الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخوئي ج 7

كتاب الطهارة

السيد الخوئي ج 7


[ 1 ]

التنقيح شرح العروة الوثقى

[ 2 ]

هوية الكتاب الكتاب: التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريرا لبحث آية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئى دام ظله العالي (الجزء السابع) المؤلف: العلامة الحجة الميرزا على التبريزي الغروى الناشر: لطفي المطبعة: العلمية - قم عدد الطبع: الطبعة الثانية العدد: 3000 السعر: 1100 ريال التاريخ: جمادى الاولى 1411

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (19) التنقيح في شرح العروة الوثقى تقرير البحث آية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي دام ظله العالي للمحقق حجة الاسلام والمسلمين الميرزا علي الغروي التبريزي دامت بركاته الجزء السابع

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وآله واوصيائه الطيبين الطاهرين. وبعد فهذا هو الجزء السابع من كتابنا (التنقيح) في شرح العروة الوثقى وقد وفقنا الله للشروع وطبعه ونسأله تعالى ان يوفقنا لاتمامه واكمال بقية اجزائه فانه خير موفق ومعين.

[ 7 ]

[ فصل في الاستحاضة دم الاستحاضة من الاحداث الموجبة للوضوء والغسل إذا خرج إلى خارج الفرج ولو بمقدار رأس ابرة، ويستمر حدثها مادام في الباطن باقيا، بل الاحوط اجراء ] فصل في الاستحاضة الاستحاضة لغة هو ان يستمر الدم بالمرأة لانها استفعال من الحيض الذي هو بمعنى الدم. وبحسب الاصطلاح هو الدم فيخرج من المرأة غير الحيض ودم للقرحة أو الجرح وان لم يكن له استمرار بوجه كما إذا رات الدم بعد العشرة ولو قليلا أو رأته في غير ايام عادتها ولو قبل العشرة فانه من الاستحاضة وان لم يكن مستمرا. ولا ثمرة في تحقيق معناها اللغوي والاصطلاحي وبيان ما به يفترق أحدهما عن الآخر، وانما المهم تحقيق الاثر الذي يترتب عليها من الحكم بوجوب الغسل لكل صلاة - كما في الاستحاضة الكثيرة أو الغسل في كل

[ 8 ]

[ أحكامها إن خرج من العرق المسمى بالعاذل إلى فضاء الفرج وان لم يخرج إلى خارجه، وهو في الاغلب اصفر بارد رقيق يخرج بغير قوة ولذع وحرقة بعكس الحيض وقد يكون بصفة الحيض وليس لقليله ولا لكثيره حد، وكل دم ليس من القرح أو الجرح ولم يحكم بحيضيته فهو محكوم بالاستحاضة بل لو شك فيه ولم يعلم بالامارات كونه من غيرها يحكم عليه بها على الاحوط. ] يوم مرة واحدة كما في المتوسطة - أو الوضوء لكل صلاة - كما في القليلة، وان هذه الاحكام تترتب على أي شئ، فنقول: تحقيق ماله الاثر: ان الفقهاء - قدس الله أسرارهم - ذكروا أن كل دم خرج عن المرأة بطبعها ولم يكن دم حيض فهو استحاضة يجب معه الغسل لكل صلاة أو في كل يوم أو يجب معها الوضوء لكل صلاة. والمراد بما يخرج من المرأة بطبعها هو اخراج دم القرحة أو الجرح ونتيجة ذلك ان الدم الذي تراه المرأة غير دم الحيض والقرحة والجرح فهو استحاضة يترتب عليه الآثار المتقدمة، هذا ما ذكروه في المقام.

[ 9 ]

هل يوجد فاصل بين الدمين: ولابد من التكلم في أنه هل يمكن ان يكون الدم الخارج من المرأة غير متصف بالحيض ولا بدم القرحة أو الجرح ولا بالاستحاضة، فلا يجب على المرأة شئ من الاحكام المترتبة على الحيض والاحكام المترتبة على الاستحاضة أو انه لا فاصل بينهما وان كل دم لم يكن بدم حيض وقرحة فهو استحاضة؟ ذكر المحقق (قده) في شرائعه ان كل دم تراه المرأه ولم يكن بحيض ولا بدم قرح ولا جرح فهو استحاضة. وأورد عليه السيد (قده) في المدارك بأن هذه الكلية إنما تتم فيما إذا قيدت بغير دم النفاس وذلك لانه دم ليس بحيض ولا قرح ولا جرح ومع ذلك ليس باستحاضة. وما أفاده (قده) وان كان صحيحا لكنه غير وارد على المحقق لان نظره إلى غير دم الولادة وهو ظاهر ثم ذكر ان الكلية المذكورة لابد من تقييدها بما إذا كان الدم واجدا لاوصاف الاستحاضة من كونه باردا وأصفر ونحوهما من الاوصاف ولازم هذا التقييد تحقق الفاصل بين دمي الحيض والاستحاضة كما إذا رأت المرأة الدم بعد العشرة أسود فانه ليس بحيض لان اكثره عشرة أيام وليس باستحاضة لعدم اتصافه بأوصافها لفرض كونه أسود. وكذلك الحال فيما إذا رأت ذات العادة دما أسود اقل من ثلاثة أيام فان مثله لا يكون حيضا لكونه أقل من ثلاثة أيام ولا يكون

[ 10 ]

استحاضة لعدم كونه واجدا لاوصافها. وقد بنينا على ان دم الاستحاضة لابد من أن يكون واجدا لاوصافها والفاقد ليس باستحاضة إلا ان يدل دليل على انه استحاضة كما هو الحال في الحيض لاشتراطه بأن يكون واجدا للصفات ولا يحكم على الفاقد بالحيضية إلا أن يدل دليل على انه حيض كالصفرة التي تراها ذات العادة في أيام عادتها لانها حيض بمقتضى النص الدال على ان ما تراه المرأة في أيام عادتها من حمرة أو صفرة فهو حيض (1)، هذا. ولا يمكن المساعدة على ما ذهب إليه لانه مخالف لما هو المتسالم عليه بين الاصحاب من الحكم بالاستحاضة في الموارد المذكورة وما ادعاه من أن الاخبار تدل على ذلك غير صحيح إذ لا دلالة في الروايات على أن دم الاستحاضة مطلقا لابد من أن يكون واجدا لاوصاف الاستحاضة المذكورة وانما دلت الاخبار على أن في موارد دوران الدم بين كونه حيضا أو استحاضة إذا كان واجدا لاوصاف الحيض يحكم بحيضيته وإذا كان واجدا لاوصاف الاستحاضة يحكم بكونه استحاضة، لا انها تدل على أن دم الاستحاضة دائما لابد ان يكون واجدا لتلك الاوصاف، واليك بعضها: صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله (ع) (ان دم الاستحاضة والحيض ليسا يخرجان من مكان واحدا، ان دم الاستحاضة بارد وان دم الحيض حار) (2). وحسنة حفص بن البخترى قال: دخلت على أبي عبد الله (ع)


(1) راجع الوسائل: جزء 2 باب 4 من أبواب الحيض. (2) الوسائل: جزء 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 1.

[ 11 ]

امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري أحيض هو أو غيره؟ قال: فقال لها: (ان دم الحيض حار عبيط أسود له دفع وحرارة ودم الاستحاضة أصفر بارد فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة) قال: فخرجت وهي تقول: والله لو كان امرأة ما زاد على هذا (1). ومعتبرة اسحاق بن جرير حيث ورد فيها: (دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد..) (2) ومرسلة يونس عن غير واحد وقد ورد فيها (ان دم الحيض أسود يعرف وان المرأة إذا اختلطت الايام عليها وتقدمت وتأخرت وتغير عليها الدم ألوانا فسنتها إقبال الدم وإدباره وتغير حالاته) وغير ذلك من الجملات (3). وهي - ولا سيما الاخيرة حيث ان النبي صلى الله عليه وآله بين فيها السنة الاولى وأن ذات العادة تأخذ بعادتها، وبعد ذلك بين أوصاف الاستحاضة وان بها يحكم بالاستحاضة عند دوران الامر بينهما - كما تراها واردة في مقام دوران الامر بين الحيض والاستحاضة وان تلك الاوصاف والعلائم انما يحكم بها بالاستحاضة في هذا الموارد، ولا دلالة لها على ان الاستحاضة ملازمة لتلك الصفات وانه لا يحكم على الفاقد لها بالاستحاضة حتى فيما إذا لم تحتمل الحيضية هناك كما في المثالين المتقدمين.


(1) الوسائل: جزء 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 2. (2) الوسائل: جزء 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 3. (3) الوسائل: جزء 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 4.

[ 12 ]

ذكرنا ان الفقهاء - قدس الله أسرارهم - ذكروا ان كل دم يخرج من المرأة بطبعها ولم يكن دم حيض أو من القرح أو الجرح فهو استحاضة ولم يستثنوا دم النفاس ولعله مستند إلى وضوحه أو إلى ان دم النفاس عندهم هو دم الحيض لانه حيض محتبس فحكمه حكمه. وكذا لم يتعرضوا لدم العذرة لوضوح عدم كونه من الحيض والاستحاضة على ما بينوه عند اشتباه دم الحيض بدم العذرة. ويمكن ان يقال ان تقييد الدم الخارج من المرأة بكونه خارجا بحسب طبعها يغني عن استثناء دم الولادة والعذرة والقرح لانها لا يخرج من المرأة بطبعها وانما تخرج منها بسبب من الاسباب فالدم الخارج عن المرأة بحسب الطبع منحصر في الحيض والاستحاضة. وحاصل كلامهم: ان الدم الذي لا يحكم بحيضيته ملازم لكونه استحاضة. وقد ناقش فيه بعضهم - كما مر - من جهة ان الاستحاضة لها امارات وصفات ومع عدم وجدان الدم لها لا يحكم عليه بكونه استحاضة وان لم يكن بحيض أيضا. ويدفعها ما ذكرناه من ان الاخبار الواردة في اثبات صفات الاستحاضة لا دلالة لها على ان الاستحاضة لا يمكن انفكاكها عن الصفرة مثلا وانما دلت على ان الصفرة تلازم الاستحاضة عند اشتباه الحيض بالاستحاضة ودوران الامر بينهما لا أن الاستحاضة تلازم الصفرة - مثلا - دائما وفي جميع الموارد مما افاد المناقش لا يمكن المساعدة عليه وهذا كله في المقدمة. وبعد ذلك يقع الكلام في انه هل هناك تلازم بين الامرين واقعا وأن الدم إذا لم يكن حيضا أو غيره من المستثنيات فهو استحاضة واقعا

[ 13 ]

أو يمكن أن يوجد دم ليس بحيض ولا هو باستحاضة؟ ظاهر كلماتهم الذي ادعوا عليه الاجماع هو التلازم الدائمي وأن كل دم لم يحكم بحيضيته فهو استحاضة واقعا بلا فرق في ذلك بين اقسام المرأة حتى اليائسة والصغيرة التي هي قابلة لان ترى الاستحاضة كما إذا لم تكن مرتصعة فيقع الكلام حينئذ في صحة الملازمة المدعاة وثبوت كلتيها فنقول: المستحاضة الواردة في الاخبار المتقدمة هي المتسحاضة لغة - اعني المرأة التي لا ترى الطهر كما في بعض الروايات وهي المعبر عنها بالمستمرة الدم - ولا اشكال في أن حكمها هو الذي اشتملت عليه الاخبار المتقدمة من مراعاة الاوصاف والامارات وان الدم غير الواجد لصفات الحيض واماراته ككونه في ايام العادة فهو استحاضة يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على دم الاستحاضة من وجوب الغسل لكل صلاة أو الغسل مرة في كل يوم أو التوضوء لكل واحدة من صلواتها. إلا ان الاستحاضة المعنونة في كلمات الفقهاء ليست هي الاستحاضة اللغوية اعني مستمرة الدم وانما يراد بها الدم الذي لا يحكم بحيضيته ولا يكون من بقية الاقسام المستثناة وان لم يستمر دمها كما إذا رأت الدم بعد عادتها وقبل انقضاء اقل الطهر فانه لابد وان يكون استحاضة سواء أكان لونه اسود ام كان اصفر مع عدم كون المرأة مستمرة الدم - وهذه هي الاستحاضة الاصطلاحية واجراء الاحكام المترتبة على المستحاضة اللغوية على المستحاضة الاصطلاحية يحتاج إلى دلالة الدليل عليه

[ 14 ]

التحاق الاستحاضة الاصطلاحية باللغوية: ولابد من التكلم في أن الدليل هل دل على التحاق المستحاضة المصطلحة بالمستحاضة اللغوية أم لم يدل؟ أما المرأة التي هي في سن من تحيض اعني غير الصغيرة واليائسة فلا ينبغي الاشكال في انها إذا رأت دما ولم يحكم بحيضيته فهو استحاضة وان لم تكن المرأة مستمرة الدم لاجل الملازمة الواقعية على ما تدل عليه الاخبار الآتية، وما ادعوه من التلازم بين الامرين صحيح في مثلها، فإذا رأت بعد عادتها وقبل انقضاء اقل الطهر دما فلا مناص من الحكم عليه بالاستحاضة وان لم يكن واجدا لاوصافها كما إذا كان اسود وان لم تكن المرأة مستمرة الدم وذلك لدلالة جملة من الاخبار الواردة في حيض الحامل على التلازم المدعى بين الامرين في مثلها: (منها): صحيحة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الحبلى ترى الدم يوما أو يومين، قال: (ان كان دما عبيطا فلا تصلي ذينك اليومين وان كانت صفرة فلتغتسل عند كل صلاة) (1). وقد تعرضنا سابقا لهذه الرواية وقلنا: إن ما ربما يتوهم من كونها منافية للاخبار الدالة على ان اقل الحيض ثلاثة ايام لقوله (ع) (ترى الدم اليوم واليومين)، مندفع بانها ناظرة إلى حكم المرأة حين رؤيتها الدم وتدل على أن وظيفتها الظاهرية هي أن تترك الصلاة إذا


(1) الوسائل: جزء 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 6.

[ 15 ]

كان الدم عبيطا، واما بحسب الواقع فهو متوقف على أن يكون الدم مستمرا ثلاثة ايام ومع عدمه يستكشف عدم كونه حيضا فلا اشكال في الرواية من هذه الجهة. وقد دلت هذه الرواية على ان الدم في امثال الحامل ممن تحيض إذا لم يمكن أن يكون حيضا لعدم كونه عبيطا مثلا فهو استحاضة يجب معها أن تغتسل عند كل صلاتين وانما عبرت بالصفرة من جهة خصوصية المورد ودورانه بين الاحمر والاصفر لا لان الصفرة لازم غير مفارق للاستحاضة، فالحكم بوجوب الصلاة والغسل مترتب على عدم كون الدم دم حيض بأن لا يكون عبيطا. و (منها): صحيحة أبي المغراء قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدم قال: (تلك الهراقة ان كان دما كثيرا فلا تصلين وان كان قليلا فلتغتسل عند كل صلاة) (1). وهو أيضا تدل على أن الدم الذي لا يمكن الحكم بحيضيته لعدم كونه واجدا لاوصافه واماراته يجب معه الغسل والصلاة بمعنى أن ما لا يمكن ان يكون حيضا فهو استحاضة. و (منها): وهي اظهر من سابقتيها صحيحة الحسين الصحاف قال: قلت لابي عبد الله (ع) إن ام ولدي ترى الدم وهي حامل كيف تصنع الصلاة؟ قال: فقال لي: إذا رأت الحامل الدم بعدما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذي كانت تعقد فيه فان ذلك ليس من الرحم ولامن الطمث فلتتوضأ


(1) الوسائل: جزء 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 5.

[ 16 ]

وتحتشي.) (1). حيث تدل بتعليلها على أن كل دم لم يكن بحيض فهو استحاضة حيث قال (فان ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث) فعلم من ذلك ان الدم الخارج من المرأة التي في سن من تحيض إذا لم يكن بحيض فهو استحاضة. والوجه في كونها اظهر من سابقتيها اشتمالها على كلمة فاء التفريع حيث فرعت وجوب التوضوء والاحتشاء على مجرد رؤية الدم لانه قال (ع): (إذا رأت الحامل الدم - ليس من الرحم ولامن الطمث فلتتوضأ) حيث تفرع وجوب الوضوء على مجرد رؤية الدم، والدم الذي يوجب تحققه الوضوء منحصر في دم الاستحاضة. فهذه الروايات تدلنا على وجود الملازمة الواقعية بين عدم كون الدم حيضا - إذا كان الدم ممن هي في سن من تحيض وبين كونه استحاضة، وان حكم الاستحاضة المصطلحة هو حكم الاستحاضة اللغوية. واما الصغيرة واليائسة فالحكم بالاستحاضة فيهما وان كان مورد التسالم بين الاصحاب إلا انه مما لا يمكن المساعدة عليه لان مدرك حكمهم بان الدم الذي لا يكون بحيض فهو استحاضة حتى في حق الصغيرة واليائسة هو السيرة وجريان عادتهم على معاملة الاستحاضة مع الدم غير المتصف بالحيضية. ويدفعه: أن السيرة لا يمكن احرازها في المسائل التي يقل الابتلاء بها ومن الظاهر أن رؤية الصغيرة واليائسة الدم غير المتصف بالحيضية انما يتحقق مرة في عشرة الآف أو اقل أو اكثر ولا مجال للسيرة في مثله


(1) الوسائل: جزء 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 3.

[ 17 ]

وان اعتمدوا على الاجماع المنقول في ذلك فهو - مضافا إلى عدم حجيته يقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو المرأة في سن من تحيض. وان ارادوا الحكم بالاستحاضة في الصغيرة واليائسة بالاخبار المتقدمة فدون تتميمه خرط القتاد، وذلك لانها بأجمعها واردة فيمن يمكن أن تكون حائضا تارة ويمكن ان تكون مستحاضة اخرى ودار أمر الدم بين الحيض والاستحاضة ولم يكن واجدا لاوصاف الحيض واماراته فقد دلت في ذلك على ان الدم استحاضة. ويظهر صدق ما ذكرنا بالتأمل في الاخبار المتقدمة ولاسيما صحيحة الصحاف حيث دلت على ان النفساء بعد ما مضى عليها عشرون يوما من وقت حيضها في الشهر الذي ترى فيه الدم إذا رأت دما فلتتوضأ وتحتشي. ومن الظاهر أن الحامل يمكن ان تكون حائضا كما يمكن أن تكون مستحاضة ودلت في مثلها على ان الدم إذا لم يمكن ان يكون حيضا بالامكان القياسي بان لم يكن واجدا لاوصافه وشروطه حكم عليه بانه استحاضة. وكذلك الحال في روايتي أبي المغرا واسحاق بن عمار حيث دلتا على ان الحامل التي قد ترى الحيض وقد ترى الاستحاضة إذا رأت فان كان واجدا للامارات المعتبرة في الحيض من الكثرة الملازمة للحمرة والسواد المعبر عنه بالدم البحراني أو كونه عبيطا فهو حيض إذا دام ثلاثة ايام، وإذا لم يمكن ان يكون حيضا بالامكان القياسي لعدم وجدانه الشروط والقيود المعتبرة في الحيض فهو استحاضة. وكيف كان: فالاخبار الدالة على الملازمة الواقعية بين عدم كون

[ 18 ]

الدم حيضا وكونه استحاضة مختصة بالمرأة القابلة للاتصاف بالحيض والاستحاضة ودار أمر الدم بينهما فلا تشمل الصغيرة واليائسة اللتين لا يحتمل فيهما الحيض بوجه وهما غير قابلتين للاتصاف بالتحيض لاشتراط الحيض بالبلوغ وعدم اليأس، ومعه لا يدور أمر الدم فيهما بين الحيض والاستحاضة ليقال انه استحاضة لعدم امكان ان يكون حيضا بالامكان القياسي على ان بعض (1) الروايات مشتملة على لفظ المرأة والصغيرة ليست بمرأة، واليائسة وان كانت كذلك إلا ان مقتضى الاخبار المتقدمة ان مورد الحكم بالاستحاضة ليست هي مطلق المرأة بل المرأة القابلة لان تحيض تارة وتستحيض اخرى واليائسة ليست كذلك. نعم: يمكن الحكم بالاستحاضة في اليائسة بالاخبار الواردة في الاستحاصة وان المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين وان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل مرة لكل يوم والوضوء لكل صلاة (2) وغيرها من الاخبار المشتملة على احكام المستحاضة. وذلك لما قدمناه من ان المراد بالاستحاضة في الاخبار هو الاستحاضة لغة - اعني كون المرأة مستمرة الدم - وعليه فإذا فرضنا ان اليائسة استمر بها الدم شهرا أو شهرين أو ثلاثة اشهر فهي مستحاضة لغة وتشملها اطلاق الروايات المتكفلة لبيان وظائف المستحاضة اللغوية. ولا يجري هذا البيان في الصغيرة فيما إذا رأت الدم شهرا أو شهرين أو اكثر وذلك لان الاستحاضة لغة وان كانت صادقة على ذلك في


(1) راجع الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة حديث 4 و 2 و 3 وغيرها. (2) راجع الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة.

[ 19 ]

نفسها، إلا ان الاخبار الواردة في المستحاضة بعضها مقيد بالمرأة والصغيرة ليست كذلك على ان الاستحاضة من الحيض فمع عدم امكان الحيض من الصغيرة لا معنى لكونها مستحاضة. بل يمكن الحكم باستحاضتها ووجوب ترتيب آثارها على نفسها حتى فيما إذا كانت مستحاضة اصطلاحا ولم يستمر دمها شهرا أو شهرين أو اكثر، بالاخبار (1) الدالة على ان المرأة إذا رأت الدم بعد ايام النفاس أو الحيض فهو استحاضة تصلي وتغتسل وترتب على نفسها آثار المستحاضة بضميمة عدم القول بالفصل القطعي. وذلك كما إذا فرضنا ان المرأة رأت الدم بعد حيضها الذي تكون يائسة بعدها أو رأته بعد نفاسها الذي تتصف باليأس بعده فانها مشمولة لتلك الاخبار الدالة على ان الحائض أو النفساء إذا رأت الدم بعد ايام حيضها أو نفاسها فهو استحاضة يجب معها الاغتسال والوضوء فإذا وجب على اليائسة احكام المستحاضة واتصفت بكونها مستحاضة في هذه الصورة حكم عليها بالاستحاضة في بقية الصور بعدم القول بالفصل القطعي هذا كله في اليائسة. واما الصغيرة فلا دليل على أن ما تراه من الدم استحاضة وقد عرفت أن الاخبار المتقدمة موردها ما إذا كانت المرأة قابلة لان تحيض تارة ولان تستحيض اخرى ولم يمكن ان يكون الدم حيضا بالامكان القياسي، والصغيرة ليست كذلك كما عرفت، على أن بعض الروايات (2) مشتملة على


(1) راجع الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة وباب 3 من أبواب النفاس وغيرهما. (1) تقدم ذكرها في نفس المسألة.

[ 20 ]

لفظ المرأة والصغيرة ليست بمرأة. اللهم إلا أن يقوم اجماع قطعي على أن ما تراه الصغيرة من الدم استحاضة، وإلا فما يظهر من كلماتهم من التسالم على استحاضتها قابل للمناقشة كما مر. هذا كله في غير دم الجرح والقرح. دم القرح والجرح: اما دم القرح والجرح فلا اشكال في ان دم القرح الواقع في فضاء الفرج كدم القرحة الخارجة عن فضائه في عدم كونه استحاضة فانه كالدم الخارج من القرحة في يدها. وانما الكلام في الدم الخارج من القرحة في داخل الرحم فهل يحكم عليه بالاستحاضة أولا؟ قد يقال انه من الاستحاضة تمسكا باطلاق (1) الاخبار الواردة في أن الدم الخارج من المرأه إذا لم يكن حيضا بأن كان صفرة فهو استحاضة فانها شاملة للدم الخارج من القرحة في الرحم فانه دم ليس بحيض أو انه دم اصفر فهو استحاضة لا محالة هذا ولكنا لم نقف على هذا الاطلاق في الروايات وذلك لانها باجمعها وردت في المرأة القابلة لان ترى الحيض تارة ولا تراه اخرى وانه إذا لم يكن واجدا لاوصاف الحيض فهو استحاضة بمعنى أن نفس الدم الذي كنا نحكم بحيضيته لو كان واجدا للصفات هو الذي نحكم بكونه


(1) راجع الوسائل جزء 2 باب 4 من أبواب الحيض، 1 و 4 و 7 و 8 وغيرها.

[ 21 ]

استحاضة إذا لم يشتمل على تلك الصفات عند دوران الامر بين الحيض والاستحاضة. ومن الظاهر أن دم القرحة ليس كذلك لانه لو كان واجدا لاوصاف الحيض لم يكن بحيض ولا يكون أمر الدم حينئذ دائرا بين الحيض والاستحاضة ليحكم باستحاضته إذا نفي عنه الحيضية للعلم بانه دم القرحة، ومعه كيف يحكم بكونه استحاضة إذا لم يكن واجفا لاوصاف الحيض. نعم: هناك رواية واحدة قد يتوهم اطلاقها وشمولها للدم الخارج من القرح الداخلي وهي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال، (إذا ارادت الحائض أن تغسل فلتستدخل قطنة فان خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل وان لم تر شيئا فلتغتسل وان رأت بعد ذلك (صفرة) فلتتوضأ ولنصل) (1). بدعوى ان قوله (ع) وان رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ) غير مقيد بشئ فيشمل الصفرة الخارجة من القرحة الداخلية. وهذه الرواية قد تقدم الكلام فيها في بعض الابحاث السابقة وقلنا ان نسخة الوسائل غير مشتملة على كلمة الصفرة وهي موجودة في الكافي والتهذيب فليراجع، وذكرنا أيضا إن هذه الرواية من الادلة الدالة على ان الاغتسال انما يجب بانقطاع الدم من الخارج والداخل ولا يجب مع وجوده في المجرى وفضاء الفرج. وكيف كان: هي أيضا لا اطلاق لها لعين ما قدمناه في الجواب عن دعوى الاطلاق في الاخبار، على ان قوله (ع) (وان رأت بعد ذلك صفرة فلتتوضأ) انما هو في قبال ما إذا خرج فيها شئ من الدم


(1) الوسائل: جزء 2 باب 17 من أبواب الحيض ح 1.

[ 22 ]

فلا تغتسل ومعناه انها مع الصفرة لا تعتني باحتمال الحيض فالجملة المذكورة مسوقة لبيان ذلك لا انها مسوقة لبيان ان ما كان من الصفرة ولو من القرح والجرح فهو استحاضة. مع ان الرواية محمولة على ما إذا رأت الصفرة قبل انقضاء عشرة أيام وذلك لانها لو كانت خارجة بعدها لم يفرق في الحكم بعدم كونها حيضا وبوجوب الوضوء والصلاة بين كونه اصفر وكونه احمر، فالتقييد بكونه اصفر انما يصح فيما إذا كان قبل العشرة إذ لو كان الدم الخارج قبلها احمر لحكم بحيضيته لان ما تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى. واما إذا رأت صفرة بعد رؤيتها الدم ايام عادتها وقبل انقضاء العشرة فهي استحاضة لان الصفرة في غير ايام العاده ليست بحيض وإذا كان الامر كذلك فيظهر أن الحكم بالاستحاضة في الصفرة انما هو فيما إذا كانت الصفرة متبدلة بالحمرة لحكمنا بكونها حيضا وهذا غير متحقق في الدم الخارج من القرح الداخلي لانه لو كان في اهلي مراتب الحمرة أيضا لم نقل بحيضيته للعلم بأنه من القرح فكيف يحكم باستحاضته إذا لم يكن واجدا لاوصاف الحيض. هذا كله في واقع الدم الخارج من المرأة. الشك في ان الدم استحاضة: وقد تلخص من جميع ما ذكرناه في المقام ان الدم الخارج من المرأة - بحسب الواقع ونفس الامر - منحصر في دم الحيض والاستحاضة

[ 23 ]

والعذرة والقرحة والولادة. واما إذا شك في أن الدم الخارج استحاضة أو ليس باستحاضة فيما إذا علمنا بعدم كونه حيضا بان دار أمر الدم بين الاستحاصة ودم القرح مثلا. وأما مع الشك في كونه حيضا أيضا فقد قدمنا الكلام عليه في بحث الحيض فلا نعيد، فهل مقتضى الاصل العملي أو الدليل الاجتهادي الحكم بكونه استحاضة أو أن مقتضاهما أمر آخر؟ فله صورتان: الصورة الاولى: ما إذا شك في انه دم حيض أو استحاضة، وقد تكلمنا في هذا مفصلا في بحث الحيض وقلنا ان المستفاد من الاخبار أنه لا بد من الرجوع إلى الامارات والصفات فان كان الدم واجدا لصفات الحيض وشروطه بان كان الدم في ايام العادة أو غيرها وكان احمر واستمر ثلاثة ايام إلى ما لا يزيد على عشرة ايام وقد تخلل بينه وبين الحيض السابق اقل الطهر فهو حيض. واما إذا لم يكن واجدا لصفات الحيض المذكورة أي لم يمكن ان يكون حيضا بالامكان القياسي وبالنظر إلى الشروط والصفات فهو ليس بحيض، والحكم بعدم كونه حيضا ملازم واقعا لكونه دم استحاضة لما مر هناك. ويكفي في الحكم بالاستحاضة حينئذ ما ذكرناه هناك أيضا من التمسك باطلاق ما دل على وجوب الصلوات الخمسة وغيرها من الواجبات على كل مكلف فان الخارج من تلك المطلقات هو المرأة الحائض - اعني

[ 24 ]

ما إذا علمنا بان الدم حيض - واما إذا شككنا في ذلك فمقتضي الاطلاقات وجوب الصلاة والصيام وغيرها على المرأة. نعم: لابد حينئذ من أن تغتسل إذ لو صلت ولم تغتسل لعلمنا ببطلان صلاتها على كل تقدير، وذلك لانها اما كانت حائضا أو مستحاضة والاغتسال واجب على كلتا الصورتين ومع تركه يقطع ببطلان صلاتها كما مر في محله وانما ذكرناه في المقام للاشارة والتنبيه. الصورة الثانية: ما إذا علمنا بعدم كون الدم حيضا ولكن شك في انه دم استحاضة أو دم قرح أو غيرهما. ولهذه الصورة أيضا صورتان: (احداهما): ما إذا لم يعلم وجود السبب لمثل دم القرح أو الجرح ولكن المرأة احتملت أن يكون الدم الخارج منها استحاضة أو دم قرحة في باطنها وان لم تعلم بوجود القرحة. و (ثانيتهما): ما إذا علمت بوجود السبب لدم القرح أو غيره كما لو كانت عالمة بأن في رحمها قرحة لكنها لا تدري ان الدم الخارج استحاضة اقتضاها طبعها أو انه دم يخرج من القرحة الموجودة في رحمها.

[ 25 ]

إذا لم يعلم السبب للدم الخارج: اما الصورة الاولى فمقتضى القاعدة والاصل عدم الحكم بكونه استحاضة حينئذ وذلك لعدم امكان التمسك في الحكم باستحاضته بالاخبار المتقدمة لورودها باجمعها - كما ذكرنا - فيما إذا تردد الدم بين الحيض والاستحاضة، واما إذا علمنا بعدم كونه حيضا وتردد الدم بين الاستحاضة وغيرها فلا دلالة في الاخبار على انه استحاضة فالاخبار غير شاملة للمقام. وحيث ان الشبهة مصداقية وموضوعية فلا يمكن التمسك فيها بما ورد في أحكام المستحاضة من الاغتسال لكل صلاتين أو لكل يوم ونحو ذلك لعدم العلم بكونه دم استحاضة كما ان الاصل يقتضي عدم ترتيب آثار الحدث عليه لان المرأة اما ان تكون طاهرة قبل خروج الدم المشكوك واما ان تكون محدثة، فان كان طاهرة وشككنا في صيرورتها محدثة بهذا الدم أو عدمها فالاصل يقتضي بقاء طهارتها وعدم صيرورتها محدثة وإذا كانت محدثة فتشك في حدوث سبب ثان للحدث في حقها وعدمه والاصل يقتضي عدم تحقق سبب آخر للحدث في حقها. هذا ولكن الصحيح - وفاقا لاكثر الفقهاء - هو الحكم على الدم بالاستحاضة حينئذ وذلك للسيرة العقلائية الجارية على البناء على السلامة في كل شئ شك في سلامته وهو المعبر عنه بأصالة السلامة فإذا شكت المرأة في انها سليمة أو انها ذات قرحة وعلة فلا مناص من البناء على سلامتها عن العيب والعلة وهكذا الامر في غير القرح مما يعد عيبا

[ 26 ]

وعلى خلاف السلامة والخلقة الاصلية. فإذا ثبت شرعا انها ليست بذات قرحة وعلة فلا محالة يتعين ان يكون الدم استحاضة لدوران الامر بينهما على الفرض، والاستحاضة وان كانت مسببة عن علة - لا محالة - فان المرأة لو كانت سليمة وغير ذات علة وان لم توجد إلا نادرا، لا تبتلي بالاستحاضة ابدا فهي على خلاف الخلقة الاصلية إلا انها لما كانت كثيرة التحقق في اكثر النساء بل جميعهن فلذا لا تعد الاستحاضة عيبا فكأنها صارت طبيعة ثانية للنساء لا يمكن دفع احتمالها باصالة السلامة. ونظير ذلك ما ذكروه في الاغلف من العبيد الجلوبين من بلاد الكفر: من أن الغلفة وان كانت زائدة على الخلقة الاصلية إلا انها لتحققها في الاكثر أو الجميع عدت طبيعة ثانوية ولا تعد نقصا وعيبا. وكيف كان فمقتضى اصالة السلامة - التي هي اصل عقلائي - هو الحكم بكون الدم استحاضة حينئذ، ويدل على ذلك أيضا سكوت الاخبار الواردة في المقام - على كثرتها - عن التعرض لما إذا احتمل ان يكون الدم من القرحة حيث لا تعرض فيها لحكمه لامن الائمة (ع) ولامن الرواة فلو كان له حكم آخر غير احكام الاستحاضة التي رتبوها على ما إذا لم يكن الدم حيضا لبينه الائمة (سلام الله عليهم) وتعرضوا له لا محالة. فسكوتهم عن ذلك دليل على ان احتمال كون الدم من القرح ونحوه ملغى في نظرهم. بل في مرسلة يونس القصيرة تعرضوا لكون الدم من القرحة فيما إذا رأت الدم يوما أو يومين وانقطع ولم تر الدم بعد ذلك إلى عشرة

[ 27 ]

ايام حيث قال: (لم يكن من الحيض انما كان من علة اما قرحة في جوفها واما من الجوف فعليها أن تعيد الصلاة تلك اليومين التي تركتها لانها لم تكن حائضا.) (1) إلا انها صرحت إن حكمها حينئذ حكم الاستحاضة حيث نفت عنها الحيض واوجبت عليها القضاء وهذا لا يتحقق إلا في المستحاضة ومعناه ان كون الدم من القرح لا اثر له وانما هو محسوب من الاستحاضة. هذا كله في الصورة الاولى. واما الصورة الثانية: فقد اتضح ان مقتضى الاصل والقاعدة عدم الحكم بالاستحاضة حينئذ ولا تجري في هذه الصورة اصالة السلامة للقطع بوجود العيب في المرأة. واما استصحاب عدم كون الدم دما آخر ففيه: اولا: انه لا مجرى له في نفسه إذ لا اثر شرعي يترتب على عدم كون الدم دما آخر، اللهم إلا ان يريد به اثبات الاستحاضة وهو من الاصول المثبتة ولا اعتبار به. وثانيا: انها معارضة باصالة عدم كون الدم استحاضة اما على نحو العدم الازلي وأن المرأة لم تكن متصفة بالاستحاضة قبل خلقتها والاصل عدم اتصافها بها بعد وجودها، واما على نحو العدم النعتي واستصحاب عدم خروج الدم من رحمها للقطع بعدم خروج الدم من رحمها قبل ذلك والاصل انه الان كما كان. واصالة عدم الاستحاضة مما لها اثر شرعي وهو عدم ترتب شئ من آثار الاستحاضة عليها فلو لا المعارضة لم يكن مانع من جريانها، وهذا


(1) الوسائل: جزء 2 باب 12 من أبواب الحيض ح 2.

[ 28 ]

(مسألة 1): الاستحاضة ثلاثة اقسام: قليلة ومتوسطة وكثيرة، فالاولى ان تتلوث القطنة بالدم من غير غمس فيها وحكمها وجوب الوضوء لكل صلاة (1) بخلاف اصالة عدم كون خروج دم آخر فانه لا يجري في نفسه لعدم ترتب اثر شرعي عليه مع قطع النظر عن المعارضة. اقسام الاستحاضة وهي ثلاثة: القليلة: (1) يعنى حكم الاستحاضة للقليلة وهو امران: (أحدهما): انها تبدل القطنة لكل صلاة - ((ثانيهما): انها تتوضأ لكل صلاة. فالمستحاضة كالمسلوس والمبطون إذا تطهرا من الحدث السابق على الصلاة فما يخرج بعد طهارتهم من البول والغائط والدم في حال الصلاة لا يكون حدثا ناقضا للطهارة. اما وجوب تبديل القطنة عليها فلم يرد ذلك في نص، إلا ان المعروف بين الاصحاب ذلك وقد استدلوا عليه بوجوه. (منها): دعوى الاجماع على أن المستحاضة يجب عليها أن تبدل القطنة لكل صلاة. وفيه. ان الاجماع غير متحقق في المسألة لذهاب الاكثر من المتأخرين إلى عدم الوجوب على انه على تقدير تمامية الاجماع ليس اجماعا تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (ع) وانما هو معلوم المدرك أو

[ 29 ]

محتملة وهو الوجهان الآتيان في الاستدلال ولا يمكن الاعتماد على مثله. و (منها): ان دم الاستحاضة مما لا يجوز الصلاة في قليل منه كما هو الحال في دم الحيض والنفاس ولاجل ذلك لابد من تبديل القطنة لكل صلاة حتى لا تبطل صلاتها. وفيه: (اولا): ان كون دم الاستحاضة مانعا عن الصلاة بقليله وكثيره ليس بثابت إذا لم يرد فيه رواية، وانما وردت الرواية (1) في دم الحيض، والاصحاب الحقوا المستحاضة والنفساء بالحائض من دون أن تشملهما الرواية، والحكم في الحيض غير تام لضعف الرواية فضلا عما الحق به. و (ثانيا،: لو سلمنا ان دم الاستحاضة والحيض سيان من هذه الجهة فالمقدار الثابت هو عدم جواز الصلاة في ثبوت فيه شئ من هذه الدماء ولو قليلا إذا كان الثوب مما تتم فيه الصلاة منفردا، واما ما لا تتم فيه الصلاة فمقتضى الرواية الدالة على أن ما لا تتم فيه الصلاة وحده لا بأس بالصلاة فيه ولو كان متنجسا: عدم كون دم الحيض والاستحاضة فيما لا تتم فيه الصلاة مانعا عن الصحة. فان قلت: ان الرواية الدالة على أن ما لا تتم فيه الصلاة تجوز الصلاة فيه لو كان نجسا معارض بما دل على أن دم الحيض وما الحق به مانع عن الصلاة بقليله وكثيره، ومع المعارضة لا يمكن الاعتماد عليها. قلت: لو سلمنا ثبوت الرواية الدالة على مانعية دم الاستحاضة عن الصلاة كما إذا الحقناه بدم الحيض واغمضنا عن سند الرواية الواردة


(1) الوسائل: جزء 2 باب 21 من أبواب النجاسات ح 1، وهي ضعيفة بأبي سعيد المكاري.

[ 30 ]

فيه، فالمعارضة بينهما بالعموم من وجه، ومعه ان قدمنا الرواية الدالة على جواز الصلاة فيما لا يتم فيه الصلاة ولو كان متنجسا على معارضها بدعوى انها مشتملة على اداة العموم - اعني قوله (ع): كلما لا تتم فيه الصلاة - والعام متقدم على المطلق فهو. وإذا لم نقل بذلك من جهة أن العموم فيها من جهة افراد ما لا تتم فيه الصلاة لا بالنظر إلى النجاسة والحكم المترتب على ما لا تتم فيه الصلاة، فالقاعدة تقتضي تساقطهما، والرجوع إلى الدليل الفوق - وهو قد دل على جواز الصلاة فيما دون الدرهم من الدم - ولا مخصص لا طلاقه لسقوط المقيد عن الحجية بالمعارضة. و (ثالثا،: لو اغمضنا عن تمام ذلك وقلنا ان دم الاستحاضة بقليله وكثيره مانع عن الصلاة بلا فرق ذلك بين ما تتم فيه الصلاة وما لا تتم فيه الصلاة، لم يمكن الاستدلال بذلك في المقام وذلك لان القطنة ليست من قبيل ما تصلي فيه ليقال انها مما تتم فيه الصلاة أو مما لا تتم فيه، وانما هي محمولة، والمحمول المتنجس ولو بدم الاستحاضة لا يمنع عن الصلاة، إذ لا يصدق انها صلت في القطنة. و (رابعا): لو اغمضنا عن ذلك أيضا وقلنا ان دم الاستحاضة مانع عن الصلاة فيه حتى فيما هو من قبيل المحمول منعنا عن كونه كذلك في المقام، لانه انما يكون مانعا فيما إذا كان المصلي طاهرا من الدم، واما في مثل المقام فلا يمنع لانها ذات الدم على الفرض وإذا بدلت القطنة تتلوث القطنة الجديدة بدم الاستحاضة إذ لو لم يجر فيها الدم فهي طاهرة وليست بمستحاضة والمفروض ان دم الاستحاضة مانع عن الصلاة، فما فائدة التبديل حينئذ؟ وحيث ان الدم في القطنة

[ 31 ]

المتبدلة غير مانع عن الصلاة عندهم، فمن هنا يستكشف ان دم الاستحاضة غير مانع عن صلاة المستحاضة فيما تحمله من القطنة فهذا الوجه غير تام أيضا. و (منها): ان الدليل على وجوب تبديل القطنة في الاستحاضة القليلة انما هو النص (1) الوارد على وجوبه في المستحاضة الكثيرة وذلك لعدم امكان التفكيك بين اقسام الاستحاضة في ذلك بعد ورود النص عليه في قسم منها. هذا وفيه: ان النص الدال على وجوب التبديل في الاستحاضة الكثيرة لو تم ولم نناقش في دلالته فهو مختص بالكثيرة ولا وجه للتعدي عنها إلى غيرها. ودعوى انه لا يمكن التفكيك بين اقسام الاستحاضة. مدفوعة: بانه قياس، إذ بأي ملازمة عقلية يثبت حكم الكثيرة في القليلة مع أنا نرى أن احكامها مختلفة فان المستحاضة القليلة يجوز لها الدخول في المساجد والمرور من المسجدين ويجوز لزوجها أن يأتيها وهذا بخلاف المستحاضة بالكثيرة فهي مورد الخلاف في تلك الاحكام. وعليه فالصحيح أنه لا دليل على وجوب تبديل القطنة في الاستحاضة القليلة وانما هو حكم مشهوري والشهرة في الفتوي لا تكون دليلا على الحكم الشرعي - مضافا إلى أن تبديل القطنة في المستحاضة القليلة لو كان واجبا في حقها لاشير إليه في شئ من تلك الاخبار الواردة في مقام البيان فسكوتهم (ع) وعدم تعرضهم لذلك اقوى دليل على عدم الوجوب.


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 3 و 10.

[ 32 ]

هذا كله في الحكم الاول على المستحاضة بالقليلة. واما وجوب الوضوء عليها لكل صلاة فهو مما تسالم عليه الاصحاب (قدهم) ولم ينسب الخلاف فيه إلا إلى ابن ابي عقيل وابن الجنيد حيث نسب إلى ابن أبي عقيل أن الاستحاضة القليلة ليست من الاحداث اصلا ولا يجب فيها شئ لا الغسل ولا الوضوء. وذكر ان المستحاضة إذا ثقب دمها الكرسف يجب عليها الغسل لكل صلاة أو لكل صلاتين إذا جمعت بينهما، واما إذا لم يثقب الكرسف فلا غسل عليها ولا وضوء أو انه ليس من الاحداث فلو كانت متطهرة قبل خروج ذلك الدم فطهارتها لا ترتفع بذلك. وذهب ابن الجنيد إلى ان الاستحاضة القليلة التي لا تثقب الكرسف توجب غسلا واحدا في اليوم والليلة، والاستحاضة الموجبة لثقب الكرسف يجب لها الغسل لكل صلاة أو صلاتين إذا جمعت بينهما. فابن أبي عقيل وابن الجنيد اختلفا في المستحاضة بالقليلة حيث اوجب الثاني فيها الغسل ولم يوجب الاول فيها غسلا ولا وضوءا، واتفقا على أن الاستحاضة منحصرة في القسمين: الكثيرة والقليلة، ولا متوسطة فيهما. اما ما ذهب إليه ابن أبي عقيل فكأنه من جهة حمل الاوامر الواردة في الاخبار بالتوضئ على المستحاضة القليلة على التوضئ من جهة سائر الاحداث - كما في غير المتسحاضة - وناظر إلى نفي وجوب الغسل عنها لا انها تثبت عليها حكما زائدا على بقية المحدثين. والصحيح ما ذهب إليه المشهور من ان الاستحاضة القليلة توجب الوضوء لكل صلاة وذلك للاخبار الدالة على ذلك - ومنها صحيحة

[ 33 ]

الصحاف المتقدمة حيث ورد فيها: (فان انقطع عنها الدم قبل ذلك فلتغتسل ولتصل وان لم ينقطع الدم عنها إلا بعدما تمضي الايام التي ترى الدم فيها بيوم أو يومين فلتغتسل ثم تحتشي وتستذفر وتصلي الظهر والعصر ثم لتنظر فان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف عنها، فان طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل.) الحديث (1). فانها - مضافا إلى اشتمالها على كلمة (الفاء) في صدرها (فان ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث فلتتوضأ..) (2) وهي تدل على أن وجوب الوضوء متفرع على رؤية الدم لا على حدث آخر - دلت في ذيلها على ان الدم إذا لم يسل من القطنة والكرسف يجب عليها أن تتوضأ وتصلي عند وقت كل صلاة. هذا على أن وضوءها لو كان من جهة الحدث لم يجب عليها إلا وضوء واحد ما لم تحدث ولم يكن وجه لوجوبه عليها عند كل صلاة على ان المرأة في مفروض الرواية قد اغتسلت من الحيض وهي طاهرة لا حدث لها لتتوضأ فلو لم تكن الاستحاضة القليلة من الاحداث لما وجب الوضوء عليها لكل صلاة. واما ما ذكره ابن الجنيد فهو مخالف لصريح الصحيحة حيث دلت على وجوب الوضوء على المستحاضة إذا لم يسل الدم من القطنة كما اوجبت عليها الغسل إذا سال الدم ولم تدل على وجوب الغسل عليها


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 7. (2) راجع الوسائل: جزء 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 3.

[ 34 ]

في كلتا الصورتين. اضافة واعادة: ذكرنا ان المعروف في الاستحاضة القليلة وجوب الوضوء على المستحاضة عند كل صلاة وقد خالف في ذلك ابن ابي عقيل وابن الجنيد وحاصل كلامهما انكار الاستحاضة المتوسطة فابن أبي عقيل ذهب إلى ان الاستحاضة القليلة ليست حدثا ولا توجب غسلا ولا وضوءا ولكن إذا ثقب الدم الكرسف - سواء سال أم لم يسل اعني الاستحاضة المتوسطة والكثيرة - يجب معها الغسل لكل صلاة أو صلاتين، وذكرنا أن ما ذهب إليه ابن أبي عقيل يدفعه صريح الاخبار الواردة في المقام. (منها): صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (المستحاضة تنظر ايامها فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها فإذا جازت ايامها ورأت الدم يثبت الكرسف اغتسلت للظهر والعصر تؤخر هذه وتعجل هذه، وللمغرب والعشاء غسلا تؤخر هذه وتعجل هذه وتغتسل للصبح وتحتشي وتستثفر ولا تحنى (تحيى) وتضم فخذيها في المسجد وسائر جسدها خارج ولا يأتيها بعلها ايام قرءها، وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء وهذه يأتيها بعلها إلا في ايام حيضها) (1). و (منها): صحيحة ابن نعيم الصحاف عن أبي عبد الله (ع)، وان لم ينقطع الدم عنها إلا بعد ما تمضي الايام التي كانت ترى الدم


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1.

[ 35 ]

فيها بيوم أو يومين فلتغتسل ثم تحتشي وتستذفر وتصلي الظهر والعصر ثم لتنظر فان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل وان طرحت الكرسف عنها ولم يسل الدم فلتتوضأ ولتصل ولا غسل عليها..) (1). وتقريب الاستدلال بهاتين الصحيحتين من وجوه ثلاثة: (الاول): انهما جعلتا المتسحاضة القليلة - وهي التي لا يثقب دمها الكرسف - في قبال المستحاضة الكثيرة - وهي التي يثقب دمها الكرسف ويسيل - ودلتا على وجوب التوضي عند كل صلاة في الاولي وعلى وجوب الغسل عند كل صلاة في الثانية وجعلها في مقابل الكثيرة يدل على انها من الاحداث كالكثيرة إلا ان الواجب فيها الوضوء. (الثاني): انهما اشتملتا على الجملة الشرطية حيث ورد في الصحيحة الاولى (وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت) وفي الثانية (فان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل) والجمل الشرطية ظاهرة الدلالة على تفرع الجزاء على الشرط أي حدوث الجزاء عند حدوث الشرط وانه مستند إلى تحقق شرطه لا إلى أمر آخر


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 7.

[ 36 ]

وعليه فهما تدلان على أن وجوب الوضوء مستند إلى رؤية دم الاستحاضة لا إلى سبب آخر من اسباب الوضوء. (الثالث): انهما دلتا على وجوب الوضوء عند كل صلاة، ومن الواضح أن الوضوء لو كان مستندا إلى سائر اسبابه لم يجب عند كل صلاة بل يكفيها الوضوء مرة واحدة في جميع صلواتها ما دامت لم تنقضه، فمن ذلك يظهر أن موجب الوضوء في حقها ليس هو سائر الاسباب وانما الموجب هو الاستحاضة وانها حدث موجب للوضوء عند كل صلاة. ومن جملة الاخبار الدالة على ما ذكرناه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (إذا ارادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة فان خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل وان لم تر شيئا فلتغتسل وان رأت بعد ذلك فلتتوضأ ولتصل) (1). وقد قدمنا اختلاف النسخ فيها وبعضها مشتمل على كلمة (الصفرة، بعد قوله (بعد ذلك) وعلى كل حال تدل على ان وجوب الوضوء متفرع على رؤية الدم أو الصفرة لا أنه مستند إلى اسباب الوضوء. ومنها غير ذلك من الروايات. هذا وقد يستدل في المقام بما عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن الطامث تقعد بعدد ايامها كيف تصنع؟ قال: (تستظهر بيوم أو يومين ثم هي مستحاضة فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلي كل


(1) الوسائل: جزء 2 باب 17 من أبواب الحيض ح 1.

[ 37 ]

صلاة بوضوء ما لم ينفذ (يثقب) الدم فإذا نفذ اغتسلت وصلت، (1). ودلالة الرواية على المدعى ظاهرة إلا انها ضعيفة السند لاشتمالها على (محمد بن خالد الاشعري) الذي لم يوثق في الرجال فلا يمكن الاستدلال بها في المقام وان وصفت بالموثقة في كلام شيخنا الهمداني (قده) وغيره. هذا ادلة ابن ابى عقيل: وقد استدل لما ذهب إليه ابي عقيل بوجوه: (منها): الاخبار (2) الواردة في حصر نواقض الوضوء في الست حيث انها واردة في مقام بيان ما هو ناقض للوضوء ومع ذلك لم يذكر الاستحاضة فسكوته (ع) في تلك الاخبار عن ذكرها وعدم عدها من النواقض وهو في مقام البيان اقوى دليل على عدم كون الاستحاضة من الاحداث الموجبة للوضوء. وفيه: ان غاية ما هناك دلالة هذه الاخبار على المدعى باطلاقها وسكوتها في مقام البيان ولا مانع من رفع اليد عن ذلك الاطلاق بالاخبار المعتبرة الدالة على أن الاستحاضة من نواقض الوضوء. وقد ذكر المحقق النائيني (قده) أن اقوى اطلاق عثرنا عليه في الابواب الفقهية قوله (ع) (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب


(1) الوسائل: جزء 2 باب 13 من أبواب الحيض ح 13. (2) راجع الوسائل: جزء 1 باب 1 و 2 من أبواب نواقض الوضوء.

[ 38 ]

اربع خصال أو ثلاث: الاكل والشرب والنساء والارتماس في الماء) (1) والوجه في التردد بين الاربع والثلاث هو التردد في عد الاكل والشرب واحدا أو اثنين، ومع ذلك رفعنا اليد عن اطلاقه بما ورد في بقية المفطرات من الروايات. هذا وقد يقال - وهو حسن لا بأس به -: ان النظر في اخبار حصر النواقض انما هو إلى النواقض العامة غير المختصة بطائفة ولا سيما بلحاظ ان السائل من الرجال ولانظر فيها إلى النواقض المختصة بالنساء حيث ان الاستحاضة مختصة بهن فلا تنافي بينها وبين ما دل على ان الاستحاضة من نواقض الوضوء. وكيف كان: فلا يمكننا رفع اليد عن الاخبار المتقدمة الصحيحة المعتبرة والظاهرة بل الصريحة من حيث الدلالة في قبال الاطلاق في اخبار حصر النواقض. و (منها): صحيحة زرارة قال: قلت له: النفساء متى تصلي؟ فقال: (تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين فان انقطع الدم وإلا اغتسلت واحتشت واستثفرت (واستذفرت) وصلت فان جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلت الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل وان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد..) (2)، بتقريب انها واردة في مقام البيان ومع ذلك سكتت عن وجوب


(1) الوسائل: جزء 7 باب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1. (2) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5، وهي صحيحة.

[ 39 ]

الوضوء على المستحاضة فلو كان الوضوء واجبا على المستحاضة كالغسل تعرضت لبيانه، ومن عدم تعرضها لوجوب الوضوء يستكشف عدم وجوبه على المستحاضة. والاستدلال بهذه الرواية حسن من جهة وفاسد من جهة، وذلك لان دلالتها على عدم وجوب الوضوء على المستحاضة مع وجوب الغسل في حقها وان كانت صحيحة كما ذكر، إلا انها لا تدل على عدم وجوب الوضوء عليها في الاستحاضة القليلة لوضوح انها سكتت عن ايجاب الوضوء عليها حينما وجب عليها الغسل، واما عدم وجوب الوضوء عليها عند عدم تكليفها بالغسل كما في المستحاضة القليلة فلا دلالة لها عليه بوجه ولا انها واردة لبيانه. و (منها): ما عن اسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (ع) قال: (المستحاضة تقعد ايام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين فإذا هي رأت طهرا (الطهر) اغتسلت، وان هي لم تر طهرا اغتسلت واحتشت ولا تزال تصلي بذلك الغسل حتي يظهر الدم على الكرسف فإذا ظهر (طهر) اعادت الغسل واعادت الكرسف (1). نظر إلى دلالتها على ان المستحاضة مادام لم يظهر دمها على الكرسف اي تجاوز عنه لا يجب عليها شئ بل تصلي بالغسل الذي اغتسلت عن حيضها وانما يجب عليها الغسل بعدما ظهر دمها على الكرسف فهي قبل تجاوز الدم عن الكرسف ليست بذات حدث موجب لشئ، وبعده يجب الغسل دون الوضوء. والاستدلال بهذه الرواية مخدوش بحسب الدلالة والسند.


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 10.

[ 40 ]

أما سندا فلوقوع القاسم بن محمد الجوهري في سنده وهو ممن لم تثبت وثاقته. واما دلالة فلانها انما وردت لبيان ان المستحاضة بعدما اغتسلت عن حيضها لا يجب في حقها غسل آخر مادام لم يظهر الدم على الكرسف اما انها إذا لم يظهر دمها على الكرسف لا يجب الوضوء عليها فهو مما لا يكاد يستفاد منها بوجه. هذا كله في الجواب عما ذهب إليه ابن أبي عقيل. ادلة ابن الجنيد: وأما ما ذهب إليه ابن الجنيد من أن دم الاستحاضة ان كان ثقب الكرسف وتجاوز عنه وجب على المرأة أن تغتسل لكل صلاة أو صلاتين وإذا لم يتجاوز عنه - سواء لم يثقبه أو ثقبه ولم يتجاوز عنه - فيجب الغسل لكل نهار وليلة مرة واحدة، وعليه فليس هناك استحاضة متوسطة وكثيرة وقليلة بل يدور الامر بين وجوب الغسل لكل صلاة والغسل لكل يوم مرة واحدة، فقد استدل له بروايتين: (احداهما): موثقة سماعه قال: قال (المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين وللفجر غسلا وان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلاة) (1) وذلك لاطلاق قوله (وان لم يجز الدم الكرسف) وشموله لكل من صورتي ثقبه وعدم تجاوز عنه وصورة عدم ثقبه اصلا.


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6.

[ 41 ]

وهي - كما ترى - تدل على أن امر المستحاضة يدور بين الغسل لكل صلاة كما إذا ثقب الدم الكرسف وتجاوز عنه، وبين الغسل لكل يوم وليلة مرة واحده كما إذا لم يثقبه اصلا أو ثقبه ولم يتجاوز عنه. و (ثانيتها): صحيحة زرارة قال: قلت له: النفساء متى تصلي؟ فقال: (تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين فان انقطع الدم وإلا اغتسلت واحتشت واستثفرت (استذفرت) وصلت فان جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلت الغداة بغسل، والظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل وان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد..) (1). وذلك بعين التقريب المتقدم في الموثقة، وعليه فليس لنا استحاضة يجب فيها الوضوء لكل صلاة بل الامر يدور في الامرين المتقدمين. هذا ويمكن الجواب عما استدل به على ذلك المسلك بان مراد ابن الجنيد ان كان ان دم الاستحاضة - سواء كان دمها احمر واسود أم كان اصفر - لا يجب معها الوضوء لكل صلاة بل دم الاستحاضة على اطلاقه اما ان يجب معه الغسل لكل صلاة واما ان يجب معه الغسل مرة واحدة في كل يوم. فيدفعه صريح الموثقة المتقدمة حيث ورد في ذيلها (هذا ان كان دمها عبيطا وان كان صفرة فعليها الوضوء) وهي - كما ترى - صريحة في أن دم الاستحاضة إذا كان صفرة لا يجب معها سوى الوضوء فالموثقة تدل على خلاف مراده لا انها دليل له. وان اراد بما ذكره ان دم الاستحاضة الاحمر أو الاسود على قسمين:


(1) تقدم ذكرها في ادلة ابن أبي عقيل.

[ 42 ]

قسم يجب معه الغسل لكل صلاة وقسم يجب معه الغسل مرة واحدة لكل يوم وليلة ولا قسم ثالث في دم الاستحاضة الاحمر أو الاسود يجب معه الوضوء، فهو بظاهره مما لا بأس به ويمكن الاستدلال عليه بالموثقة والصحيحة المتقدمتين. ما ذهب إليه المحقق الخراساني (ره): بل هذا هو الذي ذهب إليه المحقق الخراساني (ره) في فقهه مستدلا عليه بالروايتين المتقدمتين ومعترضا بهما على المشهور في جعلهم الاستحاضة مطلقا على اقسام ثلاثة وايجابهم الوضوء فيما إذا لم يثقب الكرسف مع ان الروايتين تدلان على أن دم الاستحاضة الاحمر أو الاسود يدور امره بين وجوب الغسل معه لكل صلاة وبين وجوب الغسل مرة واحدة في كل يوم وليلة وليس هناك دم استحاضة احمر أو اسود يجب فيه الوضوء. هذا ولكن يمكن المناقشة في الاستدلال بتلك الموثقة على ذلك بانها ليست مسوقة لبيان أن حكم الاستحاضة يختلف باختلاف كيفية الدم ولونه وانه إذا كان احمر أو اسود يدور امره بين القسمين المتقدمين وإذا كان اصفر يجب فيه الوضوء، وانما هي مسوقة لبيان اختلاف حكم دم الاستحاضة باختلاف كيفية الدم وقلته وكثرته اصفر بمعنى انه إذا كان كثيرا على نحو يثقب الكرسف ويتجاوز عنه يجب الغسل لكل صلاة، وإذا كان كثيرا على نحو يثقب الكرسف ولم يتجاوز عنه يجب الغسل لكل يوم وليلة مرة واحدة، وإذا كان قليلا بمقدار يعد عرفا من الطواري

[ 43 ]

والعوارض ولا يعد دما ولو كان احمر أو اسود لقلته وضعفه حيث لم يثقب الكرسف يجب فيه الوضوء فالمراد بالصفرة هو الدم القليل المعد من الطواري والاعراض ولو كان احمر. ويشهد لذلك امران: (أحدهما): انه لم يقل: وان كان دما اصفر، ليتوهم انها بصدد تقسيم الدم من حيث الصفرة وغيرها، بل قال: وان كان صفرة، اشارة إلى ان الدم لو كان من القلة بمكان لا يعد دما عرفا بل يعد من الاعراض يجب معه الوضوء ولو كان احمر أو اسود فهي مسوقة لبيان اختلاف حكم الاستحاضة باختلاف كمية الدم من حيث الكثرة والقلة ولا نظر لها إلى تقسيمه من حيث الكيفية واللون. (ثانيهما): ان الرواية لو كانت واردة لبيان تقسيم الدم بحسب الكيفية واللون فقد تعرضت في الدم الاحمر لصورتين: الصورة الاولى: ما إذا ثقب الدم الكرسف وتجاوز عنه. الصورة الثانية: ما إذا ثقبه ولم يتجاوز عنه. وهناك صورة ثالثة من الدم الاحمر لم يتعرض لحكمها وهي ما إذا لم يثقبه اصلا. وهذا بخلاف ما إذا حملناها على كونها واردة لبيان كمية الدم وانه إذا كان كثيرا قد يثقب فقط وقد يثقب ويتجاوز، وهما صورتان، وقد يكون قليلا لا يثقب ولا يتجاوز عن الكرسف وهي التي يجب الوضوء فيها هذا كله. على انا لو سلمنا ان الروايتين مطلقتان من حيث كون الدم غير المتجاوز ثاقبا من غير تجاوز وما إذا لم يكن ثاقبا اصلا، وقد دلتا

[ 44 ]

على ان الواجب في صورة عدم تجاوز الدم عن الكرسف هو الغسل مرة واحدة لكل يوم وليلة سواء ثقبه أم لم يثقبه، فلا مناص من رفع اليد عن اطلاقهما وتقييدهما بما إذا كان الدم ثاقبا بمقتضى صريح صحيحة الصحاف حيث ورد فيها. (ثم لتنظر فان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضا ولتصل وقت كل صلاة ما لم تطرح الكرسف عنها فان طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل وان طرحت الكرسف عنها ولم يسل الدم فلتوضأ ولتصل ولا غسل عليها (قال: وان كان الدم إذا امسكت الكرسف يسيل من خلف الكرسف صبيبا لا يرقى فان عليها أن تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات. إلى ان قال: وكذلك تفعل المستحاضة (1). حيث صرحت بان دم الاستحاضة إذا لم يسل من خلف الكرسف اي لم يثقبه وجب على المستحاضة أن تتوضأ وتصلي ولا يجب عليها الغسل حينئذ، وبها نقيد اطلاق قوله (ع) (وان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل) بما إذا لم يثقبه فان اللازم حينئذ هو التوضوء دون الاغتسال. هذا كله فيما ذهب إليه المحقق الخراساني (قده) عند كون دم الاستحاضة احمر أو اسود حيث ذكر دورانه بين القسمين المتقدمين من غير ان يكون له قسم ثالث يجب فيه الوضوء. واما إذا كان صفرة فقد ذكر أن امر الدم الاصفر يدور بين قسمين لا ثالث لهما فانها إن كانت قليلة وجب معها الوضوء وان كانت كثيرة


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 7.

[ 45 ]

يجب معها الغسل. واستدل على ذلك بجملة من الاخبار الدالة على أن المستحاضة إذا رأت صفرة فلتتوضأ (منها): الموثقة المتقدمة، ومنها صحيحة علي بن جعفر عن اخيه.. (ما دامت ترى الصفرة فلتتوضأ من الصفرة وتصلي ولاغسل عليها من صفرة تراها) (1) و (منها): صحيحة محمد بن مسلم الفاقدة لكلمة الصفرة (2) (ومنها): صحيحته الاخرى (3). (ومنها): رواية على بن جعفر الاخرى: (فان رأت صفرة بعد غسلها فلا غسل عليها يجزيها الوضوء عند كل صلاة وتصلي) (4) ومنها غير ذلك من الاخبار. وبازاء هذه الاخبار روايتان تدلان على أن المستحاضة إذا رأت صفرة وجب عليها أن تغتسل: (احداهما): صحيحة اسحاق بن عمار قال سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين قال: (ان كانت دما عبيطا فلا تصلي ذينك اليومين وان كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين) (5). و (ثانيتهما): صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا ابراهيم (ع) عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوما أو اكثر ثم


(1) الوسائل: جزء 2 باب 4 من أبواب الحيض ح 8. (2) الوسائل: جزء 2 باب 17 من أبواب الحيض ح 1. (3) الوسائل: جزء 2 باب 4 من أبواب الحيض ح 1. (4) الوسائل: جزء 2 باب 4 من أبواب الحيض ح 7. (5) الوسائل: جزء 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 6.

[ 46 ]

طهرت وصلت ثم رأت دما أو صفرة، قال: (ان كان صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة) (1). وهاتان الطائفتان متعارضتان لدلالة احداهما على وجوب الوضوء مع الدم الاصفر ودلالة ثانيتهما على وجوب الغسل معه، إلا أن هناك شاهد جمع بينهما وهو ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال: سألته عن الحبلي قد استبان حملها ترى ما ترى الحائض من الدم، قال: (تلك الهراقة من الدم ان كان دما احمر كثيرا فلا تصلي، وان كان قليلا اصفر فليس عليها إلا الوضوء (2). حيث تدل على ان وجوب الوضوء مع رؤية الدم الاصفر مختص بما إذا كان قليلا، واما مع الكثرة فالواجب في حقها الاغتسال، وبهذا يرتفع التعارض بين الطائفتين. والنتيجة انه ليس هناك قسم ثالث في الاستحاضة لا فيما إذا كان الدم احمر ولا فيما إذا كان اصفر. هذا والصحيح ما ذهب إليه المشهور من تقسيم الاستحاضة إلى اقسام ثلاثة: اما ان لا يثقب الدم الكرسف ويجب الوضوء معه، واما ان يثقب الدم الكرسف ولا يتجاوز عنه فيجب غسل واحد، واما ان يثقب ويتجاوز الدم عن الكرسف فتجب اغسال ثلاثة ولا يعتمد على ما فصله المحقق الخراساني (قده) كما عرفت.


(1) الوسائل: جزء 2 باب 5 من أبواب النفاس ح 2. (2) الوسائل: جزء 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 16.

[ 47 ]

توضيح المقال في جواب المحقق الخراساني (قده): وتوضيح الكلام في الجواب عما افاده يقع في مقامين: - (احدهما): في الدم الاحمر. و (ثانيهما): في الدم الاصفر. فنقول اولا في الدم الاحمر. المقام الاول: ان صريح صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (المستحاضة تنظر ايامها فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها فإذا جازت ايامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر تؤخر هذه وللمغرب والعشاء غسلا تؤخر هذه وتعجل هذه، وتغتسل للصبح وتحتشي وتستثغر ولا تحني (تحيى) وتضم فخذيها في المسجد وسائر جسدها خارج ولا يأتيها بعلها ايام قرءها، وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء) (1) ان حكم المستحاضة يحتلف باختلاف ثقب الدم الكرسف وعدمه فمع الثقب تجب الاغسال الثلاثة ومع عدم الثقب يجب الوضوء فالثقب له موضوعية في حكم المستحاضة وانه المدار في اختلاف احكامها بمعنى ان الدم الذى يثقب الكرسف يجب معه الاغسال ولكنه هو بعينه لو خرج ولم يثقب وجب معه الوضوء فالدم الواحد الذي يحكم


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1.

[ 48 ]

معه بوجوب الاغسال إذا ثقب هو الذي يحكم معه بوجوب الوضوء لو لم يكن ثاقبا فلا وجه لتقسيم دم الاستحاضة إلى الصفره أو الحمرة. وليس المدار في اختلاف حكمها هو اختلاف لون الدم من الحمرة والصفرة بل سواء أكان دمها احمر ام كان اصفر إذا ثقب الكرسف وجبت معه الاغسال الثلاثة وإذا لم يثقبها وجب معه الوضوء، فما افاده (قده) من اختلاف حكم المستحاضة باختلاف لون الدم مخالف لصريح الصحيحة كما عرفت. نعم هي توافق المحقق المزبور في أن دلالتها على وجوب الاغسال الثلاثة مع الثقب على نحو الاطلاق سواء أكان متجاوزا أيضا أم لم يكن، إلا انه لابد من تقييد اطلاقها من هذه الجهة بصحيحة زرارة الدالة على أن وجوب الاغسال الثلاثة انما هو فيما إذا كان الثقب مع التجاوز، واما مع عدم التجاوز فالواجب غسل واحد لكل يوم وليلة. قال: قلت له: النفساء متى تصلي؟ فقال: (تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين فان انقطع الدم إلا اغتسلت واحتشت واستثغرت (واستذفرت) وصلت فان جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلت الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل، وان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد (1). وروايته الاخرى عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن الطامث تقعد بعدد ايامها كيف تصنع؟ قال: (تستظهر بيوم أو يومين ثم هي استحاضة فلتغتسل وتستوثق من نفسها وتصلي كل صلاة بوضوء


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 49 ]

ما لم ينفذ (يثقب) الدم فإذا نفذ اغتسلت وصلت) (1). إلا انها ضعيفة بمحمد بن خالد الاشعري فهي صالحة للتأييد دون الاستدلال بها. وكيف كان فبدلالة صحيحة زرارة صريحا يقيد اطلاق قوله (ع) في الصحيحة المتقدمة: (ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر..) بما إذا كان متجاوزا، واما مع الثقب من دون تجاوز فالواجب في حقها غسل واحد، فالصحيحتان تدلان على المسلك المشهور من انقسام المستحاضة إلى اقسام ثلاثة، ووجوب الوضوء مع عدم الثقب، والغسل الواحد مع الثقب من دون تجاوز والاغسال الثلاثة مع الثقب والتجاوز. وبازائهما موثقة (2) سماعة المتقدمه وما هو بمضمونها - التى اعتمد عليها المحقق الخراساني (قده) وذلك بتقريب أن قوله (ع) (إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين.) مطلق يشمل ما إذا كان الثقب مع التجاوز وما إذا لم يكن متجاوزا، فتدل هذه الجملة على وجوب الاغسال الثلاثة مع الثقب من دون فرق بين المتجاوز وغيره. ثم إن قوله (ع) في الجملة الثانية (وان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة) تصريح بالمفهوم المستفاد من الجملة السابقة، ومعناه: (وان لم يثقب الدم الكرسف فعليها الغسل) لان مفهوم قوله (ع) (إذا ثقب): (إذا لم يثقب). وعليه فالموثقة تدلنا على أن أمر الدم الاحمر الذي تراه المستحاضة


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6. (2) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6.

[ 50 ]

مردد بين امرين: لانه اما أن لا يثقب فالواجب فيه غسل واحد لكل يوم، واما ان يثقب فالواجب فيه الاغسال الثلاثة - تجاوز الدم أم لم يتجاوز - فليس للمستحاضة التي ترى الدم الاحمر اقسام ثلاثة يجب في احدها الوضوء هذا. وجوه المناقشة في الاستدلال بالموثقة: ولكن للمناقشة في الاستدلال بالموثقة مجال واسع، وهي من وجوه: (الاول): انا لو سلمنا ان الجملة الثانية تصرح بالمفهوم المستفاد من الجملة السابقة (يدور الامر بين ارتكاب أحد أمرين كلاهما خلاف الظاهر، وذلك لان المفهوم هو عبارة عن نفي ما ورد في المنطوق، ومنطوق الموثقة (إذا ثقب الدم الكرسف) والمذكور في الجملة الثانية (وان لم يجز الدم.) والمفروض انه مفهوم الجملة الاولى ولا يمكن ابقاؤهما على حقيقتهما والعمل على اصالة الحقيقة في كليهما، فاما أن يراد من الثقب التجاوز فيصير معنى (إذا ثقب): (إذا تجاوز) ليصح كون الجملة الثانية مفهوما للجملة الاولى وحينئذ تدل الموثقة على ان الدم إذا تجاوز الكرسف فيجب فيه الاغسال الثلاثة وإذا لم يتجاوز يجب فيه غسل واحد. وهذا خلاف ما يدعيه المحقق الخراساني وهو عين ما التزم به المشهور في الدم المتجاوز والدم الثاقب غير المتجاوز - واما ان يعكس الامر ويتصرف في الجملة الثانية بحمل التجاوز على الثقب أي إذا لم يثقب الدم وجب عليها غسل واحد - وهو ما ادعاه (قده) في المقام وبما

[ 51 ]

انه لاقرينة على تعيين احد التصرفين وارتكاب احد المخالفتين للظاهر ولا مرجح له تصبح الموثقة المذكورة مجملة لا محالة. (الثاني): ان الجملة الثانية ليست تصريحا بمفهوم الجملة الاولى بل الظاهر المستفاد من الموثقة أن الجملة الاولى مطلقة وقد دلت باطلاقها على وجوب الاغسال الثلاثة مع الثقب تجاوز أم لم يتجاوز، والجملة الثانية بيان ومقيد لاطلاق الجملة الثانية وتدل على ان وجوب الاغسال الثلاثة انما هو إذا ثقب الدم وتجاوز، واما إذا ثقب ولم يتجاوز فالواجب غسل واحد. ولا بأس بالاطلاق في الجملة المتقدمة مع بيان القيد في الجملات المتأخرة بل هو كلام فصيح وقد وقع نظيره في كلام الله سبحانه كما في قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) فانه - باطلاقه - شامل للجنب وغيره ثم أتى بمقيده بقوله - عز من قائل) - (وان كنتم جنبا فاطهروا) فانه مقيد لاطلاق الجملة السابقة ودال على ان وجوب الوضوء انما هو في حق غير الجنب واما الجنب فحكمه أن يتطهر. وعليه فالموثقة تدل على مذهب المشهور، غاية الامر أن نضيف عليها الحكم بوجوب الوضوء مع عدم الثقب اصلا بمقتضى صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة. ويدل على ما ذكرناه موثقة اخرى لسماعة مسندة عن أبي عبد الله (ع) بخلاف هذه الموثقة فانها مضمرة - قال: (غسل الجنابة واجب وغسل الحائض إذا طهرت واجب وغسل المستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف وجاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين وللفجر غسل


(1) المائدة: 6.

[ 52 ]

وان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلاة.. (1) فانها صريحة فيما ذكرناه حيث عبرت بتجاوز الدم وبعدم تجاوز، والراوي عن سماعة في كلتا الروايتين شخص واحد وهو عثمان بن عيسي والوجه في الاستدلال بها: ان من البعيد أن تكون هذه الرواية متضمنة لمطلب آخر غير الرواية بل الظاهر انهما متكلفتان لمطلب واحد عبر في احداهما بتعبير وفي الاخرى بتعبير آخر. (الثالث): هب انا سلمنا ان الجملة الثانية مفهوم للجملة السابقة إلا أن الالتزام بمدلولها وان الدم الثاقب مطلقا يجب معه الاغسال الثلاثة - تجاوز ام لم يتجاوز - وغير الثاقب يجب معه غسل واحد انما هو فيما إذا كانت الرواية منحصرة بالموثقة. وليس الامر كذلك لما عرفت من الصحيحتين، فلابد من التصرف في الموثقة بقرينتهما، وحمل الثاقب على المتجاوز بتقييد اطلاقها، والحكم في الثاقب غير المتجاوز بالغسل الواحد وفي غير الثاقب اصلا بوجوب الوضوء بمقتضى صريح الصحيحتين لان التجاوز في مثلهما ليس بمجمل وانما يراد به التجاوز عن الكرسف ولا يحتمل أن يراد به الثقب. فتدلنا الصحيحتان وغيرهما من الاخبار على ان الدم مع الثقب والتجاوز يجب فيه الاغسال الثلاثة، ومع الثقب غير المتجاوز يجب غسل واحد ومعه تكون هاتان الروايتان قرينة على ان المتعين في الموثقة أن يتصرف في الثقب بحمله على التجاوز لا أن يتصرف في التجاوز بحمله على الثقب. هذا كله في الدم الاحمر.


(1) الوسائل: جزء 1 باب 1 من أبواب الجنابة ح 3.

[ 53 ]

المقام الثاني: في الدم الاصفر، وقد عرفت انه (قده) فصل فيه بين الكثير العرفي واوجب فيه الوضوء وبين القليل العرفي وحكم فيه بوجوب الوضوء وقال: انه لا ثالث لهما في البين. واستدل عليه بالطائفة الدالة (1) على أن المستحاضة إذا رأت صفرة تتوضأ وتصلي، وبما (2) دل على أن المستحاضة إذا رأت صفرة تغتسل وتصلي بدعوى انهما متعارضتان بالتباين وهناك شاهد جمع بينهما - اعني ما رواه (3) محمد بن مسلم حيث دلت على وجوب الوضوء مع كون الدم قليلا اصفر. ولكن يرد عليه أن ما اقامه شاهدا للجمع بين الطائفتين ضعيف السند لارساله. (اعادة وتتميم): ذكرنا ان المحقق الخراساني (قده) خالف المشهور في المقام وذهب إلى التفصيل في دم الاستحاضة بين الاحمر والاصفر وذكر أن الدم


(1) راجع الوسائل: جزء 2 باب 4 من أبواب الحيض ح 1 و 7 و 8 وباب 6 ح 3 وباب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6. (2) الوسائل: جزء 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 6 وباب 5 ح 2. (3) الوسائل: جزء 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 16.

[ 54 ]

الاحمر يدور امره بين وجوب الاغسال الثلاثة فيما إذا تجاوز الدم عن الكرسف، ووجوب غسل واحد فيما إذا ثقب الدم الكرسف من غير أن يتجاوز، واستدل عليه بموثقة (1) سماعة المتقدمة بالتقريب السابق. واما الدم الاصفر فقد ذكر انه إذا كان كثيرا - عرفيا لا بحسب الاصطلاح الذي هو بمعنى تجاوز الدم عن الكرسف - وجب فيه والغسل، وإذا كان قليلا عرفا وجب فيه الوضوء. وذكر انه - على ذلك - تكون الاستحاضة المتوسطة المصطلحة داخلة في الاستحاضة القليلة عنده لان كون الدم بحيث يوجب الثقب فحسب لا يعد دما كثيرا عرفا بل هو من الدم القليل فيجب فيه الوضوء، بل بعض اقسام الاستحاضة الكثيرة يدخل في القليلة عنده كما إذا ثقب الكرسف وتجاوز عنه بشئ يسير فان مثله لا يعد كثيرا عرفا بل هو قليل فيجب فيه الوضوء، إلا أن يكون سائلا على وجه يعد كثيرا عرفا. هذا وقد قدمنا ان ما افاده في الدم الاحمر غير تام لصحيحة معاوية ابن عمار (2) الدالة بصراحتها على ان المدار في اختلاف احكام المستحاضة انما هو الثقب وعدمه وان الدم الثاقب يجب معه الاغسال الثلاثة وغير الثاقب يجب معه الوضوء - بمعنى ان الدم الذى يجب معه الغسل إذا كان ثاقبا هو الذي يجب معه الوضوء إذا كان غير ثاقب، وعليه فلا عبرة بحمرة الدم وصفرته بل المدار انما هو بثقب الدم وعدم ثقبه. ولما كانت الصحيحة مطلقة من حيث دلالتها على وجوب الاغسال


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6. (2) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1.

[ 55 ]

الثلاثة مع الثقب سواء أكان متجاوزا أم لم يكن فلابد من تقييدها بصحيحة زرارة (1) الدالة على أن وجوب الاغسال الثلاثة انما هو مع تجاوز الدم الثاقب، واما الدم الثاقب غير المتجاوز فانما يجب معه غسل واحد، وعليه فالصحيحتان بعد تقييد مطلقهما بمقيدهما صريحتان في مسلك المشهور. هذا مناقشات المحقق الخراساني (قده): وللمحقق الخراساني (قده) مناقشات في الاستدلال بالصحيحة على المسلك المشهور بين الاصحاب: (المناقشة الاولى): ان الصحيحة وان دلت على وجوب الوضوء عند عدم كون الدم ثاقبا إلا أنها لاتدل على عدم وجوب الغسل حينئذ لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة - أي من جهة وجوب الغسل وعدمه، وانما وردت للدلالة على وجوب الوضوء حينئذ - فلا يمكن التمسك باطلاقها في الحكم بعدم وجوب الغسل حينئذ. وهذه المناقشة منه (قده) عجيبة، وذلك لانه مع ورود الرواية لبيان ما يجب على المستحاضة حسب اختلاف حالاتها ووجوب الغسل عليها ثلاث مرات مع الثقب، كيف لا تكون بصدد البيان عند عدم


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 56 ]

ثقبه إذ لو لم تكن بصدد بيان الغسل الواجب عليها لم تتعرض لوجوبه مع الثقب أيضا، وكونها مع الثقب في مقام البيان وعدم كونها كذلك عند عدم الثقب الذي هو مفروض الرواية في الجملة الثانية منها عجيب غايته. (المناقشة الثانية): ان المراد بالتوضوء في قوله (ع) (وان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت ودخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء) لم يعلم أنه الوضوء المصطلح عليه بل المراد به هو الاغتسال من التنظيف والتطهير إذ لو اريد به الوضوء المصطلح عليه للزم التكرار في الرواية حيث ذكرت وجوب الوضوء عليها في آخر الرواية (وصلت كل صلاة بوضوء) وعليه فتكون الصحيحة موافقة لمسلكه (قده) من وجوب الغسل الواحد عند عدم ثقب الدم. وهذه المناقشة أيضا غريبة وذلك لان التوضوء بمعناه اللغوي المعبر عنه ب‍ (شست وشو) وان كان قد يستعمل في كلامهم إلا انه بمعنى الغسل مما لم يعهد استعماله بوجه. بل الظاهر ارادة الوضوء المصطلح عليه منه. ودعوى انه يلزم التكرار حينئذ واضحة الدفع لان قوله (ع) (وصلت كل صلاة بوضوء) انما هو لبيان ان المستحاضة ليست كبقية المكلفين في جواز اكتفائها بوضوء واحد في جميع صلواتها بل يجب عليها ان تتوضأ لكل صلاة وليس معناه وجوب اصل الوضوء عند حدث الاستحاضة ليلزم التكرار.

[ 57 ]

(المناقشة الثالثة): ان دلالة الصحيحة على عدم وجوب الغسل عند عدم ثقب الكرسف انما هي بالاطلاق بعد قطع النظر عن المناقشتين المتقدمتين، نظرا إلى انها في مقام البيان ومعه تعرضت لوجوب الوضوء على المستحاضة حينئذ ولم تتعرض لوجوب الغسل في حقها فمن سكوتها في مقام البيان يستكشف عدم وجوبه. إلا انه لا مانع من رفع اليد عن اطلاقها وتقييدها بموثقة سماعة الدالة على انه مع عدم ثقب الدم يجب عليها الغسل مرة واحدة بناءا على ما قدمناه في تقريب دلالتها وأن قوله (ع) (وان لم يجز الدم) معناه (ان الدم إذا لم يثقب). وعليه يقال: ان مقتضى الصحيحة وان كان وجوب الوضوء على المستحاضة مع عدم الثقب، إلا ان الموثقة تدل على انه مع الوضوء يجب عليها الاغتسال وبضم احداهما إلى الاخرى يستفاد ان وظيفة المستحاضة عند عدم ثقب الكرسف هو الغسل لواحد والوضوء لكل صلاة لانها حينئذ محدثة بالحدث الاصغر وبالحدث الاكبر فيجب عليها الوضوء - والاغتسال - كما هو مسلكه (قده). وهذه المناقشة لا بأس بها فيما إذا تم ما ذكره في تقريب استدلاله بالموثقة بان يكون قوله (ع): (وان لم يجز الدم الكرسف) مفهوما للجملة السابقة عليه، وأن يكون بمعنى عدم كون الدم ثاقبا فانه لا مناص مما افاده لاطلاق الصحيحة من حيث وجوب الغسل حينئذ

[ 58 ]

فيرفع عنه اليد بدلالة الموثقة على وجوب الغسل معه. إلا انك عرفت أن ما افاده (قده) ليس بتام لعدم كون الجملة الثانية مفهوما للجملة المتقدمة عليها بل الظاهر انها مقيدة لاطلاق الجملة الاولى نظير قوله تعالى (وان كنتم جنبا فاطهروا) المقيد لاطلاق قوله عز من قائل (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم..) (1) ومع الغض عنه فان كون (ان لم يجز) بمعنى (ان لم يثقب) وان كان محتملا حينئذ إلا انه يحتمل أن يكون قوله (إذا ثقب الدم) بمعنى (إذا تجاوز الدم) فان اللازم هو أحد هذين التصرفين في الجملتين بناءا على أن الجملة الثانية مفهوم للجملة السابقة عليها، واما تعيين خصوص الاول فهو مما لا مرجح له. ومعه تصبح الموثقة مجملة لو لم نقل برجحان المحتمل الثاني لدلالة سائر الروايات كصحيحة زرارة على أن وجوب الاغسال الثلاثة انما هو مع تجاوز الدم عن الكرسف لا مع كون الدم ثاقبا فقط، فان التجاوز والثقب لو كان مجملا فانما هو كذلك في هذه الرواية، واما بقية الروايات فلا اجمال في شئ منهما، وهو ظاهر. (المناقشة الرابعة: مع الغض عن جميع المناقشات المتقدمه لا دلالة في الصحيحة على أن ايجاب الوضوء عند عدم كون الدم ثاقبا انما هو فيما إذا كان الدم احمر بل الصحيحة مطلقة من هذه الجهة فأي مانع من حملها على الدم الاصفر


(1) المائدة: 6.

[ 59 ]

بقرينة موثقة سماعة الدالة على ان الدم الاحمر إذا لم يثقب الكرسف وجب فيه الغسل حيث ورد في ذيلها (هذا ان كان دمها عبيطا). وبه ترتفع المنافاة بينهما وتكون الاخبار الواردة في المقام بعد تقييد مطلقها بمقيدها وارجاع بعضها إلى بعض دالة على أن الدم الاحمر يدور امره بين وجوب الاغسال الثلاثة معه كما إذا كان ثاقبا. وبين وجوب الغسل الواحد كما إذا لم يثقب، واما الدم الاصفر فيفصل فيه بين الكثير العرفي والقليل العرفي بوجوب الغسل في الاول والوضوء في الثاني. هذا ولا يخفى ان هذه المناقشة كسابقتها وذلك لما ظهر مما ذكرناه من أن صحيحة معاوية بن عمار صريحة في انه لا عبرة بحمرة الدم وصفرته وانما المدار على ثقب الدم وعدمه وأن الدم الذي يجب معه الاغسال الثلاثة مع الثقب هو الدم الذي يجب فيه الغسل الواحد إذا لم يثقب سواء كان الدم احمر ام اصفر، والدم الاصفر لو ثقب لم يكن عنده موجبا للغسل لانه قليل عرفا فضلا عما إذا لم يثقب، على ان اطلاق الدم منصرف إلى الدم الاحمر ولا يمكن حمله على الاصفر فانه جعل في بعض الاخبار في قبال الدم) إذا رأت الدم وإذا رأت الصفرة (1) ومعه كيف يحمل الدم في الصحيحة على الاصفر هذا كله. مضافا إلى انه لا موجب اصلا لتقييد الصحيحة بالموثقة إذا لا تنافي بينهما ولا تماس، وذلك لان الموضوع في الموثقة على ما فسرناه انما هو الدم الثاقب وانه مع التجاوز تجب فيه الاغسال الثلاثة ومع عدم التجاوز يجب فيه غسل واحد، واما الدم غير الثاقب فهو مما لم يتعرض له


(1) الوسائل: جزء 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 4.

[ 60 ]

في الموثقة اصلا، والصحيحة متعرضة لحكمه، ومع عدم التماس بينهما في الدم غير الثاقب لا موجب لجعل احداهما مقيدة لاطلاق الآخر. وعليه فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من ان الاستحاضة إذا كانت قليلة أي لم يكن الدم ثاقبا للكرسف وجب معه الوضوء لكل صلاة، وإذا كانت متوسطة أي كان الدم ثاقبا للكرسف وجب عليها ان تتوضأ لكل صلاة ويجب أن تغتسل غسلا واحدا لكل يوم وليلة لاجتماع الحدث الاصغر مع الحدث الاكبر حينئذ، وإذا كانت كثيرة أي كان الدم ثاقبا ومتجاوزا عن الكرسف وجب الوضوء والغسل لكل صلاة وذلك لصحيحتي معاوية وزرارة المتقدمين. هذا كله في الدم الاحمر، وبقي الكلام في الدم الاصفر: - الكلام في الدم الاصفر: وقد ذكر أن دم الاستحاضة إذا كان اصفر فان كان كثير عرفا بأن سال عن الكرسف فيجب معه الاغسال الثلاثة وإذا كان قليلا عرفا بأن لم يثقب الكرسف أو تجاوز عنه ولم يسل فيجب فيها الوضوء فلا قسم ثالث بينهما. فهو (قده) وان التزم بوجوب الاغسال الثلاثة في مورد ووجوب غسل واحد في مورد آخر ووجوب الوضوء في مورد ثالث إلا انه على ترتيب آخر غير الترتيب الذي سلكه المشهور لانه التزم بوجوب الاغسال الثلاثة فيما إذا تجاوز الدم عن الكرسف وفيما إذا كان الدم احمر، وإذا سال وعد كثيرا عرفا فيما إذا كان صفرة وبوجوب غسل واحد في

[ 61 ]

خصوص الدم الاحمر غير المتجاوز عن الكرسف - ثقب أم لم يثقب - وبوجوب الوضوء في الدم الاصفر القليل عرفا. واستدل على ما ذهب إليه بما ورد في جملة من الروايات من ان المرأة إذا رأت الدم الاصفر وجب عليها الاغسال الثلاثة وما ورد من انها إذا رأت صفرة تتوضأ وتصلي كما نقلناهما (1) سابقا. فانهما متعارضين بالتباين لدلالة احداهما على وجوب الاغسال الثلاثة مع الصفرة مطلقا ودلالة الاخرى على وجوب الوضوء معها مطلقا، إلا أن هناك شاهد جمع وهو ما رواه محمد بن مسلم في الحامل قد استبان حبلها ترى ما ترى الحائض من الدم قال: (تلك الهراقة من الدم، ان كان دما احمر كثيرا فلا تصلي، وان كان قليلا اصفر فليس عليها إلا الوضوء (2). حيث يدل على أن الوضوء في الدم الاصفر انما يجب فيما إذا كان قليلا، واما إذا كان كثيرا فمقتضى الطائفة الاولى أن يحكم فيه بوجوب الاغتسال. هذا ولا يمكن المساعدة على ما افاده بوجه وذلك لضعف الرواية التي جعلها شاهد جمع بين الطائفتين بارسالها فتبقى الطائفتان على تعارضهما. والصحيح أن يقال: ان الطائفتين وان كانتا متعارضتين بالتباين كما مر، إلا أن الطائفة الدالة على وجوب الاغتسال مع الصفرة لابد من حملها على ما إذا كانت الاستحاضة - اي الدم الاصفر - كثيرة بحسب الاصطلاح بان ثقبت الكرسف وتجاوزت عنه فانها لو كانت قليلة - أي غير ثاقبة اصلا - لا يحتمل كونها موجبة للاغسال الثلاثة لان الصفره


(1) و (2) تقدم ذكر جميعها في نفس المسألة.

[ 62 ]

لا تزيد على الدم الاحمر، والدم الاحمر غير الثاقب اعني الاستحاضة القليلة - لا توجب الاغسال الثلاثة فكيف توجبها الصفرة؟ وكذلك الحال في الدم الاصفر المتوسطة بحسب الاصطلاح على مسلك صاحب الكفاية لانها على مسلكه لو كان احمر لم تكن موجبة للاغسال الثلاثة فكيف تكون الاستحاضة مع الصفرة موجبة لاغسال الثلاثة. فهذه القرينة الخارجية - اعني العلم بعدم كون الاصفر اشد من الدم الاحمر بحسب الحكم - توجب اختصاص الاخبار الآمرة بالاغسال الثلاثة على الاستحاضة الكثيرة أي الصفرة فيما إذا كانت كثيرة بحسب الاصطلاح ومعه تنقلب النسبة من التباين إلى العموم المطلق. فالطائفة الثانية تدل على وجوب الوضوء مع الصفرة في جميع الاقسام الثلاثة المتقدمة، والطائفة الاولى تدل على وجوب الغسل في الدم الاصفر الكثير، ومعه فالقاعدة تقتضي تخصيص الاولى بالثانية والحكم في المستحاضة الكثيرة - عند الصفرة - بوجوب الاغسال الثلاثة واما في المتوسطة والقليلة فيجب فيهما الوضوء. إلا ان تلك الطائفة الآمرة بالوضوء في المتوسطة والقليلة معارضة بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج. قال: سألت أبا ابراهيم (ع) عن المرأة نفست فمكثت ثلاثين يوما أو أكثر ثم طهرت وصلت ثم رأت دما أو صفرة، قال: (ان كانت صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة) (1). لدلالتها على وجوب الغسل مع الصفرة من غير تقييده بالمرة الواحدة أو بثلاث مرات ولا بشئ من اقسام الاستحاضة، والنسبة بينهما عموم


(1) الوسائل: جزء 2 باب 5 من أبواب النفاس ح 2.

[ 63 ]

من وجه، وذلك لان صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وان كانت مطلقة إلا أنه لابد من اخراج المستحاضة القليلة عن اطلاقها للقرينة المتقدمة من ان الصفرة لا يحتمل ان يكون حكمها اشد من الاحمر، وقد تقدم ان الاستحاضة القليلة في الدم الاحمر لم تكن موجبة للاغتسال فكيف بالاستحاضة القليلة في الدم الاصفر؟ فالصحيحة تختص بالاستحاضة الكثيرة والمتوسطة كما ان الاخبار الدالة على الوضوء مختصة بالمتوسطة والقليلة، فالاستحاضة المتوسطة بالاصفر مورد للتعارض بين الروايتين فالصحيحة تدل على وجوب الغسل فيها والطائفة الثانية تدل على وجوب الوضوء فيها. فان امكننا الجمع بينهما بالاخذ بكلنا الطائفتين فنأخذ بهما ونحكم بأن في المتوسطة الاصفر يجب الغسل والوضوء - كما هو مسلك المشهور - وتكون النتيجة بعد الجمع بين الاخبار وجوب الاغسال الثلاثة في الاستحاضة الكثيرة ووجوب الغسل الواحد والوضوء في المتوسطة ووجوب الوضوء خاصة في القليلة. وان لم يمكننا الجمع بينهما نظرا إلى أن الصحيحة تدل على جواز الاقتصار بالغسل في صحة الصلاة وان لم تتوضأ، والطائفة الثانية تدل على جواز الاقتصار على الوضوء فحسب وان لم تغتسل، فلا يمكن الجمع بينهما فلا مناص من الحكم بتساقطهما. لان تعارضهما بالاطلاق وبعد التساقط نرجع إلى صحيحة معاوية ابن عمار وصحيحة زرارة المتقدمتين لانهما الاصل في الاستحاضة وقد عرفت دلالتهما على أن العبرة في الاستحاضة بكمية الدم لا بكيفيته من الحمرة والصفرة فانه إذا ثقب الكرسف مع التجاوز - أي كان كثيرا

[ 64 ]

احمر كان أو اصفر - ففيها الاغسال الثلاثة، وإذا ثقب من غير تجاوز الكرسف ففيها غسل واحد، وإذا لم يثقب ولم يتجاوز ففيها وضوء واحد فان الروايتين لا معارض لهما بعد تساقط الطائفتين المتقدمتين بالتعارض. وبهذا يتضح أن ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح. بقي الكلام في موثقة سماعة حيث ان ظاهرها أو صريحها أن بين الدم الاحمر والاصفر فرقا وتفاوتا بحسب الحكم حيث قال (هذا ان كان دمها عبيطا وان كان صفرة فعليها الوضوء) (1). والجواب عن ذلك انه لا مناص من حمل الموثقة على ارادة الكمية دون الكيفية بمعنى ان هذا انما هو فيما إذا كان الدم كثيرا واما إذا كان قليلا بمثابة عد من الاعراض عرفا بحيث يرى صفرة ولو كان احمر حقيقة لقلته فلا يجب فيه إلا الوضوء. وذلك بقرينة الاخبار الاخر الدالة على وجوب الغسل مع الصفرة إذا كانت ثاقبة الكرسف، بل حمل الموثقة على ذلك مما لا مناص عنه حتى بناءا على ما سلكه المحقق الخراساني (قده) وذلك للاخبار الواردة في وجوب الاغسال الثلاثة فيما إذا كانت الصفرة كثيرة لانه ملتزم بذلك كما عرفت، فالمراد بالصفرة هو الدم القليل لا الدم الاصفر كما عرفت.


(1) الوسائل جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1.

[ 65 ]

[ فريضة كانت أو نافلة (1) وتبديل القطنة أو تطهيرها. التسوية بين الفريضة والنافلة: (1) بعد ما عرفت أن في الاستحاضة القليلة والمتوسطة يجب الوضوء لكل صلاة. يقع الكلام في ان هذا الحكم هل يختص بالفرائض - كما نسب ذلك إلى الشيخ في مبسوطه من أن المستحاضة إذا توضأت للفرض جاز لها ان تصلي من النوافل ما شاءت - أو يعم النوافل؟ فيجب أن تتوضأ لكل صلاة من النوافل كما يجب أن تتوضأ لكل صلاة من الفرائض؟ هذا هو المعروف بينهم. وقد يقال: ان القاعدة أيضا تقتضي ذلك لان الاستحاضة من الاحداث ومقتضى القاعدة سقوط الصلاة عن المستحاضة لانها ذات حدث إلا ان الاخبار (1) دلت على انها مع كونها محدثة لا تسقط عنها الصلاة، ومعه لابد في الخروج عن مقتضى القاعدة من الاقتصار على المورد المتيقن وهو ما إذا توضأت لكل صلاة. واما إذا لم تتوضأ لصلاة ولو نافلة فلا مناص من الحكم ببطلانها لانها ذات حدث ولم يعلم الترخيص لها في تلك الصلاة التي تأتي بها من دون أن تتوضأ لها. هذا


(1) راجع الوسائل: جزء 2 باب 1 و 4 من أبواب الاستحاضة وغيرها من الموارد.

[ 66 ]

وفيه: ان المستفاد من الاخبار الواردة في المقام أن صحة الصلاة من المستحاضة مع التوضوء انما هي من جهة انها طاهرة حينذاك وان طهرها هو الوضوء عند الصلاة فصحة صلاتها ليس امرا تعبديا على خلاف القاعدة ومن باب التخصيص فيما دل على بطلان الصلاة مع الحدث بل هي من جهة كونها طاهرة ومن باب التخصيص في ادلة النواقض وأن الدم الخارج منها بعد توضؤها لا يكون ناقضا لطهارتها. كما ذكرنا لك في المسلوس والمبطون وقلنا ان طهارتهما هو توضؤهما وان ما يخرج منهما بعد الوضوء لا يكون ناقضا تخصيصا في ادلة النواقض لا أن صحة صلاتهما من باب التخصيص فيما دل على اعتبار الطهارة في الصلاة وبطلانها مع الحدث، وإذا حكمت المستحاضة بالطهارة لا يفرق معها بين أن تصلي صلاة واحدة أو صلاتين أو اكثر. وقد يدعى ان مقتضى القاعدة عدم اعتبار التوضوء في النوافل وذلك لانا إذا لم نعتبر فورية الصلاة على المستحاضة بعد توضؤها وقلنا بجواز التأخير والفصل بينهما على المستحاضة ولا سيما فيما إذا اشتغلت بما هو من مقدمات الصلاة وبالاخص فيما إذا كانت المقدمة من المقدمات الشرعية كالنوافل لم يحتمل ان يكون وجود النافلة مبطلا للوضوء لما فرضنا من انها لو سكتت بعد توضؤها دقيقة أو دقيقتين مثلا وصلت بعد ذلك صحت صلاتها وتوضؤها فإذا أتت بالنافلة بدل السكوت كيف يحكم ببطلان وضوئها؟ وهل يكون وجود النافلة مبطلا له مع عدم بطلانه بالسكوت لعدم وجوب الفورية على الفرض؟! فلا مانع من أن تتوضأ وتصلي النافلة ثم تصلي الفريضة.

[ 67 ]

وكذا الحال فيما إذا أتت بالنافلة بعد الفريضة كما في صلاة المغرب لان التأخير بمقدار فعل النافلة لا يكون موجبا لبطلان الوضوء كما عرفت فمقتضى القاعدة عدم وجوب التوضؤ لكل نافلة. وهذا - كسابقه - مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لان المدعى ليس هو أن الفصل الزماني بين الوضوء والفريضة موجب لبطلانه حتى ينتقض بما إذا سكت بعد الوضوء ولم تشتغل بشئ وصلت بعد ذلك، وإلا للزم الالتزام بصحة الاكتفاء بالوضوء الواحد فيما إذا توضأت لاداء فريضة وأتت قبلها بفريضة اخرى قضاءا، فان وجود الصلاة المأتي بها قضاءا لا يحتمل أن يكون ناقضا لتوضؤها بعد عدم كون السكوت بهذا المقدار مبطلا له. مع أن هذا مما لا يلتزم به أحد لانهم يدعون لزوم التوضوء لكل فريضة الاعم من الاداء والقضاء. بل المدعى اعتبار التوضؤ لكل صلاة الاعم من الفريضة والنافلة، وهذا لا يندفع بما ذكر. ودعوى ان الصلاة منصرفة إلى الفرائض غير مسموعة لان الصلاة صلاة ولا يفرق بين نفلها وفرضها وإلا لامكن دعوى انصرافها إلى الاداء دون القضاء مع انه مما لا يلتزم به القائل باختصاص الحكم بالفرائض لانه يلتزم بوجوب الوضوء لكل فريضة في وقتها أو في خارج وقتها. فلابد في تحقيق الحال من مراجعة الروايات وهي على طائفتين: ففي احداهما: وجوب الوضوء على المستحاضة بالقليلة في وقت كل صلاة - كما في صحيحة الصحاف حيث قال: (فلتتوضأ ولتصل

[ 68 ]

عند وقت كل صلاة) - (1). وفي ثانيتهما: وجوب الوضوء عند كل صلاه - كما في صحيحة معاوية بن عمار (وصلت كل صلاة بوضوء) (2) ورواية زرارة (وتصلي كل صلاة بوضوء) - (3). ولا دلالة للطائفة الاولى على جواز الاقتصار على وضوء واحد في اكثر من صلاة واحدة من غير جهة اطلاقها، نعم مقتضى اطلاقها انها تتوضوء في وقت كل صلاة - سواء اتت بصلاة واحدة أم بصلاتين أم باكثر. إلا أن من المعلوم أن اطلاقها لا يعبأ به في مقابل العموم المصرح به في صحيحة معاوية (وصلت كل صلاة بوضوء) ولاجله يحمل الاطلاق في الصحيحة على الغالب فان اغلب النساء لا يأتين في وقت الصلاة إلا بالفريضة ولا يصلين متعددا ولاجله اكتفى عليه السلام بالاطلاق ولم يقيد بقوله (توضأت لكل صلاة) مثلا. اذن فالصحيح أن في الاستحاضة القليلة يعتبر الوضوء لكل صلاة اعم من الفريضة والنافلة.


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 7. (2) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1. (3) الوسائل جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 9.

[ 69 ]

والثانية: أن يغمس الدم في القطنة ولا يسيل إلى خارجها من الخرقة ويكفي الغمس في بعض اطرافها، وحكمها - مضافا إلى ما ذكر - غسل قبل صلاة الغداة (1). الاستحاضة المتوسطة: (1) ذكروا أن حكم الاستحاضة المتوسطة - مضافا إلى تبديل القطنة والتوضوء لكل صلاة - غسل واحد في اليوم والليلة. أما تبديل القطنة فقد يقال - كما تقدم - ان وجوبه واعتباره على طبق القاعدة لان دم الاستحاضة كدم الحيض والنفاس لا يعفى عن قليله ولا عن كثيره في الصلاة ومع عدم تبديل القطنة تبطل صلاتها. وقد عرفت الجواب عن ذلك في الاستحاضة القليلة وانه لم يدل دليل على مانعية دم الاستحاضة بقليلها في الصلاة إلى آخر الاجوبة المتقدمة هناك ولا نعيد. وقد يقال: ان وجوب تبديل القطنة للتعبد الخاص بالنص لامن جهة اقتضاء القاعدة ذلك وذلك لما ورد في صحيحة أو موثقة (ابان ابن عثمان) عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله حيث ورد فيها: (فان ظهر عن (على) الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي) لدلالة قوله (ثم تضع كرسفا آخر) على وجوب تبديل القطنة واعتباره في صحه صلاة المستحاضة بالاستحاضة المتوسطة. ولكن للمناقشة في دلالتها على المدعى مجال واسع، وذلك:

[ 70 ]

أولا: لاحتمال أنه (ع) كان بصدد بيان امر عادي حيث ان الكرسف المملو من الدم لا يرجعنه النساء عادة إلى محله بعد الاغتسال لقذارته بل يطرح - إذ لا قيمة له - ويوضع كرسف جديد، لا أن هذا امر معتبر شرعا في حقها. وثانيا: لاحتمال ان يكون ذلك من جهة ان ارجاع الكرسف السابق إلى المحل يوجب تنجس المحل لامتلائه بالدم على الفرض من كون الدم قد ثقبه ووضع مثله على المحل يوجب التنجس قهرا، واما انه من جهة اعتبار ذلك في حق المستحاضة فلا. وثالثا: مع الغض عن المناقشتين السابقتين فلاجل أن غاية ما يستفاد من الرواية أنه يجب أن يوضع على المحل كرسف جديد ولو لاجل ان لا يتنجس اطراف المحل بوضع الكرسف الاول، واما ان وضع الكرسف السابق ولو مع ذلك الكرسف الجديد مانع عن صحة صلاتها كما هو محل البحث في المقام فلا يستفاد من الرواية بوجه. رابعا: فلانا لو اغمضنا عن جميع المناقشات السابقة فغاية ما هناك أن نقتصر على ذلك في خصوص مورد الرواية وهو ما إذا اخرجت المرأة كرسفها، فهب أنه حينئذ يعتبر أن لا ترجعه إلى محله، واما إذا اغتسلت وبدلت القطنة في الزوال - مثلا - ولم تخرج الكرسف عن محله إلى آخر اليوم وليله فلا يعتبر في حقها تبديلها لان مورد الرواية هو لزوم تبديل القطنة مع الاخراج أي على تقدير الاخراج ولا دلالة لها على وجوب الاخراج على المرأة. وعليه فلا دلالة للرواية على وجوب تبديل القطنة أو تطهيرها على المرأة فبقى نحن ومقتضى القاعدة وقد بينا في محله أن المحمول المتنجس

[ 71 ]

ولا سيما إذا كان باطنيا - كما في المقام - غير مانع عن الصلاة، والكرسف من قبيل المحمول فلا يكون دم الكرسف مانعا عن الصلاة حتى بناء على أن دم الاستحاضة مانع عن الصلاة بقليله وكثيره. وذلك لانه انما هو فيما إذا لم يتنجس الكرسف الآخر - على تقدير تبديله - بعين ذلك الدم، واما مع تنجسه بذلك لفرض عدم انقطاع دم الاستحاضة فتبديل الكرسف من اللغو الظاهر حينئذ، هذا كله في تبديل القطنة. واما وجوب الغسل عليها مرة واحدة فهو الذي ذهب إليه المشهور كما مر وخالف في ذلك العماني والاسكافي والمحقق والعلامة وغيرهم من المتأخرين (قدهم) حيث ذهبوا إلى وجوب الاغسال الثلاثة حينئذ، وذكروا أنه لافرق بين تجاوز الدم عن الكرسف وعدمه بل الدم بمجرد ان ثقب الكرسف وجب على المرأة ثلاثة اغسال. ولعل الوجه في ذلك صحيحة معاوية بن عمار (1) الدالة على ان الدم إذا ثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر وغسلا للمغرب والعشاء وغسلا لصلاة الصبح وغيرها من المطلقات: إلا ان دلالتها على وجوب الاغسال الثلاثة في الاستحاضة المتوسطة انما هي بالاطلاق ولا مناص من تقييده أو بصحيحة زرارة (2) الدالة على ان وجوب الاغسال الثلاثة انما هو مع تجاوز الدم مع الكرسف، واما إذا ثقب ولم يتجاوز عنه فلا يجب عليه إلا غسل واحد. وهذه الرواية غير قابلة للمناقشة في دلالتها ولا في سندها ومعه


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1. (2) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 72 ]

لابد من تقييد صحيحة معاوية بن عمار وغيرها من المطلقات بما إذا كان الثقب مع التجاوز. تعيين محل الاغتسال: وبعدما ظهر لك أن الواجب في الاستحاضة المتوسطة غسل واحد يقع الكلام في محله وانها تغتسل في أي موضع فان غاية ما يستفاد من الاخبار الواردة في المقام أن الغسل شرط لواحدة من صلواتها فلها أن تأتي به بعد صلاة المغرب إذ به يتحقق الشرط فلزوم الاتيان به قبل صلاة الغداة كما ذهب إليه المشهور امر لا موجب له. وقد يقال: ان الاخبار وان كانت مطلقة إلا أن الاجماع قام على لزوم الاتيان به قبل الغداة فيما إذا استحاضت قبلها وهو المقيد لاطلاقات الاخبار. هذا ولا يخفى أنه يمكن استفادة ما ذهب إليه المشهور من لزوم الغسل قبل الغداة فيما إذا كانت الاستحاضة قبلها من نفس صحيحة زرارة من دون حاجة في ذلك إلى الاجماع، وذلك لقوله (ع) (فان جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلت الغداه بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل، وان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد. وذلك بتقريب أن قوله (ع) (مع تجاوز الدم) انها صلت الغداة بغسل معناه انها تغتسل قبل صلاة الصبح وإلا لو اغتسلت بعدها لم يصدق أنها صلت الغداة بغسل، وهكذا الحال في صلاتي الظهرين

[ 73 ]

وصلاتي المغرب والعشاء. وعليه فمع تجاوز الدم وجب عليها اغسال ثلاثة قبل الصلوات، واما مع عدم تجاوز الدم فلم يوجب عليها إلا غسل واحد لقوله (صلت بغسل واحد) ومعناه في قبال ما تقدم عند تجاوز الدم انها أتت بالغسل قبل الصلاة وصلت تلك الصلوات التي وجب أن تأتي بها مع تجاوز الدم بثلاثة اغسال قبلها بغسل واحد قبلها ولا يلزم التعدد في الغسل مع عدم التجاوز وانما يجب أن تأتي بالصلوات بغسل واحد. وعليه فيستفاد من الرواية لزوم اغتسالها قبل صلاة الغداة ليصدق انها أتت بصلاتها بغسل واحد ومعه يكون الغسل من قبيل الشرط المتقدم لصلوات المستحاضة في القسم المتوسط منها ولا يكون من قبيل الشرط المتأخر لها ولا شرط الواحدة من صلواتها. بل يمكن استفادة ذلك من الموثقة (1) أيضا فان المستفاد من قوله (ع) (وان لم يجز الدم فعليها الغسل لكل يوم مرة) في قبال ما تقدمه من قوله (ع) (إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين وللفجر غسلا) بقرينة ما ارتكز في الاذهان من ان الغسل متقدم على الصلاة أن عليها غسلا واحدا لصلواتها اليومية أي يجب عليها أن تغتسل مرة واحدة قبل صلواتها اليومية. ولان المراد بذلك الغسل هو الغسل الواجب ثلاث مرات في الكثيرة وغاية الامر أن التعدد غير واجب في المتوسطة وقد عرفت ان الغسل في الاغسال الثلاثة معتبر من باب الشرط المتقدم فيكون الغسل الواحد في المتوسطة كذلك.


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6.

[ 74 ]

فتحصل: أن الغسل الواحد يعتبر أن تأتي به المرأة فيما بين استحاضتها واول صلاة تأتي بها فإذا كانت استحاضتها قبل الغداة فتأتي به بين استحاضتها وبين صلاة الغداة وإذا كانت واقعة قبل الزوال تأتي بالغسل بعد استحاضتها وقبل صلاة الظهر وهكذا هذا كله فيما ذكروه من وجوب الغسل على المستحاضة بالاستحاضة المتوسطة. وجوب الوضوء لكل صلاة: بقي الكلام فيما ذكروه من وجوب الوضوء عليها لكل صلاة مع أن صحيحة زرارة (1) لم تتعرض لوجوب الوضوء عليها لكل صلاة وكذا صحيحة معاوية (2) لانها انما دلت على أنها تتوضأ فحسب وأما انها تتوضأ لكل صلاة فلا دلالة لها عليه. هذا والصحيح ما ذكره المشهور من وجوب الوضوء عليها لكل صلاة، لامرين. (احدهما): صحيحة زرارة من جهة القرينة الخارجية وذلك لبعد أن تبقى المستحاضة على طهارتها من اول للصبح إلى آخر وقت العشاء لانه لا يتحقق اصلا أو يتحقق نادرا، ومع كونها محدثة بشئ من الاحداث بعد غسلها اول الصبح اما ان تصلي مع الحدث واما ان يجب عليها الوضوء والصلاة والاول لا يمكن الالتزام به فيتعين الثاني


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5. (2) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1. وفي ذيلها وصلت كل صلاة بوضوء.

[ 75 ]

[ والثالثة: أن يسيل الدم من القطنة إلى الخرقة ويجب وهو المطلوب وقوله (صلت بغسل واحد) لانظر له إلى عدم وجوب الوضوء مع الغسل بل هو قبال الغسل المتعدد ويدل على ان الغسل لا يجب تعدده عليها. وهذا الوجه يمكن المناقشة فيه بان بقاء المستحاضة إلى آخر العشاء على طهارتها وان كان بعيدا إلا انها تتمكن من البقاء عليها بمقدار صلاتين فمع طهارتها لماذا يجب عليها الوضوء للصلاة الثانية أو ننقل الكلام إلى صلاة الغداة التي اغتسلت قبلها لاي وجه يجب عليها أن تتوضأ لصلاة الغداة؟ (الثاني): وهو العمدة موثقة سماعة (وان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلاة) (1) لما تقدم من أن حمل (لم يجز) على (لم يثقب) خلاف الظاهر ولا يمكن الالتزام به بل هو باق بمعناه وهو مقيد لاطلاق الجملة السابقة عليه (إذا ثقب الدم الكرسف) نظير قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة.. وان كنتم جنبا فاطهروا) (2) وقد مر الكلام فيه مفصلا). وهذا تخصيص لما قدمناه من ان كل غسل يغني عن الوضوء واشرنا إلى ان الاستحاضة المتوسطة خارجة عن ذلك بالنصوص الخاصة المعتبرة.


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6. (2) المائدة: 6.

[ 76 ]

فيها - مضافا إلى ما ذكر والى تبديل الخرقة أو تطهيرها - (1) غسل آخر للظهرين تجمع بينهما وغسل للعشاءين تجمع بينهما والاولى كونه في آخر وقت فضيلة الاولى حتى يكون كل من الصلاتين في وقت الفضيلة. الاستحاضة الكثيرة: (1) وقد ذكروا ان المرأة في الاستحاضة الكثيرة يجب عليها تبديل القطنة والخرقة، ويجب عليها الاغتسال ثلاث مرات لصلاة الغداة والظهرين والعشاءين، ويجب عليها الوضوء لكل صلاة. أما تبديل القطنة فان قلنا بوجوبه في المتوسطة فلابد من الالتزام به في الكثيرة بطريق أولى لانها لا تنقص عن المتوسطة لكثرة دمها، واما إذا لم نقل بوجوبه في المتوسطة فهل يجب الالتزام به في الكثيرة؟ قد يقال: ان وجوبه مطابق القاعدة وقد عرفت الجواب عنه. وقد يقال: بوجوبه من جهة النص وهو صحيح صفوان عن أبي الحسن (ع) قال: قلت له: (إذا مكثت المرأة عشرة أيام ترى الدم ثم طهرت فمكثت ثلاثة ايام طاهرا ثم رأت الدم بعد ذلك اتمسك عن الصلاة قال: (لا هذه مستحاضة تغتسل وتستدخل قطنة بعد قطنة وتجمع بين صلاتين بغسل ويأتيها بعلها ان اراد) حيث


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 2.

[ 77 ]

دلت على وجوب استدخال قطنة بعد قطنة. وفيه: اولا: ان غاية ما يمكن استفادته من الرواية وجوب ادخال القطنة بعد القطنة، واما وجوب اخراج القطنة الاولى فلا دلالة لها عليه بل للمرأة أن تستدخل قطنة اخرى على القطنة الاولى وتستدخل قطنة ثالثة بعد الثانية ورابعة بعد الثالثة بمقدار يسعه المحل، إذ لم تدل الرواية على وجوب اخراج القطنة السابقة. وثانيا: ان الرواية لم تدل على وجوب ادخال القطنة بعد القطنة للصلاة كما هو المدعى وانما هي بصدد بيان الوظيفة للمستحاضة في نفسها ولو لغير الصلاة وذلك دفعا لخروج الدم وتنجس اطراف المحل واللباس فلا دلالة لها على المدعى، فتبقى نحن ومقتضى القاعدة وقد ذكرنا عدم البأس بالصلاة في المحمول المتنجس الباطني فان القطنة محمولة في الباطن. فهذا الحكم لا دليل عليه بمعنى ان بطلان الصلاة حينئذ يتوقف على القول بان دم الاستحاضة ولو في المحمول الباطني يقتضي بطلان الصلاة. وأيضا ربما يستدل على وجوب تبديل القطنة عليها برواية الجعفي عن أبي جعفر (ع) قال: (المستحاضة تقعد ايام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين فإذا هي رأت طهرا اغتسلت وان هي لم تر طهرا اغتسلت واحتشت ولا تزال تصلي بذلك الغسل حتى يظهر الدم على الكرسف فإذا ظهر اعادت الغسل واعادت القطنة) (1). إلا انها ضعيفة السند اولا بقاسم بن محمد الجوهري.


(1) الوسائل: جزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 10. والقاسم بن محمد الجوهري ثقة لوجوده في اسناد كامل الزيارات.

[ 78 ]

وقاصرة الدلالة ثانيا، وذلك لان غاية ما هناك أن تدل على وجوب تجديد الكرسف على تقدير اخراجه لئلا يتنجس به اطراف المحل عند اعادته، واما إذا لم تخرجه فلا يجب عليها التجديد إلا لا دلالة لها على وجوب اخراج الكرسف على المرأة وعليه فهذا الحكم مبني على الاحتياط ولا دليل عليه. واما وجوب الغسل عليها للفجر والظهرين والعشاءين فقد ظهر الوجه فيه مما قدمناه في الاستحاضة القليلة والمتوسطة فلا نعيده. واما وجوب الوضوء عليها لكل صلاة فقد التزم به المشهور، والظاهر المستفاد من كلماتهم ان القول به وبعدمه غير مبتن على اجزاء كل غسل عن الوضوء وعدم اجزائه فان السيد المرتضى وغيره ممن قالوا باغناء كل غسل عن الوضوء التزموا بوجوب الوضوء على المستحاضة في المقام لكل صلاة. ولكن الصحيح عدم وجوب الوضوء وذلك لعدم دلالة شئ من الاخبار الواردة في المقام - في الاستحاضة الكثيرة - سوى المطلقات (1) الواردة في أن المستحاضة تتوضأ أو مطلقات الآمر بالوضوء كقوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم..) (2) والاطلاقات الدالة على أن من نام أو بال يتوضأ فانها شاملة للمستحاضة في المقام واما غير المطلقات فلا دليل على وجوب الوضوء لكل صلاة في الاستحاضة الكثيرة.


(1) راجع الوسائل: جزء 2 باب 4 من أبواب الحيض، ح 1 و 7 و 8 وباب 5 ح 1 وباب 1 من أبواب الاستحاضة ح 13. (2) المائدة: 6.

[ 79 ]

الا ان هذه المطلقات لابد من الخروج عنها بالادلة الخاصة النافية لوجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة. وذلك كصحيحة معاوية بن عمار حيث دلت على أن المستحاضة ان ثقب دمها الكرسف وجبت الاغسال الثلاثة عليها وإذا لم يثقب الكرسف وجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة. والوجه في دلالتها ان التفصيل قاطع للشركة وهي قد فصلت بين الدم الثاقب والدم غير الثاقب ودلت على وجوب الوضوء في الثاني وعلى وجوب الاغسال الثلاثة في الاول وهي تدل على أن الاول غير مكلف بالوضوء. وموثقة سماعة حيث دلت على أن المستحاضة إذا ثقب دمها الكرسف اغتسلت للغداة وللظهرين والعشاءين وإذا لم يتجاوز اغتسلت غسلا واحدا وتوضأت لكل صلاة. وذلك لعين التقريب الذي مر في صحيحة معاوية حيث انها فصلت بين الدم الثاقب المتجاوز فأوجبت فيه اغسالا ثلاثة وبين الدم الثاقب غير المتجاوز فأوجبت فيه غسلا واحدا مع الوضوء لكل صلاة، وتفصيلها هذا يدل على ان المرأة عند ثقب دمها الكرسف وتجاوزه غير مكلفة بالوضوء. ويؤيده ما قدمناه من القاعدة الثانوية من أن كل غسل يغني عن الوضوء ومع اغتسال المرأة لا تحتاج إلى الوضوء. هذا وعن الجملة ان الاخبار الواردة في الاستحاضة الكثيرة قد دلت على وجوب الاغسال الثلاثة في حقها وسكتت عن وجوب الوضوء عليها لكل صلاة وسكوتها عن وجوبه وهي في مقام البيان يدلنا على عدم

[ 80 ]

وجوب الوضوء في حقها. على أن في جملة من الاخبار - كموثقتي سماعة وصحيحة معاوية فصل بين الاستحاضة الكثيرة والمتوسطة أو بين الكثيرة والقليلة وحكم بوجوب الوضوء على المتوسطة والقليلة ولم يحكم بوجوبه في الكثيرة بل حكم بوجوب الاغسال الثلاثة في حقها. وحيث ان التفصيل قاطع للشركة فيعلم من ذلك عدم وجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة، هذا كله. مضافا إلى ما ذكرناه من ان الغسل يغني عن الوضوء وانما خرجنا عنه في الاستحاضة المتوسطة بالنص الخاص كما مر. ولكنه قد يقال: ان وجوب الوضوء لكل صلاة في المستحاضة الكثيرة مستند إلى النص - كما استند إليه في المتوسطة - وهذا النص هو مرسلة يونس الطويلة حيث ورد فيها (وسأل عن المستحاضة فقال: انما ذلك عرق عابر (عايذ) أو ركضة من الشيطان فلتدع الصلاة ايام اقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة قيل: وان سال؟ قال: وان سال مثل المثقب (مجرى الماء) (1). وقد ذكرنا أن الرواية معتبرة وخارجة عن حكم الارسال، وقد ادعى صراحتها بحسب الدلالة على وجوب الوضوء لكل صلاة في المستحاضة الكثيرة. وفيه: ان المرسلة لا دلالة لها على وجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة إلا بالاطلاق فحالها حال بقية المطلقات المتقدمة، وأما قوله (وان سال مثل المثقب) فهو غير ناظر إلى أن وجوب الوضوء للمستحاضة


(1) الوسائل: جزء 2 باب 5 من أبواب الحيض ح 1.

[ 81 ]

ثابت حتى فيما إذا سال دمها مثل المثقب بل هو ناظر إلى وجوب الصلاة عليها حتى إذا سال دمها مثل المثقب، وذلك لان الرواية انما هي بصدد بيان ان المراة ذات الدم متى يجب عليها الصلاة ومتى لا تجب. ومن هنا قسمتها إلى قسمين - أعني الحائض والمستحاضة - وأوجبت الصلاة على الثانية بمعنى انها قسمت المرأة ذات الدم إلى ذات العادة فدلت على انها ترجع إلى عادتها والى واجد الصفات فأوجبت رجوعها إلى الصفات وتمييز الحيض عن الاستحاضة بصفاتهما، والى غير واجد الصفات فأرجعتها إلى العدد - أعني الستة أو السبعة. وعلى الجملة: ان هذه الرواية لا دلالة لها على أن المستحاضة يجب عليها ان تغتسل وتتوضأ لكل صلاة في الاستحاضة الكثيرة لما عرفت من أن قوله (ع) (وان سال مثل المثقب) راجع إلى وجوب الصلاة على المرأة لا إلى وجوب الوضوء لكل صلاة لعدم كونها ناظرة إلى احكام الاستحاضة واما هي واردة لبيان وجوب الصلاة عليها فحسب، ولكن الامام (ع) لما حكم بعدم وجوب الصلاة عليها في أيام اقرائها وحكم بوجوبها عليها في الاستحاضة وتعجب السائل من وجوبها عليها حتى في الكثيرة وفيما إذا سال منها الدم - نظرا إلى ان حال المرأة حينئذ كحالها حال اقرائها من حيث كثرة الدم في كليهما - قال: وان سال؟ فأجابه (ع) بقوله: (وان سال مثل المثقب) اشارة إلى ان الاستحاضة لا تقاس بالحيض. نعم هذه الرواية من الاخبار الدالة على وجوب الوضوء على الاستحاضة مطلقا وذلك لان المراد بالاغتسال في قوله (ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة) هو للغسل من الحيض أي تغتسل بعد أيام اقرائها - كما في

[ 82 ]

الرواية حيث قال (ع): فلتدع الصلاة أيام اقرائها ثم تغتسل - وليس المراد به غسل الاستحاضة. ويؤيده، انه ان اريد به غسل الاستحاضة وجب الغسل لكل صلاة بمقتضى قوله: (تغتسل وتتوضأ لكل صلاة) مع انك عرفت ان الغسل لا يجب لكل صلاة في المستحاضة حتى في الكثيرة بل لكل صلاتين غسل واحد - كما تقدم - ولا يجب الغسل لكل صلاة، فإذا كان الغسل فيها غسل الحيض فالرواية تدل على وجوب الوضوء لكل صلاة في حق المستحاضة مطلقا. وقد خرجنا عن اطلاقها في المتوسطة لما دل من الاخبار على ان المستحاضة في المتوسطة لا يجوز لها أن تكتفي بالوضوء فقط بل تغتسل في اليوم والليلة مرة واحدة وتتوضأ لكل صلاة. وكذلك تخرج من اطلاقها في الكثيرة بما دل على ان المستحاضة بالكثيرة تغتسل ثلاث مرات ولا يجب عليها الوضوء لكل صلاة للاكتفاء بذلك في مقام البيان وبقرينة التقابل والتقسيم. ومن جملة تلك الروايات ذيل هذه الرواية حيث قال (فقال: احتشي كرسفا فقالت: انه اشد من ذلك، اني اثجته ثجا فقال: تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة ايام أو سبعة أيام ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثة وعشرين يوما أو أربعة وعشرين واغتسلي للفجر غسلا وأخري الظهر وعجلي العصر واغتسلي غسلا، واخرى المغرب وعجلي العشاء واغتسلي غسلا) (1). وكيف كان فمحط نظر الرواية إلى تشخيص أن ذات الدم اين


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3.

[ 83 ]

تجب عليها الصلاة واين لا تجب؟ ولا نظر لها إلى بيان أوصاف المستحاضة واقسامها وأحكامها من غير جهة الصلاة، ومعه يكون قوله (عليه السلام) (وان سال مثل المثقب) ناظرا إلى ما تقدمه من وجوب الصلاة عليها وانها واجبة في حقها وان سال مثل المثقب، ومعه لا تعرض للرواية لخصوص الاستحاضة الكثيرة بوجه. والذي يدلنا على ذلك ان الامام عليه السلام تعرض بعد ذلك لحكم المستحاضة الكثيرة وأوجب عليها اغسالا ثلاثة من دون أن يوجب الوضوء عليها فلو كانت الرواية في هذا المقام أيضا ناظرة إلى بيان أحكام المستحاضة ودالة على وجوب الوضوء في حقها لكانت الرواية بصدرها وذيلها متناقضان. وجوب الجمع بين الصلاتين: بقي الكلام في وجوب الجمع بين الصلاتين في الاستحاضة الكثيرة - كما هو المشهور - الا انه واجب شرطي للاكتفاء بغسل واحد للصلاتين وليس واجبا نفسيا بل للمرأة أن تفصل بينهما ويغتسل لكل منهما غسلا والحكم بوجوب الجمع بين الصلاتين بناءا على لزوم الفورية وعدم جواز تأخير الصلاة عن الاغسال في حق المتسحاضة واضح. وذلك لعدم جواز تأخير الصلاة الثانية عن الاغتسال إلا بمقدار الصلاة الاولى فحسب على ما يستفاد من الاخبار من جواز الاكتفاء بغسل واحد إذا جمعت بين الصلاتين وأما زائدا على مقدار الصلاة الاولى فالتأخير مانع عن الاكتفاء بذلك الغسل، واما إذا لم نقل

[ 84 ]

بالفورية وجوزنا التأخير والفصل بين الاغتسال والصلاة فلابد للحكم بوجوب الجمع بين الصلاتين من اقامة الدليل عليه. ويمكن الاستدلال عليه بالاخبار الواردة (1) في المقام المصرحة بأنها تغتسل وتجمع بين الصلاتين بتقديم هذه وتأخير تلك. بل يمكن ان يستدل بها على وجوب الفورية وعدم جواز التأخير بين الغسل والصلاة وذلك لان التأخير إذا لم يجز في الصلاة الثانية - لدلالة الرويات على أنها لابد من ان تجمع بينهما ولا يجوز أن تؤخر الثانية عن الاولى - لم يجز التأخير في الصلاة الاولى أيضا بعين ذلك الملاك للقطع بعدم الفرق بينهما من هذه الجهة. وكذا يمكن الاستدلال على وجوب الفور بما دل على وجوب الغسل ثلاث مرات على كلمة (عنده) كما في صحيحة عبد الله ابن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: (المرأة المستحاضة التي لا تطهر تغتسل عند صلاة الظهر وتصلي الظهر والعصر ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب والعشاء، ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر. (2) وذلك لان ظاهر كلمة (عند) التي هي من الظروف الزمانية هو المقارنة الحقيقية وبما انها غير ممكنة في المقام إذ لا يمكن الاغتسال حال الصلاة فلتحمل على المقارنة العرفية وهي بأن تتصل الصلاة بالاغتسال نظير قولنا: اغسل يدك عند الاكل أو ادع بالدعاء الكذائي عند النوم ونحو ذلك لوضوح ان المراد به هو الاقتران العرفي لعدم


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 4.

[ 85 ]

ويجوز تفريق الصلوات والاتيان بخمسة أغسال (1). ولا يجوز الجمع بين أزيد من صلاتين بغسل واحد. امكان المقارنة الحقيقية. والوجه في حمله على الاقتران العرفي - اعني الاتصال - هو انه لو غسل يده أو قرأ الدعاء الكذائي في ساعة ثم أكل بعد ست ساعات أو نام بعدها لا يقال عرفا ولا عقلا أنه غسل يده أو دعى بالدعاء الكذائي عند الاكل أو النوم، بل يمكن استفادة لزوم الفورية من كلمة الفاء في قوله (ع) (تغتسل.. فتصلي) لانها ظاهرة في التفريع وكون الصلاة عقيب الاغتسال من غير فصل. جواز التفريق بين الصلوات للمستحاضة: (1) ذكرنا أن المستحاضة في الكثيرة إذا أرادت أن تجمع بين الفريضتين اقتصرت على غسل واحد لهما وأما إذا أرادت التفريق فاغتسلت وصلت الظهر ثم بعد فاصل زماني ارادت ان تصلي العصر فان لم تحدث بحدث بين الصلاتين فمقتضى القاعدة عدم وجوب الغسل في حقها للثانية لانها متطهرة ولم يحدث منها محدث مبطل لها - مع قطع النظر عن الاخبار الواردة في المقام. اللهم إلا ان نقول بوجوب المبادرة فانه يقتضي عدم جواز اقتصارها على غسلها قبل صلاة الظهر، وأما مع قطع النظر عن الاخبار ووجوب المبادرة فمقتضي القاعدة عدم وجوب الغسل في حقها للصلاة الثانية.

[ 86 ]

وأما إذا أحدثت بينهما بحدث فمقتضي القاعدة وجوب الغسل عليها للثانية مع قطع النظر عن الاخبار وعن وجوب المبادرة في حقها. وذلك لانها بعد ما أحدثت: اما ان تأتي بالعصر مثلا من دون غسل ولا وضوء وهذا غير محتمل لاشتراط الصلاة بالطهارة والمستحاضة محدثة حينئذ لارتفاع طهارتها بالحدث حسب الفرض، واما ان تأتي بالصلاة مع الوضوء وهو غير مشروع في حقها لدلالة الاخبار على أن الاكتفاء بالوضوء في الصلاة بعد الغسل مختص بما إذا كان الدم ثاقبا من دون تجاوزه عن الكرسف فلا يشرع في الاستحاضة الكثيرة، وأما أما تأتي بالصلاة مع الاغتسال وهذا هو المطلوب. هذا. ويمكن استفادة وجوب الاغسال الخمسة - اعني الغسل لكل صلاة عند التفرقة بين الصلوات - من المطلقات الواردة في المقام وهذا كما في صحيحة يونس بن يعقوب قلت لابي عبد الله (ع): امرأة رأت الدم في حيضها حتى جاز وقتها متى ينبغي لها أن تصلي؟ قال: (تنتظر.، إلى أن قال: فان رأت الدم دما صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلاة) (1). وصحيحة محمد الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن المرأة تستحاض.. إلى ان قال (تغتسل المرأة المدمية بين كل صلاتين (2). فان مقتضاهما وجوب الغسل على المستحاضة خمس مرات فتغتسل بين الفجر والظهر وبين الظهر والعصر وبين العصر والمغرب وبين


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 11. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 2.

[ 87 ]

نعم يكفي للنوافل أغسال الفرائض (1). المغرب والعشاء وبين العشاء والفجر أو تغتسل عند وقت كل صلاة، واطلاقهما شامل للمقام أيضا. وقد خرجنا عن اطلاقهما فيما إذا أرادت الجمع بين الصلاتين فالواجب حينئذ الغسل ثلاث مرات وهذا تخصيص وتقييد للمطلقتين لانهما يقتضيان وجوب الغسل خمس مرات حتى فيما إذا جمعت بينهما. إلا ان الاخبار (1) الدالة على جواز اقتصارها على غسل واحد عند الجمع بينهما مقيدة ومخصصة لاطلاقهما، وهي تدل على وجوب الغسل خمس مرات في كل يوم إلا فيما إذا أرادت الجمع فالواجب عليها ثلاثة أغسال، وفي غير هذه الصورة تيبقى تحت الاطلاقين ولابد من الغسل لكل صلاة. النوافل يكفيها اغسال الفرائض: (1) قدمنا أن في المستحاضة بالقليلة لابد لها من أن تتوضأ لكل صلاة من غير فرق بين الفرائض والنوافل، وأما وجوب الغسل في المستحاضة بالكثيرة ثلاث مرات فهل يختص بالفرائض ولا تحتاج إلى الغسل في النوافل بحيث إذا اغتسلت للصبح تأتي بها وبنافلتها وكذا في الظهرين والعشاءين، أو لابد من ان تغتسل للنوافل أيضا؟ والصحيح عدم وجوب الغسل للنوافل، وقد يتوهم انه لا دليل على ذلك سوى الاجماعات المدعاة على ان المستحاضة إذا فعلت ما يلزمها


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة.

[ 88 ]

من الوضوء والغسل وغيرهما كانت بحكم الطاهرة. ولا يمكن استفادة ذلك من النصوص إلا أن الامر ليس كما توهم وذلك لامكان استفادة ذلك من نفس الاخبار ويكفي ذلك المطلقات (1) الدالة على وجوب الوضوء على كل مكلف يريد الصلاة. والمطلقات (2) الدالة على وجوب الوضوء على المستحاضة لانها تدل على أن المستحاضة كغيرها تتمكن من الاكتفاء بالوضوء في صلواتها وذلك كقوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم..) (3). حيث دل على ان كل مكلف محدث يريد الصلاة له ان يكتفي بالوضوء فقط، خرج عنه الجنب لقوله تعالى (وان كنتم جنبا فاطهروا) لدلالته على ان الجنب ليس له ان يكتفي بالوضوء، بل لابد من أن يغتسل للصلاة. وخرجنا عنه في المستحاضة الكثيرة وفي مس الميت وغيرهما لما دل على ان الغسل يغني عن الوضوء وأما غير ذلك من الموارد - كما إذا ارادت المستحاضة أن تصلي نافلة - فمقتضى اطلاق الآية المباركة وغيرها من المطلقات: أن المستحاضة يمكنها أن تكتفى بالوضوء فحسب. وكذلك يمكن استفادة عدم وجوب الغسل للنوافل من النصوص الواردة في ان المستحاضة بالكثيرة تغتسل ثلاث مرات وذلك لانها على طوائف: - (منها ما دل على أنها تغتسل للفجر وغسلا للظهرين وغسلا


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 1، 2 من أبواب الوضوء، (2) تقدم ذكرها في أوائل هذا القسم من الاستحاضة الكثيرة. (3) المائدة: 6.

[ 89 ]

للعشائين كما في صحيحة معاوية بن عمار (1) ومرسلة يونس (2) الطويلة المتقدمة وغيرهما. و (منها): ما دل على انها تغتسل عند صلاة الظهر وعند المغرب وعند صلاة الصبح كما في صحيح ابن سنان (3). و (منها): ما دل على انها تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات كما في صحيحة الصحاف (4). وهي بأجمعها تدل على ان الغسل انما يجب في الفرائض فقط عند الجمع بين الظهرين والعشاءين ولا يجب في غير الفرائض وإلا لوجب أن تتعرض الاخبار لوجوبها في النوافل لانها في مقام البيان. والنوافل كانت موردا لابتلائهم في الازمنة السابقة اكثر من الازمنة المتأخرة لانهم كانوا ملتزمين بها كالتزامهم بالفرائض، ومع الابتلاء بها لاوجه لعدم تعرضهم لوجوب الغسل فيها سوى عدم كونه واجبا في النوافل. ولا سيما صحيحة الصحاف التي صرحت بأن الواجب من الغسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات إذ لو كان الغسل واجبا في النوافل أيضا لكان الواجب في اليوم والليلة - اكثر من ثلاث مرات. وأظهر من الجميع ما ورد في طائفة أخرى وهي ما دل على وجوب الغسل عند وقت كل صلاة كما في صحيحة يونس بن يعقوب حيث ورد


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض، ح 3 (3) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 4. (4) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 7.

[ 90 ]

فيها (فان رأت الدم صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلاة) (1) وهو ثلاثه أوقات بعد الفجر فانه وقت صلاة الصبح وبعد الزوال فانه وقت الظهرين وبعد المغرب فانه وقت العشاءين. ومقتضى اطلاقها أنها لو اغتسلت في هذه الاوقات الثلاثة كفتها في صلواتها الفرض والندب لدلالتها على ان اللازم هو الغسل في وقت الفريضة أتت بنافلة معها أم لم تأت بها، وعليه لو اغتسلت للفرائض أمكنها اتيان النوافل أيضا، إلا انها لابد من ان تتوضأ للنافلة. ثم إن في رواية اسماعيل بن عبد الخالق ورد: (فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر ثم تصلي ركعتين قبل الغداة ثم تصلي الغداة..) (2) وقد توهم من ذلك دلالتها على ان الاغتسال للفريضة كاف لفعل النافلة أيضا. وفيه: ان الرواية لا دلالة لها على عدم وجوب الغسل للنوافل بوجه وذلك لانها انما دلت على أنها لو اغتسلت للصبح جاز لها أن تأتي بها وبنافلتها وهو خارج عن محل الكلام لان مقتضى الاخبار المتقدمة أن المستحاضة تتمكن من الجمع بين الصلاتين بغسل واحد سواء أكانتا فريضتين أم نافلتين أم فريضة ونافلة ومن المعلوم أن الصبح ونافلتها صلاتان فأمكن الجمع بينهما بغسل واحد، ومثل ذلك خارج عن محل الكلام. بل البحث فيما لو اغتسلت المستحاضة للفريضة هل تتمكن من اكثر من صلاتين كما لو اغتسلت للظهرين فهل يسوغ لها الاتيان بهما وبنافلتهما


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 11. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة. ح 15.

[ 91 ]

ولكن يجب لكل ركعتين منها وضوء (1). - والمجموع عشر صلوات - أو لا يسوغ؟ ولا دلالة للرواية على جوازه أو عدمه. مضافا إلى ان سندها غير تام بمحمد بن خالد الطيالسي الواقع في سندها (1). والصحيح في الاستدلال ما قدمناه، وعليه إذا اغتسلت المستحاضة للفريضة أمكنها الاتيان بالفريضة مع الاتيان بأية نافلة أرادت - قلت أو كثرت - من دون الاغتسال للنافلة. وجوب الوضوء لكل ركعتين منها: (1) قدمنا ان المرأة في الاستحاضة الكثيرة يجب ان تغتسل في كل يوم وليلة ثلاث مرات وهي مختصة بالفرائض ولا تجب الاغتسال للنوافل وهل يكفي غسلها للفرائض عن التوضي النوافل بحيث إذا اغتسلت للمغرب جاز أن تنتقل للمغرب من دون وضوء وكذا في صلاة الصبح أو يجب أن تتوضأ لنوافلها ولا يغني الغسل عنه؟. الصحيح هو الاخير وذلك لانا وأن بنينا على أن كل غسل يغني عن الوضوء إلا أن غسل المرأة عن الاستحاضة الكثيرة لا يجزي عن الوضوء للنافلة وذلك لان النافلة اما ان تكون متأخرة عن الفريضة كما في صلاتي المغرب والعشاء، واما أن تكون متقدمة عليها كما في صلوات الصبح والظهرين


(1) الطيالسي موجود في كامل الزيارات فالرواية معتبرة على مسلك سيدنا الاستاذ - دام ظله -.

[ 92 ]

أما النافلة المتأخرة عن الفريضة فلا ينبغي التردد في عدم كفاية الغسل للفريضة عن التوضي لها وذلك لان المستفاد من الادلة الدالة على ان المستحاضة تغتسل وتصلي أو تغتسل وتتوضأ وتصلى أن الغسل والوضوء طهارة في حقها وانها تصلي عن طهارة وهي مخصصة للادلة الدالة على ناقضية الحدث للطهارة. بمعنى أن الدم الخارج منها بعدها إلى آخر الصلاة لا يكون ناقضا لطهارتها، كما ذكرنا نظيره في المبطون والمسلوس لا ان تلك الادلة مخصصة للادلة الدالة على اشتراط الصلاة بالطهور وان المستحاضة أو المبطون والمسلوس مع كونهم محدثين فتجوز الصلاة في حقهم. وذلك للقطع بأن المستحاضة لو احدثت بالنوم أو البول والمبطون والمسلوس لو احدثا بالنوم ونحوه لم يشرع في حقهم الصلاة بوجه وان اغتسلوا أو توضأوا قبله. وكيف كان فالاغتسال والتوضوء طهارة في حق المستحاضة والدم الخارج منها بعد اغتسالها ليس بناقض لطهارتها، إلا أن المقدار الثابت من التخصيص في أدلة النواقض، اما هو مقدار فريضة واحدة كما في صلاة الصبح أو مقدار فريضتين كما في الظهرين أو العشاءين على تقدير الجمع بينهما فالدم الخارج منها إلى آخر الفريضة أو الفريضتين محكوم بعدم الناقضية بمقتضى الاخبار. وأما إذا اغتسلت فصلت الفريضة الواحدة ثم أتت بعدها بنافلة فلا دليل على عدم ناقضية الدم الخارج بعد الفريضة والمفروض استمرار الدم فالدم الخارج منها اثناء النافلة أو قبلها - أي بعد الفريضة - ناقض للطهارة بمقتضى أدلة النواقض فلا تتمكن المرأة من الاتيان

[ 93 ]

بالنافلة بعد الفريضة بالغسل الذى أتت به لاجل الفريضة. وأما النافلة المتقدمة على الفريضة فهي أيضا كذلك ولايجوز للمستحاضة أن تأتي بها بالغسل الذي أتت به قبل النافلة لاجل الفريضة وذلك لما اسلفناه من وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الاغتسال ومع التراخي - كما إذا اغتسلت وأتت بالنافلة وبعدها أرادت الاتيان بالفريضة - لا تصح صلاتها ولا غسلها. فان الغسل الصحيح هو الذي يتعقب بالفريضة من دون تأخير وأما معه فلا دليل على مشروعية الغسل بوجه إلا ان يقوم دليل على عدم قادحية التأخير باتيان النافلة بين الغسل والفريضة ورواية اسماعيل ابن عبد الخالق المتقدمة المشتملة على قوله (ع) (فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر ثم تصلي ركعتين قبل الغداة ثم تصلي الغداة) (1) وان كانت واردة فيما نحن فيه ولا اشكال في دلالتها على الجواز وصحة اتيان النافلة بالغسل الذي أتت به الفريضة الا انها ضعيفة السند بمحمد بن خالد الطيالسي فلا يمكن الاعتماد عليها في شئ (2)، ومع بطلان غسلها لا معنى لكونه مجزءا عن الوضوء لان الذى يغني عن الوضوء هو الغسل المأمور به دون غيره، وعليه فالمرأة المستحاضة لا تتمكن من الاتيان بالنوافل إلا بوضوء بمقتضي اطلاق ما دل على أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة أو أنها تتوضأ وتصلي. نعم إذا انقطع دمها وطهرت فلا مانع من أن تأتي بنافلتها بالغسل الذي أتت به للفرائض وذلك لما قدمناه من اغناء كل غسل عن للوضوء.


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5. (2) وتقدم ان محمد بن خالد الطيالسي ثقة لوجوده في اسناد كامل الزيارات

[ 94 ]

(مسألة 2): إذا حدثت المتوسطة بعد صلاة الفجر لا يجب الغسل لها (1) وهل يجب الغسل للظهرين أم لا؟ هذا كله في النوافل. وأما قضاء الاجزاء المنسية فلانها أجزاء الصلاة التي اغتسلت لاجلها غاية الامر أن موضعها تبدل إلى مكان آخر ومع الاغتسال للصلاة لاوجه للاغتسال أو التوضوء ثانية لاجزائها المنسية. وأما صلاة الاحتياط فلان الصلاة المأتي بها اما ناقصة في الواقع فالركعتان المأتي بهما في صلاة الاحتياط هما من اجزاء الصلاة التي اغتسلت لاجلها فلا حاجة فيهما إلى شئ من الغسل أو الوضوء. واما هي تامة في الواقع فتكون صلاة الاحتياط أمرا زائدا لا يضر بطلانها بصحة الصلاة المأتي بها بوجه. وعلى أي تقدير لا يجب فيها الغسل ولا الوضوء. وأما سجدتا السهو فالصحيح انهما واجبة ان مستقلتان لا يعتبر فيهما غسل ولا وضوء. فتحصل ان قضاء الاجزاء المنسية كالسجدة الواحدة والتشهد ونحوهما وصلاة الاحتياط وسجدتا السهو الظاهر انها لا تحتاج إلى غسل أو وضوء. إذا حدثت المتوسطة بعد فريضة الفجر: (1) مع كونها طاهرة قبل صلاة الفجر وفي اثناءها أو كونها مستحاضة بالقليلة وبعدها صلوات استحاضتها متوسطة لا ينبغي الاشكال

[ 95 ]

الاقوى وجوبه، وإذا حدثت بعدهما فللعشاءين، فالمتوسطة توجب غسلا واحدا فان كانت قبل صلاة الفجر وجب لها وان حدثت بعدها فللظهرين وان حدثت بعدهما فللعشاءين في صحة صلاتها المتقدمة - اعني صلاة الفجر - لوقوعها في وقتها مع الطهارة. واحتمال أن تكون مشروطة بالاغتسال على تقدير استحاضتها بعدها بنحو الشرط المتأخر بحيث لو لم يغتسل بعدها بطلت صلاتها السابقة. مندفع بان اشتراطها بالغسل على نحو الشرط المتأخر لا دليل عليه فإذا أتت بفريضة الوقت في وقتها تامة الاجزاء والشرائط حكم بصحتها وعدم وجوب اعادتها ولا قضائها. انما الكلام في الفرائض التي بعد استحاضتها فهل يجب عليها ان تغتسل للفرائض الآتية أو لا يجب؟ بسبب إلى ظاهر كلماتهم عدم الوجوب بل لم يستبعد بعضهم تحقق الاجماع في المسألة نظرا إلى انهم ذكروا أن الغسل يجب قبل صلاة الفجر وظاهره أن الاستحاضة إذا وقعت بعدها لم يجب عليها الاغتسال حينئذ. بل تعجب صاحب الجواهر (قده) من صاحب الرياض (قده) حيث ذهب إلى وجوب الغسل عليها في مفروض الكلام. ولكن الظاهر - وفاقا لكل من وقفنا على كلامه من المحققين بعده - وجوب الغسل على المستحاضة مطلقا سواء حدثت الاستحاضة قبل الفجر أو قبل الظهرين أو قبل العشاءين أو بعدها، وذلك لاطلاقات الاخبار وعدم اختصاصها بما إذا كانت استحاضتها واقعة قبل صلاة الفجر.

[ 96 ]

وذلك لان ما دل على وجوب الغسل الواحد في الاستحاضة المتوسطة منحصر في روايات أربعة: اثنتان منها موثقتا سماعة (1) وقد تضمنتا ان الدم إذا لم يثقب للكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة. وهما - كما ترى - مطلقة ولا تقييد فيهما بما إذا كان الثقب قبل صلاة الفجر. والثانية صحيحة زرارة (2) وقد ورد فيها (وان لم يجز الدم الكرسف صلت بغسل واحد واطلاقها غير خفي، وأظهر من الجميع: الرواية الرابعة وهي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا ابراهيم (ع) عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوما أو أكثر ثم طهرت وصلت ثم رأت دما أو صفرة قال: (ان كانت صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة (3). وقد أشرنا سابقا إلى أنها من المطلقات الدالة على وجوب الغسل في الاستحاضة من دون تقييدها بالمتوسطة ولا الكثيرة ولا التقييد بالغسل مرة واحدة أو اكثر. إلا انه لابد من الخروج عن اطلاقها في الاستحاضة القليلة بما دل على ان الواجب في صحتها هو الوضوء فتختص بالمتوسطة والكثيرة وعليه فتدل على ان في المتوسطة والكثيرة لابد من الغسل مرة واحدة من غير تقييده بما إذا حدثت الاستحاضة قبل صلاة الفجر أو بعدها. كما ان مقتضى مفهومها أن المرأة في مفروض الرواية لو رأت دما


(1) الوسائل: ج 1 باب 1 من ابواب الجنابة، ح 3 وج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6، (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 5. (3) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب النفاس، ح 2.

[ 97 ]

كما أنه لو حدثت قبل صلاة الفجر ولم تغتسل لها عصيانا أو نسيانا وجب للظهرين (1) وان انقطعت قبل وقتهما بل احمر لم يجب في حقها الاغتسال، بل لابد من الرجوع إلى ادلة التمييز والبناء على كونه حيضا لانه دم رأته بعد نفاسها بثلاثين يوما ومع كونه واجدا للصفات يحكم بحيضيته. فتحصل - إلى هنا - أن وجوب الغسل الواحد في المتوسطة من آثار ثقب الدم الكرسف من دون فرق بين حدوث الاستحاضة قبل صلاة الفجر أو بعدها، وما ربما يظهر من كلام صاحب الجواهر (قده) من تسالمهم على عدم الوجوب في غير محله. هذا كله في الاستحاضة المتوسطة وكذلك الحال في الاستحاضة الكثيرة لان مقتضى اطلاق ما دل (1) على انها تغتسل للصبح والظهرين وللعشاءين عدم الفرق في ذلك - اي عدم الفرق بين حدوث الاستحاضة الكثيرة قبل صلاة الفجر أو بعدها، فإذا حدثت قبل صلاة الظهرين وجب أن تغتسل لهما وللعشاءين وهكذا الامر فيما إذا حدثت قبل صلاة المغرب. لو حدثت المتوسطة قبل الفريضة ولم تغتسل لها: (1) لان المستفاد من الروايات أن الغسل الواحد مشروط في جميع الفرائض اليومية ولا يختص اشتراطه بصلاة الفجر فقط، وعليه فلو


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة.

[ 98 ]

قبل الفجر أيضا (1) تركت الغسل للصبح عصيانا أو نسيانا وجب للظهرين والعشاءين. (1) إذا فرضنا ان المرأة استحاضت قبل وقت الصلاة وصارت متوسطة أو كثيرة ثم انقطعت فهل يكون هذا موجبا للغسل الواحد أو الاغسال المتعددة؟ أو أن الغسل انما يجب فيما إذا حدثت الاستحاضة في وقت الصلاة أو استمرت إليه بحيث لو فرضنا انها استحاضت قبل الوقت متوسطة ثم انقطعت وجب أن تغتسل مرة واحدة كما انها بعد ما دخل الوقت وصلت تبدلت استحاضتها بالكثيرة وانقطعت وجبت عليها الاحكام المترتبة على الاستحاضة الكبيرة أو انها لا يجب في حقها شئ؟ تأتي هذه المسألة في كلام الماتن (قده) في المسألة (15 و 23) ويتعرض هناك إلى أن وجود الدم ولو قبل الوقت حدث موجب للغسل كما يأتي منا أن ذلك هو الصحيح ولا يشترط في كونه حدثا موجبا للغسل وجوده في وقت الصلاة لاستفادة ذلك من جملة من الاخبار. عمدتها صحيحة الصحاف حيث ورد فيها (فلتغتسل ولتصل الظهرين ثم لتنظر فان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لم يسل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل ولا غسل عليها) (1) فان مفهومها انها إذا نظرت فيما بينها وبين المغرب وكان الدم يسيل وجب عليها الغسل، مع انها فرضت وجود الدم فيما بين الوقتين ولم تفرض وجوده بعد دخول المغرب أو بعد الزوال. فدلت هذه الصحيحة بصراحتها على عدم اشتراط وجود الدم بعد


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 7.

[ 99 ]

وإذا حدثت الكثيرة بعد صلاة الفجر يجب في ذلك اليوم غسلان (1) وان حدثت بعد الظهرين يجب غسل واحد للعشائين. (مسألة 3): إذا حدثت الكثيرة أو المتوسطة قبل الفجر يجب أن يكون غسلهما لصلاة الفجر بعده (2) وقت الصلاة. (1) كما عرفته في التعليقة السابقة على الاخيرة. يجب تأخير غسل الكثيرة أو المتوسطة عن الوقت: (2) هل يعتبر في الغسل الواحد أو المتعدد أن يقع بعد دخول الوقت أو يكفي اغتسالها قبل الوقت للفريضة بعد دخول وقتها؟ تتصور هذه المسألة على نحوين، فان المرأة قد ينقطع دمها قبل دخول الوقت إما أصلا أو بالتبدل إلى القليلة، وقد يستمر دمها إلى وقت الصلاة. أما الصورة الاولى: فالظاهر جواز اغتسالها قبل الوقت لان عبادية الطهارات الثلاثة لا تنشأ عن الامر الغيري المتعلق بها ليتوهم أن الغسل قبل الوقت ليس متعلقا للامر الغيري لعدم كونه مقدمة حينئذ. بل الامرى الغيري متعلق بعمل عبادي في نفسه فلابد من أن تكون العباديه فيها ناشئة من امر آخر وهو استحبابها النفسي لانها طهور والله سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين، ومعه لامانع من أن

[ 100 ]

تأتي المرأة بغسل الاستحاضة ولو قبل وقت الصلاة وتكتفي به بعد دخوله واما الصورة الثانية: فالصحيح عدم جواز الاتيان فيها بالغسل قبل الوقت لان المستفاد من الاخبار أن المقدمة هو الغسل الواقع بعد الوقت لا الواقع قبله وذلك لقوله (ع) (تغتسل عند الصبح أو عند الظهر أو عند وقت كل صلاة (1). فان المستفاد من كلمة (عند) اعتبار المقارنة بين الصلاة والغسل وهذا انما يتحق فيما إذا اغتسلت في وقتها وأما اغتسالها قبل وقت الصلاة فهو لا يوجب صدق انها اغتسلت عند الظهر أو عند وقت الصلاة بل يقال انها اغتسلت قبل الوقت وقبل الصلاة. وكذلك ما دل (2) على انها تؤخر هذه وتقدم تلك أو تؤخر الصلاة إلى الصلاة ثم تصلي صلاتين بغسل واحد فانها تدل على اعتبار وقوع الغسل بعد وقت الصلاة. هذا بل رواية اسماعيل بن عبد الخالق صريحة في ذلك لما ورد فيها (فإذا كان صلاة الفجر فلتغتسل بعد طلوع الفجر ثم تصلي ركعتين قبل الغداة ثم تصلي الغداة) (3) فانها صريحة في لزوم كون الغسل بعد الفجر إلا انها ضعيفة السند كما مر. هذا كله فيما إذا لم يكن بين غسلها قبل الوقت وصلاتها فصل زماني كما إذا اغتسلت في آخر جزء من الزمان المتصل بالوقت بحيث لو اغتسلت


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 4. (2) راجع الوسائل: نفس الباب المتقدم. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 15، وتقدم انها معتبرة.

[ 101 ]

فلا يجوز قبله إلا إذا ارادت صلاة الليل فيجوز لها أن تغتسل قبلها (1). دخل وقت الصلاة بتمامه فتشرع في الصلاة من غير فصل أو بفاصل جزئي لا يخل بصدق المبادرة كما إذا كان بمقدار اذان واقامة. واما لو ارادت أن تغتسل قبل الوقت بزمان ثم تصلي الفريضة بعد الوقت فلا اشكال في عدم جوازه لما تقدم من لزوم المبادرة إلى الصلاة بعد الاغتسال، ومع الفصل الزماني بينهما يبطل غسلها وصلاتها. فتحصل: انه يعتبر في الغسل - في المستمرة الدم - أن يقع بعد الوقت نعم استثنى (قده) من ذلك موردا واحدا: وهو ما إذا ارادت أن تصلي صلاة الليل واغتسلت لاجلها. استثناء ما لو ارادت الاتيان بصلاة الليل: (1) حكي عن جماعة أن المستحاضة إذا ارادت أن تصلي صلاة الليل جاز لها أن تغتسل قبل الفجر وتأتي بصلاة الليل وبعدها تشرع في صلاة الفجر من غير أن تفصل بينهما فصلا زمانيا ولا حاجة حينئذ إلى الاغتسال للفجر بعد دخوله. وقد حكي الاجماع على ذلك في محكي الخلاف وعن صاحب الذخيرة انه لا يعلم فيه خلافا ولا نصا فكأن المسألة اجماعية عنده من غير أن يرد عليها نص. وذكر في الحدائق أن صاحب الذخيرة كأنه لم يقف على رواية

[ 102 ]

(مسألة 4): يجب على المستحاضة اختبار حالها (1) وانها من أي قسم من الاقسام الثلاثة بادخال قطنة والصبر الفقه الرضوي الدالة على (أن المرأة في الاستحاضة القليلة يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة وفي المتوسطة تغتسل غسلا واحدا وتتوضأ لكل صلاة وفي الكثيرة تغتسل لكل صلاتين فغسل للظهرين وغسل للعشائين وغسل لصلاتي الليل والفجر) (1) فالمسألة منصوصة. اقول: ويحتمل أن صاحب الذخيرة وقف على الرواية إلا انه لم يعتمد عليها كما لا نعتمد نحن عليها كما مر غير مرة وعليه فلانص في المسألة ولا يحتمل ان تكون المسألة اجماعية على نحو كاشف عن قول المعصوم (ع). وعليه فجواز الاغتسال لصلاة الليل والاتيان بصلاة الفجر بعدها أمر مشهوري فحسب ولا بأس بالعمل به مع مراعاة الاحتياط بأن تغتسل وتصلي صلاة الليل وتغتسل بعد الفجر غسلا آخر لصلاة الصبح. ولا تكتفي باغتسالها لصلاة الليل قبل الفجر بل مقتضى الاحتياط أن تغتسل لصلاة الليل رجاءا لما قدمناه من عدم مشروعية الغسل للنوافل واختصاصها بالفرائض فحسب. وجوب الاختبار على المستحاضة: (1) إذا رأت المرأة الدم وحكم عليه بكونه استحاضة اما لكونه في


(1) مستدرك الوسائل: الجزء 1 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1.

[ 103 ]

قليلا ثم اخراجها وملاحظتها لتعمل بمقتضى وظيفتها وإذا صلت من غير اختبار بطلت إلا مع مطابقة الواقع وحصول قصد القربة كما في حالة الغفلة. غير ايام العادة واما لكونه اصفر ولم تعلم المرأة انه من أي قسم من الاقسام الثلاثة وانه هل يجب عليها الغسل مرة أو ثلاث مرات أو لا يجب اصلا؟ ذكروا ان الفحص واجب عليها حينئذ لتعمل بمقتضى حالها. والكلام في ذلك يقع في مقامين: (أحدهما) فيما تقتضيه القاعدة. و (ثانيهما): فيما يستفاد من الاخبار الواردة في المقام. اما المقام الاول: قد يقال أن مقتضى القاعدة وجوب الفحص والاختبار لان الرجوع إلى البراءة أو غيرها من الاصول النافية في امثال المقام موجب للعلم بوقوع المكلفات في مخالفة الواقع كثيرا، وقد نسب إلى المشهور في جملة من الشبهات الموضوعية القول بوجوب الفحص دون اجراء البراءة مع أن المورد مورد البراءة لاجل ما أشرنا إليه من ان الرجوع فيها إلى الاصول النافية مستلزم للعلم بوقوع اكثر المكلفين في مخالفة الواقع كثيرا. كما إذا شك في الاستطاعة أو بلوغ المال النصاب أو في زيادته على المؤنة ونحوها، وفي المقام أيضا لابد من القول بوجوب الفحص وان

[ 104 ]

كانت الشبهة موضوعية وموردا للبراءة في نفسه وذلك لوقوع النساء في مخالفة الواقع لو جرت الاصول عند الشك في اقسام الاستحاضة. هذا وقد اجبنا عن ذلك في محله بان اطلاقات ادلة الاصول لا يمكن تقييدها بهذا الوجه الاعتباري لان العلم بوقوع المكلفين في مخالفة الواقع لو كان مانعا عن اجراء الاصول لم يمكن اجراء شئ منها في مواردها فان مثل اصالة الطهارة لا اشكال في مخالفتها للواقع في بعض الموارد بالاضافة إلى المكلفين لعدم احتمال مطابقتها الواقع دائما في حق كل من شك في طهارة شئ. غاية الامر ان موارد المخالفة في مثل اصالة الطهارة اقل من البراءة في موارد الشك في الاستطاعة ونحوها، إلا ان قلة موارد المخالفة وكثرتها لا تكون فارقة في المقام فهذا لا يكون مانعا عن جريان الاصول. نعم لو علم المكلف أنه يقع بنفسه في مخالفة الواقع على تقدير اجرائه الاصل ولو في بعض الموارد كان هذا مانعا عن جريانه للعلم بالمخالفة القطعية حينئذ وهذا ما سنشير إليه في القريب. واما العلم بانه وغيره من المكلفين يقع في مخالفة الواقع فهو لا يمنع عن جريان الاصل بالاضافة إلى المكلف الشاك في التكليف فهذا الوجه ساقط. والصحيح في المقام ان يقال ان المرأة إذا كانت ملتفتة إلى حالها وانها تبتلي بالاستحاضة بعد ذلك أيضا مرات كثيرة في عمرها فلو اجرت الاصول النافية من البراءة عن وجوب الغسل أو الاغسال أو استصحاب عدم ثقب الدم أو عدم تجاوزه معه في جميع ايام استحاضتها لوقعت في مخالفة الواقع في بعض الموارد فمقتضى علمها الاجمالي هذا

[ 105 ]

وجوب الفحص والاختبار في حقها وعدم جريان الاصول في اطرافه وذلك لما بيناه في محله من أن تنجيز العلم الاجمالي وعدم جريان الاصل في اطرافه لا يختص بما إذا كانت الاطراف دفعية بل إذا كانت تدريجية أيضا لم تجر فيها الاصول. كما لا يفرق في التدريجية بين ما إذا كان متعلق الحكم تدريجيا وما إذا كان للحكم تدريجيا في نفسه كما في المقام على ما اسلفناه في محله. واما إذا لم تلتفت إلى ذلك - اي إلى انها تستحاض كثيرا في عمرها أو التفتت إلى ذلك إلا انها احتملت مطابقة الاصول الجارية فيها للواقع ولم يحصل لها علم اجمالي بالمخالفة - ولم تعلم انها تقع في مخالفة الواقع على تقدير اجرائها الاصول النافية. فمقتضى البراءة عدم وجوب الغسل في حقها - لا مرة ولا ثلاثا - كما ان مقتضى الاصل عدم ثقب الدم وعدم تجاوزه لان المتيقن انما هو كون المرأة مستحاضة، وأما ثقب الدم أو تجاوزه فهو مشكوك فيه فيدفع بالاصل، فهذا الوجه لا يكون دليلا في المقام لانه أخص من المدعى فالعمدة هي الاخبار. واما المقام الثاني: فلا اشكال في وجوب الفحص في حقها بالنظر إلى الاخبار، لما ورد في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال، سألته عن المستحاضة.. إلى ان قال: (ولتستدخل قطنة فان

[ 106 ]

ظهر عن (على) الكرسف فلتغتسل.) (1). وفي الصحيح المروي في المعتبر عن كتاب المشيخة لابن محبوب عن أبي جعفر (ع) في الحائض إذا رأت دما.. إلى أن قال: (ثم تمسك قطنة فان صبغ القطنة دم لا ينقطع فلتجمع بين كل صلاتين بغسل.. (2)، حيث دلتا على ان - المستحاضة اي التي رأت الدم بعد حيضها - يجب ان تختبر حالها بادخال الكرسف والقطنة. كما دلتا على عدم جريان استصحاب عدم زيادة الدم أو تجاوزه وثقبه وهذا تخصيص في أدله الاصول وإلحاق للشبهة الموضوعية بالشبهات الحكمية. هل الفحص واجب نفسي؟ وانما الكلام في انه واجب نفسي أو أنه واجب شرطي أو أن وجوبه طريقي، والاحتمالان الاولان في طرفي النقيض. لان مقتضى الاول أنها لو اغتسلت وتوضأت رجاءا أو توضأت فقط وعلمت بمطابقة صلاتها للواقع لكون استحاضتها متوسطة أو كثيرة أو كونها قليلة ولكنها لم تفحص عن حالها صحت صلاتها ولكنها عصت لتركها الفحص الواجب في حقها. ومقتضى الاحتمال الثاني أن صلاتها حينئذ باطلة لعدم كونها واجدة للشروط وهو الفحص.


(1) الوسائل. الجزء 2 باب 1 من ابواب الاستحاضة، ح 8. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من ابواب الاستحاضة، ح 14.

[ 107 ]

واما الوجوب الطريقي فهو بمعنى أن الفحص منجز للواقع وطريق إليه نظير وجوب التعلم للاحكام بحيث انها لو لم تفحص وكانت صلاتها على خلاف الواقع استحقت العقاب، واما إذا تركت الفحص إلا أنها اغتسلت وتوضأت رجاءا وكانت صلاتها مطابقة للواقع فصلاتها صحيحة ولاعقاب في حقها فهذه احتمالات ثلاثة. وعلى احتمال انه واجب طريقي يقع الكلام في انه شرط مطلقا حتى مع الاحتياط والاتيان بالغسل والوضوء رجاءا أو أنه يختص بغير هذه الصورة. الصحيح ان الفحص واجب طريقي وانه منجز للواقع فحسب، وذلك لانه الظاهر من الروايتين حيث فرع فيهما وجوب الاغتسال على الاختبار وادخال الكرسف أو القطنة وهو ظاهر في أن الاختبار انما هو مقدمة للعلم بما هو الوظيفة في حقها من الاغتسال وغيره لا أنه واجب نفسا أو شرطا. وعليه فلو تركت الفحص وتوضأت وصلت وكانت صلاتها صحيحة في الواقع لكون الاستحاضة قليلة لم تستحق العقاب لان الاختبار طريق إلى معرفة الحال والاتيان بالفريضة والواجبات، ومع الاتيان بهما لا حاجة إلى الاختبار. وهل وجوب الاختبار مطلق حتى في صورة الاحتياط؟ بحيث ليس للمرأة أن تحتاط في اعمالها بل لابد لها من الفحص والاختبار، أو انه غير مانع عن الاحتياط؟! الصحيح هو الثاني لان الوجوب الطريقي غير مناف للاحتياط لانه وجب مقدمة للامتثال والاتيان بالواجب الواقعي ومع التمكن من

[ 108 ]

اتيانه بطريق آخر لاوجه للوجوب الطريقي. اللهم إلا أن نقول ان الامتثال الاجمالي في طول الامتثال التفصيلي والمكلف مع التمكن من الامتثال التفصيلي بالاختبار ليس لها الاختبار على الامتثال الاجمالي إلا أنا لم نبن على ذلك وقلنا انهما على حد سواء، فالوجوب الطريقي لا يكون مانعا عن الاحتياط. نعم: هناك امر آخر وهو أن الاحتياط في المقام ممكن في نفسه أو غير ممكن؟ وهو بحث صغروي، والظاهر عدم امكانه في المقام إلا بالتكرار بناءا على ما سلكناه من عدم وجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة، وذلك لما ذكرناه سابقا من لزوم المبادرة إلى الصلاة في حق المستحاضة بعد الطهارة وان الفصل بينهما مانع عن صحتهما: فعلى ذلك: لو توضأت المرأة واغتسلت ثم صلت، فعملها هذا وان كان موافقا لاحتمال الاستحاضة المتوسطة والكثيرة إلا انه لا يوافق الاستحاضة القليلة لتخلل الغسل حينئذ بين الطهارة والصلاة وهو أمر اجنبي فصل بينهما فتبطل طهارتها وصلاتها. ولو انها عكست الامر فاغتسلت اولا ثم توضأت فقد وافقت احتمال الاستحاضة القليلة وخالفت لاحتمال الاستحاضة الكثيرة عندنا لاعتبار اتصال الغسل فيهما بالصلاة لكلمة (الفاء) الوارة في رواياتها (1) و (انها اغتسلت فصلت) فلا يمكنها الاتيان بصلاة واحدة مستجمعة لاحتمالات القليلة والمتوسطة والكثيرة ومع الاحتمال لا يمكنها الاقتصار على ما اتت به. نعم: بناءا على مسلك المشهور من وجوب الوضوء في الكثيرة لا مانع


(1) راجع الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 4.

[ 109 ]

من الاحتياط، وكذلك في المتوسطة لما يأتي من ان المرأة في موارد وجوب الجمع بين الوضوء والاغتسال تتخير في تقديم كل منهما وتأخيره. نعم لها أن تكرر الصلاة فتصلي بالوضوء مرة ثم تتوضأ وتغتسل وتصلى مرة اخرى وبذلك تقطع بفراغ ذمتها على جميع التقادير المحتملة في حقها. هذا ثم ان الاختبار المستفاد من الروايتين المتقدمتين (1) غير الاختبار الذي اوجبه الفقهاء في كلماتهم لانهم اوجبوا الاختبار عند كل صلاة مع ان الروايتين تدلان على وجوب الفحص في حقها مرة واحدة فلا مانع من استصحاب حالتها السابقة الثابتة بالاختبار عند الصلوات الاخرى وما ذكروه من وجوب الاختبار عند كل صلاة غير ظاهر الدليل. ثم انه إذا لم تتمكن من الاختبار يجب عليها الاخذ بالقدر المتيقن وهو الوضوء لكل صلاة بناءا على ما سلكه المشهور من وجوبه لكل صلاة في كل من القليلة والمتوسطة والكثيرة بزيادة الغسل الواحد لكل يوم وليلة في المتوسطة، والاغسال الثلاثة أو الخمسة - على تقدير عدم الجمع - في الكثيرة فالوضوء لكل صلاة هو القدر المتيقن حينئذ. واما بناءا على ما سلكناه من عدم وجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة وانحصار وظيفتها في الاغسال المتعددة فكون الوضوء قدرا متيقنا انما هو إذا دار الامر بين الاستحاضة القليلة والمتوسطة، واما إذا دار الامر بين القليلة والكثيرة فهما من المتباينين لوجوب الوضوء في احدهما ووجوب الغسل في الآخر.


(1) وهما صحيحتا عبد الرحمان بن أبي عبد الله ومحمد بن مسلم المذكورة في المشيخة وتقدم ذكرهما في صدر المقام.

[ 110 ]

ومعه لابد من الاحتياط ولو بتكرار الصلاة مع الوضوء تارة ومع الغسل تارة اخرى كما قدمناه. نعم: يمكن تصوير القدر المتيقن منهما من جهة الموضوع وان كان بالنظر إلى احكامهما متباينين وذلك لوضوح أن الدم في القليلة اقل من المتوسطة والكثيرة، هو في المتوسطة اكثر من القليلة وفي الكثيرة اكثر من المتوسطة فالمقدار المتيقن من الدم هو المقدار الاقل والزائد المشكوك فيه مورد لاصالة عدم الزيادة. وبذلك - اي باستصحاب عدم خروج الدم الزائد يحرز ان الاستحاضة من القليلة - فتترتب عليها احكامها - ولكن اجراء هذا الاستصحاب متوقف على لحاظ ان وجوب الفحص مختص بحال التمكن فلا يجب مع التعذر، أو أن الوجوب يعم كلتا الحالتين فعلى الاول لا مانع من جريانه دون الثاني. وذلك لما مر أن ادلة وجوب الفحص دلت على تخصيص ادلة الاصول والحقت الشبهة الموضوعية في المقام بالشبهات الحكمية ومعه لا مناص من الاحتياط عند دوران امر الدم بين الاستحاضة القليلة والكثيرة لدوران الامر حينئذ بين المتباينين فنقول: إذا بنينا على ان الاختبار واجب نفسي وانه المستفاد من الروايتين فلا ينبغي الاشكال في سقوطه عند عدم التمكن من الاختبار لعدم وجود القطنة عندها أو لكون يديها مربوطتين أو لغير ذلك من الاسباب وذلك لاستحالة التكليف بما لا يطاق. واما إذا بنينا على انه واجب شرطي فلا موجب لاختصاصه بحالة الاختيار والتمكن لما ذكرناه غير مرة من ان الادلة المثبتة للاجزاء

[ 111 ]

والشرائط من قبيل القضايا الخبرية فما دل على النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه أو الامر بالصلاة إلى القبلة، معناه: ان الصلاة يعتبر فيها أن لا تقع فيما لا يؤكل لحمه أو يعتبر أن تكون واقعة إلى القبلة ومعه لا داعي إلى تخصيص الشرطية أو الجزئية بحال التمكن بل مقتضى اطلاقها ثبوت الشرطية والمانعية والجزئية حتى في حال العجز وعدم التمكن، ونتيجة ذلك سقوط الامر بالمركب رأسا عند عدم التمكن من شئ من اجزائه أو شرائطه. فمقتضى القاعدة في المقام عدم وجوب الصلاة على المرأة عند عدم تمكنها من الاختبار إلا أن يثبت بالاجماع وقوله (ع) (لا تدعي الصلاة بحال، (1) وحينئذ يقتصر على المقدار المتمكن منه من المركب ومن هنا قلنا ان احتمالي الوجوب النفسي والشرطي على طرفي النقيض فان وجوب الاختبار ساقط على الاول عند عدم التمكن منه، وغير ساقط على الثاني. واما إذا بنينا على ما ذكرناه من أن الاختبار واجب طريقي فقد عرفت أن معناه تنجيز الواقع وتخصيص ادلة الاصول الحاقا للشبهة الموضوعية في المقام بالشبهات الحكمية فمع الشك في اختصاص ذلك بحال التمكن يشك في أن ادلة الاصول هل هي مخصصة بالاضافة إلى حال التمكن فقط، أو انها مخصصة بالاضافة إلى حال عدم التمكن أيضا. فإذا رجع الشك إلى الشك في التخصيص الزائد فلا مناص من الاقتصار فيه على المقدار المتيقن وفي المقدار الزائد يرجع إلى اطلاق أو عموم ادلة الاصول، ومقتضاها جريان الاصول في صورة عدم تمكن


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 112 ]

المرأة من الاختبار ولاوجه حينئذ للقول بعدم سقوط الوجوب وذلك لانه ليس من الوجوب الشرطي حتى لا يسقط وانما هو وجوب طريقي كما عرفت، فإذا جاز للمرأة أن ترجع إلى الاصول حينئذ فيقع الكلام في انها ترجع إلى أي اصل؟ تعيين الاصل المرجع للمرأة: وقد ذكر الماتن (قده) انها تأخذ بالمقدار المتيقن - أي تدفع احتمال الزائد باستصحاب عدمه - إلا أن تكون لها حالة سابقة من القلة أو التوسط فتأخذ بها.. الخ. وتوضيح الكلام في المقام ان التردد في أن الاستحاضة من اي الاقسام الثلاثة قد يكون في الاثناء - يعني انها قد تكون مستحاضة في اول الصبح مثلا وتعلم انها قليلة أو متوسطة أو كثيرة وبعد ذلك تشك ظهرا في انها هل بقيت على حالتها السابقة أو انها تبدلت إلى غيرها - ولا مناص من الرجوع إلى حالتها السابقة وتستصحب قلتها أو كثرتها أو كونها متوسطة كما في السابق فيتم ما افاده (قده). وقد يكون الشك في حال الاستحاضة من الابتداء - لامن الاثناء - وهذا على قسمين: فان المرأة ربما تكون محكومة بالحيض كما إذا رأت الدم ايام عادتها أو رأت الدم الاحمر وحكم بكونه حيضا بالصفات إلى سبعة ايام أو اقل أو اكثر ثم بعد ذلك طهرت يوما أو يومين أو اكثر وبعد ذلك رأت دما آخر وهو محكوم بالاستحاضة لانه بعد ايام العادة وان لم

[ 113 ]

يتجاوز العشرة أو لانه بعد العشرة إلا انه من أول حدوثه تردد بين الاقسام الثلاثة. فيتم أيضا ما افاده (قده) وما ذكرناه من أنها تأخذ بالمقدار المتيقن وترجع في المقدار الزائد إلى استصحاب عدم خروج الدم الزائد كما ذكرناه. واخرى ترى المرأة الدم ويحكم بكونه حيضا اما لانه في ايام العادة، أو لانه واجد للصفات أو لغير ذلك من الامور وبعد أيام العادة أو بعد عشرة أيام ترى الدم مستمرا من غير فصل ويحكم عليه بالاستحاضة لانه بعد أيام العادة أو لانه بعد عشرة أيام والحيض لا يزيد عليها. وعلى أي حال ترى دما متصلا واحدا مع الحكم عليه في مقدار من الزمن - كأيام العادة أو عشرة أيام - بالحيض والحكم عليه بالاستحاضة بعد ذلك الزمان من غير فصل بينهما. وحينئذ ما معنى لاخذها بالمقدار المتيقن ورجوعها في الزائد إلى الاصل؟ بل لا معنى للرجوع إلى حالتها السابقة. وذلك لان الموجود دم واحد متصل وهو موضوع واحد انما اختلف حكمه الشرعي باختلاف الزمان لا انه من قبيل التعدد في الموضوع. ونظيره المسافر فانه مع كونه موضوعا واحدا يحكم عليه بوجوب القصر بعد حد الترخص وبعدم جوازه قبله أو يحكم عليه بوجوب القصر ما دام غير قاصد للمعصية وبعدمه بعد قصدها، إلى غير ذلك من الموارد التي يترتب حكمان متغايران على موضوع واحد عرفي باختلاف حالاته واوقاته. ومع كون الموضوع واحدا باقيا بحاله لا معنى للرجوع إلى الاصل بل لابد من ملاحظة حاله حيثما حكم بحيضيته فان كان قليلا فهو الآن قليل أيضا، وان كان متوسطا أو كثيرا فهو كذلك الآن لانه موضوع

[ 114 ]

واحد متصل. اعادة وتوضيح: ان المتحصل من الروايتين المتقدمتين (1) أن الاختبار واجب طريقي والوجوب الطريقي لا ينافي الاحتياط واحراز الواقع بل للمرأة أن تحتاط حينئذ بأن تغتسل وتتوضأ فتصلي فيما إذا دار امرها بين القليلة والمتوسطة فان ذلك يوجب القطع بالاتيان بالوظيفة الواقعية. حيث انها لو كانت متوسطة فقد اغتسلت وتوضأت وصلت كما أنها لو كانت قليلة فقد توضأت وصلت، ويأتي ان في المتوسطة وكذا الكثيرة بناءا على ما هو المشهور من وجوب الوضوء في الكثيرة لكل صلاة - لافرق بين تقديم الغسل على الوضوء أو تأخيره عنه فإذا قدمت الغسل على الوضوء فقد احتاطت وأتت بالوظيفة الواقعية على كل تقدير. وكذلك الحال فيما إذا دار امرها بين القليلة والكثيرة - بناءا على وجوب الوضوء فيها لكل صلاة على ما هو المشهور، لانها إذا اغتسلت وتوضأت فصلت احرزت الواقع على كل تقدير. واما بناءا على ما ذكرناه من عدم وجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة فلا تتمكن المرأة من الاحتياط عند دوران الامر بين القليلة والكثيرة لانها إذا اغتسلت وتوضأت فصلت لم تأت بوظيفة الاستحاضة الكثيرة إذ يعتبر مقارنة الغسل مع الصلاة والمبادرة إليها بعده، والوضوء


(1) تقدم ذكرهما في صدر المقام.

[ 115 ]

وإذا لم تتمكن من الاختبار يجب عليها الاخذ بالقدر المتيقن (1) متخلل بينهما ومانع من صدق المبادرة، إلا ان يكون بحيث لا يمنع عن صدق المبادرة عرفا أو توضأت حال المشي من مكان الغسل إلى مكان الصلاة بحيث لا يشغل زمانا زائدا على ما يشغله المشي إليه. ما هو الوظيفة عند العجز عن الاختبار: (1) ذكر (قده) ان المرأة إذا لم تتمكن من الاختبار يجب عليها أن تحتاط بالاخذ بالقدر المتيقن في مقام الامتثال وهو المحتمل الاكثر وهو الذي عبر عنه صاحب الجواهر (قده) باسوء الاحتمالات، فمع دوران الامر بين القليلة والكثيرة تأخذ بالكثيرة، إذا دار الامر بين القليلة والمتوسطة تأخذ بالمتوسطة إلا أن تكون لها حالة سابقة فتأخذ بها حينئذ. وما افاده (قده) لم يظهر لنا وجهه وذلك لانه إذا قلنا بان الاختبار واجب طريقي وهو الذي اختاره الماتن (قده) حيث ذكر انها إذا صلت من غير اختبار بطلت إلا مع مطابقة الواقع، فان الاختبار لو كان واجبا شرطيا بطلت صلاتها عند عدم الاختبار مطلقا لفقدها الشرط. فاما أن نقول ان الوجوب الطريقي يختص بحال التمكن لانه الظاهر من قوله (تستدخل أو تمسك القطنة) (1) فان الوجوب الطريقي


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 2 و 3 وغيرهما - والحديث 14.

[ 116 ]

إلا أن تكون لها حالة سابقة من القلة أو التوسط فتأخذ بها. كالوجوب النفسي مشتمل على البعث والتحريك وان كان البعث في الواجب الطريقي بداعي امر آخر غير الاتيان به في نفسه. وقد ذكرنا ان الوجوب النفسي يختص بحال الاختبار فيكون الوجوب الطريقي كذلك ومعه لا مانع من الرجوع إلى الاصول العملية في حال عدم التمكن من الاختبار لان ما دل على وجوب الاختبار دل على تخصيص ادلة الاصول الحاقا للشبهة الموضوعية في المقام بالشبهة الحكمية. إلا أن ذلك انما هو في موارد وجوب للاختبار وقد فرضنا اختصاصه بحال الاختبار وحيث لا وجوب للاختبار في حال التعذر فلا مانع من الرجوع في تلك الحالة إلى الاصول، وعليه فلا وجه لقوله بوجوب الاحتياط والاخذ بالمقدار المتيقن في مقام الامتثال. بل مقتضى الاصل عدم كون الاستحاضة متوسطة أو كثيرة وذلك لوضوح أن الدم انما يخرج عن المرأة تدريجا فيصيب الدم ظاهر الكرسف ابتداءا ثم يثقبه ثم يتجاوز عنه لاستحالة الطفرة وهو ظاهر. فإذا علمنا بخروج الدم وشككنا في ثقبه أو تجاوزه، فبما انهما عنوانان وجوديان مسبوقان بالعدم فنستصحب عدمهما وبه يحكم على عدم كون الاستحاضة متوسطة أو كثيرة فلا وجه للاحتياط. واما إذا قلنا بان الوجوب الطريقي كالوجوب الشرطي غير مختص بحال التمكن بل ثابتان حتى في حال عدم التمكن من الاختبار فيصح ما افاده (قده) من الاحتياط والاخذ بالمقدار المتيقن في مقام الامتثال لان ادلة وجوب الفحص مانعة عن جريان الاصول تخصيصا في ادلتها كما قدمناه.

[ 117 ]

إلا انه لا يجتمع مع ما استثناه بقوله (الا ان تكون لها حالة سابقة) وذلك لما عرفت من ان المرأة دائما لها حالة سابقة اي سابقة القلة - إلا فيما إذا كانت الاستحاضة متصلة بالحيض وكان الحيض كثيرا فترجع إلى استصحاب الكثرة. بمعنى انها وان كانت تعلم بكون الدم الخارج منها في زمان الشك ابتداءا قليلا - اي انما اصاب القطنة فقط - لكنها لا تدري انها تتعقب بالقطرات الاخرى حتى تكون كثيرة أو لا تتعقب بالقطرات الاخرى، وبما انها كانت سابقا متعقبة بالقطرات الاخرى فيصدق عرفا ان المرأة كان دمها كثيرا سابقا والآن كما كان سابقا، والوجه في ان لها حالة سابقة القلة هو ان خروج الدم تدريجي لا محالة وقد فرضنا أن أدلة الاختبار شاملة لصورة عدم التمكن منه وهي مخصصة لادلة الاصول في كلتا الحالتين فما معنى رجوعها إلى حالتها السابقة، فما افاده غير تام. والصحيح ما ذكرنا من اختصاص الوجوب الطريقي بحال التمكن ومعه إذا لم يمكنها الاختبار تأخذ بالمقدار المتيقن في مقام التكليف - لا الامتثال - وهو المحتمل الاقل لاستصحاب عدم ثقب الدم الكرسف أو عدم تجاوزه عنه.

[ 118 ]

ولا يكفي الاختبار قبل الوقت (1) إلا إذا علمت بعدم تغير حالها إلى ما بعد الوقت. (مسألة 5): يجب على المستحاضة (2) تجديد الوضوء لكل صلاة ولو نافلة وكذا تبديل القطنة أو تطهيرها، وكذا الخرقة إذا تلوثت، وغسل ظاهر الفرج إذا اصابه الدم، عدم كفاية الاختبار قبل الوقت: (1) وذلك لان ظاهر الروايتين (1) ان الاختبار واجب فيما إذا أرادت الصلاة بعد اغتسالها من الحيض حتى ترى انها متوسطة أو كثيرة لتغتسل فاللازم أن يقع الاختبار فيما إذا أرادت الاغتسال والصلاة، ولما قدمنا ان الاغتسال لا يجوز لها قبل الوقت فلا مناص من أن يكون اختبارها بعد الوقت إلا أن يفرض اختبارها في آخر جزء متصل بالوقت بحيث يدخل الوقت باتمام الاختبار حتى تغتسل وتصلي لكنه فرض عقلي لا وقوع له خارجا بحسب العادة. (2) تقدم الكلام في جميع ما ذكره في المقام سابقا فلا نعيده.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 8 و 14.

[ 119 ]

لكن لا يجب تجديد هذه الاعمال للاجزاء المنسية (1) ولا لسجود السهو إذا أتي به متصلا بالصلاة (2) بل ولا لركعات الاحتياط للشكوك (3) بل يكفيها اعمالها لاصل الصلاة. عدم وجوب اعمال المستحاضة لغير الصلاة: (1) لما قدمناه سابقا من انها اجزاء الصلاة - على تقدير نقصها - غاية الامر أن مكانها وزمان اتيانها قد تبدل، وقد أتت بالاعمال للصلاة واجزائها فلا يجب اتيانها للاجزاء المأتي بها بعد الصلاة المعبر عنها بالاجزاء المنسية. (2) اما لعدم اشتراط الطهارة فيه مطلقا أو لانها من توابع الصلاة والاغتسال والوضوء انما يجبان للصلاة مع مالها من التوابع وقد أتت بهما ولا يجبان لخصوص الصلاة ومعه لاوجه للاتيان بهما لسجود السهو. (3) لما ذكرناه في بحث الاستصحاب عند التكلم في صحيحة زرارة الواردة فيمن شك في ركعات الصلاة وانها ثنتان أو اربع ونحو ذلك حيث قلنا ان الركعات الاحتياطية جزء حقيقي للصلاة لكن لا لمطلق المكلفين فانهم على قسمين. قسم يجب في حقهم الصلاة وركعاتها من غير ان يتوسط بينهما السلام وهم من لم يطرأ عليهم الشك في صلاتهم. وقسم يجب عليهم الصلاة مع الفصل في ركعاتها بالسلام، وموضوع

[ 120 ]

هذا الحكم هو الذي يشك في الاتيان بالركعات بشرط ان لا يكون آتيا لها في الواقع فالذي يشك في الاتيان ولم يكن آتيا لها واقعا فوظيفته بحسب الواقع هو الصلاة مع الانفصال والاتيان ببعض ركعاتها منفصلا. لا أن ذلك مجرد حكم ظاهري (والشك) في الاتيان بالركعات امر وجداني فإذا احرز بوجدانه انه شاك في الاتيان فيمكنه احراز عدم اتيانه لها واقعا بالاستصحاب فبضم الوجدان إلى الاصل يثبت ان الركعات الاحتياطية جزء حقيقي من الصلاة. ومع كونها من اجزاء الصلاة التي توضأت أو اغتسلت (المستحاضة) لاجلها لاوجه للاغتسال أو التوضوء لها ثانيا فركعات الاحتياط لا تحتاج إلى تجديد الغسل ولا الوضوء بلا فرق في ذلك بين صورتي عدم انكشاف الخلاف في الاستصحاب - اعني استصحاب عدم الاتيان بالركعات المشكوكة - وانكشافه. لان صلاة الاحتياط إذا ظهر بعدها ان المكلف كان آتيا بالركعات المشكوك فيها وان كانت تقع نافلة لا محالة والنافلة صلاة مستقلة لابد لها من الوضوء والغسل إلا انها لا تحتاج اليهما في خصوص المقام وذلك لقصور الدليل عن الشمول لما حكم بكونه نافلة بعد الاتيان به - كما في المقام - لان صلاة الاحتياط انما يحكم بكونها نافلة بعدما ينكشف عدم نقصان الصلاة واما قبل ذلك فلا لانها كانت من الابتداء محكومة بكونها جزءا من الصلاة بحكم الاستصحاب لما ذكرناه من ان مقتضى الاستصحاب عدم الاتيان بالركعة المشكوك فيها واقعا، ومعه يجب عليها أن تأتي بها مع الانفصال.

[ 121 ]

نعم لو ارادت اعادتها احتياطا أو جماعة وجب تجديدها (1). فان مقتضى الاستصحاب وان كان هو الاتيان بها متصلة إلا ان وظيفة المكلف تتبدل حينئذ إلى الانفصال فلا بد من الاتيان بها مع الانفصال فتحصل: ان ادلة وجوب الوضوء أو الغسل لكل صلاة قاصر الشمول للمقام، وهذا هو الوجه في عدم وجوبهما لصلاة الاحتياط، لا ما ربما يتوهم من ان صلاة الاحتياط على تقدير نقص الصلاة جزء لها فلاتحتاج إلى تجديدهما، وعلى تقدير تماميتها تقع زائدة ولا يضر بطلانها بصحة الصلاة. فان ذلك مندفع بما ذكرناه في محله من ان صلاة الاحتياط يعتبر فيها ان تكون صحيحة في نفسها على كل حال، واما ما يكون صحيحا على تقدير نقص الصلاة وفاسدا على تقدير تماميتها فلا دليل على كونها جابرة لنقص الصلاة المأتي بها - على تقدير نقصانها - ومعه لا يمكن الاقتصار عليها بوجه. وجوب تجديد الاعمال في الصلاة المعادة: (1) أما الصلاة المعادة احتياطا فقد تكون واجبة كما إذا حكم ببطلان المأتي به من الصلاة لاجل الشك في صحتها أو في الاتيان ببعض اجزائها وعدم جريان قاعدة الفراغ أو التجاوز في حقها لاجل الغفلة حال العمل أو للقطع الوجداني بالبطلان فالاحتياط واجب بالاعادة حينئذ. وقد تكون مستحبة كما إذا شك في صحتها بعد الفراغ عنها أو في

[ 122 ]

ركوعها بعد ما دخلت في السجود فان مقتضى قاعدة التجاوز والفراغ وان كان صحة ما أتت به إلا أن التحفظ عن البطلان الواقعي بترك الركوع والاحتياط مستحب في نفسه. أما المعادة الواجبة فلاينبغي الاشكال في انها هي الصلاة الاولية المحكومة بالبطلان وليست صلاة مغايرة لها، فعلى تقدير القول بعدم وجوب المبادرة إلى الصلاة فلا شبهة في عدم وجوب الوضوء أو الغسل لها. وإذا قلنا بوجوبها فلا يبعد عدم وجوب تجديدهما أيضا وذلك لان المراد بالمبادرة ليس هو المبادرة الحقيقية الفعلية بل المراد بها هي الفورية العرفية وعدم التواني في الامتثال، ومن ثمة لا يجب عليها الصلاة في المغتسل بعد غسلها بل يجوز لها أن تأتي إلى غرفتها وتصلي فيها فالاشتغال بالمقدمات العادية أو الشرعية للصلاة ليس مانعا عن صدق المبادرة بوجه. وعليه فاشتغالها بالصلاة المحكومة بالبطلان بعدها لا يعد منافيا للمبادرة الواجبة بوجه لعدم توانيها في الامتثال فحالها حال المقدمات. واظهر من ذلك ما لو حكم ببطلانها في اثناء الصلاة كما لو شكت بين الثنتين والثلاث قبل اتمام السجدتين فان مثله لا يكون مانعا عن صدق المبادرة يقينا فلا يجب عليها اعادة الوضوء والغسل ثانيا، نعم إذا فصلت بينهما بزمان كما إذا اعادت بعد ساعة أو ساعتين وجب عليها الوضوء والغسل جديدا. واما المعادة استحبابا فهي على عكس المعادة الواجبة ولا اشكال في وجوب تجديد الغسل أو الوضوء لها على كل حال - قلنا بوجوب المبادرة أم لم نقل - وذلك لانها صلاة مستحبة مغايرة للصلاة التي

[ 123 ]

اغتسلت أو توضأت لاجلها، وقد دلت الاخبار (1) المتقدمة على وجوبهما لكل صلاة. وسيأتي الوجه في توضيح وجوب الغسل لها مع ان النوافل لا يجب فيها الغسل في الاستحاضة وانما يجب فيها الوضوء لكل صلاة فقط. اللهم إلا على مسلك فاسد وهو جواز تبديل الامتثال بالامتثال وان المكلف متمكن من رفع امتثاله السابق وجعله كالعدم بالامتثال الجديد فان الصلاة المعادة هي الصلاة الاولية فيبتني وجوب الغسل أو الوضوء لها على القول بوجوب المبادرة وعدمه ويأتي فيه ما قدمناه. إلا انا ذكرنا في بحث الاجزاء ان الامتثال بعد الاتيان بالمأمور به أمر عقلي وليس اختياره بيد الملكف ليرفعه ويبدله فالامتثال غير قابل للتبديل بوجه. واما الصلاة المعادة جماعة اماما أو مأموما فقد ظهر حكمها مما بيناه فانها صلاة مستحبة مغايرة للصلاة التى اغتسلت أو توضأت لاجلها فلا مناص من الوضوء أو الغسل لها مطلقا - قلنا بوجوب المبادرة أم لم نقل - اللهم إلا على القول بجواز تبديل الامتثال بالامتثال وقد عرفت ما فيه وتوضيح ما ذكرناه ان الصلاة المعادة المستحبة فرادى كانت ام جماعة اماما أو مأموما وان كانت نافلة ولا يجب الغسل للنوافل كما مر بل يجب فيها الوضوء فقط، إلا انها تمتاز في المقام عن بقية النوافل بما ستعرفه فنقول: ان الصلاة المعادة استحبابا ان كان قد فصل بينها وبين الصلاة المأتي بها


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة.

[ 124 ]

وجوبا فصلا زمانيا فلا اشكال في لزوم اعادة الوضوء والغسل لها. اما الوضوء فلانه معتبر لكل صلاة - فريضة كانت ام نافلة - وما أتت به من الوضوء للفريضة غير كاف للنافلة لوجوب المبادرة والمفروض انها فصلت بينهما زمانا. واما الغسل فلان النوافل وان كان لا يجب فيها الاغتسال كما مر إلا ان النافلة في المقام انما يؤتي بها احتياطا وبداعي التحفظ على المأمور به الواقعي على تقدير وجود خلل في الصلاة المأتي بها واقعا فهي نافلة معنونة بعنوان صلاة الظهر مثلا وأتي بها بعنوان كونها تداركا للواقع وعليه فلا بد أن تشتمل على جميع الامور المعتبرة في الواجبة من الغسل والوضوء وغيرهما، إذ مع كونها فاقدة للغسل أو لغيره لا يمكن أن تكون موجبا للتحفظ على الواقع وتداركا له بل لا يصح اطلاق الاحتياط عليها. وأما إذا لم يفصل بينها وبين الصلاة الواجبة فصلا زمانيا فيحتمل أيضا وجوب اعادة كل من الغسل والوضوء للمعادة احتياطا، وذلك لما اشرنا إليه من انها وان كانت نافلة إلا انها معنونة بعنوان كونها صلاة الظهر مثلا على تقدير وجود خلل في المأتي به فلا يمكن أن تكون تداركا وموجبا للتحفظ على للواجب الواقعي إلا فيما إذا كانت مشتملة على جميع الامور المعتبرة في الواجب من للغسل والوضوء. وبعبارة اخرى: إن لصلاة الظهرين فردين منها وجوبية ومنها صلاة ظهر استحبابية ومقتضى اطلاق ما دل (1) على انها تغتسل لصلاة الظهر أو الظهرين عدم الفرق بين الظهر الواجبة والمستحبة ولهذا تجب


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من ابواب الاستحاضة.

[ 125 ]

(مسألة 6): إنما يجب تجديد الوضوء والاعمال المذكورة إذا استمر الدم (1) فلو فرض انقطاع الدم قبل صلاة الظهر يجب الاعمال المذكورة لها فقط ولا تجب للعصر ولا للمغرب والعشاء، وان انقطع بعد الظهر وجبت للعصر فقط وهكذا. بل إذا بقي وضوؤها للظهر إلى المغرب لا يجب تجديده أيضا مع فرض انقطاع الدم قبل الوضوء للظهر. في المعادة احتياطا من اعادة الغسل والوضوء لها مطلقا وإن لم يجب الغسل في النوافل. ومن هذا يظهر الكلام في المعادة جماعة اماما أو مأموما فانها وان كانت نافلة إلا انها لما كانت معنونة بعنوان الظهر أو غيرها فلاجل ذلك اعتبر فيها كل من الغسل والوضوء نعم في المعادة الواجبة لا تجب اعادتهما لانها هي الصلاة الاولى بعينها إلا ان يفصل بينهما فصلا زمانيا. شرطية استمرار الدم في وجوب التجديد: (1) في المقام مسألتان: (احداهما): أن المرأة إذا رأت الاستحاضة الكثيرة مثلا لحظة وآناما وانقطعت بعد ذلك فهل يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة أو صلاتين والوضوء لكل منها على المشهور أو الغسل فقط على مسلكنا،

[ 126 ]

أو يكفي الغسل أو مع الوضوء للفريضة الواقعة بعدها فحسب؟. (ثانيهما): ان المرأة إذا رأت الاستحاضة الكثيرة مثلا قبل صلاة الفجر فاغتسلت وتوضأت لها فصلت ثم بعد ذلك انقطع دمها فهل يجب عليها الاغتسال للفريضة الواقعة بعدها أو لا يجب؟ أما المسألة الثانية: فيأتي التعرض لها في كلام الماتن (قده) ونلتزم فيها بالوجوب لاطلاق صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا ابراهيم (ع) عن امرأة نفست إلى ان قال: وان كانت صفرة فلتغتسل ولتصل) (1) وصحيحة ابن نعيم الصحاف حيث ورد فيها: (فان كان الدم فيما بينها وبين المغرب لا يسيل من خلف الكرسف فلتتوضأ ولتصل عند وقت كل صلاة) (2) فان مفهومها المصرح به بعد ذلك بقوله (فان طرحت الكرسف عنها فسال الدم وجب عليها الغسل) يدل على أن المرأة إذا رأت الاستحاضة الكثيرة بين الظهر والمغرب وجب عليها الاغتسال للمغرب ولا تكتفي فيها بالوضوء وهو الذي يقتضيه اطلاق الصحيحة الاولى أيضا كما عرفت (تؤخر هذه وتغتسل لهما غسلا واحدا). واما المسألة الاولى: فهي التي تعرض لها في المقام فنقول: ذهب صاحب الجواهر (قده) إلى أن رؤية الاستحاضة لحظة كافية في وجوب الاغسال الثلاثة أو الخمسة في الاستحاضة الكثيرة لو لا مخافة خرق الاجماع وذلك لاطلاق الاخبار فان المستفاد منها أن الاستحاضة حدث تحققه يقتضي الاغسال الثلاثة أو الخمسة.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 5 من أبواب النفاس ح 2. (2) الوسائل: الجزء 2 باب من أبواب الاستحاضة ح 7.

[ 127 ]

ولكن الصحيح أن الاستحاضة لا توجب حينئذ إلا غسل الانقطاع ولا تجب معها الاغسال الثلاثة بوجه وذلك لان الموضوع لوجوب الاغسال الثلاثة في جملة من الاخبار (1) هو المرأة المستحاضة - لا ذات المرأة - وهي غير صادقة مع الانقطاع، نعم ورد في بعض الاخبار ان المرأة إذا رأت الدم دما صبيبا فلتغتسل في وقت كل صلاة (2). ويمكن ان يقال: ان مقتضى اطلاقها وجوب الاغسال الثلاثة بمجرد روية الاستحاضة ولو آناما - ولكن يرده أن الاخبار الدالة على أن الاغسال الثلاثة من وظائف المستحاضة قرينة على ان المراد بالمرأة إذا رأت الدم صبيبا في هذه الرواية هو المرأة ذات الدم والمستحاضة لا مجرد الرؤية ولو آناما. وثانيا: ان التمسك باطلاق الرواية امر لا محصل له، أفهل يمكن ان يقال: ان مجرد رؤية الاستحاضة ولو آناما موجبة للاغسال الثلاثة إلى الابد كما هو ظاهر الرواية؟ فالاطلاق غير مراد قطعا وتقييده بيوم أو يومين أو اكثر لا معنى له فيتعين ان يكون المراد بالمرأة في الرواية هي المستحاضة ذات الدم كما ذكرناه بل يدل على ذلك ما ورد في بعض (3) الروايات (من انها تقدم هذه وتؤخر هذه)، إذ لو كان الدم منقطعا لم يكن أي موجب لتقديمها الصلاة وتأخيرها الصلاة الاخرى بل لها الاتيان بها في أي وقت شاءت، ومنه يعلم ان الاغسال وظيفة المرأة


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة. (2) الوسائل الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 11. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1 وغيره. (4) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6.

[ 128 ]

(مسألة 7): في كل مورد يجب عليها الغسل والوضوء يجوز لها تقديم كل منهما (1) لكن الاولى تقديم الوضوء (2). ذات الدم وهي التى تجمع بينهما بالتقديم والتأخير. هذا كله في الكثيرة ومنه يظهر الحال في المتوسطة وانها إذا رأت الدم لحظة سواء كانت كثيرة قبلها أم لم تكن لا يجب عليها الا غسل ووضوء للفريضة الآتية كما يأتي واما في غيرها فلا يجب ان تتوضأ لكل صلاة بل لها أن تأتي بذاك الوضوء جميع فرائضها إذا لم تحدث بحدث ناقض للوضوء. وكذا المستحاضة القليلة فانها انما تتوضأ للفريضة التي بعدها وحسب ولا تتوضأ بعدها لكل صلاة بل لها أن تكتفي بالوضوء الواحد في جميع صلواتها ما لم تحدث بحدث ناقض جديد. (1) كما في المستحاضة المتوسطة وكذا الكثيرة بناءا على ما هو المشهور من وجوب الوضوء فيها مع الغسل. والوجه في جواز تقديم كل منهما اطلاق الاخبار (1) الواردة في انها تتوضأ وتغتسل وتصلي لعدم تقيد الغسل أو الوضوء فيها بكونه واقعا قبل الآخر أو بعده حتى انها لو اغتسلت ترتيبيا جاز لها ان تأتي بالوضوء في اثناء غسلها. اولوية تقديم الوضوء: (2) لما ورد من ان الوضوء بعد الغسل بدعة، فخروجا عن احتمال


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 33 من أبواب الجنابة ح 5 و 6 و 9 و 10.

[ 129 ]

البدعة الاولى تقديم الوضوء على الغسل وذلك لما قدمناه من عدم تماميته فليراجع. وعلى تقدير تماميته فالنسبة بينه وبين ما دل على جواز الجمع بين الغسل والوضوء في الاستحاضة نسبة العموم والخصوص المطلق لدلالة الاعتبار على عدم حرمه الوضوء بعد الغسل في المقام فان العبرة باطلاق دليل المخصص لا العام وهو قد دل على جواز الوضوء قبل الغسل وبعده في الاستحاضة. وتوضيح ذلك: ان المراد بجملة ان الوضوء بعد الغسل بدعة ان اريد بها ان الغسل يغني عن الوضوء فالوضوء الواقع بعد الغسل لا امر له فيقع بدعه لا محالة كما هو الظاهر منها. فهي اجنبية عن محل الكلام لما عرفت من دلالة الاخبار على عدم اغناء الغسل عن الوضوء في المقام فهو تخصيص من عموم اغناء الغسل عن الوضوء فلا دلالة لها على بطلان الوضوء الواقع بعد الغسل في الاستحاضة. وان اريد بها ان الغسل يشترط في صحته ان يقع بعد الوضوء فلو وقع الوضوء بعده وقع الغسل باطلا مع وقوع الوضوء صحيحا لعدم اشتراطه بشئ. ففيه: أن اللازم على تقدير ارادة ذلك ان يقال الغسل قبل الوضوء بدعة لا ان الوضوء بعد الغسل بدعة فلا وجه لاحتمال ارادة ذلك من تلكم الجملة. واما إذا اريد بها ان الوضوء يشترط في صحته ان يقع قبل الغسل بحيث لو وقع بعده بطل لعدم الامر به فحينئذ وان امكن ارادته من الجملة المذكورة إلا انا نسأل عن ان المكلف إذا اغتسل قبل للوضوء وتوضأ بعد ذلك فهل يجب اعادة الغسل الاول أو لا يجب لوقوعه صحيحا.

[ 130 ]

فان قلنا بوجوب اعادة الغسل فهو يرجع إلى الاحتمال المتقدم من اشتراط كون الغسل واقعا بعد الوضوء بحيث لو وقع قبل الوضوء بطل وقد عرفت فساد ارادته من الجملة المذكورة. وان قلنا بعدم وجوب اعادة الغسل لانه غير مشروط بشئ بل وقع صحيحا والمشروط هو الوضوء فامتنع امتثال الامر بالوضوء واستحال التكليف به لانه تكليف بما لا يطاق حيث لا يتمكن المكلف من امتثاله إذ المفروض انه اغتسل قبل الوضوء فلا يمكنه ايقاع الوضوء قبل الغسل لانه تحقق اولا، وحكمنا بصحته فلو توضأ بعد ذلك فهو من الوضوء بعد الاغتسال. فتحصل ان الجملة المذكورة لا يمكن ان يراد بها سوى ان الغسل يغني عن الوضوء. وعليه فهي اجنبية عن المقام لدلالة الاخبار على عدم اغناء الغسل في الاستحاضة عن الوضوء وعدم كون الوضوء بدعة. هذا كله فيما إذا اوجبنا الوضوء مع الغسل واما إذا لم نفت بالوجوب بل اعتبرناه احتياطا كما في الاستحاضة الكثيرة إذا قلنا بالاحتياط فلا يجوز تقديم الغسل على الوضوء وهذا لامن جهة ان الوضوء بعد الغسل بدعة إذ معه يمكن الاتيان به رجاءا ولا يكون الوضوء بدعة. بل لما اعتبرناه من المبادرة إلى الصلاة بعد الطهارة فانه يحتمل ان لا يكون الوضوء واجبا مع الغسل في الكثيرة واقعا ومعه لاتتحقق المبادرة لتخلل الوضوء بينها وبين الاغتسال.

[ 131 ]

(مسألة 8): قد عرفت أنه يجب بعد الوضوء والغسل المبادرة إلى الصلاة، لكن لا ينافي ذلك اتيان الاذان (1) والاقامة والادعية المأثورة، وكذا يجوز لها اتيان المستحبات في الصلاة ولا يجب الاقتصار على الواجبات، فإذا توضأت واغتسلت اول الوقت واخرت الصلاة لا تصح صلاتها إلا إذا علمت بعدم خروج الدم وعدم كونه في فضاء الفرج (2) أيضا من حين الوضوء إلى ذلك الوقت بمعنى انقطاعه ولو كان انقطاع فترة. وجوب المبادرة بعد الطهارة: (1) كما لا ينافي اتيانها بسائر المقدمات كذهابها من المغتسل إلى مصلاها ونحوه، وذلك لان الواجب من المبادرة حسبما يستفاد من الاخبار انما هو المبادرة العرفية بمعنى عدم التأخير والتواني عرفا لا المبادرة العقلية، والاشتغال بالمقدمات لا ينافي المبادرة العرفية بوجه لعدم كونها تأخيرا وتوانيا عرفا. (2) والوجه في ذلك: ان المستفاد من مثل قوله (ع) (تقدم هذه وتؤخر هذه) (1) وغيره من الاخبار الواردة في المقام أن المبادرة


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1 غيره.

[ 132 ]

(مسألة 9): يجب عليها بعد الوضوء والغسل التحفظ من خروج الدم (1) بحشو الفرج بقطنة أو غيرها وشدها بخرقة فان احتبس الدم وإلا فبالاستثفار أي شد وسطها بتكة (مثلا) وتأخذ خرقة اخرى مشقوقة الرأسين تجعل احداهما انما تجب تحفظا على خروج الدم زائدا على المقدار المعلوم تخصيصه من ناقضية الدم. فان الدم الخارج من المستحاضة حدث ناقض للطهارة وانما خصصنا ناقضيته بمقدار اغتسال المرأه وتوضؤها وصلاتها، ومعه لابد من الاقتصار على المتيقن تخصيصه وهو صورة اتيانها بالصلاة بعد طهارتها من غير تأخير وتوان دون ما إذا اخرتها. وهذا انما يختص بصورة خروج الدم من المستحاضة وأما إذا انقطع ساعة أو اقل أو اكثر ولو انقطاع فترة فلا حدث ولا ناقض لطهارتها ليكتفي في الخروج عن ناقضيته بالمقدار المتيقن، ومعه لادليل على وجوب المبادرة فلها ان تؤخر صلاتها إلى ساعة أو اقل أو أكثر وتصلي بعد ذلك بالغسل أو الوضوء السابقين. وجوب التحفظ من خروج الدم: - (1) استدل عليه بالاخبار (1) الآمرة بالاحتشاء والاستثفار وادخال


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة.

[ 133 ]

قدامها والاخرى خلفها وتشدهما بالتكة - أو غير ذلك مما قطنة بعد قطنة وغيرها مما هو بهذا المضمون. وذكروا أنها إذا قصرت في الاحتفاظ فخرج منها الدم بطلت صلاتها بل وغسلها أيضا. هذا والظاهر عدم وجوب ذلك بخصوصه على المرأة لان الامر بالاحتشاء والاستثفار وغيرهما لا يحتمل أن يكون أمرا مولويا نفسيا بأن يكون ذلك من الواجبات النفسية في حق المرأة تعاقب على تركها ولا نعهد قائلا بذلك أيضا، وانما هو ارشاد إلى عدم خروج الدم من المستحاضة وهذا لعله مما لا كلام فيه. وانما الكلام في ان الدم بنفسه وبما هو هو مانع عن الصلاة بحيث لو خرج عن المرأة من دون أن يصيب شيئا من بدنها وثيابها أوجب بطلان صلاتها، أو أن خروج الدم انما يوجب البطلان من جهة مانعية النجاسة في الصلاة لاشتراطها بالطهارة الحدثية والخبثية معا. والظاهر من الاخبار الآمرة بالاحتشاء في المقام والذي يساعد عليه الارتكاز هو الثاني وان خروج الدم بما هو دم لا يضر بحالها وانما يضرها من جهة تلويثه بدنها ولباسها، والاخبار اما ظاهرة في ذلك واما انها محملة لذلك واما كونها ظاهرة في أن خروج الدم بما هو مانع عن الصلاة فلا. وعلى ذلك فليس هذا شرطا مختصا بالمستحاضة بل هي كغيرها من المكلفين وهذا لا نحتاج في اشتراطه إلى الاستدلال بالروايات بل لو لم تكن هناك رواية كنا نلتزم بذلك لاشتراط الصلاة بالطهارة الخبثية لا أن صلاة المستحاضة تزيد على صلاة غيرها.

[ 134 ]

يحبس الدم فلو قصرت وخرج الدم اعادت الصلاة (1) بل الاحوط اعادة الغسل (2) أيضا، والاحوط كون فهذا الاشتراط لا اساس له في المقام ومعه إذا خرج الدم منها في أثناء غسلها أو بعده وغسلت ظاهر فرجها وثيابها المتلوثة به صح غسلها وصلاتها ومن ذلك يظهر انها لو لم تزل الدم عن بدنها أو لباسها أو أنه خرج في اثناء صلاتها وتلوث به بدنها ولباسها لا تبطل بذلك سوى صلاتها وأما غسلها فهو مما لا موجب لبطلانه بوجه. نعم إذا خرج منها الدم بعد غسلها وبطلت صلاتها وبعد الفصل بزمان أرادت ان تعيد صلاتها وجب عليها ان تعيد غسلها أيضا لكنه لا لبطلانه بخروج الدم بل للاخلال بالمبادرة الواجبة في حق المستحاضة. فتحصل: أنه لا دليل على ان خروج الدم مبطل للصلاه أو الغسل تعبدا وانما هو مبطل للصلاة على طبق القاعدة لاستلزامه التلويث ونجاسة البدن والثياب، ومن هنا لو صلت بعد غسلها أو اعادتها بعد خروج الدم من غير فصل زماني مخل بالمبادرة العرفية لم يجب عليها اعادة غسلها لاعتبار الوحدة بين طهارتها وصلاتها بالاتصال. (1) لما مر من اشتراطها بالخلو من النجاسة الخبثية. (2) قد عرفت عدم وجوبه واما الاعادة الاستحبابية فهي مطلب آخر.

[ 135 ]

ذلك بعد الغسل (1) والمحافظة عليه بقدر الامكان تمام النهار إذا كانت صائمة (2). احوطية كون الاحتشاء بعد الغسل: (1) لم يرد بذلك الاشكال في جواز الاحتشاء قبل الوضوء والاغتسال وذلك للقطع بانها إذا احتشت قبلهما ومنعت عن خروج الدم فلا دم حال الغسل والوضوء ليكون فيه شائبة اشكال. بل نظر بذلك إلى انها لو اغتسلت قبل الوضوء أن تحتشي بعد الغسل لئلا يخرج منها الدم حال الوضوء ويحتمل كونه مانعا واما خروجه حال الاغتسال فهو غير مانع قطعا لما دلت عليه الاخبار (1) من انها تغتسل فتحتشي بمعنى انها رخصت في الاحتشاء بعد الغسل فلو خرج منها الدم حال الاغتسال فهو غير مانع عن الغسل بمقتضى الاخبار. ولكنك عرفت مما ذكرناه أن هذا الاحتياط مما لامحل له لعدم كون الدم بما هو هو موجبا لبطلان الصلاة والطهارة وانما يوجب بطلان الصلاة خاصة فيما إذا أوجب التلويث. المحافظة على عدم خروج الدم: (2) ان كان نظرهم في ذلك إلى أن صحة صوم المستحاضة يشترط


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة.

[ 136 ]

فيها أن تأتي باغسالها ومع خروج الدم في اثناء النهار يبطل غسلها فيبطل صومها. ففيه: ان ذلك أخص من المدعى لانا إذا فرضنا أن الدم خرج قبل صلاة الظهر بان اغتسلت للفجر وصلت وبعد ذلك خرج منها الدم فوظيفتها حينئذ ليست إلا الاغتسال للظهرين والعشائين ولا يجب عليها الاغتسال لصلاة الفجر ليكون بطلانه موجبا لبطلان صومه. وكذا الحال فيما إذا قلنا ان خروج الدم لا يوجب بطلان غسلها - كما بنينا عليه - فانه لا يبطل غسلها ليبطل صومها، بل لو قلنا بانه يقتضي بطلان غسلها أيضا لا نلتزم ببطلان صومها بل هذا يقتضي أن تعيد غسلها ثانيا لا انه يقتضي بطلان صومها. وان كان نظرهم في ذلك إلى ان دم الاستحاضة حدث ناقض للصوم كدم الحيض والتعمد للبقاء على الجنابة ومع خروجه يبطل صومها فيجب عليها قضاؤه. فيدفعه: ان قياس دم الاستحاضة بدم الحيض مع الفارق لان الحائض غير مكلفة بالصيام ليكون الدم ناقضا لصيامها، والمستحاضة مأمورة بالصلاة والصيام. وقياسه بتعمد البقاء على الجنابة يحتاج إلى دليل ولا دليل على انه مثله موجب للانتقاض بل الدليل على عدم الانتقاض موجود وهو اطلاق ادلة (1) حصر النواقض وان الصائم لا يضره ما صنع إذا إجتنب اربع خصال، وليس منها خروج الدم ففي المقدار الذي دل الدليل على ناقضيته نرفع اليد عن اطلاقها، ويبقى - بالاضافة إلى غيره -


(1) الوسائل: الجزء 7 باب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح 1.

[ 137 ]

(مسألة 10): إذا قدمت غسل الفجر عليه لصلاة الليل فالاحوط تأخيرها إلى قريب الفجر فتصلي بلا فاصلة (1). ] سليما عن التقييد. هذا. ويدل عليه ما استدللنا به في غير مورد من ان نفس عدم الاشتهار في المسائل عامة البلوى دليل على عدم ثبوت الحكم، واستحاضة النساء وصومهن من المسائل التي تعم بها البلوى فلو كان خروج الدم منهن ناقصا لصومهن أو كان التحفظ على عدم خروجه شرطا إلى آخر النهار لشاع ذلك وظهر ووردت فيه روايات وتعرض له الاصحاب وقد عرفت انه لم يرد ذلك في شئ من الادلة. الاحوط تأخير صلاة الليل إلى قرب الفجر: (1) تقدمت هذه المسألة عن قريب وقلنا ان اغتسال المستحاضة لابد من وقوعه بعد الفجر فلا يجزي الاغتسال قبله وان الاغتسال لصلاة الليل أو لغيرها من النوافل لم تثبت مشروعيته، وعلى تقدير مشروعيته فلا دليل على كونه مجزيا عن الغسل الواجب سواء أصلت بدون فاصلة أم لم تصل.

[ 138 ]

(مسألة 11): إذا اغتسلت قبل الفجر لغاية أخرى ثم دخل الوقت من غير فصل يجوز لها الاكتفاء به للصلاة (1). (مسألة 12): يشترط في صحة صوم المستحاضة على بعد الوقت يجوز الاكتفاء بالغسل قبله: (1) هذه المسألة تتضمن فرعين: (احدهما): جواز اغتسال المستحاضة لغاية اخرى قبل الفجر أو الظهر أو العشائين كما إذا ارادت ان تمس الكتاب العزيز أو تأتي بغاية اخرى مشروطة بالطهارة، ويأتي الكلام عليه في أواخر بحث الاستحاضة ان شاء الله. و (ثانيهما): كونه كافيا عن الغسل للفجر بعد الوقت إذا صلت من دون فصل وقد ظهر حكمه مما بيناه آنفا وقلنا ان الغسل للفريضة يعتبر وقوعه بعد الوقت، فعلى تقدير مشروعية الغسل لغاية اخرى قبل الوقت لا دليل على اجزائه عن الغسل الواجب بعده.

[ 139 ]

الاحوط إتيانها للاغسال النهارية (1) فلو تركتها فكما تبطل صلاتها يبطل صومها أيضا على الاحوط واما غسل العشائين فلا يكون شرطا في الصوم وان كان الاحوط مراعاته أيضا واما الوضوءات فلا دخل لها بالصوم. شرطية الاغسال النهارية في صحة صومها: (1) يشترط - على المشهور بين الاصحاب - لصحة صوم المستحاضة وصلاتها أن تأتي بما هو وظيفتها من الاغسال، وإذا اخلت بها فكما تبطل صلاتها يبطل صومها أيضا فالاغسال شرط في صحة الصيام، والمسألة لعلها مورد التسالم والاتفاق. واما الكلام في مدركها. فنقول: قد يستدل على شرطية الاغسال لصوم المستحاضة بالاجماع والتسالم ولا اشكال في ذلك على تقدير تمامية الاجماع إلا ان تحقق الاجماع التعبدي الكاشف عن رأي المعصوم (ع) في المقام بعيد غايته، ومن المحتمل أن يكون مدرك التسالم في المسألة صحيحة علي بن مهزيار الآتية فلا يكون الاجماع تعبديا بوجه. واخرى يستدل على الشرطية بصحيحة على بن مهزيار قال: كتبت إليه - ع - في امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير ان تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكل صلاتين هل يجوز (يصح) صومها وصلاتها ام لا؟ فكتب (ع) (تقضي صومها ولا تقضي

[ 140 ]

صلاتها لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر (فاطمة و) المؤمنات من نسائه بذلك) (1). حيث دلت على اشتراط صحة صومها بالاتيان بما هو وظيفة المستحاضة من الاغسال، ومن هنا حكم بوجوب قضائها له عند تركها الاغسال لبطلان الصوم بدونها. وقد يناقش في الاستدلال بها من جهة اضمارها، ويدفعه أن جلالة مقام علي بن مهزيار تأبى عن السؤال من غير الامام (ع) فلا اشكال فيها من تلك الجهة. واخرى: يناقش فيها من حيث الدلالة وذلك بوجهين: أحدهما: ان مقتضى الاخبار الواردة في حق فاطمة (ع) وكذلك العلم الخارجي انها طاهرة مطهرة لا تستحيض فما معنى أمر النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة أن تقضي صومها ولا تقضي صلاتها إذا انقطع حيضها أول يوم من شهر رمضان وصارت مستحاضة. وثانيهما: ان اشتراط صحة صلاة المستحاضة بالاتيان بوظيفتها أعني الاغسال الثلاثة - مما كان يكون من المسائل الضرورية فما معنى قوله صلى الله عليه وآله (لا تقضي صلاتها). أما المناقشة الاولي فتندفع: أولا: بأن فاطمة (ع) انما ذكرت في بعض النسخ وبعضها خال عن ذكرها (ع). وثانيا: ان الرواية لا دلالة لها على ان النبي صلى الله عليه وآله أمرها وسائر


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 41 من أبواب الحيض، ح 7 وج 7 باب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح 1.

[ 141 ]

النساء بذلك لانه عملهن، ولعلها أمرها بذلك تعليما لسائر النساء وبيانها لاحكامهن لا أنه امرها لكي تأني به في عمل نفسها وهذا هو الصحيح في الجواب. وأما دعوى أن فاطمة (ع) لعلها غير بنت النبي صلى الله عليه وآله كبنت جحيش أو غيره ففيها ان اللفظة متى أطلقت تنصرف إلى الفرد المشهور والمعروف وعلى ذلك تجري في الرجال فلا وجه لدعوى إرادة غير المشهور. والعمدة هي المناقشة الثانية. وقد ذكروا في تأويل الصحيحة وجوها واحتمالات. ويحتمل أن يكون في الصحيحة تقديما وتأخيرا وكأنها (تقضي صلاتها ولا تقضي صومها) لعدم اشتراطه بالاغسال وقد وقع الاشتباه من الراوي أو النساخ. نعم هذا مجرد احتمال كبقية الاحتمالات التي ذكرت في المقام. وتوهم ان الرواية إذا اشتملت على جملتين أو أكثر وكانت جملة أو جملتين منها على خلاف الدليل القطعي لا مانع من رفع اليد عن تلك الجملة وطرحها وهذا لا يضر بغيرها من الجملات ففي المقام نطرح قوله (ولا تقضى صلاتها) لانه خلاف للضرورة والمستفاد من الاخبار وهو غير مانع الاخذ بقوله (وتقضي صيامها). مندفع: بان ذلك انما هو فيما إذا لم تكن الجملتان متصلتين ومرتبطتين على نحو عدتا عرفا جملة واحدة واما إذا كانتا مرتبطتين كذلك فلا مورد لهذا الكلام، والامر في المقام كذلك لانهما من الارتباط بمكان يعدان جملة واحدة فان قوله (ع) (لا تقضي صلاتها وتقضي صيامها)

[ 142 ]

حكم واحد عرفا فالتفكيك غير ممكن. والظاهر ان في الرواية سقطا لا ندري أنه اي شئ، والديل على ذلك على مناسبة التعليل المعلل به في الرواية وذلك لان ظاهر التعليل - أعني قوله (لان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر.) - أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مستمرا في أمره ذلك ولا يزال لكثرة ابتلاء النساء بذلك وسؤالهن عن وظيفتهن والنبي صلى الله عليه وآله كان يأمرهن بذلك. وهذا لا بأس بتطبيقه على الحائض والنفساء لان الحيض والنفاس امران كثيرا التحقق والابتلاء ويصح أن يقال فيهما: ان النبي صلى الله عليه وآله كان يأمرهن.. وذلك لامره صلى الله عليه وآله الحائض بقضاء صومها دون صلاتها في غير واحد من الاخبار (1) وعلل في بعضها (2) بان الصوم في السنة انما يجب مرة واحدة بحلاف الصلاة، واما في المستحاضة التي ينقطع حيضها أول يوم من شهر رمضان وتستحاض منه فلا لانه أمر نادر جدا ولا يصح أن يعلل في مثله بان النبي صلى الله عليه وآله كان يأمر.. لظهوره في ان ذلك كأنه شغل النبي صلى الله عليه وآله وانه لا يزال مستمرا عليه. على أنه صلى الله عليه وآله في أي مورد أمر فاطمة (ع) وسائر المؤمنات بذلك فلا يوجد منه مورد في الروايات وبهذا نستكشف أن في الرواية سقطا ولا ندري انه أي شئ؟ وعليه فلا يمكن الاعتماد على الصحيحة لكونها مشوشة فلا دليل


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 41 من أبواب الحيض، ح 2 و 6. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 41 من أبواب الحيض، ح 12 و 8.

[ 143 ]

حينئذ على اشتراط صحة صوم المستحاضة بالاغسال الواجبة في حقها. فالمتحصل أن صحيحة علي بن مهزيار لا يمكن الاستدلال بها على شرطية الغسل في المستحاضة لصومها وذلك لعدم مناسبة التعليل الظاهر في أن مورده من المسائل عامة البلوي مع المعلل به لانه أمر نادر بل لا نعلم بتحققه أصلا بأن ينقطع حيضها أو يوم من شهر رمضان وتستحاض وتصوم وتصلي من غير أن تأتي بوظائف المستحاضة ثم تسأل عن حكمها. ومن المحتمل القوي بل المطمأن به ان في الرواية سقطا وان يكون الحكم فيها حكم الحائض والنفساء دون المستحاضة، فالحكم بشرطية الاغسال للصوم مبني على الاحتياط كما صنعه الماتن (قده). ثم انه بناءا على صحة الرواية دلالة لابد من تخصيص الاشتراط بالمستحاضة الكثيرة دون المتوسطه والقليلة، أما القليلة فظاهرة، واما المتوسطة فلان الصحيحة اشتملت على قوله (من الغسل لكل صلاتين)) ومن الواضح انه وظيفة المستحاضة الكثيرة إذ لا يجب في المتوسطة الغسل لكل صلاتين بل يجب فيها الغسل لصلاة الفجر فقط. نعم قد تكلف المستحاضة المتوسطة بالغسل لصلاة الظهرين كما إذا احدثت به الفجر وصلاته إلا انه لا بعنوان وجوب الغسل لكل صلاتين فيختص اعتبار الغسل في صحة صوم المستحاضة بالكثيرة فحسب. كما ان مقتضى الجمود على ظاهر الصحيحة اختصاص الحكم بغير الغسل للفجر لان الوارد فيها هو الغسل لكل صلاتين وليس في الفجر غسل للظهرين. فعلى ذلك لو اقتصرت المستحاضة بالغسل للظهرين والعشائين وتركت

[ 144 ]

الغسل للفجر صح صومها، كما انها لو عكست واغتسلت للفجر دون الظهرين والعشائين فسد صومها. عدم وجوب مجموع الاغسال الليلية والنهارية: وهل يجب عليها مجموع الاغسال من الغسل في الليلة السابقة والغسل للظهرين في النهار والغسل للعشائين في الليلة الآتية بحيث لو تركت شيئا واحدا منها بطل صومها أو أن الواجب هو الغسل الواحد على البدل؟ أما الغسل لليلة الآتية فلا ينبغي التأمل في عدم مدخليته في صحة صومها لا بالاستقلال ولا بالجزئية وذلك لان الشرط المتأخر وان كان أمرا معقولا بل واقعا في بعض الموارد أيضا إلا ان الاذهان العرفية منصرفة عن مثله فلا يستفيدونه من ظواهر الادلة إلا مع نصب القرينة عليه فالغسل لليلة الآتية (غير معتبر) في صحة صوم المستحاضة لليوم الماضي لا بنحو الاستقلال ولا بنحو الجزئية، فيدور الامر بين الغسل في الليلة السابقة والاغسال النهارية. اما الاغسال النهاريه فلعله القدر المتيقن من الغسل في الصحيحة لان موضوع الحكم فيها هو الصائمة المستحاضة وهي انما تكون صائمة في النهار. على أن المرأة إذا استحاضت في النهار وصامت من غير اغتسال للظهرين يصدق عليها انها امرأة مستحاضة وصامت من دون ان تعمل عمل المستحاضة فالغسل النهاري لا اشكال في ارادته من الرواية الصحيحة.

[ 145 ]

واما الغسل في الليلة السابقة فهو أيضا مشمول للرواية لان السائل انما سأل عن حكم المرأة المستحاضة لما سبق إلى ذهنه من ان الاستحاضة كالجنابة والحيض فكما ان المرأة لابد أن تكون طاهرة منهما عند طلوع الفجر وهي شرط في صحة صومها فكذلك الغسل من الاستحاضة، والامام (ع) لم يردعه عن هذا الارتكاز بل حكم ببطلان صومها على تقدير تركها عمل المستحاضة من الغسل. وعليه فيعتبر في صحة صومها الغسل في الليلة السابقة وفي النهار اعتبار المجموع من الغسلين: وهل الواجب هو مجموعهما بحيث لو تركت احدهما فسد صومها أو المعتبر احدهما على البدل؟ مقتضى ملاحظة مورد الرواية - وان كان هو الحكم بوجوب احدهما لان المفروض فيها انها تركت ما تعمله المستحاضة وهذا يتحقق بترك احد الغسلين أيضا ولا يتوقف على تركهما معا، إلا أن السائل كما ذكرنا سأل الامام (ع) عن حكم المستحاضة بتوهم انها كالجنابة والحيض ولم يردعه الامام (ع) عن ذلك، وعليه فكما ان الواجب هو غسل الجنابة والحيض متصلا لاغسل واحد على البدل - أي اللازم هو تحصيل الطهارة منهما - فكذا الحال في المقام فالواجب هو الغسل لكل صلاتين أي المجموع بحيث لو تركت احدهما فسد صومها لا ان الواجب احدهما على البدل.

[ 146 ]

هذا كله في اشتراط صحة صوم المستحاضة بالغسل اعتبار الوضوء في صوم المستحاضة: واما الوضوء فهل يعتبر في صحة صومها أو يعتبر؟ أما بناءا على عدم وجوب الوضوء في المستحاضة الكثيرة فلا اشكال في عدم اعتباره في صومها. واما بناءا على القول بوجوبه في الكثيرة فالظاهر اعتباره في صحة صومها وذلك لانها لو تركت وضوئها واغتسلت وصلت فلا اشكال في بطلان صلاتها لعدم اتيانها بما هو وظيفتها فإذا بطلت صلاتها فتارة تعيدها مع الوضوء من دون اخلال بالمبادرة الفورية وهذا لا يجب فيه اعادة الغسل ولا يشترط الوضوء في مثله في صوم المستحاضة. واخرى: لا تعيدها إلا بعد مدة كشهر كما في مورد الرواية حيث انها لم تعد صلاتها الواقعة من غير غسل ولا غيره حتى خرج شهر رمضان كما هو مقتضى قوله - فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل.. (1) وفي مثله بما أن المبادرة الفورية غير متحققة فلابد عند اعادة صلاتها من أن تعيد غسلها أيضا للاخلال بالمبادرة. هذا معنى اشتراط الوضوء في صحة صومها فانها لم لم تتوضأ بطلت صلاتها ومع بطلانها والاخلال بالمبادرة يبطل غسلها ومع بطلانه يبطل صومها. فيشترط في صحة صومها أن تتوضأ ومجرد اتيانها الغسل من دون أن تأتي بالصلاة لا يقتضي صحة صومها فأن المأمور به انها هو الغسل


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 41 من أبواب الحيض ح 7.

[ 147 ]

(مسألة 13): إذا علمت المستحاضة انقطاع دمها بعد ذلك إلى آخر الوقت انقطاع برء أو انقطاع فترة تسع الصلاة وجب عليها تأخيرها إلى ذلك الوقت فلو بادرت إلى الصلاة بطلت إلا إذا حصل منها قصد القربة وانكشف عدم الانقطاع (1). المتعقب بالصلاة وحيث انها لم تأت بالصلاة لبطلانها بترك الوضوء فلم تأت بالغسل المعتبر في حقها - إذا لم تعده على نحو لا يخل بالمبادرة - ومعه يحكم بفساد صومها لا محالة والذي يسهل الخطب أنا لانلتزم بوجوب الوضوء في الاستحاضة الكثيرة. علم المستحاضة بانقطاع الدم بعد ذلك: (1) يحتمل في عبارة الماتن (قده) أمران: (أحدهما): ان يراد من الفترة فترة تسع الصلاة فحسب ويراد بقوله (بعد ذلك) اي بعد اتيانها بالوظائف المقررة للمستحاضة من الاغتسال أو الغسل والوضوء، وهذا الاحتمال وان كان انسب إلى اللفظ وعبارة الماتن لقوله (تسع الصلاة) حيث لم يضم إليها الطهارة. إلا أنه فاسد معنى وحقيقة وذلك لانه لادليل على وجوب تأخير المستحاضة صلاتها وايقاعها في زمان الفترة بعد اغتسالها وتوضؤها قبل زمان الانقطاع حيث ان صلاتها حينئذ اضطرارية أي واقعة مع الطهارة

[ 148 ]

الاضطرارية فان خروج دم الاستحاضة ولو آناما كاف في الحدث بلا فرق في ذلك بين تأخيرها الصلاة وعدمه. نعم: انما يفرق الحال في قلة الدم وكثرته إلا ان الطهارة الاضطرارية لا يفرق فيها بين كون دم الاستحاضة الخارج من المرأة كثيرا وبين كونه قليلا. فوجوب التأخير غير ثابت على المستحاضة حينئذ بل التأخير غير جائز في حقها لوجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الطهارة والتأخير اخلال بالمبادرة العرفية ومعه تبطل صلاتها وطهارتها فهذا الاحتمال مما لا يمكن نسبته إلى الماتن (قده). و (ثانيهما): أن يراد بالفترة فترة تسع كلا من الطهارة والصلاة ويراد بقوله: (بعد ذلك) أي بعد كونها مستحاضة فهل يجب عليها تأخير صلاتها حينئذ إذا علمت بانقطاع دمها كذلك أو لا يجب؟ ذهب جماعة من المحققين - ومنهم الماتن - (قده) - إلى وجوب تأخيرها، والظاهر أن الحكم كذلك وهو يتوقف على بيان أمرين: - أحدهما: أن طهارة المستحاضة وصلاتها صلاة وطهارة اضطرارية وليست اختيارية - بمعنى ان تكليف المستحاضة تكليف اضطراري - وذلك لانا وان اسلفنا ان ما دل على وجوب الصلاة في حقها ليس تخصيصا في ادلة اشتراط الصلاة بالطهارة لانها من الاركان التي تبطل بفقدانها وانما هو تخصيص في ادلة ناقضية الدم كما هو الحال في المسلوس والمبطون إلا انه لااشكال في أن طهارتها بالاغتسال والتوضوء طهارة اضطرارية وليست اختيارية بوجه، ويدل على ذلك امور: (منها): قوله (ع) في بعض الروايات المتقدمة (تقدم هذه

[ 149 ]

وتؤخر هذه) (1). و (منها): قوله (ع) (تتوضأ لكل صلاة) (2) كما في المتوسطة بل وفي الكثيرة أيضا على مسلك المشهور وذلك لان طهارتها لو كانت اختيارية لم تكن أي حاجة إلى الجمع بين الصلاتين ولا إلى تجديد الوضوء لكل صلاة بل كان يجوز لها أن تفرق بينهما وأن تكتفي بوضوء واحد في الجميع ما لم تحدث بحدث آخر. فوجوب الجمع بين الصلاتين ووجوب تجديد الوضوء عليها لكل صلاة يدلان على أن في المستحاضة اقتضاء الحدث وانما لا يكون ناقضا في المقدار الثابت بالدليل - اعني زمان غسلها وطهارتها وجمعها بين الصلاتين - وفي المقدار الزائد على ذلك يؤثر المقتضي اثره وهو النقض. و (منها): صحيحة زرارة حيث ورد فيها الامر بالصلاة في حق المستحاضة والنهي عن تركها لها بقوله: (لا تدعي للصلاة بحال فانها عماد دينكم) (3). فهذا كالصريح في أن المستحاضة فيها المقتضي لترك الصلاة إلا انها لا تتركها لانها عماد الدين فيجوز لها الغسل والوضوء والجمع بين الصلاتين بالمقدار الذي دل عليه الدليل. و (منها): ما ورد في مرسلة يونس الطويلة من قول السائل (وان سال؟) قال: (وان سال مثل المثقب) (4) لدلالته على أن حدثية


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5. (4) الوسائل: الجزء 2 باب 5 من أبواب الحيض ح 1.

[ 150 ]

الاستحاضة كالحيض امر ثابت في الاذهان ومن هنا سأله السائل بقوله (وان سأل؟) إلا أنه (ع) امر بوجوب الصلاة في حقها وان الاستحاضة غير الحيض. فهذه الوجوه المذكورة تدلنا على أن تكليف المستحاضة تكليف اضطراري وان طهارتها من غسل ووضوء طهارة اضطرارية نظير طهارة المتيمم أو المسلوس والمبطون أو الغسل والوضوء مع الجبيرة وغير ذلك من ذوي الاعذار وليست طهارة اختيارية، ولعلها ظاهرة. وثانيهما: ان المرتكز في اذهان كل ملتفت أن الامر بالبدل الاضطراري. انما هو مع عدم التمكن من المبدل منه الاختياري (وان التكليف الاضطراري يرتفع مع التمكن من الاختياري) فمع تمكن المكلف من الوصول إلى الماء بعد ساعة ولو في قعر بئر لا يراه المتشرعة مكلفا بالتيمم لانه متمكن من الوضوء مع قطع النظر من أي رواية ودليل. وعليه فإذا كانت المستحاضة متمكنة من الصلاة والطهارة الاختياريتين - أي مع الطهارة الواقعية - لا تكون مأمورة بالطهارة والصلاة الاضطراريتين بالارتكاز. وهذه القرينة المتصلة - اعني الارتكاز - لا تبقي مجالا للتمسك حينئذ باطلاقات (1) الاخبار الآمرة بانها تتوضأ وتغتسل وتصلي من غير تفصيل بين صورتي علمها بانقطاع دمها بعد ذلك وعدمه بل لابد من حملها على صورة عدم علم المستحاضة بحدوث فترة تسع طهارتها وصلاتها. ودعوى: ان حمل المطلقات على المرأة غير العالمة بالانقطاع حمل لها على مورد نادر لان الغالب في المستحاضة علمها بانقطاع دمها


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة.

[ 151 ]

في شئ من الازمنة. دعوى عجيبة إذ أية مستحاضة تعلم بالانقطاع؟ إلا في بعض الموارد نعم المستحاضة تحتمل الانقطاع وأما انها تعلم به فلا. هذا على أنه لااطلاق في الاخبار في نفسها لان ظاهرها ارادة مستمرة الدم وانها التي تغتسل لكل صلاة أو تتوضأ لها ومع الانقطاع لا موضوع للروايات. واما ما عن بعضهم من أن الانقطاع إذا كان انقطاع فترة - لابرء - فهو كزمان عدم الانقطاع محكوم بالحدث والاستحاضة فان الطهر بين الاستحاضة كالطهر الاقل من عشرة ايام الواقع بين الحيضة الواحدة ملحق بالاستحاضة والحيض، ومع كون المرأة مستحاضة حتى في حال الانقطاع لاوجه لوجوب التأخير في حقها. فمندفع: بأن ايام الطهر خارجة عن الاستحاضة والمرأة فيها غير محكومة بالاستحاضة ولا يجب عليها مع الطهر أن تغتسل لكل صلاتين أو تتوضأ لكل صلاة، وانما قلنا بان الطهر بين الحيضة الواحدة بحكم الحيض للدليل الدال على ان المرأة إذا رأت الحيض ثلاثة أيام ثم انقطع يوما مثلا ثم رأت الدم بعد ذلك أيضا فهو من الحيض ولا دليل على ذلك في المقام فالمرأة في أيام الانقطاع - ولو لفترة - طاهرة حقيقة. هذا كله في صورة العلم بالانقطاع، فتحصل أنها في صورة العلم بالبرء أو الفترة الواسعة لا يجوز أن تقدم صلاتها وسائر اعمالها بل لابد من تأخيرها إلى تلك الفترة فلو صلت قبل ذلك بطلت. اللهم إلا ان تغفل فتتمشى منها قصد القربة فيحكم حينئذ بصحة صلاتها إذا انكشف عدم الانقطاع واقعا، وأما إذا كان منقطعا فلا

[ 152 ]

بل يجب التأخير مع رجاء الانقطاع (1) بأحد الوجهين حتى لو كان حصول الرجاء في اثناء الصلاة لكن الاحوط اتمامها ثم الصبر إلى الانقطاع. - كما يظهر مما ذكرناه آنفا -. وجوب التأخير مع رجاء الانقطاع: (1) بأن احتملت الانقطاع ولم تعلم به وقد حكم في المتن بوجوب التأخير حينئذ وذلك لما بنى عليه وصرح به في أوائل بحث الاوقات من ان البدار لذوي الاعذار على خلاف القاعدة بل مقتضاها وجوب التأخير إلا في التيمم لان البدار سائغ في حقه بالنص. وذكرنا نحن في محله ان البدار جائز لجميع ذوي الاعذار وهو على طبق القاعدة إلا في التيمم لعدم جواز البدار في حقه للنص - عكس ما أفاده (قده). والوجه فيما افاده (قده): ان المأمور به الاضطراري انما هو في طول الواجب الاختياري ومع التمكن منه لامساغ للاضطراري ومعه لابد في الاتيان به من احراز عجزه عن المأمور به الاختياري ومع عدم احرازه والشك فيه لا يمكن الاتيان به، وانما خرجنا عن ذلك في التيمم للرواية. ولكنا ذكرنا في محله أن المأمور به الاضطراري وان كان في طول الواجب الاختياري إلا انه يكفي في احراز العجز عن الواجب الاختياري

[ 153 ]

(مسألة 14): إذا انقطع دمها فاما أن يكون انقطاع برء أو فترة تعلم عوده أو تشك في كونه لبرء أو فترة، وعلى التقادير (1): استصحاب بقاء عجزء إلى آخر الوقت وهو حجة شرعية كافية في الاحراز. وعليه فجواز البدار لجميع ذوي الاعذر على طبق القاعدة. وخرجنا عنها في التيمم لما ورد من انه يطلب الماء فان فاته الماء لا تفوته الارض (1)، فمقتضاه عدم جواز البدار في حق المتيمم. وعلى ذلك لا مانع في المقام من البدار للستحاضة باستصحاب عدم تمكنها من اتيان وظائفها في حالة عدم الدم. واما إذا استصحبته فاغتسلت وصلت ثم انكشف الخلاف وتمكنت من الصلاة والطهارة طاهرة فيأتي عليه الكلام في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى. صور انقطاع الدم: (1) الصور في المقام ثلاثة: - لان البرء أو الفترة إما أن يحصلا قبل شروعها في وظائفها من الغسل والوضوء والصلاة، وإما أن يحصلا في اثنائها - أي بعد الشروع في الوضوء أو الغسل وقبل اتمام الصلاة وإما أن يحصلا بعد الاتيان بوظائفها.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 22 من أبواب التيمم ح 1، 3، 4.

[ 154 ]

إما ان يكون قبل الشروع في الاعمال أو بعده أو بعد الصلاة، فان كان انقطاع برء وقبل الاعمال يجب عليها الوضوء فقط مع الغسل والاتيان بالصلاة. وان كان بعد الشروع استأنفت. وان كان بعد الصلاة إعادت إلا إذا تبين كون الانقطاع قبل الشروع في الوضوء والغسل. أما إذا حصلا قبل أن تأتي بوظائفها فلا اشكال في انها لابد أن تأتي بها في زمان الفترة أو البرء. وأما إذا حصلا في الاثناء فلابد من ان تستأنف اعمالها وذلك لما أسلفنا من ان دم الاستحاضة على ما يستفاد من الاخبار حدث رافع للطهارة وناقض لها وانما خرجنا عن اطلاق دليل الناقضية في مستمرة الدم إذا توضأت واغتسلت وصلت واما مع الانقطاع وعدم استمرار الدم فلا دليل على عدم كون الدم الخارج في الاثناء ناقضا لطهارتها بل مقتضى اطلاق الدليل هو الانتقاض ومعه لابد من أن تستأنف أعمالها في زمان البرء أو الفترة. وأما إذا حصلا بعد اتيانها بوظائفها وذلك اما لقطعها بعدم حصول البرء أو الفترة الواسعة إلى آخر الوقت أو لغفلتها أو للتمسك باستصحاب بقاء عجزها عن الاتيان بصلاتها طاهرة ولذا شرعت في أعمالها ثم بعد ذلك انكشف الخلاف. فهل تجب عليها اعادة أعمالها - كما بنى عليه الماتن وجماعة - أو لا تجب عليها الاعادة كما عن صاحب الجواهر وشيخنا الانصاري وغيرهما؟

[ 155 ]

فيه خلاف والوجه في الحكم بالاعادة في المستحاضة انها انما أتت بأعمالها حسب الامر التخيلي أو الظاهري ومع انكشاف الخلاف لا وجه لعدم وجوب الاعادة عليها حيث لا دليل على اجزاء الاتيان بالمأمور به الخيالي أو الظاهري عن الواجب الواقعي. هذا. والصحيح عدم وجوب الاعادة وذلك لا لاجزاء الامر التخيلي أو الظاهري عن المأمور به الواقعي بل للامر الواقعي الاضطراري، فان قوله (ع) (تقدم هذه وتؤخر هذه) (1) تجويز للبدار في حق المستحاضة لانه بمعنى الجمع بين الصلاتين لدرك وقت الفضيلة. ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين كون المرأه شاكة في انقطاع دمها لبرء أو فترة وبين كونها عالمة بعدم الانقطاع أو كانت غافلة وذلك للاطلاق. نعم قلنا أن صورة العلم بالانقطاع خارجة عن الاطلاقات بقرينة الارتكاز كما مر. هذا على ان حصول الانقطاع بعد الاتيان بالطهارة والصلاة أمر متعارف كحصوله قبل الاتيان بهما أو في اثناءهما إذ ليس للانقطاع وقت معين فقد ينقطع في أول الوقت قبل الطهارة والصلاة وقد ينقطع في اثنائهما وقد ينقطع في آخر الوقت بل لعله الغالب في الليل لان الغالب اتيان الصلاة في أوله فالانقطاع لو حصل فانما يحصل غالبا بعد الصلاة فلا مانع من شمول الاطلاق لتلك الصورة. بل عدم تعرضهم لوجوب الاعادة حينئذ مع كون الانقطاع بعد الصلاة أمرا متعارفا يكشف عن عدم وجوب الاعادة حينئذ وان الاتيان


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من ابواب الاستحاضة، ج 1.

[ 156 ]

وان كان انقطاع فترة واسعة فكذلك على الاحوط (1) وان كانت شاكة في سعتها أو في كون الانقطاع لبرء أم فترة لا يجب الاستئناف أو الاعادة (2)، إلا إذا تبين بعد ذلك سعتها أو كونه لبرء. بالواجب الاضطراري مجزء عن المأمور به الاختياري. فالحكم بعدم وجوب الاعادة انما هو لذلك لا لكون الامر الخيالي أو الظاهري مجزيا عن الواقع فعلى ذلك لا يبعد الحكم بعدم وجوب الاعادة وان كان وجوبها أحوط كما أشرنا إليه في التعليقة. (1) لانها كانقطاع برء، والمرأة فيها محكومة بالطهارة وليس حكمها حكم النقاء المتخلل اثناء الحيضة الواحدة في كونه ملحقا بالحيض لانه انما كان الدليل ولا دليل عليه في المقام، والمستحاضة بمعنى مستمرة الدم ومع الانقطاع لا تكون مستحاضة بوجه. بل الحال كذلك لغة لان الاستحاضة من الحيض الذي هو بمعنى الدم ومعه عدمه لا استحاضة في البين فحكم الفترة الواسعة حكم البرء. صور الشك في سعة الفترة: (2) للشك في سعة فترة الانقطاع صور ثلاثة: (الاولى): ان تعلم بالانقطاع وتشك في انه انقطاع برء أو إنقطاع فترة واسعة.

[ 157 ]

وهذه الصورة خارجة عن محل الكلام لان الفترة كالبرء فهي عالمة بطهارتها بمقدار يسع الصلاة والطهارة. (الثانية): ان يحصل لها الانقطاع ولكنها شكت في انه انقطاع برء حتى تتمكن من الطهارة والصلاة مع الطهارة من الدم، أو انه انقطاع فترة غير واسعة فلا تتمكن منهما في حالة الطهر. (الثالثة): أن يحصل لها الانقطاع وتعلم انه ليس بانقطاع برء وانما هو فترة ولكنها شكت في انها تسع للطهارة والصلاة أو انها مضيقة لا تسعهما. وهاتان الصورتان هما محل الكلام في المقام وقد حكم (قده) بعدم وجوب الاعادة لو كان بعد الصلاة وعدم وجوب الاستئناف لو كان في اثنائها. ولعله (قده) يرى أن المقام من موارد الشك في التكليف حيث ان المرأة بعد ما أتت بوظيفتها أو شرعت فيها تشك في انها مكلفة بتكليف زائد وهو التكليف بالطهارة والصلاة بعد ذلك أو لم يتوجه عليها تكليف زائد من الوضوء أو الغسل أو الصلاة، ومع الشك في التكليف يرجع إلى البراءة عن التكليف المحتمل فلا يجب عليها الاعادة ولا الاستيناف. هذا. والصحيح وجوبهما عند الشك ايضا وذلك للاستصحاب حيث ان المرأة في أول آن الانقطاع طاهرة قطعا سواء أكان الانقطاع انقطاع برء أو فترة فإذا شكت في ان طهارتها باقية مطلقا إذا احتملت البرء أو بمقدر تسع الطهارة والصلاة إذا احتملت الفترة. فمقتضى الاستصحاب بقاء طهارتها مطلقا أو بمقدار تتمكن المرأة

[ 158 ]

(مسألة 15): إذا انتقلت الاستحاضة من الادنى إلى الاعلى - كما إذا انقلبت القليلة متوسطة أو كثيرة أو المتوسطة كثيرة - فان الاعمال فلا اشكال (1) فيه من الطهارة والصلاة فهي كالعالمة بالبرء أو الفترة الواسعة لان الاستصحاب كما يجري في الامور السابقة يجري في الامور الاستقبالية. وعليه فيجري في هذه الصورة كما يجري في صورة العلم بالبرء أو الفترة الواسعة. ثم لو فرضنا عدم جريان الاستصحاب فالمورد مورد لقاعدة الاشتغال دون البراءة لانها بعد دخول الوقت تعلم بتوجه التكليف بالصلاة إليها فلا مناص من أن تخرج عن عهدته وهو لا يكون إلا بالاتيان بوظيفتها ولا تدري ان ما أتت به وظيفتها حينئذ فلا تقطع بالاتيان بوظيفتها إلا ان تعيد طهارتها وصلاتها بعد حصول الانقطاع. هذا كله فيما إذا قلنا بوجوب الاعادة عند العلم بالبرء أو الفترة الواسعة واما إذا قلنا بعدم وجوب الاعادة في صورة العلم فعدم وجوبها في صورة الشك بطريق أولى. انقلابات الاستحاضة وصورها: (1) قد تكون الاستحاضة على حالة واحدة وهي التي تقدم حكمها بما لها من الاقسام.

[ 159 ]

فتعمل عمل الاعلى وكذا إن كان بعد الصلاة فلا يجب اعادتها، واما ان كان بعد الشروع قبل تمامها فعليها الاستئناف والعمل على الاعلى حتى إذا كان الانتقال من المتوسطة إلى الكثيرة فيما كانت المتوسطة محتاجة إلى الغسل وأتت به أيضا فيكون أعمالها حينئذ مثل أعمال الكثيرة لكن مع ذلك يجب الاستئناف، وان ضاق الوقت عن الغسل والوضوء أو أحدهما تتيمم بدله، وان ضاق عن التيمم أيضا استمرت على عملها لكن عليها القضاء على الاحوط. وقد تتبدل حالاتها وتنقلب. والتبدل قد يكون من الادنى إلى الاعلى كالقليلة تتبدل بالكثيرة أو المتوسطة. أو المتوسطة تتبدل بالكثيرة وهي ثلاث صور. وقد تكون من الاعلى الا الادنى كما إذا تبدلت الكثيرة بالمتوسطة أو بالقليلة أو تبدلت المتوسطة بالقليلة فهذه صور ستة. تبدل القليلة بالكثيرة: الصورة الاولى: ما إذا تبدلت القليلة بالكثيرة فان كان ذلك قبل أن تشرع في اعمالها فلا اشكال في وجوب اعمال المستحاضة الكثيرة في

[ 160 ]

وان انتقلت من الاعلى إلى الادنى استمرت على عملها لصلاة واحدة ثم تعمل عمل الادنى فلو تبدلت الكثيرة متوسطة قبل الزوال أو بعده قبل صلاة الظهر تعمل للظهر عمل الكثيرة فتتوضأ وتغتسل وتصلي لكن للعصر والعشائين يكفي الوضوء، وان اخرت العصر عن الظهر أو العشاء عن المغرب. نعم لو لم تغتسل للظهر عصيانا أو نسيانا يجب عليها للعصر إذا لم يبق الا وقتها، وإلا فيجب اعادة الظهر بعد الغسل وان لم تغتسل لها فللمغرب وان لم تغتسل لها فللعشاء إذا ضاق الوقت وبقي مقدار العشاء. حقها لارتفاع القليلة على الفرض ولا أثر لها بعد تحقق الكثيرة بوجه لان دمها ثقب الكرسف وتجاوز عنه فيشملها اطلاق وجوب الغسل لكل صلاتين أو مع الوضوء بناءا على وجوبه في الكثيرة. وأما إذا تبدلت بعد الاتيان باعمالها فلا تجب اعادة أعمالها بوجه لان المرأة أتت بوظائفها وهي طاهرة، والحدث المتأخر لا يوجب بطلان الاعمال السابقة، نعم أثرها يظهر في الاعمال اللاحقة بعد الحدث. واما إذا تبدلت في اثناء عملها من الوضوء والصلاة - ولو في آخر جزء من الصلاة - فهل يجب عليها استئناف صلاتها والاتيان بها مع الغسل أو لا يجب؟

[ 161 ]

لا ينبغي الاشكال في أن ما دل على وجوب التوضي (1) في حق المرأة المستحاضة لكل صلاة اما هو مقيد بما إذا كانت الاستحاضة قليلة فإذا ارتفعت وتبدلت إلى الكثيرة لا يكفي الوضوء في صلاتها ولو في المقدار الباقي منها بل يشملها اطلاق (2) ما دل على وجوب الغسل لكل صلاتين ومعه لابد من استئناف صلاتها فتأتي بها مع الغسل أو مع الغسل والوضوء. هذا كله فيما إذا كان الوقت واسعا للاعادة والاغتسال. واما إذا كان الوقت ضيقا فان كانت متمكنة من التيمم والصلاة فوظيفتها التيمم والصلاة لاجل ضيق الوقت، وان لم يسع الوقت للغسل ولا للتيمم فذكر الماتن (قده) انها تستمر في عملها وتقتضي بعد ذلك على الاحوط. ولم يظهر لنا وجه ذلك لان المرأة بعد ما تبدلت استحاضتها كثيرة ووجب عليها الغسل لكل صلاتين ولم تتمكن من الغسل ولا من التيمم فهي فاقدة للطهورين، والوضوء الذي أتت به قبل تبدل استحاضتها ليس بطهور في حقها. وبناؤه (قده) في فاقد الطهورين على سقوط الصلاة عنه كما هو الصحيح، وعلى ذلك لا يجب على المرأة أن تستمر في عملها بل لها أن ترفع اليد عن عملها وتقضيها بعد ذلك. ومعه فالصحيح أن يعكس الامر ويقول: (تستمر على عملها - على الاحوط - وتقضيها خارج الوقت على الاقوى) لا ما صنعه هنا، هذا كله في تبدل القليلة بالكثيرة.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1، 7، 9. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة.

[ 162 ]

الصورة الثانية: وهي ما إذا تبدلت القليلة بالمتوسطة فقد يكون قبل إتيانها بشئ من وظائفها ومعه يجب عليها أن تأتي بأعمال المتوسطة لارتفاع القليلة وشمول ادلة المتوسطة لها. وقد يكون بعد الاتيان بأعمالها ولا تجب معه الاعادة بوجه. واما ان تتبدل في الاثناء ومعه يجب أن ترفع اليد عن عملها وتستأنف غسلا ووضوءا ولا تكتفي بالوضوء الذي أتت به قبل التبدل حيث ان مقتضى الاخبار انها بنفسها مقتضية للوضوء فلا يمكنها الاكتفاء بالوضوء السابق بوجه، ومع ضيق الوقت الكلام هو الكلام في الكثيرة بعينه. الصورة الثالثة: وهي ما إذا تبدلت المتوسطة بالكثيرة ففي صورة تقدم ذلك على اعمالها وتأخره عنها لا اشكال ولا كلام. واما إذا تبدلت في الاثناء فيجب عليها أن ترفع اليد عن عملها وتستأنفها مع الغسل كما هو مقتضى اطلاق ما ورد في الكثيرة. توضيح الكلام في الصور الثلاث: وتوضيح الكلام في جميع الصور الثلاثة ان القليلة إذا تبدلت بالكثيرة قبل العمل أو في اثنائه فان كانت أتت بالوضوء فيحكم ببطلانه بحدوث الاستحاضة الكثيرة فان قلنا في الكثيرة بوجوب الوضوء فلابد من اتيانها الغسل والوضوء وليس لها الاكتفاء بوضوئها السابق. لان ظاهر الدليل أن الكثيرة بنفسها سبب للغسل والوضوء فلابد من أن تأتي بهما بعد التبدل وعلى القول بعدم وجوب الوضوء في الكثيرة تأتي بالغسل فقط:

[ 163 ]

واما إذا لم تتوضأ قبل التبدل فهل يجب بعد التبدل أن تغتسل للكثيرة وتتوضأ من جهة تحقق القليلة قبل ذلك وهي حدث موجب للوضوء ولا مسقط عنه أو لا يجب؟. الظاهر عدم الوجوب وذلك لان القليلة وان كانت سببا للوضوء إلا انا ذكرنا في محله ان كل غسل يغني عن الوضوء فالغسل للكثيرة يكفي عن الوضوء. هذا على أن في نفس الاخبار الواردة في القليلة دلالة على عدم وجوب الوضوء في المقام وذلك لانها علقت وجوب الوضوء عند كل صلاة على عدم تجاوز الدم وعدم ثقبه، واما مع التجاوز ولو بعد ساعات فوظيفتها الاغتسال لكل صلاتين دون الوضوء. وذلك لان كل كثيرة مسبوقة - لا محالة - بالقلة لان الطفرة - على ما يقولون - مستحيلة أو لو كانت ممكنة فهي غير واقعة خارجا أفهل يحتمل وجوب الوضوء للقليلة في جميع الاستحاضات الكثيرة. وليس هذا إلا من جهة أن وجوب الوضوء للقليلة مقيد بان لا يتجاوز دمها الكرسف ورواية ابن النعيم صريحة في ذلك حيث ورد فيها ما مضمونه انها تنظر ما بين المغرب وبينها ان كان الدم يسيل (1). الخ فلاحظ. واما إذا تبدلت القليلة بالمتوسطة قبل العمل أو في اثنائه فان توضأت قبل ذلك فوضوؤها باطل ليس لها الاكتفاء به لان المتوسطة بنفسها مقتض للغسل والوضوء. واما إذا لم تأت بالوضوء قبل ذلك فلا اشكال في انها تغتسل


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 7.

[ 164 ]

وتتوضأ وهو كاف عن الوضوء للقليلة. أو لو قلنا بان المتوسطة سبب مستقل للوضوء وهو لا يكفي عن غيره فنقول ان وجوبه في القليلة كما عرفت - مغيى بعدم ثقب الدم وقد ثقب فلا يجب الوضوء للقليلة. واما إذا تبدلت المتوسطة بالكثيرة فان اغتسلت وتوضأت فلابد من الحكم ببطلانهما بالتبدل وحدوث الكثيرة وليس لها أن تكتفي بهما لان الكثيرة بنفسها سبب مستقل للغسل والوضوء - على تقدير القول بوجوب الوضوء فيها. واما إذا لم تأت بالوضوء فان قلنا إن الكثيرة يجب فيها الوضوء لكل صلاة فلا يظهر فرق بينها وبين المتوسطة في الصلاة الاولى بعد التبدل بالكثيرة لانها لابد أن تغتسل وتتوضأ كانت متوسطة أم كثيرة. نعم انما يظهر الاثر بينهما في الصلوات غيرها فعلى الكثيرة يجب أن تغتسل لكل صلاتين وعلى المتوسطة تكتفي بالوضوء فقط. واما إذا قلنا بعدم وجوب الوضوء في الكثيرة فهل يجب عليها أن تتوضأ أيضا لتحقق سببها وهو المتوسطة ولا مسقط له والكثيرة ليست مقتضية لعدم الوضوء بل لا اقتضاء لها بوجوبه؟ الصحيح عدم وجوب الوضوء لوجهين: (أحدهما): ان مقتضى الادلة (1) الواردة في وجوب الغسل والوضوء في المتوسطة وان كان وجوبهما حتى فيما إذا تبدلت بالكثيرة لاطلاقها من حيث تقدمها أو تأخرها بالكثيرة وعدمه كما أن مقتضى


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة.

[ 165 ]

اطلاق ما ورد (1) في وجوب الغسل لكل صلاتين عند تجاوز دمها الكرسف وجوب الغسل في حقها لكل صلاتين فحسب سواء سبقتها المتوسطة أم لم تسبقها. وهذان الاطلاقان متدافعان لان مقتضى الاول وجوب الوضوء ومقتضى الثاني عدمه وبعد التساقط لابد من الرجوع إلى عموم العام وهو يدل على اغناء كل غسل عن الوضوء. و (ثانيهما): ان نفس ما ورد في وجوب الغسل والوضوء على المتوسطة والغسل في الكثيرة يدلنا على عدم وجوب الوضوء في الكثيرة لان وجوب الوضوء في المتوسطة مقيد بعدم تجاوز الدم عن الكرسف ولو فيما بينها وبين المغرب ومع التجاوز لا يجب الوضوء. وتوضيحه: ان كل كثيرة مسبوقه بالتوسط لا محالة فعدم وجوب الوضوء في جميع موارد الكثيرة انما هو من جهة انه مقيد بعدم تجاوز الدم، والاخبار (2) الواردة في الكثيرة انما دلت على وجوب الغسل فقط ولم يتعرض لوجوب الوضوء بوجه ومعه يحكم بعدم وجوب الوضوء على المستحاضة، هذا كل في صورة التبدل من الادنى إلى الاعلى، ومنه ظهر الحال في الصور الآتية فلاحظ. الصورة الرابعة وهي ما إذا تبدلت من الاعلى الا الادنى فان الكثيرة إذا تبدلت بالمتوسطة ليس لها الاكتفاء بالغسل الواحد مع الوضوء بل لابد لها من الاتيان بوظائف الكثيرة لصدق انها امرأة تجاوز دمها الكرسف والاستحاضة الكثيرة آناما كافية في ثبوت احكامها.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة. (2) الوسائل: نفس الباب المتقدم.

[ 166 ]

(مسألة 16): يجب على المستحاضة الكثيرة والمتوسطة إذا انقطع عنها بالمرة الغسل للانقطاع (1) إلا إذا فرض عدم خروج الدم منها من حين الشروع في غسلها السابق للصلاة السابقة. الصورة الخامسة والسادسة: ما إذا تبدلت الكثيرة أو المتوسطة إلى القليلة فانه لابد من اتيان وظيفتي المتوسطة أو الكثيرة لكفاية صدق كون المرأة ممن ثقب دمها أو تجاوز دمها الكرسف آناما في ترتب احكامها. وجوب الغسل للانقطاع: (1) قد لا يخرج عن المستحاضة حال غسلها وصلاتهادم ولا اشكال في انها بغسلها تصير طاهرة ولا يجب عليها بعد ذلك شئ. وقد يخرج الدم حال غسلها أو بعده أو حال صلاتها، وفي مثله لابد لها من أن تغتسل للانقطاع إذا انقطع بعد الصلاة. وذلك لما استفدناه من الاخبار من أن دم الاستحاضة حدث وانما خرجنا عما دل على ناقضية الحدث بالاضافة إلى حال الصلاة والاغتسال واما بعدهما فهو حدث لابد من الاغتسال له. مضافا إلى صحيحة ابن نعيم حيث علقت عدم وجوب الغسل عليها بما إذا لم تطرح الكرسف عنها وقال فان طرحت الكرسف عنها فسال

[ 167 ]

الدم وجب عليها الغسل) (1) ولو كان ذلك في اثناء غسلها أو صلاتها وهي صريحة في المدعى حيث صرحت بانها إذا رأت الدم فيما بينها وبين المغرب أيضا وجب عليها الوضوء ان لم يسل والغسل إن سال: ويدل عليه المطلقات الواردة في المقام كموثقة سماعة (2) وغيرها من ان الدم إذا ثقب الكرسف أو تجاوز عنه وجب عليها الاغتسال مرة أو لكل صلاتين فان اطلاقها يشمل ما إذا كان ذلك في اثناء غسلها وصلاتها. فالمتحصل: ان المستحاضة لابد لها من الاغتسال للانقطاع وليس لها الاكتفاء بغسلها الذي خرج دم في اثنائه أو بعده أو اثناء صلاتها لعدم حصول الطهارة لها بذلك مطلقا وإلا لم تكن حاجة إلى الوضوء لكل صلاة أو الغسل لكل صلاتين بعد ذلك، هذا كله في المتوسطة والكثيرة. ومنه يظهر الحال في القليلة وانها إذا لم يخرج منها دم في اثناء وضوئها وصلاتها فلا تحتاج إلى وضوء بعد ذلك واما إذا خرج في اثناءهما وانقطع بعد ذلك فلابد لها من ان تتوضأ للصلاة التي بعدها لما عرفت من عدم ارتفاع حدثها بما أتت به من الوضوء. المناقشة في كلام المشهور: ويمكن ان يقال: إن الحكم بوجوب الغسل للانقطاع وان كان هو المشهور إلا انه مورد المناقشة في المتوسطة وذلك لقصور المقتضي حيث


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 7. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6 وغيرها من روايات الباب.

[ 168 ]

ان غاية ما تدل عليه الاخبار الواردة في المقام أن حدوث المتوسطة موجب للغسل الواحد في حقها والمفروض انها أتت بوظيفتها واغتسلت. واما أنها إذا انقطعت ثم عادت أيضا موجبة للحدث والاغتسال فهو محتاج إلى الدليل ولا يكاد يستفاد من الاخبار، وبعبارة أخرى ان حدوث دم الاستحاضة المتوسطة هو الذي يستفاد من الاخبار كونه موجبا للاغتسال دون بقائه. وعليه لا يمكن الاستدلال على وجوب الغسل للانقطاع بالاطلاقات كما لا مجال للتشبث بالصحيحة المتقدمة لانها اجنبية عما نحن فيه حيث انها تدل على أن طرو دم الاستحاضة وحدوثه فيما بينها وبين المغرب موجب للاغتسال في حقها. واما انه إذا انقطع ثم عاد ايضا موجب للاغتسال فهي اجنبية عن ذلك رأسا. وعليه ففي الاستحاضة المتوسطة إذا اغتسلت وصلت ثم عاد دمها لا يجب عليها الغسل للانقطاع لانه بلا موجب حيث انها أتت بما هو وظيفة المستحاضة المتوسطة اعني الغسل الواحد ليومها وليلتها فلا يجب عليها الغسل ثانيا للانقطاع. كيف؟ فلو لم ينقطع دمها لم يجب عليها غسل آخر فكيف بما إذا انقطع ثم عاد. نعم يجب عليها بعد عود دمها ان تتوضأ للصلوات الآتية لاطلاق ما دل على أن المستحاضة المتوسطة يجب عليها الوضوء لكل صلاة وبما انها رأت الدم بصفة المتوسطة فهي مستحاضة متوسطة يجب عليها الوضوء للصلوات الآتية، هذا كله في المتوسطة.

[ 169 ]

(مسألة 17): المستحاضة القليلة كما يجب عليها تجديد الوضوء لكل صلاة مادامت مستمرة، كذلك يجب عليها تجديده لكل مشروط بالطهارة كالطواف الواجب ومس بل يمكن ان يقال: ان الامر في الكثيرة أيضا كذلك بالاضافة إلى الصلاة الثانية فيما إذا ارادت أن تجمع بين الصلاتين فاغتسلت وصلت احداهما ثم عاد الدم فلا يجب عليها أن تغتسل للثانية. وذلك لاطلاق (1) ما دل على كفاية الغسل الواحد في الكثيرة لصلاتين والمفروض انها اغتسلت فيكفيها ذلك الغسل بالاضافة لهما. نعم يجب عليها غسل آخر بالاضافة إلى باقي الصلوات لما دلت عليه صحيحة (2) ابن نعيم وغيرها من انها إذا سال دمها بينها وبين المغرب اغتسلت، فانها شاملة للمقام حيث ان المفروض سيلان دمها بعد الطهرين فهي مستحاضة بالكثيرة يجب أن تغتسل لكل صلاتين أو أو لكل صلاة. عليه فلا يجب غسل آخر للانقطاع وان كان ذلك هو المشهور بينهم وهو الاحوط وان كان الاقوى ما ذكرناه.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة. (2) تقدم ذكرها في صدر المسألة.

[ 170 ]

كتابة القرآن إن وجب (1) وجوب الوضوء في القليلة لكل مشروط بالطهارة: (1) وقع الكلام في ان المستحاضة القليلة إذا توضأت لصلاتها فهل يكفي ذلك للطواف والمس الواجبين - حتى نتكلم في المستحبين منهما - ويأتي حكم المبحث. المشهور بينهم بل ادعي التسالم عليه عدم حاجتها إلى الوضوء الجديد لهما بعد ما توضأت لصلاتها وذكروا ان المستحاضة إذا اتت بوظائفها فهي طاهرة. وخالف في ذلك صاحب الموجز وشارحه كاشف الغطاء حيث ذهبوا إلى وجوب التعدد في الوضوء إذا تعدد المس أو الطواف وان وضوء المستحاضة لصلاتها لا يكفي فيهما، ومن هنا احتاط الماتن (قده) وقال: (وليس لها الاكتفاء بوضوء واحد للجميع على الاحوط. وما أفاده هو الاحوط بل هو الاظهر وذلك لعدم احراز كون الاجماع المدعي في المسألة اجماعا تعبديا وصل الينا يدا بيد حتى يكشف عن قول الامام - ع -. بل يحتمل كونه مستندا إلى استنباطتهم واجتهاداتهم ولا اقل من احتمال استنادهم في ذلك إلى عدم تعرض الاخبار لوجوب الوضوء على المستحاضة حينئذ للطواف أو المس مع ورودها في مقام البيان. فالاجماع - على تقدير تحققه - ساقط لا اعتبار به.

[ 171 ]

على أن الاجماع غير محقق لوجود المخالف في المسألة. وثالثا: ان ما حكي عنهم من ان المستحاضة (إذا فعلت ذلك كانت بحكم الطاهرة مجهول المراد فانه يحتمل امورا: المحتملات في ان المستحاضة بحكم الطاهرة: (الاول): وهو أظهر الاحتمالات ان المستحاضة إذا أتت بوظائفها فهي بحكم الطاهرة بالاضافة إلى صلاتها وذلك دفعا لما ربما يتوهم من ان الدم الخارج منها اثناء صلاتها مانع عن صلاتها ومعنى ذلك ان المرأة طاهرة حينئذ وكأن الدم لم يخرج اصلا. وعلى هذا لا يستفاد منع عدم حاجتها إلى الوضوء بالنسبة إلى الطواف أو المس. (الثاني): ان يقال: إن المرأة إذا أتت بوظائفها فهي طاهرة إلا أن طهارتها مؤقتة بما إذا كانت مشتغلة بأعمالها التي منها الصلاة بحمل كلمة (إذا) على التوقيت دون الاشتراط. وهذا ذهب إليه المحقق الهمداني (قده) وذكر أن معنى تلك الجملة انها طاهرة ما دامت مشغولة بصلاتها. واستدل عليه بانها لو كانت طاهرة مطلقا لم يكن وجه لما ذهب إليه المشهور من أن صحة صوم المستحاضة مشترطة باغتسالها قبل الفجر وذلك لانها قد اغتسلت للعشائين وأتت بوظيفتها وهي طاهرة فلماذا اوجبوا الغسل عليها قبل الفجر لصعة صوم الغد؟ وما افاده (قده) وان كان لا بأس به إلا أن حمل (إذا) على

[ 172 ]

التوقيت خلاف الظاهر بل لابد من حمله على الاشتراط فمعناه انها إذا عملت بوظائفها فهي طاهرة بالاضافة إلى صلاتها وحسب. وكيف كان: فالاظهر هو الاحتمال الاولى والثانى دونه في الظهور. (الثالث): أن يراد به أن كل امرأة مستحاضة أتت بوظائفها فهي طاهرة مطلقا بالنسبة إلى جميع الاعمال المشروطة بالطهارة فلا يجب على المستحاضة بعد توضؤها للصلاة ان تتوضأ للطواف أو المس. وهذا مجرد احتمال لا دليل مثبت له. فالمتحصل إن قولهم: (إذا فعلت وظائفها كانت بحكم الطاهرة) غير ظاهر المراد والاجماع على تقدير تحققه عليه لا يثمر شيئا فالمقدار للمتيقن الثابت أن المستحاضة إذا أتت بوظائفها فهي بالاضافة إلى صلاتها طاهرة وان الدم الخارج حال الوضوء أو بعده أو اثناء الصلاة غير مضر، ووضوؤها كاف بالنسبة إلى صلاتها. وأما غيرها من الافعال المشروطة بالطهارة فنحن ومقتضى القاعدة وهي تقتضي الوضوء للطواف والمس الواجبين لعدم العلم بكفاية وضوئها حتى لغير صلاتها. ومع الشك في الكفاية لابد من الاتيان بالوضوء حيث ان احتمال عدم وجوب الطواف والمس على المستحاضة مقطوع العدم لان حالها حال سائر النساء كيف والطواف واجب على الحائض غايته إذا لم تتمكن منه استنابت فكيف بالمستحاضة. كما ان احتمال عدم شرطية الطهارة لهما كذلك إذ لا مخصص لادلة شرطية الطهارة لهما ومع وجوبهما على المستحاضة وهما مشروطان بالطهارة ولا دليل على كفاية الوضوء للفريضة عنهما، فمقتضى القاعدة

[ 173 ]

وليس لها الاكتفاء بوضوء واحد للجميع على الاحوط، وان كان ذلك الوضوء للصلاة فيجب عليها تكراره بتكرارها حتى في المس يجب عليها ذلك لكل مس على الاحوط (1) هو أن تأتي بالوضوء لاجلهما. والوجه فيما ذكرناه ان الطواف والمس أمران تبتلي بهما النساء ذوات الدم فلو لم تجب على المستحاضة أو لم تشترط في طوافهن الطهارة لاشير إليه في شئ من الاخبار لا محالة. بقي الكلام في أن المستحاضة بالاضافة إلى صلاة الطواف هل تحتاج إلى وضوء لها أو أن وضوئها لصلاتها كاف لصلاة الطواف أيضا. لم أر من تعرض لهذه المسألة ولكن ظهر حكمها مما بيناه آنفا وحاصله: ان الوضوء لما لم يقم دليل على كفايته لغير صلاتها الفريضة فمقتضى القاعدة أن تتوضأ لغيرها من الاعمال المشروطة بالطهارة من الطواف والمس وصلاة الطواف وغيرها، مضافا إلى عموم قوله (ع)، (فلتتوضأ لكل صلاة) (1) فانه شامل لصلاة الطواف وغيرها. تكرار الوضوء لكل مس: (1) بل هذا هو الظاهر وذلك لان مقتضى قوله تعالى (لا يمسه


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1 و 4.

[ 174 ]

نعم لا يجب عليها الوضوء لدخول المساجد والمكث فيها، بل ولو تركت الوضوء للصلاة أيضا. (مسألة 18): المستحاضة الكثيرة والمتوسطة إذا عملت بما عليها جاز لها جميع ما يشترط فيه الطهارة حتى دخول إلا المطهرون) ان كل مس لابد أن يقع قبله وضوء وطهارة غاية الامر أنا علمنا أن وضوء غير المستحاضة للصلاة أو لغيرها يكفي لمسه ما دام لم ينتقض كما يكفي لغير المس مما يشترط فيه الطهارة. وأما وضوء المستحاضة فلا دليل على كونه كذلك لدلالة الاخبار المتقدمة على أن المستحاضة لابد أن تتوضأ لكل صلاة فإذا يشك في كفاية وضوئها للمس أولا لمسها ثانيا ومع الشك في كفاية وضوء المستحاضة للمس لمسها ثانيا لابد من الرجوع إلى اطلاق النهي عن مس الكتاب على غير طهر. وقد عرفت انه يقتضي وقوع كل مس عن وضوء قبله، وعليه يجب أن يتعدد وضوء المستحاضة بتعدد المس. نعم لو قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية لامكن في المقام أن يقال باستصحاب أثر الطهارة المتيقنة للمس اولا عند مسها ثانيا وثالثا، للشك في بقائها وارتفاعها، إلا انا لا نقول به في الاحكام.


(1) سورة الواقعة: الآية 79.

[ 175 ]

المساجد والمكث فيها وقراءة العزائم ومس كتابة القرآن (1) ويجوز وطؤها، وإذا اخلت بشئ من الاعمال حتى تغيير القطنة بطلت صلاتها واما المذكورات سوى المس فتتوقف على الغسل فقط، فلو اخلت بالاغسال الصلاتية لا يجوز لها الدخول والمكث والوطي وقراءة العزائم على الاحوط إذا عملت المستحاضة بوظيفتها: (1) ذهب الماتن (قده) تبعا لجماعة إلى ان المستحاضة المتوسطة أو الكثيرة إذا اتت بغسلها جاز لها جميع ما يشترط فيه الطهارة من الدخول في المسجدين والمكث في المساجد وقراءة العزائم والوطئ وغيرها وان اخلت بغير الاغتسال كتغيير القطنة، وذلك لانه شرط في الصلاة دون غيرها. وأما إذا أخلت بالاغسال فلا يجوز لها شئ من ذلك. بل ذكر (قده) أن زوجها إذا أراد الوطي قبل وقت الصلاة وجب عليها الاغتسال للوطي. جهات الكلام في المسألة: والكلام في هذه المسألة يقع من جهات:

[ 176 ]

ولا يجب لها الغسل مستقلا بعد الاغسال الصلاتية وان كان احوط. نعم إذا ارادت شيئا من ذلك قبل الوقت وجب عليها الغسل مستقلا على الاحوط. الجهة الاولى: في اشتراط جواز وطي المستحاضة باغتسالها وعدمه. الجهة الثانية: في اشتراط قراءتها العزائم به - أي بالاغتسال -. الجهة الثالثة: في اشتراطه في جواز دخولها المسجدين والمكث في المساجد. الجهة الرابعة: في اشتراط الغسل لمسها الكتاب العزيز وعدمه. أما الجهة الاولى: فمقتضى الاخبار (1) المتقدمة في جواز وطي الحائض بعد انقطاع دمها أن الوطي للزوجة انما يحرم مادام الحيض باقيا فإذا انقطع دم الحيض منها وصارت طاهرة منه جاز وطؤها وان كانت مستحاضة بالمتوسطة أو الكثيرة ولا دلالة في تلكم الروايات على اشتراط وطي المستحاضة باغتسالها. وعليه لو فرضنا أن المرأة لا تصلي أو أنها تصلي من غير غسل لجهلها أو لغير ذلك فلا مانع من اتيان زوجها لها. وليس في قبال هذه الاخبار سوى موثقة لسماعة (وان اراد زوجها أن يأتيها فحين تغتسل) (2) واستدل بها على أن وطئ المستحاضة لابد ان يكون بعد الاغتسال حملا لقوله (ع) (حين تغتسل) على


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 و 3 من أبواب الاستحاضة. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6.

[ 177 ]

معنى بعد الاغتسال، والموثقة مروية بطريقين والجملة المذكورة وردت في أحد الطريقين دون الآخر - وهو الذي نقله عنه صاحب الوسائل في الباب الاول من الجنابة في الحديث الثالث: إلا أن حمل قوله (ع) (حين تغتسل) على ما بعد الاغتسال خلاف ظاهر الحديث جدا ولا وجه للالتزام به فالاستدلال بها مما لاوجه له. وبما أن الالتزام بظاهر الموثقة غير ممكن لانها انما تدل على جواز وطي المستحاضة حال الاغتسال أو في الآن المتصل بغسلها ولا يمكن الالتزام به - لانه غير مراد قطعا فان لازمه الحكم بعدم جواز وطي المستحاضة بعد حال اغتسالها وهذا مما لا يمكن التفوه به ولا سيما في المتوسطة التي اغتسلت قبل الفجر ولا يجب عليها إلا الغسل مرة واحدة. لان الموثقة مشتملة على حكم المتوسطة والكثيرة أيضا وكيف يمكن الالتزام بعدم جواز وطي المستحاضة المتوسطة وان اغتسلت قبل ذلك. فلا مناص من حملها على محمل أقرب من حملها على ما بعد الاغتسال وهو أن يقال: ان الرواية وردت ارشادا إلى أمر غير شرعي وان المراد بالجملة المذكورة هو ما قبل الاغتسال لئلا يجب على المرأة اغتسالان بل يأتيها زوجها قبل غسلها حتى يكفيها غسل واحد، فالموثقة وردت للارشاد إلى أن غسل الجنابة يغني عن غسل الاستحاضة وأن المرأة يأتيها زوجها قبل اغتسالها حتى لا يتكرر الاغتسال في حقها. وهذا وان كان خلاف ظاهر الحديث إلا أنه اقرب المحامل، وعليه لا معارض للاخبار (1) الدالة على جواز وطي المستحاضة وان لم تغتسل


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 و 3 من أبواب الاستحاضة.

[ 178 ]

لاسيما ان بعضها مشتمل على قوله (إذا شاء (1) فالاغتسال غير معتبر في وطي المستحاضة. أما الجهة الثانية والثالثة: فالامر فيهما أيضا كذلك حيث لم يقم دليل على حرمة قراءة العزائم أو الدخول في المسجدين أو المكث في المساجد على المستحاضة حتى تغتسل وانما دلت الاخبار (2) على حرمة تلكم الامور على الحائض وحسب فدعوى ان هذه الامور يعتبر الاغتسال لها في حق المستحاضة تحتاج إلى دليل. نعم ذهب جماعة إلى حرمة تلك الافعال على المستحاضة ما لم تغتسل لصلاتها أو لتلك الافعال وقد حكى شيخنا الانصاري (قده) عن المصابيح انه قد تحقق أن مذهب الاصحاب تحريم دخول المساجد وقراءة العزائم على المستحاضة قبل الغسل، واستظهر من ذلك الاجماع على توقف الامور المذكورة على غسلها. وفيه: ان دعواهم للاجماع في المسألة لم تثبت اولا. وثانيا: انه من الاجماع المنقول. وثالثا: انه ظاهر البطلان لو كان مراد صاحب المصابيح هو الاجماع بل هو مقطوع الخلاف لذهاب جملة من الاصحاب كالشيخ والعلامة والاردبيلى وصاحبي المدارك والذخيرة إلى الجواز وعدم توقفها على الاغتسال ومعه كيف يمكن دعوى الاجماع في المسألة. نعم: قد يقال ان الحرمة وتوقف الافعال المذكورة على الاغتسال مقتضى الاستصحاب فيما إذا كانت الاستحاضة مسبوقة بالحيض لحرمتها


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 4. (2) تقدم ذكر الاخبار في البحث عن احكام الحائض.

[ 179 ]

على الحائض فتستصحب. المناقشات في التمسك بالاستصحاب في المقام: ولكن فيه وجوه من المناقشات وذلك: اولا: لانه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية وقد مر هنا المناقشة في جريانه مرارا. وثانيا: فلو اغمضنا عن ذلك فالاستصحاب لا يجري في خصوص المقام لعدم اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة لان الحيض والاستحاضة متقابلان في الاخبار، والحرمة قد ثبتت في حق الحائض وبعد انقطاع الحيض وارتفاعه ارتفعت الحرمة الثانية لاجله لا محالة والمستحاضة موضوع ثان آخر نشك في حرمة تلك الافعال في حقها بحيث لو قلنا فيها بالحرمة لكانت حرمة مغايرة لتلك الحرمة الثابتة على الحائض. ومما يؤيد ذلك أنا لم نر ولم نسمع من أحد بحكم بوجوب الكفارة في وطي المستحاضة ولو مع القول بحرمته في حقها ما لم تغتسل مع ان القائل بوجوب الكفارة في وطي الحائض موجود. فهذا يدلنا على أن الحرمة - على تقدير القول بها في المستحاضة - هي حرمة اخرى غير الحرمة الثابتة في حق الحائض، ومع عدم اتحاد القضيتين لا مجرى للاستصحاب. وثالثا: لو اغمضنا عن ذلك فمقتضى اطلاق الآية الكريمة والروايات جواز وطي المستحاضة من دون حاجة إلى الاغتسال وذلك لقوله تعالى

[ 180 ]

(ولا تقربوهن حتى يطهرن) (1) أو (يطهرن) بالتشديد فان للغاية مفهوما فتدل على عدم الحرمة بعد انقطاع الدم أو الاغتسال من الحيض. وفي حالة الاستحاضة يجوز وطؤها بمقتضى الآية المباركة. كما ان مقتضى الاخبار (2) ذلك بل بعضها عام وبدل على ان المستحاضة يأتيها زوجها متى شاء (3). ومن الظاهر أن مع وجود الاطلاق والدليل الاجتهادي لا مجال للتمسك بالاستصحاب. ورابعا: ان الاستصحاب لو جرى فانما يختص بما إذا حدثت الاستحاضة قبل غسل الحيض أو في اثنائه، واما إذا حدثت بعد الاغتسال من الحيض فمقتضى الاستصحاب جواز وطؤها لاحرمته وذلك لان الازمنة ثلاثة: أحدها: زمان القطع بالحرمة وهو ما قبل اغتسالها. وثانيها: زمان القطع بالجواز وهو ما بعد اغتسالها. وثالثها: زمان الشك في الحرمه وهو زمان حدوث الاستحاضة ومع تخلل اليقين بالجواز بين اليقين بالحرمة والشك فيها لا مجال لاستصحاب الحرمة بوجه. هذا بل لو قلنا بجواز الوطي بعد الانقطاع وقبل الاغتسال يلزم في استصحاب الحرمة أن تكون الاستحاضة متصلة بدم الحيض إذ مع الفصل - كما إذا حدثت في زمن اغتسالها أو بعده - يتخلل زمان القطع بالجواز


(1) سورة البقرة الآية: 222. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 و 3 من أبواب الاستحاضة. (3) تقدم الكلام في هذه الرواية قريبا في الجهة الاولى فلاحظ.

[ 181 ]

بين زماني القطع بالحرمة والشك في الجواز، وهذا في الاحكام المترتبة على انقطاع الدم كما في الوطي والطلاق دون ما يترتب على الغسل كدخول المسجدين ونحو ذلك. فالمتحصل: انه لاوجه للقول يتوقف الافعال المذكورة في حق المستحاضة على الاغتسال لانه محتاج إلى دليل ولا دليل عليه. هذا وعن الوسيلة التفصيل بين الكعبة فلا يجوز للمستحاضة دخولها وبين سائر المساجد حتى المسجدين فيجوز، إلا انه مما لم نقف له على مستند سوى مرسلة يونس بن يعقوب عمن حدثه عن ابى عبد الله (ع) قال: (المستحاضة تطوف بالبيت وتصلي ولا تدخل الكعبة) (1) وهي لضعفها وارسالها لا يمكن الاعتماد عليها. وهذا كله في غير الطواف والمس. أما الطواف فمقتضى الاخبار المطلقة الدالة على وجوب الطواف أو استحبابه جوازه على المستحاضة من دون حاجة إلى الاغتسال كما ان ذلك مقتضى النصوص الخاصة الواردة في أن المستحاضة لها أن تطوف بالبيت ومن جملتها خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المستحاضة أيطؤها زوجها؟ وهل تطوف بالبيت؟ قال (ع): (تقعد قرءها. وكل شئ استحلت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت) (2). وقد ذكر صاحب الحدائق (قده) انها صحيحة السند وهي تدل على الملازمة بين استحلال الصلاة في حقها وجواز الوطي والطواف


(1) الوسائل: الجزء 9 باب 91 من أبواب الطواف ح 2. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 8.

[ 182 ]

وحينئذ لابد من ملاحظة معنى الاستحلال وهل المراد به المشروعية - أعنى الحلية الشأنية والطبعية كما هو الظاهر - أو ان المراد به الحلية الفعلية؟ وعلى الاول: تدل على جواز الوطي والطواف من غير غسل لخلية الصلاة ومشروعيتها في حق المستحاضة من غير حاجة إلى غسلها لان الغسل مما لا يتوقف عليه أمرها وتكليفها بالصلاة وانما له مدخلية في صحة صلاتها، وبعبارة أخرى الغسل ليس من شروط أمرها بالصلاة وتكليفها بها وانما هو شرط من شروط المأمور به - أعني الصلاة. وعلى الثاني: تدل على عدم جواز وطئها وطوافها إلا بعد الغسل لان حلية الصلاة فعلا تتوقف على غسلها ولولا اغتسالها لم يصح صلاتها والظاهر هو الاول لانها بصدد بيان ان المستحاضة حكمها حكم باقي المكلفين الذين يشرع في حقهم الصلاة وهي ممن من شأنه أن تصح صلاتها، وليست بصدد بيان أن حكمها يتوقف على صحة صلاتها فعلا وإلا فلصحتها وحليتها الفعلية شروط أخرى لا يحتمل دخلها في جواز وطئها أو طوافها كدخول الوقت وطهارة ثوبها وبدنها. مع انه لا يحتمل أن يكون طوافها أو وطؤها مشروطا بدخول الوقت أو طهارة الثوب والبدن وكذلك الوضوء الذي هو شرط في صلاة المستحاضة - أي في بعض اقسامها - مع أنه غير معتبر في جواز وطئها قطعا، فلا يكاد يشك في أن المراد بالحلية هو الحلية الشأنية وانها مأمورة بالصلاة لا الحلية الفعلية - أعني صحة صلاتها فعلا -.

[ 183 ]

ما هو الشرط لطواف المستحاضة: بقي الكلام في ان الطواف يشترط فيه الطهارة وان طهارة المستحاضة في الطواف هل هي الوضوء فقط أو الغسل فقط أو الغسل والوضوء معا؟ ربما يستشعر من عبارة الماتن (قده) أن طهارتها هي الغسل للطواف ولكن الصحيح أن المستحاضة يكفيها الوضوء للطواف ولا يعتبر الاغتسال في حقها لان الاخبار دلت على أن وظيفة المستحاضة هي الغسل مرة واحدة أو ثلاث مرات فلا دليل على وجوب غسل آخر في حقها ولا على مشروعيته. بل ان مقتضى الاخبار الواردة في اشتراط الطواف بالوضوء (إلا في الطواف المندوب) (1) عدم صحته ممن لا وضوء له، نعم علمنا خارجا أن الجنب ونظيره من المكلفين بالاغتسال يكفيهم الغسل عن الوضوء واما المستحاضة فلم يدلنا دليل على أن غسلها الواحد أو اغسالها كافية عن الوضوء لان غاية ما تدل عليه الاخبار أن غسل المستحاضة الواحد أو المكرر مما تستبيح به الصلاة في حقها واما انه كغيره من الاغسال في الاغناء عن الوضوء فهو محتاج إلى دليل. وعليه فمقتضى اطلاق ما دل على اشتراط الطواف بالوضوء لزوم التوضي للمستحاضة إذا اردات الطواف فحال الطواف حال الصلاة في حقها فكما أنها تتوضأ لكل صلاة من غير الفرائض الخمسة فكذا تتوضأ للطواف أيضا.


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 5 من أبواب الوضوء وج 9 باب 38 من أبواب الطواف.

[ 184 ]

وأما المس فيتوقف على الوضوء والغسل ويكفيه الغسل للصلاة (1) نعم إذا ارادت التكرار يجب تكرار الوضوء والغسل على الاحوط بل الاحوط ترك المس لها مطلقا. ما هو الشرط للمس من المستحاضة: (1) هذه هي الجهة الرابعة: من الكلام وحاصله ان المس قد يكون واجبا وقد يكون مندوبا كما تعرضنا له في المستحاضة القليلة واوضحنا حكم الواجب وبقي حكم المندوب منه ويظهر ان شاء الله أن حكم المس المندوب في الاستحاضة القليلة وغيرها على حد سواء: أما المس الواجب كما إذا كان المصحف في مكان موجب لهتكه فيجب مسه لرفعه عن ذلك المكان فمقتضى الادلة التي دلت على اشتراط المس بالطهارة - والعمدة فيه قوله تعالى (لا يمسه إلا المطهرون) (1) بضميمة ما ورد (2) في تفسيرها لانها بنفسها لا تدل على ذلك لانه من المحتمل بل الظاهر من (المطهرون) هو من طهرهم الله سبحانه كما في قوله تعالى (ويطهركم تطهيرا) (3) والمراد بالمس فهم الكتاب


(1) سورة الواقعة: الآية 79. (2) وهي موثقة ابراهيم بن عبد الحميد، الوسائل: الجزء 1 باب 12 من أبواب الوضوء ح 3. (3) الاحزاب: الآية 33 و 53.

[ 185 ]

ودرك حقائقه دون المس الظاهري لكتابته الا ان الرواية فسرتها بالمس الظاهري، وأيضا دل عليه صحيحة أو موثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله - ع - عمن قرأ في المصحف وهو على غير وضوء - طهر -؟ قال: لا بأس ولا يمس الكتاب (1) عدم جواز المس للمستحاضة وغيرها ممن لا طهارة له. ومقتضى دليل وجوب المس وجوبها على المستحاضة، والجمع بينهما يقتضي الحكم بوجوب الوضوء والمس على المستحاضة إذا لم يكن نقاء المصحف في مدة التوضي مستلزما للهتك وإلا فتمسه من دون وضوء. واما المس المندوب فمقتضى أدلة اشتراط المس بالطهارة: عدم جوازه على المستحاضة - كما عرفت - ولا دليل على كفاية وضوئها أو غسلها في الطهارة بالاضافة إلى المس المستحب ومن هنا لابد من أن تتوضأ للصلاة الاخرى أو تغتسل لها كما في الكثيرة. واما الاجماع على ان المستحاضة إذا أتت بوظائفها فهي بحكم الطاهرة فقد قدمنا ما فيه وذكرنا أن المراد به انها بحكم الطاهرة بالاضافة إلى صلاتها بمعنى ان الدم الخارج منها بعد الاتيان بوظائفها لا يكون حدثا ناقضا لصلاتها وطهارتها في حال الصلاة واما انها بحكم الطاهرة بالاضافة إلى كل فعل مشروط بالطهارة فهو محتاج إلى الدليل. وغاية ما يمكن استفادته من الاخبار أن تلك الافعال منها موجبة لاستباحة الصلاة في حقها، وعليه فالمس المستحب في نفسه مورد الاشكال في حقها.


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 12 من أبواب الوضوء ح 1. وليس فيها كلمة (على غير طهر).

[ 186 ]

(مسألة 19): يجوز للمستحاضة قضاء الفوائت مع الوضوء والغسل وسائر الاعمال لكل صلاة، ويحتمل جواز اكتفائها بالغسل للصلوات الادائية لكنه مشكل (1) والاحوط ترك القضاء إلى النقاء. نعم ذهب الاصحاب (قدهم، إلى جواز مس المستحاضة إذا أتت بوظائفها وارسلوه ارسال المسلمات فان ثبت وتم اجماعهم فهو، وان لم يثبت فالاحتياط اللازم يقتضي تركها المس المندوب بلا فرق بين أقسام الاستحاضة. جواز القضاء للمستحاضة: (1) يقع الكلام في ذلك من جهتين: (الجهة الاولى): في مشروعية القضاء في حقها أو انها تصبر حتى يرتفع حدث الاستحاضة: الظاهر عدم مشروعية القضاء في حقها لما استفدناه من الاخبار من أن الاستحاضة حدث وان جاز لها الفرائض بعد اغتسالها مرة أو ثلاث مرات بمعنى ان الدم الخارج عنها حال غسلها أو بعده أو في أثناء الصلاة لا يكون ناقضا لطهارتها إلا انها محدثة كصاحب السلس ومن هنا وجب عليه أن تتوضأ أو تغتسل للصلوات الآتية وان لم تحدث في اثنائها بحدث آخر ومع الحدث كيف يسوغ لها القضاء.

[ 187 ]

وبعبارة اخرى: ان صلاة المستحاضة اضطرارية من جهة عدم طهارتها من الحدث والقضاء واجب موسع له أفراد اختيارية فكيف تأتى بالفرد الاضطراري مع التمكن من الافراد الاختيارية ولاسيما في المستحاضة المبتلاة بنجاسة البدن غالبا وصلاتها اضطرارية من هذه الجهة أيضا مع أنه لم يقم دليل على عدم مانعية دم الاستحاضة في قضائها فلابد من أن تصبر حتى ترتفع استحاضتها. (الجهة الثانية): لو بنينا على مشروعية القضاء في حقها إلا أن الوقت ضاق ولو لاجل اطمئنانها أو ظنها بالموت بعد ذلك بحيث لا تتمكن من الصلاة الاختيارية بوجه فطهارتها لصلاة القضاء ما هي؟ احتمل الماتن وجهين في المسألة: (أحدهما): أن تأتي بقضاء الفوائت مع الوظائف المقررة للمستحاضة فكما أنها إذا اغتسلت وأتت بباقي وظائفها المتقدمة كتبديل القطنة جازت الفرائض اليومية لها كذلك جاز لها قضاء ما فاتها من الصلوات لان الاغسال طهارة في حقها. و (ثانيهما): أن تأتي بالقضاء بالوضوء والغسل مستقلين فكما انها تغتسل لفرائضها الادائية كذلك تغتسل غسلا على حدة وتأتى به القضاء، أما الاحتمال الاول فيدفعه أن غسلها للفرائض انما يستباح به الصلاة فحسب ولا يكون موجبا لطهارتها حتى يصح منها القضاء بل هي محدثة مع اغتسالها ومن ثمة لابد أن تتوضأ أو تغتسل للصلاة الثانية والثالثة. ولا وجه لتوهم كون الغسل موجبا لطهارتها سوى الاجماع المتقدم من ان المستحاضة إذا أتت بوظائفها فهي بحكم الطاهرة الا انك عرفت أن معناه انها طاهرة بالاضافة إلى صلواتها الفرائض الادائية وان الدم

[ 188 ]

الخارج منها اثناء غسلها أو بعده أو اثناء صلاتها لا يكون ناقضا لصلاتها لا انها بحكم الطاهرة بالاضافة إلى كل فعل مشروط بالطهارة. كيف وقد مر انها مكلفة بالوضوء والاغتسال لصلواتها الثانية والثالثة فهذا الوجه لا دليل عليه وبذلك يترجح الوجه الثاني وهو أن يقال. ان الغسل كما انه طهارة في حقها بالاضافة إلى صلواتها الادائية فهو طهارة بالاضافة إلى صلواتها القضائية أيضا لانها فرائض غاية الامر انها قضائية فتغتسل للقضاء وتقضي صلواتها، إلا انه أيضا مما لا يمكن المساعدة عليه لعدم قيام الدليل على ان الغسل طهارة في حق المستحاضة وانما دلت الاخبار على أن غسلها طهارة لفرائضها الادائية وحسب فلم يقم دليل على وجوب الغسل في حقها للقضاء. بل مقتضى عموم موثقة سماعة وغيرها (تتوضأ لكل صلاة) (1) أن طهارتها للصلاة انما هي الوضوء فان القضاء أيضا صلاة فتتوضأ لها ويأتي بالقضاء، ومن هنا قلنا انها تأتي بالنوافل مع الوضوء لكل نافلة. واما من جهة نجاسة بدنها من تقليلها بالمقدار الممكن وهذا لافرق فيه بين المستحاضة وغيرها ومن هنا يظهر الحال في حكم المسألة الآتية أيضا.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6.

[ 189 ]

(مسألة 20): المستحاضة تجب عليها صلاة الآيات (1) وتفعل لها كما تفعل لليومية (2) ولا تجمع بينهما بغسل وان اتفقت في وقتها. (مسألة 21): إذا احدثت بالاصغر في اثناء الغسل لا يضر بغسلها على الاقوى (3) لكن يجب عليها الوضوء بعده وان توضأت قبله. وجوب صلاة الآيات على المستحاضة (1) لاطلاق ادلة (1) وجوبها وليست هي كالحائض غير مكلفة بالفرائض وغيرها. (2) كما ذكره في قضائها نظرا إلى ان الغسل طهارة لفرائضها وصلاتها، وصلاة الآيات أيضا طهارتها الاغتسال. ويدفعه: ما تقدم من ان الغسل لم يقم دليل على كونه طهارة للمستحاضة بل مقتضى اطلاق الموثقة (2) المتقدمة كفاية الوضوء لصلاتها وصلاة الآيات صلاة فتتوضأ لها وتأتى بها. الحدث الاصغر في اثناء غسلها: (3) والوجه فيما افاده ان الوضوء والغسل في حق المستحاضة وان


(1) الوسائل: الجزء 5 باب 1 و 2 من أبواب صلاة الكسوف والايات. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 6.

[ 190 ]

كانا موجبين لطهارتها بالاضافة إلى صلاتها وهما يرفعان حدثها للصلاة إلا انه لا يحتمل ان يكون وضوئها السابق على اغتسالها - على تقدير كونها تتوضأ قبله - موجبا لارتفاع حدثها الاصغر الواقع بعده في اثناء غسلها إذ الوضوء انها يرفع الاثر الحادث قبله لابعده ولذا ورد (إذا بلت فتوضأ) (1). فلا بد من ان ترفعه بالوضوء بعد اغتسالها ولم يقم دليل على كون الحدث الاصغر ناقضا لغسلها، فيتم غسلها في مفروض الكلام وتأتي بالوضوء بعده من جهة البول الواقع في اثناء غسلها. ولا ينافي ما ذكرناه في المقام من ان الحدث الاصغر الواقع في اثناء غسل الاستحاضة غير ناقض له لما قدمناه في غسل الجنابة من أن الجنب لو احدث بالاصغر في اثنائه بطل غسله ولابد من استئنافه وذلك لقيام الدليل على انتقاض غسل الجنابة بالحدث الاصغر في اثنائه بخلاف غسل الاستحاضة، والدليل كما اسلفناه قوله تعالى (وان قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق، وان كنتم جنبا فاطهروا) (2). لانه يدل على أن المحدث على قسمين: جنب وغير جنب فان كان جنبا وجب عليه أن يغتسل وان كان غير جنب وجب عليه أن يتوضأ فكل محدث ليس جنبا يجب عليه أن يتوضأ وقد خرجنا عنه في غسل مس الميت والحيض والاستحاضة ونحوها بالدليل الذي دل على انهم لابد أن يغتسلوا.


(1) مضمون هذه الجملة موجودة في الوسائل: الجزء 1 باب 2 من أبواب نواقض الوضوء، وغيرها من الموارد. (2) سورة المائدة: الآية 6.

[ 191 ]

(مسألة 22): إذا اجنبت في اثناء الغسل أو مست ميتا استأنفت غسلا واحدا لهما ويجوز لها اتمام غسلها واستئنافه لاحد الحدين إذا لم يناف المبادرة إلى الصلاة وبما ان الجنابة ترتفع بعد انتهاء الغسل فلو احدث بالاصغر في اثنائه صدق أنه بالفعل محدث بالجنابة فيشمله اطلاق الآيه المباركة (فاطهروا) وظاهره ايجاد الغسل واستئنافه - والاحتياط بالتوضي بعد غسل الجنابة حينئذ لا بأس به إلا انه مع كون الغسل ترتيبيا ضعيف كما مر في محله، وهذا بخلاف غسل الاستحاضة لعدم تقييد دليلها بعدم الحدث الاصغر في اثنائه بل ورد الامر بالاغتسال لها (1) مطلقا - كانت محدثة بالاصغر أم لا. وعليه فلها أن تتم غسلها وهو صحيح غاية الامر انها حيث احدثت بالاصغر وهو موجب للوضوء لابد أن تتوضأ بعد غسلها لانه مقتضى الجمع بين ما دل على حدثية البول في اثناء الاغتسال وما دل على صحة غسلها عن الاستحاضة. وان ذهب الماتن في غسل الجنابة أيضا إلى عدم انتقاضه بالحدث الاصغر الواقع في اثناءه كالمقام، ولكن ما افاده في المقام متين دون ما ذكره في غسل الجنابة.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة.

[ 192 ]

بعد غسل الاستحاضة (1) وإذا حدثت الكبرى في اثناء غسل المتوسطة استأنفت للكبرى (2). لو اجنبت المستحاضة اثناء غسلها: (1) وذلك لان المأمور به في حقها هو للغسل المتعقب بالصلاة ومع اتمامها غسل الاستحاضة واستئنافها بعده غسلا للجنابة أو المس ينفصل غسل الاستحاضة عن الصلاة فلا يكون مشروطا ومأمورا به في حقها، فما افاده (قده) من هذا الجهة متين. إلا انها إذا اتمت ما بيدها من غسل الاستحاضة غفله أو جهلا بالحكم فان كان الغسل الذي تأتي به بعده غسل الجنابة فلا اشكال في انه يغني عن كل غسل فلو صلت بعده فكأنها صلت بعد غسل الاستحاضة فهو متصل بالصلاة. وان كان غسل مس الميت فهو مبني على ما تقدم من النزاع في ان كل غسل يغني عن كل غسل فان قلنا به - كما هو صحيح - فهو وإلا فان قلنا بعدم اغنائه مطلقا أو فيما إذا لم ينو بقية الاغسال أي يقع في الخارج ما نواه فلابد للمستحاضة بعدما أتمت ما بيدها من الغسل و اغتسالها بعده لاجل المس أن تغتسل للاستحاضة ثانيا - لفرض انها اغتسلت للمس من غير أن تنوي غسل الاستحاضة أيضا - وتصلي بعده حتى لا ينفصل الغسل عن صلاتها. (2) ولا تكون مخيرة بين اتمامه ثم استئناف الغسل الكبرى وبين

[ 193 ]

(مسألة): قد يجب على صاحبة الكثيرة بل المتوسطة أيضا خمسة اغسال (1) كما إذا رأت احد الدمين قبل صلاة الفجر ثم انقطع ثم رأته قبل صلاة الظهر ثم انقطع ثم رأته عند العصر ثم انقطع، وهكذا بالنسبة إلى المغرب والعشاء. رفع اليد عنه واتيانها الغسل الكبرى كما كانت مخيرة بينهما في الفرع السابق. وذلك لان الموضوع في المقام قد تبدل وبه يتبدل حكمه حيث ان المتوسطة موضوع وحكمه الغسل مرة واحدة ليومها وليلتها والكثيرة موضوع آخر وحكمها ثلاثة أغسال أو خمسة فإذا تبدلت المتوسطة بالكثيرة فقد تبدل موضوع بموضوع آخر. ومع ارتفاع الموضوع يرتفع حكمه فالغسل المأتي به للمتوسطة غير مأمور به إذ لا موضوع له فلابد من الاغتسال رأسا للكثيرة لتحقق موضوع الغسل والحكم تابع لفعلية الموضوع لا محالة. وهذا بخلاف الفرع السابق لان الموضوع من التوسط أو الكثرة كان فيه بحاله وان حدثت الجنابة في اثنائه، فان الجنابة حدث آخر فتغتسل منه أيضا. قد تجب على المستحاضة خمسة اغسال: (1) وهذا غير ما قدمناه من أن الكثيرة - على تقدير تفريق

[ 194 ]

صلواتها - يجب عليها أغسال خمسة لان ذلك مختص بالكثيرة وكلامه في المقام اعم منها ومن المتوسطة - كما أوضحه في المتن - بأن رأت أحد الدمين من المتوسط أو الكثير قبل الفجر واغتسلت له وصلت ثم انقطع وعاد ثانيا قبل صلاة الظهر واغتسلت له وصلت الظهر ثم انقطع وعاد قبل صلاة العصر وهكذا في المغرب والعشاء. وليعلم ان انقطاع الدم قد يفرض بعد الصلاة وقبل خروج الوقت في زمان يسع الصلاة مع الطهارة وفي هذه الصورة لااشكال في انها يجب ان تعيد صلاتها وغسلها كما تقدم في حكم الفترة الواسعة. إلا انه خارج عن محل الكلام لانه ليس من باب وجوب الاغسال خمس مرات بل من جهة انكشاف بطلان غسلها وصلاتها السابقين لكشف الانقطاع عن عدم كونهما مأمورا بهما وكونها مصلية عن طهر لان ما أتت به كان صلاة اضطرارية ومع التمكن من الفرد الاختياري لا أمر بالاضطراري. بلا فرق في ذلك بين المتوسطة والكثيرة وبين أن تغتسل غسلا واحدا أو غسلين وصلت صلاة واحدة أو صلاتين كما في الظهرين والعشائين فهذه الصورة خارجة عن محل الكلام. فالمراد بالانقطاع - في كلام الماتن - لابد أن يراد انقطاع الدم في الوقت مع عدم كون الزمان واسعا للصلاة مع الطهارة كما إذا رأت الدم قبل صلاة الفجر واغتسلت وصلت فانقطع قبيل طلوع الشمس بزمان لا يسع الصلاة والطهارة معا ثم عاد قبل صلاة الظهر واغتسلت وصلت فانقطع قبل خروج وقتها بزمان غير واسع وهكذا في العصر والمغرب والعشاء.

[ 195 ]

أو يراد به الانقطاع بعد الوقت كما إذا رأته قبل صلاة الفجر واغتسلت وصلت وبعد طلوع الشمس انقطع ثم عاد قبل صلاة الظهر وانقطع بعد خروج وقتها وهكذا. وإما أن يراد به الانقطاع قبل العمل كما إذا رأته قبل الفجر على صفة التوسط أو الكثرة وانقطع قبل صلاة الفجر وهكذا في الظهر وغيره حيث يجب عليها في تلك الفروض خمسة اغسال للانحلال فان كل دم تراه فينقطع موضوع مستقل يجب معه الغسل. هذا. ولكن لا يمكن المساعدة عليه وذلك. (أما أولا) فلاطلاق ما دل على وجوب غسل واحد للاستحاضة المتوسطة لاول صلاة بعده ليومها وليلتها، وثلاثة اغسال للكثيرة على تقدير جمعها بين الصلوات فانه مطلق من حيث انقطاع الدم واستمراره. وأما ثانيا: فلان انقطاع دم الاستحاضة لا يمكن أن يكون اشد حكما من استمراره حسب المرتكز العرفي بمعنى إن كون الانقطاع موجبا للغسل دون الاستمرار على خلاف المرتكز العرفي فكيف يمكن أن يقال: إن دم الاستحاضة المتوسطة لو استمر في جريانه فلا يجب إلا غسل واحد واما إذا انقطع ثم عاد فيجب خمسة اغسال أو انه إذا استمر في الكثيرة يجب ثلاثة اغسال مع الجمع بين الصلوات واما مع الانقطاع فيجب خمسة اغسال لانه خلاف المرتكز العرفي. على انا ذكرنا ان استمرار دم الاستحاضة بحيث لا ينقطع ولو دقيقة قليل جدا أو لا يتفق اصلا فان الانقطاع أمر عادي للنساء ولا يجري منهن الدم دائما، ومع ذلك لم تؤمر المستحاضة إلا بغسل واحد أو بثلاثة فلو كان الانقطاع موجبا للغسل لكان اللازم وجوب الغسل على

[ 196 ]

ويقوم التيمم مقامه إذا لم تتمكن منه (1) ففي الفرض المزبور عليها خمسة تيممات وان لم تتمكن من الوضوء أيضا فعشرة، كما أن في غير هذه إذا كانت وظيفتها التيمم ففي القليلة خمسة تيممات وفي المتوسطة ستة وفي الكثيرة ثمانية إذا جمعت بين الصلاتين وإلا فعشرة. المستحاضة متعددا بعدد الانقطاع، فما افاده الماتن (قده) من وجوب خمسة اغسال مبني على الاحتياط ولا دليل عليه. بدلية التيمم عن طهارتها المائية: (1) لدليل بدلية التيمم عن الغسل والوضوء وعليه ففي القليلة لو لم تتمكن من الوضوء يجب عليها التيمم بدلا عنه لكل صلاة، وفي المتوسطة يجب عليها التيمم مرة بدلا عن غسلها وتتوضأ لكل صلاة إن تمكنت وإلا تيممت لكل صلاة بدلا عن وضوئها فيكون الواجب في حقها مع العجز عن الغسل والوضوء ستة تيممات. وفي الكثيرة تجب ثلاثة تيممات بدلا عن ثلاثه اغسال على تقدير جمعها بين الصلوات كما تجب خمسة تيممات على تقدير التفريق بينها. هذا فيما إذا لم نوجب عليها الوضوء لكل صلاة نظرا إلى عدم تعرضهم له في الاخبار وهي في مقام البيان ومع سكوتها عن وجوب الوضوء عليها نستكشف عدم وجوبه في حقها - وكانت متطهرة.

[ 197 ]

واما إذا قلنا بوجوب الوضوء في حقها لكل صلاة أو انها احدثت بالصغري بأن نامت أو بالت فيجب عليها خمسة تيممات اخرى بدلا عن خمسة وضوءات. ولا ينافيه ما بنينا عليه من أن كل غسل - ومنه غسل الاستحاضة الكثيرة - يغني عن الوضوء بحيث لو كانت الكثيرة متمكنة من الغسل لم يجب عليها إلا خمسة اغسال على تقدير التفريق من غير حاجة إلى خمسة وضوءات أو تيممات والتيمم بدل عن ذلك الغسل فلماذا تجب عليها خمسة تيممات اخرى بدلا عن الوضوء. والوجه في عدم التنافي: ان ادلة (1) البدلية دلت على ان التيمم أو التراب طهور ويكفيك عشر سنين ومعناه انه بدل عن الغسل في الطهارة وحسب واما إذا كان الغسل اثر آخر غير الطهارة كالاغناء عن الوضوء فلا دليل على كون التيمم قائما مقامه في ذلك الاثر فيجب على المستحاضة عشرة تيممات خمسة بدلا عن الوضوءات الخمسة وخمسة اخرى بدل عن الاغسال الخمسة في فرض تفريقها بين الصلوات أو على تقدير صحة ما افاده الماتن (قده) في فروض المتن من وجوب خمسة اغسال هذا تمام الكلام في الاستحاضة.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 23 و 24 من أبواب التيمم.

[ 198 ]

(فصل في النفاس) وهو دم يخرج مع ظهور أول جزء من الولد أو بعده (فصل في النفاس) النفاس في اللغة بمعنى الولادة، اما لانه مأخوذ من النفس بمعنى الدم أو لانه من النفس بمعنى الشخص لان بالولادة يخرج شخص عن آخر حيواني أو انساني إلا انه بحسب الاصطلاح اسم لنفس الدم لا الولادة وهذا هو الموافق لما يستفاد من الاخبار (1) التي دلت على أن الاحكام الاتية مترتبة على الدم لا عليها. والكلام يقع في جهات: (الجهة الاولى): الولادة المجردة عن الدم. (الجهة للثانية): في الدم الخارج قبل الولادة الواجد لصفات الحيض. (الجهة الثالثة): الدم الخارج بعد الولادة. (الجهة الرابعة): الدم الخارج مع الولادة أما الجهة الاولى: فالظاهر انه لا اثر للولادة المجردة عن الدم لما عرفت من أن الاحكام في النفاس من سقوط الصلاة والصيام انما هي


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 و 2 من أبواب النفاس.

[ 199 ]

مترتبة على الدم ولا اثر للولادة المجردة عن الدم وان قبل انها اتفقت في زمان النبي صلى الله عليه وآله وأن امرأة ولدت من غير دم، نعم لها اثر آخر اجنبي عن المقام وهو انقضاء العدة بتحققها وان لم يكن معها دم. واما الجهة الثانية: اعني الدم الخارج قبل الولادة إذا كان واجدا للصفات فقد يتخلل بينه وبين الولادة والنفاس اقل الطهر وهو عشرة ايام فهو محكوم بالحيضية بقاعدة الامكان القياسي لما تقدم من امكان الحيض في الحامل وانها قد ترى الحيض، وهذا لا كلام فيه. انما الكلام فيما إذا لم يتخلل اقل الطهر بين الدم والولادة فهل يحكم بحيضيته ام لا يحكم؟ قد يقال: انه ليس بحيض لاعتبار تخلل اقل الطهر بينه وبين النفاس ويستدل عليه بوجوه: (منها): اطلاق كلماتهم والنصوص (1) من ان الطهر لا يكون اقل من عشرة ايام فإذا لم يتحقق اقله بين الحيض والنفاس فاما أن لا يكون الثاني نفاسا أو لا يكون الاول حيضا وحيث ان الثاني نفاس بالوجدان لخروجه بالولادة أو بعدها فيستكشف أن الاول ليس بحيض. و (منها): ان النفاس حيض محتبس كما يستفاد من الاخبار (2) فحكمه حكمه فكما يعتبر تخلل اقل الطهر بين الحيضتين يعتبر اقله بين النفاس والحيض. و (منها): صحيحة عبد الله بن المغيرة (3) الدالة على ان النفساء.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 11 من أبواب الحيض. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 13 و 14. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 5 من أبواب النفاس ح 1.

[ 200 ]

إذا رأت الدم بعد ثلاثين يوما من نفاسها حكم بكونه حيضا معللة بان ايام عادتها وطهرها قد انقضت فكما يعتبر في حيضية الدم المتأخر عن الولادة أن يتخلل بينه وبين النفاس اقل الطهر بمقتضى الصحيحة كذلك يعتبر تخلله بينهما في الدم السابق على الولادة لعدم القول بالفصل. و (منها): النصوص الواردة في المقام - وعمدتها - موثقة عمار المروية عن الصادق (ع) في المرأة يصيبها الطلق أياما أو يومين فترى الصفرة أو دما قال: (تصلي ما لم تلد فان غلبها الوجع ففاتتها صلاة لم تقدر أن تصليها من الوجع فعليها قضاء تلك الصلاة بعدما تطهر (1). حيث دلت على أن الدم المرئي قبل الولادة ليس بحيض مع كونه واجدا للصفات لقوله (دما أو صفرة) ولا تسقط بسببه الصلاة عن المرأة. هذا ولكن شيئا من تلك الادلة لا تتم: اما اطلاق النصوص وكلمات الاصحاب فهي وان كانت كما ادعيت إلا أن اقل الطهر الذي هو عشرة ايام انما يعتبر بين حيضتين لا بين حيض ونفاس أو بين نفاسين كما يتفق في التوأمين فتلد احدهما في يوم وبعد ايام تلد الثاني من غير تخلل اقل الطهر بينهما، ولم يقم دليل على اعتبار اقل الطهر بين مطلق الحدثين. واما دعوى ان الحيض والنفاس واحد لان النفاس حيض محتبس ففيه ان بعض الاخبار وان دلت على ان الله سبحانه يحبس الدم في رحم المرأة رزقا للولد إلا انه لا دلالة في شئ من الاخبار على أن احكام الحيض مترتبة على النفاس - ومنها اعتبار تخلل اقل الطهر بين النفاسين


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 4 من أبواب النفاس ح 1 و 3.

[ 201 ]

بل بين الحيض والنفاس - لانها موضوعان متغايران لدى العرف والمتشرعة ولكل منهما احكام خاصة لا يقاس احدهما بالآخر. واما صحيحة ابن المغيرة فهي وان دلت على اعتبار التخلل باقل الطهر بين النفاس والدم المتأخر عنه ونلتزم به في المتأخر لدلالة الدليل إلا انها لا تدل على اعتبار ذلك في الدم المتقدم على الولادة واسراء حكم المتأخر إلى المتقدم قياس ولم يقم اجماع على اتحادهما فدعوى عدم القول بالفصل ساقطة جزما. واما النصوص التي عمدتها موثقة عمار فهي اخص من المدعي لاختصاصها بايام الطلق - أي ايام اخذ الوجع بالمرأة للولادة - وقد دلت على ان الدم المرئي في تلك الايام ليس بحيض والقرينة قائمة على ان الدم حينئذ مقدمة للولادة وليس حيضا واين هذا من محل الكلام وهو الدم المرئي قبل طلقها وقبل تخلل اقل الطهر بينه وبين النفاس. فعلى ذلك: نفصل في الدم المرئي قبل الولادة بين ايام الطلق وغيرها ونحكم بعدم الحيضية في ايام الطلق للنصوص ونحكم بالحيضية في غيرها لقاعدة الامكان القياسي. ثم انه اولى بالحكم بالحيضية ما إذا رأت الدم في ايام عادتها ثم انقطع ثم نفست فانه محكوم بالحيضية وان لم يكن واجدا للصفات لما دل (1) على أن ما تراه المرأة من الدم في ايام عادتها فهو حيض. وأولى من ذلك ما إذا كان مجموع الدم المرئي قبل النفاس والنقاء بعده والدم في النفاس غير زائد على العشرة كما إذا رأت الدم ثلاثة ايام بصفة الحيض ثم انقطع يوما ثم ولدت ونفست خمسة ايام وذلك


(1) الوسائل: الجزء: 2 باب 4 من أبواب الحيض.

[ 202 ]

لانه دم واحد والنقاء المتخلل بينه أيضا بحكم الحيض حتى بناءا على اعتبار تخلل اقل الطهر بين الحيض والنفاس لاختصاص ذلك بصورة تعدد الدمين. وأما الدم الواحد كمثالنا فلا يعتبر فيه ذلك بل النقاء في اثنائه بحكم الحيض كما مر. واما الجهة الثالثة: اعني الدم الخارج بعد الولادة فلا شبهة في انه دم النفاس وهو القدر المتيقن منه فيترتب عليه احكامه وهذا مما لا كلام فيه، وانما الكلام فيما إذا تأخر الدم عن الولادة بان انقطع ثم عاد فهل يحكم بكونه نفاسا أو لا يحكم؟ المعروف ان الدم الذي تراه المرأة بعد الولادة نفاس فيما إذا خرج فيما بين الولادة وعشرة ايام واما بعد العشرة فهو ليس بنفاس وانما هو حيض إذا كان واجدا للصفات، وهذا لا دليل عليه. والظاهر أن منشأ حكمهم هذا هو ما دل (1) على ان اكثر النفاس عشرة ايام وبذلك حكموا على الدم المرئي بعد العشرة من الولادة بانه ليس نفاسا لان اكثره عشرة ايام وهو مبني على احتساب العشرة من زمن الولادة. ولا يمكن المساعدة عليه لان احتساب اكثر النفاس الذي هو عشرة ايام على المشهور أو ثمانية عشر كما قيل، انما هو من زمان رؤية الدم لا الولادة إذا النفاس اسم للدم دون الولادة. فإذا رأت الدم بعد الولادة بيوم أو نصف يوم فان الدم المرئي حينئذ دم نفاس فتحسب العشرة من ذلك الوقت فتتم العشرة بعد


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس.

[ 203 ]

احدى عشر يوما من للولادة والدم الذي رأته في اليوم العاشر من الولادة دم قبيل العشرة. وعلى هذا لا فرق بين الدم المرئي بعد العشرة من الولادة وقبلها لانه ان علم انه مستند إلى النفاس فهو نفاس في كلتا الصورتين وان كانت نفاسية الدم بعد العشرة بعيدا لبعد انقطاع النفاس وعوده إلى اكثر من عشرة ايام. وإذا لم يعلم استناده إلى النفاس أو شك في كونه منه حكم بعدم كونه نفاسا في كلتا الصورتين لانهما بعد العشرة من رؤية الدم فلا عبرة بكون الدم قبل العشرة أو بعدها بل المدار على كون الدم مستندا إلى النفاس. وأما الجهة الرابعة: والدم الخارج في اثناء الولادة لانها قد تطول بان يخرج رأس الولد ولا يخرج بدنه إلى ساعة أو يوم أو أقل أو أكثر ويخرج الدم في تلك المدة فهل هو من النفاس أو أنه مختص بالخارج بعد الولادة؟ المشهور عدم الفرق بين الخارج في اثناء الولادة وبعدها، وهذا هو الصحيح لما ورد في موثقة عمار المتقدمة من قوله - ع - (تصلي ما لم تلد) (1) لانه بمعني (ما لم تأخذ بالولادة) لا (ما لم تفرغ منها) لانها بعد ما أخذت بالولادة يصدق انها ولدت ولكنه لم يتم هذا هو الذي يقتضيه مناسبة الحكم والموضوع لانها مقتضى إرادة ذلك منه لان قوله (ما لم تلد) بيان لحكم الدم الذي تراه بعد الولادة. فهو في مقابل الدم الذي تراه قبلها، والمقابل له هو الدم الذي تراه


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 4 من أبواب النفاس، ح 1، 3.

[ 204 ]

سواء كان تام الخلقة أو لا كالسقط وان لم تلج فيه الروح (1) المرأة بعد الاخذ بالولادة وبعد اتمامها لا خصوص ما بعد اتمامها فالرواية بمناسبة الحكم والموضوع ظاهرة في ارادة الاخذ بالولادة. وعلى الجملة: ان الرواية جعلت الدم على قسمين: اعني الدم الخارج قبل الولادة والدم الخارج بعد الولادة، والثاني - في مقابل الاول - يعم الدم الخارج في اثناء الولادة وما يخرج بعدها. وما في كلمات بعضهم من ان النفاس هو الخارج عقيب الولادة لايراد منه الدم الخارج بعد تمامية الولادة بل يحمل على ارادة الخارج عقيب الاخذ بالولاده وان لم تتم، إذ معه يصدق ان المرأة ولدت ولكنه لم تتم الولادة. قد دلت على ذلك صريحا موثقة السكوني (1) ورواية زريق (2) إلا انها لضعفها سندا غير قابلة للاستدلال بها في المقام، نعم نجعلها مؤيدة للمدعي. يبقى الكلام في الولادة الموجبة للنفاس وانه هل يعتبر فيها خروج الولد تاما أو لا يعتبر؟ ما هي الولادة الموجبة للنفاس؟ (1) وذلك لان الموضوع للاحكام انما هو النفاس أو النفساء أو


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 4 من أبواب النفاس، ح 2 (2) الوسائل: الجزء 2 باب 30 من أبواب الحيض، ح 17 وهي ضعيفة بزريق بن العباس الخلقاني.

[ 205 ]

بل ولو كان مضغة أو علقة (1) بشرط العلم بكونها مبدأ نشوء الانسان ولو شهدت أربع قوابل بكونها مبدء نشوء انسان كفي. ولو شك في الولادة أو في كون الساقط مبدأ نشوء الانسان لم يحكم بالنفاس ولا يلزم الفحص أيضا. الولادة كما في موثقة عمار (1) المتقدمة وهي صادقة على المرأة عندما كان الولد ناقص الخلقة وميتا لصدق انها ولدت ولدا ميتا أو ناقص الخلقة وبه تترتب أحكام النفساء عليها. (1) وفيه: ان الموضوع للاحكام - كما مر - هو النفاس أو النفساء أو الولادة والاولان مترتبان على صدق الولادة لان النفاس اسم للدم الخارج عند الولادة ولا تصدق الولادة على اسقاط المضغة والعلقة ولا يقال انها ولدت - نعم يصح أن يقال: انها أسقطت أو وضعت حملها ومن هنا يترتب عليه الحكم بانقضاء العدة عنها لترتبها على وضع الحمل، إلا انهما ليسا موضوعا للاحكام. وأما ما عن شيخنا المحقق الهمداني (قده) من ان الموضوع هو وضع الحمل فهو مما لا دليل عليه لعدم وروده في شئ من الاخبار وانما الوارد فيها النفاس والنفساء والولادة، وهو أعرف بما أفاده (قده) نعم حكي عن العلامة (قده) الاجماع على الحاقهما بالولادة وترتب


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 4 من أبواب النفاس، ح 1، 3

[ 206 ]

واما الدم الخارج قبل ظهور أو جزء من الولد فليس بنفاس. نعم لو كان فيه شرائط الحيض كأن يكون مستمرا من ثلاثة أيام فهو حيض وان لم يفصل بينه وبين دم النفاس اقل الطهر على الاقوى خصوصا إذا كان في عادة الحيض أو متصلا بالنفاس ولم يزد مجموعهما عن عشرة ايام كأن ترى قبل الولادة ثلاثة ايام وبعدها سبعة مثلا، لكن الاحوط مع عدم الفصل باقل الطهر مراعاة الاحتياط خصوصا في غير الصورتين من كونه في العادة أو متصلا بدم النفاس احكام النفاس باسقاطهما، وهو لو تم فهو وإلا فالمناقشة في الحكم بالنفاس باسقاطهما مجال واسع لعدم صدق الولادة عليه وتحقق الاجماع بعيد. ثم لو قلنا بثبوت الحكم عند اسقاط العلقة - التي هي الدم المتكون بعد اربعين يوما من استقرار النطفة في الرحم كما قيل - فضلا عن المضغة - التي هي قطعة لحم تتكون بعد مضي اربعين يوما على صيرورتها علقة - لابد من التعدي إلى اسقاط النطفة أيضا لصدق وضع الحمل باسقاطها كما يصدق بحملها ان المرأة حامل. نعم يشترط في ذلك استمرار النطفة في الرحم وإلا فكل مني هو مبدء نشوء آدمي، فالمدار في صدق الحامل على المرأة هو أن يكون بعد استقرار المني في رحم المرأة فبمجرد دخول النطفة فيه لا يصيرها حاملا.

[ 207 ]

(مسألة 1): ليس لاقل النفاس حد بل يمكن أن يكون مقدار لحظة بين العشرة. لاحد لاقل النفاس: (1) وذلك لاطلاقات الادلة (1) حيث لم يقيد النفاس فيها من حيث القلة بوقت فيمكن أن يكون النفاس لحظة. وربما يستدل على ذلك برواية أبي بصير عن أبي عبد الله قال: سألته عن النفساء كم حد نفاسها؟ حتى تجب عليها الصلاة وكيف تصنع؟ قال (ع): (ليس لها حد) (2) نظرا إلى ان استفدنا من الخارج والاخبار أن اكثر النفاس عشرة أيام وبذلك تكون الرواية ناظرة إلى أن النفاس لاحد له من حيث القلة دون الكثرة وان كانته في نفسها مطلقة من حيث القلة والكثرة. وفيه: ان الرواية ضعيفة السند وقاصرة الدلالة على المدعى، أما ضعف سندها فلوقوع مفضل بن صالح في سندها وقد ضعفه جماعة. واما قصور دلالتها فلان ظاهرها ارادة الكثرة والطرف الاخير


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 و 2 و 3 من أبواب النفاس. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 2 من أبواب النفاس ح 51 والرواية من جهة مفضل بن صالح ضعيفة واما احمد بن عبدوس فهو واقع في اسناد كامل الزيارات.

[ 208 ]

ولو لم تر دما فليس لها نفاس أصلا، وكذا لو رأته بعد العشرة من الولادة (1) واكثره عشرة ايام (2) للسؤال فيها عن وجوب الصلاة عليها وانه متى تجب عليها الصلاة وهذا انما يتم بعد النفاس واما اوله فمعلوم انها لا تكلف بالصلاة فظاهرها انه لاحد له في الكثرة. وهي مخالفه للاخبار (1) الدالة على أن اكثره عشرة ايام، وورود ان اكثره عشرة في الروايات الاخرى لا يوجب ظهور تلك الرواية في ارادة نفي التحديد من حيث القلة. فالصحيح هو الاستدلال باطلاق الاخبار كما عرفت. (1) لما يأتي من أن اكثر النفاس عشرة ايام. اكثر النفاس عشرة ايام: (2) يقع الكلام في المقام في ذات العادة تارة وفي غير ذات العادة اخرى. أما ذات العادة فقد ترى الدم بمقدار عادتها واخرى زائدا على عادتها، والزائد قد يكون زائدا على العشرة وقد لا يكون. أما إذا رأته ذات العادة بمقدار عادتها فلا اشكال في انه محكوم بكونه نفاسا، واما إذا زاد عن العشرة فترجع إلى عادتها فتأخذ به والزائد


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس.

[ 209 ]

استحاضة كما في الحيض، وهذان للاخبار (1) الدالة على ان النفساء كالحائض في جميع تلك الاحكام والرجوع إلى العادة وغيرها مما ذكرناه في المقام. والكلام فيما إذا زاد نفاسها عن عادتها ولم يتجاوز العشرة فهل يكون المجموع نفاسا أو ترجع إلى عادتها والزائد استحاضة كما إذا تجاوز الدم عن العشرة؟ قد يقال بالثاني لكن المعروف هو الاول - وان المجموع نفاس - وهذا هو الصحيح. ويدل عليه ما ورد (2) في الاستظهار من ان ذات العادة إذا تجاوز دمها عادتها فهي تستظهر بيوم أو يومين أو بثلاثة ايام أو بعشرة - اي إلى عشرة ايام - فهذه كالصريح في ان الدم إلى العشرة نفاس لان معنى الاستظهار تركها الصلاة إلى أن يظهر أن الدم الخارج يتجاوز العشرة حتى ترجع إلى عادتها وتجعل الزائد استحاضة وتقضي ما فاتتها من الصلوات، وإذا لم يتجاوز العشرة فلا فلو لم يكن الدم نفاسا إلى العشرة لم يبق للاستظهار معنى صحيح، هذا كله في ذات العادة. واما غير ذات العادة: فان رأت الدم ولم يتجاوز العشرة فمجموعه نفاس لانها كالحائض كما مر، واما إذا تجاوز عنها فهل يحكم بكونه نفاسا - وهو يبتني على أن اكثر النفاس عشرة ايام أو أن اكثره ثمانية


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5 وباب 39 من أبواب النفاس. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5 وباب 3 من أبواب النفاس، ح 2 و 3 و 4 و 5 و 11

[ 210 ]

عشر يوما، وفيه خلاف ومنشأ الاختلاف اختلاف الاخبار الواردة في ذلك. ففي جملة (1) منها ان النفساء تكف عن الصلاة وتقعد ثمانية عشر يوما أو سبعة عشر يوما أو سبع عشرة ليلة مستشهدا في بعضها بما حكم به النبي صلى الله عليه وآله في قضية اسماء بنت عميس حيث امرها النبي صلى الله عليه وآله بالصلاة والصيام والطواف بعد ثمانية عشر يوما. وهذه الاخبار حملت على غير ذات العادة جمعا بينها وبين الاخبار (2) الواردة في ان النفساء تقعد ايام عادتها وتجعل الزائد عن العشرة استحاضة - كما في الحيض - لانها تخصص الاخبار المتقدمة بغير ذات العادة لا محالة. فينتج الجمع بينهما أن ذات العادة اكثر نفاسها عشرة أيام كما ان اكثر الحيض عشرة وغير ذات العادة ثمانية عشر يوما إذ لم يرد في غير ذات العادة رواية - ولو ضعيفة - على خلاف الاخبار الدالة على أن اكثر النفاس ثمانية عشر يوما كما ورد في ذات العادة إلا مرسلة المفيد (قده): روي انها تقعد ثمانية عشر يوما (2). وقد ذكر المحقق الهمداني (قده) ان الرواية التي اعتمد عليها مثل الشيخ المفيد لا تقصر عن الروايات التي اعتمد عليها مثل ابن أبي عمير فإذا تعارض الاخبار الدالة على أن اكثر النفاس ثمانية عشر


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس ح 6 و 15 و 19 و 23 و 24 و 12 و 14. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 2 من أبواب المتقدم. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس ح 26.

[ 211 ]

يوما. إلا أنا لا نرى وجها لاعتبار هذه المرسلة لانها كبقية المراسيل لا يمكن الاعتماد عليها إذ لم يعلم ان المفيد يروي عن أي شخص. والمظنون بل المطمأن به انه فتوى المفيد واجتهاد منه (قده) استنبطه من الاخبار ومعه كيف تعارض الاخبار المتقدمة. هذا. ولكن الصحيح أن اكثر النفاس عشرة أيام مطلقا بلا فرق بين ذات العادة وغيرها. ويدل عليه الاخبار (1) الواردة في الاستظهار حيث دلت على أن النفساء تستظهر بيوم أو يومين أو العشرة - أي إلى عشرة أيام - وهذا لا بمعنى الاستظهار عشرة أيام بعد النقاء لانه مما لم يقل به احد ولا هو محتمل في نفسه بل المراد عشرة أيام من أول رؤية الدم. والوجه في دلالتها على أن اكثر النفاس عشرة أيام: أن الاستظهار بمعنى طلب الحال والاحتياط مع الاحتمال فتدل الاخبار على ان النفاس لا يحتمل في الزائد عن العشرة وإلا لامرها (ع) بالاستظهار بأكثر من العشرة وكان الامر به إلى العشرة لغوا لاحتمال النفاس في الزائد عليها، ومن هنا يستكشف أن أكثر النفاس عشرة أيام. وهذه الاخبار وان كانت واردة في ذات العادة إلا أن مقتضى للفهم العرفي أنه من باب تطبيق الكلي على الفرد لا تطبيق الحكم على مورده كما يدل على ذلك الشهرة الفتوائية أيضا على ما استدللنا به في جملة من الموارد. منها: الاقامة حيث ان الاخبار الواردة فيها غير قاصرة الدلالة


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس، ح 2، 3، 4، 5، 11 وباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 5.

[ 212 ]

على الوجوب إلا أنا رفعنا اليد عن الوجوب لشهرة استحبابها إذ لو كانت الاقامة واجبة كيف أمكن خفاؤها على الاصحاب بل لانتشر وذاع - وكذلك نقول في المقام لان الصلاة مما تبتلي به مرات في اليوم فلو كانت محرمة على النفساء زائدا على عشرة أيام لم يكن ذلك خفيا على أصحاب الائمة والعلماء ولم يكن انتهاؤها إلى عشرة أيام مشهورا عندهم. والشهرة الفتوائية وان لم تكن حجة في نفسها إلا ان كون المسألة عامة البلوى متسالما عليها يدلنا على أن أكثر النفاس عشرة أيام لذا لو كان اكثره زائدا عليها لم يكن يخفى على الاصحاب، هذا. ثم ان القول بان اكثره عشرة ايام هو الموافق للاصل الجاري في المقام لو لم يقم على خلافه دليل وذلك لان مقتضى العمومات والاطلاقات وجوب الصلاة والصيام وجواز وطي الزوج زوجته متى شاء وقد خرجنا عنهما في النفساء بمقتضى الادلة الدالة على عدم وجوبهما في حقها وعدم جواز وطيها، إلا أن الامر في المخصص مردد بين الاقل والاكثر، ومقتضى القاعدة حينئذ أن يؤخذ بالمقدار المتيقن وهو الاقل ويرجع في المقدار الزائد إلى العموم والاطلاقات. والاقل في المقام هو عشرة أيام لانه القدر المتيقن الذي يلتزم به جميع المسلمين الخاصة - منهم والعامة إذ العامة يذهبون إلى ان النفاس يمتد إلى أربعين يوما وعن الشافعية والمالكية امتداده إلى ستين يوما وعن بعضهم امتداده إلى مدة رؤية الدم - على ما في التذكرة - فعليه يتحد الحيض وللنفاس في طرف الكثرة وهو عشرة أيام.

[ 213 ]

سرد الاخبار المحددة بثمانية عشر يوما: واما القول بأن اكثر النفاس ثمانية عشر يوما فقد نسب إلى السيد المرتضى وجماعة واستدل عليه بالاخبار (1) المتضمنة لقصة اسماء بنت عميس وأن النبي صلى الله عليه وآله أمرها بالصلاة والصيام والطواف بعد ثمانية عشر يوما. إلا ان هذه الاخبار في نفسها قاصرة الدلالة على المدعى لانها تدل على ان للنفاس لا يزيد على ثمانية عشر يوما وإلا لم يأمرها النبي صلى الله عليه وآله بالعبادة بعدها وأما أن اكثر النفاس ثمانية عشر يوما فلا تدل عليه لاحتمال أنها لو سألت النبي صلى الله عليه وآله بعد خمسة عشر يوما أو أقل أو أكثر أيضا أمرها النبي صلى الله عليه وآله بالعبادة فمجرد أمر النبي صلى الله عليه وآله ذلك بعد ثمانية عشر يوما لا دلالة له على ان اكثر النفاس ذلك. ويؤيد ذلك مرفوعة (2) ابراهيم بن هاشم حيث دلت على أن امره صلى الله عليه وآله اسماء بنت عميس بالعبادة بعد ثمانية عشر يوما لم يكن للتحديد وانما هو قضية في واقعة فلو سألته قبل ذلك لامرها بذلك أيضا. إلا انها ضعيفة السند لا تصلح إلا للتأييد وقد تقدم أن الرواية في نفسها قاصرة الدلالة - كانت هناك مرفوعة أم لم تكن. ونحوها ما رواه (3) العياشي الجوهري الذي اسمه أحمد بن محمد


(1) تقدم ذكرها في اوائل المسألة. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من ابواب النفاس، ح 7. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس، ح 11.

[ 214 ]

ابن عبيدالله في كتاب المسائل لانها دلت على أن الاخبار المتضمنة لقصة بنت عميس ليست واردة للتحديد إلا انها أيضا ضعيفة السند وذلك لعدم توثيق الجوهري. لان الشيخ ذكره من دون أن يذكر في حقه مدحا ولا قدحا، وتعرض له النجاشي وقال: إن شيوخنا قد ضعفوه وقال: انه اضطرب في أمره وقد ادركته في أواخر عمره وكان صديقا لي، ثم ذكر في آخر كلامه: رحمه الله وسامحه (1). وهل المراد انه اضطرب في دينه أو في حديثه؟ العبارة ساكتة عنه. وذكر الشيخ (قده) انه اختل، وهل اختل في عقله أو في دينه؟ وهو امر غير معلوم. ولا دلالة في ترحم النجاشي على حسنه لو لم يدل (سامحه) على قدحه لان ظاهره أنه ارتكب بعض الافعال فيدعو الله سبحانه له ليسامحه في تلك الافعال اذن فالرواية ضعيفة لا تصلح إلا للتأييد. إلا أن تلك الروايات - كما عرفت - قاصرة الدلالة في أنفسها على المدعى نعم صحيحة محمد بن مسلم ظاهرة في التحديد حسب المتفاهم العرفي قال: سألت أبا جعفر (ع) عن النفساء كم تقعد؟ فقال: (إن اسماء بنت عميس أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله أن تغتسل لثمان عشرة ولا بأس أن تستظهر بيوم أو يومين) (2). وله صحيحة (3) غيرها لم تشتمل على الامر بالاستظهار وقصة


(1) راجع ترجمة: احمد بن محمد بن عبد الله رجال النجاشي ص 67 ومعجم رجال الحديث ج 2 ص 295. (2) (3) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس ح 15 - 12.

[ 215 ]

أسماء، فانه لو لم يكن اكثر النفاس عشر يوما كان ذكره (ع) قضية اسماء بنت عميس في مقام السؤال عن اكثر النفاس لغوا ظاهرا. إلا أنها أيضا لا يمكن الاعتماد عليها وذلك: أما اولا: فلاختلاف متن الرواية وقد نقلها في الوسائل هكذا (لثمان عشرة، وظاهره ثمان عشر ليلة لان الاعداد إلى العشرة تذكر في المؤنث وتؤنث في المذكر. وهو مما لم يقل به أحد من السنة لما سبق من أنهم يرون امتداد النفاس إلى أربعين أو ستين أو ما دام الدم يرى، ولا من الشيعة لان الذى لا يلتزم بكون اكثر النفاس عشرة أيام يرى أن أكثره ثمانية عشر يوما لا ثمان عشر ليلة لانها اما ان تنقص عن ثمانية عشر يوما بيوم - كما إذا ولدت في الليل - وإما تزيد على ثمانية عشر يوما بليلة - كما إذا ولدت في النهار. فلا مناص من حملها على التقية لا بمعنى ان الرواية توافق أقوال العامة لما عرفت أن العامة بين قائل بالاربعين وقائل بالستين وقائل بما دامت ترى الدم فالاربعون هو المتسالم عليه فيما بينهم. بل حملها على التقية بمعنى ان الامام (ع) لم يبين الحكم الواقعي تقية لمخالفته العامة وانما ذكر قصة اسماء بنت عميس لانها - على ما يظهر من الاخبار - كانت مسلمة عندهم فلم يكن في ذكرها بأس ومحذور. وفي الوافي: نقلها هكذا (ثمانية عشر) وهي وان التزم بها بعضهم كما تقدم إلا انها ساقطة عن الاعتبار من جهة اختلاف نسخ الحديث وكونه مشبوها لعدم العلم بأن المروي هذا أو ذاك فلا مناص من حمل الاخبار الدالة على التقية.

[ 216 ]

وأما ثانيا: فلاشتمالها على الامر بالاستظهار بيوم أو يومين وقد تقدم ان الاستظهار معناه طلب ظهور الحال والاحتياط مع الاحتمال فالصحيحة تدل حينئذ على أن النفاس يمكن استمراره إلى عشرين يوما وهو مما لا قائل به فلابد من حملها على التقية. فالصحيح أن اكثر النفاس عشرة أيام. هذا: على أن الصحيحة مشتملة على عقدين ايجابي وسلبي وهي انما تنظر إلى عقدها الايجابي وهو كون اكثر النفاس ثمانية عشر يوما وتدل بالالتزام على العقد السلبي وهو عدم كون اكثره اقل من ثمانية عشر وهذا خلاف الاخبار الواردة لبيان أن الحيض اكثره عشرة حيث دلت ابتداءا على انه لا يكون اكثر من عشرة أيام ودلت بالالتزام على ان اكثره عشرة. وكيف كان: فالصحيحة لو كانت بصدد بيان الحكم الواقعي للزم تخصيصها بذات العادة لدلالة الاخبار على انها ترجع إلى عادتها - كما مر - وهي آبية عن التخصيص بذلك لان ذوات العادة من النساء - كما قالوا - اكثر من غيرهن ومعه كيف يمكن حمل الصحيحة الواردة لبيان اكثر النفاس على غير الغالب من النساء ولا تكون متعرضة للغالب منهن وهي في مقام البيان، وهذا يؤيد حملها على التقية أيضا. ومن الاخبار الدالة على تحديد اكثر النفاس بثمانية عشر يوما صحيحة اخرى لمحمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله (ع) كم تقعد النفساء حتى تصلي؟ قال: (ثمان عشرة سبع عشرة ثم تغتسل وتحتشي وتصلي) (1). والاستدلال بهذه الصحيحة أفحش من سابقتها لان النفساء على


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس، ح 12.

[ 217 ]

هذه الصحيحة - مخيرة بين القعود ثمان عشرة ليلة والقعود سبع عشرة ليلة فإذا فرضنا انها ولدت في الليل كان آخر أيام نفاسها في اليوم السادس عشر، وهذا مما لم يلتزم به أحد فلا مناص من حملها على التقية كسابقتها مضافا إلى لزوم محذور تخصيصها بذات العادة - كما مر في الصحيحة المتقدمة -. ومنها: صحيحة ابن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (تقعد النفساء سبع عشرة ليلة فان رأت دما صنعت كما تصنع المستحاضة) (1) وقد ظهر الجواب عنها بما قدمناه في الصحيحتين المتقدمتين فلا نعيده. ومنها: مرسلة الصدوق (قده) فقد روى انه صار حد قعود النفساء عن الصلاة ثمانية عشر يوما لان أقل أيام الحيض ثلاثة ايام وأكثرها عشرة أيام وأوسطها خمسة أيام فجعل الله عزوجل للنفساء أقل الحيض وأوسطه واكثره (2). وهي - مضافا إلى ارسالها - سخيفة التعليل لان كون اكثر الحيض واوسطه وأقله ثمانية عشر يوما أجنبي عن اكثر النفاس فبأي وجه كان اكثره مجموع الاعداد المذكورة في الحيض ولم يكن غيره؟ على ان وسط الحيض ليس خمسة أيام إذ ما بين الثلاثة والعشرة سبعة فوسط الحيض ستة ايام ونصف المركبة من الثلاثة التي هي اقل الحيض ونصف السبعة التي هي بين الثلاثة والعشرة ولا يمكن الحكم بأن وسط الحيض خمسة أيام لان الحيض ليس محسوبا من اليوم الاول


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من ابواب النفاس، ح 14، (2) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس، ح 22.

[ 218 ]

بل من اليوم الرابع وبعد الثلاثة، فهذه قرينة تلوح منها التقية: ومنها: مرسلة المقنع قال: روي انها تقعد ثمانية عشر يوما (1) وهي ليس رواية اخرى غير الاخبار المتقدمة الواردة في المسألة على ما نظن، بل المطمأن به أنها ليست رواية اخرى ثم على تقدير كونها رواية مستقلة فهي ساقطة عن الاعتبار لارسالها. ومنها: رواية حنان بن سدير قال (قلت) لاي علة أعطيت النفساء ثمانية عشر يوما؟ وذكر نحو المرسلة المتقدمة عن الصدوق (2) وقد ظهر الجواب عنها مما قدمناه في المرسلة مضافا إلى انها ضعيفة السند بالحسين بن الوليد ويمكن المناقشة في سندها بغير ذلك ايضا فليراجع ومنها: ما في كتاب الرضا (ع) إلى المأمون قال: (والنفساء لا تقعد عن الصلاة اكثر من ثمانية عشر يوما فان طهرت قبل ذلك صلت وان لم تطهر حتى تجاوز ثمانية عشر يوما اغتسلت وعملت بما تعمل المستحاضة) (3). وقد تقدم ان القرينة على التقية فيها موجودة وهي كون السائل هو المأمون فلا مناص من حملها على التقية. وفى بعض (4) الاخبار أن النفساء لا تقعد اكثر من عشرين يوما إلا أن تطهر قبل ذلك فان لم تطهر قبل العشرين اغتسلت واحتشت وعملت عمل المستحاضة.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من ابواب النفاس، ح 26. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس، ح 23. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من ابواب النفاس، ح 24. (4) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من ابواب النفاس، ح 25.

[ 219 ]

وهي أيضا مما لم يقل بمضمونها أحد من العامة والخاصة فلا مناص من حملها على التقية. مضافا إلى ضعف سندها لانها مروية عن الصدوق باسناده عن الاعمش وطريقه إليه لم يعلم انه صحيح أو ضعيف. هذا. سرد الاخبار المحددة بثلاثين يوما فصاعدا: ثم انه ورد في جملة من الروايات ان النفساء تقعد ثلاثين يوما أو أربعين أو خمسين أو ما بينهما. (منها): مرسلة المقنع قال: وقد روي انها تقعد ما بين أربعين يوما إلى خمسين يوما (1). وهي ضعيفة السند بارسالها ولا قائل بمضمونها من الاصحاب. ويحتمل التورية فيها بارادة عشرة ايام لان ما بين الاربعين يوما إلى الخمسين هو عشرة ايام كما ذكره صاحب الوسائل (قده) في الرواية الآتية ولا بعد فيه. و (منها): رواية محمد بن يحيى الخثعمي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النفساء فقال: (كما كانت تكون مع ما مضى من أولادها وما جربت قلت: فلم تلد فيما مضى قال: بين الاربعين إلى الخمسين) وقد فصلت بين ذات العادة وغيرها إلا انها قابلة للتورية كما مر ولا قائل بمضمونها من اصحابنا.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 2 من أبواب النفاس، ح 28. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس، ح 18.

[ 220 ]

مضافا إلى ضعف سندها بالقاسم به محمد. و (منها) ما رواه حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: (النفساء تقعد أربعين يوما فان طهرت وإلا إغتسلت وصلت ويأتيها زوجها وكانت بمنزلة المستحاضة تصوم وتصلي) (1). وهي كسابقتها محمولة على التقية إذ لا قائل بها من أصحابنا. ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: (تقعد النفساء إذا لم ينقطع عنها الدم ثلاثين أو أربعين يوما إلى خمسين (2). وهي وان كانت صحيحة سندا إلا انها موافقة لمذهب العامة من جهة الاربعين والخمسين فلا مناص من حملها على التقية كغيرها. وفي بعضها انها تدع الصلاة ما دامت ترى الدم العبيط كما في رواية علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الماضي (ع) عن النفساء كم يجب عليها ترك الصلاة؟ قال، (تدع الصلاة ما دامت ترى الدم العبيط إلى ثلاثين يوما فان رق وكانت صفرة اغتسلت وصلت ان شاء الله) (3). وهي موافقة لبعض أقوال العامة ولا قائل بمضمونها من أصحابنا ولا المشهور من الجمهور فلابد من حملها على التقية، مضافا إلى المناقشة في سندها فليراجع لعدم ثبوت وثاقة أحمد بن محمد بن يحيي. إلى هنا تحصل وتلحض أن أكثر النفاس عشرة ايام وان كان الاحتياط إلى ثمانية عشر يوما في محله.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من ابواب النفاس، ح 17. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من ابواب النفاس، ح 13. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من ابواب النفاس، ح 16.

[ 221 ]

وان كان الاولى مراعاة الاحتياط بعدها أو بعد العادة إلى ثمانية عشر يوما من الولادة، والليلة الاخيرة خارجة (1). وأما الليلة الاولى إن ولدت في الليل فهي جزء من النفاس وان لم تكن محسوبة من العشرة، ولو اتفقت الولادة في وسط النهار يلفق من اليوم الحادي عشر لامن ليلته (2) وابتداء الحساب بعد تمامية الولادة وان طالت (3) لا من حين الشروع وان كان اجراء الاحكام من حين خروج الليلة الاخيرة: (1) ايام العادة أو عشرة أيام في النفساء انما تحتسب من اليوم والليلة الاولي إذا ولدت فيها، وكذا الليلة الاخيرة - أعني ليلة الحادي عشرة أو ليلة اليوم السابع - إذا كانت عادتها ستة ايام خارجتان عن الحساب. وذلك لان المدار على الايام اي ايام العادة أو عشرة أيام الا ان بين الليلتين فرقا وهو ان الدم في الليلة الاولى نفاس لانه دم الولادة أما في الليلة الاخيرة فهو دم استحاضة لا يترتب عليه أحكام النفاس (2) لان المدار كما عرفت على اليوم ولا اعتبار بالليلة. (3) الكلام في ذلك يقع في جهتين:

[ 222 ]

الشروع إذا رأت الدم إلى تمام العشرة من حين تمام الولادة. احتساب ايام النفاس بعد تمامية الولادة: (الجهة الاولى): (ان المرأة إذا ولدت ولم تتم ولادتها - كما إذا خرج رأس الولد (ورأث الدم) إلا أنه لم يخرج بتمامه - لا اشكا في ان الدم المرئي حالتئذ نفاس كما قدمناه وان لم يكن الدم المرئي قبل الولادة نفاسا. حيث انه مستند إلى الولادة فترتب عليه أحكامه إلا ان عشرة أيام أو ايام العادة لا تحسب إلا بعد تمامية الولادة لا من حين الاخذ بالشروع وذلك للاعتبار المطابق للواقع واللاخبار. اما الاعتبار فهو أنا لو فرضنا أن الولد خرج رأسه ولم يخرج تمامه إلى سبعة ايام وهي أيام عادتها فوضعته بعد سبعة ايام فهل يمكن أن يقال ان المرأة لا نفاس لها حينئذ لان ايام عادتها قد انقضت أو انها تعتبر نفساء بعد ذلك؟ لا سبيل إلى الاول بوجه فلابد من ان تحسب العشرة أو ايام العادة بعد الولادة وان كان الدم المرئي محكوما بكونه نفاسا من اثناء الولادة. واما الاخبار (1) فلانها دلت على ان النفساء تقعد ايام عادتها أو عشرة ايام فالحكم بالقعود مترتب على النفساء، والنفساء هي المرأة التي


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 و 3 من ابواب النفاس.

[ 223 ]

تلد ولا تصدق المرأة الوالدة إلا بعد تماميتها واما قبلها فلا يقال انها ولدت حتى تكون نفساء ويترتب عليها القعود ايام عادتها أو عشرة ايام. واما الحكم سابقا بأن قوله في موثقة عمار (1) ما لم تلد اعم من الاخذ بالولادة فهو مستند إلى مناسبة الحكم والموضوع والقرينة الموجودة في الرواية - وهي كونه مقابلا للدم الخارج قبل الولادة، لا ان معنى تلد هو الاعم فعشرة ايام تحسب بعد الولادة لا من حين الاخذ بها وكذلك ايام العادة. إذا تأخرت رؤية الدم عن الولادة: الجهة الثانية: أن رؤية الدم إذا تأخرت عن الولادة - كما إذا ولدت ولم تر دما إلا بعد يوم أو يومين لا يبعد ان يكون مبدء العشرة أو ايام العادة زمان رؤية الدم دون الولادة بل هذا هو الظاهر. وذلك: لان الاحكام المستفادة من الاخبار انما هي مترتبة على رؤية الدم في النفاس المستند إلى الولادة فالموضوع لها مركب من الولادة والدم المستند إليها، ومن هنا قدمنا أو الولادة المجردة عن الدم لا يترتب عليها اثر فإذا رأت الدم حكم عليها باثار النفاس وتحسب العشرة من ذلك الوقت. وكذا ايام عادتها لدلالة على ان النفساء تقعد ايام عادتها فإذا فرضنا عادتها ستة ايام ورأت الدم بعد الولادة بيومين فاحتسبت الستة من حين ولادتها فمعناه الحكم بقعودها من حين الولادة مع انها


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 4 من ابواب النفاس، ح 1 و 3.

[ 224 ]

(مسألة 2): إذا انقطع دمها على العشرة أو قبلها فكل ما رأته نفاس سواء رأت تمام العشرة أو البعض الاول لم تر دما، وظاهر ايام العادة هو قعودها بمقدار العادة من ايام الدم. واما ما ورد في رواية مالك بن اعين عن ابي جعفر (ع) (إذا مضى لها منذ يوم وضعت بمقدار ايام عدة حيضها ثم تستظهر بيوم فلا بأس ان يغشاها زوجها) (1) فهو ظاهر في ان مبدأ الحساب حين الولادة لا الدم، إلا انها مروية عن طريق الشيخ إلى ابن فضال وهو لم يوثق فلا يعتمد عليها (2). مضافا إلى المناقشة في دلالتها حيث دلت الاخبار (3) على ان النفساء تقعد ايام عادتها أو عشرة ايام وظاهرها القعود مع رؤية الدم فالحكم بقعودها من دون رؤية الدم خلاف الظاهر لا يصار إليه. على ان الولادة من دون دم يوما أو اكثر امر نادر ولم نسمع بها في امثال زماننا فبهذين الامرين تكون الرواية ظاهرة في التولد مع الدم أو تحمل المرأة لا محالة.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 7 من ابواب النفاس، ح 1: (2) كذا افاده اولا ولكنه عدل عن ذلك وبنى على اعتبار طريقه إليه كما مر مضافا إلى ان في هذه الرواية بخصوصها طريق معتبر آخر للشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال يظهر من المراجعة إلى التهذيب. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 1، 3 من ابواب النفاس.

[ 225 ]

أو البعض الاخير أو الوسط أو الطرفين (1) أو يوما ويوما لا، وفي الطهر المتخلل بين الدم تحتاط بالجمع بين إذا انقطع دمها على العشرة أو قبلها: (1) قد عرفت ان الدم الذي تراه المرأة ايام عادتها بعد الولادة أو إلى عشرة ايام نفاس ويترتب عليه احكامه بلا فرق في ذلك بين استمراره وعدمه. وانما للكلام في النقاء المتخلل وانها إذا رأت يوما وطهرت يوما وهكذا فهل يكون الطهر المتخلل بحكم النفاس أو انها إذا رأت الدم حكم بنفاسه وإذا طهرت فهي بحكم الطاهرة. لعل المشهور بينهم ان النقاء المتخلل بحكم النفاس نظرا إلى اطلاق ما دل على أن أقل الطهر عشرة ايام فإذا كان أقل فهو بحكم الحيض في الحيض والنفاس في النفاس. والصحيح أن الامر ليس كذلك إذ لم نعثر على رواية تدل على ان اقل الطهر عشرة ايام مطلقا وانما استفدنا ذلك في الحيض من مثل قوله (ع) (ما تراه المرأة قبيل العشرة فهو من الحيضة الاولى وما تراه بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة (1) ومما يدل على أن اكثر الحيض عشرة ايام (2) وغير ذلك مما قدمناه في محله.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 12 من ابواب الحيض، ح 1. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 10 من ابواب الحيض.

[ 226 ]

بين أعمال النفساء والطاهر ولا فرق في ذلك بين ذات العادة العشرة أو أقل وغير ذات العادة. لدلالته على ان الحيض لا يتحقق إلا بعد الطهر بعشرة ايام واما في غيره كالحيض والنفاس أو في النفاسين فلا دليل على أن أقل الطهر بينهما عشرة ايام بل يمكن أن تلد أحد التوأمين وتنقضي مدة نفاسها كخمسة ايام مثلا وبعد ذلك بيوم تلد الآخر. واما ما ورد في رواية يونس من قوله (ع) (ادنى الطهر عشرة ايام أو لا يكون الطهر أقل من عشرة ايام) (1) فهي انما وردت في الحائض ومن ثمة فرعت عليه قوله (ع) (فإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسة ايام ثم انقطع الدم اغتسلت وصلت فان رأت الدم بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة ايام فذلك من الحيض. على انها ضعيفة بالارسال وهي غير مرسلته الطويلة التي اعتمدنا عليها في بحوث الحيض. فالصحيح ان يستدل على ذلك بالمطلقات الدالة على) ان النفساء تقعد أيامها التي كانت تقعد فيها في حيضها أو ايام قرئها) (2) فان مقتضى هذه المطلقات ان النفساء لابد من ان تقعد سبعة ايام مثلا من يوم رأت الدم إذا كانت عادتها في الحيض سبعة ايام. بلا فرق في ذلك بين استمرار دمها في تلك الايام من غير انقطاع وبين انقطاعه في الوسط يوما أو اقل أو اكثر وذلك لان انقطاع الدم


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 12 من ابواب الحيض، ح 2. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 و 3 من ابواب النفاس.

[ 227 ]

وان الم تر دما في العشرة فلا نفاس لها (1) وان رأت في العشرة وتجاوزها فان كانت ذات عادة في الحيض اخذت في ايام العادة ثم عوده لو لم يكن اكثريا في النساء فلا أقل من كونه امرا متعارفا فلا محالة تشمله الاطلاقات ولاسيما فيما إذا كانت مدة الانقطاع قليلة - كما بين الطلوعين ونحوه. ففي النقاء المتخلل بين النفاس ايضا لابد من ان تعمل عمل النفساء بمقتضى الاطلاقات. هذا في النفساء ذات العادة، فإذا كان النقاء المتخلل بحكم النفاس في ذات العادة كانت الحكم كذلك في غير ذات العادة لعدم الفرق بينهما من حيث النقاء لا نفاس لها إذا لم تر دما في العشرة: (1) أما على مسلكه (قده) من ان مبدء الحساب في العشرة وفي ايام العادة هو الولادة فلان ايام النفاس قد انقضت ورأت الدم بعد العشرة فلانفاس لها. واما بناءا على أن مبدء الحساب زمان رؤية الدم - كما هو الصحيح - لان الاحكام مترتبة على رؤيته ولا أثر للولادة المجردة فلان الاحكام مترتبة على رؤية دم النفاس - أي الدم المستند إلى الولادة - ومن المطمأن به ان الدم الخارج بعد الولادة بعشرة ايام غير مستند إلى الولادة وانما يستند إلى الاستحاضة وغيرها ولا اقل من الشك في استناده إلى الولادة ومعه لا بحكم عليه بالاحكام المترتبة على النفاس.

[ 228 ]

بعادتها (1) سواء كانت عشرة أو أقل وعملت بعدها عمل المستحاضة. وان كان الاحوط الجمع إلى ثمانية عشر كما مر. إذا تجاوز دمها عن العشرة: (1) وذلك اما في ذات العادة فللاخبار الدالة (1) على ان النفساء تقعد ايامها التي كانت تقعد فيها في حيضها أو ايام قرئها وهذا ظاهر: واما غير ذات العادة كما إذا ولدت من غير أن ترى الحيض وان كان بعيدا أو ترى الحيض إلا انها غير مستقرة العادة فنفاسها عشرة ايام. والحكم في غير ذات العادة بأن نفاسها عشرة ايام مع انه لم يرد في شئ من النصوص - والاخبار المتقدمة دلت على ان الزائد عن العشرة ليس بنفاس ولم تدل على ان نفاس غير ذات العادة عشرة ايام - انما هو من جهة ان المطلقات (2) الواردة في ان النفساء تترك صلاتها وصيامها قد اثبتت الحكم على عنوان النفساء من غير أن تحدد النفساء بشئ، واللازم حينئذ الرجوع في تعيين موضوع النفساء إلى العرف ولا اشكال في صدقه على المرأة إلى عشرة أيام والعشرة هي القدر


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 و 2 من ابواب النفاس. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 6 و 1 و 3 من أبواب النفاس وغيرها.

[ 229 ]

المتيقن بين جميع المسلمين كما مر. بل لو لا الاخبار الواردة في التحديد وأن النفاس لا يزيد على العشرة كنا نرجع إلى الصدق العرفي في الزائد عن العشرة أيضا فان (النفساء) يصدق على الوالدة إلى شهر بل إلى شهرين إذا استمر دمها وانما لا يرجع إليه في الزائد للاخبار المحددة. وحيث لا تحديد في غير الزائد فلا مناص من الرجوع إلى العرف فالحكم بالنفاس إلى عشرة ايام لا يحتاج إلى دليل فإذا تحققت الصغرى بالصدق العرفي انضمت إليها الكبرى المتقدمة وبهما يحكم على ان النفاس في غير ذات العادة عشرة ايام. وعلى الجملة: ان الحكم بالنفاس إلى عشرة لا يحتاج إلى دليل وانما المحتاج إلى الدليل هو الحكم به فيما زاد على العشرة - وان كان الاحوط هو الجمع إلى ثمانية عشر يوما كما مر. هذا بحسب الفتوى والاحوط في غير ذات العادة أن ترجع إلى عادة نسائها من امها وأختها ثم تحتاط إلى العشرة. والوجه في ذلك: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: (النفساء) إذا ابتليت بايام كثيرة مكثت مثل أيامها التي كانت تجلس قبل ذلك فاستظهرت بمثل ثلثي ايامها ثم تغتسل وتحتشي وتصنع كما تصنع المستحاضة وان كانت لا تعرف ايام نفاسها فابتليت جلست بمثل ايام أمها أو اختها أو خالتها واستظهرت بثلثي ذلك ثم صنعت كما تصنع المستحاضة تحتشي وتغتسل) (1). حيث دلت على ان المبتدئة ترجع إلى عادة نسائها. إلا انها غير


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس ح 20

[ 230 ]

قابلة للاستدلال بها على الوجوب لضعف سندها بيعقوب الاحمر وبعدم توثيق سند الشيخ إلى علي بن حسن بن فضال (1)، ومدلولها يشتمل على امرين لا يلتزم بهما المشهور بل لا قائل بأحدهما من اصحابنا - فيما نعلم -. (أحدهما): اشتمالها على انها تستظهر بثلثي ايامها فانه قد يستلزم زيادة نفاسها على عشرة ايام كما إذا كانت عادتها تسعة ايام فانها إذا انضمت إلى الستة التي هي ثلثا ايامها كانت ايام نفاسها خمسة عشر يوما وهو خلاف المشهور كما مر. و (ثانيهما): اشتمالها على انها ترجع إلى ايام عادتها في النفاس - لا في الحيض - حيث قال (وان كانت لا تعرف ايام نفاسها. الخ) لدلالته على أن المراد بالايام في الرواية هو ايام النفاس دون الحيض، وهو مما لا قائل به فيما نعلم وان كان ظاهر صاحب الوسائل أنه يقول به. وقد ورد ذلك في رواية محمد بن يحيى الخثعمي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن النفساء فقال: كما كانت تكون مع ما مضى من اولادها وما جريت، قلت: فلم تلد فيما مضى قال: بين الاربعين إلى الخمسين (2) إلا انها ضعيفة السند بالقاسم بن محمد الجوهري (2) ولاجله احتططنا برجوع غير ذات العادة إلى عادة نسائها ثم الاحتياط بالجمع إلى العشرة


(1) وقد عرفت الكلام في ذلك قريبا. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس ح 18. (3) وقد عدل عن ذلك (دام ظله) اخيرا وبنى على وثاقة كل من وقع في اسانيد كامل الزيارات والقاسم بن محمد الجوهري كذلك.

[ 231 ]

وان لم تكن ذات عادة كالمبتدئة والمضطربة فنفاسها عشرة ايام وتعمل بعدها عمل المستحاضة مع استحباب الاحتياط المذكور. (مسألة 3): صاحبة العادة إذا لم تر في العادة اصلا (3) صاحبة العادة إذا لم تر في العادة: (1) ذات العادة إذا ولدت قد ترى الدم بعدد ايامها أو زائدا عليها من غير تجاوزه العشرة وقد يتجاوز دمها العشرة: فان رأته بعدد ايامها أو زائدا من غير تجاوز العشرة فتأخذ الجميع نفاسا بمقتضى الاخبار المتقدمة، وإذا تجازو العشرة رجعت إلى عادتها وتجعله في ايامها نفاسا وفي الزائذ استحاضة كما تقدم. وقد ترى ذات العادة الدم في بعض عادتها لا في تمامها وهذا قد يكون من الاخير: أما إذا رأت الدم في اول عادتها فانقطع ثم عاد بعد ذلك فان عاد بعد العشرة فلا اشكال في ان الدم العائد ليس بنفاس لانه دم رأته ذات العادة بعد عادتها وبعد عشرة أيام وانما النفاس هو الدم الاول فقط لانه دم رأته في أيامها. واما إذا عاد قبل انقضاء عادتها وبعده لكن قبل العشرة فكلا الدمين نفاس لانهما دمان رأت ذات العادة احدهما في عادتها والآخر قبل العشرة

[ 232 ]

ورأت بعدها وتجاوز العشرة لا نفاس لها على الاقوى (1) فهما نفاس والحكم في النقاء المتخلل بينهما ما قدمناه فلا نعيد، وهذا لعله ظاهر ولم يتعرض له الماتن (قده). واما إذا رأت الدم في البعض الآخر من عادتها فيأتي الكلام عليه بعد التعليقة الآتية ان شاء الله. (1) مع العلم باستناد الدم إلى الولادة، وهذه المسألة مبتنية على الخلاف في أن حساب مبدء العشرة أو ايام العادة من زمان الولادة أو زمان رؤية الدم: فعلى مسلك المصنف (قده) من انهما يحسبان من يوم الولادة فالامر كما افاده لانه دم رأته المرأة بعد ايام عادتها وبعد العشرة وقد تجاوز أيام نفاسها ورجوع ذات العادة إلى عادتها عند تجاوز دمها العشرة انما هو فيما إذا رأت الدم في عادتها وتجاوز العشرة دون ما إذا لم تر في عادتها دما وانما رأته بعدها. واما بناءا على ما قويناه من انهما يحسبان من يوم رؤية الدم فلا فرق بين تجاوز الدم العشرة من الولادة وعدمه فان المدار على مضي العشرة أو ايام العادة بعد زمان الدم ولو تجاوز العشرة أو ايام العادة بعد الولادة لانها لا اثر لها، والاثر مترتب على ايام العادة أو العشرة بعد زمان الدم. والمفروض عدم تجاوزهما وكون الدم مستندا إلى الولادة على الفرض فما رأته ذات العادة بعد ايامها من الولادة وتجاوز العشرة أيضا نفاس إذا لم يتجاوزهما من زمان رؤية الدم.

[ 233 ]

وان كان الاحوط الجمع إلى العشرة بل إلى الثمانية عشر مع الاستمرار إليها، وان رأت بعض العادة (1) (1) هذه هي الصورة الثانية من الصورتين المتقدمتين - اعني ما إذا رأت ذات العادة الدم في البعض الآخر من ايامها وتجاوز العشرة. وقد ذكر الماتن (قده) انها تأخذ بما رأته في البعض الآخر من ايامها نفاسا وتكمل عدد ايامها بعده إلى العشرة. مثلا إذا كانت عادتها سبعة ورأت الدم من اليوم الثاني من الولادة وتجاوز العشرة جعلت اليوم الثامن أيضا نفاسا لانه به يكمل عدد ايامها فلو رأت الدم من اليوم الثالث جعلت اليوم التاسع نفاسا ولو رأته من اليوم الرابع جعلت اليوم العاشر نفاسا، واما إذا رأته من اليوم الخامس فتجعل نفاسها إلى العشرة ولا تكمل عدد ايامها من اليوم الحادي عشر. وهذا الذي افاده لا يتم على مسلكنا ولا على مسلكه (قده) - أما على مسلكنا لايتم فلما تقدم من أن الدار على زمان رؤية الدم ومنه تحسب ايام العادة أو العشرة لا من يوم الولادة وعليه فقد رأت الدم في مجموع ايام عادتها في المثال لا في بعضها الآخر وهذا ظاهر. واما على مسلكه (قده) لا يتم فلان لازمه الاقتصار في النفاسية بما رأته في البعض الآخر من عادتها ولا موجب للاكمال إلى العشرة إذ بانقضاء عدد ايامها من يوم الولادة تنقضي عادتها، والدم الذي رأته المرأة بعد عادتها مع التجاوز عن العشرة لا يحسب نفاسا كما مر. وان جعل (قده) المبدء هو اليوم الذي رأت فيه الدم فلماذا لم

[ 234 ]

ولم تر البعض من الطرف الاول وتجاوز العشرة اتمتها بما بعدها إلى العشرة دون ما بعدها فلو كانت عادتها سبعة ولم تر إلى اليوم الثامن فلا نفاس، وان لم تر اليوم الاول جعلت الثامن أيضا نفاسا وان لم تر اليوم الثاني أيضا فنفاسها إلى التاسع، وان لم تر إلى الرابع أو الخامس أو السادس فنفاسها إلى العشرة ولا تأخذ التتمة من الحادي عشر فصاعدا. لكن الاحوط الجمع فيما بعد العادة إلى العشرة بل إلى الثمانيه عشر مع الاستمرار إليها. يحكم بالتكميل بعد العشرة أيضا؟ إذ على ذلك لم تنقضي ايام عادتها فلا بد من اكمالها بعد العشرة أيضا، فالجمع بين الاكمال إلى العشرة وعدمه بعد العشرة غير ممكن على مسلكه (قده). نعم هناك شئ وعليه اعتمد الماتن (قده) فيما افاده من غير اشكال وهو ان مبدأ الحساب في العشرة هو زمان الولادة وأما في ايام العادة فالمبدأ هو زمان رؤية الدم استظهارا من الاخبار (1) الدالة على أن النفساء تقعد ايامها أي من زمان ظهور الدم، وعليه يتم ما افاده من الحكم بالتتميم إلى العشرة وعدمه بعد العشرة ولكن يرد عليه: أولا: انه على ذلك لابد من الحكم بالنفاس فيما إذا رأت ذات العادة بعد ايامها من الولادة إلى العشرة مع انه حكم (قده) في المسألة السابقة بانها إذا رأته بعد ايامها من الولادة وتجاوز العشرة لا نفاس


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 و 3 من أبواب الحيض.

[ 235 ]

لها، لان المبدأ انما هو زمان رؤية الدم على الفرض ولم تنقض عشرة ايام من زمان رؤية الدم. وثانيا: ان الدليل على ان النفاس لا يزيد على عشرة ايام هو بعينه الدليل الذي دل على أن ذات العادة تقعد ايامها وقرأها وذلك لما قدمناه من انه لا دليل على عدم كون النفاس زائدا على العشرة إلا ما ورد (1) من أن ذات العادة تقعد ايامها وتستظهر بيوم أو يومين أو بعشرة لدلالتها على أن النفاس لا يزيد على عشرة ايام. وهذه الاخبار واردة في ذات العادة التي تقعد ايامها والمفروض أن مبدأ حسابها يوم رأت فيه الدم ومع الوحدة في الدليل كيف يمكن جعل مبدأ الحساب في ذات العادة من يوم رؤية الدم وجعل منتهى العشرة من يوم الولادة. إذا ربما يكون ايام عادتها التي مبدؤها يوم رؤية الدم مع ما تقدمه من ايام الولادة زائدا عن العشرة كما إذا رأت الدم في اليوم الرابع من عادتها وكانت عادتها سبعة أيام لانها إذا احتسبت من يوم الدم بالاضافة إلى عادتها ومن يوم الولادة بالاضافة إلى عشرة ايام لكان المجموع احدى عشر يوما مع أن اكثر النفاس عشرة ايام. وعلى الجملة: مع وحدة الدليل كيف يصح التفكيك في مبدأ الحساب بين العشرة وايام العادة؟ اللهم إلا أن يقال: ان الاجماع قائم على عدم النفاس بعد العشرة من الولادة بخلاف ايام العادة. ولكن فيه: أن تحصيل الاجماع التعبدي في المسألة غير متيسر، على أن المسألة ليست باجماعية لما قدمناه من أن جملة من الاصحاب ذهبوا


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس ح 2 و 3 و 4 و 5 وباب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 236 ]

(مسألة 4): اعتبر مشهور العلماء فصل اقل الطهر بين الحيض المتقدم والنفاس. وكذا بين النفاس والحيض المتأخر فلا يحكم بحيضية الدم السابق على الولادة وان كان بصفة الحيض أو في ايام العادة إذا لم يفصل بينه وبين النفاس عشرة أيام وكذا في الدم المتأخر. والاقوى عدم اعتباره في الحيض المتقدم كما مر (1). إلى امكان استمرار النفاس إلى ثمانية عشر يوما فالصحيح احتساب كلا الامرين من يوم رؤية الدم. هل يعتبر فصل اقل الطهر بين النفاس والحيض: (1) قدمنا أن فصل اقل الطهر معتبر بين الحيضتين للادلة التي اسلفناها في محلها كما ذكرنا أن اقل الحيض ثلاثة وأن النقاء المتخلل بين حيضة واحدة ملحق بالحيض وان لم يكن هذا موردا للتسالم وهل يعتبر اقل الطهر بين الحيض المتقدم والنفاس. قدمنا انه لا دليل عليه إلا ما ربما يتوهم من اطلاق ما دل (1) على أن الطهر لا يقل عن عشرة ايام وأنه شامل للمقام ولكنك عرفت أن ما دل على ذلك مختص بالحيضتين ولا يعم الحيض والنفاس. بل لو شككنا في أن الحيض في الدم السابق مشروط بأن يفصل


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 11 من أبواب الحيض.

[ 237 ]

نعم لا يبعد ذلك في الحيض المتأخر (1) لكن الاحوط مراعاة الاحتياط. بينه وبين النفاس اقل الطهر أو لا يشترط فيه ذلك ندفعه باطلاق ادلة (1) الصفات الدالة على أن ما كان بصفة الحيض حيض فالدم الاول حيض كما أن الدم الثاني نفاس بناءا على أن الحامل قد تحيض. واما إذا لم نقل بذلك فلا يحكم بحيضية الدم الاول من هذه الجهة لا لاجل اعتبار الفصل بأقل الطهر بينه وبين النفاس. وانما يستثنى عن ذلك صورة واحدة وهي ما إذا كانت الدم الواجد للصفات خارجا في ايام المخاض والطلق لدلالة الدليل (2) على انه لا يكون حيضا لوجود القرينة على انه مستند إلى الولادة وليس من الحيض. (1) لو لا صحيحة عبد الله بن المغيرة لقلنا بعدم اشتراط الفصل بين النفاس والحيض المتأخر باقل الطهر لعدم دلالة الدليل عليه وحكمنا بان الاول نفاس والمتأخر حيض وان لم يفصل بينهما اقل الطهر. إلا أن الصحيحة المذكورة دلت بتدليلها على أن الفصل باقل الطهر معتبر بين الحيض المتأخر والنفاس حيث روى عن أبي الحسن الاول (ع) في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوما ثم طهرت ثم رأت الدم بعد ذلك قال: تدع الصلاة لان ايامها ايام الطهر قد جازت مع ايام


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب الحيض. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 4 من أبواب النفاس ح 1.

[ 238 ]

(مسألة 5): إذا خرج بعض الطفل وطالت المدة إلى أن خرج تمامه فالنفاس من حين خروج ذلك البعض إذا النفاس) (1) وتعليلها يدل على اعتبار مضي ايام الطهر في حيضية الدم المتأخر. هل يعتبر فصل اقل الطهر بين النفاسين: بقي الكلام في اعتبار فصل اقل الطهر بين النفاسين وهو غير معتبر بينهما قطعا لعدم دلالة الدليل عليه - وما تقدم من أن اقل الطهر عشرة ايام مختص بالحيض كما عرفت - حتى لو اعتبرناه بين الحيض المتقدم والنفاس نظرا إلى انه بعد اعتبار الفصل بينهما باقل الطهر فلا مناص عند عدم تخلله بينهما: اما ان لا يكون الدم الثاني نفاسا أو لا يكون الاول حيضا، وحيث أن الدم الثاني نفاس بالوجدان فلابد من الحكم بعدم حيضية الدم الاول. وذلك لان هذا التقريب لا يأتي في المقام ولا يمكن نفي النفاسية عن الدم الاول ولا عن الثاني لانهما نفاس بالوجدان وخارجان بالولادة فلا مانع من الحكم بنفاسية الدم الاول إذا ولدت ورأت الدم إلى خمسة ايام مثلا ثم انقطع مدة اقل من عشرة ولا مانع من الحكم بنفاسية الدم الثاني إذا ولدت بعد تلك المدة.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 5 من أبواب النفاس ح 1.

[ 239 ]

كان معه دم وان كان مبدء العشرة من حين التمام كما مر (1) إذا خرج بعض الطفل فصل طويل: (1) في المقام مسائل ثلاثة: (المسألة الاولي): ان الولادة إذا تعددت وكانت كل واحدة منها ولادة مستقلة كما إذا ولدت ولدا ورأت الدم وبعد خمسة ايام ولدت ولدا آخر ورأت الدم وبعد خمسة ايام ولدت ولدا ثالثا. ولا اشكال في أن كل واحدة من الولادات موضوع مستقل ولها حكمها وتحسب العشرة أو ايام العادة بعد رؤية الدم عقيب كل ولادة وذلك لا طلاق الدليل وعدم التقييد بالوحدة أو التعدد فتنقضي العشرة نفاس الولادة الاولي في اليوم العاشر وفي الولادة الثانية في اليوم الخامس عشر وفي الولادة الثالثة في اليوم العشرين وهكذا. وتتداخل ولادتان أو اكثر في مقدار من العشرة فان الولادة الاولى والثانية في الخمسة الوسطى أي من اليوم الخامس إلى العاشر متداخلتان وكيف كان فكل واحدة من الولادت موضوع مستقل له حكمه وان كان يبلغ مجموع نفاس المرأة في الولادتين أو الولادات عشرين يوما أو اكثر. وهذا لا ينافي كون اكثر النفاس عشرة ايام لان اكثره عشرة في نفاس واحد لا في نفاسين أو اكثر والا قد يبلغ مجموع نفاس المرأة في عمرها سنة أو اقل أو اكثر، وعلى الجملة ان كل ولادة موضوع

[ 240 ]

مستقل له حكمه من النفاس بعدها ايام العادة أو عشرة ايام. فما نسب إلى ظاهر كلام بعضهم من كونها بمنزلة نفاس واحد مما لا يمكن المساعدة عليه وكان ينبغي أن يتعرض المصنف لهذه المسألة قبل ما بيدنا من المسألة، إلا انه تعرض لها في المسألة الآتية. ثم ان النقاء بين الولادتين إن كان عشرة ايام أو اكثر فلا اشكال في انه بحكم الطهر لعدم الدليل على كونه بحكم النفاس مع المطلقات الدالة على ثبوت التكليف بالصلاة والصيام وغيرهما على كل مكلف - ومنه المرأة في مفروض الكلام - ولم يقم دليل على تقييدها إلا في المرأة النفساء، وأما المرأة التي لا ترى الدم فلا دليل مخرج لها بوجه. واما إذا كان النقاء المتخلل بين الولادتين أو بين ولادة قطعة وقطعة اخرى اقل من عشرة ايام فله صورتان: (احداهما): ما إذا لم يكن الدم الثاني قابلا في نفسه للالتحاق بالدم الاول في النفاس ومع قطع النظر عن الولادة الثانية بحيث لو لم تكن ولادة أيضا كان الدم المرئي ملحقا بالنفاس الاول. (ثانيتهما): ما إذا كان قابلا للانضمام إليه وكونه نفاسا في نفسه وان لم تكن هناك ولادة اصلا. أما الصورة الاولى: فكما إذا ولدت ورأت الدم سبعة ايام ثم طهرت ثلاثة ايام وبعد ذلك ولدت ولدا ثانيا ورأت الدم فان الدم الثاني غير قابل للالتحاق بالاول إذ لازمه أن يزيد النفاس عن عشرة ايام. وكذا إذا ولدت وتنفست عشرة ايام ثم نقت يوما ثم ولدت الولد الثاني في اليوم الثاني عشر فان مفروضنا ان الدم الاول والنقاء بمقدار عشرة ايام فلو حكمنا بالحاق الدم الثاني به لزاد عن العشرة وهو ظاهر.

[ 241 ]

وهذا هو الذي قدمنا الكلام فيه وقلنا ان النقاء باقل للطهر بين النفاسين بحكم الطهر إذ لا دليل على كونه بحكم النفاس وما دل على أن اقل الطهر معتبر بين الحيضين فهو مختص بالحيض كما مر، وقد عرفت ان مقتضى المطلقات وجوب الصلاة والصيام وغيرهما من الواجبات على كل مكلف - ومنه المرأة في مفروض المقام - ولم يخرج عنها إلا المرأة النفساء وأما المرأة التي لا ترى الدم لانها في ايام النقاء فلم يقم دليل على خروجها عن المطلقات. واما الصورة الثانية: فكما إذا ولدت ورأت الدم خمسة ايام ثم نقت ثلاثة ايام وولدت بعد ثمانية ايام ورأت الدم فان الدم الثاني حينئذ قابل في ذاته للانضمام إلى النفاس الاول إذ لا يلزم من كونه من النفاس الاول كونه زائدا على العشرة فهل يتداخل النفاسان في مثل اليومين أو اكثر ليلزمه أن يكون النقاء المتخلل بين الدمين كالنقاء المتخلل بين نفاس واحد. أو أن الولادة الثانية قد قطعت النفاس الاول وهو نفاس ثان فلا تداخل والنقاء بينهما من النقاء بين النفاسين الذي هو بحكم الطهر كما مر، والتداخل من دون تخلل النقاء - كما فيما مثلناه به - لا اثر له وانما الاثر في التداخل مع تخلل النقاء؟ الصحيح ان النقاء حينئذ بحكم الطهر وليس كالنقاء المتخلل بين نفاس واحد ولك لانا انما الحقنا النقاء في اثناء نفاس واحد بالنفاس بمقتضى الاخبار الآمرة بقعود ذات العادة ايام عادتها وتعدينا عنها إلى غير ذات العادة للقطع بعدم الفصل بينهما وهذا لا يأتي في المقام. إذ لاقطع لنا بعدم الفصل بين النقاء المتخلل في اثناء نفاس واحد

[ 242 ]

والنقاء المتخلل بين نفاسين كالمرأة التي ولدت ثانيا بعد ثمانية ايام من ولادتها الاولى لانها غير المرأة التي رأت الدم في النفاس الواحد وتخلل بينه نقاء اقل من عشرة ايام. والدليل مختص بالنقاء في اثناء ايام العادة فلا يعم النقاء بين الدمين فانه من النقاء بعد النفاس والدم الثاني نفاس آخر وقد تقدم أن النقاء المتخلل بين النفاسين بحكم الطهر لعدم الدليل على الحاقه بالنفاس، واطلاق ادلة التكاليف من وجوب الصلاة والصيام وجواز اتيان الزوج زوجته. ومن هذا يظهر الحال في النقاء بين الولادة الثانية ورؤية الدم كما إذا ولدت ولم تر دما إلى يوم أو نصف يوم ورأته بعد ذلك لان الدم الثاني إذا لم يكن قابلا للالحاق بالنفاس الاول فهو من النقاء المتخلل بين النفاسين وقد عرفت انه بحكم الطهر، وإذا كان قابلا للالحاق فقد تقدم أن الاظهر عدم التداخل فان الولادة الثانية موضوع جديد قاطع للنفاس الاول أيضا يكون النقاء بحكم الطهر. كما ظهر من ذلك حكم النقاء في اثناء الولادة الواحدة كما إذا طالت المدة فرأت الدم ثم انقطع ثم رأت بعد الولادة أو قبلها فانه محكوم بحكم الطهر لان الدليل انما دل على أن النقاء المتخلل في أيام العادة المحسوبة من بعد الولادة ورؤية الدم بحكم النفاس واما النقاء قبل الولادة فهو غير مشمول للدليل بل هو بحكم الطهر بمقتضى مطلقات التكليف كما مر. (المسألة الثانية): ما إذا تعددت الولادات إلا انها لم تكن ولادة مستقلة كما إذا خرج الطفل قطعة قطعة فهل يترتب على وضع كل قطعة

[ 243 ]

احكام الولادة المستقلة ولكل منهما نفاس. لا يبعد ان يقال إن حالها حال الولادات المستقلة وذلك لصدق الولادة عند وضع قطعة من الولد وهذا بخلاف ما إذا كان الولد متصلا لان الاتصال مساوق للوحدة ومن هنا لو خرج رأس الولد فماتت يقال انها ولدت رأس الولد فماتت واما إذا خرج رأس الولد وهو متصل الاجزاء فماتت يقال: انها ماتت في اثناء الولادة. إذ يصدق انها ولدت قطعة من الولد، واطلاق الدليل إذ لم يقيد الولادة بان يكون الولد تاما فلكل منهما نفاس وتحسب العشرة في كل منهما بعد رؤية الدم وقد تتداخل ولادتان أو اكثر في مقدار من العشرة أو ايام العادة كما عرفت في الولادة المستقلة. وعلى ما قربناه يترتب على كل قطعه وضعتها المرأة حكم الولادة المستقلة والنقاء المتخلل بين وضع قطعة واخرى حكم النقاء الذي تراه المرأة بين الولادتين المستقلتين كما تقدم وكذلك النقاء في ايام العادة أو عشرة ايام من وضع كل قطعة فانه من النقاء في اثناء نفاس واحد وهو بحكم النفاس كما هو الحال في الولادة المستقلة. واما بناءا على أن وضع كل قطعة ليس من الولادة في شئ فالاثر من حساب ايام العادة أو عشرة ايام انما هو بعد وضع مجموع القطعات وعليه ربما يطول وضعها شهرا أو اكثر أو اقل إلا انه نفاس واحد والنقاء التمخلل بين وضع للقطعات كالنقاء في اثناء الولادة التامة بحكم الطهر لعدم كونه بعد رؤية الدم والولادة، والنقاء الذي هو بحكم النفاس انما هو النقاء بعد رؤية الدم وتمامية الولادة كما تقدم. (المسألة الثالثة): إن ما ذكرناه من أن اكثر النفاس عشرة ايام

[ 244 ]

(مسألة 6): إذا ولدت اثنين أو ازيد فلكل واحد منهما نفاس مستقل فان فصل بينهما عشرة ايام واستمر الدم. انما هو عند رؤية الدم عقيب الولادة فان اكثره عشرة. واما الدم المرئي في اثناء الولادة قبل تمامها فهو وان كان نفاسا كما سبق إلا انه لا يحسب من العشرة فان مبدأها الدم المرئي بعد الولادة. وقد يكون النفاس في اثناء الولادة اكثر من عشرة ايام كما إذا خرج رأس الولد وطالت المدة إلى أن خرج تمامه فان الدم المرئي حينئذ نفاس وان طال عشرة ايام أو اقل أو اكثر. ثم انها إذا رأت الدم عند خروج رأس الولد ثم انقطع ولم تر إلا بعد تمامية الولادة أو بعد مدة وقبل تماميتها فهل النقاء المتخلل بين الدمين محكوم بالنفاس كالنقاء المتخلل بعد تمامية الولادة ورؤية الدم أو انه ليس محكوما بحكم النفاس؟ الصحيح عدم الحاقه بالنفاس وذلك لان الدليل على احتسابه من النفاس انما هو الاطلاقات (1) الواردة في ان النفساء تقعد ايامها وقد تقدم أن ايامها انما تحسب بعد تمامية الولادة ورؤية الدم ولا تحسب من اثنائها فالنقاء المتخلل بين الدمين في اثناء الولادة مما لم يقم دليل على كونه نفاسا فلا يترتب عليه احكامه. لان المطلقات الدالة على وجوب الصلاة والصيام وجواز اتيان الزوج زوجته تقتضي ثبوت تلك الاحكام ما لم يقم دليل على تقييدها وهو انما قام على التقييد في خصوص النقاء بين نفاس واحد كما مر.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 و 3 من أبواب النفاس

[ 245 ]

فنفاسها عشرون يوما لكل واحد عشرة ايام وإن كان الفصل اقل من عشرة مع استمرار الدم يتداخلان في بعض المدة، وان فصل بينهما نقاء عشرة ايام كان طهرا، بل وكذا لو كان اقل من عشرة على الاقوى من عدم اعتبار العشرة بين النفاسين وان كان الاحوط مراعاة الاحتياط في النقاء الاقل كما في قطعات الولد الواحد (1). (مسألة 7): إذا استمر الدم إلى شهر أو أزيد فبعد مضي ايام العادة في ذات العادة والعشرة في غيرها محكوم بالاستحاضة (2). (1) ظهر حكم هذه المسألة مما ذكرناه في المسألة الاولى من المسائل الثلاث فليلاحظ. إذا استمر الدم شهرا أو اكثر: (2) لصحيحة عبد الله بن المغيرة (1) الدالة على اعتبار الفصل بأقل الطهر بين الحيض المتأخر والنفاس ومع هذا الاشتراط إذا خرج الدم قبل اقل الطهر فيستكشف أنه ليس بحيض وانما هو استحاضة كما ان النقاء نقاء بعد النفاس وهو ليس في حكم النفاس، نعم إذا خرج بعد مضي اقل الطهر من النفاس فهو دم قابل لان يكون حيضا فان كان


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 5 من ابواب النفاس، ح 1.

[ 246 ]

وان كان في أيام العادة إلا مع فصل أقل الطهر عشرة أيام بين دم النفاس وذلك الدم، وحينئذ فان كان في العادة يحكم عليه بالحيضية وان لم يكن فيها فترجع إلى التمييز بناءا على ما عرفت من اعتبار أقل الطهر بين النفاس والحيض المتأخر وعدم الحكم بالحيض مع عدمه وان صادف ايام العادة، لكن قد عرفت أن مراعاة الاحتياط في هذه الصورة اولى. (مسألة 8): يجب على النفساء إذا انقطع دمها في الظاهر الاستظهار بادخال قطنة أو نحوها والصبر قليلا واخراجها وملاحظتها على نحو ما مر في الحيض (1). في ايام العادة فهو حيض مطلقا وإذا لم يكن في ايامها بنحو كان واجدا للصفات فهو حيض وإلا فهو استحاضة لان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض كما تقدم. هل يجب الاستظهار على النفساء: (1) ذكر جماعة أن النفساء كالحائض إذا انقطع دمها في الظاهر وجب أن تستظهر بادخال قطنة ونحوها حتى تعلم انقطاع دمها وعدمه. ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:

[ 247 ]

(احدها) أن النفساء كالحائض تعلم بتوجه عدة تكاليف إلزامية إليها كوجوب الصوم والصلاة على تقدير انقطاع دمها وحرمة ذلك في حقها إذا لم ينقطع بناءا على أن حرمة الصوم والصلاة ذاتية. فلا مناص من أن تستخبر حالة بالفحص والاستظهار حتى تخرج عن عهدة ما علمت بتوجهه إليها اجمالا، ولاسيما في موارد دوران الامر بين المحذورين إذا قلنا بحرمة العبادة في حقها ذاتا لدوران أمرها بين وجوب الصلاة في حقها وحرمتها. ويرد على هذا الوجه: ان الشبهة موضوعية ومقتضى استصحاب عدم انقطاع دمها في الباطن والمجري - وان انقطع دمها في الظاهر - انها نفساء، ومعه لا أثر للعلم الاجمالي في حقها. (الثاني): ان النفاس والحيض واحد وحكمه حكمه فكما ان الاستظهار واجب على الحائض فكذلك يجب في حق النفساء. ويندفع هذا الوجه بما يأتي عن قريب من أنه لادليل على دعوى اتحادهما كلية: (الثالث): روايتي يونس وسماعة (1) الواردتين في المرأة التي انقطع دمها ولا تدري أطهرت أم لم تطهر حيث دلتا على أنها تستظهر وتقوم قائما وتستدخل قطنة فلو خرجت ملونة بالدم فلم تطهر، وحيث


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 17 من أبواب الحيض، ح 2 - 4 والثانية معتبرة لعين ما ذكر السيد الاستاذ (دام ظله) في تصحيح طريق الشيخ (قده) إلى احمد بن محمد بن عيسى، وحاصل ذلك. ان الشيخ يروي جميع روايات وكتب محمد بن على بن محبوب بطريق آخر معتبر فضعف هذا الطريق لا يضر.

[ 248 ]

(مسألة 9): إذا استمر الدم إلى ما بعد العادة في الحيض يستحب لها الاستظهار بترك العبادة (1) يوما أو يومين أو إلى العشرة على نحو ما مر في الحيض. ان موضوعهما مطلق المرأة التي انقطع دمها فتشملان النفساء ايضا لعدم إختصاصهما بالحائض. ويرد على ذلك ان الروايتين مخدوشتان سندا لارسال الاولى وضعف الثانية بأحمد بن محمد الذي روى عنه المفيد لانه اما أحمد بن محمد بن يحيى أو أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد وكلاهما غير موثقين. على انهما مخدوشتان من حيث الدلالة أيضا وذلك لانهما وردتا في المرأة التي انقطع منها الدم فلا تدري اطهرت أم لم تطهر وقد دلتا على أنها أذا أرادت أن تستخبر حالها فكيفية الاستخبار أن تستدخل قطنة.. الخ - فهما واردتان لبيان كيفية استعلام حالها إذا أرادت ذلك ولا دلالة لهما على وجوب ذلك في حقها بوجه، نعم هذا واجب على الحائض لرواية (1) أخرى معتبرة سندا قدمناها في مبحث الحيض. إذا استمر الدم إلى ما بعد العادة: (1) قدمنا في مبحث الحيض أن الحائض يجب عليها الاستظهار بترك العبادة يوما واحدا ويستحب لها الاستظهار بيومين أو بثلاثة أو


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 17 من ابواب الحيض، ح 1.

[ 249 ]

بعشرة لانه الذي يقتضيه الجمع بين الاخبار الدالة على انها تستظهر بيوم أو بيومين أو بثلاثة أو بعشرة. ودعوى: ان اختلاف الاخبار في التحديد يكشف عن استحباب الاستظهار في حقها. مندفعة: بأن ما دل منها على وجوب الاستظهار عليها بيوم واحد رواية معتبرة لا معارض لها بوجة فلا مناص من الاخذ بها، نعم في الزائد على اليوم يحكم فيه بالاستحباب جميعا بين الاخبار. وهكذا الكلام في النفاس لدلالة الاخبار على انها تستظهر بيوم أو بيومين فالاستظهار واجب بيوم ومستحب في ما عداه. ويدل على ذلك جملة من الاخبار. (منها): ما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال.. عن مالك بن اعين قال: سألت ابا جعفر (ع) عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم قال: (نعم إذا مضى لها منذ يوم وضعت بقدر ايام عدة حيضها تستظهر بيوم.. (1). وانا وان ذكرنا ان طريق الشيخ إلى ابن فضال ضعيف إلا انه فيما إذا روى الشيخ عنه في كتابه من غير واسطة فان طريقه إليه - على ما ذكره في المشيخة - ضعيف لاشتماله على احمد بن عبدون وابن الزبير واما إذا روى الشيخ عنه في نفس الكتاب بطريق معتبر فلا كلام في اعتبار الرواية حينئذ لدلالته على ان للشيخ إليه في هذه الرواية طريقين احدهما معتبر على الفرض، والامر في المقام كذلك كما لا يخفى


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 و 7 من ابواب النفاس، ح 4، 1.

[ 250 ]

على من راجع الوافي والتهذيب (1) فلا اشكال في الرواية من حيث السند. ودلالتها ظاهرة. و (منها): صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الدالة على ان النفساء اكثر نفاسها ثمان عشر، حيث ورد في ذيلها (ولا بأس بان تستظهر بيوم أو بيومين) (2). وهي وان حملنا على التقية بالاضافة إلى اكثر النفاس نظرا إلى اختلاف نسخها إلى انه غير مستلزم لحملها على التقية في هذا الحكم أيضا حيث انها مشتملة على حكمين ولا مناص من حملها في أحدهما على التقية واما في الآخر فلا موجب لرفع اليد عنه بوجه. و (منها): صحيحة زرارة عن أحدهما (ع) قال: (النفساء تكف عن الصلاة أيامها التي كانت تمكث فيها ثم تغتسل وتعمل كما تعمل المستحاضة) (3). وذلك لانها عبرت بالمكث وان النفساء تكف عن الصلاة ايامها التي كانت تمكث فيها ولم تعبر بايامها أو بعادتها، ومن الظاهر أن


(1) والطريق الآخر اخبرني جماعة عن ابي محمد هارون بن موسي، عن احمد بن محمد بن سعيد، التهذيب: ج 1 ص 176 ح 505، واما الطريق المذكور في الفهرست والمشيخة فانه ضعيف بابن الزبير واما احمد بن عبدون فانه ثقة على الاظهر لانه من مشايخ النجاشي (ره) هذا مضافا إلى ما تقدم مرارا من تصحيح طريق الشيخ إلى ابن فضال من جهة طريق النجاشي إليه. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من ابواب النفاس، ح 15. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من ابواب النفاس، ح 1.

[ 251 ]

(مسألة 10): النفساء كالحائض (1) في وجوب الغسل بعد الانقطاع أو بعد العادة أو العشرة في غير ذات العادة الحائض يجب عليها المكث يوما واحدا للاستظهار فهو من ايام مكثها بمعنى ان دمها إذا تجاوز عن عادتها في شهرين أو ازيد ومكثت يوما واحدا للاستظهار صدق انه يوم كانت تمكث فيه في الحيض فلابد من ان تمكث فيه في النفاس ايضا. إذن دلت الصحيحة على ان النفساء كما تمكث ايام عادتها تمكث يوما واحدا بعدها للاستظهار. نعم بين الاستظهار في الحيض والنفاس فرق: وهو ان الاستظهار بثلاثة ايام غير وارد في رواية معتبرة في النفاس لكنه وردت رواية معتبرة فيه في الحائض، وعليه فالنفساء مخيرة في الاستظهار بين يومين أو عشرة ايام. واما الحائض فهي مخيرة بين الاستظهار بيومين وثلاثة وعشرة. نعم ورد الاستظهار في حق النفساء بثلاثة ايام في رواية المنتقى عن الجوهري (1) وهي ضعيفة ما تقدم فلا دليل على استحباب الاستظهار لها بثلاثة ايام. النفساء كالحائض: (1) الحكم بأن النفساء كالحائض إن كان مستندا إلى الاجماع فيدفعه: ان تحصيل الاجماع التعبدي غير ممكن في المسألة، والاجماعات


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب النفاس، ح 11.

[ 252 ]

ووجوب قضاء الصوم دون الصلاة وعدم جواز وطئها وطلاقها ومس كتابة القرآن واسم الله وقراءة آيات السجدة ودخول المساجد والمكث فيها وكذا في كراهة الوطئ بعد الانقطاع وقبل الغسل وكذا في كراهة الخضاب وقراءة القرآن ونحو ذلك المنقولة لا اعتبار بها. وان كان مستندا إلى ما ورد في بعض (1) الاخبار من أن الحائض مثل النفساء سواء. ففيه: ان الرواية الدالة على ذلك وان كانت معتبرة من حيث السند إلا ان دلالتها على المدعى قابلة للمناقشة من جهتين: (إحداهما): انها لو دلت فانما تدل على ان الحائض مثل النفساء سواء فيترتب على الحائض ما كان يترتب على النفساء لا ان النفساء مثل الحائض ليترتب عليها ما يترتب على الحائض كما هو المدعى. (ثانيتهما): انا لو سلمنا دلالتها على ذلك فغاية ما يستفاد منها انهما سواء في الحكم الذي ورد في الرواية حيث ان زرارة سأله عن النفساء متى تصلي فقال: (تقعد بقدر حيضها وتستظهر بيومين فان انقطع الدم وإلا اغتسلت واحتشت واستثفرت (استذفرت) وصلت فان جاز الدم الكرسف تعصبت واغتسلت ثم صلت الغداة بغسل والظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء بغسل وان يجز الدم الكرسف


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 5.

[ 253 ]

صلت بغسل واحد، قلت: والحائض؟ قال (مثل ذلك سواء) (1) فلا يستفاد منها سوى اتحادهما في الحكم المذكور من وجوب الصلاة والغسل عليها لكل صلاتين وللغداة وغير ذلك مما ذكرته الرواية، الا انها لا تدل على ان اي حكم ثبت لاحدهما يثبت للاخر ايضا. وان استند في ذلك إلى رواية مقرن عن أبي عبد الله (ع) قال: سأل سلمان (ره) عليا (ع) عن رزق الولد في بطن امه فقال (ع) (إن الله تبارك وتعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقة في بطن امه) (2). ففيه: ان الرواية - مضافا إلى ضعف سندها بغير واحد من رجاله كمقرن لجهالته ومحمد بن علي الكوفي وغيرهما - مخدوشة بحسب الدلالة لانها دلت على ان الحيض يحبس في بطن المرأة رزقا لولدها واما ان الخارج بعد الولادة حيض فلا دلالة فيها على ذلك بوجه ولو ضعيفا إذ الحيض انما يحبس في بطنها بمقدار يرتزق به الولد لا الزائد على ذلك حتى يكون الخارج بعد الولادة حيضا وانما هو نفاس مستند إلى الولادة. إذن: لا دليل على الكبرى المدعاة من ان النفساء كالحائض في احكامها ولابد في كل حكم من التبعية لدليله فنقول: لا اشكال في ان النفساء لا تجب عليها الصلاة ولا قضاؤها، كما لا يجب عليها الصيام ولكن تقضيه بعد نفاسها، وكذا يحرم وطؤها ما دام لم ينقطع دمها.


(1) المصدر المتقدم. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 30 من ابواب الحيض، ح 13.

[ 254 ]

كل ذلك لدلالة الاخبار المعتبرة عليه (1)، وكذا لا اشكال في عدم جواز مس النفساء الكتاب العزيز لما قدمناه في مبحث الحيض من أن ذلك لا يختص بالحيض والجنابة وانما هو حكم لمطلق المحدث، لما دل على النهي عن مسه من غير طهر مستشهدا بقوله تعالى (لا يمسه إلا المطهرون). وهذه الرواية وان كانت ضعيفة سندا كما مر، إلا ان الرواية غير منحصرة بها لدلالة غيرها من الاخبار المعتبرة على عدم جواز مس الكتاب من غير وضوء وقد قلنا: ان مقتضى ذلك عدم جواز مسه من دونه مطلقا ولو مع الاغتسال إلا ان الادلة الدالة على اغناء الغسل عن الوضوء دلتا على جوازه مع الغسل أيضا وحيث ان النفساء لا يصح منها الوضوء ولا هي مغتسلة فلا يجوز لها مس الكتاب كالحائض. واما حرمة قراءة العزائم ودخول المسجدين والمكث في بقية المساجد فلم يثبت شي ء منها في النفساء لاختصاص دليلها بالحائض والجنب فالحكم بالحرمة فيها مبني على الاحتياط - استحبابا لا وجوبا - لضعف ما دل على اشتراك الحائض والنفساء في احكامهما، وقد تقدم اشتراكهما في الاستظهار. ولا اشكال في اشتراكهما في عدم جواز الطلاق لدلالة الادلة (2) على اشتراط كونها في الطهر، والنفساء ليست كذلك.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1، 3، 6، 7 من ابواب النفاس وغيرها من الموارد. (2) الوسائل: الجزء 15 باب 24، 25، 26 من ابواب مقدمات الطلاق وشرائطه.

[ 255 ]

واما كراهة وطئها بعد الانقطاع وقبل الغسل وكراهة غيره مما ذكره في المتن فلم يقم دليل معتبر على اعتبارها في حق النفساء بل تبتني على التساوي بينها وبين الحائض وقد عرفت منعه. نعم ورد فيما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال ان المرأة تحرم عليها الصلاة ثم تطهر فتتوضأ من غير ان تغتسل فلزوجها أن يأتيها قبل ان تغتسل؟ قال (لا حتى تغتسل) (1). وقد حملت على الكراهة بقرينة الاخبار المجوزة وهي مطلقة تشمل النفساء ايضا. إلا انها ضعيفة لضعف طريق الشيخ إلى ابن فضال فالحكم بكراهة وطئها حينئذ مبني على التسامح في ادلة السنن على نحو يشمل المكروهات ايضا. وكذلك الحال في غيره من المكروهات الواقعة في كلامه (قده) فانها مما لا دليل معتبر عليه. (استدارك): ذكرنا ان كراهة وطي النفساء بعد انقطاع دمها وقبل الاغتسال لم يثبت بدليل معتبر وذلك لان ما دل على المنع عن وطيها قبل الاغتسال رواية معتبرة وهي ما رواه الشيخ عن ابن فضال بطريق معتبر وقد دلت على ان النفساء يغشاها زوجها يأمرها فتغتسل ثم يغشاها ان احب (1).


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من ابواب النفاس، ح 3، وتقدم اعتبار طريق الشيخ إلى ابن فضال. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 7 من ابواب النفاس، ح 1. وتقدم وجه اعتباره في اول هذه المسألة.

[ 256 ]

وما ادعي دلالته على جوازه قبل الاغتسال فهو روايتان كلتاهما عن الشيخ عن ابن فضال وفي احداهما عبد الله بن بكير عن بعض اصحابنا عن علي بن يقطين عن ابي عبد الله (ع) قال: (إذا انقطع الدم ولم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء) (1). وفي الاخرى: عبد الله بن بكير عن ابي عبد الله (ع) من غير واسطة، ولاجلهما حمل المنع في الرواية المانعة على الكراهة جمعا بينهما كما صنعوا في الحيض مثل ذلك. إلا ان الروايتين ضعيفتان: اما الاولى فلان ا لشيخ رواها عن ابن فضال بطريق معتبر إلا انها ضعيفة بالارسال. واما الثانية فلان الشيخ رواها عن ابن فضال بطريقه الضعيف الذي فيه (ابن عبدون) و (ابن الزبير) هذا على انهما انما وردتا في الحائض. واما ما صبعه صاحب الوسائل (قده) من نقلهما في النفساء فلم يظهر لنا وجهه فان الروايتين اشتملنا على ضمير (ها) من غير تصريخ بالحائض ولا النفساء وانما قلنا باختصاصهما بالحائض من جهة ان الشيخ نقلهما في الحائض واستدل بهما على جواز وطيها قبل الاغتسال وهو قرينة اختصاصها بالحائض. ثم لو أبيت عن ذلك فالروايتان مجملتان لعدم الدليل على ورودهما في الحائض أو في النفساء فلا يبقى مجال للاستدلال بها على الجواز ليجمع بينها وبين الخبر المانع بحمله على الكراهة - كما في الحيض - فالحكم بالكراهة لا دليل عليه. ولكنا مع ذلك - اي مع اعتبار دليل المنع - نلتزم بجواز وطيها


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 7 من ابواب النفاس، ح 2.

[ 257 ]

وكذا في استحباب الوضوء في اوقات الصلاة والجلوس في المصلي والاشتغال بذكر الله بقدر الصلاة، والحقها بعضهم بالحائض في وجوب الكفارة إذا وطأها وهو احوط لكن الاقوى عدمه (1) قبل الاغتسال كما في الحائض (لا على كراهة) وذلك لما ذكرناه في مبحث الحيض من جريان السيرة بين أصحاب الائمة (ع) والمتدينين على وطي الحائض والنفساء قبل الغسل وذلك لان الاماء والجواري كانت متداولة في تلك الاعصار من غير شبهة وقد كانت جملة منهن نصرانية أو مجوسية أو غيرهما من الفرق والاديان وهن لا يغتسلن بعد الحيض والنفاس ولو اغتسلن فلا يصح منهن الاغتسال ومع ذلك لا نحتمل اجتنابهم عن الاماء بعد رؤيتهن الحيض مرة أو ولادتهن كذلك لعدم اغتسالهن أو بطلانه وبهذه السيرة نحكم بجواز وطيهما قبل الاغتسال. الحاق النفساء بالحائض في وجوب الكفارة بوطيها: (1) الحق بعضهم النفساء بالحائض في وجوب الكفارة إذا وطأها زوجها والمصنف استقوى عدم الالحاق وان كان احوط مع انه (قده) التزم بالالحاق ومن ثمة حكم على النفساء بحرمة الدخول في المسجدين والمكث في المساجد وغير ذلك مع انه لم يقم دليل معتبر على حرمة ذلك على النفساء.

[ 258 ]

والصحيح ما افاده (قده) لعدم امكان الالحاق في الكفارة وان قلنا بالالحاق في غيرها وذلك لان العمدة في الالحاق هو الاجماع وما دل على انها والحائض سواء كما مر (1)، لضعف الرواية (2) الثانية التساوي المستدل بها على الالحاق من حيث الدلالة أو بحسب الدلالة والسند كما مر. والنظر في كلمات الاصحاب والتأمل فيها يشهد على أن مرادهم من التساوي بينهما انما هو في الاحكام المرتبة على الحائض وأن ما يحرم عليها يحرم عليها وما يجب عليها يجب عليها وما يكره لها يكره لها وهكذا وكذلك الرواية دلت على تساويهما في وجوب الغسل لكل صلاتين ونحوه مما ذكر في الرواية. واما التساوى من حيث وطي الزوج في الحكم المتعلق بغير النفساء وأن زوج النفساء كزوج الحائض في ترتب الكفارة على وطيه فهو امر اجنبي عن مفاد كلماتهم وعن الرواية ولم يقم عليه دليل. نعم لو قلنا بالتساوي لم يجز للنفساء التمكين لزوجها كالحائض إلا أن زوجها إذا كان مجنونا أو صغيرا أو اجبرها على الوطي وجب عليه الكفارة أو استحبت وهو حكم آخر مترتب على الحائض دون النفساء ويحتاج إلى دليل، وعلى الجملة ان الحكم بالكراهة أو الوجوب أو الاستحباب في تلك الموارد مبني على الالحاق وقد عرفت انه لا دليل معتبر عليه.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 5. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 13.

[ 259 ]

(مسألة 11): كيفية غسلها كغسل الجنابة (1) إلا أنه لا يغني عن الوضوء (2) بل يجب قبله أو بعده كسائر الاغسال. كيفية غسل النفاس: (1) لان الغسل كالوضوء له طبيعة واحدة لا تختلف بحسب مواردها واقسامها فكما ان الوضوء غسلتان ومسحتان في جميع الموارد كذلك الغسل هو عبارة عن صب الماء على الرأس والبدن على الكيفية المتقدمة في غسل الجنابة حسبما يستفاد من الاخبار (1). من دون فرق بين مواردها فان ورود الكيفية في غسل الجنابة لا يقتضي اختصاص الكيفية به - كما ذكرناه في غسل الحيض - لان الغسل امر معهود في الاذهان فإذا أمر به في اي مورد استقيد منه تلك الكيفية من دون فرق بين مواردها. هل يغني غسل النفاس عن الوضوء: (2) الكلام في اغناء غسل النفاس عن الوضوء هو الكلام بعينه في اغناء غسل الحيض عنه وحيث انا بنينا على اغناء كل غسل عن الوضوء فلا مناص من الالتزام باغناء غسل النفاس عنه ايضا وان كان التوضوء احوط


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 26 من أبواب الجنابة.

[ 260 ]

وإذا اراد الاحتياط بالتوضوء فليتوضأ قبل الاغتسال حتى لا يحتمل كونه بدعة بعد الاغتسال. هذا تمام الكلام في النفاس والحمد لله رب العالمين.

[ 261 ]

فصل في غسل مس الميت يجب بمس ميت الانسان بعد برده وقبل غسله (1) فصل في غسل مس الميت (1) وجوب غسل مس الميت متسالم عليه بين الاصحاب، وهل وجوبه نفسي أو شرطي يأتي عليه الكلام عند تعرض الماتن له ان شاء الله. ولا يحتاج في الاستدلال على وجوبه إلى التسالم والاتفاق لدلالة جملة من الروايات الصحيحة المتضافرة على وجوبه بألسنة مختلفة، ففي بعضها: (ولكن إذا مسه بعد ما يبرد فليغتسل) (1) وفي اخرى: (إذا مسست جسده حين يبرد فاغتسل) (2) وفي ثالثة: (فإذا برد فعليه الغسل) (3) وفي رابعة: (إذا اصاب يدك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل) (4) إلى غير ذلك من الاخبار الصريحة في الوجوب.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 1. (2) الوسائل: الجزء باب 1 من أبواب غسل المس ح 3. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 4. (4) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 5 وغيرها من روايات الباب.

[ 262 ]

ومع ذلك حكي عن السبزواري في الذخيرة من قوله بعد نقل جملة من الروايات: ولا يخفى أن الامر ما بمعناه في اخبارنا غير واضح الدلالة على الوجوب، فالاستناد إلى هذه الاخبار في اثبات الوجوب لا يخلو عن الاشكال. وتعبيره ب‍ (لا يخفى) يدل على أن عدم دلالة الاخبار على الوجوب كأنه من الامور الواضحة مع أن الاخبار - كما عرفت - مصرحة بالوجوب بمختلف انحاء صيغ الوجوب وقل مسألة ترد فيها النصوص المصرحة بالوجوب مثل المقام فما الذي دعاه إلى الاشكال والاستشكال في دلالتها والله العالم به؟! وهذا منه (قده) على دقته وتحقيقه غريب. هذا ونسب إلى السيد المرتضى (قده) استحباب الغسل من مس الميت واستدل غيره له بوجوه: الوجوه المستدل بها على استحباب غسل المس: (منها): انه ذكر في سياق جملة من المندوبات وانه (اغتسل للفطر والاضحى والجمعة وإذا مسست ميتا) (1) وقد ذكر في بعض النصوص (2) أن الفرض منها غسل الجنابة. ويدفعه: ما ذكرناه في محله: من أن الوجوب ليس مدلولا لصيغة الامر وانما هي تدل على الطلب الجامع بين الوجوب والاستحباب وانما يستفاد الوجوب من عدم قيام القرينة على الترخيص في الترك، كما ان


(1) و (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب الاغسال المسنونة، وباب 4 من أبواب غسل المس ح 2.

[ 263 ]

الاستحباب يستفاد من قيامها على الترخيص في الترك وحث قامت القرينة على الوجوب في غسل مس الميت حكمنا بوجوبه دون غيره وهذا لا يستلزم استعمال الصيغة في معنيين بل معناها واحد كما مر. على أنا لو سلمنا ذلك فغاية ما يستفاد من ذلك أن الصيغة لم تستعمل في الوجوب واما انها استعملت في الاستحباب فهو محتاج إلى الدليل وعليه فالرواية لاتدل على وجوب الغسل كما لا تدل على استحبابه لتعارض سائر الاخبار. واما ما ورد في بعضها من ان الفرض غسل الجنابة ففيه: أن الفرض بمعنى ما اوجبه الله تعالى في كتابه في قبال السنة التي هي بمعنى ما اوجبه النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) وغسل الجنابة قد امر به في موردين من الكتاب وهما قوله تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) (1) وقوله تعالى: (إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (2) وهذا بخلاف غسل مس الميت ونحوه. وقد ورد في صحيحة زرارة الدالة على أن الصلاة لا تعاد إلا من خمس. (3) أن التشهد سنة اي واجب اوجبه النبي والائمة (ع) وغير مذكور في الكتاب العزيز فليس (سنة) في قبال (واجب) كما توهم. و (منها): ما ورد (4) من السؤال عن ان أمير المؤمنين (ع)


(1) سورة المائدة: 6. (2) سورة النساء: 43. (3) الوسائل: الجزء 5 باب (4) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 7.

[ 264 ]

هل اغتسل حين غسل رسول الله صلى الله عليه وآله عند موته؟ فأجابه الصادق عليه السلام: (النبي صلى الله عليه وآله طاهر مطهر ولكن فعل أمير المؤمنين (ع) وجرت به السنة) لدلالتها على أن غسل مس الميت لم يكن واجبا قبل فعل أمير المؤمنين (ع) وانما فعله وجرت به السنة فهو امر مستحب وفيه: أولا: إن الرواية ضعيفة السند لان الشيخ رواها في التهذيب في موضعين: احدهما: باب الاغسال الواجبة والمندوبة عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن عيسى عن القاسم بن الصيقل (1) من الاغسال المفترضات والمندوبات. وثانيهما: في آخر باب الزيادات من تلقين المختضرين عن الصفار عن محمد بن عيسى العبيدي عن الحسين بن عبيد. وهما ضعيفتان الاولى بالقاسم بن الصيقل والثانية بالحسين بن عبيد كما في نسخة التهذيب وأما الحسن بن عبيد (كما في الوسائل) فلم يذكر في الرجال اصلا. واما ما في الوسائل من نقل الرواية عن الشيخ بطريقين احدهما بطريق الصفار عن محمد بن عيسى المتقدم وثانيهما عن المفيد عن احمد بن محمد عن أبيه عن الصفار عن محمد بن عيسى... فلم نقف على طريقه الثاني في التهذيب. وثانيا: ان الرواية غير تامة من حيث الدلالة إذا لم تدل على أن كونه سنة معلولا لفعل أمير المؤمنين (ع) بل جرى السنة وفعله (ع) في عرض واحد بمعني انه أتى به وجري به السنة حيث لم يقل (فعله


(1) في الاستبصار وفي بعض نسخ التهذيب القاسم الصيقل.

[ 265 ]

فجرى به السنة) بل قال: (فعل وجرت به السنة). على انها تدل على أن وجوب غسل مس الميت كان امرا مفروغا عنه في تلك الازمنة ومن هنا لم يسأل الراوي عن اصل وجوبه وانما سأل عن اغتسال على (ع) عن مسه بدن النبي صلى الله عليه وآله خاصة لانه طاهر مطهر ولا قذارة فيه لتسري إلى علي (ع) ويجب عليه الاغتسال. اضف إلى ذلك انا لو سلمنا دلالتها على استحباب الغسل فهي مختصة بمثل بدن النبي صلى الله عليه وآله الذي كان طاهرا مطهرا، هب ان في مس كل بدن طاهر مطهر كأبدان الائمة (ع) يستحب الاغتسال ولا يجب وأما فيمن مس بدن الميت الذي ليس بطاهر ولا مطهر فلا يستفاد منها استحباب الغسل فيه أيضا. و (منها): التوقيع المروي في الاحتجاج في امام صلاة حدث عليه حدث وانه يوخر ويتقدم بعض المأمومين ويتم صلاتهم: أن من مسه ليس عليه إلا غسل اليد، (1)، حيث دل على عدم وجوب الغسل من مس الميت. ويدفعه: اولا: انها ضعيفة السند لما ذكرناه غير مرة أن الطريق إلى الاحتجاج لم تثبت وثاقته. وثانيا: ان وجوب الغسل من المس انما هو بعد برده لامع حرارته والامام الميت لا يبرد بدنه بعد موته بدقيقة أو نصفها اي حال مسه ليؤخره فان الصلاة يعتبر فيها الموالاة فلا مناص من تأخيره في زمان قليل ولا يبرد بدنه حالئذ. ويوضح ما ذكرناه: التوقيع الثاني المروي في الاحتجاج حيث قال:


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب غسل المس ح 4.

[ 266 ]

وكتب إليه وروي عن العالم أن من مس ميتا بحرارته غسل يده ومن مسه وقد برد فعليه الغسل، وهذا الميت في هذه الحالة لا يكون إلا بحرارة بدنه فالعمل في ذلك على ما هو، ولعله ينحيه بثيابه ولا يمسه فكيف يجب عليه الغسل؟ التوقيع: (ان مسه في هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده) (1) حيث انها ناظرة إلى الرواية الاولى وشارحة لها وأن مس الميت في حالة الحرارة لا يوجب إلا غسل اليد دون الاغتسال ومن هنا ورد أن الصادق (ع) كان يقبل ولده اسماعيل بعد موته وقيل له: انه يوجب الغسل قال (ع) انما ذاك إذا برد (2). وقد استدل للسيد (قده) برواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: الغسل من سبعة من الجنابة وهو واجب ومن غسل الميت وان تطهرت اجزأك) (3). بدعوى أن ذيلها يدل على كفاية تطهير البدن في مس الميت من غير حاجة إلى الاغتسال. وفيه: مضافا إلى تشويش الرواية دلالة لعدم استعمال التطهر في تطهير البدن ومن المحتمل أن يراد به الاغتسال من مس الميت وانه يجزء عن الوضوء لان التطهر استعمل في الاغتسال كما في قوله تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) (4).


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب غسل المس ح 5. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 2. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 8. (4) سورة المائدة: 6.

[ 267 ]

دون ميت غير الانسان (1) مخدوشة سندا بالحسين بن علوان لانه عامي لم يوثق (1) بل قد ينافش في عمرو بن خالد ايضا إذا لم يوثقه سوى ابن فضال وقد وقع الكلام في توثيقه إلا ان الصحيح انه موثق ولا بأس بتوثيق ابن فضال (2) فتحصل انه لم يقم دليل على استحباب غسل مس الميت فتبقى الادلة المتقدمة الدالة على الوجوب سليمة عن المعارض. عدم وجوب الغسل بمس ميت غير الانسان: (1) لجملة من النصوص كصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) في رجل مس ميتة أعليه الغسل قال (ع): (لا، انما ذلك من الانسان) (3) وغيرها. فمس ميتة غير الآدمي انما يوجب الغسل إذا كانت الملاقاة مع رطوبة وقد تقدم الكلام في ذلك في بحث نجاسة الميتة لذهاب بعضهم إلى وجوب الغسل بملاقاتها ولو كانت من غير رطوبة ايضا - كما مر - في محله.


(1) رجع (دام ظله) عن ذلك في معجم الرجال ج 6 ص 32 وبنى على وثاقته. (2) على ان عمرو بن خالد ورد في اسانيد كامل الزيارات ايضا فلاحظ. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 6 من أبواب غسل المس ح 1 وغيره.

[ 268 ]

أو هو قبل برده (1) أو بعد غسله (2) عدم وجوب الغسل بالمس قبل برد الميت: (1) للنصوص كصحيحة اسماعيل بن جابر قال: دخلت على أبي عبد الله (ع) حين مات ابنه اسماعيل الاكبر فجعل يقبله وهو ميت فقلت: جعلت فداك أليس لا ينبغي أن يمس الميت بعد ما يموت ومن مسه فعليه الغسل؟ فقال: (أما بحرارته فلا بأس انما ذاك إذا برد) (1) وغيرها من الروايات. ولعله مما لا كلام فيه وانما وقع الكلام في مسه وقد برد بعض جسده دون تمامه، ويأتي عليه الكلام بعد قليل ان شاء الله. عدم وجوب الغسل بالمس بعد غسله: (2) وذلك للنصوص أيضا منها صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس بها بأس) (2) وغيرها. وأما موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (يغتسل الذي غسل


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 2 وغيره. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب غسل المس ح 1 وغيره.

[ 269 ]

الميت وكل من مس ميتا فعليه الغسل وان كان الميت قد غسل) (1) فهي انما تدل على وجوب الغسل حتى بعد غسل الميت بالظهور فنرفع اليد عن ظهوه بالنصوص المصرحة بعدم الوجوب إذا مسه بعد تغسيله. وبذلك نحمل الموثقة على الاستحباب فالاغتسال من المس بعد تغسيل الميت الممسوس احد الاغسال المستحبة. وبهذا يظهر الجواب عما استدل به على وجوب الغسل مطلقا كحسنة حريز عن أبي عبد الله (ع) قال: (من غسل ميتا فليغتسل وان مسه مادام حارا فلا غسل عليه وإذا برد ثم مسه فليغتسل قلت: فمن ادخلة القبر؟ قال: (لا غسل عليه انما يمس الثياب) (2) وغيرها مما هو بهذا المضمون. نظرا إلى أن مس الميت بعد غسله لو لم يكن موجبا للاغتسال فما معنى تعليله (ع) عدم وجوب الغسل بانه مس ثياب الميت فان معناه انه لو مسه ببدنه لوجب عليه الاغتسال. والجواب عنه انها وان كانت ظاهرة في ذلك إلا ان الظهور يرفع عنه اليد بالنصوص المصرحة بالعدم وتحمل على استحباب غسل المس إذا مس بعد الاغتسال. وهذا هو الصحيح في الجواب لاحمل الرواية على مورد لم يغسل الميت حين دفنه لعدم الماء - كما في البراري أو للنسيان أو عصيانا. وذلك لانها فروض نادرة والغالب في الميت حال دفنه هو تغسيله ولا حملها على صورة فساد تغسيله - كما عن المحقق الهمداني (قده)


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب غسل المس ح 3. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 14.

[ 270 ]

والمناط برد تمام جسده فلا يوجب برد بعضه ولو كان وذلك لانه خلاف مقتضى اصالة الصحة الجارية في تغسيل المغسل للميت. ما هو المناط في وجوب الغسل: (1) إذا برد بعض جسد الميت دون بعضه مقتضى القاعدة وجوب الاغتسال بمسه لان المطلقات دلت على وجوب الاغتسال من مس الميت مطلقا وقد خرجنا عنها فيما إذا مسه وهو حار بمقتضى النصوص المتقدمة والقدر المتيقن من تلك المقيدات ما إذا كان حارا بتمامه. واما إذا برد بعضه وشككنا في وجوب الغسل بمسه حينئذ وعدمه - وكما إذا لم يكن للمقيد اطلاق - فلا مناص من أن نرجع إلى المطلقات وهي تقتضي وجوب الاغتسال ولا محل للرجوع إلى الاصل مع وجودها. إلا ان ظاهر بعض المقيدات عدم وجوب الغسل ما دام لم يبرد الميت بتمامه - كما في صحيحة (1) اسماعيل بن جابر المتقدمة حيث إن ظاهر كلمة (للبرد): برد الميت بتمامه، إذ مع برد البعض دون بعض لا يصدق أن الميت برد، وكلمة (انما) تفيد الحصر، وعليه تدل الصحيحة على أن وجوب الغسل بالمس منحصر بما إذا لم يبرد الميت بتمامه. وكذلك صحيحة علي بن جعفر (ع) (وان كان قد برد فعليه الغسل إذا مسه) (2) فمع عدم البرد بتمام جسد الميت لا غسل واجب


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 2. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 18.

[ 271 ]

هو الممسوس والمعتبر في الغسل تمام الاغسال الثلاثة (1) فلو بقي من الغسل الثالث شئ لا يسقط الغسل بمسه (2) وان كان الممسوس العضو المغسول منه (3) ويكفي في سقوط الغسل إذا كانت الاغسال الثلاثة كلها بالماء القراح لفقد السدر والكافور (4) وان مس العضو الذي قد برد. (1) لانه مقتضى ظهور غسل الميت في الاخبار المتقدمة الدالة على وجوب غسل مس الميت إذا لم يغسل الميت بعد، فان غسل الميت ظاهر في الغسل الشرعي المأمور به وهو ملفق من ثلاثة اغسال. (2) لعدم تمامية الغسل المأمور به. (3) في الغسل الثالث كما إذا مس رأس الميت بعد ما غسل في الغسل الثالث وقبل تماميته - اي قبل غسل البدن في الغسل الثالث، وذلك لعدم تمامية الغسل المأمور به. ما يكفي في سقوط الغسل لدى العذر: (4) قد تقدم ان غسل مس الميت انما يجب فيما إذا كان المس قبل التغسيل ولا يجب بعده والغسل الواجب في الميت ثلاث لانه لابد من تغسيله أولا بالماء القراح ثم بالسدر ثم بالكافور فمع عدم تمامية الاغسال يكون المس موجبا للغسل كما مر. هذا في صورة التمكن والاختيار.

[ 272 ]

بل الاقوى كفاية التيمم (1) أو كون الغاسل هو الكافر بأمر المسلم لفقد المماثل لكن الاحوط عدم الاكتفاء بهما واما إذا لم يوجد السدر والكافور وغسل الميت بالماء القراح ثلاثا فهل يكفي ذلك في سقوط الغسل فلا يجب بمسه أولا؟ الصحيح هو السقوط وذلك لاطلاقات الاخبار (1) الدالة على عدم وجوب الغسل إذا مسه بعد تغسيله لان ظاهرها أن المس بعد الغسل المأمور به لا يوجب الغسل وان الغسل المأمور به يختلف باختلاف الحالات ومع التمكن يجب تغسيل الميت بالسدر والكافور ولا يجب ذلك في صورة عدم التمكن منه لسقوط الشرط بالتعذر واختصاصه بحال التمكن منه. فإذا غسل بالماء القراح ثلاثا فقد تم غسل الميت المأمور به شرعا فلا يكون مسه بعدئذ موجبا للغسل لعدم التقييد في الاخبار بما إذا غسل بالسدر والكافور وانما دلت على نفي الغسل بعد تغسيله الميت وهذا ظاهر. نعم في مشروعية التغسيل بالماء القراح ثلاثا عند عدم السدر والكافور أو وجوب التيمم حينئذ كلام يأتي التعرض له في البحث عن وجوب غسل الميت، وكلامنا في المقام بعد الحكم بوجوب تغسيله بالماء القراح ثلاث مرات. (1) إذا لم يوجد الماء أو لم يتمكن من تغسيل الميت به فيمم فهل يجب غسل مس الميت على من مسه بعد التيمم أو لا يجب؟


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب غسل المس.

[ 273 ]

الظاهر هو الوجوب، وهذا لا لما قد ينافش به في بدلية التيمم عن الغسل في المقام بأن غاية ما ثبت من الاخبار الواردة في البدلية انما هو بدلية التراب عن الماء لقوله (ع) (رب التراب أو الصعيد ورب الماء واحد) (1) وأما بدليته عن السدر والكافور فلم تثبت بدليل وقد عرفت أن الميت يجب تغسيله بالماء القراح وبالسدر والكافور. وقد يجاب عن هذه المناقشة: بأن الواجب هو الغسل بالماء وكونه بالسدر والكافور من الشرائط، ومن ثمة يشترط في الخليط أن لا يكون كثيرا على نحو يخرج الماء عن الاطلاق فالواجب هو الغسل بالماء المطلق وان كان له شروط نظير شرائط الغسل والوضوء. وفيه: إن المستفاد من الروايات انما هو بدلية التراب عن طبيعي الماء واما بدليته عن الحصة منه وهو الماء المشروط بكونه مخلوطا بالسدر أو الكافور فلم يقم عليها دليل. نعم الماء في الاغسال الثلاثة لابد أن يكون ماء مطلقا كما افيد إلا ان المأمور به بالاخرة هو الحصة الخاصة منه مع بقائه على إطلاقه، والادلة دلت على أن التيمم أو التراب انما هو بدل عن طبيعي الماء ولم يقم على بدليته عن الحصة الخاصة منه دليل. والصحيح في الجواب عن هذه المناقشة أن يقال: ان الاخبار الواردة في البدلية غير مختصة بما دل على تنزيل التراب منزلة الماء فان قوله (ع) التيمم احد الطهورين) (2) مطلق لاطلاق الطهور الثاني فهو يعم طبيعي الماء والحصة الخاصة منه - كما في المقام -


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 14 من أبواب التيمم ح 14 و 15. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 2 من أبواب التيمم ح 1.

[ 274 ]

ومقتضاه قيام التيمم مقام التغسيل بالسدر والكافور أيضا لدلالته على انه يقوم مقام مطلق الطهور. هذا على أنا لو سلمنا أن الادلة دلت على تنزيل التراب منزلة الماء أيضا لا مانع من شمولها للمقام لان التيمم حينئذ بناءا على مشروعية الاغسال الثلاثة بالماء القراح وعدم انتقال الامر إلى التيمم - بدل عن الماء المطلق وطبيعي الماء، لا انه بدل عن الحصة الخاصة فالتيمم بدل عن الاغسال الثلاثة بالماء القراح التي هي بدل عن الغسل بالسدر والكافور فلا اشكال من هذه الجهة. وعلى الجملة: لا اشكال في شمول ادلة البدلية للمقام لاطلاقها. واما الاستدلال على بدلية التيمم عن غسل الميت برواية عمرو بن خالد في ميت مجذور كيف يصنع بغسله؟ قال (ع) (ييمم) (1) بدعوى دلالتها على أن من لم يمكن تغسيله يكفي التيمم في حقه. فيندفع: بان الرواية ضعيفة السند لوجود عدة مجاهيل في السند. ودعوى: انجبار ضعفها بعمل الاصحاب لانهم اخذوا التمثيل بالمجدور في كلماتهم فيظن انهم اخذوا الحكم من التلك الرواية - كما عن المحقق الهمداني (قده). مندفعة: بأن ذلك لا دلالة له على استنادهم إلى الرواية ومن ثمة لم يخصصوا الحكم بالمجدور بل ذهبوا إلى كفاية التيمم في مطلق من لم يمكن تغسيله (وكروا المجدور من باب المثال ولعدم التمكن من غسله بالماء لتناثر لحمه باصابته) مع أن الرواية مختصة بالمجدور. على أن كبرى الانجبار بعمل المشهور غير ثابتة كما ذكرنا في محله


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 16 من أبواب غسل الميت ج 3.

[ 275 ]

ولا فرق في الميت بين المسلم والكافر (1) فالصحيح في الاستدلال هو التمسك باطلاق ادلة البدلية كما تقدم. بل الوجه في المنع عن كفاية التيمم عن وجوب غسل المس هو أن الادلة الواردة في بدلية التيمم عن الماء انما تدل على انه طهور في حق المتيمم وانه متطهر كالمتطهر بالماء ولكنه في هذه الحال، واما الشخص الآخر وأن حكم مسه حكم المس بعد التغسيل فهو محتاج إلى الدليل اي محتاج إلى عناية زائدة في الكلام ولا يمكن استفادته من بدلية التيمم عن الغسل بالاضافة إلى المحدث والميت. وهذا نظير ما إذا كان بدن الميت متنجسا ثم ييمم فان ادلة البدلية لا تدل على أن مسه بالروطبة غير موجب للتنجس لانه كمس بدنه بعد بعد التغسيل ولعله ظاهر. التسوية بين اقسام الميت: (1) لان الاخبار الواردة في المقام الدالة على ان من غسل الميت يجب عليه الاغتسال وان لم تشمل الكافر لاختصاصها بمن يجب غسله بعد موته والكافر لا يغسل ولا دليل على مشروعيته في حقه، إلا أن من الاخبار ما يشمل المقام. كصحيحة محمد بن مسلم (1) الدالة على أن من غمض عيني الميت يغتسل فان غمض العين لا يختص بالمسلم ويشمل الكافر ايضا.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 1.

[ 276 ]

والكبير والصغير (1) حتى السقط (2) إذا تم له وكذا صحيحة اسماعيل بن جابر (1) الدالة على أن مس الميت بعد برده موجب للاغتسال لاطلاقها وعدم اختصاصها بالمسلم وان كان موردها هو المسلم، وكذا غيرهما مما دل على وجوب الغسل بتقبيل الميت فانها مطلقة تعم الكافر لا محالة. واما الاخبار الاخرى فغايتها انها لا تدل على وجوب الغسل بمس الكافر الميت لا انها تدل على عدم الوجوب. واما ما حكي عن العلامة (قده) من أن مس الكافر كمس ميتة البهيمة. ففيه: ان يشبه كلام العامة لانه قياس فانه عدم وجوب الاغتسال من مس البهيمة لا يستلزم عدم وجوبه في مس ميت الانسان وهما امران احدهما غير الآخر وان كان الكفار كالبهائم حقيقة بل هم اضل سبيلا. إلا أن حكمهما مختلف ومن ثمة يجوز وطي الكافرة دون البهيمة. مضافا إلى انه اجتهاد في قبال النص لدلالة الاخبار المتقدمة باطلاقها على وجوب الغسل بمس ميت الكافر أيضا ودلالتها على عدم وجوب الغسل بمس الميت الحيواني كما تقدم فالقياس مع الفارق. (1) لاطلاق الاخبار فان الموضوع لوجوب غسل المس انما هو مس الميت الانساني بلا فرق في ذلك بين الصغير والكبير. (2) إي إذا ولجته الروح وذلك لصدق الميت الانساني عليه وهو ظاهر. وانما الكلام في السقط الذي لم تتم له اربعة اشهر اي قبل ولوج


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 1 من أبواب غسل المس ح 2.

[ 277 ]

اربعة اشهر بل الاحوط الغسل بمسه ولو قبل تمام اربعة اشهر أيضا وان كان الاقوى عدمه. الروح فيه هل يوجب مسه الغسل أو لا يوجبه؟ فيه خلاف بين الاعلام، والصحيح عدم وجوب الغسل بمسه لان الموضوع - كما مر - هو مس الميت الانساني، وانما يصدق الميت فيما إذا سبقته الروح والحياة فالمراد به خصوص الميت بعد الحياة لا مطلق ما لا روح فيه فلا يصدق الميت على السقط قبل ولوج الروح فيه. ويؤيده ما رواه الصدوق في العلل عن ابن شاذان وعن محمد بن سنان عن الرضا (ع) (انما امر من يغسل الميت لعلة الطهارة مما اصابه من نضح الميت لان الميت إذا خرج منه الروح بقي منه اكثر آفته) (1). لدلالته على أن الميت الذي يجب الغسل بمسه هو الميت الذي له روح تخرج منه دون الميت الذي لا روح له من الابتداء. نعم يبقى الكلام في انه إذا لم تصدق (الميتة) أو (الميت) على ما لا روح فيه من الابتداء فبأي وجه تحكمون على السقط بالنجاسة حينئذ لعدم كونه ميتة على الفرض مع أن نجاستها مما لا خلاف فيها. إلا انا قدمنا في مبحث النجاسات: ان موضوع الحكم بالنجاسة لا يختص بالميتة لان الجيفة أيضا نجسة فالموضوع اعم من الميتة، لما في بعض (2) الاخبار من النهي عن التوضي بالماء الذي تغيرت ريحه بريح الجيف.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 11 و 12. (2) الوسائل: الجزء 1 باب 3 من أبواب الماء المطلق.

[ 278 ]

ولا اشكال في أن السقط قبل ولوج الروح فيه يصدق عليه (الجيفة) بل هو اظهر مصاديقها فهو نجس من هذه الجهة. واما الاستدلال على نجاسته بانه القطعات المبانة من الحي والقطعة المبانة بحكم الميتة ونجسة. فمندفع: بان الظاهر من القطعة المبانة كون الشئ المبان قبل أن بيان جزءا من الحيوان، ومن الظاهر أن السقط والولد ليسا جزءا من الام لان حالهما حال البيضة في بطن الدجاجة فالبطن وعاء للسقط ليس هو جزءا من بدن الام فلا يصدق عليه عنوان (القطعة المبانة من الحي) على أنه لو كان من القطعات المبانة من الحي لزم الالتزام بوجوب غسل المس بمسه بناءا على ما هو المشهور من أن للقطعة المبانة من الحي إذا كانت مشتملة على العظم وجب الغسل بمسه، والسقط قبل تمام أربعة أشهر مشتمل على العظم والمفروض أنا لا نلتزم بوجوب الغسل بمسه، ويؤيد ما ذكرناه اتفاقهم على نجاسة الجنين كما تقدم لانه يؤكد كون الموضوع في الحكم بالنجاسة أعم من الميتة كما مر. واما ما استدل به المحقق الهمداني (قده) على نجاسة السقط حينئذ بالاخبار (1) الدالة على أن ذكاة الجنين ذكاة أمه بتقريب (انها تدل على أن الجنين قابل للتذكية وانه مذكى عن تذكية أمه فإذا لم تقع عليه التذكية ولم يذك أمه فهو ميتة إذ لا واسطة بين الميتة وغير المذكي واقعا) وبعبارة اخرى: انها تدل على ان الام إذا ذبحت فجنينها أيضا طاهر محلل الاكل لكفاية ذبح الام في تذكية الجنين، واما إذا لم تذبح الام فخرج جنينها فهو ليس بمذكى ولا يجوز أكله فإذا لم يكن مذكى


(1) الوسائل: 16، باب 18 من أبواب الذبائح.

[ 279 ]

(مسألة 1): في الماس والممسوس لا فرق بين أن يكون مما تحله الحياة أو لا (1) كالعظم والظفر، وكذا فهو ميتة لعدم الواسطة بينهما واقعا، ومع كونه ميتة لابد من الحكم بنجاسته. ففيه: ان الميتة والمذكى قسمان للحيوان - أي لما هو حي لانه قد يكون ميتة وقد يكون مذكى - وأما ما لا حياة له فهو خارج عن المقسم ولا يتصف بشئ منهما وغير المذكي انما يكون ميتة في الحيوان الذي هو مقسم للمذكى والميتة لانه إذا لم يكن مذكى فهو ميتة لا فيما لا ينقسم اليهما وليس كل ما هو غير مذكى ميتة. والرواية المذكورة لا نظر لها إلى إثبات أن ذكاة الام كافية في تذكية الجنين، واما انه إذا لم تذك الام فخرج جنينها فهو ميتة فلا نظر للرواية إليه بوجه، فالصحيح في الاستدلال على نجاسته ما ذكرناه. ما لاتحله الحياة كما تحله في الماس والممسوس: (1) لاطلاق النصوص لان الموضوع فيها (مس الميت الانساني) وهذا كما يصدق بمس ما تحله الحياة منه، كذلك يصدق بمس ما لا تحله الحياة.

[ 280 ]

لافرق فيهما بين الباطن والظاهر (1) نعم المس بالشعر لا يوجبه وكذا مس الشعر (2) الباطن كالظاهر فيهما: (1) كما إذا أدخل اصبعه في فم الميت أو أنفه أو أدخل إصبع الميت في فمه أو انفه وذلك لاطلاق الاخبار الدالة على أن موضوع وجوب الغسل مس الميت الانساني، وهذا لا يفرق فيه بين مس الباطن والظاهر. المس بالشعر كمس الشعر لا اثر له: (2) بمعنى انه يعتبر في وجوب الغسل مس البدن بالبدن، واما إذا مس شعر الميت ببدنه أو مس بدن الميت بشعره فلا يجب عليه الاغتسال وما أفاده (قده) فيما إذا لم يصدق مس الميت بمس الشعر وان كان صحيحا كما إذا كان شعره أو شعر الميت طويلا جدا بحيث يحسب عرفا كالشئ المنفصل المغائر للبدن فان مسه أو المس به لا يكون من مس الميت بوجه. واما إذا كان الشعر في الماس. أو الميت الممسوس متعارفا بحيث يصدق عرفا بمسه مس الميت فلا يمكن المساعدة على ما أفاده (قده) لان الموضوع في الروايات هو مس الميت الانساني وهو متحقق في المقام وكون الشعر مما لا تحله الحياة لا يمنع عن صدق المس ووجوب

[ 281 ]

(مسألة 2): مس القطعة المبانة من الميت أو الحي الغسل به، كما التزم هو (قده) بذلك حيث ذكر أن الماس والممسوس لا فرق بين أن يكون مما تحله الحياة أو لم يكن. نعم في بعض الروايات كصحيحتي الصفار وعاصم بن حميد: إذا أصاب يدك جسد الميت، أو إذا مسست جسده. الخ (1) والجسد لا يشمل الشعر. والاستدلال بذلك لو تم فهو انما يدل على ان مس شعر الميت لا يوجب الغسل، وأما مس بدنه بالشعر فهو من مس جسد الميت فلا تدل على عدم وجوب الغسل فيه لانه من مس الميت بجسده. على ان الاستدلال بها غير تام لان المراد به هو المس ببدنه لان الانسان مركب من النفس والبدن - فالمراد بالجسد وهو غير النفس وهو البدن في مقابل المس بالثوب. ومما يؤكد ذلك ما ورد في صحيحة الصفار من التقابل بين مس ثوب الميت وبدنه حيث سأل فيها عن رجل أصاب يده أو بدنه ثوب الميت. هل عليه غسل يديه أو بدنه؟ فوقع (ع) (إذا اصاب يدك جسد الميت قبل ان يغسل فقد يجب عليك الغسل) (2) والجسد في مقابل الثوب انما هو البدن والبدن يعم الشعر أيضا كما تقدم.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من ابواب غسل الميت، ح 5 و 3. (2) المصدر المتقدم.

[ 282 ]

إذا اشتملت على العظم (1) يوجب الغسل دون المجرد عنه مس القطعة المبانة: (1) لافرق في وجوب الغسل بالمس بين كون الميت تام الاجزاء وناقصها كما إذا قطعت يده، ولا بين كونه ذا لحم وعدمه كما إذا تناثر لحمه وبقيت عظامه متصلة غير متلاشية حتى يصدق عليه الميت، وهذا كله للاطلاق وصدق مس الميت بمسه، وانما يجب الغسل فيما لو مس القطعة من الانسان بعد برودتها وقبل تغسيل الميت لان القطعة لا تزيد على الجسد وقد عرفت أن مس جسد الميت بحرارته أو بعد تغسيله لا يوجب الاغتسال. وانما الكلام يقع في مس القطعة المبانة من الانسان وانه هل يوجب الغسل أو لا يوجبه؟ والكلام يقع في مقامين: مس القطعة المبانة من الحى المقام الاول: في مس القطعة المبانة من الحي، والمشهور فيه الوجوب اي يجب غسل المس بمسها، وقد استدل له بالاجماع المحكي عن الشيخ في الخلاف وبمرسلة ايوب بن نوح عن أبي عبد الله (ع) (إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة) (1).


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 2 من ابواب غسل المس، ح 1.

[ 283 ]

وبرواية الجعفي عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن مس عظم الميت قال إذا جاز سنة فليس به بأس (1). ولا يصلح شئ منهما للاستدلال به: أما الاجماع فهو اجماع منقول لا اعتبار به مطلقا ولاسيما في الاجماعات المنقولة عن الشيخ (قده) على أن الاجماع لم يتحقق في نفسه لما عن المحقق في المعتبر من أن العمل بالرواية قليل ودعوى الشيخ في الخلاف الاجماع لم يثبت. ومن الواضح ان شهادة مثل المحقق بعدم تحقق الاجماع يوهن دعوى الاجماع وهو ظاهر. واما الرواية الاولى: فهي ضعيفة بالارسال. واما الرواية الثانية: فهي ايضا كذلك إذ قد وقع في سندها عبد الوهاب ومحمد بن أبي حمزة وهما ضعيفان (2). ودعوى انجبار ضعفهما بعمل الاصحاب مندفعة صغرى وكبرى. أما بحسب الكبرى فقد مر غير مرة، واما بحسب الصغرى فلما عرفته من المحقق من أن العامل بالرواية قليل ومعه كيف تثبت شهرة العمل بها؟ فان مرادنا من انجبار ضعف الرواية بعمل المشهور هو مشهور المتقدمين وهي منتفية حسب نقل المعتبر، وأما الشهرة بين المتأخرين فهي وان كانت حاصلة إلا أنها غير جابرة بوجه. وقد يستدل على وجوب الغسل بمس القطعة المبانة من الحي بالملازمة


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 2 من ابواب غسل المس، ح 2. (2) وفي الرواية الثانية كلام من حيث المتن والسند يأتي قريبا ان شاء الله.

[ 284 ]

بين وجوب التغسيل ووجوب الغسل بالمس وحيث ان القطعة المبانة من الحي المشتملة على العظم واجبة التغسيل - كما يأتي ان شاء الله تعالى - ونبين أن وجوب التغسيل لا يختص بالميت بل يجب تغسيل للقطعة المبانة أيضا فهو يدل على وجوب الغسل بمسها لما ورد من أن من غسل الميت فعليه الاغتسال. وفيه: - ان القطعة المبانة وان كان يجب تغسيلها إلا أنه لا ملازمة بينه وبين وجوب الغسل بمسها لان موضوع ذلك مس الميت حيث ان الرواية دلت على ان من غسل الميت اغتسل. وهذا لا يصدق على مس القطعة المبانة من الحي لانها ليست بميت بل هي جزء من بدن الانسان وصاحبها حي يرزق، ومع عدم صدقه لا موجب للغسل بمسها، وان كان يجب تغسيلها، فلا ملازمة بين وجوب تغسيل أي شئ ووجوب الاغتسال بمسه بل الملازمة بين تغسيل الميت والاغتسال بمسه. إذن لا يمكن الحكم بوجوب غسل المس بمس القطعة المبانة من الحي وان كان الغسل أحوط ولو لاجل الاجماع للذي ادعاه الشيخ (قده) وذهاب مشهور المتأخرين إليه. هذا كله في القطعة المبانة من الحي المشتملة على العظم. وأما العظم المجرد فالمعروف بينهم عدم وجوب الغسل بمسه. وعن جماعة - منهم الشهيدان (قدهما) وجوبه بدعوى أن العظم هو المناط في وجوب الغسل بمس القطعة المبانة والحكم يدور مداره إذ لولاه لم يحكم بوجوب الغسل بمس اللحم المجرد - كما يأتي - وعليه فالامر في مس نفس للعظم أيضا كذلك.

[ 285 ]

وأما مس العظم المجرد ففي ايجابه للغسل إشكال والاحوط الغسل بمسه خصوصا إذا لم يمض عليه سنة، كما أن الاحوط في السن المنفصل من الميت أيضا الغسل بخلاف المنفصل من الحي إذا لم يكن معه لحم معتد به، نعم اللحم الجزئي لااعتناء به. ] وفيه: ان الموضوع في الحكم بوجوب الغسل في مس القطعة المبانة - على تقدير القول به - هو مس القطعة المذكورة وان لم يمس العظم الموجود فيها وهو غير مس العظم فالموضوع هنا غير الموضوع هناك لان الموضوع في الاول مس القطعة المبانة المشتملة على العظم وان لم يمس العظم، وفي الثاني مس العظم وبينهما بون بعيد. واما مس اللحم المجرد فلا خلاف في عدم وجوب الغسل بمسه لان الموضوع في الحكم وجوب الغسل وهو مس الميت وهذا لا يصدق على مس اللحم المجرد كما لعله واضح: مس القطعة المبانة من الميت: المقام الثاني: في مس القطعة المبانة من الميت إذا اشتملت على العظم فقد استدلوا على وجوب الغسل بمسها بالوجوه الثلاثة المتقدمة في القطعة المبانة من الحي. وبالادلة الدالة على وجوب الغسل بمس الميت وذلك لان الحكم

[ 286 ]

المترتب على المركب يترتب على كل واحد من أجزائه حسب المتفاهم العرفي وإذا قيل: مس الميت موجب للغسل فمعناه ان مس يده أو رجله أو غيرهما من اجزائه موجب للغسل بلا فرق في ذلك بين اتصالها وانفصالها. وقد قالوا وقلنا في مبحث النجاسات ان الدليل الدال على نجاسة الكلب مثلا هو الذي يدل على أن شعر الكلب أو رجله أو يده نجسة وان كانت منفصلة لان النجاسة المترتبة على المركب مترتبة على اجزائة أيضا. وباستصحاب وجوب الغسل بمسها لان تلك القطعة المنفصلة كان مسها قيل انفصالها موجبا للغسل والاصل انها بعد انفصالها كذلك يوجب الغسل. لانه لو لم يجب الغسل بمس القطعة المبانة من الميت لزم الالتزام بعدم وجوبه فيما إذا مس جميع القطعات المنفصلة عن الميت فيما إذا كان متقطعا - كما إذا قطع ثلاثة أقسام وقد مس جميعها - وهذا مما لا يمكن الالتزام به. ولا يخفى ما في هذه الوجوه: - أما الاول: فلان المتفاهم العرفي في الحكم المترتب على المركب وان كان ثبوته لكل واحد من اجزائه إلا ان موضوع الحكم في المقام انما هو مس للميت كما تقدم، ولا يصدق ذلك بمس جزء من أجزاء الميت لانه ليس مسا للميت وانما هو مس جزء منه. ولا يقاس المقام بمثل ما دل على نجاسة الكلب الذي قلنا انه ينحل إلى نجاسة كل جزء من اجزائه لان مقتضى الارتكاز والفهم العرفي في مثله ان الكلب أخذ عنوانا مشيرا إلى حقيقته وهي ليست إلا شعره ورجله ويده ولو منفصلة لعدم اعتبار الهيئة الاتصالية في الحكم

[ 287 ]

بالنجاسة بالارتكاز. وبعبارة اخرى: الحكم رتب على الكلب لا بما انه كلب ليقال انه غير صادق على يده أو رجله مثلا، والسر في ذلك واضح للقطع بان تقطيح الكلب ليس مطهرا له بدعوى أن يده ليست بكلب فطاهرة وهكذا شعره ورجله فالهيئة الاتصالية غير دخيلة في الحكم بنجاسته. اذن فالحكم ينحل إلى اجزاء الكلب متصلة كانت أم منفصلة، فإذا قيل الكلب نجس فيفهم منه أن شعره وبقية أعضائه نجسة ولو كانت منفصلة لانه ليس إلا هي. وهذا بخلاف المقام لان الموضوع فيه بحسب النص هو مس الميت وهو لا يصدق بمس جزء من أجزائه. وأما الثاني: فلانه من الاستصحابات التعليقية لتوقف الحكم بوجوب الغسل حال كون الجزء متصلا على مسه وانه لو مسها وجب الغسل وهو حكم تعليقي فلا حكم فعلي في البين، وقد بنينا في محله على عدم جريان الاستصحاب في التعليقيات. على أنا لو قلنا بجريانها فالموضوع غير باق لانه - كما عرفت - عبارة عن مس الميت وقد كان مس القطعة حال اتصالها من مس الميت بلا كلام، وهذا بخلاف ما إذا كانت منفصلة إذ لا يصدق مس الميت على مسها واتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة فيها مما لابد منه في جريان الاستصحاب كما هو ظاهر. وأما الوجه الثالث: - فلانه لو لم يصدق على مس تمام القطعات من الميت المنقطع اجزاؤه (مس الميت) التزمنا بعدم وجوب الغسل بمسها أيضا، إلا انه يصدق (مس الميت) عرفا بمس تمام القطعات

[ 288 ]

ومعه لا مناص من الالتزام بوجوب الاغتسال حينئذ، واين هذا من مس قطعة مبانة من الميت فانه لا يصدق عليه (مس الميت) كما مر فهذه الوجوه ساقطة. واما مس العظم المجرد المنفصل عن الميت فالمعروف وجوب الغسل بمسه وقد استدلوا على وجوب الغسل به بما تقدم في العظم المنفصل عن الحي من انه المناط في الحكم بوجوب الغسل في مس القطعة المبانة وغيره من الوجوه الثلاثة الاخيرة في مس القطعة المبانة من الميت. وقد عرفت المناقشة فيها ولا نعيد. ونزيدها في المقام: أن مس العظم المجرد المنفصل عن الميت لو كان موجبا للاغتسال لتلك الوجوه المتقدمة لم يكن مناص من الالتزام بوجوبه في مس اللحم المجرد منه أيضا لجريان الوجوه الثلاثة فيه إذ لافرق فيها بين كون الجزء عظما أو لحما فان الاستصحاب أو دلالة الادلة على انحلال الحكم على كل واحد من اجزاء الميت لا يختصان بالعظم وكذلك الوجه الثالث. اللهم إلا ان يقال: ان مقتضى الوجوه المذكورة وان كان وجوب الغسل يمس اللحم أيضا إلا أن الاجماع التعبدى قائم على عدم وجوبه بمس اللحم المجرد. ولكن دعوى الاجماع التعبدي بعيدة غايته. وقد يستدل برواية اسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن مس عظم الميت قال: (إذا جاز سنة فليس به بأس) (1)


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 2 من ابواب غسل المس، ح 2.

[ 289 ]

إلا انها ضعيفة السند بعبد الوهاب ومحمد بن حمزة (1) فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه. ودعوى: انجبار ضعفها بعمل الاصحاب: مندفع: بان الرواية غير معمول بها عندهم لاشتمالها على التفصيل بين تجاوز السنة على العظم فلا يجب وبين عدم تجاوزها فيجب الغسل بمسه وهو مما لا يقول به احد من اصحابنا. نعم ذهب ابو على إلى التفصيل بين تجاوز السنة وعدمه إلا أنه في القطعة المبانة دون العظم المجرد وان كان ما فعله غير ظاهر الدليل أيضا، اللهم إلا أن نتأول في الرواية بما ذكره صاحب الوسائل (قده) من أن العظم قبل السنة لا يخلو عن اللحم وأما بعد تجاوز السنة عليه فيتناثر لحمه ويبقى مجردا، ومن هنا لم يجب الغسل بمسه بعد تجاوزها. وفيه: أولا: انه لا ملازمة بين تجاوز السنة وتناثر اللحم أو قبل تجاوزها وعدم تناثره لان العظم قد يذهب لحمه بعد يومين أو شهر لاكل السبع أو رطوبة المكان والعظم وقد يبقى بعد السنة ايضا. وثانيا: ان الرواية على هذا التقدير من ادلة وجوب الغسل بمس القطعة المبانة من الحي ولا تدل على وجوب الغسل بمس العظم المجرد. وعلى الجملة: الرواية ضعيفة وغير قابله للاستدلال بها في المقام ولا في مس القطعة المبانة. فقد تلخص ان القطعة المبانة من الميت كالمبانة من الحي في عدم


(1) محمد بن ابي حمزة وقع في اسانيد كامل الزيارات وقد حكى وثاقته عن حمدويه ايضا. فليلاحظ.

[ 290 ]

(مسألة 3): إذا شك في تحقق المس وعدمه (1). وجوب الغسل بمسها بل المبانة من الميت اسوء حالا من المبانه من الحي لان الغسل بمس المبانة من الحي قد نص عليه في بعض الروايات بخلاف القطعة المبانة من الميت. اللهم إلا ان يتشبث بالاولوية في المبانة من الميت أو يقال باستفادة حكم المبانة من الميت من نفس النص الوارد في الحي وذلك للتعليل الوارد في المرسلة (إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة) (1) لانها ظاهرة في أن حكم المذكور بعده مترتب على كونها ميتة وهذا متحقق في المبان من الميت ايضا ولكن ضعف الرواية مانع عن الاستدلال بها في كل من الحي والميت. وقد ظهر مما ذكرناه في المقام ان ما ذكره الماتن (قده) من ان الاحوط في السن المنفصل من الميت أيضا الغسل بمسه ممالا وجه له لعدم ثبوت الغسل بمس العظم المنفصل عن الميت. واما اللحم المجرد المبان عن الميت فالظاهر انه لا قائل بوجوب الغسل بمسه وان كان مقتضى الوجوه الثلاثة المستدل بها على وجوب الغسل بمس العظم وجوبه بمس اللحم المجرد أيضا إلا انها لما كانت ضعيفة لم نلتزم بها هناك فضلا عن المقام. حكم الشك في تحقق المس: (1) الوجه في عدم وجوب الغسل حينئذ استصحاب عدم تحقق المس الذي هو الموضوع للحكم بوجوب الغسل وهذا ظاهر.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 2 من ابواب غسل المس، ح 1.

[ 291 ]

أو شك في أن الممسوس كان انسانا أو غيره. (1) (1) بان علم بمسه وشك في أن الممسوس حيوان أو جماد أو علم بانه حيوان وشك في انه انسان أو غيره. والوجه في عدم وجوب الغسل حينئذ اصالة عدم كون الممسوس انسانا لما قدمناه في محله من جريان الاصل في الاعدام الازلية من غير فرق في ذلك بين الاوصاف الذاتية والعرضية، وتقريبه في المقام. ان ذات الممسوس وان كانت معلومة الحدوث والتحقق إلا انا نشك في اضافته إلى الانسان وغيره وحدوث الاضافة مشكوك وهي أمر حادث مسبوق بالعدم فالاصل عدم تحقق حدوث الاضافة إلى الانسان أو يستصحب عدم وقوع المس على الانسان، وبه يرتفع وجوب الغسل لا محالة. ثم لو منعنا جريان الاستصحاب في المقام فلا بد من الرجوع إلى استصحاب الحالة السابقة في المكلف فإذا كان متطهرا قبل مسه ثم مس شيئا وشك في انه انسان أو غيره فيشك في انتقاض طهارته بطرو الحدث بالمس وعدمه والاصل بقاؤه على طهارته وعدم طرو الحدث في حقه ولك لقوله (ع) (لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت وليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك) (1). واما إذا كان محدثا بالاصغر - كما إذا كان نائما - ثم مس ما يشك في كونه ميتا انسانيا فان كان انسانا فقد تبدل حدثه الاصغر بالاكبر


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 37 من أبواب النجاسات ح 1 وغيره من الموارد.

[ 292 ]

أو كان ميتا أو حيا (1) أو كان قبل برده أو بعده وان كان غيره فحدثه الاصغر باق بحاله فيستصحب بقاء حدثه الاصغر بحده وعدم تبدله بالحدث الاكبر ومقتضى استصحاب بقاء حدثه الاصغر بحاله وعدم طرو الحدث الاكبر انه لا يجب عليه سوى الوضوء ومع هذا لا مجال لاستصحاب بقاء الحدث الكلي بعد الوضوء. لانه نظير ما قدمناه فيمن كان محدثا بالاصغر ثم خرجت منه رطوبة مرددة بين البول والمني بعد الاستبراء حيث قلنا انه يستصحب بقاء حدثه الاصغر بحاله وعدم تبدله بالحدث الاكبر فلا يجب في حقه إلا الوضوء. لان الرطوبة إذا كانت بولا فلا اثر لها لان الحدث الاصغر بعد الاصغر لا اثر له وإذا كانت هي المني فأثرها وجوب الاغتسال إلا أن استصحاب بقاء حدثه الاصغر بحاله ينفي وجوب الغسل في حقه ولا يجري معه استصحاب الكلي - اعني استصحاب كلي الحدث بعد الوضوء -. ثم لو منعنا عن جريان الاستصحاب في محل الكلام - فبناءا على غير ما هو التحقيق عندنا من اغناء كل غسل من الوضوء - يكون امر المكلف في المقام دائرا بين الاقل والاكثر لانه بعد المس عالم بوجوب الوضوء عليه على كل حال - فيما إذا كان محدثا - ويشك في توجه التكليف بالغسل عليه زائدا عليه فمقتضى البراءة عدم وجوب الاكثر في حقه. (1) هذا الشك لا اثر له لان المس بعد الموت غير موجب للغسل مادام بحرارته فلا مناص من أن يكون احد طرفي الشك بعد البرودة

[ 293 ]

- كما في المثال الذي بعده - بأن علم انه مس ميتا انسانيا يقينا إلا انه يشك في انه بعد برودته ليجب عليه الغسل أو قبله فلا يجب عليه الغسل. أو يشك في انه مسه بعد برودته أو قبل أن يموت، وهذا الشك له صور. لان هناك حادثين احدهما المس والآخر البرودة أو الموت فقد يكون تاريخ المس معلوما وتاريخهما مجهولا، وقد يكون تاريخهما معلوما وتاريخ المس مجهولا، وثالثة يكون كلا التاريخين مجهولا: صور الشك في المس بعد البرد أو قبل الموت: الصورة الاولى: ما إذا كان تاريخ المس معلوما دون تاريخ البرودة والموت فمقتضى استصحاب عدم البرودة - أي الحرارة - أو استصحاب الحياة وعدم الموت إلى حين المس وفي زمانه هو عدم وجوب الغسل في حقه لعدم تحقق البرودة أو الموت في زمان المس مع أن الموضوع هو كونهما في زمانه - اعني المس بالبرودة أو مع الموت -. الصورة ا لثانية: ما إذا كان تاريخ البرودة والموت معلوما وتاريخ المس مجهولا فالصحيح عدم وجوب الغسل في حقه وذلك لاستصحاب عدم تحقق المس بعد البرودة أو الموت الذي هو الموضوع المرتب عليه وجوب الغسل. للصحيحة (1) المتقدمة الدالة على وجوب الغسل بالمس بعد ما برد. والسر في جريانه أن وقوع المس قبل البرودة أو الموت أو عدم


(1) الوسائل: الجزء. باب 1 من أبواب غسل المس ح 2 وغيره.

[ 294 ]

أو في انه كان شهيدا أم غيره. (1) وقوعه مما لا اثر له شرعا لان الاثر انما هو للمس الواقع بعد الحياة أو الحرارة. اذن فاستصحاب عدم المس إلى حين البرودة أو الموت غير جار لانه لا اثر له إلا بلحاظ لازمه العقلي وهو وقوعه بعد البرودة أو الموت إلا انه من الاصل المثبت ولا نقول به، ومع عدم جريانه نشك في تحقق الموضوع لوجوب الاغتسال والاصل عدمه وهو غير معارض بشئ. الصورة الثالثة: ما إذا كان التاريخان مجهولين معا ولابد حينئذ من الحكم بعدم وجوب الغسل لاستصحاب عدم تحقق المس بعد البرودة أو الموت وذلك لعدم كونه معارضا باستصحاب عدم تحققه قبلهما لانه لا اثر له كما عرفت. إذا شك في ان الممسوس شهيد أو غيره: (1) يقع الكلام في ذلك في مقامين: (احدهما): في الحكم الواقعي وأن مس الشهيد كمس غيره موجب للغسل أو لا يترتب على مسه وجوب الغسل، وهذا لم يتعرض له المصنف (قده) وكأنه مفروغ عنه وامر مسلم عنده. و (ثانيهما): فيما إذا شك في أن الميت شهيد أو غير شهيد فهل يجب غسل المس أو لا يجب؟ أما المقام الاول: فقد استدل على عدم وجوب الغسل بمس الشهيد

[ 295 ]

بأمرين: (أحدهما): إن وجوب الغسل يختص بما إذا كان الميت ممن يجب تغسيله لقوله (ع) (من غسل ميتا فعليه الغسل) واما الميت الذي لا يجب تغسيله فلا دليل على وجوب الغسل بمسه، ومن الظاهر أن الشهيد لا يغسل ولا يكفن - كما يأتي ان شاء الله -. ويدفعه: ان غاية ما تدل عليه تلك الروايات وجوب الغسل بمس الميت الذي يجب تغسيله اما أن الميت الذي لا يجب تغسيله فلا يجب الغسل بمسه فلا دلالة لها عليه بوجه. كما اشرنا إلى ذلك في وجوب الغسل بمس الميت الكافر وقلنا انه وان لم يجب تغسيله إلا ان ما دل على أن من غسل ميتا فعليه الغسل لا يدل على الملازمة بين الامرين وعدم وجوبه فيما إذا لم يجب تغسيل الميت ومع عدم الدلالة على النفي والتقييد تبقى المطلقات الدالة على وجوب الغسل بمس الميت بعد البرودة أو بعد ما برد بحالها وهي تقتضي الوجوب. فعلى ذلك: لا فرق بين الكافر والشهيد من هذه الجهة - اي من جهة عدم وجوب التغسيل وان كان عدم وجوب التغسيل في الشهيد لعلو شأنه وتجليله حتى يلقى الله على تلك الحالة التي استشهد عليها ومتلطخا بدمه، وفي الكافر مستندا إلى فسقه وعدم قبوله الطهارة بالغسل، فكما ان مقتضى المطلقات في الكافر وجوب الغسل بمسه كذلك الحال في الشهيد. و (ثانيهما): إن الشهيد طاهر من الحدث والخبث ولذا لا يجب تغسيله ولا ازالة دماؤه بل يدفن متلطخا بدمه، والاخبار الواردة في وجوب الغسل بالمس ظاهرة في استناده إلى وجود اثر في الممسوس من

[ 296 ]

الحدث والخبث. كما يشير إليه ما رواه الصدوق عن الفضل بن شاذان وعن محمد بن سنان عن الرضا (ع) (انما امر من يغسل الميت بالغسل لعلة الطهارة مما اصابه من فضح الميت لان الميت إذا خرج منه الروح بقي منه اكثر آفته) (1) وحيث ان الموت لا يؤثر في الشهيد بالحدث أو الخبث فلذا لا يغسل فلا يدخل تحت تلك للنصوص. ويرد على ذلك: اولا: انه لم يقم دليل على أن الشهيد طاهر من الخبث والحدث بل يمكن ان يكون محدثا وذا خبث، إذ لا يمكن الحكم بأن من اصابت يده بدن الشهيد المتلطخ بالدم لا يجب عليه تطهير يده إذ لا خبث في الشهيد، كما أن مقتضى ما ورد (2) من أن الميت تخرج منه النطفة حال موته أن الشهيد أيضا محدث إذ لا فرق فيه بين الشهيد وغيره. وثانيا: لو سلمنا طهارة الشهيد من الحدث والخبث لا دليل على أن من كان كذلك لا يجب الغسل بمسه. وما ورد في الروايتين المتقدمتين من أن وجوب الغسل والتغسيل من جهة حدث الميت أو خبثه انما هو من قبيل الحكمة وليس علة له كيف؟ والائمة المعصومون (ع) طاهرون مطهرون ومع ذلك يجب تغسيلهم ويغسل بمسهم وكذلك النبي صلى الله عليه وآله كما ورد في رواية الصفار (3) على ما قدمناه حيث ورد أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان طاهرا


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 11 و 12. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب غسل الميت. (3) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 7.

[ 297 ]

مطهرا ولكن فعل أمير المؤمنين (ع) وجرت به السنة ان فمقتضى العمومات وجوب الغسل بمس الشهيد وان لم يجب تغسيل الشهيد تجليلا لمقامه. وقد يستدل على عدم وجوب الغسل بمس الشهيد: بأن الشهيد ومسه كان موردا للابتلاء به في تلك الازمنة لكثرة الحروب في عصر النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين (ع) ومعه لم ينقل لنا وجوب الغسل بمسه وهذا يكشف عن عدم وجوب الغسل بمس الشهيد وإلا لنقل الينا لا محالة. وهذا لا يمكن المساعدة عليه أيضا، لانه بعد ورود حكم مس الشهيد في المطلقات الدالة على أن مس الميت موجب للغسل لا يلزم بيان حكم مس الشهيد بخصوصه. والذي يدلنا على ذلك: انا لو قلنا بذلك فهو مختص بالشهيد الذي لا يغسل وهو الشهيد الذي لم يدركه المسلمون حيا واما الذي به رمق وادركه المسلمون حيا لو حملوه على رحله فمات هناك فهذا واجب التغسيل كما يأتي - ان شاء الله تعالى - فمسه موجب للغسل. وهذا أيضا كان كثير الابتلاء به إذ لم يكن كل من سقط في المعركة شهيدا كذلك اي من غير أن يدركه المسلمون حيا - بل كان بعضهم ممن يدركه المسلمون كذلك قطعا. ومع هذا لم يرد في وجوب الغسل بمسه رواية ولم ينقل وجوبه الينا مع انه واجب ولا وجه له إلا كفاية المطلقات الواردة الدالة على وجوب الغسل بالمس في ذلك من غير حاجة إلى نقل وجوبه في الشهيد بخصوصه هذا كله في المقام الاول.

[ 298 ]

وأما المقام الثاني: فعلى ما قدمناه لا اثر للشك في أن الميت الممسوس شهيد أو غيره لوجوب الغسل بالمس في مطلق الميت. واما بناءا على عدم وجوب الغسل بمس الشهيد فلو شك في أن الممسوس شهيد أو غيره فمقتضى الاصل وجوب الغسل بمسه لان الشهادة واستناد الموت إليها امر حادث مسبوق بالعدم فهو ميت بالوجدان وليس شهيد بالاستصحاب فلابد من الغسل بمسه وان لم يثبت هذا الاستصحاب أن موته مستند إلى شئ آخر، إلا انه غير لازم في الحكم بوجوب الغسل بالمس للاطلاقات. حيث لم يخرج عنها إلا الشهيد، فإذا اثبتنا عدم كونه شهيدا بالاستصحاب واحرزنا مسه بالوجدان شملته العمومات والاطلاقات ومعه لاوجه لما افاده الماتن (قده) من عدم وجوب الغسل فيما إذا شك في أن الميت شهيد أو ليس بشهيد. قتيل المعركة: نعم: في صورة واحدة وفي مورد من موارد الشك في الشهادة نلتزم بعدم وجوب الغسل بالمس وهو القتيل في المعركة كما يأتي في كلام الماتن (قده) عند الكلام على وجوب تغسيل الميت فانه إذا رأينا احدا في المعركة وهو قتيل ولم ندر أن موته مستند إلى الشهادة أو إلى غيرها كما إذا كان في المعركة واصابه سهمه فمات من غير أن يكون من المتحاربين. ذكروا انه ملحق بالشهيد ولا يجب تغسيله ولا يجب الغسل بمسه وهذا لامرين:

[ 299 ]

(أحدهما): ظهور الحال لان من كان في المعركة وفيه آثار الحرب ظاهره انه مات بالشهادة والمحاربة واحتمال انه مات لخوفه أو لمرضه مما لا يعتني به فظاهر الحال يشهد بشهادته. ويمكن المناقشة في ذلك: بان الظهور لم يقم دليل على حجيته في غير باب الالفاظ لانه لا يفيد سوى الظن والظن لااعتبار به شرعا. و (ثانيهما): الاخبار الواردة (1) في أن القتيل بين الصفوف لا يغسل ولا يجب الغسل بمسه فنلتزم بعدم وجوب الغسل بمسه وان كان مشكوك الشهادة واقعا. واما في مطلق المشكوك في شهادته - كما إذا رأينا قتيلا في غير المعركة واحتملنا انه شهيد اصابه الجرح في المعركة فهرب وسقط في هذا المكان أو أنه قتله لص أو عدو لم يمكننا الحكم بعدم وجوب الغسل بمسه لما عرفته من استصحاب عدم استناد موته إلى الشهادة كما لا يمكن الحكم بعدم وجوب تغسيله. ويحتمل أن يكون مراد الماتن (قده) من الحكم بعدم وجوب الغسل بمس الميت المردد بين الشهيد وغيره خصوص القتيل في المعركة المشكوك كونه شهيدا أو غير شهيد. هذا ولكن الصحيح أن القتيل في المعركة كغيره ممن يشك في شهادته وعدمها وذلك لان ما دل على انه يحكم الشهيد ولا يغسل ولا يكفن ويترتب عليه بقية آثار الشهيد رواية ضعيفة بغير واحد ممن وقع في سندها كما لعله يأتي عليه الكلام فما افاده (قده) في هذه الصورة مما لا اساس له بوجه.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 14 من أبواب غسل الميت ح 3.

[ 300 ]

أو كان الممسوس بدنه أو لباسه أو كان شعره (1) أو بدنه لا يجب الغسل في شئ من هذه الصور. نعم إذا علم بالمس وشك في أنه كان بعد الغسل أو قبله (2) وجب الغسل (1) فيما إذا كان شعره طويلا لا يصدق مس الميت بمسه، والوجه في عدم وجوب الغسل حينئذ هو الشك في تحقق الموضوع للحكم بوجوب الغسل - اعني مس بدن الانسان - والاصل أن الممسوس غير مضاف إلى بدن الانسان. أو نرجع إلى استصحاب عدم وقع المس على بدن الانسان أو إلى استصحاب الحالة السابقة في المكلف من الحدث وانه لم يتبدل إلى الحدث الاكبر أو الطهارة وانها لم تنتقض بالحدث الاكبر ولم ترتفع، أو إلى البراعة عن وجوب الاكثر - كما مر تقريبه. إذا شك في ان المس وقع قبل الغسل أو بعده: (2) هذه المسألة لها صور: (الاولى): أن يشك في اصل الغسل وعدمه ولا اشكال في هذه الصورة في أن مقتضى الاصل عدم تحقق الغسل في الممسوس ومعه يجب الغسل على الماس لان المس وجداني وعدم كونه مغسلا بالاستصحاب. (الثانية): ان يعلم بحدوث كل من الغسل والمس ويشك في المتقدم والمتأخر منهما وهذا أيضا له صور: (الاولى): ما إذا علم تاريخ المس كأول الصبح أو يوم السبت

[ 301 ]

ويشك في أن التغسيل وقع يوم الجمعة أو يوم الاحد وهذه الصورة لا اشكال فيها في وجوب الغسل لاصالة عدم تحقق التغسيل قبل المس فالمس وجداني وعدم كون الممسوس مغسلا بالوجدان فيحكم عليه بوجوب غسل المس. (الثانية): عكس الاولى وهي ما إذا علم تاريخ التغسيل كيوم السبت وجهل تاريخ المس فقد يقال في هذه الصورة ان اصالة عدم تحقق المس قبل التغسيل يقتضي انتفاء موضوع الوجوب وهو المس قبل الغسل وبه يحكم على عدم وجوب الغسل على الماس. وكذا في الصورة (الثالثة): وهي ما إذا جهل تأريخهما وذلك لتعارض اصالة عدم تحقق المس قبل الغسل بأصالة عدم الغسل قبل المس وتساقطهما فيرجع إلى استصحاب طهارة الماس أو استصحاب عدم مس الميت الذي لم يغسل. ولاجل هذا يحمل كلام الماتن (قده) على الصورة الاولى - أعني ما إذا شك في اصل التغسيل - كما يؤيده ما فرعه عليه من الاشكال في مس العظام المجردة المعلوم كونها من الانسان للشك في وقع الغسل عليها إلا أن يكون امارة عليه ككونها في مقابر المسلمين. هذا. والصحيح وجوب الغسل في جميع تلك الصور. أما الاوليتان فواضحتان. واما الثالثة والرابعة: فللاخبار الواردة في المقام التي دلت على وجوب الغسل بمس الميت مطلقا بل في بعضها لفظة (كل) وأن كل من مس ميتا فعليه الغسل (1) ومقتضى تلك الاخبار عدم الفرق في وجوب


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب غسل المس ح 3.

[ 302 ]

الغسل بين مسه قبل التغسيل وعدمه. وقد خرجنا عن عمومها أو اطلاقها بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) (مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس بها بأس) (1) وغيرها من الاخبار. فالخارج عن العموم أو الاطلاق عنوان وجودي (وهو المس الذي يكون بعد الغسل، والموضوع لوجوب غسل المس (المس الذي لا يكون بعد الغسل) ومن الظاهر ان اصالة عدم المس قبل التغسيل لا اثر لها حينئذ لان الاثر مترتب على المس بعد الغسل أو المس المتصف بالوصف العدمي وهو ما لا يكون بعد الغسل ففي الاول لا يجب الغسل ويجب في الثاني. واصالة عدم المس قبل التغسيل ليس لها أثر بنفسها إلا بلحاظ اثبات أن المس بعد التغسيل إلا انه من الاصول المثبتة لان نفي احد الضدين لا يثبت الآخر فأصالة عدم المس قبل الغسل غير جارية في نفسها. وحيث انا علمنا بالمس خارجا ولم نحرز تحقق العنوان المستثنى عن العموم أو الاطلاق فلا مناص من الحكم بوجوب الاغتسال للشك في تحقق المس بعد الغسل والاصل عدمه ومجمل الكلام في المقام انه ورد في صحيحة الصفار (إذا اصاب بدنك جسد الميت قبل أن يغسل فقد يجب عليك الغسل) (2) وظاهرها أن الموضوع لوجوب الغسل هو المس الذي قبل التغسيل - اي المقيد بالعنوان الوجودي لا العدمي كما ذكرناه.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب غسل المس ح 1. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 5.

[ 303 ]

ومعه يمكننا نفي هذا الموضوع بالاصل ونقول الاصل ان المس لم يتحقق قبل التغسيل فلا يجب الغسل في الصورتين الاخيرتين. إلا أن ظاهر الصحيحة غير مراد قطعا، لان لازمها عدم وجوب الغسل بمس الميت إذا لم يقع بعد المس تغسيله إلى يوم القيامة لعدم تحقق المس قبل الغسل لان القبلية والبعدية متضايقتان فلو لم يقع غسل بعد المس لم يتصف المس بالقبلية فلا يجب الغسل بالمس حينئذ مع انه مما لا يمكن الالتزام به. فلا مناص من التأويل في الصحيحه بحلمها - اي بحمل القبلية - على المعية والاقتران، كما التزمنا بذلك فيما ورد من أن هذه قبل هذه (1) لان صلاة الظهر لا يشترط في صحتها أن تقع العصر بعدها مع أن لازم الرواية اعتبار كونها واقعة قبل العصر، والعصر واقعة بعد الظهر للتضايف بين القبلية والبعدية مع انه لو صلى الظهر ولم يصل العصر اصلا أو صلى العصر قبل الظهر وقعت صلاة الظهر صحيحة وانما تبطل العصر فقط. ومن هنا حملناها على ارادة وقوع العصر لا مع الظهر وكذلك القول في المقام إلا انا نحتمل أن يراد بالمس قبل الغسل: المس الذي لا يكون بعد الغسل. توضيح هذا المجمل: أن في المقام ضدين (المس قبل الغسل) و (المس بعد الغسل)


(1) الوسائل: الجزء 3 باب 4 من أبواب المواقيت.

[ 304 ]

وغسل المس إذا وجب في احدهما لا يكون واجبا في الآخر لا محالة وليس لهما ثالث في المقام، وبما أن المس بعد الغسل لا يجب معه غسل المس قطعا فيكون المس قبل الغسل محكوما بوجوب غسل المس معه وحيث ان القبلية - كما عرفت - لا يمكن أن تؤخذ في موضوع وجوب الغسل فيمكن أن يراد بالقبل غير المس الواقع بعد الغسل. ومعه يكون الموضوع لوجوب غسل المس هو المس الذي لا يكون بعد الغسل واطلاق احد الضدين الذين لا ثالث لهما واردة غير الضد الآخر امر ممكن، ومعه لا يجري اصالة عدم المس قبل التغسيل إذ لا اثر لها في نفسها، وبهذا تصبح الصحيحة مجملة ولا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال. وحاصل ما ذكرناه في المقام: أن المس الذي اخذ موضوعا لوجوب غسل المس مقيد بان لا يكون واقعا بعد الغسل، والخارج امر وجودي وهو المس بعد الغسل ومعه لابد من الحكم بوجوب الغسل في جميع الصور المتقدمة كان تاريخ المس مجهولا والتغسيل معلوما ام انعكس أو كان كلا التاريخين مجهولا. وذلك لان المس معلوم بالوجدان ونشك في انه واقع بعد الغسل أو ليس بواقع بعده، ومقتضى الاصل عدم كونه واقعا بعد الغسل فهو مس بالوجدان وليس واقعا بعد الغسل بالتعبد - اي ليس من القسم الخارج بالتعبد لان الخارج امر وجودي يمكن أن يحرز عدمه بالاصل - فلا مناص من الحكم معه بوجوب غسل المس مطلقا. وهذا بخلاف ما إذا كان المس مقيدا بقيد عدمي آخر وهو - أن لا يكون معه غسل - فانه على ذلك لا نلتزم بوجوب الغسل فيما إذا كان

[ 305 ]

تاريخ المس مجهولا وكان تاريخ التغسيل معلوما. فان مقتضى استصحاب عدم كون المس واقعا قبل الغسل: عدم تحقق موضوع الحكم بوجوب الاغتسال - اعني المس الذي ليس معه غسل - لانه ينفي وجود المس قبل التغسيل فليس هناك مس لا يكون معه غسل فلا يجب غسل المس حينئذ بخلاف بقية الصور. فإذا عرفت الفارق بين القيدين العدميين والمدعى، فنقول: اثبات ذلك: أن المطلقات دلت على وجوب الغسل بالمس مطلقا، وقد دلت صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) على أن المس بعد التغسيل لا بأس به، وإذا انضم هذا إلى المطلقات دلتا على أن المس الواجب معه الغسل هو المس الذي لا يكون بعد الغسل ومعه بما أن المس معلوم بالوجدان وعدم كونه بعد الغسل بالاستصحاب لابد من الحكم بوجوب الغسل في جميع الصور المتقدمة. نعم: ورد في صحيحة الصفار (2): أن المس قبل الغسل موجب للغسل، إلا أن ظاهرها وهو كون المس مشروطا وجوبه بالتغسيل بعده على نحو الشرط المتأخر امر غير محتمل لاستلزامه أن لا يجب المس فيما إذا لم يقع تغسيل إلى يوم القيامة وهو مما لا يمكن الالتزام به. ومعه إما ان يراد بالقبل عدم الغسل بمعنى أن المس الذي ليس معه غسل موضوع للوجوب، ومعه تجري اصالة عدم تحقق المس قبل التغسيل في صورة العلم بتاريخ الغسل وبه ننفي وجود الموضوع لوجوب


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب غسل المس ح 1. (2) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 5.

[ 306 ]

وعلى هذا يشكل مس العظام المجردة المعلوم كونها من الانسان (1) في المقابر أو غيرها، نعم لو كانت المقبرة للمسلمين يمكن الحمل على انها مغسلة. الاغتسال دون بقية الصور - كما مر -. واما ان يراد به عدم كون المس واقعا بعد الغسل نظرا إلى الواقع لان المس إما أن يقع قبل الغسل وإما ان يقع بعد الغسل ولا ثالث فإذا لم يمكن ارادة القبلية قطعا فلا مناص من حمل القبل على ارادة أن لا يكون المس هو الضد الآخر الذي لا يجب فيه الغسل - أي المس الذي لا يكون بعد الغسل - وهو القيد العدمي الذي ذكرناه، ومعه يحكم بوجوب غسل المس في جميع الصور - كما مر -. وحيث ان الصحيحة لا قرينة فيها على احد الامرين فتصبح مجملة والمجمل يحمل على المبين وهو صحيحة محمد بن مسلم الدالة على ان المس بعد الغسل لا يجب معه الغسل ومعه يكون المس مقيدا بأن لا يقع بعده غسل كما بيناه. مس العظام المجردة: (1) فهل يحكم بوجوب الغسل بمسها لان المس محرز بالوجدان وعدم كونه بعد الغسل بالاستصحاب أو لا يحكم به لان الظاهر كون الميت في مقابر المسلمين مغسلا لا محالة؟

[ 307 ]

(مسألة 4): إذا كان هناك قطعتان يعلم اجمالا أن احداهما من ميت الانسان فان مسهما معا وجب عليه الغسل بناءا على ما قدمناه من أن مس العظام المجردة غير موجب للغسل حتى مع العلم بعدم كونها مغسلة فلا اشكال في عدم الوجوب لعدم وجوب الغسل عند العلم بعدم كونها مغسلة فضلا عما إذا شك في ذلك. واما بناءا على وجوب الغسل بمسها أو كانت مع اللحم فهل يجب الغسل بمسها؟ التحقيق عدم وجوبه إذا كانت خارجة بعد الدفن لنبش أو سيل أو بسبب حيوان اخرجه ونحو لك، وهذا لا للظاهر لانه لا يقيد ازيد من الظن وهو ليس بحجة شرعا، بل لحمل فعل المسلمين على الصحة لان من شرائط صحة الدفن تغسيل الميت قبله، ومع الشك في صحة دفنهم يبني على صحة بالسيرة الجارية على ذلك فإذا حكمنا بصحته ثبت شرعا تغسيل الميت قبله. ومما يدلنا على هذه السيرة: أن المتدينين من المسلمين لا يخرجون امواتهم من القبور ليغسلوها ويصلوا عليها مع الشك في جملة كثيرة من الاموات وانها هل غسلت على وجه شرعي وصلي عليها أم لا؟ وليس هذا إلا لعدم الاعتناء باحتمال عدم للتغسيل والصلاة والبناء على صحة دفنهم المستلزمة شرعا لعدم وجوب تغسيل الاموات والصلاة عليهم في مفروض الكلام وهذه السيرة من اظهر السير وبها يثبت عدم وجوب الغسل بمس العظام.

[ 308 ]

وان مس احدهما (1) ففي وجوبه اشكال والاحوط الغسل. العلم الاجمالي بان احدى القطعتين من الانسان: (1) الصحيح أن حكم المسألة يختلف باختلاف زمان العلم الاجمالي لان العلم بان احد الميتين ميت انساني أو أن احدهما غير مغسل قد يتحقق قبل المس لاحدهما كما إذا علم اجمالا بذلك ووجب عليه تغسيل كل منهما ودفنهما وغير ذلك من الاحكام المترتبة على الميت الانساني في نفسه من دون ضميمة بمقتضى العلم الاجمالي وبعدما تنجزت عليه الاحكام وسقطت الاصول في اطرافه مس احدهما. وفي هذه الصورة لا يجب غسل المس لعدم بوقوع المس على الميت الانساني، ومقتضى استصحاب عدم وقوع المس على الانسان أو البراءة من التكليف الزائد عما علم اجمالا عدم وجوب المس حينئذ لانهما غير معارضين بشئ وهو من الشك البدوي، كما ذكرنا نظيره في ملاقي احد اطراف الشبهة بعد العلم الاجمالي بنجاسة احدهما. وقد يحصل المس أولا ثم بعد ذلك يتحقق العلم الاجمالي بأن احدهما ميت انساني، وحينئذ قد يكون للطرف الآخر غير الممسوس حكما الزاميا - كما إذا مس احدهما ودفن، والميت الآخر غير مدفون وبعد ذلك حصل له العلم الاجمالي بأن احدهما ميت انساني - فانه يجب غسل المس حينئذ. لان هذا العلم الاجمالي ينحل إلى علمين احدهما إن احد الميتين ميت

[ 309 ]

(مسألة 5): لا فرق بين كون المس اختياريا أو اضطراريا (1) في اليقظة أو في النوم كان الماس صغيرا أو مجنونا أو كبيرا عاقلا، فيجب على الصغير الغسل بعد البلوغ، والاقوى انساني وثانيهما: ان الماس اما يجب عليه غسل المس لو كان الميت الانساني هو الممسوس واما يجب عليه دفن الميت الآخر لو كان هو الانساني ومقتضى العلم الاجمالي ثبوت كلا الحكمين وتنجزهما في حقه. وقد لا يكون للطرف الآخر حكم الزامي كما إذا دفن كلاهما أو كان الميت الانساني المعلوم بالاجمال كافرا فان مسه موجب للغسل حينئذ إلا انه لا يجب دفنه ولا تكفينه ولا غير ذلك، وبعد ذلك حصل العلم الاجمالي بأن احدهما ميت انساني. فان المس حينئذ لا يترتب عليه وجوب الغسل لاصالة عدم كون الممسوس انسانا أو للبراءة عن وجوبه لانه من الشك في التكليف أو لاستصحاب طهارته - كما ذكرناه في ملاقي اطراف الشبهة مفصلا فان حال المقام حال الملاقي بعينه. المس الاضطراري كالاختياري: (1) الوجه في ذلك كله هو اطلاقات الاخبار (1) الدالة على وجوب الغسل بالمس.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس.

[ 310 ]

صحته قبله أيضا (1) إذا كان مميزا، وعلى المجنون بعد الافاقة. هل يصح غسل المس عن الصغير قبل البلوغ؟ (1) هذه المسألة مبتنية على أن الصبي شرعية أو تمرينية، فعلى الاول لو اغتسل من المس قبل بلوغه صح ولم يجب عليه بعد البلوغ، بخلاف ما لو قلنا بالثاني إذ لا امر حينئذ فلا تكون عبادات الصبي مشروعة وكافية عنها بعد بلوغها. والصحيح أن عباداته شرعية، وهذا لا لما ذكره جماعة من الاعلام من شمول ادلة التكاليف للصبي أيضا باطلاقها فان حديث رفع القلم انما يرفع الالزام فيبقى اصل الامر شاملا له من دون الزام ومعه تكون عبادات الصبى شرعية. والوجه في عدم إستنادنا إلى ذلك أن المجعول الشرعي الوارد في ادلة التكاليف ليس امرا مركبا من امر وإلزام أو امر وترخيص بان يكون الالزام أو الترخيص منوعين للمجعول الشرعي حتى ينفى الالزام بالحديث ويبقى الامر المجعول الشرعي شاملا للصبيان بل المجعول الشرعي امر واحد والوجوب والاستحباب امران منتزعان للعقل من ورود القرينة على الترخيص في الترك أو على المنع عنه أو عدم قيامها على الترخيص في الترك. ومن الظاهر أن حديث رفع القلم غير ناظر إلى رفع ما ينتزعه العقل وانما هو ناظر إلى رفع ما جعله الشارع على العباد بالاضافة إلى الصبي

[ 311 ]

(مسألة 6): في وجوب الغسل بمس القطعة المبانة من الحي لا فرق بين أن يكون الماس نفسه أو غيره (1). (مسألة 7): ذكر بعضهم أن في ايجاب مس القطعة المبانة من الحي للغسل لا فرق بين أن يكون قبل بردها أو بعده (2) وهو احوط. والمجنون ونحوهما، ومع ارتفاع ما هو المجعول في حق الصبي لم يبق هناك ما يقتضي شرعية عباداته. بل الوجه في شرعية عباداته ما ورد من امر الاولياء بأمر صبيانهم على الصلاة والصيام فان المستفاد من قوله (ع) (مروا صبيانكم على الصلاة) (1): امر الصبيان بالصلاة ونحوها شرعا لما قدمناه في محله من أن الامر بشئ امر بذلك الشئ عرفا وحيث ان القرينة قامت على الترخيص في الترك في حق الصبيان فيستفاد منها شرعية عبادات الصبي من غير أن تكون واجبة في حقه. (1) بناءا على القول بوجوب الغسل بمس القطعة المبانة المشتملة على العظم اعتمادا على مرسلة أيوب بن نوح (2) لا وجه للتفرقة بين كون القطعة المبانة الممسوسة مبانة من الماس أو من غيره لاطلاق المرسلة. (2) اعتمادا على اطلاق قوله في المرسلة (فإذا مسه انسان فكل ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسه الغسل) والتفصيل بين


(1) الوسائل ج 3 باب 3 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها. (2) و (3) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب غسل المس ح 1.

[ 312 ]

حالة البرودة والحرارة انما هو في الميت لافي القطعة المبانة. هذا ولا يمكن المساعدة عليه بل بناءا على الاعتماد على المرسلة والقول بوجوب الغسل بمس القطعة المبانة لابد من التفصيل بين حرارتها وبرودتها وذلك لان الحكم في المرسلة بوجوب الغسل بمس القطعة المبانة انما هو من جهة تنزيلها منزلة الميت فيثبت لها ما كان ثبت للميت، وذلك لان قوله (ع) في المرسلة (إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة) (1) لايراد به تنزيل القطعة المبانة منزلة مطلق الميتة وإلا لم يكن وجه لما فرعه عليه بقوله (فإذا مسه انسان..) إذ ليس من أحكام مطلق الميتة وجوب الغسل يمسها وانما من احكامها النجاسة ووجوب الغسل بملاقاتها. بل المرات تنزيل القطعة المبانة منزلة الميت الآدمي وهذا بدلالة (فاء) التفريع إذ لو لا لفظة الفاء لامكن ان يقال: ان المرسلة مشتملة على حكمين احدهما: ان القطعة المبانة كالميتة على اطلاقها. وثانيهما: ان مسها موجب للاغتسال تعبدا من غير أن يترتب عليها بقية آثار الميت الانساني فلفظة الفاء تدلنا على أن الحكم بوجوب الغسل بمس القطعة متفرع على تنزيلها منزلة الميت الانساني ومن ثمة يترتب عليها ما كان يترتب عليه. وعليه فالمرسلة تدل على ان القطعة المبانة كالميت وان الميت لا فرق في وجوب الغسل بمسه بين ان يكون تاما وبين أن يكون ناقصا مشروطا بأن يكون مشتملا على العظم فما كان يترتب على المقام يترتب على الناقص أيضا بمقتضى التنزيل


(1) المصدر المتقدم في ص 311.

[ 313 ]

(مسألة 8): في وجوب الغسل إذا خرج من المرأة طفل ميت بمجرد مماسته لفرجها اشكال (1) وكذا في العكس بان تولد الطفل من المرأة الميتة؟ فالاحوط غسلها في الاول وغسله بعد البلوغ في الثاني. وبما أن وجوب الغسل بالمس في الميت التام والمنزل عليه مختص بما إذا برد بمقتضى الاخبار المتقدمة فيكون الحال كذلك في المنزل أيضا. حسب دليل التنزيل. إذا خرج من المرأة طفل ميت: (1) قد يفرض الكلام فيما إذا مس شئ من ظاهر بدن المرأة للطفل الميت عند الخروج ولو لاطراف الموضع وحواشيه أو مس بدن الطفل لشئ من ظواهر بدن أمه الميتة. وهذا لا شبهه في وجوب الغسل فيه لان جملة من الاخبار الواردة في المقام وان كانت منصرفة عن مثل ذلك - كما دل على أن من غسل ميتا فعليه الغسل (1) أو ان المأموم يؤخر الامام الميت ويغتسل إذا مسه بيده (2) فان ظاهرها ان يكون هناك شخصان في الخارج احدهما ماس حي والآخر ممسوس ميت فلا تشمل ما إذا كان الميت متكونا في


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب غسل المس. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 1.

[ 314 ]

(مسألة 9): مس فضلات الميت من الوسخ والعرق والدم ونحوها لا يوجب الغسل (1) وان كان احوط. جوف الحي أو كان الحي متكونا في جوف الميت إلا ان في المطلقات (1) الدالة على أن من مس ميتا وجب عليه الغسل غنى وكفاية. وقد يفرض الكلام فيما إذا لم يمس ظاهر بدن المرأة للطفل الميت أو بدن الطفل لشئ من ظاهر بدن المرأة الميتة. والظاهر في هذه الصورة عدم وجوب الغسل بمس الولد رحم أمه أو غيره من مواضع الخروج. وذلك لاننا وان قدمنا عدم الفرق في وجوب غسل المس بمس باطن الميت وظاهره ولا بالمس بالباطن أو الظاهر كما إذا ادخل اصبع الميت في فمه ومس حلقه لاطلاقات الاخبار. إلا ان الاخبار منصرفة عن المقام لان ظاهرها كون الماس شخصا غير الممسوس بأن يكون لهما وجودان منفصلان، وأما إذا كان أحدهما متكونا في جوف الآخر فهو خارج عن منصرفها. والذى يدل على هذا الانصراف أن لازم شمول الاخبار للمقام أن الولد إذا مات في بطن امه وبقي كذلك يوما أو يومين أو أكثر أن يحكم باستمرار حدث المرأة مادام الولد في بطنها وهو مما لا يمكن الالتزام به. مس فضلات الميت: (1) قد عرفت ان الموجب للغسل مس جسد الميت وبدنه بمقتضى


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 2 و 3 و 8 وغيرها.

[ 315 ]

(مسألة 10): الجماع مع الميتة بعد البرد يوجب الغسل (1) الروايات الواردة في المقام وأما المس مع الواسطة فلا يكون موجبا له إلا ان الفضلات من الوسخ والدم ونحوهما لما كانت معدودة من عوارض الجسد ولا تعد شيئا متوسطا بين الماس والممسوس فلا جرم كان مسها مصداقا لمس الميت عرفا ومعه لابد من الاغتسال. نعم إذا كانت الفضلات الكائنة على بدن الميت على نحو لابعد مسها مسا لبدن الميت لدى العرف لم يكن مسها موجبا لغسل المس فأمر الفضلات يدور بين وجوب الغسل بمسها وعدمه وأما احتياط الماتن (قده) في المقام فهو مما لم نقف له على وجه. الجماع مع الميت: (1) لاطلاق (1) ما دل على ان التقاء الختانين موجب للغسل وغيره مما دل على وجوبه مع الجماع لانه شامل للمجامعة مع الميتة أيضا هذا بالاضافة إلى غسل الجنابة وكذلك الحال بالاضافة إلى غسل المس لعموم (2) ما دل على ان مس الميت موجب للاغتسال فانه شامل لمسه بالجماع أيضا.


(1) الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب غسل المس

[ 316 ]

ويتداخل مع الجنابة (1). (مسألة 11): مس المقتول بقصاص أو حد إذا اغتسل قبل القتل غسل الميت لا يوجب الغسل (2). ] (1): لانه القدر المتيقن من التداخل فان غسل الجنابة يغني عن غيره من الاغسال وان قلنا بالتداخل في مطلق الاغسال. مس المقتول بحد أو قصاص: (2) فيه خلاف بين الاعلام، قد يقال: بعدم وجوب الغسل بمسه لانه مس للميت المغسل غايه الامر ان غسله قدم على موته. ودعوى انصراف ما دل على عدم وجوب الغسل بالمس بعد التغسيل بما إذا كان التفصيل بعد الموت، مندفعة بانه لا موجب للانصراف. وعن بعضهم: وجوب الغسل بمسه، وهذا هو الصحيح. وذلك لان مقتضى الاخبار الواردة في المقام وجوب الغسل بمس أي ميت وقد خرجنا عن عمومها أو اطلاقها بالاخبار الدالة على عدم وجوب الغسل بالمس بعد تغسيل الميت، والمستفاد منها أن الميت إذا غسل بعد موته هو الذي لا يجب الغسل بمسه ومن الظاهر أن الميت في المقام لم يغسل بعد موته. نعم الغسل الذي أتي به قبل الحد أو القصاص غسل الميت وقد قدم في حقه على الموت إلا ان الدليل لم يدل على أن الميت الذي تحقق غسل الميت في حقه لا يكون مسه موجبا للغسل.

[ 317 ]

(مسالة 12): مس سرة الطفل بعد قطعها لا يوجب الغسل (1). (مسألة 13): إذا يبس عضو من أعضاء الحي وخرج منه الروح بالمرة مسه مادام متصلة ببدنه لا يوجب بل الدليل دل على ان الميت بعد موته لو غسل لا يجب الغسل بمسه والميت لم يغسل في المقام بعد موته وانما يدفن من غير غسل بعد الموت كالشهيد نعم قد يتوهم أن وجوب غسل المس انما هو من جهة الحدث أو الخبث الكائن على بدن الميت فإذا اغتسل قبل موته كان طاهرا من الحدث والخبث فلا يكون مسه موجبا للاغتسال. إلا انك عرفت اندفاعه بحسب الكبرى والصغرى لانه لم يقم دليل على أن بدن الشهيد أو الذي يقدم غسله على موته طاهر من الحدث والخبث بل مقتضى العمومات والاطلاقات انه محدث ومشتمل على الخبث إذا أصابه شئ من النجاسات، هذا بحسب الصغري. وأما بحسب الكبرى فلعدم قيام الدليل على ان مس الطاهر من الاموات غير موجب للاغتسال، كيف؟ والائمة المعصومون (ع) كلهم طاهرون مطهرون على ما نطقت به النصوص، ومع ذلك يجب تغسيلهم ويجب الغسل بمس أبدانهم الطاهرة بعد موتهم. (1) لعدم كونه ميتا تاما، ولا قطعة مبانة من الحي مشتملة على العظم بناءا على ان مسها موجب الغسل على الخلاف.

[ 318 ]

مثلا الغسل (1) وكذا إذا قطع عضو منه واتصل ببدنه بجلدة. نعم بعد الانفصال إذا مسه وجب الغسل بشرط أن يكون مشتملا على العظم (2). (مسألة 14): مس الميت ينقض الوضوء (3) فيجب الوضوء مع الغسل. (1) لما عرفت من عدم صدق (الميت التام) عليه، ولا القطعة المبانة من الحي لفرض اتصالها بالبدن. (2) على الخلاف المتقدم. ناقضية مس الميت للوضوء: (3) قد يفرض أن الماس كان محدثا بالحدث الاصغر قبل المس أو بعده فيتكلم في انه إذا اغتسل من المس فهل يغني هذا الغسل عن الوضوء أو يجب عليه أن يتوضأ بعد غسله كما هو الحال في المستحاضة فانها في بعض اقسامها تغتسل وتتوضأ أيضا وهذا قد تقدم الكلام فيه وقلنا إن غسل المس وغيره من الاغسال مغن عن الوضوء ولا حاجة معه إلى الوضوء. واخرى: يقع الكلام فيما إذا كان الماس متطهرا ومتوضئا ثم مس ميتا فهل يكون مسه هذا ناقضا لوضوئه أو لا يكون، وهذا البحث - كما ترى - لا يتوقف على كون غسل المس مغنيا عن الوضوء بل بعد

[ 319 ]

(مسألة 15): كيفية غسل المس مثل غسل الجنابة (1) ] البناء على انه لا يغني عن الوضوء يتكلم في أنه في الصورة المفروضة ينقض الوضوء أو لا ينقضه بحيث لو اغتسل من المس احتاج إلى التوضي أيضا وليس له الدخول في الصلاة ونحوها بالاغتسال بل لا بد من أن يأتي بالوضوء أيضا كالمستحاضة. والصحيح أن المس غير ناقض للوضوء لعدم دلالة الدليل على انتقاض الطهارة به بل الدليل قام على عدم الانتقاض وهو حصر موجبات الوضوء بالبول والغائط والمني والجماع والريح والنوم وليس منها مس الميت وهو يقتضي عدم كون مس موجبا للانتقاض. كيفية غسل المس: (1) كما تقدم في غسل الحيض والاستحاضة والنفاس لانه طبيعة واحدة وحقيقة فاردة بالارتكاز وانما الاختلاف في اسبابها. ويزيد في المقام ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) (من غسل ميتا أو كفنه اغتسل غسل الجنابة) (1) وحيث ان المغسل أو المكفن لا يجنب بتغسيله وتكفينه بالضرورة فيعلم منه أن مراده (ع) هو التشبيه وانه يغتسل كغسل الجنابة. ثم ان الصحيحة مشتملة على وجوب الغسل على من غسل ميتا وكفنه مع أن الميت حال تكفينه مغسل لا محالة، لان التكفين بعد


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 1.

[ 320 ]

إلا أنه يفتقر إلى الوضوء أيضا (1). (مسألة 16): يجب هذا الغسل لكل واجب مشروط بالطهارة من الحدث الاصغر ويشترط فيما يشترط فيه الطهارة (2). التغسيل ولا غسل بمس الميت بعد تغسيله ولاجله لابد من حمل الصحيحة على الاستحباب - اي استحباب غسل المس إذا مسه عند تكفينه وان كان الميت مغسلا - كما حملنا موثقة عمار (1) الدالة على وجوب الغسل لمن مس ميتا ولو بعد تغسيله على الاستحباب -. (1) قدمنا الكلام في هذه المسألة مكررا وقلنا ان كل غسل مغن عن الوضوء. غسل المس واجب لكل ما هو مشروط بالطهارة: (2) بمعنى إن وجوبه شرطي وليس واجبا نفسيا وذلك لان الاوامر الواردة بالغسل عند المس ظاهرة في الارشاد إلى امرين: أحدهما: أن مس الميت موجب للحدث، ومن ثمة امر بما يرفعه من الغسل. وثانيهما: إن رافع هذا الحدث ليس إلا الاغتسال لان وزانها وزان الاوامر الواردة بغسل ما اصابته النجاسة كقوله (ع) (اغسل ثوبك


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب غسل المس ح 3.

[ 321 ]

من ابوال ما لا يؤكل لحمه) (1) حيث قلنا في محله انها ارشاد إلى امرين: نجاسة البول أو غيره من النجاسات وأن نجاسته لا تزول إلا بالغسل. وذلك لانه مقتضى الفهم العرفي في مثلها ولا يستفاد منها الوجوب النفسي والامر المولوي بوجه، وعليه يكون وجوب الغسل بالمس وجوبا شرطيا بمعنى انه من جهة رفع الحدث وتحصيل الطهارة التي هي شرط في الصلاة ونحوها. ومن هنا لم ينسب الوجوب النفسي الي المشهور في المقام وانما حكي عن بعضهم المناقشة في كونه واجبا شرطيا، ولكنه على خلاف المستفاد من الاخبار فاحتمال انه واجب نفسي مقطوع العدم وعلى خلاف المشهور أو المتفق عليه بينهم. وهذا يدل على انهم أيضا فهموا من الاخبار الارشاد - كما فهمناه -. ويؤكد ما ذكرناه ما ورد في بعض الاخبار (2) ما انه لو مس الميت قبل برودته لم يضره، لدلالته على انه إذا مسه بعد ذلك ففيه الضرر، والضرلار المتصور في المقام ليس إلا كونه محدثا وغير متمكن من الدخول فيما يشترط فيه الطهارة إلا بالاغتسال. وهذا لا يتحقق إلا بناءا على انه واجب شرطي إذ لو كان واجبا


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب النجاسات ح 2 و 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب غسل المس ح 4 وموردها غير الآدمي. نعم: ورد في بعض الروايات انه لا بأس مس الميت بحرارته أو بعد الغسل.

[ 322 ]

نفسيا لم يكن فيه إي ضرر لتمكنه من الدخول في الصلاة حينئذ ولو بغير الاغتسال. ويؤيده ما عن الفقه الرضوي من قوله: (وان نسبت الغسل فذكرته بعدما صليت فاغتسل واعد صلاتك) (1) إذ لا وجه له سوى كون الغسل واجبا شرطيا لعدم بطلان الصلاة بالاخلال به على تقدير كونه واجبا نفسيا. ويؤيده أيضا ما تقدم من رواية (2) الصدوق عن الفضل بن شاذان ومحمد بن سنان من أن وجوب غسل المس لعلة الطهارة، وعليه لا يكون الغسل واجبا نفسيا بوجه. ولا يمكن قياسه بالاوامر الواردة في غسل الجمعة أو لدخول الكعبة أو الحرم أو المسجد الحرام ونحوه وذلك لعدم احتمال كون الدخول في يوم الجمعة أو الكعبة ونحوهما من الاسباب الموجبة للحدث. وحيث لانحتمل فيها الحدث فلا يمكننا حمل الاوامر فيها على الارشاد بل يؤخذ بظهورها في المولوية وتحمل على الاستحباب. واين هذا مما علق فيه الامر بالغسل على شئ آخر كمس الميت أو الجنابة أو الحيض ونحوها لانها ظاهرة في الارشاد كما مر. وهذا بخلاف المقام وغيره من الموارد التي قامت فيها القرينة على الارشاد واحتمل فيها الحدث.


(1) الفقه الرضوي ص 19. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب غسل المس ح 11 و 12.

[ 323 ]

(مسألة 17): يجوز للماس قبل الغسل دخول المساجد والمشاهد (1) المكث فيها وقراءة العزائم وطؤها إن كانت إمرأة فحال المس حال الحدث الاصغر إلا في ايجاب الغسل للصلاة ونحوها. (مسألة 18): الحدث الاصغر والاكبر في اثناء هذا الغسل لا يضر بصحته (2). يحل للماس قبل الغسل دخول المساجد ونحوها: (1) لان ما استفدناه من الاخبار انما هو كون المس موجبا للحدث واما كون الحدث المسبب منه حدثا اكبر أو اصغر فلا يستفاد منها، فلا يترتب عليه إلا الآثار المرتبة على طبيعي الحدث كعدم الدخول فيما يشترط فيه الطهارة. وأما حرمة المكث في المساجد وقراءة العزائم والوطي كما إذا كانت امرأة فلا، لانها مترتبة على الحدث الاكبر من الجنابة والحيض والنفاس وليست مترتبة على طبيعي الحدث وذلك لجواز وطي المرأة المحدثة من غير خلاف. الحدث في اثناء غسل المس: (2) لعدم دلالة الدليل على بطلانه بالحدث الاكبر أو الاصغر الواقع

[ 324 ]

نعم لو مس في اثنائه ميتا وجب استئنافه (1). (مسألة 19): تكرار المس لا يوجب تكرر الغسل في اثنائه فان سقوط الاجزاء المتقدمة عن قابلية الالتحاق - أي التحاق الاجزاء المتأخرة بها - امر يحتاج إلى دليل. بل له أن يتم غسله وان كان يجب عليه التوضي بعد الغسل بل لو رفع يده عن غسله الترتيبي الذي احدث في اثنائه واغتسل ارتماسا لم يحتج إلى الوضوء أيضا بناءا على ما ذكرناه من أن كل غسل يغني عن الوضوء - كما ذكرناه في غسل الجنابة -. لان التخيير بين الغسل ترتيبا وارتماسا ليس بدويا بل هو باق مادام لم يتحقق الاغتسال فله أن يرفع يده عن الغسل الترتيبي - وان كان غسله هذا صحيحا - ويأتي به ارتماسا. نعم ذكرنا في غسل الجنابة أن طرو الحدث الاصغر في اثنائه موجب لبطلانه للدليل المتقدم هناك وهو خاص بغسل الجنابة ولا يأتي في غيره. (1) لان مس الميت ثانيا يحتاج إلى رافع له، وان لم يؤثر حدثا في حقه لانه محدث ولم يرتفع حدثه بعد لعدم تمامية غسله، والاجزاء الباقية من غسله الاول ليس بتمام الرافع له وانما هي جزء منه وإن كان رافعا لمسه الاول.

[ 325 ]

ولو كان الميت متعددا كسائر الاحداث (1). (مسألة 20): لافرق في ايجاب المس للغسل بين أن يكون مع الرطوبة أو لا (2) نعم في ايجابه للنجاسة يشترط أن يكون مع الرطوبة على الاقوى (3) وان كان تكرر المش لا يقتضي تكرر الغسل: (1) لان التداخل وان كان على خلاف الاصل في الواجبات النفسية لان كل سبب يقتضي مسببا مستقلا على ما ذكرناه في بحث المفاهيم. إلا ان الغسل في المقام واجب شرطي والامر به ارشادى إلى تحقق الحدث بالمس - كما مر - وليس التداخل في الاوامر الارشادية على خلاف القاعدة وذلك لان الحدث الذي يحتاج إلى الرافع لا يتكرر بتكرر المس كما لا يتكرر بتكرر البول أو النوم أو الجماع فيكفي غسل واحد عن المس المتكرر في المقام. (2) لاطلاق الاخبار. (3) وذلك لان مقتضى عموم (1) ما دل على نجاسة الميتة نجاسة الميت الانساني أيضا إلا ان نجاسته لا تمتاز عن بقية النجاسات فكما انها غير موجبة لنجاسة الملاقي إلا إذا كانت الملاقاة في حال الرطوبة، فكذلك الحال في ملاقاة الميت الانساني على ما كرناه في مبحث النجاسات.


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 34 من ابواب النجاسات. وغيره.

[ 326 ]

الاحوط الاجتناب إذا مس مع اليبوسة، خصوصا في ميت الانسان ولا فرق النجاسة مع الرطوبة بين أن يكون بعد البرد أو قبله (1). وظهر من هذا أن مس الميت قد يوجب الغسل والغسل كما إذا كان بعد البرد وقبل الغسل مع الرطوبة (2)، وقد لا يوجب شيئا كما إذا كان بعد الغسل أو قبل البرد رطوبة، وقد يوجب الغسل دون الغسل كما إذا كان بعد البرد وقبل الغسل بلا رطوبة، وقد يكون بالعكس كما إذا كان قبل البرد مع الرطوبة. (1) لاطلاق ما دل على نجاسة ملاقي النجس مع الرطوبة. اقسام ما يسببه مس الميت: (2) فالصور اربعة: (احداها): ان يوجب الغسل - بالضم - والغسل - بالفتح -. و (ثانيتها): أن لا يوجب غسلا ولاغسلا. و (ثالثتها): ان يوجب الغسل - بالضم دون الغسل - بالفتح - و (رابعتها): أن يوجب الغسل - بالفتح - دون الغسل - بالضم - والامثلة ظاهرة مما ذكره الماتن (قده). هذا تمام كلامنا في الاغسال ويقع الكلام بعد ذلك في احكام الاموات - ان شاء الله - وله الحمد اولا وآخرا كما هو اهله.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية