الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخوئي ج 6

كتاب الطهارة

السيد الخوئي ج 6


[ 1 ]

التنقيح في شرح العروة الوثقى

[ 2 ]

هوية الكتاب الكتاب: التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريرا لبحث آية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي دام ظله العالي (الجزء السادس) المؤلف: العلامة الحجة الميرزا على التبريزي الغروى الناشر: لطفي المطبعة: العلمية - قم عدد الطبع: الطبعة الثانية العدد: 3000 السعر: 1500 ريال التاريخ: ذو الحجة الحرام 1410

[ 3 ]

منشورات مدرسة دار العلم (13) التنقيح في شرح العروه الوثقى تقرير البحث آية الله العظمى السيد ابو القاسم الخوئي دام ظله العالي تأليف الميرزا علي الغروي التبريزي الجزء السادس الطبعة الاولى

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين: اما بعد فهذا هو الجزء السادس من كتابنا (التنقيح) في شرح العروة الوثقى وقد مكننا الله تعالى من اعداده للطبع ونرجوا من فضله العميم ان يوفقنا لاتمام بقية اجزاء الكتاب انه خير موفق ومعين.

[ 7 ]

[ (فصل في مستحبات غسل الجنابة) وهي امور: (احدها): الاستبراء من المني بالبول قبل الغسل. (الثاني): غسل اليدين ثلاثا إلى المرفقين أو إلى نصف الذراع أو إلى الزندين من غير فرق بين الارتماس والترتيب. (الثالث): المضمضة والاستنشاق بعد غسل اليدين ثلاث مرات ويكفي مرة ايضا. (الرابع): ان يكون ماؤه في الترتيبي بمقدار صاع وهو ستمائة واربعة عشر مثقالا وربع مثقال. (الخامس): امرار اليد على الاعضاء لزيادة الاستظهار. (السادس): تخليل الحاجب الغير المانع لزيادة الاستظهار. (السابع): غسل كل من الاعضاء الثلاثة ثلاثا. ] فصل في مستحبات غسل الجنابة قد تعرض (قدس سره) لجملة من الامور التي قالوا باستحبابها في غسل الجنابة الا ان بعضها لم يرد فيه رواية وانما افتى بعض الاصحاب

[ 8 ]

[ (الثامن): التسمية بان يقول (بسم الله) والاولى ان يقول بسم الله الرحمن الرحيم. (التاسع): الدعاء المأثور في حال الاشتغال وهو: اللهم طهر قلبي وتقبل سعيي واجعل ما عندك خيرا لي اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) أو يقول: (اللهم طهر قلبي واشرح صدري واجر على لساني مدحتك والثناء عليك اللهم اجعله لي طهورا وشفاءا ونورا انك على كل شئ قدير) ولو قرا هذا الدعاء بعد الفراغ ايضا كان اولى. (العاشر): الموالاة والابتداء بالاعلى في كل من الاعضاء في الترتيبي. (مسألة 1): يكره الاستعانة بالغير في المقدمات القريبة (1) على ما مر في الوضوء. ] باستحبابه وهو يبتني على تمامية قاعدة التسامح في ادلة السنن في نفسها ثم تعديتها إلى فتوى الفقيه ومن ثم لا يهمنا التعرض لها في المقام. ثم تعرض لعدة مسائل: (1) لم ترد رواية في كراهة الاستعانة بالغير في المقدمات في الغسل وانما ذكروا في الوضوء وادعوا دلالة بعض الاخبار (1) عليها


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 47 من أبواب الوضوء.

[ 9 ]

[ (مسألة 2): الاستبراء بالبول قبل الغسل ليس شرطا في صحته (1) وانما فائدته عدم وجوب الغسل إذا خرج منه رطوبة مشتبهة بالمني فلو لم يستبرئ واغتسل وصلى ثم خرج منه المني أو الرطوبة المشتبهه لا تبطل صلاته ويجب عليه الغسل لما سيأتي. ] معللا بان الله امر ان لا يشرك في عبادته وقد قدمنا هناك (1) ان الظاهر من تعليل الرواية ان المنهي عنه هو الاستعانة بالغير في النية بان يأتي بالوضوء لغير الله فان العبادة لابد ان يوتى بها مستقلة لله ولا تصح اتيانها للغير مستقلا أو بالانضمام ولا دلالة لها على كراهة الاستعانة بالمقدمات بل لا يتحقق الوضوء من غير الاستعانة من الغير في المقدمات الاعلى وجه الندرة والشذوذ لاحتياجه إليها ولو من حيث المكان والماء وغيرها. عدم اشتراط الاستبراء في صحة الغسل (1) وذلك لعدم دلالة الدليل على الاشتراط فمقتضى اطلاق الاخبار الواردة في كيفية الغسل الآمرة بغسل الرأس والبدن بل وغسل الفرج وسكوتها عن بيان اعتبار البول في صحته مع كونها واردة في مقام البيان تقتضي عدم اشتراطه به نعم قد يستدل على اشتراط الغسل بالبول قبله بصحيحة محمد بن مسلم عن الرجل يخرج من احليله بعد ما اغتسل


(1) راجع الجزء الرابع من الكتاب ص 424.

[ 10 ]

شئ قال يغتسل ويعيد الصلاة إلا ان يكون بال قبل ان يغتسل فانه لا يعيد غسله (1). نظرا إلى انه لاوجه للامر باعادة الصلاة والاغتسال الا بطلان الغسل قبل البول بخروج البلل من احليله فهذا يدل على اشتراط الغسل بالبول قبله. وفيه ان راوي هذا الحديث وهو محمد بن مسلم قد روى متصلا بهذا الحديث وقال قال أبو جعفر عليه السلام من اغتسل وهو جنب قبل ان يبول ثم وجد بللا فقد انتقض غسله وان كان بال ثم اغتسل ثم وجد بللا فليس ينقض غسله ولكن عليه الوضوء لان البول لم يدع شيئا (2). فان التعبير بالانتقاض كالصريح في ان غسله قبل ان يبول قد وقع صحيحا إلا انه انتقض بحدوث الجنابة الجديدة اعني البلل المشتبهة وبهذا نحمل الامر باعادة الصلاة فيها على ما إذا صلى بعد خروج البلل المشتبهة. وقد يتوهم ان الامر باعادة الغسل على تقدير عدم البول قبل الاغتسال وخروج البلل المشتبهة بعده كما في صحيحة الحلبي (3) وموثقة سماعة (4) وغيرهما بل وكذا في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث دلت علي انه إذا بال قبل ان يغتسل لا يعيد غسله يدل على بطلان الغسل الواقع من غير بول إذ لو كان الغسل قبل ان يبول صحيحا وكانت الرطوبة المشتبهة جنابة جديدة لم يصح التعبير باعادة الغسل حينئذ لان السبب الجديد يستدعي الاتيان بالعمل ابتداءا ولا يصح ان


(1) و (2) الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة ح 5 - 6. (3) و (4) الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة ح 1 و 2 و 8 وغيرها كموثقة سليمان بن خالد ورواية معاوية بن ميسرة نفس الباب ح 10 و 9

[ 11 ]

يقال انه يوجب اعادة العمل. مثلا زوال الشمس سبب في الامر بصلاة الظهر فلا يصح معه ان يقال إذا زالت الشمس اعد صلاة الظهر لانها حينئذ ليست اعادة للمأتي به بل هو مأمور به بالامر الثاني مستقلا ابتدئيا فالامر بالاعادة يكشف عن عدم كون البلل المشتبهة الخارج بعد الغسل وقبل البول سببا جديدا وانما هو كاشف عن فساد الغسل الواقع قبل البول. ويدفعه: ان الكبرى المشار إليها وان كانت صحيحة فان السبب الجديد يستدعى ايجاد المأمور به ابتداء لا انه يوجب اعادته فالتعبير بالاعادة غير صحيح عند حدوثه إلا ان تلك الكبرى غير منطبقة على المقام حيث ان الغسل ليس واجبا نفسيا وانما هو شرط مقارن للصلاة وانما يوتى به قبلها من جهة عدم تمكن المكلف من ان يأتي به مقارنا للمأمور به فإذا اتى به قبل الصلاة فانما يأتيه بداعي ان يصلي مع الطهارة فإذا اغتسل ولم يحصل به غرضه الداعي إلى اتيانه اي لم يأت بالصلاة بعده لتخلل جنابة جديدة بينهما واحتاج إلى اتيان الغسل ثانيا تحصيلا لثمرته وغرضه صح ان يقال اعد غسلك لا لان الغسل الواقع قبل الجنابة وقع باطلا بل لانه لم يحصل غرضه ولم يترتب عليه ثمرته وكان في حكم الفاسد من حيث عدم امكان الاتيان بالصلاة معه. والذي يدلنا على ذلك الاخبار المستفيضة الآمرة باعادة الوضوء إذا غلب النوم العقل أو تحقق بعده غيره من نواقض الوضوء وما ورد من ان الوضوء لا يعاد من الرعاف (1) ونحوه إذ لا يتوهم ان عدم النوم شرط في صحة الوضوء فالامر باعادته حينئذ ليس بكاشف عن وقوعه فاسدا وانما هو من جهة عدم ترتب الغرض المقصود منه عليه


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 3 و 7 من أبواب نواقض الوضوء.

[ 12 ]

[ (مسألة 3): إذا اغتسل بعد الجنابة بالانزال ثم خرج منه رطوبة (1) مشتبهة بين البول والمني فمع عدم الاستبراء قبل الغسل بالبول يحكم عليها بانها مني فيجب الغسل ومع الاستبراء ] فكان الاتيان به صحيحا كالاتيان به فاسدا من حيث عدم ترتب الواجب عليه فليراجع فالصحيح عدم دلالة شئ من ذلك على اشتراط العمل بالبول قبله نعم موثقة احمد بن هلال كالصريح في الاشتراط حيث قال سألته عن رجل اغتسل قبل ان يبول: فكتب: ان الغسل بعد البول الا ان يكون ناسيا فلا يعيد منه الغسل (1). لان قوله ان الغسل بعد البول كالصريح في انه إذا وقع قبل البول فسد إلا انها ضعيفة الدلالة على المدعى وذلك لعدم تعرضها لخروج البلل المشتبهة بعد الغسل وبطلان الغسل قبل البول إذا لم يخرج منه البلل المشتبهة مما لا يلتزمون به فانما يقول من قال له على نحو الشرط المتأخر وانه إذا خرجت منه الرطوبة المشتبهة يكشف ذلك عن عدم صحة الغسل الواقع قبل البول واما إذا اغتسل ولم يبل ولم يخرج منه بلل بعد ذلك فلا يحكمون ببطلان غسله بوجه. البلل المشتبهة وصورها (1) الصور ثلاث لانه عند خروج البلل بعد الاغتسال قد لا يستبرء بالبول قبله. وقد يستبرأ بالبول قبل الاغتسال إلا انه لا يستبرء بعد


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 36 من أبواب الجنابة ح 12.

[ 13 ]

[ بالبول وعدم الاستبراء بالخرطات بعده يحكم بانه بول فيوجب الوضوء ومع عدم الامرين يجب الاحتياط بالجمع بين الغسل والوضوء ان لم يحتمل غيرهما وان احتمل كونها مذيا مثلا بان يدور الامر بين البول والمني والمذي فلا يجب عليه شئ وكذا حال الرطوبة الخارجة بدوا من غير سبق جنابة فانها مع دورانها بين المني والبول يجب الاحتياط بالوضوء والغسل ومع دورانها بين الثلاثه أو بين كونها منيا أو مذيا أو بولا أو مذيا لا شئ عليه. ] البول باخرطات وثالثة يستبرء بالبول قبل الاغتسال كما انه يستبرء بالخرطات بعد البول. الكلام في الصورة الاولى اعني ما إذا اغتسل من غير ان يبول قبله وفيه جهات للكلام: (الجهة الاولى) انه لااشكال حينئذ في ان البلل المشتبهة الخارج بعد الغسل في حكم المني ويجب معها الاغتسال وذلك للاخبار (1) المعتبرة التي فيها صحيحة وموثقة حيث دلت على انها كالمني ولابد معها من الاغتسال وهذا هو المعروف المشهور بينهم وقد يسب إلى الصدوق القول باستحباب الغسل


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة.

[ 14 ]

حينئذ تمسكا بما رواه من انه ان كان قد راى بللا ولم يكن بللا فليتوضأ ولا يغتسل انما ذلك من الحبائل (1). فإذا ضم ذلك إلى الاخبار الامرة بالغسل حينئذ فتكون النتيجة هي استحباب الغسل عند خروج البلل المشتبهة فيما إذا اغتسل ولم يكن قد بال. ويدفعه: ان الرواية قاصرة السند والدلالة اما بحسب السند فلانها مرسلة ولا اعتبار بالمراسيل واما من حيث الدلالة فلان البلل الخارج حينئذ إذا كان من الحبائل كالمذي فلماذا وجب معه الوضوء فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من وجوب الغسل حينئذ نعم ورد في رواية زيد اشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل اجنب ثم اغتسل قبل ان يبول ثم راى شيئا قال: لا يعيد الغسل، ليس ذلك الذي راى شيئا (2). وفي رواية عبد الله بن هلال قال سألت أبا عبد الله عن الرجل يجامع اهله ثم يغتسل قبل ان يبول ثم يخرج منه شئ بعد الغسل، قال: لا شئ عليه ان ذلك مما وضعه الله عنه (3). وهما تدلان على عدم وجوب الغسل حينئذ إلا انهما ليستا قابلتين للمعارضة مع الاخبار الدالة على وجوب الاغتسال لضعفهما بحسب السند اما الاولى فبابى جميلة المفضل بن الصالح واما الثانية فبعبد الله بن هلال. بل يمكن المناقشة في دلالتهما أيضا حيث ان الجماع غير مستلزم


(1) الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة 2 ومع اختلاف يسير ح 4. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة. (3) الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة ح 2 ومع اختلاف يسير ح 4.

[ 15 ]

للانزال دائما حتى يجب البول بعده وكذا الجنابة المطلقة فان البحث انما هو في الجنابة بالانزال وهو غير مذكور فيهما الا ان العمدة في المناقشة هي ضعف سنديهما. (الجهة الثانية) هل يجب الغسل عند خروج البلل المشتبهة بعد الغسل وقبل البول مطلقا أو انه يختص بما إذا ترك البول مع التمكن منه قبل الاغتسال واما إذا تركه لعدم تمكنه من البول حينئذ فلا يجب عليه الاغتسال؟ الصحيح وجوب الغسل في كلتا الصورتين لاطلاق رواياته حيث لم يقم على التفصيل بين الصورتين دليل ولو رواية ضعيفة. وهل يجب الغسل مطلقا أو يختص بما إذا ترك البول قبل الغسل متعمدا واما إذا تركه نسيانا فلا يحكم عليه بوجوب الغسل نسب التفصيل بين الناسي والعامد إلى الشيخ والمشهور عدم الفرق بين الصورتين وهو الصحيح وذلك لعدم تمامية ما استدل به عليه هذا التفصيل وهو رواية جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيبه الجنابة فينسى ان يبول حتى يغتسل ثم يرى بعد الغسل شيئا ايغتسل أيضا؟ قال: قد تعصرت ونزل من الحبائل (1) وهي ضعيفة السند بعلي بن السندي حيث لم تثبت وثاقته ومعه اطلاقات الاخبار الامرة بالغسل حينئذ محكمة.


(1) الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة ح 11.

[ 16 ]

(الجهة الثالثة) ان مورد الاخبار الامرة بالغسل عند خروج البلل المشتبهة ما إذا احتمل ان تكون الرطوبة منيا ولا اطلاق لها يشمل صورة العلم بعدم كونها منيا كما إذا علمنا بانها بول أو مذي مثلا وذلك لقوله عليه الصلام لان البول لم يدع شيئا (1) فان ظاهره انه انما يغتسل إذا لم يبل من جهة احتمال ان يكون البلل منيا فلا يشمل صورة العلم بعدم كونها من المني هذا. مع انا لو سلمنا انها مطلقة واطلافها يشمل ما إذا لم يحتمل كونها منيا فمقتضى الاخبار (2) الدالة على حصر وجوب الغسل بالماء الاكبر عدم وجوب الغسل من غيره كالرطوبة المرددة بين البول والمذي مثلا فيختص الغسل بما إذا احتمل كون الرطوبة منيا لان احتماله منجز حينئذ. (الجهة الرابعة) ان الاخبار الآمرة بالغسل عند خروج البلل المشتبهة عند الغسل قبل ان يبول كما ان مقتضى اطلاقها وجوب الغسل سواء استبرأ بالخرطات ام لم يستبرأ فيشمل غير موارد العلم الاجمالي بالناقض كما إذا ترددت الرطوبة بين ان تكون منيا أو بولا أو مذيا كذلك تشمل موارد العلم


(1) المذكورة في ذيل صحيحة محمد بن مسلم، الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة ح 7. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 7 - 9 من أبواب الجنابة.

[ 17 ]

الاجمالي بوجوده كما إذا دارت بين كونها بولا أو منيا إلا ان مقتضى اطلاقها تعين الوظيفة حينئذ في الغسل وانحلال العلم الاجمالي بذلك هذا كله في الصورة الاولى وهي ما إذا اغتسل من غير ان يستبرأ بالبول قبله. (واما الصورة الثانية): وهي ما إذا استبرأ بالبول قبل غسله ولكنه لم يستبرأ بعد البول بالخرطات فمقتضى الاخبار الواردة في المقام كموثقة سماعة (فان كان بال قبل ان يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجى) (1). وما رواه معاوية بن ميسرة (ان كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضأ....) (2) وكذا الاخبار (3) المطلقة الواردة في الاستبراء الآمرة بالوضوء بعد خروج مطلق الرطوبة بعد البول وان لم يكن مسبوقا بالجنابة وجوب الوضوء حينئذ بل مقتضي الموثقة نجاسة البلل أيضا حيث دلت على وجوب الاستنجاء معه نعم ذكر شيخنا الانصاري في رسائله ان الاخبار انما تدل على وجوب الوضوء مع البلل ولا دلالة لها على نجاسته إلا ان الموثقة حجة عليه، هذه جهة. (الجهة الثانية): في المقام ان الاخبار الامرة بالوضوء حينئذ موردها ما إذا احتملنا ان تكون الرطوبة بولا. واما إذا دار امرها بين ان تكون منيا أو مذيا يجب عليه الوضوء لان الظاهر من الاخبار انه من جهة احتمال خروج البول حينئذ. على انا لو سلمنا اطلاق الاخبار وعدم اختصاصها بصورة احتمال كون الرطوبة المشتبهة بولا فالاخبار الحاصرة لانتقاض الوضوء بالبول والغائط والريح والنوم يقتضي تقييد المطلقات بصورة احتمال كون الرطوبة


(1) و (2) الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة ح 8 - 9. (3) راجع الوسائل: ج 1 باب 12 من أبواب نواقض الوضوء،

[ 18 ]

بولا لا محالة فان دلالة الاخبار على انحصار النواقض بما ذكر دلالة وضعية لكلمة انما ونحوها والدلالة الوضعية متقدمة على الدلالة بالاطلاق ومقدمات الحكمة كما لا يخفي وعليه فلو فرضنا ان الرطوبة دارت بين المني والمذي لا يجب عليه الغسل لانه بال والبول لم يدع شيئا من المني ولا يجب عليه الوضوء أيضا لانها ليست ببول على الفرض. بقي الكلام في الصورة الثالثة وهي ما إذا بال قبل الاغتسال واستبرأ بالخرطات بعد البول وهي المراد بقول الماتن ومع عدم الامرين يجب الاحتياط فان الامرين السابقين هما الغسل مع عدم الاستبراء بالبول أو مع عدم الاستبراء بالخرطات على تقدير الاستبراء بالبول وعدمها يكون عبارة عن الغسل مع الاستبراء بكل من البول والخرطات وهذه الصورة تنقسم إلى صور: (الصورة الاولى): ما إذا بال واستبرأ بالخرطات ثم اغتسل وخرجت منه رطوبة مشتبهة مرددة بين المني وغير البول للقطع بعدم كونها بولا فلا يجب عليه حينئذ شئ من الغسل والوضوء اما عدم وجوب الغسل فلاستبرائه بالبول وهو لم يدع شيئا. واما عدم وجوب الوضوء فللقطع بعدم كون الرطوبة بولا على الفرض.

[ 19 ]

(الصورة الثانية) الصورة مع تردد الرطوبة بين ان يكون بولا أو غير مني أوبين البول والمني والمذي وفي هذه الصورة أيضا لا يجب عليه الغسل وذلك لانه استبرأ بالبول وهو لم يدع شيئا وهل يجب عليه الوضوء حينئذ؟ فقد يتوهم وجوبه تمسكا باطلاق الاخبار الامرة بالوضوء فيما إذا بال واغتسل وخرجت منه رطوبة مشتبهة لعدم تقييدها بصورة عدم الاستبراء بالخرطات ومقتضى اطلاقها حينئذ وجوب الوضوء. ويندفع بان الاخبار (1) الآمرة بالوضوء وان كانت مطلقة إلا انها معارضة في المقام بالاخبار الواردة في الاستبراء الدالة على انه إذا بال واستبرأ بالخرطات وخرجت منه رطوبة مشتبهة لا يجب عليه الوضوء لانها من الحبائل (2) والنسبة بينهما عموم من وجه لان اخبار المقام تدل على ان من بال واغتسل وخرجت منه الرطوبة المشتبهة يجب عليه الوضوء سواء استبرأ بالخرطات ام لم يستبرأ ومقتضى تلك الروايات الواردة في الاستبراء انه إذا بال واستبرأ بالخرطات ثم خرجت رطوبة مشتبهة لا يجب عليه الوضوء سواء أكان اغتسل قبل ذلك ام لم يكن قد اغتسل فيتعارضان فيمن اغتسل وقد استبرأ قبله بالبول والخرطات وخرجت منه رطوبة مشتبهة فمقتضى الاولى وجوب الوضوء كما ان مقتضى الثانية عدم وجوبه.


(1) تقدم ذكرها في ص 10. (2) الوسائل: ج 1 باب 11 من أبواب احكام الخلوة ح 2.

[ 20 ]

الا ان الطائفة الثانية يتقدم على الطائفة الاولى لقوة دلالتها من حيث اشتمالها على التعليل بانها من الحبائل حينئذ وعليه فلا يجب عليه الوضوء كما لا يحب عليه الغسل. هذا. على انا لو سلمنا تكافؤهما فحيث ان تعارضهما بالاطلاق فلا مناص من تساقطهما وحيث ان الشبهة موضوعية فلابد من الرجوع فيها إلى الاستصحاب فترجع إلى استصحاب عدم وجوب الوضوء وعدم خروج البول منه وبما ان دلالة ادلة الاستصحاب على عدم جواز نقض اليقين بالشك بالعموم لقوله في صحيحة زرارة ولا ينقض اليقين بالشك ابدا (1) وكلمة ابدا تفيد العموم فلا محالة تتقدم على المطلقات الواردة في المقام المقضية لوجوب الوضوء في مفروض الكلام فبعموم ادلة الاستصحاب تحكم بعدم وجوب الوضوء عليه وعلى الجملة ان النسبة بين ادلة الاستصحاب. والاخبار الواردة في المقام عموم من وجه حيث انها تدل على وجوب الوضوء فيما إذا بال قبل الغسل سواء أكان ذلك في موارد العلم الاجمالي كدوران الامر بين البول والمني ام كان غيرها كدوران الامر بين المني والمذي أو بينهما وبين البول وهذا بخلاف الاستصحاب حيث انه لا يشمل موارد العلم الاجمالي بوجه، فهو اخص من الاخبار من تلك الجهة. كما ان الاخبار اخص من الاستصحاب من جهة اخرى لانها دلت على وجوب الوضوء بعد الغسل والاستصحاب غير مقيد بالغسل وعدمه فالاخبار اخص من الاستصحاب من هذه الجهة فيتعارض فيما إذا بال المكلف بعد الانزال واغتسل ثم خرجت رطوبة مرددة بين البول والمني


(1) الوسائل: ج 2 باب 41 من أبواب النجاسات ح 1. وفيه: فليس ينبغي لك ان تنقض الخ.

[ 21 ]

والمذي فان الاخبار تقتضي وجوب الوضوء والاستصحاب يقتضي عدمه. وبما ان دلالة ادلة الاستصحاب بالعموم ودلالة الاخبار بالاطلاق فيتقدم الاستصحاب على الاخبار في مورد المعارضة لاشتماله على قوله ولا ينقض اليقين بالشك ابدا. وعليه لا يجب عليه الوضوء في مفروض المسألة. واما الاخبار الواردة في الاستبراء بالخرطات وان من بال واستبرأ فلا يبالي بما خرج منه بعد ذلك من الرطوبات المشتبهة فقد يقال انها اجنبية عن المقام بالمرة لان موضوعها من بال واستبرأ بالخرطات وموضوع الاخبار الاخرة بالوضوء من الجنب واغتسل ثم خرجت منه رطوبة مشتبهة فهما موضوعان متغايران الا انه يندفع بان اطلاق روايات الاستبراء يشمل صورة سبق الاغتسال أيضا كما إذا اجنب ثم بال ثم اغتسل ثم خرجت رطوبة لانها غير مقيدة بما إذا لم يغتسل بعد البول وعليه فهما متعارضان والنسبة بينهما أيضا عموم من وجه لان اخبار الاستبراء مقيدة بما إذا استبرء بالخرطات سواء أكان معه الغسل ام لم يكن واخبار المقام مقيدة بالغسل سواء أكان استبرأ بالخرطات ام لم يستبرء. فيتعارضان فيما إذا اجنب ثم بال واغتسل مع الاستبراء بالخرطات فان الاخبار الواردة في المقام تقتضي وجوب الوضوء حينئذ لدلالتها على ان الرطوبة المشتبهة ليس من المني لان البول لم يدع شيئا وتلك الاخبار تنفي وجوب الوضوء لدلاتها على انها ليست ببول لانه قد استبرأ بالخرطات فيتعارضان ويتساقطان ويبقى الاستصحاب سليما عن المعارض وهو يقتضي عدم وجوب الوضوء كما مر. واحتمال ان الاستصحاب بنفسه مورد المعارضة مع الاخبار الواردة في المقام مندفع بما مر من انه لا يشمل موارد العلم الاجمالي التي تشملها

[ 22 ]

الاخبار الواردة في المقام وانما يجري في غيرها وهو في غيرها اخص مطلق من الاخبار فيتقدم عليها ومع ملاحظة جميع مواردها النسبة عموم من وجه أيضا يتقدم الاستصحاب لعموم ادلته بخلاف الاخبار كما لا يخفى. واما ما اشرنا إليه من ان اخبار الاستبراء اقوى دلالة من اخبار المقام لاشتمالها على التعليل بانها من الحبائل فهو ليس كما ذكرناه إذ ليست الاخبار الوادة في الاستبراء بالخرطات مشتملة على هذا التعليل وانما يشمله ما لم يذكر فيه الاستبراء بالخرطات. والوجه في جعل الاستصحاب معارضا مع الاخبار الواردة في المقام هو ان موضوع تلك الاخبار ايضا هو الشك في خروج البول وعدمه فحكمها حكم الاصل. وأمارية البول انما يقتضي عدم كون الخارج منيا واما انه بول فلا لان البحث في دوران الامر بين الاحتمالات الثلاثة المني والبول والمذي فمن المحتمل انه مذي فلا يقال ان في المقام امارة على البولية فما معنى استصحاب عدم خروج البول؟. لكنك عرفت ان الاستصحاب ليس بنفسه موردا للمعارضة مع الروايات الواردة في المقام لانه لا يشمل موارد العلم الاجمالي والاخبار تشملها وفي غير تلك الموارد يجرى الاستصحاب ولكنه فيها اخص مطلق من الاخبار فيتقدم عليها لا محالة. ويبقي دفع توهم نجاسة تلك الرطوبة حينئذ فان موثقة سماعة (1) الآمرة بالوضوء والاستنجاء الشاملة للمقام باطلاقها يقتضي الحكم بنجاسة الرطوبة المرددة أيضا ولكنه يندفع بعموم قوله كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر (2) لعدم العلم بقذارة الرطوبة فيحكم بطهارتها لانه عام


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 12 من أبواب نواقض الوضوء. (2) الوسائل: ج 2 باب 37 من أبواب النجاسات ح 4.

[ 23 ]

لمكان قوله كل شئ يتقدم على المطلقات فالمتحصل إلى هنا عدم وجوب شئ من الغسل والوضوء في هذه الصورة أيضا. (الصورة الثالثة): الصورة مع دوران امر الرطوبة بين البول والمني اعني موارد العلم الاجمالي بانه اما مكلف بالغسل واما مكلف بالوضوء ولهذه الصورة صور: (الاولى): ما إذا كان المكلف متطهرا قبل خروج الرطوبة المشتبهة كما لعله مفروض كلام الماتن (قدس سره) حيث لم يفرض بين الغسل وخروج الرطوبة شيئا مما يوجب الوضوء من بول أو نوم ونحوهما بل فرض انه بال واستبرأ واغتسل ثم خرجت منه رطوبة مشتبهة فهو متطهر من الحدث الاكبر لغسله ومن الاصغر لعدم بوله أو نومه ونحوهما. والمتعين في هده الصورة هو الجمع بين الغسل والوضوء للعلم الاجمالي بوجوب احدهما ومعارضة استصحاب عدم خروج البول باستصحاب عدم خروج المني ومع تساقطهما لابد من الجمع بينهما بقاعدة الاشتغال حتى يقطع بالفراغ. (الثانية): ما إذا جهل حاله ولم يدر لانه كان متطهرا ام محدثا والحال فيها كسابقها لمعارضة الاستصحابين وقاعدة الاشتغال. (الثالثة): ما إذا كان عالما بحدثه قبل خروج الرطوبة المشتبهة لانه بال أو نام بعد غسله واللازم حينئذ هو الوضوء ولا يجب عليه الغسل حينئذ والعلم بخروج البول أو المني غير مؤثر في شئ إذ لا اثر لخروج البول حينئذ لانه كان مكلفا بالوضوء قبل خروج الرطوبة أيضا

[ 24 ]

[ (مسألة 4): إذا خرجت منه رطوبة مشتبهه بعد الغسل ] وكان مكلفا بغسل الموضع مرة واحدة فحسب بناءا على هو المشهور من كفاية الغسل مرة واحدة في جميع النجاسات وعليه فالخارج سواء أكان بولا ام منيا لا يوجب الا الغسل مرة واحدة فهو عالم بوجوب الغسل مرة على كل تقدير فلا اثر زائد على خروج البول حينئذ: الا ان يقال بلزوم تعدد الغسل في البول دون المني. فمقتضى استصحاب عدم خروج المني عدم كونه مكلفا بالغسل لان مقتضى قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الخ إلى قوله وان كنتم حنبا فاطهروا) (1). ان الوضوء وظيفة من لم يكن جنبا فإذا نفينا جنابته بالاصل فهو مكلف ليس بجنب فلا محالة يجب عليه الوضوء ولا يعارضه استصحاب عدم خروج البول إذ لا اثر لخروجه وعدمه. وتوهم ان استصحاب كلي الحدث يقضي بوجوب الغسل والوضوء حينئذ حتى يقطع بارتفاعه. مندفع: بانه انما يجري فيما إذا لم يكن هناك اصل موضوعي حاكم عليه وفي المقام مقتضى استصحاب عدم خروج المني أو استصحاب بقاء حدثه الاصغر بحاله تعيين الرطوبة المشتبهة في البول وان حدثه كان هو الاصغر فقط هذا كله فيما إذا كان المكلف جنبا واغتسل. ومنه يظهر الحال في غير موارد الجنابة فان غير الجنب إذا خرجت منه رطوبة مشتبهة أيضا ياتي فيه ما قدمناه لانه إذا كان بال ولم يستبرء بالخرطات يتعين عليه الوضوء واما إذا كان متطهرا ودار امر الرطوبة بين البول والمنى فلا بد من الجمع بين الغسل والوضوء كما قدمناه.


(1) المائدة الآية: 6.

[ 25 ]

[ وشك في انه استبرأ بالبول (1) ام لا بنى على عدمه فيجب عليه الغسل والاحوط ضم الوضوء ايضا (2). ] إذا شك في الاستبراء بالبول (1) وذلك لان الموضوع للحكم بوجوب الغسل حينئذ مركب من امرين على ما دلت عليه رواياته: (أحدهما) ان يكون جنبا اغتسل وخرجت منه رطوبة مرددة و (ثانيهما) عدم البول قبله حيث قال إذا اغتسل ولم يبل.... الخ (1) وكونه جنبا اغتسل وخرجت منه رطوبة مشتبهة محرز بالوجدان وعدم بوله يثبت بالاستصحاب فبضم الوجدان إلى الاصل نحرز انه اغتسل ولم يبل وخرجت منه رطوبة مشتبهة فيجب عليه الوضوء. (2) هذا يختص ببعض الصور المتقدمة وهو ما إذا احتمل ان تكون الرطوبة بولا دون ما إذا علم بعدم كونها كذلك فان احتمال كون الرطوبة موجبة للوضوء مع العلم بعدم كونها بولا مندفع باخبار حصر النواقض كما مر:


(1) كما في صحيحة الحلبي: (... فان لم يكن بال قبل الغسل فليعد الغسل) وغيرها مضمونا.

[ 26 ]

[ (مسألة 5): لا فرق في جريان حكم الرطوبة المشتبهة بين ان يكون الاشتباه بعد الفحص والاختبار (1) أو لاجل عدم امكان الاختبار من جهة العمى أو الظلمة أو نحو ذلك. (مسأله 6): الرطوبة المشتبهه الخارجة من المرأة لا حكم لها (2) وان كانت قبل استبرائها فيحكم عليها بعدم الناقضية وعدم النجاسة الا إذا علم انها اما بول أو مني ] عدم الفرق بين الفحص وعدمه (1) لان الاخبار الآخرة بالغسل فيما إذا خرجت الرطوبة المشتبهة بعد الاغتسال من غير بول أو بعد البول من غير الاستبراء بالخرطات مطلقة تشمل ما إذا لم يتمكن المكلف من الفحص وما إذا كان متمكنا من الفحص إلا انه فحص ولم يتمكن من التمييز. لاحكم للرطوبة المشتبهة من المرأة (2) لان مورد الاخبار الواردة في ان الرطوبة مني وموجبة للاغتسال أو بول وموجبة للوضوء فيما إذا اغتسل من غير بول أو من غير استبراء بالخرطات هو الرجل وانه يخرج من احليله كذا ولا يمكننا الحكم باشتراك المرأة معه لاحتمال ان يكون للرجل خصوصية في ذلك

[ 27 ]

حيث ان خلقته غير خلقة النساء ولعل مخرج البول فيهن بحيث لا يتخلف فيه بقايا البول أو المني ومعه استصحاب عدم خروج المني منها هو المحكم في حقها. وان لم تستبرء بشئ فلا يجب عليها الغسل عند دوران امر الرطوبة بين كونها منيا أوغير مني كما لا يجب عليها الوضوء عند دوران امرها بين كونها بولا أو غير بول لاستصحاب عدم خروج البول منها. نعم إذا دارت امرها بين المني والبول وجب عليها الجمع بين الغسل والوضوء فيما إذا كانت متطهرة ويجب عليها الوضوء فقط فيما إذا كانت محدثة بالاصغر قبل خروج الرطوبة. واما الاستدلال على عدم وجوب الغسل على المرأة بخروج البلل المشتبهة بصحيحة منصور وسليمان بن خالد المرويتين بعدة طرق عن أبى عبد الله عن رجل اجنب فاغتسل قبل ان يبول قال عليه السلام يعيد الغسل قلت فالمرأة يخرج منها شئ بعد الغسل؟ قال: لا تعيد قلت فما الفرق بينهما: قال: لان ما يخرج من المرأة انما هو من ماء الرجل (1) ونحوه الصحيحة الاخرى. فيدفعه: بانهما خارجتان عن محل الكلام وذلك لان موردهما بقرينة التعليل ما إذا علمت المرأة ان الرطوبة الخارجة منها منى الا انها مترددة في انها منها أو من الرجل لما بينا سابقا ان المرأة تحتلم كالرجل وقد حكم فيها الامام بانها من الرجل ولو لاجل غلبة ذلك. ومحل الكلام ما إذا لم تعلم ان الرطوبة مني منها أو غير مني ولا دلالة للرواية على ان المرأة عند احتمالها لكون الرطوبة منيا أو مذيا لا يجب عليها الاغتسال.


(1) الوسائل: ج 1 باب 13 من أبواب الجنابة، ح 1.

[ 28 ]

[ (مسألة 7): لا فرق في ناقضية الرطوبة المشتبهة (1) الخارجة قبل البول بين ان يكون مستبرئا بالخرطات ام لا وربما يقال إذا لم يمكنه البول تقوم الخرطات مقامه وهو ضعيف. ] لافرق بين الاستبراء بالخرطات وعدمه (1) قدمنا الكلام على ذلك وقلنا ان التفصيل في المقام بين المتمكن من البول وغير المتمكن منه مما لم يقم عليه دليل ولم يرد في رواية ولو ضعيفة فالمطلقات الامرة بالغسل عند ترك البول قبل الاغتسال محكمة. واما ما في صحيحة البزنطي وتبول ان قدرت على على البول (1). فلا دلالة له على التفصيل بين المتمكن من البول وغيره وذلك لانها انما تنهض حجة على القول باشتراط الغسل بالبول قبله حيث تدل على صحة الغسل ولومن غير بول والا لم يكن وجه لصحته ممن لا يقدر على البول. واما إذا قلنا بعدم الاشتراط وان البول الغسل فائدته عدم وجوب الغسل بعد خروج الرطوبة المشتبهة فمن اين تستفاد منها انه ان لم يتمكن من البول لم يجب عليه الغسل وان كان متمكنا وجب؟ فالصحيح ان يقال ان الصحيحة انما وردت للدلالة على استحباب البول قبل الغسل في نفسه وانه إذا بال لم يجب عليه الغسل على تقدير خروج البلل المشتبهة بعده فالتفصيل بين صورتي التمكن وعدمه مما لا دليل عليه.


(1) الوسائل: ج 1 باب 16 - 34 من أبواب الجنابة ح 6 - 3.

[ 29 ]

[ (مسألة 8): إذا احدث بالاصغر في اثناء غسل الجنابة (1) الاقوى عدم بطلانه نعم يجب عليه الوضوء بعده لكن الاحوط اعادة الغسل بعد اتمامه والوضوء بعده أو الاستيناف والوضوء بعده ] الاحداث بالاصغر في اثناء الغسل كما إذا اغتسل ترتيبا أو قلنا بمشروعية الغسل الارتماسي متدرجا كما بنى عليه الماتن (قدس سره) وفي المسألة اقوال: (الا ول): عدم بطلان الغسل بذلك بل يتمه ويضم إليه الوضوء في اثنائه أو بعده ذهب إلى ذلك جماعة منهم المحقق (قدس سره) واختاره في المتن. (الثاني): عدم بطلانه واما الغسل من غير وجوب الوضوء معه وهذا القول أيضا اختاره جماعة منهم المحقق الثاني (قدس سره). (الثالث): بطلان الغسل بالحدث في الاثناء ووجوب استينافه من غير حاجة إلى ضم الوضوء إليه. ذهب إليه الشيخ والصدوق والعلامة والشهيد (قدهم) ونسبه بعضهم إلى المشهور. اما القول الاول فالوجه فيه ان الحدث في اثناء الغسل لم يدل دليل على كونه ناقضا للغسل في الاجزاء السابقة منه فان الاخبار الواردة في كيفية الغسل مع ورودها في مقام البيان ساكتة من بيان اعتبار عدم حدوث الحدث في اثنائه. (ودعوى) ان الحدث كالبول بعد الغسل يبطل الغسل

[ 30 ]

السابق فكيف لا يبطله فيما إذا وقع في اثنائه (غير مسموعة) لان البول بعد الغسل لا يبطل الغسل وانما يمنع عن الدخول في الصلاة معه إلا انه وفع صحيحا والجنابة قد ارتفعت به فلا يبطل به الغسل في الاجزاء السابقة منه ومع صحتها يضم إليه غسل الاعضاء الباقية فهو غسل صحيح إلا انه يجب عليه الوضوء حينئذ للمطلقات الدالة على ان الحدث سبب للوضوء وناقض للطهارة وذلك في مثل قوله ان بلت فتوضأ وان نمت فتوضأ (1) وانما خرجنا عنها في مورد واحد وهو الحدث قبل غسل الجنابة لانه مما علمنا بعدم كونه سببا للوضوء فان غسل الجنابة ليس معه وضوء بمعنى ان ما ورد من ان غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء (2) مختص بما إذا وقع الحدث قبل تمام الغسل لاقبل اتمامه اي في الاثناء وقد قدمنا ان الاوامر الواردة في الوضوء ليست اوامر مولوية وانما هي اوامر ارشادية إلى شرطية الوضوء للصلاة فمقتضى المطلقات ان الحدث مطلقا يجب معه الوضوء اي ان الوضوء شرط للصلاة سواء تحقق الحدث قبل الغسل ام في اثنائه ام بعده. نعم خرجنا عن ذلك في الحدث قبل الغسل إذ لايشرط معه الوضوء في الصلاة للادلة الدالة على ان غسل الجنابة ليس قبله ولابعده وضوء ومع كون الاوامر ارشادية لا يأتي فيها بحث التداخل بوجه. واما القول الثاني فهو مشترك الوجه مع القول السابق في الحكم بصحة الغسل إذ لم يقم دليل على بطلان الغسل في الاعضاء السابقة بالحدث وانما يمتاز عنه في عدم ايجابه الوضوء معه ووجهه ان المطلقات الدالة على ان البول أو غيره سبب للوضوء غير تامة عند هذا القائل لتقييدها


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 3 2 1 من أبواب نواقض الوضوء (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 34 من أبواب الجنابة.

[ 31 ]

بما ورد من ان غسل الجنابة ليس قبله ولابعده وضوء (1) فإذا حكمنا بصحة الغسل فهو غسل جنابة ليس معه وضوء صدر الحدث قبله ام في اثنائه. واما القول الثالث فمدركه ان حدوث الحدث في اثناء الغسل يبطله ويجعله كالعدم ومعه لا مناص من استينافه من غير حاجة إلى ضم الوضوء إليه وهذا القول الاخير هو الاقوى. والوجه فيه قوله سبحانه (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق إلى قوله وان كنتم جنبا فاطهروا) (2) حيث دل على ان المكلف الذي قام إلى الصلاة من النوم أو من مطلق الحدث على قسمين جنب وغير جنب ووظيقة الجنب الاغتسال ووظيفة غير الجنب الوضوء وحيث ان المكلف في مفروض المسألة جنب لعدم تمام غسله ومن هنا لا يسوغ له المحرمات في حق الجنب وقد قام من الحدث فوظيقته الغسل ولا مناص له من ان يشرع فيه من الابتداء لان ظاهر الامر بالغسل ايجاده بتمامه لااتمامه وهذا معنى كون الحدث ناقضا للغسل في الاعضاء السابقة ومعه لا يجب عليه الوضوء أيضا لانه وظيفة غير الجنب ووظيفة الجنب الاغتسال. نعم الاجوط ان يأتي بالغسل في الاعضاء السابقة رجاء لا بقصد الاتمام أو التمام لاحتمال عدم كون الحدث في الاثناء الغسل مبطلا له في الاعضاء المتقدمة ويضم إليه الوضوء أيضا بداعي احتمال اختصاص كفاية الغسل عن الوضوء بما إذا وقع الحدث قبل تمامه لاقبل اتمامه وبهذا يجمع بين جميع المحتملات إلا انه يختص بما إذا استأنف غسله الترتيبي


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 34 من أبواب الجنابة. (2) المائدة الآية 6.

[ 32 ]

[ وكذا إذا احدث في سائر الاغسال (1). ] بالغسل الترتيبي. واما إذا استأنف الترتيبي بالارتماسي فاحتمال صحة الغسل في الاعضاء السابقة كاحتمال الحاجة إلى الوضوء يضعف غايته وذلك لان احتمال صحة الغسل في الاعضاء السابقة انما هو فيما إذا اتى بالاحزاء الباقية وضمها إليها واما إذا رفع يده عن تلك الاجزاء المتقدمة والشارع أيضا رخص له في ترك اتمامه غسله الترتيبي فلا يحتمل صحته لانه مركب ارتباطي ومع عدم ضم الاجزاء الباقية إلى سابقتها يبطل لا محالة. والمفروض ان الشارع رخص له في رفع اليد عما اتى به ترتيبا حتى مع القطع بصحته فضلا عما إذا شك فيها لجواز العدول من الترتيبي إلى الارتماسي بمعنى ان التخيير بينهما ليس تخييرا بدويا بل استمراري وله ان يرفع يده عن غسله الترتيبي ويرتمس في الماء وبه نقطع بفساد الغسل في الاجزاء المتقدمة ويكون ما عدل له من الغسل الارتماسي مأمورا به قطعا ويأتي به بنية التمام ولا حاجة معه إلى نية الرجاء في الاعضاء السابقة كما لا يحتاج إلى ضم الوضوء إليه لصحة غسله الارتماسي ومعه لا يحتاج إلى الوضوء إذ لم يقع الحدث في اثنائه والاجزاء الماتى بها سابقا بطل فيها الغسل على الفرض. الاحداث بالاصغر بين بقية الاغسال (1) كغسل الحيض ومس الميت وغيرهما وتوضيح الكلام في هذه

[ 33 ]

المسألة ان فيها بحثان تختلف النتيجة باختلافهما. (احدهما): ان المكلف إذا كان متطهرا فمس الميت - مثلا - أو حدث عليه غيره من اسباب الاحداث الكبيرة فهل يكون مس الميت أو غيره من الاحداث الكبيرة ناقضا لطهارته كما في البول والريح والمني أو لا تكون ناقضة لطهارته؟ (ثانيهما): ان المكلف إذا كان محدثا فاحدث بغير الجنابة من الاحداث الكبيرة فهل يكون الاغتسال منها مغنيا عن الوضوء أو لا يكون بل لا بد معها من ان يتوضأ بعد الغسل أو قبله. اما البحث الاول فقد تقدم الكلام فيه في بحث الوضوء وقلنا ان مقتضى حصر النواقض بما تخرج من الطرفين والنوم اعني الريح والغائط والبول والمني عدم انتقاض الطهارة بالاحداث الكبيرة في غير الاستحاضة المتوسطة لما يأتي من انها ناقضة للطهارة كالجنابة. واما البحث الثاني فالصحيح فيه ان كل غسل وجوبي أو استحبابي يغني عن الوضوء إذ اي وضوء انقي من الغسل غير غسل الاستحاضة المتوسطة وتفصيل الكلام في ذلك يأتي بعد التكلم في الاغسال ان شاء الله تعالى. وعليه ولو قلنا ان الاحداث الكبيرة ناقضة للوضوء وكان المكلف قد احدث بالاصغر في اثناء غسل مس الميت أو الحيض أو غيرهما فلا يترتب على حدثه ذلك اثر ولا يجب عليه بذلك الحدث الوضوء بعد الغسل لانه سواء أحدث في الاثناء ام لم يحدث يجب عليه الوضوء بحدثه الاكبر لان المفروض انه ناقض للطهارة كالبول. و (دعوى) ان اثر الحدث الاصغر في اثناء الغسل بطلان الغسل في الاعضاء السابقة وعدم كفاية ضم الغسل في الاعضاء الباقية إليه فلا

[ 34 ]

مناص من استينافه. (مندفعة) بانا انما التزمنا بذلك في غسل الجنابة لاجل الاية المباركة كما مرو اما في غيره من الاغسال فلم يدل دليل دليل على ان الحدث الاصغر في الاثناء. موجب لبطلان الغسل في الاعضاء السابقة بل حاله في الاثناء حال الحدث بعد الغسل فكما انه لا يوجب بطلان الغسل السابق كذلك الحدث الواقع في اثنائه وعليه فلابد من اتمام غسله والوضوء بعده أو قبله. (فان قلت) ان الغسل وان لم يبطل بالحدث في اثنائه الا انه لااشكال في ان الحدث الاصغر في نفسه سبب مستقل للوضوء وبما ان الحدث الاكبر أيضا سبب له على الفرض لانه يوجب انتقاض الطهارة كالبول وان كان سببا للغسل أيضا فهناك سببان مستقلان للوضوء والاصل عدم التداخل ومعه لا بد من اتمام غسله وضم وضوئين إليه. (قلت) لوتم هذا المدعي وجب الغسل مع الوضوئين مطلقا بلا فرق في ذلك بين الحدث الاصغر في اثناء الغسل والحدث الاصغر قبله ام بعده لانه سبب مستقل على كل حال كما ان الحدث الاكبر سبب والاصل عدم التداخل ولا يمكن الالتزام بوجوب الغسل مع الوضوئين بوجه. وحل ذلك ان اصالة عدم التداخل انما هي فيما إذا كان الامران تكليفيين مولويين كما إذا ورد ان ظاهرت فكفر وان افطرت فكفر فيقال في مثله ان المكلف إذا ظاهر وافطر وجبت عليه كفارتان لان الاصل عدم التداخل واما في الاوامر الارشادية إلى الشرطية فحسب كما هو الحال في المقام لان معنى الامر بالوضوء على تقدير البول أو مس الميت ونحوهما عدم جواز الدخول في الصلاة حينئذ من غير وضوء

[ 35 ]

فلا مجال فيه لاصالة عدم التداخل كما مر تحقيقه غير مرة بل مقتضى اطلاق الدليل في مثله التداخل لعدم تقييد الوضوء بفرد دون فرد ومن هنا لا يجب عليه غير وضوء واحد فيما إذا بال مرتين أو نام وبال هذا إذا كان المكلف متطهرا. واما إذا كان محدثا فاغتسل واحدث في اثنائه وبنينا على ان غير غسل الجنابة لا يغنى عن الوضوء فايضا الامر كما قدمناه فان الوضوء واجب في حقه سواء احدث في اثناء غسله ام لم يحدث وقد مرانه لادليل على بطلان غسله بالحدث الاصغر في اثنائه وعليه فيجب عليه اتمام الغسل مع الوضوء: واما إذا قلنا ان كل غسل يغني عن الوضوء كما هو الصحيح غير غسل الاستحاضة المتوسطة فأيضا لاكلام في صحة غسله لما مرمن ان الحدث الاصغر لادليل على كونه موجبا لبطلان الغسل في الاجزاء السابقة إلا ان الصحيح حينئذ وجوب الوضوء بعده أو في اثنائه لان بقية الغسل ليست بغسل حتى يكون انقى من الوضوء وانما الدليل دليل دل على ان الغسل يغني عن الوضوء وليس غير الغسل التام بغسل فاطلاقات ادلة وجوب الوضوء بعد البول محكمة فلا مناص من ان يتم غسله ويضم إليه الوضوء أيضا. اللهم الا ان يعدل عن الترتيبي إلى الارتماسي بان يرفع يده عن غسله في الاجزاء السابقة لانه امر سائغ له على الفرض وهو مخير بينهما في اثناء الغسل كما كان مخيرا بينهما قبله فلا يجب الوضوء حينئذ لان ارتماسه غسل صحيح لقوله عليه السلام (إذا ارتمس ارتماسة واحدة اجزأه ذلك) (1) ومع الغسل الصحيح التام لا يجب الوضوء لان الغسل انقى من الوضوء هذا.


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة ح 5 و 12 و 13.

[ 36 ]

[ ولا فرق بين ان يكون الغسل ترتيبيا أو ارتماسيا (1) إذا كان على وجه التدريج. ] وربما يستدل على بطلان الغسل في الاعضاء السابقة بالحدث الاصغر الواقع في اثنائه بمرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام حيث قال فها (إذا اردت ذلك فان احدثت حدثا من بول أو غائط أو ريح أو مني بعدما غسلت رأسك من قبل ان تغسل جسدك فاعد الغسل من أوله) (1). وبرواية الفقه الرضوي (2) التي هي أيضا بمضمون المرسلة إلا ان المرسلة ضعيفة بارسالها والفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلا عن اعتبارها نعم على تقدير كونها معتبرة لدلتا باطلاقها على بطلان غير غسل الجنابة أيضا بالحدث الاصغر في اثنائه. عدم الفرق بين الترتيبي والارتماسي في المسالة (1) يأتي فيه ما قدمناه في الترتيبي بعينه ففي غسل الجنابة لا بد وان يستأنف غسله بخلاف غسل غير الجنابة إذ لا دليل على بطلان غيره من الاغسال بالحدث الاصغر في اثنائه إلا انه يضم إليه الوضوء من جهة الحدث الاصغر. اللهم إلا ان يعدل عما بيده إلى الارتماسي فانه


(1) الوسائل: ج 1 باب 29 من أبواب الجنابة ح 4. (2) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 20 من أبواب الجنابة ح 1.

[ 37 ]

[ واما إذا كان على وجه الآنية (1) فلا يتصور فيه حدوث الحدث في اثنائه. ] يصح ويغني عن الوضوء في غسل الجنابة وغيره بناء على ان كل غسل يغني عن الوضوء في غير غسل الاستحاضة المتوسطة. تقارن الحدث الاصغر مع الارتماسي (1) كما هو الصحيح حيث قدمنا انه امر آني عقلي غير قابل للتجزءة وعليه فلا معنى لوقوع الحدث الاصغر في اثنائه إذ لااثناء له حتى يقع الحدث في اثنائه، نعم يمكن ان يقارنه الحدث الاصغر بان يتحقق الحادثان مقترنين وهذا لا ينافي عدم امكان وقوع احدهما في اثناء الآخر لبساطته إذ لامانع من ان يكون البسيط مقارنا لامر آخر بحسب الزمان وهل يكون هذا موجبا لبطلان غسل الجنابة كما كان هو الحال في الغسل الترتيبي أو الارتماسي التدريجي أو لا يكون؟ التحقيق صحة الغسل حينئذ وعدم بطلانه بمقارنة الحدث الاصغر معه وذلك لان نسبة الغسل إلى ارتفاع الجنابة كنسبة العلة إلى معلولها ونسبة الحكم إلى موضوعه ومن البديهي ان التقدم في العلة ومعلولها وكذا في الحكم وموضوعه طبيعي رتبي واما بحسب الزمان فهما متقارنان لاستحالة تخلف المعلول عن علته والحكم عن موضوعه وعليه فالمكلف حينما يغتسل محكوم بارتفاع جنابته. وبما ان الحدث الاصغر مقارن مع الغسل فهو مقترن مع ارتفاع الحدث والجنابة لا محالة فالحكم بكونه محدثا بالحدث الاصغر انما هو في زمان الحكم بعدم جنابته

[ 38 ]

[ (مسألة 9): إذا احدث بالاكبر في اثناء الغسل (1) فان كان مماثلا للحدث السابق كالجنابة في اثناء غسلها أو المس في اثناء غسله فلا اشكال في وجوب الاستيناف وان كان مخالفا له فالاقوى عدم بطلانه فيتمه وياتي بالآخر ويجوز الاستيناف بغسل واحد لهما ويجب الوضوء بعده ان كانا غير الجنابة أو كان السابق هو الجنابة حتى لو استأنف وجمعهما بنية واحدة على الاحوط وان كان اللاحق جنابة فلا حاجة إلى الوضوء سواء اتمه واتى للجنابة بعده ام استأنف وجمعها بنية واحدة ] ومن الواضح ان وظيفة المحدث بالحدث الاصغر غير الجنب هو التوضوء دون الاغتسال كما قدمنا تقريبه عند الاستدلال بالآية المباركة. نعم لو قلنا باعتبار المرسلة ورواية الفقه الرضوي وتعدينا عن موردهما الذى هو الغسل الترتيبي إلى المقام لامكن الحكم ببطلان غسل الجنابة حينئذ إلا انك عرفت عدم تمامية شئ منهما. وقوع الحدث الاكبر في اثناء الغسل وصوره (1) للمسألة صور: فان الحدث الاكبر الواقع في اثناء الغسل اما ان يكون متماثلا مع الحدث السابق كما إذا خرج منه المني في اثناء غسله من الجنابة أو مس الميت في اثناء غسله من المس وهكذا، واما ان يكون مخالفا له وعليه فقد يكون المتقدم هو الجنابة وما وقع في الاثناء

[ 39 ]

غير الجنابة وقد يكون المتقدم غير الجنابة والمتاخر هو الجنابة وثالثة يكون المتقدم والمتاخر كلاهما غير الجنابة. اما إذ كان المتأخر والمتقدم متماثلين فلا ينبغي الاشكال في في ان المتأخر موضوع مستقل للحكم لوجوب الاغتسال وظاهر الامر بالغسل حينئذ ايجاده من الابتداء فلا يكفي تتميم الغسل السابق في ارتفاع حدثه فيجب عليه حينئذ ان يستأنف غسله ففى غسل الجنابة لا يجب عليه الوضوء حينئذ لانه مغن عنه واما في غيره فيبتني على القول بانه يغني عن الوضوء أو لا يغني وحال المكلف حينئذ من هذه الجهة حال ما إذا لم يكن له الا حدث واحد ولم يطرء على الحدث الثاني في اثناء غسله. واما إذا كان المتقدم والمتأخر متخالفين فقد تقدم ان له صورا ثلاثا ولا اشكال في جميع تلك الصور في عدم بطلان الغسل في الاعضاء السابقة بالحدث الاكبر الواقع في اثنائه لانه لادليل عليه وانما الكلام في انه هل يوجب الوضوء أولايوجبه؟ اما الصورة الاولى: ووقوع الحدث غير الجنابة في اثناء غسل الجنابة كما إذا مس الميت في اثناء غسل الجنابة فان قلنا ان الاحداث الكبيرة غير الجنابة أيضا من نواقض الوضوء فهي في انفسها توجب الوضوء ولارافع له لان غسل الجنابة انما يغني عن الوضوء فيما إذا وقع بتمامه بعد الحدث واما إذا وقع بعضه بعد الحدث فلا يوجب رفعه ومعه لابد من ان يتم غسله ثم يغتسل لمس الميت ويضم إليه الوضوء أيضا. نعم له ان يرفع يده عن غسله ويعدل إلى الارتماس فانه حينئذ يكفى عن كلا الحدثين كما يغنى عن الوضوء ايضا. واما إذا لم نقل بكونها من النواقض فسواء قلنا بكونها مغنية ام لم نقل لا يجب عليه الوضوء في مفروض المسألة لان غسل الجنابة ليس

[ 40 ]

قبله ولابعده وضوء ولم يحدث سبب يقتضى الوضوء. بلا فرق في ذلك بين ان يكون المكلف محدثا بالاصغر قبل حدثه الاول ام كان متطهرا منه. واما الصورة الثانية: اعني ما إذا كان الحدث الواقع في الاثناء هو الجنابة والحدث الاول غير الجنابة كما إذا اجنب في اثناء غسل مس الميت فلا اشكال في عدم وجوب الوضوء عليه لانه لابد من ان يغتسل للجناية في اثناء غسله ام بعده وغسل الجنابة يغنى عن الوضوء. وله في هذه الصورة أيضا ان يرفع يده عن غسله وياتي بغسل الجنابة بعد ذلك لانه يرفع جميع الاحداث الطارءة على سواء قصدها ام لم ينوها لما يأتي من ان غسل الجنابة يرفع ما تقدم عليه من الاحداث وهذه الصورة أيضا لا يفرق فيها بين ما إذا كان المكلف متطهرا قبل حدثه الاول ام كان محدثا. واما الصورة الثالثة: بان يكون الحدثان كلاهما غير الجنابة كما إذا مست المرأة ميتا في اثناء اغتسالها من النفاس فان كان المكلف متطهرا قبل حدثه السابق وقلنا ان الحدث الاكبر غير الجنابة ليس من نواقض الوضوء ولا يوجبه كما يوجبه كما هو الصحيح فلا موجب لتوهم وجوب الوضوء عليه لانه كان متطهرا على الفرض وما وقع من الحدثين غير ناقض ولا موجب للوضوء فطهارته باقية بحالها، واما إذا كان محدثا قبل حدثه السابق وقلنا ان الحدثين غير ناقضين ولا موجبين للطهارة فلا مناص من ان يتوضأ لانه محدث بالاصغر ولم يطرء ما يرفعه. واما إذا قلنا ان الاحداث الكبيرة غير الجنابة موجبة للطهارة ومغنية عن الوضوء فأيضا لا يجب عليه الوضوء لاغتساله من الحدثين وهما

[ 41 ]

يغنيان عن الوضوع وان قلنا بالتفصيل في ذلك بين الاحداث ولم نقل باغناء بعضها عن الوضوء كغسل الاستحاضة المتوسطة - مثلا - فلا بد من التفكيك في المقام والحكم بعدم وجوب الوضوء في غسل الاستحاضة المذكورة والحكم بوجوبه فيه. بقى الكلام في شئ وان ظهر حكمه مما تقدم وهو ما إذا احدث بالحدث الاكبر في اثناء الوضوء فهل يجب عليه اتمامه أو لابد من استينافه الوضوء؟ إذا كان الحدث الطاري هو الجنابة فلا اشكال في بطلان وضوئه لان المني من جملة النواقض وليس له اتمامه لانه محدث وهو جنب والمحدث الجنب يجب عليه الغسل بمقتضى الآية المباركة (1) دون الوضوء. واما إذا كان غير الجنابة فان قلنا انها من النواقض كالبول والغائط أيضا لاكلام في بطلان الوضوء بها ويجب عليه استينافه كما يجب عليه ان يغتسل من الحدث الطارئ في الاثناء واما إذا لم نقل بكونها من النواقض كما لانقول به لادلة حصر النواقض فلا وجه لبطلان وضوئه بل له ان يتمه ويغتسل من حدثه نعم إذا قلنا باغناء كل غسل عن الوضوء لا يجب عليه التوضوء فيما إذا اغتسل من حدثه الطارئ في اثناء وضوئه لانه يغني عن الوضوء.


(1) المائدة: الآية 6.

[ 42 ]

[ (مسألة 10): الحدث الاصغر في اثناء الاغسال المستحبة أيضا لا يكون مبطلا لها (1) نعم في الاغسال المستحبة لاتيان فعل (2) كغسل الزيارة والاحرام لا يبعد البطلان كما ان حدوثه بعده وقبل الاتيان بذلك الفعل كذلك كما سيأتي. ] وقوع الحدث الاصغر في اثناء الغسل المستحب (1) لان الحال فيها هو الحال في الاغسال الواجبة من تلك الجهة نعم يجب عليه التوضوء بعد اتمام غسله أوفى اثنائه لفرض انه قد احدث بالبول ونحوه ولا يرفعه اتمام غسله الاستحبابي لانا لو قلنا باغناء كل غسل عن الوضوء فانما هو فيما إذا وقع الغسل بعد الحدث ولو كان غسلا ندبيا دون ما إذا وقع الحدث في اثنائه اللهم إلا ان يعدل عن الترتيب إلى الارتماسيي فانه يغنى عن الوضوء حينئذ بناءا على ما هو الحق من اغناء كل غسل عن الوضوء. (2) بان اعتبر فيه طهارة خاصة وهو الطهارة الحاصلة من الغسل أو اعتبر فيه بقاء غسله بان يكون على غسل فلا يكفي فيه الطهارة الحاصلة بالوضوء ومن هنا لو اغتسل له ثم بعد ذلك بال أو نام لم يحصل به شرط ذلك العمل وان توضأ بعد ذلك لان شرطه الطهارة الحاصلة بالغسل لا مطلق الطهارة وحينئذ إذا وقع الحدث الاصغر في اثناء غسله للاحرام أو للزيارة أو غيرهما من الافعال والجامع هو الاغسال الفعلية فهل يبطل بذلك غسله فليس له ان يدخل في ذلك

[ 43 ]

[ (1) (مسألة 11): إذا شك في غسل عضو (1) من الاعضاء الثلاثة أو في شرطه قبل الدخول في العضو الآخر رجع واتى ] العمل باتمامه أو له ذلك إذا اتمه؟ لم يستبعد البطلان في المتن وهو الصحيح بل هو الاظهر وذلك لانا وان التزامنا بان الغسل يغنى عن الوضوء إلا انه فيما إذا وقع الغسل بعد الحدث واما ما وقع منه في اثنائه فاتمام الغسل فيه لا يوجب ارتفاعه وحيث انه بال في اثناء غسله والغسل لم يرفع حدثه ومن هنا لم يجز له الدخول في الصلاة بعد غسله هذا فهو حينئذ اي إذا اتم غسله فلا محالة يقع صحيحا لان الحديث الاصغر الواقع في اثنائه لا يبطله ومن هنا له ان يكتفي به في الاغسال الزمانية كغسل يوم الجمعة أو ليلة كذا الا انه محدث لا محالة فلو دخل في الاحرام أو لغيره من الاعمال المشترطة بالطهارة الحاصلة من الغسل فقد دخل فيه محدثا وغير واجد لشرطه وان توضأ ارتفع حدثه بذلك إلا انه طهارة وضوئية وشرط العمل هو الطهارة الحاصلة من الغسل دون الوضوء فلا مناص لو الا ان يستأنف غسله حتى يحصل له الطهارة الغسلية فلو استأنفه بنحو العدول من الترتيب إلى الارتماس كان احوط. الشك في غسل عضو من اعضاء الغسل (1) لااشكال ولا خلاف في ان الشك في صحة العمل وفساده بعد الفراغ عنه مورد لقاعدة الفراغ كما ان الشك في وجود شئ بعد الدخول في الغير المرتب على مورد لقاعدة التجاوز فيعتبر في قاعدة

[ 44 ]

[ به وان كان بعد الدخول فيه لم يعتن به ويبنى على الاتيان على الاقوى وان كان الاحوط الاعتناء ما دام في الاثناء ولم يفرغ من الغسل كما في الوضوء نعم لو شك في غسل الايسر اتى به وان طال الزمان لعدم تحقق الفراغ حينئذ لعدم اعتبار الموالاة فيه وان كان يحتمل عدم الاعتناء إذا كان معتاد الموالاة. ] الفراغ ان يكون الشك في فساد العمل وصحته إذ يعتبر فيها احراز المضي وهو لا يتحقق مع الشك في اصل الوجود كما يعتبر في قاعدة التجاوز الشك في وجود الشئ وعدمه بعد الدخول في الغير المرتب عليه اي بعد التجاوز عن محل المشكوك فيه. فعلى هذا إذا فرغ عن غسله وشك في صحة ما اتى به أو فساده لاحتماله الاخلال بحزء أو بشرط لا يعتني بشكه ذلك بل يبني على صحته لقاعدة الفراع، واما إذا شك في اصل وجوده وانه اتى به ام لم يأت به فلابد من ان يعتني بشكه ذلك لاستصحاب عدم اتيانه بالغسل وليس المورد من موارد قاعدة التجاوز لعدم التجاوز عن محل المشكوك فيه إذ لامحل شرعى للغسل المأمور به حتى إذا اعتاد للغسل في محل كما إذا كان من عادته الاغتسال بعد الجنابة بلا فصل لكراهة البقاء على الجنابة في النوم - مثلا - وقد شك في الاتيان به بعد قيامه من النوم وذلك لانه حينئذ وان كان قد تجاوز عن المحل الاعتيادي للاغتسال إلا انا ذكرنا في الاصول ان التجاوز عن المحل الاعتيادي ممالا اثر له والمعتبر هو التجاوز عن المحل المقرر الشرعي وبما ان الغسل لامحل له فلو

[ 45 ]

شك في وجوده في وجوده لابد من ان يعتني بشكه هذا كله إذا شك بعد الفراغ عن العمل. واما إذا شك وهو في اثنائه في انه اتى بجزء من اجزائه ام تركه فان كان دخل في الجزء المترتب عليه لم يعتنى بشكه لقاعدة التجاوز واما إذا كان في المحل ولم يدخل في جزء مترتب عليه فلا مناص من ان يعتني بشكه وياتي بالمشكوك فيه للاستصحاب أو قاعدة الاشتغال بل لنفس ادلة قاعدة التجاوز حيث دلت على ان الشك انما هو في شئ لم تجزه (1) هذا إذا كان شكه في الجزء. واما إذا شك في شرط من شروط الجزء أو العمل فعلى ما قدمناه في محله من عدم اختصاص قاعدة الفراغ بالمركبات واتيانها في الاجزاء أيضا لا يعتني بشكه ذلك بل يبني على صحة ما اتى به لقاعدة الفراغ وذلك لعموم ادلتها (وان كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) (2) نعم بناء على اختصاصها بالمركب كما بنى عليه شيخنا الاستاد (قده) لا تجري القاعدة في المقام ولابد من الاعتناء بشكه. ومن لم يقل بجريان قاعدة التجاوز عند تجاوز المحل والدخول في الجزء الآخر المترتب عليه انما استند إلى ان المأمور به في الوضوء انما هو الطهارة وهي امر بسيط لا معنى للشك فيه في اثنائه إذ ليس له اجزاء ليعقل الشك في جزء منه بعد الدخول في جزئه الآخر وانما هي امر واحد بسيط اما ان يوجد واما ان ينعدم فما دل على عدم جريان القاعدة في الوضوء على طبق القاعدة وكذلك الحال في الغسل والتيمم لوحدة المناط في الجميع.


(1) الوسائل: ج 1 باب 42 من أبواب الوضوء ح 2، (2) الوسائل: ج 5 باب 23 من أبواب الخلل ح 3.

[ 46 ]

وهذا هو الذى ذهب إليه شيخنا الانصاري (قده) وقد اجبنا عنه في محله بان الوضوء والغسل والتيمم هي الطهارة بعينها لانها اسم لتلك الافعال الصادرة في الخارج من المسحات والغسلات وهي امور مركبة لامانع من الشك في جزء منها بعد الدخول في جزء آخر بل الامر كذلك حتى إذا قلنا ان الطهارة امر بسيط وتلك الافعال اسباب لها وذلك لانها اسباب شرعية تعبدية لامانع من اجراء قاعدة التجاوز فيها عند الشك في اجزائها فما دل على عدم جريان القاعدة في الوضوء على خلاف القاعدة فلابد من الاقتصار فيه على مورده وهو الوضوء دون الغسل والتيمم. وقد ذكر شيخنا الاستاذ (قده) وجها آخر وهو ان ادلة اعتبار قاعدة التجاوز مختصة بالصلاة فعدم جريانها في الوضوء والغسل والتيمم على القاعدة لقصور الدليل وقد دفعنا هذا أيضا بان ادلة القاعدة عامة للصلاة وغيرها لقوله عليه السلام (كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه) (1) وانما طبقه الامام عليه السلام على الشك في السجود بعد ما قام أو على الشك في الاذان وقد دخل في الاقامة كما في رواية اخرى (2). وعليه فلا قصور في ادلة اعتبارها وانما لانلتزم بجريانها في الوضوء


(1) كما في صحيحة اسماعيل بن جابر، الوسائل: ج 4 باب 13 من أبواب القراءة ح 2. (2) كما في صحيحة زرارة، الوسائل: ج 5 باب 23 من أبواب الخلل ح 1.

[ 47 ]

للنص (1) واما الغسل والتيمم فلا محذور في جريانها فيهما. بقي هنا بحث صغروي وهو انه إذا شك في غسل الايمن وقد دخل في غسل الجانب الايسر هل تجري فيه قاعدة التجاوز ولا يعتني بشكه أو لابد من الاعتناء به؟ يتبني هذا على ان الترتيب معتبر في غسل الجانبين أوغير معتبر فعلى الاول تجرى القاعدة للتجاوز عن محل المشكوك فيه بالدخول في الجزء المترتب عليه واما بناءا على عدم اعتبار الترتيب بينهما كما هو الصحيح فلا لعدم التجاوز عن المحل هذا كله إذا شك في غير الجزء الاخير وهو في اثناء العمل. واما إذا شك في غير الجزء الاخير بعد الفراغ عن العمل فهو أيضا مورد لقاعدة التجاوز لانها كانت تقتضي الحكم باتيانه وصحته عند الشك في الاثناء فما ظنك بما إذا شك فيه بعد الفراغ؟ واما إذا شك في الاتيان بالجزء الاخير من الغسل كالاتيان بغسل الجانب الايسر بناءا على اعتبار الترتيب بينه وبين غسل الجانب الايمن أو الاتيان بغسل الجسد بناءا على عدم اعتبار الترتيب بين الجانبين وهو مشتغل بالكتابة أو بأمر آخر - مثلا - فهل تجرى قاعدة الفراغ ويحكم بصحة العمل أو قاعدة التجاوز يحكم باتيان الجزء الاخير أولا تجري القاعدة؟


(1) وهي صحيحة زرارة الوسائل: ج 1 باب 42 من أبواب الوضوء ح 4.

[ 48 ]

قد يقال بجريان قاعدة الفراغ نظرا إلى ان المضي المعتبر في جريان القاعدة ليس هو المضي الحقيقي وإلا لم يعقل الشك في صحة العمل وفساده للعلم بمضيه وتحققه فالمراد بالمضي هو المضى البنائي والاعتقادي وهو متحقق في المقام لانه اعتقد وبنى على اتمام العمل ومن هنا اشتغل بشئ من الافعال الآخر وان شك بعد ذلك في صحة اعتقاده وعدمه فلا مانع من اجراء قاعدة الفراغ في المقام. ويدقعه: ان المعتبر في جريان القاعدة هو المضى الحقيقي على ما اشتملت عليه اخبارها وحمله على المضي بحسب البناء والخيال يحتاج إلى معونة زائدة ولا دليل عليه ودعوى انه مع اعتبار المضي الحقيقي لا مجال للشك في صحة العمل وفساده انما يتم إذا اعتبر في جريان القاعدة مضي العمل الصحيح واما إذا اعتبر مضي الجامع بين الصحيح والفاسد لا تتوجه عليه هذه المناقشة لانه مما يمكن احرازه مع الشك في صحة العمل فكلما احرزنا امضي الجامع بين صحيح العمل وفساده يحكم بصحته وهذا كما إذا شككنا بعد الاتيان بالجزء الاخير في صحة العمل وفساده من جهة الشك في انه اتى باحد اجزائه أو شرائطه غير الجزء الاخير أو من جهة الشك في الجزء الاخير أيضا فيما إذا اخل بالموالاة لعلمه حينئذ بمضي العمل المحتمل صحته وفساده فيحكم بصحته. واما في المقام الذي يشك فيه في الجزء الاخير من دون ان يعتبر فيه الموالاة لعدم اعتبارها في الغسل فلا يحرز مضي الجامع بين الصحيح والفاسد إذ يحتمل ان يكون بعد في اثناء العمل لاحتمال انه لم يات بعد بالجزء الاخير ولم تعتبر فيه الموالاة حتى يقطع بمضيه عند فوات الموالاة فتحصل ان المورد ليس من موارد قاعدة الفراغ. كما انه ليس من موارد قاعدة التجاوز كما إذا كانت عادته جارية

[ 49 ]

على عدم الاشتغال بشئ من الافعال الآخر قبل اتمام غسله بان اعتاد الموالاة في غسله فانه إذا راى نفسه مشتغلا بشئ من الكتابة والمطالعة فلا محالة يعلم بتجاوز المحل العادي للجزء الاخير لان محله انما هو قبل الشروع في بقية الافعال وقبل فوات الموالاة. والوجه في عدم جريانها ما تقدم من ان التجاوز عن المحل الاعتيادي لااعتبار به فان المعتبر هو التجاوز عن المحل المقرر الشرعي وهو غير متحقق في المقام فالمتحصل إلى هنا ان الشك في الجزء الاخير ليس بمورد لشئ من القاعدتين. نعم نلتزم بعدم الاعتبار بالشك في الجزء الاخير من غسله فيما إذا دخل في الصلاة وهذا لا لعموم ادلة قاعدة التجاوز أو اطلاقاتها وذلك لما مر من عدم جريان القاعدة حينئذ ومن هنا لو شك في اصل طهارته وهوفي اثناء الصلاة قلنا بعدم جريان قاعدة التجاوز في وضوئه وغسله لان الطهارة من الشرائط المقارنة للصلاة وليس محلها قبل الصلاة بل الوجه فيما ذكرنا هو الصحيحة الواردة في رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة فقال: إذ شك وكانت به بلة وهو في صلاته مسح بها عليه إلى ان قال فان دخله الشك وقد دخل في صلاته فليمض في صلاته ولا شئ عليه (1). وعليه فلو شك في انه غسل جانبه الايسر ام لم يغسله وهو في الصلاة لم يعنتي بشكه لهذه الصحيحة. إلا انها لما كانت على خلاف القاعدة لم يكن مناص من الالتزام بامرين: (احدهما): تخصيص الحكم بموردها وهو ما إذا كان داخلا في صلاته فلو دخل في غيرها من الافعال لم يحكم بصحة غسله نعم ورد


(1) الوسائل: ج 1 باب 41 من أبواب الجنابة ح 2.

[ 50 ]

[ (مسألة 12): إذا ارتمس في الماء بعنوان الغسل ثم شك في انه كان ناويا للغسل الارتماسي حتى يكون فارغا أو لغسل الرأس والرقبة في الترتيبي حتى يكون في الاثناء ويجب عليه ] في رواية الكافي وقد دخل في حال اخرى. بدلا عن قوله وقد دخل في صلاته. إلا أن الترجيح مع رواية الشيخ المشتملة على قوله وقد دخل في صلاته وان كان الكليني اضبط وذلك لان ذيلها قرينة على ان المذكور هو الدخول في صلاته حيث قال فليمض في صلاته إذ لو كان الوارد هو قوله: وقد دخل في حال اخرى لم يكن معنى لقوله فليمض في صلاته بل كان الصحيح ان يقول فليدخل في صلاة أو غيرها مما يشترط فيه الطهارة. و (ثانيهما): تخصيصه بما إذا كان الشك في غسل بعض جسده واما إذا شك في غسل تمام جسده كما إذا علم بانه غسل رأسه وشك في انه هل شرع في غسل جسده ام لم يغسله اصلا فلا تجري فيه ما تقدم لاختصاص الصحيحة بما إذا كان الشك في غسل بعض الجسد واما في غيره فمقتضى القاعدة هو الاعتناء بالشك هذا في الغسل. واما في الوضوء فنحكم بصحته حتى فيما إذا دخل في غير الصلاة لاشتمال الصحيحة الواردة في الوضوء - التي هي كهذه الصحيحة من حيث الرواة - وكذا غيرها من الروايات على قوله ودخلت في حالة اخرى من صلاة أو غيرها (1) واما في التيمم فلا نلتزم بصحته عند الشك في جزئه الاخير مطلقا دخل في الصلاة أوفي غيرها لاختصاص


(1) الوسائل: ج 1 باب 42 من أبواب الوضوء ح 1.

[ 51 ]

[ الاتيان بالطرفين يجب عليه الاستيناف (1) نعم يكفيه غسل الطرفين بقصد الترتيبي لانه ان كان بارتماسه قاصدا للغسل الارتماسي فقد فرغ وان كان قاصدا للرأس والرقبة فباتيان غسل الطرفين يتم الغسل الترتيبي. (مسألة 13): إذا انغمس في الماء بقصد الغسل الارتماسي ثم تبين له بقاء جزء من بدنه غير منغسل يجب عليه الاعادة ] الصحيحتين بالغسل والوضوء ومقتضى القاعدة في التيمم هو الاعتناء كما ان ما التزمنا به في الوضوء والغسل انما كان على مر الوقوف مع النص وإلا فمقتضى القاعدة الاعتناء بالشك كما مر. إذا شك في نية الارتماسي بعد الارتماس: (1) مقتضى استصحاب عدم الاتيان بغسل البدن بعنوان غسل الجنابة يقتضي كفاية غسل طرفي بدنه قاصدا به الغسل إلا انه مخير بينه وبين العدول عما بيده إلى الغسل الارتماسي فلو اراد (قده) من الاستيناف ذلك اي العدول إلى الارتماسي فهو وإلا فلو اراد به ما هو ظاهره من اعادة غسله من الابتداء فيدفعه انه لا امر له بالغسل في راسه ورقبته للقطع بغسلهما من باب الاغتسال لانه اما ارتمس فلا امر له بغسل الجنابة اصلا واما انه اغتسل ترتيبا فقد غسل رأسه ورقبته فلا امر له بغسلهما ومع سقوط الامر كيف يمكنه الاتيان بالغسل فيهما؟

[ 52 ]

[ ترتيبا أو ارتماسا (1) ولا يكفيه جعل ذلك الارتماسي للرأس والرقبة ان كان الجزء غير المنغسل في الطرفين فياتي بالطرفين الاخيرين لانه قصد به تمام الغسل ارتماسا لا خصوص الرأس والرقبة ولا يكفي نيتهما في ضمن المجموع. ] إذا تبين بقاء جزء غير منغسل بعد الانغماس: (1) هذا مبني على ان الغسل الترتيبي والارتماسي طبيعتان متغايرتان وان احداهما غير الاخرى فحينئذ يتم ما افاده (قده) ولا يكفي حينئذ جعل ما اتى به من الغسل غسلا برأسه ورقبته ويأتي بغسل بدنه بعد ذلك فيما إذا كان موضع غير منغسل في بدنه وذلك لان ما وقع من الغسل الترتيبي لم يقصد وما قصده من الغسل الارتماسي لم يقع لعدم وصول الماء إلى تمام بدنه. واما إذا بنينا على انهما طبيعة واحدة لان الغسل عبارة عن وصول الماء بصبه أو بالدخول في الماء من القرن إلى القدم وهذا قد يتحقق بالترتيب وقد يتحقق بالارتماس. نعم إذا حصل ذلك على نحو التدريح يشترط فيه الترتيب بين الرأس والبدن ولا يشترط فيه ذلك إذا وقع على نحو الدفعة كما في الارتماس لانه امر آني كما مر وهذا نظير صلاة الفرادى والجماعة حيث انهما طبيعة واحدة ولكن يشترط فيها القرائة وعدم زيادة الاركان إذا اوجدها فرادى ولا يشترط فيها ذلك إذا صلى جماعة فلا تجب القرائة حينئذ

[ 53 ]

[ (مسألة 14): إذا صلى ثم شك في انه اغتسل للجنابة ام لا يبني على صحة صلاته ولكن يجب عليه الغسل للاعمال الآتية (1). ] وإذا زاد ركنا كالركوع أو غيره للمتابعة مع الامام لم تبطل صلاته فلا مانع من ان يجعل ذلك الارتماس غسلا لرأسه ورقبته لانه قد قصد تلك الطبيعة الواحدة على الفرض وتحقق الغسل بالاضافة إلى رأسه ورقبته ولم يتحقق بالاضافة إلى جسده بتمامه فله ان يتم غسله يغسل بدنه كما ان له ان يرفع يده عن غسله بالعدول إلى الارتماس. إذا شك في الاغتسال بعد الصلاة: (1) هذا انما يتم فيما إذا شك بعد الصلاة في انه اغتسل عن الجنابة قبلها ام لم يغتسل من دون ان يحدث بعد صلاته بالحدث الاصغر لان مقتضى استصحاب بقاء الجنابة وجوب الاغتسال عليه بالاضافة إلى صلواته الاتية واما صلاته السابقة فهي محكومة بالصحة بقاعدة الفراغ وهي مخصصة أو كالمخصص للاستصحاب. الا ان قاعدة الفراغ انما تقتضي صحة العمل المشكوك فيه فقط ولا تثبت لوازمات صحته فإذا شك في صحة وضوئه بعد الفراغ عنه يبني على صحته ويرتب عليه جميع آثار صحة الوضوء فله ان يدخل به في كل عمل مشروط بالوضوء وكذا إذا شك في صحة صلاته يبني على صحتها فحسب واما انه قد اغتسل من الجنابة وهو ليس بمحدث حتى

[ 54 ]

لا يجب عليه الغسل بالاضافة إلى الصلوات الآتية فلا بلا فرق في ذلك بين القول بان القاعدة من الامارات والقول بانها من الاصول. واما إذا احدث بعد صلاته بالحدث الاصغر فله صور: صور ما إذا شك في الاغتسال وقد احدث بالاصغر: (الاولى): ان تكون الصلاتان مترتبتين كما في صلاتي الظهر والعصر والمغرب والعشاء فلا يجوز في مثلهما الدخول في الثانية بالغسل بعد اولهما وذلك للعلم الاجمالي بانه اما مكلف بالغسل لو كان لم يغتسل قبل صلاة الظهر ووقعت هي مع الجنابة واما انه مكلف بالوضوء كما إذا كان اغتسل من الجنابة قبل صلاة الظهر. كما ان له علما اجماليا ثانيا وهو اما ان تجب عليه اعادة ما اتى به من الصلاة - كما لو كان لم يغتسل من الجنابة قبل الطهر - واما ان يجب عليه الوضوء لصلاته الآتية كما إذا كان قد اغتسل منها قبله إلا انه لما احدث بالاصغر فقد وجب عليه الوضوء لصلاة العصر مثلا فالوضوء طرف لعلمين اجماليين فإذا صلى العصر بالاغتسال من دون الوضوء فيحصل العلم التفصيلي ببطلانها وذلك للقطع بفقدان شرطها لانه اما ان كان اغتسل من الجنابة قبل الظهر فهو محدث بالاصغر وقد صلى العصر من غير وضوء واما انه لم يغتسل عنها قبل الظهر فهو وان كان مكلفا بالغسل حينئذ وغسله صحيح إلا ان صلاته عصرا باطلة لبطلان الظهر وترتبها عليه لوقوعها مع الجنابة على الغرض. فالجمع بين قاعدة الفراغ في الظهر واستصحاب بقاء الجنابة إلى

[ 55 ]

صلاة العصر اعني الحكم بصحة الظهر بقاعدة الفراغ وصحة العصر بغسل الجنابة غير ممكن لانه على خلاف القطع الوجداني ومعه يجب الجمع بين الغسل والوضوء بالاضافة إلى صلاة العصر عملا بالعلم الاجمالي بوجوب احدهما. واما العلم الاجمالي الثاني اعني وجوب اعادة الظهر أو الوضوء لصلاة العصر فهو ليس علما اجماليا عليحدة وانما هو لازم للعلم الاجمالي بوجوب الغسل أو الوضوء لانه لو كان مكلفا بالغسل لا محالة تجب عليه اعادة الظهر نعم لا مناص من اعادة صلاة الظهر أيضا لالذلك العلم الاجمالي بل لان الموجب للحكم بصحتها انما هو قاعدة الفراغ فإذا لم تجر القاعدة لمعارضتها باستصحاب بقاء الجنابة من جهة انهما على خلاف القطع الوجداني لم يبق هناك ما يوجب صحتها فلابد حينئذ من اعادة الظهر والجمع بين الغسل والوضوء. (الصورة الثانية): ان تكون الصلاتان غير مترتبتين كما إذا اتى بصلاة قضاء ثم شك في انه اغتسل عن الجنابة قبلها ام لم يغتسل واراد بعدها ان يدخل في صلاة الظهر - مثلا - والكلام فيها هو الكلام في سابقتها ولافرق بينهما إلا في ان هذه الصورة لا يحصل فيها العلم التفصيلي ببطلان الصلاة الثانية بل يعلم اجمالا بانه بعد صلاة القضاء اما مكلف بالغسل واما مكلف بالوضوء ويلزمه العلم اجمالا ببطلان ما اتى به ووجوب اعادته أو بوجوب الوضوء فلابد من الجمع بينهما كما لابد من اعادة ما اتى به لعدم جريان قاعدة الفراغ فيها للعلم الاجمالي. (الصورة الثالثة): ان يكون شكه هذا بعد انقضاء وقت الصلاة التي اتى بها كما إذا اتى بصلاة العصر ولما خرج وقتها واراد الدخول في صلاة المغرب شك في انه هل اغتسل من الجنابة قبل العصرام لم

[ 56 ]

[ ولو كان الشك في اثناء الصلاة بطلت (1) لكن الاحوط اتمامها ثم الاعادة. (مسألة 15): إذا اجتمع عليه اغسال متعددة فاما ان يكون جميعها واجبا أو يكون جميعها مستحبا أو يكون ] يغتسل؟ وفى هذه الصورة أيضا يجب عليه الجمع بين الغسل والوضوء وذلك للعلم الاجمالي بوجوب احدهما في حقه وأيضا يتعارض فيها قاعدة الفراغ في الصلاة السابقة مع استصحاب بقاء الجنابة إلى الصلاة الثانية للعلم بانه اما كان في حال الصلاة الاولى جنبا فالاستصحاب مطابق للقاعدة وقاعدة الفراغ على خلاف الواقع واما انه قد اغتسل عنها قبل تلك الصلاة فالقاعدة مطابقة للواقع والاستصحاب على خلاف الواقع الا انه لا يجب عليه قضاء تلك الصلاة وذلك للقطع بسقوط امرها اما لامتثاله كما إذا كان اغتسل عن الجنابة قبلها واما لتعذر امتثاله لخروج وقتها. والقضاء لو ثبت فانما هو بامر جديد وموضوعه فوت الواجب في وقته وهو غير محرز في المقام لاحتمال انه قد اغتسل من الجنابة قبل تلك الصلاة ومع عدم احراز موضوع الامر بالقضاء اصالة البرائة العقلية محكمة لقبح العقاب من دون بيان وهو قاعدة عقلية غير قابلة للتخصيص فالقضاء غير واجب حينئذ نعم لابد من ان يجمع بين الغسل والوضوء بمقتضى العلم الاجمالي كما مر. (1) لان الطهارة من الشروط المقارنة لاجزاء الصلاة واكوانها المتخللة بين اجزائها ومعه لا يمكن احراز شرط الآن أو الجزء الذي يشك فيه في الطهارة بقاعدة التجاوز أو الفراغ فلا محالة يحكم ببطلان الصلاة.

[ 57 ]

[ بعضها واجبا وبعضها مستحبا ثم اما ان ينوي الجميع أو البعض فان نوى الجميع بغسل واحد صح في الجميع (1). ] حكم اجتماع الاغسال المتعددة على المكلف: (1) الكلام في ذلك من جهتين: (الاولى) من جهة القاعدة وانها تقتضي التداخل أو تقتضي عدمه. (الثانية): من جهة النص الوارد في المقام. اما الجهة الاولى: فقد قررنا في مبحث مفهوم الشرط ان الطبيعة الواحدة إذا كانت متعلقة للامر بها مرتين أو اكثر كما إذا ورد ان ظاهرت فكفر وان افطرت فكفر فمقتضى القاعدة عدم التداخل لان الطبيعة الواحدة يستحيل ان يبعث نجوها ببعثين ويؤمر بها مرتين وان كان مقتضى اطلاق الامر في كل واحد من الشرطين ذلك الا انه لمكان استحالته لابد من تقييد متعلق كل منهما بوجود مغاير للوجود الآخر الذي تعلق به الآخر فيقال ان ظاهرت فاوجد وجودا من طبيعة التكفير وان افطرت اوجد وجودا منها وهو معنى عدم التداخل كما عرفت. وقد استثنينا عن ذلك موردا واحدا وهو ما إذا كانت النسبة بين المتعلقين عموما من وجه كما إذا ورد اكرم العالم وورد أيضا اكرم

[ 58 ]

الهاشمي فان اكرام مورد التصادق حينئذ وهو العالم الهاشمي يجزي عن كلا الامرين لانه مقتضى اطلاقهما والقاعدة في مثله التداخل حيث ان كل واحد من المأمور بهما امر مغاير للاخر في نفسه وليس امرا واحدا ليستحيل البعث نحوه ببعثين ومعه لامانع من التداخل في مورد التصادق حسب اطلاقهما. هذا ما قدمناه بحث المفاهيم إلا انه فيما إذا كان الامران نفسيين مولويين واما في الاوامر الارشادية كما في الوضوء والغسل حيث انهما غير واجبين في نفسهما وانما امر بهما مقدمة للصلاة كما في قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى قوله وان كنتم جنبا فاطهروا (1) وهكذا الحال في بقية الاغسال الواجبة حيت امر بها في السنة مقدمة وشرطا للصلاة فالامر بها امر ارشادي لا محالة فالامر بالعكس. والقاعدة تقتضي فيها التداخل لاطلاقهما ولامانع من ان يكون للشرط الواحد اسباب متعددة بان يكون لاشتراط الصلاة بالغسل والطهارة اسباب من الجنابة والحيض ونحوهما كما هو الحال في الوضوء لتعدد اسبابه من البول والغائط. وحيث ان المأمور به في الجميع امر واحد وهو طبيعة الغسل لا الغسل المقيد بالجنابة أو بالحيض أو بغيرهما لانهما اسباب الامر بالطبيعة فالمأمور به شئ واحد في الجميع فلو اتى به للجنابة مثلا غافلا عن بقية الاسباب أيضا حصل به الامتثال وسقطت عنه الجميع نعم علمنا خارجا ان الغسل عبادي ويشترط في صحة قصد التقرب إلا انه يكفي في التقرب به ان يوتي به لاجل انه مقدمة للصلاة أو للصوم أو لغيرهما من الواجبات فان الاتيان بهذا الداعي من احد طرق التقرب على ما حررناه في محله:


(1) المائدة: الآية 6.

[ 59 ]

ومعه إذا اتى بالغسل لاجل كونه مقدمة للصلاة كفى هذا عن الجميع ولو مع كونه غافلا عن غير الجنابة أو مس الميت أو نحوهما لان الطبيعة قد تحققت في الخارج واتى بها بقصد القربة وحصل به الامتثال فحال الغسل حينئذ حال الوضوء فكما انه إذا نام وبال ثم توضأ مقدمة للصلاة مع الغفلة عن نومه كفى هذا عن الجميع ولا يتوهم وجوب الوضوء حينئذ ثانيا من جهة النوم كذلك الحال في المقام هذا كله في الاغسال الواجبة. اجتماع الاغسال المتعددة المستحبة: واما الاغسال المستحبة التي منها غسل الجنابة حيث قدمنا انه مستحب نفسي وان كانت مقدمة للصلاة أيضا وواجبة بالوجوب العقلي فقد تكون النسبة بين الغسلين المستحبين عموما من وجه وهذا كما في غسل الجمعة وغسل الاحرام فانه يمكن الاغتسال للجمعة دون الاحرام كما إذا كان اليوم جمعة ولم يكن المكلف قاصدا الاحرام أو لم يكن هناك موقع للاحرام وقد يمكن الاغتسال للاحرام دون الجمعة كما إذا احرم ولم يكن اليوم جمعة وثالثة يتمكن من كليهما كما إذا احرم يوم الجمعة وحيث ان المتعلقين متغائران في انفسهما فلا مانع من تعدد الامر والطلب والقاعدة حينئذ يقتضي التداخل في مورد اجتماعهما لاطلاق كلا عن الامرين فلو اغتسل للجمعة أو للاحرام لكفى عن كليهما حتى مع الغفلة عن الآخر. وقد تكون النسبة عموما مطلقا كغسل الجمعة وغسل الجنابة أو مس الميت أو غيرهما لان المأمور به في غسل الجنابة مثلا طبيعي الغسل كما عرفت وفي غسل الجمعة هو الغسل المقيد بكونه في يوم الجمعة

[ 60 ]

فالنسبة عموم مطلقا والقاعدة تقتضي عدم التداخل حينئذ لاستحالة البعث نحو الشئ الواحد ببعثين ولو استحبابين فلا مناص حينئذ من تقيد متعلق كل منهما بفرد دون الفرد المقيد به متعلق الامر الآخر. وكذلك الحال فيما إذا كان احد الغسلين مقيدا بقيد دون الآخر كما ورد في ان من شرب الخمر ونام يستحب ان يغتسل من الجنابة لانه يمسي عروسا للشيطان (1) وكان الغسل الآخر مطلقا أو كانت النسبة بين الغسلين هو التساوي كما في الغسل للزيارة أو الغسل لرؤية المصلوب أو الغسل لمس الميت بعد تغسيلة أو غسل الجنابة فان الطبيعة فيها واحدة والقاعدة في هذه الموارد هي عدم التداخل لعدم امكان البعث نحو الشئ الواحد ببعثين إلا ان يفيد متعلق كل منهما بفرد غير الفرد المقيد به متعلق الآخر هذا كله فيما تقتضيه القاعدة في نفسها. ومما ذكرنا في المقام ظهر الحال في الغسل الواجب والمستحب كما في غسل الجنابة أو مس الميت مع غسل الزيارة أو غيره من المستحبات فان القاعدة تقتضي فيه التداخل لان الامر في الغسل الواجب ارشاد إلى شرطيته للصلاة ولا مانع من اجتماع مثله مع الطلب الاستحباب المولوي فلو اتى بغسل واحد كفى عنهما.


(1) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 35 من أبواب الجنابة ح 12 - اليك نصه (جامع الاخبار) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من احد يبيت سكرانا إلا كان للشيطان عروسا إلى الصباح فإذا اصبح وجب عليه ان يغتسل من الجنابة فان لم يغتسل لم يقبل منه صرف ولا عدل.

[ 61 ]

وأما الجهة الثانية: فالروايات الواردة في المقام انما وردت في موارد خاصة (1) ولا يمكننا التعدي عنها إلى غيرها والرواية الدالة على كفاية الاغتسال مرة واحدة لعدة اغسال متعدة رواية واحدة وهي رواية زرارة وقد نقلت بعدة طرق. (منها): ما رواه الكليني بسند صحيح عن حريز عن زرارة قال: إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر اجزاك غسلك ذلك للجنابة والحجامة وعرفة والنحر والحلق والذبح والزيارة فإذا اجتمعت عليك حقوق (الله) اجزأها عنك غسل واحد. الحديث (2) وهي اجمع رواية في المقام وهذه الرواية لو كنا نحن وصدرها لم يكن لها اي ظهور في الاضمار لاحتمال ان يكون كلها قول زرارة نفسه لكن جملة (قال ثم قال) الواقعة في ذيلها ظاهرة في ان زرارة يرويها عن شخص آخر وبما ان المضمر هو زرارة فلابد وان يكون ذلك الشخص هو الامام عليه السلام كما صرح به في سائر الروايات. و ((منها): ما رواه الشيخ عن محمد بن علي بن مجبوب عن علي بن السندي عن حماد عن حريز عن زرارة عن احدهما - ع - وهي مشتملة على عين الرواية المتقدمة بتبديل الحجامة بالجمعة ولعله الصحيح إذ لم يعهد غسل للحجامة وان امكن استحبابه لها في الواقع إلا


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة ح 1.

[ 62 ]

ان هذا الطريق ضعيف بعلي بن سندي وغير قابل للاعتماد عليه و (منها): ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن حريزه عن زرارة هكذا نقلها صاحب الوسائل وهذا الطريق مضافا إلى ارساله فان محمد بن علي بن محبوب لا يمكن ان يروي عن حريز بلا واسطة لم نجده في كتابي الشيخ. و (منها): ما رواه ابن ادريس عن كتاب محمد بن علي بن محبوب عن علي بن السندي عن حماد عن حريز عن زراره عن احدهما - ع - الخ وهذا الطريق أيضا ضعيف بعلي بن السندي. و (منها): ما رواه ابن ادريس أيضا عن كتاب حريز بن عبد الله عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام الخ وهذا الطريق أيضا ضعيف لجهالة طريق ابن ادريس إلى كتاب حريز فانه وان ذكر ابن ادريس في آخر الروايات التي رواها عن كتاب حريز بان كتابه: اصل معتمد ومعول عليه وكذلك جعل الصدوق (ره) في ديباجة الفقية: كتاب حريز: من الكتب المشهورة التي عليها المعول واليها المرجع إلا ان القدر المتيقن من هذه العبارات ان اصل كتاب حريز اجمالا كان مشهورا ومعمولا به واما اعتبار كل نسخة نسخة منها فلا. والحاصل ان الطريق الاول صحيح وهو الذي نعتمد عليه في المقام فالرواية من حيث السند مما لااشكال فيه. وانما الكلام في دلالتها فهل تقتضي التداخل في خصوص ما إذا كانت الاغسال المجتمعة واجبة أو تقتضي التداخل مطلقا ولو إذا كانت مستحبة أو كان بعضها مستحبا وبعضها واجبا؟ المورد المتيقن من الصحيحة هوما إذا كانت الاغسال باجمعها واجبة حيث انه مورد التسالم بين الاصحاب ولم يستشكلوا في ان الغسل الواحد

[ 63 ]

يجزي عن الجميع حينئذ واما إذا كان بعضها واجبا وبعضها مستحبا فقد يناقش في التداخل حينئذ باستحالة ان يكون شئ واحد مصداقا للواجب والمستحب بناءا على استحالة اجتماع الامر والنهي حيث انه من باب المثال إذ الاحكام الخمسة باسرها متضادة فكما ان الواجب يضاده الحرام كذالك يضاده الاستحباب والاباحة ويضادهما الكراهة والحرمة فكيف يعقل مع ذلك ان يكون المستحب واجبا وبالعكس فيكون شئ واحد مصداقا لهما معا. واما كونه مصداقا لاحدهما ومسقطا عن الآخر فهو امر آخر يأتي فيه الكلام. وبما ان البرهان العقلي قام على استحالة كون الغسل الواحد مصداقا الواجب والمستحب فلا مناص من رفع اليد عن ظهور الصحيحة في جوازه لان الظهور لا يصادم البرهان. وتندفع هده المناقشة بانه لامانع من ان يكون شئ واحد مصداقا للطبيعة الواجبة والمستحبة وان قلنا باستحالة اجتماع الامر والنهي بل قد يكون ذلك على طبق القاعدة كما إذا كانت النسبة بين المتعلقين عموما من وجه كالامر باكرام العالم والامر باكرام الهاشمي لان اطلاق كل منها يقتضي جواز الاكتفاء باكرم العالم العاشمي حيث دل احدهما على وجوب اكرام العالم سواء كان هاشيما ام لم يكن ودل الآخر على وجوب اكرام الهاشمي سواء أكان عالما ام لم يكن ومعه إذا اكرم العالم الهاشمي حصل بذلك امتثال كلا الامرين وهو على طبق القاعدة ولا استحالة في ذلك عقلا حتى يتصرف بذلك في ظاهر الصحيحة المقتضية للتداخل عند كون بعض الاغسال واجبا وبعضها مستحبا. والغرض من هذا الجواب ان ما ورد في بعض الكلمات من استحالة اجتماع الوجوب والندب في مورد ولكنا نرفع اليد عن ذلك بصحيحة

[ 64 ]

زرارة الدالة على اجتماعهما مما لا وجه له لوضوح ان اجتماعهما لو كان امرا مستحيلا عقلا لاستلزم ذلك رفع اليد عن ظهور الصحيحة في الجواز لان الظهور لا يصادم البرهان إذا فالصحيح ان يقال ان اجتماعهما امر غير ممتنع لدى العقل كما صنعناه. نعم يبقى هناك سؤال الفرق بين الحرمة والوجوب فيما إذا كانت النسبة بينهما عموما من وجه كما في مثل الصلاة والغصب حيث قلنا باستحالة اجتماعهما في شئ واحد وبين الوجوب والاستحباب أو الوجوبين أو المستحبين حيث قلنا بجواز اجتماعهما وامكان ان يكون شئ واحد مصداقا للواجب والمستحب مع ان الاحكام باسرها مضادة. والجواب عن هذا السؤال ان الامر في المستحبات والواجبات انما يتعلق بالطبائع على نحو صرف الوجود المعبر عنه بناقض العدم ولا يتعلق عليها على نحو مطلق الوجوب المنحل إلى جميع افرادها لعدم قدرة المكلف على اتيان جميع افراد الطبيعة وعليه فالفرد مصدق لذات الطبيعة المأمور بها لا للطبيعه بوصف كونها واجبة نظير ما ذكروه في المعقولات الثانوية كالنوع حيث ان الانسان نوع وزيد مصدق للانسان مع انه ليس بنوع وذلك لان النوع كالوجوب والاستحباب انما هو وصف للطبيعة الملغى عنها الخصوصيات وزيد وان كان مصدقا للطبيعة إلا انه ليس مصداقا للطبيعة الملغى عنها الخصوصيات اي للطبيعة المتصنفة بالنوع وعليه فالفرد ليس بواجب ولا بمستحب. ومن هنا لو اتى بالصلاة في اول وقتها كانت مصدقا للصلاة إلا انه إذا لم يأت بها واتى بفرد آخر لا يكون عاصيا وتاركا للواجب وعلى الجملة الفرد ليس لواجب ولا بمستحب وانما هو مصداق لهما واي مانع من ان ينبطق على شئ واحد طبائع مختلفة من دون ان يكون

[ 65 ]

مجمعا للوجوب والاستحباب. وهذا بخلاف الحرمة لانها تسري إلى كل واحد من الافراد لانها انحلالية لا محالة فحرمة الكذب - مثلا - تنحل إلى كل واحد من افراده بحيث لو اوجد فردين منها ارتكب محرمين ومع حرمة الفرد ومبغوضيته لا يرخص المكلف في تطبيق الطبيعة الواجبة على ذلك الفرد لان الامر بالطبيعة يقتضي الترخيص في تطبيقها على اي فرد من افرادها شاء المكلف ومع حرمة الفرد ومبغوضيته ليس للمكلف ترخيص في تطبيق الطبيعة المأمور بها عليه ومن هنا قلنا بعدم امكان اجتماع الحرمة والوجوب بخلاف الوجوب والاستحباب. فالمتحصل انه لامانع من الالتزام بالتداخل في جميع الاقسام وبما ان الصحيحة دلت على التداخل في الجميع ولامانع عنه عقلا فالحكم هو التداخل مطلقا ولم يقم برهان عقلي على عدم التداخل في الواجب والمستحب حتى يرفع اليد به عن الصحيحة نعم لو قام برهان على استحالته للزم رفع اليد عن ظاهر الصحيحة لا محالة، فلا فرق في الاغسال بين كونها واجبة باجمعها وما إذا كان بعضها واجبا وبعضها الآخر مستحبا. واما إذا كانت باجمعها مستحبة فقد يتوهم ان ظاهر كلمة الحقوق في الصحيحة هي الاغسال الواجبة دون المستحبة ولكنه توهم في بادي النظر لان الحق بمعني الثبوت وكون الثابت على نحو الوجوب أو الاستحباب امر آخر فالحقوق تشمل الواجب والمستحب. على انا لو اغمضنا عن ذلك وقلنا ان ظاهر الحقوق في نفسها هو الاغسال الواجبة فقط ففي الصحيحة قرينة قطعية على ان المراد بها اعم من الواجب والمستحب حيث طبقها الامام على غسل العيد والزيارة

[ 66 ]

[ وحصل امتثال امر الجميع (1) وكذا ان نوى رفع الحدث أو الاستباحة إذا كان جميعها أو بعضها لرفع الحدث والاستباحة وكذا لو نوى القربة وحينئذ. ] بل الجمعة وغيرها من المستحبات فلا فرق في التداخل بن كون الاغسال واجبة باجمعها وكونها مستحبة كذلك. وكون بعضها واجبا وبعضها الآخر مستحبا فان ظاهر الصحيحة وان كان تعدد الاغسال وتغاير بعضها عن بعض حيث عبر بالحقوق إلا انه لامانع من ان ينطبق على عمل واحد عناوين متعددة وهو يوجب الاجزاء عن بقية الاغسال. حصول امتثال جميع الاغسال بغسل واحد: (1) وذلك لانه قصد كل واحد منها على نحو التفصيل فلا محالة يكون ما أتى به امتثالا للجميع كما انه مجزء عن الجميع واما إذا قصد الجميع على نحو الاجمال كما إذا أتى بالغسل الواحد بقصد القربة المطلقة فانه أيضا يكون امتثالا للجميع حيث ان كل واحد من الاغسال قربي وهو قد قصد مطلق القربة ولم يخصص القربة ببعض دون بعض وكذلك الحال فيما إذا قصد رفع الحدث وكانت الاغسال باجمعها رافعة له أو قصد الاستباحة وكانت باجمعها مبيحة لانه قصد اجمالي للجميع وهو امتثال للجميع.

[ 67 ]

واما إذا كان بعضها رافعا للحدث وبعضها مبيحا وقد قصد رفع الحدث أو قصد الاستباحة فذكر الماتن انه أيضا يكون امتثالا للجميع وغاية ما يمكن ان يقال في تقريب هذا المدعى ان الغسل الرافع غير مقيد بعدم كونه مبيحا كما ان الغسل المبيح غير مقيد بان لا يكون رافعا لانهما حكمان شرعيان طارئان عليهما لا انهما قيدان لهما وهما غسلان مطلقان ومعه إذا قصد الغسل الرافع - مثلا - فهو امتثال الغسل الرافع بلا كلام كما انه امتثال للغسل المبيح لانه بقصده الغسل المقيد بالرفع قصد الغسل المطلق لا محالة فان قصد المقيد قصد ضمني للمطلق وقصد الخاص قصد ضمني للعام والكلي وهكذا إذا قصد الغسل المبيح لانه امتثال للغسل وقصد تفصيلي له كما انه قصد اجمالي ضمني للغسل المطلق وهو الغسل الرافع وبهذا يحصل الامتثال للجميع. ولكن تعميم هذا المدعى امر مشكل وذلك لما قدمناه سابقا وقلنا ان النسبة بين المتعلقين إذا كانت هي العموم المطلق مقتضى القاعدة عدم التداخل في مثله فلا يمكن ان يتعلق الامر بالمطلق والعام ويتعلق امر آخر بالمقيد والخاص وعليه فالاتيان بالغسل للواحد غير مجزء عن كليهما فضلا عن ان يكون امتثالا لهما. ثم لو بنينا فيه بالاجتزاء والتداخل للصحيحة المتقدمة فان لم نبن على ان قصد احد الغسلين يجزى عن الغسل الآخر فيما إذا لم يقصده لغفلته كما إذا اغتسل للجنابة وغفل عن ان اليوم. جمعة أيضا فلا وجه للقول بالاجزاء فيما إذا قصد الغسل المبيح ولم يقصد الغسل الرافع واما إذا بنينا على الاجزاء حينئذ كما هو الصحيح وانه إذا قصد احد الاغسال الثابتة عليه اجزأه عن جميع اغساله وان لم يلتفت إليه فايضا لا يمكننا الالتزام بحصول الامتثال للجميع في المقام نعم نلتزم بالاجزاء

[ 68 ]

[ فان كان فيها غسل (1) الجنابة لا حاجة إلى الوضوء بعده أو قبله ] كما عرفت إلا انه لا موجب ولاسبب لتحقق امتثال الغسل الرافع عند قصد المبيح مع عدم قصد الرافع بوجه. لا يشرع الوضوء مع غسل الجنابة: (1) وذلك لعدم المقتضى للوضوء حينئذ ولوجود المانع عنه. اما عدم المقتضي فلقوله تعالى وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق إلى قوله وان كنتم جنبا فاطهروا (1) لانه دل بصدره على ان كل محدث بالنوم أو بغيره يتوضأ إذا قام إلى الصلاة ثم حكم في حق المجنب بالاغتسال وحيث ان التفصيل قاطع للشركة فتدل الآية المباركة على ان الوضوء وظيفة المحدث غير الجنب واما وظيفة المحدث المجنب فهي الاغتسال وقد صرح بذلك في قوله عز من قائل (ولا تقربوا الصلاة وانتم سكارى ولاجنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا (2) وبما ان المكلف مجنب على الفرض فليست وظيفته الوضوء سواء قلنا بلان مثل مس الميت والحيض ونحوهما اسباب الوضوء وناقض له أيضا أو قلنا بانها ليست باسباب له فعلى جميع التقادير لا مقتضى للوضوء حينئذ. واما وجود المانع عنه فلا ن الروايات صرحت على انه ليس قبل غسل الجنابة ولا بعده وضوء ظاهر كلمة ليس نفى مشروعية الوضوء


(1) المائدة: الآية 6، (2) النساء: الآية 43.

[ 69 ]

[ وإلا وجب الوضوء (1) وان نوى واحدا منها وكان واجبا كفى عن الجميع (2) أيضا على الاقوى وان كان ذلك الواجب غير غسل الجنابة وكان من جملتها لكن على هذا يكون امتثالا بالنسبة إلى ما نوى. ] مع غسل الجنابة ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في ذلك بين ان يكون الغسل متمحضا في الجنابة وبين ان يكون معه غسل آخر فما عن بعضهم من المناقشة في عدم وجوب الوضوء حينئذ في غير محله. هذا إذا لم تبن على ان كل غسل يغني عن الوضوء واما إذا بنينا على ذلك كما يأتي في محله عند تعرض الماتن (قدس سره) بعد الاغسال في ان غسل الحيض والنفاس والاستحاضة يغنى عن الوضوء اولا يغنى عنه وتبين انها تغنى عن الوضوء مطلقا غير غسل الاستحاضة المتوسطة حيث انه لا يغنى عن الوضوء. فلا وفع للاستشكال في عدم وجوب الوضوء حينئذ لانه قد اغتسل قطعا ومعه لا موجب للوضوء وهو ظاهر. (1) اي إذا لم يكن بينهما غسل جنابة وجب الوضوء وهو كما افاده على مسكله من ان غير غسل الجنابة لا يغنى عن الوضوء واما على مسلكنا فلا يجب على الوضوء في هذه الصورة أيضا. إذ نوى واحد من الاغسال وغفل عن غيره. (2) الكلام في ذلك يقع في موردين: (احدهما): ما إذا نوى الجنابة وكان عليه اغسال واجبة اخرى

[ 70 ]

وغفل عنها حين الاغتسال فهل يكون اغتساله من الجنابة مسقطا عن غيره من الاغسال الواجبة أو لا يكون مسقطا عنها؟. (وثانيهما): في انه إذا اغتسل من غسل واجب غير الجنابة كغسل مس الميت أو الحيض وكان عليه اغسال واجبة اخرى من الجنابة أو غيرها فهل يكون غسله ذلك مسقطا عن غيره عن الاغسال الواجبة فيما إذا غفل ولم ينوها أو لا يكون مسقطا عنها؟. اما المقام الاول فالظاهر تسالمهم على ان غسل الجنابة مسقط عن الاغسال الواجبة وان لم ينوها حال الاغتسال بل قد نقل الاجماع على كفايته واسقاطه لبقية الاغسال الواجبة على المكلف. والوجه في تسالمهم هذا ان غسل الجنابة وكفايته عن غيره من الاغسال هو القدر المتيقن من صحيحة زرارة المتقدمة (1) لان موردها الجنب وإلا لم يكن معنى لكون غسله مجزءا عن الجنابة كما هو مفروض الصحيحة ومن الطبيعي ان الجنب يغتسل عن الجنابة اي يغتسل ناويا لجنابته وفي هذا المورد حكم - ع - باجزاء ذلك الغسل عن غيره. واما انه مجزء عن غيره حتى فيما إذا لم ينو غير غسل الجنابة من الاغسال الواجبة أو انه انما يجزء فيما إذا نوي الجميع فهو مبنى على استظهار ان قوله للجنابة... الخ في صدر للصحيحة الذي هو جار ومجرور متعلق باي شئ فهل هو متعلق بالغسل في قوله اجزأك غسلك ذلك للجنابة و... وعليه تدل الصحيحة على اجزاء غسل الجنابة عن بقية الاغسال فيما إذا اتى بالغسل بعنوان الجنابة وغيرها مما في ذمته من الاغسال ولا يجزي فيما إذا لم ينو غير الجنابة لان معناها حينئذ ان غسلك للجنابة


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة ح 1.

[ 71 ]

وللزيارة وللعرفة مجزء عنه فلا مناص من قصد عناوين الاغسال حال الاغتسال وإلا لم يكن الغسل للزيارة أو للجنابة أو لغيرهما. أوانه متعلق بالاجزاء أي غسلك اجزأك للجنابة ولغيرها وحينئذ تدل الصحيحة على انه إذا أتى بغسل الجنابة اجزأه ذلك عن كلما في ذمته من الاغسال وان لم ينو عناوينها حال الاغتسال لدلالتها على ان غسله - من غير تقيده بشئ يجزي للجنابة والعرفة وغيرها؟ والظاهر هو الثاني لانه الفعل المذكور قبله والجار ومجروره يتعلقان بالفعل المذكور في الكلام لا بكل ما يصلح ويمكن ان يتعلقا به فإذا ورد اكرم كل عالم في البلد ظاهره ان في البلد متعلق للاكرام فيجب الاكرام في البلد من كل عالم لا انه متعلق بالعالم حتى يدل على كفاية الاكرام لعلماء البلد ولو كان الاكرام في غير ذلك البلد وعليه فالصحيحة تدلنا على ان الاتيان بغسل الجنابة مجزء عن غيرها من الاغسال وان لم ينوها حال الاعتسال هذا اولا. على انا لو سلمنا عدم ظهور الجملة في كون الجار والمجرور متعلقين باجزاء وكانت الجملة مجملة من هذه الجهة فيكفينا ذيل الصحيحة اعني قوله إذا اجتمعت عليك حقوق الله اجزأها عنك غسل واحد. حيث انه مطلق وليس قوله: غسل واحد محلى باللام لتحمل على كونه اشارة إلى الغسل المذكور في صدر الصحيحة الذي بنينا على اجماله وانما هو نكرة ومقتضي اطلاقه كفاية غسل الجنابة عن بقية الاغسال الواجبة نواها حال الاغسال ام لم ينوها. ويدل على ما ذكرناه مرسلة جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن احدهما عليهما السلام انه قال: إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر اجزأه

[ 72 ]

عنه ذلك الغسل من كل غسل يلزمه في ذلك اليوم (1). بل هي صريحة في ما هو محل الكلام في المقام اعني اجزاء غسل الجنابة عن غيرها ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين نية البقية وعدمها إلا انها لارسالها لم يستدلوا بها في المقام: هذا كله في المقام الاول، اما المقام الثاني اعني ما إذا اغتسل غسلا واجبا غير الجنابة ولم ينو غيره فهل هذا يجزء عن الاغسال الواجبة عليه كالجنابة ومس الميت عند الاغتسال من الحيض - مثلا -؟ الصحيح انه أيضا مجزء عن الاغسال الواجبة عليه وان لم ينوها حال الاغتسال كما ذهب إليه الماتن وغيره. وذلك لاطلاق صحيحة زرارة إذا اجتمعت عليك حقوق اجزأها عنك غسل واحد (2) فلو اغتسل من الحيض غافلا عن جنابته أو مسه الميت اجزأه ذلك بمقتضى اطلاق الصحيحة لانا وان بنينا على ان المتيقن من صدر الصحيحة هو الجنب وكفاية غسله من الجنابة عن غيرها إلا انه عليه السلام بعد بيان هذا المورد بالخصوص ادرجه تحت ضابط كلي وحكم في ذيلها على ان الغسل الواحد يجزء عن الحقوق المجتمعة على المكلف مطلقا كان غسله هذا من الجنابة أو من غيرها. هذا: وقد استدل على عدم كفاية غير غسل الجنابة من الاغسال الواجبة عن غسل الجنابة وغيره بما رود في الحائض من انها تجعل غسل الجنابة والحيض واحدا ويغتسل عنهما وما دل على ان الحائض جنب ويجب عليها الغسل للجنابة إذ لو كان


(1) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة ح 2. (2) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة ح 1 وتقدمت في ص 70.

[ 73 ]

غسل الحيض مسقطا لغيره من الاغسال الواجبة التي منها الجنابة فما معنى انها تجعل الغسلين واحد وان غسل الجنابة واجبة عليها واليك بعض النصوص. (منها): موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأل عن رجل اصاب من امرأة ثم حاضت قبل ان تغتسل قال: تجعله غسلا واحدا (1). و (منها): موثقة حجاج الخشاب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وقع على امرأته فطمثت بعدما فرغ اتجعله غسلا واحدا إذا طهرت أو تغتسل مرتين؟ قال: تجعله غسلا واحد عند طهرها (2). و (منها): موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل ان تغتسل قال: ان شاءت ان تغتسل فعلت وان لم تفعل فليس عليها شئ فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض والجنابة (3). إلى غير ذلك من الاخبار. ولكن الصحيح عدم دلالتها على المدعى وذلك لانها انما وردت في ان الحائض المجنبة هل يجب عليها ان تقدم غسلها من الجنابة اولها ان تؤخرها إلى نقائها من الحيض حتى تغتسل عنهما غسلا واحدا وقد دلت على عدم وجوب تقديمه عليها وانها مخيرة بين تقديم غسل الجنابة وتأخير ها وعند تأخيره لها ان تغتسل غسلا واحدا ناوية لهما ولا اشكال في ذلك إلا انها لم تدل على انها إذا اخرت الجنابة واغتسلت عن الحيض


(1) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة ح 5. (2) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة ح 6. (3) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة ح 7.

[ 74 ]

غافلة عن جنابتها لا يكون غسل الحيض مسقطا للجنابة وهذا هو محل البحث والكلام فهذه الاخبار غير وافية للمدعى. والعمدة موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام قالا: في الرجل يجامع المرأة فتحيض قبل ان تغتسل من الجنابة قال: غسل الجنابة عليها واجب (1). حيث ان اغتسالها من الحيض لو كان يكفي عن جنابتها فما معنى وجوب غسل الجنابة عليها؟ الا ان التحقيق انها أيضا ملحقة بالاخبار المتقدمة ولا دلالة لها على عدم كفاية غسل الحيض عن الجنابة وذلك لانها ناظرة إلى ان طرو حدث الحيض هل يرفع حدث الجنابة المتحقق قبله أو ان المرأة مع كونها محدثة بالجنابة تتصف بحدث الحيض فلا يكون الثاني رافعا له حتى لا تجب عليها غير غسل الحيض فلها حدثان لابد من رفعهما. وقد استفدنا من الاخبار المتقدمة ان لها رفع حدث الجنابة متقدما باستقلاله كما لها ان تصبر وترفعهما بغسل واحد للحيض والجنابة واما انها إذا اغتسلت للحيض بعد نقائها ولم تنو الجنابة لا يكون هذا مسقطا لوجوب غسل الجنابة فلا دلالة للموثقة على ذلك فاطلاق صحيحة زرارة غير معارض بشئ. نعم يبقي الكلام في ان غسل الحيض إذا كان كافيا ورافعا للجنابة حتى فيما إذا لم ينوها فما ثمرة ايجاب غسل الجنابة على الحائض؟. والجواب عن ذلك ان المستفاد من الاخبار المتقدمة ان الحائض مخيرة بين رفعها الجنابة مستقلة وبين تأخيرها إلى ان ينقطع حيضها وتغتسل عنهما بغسل واحد وثمرة تشريع غسل الجنابة وايجابه عليها تظهر فيما إذا ارادت الحائض بعد انقطاع دمها وقبل اغتسالها ان تصوم قضاء


(1) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة ح 8.

[ 75 ]

[ واداءا بالنسبة إلى البقية (1) ولا حاجة إلى الوضوء إذا كان ] لصوم شهر رمضان حيث ان صوم شهر رمضان يعتبر في صحته عدم تعمد البقاء على الجنابة وعلى الحيض فلو بقى عليهما متعمدا بطل صومه واما قضاء صوم رمضان فهو انما يشترط فيه عدم تعمد البقاء على الجنابة فحسب ولا يعتبر في صحته عدم تعمد البقاء على حدث الحيض فلو انقطع حيضها ولم تغتسل عنه قبل الفجر إلا انها اغتسلت عن الجنابة قبله صح قضائها. فلو لم تجب عليها غسل الجنابة حتى ترفع به حدث الجنابة قبل ان تغتسل عن الحيض لم يتمكن من قضاء صوم رمضان فيما إذا تركت الاغتسال عن الحيض قبل الفجر فالانصاف انه لاشبهة في ان الاغسال الواجبة تكفي عن غيرها وان لم ينو تلك الاغسال حال الاغتسال هذا. على انا لو سلمنا تمامية دلالة الاخبار المتقدمة على ان الاغتسال من الحيض لا يسقط وجوب غسل الجنابة فيما إذا لم تنوها فلنقتصر على ذلك للاخبار ونحكم بان غسل الحيض لا يكفي عن غسل الجنابة واما غيره من الاغسال الواجبة لا يكفي عن غيرها كغسل مس الميت مثلا بالاضافة إلى الجنابة فلا دلالة في الاخبار السابقة عليه واطلاق صحيحة زرارة سليم عن المعارض. (1) لا امتثالا لها لعدم قصدها على الفرض.

[ 76 ]

[ فيها الجنابة (1) وان كان الاحوط مع كون احدهما الجنابة ان ينوي غسل الجنابة. ] لا يجب الوضوء إذا اغتسل لغير الجنابة مع كونها عليه: (1) إذا اغتسل لغير الجنابة كما إذا اغتسل لمس الميت - مثلا - وكانت عليه جنابة وقلنا بكفاية ذلك عن غسل الجنابة وان لم ينوه حال الاغتسال فهل يجب عليه ان يتوضأ معه أولا يجب عليه الوضوء؟ إذا قلنا بان كل غسل يغنى غن الوضوء فلا اشكال في عدم وجوب الوضوء حينئذ لانه قد اغتسل لمس الميت ونواه وهو يغنى عن الوضوء نظير ما إذا اغتسل للجنابة فحسب واما إذا لم نقل باغناء كل غسل عن الوضوء أو كان الغسل غسل الاستحاضة المتوسطة الذي قلنا انه لا يرفع الحدث الاصغر اي لا يغني عن الوضوء. فقد يقال بوجوب الوضوء حينئذ لان غسله لمس الميت أو للاستحاضة ونحوهما وان كان يكفي عن غسل الجنابة الا ان مقتضى الصحيحة (1) الدالة على الاجزاء والكفاية ان الغسل الواجب يسقط الامر بغسل الجنابة حيث عبر بالاجزاء فلا يجب عليه بعد ذلك الغسل للجنابة ولم يدل على ان غسل مس الميت - مثلا - فنزل منزلة غسل الجنابة وبينهما فرق واضح. حيث ان غسل المس - لو كان منزلا منزلة غسل الجنابة لترتبت عليه جميع الاثار المترتبة على غسل الجنابة التي منها اغنائه عن الوضوء لان البدل


(1) التي تقدم ذكرها في ص 70 و 72.

[ 77 ]

[ وان نوى بعض المستحبات كفى أيضا (1) عن غيره من ] في حكم البدل لا محالة واما إذا لم يدل الدليل إلا على ان ذلك الغسل يوجب سقوط الامر بغسل الجنابة فانه لا يقتضي ترتب جميع آثار غسل الجنابة عليه بل لا يترتب عليه غير انه ليس بجنب بعد الاغتسال واما انه لا يجب الوضوء عليه فلا. والاخبار (1) الواردة في انه وضوء قبل غسل الجنابة ولابعد تختص بما إذا اتى بغسل الجنابة أو بما هو منزل منزلته ولا دلالة لها على ان لا وضوء قبل الغسل المسقط للامر بغسل الجنابة ولابعده ومعه يجب عليه الوضوء لا محالة هذا. ولكن الصحيح وفاقا للماتن (قدس سره) عدم وجوب الوضوء في المسألة وهذا لا للاخبار النافية للوضوء قبل غسل الجنابة وبعده بل لما قدمناه من ان مقتضى الاية المباركة إذا قمتم إلى الصلاة... ان المكلف المحدث على قسمين محدث غير جنب فوظيفته الوضوء ومحدث مجنب وظيفته الاغتسال وحيث ان المكلف محدث بالجنابة في مفروض المسالة فلا مقتضى في حقه للوضوء وانما وظيفته الاغتسال وقد حققه غسله من المس أو غيره فعدم وجوب الوضوء في المقام مستند إلى عدم المقتضى له هذا كله في اغناء الغسل الواجب عن غسل واجب آخر. نية بعض الاغسال المندوبة تكفي عن غيره: (1) إذا اغتسل للجمعة أو لغيرها من المستحبات ولم ينو غسل


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 34 من أبواب الجنابة.

[ 78 ]

[ المستحبات واما كفايته عن الواجب ففيه اشكال وان كان غير بعيد لكن لا يترك الاحتياط ] الجنابة أو المس أو غسل مستحب آخر فهل يكفي ذلك عما في ذمته من الاغسال الواجبة أو المستحبة أو الواجب بعضها والمستحب بعضها الآخر أو لا يكفي؟ التحقيق اغناء الغسل الاستحبابي عن جميع الاغسال الواجبة والمستحبة وذلك لاطلاق صحيحة زرارة إذا اجتمعت عليك حقوق الله اجزأها عنك غسل واحد (1) والغسل الواحد مطلق يعم الواجب والمستحب كما ان الحقوق تعم الواجب والمستحب كما قدمناه وعليه فلو اغتسل للجمعة غافلا عن ان عليه جنابة يكفي ذلك في رفع جنابته. ويؤيده رواية الصدوق من ان من جامع في شهر رمضان ثم نسى حتى خرج شهر رمضان ان عليه ان يغتسل ويقضي صلاته وصومه الا ان يكون قد اغتسل للجمعة فانه يقضى صلاته وصيامه إلى ذلك اليوم ولا يقضي ما بعد ذلك اليوم (2) اما قضاءه الصلاة فهو على طبق القاعدة لان الصلاة مشروطة بالطهارة من الحدث فإذا نسي الغسل ثم تبين انها وقعت مع الجنابة فيجب قضاؤها لاستكشاف بطلانها. واما قضاؤه الصيام فهو على خلاف القاعدة لان الصوم مشروط بعدم تعمد البقاء على الجنابة والناسي ليس متعمدا في بقائه على الجنابة فالقاعدة تقتضي صحة صومه وعدم وجوب القضاء عليه.


(1) تقدم ذكرها في ص 70 و 72. (2) الوسائل: ج 7 باب 30 من أبواب من يصح منه الصوم ح 2.

[ 79 ]

[ (مسألة 16): الاقوى صحة غسل الجمعة من الجنب والحائض بل لا يبعد اجزاؤه (1) عن غسل الجنابة بل عن غسل الحيض إذا كان بعد انقطاع الدم. (مسألة 17): إذا كان يعلم اجمالا ان عليه اغسالا لكن لا يعلم (2) بعضها بعينه يكفيه ان يقصد جميع ما عليه كما ] الا ان الاخبار المعتبرة دلت على ان ناسي غسل الجنابة كالعالم والمتعمد فلا بد من ان يقضي صومه وليس حاله حال الجاهل بجنابته وهذه الرواية دلت على انه انما يقضيهما إلى ان يغتسل للجمعة لانه يرفع الجنابة فيصح صومه وصلاته الا انها ضعيفة ومن هنا جعلناها مؤيدة للمدعى. واما عدم الحاجة مع ذلك الغسل الندبي إلى الوضوء فالكلام فيه هو الكلام في عدم الحاجة إليه مع الغسل الواجب كما مر لان الغسل المستحب كالواجب في اغنائه عن الوضوء كما ان المكلف لجنابته لا مقتضى في حقه للوضوء. (1) هذه المسألة من صغريات الكبرى المتقدمة من ان الغسل المستحب يغنى عن الاغسال الواجبة والمستحبة مطلقا وان لم ينوها ولم تكن حاجة إلى التكرار ولعله انما تعرض لها بخصوصها لوردود النص فيها وهو رواية الصدوق المتقدمة (2) علم تفصيل هذه المسألة مما قدمناه في الفروع المتقدمة فلا حاجة إلى اعادته


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 30 من أبواب من يصح منه الصوم.

[ 80 ]

[ يكفيه ان يقصد البعض المعين ويكفي عن غير المعين بل إذا نوى غسلا معينا ولا يعلم - ولو اجمالا - غيره وكان عليه في الواقع كفى عنه ايضا وان لم يحصل امتثال امره نعم إذا نوى بعض الاغسال ونوى عدم تحقق الآخر (1) ففي كفايته عنه اشكال بل صحته ايضا لا تخلو عن اشكال بعد كون حقيقة الاغسال واحده ومن هذا يشكل البناء على عدم التداخل بان ياتي باغسال متعددة كل واحد بنية واحد منها لكن لااشكال إذا اتى فيما عدا الاول برجاء الصحة والمطلوبية. ] إذا نوى البعض ونوى عدم الآخر: (1) كما إذا اغتسل لمس الميت قاصدا ان لا يرتفع به جنابته لانه يريد ان يغتسل لها مستقلا فهل هذا الغسل صحيح في نفسه أو باطل؟ وعلى فرض صحته فهل يغنى عن غيره وان كان المكلف قد قصد عدمه أولايغنى؟ فيه كلام وقد تقدم نظيره في الوضوء فيما إذا بال ونام وتوضأ بقصد حدثه النومي دون البولي قاصدا لرفعه بوضوء آخر وقد استشكل الماتن (قدس سره) في صحته واغنائه عما في ذمته نظرا إلى ان الاغسال طبيعة واحدة ومتى تحقق فرد منها ارتفع الجميع فلا انفكاك بين الفرد والطبيعة لانه متى ما تحقق تحققت الطبيعة وارتفعت الاغسال باجمعها ومعه

[ 81 ]

يشكل الحكم بصحة الغسل فيما إذا اتى به ناويا عدم تحقق الاغسال الآخر وعليه يأتي بالغسل الآخر برجاء المطلوبية وقصد ما في الذمة حيث يقطع بذلك بالامتثال لانه اما وقع غسله الاول صحيحا وارتفع به الاغسال كلها أو انه لو كان باطلا فالغسل الثاني وقع صحيحا وبه ارتفعت الاغسال باجمعها هذا. ولكن الظاهر صحة ما اتى من الغسل واغنائه عن البقية بلا فرق في ذلك بين القول بوحدة طبايع الاغسال والقول بتعددها وتغائرها لانا ان قلنا بان طبايع الاغسال طبيعة واحدة كما هو ظاهر المتن فلا اشكال في ما اتي به المكلف من الغسل حيث أتى به قاصدا به القربة إما بقصده في نفسه لانه محبوب نفسي كما في غسل الجنابة أو بداعي انه واقع في سلسلة وجود الواجب النفسي ومع الاتيان بالطبيعة بقصد القربة لا موجب لبطلان ما اتى به من الغسل. واما اغنائه عن بقية الاغسال وعدمه فهما حكمان شرعيان خارجان عن اختيار المكلف فقصده لاحدهما وقصد عدم تحقق الآخر أو عدمه على حد سواء وحيث ان الشارع حكم باغناء الغسل الواحد عن الجميع فلا محالة يسقط به الاغسال الاخر. اللهم الا ان ينوي بما اتى به الغسل الرافع لما قصد وغير الرافع لبقية الاغسال شرعا لانه حينئذ تشريع محرم ولم يجعل في الشريعة المقدسة غسل غير رافع عن بقية الاغسال فيحكم ببطلانه من جهة التشريع وهو امر آخر خارج عن محل الكلام لان فبحث فيما إذا اتى بفرد من الاغسال ناويا عدم ارتفاع غيره به وأما إسناد عدم الرفع إلى الشارع فهو أمر آخر.

[ 82 ]

وأما إذا قلنا بان الاغسال طبائع مختلفة بحسب الشارع واعتباره وان كنا لو خلينا وانفسنا لحكمنا بوحدة طبايعها لان الغسل والماء في جميعها واحد كما ان الكيفية كذلك لانه اما على نحو الارتماس وإما على نحو الترتيب كما هو الحال في صلاتي الظهر والعصر أو القضاء والاداء لانهما طبيعة واحدة ولا اختلاف بينهما بوجه إلا ان قوله (ع) الا ان هذه قبل هذه (1) يدلنا على تعدد طبيعة الظهر والعصر عند الشارع وان المشار إليه بكلمة هذه الاولى غير المشار إليه بكلمة هذه الثانية والا لا معنى للاشارة بهما كما استفدنا تعدد الطبيعة في القضاء والاداء من استحباب تقديم القضاء على الاداء أو وجوبه وانه لو تذكر في اثناء الاداء ان عليه قضاء يعدل على القضاء لانه يدل على انهما طبيعتان والا لا معنى لتقديم الشئ على نفسه استحبابا أو وجوبا. وفي المقام ايضا استفدنا تعدد الطبايع من قوله عليه السلام إذا اجتمعت عليك حقوق (2) ولا يعبر عن الحقيقة الواحدة بالحقوق كما هو ظاهر فايضا إذا اتى بطبيعة من تلك الطبائع قاصدا به القربة على احد النحوين المتقدمين فلا وجه للحكم ببطلانه وحيث ان الشارع حكم باغناء ذلك عن بقية الطبايع فيحكم بسقوط الجميع لانه حكم شرعي وغير موكول إلى اختيار المكلف حتى يقصد عدم سقوط البقية. اللهم الا ان يشرع في عمله بان يقصد فردا من الطبيعة التي حكم


(1) الوسائل: ج 3 باب 4 من أبواب المواقيت ح 5 و 20 و 21 و 22. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة، ح 1.

[ 83 ]

الشارع بعدم اغنائها عن بقية الاغسال لانه موجب للحكم ببطلان غسله من جهة التشريع الا انه خارج عن مورد الكلام ولا يوجب الحكم بالبطلان عندما إذا اتى بها جاهلا بالتداخل أو معتقدا عدم التداخل شرعا.

[ 84 ]

[ فصل في الحيض وهو دم خلقه الله - تعالى - في الرحم لمصالح، وفي الغالب أسود أو احمر غليظ طري حار يخرج بقوة وحرقة كما أن دم الاستحاضة بعكس ذلك، ويشترط ان يكون بعد البلوغ. ] فصل في الحيض الظاهر ان الحيض معنى حدثي ومن هنا يشتق منه ويقال: حاض يحيض حائض وحيض إذ لو كان من الجوامد لم يمكن منه الاشتقاق إلا على وجه التأويل كما اللابن والقامر والحداد، ولكن قد اطلق في غير واحد من الاخبار على نفس الدم: (منها) صحيحة حفص البختري (1) قال دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) إمرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري حيض هو أو غيره. حيث أطلق الحيض على نفس الدم. و (منها): ما ورد في رواية يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد الله (عليه السلام)


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض، ح 2.

[ 85 ]

قال: (في حديث) وكل ما رأت المرأة في أيام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض... (1)، وكذلك في غيرها من الاخبار (2) حيث ان الظاهر أن كلمة من للجنس ولا معنى لان تكون نشوية لان الدم لا ينشأ عن الحيض، و (منها): ما سأل فيه سلمان (ره) عليا (عليه السلام) عن رزق الولد في بطن أمه، فقال: ان الله تبارك وتعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقه في بطن أمه (3) حيث أطلق الحيضة على نفس الدم ومنها غير ذلك من الاخبار (4) ولعله من هنا فسر الاصحاب (قدهم) الحيض بالدم حيث قولوا إنه دم اسود عبيط... ثم إن معنى الحيض هو السيلان فيقال: حيض الماء أي سيله كما في القاموس وهذا أيضا يدل على أن الحيض معنى حدثي حيث اشتق منه وليس من الجوامد هذا كله في معنى الحيض ومادته. (اوصاف الحيض) وأما أوصافه فالذي يدل عليه الروايات ويستفاد من اخبارات النساء ان دم الحيض يمتاز عن بقية الدماء ويخرج بدفع وقوة وحرارة، وانه طري - على خلاف المتعارف في الدم الباقي المحتبس حيث تذهب


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من أبواب الحيض، ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 4 من أبواب الحيض، ح 3 و 5 و 6 و 9. (3) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض، ح 13. (4) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض، ح 3. وغيرها.

[ 86 ]

طراوته - وهو المعبر عنه في الاخبار بالعبيط (1)، وأنه أسود، والظاهر ان المراد به كثرة الحمرة والافلم ير دم بلون السواد كالفحم. وذكر في المتن كما ذكر غيره أنه غليظ، وهو وان لم يذكر في الاخبار ولكنه امر محتمل الوجود في الحيض ويأتي ما يتعين به دم الحيض عند الاشتباه من غير حاجة إلى اعتبار الغلظة. (السن الذي يخرج فيه الحيض) وأما السن الذي يخرج فيه الحيض فقد أشار إليه الماتن بقوله ويشترط أن يكون بعد البلوغ الخ أي اكمال تسع سنين كما في صحيحة ابن الحجاج عن الصادق (على السلام) ثلاث يتزوجن على كل حال وعد منها التي لم تحض ومثلها لا تحيض قال: قلت: وما حدها؟ قال: ما لم تبلغ من تسع سنين. هكذا قيل والصحيح أن يقال إن رواية ابن الحجاج ضعيفة لان في سند الشيخ إليه ابن عبدون وعلي بن محمد بن الزبير وهما لم يوثقا في الرجال. نعم ابن عبدون من مشايخ النجاشي فلا بأس به من هذه الجهة - بخلاف ابن الزبير - كما يأتي قريبا انشاء الله تعالى (3) والاولى ان يستدل بموثقة عبد الله بن سنان إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليها السيئة وعوقب،


(1) كما في صحيحة حبس وغيرها الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض، ح 2. (2) الوسائل: ج 15 باب 3 من أبواب العدد ح 5. (3) ويأتي في الذيل هناك قاعدة تنفع المقام فليلاحظ.

[ 87 ]

[ وقبل اليأس (1) فما كان قبل البلوغ أو بعد اليأس ليس بحيض وإن كان بصفاته، والبلوغ يحصل باكمال تسع سنين، واليأس ببلوغ ستين سنة في القرشية وخمسين في غيرها. ] وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك وذلك أنها تحيض لتسع سنين (1). على أن اعتبار ذلك أمر متسالم على بل قالوا أنه ضروري عند المسلمين حتى المخالفين. ويأتي أن أقله ثلاثة أيام فإذا وقع بعض الثلاثة قبل اكمال التسع لم يحكم بحيضية الدم وعليه فلا وقع للتكلم في أنها إذا رأت الدم في آن إكمال التسع هل هو حيض أو ليس بحيض وذلك إذ يعتبر في الحيض أن يكون ثلاثة أيام على الاقل فلو وقع بعض من الثلاثة قبل إكمال التسع بحيث صدق عرفا أن الثلاثة قبل الاكمال لم يحكم بالحيضية بوجه وأما منتهى رؤية الحيض فقد اشار إليه بقوله (وقبل اليأس). ((منتهي رؤية الحيض) (1) ذهب بعض العامة إلى أن حد اليأس هو سبعون سنة، وحدده بعض آخر بخمسين أو بخمسة وخمسين: إلى غير ذلك من التفاصيل وقال: بعضهم أن الحيض لامنتهى له فكل دم تراه المرأة بعد بلوغها يحكم بحيضيته عند استجماعه الاوصاف والشرائط وأما أصحابنا فقد ذهب


(1) المروية في باب 44 من كتاب الوصايا ج 13 ح 12.

[ 88 ]

جملة منهم كالشيخ في نهايته وجملة وصاحب السرائر والمحقق في كتاب الطلاق إلى أن حده خمسون سنة بلا فرق في ذلك بين القرشية وغيرها. وفى قبال هذا قولان آخران (أحدهما): أن حد انقطاع الحيض ستون سنة في القرشية وغيرها وهو قول المحقق في كتاب الطهارة، ونسب إلى العلامة في المنتهى والمختلف ونسب إلى الاردبيلي الميل إليه. و (ثانيهما): أن حده في القرشية ستون وفي غيرها خمسون. وهذا هو المعروف بين اصحابنا ومنشأ الخلاف هو اختلاف الاخبار حيث ورد في روايتي بعد الرحمن بن الحجاج الستين رواهما صفوان عنه عن أبى عبد الله (عليه لاصلام) أن حده خمسون ففي أحديهما قال قال أبو عبد الله (عليه الصلام) ثلاث يتزوجن على كل حال - إلى ان قال - والتي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض، قلت: وما حدها؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة (1). وهذه ضعيفة بسهل بن زياد الواقع في سندها وفي ثانيتهما عن أبى عبد الله (على السلام) قال: حد التي قد يئست من المحيض خمسون سنة (2). وهي صحيحة. وهناك روايتان تدلان على ان حد اليأس ستون سنة. (احدهما) مرسلة الكليني: وروي ستون سنة أيضا (3).


(1) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب الحيض، ح 6. (2) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب الحيض، ح 1. (3) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب الحيض، ح 4.

[ 89 ]

و (ثانيتهما) رواية الشيخ (قدس سره) بأسناده عن علي بن الحسن ابن فضال عن أبي الخطاب عن صفوان عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: قلت: التي قد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض؟ قال: إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض (1). وهاتان الطائفتان متعارضتان لان الطائفة الاولى تدل باطلاقها على أن حد اليأس خمسون سنة في القرشية وغيرها. والثانية تدل باطلاقها على ان الحد فيها ستون سنة. وهناك مرسلتان مفصلتان بين القرشية وغيرها: (احديهما): مرسلة ابن أبي عمير عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال: إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة إلا أن تكون إمرأة من قريش (2). ((وثانيتهما) مرسلة الصدوق: قال: قال الصادق (عليه السلام): المرأة إذا بلغت خمسين سنة لم تر حمرة الا أن تكون إمرأة من قريش وهو حد المرأة التى تيأس من الحيض (3). هذه هي روايات المسألة. تعم روى المفيد مرسلا إن القرشية والنبطية تريان الدم إلى ستين سنة (4) حيث ألحق النبطية إلى القرشية. إلا انه مما لم يظهر القائل به حتى أن راوي الحديث الذي هو المفيد (قدس سره) لم يذهب إلى


(1) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب الحيض، ح 8. (2) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب الحيض، ح 2. (3) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب الحيض ح 7. (4) الوسائل: ج 2 باب 31 من أبواب الحيض ح 9.

[ 90 ]

إلحاقها بالقرشية، وبما ان الطائفتين الاوليتين متعارضتان فتجعل الطائفة المفصلة شاهد جمع بين الطائفتين وبها تحمل الطائفة الاولى على غير القرشية والثانية على القرشية. أويقال أن الطائفة الثالثة تخصص الطائفة الاولى بغير القرشية لان اطلاقها وان كان يشمل القرشية أيضا إلا ان الطائفة الثالثة تخصصها بالمرأه غير القرشية وبهذا تنقلب النسبة بينهما وبين الطائفة الثانية وتكون النسبة بينهما عموما مطلقا لان الثانية مطلقة وتدل باطلاقها على ان حد اليأس ستون سنة في القرشية وغيرها والطائفة الاولى بعد تقييدها بغير القرشية تدل على ان حد اليأس في غير القرشية خمسون سنة فهي أخص مطلقا عن تلك الطائفة فتخصصها بالقرشية لا محالة. هذا غاية ما يمكن ان يقرب به المسلك المشهور. وربما يناقش في ذلك بأنها ضعيفة سندا حيث أن الشيخ يرويها عن علي بن حسن بن فضال وطريقه إليه ضعيف لان فيه أحمد بن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير ولم يثبت توثيقها. ولكن الصحيح ان أحمد بن عبدون ثقة لانه من مشايخ النجاشي ومشايخه كلهم ثقات، وطريق الشيخ إلى ابن فضال وان كان ضعيفا بعلي بن محمد بن الزبير إلا أن ذلك الكتاب بعينه هو الذى للنجاشي إليه طريق صحيح وعليه فلا أثر لضعف طريق الشيخ بعد وحدة الكتاب. وأما ما ورد في كلام النجاشي: وكان - يعنى احمد بن عبدون - قد لقي أبا الحسن علي بن محمد القرشى المعروف بابن الزبير وكان علوا في الوقت، فهو يدل على أن الرجل في ذلك الوقت كان من الاكابر وعالي المقام ولا يستفاد منها الوثاقة بوجه.

[ 91 ]

على أنا لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على ان الجملة المذكورة تفيد التوثيق فكلام النجاشي مجمل ولم يعلم ان الضمير في قوله (وكان علوا) يرجع إلى ابن عبدون أو إلى ابن الزبير وعلى كل حال فهو يرجع إلى احدهما لا محالة. ومن الغريب ما في بعض الكلمات (1) من إرجاع الضمير إلى ابن عبدون والاستدلال به على وثاقته، وإرجاعه إلى ابن الزبير والاستدلال به على وثاقته (فليراجع)، هذا كله في رواية الشيخ. وأما مرسلة الكليني فيدفعها: ضعف سند ها بالارسال. وأما المرسلتان المستدل لهما على القول المشهور من التفصيل بين القرشية وغيرها فلا يمكن الاستدلال بهما لارسالهما وقد مرغير مرة أنا لا نعتمد على المراسيل ولو كان مرسلها ابن ابى عمير للعلم بأنه يروي عن الضعفاء ومعه نحتمل أن يكون الواسطة المحذوفة من الضعفاء الذين قد يروي عنهم ابن أبى عمير. (تحقيق المسألة): والصحيح أن يقول: أن روايتي ابن الحجاج غير قابلتين للاعتماد عليهما في نفسيهما وذلك لان الرواي عن ابن الحجاج في كلتا الروايتين شخص واحد وهو صفوان، وقد روى هو إحداهما لشخص والثانية لراو آخر فلو كان كل من الروايتين صادرا عنه (عليه السلام) لم


(1) راجع تنقيح المقال ترجمة: احمد بن عبد الواحد، وترجمة: علي بن محمد بن الزبير.

[ 92 ]

يكن أي وجه لما صنعه صفوان حيث نقل إحداهما لراو والآخر لارو آخر ولم ينقل له كلتيهما نعم في نقل الرواية الاولى يمكن ان نفرضه فيما قبل سماعه الرواية الثانية من ابن الحجاج فلذا لم ينقل للراوي الاول الا ما سمعه وهو احداهما ولكنه بعد ما سمع الرواية الثانية ليس له ان ينقل للرواي احداهما دون الاخرى لعلمه بأن في المسألة روايتين فلو اكتفي بنقل احداهما كانت هذه خيانة واضحة وتأبى ذلك منزلته ووثاقته فبهذا نجزم أن إحداهما غير صادرة عنه (عليه السلام) وهذا كما ترى لااختصاص له باحداهما المعينة فانه كما نحتمل ان تكون رواية الستين غير صادرة عنه (عليه السلام) كذلك نحتمل أن تكون رواية الخمسين كذلك فالروايتان من باب اشتباه الحجة باللا حجة وغير صالحتين للاعتماد عليهما في الاستدلال. إذا نحن ومقتضى القاعدة في المقام: ولا ينبغي الاشكال في ان الدم الدي تراه المرأة بعد الستين ليس بحيض، كما ان ما تراه قبل الخسمين محكوم بالحيضية على التفصيل الآتي في محله، وأما ما تراه بين الستين والخمسين فمقتضى الاطلاقات الدالة على أن كل دم واجد لاوصاف الحيض حيض، أو أن ما تراه المرأة في ايام عادتها حيض، هو الحكم بالحيضية. إلا ان المشهور حيث لم يلتزموا بالحيضية بين الحدين في غير القرشية فلابد فيه من الاحتياط بالجمع بين تروك الحائض وافعال المستحاضة هنا. ثم لو تنزلنا عن ذلك وبنينا على أنهما روايتان مستقلتان قد صدرتا من الامام (ع) فهما متعارضتان لا محالة ولا مرجح لما دل على

[ 93 ]

[ والقرشية من انتسب إلى نضر بن كنانة (1) ] التحديد بالخمسين لو لم نقل بوجود المرحج لما دل على التحديد بالستين لوجود القائل بالخمسين من العامة بخلاف التحديد بالستين، إذا يتعين الحكم بالتساقط والعمل بالاحتياط لعين الوجه المتقدم آنفا. (تعريف القرشية) (1) على تقدير التفصيل بين القرشية وغيرها يقع الكلام في معرفة القرشية، فقد يقال إن قريش اسم لنضر بن كنانة وهو أحد اجداد النبي - ص -، وقيل ابه اسم لفهر بن مالك بن نضر، فأولاد أخي فهر لا تنتسب إلى قريش وإن كانت من أولاد مالك بن نضر، وحيث أن المخصص منفصل اعني ما دل على أن القرشية تحيض إلى الستين، وهو الذي خصص ما دل على ان المرأة تحيض إلى خمسين، ودار أمره بين الاقل والاكثر فلا مناص من الاكتفاء في تخصص العموم بالمقدار المتيقن وهو الاقل، وعليه فيقصر في الحكم بحيضية الدم الذي تراه المرأة بعد خمسين على المرأة المنتسبة إلى فهر بن مالك ولا نتعدى عنها إلى المنتسبة إلى نضر بن كنانة بغير واسطة فهر. والذى يوهن الخطب أن القرشية لا وجود لها غير أولاد عباس وعلي (ع) إذ لم يعلم لأولاد مالك غير فهر اولاد حتى يتكلم في انه قرشي أو غير غير قرشي فمحل الابتلاء معلوم القرشية على كل حال وغيره خارج عن محل الابتلاء.

[ 94 ]

[ ومن شك في كونها قرشية يلحقها حكم غيرها (1) والمشكوك ] (1) وذلك للاستصحاب وتوضيحه: إن الياء في القرشى والقرشية نسبية ومعناها الرجل المنتسب إلى قريش أو المرأة المنتسبة إليه، وهذا العنوان الوجودي هو المستثنى عن العام، والمستثني منه معنون بعنوان عدمي اعني المرأة غير المنتسبة إلى قريش ومعه إذا شككنا في ان امرأة قرشية أو غيرها فنستصحب عدم تحقق الانتساب بينها وبين قريش. فان المرأة وإن كانت موجودة بالوجدان إلا أن انتسابها إلى قريش مشكوك فيه وهو عنوان وجودي مسبوق بالعدم والاصل عدم تحققه فبهذا يثبت الموضوع للحكم بعدم الحيض بعد خمسين حيث أن موضوعه مركب من أمرين أحدهما ذات المرأة وثانيهما عدم انتسابها إلى قريش فبضم الوجدان إلى الاصل نحرز الموضوع للعموم. ولا يعارضه اصالة عدم انتسابها إلى غير قريش من المضرية والكلابية وغيرها إذ لا أثر لكون المرأة منتسبة إلى غير قريش وانما الاثر مرتب على انتسابها إلى قريش فإذا نفيناه بالاستصحاب فلا محالة تفخل المرأة المشكوك حالها في موضوع العموم وهذا الاصل أمر تسالم عليه ولعله مما لا خلاف فيه. ومن هنا ترى الاصحاب في مسائل الارث والديات والزواج يتمسكون بدلك من غير نكير - مثلا - إذا شك في أن زيدا من أولاد الميت حتى يرثه أو انه ليس من اولاده، لا يعطونه من إرثه لاستصحاب عدم تحقق الانتساب بينهما، لان الارث مترتب على من انتسب إلى الميت بالتولد أو بغيره ومقتضى الاصل عدمه، وكذا إذا شك في أن

[ 95 ]

من بريد تزويج إمرأة كانت امرأة زيد في زمان، هل هو ابن زيد ليحرم عليه تزويج المرأة لحرمة منكوحة الاب على ابنه وهي منكوحة لزيد فتحرم على ولده أو انه ليس من أولاده، جاز تزويج تلك المرأة باستصحاب عدم تحقق الانتساب بينه وبين زيد بالتولد. أو إذا قتل أحد أحدا وشككنا في أن المقتول ولد للقاتل حتى لا يقتل لان الاب لا يقتل بقتل ابنه ولو متعمدا أو هو من مستثنيات القصاص في القتل العمدي أو أنه اجنبي عنه وليس ولده حتى يقتل قصاصا، يحكم بقتله لاستصحاب عدم تحقق الانتساب بينه وبين المقتول بالتوالد وهكذا فالاصل الجاري في المقام أمر متسالم عليه في أبواب الفقه عندهم. ولعله لذا لم يستشكل شيخنا الاستاذ (قده) في تعليقته على المتن في هذه المسألة حيث لم يخالف الماتن وامضى حكمه بالحاق من شك في قرشيته إلى غيرها، مع انه (قده) منع عن الاصل في الاعدام الازلية في الاصول ولولا كونه اجماعيا وموردآ لتسالمهم كان من حقه الاستشكال في المسألة والحكم إما بالاحتياط أو بالحيضة تمسكا بعموم ما دل على ان الدم المشتمل على أوصاف الحيض حيض أو ما دل على ان ما يمكن أن يكون حيضا حيض، الا انه لم يخالف الماتن اعتمادا على اجماعهم وتسالمهم. إلا أنا لو كنا لم نقل باستصحاب العدم الازلي في محله لم يمكننا موافقة المتن في المسألة، إذ لم يعلم أن اجماعهم تعبدي ومن المحتمل أن يكون مدرك البعض اولا كلهم هو جواز جريان الاصل في الاعدام الازلية ومع هذا الاحتمال لا يمكن الاعتماد على الاجماع أبدا.

[ 96 ]

[ البلوغ محكوم بعدمه (1) والمشكوك بأسها كذلك (2): (مسألة 1): إذا خرج ممن شك في بلوغها دم وكان بصفات الحيض يحكم بكونه حيضا ويجعل علامة على البلوغ بخلاف مااذا كان بصفات الحيض وخرج (3) ممن علم عدم بلوغها فانه لا يحكم بحيضيته وهذا هو المراد من شرطية البلوغ. ] (1) للاستصحاب وهو من الاصل النعتي وغير مبتن على جريان الاصل في الاعدام الازلية. (2) أيضا للاستصحاب النعتي لان الاصل عدم بلوغ المرأه خمسين سنة فلا مانع من الرجوع إلى الاستصحاب في هذين الفرعين لانه من الشبهات الموضوعية والاصل فيهما تعني. الدم الخارج من مشكوك البلوغ (3) الكلام في الدم الخارج من الصبية قبل اكمالها تسع سنين أو مع الشك في بلوغها تسعا وعدمه إذا كان بصفة دم الحيض يقع في مقامين: (أحدهما): في مقام الثبوت وأن الدم الخارج قبل إكمال تسع سنين هل يمكن أن يكون حيضا أولايمكن؟ (وثانيهما): في مقام الاثبات وانه إذا شك في بلوغ الصبية تسعا وخرج منها دم متصف بأوصاف الحيض فهو امارة على الحيضية والبلوغ أولا؟ لا يحكم به على كون الدم حيضا وعلى الصبية بالبلوغ.

[ 97 ]

اما المقام الاول: فمقتضى الاخبار المحددة للحيض الواردة في ان الصبية لا ترى حيضا قبل اكمالها تسع سنين كما في صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج (1) المتقدمة وغيرها عدم تحقق الحيض قبل اكمال الصبية تسع سنين ولو كان متصفا بأوصاف الحيض. و (دعوى) أن ذلك محمول على الغلبة، وإلا فالحيض أمر واقعي يخرج من عرق خاص، ولو قبل إكمال الصبية تسعا فلا مانع من خروج الحيض قبله. (مندفع): بأن ذلك على خلاف ظواهر الاخبار المحددة الدالة على عدم رؤية الصبية الحيض قبل اكمال تسع سنين، على أن الغلبة كما هي متحققة قبل اكمال التسع كذلك متحققة بعد اكماله حيث ان المتعارف أن الصبية لا ترى الحيض قبل اكمال ثلاث عشر سنة وعليه فما فائدة التحديد بالتسع؟! ومعه يقع الاخبار المحددة للحيض ببلوغ تسع سنين لغوا ظاهرا ولا مناص معه من أن يكون الحيض محدودا ببلوغ التسع وعدم تحققه قبله حقيقة أو بالحكومة لو قلنا بأنه أمر واقعى وله عرق مخصوص يمكن أن يخرج قبله لدلالة الاخبار المذكورة على اشتراط الحيض بالبلوغ. واما توهم ان الاوصاف الموجودة في الدم امارة على الحيضية ولا مانع من التعبد بها لقيام الامارة عليها على الفرض. فيدفعه: ما تقدم من أن الاخبار المشتملة على تلك الاوصاف إما أن عنوان المرأة قد أخذ في موضوعها وان الدم الخارج من المرأة إذا كان حارا وخارجا


(1) تقدم في اول الفصل، الوسائل: ج 15 باب 3 من أبواب العدد، ح 5.

[ 98 ]

بدفع وقوة وكان أسود فهو حيض، وإما انها مطلقة ولكن التعبد بالحيضة انما يتصور في مورد قابل وهو على ما دلت عليه الاخبار عبارة عن الصبية المكملة تسعا ومع عدم بلوغها التسع لا يمكن ان يحكم بكون الدم الخارج منها حيضا كما لا يحكم بذلك إذا خرج من غير الموضع المعهود ولو كان بصفات دم الحيض هذا كله في المقام الاول. وأما المقام الثاني فقد ذهب جمع منهم الماتن (قده) إلى ان الدم الخارج عن الصبية المشكوكة بلوغها تسعا إذا كان بصفة دم الحيض محكوم بالحيضة ولعل هذا هو المعروف بينهم فتجعل الصفات أمارة على الحيضية والبلوغ تسعا. الا أن الظاهر أن ذلك أيضا ملحق إلى سابقه في الفساد، وذلك لان الحكم بالحيضية والبلوغ بالامارة إما أن يكون مع الشك في حيضية الدم إما ان يكون مع العلم بكونه حيضا، أما إذ شك في انه حيض أو ليس بحيض فلا يمكن الحكم بكونه حيضا لاشتراطه بالبلوغ تسعا ومع الشك في تحقق شرطه بل التعبد بعدم تحققه لاستصحاب عدم البلوغ كيف يمكن الحكم بحيضيته والبلوغ؟ واما مع العلم بكونه حيضا فأيضا لا معنى للامارة والتعبد بها بالبلوغ إذ العلم بالحيضية يساوق العلم ببلوغ الصبية تسعا لانه لازم اشتراط الحيض بالبلوغ تسعا ومع عدم العلم بتحققه كيف يعلم ان الدم حيض، ومع العلم بهما لا معنى للامارية أبدا فما ذهبوا إليه من ان الصفات حينئذ أمارة على الحيضية والبلوغ مما لا وجه له. نعم ورد في جملة من الروايات أن وجوب الصوم والصلاة ووجوب

[ 99 ]

الخمار في الصلاة انما هو مترتب على الحيض وهذا كما في مرسلة الصدوق: على الصبي إذ احتلم الصيام وعلى المرأة إذا حاضت الصيام (1). وموثقة عمار عن ابي عبد الله (عليه الصلام) قال سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة قال: إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشر سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم (2). ورواية أبي بصير عن أبى عبد الله (عليه الصلام) أنه قال: على الصبي إذا احتلم الصيام وعلى الجارية إذا حاضت الصيام والخمار (3). وصحيحة يونس بن يعقوب انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل..، إلى أن قال قلت فالمرأة، قال: لاولا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار الا أن لا تجده (4). ومنها غير ذلك من الاخبار حيث دلت على أن وجوب الصيام والصلاة والاختمار فيها على الصبية مترتبة على أحد امرين: إما أن يأتي عليها ثلاث عشرة سنة وأما ان تحيض، ومعه فالمدار على حيض الصبية دون بلوغها تسعا فلو اخذنا بتلك الروايات اصبحت الاخبار الدالة على اشتراط الحيض ببلوغ التسع لغوا ظاهرا.


(1) الوسائل: ج 1 باب 4 من أبواب مقدمة العبادات ح 10. (2): الوسائل: ج 1 باب 4 من أبواب مقدمة العبادات ح 12. (3) الوسائل: ج 3 باب 29 من أبواب لباس المصلي الحديث 3 ج 7 باب 29 من أبواب من يصح منه الصوم ح 7. (4) الوسائل: ج 3 باب 28 من أبواب لباس المصلي ح 4.

[ 100 ]

فصونا لتلك الاخبار عن اللغوية لا مناص من جعل أوصاف الحيض في الدم إمارة تعبدية على حيضية الدم وعلى بلوغ الصبية تسعا ولا محذور في التعبد بالامارة مع الشك في البلوغ وعدمه. ويندفع هذا أيضا بأن الاخبار الدالة على ترتب الاحكام المذكورة على الحيض فحسب أو على بلوغ ثلاث عشرة سنة اجنبية عما نحن فيه لان الكلام فيما إذا شككنا في بلوغ الصبية تسعا وعدمه وخرج منها دم متصف بأوصاف الحيض وشككنا في حيضيته للشك في شرطها وهو بلوغها تسعا فهل يحكم بكونه حيضا أو لا يحكم؟ والاخبار المذكورة انما دلت على ان الدم إذا فرغنا عن كونه حيضا يترتب عليه الاحكام المذكورة، وأما ان الحيض متى يكون؟ ومشروط بأي شئ؟ فلا دلالة لها على ذلك بوجه فمقتضى الاخبار الدالة على اشتراطه بالبلوغ هو الحكم بعدم كونه حيضا للشك في شرطه بل للتعبد بعدم تحققه لاستصحاب عدم البلوغ. على ان تلك الاخبار اكثرها ضعيفة السند ومعارضة في موردها بما دل على ترتب الاحكام المذكورة من حين البلوغ تسعا فلو تمت من حيث السند والمعارض لم يكن اي مانع من الالتزام بمداليلها والحكم بأن الاحكام المذكورة مترتبة على احد الامرين من بلوغ ثلاث عشرة سنة أو الحيض أو أن فيها تفصيل بين الصوم فلا يجب الا بعد اكمال ثلاث عشرة سنة وبين وجوب الصلاة وغيرها فانما يترتب على رؤيتها الحيض أو البلوغ تسعا كما فصل بينهما القاساني في مفاتيحه - على ما ببالي - والفرض أن الاخبار اجنبية عن المقام وان مفادها أمر والمقام أمر آخر فالمتحصل: أنه لم يرد نص ولو ضعيفا في ان الدم المتصف بأوصاف

[ 101 ]

[ (مسألة 2): لا فرق في كون اليأس بالستين أو الخمسين بين الحرة والامة وحار المزاج وبارده واهل مكان ومكان (1). (مسألة 3): لا اشكال في أن الحيض يجتمع مع الارضاع (2) وفي اجتماعه مع الحمل قولان (3). ] الحيض مع الشك في بلوغ الصبية تسعا محكوم بالحيضية، بل لابد من الحكم بعدم حيضيته بمقتضى استصحاب عدم بلوغها تسعا. (1) وهذا كله للاطلاق. (اجتماع الحيض مع الارضاع والحمل) (2) وذلك للاطلاقات الدالة على ان كل دم واجد لصفات الحيض حيض أو ان ما تراه المرأة أيام عادتها فهو حيض، على أن المسألة متسالم عليها وقد عد بعضهم امكان اجتماع الحيض مع الارضاع من الضروريات. (3) فهل الحيض يجتمع مع الحمل مطلقا أو لا يجتمع معه كذلك أوان فيه تفصيلا؟ وجوه. المشهور أن الحيض يجتمع مع الحمل وذهب جماعة إلى عدم جواز اجتماعهما كما عن المفيد وابن الجنيد والحلي والمحقق في الشرايع ونسبه في المنافع الي أشهر الروايات. وهذا منه (قده) عجيب حيث ان الاخبار المستدل لها على عدم جواز الاجتماع قليلة ولا يكاد يخفى عدم

[ 102 ]

كثرتها فضلا عن كونها أشهر على المحقق (قده) ولعله اراده من ذلك امرا آخر كما ستقف عليه. والكلام الان في اثبات امكان اجتماع الحيض مع الحمل في الجملة فقد دلت الروايات الكثيرة (1) التي فيها الصحاح وغيرها على ان الحبلى قد تقذف بالدم ولا اشكال في سندها ولافي دلالتها وفي قبالها روايات اخرى استدل بها عدم اجتماع الحيض مع الحمل. (الروايات المستدل بها في المقام) (منها) من رواه النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه (ع) أنه قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) ما كان الله ليجعل حيضا مع حبل، يعني إذا رأت الدم وهي حامل لا تدع الصلاة الا ان تري على رأس الولد إذا ضربها الطلق ورأت الدم تركت الصلاة (1). وهي وان كانت واضحة الدلالة على عدم اجتماع الحيض مع الحمل إلا انها لا تقاوم الاخبار الصحيحة الكثيرة الدالة على جواز اجتماعهما وذلك لانها وان كانت موثقة بحسب السند غير انها موافقة للعامة والراوي عن الامام (عليه السلام) هو السكوني وهو عامي فتحمل الرواية على التقية لا محالة. و (منها) رواية مقرن عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: سأل سلمان عليا (ع) عن رزق الولد في بطن أمه، فقال: ان الله


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض: ح 12.

[ 103 ]

تبارك وتعالى حبس عليه الحيضة فجعلها رزقه في بطن امه (1). وهذه الرواية لادلالة لها على المدعى لانه لا تنافي بين أن تكون الحيضة رزقا للولد في بطن امه وبين ان تقذفها المرأة فيما إذا كثرت وزادت على رزق الولد. ويدل على ذلك صريحا صحيحية سلمان بن خالد قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك الحبلى ربما طمثت؟ قال: نعم وذلك إن الولد في بطن امه غذاءه الدم فربما كثر ففضل عنه فإذا فضل دفقته فإذا دفقته حرمت عليها الصلاة (2). و (منها) صحيحة حميد بن المثنى قال سألت ابا الحسن الاول (ع) عن الحبلى ترى الدفقة والدفقتين من الدم في الايام وفي الشهر والشهرين فقال: تلك الهراقة ليس تمسك هذه عن الصلاة (3). والجواب عنها ان الدفقة والدفقتين لا نحسب حيضا حتى في غير الحبلى لان أقله ثلاثة ايام. ويدل على ذلك ان هذا الراوي بعينه - يعني حميد بن المثنى المكنى بأبي المعزا - روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدم قال: تلك الهراقة ان كان دما كثيرا فلا تصلين، وان كان قليلا فلتغتسل عند كل صلاتين (4). حيث فصلت بين القليل والكثير ونفت كونه


(1) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض، ح 13. (2) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض، ح 14. (3) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض، ح 8. (4) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض. ح 5.

[ 104 ]

حيضا عند قلته. وهذا لا ينافي كونه حيضا فيما إذا كان بصفة الحيض من حيث المدة وسائر الشرائط كما دلت عليه تلك الرواية. فتحصل ان هذه الاخبار لا يمكن الاستدلال بها على عدم اجتماع الحيض مع الحمل. وأما غير الاخبار من الوجوه التي استدل بها على عدم جواز اجتماعها. (سائر الوجوه المستدل لها على عدم الجواز) (فمنها): ما استدل به الحلي (قده) من أن الاخبار قد استفاضت بل تواترت على وجوب استبراء الامة بحيضة واحدة كما في الجواري المسبية (1) والامة المشتراة أو المحللة أو المنتقلة إلى شخص آخر بغير البيع كالارث ونحوه بل المرأة المزني با ولو كانت حرة حيث تستبرء بحيضة واحدة إذا عقد عليها احد. ولا يبعد تواتر تلك الروايات ولو على نحو الاجمال فلو أمكن اجتماع الحمل مع الحيض لم يكن اي وجه وفائدة بالاستبراء بحيضة واحدة إذ لا يستكشف بها نقاء رحمها لاحتمال ان تكون حبلى كما هو الحال قبل استبرائها. ولعل المحقق (قده) نظر إلى تلك الروايات حيث نسب عدم جواز اجتماع الحيض مع الحبل إلى أشهر الروايات على ما قدمنا الاشارة إليه آنفا


(1) الوسائل: ج 14 باب 15 - 3 - 18 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - وغيرها من الموارد.

[ 105 ]

والجواب عن ذلك: النقض بأن الحمل إذا قلنا بعدم اجتماعه مع الحيض فما فائدة وجوب الاعتداد على المطلقة وغيرها ثلاثة قروء لان الحيضة الواحدة تكشف عن عدم حملها لا محالة فلا حاجة ولا ثمرة في ضم حيضتين أخيرتين إليها. وحله: أن العدة ثلاثة قروء والاستبراء بحيضة واحدة حكم تعبدي واستكشاف نقاء الرحم بذلك من قبيل الحكمة ومن أحد فوائدها لا أنه علة للحكم وقد تتخلف الحكمة عن الحكم. والوجه في اكتقاء الشارع بحيضة واحدة هو الغلبة حيث أن الغالب عدم اجتماع الحمل مع الحيض ومعه يكون الحيض أمارة ظنية على النقاء وعدم الولد والشارع اكتفي بالامارة الظنية كما هو الحال في بقية الامارات كالبينة لانها غالبة المصادفة مع الواقع وقد تخطئ وتشتبه. ولا تتوهم أنه لا حاجة إلى جعل الامارة الظنية في المقام لامكان كون الحيضة أمارة قطعية على عدم الحمل وذلك كما إذا بنينا على عدم اجتماع الحيض مع الحمل. والوجه في عدم صحة هذا التوهم أن النتيجة تابعة لاخس المقدمتين فهب انا بنينا على عدم اجتماع الحيض مع الحمل وقطعنا في المقام على أن الحيضة لا تجتمع مع الحبل الا أن هذه كبرى القياس وصغراها ان ما رأته المرأة حيض وهذا أمر غير مقطوع به لانا انما نستكشف دم الحيض بالصفات والامارات ككونه في أيام عادتها وهي امارات ظنية ومعه تكون النتيجة ظنية لا محالة. (منها) ما استدل به الحلي (قده) ثانيا: من ان طلاق الحبلى

[ 106 ]

جائز للاخبار لانها من الخمس التي يجوز طلاقها على كل حال (1) وطلاق الحائض غير جائز للنصوص ونتيجة هذين الامرين أن الحيض لا يحتمع مع الحمل. إذ يقال حينئذ أن كل حائض لا يجوز طلاقها فمن جاز طلاقها فليست بحائض وقد فرضنا أن الحبلى يجوز طلاقها فهي ليست بحائض. أو يقال إن كل حبلى يجوز طلاقها فمن لم يجز طلاقها ليست بحبلى وقد فرضنا ان الحائض لا يجوز طلاقها فهي ليست بحبلى. والجواب عن ذلك ان عدم جواز طلاق الحائض ليس من القواعد العقلية غير القابلة للتخصيص وانما هو حكم شرعي قابل للتخصيص لا محالة كما قد خصص في الحائض الغائب عنها زوجها حيث يجوز طلاقها ولو كان مصادفا لايام حيضها وهي من احدى الخمس التي يحوز طلاقها على كل حال وعليه فلا مانع من الالتزام بالتخصيص أيضا في المقام. ونقول: ان الحبلي يجوز أن تكون حائضا وأيضا يجوز طلاقها ولو كانت حائضا تخصيصا فيما دل على عدم جواز طلاق الحائض وقد دلت الاخبار المتقدمة على أن الحبلى يجوز أن تكون حائضا. و ((منها): ما استدل له العلامة وذكره وجها لما ذهب عليه ابن الجنيد من عدم اجتماع الحيض مع الحبل وهو أن اليائسة لا ترى الحيض ولا وجه له الا الغلبة وهي موجودة في الحبلي أيضا فالحبلى ايضا لا ترى الحيض للغلبة. ويدفعه: (أولا): ان هذا قياس ولا نقول بالقياس.


(1) راجع الوسائل: ج 15 من أبواب مقدمات الطلاق.

[ 107 ]

و (ثانيا) أنه مع الفارق والفارق النصوص المحددة للحيض بسن اليأس لان مقتضاها أن اليائسة لا ترى الحيض دائما أبدا لا غالبا وهذا بخلاف المقام لان الحبلى قد ترى الحيض ولم يقم دليل على عدم رؤيتها الحيض دائما وهذا وجه غير قابل للتعرض إليه إلا أنا تعرضنا له تتميما في الوجوه، فالى هنا تحصل ان الحبلى ترى الحيض في الجملة. (تفصيل المسألة) وأما تفصيل المسألة ففيها تفاصيل: (أحدها) ما عن الشيخ في الخلاف وعن السرائر والاصباح من التفرقة بين الدم الذي تراه الحبلى بعد استبان حملها فليس بحيض وبين ما تراه قبل الاستبانة فهو حيض، وادعي الشيخ (قده) عليه الاجماع الا أن ذلك لم يعهد من غيرهم فضلا عن أن يكون موردا لاجماعهم وتسالمهم، وعليه فيقع الكلام في انهم استفادوا هذا التفصيل من أي شئ؟! والظاهر انهم اعتمدوا في ذلك على ما ورد في بعض الروايات من أن الحيض حبسه الله سبحانه في الرحم غذاءا للولد، وعليه فلو كان الولد متحركا ومستبينا في بطن أمه على نحو كان قابلا للاكل فلا يخرج الحيض من أمه لانه غذاء للولد، واما إذا لم يستبن ولم يكن قابلا للاكل فلا مانع من خروجه فيحكم عليه بالحيض حينئذ. ويدفعه ما قدمناه من أن الحيض وان كان غذاءا للولد إلا أنه قد


(1) راجع الوسائل: الجزء 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 13 و 14.

[ 108 ]

يكثر ويخرج عن المرأة على وجه غير غالب فهذا التفصيل لاوجه له بل ورد في صحيحة أبي المعزا: (أن الحبلي بعدما استبان حملها إذا رأت ما تراه المرأة من الدم وكان كثيرا فلا تصلين وأنه حيض) (1) فليراجع. (الثاني) ما ذهب إليه الشيخ (قده) في نهايته وكتابيه في الاخبار من التفصيل بين ما تراه المرأة بعد العادة بعشرين يوما - أي بعد أول عادتها ومضي العشرين من أولها - فهو ليس بحيض، وما تراه المرأة في عادتها قبل مضي عشرين يوما من عادتها فهو حيض، وقد مال إليه صاحب المدارك (قده) وان قال أن مسلك المشهور لا يخلو عن قرب. ويدل على هذا التفصيل مصححة أو صحيحة حسين بن نعيم الصحاف قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ان ام ولدي ترى الدم وهي حامل كيف تصنع بالصلاة؟ قال: فقال لي: إذا رأت الحامل الدم بعدما يمضي عشرون يوما من الوقت الذي كانت ترى فيه الدم من الشهر الذى كانت تعقد فيه فان ذلك ليس من الرحم ولا من الطمث فلتوضأ وتحتشي بكرسف وتصلي، وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل ولو في الوقت من ذلك الشهر فأنه من الحيضة فلتمسك عن الصلاة عدد ايامها التي كانت تقعد في حيضها فان انقطع عنها الدم قبل ذلك فلتغتسل ولتصل... الحديث (2).


(1) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 5. (2) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 3.

[ 109 ]

اقسام الدم الخارج من الحبلى وعلى هذه الصحيحة ينقسم الدم الخارج من الحبلى اقساما ثلاثة: (احدها): ما خرج في ايام عادتها وهو محكوم بالحيضية مطلقا سواءا أكان واجدا لاوصاف الحيض من الحرارة والحرقة وغيرهما ام لم يكن، وذلك لاطلاق الصحيحة والاخبار الدالة على أن ما خرج من المرأة أيام عادتها فهو حيض مطلقا ولو كان صفرة. (ثانيها): ما خرج عن الحبلى بعد مضي عشرين يوما من عادتها فهو محكوم بعدم الحيضية مطلقا كان واجدا لاوصاف الحيض ام لم يكن، للصحيحة وبها يقيد الاطلاقات الواردة في أن ما رأته المرأة من الدم وكان واجدا لاوصاف الحيض فهو حيض فنختص المطلقات بغير الحبلى لا محالة. فما عن صاحب الجواهر وشيخنا الانصاري (قدهما) وغيرهما من استبعاد تقييد المطلقات المذكورة بهذه الصحيحة في غير محله، وكم من مورد في الفقه قيدنا إطلاق الاخبار الكثيرة بمقيد واحد؟!. كما لا يمكن تقييد الصحيحة بتلك الاخبار بأن يختص الحكم بعدم الحيضية بعد مضي عشرين يوما من أول عادتها بما إذا كان الدم اصفر ولم يكن على صفات الدم وذلك لاستلزامه ان يكون التقييد بمضي عشرين يوما في الحكم بعدم الحيضية لغوا ظاهرا لان ما لم يكن بصفات الحيض ليس بحيض حتى قبل عشرين يوما فما فائدة التقييد بمضي عشرين. وأما من عن المحقق الهمداني (قده) من أن الحكم بأن ما تراه

[ 110 ]

الحبلي بعد عشرين يوما من عادتها ليس بحيض، كالحكم بأن ما رأته في العادة حيض ليس الا بيانا لتكليفها الظاهري في مقام العمل جريا على ما تقتضيه العادات والامارات لا أن ما تراه بعد عادتها بعشرين يوما يمنتع أن يكون حيضا في الواقع ولو كان واجدا للصفات وكان دما كثيرا يصلح أن يكون حيضا. مندفع: بأن الصحيحة أو المصححة انما وردت مفصلة بين الامرين وظاهرها ان ما تراه الحبلى في أيام عادتها حيض حقيقة أو حكما وما تراه بعد العادة بعشرين يوما ليس بحيض أيضا حقيقة أو حكما، فما احتمله (قده) على خلاف ظاهر الصحيحة ومما لاوجه له. (وثالثها): ما تراه الحبلى بعد انقضاء ايام عادتها كعشرة أيام من أول الشهر مثلا وقبل مضي عشرين يوما كما إذا رأته في العقد المتوسط من الشهر، ولا تعرض في الصحيحة إلى انه حيض أو ليس بحيض فلا بد فيه من الرجوع إلي بقية الاخبار وهي قد دلت على التفصيل بين ما إذا لم يكن الدم الذي تراه المرأة في غير أيام عادتها متصفا بصفات الحيض كما إذا خرج أصفر مثلا فهو ليس بحيض. ويؤيده موثقة اسحاق بن عمار - وانما جعلناها مؤيدة لان فيها اشكالا يأتي - قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين قال (ع): ان كان دما عبيطا فلا تصلي ذينك اليومين وان كان صفرة فلتغسل عند كل صلاتين (1). ومرسلة محمد بن مسلم عن احدهما عليه السلام قال: سألته عن الحبلي قد استبان حبلها ترى ما ترى الحائض من الدم قال: تلك الهراقة


(1) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 6.

[ 111 ]

من الدم ان كان دما أحمر كثيرا فلا تصلي... الحديث (1). واما إذا كان الدم متصفا بأوصاف الحيض فمقتضى الاطلاقات الدالة على أن الدم الخارج من المرأة إذا كان واجدا لاوصاف الحيض فهو حيض أن يحكم بكونه حيضا بل يمكن استفادة ذلك من نفس الصحيحة وذلك لانها قيدت الحكم بعدم حيضية الدم الذي تراه الحبلي بمضي عشرين يوما من عادتها، وقد ذكرنا في محله ان القيد ذو مفهوم ويدل على ان الحكم لم يترتب على الطبيعي وإلا كان الاتيان بالقيد لغوا في الكلام فمنه يستفاد ان الحكم بعدم الحيضية مقيد بمضي عشرين يوما إذ لو لم يكن حيضا حتى قبل مضي العشرين فما فائدة التقييد بمضي عشرين يوما حينئذ؟! وعلى الجملة إلى هنا تحصل ان الدم الذي تراه الحبلى له اقسام ثلاثة: احدها: ما تراه في ايام عادتها فهو حيض مطلقا. وثانيها: ما تراه بعد مضي عشرين يوما فهو ليس بحيض مطلقا. وثالثها: ما تراه بعد انقضاء عادتها وقبل مضي عشرين يوما. ويرجع فيه إلى الصفات فان كانت موجودة فهو حيض وان لم يكن الدم متصفا بها فلا، ولامانع من الالتزام بذلك وهذا بخلاف غير الحبلى لان الدم الخارج من غير الحبلى على قسمين حيث انه اما ان يكون في ايام عادتها فهو حيض مطلقا واما ان يكون في غير ايام عادتها فيرجع فيه إلى الصفات. نعم الاحتياط في المقام - فما إذا رأت الحبلي الدم بعد عشرين


(1) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 16.

[ 112 ]

يوما وكان على صفات دم الحيض - في محله ولو لقلة القائل بهذا القول حيث لم يوافق الشيخ وصاحبيه إلا بعض المتأخرين لاحتمال ان يكون اعراضهم عن الصحيحة موجبا لاسقاطها عن الاعتبار وهذا بخلاف ما إذا لم يكن متصفا بصفات الحيض لانه ليس بمورد للاحتياط وان لم يتعرض إليه في المتن. التفصيل الثالث: ما مال إليه صاحب الحدائق (قده) وذكره وجها واحتمالا حيث ذكر ان مقتضي الجمع بين الاخبار هو ذلك أو غيره كما ذكره في الحدائق فراجع ونسبه إلى الصدوق (قده) من الحكم بأن ما تراه الحبلي من الدم إذا كان بصفة دم الحيض فهو حيض كان ذلك في ايام عادتها ام في غيرها، والحكم بعدم الحيضية إذا لم يكن بصفة دم الحيض بلا فرق في ذلك بين ايام العادة وغيرها فالحبلى تمتاز عن غيرها حيث ان غير الحبلى إذا رأت الدم في ايام عادتها يحكم بكونه حيضا وان لم يكن بصفات الحيض وهذا بخلاف الحبلى لانه إذا رأت الدم ولم يكن بصفة الحيض لا يحكم بكونه حيضا سواء كان في ايام عادتها ام لم يكن. وذلك لجملة من الاخبار الواردة في أن الحبلى إذا رأت الدم وكان كثيرا فلا تصلي وإن كان قليلا فليس عليها إلا الوضوء، أو لا تصلي إذا كان الدم احمر أو عبيطا دون ما إذا كان أصفر، فانها ظاهرة الدلالة على التفصيل في الحكم بحيضية ما تراه الحبلى من الدم بين كونه بصفات الحيض وما إذا لم يكن، بلا تفرقة في ذلك بين كونه في أيام عادتها أوفي غيرها هذا. ولكن الصحيح ان الحبلى كغيرها فلا مناص من الحكم بحيضية

[ 113 ]

ما تراه في ايام عادتها وان لم يكن بصفات الحيض وذلك لان ما استند إليه صاحب الحدائق من الاخبار الدالة على التفصيل بين ما تراه المرأة الحبلى من الدم بصفات الحيض وما إذا لم يكن بلا فرق بين ايام عادتها وغيرها، معارضة بما دل على أن ما تراه الحبلى في ايام عادتها حيض مطلقا، سواء أكان متصفا بصفات الحيض ام لم يكن، والنسبة بينهما عموم من وجه. لان ما استند إليه صاحب الحدائق (قده) خاصة من جهة اعتباره اشتمال الدم على صفات دم الحيض، ومطلقة من جهة كونه في أيام العادة أوفي غيرها، وهذه الاخبار خاصة من جهة اعتبارها كون الدم في ايام العادة ومطلقة من جهة كونه مشتملا على صفات الحيض ام لم يكن فتتعارضان فيما تراه الحبلى في ايام عادتها من الدم غير المتصف بأوصاف الحيض كما إذا كان أصفر. فان الاخبار المستند إليها في كلام صاحب الحدائق (قده) تقتضي عدم كونه حيضا، وهذه الاخبار تقتضي الحكم بحيضيته، وحيث ان التعارض بينهما بالاطلاق فيتساقطان ويرجع إلى العموم أو الاطلاق الفوق وهو ما دل على ان الحبلى إذا رأت الدم تركت الصلاة أو تدعها ومقتضاه الحكم بحيضية ما تراه الحبلى من الدم في ايام عادتها وان لم يكن بصفات دم الحيض هذا. ومع الاغماض من هذه المطلقات فليتمسك بما دل على أن المرأة إذا رأت الدم في أيام عادتها فهي حائض أو أن الدم حيض وان لم يكن بصفات الحيض، فهذا التفصيل أيضا غير صحيح.

[ 114 ]

[ الاقوى انه يجتمع معه، سواء كان قبل الاستبانة أو بعدها وسواء كان في العادة أو قبلها أو بعدها، نعم فيما كان بعد العادة بعشرين يوما الاحوط الجمع بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة. (مسألة 4): إذا انصب الدم إلى فضاء الفرج وخرج منه شئ في الخارج ولو بمقدار رأس الابرة لا اشكال في جريان احكام الحيض (1) واما إذا انصب ولم يخرج بعد - وإن كان يمكن اخراجه بادخال قطنة أو اصبع - ففي جريان احكام الحيض اشكال (2) فلا يترك الاحتياط بالجمع بين احكام الطاهر والحائض ولا فرق بين ان يخرج من المخرج الاصلي أو العارضي. ] (1) لانه حيض وان كان قليلا فتشمله الاخبار والمطلقات بل هو المقدار المتيقن منها في قبال الدم المنصب من الرحم غير الخارج عن المخرج والمحل - اي الفرج -. الدم الذي يخرج إلى خارج الفرج: (2) الظاهر الحكم بعدم كونه حيضا خلافا لبعضهم حيث جزم

[ 115 ]

بحيضيته، وذلك لان المستفاد من الاخبار الواردة في دم الحيض ان الموضوع للاحكام الواردة فيها هو الدم الخارج من المرأة والطمث أو رؤية الدم ولا يصدق شئ من هذه العناوين عند انصاب الدم من الرحم وعدم خروجه إلى خارج الفرج وإن كان بحيث تتمكن المرأة من اخراجه باصبعها أو القطن أو تتمكن من ان تمنع خروجه، ولاسيما عنوان الرؤية حيث لا يصدق أن المرأة رأت الدم وبالاخص فيما إذا بنينا على أن الحيض اسم لنفس الدم حيث ان الحائض لا يصدق حينئذ إلا على إمرأة خرج منها الدم، ومع عدم خروجه لا يصدق انها حائض - هذا اولا. ولا وجه للتشبث بما دل (1) على ان الحيض انما يحكم بانقطاعه فيما إذا انقطع من الرحم ولم يبق فيه أوفي المخرج دم. وذلك للفرق بين الحدوث والبقاء فان الحيض بعد حدوثه ووجوده لا يحكم بارتفاعه وانقطاعه الا بانقطاع من مادته نظير العيون الخارجية حيث لا يقال انها جفت الا إذا لم ينبع الماء في مادتها واما مع وجوده في المادة والمنبع ويبوسة الخارج أو المجرى فلا يصدق الجفاف واليبوسة وهكذا الامر في الحيض فلا يقال انه انقطع الا أن ينقطع من الرحم ولايكون فيه أوفى المخرج شئ، واما بحسب الحدوث فليس الامر كذلك لان الحيض لا يصدق الا بالخروج إلى الخارج كما مر، ثم لو سلمنا عدم ظهور الاخبار فيما ذكرناه وشككنا في أن مثله من الحيض أو من غيره فلا محالة أن ترجع إلى العمومات والمطلقات وهي تقتضي وجوب الصلاة والصيام على المرأة حينئذ.


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 17 من أبواب الحيض.

[ 116 ]

[ (مسألة 5): إذا شكت في أن الخارج دم أو غير دم، أو رأت دما في ثوبها وشكت في أنه من الرحم أو من غيره لا تجري احكام الحيض (1) وإن علمت بكونه دما واشتبه عليها فاما أن يشتبه بدم الاستحاضة، أو بدم البكارة، أو بدم القرحة فان اشتبه بدم الاستحاضة يرجع إلى الصفات فان كان بصفة الحيض يحكم بانه حيض، وإلا فان كان في أيام العادة فكذلك ] وتوضيح ذلك أن العمومات والمطلقات دلت على ان المكلف مأمور بالصلاة وغيرها من الاحكام وانما خرج عنها الحائض بتلك الاخبار الواردة في أن الحائض تترك الصلاة وحيث أنها مجملة وقد قلنا في محله أن اجمال المخصص المنفصل لا يسري إلى العام فتكون العمومات حجة في غير المقدار المتيقن من المخصص المجمل وهو الدم المنصب من الرحم غير الخارج إلى خارج الفرج فيحكم على المرأة حينئذ بوجوب الصلاة والصيام ولا يعامل معها معاملة الحائض، نعم لا يمكننا المصير إلى الاستصحاب حينئذ لان الشبهة حكمية. إذا شكت في حيضية الدم: (1) لاستصحاب عدم خروج دم الحيض واستصحاب عدم كونها حائضا.

[ 117 ]

[ والا فيحكم بأنه استحاضة (1). ] (1) وهذا للاخبار المتقدمة والآنية في محلها من أن ما تراه المرأة في أيام عادتها حيض وان كان صفرة وغير متصف بأوصاف الحيض وأما في غير عادتها فان كان متصفا بأوصاف الحيض فحيض والا فاستحاضة. وما أفاذه (قده) في المقام وان لم يكن كذلك في جميع المقامات لان المرأة إذا رأت الدم بعد عادتها كخمسة أيام - مثلا - وقبل انقضاء عشرة ايام من عادتها يحكم بكونها حيضا وان لم يكن بصفات الحيض كما يأتي في محله، وكذا إذا رأته بيوم أو يومين قبل عادتها واستمر إلى العادة فانه حيض أيضا وان لم يكن بصفاته كما أنه إذا رأت الدم بعد عشرة أيام من أول عادتها وقبل تخلل اقل طهر كامل - أعني عشرة أيام بينه وبين حيضها - لا يحكم بكونه حيضا ولو كان بصفات الحيض إذ لابد من تخلل الطهر بين الحيضتين، وكذلك الحال في المضطربة والمبتدئة فانهما ترجعان إلى نسائهما عند تجاوز الدم العشرة وعدم كونه بصفات الحيض ولا يحكم بعدم كونه حيضا. إلا أن غرضه (قده) الاشارة إلى اجمال التفرقة والمميز بين دم الحيض والاستحاضة، واما تفصيلها فيأتي في محله ان شاء الله تعالى. ثم ان الدم إذا خرج في ايام العادة أو بعدها ولكن كان متصفا بصفات الحيض فيحكم بكونه حيضا؟ وأما إذا علمنا بعدم كونه حيضا لعدم استمراره ثلاثه أيام - مثلا - فهل يحكم بأنه استحاضة بمعنى أن كل دم لم يكن حيضا فهو استحاضة؟ أن ليس كذلك فهو أمر موكول إلى بحث الاستحاضة ولابد من التعرض هناك كما هو

[ 118 ]

[ أو بدم البكارة يختبر بادخال القطنة في الفرج (1). ] المميز للاستحاضة، فان الكلام في المقام انما هو فيما يتميز به دم الحيض. تردد الدم واشتباهه بدم البكارة: (1) لصحيحة خلف بن حماد الكوفي في حديث قال: (دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام بمنى فقلت له: ان رجلا من مواليك تزوج جارية حرا لم تطمث فلما افتضها سال الدم فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة أيام وإن القوابل اختلفن في ذلك فقال بعضهن، دم الحيض، وقال بعضهن: دم العذرة فما ينبغي لها أن تصنع؟ قال (ع) فلتتق الله تعالى فان كان من دم الحيض فلتسمك عن الصلاة حتى ترى الطهر وليمسك عنها بعلها، وإن كان من العذرة فلتتق الله ولتتوضأ ولتصل ويأتيها بعلها إن احب ذلك فقلت له: وكيف لهم أن يعلموا ما هو حتى يفعلوا ما ينبغي؟ قال: فالتفت يمينا وشمالا في الفسطاط في مخافة أن يسمع كلامه أحد، قال: ثم نهد الي فقال: يا خلف سر الله فلا تذيعوه ولا تعلموا هذا الخلق اصول دين الله ارضوا لهم ما رضي الله لهم من ضلال قال ثم عقد بيده اليسرى تسعين ثم قال: تستدخل القطنة ثم تدعها مليا ثم تخرجها اخراجا رقيقا فان كان الدم مطوقا في القطنة فهو من العذرة، وان

[ 119 ]

كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض...) الحديث (1). وصحيحة زياد بن سوقة قال: (سأل أبو جعفر (ع) عن رجل افتض امرأته أو امته فرأت دما كثيرا لا ينقطع عنها يوما كيف تصنع بالصلاة؟ قال: (ع): تمسك الكرسف فان خرجت القطنة مطوقة بالدم فأنه من العذرة تغتسل وتمسك معها قطنة وتصلي فان خرج الكرسف منغمسا بالدم من الطمث تقعد عن الصلاة أيام الحيض) (2). بل الظاهر أن المسألة غير خلافية ولا يعتبر في الاختبار بذلك أية كيفية، وما عن الشهيد الثاني في روضته من انها تستلقي وترفع رجلها وتستدخل القطنة فهو - كما نبه عليه المحقق الهمداني وغيره - مبني على الاشتباه لان تلك الكيفية انما وردت عند اشتباه دم الحيض بدم القروح وأم عند التردد بين دم البكارة والحيض فلم ترد كيفية خاصة في الروايات. ثم ان مورد الصحيحين هو ما إذا علم بزوال البكارة وتردد الدم الخارج بين دم البكارة والحيض من الابتداء وأما إذا لم يعلم بزوال البكارة وشك في أن الدم دم العذرة - والبكارة زالت - أو أنه دم الحيض - والبكارة باقية - أو علم بأن المرأة حائض وافتضها زوجها وهي حائض وخرج الدم وشك في أنه حيض أو بكارة، أو أن الدم خرج قليلا بحيث لم يحتمل كونه حيضا ابتداءا بأن كان دم بكارة ثم كثر على نحو اشتبه لاجله أنه حيض بقاءا أو دم العذرة أيضا. فهل يرجع إلى الاستصحاب حينئذ اعني استصحاب عدم كونها حائضا فيها إذا لم تكن مسبوقة بالحيض أو استصحاب كونها حائضا


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب الحيض، ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب الحيض ح 2.

[ 120 ]

عند كونها مسبوقة به أو لابد فيها من الاختبار بادخال القطنة كما مر؟ الظاهر وجوب الاختبار حتى في هذه الموارد وإن كانت خارجة عن مورد الصحيحتين وذلك لانه (ع) أمرها بالتقوى بقوله (فلتتق الله ولتتوضأ ولتصل) وظاهر ذلك أنه لابد من الاختبار في كل مورد اشتبه فيه الحيض بالبكارة حيث ان لهما احكاما خاصة لابد من مراعاتها ومن البعيد جدا اختصاص الامر بالتقوى بخصوص ما إذا دار الامر بينهما من الابتداء، هذا ثم على تقدير عدم ظهور الصحيحتين في ذلك فلا اقل من أن الاختبار في هذه الموارد احوط. ثم إن خروج القطنة مطوقة بالدم امارة على أن الدم من العذرة حسب دلالة هاتين الصحيحتين، وهل أن خروجها منغمسة امارة أنه حيض بحيث لو تردد الدم بين دم الحيض والبكارة والاستحاضة أو غيرها حكم بكونه حيضا عند خروجها منغمسة؟. لاكلام في أن خروج القطنة منغمسة بالدم امارة أن الدم ليس بدم البكارة فلا محالة يكون امارة على كونه دم حيض فيما إذا كان امره مرددا بين دم العذرة والحيض حيث لا يحتمل غير الحيضية بعد عدم كونه دم العذرة وهل خروج القطنة منغمسة بالدم اماره الحيضية مطلقا حتى إذا احتمل مع الاحتمالين المذكورين امر ثالث كما إذا احتملنا أنه دم العذرة أو الحيض أو الاستحاضة فيحكم بأنه دم الحيض إذا خرجت القطنة منغمسة بالدم أو أن امارية الانغماس للحيضية مختصة بما إذا دار امر الدم بين دم العذرة والحيض؟. فقد وقع ذلك مورد الكلام حيث أن ظاهر جملة منهم المحقق في الشرايع والنافع، والعلامة في القواعد: التوقف في الحكم بأمارية الانغماس

[ 121 ]

على الحيضية مطلقا. واعترض على ذلك بأنهم كيف يتوقفون في الحكم بالحيضية مع الانغماس مع أنه ظاهر النصوص والفتاوى. ومن هنا حمل ذلك شيخنا الانصاري (قده) على صورة احتمال غير الحيض كما إذا احتمل الاستحاضة أو القرحة أيضا والصحيح هو ما ذكره شيخنا الانصاري (قده) فلا يحكم يكون الانغماس امارة على الحيضية مطلقا وانما تختص اماريته بما إذا دار امر الدم بين الحيض والعذرة نظرا إلى أن خروجه مع الانغماس امارة على عدم كونه دم العذرة ومعه يتعين ان يكون الدم حيضا إذ لا ثالث هناك. وأما مع احتمال كونه استحاضة أو غيرها فلا دلالة في الانغماس على كونه حيضا أبدا، وذلك لان الانغماس لازم اعم للحيضية وانما هو لازم لكثرة الدم سواء أكان حيضا ام استحاضة أم غيرهما ولا امارية في الاعم على الملزوم الاخص، والذي يؤكد ذلك بل يدل عليه أنه لم يرد الاختبار بالانغماس في موارد اشتباه الحيض بالاستحاضة في شئ من الروايات وانما ميزوا الحيض بالاوصاف فلو كان الانغماس أيضا من جملة الامارات لكان عليهم (ع) التنبيه على ذلك، نعم الانغماس يدل على عدم كون الدم دم عذرة؟ هذا. مضافا إلى أن المقتضي لكون الانغماس امارة الحيضية حتى في موارد احتمال غير الحيض والبكارة قاصر من اصله، فان الصحيحتين المتقدمتين انما تدلان على امارية الانغماس للحيضية فما إذا دار أمر الدم بين كونه حيضا أو دم عذرة ولا دلالة لهما على اماريته عند احتمال دم ثالث.

[ 122 ]

وذلك أما في صحيحة خلف (1) فظاهر وذلك لانه (ع) امرها بالتقوى بالامساك عن الصلاة وامساك بعلها عنها إن كان الدم دم حيض وبالصلاة والاغتسال ان كان دم البكارة ولم يبين وظيفة غيرهما فلو كانت احتملت دما ثالثا لكان عليه (ع) أن يبين وظيفتها على تقدير كونه استحاضة - مثلا - لان لها احكام خاصة وحيث لم يبين غيرهما فيستفاد منها أن الدم كان مرددا بين دم البكارة والحيض ولو من جهة اختلاف القوابل ودعوى بعضهن الحيض وبعضهن البكارة وقد جعل (ع) الانغماس امارة على الحيضية حينئذ، ولا دلالة لها على اماريته مطلقا حتى إذا احتمل دما ثالثا كالاستحاضة. وأما صحيحة زياد بن سوقة فلانها وان لم تشتمل على ما اشتملت عليه الصحيحة المتقدمة الا أن الضمائر في قوله (ع) تمسك الكرسف وتغتسل وتمسك معها قطنة وتصلي) كلها راجعة إلى المرأة الواردة في كلام السائل وغير راجعة إلى المرأة الكلية التي رأت دما، والمرأة المسؤل عنها في كلام السائل يدور امرها بين أن يكون الدم الخارج منها دم بكارة أو دم حيض وذلك لانه سأل عن امرأة افتضها زوجها أو سيدها والافتضاض بنفسه موجب لخروج الدم الكثير وعدم انقطاعه عنها يوما. وقوله: (كيف تصنع بالصلاة) قرينة قطعية على أن الدم يحتمل أن يكون حيضا لان الحائض هي التي تترك الصلاة وأما غيرها فلاوجه للسؤال عن انه كيف تصنع بالصلاة لوضوح أن غير الحائض تأتي بها مع تطهير نجاسة الثوب والبدن إن امكن وإلا فمعها، وعليه فالسائل


(1) التي تقدمت في ص 118.

[ 123 ]

[ والصبر قليلا (1) ثم اخراجها فان كانت مطوقة بالدم فهو ] سأل عن امرأة دار أمر دمها بين دم البكارة ودم الحيض فحسب، وفي مثلها حكم (ع) بترك الصلاة وحرمة وطئها إذا خرج الكرسف منغمسا بالدم وبوجوب الصلاة وجواز وطئها ان كان خرج مطوقا به. فلم يجعل الانغماس امارة على الحيضية في مطلق المرأة التي رأت الدم ولو كان يحتمل استحاضة، وعليه فلو احتمل معها دم ثالث يسقط الانغماس عن كونه امارة على الحيض بل لابد من الرجوع إلى الصفات والتمييز بها إن كان واحدا لها وإلا فيحكم بكونه استحاضة. وأما قاعدة الامكان والحكم بالحيضية لاجلها فيأتي الكلام عليها ان شاء الله تعالى. (1) أي في اقل مدة يمكن الاختبار فيها ويصل الدم إلى جوف القطنة وينغمس فيها على تقدير كونه دم الحيض أو يطوفها على تقدير كونه دم العذرة، فكون المدة اقل إنما هو بالاضافة إلى جميع المدة التي يخرج فيها الدم ولا يجب عليها ان تصبر مدة خروج الدم وإنما تصبر اقل مدة يحصل فيها الاختبار. وهذا أيضا هو المراد بالملي الوارد في صحيحة خلف حيث قال: (وتدعها مليا) فان الملي بحسب اللغة وان كان بمعنى الكثير ومنه قولهم (فاطرق مليا) اي مدة من الزمان الا أن المراد به في الصحيحة هو المدة التي يمكن فيها اختبار الدم كما ذكرناه ولم يرد به تمام مدة خروج الدم وذلك لان صبرها زائدا على المدة التي تتمكن فيه المرأة من الاختبار لغو لاأثر له وعليه فالمراد بالقليل في كلام الماتن، والملي

[ 124 ]

[ بكارة، وإن كانت منغمسة به فهو حيض، والاختيار المذكور واجب (1) فلو صلت بدونه بطلت وإن تبين بعد ذلك عدم كونه حيضا إلا إذا حصل منها قصد القربة بأن كانت جاهلة أو عالمة ايضا إذا فرض حصول قصد القربة مع العلم أيضا ] في الصحيحة شئ واحد، وانما عبر عنه بالقليل لانه أمر اضافي أي بالاضافة إلى تمام مدة خروج الدم، نعم إن كان الماتن عبر بالملي لكان احسن. هل الاختبار واجب شرطي؟ (1) لاشبهة في أن الاختبار ليس من الواجبات النفسية؟ في الشريعة المقدسة حيث أن الدليل على وجوبه هو الصحيحتان المتقدمتان وهو إنما فيها مقدمة للصلاة حيث سأل في احداهما عن أنها كيف تصنع بالصلاة وهو يدلنا على أن الاختبار انما هو لاجل الصلاة، على أن وجوبه النفسي غير محتمل في نفسه فأمرها بالاختبار في هذه الصحيحة لاجل الصلاة كما أنه امرها بذلك في صحيحة خلف من جهة التقوى وعدم تركها الصلاة على تقدير كون الدم العذرة وتركها لها على تقدير كونها دم الحيض، فهو انما يجب شرطا للصلاة لانه واجب نفسي.

[ 125 ]

وانما الكلام في أنه واجب شرطي لصلاة المرأة المذكورة مطلقا بحيث لوصلت ولم تختبر اصلا أو اختبرت بعد الصلاة ولم تكن حائضا واقعا حكم بفساد صلاتها لفقدانها الشرط الذي هو الاختبار، أو أنه شرط لصحة صلاة المرأة التي خرج عنها الدم المردد بين الحيض والعذرة فيما إذا ارادت أن تصلي بنية الجزم - بمعني أن الاختبار انما هو طريق إلى استكشاف حال الدم لاأنه شرط في صحة الصلاة - حيث لا تتمكن من الجزم بالنية في صلاتها إلا بالفحص والاختبار حتى تعلم أن الدم الخارج دم العذرة دون البكارة، والا فلو أتت بها جزما لكانت تشريعا محرما وتفسد صلاتها لا محالة. فان استصحاب عدم كونها حائضا غير جار في حقها للصحيحتين وإن كان المورد موردا له في نفسه لانهما وردتا في امرأة بكر افتضها زوجها أو سيدها فهى مسبوقة بالطهر وعدم الحيض في نفسها، مقتضى استصحاب بقاء المرأة على ما كانت عليه الحكم بعدم كونها حائضا إلا أنه غير جار لهاتين الصحيحتين الدالتين على لزوم الاختبار حينئذ وإن كانت الشبهة موضوعية وغير واجبة الفحص ولكنها مخصصات لادلة الاستصحاب وتدلان على لزوم اختبارها. ومع عدم جريان الاستصحاب لا تتمكن من الجزم بالنية الا بالاختبار فالاختبار شرط لصحة صلاة المرأة في مورد الكلام عند ارادتها الصلاة عن جزم بالنية، دون ما إذا أتت بها رجاء كونها غير حائض، ولاحتمال وجوبها في حقها فانها صحيحة فيما إذا لم تكن حائض واقعا وان لم تختبر قبلها. المقدار المتيقن من اشترط الاختبار اشتراطه في صلاتها مع الجزم

[ 126 ]

بالنية لعدم جريان الاستصحاب في حقها كما مر، واما ا شتراطه في صلاتها مطلقا حتى فيما إذا صلت رجاء كونها مأمورة بالصلاة فهو يبتني على احد امور: الاول: أن يقال أن الصلاة في حق الحائض محرمة بالذات نظير بقية المحرمات الذاتية، وعلى فأمر صلاة المرأة في مفروض الكلام تدور بين الحرمة والوجوب، ومع احتمال الحرمة لاتتمشى منها قصد القربة فتفسد صلاتها إلا أن تختبر دمها وتجزم بعدم كونه دم حيض. الثاني: أن يقال بوجوب تحصيل الجزم في نية العبادات مع التمكن منه وبما أن المرأة في مفروض الكلام متمكنة من تحصيلة بالاختبار فلو أتت بصلاتها رجاءا يحكم ببطلانها لفقدانها الشرط المعتبر في صحتها وهو الجزم بالنية مع التمكن منه. الثالث: أن يقال إن تحصيل الجزم بالنية وإن لم يكن معتبرا في جميع الواجبات الا أنه معتبر في خصوص صلاة المرأة الخارج منها الدم المردد بين دم الحيض ودم البكارة بمقتضى هاتين الصحيحتين حيث دلتا على وجوب الاختبار بالاضافة إليها فلو صلت لامع الجزم بالنية فسدت. وهذه الوجوه برمتها فاسدة لا يمكن المساعدة على شئ منها: أما احتمال حرمة الصلاة على الحائض ذاتا فيدفعه أنه أمر لم يقم عليه دليل، لان نهيها عن الصلاة في هاتين الصحيحتين أو احداهما بقوله (فلتتق الله وتمسك عن الصلاة إذا كان الدم دم حيض) وفيما ورد من قوله (ع) (دعي للصلاة أيام اقرائك) (1) ارشاد إلى فساد صلاة الحائض لعدم الامر بها، وأما انها من المحرمات الالهية


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 2.

[ 127 ]

الذاتية في الشريعة المقدسة فمما لا نحتمله ولا دليل عليه.. وأما دعوى اشتراط الجزم بالنية في العبادات فيدفعه ما ذكرناه في غير مورد من أن العبادة يعتبر اضافتها إلى المولى نحو اضافة، وأما اعتبار الاتيان بها مع الجزم بالنية وغيره فهو أمر زائد يحتاج اعتباره فيها إلى دلالة الدليل ولا دليل على اعتباره في المقام. وانما الكلام في الوجه الثالث حيث قد يتوهم أن الصحيحتين دلتا على نهي المرأة عن الصلاة الا مع الاختبار فلو جازت الصلاة في حقها مع الرجاء ولم يعتبر في صحتها الجزم بالنية لم يكن لاشتراطه مطلقا وجه صحيح، ولكنه يندفع بأنهما دلتا على نهي المرأة عن أن تصلي حينئذ كما كانت تصلي لو لا هذا الدم حيث انها كانت تصلي مع الجزم بالنية على ما هو الطبع والعادة في الامتثال، فقد دلتا على انها لا تتمكن من الصلاة مع الجزم حينئذ لانه تشريع محرم. والاستصحاب منقطع في حقها، واما انها لا تتمكن من ان تصلى رجاء عدم كونها حائضا فلا دلالة عليه في شئ من الصحيحتين. نعم قد يصل إلى النظر أن المسألة في الروايتين كانت قد عرضت على فقهاء العامة قبل أن يسألوا عنها الامام عليه السلام واجابوا بأن تصلي المرأة رجاء لانها أن لم تكن حائضا واقعا فقد أدت واجبها وان كانت حائضا فقد أتت بشئ لغو لا يضرها، والامام (ع) لم يرتض ولم ينفذ بذلك اجوبتهم وآرائهم، فلو كان الاتيان بها رجاءا صحيحا من دون اختبارها لم يكن لاعراض الامام (ع) عن ذلك وأمره بالاختبار وجه صحيح، فمن هذا يستكشف أن الاختبار شرط في صحة صلاة المرأة في مفروض البحث مطلقا حتى فيما إذا صلت رجاءا.

[ 128 ]

ويدفع ذلك أن المسألة وإن كانت قد عرضت على فقهاء العامة إلا أن حكمهم بصحة صلاتها مع الرجاء لم يذكر للامام عليه الصلام حتى ينفذه أو يردع عنه وانما سأله الراوي عن حكم المرأة المذكورة ابتداءا واجابه (ع) بالاختبار فلا دلالة في شئ من الصحيحتين على بطلان صلاة المرأة عند الاتيان بها رجاءا فيما إذا لم تكن حائضا واقعا. فالصحيح ان الصحيحتين انما تدلان على انقطاع الاستصحاب في حق المرأة واشتراط الاختبار في صحة صلاتها إذا ارادت الصلاة مع الجزم بالنية ولا دلالة لهما على الاشتراط مطلقا نعم إذا ارادت الصلاة مع اجزم بالنية لم تتمكن الا بالاختبار والا كان تشريعا محرما وهذا بخلاف ما إذا صلت رجاء عدم كونها حائضا لانها إذا لم تكن حائضا واقعا يحكم بصحة صلاتها لاتيانها بالصلاة متقربا فلا تجب اعادتها أو قضاءها والاختبار انما اوجب طريقا إلى استكشاف حال الدم لاأنه شرط في صحة الصلاة. ويترتب على ذلك انها إذا غفلت عن حالها وصلت مع الجزم بالنية ولم تكن حائضا واقعا فان صلاتها بناءا على ما قدمناه صحيحة لانها أتت بالصلاة مع التقرب بها إلى الله ولا بأس بجزمها لمكان غفلتها ولا يتحقق معها التشريع كما مر فيحكم بصحة صلاتها، وهذا بخلاف ما إذا قلنا باشتراط صلاتها بالاختيار مطلقا حيث يحكم ببطلان صلاتها حينئذ لفقدها الاختبار الذي هو شرط في صحتها على الفرض. إلا أن ذلك إنما هو على ما تقتضية القاعدة، وأما بالنظر إلى حديث لا تعاد الصلاة إلا من خمس) (1) فلاتجب اعادتها حتى على القول


(1) الوسائل: ج 1، باب 3 من أبواب الوضوء ح 8 وج 4 -

[ 129 ]

[ وإذا تعذر الاختبار يرجع إلى الحالة السابقة من طهر أو حيض وإلا فتبني على الطهارة لكن مراعاة الاحتياط اولى (1). ] بأن الاختبار شرط مطلقا لعدم كون الاختبار من الخمسة المعادة منها الصلاة، وعليه فلا فرق بين القولين في النتيجة وانما تظهر الثمرة فيما تفتضيه القاعدة فحسب. حكم تعدر الاختبار: (1) وإذا تعذر الاختبار لفوران الدم أو لعدم القطنة وما يقوم مقامهما فعلى ما قدمناه من عدم دلالة الصحيحتين الا على انقطاع الاستصحاب في حق المرأة حالئذ من دون أن يكون الاختبار شرطا لصحة صلاتها مطلقا فلابد من الرجوع إلى استصحاب حالتها السابقة وذلك لان الصحيحتين انما دلتا على عدم رجوعها إلى استصحاب الحالة السابقة ووجوب تمييز الدم بالاختبار في حقها فيما إذ تمكنت من الاختبار لانه الظاهر المستفاد منهما كما لا يخفي، فلا ترفع اليد عن الاستصحاب الا بهذا المقدار فقط. وأما إذا لم تتمكن من الاختبار فلا تشملها الاخبار ومعه لامانع من الرجوع إلى الاستصحاب فان كانت حالتها السابقة هي الطهارة


باب 10 من أبواب الركوع وباب 29 من أبواب القراءة ح 5 وباب 38 من السجود وباب 7 من التشهد ح 1. وغيرها من الموارد.

[ 130 ]

تجب عليها الصلاة والصيام وغيرها من وظائف غير الحائض، كما انها إذا كانت هي الحيض تستصحبه فيحكم بحرمة دخولها المسجد وسقوط الصلاة عنها وغير ذلك من الوظائف المقررة في حق الحائض وأما إذا اشتبهت الحالة السابقة ولم تكن لها حالة سابقة معينة فيأتي الكلام عليها عن قريب، وأما إذا قلنا باشتراط صلاة المراة في محل الكلام بالاختبار فمقتضى القاعدة حينئذ الحكم بعدم وجوب الصلاة في حقها لانها إما حائض فهي ساقطة عنها لا محالة وإما غير حائض ولكنها غير مكلفة بالصلاة لتعذرها بتعذر شرطها الا أن يتشبث بذيل قوله عليه السلام (انها لا تدع الصلاة على حال (1)) حيث يدل على أن المرأة في مفروض الكلام على تقدير عدم كونها حائضا بحسب الواقع لم تسقط عنها الصلاة. بل يمكن استفادة ذلك من نفس الصحيحتين أيضا حيث ورد في احداهما انها تتق الله وتصلي إذا خرجت القطنة مطوقة بالدم لانها واضحة الدلالة على أن المراة على تقدير عدم كونها حائضا مكلفة بالصلاة، وكذلك الصحيحة الاخرى حيث أوجبت الصلاة في حقها على تقدير عدم خروج القطنة منغمسة بالدم فيدور الامر بين سقوط اصل الصلاة عنها كما إذا كانت حائضا وبين سقوط شرطية الاختبار كما إذا لم تكن جائضا واقعا. ومعه لابد من الرجوع إلى الاستصحاب بعد عدم شمول الصحيحتين للمقام لاختصاصها بصورة التمكن من الاختبار، فان كانت حالتها السابقة هي الطهارة فمقتضي استصحابها وجوب الصلاة في حقها،


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 131 ]

كما انها إذا كانت هي الحيض فمقتضاه عدم وجوبها في حقها. فتحصل انه لافرق في الرجوع إلى استصحاب الحالة السابقة بين القول باشتراط صلاة المرأة بالاختبار مطلقا وبين القول باختصاص شرطيته بصورة الاتيان بالصلاة مع الجزم بالنية، هذا كله إذا كانت الحالة السابقة معينة. وأما إذا جهلت الحالة السابقة لكونها حائضا في زمان ومتطهرة في زمان آخر واشتبه المتقدم منها بالمتأخر فلم تدر كانت طاهرة فخرج عنها الدم المردد ام كانت حائضا فلا يمكن التمسك بالاستصحاب حينئذ إما للمعارضة كما هو الصحيح وإما لقصور المقتضي وعدم جريان الاستصحاب في نفسه كما بنى عليه صاحب الكفاية (قده). وحينئذ قد يقال بأن الواجب هو الاحتياط بالجمع بين وظائف الطاهرة والحائض بأن تصلي وتصوم ولا تدخل المسجد ولا تمكن زوجها من نفسها بالوقاع وذلك لان الحيض موضوع لجملة من الاحكام الالزامية كحرمة الدخول في المساجد وحرمة تمكين الزوج من نفسها بالجماع كما أن الطهارة من الحيض موضوع لجملة من الاحكام الالزامية كوجوب الصلاة والصيام وغيرهما، وحيث انها مرددة بين كونها طاهرة وحائضا فلها علم اجمالي بتوجه أحد التكليفين الالزاميين نحوها ومقتضاه وجوب الاحتياط كما ذكرناه. الا أن الصحيح أن المرأة حينئذ غير محكومة بالحيض شرعا ويجوز لها محرمات الحائض كما هو ظاهر جملة من الاعاظم والاعلام وذلك لان المستفاد من الاخبار (1) أن دم الحيض دم يمتاز عن بقية الدماء وله اوصاف يمتاز بها عن غيره فانه يخرج من الرحم ودم الاستحاضة


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض.

[ 132 ]

[ ولا يلحق بالبكارة في الحكم المذكور غيرها كالقرحة المحيطة ] يخرج من عرق آخر كما أن دم البكارة يخرج من نفس الموضع دون الرحم. وكيف كان فدم الحيض ممتاز عن بقية الدماء وهو عنوان وجودي وله احكام خاصة، وقد تقدم أن الحيض اسم لنفس الدم، كما أن التكليف بالصلاة والصيام والحكم بجواز الدخول في المسجد متوجه إلى عامة المكلفين وانما خرج عنها ذلك العنوان الوجودي حيث أنه موضوع للحكم بحرمة الدخول في المساجد وعدم وجوب الصلاة وهكذا. فإذا شككنا في مورد أن هذا العنوان الوجودي هل تحقق أم لم يتحقق؟ فالاصل عدم تحققه وعدم اتصاف الدم بكونه حيضا لجريان الاصل في الاعدام الازلية كما مر غير مرة، وبه تنفي الاحكام المترتبة على نفس عنوان دم الحيض ككونه مانعا عن الصلاة ولو كان اقل من درهم على ما هو المعروف بينهم كما نفي الاحكام المترتبة على من خرج منها هذا الدم ونحكم عليه بوجوب الصلاة والصيام لانتفاء الحيض الذي هو اسم لنفس الدم، وعدم كون المرأة حائضا - اي عدم خروج الدم المتصف منها بالحيض - ومعه يجوز لها ارتكاب المحرمات في حق الحائض وان كان تركها احوط.

[ 133 ]

[ باطراف الفرج (1) وإن اشتبه بدم القرحة فالمشهور أن الدم إن كان يخرج من الطرف الايسر فحيض وإلا فمن القرحة (2) الا أن يعلم أن القرحة في الطرف الايسر لكن الحكم المذكور مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع بين اعمال الطاهرة والحائض. ] (القرحة لا تلحق بالبكارة): (1) لاختصاص أدلة الاختبار بما إذا دار الدم بين دم الحيض ودم البكارة وهو على خلاف القاعدة ومعه لا مسوغ لاسرائه إلى صورة دورانه بين دم الحيض ودم القرحة أو غيرها لانه قياس. دوران الدم بين الحيض والقرحة: (2) إذا دار الدم بين دم الحيض ودم القرحة فقد ذكروا أن الحال فيه حال دورانه بين دم الحيض ودم البكارة في وجوب الاختبار الا أن كيفيته مختلفة فانه عند دورانه بين دم الحيض والقرحة انما يختبر باستلقاء المرأة على ظهرها ورفع رجليها ثم ادخال اصبعها في فرجها فان خرج الدم من الجانب الايسر فهو حيض وان كان خارجا من الطرق الايمن

[ 134 ]

فهو دم القرحة، هذا هو المشهور بينهم ونسبه إلى المشهور غير واحد من الاصحاب وفي قبال ذلك قولان آخران: (أحدهما): ما ذهب عليه الشهيد في الدروس والذكرى - ولكن حكي رجوعه عن ذلك في (البيان) الذي هو متأخر عن سائر كتبه في التأليف - وحكي عن الكاتب وابن طاووس: من أنه إن كان خارجا من الطرف الايمن فهو حيض وان كان خارجا من الطرف الايسر فهو دم القرحة على عكس مسلك المشهور. (ثانيهما): ما مال إليه المحقق بل هو ظاهر الشرايع حيث نسب الاختبار بما ذهب إليه المشهور إلى القيل لانه لو كان ثابتا عنده لذكره على وجه الجزم كما في الاختبار عند اشتباه الحيض بدم البكارة، وحكي عن الاردبيلي وتلميذه المقدس الكاظمي كما في مفتاح الكرامة، والشهيد الثاني في المسالك، من عدم ثبوت الاختبار حينئذ وعدم كون الخروج من الطرف الايسر أو الايمن امارة على الحيض بل حاله حال بقية الدماء المشتبهة بالحيض غير الاستحاضة ولابد معه من الرجوع إلى مقتضى الاصول كما يأتي. أما مستند المشهور فهو رواية الشيخ (قده) في التهذيب عن محمد بن يحيي مرفوعا عن أبان بن تغلب قال لابي عبد الله عليه السلام فتاة منا بها قرحة في جوفها والدم سائل لا تدري من دم الحيض أو من دم القرحة فقال (ع) (مرها فلتستلق على ظهرها ثم ترفع رجليها وتستدخل اصبعها الوسطى فان خرج الدم من الجانب الايسر فهو من الحيض وإن خرج من الجانب الايمن فهو من القرحة). (1)


(1) الوسائل: ج 2، باب 16 من أبواب الحيض ح 2.

[ 135 ]

ومستند الشهيد (قده) رواية الكليني (قده) عن محمد بن يحيى أيضا مرفوعا عن أبان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: فتاة منا بها قرحة... وساق الرواية كما نقلناها عن الشيخ إلى أن قال: (فان خرج الدم من الجانب الايمن فهو من الحيض وإن خرج من الجانب الايسر فهو من القرحة) (1) على عكس رواية الشيخ، وعن الشهيد (قده) أن كثيرا من نسخ التهذيب مطابق لرواية الكليني (قده) هذا، أما ما اعتمد عليه الشهيد (قده) فيتوجه عليه أن الرواية ضعيفة لانها حكيت مرفوعة وغير منجبرة بعمل الاصحاب لان المشهور بينهم عكس ذلك كما مر، على انها لو كانت معمولا بها بينهم أيضا لم تكن نعتمد عليها لان ضعف الرواية لاينجبر بعملهم، فلا وقع لما ذهب إليه (قده) في المسألة: وأما مستند المشهور فهو أيضا كمستند الشهيد في الضعف، وذلك لانه لم تثبت رواية الشيخ في نفسها وذلك لا لما ادعاه الشهيد من أن كثيرا من نسخ التهذيب موافقة لنسخة الكليني لانه مما لا يمكن المساعدة عليه حيث أن الشيخ في كتبه افتى على طبق مسلك المشهور وجعل خروج الدم من الجانب الايسر امارة على الحيض فلو كانت نسخة التهذيب مطابقة لنسخة الكليني فبأي شئ اعتمد (قده) في فتياه؟ وكذلك غيره من الاعلام ممن ذهب مذهب المشهور حيث لو لم تكن رواية الشيخ كما نقلناها بأن كانت موافقة لنسخة الكافي لم يكن وجه لفتياهم بكون الخروج من الجانب الايسر امارة على الحيض. بل الوجه في عدم ثبوتها في نفسها أن الشيخ انما يرويها عن كتاب


(1) الوسائل: ج 2 باب 16 من أبواب الحيض ح 1.

[ 136 ]

محمد بن يحيى العطار حيث أنه يروي الروايات عن كتب الرواة ثم يذكر اسانيدها وطرقه إلى مؤلفيها لتخرج الروايات بذلك عن الارسال إلى الاسناد على ما ذكره في تهذيبه - وبينه وبين الشيخ مدة من الزمان وأن امكن أن يروي عن غير كتبهم في بعض الموارد أيضا، والكليني يروي عن نفس محمد بن يحيى لانه من مشايخه واساتذته، وحيث أنا نقطع أن محمد بن يحيى لم يرو روايتين متعاكستين وانما الرواية واحدة فلا محالة نقطع بأن رواية محمد بن يحيى انما هي احدى الروايتين - أعني رواية التهذيب ورواية الكافي - وحيث أن الكليني يروي عن نفس محمد بن يحيى، والشيخ يروي عن كتابه مع الواسطة وهو اضبط بخلاف روايات الشيخ في تهذيبه حيث وقع فيها الاشتباه على ما ذكروا موارده فلا محالة نجزم أو تطمئن بأن رواية محمد بن يحيى هي التي يرويها الكليني (قده) لبعد أن تكون رواية محمد بن يحيى ما عثر عليه الشيخ في كتابه ولو مع الواسطة دون ما ينقله عنه الكليني من نفسه بدون واسطة وانه وقع اشتباه في رواية الشيخ بتبديل الايسر بالايمن إما في كتاب محمد بن يحيى وإما في رواية الشيخ. لكن الظاهر أن الاشتباه ممن تقدم على الشيخ حيث أنه يجري على طبق رواياته في كتبه ويفتي على طبقها. وعليه فرواية الشيخ التي هي مستند المشهور غير ثابتة وهو من اشتباه الرواية بغيرها حيث لا ندري أن رواية محمد بن يحيى هي التي رواها الشيخ أو غيره، ومعه لا يمكن الاعتماد عليها. وحاصل ما ذكرناه في المقام هو استبعاد أن تكون رواية محمد بن يحيى هي التي عثر عليها الشيخ في كتابه ولو مع الواسطة

[ 137 ]

دون ماروى عنه الكليني من نفسه بلا واسطة هذا. ولكن قد ظهر بعد المراجعة أن الشيخ (قده) يروي روايات محمد بن يحيى العطار بطريقين: بطريق احمد بن محمد بن يحيى وبطريق الكليني نفسه، فكلما روى عنه الشيخ انما يرويه بواسطتهما ومع عدم نقل الكليني الرواية كما ينقلها الشيخ (قده) عنه ينكشف أن الشيخ عثر على ما يرويه عنه في بعض نسخ الكافي لا محالة وعليه فلا يعلم أن رواية محمد بن يحيى التى يرويها الكليني من دون واسطة ويرويها الشيخ مع واسطة الكليني هي الموجودة في الكافي أو الموجودة في التهذيب وهو من اشتباه الرواية بغيرها فلا يثبت شئ من الروايتين لعدم العلم بان الرواية هي المروية في نسخة الكافي الموجودة عندنا أو انها مروية في النسخة التي عثر عليها الشيخ، ومعه لا يحكم بثبوت شئ من الروايتين، وهذا بلا فرق بين تضعيف احمد بن يحيى وعدمه لان الشيخ كل ما يرويه عن العطار يرويه بطريقين فلا بد في رواية الشيخ عنه أن تكون الرواية موجودة في الكافي لا محالة، ومع تعدد النسخ لا تثبت الرواية كما ذكرناه (1). ولا وجه لدعوى انجبار ضعفها بعمل المشهور حيث لم تثبت رواية حتى تنجبر بعملهم، على أنا لو سلمنا أن رواية الشيخ ثابتة فلا وجه لانجبار ضعفها بعملهم على ما مر منا غير مرة فانهم لو كانوا عثروا على قرينة تدلهم على أن الواسطة بين محمد بن يحيى وأبان موثقة لنبهوا على ذلك في كتبهم وذكروا تلكم القرينة مع أنه لا اثر منها في كلماتهم. هذا مضافا إلى ضعف مضمونها فان جعل خروج الدم من الجانب


(1) راجع معجم رجال الحديث ص 46، ترجمة محمد بن يحيى العطار.

[ 138 ]

الايسر امارة على الحيض إما من جهة أن دم الحيض يخرج من الجانب الايسر غالبا والشارع جعل الغلبة امارة على الحيضية حينئذ، واما من جهة أن القرحة انما تتكون في الجانب الايمن فيكون خروج الدم من ذلك الجانب امارة على أنه دم القرحة. وهاتان الجهتان خلاف الوجدان: - أما الجهة الاولى: فلان دم الحيض انما يخرج من الرحم وكلا الجانبين بالنسبة إليه على حد سواء فلا وجه لخروجه من جانب دون جانب على أنه دم بجراني اي كثير كما في الاخبار (1) ومن ثمة جعلت الكثرة امارة الحيض في الحبلى كما مر، وخروج الدم الكثير لا يمكن اسناده إلى جانب، دون جانب لانه يستوعب المجرى لا محالة. كما أن تكون القرحة في الجانب الايمن على خلاف الوجدان لانها قد تتكون في الطرف الايسر وقد تتكون في الطرف الايمن، فما ذهب إليه المشهور مما لا يمكن المساعدة عليه، إذا ما ذهب إليه المحقق والمحقق الاردبيلي والشهيد الثاني والكاظمي من عذم ثبوت المميز والاختبار عند اشتباه الحيض بدم القرحة هو الصحيح فهو حينئذ دم مردد بين الحيض وبين غير الاستحاضة ولابد في مثله من الرجوع إلى الاصل إلا عند دورانه بين الحيض والعذرة كما مر. فان كانت حالتها السابقة هي الطهارة فتستصحب طهارتها وتجب عليها الصلاة وان كانت حالتها السابقة هي الحيض تستصحب حيضها


(1) ورد ذلك في مرسلة يونس وورد الكثير أيضا في عدة من الروايات راجع الوسائل: ج 2 باب 3 ح 4 وباب 30 منها ح 5 و 16 وفيهما - الكثير - فقط،

[ 139 ]

[ ولو اشتبه بدم آخر حكم عليه بعدم الحيضية إلا أن تكون الحالة السابقة هي الحيضية (1). ] وأما إذا جهلت الحالة السابقة فمقتضى العلم الاجمالي وان كان هو الاحتياط إلا أنه غير واجب لاستصحاب عدم كون الدم متصفا بالحيضيه وهو يقتضي ترتب آثار الطاهر على المرأة كما مر. نعم الاحتياط بالجمع بين أعمال الطاهرة وتروك الحائض في محله، إلا أنه عند خروج الدم من الجانب الايسر لانه الذي دلت الرواية على كونه حيضا وناقشنا فيها، دون ما إذا خرج من الجانب الايمن لانه محكوم بعدم الحيضية حتى بناءا على ثبوت الرواية حيث تدل الرواية على أنه دم القرحة فما افاده الماتن من الامر بالاحتياط بعد الاستشكال في الحكم المشهور لايتم على اطلاقه، بل لابد من تخصيصه بما إذا كان الدم خارجا من الجانب الايسر كما مر. دوران الدم بين الحيض وغير دم القرحة: (1) إذا لم يعلم أن الدم يخرج من الرحم أو من عرق آخر فان كانت حالتها السابقة هي الطهارة وعدم كونها حائضا فتستصحب طهارتها، وإذا كانت هي الحيض وكانت حائضا فتستصحب كونها كذلك، وبالاستصحاب يثبت كونها حائضا أو طاهرة لانحلال العلم الاجمالي بجريان الاصل المثبت في طرف والاصل النافي في طرف آخر

[ 140 ]

[ (مسألة 6): اقل الحيض ثلاثه ايام (1). ] كاستصحاب بقاء حيضها مع استصحاب عدم طهارتها أو بالعكس. وأما إذا جهلت الحالة السابقة ولم تعلم أن الحالة المتصلة بخروج الدم هي الطهر أو الحيض فلا يمكن استصحاب كون المرأة حائضا أو طاهرة لتعارض استصحاب طهارتها باستصحاب كونها حائضا أو لعدم جريانهما في نفسهما كما بنى عليه صاحب الكفاية (قده) وحينئذ فمقتضى العلم الاجمالي بتوجه تكليف الزامي عليها - حيث أن لكل من الحيض والطهر احكاما الزامية - هو الاحتياط، إلا أن مقتضى الاصل الجاري في نفس الدم وعدم خروجه من الرحم وعدم اتصافه بالحيضية اعني استصحاب الدم الازلي عدم ترتيب آثار الحيضية من احكام نفس الحيض أو احكام من يخرج عنه، وهذا الاستصحاب لا معارض له كما هو ظاهر. أقل مدة الحيض: (1) هذا هو المتسالم عليه بين اصحابنا (قدس الله ارواحهم) بل ادعى عليه الاجماع في كلمات غير واحد منهم على ما في مفتاح الكرامة وقد نقل فيه أن أبا يوسف وأبا حنيفة وأيضا ذهبا إلى ذلك، وأما مالك والشافعي وابن حنبل فقد ذهبوا إلى أن اقله اقل من ثلاثة أيام، على تفصيل في ذلك فليراجع، ويدل على ذلك جملة من الاخبار فيها صحاح وموثقة وغيرها بل

[ 141 ]

لا يبعد تواترها اجمالا. منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (اقل ما يكون الحيض ثلاثة أيام، واكثره ما يكون عشرة أيام (1). ومنها: صحيحة صفوان بن يحيى قال: (سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن ادنى ما يكون من الحيض؟ قال ادناه ثلاثة وابعده عشرة) (2) إلى غير ذلك من الاخبار) (3). وبأزاء هذه الروايات موثقتان: (احداهما): موثقة اسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليوم واليومين قال: (إن كان الدم عبيطا فلا تصل ذينك اليومين وإن كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين) (4). (وثانيتهما): موثقة سماعة بن مهران قال: سألته عن الجارية البكر اول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة ايام يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة ايام سواء، قال: (فلها أن تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة، فإذا اتفق الشهران عدة ايام سواء فتلك ايامها) (5). قد يقال بكونهما معارضتين للاخبار المتقدمة لدلالتهما على أن اقل الحيض اقل من ثلاثة ايام، فلابد من طرحهما أو حملهما على خلاف


(1) و (2) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الحيض ح 1 و 2 (3) راجع الوسائل: نفس الباب المتقدم والباب 12 وغيرها من الابواب. (4) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 1. (5) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب الحيض ح 1.

[ 142 ]

ظاهرهما، بل عن المحقق الهمداني (قده) العمل بهما في موردهما اعني المرأة الحبلى والمبتدئة التي ترى الدم في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة ايام تخصيصا لما دل على أن اقل الحيض ثلاثة ايام بالاضافة إلى مورد الروايتين. ولكن الصحيح عدم معارضتهما للاخبار المتقدمة بوجه، وذلك لان الموثقة الاولى لم تدل على انها لا تصلي بعد ذينك اليومين وانما دلت على ترتيب آثار الحيض من حين ترى الدم في اليوم واليومين ومقارنا لخروجه حيث قال (ع) فلاتصل ذنيك اليومين، لا انها لا تصلي بعدهما كما لادلالة لها على أن وضيفتها اي شئ إذا انكشف انقطاع الدم قبل ثلاثة ايام، وعليه فالرواية بصدد بيان الحكم الظاهري وأن المرأة بمجرد رؤيتها الدم ترتب آثار الحيض على نفسها ثم انه إذا انكشف انقطاعه قبل ثلاثة ايام فيعلم عدم كونه حيضا بمقتضى الاخبار المتقدمة التي دلت على أن اقل الحيض ثلاثة ايام. فالموثقة مسوقة لبيان الحكم الظاهري والاخبار المتقدمة مبنية للحكم الواقعي، ولا تعارض بين الحكم الظاهري والواقعي. نعم لو كانت الموثقة دلت على أن المرأة بعد انقطاع الدم قبل ثلاثة ايام ترتب احكام الحائض على نفسها لكانت معارضة مع الاخبار المتقدمة لدلالتها حينئذ على أن اقل الحيض اقل من ثلاثة ايام ولكن لادلالة لها على ذلك كما عرفت. وكذلك الحال في الموثقة الثانية الواردة في وظيفة المبتدأة اي التي لم ترالحيض قبل ذلك حيث دلت على انها ترتب آثار الحيض من حين ترى الدم وهو حكم ظاهري، ولا دلالة لها على أن الدم إذا

[ 143 ]

انقطع قبل ثلاثة ايام أيضا تبني على كونها حائضا حيث انها سيقت لبيان أن رؤية الدم شهرين على وجه التساوي يوجب تحقق العادة للمرأة وليس لها نظر إلى وظيقة المرأة عند انقطاع مها قبل الثلاثة، وأما انها تبني على كونها حائضا أو لاتبني عند انقطاع الدم قبل الثلاثة فلا دلالة لها على شئ منه. فالموثقة سيقت لبيان الوظيفة الظاهرية للمبتدأة فإذا انقطع الدم قبل ثلاثة ايام انكشف عدم كون الدم حيضا بمقتضى الروايات المتقدمة فلا معارضه بينها وبين الاخبار المتقدمة لان الموثقة بصدد بيان الحكم الظاهري والاخبار المتقدمة تدل على الحكم الواقعي ولا تنافي بين الاحكام الظاهرية والواقعية حتى تطرح الموثقتان أو تحملا على خلاف ظاهرهما، أو يعمل بهما في موردهما فقط - اعني المراة الحبلى أو المبتدأة التي ترى الدم في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة. ثم إن هذا التحديد حقيقي كسائر التحديدات الشرعية كتحديد الكر بالوزن أو بالمقدار وتحديد السفر الموجب للقصر بثمانية فراسخ أو وجوب التمام عليه بالتردد ثلاثين يوما وهكذا، فكما انها تحديدات حقيقية شرعية بحيث لو نقص الماء أو المسافة عنهما ولو بأقل قليل لم يترتب عليه الحكم بالكرية ووجوب القصر كذلك الامر في المقام فلو رأت المرأة الدم ثلاثة ايام إلا قليلا فلا يحكم عليه بالحيض بمقتضى ظهور الاخبار الواردة في تحديد الحيض بأن لا يكون اقل من ثلاثة ايام. نعم هناك بحث أخر وهو أن الثلاثة يعتبر فيها التوالي والاستمرار أو لو رأت الدم ثلاثة ايام متفرقة أيضا - بأن تراه يوما وانقطع حتى تراه بعد ايام يوما وهكذا إلى ثلاثة ايام يكتفى به في الحكم بالحيضية؟

[ 144 ]

وهذا بحث آخر اجنبي عما نحن بصدده يأتي التعرض إليه عند تعرض الماتن له، فلا وجه لابتناء المسألة على استفادة اعتبار التوالى من الادلة الدالة على ان اقل الحيض ثلاثة ايام، والقول بأن الحكم المذكور واضح بناءا على استفادة اعتبار التوالي من ظهور الادلة المشار إليها. وذلك لانا انما نعتمد في الحكم بعدم حيضية الدم الاقل من ثلاثة ايام ولو بقليل على ظواهر الاخبار لكونها ظاهرة في التحديد الحقيقي سواء قلنا باعتبار التوالي في الثلاثة ام لم نقل، فان الثلاثة لابد من أن تتحقق في الحكم بالحيضية متوالية أو متفرقة، ثم إن ذلك التحديد تحديد شرعي والمناط فيه صدق رؤية الدم ثلاثة ايام ولا يدور الحكم بالحيضية مدار كثرة الدم أو قلته بحسب الساعات بل المدار على صدق الثلاثة وهي تختلف باختلاف الازمنة وحالات النساء فقد تتكثر ساعاتها وقد تقل وذلك لان الظاهر من كلمة يوم في الاخبار الواردة في المقام هو مقابل الليل كما هو الحال في جميع الموارد إلا أن تقوم قرينة على ارادة الاعم من ليلته فاليوم بمعنى بياض النهار. فلو رأت المرأة الدم قبل طلوع الشمس بقليل أو قبل طلوع الفجر بناءا على أنه اول الصبح وان كان الاول اصح حتى مضت عليها ثلاثة ايام فلا محالة يحكم عليه بالحيضية لكونه ثلاثة ايام، وليس الامر كذلك فيما إذا رأت الدم من اول الليل إلى نصف اليوم الثالث حيث لا يحكم عليه بالحيضية لعدم رؤيتها الدم ثلاثة ايام بل يومين ونصف يوم مع أنه يحسب الساعات اكثر من الصورة الاولى حيث انها في الصورة الاولى رأت الدم ثلاثة ايام وليلتين بينهما فالمجموع ستون ساعة وأما في الصورة الثانية فقد ترى الدم ستا وستون ساعة إلا انه لا يحكم

[ 145 ]

عليه بالحيضية لعدم صدق رؤية الدم ثلاثة ايام بل يومين ونصف يوم. وكذا إذا رأت الدم وهي في ايام الشتاء اول النهار - اعني طلوع الشمس أو الفجر - إلى ثلاثة ايام فانه محكوم بكونه حيضا، واما إذا رأت الدم بعد اول النهار بساعتين وهي في ايام الصيف إلى آخر اليوم الثالث فانه غير محكوم بالحيضية لعدم صدق انها رأت الدم ثلاثة ايام بل ثلاثة ايام الا ساعتين مع أن رؤيتها الدم بحسب الساعات اكثر في الصورة الثانية من الاولى، وذلك لان اليوم في الشتاء قصير فلنفرضه عشرة ساعات - حيث انها راته ثلاثة أيام وليلتين فقد ترى الدم ثماني وخمسين ساعة وأما اليوم في الصيف فطويل فلنفرضه اربع عشرة أو خمس عشرة ساعة - الترديد باعتبار أن ما بين الطلوعين من الليل أو من النهار - وبما انها ترى الدم ليلتين وثلاثة ايام الا ساعتين فقد تراه ستين ساعة أو واحدة وستين ساعة، إلا انه لما لم يصدق عليه عنوان رؤية الدم ثلاثة ايام رأته ثلاثة ايام إلا ساعتين لم يحكم عليه بالحيضية. وحال المقام حال قصد اقامة العشرة في الحكم بوجوب التمام لان المدار فيه أيضا على صدق قصد المقام عشرة ايام قلت ساعاتها ام كثرت، مثلا إذا قصد المقام في مكان في ايام الشتاء من اول النهار - اعني طلوع الشمس أو الفجر - إلى مضي تسعة ايام بعد ذلك اليوم فقد تحقق قصد اقامة العشرة ومعه يجب عليه اتمام الصلاة. وأما إذا قصد المقام كذلك بعد ساعة أو ساعتين من النهار في ايام الصيف إلى مضي تسعة ايام بعد ذلك اليوم لم يجب عليه اتمام الصلاة لعدم قصده اقامة عشرة ايام بل عشرة ايام إلا ساعتين وإن كانت اقامته في الصورة

[ 146 ]

[ واكثره عشرة (1) فإذا رأت الدم يوما أو يومين أو ثلاثة الا ساعة مثلا لا يكون حيضا. ] الثانية اكثر بحسب الساعات من اقامته في الصورة الاولى. فالمتحصل: أن المدار على صدق رؤية الدم ثلاثة ايام وهو تحديد شرعي كما عرفت، وهذا وإن لم نر من تعرض له إلا انه لابد من التعرض له والتنبيه عليه. اكثر مدة الحيض: (1) للروايات المتضافرة (1) التي لا يبعد تواتره اجمالا وقد دلت على أن اكثر الحيض عشرة ايام، مضافا إلى تسالمهم في المسألة. ولتلك الروايات دلالتان حيث تدل بالمدلول المطابقي على أن اكثر ايام الحيض عشرة، وتدل بالمدلول الالتزامي على انه لا يكون اكثر من العشرة وإن شثت قلت: إن لها عقدين عقد ايجابي وعقد سلبي وهي في العقد الايجابي اعني مدلولها المطابقي معارضة بصحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: (إن اكثر ما يكون من الحيض ثمان وادنى ما يكون منه ثلاثة) (2) حيث دلت على أن اكثر الحيض ثمانية. إلا أنه لا بد من طرحها لمعارضتها للاخبار المتضافرة بل المتواترة


(1) فراجع الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الحيض وغيرها: (2) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الحيض ح 14.

[ 147 ]

اجمالا مضافا إلى تسالمهم على أن اكثر الحيض عشرة ايام، أو تؤول على نحو لا تعارض الاخبار المتقدمة بأن تحمل على تحقق الحيض زائدا على ثمانية ايام عادة لانه قيل - وإن كان لابد من تحقيقه - أن المرأة لا يكثر حيضها عن ثمانية ايام وعليه فتحمل الاخبار المتقدمة على تحديد الحيض من حيث الكثرة شرعا، وتحمل هذه الرواية على تحديد كثرة الحيض بحسب العادة والتحقق الخارجي، وهذا تأويل لا بأس به. هذا كله بحسب العقد الايجابي وأما بحسب العقد السلبي فقد قيل انها معارضة بمرسلة يونس الطويلة التي رواها عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام حيث ورد فيها (وكذلك لو كان حيضها اكثر من السبع وكانت ايامها عشرة أو اكثر) (1) اي كذا يلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وآله أمرها بالصلاة بعد السبع وهي حائض فيها إذا كانت ايامها عشرة أو اكثر وقد ادعي دلالتها على أن الحيض يزيد على العشرة. ويدفعه: عدم دلالتها على إمكان تحقق الحيض زائدا على العشرة وانما هي بصدد بيان ترتب اللازم الفاسد على قوله صلى الله عليه وآله على تقدير زيادة الحيض عن عشرة ايام وأما انه يتحقق في الخارج فلا وذلك لان كلمة (لو) للامتناع وتدل على امتناع تحققه في الخارج زائدا على العشرة، نعم على فرض تحققه يلزمه اللازم الفاسد من امر النبي صلى الله عليه وآله للحائض بالصلاة، وعليه فلا معارض للاخبار المتقدمة:


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 2. والتعبير بالمرسلة على اصطلاح المشهور والا فعند السيد الاستاذ فهي معتبرة، ويأتي التعرض لسندها مفصلا عن قريب ان شاء الله.

[ 148 ]

[ كما أن اقل الطهر عشرة ايام (1) وليس لاكثره حد، ويكفي ثلاثة. ] اقل الطهر عشرة: (1) وتدل عليه جملة من الاخبار كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) (لا يكون القرء اقل من عشرة ايام فما زاد...) (1) وفي مرسلة يونس (ولا يكون الطهر اقل من عشرة ايام) (2) وغيرهما (3)، على أن المسألة غير خلافية، وعليه يعتبر بين الحيضتين أن يتخلل عشرة ايام ولا تحقق الحيضية الثانية قبل التخلل بعشرة ايام وهو - اي الطهر - موضوع لجملة من الاحكام كوجوب الصلاة وعدة الطلاق حيث يعتبر فيها ثلاثة قروء أو قرئين كما في الامة. نعم ذهب صاحب الحدائق (قده) إلى امكان تخلل اقل من عشرة ايام بين حيضة واحدة، إلا انه امر آخر يأتي التعرض إليه انشاء الله وهو خارج عن محل الكلام لان البحث انما هو في الطهر الواقع بين حيضتين وقد عرفت انه لا يمكن أن يكون باقل من عشرة ايام وهذا بخلاف الطهر المتخلل في اثناء الحيضة الواحدة. نعم قد ورد في روايتين أن المرأة ترى الحيض خمسة ايام أو اقل ثم ترى الطهر مثل ذلك ثم ترى الحيض ثلاثة ايام أو اربعة أو أكثر ثم ينقطع وهكذا إلى آخر الشهر وحكم (ع) بوجوب الصلاة عليها


(1) و (2) و (3)، الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب الحيض ح 1 و 2 و 3 وغيرها. من العدد ح 1.

[ 149 ]

عند طهرها وبامساكها عنها حينما ترى الدم (1). وهما معارضتان مع الاخبار الدالة على أن اقل الطهر عشرة ايام، ولكن الجزم باعتبار تخلل اقل الطهر بين الحيضتين يوجب التصرف في الروايتين ومن هنا حملهما المحقق (قده) على المرأة المتغيرة عادتها بحيث لم يتميز ايام حيضها عن غيرها فالامام عليه السلام حكم بوجوب الصلاة عند نقائها وبالامساك عن الصلاة عند رؤيتها الدم من باب الاحتياط هذا. ولكن الصحيح حملهما على المرأة المبتدئة التى لم تسيقر لها عادة حيث لم يفرض فيهما سبق عادة على المرأة فان المبتدئة تجب عليها ترتيب آثار الحائض عند رؤيتها الدم المتصف باوصاف الحيض، وبما انه متصف باوصافه فأمرها (ع) بالامساك عن الصلاة عند رؤيتها للدم إلى ان ينتهي الشهر فان استقرت لها العادة فهو والا فهي مستمرة الدم ومحكومة باحكام المستحاضة. وعليه فهو حكم ظاهري تقطع المرأة بعد انقضاء الشهر ان بعضا من الايام التي كانت ترى فيها الدم لم تكن حائضا وكان عملها مخالفا للواقع ولا دلالة لها على ان الدم الذي تراه حيض كيف فانه مستلزم لكون الحيض اكثر من عشرة ايام كما إذا رأت الدم اربعة ايام فانقطع ثم رأته اربعة ايام وانقطع وهكذا إلى اربع مرات فان مجموعه حينئذ يبلغ ستة عشر يوما مع ان الحيض لا يكون اكثر من عشرة، وكيف كان فالحكم الظاهري لا ينافي الاخبار المتقدمة الدالة على ان اقل الطهر لا يكون اقل من عشرة ايام.


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الحيض ح 2 و 3.

[ 150 ]

[ الملفقة فإذا رأت في وسط اليوم الاول واستمر إلى وسط اليوم الرابع يكفي في الحكم بكونه حيضا (1) والمشهور اعتبروا ] كفاية التلفيق في الثلاثة: (1) كما هو الحال في قصد اقامة العشرة وذلك لان اليوم - كما مر - وان كان ظاهره ما يقابل الليلة فالمراد به بياض النهار، والليالي خارجة عن مفهومه وانما يحكم بدخولها في الحكم بالاستمرار لما يأتي بيانه عند التكلم على اعتبار التوالي في الايام الثلاثة - الا انه يحمل على مقداره في المقامين للقرينة الخارجية وهي الغلبة بحسب الوجود الخارجي حيث انه قل ما تفق ان يرد المسافر بلدة في اول طلوع الفجر أو طلوع الشمس وانما يردها في اواسطه، وكذلك الحال في المقام لان المرأة انما ترى الدم في اواسط الليل أو النهار وقل ان تتحيض عند طلوع الفجر أو طلوع الشمس فإذا قصد الاقامة من نصف يوم إلى نصف اليوم الحادي عشر صدق حقيقة انه قصد اقامة عشرة ايام، بل لو قال اني قصدت الاقامة تسعة ايام ونصفين من اليوم كان من المضحك لدى العرف، وكذلك الحال في المقام، ومن هنا يحمل الايام على مقاديرها فلو رأت الدم من اول الزوال إلى زوال اليوم الرابع صدق انها رأت الدم ثلاثة ايام حقيقة ويحكم على الدم بكونه حيضا

[ 151 ]

[ التوالي في الايام الثلاثة (1). ] اعتبار التوالي في ثلاثة ايام: (1) المعروف بينهم (قدس الله اسرارهم) اعتبار التوالي والاستمرار في الثلاثة الاول من الحيض واما اعتبارهما بعد الثلاثة وعدمه فهو امر آخر يأتي عليه الكلام بعد ذلك وقد خالف في ذلك صاحب الحدائق (قده) وذهب إلى كفاية الثلاثة المتفرقة ونقله عن بعض علماء البحرين أيضا كما نسب ذلك إلى الشيخ (قده) في نهايته واستبصاره وذهب إليه المحقق الاردبيلي (قده). وما ذهب إليه المشهور هو الصحيح والثلاثة المتفرقة غير كافية في الحكم بحيضية الدم فلو رأت الدم يوما وانقطع بعده يومين ثم رأت يوما واحدا وانقطع كذلك إلى ان ترى الدم ثلاثة ايام متفرقات لم يحكم بكونه حيضا. وعلى ما ذهب إليه صاحب الحدائق (قده) وموافقوه يمكن ان تستمر حيضة واحدة واحدا وتسعين يوما كما ذكره المحقق الهمداني (قده) كما إذا رأت الدم يوما وانقطع إلى تسعة ايام ورأت الدم يوم الحادي عشر وانقطع إلى تسعة ايام ثم تراه يوم الحادي والعشرين وانقطع إلى تسعة ايام وراته يوم الحادي والثلاثين وهكذا إلى اليوم الواحد والتسعين حتى تكون الايام التي رأت فيها الدم عشرة ايام مع عدم تخلل طهر واحد بين الايام المذكور وان تخلل اقل من الطهر كتسعة ايام مثلا

[ 152 ]

[ نعم بعد توالي الثلاثه في الاول لا يلزم التوالي في البقية، فلو رأت ثلاثة متفرقة في ضمن العشرة لا يكفي وهو محل اشكال فلا يترك الاحتياط بالجمع بين اعمال المستحاضة وتروك الحائض فيها. ] فهو غير مانع من الحكم بكون الدم حيضا لان اعتبار تخلل اقل الطهر انما يختص بحيضتين، واما الحيضة الواحدة فلا يعتبر ان يتخلل في اثنائها اقل الطهر. هذا بل لو اكتفى صاحب الحدائق (قده) بكفاية التلفيق لامكن استمرار الحيضة الواحدة إلى مائة واثنين وثمانين يوما، كما إذا رأت الدم نصف يوم وانقطع تسعة ايام وراته نصف يوم من اليوم الحادي عشر وانقطع حتى راته نصف يوم من اليوم الحادي والعشرين وهكذا فانه يكون ضعف الواحد والتسعين. هذا ولكن ملاحظة ذيل كلام صاحب الحدائق (قده) تعطى انه لا يلتزم بعدم اعتبار التوالي مطلقا حيث تعرض في نهاية كلامه إلى رواية الفقه الرضوي الدالة على اعتبار التوالي في الثلاثة وحيث انه يرى اعتبارها جمع بينها وبين رواية يونس (1) بحمل الفقه الرضوي وما بمعناها على غير ذات ايام العادة، وحمل رواية يونس على ايام العادة جمعا بينهما إذا فهو لا يرى اعتبار التوالي في الثلاثة في غير ايام العادة لا مطلقا.


(1) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 10 من أبواب الحيض ح 1.

[ 153 ]

وعلى ذلك لايرد على صاحب الحدائق (قده) ان الحيضة الواحدة قد تطول ستة اشهر أو سنة بل ازيد إذا فرضنا انها رأت ساعة في كل يوم فانه (قده) يرى اعتبار التوالي في الثلاثة بالاضافة إلى غير ذات العادة، نعم لا يعتبره في ذات العادة الا انها ترى الحيض في كل شهر مرة واحدة فلا تطول الحيضة الواحدة إلى سنة أو اقل أو اكثر. وتفصيل الكلام في هذه المسألة يقع في مراحل ثلاث: الاولى: في امكان استفادة اعتبار التوالي من الادلة الاجتهادية الواردة في المقام وعدمه. الثانية: فيما تقتضية القاعدة من العمومات والاطلاقات مع قطع النظر عما تدل عليه الاخبار الواردة في المقام. الثالثة: فيما تقتضيه الاصول العملية عند عدم توالي رؤية الدم في الايام الثلاثة على تقدير عدم دلالة الاجتهادية على اعتباره وعدم اقتضاء العمومات والقاعدة ذلك اما المرحلة الاولى: فالصحيح ان الاخبار المحددة لاقل الحيض بثلاثة ايام كاكثره بعشرة ايام تدل على اعتبار الاستمرار والتوالي في الايام الثلاثة، واستفادة ذلك من الاخبار يتوقف على امور، إذ لم يرد بهذا المضمون رواية. الامر الاول: ان الاخبار المحددة لاقل الحيض بثلاثة واكثره بعشرة انما هي ناظرة إلى الحيضة الواحدة دون المتعددة لوضوح انه لا وجه لتحديده اكثر الحيضة المتعددة بعشرة ايام فان المرأة في عمرها لعلها ترى الحيض اكثر من سنة فالروايات تحدد اقل الحيضة الواحدة بثلاثة


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب الحيض ح 2.

[ 154 ]

ايام وتدل على ان الاقل من الثلاثة ليس بحيض كما ان الاكثر من العشرة كذلك: الامر الثاني: ان الحيض اسم لنفس الدم كما قدمناه وقلنا انه اسم لنفسه أو لسيلانه واطلاقه على المرأة بعد نقائها مبني على المسامحة والعناية فهذه الروايات انما تدل على ان الدم المسمى بالحيض لا يقصر عن الثلاثة ولا يزيد عن العشرة، وليس اسما لحدث الحيض، ويكشف عن ذلك تقابل الحيض بالطهر والنقاء من الدم في قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض) إلى قوله: (حتى يطهرن) (1) فالطهارة اي انقطاع الدم والحيض متقابلان فلو كان الحيض بمعنى الحدث لم يكن وجه لتقابلهما لبقاء الحدث عند طهارتها اي نقائها من الدم، وكذا ما ورد الروايات من قولهم (إذا طهرت تغتسل) (2) حيث جعل الطهر في قبال الحيض، ولا وجه له الا إذا كان بمعنى نفس الدم والا فالحدث باق إلى ان تغتسل. الامر الثالث: الاتصال مساوق للوحدة، فمع اتصال الدم في الثلاثة فهو حيض واحد، واما إذا انقطع فرأته يومين فلا يصدق عليه الحيضة الواحدة للانفصال. فهذه الامور تجعل الاخبار الواردة في تحديد الحيض ظاهرة في ارادة التوالي والاستمرار في الثلاثة لانه مع الانقطاع يخرج الدم عن


(1) البقره: 222. (2) يستفاد ذلك من الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الحيض ح 1، وباب 17 ح 3، وباب 21 ح 1 و 3، وباب 27 ح 4 و 5 و 6 وغيرها من الموارد

[ 155 ]

كونه واحد، فهما دمان كل واحد منهما اقل من الثلاثة فليس بحيض. ومن هذا ظهر ان ما ذكره الاردبيلي (قده) من ان ما ذهب إليه المشهور من اعتبار التوالي والاستمرار في الثلاثة أمر لادليل عليه بل يكفي رؤيته ثلاثة ايام متفرقات لاطلاق الاخبار، مما لا يمكن المساعدة عليه إذ لااطلاق في الاخبار كما عرفت حيث انها انما تحدد الحيضة الواحدة دون المتعددة، ومع الانقطاع ترتفع الوحدة كما مر، وقد ذكرنا ان الاخبار بمعونة الامور الثلاثة تدل على اعتبار التوالي والاستمرار فما كان اقل من الثلاثة ليس بحيض كان واحدا أو متعددا. نعم بعد رؤية الدم ثلاثة ايام إذا انقطع ثم رأت الدم يوما أو يومين قبل انقضاء العشرة كما في اليوم التاسع أو الثامن أو السابع يحكم بكونه حيضا للاخبار (1)، وهي مخصصة لما دل على ان الحيض لا يكون اقل من ثلاثة، ولكن بعد رؤيتها ثلاثة ايام وقبل العشرة، وهذا بلحاظ ضمه إلى الثلاثة واعتبار مجموعهما حيضا واحدا، ومن هنا عبر في الروايات بانه من الحيض اي من ثلاثة ايام. هذا وقد استدل على مسلك غير المشهور رواية يونس القصيرة (وان انقطع الدم بعدما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت وانتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة ايام فان رأت في تلك العشرة ايام من يوم رأت الدم يوما أو يومين حتى يتم لها ثلاثة ايام فذلك الذي رأته في اول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض وان مربها من يوم رأت عشرة ايام ولم تر الدم فذلك اليوم أو اليومان


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب الحيض ح 1 و 2.

[ 156 ]

الذي راته لم يكن من الحيض انما كان من علة...) (1) فتقضي صلاتها الفائتة في تلك الايام، وهي على تقدير تماميتها صريحة في عدم اعتبار التوالي في الثلاثة الاول وتكون حينئذ حاكمة على ظهور الاخبار المتقدمة في التوالي والاستمرار، الا انها غير تامة لارسالها حيث رواها يونس عن بعض رجاله ولا ندري انه اي شخص ولعله من الضعاف فتسقط الرواية بذلك عن الاعتبار، نعم يبقى هناك ما ادعاه الكشي من الاجماع على تصحيح ما يصح عن جماعة كابن أبي عمير وزرارة وغيرهم ومنهم يونس هذا، الا ان ذلك الاجماع غير قابل للاعتماد عليه. اما اولا: فلاجمال المراد به فهل اريد بالاجماع على تصحيح ما يصح عن جماعة ان السند إذا كان معتبرا إلى تلك الجماعة فلا ينظر إلى من وقع بعدهم من الرواة في سلسلة السند بل يحكم باعتبار الرواية وان كان الرواي بعدهم غير معلوم الحال لنا حتى يوجب اعتبار الرواية في امثال المقام، أو أن المراد به توثيق هؤلاء الجماعة في انفسهم وانهم ثقاة أو عدول وان لم يرد توثيق في حق بعضهم غير هذا، أو كان واقفيا أو فطحيا مثلا ليكون معناه ان السند إذا تم من غير ناحيتهم فهو تام من جهتهم ايضا لانهم ثقاة أو عدول، واما من وقع قبلهم أو بعدهم فلا يستفاد من هذا توثيقه، وبما ان الثاني محتمل في نفسه فيصبح معقد الاجماع مجملا ولا يمكننا الاعتماد عليه. واما ثانيا: مع قطع النظر عن المناقشة الاولى فلان هذا الاجماع ليس بأزيد من اجماع منقول بالخبر الواحد وهو مما لا نعتمد عليه،


(1) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب الحيض ح 2.

[ 157 ]

والمحصل منه غير حاصل لنا، فلا يمكن تصحيح الرواية من هذه الجهة. كما ان احتمال الانجبار بعمل مثل الشيخ غير تام لعدم كون عمله ومن تبعه موحبا للانجبار على انه عدل عنه في كتب فتاواه كالمبسوط على ما حكي. وأما المناقشة في الرواية من جهة اشتمال سندها على اسماعيل بن مرار لعدم توثيقه فيمكن دفعها بانه وان لم يرد توثيق في حقه بشخصه الا ان محمد بن الحسن بن الوليد قد صحح كتب يونس ورواياته عن رجاله باجمعها ولم يستثن منها الا محمد بن عيسى العبيدي وهو توثيق اجمالي لرجال يونس الذين منهم اسماعيل بن مرار ولا يعتبر في التوثيق أن يكون شخصيا أو تفصيليا على ان الرجل ممن وقع في اسانيد تفسير علي بن ابراهيم القمي وقد بنينا على وثاقة كل من وقع في تلك الاسانيد ويؤكده ان القميين عملوا بروايات نوادر الحكمة ولم يستثنوا منها الا ما تفرد به محمد بن عيسى العبيدي مع ان في سندها اسماعيل بن مرار فلا وجه للمناقشة في الرواية من هذه الجهة. هذا وقد استدل صاحب الحدائق (قده) على عدم اعتبار التوالي برواية عبر عنها بموثقة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: (اقل ما يكون الحيض ثلاثة ايام وإذا رأت الدم قبل عشرة ايام فهو من الحيضة الاولى وإذا رأته بعد عشرة ايام فهو من حيضة اخرى مستقبلة) (1) بدعوى دلالتها على ان المرأة إذا رأت الدم مثلا يوما وانقطع ثم رأته يومين قبل انقضاء العشرة فهما يلتحقان باليوم الاول فيكون المجموع حيضا واحدا. ويندفع بانه وان ادعى في الحدائق ظهورها في المدعى الا انها


(1) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الحيض ح 11.

[ 158 ]

اجنبية عن المقام رأسا. وذلك لانها ناظرة إلى بيان ان ما تراه المرأة من الدم قبل العشرة بعد حيضها ينضم إلى الحيضة الاولى وما تراه بعد العشرة فهو من الحيضة الثانية، واما ان الحيضة الاولى تتحقق بأي شئ وشرطها ماذا؟ فلا دلالة للرواية عليه بل تدل على ان الحيضة بعد تحققها ينضم إليها الدم الذي تراه المرأة قبل العشرة، فلا دلالة لها على عدم اعتبار التوالي في الايام الثلاثة بوجه. والذى يوضح ما ذكرناه مضافا إلى وضوحه في نفسه انه (ع) حكم بأن ما تراه بعد العشرة من الحيضة الثانية مع انه لا لتحقق الحيضة الثانية الا بتخلل اقل الطهر وعدم كون الدم اقل من ثلاثة وكونه باوصاف الحيض فلا دلالة لها على ان الحيضة الثانية غير مشترطة بشئ بل تدل على ان الحيضة الثانية على تقدير تحققها في نفسها بمالها من الشرائط ينضم إليها الدم الذي تراه المرأة بعد العشرة فلابد من استفادة ان شرائط الحيضة الاولى والثانية اي شئ من المراجعة إلى الادلة الخارجية، وقد عرفت ان الاخبار الواردة في المسألة ظاهرة الدلالة على اعتبار التوالي والاستمرار في الثلاثة. ولعل ما ذكرناه من عدم دلالة الرواية على المدعى هو مراد صاحب المدارك (قده) من ان الرواية غير صريحة في كفاية الثلاثة المتفرقة بارادة عدم الدلالة من عدم الصراحة فلا يرد عليه ما اورده في الحدائق من ان ظهور الرواية في المدعي يكفي في اثباته ولا يعتبر كونها صريحة فان من البعيد جدا ان يخفي على صاحب المدارك حجية الظهور وكفايته في المدعي فالمراد به عدم دلالتها على المدعى كما قدمناه.

[ 159 ]

هذا كله في المرحلة الاولى ومع الغض عن دلالة الاخبار على ذلك. المرحلة الثانية: اعني ما تقتضيه العمومات والاطلاقات في المقام فنقول: ان مقتضي عموم مادل على وجوب الصلاة على جميع المكلفين أو اطلاقه، وعموم مادل على جواز اتيان الزوج زوجته أنى شاء وفي اي زمان اراد، وغير ذلك من الاحكام: وجوب الصلاة على المرأة التي رأت الدم ثلاثة ايام متفرقات لانها ايضا من افراد المكلفين، كما ان مقتضى العموم والاطلاق في قوله (فاتوا حرثكم انى شئتم) (1) جواز اتيان بعلها في ذلك الزمان اعني الزمان الذي رأت في المرأة الدم ثلاثة ايام متفرقات. والسر في ذلك ان نسبة ما دل على عدم وجوب الصلاة على الحائض وعدم جواز اتيانها وعدم جواز دخولها المسجد وغير ذلك من احكامها بالاضافة إلى تلك العمومات والمطلقات نسبة المخصص أو المقيد ونشك في سعة مفهوم الحيض وضيقه ولا ندري انه هل يتحقق برؤية الدم ثلاثة ايام متفرقات كتحققه بالثلاثة المتواليات أولا تحقق لها معها، وإذا دار امر المخصص بين الاقل والاكثر بمعنى ان الشبهة كانت مفهومية فيكتفى في تخصيص العمومات بالمقدار المتيقن ويرجع في المقدار المشكوك الزائد إلى العموم والاطلاق ومعه فالنتيجة اعتبار التوالي في الايام الثلاثة في الحيض وعدم كفاية الثلاثة المتفرقات. ومن الغريب في المقام ما صدر عن المحقق الهمداني (قده) حيث منع عن التمسك بالعمومات حينئذ بدعوى ان الشبهة مصداقية ولا يجوز فيها التمسك بالعام، وان عقبه بقوله: الا ان يقال ان الشبهة


(1) البقرة: 222.

[ 160 ]

مفهومية ولا بأس معها من الرجوع إلى العام، ثم امر بالتأمل. وذلك لانه عدم كون الشبهة مصداقية في المقام امر واضح لاوجه لاحتماله حيث ان الشبهة انما تكون مصداقية إذا شككنا في فرد انه من الافراد الخارجة عن العموم أو من الباقية تحته مع وضوح المفهوم في المخصص واما إذا كانت الشبهة مفهومية كما في المقام لعدم العلم بسعة مفهوم الحيض وضيقه ولابد معه من التمسك بالعام في غير المقدار المتيقن من المخصص. ثم انا ان قلنا بالواسطة بين دم الحيض والاستحاضة في غير دم النفاس ودم القروح والجروح ودم العذرة للعلم بعدم كونها حيضا ولا استحاضة بان لم نقل ان كل دم لم يكن حيضا في غير الدماء المذكورة فهو استحاضة فمقتضى العمومات المتقدمة وجوب الصلاة عليها وغيرها من احكام الطهارة فحسب، واما إذا لم نقل بالواسطة وقلنا ان كل دم لم يحكم بحيضيته فهو استحاضة كما يأتي الكلام عليه في بحث الاستحاضة فهي مستحاضة فلا بد من ان تعمل المرأة باحكام المستحاضة بان يصلي مع الاغتسال. وذلك لان العمومات الدالة على وجوب الصلاة في حقها بالدلالة المطابقية تدل بالدلالة الالزامية على وجوب اغتسالها وكونها مستحاضة لانه لازم عدم كونها حائضا حيث بنينا على ان كل دم لم يكن بحيض فهو استحاضة، وبما ان المرأة تجب عليها الصلاة ويعامل معها معاملة غير الحائض فلا بد ان يحكم عليها بالاستحاضة هذا. وقد يتوهم ان الحيض ليس من المفاهيم الاختراعية الشرعية وانما هو مفهوم عرفي كان متحققا ودارجا عند العرف قبل الشرع والشريعة

[ 161 ]

المقدسة نظير مفهوم البيع وغيره من الامور العرفية ولابد في مثله من الرجوع إلى العرف عند الشك في اعتبار قيد في مفهومه وعدمه الا ان يقوم دليل شرعي على اعتباره كاعتبار عدم الغرر في البيع واعتبار ثلاثة ايام في الحيض، واما إذا لم يدل دليل على الاعتبار وشككنا في اعتباره فيه فلا مناص من الرجوع فيه إلى العرف ولا شبهة في ان الدم ثلاثة ايام غير متوالية حيض لدى العرف ولا يعتبر في مفهومه عندهم التوالي والاستمرار. ويندفع بان الحيض وان كان له مفهوم عند العرف الا انه بمفهومه العرفي ليس بموضوع للاحكام المترتبة عليه والا للزم التسوية بين الحيض والاستحاضة لان مادتهما مشتركة والاستحاضة هو الحيض الكثير لانه لغة بمعنى الدم الكثير مع انها بمفهومها الجامع بين الحيض والاستحاضة المصطلح عليهما غير مرادة فيما ترتب عليها من الاحكام، بل الموضوع للاحكام المترتبة عليه هو الدم العبيط الخارج من عرق مخصوص مع سائر المزايا المعتبرة فيه شرعا. وبعبارة اخرى الموضوع لتلك الاحكام معنى اصطلاحي خاص وحيث انا نشك في سعته وضيقه فلا مناص من الاقتصار في تخصيص العمومات والمطلقات على المقدار المتيقن منه ونرجع في المقدار الزائد المشكوك فيه إلى العموم والاطلاق وليس الحيض كالبيع وغيره من المفاهيم المتحد فيها المستعمل فيه والموضوع له في لسان الشرع والعرف. هذا كله في هذه المرحلة ثم انه إذا لم يتم التمسك بالعموم والاطلاق تصل النوبة إلى المرحلة الثالثة اعني مقتضى الاصل العملي. اما المرحلة الثالثة: فحاصل الكلام فيها ان المرأة لما كانت عالمة

[ 162 ]

بتوجه احكام الزامية عليها لانها ان كانت حائضا يحرم عليها دخول المسجد وتمكين زوجها من نفسها ولا تجب عليها الصلاة، وان كانت غير حائض وجبت عليها الصلاة من دون اغتسال إذا قلنا بالواسطة بين الحيض والاستحاضة، أو مع الاغتسال إذا انكرنا الواسطة بينهما فمقتضى العلم الاجمالي وقاعدة الاشتغال الاحتياط بالجمع بين احكام الطاهرة أو المستحاضة واحكام الحائض أي تروكها هذا. ولكن شيخنا الانصاري (قده) اجرى استصحاب عدم الحيض حينئذ وبه حكم بعدم كونها حائضا فتجب عليها الصلاة وغيرها من الوظائف المقررة لغير الحائضات، وقال: ان هذا الاصل لا يعارض باستصحاب عدم الاستحاضة وذلك لانا ان قلنا بالواسطة بين الحيض والاستحاضة فلا تنافي بين الاصلين فيحكم بعدم كونها حائضا ولا مستحاضة واما إذا انكرنا الواسطة بينهما فلا مجرى لاستصحاب عدم الاستحاضة لانه لا يثبت كونها حائضا وهذا الاستصحاب يوجب انحلال العلم الاجمالي لا محالة. ويدفعه: ان المراد بالاستصحاب ان كان هو الاصل الموضوعي اعني استصحاب عدم كون الدم حيضا فقد بينا وبينه هو (قده) في محله ان الشبهات المفهومية مما لا مجرى فيه للاصل الموضوعي لعدم الشك في شئ غير التسمية حيث ان خروج الدم ثلاثة ايام أمر قطعي لاشك فيه وعدم كونها متوالية أيضا كذلك ومعه يجري الاستصحاب في اي شئ؟ إذ الشك انما هو في التسمية وان مثل هذا الدم يسمى حيضا أو لا يسمى كذلك واي اصل يحرز به ذلك؟. وان اريد به الاصل الحكمي فان اريد استصحاب الحكم في المرحلة

[ 163 ]

الفعلية كاستصحاب عدم حرمة الدخول في المساجد واستصحاب وجوب الصلاة في حقها وهكذا ففيه انه لا يمكن استصحاب الحكم مع الشك في تحقق موضوعه لانا نحتمل بالوجدان عدم كون المراة طاهرة بان تكون حائضا كما نحتمل طهارتها، ومعه كيف يحكم عليها باحكام المرأة الطاهرة وان اريد به استصحاب الحكم في مرحلة الجعل كاستصحاب عدم جعل حرمة الدخول في المساجد عليها أو استصحاب عدم جعل حرمة وطيها وهكذا ففيه: انه وان كان له حالة سابقة الا انه معارض باستصحاب عدم جعل وجوب الصلاة أو جواز الدخول في المساجد أو جواز الوطي عليها حينئذ بلا فرق في ذلك بين القول بالواسطة بين الحيض والاستحاضة وبين القول بعدمها لان الصلاة واجبة عليها على كل حال إذا لم تكن حائضا اما بلا غسل واما مع الاغتسال ولاجل العلم إلاجمالي بكونها حائضا أوغير حائض بتعارض الاصلان. وكذلك الحال فيما إذا اريد به البراءة عن حرمة الدخول في المساجد مثلا لكونها معارضة بالبراءة عن وجوب الصلاة فلا يبقى مورد للاصل غير اجراء الاستصحاب في عدم خروج الدم من العرق المخصوص فانه جار من غير معارض حيث لا اثر لعدم خروجه من سائر العروق الا على القول بالاصل المثبت الا انه أيضا يندفع بعدم ترتب اثر على خروج الدم من العرق المخصوص لان ذلك انما اخذ معرفا وحاكيا عن الحيض في الاخبار والاحكام مترتبة على ما يلزم خروج الدم من العرق المخصوص فانه إذا خرج منه يحرم وطيها ويحكم بكونها حائضا، واستصحاب عدم اللازم لنفي ملزومه من الاصول المثبتة. فإذا لا مناص من الاحتياط كما قدمناه الا انك عرفت ان مقتضى

[ 164 ]

[ وكذا اعتبروا استمرار الدم في الثلاثة ولو في فضاء الفرج (1) والاقوى كفاية الاستمرار العرفي وعدم مضرية الفترات اليسيرة في البين بشرط ان لا ينقص من ثلاثة بان كان بين اول الدم واخره ثلاثة ايام ولو ملفقة، فلو لم تر في الاول مقدار نصف ساعة من اول النهار ومقدار نصف ساعة في اخر ] الاخبار اعتبار التوالي في الايام الثلاثة والحكم بعدم الحيضية عند فقد التوالي في الثلاثة. اعتبار الاستمرار في الثلاثة ولو في فضاء الفرج: (1) ما قدمناه إلى هنا انما كان راجعا إلى اعتبار الاستمرار في الايام الثلاثة وقد عرفت اعتباره بمقتضى الاخبار المتقدمة وهل يعتبر الاستمرار في نفس الدم أيضا بان يكون خارجا عن الرحم على نحو الاتصال وان لم يخرج إلى الخارج بل كان في فضاء الفرج؟ لما مر من ان الخروج إلى الخارج انما يعتبر في حدوث الحيض فان موضوعه ما تراه المرأة أو نحوه من المعاني ولا يتحقق ذلك الا بالخروج إلى الخارج، واما بحسب البقاء فلا يعتبر ذلك بوجه بل لو كان موجودا في المجرى وفي فضاء الفرج بحيث لو ادخلت كرسفا لخرج الكرسف ملوثا به كفى ذلك في صدقه، فلو انقطع الدم آنا أو دقيقة حكم بعدم حيضها، أو لا يعتبر الاستمرار في الدم بالنظر العقلي؟،

[ 165 ]

[ اليوم الثالث لا يحكم بحيضيته لانه يصير ثلاثة الا ساعة مثلا. والليالي المتوسطة داخلة فيعتبر الاستمرار العرفي فيها أيضا بخلاف ليلة اليوم الاول وليلة اليوم الرابع فلو رأت من اول نهار اليوم الاول إلى آخر نهار اليوم الثالث كفى. ] الصحيح عدم كون الانقطاع آنا أو دقيقة مضرا بالحيض فيما إذا كان ذلك عادة انساء بان كانت عادتهن ان ينقطع دمهن دقيقة أو اكثر مثلا بحيث يصدق عليها انها رأت الدم مستمرا ثلاثة ايام لانه الموضوع للحكم بالحيضية وهو الاكثر في الحيض إذا كانت عادة النساء، نعم الانقطاع باكثر مما جرت عليه عادة النساء مانع عن الحكم بالحيضية. ثم انك عرفت ان مقتضى الاخبار الواردة في تحديد اقل الحيض واكثره أن اقله ثلاثة واكثره عشرة وهو تحديد لنفس الدم المعبر عنه أو عن سيلانه بالحيض، واما قعود المرأة وحدث الحيض فلم يرد تحديد اقله ولا اكثره بشئ في الروايات. نعم يمكن استفادة ذلك من الاخبار بالدلالة الالتزامية وذلك لانها دلت على ان اقل الحيض ثلاثة ايام فالدم المرئي يوما أو يومين ليس بحيض ومع عدم كون الدم حيضا فلا يتحقق حدث الحيض لا محالة فتدل تلك الروايات بالملازمة على ان اقل حدث الحيض كدمه ثلاثة ايام. واما بحسب اكثره فقد حددت الروايات اكثر دم الحيض بعشرة فان كان الدم مستمرا الى عشرة ايام فلا محالة تدل تلك الاخبار على عدم حيضية الدم بعد العشرة ومع عدم كون الدم حيضا لا يتحقق حدث

[ 166 ]

الحيض لا محالة فيستفاد من اكثر حدث الحيض أيضا عشرة ايام عند استمرار الدم إلى عشرة. واما إذا كان الدم غير متصل ومستمر فلا يخلو اما ان يتخلل بين الدمين اقل الطهر أو لا يتخلل فان تخلل بينهما اقل الطهر فهما حيضتان وكل منهما لابد وان لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد على عشرة فيأتي في كل منهما ما قدمناه وما سنذكره فعند استمرار كل منهما إلى عشرة يستفاد من الاخبار المحددة لاكثر الحيض ان اكثر حدث الحيض أيضا عشرة، واما إذا لم يستمر فيظهر حكمه عن قريب. واما إذا تخلل بينهما اقل من عشرة ايام اي لم يتخلل بينهما اقل الطهر كما إذا رأت الدم ثلاثة ايام ثم انقطع خمسة ايام ثم رأت ثلاثة ايام أو اقل أو اكثر فان قلنا ان المدة المتخللة بين الدمين إذا كان اقل من عشرة ايام بحكم الحيض كما هو الصحيح أيضا لابد أن لا يكون الدم اكثر من عشرة ايام فبالملازمة يستفاد ان الحدث أيضا لا يكون اكثر من عشرة من اول يوم رأت الدم فتحسب ايام الدم وايام النقاء المتخلل التي هي بحكم الحيض إلى عشرة ايام ولا يزيد الدم والحدث عن عشرة ايام لا محالة. واما إذا قلنا ان النقاء المتخلل الاقل من العشرة طهر كما بنى عليه صاحب الحدائق (قده) أيضا يحسب المجموع - مجموع الدمين - ولا بد ان لا يكون المجموع من الدمين أو الاكثر (غير ايام النقاء) زائدا على العشرة فايضا لابد ان لا يكون الحدث زائدا على العشرة لدلالة الاخبار بعدم حيضية الدم في الزائد عن العشرة، ومع سلب كونه حيضا كيف يبقى الحدث؟.

[ 167 ]

[ (مسألة 7): قد عرفت أن اقل الطهر عشرة (1)، فلو رأت الدم يوم ] فتحصل ان الحدث كنفس الدم اقله ثلاثة ايام واكثره عشرة. حكم النقاء الاقل من عشرة المتخلل بين الدمين: (1) هذه هي المسألة المعروفة بين الفقهاء في ان النقاء الاقل من عشرة المتخلل بين الدمين بحكم الحيض أو انه طهر، فعلى الاولى إذا رأت الدم ثلاثة ايام وانقطع اربعة ثم رأته ثلاثة ايام يكون حيضها عشرة ايام، وهذا بخلاف ما إذا قلنا ان مدة النقاء الاقل من عشرة ايام طهر لان الحيض في هذه الصورة ستة ايام. والمعروف بينهم ان النقاء المتخلل الا قل من العشرة بحكم الحيض فيجب عليها ما يجب على الحائض ويحرم عليها ما يحرم عليها، وخالف في ذلك قليل منهم صاحب الحدائق (قده) وذهب إلى ان النقاء الاقل من الطهر طهر ولا مانع من تخلله بين حيضة واحدة وانما لا يتخلل اقل من عشرة ايام من بين حيضتين مستقلتين إذ يعتبر فيهما تخلل اقل الطهر وهو عشرة ايام، ولكن الماتن (قده) لم يرجح احد القولين على الاخر في المسألة ومن ثمة احتاط بالجمع بين احكام الطاهرة وتروك الحائض ولم يحكم ان ايام النقاء طهر، وبين صدر كلامه وذيله تهافت كما تأتي الاشارة إليه. والكلام في ذلك يقع في مقامين:

[ 168 ]

احدهما: في المقتضي اي ما استدل له على المسلك المشهور. ثانيهما: فيما يمنع عن ذلك اي ما استدل به صاحب الحدائق (قده). اما المقام الاول: فقد استدل على مسلك المشهور بمعتبرة محمد بن مسلم (1) من ان المرأة إذا رأت الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى وان رأته بعد العشرة فهو من حيضة مستقبلة. وبمضمونها رواية عبد الرحمن بن الحجاج الآتية وجه الدلالة ان قوله (ع) فهو من الحيضة الاولى ظاهر في بقاء الحيضة الاولى إلى زمان رؤية الدم قبل انقضاء العشرة حسب المتفاهم العرفي ومعناه كون النقاء المتخلل بين الدمين محكوما بالحيض إذ لو كان طهرا كان ما قبله وجودا وما بعده وجودا آخر ولا يكونان موجودين بوجود واحد نعم كون الموجودين موجودا واحد اعتبارا امر ممكن لكنه يحتاج إلى دليل وعلى خلاف المتفاهم العرفي من الرواية. وأيضا استدل للمشهور بالاخبار الواردة في ان اقل الطهر عشرة أو ان القرء لا يكون اقل من العشرة (2) فان مقتضى اطلاقها ان ما يتخلل بين الدمين وكان اقل من العشرة ليس بطهر بلا فرق في ذلك بين كون الدمين حيضة واحدة وكونهما حيضتين مستقلتين. وكيف كان فان هذه الاخبار تقتضي الحكم ببقاء الحيضة الاولى عند رؤية الدم بعد النقاء بأقل من عشرة ايام حيث دلت على ان الدم حينئذ من الحيضة الاولى وعليه فمدة النقاء محكومة بالحيض لا محالة هذا. وقد استدل صاحب الحدائق (قده) على ما ذهب إلى من تخصيص


(1) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الحيض ح 11. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 10 و 11 من أبواب الحيض.

[ 169 ]

عدم كون الطهر اقل من الحيض بالحيضتين المستقلتين، وجواز تخلل اقله أي اقل الطهر بين حيضة واحدة وكونه طهرا برواية يونس القصيرة (1)، وبها ادعى تقييد ما دل على ان اقل الطهر عشرة بما إذا وقع بين الحيضتين المستقلتين. ويدفعه: انها ضعيفة السند لان يونس رواها عن بعض رجاله، ودعوى ان يونس من اصحاب الاجماع وقد اجمعوا على تصحيح ما يصح عنه مندفعة: بما مرغير مرة من ان ذلك اجماع منقول بالخبر الواحد على ان مقعده غير واضح لقوة احتمال انهم ارادوا بذلك توثيق نفس هؤلاء الاشخاص وان السند إذا انتهى إليهم فلا يتوقف من قبلهم، لا انهم ارادوا تصحيح الخبر عند انتهاء السند إليهم ولو كان الراوي بعدهم ضعيفا أو مجهول الحال. على ان دلالتها على مدعى صاحب الحدائق (قده) غير تامة، وذلك لانه (قده) استدل بقوله فيها (فإذا رأت المرأة الدم في ايام حيضها تركت الصلاة، فان استمر بها الدم ثلاثة ايام فهي حائض وان انقطع الدم بعدما رأته يوما أو يومين اغتسلت وصلت وانتطرت من يوم رأت الدم عشرة ايام، فان رأت في تلك العشرة ايام من يوم رأت الدم يوما أو يومين حتى يتم لها ثلاثة ايام فذلك الذي رأته في اول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض، وان مر بها من يوم رأت الدم عشرة ولم تر الدم فذلك اليوم أو اليومان الذي رأته لم يكن من الحيض انما كان من علة...) نظرا إلى انها دلت على ان الذي رأته في اول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة


(1) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب الحيض ح 2.

[ 170 ]

من الحيض، ولم يدل على انهما وايام النقاء المتخللة في الاثناء من الحيض مع انه في مقام البيان فسكوته عن بيان ان ايام النقاء حيض يدلنا على ان النقاء المتخلل طهر والا لوجب عليه (ع) بيان ذلك. ويدفعه: ان جملة (فذلك الذي رأته في اول الامر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض) ليست كلاما ابتدائيا له (ع) حتى يتمسك بسكوته في مقام البيان، وانما كلامه الابتذاء قوله في صدر الحديث واوله (أو في الطهر عشرة ايام...) ثم فرع عليه قوله (فان استمر بها) وقوله (فان رأت في تلك العشرة...) الخ فقوله (فذلك الذي رأته في اول الامر...) إذا لوحظ مع صدر الرواية يدل على ان النقاء المتخلل بين الحيضة الواحدة ليس بطهر إذا كان اقل من عشرة ايام، لانه (ع) سكت عن بيان كون ايام النقاء بحكم الحيض بل بينه بقوله في صدرها (أو في الطهر عشرة ايام). واما عدم عد ايام النقاء من الحيض حيث خص الحيض بذلك الذي رأته في اول الامر مع هذا الذي رأتته بعد في العشرة) فالوجه فيه ان الحيض اسم لنفس الدم أو سيلانه ولا معنى لان يكون الطهر والنقاء حيضا، نعم ايام النقاء الاقل من عشرة ايام ايام حدث الحيض لا انها حيض هذا. على ان الرواية انما تدل على مسلك المشهور في نفسها ولا دلالة لها على ما ذهب إليه صاحب الحدائق (قده) وذلك لانها صرحت في غير واحدة من جملاتها على ان مبدء احتساب العشرة اول يوم رأت المرأة فيه الدم، وعليه فإذا فرضنا انها رأت الدم يومين ثم انقطع تسعة ايام وهما احد عشر يوما ورأت الدم يوم الثاني عشر فمقتضى

[ 171 ]

هذه الرواية انه ليس بحيض لانها رأته بعد مضي عشرة ايام من اول يوم رأت الدم مع انه من الحيض على مسلك صاحب الحدائق (قده) لانه لامانع على مسلكه من ان يتخلل اقل الطهر بين حيضة واحدة، فعشرة الحيض انما هي مجموع ايام رؤية الدم وايام النقاء على مادلت عليه الرواية. وأيضا استدل بقوله فيها (وإذا حاضت المرأة وكان حيضها خمسة ايام ثم انقطع الدم اغتسلت وصلت فان رأت بعد ذلك الدم ولم يتم لها من يوم طهرت عشرة ايام فذلك من الحيض تدع الصلاة وان رأت الدم من اول ما رأت الثاني رأته تمام العشرة ايام ودام عليها عدت من اول ما رأت الدم الاول والثاني عشرة ايام ثم هي مستحاضة...). بتقريب انها دلت على ان المرأة إذا حاضت خمسة ايام ثم انقطع الدم ثم رأت الدم قبل مضي عشرة ايام من طهرها وانقطاع دمها فهو حيض، ومعه لو كانت مدة النقاء محسوبة من الحيض ربما زادت ايام حيضها عن العشرة كما إذا حاضت خمسة ايام وطهرت تسعة ايام ورأت الدم يوم الخامس عشر حيث انه دم رأته قبل تمام العشرة من يوم طهرها فهو حيض، كما ان الاول والاثناء حيض فقد زاد حيضها على العشرة، وبما ان الحيض لا يزيد عن عشرة ايام فلا يمكن عد ايام النقاء من الحيض وانما هي طهر، ويدفعه: (اولا): ان شيخنا الانصاري (قده) نقل عن بعض النسخ المعتبرة (من يوم طمثت) لاطهرت، وعليه فلا يرد ان ايام النقاء لو احتسبت من الحيض لزاد عن العشرة في بعض الفروض لانها دلت على احتساب العشرة من اول يوم رأت الدم، فجعل عشرة

[ 172 ]

الحيض مجموع ايام الدم وايام النقاء، ومع اختلاف النسخ تسقط الرواية عن قابلية الاستدلال بها. وثانيا: لو فرضنا ان الرواية (من يوم طهرت) كما نقله صاحب الحدائق (قده) فيدفعه ان الظروف وغيرها من المتعلقات انما ترجع إلى الفعلى أو المصدر أو غيرهما من الامور الحدثية المذكورة في الكلام لانه ظاهر كل كلام عربي وغيره، فإذا قيل: جاء زيد أو ضرب يوم الجمعة فالظاهر ان يوم الجمعة ظرف للضرب أو المجئ لا انه ظرف للجوهر اعني زيد بتقدير كائن أو غيره لانه على خلاف الظاهر، وعليه فقوله (ع) (عشرة ايام) ظرف ومتعلق لقوله (لم يتم) ثم ان التمام انما يكون بعد الوجود والحدوث ومعنى ذلك ان عشرة الحيض التي تحققت منها خمسة ايام على الفرض إذا تمت من يوم طهارتها عشرة ايام اي مضت عليها خمسة اخرى ثم رأت الدم فهو استحاضة وإذا لم تتم بان لم تمض عليها خمسة ايام بل يوم أو يومان مثلا فرأت الدم فهو من الحيض، فالمراد من تمام العشرة وعدمه تمام عشرة الحيض وعدمه لانها التي تحققت ووجدت فقد تتم وقد لا تتم، لا عشرة الطهر إذ لا وجود لها ليتم أو لا يتم، ولم يعبر فيها بالانقضاء والمضي كي يمكن حمله على انقضاء عشرة الطهر كما حمله عليه صاحب الحدائق (قده) واستدل لها على مدعاه، وانما عبر بالتمام وقد عرفت انه يحتاج إلى وجود الشئ قبل ذلك. وعليه فالرواية ادل على مسلك المشهور حيث حسبت عشرة الحيض مجموع ايام الدم والنقاء إلى عشرة ايام. ويؤيد ما ذكرناه قوله بعد ذلك (وان رأت الدم من اول مارات الثاني الذي رأته تمام العشرة ايام ودام عليها عدت من اول ما رأت

[ 173 ]

الدم الاول والثاني عشرة ايام ثم هي مستحاضة) حيث صرحت بان العشرة تحسب من اول ما رأت الدم لابعد انقطاع الدم دواما، وان قوله (فان رأت الدم اول ما رأت الثاني) لا يخلو عن الاغلاق، الا ان الظاهر ان الثاني عطف بدل من أول ما رأته، فبه يرتفع الاغلاق فلا دلالة لها على حساب العشرة بعد الانقطاع حتى تدل على عدم كون ايام النقاء من الحيض لاستلزامه زيادة الحيض عن عشرة ايام في بعض الفروض. وقد ظهر مما ذكرناه في المقام ان المراد من قوله (ع) (اغتسلت عند انقطاع دمها) ليس انها تغتسل من الحيض إذ لا يصح غسل الحيض في اثنائه، وانما المراد به غسل الاستحاضة، وغايه الامر انها إذا انتظرت ورأت الدم قبل انقضاء العشرة تستكشف وقوع غسل الاستحاضة لغوا لكونها حائضا واقعا، واما إذا رأته بعد تجاوز العشرة فقد وقع غسلها في محله، والسرفي ذلك ان المرأة اما حائض فلا يصح غسل في اثنائه، واما مستحاضة ولا معنى لغسل الحيض من المستحاضة فتحمل على غسل الاستحاضة كما عرفت أو يحمل على التنظيف كما هو معناه لغة. هذا كله بالاضافة إلى الاغتسال الواقع في قوله (اغتسلت وصلت وانتظرت) واما الاغتسال في قوله (ع): (فإذا حاضت المراة وكان حيضها خمسة ايام ثم انقطع الدم اغتسلت) فلا مانع من حمله على غسل الحيض لنقائها بعد عادتها التي هي خمسة ايام. إلى هنا تحصل ان الرواية على خلاف ما ذهب إليه صاحب الحدائق (قده) أدل، على ان فيها امرين يمنعان عن الاعتماد عليها مع الغض عن ارسالها: احدهما: اشتمالها على كفاية الايام الثلاثة المتفرقة، وقد عرفت

[ 174 ]

اعتبار التوالي في تلك الايام ولا يمكن الاخذ بتلك الرواية كما تقدم. وثانيهما: دلالتها على ان المرأة إذا كان حيضها خمسة ايام ورأت الدم كذلك ثم انقطع ثم رأته بعد ذلك فان كان قبل مضي عشرة ايام من اول ما رأت الدم فهو حيض واما إذا كان بعد مضي العشرة فتحسب العشرة حيضا والباقى استحاضة، مع ان المرأة ذات العادة - كما هو مورد الرواية - إذا رأت الدم بعد عادتها حتى تجاوز العشرة تأخذ ايام عادتها حيضا وتجعل الباقي استحاضة لانها تأخذ العشرة حيضا، فالرواية مما لا يمكن الاعتماد عليها. هذا كله فيما استدل به على مسلكه برواية يونس وقد عرفت انها ضعيفة السند والدلالة. وأيضا استدل بمعتبرة محمد بن مسلم المقدمة (1). وتقريب الاستدلال بها ان المراد بالعشرة الثانية هو عشرة الطهر لا محالة للاجماع والاخبار الدالة على ان الحيضة الثانية لابد من ان تتحقق بعد اقل الطهر وهو عشرة ايام ولا تتحقق الحيضة الثانية قبل ذلك ولا مناص من ان يتخلل بينهما عشرة ايام، فالعشرة المذكورة في الشرطية الثانية (فان رأته بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة) هي عشرة الطهر، وهذه العشرة هي المذكورة في الشرطية الاولى بعينها، فالمراد بالعشرة في كلتا الجملتين عشرة الطهر، وعليه لا تتم الشرطية الاولى على اطلاقها الا إذا جعلنا ايام النقاء طهرا، اذلو جعلناه حيضا فربما زاد حيض المرأة عن عشرة ايام كما إذا رأت الدم خمسة ايام ثم انقطع خمسة ايام ثم رأت خمسة ايام لان الخمسة المتوسطة لو


(1) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الحيض ح 11.

[ 175 ]

كانت من الحيض زاد حيضها عن العشرة وكان خمسة عشر يوما لدلالة الرواية على انها إذا رأت الدم قبل عشرة الطهر فهو من الحيضة الاولى والمفروض انها رأته قبل عشرة الطهر فحيضها خمسة عشر يوما. وهذا خلاف الاجماع والاخبار المحدوة للحيض الدالة على انه لا يزيد على عشرة ايام فلا يمكن التحفظ على اطلاق الجملة الاولى الا إذا قلنا ان النقاء المتخلل بين الدمين طهر. والجواب عن ذلك ان الرواية لا يمكن ان يتحفظ على اطلاقها على كلا المسلكين بلا لابد من تقييدها على مسلك المشهور وعلى مسكله (قده) وذلك اما على مسلكه فلانا إذا بنينا على ان المراد بالعشرة عشرة الطهر وان النقاء المتخلل طهر فاطلاق الشرطية الثانية وان كان يبقى بحاله لانا انما نحكم بكون الدم حيضة ثانية إذا رأته المرأة بعد عشرة الطهر الا ان اطلاق الجملة الاولى لا يبقى بحاله لان المرأة قد ترى الدم ستة ايام ثم ينقطع اربعة ايام أو أقل أو أكثر ثم ترى ستة أيام أخر اوترى ثمانية أيام وينقطع يوما ثم تراه ثمانية ايام اخرى، فإذا حكمنا بان الدم الثاني من الحيضة الاولى لانها رأته قبل عشرة الطهر فيكون مجموعهما زائدا على العشرة وقد مر ان اكثر الحيض عشرة ايام بالاجماع والاخبار فلا مناص من تقييد اطلاق الشرطية الاولى بما إذا لم يكن مجموع الدمين زائدا على العشرة، وهذا التقييد غير وارد على مسلك المشهور لانهم يرون مبدأ العشرة أول يوم رأت الدم ويحملون العشرة على عشرة الحيض لا الطهر، ومعه يصح اطلاق قوله (ع): إذا رأته قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى أي إذا رأته قبل مضي عشرة ايام من يوم رأت المرأة فيه الدم

[ 176 ]

ومع مضيها من احدهما أو كليهما لا يحكمون بحيضية الدم كما هو واضح. وأما إذا قلنا بمسلك المشهور حملنا العشرة على عشرة الحيض وقلنا ان النقاء من الحيض فقد عرفت ان اطلاق الشرطية الاولى يبقى بحاله الا ان اطلاق الشرطية الثانية لابد من تقييده بما إذا رأت الدم بعد عشرة ايام اذلو رأته قبل عشرة أيام لم يمكن الحكم بكونه حيضة ثانية للاجماع والروايات الدالة على ان الحيضتين المستقلتين لابد أن يتخلل بينهما اقل الطهر. فإذا لنا علم اجمالي بان احد الاطلاقين غير مراد، وان احدهما مقيد وحيث لاقرينة على احدهما فتصبح الرواية مجملة وتسقط عن قابلية الاستدلال بها، اللهم الا ان يكون جملة (فهو من الحيضة اولى) كما قدمناه ظاهرة في ان الحيضة الاولى غير مرتفعة في ايام النقاء ومستمرة إلى زمان رؤية الدم الثاني قبل عشرة أيام لعدم امكان تخلل العدم بين اجزاء شئ واحد، فانه على ذلك يتعين ان تكون العشرة عشرة الحيض ويكون المتعين تقييد الشرطية الثانية ولكن الرواية على هذا تدل على ان النقاء من الحيض كما هو ظاهر، فالرواية اما مجملة واما ظاهرة فيما ذهب إليه المشهور. وهذا هو العمدة فيما استدل به صاحب الحدائق (قده) ثم أنه أيد مدعاه - أعني كون المراد بالعشرة عشرة الطهر - بروايتين: احداهما: رواية الفقه الرضوي (وربما تعجل الدم من الحيضة الثانية، والحد بين الحيضتين القرء وهو عشرة أيام بيض، فان رأت الدم بعد اغتسالها من الحيض قبل استكمال عشرة ايام بيض فهو ما بقي من الحيضة الاولى وان رأت الدم بعد العشرة البيض فهو ما تعجل من الحيضه الثانية) حيث صرح في الرواية بارادة عشرة الطهر التي

[ 177 ]

هي معنى عشرة البيض. الا انها ضعيفة بل لم تثبت كونها رواية اصلا كما مرغير مرة، على ان دلالتها على مدعاه قابلة للمناقشة ولكنا لانطيل بذكرها الكلام، وثانيهما: ما رواه محمد بن يعقوب باسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن المراة إذا طلقها زوجها متى تكون املك بنفسها؟ فقال: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فهي أملك بنفسها، قلت: فان عجل الدم عليها قبل ايام قرئها فقال: إذا كان الدم قبل العشرة ايام فهو املك بها وهو من الحيضة التي طهرت منها، وان كان الدم بعد العشرة فهو من الحيضة الثالثة فهي املك بنفسها) (1). وهذه الرواية قد يناقش في الاستدلال بها ضعيفة السند بمعلى بن محمد الواقع في سندها لعدم توثيقه في الرجال، واما ما عن المجلسي (قده) من انه شيخ اجازة وكون الرجل شيخا يكفي في وثاقته ولايحتاج معه إلى التوثيق، مندفع صغرى وكبرى وذلك لعدم كفاية الشيخوخة في الاجازة في التوثيق، وعدم تحقق الصغرى إذ لا تثبت شيخوخته بشهادة المجلسي لانه متأخر عن عصر (معلى بن محمد) بمئات السنين لانه شيخ الكليني فانه يرويها عن الحسين بن محمد وهو يروي عن معلى بن محمد ومعه لاتقبل شهادته لانها اجتهاد منه لا شهادة فلم يثبت الا انه صاحب كتاب، وكم فرق بين كونه مؤلف كتاب وبين كونه شيخ اجازة. ولكنه يندفع من جهة وقوعه في اسناد كامل الزيارات وتفسير علي بن


(1) الكافي: ج 2 ص 107، والوسائل: ج 15، باب 17 من أبواب العدد.

[ 178 ]

[ التاسع أو العاشر بعد الحيض السابق لا يحكم عليها بالحيضية، واما إذا رأت يوم الحادي عشر بعد الحيض السابق فيحكم بحيضيته إذا لم يكن مانع آخر، والمشهور على اعتبار هذا الشرط - اي مضي عشرة من الحيض السابق في حيضية الدم اللاحق مطلقا - ولذا قالوا: لو رأت ثلاثة مثلا ثم انقطع يوما أو ازيد ثم رأت وانقطع على العشرة ان الطهر المتوسط ايضا حيض، والالزم كون الطهر اقل من عشرة وما ذكروه محل اشكال بل المسلم انه لا يكون بين الحيضين اقل من عشرة واما بين ايام الحيض الواحد فلا، فالاحوط مراعاة الاحتياط بالجمع في الطهر بين ايام الحيض الواحد كما في الفرض المذكور. ] ابراهيم ففد ذكرنا في محله شهادة مؤلفيهما بوثاقة كل من وقع في طريقهما الي المعصومين (ع) والصحيح انها قاصرة الدلالة فانها تتوقف على ان يكون المراد بكلمة العشرة فيها عشرة الطهر ولم تقم قرينة على ذلك وقد تقدم الكلام في ذلك مفصلا عند المناقشة في دلالة معتبرة محمد بن مسلم المتقدمة. ثم ان من الغريب في المقام الاستدلال لما ذهب إليه صاحب الحدائق (قده) بموثقة يونس بن يعقوب: (قلت للصادق (ع): المرأة ترى الدم ثلاثة ايام أو أربعة قال (ع): قدع الصلاة قلت: فانها ترى الطهر ثلاثة أو اربعة قال (ع): تصلي قلت: فانها ترى الدم ثلاثة ايام

[ 179 ]

أو اربعة (ايام خ) قال (ع): تدع الصلاة قلت: فانها ترى الطهر ثلاثة أو اربعة قال (ع): تصلي قلت: فانها ترى الدم ثلاثة أو اربعة قال (ع): تدع الصلاة تصنع ما بينها وبين شهر فان انقطع الدم عنها والا فهي بمنزلة المستحاضة) (1). وموثقة أبي بصير بهذا المضمون غير انها فرضت الحيض والطهر خمسة ايام بدعوى ان النقاء لو لم يكن طهرا لم يكن وجه لامرها بالصلاة عند انقطاع الدم عنها (2). والوجه في الغرابة: انا لو بنينا على مسلك صاحب الحدائق (قده) من ان النقاء طهر فهل نجعل كل اربعة أو ثلاثة ايام حيضا مستقلا أو نجعل المجموع حيضا واحدا، فان جعلنا كلا منهما حيضة مستقلة فلا بد ان يتخلل بينهما عشرة أيام للاجماع والاخبار ولم يتخلل بينهما الا ثلاثة أو اربعة ايام وان جعلنا المجموع حيضة واحدة فقد زادت عن عشرة ايام لانها على تقدير رؤيتها الدم اربعة واربعة ترى الدم ستة عشر يوما وقد فرضنا ان اكثر الحيض عشرة. فتحصل ان ما ذهب إليه صاحب الحدائق (قده) مما لاوجه له وان ايام النقاء في اثناء الحيضة الواحدة بحكم الحيض فلا مناص حينئذ من حمل الروايتين على بيان الحكم الظاهري وان المرأة لاجل عدم كونها ذات عادة بما انها تحتمل كون الدم حيضا فتجعله حيضا في ايام الدم وتجعل النقاء طهرا ظاهرا لا ان النقاء طهر كما صنعه صاحب الحدائق (قده).


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الحيض ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الحيض ح 3.

[ 180 ]

التهافت بين كلامي الماتن (قده): ثم ان الماتن (قده) ذكر ان اقل الطهر عشرة ايام فلو رأت الدم يوم التاسع أو العاشر بعد الحيض السابق لا يحكم عليه بالحيضية لعدم تخلل اقل الطهر بين الدمين فترى انه حكم بعدم حيضية الدم المرئي يوم التاسع أو العاشر جزما، وهذا مع استشكاله في كون النقاء من الحيض حيث لم يبن على كونه حيضا بل احتاط بعدما قال: ان ما ذكروه اي المشهور محل اشكال، وما تقدم منه من عدم البناء على لزوم التوالي في ثلاثة ايام حيث استشكل فيه واحتاط، امران متهافتان. وذلك لان المرأة إذا رأت الدم ثلاثة ايام أو يومين وانقطع تسعة ايام ثم رأت يوما أو اكثر يمكن ان يكون الدم حيضا إذ لم يبن على ان النقاء حيض أو أن توالي ثلاثة ايام معتبر ليقال ان ما تراه بعد التسعة ليس بحيض والا زاد حيضها عن عشرة ايام أوانها إذا كانت رأت الدم يومين لا يلحق الدم الذي رأته بعد التسعة اليهما لاعتبار التوالي بينهما، بل يمكن ان يكون حيضا على هذين المسلكين فالصحيح ان يحتاط حنئذ لا ان يحكم بعدم كونه حيضا جزما والا كان صدر كلامه وذيله متهافتا.

[ 181 ]

[ (مسألة 8): الحائض اما ذات العادة أو غيرها (1)، والاولى اما وقتية وعددية أو وقتية فقط أو عددية فقط، والثانية اما مبتدئة وهي التي لم تر الدم سابقا وهذا الدم اول ما رأت، واما مضطربة وهي التي رأت الدم مكررا لكن لم تستقر لها عادة، واما ناسية وهي التي نسيت عادتها ويطلق عليها المتحيرة ايضا وقد يطلق عليها المضطربة ويطلق المبتدئة على الاعم ممن لم تر الدم سابقا ومن لم تستقر لها عادة اي المضطربة بالمعنى الاول. (مسألة 9): تتحقق العادة برؤية الدم مرتين متماثلتين فان كانتا متماثلتين في الوقت والعدد فهي ذات العادة الوقتية والعددية كأن رأت في اول شهر خمسة ايام وفي اول الشهر الآخر ايضا خمسة ايام، وان كانتا متماثلتين في الوقت دون العدد فهي ذات العادة الوقتية كما إذا رأت في اول شهر خمسة وفي اول الشهر ] اقسام الحائض: ذات العادة: (1) ان المراة إذا كان الدم الذي تراه اول ما رأت الدم ولم تره سابقا فهي مبتدئة، واما إذا تكرر منها الدم من غير ان تستقر لها

[ 182 ]

[ الآخر ستة أو سبعة مثلا، وان كانتا متماثلتين في العدد فقط فهي ذات العادة العددية كما إذا رأت في اول شهر خمسة وبعد عشرة ايام أو ازيد رأت خمسة اخرى. ] عادة وقتية وعددية أو احدهما فهي مضطربة، واما إذا استقرت لها العادة فقد تكون ذاكرة لعادتها وقد لا تكون وتسمى الثانية بالناسية وقد يطلق عليها المتحيرة أيضا كما تسمى الاولى بذات العادة وهي قد تكون ذات عادة وقتية وعددية معا كما إذا رأت الدم في كل من الشهرين خمسة ايام من اوله وقد تكون ذات عادة عددية فقط كما إذا رأت الدم في الشهر الاول خسمة ايام من اوله وفي الشهر الثاني خمسة من خامسه أو سادسه - مثلا - وقد تكون ذات عادة وقتية فقط وهي على اقسام ثلاثة كما نبينها ان شاء الله. هذه هي اقسام المرأة الحائض ولكل من المبتدئة والمضطربة وذات العادة العددية أو الوقتية احكام تخصها، فان ذات العادة العددية ليس لها ان ترتب احكام الحائض على نفسها بمجرد رؤيتها الدم وانما ترتبها فيها إذا كان الدم واجدا للصفات كما هو الحال في المتبدئة والمضطربة، نعم إذا تجاوز الدم العشرة فذات العادة العددية فقط تجعل عددها حيضا والباقي استحاضة، بخلاف المبتدئة والمضطربة فانهما تجعلان العشرة من الحيض والباقي استحاضة، واما ذات العادة الوقتية فهي تجعل الدم حيضا من وقتها من غير مراجعة الصفات الا انها سن حيث العدد مضطربة فإذا زاد على العشرة فترجع إلى الصفات والمميزات كما يأتي

[ 183 ]

تفصيله - ان شاء الله تعالى - واما ذات العادة الوقتية والعددية فهي تجعله حيضا من غير مراجعة الاوصاف من حيث الوقت والعدد. ثم ان ذات العادة الوقتية على ثلاثة اقسام، لان رؤيتها الدم في الشهرين قد تكون متحدة من حيث اولهما كما إذا رأت الدم في كل من الشهرين من اوله ولكن اختلفا من حيث الاخر لانقطاعه في احدهما في الخامس وفي الاخر في الرابع - مثلا -، وقد تتحدان في الاخير دون الابتداء كما إذا انقطع في السادس من الشهر في كليهما الا انها رأته في احدهما من اوله وفي ثانيهما من ثانيه أو ثالثه - مثلا - وقد تتحدان من حيث الوسط دون المبدأ والمنتهى كما إذا رأت الدم في الثالث والرابع والخامس من الشهرين الا ان شروعه في احدهما كان من اوله إلى سابعه، وفي الاخر كان في التاسع والعشرين من الشهر السابق عليه إلى ثامن الشهر اللاحق. ثم ان الكلام يقع فيما يتحقق به العادة التي لا ترجع معها إلى الصفات حيث ان اكثر الروايات الواردة في المقام قد اشتمل على عنوان (الوقت المعلوم) (1) أو (ايامها) ومقتضى الفهم العرقي في مثلها ان تكون رؤية الدم متكررة بمقدار يصدق معه انها ايامها أو عنوان الوقت المعلوم والعادة لم ترد في شئ من الروايات وانما عنوانها الاصحاب (قدهم) في كلماتهم وذكروا انها تتحقق برؤية الدم مرتين متماثلتين (2) ولعله انما سميت بالعادة لانها من العود حيث عاد مرتين، ويدل عليه موثقة سماعة حيث ورد فيها (فإذا اتفق الشهران عدة ايام سواء فلك


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 و 4 و 5 من أبواب الحيض. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 1 و 2.

[ 184 ]

ايامها) (1) ومرسلة يونس الطويلة (فان انقطع الدم لوقته في الشهر الاول سواء حتى توالى عليه حيضتان أو ثلاث فقد علم الان ان ذلك قد صار لها وقتا معلوما) (2). وقد قدمنا غير مرة ان الارسال انما لا يعتمد عليه فيما إذا كان بمثل (عن رجل) أو (عن بعض اصحابه) ونحوهما للجهل بالواسطة وان كان المرسل مثل ابن أبي عمير ونظرائه، والاستدلال على اعتبار مراسيلهم بالاجماع على تصحيح ما يصح عنهم قد عرفت ما فيه من المناقشة واما إذا كان الارسال بمثل (عن غير واحد) كما في مرسلة يونس هذه فهي خارجة عن الارسال لان هذا التعبير انما يصح فيما إذا كان راوي الخبر كثيرين ولا يطلق عند كون رواية واحدا أو اثنين كما هو المتفاهم العرفي من مثله في زماننا هذا، فان فقيها إذا كتب في كتابه ان القول الكذائي قال به غير واحد من اصحابنا يستفاد منه لدى العرف انه قول قال به كثيرون وان كان بحسب مفهومه اللغوي صادقا على اثنين لانه أيضا غير واحد واحتمال ان تكون تلك العدة باجمعهم من الضعفاء ضعيف ولا يعتنى بمثله، وعلى فالرواية ليست بمرسلة وقد دلت على تحقق العادة برؤية الدم شهرين متماثلا. استدراك: قدمنا ان رواية يونس الطويلة وان روايها يونس عن غير واحد


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 2.

[ 185 ]

من اصحابنا الا انها لا تكون مرسلة بذلك لما قدمناه، فلا تقاس روايته هذه بمرسلته القصيرة (1) لان في سندهها (عن بعض رجاله) وله عدة من رجال وبعض رجاله مهمل. ومعه كيف يمكن الاعتماد عليها في مقام الاستدلال ومن ثمة تكون مرسلة بخلاف روايته هذه فانها ليست بمرسلة ومن هنا اعتمدنا عليها في الحكم بتحقق العادة الوقتية بمرتين. ولكنه ربما يورد علي الاستدلال بها ان الراوي عن يونس هو محمد بن عيسى وهو ممن ضعفه الشيخ (قده) في فهرسته حيث قال (محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ضعيف استثناه ابو جعفر محمد بن علي ابن بابويه عن رجال نوادر الحكمة) وقال (لااروي ما يختص برواياته) (2) ولم يعمل ابن الوليد بما تفرد به محمد عيسى عن يونس حيث حكى عن ابوبابويه انه حكى عن شيخه ابن الوليد انه قال: (ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد على) كما ان الصدوق لا يعتمد على ما تفرد به على ما هو دابه من تبعيته لشيخه ابن الوليد في الجرح والتعديل والعمل برواية وتركه، وعن الشهيد الثاني استناد جميع الاخبار الواردة في ذم زرارة إلى محمد بن عيسى وهو قرينة عظيمة على ميل وانحراف منه على زرارة، وعن ابن طاووس ان محمد بن عيسى قد اكثر في القول في زرارة حتى لو كان بمقام عدالته كانت تسرع إليه بالتهمة فكيف وهو مقدوح فيه، ويؤيد ذلك تضعيف جملة من


(1) الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الحيض ح 4. (2) راجع معجم رجال الحديث الجزء 17 ص 126 ترجمة محمد بن عيسى ابن عبيد بن يقطين.

[ 186 ]

المتأخرين له، وعليه فلا يمكن الاعتماد على رواية يونس الطويلة في المقام لضعفها بمحمد بن عيسى عن يونس هذا. ولكن الصحيح ان الرجل لااشكال في وثاقته وصحة رواياته، والوجه في ذلك ان تضعيف الشيخ الرجل مستند إلى استثناء الصدوق له كما هو ظاهر كلامه المتقدم حيث قال (محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ضعيف استثناه أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه عن رجال نوادر الحكمة) كما ان استثناء الصدوق له مستند إلى ما ذكره شيخه ابن الوليد من انه لا يعتمد على ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه فالتضعيف في الحقيقة مستند إلى ابن الوليد (قده). الا ان عدم اعتماده (قده) على ما تفرد به محمد بن عيسي من كتب يونس وحديثه لا يدل على ضعف في الرجل، والا لم يكن وجه لعدم اعتماده على خصوص ما تفرد به عن يونس لانه الضعيف مطلقا فلا يعتمد على شئ من رواياته فيستفاد من تخصصه عدم اعتماده بما تفرد به من كتب يونس وحديثه ان لروايته عنه خصوصية اوجبت عدم اعتماده (قده) على روايته عنه في ذلك المورد فحسب. ولعل السر فيه ما حكاه نصر بن صباح من ان محمد بن عيسى اصغر سنا من ان يروي عن ابن محبوب فكيف بروايته عن يونس فان ابن محبوب متأخر عن يونس بست عشرة سنة فإذا كان محمد بن عيسى اصغر سنا بالاضافة إلى عصر ابن محبوب فلا محالة يكون اصغر سنا بالاضافة إلى يونس بطريق اولى، والصغير لا يعتمد على روايته. الا ان ذلك يمنع عن الاعتماد على رواية الرجل وذلك. اما اولا: فلان كونه اصغر سنا من ان يروي عن ابن محبوب

[ 187 ]

انما نقل عن نصر بن صباح وهو ممن لا يعتمد على قدحه واخباره كما ذكروه (1). واما ثانيا: فلان المانع عن قبول الرواية انما هو صغر سن الراوي حال الاداء لاحال التحمل فالمدار في الصغر المانع عن قبول الرواية انما هو الصغر حال الاداء لاعلى حال التحمل كما هو الحال في الشهادة حيث ان الشاهد لو تحمل الشهادة صغيرا الا انه لم يشهد الا بعد بلوغه فانه يعتمد على شهادته، وانما لا يعتمد على شهادته فيما إذا كان صغيرا حال الشهادة، ولم يعلم ان الرجل كان صغيرا حين روايته بل يمكن دعوى العلم بعدم كونه صغيرا حينئذ لان الرجل بعد ما ثبت وثاقته وعدالته كما يظهر عن قريب لو كان نقلها حال صغره لبينه والا كان ذلك تدليسا قادحا في عدالته. واما ثالثا: فلان الظاهر ان محمد بن عيسي لم يكن صغير السن في زمان ابن محبوب بل كان من الرجال فانه من اصحاب الرضا (ع) وقد استنابه في الحج عنه وهذا لا يلائم صغره كما لا يخفى على من رجع إلى ما كتبوه في الرجال من تاريخ ولادته وتاريخ وفاة ابن محبوب فليراجع. واما ما ذكره الشهيد الثاني وابن طاووس (قدهما) فلا دلالة له على ضعف الرجل بوجه لانه كما روى الاخبار المشتملة على ذم زرارة روى بنفسه بعض الاخبار المادحة له: وحيث ان الرجل ثقة عين كما يأتي نقله عن النجاشي وغيره فلا يمكننا حمل ذلك على انحرافه في زرارة


(1) راجع معجم رجال الحديث ج 19 ص 166 ترجمة نصر ابن صباح،

[ 188 ]

وتعمده في جعله بل نبني على ان كلا من المدح والذم منهم (ع) لحفظ زرارة وحقن دمه كما ان الخضر على نبينا وآله وعليه السلام قد خرق السفينة لحفظها من غصب الظالم هذا كله، اضف إلى ذلك ان تضعيف ابن الوليد أو غير ما لا يمكن الاعتماد عليه في مقابل توثيق النجاشي الرجل بقوله (محمد بن عيسى بن عبيد ابن يقطين بن موسى مولى اسد بن خزيمة أبو جعفر جليل في اصحابنا ثقة عين كثير الرواية حسن التصانيف روى عن أبي جعفر الثاني (ع) مكاتبة ومشافهة وذكر أبو جعفر بن بابويه عن ابن الوليد انه قال: ما تفرد به محمد بن عيسى من كتب يونس وحديثه لا يعتمد عليه، ورأيت اصحابنا ينكرون هذا القول ويقولون: من مثل أبي جعفر محمد بن عيسى؟) فان هذا يدلنا على ان وثاقة الرجل كانت من الامور المشهورة في تلك الازمنة وانما خالف في ذلك ابن الوليد، ومن ثمة انكروا عليه ذلك، وقد عرفت ان عدم اعتماد ابن الوليد مما لاوجه له في نفسه مضافا إلى معارضته لما هو المشهور في تلك الازمنة، ولتصريح النجاشي بوثاقة الرجل وثنائه عليه، ولما عن الفضل بن شاذان انه كان يحب الرجل ويثني عليه ويمدحه ويميل إليه ويقول ليس في اقرانه مثله، وكفى هذا في توثيق الرجل والاعتماد رواياته. هل تتحقق العادة بالرؤية مرة؟ وعن بعضهم تحقق العادة برؤية الدم مرة واحدة كما يحكى ذلك عن الجمهور أيضا.

[ 189 ]

ويدفعه: صريح قوله في رواية يونس حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وآله (ان المرأة التي تعرف ايامها تدع الصلاة ايام اقرائها) (1) حيث لم يقل: تدعي الصلاة ايام قرئك، بل قال: ايام اقرائك، وكذا الحال في الايام الواردة في الاخبار (2) وهى جمع لا يصدق على الفرد الواحد بل ولا على الاثنين فان اقل الجمع اثنان فما فوقهما واما الاثنان مجردا فلم نر اطلاق الجمع عليهما في اللغة بل لعله بعد من الاغلاط وان حكي عن المنطقيين ان اقل الجمع اثنان، واما الاثنان فما فوق فقد رود اطلاق الجمع عليه في القرآن الكريم الذي هو في اعلى مراتب الفصاحة كما في قوله تعالى: (وان كن نساءا فوق اثنتين) (3) لانه وان صرح بارادة فوق الاثنتين الا ان اطلاق فوق الاثنتين وارادة الاثنتين فما فوقهما أيضا امر دارج شائع كما اشار إليه صاحب الجواهر أيضا وكما في اطلاق الاخوة على الاثنين فما فوقه في الكلالة وان كان ذا اخوة وكذا في الاخوين فما فوق وان المرتبة الاولى إذا فقدت ووصلت النوبة إلى المرتبة الثانية فان كان له اخ واحد فله نصف وان كان له اخوة... الخ (4) إلى غير ذلك من الموارد. فتحصل ان الاقراء تصدق على رؤية الدم مرتين فما فوق، ولا يصدق على رؤيته مرة أو مرتين فحسب. هذا كله في العادة العددية حيث


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 2. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 و 4 و 5 من أبواب الحيض. (3) النساء: 11 (4) النساء: 11.

[ 190 ]

ان مورد الموثقة والمقدار المتيقن من الرواية السابقتين هو ذات العادة العددية. واما العادة الوقتية فقد ورد في الاخبار المتضافرة (1) ما مضمونه انها تجعل وقتها وايامها حيضا، كما ورد هذه العناوين في ذات العادة العددية ولا بأس باضافة الايام إلى كلتيهما إذ يصح اطلاقه في كل من العادة الوقتية والعددية فيقال انها ايامها. وحيث ان ذلك على نحو القضية الحقيقية فلا دلالة لها على ان موضوعها - اعني الوقت والايام - تتحقق بأي شئ فلا يستفاد منها ان العادة الوقتية بأي شئ تتحقق - كذا استشكل في غير واحد من الكتب. واجيب عنه بالاجماع، ومن هنا قد يتمسك بالحكم بتحقق العادة الوقتية أيضا بمرتين بالاجماع كما عن المستند وان العادة العددية إذا قلنا بتحققها بمرتين فكذلك نقول بتحقق العادة الوقتية بذلك. الا ان هذه الاجماعات المنقولة لاسيما في كلمات المتأخرين مما لا يمكن الاعتماد على لعدم حجيتها. على انها لو لم تكن من الاجماع المنقول أيضا لم تكن نعتمد عليها على ما بيناه في غير مورد لانها اجماعات معلومة المدرك أو محتملة المدرك - على الاقل - ومعه يرجع إلى ذلك المدرك لاإلى الاجماع. والصحيح في الجواب ان يقال: ان رواية يونس تدل على تحقق العادة الوقتية برؤية الدم مرتين ولو في بعض اقسامها وهو العادة الوقتية من حيث الانقطاع اي العادة الوقتية من حيث الاخر حيث ورد فيها (فان انقطع الدم لوقته في الشهر الاول سواء حتى توالى عليه حيضتان أو ثلاث فقد علم الان ان ذلك قد صار لها وقتا معلوما


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 213 و 15 من أبواب الحيض.

[ 191 ]

وخلقا معروفا تعمل عليه وتدع ما سواه...). لدلالتها على ان انقطاع الدم على حد سواء في شهرين يوجب تحقق العادة للمرأة، وهذا قد يتفق مع العادة العددية كما إذا كان مبدؤهما أيضا متساويين، وقد لا يتفق، وان اختلفا من حيث المبدأ كما إذا كان انقطع في السادس من كل شهر الا انه اختلف مبدؤه فرأته في شهر من اوله وفي الآخر من ثانيه أو ثالثه، وإذله علمنا بتحقق العادة الوقتية من حيث المنتهى بمرتين فلا نحتمل الفرق في ذلك بينهما وبين العادة الوقتية من حيث المبدأ أو الوسط هذا، على ان الرواية دلت على ان تحقق العادة العددية بمرتين ليس امرا تعبديا منهم (ع) وانما علله (ع) بان رسول الله صلى الله عليه وآله قال للتي تعرف ايامها (دعي الصلاة ايام اقرائك) فعلمنا انه لم يجعل القرء الواحد سنة لها، فيقول (دعي الصلاة ايام قرئك) ولكن سن لها الاقراء وادناه حيضتان أو ثلاث) الحديث (1). فإذا كانت العلة في تحقق العادة العددية بمرتين هو صدق (ايام اقرائها) بذلك فليتعدى من العددية إلى جميع اقسام العادة الوقتية بذلك إذ يصدق (ايام اقرائها) على رؤيتها الدم مرتين متماثلتين من حيث الوقت في اوله أوآخره أوسطه، وقد عرفت صحة اضافة الايام إليها في كل من العادة الوقتية والعددية، ومعه تدل الرواية على تحقق العادة بمرتين مطلقا ولو مع الاغماض عن اشتمالها على بعض اقسام العادة الوقتية. وقد يقال ان الرواية وان شملت كلتا العادتين باطلاقها الا ان مفهوم الموثقة - موثقة سماعة - حاكم على الرواية ومقتضاه عدم تحقق


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 2.

[ 192 ]

العادة غير العادة العددية برؤية الدم مرتين، وذلك حيث ورد في الموثقة (سألته عن الجارية البكر اول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة ايام يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة ايام سواء، قال (ع): فلها ان تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة، فإذا اتفق الشهران عدة ايام سواء فتلك ايامها). حيث دلت بفمهوم قوله (ع): (فإذا اتفق...) انه إذا لم يتفق الشهران عدة ايام سواء فليست الايام ايام عادتها لانها حصرت ايام عادتها بما إذا تحققت لها العادة العددية، ومع عدم العادة العددية لا يكون ايام رؤيتها الدم في الشهرين اياما لها، وان كانت لها عادة وقتية. وبهذا يحكم على ان غير ذات العادة العدية لا تجعل ايام الدم في الشهرين ايامها وان كانت ذات عادة وقتية. ولكن الامر ليس كذلك، وذلك لان مورد الرواية ليست هي ذات العادة العددية فان هذا التعبير (فقد علم الان ان ذلك قد صار لها وقتا معلوما وخلقا معروفا) وكذا قوله (ايام اقرائك) لا يناسب ذات العادة العددية إذ لاوقت لها على الفرض وانما موردها ذات العادة الوقتية ولو من حيث الاخير، ومورد الموثقة هو ذات العادة العددية كما هو مقتضى قوله (فإذا اتفق الشهرين عدة ايام سواء) فقد دلت الموثقة على ان المضطربة التي لا يكون طمثها في الشهر عدة ايام سواء إذا رأت الدم في الشهرين سواء من حيث العدد فذلك العدد ايامها فتجعلها حيضا إذا تجاوز الدم بها العشرة، وإذا لم يتفق لها ايام سواء في شهرين من حيث العدد فلا عادة عددية لها حتى تجعلها حيضا عند تجاوز دمها العشرة، فهي

[ 193 ]

ناظرة إلى من ليست لها عادة عددية ومن لها عادة عددية، واين هذا من ذات العادة الوقتية؟ لتدل على عدم تحقق عادتها بمرتين فكلمة الايام في الموثقة غير الايام في المرسلة (1) والحصر في الموثقة بمقتضي الشرط صحيح بالنسبة إلى العدد فقط كما استفدناه من اطلاق الرواية. فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من العادة الوقتية والعددية تتحققان برؤية الدم مرتين في شهرين على حد سواء. ثم انه لاشبهة في ان ذات العادة العددية لا يعتبر في تحقق عادتها تساوي طهرها بين اقرانها - مثلا - إذا رأت الدم في الشهر الاول خمسة أيام وبعد ما مضي عليها ستة وعشرون يوما أيضا رأت الدم خسمة أيام إلا انها رأت الدم في الشهر الثالث بعد مضي عشرين يوما من حيضها السابق ولم يتخلل بين الحيضة الثانية والثالثة ستة وعشرون بوما كما تخلل ذلك بين الحيضة الاولى والثانية فان العادة العددية تتحقق بذلك وان اختلف طهرها بين اقرانها، العادة العددية تتحقق باى شئ؟ الا ان الكلام في ان العدة العددية كما انها تتحقق برؤية الدم مرتين في الشهرين على حد سواء هل تتحقق برؤية الدم في شهر واحد مرتين أو أزيد من شهرين كما إذا جرت عادتها على رؤية الدم في كل خمسين يوما مرة واحدة كما إذا رأته في أول الشهر خمسة ايام وفي اليوم السادس


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 2.

[ 194 ]

والعشرين منه أيضا إلى خمسة أيام أو رأته بعد خمسة عشر يوما من حيضتها السابقة عدة أيام سواء أو رأت الدم في ازيد من شهرين كذلك كما إذا جرت عادتها على رؤية الدم في كل من خمسين يوما مرة واحدة أو ان العادة لا تتحقق بذلك؟، قد يقال بالاخير نظرا إلى ان أكثر الاخبار الواردة - كما مرت - (1) انما كانت مشتملة على عنوان ايامها والوقت المعلوم ولم تكن مشتملة على عنوان العادة ومقتضى المتفاهم العرفي في مثلها ان يعتبر رؤيتها الدم إلى مدة يصدق ان ايام الدم، ايامها ولا اشكال في ان العرف لا يرى صدق ذلك رؤية الدم مرتين، فمقتضى القاعدة عدم كفاية رؤية الدم مرتين على حد سواء. الا ان الموثقة والمرسلة (2) دلتنا على كفاية الرؤية كذلك في تحقق العادة العددية وفي صدق عنوان الايام والوقت المعلوم، وحيث ان ذلك على خلاف القاعدة فيقتصر فيه على موردها - وهو رؤية الدم مرتين في شهرين متعددين - فلا دليل على كفاية رؤيته مرتين في شهر واحد أو في الزائد على الشهر في تحقق للعادة العددية هذا. ولكن الصحيح كفاية رؤية الدم مرتين في الشهر الواحد أو في الازيد من شهر كذلك وذلك لان الموثقة دلت على تحقق العادة العددية برؤية الدم مرتين على حد سواء، ولم تدل على اختصاص ذلك برؤيته مرتين في الشهر، وإنما ذكر الامام (ع) اتفاق الشهرين عدة ايام سواء من


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 و 4 و 5 من أبواب الحيض. (2) تقدم ذكرهما قريبا.

[ 195 ]

جهة ان مورد السؤال فيها ان الجارية تختلف ايامها في شهرين فترى الدم في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيام فانه الغالب في النساء ومن هنا أجابه (ع) بأنها إذا رأت الدم في الشهرين على حد سواء فتلك ايامها، ولا دلالة لها على عدم كفاية رؤية الدم مرتين في شهر وادحد على حد سواء. على ان الوثقة في نفسها لا دلالة لها على عدم تحقق العادة العددية برؤية الدم مرتين في شهر واحد - مع قطع النظر عما ذكرناه - وذلك لان مفهوم قوله (فإذا اتفق الشهران عدة ايام سواء فتلك أيامها) ليس هو أنه (إذا اتفق الدم في شهر واحد عدة أيام سواء فليست تلك ايامها) بل مفهومه (إذا لم يتفق الشهران عدة ايام سواء فلا تكون تلك ايامها) وهو سالبة بانتفاء موضوعها نظير ما إذا قيل إذا ركب الامير فخذ ركابه، فان مفهومه ليس هو انه (إذا ركب الامير في غير يوم الجمعة لا يجب الاخذ بركابه) بل مفهومه (ان الامير إذا لم يركب يوم الجمعة فلا يؤخذ ركابه) وهو سالبة بانتفاء موضوعها فلا مفهوم للموثقة من تلك الناحية ليستفاد منها عدم تحقق العادة العددية برؤية الدم مرتين في شهر واحد أو في الزائد عن الشهرين. فالمتحصل انه لم يقم دليل على تقييد تحقق العادة برؤية الدم مرتين في شهرين بل كما ان العادة تتحقق برؤيته مدة مديدة يصدق عرفا انها ايامها كذلك تتحقق برؤية الدم مرتين مطلقا في شهر واحد أوفي شهرين أو أكثر. وكذلك الحال في العادة الوقتية فانها تتحقق بمرتين ولو في شهر واحذ أو أزيد من شهرين كما إذا اعتادت على رؤيته في كل عشرين

[ 196 ]

يوما ثلاثة أو أزيد فكانت تراه في اول الشهر خمسة وفي الخامس والعشرين أيضا خمسة أو في كل شهرين مرة مثلا، واما ذكر الرؤية متساوية في شهرين فانما هو من جهة كونه الغالب في النساء كما مر، والا فالمدار على تحقق الاقراء أو الايام وهما متحققان بمرتين فصاعدا كما تقدم. هل يعتبر تساوي الطهرين في الوقتية؟ وهل يعتبر تساوي الطهرين في العادة الوقتية؟ اما في العادة الوقتية من حيث الاول أو الاخير أو الوسط فعدم اعتبار تساوي الطهرين مما لا خفاء فيه لانه لازم العادة الوقتية كذلك، فانها إذا رأت الدم من اول الشهر إلى خمسة أيام في احدهما، ومن أوله إلى سادسه في احدهما الآخر فهى ذات عادة وقتية من حيث المبدأ مع ان ايام طهرها مختلفة لانها رأت الطهر بين الحيضة الاولى والثانية خمسة وعشرين يوما، وأما بين الثانية والثالثة التي تراها في أول الشهر الثالث فايام طهرها أربعة وعشرون يوما. وكذا الحال في ذات العادة الوقتية من حيث المنتهى كما إذا رأت الدم إلى اليوم السابع من كل شهر الا انها رأته في الشهر الاول من أوله وفى الشهر الثاني من ثانيه أو من اليوم الثالث فان ايام طهرها بين حيضتها الاولى والثانية اربعة وعشرون أو خسمة وعشرون، ولكنها بين الحيضة الثانية والثالثة ثلاثة وعشرون إذا رأته في الشهر الثالث من أوله. ومن ذلك يظهر الحال في ذلك العادة الوقتية من حيث الوسط

[ 197 ]

فلا نطيل، ففي هذه الاقسام من ذات العادة الوقتية لا معنى لاعتبار تساوي أيام الطهر لعدم تحققه كما عرفت، نعم انما يتحقق تساوي ايام الطهر في ذات العادة الوقتية والعددية معا إلا انه غير معتبر حتى في مثلها، إذا قد تختلف ايام الطهر حينئذ لاختلاف الشهور من حيث الزيادة والنقيصة وبه نختلف ايام الطهر قلة وكثرة، فإذا فرضنا ان عادتها هي رؤية الدم من اول الشهر إلى خامسه وكان الشهر الاول تسعة وعشرين يوما، والشهر الثاني ثلاثين يوما، فان طهرها بين الحيضة الاولى والثانية أربعة وعشرين يوما، ولكنه بين الثانية خمسة وعشرون يوما. ومن ذلك يظهر الحال فيما إذا كانت عادتها رؤية الدم من عاشر كل شهر إلى منتصفه لزيادة الشهر ونقصانها كما مر فتحصل ان تساوي الطهر غير معتبر في شئ من ذات العادة الوقتية والعددية أواحدهما فحسب. فذلكة الكلام: ان الاخبار الواردة (1) في المقام دلت على ان المرأة إذا كانت لها (ايام) أو (الوقت المعلوم) تجعل الدم في ايامها حيضا، ومفهومها العرفي ان تكون المرأة متعودة برؤية الدم إلى مدة يصدق عرفا ان تلك المدة (ايامها) وانها (الوقت المعلوم) كما إذا رات سنة أو سنتين من أول كل شهرالى خامسه أو في كل شهر خسمة غير معنية الوقت. وهذا بحسب الكبرى ومصداقها مما لاشبهة فيه ولا كلام، وانما كنا


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 و 4 و 5 من أبواب الحيض.

[ 198 ]

[ مسألة 10): صاحبة العادة إذا رات الدم مرتين متماثلتين على خلاف العادة الاولى تنقلب عادتها إلى الثانية (1) وان رأت مرتين على خلاف الاولى لكن غير متماثلين يبقى حكم الاولى، نعم لو رأت على خلاف العادة الاولى مرات عديدة مختلفة تبطل عادتها وتلحق بالمضطربة. ] نتكلم في. ان الايام الواردة في الروايات هل تنطبق على غير ما يستفاد منها بحسب المتفاهم العرفي أيضا أو لا تنطبق؟ وقد اثبتنا بالموثقة (1) انها ينطبق وتتحقق برؤية الدم عدة ايام سواء مرتين كما اثبتنا بالمرسلة (2) انها تنطبق على رؤية الدم في وقت معين مرتين. صاحبة العادة إذا رات الدم على خلاف عادتها (1) فإذا كانت ترى الدم في الشهر الاول والثاني من اوله إلى خامسه وقد رأت في الشهر الثالث والرابع من عاشره إلى مدة معينة فتنقلب عادتها إلى الثانية ففي الشهر الخامس تأخذ بتلك العادة الحديثة فتجعل تلك الايام حيضا من غير مراجعة الصفات والباقي استحاضة إذا كانت ذات عادة وقتية وعددية، أو تجعل من ايامها بعد عادتها حيضا والباقي استحاضة إذا كانت ذات عادة عددية وتجاوز دمها


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من ابواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 7 من ابواب الحيض ح 2.

[ 199 ]

العشرة، وقد ذكروا ان ذلك مما لا خلاف فيه، وهو الصحيح. لانه كما لانظن ولا نحتمل احدا استشكل في انقلاب العادة العرفية بذلك - مثلا - إذا فرضنا ان المرأة كانت ترى الدم سنة من أول الشهر إلى خامسه بحيث صدقع على (ايامها) وعنوان (الوقت المعلوم) ثم كانت ترى الدم من خامسة إلى مدة معينة ايضا سنة فانها بعد تلك السنة الثانية تأخد بالعادة الثانية لا محالة لصدق انها (ايامها) وقد عرفت ان الاخبار الواردة في المقام مما لاشبهة فيه بحسب الكبرى ومصداقها العرفي فكذلك الحال في مصداقها التعبدي الثابت بالموثقة والمرسلة، فالعبرة اذن بالعادة المتصلة بالدم دون العادة الزائلة. نعم لو رأت الدم على خلاف الشهرين المتقدمين مرة واحدة فلا يكون ذلك موجبا لانقلاب عادتها بل في الشهر الرابع تعامل، بمقتضى عادتها السابقة قبل ذلك الشهر الواحد، وذلك لاطلاق الموثقة وغيرها مما دلت على ان اتفاق الدمين في الشهرين عدة ايام سواء يوجب تحقق العادة وصدق عنوان (ايامها)، وما ذكرناه لعله مما لااشكال فيه. وانما الكلام فيما إذا رأت في الشهر الثالث على خلاف الشهرين السابقين وكذا في الشهر الرابع إلا ان الدمين فيهما - في الشهر الثالث والرابع لم يكونا متساويين فان ذلك وإن لم يكف في تحقق العادة لما مر من انها انما تتحقق برؤية الدم مرتين متماثلتين، الا ان الكلام في انهما هل يوجبان ارتفاع عادتها السابقة بحيث تكون المرأة في الشهر الخامس مضطربة أو أن العادة السابقة لا ترتفع بذلك، نعم ترتفع فيما إذا رأت مرأت مختلفة بحيث صدق ان المرأة مضطربة عرفا؟.

[ 200 ]

ذهبوا إلى ان للعادة السابقة لا ترتفع بذلك ولا تكون المرأة مضطربة برؤيتها الدم مرتين غير متماثلين على خلاف عادتها، ولعل ذلك هو الصحيح لاطلاق مادل على تحقق العادة برؤية الدم مرتين وعدم تحققها برؤيتها مرة واحدة حيث استفدنا من قوله (ع) في تفسير ما نقله عن النبي صلى الله عليه وآله ان العادة تتحقق برؤية الدم مرتين فصاعدا ولا تتحقق رؤيته مرة واحدة (1). على أن المسألة - كما ذكروا - مما لا خلاف فيه ولكن سيدنا الاستاذ مد ظله احتاط في تعليقته الانيقة على المتن، نظرا إلى احتمال دلالة الموثقة (2) بمفهومها على عدم بقاء عادتها السابقة بذلك لان مفهومها (ان الشهرين إذا لم يتفقا عدة أيام سواء فليست تلك بأيامها) وبما ان مفروضنا عدم اتفاق الشهرين عدة ايام سواء فلا تكون تلك الايام بأيامها فان احتمال ذلك يكفي فيما صنعه مد ظله من الاحتياط بالجمع بين احكام ذات العادة والمضطربة، وإن كان احتمالا ضعيفا كما لا يخفى. والوجه في ضعف ذلك هو انه لا مفهوم للموثقة لندل على ارتفاع العادة السابقة حينئذ فان مفهومها سالبة بانتفاء موضوعها ومقتضاه ان المرأة إذا رأت الدم شهرين مختلفين فليست تلك الايام بأيامها، واما ان العادة السابقة ترتفع بذلك فلا يستفاد منها بوجه. فدعوى ان الموثقة تدل على ان المرأة إذا رأت الدم مرتين مختلفتين على خلاف عادتها السالفة ترتفع بذلك العادة السابقة ساقطة لا يعتنى بها. والصحيح في الحكم بارتفاع العادة السابقة ان يستدل بمعتبرة يونس


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 1.

[ 201 ]

[ (مسألة 11): لا يبعد تحقق العادة المركبة (1) كما إذا ] المتقدمة حيث انها بعدما دلت على ان رسول الله صلى الله عليه وآله سن في الحيض ثلاث سنن وبينت اقسامها وشقوقها (1) دلت على ان ذات العادة إذا تغيرت عادتها ورأت مرة زائدة ومرة ناقصة فهي مضطربة لابد من ان ترجع إلى الصفات واقبال الدم وادباره أي زيادته وقلته المعبر عنه بالدم البحراني، وذلك حيث ورد في ذيلها (وان اختلط عليه ايامها وزادت (اي مرة) ونقصت (اي مرة اخرى) حتى لا تقف منها على حد ولا من الدم على لون عملت باقبال الدم وادباره وليس لها سنة غير هذا، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي) ولقوله (ع) (ان دم الحيض اسود يعرف كقول ابي إذا رأيت الدم البحراني) الحديث. ومقتضى ذلك الحكم بارتفاع العادة برؤية الدم مرتين مختلفتين وكون المرأة مضطربة الا ان المسألة لما كانت اجماعية حيث نقلوا عدم الخلاف في عدم انقلاب العادة برؤية الدم مرتين مختلفتين كان الاحتياط بالجمع بين احكام ذات العادة والمضطربة في محله وموقعه. اقسام العادة: العادة المركبة. (1) العادة قد تكون بسيطة عددية أو وقتية كما إذا رأت الدم في وقت معين مرتين أو عددا معينا كذلك، وقد تكون مركبة كما إذا


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 4.

[ 202 ]

[ رأت في الشهر الاول ثلاثة وفي الثاني اربعة وفي الثالث ثلاثة وفي الرابع اربعة، أو رأت شهرين متواليين ثلاثة وشهرين متواليين اربعة ثم شهرين متواليين ثلاثة وشهرين متواليين اربعة فتكون ذات عادة على النحو المزبور. لكن لا يخلو عن اشكال خصوصا في مثل الفرض الثاني حيث يمكن ان يقال ان الشهرين المتواليين على خلاف السابقين يكونان ناسختين للعادة الاولى فالعمل بالاحتياط اولى. نعم إذا تكررت الكيفية المذكورة مرارا عديدة بحيث يصدق في العرف ان هذه الكيفية عادتها وايامها لا اشكال في اعتبارها فالاشكال انما هو في ثبوت العادة الشرعية بذلك وهي الرؤية كذلك مرتين. ] رأت ثلاثة أيام مرة وأربعة أيام أخرى أيضا رات ثلاثة مرة وأربعة اخرى وهكذا بأن كانت عادتها مركبة من ثلاثة وأربعة ففى المرة الفرد ثلاثة وفى الزوج اربعة بمعني انه في المرة الاولى والثالثة والخامسة والسابعة وهكذا ثلاثة، وفى المرة الثانية والرابعة والسادسة وهكذا اربعة فهل يكفى ذلك في تحقق العادة فترجع في الشهور الفردية إلى ثلاثة أيام وفي الزوج إلى أربعة، أو انها ليست بذات عادة بل مضطربة؟. فصل الماتن (قده) بين ما إذا تكررت الكيفية المذكورة مرارا

[ 203 ]

عديدة كسنة أو أقل أو أكثر بحيث صدق عرفا ان هذه الكيفية عادتها وأيامها فلا اشكال في اعتبارها، وبين ما إذا لم تتكرر الكيفية المزبورة كذلك كما إذا رأت في الشهر الاول ثلاثة أيام وفي الشهر الثاني أربعة وفي الشهر الثالث ثلاثة وفي الشهر الرابع أربعة وهكذا، أو رأت في الشهرين ثلاثة وفى الشهرين اربعة وهكذا فان ثبوت العادة بذلك لا يخلو عن الاشكال ولاسيما في الفرض الاخير لان الرؤية مرتين مما يحقق عادة جديدة وتكون ناسخة للعادة السابقة فالعمل بالاحتياط أولى هذا. والصحيح عدم تحقق العادة بالمركبة مطلقا وذلك لقصور المقتضى ووجود المانع. اما عدم تمامية المقتضي فلان غاية ما يمكن ان يستدل له على كفاية العادة المركبة دعوى ان الايام الواردة في الروايات مطلقة فكما انها تشمل العادة البسيطة فيما إذا رأت عددا أو وقتا معينا شهرين فصاعدا كذلك تشمل العادة المركبة فيما إذا رأت ثلاثة في الشهور الفردة وأربعة ايام في الزوج مثلا، فيقال: ان ايامها ثلاثة في الفرد وأربعة في الزوج. ويدفعه: ان الظاهر من كلمة (ايامها) الواردة في الروايات هو الايام المضبوطة والمعينة لانها التي يصدق عليها (الوقت المعلوم) دون غيرها، ولا أقل من كونها محتملة لذلك، ولا تصدق الايام المضبوطة المعينة على ما إذا رأت ثلاثة في شهر وأربعة في آخر، ولا تكون الثلاثة ايامها مضبوطة، ولا الاربعة كذلك، ولا فلو أريد من (أيامها) اعم من المضبوطة المعينة وغيرها للزم الا لتزام بتحقق العادة فيما إذا رأت في شهر خمسة أيام وفي شهر آخر ستة وفي شهر ثالث سبعة بدعوى ان عادتها التحيض بما لا يزيد عن السبعة ولا ينقص عن الخمسة، فأيامها أحد الايام الثلاثة في شهر خمسة وفي شهر ستة

[ 204 ]

وفى ثالث سبعة ولا تحتمل أحذا يلتزم بتحقق العادة بذلك وانما هي مضطربة. وليس هذا الا من جهة ان المدار على الايام المعينة المضبوطة وعليه فلا يكون شئ من الثلاثة ولا الاربعة أياما معينة لها بل وتكون بذلك مندبرجة في المضطربة. وأما وجود المانع فلانا لو سلمنا تمامية المقتضي في نفسه وشمول (ايامها) باطلاقه على كل من العادة البسيطة والمركبة فلا مانع من تقييده بالعادة البسيطة بالمرسلة والموثقة وذلك لان ظاهر الموثقة - موثقة سماعة (1) ان العادة العددية انما تتحقق برؤية الدم شهرين أي مرتين على حد سواء، وظاهرها الشهران المتصلان، ولا اشكال في عدم تحقق رؤية الدم على حد سواء شهرين متصلين في العادة المركبة، وانما نرى المرأة فيها الدم شهرين غير متصلين ولا يصدق انها رأت ثلاثة ايام في شهرين على حد سواء وهكذا في الاربعة. وكذلك الحال في المرسلة (2) بل دلالتها على ذلك اصرح من الموثقة حيث صرحت بان العادة الوقتية انما تتحقق بحيضتين متواليتين فصاعدا، فبهاتين الروايتين تقيد الايام بالايام التوالية بحسب الشهرين أو المرتين، وهذا لا يتحقق في العادة المركبة مطلقا حتى فيما إذا تكررت منها تلك الكيفية مدة مديدة بحيث صدق عرفا ان الكيفية المذكورة عادتها وايامها وذلك لعدم رؤيتها الدم شهرين متواليين على حد سواء فهي مضطربة من اول ما رأت الدم بتلك الكيفية وحيث


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 2.

[ 205 ]

[ (مسألة 12): قد تحصل العادة بالتمييز كما في المرأة المستمرة الدم إذا رأت خمسة ايام مثلا بصفات الحيض في اول الشهر الاول ثم رأت بصفات الاستحاضة وكذلك رأت في اول الشهر الثاني خمسة ايام بصفات الحيض ثم رأت بصفات الاستحاضة فحينئذ تصير ذات عادة وقتية، وإذا رأت في اول الشهر الاول خمسة بصفات الحيض وفي اول الشهر الثاني ستة أو سبعة مثلا فتصير حينئذ ذات عادة وقتية، وإذا رأت في اول الشهر الاول خمسة مثلا وفي العاشر من الشهر الثاني مثلا خمسة بصفات الحيض فتصير ذات عادة عددية (1) ]. ان الاصحاب ذهبوا إلى كفاية العادة المركبة فالاحتياط بالجمع بين احكام المضطربة وذات العادة مما لا ينبغي تركه. ما تتحقق به العادة (1) لان العادة قد تحصل بالوجدان كما إذا رأت الدم ثلاثة ايام مثلا في كلا الشهرين أو رأته في اول الشهرين عددا مختلفا، وقد تحصل بالتمييز وبالصفات كما إذا تجاوز دمها العشرة في كلا الشهرين ولكن خمسة من كل منهما كان بصفات الحيض فاتخذت الخمسة عادة عددية بالصفات لا بالوجدان أوانها رأت الدم زائدا على العشرة في

[ 206 ]

كليهما الا انه كان في اول الشهرين بصفات الحيض أو في وسطهما أو في آخرهما فحصلت لها العادة الوقتية بالصفات. ولا يبعد ان يكون تحقق العادة بالتمييز هو المعروف بينهم وذلك لان الامارات تقوم مقام العلم الطريقي، والصفات امارات شرعية على الحيض فلا محالة تقوم مقام العادة الحاصلة بالوجدان. وعن شيخنا الانصاري (قده) الاستشكال في كبرى تحقق العادة بالتمييز على نحو الموجبة الجزئية وهي ما إذا كانت الامارة القائمة على الحيض مختلفة في الشهرين ومرتين، بان رأت الدم زائدا على العشرة في كلا الشهرين، الا انها جعلت الخمسة الاولى منها حيضا في الشهر الاول لكونها اسود والخمسة الثانية فصاعدا احمر، والاسوداد امارة الحيض جعلت الخمسة الاولى من الشهر الثاني حيضا لكونها احمر والخمسة بعدها فصاعدا اصفر والحمرة علامة الحيض لا محالة فكون عادتها في الشهرين خمسة ايام انما ثبتت بالاسوداد والاحمرار وهما امارتان مختلفتان. والاستشكال في هذه الصورة من جهة عدم صدق رؤية الدم في الشهرين على حد سواء غير انه (قده) انما استشكل في تحقق العادة بالتمييز في هذه الصورة من دون ما إذا كانت الامارتان في الشهرين متماثلتين، الا ان هذا التفصيل مما لاوجه له لان الدليل انما قام على اعتبار كون الدمين في الشهرين متساويا من حيث الوقت أو العدد، واما كونهما متساويين متماثلين حتى من حيث الامارة القائمة عليهما فلا دليل عليه بل يمكن ان تكون الامارة في كل شهر على الحيضية غير الامارة القائمة في الشهر الاخر فلا يعتبر التساوي من حيث السبب، ومن هنا لو رأت الدم ثلاثة ايام في احد الشهرين بالوجدان ورأت في الشهر الثاني

[ 207 ]

زائدا إلى العشرة ولكن كانت ثلاثة ايام منها بصفات الحيض تتحقق العادة بضم الوجدان إلى التعبد لو قلنا بثبوت العادة بالتمييز. فإذا الامر يدور بين ان نلتزم بثبوت العادة بالتمييز مطلقا وان كانت الامارة القائمة على الحيضية مختلفة في الشهرين بحيث لو تجاوز دمها العشرة في الشهر الثالث اتخذت عادتها الثابتة بالتمييز حيضا والباقى استحاضة، وبين ان لا نقول بتحقق العادة بالتمييز أيضا ففي الشهر الثالث لو تجاوز دمها العشرة أيضا ترجع إلى التمييز بالصفات فما كان بصفات الحيض وان كان أقل أو اكثر مما رأته في الشهرين المتقدمين ولا يرجع إلى العادة الثابتة بالتمييز كما التزم به الماتن (قده) في اول مسألة من مسائل تجاوز الدم العشرة وسيأتي انه مما ينافي ما ذكره في المقام، وكيف كان التفصيل المتقدم عن شيخنا الانصاري (قده) مما لا وجه له وظاهر الجواهر التنظر في تحقق العادة بالتمييز مطلقا ان لم يكن اجماع متحقق. والصحيح عدم تحقق العادة بالتمييز مطلقا، ولم يقم اجماع تعبدي على تحقق العادة بذلك بحيث يصل إليهم يدا بيد عن المعصومين (ع) لان حكمهم هذا امر موافق للقاعده لقيام الامارة مقام القطع الطريقي كما عرفت، وحيث ان الصفات امارة الحيض فذهبوا إلى ان الامارة تقوم مقام القطع بتحقق العادة لا محالة، ومعه كيف يكون الاجماع تعبديا؟ وانما هو مدركي فلابد من ملاحظة ذلك المدرك. ولا نريد بانكار تحقق العادة بالتمييز المنع عن قيام الامارة مقام القطع الطريقي بل نلتزم بذلك ومن هنا لو كانت المرأة ذات عادة الا

[ 208 ]

انها نسيتها في الشهر الثالث وقامت الامارة على انها كانت خمسة ايام مثلا أو ان عادتها كان التحيض من اول الشهر كانت الامارة حجة وبها تثبت عادتها لا محالة. وانما غرضنا ان العادة لاتتحقق بالصفات بل يعتبر فيها ان تتحقق بالوجدان لا ان الامارة لا تقوم مقام القطع الطريقي. وقبل الشروع في بيان الدليل على هذا المدعى ننبه على ان كلام الماتن (قده) في هذه المسألة حيث حكم بتحقق العادة بالتمييز مناف لما يأتي منه (قده) في المسألة الاولى من فصل حكم تجاوز الدم عن العشرة حيث منع فيها عن الرجوع إلى العادة الحاصلة بالتمييز عند تجاوز الدم عن العشرة وحكم بالرجوع إلى العادة الحاصلة بالوجدان، إذ لو كانت العادة بالتمييز كالعادة الحاصلة بالوجدان لم يكن وجه للمنع عن الرجوع إليها. وكيف كان ان مقتضى موثقة سماعة ومرسلة يونس المتقدمتين (1) حصر تحقق العادة بما إذا احرز بالوجدان الدم في شهرين على حد سواء من دون ان يتجاوز دمها العشرة. فذات العادة وقعت في مقابل من تجاوز دمها العشرة فلا عادة لمن تجاوز دمها العشرة وانما هي منحصرة بمن رات انقطاع الدم في شهرين على حد سواء بالوحدان. وتفصيل الكلام في ذلك ان الادلة الواردة في أن المرأة ترجع إلى عادتها وايامها فيما إذا تجاوز دمها العشرة وان كانت كغيرها من الادلة متكفلة لاثبات الحكم على الموضوع الواقعي وهو قد يثبت بالتعبد فلا تكون الايام حينئذ بمعني الايام المعلومة والثابتة بالقطع والوجدان.


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 1 و 2.

[ 209 ]

الا ان مقتضى الاطلاقات الآمرة بالرجوع إلى الصفات ان المرأة لابد وان تميز الحيض بالصفات وقد خرجنا عن اطلاقها في المرأة ذات العادة اي المراة التي تثبت لها العادة بالوجدان فانها ترجع إلى عادتها وتجعلها حيضا والباقي استحاضة وان كان بصفة الحيض: واما ذات العادة بالتمييز فلم يقم دليل على رجوعها إلى عادتها عند تجاوز دمها العشرة فالاطلاقات فيها محكمة ولا مناص من ان ترجع إلى الصفات في الشهر الثالث أيضا كما كانت ترجع إليها في الشهرين المتقدمين. والوجه في ذلك ان الموثقة والمرسلة المتقدمتين انما دلتا على ان المرأة غير المستحاضة اي غير من تجاوز دمها العشرة إذا رأت الدم شهرين متساويين عدة ايام سواء فتلك ايامها فلو استحاضت اي رات الدم زائدا على العشرة بعد ذلك تأخذ عادتها حيضا والباقي استحاضة واما المرأة التي رأت الدم زائدا عن العشرة من الابتداء فهي خارجة عن مدلولهما. ففي المرسلة عبر بكلمة (ثم) في قوله (فالحائض التي لها ايام معلومة قد احصتها بلا اختلاط عليها ثم استحاضت فاستمر بها الدم...) وفي الموثقة (سأل عن الجارية البكر اول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة ايام يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدة ايام سواء، قال: فلها ان تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة فإذا اتفق الشهران عدة ايام سواء فتلك ايامها). حيث انها دلت على ثبوت العادة برؤية الدم مرتين متساويتين في البكر التي ترى الدم في اول ما تراه في الشهرين اقل من عشرة ايام كثلاثة أو أربعة، فالتي ترى الدم في اول ما تراه زائدا على العشرة

[ 210 ]

[ (مسألة 13): إذا رأت حيضين متواليين متماثلين مشتملين على النقاء في البين فهل العادة ايام الدم فقط أو مع ايام النقاء أو خصوص ما قبل النقاء؟ الاظهر الاول. مثلا إذا رأت اربعة ايام ثم طهرت في اليوم الخامس ثم رأت في السادس كذلك في الشهر الاول والثاني فعادتها خمسة ايام لا ستة ولا اربعة فإذا تجاوز دمها رجعت إلى خمسة متوالية وتجعلها حيضا لا ستة ولا بان تجعل اليوم الخامس يوم النقاء والسادس ايضا حيضا ولا إلى الاربعة (1). ] خارجة عن مدلول الموثقة، واطلاقات وجوب الرجوع إلى الصفات محكمة في حقها. وعلى الجملة ان مقتضى الاطلاقات والموثقة والمرسلة عدم كفاية العادة الحاصلة بالتمييز في تحقق العادة لعدم الدليل على كفاية الصفات في ذلك فعدم قيام هذه الامارات مقام القطع الطريقي مستندا إلى قصور الدليل في خصوص المقام لا ان الامارة لا تقوم مقام القطع الطريقي. النقاء بين الحيضتين: (1) بأن رأت الدم في كل واحد من الشهرين اربعة ايام - مثلا - وحصل النقاء في اليوم الخامس ثم رأت الدم في اليوم السادس أيضا،

[ 211 ]

فهل تجعل ايامها ستة - اعني مجموع ايام الدم - النقاء - أو أن عادتها خمسة ايام باسقاط يوم النقاء أو أن عادتها اربعة ايام - اعني ما رأته قبل النقاء فحسب -؟. ذهب الماتن (قده) إلى ان عادتها هي ايام الدم وهي خمسة دون ما قبل النقاء أو المجموع. أما ما أفاده من ان ايام العادة ليست هي ايام الدم قبل النقاء فحسب فهو كما افاده لان تخصيص الحيض بها بلا مخصص فانه عبارة عن دم الحيض أو حدثه وكلاهما زائدان عن الاربعة في المثال، وانما الكلام في ان عادتها هل هي ايام الدم المركبة مما تقدم على النقاء وما تأخر عنه دون يوم النقاء أو أن عادتها مجموع ايام الدم والنقاء؟ والظاهر ان النزاع في هذه المسألة يبتني على الخلاف المتقدم من ان النقاء في اثناء الحيضة الواحدة طهر أو ملحق بما سبقه أو لحقه من الدم، فعلى ما ذهب إليه صاحب الحدائق (قده) واحتاط فيه الماتن من عدم كون يوم النقاء من الحيض بحمل ما ورد من ان اقل الطهر عشرة ايام على مابين الحيضتين دون اثناء الحيضة الواحدة لابد من ان يلتزم بما افاده الماتن (قده) من جعل العادة هي ايام الدم فحسب دون المجموع منها ومن يوم النقاء لان ايام الدم هي ايام قعودها وجلوسها التي ترجع إليها عند زيادة دمها على العشرة دون يوم النقاء لانها فيه طاهرة، واما بناءا على ما قويناه من أن يوم النقاء ملحق بما سبقه ولحقه من ايام حيضها وانه لاوجه لتقييد ما دل ان اقل الطهر عشرة ايام بالحيضتين المستقلتين فالعادة هي المجموع من ايام الدم وايام النقاء لانه

[ 212 ]

ايام قعودها وجلوسها لا خصوص ايام دمها. وتوضيح ذلك: ان ظاهر (ايامها) التي ترجع إليها المرأة عند تجاوز دمها العشرة هو ايام قعودها وجلوسها وهي اعم من ايام الدم ويوم النقاء إذا قلنا بكونه بحكم الحيض، ثم لو تنازلنا عن ذلك وقلنا انها ظاهرة في ايام الدم أوانها مجلمة في نفسها فهناك جملة من الاخبار قد وردت في ان الايام التي ترجع إليها المرأة عند تجاوز دمها العشرة هي ايام قعودها وجلوسها. منها: موثقة سماعة قال: (سألته عن امرأة رأت الدم في الحبل قال: تقعد ايامها التي كانت تحيض فإذا زاد الدم على الايام التي كانت تقعد استظهرت بثلاثة ايام ثم هي مستحاضة) (1). ومنها: صحيحة الصحاف قال: (قلت لابي عبد الله (ع): ان ام ولدي... إلى ان قال: وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فانه من الحيضة فلتمسك عن الصلاة عدد ايامها التي كانت تقعد في حيضها) الحديث (2). ومنها: صحيحة أو موثقة يونس بن يعقوب (3) فراجع. ومنها: غير ذلك من الاخبار (4) الدالة على ان المراد من الايام ايام قعودها وجلوسها، وقد عرفت انها اعم من ايام الدم والحدث،


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من ابواب الحيض ح 6 (2) الوسائل: ج 2 باب 30 من ابواب الحيض ح 3 (3) الوسائل: ج 2 باب 13 من ابواب الحيض ح 12 (4) راجع الوسائل: ج 2 باب 13 من ابواب الحيض.

[ 213 ]

وعليه فإذا قلنا ان يوم النقاء محكوم بحكم الحيض كما بنينا على فايامها ستة في المثال لانها التي كانت تقعد فيها اي هي ايام قعودها. واما إذا قلنا ان يوم النقاء يوم طهر كما بنى عليه صاحب الحدائق (قده) فايامها خمسة في المثال لانها التي كانت تقعد فيها واما اليوم الخامس فهو يوم طهر لايوم حدث ولا دم هذا كله في ذات العادة العددية واما ذات العادة الوقتية كما إذا رأت اربعة ايام من اول الشهر وانقطع يوم الخامس ثم عاد اليوم السادس فقط ورأت كذلك في الشهر الثاني الا انها رأت بعد اليوم الخامس يومين ففي هذه الصورة ان قلنا بان كلمة (ايامها) التي لابد من ان ترجع إليها المرأة عند تجاوز دمها العشرة ظاهرة في ايام قعودها وجلوسها فأيضا يأتي التفصيل المتقدم فعلى القول بان يوم النقاء محكوم بالحيض فايامها التي كانت تقعد فيها ستة لا محالة واما إذا قلنا بكونه يوم طهر فايامها التي تقعد فيها خمسة. وكذلك الحال فيما إذا قلنا باجمالها لترددها بين ايام الدم والاعم منها ومن ايام الحدث، إذ لنا ان نرجع حينئذ إلى مرسلة يونس (1) الطويلة المشتملة على الامر بالرجوع إلى ايام اقرائها عند تجاوز دمها العشرة والاقراء جمع قرء وهو اعم من الدم والحدث فعلى القول بان يوم النقاء طهر فلا محالة تكون ايامها خمسة في المثال لان اليوم الخامس ليس بيوم الحدث ولا الدم كما لا يمكن الحكم بكون الصفرة فيه حيضا تمسكا بما دل على ان الصفرة في ايام العادة حيض، وذلك لعدم كون النقاء من ايام عادتها وانما هو يوم طهر. نعم لامانع من التمسك بصحيحة محمد بن مسلم أو حسنته باعتبار


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من ابواب الحيض ح 4

[ 214 ]

[ (مسألة 14): يعتبر في تحقق العادة العددية تساوي الحيضين (1) وعدم زيادة احداهما على الاخرى ولو بنصف ] ابراهيم بن هاشم أو الموثقة باعتبار حماد الواقع في سندها، قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة ترى الصفرة في ايامها فقال: لا تصلي حتى تنقضي ايامها، وان رات الصفرة في غير ايامها توضأت وصلت) (1) حيث دلت على ان الصفرة التي تراها المرأة محكومة بالحيض مادام لم تنقض ايامها، وعليه فإذا رأت المرأة صفرة في اليوم الخامس - مثلا - فضلا عن الدم في الشهر الثالث فلابد من الحكم بكونه حيضا لانها تراها في وقت لم تنقض ايامها لبداهة انها في اليوم الخامس لا يصح ان يقال: ان ايامها انقضت لانها ترى الدم بعد ذلك يوما أو يومين، وعليه ففي العادة الوقتية لابد من الحكم بان عادتها هي مجموع ايام الدم والنقاء من غير تفصيل بين كون النقاء طهرا أم حيضا. واما في العادة العددية فلابد من التفصيل بين المسلكين، فعلى مسلكنا تكون عادتها هي مجموع ايام الدم والنقاء، وعلى مسلك صاحب الحدائق (قده) هي ايام الدم فحسب. تساوي الحيضين في العددية: (1) نسب إلى بعضهم عدم كون الزيادة بساعة أو ساعتين أو اكثر


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 1.

[ 215 ]

[ يوم أو اقل، فلو رأت خمسة في الشهر الاول وخمسة وثلت أو ربع يوم في الشهر الثاني لاتتحقق العادة من حيث العدد. ] مانعا عن تحقق العادة العددية ما لم يبلغ اليوم وذلك بدعوى ان المدار في العادة العددية على تساوي الشهرين من حيث عدد الايام ولا اعتبار بتساويهما من حيث الساعات، فلو رأت في احد الشهرين خمسة ايام وفي الشهر الآخر خمسة ايام ونصف يوم صدق ان المرأة رأت الدم في الشهر الثاني بعدد لا يزيد عن عدد الايام في الشهر السابق بيوم وهي خمسة ايام ونصف. ولكن الصحيح ما هو المعروف بينهم من اعتبار التساوي من حيث العدد في العادة العددية وعدم تحققها عند زيادة احدى الحيضتين على الاخرى ولو بنصف يوم. والوجه في ذلك: ان الموثقة (1) دلت على ان العادة العددية انما تتحقق فيما إذا اتفق الشهران عدة ايام سواء، ولا اشكال في عدم صدق ذلك عند رؤيتها الدم في شهر خمسة ايام وفي شهر آخر خمسة ايام ونصف لان الايام كغيرها من الموجودات فكما ان احدا إذا ملك خمسة دنانير - مثلا - وملك الاخر خمسة دنانير ونصفا لا يصدق انهما متفقان في عدد ما يملكانه بل يقال: ان احدهما ملك خمسة دنانير ونصفا وملك الاخر خمسة دنانير، فكذلك الحال في المقام فلا يصدق في المثال انها رأت الدم في الشهرين عدة ايام سواء.


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من ابواب الحيض ح 1.

[ 216 ]

[ نعم لو كانت الزيادة يسيرة لا تضر. وكذا في العادة الوقتية (1) تفاوت الوقت ولو بثلث أو ربع يوم يضر، واما التفاوت ] نعم الزيادة اليسيرة بمقدار لا ينافي صدق اتحاد الحيضين من حيث العدد عرفا غير مضرة لتحقق العادة العددية بذلك كما إذا زاد احد العددين عن الاخر بخمس دقائق ونحوها وذلك للقرينة الخارجية وهي القطع بعدم ارادة تساوي الحيضتين تساويا عقليا بحسب العدد بحيث يضرها الاختلاف ولو بزيادة احدهما عن الاخر بخمسة دقائق بل بدقيقة لعدم تحقق ذلك في الخارج اصلا، ولو كان أمرا متحققا فهو من الندرة بمكان لا يمكن حمل الموثقة عليه. على ان الساعات الدقيقة لم تكن موجودة في ازمنة صدور هذه الاخبار، وانما المرأة كانت ترى الدم بعد طلوع الشمس في شهر بمقدار ما وكانت تراه في الشهر الاخر بعد طلوعها بمقدار تظن انه عين المقدار السابق في الشهر الاول أو الحيضة الاولى، ولم يكن حينئذ طريق إلى حساب ساعات الدم وايامه على وجه دقيق عقلي ولاسيما في القرى والبوادي، ومعه يزيد - بحسب المتعارف - احد العددين على الاخر بمثل خمس دقائق أو أقل أو اكثر لا محالة. هذا كله في العادة العددية. التساوي بين الحيضتين في الوقتية: (1) ظهر الحال في العادة الوقتية مما قدمناه في العددية وعلم ان التساوي بين الحيضتين تساويا عقليا غير معتبر في الوقتية أيضا، وذلك

[ 217 ]

[ اليسير فلا يضر لكن المسألة لا تخلو عن اشكال، فالاولى مراعاة الاحتياط. (مسألة 15): صاحبة العادة الوقتية - سواء كانت عددية ] لان الوجه المتقدم في العددية وهي ندرة تساويهما أو عدم تحققه وان لم يأت في العادة الوقتية حيث ان الوقتية إذا لم تتساو الحيضتان فيها تساويا عقليا في اولها - كما إذا رأت في احداهما من اول الشهر خمسة ايام وفي الاخرى بعده أو قبله بساعات أو بيوم إلى خمسة ايام - فهما تتساويان - لا محالة - في وسطهما أو في آخرهما لان اليوم الثالث والرابع والخامس متحدان في كلتا الحيضتين من حيث رؤية الدم فلا حاجة إلى تساويهما من حيث أولهما. الا ان معتبرة يونس (1) التي دلت على ان المرأة ترجع إلى ايامها وتجعلها حيضا في الشهر الثالث لابد من حملها على ارادة الايام العرفية من (ايامها) كما هو الحال في غيرها من الالفاظ، ولا يحمل على ارادة ما يصدق عليه الايام لدى العقل، بل الصدق العرفي كاف في تحققها، ومن الظاهر ان (ايامها) يصدق عند اختلاف الحيضتين بخمس دقائق ونحوها فالمتحصل ان الزيادة اليسيرة التي لا تمنع عن صدق عنوان (ايامها) غير مخلة بالعادة بوجه.


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من ابواب الحيض 2.

[ 218 ]

[ أيضا أم لا - تترك العبادة بمجرة رؤية الدم في العادة (1). ] وظائف صاحبة العادة الوقتية: (1) اما إذا كان الدم واجدا لصفات دم الحيض من الخروج بالدفع والحرارة والاسوداد وغيرها فلان وجدان الصفات في غير ايام العادة يقتضي الحكم بالحيضية فضلا عما إذا كان في ايام العادة. واما إذا لم يكن الدم واجدا للصفات كما إذا كما صفرة فلاجل الاخبار الواردة في ان الصفرة في ايام العادة حيض واليك بعضها. منها: حسنة أو صحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ترى الصفرة في ايامها فقال: لا تصلي حتى تقتضي ايامها) الحديث (1). ومنها: مرسلة يونس عن أبي عبد الله (ع) قال في حديث: (وكل ما رأت المرأة في ايام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض) الحديث (2). ومنها: موثقة الجعفي عن أبي عبد الله (ع) قال: (إذا رأت المرأة الصفرة قبل انقضاء ايام عادتها لم تصل وان كان صفرة بعد انقضاء ايام قرئها صلت) (3).


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 1 (2) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 3 (3) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 4.

[ 219 ]

ومنها: ما عن علي بن جعفر عن اخيه (ع) قال: (سألته عن المرأة ترى الصفرة ايام طمثها كيف تصنع؟ قال: تترك لذلك الصلاة بعدد ايامها التي كانت تقعد في طمثها ثم تغتسل وتصلي) الحديث (1). ومنها: مضمرة معاوية بن حكيم قال: (قال: الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض، وبعد ايام الحيض فليس من الحيض وهي في ايام الحيض الحيض) (2) ولعله سقطت من الرواية كلمة (من) بين كلمتي الحيض كما ذكرها في صدرها، قال: الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض أو ان الالف واللام في الحيض الثاني زائدة. ومنها: ما عن علي بن جعفر عن اخيه (ع) قال: (سألته عن المرأة ترى الدم... إلى ان قال: فان رأت الصفرة في ايام طمثها تركت الصلاة كتركها للدم) (3). وهذه الرواية اسندت في الطبع الاخير من الوسائل إلى علي بن جعفر عن اخيه (ع) وجاءت هكذا (وعنه عن علي بن جعفر... الخ) ولكن في طبع عين الدولة جاءت هكذا: (عنه عن علي بن محمد عن علي بن جعفر) فليراجع. ومنها: مرسلة المبسوط قال: (روي عنهم (ع) ان الصفرة في ايام الحيض حيض وفي ايام الطهر طهر) (4). إلى غير ذلك من


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 7 (2) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 6 (3) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 8 (4) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 9

[ 220 ]

[ أو مع تقدمه (1) ] الاخبار (1)، وبعضها وان لم يمكن الاستدلال بها لضعف سندها أو اضمارها أو ارسالها، الا ان بعضها الاخر غنى وكفاية مؤيدا بالبعض الاخر الضعيف. هذا على ان المسألة مما لا خلاف فيها، فالمهم التكلم في تقدم الدم على العادة وتأخره عنه بيوم أو بيومين أو أزيد. تأخر أو تقدم الدم على العادة: (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين: احداهما: جهة تقدم الدم على العادة. وثانيتهما: جهة تأخره عنها. جهة تقدم الدم: اما إذا كان متقدما عليها فان تقدمها بيوم أو يومين - هذا في قبال ما يأتي من تقدمه على العادة بثلاثة ايام فصاعدا فلا تغفل - فان كان الدم بصفات الحيض ولم يزد على عشرة ايام وتخلل بينه وبين الحيضة السابقة اقل الطهر فلا اشكال في الحكم بكونه حيضا لان الصفات امارة على الحيضية مطلقا قبل العادة وبعدها، واما إذا لم يكن بصفات الحيض وان كان اقل من العشرة وتخلل بينه وبين الحيضة الاولى عشرة


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 و 15 من ابواب الحيض.

[ 221 ]

ايام فلاينبغي الاشكال في الحكم بكونه حيضا وان لم يكن بصفاته لما دل من الاخبار على ان الدم قد يعجل ويخرج قبل عادة المرأة بيوم أو يومين واليك بعضها. فمنها: موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع): (في المرأة ترى الصفرة، فقال: ان كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض وان كان بعد الحيض بيومين فليس من الحيض) (1). ومنها: مضمرة معاوية بن حكيم المتقدمة قال: (قال: الصفرة قبل الحيض بيومين فهو من الحيض وبعد ايام الحيض فليس من الحيض) الحديث (2). هذا وفي بعض الاخبار ان الصفرة قبل الحيض من الحيض من غير تقييد ذلك بيوم أو يومين. ومنها: ما رواه علي بن أبي حمزة قال: (سأل أبو عبد الله (ع) وانا حاضر عن المرأة ترى الصفرة فقال: ما كان قبل الحيض فهو من الحيض وما كان بعد الحيض فليس منه) (3). ومنها: ما عن سماعة قال: (سألت عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها فقال: (إذا رأت الدم قبل وقت حيضها فلتدع الصلاة فانه ربما تعجل بها الوقت) (4).


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 2 (2) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 6 (3) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 5 (4) الوسائل: ج 2 باب 13 من ابواب الحيض ح 1

[ 222 ]

ومنها: مصححة الصحاف (1) الاتية. وعليه فيقع الكلام في ان القاعدة تقتضي تقييد المطلقات بالمقيدات وحمل ما قبل الحيض على ما قبله بيوم أو يومين، فما تراه المرأة من الصفرة قبل حيضها بثلاثة ايام غير محكومة بالحيضية، أو ان اللازم الاخذ بالمطلقات كما يأتي بيانه فكل صفرة تراها المرأة قبل حيضها ولو بثلاثة ايام فهي محكومة بالحيضية؟ اختار الماتن (قده) الثاني حيث حكم بان المرأة تترك صلاتها برؤية الدم ولو قبل ايامها بيوم أو يومين أو ازيد ولعله المعروف بينهم وذلك بدعوى ان ما دل على ان ما تراه المرأة قبل ايام عادتها حيض مطلق حيث يشمل اليوم أو يومين وما زاد فيما إذا صدق عليه انه دم تعجل به بان لم يكن عشرة ايام ونحوها، ولا دليل مقيد لها بيوم أو يومين. إذ لا مفهوم لموثقة أبي بصير (2) ومضمرة معاوية بن حكيم (3) حتى يدل على ان ما تراه المرأة قبل ايام عادتها يوم أو يومين ليس بحيض، اما المضمرة فعدم دلالتها على ذلك ظاهر حيث ذكر فيها ان الصفرة قبل الحيض بيومين فليس بحيض وهي كما ترى غير مشتملة على الجملة الشرطية حتى تكون ذات مفهوم، واما الموثقة فهي وان كانت مشتملة على الجملة الشرطية (ان كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض) الا ان مفهومها ليس ان الدم إذا كان قبل الحيض


(1) الوسائل: ج 2 باب 15 من ابواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 2. (3) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 6.

[ 223 ]

بثلاثة ايام ليس بحيض وذلك لانها مسوقة لبيان حكم الدم الخارج قبل العادة في قبال الدم الخارج بعدها ولانظر لها إلى اثبات الحكم في خصوص الدم الخارج قبل الحيض بيومين ونفيه في الخارج قبل الحيض بثلاثة ايام ونحوها هذا. ولكن الصحيح ان الحكم بالحيضية مختص بالدم الذي تراه المرأة قبل عادتها بيومين أو اقل دون ما تراه قبلها باكثر من يومين. وذلك مضافا إلى ان كلمة اليومين قبل الحيض وردت في كلام الامام (ع) وقد بينا في محله ان الوصف والقيد وان لم يكن له مفهوم ليثبت خلاف الحكم المذكور في المنطوق على فاقد الوصف الا انه إذا لم يكن لاتيانه في الكلام فائدة فلا محالة يدل على ان الحكم غير مترتب على الطبيعة اينما سرت وانما هو مختص بحصة خاصة وهي الحصة المشتملة على ذلك الوصف والا كان اتيانه في الكلام لغوا ظاهرا، وعليه فلابد من ان يكون الحكم بالحيضية في المقام مختصا بالدم الذي تراه المرأة قبل ايام عادتها بيومين أو اقل، ولا يشمل الدم الذي تراه قبل العادة بثلاثة ايام. لااطلاق في المقام حتى يتمسك به في الحكم بان ما تراه المرأة قبل ايام عادتها حيض مطلقا كان قبلها بيومين أو بثلاثة ايام ونحوها، فالمقتضي للحكم بالحيضية فيما زاد على يومين قاصر في نفسه وذلك لان ما استدل به على ذلك روايات ثلاثة: الاولى: موثقة سماعة قال: (سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها، فقال: إذا رأت الدم قبل وقت حيضها فلتدع الصلاة فانه

[ 224 ]

ربما تعجل بها الوقت) (1). الثانية: مصححة حسين بن نعيم الصحاف الواردة في الحبلى حيث ورد فيها: (وإذا رأت الحامل الدم قبل الوقت الذي كانت ترى فيه الدم بقليل أو في الوقت من ذلك الشهر فانه من الحيضة...) (2). الثالثة: رواية علي بن أبي حمزة البطائني قال: (سأل أبو عبد الله (عليه السلام) وانا حاضر عن المرأة ترى الصفرة فقال: ما كان قبل الحيض فهو من الحيض) (3). اما موثقة سماعة فيرد الاستدلال بها انها غير مشتملة على الصفرة وانما دلت على ان الدم الذي تراه المرأة بل عادتها من الحيض. نعم انما تدل على كون الصفرة حينئذ حيضة باطلاقها لان الدم الوارد فيها مطلق يعم واجد الصفات - اعني صفات الحيض - وفاقدها. واطلاقها من هذه الجهة وان كان حجة في نفسه ولا مناص من الاخذ به الا انه معارض بحسنة محمد بن مسلم أو صحيحته المتقدمة (4) التي دلت على ان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض والنسبة فيهما عموم من وجه حيث ان الموثقة دلت على ان الدم الذي تراه المرأة قبل ايام عادتها حيض سواء أكان واجدا للصفات أم لم يكن، والصحيحة دلت على ان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض سواء أكانت قبل عادتها أم بعدها فتتعارضان في مادة اجتماعهما وهي الصفرة التي تراها


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من ابواب الحيض ح 1 (2) الوسائل: ج 2 باب 30 من ابواب الحيض ح 3 (3) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 5 (4) الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 1

[ 225 ]

المرأة قبل عادتها وحيث ان دلالة كل منهما بالاطلاق فيتساقطان فيرجع إلى ادلة الصفات وان الحيض ليس به خفاء فانه حار يخرج بدفع ولونه اسود. وبما ان الدم في محل الكلام غير واجد له فيحكم بعدم كونه حيضا أو نرجع إلى مطلقات ادلة التكاليف كاطلاق أو عموم ما دل على وجوب الصلاة على كل مكلف الذي منه المرأة في محل النزاع، وعموم أو اطلاق ما دل على جواز وطي الزوج زوجته في اي زمان شاء الذي منه هذا الزمان وغير ذلك من المطلقات. فالموثقة مما لا يكن الاستدلال باطلاقها في المقام. واما مصححة الصحاف فيرد على الاستدلال بها عين المناقشة التي اوردناها على الموثقة وتزيد المصححة على الموثقة بموهنين آخرين: احدهما: انها واردة في الحبلى ولعل لها خصوصية اقتضت الحكم بكون ما تراه قبل عادتها حيضا مطلقا كما تقدمت الاشارة إليه في الاوائل الحيض، فما المسوغ للتعدي عنها إلى غيرها؟. ثانيهما: انها اشتملت على الحكم بحيضية ما تراه الحبلى قبل عادتها بقليل حيضا، ومن اخبرنا ان القليل يشمل ثلاثة ايام؟ كيف ولولا الاخبار المتقدمة لتوقفنا من الحكم بشموله ليومين فما ظنك بثلاثة ايام؟ فلا يشمل لها بظاهره ولا اقل من انه مجمل، فالتمسك باطلاق المصححة أيضا غير ممكن. واما رواية البطائني فدلالتها على المدعى، مما لاتقبل المناقشة حيث وردت في الصفرد التي تراها المرأة قبل عادتها وقد دلت على انها من الحيض، الا انها غير قابلة للاعتماد عليها لضعف سندها بقاسم بن محمد الجوهري حيث لم يوثق في الرجال مع الغض عن علي بن أبي حمزة

[ 226 ]

البطائني اعتمادا على توثيق الشيخ له وان لم تذكر وثاقته في الرجال. نعم هذه الرواية بعينها وردت في التهذيب ولم يشتمل طريقها على القاسم بن محمد بل رواها الشيخ عن احمد بن محمد عن محمد بن خالد البرقي عن علي بن أبي حمزة فمع البناء على وثاقة البطائني لابد من الحكم باعتبار سند الرواية. الا انا لانحتمل احتمالا عقلائيا ان محمد بن خالد روى هذه الرواية مرتين تارة عن علي بن أبي حمزة من غير واسطة - كما عن طريق الشيخ واخرى بواسطة قاسم بن محمد الجوهري كما عن طريق الكليني بل الرواية واحدة رواها محمد بن خالد اما على الكيفية التي رواها الشيخ فالكليني زاد قاسم بن محمد الجوهري اشتباها، واما على الكيفية التي رواها الكليني فالواسطة بين محمد بن خالد وعلي بن أبي حمزة سقطت من قلم الشيخ أو من نساخ التهذيب اشتباها، وحيث ان الكليني اضبط وروايات كتابه اوثق واشتباهات الشيخ كثيرة لانه يسقط كلمة تارة ويزيد كلمة اخرى فلابد من الحكم بصحة ما في رواية الكليني في المقام هذا كله يبتني على عدم وثاقة القاسم بن محمد الجوهري لعدم توثيقه في الرجال ولاجله بنى - دام ظله - على ضعف الرجل غير انه عدل عن ذلك اخيرا فبنى على وثاقته لورود الرجل في اسانيد كامل الزيارات. إذا يبقى في السند صعفه من جهة البطائني فقط. على ان مجرد الشك في ان سند الرواية مشتمل على الرجل أو غير مشتمل يكفي في عدم جواز الاعتماد عليها، وعليه فالحكم بالحيضية في هذه المسألة يختص بما إذا رأته المرأة قبل عادتها بيومين أو اقل، واما فيما إذا رأته قبلها بثلاثة ايام فصاعدا فلا يحكم بكونه حيضا من

[ 227 ]

[ أو تأخره يوما أو يومين أو ازيد على وجه يصدق عليه تقدم العادة أو تأخرها ولو لم يكن الدم بالصفات (1) وترتب عليه جميع احكام الحيض فان علمت بعد ذلك عدم كونه حيضا لانقطاعه قبل تمام ثلاثة ايام تقضي ما تركته من العبادات. ] جهة ادلة الصفات ومطلقات ادلة التكاليف جهة تأخر الدم: (1) هذه هي الجهة الثانية من الكلام: اعني ما إذا تأخر الدم عن العادة. وملخص الكلام فيها: ان الدم المتأخر ان كان واجدا للصفات فلا مناص من الحكم بحيضيته لانها امارة على الحيض بلا فرق في ذلك بين ان يكون الدم مسبوقا بالحيض - كما إذا رأت الدم في عادتها ثم انقطع ثم رأت الدم بعد عادتها - وبين ان لا يكون مسبوقا به - كما إذا لم تر الدم في ايام عادتها ورأته بعد ايام عادتها - فان دم الحيض لا خفاء فيه ومع تحقق اماراته يحكم بحيضيته وان كان متأخرا عن العادة بيوم أو يومين أو أكثر. نعم إذا رأت الدم وتجاوز عن عادتها تستظهر بيوم أو يومين فان انقطع فيما دون العشرة فالجميع حيض والا فتجعل ايام عادتها حيضا والباقي استحاضة. وكيف كان فما تراه بعد عادتها إذا كان على صفات الحيض فهو حيض الا ان يتجاوز عن العشرة، هذا كله فيما إذا كان الدم المتأخر واجدا للصفات.

[ 228 ]

واما إذا كان فاقدا للصفات فالمعروف بينهم ان الدم المتأخر عن العادة محكوم بكونه حيضا مطلقا بلا فرق في ذلك بين وجدانه الصفات وفقدانه لها بل ادعي عليه الاجماع كما في الكلام صاحب الحدائق (قده) ولعله لاجل الاجماع جزم بالحيضية عند تأخر الدم وعدم اشتماله على الصفات مع توقفه في الحكم بالحيضية في الدم المتقدم الفاقد للصفات. وكيف كان لا يمكن الاعتماد في الحكم بالحيضية في المسألة على الشهرة على تقدير تحققها ولا على الاجماع المنقول - لو كان - بل لابد في الاستدلال من تفحص دليل قابل للاعتماد عليه والذي قيل في المقام أمران: احدهما: وجه اعتباري: وهو ان الصفرة في ايام العادة إذا كانت حيضة فلا بد من الحكم بحيضيتها فيما إذا تأخرت عن ايام العادة أيضا لان الدم بالتأخر يزداد قوة في القذف فانه يجتمع في الرحم ومع التأخر يزداد ويكثر فيكون في القذف اقوى من الدم غير المتأخر. ويدفعه: انه مجرد وجه استحساني ولا يمكن الاعتماد على مثله في الاحكام. وثانيهما: ما عن شيخنا الانصاري (قده) من ان موثقة سماعة التي صرحت بجواز تقدم الدم على العادة تدل بتعليلها على ان الحيض قد يتأخر عن العادة أيضا حيث قال: (فانه ربما تعجل بها الوقت) اي التعجيل وعدم الانضباط في خروجه أمر محتمل فإذا كان عدم الانضباط محتملا في دم الحيض فكما يحتمل تقدمه على العادة كذلك يحتمل تأخره عن العادة، فبهذا يحكم على ان الدم المتأخر عن العادة حيض كما حكمنا على الدم المتقدم عليها بذلك.

[ 229 ]

وفيه: مضافا إلى انه قياس لان عدم انضباط دم الحيض بكونه محتمل التقدم لا يلازم كونه محتملا للتأخر أيضا، فلا وجه لقياس احدهما بالاخر. ان التقدم في الرواية انما لوحظ بالاضافة إلى اول العادة، فمع تسليم دلالة الموثقة على تأخر الحيض لابد من ان يلاحظ التأخر أيضا بالاضافة إلى اول الحيض لا بالاضافة إلى آخره ومنتهاه. مثلا إذا كانت المرأة ترى الحيض من اليوم الثالث إلى عاشره من كل شهر فقد يتقدم حيضها عن اليوم الثالث وتراه من أوله أو ثانيه. فإذا فرضنا ان حيضها يمكن ان يتأخر فيتأخر عن اليوم الثالث بيوم أو يومين وتراه في اليوم الرابع أو الخامس، لا انها تراه في اليوم الحادي عشرة - مثلا - بعد انتهاء عادتها، فلا دلالة للرواية على انه يتأخر عن منتهى العادة بوجه لو سملنا دلالتها على تأخره عن مبدئه واوله، لان التقدم والتأخر لابد من ان يلاحظا بالاضافة إلى شئ واحد قد يتقدم عليه وقد يتأخر عنه. هذا كله فيما إذا كانت المرأة ترى الدم بعد عادتها من غير سبقه بالحيض. واما إذا كان مسبوقا به بان ترى الحيض في عادتها وبعدها رأت الصفرة مثلا فقد استدل في الحدائق على كونها حيضا باطلاق الروايات (1) الواردة في الاستظهار والدالة على ان الدم إذا تجاوز عن عادة المرأة لابد من ان تستظهر بيوم أو يومين فان تجاوز العشرة تأخذ عادتها حيضا والباقي استحاضة، ومع عدم تجاوز العشرة يحكم على كون الجميع حيضا، حيث دلت على الحكم بحيضية الجميع عند عدم تجاوز


(1) الوسائل: ج 1، باب 13 من ابواب الحيض.

[ 230 ]

الدم العشرة من دون تفصيل بين كونه واجدا للصفات وبين كونه فاقدا للصفات. وفيه: ان اطلاق الروايات وان كان يقتضي ما افاده الا انه غير قابل للاعتماد عليه لان الاخبار معارضة بصحيحة محمد بن مسلم أو حسنته المتقدمة التي دلت على ان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض، والمعارضة بينهما بالعموم من وجه لان تلك الروايات تقتضي الحكم بحيضية الدم الخارج بعد العادة غير المتجاوز عن العشرة مطلقا اي سواء أكان واجدا لصفات الحيض أم لم يكن، وهذه الصحيحة أو الحسنة تدل على ان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض سواء كانت مسبوقة بالحيض أم لم تكن فتتعارضان في الصفرة الخارجة بعد الحيض. فالطائفة الاولى تقتضي الحكم بحيضيتها باطلاقها، والصحيحة تدل على عدم كونها حيضا وبما ان تعارضهما بالاطلاق فيحكم بتساقطهما في مورد المعارضة ويرجع فيه إلى اخبار صفات الحيض لانه مما لاخفاء فيه لانه دم حار اسود عبيط، وحيث انه غير واجد له يحكم بعدم كونها حيضا، أو يرجع إلى مطلقات أدلة التكاليف كوجوب الصلاة على كل مكلف وجواز وطي الزوجة في اي زمان وهكذا. على ان الروايات المتقدمة مطبقة على ان الصفرة بعد الحيض ليست بحيض وعليه فالصحيح عدم الفرق في الدم المتأخر بين كونه مسبوقا بالحيضية وعدمه في الحكم بعدم كونه حيضا، إذا لم يكن واجدا للصفات وان ذهب بعضهم إلى خلافه، هذا كله فيما إذا تأخر الدم عن عادتها.

[ 231 ]

رؤية الدم في غير ايام العادة: بقي الكلام في ذات العادة التي رأت الدم في غير ايامها ولو باكثر من ثلاثة وأربعة ايام وكان الدم بصفات الحيض ولم يتعرض لحكمه في المتن لان الماتن تعرض لحكم تقدم العادة أو تأخرها يومين أو ثلاثة على نجو يصدق ان العدة تقدمت ولم يتعرض لحكم رؤية الدم ولو باكثر من ثلاثة ايام قبل العادة أو بعدها. والصحيح انه محكوم بكونه حيضا وذلك لوجوه خمسة: الاول: الاخبار الواردة (1) في صفات الحيض وانه مما ليس به خفاء لانه دم حار عبيط اسود يخرج بحرقة وهذه الاخبار باجمعها أو باكثرها وان كانت واردة في المرأة التي تجاوز دمها العشرة المعبر عنها بالمستحاضة في لسان الاخبار، الا ان المستفاد من جوابه (ع) ان الحكم بالحيضية للدم الواجد للصفات ليس امرا تعبديا ليختص بمورد الاخبار، وانما هو من جهة امارية الصفات فهي ناظرة إلى بيان حكم كبروي وهو ان كل دم كان بصفات الحيض فهو حيض المنطبقة على مواردها التي منها المقام فلا وجه للمناقشة في عمومها من هذه الجهة كما نوقش به. وبما ان مفروض الكلام وجدان الدم للصفات فلا مناص من الحكم بكونه حيضا وان كان في غير ايامها إذا لم يكن هناك مانع من الحكم بحيضيته بان كان واجدا للشرائط كما إذا استمر ثلاثة ايام وكان اقل من عشرة مع تخلل اقل الطهر بينه وبين الحيضة المتقدمة.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض.

[ 232 ]

الثاني: الاخبار الواردة في ان الصفرة في غير ايام المرأة ليست بحيض (1) بل لابد من ان تتوضأ وتصلي وذلك لانها قيدت الحكم بنفي الحيضية بما إذا كان الدم صفرة فيستفاد من ذلك ان نفي الحيضية مترتب على الحصة الخاصة من الدم وهي التي تكون صفرة، فللصفرة مدخلية في الحكم ومع كون الدم غير صفرة بان كان أحمر لا يحكم بعدم كونه حيضا والا للزم لغوية التقييد بكونه صفرة الثالث: الاخبار الدالة على ان المرأة إذا رأت الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى وان رأته بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة كما في صحيحة أو حسنة محمد بن مسلم (2) لدلالتها على ان كل ما تراه المرأه من الدم قبل تجاوز العشرة وان كان في غير ايام العادة فهو من الحيض، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في ذلك بين كونه صفرة أو حمرة، الا انا قيدنا اطلاقها بما دل على ان الصفرة في غير ايام للعادة ليست بحيض فتبقى الحمرة في غير ايام العادة محكومة بالحيضية بتلك الاخبار. الرابع: صحيحة عبدالله بن المغيرة (3) عن أبي الحسن الاول (ع): (في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوما ثم طهرت ثم رأت الدم بعد ذلك قال: تدع الصلاة لان ايامها ايام الطهر قد جازت مع ايام النفاس) لانها كانت ثلاثين يوما، حيث دلتنا بتعليلها على انه متى جازت ايام الطهر على المرأة فرأت الدم فهو حيض، وان كان في غير ايامها، ونخرج عن اطلاقها في الصفرة بما دل على ان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 4 من ابواب الحيض ح 1 وغيره. (2) الوسائل: ج 2 باب 11 من ابواب الحيض ح 3. (3) الوسائل: ج 2 باب 5 من ابواب النفاس ح 1.

[ 233 ]

الخامس: مادل (1) على ان المرأة باطلاقها إذا رات الدم ثلاثة أو أربعة ايام تدع الصلاة واطلاقها بالاضافة إلى الصفرة مقيد بما دل على ان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض فتحصل: ان الدم الواجد للصفات الذي تراه المرأة في غير ايام عادتها حيض إذا لم يكن هناك مانع من ذلك بان كان واجدا للشرائط. بقية اقسام المرأة: بقي الكلام في بقية اقسام المرأة: حكم الناسية: فمنها الناسية: فان كان الدم الذي تراه الناسية واجدا للصفات فهو محكوم بالحيضية مطلقا لانه اما في ايام عادتها بحسب الواقع أو لو كان في غير ايام عادتها واقعا فهو دم واجد للصفات رأته المرأة في غير ايامها وقد مر انه حيض وذلك لان الناسية هي ذات العادة بعينها غير انها نسبت عادتها انها في اول الشهر أو في وسطه أو في غيرهما فتجري عليها احكام ذات العادة على ما فصلناه.


(1) راجع الوسائل ج 2 باب 6 من ابواب الحيض.

[ 234 ]

حكم المبتدئة: ومنها المبتدئة: الني لم تر الدم قبل ذلك وحكمها حكم الناسية فيما إذا اشتمل على صفات الحيض وذلك لبعض الوجوه المتقدمة في ذات العادة الوقتية عند رؤيتها الدم الواجد للصفات في غير ايامها منها: ما ورد في السؤال عن المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو اربعة قال (ع) (فلتدع الصلاة) (1) لانها شاملة للمبتدئة أيضا لرؤيتها الدم ثلاثة ايام أو اكثر: ومنها: ما ورد (2) في اوصاف الحيض من انه مما ليس به خفاء لانه دم حار عبيط أحمر أو اسود فان مقتضى تلك الاخبار هو الحكم بالحيضية في كل دم تراه المرأة متصفا باوصاف الحيض حيث ان هذه الاخبار وان كان اكثرها أو جميعها واردة في المستحاضة وهي التي تجاوز دمها العشرة، الا انا استظهرنا من جواب الامام (ع) عدم كون الحكم بالحيضية عند وجدان الدم الصفات تعبديا بل هو من جهة الامارة التي هي الصفات فالاخبار مشتملة على كبرى كلية منطبقة على مواردها - ومنها المقام -. هذا كله مضافا إلى موثقة سماعة بن مهران قال، سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة ايام، إلى ان قال: (فلها أن تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز


(1) الوسائل: ج 2، باب 6 من أبواب الحيض ح 2. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 من ابواب الحيض.

[ 235 ]

العشرة) الحديث (1). حكم المضطربة: ومنها المضطربة: التي لاوقت لها ولاعدد لها أو ذات العادة العددية فقط لانها مضطربة الوقت حيث لاوقت لها فقد ترى الدم في أول الشهر وأخرى في اثنائه وثالثة في غيرهما من الايام، وهي وان لم يرد نص في حقها الا انه يحكم بكون الدم الذي تراه واحدا للصفات حيضا لبعض الوجوه المتقدمة: منها: جوابه (ع) في السؤال عن المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة (فلتدع الصلاة) (2). ومنها: التعليل الوارد في قعود النفساء ثلاثين يوما ورؤيتها الدم بعد ذلك حيث حكم (ع) بامساكها عن الصلاة معللا بان ايامها وطهرها قد مضت (3) حيث يدلنا هذا التعليل على ان الدم الذي تراه المرأة بعد حيضها وطهرها محكوم بالحيضية. وهذا ينطبق على المضطربة بكلا معنييها وان كان محل الكلام هي المرأة التي ليست لها عادة وقتية وان كانت لها عادة عددية، وانما ينطبق عليها لمضي ايامها وطهرها على الفرض فان محل الكلام ما إذا اجتمعت فيها الشرائط ولم يكن هناك ما يمنع عن الحكم بالحيضية.


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من أبواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 6 من ابواب الحيض ح 2. (3) الوسائل: ج 2 باب 5 من ابواب النفاس ح 1.

[ 236 ]

ومنها: الاخبار (1) الواردة في صفات الحيض كما عرفت تقريبها هذا. على أن المسألة - اعني الحكم بحيضية ما تراه المبتدئة والمضطربة والناسية من الدم الواجد للصفات - اتفاقية ولم ير فيها الخلاف ولا من واحد، وانما الكلام كله فيما إذا كان الدم الذي تراه المبتدئة والناسية والمضطربة غير واجد للصفات كما إذا كان صفرة، فهل يحكم بكونه حيضا أو لا يحكم بكونه حيضا؟. والكلام في ذلك يقع في مقامين: احدهما: في الدم غير الواجد للصفات الذي فرض كونه ثلاثة أيام وانه يحكم بكونه حيضا ولو بالحكم الظاهري أو أنه لا يحكم بكونه كذلك. وثانيهما: فيما إذا رأت المبتدئة أو المضطربة أو الناسية دما غير واجد للصفات فهل يحكم بكونه حيضا من الابتداء حكما ظاهريا من دون أن يمضي عليه ثلاثة أيام، غاية الامر أنه إذا لم يستمر ثلاثة ايام ينكشف عن عدم كونه حيضا فتقضي المرأة صلاتها التي تركتها في تلك المدة، أو لا يحكم بكونه حيضا؟. الكلام في المقام الاول: الكلام فعلا في الدم الذي تراه المرأة ثلاثة ايام اي المبتدئة والناسية والمضطربة، المعروف بينهم أنه حيض وادعي عليه الاجماع في صريح كلام العلامة والمحقق وغيرهما، وفي الجواهر أن هذه المسألة من القطعيات التي لاشبهة فيها عند الاصحاب، وهي وان لم تكن منصوصة في


(1) تقدم ذكرها عند التكلم على امارات الحيض.

[ 237 ]

الروايات، الا انهم استدلوا على ذلك بقاعدة الامكان (وهي ان كل دم يمكن أن يكون حيضا فهو حيض) والصفرة في المقام محتملة الحيضية بالوجدان فلا مناص من ان تكون حيضا بمقتضي القاعدة وعليه فلا بد من النظر في تلك القاعدة وانها هل يمكن استفادتها من الدليل أو لا يمكن. (قاعدة الامكان): هذه القاعدة وان لم ترد في رواية بتلك الا لفاظ والخصوصيات الا انها قاعدة متصيدة اصطادوها من الاخبار ولو بضم بعضها إلى بعض وادعو عليها الاجماع. والمراد بهذه القاعدة ليس هو الحكم بالحيضية بمجرد احتمال كون الدم حيضا ولو من جهة الشبهة الحكمية كما إذا رأت المرأة الدم ثلاثة ايام من غير استمرار وشككنا في انه حيض من جهة الشك في ان الحيض يعتبر فيه رؤية الدم ثلاثة ايام مستمرا أو يكفي فيه رؤيته ثلاثة أيام ولو من غير استمرار - كما هو مجل الكلام على ما عرفته سابقا - فلا يمكن في مثله الحكم بالحيضية بدعوى انه مما يحتمل ان يكون حيضا بعدم اعتبار الاستمرار واقعا، ومن ثمة لم نر من استدل بها على عدم اعتبار الاستمرار في تلك المسألة فان في الشبهات الحكمية لابد من الرجوع إلى المطلقات الدالة على وجوب الصلاة على كل مكلف أو على جواز وطي الزوجة في اي زمان شاء الزوج ونحوهما من المطلقات لانها وان كانت قد خصت بغير ايام الحيض الا انه من التخصيص بالمنفصل

[ 238 ]

والقاعدة في مثله إذا كان مجملا مرددا بين الاقل والاكثر ان نكتفي في تخصيص العموم وتقييد المطلق بالاقل المتيقن ويرجع في المقدار الاكثر المشكوك فيه إلى العموم والاطلاق كما هو الحال في غير المقام من موارد دوران المخصص المنفصل بين الاقل والاكثر ومقتضاها الحكم بعدم كون المرأة حائضا في المثال لا الحكم بكونها حائضا فلا تشمل القاعدة للشبهات الحكمية بوجه. كما انها لا تشمل الشبهات الموضوعية إذا استند الشك فيها إلى الشك في تحقق الشرط المعلوم الاشتراط في الحيض كالبلوغ كما إذا شككنا في ان الصبية كانت بالغة أو لم تكن ومن ثمة شككنا في ان ما راته بصفات الحيض حيض أو ليس بحيض لاشتراط البلوغ في الحكم بالحيض، ومن هنا أوردوا على من قال بحيضية الدم حينئذ من جهة استكشاف بلوغها برؤية الدم واجدا للصفات بأن من جملة شرائط الحيض البلوغ ومع الشك في البلوغ كيف يمكن الحكم بكون الدم حيضا؟ فلا يحكم عليه بالحيضية حينئذ نظرا إلى أنه مما يحتمل أن يكون حيضا واقعا لاحتمال ان تكون الصبية بالغة. وكذا إذا كانت المرأة ذات عادة الا انها شكت في كون الدم الذي راته حيضا من جهة الشك في تقدم الطهر وتأخره بأن رأت حيضا وطهرا ثم رأت الدم ولم تدر ان المتأخر المتصل بالدم هو الطهر أو الحيض، وعلى الثاني لا يمكن الحكم بحيضية الدم لعدم تخلل اقل الطهر بينهما. ومع الشك لا يمكننا الحكم بحيضية الدم ولو للمطلقات كما دل على ان الدم ثلاثة أيام أو أربعة حيض فلتدع الصلاة (1) وغيره من


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من ابواب الحيض ح 2.

[ 239 ]

المطلقات (1) وذلك للعلم بتقييدها بما إذا تخلل بينه وبين الحيضية السابقة اقل الطهر فإذا شك في ان الدم المفروض من الافراد الخارجة أو الباقية تحت العموم فلا مجال فيه للتمسك بالعام لانه من الشبهات المصداقية وهو ظاهر فلابد حينئذ من الرجوع إلى الاصل اللفظي أو العملي الموجود في المقام. وكذلك إذا كانت المرأة عمياء ولم يكن عندها من تستخبره الحال فلم تدر أن الدم واجد للصفات أو غير واجد له ولا يحكم بالحيضية إذا لم يكن واجدا للصفات لان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض فلا يحكم في شئ من ذلك بالحيضية بمجرد احتمال كون الدم حيضا فتختص القاعدة - كما لعله صريح كلام الشهيد (قده) - بما إذا علمنا بتحقق جمبع شرائط الحيض الا أنا شككنا في حيضيته من جهة عدم وجدانه للصفات ولا تجري في غيره، فلابد من النظر إلى ادلة تلك القاعدة ليظهر انها كذلك حتى يحكم بالحيضية في امثال المقام أو أنها لم تثبت بدليل؟ وتفصيل الكلام في المقام ان الشك في الشبهات الموضوعية إذا كان غير مستند إلى الشك في تحقق الشرط المعلوم اشتراطه بل علمنا باجتماع الشروط المعتبرة في الحيض وتحققها الا إذا شككنا في حيضية الدم لاجل احتمال كونه من القرحة أو من العذرة أو الاستحاضة فان الحيضية وان كانت ملزومة للشروط الا أن الشروط غير ملازمة للحيضية إذ قد يتحقق الشروط فيكون الدم اكثر من ثلاثة ايام مستمرة ومنقطعا


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 30 من ابواب الحيض ح 1 و 4 وغيرهما من الموارد.

[ 240 ]

قبل العشرة وهكذا بقية الشروط قد تكون متحققة ولكنه لا يكون بحيض بل يكون دم قرحة أو عذرة أو استحاضة، فلا محالة يحكم عليه بالحيضية وان لم يكن واجدا للصفات. وذلك لان الدم الواجد للشروط والفاقد للصفات إذا شك في حيضيته فاما أن يستند ذلك إلى الشك في انه خارج من الرحم ليكون حيضا أو خارج من القرحة لئلا يكون حيضا لانه اسم للدم الخارج من الرحم واما ان يستند إلى الشك في انه يخرج من الرحم أو أنه دم عذرة وهذان قد تقدم حكمهما من الامتحان ونحوه مفصلا ولا يقع الكلام فيهما في المقام. واما ان يستند إلى الشك في انه حيض أو استحاضة مع العلم بكونه خارجا من الرحم وفي مثله لابد من الحكم بالحيضية إذا كان واجدا للشروط وان كان فاقدا للصفات الا ان الوجه في ذلك ليس هو الاجماع المدعى في المقام لانه من الواضح الضروري انه ليس باجماع تعبدي كاشف عن رأى الامام (ع) حتى يعامل معه معاملة السنة المنقولة بالخبر بل استندوا في ذلك إلى الاخبار فلا بد من النظر إليها لا الاجماع للعلم بعدم كونه تعبديا ولا اقل من احتمال استنادهم في ذلك إلى الروايات. كما ان الوجه في ذلك ليس هو الغلبة لان غلبة الحيض واكثريته من الاستحاضة وان كانت مسلمة فان كل مرأة ترى الحيض في كل شهر الا جملة منهن. الا أن الغلبة لادليل على اعتبارها غاية الامر أن تفيد الظن بأن المشكوك فيه من الحيض لان الظن يلحق الشئ بالاعم الاغلب - كما في المثل الا ان الظن لا اعتبار به ما دام لم يقم دليل على حجيته بالخصوص ولا دليل عليه في المقام.

[ 241 ]

كما ان الوجه فيه ليس هو اصالة عدم الاستحاضة لانه مضافا إلى كونها معارضة بأن الاصل عدم كونه حيضا - من اوضح انحاء الاصول المثبته حيث ان دم الحيض والاستحاضة دمان وموضوعان متغايران، واثبات احد الضدين بنفي الضد الآخر من أو ضح افراد الاصول المثبتة. وكذا ليس الوجه فيما ادعيناه اصالة السلامة والمراد بها ليس هو اصالة الصحة الجارية في العقود والايقاعات بل المراد بها اصالة السلامة في الاشياء بأجمعها الثابتة ببناء العقلاء على ان الاصل ان يكون الشئ سليما لا معيبا ومن ثمة بنى الفقهاء على خيار العيب للمشتري فيما إذا باع البايع المعيب ولم يتبرأ من العيوب وظهر معيبا لان المشتري اشتراه على ان يكون سليما ببناء العقلاء على السلامة في كل شئ كما حكموا بصحة المعاملة عند تبري البايع من العيوب مع ان البيع في نفسه غرري لاختلاف قيمة الشئ سليما ومعيبا فقد تكون قيمة السليم مأة وقيمة المعيب عشرة، الا أنهم حكموا بصحته لان المشتري اعتمد في شرائه على اصالة السلامة في الاشياء وهي اصل يعتمد عليه عند العقلاء. والوجه في عدم استنادنا إلى ذلك: وهو انا لو سلمنا جريان اصالة السلامة في غير المعاملات وبنينا على ترتب الاحكام الشرعية عليها فهي انما تجري فيما إذا لم يكن العيب اصلا ثانويا للشئ لكثرته والا فالمعيب كالسليم ولا مجرى للاصل فيه وهذا كما في الغلفة لانها عيب في العبيد وبها يثبت خيار العيب لا محالة الا انها - أي الغلفة وعدم الختان - ليست موجبة للخيار في العبيد المجلوبين من بلاد الكفر لانها الغالب في مثلهم فان الغلفة أمر يقتضيه طبيعة الانسان ولا يتولد الانسان مختونا الا نادرا كما وقع حتى في عصرنا الا انه قليل غايته، فلا تجرى عليها

[ 242 ]

احكام العيب ولا تنفيها اصالة السلامة، والامر في المقام كذلك لان الاستحاضة وان كانت عيبا وفي بعض الاخبار ان الدم انما يخرج من العرق العاذل (عابرخ، عايذخ) (1) لعلة (2) وان دم الاستحاضة فاسد (3)، الا انها كثيرة في نفسها وان كانت اقل من الحيض، والكثرة اوجبت أن تكون الاستحاضة اصلا ثانويا للنساء، فلا تقتضي اصالة السلامة عدمها على أن ترتب الاحكام الشرعية عليها قابل للمناقشة كما لا يخفي. وعلى الجملة شئ من تلك الوجوه المتقدمة غير صالح لان يكون مدركا للقاعدة والحكم بالحيضية عند دوران الامر بين الحيض والاستحاضة لا لاجل الشبهة الحكمية ولامن جهة الشبهة الموضوعية لاجل الشك في تحقق الشرائط بل الصحيح. النصوص المستدل بها على قاعدة الامكان: الصحيح أن يستدل على القاعدة - بالاخبار - كما استدلوا بها - والكلام فيها يقع في مرحلتين: أحدهما: في المقتضي ان الروايات الواردة في المقام هل تدل على قاعدة الامكان أو لادلالة عليها؟. ثانيهما: في وجود المانع اي المعارض لها على تقدير دلالتها على تلك القاعدة. أما المرحلة الاولى فاليك شطر من الروايات:


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من ابواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 12 من ابواب الحيض ح 2. (3) الوسائل: ج 2 باب 3 من ابواب الحيض ح 3.

[ 243 ]

منها: الاخبار الواردة في أن الدم الذى تراه الحبلى - عند كونه واجدا للشرائط حيض حيث أن تعليل ذلك في بعضها بانها ربما قذفت بالدم كما في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) أنه سأل عن الحبلى ترى الدم اتترك الصلاة؟ فقال: (نعم ان الحبلى ربما قذفت بالدم) (1) بانها ربما قذفت بالدم - أي بالحيض - كالصريح في أن الدم المحتمل كونه حيضا بعد اجتماع شرائطه حيض. وذلك لان كلمة (ربما) لا تفيد غير الاحتمال، فالسائل انما سألة عن حكم الدم لاحتمال عدم كونه حيضا ولو من جهة احتمال ان الخامل لا تحيض، والافلو كان عالما بكونه حيضا لم يكن وجه للسؤال والامام (ع) حكم بحيضيته معللا باحتمال أن يكون حيضا، فدلت الصحيحة بتعليلها على أن كل دم محتمل لان يكون حيضا فهو حيض لان الدم المحتمل كونه حيضا إذا بنينا على حيضيته في الحبلى فهو حيض في غير الحبلي أيضا بل هو حيض بالاولوية القطعية لان الحيض في الحبلى نادر وفي غيرها كثير. وبهذا يندفع احتمال اختصاص ذلك بالحبلى لانها مورد الرواية. والوجه في الاندفاع: ان الحبلى انما ترى الحيض نادرا فلو كان الدم المحتمل للحيضية فيها حيضا فهو في غير الحبلى التي ترى الحيض كثيرا حيض بالاولوية القطعية. ومنها: موثقة يونس بن يعقوب قال: قلت لابي عبد الله (ع) المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة قال (تدع الصلاة) قلت: فانها ترى للطهر ثلاثة ايام أو اربعة قال: (تصلي) قلت: فانها ترى


(1) الوسائل: ج 2 باب 30 من ابواب الحيض ح 1.

[ 244 ]

الدم ثلاثة أيام أو اربعة قال: (تدع الصلاة) قلت: فانها ترى الطهر ثلاثة أيام أو اربعة قال: (تصلي) قلت: فانها ترى الدم ثلاثة ايام أو أربعة قال: (تدع الصلاة تصنع ما بينهما وبين شهر فان انقطع عنها الدم والا فهي بمنزلة المستحاضة) (1). فان الجملة الواردة في صدرها - أعني قوله: تدع الصلاة - جوابا عن أن المرأة ترى الدم ثلاثة ايام أو اربعة، يدل على ان الدم المحتمل كونه حيضا أو استحاضة حيض وذلك لضرورة ان الدم ثلاثة ايام أو اربعة يحتمل أن يكون استحاضة ولا تعين له في الحيضية. بل الحال كذلك في جميع النساء لعدم علمهن بالغيب وان الدم حيض لان مجرد رؤية الدم ثلاثة ايام أو اربعة لا يدل على أنه حيض ومعه حكم عليه السلام بكونه حيضا عند اجتماع شرائطه لا محالة. ولا ينافي ذلك ما ورد في الجملات المتأخرة عن هذه الجملة لان الحكم بالحيض في ايام الدم، والطهر في ايام طهرها إلى شهر وان لم يكن حمله على الحكم الواقعي لان الحيض يشترط فيه أن يتأخر عن الحيضة السابقة بعشرة ايام على الاقل لانها اقل الطهر كما عرفت، ولا يمكن الحيض قبل ذلك واقعا فلابد في الرواية من التأويل كما قدمناه عن بعضهم. الا ان ذلك انما هو في الجملات المتأخرة ولا يضر بالجملة الاولى بوجه لانها قد اشتملت على حكم مستقل لاربط له بالجملات المتأخرة ومن هنا لو كان سكت عليها لم يكن الحكم غير تام، وقد عرفت ان الحكم في تلك الجملة يدلنا على أن الدم إذا كان مرددا بين الحيض


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من ابواب الحيض ح 2.

[ 245 ]

والاستحاضة فهو حيض، نعم لو كانت الرواية من الابتداء متضمنة للحكم بالحيضية في ايام الدم وبالطهر في غيرها إلى شهر لم يمكن الاستدلال بها على المدعى. واصرح من ذلك صحيحة صفوان قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الحبلى ترى الدم ثلاثة ايام أو اربعة تصلي؟ قال: (تمسك عن الصلاة) (1) حيث انها غير مشتملة على الذيل الوارد في الرواية المتقدمة وقد عرفت أن الدم المردد بين الحيض والاستحاضة إذا حكم عليه بكونه حيضا في الحامل فلا بد من الحكم كذلك في غير الحبلي بالاولوية القطعية لان الحيض في الحبلي نادر وفي غيرها كثير. ومما ذكرناه في موثقة يونس بن يعقوب ظهر عدم امكان الاستدلال على المدعى برواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة ترى الدم خمسة أيام والطهر خمسة ايام وترى الدم اربعة ايام وترى الطهر ستة ايام فقال: (ان رأت الدم لم تصل، وان رات الطهر صلت ما بينهما وبين ثلاثين يوما) الحديث (2). والوجه في عدم دلالتها على المدعى انها من الابتداء واردة في الحكم بالحيضية في ايام رؤية الدم والطهر في ايامه، وقد عرفت انه لا يمكن حمله على الحكم الواقعي لاشتراط الحيض بتخلل اقل الطهر بينه وبين الحيضية المتقدمة فلا وجه لمقايسة هذه الرواية مع السابقة لما عرفته من الفرق الواضح بينهما.


(1) الوسائل: ج 2 باب 30 من ابواب الحيض ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 6 من ابواب الحيض ح 3.

[ 246 ]

ومنها: صحيحة عبد الله بن المغيرة عن أبي الحسن الاول (ع) في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوما ثم طهرت ثم رأت الدم بعد ذلك قال: (تدع الصلاة لان ايامها ايام الطهر قد جازت مع ايام النفاس) (1) حيث ان تعليله (ع) بان ايامها قد جازت يدلنا على ان المدار في الحكم بحيضية الدم عدم اشتماله على المانع حيث يبين ان الدم في مورد السؤال لامانع من كونه حيضا لتحقق شرائطه التي منها تخلل اقل الطهر بينه وبين الحيضية السابقة لمضي ايام الطهر مع ايام النفاس. ومنها: الاخبار الدالة على أن المرأة إذا رأت الدم قبل عشرة ايام فهو من الحيضة الاولى وان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة كما في صحيحة أو حسنة محمد بن مسلم غيرها (2)، فان قوله في الجملة الثانية. وان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة) بعد تقييد العشرة بعشرة الطهر لما دل على ان الحيضة الثانية لابد من أن يتخلل بينهما وبين السابقة اقل الطهر يدلنا على ان الدم المردد بين الحيض والاستحاضة كما في المقام - لوضوح أن ما تراه المرأة بعد العشرة من حيضها يحتمل أن يكون حيضا كما يحتمل أن يكون استحاضة - حيض لا محالة. نعم لا مجال للاستدلال بالجملة الاولى من الصحيحة بدعوى دلالتها على ان الدم المردد بين الحيض والاستحاضة قبل مضي العشرة محكوم


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب النفاس 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب الحيض ح 3 وباب 10 حديث 11.

[ 247 ]

بكونه حيضا بلا فرق في ذلك بين كونه واجدا للصفات أو فاقدا لها والوجه في عدم امكان الاستدلال بها انها دلت على أن ذات العادة إذا رأت الدم بعد ايام عادتها وقبل العشرة فهو ملحق بالحيضة المتقدمة ولامانع من الالتزام بذلك الا انه حكم خاص - بمعنى انه الحاق للدم المردد بين الحيض وغيره بالحيضة المتقدمة في ذات العادة. ولا دلالة لها على ان الحكم كذلك في الدم الخارج من غيرها كالمبتدئة والمضطربة والناسية. ومن هذا ظهر أنه قولة (ع) (فانه ربما تعجل بها الوقت) في موثقة سماعة (1) أيضا لا يدل على أن الدم المردد بين الحيض والاستحاضه حيض لاختصاصه بذات العادة ولا محذور في الالتزام بان ما رأته ذات العادة قبل ايامها أو بعدها قبل العشرة من الحيض، الا أنها لاتدل على أن الدم المردد بينهما حيض مطلقا حتى في غير ذات العادة من المبتدئة والمضطربة والناسية. فالمتحصل إلى هنا أن الدم الواجد لشرائط الحيض - اعني ما كان ثلاثة ايام مستمرة وغير متجاوز عن العشرة للمتخلل بينه وبين الدم السابق اقل الطهر - إذا كان مرددا بين الحيض والاستحاضة لا لاجل شبهة حكمية ولا من جهة الشبهة الموضوعية لاجل الشك في تحقق الشرائط محكوم بالحيضية بمقتضي النصوص. وهو قاعدة متصيدة من الاخبار المتقدمة ولكن في موردها وهو ما إذا شك في الحيضية والاستحاضة من جهة فقدانه الصفات لامن جهة الشبهة الحكمية ولا من جهة الشبهة الموضوعية لاجل الشك في تحقق شرط الحيض.


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب الحيض ح 1 -

[ 248 ]

ويؤيدها موثقة سماعة قال: سألته عن الجارية البكر اول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة ايام يختلف عليها - إلى أن قال: (فلها أن تجلس وتدع الصلاة مادامت ترى الدم ما لم يجز العشرة) (1) حيث دلت على كون الدم في مفروض الرواية حيضا مع تردده بين الحيض والاستحاضة. وعلى الجملة أن الدم الواحد لجميع شرائط الحيض غير الصفات إذا شك في حيضيته لتردده بين الحيض والاستحاضة لامن جهة الشبهة الحكمية ولا من جهة الشبهة المصداقية شملته قاعدة الامكان فيحكم بكونه حيضا بالقياس إلى الاخبار وادلة الشروط. المراد بالامكان في القاعدة: وبهذا يظهر أن الامكان في القاعدة يراد به الامكان القياسي بمعنى أن الدم حيض بالقياس إلى ادلة الشروط والاخبار المتقدمة فكل دم يمكن ان يكون حيضا بالقياس إلى ادلة الشروط والاخبار فهو حيض وليس المراد به الامكان الاحتمالي بان يقال: كل دم يحتمل أن يكون حيضا فهو حيض لما مر من أن الدم في الشبهات الحكمية والمصداقية يحتمل أن يكون حيضا واقعا مع انه ليس بحيض ولم يلتزم الاصحاب بالحيضية فيهما، والاجماع على تقدير تحققه انما هو في غير الموردين. كما ان المراد بالامكان ليس هو الامكان الذاتي في كلماتهم لعدم وقوع البحث فيه حيث أن حيضية الدم المردد بين الحيض والاستحاضة


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب الحيض ح 1.

[ 249 ]

ليست من المستحيلات الاولية كاجتماع النقيضين وارتفاعهما، بل كل دم يمكن ان يكون حيضا ولو كان بلحظة أو غير مستمر ثلاثة ايام أو قبل تخلل عشرة الطهر، وانما الشارع لم يحكم بحيضيته في تلك الموارد وهو أمر آخر غير الامكان الذاتي، ومن ثمة لم يردوا ما نقل من بعض العامة من ان الحيض يمكن ان يكون أقل من ثلاثة ايام بانه أمر مستحيل ذاتا. واما الامكان الوقوعي وعدم استتباع حيضية الدم المردد بين الحيض وغيره محذورا وامرا ممتنعا فهو أيضا غير مراد من كلماتهم، وذلك لانه لاسبيل لنا إلى احراز ان كون الدم حيضا في موارد الاشتباه يلزمه محذور أو لا يلزمه. فالامكان في كلماتهم انما يراد به الامكان القياسي - أي الدم الذي يمكن أن يكون حيضا بالقياس إلى ادلة الشروط والاخبار لاستجماعه جميع الشروط - وهو حيض. هذا تمام الكلام في المرحلة الاولى والمقتضي. والمرحلة الثانية اعني البحث عن أن للاخبار المتقدمة مانعا أو لامانع عنها. فملخص الكلام في ذلك أن الصفرة - كما تقدم وعرفت - في غير ايام العادة ليست بحيض، كما انها في ايام العادة حيض حسب الاخبار المتقدمة في مواردها، ومقتضي ما سردناه من الاخبار أن كل دم مردد بين الحيض والاستحاضة عند استجماعه لشروط الحيض حيض. فاذن لابد من النظر إلى أن كل دم أحمر أو اصفر محكوم بكونه حيضا كما هو مقتضى ما سردناه من الروايات الا الدم الاصفر في ذات

[ 250 ]

العادة إذا رأته في غير ايامها فخروج الصفرة عن الحيض يحتاج إلى دليل أو أن الحيض يشترط فيه الحمرة كما هو مقتضي اخبار الصفات فكل دم ليس بأحمر كما إذا كان اصفر فهو ليس بحيض الا الدم الاصفر في ذات العادة إذا رأته في ايام عادتها أو قبلها بيوم أو يومين (1)، وعليه فكون الصفرة حيضا هو المحتاج إلى اقامة الدليل عليه؟. فالعمدة ان يتكلم في ان الصفات كالحمرة والسواد هل هي كبقية الشروط المعتبرة في تحقق الحيض بحيث لو لم يكن الدم احمر فهو ليس بحيض الا فيما إذا رأته المرأة في ايام عادتها أو قبلها بيوم أو يومين لان الصفرة فيها حيض بمقتضى النصوص، أو أن الحمرة ليست من شروط الحيض وهو قد يكون اصفر وقد يكون احمر فكل دم كان مستجمعا للشروط فهو حيض وان كان اصفر وانما يستثنى من ذلك الصفرة في غير ايام العادة لانها ليست بحيض في ذات العادة؟ وهذا الاخير لعله هو المعروف بينهم ومن ثمه حكموا بأن ما تراه المبتدئة والمضطربة والناسية من الدم - بعد تقييده بما إذا كان واجدا للشرائط - حيض وان كان اصفر. إلا أن الصحيح أن المستفاد من الاخبار الواردة في المقام هو مدخلية الحمرة في الحكم بالحيضية وانها كبقية الشروط فكل دم لم يكن بأحمر فهو ليس بحيض وان كان اصفر، الا الصفرة في ايام العادة أو قبلها بيوم أو يومين. والذي يدلنا على ذلك من الاخبار: الروايات الواردة (2) في


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من أبواب الحيض فراجعها. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض.

[ 251 ]

المائز بين دم الحيض والاستحاضة الدالة على ان الحيض دم حار عبيط احمر أو اسود يخرج بحرقة ودفع، ودم الاستحاضة دم بارد اصفر، وان دم الحيض ليس به خفاء فان مقتضي تلك الروايات ان الحمرة والسواد من الامور المقومة للحيض فكل دم ما لم يكن كذلك ليس بحيض، كما ان الصفرة تلازم الاستحاضة الا الصفرة في ايام العادة لانها كالصفرة قبلها بيوم أو يومين حيض بمقتضي النصوص. وهذه الروايات وان كانت واردة في المستحاضة وهي التي تجاوز دمها العشرة الا أن جوابه (ع) ليس حكما مختصا بمورد الاخبار حتى لا يمكن التعدي إلى غيره، وانما هو حكم كبروي ينطبق عليه وعلى غيره لانها بصدد بيان المائز بين دم الحيض وغيره، فكل دم لم يكن كما وصف فهو ليس بحيض. ومن تلك الروايات ما ورد في أن الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض بل المرأة تتوضأ و تصلي إذا كانت الصفرة قليلة أو تغتسل وتصلي إذا كانت كثيرة لكونها مستحاضة حينئذ كصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المرأة ترى الصفرة في ايامها قال: (ع): (لا تصلي حتى تنقضي ايامها وان رأت الصفرة في غير ايامها توضأت وصلت) (1) وبمضمونها روايات عديدة اخرى وهي كما تشمل الصفرة في غير ذات العادة حيث دلت على أن الصفرة في يوم ليس هو بايام العادة ليس بحيض سواءا كانت المرأة ذات عادة ام لم تكن لها عادة اصلا، لصدق أن اليوم ليس من ايام عادتها.


(1) الوسائل، ج 2 باب 4 من أبواب الحيض ح 1، وبمضمونه اكثر روايات الباب.

[ 252 ]

واصرح من الجميع رواية علي بن جعفر عن اخيه (ع) حيث ورد فيها: قلت كيف تصنع؟ قال: (ما دامت ترى الصفرة فلتتوضأ من الصفرة وتصلي ولاغسل من الصفرة تراها إلا في ايام طمثها، فأن رأت صفرة في ايام طمثها تركت الصلاة كتركها الدم) (1) حيث صرحت فيها بان الصفرة ليست بحيض مطلقا ولو من غير ذات العادة إلا في ايام عادتها. ومقتضي هذه الاخبار هو الحكم بأن ما تراه المبتدئة والمضطربة والناسية في الدم الفاقد للحمرة استحاضة وليس بحيض وان كان واجدا لبقية الشروط، وان كان خلاف ما ذهب إليه المشهور بل خلاف ما ادعوا عليه الاجماع، لكن الصحيح ما عرفته وان كان الاحتياط في محله. فالمتحصل أن الحمرة أو السواد معتبران في حيضية الدم فالدم الاصفر ليس بحيض الا الصفرة التي تراها ذات العادة ايام عادتها، هذا كله في ذات العادة غير الحبلى. فهل الصفرة التي تراها الحبلي في ايام عادتها أيضا محكومة بالحيض وهو مستثناة من كبرى عدم حيضية الصفرة كما في الحائل غير الحبلى أو أن الصفرة في الحبلى ليست بحيض ولو كانت في ايام عادتها؟. مقتضي الاخبار الواردة في ان الصفرة في ايام العادة حيض سواء كانت المرأة حبلى أو غير حبلى - أنها حيض، كما ان مقتضي الاخبار الواردة في أن الصفرة التي تراها الحبلى ليست بحيض (2) سواء


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من أبواب الحيض ح 8. (2) راجع الوسائل ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 6 -

[ 253 ]

تراها في ايام عادتها أو في غيرها انها ليست بحيض، والطائفتان متعارضتان والنسبة بينهما عموم من وجه، وتعارضهما في الصفرة التي تراها الحبلى ايام عادتها، ومقتضي القاعدة تقديم ما دل على أن الصفرة في ايام العادة حيض لان في تلك الطائفة رواية يونس المشتملة على أن (كل ما رأت المرأة في ايام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض) (1) وحيث ان دلا لتها بالعموم، ودلالة الطائفة الثانية بالاطلاق لا محالة تتقدم ما كانت دلالته بالعموم على ما كانت دلالته بالاطلاق. ولكن الرواية ضعيفة بالارسال لان يونس رواها عن بعض اصحابه وغيرها من الاخبار مطلق، على أن كونها دلالتها بالعموم محل تأمل ومنع لان عمومها انها هو بالاضافة إلى الدم الاحمر والاصفر واما بالاضافة إلى أفراد المرأة - فدلالتها بالاطلاق، وعلى تقدير الغض عن ذلك وفرضها عامة أيضا لا يمكننا الحكم بحيضية الدم المذكور لضعف الرواية بحسب السند. ومقتضى القاعدة في تعارض المطلقين بالعموم من وجه هو التساقط والرجوع إلى العام الفوق وهو ما دل على أن دم الحيض والاستحاضة لاخفاء فيه لان الحيض دم احمر عبيط، ودم الاستحاضة اصفر بارد ومعه لا يحكم على الصفرة التي تراها الحبلى بالحيضية. ومع الغض عن هذا العموم لابد من الرجوع إلى عمومات ومطلقات ادلة التكاليف كما دل على وجوب الصلاة على كل مكلف أو مادل


ورد فيه انه الدم في الحبلى إذا كان اصفر فلتغتسل عند كل صلاتين حديث 16 من الباب. (1) الوسائل: ج 2 من أبواب الحيض ح 3.

[ 254 ]

على ان الزوج يجوز له وطئ زوجته أنى شاء، ومقتضاها الحكم بعدم الحيضية في المقام. وهذه المسألة مما لم نر التعرض له في كلمات الاصحاب. وهذا كله في المقام الاول وهو ما إذا استمر الدم ثلاثة ايام ولم يكن واجدا للصفات وهو الذي جزم الماتن بكونه حيضا - كما عرفت -. الكلام في المقام الثاني: واما المقام الثاني: اعني الدم الذي تراه المبتدئة أو المضطربة أو الناسية قبل ان تمضي عليه ثلاثة ايام - اعني اول ما رأته من الدم - فهل يحكم عليه بالحيضية ولو ظاهرا ثم انه ان دام الدم ثلاثة ايام فهو وإلا فيستكشف عدم كونه حيضا وتقضي ما تركته من الصلاة اولا يحكم عليه بالحيضية؟. ولا اجماع على الحيضية في هذه المسألة بل ذهب بعضهم إلى الحكم بالحيضية وذهب بعضهم إلى انه استحاضة، والكلام يقع في هذه المسألة في مقامين: أحدهما: فيما إذا كان الدم الذي تراه المبتدئة واخواتها احمر وهذا لم يتعرض الماتن لحكمه -. وثانيهما: فيما إذا كان الدم اصفر. اما المقام الاول: اعني ما إذا كان الدم احمر فالمعروف أنه حيض وهذا هو الصحيح ويكفي في ذلك:

[ 255 ]

اولا: الاستصحاب لانه كما يجري في الامور المتقدمة كذلك يجري الامور المستقبلة وحيث انها قاطعة بجريانه بالفعل فإذا شكت في انه ينقطع قبل الثلاثة أو لا ينقطع فالاصل عدم انقطاعه قبل الثلاثة، وبه يحكم على انه حيض إذ المفروض اشتماله على الاوصاف ولم يكن شك في حيضيته إلا من جهة الاستمرار ثلاثة ايام وقد حكم الشارع بكونه مستمرا كذلك. وثانيا: الاخبار وهي كثيرة: منها: موثقة سماعة قال: سألته عن الجارية البكر اول ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة ايام... إلى أن قال: (فلها أن تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة) (1) حيث دلت على أن الدم حيض من اول وقت تراها المبتدئة بلا فرق في ذلك بين احتمال انقطاع الدم قبل الثلاثة وعدمه لانه احتمال الانقطاع قبل الثلاثة وان لم يكن باغلب إلا أنه كثير في نفسه فتشمله الاطلاقات في هذه الرواية والاخبار الآتية لا محالة. ومنها: صحيحة اسحاق بن عمار قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين قال: (ان كان دما عبيطا فلا تصلي ذينك اليومين وان كان صفرة فتغتسل عند كل صلاتين) (2) لدلالتها على ترتيب آثار الحيض من اول يوم رأت الدم. وقد يقال: انها معارضة بما دلت على أن اقل الحيض ثلاثة ايام فان الصحيحة تدل على ان الدم حيض في ذينك اليومين.


(1) الوسائل: ج 2 باب 14 من أبواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 6.

[ 256 ]

ولكنا اجبنا عن ذلك عند الكلام على اعتبار الاستمرار ثلاثة ايام في الحيض وقلنا انها انما تكون معارضة للاخبار الدالة على اعتبار الثلاثة في الحيض فيما إذا كانت ناظرة إلى الحكم بترك الصلاة بعد ذينك اليومين الا انها ليست كذلك لانها واردة لبيان الوظيفة الفعلية في اول آن رأت فيه الدم إذ لا معنى للحكم بترك الصلاة ذينك اليومين بعد انقضائها وانما يصح ذلك قبل انقضائها وقد دلت على انها تترك الصلاة في اول زمان رؤيتها. واما انه لا تقضي تلك الصلوات حتى إذا انقطع قبل الثلاثة ليدل على ان الحيض يتحقق ليوم أو يومين أو تقضي تلك الصلوات عند عدم استمرار الدم ثلاثة ايام فهو امر آخر لادلالة له في الرواية بل مقتضي ما دل على اعتبار الثلاثة في الحيض الحكم بعدم حيضيته بعدما انكشف عدم استمراره ثلاثة ايام، وهذا لا ينافي الحكم بالحيضية ظاهرا من اول يوم رأت فيه الدم. ومنها: صحيحة عبد الله بن المغيرة الواردة في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوما ثم طهرت ثم رأت الدم بعد ذلك، قال: (تدع الصلاة) (1) فقد دلت على وجوب الصلاة من حين رؤيتها الدم كسابقتها، بلا فرق في ذلك بين احتمالها انقطاع الدم قبل الثلاثة وعدمه. ومنها: صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال: (أي ساعة رأت الدم فهي تفطر الصائمة إذا طمثت، وإذا رأت الطهر في ساعة من النهار قضت صلاة اليوم والليلة مثل ذلك) (2)


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب النفاس ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 50 من أبواب الحيض ح 3.

[ 257 ]

وهي تدلنا على امرين: أحدهما: ان صحة الصوم مشروطة بعدم الحيض في ساعات النهار بحيث لو رأت المرأة الحيض في ساعة منها ولو في آخر ساعات النهار بطل صومها لا محالة. ثانيهما: وجوب ترتيب آثار الحيض في اول زمان رؤية الدم بلا فرق بين احتمالها انقطاع الدم قبل الثلاثة وعدمه. ومنها: الاخبار الواردة (1) في الحبلي من انها إذا رأت الدم عبيطا تترك الصلاة وعليه فلا مناص من الحكم بان ما تراه المبتدئة واخواتها من الدم الاحمر حيضا، ثم ان استمر ثلاثة ايام فهو والا فيستكشف انه كان استحاضة ويجب قضاء ما تركته من الصلوات في اليوم أو اليومين. وهل هذا يعم الحبلى وغيرها أو أن الحبلى لا ترتب آثار الحيض عند رؤيتها الدم الاحمر الا إذا استمر ثلاثة ايام؟. ذهب المحقق الهمداني إلى التفصيل ومستنده صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن عن الحبلي ترى الدم وهي حامل كما كانت ترى قبل ذلك في كل شهر هل تترك الصلاة قال: (تترك الصلاة إذا دام) (2) بدعوى أن مفهوم الجملة الشرطية (إذا دام) ان الدم الذي رأته الحبلى إذا لم يدم ثلاثة ايام فهو ليس بحيض فلا يحكم على الحبلى بالحيض الا إذا دام ثلاثة ايام بخلاف غير الحبلى. ويدفعه: ان الصحيحة لا دلالة لها على المدعى لان (دام) بمعنى استمر في مقابل الانقطاع ورؤية الدم دفعة أو دفعتين كما في بعض


(1) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض. (2) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 2.

[ 258 ]

الاخبار فالصحيحة تدل على أن الدم إذا رأته الحبلى وانقطع لا يحكم عليه بكونه حيضا كما ورد في بعض الروايات (1) من ان الدم الذي تراه المرأة دفعة أو دفعتين من الهراقة وليس بحيض لاعتبار الاستمرار فيه، واما إذا استمر في أول زمان رؤيتها ولم ينقطع بعد رؤيته فهو حيض، ولا دلالة في الصحيحة على انه إذا استمر ثلاثة ايام فهو حيض لعدم ذكر الثلاثة في الرواية. فالصحيح عدم الفرق في ذلك بين الحبلى وغيرها - هذا كله في المقام الاول. واما المقام الثاني: أعني ما إذا كان الدم الذي تراه المبتدئة أو اخواتها صفرة فهل يحكم بكونه حيضا؟. فان قلنا بعدم كون الصفرة حيضا في المقام الاول - اعني ما إذا استمر ثلاثة ايام فلا يحكم بحيضيتها في هذا المقام بطريق اولى. وأما إذا حكمنا بحيضية الصفر إذا مضت عليها ثلاثة ايام فيقع الكلام في انها قبل انقضاء الثلاثة حيض أو ليس بحيض؟ المشهور بينهم هو الحكم بحيضيته إذ لافرق عندهم في ذلك بين المستمر ثلاثة ايام وغير المستمر. كما لا فرق في الحكم بالحيضية عندهم بين واجد الصفات وفاقدها. لكن الماتن احتاط في المسألة بالجمع بين احكام المستحاضة وتروك الحائض، والوجه في احتياطه عدم ترجح الادلة الدالة على الحيضية كقاعدة الامكان لانه دم يمكن ان يكون حيضا - على ادلة النافين عنده


(1) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 8، وفيه الدفقة والدفقتين.

[ 259 ]

ولكن مقتضي القاعدة - لو كنا نحن والقاعدة - هو الحكم بحيضيته وذلك لاستصحاب عدم انقطاعه إلى ثلاثة ايام، والمفروض انه على تقدير استمراره كذلك محكوم بالحيضية، والاستصحاب لا يفرق فيه بين ان يكون متعلق اليقين امرا متقدما وبين ان يكون امرا فعليا ويكون المشكوك فيه امرا استقباليا لان المدار فيه على فعلية اليقين والشك واما كون متعلق اليقين امرا سابقا فهو غير معتبر في جريانه على ما تكلمنا عليه في محلة. ولم يؤخذ في الحكم بالحيضية عنوان آخر وجودي غير استمراره ثلاثة ايام، ليقال ان الاستصحاب لا يثبت ذلك العنوان الوجودي وحيث انه دم واجد للصفات أو فاقد لها بالوجدان وباق إلى ثلاثة ايام بالاستصحاب فلا مناص من الحكم بحيضيته، ولم نفهم لمناقشة شيخنا الانصاري (قده) في جريان هذا الاستصحاب وجها صحيحا هذا كله بحسب القاعدة. الا ان النصوص دلتنا على عدم كون الصفرة حيضا بمجرد رؤيتها ولو مع الحكم بحيضيتها بعد استمراره ثلاثة ايام، كما في صحيحة اسحاق بن عمار قال: سالت أبا عبد الله (ع) عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين قال: (إذا كان دما عبيطا فلا تصلي ذينك اليومين وان كان صفرة فلتغتسل عند كل صلاتين) (1) حيث قدمنا أن اظهر ما يمكن أن يحمل عليه هذه الرواية انما هو ترك الصلاة بمجرد رؤية الدم لابعد انقضاء اليوم أو اليومين إذ لا معنى للامر بترك الصلاة فيهما بعد انقضائهما، وقد دلت في هذه الصورة على أن ما تراه الحبلى


(1) الوسائل: الجزء 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 6.

[ 260 ]

إذا كان دما احمر وعبيطا فهو حيض وإذا كان صفرة فهو استحاضة فلتغتسل وتصلي. وكما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوما أو اكثر ثم طهرت وصلت ثم رأت دما أو صفرة قال: (ان كانت صفرة فلتغتسل ولتصل ولا تمسك عن الصلاة) (1) وبمضمونها غيرها من الاخبار (2) حيث دلت على ان ما رأته النفساء إذا كان صفرة فهو ليس بحيض وعليه فلا يمكننا الحكم بأن ما تراه المرأة من الصفرة قبل انقضاء ثلاثة ايام حيض. نعم هذا يختص بالحبلى والنفساء لورود فيهما، واما في غيرهما فلا دليل على عدم كون الصفرة حيضا، فعلى تقدير الالتزام بالحيضية بعد انقضاء الثلاثة لابد من الالتزام بها قبل انقضائها أيضا بالاستصحاب. الا ان من المقطوع به عدم الفرق بين الحبلى والنفساء وبين بقية اقسام المرأة في الحكم بعدم حيضية ما تراه من الصفرة ولاجل ذلك يحكم بعدم حيضية الصفرة في جميع اقسام المرأة غير ذات العادة لان الصفرة في ايام العادة حيض كما مر. هذا تمام الكلام في قاعدة الامكان وما يترتب عليها من الفروع.


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب النفاس ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب النفاس ح 3 و 16.

[ 261 ]

[ واما غير ذات العادة المذكورة - كذات العادة العددية فقط - والمبتدئة والمضطربة والناسية فانها تترك العبادة، وترتب احكام الحيض بمجرد رؤيته إذا كان بالصفات، واما مع عدمها فتحتاط بالجمع بين تروك الحائض واعمال المستحاضة إلى ثلاثه ايام، فان رأت ثلاثة أو ازيد تجعلها حيضا نعم لو علمت انه يستمر إلى ثلاثة ايام تركت العبادة بمجرد الرؤية وان تبين الخلاف تقضي ما تركته. (مسألة 16): صاحبة العادة المستقرة في الوقت والعدد إذا رأت العدد في غير وقتها ولم نره في الوقت تجعله حيضا سواء كان قبل الوقت أو بعده (1). ] رؤية العدد في غير وقتها: (1) قدمنا ان ذات العادة العددية إذا رأت الدم زائدا على العشرة تجعل عدد ايامها حيضا والزائد استحاضة، وإذا رأته ولم يتجاوز العشرة وكان الدم واجدا للصفات يحكم بكونه حيضا نعم إذا كان غير واجد للصفات يشكل الحكم بحيضيته كما عرفت، كما انها إذا رأت الدم بعدد ايامها تجعله حيضا وكذا ذات العادة الوقتية فان الدم الذي تراه في وقتها حيض، وفي المقام لم تتحقق رؤية الدم في وقتها ولكنها رأته في غيرو قتها. فإذا يأتي ما قدمناه في المقام فان لم يتجاوز العشرة وكان واجدا

[ 262 ]

[ (مسأله 17): إذا رأت قبل العادة وفيها ولم يتجاوز المجموع عن العشرة جعلت المجموع حيضا (1) وكذا إذا رأت في العادة وبعدها ولم يتجاوز عن العشرة أو رأت قبلها وفيها وبعدها، وان تجاوز العشرة في الصور المذكورة فالحيض ايام العادة فقط والبقية استحاضة. ] للصفات فهو حيض، ويشكل الحكم بحيضيته فيما إذا لم يكن واجدا للصفات كما إذا كان صفرة، وما إذا تجاوز العشرة فتأخذ بمقدار عددها حيضا والباقي استحاضة. الرؤية في العادة وبعدها أو قبلها وفيها وبعدها: (1) اطلاق حكمه بالحيضية في المجوع مما لا اساس له، لانه انما يتم فيما إذا كان الدم الذي تراه المرأة في عادتها وقبلها أو في عادتها وبعدها أو في عادتها وقبلها وبعدها بصفات الحيض فان الدم الذي تراه ذات العادة وهو واجد للصفات ومحكوم بالحيضية فيما إذا لم يتجاوز العشرة، وكذلك الحال فيما إذا لم يكن واجدا للصفات الا انه تقدم على العادة بيوم أو يومين لان حكم الدم قبل العادة بيوم أو يومين حكم الدم في ايام العادة صفرة كانت ام حمرة، وبما ان الصفرة في ايام العادة حيض فكذلك الصفرة قبلها بيوم أو يومين لما دل من الروايات (1) المتقدمة على أن العادة ربما تتقدم بيوم أو يومين فيحكم بحيضية الصفرة


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من أبواب الحيض ح 3 و 6 (فيهما لفظة يومين).

[ 263 ]

[ (مسألة 18): إذا رأت ثلاثة ايام متواليات وانقطع ثم رأت ثلاثة ايام أو ازيد فان كان مجموع الدمين والنقاء المتخلل لا يزيد عن عشرة كان الطرفان حيضا (1) وفي النقاء المتخلل تحتاط بالجمع بين تروك الحائض واعمال المستحاضة (2) وان تجاوز المجموع عن العشرة. ] قبل العادة وفي العادة. وما إذا لم يكن الدم واجدا لصفات الحيض وتقدم على العادة باكثر من يوم أو يومين أو تأخر عنها فلا دليل على الحكم بحيضية الصفرة السابقة على ايام العادة أو المتأخرة عنها الا قاعدة الامكان والاجماع المدعى في كلمات بعضهم وقد عرفت عدم تمامية القاعدة للاخبار المتقدمة الدالة على أن الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض. واما اطلاق ما ورد في بعض الاخبار (1) من ان الدم قد يتجعل بالمرأة الشامل لما إذا رأت الصفرة قبل ايام عادتها باكثر من يوم أو يومين فهو مما لا يمكن الاعتماد عليه يعد تصريح الروايات ودلالتها على أن الصفرة قبل ايام العادة حيض إذا كانت بيوم أو يومين والا فهي استحاضة. الرؤية ثلاثة ايام ثم الانقطاع ثم الرؤية كذلك: (1) لما تقدم من أن ما تراه المرأة من الدم قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى على تفصيل قد عرقته. (2) هذا يبتني على الخلاف المتقدم في النقاء المتخلل في اثناء الحيضة


(1) الوسائل: ج 2 باب 15 من أبواب الحيض ح 3 وغيرها.

[ 264 ]

الواحدة وقد احتاط (قده) هناك بالجمع بين تروك الحائض واعمال المستحاضة وأشرنا هناك إلى أن مقتضي اطلاق الاخبار (1) الواردة في أن اقل الطهر عشرة: أن طبيعي الطهر والنقاء لا يكون اقل منها - كان متخللا بين حيضتين أو بين حيضة واحدة - لا خصوص الطهر المتخلل بين الحيضتين. ثم على تقدير الاحتياط فلابد من الجمع بين الحكام الحائض والطاهرة لا بين وظائف الحائض والمستحاضة لدوران الامر بين الحيض والطهر لا بين الحيض والاستحاضة لان المفروض عدم رؤيتها الدم ليحتمل كونه استحاضة فهي اما بحكم الحائض واما طاهرة. وتفصيل الكلام في هذه المسألة: ان مجموع الدمين وايام النقاء المتخلل بينهما قد يكون عشرة ايام أو أقل كما إذا رأت ثلاثة ايام ثم طهرت ثلاثة ايام ثم رأت الدم ثلاثة ايام، ولا اشكال حينئذ في الحكم بحيضية الدمين، واما النقاء المتخلل بينهما فحكمه يبتني على المسألة المتقدمة وقد احتاط فيها الماتن بالجمع بين احكام الحائض والمستحاضة، ولكن ذكرنا انه محكوم بحكم الحيض لان الطهر - على اطلاقه وطبيعته - لا يقل عن عشرة ايام سواء كان متخللا بين حيضتين أو في اثناء حيضة واحدة، واشرنا إلى انه على تقدير الاحتياط لابد أن يحتاط بالجمع بين احكام الحائض والطاهرة لا الحائض والمستحاضة لانها لا ترى دما في ايام النقاء ليدور امره بين الحيض والاستحاضة وانما امرها يدور بين كونها بحكم الحائض أو الطاهرة. وقد يكون مجموع الدمين وايام النقاء زائدا عن العشرة كما إذا


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب الحيض.

[ 265 ]

رأت خمسة ايام وطهرت خمسة ايام ثم رأت خمسه ايام أخر، وحينئذ قد يكون الطهر المتخلل بين الدمين عشرة ايام أو اكثر ومعه يحكم بحيضية كل واحد من الدمين فيما إذا كانا واجدين للشرائط لعدم المانع من حيضيتهما بعد وجود امارات الحيض في الدمين وتخلل اقل الطهر بينهما. وقد لا يكون الطهر المتخلل بينهما عشرة ايام بل اقل ومعه لابد من ملاحظة الترجيح بينهما لعدم امكان الحكم بحيضية الجميع لاستلزامه زيادة الحيض عن عشرة ايام فلابد من ان يكون احدهما حيضا دون الآخر، فان كان احدهما في العادة دون الآخر فما في العادة حيض دون الآخر وذلك لرواية يونس المتضمنة على ان كل ما تراه المرأة في ايام عادتها فهو حيض دون ما تراه في غيرها (1) وكذلك غيرها من الاخبار (2) الدالة على أن ما تراه المرأه من صفرة أو حمرة في ايام عادتها فهو حيض دون ما تراه في غيرها، فيستفاد من ذلك ان الترجيح بالعادة مقدم على التمييز بالصفات لانه انما يرجح ويميز بها في غير ايام العادة لافي العادة. واما إذا كان كلاهما في غير ايام العادة فان لم يكن شئ منهما متصفا بأوصاف الحيض فيحكم بعدم كونهما حيضا وان كان ذلك خلاف ما هو المشهور بينهم لان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض وقد عرفت أن (الامكان) في قاعدة الامكان بمعنى الامكان القياسي ولا يمكن ان يكون شئ من الدمين حيضا في مفروض الكلام بالقياس إلى ادلة الشروط والاوصاف لان الحيض كما يعتبر فيه أن لا يكون


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من أبواب الحيض، ح 3. (2) راجع الوسائل: نفس الباب المتقدم.

[ 266 ]

اقل من ثلاثة ايام واكثر من عشرة ويتخلل بينه وبين الحيضة السابقة اقل الطهر كذلك يعتبر فيه ان يكون احمر أو اسود ففاقد الصفات غير مشمول لقاعدة الامكان. نعم لو تمت قاعدة الامكان بالمعنى غير الصحيح وهي القاعدة بمعنى الامكان الاحتمالي ليقال: (ان كل دم يمكن اي يحتمل أن يكون حيضا فهو حيض) فلابد من الحكم بحيضية احدى الصفرتين لاحتمالهما الحيضية كما هو ظاهر، كما انه إذا كان احدهما واجدا للصفات دون الآخر يتعين الحكم بحيضية الواجد للصفات لانها امارات الحيض. هذا كله فيما إذا لم تكن المرأة ذات عادة عددية فانها تميز الحيض بالصفات. واما ذات العادة العددية فلا يمكن نفي الحيضية عن الدمين في حقها، بل لابد من ان تجعل عدد ايامها حيضا لما دل من الاخبار (1) على ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) سن في ذات العادة العددية ان ترجع إلى عدد ايامها إذا كانت مستحاضة اي مستمرة الدم وتجعل الباقي استحاضة وهذا كله مما لاشبهة فيه. وانما الكلام فيها إذا كان كلاهما واجدا للصفات فهل يحكم بحيضية الدم الاول دون الثاني، أو يحكم بالتخيير بينهما كما في المتن، أو لا يحكم بحيضية شئ منهما لتعارض وهو يقتضي التساقط وذلك لعدم امكان الحكم بحيضية الجميع لاستلزامه كون الحيض زائدا عن العشرة فإذا لم يقم دليل خاص على حيضية احدهما فلا يمكن أن يتمسك بعمومات ادلة الحيض واطلاقاته فيهما معا، لما عرفته من المحذور، ولا في


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 3.

[ 267 ]

احدهما المعين دون الاخر لانه بلا مرجح ولا في احدهما لا بعينه كما بيناه في محله وهو معنى التساقط بالمعارضة فلا يحكم بحيضة هذا ولا ذاك؟ الصحيح الحكم بحيضية الدم الاول دون الاخير وذلك لما بيناه في التعارض التوهم بين الاصل السببي والمسببي من ان الاصل الجارى في السبب مقدم على الاصل في المسبب لانه يرفع موضوع الشك المسببي ولا معارض له في نفيه، حيث ان ادلة الاصل الجاري في المسبب غير متكلفة لاثبات وجود موضوعه أو نفيه وانما هي تثبت الحكم على تقدير وجود موضوعها. وهذا كما في الماء المشكوك طهارته فيما إذا غسلنا به ثوبا متنجسا فان قاعدة الطهارة الجارية في الماء لا تبقي شكا في طهارة الثوب المغسول به ليجري فيه استصحاب نجاسته لانه من الآثار الشرعية المترتبة على طهارة الماء طهارة المتنجس المغسول به فهي رافعة لموضوع استصحاب النجاسة الجاري في الثوب، وادلة الاستصحاب لا تتكفل باثبات وجود موضوعه في الثوب، وهذا بخلاف ما لو عكسنا الامر واجرينا الاستصحاب المسببي، لان نجاسة الثوب وبقائها مما لا يترتب على نجاسة الماء شرعا الا بالملازمة العقلية لانه لو كان طاهرا لطهر الثوب فيه. والامر في المقام كذلك، وذلك لان من آثار حيضية الدم الاول شرعا أن الدم الثاني الذي تراه المرأة بعدها إن كان قبل العشرة فهو من الحيضة السابقة، وان كان بعد العشرة فالزائد على العادة استحاضة وان كان بعد العشرة وبعد تخلل اقل الطهر بينهما فهو من الحيضة المستقبلة. وعلى الجملة ان من آثار حيضية الدم الاول أن لا يحكم بحيضية الدم الثاني فيما إذا لم يتخلل بينهما اقل الطهر ولم يمكن الحاقه بالدم

[ 268 ]

[ فان كان احدهما في ايام العادة دون الآخر جعلت ما في العادة حيضا، وان لم يكن واحد منهما في العادة فتجعل الحيض ما كان منهما واجدا للصفات وان كانا متساويين في الصفات فالاحوط جعل اولهما حيضا وان كان الاقوى التخيير ] الاول لاستلزامه زيادة الحيض عن العشرة. وهذا بخلاف حيضية الدم الثاني حيث لم يترتب عليها عدم حيضية الدم الاول شرعا في شئ من الروايات الا من جهة الملازمة العقلية، نظرا إلى أنه لو كان حيضا لزم عدم تخلل اقل الطهر بينهما أو كون الحيضية زائدة عن العشرة. اذن الحكم بحيضية الدم الاول يرفع الشك في حيضية الدم الثاني شرعا، ولا عكس ومعه لا معارضة بينهما ليتوهم التساقط، كما لاوجه للتخيير لاإذا لم يدل دليل على ان اختيار الحيض بيد المرأة بل اللازم تعين الدم الاول في كونه حيضا دون الاخير لان الشك فيهما من الشك السببي والمسببي (وقد عرفت عدم التعارض بينهما. ولعله إلى ذلك نظر صاحب الجواهر (قده) فيما نسب إليه من الحكم بحيضية الدم الاول حتى فيما إذا كان الدم الثاني في العادة أو متصفا بأوصاف الحيض دون الدم الاول - كما هو أي الاخير صريح بعض آخر -. الا ان ما افاده (قده) انما يمكن المساعدة عليه فيما إذا كان الدمان متساويين في الاوصاف ولم يكن احدهما في العادة، والا فرواية.

[ 269 ]

يونس (1) المتقدمة وغيرها مما دل على أن ما تراه المرأة من حمرة أو صفرة في ايام عادتها حيض لا يبقى مجالا للترجيح بالاسبقية في الزمان لانها امارة الحيض شرعا، وكذلك ادلة الصفات فان الصفرة في ايام العادة ليست بحيض. ثم ان ما ذكرناه في المقام يأتي في غير هذه المسألة أيضا من الفروع الآتية التي يدور فيها الامر بين كون الدم الاول حيضا دون الاخير أو العكس. هذا ولا يخفي أن ما ذكرناه من لزوم جعل اول الدمين حيضا وان كان صحيحا كما عرفت، الا انه لايتم على اطلاقه لانه انما يصح في غير ذات العادة العددية، لان تميزها بالصفات كما مر، واما ذات العادة العددية فقد عرفت أن دمها إذا تجاوز عن العشرة وكانت مستمرة الدم المعبر عنها بالاستحاضة في الاخبار (2) ترجع إلى عدد ايامها وتجعله حيضا والباقي استحاضة، وعليه لابد من أن تأخذ من أول الدمين بعدد ايامها حيضا، لاتمام الدم الاول وتجعل الباقي استحاضة. هذا كله فيما إذا كان كلا الدمين في غير ايام العادة وكانا واجدين للصفات.


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من أبواب الحيض، ح 3 ويدل على ذلك اكثر روايات الباب. (2) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب الحيض، ح 2 و 3 وغيرها من الروايات.

[ 270 ]

[ وان كان بعض احدهما في العادة دون الآخر جعلت ما بعضه في العادة حيضا (1) وان كان بعض كل واحد منهما في العادة فان كان ما في الطرف الاول من العادة بثلاثة ايام أو ] إذا كان بعض احد الدمين في العادة: (1) كما إذا فرضنا المرأة ذات عادة وقتية وانها تحيض من عاشر كل شهر، أو أن آخر حيضها في كل شهر هو اليوم الخامس عشر ورأت الدم من اليوم السادس إلى اليوم الحادي عشر خمسة ايام ونقت بعد ذلك ستة أيام ثم رأت الدم الآخر خمسة ايام أيضا فان الثاني وقع خارج العادة باجمعه، الا ان الدم الاول وقع يوم منه في ايام العادة. أوانها رأت الدم من اليوم الخامس إلى العاشر ونقت من اليوم العاشر إلى اليوم الخامس عشر ثم رأت الدم الآخر من اليوم الخامس عشر خمسة ايام مثلا، فان الدم الاول حينئذ لم يقع شئ منه في ايام العادة ولكن الدم الثاني وقع يوم منه في ايام العادة. فمقتضي الاخبار (1) الواردة في ان العادة متقدمة على الترجيح بالصفات أن تجعل ما في عادتها حيضا سواء أكان واجدا للصفات أم فاقدا لها، لان ما تراه المرأة من صفرة أو حمرة في ايام عادتها فهو حيض. ثم إن ما رأته من الدم في ايام العادة ان كان ثلاثة ايام فاكثر فهو


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 من أبواب الحيض.

[ 271 ]

واما إذا كان اقل منها فمقتضى ما دل على أن المرأة إذا رأت الدم في ايام عادتها فهو حيض بضميمة ما دل على أن الحيض لا يقل من ثلاثة ايام - أن يضم إليه ما يتم به ثلاثة ايام من الدم الاول في المثال لانه المدلول الالتزامي المستفاد من الاخبار المتقدمة فان الحيض لا يقل عن ثلاثة ايام، ففي المثال يحكم بلحوق يومين من الدم الاول باليوم السابق الواقع في ايام العادة من الدم الاول لانهما متممات لثلاثة الحيض. وهل يحكم بحيضية الدم الثاني أيضا أو لا يحكم؟. يختلف هذا باختلاف النساء لان المرأة ان كانت ذات عادة عددية فترجع إلى عدد ايامها وتأخذ من ايام الدم بعد الثلاثة بمقدار يكمل به عددها - مثلا - إذا كانت عادتها جارية على التحيض ثمانية ايام في كل شهر ورأت الدم ثلاثة ايام ثم انقطع اربعة ايام ثم رأته خمسة ايام وفرضنا ان اليوم الثالث من الثلاثة الاول كان واقعا في ايام عادتها الوقتية ولاجل ذلك حكمنا بكونه حيضا ثم الحقنا به اليومين السابقين حتى تتم الثلاثة المعتبرة في الحيض، ولكن مجموع ايام الدمين والنقاء لما كان زائدا عن العشرة فلا محيص من ان تأخذ عدد ايامها حيضا وتجعل الباقي استحاضة، ولاجله نضم الثلاثة إلى اربعة النقاء لانها أيضا بحكم الحيض فيكون سبعة ايام وحيث ان عدد ايامها ثمانية فتأخذ يوما واحدا من الخمسة المتأخرة وتضمه إلى السبعة ليكتمل به عدد ايام المرأة، والباقي استحاضة أو تأخذ منها يومين إذا كانت عادتها تسعة ايام. هذا فيما إذا كانت المرأة ذات عادة عددية. واما إذا لم يكن لها عادة عددية فلا مناص من التمييز بالصفات فما كان بصفات الحيض حيض وما لم يكن بصفاته استحاضة، فلو فرضنا

[ 272 ]

[ ازيد جعلت الطرفين من العادة حيضا (1) وتحتاط في النقاء المتخلل، وما قبل الطرف الاول وما بعد الطرف الثاني استحاضة وان كان ما في العادة في الطرف الاول اقل من ثلاثة تحتاط في جميع ايام الدمين والنقاء بالجمع بين الوظيفتين. ] ان الدم في ثلاثة ايام أو يومين أو يوم واحد من الخمسة كان احمر والباقي اصفر فيحكم على ما كان لونه أحمر بالحيضية إلى ان تتم عشرة ايام دون غيره لانه استحاضة. هذا كله فيما إذا كان بعض احد الدمين في العادة دون الآخر. إذا كان بعض كل واحد من الدمين في العادة: (1) فصل (قده) في هذه الصورة بين ما إذا كان ما في الدم الاول مما صادف ايام العادة قابلا للحكم بحيضيته بان كان ثلاثة ايام أو ازيد، وبين ما إذا لم يكن كذلك كما إذا كان اقل من ثلاثة ايام لعدم كونه قابلا للحيضية، فحكم في الصورة الاولى بحيضية الدم الاول اعني ما رأته في ثلاثة لايام أو ازيد من ايام عادتها، وما رأته من الدم الثاني مما صادف ايام عادتها وأما ايام النقاء المتخلل بين الدمين فحكمه ما تقدم من الحاقه بالحيض كما قويناه أو الاحتياط فيه بالجمع بين احكام الطاهرة والحيض كما صنعه الماتن (قده). واما الصورة الثانية فحيث ان ما صادف العادة من الدم الاول لم

[ 273 ]

يكن قابلا للحيضية لكونه اقل من ثلاثة ايام، ولا يمكن ضم ما وقع في العادة من الدم الثاني إليه، إذا يعتبر في الحيض التوالي ثلاثة ايام فيدور الامر بين ان يحكم بحيضية مجموع الدم الاول واستحاضة الاخير أو العكس لعدم امكان الحكم بحيضيتهما معا لكونهما مع ايام النقاء زائدا عن العشرة، ولا ترجيح في البين احتاط (قده) في مجموع الدمين وايام النقاء بالجمع بين الوظيفتين. وما افاده (قده) في الصورة الاولى صحيح ولابد من الحكم بحيضية ما وقع في ايام العادة من الدم الاول - اعني ثلاثة ايام أو ازيد - وكذا ما وقع في ايام العادة من الدم الثاني لانه في ايام العادة ومن الحيضة الاولى في ايام النقاء ما عرفته من الخلاف. وأما ما افاده (قده) في الصورة الثانية فهو مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لان الحيض وان اعتبر فيه ان يكون ثلاثة ايام متواليات الا ان اطلاق مادل (1) على ان ما تراه المرأة ايام عادتها من صفرة أو حمرة فهو حيض غير قاصر الشمول للمقام، فلا مناص من الحكم بحيضية ما وقع في ايام العادة بمقتضي دلالة الدليل كما لابد من تتميم ذلك مما سبقه من الدم الاول إلى ان تتكمل الثلاثة المعتبرة في الحيض - سواء كان يوما أو يومين أو اكثر كما إذا صادف الدم الاول من ايام العادة نصف يوم - وذلك لاستكشاف حيضية المكمل للثلاثة من الدلالة الالتزامية المستفادة من الاخبار الواردة في أن ما تراه المرأة من صفرة أو حمرة في ايام عادتها حيض بضميمة ما دل على أن الحيض


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب الحيض ح 3 وغيرها من روايات الباب.

[ 274 ]

لا يقل عن ثلاثة ايام. ثم ان ما وقع في العادة من الدم الاول ومكمله إلى الثلاثة وايام النقاء ان لم يزد على عشرة ايام فتلحق ما وقع في العادة من الدم الثاني أيضا بالحيض إلى تمام العشرة لانه مما رأته المرأة في ايام عادتها. واما إذا لم يمكن الحاق ما وقع في العادة من الدم الثاني بالحيض لكون الثلاثة من الدم الاول وايام النقاء عشرة ايام والزائد على العشرة استحاضة فربما يتوهم التعارض بين جعل ما وقع في العادة من الدم الاول حيضا لتلحق به مكمل الثلاثة وايام النقاء ويكون المجموع عشرة ايام حتى يخرج الدم الثاني عن كونه حيضا، وبين عكسه بأن يجعل ما وقع في العادة من الدم الثاني حيضا لتلحق به مكمل الثلاثة ليكون الدم الاول خارجا عن الحيض إذ لا مرجح لاحدهما على الآخر. وهذا كما لا إذا كانت عادتها تسعة ايام من العشرة الثانية فرأت المرأة الدم من اليوم السابع خمسة ايام فكان اليوم الخامس مصادفا لايام عادتها وهو اليوم الحادي عشر ثم نقت سبعة ايام ورأت الدم الثاني من اليوم التاسع عشر أيضا خمسة ايام مثلا فصادف اليوم الاول من الدم الثاني مع العادة فإذا حكمنا بحيضية اليوم الحادي عشر وضممنا إليه يومين آخرين من الدم الاول ثم الحقنا به ايام النقاء وهي سبعة ايام بلغ المجموع عشرة ايام وكان الدم الثاني خارجا عن الحيض، وإذا عكسناه ينعكس. الا انا قدمنا (1) ان الاسبقية في الزمان مرجحه فيما نحن فيه. لا لانها من احدي مرجحات المتعارضين أو المتزاحمين بل لدلالة الاخبار


(1) تقدم الكلام عليه في المسألة 18 فليلاحظ.

[ 275 ]

على أن حيضية الدم الثاني يشترط فيها تخلل اقل الطهر بينها وبين الحيضة الاولى، وبما انه لم يتخلل في المقام فيحكم بعدم حيضية الدم الثاني لا محالة لانه من آثار حيضية الدم الاول شرعا ولاعكس ولاجل المزيد من التوضيح فليراجع ما قدمناه في المسألة السابقة. ثم ان اخرجنا الدم الثاني عن الحيض فهل نقتصر في الحكم بالحيضية على ثلاثة ايام من الدم من الاول أو نحكم بحيضية الدم الاول بأسره أو أن فيه تفصيلا؟ يختلف هذا باختلاف النساء فان كانت المرأة ذات عادة عددية فبما انها مستمرة الدم على الفرض لزيادة مجموع الدم وايام النقاء عن العشرة فلابد من أن ترجع إلى عادتها فتأخذ بمقدار عددها حيضا والباقي استحاضة كما ان الدم الثاني استحاضة. واما إذا لم يكن لها عادة عددية فترجع إلى التمييز بالصفات فما كان من الدم الاول بصفات الحيض حيض وما لم يكن كذلك فهو استحاضة لان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض. فتحصل انه لابد في الصورة الثانية من التفصيل بما عرفت بعد الحكم بحيضية ثلاثة ايام من الدم الاول كما في الصورة الاولى وانما نلحق ما وقع في العادة من الدم الثاني بالحيض فيما إذا لم يزد المجموع من الثلاثة وايام النقاء على عشرة ايام، وعلى تقدير كونه عشرة انما نحكم بحيضية الباقي من الدم الاول بعدد ايامها أو بالتمييز بالصفات. ثم لا يخفي ان ما ذكرناه من رجوع ذات العادة العددية إلى عدد ايامها انما هو فيما إذا تجاوز دم المرأة ولو بانضمام ايام انقاء عن عشرة ايام والا بان كان الدم اقل من عشرة ايام فهو باجمعه محكوم بالحيضية

[ 276 ]

[ (مسألة 19): إذا تعارض الوقت والعدد في ذات العادة الوقتية العددية يقدم الوقت (1) كما إذا رأت في ايام العادة اقل أو اكثر من عدد العادة ودما آخر في غير ايام العادة بعددها فتجعل ما في ايام العادة حيضا وان كان متأخرا، وربما يرجح الاسبق فالاولى فيما إذا كان الاسبق العدد في غير ايام العادة الاحتياط في الدمين بالجمع بين الوظيفتين. ] فيما إذا كان واجدا للصفات إذا لامانع من حيضيته بالاضافة إلى شروط الحيض. تعارض الوقت والعدد: (1) والصحيح ما بنى عليه الماتن (قده) من الحكم بحيضية ما في ايام العادة ولو كان متأخرا، ولا وجه للترجيح بالاسبقية وذلك لما استفدناه من مرسلة يونس (1) من أن العادة الوقتية امارة وطريق إلى ان الدم حيض. واما العادة العددية فلا دليل على اماريتها على الحيضية ليقع بينهما التعارض وانما هي معينة للعدد المجعول حيضا فيما إذا تجاوز الدم عن


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب الحيض ح 3، ويمكن استفادة ذلك من معتبرة يونس فراجع.

[ 277 ]

العشرة فقط، ومع قيام الامارة على حيضية الدم المرئي في ايام العادة لا يمكن الحكم بحيضية غيره ولو كان متقدما، بل يمكن ان يستكشف عدم حيضية ما في غير ايام العادة بالملازمة. واما اخبار الصفات فهي أيضا غير شاملة للمقام لان الترجيح بالصفات انما هو في غير ذات العادة كما تقدم. وعلى الجملة ان الرجوع إلى العدد سنة ثانية وموردها غير ذات العادة الوقتية لان المرجع فيها إلى الوقت وهي السنة الاولى التي سنها رسول الله صلى الله عليه وآله. وقد يستدل على حيضية الدم الاسبق باطلاق مصححة صفوان عن أبي الحسن (ع) (إذا مكثت المرأة عشرة ايام ترى الدم ثم طهرت فمكثت ثلاثة ايام طاهرا ثم رأت الدم بعد ذلك اتمسك عن الصلاة؟ قال: لا هذه مستحاضة) (1) نظرا إلى انها دلت على حيضية الدم المتأخر ولو كان في ايام العادة. ويدفعه: ان مفروض الرواية حيضية الدم الاول ولو باحرازها خارجا، والشك في حيضية الدم الاخير، واين هذا مما نحن فيه الذي قامت فيه الامارة على حيضية الدم الاخير وهي رؤيته في ايام العادة، إذ لااطلاق للرواية يشمل هذه الصورة، بل قد عرفت أن لازم امارية العادة الوقتية استكشاف عدم حيضية الدم الاول مضافا إلى اطلاق مادل (2) على ان ما تراه المرأة في ايام عادتها من صفرة أو حمرة فهو حيض، ومعه لا حاجة إلى الاحتياط بالجمع بين وظيفتي الحائض


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب الحيض ح 3 وغيرها من روايات الباب.

[ 278 ]

[ (مسألة 20): ذات العادة العددية إذا رأت ازيد من العدد ولم يتجاوز العشرة فالمجموع حيض (1) وكذا ذات الوقت إذا رأت ازيد من الوقت (2). ] والمستحاضة فيما إذا كان الاسبق العدد في غير ايام العادة كما في المتن. رؤية الدم ازيد من العدد: (1) لما عرفته من تضاعيف ما قدمناه في ان العادة العددية ليست طريقا إلى الحيضية وانما هي معينة للعدد عند تجاوز الدم العشرة، ومع عدم تجاوزه يحكم بحيضية الجميع إذا كان واجدا للصفات إذ لامانع من حيضيته بالمقايسة إلى الشروط، ولو كان زائدا على عددها كما إذا استمر الدم سبعة ايام وكانت عادتها ستة ايام. رؤية الدم مرتين في شهر واحد: (2) زيادة الدم المرئي عن العدد عند عدم تجاوزه العشرة وان كان واضحا كما مثلناه، إلا ان زيادته عن العادة الوقتية فقط كما هو مفروض الماتن ليست بذلك الوضوح، ومن ثمة وقع موردا للكلام في أن الدم كيف يزيد عن الوقت في ذات العادة الوقتية فقط لانه لا يتصور الا مع فرض العادة العددية لافي العادة الوقتية فقط إذ

[ 279 ]

[ (مسألة 21): إذا كانت عادتها في كل شهر مرة فرأت في شهر مرتين مع فصل اقل الطهر وكانا بصفة الحيض فكلاهما حيض (1) سواء كانت عادة وقتا أو عددا اولا، وسواء كانا موافقين للعدد والوقت أو يكون احدهما مخالفا (2). ] لا عدد لها ليزيد أو ينقص. ولكن الظاهر أن نظر الماتن إلى العادة الوقتية من حيث المنتهى فقط لان العادة الوقتية كما عرفته في محله على أقسام: منها العادة الوقتية من حيث الاخير كما إذا جرت عادتها على انقطاع دمها في اليوم العاشر - مثلا - من كل شهر مع الاختلاف في اوله الا انه في بعض الشهور تجاوز عن اليوم العاشر وانقطع في اليوم الحادي عشر مثلا وكان مجموع ايام الدم اقل من عشرة ايام، وعليه فتصوير الزيادة عن الوقت في ذات العادة الوقتية فقط بمكان من الوضوح. (1) لوجدانهما الصفات وتحقق ما هو الشرط في حيضية الدم الثاني اعني فصل اقل لاطهر بينهما. التسوية بين كون الدمين موافقين للعدد وبين عدمه امر ظاهر لا شبهة فيه كما إذا كانت عادتها ستة ايام في كل شهر وقد فرضنا أن كل واحد من الدمين كان ستة ايام أو كان احدهما ستة والآخر خمسة ايام. وانما الكلام في التسوية بين كونهما موافقين في الوقت وعدمه لان المرأة انما يكون لها وقت واحد وهو اما ان يوافق الدم الاول واما ان

[ 280 ]

[ (مسألة 22): إذا كانت عادتها في كل شهر مرة فرأت في شهر مرتين مع فصل اقل الطهر فان كان احدهما في العادة والاخرى في غير وقت العادة، ولم تكن الثانية بصفة الحيض ] يوافق الدم الثاني فكيف يتصور وقوع كل منهما في ايامها ووقتها؟. وتصوير ذلك في ذات العادة البسيطة غير ممكن لما مر من ان لها وقت واحد في كل شهر وكيف يقع كل من الدمين في وقتها. واما بناءا على الالتزام بالعادة المركبة - كما عليه الماتن (قده) - فتصويره امر ظاهر لا غبار عليه وهذا كما إذا جرت عادتها على التحيض في العشرة الاخيرة من كل شهر في ايام الشتاء - مثلا - وفى العشرة الاولى في ايام الربيع باختلاف بعد الشمس وقربها، ورأت الدم في شهر واحد قمري مرتين بأن رأت الدم مرة من خامسه إلى تاسعه ثم رأت الطهر عشرة ايام ثم رأت الدم من اليوم التاسع عشر إلى الرابع والعشرين منه - مثلا - وكان ذلك الشهر مجمعا بين الشتاء والربيع. فأن الاربعة الاولى حينئذ اعني ايام الدم الاول قد وقعت في العشرة الاخيرة من الشتاء كما ان ايام الدم الثاني وقعت في العشرة الاولى من شهور الربيع، وقد وقع كل واحد من الدمين في وقتها. ثم ان الوجه في الحكم بالحيضية في هذا المسألة هو امكان كون الدمين حيضا بالقياس إلى ادلة الشروط، وبما أن المقتضي لحيضيتهما موجود ولا مانع عنها فلابد من الحكم بكونهما حيضا.

[ 281 ]

[ تجعل ما في الوقت - وان لم يكن بصفة الحيض - حيضا (1) وتحتاط في الاخرى (2) ] رؤية الدم مرتين في شهر واحد مع الاختلاف: (1) فما في العادة حيض سواء أكان واجدا للصفات ام فاقدا لها، وذلك لما دل من الاخبار (1) على ان ما تراه المرأة في ايام عادتها من صفرة أو حمرة فهو حيض، واما ما وقع في غير ايام العادة فهو قد يكون واجدا للصفات فلابد من الحكم بحيضيته لادلة الصفات وامكان كونه حيضا بقاعدة الامكان القياسي من غير ما يمنعه، وهذا لم يتعرض الماتن لحكمه الا انه يستفاد من مجموع كلماته. وقد يكون الدم الواقع في غير ايام العادة فاقدا للصفات فقد اشار الماتن إلى حكمه بقوله (وتحتاط في الاخرى). (2) والوجه في هذا الاحتياط هو ما ذهب إليه المشهور من قاعدة الامكان والحكم بان ما يحتمل ان يكون حيضا واقعيا فهو حيض، ولكنك عرفت عدم تماميته وأن الثابت من القاعدة هو الامكان القياسي وبما ان الدم الفاقد للصفات في غير ايام العادة لا يمكن ان يكون حيضا بالقياس إلى ادلة الشروط فلا مناص من الحكم بعدم كونه حيضا،


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب الحيض، وغيره من الموارد.

[ 282 ]

[ وان كانتا معا في غير الوقت فمع كونهما واجدتين كلتاهما حيض (1) ومع كون احداهما واجده تجعلها حيضا وتحتاط في الاخرى، ومع كونهما فاقدتين تجعل احدهما حيضا، والاحوط كونها الاولى وتحتاط في الاخرى. ] مضافا إلى الاخبار الصريحة (1) في أن الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض. صور المسألة: (1) وهذا له صور: الاولى: أن تكونا واجدتين للصفات ولابد حينئذ من الحكم بحيضتهما للامكان القياسي كما مر. الثانية: أن يكون أحدهما واجدا للصفات دون الاخر، اما الواجد فلا مناص من الحكم بحيضيته لوجدانه الشرائط وفقدانه الموانع. واما الفاقد فلا وجه للحكم بحيضيته لان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض ولا يمكن ان تكون حيضا بالامكان القياسي، اللهم الا أن نلتزم بقاعدة الامكان بمعناها المعروف فان الفاقد أيضا حيض حينئذ لاحتمال كونها حيضا واقعا. الثالثة: ان تكونا فاقدتين للصفات فمقتضي ما قدمنا الحكم بعدم


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 5 وغيره من أبواب الحيض.

[ 283 ]

[ (مسألة 23): إذا انقطع الدم قبل العشرة فان علمت بالنقاء وعدم وجود الدم في الباطن اغتسلت وصلت ولا حاجة إلى الاستبراء (1) وان احتملت بقاءه في الباطن وجب (2) عليها الاستبراء واستعلام الحال بادخال قطنة واخراجها بعد الصبر هنيئة. ] حيضيتهما لان الصفرة لا يمكن ان تكون حيضا بالامكان القياسي كما مر الا أن نقول بقاعدة الامكان بمعناها المعروف وقد مر عدم تماميتها، فما افاده الماتن (قده) مما لاوجه له. ثم لو فرضنا العلم بحيضية احدهما اجمالا فاللازم الاحتياط بين احكام الحائض والطاهرة لاجعل احد الدمين حيضا دون الآخر كما في المتن وذلك لان نسبة العلم الاجمالي إلى كل من الدمين على حد سواء. هل يجب الاستبراء للعلم بالنقاء: (1) لانه انما جعل لتحصيل العلم بالنقاء، ومع وجوده لا حاجة إلى الاستبراء. (2) من غير خلاف كما عن بعضهم، والوجه فيه ما اشرنا إليه في اوائل بحث الحيض من ان الحيض بحسب الحدوث يعتبر فيه الرؤية والخروج فلو علمت المرأة بخروج الدم من رحمها ولكنه لم يخرج إلى الخارج فهي ليست بحائض بل لها أن تمنع عن خروجه بجعل خرقة

[ 284 ]

أو قطنة مانعة عن خروجه، واما بحسب النقاء فلا يشترط فيه الخروج والرؤية بل وجوده في المحل والمجرى كاف في تحققه فلا تجب عليها الصلاة ولا تحل لها بقية المحرمات الا بنقائها ظاهرا وباطنا وتفصيل الكلام في المقام يقع من جهتين: الجهة الاولى: في وجوب الاستبراء وعدمه. الجهة الثانية: في كيفية الاستبراء: اما الجهة الاولى: فالمحتملات فيها اربعة: الاول: عدم وجوب الاستبراء بوجه كما عن شيخنا الانصاري (قده) لولا تسالم الاصحاب عليه وذلك نظرا إلى أن صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) (إذا ارادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنة فان خرج فيها شئ من الدم فلا تغتسل وإن لم تر شيئا فلتغتسل) (1) انما دلت على وجوبه عند ارادة الاغتسال ولا دلالة لها على وجوب الاستبراء لانفسا ولا شرطا: ويدفعه: ان الصحيحة وان لم يمكن استفادة الوجوب النفسي منها كما افيد، الا أن دعوى دلالتها على وجوبه الشرطي بمكان من الامكان حيث علفت وجوب الاستبراء على ارادة الاغتسال فيمكن أن يدعى ان ظاهره كون الاستبراء شرطا أو قيدا في الاغتسال، فان التعبير عن الوجوب الشرطي بذلك أمر متعارف كما في قوله تعالى: (وإذ قمتم


(1) الوسائل: ج 2 باب 17 من أبواب الحيض ح 1.

[ 285 ]

إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم) (1) حيث دل على ان الوضوء والغسل والتيمم واجب شرطي وانهما قيدان في الصلاة فليكن الحال في المقام أيضا كذلك، ولا يمكن حينئذ دعوى عدم دلالة الصحيحة على ان الاستبراء واجب شرطي بل لابد في منع ذلك من جواب آخر هذا. على ان القائل بالوجوب النفسي في الاستبراء صريحا غير معلوم فمراد القائل بالوجوب انما هو الوجوب الشرطي وقد عرفت أن الصحيحة يمكن دعوى دلالتها على ذلك. ويوضح ما ذكرناه ضم الاخبار (2) الكثيرة الدالة على أن الحائض إذا نقت وطهرت اغتسلت إلى الصحيحة لانها بضميمتها إلى تلك الاخبار تدل على ان الحائض ليس لها أن تترك الغسل باستصحاب عدم النقاء، بل لابد لها من الاغتسال وهي مأمورة بالاستبراء عند ارادة الغسل فكأنها بضميمة تلك الاخبار تدل على أن الحائض إذا طهرت اي نقت ظاهرا لان المراد بالطهر فيها مقابل الرؤية لا الطهر باطنا - وجب الاستبراء والاغتسال فدعوى عدم وجوب الاستبراء رأسا ساقطة على انها مخالفة لما تسالم عليه الاصحاب. الثاني: وجوب الاستبراء نفسا: وهذا الاحتمال أيضا لا مثبت له من الاخبار لصراحة الصحيحة المتقدمة في ان الاستبراء انما يجب إذا ارادت الاغتسال، واما انه واجب في نفسه فلا. واصرح من ذلك موثقة سماعة عن أبي عبد الله (ع) قلت له:


(1) سورة المائدة: آية 6. (2) يستفاد ذلك من الوسائل: ج 2 باب 1 و 3 و 4 و 5 وغيرها من أبواب الحيض.

[ 286 ]

المرأة ترى الطهر وترى الصفرة أو الشئ فلا تدري أطهرت أم لا؟ قال: (فإذا كان كذلك فلتقم فلتلتصق... الخ) (1) حيث صرحت بأن الاستبراء انما هو لمعرفة الحال واستخبار انها طاهرة أو حائض لا انه واجب نفسي. وهاتان الروايتان هما العمدة في المقام ولا يعتمد على غيرهما من الروايات فهذا الاحتمال ساقط أيضا. الثالث: ان الاستبراء واجب شرطي فلو اغتسلت من دون استبراء بطل غسلها لان ذلك ظاهر الصحيحة المتقدمة نظير قوله تعالى: (وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) (2). وهذه الدعوى لا يمكن المساعدة عليها، لان الصحيحة وان امكن دعوى ظهورها في ذلك الا أن الموثقة المتقدمة كالصريحة في ان الاستبراء انما أمر به لانه الطريق إلى معرفة الحال واستخبار انها حائض أو طاهرة، حيث دلت على ان الحائض عند انقطاع دمها ظاهرا ليس لها أن تعتمد على استصحاب عدم النقاء باطنا، مع انه الغالب عند انقطاع الدم ظاهرا لان الحيض بحسب البقاء لا يعتبر فيه الرؤية والخروج، بل ان وجود الدم في الباطن ايضا يكفي في الحكم بالحيضية ومع الشك في انه انقطع أم لم ينقطع فالاصل عدم النقاء والانقطاع، ومع كون هذا هو الامر الغالب لم يرجعها الامام عليه السلام إليه بل ارجعها إلى استدخال القطنة في كل من الصحيحة والموثقة. فعلمنا من ذلك ان الاستصحاب لا يجري في المقام، ومع سقوطه


(1) الوسائل: ج 2، باب 17 من أبواب الحيض، ح 4. (2) سورة المائدة: آية 6.

[ 287 ]

لا طريق إلى معرفة الحال غير الاستبراء، فهو انما أمر به لاجل فائدة الاستخبار وتحصيل العلم بالحال: لاأنه قيد في الاغتسال ولا يمكن قياسه بالوضوء لان في المقام قد اشير إلى فائدة الاستبراء وانه لمعرفة الحال لا انه قيد معتبر في الغسل. الرابع: ان الاستبراء واجب عقلا، والامر في الروايات للارشاد إليه، وهذا هو الصحيح. وتقريبه ان الاستصحاب ساقط في حقها كما عرفت، ومع سقوطه تعلم المرأة بأنها اما حائض واما طاهرة، ولكل منهما احكام الزامية وليس لها أن تغتسل وتصلى لاحتمال كونه حائضا ولا أن تتركهما لاحتمال كونها طاهرة، فلها علم اجمالي بتوجه احكام الزامية في حقها ولقد تنجزت عليها بالعلم الاجمالي، ولا مناص من أن تحرج عن عدتها. ولا تتمكن من الامتثال بالاحتياط بالجمع بين احكام الحائض والطاهرة لدوران امرها بين المحذورين فان زوجها إذا طلب منها التمكين للجماع يجب عليها ذلك ان كانت طاهرة كما انه يحرم عليها إذا كانت حائضا وكذلك الامر في الصلاة بناءا على ان حرمة العبادة على الحائض ذاتية فان الصلاة حينئذ اما واجبة في حقها لو كانت طاهرة، واما محرمة لو كانت حائضا. فلا تتمكن المرأة من الخروج عن عهدة تلك التكاليف المنجزة بالاحتياط، ولا يرخص العقل في اهمالها لتمكنها من الامتثال بتحصيل المعرفة بالحال. فالاستبراء والاستخبار واجبان عليها بالعقل وان كانت الشبهة موضوعية ولا يجب فيها الفحص، وذلك لتنجز الحكم في حقها وتمكنها

[ 288 ]

من الامتثال بالفحص والاختبار ومعه لااشكال في لزوم الخروج عن عهدة ما توجهت عليها من احكام الزامية والاخبار الآمرة بالاستبراء انما وردت ارشادا إلى ذلك الحكم العقلي ونتيجة ذلك انها إذا اغتسلت ولم تستبرء وكان قد انقطع دمها واقعا صح غسلها وصلاتها لعدم اشتراط الغسل في حقها بشئ. نعم بناء على ان حرمة العبادة على الحائض تشريعية - لا ذاتية - تتمكن المرأة من الخروج عن عهدة ما توجه عليها من الحكم الالزامي بالصلاة مثلا بالاحتياط بأن تغتسل وتصلي رجاءا لعدم حرمتها في ذاتها ولامانع من التقرب بما ليس بمبغوض على نحو الرجاء، وهذا بخلاف مثل التمكين لدوران امره بين المحذورين. فذلكة الكلام: ان الحائض إذا انقطع دمها ظاهرا واحتملت عدم نقائها باطنا وان لم يخرج الدم إلى الخارج لضعفه يتردد امرها بين كونها حائضا أو طاهرة، ولكل من الحالتين احكام الزامية وهي متنجزة في حقها لعلمها الاجمالي فلا مناص من ان تخرج عن عهدتها، وطريق ذلك أحد امرين: اما الاحتياط بالجمع بين احكام الحائض والطاهرة، واما الفحص والاختبار بالاستبراء، وهذا في مثل الصلاة وغيرها من العبادات بناءا على انها محرمة على الحائض حرمة تشريعية لاذاتية، واما في مثل ذات البعل إذا طلب زوجها الوقاع فلا يتيسر فيه الاحتياط لدوران الامر في التمكين بين المحذورين لانه واجب عليها ان كانت طاهرة وهو

[ 289 ]

محرم عليها ان كانت حائضا. وكذلك الحال في العبادات بناءا على ان حرمتها على الحائض ذاتية ومعه يتعين عليها الفحص والاختبار وان كانت الشبهة موضوعية ولا يجب فيها الفحص كما حررناه في محله، الا انه في المقام لما كانت الاحكام متنجزة في حقها وهي متمكنة من امتثالها بالفحص والاختبار فقد وجب عليها الفحص عقلا لانحصار طريق امتثال الاحكام المنجزة بالفحص، ومعه تكون الاوامر الواردة في الروايات ارشادية لا محالة. وان شئت فقل: ان الاستبراء واجب شرطي ظاهرا، لان مفادهما واحد. لكن ذلك كله مبني على عدم جريان استصحاب عدم النقاء في المقام والا لو جرى الاستصحاب في حقها - لما بيناه في محله من ان الاستصحاب كما يجري في الامور القارة كذلك يجري في الامور التدريجية التي لها وحدة عرفية، والامر في المقام أيضا كذلك فان خروج الدم وسيلانه تدريجي وقد علمنا بخروج مقدار منه ونشك في خروج مقدار آخرمنه الا انه لكونه امرا واحدا بالنظر العرفي لا مانع من استصحابه - لا نحل به العلم الاجمالي ويتعين كونها حائضا. سقوط الاستصحاب عند الشك في النقاء: فالعمدة في المقام تحقيق أن الاستصحاب جار أو انه ساقط في محل الكلام؟. والظاهر ان الاستصحاب ملغى في المقام، وذلك لموثقة سماعة المتقدمة حيث ارجع الامام (ع) فيها إلى الاستبراء عند استكشاف ان المرأة حائض أو طاهرة ولم يرجعها إلى الاستصحاب مع انه مورد

[ 290 ]

الاستصحاب لليقين بخروج الدم وجريانه وللشك في بقائه فمن هذا يستكشف ان الاستصحاب ساقط في حقه، ومع عدم جريانه يدور امر المرأة بين الاحتياط والاختبار كما عرفت. ثم ان المنع عن جريان الاستصحاب بالموثقة لا يكشف عن ان الاستبراء شرط في صحة الغسل بحيث لو اغتسلت من دون استبراء بطل غسلها وذلك لدلالة الموثقة على ان الغرض من الامر به انما هو معرفة الحال وانها حائض أو طاهرة، ولا دلالة لها على ان الاستبراء شرط في صحة الغسل نظير شرطية الوضوء الصلاة: وكذلك الحال في الصحيحة فانها انما تدل على أن المرأة بعد انقطاع دمها ظاهرا ليس لها ان ترتب احكام الطاهرة على نفسها وتغتسل الا ان تستبرء، واما أن الاستبراء شرط في صحة غسلها فلا يمكن استفادته من الصحيحة بل الاستبراء واجب عقلا، أو إن شئت قلت: أنه واجب شرطي ظاهرا فإذا اغتسلت وتركت الاستبراء وكانت نقية واقعا صح غسلها لا محالة. هذا كله فيما إذا كانت متمكنة من الاستبراء، واما إذا فرضنا عدم قدرتها عليه اما لشلل في يدها أو لعدم تمكنها من قطنة وما يشبهها من الاجسام فهل يجري الاستصحاب في حقها أو لابد من أن تحتاط؟. ظهر مما بيناه آنفا عدم جريان الاستصحاب في المقام لدلالة الموثقة على ان المرجع هو الاختبار دون الاستصحاب ولا وجه لتقييد الموثقة بحالة تمكن المرأة وقدرتها على الاستبراء لانه ليس من الواجبات التكليفية ليتقيد بصورة القدرة عليه، وانما هو واجب عقلي وشرط ظاهري، ولا يفرق في مثله بين صورتي التمكن وغيرها كما سبق غير مرة، فإذا لم

[ 291 ]

يجر الاستصحاب في حقها ولم تتمكن من الاستبراء ينحصر الطريق إلى امتثال الاحكام المنجزة في حقها بالاحتياط فتجمع بين احكام الطاهرة والحائض كما في العبادات بناءا على انها محرمة على الحائض تشريعا واما بناءا على حرمتها ذاتا في حقها أو ذات البعل التي طلب زوجها منها الوقاع فلا محالة تتخير المرأة بين الوظيفتين لدوران امرها بين المحذورين. هذا تمام الكلام في الجهة الاولى. الجهة الثانية في كيفية الاستبراء: واما الجهة الثانية اعني كيفية الاستبراء فقد وردت فيها جملة من الاخبار: منها: مرسلة يونس عمن حدثه عن أبي عبد الله (ع) قال: سأل عن امرأة انقطع عنها الدم فلا تدري اطهرت أم لا؟ قال: (تقوم قائمة وتلزق بطنها بحائط وتستدخل قطنة بيضاء وترفع رجلها اليمنى) (1): ومنها: رواية شرحبيل الكندي عن أبي عبد الله (ع): قلت له كيف تعرف الطامث لطهرها؟ قال (ع): (تعمد برجلها اليسرى على الحائط وتستدخل الكرسف بيدها اليمنى) (2). زمنها، موثقة سماعة عن ابى عبد الله (ع) قلت له: المرأة ترى الطهر وترى الصفرة أو الشئ فلا تدري اطهرت أم لا قال (ع)


(1) الوسائل: ج 2 باب 17 من أبواب الحيض ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 17 من أبواب الحيض ح 2.

[ 292 ]

إذا كان كذلك فلتقم فلتصق بطنها إلى حائط وترفع رجلها على حائط كما رأيت الكلب يصنع إذا اراد أن يبول ثم تستدخل الكرسف) (1). ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) إذا ارادت الحائض ان تغتسل فلتستدخل قطنة فان خرج...) (2) ولكن الروايتان الاوليتان ضعيفتان فان الاولى مرسلة والثانية ضعيفة بشرحبيل الكندي ومسلمة بن الخطاب لاهمالهما في الرجال بل وتضعيف الثاني على ما يظهر من كلماتهم فلا يعتمد عليها في الحكم بوجوب الاستبراء ولا في كيفيته، والعمدة هي الصحيحة والموثقة وهما من المطلق والقيد لعدم تقييد الاستبراء في الصحيحة بالقيام ورفع الرجلين والصاق البطن إلى الحائط. ومقتضى قانون الاطلاق والتقييد تقييد الصحيحة بالموثقة واعتبار القيود الواردة فيها في الاستبراء إلا أنه بعيد ولاجل ذلك تحمل الموثقة على افضل الافراد. والوجه في ذلك بعد التقييد أن المسألة من المسائل عامة البلوي لكثرة ابتلاء النساء لها، ومع وكون المسألة كذلك وكونه (ع) في مقام البيان إذا لم يقيد الاستبراء بقيد فلا محالة يدل ذلك على عدم اعتبار شئ من القيود المذكورة في الموثقة في الاستبراء، وبذلك تكون الصحيحة اظهر واقوى في الدلالة من الموثقة فتحمل الموثقة على الافضلية ومن ثمة ذهب المشهور إلى عدم اعتبار كيفية خاصة في الاستبراء هذا. على ان المسألة - كما عرفت - من المسائل عامة البلوي وكثيرة


(1) الوسائل: ج 2 باب 17 من أبواب الحيض ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 17 من أبواب الحيض ح 1.

[ 293 ]

[ فان خرجت نقية اغتسلت وصلت وان خرجت ملطخة ولو بصفرة (1) صبرت حتى تنقى أو تنقضي عشرة ايام ان لم تكن ذات عادة أو كانت عادتها عشرة، وان كانت ذات عاده لقل من عشرة فكذلك مع علمها بعدم التجاوز عن العشرة اما إذا احتملت التجاوز فعليها الاستظهار بترك العبادة استحبابا ] الدوران فلو كانت الكيفية الواردة في الموثقة واجبة المراعاة في الاستبراء لشاعت وظهرت ولم يمكن ان تكون مختفية على المشهور وقد عرفت انهم ذهبوا إلى عدم اعتبار كيفية خاصة في الاستبراء وفي ذكرنا نظير ذلك في جملة من الموارد منها الاقامة في الصلاة. مضافا إلى أن ذلك هو الذي تقتضيه القرينة الخارجية لان الغرض من الاستبراء ليس إلا مجرد معرفة الحال والاستخبار عن أن المرأة ذات دم أو غيرها، والظاهر عدم مدخلية شئ من القيود المذكورة في الموثقة في ذلك فتحمل على ارادة التسهيل على المرأة في استبرائها أو على افضل الافراد كما عرفت. نتيجة الاستبراء: (1) إذا استبرأت المرأة بعد انقطاع دمها فلا يخلو الحال إما أن تخرج القطنة نقية واما ان تخرج ملطخة بالصفرة واما ان تخرج ملطخة بالدم الاحمر أو الأسود.

[ 294 ]

[ بيوم أو يومين أو إلى العشرة مخيرة بينها فان انقطع الدم على العشرة أو اقل فالمجموع حيض في الجميع وان تجاوز فسيجئ حكمه ] اما إذا خرجت نقية فلا اشكال في انه يجب عليها الاغتسال وتصلي لانها طاهرة، واما إذا خرجت ملطخة بالصفرة فان كانت خارجة في ايام عادتها فلا كلام أيضا في الحكم بحيضية المرأة لان حكم الصفرة في ايام العادة حكم الحمرة وانها من الحيض كما قدمناه تفصيله، واما إذا خرجت في غير ايام العادة أولم تكن المرأة ذات عادة اصلا فصريح كلام الماتن (قده) ان حكمها حكم الدم الاحمر على ما نبينه عن قريب وهو المشهور لقاعدة الامكان. الا أن الحكم بذلك مما لاوجه له، وذلك لان دم الحيض اسود عبيط وليس به خفاء وليست الصفرة من الحيض بمقتضى الاخبار (1) وقد خرجنا عن ذلك في الصفرة الخارجة في ايام العادة لانها من الحيض ومعه لايتم الحكم بحيضية الصفرة في المقام. ويدل على ذلك - مضافا إلى المطلقات ما ورد (2) من أن الصفرة في غير ايام العدة ليست بحيض - نفس الاخبار الواردة في الاستبراء حيث أن صريح الموثقة المتقدمة أن القطنة إذا خرجت ملطخة بالدم الاحمر أو الاسود فالمرأة حائض دون ما إذا خرجت ملطخة بالصفرة. وذلك لان مفروض الرواية أن المرأة ترى الصفرة ولا تدري انها


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 6 و 16. (2) راجع الوسائل: الجزء 2 باب 15 من أبواب الحيض.

[ 295 ]

حيض أو ليست بحيض، وفي هذا الفرض امرها (ع) بادخال الكرسف أو القطنة فإذا خرجت ملطخة بالدم فهي حائض، ومعه يتعين أن يراد بالدم خصوص الاسود أو الاحمر إذ لو أريد منه الاعم من الصفرة لم تكن هناك حاجة إلى الاستخبار بل لابد من الحكم بكونها حائضا من دون استبراء لاجل ان المرأة تخرج منها الصفرة على الفرض. ويؤيد ذلك ما في المرسلة (1) من أن القطنة إذا خرجت وفيها دم عبيط ولو بمقدار رأس الذباب فهي حائض فان التقييد بالعبيط يدل على عدم كون الصفرة حيضا، هذا كله إذا خرجت القطنة ملطخة بالصفرة. اما إذا خرجت القطنة ملطخة بالدم الاحمر أو الاسود فهي على اقسام: الاقسام المتصورة في المقام: لان المرأة اما لا تكون لها عادة، وعلى الثاني اما ان تكون عادتها عشرة ايام أو أقل، وعلى الثاني قد تحتمل تجاوز دمها العشرة وعدم انقطاعه قبلها، وقد تجزم بانقطاعه قبل تجاوز العشرة. اما لاإذا لم تكن لها عادة أو كانت ذات عادة ولكن عادتها عشرة ايام أو انها اقل وتجزم بعدم تجاوز دمها العشرة فلا بد من الحكم بكونها حائضا إلى عشرة ايام للاخبار الواردة في الاستبراء ولما ورد (2) من ان الدم قبل العشرة من الحيضة الاولى كما سبق في محله. واما إذا كانت عادتها اقل من العشرة وهي تحتمل انقطاع دمها


(1) اي مرسلة يونس المروية في باب 17 من أبواب الحيض ح 2. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب الحيض.

[ 296 ]

قبل العشرة كما تحتمل تجاوزه عنها فمقتضى الاستصحاب أن دمها لا ينقطع قبل العشرة لما عرفت في محله من أن الاستصحاب كما يجري في الامور الحالية يجري في الامور الاستقبالية أيضا وبما أن الدم يجري من المرأة بالفعل وتشك في دوامه وانقطاعه في الازمنة المستقبلة فالاصل عدم انقطاعه فهي كالعالمة بتجاوز دمها العشرة لان العلم التعبدي كالعلم الوجداني ولابد حينئذ من ان ترجع إلى ايام عادتها وتجعلها حيضا والزائد استحاضة فلها أن تغتسل بعد ايام عادتها وتصلي وترتب احكام المستحاضة على نفسها. ما دل على وجوب الاستظهار عند تجاوز الدم عن العشرة: الا أن هناك جملة من الروايات التي ادعي تواترها اجمالا - ولا بأس بهذه الدعوى إذا انضمت الاخبار الواردة في استظهار النفساء إلى وحدة حكمهما كما يأتي - قد دلت على أن المرأة إذا تجاوز دمها العشرة وكانت عادتها اقل منها تستظهر بيوم (1) أو يومين (2) أو بثلاثة أيام (3) أو بعشرة (4) أو بثلثي أيام عادتها (5) - إلا أنه ورد في


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب النفاس ح 4 وباب 13 من أبواب الحيض 3 و 4 و 5. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب النفاس ح 2 و 5. (3) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب الحيض ح 1 و 6 و 10. (4) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب الحيض ح 12 وباب 3 من أبواب النفاس ح 3. (5) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب النفاس ح 20.

[ 297 ]

النفساء دون الحائض - وعليه فلا مناص من أن تترك المرأة صلاتها وتستظهر وتغتسل بعد ايام استظهارها، ولا تتمكن من الاغتسال بعد ايام عادتها قبل الاستظهار. ولكن في قبال هذه الروايات جملة من الاخبار (1) دلت على عدم وجوب الاستظهار حينئذ بل المرأة طاهرة ويجوز لزوجها أن يأتيها متى شاء، ومن ثمة جمعوا بينها وبين الطائفة المتقدمة بجمل الاوامر الواردة فيها على الاستحباب لظهورها في الوجوب وصراحة الطائفة الثانية في عدمه والى هذا ذهب المشهور. وربما يؤيد حمل الاخبار الآمرة بالاستظهار على استحبابه بما ذكروه في روايات البئر من أن الاختلاف في التقدير كاشف عن عدم وجوبه وقد عرفت ان الاخبار الواردة في المقام كذلك لان في بعضها انها تستظهر بيوم وفى بعضها الاخر بيومين وفي ثالث بثلاثة ايام وفي رابع بعشرة ايام وفي خامس بثلثي ايامها وان كان ذلك واردا في النفساء دون الحائض، والاختلاف في التقدير يكشف عن عدم الوجوب. إلا انا اجبنا عن ذلك في محله بأن الاختلاف في بيان التقدير انما يكشف عن عدم الوجوب في المقدار الزائد عن القدر المشترك بين الجميع ولا يكشف عن عدم الوجوب حتى في المقدار الاقل المشترك فيه الجميع والاستظهار بيوم واحد مما يشترك فيه جميع التحديدات الواردة في الاخبار ولا موجب لرفع اليد عن الوجوب فيه.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1 و 4 وباب 2 وباب 3 ح 1 أو غيرها من الموارد.

[ 298 ]

ما هو الصحيح في الجمع بين الطائفتين: فالصحيح هو الوجه الاول اعني الجمع بين الطائفتين من الاخبار بحمل الظاهر منها على النص. وقد يقال: بحمل الاخبار الآمرة بالاستظهار على الاستحباب في نفسها مع قطع النظر عن معارضتها مع الطائفة الثانية النافية لوجوب الاستظهار وذلك بدعوى أن المورد من موارد توهم الحظر حيث ان المرأة تحتمل حرمة ترك الصلاة في تلكم الايام لاحتمال كونها طاهرة وممن تجب عليها الصلاة فالاوامر الواردة بترك الصلاة انما وردت دفعا لهذا التوهم فلا ظهور لها في الوجوب في نفسها وانما هي تفيد الاباحة والجواز. ويدفعه: ان ترك الصلاة كما يحتمل حرمته على المرأة في ايام استظهارها كذلك يحتمل ان يكون اتيانها بها بقصد القربة محرما، وكذا الحال في تمكينها لزوجها لدوران امرها بين الحيض والطهر وقد سبق أن لكل منهما احكاما الزامية فالمقام من دوران الامر بين المحذورين لامن موراد توهم الحظر التي توجب ظهور الامر فيها في الاباحة. فالعمدة في حمل الاوامر المذكورة على الاستحباب انما هو الوجه الاول فلا بد من ملاحظة انه تام أو ليس بتام: وقد عرفت ان الاخبار الواردة في الاستظهار على طائفتين: احداهما: ما دلت على وجوب الاستظهار بيوم أو بيومين أو بثلاثة أو بعشرة وهي التي ادعي تواترها اجمالا، ولم نستبعد ذلك فيما إذا انضمت إليها الاخبار الواردة في استظهار النفساء بل الاخبار الواردة

[ 299 ]

في المستحاضة بالغة حد الاستفاضة في نفسها بل لا يبعد دعوى تواترها الاجمالي في نفسها مضافا إلى أن فيها روايات معتبرة من الصحاح والموثقات (1). وثانيهما: ما دل على عدم وجوب الاستظهار على المستحاضة وانها تقعد ايام عادتها ثم تغتسل وتصلي ويغشاها زوجها متي شاء، وهي جملة من الاخبار أيضا فيها صحيحة وموثقة (2). اختلاف الانظار في الجمع بين الطائفتين: وقد اختلفت الاقوال في المسألة: باختلاف الانظار في الجمع بينهما فالمشهور بينهم أن الاستظهار مستحب بحمل الطائفة الآمرة بالاستظهار على الاستحباب بملاحظة الطائفة النافية لوجوبه وحكي عن بعضهم أن الاستظهار أمر مباح وللمرأة أن تستظهر وأن لا تستظهر وعن الشيخ السيد وجوبه. ولا يمكن القول بالاباحة بدعوى ان الاخبار الآمرة بالاستظهار وردت في مورد توهم الحظر وذلك لما عرفت من ان المورد ليس كما توهم. كما لا يمكن المساعدة على ما ذهب إليه المشهور من حمل الطائفة الآمرة بالاستظهار على الاستحباب بقرينة الطائفة النافية للوجوب، وذلك لان الطائفة الثانية تشتمل على الامر بالاغتسال والصلاة بعد ايام عادتها فلا وجه لترجيح احدهما على الآخر ورفع اليد عن ظاهر احدهما بملاحظة


(1) و (2) يراجع باب 1 و 2 و 3 من أبواب الاستحاضة من الوسائل.

[ 300 ]

الآخر دون العكس. ودعوى: الجمع بينهما بحملهما على الوجوب التخييري أو الاستحباب كذلك مندفعة: بأن الاغتسال وتركه وكذلك الصلاة وتركها من الضدين لا ثالث لهما ولا معنى للتخيير في مثلهما لان المرأة بطبعها: إما ان تفعلهما وأما أن لا تفعلهما. فهذا الوجه ساقط أيضا. ما جمع به صاحب الحدائق بين الطائفتين: وقد جمع صاحب الحدائق (قده) بينهما (تارة): بحمل الطائفة الثانية النافية لوجوب الاستظهار على التقية نظرا إلى أن الطائفة الآمرة بالاستظهار روايات معروفة مشهورة بين الاصحاب فقد علمنا لاجلها ان الاستظهار - على اختلاف ايامه - امر ثابت من مذهب الشيعة، واما عدم وجوب الاستظهار على المستحاضة فهو امر موافق لمذهب الجمهور إلا مالكا فانه ذهب إلى وجوب الاستظهار ثلاثة ايام على ما نسبه العلامة إليه في المنتهى. ويدفعه: أن معاملة المتعارضين بينهما والترجيح بمخالفة العامة انما تصل النوبة إليها فيما إذا لم يمكن الجمع بينهما بوجه، لوضوح انه مع امكان الجمع بينهما لا تعارض حتى يرجح بمرجحات المتعارضين. على أن مخالفة العامة - كما ذكرناه في محله - مرجح ثان في المتعارضين ولاتصل النوبة إلى الترجيح بها مع وجود المرجح الاول وهو موافقة

[ 301 ]

الكتاب، والطائفة النافية لوجوب الاستظهار يمكن أن يقال أنها موافقة الكتاب لان الحكم على المستحاضة بالصلاة بعد ايام عادتها موافق للمطلقات الواردة في الكتاب لانها انما خصصت بأيام الحيض، واما في غيرها فمقضي المطلقات وجوب الصلاة عليها - مثلا - والحكم بعدم وجوبها عليها حينئذ تقييد زائد في المطلقات فبذلك تتقدم على الطائفة الآمرة بالاستظهار. (واخرى): جمع بينهما بحمل اخبار الاستظهار على أن المرأة مستقيمة الحيض كما إذا زاد دمها تارة ونقص اخرى، وأخبار عدم وجوبه على المستقيمة في عادتها مستشهدا على ذلك بروايتين: احدهما: موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (ع) - عن المستحاضة أيطاها زوجها وهل تطوف بالبيت؟ قال: (تقعد قرءها الذي كانت تحيض فيه فان كان قرؤها مستقيما فلتأخذ به، وان كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين ولتغتسل) (1). ثانيهما: رواية مالك بن أعين وقد سألته عن المستحاضة كيف يغشاها زوجها؟ قال: (ينظر الايام التي كانت تحيض فيها وحيضتها مستقيمة فلا يقربها في عدة تلك الايام من ذلك الشهر ويغشاها فيما سوى ذلك من الايام ولا يغشاها حتى يأمرها فتغتسل ثم يغشاها ان اراد) (2). وذكر ان الاستقامة في الحيض لما كانت قليلة أو نادرة تكاثرت الاخبار بالاستظهار للمرأة لاجله.


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 8. (2) الوسائل: ج 2 باب 24 من أبواب الحيض ح 11 وباب 3 من أبواب الاستحاضة ح 1.

[ 302 ]

وهذا الجمع أيضا لا يمكن المساعدة عليه، لعدم ورود الروايتين اللتين استشهد بهما (قده) عليه مدعاه فيما هو محل الكلام، لان محل الكلام انما هو المرأة ذات العادة العددية سواء أكانت ذات عادة وقتية أيضا أم لم تكن - فان النسبة ببن العادتين عموم من وجه كما قدمناه - فإذا زاد دمها على العشرة يتكلم في انها ترجع إلى عددها ثم تغتسل أو انها تستظهر بعد ذلك العدد بثلاثة ايام أو بأكثر أو بأقل. واما الروايتان فهما قد وردتا في المرأة ذات العادة الوقتية التي قد يزيد عدد أيام دمها وينقص وقد لا يزيد ولا ينقص، وذلك لاشتمالهما على انها تقعد قرءها الذي كانت تحيض فيه أو الايام التي كانت تحيض فيها فعلمنا من ذلك أن لها عادة وقتية ولكن عددها قد يستقيم وقد لا يستقيم، ومعه لا تكون الروايتان مفصلتين في محل الكلام، بل هما من ادلة عدم وجوب الاستظهار حيث دلتا على أن المستقيمة العدد أي التي لها عدد معين وقد زاد دمها على العشرة تأخذ بعدد ايامها ولا يجب عليها الاستظهار هذا. على أن رواية مالك بن أعين ضعيفة لان الشيخ رواها عن ابن فضال وطريقه إليه ضعيف (1). واما الرواية الاولى فقد عبر عنها صاحب الحدائق (قده) بالصحيحة ولعله من جهة أن أبان بن (عثمان) الواقع في سندها ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه إذ لم يرد فيه توثيق صريح بل ضعفه العلامة ورد روايته معتمدا على قوله تعالى (ان جاءكم فاسق بنبأ


(1) تقدم ان هذا ما بنى عليه سيدنا الاستاذ اولا غير انه رجع عن ذلك اخيرا وبنى على اعتبار طريق الشيخ إليه.

[ 303 ]

فتبينوا) وأي فسق اعظم من مخالفة الامام؟ والرجل ناوو ولكنا نعتمد على رواياته لاجل توثيق الشيخ اياه في ضمن جملة من امثاله في عدته فهذا الجمع مما لا شاهد له. ما جمع به شيخنا الانصاري بين الطائفتين: وجمع بينهما شيخنا الانصاري (قده) بحمل الاخبار الآمرة بالاستظهار على صورة رجاء الانقطاع قبل العشرة وعدم انقطاعه، والاخبار النافية لوجوب الاستظهار على صورة اليأس من الانقطاع عن العشرة. وهذا الجمع أيضا لا يمكن المساعدة عليه من جهة أن حمل الاخبار الآمرة بالاستظهار على صورة رجاء الانقطاع قبل العشرة وعدمه وان كان صحيحا لانه موردها وهو معنى الاستظهار لانه بمعني طلب ظهور الشئ، وهذا انما يتحقق مع الشك في حصوله وعدمه لا مع العلم بأحد الطرفين. الا أن حمل الاخبار النافية لوجوب الاستظهار على صورة الجزم واليأس الانقطاع قبل العشرة بلا وجه لانه على خلاف اطلاقها ولاقرينة على التقييد. ودعوى: ان الاخبار الآمرة بالاستظهار مقيدة بصورة الشك والرجاء والاخبار النافية لوجوبه مطلقة تشمل صورة الشك في الانقطاع قبل العشرة والجزم بعدمه فمقتضي قانون الاطلاق والتقييد تقييد اطلاق الطائفة النافية بصورة الجزم واليأس عن الانقطاع قبل العشرة والحكم بعدم وجوب الاستظهار حينئذ، واما صورة الشك والرجاء فهي مورد للحكم بوجوب الاستظهار بمقتضي الطائفة الآمرة به.

[ 304 ]

مندفعة: بأن تقييد اطلاق الطائفة النافية بعيد لاستلزامه حمل المطلق على الفرد النادر بل نفس السكوت عن بيان القيد مع ندرة الجزم بالانقطاع وكثرة التردد والشك فيه يدلنا على عدم تقيد الحكم بصورة اليأس عن الانقطاع كما لعله ظاهر. وقد يجمع بينهما بحمل الاخبار الآمرة بالصلاة والاغتسال على الصلاة والاغتسال بعد ايام الاستظهار وذلك لانها مطلقة تشمل كلتا الصورتين - اعني ما بعد العادة وما بعد ايام الاستظهار - وأما الاخبار الآمرة بالاستظهار فهي مقيدة بما بعد الاستظهار لا محالة، فمقتضي قانون الاطلاق والتقييد حمل الاخبار الآمرة بالصلاة والاغتسال على ما بعد ايام الاستظهار لا محالة: وهذا الجمع أيضا لا يمكن المساعدة عليه وذلك لان ظاهر الروايات الآمرة بالصلاة والاغتسال انها انما وردت بصدد بيان الوظيفة الفعلية بعد ايام العادة وقد دلت على أن الوظيفة حينئذ هي الغسل والصلاة وعليه فهما متنافيان وليسا من المطلق والمقيد في شئ ولا يكون الجمع بينهما بحمل الطائفة الآمرة بالصلاة والاغتسال على ما بعد ايام الاستظهار من الجمع العرفي بينهما بوجه. على أن ذلك لو تم فانما يتم فيما إذا كانت ايام عادة المرأة وايام استظهارها اقل من عشرة ايام كما إذا كانت عادتها اربعة ايام واستظهرت ثلاثة ايام فحينئذ يمكن القول بان الصلاة والاغتسال انما يجبان بعد ايام الاستظهار اعني بعد سبعة ايام. واما إذا كانت عادتها وايام استظهارها متجاوزة عن عشرة ايام كما إذا كانت ايام عادتها تسعة ايام واستظهرت بثلاثة ايام فانه لا معنى

[ 305 ]

حينئذ للقول بان الصلاة والاغتسال تجب عليها بعد اثني عشر يوما من رؤيتها الدم، وذلك لوضوح أن الحيض لا يتجاوز عشرة ايام، والمرأة بعد عشرة ايام لااشكال في وجوب الصلاة والغسل عليها فما فائدة تلك الاخبار إذا لم تكن حاجة إليها لوضوح الحكم من غير شك. على أن في بعض الروايات (1) ورد الامر بالاستظهار بعشرة ايام اما بتقدير كلمة (تمام) كما صنعه صاحب الوسائل (قده) اي تستظهر بتمام العشرة، واما بحمل الباء على معنى - إلى - اي إلى عشرة ايام كما عن الشيخ (قده): وعلى كل تقدير يجب الاستظهار بمقتضي تلك الرواية إلى عشرة ايام من زمان رؤيتها الدم، وحينئذ فما معنى وجوب الصلاة والاغتسال عليها بعد العشرة لانه امر واضح لا حاجة فيه إلى تلك الروايات. الجمع المنقول عن صاحب المدارك (قده): وعن صاحب المدارك حمل الاخبار الآمرة بالاستظهار على ما إذا كان الدم واجدا للصفات، وحمل الاخبار المقتصرة على ايام العادة بما إذا كان الدم فاقد للصفات لان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض. ويدفعه: ان هذا الجمع جمع تبرعي محض ولا شاهد عليه بوجه فان الدم في كلتا الطائفتين بمعنى واحد حيث ان الموضوع الواحد وهو الدم الذي يتجاوز عن العادة قد حكم في احدى الطائفتين بوجوب


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب الحيض ح 12 وباب 3 من أبواب النفاس ح 3.

[ 306 ]

الاستظهار معه وحكم في احداهما الاخرى بوجوب الصلاة والاغتسال معه فتقييده في احدهما بشئ وفي الاخرى بشئ آخر خلاف ظاهر الكلمة ولا يعد من الجمع العرفي في شئ. وقد يجمع بينهما بحمل الاخبار الآمرة بالاستظهار على الحكم الظاهري وأن وظيفة المرأة ظاهرا أن تترك العبادة ظاهرا إلى ثلاثة ايام أو أقل أو اكثر حتى يتضح الحال بعد ذلك، وحمل الاخبار الآمرة بالصلاة والاغتسال على بيان الحكم الواقعي وان المرأة إذا تجاوز دمها العشرة ترجع إلى ايام عادتها وتجعلها حيضا والباقي استحاضة تجب عليها الصلاة والاغتسال فيه فإذا انكشفت بعد استطهارها أن الدم متجاوز عن العشرة فتقضي ما فاتها من الصلوات وغيرها. وفيه ما عرفت من أن الاخبار الآمرة بالغسل والصلاة ظاهرة في أن ذلك هو الوظيفة الفعلية للمرأة وهذا ينافي حملها على بيان الحكم الواقعي فان بيان الحكم الذي لا يمكن احراز موضوعه لغو لا اثر له ومن الظاهر ان كشف تجاوز الدم عن العشرة انما هو متأخر عن ايام العادة لا محالة ولا تعلم به المرأة بعد ايام عادتها فماذا يفيدها الحكم الواقعي حينئذ وان كان ذلك مما لااشكال فيه ولا خلاف لوضوح أن الدم إذا تجاوز العشرة فذات العادة ترجع إلى ايام عادتها وتجعل الباقي استحاضة إلا ان الحكم الواقعي لا يفيدها فعلا أي بعد تجاوز ايام عادتها لعدم احرازها الموضوع، فتصبح الاخبار الظاهرة في بيان الوظيفة الفعلية لغوا ظاهرا، فهذا الوجه أيضا لايتم.

[ 307 ]

ما جمع به الوحيد البهبهاني بين الطائفتين: وعن الوحيد البهبهاني (قده) جمعهما بحمل الطائفة الآمرة بالاستظهار على الدور الاول من الدم، وحمل الاخبار الآمرة بالصلاة والاغتسال على الدور الثاني من الدم. فإذا رأت المرأة الدم في ايام عادتها وتجاوز فيجب عليها أن تستظهر بيوم واحد كما في الموثقة الاتية وبعدها يحكم على الدم بالاستحاضة فإذا استمر بها الدم بعد ذلك إلى شهر وجاءت ايام عادتها فتقتصر على ايامها وبعدها تغتسل وتصلي وان لم ينقطع دمها لانها مستحاضة حينئذ، وهكذا إذا انتهى إلى الشهر الثاني والثالث فانه الدور الثاني من دمها، وبهذا ترتفع المعارضة بينهما. واستشهد على ذلك بموثقة اسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (ع) في حديث: المرأة تحيض فتجوز ايام حيضها قال: (ان كان ايام حيضها دون عشرة ايام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة) قلت: فان الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال: (تجلس ايام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين) (1). وهذا الجمع وان كان احسن الوجوه المذكورة في المقام الا انه لا يمكن المساعدة عليه أيضا والوجه فيه: أن الموثقة وان دلت على أن المرأة في دورها الاول تستظهر بيوم واحد إلا انها لم يعلم دلالتها على عدم وجوب الاستظهار عليها في دورها الثاني لعدم كون الموضوع في


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 3.

[ 308 ]

سؤال المرأة السائلة من الامام (ع) بقولها (فان الدم يستمر الشهر والشهرين والثلاثة....) هو الموضوع في سؤالها السابق بقولها (المرأة تحيض فتجوز ايام حيضها....) حتى يقال ان المرأة بعدما رأت الدم في حيضها وتجاوز عن عادتها ثم استقر بها الدم شهرا أو شهرين فلها دوران قد حكم (ع) في دورها الاول بالاستظهار وبعدم وجوبه في دورها الثاني. بل السؤال في قولها (فان الدم استمر بها...) انما هو عن موضوع آخر اي امرأة اخرى وأن المرأة إذا استمر بها الدم شهرا أو شهرين كيف تصنع؟ ولو كان ذلك دورا اولا لها لادورا ثانيا كما إذا فرضنا انها قبل ايام عادتها رات الدم حتى انتهي إلى ايام عادتها ورأت فيها أيضا حتى تجاوز عنها فانها مستمرة الدم حينئذ ودامية، الا انها دور اول للمرأة إذا لم تبتل قبل ذلك برؤية الدم في عادتها مع تجاوزه عنها ليكون هذا دورا اولا لها، وما رأته بعدها شهرا أو شهرين دورا ثانيا هذا. على انا لو سلمنا ان الموضوع في كلا الموردين امرأة واحدة، والموثقة تضمنت حكم دورها الاول والثاني كما افيد إلا انها ليست بذات مفهوم حتى تدل على أن المرأة إذا كانت مستمرة الدم من الابتداء - لا في دورها الثاني اي بعد رؤيتها الدم في عادتها مع تجاوزه عنها - لا تجب عليها الصلاة والغسل، وانما تدل على أن المستمرة في دورها الثاني لا يجب عليها الاستظهار. إذا فلا بد من استفاذة حكم المستمرة الدم من الاخبار الاخر فإذا لاحظنا صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) (المستحاضة

[ 309 ]

تنظر ايامها فلا تصلي فيها ولا يقربها بعلها فإذا جازت ايامها ورأت الدم يثقب الكرسف اغتسلت للظهر والعصر تؤخر هذه وتعجل هذه وللمغرب والعشاء غسلا تؤخر هذه وتعجل هذه وتغتسل للصبح..) (1) وحسنة أو صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال سمعته يقول (المرأة المستحاضة تغتسل التي لا تطهر - كذا في الوسائل والظاهر انه هكذا: التي لا تطهر تغتسل عند صلاة الظهر وتصلي الظهر والعصر ثم تغتسل عند المغرب فتصلي المغرب والعشاء ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر ولا بأس بأن يأتيها بعلها إذا شاء الا ايام حيضها فيعتزلها زوجها) الحديث (2). وموثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المستحاضة قال: فقال (تصوم شهر رمضان إلا الايام التي كانت تحيض فيها ثم تقضيها من بعد) (3)، وغيرها مما رواه في الوسائل باب 1 من أبواب الاستحاضة وغيره. ومن جملة الروايات مرسلة يونس الطويلة التي ذكرنا انها معتبرة لانها دلت على أن رسول الله صلى الله على وآله سن في المرأة ثلاث سنن منها أن المستحاضة من الابتداء تقعد في ايام اقرائها وبعدها تغتسل وتصلي) (4). علمنا ان المرأة المستحاضة من الابتداء لا يجب عليها الاستظهار،


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 4. (3) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب الاستحاضة ح 1. (4) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3.

[ 310 ]

لان مورد تلك الاخبار هي المرأة المستحاضة من الابتداء لقوله (ع) فيها (تنتظر ايامها) فانها كالصريح في أن استحاضتها انما كانت قبل ايامها إذ لو كانت رؤيتها الدم من اول ايامها وكانت مستحاضة بعدها لم يكن معنى لانتظارها ايام عادتها، وكذلك الروايتان الاخيرتان لان الموضوع فيهما الاستحاضة وقد حكم بوجوب الصوم ووجوب الصلاة عليها ابتداءا ثم استثنى ايام عادتها فظاهرها ان الاستحاضة كانت قبل ايامها. ما هو الجمع الصحيح بين الطائفتين: وبهذا يتضح الوجه للجمع الصحيح بين الطائفتين حيث ان النسبة بين اخبار وجوب الاستظهار وتلك الاخبار الدالة على وجوب الصلاة والاغتسال للمستحاضة عموم مطلق لان اخبار الاستظهار اعم من ان تكون المرأة مستحاضة من الابتداء أو تكون كذلك بعد دورها الاول اي بعد ايام عادتها، وتلك الروايات مختصة بالمستحاضة من الابتداء فمقتضى قانون الاطلاق والتقييد حمل روايات الاستظهار على المرأة المستحاضة بعد ايام عادتها أو قبلها بيوم أو يومين لان الدم قد يتعجل ويحكم في المستحاضة بعد العادة بوجوب الاستظهار يوما واحدا وبالتخيير في بقية الايام حتى يتبين الحال، ويحكم في المستحاضة من الابتداء بعدم وجوب الاستظهار. وهذا الوجه اليق من الوجوه المتقدمة، وبه يجمع بين الطائفتين كما عرفت.

[ 311 ]

وقد يترائي ان الاخبار المقتصرة على ايام العادة في المستحاضة من الابتداء معارضة برواية الجعفي عن أبي جعفر (ع) قال: (المستحاضة تقعد ايام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين فإذا هي رأت طهرا (الطهر) اغتسلت) (1). ورواية زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: (المستحاضة تستظهر بيوم أو يومين) (2). ورواية فضيل وزرارة عن احدهما (ع) قال: (المستحاضة تكف عن الصلاة ايام اقرائها وتحتاط بيوم أو اثنين) (3). حيث انها دلت على أن المستحاضة تستظهر بيوم أو بيومين. الا ان دلالتها مورد المناقشة وذلك لعدم ظهورها في أن المراد بالمستحاضة هي المستحاضة من الابتداء وقبل العادة بان رأت الدم واستمر بها في غير ايام عادتها إلى أن دخلت في ايام عادتها وتجاوزها الدم أيضا ولاقرينة على ارادتها منها، وانما هي مطلقة وليكن المراد منها المستحاضة بعد عادتها اعني المرأة التي رأت الدم في عادت وتجاوز عنها، وقد ذكرنا ان الاستظهار متعين حينئذ. وعلى الجملة انهما انما يعارضان الاخبار المتقدمة على تقدير ظهورها في ارادة المستحاضة من الابتداء وقد عرفت عدم ظهورها في ذلك. ومع كونها مطلقة يكون حالها حال بقية الاخبار المتقدمة حيث جمعنا بين ظهورها ونص المرسلة وصحيحتي معاوية وعبد الله بن سنان وموثقة


(1) المروية في باب 1 من أبواب الاستحاضة من الوسائل ح 10. (2) المروية في باب 1 من أبواب الاستحاضة من الوسائل ح 9. (3) المروية في باب 1 من أبواب الاستحاضة من الوسائل ح 12.

[ 312 ]

سماعة في عدم وجوب الاستظهار قبل العادة بحملها على المستحاضة بعد العادة هذا. ولكن الانصاف: ان روايتي الجعفي وزرارة الثانية لاوجه للمناقشة في دلالتهما حيث ان المستحاضة فيهما ظاهرة في المستحاضة قبل العادة وقد دلتا على وجوب الاستظهار عليها بيوم أو بيومين، وذلك لقرينة حكمه (ع) بانها بقعد ايام قرئها حيث فرضها مستحاضة اولا ثم حكم عليها بالقعود في ايام قرئها الآتية بعد استحاضتها فهما معارضتان مع الاخبار المتقدمة الا أن سنديهما ضعيف. اما رواية الجفعي فليست المناقشة في سندها مستندة إلى ابان بدعوى انه من الواقفة، فانه وان كان من الواقفة ولم يرد توثيق صريح في حقه الا أنه من اصحاب الاجماع فاتفقوا على تصحيح ما يصح عنه وقد ذكرنا في محله أن غاية ما يستفاد من هذا الاجماع انه ممن تعتبر روايته على أنا استفدنا وثاقته من الشيخ في عدته حيث وثق جملة من مشائخ الواقفة وغيرها من الفرق غير الاثني عشرية فلا تتوقف في الرواية من جهة أبان وان توقف فيها بعضهم كالعلامة (قده). بل من جهة القاسم الذي يروي عن أبان لان من يروي عنه بهذا الاسم راويان: احدهما: القاسم بن محمد الجوهري، وثانيهما: القاسم بن عروة ولم تثبت وثاقتهما (1). نعم ذكروا ان القاسم بن عروة ممدوح إلا انه لم تثبت كوثاقته،


(1) نعم القاسم بن محمد الجوهري لم يوثق في الرجال غير انه ممن وقع في اسناد كامل الزيارات فبناءا على مبنى سيدنا الاستاذ لابد من الحكم بوثاقته

[ 313 ]

وغاية ما يمكن استفادته انه امامي لان الشيخ والنجاشي لم يغمزا في مذهبه. ولكن الاردبيلي في (جامع الرواة) اضاف اليهما القاسم بن عامر وذكر انه روى عن أبان في زكاة الحنطة من التهذيب ونحن قد راجعنا المورد من التهذيب وهو كما نقله فيما هو المطبوع من الكتاب. ولكن الظاهر أن الاردبيلي اشتبه عليه الامر من جهة غلط النسخة، بل الصحيح أن الراوي عن أبان في زكاة الحنطة من التهذيب (عباس بن عامر) لان صاحبي الوافي والوسائل قد نقلاها بعينها عن (عباس بن عامر) عن أبان هذا كله. على أنا لو سلمنا انه القاسم بن عامر كما ذكره الاردبيلي (قده) فهو أيضا كسابقيه في عدم جواز الاعتماد على روايته لاهماله في الرجال حتى أن الاردبيلي بنفسه لم يتعرض له في كتابه، فالمتحصل أن الرواية ضعيفة كما ذكرناه. واما المناقشة في سند الرواية الثانية لزرارة فهي مستندة إلى ما تقدم من ان طريق الشيخ إلى ابن فضال غير صحيح (1) ثم ان في سندها محمد بن عبد الله بن زراره ووثاقته وان كانت محل الكلام، لكن الظاهر وثاقته لتوثيق ابن داود اياه. وليعلم ان ابن داود هذا قمي متقدم على النجاشي لانه ذكره في رجاله واثني عليه، فلا مناص من الاعتماد على توثيقه، وليس هو ابن داود الرجالي المعروف حتى يستشكل في توثيقه بانه اجتهاد منه (قده) (قده) لتأخر عصره.


(1) وقد تقدم غير مرة ان المناقشة في طريق الشيخ إلى الرجل مما عدل عنه سيدنا الاستاذ دام ظله اخيرا فبنى على اعتباره فلا تغفل.

[ 314 ]

وأما رواية زرارة الاولى فهي مطلقة كما ذكرنا ولاقرينة فيها على أن المستحاضة من الابتداء فلا بد من حملها على المستحاضة بعد العادة لصراحة ونصوصية الاخبار المقتصرة على العادة في عدم وجوب الاستظهار على المستحاضة من الابتداء. على أن سندها (1) ضعيف لانه مضافا إلى أن طريق الشيخ إلى ابن فضال لم يثبت اعتباره - ان في سندها جعفر بن محمد بن حكيم ولم تثبت وثاقته بل ذمه بعضهم الا انه غير ثابت لجهالة الذام، فأن الكشي نقل عن حمدويه انه كان عند الحسن بن موسى يكتب عنه احاديث جعفر بن محمد بن حكيم إذ لقيه رجل من اهل الكوفة - سماه الكشي - وفي يده كتاب فيه احاديث الرجل فقال له الكوفي: هذا كتاب من؟ قال له: كتاب الحسن بن موسى عن جعفر بن محمد بن حكيم فقال له الكوفي: أما الحسن فقل له ما شئت واما جعفر بن محمد بن حكيم فليس بشئ، وجهالة الكوفي الذام يمنعنا عن الحكم بذمه فما ذكرناه من الوجه مما لا اشكال فيه وان كان الاحتياط بعد العادة وقبل العشرة بالجمع بين تروك الحائض وافعال المستحاضة ولا سيما فيما إذا كانت مستحاضة من الابتداء مما لا بأس به لانه يولد العلم بالخروج عن عهدة الوظيفة الواقعية على كل تقدير. وعليه يجب على المستحاضة بعد عادتها - اعني من رأت الدم في


(1) اما طريق الشيخ إلى ابن فضال فقد عرفت الكلام فيه وامام جعفر بن محمد بن حكيم فهو وان لم يوثق في الرجال غير انه ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات وقد بنى سيدنا الاستاذ دام ظله على وثاقة كل من وقع فيها ولم يضعف بتضعيف معتبر.

[ 315 ]

ايام عادتها وتجاوز عن عشرة أيام - ان تستظهر بيوم واحد وجوبا، ويومين أو ثلاثة أو عشرة - مخيرا بمعنى انها مخيرة في غير اليوم الواحد بين أن تستظهر فتترك الصلاة وغيرها من العبادات وبين أن تغتسل وتصلي -. والوجه في ذلك ان الاخبار الواردة في انها تستطهر بيوم أو يومين أو بثلاثة وما ورد في انها تستظهر بعشرة ايام وان كانت متعارضة لدى العرف حيث وردت محددة للحيض لانه الموضوع لترك الصلاة وغيرها من اعمال المرأة الحائض، والحيض امر واقعي قد دلت بعض الروايات على تحديده بيوم وبعضها الآخر بيومين وهكذا، فهي من الاخبار المتعارضة لدى العرف بلحاظ تحديدها. وليست تلك الروايات نظير ما إذا ورد الامر باتيان شئ مرة واحدة وورد امر آخر باتيانه مرتين وثالث باتيانه ثلاث مرات حتى يؤخذ بالقدر المتيقن وهو المرة الواحدة ويحكم بوجوبها ويحمل الباقي على الاستحباب، بل الروايات متعارضة إلا انه لا مناص في المقام من الحكم بالتخيير بين الاستظهار وعدمه في اليومين والثلاثة والعشرة وذلك لدلالة الاخبار على ذلك في نفسها حيث ورد في رواية واحدة - كما في موثقة سعيد بن يسار (1) - بها تستظهر بيومين أو ثلاثة وهى نص في التخيير بينهما نعم لم يذكر فيها الاستظهار بعشرة ايام، الا ان تلك الرواية تدلنا على ان الاخبار الواردة في المقام ليست ناظرة إلى التحديد ليكون بعضها معارضا لبعض، وانما هي واردة لبيان ان المرأة مخيرة في


(1) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب الحيض ح 8.

[ 316 ]

[ (مسألة 24): إذا تجاوز الدم عن مقدار العادة وعلمت انه يتجاوز عن العشرة تعمل عمل المستحاضة فيما زاد ولا حاجة إلى الاستظهار (1). ] الاستظهار بيومين أو ثلاثة أو عشرة فلا يبقى بينهما تعارض نعم يقع الكلام حينئذ في انه ما معنى كونها مخيرة بين الاستظهار وتركه لانه يرجع إلى انها مخيرة بين أن تصلي وان لا تصلى، وكيف يمكن الحكم بالتخبير في الواجب كالصلاة إذ لا معنى لوجوبها مع كونها متمكنة من تركها ويندفع بان التخيير في تلك الروايات انما يرجع إلى أن التحيض اختياره بيد المرأة فلها أن تجعل نفسها حائضا في تلك الايام كما أن لها أن تجعل نفسها مستحاضة وهما الموضوعان لمثل وجوب الصلاة أو وجوب تركها، ومع اختيار أحد الموضوعين يترتب عليه حكمه وليست ناظرة إلى التخيير بين الواجب وتركه ابتداء ليقال انه ما معنى وجوب الزائد مع جواز تركه؟ وهذا الذي ذكرناه امر قد وقع نظيره في غير المقام كما في المرأة التي زاد دمها على العشرة ولم تكن لها عادة فانها ترجع إلى اقرانها، ومع عدم الاقران تتخير بين أن تتحيض ثلاثة ايام أو ستة أو سبعا في كل شهر كما يأتي عليها إن شاء الله تعالى (1) لانه كما مر انما وجب لمعرفة الحال وظهورها، ومع العلم بالتجاوز لا اشكال في ظهور الحال ووضوحها ولا حاجة إلى الاستظهار

[ 317 ]

[ (مسأله 25): إذا انقطع الدم بالمرة وجب الغسل والصلاة وان احتملت العود قبل العشرة بل وان ظنت بل وان كانت معتادة بذلك على اشكال (1) نعم لو علمت العود فالاحوط مراعاة الاحتياط في ايام النقاء لما مر من أن في النقاء المتخلل يجب الاحتياط. ] انقطاع الدم بالمرة: (1) للاخبار الآمرة على ان ذات العادة أو غيرها إذا انقطع دمها يجب عليها أن تغتسل وتصلي والاخبار المتقدمة في الاستبراء حيث دلت على انها تستبرء فإذا خرجت القطنة نقية وظهر أن الدم قد انقطع تغتسل بلا فرق في ذلك بين احتمال عود الدم قبل تجاوز العشرة وعدمه لاطلاقات الاخبار، وكذلك فيما إذا ظنت العود لان الظن لا يغني من الحق شيئا وهو والاحتمال على حد سواء كما ان مقتضى الاستصحاب ذلك بناءا على جريانه في الامور المستقبلة أيضا كما هو الصحيح فان الدم منقطع بالفعل ويشك في أنه يرجع قبل العشرة أو لا يرجع فمقتضى الاستصحاب انه لا يعود قبل العشرة. بل وكذلك الحال بين ما إذا كانت معتادة بعود الدم بعد انقطاعه وقبل العشرة وما إذا لم تكن معتادة بذلك وان استشكل في ذلك الماتن (قده).

[ 318 ]

[ (مسألة 26): إذا تركت الاستبراء وصلت بطلت وان تببن بعد ذلك كونها طاهرة (1) إلا إذا حصلت منها نية القربة ] إلا أن الاستشكال مما لا وجه له وذلك لعدم الاعتبار بالاعتياد في عودة الدم شرعا ولم يجعل له للطريقية إلى العود بوجه، وانما العادة جعلت لها الطريقية إلى الحيض ومن هنا قلنا ان الصفرة في ايام العادة حيض لوجود الامارة والطريق وهي العادة، واما طريقيتها إلى عودة الدم فلا دلالة لها في شئ من الروايات فوجود العادة كعدمها مما لا أثر له. مضافا إلى الا ستصحاب المقتضي لعدم عود للدم كما مر، غاية الامر انها تورث الظن بالرجوع وقد عرفت ان الظن لا يعتمد عليه وان حاله حال الاحتمال. نعم إذا كانت عادتها منضبطة بحيث اوجبت العلم بالرجوع أو علمت المرأة بذلك بشئ من الاسباب الخارجية فلا محالة يحكم على الدم بالحيضية وما بين الدم المنقطع والدم العائد قبل العشرة ايام النقاء وقد عرفت حكمها وانها ملحقة بالحيض وقد احتاط الماتن فيها بالجمع بين احكام الحائض والطاهرة. هل تبطل الصلاة بترك الاستبراء؟ (1) تقدم حكم هذه المسألة سابقا وقلنا ان بطلان الصلاة مما لا وجه

[ 319 ]

[ (مسأله 27): إذا لم يمكن الاستبراء لظلمة أو عمى فالاحوط الغسل والصلاة (1) إلى زمان حصول العلم بالنقاء ] له لعدم ثبوت أن الاستبراء شرط في صحة الاغتسال وانما الدليل دل على أن المرأة ليس لها أن ترتب شيئا من احكام الحيض والطهر على نفسها من دون الاستبراء، واما انه شرط واقعي فلا، ومعه لا وجه للحكم بالبطلان عند عدم كونها حائضا واقعا إذا تمشى منها قصد التقرب ولو للغفلة ونحوها. إذا لم تتمكن من الاستبراء لظلمة أو عمى: (1) قدمنا أو مقتضى موثقة سماعة (1) الواردة في الاستبراء عدم جريان استصحاب بقاء الحيض في حق المرأة إذا شكت في بقاءها باطنا بل لابد لها من أن تستبرء حتى يظهر لها الحال وانها لا تتمكن من أن ترتب على نفسها شيئا من آثار الحيض أو الطهر قبل ذلك فإذا تمكنت من الاستبراء فهو إذ يجب ان تستبرء نفسها مقدمة للامتثال. واما إذا عجزت عن استبرائها لظلمة أولفقدان القطنة أو لشلل اعضائها فمقتضى علمها الاجمالي بانها طاهرة أو حائض هو الاحتياط با لحمع بين احكام الطاهرة وتروك الحائض لعدم جريان الاستصحاب


(1) الوسائل: ج 2 باب 17 من أبواب الحيض ح 4.

[ 320 ]

[ فتعيد الغسل حينئذ، وعليها قصاء ما صامت (1). والاولى تجديد الغسل في كل وقت تحتمل النقاء (2). ] في حقها كما مر، ولا موجب لانحلال علمها الاجمالي ومعه لا مناص من الاحتياط فيجب عليها أن تغتسل وتصلي كما يحرم عليها تروك الحائض هذا إذا قلنا بحرمة العبادة في حقها تشريعا. واما إذا قلنا بكونها محرمة ذاتا في حقها فيدور امرها بين المحذورين ولا مناص من التخيير بين ترتيب احكام الطاهرة على نفسها وبين ترتيب احكام الحائض (1) وذلك لان العلم بحيضها أو طهرها على نحو الاجمال كما انه منجز بالاضافة إلى الامور غير التدريجية كذلك منجز بالاضافة إلى التدريجيات والمرأة حينما ينقطع دمها ظاهرا لها علم اجمالي اما بوجوب الصوم في حقها - إذا كانت طاهرة - واما بوجوب قضائه بعد ذلك إذا كانت حائضا وحيث لا فرق في تنجيز العلم الاجمالي بين التدريجات والدفعيات فيجب عليها الاحتياط بالجمع بين الصوم وقضائه. اولوية تجديد الغسل وعدمها: (2) لا اختصاص في الاخبار الآمرة بالاستبراء بالمرة الاولى أو غيرها فان مقتضى اطلاقها وجوب الاستبراء على المرأة في كل صلاة لانها لا تتمكن من ترتيب آثار الطاهرة أو الحائض على نفسها إلا بالاستبراء

[ 321 ]

فإذا عصت المرأة مرة ولم تستبرء في صلاتها الاولى كصلاة الصبح مثلا وجب عليها ذلك في المرة الثانية كصلاة الظهر، وهكذا فإذا فرضنا عدم تمكنها من الاستبراء فمقتضى علمها الاجمالي الاحتياط بالجمع بين احكام الطاهرة وتروك الحائض في كل واحدة من صلاتها. فمن هنا يظهر أن الاولوية في كلام الماتن مما لا وجه لها فان الغسل في كل مورد تريد المرأة أن ترتب على نفسها شيئا من آثار الطاهرة أو الحائض لازم للاحتياط لعدم الفرق في علمها الاجمالي بين المرة الاولى والثانية وغيرهما.

[ 322 ]

[ فصل في حكم تجاوز الدم عن العشرة (مسأله 1): من تجاوز دمها عن العشرة - سواء استمر إلى شهر أو اقل أو ازيد - اما ان تكون ذات عادة أو مبتدئة أو مضطربة أو ناسية، أما ذات العادة فتجعل عادتها حيضا (1). ] فصل في حكم تجاوز الدم عن العشرة (1) اعلم ان الكلام في هذه المسألة انما هو في المرأة ذات العادة الوقتية والعددية لانها التي ترجع إلى ايامها عند تجاوز دمها العشرة اما ذات العادة الوقتية فحسب فلا معنى للقول بانها ترجع إلى ايامها وتجعلها حيضا والباقي استحاضة إذ ليس لها عدد معين حتى تجعل ذلك العدد حيضا، كما ان ذات العادة العددية فقط كذلك لانه لا معنى لارجاعها إلى ايامها إذ لا ايام لها على الفرض. نعم ذات العادة العددية والوقتية يصح أن تؤمر بالاخذ بعدد ايامها حتى تجعلها حيضا والباقى استحاضة ويدل على ذلك - في الدم المرئي في ايام العادة - ما تقدم من الاخبار الواردة في أن ما تراه في ايامها من صفرة أو حمرة فهو حيض (1)، وكذلك الاخبار الواردة في


(1) الوسائل: ج 2 باب 4 و 5 من أبواب الحيض.

[ 323 ]

الاستظهار الدالة على أن المستحاضة تقعد في ايام قرئها (1)، ومرسلة يونس الطويلة المتقدمة (2) حيث دلت على أن المرأة ذات الاقراء سنتها الرجوع إلى ايامها وليس لها الرجوع إلى الصفات لانها في حق غير ذات الاقراء وهو سنة ثانية، وعليه لا بد ان تجعل الدم المرئي في ايام عادتها حيضا بلا فرق في ذلك بين كونه واجدا للصفات أو فاقدا لها واما الدم المشاهد بعد ايامها وقبل العشرة فيما إذا انكشف عدم تجاوزه العشرة ففيه كلام، حيث ان المعروف بل المتسالم عليه عند الاصحاب انه محكوم بكونه حيضا مطلقا صفرة كانت أم حمرة فلا ترجع فيها إلى الصفات أيضا، واما نحن فقد ذكرنا أن مقتضى ما ورد (3) من ان الصفرة في غير ايام العادة ليست بحيض عدم كون الدم حيضا حينئذ فيما إذا لم يكن واجدا للصفات. واما الدم المرئي بعد العادة إذا تجاوز العشرة فلا مناص من الحكم باستحاضته بحيث يجب على المرأة أن تغتسل وتصلي، ويدل على ذلك نفس إلاخبار الواردة في الاستظهار إذ لو كان المتجاوز عن العشرة كالدم غير المتجاوز عنها في كونه حيضا لم يكن وجه للامر باستظهار المرأة لانه حيض على كل حال تجاوز العشرة ام لم يتجاوزها فالامر بالاستظهار لمعرفة ان الدم يتجاوز اقوى دليل على أن الدم المتجاوز عن العشرة استحاضة.


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3. (3) الوسائل: ج 2 باب 4 و 5 من أبواب الحيض.

[ 324 ]

[ وان لم تكن بصفات الحيض، والبقية استحاضة وان كانت بصفات إذا لم تكن العادة حاصلة من التمييز (1) بأن يكون من العادة المتعارضة والا فلا يبعد ترجيح الصفات على العادة يجعل ما بالصفة حيضا دون ما في العادة الفاقدة، واما المبتدئة والمضطربة - بمعنى من لم تستقر لها عادة - فترجع إلى ] ذات العادة غير المتعارفة ترجح الصفات: (1) ما قدمناه من أن المرأة ذات العادة الوقتية والعددية ترجع إلى ايامها عند تجاوز دمها العشرة انما هو في العادة المتعارفة (اعني ما إذ رأت الدم شهربن متساويين من حيث الوقت والعدم) لانها التي تدل الروايات على رجوعها إلى عادتها واما إذا لم تكن عادتها متعارفة كما إذا رأت الدم مختلفا في كلا الشهرين (الشهر الاول والثاني) إلا انها جعلت خمسة ايام من كل منهما حيضا لكون الدم فيها واجدا للصفات فقي الشهر الثالث إذا تجاوز دمها العشرة ليس لها أن ترجع إلى عادتها الحاصلة بالتمييز في الشهرين المتقدمين بأن تجعل خمسة منها حيضا والباقي استحاضة لعدم شمول الادلة غير العادة المتعارفة بل لابد من أن ترجع إلى الصفات فما كان بصفة الحيض حيض وما كان فاقدا لها فهو استحاضة زاد عن العادة غير المتعارفة التي حصلت بالتمييز ام لم يزد عليها، لانها ليست ذات

[ 325 ]

[ التمييز (1) فتجعل ما كان بصفة الحيض حيضا. وما كان ] عادة حتى ترجع إلى عادتها وانما هي مضطربة ولابد لها من الرجوع إلى الصفات. ومن هنا يظهر أن ما افاده الماتن (قده) في المقام من عدم جواز رجوع المرأة إلى عادتها الحاصلة بالتمييز هو، الصحيح، لا ما يقدم منه (قده) من عدم البعد في حصول العادة بالتمييز، وهذان كلامان متناقضان كما اشرنا إليه هناك. المضطربة ترجع إلى التمييز: (1) أما المضطربة وهي التي اختطلت ايامها ولم تستقر لها عادة فلا كلام في انها ترجع إلى التمييز بالصفات فيما إذا تجاوز دمها العشرة وذلك لجملة من الروايات: منها: مرسلة يونس الطويلة (1) حيث دلت على أن السنة الثانية من السنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وآله في المضطربة التي اختلطت عليها في ايامها أن ترجع إلى لون للدم وادباره واقباله وما لم يكن واجدا للصفات تجعله استحاضة. وكذا غيرها من الاخبار (2) التي دلت على أن دم الحيض مما


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض، فراجع .

[ 326 ]

لاخفاء فيه لانه دم احمر عبيط وغيرها من الاوصاف وقد خرجنا عن ذلك في ايام العادة لان الصفرة أيضا في ايام العادة وان لم يكن واجدا للصفات. المبتدءة هل هي كالمضطربة؟ وأما المبتدئة وهي التي لم تر الدم قط ورأت في اول ما تراه من الدم زائد على العشرة فهل هي كالمضطربة لابد من أن ترجع إلى الصفات أو أن حكمها أن ترجع إلى العدد وهو سبعة وتجعل الباقي استحاضة؟. المعروف بين الاصحاب أن حكم المبتدئة حكم المضطربة بل ادعي ذلك الاجماع، وخالف في ذلك صاحب الحدائق (قده) وذهب إلى أن المبتدئة غير المضطربة وانها ترجع إلى الروايات والعدد اعني سبعة ايام ولا ترجع إلى التمييز بالاوصاف مستندا في ذلك إلى وجوه: - منها: مرسلة يونس الطويلة (1) حيث دلت على أن رسول الله صلى الله عليه وآله سن في الحيض ثلاث سنن قسمه إلى أقسام ثلاثة: أحدها: ذات العادة وقد حكم عليها برجوعها إلى عادتها. ثانيها: المضطربة وقد اوجب عليها الرجوع إلى الصفات وتمييز الحيض باللون والادبار. ثالثها: المبتدئة وقد دلت على انها لابد ان ترجع إلى الروايات والعدد وهو سبعة


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 4، وباب 8 ح 3 وغيره من الموارد.

[ 327 ]

وبذلك لابد من تقييد الادلة الدالة على أن غير ذات العادة ترجع إلى الصفات بغير المبتدئة كما عرفت. والجواب عن ذلك هو ما حققه شيخنا الانصاري (قده) وحاصله ان المرسلة لا تشتمل على أن رسول الله صلى الله وآله قسم الحائض إلى اقسام ثلاثة، وانما دلت على أنه قسم الاحكام والسنن إلى ثلاثة: الحكم الاول: هو وجوب الرجوع إلى العادة وهذا موضوعه ذات العادة كما مر. الحكم الثاني: هو وجوب الرجوع إلى التمييز بالصفات، وهذا موضوعه من لم تكن ذات عادة مستقرة بلا فرق في ذلك بين أن تكون مضطربة أو تكون مبتدئة. الحكم الثالث: هو وجوب الرجوع إلى الروايات والعدد، وموضوعه من لم يتمكن من الرجوع إلى الصفات لعدم اختلاف الاوصاف في دمها فهي ترجع إلى العدد بلا فرق في ذلك بين المضطربة والمبتدئة. واما ما ذكره (ع) المبتدئة بخصوصها حيث قال: (إن هذه لم يكن لها ايام قبل ذلك قط، وهذه سنة التي استمر بها الدم اول ما تراه اقصى وقتها سبع واقصى طهرها ثلاث وعشرون)، وقد كرر قوله عليه السلام بعد ذلك (وان لم يكن لها ايام قبل ذلك واستحاضت اول ما رأت فوقتها سبع وطهرها ثلاث وعشرون) فهو لعله من جهة أن المبتدئة - كما قيل - لقوة مزاجها وحرارة بدنها تقذف الدم بلون واحد قبل العشرة وبعدها قلا تختلف الوانه حتى تتمكن من التمييز بالصفات فهي انما ذكرت بانها مصداق من مصاديق المرأة التي لا تتمكن من التمييز بالصفات لا لاجل اختصاصها بذلك بل المضطربة أيضا إذا

[ 328 ]

لم تتمكن من التمييز بالصفات ترجع إلى الروايات والعدد. ويدل على ذلك قوله (ع) في ذيلها (فان لم يكن الامر كذلك ولكن الدم اطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة وكان الدم على لون واحد وحالة واحدة فسنتها السبع والثلاث والعشرون) حيث دلنا على أن جعل السبع حيضا وظيفة كل من لم يكن امرها كما ذكر - اي لم تتمكن من التمييز بالصفات - لان الدم اطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة وكان الدم بلون واحد وحالة واحدة بلا فرق في ذلك بين المضطربة والمبتدئة. ويؤكده أن حمنة بنت جحش التي ذكرت النبي صلى الله عليه وآله اني استحضت حيضة شديدة بحيث لم يكن يسدها الكرسف لشدتها وقوتها، وامرها النبي صلى الله عليه وآله بالتلجم والتحيض في كل شهرستة أو سبعة، لم تفرض كونها مبتدئة. وما افاده (قده) في غاية المتانة ونهاية الجودة، وعليه فلا وجه للحكم بالتفكيك بين المضطربة والمبتدئة في الرجوع إلى الصفات، بل إذا تمكنتا من التمييز بالصفات وجب الرجوع إلى الصفات وعلى تقدير عدم تمكنها من ذلك فترجعان إلى الروايات والعدد وتجعلان سبعة ايام حيضا والباقي استحاضة هذا. ثم ان في المقام جملة من الاخبار قد استدل بها على أن المبتدئة ترجع إلى العدد لا إلى الصفات، اثنتان منها موثقتان لابن بكير. الاولى، عن عبد الله بن بكر (قال: في الجارية اول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة انها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى تمضي اكثر ما يكون من الحيض، فإذا مضى ذلك وهو عشرة ايام

[ 329 ]

فعلت ما تفعله المستحاضة، ثم صلت فمكثت تصلي بقية شهرها ثم تترك الصلاة في المرة الثانية اقل ما تترك امرأة الصلاة وتجلس اقل ما يكون من الطمث وهو ثلاثة ايام فان دام عليها الحيض صلت في وقت الصلاة التي صلت وجعلت وقت طهرها اكثر ما يكون من الطهر وتركها للصلاة اقل ما يكون من الحيض) (1). الثانية: (عنه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المرأة إذا رأت الدم في اول حيضها فاستمر بها الدم تركت الصلاة عشرة ايام ثم تصلي عشرين يوما فان استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة ايام وصلت سبعة وعشرين يوما) (2). وهاتان الروايتان بمضمون واحد وهوأن المبتدئة تتحيض في اول شهرها عشرة أيام وفي الشهر الثاني ثلاثة ايام، إلا أن اولاهما مقطوعة وغير مسندة إلى الامام. الثالثة: موثقة سماعة قال: سألته عن جارية حاضت اول حيضها فدام دمها ثلاثة اشهر وهي لا تعرف ايام اقرائها - في بعض النسخ: قرئها وهو الصحيح إذ لااقراء للمبتدئة وانما لها قرء واحد كما سيظهر - فقال: (اقرائها مثل اقراء نسائها فان كانت نساؤها مختلفة فاكثر جلوسها عشرة ايام واقله ثلاثة ايام) (3). وهي مرفوعة على طريق الكافي وأحد طريقي الشيخ، نعم نقلها الشيخ بطريقه عن زرعه من غير رفع.


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 5 و 6. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 5 و 6. (3) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 2،

[ 330 ]

وهذه الروايات الثلاثة بين ما لا دلالة لها على انها ترجع إلى عدد معين كما في الثالثة لانها انما يبين اقل حيضها واكثره اعني الثلاثة والعشرة، وبين ما يقبل التقييد كالاوليتين على ما سوف نبين وجهه. ثم ان الموثقة سأل فيها سماعة عن مبتدئة لا تعرف ايام اقرائها وقرره الامام على هذا السؤال مع ان المبتدئة هي التي لا قرء لها حتى تعرف ايام اقراءها أو لا تعرفها، فدل تقرير الامام (ع) على أن المبتدئة لها طريق شرعي إلى معرفة ايامها وانها قد تعرف وقد لا تعرف والطريق لمعرفة ايامها واقراءها منحصر بأمرين: أحدهما: العادة، ثانيهما: الصفات. ولا معنى للعادة في المبتدئة لانها ليست لها عادة على الفرض وإلا خرجت عن كونها مبتدئة فيتعين ان يكون طريق معرفة المبتدئة لايامها منحصرا بالصفات كما دل على أن دم الحيض ليس به خفاء وهو دم حار احمر عبيط فإذا تمكنت المبتدئة من معرفتها بالتمييز بالصفات فهو وإلا كما إذا لم تتمكن من معرفتها لان دمها بلون واحد وكيفية واحدة فلا بد من أن ترجع إلى نسائها، وإذا لم تكن لها نساء أو كانت نساءها مختلفة فحينئذ ترجع إلى العدد والروايات وتتحيض بما لا يكون اقل من ثلاثة ولا اكثر من عشرة. فالموثقة تدلنا على أن الرجوع إلى العدد انما هو بعد مرحلتين لان المبتدئة ترجع اولا إلى الصفات، وعلى تقدير عدم التمكن من التمييز بها ترجع إلى نسائها، وعلى تقدير عدم التمكن منها أيضا ترجع إلى العدد وبما أن الموثقتان المتقدمتين مطلقتان حيث دلتا على أن المبتدئة ترجع إلى العدد مطلقا تمكنت من التمييز بالصفات ومن الرجوع إلى عادة

[ 331 ]

نسائها ام لم تتمكن، وكذلك المرسلة (1) على تقدير تسلم دلالتها على مدعى صاحب الحدائق (قده) فلابد من تقييدها بالموثقة فتختص دلالتها على الرجوع إلى العدد بما إذا لم تتمكن المبتدئة من التمييز بالصفات والرجوع إلى نسائها، ومعه فالمبتدئة كالمضطربة ترجع إلى التمييز بالصفات وعلى تقدير عدم التمكن منه لغزارة الدم وكونه بلون واحد فلهما وظيفة اخرى كما يأتي ان شاء الله تعالى هذا. ثم انه إذا اغمضنا عن ذلك وبنينا على عدم دلالة الموثقة على التقييد فالنسبة بين تلك الروايات الدالة على أن المبتدئة ترجع إلى الروايات والعدم كالمرسلة والموثقة وغيرهما مما ادعي دلالتها على ذلك، وبين اخبار الصفات التي دلت على أن دم الحيض ليس به خفاء وانه دم حار عبيط اسود عموم من وجه لدلالة الاخبار المتقدمة على أن المبتدئة ترجع إلى العدد كان الدم واجدا للصفات ام فاقدا لها كما ان اخبار الصفات تدل على أن للدم الفاقد للصفات ليس بحيض سواء كانت المرأة مبتدئة أم غيرها، فتتعارضان في الدم الذي تراه المبتدئة فاقدا لصفات الحيض، لان مقتضى روايات الصفات انه ليس بحيض، ومقتضى الروايات المتقدمة انها تجعلها حيضا ثلاثة ايام أو سبعة ايام أو عشرة. إلا ان اخبار الصفات تتقدم على المرسلة والموثقة واخواتها وذلك لا من جهة ابائها عن التحيض إذ قد خصصناها بالصفرة المرئية في ايام العادة لانها حيض وان كانت فاقدة للصفات، وبالدم المتجاوز عن العشرة لانه ليس بحيض ولو مع كونه واجدا للصفات بل من جهة


(1) اي معتبرة يونس، الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3.

[ 332 ]

[ بصفة الاستحاضة استحاضة بشرط أن لا يكون اقل من ثلاثة ] ورودها لبيان حقيقة الحيض وواقعه وانه متقوم بالصفات فمع دوران الامر بين رفع اليد عن اطلاقها بتخصيصها بالمبتدئة وانها تتحيض ثلاثة ايام أو سبعة أو عشرة وان لم يكن الدم واجدا للصفات وبين حمل المرسلة والموثقة وغيرهما على ارادة ما إذا كان الدم واجدا للصفات، لا اشكال في تعين الثاني حسب الفهم العرفي. وذلك لان اخبار الصفات قد وردت لبيان حقيقة الحيض ولها حكومة على المرسلة والموثقة من جهة أن موردها تحير المرأة وشكها في الحيض لتجاوز الدم عن العشرة وهي تبين أن ما كان منها بصفات الحيض حيض وبما أن المرسلة والموثقة دلت على التحيض بالعدد فيستكشف بذلك أن الدم في تلك الايام كان واجدا للصفات هذا. بل لا يبعد دعوى ان لفظة الدم ظاهرة في واجد الصفات كما ادعاها صاحب الجواهر (قده) في غير هذا المقام، وذلك لان الصفرة جعلت في بعض الروايات قسيما للدم. منها: ما ورد في مرسلة داود عن أبي عبد الله (ع) في حديث، قال: قلت له فالمرأة يكون حيضها سبعة ايام أو ثمانية ايام حيضها دائم مستقيم ثم تحيض ثلاثة ايام ثم ينقطع عنها الدم وترى البياض لا صفرة ولا دما... (1). ومنها: رواية الخزاز عن أبي الحسن (ع) قال: سألته عن


(1) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الحيض ح 1.

[ 333 ]

[ ولا ازيد عن العشرة (1). ] المستحاضة كيف تصنع إذا رأت الدم وإذا رأت الصفرة... (1) ومنها غير ذلك من الاخبار، ومعه لابعد في حمل الدم الوارد في الموثقة والمرسلة ونظائرها على الدم الواجد للصفات، فتحصل أن ما ذهب إليه المشهور من ان المبتدئة كالمضطربة ترجعان إلى التمييز بالصفات هو الصحيح، وإذا لم تتمكنا من التمييز بالصفات فيأتي بيان وظيفتها. ما اشترطه الماتن في التمييز بالصفات: (1) قد اشترط (قده) في رجوع المضطربة والمبتدئة إلى التمييز بالصفات شرطين: احدهما: أن لا يزيد عن العشرة ولا ينقص عن الثلاثة. وثانيهما: أن لا يعارضه دم آخر كما إذا رأت الدم الاحمر خمسة ايام ثم رأت الاصفر خمسة ايام ثم رأت الاسود خمسة ايام فان الحكم بكون مجموعها حيضا غير ممكن لاستلزامه زيادة الحيض عن العشرة، والحكم بحيضية الخمسة الاولى معارض بالحكم بحيضية الخمسة الثانية. الكلام على الشرط الاول: أما اشتراطه الاول فيقع الكلام فيه من جهتين:


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 4.

[ 334 ]

الجهة الاولى: في ثبوت شرطية عدم الزيادة عن العشرة وعدم النقيصة عن الثلاثة. فنقول: المعروف بينهم هو الاشتراط وانكره بعضهم تمسكا باطلاق ما دل (1) على رجوع غير مستقرة العادة إلى اقبال الدم وادباره حيث لم يقيد الحكم بحيضية الدم المقبل بشئ ومعه لا بد من الحكم بحيضيته مطلقا زاد عن العشرة أو نقص عن الثلاثة ام لا. ويدفعه أن الاخبار الواردة (2) في أن دم الحيض لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد عن عشرة تقيد اطلاق مثل المرسلة الدالة على أن غير مستقرة للعادة ترجع إلى اقبال الدم وادباره بمعنى انها تجعل الدم الواجد للصفات حيضا فيما إذا كان واجدا لبقية الشروط. وكذلك الحال فيما دل (3) على ان دم الحيض ليس به خفاء لانه دم حار عبيط اسود فان الدم الواجد لذلك وان كان حيضا الا انه مقيد بما إذا كان مشتملا على بقية الشروط كعدم كونه اقل من الثلاثة ولا زائدا عن العشرة، وكذلك ما دل (4) على ان الحمرة أو الصفرة في ايام العادة حيض لانه مقيد بما إذا كان مشتملا على شروطه. نعم في اشتراط الثلاثة كلام قدمناه في محله وهو أن الثلاثة شرط لاستمرار الدم أو لاستمرار الحدث فإذا رأت المرأة الدم لحظة فانقطع


(1) لمعتبرة يونس، الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض الحديث 3. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 10 من أبواب الحيض. (3) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض. (4) راجع الوسائل: ج 2 باب 4 و 5 من أبواب الحيض.

[ 335 ]

ثم رأته أيضا لحظة في آخر اليوم الثالث يحكم عليها بالحيضية أو لا لعدم استمرار الدم ثلاثة ايام وقد بينا أن الحيض اسم لنفس الدم فلا بد أن يكون الدم مستمرا ثلاثة ايام وان علمنا من الخارج أن حدث الحيض أيضا لا يكون اقل من ثلاثة ولا اكثر من عشرة وهو امر اخر. الجهة الثانية: في ان المبتدئة أو المضطربة إذا رأت الدم الواجد للصفات اقل من ثلاثة أو اكثر من عشرة فوظيفتها ماهي؟: هل يحكم بكونهما غير متمكنين من التمييز بالصفات فترجعان إلى نسائهما أو العدد أو غير ذلك؟ أو يحكم بحيضية الدم الاقل من الثلاثة لانه واجد للصفات وتكميله ثلاثة ايام من الدم الاصفر من جهة الدلالة الالتزامية حيث ان اطلاق ما دل على أن دم الحيض ليس به خفاء وانه حار... غير قاصر الشمول للمقام، فإذا شملت اليومين مثلا فيستفاد من ذلك الدليل بالدلالة الالتزامية أن يوما من ايام الصفرة أيضا محكوم بالحيضية لما دل على أن الحيض لا يقل عن ثلاثة ايام كما قدمنا نظيره في الدم المرئي في العادة عند كونه اقل من ثلاثة ايام؟. قد يقال بالاخير وان المبتدئة ترجع إلى التمييز بالصفات وإذا كان الدم الواجد للصفات اقل من الثلاثة اكملته من الدم الفاقد لها بمقدار يتم به الثلاثة. ويدفعه: أن الدلالة الالتزامية وان كانت معتبرة كالدلالة المطابقية إلا أنها انما تكون كذلك إذا لم تكن معارضة، والدلالة الالتزامية في روايات الصفات متعارضة في المقام، وذلك لان ظاهر قوله (ع) في المرسلة (تنتظر اقبال الدم وادباره) أن الاقبال وغيره من الصفات

[ 336 ]

امارة الحيض كما ان ادبار الدم واصفراره امارة الاستحاضة، فكما ان مقتضى الامارة القائمة على حيضية الدم الواجد للصفات أن للدم في اليومين حيض لانه المدلول المطابقي للاخبار ولابد من ضم يوم واحد من الايام التي ترى فيها الصفرة بمقتضى الدلالة الالتزامية لان الحيض لا يقل عن ثلاثة ايام، كذلك مقتضى الامارة القائمة على الاستحاضة أن اليوم الواحد ليس بحيض فتدل بالدلالة الالتزامية على أن الدم في اليومين أيضا ليس بحيض لان الحيض لا يكون اقل من ثلاثة ايام، فالدلالة الالتزامية في كل من الامارتين معارضة بالدلالة الالتزامية في الاخرى ومع المعارضة تتساقطان فيحكم على ان المرأة غير متمكنة من التمييز بالصفات. اللهم الا أن يقال: ان المرسلة وغيرها من اخبار الصفات انما تذل على أن اقبال الدم أو غيره من الصفات امارة الحيض ولا دلالة لها على أن الادبار والصفرة امارة على الاستحاضة وانما يحكم بالاستحاضة عند ادبار الدم وصفرته من جهة فقدان امارة الحيض لا من جهة قيام الامارة على الاستحاضة. وعليه فالامارة امارة الحيض ومقتضى مدلولها الالتزامي أن يوما من ايام الصفرة منضم إلى اليومين وانه حيض كما دل بالمطابقة على حيضية الدم في اليومين لانه واجد للصفات من غير ان تكون معارضة بشئ. توضيح كلام المحقق الخراساني (قده): والظاهر - والله العالم - أن هذا هو المراد من كلام المحقق الخراساني (قده)

[ 337 ]

من انه ليس الادبار الذي يوجب البناء على الاستحاضة كالاقبال كي يعارض به، ضرورة انه تبع الاقبال كما لا يخفى على المتأمل). ومعنى أن الادبار تبع الاقبال أن الامارة هي الاقبال ومع فقدها نحكم بالاستحاضة لفقدها لا لوجود الادبار، وان كان الادبار متحققا وتبعا للاقبال. وهذا نظير ما ذكروه: فيما إذا وجد قطعة من الحيوان المذبوح في يد مسلم وقطعة اخرى منه في يد كافر وشككنا انه هل وقع عليه التذكية أم لم يقع، فان قلنا ان يد الكافر امارة عدم التذكية ويد المسلم امارة على التذكية فكل منهما يتعارضان في مدلولهما الالتزامي لان يد المسلم تدل بالالتزام على أن الحيوان مذكى لانها امارة على التذكية في القطعة الموجود منها في يد المسلم، ولازم ذلك الحكم بتذكية الحيوان بتمامه لانه ان كان الحيوان مذكى فهو كذلك في كلتا القطعتين، وان لم يكن مذكى فهو كذلك في الجميع ولا يمكن ان يكون بعضه مذكى وبعضه ميتة كما ان يد الكافر امارة على عدم التذكية وتدل بالالتزام على عدم كون الحيوان مذكى إذ لا معنى لعدم تذكيته في خصوص القطعة الموجودة منه في يد الكافر فتتعارضان. واما إذا قلنا ان الامارة انما هي يد المسلم فقط وانما نحكم بعدم التذكية فيما وجد في يد الكافر من جهة فقدان امارة التذكية - وهي يد المسلم - والاستصحاب حينئذ في امارة التذكية غير معارضة بشئ ومقتضاها الحكم بتذكية كلتا القطعتين. ويرد على ذلك: أن ظاهر قوله (ع) (تنتظر اقبال الدم وادباره) أن كل واحد منهما امارة شرعية وان الاقبال امارة على الحيض والادبار

[ 338 ]

امارة الاستحاضة، لاأن الامارة هو الاقبال فقط، فان الحيض والاستحاضة دمان مختلفان يخرجان من عرقين كما في الخبر (1)، فأحدهما غير الاخر ولكل منهما امارة على حده، ومعه تقع المعارضة بين الدلالتين الالتزاميتن فتتساقطان ويحكم على المرأة بعدم تمكنها من التمييز بالصفات ويتم ما افاده الماتن (قده) من أن رجوعها إلى التمييز بالصفات مشروط بعدم كون الدم اقل من ثلاثة ايام. بقي الكلام فيما إذا زاد عن العشرة: والمحتملات فيه ثلاثة الاول: وجوب الرجوع فيه إلى الروايات وجعل ثلاثة أو ستة أو سبعة حيضا لان الدم واجد للصفات ولا يمكن الحكم بحيضية الجميع لانه زائد عن العشرة ولا تتمكن من التمييز. الثاني: ما عن الشيخ (قده) من الحكم بحيضية العشرة وبالاستحاضة فيما زاد عليها وذلك لان الحيض لا يزيد على العشرة وحيث انه واجد للصفات فيحكم بحيضته إلى العشرة وعدمها فيما زاد عليها. ويرد عليه: أن المستفاد من المرسلة أن السنن منحصرة في ثلاث وهي الرجوع إلى العادة هذا يختص بذات العادة، والرجوع إلى التمييز بالصفات وهو يختص بالمستحاضة التي لا عادة لها فيما إذا تجاوز دمها


(1) يمكن استفادة تلك من معتبرة يونس، الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب الحيض ح 1، ومن صحيحة معاوية بن عمار في باب 3، ح 1، ولم نجد بهذه اللفظة في الاخبار.

[ 339 ]

العشرة وكان بعضه واجدا للصفات وبعضه فاقدا، والرجوع إلى العدد والروايات وهو يختص بالمستحاضة غير ذات العادة فيما إذا تجاوز دمها العشرة وكان اللون واحدا في جميع الدم بحيث لم تتمكن من التمييز. فالحكم يجعل العشرة حيضا دون الزائد سنة رابعة وهو على خلاف حصر المرسلة، على أن ذيلها يدل على ان المستحاضة إذا كانت استحاضتها دارة وكان بلون واحد فوظيفتها الرجوع إلى العدد، ومقتضى اطلاقها الحكم في كل مستحاضة بذلك في غير ذات العادة وما إذا لم يكن الدم بلون واحد. كما ان موثقتي ابن بكير المتقدمتين (1) دلتا باطلاقها على أن المستحاضة ترجع إلى العدد مطلقا، وخرجنا عن إطلاقها في ذات العادة وما إذا تمكنت غير ذات العادة من التمييز بالصفات، وبقي غيرهما تحت اطلاقهما، ومنه المقام لانها مستحاضة ولا عادة لها كما انها غير متمكنة من التمييز فما افاده الشيخ (قده) يشبه الاجتهاد في مقابلة النص فلا يمكن الاعتماد عليه ومن هذا يظهر الجواب عن المحتمل الثالث في المقام. الثالث: الرجوع إلى الاصل العملي - أعني استصحاب الحيض بعد الدخول في الثلاثة الاخيرة من ايام الدم والحكم بعدم التحيض واستصحاب احكام الطاهرة في كل ثلاثة مما هو قبل الثلاثة الاخيرة - مثلا - إذا رأت الدم خمسة عشر يوما فهي في الثلاثة الاولى من ابتداء رؤيتها الدم تشك في انها حائض أو ليست كذلك فتستصحب الاحكام المترتبة على


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض، ح 5 و 6 وقد تقدمتا قريبا فليراجع.

[ 340 ]

[ وان لا يعارضه (1) دم آخر واجد للصفات كما إذا رأت ] الطاهرة لكونها كذلك قبل الثلاثة. وهكذا الحال في الثلاثة الثانية والثالثة إلى اليوم الثالث عشر فإذا دخلت في أول آن من آنات الثلاثة الاخيرة فقد علمت بحيضها قطعا إما في احدى الثلاثات المتقدمة واما في هذه الثلاثة الاخيرة فتستصحب أحكام الحائض لا محالة، وذلك لانه من العلم الاجمالي بالتكليف بين الاطراف التدريجية الحصول على ما تعرض له شيخنا الانصاري (قده) ومثل له بهذا المثال. والوجه في ظهور الجواب أن اطلاق الموثقتين وغيرهما مما قدمنا يشمل المقام، ومع الاطلاق لا معنى للرجوع إلى الاصل العملي. فتحصل: ان الصحيح في هذه الصورة هو الرجوع إلى الروايات والعدد لعدم تمكنها من الرجوع إلى التمييز فصح اشتراط الماتن (قده) في رجوع المضطربة والمبتدئة إلى التمييز بالصفات عدم زيادة الدم عن العشرة. هذا كله في الشرط الاول. الكلام في الشرط الثاني: (1) واما الشرط الثاني وهو الذي اشار إليه بقوله (وان لا يعارضه دم آخر واجد للصفات) فهو أيضا كما افاده (قده) وذلك لانها إذا رأت الدم خمسة ايام مثلا ثم رأت الصفرة خمسة ايام ثم رأت الدم

[ 341 ]

[ خمسة ايام مثلا دما اسود وخمسة ايام اصفر ثم خمسة ايام اسود ومع فقد الشرطين أو كون الدم لونا واحدا ] الواجد للصفات أيضا خمسة ايام فان الحكم حينئذ بحيضية كلا الدمين الواجدين للصفات امر غير ممكن لاستلزامه كون الحيض زائدا على العشرة فيما إذا جعلناهما حيضة واحدة فان ما هو كالبقاء المتخلل بينهما أيضا بحكم الحيض والمجموع خمسة عشر يوما وكذا لا يمكن جعلهما حيضيتين مستقلتين لاشتراط التخلل بينهما بعشرة ايام على الاقل لانها اقل الطهر، كما لا يمكن جعل احدى الخمستين حيضا دون الآخر لانه معارض يجعل الآخر حيضا لاشتمال كل منهما على امارات الحيض على الفرض فلا مناص من أن ترجع إلى الروايات والعدد لعدم تمكنها من التمييز بالصفات. هذا. وقد تفرض المعارضة بين الدمين في غير الصورة المتقدمة وان لم يزد المجموع بما هو المجموع عن عشرة ايام، وذلك كما إذا رأت الدم ثلاثة ايام واجدا للصفات ثم رأت الصفرة اربعة ايام ثم رأت الدم الاحمر ثلاثة ايام فان الحكم بحيضية الجميع وان كان امرا ممكنا في نفسه لعدم تجاوز عن العشرة، إلا انه غير ممكن من جهة المعارضة وذلك لان حعل الثلاثتين حيضا بمقتضى امارية الصفات واقبال الدم معارض بالامارة القائمة على استحاضة الدم في الاربعة لانه مدبر فيها وواجد للصفرة وهما امارتا الاستحاضة. والوجه في تعارضهما: ان الاستحاضة اربعة ايام لا يتخلل بين حيضة واحدة ولا يمكن جعل الدمين حيضتين لكونهما قبل العشرة وعدم تخلل

[ 342 ]

اقل الطهر بينهما، نعم لا معارضة بين جعل الثلاثة الاولى حيضا وبين استحاضة الاربعة، ولا بين جعل الثلاثة الثانية حيضا واستحاضة الاربعة بل المعارضة بين كون الاربعة استحاضة وحيضية كلا الدمين. نظير ما ذكرناه في بحث التعادل والتر جيح من كون العموم معارضا بمجموع المخصصين لا بكل واحد من المخصصين، وبما ان التعارض بين كون الاربعة استحاضة ومجموع حيضية الدمين لا بينهما وبين حيضية كل من الثلاثة، فلا مانع من جعل الثلاثة الاولى حيضا مع جعل الاربعة استحاضة كما لا مانع من جعل الثلاثة الثانية حيضا لان احدهما حيض إلا أن كلا منهما معارض بالآخر لشمول امارية الصفات كلا منهما ولاجل المعارضة لا يمكن الرجوع إلى التمييز بالصفات. ويرد عليه أن ما دل من الاخبار (1) على امارية الصفات لا تشمل غير الثلاثة الاولى من الدمين في المثال ولا تشمل الثلاثة الثانية حتى تقع المعارضة بينهما وبين ما دل على امارية الادبار أو الصفرة للاستحاضة على التقريب المتقدم، ومعه لا مانع من الرجوع إلى التمييز في الدم الاول. والوجه في عدم شمول الادلة لغير الدم الثاني ما ذكرناه في الاصل السببي والمسببي من أن الدليل الواحد لا يمكن أن يشمل السبب والمسبب لانه لغو لانه بعدما ثبت السبب ترتب عليه المسبب شرعا فلا حاجة فيه إلى الدليل، ومن هنا قلنا ان ادلة اعتبار الاصول أيضا لا تشمل الاصل المسببي بوجه وانما تختص بالاصل السببي. وفي المقام دلتنا الروايات الواردة (2) في أن ما تراه المرأة من


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 11 و 12 من أبواب الحيض.

[ 343 ]

الدم قبل العشرة فهو من الحيضية الاولى، على أن حيضية الدم الثاني قبل العشرة من الآثار الشرعية المترتبة على حيضية الدم الاول ومع العلم بحيضية الدم الاول نعلم بحيضية الدم الثاني كانت هناك اخبار الصفات ام لم تكن، فتلك الروايات اعني ما دل على امارية الصفات - مختصة بالدم الاول لان حيضيته هي السبب في الحكم بحيضية الدم الثاني الخارج قبل العشرة، فلا يمكن أن تشمل لخصوص المسبب دون السبب إذ لا معنى له ولا لكليهما لانه لغو فلا مناص من اختصاصها بالدم الاول كما بيناه. فإذا كان الامر كذلك فنأخذ بأخبار الصفات ونجعل الثلاثة الاولى حيضا بمقتضى تلك الروايات، ويترتب على حيضية الدم الاول اثران شرعيان: أحدهما: الحكم بحيضية الثلاثة الثانية لانها دم رأته المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى. وثانيهما: الحكم بحيضية الصفرة المتخللة بينهما وذلك لان المرأة لو كانت نقية وطاهرة من الدم كنا نحكم بكونها حائضا لما سبق من أن النقاء المتخلل بين الدمين حيض فضلا عن الصفرة الواقعة بينهما لانها ليست بأقل من النقاء والطهر، فما دل على حيضية الثلاث الاولى حاكم على مادل على امارية الصفرة للاستحاضة، كما انه حاكم على ما دل على حكم المسبب نفيا أو اثباتا، وحيضية الصفرة والثلاثة الاخيرة من آثار الحيضية في الثلاثة الاولى من الدم. ولا عكس لان مادل على ان الصفرة امارة الاستحاضة أو الثلاثة الاخيرة حيض لا يترتب عليهما شرعا أن الثلاثة الاولى ليست بحيض

[ 344 ]

فلاجل الحكومة لا يبقى تعارض بين الامارتين مما فرض من التعارض في هذه الصورة غير صحيح، بل الصحيح ما مثل به الماتن (قده) كما قربناه. ويمكن تقريب ما ذكرناه بوجه آخر! وهو أن المرسلة (1) دلت على أن منشأ احتمالي الحيض والاستحاضة في المرأة إذا كان هو الدم بأن رأته ولم تعلم أنه حيض أو استحاضة رجعت إلى الصفات امكنها وتجعل الحمرة امارة على الحيض والصفرة امارة على الاستحاضة، والا فترحع إلى العدد ستة أو سبعة بحيث لو لا الدم لم يحتمل في حقها الاستحاضة ولا الحيض، فالرجوع إلى المعرفات يختص بما إذا نشأ احتمالي الحيض والاستحاضة من الدم. وغير هذا متحقق في المقام لان المرأة في الايام المتخللة بين الدمين محكومة بكونها حائضا وان لم تر دما فيها اصلا لما تقدم من أن ايام النقاء ملحقة بالحيض فاحتمال الحيض غير ناشئ حينئذ عن الدم بل الحكم بالحيضية هو المتعين كان هناك دم أم لم يكن فما دل على معرفية الصفرة إلى الا ستحاضة غير شامل للمقام فلا تعارض حينئذ بوجه.


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3.

[ 345 ]

[ ترجع إلى اقاربها في عدد الايام (1) بشرط اتفاقها أو كون النادر كالمعدوم، ولا يعتبر اتحاد البلد، ومع عدم الاقارب أو ] الرجوع إلى الاقارب في عدد الايام: (1) قد تقدم ان المضطربة والمبتدئة إذا امكنهما الرجوع إلى التمييز بالصفات تعين في حقها ذلك، واما إذا لم تتمكنا منه لان الدم لون واحد أو أنه معارض بدم آخر واجد للصفات فلابد من أن ترجعا إلى امر آخر كما سيظهر. والكلام فيه يقع تارة في المبتدئة وتارة اخرى في المضطربة. أما المبتدئة: فوظيفتها الرجوع إلى التمييز بالصفات إن امكن، والا فالى اقاربها، ومع عدم الاقارب أو اختلافها في العادة ترجع إلى العدد والروايات مخيرة بين اختيار الثلاثة أو الستة أو السبعة أو غير ذلك كما سيظهر فهناك مراحل ثلاثة في المبتدئة المراحل الثلاث للمبتدءة والتمييز بالصفات: المرحلة الاولى: ان ترجع إلى التمييز بالصفات مع التمكن، استفدنا

[ 346 ]

[ اختلافها ترجع إلى الروايات مخيرة بين اختيار الثلاثة في كل شهر أو ستة أو سبعة. ] ذلك من المرسلة وموثقة سماعة المتقدمتين (1) على التقريب المتقدم ولا نعيد. رجوع المبتدئة إلى الاقارب: المرحلة الثانية: انها لابد من أن ترجع إلى الاقارب عند عدم التمكن من التمييز بالصفات، ويدلنا على ذلك موثقة سماعة: سألته عن جارية حاضت اول حيضها فدام دمها ثلاثة اشهر وهي لا تعرف ايام اقرائها، قال: (ع) (اقراؤها مثل اقراء نسائها فان كن نساؤها مختلفات فاكثر جلوسها عشرة واقله ثلاثة) (2). حيث ان السائل فرض الجارية غير عارفة بايامها فدلنا ان المبتدئة قد تعرف ايامها وقد لا تعرفها ولا طريق لمعرفة ايامها سوى الصفات وحيث أنه (ع) امضى ذلك وقرره عليه علمنا أن المبتدئة ابتداءا لابد من أن ترجع إلى الصفات وبها تميز الحيض عن غيره، وإذا عجزت عن ذلك لكون للدم لونا واحدا فترجع إلى ايام اقرائها


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 2 و 3 وتقدم قريبا فليراجع. (2) الوسائل: نفس الباب المتقدم.

[ 347 ]

ومع عدم التمكن من ذلك أيضا لعدم الاقران أو اختلافها في العادة فترحع إلى العدد ما بين الثلاثة والعشرة. وبهذه الموثقة نقيد اطلاق المرسلة وموثقة ابن بكير الدالتين على ان المبتدئة عند عجزها عن التمييز بالصفات ترجع إلى العدد ستة أو سبعة كما في المرسلة أو العشرة في الشهر الاول وثلاثة ايام في الشهر الثاني كما في موثقة ابن بكير لاطلاقهما من جهة التمكن من الرجوع إلى نسائها وعدمه، ودلالتهما على انها ترجع إلى العدد مطلقا، ومقتضى الصناعة تقييد ذلك الاطلاق بالموثقة لان نسبتهما نسبة العام إلى الخاص. على ان المسألة لو لم يكن حكمها متسالما عليه فهو من الشهر بمكان وقد يناقش في الاستدلال بالموثقة من جهة رفعها فلا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال. ويدفعه: انها وان كانت مروية بطريق الكليني وأحد طريقي الشيخ مرفوعة إلا أن الشيخ رواها بطريقه الآخر مسندة كما تقدم. وقد يناقش فيها بالاضمار لان سماعة لم يذكر الامام (ع) بل قال: (سألته عن جارية) فلم يذكر المسؤول أي شخص؟ فيسقط بذلك عن الاعتبار. ويدفعه: أن الرجل لم يرو - ولو في مورد روايته من غير الامام (ع) وبذلك تطمئن النفس على انه لا يسأل عن غيره (ع) فانه من اكابر فقهائهم ورواتهم، وفي مذهبه قولان: احدهما: انه فطحي كما ذكره المولى الصالح المازندراني. وثانيهما: انه واقفي ذكره الشيخ (قده)، وعلى كلا التقديرين لا يروي عن غير الامام (ع) اما إذا كان واقفيا فلانه لا امام له

[ 348 ]

غير ائمتنا حتى يروي عنه، وأما إذا كان فطحيا فلان مدة عبد الله الافطح لم تكن كثيرة بحيث يروي عنه الروايات، هذا بل ظاهر النجاشي أن الرجل اثنى عشري لانه قال في حقه: (انه ثقة ثقة ومن الفقهاء) ولم يغمز في مذهبه (1). وكيف كان فلا يروي مثله عن غير الامام (ع) وثالثه: يناقش في الموثقة بانها معارضة بدعوى انها دلت على أن المبتدئة إذا لم تتمكن من أن ترجع إلى الصفات ولا إلى اقاربها رجعت إلى العدد وهو لا يزيد عن العشرة ولا يقل عن ثلاثة، والمرسلة دلت على انها بعد عدم التمكن من الرجوع إلى الصفات ترجع إلى العدد وهو ستة أو سبعة فهما متعارضتان، لدلالة كل منهما على عدد غير العدد الذي عينته الاخرى فلابد من علاج المعارضة بينهما ولا يمكن تخصيص المرسلة بالموثقة. ويدفعة: أن الموثقة انما سيقت لبيان أن المرأة على تقدير عدم التمكن من التمييز بالصفات لا ترجع إلى العدد مطلقا وانما ترجع إليه إذا لم تتمكن من الرجوع إلى نسائها، ولا تعارضها المرسلة من هذه الجهة لان نسبتهما كما عرفت نسبة العموم والخصوص. وأما انها إذا رجعت إلى العدد فالى أي عدد ترجع؟ فلا دلالة للموثقة عليه وانما تدل على أن ما ترجع إليه لا يكثر عن عشرة ايام ولا يقل عن ثلاثة لان الحيض كذلك، لا لخصوصية في المقام فلا تعارض المرسلة من هذه الجهة أيضا لسكوتها عن العدد الذي لابد من التحيض


(1) ونزيد على ذلك المراجعة إلى ترجمة الرجل في معجم رجال الحديث ج 8 ص 299.

[ 349 ]

به فالصحيح ما ذكرنا من تخصيص المرسلة وموثقة ابن بكير بموثقة سماعة. رجوع المبتدئة إلى العدد: المرحلة الثالثة: ان المبتدئة إذا لم تتمكن من الرجوع إلى نسائها إذ ليست لها نساء أو أن لها نساء مختلفات في مقدار عادتهن رجعت إلى العدد. وقد دلت على ذلك المرسلة والموثقتان المتقدمتان إلا انها مختلفة من حيث مقداره فالمرسلة دلت على انها تتحيض بستة ايام أو سبعة، وموثقة ابن بكير دلت على انها تتحيض بعشرة ايام في الشهر الاول وبثلاثة ايام في الشهر الثاني. وقد جمع جماعة من الفقهاء بينهما بالحمل على التخيير بدعوى ان لكل منهما نصا وظاهرا فيرفع اليد عن ظاهر كل منهما بنص الآخر، فالمرسلة نص في جواز ترك العبادة ستة ايام أو سبعة ايام وان شئت قلت انها نص في وجوب التحيض بهما، وظاهر ة في تعين ذلك وعدم جواز التحيض بغير العددين. وان موثقة ابن بكير نص في وجوب التحيض ثلاثة ايام في غير الشهر الاول وعشرة ايام في الشهر الاول، وظاهر ة في تعينه وعدم جواز التحيض بغيره، فنأخذ بنصهما وأن التحيض بكل واحد من العددين واجب تخييري فلها أن تختار ما شاءت من العدد، وترفع اليد

[ 350 ]

عن ظهورهما بالنص وهو من الجمع العرفي المقبول وبه يتصرف في كلا المتعارضين وهذا تخيير في المسألة الفرعية فان المجتهد له أن يفتي بتخيير المكلف بينهما، وليس تخييرا بين الروايتين المتعارضتين - كما توهم - لانه تخيير في المسألة الاصولية وهو مختص بالمجتهد فيأخذ باحد المتعارضين ويفتي على طبقه معينا لا على وجه التخيير وكبرى هذا الجمع وان كانت من الجمع المقبول - كما ذكر - ومن هنا إذا ورد في دليل وجوب القصر على المكلف في مورد وورد دليل آخر في وجوب التمام عليه فلاجل العلم بعدم وجوبهما معينا يقع المعارضة بينهما ونأخذ بنص كل منهما في الوجوب ونرفع اليد عن ظاهرهما في التعين فينتج التخيير بينهما. إلا انها غير منطبقة على المقام، لان المرسلة صريحة في أن عدد المبتدئة ستة أو سبعة وليست لها أن تتحيض باكثر منها ولا بأقل، لان النبي صلى الله عليه وآله في قضية حمنة بنت جحش امرها بترك العبادة إلى ستة ايام أو سبعة ايام فلو لم تكن حائضا ستة ايام أو سبعة بل كان حيضها اقل منه لم يكن يأمرها النبي صلى الله عليه آله بترك العبادة حينئذ لوضوح ان الطاهرة لا يأمرها النبي صلى الله عليه وآله بترك عبادتها كما انه صلى الله عليه وآله امرها بالصلاة والاغتسال بعد الستة أو السبعة فلو كان حيضها زائدا عليها كيف يأمرها صلى الله عليه وآله بالاغتسال والصلاة؟. وقد صرح الامام (ع) بذلك في المرسلة حيث قال (الا ترى أن ايامها لو كانت اقل من سبع وكانت خمسا أو اقل من ذلك ما قال

[ 351 ]

لها: تحيضي سبعا فيكون قد امرها بترك الصلاة اياما وهي مستحاضة غير حائض وكذلك لو كان حيضها اكثر من سبع وكانت ايامها عشرا أو أكثر لم يأمرها بالصلاة وهي حائض (1). وعليه فالروايتان متعارضتان. هذا. تعارض المرسلة في نفسها: وقد يقال: ان المرسلة في مدلولها متعارضة لانها وان دلت بصدرها على أن المبتدئة تتحيض بستة أو سبعة إلا انها اقتصرت على ذكر السبعة في بقية الجملات وليس فيها من ذكر الستة عين ولا اثر كما في قوله (ما قال لها تحيضي سبعا) وقوله ((اقصى وقتها سبع) وقوله (فوقها سبع) وقوله (فسنتها السبع) ومقتضى ذلك أن عدد المبتدئة هو السبع وهو ينافي التخيير بين الست والسبع في صدرها، ولعل الماتن (قده) لاجل ذلك فال (والاحوط أن تختار السبع) لانه حيض على كل حال وتقدير اما متعينا واما للتخيير بينه وبين الست. ويدفعه: ان ترك الستة في بقية الجملات والاقتصار على السبعة انما هو من جهة الاعتماد على ذكرها في صدر المرسلة ولان السبع اقصى عادتها لا من جهة أن عددها السبع فقط، ومن ثمة ترى انه (ع) قال: (اقصى وقتها سبع) ولم يقل ان وقتها سبع. نعم ان (اقصى) لم تذكر في بقية الجملات، إلا ان الاقتصار فيها على السبع مستند إلى انها اقصى عددها، ويشهد لذلك انه (ع)


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3.

[ 352 ]

في مقام التمثيل بكون عادتها اقل من سبع مثل بما إذا كانت حيضتها خمسا أو أقل منه حيث قال (الا ترى أن ايامها لو كانت اقل من السبع وكانت خمسا أو أقل من ذلك...). ولم يقل وكانت ستا فلو كان عددها هو السبع متعينا لم يكن للعدول عن ذكر الست إلى الخمس وجه - وان دار الامر بين كون الست في صدر المرسلة زائدة وبين أن تكون الجملات الاخيرة ناقصة إلا انه لا يمكن الاعتماد في نفي الست بأصالة عدم الزيادة في صدر المرسلة لانها معارضة بأصالة عدم النقيصة في سائر الفقرات. اذن فلا تعارض في نفس المرسلة. تعارض المرسلة والموثقة: نعم المرسلة وموثقة ابن بكير متعارضتان كما عرفت. وقد يقال حينئذ: انها تتعارضان وتتساقطان ويرجع إلى استصحاب الحيض إلى العشرة للقطع بعدمه بعد العشرة، واما بعد السبعة فيحتمل الحيض إلى العشرة لان الموثقة دلت على انها تتحيض إلى عشرة ايام فتستصحب حيضها إلى العشرة حيث يقطع بعدمه. ويدفعه: ان استصحاب الحيض مضافا إلى عدم جريانه في نفسه لانه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية وقد ذكرنا عدم جريانه في الاحكام معارض باستصحابه في الشهر الثاني وذلك لان مقتضاه في الشهر الثاني هو التحيض إلى السبع لانه اكثر العددين، فان مقتضى الموثقة انها تتحيض ثلاثة ايام في الشهر الثاني والمرسلة تقتضي تحيضها إلى سبعة

[ 353 ]

ايام، فبعد الثلاثة تشك في بقاء حيضها فنستصحبه إلى السبع. تعارض الاستصحابين: وهذان الاستصحابان متعارضان للعلم بمخالفة احدهما مع الواقع حيث إنا اما أن نأخذ بالموثقة وهي تقتضي الحكم بالتحيض في الشهر الاول بعشرة ايام وفي الشهر الثاني بثلاثة، فالاستصحاب في الشهر الاول مطابق للواقع إلا انه على خلافه في الشهر الثاني إذ لا وجه للتحيض فيه زائدا على ثلاثة ايام إلى السبع. واما ان ناخذ بالمرسلة وهي تقتضي التحيض بسبعة ايام في كل شهر ومعه الاستصحاب في الشهر الثاني موافق للواقع وفي الشهر الاول على خلافه إذ لا موجب للتحيض زائدا عن السبعة إلى عشرة ايام. فأحد الاستصحابين معلوم الخلاف فلا يمكن الاعتماد على شئ من الاستصحابين. بل الصحيح أن يقال: ان مورد التعارض بين الروايتين في الشهر الاول انما هو في الزائد على السبع إلى عشرة ايام، وفي الشهر الثاني في الزائد عن الثلاثة إلى السبع وحيث انهما متعارضتان والمرجح منحصر بموافقة الكتاب ومخالفة العامة وشئ منهما غير متحقق في المقام لعدم ذكر شئ منهما في الكتاب ولو على النحو الاطلاق كما ان العامة غير ملتزمين بذلك أصلا فتسقطان بالمعارضة. ومقتضى علم المرأة اجمالا بانها حائض أو مستحاضة في المقدار الزائد عن السبع والثلاث هو الاحتياط بالجمع بين وظيفتي الحائض والمستحاضة

[ 354 ]

للقطع حينئذ بالخروج عن عهدة التكليف المتوجهة إليها واقعا بمقدار لا يلزمها العسر والحرج ومع لزومهما فلا. نعم تتحيض في الشهر الاول إلى السبع وفي الشهر الثاني إلى الثلاثة جزما، وانما تحتاط في الزيادتين وبه يقطع بالفراغ. واما احتمال أن يأخذ بعادة بعض نسائها - إذا كان عادتهن مختلفة - وتحتاط إلى العشرة في الشهر الاول وتتحيض بثلاثة ايام في الشهر الثاني وتحتاط إلى آخر زمان العادة التي اخذتها من نسائها في الشهر الاول فهو مبني على توهم معارضة اخرى بين الروايات غير المعارضة المتقدمة. وبيان تلك المعارضة: انه ورد في رواية محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر (ع) قال: (يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها فتقتدي باقرائها ثم تستظهر على ذلك بيوم) (1) ومقتضى اطلاقها أن المبتدئة إذا تجاوز دمها العشرة ترجع إلى بعض نسائها لان المستحاضة تشمل المبتدئة وغيرها كما ان مقتضى المرسلة وموثقة ابن بكير (2) أن المبتدئة ترجع إلى العدد عند عدم تمكنها من الرجوع إلى الصفات. والنسبة بين الطائفتين عموم من وجه لان الاولى مطلقة تشمل المبتدئة والمضطربة وغيرهما فانها دلتت على أن المستحاضة تقتدي يبعض نسائها مبتدئة كانت أو غيرها. والطائفة الثانية: مطلقة من حيث التمكن من الرجوع إلى عادة بعض النساء وعدمه حيث دلت على أن المبتدئة ترجع إلى العدد تمكنت من الرجوع إلى عادة بعض نسائها ام لم تتمكن.


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3 و 5 و 6.

[ 355 ]

واما موثقة سماعة (1) فلا تنافي بينها وبين رواية زرارة ومحمد بن مسلم لان الموثقة دلت على انه إذا لم تكن للمستحاضة اقارب أو كن مختلفات بحسب العادة فتتحيض بما بين للثلاثة والعشرة فلا دلالة لها على الرجوع إلى العدد بل يلائم الرجوع إلى عادة بعض النساء لانها أيضا ما بين الثلاثة والعشرة فيما إذا كانت اقاربها مختلفة العادة. فتتعارضان في المبتدئة التي تتمكن من الرجوع إلى عادة بعض نسائها وتتساقطان ومقتضى العلم الاجمالي بالحيض أو الاستحاضة في الزائد عن عادة بعض نسائها إلى العشرة في الشهر الاول وفي الزائد عن الثلاثة في الشهر الثاني إلى عادة بعض نسائها هو الاحتياط بالجمع بين تروك الحائض واعمال المستحاضة إلى العشرة في الشهر الاول وإلى عادة بعض نسائها في الشهر الثاني. إلا ان هذا التوهم مما لا اساس له، لان الرواية الدالة على أن المستحاضة ترجع إلى عادة بعض نسائها ضعيفة لما مر من أن طريق الشيخ إلى ابن فضال ضعيف (2). فالصحيح الاحتياط على الكيفية المتقدمة اعني الاحتياط في الشهر الاول بعد السبع إلى العشرة وفي الشهر الثاني بعد الثلاثة إلى السبع هذا كله في المبتدئة.


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 2. (2) مر تصحيح طريق الشيخ إلى ابن فضال وان التضعيف مبني على ما افاده اولا ولكنه رجع عنه اخيرا كما مر.

[ 356 ]

حكم المضطربة: واما المضطربة فهي كالمبتدئة في رجوعها إلى التمييز بالصفات مع الامكان لما دل على ان دم الحيض ليس به خفاء حار اسود عبيط (1). واما إذا لم تتمكن من التمييز بالصفات لان الدم على لون واحد فهل ترجع إلى عادة نسائها كما في المبتدئة؟ لم يدلنا دليل على ذلك فانه لم يرد في شئ من الروايات غير الرواية المتقدمة الدالة على ان المستحاضة يجب أن تقتدي ببعض نسائها، ولكن عرفت ضعف سندها (2). وهل ترجع إلى العدد المتقدم في المبتدئة؟ أو أن لها وظيفة اخرى؟ مقتضى موثقة سماعة وابن بكير وان كان هو الرجوع إلى العدد عند عدم التمكن من الرجوع إلى الاقارب إلا انهما مختصتان بالمبتدئة ولا تشملان المضطربة. نعم ورد في رواية الخزاز (الوشاء) عن أبي الحسن (ع) قال: سألته عن المستحاضة كيف تصنع إذا رأت الصفرة وكم تدع الصلاة؟ فقال: (اقل الحيض ثلاثة واكثره عشرة وتجمع بين الصلاتين) (4). إلا انها لا تدل على أن للمضطربة والمستحاضة عددا معينا وانما دلت على تحديد الحيض وانه لا يقل عن ثلاثة ايام ولا يزيد على عشرة


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب الحيض. (2) بل عرفت صحة سندها. (3) تقدم ذكرهما قريبا. (4) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 4.

[ 357 ]

[ وأما الناسية فترجع إلى التمييز (1). ] ايام، على انها ضعيفة السند بعلي بن محمد بن الزبير إذ لم تثبت وثاقته، نعم ذكر النحاشي في ترجمة ابن عبدون الذي هو من مشائخه وقد يعبر عنه بشيخ الشيوخ انه لقي علي بن محمد بن الزبير وكان علوا في الوقت ولكن لم يظهر أن الضمير في (كان) راجع إلى ابن الزبير ليدل على حسنه أو انه راجع إلى ابن عبدون بل الظاهر رجوعه إلى ابن عبدون لان النجاشي بصراط ترجمته لا بصدد ترجمة ابن الزبير (1). اذن المرسلة بلا معارض وقد دلت بذيلها على ان الاستحاضة في المرأة إذا كانت دارة وكان الدم لون واحد فوظيفتها التحيض إلى الست أو السبع. احكام الناسية: (1) الكلام في الناسية تارة يقع في ناسية العدد فقط مع التحفظ على الوقت كما إذا علمت أن عادتها في العشرة الاولى من كل شهر لكنها نسيت العدد وانه خمسة أو ستة أو سبعة - مثلا -. واخرى يقع الكلام في ناسية الوقت دون العدد. وثالثة يقع الكلام في ناسية الوقت والعدد.


(1) إن اردت زياده التوضيح لهذه الجملة فراجع معجم رجال الحديث ج 12 ص 152 ترجمة علي بن محمد بن الزبير القرشي.

[ 358 ]

اقسام الناسية: ناسية العدد: اما ناسية العدد فحسب فالمعروف بينهم أن حكم الناسية مطلقا حكم المضطربة والمبتدئة في انها ترجع إلى التمييز بالصفات، وإذا فقدت التمييز فيختلف حكمها عن حكمهما لانها لا ترجع إلى الاقاب بل ترجع إلى العدد، وهما يرجعان إلى الاقارب ومع فقدها فالى العدد. وهذا أيضا ظاهر كلام الماتن (قده) في المقام لاطلاقه. هذا ولكن الصحيح أن ناسية العدد - سواء كانت ذات عادة وقتية أم لم تكن - لا ترجع إلى التمييز بالصفات ولا إلى الاقارب ولا إلى العدد. اما عدم رجوعها إلى التمييز بالصفات فلان ما دل على التمييز بها إما هو الاخبار المطلقة (1) التي دلت على أن دم الحيض اسود حار عبيط ودم الاستحاضة بارد اصفر، وغيرها من الاوصاف، واما مرسلة يونس (2) الدالة على ان الاقبال امارة الحيض والادبار امارة الاستحاضة، ولا يشمل شئ منهما لناسية العدد: اما الاخبار المطلقة فلاختصاصها بغير ذات العادة فانها لا تحتاج إلى التمييز ولا تكون الصفرة والبرودة فيها امارة على الاستحاضة بل كل ما تراه المرأة في ايام عادتها من صفرة أو حمرة فهو حيض وحيث ان المرأة ذات عادة وهي تعلم بوقتها لكن نسيت عددها فلا تكون مشمولة لتلك الاخبار بوجه، على ان المرأة قد تعلم بمخالفة الصفات لعادتها


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب الحيض. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3.

[ 359 ]

كما إذا كان الدم تسعة ايام واجدا للصفات وهي تعلم ان عددها لا يتجاوز الستة قطعا وان لم تدر أنه اربعة أو خمسة أو ستة أو كان الدم واجدا لها خمسة ايام وهي تعلم أن عددها اكثر من خمسة يقينا، ومع العلم بمخالفة الامارة والصفات لعادتها كيف يمكنها الرجوع إليها؟ واما المرسلة فلانها على تقدير شمولها للناسية - كما ادعاه صاحب الحدائق وبعض من تأخر عنه - وقالوا: ان الناسية هي القدر المتيقن من المرسلة - ويأتي عدم شمولها للناسية أصلا - فانما نختص بالناسية للوقت والعدد كما صرحت بذلك في جملتين منها أو اكثر كما في قوله: (فهذا بين أن هذه امرأة قد اختلط عليها ايامها لم تعرف عددها ولا وقتها) وقوله: (فإذا جهلت الايام وعددها)، واما ناسية العدد فقط فهي خارجة عن موردها. واما عدم رجوعها إلى الاقارب فلانه انما ورد في موثقة سماعة لرواية محمد بن مسلم وزرارة (1) أما الموثقة فهي مختصة بالمبتدئة حيث وردت في جارية رأت الدم زائدا عن العشرة في اول ما حاضت) فلا تشمل الناسية بوجه، واما الرواية ففيها انها وان كانت شاملة للناسية باطلاقها إلا أن الاستدلال بها غير تام. اما اولا: فلانها ضعيفة السند لان طريق الشيخ إلى ابن فضال ضعيف (2). واما ثانيا: فلانها واردة في المستحاضة قبل العادة حيث قال (المستحاضة تنظر) ففرض المرأة مستحاضة قبل عادتها وحكم عليها بانها في عادتها الآتية ترجع إلى بعض نسائها، واين هذا من الناسية التي ليست بمستحاضة


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 2 و 1. (2) مر صحة طريق الشيخ إلى ابني فضال فلاحظ.

[ 360 ]

قبل عادتها، وانما تصير كذلك بعد عادتها وتريد معرفة حكم ما بعدها من عادتها، ولا دلالة لها على أنها فيما بعدها من عادتها ترجع إلى نسائها كما هو محل الكلام دون عادتها الآتية. واما ثالثا: فلانها منصرفة عن الناسية في نفسها فان الرجوع إلى الاقارب انما يصح في غير ذات العادة إذ لا مانع من ارجاعها إلى عادة نسائها، واما ذات العادة في المقام فلا معنى لارجاعها إلى عادة غيرها مع انها ذات عادة على الفرض تذكر وقتها وقد نسيت عددها. ومع الغض عن جميع ذلك فالرواية مخصصة بما ورد في ذات العادة وانها ترجع إلى ايامها حيث يستفاد منها أن وظيفة الناسية الرجوع إلى ايامها وحيث انها نسيت فترجع إلى استصحاب بقاء الحيض كما يأتي. واما عدم رجوعها إلى العدد فلان ما دل على ذلك اما هو المرسلة الآمرة بالتحيض سبعا أو ستا واما هو موثقة ابن بكير (1) الدالة على التحيض في الشهر الاول بعشرة ايام وفي الشهر الثاني بثلاثة، ولا دلالة في شئ منهما على المدعى اما المرسلة فلانها على تقدير شمولها للناسية انما تشمل ناسية الوقت والعدد لا ناسية العدد فقط كما مر، واما الموثقة فهي مختصة بالمبتدئة كما هو واضح، اذن ما ذهب إليه المشهور المعروف من أن الناسية ترجع إلى التمييز بالصفات أو إلى العدد مما لم نقف له على دليل. بل المتيقن في حقها هو الرجوع إلى استصحاب الحيض. وذلك لانها ذات عادة على الفرض ولابد من أن ترجع إلى عادتها وحيث انها لا تتمكن من ذلك لنسيانها فلا مناص من أن ترجع إلى الاستصحاب وهو استصحاب جار في الموضوع ومنقح له حيث يثبت


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 5 و 6.

[ 361 ]

به أن عددها في عادتها والشهرين المتقدمين أي شئ فيأخذ به فيما بعدها من الشهر. لان مرجع شكها في عددها إلى الاقل واكثر وانها لا تعلم أن عدد حيضها في الشهرين المتقدمين خمسة مثلا أو ثمانية فهي تعلم باستمرار حيضها إلى الخمسة أو الاربعة أو غيرهما من العدد ولكنها تشك في كونه مستمرا إلى الثمانية أو التسعة والاصل بقاؤه وعدم انقطاعه إلى الثمانية أو التسعة أو غيرهما مما تقطع بعدم كونها حائضا فيه لانه شبهة موضوعية. فإذا ثبت بالاستصحاب أن عدد حيضها في الشهرين السابقين هو الثمانية أو غيرها فلا محالة يترتب علية آثارها التي منها أن تتحيض فيما بيدها من الشهر بتلك الايام وذلك العدد ويحكم في الباقي بالاستحاضة والعلم الاجمالي بأنها حائض أو مستحاضة في غير العدد المتيقن في الحيضية لا يمنع عن الرجوع إلى الاصل لانحلاله بالاستصحاب الجاري في أحد الطرفين دون الآخر. نعم لما كان المشهور هو التحيض ستا أو سبعا في حق الناسية اعني الرجوع إلى العدد فالاحتياط في الزائد على السبع بالجمع بين احكام الحائض والمستحاضة إلى اليوم الذي تقطع بعدم كونها حائضا في ذلك اليوم مما لا مانع عنه خروجا عن الخلاف لم يكن متعينا لاستصحاب الحيض كما عرفت.

[ 362 ]

ناسية الوقت: واما الناسية للوقت دون العدد كما إذا علمت أن عددها خمسة ايام - مثلا - إلا انها لم تدر وقتها وانه اول الشهر أو وسطه أو غيره فلا مناص من أن تحتاط في جميع الايام التي ترى فيها الدم كاثني عشر يوما أو اقل أو اكثر وذلك لقانون العلم الاجمالي بأنها في الايام المذكورة حائض أو مستحاضة فلا مناص من الاحتياط تحصيلا للقطع بالامتثال وهذا بناءا على أن حرمة العبادات في حق الحائض تشريعية فان المرأة حينئذ تأتي بالصلاة وغيرها من عباداتها وتترك المحرمات على الحائض وتقطع بذلك بالامتثال. واما بناءا على أن حرمتها ذاتية كما ذهب إليه بعضهم فأمرها يدور بين المحذوربن لانها اما مكلفة بالصلاة - مثلا - واما انها مكلفة بتركها فلاجل دوران الامر في حقها بين المحذورين لابد من الحكم بكونها مخيرة. إلا أن التمييز في حقها ليس بمعنى كونها مخيرة بين الاتيان بالعبادة وتركها في كل يوم حتى يجوز لها أن تأتي بها في يوم وتتركها في يوم آخر إلى آخر الايام، وذلك لانها تستلزم العلم بالمخالفة القطعية لانها في اليوم الذي تركت الصلاة ان كانت حائضا واقعا وان كانت قد عملت بوظيفتها إلا انها اتت بها في اليوم الثاني فقد خالفت وظيفتها لانها حائض ويجب عليها ترك الصلاة في ايام حيضها، وان كانت مستحاضة فاتيانها بالصلاة في اليوم الثايي موافقة للتكليف إلا أن تركها في اليوم الاول مخالفة للامر بالصلاة في حقها لانها مستحاضة واقعا، والمخالفة القطعية مما

[ 363 ]

لا يرضى بها العقل ولا يرخص فيها وان كانت مستلزمة للموافقة للقطعية أيضا. وكذا ليس التخيير بمعنى جواز اختيارها الحيض إلى آخر الشهر أو الاستحاضة كذلك لانه أيضا مستلزم للمخالفة القطعية وان حصل بها للعلم بالموافقة القطعية ايضا. بل التخيير بمعنى انها تأخذ خمسة ايام منها وتجعلها حيضا مخيرة بين أول الايام أو وسطها أو آخرها، لانه وان لم يوجب العلم بالموافقة القطعية الا انه موافقة احتمالية والعقل بعد عدم التمكن من الامتثال الجزمي بالاحتياط يتنزل إلى الامتثال الاحتمالي لا محالة كما ان الامر إذا دار بين المخالفة القطعية المستلزمة للموافقة القطعية وبين الامتثال الاحتمالي يتعين الامتثال الاحتمالى لدى العقل، فإذا فرضنا أن مظنونها كون وقتها هو اول الدم أو وسطه أو اثنائه يتعين الاخذ بالتحيض من ذلك الوقت الذي نظن انه ايامها ووقتها، وذلك لان العقل الحاكم في باب الاطاعة المستقل بقبح المعصية ولزوم الامتثال هو الذي يستقل بتقديم الامتثال الظني على الامتثال الموهومي عند دوران الامر بينهما. ناسية الوقت والعدد: واما للناسية للوقت والعدد كليهما فصريح المحقق في الشرائع أن حكمها حكم المضطربة فيجب أن تميز بالصفات ومع فقدها ترجع إلى العدد. وذكر صاحب الحدائق وغيره أن الناسية للوقت والعدد هي القدر المتيقن من المرسلة فيتعين في حقها التمييز بالصفات ومع عدم التمكن ترجع

[ 364 ]

إلى العدد ولا ترجع إلى اقاربها. ولعل الوجه فيما ذهبوا إليه من ادراج الناسية تحت المضطربة وغير مستقرة العادة توهم أن قوله (ع) في المرسلة: (اغفلت عددها) (1) بمعنى الغفلة والنسيان. ولكن الصحيح إن اغفلت بمعنى تركت أي المرأة بعدما تقدم دمها في شهر وتأخر في آخر وزاد تارة ونقص اخرى تركت عادتها وعددها ولم تستقر لها عادة ويدل على ذلك قوله (ع) (زاد أو نقص تأخر أو تقدم) (2) فالمرسلة مختصة بالمضطربة التي تستقر لها عادة ولا تشمل الناسية التي لها عادة معينة إلا انها نسيتها، لا انها تركت عادتها. فادراج الناسية في غير مستقرة العادة مما لا وجه له، والمرسلة غير شاملة للناسية لوقتها وعددها فضلا عن ناسية العدد أو الوقت خاصة. هذا وذكر المحقق الهمداني (قده) أن الناسية وان كانت خارجة عن موضوع المضطربة - لما عرفت - إلا أن وظيفتها وظيفة المضطربة ومن لم تستقر لها عادة، وذلك لان المرسلة حصرت السنن في ثلاث وصرحت بانها لا رابع لها، فلو حكمنا في الناسية بغير تلك السنن الثلاث لزادت السنن واحدة وصارت اربعة وهو خلاف ما تدل عليه المرسلة، وبما أن الناسية لا يمكن الحكم بوجوبها إلى ايامها كما في ذات العادة وهي


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب الحيض ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3 وفيها وان اخطأت الايام عليها وتقدمت وتاخرت. (إلى ان قال) وان اختلط عليها ايامها وزادت ونقصت الحديث.

[ 365 ]

اولى السنن لعدم تذكرها ونسيانها فلا مناص من كون الناسية كغير ذات العادة ترجع إلى التمييز بالصفات ان تمكنت وإلا فترجع إلى العدد. ولا يمكن المساعدة على ما افاده (قده) وذلك لان السنن وان كانت محصورة في الثلاث إلا ان المرسلة انما تدل على أن السنن الواقعية منحصرة فيها وبحسب الواقع لا تجد سنة رابعة وغير ناظرة إلى الظاهر لتدل على ان الوظيفة الظاهرية لا يمكن أن تكون شيئا آخر، والناسية داخلة في السنة الاولى حقيقة لانها ذات عادة فلابد من أن ترجع إلى عادتها، إلا أنها لما نسبت عادتها لم تتمكن من الرجوع إلى ايامها، وبما انها عالمة اجمالا بانها حائض أو مستحاضة فالعلم الاجمالي يقتضي وجوب الاحتياط، وعلى تقدير عدم التمكن منه فالتخيير على النحو الذي تقدم ولا دلالة للمرسلة بوجه على انها إذا علمت اجمالا بأنها حائض أو مستحاضة ليس لها أن تحتاط. فالمتحصل: أن للناسية غير داخلة في موضوع غير مستقرة العادة ولا يشملها حكمها بل لابد أن ترجع إلى استصحاب بقاء حيضها في الشهرين المتقدمين في الايام المحتملة للحيضية حتى يثبت به أن عدد أيامها في للشهرين المتقدمين ما هو؟ كستة ايام مثل للقطع بعدم كونها اقل من اربعة ولا ازيد من ستة وهي محتملة في اليوم الخامس والسادس فتستصحبها فإذا تحققت عادتها في الشهرين في الستة فتأخذ بها في الشهر الثالث كما ذكرناه في ناسية العدد خاصة. كما انها مخيرة في تطبيق هذه الايام على اول الدم أو وسطه أو آخره كما ذكرناه في ناسية الوقت خاصة بناءا على أن العبادة محرمة على الحائض ذاتا وذلك للتنزل عن الموافقة القطعية إلى الموافقة الاحتمالية

[ 366 ]

[ ومع عدمه إلى الروايات (1) ولا ترجع إلى اقاربها والاحوط ] بحكم العقل - وإذا ظنت بكون وقتها أول الايام التي ترى فيها الدم أو آخرها أو وسطها فتعمل على طبق ظنها لتقدم الامتثال الظني على الامتثال الوهمي كما قدمناه. نعم بناءا على أنها محرمة عليها تشريعا يجب أن تحتاط في مجموع الايام التي ترى فيها الدم بمقتضى علمها الاجمالي فناسية الوقت والعدد تجمع بين وظيفتي ناسية الوقت خاصة وناسية العدد خاصة. (1) فتتخير بين الثلاثة والستة والسبعة كما صرح بذلك سابقا وان المبتدئة والمضطربة عند عدم التمكن من التمييز بالصفات وعدم الاقارب ترجعان إلى العدد مخيرة بين اختيار الثلاثة في كل شهر أو الستة أو السبعة. والتخيير بين الستة والسبعة يستفاد من المرسلة كما تقدم، فبناءا على أن حكم الناسية حكم المضطربة والمبتدئة فلا محالة يثبت التخيير بين الست والسبع في حقها أيضا. واما الثلاثة فهي غير واردة في شئ من الروايات غير موثقتي ابن بكير (1) الدالتين على أن المستحاضة تجعل عشرة ايام حيضا في الشهر الاول وثلاثة في الشهر الثاني ولم ترد في غيرهما من الاخبار - واما موثقة سماعة (2) الدالة على أن اكثر حيضها عشرة واقله ثلاثة


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 5 و 6. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 2.

[ 367 ]

[ أن تختار السبع. (مسألة 2): المراد من الشهر ابتداء رؤية الدم إلى ثلاثين يوما (1) وان كان في اواسط الشهر الهلالي أو أواخره. ] فقد تقدم انها لا دلالة لها على التحديد وانما هي لبيان اقل الحيض واكثره واما أن المرأة تجعل الحيض بينهما أي مقدار؟ فهو لا يستفاد من الموثقة فالموثقتان شارحتان لهذه الموثقة. ولكن عرفت أن الروايات متعارضة فلا يمكن الجمع بينهما بالتخيير حتى يحكم بكون المرأة مخيرة بين الثلاث والست والسبع ولو في غير الشهر الاول. ثم على تقدير التنزل والبناء على عدم تعارضها فأقصى ما يمكن استفادته من الموثقتين أن المبتدئة مخيرة بين الثلاث والست والسبع ولانها موردهما فكيف يمكن التعدي عن موردهما إلى المضطربة أو الناسية؟ فالثلاثة مما لا دليل عليها اصلا. ما هو المراد بالشهر: (1) هناك امران اختلط احدهما بالآخر: (احدهما): ان المراد بالشهر الذي تجعل المستحاضة ثلاثة أو سبعة منه حيضا والباقي استحاضة ما هو؟ (ثانيهما): ان المستحاضة مخيرة في جعل العدد ووضعه اينما شاءت في اول رؤيتها الدم ووسطه وآخره أو انه لا بد من أن تجعل

[ 368 ]

العدد حيضا من اول رؤيتها الدم وتجعل الاستحاضة بعد ذلك. أما الامر الاول: فالمراد بالشهر ليس هو الشهر الهلالي بل المراد مقداره وهو ثلاثون يوما، واول الثلاثين ومبدؤها هو اول رؤيتها الدم كان في اول الشهر أو وسطه وآخره. وتدل على ذلك المرسلة والموثقة، وذلك لقوله (ع) في المرسلة (تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة ايام أو سبعة ايام ثم اغتسلي غسلا وصومي ثلاثة وعشرين يوما أو أربعة وعشرين) (1) وقد دلت على أن المراد بالشهر ثلاثون يوما في كل شهر وان كان من وسطه أو آخره وفي مرسلته الاخرى (وانتظرت من يوم رأت الدم إلى عشرة ايام) (2) وفي الموثقة: (إذا رأت الدم في اول حيضها فاستمر بها الدم تركت الصلاة عشرة ايام ثم تصلي عشرين يوما...) (3) الحديث فيستفاد منها ان المراد بالشهر ثلاثون يوما، واوله اول رؤيتها الدم. واما الامر الثاني: فالصحيح انها ليست مخيرة في وضع العدد اينما شاءت بل المتعين في حقها جعل العدد من اول رؤيتها الدم والاستحاضة بعد ذلك لانه عبر في الروايات ب‍ (ثم) كقوله (ثم تصلي عشرين يوما) وقوله (ثم اغتسلي غسلا وصومي) ومعه لا وجه لتخيرها في جعل العدد اينما ارادت ولو بعد الاستحاضة كما هو صريح الماتن في


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 12 من أبواب الحيض ح 3. (3) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 6.

[ 369 ]

[ (مسألة 3): الاحوط أن تختار العدد في اول رؤية الدم (1) إلا إذا كان مرجع لغير الاول (2). (مسألة 4): يجب الموافقة بين الشهور (3) فلو اختارت في الشهر الاول اوله ففي الشهر الثاني أيضا كذلك، وهكذا. ] المسألة (7) الآتية حيث قال: وان كان الاقوى التخيير. (1) قد عرفت انه المتعين لا انه احوط. (2) لم يظهر لنا المراد بالمرجح لغير الاول لان مفروض الكلام تساوي الدم من حيث الصفات وعدم التمكن من الرجوع إلى الاقارب ومعه ما معنى المرجح للحيضية في الاول أو غيره بل الصحيح والمتعين أو العدد تجعله في الاول لدلالة المرسلة والموثقة كما تقدم. وجوب الموافقة بين الشهور: (3) هذا متفرع على تخيير المرأة في جعل العدد اينما شاءت وانها إذا وضعته في الشهر الاول في اوله أو وسطه أو موضع آخر لابد أن تجعله في الشهر الثاني في ذلك الوقت بعينه بعينه، وبعبارة اخرى التخيير ابتدائي وليس استمراريا، وذلك لان المرسلة والموثقة حددتا ايام

[ 370 ]

[ (مسألة 5): إذا تبين بعد ذلك أن زمان الحيض غير ما اختارته وجب عليها قضاء ما فات منها من الصلوات (1) وكذا إذا تبينت الزيادة والنقيصة. ] الحيض والاستحاضة بثلاثين يوما فلا يكونان ازيد من ذلك ولا اقل وهذا انما يكون فيما إذا كانت الشهور متوافقة من حيث وضع العدد فلو وضعته في الشهر الاول من اليوم الخامس عشر يجب أن تضعه في الشهر الثاني أيضا كذلك إذ لو وضعته قبله بخمسة ايام كان الحيض والاستحاضة في الشهر المتقدم عليه خمسة وعشرين يوما، وهو على خلاف الروايتين كما انها لو وضعته في الشهر الثاني متأخرا عن النصف بخمسة ايام كان حيضها واستحاضتها في الشهر السابق خمسة وثلاثين يوما وقد دلت الروايتان على أن مجموعهما ثلاثين يوما لا يزيد عليه ولا ينقص واما بناءا على ما ذكرناه من عدم ثبوت التخيير حتى في الشهر الاول فالامر اوضح إذ يتعين عليها من اول رؤيتها الدم أن تجعل للعدد حيضا وتصلي سبعة وعشرين يوما أو ثلاثة وعشرين يوما، وهكذا في كل شهر. تبين الخلاف في المختار: (1) لان التحيض بالعدد حكم ظاهري ولا اعتبار به بعد العلم بالمخالفة فلو تركت للصلاة سبعة ايام ثم علمت أن حيضها خمسة ايام

[ 371 ]

[ (مسألة 6): صاحبة العادة الوقتية (1). ] فلابد من قضاء الصلوات في اليومين الزائدين لعدم كونها حائضا فيها أو إذا تركت عبادتها سبعة ايام وصامت بعدها ثم ظهرت أن عادتها أو حيضها تسعة ايام فلابد من أن تقضي صومها يومين لوقوعه في ايام الحيض فهو باطل أو علمت أن حيضها في تلك الايام بأجمعه. وما افاده (قده) بحسب الكبرى متين لا غبار عليه، إلا انها مما لا تنطبق على المقام إذ لا يتحقق لها الصغرى بوجه، لان المرأة بعد عدم كونها ذات عادة وعدم كون الدم مختلف الصفات كيف يمكنها أن تعلم أن حيضها اقل أو اكثر لانه يحتاج إلى الغيب. نعم: إذا بنينا على ما بنى عليه الماتن (قده) من الحاق الناسية بالمضطربة والمبتدئة من الرجوع إلى العدد تتحقق الصغرى لذلك لا محالة لان الناسية قد تعلم بعد ذلك أن عادتها كانت اقل أو اكثر من سبعة ايام - مثلا - الا انها غير داخلة في حكمها كما مر. إذا لا صغرى لتلك الكبرى الا في فرض نادر جدا وهو ما إذا لم تتمكن المبتدئة من التمييز بالصفات ورجعت إلى نسائها واعتقدت ان حيضهن خمسة ايام - مثلا - ثم انكشف أن حيضهن اربعة ايام أو ستة مثلا. بعض اقسام ذات العادة: (1) هذه هي القسم الثاني من اقسام ذات العادة لانا ذكرنا أن

[ 372 ]

الكلام في صورة زيادة الدم عن العشرة ورجوع المرأة إلى عادتها انما هو في ذات العادة الوقتية والعددية معا. واما ذات العادة الوقتية فقط والمضطربة من حيث العدد، أو ذات العادة العددية فقط والمضطربة من حيث الوقت فلم يتعرض لهما الماتن (قده)، وقد تعرض لهما في المقام. وذكر أن ذات العادة الوقتية فقط كما إذا علمت انها تتحيض في اول كل شهر ولكن العدد مختلف فقد يكون خمسة وقد يكون اربعة وهكذا إذا زاد دمها عن العشرة فحالها حال المبتدئة في الرجوع إلى الاقارب والرجوع إلى التخيير المذكور مع فقدهم أو اختلافهم. والكلام في ذلك يقع في جهات: (الاولى): فيما إذا لم يزد دمها عن العشرة فانها تجعل جمعيه حيضا لان الدم المرئي قبل العشرة من الحيضة الاولى إذا كان بصفات الحيض. (الثانية): فيما إذا زاد الدم على العشرة ولم يمكن جعل المجموع حيضا لانه اكثر من العشرة فلا مناص من الرجوع إلى التمييز بالصفات فتجعل ما هو بصفة الحيض حيضا وما ليس بصفة الحيض تجعله استحاضة، وذلك لما دل على أن دم الحيض مما ليس به خفاء احمر حار عبيط، وانما خرجنا عن ذلك في خصوص ذات العادة فان ما تراه في ايامها حيض وان لم يكن واجدا للصفات. وانما لم يتعرض الماتن لذلك لوضوحه قطعا لانه اول المرجحات في المستحاضة. (الثالثة): فيما إذا لم يكن لها تمييز فقد ذكر الماتن (قده) انها ترجع إلى الاقارب. ومراده (قده) من صاحبة العادة الوقتية المضطربة من حيث

[ 373 ]

العدد خصوص المضطربة بالمعنى الاخص ولم يرد بها الاعم من ناسية العدد وإلا فقد تقدم انها لا ترجع إلى الاقارب فلا يجتمع مع ارجاعها إلى الاقارب في المقام واما قوله (قده)! وإذا علمت كونه ازيد من الثلاثة ليس لها ان نختار الثلاثة فيما إذا لم يكن لها اقارب، كما انها إذا علمت انه اقل من السبعة ليس لها اختيار السبعة - فلا شهادة فيه على ارادة الاعم من الناسية في المقام. وذلك لان المضطربة في قبال الناسية أيضا قد تعلم ان عدد حيضها زائد على الثلاثة قطعا ولكنها لا تدري انه اربعة أو خمسة أو ستة أو تعلم انه اقل من السبعة قطعا ولا تدري انه ستة أو خمسة أو اربعة. وعلى الجملة: المراد من صاحبة العادة الوقتية هو المضطربة من حيث العدد اما لعدم استقرار عادتها على عدد معين أو كانت عادتها مستقرة لكن العدد زاد مرة ونقص اخرى حتى زالت عادتها، فهي المضطربة بالمعنى الاخص ولم يرد بها الاعم منها ومن ناسية العدد لقرينة ما تقدم منه (قده) من أن الناسية - ولو عددا - لا ترجع إلى اقاربها، وفي المقام حكم برجوع صاحبة العادة الوقتية إلى الاقارب وهذه قرينة قطعية على أن المراد بها غير الناسية. بل الامر كذلك مع قطع النظر عن هذه القرينة أيضا لانه (قده) تعرض لحكم اقسام المرأة باجمعها من ذات العادة العددية والوقتية والمبتدئة والمضطربة والناسية ولم يبق سوى ذات العادة الوقتية دون العدد أو العكس فمع تقدم الناسية لا يحتمل ارادتها من ذات العادة الوقتية دون العدد. وقد تقدم انه لا شهادة لقوله: وإذا علمت كونه ازيد من الثلاثة

[ 374 ]

[ إذا تجاوز دمها العشرة في العدد (1) حالها حال المبتدءة في الرجوع إلى الاقارب والرجوع إلى التخيير المذكور مع فقدهم (2) أو اختلافهم، وإذا علمت كونه ازيد من الثلاثة (3) ليس ] على ارادة الاعم من الناسية في المقام وذلك لا ن المضطربة أيضا يتصور فيها ذلك كما مر ويأتي. (1) اما إذا لم تزد عليها وكان بصفات الحيض فهو باجمعه حيض لان الدم المرئي قبل العشرة من الحيضة الاولى. واما إذا تجاوز عن العشرة فقد ذكر الماتن ان حكمها حكم المبتدئة في الرجوع إلى الاقارب والمفروض ان الرجوع إلى الاقارب انما هو بعد عدم التمكن من التمييز بالصفات والا فمع التمكن منه فالصفات هي المرجحة الاولى كما مر. واما إذا لم يتمكن من التمييز بالصفات فهل ترجع إلى الاقارب كما في المتن؟ الصحيح لا، لان الرجوع إلى الاقارب في غير المبتدئة انما ورد في رواية واحدة وقد عرفت صعفها (1). (2) مر وعرفت ان الثلاثة انما وردت في موثقة ابن بكير وهي مختصة بالمبتدءة مع الغض عن كونها معارضة مع المرسلة فلا يمكن التعدي عنها إلى المضطربة كما تقدم بل انما تتخير بين الستة والسبعة فحسب. (3) قدمنا تصوير ذلك في المضطربة وقلنا انها أيضا قد تعلم ان عدد حيضها اكثر من الثلاثة لانها كانت ترى الدم خمسة ايام تارة وستة اخرى واربعة ثالثة، ومع العلم بزيادة حيضها عن الثلاثة لا معنى للاخذ


(1) تقدم الكلام فيه قريبا فليراجع.

[ 375 ]

[ لها أن تختارها كما انها لو علمت انه اقل من السبعة ليس لها اختيارها (1). ] بالثلاثة فان الرجوع إلى العدد وظيفة المتحيرة التي لا تعلم حيضها ومع العلم بكونه اكثر لا تردد ولا تحير لها لتأخذ بالثلاثة. (1) لااشكال في انها لو علمت بكون حيضها اكثر من السبعة لا يمكنها الرجوع إلى السبعة كما إذا كانت ترى الدم مدة مديدة بين الثمانية والتسعة والعشرة وتقطع بعدم كون حيضها سبعة ايام فان العدد انما ترجع إليه المتحيرة والتي لا تدري تحيضها، ومع العلم بزيادة الحيض عن العدد لا معنى للرجوع إليه. وانما الكلام فيما افاده الماتن (قده) من انها لو علمت أن حيضها اقل من السبعة ليس لها اختيار السبعة، فان ما افاده بحسب الكبرى وان كان صحيحا إذ مع العلم لا تردد لترجع إلى العدد والامارة، إلا أن الكلام في صغرى ذلك وانها من اين يحصل لها القطع بعدم كون حيضها ستة أو سبعة ايام ولا سبيل إليه إلا بالاستكشاف من جري العادة على امر جامع ولو ازماته وذلك كما إذا كانت ترى الدم تارة ثلاثة ايام واخرى اربعة وثالثة ترى خمسة ايام على نحو الاختلاف مدة مديدة كعشر سنوات مثلا، فمن رؤيتها الدم في تلك الايام حصل لها العلم بأنها لا تتحيض إلا بأحد هذه الايام، فعددها هو الجامع بين الثلاثة والاربعة والخمسة نظير العادة المركبة المتقدمة فبذلك تعلم بعدم التحيض زائدا على الاعداد، إلا أن ذلك مما لا يمكن تتميمه بدليل

[ 376 ]

[ (مسألة 7): صاحبة العادة العددية ترجع في العدد إلى عادتها (1) واما في الزمان فتأخذ بما فيه الصفة، ومع فقد ] لان الاخبار (1) الواردة في أن ذات العادة ترجع إلى عادتها انما تختص بالعادة الوجودية الخارجية واما العادة العدمية وان عادتها عدم الحيض زائدا على تلك الاعداد لان عادتها هو الجامع بينهما فمما لا تشمله الادلة بوجه. اذن لا يمكن أن يحصل لها العلم بعدم زيادة حيضها عن الخمسة - مثلا - بل تحتمل زيادة حيضها عنها ونقصانها عنها، ومعه تشملها المرسلة (2) الدالة على أن المضطربة والني لم تستقر لها عادة لزيادة دمها تارة ونقصانه اخرى تتخير بين الستة والسبعة فلا مانع من الاخذ باحدهما وان لم ترى الدم زائدا على خمسة ايام كما مر: وهذا بخلاف العلم بزيادة الحيض عن السبعة لانها من العادة الوجودية ولا مانع من أن يحصل لها العلم بان عادتها العددية اكثر من السبع ومعه لا يمكنها الرجوع إلى العدد بل تحتاط بالجمع بين تروك الحائض واعمال المستحاضة للعلم الاجمالي بأنها حائض أو مستحاضة إذا امكنها الاحتياط، واما إذا قلنا بحرمة العبادة عليها ذاتا فتتخير كما مر. وطيفة صاحبة العادة العددية: (1) إذا رأت الدم ولم يزد على عشرة ايام وهو واجد للصفات


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب الحيض. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ج 2.

[ 377 ]

[ التمييز تجعل العدد في الاول على الاحوط وان كان الاقوى التخيير (1). ] فيحكم على الجميع بالحيضية لان الدم قبل العشرة من الحيضية الاولى واما إذا زاد عليها فمن جهة العدد ترجع إلى عادتها فتأخذ بها كخمسة ايام - مثلا - والباقي استحاضة، واما من حيث الوقت والزمان فترجع فيه إلى الصفات فتجعل خمسة ايام من الدم الواجد للصفات حيضا. (1) وإذا فرضنا ان الدم كله بلون واحد فذكر الماتن (قده) انها تجعل العدد في الاول على الاحوط وان كان الاقوى التخيير، والظاهر انه استند في الحكم بالتخيير في المقام إلى الاخبار الواردة (1) في أن ذات العادة ترجع إلى عددها حيث انها مطلقة وغير مقيدة بالعدد من الاول أو الاخير أو الوسط. إلا ان الصحيح كما ذكرناه في المبتدئة والمضطربة جعل العدد من الابتداء والاستحاضة بعد ذلك، وذلك للاخبار (2) الدالة على أن ذات العادة ترجع إلى عادتها وتستظهر بيوم أو يومين أو اكثر ثم هي مستحاضة، حيث جعلت الاستحاضة بعد التحيض وهي صريحة في المدعى. نعم هي واردة في ذات العادة الوقتية والعددية أو في الوقتية فقط، إلا أن منها ما يشمل ذات العادة العددية أيضا كصحيحة نعيم الصحاف عن أبى عبد الله (ع) في حديث حيض الحامل قال:


(1): راجع الوسائل: ج 2 باب 5 و 6 من أبواب الحيض. (2) الوسائل: ج 2 باب 5 و 10 من أبواب الحيض ح 6.

[ 378 ]

[ وإن كان هناك تميز لكن لم يكن وافقا للعدد فتأخذه وتزيد مع النقصان وتنقص مع الزيادة (1) ] (فلتمسك عن الصلاة عدد ايامها التي كانت تقعد في حيضها) (1) لان الحامل لا يلزم أن تكون ذات عادة وقتية وترى الدم في وقت معين هذا كله ظاهر لاخفاء فيه. وانما المهم فيما إذا اختلفت الصفات مع العدد فكانت عادتها سبعة ايام والدم الواجد للصفات اربعة ايام أو ثمانية فهل يجب تكميل الناقص وتنقيص الزائد ليتحد مع العادة أو لا؟ يأتي عليه الكلام في التعليقة الآتية فلاحظ. إذا لم يكن التمييز موافقا للعدد: (1) كما إذا تجاوز دمها العشرة وكان الواجد للصفات منه اقل من عشرة ايام حتى يمكن التمييز إلا انه لم يكن موافقا للعادة العددية كما إذا كان الدم واجدا للصفات ثمانية ايام وعادتها ستة أو كان الدم الواجد للصفات ستة ايام وعادتها ثمانية. ذكر (قده) أن مقتضى ما دل على أن ذات العادة ترجع إلى عددها تنقيص الزائد على الستة وتكميل الناقص لان لمدار انما هو عددها فالزائد ليس بحيض وان كان واجدا للصفات كما ان الفاقد حيض


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب الحيض ح 6.

[ 379 ]

إلى أن يكمل العدد لانها تتحيض بعددها. ولا يمكن المساعدة على شئ مما ذكره في التكميل والتنقيص: أما بالاضافة إلى تكميل الناقص فلان ما دل على أن ذات العادة ترجع إلى عددها فانما هو يختص بالمستحاضة للتي تجاوز دمها العشرة وكان بلون واحد بحيث لم يمكن التمييز بالصفات، واما إذا كان الدم الواجد للصفات اقل من عشرة كما في المقام فهو ليس من موارد لرجوع إلى العدد وانما هو من موارد التمييز بالصفات وقد دلت صحيحة أبي البختري (1) وغيرها من اخبار الصفات على أن دم الحيض اسود حار عبيط ودم الاستحاضة بارد اصفر ومقتضاها الحكم بحيض المرأة فيما نحن فيه ستة ايام وان كانت عادتها العددية ثمانية وذلك لصفرة الدم في اليومين الزائدين على الستة، والصفرة ليست بحيض. وقد خرجنا عن عمومه في ايام العادة فقط ولكن الصفرة في المقام ليست من الصفرة في ايام العادة لانها ليست بذات عادة وقتية لتكون لها أياما ويحكم فيها على الصفرة بكونها حيضا، وعليه فلا وجه لضم الصفرة إلى الستة وتكميلها إلى ثمانية ايام. نعم يمكن التكميل في بعض الفروض وهوما إذا كان الدم الواجد للصفات اقل من ثلاثة ايام فان مقتضى اخبار للصفات أن اليومين - مثلا - حيض ويستفاد منها بالدلالة الالتزامية أن الصفرة بمقدار يكمل بها ثلاثة ايام أيضا حيض لان الحيض لا يقل عن ثلاثة ايام. ولكن هذا أيضا مشكل لان جعل اليومين حيضا وتكميلها بيوم واحد


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 2 وغيرها من روايات الباب.

[ 380 ]

من الدم الاصفر معارض بما دل على أن (1) الصفرة ليست بحيض فانه يدل بالالتزام على عدم كون اليومين حيضا لانه لا يقل عن ثلاثة ايام فتحصل أن التكميل مما لا يمكن تتميمه بدليل. واما بالاضافة إلى التنقيص والحكم بعدم حيضية الدم في اليومين الزائدين على العادة وهي ستة ايام فلان الدم الواجد للصفات إذا لم يتجاوز عن العشرة فهو أيضا حيض لما دل (2) على أن كل دم تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى والمفروض في المقام أن الدم الذي رأته المرأة في المقام اقل من عشرة لان الصفرة وجودها كعدمها على ما قدمناه من أن للصفرة جعلت في مقابل الدم في بعض (3) للروايات فيصح أن يقال انها ليست بدم فالمرأة لم تر الدم زائدا على العشرة، وعليه فالمرأة عالمة بأن ما رأته من الدم الواجد للصفات حيض ولا تردد لها في الحيضية لترجع إلى العدد، إذ الرجوع إليه انما هو في صورة التحير والتردد كما إذا تجاوز الدم العشرة وكان جميعه بلون واحد اي متصفا بصفات الحيض، واما في المقام فلا تحير للمرأة كما ذكرناه. وعلى الجملة: أن الدم إذا كان واجدا للصفات ثمانية ايام مثلا وكانت عادة المستحاضة بحسب العدد هو الست لا وجه للاكتفاء بالست وجعل اليومين الزائدين استحاضة مع أن الدم فيهما واجد للصفات بدعوى انها وان كانت مستحاضة وقد رأت الدم اكثر من عشرة ايام إلا أن الصفرة


(1) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 6 و 16. (2) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب الحيض ح 3 و 5. (3) الوسائل: ج 2 باب 6 من أبواب الحيض ح 1 وباب 8 الحديث 4.

[ 381 ]

لما كانت مقابلة للدم في بعض الروايات فهي كالعدم فيصح أن يقال ان المرأة لم تر الدم زائدا على ثمانية ايام وتشملها الاخبار الدالة على أن كل دم تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة السابقة (1) من دون أن يعارضها ما دل على أن المستحاضة ترجع إلى عددها لانا فرضنا انهاكمن لم تر الدم زائدا على العشرة وكأنها ليست مستحاضة لان الصفرة في مقابل الدم هذا. ولكن تتميم ذلك مشكل جدا، إذ الحكم بان الدم متى ما اطلق يراد منه الدم الواجد للصفات يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه. فالصحيح في وجه الحكم بحيضية الثمان أن يقال: إن مقتضى الاخبار الدالة على أن ما تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى هو الحكم بحيضية الثمان لانها فرضت في الحكم بحيضية الدم المرئي قبل العشرة وجود حيضة قبل ذلك، والامر في المقام كذلك لاناقلنا بالرجوع إلى عادتها العددية ام بالرجوع إلى الصفات فالى اليوم السادس يحكم بحيضية الدم لا محالة. اذن لابد من الحكم بحيضية الزائد على الست أيضا لانه دم رأته المرأة قبل العشرة فالاخبار غير قاصرة الشمول للمقام نعم اطلاق تلك الروايات في المقام معارض بما دل (1) على أن المستحاضة ترجع إلى عددها فانها تقتضي الحكم بحيضية الست دون الزائد عليها ويتساقطان بالمعارضة فترجع إلى اخبار (3) الصفات الدالة على


(1) الوسائل: ج 2 باب 11 من أبواب الحيض ح 3 و 5. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض. (3) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض.

[ 382 ]

[ (مسألة 8): لا فرق في الوصف بين الاسود والاحمر فلو رأت ثلاثة ايام اسود وثلاثة احمر ثم بصفة الاستحاضة تتحيض بستة (1). ] أن دم الحيض ليس به خفاء لانه حار اسود عبيط، ومقتضاها الحكم بحيضية الثمانية كما ذكرناه. التسوية بين اوصاف الدم: (1) يأتي التعرض لذلك في المسائل الآتية ان شاء الله تعالى، وسيظهر أن ما افاده الماتن (قده) هو الصحيح ولا يمكن الاعتماد على ما نسب إلى جماعة من أن الاسود مقدم على الاحمر وهو مقدم على الاصفر وهو متقدم على الاكدر لانها استنباطات لا يساعدها الدليل. وذلك لان الاخبار الواردة في صفات الحيض من صحيحة حفص أبي البختري والمرسلة وغيرهما (1) انما دلتا على أن دم الحيض اسود ودم الاستحاضة بارد اصفر، ولا تعرض في شئ من تلك الروايات بالاحمر (2)، فيدور الامر بين ادراج الاحمر تحت الاسود والحكم بانه


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 2 و 4 وغيرهما من احاديث الباب. (2) نعم ورد في رواية محمد بن مسلم: الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 16، الا انها مرسلة.

[ 383 ]

اعم من الحمرة، وبين ادراجه تحت الاصفر والحكم بأنه اعم من الاحمر، إذ لا واسطة بين الحيض والاستحاضة ولا مجال لتثليث الاقسام والقول بأن الدم الاحمر ليس بحيض ولا باستحاضة. فإذا راجعنا الروايات رأينا أن الاسود يراد به الاعم من الاسود والاحمر. وذلك لان السواد بمفهومه المتعارف - كما في سواد الفحم - مما لا يوجد في الدم بوجه ولو وجد فهو اقل قليل ولا يمكن حمل الاخبار الواردة في أن دم الحيض اسود على المعدوم أو النادر مع كثرة النساء وكثرة حيضهن، فمنه يعرف أن المراد بالاسود هو اللون المناسب للون الدم حيث يعبر عن الدم شديد الحمرة بالاسود - حتى في زماننا - وعليه فالمراد بالاسود هو الاحمر وانما عبر عنه بذلك لشدة حمرته. ويكشف عن ذلك ما ورد في بعض الاخبار (1) من جعل المقابلة بين الدم والصفرة حيث ورد انها ترى البياض لا صفرة ولا دما أو انها إذا رأت الدم وإذا رأت الصفرة حيث يدلنا علي أن المراد بالاسود هو ما يقابل الاصفر احمر كان ام اسود، فان الصفرة ليست بدم، وما ورد في المرسلة من قوله (لان السنة في الحيض أن تكون الصفرة والكدرة فما فوقها في ايام الحيض إذا عرفت حيضا كله إن كان الدم اسود أو غير ذلك) (2) حيث جعلت السواد وغيره حيضا في قبال الصفرة والكدرة فما فوقها، فلا ترجيح للسواد على الحمرة ولا للصفرة على الكدرة فيدل ذلك على أن المراد بالاسود هو اللون المناسب للون الدم كما بيناه.


(1) تقدم ذكرها في آخر مسألة 7. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 4.

[ 384 ]

[ (مسألة 9): لو رأت بصفة الحيض ثلاثة ايام ثم ثلاثة ايام بصفة الاستحاضة ثم بصفة الحيض خمسة ايام أو ازيد تجعل الحيض الثلاثة الاولى (1). ] مورد التمييز بالصفات: (1) ذكر (قده) سابقا أن التمييز بالصفات انما هو فيما إذا لم يعارضه دم آخر واجد للصفات، وإلا فهي فاقدة للتمييز ولابد من أن ترجع إلى العدد أو الاقارب كما مر، ومقامنا هذا من هذا القبيل لان الحكم بحيضية الثلاثة معارض بالحكم بحيضية الخمسة إذ الحكم بحيضيتهما معا يستلزم كون الحيض احد عشر يوما، ومعه لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بالصفات، وعليه يكون ما افاده (قده) في هذه المسألة منافيا لما تقدم منه في اشتراط الرجوع إلى التمييز بعدم كونه معارضا بدم آخر مثله، إلا ان الظاهر ولا اقل من احتمال أن حكمه بجعل الثلاثة حيضا ليس من جهة التمييز بالصفات ليرد عليه انه مناف لما ذكره قبل ذلك، بل التمييز بالصفات غير ممكن للمعارضة، ومعه لابد أن ترجع المرأة إلى العدد مخيرة بين الثلاثة والستة والسبعة عنده (قده). ومن الظاهر أن الاخذ بالثلاثة حينئذ هو المتعين لان اخذ الست أو السبع مستلزم للمكمل من ايام الاستحاضة ولا مقتضي لجعل الاستحاضة

[ 385 ]

حيضا فيتعين الاخذ بالثلاثة وعليه فلا يكون ما ذكره في هذه المسألة منافيا لما تقدم منه سابقا. نعم ظاهر كلامه في المقام أن الحكم بجعل العدد في الاول حيث جعل الثلاثة حيضا مع إمكان جعل الثلاثة من الخمسة الاخيرة حيضا إنما هو من باب الحكم والفتوى، مع أنه انما حكم بجعل العدد في اول رؤية الدم من باب الاحتياط، إلا انه سهل لان الاحتياط لزومي والاحتياط اللازم بمنزلة الفتوى وهو ظاهر. وتوضيح الكلام في المقام: ان الماتن (قده) قد ذكر في المقام أن المرأة إذا رأت الدم ثلاثة ايام واجد ا للصفات وثلاثة أيام فاقدا لها وخمسة ايام واجدا للصفات تجعل الحيض الثلاثة الاولى، وتعرض لعين هذه المسألة سابقا عند تعرضه لاحكام المضطربة والمبتدئة وانهما يرجعان إلى التمييز بالصفات وذكر أن الرجوع إلى الصفات مشروط بأمرين: (أحدهما): أن لا يقل الدم عن ثلاثة ايام ولا يزيد على العشرة. و (ثانيهما) أن لا يعارضه دم آخر واجد للصفات، ومثل له بما إذا رأت الدم خمسة ايام اسود وخمسة ايام اصفر وخمسة ايام اسود فان الرجوع إلى الصفات في احدى الخمستين معارض بالاخرى ولا يمكن جعلهما معا حيضا ومعه تكون المرأة فاقدة للصفات، ولم يحكم بجعل الخمسة الاولى حيضا، لعدم كون الاسبقية في الوجود مرجحة. واما في المقام فقد ذكر انها تجعل الثلاثة الاولى حيضا وذكرنا ان

[ 386 ]

هذا بظاهره ينافي ما تقدم منه (قده) كما نقلناه. ولكن الصحيح عدم التنافي بينهما وذلك لان المرأة في كلتا المسألتين لا تتمكن من الرجوع إلى الصفات للمعارضة فلابد من أن ترجع إلى اقاربها أو إلى العدد مخيرة عنده بين الثلاث والست والسبع وعلى كلا التقديرين لابد من جعل العدد في اول ما تراه من الدم احتياطا لزوميا عنده بلا فرق في ذلك بين العدد المتخذ من الاقارب والعدد المتخذ من الروايات ومعه لابد للمرأة من جعل ثلاثة ايام من اول رؤيتها الدم حيضا في كلتا المسألتين لانها إذا رجعت إلى اقاربها فلا يحتمل أن تكون عادتهن اقل من ثلاثة، كما انها إذا رجعت إلى العدد أيضا لا يقل حيضها عن الثلاثة. نعم بعد ذلك لابد من تتميم الثلاثة بمقدار عادة النساء أو العدد الذي اختارته غير الثلاثة لان في اختيار الثلاثة لا حاجة إلى التكميل فتأخذ من الخمسة الاخيرة في كلتا المسألتين ما به تكمل عادة نسائها أو العدد الذي اختارته: لكنه لم يتعرض للمكمل في شئ من المسألتين: واما الوجه في عدم تعرضه في المسألة الاولى بجعل الدم الاول حيضا مع تعرضه له في المقام فهو أن في تلك المسألة لم يكن يتوهم الحاق الدم الاخير بتمامه أو ببعضه إلى الاول بوجه، ولو بدعوى أن كل دم تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة السابقة أو من جهة الاخذ باخبار الصفات بمقدار الممكن وهو ما به يتم عشرة ايام، بل الدم الاخير فيها محكوم بعدم الحيضية لا محالة، وإلا لو الحق الدم الاخير بالاول زاد الدم عن عشرة لان الخمسة الاولى مع الخمسة الوسطانية عشرة ايام ومع الحاق الخمسة الاخيرة إليها يزيد الحيض عن العشرة.

[ 387 ]

واما في المقام فللتوهم المذكور مجال إذ لا يزيد الاول على ما يلحق به من الدم الاخير على عشرة ايام - كما توهم أيضا - بان يحكم بالتحاق للدم من الخمسة الاولى إلى الدم الاول بمقدار يكمل به عشرة ايام أي تنضم اربعة ايام من الخمسة إلى الثلاثة حتى تكمل العشرة مع الدم المتخلل بينهما وهو ثلاثة ايام ويحذف اليوم الخامس لانه زائد عن العشرة بدعوى أن كل دم تراه المرأة قبل العشرة فهو من الحيضة الاولى أو بالاخذ بروايات الصفات بالمقدار الممكن. ولاجل دفع هذا التوهم ذكر أن الدم الاول لابد من جعله حيضا لا ان الحيض يجعل عشرة ايام بضم ما يكمل به العشرة من الدم الاخير إلى الدم الاول، ولم يتعرض لدفعه في المسألة الاولى إذا لم يكن لهذا التوهم فيها مجال كما عرفت، فالمسألتان ليستا متنافيتين. واما فساد هذا التوهم فهو أن اخبار الصفات قد سقطت بالمعارضة على الفرض فلا مجال للرجوع إلى التمييز بالصفات والحكم بجعل الدم الاول حيضا، وتتميمه عشرة ايام بالدم الاخير ليس بأولى من العكس وهو بجعل الخمسة الاخيرة حيضا وتتميمها عشرة - مع الدم المتوسط - من الدم الاول بأن ينضم إليها يومان من الثلاثة الآولى ويكون الدم في اليوم الاول منها استحاضة، مضافا إلى انه لا وجه للتبعيض في الدم المتساوي من حيث الصفات بجعل بعضه حيضا دون بعض. تحقيق الكلام في المسألتين: هذا كله في شرح كلام الماتن (قده) واما تحقيق الكلام في هاتين

[ 388 ]

المسألتين حيث لم نتعرض نحن لحكمها هنا ولا هناك، فهو: ان المرأة - في مفروض المسألتين - لا بد من أن ترجع إلى التمييز بالصفات وذلك لان اخبار الصفات وان كانت متعارضة بالاضافة إلى الدمين الواجدين للصفات، إلا انها بالاضافة إلى الدم المتوسط الفاقد لصفات الحيض مما لا معارض له، وقد عرفت أن المرسلة كما تدل على ان الاقبال والسواد امارة الحيض، كذلك تدل على أن الادبار والصفرة امارة الاستحاضة، فاذن ترجع المرأة إلى تلك الامارة وتحكم بعدم الحيضية في الدم المتوسط وكونه استحاضة وليس لها أن ترجع إلى اقاربها أو العدد لانهما مترتبان على فقد التمييز بالصفات وهذه المرأة ليست بفاقدة لها. على أن ادلة (1) الرجوع إلى العدد غير شاملة للمورد في نفسها وذلك لان مورده كما في المرسلة (2) ما إذا كانت الاستحاضة دارة وكان الدم بلون واحد في الجميع وليس الدم في المسألتين على لون واحد في الجميع كما عرفت، كما أن ما دل على الرجوع إلى الاقارب لا تشمله، لان العمدة فيه هي الموثقة (3) وهي مقيدة بالمبتدئة التي لا تعرف ايامها، وقد مر أن معرفتها لايامها لا يحتمل أن تكون بالعادة وانما المراد بها معرفتها بالتمييز، والمرأة متمكنة من التمييز في المقام فلا مناص من أن تجعل الدم الاصفر استحاضة من جهة الرجوع إلى التمييز. والذى يوضح ما ذكرناه أن المرأة إذا استحاضت مدة شهر واحد


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3. (3) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 2.

[ 389 ]

[ وأما لو رأت بعد الستة الاولى ثلاثة ايام أو اربعة بصفة الحيض تجعل الدمين الاول والاخير (1) وتحتاط في البين مما هو بصفة الاستحاضة (2) لانه كالنقاء المتخلل بين الدمين. ] إلا انها رأت الدم في العشرة الثانية والثالثة بلون الحيض، وفي العشرة الاولى بلون الاستحاضة فانه لا يمكن في حقها الحكم بانها فاقدة للتمييز فترجع إلى العدد أو عادة نسائها فتجعل الدم الاول الفاقد للصفات حيضا، والدمين الواجدين للاوصاف استحاضة. بل يقال انها متمكنة من التمييز في الدم الفاقد فيحكم بكونه استحاضة وان كانت الادلة بالاضافة إلى امارية السواد مثلا متعارضة في الدمين الواجدين للصفات. فإذا حكمنا بالاستحاضة في الوسط فتبقى المرأة وعلمها الاجمالي بالاضافة إلى الدمين الواجدين للصفات، لانها اما حائض في الاول ومستحاضة في الثاني أو العكس، أو نعلمها بكونها حائضا في مجموع تلك الايام لا محالة، ومعه لابد من الاحتياط في الدمين بالجمع بين افعال المستحاضة وتروك الحائض بعض فروع التمييز: (1) لانهما واجدان للاوصاف وقد رائتهما قبل العشرة. (2) لانه في حكم النقاء المتخلل بين الدمين وقد تقدم منه (قده) الاحتياط فيه وذكرنا نحن أن حكمه حكم الحيض ولا يعارض الحكم

[ 390 ]

[ (مسألة 10): إذا تخلل بين المتصفين بصفة الحيض عشرة ايام بصفة الاستحاضة جعلتهما حيضين (1) إذا لم يكن كل واحد منهما اقل من ثلاثة. (مسألة 11): إذا كان ما بصفة الحيض ثلاثه متفرقة في ضمن عشرة تحتاط في جميع العشرة (2). ] بالحيضية حينئذ بما دل على أن الصفرة امارة الاستحاضة لما تقدم من أن التردد في الحيضية حينئذ لم ينشأ عن وجود الدم لتكون صفرته امارة على الاستحاضة، والحمرة امارة على الحيض، وانما الحكم بالحيضية من جهة أن اقل الطهر عشرة ايام وما كان دون ذلك فهو ليس بطهر ومن ثمة حكمنا بالحيضية حينئذ حتى مع النقاء، والصفرة في مثله ليست امارة على الحيض كما قدمناه وقدمنا له وجها آخر أيضا فليلاحظ. (1) لانهما دمان واجدان للصفات مع الفصل بينهما بعشرة ايام. (2) أما في الثلاثة المتفرقة فلا حتمال عدم اشتراط التوالي في ثلاثة الحيض، ومن هنا احتاط الماتن (قده) في غير المتوالي سابقا. واما في المتخللات فلانها كالنقاء المتخلل بين حيضة واحدة وقد عرفت انه مورد الاحتياط عنده، ونحن لما ذكرنا في محله أن التوالي معتبر في الثلاثة فلا يلزمنا الاحتياط لا في الثلاثة لعدم كونها متوالية، ولا في غيرها لعدم كونها متخللة بين الحيضة الواحدة.

[ 391 ]

[ (مسألة 12): لابد في التمييز أن يكون بعضها بصفة الاستحاضة وبعضها بصفة الحيض (1) فإذا كانت مختلفة في صفات الحيض فلا تمييز بالشدة والضعف أو غيرهما كما إذا ] ما يعتبر في التمييز: (1) هذه المسألة متضمنة لعدة فروع وكان من حقها أن نجعل مسائل مستقلة. (منها): ان الصفات غير المنصوصة كالشدة والثخانة وغيرهما كالصفات المنصوصة مرجحة أو لا يمكن الترجيح بها. لا وجه للتعدي عن الاوصاف المنصوصة إلى غيرها سوى الظن والاستحسان وهما مما لا يمكن الاعتماد عليهما وان ذكر جملة من الاكابر كالمحقق الهمداني (قده) أن المرسلة تدل على المرأة تعين الحيض بظنها. إلا أنه مما لا يمكن المساعدة عليه ولا دلالة للمرسلة على ذلك بل مقتضى قوله (إذا كان الدم بلون واحد تتحيض بست أو بسبع) (1) أن غير اللون لا يمكن الترجيح به. إذا لا مسوغ للتعدي إلى غير المنصوص من الصفات إلا مجرد الظن والاستحسان ولا يمكن أن يعتمد عليها في مقابل اطلاق الاخبار لانه يقتضي عدم الاعتبار بالصفات غير المنصوصة.


(1): الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3.

[ 392 ]

[ كان في احدهما وصفان وفي الآخر وصف واحد بل مثل هذا فاقد التمييز. ولا يعتبر اجتماع صفات الحيض بل تكفي واحدة منها. ] و (منها): إن احد الدمين إذا كان واجدا لوصفين والآخر واجدا لوصف واحد، أو كان احدهما مشتملا على وصف واحد ولم يكن الآخر مشتملا على شئ من الاوصاف فهل يتقدم الواجد للوصفين على واجد الوصف الواحد، أو الواجد لوصف واحد على ما لا وصف له؟ أو لا؟. لا تبتني هذه المسألة على ملاحظة أن الامارة على الحيض هل هي مجموع الاوصاف للواردة في الاخبار، أو أن الامارة كل واحد واحد من الاوصاف بمعنى أن المعرف هو طبيعي الاوصاف؟ فعلى الاول: لا ترجيح لشئ من الدمين على الآخر لعدم اشتمالهما على مجموع الصفات وان اشتمل كل منهما على بعضها. وعلى الثاني: فيتقدم الواجد للوصف الواحد على فاقده لاشتماله على امارة الحيض، وتقع المعارضة بين الواجد للوصفين والواجد لوصف واحد لان الامارة الواحدة تعارض الامارتين والاكثر، والكثرة والقلة ليستا مرجحتين في الامارتين ومن ثمة لو قامت بينة مركبة من عدلين على شئ وقامت بينة اخرى مركبة من اربعة عدول على خلافها وقعت المعارضة بينهما كما قدمناه في بحث المياه. وكذا إذا كان احدهما مشتملا على صفة والآخر على صفة اخرى وتكون المرأة حينئذ فاقدة التمييز لا محالة

[ 393 ]

فنقول: - إن الاوصاف الواردة في الاخبار ستة وهي السواد والحرارة والكثرة والطراوة (وهي المراد من العبيط) والحرقة والدفع ويقابلها الصفرة والبرودة والقلة والفساد وعدم الحرقة والفتور. حيث جعلت الاولى معرفة إلى الحيض والثانية امارة على الاستحاضة ففي صحيحة معاوية بن عمار قال أبو عبد الله (ع) (ان دم الاستحاضة والحيض ليسا يخرجان من مكان واحد، إن دم الاستحاضة بارد وان دم الحيض حار) (1). وفي صحيحة حفص بن البختري قال: دخلت على أبي عبد الله (ع) امرأة فسألته عن المرأة يستمر بها الدم فلا تدري احيض هو أو غيره؟ قال: فقال لها (ان دم الحيض حار عبيط اسود له دفع وحرارة ودم الاستحاضة اصفر بارد فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة...) (2). وفي صحيحة اسحاق بن جرير: (ان دم الحيض ليس به خفاء هو دم حار تجد له حرقة ودم الاستحاضة دم فاسد بارد..) وفي صحيحة أبي المعزاء قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى كما ترى الحائض من الدم قال: (تلك الهراقة، إن كان دما كثيرا فلا تصلين وان كان قليلا فلتغتسل عند كل صلانين) (4).


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 2. (3) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 3. (4) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 5.

[ 394 ]

وفي مرسلة يونس الطويلة وقال ههنا (إذا رأيت الدم للبحراني فلتدع للصلاة) إلى أن قال: (وانما سماه أبي بحرانيا لكثرته ولونه) (1) وورد فيها أيضا (إذا اقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا ادبرت فاغتسلي وصلي) لان الظاهر من الاقبال والادبار هو كثرة الدم وقلته وان كان محتملا للاقبال والادبار من جهة اخرى. هذه هي الاوصاف الواردة في الاخبار وهي - كما عرفتها - ستة ويمكن ارجاعها إلى اربعة نظرا إلى ان الدفع لازم للكثرة كما ان الحرقة لازم الحرارة. وكيف كان: الظاهر من الاخبار أن المعرف إلى الحيض طبيعي الصفات حيث اقتصر في بعضها بذكر وصف واحد وفي بعضها وصفان وهكذا، وهذا ظاهر في أن المعرف هو الطبيعي على نحو صرف الوجود لا أن المعرف هو المجموع. ودعوى: أنه لابد من تقييد الاخبار بعضها ببعض. مندفعة: بأن الدم الواجد لتلك الاوصاف بأجمعها من الندرة بمكان وقلما يتحقق له مصداق في الخارج فكيف يمكن حمل تلك الروايات على مثله؟ على أن ذيل المرسلة اصرح شاهد على ما ادعيناه حيث انها بعدما قسمت السنن إلى ثلاث إلى آخر الرواية قال (فان لم يكن الامر كذلك ولكن الدم اطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارة وكان الدم على لون واحد وحالة واحدة فسنتها السبع) (1) الحديث فان مقتضى


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 3.

[ 395 ]

[ (مسألة 13): ذكر بعض العلماء الرجوع إلى الاقران مع فقد الاقارب ثم الرجوع إلى التخيير بين الاعداد ولا دليل ] ذلك أن كل واحد من الدمين إذا كان مساويا مع الآخر في وصف أو وصفين ولكن كان في احدهما صفة زائدة لم تكن تلك الصفة في الآخر ليس لها أن ترجع إلى العدد لعدم كون الدم على حالة واحدة أو لون واحد. إذا فالمعرف هو الطبيعي على نحو صرف الوجود لا مجموع الاوصاف المتقدمة. وعليه فالدم الواجد لوصف واحد متقدم على الدم العاري عن كل وصف لاشتماله على معرف الحيض كما مر، كما ان الدم الواجد لوصفين منها مع الدم الواجد لوصف واحد متعارضان لاشتمال كل منهما على معرف الحيض وهو طبيعي الصفات المتحقق في كليهما وقد عرفت ان الامارة الواحدة تعارض الامارتين. وكذلك الحال فيما إذا كان في احدهما وصف وفي الآخر وصف آخر فلا يمكن أن يقال ان المرأة حينئذ متمكنة من التمييز وحيث ان السنن منحصرة في ثلاث فلا مناص من أن يحكم على المرأة حينئذ بالرجوع إلى العدد لعدم تمكنها من التمييز بالصفات.

[ 396 ]

[ على فترجع إلى التخيير بعد فقد الاقارب (1). ] الرجوع إلى الاقران: (1) قدمنا ان الرجوع إلى الاقارب ورد في روايتين: (احدهما): رواية زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: (يجب للمستحاضة أن تنظر بعض نسائها فتقتدي باقرائها ثم تستظهر على ذلك بيوم) (1) وقد ادعي أن الرواية هكذا (فتقتدي باقرانها) بدلا عن (اقرائها) وبها استدل على أن المستحاضة إذا لم تتمكن من الرجوع إلى اقاربها ترجع إلى اقرانها، ويرد عليه: اولا: انها ضعيفة السند لعدم وثاقة طريق الشيخ إلى ابن فضال كما تقدم. ثانيا: إن نسخة (اقرانها) لم تبثت صحتها بل الصحيح هو (اقراؤها) كما في الوسائل. وثالثا: إن النسخة لو كانت هي اقرانها فهي انما تدل على الرجوع إلى اقران نسائها لاإلى مطلق الاقران كما ادعي ورابعا: مع الغض عن جميع ذلك انها لو دلت فانما تدل على الرجوع إلى الاقران في عرض الاقارب فمن اين يستفاد منها الترتيب


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 1. وتقدم طريق الشيخ إلى ابن فضال.

[ 397 ]

[ (مسألة 14): المراد من الاقارب اعم من الابويني والابي والامي فقط (1) ولا يلزم في الرجوع إليهم حياتهم. (مسألة 15): في الموارد التي تتخير بين جعل الحيض. ] وان الرجوع إلى الاقران انما هو بعد عدم التمكن من الرجوع إلى الاقارب فلا دلالة للرواية على المدعى. و (ثانيتهما): موثقة سماعة قال: سألته عن جارية حاضت اول حيضها فدام دمها ثلاثة اشهر وهي لا تعرف ايام اقرائها فقال: (اقراؤها مثل اقراء نسائها فان كانت نساؤها مختلفات فاكثر جلوسها) (1) وادعي أن قوله (اقراء نسائها) عام يشمل الاقران كما يشمل الاقارب. ويرد عليه: ان هذه الدعوى لو تمت فانما تثبت دلالة الموثقة على الاقارب واما ان الرجوع إلى الاقارب متقدم على الاقران كما هو المدعى فلا يستفاد منها بوجه. على أن الموثقة مشتملة على قرينة ظاهرة في أن المراد من نسائها هي الاقارب دون الاقران وهي قوله (فان كانت نساؤها مختلفان..) لان للنساء القابلة للانقسام إلى مختلفات بحسب العادة ومتفقات هي الاقارب فحسب لقلتهن فانهن قد يتفقن فيي ايامهن وقد يختلفن، واما النساء الاقران فهن لكثرتهن مختلفة في العادة دائما ولا توجد نساء بلدة واحدة أو اكثر - مثلا - متفقات في عادتهن فالرجوع إلى الاقران لادليل عليه. (1) لاطلاق الموثقة.


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب الحيض ح 2.

[ 398 ]

[ اول الشهر أو غيره (1) إذا عارضها زوجها وكان مختارها منافيا لحقه وجب عليها مراعاة حقه (2) وكذا في الامة مع السيد، وإذا ارادت الاحتياط الاستحبابي فمنعها زوجها أو سيدها يجب تقديم حقهما. نعم ليس لهما منعها عن الاحتياط الوجوبي (3). ] (1) كما في ذات العادة العددية حيث بنى الماتن (قده) فيها على انها ترجع إلى عددها ومن حيث الزمان تأخذ بما فيه الصفة ومع عدم التمكن من التمييز تجعل العدد في الاول على الاحوط وان كان الاقوى التخيير، وكذا في الناسية والمبتدئة والمضطربة فيما إذا قلنا برجوعهن إلى العدد من الثلاثة والستة والسبعة مخيرة بين جعل العدد في اول رؤية للدم أو غيره وان احتاط فيها الماتن (قده) بجعل العدد في اول رؤية الدم وذكرنا نحن أنه الاظهر. تنافي مختار المراة لحق زوجها: (2) لعدم تعين جعل العدد في زمان ينافي حق زوجها ووجوب اطاعة الزوج وتمكينه ومن الواضح أن غير الواجب لا يعارض الواجب، ومن ذلك يظهر الحال في الاحتياط الاستحبابي كما إذا قلنا باستحباب الاستظهار - مثلا - لان التمكين في الزوج واجب وهو مقدم على غير الواجب ولو كان مستحبا. (3) قد يكون الاحتياط مشتركا فيه بين الزوج والزوج والزوجة كما إذا

[ 399 ]

قلدا من يرى وجوب الاستظهار بيوم أو يومين أو اكثر فان المرأة كما يجب عليها الاحتياط فيها فلا تتمكن من مطاوعة زوجها كذلك الزوج يجب عليه فيها الاحتياط فلا يتمكن من وطي زوجته فلا يسوغ له مطالبة الزوجة بالجماع كما لا يجب عليها قبوله لحرمة تمكين الزوج من نفسها. وكذا الحال فيما إذا علم كل منهما اجمالا بأن عادة المرأة اما في آخر الشهر أو اوله إذ يجب على كل منهما الاحتياط، وفي هذه الموارد لا اشكال في عدم وجوب الطاعة من الزوجة والامة للزوج والسيد. وقد يجب الاحتياط على المرأة ولا يجب على الزوج، وهذا يتحقق وفي كل من الشبهات الحكمية والموضوعية كما إذا قلدت الزوجة من يرى وجوب الاستظهار بيوم أو بيومين أو اكثر واعتقد الزوج عدم وجوبه اجتهادا أو تقليدا، ونطيره من حيث اختلاف الزوج والزوجة ما إذا قلدت المرأة من يرى حرمة وطي الزوجة بعد نقائها وقبل الاغتسال، والزوج رأى جوازه أو قلدت هي من يرى حرمة وطي للزوجة في دبرها ايام حيضها أو مطلقا والزوج راى جواز ذلك اما مطلقا أو في ايام حيضها. وكذلك الحال في الشبهات الموضوعية كما إذا علمت المرأة اجمالا بأن وقتها اما هو آخر الشهر واما اوله ولكن للزوج علم بأن وقتها اول الشهر معينا. وفي هذه الموارد إذا كان الاحتياط متعلقا للامر المولوي كما في ايام الاستظهار بناءا على وجوبه، والاوامر الواردة في التوقف والاحتياط إذا قلنا انها مولوية شرعية أيضا لا كلام في ان السيد والزوج ليس لهما منع الامة أو الزوجة عن الاحتياط لان المرأة مأمورة بذلك ويحرم عليها

[ 400 ]

المطاوعة والتمكين من زوجها، ومعه لا يمكن الحكم بجواز المطالبة لهما إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولانه يستلزم الامر أو الترخيص في المعصية إذ لو كانت المرأة مأمورة بالمطاوعة مع فرض حرمتها في حقها كان ذلك من الامر بالمعصية. واما إذا لم يكن الاحتياط متعلقا للامر المولوي وانما وجب عقلا كما في موارد العلم الاجمالي أو الشبهات قبل الفحص وقلنا بأن اوامر التوقف والاحتياط أو امر ارشادية وليست بمنجزة للواقع لان الحكم الواقعي يتنجز قبلها فهي ارشاد إلى ما استقل به العقل. فقد يقال: إن أمر المرأة يدور بين الحرمة والوجوب لانها ان كانت حائضا فقد حرمت عليها المطاوعة من زوجها وان كانت مستحاضة وجب عليها التمكين والقبول، والزوج غير مكلف بالاحتياط وترك المطالبة فله أن يطالب بحقه كما أن لها القبول لانها مخيرة لا محالة، لدوران امرها بين المحذورين. ويدفعه: أن المرأة وان لم تكن مأمورة بالاحتياط حينئذ شرعا إلا أن تمكينها معصية لا محالة، ذلك لان المعصية لغة وشرعا غير متوقفة على العلم بالحكم الواقعي أو بما قامت عليه الحجة شرعا بل المعصية هي كل عمل لم يرد فيه ترخيص من قبل المولى لانه تصرف في سلطانه وخروج عن زي للعبودية ووظيفة الرقية وان لم يكن هناك حكم واقعي ولا ظاهري، ومن ثمة قلنا ان المتجري يستحق العقاب مع عدم ارتكابه المحرم الواقعي فان اقدامه بما لا مسوغ للاقدام عليه هتك وتمرد على المولى. ومن جملة الموارد التي استعملت فيها المعصية في غير موارد للحكم

[ 401 ]

الواقعي أو الظاهري قوله تعالى (فعصى آدم ربه فغوى) (1) وذلك لما بيناه في التفسير من أن نهيه تعالى عن اكل الشجرة كان نهيا ارشاديا إلى ما يترتب عليه من المفاسد والمشقات اعني الخروج عن الجنة والاحتياج إلى تهيئة المأكل والمشرب وغيرهما مما يحتاج إليه البشر في حياته كما اشير إليه في الآيات المباركات (وأن لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى) (2) ولم يكن نهيا مولويا لينافي نبوة آدم (ع) ومع عدم حرمة العمل ظاهرا ولا واقعا اطلق على ارتكابه عنوان المعصية لانه لم يكن بمرخص مولوي. ومن ذلك أيضا ما ورد في بعض الروايات من قوله (ع) لانه انما عصى سيده ولم يعص الله (3) فإذا كان تمكين المرأة حينئذ عصيانا ومعصية فيشمله ما قدمناه من انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وليس الحكم بوجوب الطاعة والتمكين في عرض الحكم بحرمتهما وانما هما طوليان فان الطاعة انما تجب في غير موارد الحرمة ومعصية الله سبحانه ولا وجوب في موارد المعصية وقد ورد في بعض الاخبار (4) ان طاعة الزوج انما هي فيما إذا استحلت بها الصلاة. وعليه فما افاده الماتن (قده) من ان السيد والزوج ليسا لهما منع الامة أو الزوجة عن الاحتياط الوجوبي هو الصحيح.


(1) و (2) طه: 121 - 118. (3) الوسائل: ج 14 باب 24 من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1، 2. (4) ورد في رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (وكل شئ استحلت به الصلاة فليأتها، باب 1 استحاضة من الوسائل.

[ 402 ]

[ (مسألة 16): في كل مورد تحيضت من اخذ عادة أو تمييز أو رجوع إلى الاقارب أو إلى التخيير بين الاعداد المذكورة فتبين بعد ذلك كونه خلاف الواقع يلزم عليها التدارك بالقضاء أو الاعادة (1). ] لزوم التدارك عند انكشاف الخلاف: (1) لعدم اتيانها بالوظيفة الواقعية حينئذ ولا تبتني هذه المسألة على مسألة اجزاء الاحكام الظاهرية عن الواقعية وعدمه بل لو قلنا في تلك المسألة أيضا بالاجزاء لا نلتزم به في المقام وذلك لان مسألة الاجزاء انما هي فيما إذا أتى المكلف بالعمل على طبق الامر الظاهري وكان المأمور به الواقعي على خلافه فيقع الكلام حينئذ في ان العمل على طبق الحكم الظاهري يجزي عن الواقع أو لا يجزي. والامر في المقام ليس كذلك لان المرأة إذا اخذت بالتحيض من اول الشهر مثلا وتركت الصلاة وغيرها من العبادات ثم انكشف أن عادتها انما هي من اليوم الخامس مثلا وقد نسيتها فلم يصدر منها شئ فانها لم تأت بعمل ليوافق الواقع أو يخالفه حتى يقال ان عملها على طبق الحكم الظاهري يجزي عن الواقع أو لا يجزي. وكذلك الحال فيما إذا بنت على طهارتها فصلت وصامت ثم انكشف أن تلك الايام هي ايام عادتها واما السابقة عليها فلم تكن من عادتها

[ 403 ]

فانها وان أتت بالصوم حينئذ إلا انه لا امر به في حقها واقعا ليوافقه أو يخالفه لانها في الواقع لم تكن مأمورة بالصوم ليكون ما أتت به على طبق الامر الظاهري موافقا للواقع أو مخالفا له حيث لا امر في الواقع - كما عرفت - هذا بالاضافة إلى صومها. واما صلاتها فلا اثر لاتيانها حينئذ إذ لا يجب قضاءما فات منها في ايام العادة. نعم إذا بنت على طهارتها وأتت بقضاء صلوات كانت في ذمتها ثم تبين انها ايام عادتها، وصلاتها المأتي بها قضاءا باطلة فوجوب الاتيان بها قضاءا ثانيا وعدمه يبتني على أن العمل على طبق الحكم الظاهري مجز عن الواقع أو غير مجز لانها أتت بالعمل على طبق حكمها الظاهري وكانت في الواقع مكلفة بذلك العمل مشروطا بالطهارة وهي غير طاهرة وبما أنا بنينا في محله على عدم اجزاء الاحكام الظاهرية عن الواقعية فلا مناص من أن تأتي بالقضاء في غير تلك الايام ثانيا.

[ 404 ]

[ فصل في احكام الحائض وهي أمور: (احدها): يحرم عليها العبادات المشروطة بالطهارة كالصلاة والصوم والطواف والاعتكاف (1). ] فصل في احكام الحائض (1) لا ينبغي الاشكال في بطلان العبادات الصادرة من الحائض كالصلاة والصوم ونحوهما مما يشترط فيه الطهارة، كما لا اشكال في حرمتها التشريعية. وانما الكلام في انها محرمة ذاتا أو ليست محرمة بالذات. وتفصيل الكلام يقع في ضمن جهات: (الاولى): ان محل الكلام في هذه المسألة انما هو العبادات الصادرة من الحائض قبل نقائها من الدم واما العبادة بعد نقائها وقبل الاغتسال فهي أيضا وان كانت باطلة من غير كلام لفقدانها الطهارة التي هي من شرائطها إلا أن الحرمة الذاتية فيها غير محتملة ذلك مضافا إلى التسالم وعدم نقل القول بالحرمة الذاتية حينئذ إذ فقدان الطهارة كفقدان العبادة غير الطهارة من الشرائط فكما لا تكون الصلاة إلى غير القبلة محرمة بالذات فلتكن الصلاة من غير طهارة أيضا كذلك، وهذا لانه

[ 405 ]

لادليل عليها. وما يمكن أن يستدل به على حرمة العبادات الصادرة من الحائض بعد نقائها وقبل الاغتسال موثقة مسعدة بن صدقة: (اني امر بقوم ناصبة وقد اقيمت لهم الصلاة وانا على غير وضوء فان لم ادخل معهم في الصلاة قالوا ما شاءوا أن يقولوا افصلي معهم ثم اتوضا إذا انصرفت واصلي؟ فقال جعفر بن محمد (ع) (اما يخاف من يصلي من غير وضوء ان تأخذه الارض خسفا) (1) حيث دلت على أن الصلاة من غير طهارة من دون أن يقصد بها القربة موجبة للعذاب والعقاب ولا يكون ذلك إلا في ارتكاب امر محرم بالذات ويرد على الاستدلال بها: ان هذه الرواية لا تقاوم التسالم في المسألة لانها ضعيفة السند حيث لم تثبت وثاقة مسعدة بن صدقة (2) فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية بوجه. على انالا نحتمل حرمة الاتيان بذات الصلاة من الركوع والسجود وغير هما لا بعنوان العبادة بحيث لو ارادت الحائض أن تعلم الجاهل الصلاة ارتكبت محرما، أو أن الحائض إذا امسكت عن الطعام لعدم اشتهائها لا للعبادة كان محرما فانه مما لم يقم عليه دليل. ومعه ماذا كان يمنع الشيعي أن يدخل معهم في الصلاة من غير وضوء من دون أن يقصد بها القربة فانه مما لا حرمة فيه ولا يكون مثله موجبا للعقوبة المذكورة بوجه فلو لم تتمكن إلا من الصلاة معهم بقصد العبادة فهي أيضا لا يحتمل حرمتها لان الاضطرار والتقية يرفعان


(1) الوسائل: ج 1 باب 2 من أبواب الوضوء ح 1. (2) وقد فصل فيه في المعجم ج 18 ص 161 فليلاحظ.

[ 406 ]

الحرمة لا محالة. فهذه الرواية لو كانت سليمة السند لم يمكن الاعتماد عليها فضلا عما إذا كان سندها موردا للمناقشة كما عرفت، فمحل الكلام في المقام انما هو العبادة الصادرة من الحائض قبل انقطاع دمها (الجهة الثانية): إن الحائض تارة تأتي بالعبادة بقصد امرها الجزمي فتصلي أو تصوم قاصدا بها امتثال الامر المتعلق بهما جزما. وهذا لا شبهة في حرمتها التشريعية لان الله تعالى لم ياذن لها بذلك إذ لا امر للحائض بالعبادة فتكون داخلة في قوله تعالى (قل الله اذن لكم ام على الله تفترون) (1) فإذا قلنا بحرمة عبادات الحائض ذاتا تتصف بحرمتين ذاتية وتشريعية. ولا مانع من اجتماع حرمتين في شئ واحد إذا كان بعنوانين كما إذا أتى المكلف بشئ من المحرمات الذاتية بداعي امره الجزمي كما قد ينسب إلى بعض الصوفية حيث يشربون الخمر للتقرب به إلى الله تعالى فانه محرم بالذات ومحرم تشريعا أيضا. واخرى: تأتي الحائض بالعبادة لا بعنوان العبادة بل بعنوان آخر كعنوان التعليم ونحوه وهذا أيضا لا شبهة في عدم حرمته لا تشريعا إذ لم تنسب إلى الله امرا قط ولم تقصد القربة بوجه، ولا ذاتا لما تقدم من أن ذوات الامور العبادية مما لا دليل على حرمتها. وثالثة: تأتي بالعبادة لا على النحو الاول اعني بقصد امرها الجزمي ولا على النحو الثاني بان تأتي بها لا بعنوان العبادة بل تأتي بها بعنوان العبادة لكن بقصد الرجاء واحتمال مطلوبيتها واقعا، وهذا كما في موارد


(1) يونس: 59.

[ 407 ]

التردد في انها حائض أو طاهرة فتأتي بالصلاة مثلا لاحتمال مطلوبيتها وليست في ذلك حرمة تشريعية بوجه إذ لم تسند إلى الله الامر بها، وانما الكلام في انها محرمة بالذات أو انها غير محرمة بالذات كما هي ليست محرمة تشريعية وقد قدمنا ان العبادات بناءا على كونها محرمة ذاتية على الحائض لا تتمكن المرأة من الاحتياط بل يدور امرها بين الحرمة والوجوب ولكنه قد يقال بانها متمكنة من الاحتياط ولا ثمرة بين القول بحرمتها الذاتية وعدمه وذلك لان المرأة إذا اتت بالعبادة باحتمال كونها طاهرة في الواقع فان كانت في الواقع أيضا طاهرة وهي مكلفة بالصلاة فقد حصل بها الامتثال لانها اتت بوظيفتها على الفرض وإذا كانت حائضا في الواقع فهي لم تأت بالعبادة اصلا لانها انما قصدت العبادة على تقدير كونها طاهرة في الواقع ومأمورة بالصلاة لانه معنى اتيانها باحتمال مطلوبيتها فإذا لم يحصل المعلق عليه وهو كونها طاهرة لم تحصل العبادة. نعم اتت بذات العمل من اجزائه وشرائطه إلا انها مما لا يحتمل حرمته كما مر. وقد يقرب هذا المطلب على نحو آخر وهو أن الاتيان بالعمل باحتمال مطلوبيته واقعا انما هو انقياد والعقل مستقل بحسنه لانه والطاعة من باب واحد ولا يمكن أن تطرء عليه الحرمة والقبح بوجه لانه نظير كون الاطاعة محرمة وهو مما لا معنى له. وعليه فلم تبق ثمرة مترتبة على القول بالحرمة الذاتية فان موضوع الحرمتين شئ واحد وهو ما إذا اتت بالعبادة بداعي امرها الجزمي

[ 408 ]

وذلك لان المرأة إذا اتت بالعبادة بقصد امرها الجزمي فهي محرمة قطعا في حقها للتشريع سواء أكانت محرمة عليها بالذات أيضا ام لم تكن، وإذا اتت بها بداعي الاحتمال فلا حرمة عليها مطلقا - قلنا بالحرمة الذاتية ام لم نقل -. ولكن الامر ليس كذلك، وذلك لانا ان قلنا بتمامية ما استدل به على الحرمة الذاتية فمقتضى اطلاقها أن ما يؤتى به عبادة محرم بالذات سواء اكانت عبادته من جهة قصد امرها الجزمي ام من جهة قصد امرها الاحتمالي فان قوله (ع) فلتمسك عن الصلاة يقتضي حرمة الصلاة على الحائض اتت بها بداعي امرها الجزمي ام بداعي احتمال الامر. واما ما ادعي من أن المرأة حينئذ لم تأت بالعبادة إذا كانت حائضا واقعا ففيه خلط ظاهر بين الامور الاعتبارية والامور الواقعية حيث ان الامور الاعتبارية اختيارها بيد المعتبر فقد ينشؤها المنشأ ويوجدها مطلقا وقد ينشؤها ويوجدها معلقة على شئ فيقول: هي ان كانت زوجتي طالق أو بعتك هذا الكتاب إن كنت ابن عمي أو ابحتك هذا المال ان كنت اخي، فان الطلاق والبيع والاباحة انما تتحقق على تقدير تحقق ما علقت عليه بحيث لا طلاق ولا بيع ولا اباحة حقيقة على تقدير عدم تحقق المعلق عليه فان التعليق انما هو في المنشأ لا في الانشاء. نعم قد يوجب التعليق بطلان المعاملة وقد لا يوجبه وهو امر آخر تعرضنا لتفصيله في محله. واما الامور الواقعية فأمرها مردد بين الوجود والعدم فهي اما أن تكون موجودة واما ان تكون معدومة ولا معنى فيها لكونها موجودة على تقدير كذا، فلو ضرب احدا على انه عدوه لا معنى لكون الضرب

[ 409 ]

معلقا على كونه عدوه بحيث لو كان صديقه لم يضربه فان الضرب قد تحقق على الفرض سواء اكان المضروب صديقه ام عدوه. وكذا إذا شرب المابع على تقدير انه ماء أو اقتدى باحد على تقدير انه عمرو لان الشرب والاقتداء قد تحقق كان المشروب ماءا غيره وكان الامام عمروا ام لم يكن. وعليه ما معنى قصد المرأة العبادة على تقدير كونها طاهرة واقعا؟ فان القصد امر واقعي اما ان يكون موجودا واما أن لا يكون، واما قصدها معلقا على شئ فهو مما لا معنى له بل الصحيح انها قاصدة للعبادة مطلقا، غاية الامر ان قصدها وحركتها نشأت من احتمالها الامر لا من الامر الجزمي. واما ما ادعي من أن الاتيان بالعبادة بداعي احتمال الوجوب انقياد وهو حسن لا يطرء عليه القبح والحرمة فنعم وان كان الامر كما افيد، إلا أن الكلام في تحقق الانقياد مع احتمال الحرمة الذاتية إذ يتعارض احتمال الوجوب مع احتمال الحرمة حينئذ فلا يمكنها التحرك من احدهما فهل ترى انه يمكن أن يأتي بشئ من المحرمات بداعي احتمال الوجوب والانقياد؟ فالانصاف ان موضوع الحرمتين متغاير لان موضوع الحرمة التشريعية هو الاتيان بالعبادة بقصد امرها الجزمي، وموضوع الحرمة الذاتية هو الاتيان بالعبادة الاعم من تحققها بقصد الامر الجزمي وقصد الامر الاحتمالي. (الجهة الثالثة): فيما استدل به على الحرمة الذاتية. المعروف بينهم عدم كون العبادة على الحائض محرمة ذاتا، وانما

[ 410 ]

حرمتها تشريعية فقط، وذهب جمع إلى انها محرمة بالذات واختياره المحقق الهمداني (قده) وغيره واستدلوا على ذلك بوجوه: (منها): قوله صلى الله عليه وآله (دعي الصلاة ايام اقرائك) (1). فان ظاهر الامر بالترك والدعة انه امر مولوي، وبما انا لا نحتمل أن يكون ذلك من جهة المصلحة في ترك الصلاة فيستكشف من الامر بتركها أن في فعل الصلاة مفسدة وهي محرمة على الحائض بالذات ولذا امرها صلى الله عليه وآله بتركها. ويدفعه: ان هذه الجملة لم ترد في كلام النبي صلى الله عليه وآله ابتداءا ليدعى أن ظاهره حرمة العبادة على الحائض، وانما ورد بعد السؤال عن حكم المستحاضة التي لم تشخص حيضها من غيره، فأمرها صلى الله عليه وآله بتركها الصلاة في ايام اقرائها، فهذه الجملة واردة لبيان طريقية ايام العادة إلى الحيض وانها امارة عليها ولم تصدر لبيان أن العبادة محرمة على الحائض وان تركها واجب لانه امر معلوم لكل احد فان الصلاة غير واجبة على الحائض، وانما ورد للدلالة على أن ايام العادة طريق إلى حيضية الدم المرئي فيها. هذا على أنا لو سلمنا انها واردة لبيان وجوب ترك الصلاة أيضا لا دلالة لها على أن العبادة محرمة على الحائض بالذات، وذلك لان حالها حال بقية النواهي الصادرة عنهم (ع) لبيان ترك العبادة والمركبات عند فقدها جزءا أو شرطا كما في نهيه عن السجود على ما يؤكل ونهيه عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه ونهيه عن الصلاة إلى غير القبلة وغير ذلك من النواهي.


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب الحيض ح 2.

[ 411 ]

وقد ذكرنا في موردها أن الاوامر والنواهي الواردة في المركبات قد انقلبت عن ظهورها الاولى إلى ظهور ثانوي في الارشاد إلى جزئية شئ أو شرطيته أو الارشاد إلى مانعيته أو الارشاد إلى الفساد واظهر منها المعاملات كنهيه صلى الله عليه وآله عن البيع الغرري أو المنابذة ونحوهما لانه ظاهر في الارشاد إلى فساد تلك المعاملات، وامره بترك الصلاة في ايام العادة أيضا كذلك لانه اارشاد إلى اشتراط الطهارة في الصلاة وفسادها في حالة الحيض فلا ظهور لها في الامر المولوي حتى يستدل به على كون العبادات محرمة ذاتية على الحائض. و (منها): ما ورد في روايات الاستظهار من الامر بالاحتياط بترك العبادة لان العبادة لو كانت محرمة تشريعا لكان الاحتياط في فعل الصلاة بداعي احتمال الوجوب لا في تركها فيدل الامر بالامر بالاحتياط بتركها انها محرمة بالذات على الحائض. ويدفعه: انا لو سلمنا سند الرواية المشتملة على الامر بالاحتياط وظهورها في ذلك يتوجه على الاستدلال بها ما قدمناه من أن العبادة بناءا على حرمتها الذاتية على الحائض إذا ترددت المرأة في طهرها وحيضها لا تتمكن من الاحتياط لدوران امرها بين الوجوب والحرمة لانها إن كانت طاهرة في الواقع فالصلاة واجبة في حقها وان كانت حائضا فهي محرمة عليها، ومعه لا معنى للاحتياط بترك العبادة. اذن لا مناص من توجيه الامر بالاحتياط على كلا القولين قلنا بالحرمة التشريعية ام قلنا بالحرمة الذاتية. ودعوى: أن الامر بالاحتياط بتركها من جهة احتمال اهمية الحرمة. مندفعة: بأنها أيضا مما لا وجه له ذلك لانه مضافا - إلى ان

[ 412 ]

الترجيح باحتمال الاهمية يختص بالمتزاحمين - اعني التكليفين الثابتين في انفسهما مع اشتمالهما على الملاك ولا يمكن الترجيح به في المتعارضين كما في المقام للشك في أن الثابت هو الحرمة أو الوجوب فان احتمال الاهمية في احدهما لا يترتب عليه اثر حينئذ لعدم العلم بثبوته وان كان اهم على تقدير الثبوت، إلا أن نسبة البرائة إلى كل من الاحتمالين على حد سواء لعدم العلم بثبوته فلا يترجح احدهما على الآخر وان كان احدهما على تقدير ثبوته اهم من الآخر -. لا يكون الاخذ بأحد الاحتمالين من جهة احتمال الاهمية احتياطا بوجه، على انا لا نحتمل اهمية حرمة الصلاة على وجوبها كيف والصلاة عمود الدين وهي المائز بين للكفار والمسلمين؟ وكيف يحتمل اهمية تكليف لم يرد في الكتاب على الفريضة الواردة في الكتاب العزيز كما في قوله تعالى (ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا)؟ (1). فتحصل أن الامر بالاحتياط بترك العبادة مما لابد من توجيهه على كلا المسلكين. واما الرواية المشتملة على الامر بالاحتياط بترك العبادة فهي روايتان: (إ حداهما): رواية اسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (ع) قال: (المستحاضة تقعد ايام قرئها ثم تحتاط بيوم أو يومين...) (2) (ثانيتهما): موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المستحاضة ايطأها زوجها وهل تطوف بالبيت؟


(1) النساء: 103. (2) الوسائل ج 2 باب 13 من أبواب الحيض ح 7 وباب 1 من أبواب الاستحاضة ح 10.

[ 413 ]

قال: تعقد فرؤها الذي كانت تحيض فيه فان كان قرؤها مستقيما فلتأخذ به وان كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو بيومين ولتغتسل ولتستدخل كرسفا فان ظهر عن الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفا آخر ثم تصلي فإذا كان دما سائلا فلتؤخر الصلاة إلى الصلاة... إلى أن قال: وكل شئ استحلت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت) (1). اما الرواية الاولى: فهى ضعيفة بالقاسم الواقع في سندها (2)، وأما دلالتها فهي أيضا قابلة للمناقشة إذ لم يذكر فيها أن الاحتياط بيوم أو يومين من اي جهة؟ نعم: بضم الاخبار الواردة في الاستظهار وان المرأة تترك فيها الصلاة يمكن أن يقال إن المراد فيها بالاحتياط هو ترك العبادة واما في نفسها فلا ظهور لها في ذلك، فلو كنا وهذه الرواية لاحتملنا من ذلك ارادة ترك الدخول في المساجد وغيره من المحرمات دون ترك العبادات. واما الرواية الثانية: فهى وان كانت تامة من حيث السند، إلا أن دلالتها غير ظاهرة حيث تدل على ان المرأة غير المستقيمة العادة تحتاط بيوم أو بيومين، والمرأة غير مستقيمة العادة اما هي مضطربة أو مبتدئة أو ناسية وقد عرفت عدم وجوب الاستظهار على شئ منهن، وحمل غير مستقيمة القرء على ذات العادة التي قد تتقدم بيوم أو يتأخر كذلك كما حمله صاحب الحدائق خلاف الظاهر لا يصار إليه. على أن الاحتياط فيها أيضا لم يذكر انه من جهة ترك العبادة


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 8. (2) كذا بنى عليه - دام ظله - اولا ثم انه عدل عنه اخيرا وبنى على وثاقته لوجوده في اسناد كامل الزيارات.

[ 414 ]

لان السابق على تلك الجملة امران: (احدهما): السؤال عن أن الزوجة يطأها أو لا يطأها. (وثانيتهما): السؤال عن انها هل تطوف بالبيت أو لا تطوف. فليحمل الاحتياط على ترك زوجها لوطئها وعلى عدم طوافها حتى تتيقن بطهارتها لان الطواف واجب موسع فأين دلالتها على الاحتياط بترك العبادة، بل قوله (ع) في ذيلها (وكل شئ استحلت به الصلاة فليأتها زوجها ولتطف بالبيت) قرينة على ما ادعيناه من أن الاحتياط هو ترك الوطي والطواف إلى أن تقطع بطهارتها وارتفاع حيضها ووجوب الصلاة عليها؟ واما قوله قبل ذلك: (ولتغتسل ولتستدخل كرسفا.. إلى قوله: ثم تصلي) فهو لا يدل على ان هذه الامور بعد الاحتياط بيوم أو يومين بل يلائم مع كونها في نفس ذلك اليوم أو اليومين فتغتسل فيها وتستدخل الكرسف ثم تصلي، فلا يستفاد منها أن الاحتياط اريد منه ترك العبادة يوما أو يومين. على أنه لو كان اريد منه ذلك لابد من توجيهه على كلا القولين كما عرفت. و (منها): صحيحة خلف الواردة في اشتباه دم الحيض بدم العذرة حيث ذكر للامام (ع) انه سأل عن حكم ذلك من الفقهاء فأجابوا بأن المرأة تصلي حينئذ ولا تترك صلاتها ثم ان كانت طاهرة في الواقع فقد اتت بفريضتها، وإذا كانت حائضا في الواقع فقد وقعت صلاتها لغوا ولا شئ عليها. ولم يرض الامام (ع) بما افتى به الفقهاء وقال: (ان الله رضي لهم بالضلال فارضوا لهم بما رضى الله به) ثم

[ 415 ]

قال (ع) ان المرأة يجب عليها أن تتقي الله بقوله: (فلتتق الله ان كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة.. وان كان من العذرة فلتتق الله ولنتوضأ) (1). فقد امرها (ع) بالتقوى والامساك عن الصلاة على تقدير كون الدم حيضا كما امرها بالتقوى والاتيان بالصلاة إن كان الدم دم عذرة فان الصلاة إذا لم تكن محرمة على الحائض بالذات لم يكن وجه لمنعه (عليه السلام) عن الاتيان بالصلاة بداعي الرجاء والاحتمال كما ذكره الفقهاء فان المرأة حينئذ ان كانت طاهرة في الواقع فقد اتت بفريضتها وان كانت حائضا فلم ترتكب محرما لانها اتتها بالاحتمال، فلا حرمة تشريعية في البين كما لا حرمة ذاتية، فيستفاد من منع الامام (ع) عن ذلك وامرها بترك الصلاة انها محرمة على الحائض بالذات بحيث لو كان حائضا في الواقع واتت بها ولو رجاءا ارتكبت محرما لان الصلاة بذاتها محرمة وقد ذكر المحقق الهمداني (قده) ان هذه الرواية صريحة أو كالصريحة في أن العبادة من الحائض محرمة بالذات ولكن الجواب عن ذلك ظاهر، وهو أن المحكي من كلام الفقهاء في هذه الرواية غير مشتمل على افتائهم بأن المرأة تأتي بصلاتها حينئذ بداعي الاحتياط والرجاء، بل ظاهره انهم افتوا بوجوب الصلاة عليها كما كانت تصلي في الايام السابقة اعني بقصد امرها نظرا إلى انها ان كانت طاهرة فقد اتت بوظيفتها وان كانت حائضا فلم تأت بالحرام وانما وقعت صلاتها لغوا وقد غفلوا عن أن اتيانها بقصد الامر حينئذ تشريع


(1) الوسائل: ج 2 باب 2 من أبواب الحيض ح 1.

[ 416 ]

محرم لان الحائض غير مأمورة بالصلاة، ومن هنا لم يرتض به الامام (ع) وقال: انها تتقي الله وتمسك عن الصلاة اي عن تلك الصلاة التي اوجبها الفقهاء وهي الصلاة كالصلاة في الايام السابقة وذلك لانها تشريع محرم. ثم بين طريق استكشاف أن الدم حيض أو دم عذرة فلا تعرض في الرواية لحكم اتيان المرأة الصلاة بداعي الرجاء والاحتمال نفيا ولا اثباتا، حتى يقال إن منعه (ع) عن الصلاة بداعي الاحتياط كاشف عن أن الصلاة محرمة على الحائض في ذاتها وإلا لم يكن وجه لمنعه (ع) عن الاحتياط. وعليه فحال هذه الرواية حال بقية الاخبار الناهية عن الصلاة في ايام الحيض كقوله (لا تحل لها الصلاة) (1) وقوله (تدع الصلاة) (2) وغير ذلك من العبائر، وقد قدمنا انها ظاهرة في الارشاد إلى الفساد أو مانعية الحيض. وعليه فالانصاف عدم ثبوت الحرمة الذاتية في عبادة الحائض بوجه. ومع عدم حرمة العبادة ذاتا على الحائض تتمكن من الاحتياط في موارد العلم الاجمالي بالحيض والاستحاضة أو غيرهما من موارد احتمال الحيض. بل الظاهر ان امكان الاحتياط متسالم عليه بينهم، وذلك لانهم في موارد العلم الاجمالي بالحيض والاستحاضة يحتاطون بالجمع بين احكام الحائض والمستحاضة فلو كانت العبادة محرمة ذاتا على الحائض ولم تتمكن من الاحتياط فما معنى الجمع بين تروك الحائض وافعال المستحاضة التي


(1) الوسائل: ج 2 باب 39 من أبواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب الحيض ح 4.

[ 417 ]

[ (الثاني): يحرم عليها مس اسم الله (1) وصفاته الخاصة بل غيرها ايضا إذا كان المراد بها هو الله. ] منها الصلاة. ثم انا لو التزمنا بالحرمة للذاتية فهل تختص الحرمة بالفرائض الخمسة من الصلاة ولا تعم مثل صلاة الآيات، أو نلتزم بعمومها لجميع الصلوات؟ ذكر صاحب الحدائق أن الحرمة مختصة بالفرائض الخمسة ولا حرمة لغيرها. إلا انه مما لا وجه له، لاطلاق الاخبار (1) الناهية عن الصلاة في حال الحيض ولان المستفاد منها ان الله لا يحب العبادة في تلك الحالة، وهذا لا يفرق فيه بين الفريضة اليومية وغيرها وقد ورد في بعض الاخبار (ان الله احب أن لا يعبد إلا طاهرا) (2) فلافرق في الحرمة - على القول بها - بين الفرائض اليومية وغيرها حرمة المس على الحائض: (1) استدل على حرمة مس اسم الله تعالى - الاعم من اسم الذات كلفظة الجلالة وصفاته أو اسمائه العامة إذا قصد بها الذات المقدسة - بأمور:


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 39 من أبواب الحيض. (2) الوسائل: ج 2 باب 39 من أبواب الحيض ح 2.

[ 418 ]

(أحدها): انه هتك. وفيه: انه لماذا يكون هتكا دائما؟ ولاسيما فيما إذا مسته تعظيما له كما إذا قبلته المرأة للتعظيم. (ثانيها): ان ترك مسه تعظيم له. وفيه: ان ترك المس من الحائض وان كان تعظيما للاسم لا محالة إلا انه لادليل على وجوب كل تعظيم، كيف واستقبال القبلة في جميع الاحوال تعظيم للقبلة ولم ير من حكم بحرمة تركه - فلا نقول بوجوبه إلا إذا كان نقيضه هتكا كما إذا كان فعل المس هتكا للاسم، هذا كله بحسب الكبرى. على أن الصغرى أيضا مورد المناقشة فان ترك المس لا يكون دائما تعظيما بل قد يكون التعظيم في مسه كما إذا وقع الاسم في موضع غير مناسب له فان مسه لرفعه ووضعه في مكان مناسب له تعظيم لا محالة. (ثالثها): ان الحيض اعظم من الجنابة فإذا حرم مس اسم الله سبحانه على الجنب كما مر حرم على الحائض بطريق اولى. والجواب عن ذلك: أن المراد بذلك لعله كون الحيض اشد واعظم من الجنابة من حيث طول الزمان لان الجنابة يمكن أن يرتفع في دقيقة ولكن الحيض اقله ثلاثة ايام، أو كونه اشد منها باعتبار عدم كون المكلف مأمورا بالعبادة في الحيض وهو مأمور بها في الجنابة وإلا فلم يثبت أن حدث الحيض اشد من حدث الجنابة. اذن لا يمكننا اثبات الاحكام المترتبة على الجنابة على الحيض، ومن هنا يظهر الجواب عن رواية سعيد بن يسار الواردة في المرأة ترى الدم

[ 419 ]

وهي جنب حيث قال (ع) (وقد جاءها ما هو اعظم من ذلك) (1) فان المراد به أن ما جاءها من الحيض اشد من جنابته من حيث طول الزمان أو سقوط التكليف بالصلاة، لا أن هذا الحدث اعظم من الآخر. على انها ضعيفة السند باسماعيل بن مرار الذي قدمنا الكلام فيه في بعض الابحاث السابقة وقلنا انه غير ثابت الوثاقة (2)، واما ما عن محمد بن الحسن بن الوليد من أن جميع كتب يونس معتبرة عنده سوى ما تفرد به محمد بن عيسى عن يونس فلا دلالة له على وثاقة اسماعيل ابن مرار باعتبار انه يروي عن يونس فان ذلك انما كان يدل عليه فيما إذا كانت كتب يونس أو كتاب من كتبه مرويا بطريق اسماعيل بن مرار على وجه الانحصار فقط، فان هذا الكلام كان توثيقا له حينئذ لتوثيقه روايات جميع كتبه، إلا أن الامر ليس كذلك لان كتبه مروية بطرق غير اسماعيل بن مرار وبعضها معتبر لاسيما ما وقع في سلسلته ابن الوليد نفسه. وعليه لا دلالة للحكم باعتبار كتب يونس على ان اسماعيل بن مرار ثقة. وكذا الحال في الاستدلال على حرمة مس الحائض اسماء الله سبحانه بما دل على حرمة مسها الكتاب العزيز، فان ذلك كسابقه لا يخرج عن القياس حيث انا نحتمل أن يكون للكتاب خصوصية اقتضت ذلك دون اسم الله سبحانه. والصحيح أن يستدل على ذلك بصحيحة داود بن فرقد عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن التعويذ يعلق على الحائض؟ قال نعم


(1) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب الحيض ح 2. (2) هذا ما بنى عليه - دام ظله - اولا غير انه عدل عنه بعد ذلك وبنى على وثاقة الرجل لوجوده في تفسير علي بن ابراهيم.

[ 420 ]

لا بأس، قال: وقال: (تقرؤه وتكتبه ولا تصيبه يدها) (1). فانها معتبرة سندا حيث ان داود بن فرقد (2) ممن وثقه الشيخ والنجاشي وقال ابن الغضائري انه ثقة ثقة، مع إن دأبه القدح غالبا، وبقية الرواة أيضا لا كلام في اعتبارهم كما هو ظاهر. ودلالتها على المدعى ظاهرة حيث نهت عن أن تصيب الحائض التعويذ بيدها، ومقتضى القرينة الداخلية وهي مناسبة الحكم والموضوع والقرينة الخارجية وهي العلم بعدم حرمة مس الحائض لغير اسماء الله الموجودة في العوذة كلفظة (اعوذ) - مثلا - هو أن مس الحائض اسماء الله تعالى الموجودة في التعويذ محرم في حقها وبما ان التعويذ قد يكون باسم الذات كقولنا (اعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وقد يكون بصفاته ك‍ (اعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا) أو من فسقة الانس والجن، وقد يكون بالاسماء العامة مقصودا بها الذات المقدسة ك‍ (اعوذ بالعالم القادر) ونحو ذلك، فتدل المعتبرة بترك التفصيل على حرمة مس الحائض لاسماء الله تعالى على نحو الاطلاق. وصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن التعويذ يعلق على الحائض فقال: نعم إذا كان في جلد أو قصبة حديد) (3) وذلك للعلم بعدم خصوصية في الجلد والحديد بل المقصود أن لا تمس الحائض التعويذ لاشتماله على اسماء الله سبحانه فيجوز المس إذا كان في غيرهما أيضا مما يمنع عن مس الاسم، كما أن مسه بما فيه


(1) الوسائل: ج 2 باب 37 من أبواب الحيض ح 1. (2) راجع معجم رجال الحديث: ج 7 ص 117 ترجمة داود بن فرقد. (3) الوسائل: ج 2 باب 37 من أبواب الحيض ح 3.

[ 421 ]

[ وكذا مس اسماء الانبياء والائمة على الاحوط (1) وكذا مس كتابة القرآن (2) على التفصيل الذي مر في الوضوء. ] من الاسماء محرم. ويؤيده ما رواه الشيخ عن داود عن رجل عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن التعويذ يعلق على الحائض؟ قال: لا بأس، وقال: تقرؤه وتكتبه ولا تمسه (1). (1) قدمنا في بحث الجنابة أن مس الجنب والحائض اسماء الانبياء والائمة (ع) انما يحرم فيما إذا استلزم الهتك ومع عدم استلزامه ذلك لا دليل على حرمة مسها. (2) قدمنا ذلك في بحث الجنابة أيضا وقلنا إن غير المتطهر لا يجوز له أن يمس خط المصحف وذلك لما دل على أن من لم يكن على وضوء لا يمس الكتاب كما في موثقة أبي بصير (2)، فانه يدلنا على أن مس الكتاب انما يجوز للمتطهر من الحدث، واما المحدث بالاصغر أو الاكبر فلا يجوز له أن يمس الكتاب.


(1) الوسائل: ج 2 باب 37 من أبواب الحيض ح 4. (2) الوسائل: ج 1 باب 12 من أبواب الوضوء ح 1.

[ 422 ]

[ (الثالث): قراءة آيات السجدة (1) بل سورها على الاحوط. (الرابع): اللبث في المساجد (2). ] حرمة القراءة على الحائض: (1) قدمنا تفصيل ذلك في بحث الجنابة وقلنا ان الجنب والحائض لا يجوز لهما قراءة آيات السجدة لجملة من الاخبار، إلا أن الحرمة مختصة بقراءة آية السجدة ولا تعم سورتها وذلك للاخبار (1) الدالة على ان الحائض والجنب يجوز أن تقرء القرآن وقد علمنا بتخصيص هذا العموم بما دل (2) على حرمة قراءتهما السجدة، والسجدة اما ان تكون ظاهرة في خصوص آية السجدة فلا يحرم قراءة غيرها من الآيات، أو تكون مجملة ومع الاجمال يكتفى في تخصيص العموم بالمقدار المتيقن من المخصص المجمل وهو قراءة آية السجدة ويرجع في الزائد المشكوك إلى عموم العام وهو يقتضي جواز القراءة كما عرفت حرمة اللبث في المساجد على الحائض: (2) تقدم الكلام في ذلك أيضا في بحث الجنابة.


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 19 من أبواب الجنابة. (2) راجع الوسائل: نفس الباب المتقدم.

[ 423 ]

[ (الخامس): وضع شئ فيها إذا استلزم الدخول (1). ] والوجه في حرمته ما دل على ان الجنب والحائض لا يدخلان المسجد إلا مجتازين كما في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المروية عن الصدوق في العلل معللا بقوله تعالى (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (1) وقد تكلمنا هناك في أن الرواية وان كانت واردة في الجنب والحائض إلا أن استدلاله (ع) بالآية الكريمة يختص بالجنب لاختصاص الآية به حيث قال تعالى: (ولا تقربوا الصلاة وانتم سكارى ولا جنبا إلا عابري سبيل) (2) لم ويقل، ولا حائضا إلا عابرة سبيل وقد ذكرنا ان المراد من النهي عن التقرب إلى الصلاة هو التقرب إلى مكانها الذي هو المسجد. إلا أن استدلاله (ع) بالآية المباركة وتطبيقها على كل من الحائض والجنب يدلنا على انهما من حيث العبور عن المساجد متلازمان. حرمة الوضع في المساجد على الحائض: (1) قيده في المقام بما إذا استلزم الوضع الدخول في المسجد إلا انه في بحث الجنابة حكم بحرمة وضع الجنب شيئا في المساجد مطلقا


(1) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة ح 10، وباب 17 الحديث 2. (2) النساء: 43.

[ 424 ]

[ (السادس): الاجتياز من المسجدين (1). ] استلزم الدخول ام لم يستلزمه وما ذكره هناك هو الصحيح. وذلك لاطلاق الاخبار (1) الناهية عن وضع الجنب أو الحائض شيئا في المساجد ولكن رخصت لهما الاخذ منهما، معللة في بعضها كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المروية عن علل الصدوق (2) بما حاصله: انهما متمكنان من وضع الشئ في غير المساجد ولا يتمكنان من اخذ ما في المساجد إلا منها فيجوز الدخول فيها لاجل الاخذ منها. حرمة الاجتياز من المسجدين: (1) يمكن أن يستدل على حرمة اجتياز الحائض من المسجدين كالجنب بما قدمنا من صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (2) حيث استفدنا منها انهما متلازمان في الحكم من حيث العبور، بما انها دلت على جواز عبورهما عن المساجد، وعلمنا خارجا أن المراد الجدي منها هو جواز الاجتياز عن غير المسجدين فلا محالة نحكم بعدم جواز اجتياز الحائض عن المسجدين كما في الجنب. فان تم ذلك فهو وإلا فللتأمل في الحكم بحرمة اجتياز الحائض المسجدين مجال ومن هنا اطلق جماعة من الاصحاب الحكم بجواز اجتياز الحائض عن المساجد، وذلك لان ما يمكن أن يستدل به على حرمة


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 17 من أبواب الجنابة. (2) و (3) تقدم ذكرهما في الامر الرابع.

[ 425 ]

اجتيازها المسجدين روايتان: (احداهما): رواية أبي حمزة قال: قال أبو جعفر (ع): (إذا كان الرجل نائما في المسجد أو مسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمم ولا يمر في المسجد إلا متيمما حتى يخرج منه ثم يغتسل، وكذلك الحائض إذا اصابها الحيض تفعل ذلك ولا بأس أن يمرا في سائر المساجد ولا يجلسان فيها) (1). حيث دلت على أن الحائض إذا طرأ حيضها وهي في المسجدين يجب أن تتيمم وتخرج منهما فلو جاز لها اجتياز هما كما في سائر المساجد لم يجب عليها التيمم للخروج، فوجوب التيمم في حقها يدل على عدم جواز اجتيازها المسجدين. وهذه الرواية من حيث الدلالة وان كانت ظاهرة إلا انها ضعيفة السند لما فيها من الرفع فلا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال. و (ثانيتهما): رواية محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (ع) في حدث الجنب والحائض. (ويدخلان المسجد مجتازبن ولا يقعدان فيه ولا يقربان المسجدين الحرمين). وهي من حيث الدلالة أيضا ظاهرة، إلا انها ضعيفة السند: (نوح بن شعيب) لتردده بين نوح بن شعيب البغدادي الذي وثقه الشيخ (قده) وبين نوح بن شعيب الخراساني النيشابوري الذي لم يوثق مع وحدة طبقتهما واتحاد الراوي والمروي عنه ومع التردد بين الثقة وغير الثقة لا يمكن الا ستدلال بالرواية بوجه.


(1) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة ح 3.

[ 426 ]

[ والمشاهد المشرفة كسائر المساجد (1) ] نعم قد يقال: ان وحدة الطبقة واتحاد الراوي والمروي عنه يدلنا على اتحاد الرجلين لا مكان ان يكون الشخص الواحد متولدا في بلد وساكنا في بلد آخر فيتعدد عنوانه بالخراساني مثلا تارة وبالبغدادي اخرى وأن المراد بهما واحد وقد وثقه الشيخ كما عرفت. إلا ان هذا لا يقيد سوى الظن بالاتحاد ولا سيما بملاحظة أن المعنون باسم نوح أو باسم شعيب قليل في الرواة بل لا نذكر المعنون بهما من الرواة بالفعل، فإذا اضيف احدهما إلى الآخر - اعني نوح بن شعيب فيكون من القلة بمكان يبعد أن يوجد المعنون به في طبقة واحدة متعددا إلا أن ذلك ليس سوى الظن ولا علم باتحاد الطبقة، والظن لا يترتب عليه اثر، مع أن ارباب الرجال كالشيخ وغيره عنونوهما بعنوانين - النيشابوري والبغدادي - وعليه فلا يمكن الاعتماد على الرواية بوجه (1). ولعله لما ذكرنا لم يقيد جمع من الاصحاب الحكم بجواز اجتياز الحائض المساجد بغير المسجدين. عدم التحاق المشاهد بالمساجد: (1) قدمنا الكلام في ذلك في بحث الجنابة وناقشنا في التحاق المشاهد بالمساجد، فان قلنا هناك بعدم الالتحاق فالامر في المقام اوضح فانه إذا لم


(1) قد رجع السيد الاستاد (قده) عن ذلك في معجم رجال الحديث ج 19 ص 223 واستظهر الاتحاد.

[ 427 ]

[ دون الرواق منها (1) وان كان الاحوط الحاقة بها. هذا مع عدم لزوم الهتك وإلا حرم (2) وإذا حاضت في المسجدين تتيمم. ] يحرم الدخول فيها على الجنب لا يحرم الدخول فيها على الحائض بطريق اولى - لان الروايات وردت في الجنب دون الحائض - واما إذا قلنا بالالتحاق في الجنابة فايضا لا نلتزم بالالتحاق في الحائض، لانا استفدنا من الصحيحة المتقدمة وحدة حكمهما في خصوص دخول المساجد على نحو الاجتياز فقط، واما وحدة حكمهما في مثل المشاهد المشرفة فلا دليل عليه لا حتمال ان يكون للجنابة خصوصية اقتضت حرمة دخول الجنب في المشاهد فلا يمكن التعدي عنه إلى الحائض وان كان الاحوط ترك الدخول فيها للحائض أيضا. (1) فان الوارد في الاخبار (1) هو بيت الانبياء وهو غير الدار لانه اعم من البيت فلا يشمل البيت الرواق الشريف وان كان الاحوط الاولى الحاق المشاهد ورواقها بالمسجدين الحرمين في ترك دخولهما ولو مجتازين. (2) لان حرمة هتك الائمة (ع) من الضروريات.


(1) الوسائل: ج 1 باب 16 من أبواب الجنابة.

[ 428 ]

[ وتخرج إلا إذا كان زمان الخروج اقل من زمان التيمم أو مساويا (1). ] إذا حاضت في المسجدين: (1) تعرض (قده) لهذه المسأله في بحث الجنابة وتعرضنا لحكمها هناك وحاصله: إن المكلف إذا جنب في خارج المسجدين ودخل فيهما غفلة أو نسيانا ونحوهما أو أنه إذا اجنب وهو في المسجد من غير اختياره فان كان زمن التيمم اقصر من زمن الخروج يتعين عليه التيمم حينئذ لحرمة بقائه في المسجدين اختيارا، ومن الواضح أنه على تقدير تركه التيمم واختياره الخروج قد اختار البقاء في المسجدين جنبا في المقدار الزائد عن زمان التيمم فان المكلف معذور في بقائه فيهما لاضطراره إلى البقاء في تلك المدة المشتركة بين الخروج والتيمم، واما المقدار الزائد عليها فالبقاء فيه محرم لانه بقاء اختياري فيجب عليه التيمم والخروج حينئذ. واما إذا كان زمان التيمم اكثر من زمان الخروج أو كان مساويا معه فلا يجوز له التيمم لا ستلزامه المكث في المسجدين زائدا على المقدار الضروري بل لا بد من ان يخرج من غير تيمم أو يتيمم حال الخروج إذا امكنه ذلك. وكذلك الحال في الحائض إذا حاضت في خارج المسجدين ونقت ودخلت المسجدين من غير توجه والتفات، واما إذا دخلت المرأة المسجدين وحاضت فيهما فلا مسوغ للتيمم في حقها بوجه لان التيمم بدل الغسل انما يجب عن حدث الحيض والمفروض أن المرأة ذات الدم

[ 429 ]

[ (مسألة 1): إذا حاضت في اثناء الصلاة ولو قبل السلام بطلت (1) وان شكت في ذلك صحت (2) فان تبين بعد ] ولم ينقطع دمها على الفرض فلا مسوغ لتيممها بوجه كان زمانه اقصر ام اكثر ام مساويا مع زمن الخروج نعم ورد الامر به في حق الحائض في المرفوعة المتقدمة (1) إلا انها لعدم حجيتها غير صالحة لرفع اليد بها عما علمنا بحرمته وهو مكث الحائض في المسجدين ولو بمقدار التيمم، وعليه فالاحوط في حقها الخروج من غير تيمم لان التيمم غير مشروع في حقها حينئذ، نعم إذا تمكنت من التيمم حال الخروج فالاحوط أن تتيمم حاله لورود الامر به في حقها في المرفوعة. إذا حاضت في اثناء الصلاة: (1) إذا حدث الحيض في اثناء الصلاة في ما بين الركوع والسجود أو الركوع والقراءة أو السجود والتشهد وامثالها بطلت الصلاة لاشتراطها بالطهارة والمفروض انها فاقدة لشرطها فتبطل. واما إذا حدث بعد التشهد وقبل السلام فان بنينا على ما هو الصحيح من أن التسليمة جزء الصلاة أيضا يحكم ببطلان صلاتها لعدم وقوعها مع الطهارة.


(1) تقدم ذكرها في المسأله السابقة ص 425.

[ 430 ]

[ ذلك ينكشف بطلانها (1) ولا يجب عليها الفحص (2) وكذا الكلام في سائر مبطلات الصلاة. ] واما إذا بنينا على عدم كونها من اجزاء الصلاة وانها واجبة مستقلة في آخر الصلاة أو ليست بواجبة اصلا وانما هي موجبة للفراغ والخروج عن الصلاة فلا تبطل صلاتها بذلك، غاية الامر انها لم تأت بالمخرج لعذر. الشك في الحيض في الاثناء: (1) لاستصحاب عدم حيضها وحدثها على ان استصحاب الطهارة منصوص عليه في صحيحة زرارة (1) لانها وان كانت واردة فيما إذا علم بالوضوء وشك في النوم إلا أن قوله (ع) (فانه على يقين من وضوئه ولا تنقض اليقين بالشك ابدا) يدلنا على أنها بصدد اعطاء ضابط كلي وهو عدم الاعتناء باحتمال التقاض الطهارة بعد اليقين بها والامر في المقام أيضا كذلك. (2) لانه من انكشاف الخلاف في الاحكام الظاهرية لانها بعد ما علمت بحيضها في اثناء الصلاة تعلم أن الامر بالصلاة في حقها كان ظاهريا لا محالة وقد قلنا بعدم الاجزاء عند انكشاف الخلاف في الاحكام الظاهرية. (3) إذ الشبهة موضوعية ولا دليل على وجوب الفحص في مثلها.


(1) الوسائل: ج 1 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء ح 1.

[ 431 ]

[ (مسألة 2): يجوز للحائض سجدة الشكر (1) ويجب عليها سجدة التلاوة إذا استمعت بل أو سمعت آيتها. ] (1) الكلام في هذه المسألة يقع تارة في جواز سجدة الشكر في حق الحائض، واخرى في وجوب سجدة التلاوة. كما يتكلم - على الثاني - تارة في وجوبها عليها عند الاستماع واخرى في وجوبها عليها عند السماع غير الاختياري. جواز سجدة الشكر للحائض: اما سجدة الشكر فالظاهر - وفاقا للمشهور - جوازها في حقها وذلك لانها ذكر الله وذكره سبحانه حسن على كل حال. وقد خالف في ذلك الشيخ (قده) حيث نسب إليه في التهذيب دعوى عدم جواز السجود لغير الطاهر بالاتفاق، وظاهره الاجماع على حرمته على الحائض في المقام أيضا ولكن الظاهر بل الواقع عدم التزام الشيخ بذلك لان هذه الدعوى انما وقعت في عبارة المقنعة دون التهذيب، نعم الشيخ لم يناقش في ذلك. على انه من الاجماع المنقول ولا نعتمد عليه مطلقا ولا سيما في المقام للعلم بمخالفته للواقع لان المشهور بين الاصحاب جواز سجدة الشكر على الحائض كما عرفت.

[ 432 ]

وجوب سجدة التلاوة على الحائض: واما سجدة التلاوة عند الاستماع والاصغاء إلى آيات العزائم فوجوبها على الحائض هو المعروف بينهم، وذلك لاطلاق ما دل (1) على وجوب السجدة عند استماعها ولم يرد عدم وجوبها أو حرمتها في حق الحائض في شئ من الاخبار. وعليه فالاطلاق يشمل الحائض كما يشمل غيرها وليس في قبال المطلقات سوى دعوى الاجماع على حرمة السجدة على غير الطاهر كما تقدمت عن الشيخ (قده) وعرفت الجواب عنه. وأما سجدة التلاوة عند سماعها من غير اختيارها فان بنينا على عدم وجوب السجدة عند سماع آيات العزائم من غير الا ختيار فالامر في الحائض اوضح لانها كبقية المكلفين لا تجب السجدة عليها فيما إذا سمعت الايات من دون اختيارها ويأتي في محله انه هو الصحيح لان السجدة انما باحد امرين: قراءة المكلف تلك الايات في نفسه، واستماعه وانصاته لها عند قراءة الغير واما السماع من دون انصات واستماع فلا دليل على كونه موجبا للسجدة بوجه. واما إذا قلنا بوجوبها عند السماع ولو من دون الاختيار فهل تجب على الحائض أيضا أو لا تجب؟ فهو مورد الخلاف والكلام بينهم ومنشأ الخلاف هو اختلاف


(1) راجع الوسائل: ج 4 باب 42 من أبواب قراءة القرآن.

[ 433 ]

هو اختلاف الاخبار الواردة في المقام فان بعضها دل على الامر بالسجدة على الحائض إذا سمعت الآية كما في صحيحة الحذاء: (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الطامت تسمع السجدة فقال (ع): إن كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعت) (1) وغيرها. وبعضها الآخر دل على النهي عن سجدتها كما في موثقة غياث عن جعفر عن أبيه عن على (ع) (لا تقضي الحائض الصلاة ولا تسجد إذا سمعت السجدة) وفي بعضها الآخر: (لا تقرء ولا تسجد) (2) وهي روايات متعارضة. الجمع المحكي عن الشيخ (قده): وقد جمع بينهما الشيخ (قده) بحمل الطائفة الناهية عن السجدة عليها على الاباحة نظرا انها واردة في مقام توهم الوجوب فقيد الجواز وبحمل الامر في الطائفة الآمرة على الاستحباب. وفيه مضافا - إلى أن الحكم باستحباب السجدة على الحائض لا يلائم ما علله به في استبصاره حينما اراد أن يعلل عدم جواز قراءة العزائم على الحائض علله بأن فيها السجدة والسجدة يشترط فيها الطهارة فانه حينئذ كيف يحكم باستحباب السجدة عليها بل لابد من الحكم ببطلانها وعدم جوازها، وكذا الحال في التهذيب لانه (قده) لم يناقش في


(1) الوسائل: ج 2 باب 36 من أبواب الحيض، ح 1 وكذلك ح 2 و 3 من الباب. (2) الوسائل: ج 2 باب 36 من أبواب الحيض ح 5.

[ 434 ]

كلام المقنعة حيث ادعى الاتفاق على اشتراط الطهارة في السجود ومع ذلك ذهب إلى استحباب السجدة عليها وهما أمران لا يتلائمان. أنه ليس من الجمع العرفي شئ وإلا لو صح ذلك وعد من الجمع العرفي لامكن العكس بان يدعى أن الامر في الطائفة الآمرة يدل على الجواز لانها واردة في مقام توهم الحظر ويكون النهي في الطائفة الثانية محمولا على الكراهة، إلا أن ذلك وما ادعاه الشيخ ليس جمعا عرفيا بين المتعارضين لان السجدة بعنوانها قد امر بها في طائفة ونهي عنها في طائفة اخرى، والامر والنهي امران متنافيان. الجمع المحكي عن المنتقى: وعن المنتقى جمعها بحمل الاخبار الناهية على السجدة في سماع سور غير العزائم وحمل الاخبار الآمرة على السجدة في سماع العزائم وذلك لان الاخبار وان كانت متنافية لان بعضها يدل على وجوب السجدة وبعضها على حرمتها، إلا أن صحيحة الحذاء مختصة بالامر بالسجدة في سماع خصوص آيات العزائم والطائفة الناهية مطلقة لاشتمالها على النهي عن السجدة في مطلق سماع السجدة ولو في غير العزائم فتقيد الثانية بالاولى وينتج ذلك أن الحائض تجب عليها السجدة في سماع سور العزائم ويحرم في سماع سور غير العزائم. وفيه: أن ظاهر الاخبار أن الحرمة أو الوجوب حكم مترتب على عنوان الحائض وأنها مأمورة بالسجدة أو منهية عنها لا أن الحكم حكم عام من غير أن يكون لعنوان الحائض خصوصية، ومن الظاهر أن

[ 435 ]

السجدة في سور غير العزائم غير واجبة على الجميع وليس هذا حكما مختصا بالحائض فحمل الطائفة الناهية على ذلك موجب لالغاء الحائض عن كونه موضوعا للحكم الوارد فيها، وهو خلاف الظاهر جدا. الجمع المحكي عن الهمداني (قده): وعن المحقق الهمداني (قده) جمعها بحمل الاخبار الآمرة على صورة استماع السور لان السماع مطلق يشمل الاختياري وغيره، والناهية على صورة سماعها غير الاختياري. وهذا منه غريب لان اللفظة الواردة في الطائفتين واحدة ولا موجب لحملها في احداهما على الاختياري وفي الاخرى على غيره، ومجرد التعين الخارجي على ان الاستماع يوجب السجدة لا يوجب حمل احد المتعارضين على المتعين الخارجي كما ذكرنا نظيره في الروايتين الدالتين غلى جواز بيع العذرة وعدمه حيث قلنا ان حمل العذرة في الطائفة المانعة على عذرة الانسان وحملها في الطائفة المرخصة على عذرة غير الانسان ليس من الجمع العرفي في شئ. على أنا نبين في محله عدم وجوب السجدة عند السماع غير الاختياري وعليه يرد على هذا الجمع ما اوردناه على ما نقلناه عن صاحب المعالم (قده) وحاصله: ان حمل الطائفة الناهية على السماع غير الاختياري يوجب الغاء الحائض عن الموضوعية في تلك الطائفة لان السماع مما لا تجب فيه السجدة على الجميع من دون اختصاصه بالحائض اذن فلا يتم شئ من وجوه الجمع المذكورة في المقام.

[ 436 ]

[ ويجوز لها اجتياز غير المسجدين (1) لكن يكره ] والصحيح انهما متعارضان تعارض الامر والنهي فان ثبت ما ذكره صاحب الوسائل (قده) وجماعة من ذهاب العامة إلى حرمة السجدة على الحائض فيؤخذ بما دل على الامر بالسجدة في حقها لانها مخالفة للعامة على الفرض، وإلا فهما متعارضان ولا مرجح في البين من مخالفة العامة وموافقة الكتاب فيتساقطان ونبقى نحن والعمومات والمطلقات الموجودة في المسألة وهي تدل على وجوب السجدة عند الاستماع بلا فرق في ذلك بين الحائض وغيرها واما السماع فان قلنا بوجوب السجدة معه على غير الحائض فنلتزم بوجوبها في حق الحائض أيضا فعموم ما دل على وجوب السجدة عند السماع هو الحكم، واما إذا لم نقل: فلا لان حكم الحائض حكم غيرها من المكلفين إذ الاخبار متساقطة وكانها غير واردة من الابتداء. كراهة اجتيازها غير المسجدين: (1) تعرض (قده) في هذه المسألة لجملة فروع: (منها): أن الحائض لا يجوز لها الدخول في المساجد إلا على نحو الاجتياز وقد تقدم الكلام في ذلك عن قريب وقلنا ان الدليل عليه صحيحة محمد بن مسلم وزراة حيث سأل فيها عن ان الجنب والحائض هل يدخلان المساجد؟ قال: (لاإلا على نحو الاجتياز

[ 437 ]

[ وكذا يجوز لها اجتياز سائر المشاهد المشرفة ] وقد قال الله تعالى (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (1) وغيرها من الاخبار. و (منها): عدم جواز اجتيارها عن المسجدين وهذا أيضا قدمنا الكلام فيه (2) وقلنا ان الحكم في الجنب منصوص ولم يرد في حق الحائض منع عن ذلك بل مقتضى اطلاق الصحيحة المتقدمة جواز مرورها على المسجدين أيضا، نعم هناك روايتان ربما يستدل بهما على الحاق الحائض بالجنب من هذه الناحية: (احداهما): ما ورد (3) من ان المرأة إذا حاضت في المسجدين وجب عليها ان تتيمم وتخرج بدعوى ان الاجتياز عنهما لو كان جائزا في حقها كما في سائر المساجد لم تكن حاجة إلى التيمم بوجه، ومنها يستكشف ان كونها في المسجدين مبغوض سواء كان على نحو المرور ام كان على نحو المكث فيهما ويدفعه: أن الرواية ضعيفة لانها مرفوعة ومن ثمة استشكلنا في مشروعية التيمم في حقها ولا سيما إذا كان مستلزما لمكثها في المسجدين زائدا على المدة التي تبقى فيها لولا تيممها. و (ثانيتهما) ما ورد (4) من أن الجنب والحائض لا يقربان


(1) تقدم ذكرها في الامر الرابع، اللبث في المساجد (2) تقدم في الامر السادس: الاجتياز من المسجدين فراجع. (3) تقدم ذكرها في نفس الامر المتقدم. (4) تقدم ذكرهما في المصدر المتقدم.

[ 438 ]

المسجدين ودلالته وان كانت ظاهرة إلا انها ضعيفة السند بنوح بن شعيب. كما مر. نعم: يمكن الاستدلال على ذلك بما يستفاد من صحيحة محمد بن مسلم وزرارة (1) المتقدمة حيث ان السؤال فيها انما هو عن حكم الجنب والحائض وانهما يدخلان المساجد أو لا يدخلان فيها وحكم (ع) بعدم جواز دخولهما فيها إلا على نحو الاجتياز وعلله بقوله سبحانه (ولا جنبا إلا عابري سبيل) وهذا يدلنا على وحدة حكم الجنب والحائض وإلا لم يكن وجه للاستدلال بالآية على حكم الحائض لاختصاصها بالجنب. فبهذا أو بالتسالم في المسألة يمكن القول بان الحائض كالجنب لا يجوز لها الاجتياز عن المسجدين، ومع قطع النظر عنهما لا دليل على حرمة الاجتياز عن المسجدين في حق الحائض. و (منها): ان الاجتياز للحائض عن غير المسجدين مكروه) والمستند للماتن (قده) في ذلك مرسلة دعائم الاسلام حيث روى ان الحائض لا يقربن المساجد وهي وان كانت مرسلة إلا ان قاعدة التسامح في أدلة السنن مرخصة في الحكم بالكراهة. وفيه أن القاعدة غير تامة في نفسها وتعديتها إلى المكروهات مما لا دليل عليه فلا يسعنا الحكم بالكراهة بوجه. و (منها): أنها لا تدخل المشاهد المشرفة كالمساجد ويجوز لها اجتيازها. وهذا قد تقدم الكلام فيه أيضا وقلنا انه لا دليل على الحاق المشاهد


(1) تقدم ذكرهما في المصدر المتقدم. (2) المستدرك: باب 27 من أبواب الحيض (لا يقربن مسجدا).

[ 439 ]

بالمساجد وما ورد في موثقة أو رواية أبي بصير من ان الجنب لا يدخل بيوت الانبياء (1)، بعد ضمها إلى ما ذكرناه من اشتراك الحائض مع الجنب في الاحكام لا يمكن الاستدلال به على المدعى لانها انما وردت في مقام الاعجاز حيث ان السائل اراد فيها الاختبار وليست بصدد بيان حكم الله الواقعي. على أن البيت غير المقابر والمشاهد فان المقبرة لا يطلق عليها انها بيت علي عليه السلام أو بيت الحسين (ع) أو غيرهما من الائمة عليهم السلام، فالرواية على تقدير تسليم دلالتها لا تشمل المشاهد والمقابر. نعم: يمكن الاستدلال على ذلك بما قدمناه من استظهار وحدة حكم الحائض والجنب من الصحيحة المتقدمة وبأن دخولهما على المشاهد هتك لانها معدة للعبادة فهي من شعائر الله ودخول الجنب والحائض عليها مناف لتعظيم شعائر الله سبحانه وهو هتك. ومن ذلك يظهر أن المشاهد اهم من البيوت لان دخول الجنب والحائض على بيوت الانبياء والائمة عليهم السلام مما لا يستلزم الهتك بوجه، إذ لا اشكال في أن الجنب والحائض ربما كانا يوجدان في بيوتهم من دون أن يجب عليها الخروج عنها بل ربما كان يدخل فيها الجنب والحائض للسؤال عن حكمها من دون أن يكون ذلك موجبا لهتكها وهذا بخلاف المشاهد لانها مواضع معدة للعبادة ودخول الجنب أو الحائض في مثلها مناف لتعظيمها لانها من اهم شعائر الله فلا يبعد الحكم بحرمة دخولهما فيها من هذه الجهة.


(1) الوسائل: ج 1 باب 16 من أبواب الجنابة ح 1 و 2 و 3.

[ 440 ]

[ (مسألة 3): لا يجوز لها دخول المساجد بغير الاجتياز (1) بل معه أيضا في صورة استلزامه تلويثها (2). (السابع): وطؤها في القبل (3) حتى بادخال الحشفة من غير انزال بل بعضها على الاحوط ويحرم عليها أيضا. ] (1) كما مر وعرفت. (2) إذ لا إشكال في حرمة تلويثها، ومعه لا يرخص العقل في دخول المساجد لان الامتثال يتوقف على ترك الدخول، لا أن الخدول حينئذ يتصف بالحرمة الشرعية - كما لعله ظاهر المتن - وذلك لان مقدمة الحرام لا تتصف بالحرمة شرعا، نعم المحرم هو التلويث والعقل يستقل معه في المنع عن الدخول حرمة وطئ الحائض قى القبل: (3) يدل على ذلك الكتاب والسنة معا. قال عز من قائل: (يسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) (1). وورد في السنة انه يستمتع بما شاء ولا يوقب، والاخبار في ذلك كثيرة (2). والمسألة متسالم عليها بين الاصحاب بل بين المسلمين لان


(1) البقرة: 222. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 24 و 25 و 26 من أبواب الحيض.

[ 441 ]

العامة أيضا ملتزمون بحرمة وطي الحائض فأصل الحرمة مما لا اشكال فيه وانما الكلام في خصوصياتها التي اشار إليها في المتن: (منها): انه لا اشكال في أن الوطي قي القبل بادخال الحشفة مع الانزال محرم على الزوج وهل الوطي كذلك من دون انزال أيضا محرم أولا حرمة فيه؟ لا ينبغي الا شكال في حرمته لعدم تقييد الآيتين المباركتين ولا الروايات الواردة في ذلك بالانزال بل الوطي محرم مطلقا سواء أكان مع الانزال أم لم يكن معه. و (منها): أن المحرم هل هو الادخال الموجب للغسل - اعني ما إذا كان بقدر الحشفة - ولا حرمة فيما لم يكن موجبا له كما إذا كان ببعض الحشفة، أو أن الادخال محرم مطلقا سواء كان موجبا للغسل أم لم يكن؟ للصحيح هو الثاني وذلك لان الادخال مناف للاعتزال والقرب والايقاب الذي هو بمعنى الادخال، وقد عرفت ان الاعتزال واجب في المحيض ولا ملازمة بين عدم كون الوطي موجبا للاغتسال وبين عدم حرمته لامكان أن يكون موضوع الحرمة اوسع من موضوع ما يوجب الاغتسال، وذلك لاطلاق ما دل على حرمة وطي الحائض. (منها): ان مقتضى الآيتين المتقدمتين والاخبار الواردة في المسألة أن الوطي محرم على الزوج وهل الزوجة أيضا يحرم عليها ذلك فلا يجوز أن تمكن زوجها من نفسها في المحيض أو لا يحرم ذلك على الزوجة؟ وبعبارة اخرى: هل التكليف واحد متوجه إلى الزوج فحسب أو أن هناك تكليفين تحريميين يتوجه احدهما إلى الزوج ويتوجه الآخر

[ 442 ]

إلى الزوجة؟ المعروف: بينهم هو الاخير وهو الصحيح، وانما الكلام في مدرك ذلك. ما استدل به على حرمة التمكين: فقد يستدل على حرمة تمكين الزوجة بانه اعانة على الاثم وهي محرمة. وفيه: إن تمكينها ربما يكون اعانة على الاثم وربما لا يكون، وذلك لان الزوج قد لا يحرم عليه وطي زوجته في المحيض واقعا كما إذا كان مجنونا أو صغيرا أو ناسيا أو غافلا، وقد لا يحرم عليه ظاهرا كما إذا كان جاهلا بحرمته، ومعه لا يكون التمكين من الزوجة اعانة على الاثم دائما. على أن الاعانة على الاثم لم يقم دليل على حرمتها، وانما المحرم أمران: (أحدهما): اعانة الظالم في ظلمه لانها محرمة بمقتضى الاخبار، وهذا غير الاعانة على الاثم بما هو اثم كما إذا ارتكب الحرام من دون أن يظلم احدا من الناس فلا دليل على حرمة اعانته. (ثانيهما): التعاون على الاثم بان بصدر عمل واحد محرم من شخصين أو اشخاص متعددين فيعين كل واحد منهما الآخر في ذلك العمل كما إذا اجتمعوا وقتلوا واحدا هذا يضربه بالسيف والآخر يضربه بشئ آخر حتى يقتل أو اجتمعوا وخربوا مسجدا فالاثم صادر من الجميع وينتسب إليهم باعانة كل منهم الآخر. واما الاعانة على الاثم بان يصدر الاثم من واحد وشخص آخر

[ 443 ]

يعينه في ذلك دون ان ينتسب الحرام إليه كما إذا اراد شخص ضرب آخر وناوله شخص ثالث العصا فهي مما لم يقم دليل على حرمته. وقد يستدل على ذلك برواية محمد بن مسلم الواردة في العدة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن الرجل يطلق زوجته متى تبين منه؟ قال: (حين يطلع الدم من الحيضة الثالثة تملك نفسها)، قلت: فلها أن تتزوج في تلك الحال قال: (نعم ولكن لا تمكن من نفسها حتى تطهر من الدم) (1) حيث دلت على أن العدة تنقضي بمجرد رؤيتها الحيضة الثالثة ولها أن تتزوج وهي في تلك الحيضة إلا أنها لا تمكن زوجها من نفسها حتى تطهر من الدم، ودلالتها على حرمة تمكين الحائض زوجها من نفسها وان كانت لا بأس بها إلا ان الرواية رواها محمد بن الحسين عن بعض اصحابنا عن محمد بن مسلم والواسطة مجهولة وبذلك تندرج الرواية في المراسيل ولا يمكن الاعتماد عليها في شئ. نعم ذكر الراوي انه يظن ان تكون الواسطة هو محمد بن عبد الله ابن هلال أو على بن الحكم إلا ان ظن الراوي ذلك مما لا اثر له ولا يمكن الاعتماد عليه، وعلى تقدير التسليم فمحمد بن عبد الله بن الهلال لم تثبت وثاقته في الرجال ولكنه وقع في اسانيد كامل الزيارات فلاحظ، وكيف كان الرواية غير قابلة للاعتماد عليها، وثالثة: يستدل عليه بالاجماع الذي ادعاه في الغنية إلا أنه لا يزيد على الاجماع المنقول بشئ والاجماعات المنقولة غير قابلة للاعتماد عليها والذي يمكن الاستدلال به على ذلك أن المرتكز في اذهان المتشرعة


(1) الوسائل: ج 15 باب 16 من أبواب العدد ح 1.

[ 444 ]

أن الوطي مبغوض في ايام العادة مطلقا، ومبغوضية العمل بالنسبة إلى كل من الزوج والزوجة على حد سواء فكما يحرم ذلك على الزوج كذلك يحرم على الزوجة فلا يجوز لها أن تمكن الزوج عن نفسها. ويمكن الاستيناس على مبغوضية العمل حينئذ بما ورد من أن مبغضي أمير المؤمنين (ع) اما ان يكون منافقا أو ولد زنا أو ممن حملته أمه في المحيض (1) فان ذلك يدل على أن حمل الام في ايام العادة يترتب عليه كون الوالد مبغضا لعلي (ع) وحمل الام كما ينتسب إلى الزوج كذلك ينتسب إلى الزوجة فالحمل في ايام الحيض كالزنية فكما انها عمل ينتسب إلى المرأة والرجل وهي محرمة على كليهما فكذلك الحال في المحيض.. هذا كله في الوطي في القبل. وأما سائر الاستمتاعات فيقع الكلام فيها تارة في الاستمتاعات غير الوطي في الدبر واخرى في الاستمتاع بوطيها في دبرها. حكم الاستمتاعات غير الوطي: أما الاستمتاعات غير الوطي في الدبر كالتقبيل والتفخيذ والضم ونحوها فالمعروف جوازها ويدل عليه جملة من الروايات الواردة في أن للرجل مابين إليتيها ولا يوقب أو أن له ان يأتيها إذا اجتنب ذلك الموضع أوله أن يأتي حيث شاء ما اتقى موضع الدم أو ما دون الفرج إلى غير ذلك مما ورد في الروايات (2) ومقتضاها جواز الا ستمتاع من الزوجة في حيضها في غير فرجها.


(1) الوسائل: ج 2 باب 24 من أبواب الحيض ح 7 و 8. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 26 من أبواب الحيض.

[ 445 ]

وبازاء هذه الاخبار صحيحة وغيرها واردة بمضمون أن المرأة تتزر بازار إلى الركبتين وتخرج سرتها ثم له ما فوق الازرار، ومقتضاها عدم جواز الاستمتاع منها بما بين الركبتين والسرة، وعن ميمونة زوجة النبي صلى الله عليه وآله انها في حيضها كانت تتزر بما بين الركبتين وسرتها ثم كانت تضاجع الرسول صلى الله عليه وآله (1) ولاجل ذلك ذهب بعضهم إلى حرمة الاستمتاع بما بين السرة والركبة وعن الاردبيلي الميل إليه، إلا أن الصحيح خلاف ذلك، وذلك لان الاخبار المتقدمة صريحة في جواز الاستمتاع بما دون الفرج وحينئذ اما أن نرفع اليد عن ظهور الطائفة الثانية في الحرمة بصراحة الاخبار المجوزة ونحمل الاخبار للناهية على الكراهة وهذا هو الظاهر لانه الذي يقتضيه الجمع العرفي بين النص والظاهر في جميع الموارد، أو لو لم نرفع اليد عن ظاهر الطائفة الثانية في الحرمة وقلنا انهما متعارضتان فلا مناص من حمل الاخبار الناهية على التقية لموافقتها العامة والحكم بجواز الاستمتاع بما دون الفرج من غير كراهة. إلا أن الاظهر عدم وصول النوبة إلى الترجيح بمخالفة العامة لوجود الجمع العرفي بين الطائفتين ومعه لابد من الحكم بكراهة الاستمتاع بما بين السرة والركبة عند عدم اتزارها، وانتفاء الكراهة مع اتزارها بما بين السرة والركبة، هذا تمام الكلام في الاستمتاع بما دون الفرج غير الوطي في الدبر واما الاستمتاع بالحائض بوطيها في دبرها فأشار إليه الماتن بقوله:


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 26 من أبواب الحيض.

[ 446 ]

[ ويجوز الاستمتاع بغير الوطئ من التقبيل والتفخيذ والضم نعم يكره الاستمتاع بما بين السرة والركبة منها بالمباشرة واما فوق اللباس فلا بأس، واما الوطئ في دبرها فجوازه محل اشكال (1) ] اما الوطئ ونتعرض له في التعليقة القادمة فلاحظ. وطئ الحائض في دبرها: (1) إن قلنا بحرمة الوطي في الدبر في نفسه فلا كلام في حرمة وطي الحائض في دبرها لعدم احتمال أن تكون الحائض مستثناة من عموم أو اطلاق حرمة الوطئ في الدبر، وما دل على حلية ما عدى القبل لزوج الحائض ناظر إلى ما هو حلال في نفسه ولا يشمل الدبر على تقدير القول بحرمة الوطئ فيه في نفسه. واما إذا قلنا بجواز الوطئ في الدبر في غير الحائض فهل يجوز ذلك في حق الحائض أيضا أو لا يجوز؟ الظاهر هو الجواز وذلك لان ما استدل به على حرمة الوطئ في دبر الحائض امران: (أحدهما): ما ورد في بعض الروايات من النهي عن ايقابها حيث قال: (له ما بين اليتيها ولا يوقب) (1) فان معناه الادخال وبما ان متعلقه غير مذكور فيشمل الايقاب في كل من القبل والدبر.


(1) الوسائل: ج 2 باب 25 من أبواب الحيض ح 8.

[ 447 ]

(ثانيهما): دعوى ان الفرج في لغة العرب اعم من القبل والدبر وبما انه مستثنى عن جواز الاستمتاعات من الحائض لما ورد (1) ما هو بمضمون أن لصاحب الحائض كل شئ غير الفرج فلابد من الحكم بحرمة وطئ الزوجة في كل من قبلها ودبرها. وبازاء ذلك عام ومطلق: أما العام فقد ورد فيه (ان كل شئ ما عدى القبل منها بعينه) (2) وقد دل بعمومه على أن غير القبل مما يتمكن الزوج من الاستمتاع به حتى الدبر، وبما أن دلالته بالعموم فلا محالة يتقدم على الروايتين المتقدمتين الدالتين باطلاقهما على حرمة الوطئ في الدبر لان دلالته بالوضع ودلالتهما بمقدمات الحكمة. واما المطلق فهو ما دل على أن له الاستمتاع حيث شاء ما اتقى موضع الدم (3) أو لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع (4) فان المراد بهما القبل وقد دل باطلاقه على أن الاستمتاع في غير القبل مرخص للزوج ولو كان هو الدبر، وهو مع الروايتين المتقدمتين متعارضتان بالاطلاق ومقتضى القاعدة في مثله التساقط والرجوع إلى العام أو الدليل الآخر وهو يقتضي جواز الوطي في الدبر على الفرض.


(1) الوسائل: ج 2 باب 25 من أبواب الحيض ح 2 و 3 و 4 و 9. (2) الوسائل: ج 2 باب 25 من أبواب الحيض ح 1. (3) و (4) الوسائل: ج 2 باب 25 من أبواب الحيض 5 و 6.

[ 448 ]

[ وإذا خرج دمها من غير الفرج فوجوب الاجتناب عنه غير معلوم (1) بل الاقوى عدمه إذا كان من غير الدبر، نعم لا يجوز الوطئ في فرجها الخالي من الدم حينئذ. ] خروج دمها من غير الفرج: (1) كما إذا كانت ثقبة في بدنها يخرج منها الدم فهل يحرم على زوجها وطؤها في ذلك الثقبة أو لا يحرم؟ الاخبار الواردة في المقام انما دلت على حرمة الوطئ في الفرج والقبل أو ذلك الموضع الذي اريد منه الفرج وانما لم يصرح باسمه لقبحه. ولم يرد استثناء ما يخرج منه الدم إلا في مرسلة ابن بكير (1) ولا يمكن الاستدلال بها على حرمة الوطئ في الثقبة التي يخرج منها الدم غير القبل والدبر، وذلك لضعف سندها بالارسال (اولا) ولضعف دلالتها (ثانيا) للاطمئنان - ولا اقل من احتمال عدم اخذ هذا العنوان (موضع الدم) موضوعا للحكم بالحرمة في المرسلة. بل الظاهر انه اخذ معرفا ومشيرا للموضع المخصوص كما هو الحال في قوله (ذلك الموضع) وعليه فلا دليل على حرمة الوطئ في الثقبة الخارج منها الدم لاختصاص ادلة التحريم بالفرج. نعم إذا خرج منها الدم من غير قبلها ودبرها وحكم عليها بكونها


(1) الوسائل: ج 2 باب 25 من أبواب الحيض ح 5.

[ 449 ]

[ (مسألة 4): إذا اخبرت بانها حائض يسمع منها (1) كما لو اخبرت بانها طاهر. ] حائضا يحرم الوطئ في قبلها الخالي من الدم، إذ المطلقات الدالة على حرمة وطئ الحائض في فرجها غير قاصرة الشمول لمفروض الكلام فانها غير مقيدة بما إذا خرج الدم من فرجها. اخبار المراة بحيضها: (1) إذا علم حيض المرأة تترتب عليه ما تقدم من الآثار، وإذا شك في حيضها لم يحكم بحيضها ولا يترتب عليه احكام إلا إذا كانت حالتها السابقة هي الحيض. وإذا اخبرت بحيضها فهل يسمع قولها في ذلك ويترتب عليه ما قدمناه من الاحكام المترتبة على الحيض أم لا؟ المعروف والمشهور بل ادعي عليه الاجماع: ان اخبار المرأة بحيضها مسموع. واستدل عليه بوجوه: (الاول): الاجماع على قبول اخبار المرأة في حيضها. وفيه: انا نجزم بعدم كون الاجماع تعبديا كاشفا عن قول المعصوم (عليه السلام) لانهم انما استندوا في ذلك إلى الوجوه الآتية فلا يعتمد على اجماعهم ذلك بوجه. (الثاني): قوله تعالى (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ارحامهن) (1) بتقريب أن حرمة الكتمان على المرأة ووجوب الاظهار


(1) البقرة: 228.

[ 450 ]

عليها ملازمة لوجوب القبول منها، إذ لو لم يجب قبول قولها في اخبارها كانت حرمة الكتمان ووجوب الاظهار على المرأة لغوا ظاهرا. وفيه: ان احكام الحائض على قسمين قسم لها وقسم عليها فاخبارها عن حيضها اقرار على نفسها في الاحكام التي عليها كحرمة دخولها المساجد واقرار العقلاء على انفسهم جائر ووجوب الاقرار على المرأة لا يلازم وجوب القبول منها بوجه، بل بمكن أن يحكم على المرأة بحيضها وعدم جواز دخولها المسجد أو غيره من الآثار ومع ذلك لا تكون حائضا لدى زوجها أو غيره. (الثالث): ان الحيض مما لا يعلم إلا من قبلها وما لا يعلم إلا من قبل المرأة يسمع قولها فيه. وفيه: ان الاستدلال بذلك مورد المناقشة صغرى وكبرى: اما بحسب الكبرى فلعدم دلالة الدليل على أن كل ما لا يعلم إلا من قبل شخص يكون قوله حجة فيه. واما بحسب اصغرى فلان الحيض مما يمكن العلم به بسائر الطرق فان النساء المعاشرات مع المرأة يعرفن حيضها فليس الحيض مما لا يعلم إلا من قبل الحائض. فالصحيح أن يستدل على ذلك بالروايات - اعني صحيحة زرارة (العدة والحيض إلى النساء) (1) ومعتبرة الكليني حيث وقع في سندها ابراهيم بن هاشم المروية احداهما بسندين وهي اما صحيحة أو حسنة بمضمون الصحيحة الاولى مع زيادة (إذا ادعت صدقت). وقد دلت هاتان الروايتان على أن امر العدة والحيض موكول إلى


(1) الوسائل: ج 15 باب 24 من أبواب العدد ح 1.

[ 451 ]

النساء فهن مصدقات فيهما، وبهما يثبت حجية اخبارها عن حيضها. بقي الكلام في أن اعتبارها عن حيضها مطلق أو انه يختص بغير ما إذا كانت المرأة متهمة واما إذا اتهمت بانها تدعي الحيض لرغبتها عن زوجها أو رغبتها فيما يمنع عنه المجامعة مع زوجها فلا يسمع منها اخبارها؟ وتفصيل الكلام في هذا المقام: هو انا ان اعتمدنا في الحكم باعتبار قول المرأة واخبارها عن حيضها على الاجماع المدعى في المسألة فلا مناص من تقييد حجية اخبار المرأة بما إذا لم تكن متهمة لانها القدر المتيقن من معقد الاجماع. واما إذا اعتمادنا على الروايات فلا وجه لتقييدها بما إذا لم تكن المرأة متهمة فان اطلاقها هو المحكم. ودعوى انها منصرفة عن المتهمة دعوى غير مسموعة كيف وقد صرح بعضهم بذلك في العدة وقال ان مقتضى اطلاق الرواية سماع قولها في عدتها ولو كانت متهمة، وعليه فلابد من ملاحظة الدليل على تقييد اطلاق الروايتين، فقد استدلوا عليه برواية السكوني عن الصادق (ع) انه نقل عن علي (عليه السلام) انه سأل عن امرأة ادعت انها حاضت في شهر واحد ثلاث مرات واجاب بأن النساء إن شهدت على ان حيضها فيما مضى في شهر واحد ثلاث مرات صدقت وإلا فهي كاذبة (1). والرواية من حيث السند معتبرة لا بأس بها وقد رواها عن عبد الله بن مغيرة لا عن النوفلي فلاحظ.


(1) الوسائل: ج 2 باب 47 من أبواب الحيض ح 3 وج 18 باب 24 من أبواب الشهادات ح 37.

[ 452 ]

وانما الكلام في دلالتها وهي مورد الاشكال والكلام لانها ادعت في مورد الرواية امرا غير معهود بل غير متحقق اصلا، ولو كان متحققا فهو من الندرة بمكان حيث ادعت انها حاضت في اول الشهر إلى ثلاثة ايام ثم انقطع دمها عشرة أيام في اليوم الرابع عشر رأت الدم ثلاثة ايام ثم انقطع عشرة ايام وفي اليوم السابع والعشرين أيضا رأت الدم، وهذا امر غير معهود ولعل عدم تصديقها من جهة كون المدعى غريبا. وعليه لا يمكننا التعدي عن موردها إلى غيره كما إذا ادعت انها رأت الحيض في شهر واحد مرتين. نعم في خصوص مورد الرواية لا يمكننا تصديقها باخبارها بمقتضى هذه الرواية، فالتقييد بعدم كون المرأة متهمة مما لادليل عليه. إلى هنا تحصل أن اخبار المرأة عن حيضها مسموع شرعا. اخبار المراة عن طهرها: وهل يسمع قولها في الاخبار عن طهرها وعدم حيضها أو لا يسمع؟ ظاهر قوله (ع) (العدة والحيض إلى النساء) أن امر هاتين الطبيعتين راجع اليهن نفيا واثباتا وهو نظير مااذا قلنا سفر المرأة إلى زوجها اي نفيا واثباتا لا اثباتا فقط فانه الظاهر المستفاد من الرواية عرفا، مضافا إلى القرينة الخارجية وهي ما دل من الاخبار (1) على أن المرأة إذا ادعت انقضاء عدتها جاز لها أن تتزوج حيث يدلنا على أن


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 47 من أبواب الحيض.

[ 453 ]

[ (مسالة 5): لا فرق في حرمة وطئ الحائض بين الزوجة الدائمة والمتعة والحرة والامة والاجنبية والمملوكة (1) كما لا فرق بين ان يكون الحيض قطعيا وجدانيا لو كان بالرجوع إلى التمييز أو نحوه. بل يحرم ايضا في زمان الاستظهار إذا تحيضت (2). ] اخبار المرأة عن عدتها وحيضها نفيا واثباتا مورد التصديق فلا يرجع إلى استصحاب بقاء عدتها أو حيضها. عدم الفرق بين اصناف المراة: (1) وذلك لاطلاق مادل على حرمة وطي الحائض، لان قوله تعالى (قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) غير مقيد بالدائمة أو بغيرها من اقسام المرأة. هذا كله فيما إذا ثبت حيض المرأة بالعلم الوجداني أو التعبدي، واما إذا ثبت باختيار المرأة نفسها كما في ايام الاستظهار في اليوم الثاني والثالث لانه في اليوم الاول واجب عندنا، نعم عند الماتن (قده) تتخير المرأة في اليوم الاول أيضا فإذا اختارت المرأة الحيض لنفسها فهل يترتب عليه احكام الحيض المقدمة؟ (2) لااشكال في حرمة وطي الحائض فيما إذا ثبت حيضها بالعلم


(1) البقرة: 222

[ 454 ]

الوجداني أو التعبدي كالصفات المجعولة امارة على الحيض، وانما الكلام في زمان الاستظهار فيما إذا تحيضت فهل يحرم وطؤها حينئذ أو لا يحرم؟ عرفت ان ايام الاستظهار مختلفة فانه في غير اليوم الاول كاليوم الثاني والثالث غير واجب وانما المرأة ذات العادة إذا تجاوز دمها عن ايام عادتها مخيرة في التحيض وفي جعل نفسها مستحاضة في غير اليوم الاول فلها أن تتحيض فتترك الصلاة كما أن لها أن نختار لنفسها الاستحاضة فتصلي ومعنى ذلك عدم جريان الاستصحاب في حقها حيث ان الاستصحاب يقتضي كونها مستحاضة وممن تجب عليها الصلاة وذلك لانه كما يجري في الامور الحالية كذلك يجرى في الامور الاستقبالية وبما أن المرأة ذات عادة قد تجاوز دمها عن ايامها وتشك في انه يتجاوز عن العشرة حتى تجعل ايام عادتها حيضا والباقي استحاضة أو انه ينقطع دون العشرة حتى يكون المجموع حيضا فمقتضى الاستصحاب انه يجرى ولا ينقطع حتى يتجاوز العشرة وعليه فالمرأة مستحاضة فيما بعد ايام العادة وتجب عليها الصلاة ولكن الشارع المقدس منع عن جريان الاستصحاب في حقها وجعلها مخيرة بين الحيض والاستحاضة في غير اليوم الاول من ايام الاستظهار، إلا انه لما لم يكن تكليفا الزاميا لعدم الزام المرأة بالتحيض على الفرض لم يمكن أن يعارض التكليف الالزامي وهو وجوب اطاعة الزوج فيما إذا طالبها بالجماع حيث يجوز له ذلك في غير ايام طمثها لقوله تعالى (فاتوا حرثكم أنى شئتم) (1) وانما خرج عنه ايام العادة


(1) البقرة: 223.

[ 455 ]

فقد كما تدل عليه غير واحد من الروايات (1)، فإذا طالبها بالجماع في غير ايام العادة كايام الاستظهار وجب عليها المطاوعة فلا يحرم وطيها في ايام الاستظهار غير الواجب. واما اليوم الاول من الاستظهار الذي يجب فيه الاستظهار فالظاهر أن حكمه حكم الحيض فيحرم وطؤها فيه، وذلك لان المستفاد مما دل على وجوب الاستظهار في اليوم الاول أن المرأة بحكم الحائض شرعا، لا انها ليست بحائض إلا ان حكم الحيض مترتب عليها بالتعبد الشرعي فانه بعيد عن المتفاهم العرفي فإذا كانت المرأة في حكم الحائض فيترتب عليها جميع احكام الحائض التي منها حرمة الوطئ. ويمكن الاستدلال على ذلك مضافا إلى دلالة نفس ادلة الاستظهار عليه كما عرفت - بما ورد في بعض الروايات من أن المرأة مستحاضة بعد الاستظهار بيوم واحد كما في صحيحة اسحاق بن جرير عن أبي عبد الله (ع) في حديث: في المرأة تحيض فتجوز ايام حيضها، قال: (ان كان ايام حيضها دون عشرة ايام استظهرت بيوم واحد ثم هي مستحاضة) (2). وذلك لعدم الفاصل بين الحيض والاستحاضة فإذا حكمنا على المرأة بالاستحاضة بعد يوم الاستظهار دل ذلك على انها في يوم الاستظهار حائض فيترتب عليها جميع آثار الحائض لا محالة ويؤيد ما ذكرناه رواية مالك بن اعين قال: سألت أبا جعفر (ع) عن النفساء يغشاها زوجها وهي في نفاسها من الدم، قال: (نعم إذا مضى لها منذ يوم وضعت


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 24 و 25 من أبواب الحيض. (2) الوسائل: ج 2 باب 13 من أبواب الحيض ح 3.

[ 456 ]

[ وإذا حاضت في حال المقاربة تجب المبادرة بالاخراج (1) (الثامن) وجوب الكفارة بوطيها (2). ] بقدر ايام عدة حيضها ثم تستظهر بيوم فلا بأس بعد أن يغشاها زوجها يأمرها فلتغتسل ثم يغشاها إن احب) (1). لصراحتها في عدم جواز وطئ المرأة ذات الدم في يوم الاستظهار وانما يجوز وطؤها بعد الاستظهار بيوم. إلا انها غير صالحة للاستدلال لضعفها سندا اولا، حيث ان طريق الشيخ إلى حسن بن علي بن فضال ضعيف (2)، ولورودها في النفساء ثانيا فتختص بموردها، ولا يمكن التعدي عنه إلى الحائض أيضا، ومن هنا جعلناها مؤيدة للمدعى. (1) لصدق أن المرأة في المحيض فيجب الاعتزال عنها وانها حائض فلا يقربها بعلها إلى غير ذلك من العناوين الواردة في الكتاب والسنة. هل تجب الكفارة بوطئها؟ (2) ما افاده الماتن (قده) هو المشهور بين المتقدمين، ولكن المشهور بين المتأخرين - على ما في الحدائق - عدم وجوب الكفارة على الواطي في المحيض ومنهم صاحب الوسائل (قده) على ما عنون به


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب النفاس ح 4. (2) وقد تقدم ان سيدنا الاستاد - دام ظله - عدل عن ذلك وبنى على اعتبار طريق الشيخ إلى ابن فضال.

[ 457 ]

[ وهي دينار اول الحيض ونصفه في وسطه وربعه في آخره إذا كانت زوجة من غير فرق بين الحرة والامة والدائمة والمنقطعة ] (الباب استحباب الكفار لمن وطئ في الحيض. والوجه في اختلاف المتقدمين والمتأخرين في المسألة هو اختلاف الاخبار لان الكفارة على الترتيب الذي ذكره الماتن (قده) انما ورد في رواية داود بن فرقد عن ابى عبد الله (ع) في كفارة الطمث بانه يتصدق إذا كان في اوله بدينار وفي وسطه نصف دينار وفي آخره ربع دينار قلت: فان لم يكن عنده ما يكفر؟ قال: (فليتصدق على مسكين واحد وإلا استغفر الله تعالى ولا يعود فان الاستغفار توبة وكفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شئ من الكفارة (1). وفي مرسلة المقنع قال: روي انه ان جامعها في اول الحيض فعليه أن ينصدق بدينار وان كان بنصفه فنصف دينار وان كان في آخره فربع دينار (2). ولا يمكن الاعتماد على ذلك لارسالها، ولعل المراد بالمرسلة هو رواية داود بن فرقد ولا يمكن الاعتماد على رواية داود لضعف سندها بالارسال اولا لان محمد بن أحمد بن يحيي رواها عن بعض اصحابنا عن الطيالسي، وبعدم دلالتها على وجوب الكفارة بتلك الكيفية ثانيا وذلك


(1) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض ح 7.

[ 458 ]

لان السؤال فيها انما هو عن كم الكفارة وانه اي شئ فأجابه بما اجاب به ولا دلالة لها على أن اصل الكفارة واجب بل الكفارة المعطاة هي الدينار ونصفه وربعه ولو كانت الكفارة مستحبة فلا دلالة لها على اصل وجوب الكفارة. واما غير هذه الكيفية المذكورة في المتن فقد ورد في صحيحة محمد ابن مسلم وجوب التصدق بدينار مطلقا بلا فرق في ذلك بين اول الحيض وآخره ووسطه قال: سألته عمن أتى امرأته وهي طامث؟ قال (يتصدق بدينار ويستغفر الله تعالى) (1). الا ان مضمونها مما لم يقل به احد من اصحابنا وان حكي القول به عن المخالفين، مضافا إلى انها معارضة بما دل على نفي وجوب الكفارة كصحيحة العيص: قال سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل واقع امرأته وهى طامث قال: (لا يلتمس فعل ذلك وقد نهى الله تعالى أن يقربها، قلت: فان فعل اعليه كفارة؟ قال (لا أعلم فيه شيئا يستغفر الله) (2). والجمع بينها وبين الصحيحة المتقدمة يقتضي حملها على الاستحباب أو التقية كما سيأتي. ويؤيد ذلك ما رواه زرارة عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن الحائض يأتيها زوجها قال: (ليس عليه شئ يستغفر الله ولا يعود) (3).


(1) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 29 من أبواب الحيض ح 1. (3) الوسائل: ج 2 باب 29 من أبواب الحيض ح 2.

[ 459 ]

وأما ما رواه ليث المرادي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن وقوع الرجل على امرأته وهى طامث خطا (اي من باب الخطيئة والمعصية بقرينة قوله بعد ذلك: وقد عصى ربه، لامن باب الخطأ والاشتباه وإلا لم يكن عاصيا بوجه) قال: (ليس عليه شئ وقد عصى ربه) (1). واماما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: (من أتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدق به) حيث دلت على أن الكفارة هي نصف دينار مطلقا (2). وهو كسابقه مما لم يلتزم به الاصحاب وفي رواية على بن ابراهيم في تفسيره قال: قال الصادق (ع) (من أتى امرأته في الفرج في اول ايام حيضها فعليه أن يتصدق بدينار وعليه ربع حد الزاني خمسة وعشرون جلدة، وان اتاها في آخر ايام حيضها فعليه أن يتصدق بنصف دينار ويضرب اثنتى عشرة جلدة ونصفا) (3) ويدفعه: مصافا إلى ارسالها - أن مضمونها مما لم يقل به احد من اصحابنا فانهم انما ذهبوا إلى وجوب الكفارة بنصف دينار فيما إذا كان في وسط الحيض وربع دينار إذا كان في آخره لا نصف دينار في آخر الحيض. وقد ورد مضمون هذه الرواية في رواية محمد بن مسلم المروية في باب التعزيرات من الوسائل قال: سألت أبا جعفر عن الرجل يأتي المرأة وهي حائض قال: (يجب عليه في استقبال الحيض دينار وفي


(1) الوسائل: ج 2 باب 29 من أبواب الحيض ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض ح 4. (3) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض ح 6.

[ 460 ]

استدباره نصف دينار...) (1). لكنه ضعيف بأبي حبيب الواقع في سنده وهو ممن لم تثبت وثاقته وهو أيضا غير معمول به بين الاصحاب. وقد تحصل إلى هنا أن وجوب الكفارة في وطئ الحائض مما لا مقتضي له ولا دليل عليه، وقد دلت صحيحة العيص على نفي لزوم الكفارة على الوطي في الحيض، وهذا بعدما عرفت من الاشكال في سند رواية داود بن فرقد ودلالتها. ثم على تقدير التنازل وفرض تمامية الاخبار المتقدمة - أي غير رواية داود بن فرقد فانه ضعيفة السند والدلالة كما مر كالاخبار الدالة على وجوب الدينار أو نصفه أو التفصيل فقد عرفت انها متعارضة ولا مناص من العلاج بينها. والتصرف فيما دل على وجوب الكفارة بدينار مطلقا كما في صحيحة محمد بن مسلم وما دل على وجوب الكفارة بنصف دينار مطلقا كما في رواية أبي بصير، بحمل الاول على اول الحيض واستقباله، وحمل الثاني على آخره واستدباره كما في رواية القمي ومحمد بن مسلم المروية في باب التعزيرات. مندفع: بانه ليس من الجمع العرفي في شئ، لبعد أن يحكم الامام (ع) بوجوب الكفارة بدينار على وجه الاطلاق مريدا به اول الحيض، أو يحكم بوجوب الكفارة بنصف دينار مطلقا مريدا به آخر الحيض. بل الصحيح في العلاج بين الاخبار أمران:


(1) الوسائل: ج 18 باب 13 من أبواب بقية الحدود والتعزيرات الحديث 1.

[ 461 ]

(احدهما): حمل الاخبار على الاستحباب كما صنعه صاحب الوسائل (قده) نظرا إلى ان اختلاف الاخبار في حد الكفارة بنفسه يدل على عدم الوجوب ويدل عليه صحيح العيص المتقدم الدال على عدم وجوب الكفارة على الواطى في ايام الحيض. (وثانيهما): حملها على التقية حيث ان العامة تقول بوجوب الدينار أو نصفه في كفارة وطي الحائض، ويدل عليه ما ورد في رواية عبد الكريم بن عمرو قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أتى جارية وهي طامث قال (يستغفر الله ربه) قال (عبد الكريم) عبد الملك فان الناس يقولون: عليه نصف دينار فقال أبو عبد الله (ع) فليتصدق على عشرة مساكين) (1). حيث انها وان وردت في الامة وهي خارجة عما هو محل الكلام لان البحث في وطئ الزوجة الحائض باقسامها من الدائمة والمنقطعة والحرة والامة لا في الجارية غير الزوجة، إلا انها تدلنا على أن وجوب الكفارة بدينار أو نصفه كان امرا شايعا بينهم فتحمل الاخبار الواردة في وجوبها على التقية فلا تكون الكفارة واجبة ولا مستحبة بعنوان كونها كفارة، واما بعنوان الصدقة والاحسان فهو امر آخر. هذا كله في الزوجة باقسامها وقد تحصل ان كفارة وطي الحائض ليست واجبة وانما يجب على الواطي الاستغفار لارتكابه المعصية وان كان التكفير احوط.


(1) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض ح 2.

[ 462 ]

[ وإذا كانت مملوكة للواطي فكفارته ثلاثة امداد من طعام يتصدق بها على ثلاثة مساكين لكل مسكين مد، من غير فرق بين كونها قنة أو مدبرة أو مكاتبة أو ام ولد (1). ] وطئ المملوكة في حيضها: وبقي الكلام في وطي المملوكة في حيضها. (1) لم يرد ما ذكره (قده) في شئ من الروايات المتقدمة، إذ أن رواية داود بن فرقد ناظرة إلى كم الكفارة واما وجوب الكفارة فلا نظر في الرواية إليه فضلا عن اطلاقها بالاضافة إلى وطي المملوكة واما بقية الروايات غير رواية عبد الكريم بن عمرو فلاختصاصها بالزوجة كما هو ظاهر. واما رواية عبد الكريم فهي وان كانت واردة في الجارية إلا أنها تدل على عدم وجوب الكفارة في وطيها ولا دلالة لها على الوجوب. نعم دلت الرواية على وجوب التصدق بعشرة مساكين لا بعنوان الكفارة في وطئ الامة الحائض بل بعنوان عدم مخالفة الناس القائلين بوجوب الكفارة بدينار أو نصف دينار. اذن لا يمكن استفادة ما ذكره الماتن - اعني وجوب الكفارة في وطي الامة الحائض من شئ من الاخبار المتقدمة، ولا مدرك له سوى الاجماع المنقول والشهرة الفتوائية بين الاصحاب والفقه الرضوي (1).


(1) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 23 من أبواب الحيض ح 1.

[ 463 ]

[ نعم في المبعضة والمشتركة والمزوجة والمحللة إذا وطأها مالكها اشكال (1) ولا يبعد الحاقها بالزوجة في لزوم الدينار أو نصفه أو ربعه، والاحوط الجمع بين الدينار والامداد. ] ولا يمكن الا عتماد على شئ منها في الاستدلال، نعم حسنة عبد الكريم وردت في الجارية إلا انها دلت على عدم وجوب الكفارة في وطيها حائضا ولما قال له السائل ان الناس ذكروا أن فيه كفارة دينار أو نصفه امره (ع) بالتصدق على عشرة مساكين. والظاهر أن ما حكم به الامام (ع) ليس من باب وجوب الكفارة بعنوانها الاولي وانما هو من جهة العنوان الثانوي عدم مخالفة الشيعة مع العامة بحسب العمل فهو مجاملة معهم عملا. هذا على ان المذكور في الحسنة انما هو التصدق على عشرة مساكين لا ثلاثة امداد على ثلاثة مساكين، فالمقدار المعطى للمساكين غير مذكور في الحسنة. وطئ المبعضة واخواتها: (1) بناءا على وجوب الكفارة في وطي الامة والزوجة، إذا كانت الامة مبعضة أو مشتركة أو مزوجة أو محللة ووطأها مالكها فهل يجب على الواطي كفارة وطي الامة لانها امة؟ أو يجب كفارة الزوجة إلحاقا لها بالزوجة لعدم كونها امة محللة لمالكها فلاجل كونها محرمة الوطي على مالكها

[ 464 ]

تلحق بالزوجة في وجوب التكفير بدينار في اول الحيض ونصف دينار في وسطه وربع دينار في آخره؟ مقتضى العلم الاجمالي الجمع بين الكفارتين، ولكن الصحيح هو التفصيل بين الامة المبعضة والمشتركة وبين الامة المزوجة والمحللة. وذلك لان حسنة عبد الكريم المتقدمة انما اخذت في موضوعها عنوان وطي الرجل امته وهذا لا ينطبق على المبعضة أو المشركة، اما المبعضة فلانها ليست بأمة وانما الامة نصفها - مثلا - ونصفها الآخر حر فلا يصدق انه وطأ امته. كذلك المشتركة لانها ليست بأمة الواطي وانما هي امته وامة غيره فلا يصدق انه وطئ امته فلا تجب فيهما كفارة وطئ أمة. ولكن يجب في المبعضة والمشتركة كفارة وطئ الزوجة لان الاخبار الواردة فيها وان كان بعضها مختصا بالزوجة إلا أن المأخوذ في موضوع بعضها وطي مطلق الحائض زوجة كانت ام غيرها بل تشمل المزني بها أيضا، كرواية (1) داود بن فرقد التي كان السؤال فيها عن كفارة الطمث ورواية محمد بن مسلم (2) عن الرجل يأتي المرأة وهي حائض - ورواية أبي بصير (3) (من أتى حائضا) وهذه العناوين - كما ترى - تنطبق على الامة المشتركة والمبعضة لعدم تقييدها بالزوجة ولا بالحرة ومعه لابد من إلحاقهما بالزوجة فيجب في وطيهما في الحيض أن يكفر في اوله بدينار وفى وسطه بنصف دينار وفي آخره بربع دينار. واما الامة المحللة أو المزوجة إذا وطأهما مالكهما فهما ملحقتان بالامة وذلك لصدق الامة عليهما إذ تحليل الامة عليهما أو تزويجها من الغير لا يخرجها


(1) و (2) و (3) تقدم ذكرها في صور المسألة.

[ 465 ]

[ ولا كفارة على المرأة (1) وان كانت مطاوعة، ويشترط في وجوبها العلم والعمد والبلوغ والعقل (2) ] عن كونها امته فيصدق ان المالك وطئ امته وارتكب محرما ومعه يجب ان يتصدق في كفارته بعشرة مساكين أو بثلاثة امداد. لا كفارة على المرأة: (1) لعدم الدليل عليه وان طاوعت الرجل، ولا يقاس المقام بالمرأة الصائمة في نهار شهر رمضان حيث انها مع المطاوعة محكومة بوجوب الكفارة كالرجل وذلك لقيام الدليل عليه هناك دون المقام. (2) قد دلت الاخبار الواردة في المقام على اعتبار المعصية في موضوع وجوب الكفارة على الواطي في الحيض حيث ورد في بعضها انه عصى ربه (1) واوجبت عليه الاستغفار (2) وهو انما يجب مع المعصية لوجوب التوبة معها فإذا فرضنا في مورد انتفت المعصية اما بحسب الواقع كما إذا كان الواطئ مجنونا أو غير بالغ أو ناسيا - حيث ذكرنا غير مرة أن الناسي غير مكلف في الواقع بما نسيه لعدم قدرته عليه - واما بحسب الظاهر دون الواقع كما إذا كان الواطي جاهلا بالموضوع ولم يعلم أن المرأة حائض لان الجهل عذر ولا معصية معه انتفت الكفارة


(1) الوسائل: ج 2 باب 29 من أبواب الحيض ح 3. (2) الوسائل: ج 2 باب 28 و 29 من أبواب الحيض ح 1 و 2.

[ 466 ]

أيضا، وكذلك الحال فيما إذا كان جاهلا بالحكم إلا انه كان قاصرا لا مقصرا وهذا كما في المجتهد إذا بنى على أن الصفر مثلا بعد ايام العادة وقبل العشرة ليست بحيض وكانت في الواقع حيضا، أو المقلد بنى على ذلك تقليدا من مجتهده فانه معذور في جهله قطعا ولا كفارة معه بوجه. وانما المهم ما إذا كان الواطئ للحائض جاهلا بالحكم عن تقصير لتمكنه من السؤال ولم يسأل فهل تجب الكفارة حينئذ أو لا تجب؟ ذكر الماتن (قده) ان التكفير احوط، وقواه بعضهم ذكروا ان الجاهل المقصر كالعامد في العصيان بل ادعى بعضهم الاجماع عليه. هذا لا كفارة على الجاهل: والصحيح عدم وجوب الكفارة على الجاهل القاصر والمقصر مطلقا لا في المقام ولا في الحج ولا في الصيام ولا غيرها من المقامات ما لم يقم عليه دليل في مورد، بلا فرق في ذلك بين الجهل بالحكم والجهل بالموضوع، وذلك للاخبار الواردة في موارد خاصة ولما دل على نفي وجوب الكفارة على الجاهل مطلقا كصحيحة عبد الصمد بن بشير حيث سئل فيها عن المحرم لبس المخيط وقال له الناس افسدت عملك وابطلت نسكك فسألوا عنه (ع) عن حكمه فقال له (ع) ألبسته قبل الاحرام أم بعده؟ قال: بل قبله، قال (ع) (لا شئ عليك) معللا بقوله (ايما رجل ركب امرا بجهالة فلا شئ عليه (1).


(1) الوسائل: ج 9 باب 45 من تروك الاحرام ح 3.

[ 467 ]

وهي وان كانت واردة في الاحرام إلا أن عموم تعليلها يشمل المقام ومقتضاها عدم ترتب الاثر على الفعل الصادر عن جهالة من الكفارة والحد، واما الاجماع القائم على ان الجاهل المقصر كالمتعمد فهو راجع إلى توجه الخطاب وتنجيز الحكم لوجوب التعلم عليه، ومع تركه يكون مستحقا للعقاب وبكون ما أتى به معصية محرما إلا أن الآثار المترتبة عليه من الحد وللكفارة وغيرها ترتفع عنه بتلك الروايات. وقد دلنا التعليل المذكور على ان العمل المأتي به بجهالة لا يترتب عليه شئ من الآثار كالكفارة ونحوها، واما نفس العمل فهو باطل إذا كان غير مطابق للمأمور به ويجب قضاؤه فإذا أتى بمفطر في نهار شهر رمضان بجهالة لم تجب عليه الكفارة وان فسد صومه ووجب عليه قضاؤه، وكذلك الحال في الاحرام وغيره. وعليه ففي مقامنا وان أتى المكلف بحرام إلا انه لما صدر عن جهالة لم يترتب عليه الكفارة شرعا بلا فرق في ذلك بين الجهل القصوري والتقصيري. وكصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الواردة فيمن تزوج امرأة في عدتها عن جهالة قال: (لا شئ عليه، يتزوجها بعد انقضاء عدتها فان الناس قد يعذرون فيما هو اعظم من ذلك) (1) مع انه لو كان متعمدا في تزويجها حرمت عليه المرأة حرمة دائمية. واما ما ورد في بعض الموارد الخاصة فهو كالخمر فانه إذا شربه احد عن جهل بحكمه ولو تقصيرا لم يحد لان الحدود تدرأ بالشبهات (2).


(1) الوسائل: ج 14 باب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 4. (2) الوسائل: ج 18 باب 24 من أبواب الحدود والتعزيرات ح 4 وفيه ادرأوا الحدود بالشبهات.

[ 468 ]

[ فلا كفارة على الصبي ولا المجنون ولا الناسي ولا الجاهل بكونها في الحيض بل إذا كان جاهلا بالحكم أيضا وهو الحرمة وان كان احوط. نعم مع الجهل بوجوب الكفارة بعد العلم بالحرمة لا اشكال في الثبوت (1). (مسألة 6): المراد بأول الحيض ثلثه الاول (2) وبوسطه ثلثه الثاني وبآخره الثلث الاخير فان كان ايام حيضها ستة فكل ثلث يومان وان كان سبعة فكل ثلث يومان وثلث يوم وهكذا ] وكيف كان فلا تجب الكفارة على جاهل الحكم أبدا مقصرا، إلا أن يقوم دليل على وجوبها في مورد خاص. الجهل بوجوب الكفارة: (1) إذا علم بالحكم والموضوع إلا انه لم يعلم أن في مخالفة الحكم كفارة واجبة، مقتضى اطلاق دليل وجوب الكفارة وجوبها في حقه بل هذا هو الاغلب لان المرتكب لا يعلم بوجوب الكفارة في عمله غالبا. (2) كما هو المستفاد عرفا من تقسيم الشئ إلى ثلاثة اقسام فان العرف يفهم من مثله أن المراد من اول الشئ ثلثه الاول وهكذا، فجعل المدار عشرة ايام وأن اولها ثلاثة ايام وثلث يوم وكذا وسطها

[ 469 ]

[ (مسألة 7): وجوب الكفارة في الوطي في دبر الحائض غير معلوم لكنه احوط (1). (مسألة 8): إذا زنى بحائض أو وطأها شبهة فالاحوط ] وآخرها خلاف المتفاهم العرفي من مثله. على ان لازمه أن لا يكون للحيض اول ولا وسط ولا آخر فيما إذا كان حيضها ثلاثة ايام إذ ليس فيها ثلاثة ايام وثلث يوم ليكون اول الحيض أو وسطه أو آخره، كما انه إذا كان ستة ايام لم يكن للحيض آخر ولا وسط. الكفارة في الوط في الدبر: (1) هذه المسألة تبتني على ما تقدم من جواز الوطي في دبر المرأة وعدمه، فعلى القول بحرمته تجب الكفارة بالوطي في دبرها لانه اتيان للمرأة وهي حائض، إذ لا فرق في صدق الاتيان بين الوطي في الدبر أوفي القبل لان الدبر احد المأتيين (1) - كما في الخبر - وبما انه اتيان حرام ومعصية للرب تجب فيه الكفارة كما في الوطي في القبل. واما إذا قلنا بجواز الوطي في الدبر وهي حائض فهو وان كان اتيانا للمرأة إلا انه اتيان حلال ليس بمعصية ولا حرام وقد اشتملت


(1) الوسائل: ج 14 باب 73 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه ح 7.

[ 470 ]

[ التكفير بل لا يخلو عن قوة (1). (مسألة 9): إذا خرج حيضها من غير الفرج فوطأها في ] اخبار (1) الكفارة على كون الاتيان معصية ومع انتفائها تنتفى الكفارة لا محالة. ثبوت الكفارة في الزنا بالحائض: (1) الامر كما افاده، وذلك لان الاخبار الواردة في التكفير وان كان بعضها مختصا بالزوجة والامة إلا ان بعضها (2) الآخر اشتملت على عنوان الحائض أو المرأة، ومن الظاهر انهما يصدقان على المرأة الاجنبية الحائض لاطلاقها وعدم تقييدها بكون الوطي عن استحقاق فيشمل الوطي عن استحقاق والوطي لا عن استحقاق كما في الزنا ومع الاستحقاق لا فرق بين علم الواطي بعدم استحقاقه الوطي كما في الزنا وبين عدم علمه به كما في الوطي بشبهه.


(1) كما تقدم ذكرها في اشتراط العلم والعمد. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض ح 1 و 4 وفيهما عنوان الطمث والحائض وج 18 باب 13 من بقية الحدود والتعزيرات ح 1 وفيه عنوان المرأة ولكن ذيلها قرينة على ان المراد زوجته نعم في رواية المقنع عنوان المرأة وهي حائض.

[ 471 ]

[ الفرج الخالي من الدم فالظاهر وجوب الكفارة (1) بخلاف وطأها في محل الخروج (2). (مسألة 10): لا فرق في وجوب الكفارة بين المرأة حيه أو ميته (3). ] (1) وذلك لصدق انه أتى المرأة الحائض فتجب عليه الكفارة لا محالة. (2 إذ لا يصدق عليه الاتيان ولا يجب معه الغسل ولا حرمة فيه. لا كفارة في وطئ الحائض الميتة: (3) لا يمكن المساعدة على ما أفاده بوجه، وذلك لان الاخبار الواردة في الكفارة اخذت في موضوعها عنوان الحائض أو الزوجة أو الامة ولا يصدق شئ من ذلك على المرأة الميتة لانها جماد وليست بحائض لان الحيض من صفات الحي ولا يكون الجماد حائضا، كما انها ليست بزوجة ولا امة ثم لو فرضنا ان الاخبار مطلقة فهي منصرفة إلى المرأة الحية انصرافا قطعيا فلا تشمل المرأة الميتة بوجه. ودعوى ان وطيها قبل أن تموت كان موجبا للكفارة والاصل يقتضي انه كذلك بعد موتها أيضا.

[ 472 ]

[ (مسألة 11): ادخال بعض الحشفة كاف في ثبوت الكفارة على الاحوط (1). ] مندفعة: اولا: بعدم بقاء الموضوع للاستصحاب لان الوطي انا كان يوجب الكفارة في المرأة الحية وهي غير الميتة لدى العرف، فان الحي والميت موضوعان متغايران، ومع عدم بقاء الموضوع لا مجرى للاستصحاب ولا معنى له وثانيا: بانه من الاستصحاب الجاري في الاحكام وقد ذكرنا غير مرة أن الاستصحاب لا مجال له في الشبهات الحكمية. وثالثا: بانه من الاستصحاب التعليقي إذ المرأة المسجاة لو كانت وطئت حال حياتها وجبت الكفارة على واطيها، أو أن الوطي لو كان وقع عليها حال حياتها اوجبت الكفارة على الواطي وهو أمر تعليقي كما لعله ظاهر. ادخال بعض الحشفة: (1) لكفاية ذلك في صدق عنوان الاتيان الذي هو موضوع وجوب الكفارة على الوطي ولا يقاس المقام بالغسل والجنابة حيث انهما لا يتحققان بادخال بعض الحشفة وذلك لانها حكمان متغايران على موضوعين مختلفين

[ 473 ]

[ (مسألة 12): إذا وطأها بتخيل انها امته فيانت زوجته عليه كفارة دينار (1) وبالعكس كفارة الامداد، كما انه إذا اعتقد كونها في اول الحيض فبان الوسط أو الآخر أو العكس فالمناط الواقع. (مسألة 13): إذا وطأها بتخيل انها في الحيض فبان ] ويؤيد ذلك قوله تعالى (فاعتزلوا النساء في المحيض) (1) فان ادخال بعض الحشفة خلاف الاعتزال ونوع من المقاربة. وطئ الزوجة بتخيل انها امة: (1) لفرض علمه بحيض المرأة وعمله بحكم وطيها إلا انه كان معتقدا كونها امة، ومع العلم بحيضها والعلم بحكمه يتحقق موضوع وجوب الكفارة واقعا، وبما انه في الواقع وطي الزوجة دون الامة فتجب عليها كفارة دينار إذا كان في اوله، والاعتقاد بكونها امة لا يوجب تغير الواقع بما هو عليه، وكذلك الحال لو انعكس الامربان اعتقد أن المرأة الحائض زوجته فوطأها ثم بان انها امته فانه يجب عليه الكفارة بثلاثة امداد، أو إذا وطأها معتقدا انها في آخر حيضها فبان كونها في اوله، فان المدار في جميع ذلك على الواقع، ولا وقع للاعتقاد.


(1) البقرة: 222.

[ 474 ]

[ الخلاف لا شئ عليه (1). (مسألة 14): لا تسفط الكفارة بالعجز عنها (2) فمتى ] (1) لعدم تحقق موضوع وجوب الكفارة، والاعتقاد لا اثر له في المقام. العجز غير مسقط للكفارة: (2) ما افاده (قده) من أن الكفارة إذا ثبتت بسببها لم تسقط بالعجز عن ادائها وان كان صحيحا في نفسه فان سقوطها بعد الثبوت يحتاج إلى مسقط، والعجز إذا لم يدل دليل على كونه مسقطا فلا محالة يكون بقاء الكفارة مع العجز عنها على القاعدة، إلا انه لا يتم في خصوص المقام لدلالة الدليل على سقوط الكفارة بالعجز عنها. بيان ذلك ان التفصيل في الكفارة بحسب اول الحيض ووسطه وآخره على ما التزم به المشهور لا دليل عليه سوى رواية داود بن فرقد (1) حيث وردت على طبق مسلك المشهور فإذا لم نعتمد عليها لضعفها وعدم انجبار ضعفها بعملهم فلا نقول بوجوب الكفارة في وطي الحائض اصلا: وأما إذا اعتمدنا عليها فهي قد دلت على ان المكلف إذا لم يتمكن من الدينار ونصفه وربعه يتصدق على مسكين واحد ومع عدم التمكن منه أيضا يستغفر الله فان الاستغفار توبة وكفارة لمن لم يجد إلى الكفارة


(1) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض ح 1.

[ 475 ]

[ تيسرت وجبت والاحوط الاستغفار مع العجز بدلا عنها ما دام العجز (1). ] سبيلا، ومعها لابد من الالتزام بسقوط الكفارة في المقام مع العجز عنها فان المراد بقوله (لم يجد) أي بالفعل وفي حال ثبوت الكفارة ووجوبها لا إلى الابد فإذا كان حينئذ عاجزا سقطت عنه فلا تجب بعد طرو التمكن منها. والمشهور لم يلتزموا بالسقوط حين العجز وذهبوا إلى بقاء الكفارة بحيث إذا تمكن من ادائها وجبت، ولعمري ان هذا من موهنات الرواية حيث يستكشف بذلك أن المشهور لم يعتمدوا فيما ذهبوا إليه على هذه الرواية، وإلا كان اللازم أن يلتزموا بمضمونها الذي منه سقوط الكفارة عند العجز عنها، ولعلهم اعتمدوا في ذلك على الاجماع المنقول عن الغنية وغيرها، فالرواية ضعيفة ولم يعتمد عليها المشهور فيما سلكوه. (1) الاحتياط الذي ذكره (قده) في محله وذلك لان رواية داود بن فرقد اشتملت على انه إذا لم يجد الكفارة فليتصدق على مسكين واحد وان لم يتمكن منه أيضا فليستغفر الله، فان الاستغفار توبة وكفارة لمن لم يجد إليها سبيلا فان صريحها أن الا ستغفار للعاجز عن التكفير غير التوبة الواجبة عن كل ذنب فانه يكفي في التوبة مجرد الندم ولا يعتبر فيها الاستغفار فالاستغفار بدل الكفارة لدى العجز عنها إلا انه كان عليه أن يضم التصدق على مسكين بأن يقول: والاحوط أن يتصدق على مسكين وان لم يجد فليستغفر الله، لان الرواية مشتملة على كليهما

[ 476 ]

[ مسألة 15): إذا اتفق حيضها حال المقاربة وتعمد في عدم الاخراج وجبت الكفارة (1). (مسألة 16): إذا اخبرت بالحيض أو عدمه يسمع قولها (2) ] على الترتيب، وهذا من الموهنات للرواية فانه يكشف عن عدم اعتماد المشهور على تلك الرواية وإلا لافتوا على مضمونها كما تقدم. تحيض الزوجة اثناء الجماع: (1) والوجه في وجوب الكفارة هو اطلاق الدليل فان الآية المباركة دلت على أن الحائض يجب الاعتزال عنها بلا فرق في ذلك بين سبق حيضها على المقاربة وبين سبق المقاربة على الحيض وعليه لو حاضت المرأة في اثناء المقاربة وجب الاخراج والاعتزال عنها وتركهما معصية وارتكاب لما نهى الله تعالى عنه، وقد دلت (1) الاخبار على أن الوطي الذي هو معصية وارتكاب لما نهى الله عنه موجب للكفارة مطلقا اي بلا فرق بين سبق الحيض عليه وبين سبق الوطي على الحيض. اخبارها عن الحيض أو عدمه: (2) كما تقدم للصحيحة (2) الدالة على اثر العدة والحيض موكول


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض. (2) الوسائل: ج 2 باب 47 من أبواب الحيض ح 1.

[ 477 ]

[ فإذا وطأها بعد اخبارها بالحيض وجبت الكفارة إلا إذا علم كذبها (1) بل لا يبعد سماع قولها في كونه اوله أو وسطه أو آخره (2). ] إلى النساء فان المستفاد فيها لدى العرف أن امرهما وجودا أو عدما بيدهن (1) لان حجية كل امارة انما هي في ظرف الشك، مع القطع بالخلاف لا حجية لقولها. (2) الكلام في مدرك ذلك فقد يقال: ان الرواية انما دلت على أن اصل الحيض وجودا وعدما إلى النساء واما خصوصياته من الاول والوسط والاخير أو غيرها مما لا مقتضي لحجية قول المرأة فيه. هذا والصحيح ما افاده الماتن (قده)، والوجه في ذلك: ان الرواية الصحيحة دلت على حجية اخبار المرأة بوجود الحيض وعدمه، وقد بينا في محلة ان الامارات التي هي من قبيل الحكايات والاخبار تعتبر في مداليلها الالتزامية كما انها حجة في مداليلها المطابقية، وعليه لو اخبرت المرأة أن حيضها ستة ايام ولنفرض الوقت اول الشهر فمعناه ولازمه الاخبار بعدم حيضها قبل الستة اي قبل اول الشهر ولازمه أن يكون اول الشهر اول حيضها فاليومان الاولان اول حيضها والوسطان وسط والاخيران آخره. وعلى الجملة إذا قلنا بحجية قول المرأة في وجود الحيض وعدمه فلازمه أن يكون قولها حجة في كونه اول الحيض أو وسطه أو آخره. واما دعوى ان حجة قول المرأة في وجود الحيض وعدمه انما تثبت

[ 478 ]

[ (مسألة 17): يجوز اعطاء قيمة الدينار (1). ] بالاولوية لحجية قول ذي اليد عما في يده، وعدمه يكون قولها في حيضها وعدمه حجة بطريق اولى واما في خصوصياته فلم يقم على اعتبار قولها دليل. فغريبة جدا: وذلك اما اولا: فلان حجية قول ذي اليد انما تثبت في موارد خاصة ولم يقم دليل على حجيته مطلقا. واما ثانيا: فلانه لا اولوية في حجية قولها في حيضها. فالصحيح أن مدرك حجية قول المرأة في حيضها انما هو الصحيحة ومعها لافرق في اعتباره بين اصل الحيض وبين خصوصياته كما عرفت. اعطاء قيمة الدينار: (1) والدليل على ذلك احد امرين: اما دعوى ان المستفاد من النقدين في موارد استعمالاتهما هو المالية فحسب بلا خصوصية لمادتهما في ذلك فإذا قال شخص لوكيله (بع كتابي هذا بدينار) جاز أن يبيعه بنصفين من الدينار أو باربعة ارباعه أو بمأة عشر فلوس أو بعشرين درهما أو بألف فلس أو بغير ذلك مما يساوي الدينار بحسب ماليته لانه يصح أن يقال انه باع الكتاب بدينار، لان الدينار وان كان ثمانية عشر مثقالا من الذهب إلا ان مادته غير معتبرة ولا ملحوظة في موارد استعمالاته وانما المستفاد منه هو المالية فحسب، نعم يعتبر في المالية أن تكون من جنس النقود فلا

[ 479 ]

يكفي غيرها في مالية النقدين فانه إذا باع كتاب الموكل بثوب يسوى دينارا لا يقال انه باع الكتاب بدينار وانما باعه بالثوب وهو يسوى دينارا وعليه فالمراد بالدينار في اول الحيض انما هو قيمته وماليته فلا يجب اعطاء الدينار بنفسه، وكذلك الحال في نصف الدينار وربعه. واما دعوى ان المتداول في عصر الائمة (ع) انما كان هو الدينار والدرهم فحسب ولم يكن نصف الدينار وربعه في عصرهم، ومعه ورد في رواية داود بن فرقد (1) الامر باعطاء نصف الدينار وربعه كفارة عن الوطي، وهذا يدل على ان المراد بها انما هو قيمة النصف وقيمة الربع لا النصف أو الربع بشخصهما لعدم وجودهما في عصرهم، وكذلك الحال في الدينار بوحدة السياق. ويؤيد هذه الدعوى أنا لم نجدفي شئ من الروايات ما يدل على وجود نصف الدينار أو ربعه في عصرهم وانما كان المتعارف في عصرهم هو الدينار والدرهم فقط، وهذا يطمئن بصحة الدعوى المذكورة، ومعه يجوز اعطاء القيمة بدلا عن الدينار ونصفه وربعه. لا يقال: ان النصف أو الربع وان لم يكن موجودا في عصرهم (ع) إلا انه من الممكن أن يعطي الفقير دينارا ويريد به النصف المشاع أو الربع المشاع ليشترك مع الفقير في الدينار ويترتب عليه آثار الشركة من التقسيم أو البقاء على الشركة، فعدم وجودهما في عصرهم (ع) لا يدل على ارادة القيمة من النصف أو الربع. لانه يقال: ارادة النصف أو الربع المستعملين قي الرواية بعيدة عن الفهم العرفي غاية البعد.


(1) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض ح 1.

[ 480 ]

[ والمناط قيمة وقت الاداء (1). ] بل الصحيح ما افاده الماتن (قده) اما الدعوى الاولى كما قدمناه أو الدعوى الثانية كما هي المطمأن بها على ما مر. ما هو المناط في القيمة: (1) إذا بنينا على أن الواجب انما هو اعطاء قيمة الدينار لا نفسه فهل المدار في قيمته على قيمة وقت تشريع الحكم أو ان المدار على قيمته في وقت الوطي أو لا هذا ولا ذاك وانما المناط في قيمته قيمة وقت الاداء والامتثال؟ الاخير هو الصحيح وذلك لان الثابت في الذمة ليس هو الدينار ليقال ان القيمة الاقل تجزي عن الدينار الثابت في الذمة أو لا تجزي عنه حتى يرجع إلى البرائة أو الاشتغال، وانما الثابت في الذمة هو القيمة فالمكلف مامور باخراج قيمة الدينار ومعه يتعين أن تكون القيمة قيمة وقت الاداء والامتثال إذ لو كانت القيمة المدفوعة اقل من قيمة وقت الاداء والامتثال لم يصدق ان يقال انك اديت قيمة الدينار بل اديت ما هو اقل منها، والمدار على صدق العنوان - اداء قيمة الدينار - كما عرفت سواء أكانت مساوية لقيمته وقت التشريع أو وقت الوطي أم لم يكن. وعلى الجملة متى ما صدق انك اديت قيمة الدينار امتثلت الامر بالتكفير وسقطت عن ذمتك الكفارة وهو انما يتحقق فيما إذا كانت

[ 481 ]

[ مسألة 18): الاحوط اعطاء كفارة الامداد لثلاثة مساكين (1) واما كفارة الدينار فيجوز اعطاؤها لمسكين واحد والاحوط صرفها على ستة أو سبعة مساكين (2). ] القيمة المدفوعة قيمة الدينار وقت الاداء والامتثال. (1) قدمنا ان المدرك في حكمهم بوجوب الكفارة بثلاثة امداد في وطي الامة الحائض منحصر في (فقه الرضا) وهو غير مشتمل على اعطاء ثلاثة مساكين وانما ورد فيه اعطاء ثلاثة امداد فحسب (1) واما الاعطاء لثلاثة اشخاص أو اقل أو اكثر فهو غير وارد في الرواية فهذا الاحتياط لا منشأ له. (2) المظنون أن في العبارة غلطا وأن الستة مصحفة العشرة فان الستة غير موجودة في كلمات الاصحاب غير الماتن (قده) ولا في الروايات ضعيفها وصحيحها، والوارد هو عشرة مساكين في ما رواه عبد الكريم كما قدمناه، وهي قد دلت على عدم وجوب الكفارة بما هي ولكن السائل لما ذكر له (ع) ان الناس يقولون ان فيه دينارا أو نصف دينار قال (ع) فليتصدق على عشرة مساكين، وهو امر بالتصدق


(1) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 23 من أبواب الحيض ح 1. ونقل عن الصدوق (ره) في المقنع أيضا. (2) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض ح 2. والرواية غير معتبرة لاختلاف النسخ بين عبد الملك وبين عبد الكريم والاول لم يوثق ولم يثبت حسنه.

[ 482 ]

للمجاملة مع العامة وعدم مخالفة الشيعة لهم في العمل، ولا دلالة لها على أن الدينار يقسم بين عشرة مساكين أو نصف الدينار يقسم بينهم وانما دلت على التصدق على العشرة من دون بيان المقدار المتصدق به لكل منهم فالاستدلال بها على تقسيم الدينار بين العشرة مما لا وجه له. نعم ورود الرواية في الامة لا يمنع عن الاستدلال بها على هذا الحكم في غير الامة بتخيل أن التعدي عنها إلى الزوجة مما لا دليل عليه وذلك لان الامة انما هي مورد الرواية لا انها موضوع الحكم والمورد لا يكون مخصصا. ويدل على ما ذكرناه أن عبد الكريم قال له (ع) ان الناس يقولون ان فيه دينارا أو نصفه، ومن الظاهر أن العامة لا يقولون بها في الامة وانما يقولون بها في الزوجة أو في مطلق وطي الحائض فالحكم عام لا يختص بالامة وان كان موردها الامة، فالمانع عن الاعتماد على الرواية عدم دلالتها على تقسيم الدينار بين العشرة وانما اشتملت على التصدق على عشرة، لكل واحد يعطي دينارا أو اقل أو اكثر. وأما سبعة مساكين فقد ورد في صحيحة الحلبي (1) وان عبر عنها بالحسنة في المستند إلا انها صحيحة وقد ورد فيها انه يتصدق على سبعة نفر من المؤمنين، الا انها لم تدل على ان الدينار أو نصفه أو ربعه يقسم بين السبعة وانما دلت على التصدق على سبعة بقدر قوت كل نفر منهم ليومه وعليه فالاحتياط باعطاء الدينار وتقسيمه إلى سبعة لا دليل عليه كالعشرة.


(1) الوسائل: ج 15 باب 23 من أبواب الكفارات ح 2.

[ 483 ]

[ (مسألة 19): إذا وطأها في الثلث الاول والثاني والثالث فعليه الدينار ونصفه وربعه (1) وإذا كرر الوطئ في كل ثلث (2) فان كان بعد التكفير وجب التكرار (3) وإلا فكذلك ايضا على الاحوط (4). ] وطئ الحائض في كل ثلث من الشهر: (1) لان كل سبب مغاير للمسبب من الشرط الآخر فهناك مسببات متعددة مترتبة على الوطي في أول الحيض ووسطه وآخره فلا موجب لتوهم التداخل في المسببات بوجه. تكرر الوطئ في كل ثلث: (2) بان وطأها في اول حيضها مرتين أو في وسط أو في آخره كذلك فتعدد الشرط واتحد الجزاء. (3) وذلك لان الكفارة بالوطي الاول قد سقطت بالامتثال والوطي الثاني موضوع جديد فيترتب عليه حكمه. (4) اي إذا كان التعدد قبل التكفير أيضا وجب التكرر على الاحوط. والمسألة من صغريات الكبرى المشهورة المعنوية بأن للشرط إذا كان متعددا والجزاء متحدا فمقتضى القاعدة هو التداخل في المسببات أو مقتضاها عدم التداخل. وقد ذكرنا في بحث الاصول ان الشرط المتعدد سواء

[ 484 ]

كان من جنسين - كما في قولك ان ظاهرت فكفر وان افطرت فكفر - ام كانا من جنس واحد - كما إذا ظاهر مرتين أو اكثر - يقتضي جزاء متعددا وأن القاعدة تقتضي عدم التداخل في المسببات. وذلك لان القضية الشرطية ظاهرة في الانحلال وكأنه قال: كلما صدر الوطي منك فكفر، وقد ترتب الحكم في احداهما على فرد من الطبيعة وترتب في الآخر على فرد آخر من الطبيعة وهذا يقتضي التعدد في الجزاء، ولم يترتب الحكم على الطبيعة مرتين. ودعوى ان ظاهر القضيتين أن الطبيعة مقيضية للكفارة مطلقا سواء وجدت مرة واحدة أو مرتين فلا تجب الكفارة مع التعدد إلا مرة واحدة. مندفعة: بان ذلك لو تم فانما يتم في الافراد العرضية كما إذا ترتب على هتك الفقير كفارة وقد هتك عشرة من الفقراء مرة واحدة فان في مثله يمكن ان يقال ان الموضوع لوجوب الكفارة هو طبيعة الهتك وقد وجد عشرة من افرادها مرة واحدة من غير سبق بعضها ببعض فلا تجب الكفارة إلا مرة واحدة. واما بالاضافة إلى الافراد الطولية ولا سيما مع تخلل العدم بينهما كما إذا وطأ الحائض في اول حيضها مرة ثم بعد مضي مقدار من الزمان وطأها مرة ثانية وهكذا، فان المستفاد العرفي من القضية الشرطية المتكفلة لوجوب الكفارة بالوطي: ان الفرد الاول من الطبيعة له حكم وللفرد الآخر منها حكم آخر، وكأنه قال: كلما صدر منك وطي الحائض فكفر. ومعه لابد من الالتزام بالتعدد في الجزاء كما ذكرناه، نعم لا نلتزم بالتعدد في كفارة الافطار في نهار شهر رمضان حتى مع التكفير كما

[ 485 ]

[ (مسألة 20): ألحق بعضهم النفساء بالحائض؟؟ وجوب الكفارة (1) ولا دليل عليه ] إذا اكل في نهار شهر رمضان متعمدا فكفر ثم جامع ثم ارتمس وهكذا فالواجب حينئذ ليس إلا كفارة واحدة وذلك لعدم ترتبها على الاكل أو الجماع أو الارتماس حتى تتعدد بتعددها، وانما ترتبت الكفارة على الافطار وهو يتحقق باول فرد من المفطرات. ولا صوم بعده ليتحقق الافطار ثانيا وثالثا، وبما ان الافطار تحقق مرة فلا يترتب عليه الكفارة إلا مرة واحدة إلا في خصوص الجماع لما ورد في النص من تكرر الكفارة بتكرر الجماع في الصيام وقد الحقنا به الاستمناء لما دل على أن حكمه حكم الجماع. لا تلحق النفساء بالحائض: (1) لا اشكال في أن النفساء كالحائض من حيث حرمة وطيها مادام لم ينقطع الدم للروايات (1) الدالة عليها، واما كونها كالحائض من حيث وجوب الكفارة بوطيها فهو وان كان معروفا بين الاصحاب إلا انه لم يدل عليه دليل، وما استدل به على ذلك امور ضعيفة. (منها): ما ورد في صحيحة زرارة من ان الحائض تصنع مثل النفساء سواء (2)، لدلالتها على ان الحائض كالنفساء ما يترتب على


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 7 من أبواب النفاس. (2) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 486 ]

[ نعم لااشكال في حرمة وطئها. ] الحائض. وفيه: ان الصحيحة انما تدل على أن الحائض كالنفساء فما كان يترتب على النفساء يترتب على الحائض أيضا، واما ان النفساء كالحائض ليترتب على النفساء ما كان يترتب على الحائض فهو مما لا يستفاد من الصحيحة. هذا على انا لو سلمنا ان التشبيه من كلا الطرفين والحائض كالنفساء والنفساء كالحائض لا دلالة للصحيحة على وجوب الكفارة في وطي النفساء لان غاية ما تدل عليه الصحيحة حينئذ ان المرأتين من حيث الاحكام المرتبة على الافعال الصادرة منهن على حد سواء فيحرم على الحائض ما يحرم على النفساء وبالعكس، واما أن الاحكام المرتبة على زوج النفساء أيضا مرتبة على زوج الحائض وبالعكس حتى يجب على زوج النفساء الكفارة بوطيها كما كانت الكفارة تجب على زوج الحائض بوطيها فلا يكاد يستفاد منها بوجه. و (منها): ما ورد في بعض الروايات (1) من أن الله سبحانه حبس الحيض على المرأة وجعله رزقا للولد في بطن امه، فتدل على ان دم النفاس هو دم الحيض والنفساء كالحائض وفيه: ان الرواية على تقدير تسليم سندها اجنبية عن الدلالة على المدعى لانها انما تدل على أن الحامل يمكن أن تحيض كما استدل بها عليه. واما ان دم النفاس هو دم الحيض والنفساء كالحائض والنفساء كالحائض فلا يستفاد من الرواية بوجه.


(1) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 13 وبمعناه 14: وهو صحيح.

[ 487 ]

كيف؟ وان للنفاس احكاما وللحيض احكاما آخر، مثلا ان اقل الحيض ثلاثة ايام واما اقل النفاس فلا حد له ويمكن كونه لحظة وبما ان النفاس لا يطلق عليه الحيض عرفا فلا يمكن ان يترتب عليه احكام الحيض. (ومنها): ان دم الولادة حيض محتبس فيدلنا هذا بصراحة على ان دم النفاس والحيض على حد سواء فان النفاس هو الحيض المحتبس فالاحكام المترتبة على احدهما مترتبة على الآخر. وفيه: انه لم يثبت ان دم النفساء هو الحيض المحتبس وان نسب ذلك إلى الرواية إلا انه لم يرد ذلك في شئ من الادلة المعتبرة. على انه لو ثبت ذلك وقلنا ان دم الولادة هو الحيض المحتبس لا يثبت ان احكام النفاس هي احكام الحيض بعضها لان الاحكام المرتبة على الحيض التي منها وجوب الكفارة - انما ترتبت على الحيض غير المحتبس واما الحيض المحتبس فلم يدلنا على انه كالحيض غير المحتبس. فتحصل ان الحاق النفساء بالحائض من حيث وجوب الكفارة مجرد حكم مشهور لم يثبت بدليل فعلى تقدير للقول بوجوب الكفارة في وطي الحائض لا نلتزم بوجوبها في وطي النفساء.

[ 488 ]

[ (التاسع) بطلان طلاقها وظهارها (1) إذا كانت مدخولا بها (2) ولو دبرا وكان زوجها حاضرا أو في حكم الحاضر (3) ولم تكن حاملا، فلو لم تكن مدخولا بها أو كان زوجها غائبا أو في حكم الغائب (4) ان لم يكن متمكنا من استعلام حالها. أو كانت حاملا يصح طلاقها، والمراد بكونه في حكم الحاضر أن يكون مع غيبته متمكنا من استعلام حالها. ] طلاق الحائض وظهارها: (1) للاخبار الدالة (1) على بطلانها في غير حالة الطهر. (2) لما دل على أن خمسا يطلقن على كل حال: الصغيرة واليائسة وغير المدخول بها والغائب عنها زوجها والحبلى (2) بحيث لو ظهر بعد طلاقها انه كانت في طمثها لم يبطل طلاقها. (3) يأتي عليه الكلام عن قريب. (4) اشترط بعضهم في جواز طلاق الغائب عنها على كل حال أن لا يكون الزوج متمكنا من استعلام حال زوجته وانها في الحيض أو


(1) راجع الوسائل: ج 15 باب 9 من أبواب شرائط الطلاق وباب 2 من أبواب الظهار. (2) راجع الوسائل: ج 15 باب 25 من أبواب شرائط الطلاق.

[ 489 ]

الطهر إلا انه مما لا دليل عليه اللهم إلا أن يدعى انصراف ادلة استثناء الغائب إلى صورة عدم التمكن عن الاستعلام وهو أيضا لا دليل عليه إذ لا وجه للانصراف. نعم ورد في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: سألت أبا الحسن عن رجل تزوج امرأة سرا من اهلها وهي في منزل اهلها وقد اراد أن يطلقها وليس يصل إليها فيعلم طمثها إذا طمثت ولا يعلم طهرها إذا طهرت، قال: فقال (ع): (هذا مثل الغائب عن اهله يطلق بالاهلة والشهور) (1) الا انها لا تدل على اعتبار عدم التمكن من استعلام حال الزوجة في الغائب وانما تدل على أن الحاضر غير الغائب عن بلد زوجته إذا اراد أن يطلقها ولا سبيل له إلى معرفة طهرها وطمثها لانها تخفيها عن زوجها لعلمها انه اراد طلاقها يتمكن أن يطلقها على كل حال، فهذا الاشتراط انما هو في الحاضر في البلد بحيث لو طلقها من غير استعلام حالها مع التمكن منه ثم ظهر أنها كانت طامثا بطل الطلاق، ولا اشتراط بالاضافة إلى الغائب عن البلد بوجه. ونظيرها ما يقال في المحبوس من انه إذا اراد طلاق زوجته صح على كل حال فيما إذا لم يتمكن من استعلام حال زوجته إلا ان هذا الكلام يدل على ان الحاضر في البلد يشترط في صحة طلاق زوجته على كل حال أن لا يكون متمكنا من استعلام حالها ولا دلالة له على ثبوت هذا الاشتراط حتى بالاضافة لا إلى الغائب عن البلد. فالصحيح ان الغائب لا يشترط في صحة طلاقه أن لا يتمكن من استعلام حال زوجته فان طلاقه انما هو بالاهلة والشهور فإذا مضى على


(1) الوسائل: ج 15 باب 28 من أبواب شرائط الطلاق ح 1.

[ 490 ]

[ (مسألة 21): إذا كان الزوج غائبا ووكل حاضرا متمكنا من استعلام حالها لا يجوز له طلاقها في حال الحيض (1). (مسألة 22): لو طلقها باعتقاد انها طاهرة فبانت حائضا بطل (2) وبالعكس (3). ] غيبته عن زوجته مدة يعلم فيها بانقلابها عن حالها التي كانت عليها صح طلاقه اياها. فهذا الاشتراط في الغائب مبني على الاحتياط: حكم طلاق الوكيل: (1) وذلك لان طلاق الوكيل ليس طلاقا صادرا من الموكل نفسه نعم يصح اسناده إلى الموكل أيضا لان فعل الوكيل كفعل الموكل، ومع عدم صدور الطلاق من الموكل لا تشمله الاخبار الدالة على ان طلاق الغائب يصح على كل حال، ولما كان الوكيل متمكنا من استعلام حال زوجة الموكل لنسب أو سبب بينهما ولم يفحص وطلقها لم يحكم بصحته إذا كانت واقعا في الحيض لانه من طلاق الحاضر في البلد وهو مشروط بعدم الحيض إلا مع العجز عن استعلام حال المرأة من حيض أو طهر. (2) لان الطهر شرط واقعي لصحة الطلاق ومع فقده يبطل ولا اثر لاعتقاد المطلق والزوج فيه. (3) لصدور الانشاء منه بقصد الطلاق على الفرض وهي واجدة

[ 491 ]

[ (مسألة 23): لا فرق في بطلان طلاق الحائض بين أن يكون حيضها وجدانيا أو بالرجوع إلى التمييز أو التخيير بين الاعداد المذكورة سابقا (1) ولو طلقها في صورة تخييرها قبل اختيارها فاختارت التحيض بطل، ولو اختارت عدمه صح ولو ماتت قبل الاختيار بطل أيضا. ] لشرائط صحة طلاقها فيصح طلاقها، غاية الامر انه كان يعتقد عدم كون انشائه ماضيا شرعا مع كونه ممضى واقعا ولا اثر لمجرد الاعتقاد كما عرفت. تعميم الحكم لجميع اقسام الحائض: (1) لان المرأة متى ما حكم بحيضها شرعا حكم ببطلان طلاقها وظهارها سواء ثبت حيضها بالوجدان ام بالرجوع إلى التمييز أو التخيير كما إذا اختارت الحيض سبعة ايام في موارد تخييرها بين أن تتحيض ستة ايام أو سبعة ووقع طلاقها في اليوم السابع فانه محكوم بالبطلان لفقده شرط صحة الطلاق شرعا. ومن هنا يظهر انها لو طلقت قبل أن تختار الستة ايام أو السبع مثلا وبعدما طلقت اختارت الست حكم بصحة طلاقها لوقوعه في اليوم السابع وهي فيه طاهرة، كما انها لو اختارت السبع بطل طلاقها لوقوعه في اليوم السابع وهي فيه حائض، ولعل هذا ظاهر.

[ 492 ]

[ (مسألة 24): بطلان الطلاق والظهار وحرمة الوطئ ووجوب الكفارة مختصة بحال الحيض (1) فلو طهرت ولم تغتسل لا تترتب هذه الاحكام فيصح طلاقها وظهارها ويجوز ] وانما الكلام فيما إذا طلقها زوجها قبل أن تختار لنفسها شيئا وبعد طلاقها ماتت أو تركت الاختيار لعدم مبالاتها بالدين بحيث لم يعلم انها يوم طلقت كانت محكومة بالحيض أو بالطهر فهل يحكم بصحة طلاقها أو يحكم ببطلانها؟ الصحيح هو الحكم ببطلان الطلاق لعدم احراز ما هو الشرط في صحة طلاقها وهو طهرها وقت اطلاق، ولاجل عدم احراز الشرط لا يمكن الحكم بصحة الطلاق. المدار على وجود الدم في الاحكام الثلاثة: (1) فلو وطأها بعد انقطاع الدم وقبل أن تغتل لم يرتكب حراما ولا وجبت عليه كفارة ويصح طلاقها وظهارها ويجوز وطؤها حينئذ للنصوص الدالة على ذلك وتأتي في محله. ويمكن الاستدلال على ذلك - مضافا لما سنذكره في محله - بالسيرة القطعية وهي في الاماء الكافرات وفي الزوجات الخارجات عن المذهب الاثنى عشري فان الامة الكافرة لا تغتسل اصلا والزوجة الخارجة عن مذهبنا لو اغتسلت حكم ببطلانه فلا يصدر منهن غسل صحيح بعد

[ 493 ]

[ وطؤها ولا كفارة فيه، واما الاحكام الاخر (1) المذكورة فهي ثابتة ما لم تغتسل. ] حيضهن، ومع ذلك لم يسمع توقف واحد من الملاك لهن أو المتزوجين بهن في وطئهن بعد الانقطاع أو في طلاقهن نظرا إلى عدم اغتسالهن، وهذا دليل قطعي على أن حرمة الوطئ ووجوب الكفارة وبطلان الطلاق والظهار انما هي احكام مترتبة على الحائض ذات الدم لا على الحائض المتصفة بحدث الحيض. (1) كحرمة مس كتابة القرآن فانها مترتبة على حدث الحيض ولا يجوز المس قبل الاغتسال وبمجرد انقطاع دمها وذلك لما استفدناه من قوله تعالى (لا يمسه إلا المطهرون) (1) بضميمة الرواية (2) الدالة عليه، وهذا لعله ممالا كلام فيه. ما هو المدار في حرمة دخولهن المساجد: واما الكلام في مثل حرمة دخولهن المساجد أو المسجدين وانها هل هي مترتبة على دم الحيض أو حدثه؟ ذكرنا أو جملة من الاحكام المرتبة على الحائض مترتبة على الحائض بمعنى ذات الدم أو من في حكمه كما في ايام النقاء المتخلل بين الدمين كما في وجوب الكفارة - على القول به - وصحة


(1) الواقعة: 79. (2) الوسائل: ج 1 باب 12 من أبواب الوضوء ح 3.

[ 494 ]

الطلاق والظهار بلا كلام وجواز الوطي على المختار. ومنها ما يترتب على الحائض بمعنى صاحبة الحدث وان انقطع دمها كما في حرمة مس القرآن على ما استفدناه من الآية الكريمة (لا يمسه إلا المطرون) بضميمة الرواية الواردة في تفسيرها. واما صحة الصلاة والصوم فهي مترتبة على الحائض بمعنى المحدث لعدم صحتهما من الحائض ما دامت لم تغتسل، وقد امرت بالاغتسال من حيضها قبل طلوع الفجر لصومها بعد الفجر. واما ارتفاع الخطاب والتكليف بالصلاة والصوم عنها فهو مترتب على الحائض بمعنى ذات الدم لعدم كونها مكلفة بهما ما دام لم ينقطع دمها وإذا انقطع امرت بهما ولو بتحصيل ما هو مقدمة لصحتهما، فالمانع عن التكليف بهما انما هو الحيض بمعنى الدم أو ما في حكمه كالنقاء المتخلل بين الدمين واما الحدث فقط فهو غير مانع عن التكليف بهما وانما الحدث مانع عن الصحة. واما حرمة العبادة على الحائض فان قلنا بالحرمة الذاتية فهي مترتبة على صاحبة الدم وحسب واما المرأة المنقطع عنها الدم وان لم تغتسل فهي مكلفة بالعبادة كما عرفت لا انها محرمة عليها، نعم لو قلنا بالحرمة التشريعية - كما هو الصحيح - فهي مترتبة على الحيض بمعنى الحدث سواء انقطع عنها الدم ام لم ينقطع لعدم مشروعية الصلاة منها ما لم تغتسل وان كان دمها منقطعا. واما حرمة دخولها المساجد للمكث وحرمة الاخذ منها شيئا وحرمة اجتيازها المسجدين فهل هي مترتبة على الحيض بمعنى الدم أو على الحيض بمعنى الحدث؟

[ 495 ]

[ (العاشر): وجوب الغسل بعد انقطاع الحيض (1) للاعمال الواجبة المشروطة بالطهارة كالصلاة والصوم، واستحبابه للاعمال التي يستحب لها الطهاره وشرطيته للاعمال غير الواجبة التي يشترط فيها الطهارة (2). ] قد يقال: - انها مترتبة على الحائض صاحبة الدم لان الحائض الوارد في الروايات (1) ظاهره المرأة الواجدة للدم دون المحدث بحدث الحيض وهذا هو الذي ذكر صاحب المدارك انه غير بعيد غير أن المشهور - وهو الوجه الآتي - اقرب. وقد يقال: انها مترتبة على المرأة المحدثة بحدث الحيض دون صاحبة الدم وذلك لان ظاهر الحائض الوارد في الاخبار وان كان هو صاحبة الدم إلا ان المناسبة بين الحكم والموضوع والقرينة تقتضي حمله على صاحبة الحدث لان الحائض والجنب قد قرنا في تلك الروايات، ومن الظاهر ان المراد فيها بالجنب هو صاحب الحدث دون واجد المني وهو يقتضي ان يكون المراد بالحائض أيضا صاحبة الحدث، وهذا هو الاقرب. (1) هذا بناءا على القول بأن مقدمة الواجب واجبة ومقدمة المستحب مستحبة واما بناءا على ما هو الصحيح من عدم اتصاف المقدمة بالامر الغيري مطلقا فغسل الحيض كالجنابة شرط مطلقا، (2) اي الاعمال غير الواجبة وغير المستحبة ولكن مع توقفها على الطهارة كمس كتابة القرآن فان الغسل والطهارة شرط لجوازه.


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة.

[ 496 ]

[ مسألة 25): غسل الحيض كغسل الجنابة مستحب نفسي (1) وكيفيته مثل غسل الجنابة (2) في الترتيب والارتماس ] الاستحباب النفسي لغسل الحيض: (1) والدليل على أن غسل الحيض مستحب نفسي امران: (احدهما): ان الغسل من اعظم الطهارات والطهارات كلها مستحبة نفسية شرعا. (ثانيهما) لو لم نلتزم باستحباب الطهارات في انفسها فلنا أن نستدل على استحبابها النفسي بطريق ثان بان يقال: انا اسبقنا في محله ان المقدمة لا تتصف بالامر الغيري بوجه وعلى فرض تسليم انها تتصف بالامر الغيري شرعا فلا اشكال في انه امر توصلي لا يعتبر في امتثاله قصد التقرب بوجه، فلا يمكن أن يكون الامر الغيري التوصلي منشأ للعبادية في شئ، مع ان الطهارات التي منها الغسل يعتبر فيها قصد التقرب قطعا، فاذن نسأل عن ان عبادية تلك الطهارات نشأت من اي شئ؟ فلا وجه لها إلا كونها مستحبة نفسا كما ذكرناه بلا فرق في ذلك بين الغسل والوضوء والتيمم. كيفية غسل الحيض: (2) ويدل عليه أيضا أمران:

[ 497 ]

[ وغيرهما مما مر والفرق أن الجنابة لا يتحتاج إلى الوضوء بخلافه فانه يجب معه الوضوء (1) قبله أو بعده أو بينه إذا كان ترتيبيا ] (احدهما): الرواية الواردة في أن غسل الجنابة والحيض واحد وهي موثقة الحلبي (1) وقد دلت على أن الكيفية المعتبرة في غسل الجنابة هي الكيفية المعتبرة في غسل الحيض من لزوم غسل الرأس والرقبة اولا وغسل الجانب الايمن ثانيا ثم غسل الجانب الايسر أو من غير ترتيب. (ثانيهما): ان الطبيعة الواحدة إذا بينت كيفياتها في مورد - كما إذا ورد أن الصلاة اولها التكبيرة ثم قراءة الفاتحة ثم الركوع إلى آخر اجزاء الصلاة في مورد، وبعد ذلك ورد في مورد ثان أن الصلاة في الليل كذا - فان المتفاهم العرفي من مثله هو الكيفية التي وردت في ذلك المورد ولا منصرف للذهن إلا إليها، وهذا امر عرفي يعرفه كل احد. هل غسل الحيض يغني عن الوضوء؟ (1) الكلام في هذه المسألة يقع تارة في غسل الجنابة واخرى في غيرها من الاغسال التي منها غسل الحيض أما غسل الجنابة فلا اشكال في انه يغني عن الوضوء ولا يجب معه وضوء بل الوضوء مع غسل الجنابة بدعة محرمة - كما في بعض الروايات ويدل على ما ذكرناه الكتاب والسنة اما الكتاب فقوله تعالى (إذا قمتم


(1) الوسائل: ج 2 باب 23 من أبواب الحيض ح 1.

[ 498 ]

إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق.... وان كنتم جنبا فاطهروا.... وان جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء ولم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا) (1) حيث ان الآية المباركة اشتملت على تفصيلين: (احدهما): التفصيل بين واجد الماء وبين فاقده واوجبت على الاول الغسل والوضوء وعلى الثاني التيمم بالصعيد. و (ثانيهما): التفصيل في المحدث بالحدث بين الحدث الاصغر والحدث الاكبر فان الآية المباركة (إذا قمتم إلى الصلاة) فسرت بالقيام إليها من النوم فسواء أريد منها القيام إلى الصلاة من النوم أم من غيره من الاحداث فرضت الآية المباركة المكلف محدثا بالحدث الاصغر واوجبت عليه الوضوء، ثم فرضته محدثا بالجنابة حيث قال تعالى (وان كنتم جنبا فاطهروا) (2) واوجبت عليه الغسل. ومن الظاهر أن التفصيل قاطع للشركة فدلت الآية المباركة على أن الوضوء انما يجب على من قام إلى الصلاة من غير حدث الجنابة واما المحدث بحدث الجنابة فهو مكلف بالغسل دون الوضوء. واما السنة فقد دلت الروايات المستفيضة على انه لا وضوء مع غسل الجنابة لا قبله ولا بعده بل ورد في بعضها ان الوضوء معه بدعة محرمة (3) نعم في موثقة ابي بكر الحضرمي (4) عن أبي جعفر


(1) المائدة: 6. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 34 و 35 من أبواب الجنابة. (3) راجع الوسائل: ج 1 باب 33 من أبواب الجنابة: وفي بعضها الوضوء قبله وبعده بدعة، وفي بعضها: الوضوء بعد الغسل بدعة. (4): الوسائل: ج 1 باب 34 من أبواب الجنابة ح 6.

[ 499 ]

(عليه السلام) الامر بالوضوء قبل غسل الجنابة إلا أنها محمولة على التقية لموافقتها العامة ومخالفتها للكتاب والسنة فان العامة ذهبوا إلى لزوم الوضوء قبل غسل الجنابة. بل وفي بعض الاخبار: سأل عنه (ع) عن اهل الكوفة يروون عن علي (ع) انه كان يأمر بالوضوء قبل الغسل من الجنابة، قال: كذبوا على علي (ع) ما وجدوا ذلك في كتاب علي (ع) قال الله تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) (1). هذا على ان المسألة متسالم عليها بينهم. واما غير غسل الجنابة من الاغسال: فالكلام فيه قد يقع من حيث مقتضى القاعدة وانها ماذا تقتضي؟ واخرى من جهة الاخبار الواردة في المقام: الجهة الاولى: فقد يفرض المكلف متوضأ طروء اسباب الغسل عليه كما إذا توضأت ثم استحاضت أو نفست أو مس الميت أو غير ذلك من الاسباب المقتضية للاغتسال بحيث كان باقيا على وضوئه إلى زمان طروء الاسباب عليه. نعم هذه الصورة بعيدة في حق الحائض لان اقله ثلاثة ايام ويبعد بل لا يتحقق بقاء الوضوء من قبل ثلاثة ايام إلى آخرها حتى تغتسل. وهذا بخلاف بقية الاغسال إذ يمكن بقاء المكلف على وضوئه قبل النفاس إلى آخره حتى تغتسل لان النفاس قد يتحقق بلحظة أو ساعة، وكذلك الاستحاضة أو مس الميت فان الوضوء في هذه الموارد يمكن بقاؤه في نفسه إلى زمان الاغتسال بخلاف الحيض إذ لطول مدته لا يمكن


(1) الوسائل: ج 1 باب 34 من أبواب الجنابة ح 5.

[ 500 ]

معه فرض المكلفة باقية على وضوئها إلى زمان الاغتسال منه. وفي هذه الصورة مقتضى القاعدة الاولية عدم وجوب الوضوء مع الغسل. وهذا لا لان الغسل يغني عن الوضوء بل لان المقتضي لوجوب الوضوء قاصر في نفسه حيث ان المكلف - على ما هو مفروض الكلام - كان متطهرا قبل أن يمس الميت أو تستحيض أو تنفس ولم يعلم انتقاضه بطرو هذه الاسباب في حقه لان نواقض الوضوء محصورة فيما يخرج عن طرفيك الذين انعم الله بهما عليك (1) أو في ثلاثة امور على ما في بعض الاخبار الآخر وليس منها هذه الاسباب المقتضية للاغتسال نعم الجناية ناقضة الوضوء ولا وضوء مع غسلها كما سبق، إلا ان كلامنا في غير غسل الجنابة كما هو المفروض، فمقتضى القاعدة في هذه الصورة هو عدم وجوب الوضوء مع غير غسل الجنابة من الاغسال. وقد يفرض المكلف غير متوضأ حال مسه الميت أو استحاضتها أو غيرها من الاسباب ومقتضى القاعدة حينئذ هو وجوب الوضوء مع تلك الاغسال لانه غير متوضئ على الفرض واجزاء الاغسال عنه يتوقف على دلالة الدليل عليه كما دل في غسل الجنابة ولم يقم عليه دليل لان كلامنا فيما تقتضيه القاعدة مع قطع النظر عن الاخبار. الجهة الثانية: الاخبار الواردة في المسألة وهي على طائفتين: الطائفة الاولى من الاخبار: (احداهما): ما دل على وجوب الوضوء في غير غسل الجناية


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

[ 501 ]

من الاغسال: (منها): مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله (ع) قال: (كل غسل قبله وضوء إلا غسل الجناية) (1) نعم يمكن رفع اليد عن تقييدها يكون الوضوء قبل الاغتسال بما دل على جوازه بعده أو في اثنائه - والكلام في لابدية وقوع الوضوء قبل الغسل أو جواز أن يؤتى به بعده أو قبله أو في اثنائه، يأتي تفصيله موضحا بعد ذلك ان شاء الله. و (منها): ما رواه حماد بن عثمان أو غيره عن أبي عبد الله (ع) قال: (في كل غسل وضوء إلا الجنابة) (2). و (منها): ما رواه علي بن يقطين عن أبي الحسن الاول (ع) قال: (إذا اردت أن تغتسل للجمعة فتوضأ واغتسل) (3). هذه هي الاخبار الواردة في لزوم الوضوء مع غير غسل الجنابة من الاغسال، إلا انها غير قابلة للاعتماد عليها لضفعها بحسب السند والدلالة، اما بحسب السند فلان الرواية الاولى مرسلة ولا يعتمد على المراسيل في الاستدلال ودعوى أن مرسلها ابن أبي عمير وهو لا يروي ولا يرسل إلا عن ثقة قد سبق الجواب عنها غير مرة. واما الرواية الثانية فلعدم العلم بالراوي المنقول عنه وانه هل هو حماد بن عثمان أم غيره؟ فالرواية بحكم المرسلة لعدم علمنا بغيره وانه ثقة أو ليس بثقة.


(1) الوسائل: ج 1 باب 35 من أبواب الجنابة ح 1. (2) الوسائل: ج 1 باب 35 من أبواب الجنابة ح 2. (3) الوسائل: ج 1 باب 35 من أبواب الجنابة ح 3.

[ 502 ]

ودعوى ان الرواية مسندة إلى حماد بن عثمان في كلام العلامة والشهيد (قدهما) حيث رويا هذه الرواية عنه واسندوها إلى حماد من دون تردد في الاسناد وحماد بن عثمان ممن لااشكال في قبول روايته مندفعة بانه من البعيد غايته أن يروي العلامة والشهيد (قدهما) هذه الرواية عن نفس كتاب حماد من دون التنبيه عليه، فان الظاهر انهما روياها عن الشيخ وغاية ما يمكن أن يصحح روايتهما حينئذ ان يقال: انهما اسقطا (أو غيره) للتسامح فان حمادا نسبت إليه هذه الرواية غاية الامر لا عن جزم، أو يقال: ان النسخة الموجودة عندهما من التهذيب لم يكن فيها لفظة (أو غيره) فتدخل الرواية في اختلاف النسخ ولا يعتمد عليها حينئذ لعدم العلم بمن هو الراوى عن الامام (ع). واما الرواية الثالثة فلان في سندها سليمان بن الحسن (1) وهو مجهول لم يوثق في الرجال. واما بحسب الدلالة فلان للرواية الثالثة انما وردت في غسل الجمعة وهو من المستحبات ولا يجري فيها قانون الاطلاق والتقييد بل يحمل المقيد منها على افضل الافراد فيكون غسل الجمعة الذي قبله أو بعده وضوء من افضل افراد غسل الجمعة لا أن الغسل يعتبر أن يكون مع الوضوء فلا دلالة لها على ان الغسل لا يغني عن الوضوء. واما الروايتان الاوليتان فلان الاخبار الواردة في اغناء غسل الجنابة


(1) في التهذيب، الحسين بدل الحسن وهو الصحيح فان سليمان ابن الحسين كاتب لعلي بن يقطين كما ورد في رواية اخرى وهو موجود في تفسير القمي.

[ 503 ]

عن الوضوء اشتمل بعضها (1) على ان الوضوء على غسل الجنابة بدعة محرمة ومعه يكون استثناء غسل الجنابة قرينة على ان المراد من صدرهما ان الوضوء مشروع في غير غسل الجنابة من الاغسال فلا دلالة لهما على أن بقية الاغسال لا تغني عن الوضوء، ومن تلك الروايات ما عن الفقه الرضوي (2) إلا انه مما لا يمكن الاعتماد عليه. الطائفة الثانية من الاخبار: (الطائفة الثانية) وهي التي تدل على ان الغسل يغني عن الوضوء وهي جملة من الاخبار فيها روايات معتبرة وقابلة للاعتماد عليها: (منها): صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: (الغسل يجزي عن الوضوء وأي وضوء اطهر من الغسل) وقد دلت على أن طبيعة الغسل تغني عن الوضوء (3) وقد حملها بعضن الفقهاء (قدس الله اسرارهم) على غسل الجنابة إلا أنه - مضافا إلى كونه تقييدا بلا مقتضي لاطلاق الرواية - لا يلائم التعليل الذي ظاهره أن مطلق الغسل اطهر من الوضوء لا خصوص غسل الجنابة وإلا لبينه (ع) وارادة خصوص غسل الجنابة منه خارجا يستلزم تخصيص الاكثر وهو مستهجن. و (منها): ما عن محمد بن عبد الرحمن الهمداني كتب إلى أبي الحسن


(1) راجع باب 34 من أبواب الجنابة من الوسائل. (2) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 25 من أبواب الجنابة ح 1. (3) الوسائل: ج 1 باب 33 من أبواب الجنابة ح 2.

[ 504 ]

الثالث يسأله عن الوضوء للصلاة في غسل الجمعة فكتب (ع) (لا وضوء للصلاة في غسل الجمعة ولا غيره) (1) و (منها): ما عن عمار الساباطي قال: سأل أبو عبد الله (ع) عن الرجل إذا اغتسل من جنابته أو يوم الجمعة أو يوم العيد هل عليه وضوء قبل ذلك أو بعده، فقال: لا ليس عليه قبل ولا بعد، قد اجزأه الغسل، والمرأة مثل ذلك إذا اغتسلت من حيض أو غير ذلك فليس عليها الوضوء لا قبل ولا بعد قد اجزأها الغسل) (2). و (منها): غير ذلك من الروايات (3)، ومعها لا مناص من الحكم بعدم الفرق بين غسل الجنابة والحيض وغيرهما وان الغسل باطلاقه يغني عن الوضوء كما ذهب إلى ذلك جملة من المحققين من متأخري المتأخرين. نعم يستثنى من ذلك غسل الاستحاضة المتوسطة لدلالة النص الخاص على ان المرأة يجب أن تتوضأ لكل صلاة وان كانت تغتسل مرة لكل يوم على ما اشرنا إليه في التعليقة، ولاجل تمامية الاخبار النافية للوضوء مع الغسل نلتزم بما ذكرناه. على أنا لو سلمنا تمامية الطائفة الاولى أيضا من حيث السند والدلالة فالطائفتان متعارضتان والجمع الدلالي ممكن بينهما وهو حمل الطائفة الثانية للغسل على عدم وجوب الوضوء مع الغسل وحمل الطائفة الثانية على مشروعيته معه وان لم يكن بواجب. هذا وربما يستدل على اغناء كل غسل عن الوضوء بأن الاخبار الواردة في الاغسال على كثرتها من الحيض والجنابة ومس الميت والاستحاضة


(1) الوسائل: ج 1 باب 33 من أبواب الجنابة ح 3. (2) راجع الوسائل: نفس الباب المتقدم.

[ 505 ]

والنفاس ساكتة عن بيان وجوب الوضوء مع الاغسال فلو كان واجبا معها لكان عليهم (ع) البيان كباقي الواجبات مع الغسل ومن سكوت الاخبار وهي في مقام البيان نستكشف عدم وجوب الوضوء مع الغسل وانه يغني عن الوضوء مطلقا. وهذا الاستدلال يتم على بعض الوجوه ولا يتم على بعض الوجوه الآخر لان المحتملات بناءا على عدم اغناء الغسل عن الوضوء ثلاثة: (احدها): ان يقال: ان سبب الغسل ناقض للوضوء أيضا ومع تحقق الناقض لا يبقى الوضوء بحاله فلو كان المكلف على وضوء ثم مس ميتا أو حاضت المرأة أو طرأ غيرهما من الاسباب فقد ارتفع الوضوء بنفسه فلا بد له من التوضؤ لما يتشرط فيه الوضوء. (ثانيهما): ان سبب الغسل وان لم يكن من نواقض الوضوء إلا انه امر مقوم للغسل وفي قيود الغسل فكما ان الغسل يعتبر فيه غسل الرأس والرقبة والجانبين ومع الاخلال بشئ منها يبطل الغسل كذلك الحال بالنسبة إلى الوضوء لانه شرط في صحة الغسل ومع عدم الاتيان بالوضوء يحكم ببطلان غسله أيضا. (ثالثها): أن يقال: ان سبب الغسل وان لم يكن من نواقض الوضوء ولا انه من شروطه ومقوماته إلا ان الوضوء إذا وجب بسببه كالنوم والبول وغيرهما لا تغني عنه الغسل، وحاصله ان الغسل في المحدث بالحدث الاصغر لا يغني عن الوضوء من دون أن يكون ناقضا له أو شرطا للغسل. والاستدلال بسكوت الامام (ع) في الروايات الواردة في الاغسال على كثرتها عن وجوب الوضوء معها يتم على الاحتمالين الاولين وذلك

[ 506 ]

لان سبب الغسل لو كان موجبا لانتقاض الوضوء أيضا فلم لم يتعرضوا له عند التعرض لما يترتب على السبب من الامور. مضافا إلى ان نواقض الوضوء محصورة وليس منها الاسباب الموجبة للاغتسال. كما ان الوضوء لو كان شرطا مقوما للغسل كبقية الاجزاء والشروط فلم سكتوا عن بيان الاشتراط في الاخبار الواردة في الاغسال على كثرتها فمن السكوت في مقام البيان نستكشف عدم كون الاسباب من نواقض الوضوء وعدم كونه شرطا مقوما للغسل فالاغسال مغنية عن الوضوء واما على الاحتمال الثالث فلا يمكن استكشاف أن الاغسال مغنية عن الوضوء من سكوتهم (ع) عن بيان ما يجب بتلك الاسباب من الوضوء أو غيره، وذلك لان الروايات الواردة في وجوب الاغسال باسبابها على كثرتها انما هي بصدد بيان ما يجب على المكلف بذلك السبب من الحيض والنفاس وغيرهما اي انها بصدد بيان ما يترتب على تلك الاسباب لا بصدد بيان ما تيرتب على اسباب اخر من النوم والبول وغيرهما من اسباب الوضوء. بل مقتضى اطلاق ادلته وجوب الوضوء مع السبب الموجب للغسل أيضا وذلك لان قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا..) (1) مطلق يشمل ما إذا وجد مع سبب الوضوء ما هو سبب للغسل أيضا فان من نام واراد الصلاة إلا انه مس الميت أيضا مشمول للآية المباركة ومن هنا قلنا ان مقتضى القاعدة عدم اغناء الغسل عن الوضوء فان اجزاء الغسل عن الوضوء يحتاج إلى دليل وإلا فاطلاق ادلته تقتضي


(1) المائدة: 6.

[ 507 ]

وجوبه مع الاغتسال أيضا. فهذا الاستدلال انما يتم على الوهمين الاوليين: هل يجب تقديم الوضوء: ثم انه بناءا على القول بوجوب الوضوء مع الغسل أو بجوازه معه فهل لابد من اتيانه قبل الغسل أو أن له أن يأتي به بعده وفي اثنائه إذا كان غسله تدريجيا اي ترتيبيا؟ مقتضى المرسلة الثانية (1) لابن أبي عمير وهي التي رواها عن حماد أو غيره جواز الاتيان بالوضوء قبل الغسل وبعده، واما مرسلته (2) الاولى التي دلت على أن كل غسل قبله وضوء إلا الجنابة فهي لا تكون مقيدة لاطلاق المرسلة الثانية لاحتمال كونهما رواية واحدة لانهما مرويتين عن ابن أبي عمير ولكن الصحيح انهما روايتان متعددتان ومجرد وقوع ابن أبي عمير في اثناء السندين لا يجعلهما رواية واحدة فان احداهما يرويها ابن أبي عمير عن رجل والاخرى يرويها عن حماد أو غيره وكم فرق بينهما؟!. ومع التعدد لابد من الالتزام بالتقييد فيما إذا قلنا بوجوب الوضوء مع كل غسل سوى الجنابة فيتحصل ان الوضوء لابد من وقوعه قبل كل غسل ولا يجوز بعده أو في اثنائه. واما إذا قلنا بجوازه ومشروعيته فلا يمكننا التقييد لان المستحبات لم يلتزموا فيها بقانون الاطلاق والتقييد بل اخذوا بكليهما فانه إذا ورد الامر بزيارة الحسين (ع) في كل يوم وورد الامر بزيارته في خصوص


(1) و (2) الوسائل: ج 1 باب 35 من أبواب الجنابة ح 1 و 2.

[ 508 ]

يوم عاشوراء لا يمكننا تقييد الحكم باستحباب زيارة الحسين (ع) بيوم عاشوراء فقط بل نلتزم بان زيارته مستحبة في كل يوم كما انها مستحبة في يوم عاشوراء، وعليه ففي المقام لابد من الالتزام بجواز الوضوء واستحبابه قبل كل غسل وبجوازه مطلقا سواء كان بعده ام قبله. هذا ولكن الصحيح أن الوضوء لا بد أن يقع قبل كل غسل سواء قلنا باستحبابه أم بوجوبه وذلك لما ورد من ان الوضوء بعد الغسل بدعة (1) فلا مناص من الالتزام بعدم جوازه بعد الغسل. ودعوى ان المراد بالغسل في تلك الروايات هو غسل الجنابة لا مطلق الاغسال. مندفعة: بان غسل الجنابة لا يجوز الوضوء قبله ولا بعده بمقتضى غير واحد من الاخبار، ومعه لو حملنا ما دل على ان الوضوء بعد الغسل بدعة على خصوص الجنابة لزم اللغوية في كلام الامام (ع) لان التقييد بالبعدية لغو إذ لا اثر للبعدية على الفرض. ثم إنا لو قلنا بلزوم وقوع الوضوء قبل الغسل بالمرسلتين السابقتين فلا يجوز الوضوء لا بعد الغسل ولا في الاثناء لانهما خلاف القبلية وهذا بخلاف ما إذا قلنا بلزوم التقديم من باب ما دل على عدم مشروعية الوضوء بعد الغسل لان الاتيان بالوضوء حينئذ قبل الغسل أو في اثنائه جائز لعدم صدق البعدية عليهما.


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 33 من أبواب الجنابة.

[ 509 ]

[ والافضل في جميع الاغسال جعل الوضوء قبلها (1). (مسألة 26): إذا اغتسلت جاز لها كل ما حرم عليها بسبب الحيض (2) وان لم تتوضأ. ] (1) يأتي وجه ما اختاره (قده) في التعليقة الآتية. بالاغتسال يحل لها كل ما حرم عليها: (2) ما افاده (قده) يتم على ما سلكناه من اغناء كل غسل عن الوضوء فان المرأة على هذا إذا اغتسلت جاز لها كل ما حرم عليها من دخول المسجد والاجتياز عن المسجدين ومس كتابة القرآن وغيرها وكذلك يتم على ما سلكه (قده) من عدم اغناء غير غسل الجنابة عن الوضوء مع الالتزام بجواز الوضوء قبله وبعده وفي اثنائه لحمل الاخبار الواردة في أن الوضوء بعد الغسل بدعة على الجنابة وترجيح الطائفة الدالة على أن في كل غسل وضوءا إلا غسل الجنابة على الطائفة المعارضة لها ولو بدعوى كونها موافقة لعمل المشهور دون الطائفة المعارضة، وحمل مرسلة ابن أبي عمير (1) الدالة على أن قبل كل غسل وضوءا إلا الجنابة على الاستحباب. نظرا إلى انها لا يمكن أن تقيد بها جميع المطلقات الواردة في مقام البيان على انها خلاف المشهور لعدم التزامهم بكون الوضوء قبل الغسل


(1) تقدمت في المسألة السابقة.

[ 510 ]

وحيث ان الروايات الدالة على وجوب الوضوء في كل غسل سوى الجنابة مطلقة فمقتضى اطلاقها عدم الفرق بين كون الوضوء قبل الغسل أو بعده أو في اثنائه، إلا ان كونه قبل الغسل افضل بمقتضى المرسلة المتقدمة فانه على هذا أيضا إذا اغتسلت الحائض لحيضها جاز لها كل ما حرم عليها من جهة الحيض وان لم تتوضأ إلا انها إذا تركت التوضؤ مع الغسل لم يجز لها الدخول فيما يشترط فيه الطهارة من الحدث الاصغر كالصلاة ونحوها. واما إذا قلنا بعدم اغناء الغسل عن الوضوء من جهة ان الوضوء شرط لصحة الغسل فلا يتم ما افاده (قده) بوجه لان الحائض - على ذلك لو اغتسلت وتركت التوضؤ قبله وبعده وفي اثنائه لم يحل لها ما حرم عليها بسبب الحيض لبطلان غسلها فانه مشروط بالوضوء ومع عدم الشرط يبطل المشروط. وهذا القول هو الصحيح بناءا على عدم اغناء الغسل عن الوضوء والوجه في ذلك أن الاخبار دلت على أن في كل غسل وضوءا إلا الجنابة أو أن قبل كل غسل وضوء إلا.... (1) ومحتملات هذه العبارة ثلاثة: محتملات الرواية: (الاول): ان يقال: ان في كل غسل يجب الوضوء وجوبا تعبديا شرعيا من دون أن يرتبط بالغسل بحيث لو اغتسلت الحائض ولم


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 35 من أبواب الجنابة ح 2 و 1.

[ 511 ]

تتوضأ صح غسلها وان ارتكبت معصية بتركها الوضوء الواجب في حقها نظير ما إذا وجب عليها الوضوء مع الغسل بالنذر وشبهه لانها حينئذ لو تركت الوضوء واغتسلت صح غسلها وان عصت بترك الوضوء الواجب في حقها، فعلى هذا لو اغتسلت الحائض جاز لها كل محرم بسبب الحيض وان لم تتوضأ. إلا ان هذا المحتمل خلاف ظاهر الرواية لان الواردة في الاجزاء والشرائط والمركبات ظاهرة في الارشاد إلى الشرطية والجزئية ولا ظهور لها في الوجوب النفسي بوجه، ومقامنا هذا من هذا القبيل كما إذا قيل ان في كل صلاة وضوءا فان ظاهره الارشاد إلى شرطية الوضوء للصلاة: (الثاني،: ان يقال: ان ظاهر الرواية هو الشرطية بمعنى أن شرط صحة الوضوء في حق المحدث بالحدث الاكبر هو الغسل فمن مس الميت أو حاضت وتوضأت من دون أن تغتسل بطل وضوءها وان صح غسلها، وعلى ذلك إذا غتسلت الحائض جاز لها كل ما حرم عليها بسبب حيضها وان لم تتوضأ. ولكن يرد على هذا المحتمل: اولا: انه خلاف ظاهر الرواية فانها سيقت لبيان وظيفة المغتسل في غسله وانه يعتبر في غسله أي شئ لا انها بصدد بيان كيفية الوضوء وأن وظيفة المتوضأ أن يغتسل إذا كان محدثا بالحدث الاكبر وثانيا: ان لازم هذا الكلام أن المحدث بالحدث الاكبر كمس الميت مثلا لو اغتسل من دون وضوء لم يصح له الوضوء بعد ذلك أبدا إلى أن يحدث بحدث آخر بعد ذلك ويتوضأ مع الاغتسال عن ذاك الحدث وهذا مما نقطع بخلافه إذا لا يمكن الحكم في الشريعة المقدسة بعدم صحة

[ 512 ]

[ فالوضوء ليس شرطا في صحة الغسل بل يجب لما يشترط به كالصلاة ونحوها. (مسألة 27): إذا تعذر الغسل تتيمم بدلا عنه (1). ] الوضوء للمكلف إلى ان يحدث بالاكبر، وعليه يتعين الاحتمال الثالث. (الثالث): ان ظاهرا الرواية شرطية الوضوء للغسل فلا يصح الغسل من الحائض فيما إذا لم تتوضأ. وهذا هو المتعين الصحيح بناءا على القول بعدم اغناء الغسل عن الوضوء، وعليه فلا يتم ما افاده الماتن (قده) من ان الحائض إذا اغتسلت جاز لها كل ما حرم عليها بسبب الحيض وان لم تتوضأ، فانها إذا لم تتوضأ بطل غسلها على هذا القول ولم يجز لها ما حرم بسبب حدث الحيض، ولعل هذا من الموهنات لما ذهب إليه المشهور من عدم اغناء الغسل عن الوضوء إلا الجنابة فان لازم القول باشتراط الغسل بالوضوء وهو مما لا يلتزمه المشهور. بدلية التيمم عن غسل الحيض: (1) إذا قلنا بعدم اغناء الغسل عن الوضوء وكانت الحائض واجدة للماء بقدر غسلها ووضوءها وجبا عليها وهو ظاهر. وإذا لم يكن عنده ماء اصلا لا بمقدار غسلها ولا بقدر وضوءها وجب عليها أن تتيمم مرتين أحدهما بدلا عن غسلها وثانيهما بدلا عن وضوءها وهذا لا يفرق فيه بين القول باغناء الغسل عن الوضوء وعدمه.

[ 513 ]

[ وان تعذر الوضوء ايضا تتيمم، وان كان الماء بقدر احدهما تقدم الغسل. ] أما على الثاني فواضح واما على الاول فلان الادلة الآمرة بالوضوء للمحدث بالحدث الاصغر مطلقة تشمل ما إذا اغتسل المكلف وما إذا لم يجب عليه غسل كقوله تعالى (اذاقمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) (1) وانما رفعنا اليد عن اطلاقها بما دل على ان الغسل يغني عن الوضوء وهذا مختص بنفس الغسل، والتيمم البدل عنه يحتاج اغناؤه عن الوضوء إلى دليل ولا دليل عليه بل مقتضى الاطلاقات في ادلة الوضوء عدم كون التيمم البدل عن الغسل مغنيا عن الوضوء، وبما انها غير متمكنة من الوضوء فيجب عليها التيمم بدلا عن الوضوء أيضا فوجوب التيمم عليها مرتين لا يفرق فيه بين القول باغناء الغسل عن الوضوء وعدمه. وثالثة: تتمكن من الاغتسال دون الوضوء كما لو كان مالك الماء لا يرض باستعمال الماء إلا في الاغتسال ولا كلام حينئذ في انه يجب عليها أن تغتسل وتتيمم بدلا عن الوضوء. ورابعة: ينعكس الامر فلا تتمكن المرأة من الغسل وتتمكن من الوضوء لعدم اذن المالك للماء في الاغتسال أو لقلة الماء وعدم وفائه بالاغتسال، فهل يجب على الحائض حينئذ أن تتوضأ وتتيمم بدلا عن الغسل أو انها تتيمم تيممين احدهما بدلا عن الغسل وثانيهما بدلا عن الوضوء ويبطل حكم الماء وذهب الشيخ الكبير إلى الثاني وهو من الغرائب،


(1) المائدة: 6

[ 514 ]

بل للمسألة صور خمسة: (الصورة الاولى): ما إذا تمكنت الحائض من التوضئ والاغتسال وهذه الصورة هي التي قدمنا حكمها وقلنا ان الغسل يغني عن الوضوء الا ان المرأة تتمكن من أن تتوضأ قبل الاغتسال ثم تغتسل لاطلاقات ادلة الوضوء. نعم لا يجوز لها الوضوء بعده لانه بدعة، وعليه فالمقام من موارد التخيير بين الاقل والاكثر لتخيير المرأة بين الغسل وبين التوضئ ثم الاغتسال وقد قلنا في محله ان التخيير بين الاقل والاكثر لا بأس به إذا كان للاقل وجود مستقل. واما بناءا على ان الغسل لا يغني عن الوضوء فيجب عليها أن تتوضأ وتغتسل لاطلاقات ادلة كل من الغسل والوضوء. (الصورة الثانية): ما إذا لم تتمكن من شئ منهما ولا اشكال حينئذ في وجوب التيمم عليها مرتين مرة بدلا عن الغسل واخرى بدلا عن الوضوء بلا فرق في ذلك بين القول باغناء الاغسال عن الوضوء وعدمه وذلك لان الادلة انما دلت على ان الغسل يغني عن الوضوء وانه بدل عنه في الطهارة فقط واما ان البدل وهو التيمم يغني عن الوضوء أيضا فهو امر يحتاج إلى

[ 515 ]

الدليل ولا دليل عليه. وقد عرفت اطلاق ادلة الوضوء ومقتضى اطلاقها وجوبه مع التيمم بدلا عن الغسل أيضا وبما انها غير متمكنة من الوضوء فتنتقل إلى بدله بمقتضى ادلة البدلية، كما ان مقتضى اطلاق ادلة الغسل كقوله (إذا طهرت اغتسلت) وجوب الغسل على المرأة في المقام وحيث انها غير متمكنة من الاغتسال تنتقل إلى بدله بمقتضى ما دل على أن التيمم بدل عن الغسل من دون فرق بين القول بان التيمم مبيح أو انه رافع للحدث: أما على الاباحة فظاهر واما على القول بالرافعية فلان التيمم يرفع الحدث الاكبر ويكون التيمم بدل الوضوء رافعا للحدث الاصغر ولعله ظاهر. (الصورة الثالثة: ما إذا تمكنت المرأة من الاغتسال فحسب ولم تتمكن من الوضوء لعدم اباحة المالك التوضؤ منه، ولا كلام حينئذ في انها تغتسل لاطلاقات ادلة وجوب الغسل على الحائض كما ان مقتضى اطلاقات ادلة الوضوء وجوبه عليها بناءا على ان الغسل لا يغني عن الوضوء. وحيث انها غير متمكنة من التوضئ الواجب في حقها ينتقل الامر إلى بدله وهو التيمم، نعم بناءا على اغناء الاغسال عن الوضوء لا تحتاج المرأة إلى التوضئ لتتمكن منه أو لا تتمكن منه.

[ 516 ]

(الصورة الرابعة): ما إذا تمكنت المرأة من التوضئ فحسب دون الاغتسال. والمعروف في هذه المسألة انها تتيمم بدلا عن الغسل وتتوضأ من دون فرق بين القول باغناء الغسل عن الوضوء وعدمه لان المغني هو الغسل دون بدله - وهو التيمم -. وذهب كاشف الغطاء (قده) إلى انها تتيمم بدلا عن الوضوء أيضا ولا يترتب على تمكنها من الوضوء اثر، ولا يمكن توجيه ما ذهب إليه (قده) بشئ من الوجوه. وذلك لانا ان قلنا ان لصلاة المرأة مقدمتين احداهما الغسل وثانيتهما الوضوء ومقتضى اطلاق ادلتهما وجوبهما على المرأة إلا انها لا تتمكن من الاغتسال فننتقل إلى بدله بحسب ادلة البدلية فلا وجه لما ذهب إليه من وجوب التيمم بدلا عن الوضوء مع تمكنها منه. وان احتملنا - بعيدا - كون المقدمة هو المجموع من الغسل والوضوء بان يكون كل منهما جزءا من المقدمة نظير المسحتين والغسلتين في الوضوء فما افاده يتم لعدم تمكنها من مجموع الغسل والوضوء فتنتقل إلى بدلهما، كما إذا تمكن المكلف من الغسلتين دون المستحتين فانه لا بد من أن يتيمم ولا معنى للقول بوجوب الغسل في الممكن والتيمم بدلا من المسحتين. إلا ان هذا الاحتمال بعيد في نفسه لان مقتضى ادلة الوضوء والغسل أن المقدمة كل واحد منهما مستقلا، ويتوجه عليه مضافا إلى بعده في نفسه أمران

[ 517 ]

(احدهما): ان لازم هذا الاحتمال وجوب التيمم عليها مرة واحدة إذ المفروض ان المقدمة هي المجموع من حيث المجموع وهو امر واحد ومع عدم التمكن منه تتيمم بدلا عنه لا محالة كما انه إذا لم تتمكن من المسحتين في الوضوء مع التمكن من الغسلتين لم يجب إلا تيمم واحد. (ثانيهما): إن لازمه أن يلتزم بمثله في الصورة الثالثة أيضا لان المقدمة وهي مجموع الامرين ليست مقدورة للمكلف لعجزه عن الوضوء فينتقل إلى بدله - مع انه لا يلتزم بوجوب التيمم عن الوضوء في الصورة الثالثة - وانما يوجبون عليه التيمم بدلا عن الوضوء دون الغسل. وعليه فالصحيح ما ذهب إليه الماتن (قده) وغيره من انها تتوضأ وتتيمم بدلا عن الغسل بلا فرق بين القول بالرفع والقول بالاستباحة. (الصورة الخامسة): ما إذا تمكنت من احدهما من غير تعيين كما إذا كان الماء غير واف للوضوء والغسل، فعلى مسلكنا من اغناء كل غسل عن الوضوء لا اشكال في أن الغسل متعين في حقها لتمكنها من الطهارة المائية بقدرتها على الاغتسال ومعه لا يجوز لها تفويت الماء بصرفه في الوضوء لعدم كفايته عن الغسل وهذا بخلاف استعماله في الغسل الذي يكفي ويغني عن الوضوء وعلى مسلك من قال بعدم الاغناء فهل يتعين عليها الغسل والتيمم بدل الوضوء، أو يتعين للوضوء والتيمم بدل الغسل؟ المعروف بينهم في الاعصار المتأخرة - على ما عثرنا عليه - ادراج

[ 518 ]

المقام في المتزاحمين والترجيح بالاهمية واحتمالها لانهما من مرجحات باب المزاحمة وبما ان الغسل اهم أو انه محتمل الاهمية - إذ لا يحتمل اهمية الوضوء عنه - فيتعين القول بوجوب الغسل في حقها مع التيمم بدلا عن الوضوء. وعن بعضهم ترجيح الوضوء لسبقه على الغسل بحسب الزمان، والتقدم الزماني مرجح في باب التزاحم ولو كان الآخر اهم. التهافت في كلام المحقق النائيني: ولشيخنا الاستاذ (قده) في مسألة ما إذا دار أمر المكلف بين القيام والايماء في ركوعه وسجوده وبين الركوع والسجود مع القعود في صلاته حاشيتان: في احداهما قدم القيام وحكم بوجوب الصلاة قائما مع الايماء في ركوعه وسجوده ترجيحا بالتقدم الزماني لان القيام اسبق من الركوع زمانا فيتقدم على الركوع ولو كان اهم، وفي الحاشية الثانية قدم الركوع وحكم بوجوب الصلاة قاعدا مع الركوع والسجود نظرا إلى الترجيح الاهمية لاهمية الركوع على القيام. وهما كلامان متناقضان. هذا اندراج المقام في التعارض: ولكن الصحيح ان امثال المقام خارج عن باب المتزاحمين وانما يندرج تحت كبرى التعارض وذلك لان المتزاحم انما يختص بالتكاليف النفسية

[ 519 ]

كوجوب الازالة ووجوب الصلاة واما التكاليف الضمنية فلا يقع فيها التزاحم أبدا إذ ليس لها امر مستقل وذلك لان الاجزاء والشرائط انما يتعلق لها - أي لمجموعها - امر واحد وإذا عجز المكلف عن بعضها - كما في دوران الامر بين ترك القيام وترك الركوع في الفرع المتقدم - سقط الامر المتعلق بالمركب من المتعذر وغيره كالامر بالصلاة عن قيام وركوع. والامر الآخر بعد ذلك لو دل الدليل عليه - كما في الصلاة - لا يعلم تعلقه بالصلاة الواجدة للقيام دون الركوع أو انه تعلق بالصلاة الواجدة للركوع دون القيام فالشك في المجعول الشرعي معه تدخل هذه الموارد في كبرى المتعارضين. والامر في المقام كذلك لسقوط الامر بالصلاة الواجدة للوضوء والغسل لتعذرهما على الفرض، والامر بعد ذلك لم يعلم تعلقه بالصلاة الواجدة للوضوء دون الغسل أو الصلاة الواجدة للغسل دون الوضوء فهما متعارضان ومعه لابد من ملاحظة ادلة تلك الاجزاء والشرائط فان كان كلا الجزئين أو الشرطين أو بالاختلاف ثبت بالاطلاق فيتساقطان ويرجع إلى الاصل العملي الموجود في المسألة، وان ثبت كل منهما بالعموم فهما متعارضان ولا بد من الرجوع إلى قواعد باب التعارض، وان ثبت احدهما بالعموم والآخر بالاطلاق كان الثابت بالعموم مقدما على الثابت بالاطلاق: ولما كان كل واحد من الوضوء والغسل قد ثبت بالاطلاق فيحكم بتساقطهما والرجوع إلى الاصل العملي بعده ومقتضاه التخيير في المقام وذلك للعلم الاجمالي بوجوب الصلاة اما مع الوضوء واما مع الغسل وبما ان الاحتياط غير ممكن واحتمال خصوصية الوضوء أو الغسل مندفع بالبراءة فيحصل التخيير بين صرفها الماء في غسل حيضها أو صرفها

[ 520 ]

[ (مسألة 28): جواز وطئها لا يتوقف على الغسل (1) لكن يكره قبله ولا يجب غسل فرجها ايضا قبل الوطئ وان كان احوط ترك الوطئ قبل الغسل. ] في وضوئها. وان كان اختيار الصرف في الغسل احوط لذهاب جمع إلى وجوبه وتعينه. جواز الوطئ لا يتوقف على الاغتسال: (1) ذكرنا ان الاحكام المترتبة على الحائض على قسمين: منها ما يترتب على الحائض بمعنى ذات الدم كعدم جواز الطلاق والظهار لصحتهما فيما إذا انقطع دمها وان لم تغتسل، ومنها ما يترتب على الحائض بمعنى ذات الحدث كحرمة دخولها المساجد وحرمة اجتيازها المسجدين وحرمة مسها القرآن فانها مترتبة على الحدث بقرينة ذكرها مع الجنب في الحديث (1). واما حرمة وطئها فالمعروف بين الاصحاب ترتبها على ذات الدم بحيث إذا انقطع دمها جاز وطؤها، ونسب الخلاف في ذلك إلى اهل الخلاف وانهم ذهبوا إلى حرمة الوطي حتى تغتسل. والكلام في مدرك ما ذهب إليه المشهور.


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة وباب 13 من أبواب الوضوء.

[ 521 ]

لا ينبغي الاشكال في أن مقتضى العمومات والاطلاقات جواز وطئها في جميع الازمنة حتى زمان الحيض كقوله تعالى (نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم) (1) وانما خرجنا عن مقتضى الاطلاقات بما دل على حرمة وطي الحائض من الكتاب والسنة حيث خصصها بغير زمان الحيض ولا بد من ملاحظة المخصص لنرى ان الحرمة هل هي مستمرة إلى زمان الاغتسال أو هي منقطعة بزمان انقطاع الدم؟ المخصص الكتابي: أما المخصص الكتابي - قوله تعالى (يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث امركم الله) (2) فلا يمكن استفادة الحرمة منها إلى أي زمان؟ وذلك لان القراء السبعة قرأوا لفظة (حتى يطهرن) مخففة أي حتى ينقطع دمهن ويساعده صدر الآية المباركة حيث قالت (هو اذى) وذلك لان الاذى انما هو الحيض إلى زمن انقطاعه، واما بعده فليس هناك اذى فتختص الحرمة بالمرأة ذات الدم وإذا نقطع دمها جاز وطؤها بمقتضى الآية الكريمة إلى هنا. ولكن ذيلها (فإذا تطهرن...) ينافيه، فانه وان امكن أن يكون بمعنى (يطهرن) بالتخفيف بان يستعمل التطهر في الطهارة إذ قد يستعمل التفعل في المجرد ويقال (زيد تمرض) بمعنى مرض


(1) البقرة: 223. (2): البقرة: 222.

[ 522 ]

وعليه يطابق الذيل الصدر، إلا أن ظاهر الذيل هو التفعل والتطهر بمعنى الاغتسال فيدلنا هذا الذيل بمفهومه على حرمة اتيان المرأة ما دامت لم تغتسل ولم تتطهر فيتنافى صدر الآية وذيلها وتصبح الآية مجملة. على أن (حتى يطهرن لهم يثبت كونها مخففة وان قرأها القراء السبعة مخففة إلا انه يحتمل تشديدها، ومع احتمال التشديد والتخفيف واجمال الآية لا يمكن الاستدلال بها بوجه. بل لا بد من الاخذ بالقدر المتيقن من مدلولها وهو حرمة الوطي ما دام المرأة ذات الدم واما حرمته بعد انقطاعه فهي مشكوكة يرجع فيها إلى مقتضى الاطلاقات والمعمومات التي تقتضي الجواز في جميع الاوقات كما مر. المخصص من السنة: واما المخصص من السنة فالاخبار الواردة (1) في حرمة وطي الحائض قبل الاغتسال كلها ضعيفة السند لانها - مضافا إلى اشتمال اسنادها على من لم تثبت وثاقته - مروية في تهذيب الشيخ باسناده عن علي بن الحسن بن فضال وقد بينا ان طريق الشيخ إلى ابن فضال ضعيف لا يعمد عليه (2). هذا على انها مع الغض عن ضعف اسنادها قاصرة الدلالة على المدعى


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 27 من أبواب الحيض ح 6 و 7. (2) وقد قدمنا ان سيدنا الاستاذ - دام ظله - عدل عن ذلك فبنى على اعتبار طريق الشيخ إلى على بن الحسن بن فضال فليراجع.

[ 523 ]

لانها معارضة بما (1) دل على جواز وطي الحائض بعد انقطاع دمها وقبل الاغتسال صريحا، ومع التعارض لابد من الجمع بينهما بحمل الناهية على الكراهة. نعم نعم ورد في صحيحة محمد بن مسلم التي هي من الاخبار الدالة على الجواز انه (إذا اصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغتسل فرجها ثم يمسها ان شاء قبل أن تغتسل) (2) والشبق هو شدة الميل إلى الجماع وقد دلت على جواز وطي الحائض بعد الانقطاع وقبل الاغتسال مشروطا بشرطين: أحدهما: أن يصيب زوجها الشبق فلا يجوز من دون كونه شبقاه ثانيهما: أن تغسل فرجها فلا يجوز الوطي من غير أن تغسل فرجها. والمشهور بينهم عدم الالتزام بهذين الشرطين ولعل الوجه في ذلك: أن مقتضى المناسبة بين الحكم وموضوعه أن الشرط الاول في الصحيحة لم يكن مسوقا لبيان حرمة الوطي من غير الشبق وانما سيقت لبيان ما يرتفع به الحزازة والكراهة في وطي الحائض قبل الاغتسال. وتلك المناسبة وهي العلم بان المحرمات الالهية لا تناط بعدم الشبق بحيث ترتفع الحرمة بالشبق الذي هو شدة الميل إلى الجماع لا الاضطرار إليه بقرينة قوله (ع) (ثم يمسها ان شاء): نعم لا بأس بارتفاع الحرمة بالحرج أو الخوف على النفس كما ورد في بعض الروايات (3) من انه


(1) راجع: الوسائل نفس الباب المتقدم. (2) الوسائل: ج 2 باب 27 من أبواب الحيض ح 1. (3) الوسائل: ج 2 باب 27 من أبواب الحيض ح 2. وهي موثقة اسحاق بن عمار.

[ 524 ]

إذا خاف على نفسه لا بأس أن يأتي زوجته، واما مجرد شدة الميل فهو مما لا ترتفع به الحرمة شرعا، ومنه يظهر أن وطي الحائض بعد الانقطاع وقبل الاغتسال غير محرم مطلقا نم وهو مكروره وترتفع الكراهة بالشبق إلى الجماع. وكذلك الحال بالنسبة إلى الامر بغسل الفرج فان المناسبة المركوزة بين الحكم وموضوعه تقتضي ان يكون الامر بغسل الفرج لاجل التنظيف المرغوب فيه للشريعة المقدسة لا أن الحرمة ترتفع به لكن مع ذلك يشكل رفع اليد عن ظاهر الامر بغسل الفرج لتلك المناسبة ومن هنا الاحتياط الوجوبي في غسل الفرج قبل الوطئ في محله بخلاف الشبق. ويمكن الاستدلال على جواز وطي الحائض بعد الانقطاع قبل الاغتسال حتى مع عدم الشبق في الزوج بالسيرة القطعية الجارية بين المتشرعة حيث ان اغلب النساء من المماليك والزوجات لم يكن يغتسلن بعد حيضهن في تلك الاعصار لكونهن كافرات أو من اهل الخلاف الذين لا يصح منهم الاغتسال أو لا يغتسلن للتسامح والتساهل في الدين ومع ذلك كان اصحاب الائمة (ع) والمسلمون الآخرون يباشرون زوجاتهم وامائهم بعد انقطاع حيضهن ولم يرد ردع عنه في الروايات لتدل على عدم جواز مقاربتهم لزوجاتهم أو مملوكاتهم لبطلان غسلهن أو عدمه، فلو كان وطي الزوجة بعد الانقطاع وعدم شبق الزوج محرما لانتشر الحكم وذاع فنستكشف منه عدم حرمة الوطي ولو من دون شبق الزوج.

[ 525 ]

[ (مسألة 29): ماء غسل الزوجة والامة على الزوج والسيد على الاقوى (1). ] هل ماء غسل الزوجة على زوجها؟ (1) تقدمت المسألة في بحث الجنابة (1) وذكر (قده) ان ماء الغسل واجرة التسخين والاغتسال على الزوج وعليه بانه من النفقات ونفقة الزوجة على الزوج. وذكرنا في ذاك الموضع أن الاخبار الآمرة باعطاء نفقة الزوجة اشتملت على عنوان الاشباع والاسكان وما به يقوم صلبها، والجامع ما تتقوم به حياة الزوجة واعاشتها عادة حسب ما يليق بشأنها، ومن الظاهر أن الاحكام الشرعية والوظائف المتسببة منها خارج عما تتقوم به حياتها وانما هي وظائف شرعية لا اعاشة واقامة حياة، ولذا لو افطرت الزوجة في نهار شهر رمضان لم يجب على الزوج اعطاء الكفارة وانما هي واجبة على الزوجة وكذا الاغتسال في المقام، والشارع قد عين للمتمكنة منهما وظيفة وللعاجزة وظيفة اخرى فان كانت قادرة على الاغتسال فلتغتسل وان عجزت عنه فلتيمم، ولا يجب على الزوج اقدار زوجته على الاغتسال باعطاء الماء واجرة التسخين ونحوهما حتى تتمكن الزوجة من الاغتسال ليجب الغسل عليها وتفصيل


(1) في مسألة 21 فليلاحظ.

[ 526 ]

[ (مسألة 30): إذا تيممت بدل الغسل ثم احدثت بالاصغر لا يبطل تيممها بل هو باق إلى أن تتمكن من الغسل (1). ] الكلام في بحث النفقات. انتقاض التيمم بالحدث الاصغر: (1) فلا يجب عليها إلا الوضوء لانها احدثت بالاصغر. وتأتي هذه المسألة في بحث التيمم ونتكلم هناك في أن التيمم هل ينتقض بالاحداث الصغيرة أو انه كالغسل لا ينتقض بها وانما يجب بها الوضوء فلو تيمم المكلف بدلا عن الغسل لعذر ثم نام أو بال فهل يجب عليه بعد ذلك أن يتيمم بدلا عن غسله مع بقاء عذره لانه انتقض بحدثه الاصغر، أو أن تيممه كالغسل لا يرتفع ولا ينتقض بالحدث الاصغر وهو باق إلا انه يتيمم بدلا عن الوضوء إذا لم يتمكن من الوضوء أيضا أو يتوضأ إذا تمكن منه يأتي تفصيل الكلام في بحوث التيمم ان شاء الله وملخصه: ان الظاهر انتقاض التيمم بالحدث الاصغر وانه يجب بعده التيمم بدلا عن غسله ولا يقاس التيمم بالغسل، وكونه بدلا عنه لا يقتضي أن يترتب عليه كل ما يترتب على الغسل لانه انما يقوم مقام الغسل من حيث الطهارة وحسب لان التيمم أو التراب احد الطهورين فكل امر يتوقف على الطهارة بالغسل يترتب على التييم البدل عنه، واما ان الغسل لا ينتقض بالاحداث الصغيرة ولا يجب معه إلا الوضوء حينئذ

[ 527 ]

[ (الحادي عشر): وجوب قضاء ما فات في حال الحيض ] فلابد أن يكون التيمم كذلك أيضا فهو امر يحتاج إلى الدليل ولا دليل عليه فلا يترتب على التيمم سوى استباحة الدخول فيما يشترط فيه الطهارة. بل الدليل على انتقاض التيمم بالحدث الاصغر موجود، وذلك لان مقتضى قوله تعالى (وان كنتم جنبا فاطهروا... ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (1) ان كل من كان وظيفته في نفسه الغسل ولم يتمكن منه فوظيفته التيممم، والمكلف بعد تيممه بدلا عن غسله واحداثه بالحدث الاصغر كذلك لانه مكلف وظيفته الغسل لو تمكن من الماء من غير خلاف فوظيفته التيمم لا محالة بمقتضى الآية المباركة واطلاقه. بل في بعض الروايات الواردة في التيمم اطلق الجنب على المتيمم بدلا عن الغسل حيث قال: لكن يتيمم الجنب ويصلي بهم اي يصلي بالناس جنبا) (2) فهو جنب جاز له الدخول في الصلاة ولو جماعة لانه متطهر ومعه يجب عليه التيمم إذا احدث بالاصغر بدلا عن الغسل لا انه يتوضأ أو يتيمم بدلا عن الوضوء خلافا للماتن (قده) ويأتي ذلك في محله.


(1) المائدة: 6. (2) كما في صحيحة جميل ومحمد وحمران المروية في ج 1 باب 34 من أبواب التيمم ح 2، وج 5 باب 17 من أبواب الجماعة ح 1.

[ 528 ]

[ من صوم شهر رمضان وغيره من الصيام الواجب (1) ] يجب على الحائض قضاء الصيام: (1) والامر كما افاده (قده) فان جملة من الاخبار (1) الواردة في وجوب قضاء الصوم على الحائض وان كانت مختصة بصوم شهر رمضان إلا أن بعضها مطلقا لا يختص بصوم رمضان وقد دل على ان الحائض تقضي الصيام. بل لا حاجة في الحكم بوجوب قضاء الصوم الواجب إلى تلكم الاخبار اصلا وذلك لعموم ما دل على وجوب قضاء الفوائت من الصيام والصلاة فانه شامل للحائض أيضا، والحكم بالسقوط وعدم وجوب القضاء يحتاج إلى الدليل ومقتضى عمومه عدم الفرق بين صوم شهر رمضان وغيره. اللهم إلا أن يكون صوما لا يجب قضاؤه شرعا كما في الصوم الواجب بأمر السيد أو الوالد فكما لا يجب قضاؤه على غير الحائض لا يجب قضاؤه من الحائض، فان الحائض لا يزيد حكمها على غير الحائض ليتوهم ان قضاء مثل ذلك الصوم وان لم يجب على غير الحائض إلا انه واجب على الحائض وذلك لان الاخبار الواردة في ان الحائض تقتضي الصيام ليست بصدد بيان امتياز الحائض عن بقية النساء بانها تقضي الصوم مطلقا حتى مالا يجب قضاؤه على غيرها، بل هي مسوقة لبيان ان الحيض ليس بمانع عن وجوب القضاء وانه ليس بعذر عنه


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 41 من أبواب الحيض.

[ 529 ]

فحكم الحائض حكم غيرها إذا وجب قضاء الصوم على غيرها وجب عليها أيضا ومتى لم يجب على غيرها لا يجب عليها أيضا. وعلى الجملة لا حاجة لنا في الحكم بوجوب القضاء وعدمه على الحائض إلى تلك الاخبار بل العمومات الدالة على وجوب قضاء الصوم والصلاة تكفي في الحكم بوجوب قضاء مطلق الصوم والواجب على الحائض. قضاء الصوم الواجب بالنذر: نعم يبقى الكلام في الصوم الواجب بالنذر فان وجوب قضائه على الحائض مورد الكلام بين الاصحاب حيث ذهبوا إلى عدم وجوب قضائه وانها إذا نذرت صوم يوم فحاضت فيه لم يجب عليها قضاؤه نظرا إلى ان متعلق النذر يشترط كونه راجحا ولا رجحان في صوم الحائض بل هو حرام فالنذر لم ينعقد اصلا حتى يجب قضاؤه أو لا يجب. وفصل فيه شيخنا الانصاري (قده) بين ما إذا نذرت صوم يوم معين شخصي وبين ما إذا نذرت صوم يوم كلي ينطبق على يوم حيضها وغيره كما لو نذرت صوم كل يوم خميس فحاضت في خميس من الخمسيات فحكم بالبطلان وعدم وجوب القضاء في الاول وبانعقاد النذر ووجوب القضاء في الثاني نظرا إلى أن صوم كلي الخميس امر راجح وصوم بعض الخمسيات مثلا وان لم يكن براجح إلا انه ليس متعلقا للنذر. ويندفع بان الحكم المترتب على عام استغراقي ينحل إلى افراده ومصاديقه فإذا لم يكن بعض افراده راجحا فلا مناص من الحكم ببطلان النذر بالاضافة إليه.

[ 530 ]

والصحيح في المقام أن يقال: ان ما ذكروه من عدم انعقاد النذر في المقام لاجل اشتراط الرجحان في متعلق النذر هو الصحيح إلا انه على طبق القاعدة بغض النظر عن صحيحة علي بن مهزيار، وإلا فبالنظر إليها لابد من الحكم بوجوب القضاء في المقام وفي كل مورد نذر صومه ثم لم يتمكن من صيامه لعذر من الاعذار. قال: كتبت إليه - يعني أبا الحسن (ع) يا سيدي رجل نذر ان يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم عيد فطر أو اضحى أو ايام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه وكيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: (قد وضع الله عنه الصيام في هذه الايام كلها ويصوم يوما بدل يوم ان شاء الله...) (1) حيث دلت على وجوب قضاء الصوم المنذور وان لم ينعقد نذره لعدم رجحان متعلقه حيث ان صوم يوم العيدين محرم. ثم انها وان وردت في غير الحيض من الاعذار إلا ان قوله (ع) (ويصوم يوما بدل يوم...) يدلنا على أن الحكم عام لا يختص بعذر دون عذر بل كلما نذر صوما معينا فصادف شيئا من الاعذار وجب قضاؤه تعبدا ولو من جهة انه اثبت لله على ذمته صوم يوم فوجب الخروج عن عهدته بقضائه وان كان النذر باطلا لعدم رجحان متعلقه لانه من صوم يوم العيد أو الحيض أو غيرهما ما لا رجحان في صيامه مع أن مقتضى القاعدة بطلان النذر في مورد الصحيحة المتقدمة وفي المقام لعدم كون المتعلق راجحا.


(1) الوسائل: ج 16 باب 10 من أبواب النذر ح 1.

[ 531 ]

[ واما الصلوات اليومية فليس عليها قضاؤها (1) بخلاف غير اليومية مثل الطواف والنذر المعين وصلاة الآيات (2) فانه يجب قضاؤها على الاحوط بل الاقوى. ] الحائض لا تقضي صلواتها: (1) لا اشكال ولا خلاف في عدم وجوب القضاء للصلوات اليومية على الحائض ولم ينقل الخلاف في ذلك من احد المسلمين مضافا إلى النصوص (1) المعتبرة الكثيرة الواردة في المقام. (2) وتوضيح الكلام في هذه المسألة: ان القضاء انما يجب فيما إذا كان للفعل وقت معين ولم يؤت به في وقته المضروب له فانه إذا أتى به خارج الوقت يعبر عنه بالقضاء. واما الواجب الذى ليس له وقت معين شرعا كصلاة الطواف فلا معنى للقضاء فيه فانه لم يفت الواجب في وقته ليؤتى به في خارج وقته وانما هو واجب لو أتي به في أي وقت وزمان وقع في وقته وزمانه ولا قضاء في مثله كما حكي عن العلامة (قده) من ان القضاء انما هو في الموقتات ولا قضاء في غيرها. وعليه فمثل صلاة الطواف خارجة عن محل الكلام إذا لا معنى فيها للقضاء وهي اداء في كل وقت ويجب على الحائض وغيرها الاتيان بها


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 41 من أبواب الحيض.

[ 532 ]

بعد حيضها وارتفاع عذر المكلف لا محالة. واما الصلوات المنذورة فهي مما لا يجب قضاؤها على الحائض فيما إذا نذرت صلاة في وقت معين ثم طرأ الحيض عليها في ذلك الوقت وذلك لامور: الاول: هو ان القضاء انما يجب فيما إذا كان العمل المأتي به اداءا وقضاء طبيعة واحدة بحيث لا امتياز بينهما ولا اختلاف فيهما من غير جهة الزمان فان الاداء ما أتي بالعمل في وقته والقضاء ما اتي به في خارجه وهذا لا يتحقق في الصلوات المنذورة لان الواجب في الفعل المنذور هو الوفاء بالنذر، والوفاء بمعنى انهاء الشئ واتمامه فالواجب في النذر انهاء الالتزام واتمامه كما هو الحال في قوله تعالى (افوا بالعقود) (1). ولازم انهاء الالتزام واتمامه وعدم رفع اليد عنه أن يأتي بما التزم به في الخارج إذ لو لم يأت به رفع اليد عن التزامه ولم يتمه ولم ينهه إلى أجره، والالتزام تعلق بالاتيان بالصلاة في وقت خاص وهو الامر الملتزم به، وإذا لم تأت بالصلاة في ذاك الوقت الخاص لحيض أو لنسيان أو لعمد أو لغير ذلك كيف يمكنه الاتيان بما التزم به خارج الوقت الخاص؟ فانه امر آخر لم يتعلق به الالتزام فلا يكون العمل المأتي به في الوقت متحدا مع العمل المأتي به في خارجه فان الاول وفاء بالالتزام وانهاء له والثاني ليس بوفاء ولا انهاء فلا معنى للقضاء فيه. ومن هنا يقرب أن يقال: ان العمل المنذور فيه إذا لم يؤت به في وقته لم يجب قضاؤه في غير وقته لقصور المقتضي من دون فرق في ذلك بين ترك العمل بالنذر لاجل الحيض وبين تركه للنسيان أو


(1) المائدة: 1

[ 533 ]

للعمد أو لمانع آخر. الثاني: لو تنزلنا عن ذلك وقلنا الواجب في موارد النذر هو ذات العمل وعنوان النذر طريق إليه ومعنى وجوب الوفاء بالنذر هو وجوب الاتيان بالصلاة المنذورة لا أن الواجب هو عنوان الوفاء، ومن الظاهر من الصلاة في الوقت المنذور وغيره طبيعة واحدة فإذا لم يؤت بها في وقتها وجب الاتيان بها في خارج وقتها قضاءا فهو يتم في موارد ترك العمل بالنذر من غير جهة الحيض كما لو ترك نسيانا أو متعمدا أو نحو ذلك من الاسباب فيقال ان الواجب هو طبيعي الصلاة فإذا فاتت المكلف في وقتها وجب الاتيان بها في خارجه. واما إذا استند ترك الصلاة المنذورة إلى الحيض فلا ياتي فيه ذلك بوجه وذلك لان بالحيض يستكشف ان الصلاة التي نذرتها المرأة في وقت معين لم تكن مشروعة ولم تكن راجحة فالنذر غير منعقد من اصله. ومن هنا قلنا ان الصوم المنذور المعين لا قضاء له على الحائض بمقتضى القاعدة لعدم انعقاد النذر مع الحيض وانما قلنا فيه بوجوب القضاء من جهة النص الخاص (1) كما مر - ومعه لا تجب الصلاة في وقتها اداءا حتى يصدق فواتها ويجب قضاؤها خارج الوقت. وعلى هذا الوجه نفصل بين ترك الصلاة المنذورة لاجل الحيض فلا قضاء فيه وبين تركها لاجل الاسباب الاخرى من النسيان والعمد وغيرهما فيجب فيه الفضاء. الثالث: انا لو اغمضنا عن الوجهين السابقين وبنينا على أن مجرد


(1) وهي صحيحة علي بن مهزيار المتقدمة.

[ 534 ]

الجعل والبناء ولو من قبل الناذر يكفي في الحكم بوجوب القضاء وان لم يكن منعقدا شرعا لا نلتزم بوجوب قضاء الصلوات المنذورة وذلك لاطلاق الاخبار (1) الدالة على ان الحائض لا تقضي الصلاة وانما تقضي الصوم فانها تقتضي عدم وجوب القضاء على الحائض في الصلاة المنذورة ودعوى انصرافها إلى الصلوات اليومية مما لا يصغى إليها لان كون فرد قدرا متيقنا من اللفظ لا يوجب انصراف الرواية إليه. واما ماربما يتوهم من ظهور بعض الاخبار في الصلاة اليومية حيث علل وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة بان الصلاة تجب في كل يوم خمس مرات واما الصوم فيجب في كل سنة شهرا واحدا، ومن المعلوم ان الصلاة اليومية هي التي تجب في كل يوم خمس مرات دون غيرها، ومعه لا يتعدى إلى غير الصلاة اليومية. فيندفع: بان هذه التعليلات ليست عللا حقيقية واقعية وانما هي حكم ذكرت تقريبا للاذهان والمدار على تمامية الملاك الملازم وعدمه. هذا على ان روايات العلل اشتملت على هذا التعليل وعلى تعليل آخر وهو ان الصلاة فعل يشغل الزمان والصوم عبارة عن ترك الاكل والشرب وهو امر لا يشغل زمانا ويجتمع مع أي فعل من الافعال الخارجية، وهذه العلة تشمل الصلاة اليومية وغير اليومية لانها فعل يشغل الزمان وان كانت العلة المتقدمة مختصة بالصلاة اليومية. هذا والذي يسهل الخطب ويدل على ان العلة المذكورة ليست بعلل حقيقية ان العلة المتقدمة ذكرت في روايتين كلتاهما ضعيفة فاحداهما


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 41 من أبواب الحيض.

[ 535 ]

رواها الصدوق في عيون الاخبار (1) وفي سندها محمد بن سنان الضعيف وثانيتهما رواها (2) في الوسائل عن العلل وفي سندها موسى بن عمران وهو مهمل مجهول في الرجال نعم يمكن الحكم بوثاقته من جهة وقوعه في كامل الزيارات وتفسير القمي ولكن في سندها أيضا علي بن أبي حمزة والظاهر انه البطائني الضعيف كما ان في سندها علي بن احمد والظاهر انه حفيد البرقي وهو أيضا لم يوثق في الرجال وان كان من مشايخ الصدوق (قده)، كما ان الرواية المشتملة على التعليل الثاني ضعيفة بأحمد بن عبد الواحد عبدوس وهو ضعيف. وبهذا الوجه الاخير - وهو اطلاق الروايات - نستدل على عدم وجوب القضاء فيما إذا فاتها صلاة الآيات التي لها قضاء كما لو تركتها عمدا أو عن غير التفات مع احتراق القرص بتمامه وذلك لاطلاق ما دل (3) على ان الحائض لا تقضي الصلاة. نعم صلاة الطواف لا مناص من ان تأتي بها الحائض إذ لا وقت لها لتفوت ويجب قضاؤها بل هي واجبة على الحائض بنفس الامر الاولي ونظيرها الصلاة المنذورة في وقت معين على نحو تعدد المطلوب بأن يكون اصل الفعل مطلوبا وكونه في وقت معين مطلوبا ثانيا فإذا فاتتها في وقتها وجب الاتيان بها بعد الوقت وهذا لا لوجوب القضاء بل بنفس الامر الاولي المتعلق بنفس الفعل لعدم كونه مقيدا بزمان لفرض كون النذر على نحو تعدد المطلوب.


(1) الوسائل: ج 2 باب 41 من أبواب الحيض ح 8. (2) الوسائل: ج 2 باب 41 من أبواب الحيض ح 13. (3) تقدم ذكرها قريبا.

[ 536 ]

[ (مسألة 31): إذا حاضت بعد دخول الوقت فان كان مضى منه مقدار اداء اقل الواجب (1) من صلاتها بحسب حالها من السرعة والبطء والصحه والمرض والسفر والحضر. ] إذا حاضت بعد دخول الوقت: (1) يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين: احدهما: فيما إذا كانت المرأة طاهرة فحاضت بعد دخول الوقت هل يجب عليها القضاء أو لا؟ وثانيهما: إذا كانت المرأة حائضا فطهرت قبل خروج الوقت فهل يجب عليها أن تأتي بها في الوقت اداء أو لا يجب؟ اما المقام الاول: فلا اشكال ولا خلاف في أن المرأة لو علمت ولو من جهة عادتها بانها تحيض بعد دخول الوقت وجبت المبادرة عليها إلى الصلاة قبل أن تحيض فلو تركتها حتى حاضت عصت وفوتت الصلاة الواجبة في حقها اختيارا وهو حرام، وهذا مما لا اشكال فيه فيما إذا كانت المرأة متمكنة من الاتيان بالصلاة مع الطهارة المائية وسائر الشروط المعتبرة فيها في حال الاختيار. واما إذا كانت المرأة متمكنة من الاتيان بالصلاة مع الوضوء ولم يسع الوقت لتهيئة باقي الشروط كتطهير ثوبها النجس فهل يجب عليها الاتيان بالصلاة مع الوضوء فاقدة لبقية الشرائط أو لا يجب؟ الصحيح

[ 537 ]

[ وتحصيل للشرائط بحسب تكليفها الفعلي من الوضوء أو للغسل أو التيمم وغيرها من سائر للشرائط غير الحاصلة ولم تصل وجب عليها قضاء تلك الصلاة. ] ان المبادرة واجبة عليها في هذه الصورة وذلك لان بقية الشرائط - غير الطهارة - شرائط اختيارية ومع عدم التمكن منها ينتقل الامر فيها إلى بدلها فتصلي المرأة في مفروض المسألة مع الوضوء بالثوب النجس على ما هو المختار عندنا أو عارية على قول آخر فيمن لم يتمكن من الصلاة في الثوب الطاهر وليس لها تفويت وظيفتها في تلك الحالة بوجه. واما إذا لم يسع الوقت للصلاة مع الوضوء وتمكنت من الصلاة مع التيمم لعدم الماء وقتئذ أو ان الماء موجود ولكن بعض مواضع وضوئه متنجس لا يسع الماء لتطهيره فالظاهر أن الامر كذلك لان وظيفتها حينئذ هي الصلاة مع الطهارة الترابية. والمناقشة في شمول ادلة البدلية لهذه الصورة واضحة الفساد لان المكلف بجب أن يأتي بالصلوات المفروضة حسب ما تقتضيه وظيفته في الوقت، من الصلاة مع الوضوء أو مع التيمم أو في الثوب النجس أو عاريا أو نحو ذلك من الوظائف ولم يرد في المقام دليل على خروج الحائض عما هو الواجب عليه بقية المكلفين وانه لا يجب على الحائض الصلاة مع التيمم، فلا امتياز للحائض عن باقي المكلفين. نعم هناك مطلب آخر لكنه اجنبي عن المقام، وهو أن المرأة إذا علمت بانها لو لم تهيئ مقدمات صلاتها قبل الوقت لم تتمكن من

[ 538 ]

[ كما انها لو علمت بمفاجأة الحيض وجب عليها المبادرة إلى الصلاة، وفي مواطن التخيير يكفي سعة مقدار القصر، ولو ادركت من الوقت اقل مما ذكرنا لا يجب عليها القضاء وان كان الاحوط القضاء إذا ادركت الصلاة مع الطهارة وان لم تدرك سائر الشروط بل ولو ادركت اكثر الصلاة، بل الاحوط قضاء الصلاة إذا حاضت بعد الوقت مطلقا وان لم تدرك شيئا من الصلاة. ] تحصيلها بعد دخولها وجب عليها تحصيلها قبل دخول الوقت إلا ان ذلك يعم كل مكلف علم بعدم تمكنه من الامتثال على تقدير تركه المقدمات قبل الوقت ولا اختصاص له بالحائض بوجه. هذا كله فيما إذا علمت المرأة بعد دخول الوقت انها ستحيض في اثنائه، واما إذا لم تعلم المرأة بذلك فدخل الوقت وهي طاهرة ثم فاجأها الحيض فهل يجب عليها القضاء مطلقا أو لا يجب مطلقا أو فيه تفصيل أو تفاصيل؟ اما احتمال أن لا يجب عليها القضاء مطلقا فهو مقطوع العدم ولم يقل به احد، وذلك لانه مضافا إلى الاخبار الواردة في خصوص (1) المقام الدالة على أن المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت وجب عليها


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 48 من أبواب الحيض.

[ 539 ]

أن تقضي صلاتها يدل عليه العمومات (1) الواردة في أن من لم يصل أو ترك صلاته نسيانا قضاها فهي شاملة للمرأة في المقام. ودعوى ان الاخبار (2) دلت على أن الحائض لا تقضي صلاتها وانما تقضي صومها فلا يجب عليها قضاء الصلاة حينئذ. مندفعة: بان تلك الروايات ظاهرة أو كالصريح في أن عدم وجوب القضاء في الصلاة انما هو فيما استند تركها إلى الحيض بأن لم تصل المرأة لمانع فيها وهو الحيض فهي لا تقضي تلك الصلاة، واما إذا استند تركها إلى مانع آخر من نوم أو نسيان أو تساهل فلا دلالة لتلك الاخبار على عدم وجوب قضائها فاحتمال عدم وجوب القضاء على المرأة في المقام مطلقا مما يقطع بخلافه. وقد يفصل في وجوب القضاء بين ما إذا كانت المرأة متمكنة من ادراك اكثر الصلاة فلم تصل فيجب عليها القضاء وبين ما إذا لم تتمكن من اكثرها فلا يجب، ويستدل عليه برواية أبي الورد قال: سألت أبا جعفر (ع) عن المرأة التي تكون في صلاة الظهر وقد صلت ركعتين ثم ترى الدم قال: (تقوم من مسجدها ولا تقضي الركعتين وان كانت رأت الدم وهي في صلاة المغرب وقد صلت ركعتين فلتقم من مسجدها فإذا تطهرت فلتقض الركعة التي فاتتها من المغرب) (3). بتقريب انها دلت على عدم وجوب قضاء الركعتين الباقيتين في


(1) راجع الوسائل: ج 5 باب 1 من أبواب قضاء الصلوات. وتقدم الكلام فيه. (2) راجع الوسائل: ج 2 باب 41 من أبواب الحيض. (3) الوسائل: ج 2 باب 28 من أبواب الحيض ح 3.

[ 540 ]

صلاة الظهر فيما إذا صلت ركعتين لانهما ليستا باكثر الصلاة في صلاة الظهر ولم تكن المرأة متمكنة من الاتيان باكثرها فلذا لم يجب عليها القضاء في صلاة الظهر، واما في صلاة المغرب فيما ان الركعتين اكثر الصلاة فيها وقد تمكنت المرأة من اكثرها فوجب عليها قضاؤها الركعة الباقية، ولما كانت الصلاة مركبة ارتباطية كان قوله (ع) فلتقض الركعة التي فاتتها كناية عن قضاء تمام الصلاة فتدلنا الرواية على أن من تمكنت من ادراك اكثر الصلاة وجب عليها قضاؤها باجمعها إذا لم تأت بها في وقتها. ويرد على هذا الاستدلال امور: اولا: ان الرواية ضعيفة لعدم ثبوت وثاقة أبي الورد على ما قدمناه في بحث التقية (1) فانه وان ورد في بعض الروايات الواردة في الحج أن ابا الورد ورد على الامام (ع) وذكر في حقه ما يوجب مدحه إلا انه لم يعلم أن ابا الورد الواقع في هذا السند هو ذاك الرجل الوارد على الامام (ع) أو غيره فالسند ضعيف. وثانيا: ان دلالتها قاصرة وذلك لان حملها على ما إذا كانت المرأة متمكنة من اكثرها أو غير متمكنة منه يستلزم حمل الرواية على مورد نادر وهو فرض أن المرأة صلت في اول زمان ممكن من الزوال وهو فرض نادر ولا سيما في النساء، فان المصلي عادة لا يأتي بصلاة في أول آن ممكن من الزوال بل يأتي بها بعده بزمان فلا دلالة على ان المرأة في صلاة الظهر كانت غير متمكنة من اكثر الصلاة لا من جميعها وفي


(1) ولكن الرجل موجود في اسناد تفسير القمى فيمكن الحكم بوثاقته من تلك الجهة.

[ 541 ]

صلاة المغرب كانت متمكنة من اكثرها. بل الرواية على تقدير اعتبارها تدل على ان الحائض في صلاة الظهر إذا اتت بركعتين منها لا يجب عليها أن تأتي بالركعتين الباقيتين لعدم كونهما فريضة أو لغير ذلك وأما في صلاة المغرب فيجب أن تأتي بالركعة الثالثة اينما تمكنت منها نظير ما ورد في بعض الاخبار من أن من صلى الظهر مثلا ركعتين وترك ركعتيهما نسيانا يقضي الركعتين منفصلة اينما تذكرهما ولو بالصين (1) فالقضاء في الرواية وان لم يكن بمعنى الاتيان - كما يأتي في الرواية الاخرى بل هو بمعنى الاتيان بعد الوقت إلا انه ليس بمعنى القضاء المبحوث عنه في المقام - اعني قضاء تمام الصلاة - بل بمعنى قضاء خصوص الركعة اينما تذكرها كما في تلك الاخبار. ثم ان الوجه في عدم كون للقضاء في الرواية بمعنى الاتيان هو انه ذكر في ذيله انها تقضي الركعة التي فاتتها من المغرب فراجع. اذن لا موجب لحمل الرواية على ارادة وجوب قضاء صلاة المغرب بوجه. وعن بعضهم وجوب القضاء على المرأة مستندا في ذلك إلى اطلاق بعض الاخبار الواردة في المقام كما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألته عن المرأة تطمث بعدما تزول الشمس ولم تصل الظهر هل عليها قضاء تلك الصلاة قال: نعم فانها مطلقة وقد دلت على ان المرأة إذا تركت صلاتها بعد زوال الشمس قضتها سواء كانت متمكنة


(1) الوسائل: ج 5 باب 3 من أبواب الخلل ح 30 وليس فيها لفظ القضاء فراجع. (2) الوسائل: ج 2 باب 48 من أبواب الحيض ح 5.

[ 542 ]

من الصلاة الاختيارية أو الاضطرارية ام لم تكن. وفيه: ان ظاهر قوله (ولم تصل الظهر) انها لم تصلها مع التمكن من الصلاة أي كانت المرأة ممن من شأنها أن تصلي ولم تصل اختيارا واستند تركها الصلاة إلى اختيارها لا إلى عدم تمكنها من الصلاة والالم يصح التعبير عن عدم امكان الصلاة انها لم تصل الظهر، لا انها تركتها لعدم التمكن من الصلاة فهي نافية وسالبة بنفي المحمول لا بسلب الموضوع فلا دلالة لها على وجوب القضاء مطلقا، بل لو كنا نحن وهذه الرواية كانت الاطلاقات الدالة على أن الحائض لا تقضي صلاتها هي المحكمة. وقد يقال: ان المدار في وجوب القضاء على المرأة انما هو مضي مقدار من الزوال تتمكن فيه المرأة من الصلاة الاختيارية بمقدماتها التي تختلف باختلاف النساء والحالات من السرعة والبطء وكثرة المقدمات وقلتها كالحاجة إلى تطهير اثواب متعددة لتلبسها في صلاتها أو إلى تطهير ثوب واحد كما في الشتاء والصيف فإذا زالت الشمس ومضى مقدار من الزمان تتمكن فيه المرأة من الصلاة الاختيارية ولم تصل وجب القضاء عليها وإذا لم يمض زمان تتمكن فيه المرأة من الصلاة الاختيارية لم يجب عليها القضاء وان كانت متمكنة من الصلاة الاضطرارية ويستدل على ذلك بوجوه: (منها): صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألته عن المرأة تطمث بعدما نزول الشمس ولم تصل الظهر هل عليها قضاء تلك الصلاة قال (ع): نعم (1) بدعوى أن المراد بقوله (ولم تصل


(1) نفس المصدر المتقدم.

[ 543 ]

الظهر) أي لم تصلها باختيارها لانه ظاهره، فيكون وجوب القضاء دائرا مدار تركها الصلاة الاختيارية وحسب. وفيه: ان ظاهر قوله (ولم تصل الظهر) انها لم تأت بما هو وظيفتها الفعلية في صلاة الظهر لا انها تركت الصلاة الاختيارية، نعم ظاهرها ان الترك اختياري لها واما ان المتروك هو الصلاة الاختيارية فقط فلا بل الظاهر ان المتروك هو الوظيفة الفعلية الاعم من الصلاة الاختيارية أو الاضطرارية فلا دلالة للموثقة على المدعى. و (منها): موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة صلت من الظهر ركعتين ثم انها طمثت وهي جالسة فقال: (تقوم من مكانها (مسجدها) فلا تقضي الركعتين) (1) بتقريب أن العادة قاضية على أن من تتمكن من الصلاة الاختيارية ركعتين فهي تتمكن من اربع ركعات من الصلاة الاضطرارية فالموثقة تدلنا على أن من لم تتمكن من الصلاة الاختيارية لا يجب عليها القضاء وان تمكنت من الصلاة الاضطرارية. ويدفعه: اولا: ما اشرنا إليه من أن حمل الموثقة على ذلك حمل على المورد النادر حيث ان لازمه حملها على أن المرأة قد صلت صلاتها في اول زمان ممكن من الزوال وهو فرض بعيد فان العادة جرت في المكلفين الاعم من الرجال والنساء على الصلاة بعد الزوال بشئ ومعها من اين يستكشف أن المرأة لم تتمكن - في مفروض الرواية - من الصلاة الاختيارية. وثانيا: إن القضاء في الموثقة لا قرينة على ارادة القضاء بالمعنى


(1) الوسائل: ج 2 باب 48 من أبواب الحيض ح 6.

[ 544 ]

المصطلح منه بل حمله عليه عجيب لانه بمعنى الاتيان ومعنى انها لا تقضي الركعتين انها لا تأتي بهما لحدوث المانع الذي هو الحيض. و (منها): رواية الفضيل بن يونس عن أبي الحسن الاول (ع) في حديث قال: (وإذا رأت المرأة الدم بعدما يمضي من زوال الشمس اربعة اقدام فلتمسك عن الصلاة فإذا طهرت من الدم فلتقض صلاة الظهر لان وقت الظهر دخل عليها وهي طاهر وخرج عنها وقت الظهر فضيعت صلاة الظهر فوجب عليها قضاؤها) (1). ورواية أبي عبيدة عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: (وإذا طهرت في وقت فأخرت الصلاة حتى يدخل وقت صلاة اخرى ثم رأت دما كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها) (2) بتقريب انهما دلتا على أن المدار في وجوب القضاء على المرأة - في مفروض الكلام - هو صدق انها ضيعت صلاتها أو فرطت فيها، بعد رفع اليد عن صدر الرواية الاولى الظاهر في ان المدار في وجوب القضاء مضي اربعة اقدام من الزوال ولو بقرينة الذيل الظاهر في ان المدار في وجوب القضاء هو التضييع والتفريط. ومن الظاهر ان المرأة لو كانت بعد الزوال مشتغلة بمقدمات الصلاة من تطهير الثوب والبدن والوضوء ونحوها وطرأ عليها الحيضن في اثنائها


(1) الوسائل: ج 2 باب 48 من أبواب الحيض ح 1 (2) الوسائل: ج 2 باب 48 من ابواب الحيض ح 2 والرواية صحيحة فان علي بن زيد الموجود في الوسائل عن بعض نسخ الكافي محرف علي بن رئاب كما هو الموجود في التهذيبين وقد تعرض لذلك السيد والاستاذ (دام ظله) في المعجم في ترجمة (علي بن زيد بن علي).

[ 545 ]

لم يصدق عليها انها ضيعت في صلاتها أو فرطت فيها، وانما يصدق هذا العنوان فيما إذا تمكنت من الصلاة بمقدماتها الاختيارية ولم تصل واما التمكن من الصلاة الاضطرارية فهو لا يحقق صدق عنوان التضييع والتفريط. هذا ولا يخفى ان بين صدق عنوان التضييع والتفريط وبين ما ذهب إليه المشهور من اعتبار مضي زمان تتمكن فيها المرأة من الصلاة الاختيارية بمقدماتها عموم من وجه: فقد يصدق عنوان التضييع مع عدم مضي زمان تتمكن فيه المرأة من الصلاة الاختيارية كما إذا مضى من الزوال مدة تتمكن فيها المرأة من الصلاة الاضطرارية دون الاختيارية بمقدماتها وتركت وظيفتها فانه لا شبهة في صدق عنوان التضييع عليها، ويشهد على ذلك ان المرأة لو علمت بانها تحيض بعد الزوال بمقدار الصلاة الاضطرارية لم يستشكل احد في وجوب الصلاة عليها ولا نحتمل فقيها يفتي بعدم وجوب الصلاة عليها حينئذ، ومع وجوبها في حقها وقد تركتها فيصدق انها ضيعت صلاتها وفرطت فيها مع عدم مضي زمان تتمكن فيه المرأة من الصلاة الاختيارية بمقدماتها. وقد يمضي من الزوال زمان تتمكن فيه المرأة من الصلاة الاختيارية ولا يصدق بترك الصلاة انها ضيعت صلاتها كما إذا غفلت إذا نسيت أو نامت بل الزوال إلى ساعة بعد الزوال فانها تركت الصلاة في المدة التي تتمكن المرأة فيها من الصلاة الاختيارية بمقدماتها ولكن لا يصدق انها ضيعت صلاتها بوجه. وعليه فلا يمكن الاستدلال بالروايتين على مسلك المشهور

[ 546 ]

على أن وجوب القضاء في الشريعة المقدسة لم يترتب على عنوان التضييع بضرورة الفقه وإلا لم يجب القضاء على من تركت صلاتها لغفلة أو نسيان ونحوهما من الاعذار المانعة عن صدق التضييع على الترك. هذا كله على أن الرواية الاولى لا بد من رد علمها إلى اهلها وذلك لدلالتها على ان الواجب من الزوال إلى أن يمضي اربعة اقدام هو صلاة الظهر فقط ومن ثمة اوجبت قضاءها دون قضاء صلاة العصر مع ان الروايات دلتنا على أنه (إذا زالت الشمس وجبت الصلاتان إلا أن هذه قبل هذه) (1) وعلى مسلك العدلية لابد من الحكم في الرواية بوجوب قضاء كلتا الصلاتين - الظهر والعصر - وتخصيصها القضاء بالظهر يدل على أن مقدار اربعة اقدام من الزوال وقت صلاة الظهر فقط وهذا لا نقول به وانما تلتزم به العامة، ولعل الرواية صدرت تقية من هذه الجهة فلا مناص من رد علم الرواية إلى اهلها. اذن لما لم يثبت ان وجوب القضاء يدور مدار التمكن من الصلاة الاختيارية بمقدماتها فاطلاق صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج هو المحكم. قال: سألته عن المرأة تطمث بعدما تزول الشمس ولم تصل الظهر هل عليها قضاء تلك الصلاة؟ قال: نعم (2)، فانها تدل على ان القضاء يدور مدار ترك الوظيفة من الصلاة الاختيارية أو الاضطرارية فالقضاء واجب فيما إذا زالت الشمس ومضى زمان تتمكن فيه المرأة من اقل الواجب وهو الصلاة الاضطرارية - اعني الصلاة والطهارة -


(1) راجع الوسائل: ج 3 باب 4 من أبواب المواقيت وغيرها. (2) الوسائل: ج 2 باب 48 من أبواب الحيض ح 5.

[ 547 ]

[ (مسألة 32): إذا طهرت من الحيض قبل خروج الوقت (1) افن ادركت من الوقت ركعة مع احراز الشرائط وجب ] فلو تركتها وجب عليها قضاؤها واما غير الطهارة من الشرائط والاجزاء فهي شرائط وقيود اختيارية ينتقل إلى بدلها مع العجز عنها وهذا بخلاف الطهارة لانها عمود الصلاة ولا صلاة إلا بطهور. نعم لا فرق في الطهارة بين المائية والترابية كما تقدم. لا يقال: ان لازم ذلك ان المرأة إذا حاضت بعد الزوال بمقدار تتمكن فيه من الصلاة دون الطهارة لا تجب الصلاة عليها لعدم تمكنها من الصلاة والطهور معا، مع امكان أن يقال ان في وجوب الاداء يكفي التمكن من اداء نفس الصلاة والطهارة ولا بد من اتيانها قبل الوقت حتى تتمكن من الصلاة عن طهور بعد الوقت. فانه يقال: لا يجب على المرأة تحصيل الطهارة قبل الوقت لان الادلة دلت على ان الشمس إذا زالت فقد وجب الطهور والصلاتان واما قبل الزوال فلا لعدم وجوبها وبعد الزوال لا يجب لعدم التمكن منها على الفرض. إذا طهرت قبل خروج الوقت: (1) هذا هو المقام الثاني من البحث: وهو أن الحائض إذا طهرت بعد دخول الوقت وخروجه فهل يجب عليها اداء الفريضة أو لا يجب؟

[ 548 ]

[ عليها الاداء وان تركت وجب قضاؤها، وإلا فلا، وان كان الاحوط القضاء إذا ادركت ركعة مع الطهارة وان لم تدرك سائر الشروط، بل الاحوط القضاء إذا طهرت قبل خروج الوقت مطلقا، وإذا ادركت ركعة مع التيمم لا يكفي في الوجوب الا إذا كان وظيفتها التيمم مع قطع النظر عن ضيق الوقت وان كان الاحوط الاتيان مع التيمم. ] لا اشكال ولا خلاف في ان الحائض إذا طهرت قبل خروج الوقت بمقدار تتمكن فيه من الصلاة مع الطهارة والمتقدمات الاختيارية يجب عليها الاتيان بفريضة الوقت اداءا ولم يستشكل احد في ذلك، لان حال الحائض حال بقية المكلفين بالصلاة. نعم ورد في جملة من الاخبار (1) أن المرأة إذا رأت الطهر بعد ما مضى من الزوال اربعة اقدام لم تجب عليها صلاة الظهر معللة بان وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم وخرج عنها الوقت وهي في الدم فلم يجب عليها أن تصلي الظهر. وهذه الاخبار - وان كان لا بأس باسناد بعضها إلا انها - محمولة على التقية يقينا وذلك لتعليلها حيث انه صريح في أن ما بعد الزوال إلى اربعة اقدام مختص بصلاة الظهر ومن ثمة صرح فيها بأن الحائض إذا طهرت بعدما مضى من زوال الشمس اربعة اقدام لم تجب عليها


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 49 من أبواب الحيض.

[ 549 ]

صلاة الظهر لان وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم وخرج عنها وهي في الدم، وهذا موافق لمذهب العامة. واما عندنا فلا اشكال في وجوب الصلاتين معا بزوال الشمس حيث دلت الروايات الكثيرة على انه (إذا زالت الشمس وجبت الصلاتان الا ان هذه قبل هذه ثم اتت في وقت منها حتى تغيب الشمس) (1) نعم آخر الوقت بمقدار صلاة العصر مختص بصلاة العصر ولا يزاحم الظهر العصر في وقته كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى، وهذه الاخبار معارضة مع الاخبار (2) الدالة على أن ما بعد الزوال إلى مضي اربعة اقدام من الزوال وقت مختص بصلاة الظهر وحيث ان الاخيرة موافقة للعامة ومخالفة لمذهب الشيعة لا مناص من حملها على التقية. هذا على انها معارضة مع الاخبار الواردة في خصوص المقام الدالة على أن الحائض إذا طهرت قبل أن تغيب الشمس صلت الظهر والعصر وإذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء نعم هذه الروايات تصلح للتأييد لانها بأجمعها مروية عن الشيخ بطريقه إلى ابن فضال وقد ناقشنا في طريقه إليه فالروايات ضعيفة بأجمعها (3). نعم هي معارضة مع الاخبار الكثيرة الدالة على أن الصلاتين تجبان بزوال الشمس إلى غروبها. هذا كله فيما إذا طهرت الحائض بعد الزوال وكان الوقت كافيا للصلاة عن طهور وبمقدماتها الاختيارية.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 48 من أبواب الحيض. (2) راجع الوسائل: ج 3 باب 8 من أبواب المواقيت وغيرها. (3) وقد نبهنا غير مرة ان سيدنا الاستاذ - دام ظله - قد عدل عن ذلك وبنى على صحة طريق الشيخ إلى ابن فضال فلاحظ.

[ 550 ]

إذا طهرت في زمان لا يسع الصلاة مع الطهارة: واما إذا فرضنا انها طهرت قبل خروج الوقت بزمان لا تتمكن الصلاة مع الطهارة المائية وهذا على قسمين: فقد تعجز عن الاغتسال لمرض أو عدم وجدان الماء أو لغيرهما من الموانع غير ضيق الوقت بحيث لو فرضنا أن المرأة طهرت في اول الزوال فهي لا تتمكن من الاغتسال لمرض ونحوه من الموانع. وقد يستند عجزها عن الاغتسال إلى ضيق الوقت كما لو كان الهواء باردا واحتاج غسلها إلى تسخين الماء نحوه ولم يكن الوقت واسعا له. وفي هاتين الصورتين - أي صورة ما إذا تتمكن من الطهارة المائية أولم تتمكن منها لاجل مرض أو نحوه لا لضيق الوقت - لا يفرق الحال بين كون المرأة متمكنة من الصلاة بتمامها وكونها متمكنة من ركعة واحدة من الصلاة وذلك لما ورد في جملة من الاخبار (1) من أن (من ادرك ركعة من الوقت فقد ادرك الوقت). وهذه الروايات وان لم تكن معتبرة سوى رواية واحدة وردت في ادراك ركعة من صلاة الغداة وان (من ادرك ركعة من الغداة فقد ادركها) الا ان من الظاهر عدم خصوصية في ذلك لصلاة الغداة وانما ذكرت في الرواية لكونها مورد الابتلاء لان اكثر الناس ينامون في وقتها ولا يدركون إلا ركعة واحدة منها، ومع القطع بالغاء الخصوصية


(1) الوسائل: ج 3 باب 30 من أبواب المواقيت، والمعتبرة منها هي موثقة عمار بن موسى الساباطي فراجعها.

[ 551 ]

يحكم بأن من ادرك ركعة فقد ادرك الوقت مطلقا فالحائض في ذلك وغيرها على حد سواء. أما إذا استند عجزها عن الاغتسال إلى المرض وغيره من الموانع فلا ينبغي الاشكال في وجوب التيمم عليها وانها تصلي مع الطهارة الترابية لانها بدل عن الطهارة المائية وإذا تركتها عصت، لمشروعية التيمم في حقها حيث ان الغسل كان مشروعا في حقها لان عدم اغتسالها لم يكن مستندا إلى حيضها ليقال ان الغسل غير مشروع مع الحيض كما سيأتي في القسم الثاني وانما استند إلى المرض ونحوه. واما إذا استند عجزها عن الاغتسال إلى ضيق الوقت فقد وقع الكلام فيه وانه هل يجب عليها أن تتيمم وتصلي مع الطهارة الترابية أو لا تجب عليها الصلاة اداءا فضلا عن القضاء؟. قد يقال: بعدم وجوب الصلاة عليها حينئذ وذلك لا شتراط الصلاة بالطهارة حيث (لا صلاة إلا بطهور) والمرأة غير متمكنة من التيمم لعدم مشروعيته حينئذ، حيث ان البدل انما يشرع فيما إذا كان المبدل منه مشروعا في حقه، والمبدل منه - الاغتسال - غير مشروع في حق المرأة لكونها حائضا والحيض هو المانع من اغتسالها ولا يشرع الغسل مع الحيض وإذا لم يجز المبدل منه في حقها فلا يجوز بدله. ولا يخفى ان الاستدلال المذكور من الغرابة بمكان، وذلك لان المرأة انما تريد الاغتسال أو التيمم بعد انقطاع حيضها ومع عدم الحيض لامانع عن مشروعية الغسل في حقها فيكون التيمم مشروعا بالاضافة إليها، نعم ما دام لم ينقطع دمها لا يشرع لها الاغتسال كما

[ 552 ]

لا يشرع لها التيمم أيضا، إذا مع عدم مشروعية المبدل منه لا يشرع البدل إلا أن كلامنا انما هو بعد الانقطاع والطهارة. اللهم إلا أن يقال بعدم مشروعية التيمم في نفسه لضيق الوقت كما ذهب إليه الشيخ حسين آل عصفور في صلاته نظرا إلى ان المسوغ للتيمم انما هو المرض وفقدان الماء ونحوهما واما ضيق الوقت فهو غير مسوغ للتيمم بوجه. وهو منفرد فيما ذهب إليه من أن التيمم لا يشرع حينئذ وسنبين في محله أن التيمم مشروع لضيق الوقت أيضا في مباحث التيمم ان شاء الله تعالى. وكلامنا في المقام بعد الفراغ عن مشروعية التيمم لضيق الوقت ومعه لا وجه للقول بعدم وجوب الصلاة على المرأة في المقام. بل الصحيح انها تتيمم وتصلي كما هو الحال فيما إذا استند عجزها من الاغتسال إلى مانع آخر مع ضيق الوقت. هذا كله بحسب الاداء وهل يجب عليها القضاء فيما إذا لم تأت بالفريضة اداءا أو لا يجب القضاء عليها؟ هل يجب القضاء في مفروض الكلام: اما إذا كانت متمكنة من الاتيان بالصلاة مع الطهارة المائية بمقدماتها الاختيارية ولم تأت بها فلا ينبغي الاشكال في وجوب القضاء عليها، وذلك مضافا إلى الاخبار (1) للعامة الدالة على أن من ترك صلاته


(1) راجع الوسائل: ج 5 باب 1 من أبواب قضاء الصلوات.

[ 553 ]

يقضيها بعد وقتها يدل عليه الاخبار الواردة في المقام (1) من ان الحائض إذا كانت قادرة على الاغتسال في وقت الصلاة إلا انها توانت حتى خرج وقتها وجب عليها قضاؤها، فان القضاء يتوقف على فوت الفريضة ولا اشكال في صدق الفوت في المقام فيجب القضاء عليها لا محالة. وكذلك الحال فيما إذا لم تتمكن من الاغتسال لمرض ونحوه فان فريضتها الصلاة مع التيمم فإذا فوتتها وفرطت فيها وجب عليها قضاؤها لا محالة بمقتضى الاخبار العامة والروايات الواردة في المقام وانما الكلام فيما إذا لم تتمكن المرأة من الاغتسال لضيق الوقت وانها إذا عصت ولم تتيمم ولم تصل أو نسيت ولم تصل هل يجب عليها القضاء أو لا يجب؟ حكم الماتن (قده) بوجوب القضاء عليها مطلقا، مستندا إلى اطلاق ما ورد (2) من أن المرأة إذا طهرت قبل العصر صلت الظهر والعصر فان طهرت في آخر وقت العصر صلت العصر أو انها إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء وان طهرت قبل أن تغيب الشمس صلت الظهر والعصر ونحوهما. وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لان المرأة إذا طهرت في وقت لا تتمكن من الصلاة إلا نصف ركعة أو سوى التكبيرة لم تجب عليها الفريضة اداء حق تفوت عنها ويجب عليها قضاؤها، لانها انما تجب إذا ادركت تمام الصلاة أو ركعة منها.


(1) الوسائل: ج 2 باب 49 من أبواب الحيض. (2) راجع نفس الباب المتقدم.

[ 554 ]

واما اطلاق الروايات ففيه انها سيقت لبيان وجوب الاداء على المرأة فيما إذا طهرت قبل خروج الوقت ولا نظر فيها إلى وجوب القضاء خارج الوقت فيما إذا عصت وتركت أو نسيت ولم تصل في الوقت فالاخبار اجنبية عن المقام فالحكم بوجوب القضاء مطلقا لا وجه له. وانما الكلام فيما إذا كانت المرأة طاهرة في وقت يسع الصلاة بتمامها أو بركعة منها مع عدم تمكنها من الطهارة المائية لضيق الوقت فهل يجب عليها قضاؤها أو لا يجب؟ الصحيح عدم وجوب القضاء عليها على تقدير عصيانها فضلا عن نسيانها وعدم الاتيان بالصلاة مع التيمم اداءا، وهذا من احد الموارد التي يجب فيها الاداء دون وجوب القضاء فيها. والوجه في ذلك: ما ورد من أن المناط في وجوب القضاء على الحائض أن تكون طاهرة في زمان تتمكن فيه من الاغتسال فإذا لم تغتسل ولم تصل وجب القضاء عليها، واما إذا طهرت في زمان لا تتمكن فيه من الاغتسال لا يجب عليه القضاء. والعمدة فيها صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: قال (ايما امرأة رأت الطهر وهي قادرة على أن تغتسل في وقت صلاة ففرطت فيها حتى يدخل وقت صلاة اخرى كان عليها قضاء تلك الصلاة التي فرطت فيها، وان رأت الطهر في وقت صلاة فقامت في تهيئة ذلك فجاز وقت صلاة ودخل وقت صلاة اخرى فليس عليها قضاء وتصلي الصلاة التي دخل وقتها) (1). وهي - كما ترى - صريحة في أن المدار في وجوب القضاء على الحائض


(1) الوسائل: ج 3 باب 49 ح 1.

[ 555 ]

أن تكون طاهرة في وقت تتمكن فيه من الاغتسال فمع تمكنها منه ولم تغتسل حتى خرج الوقت قضت صلاتها وإذا لم تتمكن من الاغتسال فلا يجب عليها القضاء. وحيث ان الحائض في مفروض المقام طهرت في قوت لا تتمكن فيه من الاغتسال فلو عصت وتركت الصلاة مع التيمم فضلا عما إذا لم تأت بالصلاة لعذر ونسيان لم يجب عليها القضاء بمقتضى هذه الصحيحة. نعم ان موردها بقرينة قوله (ع) (ففرطت فيها) وقوله (ع) (فقامت في تهيئة ذلك فجاز الوقت) انما هو فيما إذا كانت المرأة متمكنة من الاغتسال إلا انها فرطت ولم تغتسل، أو انها قامت لتغتسل وهيأت مقدمات الغسل ولكن الوقت لم يسعها فجاز وقت الصلاة، لا انها لم تكن متمكنة من الاغتسال لمرض أو لفقدان الماء، وعليه فتختص الصحيحة بما إذا كانت المرأة مأمورة بالتيمم لضيق الوقت بان كانت قادرة على الاغتسال في نفسها ولكن الوقت لم يسعها لا انها لم تتمكن من الاغتسال لمرض ونحوه. ومن هنا يختص الحكم بعدم وجوب القضاء على تقدير عدم الاتيان بالصلاة مع الطهارة في وقتها بما إذا لم تتمكن المرأة من الاغتسال لضيق الوقت، واما إذا لم تتمكن من الاغتسال لمرض ونحوه فتركت الصلاة مع التيمم فهي مكلفة بالقضاء بمقتضى الاخبار العامة والروايات الواردة في خصوص (1) المقام، لانها فرطت في صلاتها وقد فاتتها الفريضة والوظيفة فيجب القضاء عليها، وفوت الفريضة والوظيفة


(1) تقدم ذكرهما قريبا.

[ 556 ]

[ وتمامية الركعة بتمامية الذكر من السجدة الثانية (1). ] وان كان متحققا في صورة عدم التمكن من الاغتسال لضيق الوقت أيضا، إلا أن الصحيحة مخصصة لما دل على وجوب القضاء مع الفوت في خصوص المقام. وهذه الصورة من أحد الموارد التي يجب فيها الاداء ولا يجب فيها القضاء سواء تركت الصلاة مع الطهور عصيانا ام لعذر كنسيان ونحوه. ويؤيد تلك الصحيحة ما رواه عبيد الله الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في المرأة تقوم في وقت الصلاة فلا تقضي ظهرها حتى تفوتها الصلاة ويخرج الوقت أتفضي الصلاة التي فاتتها؟ قال (ع) (ان كانت توانت قضتها، وان كانت دائبة في غسلها فلا تقضي) (1) والوجه في جعلها مؤيدة انها مروية بطريق الشيخ إلى ابن فضال، وقد عرفت المناقشة في طريقه إليه (2). المناط في تمامية الركعة: (1) وقع الكلام في أن المراد بالركعة فيما ذكرناه من أن (من ادرك ركعة من الوقت فقد ادرك الوقت) ما هو؟


(1) الوسائل: ج 2 باب 49 من أبواب الحيض ح 8. (2) وقد عرفت عدو له - دام ظله - عن ذلك وعليه فالرواية صحيحة صالحة للاستدلال بها كما لا يخفى.

[ 557 ]

قد تطلق ويراد منها الركوع، يقال ركع ركعة كما يقال ركع ركوعا وقد ورد في روايات (لا تعاد) أن الصلاة لا تعاد من السجدة الواحدة وانما تعاد من الركعة وهي مقابل السجود بمعنى الركوع. وقد تطلق الركعة ويراد منها الركعة التامة اي إلى آخر السجدة الثانية وهو كثير. والصحيح أن المراد بها هو الركعة التامة وذلك لان الاخبار الواردة في أن (من ادرك ركعة فقد ادرك الوقت) روايات نبوية (1) ضعيفة السند سوى رواية واحدة هي موثقة عمار الواردة في صلاة الغداة بمضمون أن من صلى ركعة من الفداة فليتمها. ومن الظاهر أن الصلاة ركعة تتحقق بالركعة التامة والسجدة الاخيرة إذ لاتتحقق الصلاة من دون سجدة ولا سيما ان الرواية عبرت ب‍ (صلى) الذى هو فعل ماض يدل على التحقق والوجود والصدور، وبما ان صلاة الغداة ركعتان فإذا قيل: صلى ركعة منها اي اتى بالركعة التامة إلى السجدة الاخيرة وليس الوارد فيها عنوان (من ادرك) ليحتمل ارادة ادراك الركوع منه. هذا على أنا لو سلمنا أن الاخبار الواردة في أن من ادرك ركعة من الوقت فقد ادرك الوقت معتبرة ولو من جهة انجبارها بعمل الاصحاب لا مناص من حمل الركعة على الركعة التامة وذلك لان الاخبار الواردة في اوقات الصلاة قد حددتها من حيث المبدأ أو المنتهى فقد ورد في صلاة الظهرين (إذا زالت الشمس دخل الوقتان أو دخل وقت الصلاتين أو وجبت الصلاتان ثم اتت في وقت منهما جميعا إلى أن تغرب أو تغيب


(1) راجع الوسائل: ج 3 باب 30 من أبواب المواقيت ح 1 وغيره.

[ 558 ]

[ لا برفع الرأس منها (1). (مسألة 33): إذا كانت جميع الشرائط حاصلة قبل دخول الوقت يكفي في وجوب المبادرة ووجوب القضاء مضي ] الشمس) (1). ومقتضى هذه الاخبار المحددة عدم تحقق الامتثال بالاتيان بالصلاة قبل الوقت أو بعده ولو بجزء يسير فكما انه إذا صلى قبل الوقت ولو بنصف ركعة أو ربعها لم يحسب امتثالا إلا فيما دل دليل على اجزائه كما إذا اعتقد دخول الوقت فشرع في صلاته والوقت دخل في اثنائها، كذلك الحال فيما إذا أتى بالصلاة خارج الوقت أو وقع جزء يسير منها خارجه فانه لا يحكم بصحتها ولا يحسب امتثالا بوجه. وقد خرجنا عن مقتضى قاعدة التحديد بما ورد من أن (من ادرك ركعة من الوقت فقد ادرك الوقت) وحيث انها مجملة لا مناص في الخروج عن مقتضى قاعدة التحديد من الاخذ بالقدر المتيقن من تلك الاخبار وهو ما إذا ادرك ركعة تامة في الوقت واما ادراك الركوع فلا يعلم كونه منزلا منزلة وقوع الصلاة في الوقت فلا يكتفي به في الخروج عن مقتضى القاعدة بل يرجع فيه إلى تلك القاعدة وهي تقتضي بطلانها وعدم احتسابها امتثالا. (1) لصدق الصلاة ركعة بالسجدة الثانية وان لم يرفع رأسه منها.


(1) راجع الوسائل: ج 3 باب 4 من أبواب المواقيت.

[ 559 ]

[ مقدار اداء الصلاة قبل حدوث الحيض (1) فاعتبار مضي مقدار تحصيل الشرائط انما هو على تقدير عدم صومها. (مسألة 34): إذا ظنت ضيق الوقت عن ادراك الركعة (2) ثم بان السعة وجب عليها القضاء. ] ما يكفي في وجوب المبادرة والقضاء: (1) لوضوح أن اعتبار كون الوقت متسعا بمقدار الصلاة ومقدماتها انما هو مع الاحتياج إلى تلك المقدمات بعد الوقت ومع عدم الحاجة إليها لتحققها قبل الوقت لا يعتبر إلا سعة الوقت بحيث لو تركتها لصدق انها فوتت الفريضة وفرطت فيها فيجب عليها قضاؤها. (2) لصدق انها لم تأت بفريضة الوقت وانها فاتتها فيجب عليها قضاؤها بمقتضى الاخبار العامة (1) والرويات (2) الخاصة الواردة في المقام بل تعاقب على تركها الصلاة لعدم حجية الظن شرعا، اللهم إلا ان تكون مطمئنة بضيق الوقت فانها تقضي صلاتها حينئذ ولا تعاقب على تركها في الوقت.


(1) الوسائل: ج 5 باب 1 من أبواب قضاء الصلوات. (2) الوسائل: ج 2 باب 49 من أبواب الحيض.

[ 560 ]

[ (مسألة 35): إذا شكت في سعه الوقت وعدمها وجبت المبادرة (1). ] إذا شكت في السعة: (1) لا يختص هذا بالحائض بل يأتي في كل مكلف يشك في حدوث التكليف في آخر الوقت كما إذا بلغ الصبي أو افاق المجنون بعد الزوال في وقت يشك في سعة للصلاة، وهذا يتصور على نحوين: قد يفرض الشك في سعة الوقت للاتيان بالمأمور به مع العلم بان العمل يستلزم كذا مقدار من الزمان كما إذا علمت أن كل ركعة من الصلاة يشغل دقيقة واحدة فصلاة الظهر والعصر تشغل ثماني دقائق ولكنها لا تدري ان الباقي من الوقت يسع لثماني دقائق أولا وفي هذه الصورة يمكن التمسك بالاستصحاب بأن يقال: ان الشمس لم تغرب في زمن الشروع في الصلاة ونشك في انها تغرب قبل انقضاء الصلاتين أو لا تغرب فنستصحب انها لا تغرب قبل انقضائها. وقد يفرض العلم بالمقدار الباقي من الوقت كخمس دقائق ولكن يشك في أن الاتيان بالمأمور به هل يتحقق في تلك المدة أو يستلزم زمانا زائدا على ذلك المقدار ولا مجرى للاستصحاب حينئذ، فهل يمكن الرجوع إلى البراءة لاجل الشك في توجه التكليف عليها بالاداء لاحتمال عدم سعة الوقت للصلاة ومعه لا يجب عليها الاداء فضلا عن القضاء كما تحتمل سعته لها فهو من الشك في اصل التكليف فيدفع بالبراءة أو لا يمكن؟

[ 561 ]

ان قلنا بجواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية فيما إذا كان المخصص عقليا - كما ذهب إليه بعضهم - فاللازم في المقام هو الحكم بوجوب المبادرة إلى الصلاة ولا تجرى فيه للتمسك بالاستصحاب ولا للبرائة في كلتا الصورتين إذا لا مجال للاصل العملي مع الدليل الاجتهادي والامر في المقام كذلك لان مقتضى العمومات (1) الدالة على وجوب خمس فرائض على المكلفين في كل يوم وجوب الصلاة على المرأة في مفروض الكلام، واشتراط التكاليف بالقدرة وعدم التكليف مع عدم القدرة حكم عقلي والمفروض جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية فيما إذا كان المخصص عقليا. واما بناءا على ما هو الصحيح من عدم جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية مطلقا سواء كان المخصص لبيا ام لفظيا و لا سيما إذا كان المخصص العقلي يعد قرينة متصلة بالكلام كما في المقام لان اشتراط التكاليف بالقدرة شرط ارتكازي للبشر من الابتداء ومعه لا ينعقد للكلام ظهور في العموم من الابتداء، فهل يجوز الرجوع إلى البراءة عن التكليف المحتمل أو لا يجوز؟ الظاهر عدم جواز الرجوع إلى البراءة مطلقا سواء احرز الملاك الملزم - كما إذا شك في وجوب انقاذ الغريق للشك في قدرته عليه لانه لا يعرف السباحة ويحتمل ان يكون البحر عميقا لا يتمكن من الدخول فيه للانقاذ ولكن الملاك الملزم في انقاذ الغريق محرز معلوم - أم لم يكن الملاك محرزا كما في المقام وذلك لاجل الشك في التكليف فان مع عدم


(1) راجع الوسائل: ج 3 باب 2 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها. وغيره.

[ 562 ]

سعة الوقت لا تكليف بالصلاة ولا انها ذات ملاك ومن ثمة لا يجب قضاؤها على المكلف. وللوجه في عدم جواز الرجوع إلى البراءة مع احراز الملاك ظاهر لانه تفويت للملاك الملزم، وتفويت الغرض والملاك كمخالفة التكليف بنظر العقل في العصيان، ومع الشك في القدرة على العمل في تلك الموارد لا بد من الفحص والاقدام في العمل ليرى انه متمكن منه أو ليس بتمكن ولا يجوز الرجوع إلى البراءة بوجه. والوجه في عدم جواز الرجوع إلى البراءة مع عدم احراز الملاك هو أن المورد حينئذ وان كان من موارد البراءة لاجل الشك في اصل توجه التكليف عليه لاجل الشك في القدرة إلا ان للمقام خصوصية تمنع عن الرجوع إلى البراءة مع الشك في القدرة، وتلك الخصوصية هي اهمية الصلاة وكونها الفاصل بين الاسلام والكفر وكونها عماد الدين ومما نعم بعدم رضى الشارع بتفويتها على تقدير سعة الوقت. ومع العلم بالاهمية لا يمكن الرجوع إلى البراءة بل لابد في موارد الشك في القدرة من الفحص والاقدام على العمل فان تم العمل قيل انقضاء الوقت فهو وإلا فينكشف عدم كونها مكلفة بالصلاة. وقد ذكرنا في محله عدم جواز اجراء البراءة في كل مورد علم بعدم رضى الشارع بالمخالفة على تقدير كون العمل مبغوضا شرعا، فإذا راى شبحا وشك في أنه انسان أو بقر ليس له اجراء البراءة عن حرمة قتله بل لابد من الفحص لعدم رضى الشارع بقتله على تقدير انسانيته.

[ 563 ]

[ (مسألة 36): إذا علمت اول الوقت بمفاجأة الحيض وجبت المبادرة (1) بل وان شكت على الاحوط (2). ] العلم اول الوقت بمفاجأة الحيض: (1) والتخيير في الاتيان بها إلى المغرب - مثلا - انما هو مع التمكن من جميع الافراد الطولية وإلا فمع تعذر بعض الافراد الطولية يتعين الاتيان بالفرد الآخر كما هو الحال في تعذر بعض الافراد العرضية وفي المقام تعلم المرأة بتعذر الافراد الآتية لطرو الحيض فجيب عليها المبادرة إلى الصلاة من اول الوقت. (2) والوجه فيما افاده (قده) أن للوقت إذا دخل وتنجز وجب الصلاة على المرأة فمقتضى قاعدة الاشتغال وجوب الخروج عن عهدة ذلك التكليف المنجز المعلوم وهذا لا يتحقق إلا بالمبادرة لاحتمال عدم تمكنها من الصلاة مع التأخير. فالمبادرة واجبة بحسب الفتوى ولعل الماتن عبر بالاحتياط لانه واجب عقلي حسب ما تقتضيه قاعدة الاشتغال. واما استصحاب عدم مفاجأة الحيض أو تأخيره وعدم طروه فيدفعه انه مما لا يترتب عليه اثر حيث ان جواز تأخير الصلاة انما هو من الآثار المترتبة على الامتثال المتأخر والتمكن منه، وليس اثر عدم طرو الحيض كون المكلف ممتثلا بعد ذلك أو متمكنا منه كذلك وانما هو ملازم

[ 564 ]

[ وان لم تبادر وجب عليها القضاء (1) إلا إذا تبين عدم السعة. ] لعدم الحيض عقلا، والاستصحاب لا يثبت لوازمه العقلية بوجه: هذا كله انما هو فيما إذا دخل الوقت ومضى منه مقدار يسع الصلاة ثم بعد ذلك شكت في مفاجأة الحيض بحيث تنجز عليها الامر بالصلاة. واما إذا دخل الوقت وبعد دقيقة ونحوها مما لا يسع الصلاة شكت في مفاجأة الحيض - اي مع عدم تنجز الحكم بالصلاة - فهو مبني على ما قدمناه عند الشك في القدرة فان جوزنا التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص عقليا فيحكم عليها بوجوب المبادرة إلى الصلاة وإذا لم نقل بذلك فالمورد مجرى للبراءة في غير المقام. وأما في المقام فلما كانت الصلاة مما اهتم بها الشارع - وهي عمود الدين - فلا مناص فيه من الفحص والمبادرة إلى الصلاة ولا يرجع فيها إلى البراءة. هذا كله مضافا إلى جريان استصحاب عدم الحيض بمقدار يسع الصلاة من الوقت فان المانع عن الصلاة هو الحيض، والاستصحاب يقتضي التعبد بعدم طروه بمقدار الصلاة فتجب المبادرة إليها لا محالة. وجوب القضاء اذالم تبادر: (1) إذا لم تبادر المرأة إلى الصلاة ففاجأها الحيض فقد ينكشف أن الصلاة لم تكن واجبة في حقها لطروه في زمان لا يسع الصلاة والطهارة ومعه لا يجب الاداء فضلا عن القضاء

[ 565 ]

[ (مسألة 37): إذا طهرت ولها وقت لاحدى الصلاتين صلت الثانية (1). ] وقد ينكشف وجوب الصلاة عليها اداءا لطرو الحيض بعد زمان يسع الصلاة والطهارة وحيث انها فوتتها على نفسها بعدم المبادرة وجب عليها قضاؤها. وثالثة: تشك في ذلك ولا تعلم بان طروه عليها بعد وقت يسع الصلاة أو في وقت لا يسعها فهل يجب عليها قضاؤها أو لا يجب؟ مقتضى عبارة الماتن الوجوب لانه (قده) حكم بوجوب القضاء عند عدم المبادرة مطلقا إلا إذا تبين عدم سعة الوقت للصلاة وهذه الصورة هي المستثناة في كلامه من وجوب القضاء فصورة الشك في السعة والضيق باقية تحت الحكم بوجوب القضاء. إلا انه مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لان القضاء يجب مع الفوت وهو غير محرز في المقام لاحتمال أن يكون الحيض طرء عليها بعد دقيقة أو دقيقتين بحيث لا يمكنها الصلاة فلا يجب معه للصلاة عليها ومع الشك في الفوت لا يحكم بوجوب القضاء بل ترجع إلى البراءة من وجوب القضاء لانه بأمر جديد تشك في حدوثه واستصحاب عدم الحيض لا يثبت عنوان فوت الفريضة بوجه. إذا طهرت ولها وقت احداهما: (1) مثل العصر - وهذا بناءا على أن آخر الوقت بمقدار اربع ركعات

[ 566 ]

[ وإذا كان بقدر خمس ركعات صلتهما (1). (مسأله 38): في العشاءين إذا ادركت اربع ركعات صلت العشاء فقط (2) إلا إذا كانت مسافرة (3) ولو في مواطن التخيير فليس لها أن تختار التمام (4) وتترك المغرب. ] يختص بالصلاة للثانية واضح والامر كذلك في الجملة والقدر المتيقن منه ما إذا كان المكلف مأمورا بالصلاة الثانية ولم يبق من الوقت إلا بمقدارها فانه يختص بالعصر حينئذ وقد ورد في بعض رواياته (1) أن المكلف إذا أتى بالفريضة الاولى قد فوت كلتا الصلاتين وهو يدل على أن آخر الوقت مختص بالصلاة الثانية بحيث لو تركها وأتى بالاولى بطلت الاولى ولم يأت بالثانية وفوت الصلاتين على نفسه. (1) لانها متمكنة من اتيان صلاة الظهر بتمامها في الوقت ويبقى بعدها من الوقت بمقدار ركعة واحدة تأتي فيه بصلاة العصر (ومن ادرك من الوقت ركعة فقد ادرك الوقت كله). (2) لما سبق من ان آخر الوقت بمقدار الفريضة الثانية مختص بالصلاة الثانية. (3) ولم يبق من الوقت إلا مقدار اربع ركعات فانها تأتي بصلاة المغرب في وقتها بتمامها وتأتي أيضا بالركعة الاولى من العشاء في وقتها و (من ادرك من الوقت ركعة فقد ادرك الوقت كله). (4) الكلام في هذه يقع في مقامين:


(1) الوسائل: ج 3 باب 4 من أبواب المواقيت ح 18.

[ 567 ]

أحدهما: من حيث الحكم التكليفي. وثانيهما من حيث الحكم الوضعي. المقام الاول: لا ينبغي الاشكال في ان اختيارها التمام محرم في حقها لانه تفويت اختياري للفريضة الاولى مع التمكن من اتيانها، لانها لو اختارت العشاء قصرا تتمكن من الصلاتين معا حيث تأتي بالمغرب ثلاث ركعات وتأتي بالعشاء بركعة واحدة منها في الوقت والباقي في خارجه، وليس الامر كذلك فيما لو اختارت العشاء تماما لان الوقت يختص بالعشاء حينئذ ولا تتمكن من المغرب بوجه. ومن هنا يظهر أن المكلف ليس له قصد الاقامة فيما إذا كان الحال هذه كما لو وصل إلى مكان لم يبق من الوقت إلا مقدار اربع ركعات بحيث لو لم يقصد الاقامة وصلى العشاء قصرا تمكن من فريضتي المغرب والعشاء قصرا، ولو قصد الاقامة وصلى العشاء تماما لم يتمكن إلا من فريضة العشاء فقصد الاقامة حينئذ تفويت اختياري للفريضة الاولى وهو حرام: المقام الثاني: ولو اختارت المرأة التمام في مواضع التخيير وفوتت الفريضة الاولى بطلت صلاتها وذلك لان مقتضى اطلاق الادلة الدالة على اشتراط كون

[ 568 ]

العصر بعد صلاة الظهر مثلا كقوله (ع) (إلا أن هذه قبل هذه) (1) بطلان الصلاة الثانية فيما إذا اتت بها قبل الفريضة الاولى لعدم كونها واجدة لشرطها. وقد خرجنا عن ذلك فيما إذا لم يبق من الوقت إلا بمقدار الفريضة الثانية فانه إذا أتى بالثانية حينئذ وقعت صحيحة وان لم يأت بالفريضة الاولى قبلها، وهذا الاستثناء غير متحقق في مقامنا وذلك لعدم صدق أن الوقت لم يبق منه إلا مقدار الصلاة الثانية بل الوقت متسع لها وللفريضة الاولى. والسر فيه ان الواجب في موضع التخيير ليس هو خصوص التمام ليصدق ان الوقت لم يبق إلا بمقدارها بل الواجب هو الجامع بين القصر والتمام - واما التمام والقصر فهما ليسا بمأمور به في حقه - ومن الظاهر ان الوقت بالاضافة إلى الجامع بين القصر والتمام موسع والمكلف متمكن منه ومن الفريضة الاولى كما إذا وجد الجامع في ضمن فرده القصير، واختيار أحد عدلي التخيير لا يوجب التعيين ليقال ان الصلاة تماما هي المتعينة والمأمور بها في حقه، ومع عدم صدق المستثنى في المقام لا يصح الاتيان بالصلاة تماما لاطلاق ادلة الاشتراط حيث انها تدل على بطلانها لوقوعها قبل صلاة الظهر ولم تقع بعدها فتبطل. واما في موارد قصد الاقامة عشرا فالصحيح الحكم بصحة صلاتها تماما وذلك لانها وان ارتكبت محرما بقصدها الاقامة وتفويتها للواجب إلا أن فعلها المحرم هذا اوجب انقلاب موضوع الحكم بالصلاة قصرا إلى موضوع آخر يجب عليها التمام بسببه وذلك لان الموضوع في الحكم بوجوب


(1) راجع الوسائل: ج 3 باب 4 من أبواب المواقيت.

[ 569 ]

التمام على المسافر قصده الاقامة لعشرة ايام سواء اكان قصده جائزا ام محرما ومع القصد يجب التمام وإذا أتى به وقعت صحيحة. نعم كما يحرم عليها قصد اقامة العشرة كذلك يجب العدول عليها من قصد الاقامة لان تركه تفويت للواجب اختيارا، إلا انها إذا قصدت الاقامة ولم تعدل عن قصدها وقعت صلاتها التمام صحيحة لتحقق موضوعه وهو قصد اقامة عشرة ايام، وهذا بخلاف المقام فان اختيارها التمام في مواضع التخيير لا يوجب قلب الموضوع بوجه. ثم انه لا يفرق فيما ذكرناه في المقام من الحكم ببطلان الصلاة تماما في مواضع التخيير بين القول بان صلاتي القصر والتمام طبيعة واحدة بحيث يجوز العدول من التمام إلى القصر وبالعكس في مواضع التخيير بل تصح الصلاة وان لم ينو القصر ولا التمام إلا انه سلم بعد الركعتين أو لم يسلم إلا بعد اربع ركعات فانه نوى طبيعي الصلاة، والتمام والقصر من طبيعة واحدة كما هو الحال في السورة الواجب قراءتها في الصلاة حيث لا يلزم قصد كون السورة هي سورة التوحيد أو الكافرين أو الانشراح بل يكفي قصد طبيعي السورة كما هو واضح. وبعبارة ثانية: ان الصلاة في مواضع القصر اعتبرت بشرط لا من حيث انضمام الركعتين الاخيرتين بها وفي مواضع التمام اعتبرت بشرط شئ اي بشرط زيادة ركعتين وفي مواضع التخيير اعتبرت لا بشرط وللمكلف أن يأتي بالزيادة أو لا يأتي بها فهما طبيعة واحدة وبين القول بان القصر والتمام طبيعتان متغايرتان - احداهما غير الاخرى - ولا يجوز العدول من احداهما إلى الاخرى لانه من العدول إلى المباين. والوجه في عدم الفرق على القول بانهما من طبيعة واحدة وانه

[ 570 ]

[ (مسألة 39): إذا اعتقدت السعة للصلاتين فتبين عدمها (1). ] يجوز العدول من احداهما إلى الاخرى ظاهر. واما على القول بتغايرهما من حيث الطبيعة وعدم وجواز العدول من احداهما إلى الاخرى فلان المكلف وان وجب عليه خصوص التمام حينئذ بعد الاختيار إذ لا يجوز له العدول إلى القصر إلا انه قبل اختيار احدهما مختار بينهما ومعه نقول بحرمة اختياره التمام لانه تفويت للواجب وباطل لعدم كونه واجدا للشرط كما مر. ثم انه إذا دخل في التمام يجب عليه العدول وقطع الصلاة لانه يحرم مع دخوله في الصلاة على وجه صحيح شرعي، ودخوله في المقام محرم لوجوب اختيار القصر عليه كي لا تفوت الفريضة الاولى فلا فرق فيما ذكرناه بين القولين وان كان الصحيح هو الاول. إذا اعتقدت سعة الوقت: (1) وذلك لانها كانت مأمورة بصلاة العصر - مثلا - فلم تكن ما أتت به من صلاة الظهر مأمورا به في حقها وانما الواجب في حقها هو العصر وهي لم تأت بالعصر فيجب عليها قضاء العصر لا محالة ولا دليل على أن صلاة الظهر التي اتت بها تقع عصرا، وان دل الدليل (1) على وقوع العصر عن الظهر في عكس المقام وهو ما إذا اتت بالعصر قبل الظهر اشتباها ونحوه.


(1) الوسائل: ج 3 باب 63 من أبواب المواقيت ح 1.

[ 571 ]

[ وأن وظيفتها اتيان الثانية وجب عليها قضاؤها، وإذا قدمت الثانية باعتقاد الضبق فبانت السعة صحت (1) ووجب عليها اتيان الاولى بعدها وان كان التبين بعد خروج الوقت وجب قضاؤها. (مسألة 40): إذا طهرت ولها من الوقت مقدار اداء صلاة واحدة والمفروض أن القبلة مشتبهة تأتي بها مخيرة. ] (1) لما مر من انها إذا اتت بصلاة العصر قبل الظهر لعذر وقعت صلاتها صحيحة حيث ان الترتيب شرط ذكري ولا شرط مع الغفلة والنسيان وغيرهما فيحكم بصحة الصلاة لا محالة. نعم هنا كلام يأتي تحقيقه في مبحث الاوقات ان شاء الله تعالى، وهو أن ما اتت به من صلاة العصر هل يقع عصرا كما نوت ويجب عليها الاتيان بصلاة الظهر بعدها لحديث (لا تعاد) (1) حيث يقتضي عدم وجوب اعادة العصر والترتيب ذكري لا يوجب الاخلال به سهوا بطلان الصلاة، أو أن ما اتت به يحسب ظهرا أيضا لحديث (لا تعاد) لانه يقتضي عدم بطلان الصلاة بالاخلال بالترتيب غير المتعمد ويجب عليها الاتيان بالعصر في الوقت أو في خارجه.


(1) الوسائل: ج 1 باب 3 من أبواب الوضوء ح 8 وغيره من الابواب.

[ 572 ]

[ بين الجهات (1) وإذا كان مقدار صلاتين تأتي بهما كذلك. ] عدم سعة الوقت الا لواحدة مع اشتباه القبلة: (1) لا يختص هذا الفرع بالحائض بل يأتي في حق كل مكلف التفت إلى بقاء صلاته في ذمته ولم يبق من الوقت إلا مقدار صلاة واحدة مع اشتباه القبلة. والوجه فيما افاده الماتن (قده) ظاهر بناءا على ما بنينا عليه من ان القبلة إذا اشتبهت لا يجب على المكلف الصلاة إلى القبلة حتى مع التمكن من الصلاة إلى اربع جهات وفاقا لجملة من المحققين لقوله (ع) (يجزي المتحير ابدا اينما توجه إذا لم يعلم وجه القبلة) (1) فان المكلف لا يجب عليه الصلاة إلى اربع جهات مع التمكن منها فضلا عما إذا لم يتمكن من الصلاة إلى اربع جهات فيجزي الحائض إذا طهرت في آخر الوقت أن تصلي إلى اي جهة شاءت من الجهات. واما بناءا على ما سلكه المشهور من ان المكلف إذا اشتبهت عليه القبلة وجب عليه الصلاة إلى اربع جهات فان قلنا ان اشتراط الاستقبال كباقي الاجزاء والشروط سوى الطهور من الشروط الاختيارية التي تسقط مع العجز عنها. وذلك لان ما دل على سقوط شرطية بقية الشروط عند العجز عنها هو الذي يدل على سقوط شرطية الاستقبال مع العجز وهو الجملة


(1) الوسائل: ج 3 باب 8 من أبواب القبلة ح 2.

[ 573 ]

المعروفة (الصلاة لا تسقط بحال) التي ادعي عليها الاجماع وان لم يرد في الرويات عين تلك الالفاظ، وتدل عليه ما ورد في صحيحة زرارة من قوله (ع) للمستحاضة (لا تدع الصلاة على حال) (1). ومن الاجماع والرواية استكشفنا ان الصلاة لا تسقط بتعذر جزء أو شرط منها بل لا بد من اتيانها، والمتعذر اما ان يسقط من الاعتبار أو ينتقل إلى بدله كالقيام المتبدل إلى المجلوس المتبدل إلى النوم على طرف الايمن فالايسر مع العجز عن المرتبة السابقة. وعليه فالوجه فيما افاده (قده) واضح أيضا ويكفي المكلف أن يأتي بالصلاة مرة واحدة إلى أية جهة شاء وذلك لعدم تمكن المكلف من الاستقبال فتسقط شرطيته لا محالة، وفي المقام يكفي الحائض إذا طهرت أن تأتي بصلاة واحدة إلى اية جهة شاءت. ثم على تقدير التنزل والقول بأن شرطية القبلة من الشرائط الواقعية كالطهور ولا يسقط بالتعذر بوجه، لا مناص من الحكم بوجوب صلاة واحدة على المرأة إلى أي جهة شاءت. والوجه في ذلك: ان الامتثال الجزمي إذا كان متعذرا وجب التنزل إلى الامتثال الاحتمالي لا محالة لما ذكرناه في بحوث العلم الاجمالي من أن وجوب الموافقة القطعية في الطرف العلم الاجمالي بمناط، وحرمة المخالفة القطعية بمناط آخر، وإذا تعذرت الموافقة القطعية وسقطت عن الوجوب لا تسقط حرمة المخالفة القطعية بوجه بل لابد للمكلف من أن يمتثل بالموافقة الاحتمالية. وحيث ان المكلف في المقام لا يتمكن من الموافقة القطعية بالصلاة


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة ح 5.

[ 574 ]

إلى اربع جهات فلا تجب عليه للتعذر إلا انه لا يقتضي جواز المخالفة القطعية عليه بتركها الصلاة رأسا بل لابد من الامتثال احتمالا باتيان صلاة واحدة إلى اية جهة شاء. اذن على جميع المباني والمسالك في المسألة لا يجب على الحائض في مفروض الكلام إلا صلاة واحدة مخيرة بين الجهات. ثم ان المكلف إذا صلى إلى جهة واحدة من الجهات هل يجب عليه القضاء خارج الوقت بعد تبين القبلة لعدم علمه بالامتثال في الوقت وذلك لاحتمال أن لا تكون الصلاة إلى الجهة التي صلى نحوها مأمورا بها واقعا، أو لا يجب عليه القضاء خارج الوقت؟ الظاهر هو الثاني وذلك أما على ما بنينا عليه من عدم وجوب الصلاة إلى اربع جهات حتى مع التمكن منها للمتحير فواضح وعلى مسلك المشهور بناءا على ان شرط الاستقبال شرط اختياري فلاجل احراز المكلف الامتثال والاتيان بالمأمور به بالوجدان ومع العلم بعدم الفوت لا وجه للقضاء واما بناءا على أن الاستقبال شرط واقعي فلاجل ان القضاء يجب بأمر جديد وموضوعه الفوت وهو غير محرز في المقام لانه كما يحتمل عدم الاتيان بالمأمور به الواقعي كذلك يحتمل الاتيان به فالفوت غير محرز والقضاء غير واجب واستصحاب عدم الاتيان بوظيفة الوقت لا يثبت الفوت لانه عنوان ينتزع من عدم الاتيان بالواجب في ظرفه لا انه نفس عدم الاتيان. هذا وإذا كان قد بقي الحائض التي طهرت من الوقت مقدار صلاتين فتأتي بهما إلى اية جهة شاءت فتصلي الظهر مرة واحدة إلى اية جهة شاءت ثم تصلي العصر كذلك مرة واحدة.

[ 575 ]

وذلك اما على ما بنينا عليه من عدم وجوب الصلاة إلى اربع جهات عند اشتباه القبلة مع التمكن منها فالحكم واضح. واما بناءا على مسلك المشهور فلعدم تمكنها من الاستقبال في كل واحدة من الصلاتين فتسقط شرطية الاستقبال، كما انها لعدم تمكنها من الموافقة القطعية تجب عليها الموافقة الاحتمالية في كلتا الصلاتين فتأتي بالظهر مرة واحدة إلى جهة ثم تأتي بالعصر مرة واحدة إلى جهة. ثم إن هناك بحثا آخر وهو أن المكلف هل يجب أن يصلي العصر إلى الجهة التي اختارها في صلاة الظهر أو يجوز له أن يصلي العصر إلى غير تلك الجهة إلا انه غير مرتبط بمحل الكلام ويأتي التعرض إليه في وقته ان شاء الله تعالى. هذا كله إذا كان الوقت موسعا بمقدار صلاتين، وإذا كان الوقت متسعا لثلات أو خمس أو ست أو سبع صلوات فهل يجب على المرأة أو غيرها أن تصلي الظهر إلى اربع جهات وتأتي بالعصر إلى جهة واحدة أو جهتين أو ثلاث جهات بان يدخل النقص على الصلاة الثانية واما الصلاة الاولى فلا مناص من اتيانها إلى اربع جهات أولايجب ذلك؟ اما بناءا على ما سلكناه من عدم وجوب الصلاة إلى اربع جهات عند اشتباه القبلة حتى مع التمكن منها فلا يجب إلا صلاتان مرة واحدة تصلي الظهر واخرى تصلي العصر. واما بناءا على ما سلكه المشهور فلا بد للمكلف أن يأتي بالصلاة الاولى إلى اربع جهات لتمكنها من الاستقبال بذلك أو لتمكنها من الامتثال الجزمي على سبيل الاحتياط وتأتي بعد ذلك بصلاة العصر بالمقدار الممكن كالصلاة إلى جهتين أو ثلاث جهات.

[ 576 ]

[ (مسألة 41): يستحب للحائض أن تتنظف وتبدل القطنة والخرقه (1). ] والسر في ذلك هو اطلاق ادلة الترتيب حيث دلت على ان صلاة العصر يشترط وقوعها بعد صلاة الظهر وانما خرج عنها ما إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار اربع ركعات فيأتي بالعصر وتقع صحيحة وان لم يتقدم عليها صلاة الظهر. وحيث ان المرأة في مفروض الكلام تتمكن من الاتيان بصلاة الظهر قبل صلاة العصر فلا مناص من ادخال النقص على الصلاة الثانية وإلا لم يحرز أن العصر وقعت عقيب الظهر. ما يستحب للحائض: التنظيف (1) لا يبعد أن يكون مدرك ذلك انما هو محبوبية النظافة في الشريعة المقدسة على اطلاقها فان النظافة من الايمان ولا سيما في اوقات الصلاة والعبادة واداء الفريضة والامتثال وقد ورد انه يصلي بأنظف ثيابه حينئذ فان التطهر والتنظف بأي وجه كان يعد نحوا من الادب لدى الامتثال. والحائض من مصاديق هذه الكبرى فان التنظيف بتبديل القطنة من افراد النظافة. وإلا لم يرد ما يدل على استحباب ذلك على خصوص الحائض فيما نعلم من الادلة ولا أن الفقهاء ذكروا ذلك في كلماتهم. ويحتمل أن يكون الماتن استفاد ذلك مما ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) من أن (نساء النبي صلى الله عليه وآله كن لا يقضين الصلاة إذا حضن ولكن يتحشين حين يدخل وقت الصلاة ويتوضأن ثم يجلسن

[ 577 ]

[ وتتوضأ في اوقات الصلاة اليومية (1). ] قريبا من المسجد فيذكرن الله عزوجل) (1). فان الظاهر أن المراد بالاحتشاء الذي هو من الحشو: المنع عن خروج الدم إلى الخارج بحشو المحل وملئه بقطنة أو خرقة ونحوهما والرواية تدل على ان المنع عن حدوث القذارة وخروج الدم إلى الخارج محبوب في حق الحائض، ومن هنا حث الامام الصادق (ع) النساء على ذلك بنقله قضية نساء النبي صلى الله عليه وآله وإذا كان المنع عن حدوث منافي النظافة محبوبا كان المنع عن بقاء ما ينافي النظافة محبوبا أيضا فإذا كان دم خرج كان ازالته والتنظف منه مطلوبا أيضا ومحبوبا، إذا لا يفرق في المحبوبية بين الحدوث والبقاء. التوضوء في اوقات الصلاة: (1) المعروف والمشهور من اصحابنا هو ذلك، ونسب القول بوجوبه إلى والد الصدوق (قده) بل إلى نفسه وقد عبر والد الصدوق بعين عبارة فقه الرضا يجب عليها (على الحائض) عند حضور كل صلاة أن تتوضأ.... (2) ورجحه صاحب الحدائق (قده) خلافا للمشهور ونسبه إلى الكليني (قده) حيث عنون الباب، باب وجوب


(1) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الحيض ح 1. (2) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 29 من أبواب الحيض ح 2.

[ 578 ]

الوضوء على الحائض) (1) واستظهر منه انه يقول بالوجوب وإلا لم يكن وجه للتعبير بالوجوب. هذا والصحيح ما ذهب إليه المشهور من عدم وجوب الوضوء على الحائض في اوقات الصلاة وانما هو امر مستحب، وذلك لعدم امكان المساعدة على ما استدلوا به على الوجوب: اما رواية الفقه الرضوي فلعدم ثبوت كونه رواية عندنا فضلا عن اعتبارها وان اصر صاحب الحدائق (قده) على اعتباره وأن والد الصدوق (قدهما) عبر بعباراته ولو لم يكن حجة معتبرة لم يصدر ذلك عن ابن بابويه. واستدلوا على وجوب الوضوء على الحائض في اوقات الصلاة بمرسلة الهداية (2) وهي بعينها رواية الفقه الرضوي إلا في شئ يسير وهي لا يمكن الاعتماد عليها لارسالها مضافا إلى انها ليست رواية مستقلة غير الاخبار الواردة في المسألة التي اجبنا عن بعضها ويأتي الجواب عن بعضها الآخر عند التعرض لها. وبصحيحة الحلبي المتقدمة من أن نساء النبي كن لا يقضين الصلاة إذا حضن ولكن يحتشين حين يدخل وقت الصلاة ويتوضأن.. (3) والجواب عنها انها تدل على أن الوضوء وغيره مما ذكر في الرواية مشروع ومرغوب فيه بالاضافة إلى الحائض ولذا حث الصادق (ع)


(1) الكافي: ج 3 كتاب الحيض 2 باب ما يجب على الحائض في اوقات الصلاة. (2) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 29 من أبواب الحيض ح 1. (3) تقدم ذكرها قريبا.

[ 579 ]

النساء على ذلك بنقله قضية نساء النبي صلى الله عليه وآله واما الوجوب وان الترك غير جائز على الحائض فهو مما لا يمكن استفادته منها. وبحسنة (أو صحيحة) محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحائض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله قال: أما الطهر فلا ولكنها تتوضأ في وقت الصلاة ثم تستقبل القبلة وتذكر الله تعالى) (1) حيث دلت على وجوب التوضوء في وقت الصلاة على الحائض كما دلت على وجوب الاستقبال وذكر الله عليها) لان الجملة الفعلية كصيغة الامر ظاهرة في الوجوب. والجواب عنها ان الظاهر من الرواية أن التوضوء والاستقبال وذكر الله تعالى مشروع وجائز على الحائض لا انها واجبة في حقها وذلك بقرينة قوله (اما الطهر فلا ولكنها تتوضأ) حيث نفى مشروعية الغسل في حقها واثبت المشروعية في الوضوء. وهذه الرواية غير قابلة للاستدلال بها في الوقت، وانما العمدة هي الروايات الآتية: (منها) حسنة أو صحيحة زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول (ينبغي للحائض أن تتوضأ عند وقت كل صلاة ثم تستقبل القبلة وتذكر الله مقدار ما كانت تصلي) (2) ودعوى ان كلمة (ينبغي) ظاهرة في الاستحباب وأن ظهورها في ذلك اقوى من ظهور ما دل على الوجوب بحيث لو تمت دلالة تلك الروايات على الوجوب للزم رفع اليد عن ظهورها في الوجوب بقرينة هذه الرواية - كما عن بعضهم.


(1) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الحيض ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الحيض ح 3.

[ 580 ]

مندفعة: بأن كلمة (ينبغي) ليست ظاهرة في الاستحباب بوجه وانما هي ظاهرة في أن العمل ميسور للمكلف وهو متمكن منه واما ان تركه جائز فلا دلالة لها على ذلك بوجه فلا تنافي هذه الرواية الاخبار الدالة على الوجوب على تقدير تمامية دلالتها، والصحيح في الجواب ما سيأتي. و (منها) ما عن زرارة عن أبي عبد الله (ع) أو أبي جعفر (ع) قال: (إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلاة وعليها أن تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله عزوجل وتسبحه وتهلله وتحمده كمقدار صلاتها ثم تفرغ لحاجتها) (1) حيث ان قوله (ع) (وعليها أن تتوضأ) ظاهره الوجوب. والرواية مروية بطريقين احدهما صحيح بلا كلام وهو رواية الكليني عن محمد بن اسماعيل عن الفضل والثاني أيضا صحيح على الاظهر وهو روايته عن علي بن ابراهيم عن ابيه فالفضل وابراهيم كلاهما يرويان عن حماد بن عيسى ومع ما ذكرناه لا موجب للقول بان الرواية حسنة باعتبار ان علي بن ابراهيم يروي عن ابيه فلاحظ. و (منها): ما عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: (تتوضأ المرأة الحائض إذا ارادت أن تأكل وإذا كان وقت الصلاة توضأت...) (2) وقد عرفت أن الجملة الفعلية ظاهرة في الوجوب. هذه الروايات الثلاثة هي العمدة في المقام ولكنها لا يمكن الاستدلال بها على وجوب الوضوء للقرينة الداخلية والخارجية:


(1) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الحيض ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الحيض ح 5.

[ 581 ]

[ بل كل صلاة مؤقتة (1). ] اما القرينة الداخلية فهي اشتمال الاخبار المتقدمة على أن الحائض يجب عليها أن تتوضأ في اول وقت الصلاة وتقعد في موضع طاهر، وهذا نقطع بخلافه لعدم احتمال أن تكون وظيفة الحائض اشد من وظيفة الطاهرة أن تتوضأ في اول وقت الصلاة ولا يجب عليها أن تصلي في موضع طاهر بل الصلاة لا يعتبر فيها طهارة الموضع لصحة الصلاة في الموضع النجس غير المسري، ومعه كيف يكون ذلك واجبا في حق الحائض وهذه قرينة على كونها امورا مستحبة عليها. ويؤيده قوله (تتوضأ إذا ارادت أن تأكل وإذا كان وقت الصلاة توضأت) وذلك لعدم احتمال وجوب الوضوء للاكل. واما القرينة الخارجية فهي ليست عبارة عن اعراض المشهور عن الاخبار المذكورة كما في كلمات الاكثرين بل هي ما ذكرناه في جملة من الموارد من أن الامور التي يكثر الابتلاء بها لو كانت واجبة في زمانهم (عليهم السلام) لانتشر وذاع وظهر، والحيض تبتلي بها النساء في كل شهر مرة فلو كانت هذه الامور كالوضوء واجبة في حقها كيف امكن خفاؤه على المتشرعة وانحصر القائل به في فقيه أو اثنين أو ثلاثة وهذه قرينة قطعية على عدم الوجوب. مضافا إلى السيرة القطعية المستمرة المتصلة بزمانهم (ع) الجارية على عدم الالتزام بهذه الامور في حق الحائض فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من استحباب تلك المور على الحائض. (1) ولو كانت من النوافل المستحبة لعموم قوله (ع) عند وقت

[ 582 ]

[ وتقعد في مصلاها (1). ] كل صلاة) (1) فيستحب لها التوضوء عند منتصف الليل ودخول وقت صلاة الليل. القعود في المصلى: (1) إن اريد من هذا التقييد القعود في المكان الذي اعدته لصلاتها - كما هو ظاهر لفظ المصلى - فهو تقييد بالفرد النادر لان النساء كالرجال لا يجعلن لصلاتهن مكانا معينا غالبا - مضافا إلى انه مما لم يرد في شئ من النصوص وانما ذكره الماتن تبعا لجملة من الاصحاب. وان اريد به العقود في اي مكان تريده على هيئة المصلي فكأنها مصلية ومكانها مصلى فهو لا يخلو عن وجه وذلك لان المستفاد من الروايات أن ذكر الحائض وتسبيحها بعد الوضوء بدل عن الصلاة، ومعه لا بأس القول باستحباب جلوس الحائض بعد التوضئ على هيئة المصلي وتذكر الله سبحانه وتسبحه. ويؤيد ذلك - اعني ارادة قعودها على هيئة المصلي - ان مراد الفقهاء لو كان قعودها في مصلاها فهو تعرض منهم لحكم الفرد النادر فلم يتعرضوا لحكم الافراد الغالبة حيث ان الحائض لا تتخذ مصلى غالبا، ومن البعيد أن يتعرضوا لحكم الفرد النادر دون الغالب.


(1) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الحيض اكثر احاديث الباب.

[ 583 ]

[ مستقبلة مشغولة بالتسبيح (1) والتهليل والتحميد والصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله (2) وقراءة القرآن (3) وان كانت مكروهة ] الاشتغال بالتسبيح ونحوه: (1) كما ورد في الروايات المتقدمة. (2) ان اريد بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وآله (ع) الدعاء لهم فان الدعاء ذكر لا يختص بالنبي وآله بل يشمل دعائها لنفسها وطلبها من الله سبحانه قضاء حوائجها أو حوائج جارها وشفاء مريضها لانها باجمعها ذكر لله سبحانه فلا وجه للتخصيص، وان اريد به امر آخر فهو ليس بذكر الله سبحانه فلا يدخل تحت مطلق الذكر ولا دليل على استحبابه حينئذ، وتوضيح ذلك. ان الصلاة على محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله من الدعاء فان قصد به في المقام كونه دعاءا فالدعاء لا ينحصر به، وان قصد به - مع كونه دعاءا في نفسه - امرأ آخر كالتعريف أو اظهار المحبة أو غير ذلك فهو كيف يكون ذكرا لله؟. قراءة القرآن: (3) ان قلنا بعدم كراهة قراءة القرآن للحائض - كما هو الصحيح لان الاخبار الواردة (1) في كراهتها ضعيفة السند، نعم يكره على


(1) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 29 من أبواب الحيض.

[ 584 ]

[ في غير هذا الوقت والاولى اختيار التسبيحات الاربع (1) وان لم تتمكن من الوضوء تتيمم بدلا عنه (2) والاولى عدم الفصل ] الجنب قراءة ما زاد عن سبع آيات دون الحائض فالامر في استحباب قراءة القرآن واضح لوروده في رواية معاوية واما إذا قلنا بكراهتها على الحائض ولو من باب التسامح في ادلة السنن فالامر كذلك والوجه فيه ان الاخبار المذكورة دلت على كراهة قراءة القرآن على الحائض مطلقا، ومصححة معاوية (1) دلت على استحبابها في حالة خاصة وهي ما إذا توضأت ودخل وقت الصلاة فتلتزم بالتخصيص في ادلة الكراهة وأن قراءة القرآن مكروهة على الحائض إلا في صورة واحدة وهي ما إذا توضأت وقد دخل وقت الصلاة. (1) لكونها جامعة بين التكبير والتهليل والتحميد والتسبيح. بدلية التيمم عن الوضوء: (2) قد يناقش في شمول ادلة بدلية التيمم عن الوضوء للمقام نظرا إلى انها انما دلت على بدلية التيمم عن الوضوء الطهور والغسل الطهور لقول (ع) (التراب أو التيمم أحد الطهورين) (2)


(1) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الحيض ح 5. (2) الوسائل: ج 2 باب 23 من أبواب التيمم ح 5 و 6 وباب 14 منها ح 15 وغيرها.

[ 585 ]

والوضوء في المقام ليس بطهور ومن ثمة لا يترتب على وضوء الحائض آثار الطهور ولا دليل على ان التيمم بدل من مطلق الوضوء المأمور به وان لم يكن طهورا. ويدفعه: ان المستفاد من جملة من الاخبار الواردة في التيمم وان كان هو ما ذكر وسطر إلا ان بينها ما يدل على بدلية التيمم عن كل وضوء أو غسل مأمور به وان لم يكن طهورا، وذلك كما ورد في الجنب يريد ان يدخل البئر ويغتسل قوله (ع) (لا تدخل البئر ولا تفسد على القوم ماءهم فان رب الماء هو رب الصعيد) (1). وما رواه الشيخ والكليني والصدوق فيمن اراد النزول إلى البئر لحاجته إلى الماء فمنعه (ع) عن النزول فيها لئلا يتضرر بما فيها من الحية أو غيرها قائلا (ع) (ان رب الماء ورب الارض واحد) (2) أو ما هو بمضمونه: فانهما دلتا على ان التيمم بدل من كل غسل أو وضوء مأمور به لا طلاق الرواية الثانية وعدم تقييده بالغسل أو الوضوء بعد الغاء خصوصية الرجل الذي هو مورد الرواية الاولى والثانية فنتعدى إلى المرأة والحائض فيسوغ لها التيمم بدلا عن الوضوء المأمور به في حقها، ومن ذلك الوضوء المستحب للحائض في اكلها فإذا لم تتمكن من الوضوء تتيمم بدلا عنه وان لم يكن الوضوء طهورا.


(1) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب التيمم ح 2. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب التيمم ح 1 و 4.

[ 586 ]

[ بين الوضوء أو التيمم وبين الاشتغال بالمذكورات (1). ولا يبعد بدلية القيام وان كانت تتمكن من الجلوس (2) والظاهر ] اولوية عدم الفصل: (1) وذلك لئلا يخرج منها الدم كما ورد (1) ذلك في المستحاضة من انها بعد اغتسالها وتوضؤها تستعجل بالصلاة لئلا يخرج منها الدم إلا ان التقييد بذلك خلاف الاطلاق الذي دلت عليه الروايات (2) وان الوضوء مشروع في حق الحائض بوصف كونها حائضا وان خرج منها الدم. بدلية القيام عن الجلوس: (2) وذلك لما قدمناه من عدم وجوب التوضئ والامور المتقدمة على الحائض وانما هي مستحبة ولا نلتزم بالتقييد في المستحبات فنلتزم بان مطلق الذكر مستحب على الحائض وان كان الذكر قاعدا افضل كما هو حال المطلق والمقيد في باقي المستحبات كزيارة الحسين عليه السلام.


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض ح 5 و 6 وباب 1 من أبواب الاستحاضة ح 4. (2) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الحيض.

[ 587 ]

[ انتقاض هذا الوضوء بالنواقض المعهودة (1). (مسألة 42): يكره للحائض الخضاب (2) بالحنا أو غيرها ] (1) وذلك لاطلاق ادلة النواقض وعدم اختصاص ناقضيتها بالوضوء المطهر بل تشمل كل وضوء مأمور به. ما يكره للحائض: الخضاب: (2) لما ورد في جملة من الروايات من ان الحائض لا تختضب، منها رواية عامر بن جذاعة عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول (لا تختضب الحائض ولا الجنب) (1) ومنها رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) سألته عن الحائض هل تختضب قال: لا يخاف عليها الشيطان عند ذلك (2)، ومنها ما رواه أبو يكر الحضرمي عن أبي عبد الله (ع) سألته عن الحائض هل تختضب؟ قال: (لا لانه يخاف عليها الشيطان) (3) ومنها غير ذلك من الروايات (4)


(1) الوسائل: ج 2 باب 42 من أبواب الحيض ح 7. (2) الوسائل: ج 2 باب 42 من أبواب الحيض ح 4. (3) الوسائل: ج 2 باب 42 من أبواب الحيض ح 3. (4) راجع الوسائل: ج 2 باب 42 من أبواب الحيض ح 8 وج 1 باب 22 من أبواب الجنابة ح 11 و 12.

[ 588 ]

[ وقراءة للقرآن (1) ولو اقل من سبع آيات وحمله ولمس هامشه ] وفي قبالها حملة (1) من الروايات دلت على الجواز عمدتها موثقة سماعة قال: سألت العبد الصالح (ع) عن الجنب والحائض أيختضبان؟ قال: لا بأس (2)، فلا ينبغي الاشكال في جواز الخضاب على الحائض بمقتضى الموثقة، وان تمت الاخبار الناهية من حيث السند أو قلنا بالتسامح في ادلة السنن حملناها على الكراهة جمعا بين الطائفتين، وان لم يتم سندها - كما هو الواقع لضعفها - في جملة منها ولم نقل بالتسامح في ادلة السنن التزمنا بالجواز من دون كراهة. وما عن الشيخ المفيد (قده) من تعليل كراهة الاختضاب على الحائض بانه يمنع وصول الماء إلى البشرة فهو مما لا ينبغي صدوره من مثله من المحققين وذلك لان اللون ليس جسما حتى يمنع عن وصول الماء إلى البشرة وإلا لم يجز الخضاب للمكلفين باجمعهم لابتلائهم بالغسل والوضوء وهو مانع عن صحتهما. هذا وعلى تقدير التسليم فما افاده (قده) يقتضي تحريم الخضاب لمنعه عن الغسل والصلاة لا انه يقتضي الكراهة كما هو واضح. كراهية قراءة القرآن: (1) ناقش صاحب الحدائق (قده) في كراهته ولكن الصحيح


(1) راجع الوسائل: ج 2 باب 42 من أبواب الحيض ح 1 و 2 و 5. (2) الوسائل: ج 2 باب 42 من أبواب الحيض ح 6.

[ 589 ]

هو الكراهة بناءا على التسامح في ادلة السنن ولا سيما في المكروهات لورود النهي عن قراءة الحائض القرآن في ثلاث روايات: الاولى: ما عن دعائم الاسلام عن علي (ع) قال: (لا تقرأ الحائض قرآنا ولا تدخل مسجدا) (1). الثانية: ما عن دعائم الاسلام عن أبي جعفر (ع) قال: (انا نأمر نسائنا الحيض أن يتوضأن عند وقت كل صلاة... ولا يقربن مسجدا ولا يقرأن قرآنا) (2). الثالثة: ما عن هداية الصدوق عن علي (ع) (سبعة لا يقرؤن القرآن: القرآن: الراكع والساجد وفي الكنيف وفي الحمام والجنب والحائض) (3) وهي ضعيفة الاسناد لكنها بناءا على قاعدة التسامح تقتضي الكراهة والوجه فيما ذكرناه: ان مقتضى الاخبار المعتبرة جواز القراءة للحائض كما في رواية معاوية بن عمار المتقدمة (وقلت القرآن) (4) وفي صحيحة زرارة: قلت له الحائض والجنب هل يقرآن من القرآن شيئا؟ قال: نعم (ما شاء إلا السجدة) (ه) وفي موثقة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (ع) قال لا بأس ان تتلو الحائض والجنب القرآن) (6) ونظيرها غيرها من (7) الاخبار.


(1) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 27 من أبواب الحيض ح 1. (2) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 29 من أبواب الحيض ح 3. (3) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 27 من أبواب الحائض ح 4. (4) الوسائل: ج 2 باب 40 من أبواب الحيض ح 5. (5) الوسائل: ج 1 باب 19 من أبواب الجنابة ح 4. (6) الوسائل: ج 1 باب 19 من أبواب الجنابة ح 5. (7) كصحاح زيد الشحام والحلبي ومحمد بن مسلم المذكورة في نفس الباب المتقدم

[ 590 ]

[ وما بين سطوره (1) وان لم تمس الخط وإلا حرم. ] فان قلنا بالتسامح في ادلة المكروهات فلا مناص من الالتزام بالكراهة لورود المنع في الاخبار المتقدمة وإلا نلتزم بالجواز من دون كراهة. نعم لو قلنا بالكراهة فلا تختص بما زاد عن سبع آيات بل الحكم بالكراهة مطلق ولو في اقل من آية فيما إذا صدق انها تقرأ القرآن. كراهية حمل القرآن ولمس هامشه: (1) والدليل على ذلك ما ورد في رواية ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (ع) قال: (المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خطه ولا تعلقه ان الله تعالى يقول: لا يمسه إلا المطهرون) (1) وما ورد فيما رواه محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (ع) (الجنب والحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب...) (2) فانها تدل على أن مسهما المصحف من غير واسطة الثوب ونحوه مبغوض. وهي محمولة على الكراهة لما ورد في قبالها من الاخبار المصرحة بالجواز كما في حسنة داود بن فرقد عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن التعويذ يعلق على الحائض قال:) نعم لا بأس) قال، وقال: (تقرؤه وتكتبه ولا تصيبه يدها) (3) ومع ان التعليق يستلزم مس


(1) الوسائل: ج 1 باب 13 من أبواب الوضوء ح 3. (2) الوسائل: ج 1 باب 19 من أبواب الجنابة ح 7. (3) الوسائل: ج 2 باب 37 من أبواب الحيض ح 1.

[ 591 ]

[ (مسألة 43): يستحب لها الاغسال المندوبة كغسل الجمعة والاحرام والتوبة ونحوها (1) واما الاغسال الواجبة فذكروا عدم صحتها منها وعدم ارتفاع الحدث مع الحيض وكذا الوضوءات المندوبة وبعضهم قال بصحة غسل الجنابة دون غيرها. والاقوى صحة الجميع وارتفاع حدثها وان كان حدث الحيض باقيا بل صحة الوضوءات المندوبة لا لرفع الحدث. ] الجلد والورق عادة. على أن جواز مس الحائض والجنب غير كتابة القرآن مما نقطع بجوازه. استحباب الاغسال المندوبة: (1) هل يجوز للحائض أن تأتي بالاغسال المستحبة أو الواجبة غير غسل الحيض والوضوءات المستحبة أو لا يجوز؟ الصحيح جواز ذلك لاطلاق ما دل على استحباب الاغسال والوضوءات المستحبة وما دل على وجوب الاغسال الواجبة فان مقتضاها الجواز والصحة حتى من الحائض. نعم ورد في ما رواه سعيد بن يسار انه سأل أبا عبد الله (ع) عن المرأة ترى الدم وهي جنب اتغتسل عن الجنابة أو غسل الجنابة والحيض واحد؟ قال: (قد اتاها ما هو اعظم من ذلك) (1).


(1) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب الحيض ح 2.

[ 592 ]

وفي موثقة الكاهلي قال: سألته عن المرأة يجامعها زوجها فتحيض وهي في المغتسل تغتسل أو لا تغتسل، قال: قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل) (1) وفي صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحائض تطهر يوم الجمعة وتذكر الله، قال: وأما الطهر فلا ولكنها تتوضأ في وقت الصلاة) (2). إلا انها لاتدل على عدم جواز غسل الجنابة من الحائض وذلك لانها معارضة بما هو صريح في الجواز وهو مثل موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن المرأة يواقعها زوجها ثم تحيض قبل ان تغتسل، قال: (إن شاءت ان تغتسل فعلت وان لم تفعل فليس عليها شئ فإذا طهرت اغتسلت غسلا واحدا للحيض والجنابة) (3). وتدلنا هذه الموثقة على ان الوجه في عدم وجوب الغسل من الجنابة على الحائض هو أن الغسل يجب مقدمة للصلاة وحيث ان الصلاة غير واجبة على الحائض فلا يجب الاغتسال عليها من الجنابة لا انه غير مشروع في حقها وبذلك يمكن الجمع بين الطائفتين وعلى تقدير المعارضة فتسقطان ونرجع إلى مقتضى العمومات والاطلاقات وهو الجواز. واما صحيحة محمد بن مسلم فدلالتها على عدم جواز غسل الجنابة على الحائض متوقفة على ان يراد من الطهر الاغتسال من غير الحيض مع احتمال ارادة الاغتسال من الحيض وانه هل يسوغ لها غسل الحيض


(1) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب الحيض ح 1. (2) الوسائل: ج 2 باب 22 من أبواب الحيض ح 3. (3) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة ح 7.

[ 593 ]

والوضوء لتتطهر وتشتغل بذكر الله تعالى في اوقات الصلاة أو غيرها فكأنه نوع تطهر كما هو الحال في المستحاضة تغتسل وتتوضأ للصلوات أو لا يجوز؟ فأجابه (ع) بعدم مشروعية غسل الحيض قبل انقطاع الدم: وكيف كان لا ينبغي الاشكال في جواز الضوءات والاغسال المستحبة والواجبة عليها. نعم الالزام بتلك الاغسال غير ثابت في حقها لما قدمناه من اجزاء كل غسل عن غيره من الاغسال وان لم يقصد من جهة التداخل فان الحائض حينئذ يجوز لها أن تترك غسل المس مثلا إلى ان تغتسل من الحيض ويرتفع جميع الاحداث بغسل الحيض. واما ما عن المحقق من ان الطهارة ضد الحدث ومع الحدث - الحيض لا يتحقق الطهارة - لعدم اجتماع الضدين - فمندفع بانه وجه استحساني غير قابل للاستدلال به على الاحكام الشرعية بوجه. استدراك: ذكرنا ان المراد بالطهر في صحيحة محمد بن مسلم يحتمل ان يكون اغتسال المرأة من الحيض بان يكون السائل - وهو محمد بن مسلم - قد احتمل كون الحائض كالمستحاضة مشرعا في حقها الاغتسال من حدثها لتحصيل الطهارة الوقتية للذكر ونحوه، وان كان يجب عليها ان تغتسل عن الحيض بعد انقطاع دمها أيضا، واجابه الامام (ع) بان الاغتسال من الحيض لا يشرع في حق الحائض قبل ان ينقطع دمها، وعليه فلا دلالة للصحيحة على ان الغسل لا يجوز للحائض واجبا كان الغسل ام مندوبا.

[ 594 ]

ويحتمل ان يراد من الطهر غسل الجمعة المستحب وذلك لما سبق من أن كل غسل واجب أو مندوب يجزي عن غيره من الاغسال الواجبة والمستحبة أو لا اقل من انه يجزي عن الوضوء فقط كما عرفت تفصيله فكأن السائل علم بذلك أو احتمله فسأل الامام (ع) عن ان الحائض هل لها أن تحصل الطهارة لاجل ذكرها باغتسالها للجمعة، وعليه فيكون جواب الامام (ع) بقوله (اما الطهر فلا) بمعنى ان الطهارة لا تحصل للحائض باغتسالها عن الجمعة - لا انه غير مشروع في حقها - وانما طهارتها منحصرة بالوضوء وحسب. وعليه فالصحيحة اجنبية عما نحن فيه من ان الوضوءات المستحبة والاغسال المسنونة والمفروضة جائزة للحائض أو ليست بجائزة كما هو ظاهر. هذا تمام الكلام في الحيض واحكامه والحمد لله اولا وآخرا .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية