشد مولى منصور موجود في اسناد كامل الزيارة.

[ 355 ]

[ وان كان الميت طفلا أو أمرة (1) ولا بالمذهب ولا بما لا يؤكل لحمه (2) جلدا كان أو شعرا أو وبرا. ] كان مساويا مع الخليط، فضلا عن الحرير الخالص فلا يجوز التكفين به بطريق أولى. وأما الاضمار فلا يضر بصحة الرواية بعد وثاقة حسن بن راشد لعلو مقامه وجلالته المقتضي لعدم نقله إلا عن الامام (ع). التسوية بين اقسام الموتى: (1) أي: وان لم يكن الميت ممن يحرم عليه لبس الحرير في حياته، وذلك لاطلاق رواية الحسن بن راشد المتقدمة لان الموضوع فيها هو الموتى وهو صادق على الصغير والكبير والرجال والنساء. التكفين بالمذهب أو ما لا يؤكل لحمه: (2) لا دليل على عدم جواز التكفين بالمذهب ولا بما لا يؤكل لحمه سوى دعوى أن الكفن يعتبر فيه كونه مما تجوز الصلاة فيه والمذهب وما لا يؤكل لحمه لا تجوز فيهما الصلاة، للاجماع ولرواية محمد بن مسلم المتقدمة.

[ 356 ]

[ والاحوط أن لا يكون من جلد المأكول (1)، ] بضميمة أن ثوبي الاحرام يعتبر فيهما أن يكونا مما يجوز فيه الصلاة. والاجماع المستدل به هو اجماع منقول لا يمكن الاعتماد عليه مع الاطمئنان - ولا اقل من الظن - بعدم تحقق اجماع في المسألة. والرواية تقدم ضعفها وانها معارضة بما دل على أن المحرم إذا مات فهو كالمحل. على أن كون ثوبي الاحرام مما يجوز فيه الصلاة مبني على الاحتياط ولم يقم دليل قطعي على اعتباره. اذن فالحكم في المسألة يبتني على الاحتياط ولو لاجل الخروج عن مخالفة الاجماع المدعى. ومما ذكرناه في المذهب وغير المأكول اللحم يظهر الحال في التكفين باجزاء الميتة الطاهرة كجلد السمك الكبير فانه لا دليل على عدم جوازه، إذ لم يثبت اعتبار أن يكون الكفن مما يجوز فيه الصلاة حتى يمنع عن جلد الميتة الطاهرة لعدم جواز الصلاة فيها. فالحكم فيها كالمذهب واجزاء ما لا يؤكل لحمه مبني على الاحتياط. الاحوط في كلام الماتن (قده) (1) لما عن بعضهم من ان الجلد لا يصدق عليه الثوب، ويعتبر

[ 357 ]

[ وأما من وبره وشعره فلا بأس وان كان الاحوط فيهما أيضا المنع (1). ] في الكفن أن يصدق عليه كونه ثوبا. (وفيه): ان الجلد من الملبوسات في البلاد العربية ونحوها ومن جملة مصاديقها (الفرو). نعم: لبس الجلد بمعنى الستر به لا بمعنى جعله ثوبا لما قدمنا من أن اللبس أعم من الثوب إذ يصدق ان زيدا لبس الخاتم مع ان الخاتم ليس بثوب. والذي يدلنا على ذلك: أن أحدا لم يستشكل في جعل الجلد. ساترا في الصلاة مع ان الساتر الصلاتي يعتبر فيه كونه ثوبا كما دلت عليه الرواية الواردة في سفينة غرقت حيث ورد فيها ان المكلف إن وجد ثوبا يصلي فيه وإلا فيتستر في الصلاة بالحشيش ونحوه (1). وكذا لم يستشكلوا في شمول الثوب للجلد في الحبوة التي تشمل اثواب الميت ويدخل الفرو فيها من غير شبهة. فهذا الحكم مبني على الاحتياط ولو للخروج عن مخالفة من ذهب إلى ان الجلد ليس بثوب. احتياط الماتن (قده) بالمنع: (1) احتاط (قده) في جعل الكفن من وبر المأكول وشعره،


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 50 من أبواب لباس المصلي ح 1.

[ 358 ]

والاحتياط فيه استحبابا لا بأس به، لما ورد في موثقة عمار: (الكفن يكون بردا فان لم يكن بردا فاجعله كله قطنا (1). فدلت على عدم جعل الكفن صوفا أو شعرا، واما وجوبا فلا وذلك لما ورد من افضلية التكفين بثوب الميت أو ردائه الذي كان يصلي فيه فان الثوب والرداء إلى قريب عصرنا كان ينسج من الصوف ومعه تحمل الرواية على الاستحباب. بل في نفس الرواية ما يدل على عدم وجوب جعل الكفن قطنا لانها دلت على أن الكفن يكون بردا وإذا لم يمكن فالقطن، لا ان القطن واجب من الابتداء. والبرد على ما في بعض كتب اللغة كالمنجد: ثوب يتخذ من الصوف، اذن فتدل الرواية على أنه إذا لم يكن برد - كما في الوافي - أو بردا كما في غيره: اي لم يكن الكفن بردا وهو الثوب الشامل من الصوف يجعل الكفن كله قطنا حتى الثوب الشامل والعمامة وغيرهما. استدراك: حاصل ما ذكرناه في الجواب عن هذه الرواية ان الامر بجعل الكفن كله قطنا محمول على الاستحباب وذلك لجريان السيرة على التكفين بغيره فلو كان التكفين بالقطن واجبا لبان واشتهر. على انه ورد في بعض (2) الروايات استحباب تكفين الميت بثوبه


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب التكفين ح 1. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 4 من أبواب التكفين.

[ 359 ]

أو ردائه الذين كان يصلي فيهما، والرداء والثوب إلى قريب عصرنا كانا ينسجان من الصوف. على أن اهل البوادي لا يوجد عندهم القطن إلا قليلا. وفي بعض الاخبار أنه (ع) اوصى ان يدفن في الثوبين الشطويين له (1). والثوب المعد للشتاء يتخذ من الصوف على أن الرواية لعلها على خلاف المطلوب ادل حيث لم توجب التكفين بالقطن من الابتداء بل علقت جعله من القطن على فقدان البرد فيعلم منه أن جعل الكفن من القطن ليس بواجب أولا. وقد فسر صاحب (المنجد) البرد بما يتخذ من الصوف فتكون الرواية صريحة فيما ادعيناه من عدم وجوب التكفين بالقطن إلا انا راجعنا قواميس اللغة الوسعية مثل لسان العرب وتاج العروس ولم نعثر على هذا التفسير، ولا ندري من اين جاء صاحب المنجد بهذا التفسير للبرد نعم في اللسان فسر (البردة) بما يتخذ من الصوف وهي غير البرد والظاهر اشتباه الامر على صاحب المنجد. تتمة الكلام وقد ورد في رواية يونس بن يعقوب عن أبي الحسن الاول عليه السلام انه قال: (كفنت أبي في ثوبين شطويين كان يحرم فيهما وفي قميص


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من ابواب التكفين ح 15 وليس فيه - اوصى بل فيه - اني كفنت أبي في ثوبين شطويين. الخ

[ 360 ]

من قمصه وفي عمامة كانت لعلي بن الحسين عليهما السلام وفي برد اشتريته بأربعين دينارا لو كان اليوم لساوى اربعمائة دينار (1) وقال الشيخ في الاستبصار بعد ايراد الرواية ما ملخصه: ان الرواية تدل على جواز التكفين بغير القطن، ومن ثمة تحمل على ما إذا لم يوجد هناك قطن أو على انه حكاية فعل من الامام ويجوز أن يكون ذلك مختصا بهم (عليهم السلام) فلا يعمل بمضمون الرواية في غيرهم. وقال في الوافي، ايرادا على الشيخ: وليت شعري ما في هذا الخبر يدل على تقديم غير القطن فان كان البرد غير قطن فالاخبار مملوءة بذكر البرد في جملة الكفن وتقديمه على غيره فينبغي حمل افضلية القطن بغير الفوقاني وان كان الشطوي يكون من غير القطن البتة، فنحن لا نعلم ذلك وهو اعلم بذلك. وقد فسر (شطا) في الوافي بانه قرية بمصر تنسب إليها الثياب الشطوية. وقال في أقرب الموارد في مادة (شطو شطاة: بلدة تنسج فيه ثياب الكتان). والصحيح ان ما ذكره الشيخ من دلالة الرواية على جواز جعل الكفن من غير القطن هو الصحيح لما عرفت من أن الثوب الشطوي هو الذي ينسج في (شطاة) من الكتان وهو غير القطن والذي يسهل الخطب ان الرواية في سندها سهل بن زياد وقد ناقشنا فيه مرارا، هذا. ثم لو شككنا في ذلك واحتملنا أن يكون التكفين بالقطن متعينا


(1) الوسائل: باب 2 من أبواب الكفن. (2) راجع المصدر المتقدم فان للكليني (ره) طريقين احدهما فيه سهل دون الثاني وهو معتبر.

[ 361 ]

[ وأما في حال الاضطرار فيجوز بالجميع (1) ] فنرجع إلى البراءة وذلك لدوران الامر بين التعيين والتخيير حينئذ إذ نحتمل ان يكون الواجب هو التكفين بالاعم من القطن وغيره كما نحتمل ان يكون الواجب خصوص التكفين بالقطن، وقد بينا في محله أن مقتضى البراءة عدم تعين ما يحتمل تعينه. الوظيفة عند الاضطرار: (1) سوى المغصوب - كما تقدم - لان التصرف في مال الغير محرم مطلقا، والاضطرار وانحصار الكفن في المغصوب لا يسوغ التصرف في مال الغير، وكذلك الميتة إن قلنا بعدم جواز الانتفاعات غير المتوقفة على الطهارة منها. ثم إن الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: (أحدهما): في أن الكفن إذا كان منحصرا بالنجس فقط أو بالحرير فقط أو بغيرهما من المذكورات المتقدمة فهل يجوز التكفين به أو لا يجوز؟ (ثانيهما): انه بعد البناء على الجواز في المقام الاول إذا دار الامر بين التكفين بالنجس أو بالحرير أو بينه وبين غيره من الامور المتقدمة فهل يتقدم بعضها على بعض أو يتخير المكلف أو أن له حكما آخر؟ وهذه صورة التزاحم وهي تأتي في مسألة مستقلة بعد ذلك ان شاء الله.

[ 362 ]

(المقام الاول): وفيها صور عديدة: (الصورة الاولى): إذا كان الكفن منحصرا بالنجس فهل يجب التكفين به؟ ذهب الماتن إلى الجواز وهو الصحيح. وقد يقال: بعدم الجواز وذلك لان الدليل الدال على اعتبار الطهارة في الكفن مطلق فإذا انضم إلى المطلقات الدالة على أن الكفن اثواب ثلاثة فينتج اعتبار الطهارة فيها مطلقا بلا فرق في ذلك بين صورتي الاضطرار وغيرها. ومعه إذا لم يتمكن المكلف من الكفن الطاهر سقط الامر بالتكفين من الابتداء لانه مقتضى إطلاق الدليل المقيد. وكذلك الحال فيما إذا انحصر الكفن بالحرير لان رواية الحسن ابن راشد (1) التي دلت على اعتبار عدم كون الكفن حريرا محضا أو عدم كون اكثر قزا أو كون القز مساويا مع القطن مطلقة تشمل حالة الاضطرار وغيره. ومقتضاها سقوط الامر بالتكفين عند الاضطرار لتعذر المقيد بتعذر قيده فلا يجوز التكفين بالنجس أو الحرير عند انحصار الكفن بهما.


(1) الوسائل: ج 2 باب 23 من ابواب التكفين ح 1 ثم ان الموجود في عدة من الكتب هو الحسن وفي الوسائل المطبوع (حسين بن راشد).

[ 363 ]

واما ما ورد (1) من أن التكفين لاجل ستر عورة الميت أو انه لاجل احترام الميت لان حرمته ميتا كحرمته حيا فيستفاد منهما أن ستر بدن الميت مطلوب بنحو الاطلاق. فيندفع بأن شيئا من ذلك لا يقتضي الجعل والتشريع ولا يدل على ان التكفين غير المشروع احترام للمؤمن أو انه مطلوب للشارع لما عرفت من اطلاق دليل المقيد. وحيث أن قاعدة الميسور لا تجري في المقام لان العمل بها على مسلكهم يتوقف على ان تكون مجبورة بالعمل على طبقها ولم يعمل بها في المقام فلا مناص من الحكم بسقوط الامر بالتكفين في تلك المقامات. ويرد عليه: ان ما دل على اعتبار الطهارة في الكفن منحصر بالروايتين (2) الآمرتين بقرض الكفن إذا تنجس بما يخرج من الميت وهما غير ظاهرتين في الشرطية بوجه. بل نحتمل أن يكون تطهير الكفن واجبا نفسيا على حدة - بان يكون من قبيل الواجب في الواجب - فيجب عند التمكن منها ويسقط عند الاضطرار وعدم التمكن، لا أنه شرط للكفن بحيث لو تعذر سقط الامر بالتكفين رأسا ولم يكن التكفين مأمورا به حينئذ. ومع ظهور الرواية في ذلك أو احتماله لا يمكن الحكم باطلاق دليل التقييد إذ لم يثبت التقييد حتى يتمسك باطلاقه، ومع عدم ثبوت التقييد على وجه الاطلاق تبقى المطلقات الآمرة بتكفين الميت


(1) راجع الوسائل: ج 3 باب 1 من أبواب التكفين. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 34 من أبواب التكفين.

[ 364 ]

بالاثواب الثلاثة بحالها، ومقتضاها وجوب التكفين بالنجس كغيره. (الصورة الثانية)، إذا انحصر الكفن بالحرير فالامر كما ذكرناه في النجس، والوجه فيه. ان الوارد في رواية حسن بن راشد الدالة على اعتبار عدم التكفين بالحرير هو نفي البأس عن التكفين بما يكون القطن فيه اكثر من قزه، ومفهومها ثبوت البأس فيما إذا لم يكن كذلك كما إذا كان حريرا خالصا أو كان حريرا مساويا لقطنه. والبأس حينئذ يحتمل امرين في نفسه: احدهما: أن يكون البأس بمعنى الحرمة التكليفية وان التكفين بالحرير الخالص أو ما يكون حريره مساويا لقطنه محرم شرعي كبقية المحرمات الثابتة في الشرع. وثانيهما: أن يراد من الباس الحرمة الوضعية بمعنى أن التكفين بالحرير ليس مصداقا للامتثال ولا ينطبق عليه الكفن المأمور به. والاول لا يمكن الالتزام به إذ لم يذهب احد إلى حرمة تلبيس الحرير على الميت، فان غاية ما هناك أن لا يكون ذلك مجزءا عن المأمور به أما انه من أحد المحرمات فلا. اذن لابد من حمل البأس على البأس الوضعي وان التكفين بالحرير ليس بمصداق للمأمور به ولا يكون امتثالا للامر بالكفن. وهذا كما ترى انما يتصور فيما إذا كان هناك أمر بالكفن إذ يصح حينئذ أن يقال: ان التكفين بالحرير ليس بمصداق وامتثال لذاك الامر، وهذا منحصر بما إذا كان المكلف متمكنا من التكفين بغير الحرير ولم يكن الكفن منحصرا بالحرير.

[ 365 ]

واما إذا انحصر الكفن بالحرير فلا معنى لهذا الكلام ولا يصح القول بان التكفين بالحرير ليس مصداقا للامتثال والمأمور به لان الامر لا يخلو حينئذ من احد امرين. إما ان يسقط الامر بالتكفين عندما ينحصر الكفن بالحرير كما لو كان الكفن مشروطا بغير الحرير على الاطلاق. وإما ان يكون التكفين بالحرير مأمورا به بنفسه كما إذا لم يكن الكفن مشروطا بغيره، وعلى كلا التقديرين لا مجال للقول بان التكفين بالحرير ليس بمصداق للامر والامتثال لانه على الاول لا امر اصلا حتى يكون ذلك مصداقا له، وعلى الثاني مأمور به بنفسه كما عرفت. ومن هذا يظهر أن رواية حسن بن راشد - وهي التي دلت على اشتراط كون الكفن من غير الحرير - ليست ناظرة إلى صورة الاضطرار وانما هي مختصة بصورة التمكن من التكفين بغير الحرير. ومعه لا محذور من التمسك بالمطلقات الدالة على أن الكفن اثواب ثلاثة وهي شاملة للحرير عند الاضطرار. ولعله إلى ذلك نظر شيخنا الانصاري (قده) فيما ذكره من أن ادلة اشتراط كون الكفن من غير الحرير منصرفة إلى صورة التمكن من غير الحرير. (الصورة الثالثة): إذا انحصر الكفن بجلد غير مأكول اللحم أو بالمذهب أو بجلد ما يؤكل لحمه أو وبره أو شعره فلا ينبغي الشبهة في جواز التكفين بها عند الاضطرار لان المنع عن التكفين بها مستند إلى الاحتياط، والاحتياط انما هو عند التمكن من التكفين بغيرها. واما عند الانحصار بها فلا معنى للاحتياط بالدفن عاريا بل

[ 366 ]

[ (مسألة 5): إذا دار الامر في حال الاضطرار بين جلد المأكول وأحد المذكورات يقدم الجلد على الجميع (1). ] الاحتياط يقتضي التكفين بتلك الامور عند الاضطرار إليها وعدم التمكن من غيرها. هذا كله في المقام الاول. (1) المقام الثاني: وهو صور التزاحم. قد ذكر الماتن (قده) صورا للمسألة ففرض تارة: الاضطرار إلى جلد المأكول واحد المذكورات المتقدمة فحكم فيه بتقديم الجلد على الجميع. واخرى: فرض الدوران بين الحرير والنجس أو بينه وبين اجزاء غير المأكول فلم يستبعد فيه تقديم النجس وان استشكل فيه. وثالثة: فرض الدوران بين الحرير وما لا يؤكل فحكم فيه بتقديم الحرير وان استشكل في صورة الدوران بين الحرير وجلد ما لا يؤكل ورابعة: فرض الدوران بين جلد غير المأكول وسائر اجزائه فحكم بتقديم سائر اجزائه. والذي ينبغي أن يقال في المقام على وجه يظهر الحال منه في الصور المذكورة في المتن أن للمسألة صورا: (الاولى): ما إذا دار الامر بين التكفين بالنجس وبين غيره من الامور المتقدمة كالحرير والمذهب.

[ 367 ]

[ وإذا دار بين النجس والحرير، أو بينه وبين اجزاء غير المأكول لا يبعد تقديم النجس وان كان لا يخلو عن اشكال وإذا دار بين الحرير وغير المأكول يقدم الحرير وان كان لا يخلو عن اشكال في صورة الدوران بين الحرير وجلد غير المأكول. وإذا دار بين جلد غير المأكول وسائر اجزائه يقدم سائر الاجزاء. ] (الثانية): ما إذا دار الامر بين الحرير وغيره من المذكورات ما عدى النجس لدخوله في الصورة الاولى. (الثالثة): ما إذا دار الامر بين غير الحرير وغير النجس من المذكورات. أما الصورة الاولى: فالظاهر وجوب الجمع بين التكفين بالنجس والتكفين بغيره من الحرير أو سائر الامور المتقدمة، وذلك للعلم الاجمالي بوجوب التكفين بالنجس أو بغيره من الامور المتقدمة. وهذا العلم الاجمالي انما نشأ مما ذكرناه في الروايتين الآمرتين بقرض ما تنجس من الكفن. لانا ان استظهرنا منهما شرطية الطهارة في الكفن وهي شرطية مطلقة فيجب التكفين بغير النجس لا محالة ولا يجوز التكفين به ولو عند الاضطرار فإذا لم يجز التكفين به انحصر التكفين بالحرير أو بغيره وقد بنينا على جواز التكفين به عند الاضطرار فيتعين التكفين بالحرير أو غيره.

[ 368 ]

وان استظهرنا أن الطهارة واجبة على وجه الاستقلالية والنفسية لاحتمال أن يكون من قبيل الواجب في الواجب فالساقط عند تعذر الطهارة هو الامر بها دون الامر بالتكفين فيجب التكفين بالنجس لانه مشمول للمطلقات. وإذا شككنا في ذلك فنعلم اجمالا ان التكفين اما أن يجب حصوله بالنجس واما يجب حصوله بغير النجس ومقتضى العلم الاجمالي حينئذ هو الجمع بين الامرين. وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا دار الامر بين الحرير وبين غير النجس فالظاهر تعين التكفين بغير الحرير وذلك لاطلاق رواية حسن بن راشد (1) الدالة على اعتبار كون الكفن من غير الحرير عند التمكن من غيره. والمفروض في المقام التمكن من التكفين بغير الحرير فيجب ولا يجوز التكفين بالحرير. واما الصورة الثالة: وهي ما إذا دار الامر بين غير الحرير وغير النجس فالصحيح هو التخيير بينهما بلا فرق في ذلك بين أن نحتمل التعيين في كل منهما كما في المذهب وما لا يؤكل لحمه إذا احتملنا تعين التكفين بالاول كما احتملناه في الثاني، وبين أن نحتمل التعيين في أحدهما. وذلك لما ذكرنا في محله من انه إذا دار الامر بين التعيين والتخيير يدفع احتمال التعيين بالبراءة، وبه يثبت التخيير بينهما بعد العلم بوجوب التكفين قطعا وعدم التعين في احدهما بل لا تصل النوبة إلى الاصل العملي حينئذ لوجود المطلقات الدالة على أن الكفن ثلاثة اثواب وهي تشمل كل واحد منهما.


(1) تقدمت وتأتي في الفرع السادس الآتي.

[ 369 ]

[ (مسألة 6): يجوز التكفين بالحرير غير الخالص (1) بشرط أن يكون الخليط ازيد من الابريسم على الاحوط (2). ] وانما خرجنا عن إطلاقها عند التمكن من الكفن المأمور به بالاجماع أو بغيره حيث قلنا بعدم جواز التكفين بالمذهب أو ما لا يؤكل لحمه حينئذ. وأما عند دوران الامر بينهما فلا مقيد للاطلاق، ومقتضاه التخيير بين التكفين بهذا أو بذاك. التكفين بالحرير غير الخالص: (1) دون ما إذا كان الحرير محضا أو كان اكثر أو مساويا للخليط ولا يقاس المقام بجواز الصلاة في الحرير الممتزج حتى إذا كان الحرير اكثر وذلك. لان الدليل دل في باب الصلاة على المنع عن الصلاة في الحرير المحض فإذا كان مخلوطا بغيره - ولو كان الحرير اكثر - لم يكن حريرا محضا فتجوز الصلاة فيه. اللهم إلا أن يكون الحرير اكثر بمقدار يصير الخليط مستهلكا في الحرير لقلة الخليط ويصدق عليه الحرير المحض. وهذا بخلاف المقام لدلالة الرواية على البأس فيما إذا لم يكن الخليط اكثر. (2) الاحتياط لزومي، وذلك لمعتبرة الحسن بن راشد (1) الدالة


(1) الوسائل: ج 2 باب 23 من أبواب التكفين ح 1.

[ 370 ]

[ (مسألة 7): إذا تنجس الكفن بنجاسة خارجة أو بالخروج من الميت وجب إزالتها (1) ولو بعد الوضع في القبر بغسل أو بقرض إذا لم يفسد الكفن (2) وإذا لم يمكن وجب تبديله مع الامكان. (مسألة 8): كفن الزوجة على زوجها (3) ] على جواز التكفين بالممتزج مع الحرير إذا كان غير الحرير اكثر. (1) كما تقدم تفصيله في بحث غسل الميت. (2) قد تقدم هذا ايضا، وزاد في المقام تقييد بما إذا لم يفسد القرض الكفن، والوجه في هذا الاشتراط أن الكفن قد أخذ في مفهومه الستر فلو فرضنا ان القرض بمقدار يخرج الكفن عن كونه ساترا فلا يصدق على الباقي الكفن لم تشمله الرواية الآمرة بالقرض ولا اطلاق في الرواية ليشمله إذ لا كفن حينئذ. كفن الزوجة على زوجها: (3) والدليل عليه روايتان: (احداهما): موثقة السكوني عن جعفر عن آبائه (ع) ان

[ 371 ]

أمير المؤمنين (ع) قال: (علي الزوج كفن امرأته إذا ماتت) (1). وهي من حيث السند معتبرة لتوثيق الشيخ في عدته للسكوني، فلا مانع من الاستدلال بها، ودلالتها على المدعى ظاهرة. وما عن السيد في المدارك من توصيف الرواية بالضعف لا يمكن المساعدة عليه لما عرفت من اعتبارها نعم هي موثقة وليست بصحيحة لان السكوني أموي وغير امامي إلا انه موثق. (ثانيتهما): ما رواه الصدوق بطريقه الصحيح عن ابن محبوب عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: (ثمن الكفن من جميع المال، وقال: كفن المرأة على زوجها) (2). استدل بها صاحب المدارك على أن كفن الزوجة على زوجها. وقد اورد عليه في الحدائق بأن التتمة ليست من الرواية وانما هي من كلام الصدوق فتكون مرسلة كما هو داب الصدوق إذ انه كثيرا ما يرسل الروايات عنهم (ع) فيقول: قال الصادق (ع) أو قال الباقر (ع) وقد اشتبه الامر على صاحب المدارك وحسبها من الرواية المسندة. ويؤيده أن الكليني والشيخ رويا هذه الرواية من دون زيادة. ثم استشكل على جماعة - كشيخنا البهائي وصاحب الوسائل وغيرهم - حيث نقلوا الرواية عن الفقيه بالسند المذكور هكذا: (قال: كفن الزوجة على زوجها إذا ماتت) من دون نقل الجملة السابقة عليها، ولكنه في كتاب الوصية من الوسائل (3) نقل الرواية


(1) و (2) الوسائل: ج 2 باب 32 من أبواب التكفين ح 2 و 1. (3) الوسائل: ج 13 باب 27 من أبواب كتاب الوصية.

[ 372 ]

عن الصدوق مرسلة وهو من المناقضة في الكلام (1). فكأن نظره اختلف في البابين فبنى تارة على كونها مسندة وتارة على انها مرسلة إلا انه مناقضة ظاهرة لانها ان كانت مسندة فليست بمرسلة وان كانت مرسلة فليست بمسندة مع انه ليس للصدوق إلا رواية واحدة. وذكر انهم تبعوا في ذلك صاحب المدارك الذي اشتبه الامر عليه فالرواية مرسلة ولا اقل من احتمال كون الزيادة من كلام الصدوق ومعه لا يمكن الاعتماد عليها، هذه خلاصة ما اورده في المقام. والظاهر أن ما فهمه صاحب المدارك والوسائل وشيخنا البهائي وغيرهم هو الصحيح لان الزيادة لو لم تكن من الرواية الصحيحة وكانت مرسلة اخرى لم يحتج إلى ذكر العاطف (وقال) بل كان يلزمه أن يقول (قال) من غير عاطف كما هو دأبه في كتابه حيث يقول: (قال الصادق) (ع) أو (قال أبو الحسن) (ع) وهكذا. فذكرها مع العاطف عقيب الجملة السابقة ظاهر في أنه من الرواية الصحيحة كما فهمه الاعلام. ولا ينافي ذلك نقل الكليني والشيخ اياها من دون الزيادة إذ كثيرا ما تنقل الرواية عن بعض الرواة فاقدة لجملة وتروى عن آخر مشتملة على جملة زائدة، ولا يدل هذا على أن الزيادة من كلام الصدوق وانها رواية مرسلة. ومن المحتمل أن يكون الطريق الذي وصلت الرواية به إلى الكليني والشيخ لم يصل إليه مع الجملة الزائدة. والذي يسهل الخطب


(1) كذا امرني - دام ظله - بضبطه.

[ 373 ]

ان المستند لا ينحصر بهذه الرواية لاعتبار رواية السكوني عندنا وان كانت هذه الرواية معتبرة أيضا وقابلة للاستدلال بها كما ذكرنا تتميم: ذكرنا أن صاحب المدارك والوسائل وشيخنا البهائي وغيرهم (قدس الله اسرارهم) ذهبوا إلى أن الجملة الثانية من الرواية لكن ناقش فيه صاحب الحدائق وذكر أنها رواية مستقلة مرسلة واستظهره شيخنا الانصاري وكذا السيد البروجردي في (جامع الروايات) إلا أن الصحيح هو ما فهمه صاحبا المدارك والوسائل فانا قد تتبعنا كتاب من لا يضره الفقيه فرأينا أن عادة مؤلفه جرت على ذكر الرواية الاولى من دون عاطف وذكر الرواية الثانية بعاطف، مثلا يقول: سأل سليمان بن خالد أبا عبد الله (ع). وبعد ذلك يقول (وقال الصادق) (ع) (1) أو سأل أبو بصير أبا عبد الله (ع) عن الرجل. وبعد ذلك يقول (وقال الصادق) (2) أو يقول: وسأل الصادق (ع) عن المشوهين.. ثم يقول: وقال الصادق (ع) (3) وهكذا وعليه ففي المقام يحتمل أن يكون قوله (وقال: كفن المرأة على زوجها إذا ماتت) معطوفا على (قال: ثمن الكفن من جميع المال) فهما رواية واحدة، كما يحتمل كونها معطوفة على اصل الرواية فتكون الرواية مستقلة مرسلة فكلا الاحتمالين وارد في المقام. إلا أن قرب قوله (وقال.) من الجملة الاولى ظاهر في انهما


(1) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 98 (2) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 64 (3) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 53.

[ 374 ]

[ ولو مع يسارها (1) ] رواية واحدة كما فهمه صاحب المدارك وغيره. بل قد جرت عادة الصدوق (قده) في كتابه على عدم عطف الرواية المرسلة على المسندة - كما في المقام حيث انه روى الرواية مسندة ثم قال (وقال: كفن المرأة). حيث لا يعهد مثل ذلك في كتابه بل هو امر غير مناسب في نفسه فمن عطف (وقال) من غير اسناده إلى الامام (ع) على الجملة السابقة المسندة إلى الامام (ع) نستكشف انهما رواية واحدة. ثم ان هذه الرواية وان حكم بصحتها صاحب المدارك (قده) إلا أن الحكم بالصحة مورد للمناقشة وذلك لان الرواية يرويها الصدوق بطريقة عن ابن محبوب. وفي طريقه إليه: محمد بن موسى المتوكل وقد وثقه العلامة وتبعه في ذلك من تبعه وحيث ان الفاصل بين العلامة والرواة طويل والزمان كثير فلا يمكننا الاعتماد على توثيقات العلامة (قده). نعم: ذكر النوري (قده) أن الرجل (أو الطريق) متفق على وثاقته إلا انه اجتهاد ونظر منه، ومعه لا يمكننا الاعتماد على الرواية بوجه (1). (1) لاطلاق الروايتين، ولا ينافي ذلك ما ورد في جملة من


(1) وقد رجع عن ذلك - دام ظله - واستظهر في المعجم ج 17 ص 319 ان محمد بن موسى بن المتوكل ثقة يعتمد عليه فليلاحظ.

[ 375 ]

الروايات (1) من أن الكفن يخرج من اصل المال مقدما على الدين والوصية والارث نظرا إلى انه يدل على ان كفن الزوجة يخرج من اصل مالها إذا كان لها يسار. والوجه في عدم المنافاة أن مادل على أن كفن الزوجة على زوجها اخص مطلقا من تلك الطائفة ومعه لابد من تخصيص خروج الكفن من اصل المال بغير الزوجة لان كفنها على زوجها. وهذا من غير فرق بين ان تكون الجملة الثانية في رواية الصدوق جزءا من الرواية أم لم تكن لان المدار انما هو على النسبة بين الطائفتين - كانتا متصلتين أم منفصلتين - على أنا لو اغمضنا النظر عن كون النسبة عموما مطلقا وفرضناهما متباينتين أيضا يلزمنا تقديم ما دل على الكفن يخرج من المال على تلكم الطائفة. إذ لو عكسنا الامر وعملنا بتلك الطائفة للزم حمل الروايتين على أن كفن الزوجة على زوجها بما إذا لم يكن للزوجة مال ولو بمقدار الكفن، وهذا نادر في نادر. واطلاق الكلام المطلق وارادة الفرد النار منه مستهجن جدا فلا يمكن حملهما على تلك الصورة النادرة


(1) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب التكفين وج 13 باب 27 و 28 من أبواب الوصايا وغيرها.

[ 376 ]

[ من غير فرق بين كونها كبيرة أو صغيره (1) أو مجنونة أو عاقلة، حرة أو أمة (2)، مدخولة أو غير مدخولة، دائمة أو منقطعة، مطيعة أو ناشزة (3). ] التسوية بين اقسام الزوجة: (1) الحم في الصغيرة وغير المدخول بها مما لا شبهه فيه لعدم تقييد الروايتين بالكبر أو بالدخول فاطلاقهما بالاضافة إلى الصغيرة وغير المدخول بها مما لا مناقشة فيه. (2) لاطلاق الدليل أيضا، ولا ينافيه مادل على ان المملوكة والابن لا يستحقان الزكاة لانهما عيال للمالك والوالد كما يأتي عند التكلم في أن كفن المملوكة على مالكها. وذلك لان كون المملوكة عيالا انما هو ما دام لم تتزوج واما مع كونها زوجة للغير فهي عيال لزوجها لا لمالكها فتشملها اطلاق الروايتين. (3) وذلك لاطلاق النص لا لاجل وجوب النفقة على الزوجة ليقال ان المناشزة والمنقطعة غير واجبتي النفقة. بل إن مادل على وجوب انفاق الزوج على زوجته من أن عليه أن يكسو عورتها ويقيم ظهرها في الدائمة والمطيعة قاصر الشمول لما بعد الحياة لاختصاصه بحال الحياة فإذا ماتت انقطعت الزوجية وسقط وجوب الانفاق عليها.

[ 377 ]

ومن هنا - أي من اجل انقطاع الزوجية - جاز أن يتزوج بالخامسة أو بأخت الزوجة المتوفاة إذ لا تجب العدة على الزوج وانما تجب على الزوجة إلا في مورد واحد حيث تجب فيه العدة على الزوج للنص وهو ما إذا كانت الزوجة منقطعة فانه بعد انقضاء مدتها أو هبتها لا يجوز له أن يتزوج بأختها حتى تنقضي عدتها هذا. ولكن يمكن المناقشة في الحكم بوجوب كون كفن الناشزة أو المنقطعة على الزوج بما ورد فيها (1) من ان الناشزة والمنقطعة لا يجب على الزوج الانفاق عليهما وليس لهما على الزوج شئ فانه ليس بقاصر الشمول لما بعد الحياة ولو اغمضنا عن ذلك وفرضناهما متعارضين (2) فلابد من الحكم بتساقطهما على الرجوع إلى اصل البراءة أو اطلاق ما دل على أن الكفن يخرج من اصل المال فلا يجب على الزوج على كلا الحالين. وتدل هذه الروايات أيضا على انه لا يجب على الزوج الانفاق على الناشزة والمنقطعة فكأنه لا حساب بينهما بوجه فلا يجب عليه كفنهما ولعل من توقف في المسألة أو جزم بعدم وجوب كفن الناشزة والمنقطعة على الزوج نظر إلى ما ذكرناه.


(1) الوسائل ج 15 باب 6 من أبواب النفقات وج 14 باب 45 من أبواب المتعة. (2) أي مادل على أن كفن الزوجة على زوجها وما دل على انه لا نفقة للناشز والمنقطعة على الزوج فرضناهما متعارضين.

[ 378 ]

[ بل وكذا المطلقة الرجعية (1) دون البائنة. ] تعميم الحكم للمطلقة الرجعية: (1) استدل على ذلك بان المطلقة الرجعية زوجة وحيث ان التنزيل عام فيمكننا الحكم بترتيب جميع آثار الزوجية على المطلقة الرجعية التي منها كون كفنها على زوجها. نعم: المطلقة بالطلاق البائن خارجة عن هذا الحكم لانقطاع العصمة بينهما كما في بعض الاخبار (1). و (فيه): ان كون المطلقة الرجعية زوجة لم يثبت في شئ من الروايات صحيحها وسقيمها وانما هو من كلمات الفقهاء (قدهم) وقد اعترف بذلك في الحدائق في كتاب النكاح وذكر أن الجملة لا رواية لها (فليراجع). ومع ذلك فالحكم كما ذكروا وأن كفن المطلقة الرجعية على زوجها والوجه فيه هو ان المطلقة الرجعية زوجة حقيقة لا انها منزلة منزلتها فان الطلاق وان انشأه الزوج فعلا إلا أنه لا يترتب عليه الاثر عند الشارع الا بعد انقضاء عدتها، كما ان الملكية التي ينشأها المتبايعان بالفعل في بيع الصرف والسلم لا يترتب الاثر عليها شرعا إلى بعد القبض والاقباض.


(1) الوسائل: ج 17 باب 13 من أبواب ميراث الازواج.

[ 379 ]

[ وكذا في الزوج لا فرق بين الصغير والكبير (1) ] وكذلك الحال في الهبة - بناءا على ما هو المشهور الصحيح من توقف الملكية فيها على القبض. وكذا الحال في البيع الفضولي بناءا على ان الاجازة ناقلة، ورجوع الزوج في تلك المدة رجوع عما انشأه لا أنه رجوع في الزوجية بمعنى انها زالت ثم عادت برجوعه. والوجه في كونها زوجة حقيقة قوله عليه السلام: (إذا انقضت عدتها فقد بانت منه) (1) ويكون مفهومها (إذا لم تنقضي عدتها فانها لم تبن بعد منه). فهي في زمن العدة زوجة حقيقة ومن ثمة لو جامعها زوجها بقصد الزنا وكونها اجنبية عنه كان هذا رجوعا ومصداقا للرجعة ولا يكون من الزنا، ومعه يكون كفنها على زوجها لا محالة. التسوية بين اقسام الزوج: (1) استدل على ذلك باطلاق معتبرة السكوني أو بكلتي روايته (2) لعدم تقييدهما بما إذا كان الزوج كبيرا. و (فيه) ان الاخبار الواردة في رفع القلم عن الصبي حتى


(1) راجع الوسائل: ج 15 باب 1 من أبواب اقسام الطلاق واحكامه. (2) تقدمتا في الفرع 8.

[ 380 ]

يحتلم وعن المجنون حتى يفيق ظاهرة في أن المرفوع عن الصبي مطلق قلم التشريع والقانون وانه مرفوع القلم من جميع الجهات الاعم من الوضع والتكليف لدلالتها على أن قلم القانون لم يجر في حقه. فدعوى اختصاصه بالتكليفات بلا موجب وخلاف اطلاقها. ومقتضى تلك الاخبار أن الصبي لا تكليف في حقه ولا وضع. نعم خرجنا عن اطلاقها في بعض الموارد من جهة الدليل الخارجي كباب الضمان عند اتلاف الصبي مال الغير حيث حكمنا بضمان الصبي للعلم بان مال المسلم لا يذهب هدرا، ولا طلاق مادل على أن من اتلف مال غيره فهو له ضامن. وكذا حال الجنابة التي موضوعها دخول الحشفة أو نزول المني فإذا تحقق دخول الحشفة في الصبي تحققت الجنابة في حقه واطئا كان أم موطوءا، ووجب عليه الاغتسال بعد بلوغه. وكذا حال النائم الذي يحتلم في منامه فانه لا يكلف بغسل الجنابة إلا إذا استيقظ وعلى الجملة: لا فرق في هذه الموارد بين الصبي وغيره. واما في غيرها فمقتضى اخبار الرفع المذكورة: عدم كون الصبي مشمولا لشي من القوانين التكليفية أو الوضعية. وعليه فما ورد في المعتبرة من أن كفن المرأة على زوجها إذا ماتت وان كان ظاهره الوضع لما بيناه من ان المتعلق للفظة (على) قد يكون من الافعال كقولك (من فعل كذا فعليه ان يعيد صلاته) وظاهره التكليف. وقد يكون المتعلق من غير الافعال اي من الجوامد كقوله (على

[ 381 ]

[ والعاقل والمجنون فيعطي الولي من مال المولى عليه. ] اليد ما اخذت) اي المال المأخوذ وحيث لا يمكن التعلق في الجوامد فيقدر مثل (كائن أو ثابت) أي المال المأخوذ ثابت على اليد وظاهره الوضع. والمقام من هذا القبيل لقوله في المعتبرة (على الزوج كفن امرأته) أي ثابت عليه، وتقدير (اعطاؤه أو اخراجه عليه) خلاف الظاهر لا يمكن المصير إليه، إلا أن مقتضى اطلاق الخبر المتقدم ان الصبي لا تكليف في حقه ولا وضع فلا يكون اطلاق معتبرة السكوني شاملا له هذا ثم لو سلمنا اختصاص خبر الرفع برفع التكليف فقط فيشمل النص المعتبر الصبي بحسب اطلاقه (على الزوج كفن امرأته). فنقول: ما فائدة هذا الاطلاق والشمول فان الصبي مادام لم يبلغ لا تتوجه إليه التكاليف بوجه ومنها تكليفه باخراج الكفن لزوجته التي ماتت؟! وقد يدعى كما في المتن أن الولي هو الذي يخرج الكفن من مال الصبي كما هو الحل في سائر ديونه وضماناته فانه لا يكلف الصبي باخراجها مادام صبيا بل وليه الذي يؤدي ديونه وضماناته ويخرج ذمة الصبي منها. لكن التحقيق ان الولي غير مكلف أيضا وذلك لانه لا يقاس المقام بسائر الديون والضمانات التي هي ثابتة على ذمة الصبي إلى الابد ولاتفرغ ذمته إلا بادائها. فلا محذور في تصدي الولي بافراغ ذمته قبل البلوغ إذ أن فيه

[ 382 ]

[ (مسألة 9): يشترط في كون كفن الزوجة على الزوج أمور: ] مصلحة الافراغ ولا اقل من انه ليست فيه مفسدة بعد لزوم اخراج الدين من مال الصبي شرعا فلا ضرر عليه. واما في المقام فليس للولي اخراج الكفن لزوجة الصبي لانه ضرر على الصبي وليس ثبوت الكفن على الزوج يعنى كونه دينا للزوجة عليه بحيث لو لم يكفنها وصل الكفن إلى ورثة الزوجة. بل هو تكليف مالي خاص بمعنى انه يجب عليه اخراج هذا المقدار من ماله ليصرف في كفن زوجته وحسب، بحيث لو انتفى موضوع الكفن سقط عن ذمة الزوج كما لو بذله شخص آخر أو عصى الزوج فدفنها عارية فتلاشت اجزاؤها فانه يسقط الامر بالتكفين حينئذ. فالامر باخراج الزوج الكفن تكليفت مالي موقت يسقط بعد ذلك ولا يبقى إلا الابد كما في بقية الديون فأية مصلحة في تصدي الولي لاخراج الكفن من مال الصغير بل فيه الضرر والمفسدة لانه لو لم يخرجه لسقط عن الصبي بعد مدة قليلة، إذا لا فائدة في جعل الحكم شاملا للزوج الصغير، ومع عدم الفائدة يكون جعله على نحو الاطلاق الشامل للصبي لغوا لا اثر له.

[ 383 ]

[ أحدها: يساره (1) بأن يكون له ما يفي به أو ببعضه زائدا عن مستثنيات الدين، وإلا فهو أو البعض الباقي في مالها. ] شرائط كون الكفن على الزوج: (1) دليلهم على هذا الشرط مادل على أن المعسر ينظر إلى ميسرة وأن الدار والخادم وامثالهما مستثنيات من الدين (1). وفيه: ما اشرنا إليه آنفا من أن كون الكفن على الزوج ليس من قبيل الديون وانما هو تكليف فعلي فوري يسقط بعد مدة ولا معنى في مثله للقول بوجوب انظاره ومطالبته بالكفن بعد سنة مثلا. وما دل على انظار المعسر واستثناء الدار والخادم ظاهر الاختصاص بالديون المستمرة في الذمة إلى أن تؤدى، وظاهر الدلالة على عدم جواز مطالبته بالدين إلى زمان التمكن واليسار ولا يباع لاجلها الدار والخادم وامثالهما. وهذا لا يأتي في المقام كذلك. اذن فاطلاق قوله (على الزوج كفن امرأته إذا ماتت) هو المحكم بلا فرق بين يسار الزوج واعساره فإذا لم يكن موسرا بالمعنى الذي ذكره الماتن (قده) وجب أن يستقرض أو يبيع خادمه أو داره أو غيرهما مما يملكه امتثالا لهذا


(1) راجع الوسائل: ج 13 باب 25 و 11 من أبواب الدين والقرض.

[ 384 ]

[ الثاني: عدم تقارن موتهما (1). الثالث: عدم محجورية الزوج قبل موتها بسبب التفليس (2). الرابع: أن لا يتعلق به حق الغير من رهن أو غيره. الخامس: عدم تعيينها الكفن بالوصية (3) ] التكليف الفوري اللهم إلا ان يكون بيعه للخادم أو الدار حرجا في حقه - أي لا يمكن التعيش من دون خادم إلا بالمشقة والحرج - فينتفي وجوب بيعه بدليل نفي الحرج وإلا فيجب بيعه وتحصيل الكفن بمقتضى اطلاق المعتبرة ولو كان عسرا غير حرجي (1) لان المعتبرة فرضت زوجا بعد المرأة ودلت على أن كفنها على زوجها، فمع عدم بقاء الزوج بعدها وموته مقارنا لموتها لا موضوع للرواية بوجه - بمعنى انها دلت على وجود زوج مفروض الوجود. ومع موته لا زوج ليكون الكفن ثابتا عليه. (2) اشتراط عدم الحجر على الزوج بفلس أو رهن متفرع على اشتراط اليسار في الزوج وقد عرفت المنع فيه، ومعه إذا كان الزوج محجورا بفلس أو رهن وجب أن يستقرض ويحصل به الكفن لزوجته. (3) الظاهر أن مراده هو ما إذا عمل بوصيتها وكفنت بما اوصت به، ومن الظاهر عدم كون الكفن على الزوج حينئذ لانه نظير ما إذا تبرع متبرع بكفنها ولا اشكال في سقوط الكفن بذلك عن الزوج فان الكفن انما يكون على

[ 385 ]

[ (مسألة 10): كفن المحللة على سيدها لا المحلل له (1). ] الزوج فيما إذا كانت عارية غير مكفنة واما مع التكفين فلا معنى لكون الكفن عليه، لا أن مراده سقوط الكفن عن الزوج بمجرد الوصية وان لم يعمل بها في الخارج لوضوح أن مجرد الوصية لا يسقط لزوم الكفن عليه. المحللة كفنها على سيدها: (1) هذا ينحل إلى قضيتين: ايجابية وسلبية. أما الايجابية فهي كون الكفن للمحللة على سيدها وسيأتي الكلام عليه عن قريب. واما السلبية فهي عدم كون كفنها على المحلل له وذلك لوضوح أن المحلل له ليس بزوج وانما التحليل من فروع ملك اليمين لان الحلية به - أي كما ثبت الحل في حق المالك كذلك ثبت لمن حللها له - فهو ليس بمالك ولا زوج فلا يكون كفنها عليه.

[ 386 ]

[ (مسألة 11): إذا مات الزوج بعد الزوجة وكان ما يساوي كفن أحدهما قدم عليها (1) حتى لو كان وضع عليها فينزع منه (2). ] عند الدوران يتقدم تكفين الزوج: (1) لما مر من أن الكفن يخرج من اصل التركة مقدما على باقي الحقوق والديون والوصايا والارث، وهذا فيما إذا لم يكن للزوج مال يفي بكفنها وكفنه معا، وإلا فتكفن هي ويكفن هو. (2) أي فيما إذا مات الزوجة وكفنت بكفن الزوج فمات الزوج قبل دفن الزوجة ولم يكن له كفن آخر. والوجه في جواز نزعه عنها أو وجوبه ان الكفن لا يخرج من ملك الزوج بتكفينها بل هو باق في ملكه وانما ثبت عليه طبيعي الكفن ولم يثبت عليه الفرد وشخص الكفن. ولا يقاس هذا بباب الديون المتعلقة بالذمم حيث يتشخص في الفرد المدفوع للدائن لان التعيين والتشخيص انما يتحقق برضاء الطرفين وكأنه عقد جديد. وأما في المقام فلا موجب للتعيين بل الفرد باق على ملك الزوج. والذي يدل على ذلك أمران: (أحدهما) ان للزوج حق تبديل الكفن بعد تكفين زوجته به

[ 387 ]

فلو كان ما كفنها به ملكا لها لم يجز للزوج تعويضه بوجه. و (ثانيهما) ان الزوجة المتوفاة لو ذهب بها السيل بعد تكفينها وبقي كفنها أو اكلها السبع وبقي كفنها لا اشكال في رجوع الكفن إلى الزوج ولا ينتقل إلى ورثتها - كما سيتعرض له الماتن عن قريب - ولا وجه ذلك إلا كون الكفن باقيا على ملك الزوج، ولما لم يكن للزوج كفن فينزع عنها ويكفن به الزوج، فما أفاده الماتن (قده) على طبق القاعدة. مناقشة جديدة: على ان لنا مناقشة أخرى في المقام وهي ان الرواية الدالة على ان كفن المرأة على زوجها ليست مشكلة اي معربة فيحتمل أن تكون الرواية دالة على أن التكفين على الزوج لا الكفن بان تقرء (الكفن) بسكون الفاء الذي هو بمعنى التكفين لا الكفن بفتح الفاء الذي هو اسم لما يلبس به الميت. وعليه فتدل الرواية على الحكم التكليفي وان التكفين واجب على الزوج من دون أن تدل على الوضع وكون الكفن على ذمة الزوج بان يكون ملكا أو متعلقا لحق الزوجة. هذا. وقد يقال: ان صدر رواية الفقيه: (ثمن الكفن يخرج من جميع المال) قرينة على ان المراد بالكفن في الجملة الثانية مفتوح الفاء لا ساكنها لانه في الجملة الاولى مفتوح الفاء إذ لا يحتمل فيه السكون

[ 388 ]

فانه لا ثمن للكفن - بالسكون اي التكفين - وانما الثمن للكفن بالفتح. ويندفع: بان هاتين الجملتين لم تردا في رواية واحدة لتحتمل قرينية الاول للثاني، وانما هما روايتان نقلهما عبد الله بن سنان بطريق واحد وقد صدرت إحداهما في زمان والاخرى في زمان آخر وانما الراوي جمعهما في النقل فهو من الجمع في الرواية لا المروي، وكان هذا كثيرا قبل تبويت الاحاديث فان الراوي ينقل حكما من باب الصلاة وآخر من باب الصوم وثانيا لباب ثالث بقوله وقال. وقال. وانما قطعت للتبويب. (وأخرى) يقال: ان وصول الروايات إلى الصدوق كان بالقراءة لا بالكتابة، والقراءة كانت واحدة لا معنى للتردد فيها. وفيه: انا لو سلمنا ان رواية الصدوق لتلك الاخبار بأجمعها كانت على نحو القراءة فلا اشكال في أن الرواية وصلت منه الينا بالكتابة لا مرددة بين احتمالي القراءة والكتابة. ثالثا يقال: ان أمر اللفظ إذا دار بين ان يكون اسم عين أو مصدر يتعين كونه اسم عين، وأجاب عنه دام ظله: بانه من المضحكات فانه لم يقم عليه أي برهان (1). هذا. ثم ذكر دام ظله: إنا تتبعنا الاخبار لنرى أن الكفن بالسكون هل هو مستعمل فيها أو لم يستعمل إلا بالفتح، ورأينا أن ما يحتمل فيه الوجهان - اي يمكن قراءته بالفتح كما يصح بالسكون - كثير. وقد استعمل اللفظ في خصوص الكفن - بالسكون بمعنى التكفين - في جملة من الاخبار.


(1) وقد امرني - دام ظله - ان لا احرر الوجه الثالث لوهنه.

[ 389 ]

منها: ما ورد في الوسائل في الباب الاول من أبواب الاغسال من قوله (ع) (فانه أمرني بغسله وكفنه ودفنه وذا سنة). وما ورد في الباب الثاني عشر من تلك الابواب من قوله: قال: سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل واللحد والكفن؟ قال: نعم. وما ورد في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي (ع) من قوله: إذا أنا مت فاسبق لي سبع قرب من ماء بئر غرس فاغسلني وكفني وحنطني فإذا فرغت من غسلي وكفني وتحنيطي فخذ بمجامع كفني واجلسني (1). فانه في تلك الموارد مستعمل بالسكون إذا لا معنى لقراءته بالفتح. إذن ففي المقام يحتمل القراءة على وجهين فإذا قرئت بالفتح يكون الثابت على ذمة الزوج عين الكفن، وإذا قرئت بالسكون يكون الواجب هو التكفين وتحصيل الكفن يكون مقدمة للامتثال. وبه تصير الرواية مجملة فلا يمكن الحكم باخراجه من مال الزوج الصغير إذا ماتت زوجته تمسكا بالاطلاق. ومعه إذا مات ولم يكن له كفن لا اشكال في لزوم نزعه عنها وتكفين الزوج به لانه ملكه. وبهذا يتضح عدم كون الصبي أو المجنون مشمولا للرواية لرفع القلم عنهما وعدم تكليفهما. بل على هذا لو ماتت الزوجة ثم مات الزوج قبل تكفينها لم يجب تكفينها من ماله وان كان موسرا لسقوط التكليف عنه بموته. نعم لو قرأناه بفتح الفاء كانت الرواية ظاهرة في الوضع لان


(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب غسل الميت.

[ 390 ]

[ إلا إذا كان بعد الدفن (1). (مسألة 12): إذا تبرع بكفنها متبرع سقط عن الوجوب (2). (مسألة 13): كفن غير الزوجة من أقارب الشخص ليس عليه وان كان ممن يجب نفقته عليه (3) بل في مال الميت وان لم يكن له مال يدفن عاريا. ] المتعلق للجار ليس من قبيل الافعال. كما ان كلمة (على) ظاهرة في كون المال على ذمة المتصرف في قوله (عليه اليد ما أخذت) وكذلك الحال في المقام. (1) اما لعدم جواز النبش إلا في موارد مستثناة وليس منها المقام وإما لان قوله (ع) (على الزوج كفن امرأته إذا ماتت) يقتضي تكفينها وبعد تحققه وحصول الامتثال يحتاج ارجاع الكفن إلى الزوج إلى دليل. (2) لان اللازم هو تكفينها، وهذا يتحقق إذا كانت عارية غير مكفنة واما إذا كفنت فيسقط عن الزوج التكفين لا محالة إذ لا موضوع له. كفن غير الزوجة من الاقارب: (3) وعن العلامة (ره) وجوبه على من تجب نفقته عليه ولم

[ 391 ]

يستبعده المحقق الهمداني (قده) نظرا إلى الاستصحاب حيث قال:. فلا مانع من الالتزام بالوجوب فيهم - في سائر واجبي النفقة - بمقتضى الاستصحاب، بتقريب أن الميت كانت نفقته واجبة عليه قبل الممات والآن كما كان الاصل. وفيه: أولا: انه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية ولا نقول به. وثانيا: ان مادل على وجوب النفقة يختص بحال الحياة ولا يشمل لوازمه بعد الممات فان ظاهر النفقة هو ما يحتاج إليه الانسان في حياته من المأكل والملبس والمسكن فلا تشمل المؤنة اللازمة بعد الموت فلا موضوع حتى يستصحب حكمه لما بعد الممات. وعليه لا دليل على وجوب الكفن على الرجل في غير الزوجة وان كان ممن تجب نفقته عليه. بل مقتضى ما دل (1) على ان الكفن يخرج من أصل التركة ان كفن أحد يخرج من مال نفسه، هذا. لكن لا يبعد القول بوجوبه عليه إذا كان الميت ممن تجب نفقته. عليه ولم يكن له مال. وذلك لان صحيحة عبد الرحمن (2) الواردة في المنع عن اعطاء الزكاة إلى الزوجة والابوين والولد والمملوكة ونحوهم معللا بأنهم عياله ويلازمونه مطلقة تشمل المعارف اللازمة لهم في حال الحياة وبعده. لانه معنى كونهم عيالا له أي معول عليهم وكون مصارفهم عليه


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب التكفين وج 3 باب 28 و 27 من أبواب الوصايا وغيرها. (2) الوسائل: ج 6 باب 13 من أبواب المستحقين للزكاة ح 1.

[ 392 ]

[ مسألة 14): لا يخرج الكفن عن ملك الزوج بتكفين المرأة (1) فلو أكلها السبع أو ذهب بها السيل وبقي الكفن رجع إليه ولو كان بعد دفنها. ] ولا سيما بملاحظة قوله (يلازمونه) أي لا ينفكون عنه فانه يشمل ما بعد الحياة كما يشمل حال الحياة فلو احتاجوا إلى نفقة بعد الموت وجب عليه القيام بها، وهذا لو لم يكن اقوى فلا أقل من كونه أحوط. ومعه لا مجال لقوله في المتن: وان لم يكن له مال يدفن عاريا لانه خلاف الاحتياط لو لم يكن خلاف النص. عدم خروج الكفن عن ملك الزوج بالتكفين: (1) لما بناءا على قراءة الكفن بسكون الفاء فلان الواجب على الزوج هو التكفين وحسب من دون أن يكون عين الكفن ملكا للزوجة وأما بناءا على قراءته بالفتح فلما قدمناه من أنه وان كان ظاهرا في الوضع إلا أن غاية ما يستفاد منه أن ملك الزوجة هو طبيعي الكفن لا الفرد منه، وتعيين الزوج للكفن الذي يدفعه لتكفينها به لا يوجب التشخيص وصيرورة الكفن الخارجي ملكا لها، فالكفن باق على ملك الزوج فإذا أكل السبع جسد الزوجة أو ذهب السيل به فيرجع الكفن إلى مالكه لا محالة، إذ لا موضوع ليلزم تكفينه أو اعطاؤه الكفن.

[ 393 ]

[ (مسألة 15): إذا كان الزوج معسرا كان كفنها في تركتها (1) فلو أيسر بعد ذلك ليس للورثة مطالبة قيمته (2). ] الزوج المعسر: (1) هذا على مسلكه (قده) صحيح وكذلك إذا كان حرجيا على الزوج وإلا فيجب تحصيل الكفن على الزوج لزوجته على ما سبق بيانه مفصلا. إذا ايسر الزوج المعسر بعد الدفن: (2) ذكر بعضهم في وجهه أن الكفن لو سلمنا كونه ملكا للزوجة لا ينتقل إلى الورثة لان مادل على ان الميت ان ترك خيرا ينتقل إلى ورثته والاقربين مختص بما إذا كان المال ملكا للميت في حال الحياة. واما ما يصل إليه بعد الموت فلا دليل على انتقاله إلى الورثة إذ لا يصدق عليه (ترك خيرا). واما انتقال الدية إلى الورثة فقد ثبت بالنص الخاص وإلا فمقتضى القاعدة عدم الانتقال لما ذكرنا.

[ 394 ]

وفيه: إن الانتقال إلى الورثة لا يختص بالاموال التي ملكها الميت في حياته بل يعمها والاموال المنتقلة إليه بعد موته كالدية وغيرها. والوجه في ذلك ان مثله وان لم يصدق عليه (ما تركه الميت) إلا ان التعليل الوارد في ذيل النص الدال على انتقال الدية إلى ورئة الميت يدلنا على ان مطلق مال الميت ينتقل إلى ورثته حيث علل بأن الدية مال الميت فهي لورثته. والنص موثقة اسحاق بن عمار عن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إذا قبلت دية العمد فصارت مالا فهي ميراث كساير الاموال (1) فان قوله صلى الله عليه وآله (فصارت مالا فهي ميراث،.) صغرى وكبرى. وهذا يدل على أن كلما يصل إلى الميت يكون كسائر أمواله ويكون ميراثا، هذا. على أن قوله تعالى (واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (2) يدل على ذلك مع قطع النظر عن التعليل. وذلك لان الدية مال للميت وهذا لا اشكال فيه، وحينئذ فماذا يصنع به فان الميت لا يمكنه التصرف فيه فلابد اما ان يعطى للاجنبي وإما أن يعطى للورثة أو يبقى معطلا. لا وجه لاخير ومقتضى قوله تعالى (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) انه لابد من اعطائه للورثة لا إلى الاجنبي. فالصحيح في وجه ما ذكره الماتن (قده) أن يقال: انه بناءا على قراءة الكفن بالسكون لا شبهة في انه لا موجب لكون الكفن


(1) الوسائل: ج 17 باب 14 من ابواب موانع الارث. (2) سورة الانفال 8 الآية 75.

[ 395 ]

[ (مسألة 16): إذا كفنها الزوج فسرقه سارق وجب عليه مرة أخرى (1) بل وكذا إذا كان بعد الدفن على الاحوط. ] مالا للزوجة حتى ينتقل إلى ورثتها ويطالبون الزوج بالكفن في مفروض المسألة. واما بناءا على قراءة الكفن بالفتح فلان ما يلزم على الزوج هو اعطاء الكفن بما هو كفن للزوجة لا ذات الكفن فمع تكفين الزوجة من مالها أو من مال شخص آخر أو دفنها عارية أو ذهاب السيل بها أو غير ذلك لا يلزمه شئ - اي المال المصروف في الكفن - لانها قد كفنت ولا معنى للكفن بعد الكفن فقد انعدم الموضوع ولم تشتغل ذمة الزوج بأصل الماء ليطالب به حينئذ وانما كان يلزمه اعطاء الكفن بعنوان كونه كفنا وهو غير محقق في المقام. إذا كفنها الزوج فسرق الكفن (1) لان الواجب على الزوج هو كفن الزوجة حدوثا وبقاءا ولا يكفي الحدوث فقط لانه بعد ما سرق كفنها هي زوجة وعلى زوجها كفنها أو يجب عليه أن يكفنها، وهذا مما لا اشكال فيه، وانما كلام فيما إذا سرق كفنها بعد الدفن فهل يجب على زوجها ان يكفنها ثانيا أولا يلزمه ذلك على قرائتي الفتح والسكون.

[ 396 ]

[ (مسألة 17): ما عدا الكفن من مؤن تجهيز الزوجة ليس على الزوج على الاقوى (1) وان كان أحوط. ] قد يقال بوجوبه للاستصحاب لانها كانت واجبة الكفن قبل ان تدفن والاصل ان تكون الآن كما كانت. وفيه: أولا: انه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية ولا نقول به. وثانيا: إن المأمور به وضعا أو تكليفا على الخلاف انما هو الكفن قبل الدفن وقد امتثل الزوج وسقط الامر لانها قد كفنها الزوج ودفنت. واما الكفن بعد الدفن فهو مشكوك الوجوب أو الثبوت من الابتداء فلا حالة سابقة كي تستصحب. اللهم إلا على نحو التعليق بأن يقال: ان الزوجة المدفونة على الفرض لو كان سرق كفنها قبل دفنها لوجب على زوجها أو ثبت عليه كفنها والاصل يقتضي انها بعد الدفن كذلك، والاستصحاب التعليقي لا حجية فيه نعم هو احوط. ولا ينافيه حرمة النبش لاجل تكفينها وذلك لان حرمته انما ثبتت بالاجماع مراعاة لاحترام الميت وعدم هتكه بالنبش ومن الظاهر أن النبش للتكفين نوع احترام للميت وليس هتكا بوجه فلا يشمل الوجه لمثله. حكم سائر المؤن عدا الكفن: (1) إذا كان للزوجة مال يفي بسائر المؤن لتجهيزها فالامر كما

[ 397 ]

افاده (قده) لان مقتضى معتبرة السكوني وزرارة الآتيتين الدالتين على خروج الكفن من اصل المال مقدما على ديونه ووصاياه وورثته: أن كفن كل أحد وسائر مؤن تجهيزه على ماله. وسنبين أن ذكر الكفن فيهما من باب المثال فكون الكفن أو غيره من المؤن من مال شخص آخر خلاف القاعدة. إلا انا خرجنا عن ذلك في خصوص الكفن لمعتبرة السكوني والصدوق المتقدمتين (1) وغير الكفن لم يقم دليل على لزومه على الزوج. وحمل الكفن فيهما على المثال يحتاج إلى دليل لان معنى الكفن ظاهر ولا يطلق على سائر المؤن ولا دليل عليه بخلاف الكفن في المعتبرتين الآتيتين لزرارة والسكوني لوجود القرينة فيهما على حمل الكفن على المثال. واما إذا لم يكن للزوجة مال يفي بتجهيزها فلا يبعد الحكم بوجوب سائر مؤن التجهيز على الزوج لصحيحة عبد الرحمن (2) المتقدمة الدالة على أن الزوجة والام والاب والابن والمملوك لا يعطى لهم الزكاة لانهم عيال الرجل ويلازمونه. فان معنى العيال وكونهم لازمين له انهم لازمين له في مؤنهم ومصارفهم وأن معونتهم على ذمته وهو متعهد بها كما هو معنى كون شخص عيالا لآخر تقول: عال اهله أي - قام بمعيشتهم ومصارفهم - وكونهم لازمين له لا يختص بحال الحياة فيجب عليه القيام بجميع


(1) تأتيان في الفرع 19 فلا حظ. (2) تقدمت في الفرع 8. (3) تقدمت في الفرع 13.

[ 398 ]

[ (مسألة 18): كفن المملوك على سيده (1) وكذا سائر مؤن تجهيزه إلا إذا كانت مملوكة: مزوجة فعلى زوجها كما مر. ولا فرق بين اقسام المملوك (2) وفي المبعض ] مؤن تجهيز الزوجة إذا لم يكن لها مال يفي بذلك. المملوك كفنه على سيده: (1) وهذا لا لاجل الاجماع، ولا لان منافعه ملك لسيده ومعه يستقل العقل بكون مؤن تجهيزه على السيد - كما ذكره المحقق الهمداني (قده) - وذلك لعدم الملازمة بنى كون منافعه لسيده وبين وجوب تجهيزه على السيد بل إذا مات يكون حكمه حكم باقي الاموات وغير واجب التجهيز على السيد. على أن هذا ليست له كلية إذ قد ينتقل العبد إلى السيد مسلوب المنفعة فلا تكون منافعه راجعة إلى السيد مع وجوب تجهيزه على سيده. بل للصحيحة المتقدمة الدالة على ان المملوك عيال ولازم له بالتقريب المتقدم بلا فرق بين ان يكون للعبد مال واف بالتجهيز أو لم يكن لانه إذا كان له مال ينتقل بعد موته إلى مولاه فامواله ومنافعه راجعتان إليه بالاخرة. (2) للاطلاق.

[ 399 ]

[ يبعض (1) وفي المشترك يشترك (2). (مسألة 19): القدر الواجب من الكفن يؤخذ من اصل التركة (3) في غير الزوجة والمملوك مقدما على الديون والوصايا. ] (1) لانه عيال لسيده في المقدار غير المحرر منه فيكون تجهيزه عليه بنسبة المقدار الذي لم يتحرر منه. (2) لانه عيال للشريكين ولازم لهما لا لاحدهما فيكون مؤن تجهيزه عليهما. الكفن يؤخذ من اصل التركة: (3) أما بالاضافة إلى الكفن فلا ينبغي الاشكال فيما افاده لرواية السكوني (1) الدالة على أن الكفن أول شئ يبدأ به من اصل التركة مقدما على الدين والوصية والميراث. ورواية زرارة (2) الدالة على ان ثمن الكفن يؤخذ من اصل التركة مقدما على الدين. وأما الوصية والارث فتأخرهما معلوم من الخارج. وفي سند رواية زرارة معاذ على طريق الكليني وقد وقع الكلام


(1) الوسائل: ج 13 باب 28 من أبواب الوصايا ح 1. (2) الوسائل: ج 13 باب 27 من أبواب الوصايا ح 1.

[ 400 ]

[ وكذا القدر الواجب من سائر المؤن من السدر والكافور وماء الغسل وقيمة الارض، بل وما يؤخذ من الدفن في الارض المباحة واجرة الحمال والحفار ونحوها في صورة الحاجة إلى المال. ] في ضعفه ووثاقته ولكن الظاهر وثاقته إذ وثقه الشيخ المفيد (قده) في الارشاد. على انها على طريق الشيخ والصدوق مروية عن علي بن رئاب عن زرارة من دون توسط معاذ ومعه لا شبهة في اعتبار الرواية وان لم نبني على وثاقة معاذ (1). وأما بالاضافة إلى سائر المؤن فالكلام يقع في مدرك ذلك حيث لم يرد فيه نص. والظاهر أن المسألة متسالم عليها بينهم وانها انما تخرج من اصل التركة مقدمة على الديون والوصايا والميراث. مضافا إلى السيرة الجارية عليه حيث ان من البعيد بل لا نستعهد شخصا مات ولم يخلف ديونا في ذمته ومعه لم ير التوقف في تجهيزه نظرا إلى أنه مديون لا يمكن اخراج مؤنة تجهيزه من ماله بل نراهم يقدمون على تجهيزه ودفنه من دون توقف على ذلك. ويدل عليه: - مضافا إلى التسالم والسيرة - الاخبار الآمرة


(1) في المعجم ج 12 ص 25: الظاهر زيادة كلمة عن معاذ في الكافي كما انه غير موجود في الوافي فانه لم تثبت رواية علي بن رئاب عنه وروايته عن زرارة في شئ من الروايات.

[ 401 ]

بالغسل والكفن والتحنيط والتجهيز والدفن لورودها في مقام البيان وقد سكتت عن بيان مورد تلك المؤن وانها من مال الميت أو من اموال المسلمين. وحيث لا يحتمل ان تكون المؤنة في اموال المسلمين لما يأتي من عدم وجوب بذل الكفن أو غيره من لوازم تجهيز الميت على المسلمين وانما الواجب عليهم هو العمل لا بذل المال وان كان بذل الكفن أمرا مستحبا. يتعين أن يكون من مال نفسه إذا كان له مال. وهذا يستفاد ايضا من سكوت الاخبار البيانية، وبهذه القرينة لابد من حمل الكفن الوارد في المعتبرتين على المثال. وظني انهم عليهم السلام انما اقتصروا على ذكر الكفن من جهة عدم توقف تجهيز الميت في عصورهم (ع) على المال سوى الكفن، فان الماء كان مباحا لا يبذل بازائه المال ولا سيما في القرى والبوادي وكذا الاراضي كانت مباحة لا يؤخذ عليها المال، واما السدر والكافور فقليل ولم يبق إلا الكفن فقد كان يؤخذ عليه مال معتد به. ولذا حضوره (ع) بالذكر، وإلا فالكفن وغيره من المؤن تخرج من اصل التركة. ويدل عليه موثقة الفضل قال: سألت ابا الحسن موسى (ع) فقلت له: ما ترى في رجل من اصحابنا يموت ولم يترك ما يكفن به اشتري له كفنه من الزكاة؟ فقال: اعط عياله من الزكاة قدر ما يجهزونه فيكونون هم الذين يجهزونه. قلت: فان لم يكن له ولد

[ 402 ]

[ وأما الزائد عن القدر الواجب في جميع ذلك (1) فموقوف على اجازة الكبار من الورثة في حصتهم، إلا مع وصيته ] ولا أحد يقوم بأمره فأجهزه انا من الزكاة؟ قال: كان أبي يقول: إن حرمة بدن المؤمن ميتا كحرمته حيا فوار بدنه وعورته وجهزه وكفنه وحنطه واحتسب بذلك من الزكاة وشيع جنازته) (1). حيث دلت على وجوب تجهيز الميت من الكفن وغيره من الزكاة إذا لم يكن له مال، والسؤال وان كان عن خصوص الكفن لكن جوابه (ع) صريح في الاعم من الكفن وما سواه من لوازم التجهيز، ومن الظاهر ان المؤن اللازمة في التجهيز لو كانت لا تخرج من مال الميت. من الابتداء فلا بد من أن تصرف من الزكاة مع ان الصحيحة مصرحة بانه انما يصرف له من الزكاة إذا لم يكن للميت مال، واما إذا كان له مال فلا مناص من اخراجه من اصل ماله. فالانصاف انه لا اشكال في ان الكفن وغيره من لوازم التجهيز لابد من اخراجها من اصل المال مقدما على الدين والوصية والميراث. حكم الزائد عن الواجب في التجهيز: (1) تعرض (قده) هنا وفي المسألة الآتية لمستحبات الكفن.


(1) الوسائل: ج 2 باب 33 من أبواب التكفين ح 1.

[ 403 ]

[ بالثلث من دون تعيين المصرف كلا أو بعضا فيجوز صرفه في الزائد من القدر الواجب. (مسألة 20): الاحوط الاقتصار في القدر الواجب على ما هو اقل قيمة فلو ارادوا ما هو اغلى قيمة يحتاج الزائد إلى امضاء الكبار في حصتهم وكذا في سائر المؤن فلو كان هناك مكان مباح لا يحتاج إلى بذل مال أو يحتاج إلى قليل لا يجوز اختيار الارض التي مصرفها ازيد إلا بامضائهم، إلا أن يكون ما هو اقل قيمة أو مصرفا هتكا لحرمة الميت فحينئذ لا يبعد خروجه من اصل التركة. وكذا بالنسبة إلى مستحبات الكفن فلو فرضنا أن الاقتصار على اقل الواجب هتك لحرمة الميت يؤخذ المستحبات أيضا من اصل التركة. ] وفصل فيهما بين الامور المستحبة في الكفن مستقلة كالعمامة مثلا لانها خارجة من الكفن - كما في الاخبار (1) - إلا انها مستحبة في نفسها، وقد جزم فيها بعدم خروجها من اصل المال. وبين ما إذا كان المستحب خصوصية في فرد الواجب تجعله افضل الافراد مثل كون الكفن قطنا أو بردا أو حبرة وغيرها وقد حكم بعدم اخراجها من اصل المال احتياطا.


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 ح 1 وباب 14 ح 3 و 4 و 5.

[ 404 ]

والوجه في هذا التفصيل هو أن القسم الثاني من المستحبات قد يقال فيه - كما تعرض له شخينا الانصاري (قده) - ان الامر بالكفن انما تعلق بالطبيعي الجامع بين الافراد الدانية والراجحة. وامر تطبيق الطبيعي على افراده بيد الولي فله تطبيقه على الفرد الافضل أو غيره فيجوز له اختيار الفرد الافضل ويحسب من اصل التركة. ولكن شيخنا الانصاري (قده) لم يرتض ذلك واورد عليه: بأن المأمور به هو الجامع بين الفاضل والداني لا خصوص الفرد الفاضل ولا مسوغ للولي أن يطبقه على خصوص الفاضل من الافراد مع انه اضرار على الديان والورثة، ومن هنا احتاط الماتن (قده) في القسم الثاني من المستحبات. وأما القسم الاول من المستحبات وهو الذي له وجود مستقل فقد جزم الماتن بعدم خروجها من اصل التركة. هذا والصحيح أن يقال: ان الامر بالتكفين في الاخبار انما يدل على وجوب التكفين المتعارف وانه الذي يخرج من اصل التركة، لا أن الخارج من اصل التركة شئ والكفن المتعارف شئ آخر، وليس له المأمور به خصوص الفرد الداني من الكفن. والكفن المتعارف هو الذي يخرج من الزكاة إذا لم يكن للميت مال ولا يجب اخراج الفرد الداني من الزكاة فلو كان للميت مال وجب اخراج ثمن الكفن المتعارف منه وهذا هو الحد المتوسط بين الافراط والتفريط فلا يجب اختيار ما هو اقل افراد الكفن بحسب القيمة. كما لا يجوز الاسراف والتبذير فيه بل يخرج منه الكفن المتعارف اللائق بشأنه.

[ 405 ]

[ (مسألة 21): إذا كان تركة الميت متعلقا لحق الغير (1) ] هذا إذا لم يكن اختيار المتعارف وعدم التكفين بالافضل هتكا وإلا فيجب اخراج، الافضل كما لو كان من الاشراف أو العلماء ونحوهم وذلك لانه هو الجواب اخراجه من الزكاة على تقدير عدم المال للميت، فإذا كان له مال لابد من اخراج ذلك من اصل تركته هذا كله في القسم الثاني من المستحبات. واما القسم الاول من المستحبات وهو ما كان له وجود مستقل فمن الظاهر أن الامر بالكفن لا يشمله لخروجه عن الكفن اللهم إلا أن يكون تركه هتكا للميت فيجب حينئذ ويخرج من اصل التركة لوجهين: (أحدهما): ما مر من سكوت الاخبار الآمرة به عن تعيين ما يخرج منه فيدور الامر بين أن يخرج من مال المسلمين وبين أن يخرج من ماله وذلك لفرض لزومه وأنه لابد منه لان حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا، والاول ليس بلازم - كما مر - فيتعين اخراجه من التركة. و (ثانيهما): موثقة الفضل المتقدمة الدالة على ان مثل ذلك المستحب يخرج من الزكاة إذا لم يكن للميت مال لانه اللائق بشأنه، وإذا كان له مال لابد من اخراجه من ماله. إذا كانت التركة متعلقة لحق الغير (1) الاقوال في المسألة متعددة من تقديم الكفن على تلك الحقوق

[ 406 ]

مطلقا ومن عدمه كذلك. والتفصيل بين حقي الرهانة والغرماء وبين حق الجناية بتقديم الاخير على الكفن دون الاولين. والصحيح في المسألة أن يقال: ان حق الرهانة وحق الديان وان كان متعلقا بعين المال إلا أنه ليس إلا مقدمة لايصال الدين إلى صاحبه أو إلى اهله وليس حقا جديدا وقد بنينا على تقديم الكفن على الدين وغيره وعلى خروجه من اصل التركة قبل الدين والوصية والميراث. واما حق الجناية فان كانت الجناية عمدية فلولي المجني عليه - كما في القتل - الخيار بين الاقتصاص من العبد وبين استرقاقه، وإذا كانت خطأية فلولي العبد الجاني - اي مالكه - أن يدفع الدية أو يعطي نفس العبد الجاني إلى ولي المجني عليه. وعلى كلتا الصورتين إذا امكن بيع العبد الجاني في الخارج ولو مع تصريح المالك بانه في معرض القصاص أو الاسترقاق للغير وأن المشتري لابد أن يدفع الدية إلى ولي المجني عليه فلا مانع من صرف ثمنه في شراء الكفن لانه مال الميت على الفرض ولم يخرج عن ملكه بالجناية. وإذا لم يمكن بيعه والحال هذه ولم يقدم أحد على شرائه فلا موضوع ولا مال ليصرف في الكفن. فالصحيح أن ادراج حق الجناية في ضمن الحقوق المتعلقة لمال الميت في غير محله لانه على أحد التقديرين لا مانع من صرف ثمنه في الكفن وعلى التقدير الآخر لا موضوع ليصرف أولا يصرف.

[ 407 ]

[ - مثل حق الغرماء في الفلس وحق الرهانة وحق الجناية - ففي تقديمه أو تقديم الكفن اشكال فلا يترك مراعاة الاحتياط. (مسألة 22): إذا لم يكن للميت تركة بمقدار الكفن فالظاهر عدم وجوبه على المسلمين لان الواجب الكفائي هو التكفين لا اعطاء الكفن (1) لكنه احوط. ] إذا لم يكن للميت مال بقدر الكفن: (1) بمعنى ان الواجب على المسلمين انما هو الباس الميت الكفن لا بذله، والمسألة متسالم عليها بينهم، وانما الكلام في مدرك ذلك وانه لماذا لا يجب على المسلمين بذل الكفن؟ فقد يستدل عليه بالاجماع على عدم وجوبه. و (فيه): ما قدمناه مرارا من انه إذا علم أو ظن أو احتمل استناده إلى شئ من الادلة المذكورة في المسألة لا يمكن الاعتماد عليه لعدم كونه اجماعا تعبديا بوجه. وأخرى يستدل بما ورد من ان الكفن يخرج من اصل التركة الدال على أن كفن كل ميت في مال نفسه فانه بالاضافة إلى مادل على وجوب التكفين على المسلمين مقيد. ومقتضى قانون الاطلاق والتقييد تقييد الاوامر الواردة في التكفين بما إذا كان الكفن من مال الميت نفسه فالواجب هو التكفين من مال

[ 408 ]

الميت لا أن التكفين واجب عليهم مطلقا ولو من مال انفسهم. و (فيه): ان ما دل على أن الكفن يخرج من اصل التركة انما يدل على أن كفن كل ميت انما هو في مال نفسه فيما إذا كان له مال ولا مانع من تقييد الاوامر الواردة في التكفين بذلك - إذا كان للميت مال - ولا دلالة في شئ منهما على انه إذا لم يكن للميت مال يكفن به ولكن أخذ من الزكاة أو تبرع به متبرع أو اشتري من مال الوقف لذلك لم يجب على المسلمين التكفين به كما هو مقتضى التقييد حتى يدل على أنه إذا لم يكن له مال لم يجب على المسلمين التكفين حتى يحتمل وجوب بذله، وثالثة يستدل على ذلك: برواية سعد بن طريف. من كفن مؤمنا كان كمن ضمن كسوته إلى يوم القيامة) (1) لدلالتها على أن التكفين وبذل الكفن أمر مستحب لا أنه واجب لان قوله (ع): (كمن ضمن كسوته) يناسب الاستحباب دون الوجوب: فتدل الرواية على عدم وجوب بذله. و (فيه): ان الرواية ضعيفة السند بسعد لان الشيخ وان ذكر أن له روايات صحيحة إلا أن النجاشي قال ان رواياته تعرف وتنكر وضعفه ابن الغضائري صريحا فما ذكره الشيخ معارض بما ذكره النجاشي وابن الغضائري فلا يمكن الاعتماد على رواياته (2). واما ما في كلام المحقق الهمداني (قده) وغيره من توصيف


(1) الوسائل: ج 2 باب 26 من أبواب التكفين ح 1. (2) استظهر سيدنا الاستاذ في المعجم ج 8 ص 70 وثاقته فراجعه.

[ 409 ]

الرواية بالصحيحة فالظاهر انهم تبعوا في ذلك صاحب الحدائق (قده) حيث قال: (فروى الكليني في الصحيح عن سعد بن طريف عن الباقر (ع) ثم ساق الحديث (1). إلا أن هذا التعبير لا يدل على صحة الرواية ولا على توثيق سعد لانه كما يظهر بالمراجعة إلى كتاب الحدائق قد يعبر عن الرواية بالصحيحة ويقول: صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) مثلا. ومعنى هذا أن رواتها إلى الامام الصادق (ع) اماميون ثقاة أو عدول، وقد يعبر عن الرواية بقوله - مثلا - (روى الكيني أو الشيخ في الصحيح عن فلان) ويذكر اسم راو من الرواة ومعنى هذا تصحيح السند من الشيخ أو الكليني إلى هذا الراوي وحسب، واما من هذا الراوي إلى الامام فلا تعرض لحاله منه. والامر في المقام كذلك وكيف كان فالرواية ضعيفة السند لا يمكن الاستناد إليها، هذا أولا. ثم لو اغمضنا عن ذلك فالرواية قاصرة الدلالة على المدعى لان الوارد في الخبر هو التكفين (من كفن مؤمنا) ومعناه من البسه الكفن، ولا دلالة فيه على استحباب بذل الكفن لان (كفن) لا يستعمل بمعنى بذل الكفن. وثالثا: لو اغمضنا عن ذلك وبنينا على أن الوارد في الرواية هو بذل الكفن إلا أنه لا منافاة بين استحباب بذل الكفن على كل واحد واحد من المكلفين وبين وجوبه الكفائي على جميع المسلمين وقد ورد نظيره في الغسل الواجب كفاية حيث قال (ع):


(1) الحدائق ج 4 ص 20

[ 410 ]

(من غسل مؤمنا غسله الله من ذنوبه كيوم ولدته امه) (1) فلا تنافي بين الوجوب الكفائي والاستحباب. ورابعة: يستدل عليه بموثقة الفضل المتقدمة (2) حيث دلت على جواز شراء الكفن من الزكاة، إذ لو كان بذل الكفن واجبا على جميع المسلمين لم يجب اخذه من الزكاة ولم تصل النبوة إليها. و (فيه): ان الرواية وان كانت معتبرة من حيث السند وموثقة لكنها قاصرة الدلالة على المدعى لانها دلت على أخذ الكفن من مال الزكاة فيما إذا وجدت زكاة واما إذا لم توجد الزكاة فلا دلالة لها على أن الميت يدفن عاريا ولا يجب على المسلمين بذل الكفن. إلى هنا تحصل انه لا يتم شئ من الوجوه والادلة المذكورة في المسألة وحينئذ ما المانع من الحكم بوجوب بذل الكفن على المسلمين لامرهم بالتكفين، فيكون بذل الكفن مقدمة للواجب وهي واجبة عقلا أو شرعا. فالصحيح أن يستدل على عدم وجوب بذل الكفن بحديث (لا ضرر) وذلك لان التكفين الواجب كثيرا لا يكون ضرريا على المسلمين إما لان الميت له مال يفي بكفنه أو لاشترائه من الزكاة أو من الوقف إذا وجد وقف لشراء الاكفان أو من المتبرع لانهم لا يدفنون الميت عاريا على الاكثر. وقد يكون ضرريا - وهو نادر، كما إذا لم يكن للميت مال ولا وجدت زكاة ولا وقف ولا متبرع - ولا مانع من الحكم بعدم وجوب


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 7 و 8 من أبواب غسل الميت. (2) تقدمت في التكلم على أن الكفن يؤخذ من اصل التركة.

[ 411 ]

[ وإذا كان هناك من سهم سبيل الله من الزكاة فالاحوط صرفه فيه والاولى بل الاحوط أن يعطى لورثته (1) حتى يكفنوه من مالهم إذا كان تكفين الغير لميتهم صعبا عليهم. ] بذل الكفن وعدم وجوب التكفين بما دل على نفي الضرر في الشريعة المقدسة. وبهذا يندفع ما ربما يتوهم من ان حديث (لاضرر) لا يجري في لمقام لان الاحكام الشرعية المبنية على الضرر كالخمس والزكاة أو المستلزمة له كالحج مما لا ترتفع بالحديث والامر في المقام كذلك. والوجه في الاندفاع ما عرفت من أن التكفين لم يجعل ضرريا في الشريعة المقدسة ولا أنه مستلزم للضرر كثيرا لانه كثيرا ما لا يكون ضرريا فالنسبة بين الضرر والتكفين نسبة العموم من وجه ومورد اجتماعهما نادر كما تقدم. ما هو الاحوط في المقام: (1) وهو في محله لما تقدم من الامر به في موثقة الفضل المتقدمة حيث قال: (اعط عياله من الزكاة قدر ما يجهزونه فيكونون هم الذين يجهزونه (1). ولو كان الورثة متمكنين ولا يستحقون الزكاة وانما لا يبذلون الكفن لبخلهم، وذلك احترام لهم حتى لا يلزم هتكهم أو عيبهم


(1) تقدمت في التكلم على ان الكفن يوخذ من اصل التركة.

[ 412 ]

[ (مسألة 23): تكفين المحرم كغيره فلا بأس بتغطية رأسه ووجهه فليس حالهما حال الطيب في حرمة تقريبه إلى الميت المحرم (1). ] من قيام الغير بتكفين ميتهم. نعم هذا غير واجب لان السؤال والجواب في الموثقة ناظران إلى الجواز لا إلى الوجوب. تكفين المحرم كغيره: (1) وهذا كله للاخبار (1) المعتبرة الدالة على ذلك وأن الميت المحرم يغطى رأسه أو وجهه أن يخمر - كما في بعض الاخبار - ومع ذلك ذهب السيد المرتضى إلى عدم جواز تغطية رأس المحرم ووجهه واستدل عليه بما عن ابن عباس من أن محرما وقعت به ناقته فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله فقال: غسلوه بماء وسدر وكفنوه ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه.) (2). و (فيه): انها رواية واردة من طرق العامة ولم تثبت من طرقنا على انها معارضة باخبارنا المعتبرة الدالة على انه يغطى رأسه ووجهه. واستدل ايضا بمرسلة الصدوق (قده) عن الصادق (ع) انه قال:


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب التكفين. (2) راجع البخاري كتاب الجنائز باب كيف يكفن المحرم وصحيح المسلم ج 1 ص 457.

[ 413 ]

(من مات محرما بعثه الله ملبيا) (1). و (فيه): انها ضعيفة بالارسال على انها اجنبية عما نحن بصدده إذ بعثه يوم القيامة ملبيا لا ينافي وجوب تغطية رأسه ووجهه وكلامنا في ان التغطية واجبة أم ليست بواجبة سواء بعثه الله ملبيا أم لم يبعثه ملبيا. وفي الحدائق نقل عن العلامة ان نقل عن ابن أبي عقيل انه ذهب إلى عدم جواز تغطية رأس المحرم ووجهه مستدلا عليها بأن تغطية الرأس والوجه لا تجتمع مع تحريم قرب الطيب منه. لانه ان كان بحكم المحرم وجب أن لا يغطي وجهه ورأسه، وان لم يكن كذلك جاز قرب الطيب منه، وحيث ان الثاني ثابت. فالاول منتف. وهذا اشبه شئ بالاجتهاد في مقابل النص بل هو هو بعينه لانا انما التزمنا بعدم قرب الطيب منه للتعبد، لا لانه كالمحرم، كما انما نلتزم بوجوب تغطية رأسه ووجهه للاطلاقات الآمرة بالتكفين. وقد ذكر صاحب الحدائق (قده) ان السيد وابن أبي عقيل يحتمل عدم وقوفهما على الاخبار المعتبرة الواردة في أن الميت لا يفرق في احكامه بين المحرم والمحل. هذا ثم انا عثرنا في الفقه الرضوي - كما في المستدرك (2) - على النهي عن تغطية رأس المحرم ووجهه كما وجدنا فيه ما يدل على أن المحرم الميت أيضا يغطى وجهه ورأسه، وهذان كلامان متناقصان


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب التكفين ح 6. (2) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 13 من أبواب غسل الميت ح 2.

[ 414 ]

ولعله مما يدل على عدم استناد الكتاب إلى الرضا (عليه السلام) كما ورد عدم تغطية رأس المحرم ووجهه في دعائم الاسلام (1) والجعفريات (2). إلا أن روايات دعائم الاسلام مراسيل، وروايات الجعفريات قد ناقشنا في اعتبارها سابقا، والغرض ان الرواية لا تنحصر بما عن ابن عباس ومرسلة الصدوق، إلا أنها جميعا من الضعاف ولا يمكن الاستدلال بها علي شئ.


(1) و (2) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 13 من أبواب غسل الميت ح 4.

[ 415 ]

[ (فصل: في مستحبات الكفن). وهي أمور: - (أحدها): العمامة للرجل ويكفي فيها المسمى طولا وعرضا والاولى ان تكون بمقدار يدار على رأسه ويجعل طرفاها تحت حنكه على صدره: الايمن على الايسر. والايسر على الايمن من الصدر. (الثاني): المقنعة للمرأة بدل العمامة، ويكفي فيهما أيضا المسمى. (الثالث): لفافة لثدييها ليشدان بها إلى ظهرها. (الرابع) خرقة: يعصب بها وسطه رجلا كان أو امرأة. (الخامس): خرقة أخرى للفخذين تلف عليهما، والاولى أن يكون طولها ثلاثة أذرع ونصفا، وعرضها شبرا أو أزيد، لتشد من الحقوين ثم تلف على فخذيه لفا شديدا على وجه لا يظهر منهما شئ إلى الركبتين ثم يخرج رأسها من تحت رجليه إلى الجانب الايمن. (السادس): لفافة اخرى فوق اللفافة الواجبة والاولى كونها بردا يمانيا، بل يستحب لفافة ثالثة أيضا خصوصا ]

[ 416 ]

[ في الامرأة. (السابع): ان يجعل شئ من القطن أو نحوه بين رجليه بحيث يستر العورتين وبوضع عليه شئ من الحنوط وان خيف خروج شئ من دبره يجعل فيه شئ من القطن وكذا لو خيف خروج الدم من منخرية، وكذا بالنسبة إلى قبل الامرأة وكذا ما اشبه ذلك. ]

[ 417 ]

[ (فصل: في بقية المستحبات) وهي - أيضا - أمور: (الاول): إجادة الكفن، فان الاموات يتباهون يوم القيامة باكفانهم ويحشرون بها، وقد كفن موسى ابن جعفر (ع) بكفن قيمته ألفا دينار وكان تمام القرآن مكتوبا عليه. (الثاني): أن يكون من القطن. (الثالث): أن يكون أبيض، بل يكره المصبوغ ما عدا الحبرة ففي بعض الاخبار: ان رسول الله صلى الله عليه وآله كفن في حبرة حمراء. (الرابع): أن يكون من خالص المال وطهوره لا من المشبهات. (الخامس): أن يكون من الثوب الذي أحرم فيه أو صلى فيه. (السادس): أن يلقى عليه شئ من الكافور والذريرة وهي - على ما قيل - حب يشبه حب الحنطة له ريح طيب إذا دق وتسمى الآن قمحة، ولعلها كانت تسمى ]

[ 418 ]

[ بالذريرة سابقا، ولا يبعده استحباب التبرك بتربة قبر الحسين (ع) ومسحه بالضريح المقدس أو بضرائح سائر الائمة (ع) بعد غسله بماء الفرات أو بماء زمزم. (السابع): أن يجعل طرف الايمن من اللفافة على أيسر الميت والايسر منها على أيمنه. (الثامن): أن يخاط الكفن بخيوطه إذا احتاج إلى خياطة. (التاسع): أن يكون المباشر للتكفين على طهارة من الحدث وان كان هو الغاسل له فيستحب أن يغسل يديه إلى المرفقين بل المنكبين ثلاث مرات ويغسل رجليه إلى الركبتين، والاولى أن يغسل كلما تنجس من بدنه وأن يغتسل غسل المس قبل التكفين. (العاشر): أن يكتب على حاشية جميع قطع الكفن من الواجب والمستحب حتى العمامة اسمه واسم ابيه بأن يكتب: فلان بن فلان يشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا صلى الله عليه وآله رسول الله وأن عليا والحسن والحسين وعليا ومحمدا وجعفرا وموسى وعليا ومحمدا وعليا والحسن والحجة القائم (عجل الله فرجه) أولياء الله وأوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وأئمتي وان البعث والثواب والعقاب حق. (الحادي عشر): أن يكتب على كفنه تمام القرآن ]

[ 419 ]

[ ودعاء جوشن الصغير والكبير ويستحب كتابة الاخير في جام بكافور أو مسك ثم غسله ورشه على الكفن، فعن أبي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه): إن أبي أوصاني بحفظ هذا الدعاء وأن أكتبه على كفنه وأن أعلمه أهل بيتي. ويستحب أيضا أن يكتب عليه البيتان اللذان كتبهما أمير المؤمنين (ع) على كفن سلمان - رحمه الله - وهما: وفدت على الكريم بغير زاد من الحسنات والقلب السليم وحمل الزاد أقبح كل شئ إذا كان الوفود على الكريم ويناسب أيضا كتابة السند المعروف المسمى (بسلسلة الذهب) وهو: (حدثنا محمد بن موسى المتوكل، قال: حدثنا علي بن ابراهيم عن أبيه يوسف بن عقيل عن اسحاق ابن راهويه قال: لما وافى أبو الحسن الرضا (ع) نيشابور وأراد أن يرتحل إلى المأمون اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا: يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله تدخل علينا ولا تحدثنا بحديث فنستفيده منك وقد كان قعد في العمارية فأطلع رأسه فقال (ع): سمعت أبي موسى بن جعفر (ع) يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد (ع) يقول: سمعت أبي محمد بن ]

[ 420 ]

[ علي (ع) يقول: سمعت أبي علي بن الحسين (ع) يقول: سمعت أبي الحسين بن علي (ع) يقول: سمعت أبي (أمير المؤمنين) علي بن أبي طالب (ع) يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سمعت جبرائيل يقول: سمعت الله عزوجل يقول: (لا الا إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي) فلما مرت الراحلة نادى (أما بشروطها وأنا من شروطها). وان كتب السند الآخر أيضا فاحسن وهو: (حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا عبد الكريم بن محمد الحسيني قال: حدثنا محمد بن ابراهيم الرازي، قال: حدثنا عبد الله بن يحيى الاهوازي قال: حدثني ابو الحسن علي بن عمرو قال: حدثنا الحسن محمد بن جمهور قال: حدثني علي بن بلال عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام عن موسى بن جعفر (ع) عن جعفر بن محمد (ع) عن محمد بن علي (ع) عن علي بن الحسين (ع) عن الحسين بن علي (ع) عن علي بن أبي طالب (ع) عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرائيل عن ميكائيل عن اسرافيل عليهم السلام عن اللوح والقلم قال: يقول الله عزوجل: (ولاية علي بن أبي طالب حصني فمن دخل حصني أمن من ناري) وإذا كتب على فص ]

[ 421 ]

[ الخاتم العقيق الشهادتان وأسماء الائمة والاقرار بامامتهم كان حسنا، بل يحسن كتابة كل ما يرجى منه النفع من غير أن يقصد الورود. والاولى أن يكتب الادعية المذكورة بتربة قبر الحسين عليه السلام أو يجعل في المداد شئ منها أو بتربة سائر الائمة ويجوز أن تكتب بالطين وبالماء بل بالاصبع من غير مداد. (الثاني عشر): أن يهيئ كفنه قبل موته وكذا السدر والكافور ففي الحديث (من هيأ كفنه لم يكتب من الغافلين وكلما نظر إليه كتبت له حسنة) (الثالث): أن يجعل الميت حال التكفين مستقبل القبلة مثل حال الاحتضار أو بنحو حال الصلاة. (تتمة): إذا لم تكتب الادعية المذكورة والقرآن على الكفن بل على وصلة اخرى وجعلت على صدره أو فوق رأسه للامن من التلويث كان احسن. ]

[ 422 ]

[ (فصل: في مكروهات الكفن) وهي أمور: (أحدهما) قطعه بالحديد. (الثاني) عمل الاكمام والزرور له إذا كان جديدا ولو كفن في قميصه الملبوس له حال حياته قطع أزراره ولا بأس باكماله. (الثالث): بل الخيوط التي يخاط بها بريقه. (الرابع): تبخيره بدخان الاشياء الطيبة الريح بل تطييبه ولو بغير البخور. نعم يستحب تطييبه بالكافور والذريرة كما مر. (الخامس): كونه أسود. (السادس): أن يكتب عليه بالسواد. (السابع): كونه من الكتان ولو ممزوجا. (الثامن): كونه ممزوجا بالابريسم بل الاحوط تركه إلا أن يكون خليطه اكثر. (التاسع): المماكسة في شرائه. (العاشر): جعل عمامته بلا حنك. ]

[ 423 ]

[ (الحادي عشر): كونه وسخا غير نظيف. (الثاني عشر): كونه مخيطا، بل يستحب كون كل قطعة منه وصلة واحدة بلا خياطة على ما ذكره بعض العلماء ولا بأس به. ]

[ 424 ]

[ (فصل: في الحنوط) وهو مسح الكافور على بدن الميت (1). ] (فصل: في الحنوط) (1) الحنوط كالوقود والسحور بمعنى ما يحنط به، والتحنيط في اللغة بمعنى استعمال ما يمنع عن الفساد كافورا كان أم غيره، وأما بحسب الاصطلاح عند الفقهاء فهو استعمال الكافور وحسب وذلك لان الروايات فسرته بذلك. والكلام في ذلك يقع في جهات: (الاولى): في وجوب التحنيط: لا اشكال في كونه من الواجبات لدلالة الاخبار (1) المعتبرة عليه، نعم نسب التوقف في وجوبه إلى الاردبيلي (قده) ولم نلاحظ كلامه والى المراسم. إلا أن النسبة إلى المراسم في غير محلها لانه ذكر أولا واجبات التجهيز ثم تعرض لاقسام الميت من الصغير والكبير وغيرهما ثم تعرض


(1) يأتي ذكر مصادرها في خلال المسألة.

[ 425 ]

[ يجب مسحه على المساجد السبعة وهي الجبهة واليدان والركبتان وإبهاما الرجلين ويستحب اضافة طرف الانف إليها أيضا بل هو الاحوط. ] للمستحبات وذكر في جملتها استحباب التحنيط بثلاثة عشر درهما من الكافور فتوهم منه ان التحنيط مستحب عنده. مع ان كلامه لا يدل إلا على استحباب التحنيط بذاك المقدار من الكافور، ولا دلالة فيه على استحباب اصل التحنيط. وكيف كان فلا اشكال في وجوبه. والاخبار الآمرة به ليست قاصرة الدلالة على وجوبه ولا قاصرة السند. نعم قد يتوهم أن اختلافها في بيان مواضع التحنيط - حيث ورد في بعضها أن مواضعه في مواضع السجود، وفي آخر: انها جميع مسامعه وفي ثالث: جميع مفاصله وفي رابع: غير ذلك من المواضع - دليل على الاستحباب. و (يرده): ان الاختلاف في مواضع التحنيط انما يدل على الاستحباب فيما اختص به كل واحد من الاخبار، واما بالاضافة إلى المقدار المشترك بين جميع هذه الاخبار فليس فيها اختلاف بوجه ولا موجب لحملها على الاستحباب فيه - وهو المساجد - فالزائد عليها محمول على الاستحباب. ويدلنا على وجوبه في المساجد: موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحنوط للميت؟ فقال: (اجعله

[ 426 ]

[ والاحوط أن يكون المسح باليد بل بالراحة. ] في مساجده) (1). وبها نحمل الزائد على المساجد على الاستحباب. (الجهة الثانية) في تفسير المساجد: المراد بها هو المواضع السبعة من الجبهة والركبتين والكفين واصبعي الرجلين، فلو قلنا بوجوب الارغام في الصلاة في واجب مستقل آخر لا يدخل في مواضع السجود. نعم: ورد في رواية الفقه الرضوي والذعائم (2): الامر بجعل الكافور على أنف الميت. إلا انهما مما لا يمكن الاستدلال بهما لارسال الثانية وعدم ثبوت كون الاولى رواية فضلا عن اعتبارها. ثم انا لو اعتمدنا عليهما وقلنا بأن الانف من المساجد فظاهرهما انه - كغيره من مواضع السجود - مما يجعل الكافور على ظاهره لكن عن المحقق الهمداني (قده) انه يجعل الكافور في داخل الانف وهو مما لا وجه له. (الجهة الثالثة): في أن للواجب هو وضع الكافور على تلكم المواضع أو انه يمسح به تلكم المواضع أو كلاهما معا؟ الصحيح هو وجوبهما لاشتمال بعض الاخبار (3) على جعل الكافور وبعضها


(1) الوسائل: ج 2 باب 16 من أبواب التكفين ح 1. (2) راجع المستدرك ج 1 باب 12 من أبواب الكفن. (3) كموثقة عمار وصحبحة حمران وموثقة سماعة وغيرها والتى دلت على المسح كصحيحة الحلبي وصحيحة زرارة وغيرهما.

[ 427 ]

على المسح فإذا قيدنا الوضع بالمسح والمسح بالوضع انتج وجوب كلا الامرين في التحنيط. وأما بقاء اثر الكافور في تلكم المواضع فلعله مما لا يحتاج إلى دليل وذلك لانه لازم جعل الكافور المسحوق - كما في بعض الاخبار - عليها إذ أنه ليس كجعل شئ جامد على الموضع لئلا يبقى منه اثر على المحل بعد رفعه، ولا يختلف هذا باختلاف المواضع. نعم: ورد في رواية يونس (1): الامر بجعل الكافور على جبهة الميت والامر بمسحه على مفاصله، وربما توهم من ذلك أن الجعل واجب في الجبهة والمسح واجب في غيرها. إلا ان الرواية ذكرت بعد ذلك عطفا على المسح بالكافور: (وفي رأسه وفي عنقه ومنكبيه ومرافقه وفي كل مفصل من مفاصله.) وكأنه تفسير لما ذكره أولا من الامر بالمسح بالكافور وعلى جميع مفاصله. وهذا ظاهر في أن الالفاظ ليست من الامام (ع) وانما هي من الراوي ذكرها تفسيرا للحكم الذي سمعه من الامام (ع) ومن هنا نرى ان الرواية لا تخلو عن اضطراب في الفاظها. فمرة تعدى المسح فيها ب‍ (على) واخرى ب‍ (في) ووقع التكرار فيها إلى غير ذلك مما يبعد كون الالفاظ من الامام (ع) والذي يدلنا على ذلك أن الرواية مروية عنهم (ع) لا عن امام معين قال في الكافي (عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن رجاله عن يونس عنهم عليهم السلام قال..) إذ لو كان المراد هو الائمة عليهم السلام للزم أن يقول (قالوا):


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التكفين ح 3.

[ 428 ]

فقوله (قال): ظاهر في أن القائل هو يونس يروي الحكم الذي سمعه عنهم ومن ثمة قد تعدى المسح فيها مرة بعلى واخرى بفي، اذن لا يمكن الاستدلال بتلك الالفاظ ولابد من الرجوع إلى بقية الاخبار وقد عرفت دلالتها على وجوب كلا الامرين من الوضع والمسح من غير فرق بين موضع وموضع. (الجهة الرابعة): في الماسح: إحتاط الماتن أولا بأن يكون المسح باليد ثم ترقى وقال بل بالراحة وما صنعه اولا فهو في مورده لان المسح في اللغة إذا استعمل بالباء - كما إذا قيل: مسح به - فيراد منه المسح باليد، فإذا قيل: مسح رأسه بالدهن فمعناه أنه مسح رأسه الدهن بيده، فاليد مأخوذة في مفهوم المسح عند تعديته بالباء، نعم: إذا استعمل المسح من دون تعديته بشئ فهو بمعنى الازالة فإذا قيل: مسح الكتابة والخط فمعناه انه ازاله، فهذا الاحتياط في مورده. واما ما صنعه ثانيا بان يكون المسح بباطن اليد وبالراحة فهو أيضا لا بأس به لكنه ليس في مرتبة الاحتياط الاول لا كون المسح بمعنى المسح بباطن اليد وبالراحة يذكره إلا بعضهم - كما في اقرب الموارد - على أن المسح باليد لا يراد منه عادة سوى المسح بباطن اليد لا بظاهرها.

[ 429 ]

[ ولا يبعد استحباب (1) ] الكلام في مستحبات الحنوط. الامور التي يدعى استحبابها في الحنوط اما أن يدل على استحبابها دليل معتبر فلا اشكال في استحبابها حينئذ - كما في استحباب التحنيط للمفاصل لوروده في جملة من الروايات المعتبرة - واما أن يدل على استحبابها رواية ضعيفة فالقول باستحبابها حينئذ يتوقف على القول بالتسامح في ادلة السنن وتمامية اخبار (من بلغ) إلا ان ذلك انما هو فيما إذا لم تكن الرواية معارضة ومع التعارض فلا يمكن ثبوت الاستحباب بتلكم الروايات لانها لو دلت فانما تدل على استحباب ما بلغ فيه الثواب، واما ما بلغ فيه الثواب وعدمه فهو غير مشمول لها بوجه. وهذا كما في بصره ومسامعه ومنخريه حيث نهي عنه في معتبرة يونس وغيرها، كما امر به في معتبرة زرارة (1) و عبد الله بن سنان (2) وموثقة عمار (3) (1) إن اراد بذلك الاستحباب في مجموع ما ذكره فهو كما ذكره. واما إن اراد الاستحباب في كل واحد واحد منها فالتعبير ب‍ (لا يبعد) في غير محله لان الاستحباب في المفاصل ثابت جزما ولا معنى لنفي البعد عنه.


(1) و (2) الوسائل: ج 2 باب 16 من أبواب التكفين ح 6 و 3. (3) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التكفين ح 4.

[ 430 ]

[ مسح ابطيه (1) ولبته (2) ومغابنه (3) ] (1) لانهما المقدار المتيقن من المغابن الواردة في مرسلة يونس (1) على ما في التهذيب حيث ورد فيها (وامسح بالكافور على جميع مغاينه) لان المراد بالمغابن اما جميع المواضع الوسخة أو خصوص الابطين. (2) وهي موضع القلادة ويدل على ذلك ما ورد في استحباب جعل الحنوط في الصدر فان موضع القلادة من الصدر - كما في حسنة الحلبي (2) - وورد ذلك أيضا في رواية الكاهلي وحسين بن المختار (3). (3) الظاهر انه اعتمد في ذلك على تفسير المغابن بالمواضع الوسخة. وهو الصحيح إذ لو كان المراد منها خصوص الابطين لقال (واجعله في مغبنيه) فان المغبن جمع (مغبن) وليس في الميت إلا ابطان ومغبنان لا مغابن، وعليه فتشمل المغابن لباطن الابطين ومنتهى الفخذين بل وباطن القدمين وغيرها من المواضع التي تجتمع الاوساخ فيها. استدراك: ذكرنا أن المستند في الحكم باستحباب التحنيط في الابطين والمغابن


(1) التعبير بالمرسلة غير صحيح فانها معتبرة على رأي سيدنا الاستاد - دام ظله - كما يعبره بذلك في نفس المسألة. (2) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التكفين ح 1. (3) الوسائل: ج 2 باب 16 من أبواب التكفين ح 5.

[ 431 ]

[ ومفاصله (1) وباطن قدميه (2) وكفيه (3) ] هو ما رواه الشيخ (قده) فان في بعض نسخ التهذيب (المغابن) وذكرنا ان القدر المتيقن من المغابن هو الابط، واستشهدنا على عدم اختصاصها بالابطين بانه لو كان المراد بها خصوص الابطين للزم ان يقول (مغبنان) إذ ليس للميت إلا ابطين. إلا انه بعد المراجعة ظهر أن صاحب الوسائل نقل الرواية عن الشيخ بلفظ المفاصل بدل المغابن وكذلك صاحبا الوافي والحداثق. اذن لم تثبت نسخة المغابن لنستدل بها، نعم في الطبع الاول للتهذيب قد كتب فوق لفظ المفاصل المغابن إلا انه لا تثبت به الرواية، بل الظاهر أنه المفاصل كما نقله في الوسائل والوافي والحدائق وغيرها. ومعه لا يمكن الحكم باستحباب التحنيط في الابطين وغيرهما مما استدللنا بتلك النسخة التي لم تثبت على استحباب التحنيط فيها. (1) كما تقدم لورود الامر به في جملة من الاخبار المعتبرة. (2) لما تقدم من امكان ادراجهما في المغابن - مضافا إلى ورودهما في رواية الكاهلي وابن المختار. (3) أي ظاهر الكفين ولعله سقط من القلم أو انه (قده) اعتمد في ذلك على الظهور لان باطن الكفين من المساجد التي يجب التحنيط فيها فإذا عدت الكفان فيما يستحب التحنيط فيه كان ظاهرا في ارادة ظاهرهما. ويدل عليه موثقة سماعة على احدى النسختين حيث ورد فيها: (ويجعل شيئا من الحنوط على مسامعه ومساجده وشيئا على ظهر

[ 432 ]

[ بل كل موضع من بدنه فيه رائحة كريهة (1) ويشترط أن يكون بعد الغسل أو التيمم (2) نعم يجوز قبل التكفين وبعده وفي اثنائه (3) ] الكفين (1) - وفي نسخة: الكفن). (1) وذلك لان المغابن - كما تقدم - هي المواضع التي يجتمع فيها الوسخ وهي مثيرة للرائحة الكريهة فانها تنشأ من الوسخ. (2) كما يستفاد من النصوص. محل التحنيط: (3) هل يعتبر في التحنيط أن يكون قبل التكفين أو بعده أو أن المكلف مخير في ذلك: حكي عن الصدوق أن التحنيط بعد التكفين. والصحيح هو التخيير قبل التكفين وبعده وفي اثنائه إذ لم يقم دليل على اعتبار كونه قبل أو بعده، بل لو ورد التقييد في رواية صحيحة السند وتامة الدلالة على وجوبه لم نكن نلتزم به لان المسألة مما تعم به البلوى ولو كان التقييد بالبعدية أو القبلية واجبا في التحنيط لظهر وبان اشتهر، ومن عدم اشتهاره نستكشف عدم الوجوب كما ذكرناه في جملة من الموارد.


(1) الوسائل: ج 2 باب 15 من أبواب التكفين ح 2.

[ 433 ]

[ والاولى أن يكون قبله (1) ] (1) لعله اعتمد في ذلك على صحيح زرارة ومعتبرة يونس حيث ورد في الصحيح (إذا جففت الميت عدت إلى الكافور فمسحت به) (1) وفي المعتبرة (ابسط الحبرة بسطا ثم ابسط عليها الازار ثم ابسط القميص عليه. ثم اعمد إلى كافور مسحوق. ثم يحمل فيوضع على قميصه) (2) ولكن الصحيح هو التخيير ولا أولوية في كون التحنيط قبل التكفين فان الصحيحة دلت على ان يكون التحنيط بعد الغسل والتجفيف واما انه قبل التكفين أو بعده فهي ساكتة عن بيانه. واما المعتبرة فهي وان كانت بحسب السند معتبرة لما قدمناه من أن امثال هذه الاخبار خارجة عن المراسيل لان علي بن ابراهيم يرويها عن ابيه وأبوه ابراهيم بن هاشم عن رجاله ولا يخلو رجاله عن الثقاة على الاقل لو لم يكونوا جميعا من الثقاة. كما انها بحسب الدلالة ظاهرة إلا انه لا يحتمل ان يكون ما تضمنته المعتبرة واجبا في التحنيط لانها اشتملت على بسط الحبرة والقميص والازار في مكان آخر ثم حمل الميت ووضعه عليه وهذا غير واجب قطعا لجواز تكفين الميت وهو في موضعه ولا يجب حمله وتكفينه في مكان آخر بوجه هذا كله. مضافا إلى موثقة سماعة (إذا كفنت الميت فذر على كل ثوب


(1) الوسائل: ج 3 باب 16 من أبواب التكفين ح 6. (2) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التكفين ح 3

[ 434 ]

[ ويشترط في الكافور أن يكون طاهرا (1) مباحا (2) جديدا (3) ] شيئا من ذريرة وكافور) (1) فتدل على أن التحنيط انما هو بعد التكفين أو في اثنائه فلا يكون التحنيط قبل التكفين، وعليه فالمكلف مخير بين تحنيط الميت قبل التكفين أو اثنائه أو بعده. ما يشترط في الكافور: (1) لم نجد بعد التتبع من تعرض لاشتراط الطهارة في كافور التحنيط ولم يرد اعتبارها في دليل. والعجيب دعوى الاجماع على اعتبارها في الكافور، إذ مع عدم تعرضهم لذلك كيف تكون المسألة اجماعية. نعم: لا بأس بالاستدلال على اعتبارها بالارتكاز وذلك لان الشارع اعتبر الطهارة في الكفن واوجب قرضه إذا تنجس وكذا في بدن الميت حيث امر بغسله إذا تنجس، ومن ذلك يطمئن بأن الشارع لا يرضى بوجود النجس مع الميت فلابد من أن يبعد عنه. (2) لان المغصوب لا يجوز التصرف فيه ولا يمكن أن يكون الحرام مأمورا به على ما اسلفناه في الكفن وماء الغسل. (3) لان الحنوط - كما سبق - ما يحنط به، والتحنيط هو استعمال


(1) المتقدمة قريبا.

[ 435 ]

[ فلا يجزي العتيق الذي زال ريحه، وأن يكون مسحوقا (1). (مسألة 1): لا فرق في وجوب الحنوط بين الصغير والكبير والاثنى والخنثى والذكر والحر والعبد (2). نعم ] ما يمنع الفساد وليس هذا إلا الكافور المشتمل على الريح إذا أن فاقد الريح بحكم التراب لا يكون مانعا عن الفساد أبدا فان رائحته هي المانعة عن الفساد أو (المكروبات) على ما هو الشائع في هذه الاعصار. مضافا إلى ان ذلك مما تقتضيه الروايات نفسها التي امرت بالكافور لانه طيب على ما يستفاد من الروايات، ومع زوال الرائحة لا يبقى موضوع الطيب ليحنط به. (1) كما ورد في معتبرة يونس (1) مضافا إلى انه مما يقتضيه نفس المسح به حيث عرفت ان الواجب ليس هو مجرد جعل الكافور بل جعله ومسحه، ومعنى مسح الكافور هو مسحه على المساجد السبعة باليد كمسها بالماء وهذا لا يتحقق إلا مع السحق فان غير المسحوق لا يمكن مسحه على البدن باليد - على أنه لابد من بقاء اثره على تلك المواضع وهذا لا يتحقق إلا في المسحوق. التسوية في التحنيط بين اقسام الموتى: (2) للاطلاق ولما صرح بالتسوية بين الرجل والمراة في بعض


(1) تقدمت قريبا.

[ 436 ]

[ لا يجوز تحنيط المحرم قبل إتيانه بالطواف كما مر (1) ولا يلحق به التي في العدة (2) ولا المعتكف وان كان يحرم عليهما استعمال الطيب حال الحياة. (مسألة 2): لا يعتبر في التحنيط قصد القربة (3) ] الروايات المعتبرة (1). (1) تكلمنا على هذه المسألة سابقا وقلنا ان التحلل من احرام العمرة يتحقق بالتقصير ومن احرام الحج بالسعي وهو قبل ذلك محرم سواء مات حال الطواف أم قبله. فاللازم ان يقال: انه لا يجوز تحنيطه قبل إتيانه بالسعي لا الطواف لما دل على أن من مات محرما لا يجوز قرب الطيب منه، والكافور من الطيب. (2) أي: عدة الوفاة لان المتوفى عنها زوجها وان كان يحرم عليها استعمال الطيب إلا انه يختص بحال الحياة ويرتفع بموتها. عدم اعتبار قصد القربة في التحنيط: (3) لان اعتبار قصد التقرب في العمل يحتاج إلى دليل ولم يقم دليل على اعتباره في الحنوط ولا يقاس ذلك بالتغسيل والصلاة على الميت لدلالة الدليل فيهما على اعتبار قصد القربة في الواجب دون المقام.


(1) كصحيحتي الحلبي وصحيحة زرارة المتقدمتان.

[ 437 ]

[ فيجوز أن يباشره الصبي المميز أيضا (1). ] (1) هذا تفريع على عدم اعتبار قصد التقرب في التحنيط. وفيه اشكال من جهتين: (الاولى) أن الواجب الذي لم يعتبر فيه قصد التقرب لو كان يسقط بفعل الغير بمعنى عدم اعتبار المباشرة لم يفرق الحال فيه بين أن يأتي به الصبي المميز أو غيره أو المجنون أو تحقق بغير ذلك من الاسباب الخارجة عن الاختيار فانه إذا أتى به الصبي غير المميز أو المجنون أجزأ ذلك في مقام الامتثال فلا وجه لتخصيص الاجتزاء بما إذا باشره الصبي المميز كما ذكر في المتن. (الثانية): انه لا ملازمة بين كون الواجب توصليا وبين عدم اعتبار المباشرة في سقوطه لان النسبة بينهما عموم من وجه فقد يكون الواجب تعبديا ولا تعتبر فيه المباشرة كما في الزكاة فان اخراجها واجب تعبدي مع أنه لو اخرجها غير المالك بأمر منه على ما عندنا أو مطلقا على المشهور أجزأ ذلك عن المأمور به. وقد يكون الواجب توصليا ولا يسقط بفعل الغير بل تعتبر فيه المباشرة مثل رد السلام فانه واجب توصلي ولا يسقط إلا برد من وجب عليه رد السلام فان رد غيره لا يسقطه عن ذمته. فلا ملازمة بين كون الواجب توصليا وكونه ساقطا من دون المباشرة. نعم قد تقوم القرينة الخارجية على أن الغرض من ايجاب العمل ليس إلا تحققه ووجوده في الخارج بأية كيفية كانت وحينئذ نلتزم

[ 438 ]

[ (مسألة 3): يكفي في مقدار كافور الحنوط المسمى (1) ] بسقوطه بفعل الغير ولكنه لاجل القرينة لا لاجل أنه توصلي، وعليه فالظاهر عدم الاجتزاء في المقام بفعل غير المكلفين ولا يسقط التحنيط بفعل الصبي ولا غيره عن ذمة المكلفين وان كان واجبا توصليا لما دل على ان القلم مرفوع عن الصبي والمجنون. الاقتصار بالمسمى في التحنيط: (1) لاطلاق الاخبار وعدم ورود تحديد وتقدير معين في شئ من النصوص المعتبرة. نعم ورد في الفقه الرضوي ومرسلة ابن أبي نجران: ان أقل ما يجزي في الحنوط مثقال (1). وفي مرسلة أخرى لابن ابي نجران وفي الفقه الرضوي أيضا: ان اقل ما يجزئ من الكافور للميت مثقال ونصف (2). وفي رواية الكاهلي والحسين بن المختار ان مقداره أربعة مثاقيل (3).


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب التكفين ح 2. ومستدرك الوسائل: ج 1 باب 2 من أبواب التكفين ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب التكفين ح 5. ومستدرك الوسائل: ج 1 باب 3 من أبواب التكفين ح 2. (3) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب التكفين ح 4.

[ 439 ]

[ والافضل أن يكون ثلاثة عشر درهما وثلث، تصير بحسب المثاقيل الصيرفية سبع مثاقيل وحمصتين إلا خمس ] وفي مرفوعة علي بن ابراهيم أن مقداره ثلاثة عشر درهما وثلث (1). وهذه بأجمعها ضعيفة السند لكونها بين مرسلة مرفوعة وما لم تثبت كونه رواية أو ضعيفة كرواية الكاهلي لوجود محمد بن سنان في سندها فلا تثبت هذه المقادير بتلكم الاخبار. على أن في رواية الكاهلي دلالة على عدم الوجوب حيث ورد فيها: (القصد من ذلك أربعة مثاقيل) والقصد بمعنى المتوسط ولا دلالة فيه على الوجوب. أما استحباب تلكم المقادير فلا يمكن اثباته بها لضعفها، اللهم إلا أن نقول بالتسامح في أدلة السنن ولا نقول به. وأما الاستدلال عليه بما ورد من أن تحنيط رسول الله صلى الله عليه وآله كان ثلاثة عشر درهما، وثلثا (2) لان فيه تأسيا به صلى الله عليه وآله. فيرد عليه أن الرواية الدالة على ذلك ضعيفة فلا يثبت بها موضوع التأسي ليستحب، نعم لا بأس بالعمل على ما افتى به الاصحاب من كونه مثقالا ثم مثقالا ونصفا ثم اربعة مثاقيل ثم ثلاثة عشر درهما وثلثا من باب الرجاء دون الاستحباب.


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب التكفين ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب التكفين ح 1، 6، 8

[ 440 ]

[ الحمصة (1). ] ما هو الافضل في مقدار كافور الحنوط: (1) الظاهر انه من الاشتباه في الحساب فان ثلاثة عشر درهما وثلثا انما هي سبع مثاقيل فقط لا أزيد منها. وذلك لانها أربعون ثلثا إذا العشرة إذا ضربت بالثلاث صار الحاصل ثلاثين وحاصل ضرب الثلاث في الثلاثة تسعة فالمجموع تسعة وثلاثون ويضاف إليه الثلث الاخير في (ثلاثة عشر درهما وثلثا) يبلغ المجموع أربعين ثلثا وهي ثمانية وعشرون مثقالا لانه الحاصل من ضرب السبعة بالاربعة. فانهم ذكروا أن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل شرعية فيكون في الاربعين (أثلاث): أربعة (سبعات الا ثلاث) فإذا ضرب الاربعة بالسبعة حصل ثمانية وعشرن ثلثا، إذن يكون ذلك بحسب المثقال سبعا لا أزيد: إذ كل عشرة دراهم مثقال شرعي كما ذكروه وكل مثقال صيرفي يزيد على المثقال الشرعي بالربع فلو نقصنا من ثمانية وعشرين ثلثا ربعها - وهو ما به التفاوت بين المثقال الشرعي والصيرفي - بقي واحد وعشرون ثلثا وهي لو قسمت إلى ثلاث (لانها واحد وعشرون ثلث) صار سبع مثاقيل بالتمام، واما بحسب المتقال الصيرفي فهي تسعة مثاقيل إلا ربع.

[ 441 ]

[ والاقوى أن هذا المقدار لخصوص الحنوط، لا له وللغسل، وأقل الفضل مثقال شرعي والافضل منه أربعة دراهم، والافضل منه أربعة مثاقيل شرعية، (مسألة 4): إذا لم يتمكن من الكافور سقط وجوب الحنوط ولا يقوم مقامه طيب آخر (1)، نعم يجوز تطييبه، بالذريرة (2) لكنها ليست من الحنوط، وأما تطييبه بالمسك والعنبر والعود ونحوها ولو بمزجها بالكافور فمكروه (3) بل الاحوط تركه. ] إذا لم يتمكن من الكافور: (1) لعدم الدليل عليه واعتبار الكافور في التحنيط ليس لاجل أنه طيب محض ليقوم مقامه سائر افراد الطيب بل من أجل أنه حنوط - أي يمنع عن الفساد - وهذا لا يأتي في غير الكافور من أفراد الطيب (2) النص المعتبر (1) إلا ان الكلام في موضوعها فانه محل الاختلاف وعلى تقدير ثبوت معناها انها أي شئ - كما إذا قلنا انها نبات معين يدق ويذر على الميت - يستحب تطيب الميت بها. (3) استدل على ذلك بجملة من الروايات لا تخلو من ضعف في


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب التكفين ح 4 وباب 15 منه ح 1.

[ 442 ]

السند أو الدلالة أو في كليهما. (منها): مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله (ع) قال: (لا يجمر الكفن) (1). وهي ضعيفة السند بارسالها لما تقدم مرارا من أن ابن ابي عمير أو غيره قده يروي عن الضعيف ونحتمل أن يكون مراده ببعض الاصحاب هو ذاك الضعيف فلا وجه لما يقال من أن مراسيله كمسانيده. على أنها ضعيفة دلالة لان التجمير عبارة عن جعل شئ في النار للتبخير أي - لان يبخر به الميت أو غيره - وتقريب النار من الميت منهي عنه في بعض الاخبار وهذا أخص من المدعى وهو قرب الطيب منه. إذ لا دلالة لها على أن قرب الطيب منه بغير واسطة النار مكروه أيضا أو منهي عنه. و (منها) رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): (لا تجمروا الاكفان ولا تمسحوا موتاكم بالطيب إلا بالكفور.) (2). وهي من حيث الدلالة ظاهرة ولكنها ضعيفة من حيث السند لانها مروية بطريقين: الكليني والصدوق وهي على طريق الكليني تشتمل على جماعة من الضعاف. وعلى طريق الصدوق تشتمل على القاسم ابن يحيى وجده الحسن بن راشد وكلاهما (3) ضعيف كما مر في بعض الابحاث السابقة.


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب التكفين ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب التكفين ح 5. (3) وهما ثقتان لوجودهما في اسناد كامل الزيارات فطريق الصدوق معتبر.

[ 443 ]

و (منها): رواية يعقوب بن يزيد عن عدة من أصحابنا عن أبي عبد الله (ع) قال: (لا يسخن للميت الماء، ولا تعجل له النار ولا يحنط بمسك) (1). وهي ضعيفة السند لوجود سهل بن زياد، كما أن دلالتها قاصرة على المدعى لانها انما نهت عن التحنيط بالمسك وهذا عنوان آخر فان التحنيط لابد أن يكون بالكافور فحسب. وأما إذا حنط بالكافور وبعده وضع عليه شئ من الطيب فلا يستفاد منها عدم جوازه بوجه. و (منها) رواية داود بن سرحان قال: قال أبو عبد الله (ع) لي في كفن أبي عبيدة الحذاء: (انما الحنوط الكافور.) (2). وهي من حيث الدلالة كسابقتها إذ الكلام انما هو في قرب الطيب. من الميت لا في التحنيط بغير الكافور، ولا دلالة لها على عدم جواز قرب الطيب منه بعد تحنيطه بالكافور، وأما من حيث السند فهي ضعيفة أيضا لان في سندها بطريق الكليني صالح بن السندي وهو ضعيف (3) وفي طريق الشيخ إلى محمد بن الحسين بن ابي الخطاب ضعف (4) ولا يمكن الاعتماد على الرواية بوجه، فما في بعض الكلمات من توصيف الرواية بالصحيحة ممالا وجه له. و (منها) رواية أخرى لداود بن سرحان حيث ورد فيها


(1) و (2) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب التكفين ح 6 و 7. (2) ثقة لوجوده في اسناد كامل الزيارات. (4) وقد صحح طريق الشيخ إليه في المعجم ج 15 ص 329.

[ 444 ]

(واعلم أن الحنوط هو الكافور) (1). ويرد عليها من حيث الدلالة ما تقدم في غيرها، ومن حيث السند وجود محمد بن سنان وهو ضعيف. و (منها): رواية دعائم الاسلام الدالة على النهي عن أن يحنط الميت بالطيب أو يقرب منه ذلك (2). ولكنها ضعيفة السند بالارسال وان كان مؤلفه جليل القدر كما ذكرناه مرارا - على ان التحنيط مغاير لتقريب الطيب من الميت كما مر. و (منها): رواية الفقه الرضوي: وروي أنه لا يقرب الميت من الطيب شيئا (3). وهي من حيث الدلالة ظاهرة إلا انها لم تثبت كونها رواية فضلا عن اعتبارها. فتحصل أن ما استدل به من الاخبار بين مرسلة وضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بالكراهة فضلا عن عدم الجواز فلا موجب للاحتياط فضلا عن أن يكون الاحتياط لزوميا. نعم بناءا على التسامح في أدلة السنن وتسريته إلى المكروهات لا بأس بالحكم بكراهة قرب الطيب من الميت، إلا انا لا نلتزم به كما مر. ومما يدلنا على جواز قرب الطيب من الميت ما ورد في جملة من الاخبار المعتبرة وغيرها من أن الميت المحرم وغير المحرم سيان إلا في


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب التكفين ج 8. (2) (3) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 5 من أبواب التكفين ح 1

[ 445 ]

[ (مسألة 5): يكره إدخال الكافور في عين الميت أو أو أنفه أو أذنه (1). (مسألة 6): إذا زاد الكافور يوضع على صدره (2). (مسألة 7): يستحب سحق الكافور باليد لا بالهاون. (مسألة 8): يكره وضع الكافور على النعش. ] أن المحرم لا يقرب منه طيب غير الكافور. لدلالتها على أن غير المحرم يجوز أن يقرب منه الطيب وإلا لم يكن فرق بين المحرم والمحل حتى من هذه الجهة، مع أن الاخبار مصرحة بالفرق بينهما من هذه الجهة. (1) للنص الوارد عن ذلك في بعض الاخبار (1). (2) قد ذكر الفقهاء ان الكافور إذا زاد على المساجد يوضع على الصدر، وذكره الماتن (قده) على وجه الاطلاق وظاهره انه إذا زاد على المساجد وغيرها من المواضع المستحب تحنيطها يوضع على الصدر، وهذا مما لم نقف له على دليل سوى ما في الفقه الرضوي: (وتلقي ما بقي على صدره وراحتيه) (2) بعد بيان مسح المساجد والمفاصل وغيرها من المواضع، فعلى ذلك كان اللازم على الماتن اضافة الراحتين على الصدر لوروده في الفقه الرضوي الذي هو المستند لحكمه.


(1) راجع الباب 14 من ابواب التكفين من الوسائل (2) مستدرك الوسائل: ج 1 باب من أبواب التكفين.

[ 446 ]

[ (مسألة 9): يستحب خلط الكافور بشئ من تربة الحسين (ع) لكن لا يمسح به المواضع المنافية للاحترام. (مسألة 10): يكره إتباع النعش بالمجمرة، وكذا في حال الغسل. (مسألة 11): يبدأ في التحنيط، بالجبهة، وفي سائر المساجد مخير. (مسألة 12): إذا دار الامر بين وضع الكافور في ماء الغسل أو يصرف في التحنيط يقدم الاول (1). ] تقديم وضع الكافور في ماء الغسل: (1) وذلك لما ذكرناه في الاغسال الثلاثة الواجبة في غسل الميت وقلنا انه إذا لم يتمكن إلا من الماء في واحد أو اثنين منها تعين أن يصرفه في الاول منها ويتيمم في الثاني أو الاخير. وذلك لانه في الاول متمكن من الماء فلا مسوغ له للتيمم بدلا عن الغسل، وهذا بخلاف ما إذا عمل بوظيفته وصرف الماء في التغسيل فانه في الثاني أو الثالث إذا لم يتمكن من الماء يسقط عنه الامر بالتغسيل لعجزه فتصل النوبة إلى التيمم كما مر. وبما ان المكلف في المقام متمكن من التغسيل والكافور على

[ 447 ]

[ وإذا دار في الحنوط بين الجبهة وسائر المواضع تقدم الجبهة (1). ] الفرض فلا يجوز له ترك ذلك إبقاءا للكافور للتحنيط بل لابد من أن يصرفه في الغسل الواجب لتمكنه منه. وإذا انتهى الامر إلى التحنيط ولم يجد المكلف الكافور سقط عنه الامر به للعجز. وهذا لا يختص بالمقام بل الامر كذلك في كل واجبين لا يتمكن المكلف إلا من أحدهما فان الاول واجب التقديم حينئذ وفي الثاني اما ان يسقط الوجوب للعجز رأسا وإما ان ينتقل إلى بدله. ومن هنا لو لم يتمكن في شهر رمضان إلا من صيام خمسة عشر يوما ليس له الافطار في الايام الاول إبقاءا لقدرته إلى الايام المتأخرة بل يجب عليه الصوم في النصف الاول وإذا صرف قدرته في النصف الاول فهو عاجز في النصف الثاني فيسقط عنه الامر بالصوم ويجوز له أن يفطر لا محالة. تقديم الجبهة: (1) لا دليل على تقديم الجبهة في التحنيط عند التمكن من تحنيط جميع المواضع، فان الادلة مطلقة ولا فرق فيها بين الجبهة.

[ 448 ]

وغيرها فإذا دار الامر في التحنيط بينها وبين غيرها لم يكن معين للجبهة بوجه. فالحكم بتحنيط الجبهة أولا عند التمكن من التحنيط في سائر المواضع وعدمه مبني على الاحتياط.

[ 449 ]

[ (فصل. في الجريدتين) من المستحبات الاكيدة عند الشيعة وضعهما مع الميت صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، محسنا أو مسيئا، كان ممن يخاف عليه من عذاب القبر أولا، ففي الخبر: (إن الجريدة تنفع المؤمن والكافر والمحسن والمسئ وما دامت رطبة يرفع عن الميت عذاب القبر) وفي آخر: (إن النبي صلى الله عليه وآله مر على قبر يعذب صاحبه فطلب جريدة فشقها نصفين فوضع أحدهما فوق رأسه والاخرى عند رجله وقال: يخفف عنه العذاب ما داما رطبين) وفي بعض الاخبار إن آدم (ع) أوصى بوضع جريدتين في كفنه لانه وكان هذا معمولا به بين الانبياء وترك في زمان الجاهلية فأحياه النبي صلى الله عليه وآله. (مسألة 1): الاولى أن تكونا من النخل وان لم يتيسر فمن السدر، وإلا فمن الخلاف أو الرمان وإلا فكل عود رطب. (مسألة 2): الجريدة اليابسة لا تكفي (مسألة 3): الاولى أن تكون في الطول بمقدار ]

[ 450 ]

[ ذراع وان كان يجزئ الاقل والاكثر. وفي الغلظ كلما كان أغلظ أحسن من حيث بطء يبسه. (مسألة 4): الاولى في كيفية وضعهما أن يوضع احدهما في جانبه الايمن من عند الترقوة إلى ما بلغت ملصقة ببدنه. والاخرى في جانبه الايسر من عند الترقوة فوق القميص تحت اللفافة إلى ما بلغت. وفي بعض الاخبار ان يوضع احداهما تحت إبطه الايمن، والاخرى بين ركبتيه بحيث يكون نصفها يصل إلى الساق ونصفها إلى الفخذ. وفي بعض آخر: يوضع كلتاهما في جنبه الايمن، والظاهر تحقق الاستحباب بمطلق الوضع معه في قبره، (مسألة 5): لو تركت الجريدة لنسيان ونحوه جعلت فوق قبره. (مسألة 6): لو لم تكن إلا واحدة جعلت في جانبه الايمن. (مسألة 7): الاولى أن يكتب عليهما اسم الميت واسم أبيه وأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وأن الائمة من بعده أوصياؤه ويذكر اسماءهم واحدا بعد واحد. ]

[ 451 ]

[ (فصل: في التشييع) يستحب لاولياء الميت إعلام المؤمنين بموت المؤمن ليحضروا جنازته والصلاة عليه والاستغفار له. ويستحب للمؤمنين المبادرة إلى ذلك. وفي الخبر: (إنه لو دعي إلى وليمة والى حضور جنازة قدم حضورها لانه مذكر للآخر كما ان الوليمة مذكرة للدنيا) وليس للتشييع حد معين، والاولى أن يكون إلى الدفن ودونه إلى الصلاة عليه والاخبار في فضله كثيرة ففي بعضها: (أول تحفة للمؤمن في قبره غفرانه وغفران من شيعه) وفي بعضها: (من شيع مؤمنا لكل قدم يكتب له مائة ألف حسنة ويمحى عنه مائة الف سيئة ويرفع له مائة الف درجة وان صلى عليه يشيعه حين موته مائة ألف ملك يستغفرون له إلى أن يبعث) وفي آخر (من مشى مع جنازة حتى صلى عليها له قيراط من الاجر وان صبر إلى دفنه له قيراطان، والقيراط مقدار جبل أحد) وفي بعض الاخبار: يؤجر بمقدار ما مشى معها. ]

[ 452 ]

[ (وأما آدابه) فهي أمور: (أحدها): أن يقول إذا نظر إلى الجنازة: (إنا لله وإنا إليه راجعون، الله أكبر، هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانا وتسليما، الحمد لله الذي تعزز بالقدرة وقهر العباد بالموت) وهذا لا يختص بالمشيع بل يستحب لكل من نظر إلى الجنازة كما انه يستحب له مطلقا أن يقول: (الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم). (الثاني): ان يقول حين حمل الجنازة (بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآل محمد اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات). (الثالث): ان يمشي، بل يكره الركوب إلا لعذر. نعم لا يكره في الرجوع. (الرابع): أن يحملوها على أكتافهم لا على الحيوان إلا لعذر كبعد المسافة. (الخامس): أن يكون المشيع خاشعا متفكرا متصورا أنه هو المحمول ويسأل الرجوع إلى الدنيا فأجيب. (السادس): ان يمشي خلف الجنازة أو طرفيها ولا يمشي قدامها، والاول أفضل من الثاني، والظاهر كراهة ]

[ 453 ]

[ الثالث خصوصا في جنازة غير المؤمن. (السابع): أن يلقى عليها ثوب غير مزين. (الثامن): أن يكون حاملوها أربعة. (التاسع): تربيع الشخص الواحد بمعنى حمله جوانبها الاربعة: والاولى الابتداء بيمين الميت يضعه على عاتقه الايمن ثم مؤخرها على عاتقه الايمن ثم مؤخرها الايسر على عاتقه الايسر ثم ينتقل إلى المقدم الايسر واضعا له على العاتق الايسر يدور علهيا. (العاشر): أن يكون صاحب المصيبة حافيا واضعا رداءه أو يغير زيته على وجه آخر بحيث يعلم أنه صاحب المصيبة. (ويكره أمور): (أحدها): الضحك واللعب والهو. (الثاني): وضع الرداء من غير صاحب المصيبة. (الثالث): الكلام بغير الذكر والدعاء والاستغفار حتى ورد المنع عن السلام عن المشيع. (الرابع): تشييع النساء الجنازة وان كانت للنساء. (الخامس): الاسراع في المشي على وجه ينافي الرفق بالميت ولا سيما إذا كان بالعدو بل ينبغي الوسط في المشي.

[ 454 ]

[ (السادس): ضرب اليد على الفخذ أو على الاخرى. (السابع): أن يقول المصاب أو غيره (إرفقوا به، أو استغفروا له، أو ترحموا عليه) وكذا قول: (قفوا به). (الثامن): إتباعها بالنار - ولو مجمرة - إلا في الليل فلا يكره المصباح. (التاسع): القيام عند مرورها إن كان جالسا إلا إذا كان الميت كافرا لئلا يعلو على المسلم. (العاشر): قيل: ينبغي أن يمنع الكافر والمنافق والفاسق من التشييع. إلى هنا نختم الكلام في هذا الجزء من الكتاب حامدين مصلين ونسأل الله العلي القدير التوفيق لاتمام بقية اجزائه فانه خير موفق ومعين. ] بالميت ولا سيما إذا كان بالعدو بل ينبغي الوسط في المشي.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية