الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخوئي ج 5

كتاب الطهارة

السيد الخوئي ج 5


[ 1 ]

منشورات مدرسة دار العلم (4) التنقيح في شرح العروة الوثقى تقرير البحث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي دام ظله العالي تأليف العلامة الحجة الميرزا علي التبريزي الغروي الجزء الخامس الطبعة الثانية

[ 2 ]

التاريخ 1366 - 1407

[ 3 ]

تقديم بسم الله الرحمن الرحيم الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم هي الحلقة الخامسة من الموسوعة العلمية القيمة (التنقيح في شرح العروة الوثقى) التي كتبها العلامة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ ميرزا علي الغروي - دام فضله - تقريرا لابحاث سماحة آية الله العظمى الامام السيد الخوئي دام ظله. ونظرا لاهمية هذه الموسوعة من الناحية العلمية، لما تتضمنها من آراء قيمة وتحقيقات دقيقة صيغت ببيان رائع وعبارات رشيقة، تعهدت ادارة مدرسة دار العلم في النجف الاشرف بالقيام بنشرها، وقد صدر منها قبل هذا الطبعة الثانية للجزء الثالث مع اضافات هامة تتضمن ما تجدد لسماحة الامام - دام ظله - من آراء. وها نحن إذ نقدم هذه الحلقة الجديدة، ننتهز الفرصة لتقديم أسمى آيات الشكر والتقدير لسماحة الامام - دام ظله - لما تفضل به من تخصيص بعض وقته الثمين لمراجعة الكتاب بتمامه. كما ونتقدم بالشكر لكل من العلامة المؤلف لما بذله من مساع قيمة وجهد جهيد لنشر هذا السفر القيم، والعلامة الشيخ ميرزا مسلم الداوري لمراجعته الكتاب لتحديد ما استجد لسماحة الامام - دام

[ 4 ]

ظله - من آراء رجالية تنعكس على استدلالات الكتاب بالنصوص الشريفة سلبا أو إيجابا ولغيره من الملاحظات. فالى كل أولئك، والذين ساهموا في هذا السبيل منا جزيل الشكر والامتنان، سائلين المولى عزوجل أن يديم عمر سماحة سيدنا الامام - دام ظله - وأن يوفقنا لاتمام هذا المشروع، انه ولي التوفيق. النجف الاشرف في 27 / محرم الحرام / 1404 ه‍ ادارة مدرسة دار العلم

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

[ 7 ]

[ (الثالث عشر): الخلوص (1) فلو ضم إليه الرياء بطل سواء كانت القربة مستقلة والرياء تبعا أو بالعكس أو كان كلاهما مستقلا ] حرمة الرياء في الشريعة المقدسة (1) لا ينبغي الاشكال في حرمة الرياء في الشريعة المقدسة، ويكفي في حرمته الاخبار المستفيضة، بل البالغة حد التواتر (1) وفي بعضها ان كل رياء شرك (2) مضافا إلى الآيات الكتابية التي ذم الله تعالى فيها المرائي في عمله، فقد قال تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون) (3) وقال: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس) (4) وقال: (كالذي


(1) وهي كثيرة جدا البالغة نحوا من اربعين رواية، راجع الوسائل: الجزء 1 باب 8 و 11 و 12 من ابواب مقدمة العبادات، وغيرها من الموارد. (2) كرواية يزيد بن خليفة. الوسائل: الجزء 1، ب 8 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 2، والروايات المذكورة فيها هذه الجملة وان كانت متعددة الا أن كلها ضعيفة، نعم ورد في موثقة مسعدة ابن زياد: ((فاتقوا الرياء فانه الشرك بالله..) الوسائل: الجزء 1 ب 11 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 16. (3) الماعون: 5، 6، 7. (4) النساء: 38

[ 8 ]

ينفق ماله رئاء الناس) (1) وقال: (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس) (2) إلى غير ذلك مما ورد في ذم الرياء بل حرمة الرياء من جملة الضروريات ومما لا ينبغي الاشكال فيه. الا أن ا لكلام في موضوعه وان المحرم من الرياء أي شئ: فنقول ان الرياء وان كان بمفهومه اللغوي يعم العبادات وغيرها لانه بمعنى إتيان العمل بداعي ارائته لغيره، إلا أنه لا دليل على حرمته في غير العبادات، فإذا اتى بعمل بداعي أن يعرف الناس كماله وقوته كما إذا رفع حجرا ثقيلا ليعرف الناس قوة بدنه وعضلاته لم يرتكب محرما بوجه، وذلك لان المستفاد من الاخبار الواردة في حرمة الرياء ان حرمته من جهة انه شرك وإشراك، والشرك انما يتحقق في العبادات وأما إذا أنى بعمل لان يرى الناس كمال صنعه ومعرفته فهو لا يكون مشركا لله بوجه، وكيف كان فلا شك في عدم حرمة الاتيان بالعمل غير العبادي رياءا، نعم لا اشكال في حسن ترك الرياء في جميع الافعال الصادرة من المكلف حتى في غير العبادات، بأن يأتي بجميع أعماله لله الا انه على تقدير تحققه في غير المعصومين قليل غايته، وانما المحرم هو أن يعبد المكلف الله سبحانه ليريه للناس. ثم ان المحرم انما هو الرياء في العبادة بما انها عبادة، وأما إذا أتى بالعبادة - لله سبحانه - إلا أنه قصد فيها الرياء لا من حيث العبادة بل من جهة أخرى، كما إذا أجهر فيها بداعي اعلامه للغير انه في الدار، أو قصد ذلك في قيامه في الصلاة ليراه غيره في الدار لئلا يتوحش عن الانفراد، لانه أيضا اتيان للعمل بداعي أن يريه غيره


(1) البقرة: 264 (2) الانفال: 47

[ 9 ]

إلا أنه ليس رياءا في العبادة حقيقة، وانما هو رياء في شئ آخر مقارن للعبادة، فلا إشكال في عدم بطلان العبادة بذلك لانه لم يشرك في عبادته بل أتي بها خالصا لوجهه الكريم، فالرياء المحرم هو الاتيان بالعبادة بداعي، أن يرى عبادته للغير. ثم انه إذا أتى بالعبادة امتثالا لامر الله سبحانه من غير أن يكون لرؤية غيره مدخلية في عبادته ولو بتأكد داعيه إلا أنه يعلم أن غيره يرى عبادته وهو يسره، فالظاهر صحة عبادته. وذلك لفرض عدم مدخلية رؤية الغير في عبادته وانما محركه نحو العمل هو الامتثال وطاعة ربه ورؤية الغير من الآثار المترتبة على عمله العبادي قهرا من غير ان يكون لها مدخلية فيه ولو بالتأكد، كما هو الحال في الصلاة في أماكن الاجتماع كالمساجد، أو في مكان مكشوف وان كان ذلك موجبا لسروره وفرحه، ومجرد السرور برؤية الغير وحبه ظهور عمله لدى الغير أمر اتفاقي غير مبطل للعبادة، لعدم صدورها الا بالداعي الآلهي. فان مثله خارج عن الرياء خروجا تخصصيا موضوعيا، لان الرياء بمفهومه اللغوي والعرفي لا يشمل مثله حيث يعتبر في مفهومه أن تكون لرؤية الغير مدخلية في عمله، ومع فرض عدم دخالتها في العمل لا يصدق عليه الرياء. ثم لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا صدق الرياء عليه فهو خارج عن الرياء المبغوض المحرم قطعا، وذلك بقرينة ما حمل عليه أي على الرياء في رواياته حيث حمل عليه عنوان الشرك، وورد أن كل رياء شرك، وهذا المحمول قرينة على أن الرياء المحرم المبغوض انما هو الرياء الذي يكون شركا، وبما أن مفروض المسألة عدم الاشراك في العبادة بوجه لعدم مدخلية رؤية الغير فيها على الفرض، فهو من الرياء غير المحرم شرعا هذا كله:

[ 10 ]

مضافا إلى صحيحة زرارة، أو حسنته، باعتبار ابراهيم بن هاشم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (سألته عن الرجل يعمل الشئ من الخير فيراه انسان فيسره ذلك قال: لا بأس ما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك) (1) وقوله: ما من أحد محمول على الغالب في عامة الناس، وأما ما ورد في موثقة النوفلي، عن السكوني وكذا في غيرها، من أن للمرائي علامات ثلاث ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع أموره (2) فهو غير معارض للصحيحة، أو الحسنة بوجه. وذلك لا لاجل ضعفها من جهة حسين بن زياد النوفلي لما قررنا في محله، من ان الرجل موثق، بل لاجل انها قاصرة الدلالة على بطلان العبادة بمجرد السرور بظهور العمل لدى الغير، وذلك لان النشاط عند رؤية الناس تستلزم التغير في كيفية العمل لا محالة بتحسين


(1) المروية في ب 15 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل ج 1، الحديث 1. (2) المروية في ب 13 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل ج 1، الحديث 1. وهذه الرواية وان عبرت عنها في كلام غير واحد بالخبر الدال على ضعفها لوجود النوفلي وهو حسين بن يزيد في سندها ولم يرد فيه توثيق في كتب الرجال، الا أنه بناءا على ما أفاده سيدنا الاستاذ - دام ظله - من وثاقة كل من وقع في أسانيد كتاب كامل الزيارات، أو تفسير القمي، وكان السند الواقع فيه متصلا بالمعصوم عليه السلام، لشهادة ابن قولوية، وعلي بن ابراهيم - رضوان الله عليهما - بذلك فالرواية موثقة لوجود النوفلي في اسناد الكتابين.

[ 11 ]

تجويده، أو باطالة ركوعه وسجوده ونحوهما، ولا إشكال في انه رياء وإتيان بالعبادة بداعي غيره تعالى، وهذا بخلاف مفروض الكلام من انه يأتي بالعبادة بداعي - امر الله - فحسب، إلا أنه يسره رؤية الغير بعمله من غير أن تكون لرؤية الغير مدخلية في عبادته. نعم هذا غير مناسب للمتقين إلا أنه مطلب آخر على أن سرور العامل بمشاهدة غيره عمله أمر جبلي طبعي في غير المعصومين - عليهم السلام - وجماعة قليلين، فكيف يمكن الحكم بحرمته، وان الغالب بل الجميع يرتكبون المحرم في عباداتهم، فالمتحصل ان الرياء المحرم انما هو مختص بالعبادة فيما إذا كان لرؤية الغير مدخلية فيها بما هي عبادة. الانحاء المتصورة في الرياء والرياء على هذا النحو يتصور على وجوه: أحدها: أن يأتي بالعبادة خالصة لغير الله سبحانه بأن يكون محركه نحوها ارائة عبادته للغير، من غير أن تكون مستندة إلى امتثال - أمر الله سبحانه - ولو على نحو التشريك. وثانيهما: أن يأتي بها بداعي كل من امتثال أمره تعالى ورؤية غيره، بأن يكون كل من الرياء والامتثال له مدخلية في عمله، فالمحرك، والداعي هو مجموع طاعة الخالق والمخلوق بحيث لو كان كل منهما منفكا عن غيره لم يصدر منه العبادة بوجه. والحكم ببطلان العبادة في هاتين الصورتين على طبق القاعدة، قلنا بحرمة الرياء أم لم نقل حتى لو فرضنا ان تلك الروايات المستفيضة بل المتواترة لم تكن أيضا كنا حكمنا ببطلان العبادة في الصورتين المذكورتين:

[ 12 ]

وذلك لانه يشترط في صحة العمل العبادي استناده إلى الله سبحانه، بأن يكون الداعي الآلهي مستقلا في الداعوية والمحركية بحيث لو كان وحده كفى في التحرك نحوه واصدار العبادة، وان يأتي بنية التقرب إليه، فإذا أتى به لا بنية القربة كما في الصورة الاولى، أو بنية القربة ونية أمر آخر على نحو الاشتراك، ولو كان من الامور المباحة كالتبريد في الوضوء، فلا محالة وقعت العبادة باطلة، والحكم ببطلانها حينئذ على طبق القاعدة. فما عن السيد المرتضى (قدس سره) من افتائه بصحة العبادة المرائى فيها وان المنفى هو القبول وترتب الثواب عليها مما لا يحتمل - عادة - ارادته هاتين الصورتين، بل من المظنون قويا بل المطمئن به انه أراد غيرهما كما نبينه انشاء الله تعالى، لان بطلان العبادة حينئذ مستند إلى فقدانها النية المعتبرة وان لم يكن فيها رياء وعليه: فمحل الكلام في الحكم ببطلان العبادة من جهة الرياء هو ما إذا كان له داعيان مستقلان للعبادة أحدهما: داعي الامتثال. وثانيهما: داعي الرياء وارائته للعمل للغير بحيث كان كل منهما في نفسه وان لم ينضم إليه الاخر صالحا للداعوية والمحركية نحو العبادة على تقدير انفراده، ولكنهما اجتمعا معا في عبادته وانتسب العمل اليهما من جهة استحالة صدور المعلول الواحد عن علتين مستقلتين، فلا محالة يستند اليهما على نحو الاشتراك في التأثير وحينئذ يستند بطلانها إلى الرياء لتمامية شرائطها في نفسها لانها منتسبة إلى الله سبحانه، حيث صدرت عن داع قربى ولكنها لما كانت على نحو الاشتراك بينه تعالى وبين غيره حكمنا ببطلانها، أو كان داعي الامتثال مستقلا في المحركية والانبعاث، بحيث لو

[ 13 ]

كان وحده كفى في اصدار العبادات، وكان داعي الرياء غير مستقل في الداعوية بأن لم يكن مؤثرا في البعث والعمل في نفسه، الا إذا ضم إليه داع آخر وهذا هو مراد الماتن (قدس سره) من كون داعي القربة مستقلا والرياء تبعا. وهاتان الصورتان هما محل البحث في المقام، وقد ذهب المشهور فيهما إلى بطلان العبادة بالرياء، وخالفهم في ذلك السيد المرتضى (قدس سره) والتزم بصحتها وسقوط الثواب عنها وعدم قبولها للرياء: والكلام في ذلك يقع من جهتين، أحداهما: صحة العبادة المرائي فيها وبطلانها من جهة ما تقتضيه القاعدة في نفسها، وثانيهما: صحتها وفسادها بالنظر إلى الاخبار الواردة في المقام: أما الكلام من الجهة الاولى، فالصحيح صحة العبادة في مفروض الصورتين حيث صدرت عن داعي آلهي مستقل في داعويته، بحيث لو كان وحده كفى في الداعوية نحو العمل، بلا فرق في ذلك بين أن ينضم إليه داع آخر غير داعي الامتثال مستقل في داعويته على تقدير وحدته، أو تبعي لا يستقل في الداعوية في نفسه حتى ينضم إليه داع آخر، وذلك لان المعتبر في صحة العبادة أن تكون صادرة عن الداعي القربي الآلهي المستقل، وأما انحصار الداعي في ذلك وان لا يكون معه داع آخر فهو غير معتبر في صحتها. كما يأتي تفصيله عند تعرض الماتن قدس سره - في نفس المسألة - كما إذا أتي بالعبادة بداع الهي مستقل منضما إلى داع آخر مباح أيضا مستقل في داعويته، أو تبعي كقصد التبريد بالوضوء حيث يأتي منا هناك، ان العبادة إذا كانت صادرة عن داع قربى مستقل في داعويته صحت، سواء كان هناك داع آخر أم لم يكن، لعدم اعتبار انحصار

[ 14 ]

الداعي بالداعي الالهي، فلو توضأ بداعيين، أحدهما: قربى مستقل والاخر امر آخر كالتبريد ونحوه، يحكم بصحة وضوئه لا محالة، فالعبادة المرائي فيها محكومة بالصحة بمقتضى القاعدة: وأما الكلام من الجهة الثانية فقد عرفت أن حرمة الرياء مما لا ينبغي الاشكال فيه بمقتضى الاخبار المستفيضة، وما ورد في ذمه من الآيات (1) بل هو في مرتبة شديدة من الحرمة حتى عبر عنه بالشرك في جملة من رواياته كما أن الرياء وجه من وجوه العمل والعبادة وليس من وجوه القصد النفساني، لان العمل بنفسه رياء كما في قوله تعالى (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس) أو (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) وقوله تعالى (الذين هم يراؤون). وعليه فالاخبار الواردة في حرمة الرياء منطبقة على حرمة العبادة التي أنى بها بداعي ارائتها للناس، وارائة انه خير من الاخيار. ومع حرمة العمل ومبغوضيته كيف يمكن التقرب به، لان المبغوض لا يكون مقربا، والمحرم لا يكون مصداقا للواجب، فلا محالة تبطل العبادة بذلك، هذا. على ان في الاخبار الواردة في الرياء مضافا إلى دلالتها على حرمته دلالة واضحة على بطلان العمل المأتى به رياءا، وانه مردود إلى من عمل له وغير مقبول، وفي بعضها ان الله سبحانه يأمر به ليجعل في سجين، إلى غير ذلك من الاخبار، وهذه الاخبار وان كان أغلبها ضعيفة إلا أن استفاضتها بل الاطمئنان بصدور بعضها - لو لم ندع العلم - كافية في الحكم باعتبارها، على أن بعضها معتبرة في نفسه:


(1) تقدمت الاشارة إلى مواضع الآيات في صدر المسألة فلاحظ:

[ 15 ]

فقد روى البرقي في المحاسن، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقول الله عزوجل: (انا خير شريك فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمله غيري) (1) هكذا في نسخة الوسائل المطبوعة جديدا وقديما، والظاهر انها غلط. وفي نسختنا المصححة من الوسائل فهو كمن عمله غيري، والظاهر سقوط اللام عن قوله (غيري). وعليه فالرواية هكذا من عمل لي ولغيري فهو كمن عمله لغيري، وعليه فهي كالصريح في بطلان العبادة بالرياء حيث نزلها سبحانه منزلة العمل الذي أتى به خالصا لغيره تعالى، ومن الظاهر ان العمل لغيره مما لا يحسب من العمل لله في ديوانه بل يحسب لمن أتى له، لانه خير شريك فكأنه مما لم يأت به (2) وأي شئ أصرح في بطلان العمل من هذا التعبير؟ والرواية لا بأس بها من حيث سندها إلا من جهة والد البرقي، حيث ذكر النجاشي في حقه انه ضعيف في حديثه، وعن ابن


(1) المروية في ب 12 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل ج 1، الحديث 7. (2) بل في موثقة مسعدة بن زياد.. ان المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر. يا فاجر. يا غادر. يا خاسر. حبط عملك، وبطل أجرك، فلا خلاص لك اليوم..، الوسائل: الجزء 1، باب 11 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 16، وفي موثقة السكوني.. ان الملك ليصعد بعمل العبد.. يقول الله عزوجل اجعلوها في سجين انه ليس إياي أراد به. باب 12، الحديث 13 من الجزء المتقدم.

[ 16 ]

الغضائري ان حديثه وينكر إلا أن الشيخ (قدس سره) وثقه صريحا (1) وعليه فالرواية معتبرة بل لا معارضة بين توثيق الشيخ اياه وبين ما حكى عن النجاشي وابن الغضائري أصلا، لان الظاهر ان كلام النجاشي: (ضعيف في حديثه) لا تعرض له إلى نفي وثاقة الرجل، بل هو بمعنى ضعف رواياته لانه يروي عن الضعفاء، ومن هنا قد يقبل حديثه وقد ينكر كما في كلام ابن الغضائري، فلا ثنافى بين كلامهما وكلام الشيخ (قدس سره). هذا ولكن السيد المرتضى (قدس سره) ذهب إلى صحة عبادة المرائي واسقاطها الاعادة والقضاء، وغاية الامر انها غير مقبولة وان عاملها لا يثاب، بدعوى ان الاخبار الواردة في حرمة الرياء إنما تدل على نفي قبول العبادة المرائي فيها، ونفي القبول أعم من البطلان حيث قد يكون العمل صحيحا ولكنه غير مقبول، وقد قال الله سبحانه: (انما يتقبل الله من المتقين) لان من الظاهر ان عمل غير المتقين أيضا صحيح إلا أنه غير مقبول عنده تعالى: والجواب عن ذلك بوجوه: (الاول): ان الاخبار الواردة في المقام غير منحصرة بما اشتمل على نفي القبول، لان منها ما هو كالصريح في بطلان العبادة بالرياء كما قدمناه عن البرقى في المحاسن عن أبيه: (الثاني): هب أن الاخبار منحصرة بما ينفى القبول، إلا أنه


(1) وثقة في كتاب الرجال، في أصحاب الرضا عليه السلام، باب الميم، رقم (4) مضافا إلى أنه واقع في أسانيد كامل الزيارات أيضا.

[ 17 ]

ليس باعم من البطلان بل هو هو بعينه، وذلك لان النفي انما هو نفي القبول في مقام المولوية والامرية، لا في مقام نفي الثواب. ومع صحة العمل لا معنى لعدم القبول فنفيه عين بطلان العمل، وعدم صحته وهو بمعنى عدم احتسابه عملا. وبهذا المعنى أيضا يستعمل في عرفنا اليوم فيقال لا أقبل ذلك منك، بمعنى لا أحسبه عملا لك فهو كالعدم، نعم قد يرد أن العمل الفلاني لا يثاب عليه ولا إشكال انه اعم من البطلان، الا أنه أمر آخر غير نفي القبول. وأما الآية المباركة الواردة في قضية ابني آدم (إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لاقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين) (1) فهي أجنبية عما نحن بصدده، لان المتقين في الآية المباركة بمعنى المؤمنين، أي من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر والقاتل في الآية المباركة لم يكن مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر، ولذا كان مخلدا في النار في التابوت، ويؤيده تفسيره بالشيعة في زماننا، بمعنى المؤمن في كل عصر. ومن الظاهر ان غير المؤمن لا يتقبل عمله لبطلانه وعدم إيمان فاعله، فالآية المباركة غير راجعة إلى ما نحن فيه: تم لو فسرنا المتقين بمن اجتنب عن المحرمات وأتى بالواجبات فلا مناص من التأويل في ظاهر الآية المباركة بحملها على عدم الثواب بمرتبته الراقية وعدم القبول الكامل الحسن، وذلك لضرورة ان أعمال غير المتقين اعني الفسقة أيضا مقبولة وهي مما يثاب عليه، وكيف يمكن أن يدعى أن من ارتكب شيئا من الفسق لا يقبل عمله ولا يثاب عليه، مغ صراحة الكتاب العزيز في انه مما يثاب عليه ويعاقب لقوله تعالى (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا


(1) سورة المائدة (5) الاية: 27

[ 18 ]

[ وسواء كان الرياء في أصل العمل (1) أم في كيفياته (2) ] يره) (1) وعليه لا بد من حمل نفي القبول في الآية المباركة على أن عمل غير المتقين بالمعنى الاخير مما لا يثاب عليه بثواب كامل، ولا يقبل بقبول حسن. (الثالث): ان دلالة الاخبار الواردة في المقام على حرمة العبادة المرائى فيها كافية في الحكم بالفساد، وان لم نفرض لها دلالة على البطلان. لما مر من أن الرياء وجه من وجوه العمل، ومع حرمة العمل ومبغوضيته كيف يمكن التقرب به، وكيف يمكن أن يكون المحرم مصداقا للواجب، فالمتحصل إلى هنا أن الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من بطلان العبادة بالرياء هذا تمام الكلام في أصل حرمة الرياء، وفي بطلان العبادة به، ويقع الكلام بعد ذلك في خصوصياته لان الرياء قد يتحقق في أصل العمل، وأخرى في كيفياته، وثالثه في جزء من أجزائه. وهو قد يكون جزءا وجوبيا، وأخرى استحبابيا. (1) كما إذا أتى بالصلاة أو بالوضوء أو بغيرهما من العبادات بداعي ارائتها الناس على تفصيل قد عرفت وعرفت الوجه في بطلانها. الرياء في كيفيات العمل (2) الرياء في الكيفية مع اتيان أصل العمل بداعي الله سبحانه على قسمين:


(1) سورة الزلزلة (99) الآية: 7 - 8

[ 19 ]

لان الكيفية المرائى فيها قد تكون متحدة الوجود مع العبادة خارجا، كما إذا صلي في المسجد رياءا وان كان أصل الصلاة مستندا إلى الداعي الالهي، إلا أن الحصة الخاصة من الصلاة اعني الصلاة في المسجد صادرة بداعي الرياء، ونظيره ما إذا صلى بوقار وإطالة رياءا للنشاط الحاصل له عند رؤية الناس. وأخرى تكون موجودا عليحدة ولا تتحد مع العبادة في الوجود، وهذا كما إذا صام لله إلا أنه قرأ الادعية في صيامه بداعي الرياء، أو صلى الله وتحنك رياءا، لان التحنك وقراءة الادعية أمران آخران غير الصيام والصلاة. أما الرياء في الكيفية المتحدة مع العمل في الوجود فهو موجب لبطلان العبادة لا محالة، لان الحصة الخاصة من العبادة أعني الموجود الخارجي قد صدرت عن داع غير إلهي أعني داعي الرياء فهي محرمة ومبغوضة، والمبغوض كيف يقع مقربا، والمحرم لا يمكن أن يقع مصداقا للواجب فتبطل. وأما الرياء في الكيفية المنحازة عن أصل العمل فلا موجب لكونه مبطلا للعبادة، لان المبغوض والمحرم شئ، والعبادة شئ آخر، ولا تسرى حرمة احدهما إلى الآخر، ولا يمكن أن يقال انه أمر قد أشرك فيه غيره سبحانه معه، بل هما أمران أحدهما أتى به لله، والآخر أتى به لغيره ولعله ظاهر.

[ 20 ]

[ أم في أجزائه (1) ] الرياء في اجزاء العمل (1) إذا أتى يجزء من أجزاء العمل العبادي بداعي الرياء فان اقتصر عليه فلا إشكال في بطلان عبادته، لان الجزء المأتي به رياء محكوم بالحرمة والبطلان فهو كالعدم، وكأنه لم يأت به أصلا. والعبادة تقع باطلة فيما إذا نقص عنها جزؤها، وأما إذا لم يقتصر عليه بل ندم ثم أتى به عن داع قربى إلهي فان كان العمل مما يبطل بزيادة جزئه عمدا كالصلاة فايضا يحكم ببطلان العبادة، لان السجدة المأتى بها رياء - مثلا - أمر زائد أتى به عمدا، والمفروض ان الزيادة العمدية موجبة لبطلان الصلاة، وأما إذا لم يبطل العمل بالزيادة العمدية كما في الوضوء فان استلزم الاتيان بالجزء مرة ثانية على وجه صحيح كغسل اليد اليمنى - مثلا - البطلان من شئ من النواحي، كما إذا أوجب الاخلال بالموالاة المعتبرة في الوضوء بأن كان موجبا لجفاف الاعضاء المتقدمة فايضا لا بد من الحكم ببطلان العبادة. وأما إذا لم يقتصر على الجزء المأتى به رياءا بل أتى به ثانيا بقصد امتثال - أمر الله سبحانه -، ولم يكن العمل كالصلاة مما يبطل بالزيادة عمدا، ولم تستلزم البطلان من ناحية أخرى كالاخلال بالموالاة في الوضوء، فهل يكون الرياء المتحقق في جزء منه كغسل اليد اليمنى - مثلا - موجب لبطلانه وان ندم وأتى به مرة أخرى بداعي قربى. لان الشئ لا ينقلب عما وقع عليه فالوضوء مما تحقق الرياء

[ 21 ]

في أثنائه سواء ندم بعد ذلك وأتى بالجزء ثانيا أم لم يندم عليه، أو انه لا يوجب البطلان؟ وجهان بل قولان. قد يقال ببطلان العمل بذلك، تمسكا باطلاقات الاخبار الواردة في المقام، لانه (1) يصدق انه عمل لله ولغيره فهو لغيره، أو كمن عمله لغيره وهو مما أدخل فيه رضا أحد من الناس (2) إلى غير ذلك من الاطلاقات. إلا أن الصحيح عدم بطلان العبادة بذلك. والوجه فيه أن الشركة إنما تتحقق فيها إذا كان العمل واحدا وأتى به لله ولغيره، فمثله يحسب من شريكه في العبادة ولا يحسب من الله لانه خير شريك، وأما مع التعدد والاتيان ببعضه لله، والاشتراك في بعضه فلا معنى للشركة فيما أتى به لله، وانما الشركة في ذلك الجزء الذي أتى به أولا بداعي غيره تعالى فهو محسوب لذلك الغير، فإذا لم يقتصر عليه بل أتى به ثانيا بداع قربى الهي فيصدق حقيقة انه عمل أتى به بأجمعه لله وبالداعي الالهي القربى، فحيث أن ما أتى به بداعي الله سبحانه من غسل الوجه والمسح، وغسل اليد اليمنى ثانيا - مثلا - مما لا اشتراك فيه فلا موجب لاحتسابه للغير الذي هو مضمون رواية البرقي وهي العمدة في المقام. وكذلك الحال في بقية الاخبار، لان اتيان العمل له ولغيره انما يتحقق مع وحدة العمل حتى يقع فيه الاشتراك، وأما مع التعدد


(1) هذا مضمون صحيحة هشام بن سالم التي رواها البرقي وتقدمت (2) هذه الجملة وردت في رواية زرارة وحمران عن أبي جعفر عليه السلام، الوسائل ج 1 باب 11 الحديث 11 من أبواب مقدمة العبادات.

[ 22 ]

وكون بعضه خالصا له تعالى فلا معنى للاشتراك في ذلك البعض فلا موجب لبطلانه، وانما الباطل هو الجزء الذي أتى به اشتراكا. وأما ما في بعض الروايات (1) من قوله - عليه السلام - لو أن عبدا عمل عملا يطلب به وجه الله والدار الآخرة وأدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا، فليس معناه ان الرياء إذا تحقق في أثناء العمل وفي جزء منه يحكم ببطلانه لاشراك فاعله، وبعبارة أخرى إذا كانت العبادة ظرفا للرياء يحكم ببطلانها. بل معناه ان العمل بتمامه إذا صدر عن داع ريائي يحكم ببطلانه، وذلك لانه لا معنى لادخال رضا الغير في عمل نفسه، إذ الرضا من الافعال القلبية القائمة بالغير فكيف يدخل ذلك في عمل شخص آخر فلا معنى له إلا كون رضاء الغير مما لا مدخلية في عمله وهو عبارة أخرى عن اتيان العبادة بداعي رضا الغير، وقد عرفت ان العمل إذا صدر بداعي ارائته للغير، أو رضائه يحكم ببطلانه وفساده. وأين هذا عما نحن فيه اعني ما إذا أتى بجميع أجزاء العمل بداعي الله سبحانه إلا في جزء من أجزائه ثم ندم وأتى به مرة أخرى على وجه صحيح، فالرواية لا دلالة لها على البطلان في مفروض المسألة هذا كله. ثم لو تنزلنا عن ذلك وبنينا على المسامحة العرفية بأن قلنا ان الوضوء عمل مركب فهو شئ واحد عرفا، وقد تحقق الرياء في ذلك الامر الواحد مع ان العرف لا يراه شيئا واحدا أيضا لا نحكم ببطلانه


(1) وهو ما رواه الحلبي عن زرارة وحمران عن أبي جعفر - عليه السلام - المروي في ب 11 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل ج 1، الحديث 11.

[ 23 ]

[ بل ولو كان جزءا مستحبا (1) على الاقوى ] وذلك لان الباطل أو المحرم انما هو مجموع العمل بما هو مجموع، وأما إذا قسمناه وأخذنا بالمقدار الذي صدر منه عن الداعي الالهي فهو ليس شيئا وقع الرياء في أثنائه. وبالجملة العرف لا يحكم إلا بوقوع الرياء في مجموع العمل لا في جميع أجزائه، فما صدر من المجموع بالداعي الصحيح مما لا اشكال في صحته هذا كله في الجزء الوجوبي، ومنه يظهر الحال في الجزء المستحب. الرياء في الجزء المستحب (1) قد ظهر الحال في ذلك مما بيناه في الرياء في الجزء الوجوبي، لان الرياء في مثل القنوت انما يوجب بطلان ذلك الجزء المستحب وهو الذي أشرك فيه مع الله تعالى غيره فيحكم ببطلانه دون مجموع العمل كما مر في الجزء الوجوبي. وبالجملة: انه إذا قلنا بعدم بطلان العبادة باتيان الجزء الوجوبي رياءا فلا نقول ببطلانها عند إتيان الجزء الاستحبابي بداعي الرياء كما عرفت. وهل يحكم ببطلان العبادة باتيان الجزء المستحب بداعي الرياء فيما إذا قلنا بذلك في الجرء الوجوبي، أو لا نقول ببطلانها من جهة الرياء في الجزء المستحب؟ الصحيح هو الثاني، وان الرياء في الجزء المستحب لا يوجب بطلان العبادة وان قلنا ببطلانها بالرياء في الجزء الواجب.

[ 24 ]

والسر في ذلك ما ذكرناه في بحث الاصول من انه لا معنى متحصل للجزء المستحب، جيث أن وجوب شئ مع كون جزئه مستحبا امران متنافيان ولا يمكن أن يكون المستحب جزءا من ماهية الواجب، لاستحالة تقوم الماهية الواجبة بالامر المستحب الذي له أن يأتي به وله أن يتركه، كما أنه لا يمكن أن يكون جزءا من فردها حيث أن الواجب إذا كان مركبا من أمور متعددة وأتى بها المكلف خارجا كان ذلك فردا من الماهية الواجبة، ومع عدم كون المستحب أو غيره جزءا من الماهية كيف يعقل أن يكون جزءا من فردها ومصداقها، فلا معنى للجزء المستحب إلا أحد أمرين. (احداهما) أن يكون الامر المستحب عبادة مستقلة في نفسها إلا أن ظرفها هو العبادة الواجبة، فكما قد يستحب اتيان بعض الامور قبل العبادة أو بعدها، كذلك لا مانع من استحباب بعض الامور في أثنائها، على أن يكون ظرف ذلك المستحب هو العبادة الواجبة. فهما عبادتان أحديهما ظرف، والاخرى مظروف، ومن الظاهر ان العبادة المظروفة إذا بطلت للرياء لا يقتضى ذلك بطلان ظرفها لانهما عبادتان، ولا وجه لاسراء البطلان من أحدهما إلى الآخر، قد أسلفنا أن ما ورد في بعض الروايات من حرمة ادخال رضاء أحد في العبادة ليس معناه حرمة جعل العبادة ظرفا للرياء، بل معناه حرمة الاتيان بالعبادة بداعي رضا غير الله على أن يكون لرضا غيره مدخلية في عبادته. (وثانيهما) أن يكون ما نسميه بالجزء المستحب موجبا لحدوث خصوصيته في العبادة، بها تصير أرجح الافراد وأفضلها ويكون ثوابها أكثر من بقية الافراد من غير أن يكون عبادة في نفسها، كما هو الحال في الجماعة في الصلاة حيث انها - أي الجماعة - ليس مستحبة

[ 25 ]

[ وسواء نوى الرياء من أول العمل أو نوى في الاثناء (1) وسواء تاب منه أم لا ] في نفسها، وانما هي توجب حدوث مزية في ذلك الفرد بها تكون أرجح من غيره ويكون ثوابه أكثر من بقية الافراد الواجبة، ولا يبعد ان يكون القنوت أيضا من هذا القبيل وهذا يرجع في الحقيقة إلى التقييد، وان الصلاة المتقيدة بالقنوت في أثنائها أو بأمر آخر قبلها أو بعدها أرجح من غيرها، وثوابها أزيد من ثواب بقية الافراد. فإذا فرضنا أن التقييد حصل على وجه محرم مبغوض فكأن التقييد المستحب لم يكن، فلا يترتب على العبادة مزية راجحة إلا أنها تقع صحيحة في نفسها. (1) وذلك للاطلاق، جيث أن ما دل على بطلان العبادة التي أشرك فيها مع الله غيره غير مختص بما إذا كان الاشراك من أول العمل، بل إذا تحقق في أثنائه أيضا يصدق عليه عنوان الرياء ويقال انه أشرك في عمله مع الله غيره فيبطل، نعم إذا حدث ذلك في أثناء العبادة إلا أنه لم يقتصر على ذلك الجزء الصادر بداعي غير الله، بل أتى به ثانيا بداعي امتثال أمر الله سبحانه دخل ذلك في المسألة المتقدمة أعني الرياء في جزء العمل ويأتي فيه التفصيل المتقدم بعينه.

[ 26 ]

[ فالرياء (1) في العمل بأي وجه كان مبطل له لقوله تعالى على ما في الاخبار (إذا خير شريك من عمل لي ولغيري تركته لغيري (2) هذا ولكن إبطاله انما هو إذا كان جزء من الداعي على العمل ولو على وجه التبعية وأما إذا لم يكن كذلك بل كان مجرد خطور في القلب من دون أن يكون جزء من الداعي فلا يكون مبطلا (3) وإذا شك حين العمل في أن ] التوبة من الرياء (1) حيث أن الندم على ما ارتكبه من الرياء وعبادته لفقير مثله عند التوجه إلى عظمة الرب الجليل انما يوجب اسقاط العقاب، لان التائب من ذنب كمن لا ذنب له، إلا انه لا يوجب انقلاب الشئ عما وقع عليه فانه أمر مستحيل، والمفروض ان العمل قد صدر عن داع ريائي باطل فلا ينقلب إلى الصحة بتوبته وندمه. (2) قدمنا نسخة الوسائل المصححة، وان الرواية فيها هكذا فهو كمن عمله غيري. (3) وقد عرفت تفصيل الكلام في ذلك في أول المسألة فلا نعيد.

[ 27 ]

[ داعيه (1) محض القربة أو مركب منها ومن الرياء فالعمل باطل لعدم احراز الخلوص (2) الذي هو الشرط في الصحة ] الشك في الداعي وانه الرياء أو غيره (1) ولم يتعرض لما إذا شك في ذلك بعد العمل، لوضوحه حيث انه محكوم بالصحة حينئذ لقاعدة الفراغ. (2) لا يبعد أن يكون المفروض في المسألة مستحيلا في غير الوسواسي، وذلك لما مر غير مرة من أن الامور النفسانية مما لا واقع لها غير وجودها في النفس، وعلم النفس بها حضوري وغير حصولي، وما هذا شأنه كيف يقبل الشك والترديد؟ وكيف يعقل أن يشك الانسان في أني قاطع أو لست بقاطع، أو اني قاصد لامر الله محضا أو غير قاصد له، وقاصد الرياء أو غير قاصد له وهكذا، فالشك في القصد والداعي أمر غير معقول. ثم على تقدير معقوليته فالصحيح أن يفصل في المسألة: لان الشك في ان داعيه هو الرياء ان كان من جهة احتماله الرياء على الكيفية المتقدمة في الصورتين الاوليتين اللتين حكمنا ببطلان العبادة فيهما على طبق القاعدة، وهما ما إذا أتى بالعبادة بداعي كل من الامتثال والرياء من غير أن يكون شئ منهما مستقلا في داعويته، وانما يكون داعيا عند انضمامه إلى الآخر واما إذا كان داعي الرياء مستقلا في داعويته وكان قصد الامتثال غير مستقل بحيث لا يقتضي اصدار العمل إلا إذا ضم إلى غيره، قلو احتمل ان داعيه للعبادة هو مجموع

[ 28 ]

قصد الامتثال والرياء، أو انه هو الرياء وقصد الامتثال تبعي غير مستقل؟. فالامر حينئذ كما أفاده في المتن، حيث أن اتيان العبادة بالداعي القربي المستقل في داعويته شرط في صحتها، وهو غير محرز فالعبادة باطلة. وأما إذا أحتمل الرياء في غير الصورتين المذكورتين، كما إذا علم بأن له داعيا قريبا مستقلا في داعويته ويحتمل أن يكون له أيضا داعيا آخر ريائيا مستقلا، أو على وجه غير الاستقلال، فلا مجال حينئذ للحكم بالبطلان بوجه، حيث أن شرط صحة العبادة وهو صدورها عن داع إلهي مستقل محرز عنده واحتمال أن يكون هناك داع آخر ريائي يندفع بالاصل، لانه أمر حادث مسبوق بالعدم، وبعبارة واضحة لا يعتبر في صحة العبادة أن تكون خالصة عن غير الداعي الآلهي المستقل. ومن هنا لو كان الداعي الآخر المستقل، أو غير المستقل أمرا آخر غير الرياء من قصد التبريد، أو غيره لقلنا بصحة العبادة لاشتمالها على شرطها، وهو صدورها عن داع قربى مستقل في داعويته فالخلوص غير معتبر، وانما البذرة الفاسدة بل المفسدة هو وجود الداعي الريائي المستقل، أو غير المستقل. وحيث انها أمر حادث مسبوق بالعدم فيمكن احراز عدمها بالاستصحاب، وبه نحكم بصحة العبادة لا محالة. فالمتحصل فالمتحصل ان الشك في وجود داعي الرياء على تقدير معقوليته لا يوجب البطلان إلا في الصورتين المذكورتين، ومن هنا ينفتح باب عظيم الافئدة للوسواسيين ومن يحذو حذوهم، حيث انهم محرزين

[ 29 ]

[ وأما العجب (1) ] للداعي الآلهي المستقل، ولكنهم يحتملون وجود داع ريائي آخر أيضا في عملهم وهو مندفع بالاصل. فالصحيح هو التفصيل في المسألة. بل هذا ليس بتفصيل في الحقيقة لان بطلان العبادة في تلك الصورتين غير مستند إلى الرياء، بل لو كان جزء الداعي هو أمرا آخر مباح كقصد التبريد أو غيره أيضا لقلنا ببطلان العبادة لفقدها للشرط، وهو صدورها عن داع قربى مستقل في الداعوية. ومن هنا قلنا انما نسب إلى السيد المرتضى (قدس سره) من عدم بطلان العبادة بالرياء مما لا تحتمل عادة ارادته لهاتين الصورتين، لان بطلان العبادة حينئذ غير مستند إلى الرياء كما عرفت. العجب في احكامه (1) الكلام في ذلك يقع في جهات: (الاولى): في بيان مفهوم العجب لغة. (الثانية): في بيان منشأه وسببه. (الثالثة): في حكمه الشرعي من الحرمة والاباحة (الرابعة): في أن العجب المتأخر يوجب بطلان العبادة أو لا (الخامسة): في بطلان العبادة بالعجب المقارن وعدمه، وهذه هي جهات البحث يترتب بعضها على بعض. (أما الجهة الاولى): فالعجب على ما يظهر من أهل اللغة معناه، اعظام العمل واعتقاد انه عظيم: أما لكيفيته كما إذا كانت صلاته مع البكاء من أولها إلى آخرها.

[ 30 ]

وأما لكميته كما إذا أطال في صلاته، أو سجدته ونحوهما، كما حكي بعض مشايخنا (قدس الله أسرارهم) عن بعضهم انه سجد بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ولاجل هذا وذلك اعتقد ان عمله عظيم وأما من جهة عمله وكونه صادرا منه وانه عظيم إذا صدر منه دون ما إذا صدر من غيره، كما إذا كان ملكا من الملوك فسجد وتخضع وتذلل حيث ان الخضوع من الملك عظيم، لان فعل العظيم عظيم فبرى انه على عظمته يصلي ويصوم ولا يصلي من دونه بمراحل، فلذا يعظم عمله ويعتقده عظيما. هذا كله في مفهوم العجب. (واما الجهة الثانية): فالعجب إنما ينشأ عن انضمام امر صحيح مباح إلى امر باطل غير صحيح، لانه ينشأ عن ملاحظة عمله وعبادته حيث وعد الله سبحانه لها الجنة والحور والثواب، وان فاعلها ولي من أولياء الله سبحانه، وان نوره يظهر لاهل السماء كما يظهر نور الكواكب لاهل الارض، إلى غير ذلك من الآثار التي نطقت بها الاخبار والآيات، وهذا في نفسه أمر صحيح مباح. فإذا انضم إليه الجهل والغفلة عن عظمة الله سبحانه ونعمه. فيحصل له العجب ويعظم عمله وعبادته، لانه لو كان عالما بعظمة الله جلت آلاؤه، وبنعمته التي أنعمها عليه، ليرى أن عبادته هذه لا تسوى ولا تقابل بجزء من ملايين جزء من تلك النعم، وانها هي بجنب عظمته تعالى كالعدم. فإذا زاد عليه علمه بأن العبادة التي تعجبها لم تصدر منه باستقلاله وانما صدرت عنه بتوفيق الله وافاضته لم يبق له عجب في عمله بوجه ومن هنا نرى ان العباد والزهاد يتخضعون في عباداتهم بأكثر ممن يتخضع لله غيرهم لالتفاتهم إلى صغر عملهم بجنب آلائه وعظمته،

[ 31 ]

وعلمهم بان العمل انما يصدر منهم بافاضة الله تعالى، لا باستقلالهم ومعه لا يرون عملا يعجب به. حيث ليست نسبة أعمالهم إلى نعمه تعالى كنسبة ما يبذله الفقير بالاضافة إلى ما يعطيه الملك مثلا يبذل الف دينار، والفقير يعطى باقة من الكراث، فيقابل ما اعطاه الفقير لما أعطاه الملك بنسبة الواحد أو الاقل إلى الف أو الاكثر حيث يصدر العمل من كل منهما باستقلاله. وهذا بخلاف عمل العبيد بالاضافة إلى نعمه جلت عظمته، حيث أن عملهم لا يصدر منهم باستقلالهم حتى يقابل بتلك النعم ولو بنسبة الواحد إلى الملايين وانما يصدر عنهم بافاضته، ومن هنا ورد في بعض الاخبار (1) اني أولى بحسناتك منك. فالمتحصل: أن المنشأ للعجب انما هو الجهل، بل قد يبلغ مرتبة يرى ان الله لا يستحق ما أتى به من العبادة ولذا بمن بها عليه (نعوذ بالله منه ومن أمثاله) وذلك لانه لا يعلم بأنعمه ويرى ان نعمته تعالى لا تقضى إلا الاتيان بالفرائض فحسب ولم يعط ما يستحق به أكثر من الفرائض فيأتي بصلاة الليل، ويمن بها على الله لاعتقاده عدم استحقاقه تعالى لها، وانها تفضل من العبد المسكين في حق الله جلت عظمته. فقد يتعجب عن عدم قضاء حاجته مع انه أتى بما فوق ما يستحقه الله تعالى على عقيدته، وهذا يسمى بالادلال وهو أعظم من المرتبة المتقدمة من العجب. وعن بعض علماء الاخلاق ان العجب نبات حبه الكفر. فلو أبدل الكفر بالجهل لكان أصح.


(1) كما في الحديث القدسي

[ 32 ]

ويؤيد ما ذكرناه ما يأني من الكلام المحكى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فانتظره. (الجهة الثالثة): قد اتضح مما ذكرناه في المقام ان العجب من الاوصاف النفسانية الخبيثة كالحسد وغيره من الاوصاف النفسانية التي تترتب عليها أفعال قبيحة وهي خارجة عن الافعال التي تصدر عن المكلفين فلا حكم لها بوجه، فهي غير محرمة ولا مباحة كالحسد ونحوه، وما يعقل أن يتعلق به حكم شرعي أحد أمرين. (أحدهما): أن يجب شرعا أعمال عمل يمنع عن حدوث تلك الصفة في النفس وهو التفكر في عظمة الله ونعمه، وفي ما يصدر منه من العمل، وانه لا يصدر منه باستقلاله. (وثانيهما): أن يجب أعمال عمل يزيل تلك الصفة على تقدير حصولها في النفس، كما إذا كبر وبلغ وهو معجب بعمله، فيجب عليه أن يتفكر فيما ذكرناه حتى يزيل عن نفسه هذه الصفة، وهذان قابلان للوجوب شرعا. إلا أن الاخبار الواردة في المقام مما لا يستفاد منه وجوب التفكر في الشريعة المقدسة قبل حصول هذه الصفة، أو بعده ليمنع عن حدوثها، أو يزيلها بعد تحققها. ويؤيد ما ذكرناه ما حكى (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة، من أن اعجاب المرء بعمله أو بنفسه دليل على ضعف عقله، فهو أمر حاصل في النفس


(1) رواها الكليني (رحمه الله) أيضا في الاصول بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وفيه أعجاب المرء بنفسه. الوسائل ج 1، أبواب مقدمة العبادات 23، الحديث 6.

[ 33 ]

[ فالمتأخر منه لا يبطل العمل (1) ] من قلة العقل والجهل، وغير قابل لان يتعلق به حكم شرعي بوجه. (1) هذه هي الجهة الرابعة من الكلام في العجب، وحاصلها ان العجب المتأخر هل يوجب بطلان العمل؟ وان قلنا بعدم حرمته، وذلك لامكان أن يكون حدوث هذا الامر والصفة موجبا لبطلان العمل شرعا أو لا يوجبه، وان أوجب حبط ثوابها؟ وهي التي تعرض لها الماتن (قدس سره) وحكم بعدم بطلان العمل بالعجب المتأخر وهذا هو المشهور بين الاصحاب (قدس الله أسرارهم) بل ادعى عليه الاجماع. إلا أن المحقق الهمداني (قدس سره) نقل عن السيد المعاصر (قدس سره) والظاهر انه السيد علي في كتابه البرهان بطلان العبادة بالعجب المتأخر فضلا عن مقارنه مستدلا عليه بظواهر الاخبار الواردة في الباب، وقد أورد عليه باستحالة الشرط المتأخر وان العمل بعدما وقع مطابقا للامر وبعد ما حكم الشارع عليه بالصحة يستحيل أن ينقلب عما وقع عليه بحدوث ذلك الامر المتأخر، وأما الاجازة في البيع الفضولي فلا نلتزم بكونها شرطا متأخرا وانما نلتزم هناك بالكشف الحكمي. هذا ولكنا ذكرنا في محله، ان الشرط المتأخر مما لا استحالة فيه ولا مانع من اشتراط العمل بأمر متأخر، لان مرجعه إلى تقيد العمل بأن يأتي بعده بأمر كذا، فالواجب هو الحصة الخاصة من العمل وهو الذي يتعقب بالشرط، فإذا أتى بالعبادة ولم يتحقق بعدها ذلك الشرط كشف هذا عن أن ما تحقق لم تكن هي الحصة الخاصة المأمور بها فلا محالة يقع باطلة، فالشرط المتأخر أمر ممكن.

[ 34 ]

وانما الكلام في دلالة الدليل عليه في مقام الاثبات، والصحيح انه لا دليل على اشتراط العبادة بعدم الغجب المتأخر، لان أكثر الاخبار الواردة في المقام كما تأتي في الجهة الخامسة (انشاء الله تعالى) ضعيفة سندا، على أنها قاصرة الدلالة على بطلان العبادة بالعجب، فلا يمكن الاعتماد عليها في الاحكام الشرعية. على انا لو فرضناها صحيحة من حيث الدلالة والسند أيضا لم نكن نلتزم ببطلان العبادة بالعجب المتأخر، وذلك للقطع بعدم كونه مبطلا لها فلا مناص من تأويل تلك الاخبار وحملها على نفي الثواب، وذلك لان العجب ليس بأعظم من الكفر المتأخر، فلو ان المكلف كفر ثم أسلم لم تجب عليه إعادة أعماله السابقة فضلا عن قضائها. لانه لا يوجب بطلان الاعمال المتقدمة فكيف بالعجب المتأخر، ولا نحتمل أن يجب على من عمره سبعون سنة - مثلا - وقد أتاه العجب في ذلك السن قضاء جميع أعماله السابقة شرعا، فلابد من تأويل ما دل على بطلانها بالعجب لو فرضنا دلالة الاخبار الآتية عليه وتماميتها سندا ودلالة. وأما ما ورد من أن سيئة تسؤك خير عند الله من حسنة تعجبك (1) فمعناه ان السيئة بعد الندم عليها الذي هو المراد من قوله تسؤك تتبدل بالحسنة، لان التائب من ذنب كمن لا ذنب له، والتوبة عبادة موجبة للتقرب من الله تعالى، وأظن أن قوله تعالى (أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) (2) انما فسرت بالتوبة بعد المعصية لانها عبادة ونتيجتها حسنة.


(1) الوسائل ج 1، أبواب مقدمة العبادات 23، الحديث 32. وبمضمونها روايات أخرى في نفس الباب. (2) سورة الفرقان: 25: 70

[ 35 ]

[ وكذا المقارن (1) وان كان الاحوط فيه الاعادة ] وهذا بخلاف العبادة التي توجب العجب، لانه يذهب بثواب العبادة فلا يبقى فيها حسنة كما يبقى في التوبة بعد السيئة، ولا يستلزم كون السيئة المتعقبة بالندم خيرا من العبادة المتعقبة بالعجب، بطلان تلك العبادة بوجه، فالمتحصل أن العجب المتأخر لا يقلب العبادة الواقعة مطابقة للامر عما وقعت عليه من الصحة. وهذا بناءا على ما سلكناه في محله - من أن الاجر والثواب ليسا من جهة استحقاق المكلف أو الاجرة، وانما هما من باب التفضل. لان الامتثال والطاعة التي أتى بها المكلف من وظائف العبودية والاتيان بوظيفة العبودية لا يوجب الثواب لانه عبد عمل بوظيفته (فالثواب تفضل منه سبحانه، وقد قال عز من قائل، ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) (1) أمر ظاهر لان التفضل بالثواب إنما هو فيما إذا لم يتعقب العمل بالعجب الذي هو من الملكات القبيحة والاخلاق السيئة وان لم يكن محرما تكليفا. (1) هذه هي الجهة الخامسة من الكلام في العجب، وان العبادة هل تبطل بالعجب المقارن؟ وحاصل الكلام فيها انه كالعجب المتأخر غير موجب لبطلان العبادة، وان نقل المحقق الهمداني عن السيد المعاصر (قدس سره) بطلانها بكل من العجب المقارن والمتأخر، إلا أن المشهور عدم البطلان مطلقا وهو الصحيح، وذلك لعدم دلالة الدليل على البطلان بالعجب.


(1) النور: 24: 21

[ 36 ]

نعم العجب يوجب بطلان العبادة في مقام اعطاء الثواب - فلا يثاب بها عاملها - لا في مقام الامتثال حتى تجب اعادتها فضلا عن قضائها، والاخبار الواردة في المقام أيضا لا دلالة لها على بطلان العبادة بالعجب المقارن فضلا من المتأخر. وهي جملة من الاخبار. (منها): ما عن الخصال: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال إبليس إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم أبال ما عمل، فانه غير مقبول منه إذا استكثر عمله، ونسي ذنبه، ودخله العجب (1)، والرواية لا بأس بها سندا، لان والد البرقى وهو محمد ابن خالد وان كان فيه كلام. إلا أنا قدمنا وثاقته، ولكن موردها هو العجب المقارن دون المتأخر لان إبليس انما لا يبالي بما عمله ابن آدم بعد استمكانه منه لا قبله، فالاعمال المتقدمة منه السابقة على استمكان اللعين مما يبالي بها لصحتها وعدم بطلانها بالعجب المتأخر، وانما لا يبالي بما عمله بعد استمكانه بتحقق أحد الامور المذكورة في الحديث، فموردها العجب المقارن لا محالة. ولكنها لا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب المقارن، لان عدم المبالاة انما يصح إطلاقه في العمل المقتضي للمبالاة في نفسه، فقوله لا أبالي يدل على صحة العمل المقارن بالعجب، وإلا فلو كانت العبادة باطلة به لما صح إطلاق عدم المبالاة حينئذ، لانها مما يسر الشيطان حيث انها إذا كانت بطالة فالاتيان بها يكون محرما للتشريع وحيث أن همه ادخال العباد في الجحيم وابعادهم عن الله جلت عظمته


(1) المروية في ب 22 من ابواب مقدمة العبادات الحديث 7 الوسائل ج 1.

[ 37 ]

فيفرح بارتكابهم للمحرم المبعد عنه سبحانه، ولا معنى لعدم المبالاة إلا في العمل الصحيح إلا انه لا يعتنى به، ولا يتوحش لطرو العجب المزيل لثوابه، والمانع عن حصول التقرب به وان كان صحيحا في مقام الامتثال. و (منها): ما عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال الله تعالى ان من عبادي المؤمنين لم يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيد وساده، فيجتهد لى الليالي فيتعب نفسه في عبادتي، فاضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظرا مني له وإبقاءا عليه فينام حتى يصبح فيقوم وهو ماقت زارئ لنفسه عليها، ولو أخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله للعجب من ذلك، فيصيره للعجب إلى الفتنة بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاء عن نفسه حتى يظن انه قد فاق العابدين، وجاز في عبادته حد التقصير فيتباعد مني عند ذلك، وهو يظن انه يتقرب إلي، الحديث (1). وهي أيضا مما لا بأس بسندها، وقد وردت مؤكدة لاحد التفسيرين الواردين في قوله تعالى (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) (2) حيث فسر تارة بكل جزء من أجزاء الليلة الواحدة والمعنى انه قليل من كل ليلة من الليالي ما يهجعون ويستريحون، لانهم يشتغلون في أكثر ساعات الليلة بالعبادة وصلاة الليل ولا ينامون إلا قليلا، وأخرى بكل فرد من أفراد الليل بمعنى انهم في بعض افراد الليل أي


(1) الوسائل ج 1، ابواب مقدمة العبادات 23، الحديث 1 (2) الذاريات: 17 51.

[ 38 ]

في بعض الليالي ينامون ويهجعون ولا يشغلونها بالعبادة والصلاة، والرواية مؤكدة للتفسير الثاني كما عرفت. إلا أنها كسابقتها في عدم الدلالة على بطلان العبادة بالعجب، وغاية ما هناك دلالتها على أن العجب من المهلكات والاوصاف القبيحة وقد ينتهي به الامر إلى انه يرى نفسه أول العابدين، وبه يناله الحرمان عما يصله لولاه وهذا مما لا كلام فيه لما مر من أن منشأ العجب الجهل، وهو قد يبلغ بالانسان مرتبة يمن بعمله على الله سبحانه حيث لا يرى استحقاقه في العبادة إلا بمقدار الاتيان بالفرائض، ويعتقد أن المستحبات التي يأتي بها كلها زائدة عن حد استحقاقه تعالى فيمن بها عليه، بل قد يفضل نفسه عليه أكثر العباد والمقربين وقد حكى عن بعضهم انه كان يفضل نفسه على العباس (سلام الله عليه) لجهله، وحسبان انه قد اشغل سنه بالعبادة والبحث وأتعب نفسه خمسين سنة أو أقل أو أكثر في سبيل رضا الله سبحانه، وهو سلام الله عليه انما اشتغل بالحرب ساعتين أو أكثر فيفضل نفسه عليه (عليه السلام)، وبذلك قد يناله الحرمان عن شفاعة الائمة الاطهار فيتباعد عن الله سبحانه إلا أن العجب يوجب بطلان العبادة فهو مما لا يستفاد من الرواية بوجه. و (منها): ما عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب به فقال: هو في حاله الاولى وهو خائف أحسن حالا منه في حال عجبه (1) وربما يتوهم أن في سند الرواية إشكالا، لان فيه


(1) الوسائل ج 1، ابواب مقدمة العبادات 23، الحديث 2

[ 39 ]

محمد بن عيسى، عن يونس، وقد تكلم بعضهم فيما رواها محمد هذا عن يونس وهو توهم فاسد، وقد ذكرنا في محله أن الرجل في نفسه مما لا كلام عليه، كما أن روايته عن يونس كذلك فليراجع. وأما دلالتها فهي أيضا قاصرة حيث لم يقل (عليه السلام) ان عمله الاول أي القبيح الذي يستكشف بقرينة المقابلة أحسن من عبادته التي فيها عجب، بل قال ان حالته في ذلك العمل أعني الخوف الذي هو عبادة أخرى عند الندم والتوبة لان حقيقتها الخوف والندم أحسن من حالته الثانية وهي العجب، وهو مما لا كلام فيه، وانما البحث في بطلان العبادة بالعجب وهو لا يكاد يستفاد من الحديث. و (منها): ما عن يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله وآله في حديث قال موسى بن عمران (عليه السلام) لابليس، أخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه قال: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، وصغر في عينه ذنبه، وقال: قال الله عزوجل لداود: يا داود: بشر المذنبين وانذر الصديقين، قال كيف أبشر المذنبين وانذر الصديقين، قال: يا داود بشر المذنبين اني اقبل التوبة، وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم فأنه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك (1) وهي ضعيفة السند بالارسال، وعادمة الدلالة على بطلان العمل بالاعجاب، لان البشارة إنما هي لقبول التوبة بعد الذنب، لا للذنب في مقابل العبادة التي فيها عجب، والرواية انما تدل على ما قدمناه


(1) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 3.

[ 40 ]

من أن الثواب والاجر تفضل منه سبحانه وليس باستحقاق منهم للثواب، كيف وقال سبحانه (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا، لانه إذا أعجبته عبادته فحاسبه الله سبحانه على أعماله لم يخلص أحد من حسابه جلت عظمته وهلك. فان الاعجاب قد يبلغ بالانسان إلى تلك المرتبة فيمن بعمله على الله ويحاسبه الله سبحانه على ما عمل وتصبح نتيجته الخسران والهلاكة. و (منها): ما عن سعد الاسكاف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ثلاث قاصمات الظهر رجل استكثر عمله ونسي ذنوبه، وأعجب برأيه (1)، وهي على تقدير تمامية سندها أجنبية عما نحن بصدده رأسا، لان الكلام في اعجاب المرء بعمله، وأما الاعجاب برأيه وعقله وحسبان انه اعقل الناس فهو أمر آخر لا كلام لنا فيه، ولا إشكال في انه من المهلكات لانه إذا رأى نفسه أعقل الناس وترك مشاورتهم واستقل في أعماله برأيه فلا محالة يقع في المهلكة والخسران. ثم على تقدير إرادة العمل من الرأي لا دلالة لها على بطلان العبادة بالعجب، لانها انما دلت على أن العجب قاصم للظهر لما يترتب عليه من المفاسد والمخاطر من تحقير عمل غيره والغرور والكبر، بل وتحقير الله سبحانه بالمن بعبادته واما انه يوجب بطلان العمل المقارن به أيضا فلا يستفاد منها بوجه. و (منها): ما عن عبد الرحمان بن الحجاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ان الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه ويعمل العمل


(1) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 6.

[ 41 ]

فيسره ذلك فيتراخى عن حاله تلك فلان يكون على حاله تلك خير له مما دخل فيه (1)، ولا بأس بها سندا، وأما من حيث الدلالة فلا يستفاد منها بطلان العبادة بالعجب، وأما كون حالة التندم خيرا من حالة العجب والسرور فهو من جهة انه بالتندم تتبدل السيئة حسنة، حيث وردت الآية المباركة (فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) في حق التائبين من الذنوب، وهذا بخلاف العجب بالعبادة لانه يذهب بثوابها كما مر غير مرة. و (منها): ما عن علي بن سويد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن العجب الذي يفسد العمل فقال: العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا - كما يتفق ذلك بكثير فيفتخر العامل بعمله القبيح، واني شربت الخمر أو ضربت فلانا أو سببته، أو أهنته حيث يرى عمله القبيح حسنا ويفتخر به - فيعجبه ويحسب انه يحسن صنعا، ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عزوجل ولله عليه فيه المن (2) حيث دلت على ان فساد العمل بالعجب كان مفروغا عنه عنده، وقد سأله عن انه أي شئ. وفي سندها علي بن سويد، وقد يتوهم انه مردد بين الموثق وغيره فلا يمكن الاعتماد على روايته، والصحيح انه هو علي بن سويد السائي الذي هو من أصحاب الرضا (عليه السلام) ويروي عنه أحمد بن عمر الحلال وهو ثقة، وقد نقل في جامع الروايات أيضا هذه الرواية عنه،


(1) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب العبادات، الحديث 4 (2) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 5.

[ 42 ]

ولكن دلالتها قاصرة، لان إفساد العبادة بالعجب وكونه مبطلا لها ان لوحظ بالاضافة إلى نفس ذلك العمل السوء الذي يحسبه حسنا، ففيه ان المفروض فساد العمل بنفسه ولا معنى لفساده بالعجب المقارن له، وان لوحظ بالاضافة إلى الاعمال المتقدمة فقد عرفت ان مجرد العجب المتأخر لا يوجب انقلاب الاعمال المتقدمة عما وقعت عليه من الصحة والتمام، كما ان العجب في ايمانه لا معنى لكونه مبطلا للايمان، حيث ان الايمان غير قابل للانصاف بالصحة والفساد، فلا بد من توجيه الرواية بان للعجب درجات، والدرجة الكاملة منه وهي التي توجب حسبان العمل السوء حسنا أو ما يقتضى الامتنان على الله تعالى مع انه له سبحانه المنة عليه، كما ورد في الآية المباركة (قل لا تمنوا علي اسلامكم بل الله يمن عليكم ان هداكم للايمان) (1) يوجب فساد الاعمال المتقدمة والالتزام بذلك مما لا يضرنا فيما نحن بصدده، لانه اخص من المدعى وهو بطلان العمل بمطلق العجب. على ان الافساد يمكن ان يكون بمعنى اذهاب الثواب، لا بمعنى جعل العمل باطلا يجب اعادته أو قضاؤه. و (منها) ما عن ميمون بن علي، عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام) اعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله (2) وهي مضافا إلى ضعف سندها اجنبية عن بطلان العبادة بالعجب، وانما تدل على ان المعجب قليل العقل. و (منها): ما عن علي بن اسباط، عن رجل يرفعه، عن


(1) الحجرات: 49 الآية 17 (2) الوسائل ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 6.

[ 43 ]

ابي عبد الله (عليه السلام) قال: ان الله علم ان الذنب خير للمؤمن من العجب ولولا ذلك ما ابتلى مؤمن بذنب ابدا (1) وهي مرفوعة كالمرسلة من حيث السند ولا دلالة لها على المدعى ايضا، لانها لو دلت فانما تدل على ان العجب محرم من حيث مقدمته، أو من حيث ازالته كالذنب، وأما بطلان العمل به فلا يستفاد منه بوجه على أنها لا تدل على حرمته أيضا، وإلا لم يكن لجعله في مقابل الذنب وجها، بل لا بد أن يقول ان هذا الذنب خير من ذلك الذنب. ومع الاغماض عن جميع ذلك أيضا لا دلالة لها على البطلان، لان وجه كون الذنب خيرا أن المكلف غالبا يدور أمره بين العجب بعمله، كما إذا عمل طبلة حياته باعمال حسنة ولم يصدر منه ذنب لانه حينئذ يعجب بنفسه حيث يرى صدور المعاصي عن غيره وهو لم يعمل إلا خيرا، وبين أن يذنب ذنبا ويعقبه الندم لان مفروض كلامه (عليه السلام) هو المؤمن، ومن الظاهر أن الذنب المتعقب بالندامة والتوبة خير من العبادة الموجبة للعجب، لان العجب يذهب بآثار العبادة بل قد يبلغ الانسان مرتبة يمقتها الرب الجليل لمنته على الله سبحانه وتحقيره، وأما الذنب المتعقب بالندامة فهو يتبدل إلى الحسنة، لان التائب عن ذنب كمن لا ذنب له، وقد عرفت أن الآية المباركة واردة في حق التائبين، وأما أن العبادة مع العجب باطلة فهو ما لا يستفاد منها بوجه و (منها): ما عن أبي عامر، عن رجل، عن أبي عبد الله


(1) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 7.

[ 44 ]

(عليه السلام) قال: من دخله العجب هلك (1). وهي مضافا إلى إرسالها لا تدل على بطلان العبادة بالعجب وكونه موجبا للهلاك، من جهة انه قد يستلزم الكفر وتحقير الله سبحانه والمنة عليه وغير ذلك من المهالك. و (منها): ما عن اسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى عالم عابدا فقال له: كيف صلاتك فقال: مثلي يسأل عن صلاته؟ وأنا أ عبد الله منذ كذا وكذا قال: فكيف بكاؤك؟ فقال أبكي حتى تجري دموعي. فقال له العالم فان ضحكك وانت خائف أفضل من بكاؤك وانت مدل، ان المدل لا يصعد من عمله شئ. (2) وهي ضعيفة سندا بوجهين: من جهة محمد بن سنان، لعدم ثبوت وثاقته. ومن جهة نظر بن قرواش لانه مجهول، وكذلك دلالة لان عدم صعود العمل أعم من البطلان، وإلا للزم الحكم ببطلان عبادة عاق الوالدين، وآكل الربا ونحوهما مما ورد أن العمل معه لا يصعد. و (منها): ما عن أحمد ابن أبي داود، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عليه السلام) قال: دخل رجلا المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق، فخرجا من المسجد والفاسق صديق، والعابد فاسق، وذلك انه يدخل العابد المسجد مدلا بعبادته يدل بها فتكون فكرته في


(1) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 8. (2) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 9.

[ 45 ]

ذلك، وتكون فكرة الفاسق في التندم على فسقه ويستغفر الله عزوجل مما صنع من الذنوب. (1) وضعف سندها بالارسال ظاهر. وأما دلالتها فهي أيضا كذلك، لان صيرورة العابد فاسقا من جهة العجب لا دلالة له على ابطاله لاعماله، وانما وجهه ان العجب قد يبلغ بالانسان مرتبة يمن بعمله على الله ويحقره، أو يعتقد انه في مرتبة الامامة والنبوة وينتظر نزول جبرئيل: وقد يبكي ويتعجب من تأخير نزوله وغير ذلك مما يوجب فسقه بل كفره. وأما صيرورة الفاسق صديقا فهو من جهة لندمه وتوبته، وقد عرفت ان بالتوبة تتبدل السيئة حسنة. و (منها): ما رواه البرقي، في المحاسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ان الله فوض الامر إلى ملك من الملائكة فخلق سبع سموات وسبع أرضين، فلما ان رأى ان الاشياء قد انقادت له قال: من مثلي؟ فأرسل الله إليه نويرة من النار، قلت وما النويرة قال نار مثل الانملة فاستقبلها بجميع ما خلق، فتخيل لذلك حتى وصلت إلى نفسه لما دخله العجب (2). وهي ضعيفة من جهة جهالة خالد الصيقل الواقع في سندها، بل بابن سنان أيضا، لانه وان ذكر في سندها مطلقا إلا أن رواية الصدوق مثلها في عقاب الاعمال: عن محمد بن سنان، عن العلاء، عن أبي خالد الصيقل قرينة، على أن المراد به هو محمد بن سنان، دون عبد الله بن سنان.


(1) الوسائل: ج 1، ب 23، من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 10. (2) الوسائل: ج 1، ب 23، من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 11.

[ 46 ]

على انه لا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب، بل تدل على أن العجب صفة مذمومة موجبة للهلاكة. و (منها): ما عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبد الله، أو علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث: ثلاث مهلكات، شح مطاع، وهوى متبع، واعجاب المرء بنفسه (1)، وقد عرفت في نظائرها ان إهلاك العجب بمعنى استلزامه لمثل التحقير لعبادة الغير، أو التكبر، أو تحقير الله سبحانه أو غيرها ولا دلالة لها على ابطاله العمل والعبادة. ومثلها رواية سعد بن طريف، عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) مضافا إلى ضعف سندها بأبي جميلة مفضل بن صالح. و (منها): ما عن السري بن خالد، عن أبي عبد الله. عليه السلام) عن آبائه في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لامير المؤمنين (عليه السلام) قال: لا مال اعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب (3). وهي مضافا إلى ضعف سندها أجنبية عن المدعى، والوجه في كون العجب أوحش من الوحدة ان المعجب بنفسه أو بعمله يوجب تحقير الناس، أو التكبر ونحوهما مما يوجب الرغبة عنه فيبقى وحيدا.


(1) الوسائل: ج 1، ب 23، من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 12. (2) الوسائل: ج 1، ب 23، من ابواب مقدمة العبادات الحديث 13. (3) الوسائل: ج 1، ب 23، من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 14.

[ 47 ]

و (منها): ما عن انس بن محمد، عن ابيه، جميعا عن جعفر ابن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) قال: يا علي ثلاث مهلكات شح مطاع، وهوى متبع، واعجاب المرء بنفسه (1) وهي مضافا إلى ضعف سندها قد تقدم الكلام في نظيرها فليراجع. و (منها): ما عن أبان بن عثمان، عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: وان كان الممر على الصراط حقا فالعجب لماذا (2)؟ ولا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب ولا على حرمته بوجه لانها نظير ما ورد من ان الموت إذا كان حقا فالحرص على جمع المال لماذا؟ أو ما هو بمضمونه، وظاهر ان الحرص على جمع المال لا حرمة فيه وانما تدل على ان الحساب إذا كان حقا ووصول كل أحد إلى ما عمله وقدمه حقا فالعجب اي أثر له؟. و (منها): ما عن العلل: عن النبي (صلى الله عليه وآله) - عن جبرئيل - في حديث قال: قال الله تبارك وتعالى ما يتقرب الي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه، وان من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فاكفه عنه لئلا يدخله العجب فيفسده. (3)


(1) الوسائل: ج 1، ب 23، من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 15. (2) الوسائل: ج 1، ب 23، من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 16. (3) الوسائل: ج 1، ب 23، من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 17.

[ 48 ]

ولا دلالة لها على بطلان العمل بالعجب، لانه اسند الافساد إلى نفس العامل بمعنى هلاكه لا إلى العمل والعبادة. مضافا إلى انها مروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) بطريق لا يمكن الاعتماد عليه. و (منها): ما عن عبد العظيم الحسني، عن علي بن محمد الهادي، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من دخله العجب هلك (1). وقصورها من حيث الدلالة نظير ما تقدمها، حيث اسند الهلاك إلى المعجب من حيث تعقبه بمثل الكبر والتحقير والكفر ونحوها، مضافا إلى ضعف سندها بمحمد بن هارون، وعلي بن أحمد بن موسى. و (منها): ما عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب ما خلا الله بين عبده المؤمن وبين ذنب أبدا (2). وقد تقدم الكلام في نظيرها فلا نعيد. و (منها): ما عن الثمالي عن أحدهما (عليه السلام)، قال: ان الله تعالى يقول ان من عبادي لمن يسألني الشئ من طاعتي لاحبه،


(1) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 18. (2) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 19.

[ 49 ]

فانصرف ذلك عنه كيلا يعجبه عمله (1). وقد مر الكلام في نظائرها فليراجع. و (منها): ما عن الثمالي أيضا، عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث منجيات خوف الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وثلاث مهلكات هوى متبع، وشح مطاع، واعجاب المرء بنفسه (2)، وقد عرفت الحال في نظائرها. و (منها): ما عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة قال: سيئة تسوؤك خير عند الله من حسنة تعجبك (3) وقد أسلفنا الكلام فيها، وقلنا ان خيرية السيئة المتعقبة بالتوبة من جهة تبدلها إلى الحسنة بخلاف العبادة مع العجب، لانه يذهب بثوابها ولا تتبدل إلى حسنة، ولا دلالة لها على إبطال العجب للعمل. و (منها): ما عنه (عليه السلام) في النهج، الاعجاب يمنع الازدياد (4). لان المعجب لا يرى حاجة إلى تكثير العبادة والعمل. و (منها): ما عنه (عليه السلام) أيضا، عجب المرء بنفسه


(1) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 20. (2) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 21. (3) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 22. (4) الوسائل: ج 1، ب 23 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 23.

[ 50 ]

أحد حساد عقله (1). ولا دلالة في شئ منها على حرمة العجب ولا على إبطاله العبادة. و (منها): ما عن داود بن سليمان، عن الرضا عن آبائه (عليهما السلام) عن علي (عليه السلام): قال الملوك حكام على الناس، والعلم حاكم عليهم، وحسبك من العلم أن تخشى الله، وحسبك من الجهل أن تعجب بعلمك (2) وهي مضافة إلى ضعف سندها لا دلالة لها على فساد العمل بالعجب، وانما تدل على انه ناش عن الجهل كما مر، فالمتحصل انه لا دلالة في شئ من تلك الاخبار على حرمة العجب بالمعنى المتقدم من حيث مقدمته أو ازالته، ولا على بطلان العمل به مقارنا كان أو متأخرا، وانما تدل على انه من الصفات الخبيثة المهلكة البالغة بالانسان إلى ما لا يرضى به الله سبحانه كما أسلفنا. بقى من الاخبار رواية واحدة، وهي ما رواه يونس بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قيل له وأنا حاضر: الرجل يكون في صلاته خاليا فيدخله العجب، فقال إذا كان أول صلاته بنية يريد بها ربه فلا يضره ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته وليخسأ الشيطان (3) حيث قد يتوهم دلالتها على بطلان العبادة بالعجب


(1) الوسائل: ج 1، ب 23 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 24. (2) الوسائل: ج 1، ب 23 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 25. (3) الوسائل: ج 1، ب 24 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 3.

[ 51 ]

المقارن إذا كان في أولها لقوله (عليه السلام) إذا كان أول صلاته. إلا أنها كسابقتها قاصرة الدلالة. أما من حيث سندها فربما يتوهم ان علي بن ابراهيم انما يروى عن محمد بن عيسى بواسطة أبيه ابراهيم ابن هاشم كما في جامع الرواة وغيره ولم تثبت روايته عن محمد بن عيسى بلا واسطة، والواسطة لم يذكر في السند مضافا إلى أن في نفس محمد بن عيسى كلاما، وفي روايته عن يونس كلاما آخر، على انها ضعيفة بيونس بن عمار لعدم توثيقه في الرجال. ويدفعه ما قررناه في محله، من رواية علي بن ابراهيم عن الرجل بلا واسطة وان محمد بن عيسى في نفسه قابل للاعتماد عليه، كما لا بأس برواياته عن يونس فلاحظ. نعم يونس بن عمار لم توثق في الرجال ولكنه حيث وقع في أسانيد كامل الزيارات فلابد من الحكم بوثاقته. وأما من حيث دلالتها فلانه لابد من حمل الرواية على معنى آخر لعدم إمكان حملها على ظاهرها من جهة القرينة العقلية واللفظية: أما العقلية فللقطع بأن العجب لو كان مبطلا للعمل فلا يفرق فيه بين تحققه أول العبادة وبين حدوثه في أثنائها أو في آخرها. وأما القرينة اللفظية فهي قوله (عليه السلام) وليمض في صلاته وليخسأ الشيطان حيث ان العجب إذا تحقق وقلنا بكونه مبطلا للعمل فلا معنى للمضي فيه لاخساء الشيطان لانه باطل على الفرض. وعليه فلابد من حملها على الوسوسة الطارئة على الانسان بعد دخوله في العبادة، لان الشيطان عدو عجيب للانسان فقد يجيئ من قبل الوسوسة في أن العمل مقرون بالعجب فهو باطل، أو لا ثواب له وقد أمر عليه السلام بالمضي في العمل وعدم الاعتناء به ليخسأ الشيطان، هذا كله في العجب.

[ 52 ]

[ وأما السمعة (1) فان كانت داعية على العمل أو كانت جزءا من الداعي بطل والا فلا كما في الرياء فإذا كان الداعي ] الكلام في السمعة (1) فلئن قلنا انها مغايرة للرياء بحسب الموضوع والمعنى، لانه من الرؤية وهي غير السماع فلا اشكال في دخولها فيه بحسب حكمه، وذلك لان ما دل من الاخبار المعتبرة على حرمة الرياء وأبطاله العبادة بعينه تدل على إبطاله السمعة لها. كما ورد أن من عمل لي ولغيري فقد جعلته لغيري، أو هو كمن عمل لغيري، أو ما يشبهه من الالفاظ على ما تقدم في رواية البرقي. هذا مضافا إلى ورود السمعة في روايتين معطوفة على الرياء (إحداهما): رواية محمد بن عرفة قال: قال لي الرضا عليه السلام، ويحك يا بن عرفة اعملوا لغير رياء ولا سمعة فانه من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل، ويحك ما عمل أحد عملا الا رداه الله به ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا (1) لكن هذه الرواية ضعيفة. (ثانيتهما): معتبرة ابن القداح، عن أبي عبد الله عن أبيه (عليه السلام) قال: قال علي عليه السلام اخشوا الله خشية ليست بتعذير، وأعملوا لله في غير رياء ولا سمعة، فانه من عمل لغير الله وكله الله


(1) المروية في ب 11 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل: ج 1، الحديث 8.

[ 53 ]

[ له على العمل هو القربة إلا أنه يفرح إذا اطلع عليه الناس من غير أن يكون داخلا في قصده لا يكون باطلا (1) لكن ينبغي للانسان أن يكون ملتفتا فان الشيطان غرور وعدو مبين وأما سائر الضمائم (2) فان كانت راجحة، كما إذا كان ] إلى عمله يوم القيمة (1). فالمتحصل ان السمعة كالرياء موجبة لبطلان العبادة. (1) نعم إذا كان آتيا بالعمل بداع الامر والقربة إلا أنه يسره سماع الغير عمله من غير أن يكون ذلك دخيلا في عبادته ولو على نحو التأكيد، بل مجرد التبعية القهرية غير انه يفرح به ويدخله السرور، وبذلك فهو غير موجب لبطلان العبادة، لانها صدرت عن داع آلهي على الفرض وهو مستقل في داعويته، وسماع الغير أو رؤيته إنما هو على نحو التبع وان كان هذا أيضا منافيا للعبادة أخلاقا، لان الانسان ينبغي ان يكون قاصدا بعمله لله، من غير أن يكون نظره إلى غير الداعي الآلهي ولو على وجه التبع. الضمائم وأقسامها وأحكامها (2) الضميمة ثلاثة أقسام، لانها تارة مباحة بالمعنى الاعم من الكراهة والاباحة المصطلح عليها، وأخرى راجحة بالمعنى الاعم من من الوجوب والاستحباب، وثالثة محرمة غير الرياء، كما إذا قصد


(1) الوسائل: ج 1، ب 11 من ابواب مقدمة العبادات، الحديث 10.

[ 54 ]

بصلاته في مكان الايذاء والهتك لامام الجماعة خلفه أو غيره. أما إذا كانت مباحة. أو راجحة، فهي على أقسام أربعة: لان الداعي للعبادة تارة يكون هو الداعي الآلهي القربى المستقل في دعوته وتكون الضميمة المباحة كالتبريد، أو الراجحة كتعليم الغير الوضوء، أو الصلاة تبعا بمعنى عدم كونها دخيلة في العبادة ولو على وجه التأكيد، فكما انها غير مستقلة في الداعوية كذلك ليست بجزء من الداعي ولا مؤكد له وانما العبادة نشأت عن داع الهي مستقل في الداعوية والضميمة مقصودة بالتبع، ولا إشكال في صحة العبادة في هذه الصورة لصدور العبادة عن الداعي المستقل في داعويته، والضميمة المباحة أو الراجحة تبع ولا دخالة لها في صدور العبادة بوجه. وأخرى: ينعكس الامر ويكون الداعي إلى العبادة هو الضميمة الاعم من المباحة والراجحة ولا يكون للداعي القربى مدخلية في صدورها إلا تبعا. وهذه الصورة أيضا مما لا اشكال في حكمها وهو بطلان العبادة، لفقدها القربة المستقلة في الداعوية المعتبرة في صحة العمل. وثالثة: يكون الداعي هو المجموع المركب من القربة والضميمة بحيث لو كان احداهما وحدها لم يأت بالعبادة وإنما أتى بها لاجتماعهما، والحكم في هذه الصورة هو البطلان لما قدمناه من ان العبادة يعتبر ان تكون صادرة عن داع قربى آلهي مستقل في داعويته وهو غير متحقق في المقام فالعبادة باطلة. ورابعة: يكون كل من القربة والضميمة داعيا مستقلا في دعوته بحيث لو كانت هذه وحدها لاتى بالعبادة، ولو كان الاخر وحده

[ 55 ]

[ قصده في الوضوء القربة وتعليم الغير، فان كان داعي القربة مستقلا والضميمة تبعا، أو كانا مستقلين صح، وان كانت القربة تبعا أو كان الداعي هو المجموع منهما بطل وان كانت مباحة فالاقوى انها أيضا كذلك، كضم التبرد إلى القربة، لكن الاحوط في صورة استقلالهما أيضا الاعادة. ] أيضا لاتى بها ولكنهما إجتمعا معا، فالمتأخرون فصلوا في هذه الصورة بين كون الضميمة راجحة كتعليم الوضوء أو الصلاة للغير فحكموا بصحة العبادة حينئذ، وبين كونها مباحة كما إذا قصد التبريد بالوضوء، فذهبوا إلى بطلانها ولا نرى نحن للتفرقة بينهما وجها محصلا، بل الصحيح صحة العبادة في كلتا الصورتين بلا فرق في ذلك بين رجحان الضميمة واباحتها. أما إذا كانت الضميمة راجحة فلانا ان أخذنا اعتبار قصد التقرب في العبادة من الادلة الشرعية فهي لا دلالة لها على أزيد من اعتبار صدور العبادة عن الداعي القربي المستقل في داعويته، والمفروض تحققه في المقام ولا يستفاد منها عدم اقترانه بداع آخر مباح أو راجح، وان أخذنا اعتباره من بناء العقلاء فالامر أوضح. وذلك لان العقلاء انما بنوا على أن يكون العمل صادرا بتحريك أمر المولى واطاعته، ولا بناء منهم على أن لا يكون معه أمر آخر يوجب الدعوة وللبعث نحو العمل، فلو أمر المولى عبده بأن يأتي له بالماء والعبد أتى به بدعوة من أمر سيده وكان له داع آخر مستقل أيضا في هذا العمل وهو رفع وجع رأس المولى لعلمه بأنه لو شرب

[ 56 ]

الماء ارتفع وجعه، فهل ترى ان العقلاء يحكمون ببطلان طاعته؟ ويمنعونه عن أن يضم إلى داعي اطاعته داعيا آخر وهو رفع الوجع، مع انه أيضا أمر محبوب للمولى وقد صدرت اطاعته عن أمره الاول بالاستقلال: وأما إذا كانت الضميمة مباحة فلعين ما قدمناه، من أن اعتبار قصد التقرب في العبادة ان كان من جهة أخذه من الادلة الشرعية فلا يستفاد منها إلا اعتبار ان يكون أمر المولى مستقلا في داعويته نحو العمل، ولا يستفاد منها اعتبار عدم إنضمامه إلى أمر آخر مما له أيضا داعوية مستقلة نحو العمل. وكذا الحال فيما إذا أخذنا اعتباره من بناء العقلاء حيث لم يتحقق منهم البناء على أزيد من صدور العمل عن الداعي القربي المستقل في داعويته، ولا بناء منهم على عدم حصول القربة فيما إذا أنضم إليه أمر آخر مباح أيضا مستقل في داعويته، كما إذا قصد العبد في إطاعته لامر المولى باتيانه بالماء تقوية بدنه، من جهة ان الحركة مقوية لعضلاته، فعليه لا فرق في صحة العبادة عند صدورها عن الداعي القربي المستقل في داعويته بين أن ينضم إليه داع آخر مستقل في داعويته راجح أم مباح، وانما يعتبر فيها أن تكون صادرة عن الداعي القربي المستقل وهو مفروض التحقق في المقام هذا. بل ذكرنا عدم تحقق جملة من العبادات الشرعية عن الاشخاص المتعارفين غير الاوحدي منهم - الا مقترنة بداع آخر مباح، أو راجخ أيضا مستقل في داعويته، فترى ان المكلف بصوم ولا يفطر في الشوارع والاسواق لداعي الامر الالهي الذي له استقلال في داعويته، ومن هنا يترك الافطار عند الخلوة ونزوله إلى السرداب أو دخوله داره - مثلا - إلا أن لتركه الافطار في تلك الامكنة داعيا آخر أيضا مستقلا في

[ 57 ]

[ وان كانت محرمة (1) غير الرياء والسمعة فهي في الابطال مثل الرياء، لان الفعل يصير محرما فيكون باطلا. نعم الفرق بينها وبين الرياء انه لو لم يكن داعيه في ابتداء العمل إلا القربة، لكن حصل له في الاثناء في جزء من الاجزاء يختص البطلان بذلك الجزء، فلو عدل عن قصده وأعاده من دون فوات الموالاة صح، وكذا لو كان ذلك الجزء مستحبا وان لم يتداركه بخلاف الرياء على ما عرفت فان حاله حال الحدث في الابطال. ] دعوته وهو الخوف من الناس، حيث قد يترتب عليه الضرب أو الاهانة والهتك، أو سقوطه عن أنظارهم، فلو اشتراطنا في صحة العبادة عدم إنضمام الداعي الاخر المستقل في دعوته إلى الداعي القربي الآلهي الذي هو أيضا مستقل في داعويته، للزم الحكم ببطلان أكثر العبادات الصادرة عن الاشخاص المتعارفة وهو مما لا يمكن الالتزام به. هذا تمام الكلام في الضميمة المباحة والراجحة. الضميمة المحرمة (1) قد ذهب الماتن (قدس سره) إلى أن الضميمة المحرمة غير الرياء والسمعة في الابطال كالرياء، وإنما الفرق بينهما هو أن الرياء إذا تحقق في العبادة ولو في جزئها بل ولو كان جزءا استحبابيا

[ 58 ]

لاقتضى بطلانها، حيث انه كالحدث، ولا ينفع معه إعادة الجزء بداعي القربة، لانه إذا تحقق في جزء من العمل لابطل الكل والمركب كما هو الحال في الحدث، وهذا بخلاف الضميمة المحرمة كالهتك على ما مثلنا به - لانها إذا تحققت في جزء من العبادة اختص البطلان بذلك الجزء فحسب، فلو عدل عن قصده للضميمة المحرمة وأتى به ثانيا بقصد القربة والامتثال وقعت العبادة صحيحة فيما إذا لم تكن باطلة بمطلق الزيادة العمدية كالصلاة، ولم يستلزم الاعادة فوات الموالاة المعتبرة في العبادة. وهذا الذي أفاده (قدس سره) إنما يتم على مسلكه، لان العمل عند قصد الضميمة المحرمة يتصف بالحرمة لا محالة، حيث انه هتك أو غيره من المحرمات، والمحرم لا يمكن أن يقع مصداقا للواجب، وحيث لا فرق عنده (قدس سره) بين الرياء في مجموع العبادة، والرياء في جزئها ولو كان استحبابيا فيتم بذلك ما أفاده من الفرق، وأما بناءا على ما قدمناه من عدم دلالة شئ من الادلة على بطلان العمل المركب بالرياء في جزئه، وعدم سراية الحرمة، والبطلان من الجزء إلى المركب والكل، فلا يتم ما أفاده (قدس سره) من الفرق بل الحرمة والبطلان يختصان بالجزء في كل من الرياء والضميمة المحرمة فلو أعاده ولم يكن ذلك مستلزما لفوات الموالاة المعتبرة ولم تكن الزيادة موجبة لبطلان العمل، فلا محالة تقع العبادة صحيحة في كل من الرياء والضميمة المحرمة: فالصحيح في الفرق بينهما ان يقال: ان قصد الرياء إذا كان على وجه التبع بحيث لم يكن له مدخلية في صدور العبادة لا على نحو يكون جزء الداعي ولا على نحو الداعوية المستقلة ولا على نحو التأكيد،

[ 59 ]

وإنما يسره رؤية الغير لعمله مع صدوره عن الداعي الآلهي المستقل في الداعوية لم يكن ذلك موجبا لبطلان العبادة كما مر، لعدم كونه رياء في الحقيقة، على تقدير التنزل قلنا ان مثله ليس بمحرم ولا بمبطل للعمل، والنتيجة ان الرياء إذا كان تبعيا بالمعنى الذي عرفت لم يكن موجبا لبطلان العمل بوجه: وهذا بخلاف الضميمة المحرمة لانها إذا قصدت ولو تبعا، كما إذا صلى عن الداعي الآلهي المستقل في الداعوية ولم يكن هتك الغير جزءا من داعي العمل، ولا داعيا مستقلا، بل ولا موجبا للتأكد بوجه وإنما قصده على وجه التبعية القهرية، استتبعت بطلان العبادة لا محالة لانها هتك محرم والمحرم لا يقع مصداقا للواجب، بل وكذلك الامر فيما إذا لم يكن قاصدا له وإنما التفت إلى انه هتك لانه أيضا يكفى في الحرمة والبطلان: نعم إذا فرضنا ان المحرم لم ينطبق على العمل كما في المثال، بان كان عمله هذا مقدمة قصد بها التوصل إلى الحرام ولم يكن عمله محرما في نفسه فيبتني الحكم بحرمته على ما حررناه في بحث الاصول، من أن مقدمة الحرام إذا قصد بها التوصل إلى الحرام هل يحكم بحرمتها شرعا أو لا؟ وقد ذكرنا هناك ان المحرم انما هو ذات الحرام، والمقدمة وان قصد بها التوصل إلى المحرم لا تتصف بالحرمة شرعا وان كانت طغيانا وتجريا على المولى، فإذا لم يكن العمل المقصود به التوصل إلى الحرام محرما اندرج بذلك في كبرى الضميمة المباحة لا محالة وأتى فيه التفصيل المتقدم آنفا، فان كان قصد ذلك الامر المباح جزءا من داعي العمل، أو كان داعيا مستقلا مع عدم كون الداعي الآلهي مستقلا في الداعوية يحكم ببطلان العمل، وهذا لا لانه محرم حيث

[ 60 ]

[ (مسألة 29) الرياء بعد العمل ليس بمبطل (1) (مسألة 30) إذا توضأت المرأة في مكان يراها الاجنبي ] قصد به التوصل إلى الحرام، إذ قدمنا عدم حرمة المقدمة بذلك، بل لان العبادة لم تصدر عن داع قربى مستقل في داعويته وان كان ما قصده مباحا كما مر، وأما إذا صدرت العبادة عن الداعي الآلهي المستقل ولم يكن ذلك الامر المباح موجبا للدعوة أصلا، أو كان داعيا مستقلا، فلا محالة يحكم بصحة العبادة كما عرفت. الرياء بعد العمل (1) لا يتحقق الرياء بعد العمل على وجه الحقيقة، لانه بمعنى أدائه العمل للغير، ومع انقضاء العبادة وانصرافها كيف يمكن ارائتها للغير. نعم لا مانع من تحقق ما هو نتيجة الرياء بأعلام الغير بالعمل بعده، كما إذا نشر عمله في الصحف والمجلات إلا أنه لا ينبغي الاشكال في عدم كونه موجبا لبطلان العمل، لانه بعد ما وقع مطابقا للامر وعلى وجه الصحة والتمام لم ينقلب عما وقع عليه، نعم هو مناف لكمال العبادة حيث ينبغي أن تصدر من غير شائبة الرياء ولو متأخرا عن العمل، بمعنى ان العبادة الراقية بحسب الحدوث والبقاء سواء، فكما انها بحسب الحدوث لابد أن لا يقترن بالرياء فكذلك بقاء بالمعنى المتقدم آنفا حسبما يستفاد من الروايات، وذلك لانا استفدنا من الاخبار ان الله يحب العبادة سرا في غير الفرائض، حيث

[ 61 ]

[ لا يبطل وضوؤها وان كان من قصدها ذلك (1). ] لا مانع من أن يؤتى به جهرا بمرأى من الناس وحضورهم، لما ورد في انها الفارقة بين الكفر والاسلام. وأما غيرها فالاحب منها ما يقع في السر، فاعلانها لا يبعد ان يكون موجبا لقلة ثوابها بل لا ذهابه واحباطه، وعلى هذا يحمل ما ورد من انه يصل الرجل بصلة، وينفق نفقة لله وحده لا شريك له فكتبت له سرا، ثم يذكرها فتمحى فتكتب له رياءا (1) ولا يمكن الاخذ بظاهرها من الحكم ببطلان العبادة السابقة يذكرها بعد ذلك لما عرفت، نعم لا مانع من الالتزام بمحو كتابة السر وكتابة العلانية، على انها مرسلة ولا يمكن الاعتماد عليها في شئ ولو قلنا بانجبار ضعف الرواية بعمل المشهور على طبقها، لعدم عملهم على طبق المرسلة كما هو ظاهر. توضوء المراة في موضع يراها الاجنبي (1) وذلك لان الوضوء عبارة عن الغسلتين والمسحتين، وهو ليس مقدمة لرؤية الاجنبي حتى يدخل بذلك في الكبرى المتقدمة، اعني المقدمة التي قصد بها التوصل إلى الحرام، حيث يجب على المرأة أن تتحفظ على نفسها ولا نري وجهها أو يديها أو غيرهما من أعضائها إلى الرجال الاجانب، بل المقدمة هي وقوفها في هذا المكان. وعليه


(1) المروية في ب 14 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل ج 1، الحديث 2.

[ 62 ]

[ (مسألة 31) لا إشكال في إمكان اجتماع الغايات المتعددة للوضوء كما إذا كان بعد الوقت وعليه القضاء أيضا وكان ناذرا لمس المصحف وأراد قراءة القرآن وزيارة المشاهد كما لا اشكال في انه نوى الجميع (1) وتوضأ وضوءا واحدا لها كفى وحصل امتثال الامر بالنسبة إلى الجميع. ] فوضوؤها محكوم بالصحة لا محالة، نعم إذا انحصر المكان بما إذا أرادت أو تتوضأ فيه وقع عليها نظر الاجنبي فلا إشكال في تبدل وظيفتها إلى التيمم، لعدم أمرها بالوضوء وقتئذ، لانه يستلزم الحرام فيجب عليها التيمم لا محالة، إلا أنها إذا عصت وتركت التيمم وتوضأت في ذلك المكان أمكن الحكم بصحة وضوئها أيضا بالترتب على ما مر الكلام عليه في بعض الابحاث المتقدمة. (1) نية جميع الغايات المترتبة على الوضوء (1) إذا نوى جميع الغايات المترتبة على الوضوء، فقد تكون كل واحدة من تلك الغايات داعية مستقلة نحو الوضوء بحيث لو كانت وحدها لاتى المكلف لاجلها بالوضوء، ولا إشكال حينئذ في انه يقع امتثالا للجميع. وأخرى لا تكون كل واحدة منها داعيا باستقلاله، بل الداعي


(1) تقدم ذلك عند التكلم على التوضؤ من الماء الموجود في أواني الذهب والفضة، أو الآنية المغصوبة مع فرض الانحصار فليلاحظ.

[ 63 ]

المستقل إحداها المعينة وغيرها تبع، فحينئذ يقع الوضوء إمتثالا لهذه الغاية المعينة لا لغيرها، وإن جاز أن يأتي بسائر الغايات المتوقفة على الطهارة لوضوئه ذلك أيضا، لعدم مدخلية قصد تلك الغايات في صحته وثالثة: يكون كل واحدة من الغايات جزءا من الداعي للوضوء، بحيث لا استقلال في الداعوية لشئ منها في نفسها، وانما الداعي له هو مجموع هذه الغايات الواجبة أو المستحبة على نحو الاجتماع، فهل يقع الوضوء حينئذ إمتثالا للجميع في نفسها؟ قد يستشكل في ذلك نظرا إلى أن مجموع هذه الغايات المتكثرة ليس متعلقا للامر بالوضوء، إذا لا وجود خارجي له حقيقة وانما هو أمر ينتزع عن وجود كل واحدة منها في الخارج، وحيث ان الامر المتعلق لكل واحدة منها بالخصوص لم يكن داعيا للمكلف على الفرض، لانه لم يأت بالوضوء بداعي التوصل إلى غاية معينة فلم يأت به المكلف بداعي الامر الشرعي المتعلق به، ومعه لا مناص من الحكم ببطلانه. إلا أن الصحيح ان الوضوء في مفروض المسألة يقع امتثالا للجميع، وذلك لان عبادية الوضوء غير ناشئة عن الامر الغيري المتعلق به، ولا من جهة قصد شئ من غاياته بل إنما عباديته تنشأ عن الامر النفسي المترتب عليه نظير بقية العبادات فهو عبادة وقعت مقدمة لعبادة أخرى، وعليه فلا يعتبر في صحته قصد أمره الغيري ولا قصد شئ من غاياته، نعم لا يعتبر في صحته أيضا ان يؤتى به بقصد الامر النفسي المتعلق به، بل ان أكثر العوام لا يلتفت إلى ان له أمرا نفسيا بوجه بل يقع صحيحا فيما إذا أتى به مضافا إلى الله سبحانه نحو اضافة وهذا يتحقق بقصد التوصل به إلى شئ من غاياته، لانه أيضا نحو إضافة له إلى الله سبحانه. فعلى هذا إذا أتى بالوضوء بداعي

[ 64 ]

مجموع غاياته حكم بصحته لانه أتى بذات العمل واضافه إلى الله تعالى حيث قصد به التوصل إلى مجموع الغايات المترتبة عليه وهو نحو اضافة له إلى الله فلا محالة يحكم بصحته. ولا يقاس المقام بالضمائم الراجحة حيث قدمنا ان العبادة إذا صدرت بداعي مجموع الامر الالهي والضميمة الراجحة ولم يكن كل واحد منهما، أو خصوص الامر الآلهي داعيا مستقلا في دعوته وقعت باطلة، من جهة عدم صدورها عن الداعي الآلهي المستقل في داعويته وانضمام الضميمة الراجحة إليه غير كاف في القربية. والذي يشهد لما ذكرناه انه لو أتى بالعبادة بداعي الضميمة الراجحة فقط بان تكون مستقلة في داعويتها لم يمكن القول بوقوع العبادة امتثالا لامرها وان كانت واقعة امتثالا لتلك الضميمة الراجحة، كتعليم الوضوء أو الصلاة للغير لانها أيضا عبادة مستحبة، إلا أنها لا توجب وقوع العبادة إمتثالا لامرها. فإذا لم تكن الضميمة الراجحة مقربة من ناحية الامر المتعلق بالعبادة في نفسها فلا يكون المجموع منها ومن الامر المتعلق بالعبادة مقربا أيضا، لان المركب من غير المقرب والمفرب لا يكون مقربا وهذا بخلاف المقام. وذلك لانه لو كان قصد بوضوئه ذلك التوصل إلى أية غاية من غاياته كفى ذلك في مقربية الوضوء ووقوعه إمتثالا لامره، لما مر من أن عبادية الوضوء لم تنشأ عن الامر الغيري المتعلق به، ولا عن قصد شئ من غاياته حتى يقال ان المكلف في مفروض الكلام لما لم يقصد التوصل إلى خصوص غاية من غاياته ولا قصد بذلك امتثال أمره الغيري وقع باطلا لا محالة. بل عباديته ناشئة عن الامر النفسي المتعلق به فهو عبادة في نفسه والعبادة يكفى في صحتها الاتيان بذاتها مضافة

[ 65 ]

[ وانه إذا نوى واحدا منها أيضا كفى عن الجميع (1) وكان اداء بالنسبة إليها وان لم يكن امتثالا إلا بالنسبة إلى ما نواه، ولا ينبغي الاشكال في أن الامر متعدد حينئذ، وان ] بها إلى سبحانه نحو اضافة، والاضافة تحصل بقصد التوصل به، إلى شئ من غاياته أو إلى مجموع تلك الغايات فلا محالة يقع صحيحا وامتثالا للجميع، ويمكن إدخال ذلك تحت عبارة الماتن (قدس سره) في قوله: كما لا إشكال في انه إذا نوى الجميع وتوضأ وضوءا واحدا لها كفى وحصل إمتثال الامر بالنسبة إلى الجميع. إذا نوى واحدا من الغايات (1) وذلك لتحقق الوضوء باتيانه بقصد غاية معينة من غاياته حيث لا يعتبر في صحته ووقوعه قصد بقية الغايات أيضا، ومع تحققه له ان يدخل في أية غاية متوقفة على الطهارة سواء قلنا ان الطهارة هي نفس الوضوء أعني الغسلتين والمسحتين كما قويناه، أم قلنا ان الطهارة أمر يترتب على تلك الافعال، وذلك لتحقق الطهارة على الفرض. نعم يقع حينئذ إمتثالا من جهة الامر المتوجه إلى ما قصده من الغايات واداءا بالاضافة إلى بقية غاياته التي لم يقصد التوصل به إليها هذا. ثم ان في هذه المسألة جهة أخرى للكلام، وهي انه إذا توضأ بنية شئ من غايات الوضوء وبعد ذلك بدا له وأراد أن يأتي بغاية

[ 66 ]

[ قيل انه لا يتعدد، وانما المتعدد جهاته وانما الاشكال في انه هل يكون المأمور به متعددا أيضا، وان كفاية الوضوء الواحد من باب التداخل أو لا بل يتعدد؟ ذهب بعض العلماء إلى الاول، وقال انه حينئذ يجب عليه أن يعين أحدها وإلا بطل، لان التعيين شرط عند تعدد المأمور به وذهب بعضهم إلى الثاني، وان التعدد انما هو في الامر أو في جهاته. ] أخرى أيضا من غاياته، فقد عرفت انه لا يجب عليه حينئذ أن يتوضأ ثاينا، بل الوضوء الذي أتى به للتوصل به إلى صلاة الفريضة مثلا كاف في صحة بقية غاياته، إلا أن الكلام في ان هذا من باب التداخل، أو من جهة وحدة المأمور به: والكلام في ذلك تارة في تعدد الامر، وأخرى في تعدد المأمور به، وقد نفى الماتن الاشكال في تعدد الامر حينئذ، وذكر ان الاشكال في أن المأمور به أيضا متعدد أو أن التعدد في جهاته، ونسب إلى بعض العلماء القول بتعدد المأمور به كالامر وفرع عليه لزوم تعيين أحدها لانه لو لم يعين المأمور به عند تعدده بطل، وقد اختار هو (قدس سره) عدم تعدد المأمور به، ثم تعرض إلى مسألة النذر وقال أنه يتعدد المأمور به فيها تارة، ولا يتعدد أخرى. وتوضيح الكلام في هذا المقام: انه إذا قلنا بأن المقدمة لا تتصف بالامر الغيري المقدمي لا بالوجوب ولا بالاستحباب كما قويناه في محله، وقلنا ان الوجوب أو الاستحباب لا يتعدى ولا يسرى من ذي المقدمة إلى مقدماته، نعم هي واجبة عقلا فلا يبقى مجال للبحث في هذه

[ 67 ]

المسألة، حيث لا أمر غيري في الوضوء حينئذ ليقال انه واحد أو متعدد، وان المأمور به أيضا متعدد أو واحد، فالنزاع يبتنى على القول باتصاف المقدمة بالامر الغيري المترشح من ذيها شرعا: وحينئذ ان قلنا بما سلكه صاحب الكفاية (قدس سره) من ان الامر للغيري إنما يتعلق بذات المقدمة كالغسلتين والمسحتين لا بهما مقيدا بعنوان المقدمية أو الايصال لان المقدمية جهة تعليلية لا تقييدية، فالصلاة واجبة لعلة ما فيها من المصلحة، ومقدماتها واجبة لعلة كونها مقدمة لها فالمتصف بالامر الغيري هو ذات المقدمة لا هي بوصف كونها مقدمة أو مع قيد الايصال، فلا مناص من الالتزام بوحدة الامر، لان طبيعي الوضوء وذاته شئ واحد لا يعقل الحكم بوجوبه أو باستحبابه مرتين، لوضوح انه من أظهر انحاء اجتماع المثلين، أو الامثال وهو أمر مستحيل حتى بناءا على القول بجواز اجتماع الامر والنهي، فلابد من الالتزام بوحدة وجوبه غاية الامر انه متأكذ وهو آكد من بقية أفراد الوجوبات الغيرية المتعددة متعلقاتها. وأما إذا قلنا حينئذ أي على تقدير الالتزام باتصاف المقدمة بالامر الغيري بأن متعلقه ليس هو طبيعي المقدمة، بل هو صحة خاصة منه وهي التي تقع في سلسلة علة ذي المقدمة أعني المقدمة الموصلة في الخارج إلى ذيها كما ذهب إليه صاحب الفصول (قدس سره) وقويناه في محله وقلنا ان المقدمة على تقدير الالتزام بوجوبها، أو باستحبابها الغيريين لا موجب للالتزام بوجوب طبيعي المقدمة أو استحبابها وان لم توصل إلى ذيها خارجا، فلا مناص وقتئذ من الالتزام بتعدد الامر وذلك:

[ 68 ]

لان هناك حينئذ حصصا كثيرة متعددة، فالوضوء المقيد بكونه موصلا إلى صلاة الفريضة واجب بوجوب ناشئ من وجوب الفريضة، والوضوء المقيد بكونه موصلا إلى قرائة القرآن مستحب باستحباب القرائة، كما ان الوضوء المقيد بكونه موصلا إلى صلاة القضاء واجب بوجوب ناشئ من وجوب القضاء وهكذا، ولا يمكن أن يقال حينئذ ان الوضوء المقيد بكونه موصلا إلى صلاة القضاء مستحب باستحباب القرائة، أو واجب بوجوب صلاة الفريضة وهكذا، وعليه فكما بتعدد الامر كذلك يتعدد المأمور به كما عرفت. فمن هنا يظهر ان ما أفاده الماتن من نفي الاشكال في تعدد الامر وجعل الاشكال في تعدد المأمور به مما لا وجه له ولا نعرف له وجها صحيحا، لان الجهتين متلازمتان. ففي كل مورد التزمنا بوحدة الامر كما بناءا على مسلك صاحب الكفاية (قدس سره) فلا مناص من الالتزام بوحدة المأمور به أيضا، كما انه إذا قلنا بتعدد الامر كما على المختار لا بد من الالتزام بتعدد المأمور به كما مر، وعليه فإذا جمع تلك الحصص في مورد واحد بان توضأ بقصد التوصل إلى غاية واحدة، أو مجموعها وكان موصلا إلى المجموع خارجا فيكون عدم الحاجة إلى الوضوء مرة ثانية للغاية الاخرى من جهة التداخل لا محالة. وعلى الجملة قد عرفت ان هذه المسألة تبتني على ما هو المعروف بينهم من إتصاف المقدمة بالامر الغيري شرعا، كما ان تعدد المأمور به أو وحدته يبتنيان على ما هو الصحيح من اختصاص الامر الغيري بالمقدمة الموصلة، لان الحصص حينئذ متعددة فان الوضوء الموصل إلى الفريضة حصة منه واجبة بوجوب الفريضة، والوضوء الموصل إلى النافلة حصة أخرى منه مستحبة باستحباب ناشئ من استحباب

[ 69 ]

النافلة أو القرائة أو غيرهما، فالحصص متعددة كما ان الامر متعدد، إلا ان هذه الحصص قد تجتمع في مورد واحد وتوجد بوجود فارد، كما إذا أوصل وضوؤه إلى جميع غاياته الواجبة والمستحية، وعليه فعدم لزوم التعدد في الوضوء وكفاية الوضوء مرة واحدة يكون من باب التداخل لا محالة، ولعل هذا كله ظاهر ولا كلام فيه. وإنما الكلام فيما فرعه ورتبه على هذا القول من لزوم تعيين أحد الواجبات أعني المأمور به المتعدد فيحكم ببطلانه عند عمد تعيينه مع تعدده لعدم الترجيح من غير مرجح. الصحيح عدم اعتبار التعيين حينئذ، وذلك لما مر غير مرة من ان عبادية الوضوء لم تنشأ عن الامر الغيري المتعلق به، لانا نلتزم بعباديته حتى على القول بعدم وجوب المقدمة وانكار الامر الغيري رأسا، وانما عباديته نشأت عن الامر النفسي المتعلق به وعليه فلو أتى بالوضوء قاصدا به أمره النفسي فقد وقع وضوؤه صحيحا مقربا ويصح معه الدخول في غاياته وان لم يقصد أمره الغيري أصلا، أو قصده على وجه الترديد بأن لم يدر انه يصلى بعد وضوئه هذا أو يقرأ القرآن، أو يزور الامام (عليه السلام) لان الترديد حينئذ إنما هو في قصد أمره الغيري ولا ترديد في قصد أمره النفسي، وقد ذكرنا ان الامر الغيري لا يعتبر قصده في عبادية الوضوء ولا يقاس المقام بسائر العبادات النفسية، كصلاتي القضاء والاداء حيث يجب تعيين أحدهما في صلاته وإلا بطلت صلاته لا محالة، لان عباديتها إنما هي من جهة أمرها النفسي فلا مناص من قصد أمرها النفسي في وقوعها صحيحة، فاما أن يقصد الامر بالاداء أو الامر بالقضاء، وأما في المقام فقد عرفت انه قصد أمره النفسي ولم يقصد أمره الغيري وقد مر ان قصد

[ 70 ]

الامر الغيري غير معتبر في صحة الوضوء، لعدم إستناد عباديته إلى الامر الغيري هذا: بل لو قلنا بأن عبادية الوضوء نشأت من أمره الغيري أيضا لا يجب تعيين المأمور به عند اجتماع غايات متعددة، وذلك لان تعيين المأمور به لم يدل على اعتباره دليل وانما نقول باعتباره في الموارد التي لا يتعين المأمور به ولا يتحقق إلا بتعيينه وقصده، وهذا كما إذا صلى ركعتين بعد طلوع الفجر لانه لابد من تعيين أنهما فريضة أو نافلة، فلو لم يعين أحدهما بطلت، لتقوم كل من الفريضة والنافلة بقصدها وبتعيينها: وهذا بخلاف المقام، لان الواجب متعين في نفسه ولا حاجة فيه إلى التعيين، وذلك لان الحصة الموصلة من الوضوء إلى صلاة الفريضة ممتازة عن الحصة الموصلة إلى قرائة القرآن، وهي غير الحصة الموصلة منه إلى زيارة الامام (عليه السلام) فالحصص في انفسها ممتازة كما ان ما يأتي به متعين في علم الله، لعلمه تعالى بأنه موصل للقرائة أو للزيارة فبناءا على أن عبادية الوضوء ناشئة عن أمره الغيري لا مناص من قصد أمره الغيري في صحة الوضوء، إلا أنه لا يجب عليه تعيين ذلك الامر الغيري وانه يأتي بالوضوء بغاية كذا، بل لو أتى به للتوصل به إلى شئ من غاياته من دون علمه بأنه يأتي بالفريضة بعد ذلك أو بالزيارة أو بغيرهما صح، لانه أتى به وأضافه إلى الله سبحانه بقصد أمره الغيري وهو متعين في علم الله سبحانه، لعلمه تعالى بأن هذا الوضوء هو الذي يوصله إلى الفريضة أو إلى النافلة، أو إلى الزيارة وان يعمل به المتوضئ، لانه إنما يعمل به بعد الاتيان بالغاية ومع تعين المأمور به في نفسه وفي علم الله سبحانه لا حاجة إلى تعيينه في مقام الامتثال، لانه مما لم يدل دليل على اعتباره في الواجبات

[ 71 ]

[ وبعضهم إلى انه يتعدد بالنذر ولا يتعدد بغيره (1) وفي النذر أيضا لا مطلقا بل في بعض الصور (2) مثلا إذا نذر ان يتوضأ لقرائة القرآن ونذر ان يتوضأ لدخول المسجد فحينئذ يتعدد، ولا يغنى أحدهما عن الاخر، فإذا لم ينو شيئا منهما لم يقع امتثالا لاحدهما ولا اداؤه وان نوى أحدهما المعين حصل امتثاله واداؤه، ولا يكفى عن الاخر: وعلى أي حال وضوؤه ] وإنما نعتبره فيما إذا توقف تحقق الواجب وتعيينه إلى التعيين كما في مثل النافلة والفريضة، أو القضاء والاداء هذا كله في غير النذر. مسألة النذر (1) الذي يظهر من عبارة الماتن (قدس سره) ان هذا تفصيل في المسألة بمعنى ان الامر متعدد والمأمور به واحد إلا في موارد النذر لان المأمور به قد يتعدد فيها وقد لا يتعدد إلا أنه من قصور العبارة، لان النذر خارج عن محل الكلام رأسا حيث ان تعدد الوضوء ووحدته فيه تابعان لقصد الناذر ونيته وهو مما لا كلام فيه، وانما البحث فيما إذا كان المأمور به متعددا في نفسه لا من ناحية النذر. (2) وتفصيل الكلام في نذر الوضوء ان الناذر قد ينذر قرائة القرآن - مثلا - متوضئا وأيضا ينذر زيارة الامام (عليه السلام) متوضئا، وهكذا. ولا إشكال في عدم وجوب الوضوء متعددا في هذه الصورة لانه لم ينذر الوضوء متعددا وانما نذر القرائة أو الزيارة

[ 72 ]

[ صحيح بمعنى انه موجب لرفع الحدث، وإذا نذر ان يقرأ القرآن متوضئا ونذر أيضا أن يدخل المسجد متوضئا فلا يتعدد حينئذ ويجزى وضوء واحد عنهما وان لم ينو شيئا منهما، ولم يمتثل أحدهما، ولو نوى الوضوء لاحدهما كان امتثالا بالنسبة إليه واداءا بالنسبة إلى الاخر، وهذا القول قريب. ] ونحوهما، فإذا توضأ لاي غاية كان، ثم قرأ القرآن، وزار الامام (عليه السلام) صح وضوؤه وحصل الوفاء به، لانه أتى بهما في حال كونه متطهرا فضلا عما إذا توضأ للقرائة، ثم أتى بالزيارة أو بالعكس وهذا ظاهر. وأخرى ينذر الوضوء للقرائة وأيضا ينذر الوضوء للزيارة، إلا أنه لم ينذر تعدد وجودهما بمعنى انه نذر الاتيان بالطبيعي الموصل من الوضوء إلى القرائة، وأيضا نذر الاتيان بطبيعة أخرى منه موصلة إلى الزيارة، وأما أن يكون وجود كل من هاتين الطبيعتين منحازا عن الآخر فلم ينذره، فحينئذ يحكم بتخيره بين أن يتوضأ وضوءا واحدا ويوجد الطبيعتين في مصداق واحد، وبين أن يوجد كل واحد منهما بوجود مستقل، وهذا كما إذا نذر اكرام عالم ونذر أيضا اكرام هاشمي من غير أن ينذر تغايرهما في الوجود، فانه إذا اكرم عالما هاشميا فقد وفي بنذره، وهذا مما لا إشكال فيه. وثالثة ينذر ان يوجد وضوءا يوصله إلى القرائة، وينذر أيضا أن يوجد وضوءا ثانيا يوصله إلى الزيارة، وحينئذ لا مناص من التعدد في الوضوء، وهذا لا من جهة تعدد الوضوء في نفسه من قبل غاياته،

[ 73 ]

بل قد عرفت ان الوضوء لا يحتاج إلى التعدد من ناحيتها، فان له أن يتوضأ بوضوء واحد ويأتي بجميع غاياته، وإنما التعدد من جهة نذره التعدد بحيث لو أتى به مرة واحدة يجوز له أن يدخل معه في الصلاة ويأتي بغيرها من غاياته، إلا انه لا يكون وفاءا لنذره لانه قد نذر التعدد هذا. وقد يقال في هذه الصورة ان نذر التعدد حينئذ لا يخلو عن اشكال، لان الوضوء من قبل غاياته إذا لم يكن متعددا في الشريعة المقدسة لكفاية الوضوء الواحد في الاتيان بجميع غاياته، فان الطبيعة واحدة ولا يتعدد من قبل غاياتها، فكيف يكون النذر موجبا للتعدد؟ لان النذر لا يصلح أن يكون مشرعا للتعدد فيما لا تعدد فيه شرعا لوجوب مشروعية المنذور مع قطع النظر عن النذر. ولكن الصحيح انه لا مانع من نذر التعدد، وذلك لان كلامنا في ان المأمور به متعدد أو واحد في قول الماتن - انه لا اشكال في تعدد الامر، وانما الكلام في تعدد المأمور به وعدمه - انما هو في ان المأمور به طبيعة واحدة ولا يتعدد من قبل غاياتها، أو انها طبائع متعددة بتعدد غايات الوضوء، كما قالوا بذلك في الغسل من ناحية أسبابه لا من ناحية غاياته حيث قالوا ان الغسل من جهة الحيض طبيعة، ومن ناحية الجنابة طبيعة أخرى، وهكذا، وان كانت هذه الطبائع تتداخل فيما إذا أتى بالغسل الواحد ناويا للجميع، وقد ذكرنا ان التعدد في طبيعة الوضوء من حيث الغايات لم يثبت فقلنا بكونه طبيعة واحدة وماهية فاردة، فتعدد الماهية والطبيعة غير مشروع. إلا أن النذر انما تتعلق بالفرد لا بالماهية والطبيعة، فقد نذر ان يأتي بفرذ من الوضوء لغاية كذا، وأيضا نذر ان يأتي بفرد آخر منه

[ 74 ]

[ (مسألة 32): إذا شرع في الوضوء قبل دخول الوقت وفي أثنائه دخل (1) لا إشكال في صحته وانه متصف ] لغاية اخرى، والتعدد في الفرد امر سائغ شرعا لبداهة ان يجوز للمكلف أن يتوضأ لصلاة الفريضة ثم يأتي بوضوء آخر لها ثانيا، فان التجديد للفريضة مستحب حيث ان الوضوء على الوضوء نور على نور، فلا مانع من نذر التعدد في الوضوء هذا أولا. وثانيا انا لو سلمنا - فرضا - عدم مشروعية تجديد الوضوء للفريضة أيضا، أو قلنا بان التجديد انما يسوغ فيما إذا اتى به ثانيا بعنوان التجديد لا بعنوان كونه مقدمة لغاية أخرى أيضا، لا مانع من صحة نذر التعدد في الوضوء، وذلك لانه متمكن من أن يأتي بفرد من الوضوء اولا ثم ينقضه ثانيا بالحدث ثم يأتي بفرد آخر من الوضوء وفاءا لنذره، فانه مع التمكن من ابطال وضوئه الاول لا مانع من أن ينذر التعدد لانه لم ينذر ان يأتي بوضوءين متعاقبين بل له ان يحدث بينهما، ومعه لا إشكال في مشروعية الفرد الثاني من الوضوء، فنذر التعدد في الوضوء مما لا اشكال فيه. إذا دخل الوقت في اثناء الوضوء (1) نسب إلى العلامة (قدس سره) الحكم ببطلان الوضوء حينئذ والحكم بالاستيناف نظرا إلى أن ما قصده المكلف قبل دخول الوقت من الاستحباب لا واقع له، لعدم تمكنه في الواقع من اتيان العمل المستحب وإنهائه لفرض دخول الوقت في أثنائه وتبدل استحبابه

[ 75 ]

[ بالوجوب باعتبار ما كان بعد الوقت من أجزائه وبالاستحباب بالنسبة إلى ما كان قبل الوقت فلو أراد نية الوجوب والندب نوى الاول بعد الوقت والثاني قبله. ] بالوجوب. ولا يتمكن من قصد الوجوب إذ لا وجوب قبل دخول الوقت فلا محالة يبطل وضوءه ويجب استينافه هذا. ولكن الصحيح وفاقا للماتن صحة هذه الوضوء وعدم وجوب الاستيناف فيه، والوجه في حكمنا بصحته انه لا يتوجه إشكال في صحة الوضوء على جميع المحتملات في المسألة، حيث ان فيها احتمالات: لانا ان قلنا بعدم اتصاف المقدمة بالوجوب الغيري أصلا كما بنينا عليه وقلنا انه الصحيح فلا اشكال في المسألة، لان الوضوء حينئذ باق على استحبابه بعد الوقت أيضا ولم يتبدل ولم ينقلب إلى الوجوب فهو متمكن من اتيان العمل المستحب من أوله إلى آخره. وأما إذا قلنا بوجوب المقدمة وخصصنا وجوبها بالمقدمة الموصلة كما هو المختار على تقدير القول بالوجوب الغيري في المقدمة فكذلك لا إشكال في المسألة فيما إذا لم يوصله هذا الوضوء إلى الفريضة، كما إذا قرأ القرآن بعد ذلك ثم أحدث ثم توضأ للفريضة، وكذلك الحال فيما إذا خصصنا وجوبها بما إذا قصد به التوصل إلى ذيها كما ذهب إليه شيخنا الانصاري (قدس سره) إذا لم يقصد المكلف من وضوئه هذا التوصل إلى الفريضة، فان الوضوء حينئذ باق على استحبابه بعد الوقت ولم يتبدل إلى الوجوب، فالمكلف يتمكن من اتيان العمل المستحب الذي قصده قبل دخول الوقت من مبدئه إلى منتهاه.

[ 76 ]

وأما إذا قلنا بوجوب المقدمة مطلقا، أو خصصناه بالموصلة مع فرض كون الوضوء موصلا له إلى الواجب، أو خصصناه بما قصد به التوصل إلى ذيها وفرضنا ان المكلف قصد به التوصل إليه فأيضا لا إشكال في المسألة فيما إذا قلنا ان متعلق الامر الغيري ليس هو متعلق الامر الاستحبابي ليكونا في عرض واحد، وإنما متعلق الامر الغيري هو اتيان العمل إمتثالا لامره الاستحبابي - لا ذات العمل - فهما طوليان نظير ما إذا نذر صلاة الليل، أو استوجر للصلاة عن الغير، أو حلف باتيان الفريضة حيث أن متعلق الامر النذرى، أو الحلفى أو الاجارى ليس هو ذات العمل - كالغسلتين والمسحتين في الوضوء - حتى يكون في عرض الامر المتعلق به نفسا وذلك لان ذات العمل غير مقيدة في حق الحي والميت وإنما المفيد هو الاتيان بالذات إمتثالا لامرها وهو متعلق للامر النذري وشقيقيه. وعليه أيضا لا إشكال في المسألة لعدم إرتفاع الاستحباب عن الوضوء بعد دخول وقته، بل هو باق على استحبابه وغاية الامر طرأ عليه الامر الغيري بعد الوقت، فالمكلف متمكن من إتيان العمل المستحب من مبدئه إلى منتهاه. وأما إذا قلنا ان متعلق الامر الغيرى هو الذات وانه مع الامر الاستحبابي في عرض واحد فعليه أيضا لا إشكال في المسألة، لان المرتفع حينئذ بعد دخول الوقت هو حد الاستحباب ومرتبته لا ملاكه وذاته لانه باق على محبوبيته وغاية الامر قد تأكد طلبه فصار الاستحباب بحده مندكا في الوجوب، أما بذاته وملاكه فهو باق فهو متمكن من إتيان العمل المستحب بذاته لا بحده فلا إشكال في المسألة، هذا كله على انه لا محذور في اتصاف عمل واحد بالاستحباب بحسب الحدوث، وبالوجوب بحسب البقاء حتى في الوجوب النفسي فضلا عن الوجوب

[ 77 ]

الغيرى، ولقد وقع ذلك في غير مورد في الشريعة المقدسة وهذا كما في الحج المندوب لانه بعد الدخول والشروع فيه يجب إتمامه، وكذا في نذر إتمام المستحب بعد الدخول فيه، وفي عبادات الصبي إذا بلغ في أثنائها، لانها حين دخوله فيها مستحبة وفي الاثناء يتصف بالوجوب فهل يمكن الاشكال في صحة هذه الامور حينئذ؟ كلا. والسر في ذلك ان الاستحباب والوجوب - بعد اتحاد الطبيعة المتعلقة بهما لضرورة ان الوضوء الذي يؤتى به لقرائة القرآن، أو قبل الوقت هو الذي يؤتى به للفريضة، أو بعد دخول وقتها - أما أن يكونا مرتبتين من الطلب، فالاستحباب مرتبة ضعيفه منه، والوجوب مرتبة قوية. وعليه فالطلب الداعي للمكلف إلى الاتيان بالوضوء قبل الوقت طلب واحد شخصي باق إلى المنتهى، لان الاختلاف في المرتبة لا ينافي التشخص والوحدة، كالبياض الضعيف والقوي لانه شئ واحذ لا متعدد، وأما انهما اعتبار واحد وانما يختلفان بانضمام الترخيض إليه وعدمه فان انضم إليه الترخيص في الترك فيعبر عنه بالاستحباب، وان لم ينضم يعبر عنه بالوجوب، وعليه فالامر أوضح لانهما شئ واحد وقد أتى المكلف العمل بداعي هذا الاعتبار وان انضم إليه الترخيص في الترك قبل دخول الوقت ولم ينضم إليه بعده، نعم لابد من فرض وحدة الطبيعة وعدم تعددها كما بيناه. فإذا كان هذا حال الاستحباب والوجوب النفسي فما ظنك بالاستحباب والوجوب الغيرى الذي لا نقول به اولا، وعلى تقدير القول به نخصصه بالموصلة، أو بقصد التوصل، وعلى تقدير التعميم أو فرض كونه موصلا أو مقصودا به التوصل نرى ان متعلقه هو الوضوء المأتى به امتثالا لامره الاستحبابي، وعلى تقدير ان متعلقه هو

[ 78 ]

[ فهذا الوضوء متصف بالوجوب (1) وان لم يكن الداعي عليه الامر الوجوبي فلو أراد قصد الوجوب والندب لابد أن يقصد الوجوب الوصفي والندب الغائي (2) بان يقول أتوضأ الوضوء الواجب امتثالا للامر به لقراءة القرآن هذا ولكن الاقوى (3) ان هذا الوضوء متصف بالوجوب والاستحباب معا ولا مانع من اجتماعهما. (مسألة 34) إذا كان استعمال الماء باقل ما يجزئ من الغسل غير مضر واستعمال الازيد مضرا يجب عليه الوضوء كذلك. ] الذات لا نراه منافيا لذات الاستحباب وملاكه ان كان منافيا لحده ومرتبته فكيف كان لا اشكال في المسألة. (1) بناء على وجوب مقدمة الواجب مطلقا. (2) ولا يتمكن من أن بقصد الاستحباب الوصفي، لعدم كون الوضوء مستحبا حيث فرضنا أن مقدمة الواجب واجبة. (3) ما أفاده في هذه المسألة من أولها إلى آخرها يبتنى على أمور: الاول: أن نقول بوجوب مقدمة الواجب، إذ لو أنكرنا وجوبها فالوضوء مستحب لا وجوب فيه حتى يأتي به بوصف كونه واجبا، ويجتمع مع الاستحباب أو لا يجتمع. الثاني: ان نعمم وجوب المقدمة إلى مطلقها ولا نخصصها بالموصلة أو بما قصد منه التوصل به إلى الواجب، وإلا لم يكن الوضوء واجبا في مفروض الكلام لعدم كونه موصلا إلى الواجب، لانه يأتي

[ 79 ]

بعده بغاية مندوبة على الفرض ولا يأتي بغاية واجبة، كما انه قصد به التوصل إلى الغاية المندوبة لا إلى الواجبة الثالث: أن يكون المقام من صغريات كبرى جواز اجتماع الامر والنهي، لان الماتن (قدس سره) انما نفى المانع من اجتماع الوجوب والاستحباب في المسألة بحسبان انها من تلك الكبرى التي ألف فيها رسالة مستقلة وهي مطبوعة وبنى على جواز اجتماعهما، حيث أن الاصحاب (قدس الله أسرارهم) وان عنونوها بعنوان اجتماع الامر والنهي إلا أن المصرح به في محله عدم خصوصية للوجوب والحرمة في ذلك، بل المبحوث عنه هنا هو جواز اجتماع كل حكمين متنافيين في شئ واحد بعنوانين، كالكراهة والوجوب، أو الاستحباب والكراهة وهكذا. وإنما عنونوها بذلك العنوان لشدة التضاد بين الحرمة والوجوب وحيث ان للوضوء في المقام عنوانين فلا مانع من أن يحكم باستحبابه بعنوان وبوجوبه بعنوان آخر. هذا ولكنك قد عرفت سابقا ان المقدمة لا تتصف بالامر الغيري بوجه، ثم على تقدير التنزل فالواجب انما هو حصة خاصة وهي التي تقع في سلسلة علة في المقدمة أعني المقدمة الموصلة، ثم على تقدير الالتزام بوجوب مطلق المقدمة لا يمكن المساعدة على إدراج المقام في كبرى مسألة جواز اجتماع الامر والنهي. وذلك لانه يعتبر في تلك المسألة أن يكون العنوانان والجهتان من العناوين التقييدية، بأن يكون مركز اجتماعهما امران وموجودان مستقلان وكان التركب منهما تركبا انضماميا، فقد قال بعضهم فيه بالجواز، واختار آخر الامتناع، وأما إذا كانت الجهة أو العنوان تعليلية وواسطة في الثبوت وكان المتعلق شيئا واحدا والتركب إتحاديا فهو خارج عن

[ 80 ]

[ ولو زاد عليه بطل (1) الا أن يكون استعمال الزيادة بعد ] تلك المسألة رأسا، لاستحالة اجتماع حكمين متنافيين في مورد ولو بعلتين وحيث ان المقام من هذا القبيل، لان الامر الغيري من الوجوب والاستحباب إنما يتعلق بذات المقدمة، وعنوان المقدمية عنوان تعليلي ومن الواسطة في الثبوت فيقال ان الوضوء واجب، لانه مقدمة للواجب، وانه مستحب لانه مقدمة للمستحب فلا محالة كان خارجا عن كبرى مسألة الاجتماع، ولا مناص في مثله من الالتزام بالاندكاك أعني اندكاك الاستحباب في الوجوب والحكم بوجوب الوضوء فحسب، ولا مجال للحكم باستحبابه ووجوبه معا. استعمال الماء بأزيد مما يجزئ عند الضرر (1) في هذه المسألة عدة فروع: و (منها): ان استعمال الماء زائدا على أقل ما يجزى من الغسل في الوضوء إذا كان مضرا في حق المكلف، وقد توضأ على نحو تعدد الوجود بان غسل كلا من مواضع الوضوء أولا بأقل ما يجزى في غسله، وبعده صب عليه الماء زائدا وهو الذي فرضناه مضرا في حقه فلا إشكال في صحة وضوئه، لان الاستعمال المضر انما هو خارج عن المأمور به، فلا يكون موجبا لبطلانه. بلا فرق في ذلك بين عمله وجهله ونسيانه. و (منها): ما إذا توضأ والحال هذه على نحو وحدة الوجود، بأن صب الماء مرة واحدة زائدا على أقل ما يجزى في وضوئه، والحكم

[ 81 ]

[ تحقق الغسل باقل المجزى وإذا زاد عليه جهلا أو نسيانا لم يبطل بخلاف مالو كان اصل الاستعمال مضرا وتوضأ جهلا أو نسيانا فانه يمكن الحكم ببطلانه (1) لانه مامور واقعا بالتيمم هناك بخلاف ما نحن فيه. (مسألة 35): إذا توضأ ثم ارتد ] ببطلان الوضوء في هذه الصورة يبتني على القول بحرمة الاضرار بالنفس مطلقا، لانه حينئذ محرم ومبغوض للشارع، والمبغوض لا يمكن ان يكون مصداقا للواجب ومقربا للمولى بوجه. وأما إذا انكرنا حرمته على وجه الاطلاق وان كان بعض مراتبه محرما بلا كلام فلا يبقى موجب للحكم ببطلان الوضوء، لانه مأمور بالوضوء على الفرض لتمكنه من الوضوء باقل ما يجزي وهو غير مضر في حقه، فإذا لم يكن الفرد محرما فلا محالة تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها ويكون الاتيان به مجزئا في مقام الامتثال، بلا فرق حينئذ بين عمله بالضرر وبين جهله ونسيانه. و (منها):: ما إذا توضأ بصب الماء مرة واحدة زائدا على اقل ما يجزى في غسله، ومع فرض الضرر من القسم المحرم، أو مع البناء على حرمة مطلق الاضرار، ولابد من التفصيل حينئذ بين صورة العلم بالضرر وصورة نسيانه. (1) أما إذا كان عالما بالحال فلا اشكال في الحكم ببطلان ذلك الوضوء، لانه محرم مبغوض والمبغوض لا يمكن التقرب به ولا يقع مصداقا للواجب. وأما إذا كان ناسيا فيحكم على وضوئه بالصحة، لان حديث رفع

[ 82 ]

النسيان حاكم على ادلة الاحكام وموجب لارتفاعها عند النسيان، فالوضوء حينئذ غير محرم في حق الناسي واقعا وليس رفعه رفعا ظاهريا كما فيما لا يعلمون، وحيث ان المفروض انه مكلف بالوضوء لقدرته على التوضوء باقل ما يجزى في غسله، وهو كما إذا فرضنا مائين احدهما مضر في حقه لشدة حرارته أو برودته، والاخر غير مضر وقد توضأ مما يضره فهو مكلف بالوضوء ولا مانع في الفرد المأتى به لعدم حرمته واقعا فلا محالة تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها ويكون الاتيان به مجزءا في مقام الامتثال. وتوهم: ان حديث نفي الضرر يوجب تقييد الطبيعة المأمور بها بغير ذلك الفرد المضر، مندفع: بأن شأن قاعدة نفي الضرر هو رفع الاحكام لا اثباتها ولو مقيدة، ولا مورد للنفي في المقام حيث ان الفرد غير محكوم بحكم حتى ترفعه القاعدة، لان الحكم مترتب على الطبيعة دون الفرد. هذا كله في موارد النسيان. وأما إذا كان جاهلا بالضرر فلا يمكن الحكم بصحة الوضوء حينئذ لما ذكرناه غير مرة من ان الجهل بالحرمة والمبغوضية لا يرفع الحرمة ولا يجعل ما ليس بمقرب مقربا، وبعبارة اخرى ان النهي في العبادة يوجب الفساد مطلقا كان عالما بالحرمة أم جاهلا بها، نعم الجهل عذر في ارتكابه الحرام، وأما لصحة فلا. لانه مبغوض واقعي والمبغوض لا يكون مقربا. ومن جملة فروع المسألة: ما إذا كان اصل استعمال الماء مضرا في حقه ولو باقل مما يجزى في الوضوء، فقد حكم في المتن ببطلان الوضوء حينئذ في صورة العمل، وقال انه يمكن الحكم ببطلانه في صورة الجهل والنسيان أيضا نظرا إلى انه غير مكلف بالوضوء واقعا وانما هو مأمور بالتيمم فلو توضأ وقع وضوؤه باطلا لا محالة، هذا وقد تقدمت هذه

[ 83 ]

المسألة في شرائط الوضوء وحكم (قدس سره) هناك بصحة الوضوء في صورة الجهل والنسيان، إلا انه في المقام ذكر انه يمكن الحكم ببطلانه في كلتا الصورتين، والصحيح هو ما افاده هناك. وذلك أما في صورة النسيان فلما مر من ان النسيان يرفع الحرمة الواقعية، ومع اباحة الفرد وعدم حرمته لا مانع من ان تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها. ودعوى انه غير مأمور بالوضوء حينئذ بل مأمور بالتيمم فاسدة، لانه مأمور بالوضوء لتمكنه من استعمال الماء عقلا وهو ظاهر وشرعا، لعدم حرمته عليه واقعا لاجل نسيانه. ودعوى انه وان لم يكن محرما عليه إلا ان مقتضى حديث نفي الضرر تقيد الامر بالوضوء بغير ما كان موجبا للضرر، فالوضوء المضر مما لا يتعلق به امر غير مسموعة لانه انما يجرى مع الامتنان، وأى امتنان في الحكم بفساد الوضوء الذي أتى به الناسي بعد نسيانه. نعم يجرى الحديث في صورة العمل بالضرر وان قلنا بعدم حرمته ويوجب تقييد الامر بالوضوء بغير صورة الضرر لانه على وفق الامتنان لوضوح ان رفع الالزام والتكليف والحكم بانك غير مكلف بالوضوء موافق مع الامتنان ومع شمول الحديث والحكم بعدم وجوب الوضوء لو أتى به يقع فاسدا إذ لا مسوغ في عمله ولا امر له فهو فاسد. وأما في صورة الجهل فان كان للضرر من القسم المحرم فلا اشكال في الحكم ببطلان الوضوء لانه عمل محرم مبغوض واقعا، والمبغوض لا يقع مقربا ومصداقا للواجب فيفسد. وقد عرفت ان الجهل عذر وغير رافع للحرمة والمبغوضية الواقعية، وأما إذا لم يكن من القسم المحرم فان قلنا بمقالة المشهور وحكمنا بحرمة مطلق الضرر فايضا لابد من الحكم بالفساد لانه مبغوض واقعي، والمحرم والمبغوض لا يكون

[ 84 ]

[ لا يبطل وضوؤه (1) فإذا عاد إلى الاسلام لا يجب عليه الاعادة وان ارتد في اثنائه ثم تاب قبل فوات الموالات لا يجب عليه الاستئناف، نعم الاحوط ان يغسل بدنه من جهة الرطوبة التي كانت عليه حين الكفر وعلى هذا إذا كان ارتداده بعد غسل اليسرى وقبل المسح ثم تاب يشكل المسح لنجاسة الرطوبة التي على يده. ] مقربا ولا يقع مصداقا للواجب، ومن هنا قلنا ان النهي في العبادة يقتضى الفساد مطلقا علم بحرمته أم جهل بها. وأما إذا انكرنا حرمته كما هو الصحيح فلابد من الحكم بصحته لانه عمل مباح، والمكلف متمكن من الوضوء شرعا وعقلا فتنطبق عليه الطبيعة المأمور بها فيصح ومن هنا يظهر انه لا فرق بين كون اصل الاستعمال مضرا، وبين ما إذا كان الزائد على اقل ما يجزى في الوضوء مضرا، لانه في صورة النسيان محكوم بالصحة في كلتا الصورتين وفي صورة الجهل مبني على الخلاف من حرمته وعدمها، وفي صورة العلم محكوم بالفساد لحديث نفي الضرر في الصورة الاخيرة، ولحرمة الفرد ومبغوضيته في الصورة الاولى بناءا على مسلك المشهور من حرمة الاضرار مطلقا، وأما على ما ذكرناه من عدم حرمة الاضرار على وجه الاطلاق، فلا مانع من الحكم بالصحة في صورة العلم عند كون الزائد مضرا. عدم مبطلية الارتداد: (1) لعدم الدليل على مبطليته الارتداد بل الدليل على عدم المبطلية موجود وهو اطلاقات اوامر الغسل والمسح، سواء تحقق الكفر والارتداد في اثنائها أم لم يتحقق، مضافا إلى ان النواقض محصورة وليس منها

[ 85 ]

[ (مسألة 36): إذا نهى المولى عبده عن الوضوء في سعة ] الارتداد. وأما استمرار النية فالمرتد وان انصرف عن نيته في اثناء الوضوء لا محالة إلا انك عرفت ان الاستمرار انما يعتبر في الاجزاء دون الآنات المتخللة بينها فلا يبطل وضوؤه من حيث الارتداد، فلو تاب بعد ذلك بحيث لم تفته الموالاة صح وضوؤه، فيشرع من الاجزاء الباقية ولا يجب عليه الاستئناف. نعم إذا قلنا بعدم كون رطوبة ماء الوضوء في اعضائه من الرطوبات التبعية كريق فم الكافر والمرتد، أو عرقه ونحوهما، وحكمنا بنجاستها لنجاسة بدنة بالارتداد فلابد من ان يطهر اعضائه السابقة بماء آخر، ثم يشرع في الباقي من اجزاء وضوئه إذا لم تفته الموالاة بذلك لئلا تتنجس يده اليسرى باليمنى لتنجس ماء الوضوء فيبطل. ومن هنا يظهر انه إذا ارتد بعد غسل يده اليسرى قبل مسحه ثم تاب لا طريق إلى ان يصحح وضوئه، لانه حينئذ لابد من ان يطهر جميع اعضائه ليكون مسحه بالماء الطاهر، ومع ازالة البلة الوضوئية بغسلها لا يتمكن من المسح الصحيح لانه بعتبر ان يكون بالبلة الباقية في اليد من ماء الوضوء ولا يجوز بالماء الجديد، إلا ان البطلان حينئذ من جهة فقد شرط المسح لا من جهة ناقضية الارتداد.

[ 86 ]

[ الوقت إذا كان مفوتا لحقه فتوضأ يشكل الحكم بصحته (1) وكذا الزوجة (2) إذا كان وضوؤها مفوتا لحق الزوج والاجير مع منع المستأجر وامثال ذلك. ] التوضوء مع نهي المولى أو الزوج ونحوهما: (1) أما في العبد وسيده فالامر كما افاده، وهذا لا لان الامر بأطاعة السيد يقتضي النهي عن ضده وهو الوضوء لانا ذكرنا في محله ان الامر بالشئ لا يقتضى النهي عن ضده بل صححنا ضده العبادي بالترتب على ما قررناه في محله، بل من جهة ان جميع افعال العبد ومنافعه كنفسه مملوكة لسيده، فإذا وقع الوضوء الذي هو من جملة افعاله بغير رضاه حيث انه امره بشئ آخر فقد وقع محرما لانه تصرف في سلطان الغير بغير اذنه، والمحرم، لا يقرب ولا محالة يقع فاسدا. نعم الحركات والافعال اليسيرة كحك البدن وغسل اليدين والوجه ونحوهما لا يتوقف على اذن السيد للسيرة المستمرة الجارية على عدم استئذان العبد سيده في حك بدنه بحيث لولاه وقع محرما، إلا ان السيرة مختصة بما إذا لم ينه عنه المولى وأما مع نهيه فلابد من الحكم بحرمته ومبغوضيته ولا سيرة فيه على الجواز ومع الحرمة يقع فاسدا. (2) وأما في الزوج والزوجة فالصحيح الحكم بالصحة لان المحرم على الزوجة حينئذ تفويت حق زوجها، وأما عملها فهو مملوك لها ولا يحرم من جهة استلزامه التفويب، لان الامر بالشئ لا يقتضي النهي

[ 87 ]

[ (مسألة 37): إذا شك في الحدث بعد الوضوء (1) بنى ] عن ضده، بل هذه العيادة ضد عبادي محكوم بالصحة بالترتب كما سبق. وأما الاجير والمستأجر فالحق فيه التفصيل، لانه ان استأجره في افعال خاصة واشغال مشخصة كخياطة ثوب وكنس دار ونحوهما، فالملوك للمستأجر انما هو هذا العمل فيجب على الاجير تسليم ملك المالك إليه، فإذا اشتغل بشغل آخر في اثناء الخياطة فهو مملوك لنفسه وان كان موجبا للعصيان، لعدم تسليم مال المالك إليه فإذا كان ملك نفسه فهو حلال لان الامر بالشئ لا يقتضى النهي عن ضده فيحكم بصحته كما عرفت في الزوج والزوجة. وأما إذا كان اجيرا مطلقا له فجميع اعماله ومنافعه مملوكة للمستأجر فالوضوء الذي هو من احد افعاله مملوك للمستأجر، ومع عدم اذنه يقع محرما لانه تصرف في سلطان الغير من غير اذنه فيحرم، ومعه يحكم ببطلانه لا محالة. صور الشك في الحدث بعد الوضوء: الصورة الاولى: (1) قد يشك في الحدث بسبب خروج رطوبة مشتبهة بين البول والمذي ونحوه فبل الاستبراء، فلابد حينئذ من ان يبنى على انه بول وانه محدث فيجب عليه الوضوء، وهذا للروايات (1) الواردة في البلل المردد قبل الاستبراء.


(1) الوسائل ج 1 باب 13 من ابواب نواقض الوضوء.

[ 88 ]

[ على بقاء الوضوء الا إذا كان سبب شكه خروج رطوبة مشتبهة بالبول ولم يكن مستبرئا فانه حينئذ يبنى على انها بول وانه محدث وإذا شك في الوضوء بعد الحدث يبنى على بقاء الحدث ] الصورة الثانية: وأخرى يشك في الحدث من جهة تحقق الحدث وعدمه، أو من جهة ان الموجود حدث أو لا بعد الاستبراء، كما في البلل المشتبه فحينئذ يبنى على طهارته وبقاء وضوئه، وهذه المسألة مضافا إلى انها متسالم عليها بين اصحابنا بل بين المسلمين فاطبة ولم ينسب الخلاف فيها إلا لبعض العامة وهم المالكية فحسب (1) مما يدل عليها صحيحة زرارة (في الرجل ينام وهو على وضوء اتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء فقال يا زرارة: قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن فإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء. قلت: فان حرك على جنبه شئ


(1) ففي الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 73 من الطبعة الخامسة عند قولهم: ولا ينتقض بالشك في الحدث. المالكية قالوا ينتقض الوضوء بالشك في الحدث أو سببه، كأن يشك بعد تحقق الوضوء هل خرج منه ريح أو مس ذكره مثلا أو لا، أو شك بعد تحقق الناقض هل توضأ أو لا، أو شك بعد تحقق الناقض والوضوء هل السابق الناقض أو الوضوء، فكل ذلك ينقض الوضوء لان الذمة لا تبرء الا باليقين، والشاك لا يقين عنده.

[ 89 ]

[ والظن غير المعتبر كالشك في المقامين وان علم الامرين وشك في المتأخر منها بنى على انه محدث إذا جهل تاريخهما أو تاريخ ] ولم يعلم به قال - عليه السلام - لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجئ من ذلك امر بين، وإلا فانه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين ابدا بالشك) (1) لانها وان كانت واردة في الشك في النوم إلا ان ذيلها يدل على ان اليقين لا ينقض بالشك مطلقا، بلا فرق في ذلك بين الشك من جهة النوم أو البول، أو غيرهما من الاحداث. وموثقة بكير: (إذا استيقنت انك قد احدثت فتوضأ واياك ان تحدث وضوءا ابدا حتى تستيقن انك قد احدثت (2)، حيث نهت عن الوضوء مع الشك في الحدث، وانه ما دام لم يتقين بالحدث لا يجوز له الوضوء اللهم ان يتوضأ بنية التجديد لانه خارج عن الموثقه بدليله، به تحمل الموثقة على الوضوء الواجب لان الاتيان به بنية الوجوب مع عدم العلم بالحدث تشريع محرم. وصحيحة عبد الرحمان قلت لابي عبد الله عليه السلام: اجد الريح في يطني حتى اظن انها قد خرجت فقال - عليه السلام - ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت أو تجد الريح (3). نعم هي تختص بالشك من جهة الريح، وانما يتعدى عنها إلى غيرها بالقطع بعدم الفرق. وعلى الجملة إذا شك في الحدث يبني عل طهارته للسابقة حتى يقطع بحدثه وهذا مما لا اشكال فيه هذا.


(1) الوسائل ج 1 باب 13 من ابواب نواقض الوضوء الحديث 1. (2) الوسائل ج 1 باب 13 من ابواب نواقض الوضوء الحديث 7. (3) الوسائل الجزء 1 باب 1 من ابواب نواقض الوضوء الحديث 5.

[ 90 ]

[ الوضوء واما إذا جهل تاريخ الحدث وعلم تاريخ الوضوء بنى على بقائه ولا يجرى استصحاب الحدث حينئذ حتى يعارضه لعدم اتصال الشك باليقين به حتى يحكم ببقائه والامر ] وقد نقل صاحب الحدائق (قدس سره) في هذه المسألة قولين وتفصيلين اخرين. تفصيلان نقلهما في الحدائق: (احدهما) ما نسبه إلى بعض المحققين من المتأخرين، من اختصاص جريان الاستصحاب بما إذا لم يظن بالخلاف وانه لا يجرى معه، وهذه الدعوى مبنية على حمل الشك في روايات الاستصحاب على معناه المصطلح عليه اعني تساوي الطرفين المقابل للظن والوهم واليقين كما هو اصطلاح الفلاسفة، وعليه يختص الاستصحاب بصورة الشك المصطلح عليه، وتعم صورة الظن بالوفاق لانه إذا جرى عند الشك يجري عند الظن ببقاء الحالة السابقة بطريق اولى، فلا يجري مع الظن بالخلاف. الا انه مما لا وجه له وذلك لان الشك - مضافا إلى انه في اللغة بمعنى عدم العلم وخلاف اليقين ظنا كان أو غيره لان تخصيصه بما يقابل الظن والوهم واليقين اصطلاح جديد - بمعنى خلاف اليقين في اخبار الاستصحاب، وذلك لقرينتين في نفس صحيحة زرارة. (الاولى): قوله عليه السلام (لا حتى يستيقن انه قد نام، ويجئ من ذلك امر بين، وإلا فانه على يقين من وضوئه) الخ وفي ذيل هذه الصحيحة (وانما تنقضه بيقين آخر) حيث حكم ببقاء الوضوء

[ 91 ]

[ في صورة جهلها أو جهل تاريخ الوضوء وإن كان كذلك إلا ان مقتضى شرطية الوضوء وجوب احرازه ولكن الاحوط الوضوء في هذه الصورة أيضا ] حتى يتيقن بالنوم وما دام لم يتيقن به فهو محكوم بالطهارة، سواء ظن بالنوم أم شك فيه. و (الثانية): قول السائل: (فان حرك على جنبه شئ ولم يعلم به قال لا) لان للتحريك في جنبه مع عدم علمه به ولو لم يكن ملازما دائما مع الظن بالنوم فلا اقل من انه يلازمه كثيرا، ولا اقل من ان استلزامه الظن بالنوم ليس من الافراد النادرة ومع كونه كذلك يكون ترك تفصيل الامام - عليه السلام - في الجواب دليلا على جريان استصحاب الطهارة مطلقا، سواءا ظن بالنوم أم شك فيه، وهاتان القرينتان تدلان على ان الشك المأخوذ في روايات الاستصحاب انما هو بمعنى عدم اليقين على وفق معناه لغة هذا. مضافا إلى اطلاق الموثقة والصحيحة الاخيرة حيث لم يستفصلا في الحكم بعدم جواز الوضوء، بين الظن بالحدث وبين الشك فيه بل الاخيرة صريحة في جريان الاستصحاب مع الظن بالحدث إلا انها مختصة بخصوص الشك في الطهارة من جهة الريح، وانما نتعدى عنها إلى غيرها بالقطع بعدم الفرق، فما نسب إلى بعض المحققين من المتأخرين مما لا دليل عليه. و (ثانيهما): ما حكاه عن شيخنا البهائي (قدس سره) في الحبل المتين من ان المكلف تختلف حالاته ببعده عن زمان اليقين وقربه منه، لانه أولا يظن ببقاء الحالة السابقة ثم بمرور الزمان يضعف ظنه هذا حتى يتبدل بالشك، بل إلى الظن بالخلاف والاعتبار بالظن بالوفاق وببقاء الحالة السابقة وان ضعف. ثم نقل عن العلامة عدم الفرق في

[ 92 ]

الاستصحاب بين الظن بالبقاء وعدمه ورده. وهذا الذي ذهب إليه شيخنا البهائي مما لا دليل عليه اصلا، بل هو اضعف من التفصيل الاول لان له وجها لا محالة وان ابطلناه كما مر وأما هذا التفصيل فهو مما لا وجه له بوجه، وذلك لان للشك مأخوذ في روايات الاستصحاب بلا ريب، وهو اما بمعنى للشك المصطلح عليه، وأما بمعنى خلاف اليقين وعلى أي حال يشمل للشك المصطلح عليه قطعا وكيف يمكن تخصيصه بالظن بالبقاء فقط هذا. مضافا إلى اطلاق الموثقة وصحيحة عبد الرحمان المتقدمتين لانهما مطلقتان، ولم تقيدا الاستصحاب إلا باليقين بالخلاف فتشملان صورة الظن بالبقاء والشك والظن بالخلاف والارتفاع، هذا كله فيما إذا شك في الحدث بعد العلم بالطهارة. ومنه يظهر الحال في عكسه، وهو ما إذا شك في الطهارة بعد علمه بالحدث لانه يبنى على بقاء حدثه، وذلك لانه وان لم يكن منصوصا كما في الصورة الاولى إلا انا بينا في محله عدم اختصاص روايات الاستصحاب بمورد دون مورد، وانه قاعدة كبروية تجري مع الشك في البقاء، بلا فرق في ذلك بين الطهارة والحدث هذا على اته يكفينا في الحكم بوجوب الوضوء في هذه المسألة اصالة الاشتغال لعدم علمه بالوضوء، وهذا أيضا من دون فرق بين الظن بالطهارة وعدمه، والظن بالحدث وعدمه كما عرفت هذه كله في الصورة الثانية.

[ 93 ]

الصورة الثالثة: وهي ما إذا علم بكل من الطهارة والحدث إلا انه شك في المتقدم والمتأخر منهما وهي على قسمين، لانه قد يكون التاريخ مجهولا في كل منهما، واخرى يكون احدهما معلوم التاريخ دون الاخر، والكلام فعلا في ما إذا جهل التاريخان معا والمشهور المعروف بين اصحابنا هو الحكم بوجوب الوضوء حينئذ وذاك لقاعدة الاشتغال، لانه عالم باشتغال ذمته بالصلاة مع الوضوء، ولا علم له بالطهارة والوضوء على الفرض فلابد من ان يتوضأ تحصيلا لليقين بالفراغ، وقاعدة الاشتغال في المقام مما لم يقع فيها خلاف، وذلك لانه ليس من الاحتياط في الشبهات الحكمية الذي وقع فيه الخلاف بين الاصوليين والمحدثين وانما هو شبهة موضوعية مع العلم بالاشتغال ولا كلام في وجوب الاحتياط حينئذ وهو الذي يعبر عنه بان العمل بالاشتغال اليقيني يستدعي البرائة اليقيننة. ويؤيد القاعدة رواية الفقه الرضوي الواردة في مسئلتنا هذه بعينها وانه إذا توضأت وأحدثت ولم تدر ايهما اسبق فتوضأ (1) لانا وان لا نعتمد على ذلك الكتاب إلا انه لا بأس بكونه مؤيدا. وأما الاستصحاب فهو غير جار في المقام اصلا، وذلك أما بناءا على ما سلكه صاحب الكفاية (قدس سره) من اعتبار احراز اتصال زمان الشك باليقين فلاجل عدم المقتضى لجريانه حينئذ اصلا لعدم احراز


(1) مستدرك الوسائل: الجزء 1، باب 38، من ابواب الوضوء الحديث 1. واليك نصها.. وان كنت على يقين من الوضوء والحدث ولا تدري ايهما اسبق فتوضأ..

[ 94 ]

الاتصال، لا انه يجرى في كل من الطهارة والحدث ويسقط بالمعارضة وأما بناءا على ما بنينا عليه وفاقا للمشهور من عدم اعتبار احراز الاتصال فلان استصحاب كل من الطهارة والحدث يجري في نفسه، ولكنه يسقط بالمعارضة فعلى أي حال لا مجال للاستصحاب في المقام فتصل النوبة معه إلى قاعدة الاشتغال هذا. وقد نسب إلى العلامة (قدس سره) في قواعده، والمحقق الثاني في جامع المقاصد تفصيلان في المسألة. تفصيلان في محل النزاع: (احدهما): ما حكي عن العلامة (قدس سره) من التفصيل بين صورة الجهل بالحالة السابقة فكالمشهور. وصورة العمل بها فيأخذ بطبق الحالة السابقة لمعلومة معللا بالاستصحاب، هذا والمراجعة إلى كتابة (قدس سره) تبين ان مقصوده من التمسك على طبق الحالة السابقة، والاستصحاب انما هو ما إذا علم المكلف بان ما أتى به من الوضوء كان وضوءا رافعا، وكذلك الحدث بعد الحدث حدث ناقض ليس من الوضوء بعد الوضوء ولا الحدث بعد الحدث، وذلك لانه عقد الكلام في مسألة الاتحاد والتعاقب بان علم انه أتى بوضوء واحد وحدث واحد ولكن وقع الحدث بعد الطهارة، أو الطهارة بعد الحدث ولم يقع الحدث بعد الحدث، ولا الوضوء بعد الوضوء. وعليه فإذا كان محدثا فعلم بوضوئه وحدثه فلا محالة يعلم بحدثه، وان وضوئه قد وقع قبل حدثه وإلا لوقع الحدث بعد الحدث، والمفروض انه عالم بان حدثه انما وقع بعد الطهارة لا بعد الحدث،

[ 95 ]

وكذا الحال فيما إذا كان متطهرا فعلم بحدث ووضوء لانه يعلم انه متطهر فعلا وان حدثه وقع قبل طهارته وإلا لو وقعت الطهارة بعد الطهارة وهو خلاف المفروض، ففي هاتين الصورتين إذا شك في حدث آخر أو طهارة اخرى غير الحادثين، يرجع إلى استصحاب الحدث في الاول وإلى استصحاب الطهارة في الثاني. وهذا وان كان توضيحا للواضح وخارجا عما نحن بصدده إذ لا شك في التقدم والتأخر حينئذ فليس هذا تفصيلا في محل الكلام، إلا ان تعليله بالاستصحاب وملاجظة كتابه لا يرخصان الحمل على غيره، إذا كيف يمكن التمسك بأستصحاب الحالة السابقة قبل الحادثين مع العلم بارتفاعها، لانه لا يمكن اسناده إلى من هو دونه (قذس سره) بمراتب كثيرة، فضلا عن اية الله العلامة (قدس سره) فمراده ما ذكرناه وهو ليس بتفصيل في محل الكلام حقيقة وهو امر واضح، ثم على تقدير تسليم انه ناظر إلى ما نحن فيه من غير علمه بالتعاقب لا يمكن المساعدة عليه للقطع بارتفاع الحالة السابقة. (وثانيهما): ما ذهب إليه المحقق الثاني (قدس سره) في جامع المقاصد من التفصيل بين صورة الجهل بالحالة السابقة فكالمشهور، وبين صورة العلم بها فيأخذ بضدها، وهذا التفصيل وان كان له وجه لانه إذا كان متطهرا اولا فقد علم بارتفاع تلك الطهارة قطعا بالحدث المعلوم تحققه، وأما هذا الحدث فلا علم له بارتفاع اثره لاحتمال ان يكون هو المتأخر عن الحادثين وقد وقعت الطهارة بعد الطهارة فيستصحب حدثه، كما انه إذا كان محدثا اولا فقد علم بارتفاع ذلك الحدث بالطهارة المتحققة قطعا، وأما تلك الطهارة فلا علم له بارتفاع اثرها لاحتمال ان تكون هي المتأخرة ويقع الحدث بعد الحدث،

[ 96 ]

فيستصحب طهارته. الا ان هذا أيضا مما لا يمكن المساعدة عليه لمعارضته بأستصحاب الطهارة في الصورة الاولى، واستصحاب الحدث في الصورة الثانية، وذلك لانه في الصورة الاولى عالم بطهارته حين توضوءه، وغاية الامر لا يدري زمان حدوث تلك الطهارة وانها كانت من الاول كما إذا كان الحادث الاول هو الطهارة، أو حدثت بالفعل كما إذا كان الحادث الاول هو الحدث فيستصحب تلك الطهارة وهو يعارض استصحاب حدثه فيتساقطان كما انه في الصورة الثانية عالم بحدثه حين ما احدث وان لم يعلم بزمانه وانه كان من الابتداء، كما لو كان المحقق اولا هو الحدث أم تحقق هذا الزمان، كما لو كان المحقق الاول هو الطهارة فيستصحب ذلك الحدث وعليه فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من وجوب الوضوء على وجه الاطلاق من جهة قاعدة الاشتغال المؤيدة برواية الفقه الرضوي (1) هذا كله في الصورة الاولى اعني ما إذا جهل تاريخهما. وأولى من ذلك الصورة الثانية وهي ما إذا علم تاريخ الحدث وكان تاريخ الوضوء مجهولا، وذلك لانا ان قلنا بما ذهب إليه الماتن (قدس سره) من عدم جريان الاستصحاب في ما جهل تاريخه فالاستصحاب جار في الحدث من غير معارض، فيجب عليه الوضوء لا محالة، وان لم نقل به وقلنا بجريانه في كل من المجهول والمعلوم تاريخه، فاستصحاب كل منهما يجري ويسقط بالمعارضة فلابد أيضا من التمسك بقاعدة الاشتغال كما في الصورة الاولى ولعله ظاهر. وأما الصورة الثالثة وهي ما إذا علم تاريخ الوضوء وجهل تاريخ


(1) التي تقدمت في الصفحة 93 السابقة.

[ 97 ]

الحدث فقد ذكر الماتن (قدس سره) ان الاستحصاب يجري في الوضوء حينئذ من غير معارض ولا يجري في مجهول التاريخ، معللا بعدم اتصال الشك باليقين حتى يحكم ببقائه ومعه لابد من الحكم بطهارته، وان كان الاحوط الاستحبابي ان يتوضأ في هذه الصورة أيضا. ثم ذكر ان الامر في الصورتين المتقدمتين وان كان كذلك أيضا أي لم يكن الشك متصلا فيهما باليقين حتى يجري فيهما الاستصحاب، إلا ان مقتضى قاعدة الاشتغال فيها وجوب إحراز الطهارة والشرط، ولاجلها حكمنا بوجوب الوضوء فيهما. وأما في الصورة الثالثة فاستصحاب بقاء طهارته يقضي بعدم وجوب الوضوء، هذا ما افاده في المتن. إلا ان في عبارته (قده) سهوا من قلمه الشريف كما نبه عليه سيدنا الاستاذ (مد ظله) في تعليقته، وذلك لان عدم اتصال الشك باليقين انما هو في مجهولي التاريخ وهو الصورة الاولى من الصور المتقدمة، وأما في الصورة الثانية اعني ما إذا علم تاريخ الحدث وجهل تاريخ الوضوء فالشك فيه متصل باليقين بالحدث ويجري فيه الاستصحاب كما بنى عليه هو (قدس سره) وانما عدم الاتصال بالاضافة إلى ما جهل تاريخه دون ما علم تاريخه ففي عبارته سهو من القلم الشريف، والصحيح ان يقول والامر وان كان كذلك فيما جهل تاريخهما إلا ان الخ. وإذا عرفت ذلك فلنتكلم في حكم الصورة الثالثة اعني ما إذا علم تاريخ الوضوء وجهل تاريخ الحدث فهل يجري الاستصحاب في كل من الحادثين ويتساقطان بالمعارضة، أو يجري الاستصحاب فيما علم تاريخه دون ما جهل تاريخه، فقد عرفت ان الماتن ذهب إلى جريانه فيما علم تاريخه ومنع عنه في المحهول تاريخه معللا بعدم اتصال الشك باليقين. وذلك لانا إذا فرضنا الساعة الاولى من الزوال ظرف اليقين بالطهارة

[ 98 ]

وعلمنا ان الحدث أيضا قد تحقق، فان كان ظرف الحدث ما قبل الزوال أي ما قبل الساعة الاولى من الزوال فقد تخلل بين اليقين بالحدث وبين الشك فيه اليقين بالطهارة وهو رافع للحدث، وان كان ظرف الحدث هو الساعة الثانية من الزوال والمفروض ان الشك في الساعة الثالثة من الزوال فهما متصلان، وحيث انا لم نحرز الاتصال فالمقام شبهة مصداقية للاستصحاب، ومعه لا يمكن التمسك بعموم ادلة اعتباره. وليعلم اولا ان الشك في المقام انما هو في بقاء ما علمنا بحدوثه وجامعه ان نعلم بحدوث ضدين ونشك في المتقدم والمتأخر منهما لان ما حدث متأخرا هو الباقي الرفع لما حدث اولا، وهذا غير ما إذا علمنا بحدوث مطلق حادثين وشككنا في المتقدم والمتأخر منهما من غير الشك في بقاء احدهما وارتفاع الاخر الذي يجري فيه اصالة تأخر الحادث فلا تذهل. ثم ان المنع عن جريان الاستصحاب فيما جهل تاريخه في أمثال المقام معللا بعدم اتصال الشك باليقين انما هو من الشيخ الراضي وهو استاد الماتن (قدس الله اسرارهم) ويقال انه اول من تنبه بهذه المناقشة في امثال هذه الموارد وادعى انا استفدنا من روايات الاستصحاب ان الشك لابد وان يكون متصلا باليقين وذلك لقوله عليه السلام لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت (1)، فلابد من اتصال احدهما


(1) الواقعة في صحيحة زرارة، الوسائل: الجزء 2 باب 41 من ابواب النجاسات، الحديث 1، وفيه: (. قلت لم ذلك، قال لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا.) نعم ورد في رواية محمد بن مسلم (في حديث الاربعمائة المذكورة في الخصال.) من كان على يقين فشك =

[ 99 ]

بالاخر وقد يعبر عنه باعتبار احراز الاتصال كما في كلام صاحب الكفاية (قدس سره) وعليه فلابد من التكلم فيما اريد من اتصال الشك باليقين. وقد قيل في بيان المراد منه وجوه احسنها ما افاده صاحب الكفاية (قدس سره) كما سيتضح. (الاول): ان المراد بذلك ان لا يتخلل يقين آخر بين اليقين والشك في البقاء والامر ليس كذلك فيما جهل تاريخه، لان الساعة الاولى من الزوال إذا فرضناها ظرفا لليقين بالطهارة وشككنا في بقاء الحدث في الساعة الثالثة من الزوال، فان كان ظرف الحدث المتيقن هو الساعة الثانية من الزوال بعد الطهارة فاليقين بالحدث متصل بالشك به، وأما إذا كان ظرفه ما قبل الساعة الاولى من الزوال فقد تخلل بين اليقين بالحدث والشك فيه يقين آخر وهو اليقين بالطهارة وحيث انا لم نحرز ان ظرف الحدث ما قبل زمان اليقين بالطهارة، أو ما بعده فلا محالة يكون المقام شبهة مصداقية للاستصحاب فلا يمكن التمسك به حينئذ هذا. ولا يخفى ان هذا الوجه مقطوع الفساد، وذلك لما بيناه في بحث الاستصحاب من ان المدار في جريانه انما هو على اجتماع اليقين والشك الفعلين في زمان واحد، بان يكون للمكلف يقين بالفعل من حدوث الشئ ويكون له شك فعلي في بقائه، فهما لا بد ان يكونا متحدا الزمان


= فليمض على يقينه فان الشك لا ينقض اليقين. والرواية موثقة فان القاسم بن يحيى الواقع في سندها موجود في اسناد كامل الزيارات، هذه الرواية رواها في الخصال ج 2 باب حديث الاربعمائة ونقلها في جامع الاحاديث، وصاحب الوسائل نقل قطعات الحديث المناسبة للوضوء وذكر فيها: من كان على يقين ثم شك فليمض على يقينه الخ الوسائل الجزء 1 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 6.

[ 100 ]

نعم قد يتحقق اليقين قبل تحقق الشك أو بعده إلا ان المناط والاعتبار في جريان الاستصحاب انما هو باجتماعها في زمان واحد كما عرفت، فلا اعتبار باليقين السابق على زمان الشك في البقاء كان على وفق اليقين المتحد مع الشك بحسب الزمان ام على خلافه. فإذا كان الاعتبار في جريانه باجتماع اليقين والشك في البقاء في زمان فلا معنى لاعتبار اتصال احدهما بالاخر، لان الاتصال انما يتعقل بين المتغايرين وقد عرفت ان اليقين والشك في الاستصحاب متحدان بحسب الزمان وإذا راجعنا وجداننا في المقام نجد أنا على يقين من الحدث كما انا على شك في بقائه في الساعة الثالثة من الزوال، وقد مر انه لا اعتبار باليقين السابق مخالفا كان ام موافقا وانما الناقض لليقين في الاستصحاب هو اليقين البديل للشك في البقاء اعني اليقين بالارتفاع المجتمع مع اليقين بالحدوث في الزمان هذا. والذي يدلنا على ما ذكرناه انا لو قلنا باعتبار الاتصال بهذا المعنى في الاستصحاب للزم المنع عن استصحاب الحدث على وجه الاطلاق في جميع الموارد حتى مع العلم بتاريخه، وكذا كل امر يعتبر العمل وعدم الغفلة في الاتيان بمنافيه، وذلك لانا إذا علمنا بالحدث في اول ساعة من الزوال ثم شككنا في بقائه وارتفاعه باحتمال انا توضأنا أو اغتسلنا فقد احتملنا طرو اليقين بالطهارة تخلله بين اليقين بالحدث والشك في بقائه حيث لابد من العلم والالتفات بالوضوء والغسل في صحتهما فهو حالهما كان متيقنا من طهارته لا محالة، ومع احتمال تخلل يقين اخر بين اليقين والشك لا يجري الاستصحاب لانه شبهة مصداقية له حينئذ وهذا مما لا يلتزم به السيد ولا غيره من الاعلام (قدس الله اسرارهم) ودعوى انا كما نستصحب بقاء الحدث فنستصحب عدم اليقين

[ 101 ]

بالطهارة وعدم الوضوء والغسل مندفعة، بانه لا يثبت الاتصال المعتبر في جريانه على الفرض، فلو قلنا بهذه المقالة فلا مناص من سد باب الاستصحاب في أمثال الحدث في جميع الموارد مع أنهم يتمسكون به في تلك المقامات من غير خلاف، وسره ما عرفت من ان الاستصحاب يتقوم باليقين والشك الفعلين المتحققين في زمان واحد ولا اعتبار باليقين السابق وهما موجودان في المقام وغيره، ولا معنى لاشتراط الاتصال في المتحدين فلا يكون المقام شبهة مصداقية للاستصحاب باحتمال تخلل يقين آخر بينهما، وانما تكون الشبهة مصداقية فيما إذا شك في انه متيقن من الامر الفلاني أو ليس له يقين إلا انا اسلفنا في محله انه لا يعقل الشك والتردد في مثل اليقين والشك ونحوهما من الاوصاف النفسانية لدوران امرها بين العلم بوجودها والعلم بعدمها. الثاني ان الاعتبار في الاستصحاب وان كان باجتماع اليقين الفعلي مع الشك الفعلي في زمان واحد إلا انه يعتبر في الاستصحاب ان لا يكون ذلك اليقين يقينا بامر مرتفع ولو على نحو الاحتمال، وأما إذا احتملنا ان يكون ذلك اليقين الفعلي الموجود بعينه يقينا بالارتفاع وبما هو مرتفع في نفسه فلا محالة يكون المورد شبهة مصداقية فلا يمكن التسمك فيه بالاستصحاب والامر في المقام كذلك لان المفروض ان لنا يقينا بالطهارة في اول ساعة من الزوال فيقيننا بالحدث ان كان متعلقا بالحدث قبل الساعة الاولى من الزوال فهو عين اليقين بارتفاع الحدث أي يقين بامر مرتفع للعلم بالطهارة بعده، نعم إذا كان متعلقا بالحدث بعد الساعة الاولى فهو ليس يقينا بالارتفاع فيجري الاستصحاب في بقائه وحيث انا نحتمل ان يكون اليقين بالحدث بعينه يقينا بالارتفاع فلا يمكن التمسك بالاستصحاب في مثله هذا.

[ 102 ]

ولا يخفى ان هذا الوجه أيضا كسابقة مقطوع الفساد، وذلك لانا لا نحتمل اليقين بالحدث المقيد بكونه قبل الساعة الاولى من الزوال لما بيناه في بحث العلم الاجمالي من ان العلم الاجمالي انما يتعلق بالجامع بين الطرفين، أو الاطراف غاية الامر الجامع المتخصص باحد الخصوصيتين ولا يتعلق بشئ من خصوصيات الاطراف ولا يحتمل تعلقه بها اصلا فإذا علمنا بنجاسة احد المايعين الاحمر أو الاصفر فقد علمنا بنجاسة الجامع المتخصص، دون شئ من المايعين ولا نحتمل ان يكون لنا يقين بنجاسة خصوص الاحمر، أو الاصفر بوجه وعليه. ففي المقام انما علمنا بحدوث بول أو حدث مردد بين كونه ما قبل الزوال، وبين كونه في الساعه الثانية من الزوال، فالعلم قد تعلق بالجامع بينهما ولا نحتمل ان يكون لنا يقين بالحدث الواقع فيما قبل الزوال، وحيث انا نشك في بقائه فنستصحبه لا محالة، واليقين بالطهارة في اول الزوال لا يمكن ان يكون ناقضا لليقين بالحدث، لان اليقين بالفرد لا يكون ناقضا لليقين بالكلي، بالبداهة فإذا علمنا بوجود كلي الانسان في الحياة وعلمنا بموت زيد مثلا، فلا يتوهم ان يكون اليقين بانعدام فرد ناقضا لليقين بوجود الكلي بوجه كما ذكرناه في القسم الثاني من اقسام الاستصحاب الكي. الثالث: ما قد يقال انه ظاهر كلام صاحب الكفاية (قدس سره) وحاصله انه يعتبر في الاستصحاب اليقين والشك الفعليان، ويتعلق اليقين بشئ معين ويتعلق الشك بوجوده في الازمنة التفصيلية المتأخرة بحيث لو رجعنا قهقرا لوجدنا الشك في كل من الازمنة التفصيلية المتقدمة إلى ان ننتهي إلى زمان هو زمان المتيقن لا محالة، لانه المستفاد من قوله - عليه السلام - لا تنقض اليقين بالشك. وقوله - عليه السلام -

[ 103 ]

لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت وغيرهما، والمتحصل ان يكون ازمنة الشك منتهية إلى زمان معين هو زمان المتيقن على وجه التفصيل. وهذا التقريب لو كان بهذا المقدار فهو مقطوع الفساد، لضرورة عدم توقف جريان الاستصحاب على ان يكون المتيقن معلوم التحقق في زمان على وجه التفصيل، لانه يجري في موارد العلم بتحققه على وجه الاجمال أيضا، كما علم بحدثه قبل طلوع الشمس ثم قطع بطهارته وارتفاع حدثه فيما بين الطلوع والزوال، وعند الزوال شك في حدثه وانه فيما بين المبدء والمنتهى بعد ما توضأ قطعا، فهل احدث أيضا ام لم يحدث فانه مما لا اشكال في جريان استصحاب طهارته لانه من غير معارض، مع انا لو رجعنا قهقراي لرأينا ان الازمنة باجمعها زمان الشك ولا تنتهي إلى زمان معين نقطع فيه بتحقق الطهارة في ذلك الزمان إلى ان ننتهي إلى ما قبل الطلوع، وهو ظرف اليقين بالحدث فهذا الوجه ساقط كسابقيه. والرابع: وهو العمدة، بل الظاهر انه مراد صاحب الكفاية (قده) وهو الذي يظهر من عبارته. وحاصله ان الاستصحاب يعتبر فيه ان يتعلق اليقين بشئ ويتعلق الشك بوجوده في الازمنة التفصيلية المتأخرة بان يكون وجوده فيها مشكوكا فيه حتى تنتهي إلى زمان اليقين بوجوده إما تفصيلا واما على وجه الاجمال كما عرفت، وهذا غير متحقق في امثال المقام، وذلك لان الحدث المستصحب غير محتمل ان يكون هو الحدث قبل الزوال للقطع بارتفاعه بالطهارة في الساعة الاولى من الزوال والحدث بعد الزوال إذا لاحظنا لنرى انه مشكوك في جميع الازمنة المتأخرة التفصيلية ولا ننتهي إلى زمان نعلم فيه بالحدث تفصيلا، أو على نحو الاجمال، فإذا لاحظت الساعة الثالثة من الزوال فوجدت

[ 104 ]

الحدث مشكوكا فيه في تلك الساعة وهكذا في الساعة الثانية، والساعة الاولى ظرف اليقين بالطهارة فلا تقف على زمان تقطع فيه بوجود الحدث تفصيلا، ولا على نحو الاجمال. ومع عدم اتصال ازمنة الشك إلى اليقين بهذا المعنى أي عدم الانتهاء إلى متيقن بوجه فماذا يقع مورد الاستصحاب حينئذ؟ وهذا هو الذي يظهر من عبارته حيث قال: لم يحرز اتصال زمان الشك بزمان اليقين فلاحظ. من هنا بني هو والماتن وغيرهما ممن يعتبر في الاستصحاب اتصال زمان الشك باليقين على عدم جريان الاستصحاب فيما جهل تاريخه من امثال المقام. وما افادوه من الكبرى بالتقريب المتقدم مما لا اشكال فيه، كما ان تطبيقها على امثال المقام مما لا يقبل المناقشة لو اربد من الاستصحاب فيما جهل تاريخه الاستصحاب الشخصي، حيث ان الحدث قبل الزوال مقطوع الارتفاع، والحدث بعد الزوال مما لم يتعلق يقين بوجوده التفصيلي ولا على نحو الاجمال، واما إذا أريد منه الاستصحاب الكلي باجرائه في الجامع بين الحدث فيما قبل الزوال، وبين الحدث فيما بعد الزوال، فلا ينطبق عليه الكبرى المتقدمة. حيث انا لنا يقينا بوجود الحدث ونشك في بقائه، لانه ان كان متحققا فيما قبل الزوال فهو مقطوع الارتفاع، وان كان متحققا فيما بعده فهو مقطوع البقاء، ولتردده بينهما شككنا في بقاء الحدث الجامع والشك في بقائه في الازمنة المتأخرة متصل إلى زمان اليقين بوجوده على نحو الاجمال، وعليه فحال المقام حال القسم الثاني من اقسام الكلي بعينه، والفرق بينهما ان الجامع هناك انما كان بين فردين عرضيين، وأما في المقام فالحدث الجامع انما هو بين فردين طوليين

[ 105 ]

اعني الحدث فيما قبل الزوال والحدث فيما بعده، فياتي فيه جميع ما اوردوه على جريان الاستصحاب في القسم الثاني من الكلي، من ان احد الفردين اعني الفرد القصير كالحدث الاصغر - فيما إذا تردد الحدث الصادر بين ان يكون هو الاصغر أو الاكبر - معلوم الارتفاع الاخر اعني الفرد الطويل كالحدث الاكبر مشكوك الحدوث من الابتداء والاصل عدمه، فاين يجري فيه الاستصحاب. والجواب عنه هو الجواب، وهو انه انما يتم لو قلنا بجريانه في الشخص، وأما إذا اجريناه في الجامع بين الباقي والزائل فلا اشكال في انا علمنا بتحققه ونشك الان في بقائه فيجرى فيه الاستصحاب، فان العلم بارتفاع الفرد لا ينافي العلم بوجود الكلي، وحيث ان العلم بالطهارة علم بفرد وهو الطهارة الواقعة في اول الزوال فهو لا ينافي العلم بجامع الحدث بين الفرد المرتفع والفرد الباقي، فإذا اجرينا فيه الاستصحاب فلا محالة تقع المعارضة بينه وبين استصحاب الطهارة فيسقطان بالمعارضة، فالانصاف انه لا فرق بين هذه الصورة وبين صورة الجهل بتاريخ كل من الحدث والوضوء، وأما بقية الوجوه التي ذكروها في تعريف الكبري المتقدمة فهي غير قابلة للتعرض. بقي في المقام شئ: وهو ما نسب إلى السيد بحر العلوم (قده) من ذهابه في هذه الصورة اعني ما إذا علم تاريخ الوضوء وكان الحدث مجهول التاريخ إلى الحكم بالحدث دون الطهارة، على عكس الماتن (قدس سره)

[ 106 ]

تمسكا باصالة تأخر الحادث حيث لا ندري ان الحدث هل تحقق قبل الزوال ام بعده، فالاصل انه حدث بعده. ويدفعه ان اصالة تأخر الحادث مما لا اساس له كما نبه عليه شيخنا الانصاري (قده) حيث انه ان اريد منها ما إذا علمنا بوجود شئ فعلا وشككنا في انه هل كان متحققا قبل ذلك، ام تحقق في هذا الزمان وكان لعدم تحققه من السابق اثر فهو وان كان صحيحا، لان ذلك الامر الموجود بالفعل حادث مسبوق بالعدم فيستصحب عدمه المتيقن إلى هذا الزمان ونرتب عليه آثاره، كما إذا علمنا بفسق زيد فعلا، وشككنا في انه هل كان ذلك سابقه كقبل سنتين، أو اكثر حتى نحكم ببطلان الطلاق الذي قد وقع بشهادته، أو انه صار كذلك فعلا ولم يكن فاسقا سابقا فالطلاق عنده قد وقع صحيحا، فنستصحب عدم فسقه إلى يومنا هذا ونحكم بصحة الظلاق. إلا ان هذا غير مفيد في المقام، لان الشك في التقدم والتاخر بعد العلم بحدوث امرين. وإن اريد منها ما إذا علمنا بحادثين وكان لتاخر كل منهما اثر كما في المقام، ففيه ان الحكم بتأخر احدهما المعين عن الاخر بلا مرجح، فيتعارض اصالة تأخر الحدث عن الطهارة مع اصالة تأخر الطهارة عن الحدث، وكيف كان فلم يقم على حجه الاصالة المذكورة دليل لان بناء العقلاء لم يجر على ذلك. وادلة الاستصحاب انما يشمل استصحاب العدم فيما إذا لم يكن مبتلى بالمعارض على انه لا يثبت عنوان الحدوث للاخر كما هو واضح، نعم لهذا الكلام وجه بناءا على حجية الاصل المثبت باستصحاب عدمه إلى زمان العلم بتحقق الطهارة الملازم لحدوثه بعدها.

[ 107 ]

[ (مسألة 38): من كان مأمورا بالوضوء من جهة الشك فيه بعد الحدث (1) إذا نسي وصلى فلا إشكال في بطلان صلاته بحسب الظاهر فيجب عليه الاعادة ان تذكر في الوقت والقضاء ان تذكر بعد الوقت، واما إذا كان مأمورا به من جهة الجهل بالحالة السابقة (2) فنسيه وصلى يمكن ان يقال بصحة صلاته من باب قاعدة الفراغ لكنه مشكل فالاحوط الاعادة أو القضاء في هذه الصورة ايضا. وكذا الحال إذا كان من جهة تعاقب الحالتين والشك في المتقدم منهما. ] المأمور بالوضوء إذا نسيه وصلي (1) بأن علم بحدثه سابقا ثم شك في بقائه فحكم عليه بالحدث ووجوب الوضوء بالاستصحاب، إلا انه نسي أو غفل فدخل في الصلاة ثم بعد الصلاة التفت إلى انه كان يشك في بقاء حدثه المتيقن قبل الصلاة وقد حكم عليه بالحدث ووجوب الوضوء بالاستصحاب قبل الصلاة، وهذه الصورة لم يتأمل فيها الماتن في الحكم ببطلان الصلاة فيه ووجوب الاعادة أو القضاء. (2) الامر بالوضوء من جهة الجهل بالحالة السابقة - أي من غير جهة الاستصحاب - له موردان: (احدهما): صورة تعاقب الحالتين لان من علم بحدث ووضوء

[ 108 ]

فشك في حدثه، أو طهارته من جهة الجهل بالمتقدم والمتأخر منهما يحكم عليه بوجوب الوضوء بقاعدة الاشتغال، دون الاستصحاب للجهل بالحالة السابقة. و (ثانيهما): ما إذا علم بحدثه اول الصبح مثلا، ثم علم اجمالا بأنه إما توضأ أو ترك ركوعا في صلاته الواجبة - بان كان كلا طرفي ا لعمل ذا اثر ملزم - فانه بعد ذلك يشك طبعا في حدثه وطهارته ويحكم عليه بوجوب الوضوء أيضا بقاعدة الاشتغال، دون الاستصحاب للجهل بحالته السابقة حيث ان الاستصحاب لا يجري في حدثه المعلوم في أول الصبح لعدم جريانه في أطراف العلم الاجمالي، ولا في طهارته للجهل بحالته السابقة فلا تنحصر صورة وجوب الوضوء مع الجهل بالحالة السابقة بمورد تعاقب الحالتين. بل لو فرضنا الكلام في الغسل لوجدنا له موردا ثالثا أيضا، وهو ما إذا علم بحدثه الاصغر تفصيلا، ثم علم إجمالا بأنه إما توضأ، وإما جامع فحصل له العلم التفصيلي بارتفاع حدثه الاصغر، إما بالوضوء وإما بالجنابة، ووجب عليه الغسل بقاعدة الاشتغال فانه إذا شك في طهارته حينئذ لا يجري في حقه الاستصحاب للجهل بحالته السابقة، وانها هي الوضوء أو الجماع فالجامع في جميع الموارد هو الجهل بالحالة السابقة والحكم بالوضوء بقاعدة الاشتغال فهناك صورتان للبحث. (احديهما): ما إذا حكم عليه بالوضوء بالاستصحاب للعلم بالحالة السابقة وهي الحدث، إلا انه نسي أو غفل فصلى والتفت بعد الصلاة إلى حدثه الاستصحابي قبلها، فقد عرفت ان الماتن لم يتأمل فيها في الحكم بوجوب الاعادة أو القضاء. و (ثانيهما): ما إذا حكم عليه بالوضوء بقاعدة الاشتغال للجهل

[ 109 ]

بالحالة السابقة ولكنه غفل أو نسي فدخل في الصلاة ثم بعدها التفت إلى انه كان محكوما عليه بالوضوء بقاعدة الاشتغال، فقد ذكر الماتن في هذه الصورة انه يمكن ان يقال بصحة صلاته بقاعدة الفراغ لكنه مشكل، فالاحوط الاعادة أو القضاء في هذه الصورة أيضا. فالكلام في انه في الصورة الثانية هل تجب عليه الاعادة أو القضاء أو يحكم بصحة صلاته بقاعدة الفراغ، ولابد في توضيح ذلك من ملاحظة ان حكمهم بوجوب الاعادة أو القضاء في الصورة الاولى بأي ملاك؟ فلقد ذكروا أن الوجه في وجوبها حينئذ أن قاعدة الفراغ انما تكون حاكمة على الاستصحاب الجاري بعد العمل لانها واردة في مورده دائما أو غالبا، إلا انها غير حاكمة على الاستصحاب الجاري قبل العمل بل الاستصحاب حاكم على القاعدة، لانه إذا جرى قبل العمل وحكم الشارع على المكلف بالحدث فلا يبقى شك في بطلان الصلاة والحال هذه حتى تجري قاعدة الفراغ في صحتها بعد اتمامها، فالاستصحاب الجاري قبل العمل رافع لموضوع قاعدة الفراغ بعد العمل وهو الشك. ومن ثم إذا علم المكلف بحدثه قبل الصلاة ثم شك في بقائه وجرى الاستصحاب في حقه وحكم الشارع عليه بالحدث ووجوب الوضوء ولكنه نسي أو غفل فدخل في الصلاة والتفت إلى شكه السابق بعدها يكون الاستصحاب الجاري في حقه قبلها معدما ورافعا لموضوع القاعدة تعبدا، فلا يبقى شك في صحتها حتى تحكم بصحتها بقاعدة الفراغ. فلو كان هذا هو الملاك في الحكم بوجوب الاعادة والقضاء في الصورة الاولى أعني ما إذا حكم بالوضوء في حقه من قبل الاستصحاب إلا انه نسي ودخل في الصلاة. فمن الظاهر انه لا يأتي في الصورة الثانية اعني ما إذا حكم عليه بالوضوء بقاعدة الاشتغال لا بالاستصحاب لجهالة

[ 110 ]

الحالة السابقة، فلو نسيه أو غفل ودخل في الصلاة والتفت إلى شكه وحكمه السابق بعد الصلاة تجري في حقه قاعدة الفراغ لان الشارع لم يحكم عليه بالحدث ووجوب الوضوء في أي وقت، وانما حكمنا عليه بالوضوء قبل الصلاة بقاعدة الاشتغال، ومع عدم الحكم شرعا بحدثه ووجوب الوضوء لا مانع من جريان القاعدة بعد العمل لوجود موضوعها وهو الشك وجدانا ولا رافع له بوجه فيحكم بها بصحة الصلاة، فلا يجب اعادتها فضلا عن قضائها. إلا انا ذكرنا قريبا في بحث الاستصحاب ان الاستصحاب لا مجال له في الصورة الاولى، لانه متقوم بموضوعه وهو اليقين والشك الفعليان ومع الغفلة والنسيان لا يقين ولا شك وارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه من البديهيات فلا مورد للاستصحاب حينئذ، فعدم جريان قاعدة الفراغ غير مستند إلى الاستصحاب الجاري في حقه قبل الصلاة حيث لا استصحاب، فلا مانع عن القاعدة من هذه الجهة. نعم لا تجري القاعدة أيضا من جهة ان الظاهر المستفاد من اخبارها اختصاص جريانها بما إذا كان الشك في صحة العمل وفساده حادثا بعد العمل، والامر في المقام ليس كذلك لانه كان شاكا في وضوئه وصحة صلاته والحال هذه قبل الصلاة، وانما غفل عنه ثم عاده بعد العمل. نعم هو مغاير مع الشك الزائل بالغفلة عقلا، لان المعدوم والزائل غير الفرد الحادث بعد العمل وانما هما متماثلان ولكنه هو هو بعينه بالنظر العرفي، ومن هنا يقال انه عاد فكان الشك قد خفى في خزانته ثم برز بعد العمل، فإذا كان الشك بعد العمل هو بعينه الشك قبله لا تجري فيه قاعدة الفراغ هذا.

[ 111 ]

[ (مسألة 39): إذا كان متوضأ وتوضأ للتجديد وصلى ثم تيقن بطلان احد الوضوئين (1) ولم يعلم ايهما. لا اشكال ] على انا ذكرنا في بحث قاعدة الفراغ ان القاعدة إنما تجري فيما إذا شك بعد العمل في كيفيته، وانه اتى به ملتفتا إلى شرائطه واجزائه ومراعيا لهما، أو أتى به فاقدا لبعض ما يعتبر فيه. وأما إذا علم بغفلته حال العمل وعدم مراعاته الشروط والاجزاء وانما يحتمل انطباق المأمور به عليه من باب الصدقة والانفاق فهو ليس بمورد للقاعدة، لعدم كونه اذكر حال العمل منه حين يشك، ولا كان اقرب إلى الحق منه بعده وهو الذي عبرنا عنه بانحفاظ صورة العمل تبعا لشيخنا الاستاد (قده) وعليه فالقاعدة لا مجال لها كما ان الاستصحاب لا يجري. فانحصر الحكم ببطلان الصلاة ووجوب الاعادة والقضاء في الصورة الاولى بقاعدة الاشتغال، وعدم احراز الامتثال باتيان الوظيفة في وقتها فتجب عليه الاعادة والقضاء، إذا لا فرق بين الصورة الاولى والثانية في وجوب الاعادة والقضاء فانه في كلتا الصورتين بملاك واحد وهو كونه مأمورا بالامتثال بقاعدة الاشتغال، ولم يحرز اتيانه بالوظيفة في وقتها فيجب عليه اعادتها في الوقت أو قضائها خارجه، لعدم اتيانه بالوظيفة في وقتها. المتوضي لو جدد وضوئه وصلى، ثم علم ببطلان احد الوضوئين (1) أي بطلانه في نفسه لفقده شيئا من اجزائه، أو شرائطه لا بانتفاضه بعد علمه بتحقق كل منهما صحيحا في نفسه.

[ 112 ]

[ في صحة صلاته ولا يجب عليه (1) الوضوء للصلاة الآتية ايضا بناء على ما هو الحق من ان التجديدي إذا صادف الحدث صح وأما إذا صلى بعد كل من الوضوئين ثم تيقن بطلان احدهما. ] (1) وقد تعرض (قدس سره) في هذه المسألة والمسائل الآتية لعدة فروع يقرب بعضها من بعض. (المسألة الاولى): ما إذا صلى ثم علم ببطلان احد وضوئيه من الاولى والتجديدي، بان ظهر له بطلان احدهما في نفسه لفقده شيئا من شرائطه واجزائه، لا انه علم بانتفاضه بعد وقوعه صحيحا. والوجه في ما افاده في هذه المسألة بناءا على ما هو الحق الصحيح من أن الوضوء التجديدي يرفع الحدث إذا صادفه في الواقع - ظاهر وهو العلم بطهارته ووضوئه الرافع للحدث، وغاية الامر لا يدري ان سببه هو الوضوء الاول أو الثاني وهو غير مضر في الحكم بطهارته فتصح صلاته، كما ان له الدخول بذلك الوضوء في كل امر مشروط بالطهارة. ثم انه (قده) لم يتعرض لما هو خلاف الحق، والمشهور من عدم كون الوضوء التجديدي رافعا للحدث على تقدير مصادفته الواقع، فهل يحكم حينئذ بصحة صلاته ووضوئه اولا يحكم بصحة شئ منهما أو فيه تفصيل؟. لا اشكال في ان استصحاب الحدث السابق على كلا الوضوئين جار في نفسه، ومقتضاه الحكم ببطلانها وبطلان الصلاة، وذلك ليعين به قبلهما ولا يعين بالوجدان بارتفاعه لاحتمال ان يكون الباطل الوضوء الاول، والصحيح هو التجديدي الذي لا يترتب عليه ارتفاع الحدث على تقدير المصادقة، فمقتضاه البطلان، وانما الكلام في ان قاعدة الفراغ

[ 113 ]

هل تجري في الوضوء الاول أو الصلاة في نفسها حتى تتقدم على استصحاب الحدث أو انها لا تجري؟ فللكلام جهتان. (الجهة الاولى): في أن قاعدة الفراغ هل تجري في نفس الصلاة؟ و (الجهة الثانية): في جريانها في الوضوء الاول، وعدمه. وأما الجهة الاولى فالتحقيق ان القاعدة غير جارية في نفس الصلاة سواء قلنا بجريانها في الوضوء ام لم نقل، أما إذا قلنا بجريانها في الوضوء فلاجل انه لا يبقى معه شك في صحة الصلاة حتى تجري فيها القاعدة، لان الشك فيها مسبب عن الشك في الوضوء ومع الحكم بصحته بالقاعدة لا يبقى شك في صحة الصلاة إذ الاصل الجاري في السبب حاكم على الاصل الجاري في المسبب وأما إذا لم نقل بجريانها في الوضوء - ولو بدعوى انه طرف للعلم الاجمالي ببطلانه، أو بطلان الوضوء التجديدي كما يأتي - فلان قاعدة الفراغ كما ذكرناه غير مرة انما تجري فيما إذا كانت صورة العمل غير محفوظة حين الشك في صحته بان يشك في انه هل أتى به مطابقا للمأمور به أم فاقذا لبعض شرائطه، أو اجزائه. وأما إذا كانت صورة العمل محفوظة كما إذا علم انه توضأ من هذا المايع الموجود بين يديه - وهو مشكوك الاطلاق والاضافة مثلا - أو صلى إلى تلك الجهة - وهي مشكوك كونها قبله - ولكنه احتمل صحته لاجل مجرد المصادفة الاتفاقية فهي ليست موردا للقاعدة لاعتبار ان يكون المكلف أذكر حال العمل منه حينما يشك (1) وأن يكون اقرب إلى الحق


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7 - وهي مضمرة بكير بن اعين قال الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال: هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك.

[ 114 ]

منه بعده (1) كما في رواياتها وهو غير متحقق عند كون صورة العمل محفوظة، والامر في المقام كذلك لان صلاته هذه إنما وقعت بذلك الوضوء الاول الذي يشك في صحته وفساده، فالصلاة خارجة عن موارد القاعدة. ولا يقاس هذا بملاقي احد أطراف العلم الاجمالي وغيره من موراد الشك السببي والمسببي حيث يجري الاصل فيها في المسبب إذا لم يجر في السبب، وذلك لانه وان كان صحيحا بكبرويته لوضوح ان الاصل إذا لم يجر في السبب لمانع، فلا محالة تنتهي النوبة إلى الاصل المسببي إلا انه فيما إذا كان الاصل في المسبب جاريا في نفسه لاشتماله على شرائطه لا في مثل الصلاة في مفروض الكلام الذي لا تجري فيه القاعدة في نفسها لعدم وجدانها الشرط المعتبر في جريانها. وأما الجهة الثانية اعني جريان قاعدة الفراغ في الوضوء الاول فالصحيح انها جارية في الوضوء الاول للشك في صحته وفساده وبها يحكم بصحته وصحة الصلاة، ويجوز له ان يدخل في كل ما هو مشروط بالطهارة والذي يتوهم ان يكون مانعا عن جريانها في ذلك الوضوء انما هو وجود العلم الاجمالي ببطلانه، أو بطلان الوضوء النجديدي، كما إدا علم بانه قد ترك مسح رأسه في أحد الوضوئين ومعه لا تجري القاعدة في شئ منهما، لان جريانها في كليهما تعبد بخلاف المعلوم، وجريانها في بعض دون بعض ترجيح من غير مرجح. إلا ان العلم الاجمالي المفروض غير مانع عن جريان القاعدة في


(1) الوسائل: الجزء 5، باب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3. وفيه: وكان حين انصرف اقرب إلى حق منه بعد ذلك.

[ 115 ]

الوضوء الاول بوجه، لانا ان قلنا بما ربما يظهر من بعض كلمات شيخنا الانصاري (قدس سره) من ان تأثير العلم الاجمالي وتنجزه متوقف على ان يكون متعلقه حكما الزاميا في جميع اطرافه وإذا كان متعلقه في بعضها حكما غير الزامي فهو غير منجز للتكليف، كما إذا علم اجمالا ببطلان احدى صلاتيه من الفريضة، أو النافلة فلا تجب عليه اعادة الفريضة لعدم كون الحكم في طرف النافلة الزاميا فالامر واضح، لان الحكم في احد طرفي العمل الاجمالي في المقام أيضا غير الزامي وهو الوضوء التجديدي، لان إعادته غير واجبة. فالعمل الاجمالي غير مؤثر في تنجز متعلقه فلا مانع من اجراء القاعدة في كل من الوضوء الاول والتجديدي بوجه. وأما إذا قلنا بما قويناه أخيرا وقلنا بأن العلم الاجمالي منجز لمتعلقه عنه تعارض الاصول في اطرافه سواء كان متعلقه حكما الزاميا في جميعها ام كان حكما غير الزامي في بعضها، والزاميا في الآخر فأيضا لا مجال للمنع عن جريان القاعدة في الوضوء الاول، وذلك لعدم المعارض وعدم جريان القاعدة في الوضوء التجديدي بناءا على ما اخترناه وفاقا للماتن (قده) من عدم انحصار استحباب التجديد بالفرد الاول، بل الفرد التجديدي الثاني والثالث والرابع وهكذا أيضا مستحب. والسر في عدم جريان القاعدة في التجديدي حينئذ هو ان القاعدة إنما تجري فيما امكن فيه التدارك، أما على نحو اللزوم. وأما على نحو الاستحباب فيها ترفع كلفة تدارك العمل السابق وهذا كما في مثال ما إذا علم ببطلان الفريضة أو النافلة حيث ان كلا منهما إذا كانت باطلة يمكن تداركها فيجب اعادتها أو تستحب، فالقاعدة إذا جرت في شئ منهما تقتضي عدم لزوم تداركها أو عدم استحباب التدارك فتتعارض

[ 116 ]

القاعدة في الفريضة معها في النافلة فلا يمكن اجرائها في كليهما، لانه تعبد بخلاف المعلوم ولا في بعضها دون بعض لانه بلا مرجح. وأما إذا لم يمكن التدارك بوجه فلا معنى لجريان قاعدة الفراغ في مثله، وهذا كما في الصلاة المبتدئة لانه إذا شك بعدها في صحتها وفسادها لا تجري فيها القاعدة، لانها سواء صحت ام فسدت فقد مضت ولا اثر لبطلانها حيث ان الصلاة خير موضوع ومستحبة في جميع الاوقات فالصلاة بعد الصلاة التي يشك في صحتها مستحبة في نفسها صحت الصلاة السابقة ام فسدت فلا اثر لبطلانها أي لا يمكن تداركها حتى تجري فيها القاعدة، وبها يحكم بعدم كلفة المكلف في تداركها واعادتها لزوما أو استحبابا وهذا من غير فرق بين كونها طرفا للعلم الاجمالي وكونها مشكوكة بالشك البدوي لانها في نفسها ليست موردا للقاعدة كما مر، والامر في المقام - بناءا على ما اخترناه - كذلك حيث لا اثر للوضوء التجديدي صحة وفسادا. لان المفروض انه لا يرفع الحدث الواقعي على تقدير المصادفة حيث ان كلامنا على هذا الفرض، كما ان بطلانه لا يوجب الاعادة لعدم امكان تداركه حيث ان الفرد التجديدي الثاني مستحب في نفسه صح الفرد الاول ام لم يصح، كان موردا وطرفا للعلم الاجمالي ام كان مشكوكا بدويا، لان القاعدة غير جارية فيه في نفسه لا من جهة المعارضة، فإذا لم يترتب على جريان القاعدة في الوضوء التجديدي اثر فلا مانع من جريانها في الوضوء الاول لانه مشمول لاطلاق ادلتها ولقوله عليه السلام كلما مضى من صلاتك وطهورك فامضه كما هو (1).


(1) الوسائل: ج 1، باب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 6 واليك نصها (.. كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا =

[ 117 ]

[ فالصلاة الثانية صحيحة (1) واما الاولى فالاحوط اعادتها وإن كان لا يبعد (2) جريان قاعدة الفراغ فيها ] والعلم الاجمالي بترك المسح في ذلك الوضوء الاول، أو بتركه في امر آخر اجنبي لا اثر له لا يورث غير الشك في صحة الوضوء الاول ولا يمنع عن جريان القاعدة لانه ليس علما بالنقصان فيه، فإذا جرت فيه القاعدة نحكم بصحته كما نحكم بصحة الصلاة وبجواز دخوله في كل ما يشترط فيه الطهارة. ومن هنا يظهر انه لا فرق في الحكم بصحة الوضوء والصلاة بين القول بان الوضوء التجديدي يرفع الحدث على تقدير المصادفة، والقول بعدم كونه رافعا، فانهما محكومان بالصحة على كلا التقديرين. (1) للعلم بطهارته حين الصلاة الثانية بناءا على ان الوضوء التجديدي يرفع الحدث على تقدير المصادفة واقعا وانما لا يدري سببه، وان الطهارة حصلت بالوضوء الاول أو الثاني. (2) وقد اتضح مما بيناه سابقا عدم جريان القاعدة في نفس الصلاة لما استظهرناه من رواياتها من اختصاصها بما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة حال الشك في صحة العمل، بان يحتمل كونه حال العمل ملتفتا إلى جميع اجزائه وشرائطه وآتيا بهما في محلهما، كما يحتمل غفلته ونسيانه عن بعضهما فقد نقص شيئا منهما.


= فأمضه ولا اعادة عليك فيه. وورد في موثقة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو الوسائل الجزء 5، باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3.

[ 118 ]

[ (مسألة 40): إذا توضاء وضوئين وصلى بعدهما ثم علم بحدوث حدث بعد احدهما (1) يجب الوضوء للصلاة الآتية (2) لانه يرجع إلى العلم بوضوء وحدث والشك في المتأخر منهما وأما صلاته فيمكن الحكم بصحتها من باب قاعدة الفراغ بل هو الاظهر. ] وأما إذا علم بحاله حال العمل وانه كان غافلا أو شاكا فلا تشمله القاعدة كما مر، والامر في المقام كذلك لعلمه بانه صلى مع ذلك الوضوء الذي يحتمل بطلانه فلا مجرى للقاعدة في نفس الصلاة، نعم لا بأس باجرائها في الوضوء الاول لما مر من عدم معارضته القاعدة فيه مع القاعدة في الوضوء التجديدي، إذ لا اثر بصحته وفساده لعدم كونه قابلا للتدارك كما مر فإذا جرت القاعدة في الوضوء فبه نحكم بصحة الصلاه الاولى كما يجوز له الدخول في كل ما هو مشروط بالطهارة، وقد عرفت ان العلم الاجمالي ببطلان احدهما مما لا اثر له. إذا توضأ مرتين وصلى بعدهما ثم علم بتحقق حدث بعد أحدهما (1) أي علم بانتفاض أحدهما بعد وقوعهما صحيحين وتامين، لا انه علم ببطلان أحدهما بترك جزء أو شرط منه كما في المسألة المتقدمة. (2) أما وضوئه الاول فهو مقطوع الانتقاض، سواء وقع الحدث بعده ام بعد الوضوء الثاني. وأما الوضوء الثاني فهو محتمل الانتقاض

[ 119 ]

[ (مسألة 41): إذا توضأ وضوئين وصلى بعد كل واحد صلاة ثم علم حدوث حدث بعد احدهما يجب الوضوء للصلاة الآتية وإعادة الصلاتين (1) السابقتين إن كانا مختلفتين في العدد ] لاحتمال ان يكون الحدث واقعا قبله وبعد الوضوء الاول فالوضوء الثاني غير مرتفع كما يحتمل ارتفاعه لاحتمال وقوع الحدث بعد الوضوء الثاني، وعليه فهو حينئذ عالم بحدوث حدث وطهارة لا يعلم المتقدم والمتأخر منهما فيدخل الوضوء الثاني في الكبرى المتقدمة من العلم بحدوث الطهارة والحدث، والشك في المتقدم والمتأخر منهما. وقد عرفت ان استصحاب الطهارة غير جار حينئذ ولا يمكن الرجوع إلى البرائة، لان المورد من موارد الاشتغال فيحكم بوجوب الوضوء عليه لاجل الصلوات الآتية، وهل يمكن التمسك بقاعدة الفراغ بالنسبة إلى ما أتى به من الصلاة. الظاهر ذلك، وذلك لانه يحتمل ان يكون حال صلاته قد أحرز طهارته وانها بعد الحدث فصلى مع الطهارة وانما حصل له التردد في التقدم والتأخر بعد الصلاة، ومع احتمال التفاته إلى وجدان الشرط حال الصلاة يحكم بصحتها بمقتضى القاعدة، كما هو الحال فيما إذا شك في أصل وضوئه بعد الصلاة لانه إذا احتمل التفاته إلى شرائطها قبل الصلاة واحرازها حينئذ يحكم بصحة صلاته بقاعدة الفراغ (1) نظرا إلى ان قاعدة الفراغ في كل من الوضوئين معارضة بجريانها في الآخر فيتساقطان، ولا يمكن الرجوع إلى البرائة لان المورد مورد للاشتغال هذا. وهل يمكن التفصيل في هذه المسألة بالحكم بصحة

[ 120 ]

الصلاة الاولى دون الثانية. التحقيق يقتضي ذلك، وهذا لان قاعدة الفراغ في كل من الطرفين وان كان معارضا بجريانها في الآخر كما عرفت، إلا انه لا مانع من الرجوع إلى استصحاب بقاء الطهارة الاولى إلى زمان الصلاة الاولى بوجه، ووجهه ان تاريخ الصلاة الاولى معلوم وهو ما بين الوضوئين والمفروض انا نقطع بتحقق الطهارة بالوضوء الاول للعلم بوقوع صحيحا وانما نشك في استمرار تلك الطهارة إلى زمان الصلاة الاولى، أو إلى زمان الوضوء الثاني وعدمه، لاحتمال تخلل الحدث بينه وبين الصلاة الاولى فنستصحب بقائها إلى زمان الطهارة الثانية، وعدم حدوث الحدث إلى ذلك الزمان، وبه يحكم بصحة الصلاة الاولى لا محالة. ولا يعارضه الاستصحاب في الوضوء الثاني، لان لنا في زمان ذلك الوضوء اي الثاني علم اجمالي بتحقق حدث ووضوء واستصحاب بقاء الطهارة الثانية إلى حال الصلاة معارض باستصحاب بقاء الحدث إلى ذلك الزمان. ما ذكرناه من الحكم بصحة الصلاة الاولى في هذه المسألة وان لم يذهب إليه احد فيما نعلمه، لانهم على ما نسب إليهم تسالموا على وجوب اعادة كلتا الصلاتين إلا ان من الظاهر انها ليست من المسائل التعبدية وانما ذهبوا إلى بطلانهما من جهة تطبيق الكبريات على مصاديقها فلا مانع في مثله من الانفراد هذا. وقد يورد على ما ذكرناه من جريان استصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الوضوء الثاني الموجب للحكم بوقوع الصلاة الاولى مع الطهارة بانه لا وجه للحكم بجريان الاستصحاب المذكور، لانه معارض باستصحاب بقاء الطهارة الثانية وان كان له - أي لاستصحاب بقاء الطهارة الثانية

[ 121 ]

إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية - معارض آخر - وهو استصحاب بقاء الحدث إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية إلا انه قد يكون اصل واحد معارضا بأصلين، كما في علمين إجماليين اشتركا في طرف واحد كالعلم الاجمالي بنجاسة الاناء الشرقي، أو الغربي لوقوع قطرة دم في أحدهما ثم العلم إجمالا ثانيا بوقوع نجس في الاناء الشرقي، أو الشمالي لان اصالة الطهارة أو استصحابها في الاناء الشرقي حينئذ معارض باصلين الجاري احدهما في الشمالي، والاخر في الاناء الغربي، ومع المعارضة يحكم بتساقط الاصول باجمعها ولا موجب للحكم بسقوط المتعارضين منها اولا، والحكم ببقاء الآخر بلا معارض. والامر في المقام كذلك، وهذا لا لوجود علمين إجمالين بل من جهة ان استصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية كما مر معارض باستصحاب بقاء الحدث إلى ذلك الزمان، ثم انا لو أغمضنا النظر عن جريان استصحاب الحدث إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية أيضا لا مجال لاستصحاب الطهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية، وذلك للعلم الاجمالي بانتقاض أحد الوضوئين ووقوع احدى الصلاتين مع الحدث، فاستصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الفراغ عن الثانية معارض باستصحاب بقائها إلى زمان الفراغ عن الصلاة الاولى. فإذا استصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الفراغ عن الثانية معارض بأصلين، احدهما استصحاب بقاء الحدث إلى ذلك الزمان، والآخر استصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الاولى، ومعه لا مناص من الحكم بسقوط الجميع ولا وجه للحكم بسقوط استصحاب الطهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية مع استصحاب بقاء الحدث إلى ذلك الزمان، وابقاء استصحاب الطهارة إلى زمان الفراغ عن

[ 122 ]

الاولى غير معارض فلابد من الحكم باعادة كلتا الصلاتين. هكذا قيل وهو وان كان وجيها بظاهره إلا انه مما لا يمكن المساعدة عليه، وتوضيح الجواب عن ذلك يتوقف على تمهيد مقدمة ينبغي ان يؤخر ذكرها إلى فروع العلم الاجمالي، غير انا ننبه عليها في المقام دفعا للمناقشة ولاجل انها قد تنفع في غير واحد من المقامات والمسائل. وهي ان المانع عن شمول الدليل لمورد قد يكون من الامور الداخلية والقرائن المتصلة، وقد يكون من الامور الخارجية والقرائن المنفصلة، والاول يمنع عن اصل انعقاد الظهور للدليل في شموله لمورده من الابتداء، وهذا نظير تخصيص العموم بالمخصص المتصل المجمل، كما إذا خصص العام متصلا بزيد وتردد زيد الخارج بين ابن بكر، وابن عمرو، فان العام الا ينعقد له ظهور حينئذ في الشمول لشئ من المحتملين من الابتداء. والثاني انما يمنع عن حجية الظهور بعد انعقاده في الدليل ولا يمنع عن اصل انعقاد الظهور فإذا تبينت ذلك فنقول: إن عدم جريان الاصول في المقام ليس بملاك واحد بل بملاكين، وذلك لان عدم جريان الاستصحاب في الحدث والطهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية انما هو من جهة القرينة المانعة المتصلة، وهي استحالة التعبد بالمتناقضين حيث ان هناك شكا واحدا وهو مسبوق بيقينين متنافيين، واجراء الاستصحاب فيهما يستلزم التعبد بالمتناقضين واستحالة ذلك من القرائن المتصلة بالكلام، لانها من الامور البديهية التي يعرفها كل عاقل لانه إذا التفت يرى عدم امكان التعبد بأمرين يستحيلى اجتماعها فعدم شمول ادلة الاستصحاب لهذين الاستصحابين انما هو من جهة المانع الداخلي، وغير مستند إلى العلم الاجمالي بوجه لانه سواء كان ام لم يكن لا يتردد العاقل في استحالة التعبد بالمتناقضين،

[ 123 ]

وقد عرف ان المانع إذا كان من قبيل القرائن المتصلة فهو يمنع عن اصل انعقاد ظهور الدليل في شموله لمورده. وأما عدم جريانه في استصحابي بقاء الطهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الاولى والثانية فهو من جهة القرينة الخارجية، وهي العلم الاجمالي بانتقاض احد اليقينين إلا ان ما يفيد العلم الاجمالي عن جريان الاصول في اطرافه ليست من الامور البديهية وانما هي امر نظري. ومن هنا جوز جماعة جريان الاصول في كلا طرفي العلم الاجمالي، بل تكرر في كلمات (صاحب الكفاية) ان مرتبة الحكم الظاهري محفوظة مع العلم الاجمالي ودعوى احتمال مناقضته أي الحكم الظاهري حينئذ مع الحكم الواقعي غير مختصة باطراف العلم الاجمالي لانهما متحققة في جميع الشبهات البدوية وعليه فالمانعية في العلم الاجمالي، من قبيل القرائن المنفصلة الخارجية، وقد عرفت ان المانع المنفصل لا يمنع عن اصل الظهور في الدليل وانما يمنع عن حجيته، فإذا كان الامر كذلك ولم ينعقد لادلة حجية الاستصحاب ظهور في شمولها لاستصحابي الحدث والطهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الثانية، والجامع كل شك مسبوق بتعينين متنافيين، فلا محالة ينبغي ظهورها المنعقد في الشمول لمثل استصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الاولى بلا مزاحم ولا مانع، لان مانعه ورافع حجيته هو العلم الاجمالي وقد عرفت عدم تأثيره في محل الكلام. فلا يقاس المقام بعلمين اجماليين اشتركا في مورد وطرف واحد، لان عدم جريان الاصلين فيهما بملاك واحد لا بملاكين كما في المقام وانحلاله، وعليه ففي موارد اختلاف الصلاتين بحسب العدد لا وجه لاعادة كلتيهما وانما تجب اعادة الثانية فقط هذا. على انا لو سلمنا عدم جريان قاعدة الفراغ في الطرفين للمعارضة

[ 124 ]

[ والا (1) يكفي صلاة واحدة ] وعدم جريان الاستصحاب في الصلاة الاولى لوجه لا ندري به، فلنا ان نرجع إلى البرائة في احدى الصلاتين، وذلك فيما إذا خرج وقت احدى الصلاتين دون الاخرى، كما إذا توضأ فاتى بصلاة العصر ثم توضأ وأتى بصلاة المغرب وقبل انقضاء وقت صلاة المغرب علم اجمالا بحدوث بعد احد الوضوئين. فلا مانع في مثله من الرجوع إلى البرائة عن وجوب قضاء العصر لانه بأمر جديد ونشك في توجه التكليف بقضائها فندفعه بالبرائة، وبها ينحل العلم الاجمالي لما ذكرناه في محله من ان للعلم الاجمالي انما ينجز متعلقه فيما إذا كانت الاصول الجارية في أطرافه نافية بأجمعها. وأما إذا كان بعضها مثبتا للتكليف في احد الطرفين وكان الجارى في الآخر نافيا فالعلم الاجمالي ينحل لا محالة، والامر في المقام كذلك لان الجاري في طرف الصلاة التي لم يخرج وقتها هو اصالة الاشتغال للعمل بأشتغال الذمة بها، ويشك في سقوطها وهذا بخلاف الجاري في ناحية الصلاة الخارج وقتها لانه هو البرائة حيث أن القضاء أمر جديد. نعم لو توضأ وأتى بصلاة قضائية ثم توضأ وأتى بصلاة أدائية وبعده علم بحدوث الحدث بعد احدهما لابد من اعادة كلتا الصلاتين، لعدم خروج الوقت في شئ منهما والمفروض تعارض قاعدة الفراغ في الطرفين وعدم جريان الاستصحاب في الصلاة الاولى، هذا كله فيما إذا كان الصلاتان مختلفتين من حيث العدد. (1) أي وان لم تكن الصلاتان مختلفتين في العدد، بان كانتا متحدتين بحسبه كما إذا توضأ وأتى بصلاة الظهر ثم توضأ وأتى بصلاة العصر أو العشاء.

[ 125 ]

[ بقصد ما في الذمة (1) جهرا إذا كانتا جهريتين واخفاتا إذا كانتا اخفاتيتين ومخيرا بين الجهر والاخفات (2) إذا كانتا مختلفتين والاحوط في هذه الصورة اعادة كليهما ] (1) كما إذا توضأ وأتى بصلاة الظهر ثم توضأ وأتى بصلاة العصر لانه إذا أتى بصلاة رباعية واحدة اخفاتا فقد علم بحصول الواجب لانه انما علم ببطلان احدى الصلاتين لا كلتاهما، هذا بناءا على مسلك المشهور. وأما على ما ذكرناه من جريان الاستصحاب في الصلاة الاولى فالامر ظاهر لانه انما يأتي بالصلاة الثانية فحسب. (2) كما إذا توضأ وأتى بصلاة العصر ثم توضأ وأتى بصلاة العشاء فعلى ما بيناه لابد من اعادة خصوص الثانية جهرا ان كانت جهرية كما في المثال، واخفاتية إذا كانت اخفاتية. وأما على مسلك المشهور فقد ذكروا بان المكلف متخير بين ان يأتي بصلاة واحدة جهرية أو اخفاتية. والكلام في هذا التخيير وانه لماذا لم يجب عليه الاحتياط بتكرار الصلاة جهرا تارة، واخفاتا اخرى عملا بمقتضى العلم الاجمالي بوجوب احدهما ولم يجب مراعاتهما مع انهما من احد الامور المعتبرة في الصلاة. فنقول ان مقتضى قانون العلم الاجمالي وجوب تكرار الصلاة جهرا مرة، واخفاتا اخرى تحصيلا للعلم بوجود شرط الصلاة، إلا ان الاصحاب (قدهم) اختلفوا في ذلك فذهب جماعة منهم إلى ذلك ولكن المشهور منهم ذهبوا إلى عدم وجوب تكرار الصلاة، بل المكلف يأتي بها مرة واحدة مخيرا بين الاجهار والاخفات مستندين في ذلك إلى الاخبار الواردة فيمن فاتته فريضة لا يدري ايتها، وهي روايات ثلاث: ثنتان منها رواهما الشيخ (قدس سره) بسندين عن علي بن اسباط

[ 126 ]

من انه يصلي ثلاثية ورباعية وثنائية. (1) نظرا إلى انه عليه السلام لم يوجب التكرار في الرباعية مع احتمال ان تكون الفائتة جهرية وان تكون اخفاتية، وهو معنى التخيير عند دوران الامر بينهما. والروايتان معتبرتان من حيث السند وان عبروا عنهما بالمرسلة في كلماتهم، ولكنا ذكرنا غير مرة ان المراد بالمرسلة ما إذا كان الراوي غير المذكور في السند واحدا أو اثنين، وأما إذا روى الراوي عن غير واحد فهو كاشف عن كون الراوية معروفة متواترة، أو ما يقرب منها عند الرواة كما ان هذا التعبير بعينه دارج اليوم فتراهم ان القضية إذا كانت معروفة يقولون انها ما نقله غير واحد فمثله خارج عن الارسال، فالروايتان لا بأس بهما من حيث سنديهما، لان علي بن اسباط ينقلهما عن غير واحد عن الصادق عليه السلام، نعم هما من حيث الدلالة قابلتان للمناقشة لاختصاصهما بمورد فوات الفريضة المرددة بين الثلاث فلا يمكن التعدي عنها إلى غيره كأمثال المقام. والرواية الثالثة ما رواه البرقي في محاسنة، سئل أبو عبد الله عليه السلام (2) عن رجل نسي صلاة من الصلوات لا يدري ايهما هي


(1) الوسائل: الجزء 5، باب 11 من ابواب قضاء الصلاة، الحديث 1، رواها الشيخ (ره) بسندين احدهما: بسنده عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي الوشاء عن علي بن اسباط، عن غير واحد من اصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال من نسي من صلاة يومه واحدة ولم يدر أي صلاة هي، صلى ركعتين وثلاثا واربعا: ثانيهما رواها بسنده عن محمد بن احمد بن يحيى عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن علي بن اسباط مثله. (2) الوسائل: ج 5، باب 11 من ابواب قضاء الصلاة =

[ 127 ]

قال عليه السلام يصلي ثلاثا وأربعا وركعتين فان كانت الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلى أربعا، وان كانت المغرب أو الغداة فقد صلى، وهي بعينها الروايتان المتقدمتان إلا انها مشتملة على ذيل وهو قوله - عليه السلام - فان كانت الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلى اربعا، وكأن الذيل تعليل فتعدوا به عن مورد الرواية وهو فوات الفريضة المرددة بين الصلوات الثلاث إلى كل مورد دار أمر الفريضة فيه بين الجهر والاخفات مع الاتحاد في العدد. فأنه يأتي بها مخيرا بين الاجهار والاخفات لانه - عليه السلام - لم يوجب التكرار مع الاجهار والاخفات. ولا يخفى عدم إمكان المساعدة عليه بوجه، لان الرواية واردة في خصوص من فاتته فريضة ودارت بين الصلوات الثلاث فكيف يمكننا التعدي عنه إلى امثال المقام مما قد لا يكون فيه قضاء اصلا، كما إذا حصل له العلم الاجمالي بالحدث قبل خروج وقت الصلاتين، والذيل لا علية له وانما هو بيان لذلك الحكم الخاص الوارد في مورده. فالصحيح في الحكم بالتخيير في المقام ان يقال ان أدلة اعتبار الاجهار والاخفات قاصرة الشمول في نفسها للمقام لانها مختصة بموارد العلم والتعمد، ولا وجوب لشئ منهما مع الجهل والنسيان والغفلة وهذا لصحيحة زرارة المصرحة بأن الاجهار والاخفات انما هما مع الالتفات والعمد، لا مع الجهل والنسيان والغفلة، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، في رجل جهر فيما لا ينبغي الاجهار فيه واخفى فيما لا ينبغي الاخفاء فيه فقال اي ذلك فعل متعمدا فقد نقص صلاته


= الحديث 2 ورواها البرقي في الصحيح عن الحسين بن سعيد يرفع الحديث قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام الخ.

[ 128 ]

[ (مسألة 42): إذا صلى بعد كل من الوضوئين نافلة (1) ثم علم حدوث حدث بعد احدهما فالحال على منوال الواجبين لكن هنا يستحب الاعادة إذ الفرض كونهما نافلة واما إذا كان في الصورة المفروضة احدى الصلاتين واجبة والاخرى نافلة فيمكن ان يقال بجريان قاعدة الفراغ في الواجبة وعدم معارضتها بجريانها في النافلة أيضا لانه لا يلزم من اجرائها ] وعليه الاعادة، فان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شئ عليه وقد تمت صلاته (1)، وحيث ان المكلف جاهل بوجوبها في المقام لانه لا يدري ان الباطل من صلاته ايهما وانها هي الجهرية أو الاخفاتية فلا يجب عليه شئ من الجهر والاخفات اصلا، لا انهما واجبان عليه ولكنه مخير بينهما في امثال المقام، فإذا لم يجب عليه شئ منهما فلا محالة يتخير بين الاجهار في صلاته وبين الاخفات فيها وهذا هو معنى تخيره بينهما. النافلة كالفريضة في محل الكلام (1) وتوضيح الكلام في هذه المسألة، ان النافلتين ان كانتا مبتدئتين فلا تجري قاعدة الفراغ في شئ منهما لما مر وعرفت من ان القاعدة


(1) الوسائل: الجزء 5، باب 11، من أبواب قضاء الصلوات الحديث 2. رواها البرقي في الصحيح عن الحسين بن سعيد يرفع الحديث قال سئل أبو عبد الله عليه السلام الخ.

[ 129 ]

انما تجرى لرفع وجوب اعادة العمل وتداركه، ومع فرض أن العمل غير قابل للتدارك والاعادة سواء صح ام بطل، وان كانت النافلة بنفسها مستحبة في كل وقت لا معنى لجريان القاعدة في مثله فلا تجرى فيهما القاعدة في نفسها، لا انها تجرى وتتعارض كما لا يستحب اعادتهما. وأما إذا كانتا غير مبثدئتين كما في نافلة الليل أو الصبح ونحوهما تجرى القاعدة في كل من الصلاتين وتتساقط بالمعارضة، لان جريانها في كلتيهما يستلزم المخالفة القطعية وان لم تكن محرمة وهو قبيح لان مآله إلى التعبد، على خلاف المعلوم بالوجدان لغرض العلم ببطلان احديهما ومعه كيف يتعبد بصحة كل منهما، فلا محالة تتعارض القاعدة في كل منهما بجريانها في الاخرى فلابد من اعادتهما على وجه الاستحباب، نعم لو تم ما سلكناه من جريان الاستصحاب اعني استصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة الاولى يحكم بصحة النافلة الاولى ويستحب اعادة خصوص الثانية. ومنه يظهر الحال فيما إذا كانت احديهما فريضة والاخرى نافلة غير مبتدئة لان القاعدة تتعارض فيهما لان جريانها فيهما معا يستلزم التعبد، بخلاف المعلوم بالوجدان فلابد من اعادتهما معا وأما إذا كانت احديهما نافلة غير مبتدئة، أو فريضة، والاخرى مبتدئة فالقاعدة تجرى في غير المبتدئة أو الفريضة لعدم معارضتها بجريانها في النافلة المبتدئة فلا اعادة لشئ من الصلاتين حينئذ. فتلخص من جميع ما ذكرناه، ان العلم الاجمالي إذا تعلق ببطلان إحدى الصلاتين النافلتين، أو الفريضة والنافلة غير المبتدئة والجامع العمل الالزامي وغير الالزامي في مقام الامتثال لا تجرى الاصول في أطرافه بالمعارضة - اعني قاعدة الفراغ - وجريان الاستصحاب قد مر

[ 130 ]

الكلام فيه. وأما إذا تعلق العلم الاجمالي بجامع الحكم الالزامي وغير الالزامي في مرحلة الجعل والتشريع، كما إذا علمنا بوجوب احد الفعلين، أو باستحباب الآخر أو بحرمة احدهما، أو بكراهة الآخر، أو اباحته أو استحبابه، والجامع هو الحكم الالزامي وغير الالزامي، فهل حاله حال العلم الاجمالي، المتعلق بالحكم الالزامي وغير الالزامي في مقام الامتثال فلا تجرى الاصول في أطرافه كالبرائة، كما لا تجري قاعدة الفراغ في أطراف العلم الاجمالي المتعلق بالحكم في مرحلة الامتثال، أو أنه لا مانع من جريان البرائة في أطرافه؟ قد يقال بالاول: وأن العلم الاجمالي المتعلق بالحكم الالزامي وغيره في مرحلة الجعل والتشريع حاله حال العلم الاجمالي المتعلق بهما في مرحلة الامتثال وانه منجز ومانع عن جريان البرائة الشرعية في اطرافه، كما ان البرائة العقلية لا تجري في اطرافه لان العلم الاجمالي بيان مصحح للعقاب هذا. ولكنه مما لا يمكن المساعدة عليه، ولا يمكن قياس احد العلمين الاجماليين بالاخر و (سره) انه لا معنى لوضع الحكم الواقعي في مرحلة الظاهر وحال الجهل والشك فيه إلا جعل وجوب الاحتياط وإيجاب التحفظ على الواقع، كما انه لا معنى لرفع الحكم الواقعي في تلك المرحلة إلا رفع إيجاب الاحتياط والتحفظ على الواقع، وعليه فالبرائة تجري في ناحية الحكم الالزامي وتوجب الترخيص في العمل يرفع إيجاب الاحتياط والتحفظ حينئذ، بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية على خلاف - في الشبهات الحكمية التحريمية فقط، دون الوجوبية والموضوعية مطلقا بيننا وبين المحدثين.

[ 131 ]

ولا تعارضها البرائة في ناحية الحكم غير الالزامي لعدم جريانها في الاحكام غير الالزامية على ما اسلفناه في بحث حديث الرفع، وقلنا انها لا تجري في الاحكام غير الالزامية وذلك لان اجرائاها لاجل رفع إيجاب الاحتياط غير ممكن لعدم كونه موردا للحديث، للقطع بارتفاعه بعدم وجوبه في الاحكام غير الالزامية ولا شك في وجوبه لتجري فيه البرائة، كما ان اجرائها لاجل استحباب الاحتياط كذلك للقطع بوضعه، إذ لا شك في حسن الاحتياط حتى يدفع بأصالة البرائة، فالبرائة الشرعية في طرف الحكم الالزامي غير معارضة بجريانها في طرف الحكم غير الالزامي. وأما البرائة العقلية فالامر فيها أوضح، لانها تجري في ناحية الحكم الالزامي بحيث يحتمل في تركه، أو في فعله العقاب وحيث انه بلا بيان فيحكم بعدم العقاب فيه، ولا يكون العلم الاجمالي بجامع الالزام وغير الالزام بيانا لما قدمناه في محله، من أن العلم الاجمالي انما يتعلق بالجامع بين الاطراف ولا يتعلق بشئ من خصوصيات الاطراف، وانما هي مجهولة، والجامع بين الالزام وغير الالزام مما لا عقاب فيه، ولا تعارض بجريانها في طرف الحكم غير الالزامي لانه لا يحتمل عقاب من ناحية حتى يدفع بالبرائة، فبالنتيجة ان البرائة شرعية كانت أو عقلية تجري في رفع الحكم المحتمل الالزامي من غير معارض. ومعه لا يترتب على العلم الاجمالي اثر لما بيناه في محله من ان العلم الاجمالي انما ينجز متعلقه فيما إذا جرت الاصول في أطرافه وتساقطت بالمعارضة، وإلا فالعلم الاجمالي إنما يتعلق بالجامع بين الاطراف كالجامع بين الالزام وغير الالزام ولا يتعلق بشئ من خصوصيات الاطراف ومعه لا يترتب عليه منجز إلا بتساقط الاصول في أطرافه، وقد عرفت

[ 132 ]

[ (مسألة 43): إذا كان متوضأ وحدث منه بعده صلاة وحدث (1) ولا يعلم ايهما المقدم وان المقدم هي الصلاة حتى تكون صحيحة أو الحدث حتى تكون باطلة الاقوى صحة الصلاة لقاعدة الفراغ خصوصا إذا كان تاريخ الصلاة معلوما لجريان استصحاب بقاء الطهارة أيضا إلى ما بعد الصلاة. (مسألة 44): إذا تيقن بعد الفراغ من الوضوء انه ترك جزء منه ولا يدري انه الجزء الوجوبي أو الجزء الاستحبابي. ] ان الاصول في مثل محل الكلام غير معارضة ولا ساقطة، وهذا بخلاف العلم الاجمالي بالالزام وغير الالزام في مرحلة الامتثال فان الاصول كانت متعارضة في اطرافه، ومن ثمة حكمنا بتساقط قاعدة الفراغ في كلتا الصلاتين واعادتهما استحبابا، أو لزوما، إلا بناءا على جريان الاستصحاب في الصلاة الاولى، فان الاعادة تختص حينئذ بالثانية أيضا لزوما أو استحباب، فالمتحصل ان قياس أحد العلمين الاجماليين بالآخر مما لا وجه له. المتوضي إذا صلى وصدر منه حدث وتردد في المتقدم منهما (1) لا وجه لما صنعه (قدس سره) من الجمع في المسألة بين قاعدة الفراغ واستصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الصلاة، لان القاعدة حاكمة على الاستصحاب كما لا يخفى.

[ 133 ]

ثم ان تفصيل الكلام في هذه المسألة ان مقتضى قاعدة الفراغ هو الحكم بصحة الصلاة مطلقا، سواء علم تاريخ الصلاة وجهل تاريخ الحدث والطهارة أم انعكس، وعلم تاريخهما دون تاريخ الصلاة ام جهل تاريخ كل من الطهارة والحدث والصلاة إلا انها تختص بما إذا احتمل من نفسه إحراز شرط الصلاة قبل الدخول فيها، دون ما إذا علم انه كان غافلا عن طهارته التي هي شرط الصلاة وقد صلاها مع التردد في طهارته، وذلك لما أشرنا إليه غير مرة من أنه يعتبر في جريان القاعدة أن يكون المكلف أذكر حال العمل، وأن لا تكون صورة العمل محفوظة عنده حين شكه، فإذا احتمل من نفسه إحراز الطهارة قبل الصلاة فقد عرفت أنها مورد لقاعدة الفراغ في جميع الصور الثلاث. وأما إذا علم بغفلته عن الشرط وكانت صورة العمل محفوظة عنده فلا تجري القاعدة حينئذ وتصل النوبة إلى الاستحباب، وله صور ثلاث كما مر. الصورة الاولى أن يعلم تاريخ الصلاة دون تاريخ حدثه وانقضاء طهارته. مقتضى استصحاب بقاء طهارته إلى زمان الفراغ عن الصلاة الحكم بوقوع الصلاة مع الطهارة فتصح، ولا يعارضه استصحاب عدم وقوع الصلاة إلى زمان انقضاء الطهارة على مسلك الماتن وصاحب الكفاية (قدس سرهما) لان تاريخ الصلاة معلوم فلا شك في وقوعها بحسب الازمنة التفصيلية فلا يجري الاستصحاب فيها بحسب عمود الزمان للعلم بتاريخها، وأما اجراء الاستصحاب فيها بالاضافة إلى الحادث الآخر هو انقضاء الطهارة

[ 134 ]

وتحقق الحدث بان يقال الاصل عدم وقوع الصلاة إلى آخر زمان الطهارة فهو أيضا غير جار، لعدم احراز اتصال زمان الشك باليقين لاحتمال تخلل اليقين بالصلاة بين زماني اليقين بعدم تحقق الصلاة مع الطهارة والشك فيه، ومن هنا قال الماتن خصوصا إذا كان تاريخ الصلاة معلوما. وأما على ما سلكناه من جريان الاستصحاب في كل من الحادثين معلوم التاريخ منهما ومجهوله فلا مانع من استصحاب عدم تحقق الصلاة إلى اخر زمان انقضاء الطهارة الذي هو زمان الحدث، وذلك لان تاريخ الصلاة وإن كان معلوما ولا شك فيها بحسب الازمنة التفصيلية وعمود الزمان، إلا أن العلم بتاريخها في تلك الازمنة التفصيلية غير مناف للشك في تاريخها بحسب الازمنة الاجمالية، وهي ما بين زماني الطهارة والحدث، لانا إذا راجعنا وجداننا مع العلم بتاريخها بحسب الازمنة التفصيلية نرى انا نشك في وقوعها فيما بين الطهارة والحدث وحيث انا كنا على يقين من عدمها في تلك الازمنة الاجمالية فنستصحبه ونقول: الاصلى عدم وقوع الصلاة فيما بينهما أي إلى زمان انقضاء الطهارة، وليس هذا من الشبهة المصداقية للاستصحاب بوحه، لاننا لا نحتمل يقيننا بوقوع الصلاة فيما بين الحدث والطهارة في شئ من الازمنة، وعلى الجملة، لا ينبغي الاشكال في جريان الاستصحاب فيما علم تاريخيه، وهو نظير ما إذا علمنا بحياة شخصين أحدهما مقلدنا في الاحكام ثم علمنا بموت احدهما تفصيلا. فلم نتمكن من اجراء الاستصحاب في حياة ذلك المسجا للقطع بموته، فهل يكون هذه مانعا عن إجراء الاستصحاب في حياة أحدهما المعلومة إجمالا - من حيث تردده بين الميت والحي - فلا نتمكن من إجراء الاستصحاب في بقاء حياة مقلدنا

[ 135 ]

مع انا شاكين في بقائه بالوجدان؟ كلا ثم كلا، فلنا ان نشير إلى مقلدنا الذي لا نميزه وتقول كنا على يقين من حياته فنشك فهو حي بمقتضى الاستصحاب، فتحصل ان العمل بتاريخ احدهما في الازمنة التفصيلية غير مانع عن الشك في تاريخها من حيث الازمنة الاجمالية. ثم أنه إذا بنينا على جريان الاستصحاب في ما علم تاريخه فهل يحكم بتساقط الاصلين ويرجع إلى قاعدة الاشتغال المقتضية لاعادة الصلاة، أو أن الحكم هو استصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الفراغ من الصلاة فلا تجب اعادتها؟ التحقيق هو الثاني، وذلك لعدم معارضته باستصحاب عدم وقوع الصلاة إلى زمان انقضاء الطهارة، وهذا لا لان الاصل لا يجري فيما علم تاريخه من الحادثين لانه يجري فيه كما يجري في محموله، بل لما شرنا إليه في بحث استصحاب الزمان وقلنا ان الافعال المقيدة بقيود ان اخذ فيها زائدا على اعتبار وجود هذا ووجود ذاك - بان يكون المقيد موجودا في زمان يكون القيد فيه موجودا - امر اخر بسيط ولو كان هو عنوان الظرفية بان يعتبر كون القيد ظرفا للمقيد. فلا يمكن اجراء الاستصحاب في قيده واحراز الواجب المعتبر بالاصل، أو بضم الوجدان إليه. فلو علمنا بطهارتنا ثم شككنا في الحدث - من غير وجود العلم الاجمالي اصلا - فلا يمكننا استصحابها والحكم بوقوع صلاتنا مع الطهارة، لان استصحاب وجوب الطهارة لا يثبت وقوع الصلاة فيها أعني عنوان الظرفية إلا على القول بالاصل المثبت، فلا اثر للاستصحاب في الطهارة كما قلنا انه عليه لا يمكن إجراء الاستصحاب في وجود الزمان على نحو مفاد كان التامة لاثبات أن الفعل المقيد به، كالصوم والصلاة وقعا في النهار اعني ظرفية

[ 136 ]

الزمان لهما مع ان جريان الاستصحاب في بقاء الطهارة مورد للنص الصحيح وهو صحيحة زرارة. (1) فمن ذلك وغيره مما ذكرناه في بحث الاصول نستكشف ان المعتبر في الافعال المقيدة بقيود ليس إلا وجود هذا في زمان يكون الاخر فيه موجود ا من دون أن يعتبر فيها شئ آخر ولو عنوان الظرفية، وعليه فلو استصحبنا الزمان كالنهار وأحرزنا الصوم أو الصلاة بالوجدان فنضم الوجدان إلى الاصل وبه نحرز المأمور به وهو وجود المقيد ووجود قيده ونقطع بتحققه وتسليمه إلى المولى لا محالة، وكذلك الحال في مثل الصلاة والطهارة فإذا أثبتنا وجود الطهارة بالاستصحاب وعلمنا بوجود الصلاة بالوجدان فقد تحقق وجود كل منهما في زمان كان الاخر فيه موجودا. والمفروض أنه هو المأمور به فبضم الوجدان إلى الاصل أحرزنا تحقق المأمور به وتسليمه إلى المولى في مقام الامتثال. ولا يعارض استصحاب الطهارة حينئذ استصحاب عدم تحقق المركب من الجزئين، بان نقول كنا على يقين من عدم المركب من الجزئين خارجا والاصل عدمه، وذلك لانه لا وجود للمركب غير وجود اجزائه والمفروض ان احد جزئيه محرز بالوجدان والاخر محرز يجكم الشارع فلا شك لنا في تحقق المركب. ودعوى ان المتيقن حينئذ انما هو وجود اصل الصلاة، وأما وجودها في زمان الطهارة فهو مشكوك فيه والاصل عدم تحقق الصلاة في زمان قيدها. يدفعها انه لا أثر لوجود الصلاة في زمان الطهارة لما عرفت من عدم اعتبار الظرفية ولا غيرها من العناوين في الافعال المقيدة بقيود، بل المعتبر ليس إلا وجود هذا ووجود ذاك، والمفروض


(1) الوسائل: الجزء 3، باب 44 من أبواب النجاسات، الحديث 1.

[ 137 ]

انا علمنا بوجود كل منهما احدهما بالوجدان، والآخر بالاستصحاب. فتحصل ان استصحاب عدم وقوع الصلاة في زمان الطهارة غير جار لانه مما لا اثر له، فاستصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة بلا معارض ومقتضاه الحكم بصحة الصلاة، هذا كله في الصورة الاولى. الصورة الثانية ما إذا علم تاريخ انقضاء الطهارة أي الحدث وجهل تاريخ الصلاة مع عدم جريان قاعدة الفراغ للعلم بغفلته عن الشرط حال الصلاة فعلى مسلكهما (قدس سرهما) لا مجال للاستصحاب فيما علم تاريخه وهو انقضاء الطهارة أي الحدث بالاضافة إلى الازمنة التفصيلية وعمود الزمان بان يجري الاصل في عدمه، وان يقال الاصل عدم انقضاء الطهارة وعدم الحدث إلى زمان الصلاة، أو يقال الاصل عدم انقضائها وعدم الحدث في هذه الساعة، أو الساعة الثانية أو الثالثة للعلم بتاريخه، ولا بالاضافة إلى الحادث الآخر وهو الصلاة لعدم إحراز الاتصال لاحتمال تخلل اليقين بوجود الحدث فيما بين زماني اليقين من عدمه والشك فيه، كما لا يجري الاصل في ما جهل تاريخه فلابد من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال وإعادة الصلاة. وأما على ما سلكناه فلا مانع من جريان الاصل في كل مما علم تاريخه وما جهل في نفسهما، إلا انك عرفت انه في المقام لا يمكن استصحاب عدم وقوع الصلاة إلى آخر زمان الطهارة لانه لا أثر له، فاستصحاب بقاء الطهارة إلى زمان الفراغ عن الصلاة بلا معارض وهو

[ 138 ]

[ فالظاهر الحكم بصحة وضوئه لقاعدة الفراغ (1) ولا تعارض بجريانها في الجزء الاستحبابي لانه لا اثر لها بالنسبة إليه ونظير يقتضي الحكم بصحة الصلاة كما في الصورة الاولى. ] الصورة الثالثة: وهي ما إذا جهل تاريخ كل من الصلاة والحدث ولم تجر قاعدة الفراغ للعلم بالغفلة، فعلى مسلكهما لا يجري شئ من استصحابي عدم وقوع الصلاة إلى آخر زمان الطهارة، وعدم انقضاء الطهارة إلى زمان الفراغ من الصلاة لعدم احراز اتصال زمان الشك باليقين. وأما على ما سلكناه فاستصحاب بقاء الطهارة وعدم انقضائها إلى زمان الفراغ من الصلاة هو المحكم في المسألة، ولا يعارضه استصحاب عدم وقوع الصلاة إلى آخر زمان الطهارة فانه لا اثر له. فالمتحصل ان الاستصحاب المذكور يجري في جميع الصور الثلاث، ومنه يظهر انه لا خصوصية بصورة العلم بتاريخ الصلاة كما ذكرها في المتن بحسبان انها هي التي يجري فيها الاستصحاب المذكور دون غيرها. إذا تردد الجزء المتروك بين الواجب والمستحب (1) فقد تقدمت كبرى هذه المسألة وقلنا ان العلم الاجمالي انما ينجز التكليف فيما إذا جرت الاصول في كل من اطرافه في نفسه، وتساقطت بالمعارضة لانه بعد سقوطها وقتئذ يحتمل التكليف في كل

[ 139 ]

[ ذلك ما إذا توضأ وضوء لقرائة القرآن وتوضأ في وقت آخر وضوء للصلاة الواجبة ثم علم ببطلان احد الوضوئين فان مقتضى قاعدة الفراغ صحة الصلاة ] واحد من الاطراف بالوجدان، وحيث انه لا مؤمن له فنفس الاحتمال يقتضي الاحتياط لقاعدة الاشتغال، وهذا معنى تنجيز العلم الاجمالي كما مر. وأما إذا لم تتعارض الاصول في اطرافه، أو لم يجر في بعضها في نفسه فلا يكون العلم الاجمالي منجزا لا محالة لانه انما يتعلق بالجامع دون الخصوصيات والمفروض جريان الاصل في بعضها وهو مؤمن عن احتمال التكليف فلا موجب للاحتياط. وهذا من غير فرق بين ان تكون الاطراف الزامية أو غير الزامية، ام كان بعضها الزاميا وبعضها الاخر غير الزامي. فلو علم اجمالا ببطلان احد واجبين لا أثر لبطلان احدهما، كما إذا علم ببطلان فريضة أو بطلان رد السلام لانه واجب فوري يعتبر فيه الاسماع - مثلا - إلا انه امر غير قابل للاعادة والقضاء لانه يحب ردا للتحية، فإذا مضى زمان الرد فلا وجوب لتداركه سواء وقع صحيحا ام على وجه البطلان، جرت القاعدة بالاضافة إلى الواجب الذي له تدارك دون ما لا يقبل التدارك. وكذلك الحال في وجوب صلاة الزلزال على قول حيث قالوا بانها فورية، فإذا لم يأت بها فورا فلا يمكن تداركها. ومنه وجوب اداء الفطرة لان وقته إذا خرج لم يجب تداركها بعنوان الفطرة، وأما ردها بعنوان الصدقة فهو أمر آخر ولا تكون قاعدة الفراغ في هذه المقامات في طرف الواجب الذي يمكن تداركه

[ 140 ]

[ ولا تعارض بجريانها في القرائة (1) أيضا لعدم أثرها بالنسبة إليها. ] معارضة بجريانها في الواجب غير القابل للتدارك. وذلك لان قاعدة الفراغ انما هي لاجل اسقاط الاعادة والقضاء والجامع التدارك فإذا كان العملي غير قابل للتدارك فلا معنى للقاعدة والمفروض ان الواجب كذلك لانه مع القطع ببطلانه لا يترتب عليه اثر فضلا عن صورة الشك فيه، فإذا كان الامر في الواجب كما سمعت ففي المستحب بطريق اولى. فإذا علم انه ترك جزءا أو شرطا في وضوئه ودار امره بين الواجب والمستحب فلا محالة تجري قاعدة الفراغ في الجزء الوجوبي لان له اثر، وهو وجوب اعادة الوضوء للفريضة لو لم يأت بها، أو اعادته واعادة الفريضة، أو قضائها لو اتى بها بعد الوضوء. ولا تعارضها قاعدة الفراغ في الجزء المستحب حيث لا اثر لبطلانه وصحته ولو مع القطع بفساده، أو عدم الاتيان به فضلا عما إذا شك في فساده، أو تركه كما إذا ترك المضمضة أو الغسلة الثانية في وضوئه، وذلك لانه قد خرج وقته وهو انما يستحب في الوضوء وقد تحقق فلا محل له بعد ذلك ولعله ظاهر. (1) وذلك لانها امر غير قابل للتدارك سواءا وقعت كاملة ام غير كاملة، القرائة مع الطهارة مستحبة في كل وقت كالنوافل المبتدئة، لا ان اتيانها مع الطهارة بعد ذلك اعادة وتدارك للقرائة المشكوكة طهارتها هذا. ثم ان الماتن (قدس سره) قد اجرى القاعدة في نفسي القرائة والصلاة، وقد اتضح مما اسلفناه سابقا عدم امكان المساعدة عليه لان

[ 141 ]

القاعدة لا تجري في شئ منهما، أما في القرائة فلما مر، وأما في الصلاة فلما تقدم من ان القاعدة انما تجري فيما إذا احتمل المكلف احرازه الشرائط والاجزاء حال الامتثال كما انه يحتمل عدم احرازه، وأما إذا كانت صورة العمل محفوظة عنده بعد العمل وكان عالما بغفلته حين الاتيان به كما هو الحال في المقام لانه لا يشك في صلاته إلا من جهة وضوئه فهو عالم بانه صلى مع ذلك الوضوء المشكوك صحته وفساده فهو خارج عن مورد قاعدة الفراغ، وقد عرفت انها تختص بما إذا كان المكلف حال العمل اذكر، نعم لو شك في صلاته من ناحية اخرى لا مانع من جريانها في الصلاة. وعليه فالصحيح ان تجري القاعدة في الوضوئين وللعلم الاجمالي ببطلان احدهما صورتان. (احديهما): ما إذا توضأ وضوءا للصلاة الواجبة ثم قبل خروج وقت الصلاة توضأ وضوءا آخر للقرائة، ثم بعد ذلك أحدت وبعد الحدث علم اجمالا بفساد احد الوضوئين وانه إما افسد وضوئه للفريضة أو أبطل وضوئه للقرائة، وحينئذ تجري قاعدة الفراغ في وضوء الصلاة حيث ان لصحته وفساده اثر ظاهر وهو وجوب الاتيان بها ثانيا، بل واعادة الفريضة إذا كان قد اتى بها بعد الوضوء. ولا تعارضها القاعدة في وضوء القرائة لان صحته وفساده مما لا اثر له، فان القرائة مع الطهارة مستحبه في كل وقت، لا انها مع الوضوء بعد ذلك تدارك للقرائة السابقة مع الحدث. ومن ذلك يظهر انه لا يفرق في ما ذكرناه بين فرض وقوع حدث بين الوضوئين وعدمه، لان القاعدة في الصورة التي ذكرناها غير جارية في وضوء القرائة كما عرفت، احدث بين الوضوئين ام لم يحدث.

[ 142 ]

[ (مسألة 45): إذا تيقن ترك جزء أو شرط من اجزاء أو شرائط الوضوء (1) فان لم تفت الموالاة رجع وتدارك واتى بما بعده واما ان شك في ذلك فاما ان يكون بعد الفراغ أو ] والصورة الثانية ما إذا توضأ مرة للصلاة الواجبة ثم قبل ان يخرج وقتها توضأ مرة اخرى للقرائة ولم يحدث بعده، فحصل له علم اجمالي ببطلان احد الوضوئين. ففي هذه الصورة تكون قاعدة الفراغ في وضوء الفريضة معارضة بقاعدة الفراغ في وضوء القرائة لان صحته وفساده في مفروض المسألة مما يترتب له اثر حيث أنه لو صح لم يستحب الوضوء للقرائة بعد ذلك لانه مع الطهارة، وان كان باطلا ليستحب له الوضوء وتحصيل الطهارة للقرائة لاستحباب القرائة مع الطهارة، وقد مر ان الاصول إذا تعارضت في اطراف العلم الاجمالي وتساقطت كان احتمال التكليف بنفسه في كل من الطرفين موجبا للاحتياط لقاعدة الاشتغال لانه من غير مؤمن لتساقط الاصول، سواء كان الحكم في اطرافه الزاميا ام غير الزامي ولعل هذه الصورة خارجة عن اطلاق كلام الماتن، وإلا فأطلاق عباراته مورد للمناقشة. (1) فان فاتت الموالاة يحكم ببطلان وضوئه لفقده شرطا من شروط صحته وهو الموالاة، وأما إذا لم تفت فيعود إلى الجزء المتروك ويأتي به وببقية اجزائه تحصيلا للترتيب المعتبر بادلته، هذا على ان المسألة منصوصة كما في صحيحة زرارة الآتية وان تيقنت انك لم تتم وضوءك فاعد على ما تركت يقينا حتى تأتي على الوضوء. (1)


(1) الوسائل: الجزء 1، باب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

[ 143 ]

[ في الاثناء فان كان في الاثناء رجع (1) واتى به وبما بعده وان كان الشك قبل مسح الرجل اليسرى في غسل الوجه مثلا أو في جزء منه. ] (1) وذلك للنص، وهو صحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أغسلت ذراعيك ام لا فاعد عليها وعلى جميع ما شككت فيه انك لم تغسله أو تمسحه مما سمى الله ما دمت في حال الوضوء فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمى الله مما اوجب الله عليك فيه وضوءك لا شئ عليك فيه. الحديث (1) حيث دلت على وجوب العود إلى الجزء المشكوك فيه في الوضوء ما دام لم يفرغ عنه، ولعل هذه الصحيحة هي مستند المجمعين في القمام وذلك لان المسألة وان كانت اتفاقية ولم ينقل فيها خلاف، إلا انا نطمئن أو نظن قويا ولا اقل انا نحتمل ولو في جملة منهم أنهم قد اعتمدوا على هذه الصحيحة في المقام، ومعه لا يكون الاجماع تعبديا بوجه، وهذا كله ظاهر لا كلام فيه. وانما الكلام في معارضة هذه الصحيحة بموثقة ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله - عليه السلام - إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشئ انما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه (2) حيث قالوا بدلالتها على انه إذا شك في جزء من الوضوء


(1) الوسائل: الجزء 1، باب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 1. (2) الوسائل: الجزء 1، باب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2 - وهذه الرواية معتبره وان كان في سندها احمد بن محمد بن الوليد =

[ 144 ]

وقد دخل في غيره من الاجزاء فليس شكه بشئ؟ وعليه فتتعارض هذه الموثقة مع الصحيحة المتقدمة، ومقتضى الجمع العرفي حمل الصحيحة على استحباب العود والاتيان بالمشكوك فيه إلا ان الاجماع المتقدم ذكره مانع عن ذلك، ولاجله تحمل الموثقة على التجاوز عن الوضوء، أو على محمل آخر، فالاخذ بالصحيحة انما هو لاجل الاجماع لا لانها على طبق القاعدة هذا. ولكن هذا الكلام مما لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لان الاجماع المتقدم ذكره إجماع مدركي وليس اجماعا تعبديا كما مر، والصحيحة وردت على طبق القاعدة لا على خلافها بيان ذلك: ان الضمير في الموثقة في قوله - عليه السلام - (في غيره) إما ظاهر في الرجوع إلى الوضوء، وإما انه مجمل لان الوضوء اقرب إلى الضمير من كلمة (شئ) ومعناه انه إذا شككت في أمر من أمور الوضوء بعدما خرجت عن الوضوء ودخلت في غيره من الصلاة، أو غيرها فشكك ليس بشئ، فالموثقة غير منافية للصحيحة ولم تدل على عدم الاعتناء بالشك في أثناء الوضوء. ودعوى ان كلمة (شئ) اصل و (من الوضوء) تابع لانه جار ومجرور والضمير يرجع إلى الاصل والمتبوع لا إلى التابع مما لا اساس له في شئ من قواعد اللغة العربية لان المعتبر هو الظهور العرفي، ولا ينبغي الاشكال في ان رجوعه إلى الاقرب اظهر ولو كان تابعا،


= وهو من الذين لم يرد فيهم توثيق من كتب الرجال وذلك لان للشيخ أبي جعفر الطوسي (قدس سره) طريقا صحيحا آخر إلى جميع روايات محمد بن الحسن بن الوليد والد احمد فكلما يروي الشيخ (قدس سر) عن ابن الوليد بواسطة ابنه احمد تصبح معتبرة.

[ 145 ]

وعليه فلا موجب لحمل الصحيحة على الاستحباب وانما هي على طبق القاعدة. وأما إذا تنازلنا عنه ولم ندع ظهور الضمير في رجوعه إلى الوضوء فلا أقل من إجماله، ومعه أيضا لا موجب لرفع اليد عن ظهور الصحيحة لانه حجة، والحجة لا يرفع اليد عنها إلا بما هو اظهر منها لا بالمجمل كما لا يخفى. بل ظهور تلك الصحيحة يرفع الابهام والاجمال عن مرجع الضمير في الموثقة لما قدمناه في مباحث العموم والخصوص من ان العام إذا خصص بمنفصل مجمل ودار الامر بين التخصيص والتخصص كان العام بظهوره مفسرا لاجمال الدليل المنفصل وموجبا لحمله على التخصص، كما إذا ورد (اكرم العلماء) ثم ورد منفصلا (لا تكرم زيدا)، ودار الامر فيه بين (زيد العالم وزيد الجاهل) فان ظهور العام في العموم لما كان حجة ولم تقم على خلافه حجة أقوى يكون متبعا، ولازمه حمل الدليل المنفصل على التخصص (لزيد الجاهل) لان الادلة اللفظية كما انها يعتبر في مداليلها المطابقية كذلك تعتبر في مداليلها الالتزامية لا محالة، وعليه فظهور الصحيحة في عدم جريان قاعدة التجاوز عند الشك في اثناء الوضوء حيث لم يزاحمه مانع اقوى يتبع، ولازمه رجوع الضمير في قوله: عليه السلام: (في غيره) في الموثقة إلى الوضوء، لا إلى كلمة (شئ) هذا كله. على ان في نفس الموثقة فرينة على رجوع الضمير إلى الوضوء وهو ذيلها اعني قوله - عليه السلام - وانما الشك إذا كنت في شئ لم تجزه، فان هذا التعبير أعني الكون في شئ وعدم التجاوز عنه حين الشك فيه انما يصح اطلاقه فيما إذا كان شئ مركب قد شك في جزء منه ولم يتجاوز عن ذلك المركب وهو ظاهره العرفي، نعم لو

[ 146 ]

كان عبر بقوله (انما الشك في شئ لم يجزه). لم يكن له هذا الظهور ولكن تعبيره بالكون في شئ مع عدم التجاوز عنه مع الشك مما لا اشكال في ظهوره في ارادة الشئ المركب من عدة أجزاء قد شك في جزء منه قبل الفراغ عن المركب. فالمتحصل: ان مقتضى القرينة الخارجية - اعني كون ظهور العام مفسرا للاجمال في الدليل المنفصل عنه - والقرينة الداخلية وهي اقربية الوضوء إلى الضمير من كلمة شئ، وذيل الموثقة تقتضيان رجوع الضمير إلى الوضوء، ومعه لا موجب لحمل الصحيحة على خلاف ظاهرها لعدم التنافي بينهما وبين الموثقة، كما ان الصحيحة واردة على طبق القاعدة، لا ان العمل بها على خلاف القاعدة وانما ثبت بالاجماع. بقي هنا شئ وهو انا ان خصصنا جريان قاعدة التجاوز بخصوص الصلاة دون غيرها من المركبات، فلا اشكال حينئذ في الاخذ باطلاق ذيل الموثقة الذي دل على عدم جريان قاعدة التجاوز مع عدم التجاوز عن المركب حيث قال: (وانما الشك في شئ لم تجزه) فمع التجاوز عنه لا يعتني بالشك لا قبل التجاوز عن المركب، إلا انا خرجنا عنه في مورد واحد وهو باب الصلاة لما ورد فيها من انه لا يعتني بالشك في التكبيرة أو القرائة بعد ما دخل في الركوع، ولا فيه بعدما دخل في السجود وهكذا (1) فاطلاق الموثقة متبع في غير باب الصلاة.


(1) الوسائل: الجزء 5، باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1.

[ 147 ]

وأما إذا عممنا القاعدة لجميع المركبات صلاة كانت أو غيرها لمثل قوله - عليه السلام - في بعض رواياتها إذا خرجت من شئ ودخلت في غيره فشككت ليس بشئ (1) وكل شئ مما قد مضى وشككت فيه فامضه كما هو (2) فيشكل الامر في اطلاق ذيل الموثقة وانه ما معنى لقوله - عليه السلام - وانما الشك في شئ لم تجزه - مع الالتزام بجريان قاعدة التجاوز في جميع الموارد عند الشك في جزء بعد الدخول في جزء آخر، لانه لا مورد له حينئذ إلا الوضوء فلا معنى لاطلاق الذيل بلحاظ مورد واحد وهو الوضوء، وأما في غيره فتتعارض الموثقة مع ما دل على جريان القاعدة في غير الوضوء. فهذه قرينة على رجوع الضمير في قوله دخلت في غيره إلى الشئ لا إلى الوضوء، ومقتضاه جريان القاعدة في الوضوء أيضا، فان المراد بالشئ هو الجزء ويصح إطلاق الذيل إلا أن الموثقة حينئذ معارضة مع صحيحة زرارة المتقدمة، ومقتضى الجمع العرفي بينهما


(1) الواردة في صحيحة زرارة قال (في ذيلها) يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشككت ليس بشئ. الوسائل: ج 5 باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1. (2) وهي موثقة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر - ع - قال: كلما شككت فيه مما قد مض فامضه كما هو. الوسائل: الجزء 5 باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 ونحوها صحيحة اسماعيل بن جابر، قال أبو جعفر عليه السلام: ان شك في الركوع بعدما سجد فليمض إلى ان قال: كلشئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه. الوسائل: الجزء 4، باب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4.

[ 148 ]

حمل الصحيحة على الاستحباب، إلا انا ارتكبنا خلاف القاعدة بحمل الصحيحة على الوجوب بقرينة الاجماع. ولكن هذه الشبهة تندفع بان الذيل إما لا إطلاق له اصلا وإما ان أطلاقه مقيد، وتوضيح ذلك ان الرواية انما سيقت لبيان عدم اعتبار الشك في الوضوء بعد الدخول في غير الوضوء على ما بيناه آنفا، ومفهومه وإن كان هو لزوم الاعتناء بالشك إذا كان قبل التجاوز والفراغ عن الوضوء إلا انه خارج عن محط نظره - عليه السلام - لانها سيقت لبيان عدم الاعتناء بالشك بعد الوضوء، والذيل تصريح بالمفهوم المستفاد من الصدر وقد ذكرنا ان المفهوم مما ليس الامام - عليه السلام - بصدد بيانه، فالتصريح به أيضا خارج عن ما هو - عليه السلام - بصدد بيانه فلا اطلاق له، لعدم كون المتكلم بصدد البيان من تلك الجهة، وعليه فالذيل كالصدر مختص بالوضوء ولا منافاة في البين. ثم على تقدير تسليم ان الامام - عليه السلام - كما انه بصدد البيان من ناحية منطوق الرواية وهو عدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ عن الوضوء، كذلك بصدد البيان من ناحية المفهوم المصرح به في الذيل وهو لزوم الاعتناء به - أي بالشك إذا كان قبل التجاوز عن الشئ - كما لا مناص من تقييده. وهذا لان مقتضى هذا الاطلاق لزوم الاعتناء بالشك ما دام لم يتجاوز عن المشكوك فيه، سواء تجاوز عن محل المشكوك بالدخول في غيره، ام لم يتجاوز عن محله ولم يدخل في شئ آخر، حيث أن التجاوز قد يكون تجاوزا عن الشئ - كالوضوء الذي يشك في جزئه أو شرطه - من غير الدخول في غيره أي مع بقاء محله، وأخرى

[ 149 ]

[ وان كان بعد الفراغ (1) في غير الجزء الاخير بنى على الصحة لقاعدة الفراغ، وكذا ان كان الشك في الجزء الاخير ان كان بعد الدخول في عمل آخر أو كان بعد ما جلس طويلا أو كان بعد القيام عن محل الوضوء، وان كان قبل ذلك اتى به ان لم تفت الموالاة والا استأنف. ] يتحقق التجاوز بالدخول في الغير - أي يتجاوز محله - وحينئذ يقيد إطلاق الذيل بما دل على اعتبار الدخول في الغير في عدم الاعتناء بالشك في غير الوضوء من المقامات كما في صدر الموثقة وغيره، وبهذا ترتفع المعارضة بين قوله - عليه السلام - وانما الشك الخ، وبين ما دل على جريان القاعدة في غير الوضوء. والنتيجة ان الشك إذا كان بعد الفراغ عن العمل فلا كلام في عدم الاعتناء به، وأما إذا شك في أثناء العمل فيعتنى به في الوضوء مطلقا بمقتضى صحيحة زرارة وغيرها، وأما في غير الوضوء فايضا يعتنى به إذا لم يتحقق التجاوز بالدخول في الغير بمقتضى ذيل الموثقة، وأما إذا تجاوز عن محله بالدخول في غيره فلا يعتنى به أيضا بمقتضى ما دل على عدم لزوم الاعتناء بالشك بعد المضي عنه، وعلى الجملة يختص الذيل بما إذا شك في شئ وتجاوز عنه. والشك في الفراغ وصوره (1) صور الشك بعد الفراغ ثلاث: (الاولى) ما إذا شك

[ 150 ]

بعد الفراغ في صحة عمله وفساده مع عدم امكان التدارك لقواة الموالاة. والصحيح جريان القاعدة حينئذ لتحقق الفراغ الحقيقي المعتبر في جريانها، حيث أن المراد من الفراغ أو المضي أو التجاوز عن العمل ليس هو الفراغ أو التجاوز أو المضي عن العمل الصحيح، إذ مع إحراز صحة العمل المفروغ عنه لا يعقل الشك في صحته، فالمراد من تلك العناوين المضي عن ذات العمل الجامع بين الصحيح والفاسد، أو الفراغ أو للتجاوز عنه وحيث أن المفروض أنه فرغ عن العمل ومضى ذلك العمل وقد تجاوز عنه - لعدم إمكان التدارك وهو موجب لتحقق الفراغ بحسب الصدق العرفي - ويشك في صحته وفساده فلا محالة تجرى فيه القاعدة. ومقتضاها الحكم بصحته، والاخبار الواردة في اعتبارها مطبقة الانطباق على المقام، لما عرفته من أن المراد بالتجاوز والمضي والفراغ وغيرها من العناوين الواردة في الروايات انما هو التجاوز والمضي والفراغ عن ذات العمل لا عن العمل الصحيح، وحيث انه لا يتمكن من تداركه فيصدق انه في حالة اخرى غير حالة الوضوء، وانه شك بعدما يتوضأ وانه شك بعد التجاوز عن المركب وهكذا، وهو المورد المتيقن من موارد قاعدة الفراغ لانه يشك في صحة ما مضى من عمله لفرض عدم امكان تدارك الجزء المشكوك فيه لفوات الموالاة. وهذه من غير فرق بين ان يشك في شئ من الاجزاء السابقة على الجزء الاخير، وبين ان يشك في اتيانه بالعمل الصحيح من جهة الشك في جزئه الاخير، لان المدار انما هو على صدق الفراغ وقد عرفت تحققه بعد عدم امكان للتدارك بفوات الموالاة، وان ذكر في المتن انه إذا شك في الجزء الاخير وفاتت الموالاة استأنف العمل وذكرنا

[ 151 ]

في التعليفة انه غير بعيد إلا انه انما هو بلحاظ المتن، وأما للظاهر المستفاد من أخبار القاعدة فهو جريانها في المقام كما مر. (الصورة الثانية) ما إذا شك بعد العمل في شئ من اجزائه غير الجزء الاخير مع عدم فوات الموالاة وامكان التدارك، فالمعروف الشمهور بين اصحابنا جريان القاعدة في هذه الصورة أيضا. والظاهر انه هو الصحيح وذلك لمعتبرة بكير بن أعين الدالة على عدم اعتبار شكه فيما إذا شك بعدما يتوضأ، لانه حين ما يتوضأ أذكر منه حين ما يشك (1) حيث ان (يتوضأ) فعل مضارع، وظاهر المضارع هو الاشتغال والنلبس بالفعل ما دام لم يدخل عليه (سين) أو (سوف). وعليه فظاهر المعتبرة انه إذا شك بعدما يتوضأ - أي بعد اشتغاله بالوضوء وبعد فراغه عنه - لم يعتن بشكه، والمفروض في هذه الصورة انه يشك بعد ما يتوضأ أي بعد فراغه واشتغاله فهو مورد للقاعدة، وذلك لتحقق الفراغ المعتبر في جريانها وهذا لا لمجرد البناء على الفراغ كما ربما يتوهم في المقام، بل لتحقق الفراغ بالنظر العرفي كما تقدم، فان الاتيان بالجزء الاخير محقق عرفي لصدق التجاوز والفراغ ومعه لا مجال للتامل في جريان القاعدة كما لا يخفى. وأما ما ورد في صدر موثقة ابن أبي يعفور من قوله - عليه السلام -


(1) الوسائل: الجزء 1، باب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

[ 152 ]

(وقد دخلت في غيره) (1) فظاهره وان كان هو اعتبار الدخول في غير الوضوء في جريان القاعدة. لانا ذكرنا ان الضمير في غيره يرجع إلى الوضوء إلا انه غير مناف للمعتبرة المتقدمة الدالة على جريان القاعدة إذا شك بعدما يتوضأ من دون اعتبار الدخول في الغير. والوجه في عدم منافاتهما ان المراد من غيره في هذه الموثقة بقرينة معتبرة بكير هو اعتبار الفراغ عن الوضوء وكون شكه بعدما يتوضأ بان يدخل في حالة هي غير حالة الاشتغال بالوضوء، لا أن المراد به هو الغير المترتب على الوضوء شرعا، وذلك فان الغير الذي يعتبر الدخول فيه في جريان القاعدة في الوضوء ليس هو الغير الذي اعتبر الدخول فيه في جريان القاعدة في باب الصلاة، لان المراد به في باب الصلاة هناك هو الغير المرتب على المشكوك فيه شرعا كما مثل به هو - عليه السلام - من الشك في الركوع بعدما سجد وهكذا. وأما في المقام فالمراد به هو الدخول في حالة اخرى غير حالة الوضوء فان به تحقق عنوان التجاوز ويصدق عنوان الشك بعدما يتوضأ، وذلك لمعتبرة بكير والقطع الخارجي بعدم اعتبار الدخول في مثل الصلاة في جريان القاغدة في الوضوء لانها تجرى فيما إذا شك في وضوئه بعد الفراغ منه ولو كان داخلا في عمل آخر من الكتابة والاكل ونحوهما هذا كله. مضافا إلى ما صرح به - عليه السلام - في ذيل موثقة ابن أبي يعفور من حصره الشك المعتبرة بما إذا كان في شئ لم تجزه، وقد اسلفنا ان ظاهره ارادة الشك في شئ من المركب قبل اتمامه والخروج عنه، فإذا خرج عنه فلا يعتنى بشكه بمقتضى الحصر، فان الظاهر ان هذه الجملة


(1) تقدمت في صدر المسألة.

[ 153 ]

لم ترد لبيان حكم جديد وانما ورد لبيان المراد بالجملة الاولى المذكورة في صدر الموثقة، اعني قوله - عليه السلام - إذا شككت في شئ من الوضوء وقد دخلت في غيره.. فالمتحصل منها ان الشك لا يعتبر بعد الخروج عن الاشتغال بالعمل وعدم صدق انه يتوضأ، فالموثقة غير منافية لمعتبرة بكير. وأما ما ورد في صحيحة زرارة من قوله - عليه السلام - فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها.. (1) فهو أيضا كالموثقة غير مناف للمعتبرة، لان الظاهر ان تلك الجملة انما وردت لبيان المفهوم المستفاد من صدر الصحيحة ومعناها انه ما دام مشتغلا بالوضوء يعتني بشكه وإذا صدق انه شك بعدما يتوضأ تجرى فيه قاعدة الفراغ فقد أدى معنى واحد بعبارات مختلفة فتارة عبر عنه بالدخول في غيره، وثانيا بالقيام منه، وثالثا بالدخول في صلاة ونحوهما، والجامع ان يدخل في حالة اخرى غير حالة الاشتغال بالوضوء لانه المحقق لصدق عنوان الشك بعدما يتوضأ فلا تنافي بين الاخبار. (الصورة الثالثة) ما إذا شك في صحة وضوئه وفساده من جهة الشك في انه اتى بالجزء الاخير ام لم يأت به مع امكان التدارك وعدم فوات الموالاة، والتحقيق انه يعتني بالشك حينئذ ولا تجرى فيها قاعدة الفراغ، وذلك لان جريان القاعدة في هده الصور يبتني على احد امور ثلاثة.


(1) تقدمت في صدر المسألة.

[ 154 ]

فاما ان يقال بان اليقين بالفراغ حجة بحدوثه وان ارتفع بعد ذلك بالشك وهو المعبر عنه بقاعدة اليقين، وحيث انه قد تيقن بفراغه عن العمل ولو آناما ثم شك في مطابقة يقينه للواقع وعدمها أي شك في إتيانه بالجزء الاخير وعدمه فهو متيقن ممن فراغه فتجري في حقه قاعدة الفراغ. أو يقال بان ظاهر حال المتيقن مطابقة يقينه للواقع فالظن النوعي حاصل بفراغه ومطابقة يقينه بالفراغ للواقع، فتحكم بتحقق الفراغ من جهة قيام الاماره عليه، وهو الظن النوعي بمطابقة يقين المتيقن للواقع. أو يقال ان المراد بالفراغ المعتبر في جريان القاعدة انما هو الفراغ الاعتقادي البنائي لعدم امكان ارادة الفراغ الحقيقي منه لعدم امكان الشك في صحة العمل وفساده مع تحقق الفراغ الحقيقي عن العمل، ولا الفراغ الادعائي لانه يتحقق بالاتيان بمعظم الاجزاء ولا دليل على كفاية الاتيان بمعظم الاجزاء في جريان القاعدة، بل الدليل على عدم كفايته موجود وهو صحيحة زرارة المتقدمة الدالة على لزوم الاعتناء بالشك ما دام لم يقم عن وضوئه وان اتى بمعظم اجزائه فيتعين ارادة الفراغ الاعتقاي والبنائي، وهذا لا لحجية اليقين بحدوثه ولا للامارة على تحقق الفراغ بل لقيام الدليل على كفاية الفراغ الاعتقادي في جريان القاعدة كما عرفت، وحيث ان المكلف معتقد بفراغه وكان بانيا عليه فتجرى القاعدة في حقه لا محالة. وشئ من هذه الوجوه مما لا يمكن المساعدة عليه. أما الوجه الاول فلما اسلفناه في بحث الاستصحاب من انه لا دلالة لشئ من الاخبار على حجية قاعدة اليقين وانها انما تدل على حجية الاستصحاب فحسب ولا يعتبر فيه تقدم اليقين على الشك، بل المدار

[ 155 ]

على تقدم المتيقن على المشكوك كانت صفة اليقين حاصلة قبل الشك ام بعده ام متقارنة معه. وأما لوجه الثاني فلان الظن النوعي وان كان حاصلا بمطابقة يقين المتيقن مع الواقع وهو امارة على الفراغ إلا ان الكلام في الدليل على اعتباره، ولا دليل على اعتبار الظن الشخصي بالفراغ والمطابقة فضلا عن الظن النوعي بالفراغ. وأما الوجه الثالث فلانه مبني على ارادة الفراغ عن العمل الصحيح والامر حينئذ كما أفيد، إلا انه ظهر من مظاوي ما ذكرناه أن المراد بالفراغ هو الفراغ الحقيقي بحسب الصدق العرفي ولكن متعلقه ليس هو العمل الصحيح بل ذات العمل الاعم من الصحيح والفاسد إذ لا معنى للشك في الصحة مع الفراغ عن العمل الصحيح، وعليه فلا وجه لدعوى اعتبار الفراغ الاعتقادي بل المدار على تحقق الفراغ الحقيقي بحسب الصدق العرفي عن ذات العمل الذي لا يدري انه وقع صحيحا أم فاسدا. فكلما علم بانه فرغ حقيقة عن ذات العمل، كما إذا دخل في حالة اخرى غير حالة الوضوء وصدق عليه الفراغ والتجاوز عرفا، اما لانه اتى بالجزء الاخير وشك في الاجزاء السابقة عليه، لان الاتيان بالجزء الاخير في مثل الوضوء والصلاة وغيرهما موجب لصدق المضي والتجاوز عن العمل، وإما لعدم إمكان التدارك لفوات الموالاة لانه أيضا محقق لصدق المضي والتجاوز والفراغ عرفا، كما مر في الصورة الاولى والثانية. وأما إذا كان التدارك ممكنا لعدم فوات الموالاة، ولم يحرز الاتيان بالجزء الاخير بل شك في انه اتى به ام لا، فلا يمكن احراز الفراغ لانه حال شكه لا يدري انه في حالة اخرى غير حالة الوضوء، أو انه

[ 156 ]

في حالة الوضوء حيث انه إذا لم يكن آتيا بالجزء الاخير فهو في حالة الوضوء لعدم فوات الموالاة وان اتى به واقعا فهو في حالة اخرى وقد تحقق الفراغ. ومع الشك في التجاوز والفراغ لا يمكن التمسك بقاعدة الفراغ، لانه شبهة مصداقية للقاعدة. ولا يمكن اجرائها فيها ولو قلنا بجواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، وذلك لانه انما هو في الشبهة المصداقية للمخصص المنفصل وأما الشبهة المصداقية للمخصص المتصل فلم يقل احد بجواز التمسك فيها بالعام والامر في المقام كذلك، لان القاعدة مقيدة بالتجاوز والفراغ من الابتداء وهما مشكوكان على الفرض ومعه لا مجرى للقاعدة كما مر، بل مقتضى الاستصحاب حينئذ انه لم ينتقل من حالته الاولية إلى غيرها وانه لم يفرغ من عمله ومقتضى ذلك وجوب الاعتناء بشكه، بل هذا مقتضى قاعدة الاشتغال، ومجرد شكه في انه اتى بالواجب صحيحا أو على وجه الفساد. نعم لا مانع من التمسك بالقاعدة فيما إذا قامت أمارة معتبرة على تحقق الفراغ حينئذ وهذا كما إذا قام من عمله ودخل في عمل آخر من صلاة أو مطالعة، أو دخل في مكان آخر ونحوهما مما يصدق معه عرفا انه فرغ وتجاوز عن الوضوء والعمل. وأما إذا جلس بعد الوضوء طويلا فان كان مع فوات الموالاة فايضا يصدق معه الفراغ والتجاوز لما مر من انه مع فوات الموالاة وعدم امكان التدارك يصدق ان العمل مضى وتجاوز، وأما مجرد الجلوس الطويل من غير فوات الموالاة فهو غير موجب بصدق الفراغ والمضي، ومن هنا قيدنا عبارة الماتن: أو كان بعدما جلس طويلا. بما إذا كان موجبا لفوات الموالاة.

[ 157 ]

[ (مسألة 46): لا اعتبار بشك كثير الشك (1) سواء كان في الاجزاء ام في الشرائط ام الموانع ] كثير الشك واحكامه (1) كما هو المعروف وليس الوجه فيه لزوم العسر والحرج من الاعتناء بالشك في كثير الشك، لانه ان اريد به لزوم العسر والحرج الشخصيين فهو مقطوع العدم لعدم لزومهما في جميع الموارد والاشخاص فلا وجه للحكم بارتفاع حكم الشك فيمن لا يلزم عليه عسر أو حرج، وان اريد به لزوم الحرج والعسر النوعيين فهو أيضا كذلك لعدم كون الاعتناء بالشك في كثير الشك موجبا للحرج النوعي، على انه لا دليل على ارتفاع الحكم بالحرج النوع عمن لا يلزم في حقه حرج، لان ظاهر ادلة نفي العسر والحرج ارادة العسر والحرج الشخصيين دون النوعيين، كما ان الدليل على ذلك ليس هو كون الوضوء من توابع الصلاة ولا يعتني بكثرة الشك في الصلاة، وذلك لعدم الدليل على اشتراك التابع مع متبوعه في جميع الاحكام. بل الدليل على ذلك صحيحة محمد بن مسلم، إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك، فانه يوشك ان يدعك انما هو من الشيطان (1) لان الظاهر المستفاد بحسب الفهم العرفي ان الضمير في قوله هو يرجع إلى كثرة الشك لا إلى الشك في خصوص الصلاة وان كان موردها


(1) الوسائل: الجزء 5، باب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1.

[ 158 ]

هو الصلاة، إلا ان الضمير راجع إلى كثرة الشك، فالصحيحة تدلنا على ان كثرة الشك من الشيطان وهو صغرى للكبرى المعلومة خارجا، وهي ان اطاعة الشيطان مذمومة قبيحة ولا ينبغي اطاعته، بل يمضي في عمله ولا يعتني بشكه. وصحيحة ابن سنان ذكرت لابي عبد الله عليه السلام رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت هو رجل عاقل، فقال: أبو عبد الله (ع) واي عقل له وهو يطيع الشيطان، فقلت له وكيف يطيع الشيطان فقال - عليه السلام - سله هذا الذي يأتيه من أي شئ هو فانه يقول لك من عمل الشيطان (1) وهذه الصحيحة ذكر فيها الابتلاء بالوضوء والصلاة وقد حملها الاصحاب على الوسوسة التي هي اعلى مراتب كثرة الشك، بل النسبة بينهما عموم من وجه. لان الوسوسة هي الاحتمالات التي يحتملها الوسواسي ولا منشأ عقلائي لها فترى - مثلا - انه يدخل الماء ويرتمس ويحتمل ان لا يحيط الماء برأسه، أو يتوضأ وهو على سطح الطبقة الثانية - مثلا - ويحتمل ان قطرة من القطرات الواقعة على الارض طفرت على بدنه أو لباسه مع ان الفاصل بينهما خمسة امتار أو ازيد إلى غير ذلك من الاحتمالات التي ليس لها منشأ عقلائي وأما كثرة الشك فاحتمالات كثير الشك عقلائية إلا انه متكررة وكثيرة، ومعه لا موجب لحملها على الوسوسة لان الابتلاء بالوضوء والصلاة كما يشمل الوسوسة، كذلك يشمل كثرة الشك فيهما وكلاهما من الشيطان، فان ادنى ما يستلزمه كثرة الشك ان يكون المكلف مواظبا لعمله لئلا ينقص أو يزيد شيئا فيصرف توحهه إلى ذلك ولا


(1) الوسائل: الجزء 1، باب 10 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 1.

[ 159 ]

[ (مسألة 47): التيمم الذي هو بدل عن الوضوء (1) ] يمكنه التوجه إلى عبادته توجيها واقعيا وهذا من اهم ما يشتاق إليه الشيطان، لوضوح انه يمنع عن التوجه إلى العبادة حقيقة ويوجب الاكتفاء منها بظاهرها، وحيث ان اطاعة الشيطان مذمومة فلا يلتفت إلى شكه ذلك. نعم ورد في خبر الواسطي اغسل وجهي ثم اغسل يدي فيشككني الشيطان اني لم اغسل ذراعي ويدي قال عليه السلام - إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد (1). فان موردها من اظهر موارد الوسواس حيث ان الشيطان سلط عليه على وجه يشككه في غسل يديه مع انه فرض انه غسلها فمع علمه بعمله يشككه فيه مع انها دلت بمفهومها على انه إذا لم يجد برد الماء على ذراعيه يعيد غسل وجهه ويديه فتكون معارضة للروايات المتقدمة التي دلت على عدم الاعتناء بالشك مع الوسوسة أو الكثرة إلا انه لابد من حملها على انه عليه السلام بصدد علاج مرض السائل وهو الوسوسة وليس بصدد بيان الحكم الشرعي وانما اراد ان يلفت نظره وتوجهه إلى انه يجد برد الماء أو لا يجد حتى لا يوسوس ولا يشك فانه لا يمكن ان يقال بوجوب الالتفات إلى الشك في حق الوسواسي بوجه على ان الرواية مرسلة ضعيفة غير قابلة للاعتماد عليها. التيمم البدل عن الوضوء (1) لان الدليل على لزوم الاعتناء بالشك قبل الفراغ عن المركب


(1) الوسائل: الجزء 1، باب 43 من أبواب الوضوء، الحديث 4.

[ 160 ]

[ لا يلحق حكمه في الاعتناء بالشك إذا كان في الاثناء وكذا الغسل والتيمم بدله بل المناط فيها التجاوز عن محل المشكوك فيه وعدمه فمع التجاوز تجري قاعدة التجاوز وان كان في الاثناء (2) مثلا إذا شك بعد الشروع في مسح الجبهة في انه ضرب بيديه على الارض ام لا يبنى على انه ضرب بها وكذا إذا شك بعد الشروع في الطرف لايمن في الغسل انه غسل رأسه ام لا لا يعتني به لكن الاحوط الحاق المذكورات أيضا بالوضوء. ] مختص بالوضوء ولا يمكننا التعدي عنه إلى غيره بل لابد من الاخذ بعموم ما دل على عدم الاعتناء بالشك بعد التجاوز كما يأتي تفصيله وكون التيمم بدلا عن الوضوء لا يدل على ماتى جميع احكام الوضوء فيه. (1) هذا يبتني على عدم اختصاص جريان قاعدة التجاوز بالصلاة وجريانها في كل واجب مركب من الحج والغسل والتيمم وغيرها سوى الوضوء وهو الصحيح إلا ان شيخنا الاستاد (قدس سره) ذهب إلى اختصاصها بياب الصلاة وافاد ان عدم جريانها في الوضوء على طبق القاعدة حتى انه لولا الاخبار المانعة عن جريان القاعدة في الوضوء أيضا لم نكن نجريها فيه لعدم المقتضى لان اخبارها واردة في خصوص باب الصلاة. ولكن الصحيح عمومها لجميع المركبات كما ان قاعدة الفراغ المعتبر

[ 161 ]

[ (مسألة 48): إذا علم بعد الفراغ من الوضوء انه مسح على الحائل أو مسح في موضع الغسل أو غسل في موضع المسح ولكن شك في انه هل كان هناك مسوغ لذلك من جبيرة أو ضرورة أو تقية أو لا بل فعل ذلك على غير الوجه الشرعي الظاهر الصحة حملا للفعل على الصحة لقاعدة الفراغ أو غيرها (1) ] عنها بأصالة الصحة في عمل نفس المكلف كذلك وذلك لاطلاق صحيحة زرارة. يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ (1) وعموم صحيحة اسماعيل بن جابر كل شئ شك فيه مما جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه (2) وعدم اختصاصهما بالصلاة ظاهر. واما كلمات الاصحاب فهي مختلفة في المسألة فقد ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) انه لم يجد قائلا بالحاق غير الوضوء من الطهارات بالوضوء غير صاحب الرياض وذكر شيخنا الانصاري (قدس سره) في رسائله جملة من الفقهاء انهم ذهبوا إلى عدم جريان القاعدة في الطهارات الثلاث من غير اختصاص المنع بالوضوء إلا انا لا يهمنا انعقاد الشهرة على الجريان وعدمه بعد دلالة الاطلاق أو العموم على عدم الاختصاص. إذا شك في المسوغ للعمل بعد الفراغ (1) بل الصحيح عدم جريان القاعدة في شئ من هذه الموارد


(1 و 2) تقدم ذكرهما في مسألة 45 فراجع.

[ 162 ]

[ وكذا لو علم انه مسح بالماء الجديد ولم يعلم انه من جهة وجود المسوغ أولا والاحوط الاعادة في الجميع ] الوجه في ذلك ان الشك قد يكون من جهة الشك في اصل امر المولى كما إذا صلى فشك في انها وقعت بعد دخول الوقت ام قبله والقاعدة غير جارية في هذه الصورة لان الظاهر المستفاد من قوله عليه السلام كلما مضى من صلاتك وطهورك فامضه كما هو (1). جريان القاعدة فيما إذا كان الشك راجعا إلى فعل نفسه وانه اتى به ناقصا أو كاملا كما في صلاته وطهوره دون ما إذا كان عالما بفعله وانما كان شكه راجعا إلى فعل المولى وامره وانه امر به ام لا. وبأزاء هذه الصورة ما إذا علم بأمر المولى ومتعلقه وشك في صحة ما اتى به من جهة احتمال انه نقص أو زاد شيئا غفلة أو نسيانا ولا اشكال في جريان القاعدة في هذه الصورة أيضا للروايات بل هي القدر المتيقن من موراد جريان القاعدة. وبين هاتين متوسط وهو ما إذا علم باصل امر المولى ولكن لم يكن شكه في صحة عمله مستندا إلى فعله وانه زاد أو نقص شيئا في عمله سهوا أو غفلة بل كان مستندا إلى الشك فيما تعلق به امر المولى وانه هل تعلق بما اتى به أو بشئ آخر وهذا كما إذا كان مسافرا فصلى قصرا


(1) وهي موثقة محمد بن مسلم، قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه ولا إعادة عليك فيه. الوسائل: الجزء 1 باب 42 من أبواب الوضوء الحديث 6.

[ 163 ]

وشك في صحته من اجل احتمال انه قد قصد الاقامة قبلها فلم يدران الامر بالصلاة هل كان متعلقا بالتمام ام بالقصر أو انه صلى قصرا بعد ثمانية فراسخ وشك في انه هل قصد الثمانية وكان مسافرا ام انه قصد السير والتفرج إلى ان بلغ إلى ثمانية فراسخ فوظيفته للتمام، أو انه توضأ بمسح ما يجب غسله أو بغسل ما يجب مسحه أو بغسل الحاجب وشك في انه هل كان هناك مسوغ من تقية أو ضرورة لذلك ام كان الواجب ان يمسح ما يجب مسحه ويغسل ما يجب غسله أو انه توضأ ثم شك في صحته لاحتمال انه خاف الضرر واحتمله حال الوضوء فكان الواجب عليه هو التيمم دون الوضوء. ففي هذه الصورة لا فائدة في البحث عن جريان القاعدة، وعدمه فيما إذا كان هناك اصل يقتضي صحة ما اتى به وانه هو المتعلق لامر المولى وهذا كما في مثال الشك في صحة صلاة العصر من جهة الشك في قصده الاقامة لان الاصل عدم قصده الاقامة فوظيفته القصر وكذا في مثال الشك في الوضوء من جهة الشك في احتماله خوف الضرر حال الوضوء لان الاصل انه لم يحتمل الضرر ولم يخف منه فالواجب عليه هو الوضوء وكذا فيما إذا ذهب ثمانية فراسخ فصلى تماما ثم شك في صحته من جهة احتمال انه قصد السفر وثمانية فراسخ فالواجب في حقه القصر لان الاصل انه لم يقصد مسافرة ثمانية فراسخ والجامع ما إذا اتى المكلف بما هو المأمور به في حقه بالعنوان الاولى وشك في صحته وفساده من جهة احتمال تبدل امره إلى فعل آخر بعنوان ثانوي طارئ عليه لان الاصل عدم تبدل تكليفه وعدم طرو العنوان الثانوي عليه ففي هذه الموارد يحكم بصحة المأتى به لقاعدة الفراغ ان كانت جارية وبالاستصحاب ان لم تجر القاعدة فلا فائدة في جريان القاعدة وعدمه في هذه الصورة.

[ 164 ]

وانما يترتب الاثر لجريانها وعدمه فيما إذا لم يكن هناك هذا الاصل بل كان مقتضاه بطلان المأتى به وهذا كما إذا توضأ بغسل الرجلين أو بمسح الحاجب فشك في صحته وفساده من جهة انه هل كان هناك مسوغ له من تقية أو غيرها أولا لان الاصل عدم طرو عنوان مسوغ له فهو باطل إلا ان تجري فيه القاعدة ويحكم بصحته أو انه تيمم ثم شك في صحته من جهة احتمال عدم كونه مريضا أو غيره ممن يضر به الماء ولم يكن تكليفه التيمم لانه مقتضى الاصل وعدم طرو شئ من مسوغات التيمم عليه فهو محكوم بالبطلان إلا ان تجري فيه القاعدة والجامع ان تكون المأتى به غير المأمور به بالعنوان الاولى وشك في صحته من جهة الشك في انه هل كان هناك مسوغ لعمله ذلك ام لم يكن فقد (بن) في المتن على جريان القاعدة في هذه الموارد إلا انه احتاط بالاعادة من جهة احتمال عدم جريان القاعدة فيها. والصحيح عدم جريان القاعدة في شئ من تلك الموارد وذلك لان جملة من روايات القاعدة وان كانت مطلقة يمكن التمسك بها في الحكم بصحة الوضوء وغيره من الموارد المتقدمة كما في قوله (كلما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه) (1) وقوله (كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) (2) لان مقتضى اطلاقهما جريان القاعدة في الموارد المتقدمة للشك فيما مضى من طهوره وصلاته إلا ان في بينها روايتان لا مناص من تقييد المطلقات بهما وهما معتبرة بكير المشتملة على قوله هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك (3) ورواية اخرى واردة في الصلاة المتضمنة لقوله عليه السلام لانه حينما يصلي


(1) تقدم ذكره في المسألة السابقة. (2 و 3) تقدم ذكرهما في مسألة 45.

[ 165 ]

[ (مسألة 49): إذا تيقن انه دخل في الوضوء واتى ببعض افعاله ولكن شك في انه اتمه على الوجه الصحيح أولا بل عدل عنه اختيارا أو اضطرارا الظاهر عدم جريان القاعدة ] كان اقرب إلى الحق منه بعدها (1) بعده لدلالتهما على اختصاص القاعدة بما إذا شك المكلف في صحة عمله وفساده من جهة احتمال نقصانه أو زيادته غفلة أو نسيانا فلا يدري انما اتى به كان مطابقا للمأمور به أو مخالفا له فتجرى القاعدة في حقه لانه بطبعه اذكر حال العمل من حال شكه وظاهر حاله انه اتى به مطابقا للمأمور به. واما إذا كانت صورة العمل محفوظة عنده وكان حاله بعد العمل حاله حال العمل بمعنى انه لا يحتمل البطلان من ناحية عمله لعلمه بما اتى به وانما كان شكه من جهة فعل المولى وامره قبل العمل وبعده فلا تجرى القاعدة في حقه لانها مختصة بما إذا احتمل البطلان من جهة غفلته أو نسيانه - لقوله - عليه السلام هو حين ما يتوضأ اذكر منه - ولا ياتي في موارد العلم بعدمهما واحتمال البطلان من جهة امر الشارع وعدمه وبهاتين الروايتين يقيد الاطلاقات فلا يمكن الحكم بجريان القاعدة في امثال هذه الموارد. ومما ذكرناه في هذه المسألة ظهر الحال في المسألة الاتية فلاحظ.


(1) وهي رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) وفيها:.. وكان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك. الوسائل: الجزء 5 باب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

[ 166 ]

[ الفراغ (1) فيجب الاتيان به لان مورد القاعدة ما إذا علم كونه بانيا على اتمام العمل وعازما عليه الا انه شاك في اتيان الجزء الفلاني ام لا وفي المفروض لا يعلم ذلك وبعبارة اخرى مورد القاعدة صورة احتمال عروض النسيان لا احتمال العدول عن القصد. ] (1) وذلك لما مر من اختصاص القاعدة بما إذا احتمل الاذكرية في حقه حال العمل إلا انه يحتمل الغفلة والنسيان أيضا فيدفع احتمالهما بان مقتضى الطبع الاولي كونه أذكر وملتفتا إلى ما يأتي به فهو غير غافل ولا ناس واما إذا علم بعدم غفلته أو نسيانه إلا انه احتمل ترك شئ من عمله متعمدا اختيارا أو بالاضطرار كما مثل به في المتن فكونه اذكر حال العمل لا يدفع احتمال تركه العمدي فلا تجري القاعدة في حقه بل مقتضى الاستصحاب وأصالة الاشتغال وجوب الاعادة. والعجب من الماتن (قدس سره) انه كيف صرح بعدم جريان القاعدة في هذه الصورة وصرح بجريانها في المسألة السابقة مع انه لا وجه للمنع عن جريانها في المقام إلا اختصاصها بموارد احتمل فيها الترك غفلة أو نسيانا ومعه لابد من المنع في المسألة المتقدمة أيضا لعدم كون الشك فيها راجعا إلى عمله غفلة أو نسيان اللهم إلا ان يقال انه (قدس سره) يرى اختصاص القاعدة بموارد احتمال الغفلة والنسيان إلا انه اعم من احتمال نسيان جزء أو شرط أو نسيان الحكم.

[ 167 ]

[ (مسألة 50): إذا شك في وجود الحاجب وعدمه (1) قبل الوضوء أو في الاثناء وجب الفحص حتى يحصل اليقين أو الظن بعدمه ان لم يكن مسبوقا بالوجود والا وجب تحصيل اليقين ولا يكفى الظن ] الشك في وجود الحاجب (1) تقدمت هذه المسألة مفصلا وبينا ان الوجه في وجوب تحصيل اليقين أو الاطمئنان بعدم الحاجب هو عدم جريان الاستصحاب في نفي الحاجب وعدمه لانه مما لا اثر شرعي له إذ الاثر مرتب على وصول الماء إلى البشرة كما ان دعوى السيرة على عدم الاعتناء بالشك في الحاجب غير مسموعة لعدم ثبوت السيرة على ذلك اولا وعلى تقدير تسليمها لم تحرز اتصالها بزمانهم عليهم السلام لاحتمال انها نشأت عن فتوى بعض العلماء. الا انه (قدس سره) انما كررها في المقام لما فيها من الخصوصية الزائدة وهي انه فصل بين ما إذا احتمل وجود الحاجب وكان له حالة سابقة وجودية فحكم حينئذ بوجوب تحصيل اليقين أو الاطمئنان بعدمه وما إذا احتمل وجوده ولم تكن له حالة سابقة وجودية كما إذا احتمل اصابة قطرة من القير لمواضغ غسله أو وضوئه فحكم حينيذ بكفاية كل من اليقين والاطمئنان بالعدم والظن به. وهذه التفرقة مبنية على دعوى تحقق السيرة المتشرعية على عدم

[ 168 ]

الاعتناء باحتمال وجود الحاجب فيما إذا لم يكن مسبوقا بالوجود وقد ظن عدمه ولا وجه لها غيرها لان الاستصحاب غير معتبر عنده (قدس سره) وإلا لجرى استصحاب عدمه حتى فيما لم يظن بعدمه وحينئذ يتوجه عليه ان السيرة غير محرزة وعلى تقدير تسليمها لم نحرز اتصالها بزمان المعصومين عليهم السلام فالصورتان سواء في ما ذكرناه. ويدل على ذلك مضافا إلى الاستصحاب المقتضي للحكم بعدم وصول الماء إلى البشرة وقاعدة الاشتغال الحاكمة بعدم سقوط التكليف بالوضوء صحيحة علي بن جعفر (1) الدالة على ان المرأة لابد من ان تحرك الدملج واسوارها حتى نتيقن بوصول الماء تحتهما وان كان موردها الشك في حاجبية الموجود دون الشك في وجود الحاجب إلا انك عرفت عدم الفرق بين الصورتين. وقد بينا سابقا في مسائل الشك في الحاجب ان ما ورد في ذيل الصحيحة من السؤال عن حكم الخاتم الضيق وقوله عليه السلام ان علم بعدم وصول الماء تحته فلينزعه غير معارض لصدرها نظرا إلى ان مفهوم الذيل انه إذا لم يعلم بالحاجبية وشك فيها لم يجب عليه النزع وتحصيل اليقين بالوصول وذلك لان حكم الشك في الحاجبية قد ظهر من صدر الصحيحة حيث دل على وجوب تحصيل اليقين بوصول الماء تحت الدملج والسوار علم حاجببتهما ام كانت مشكوكة ومعه لابد من حمل الذيل على ارادة علم المكلف بعدم وصول الماء تحت الخاتم مع تحريكه لانه ضيق كما في الرواية وحينئذ حكم بوجوب نزعه حتى يصل الماء تحته وذلك لئلا يلزم التكرار في الرواية فلا دلالة في ذيلها على عدم وجوب الفحص عند عدم العلم بالحاجبية هذا كله فيما إذا شك في الحاجب في اثناء الوضوء.


(1) قدمناها في الشك في الحاجب في مسائل الوضوء. فراجع.

[ 169 ]

[ وان شك بعد الفراغ في انه كان موجودا (1) ام لا بنى على عدمه ويصح وضوئه وكذا إذا تيقن انه كان موجودا (2) وشك في انه ازاله أو اوصل الماء تحته ام لا نعم، الحاجب الذي قد يصل الماء تحته وقد لا يصل إذا علم انه لم يكن ملتفتا إليه حين الغسل ولكن شك في انه وصل الماء تحته من باب الاتفاق ام لا، يشكل جريان قاعدة الفراغ فيه فلا يترك الاحتياط بالاعادة ] الشك في الحاجب بعد الفراغ (1) بنى على عدمه لقاعدة الفراغ فيما إذا احتمل من نفسه التفاته إلى شرائط الوضوء التي منها عدم الحاجب في اثناء وضوئه واحرازه. الشك في ازالة الحاجب (2) أيضا لقاعدة الفراغ إذا احتمل من نفسه الالتفات وإحراز الشروط بلا فرق في ذلك بين كونه معلوم الحاجبية على تقدير علم ازالته وكونه محتمل الحاجبية واما إذا علم بغفلته عن اشتراط عدم الحاجب في الوضوء فجريان القاعدة حينئذ وعدمه مبنيان على النزاع في ان معتبرة

[ 170 ]

بكير بن اعين المشتملة على قوله عليه السلام لانه حينما يتوضأ اذكر منه حين ما يشك (1) وما ورد في الصلاة من انه حينما يصلي كان اقرب إلى الحق منه بعده (2) هل هما تعليلان ومقيدتان لاطلاقات الاخبار حتى يختص جريان القاعدة بما إذا احتمل من نفسه الذكر والالتفات إلى الشرائط والاجزاء حال الوضوء ولكنه يشك ويحتمل غفلته عن بعضها أو نسيانها فلا تجرى مع العلم بالغفلة حال الامتثال وانخفاظ صورة العمل عنده وانما يحتمل صحة عمله من باب المصادفة الاتفاقية. أو انهما كالحكمة للقاعدة نظير سائر الحكم المذكورة في الروايات نظير التحفظ على عدم اختلاط المياه في تشريع العدة مع انها واجبة في مورد العلم بعدم اختلاط المياه وكنظافة البدن التي هي حكمة في استحباب غسل الجمعة مع ثبوت استحبابه حتى مع نظافة البدن وعليه فيصح التمسك بأطلاق الروايات في جميع موارد الشك في الصحة حتى الشك في متعلق الامر ولو مع العلم بالغفلة حال العمل إلا في صورة الشك في وجود الامر كما إذا شك في دخول الوقت بعد الصلاة إذا مع عدم احراز الامر لا معنى للصحة وللفساد لانهما عبارتان عن مطابقة المأتى به للمأمور به ومخالفته إذا والاطلاقات باقية. الها فتجرى القاعدة مع العلم بالغفلة أيضا كما ذهب إليه بعضهم وقد ذكرنا في محله انهما تعليلان ولا مناص من تقييدهما للمطلقات ومعه تختص القاعدة بما إذا احتمل الالتفات حال العمل. واما موثقة الحسين ابن أبي العلا المشتملة عى امره عليه السلام


(1) الوسائل: ج 1 باب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7. (2) الوسائل: ج 5 باب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

[ 171 ]

بتحويل الخاتم في الغسل وبأدارته في الوضوء وقوله عليه السلام: فان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك ان تعيد الصلاة (1) حيث يقال كما قيل من انها تدل على جريان قاعدة الفراغ مع العلم بالغفلة والنسيان في حال العمل لقوله عليه السلام فان نسيت أي التحويل أو الادارة في الغسل والوضوء لا آمرك باعادة الصلاة. فيدفعه: ان الاستدلال بالموثقة مبنى على ان تكون ناظرة إلى صورة الشك في وصول الماء تحت الخاتم في الغسل والوضوء. وليس في الرواية سؤالا وجوابا ما يدل على كونها ناظرة إلى ذلك بوجه فان الظاهر انها بصدد بيان استحبابا تحويل الخاتم في الغسل وادارته في الوضوء حتى مع العلم بوصول الماء تحته ويدل عليه اختلاف البيان في الغسل والوضوء حيث امر بالتحويل في الاول وبالادارة في الثاني فلو لم يكن لشئ منهما خصوصية بل كان الغرض مجرد وصول الماء إلى البشرة وتحت الخاتم لم يكن للتعدد والاختلاف في البيان وجه صحيح بل كان يقول حوله في كليهما أو تديره فيهما ولم يكن ينبغي التكلم به للامام عليه السلام فمنه يظهر ان لهما خصوصية وهي لا تكون إلا على وجه الاستحباب. ويؤيد ما ذكرناه ما عن المحقق في المعتبر من ان مذهب فقهائنا استحباب تحويل الخاتم في الغسل والادارة في الوضوء وذلك للاطمئنان بانهم استندوا إلى هذه الموثقة وإلا فاي دليل دلهم على استحباب التحويل في احدهما والادارة في الآخر فالموثقة اما ظاهرة فيما ادعيناه واما انها مجملة فلا ظهور لها في ارادة الشك في وصول الماء تحت الخاتم بوجه فالصحيح كما هو ظاهر الروايتين ان الجملتين تعليلتان وبهما يتقيد المطلقات


(1) الوسائل: الجزء 1، باب 41 من أبواب الوضوء: الحديث 2.

[ 172 ]

[ وكذا إذا علم بوجود الحاجب المعلوم أو المشكوك (1) حجبه وشك في كونه موجودا حال الوضوء أو طرء بعده فانه يبنى على الصحة الا إذا علم انه في حال الوضوء لم يكن ملتفتا إليه فان الاحوط الاعادة حينئذ. (مسألة 51): إذا علم بوجود مانع وعلم زمان حدوثه (2) وشك في ان الوضوء كان قبل حدوثه أو بعده يبنى على الصحة لقاعدة الفراغ الا إذا علم عدم الالتفات إليه حين الوضوء فالاحوط الاعادة حينئذ. ] ويختص جريان القاعدة بموارد احتمال الذكر والالتفات. (1) بان كان تاريخ وضوئه معلوما وكان تاريخ الحاجب مجهولا وشك في انه هل طرء الحاجب قبله ام بعده فان احتمل الالتفات إلى ذلك حال وضوئه تجري القاعدة في وضوئه ويحكم بصحته واما إذا علم بغفلته فجريان القاعدة وعدمه مبنيان على الخلاف المتقدم آنفا. إذا شك في تقدم الوضوء على حدوث الحاجب (2) عكس المسألة المتقدمة فقد علم بتاريخ المانع كالقير الذي علم بالتصاقه لبعض اعضائه اول الزوال وشك في ان وضوئه هل كان قبله ام بعده وحكمه حكم المسألة السابقة يعينها.

[ 173 ]

[ (مسألة 52): إذا كان محل وضوئه في بدنه نجسا فتوضأ وشك بعده في ان طهره ثم توضأ ام لا بنى على بقاء النجاسة فيجب غسله لما ياتي من الاعمال واما وضوئه فمحكوم بالصحة (1) عملا بقاعدة الفراغ الا مع علمه بعدم التفاته حين الوضوء إلى الطهارة والنجاسة وكذا لو كان عالما بنجاسة الماء الذي توضأ منه سابقا على الوضوء ويشك في انه طهره الاتصال بالكر أو بالمطر ام لا فان وضوئه محكوم بالصحة والماء محكوم بالنجاسة ويجب عليه غسل كل ما لاقاه وكذا في الفرض الاول يجب غسل جميع ما وصل إليه الماء حين التوضوء أو لاقى محل الوضوء مع الرطوبة. ] إذا توضأ فشك في انه هل طهر المحل قبله؟ (1) إذا احتمل الالتفات إلى اشتراط طهارة البدن أو الماء في صحة الوضوء واحرازها حال الوضوء فهل تثبت بها لوازماتها فيحكم بطهارة بدنه أو الماء وطهارة كل ما لاقاهما أولا يثبت بالقاعدة إلا صحة الوضوء فحسب واما البدن والماء فهما باقيان على نجاستهما بالاستصحاب كما ان ملاقيتهما ملاقي النجس؟ قد يقال: ان هذا النزاع مبنى على ان القاعدة امارة حتى تثبت بها

[ 174 ]

[ (مسألة 53): إذا شك بعد الصلاة في الوضوء لها وعدمه بنى على صحتها (1) لكنه محكوم ببقاء حدثه (2) فيجب عليه الوضوء للصلاة الآتية ولو كان الشك في اثناء الصلاة وجب الاستيناف بعد الوضوء (3) ] لازمها أو انها اصل فلا تكون حجة في مثبتاتها إلا انا تعرضنا لذلك في بحث الاصول وقلنا ان ذلك مما لا اساس له لان الاصل والامارة سيان في عدم حجيتهما في لوازماتهما إلا في خصوص الامارات اللفظية وما يرجع إلى مقولة الحكاية والاخبار كما في الاقرار والبينة والخبر فانها كما تكون حجة في مداليلها المطابقية كذلك تكون حجة في مداليلها الالتزامية التفت المخبر إلى الملازمة أم لم يلتفت كان مقرا بها ام منكرا للملازمة رأسا وعليه فلا تثبت بقاعدة الفراغ في المقام غير صحة الوضوء ومقتضى الاستصحاب بقاء البدن والماء على نجاستهما فيحكم بنجاسة كل ما لاقاهما. الشك في الوضوء بعد الصلاة أو في اثنائها (1) لقاعدة الفراغ في الصلاة. (2) لان القاعدة لا تثبت لوازمها كالحكم بطهارة المكلف في مفروض المسألة وهل نجري قاعدة التجاوز في نفس الوضوء أو لا تجري؟ يظهر الحال في ذلك مما يأتي في المسألة الآتية انشاء الله. (3) لان مقتضى قاعدة الفراغ وان كان هو الحكم بصحة الاجزاء

[ 175 ]

[ والاحوط الاتمام (1) مع تلك الحالة ثم الاعادة بعد الوضوء. (مسألة 54): إذا تيقن بعد الوضوء انه ترك منه جزءا أو شرطا أو اوجد مانعا ثم تبدل يقينه بالشك ] المتقدمة من الصلاة لانها مما قد تجاوز عنه وهي قد مضت إلا انها لا تثبت الطهارة حتى تصح الاجزاء الواقعة بعد شكه فلابد من ان يحصل الطهارة لنلك الاجزاء الآتية وللكون الذي شك فيه في الطهارة فان الطهارة كما انها شرط في اجزاء الصلاة كذلك شرط في الاكوان المتخللة بين اجزائها وبما ان ذلك الكون مما لا يمكن تحصيل الطهارة فيه فيحكم ببطلان صلاته واستينافها بعد تحصيل الطهارة ولا يمكن احرازها بالقاعدة لعدم تحقق التجاوز على الفرض. (1) ومنشاءه احتمال جريان قاعدة التجاوز في نفس الوضوء ومعه يجب اتمام الفريضة فيحرم قطعها والكلام في ذلك يقع في مقامين: (احدهما): في ان هذا الاحتياط هل له منشاء صحيح؟ و (ثانيهما) في ان قاعدة التجاوز هل تجرى في نفس الوضوء أو لا؟ (اما المقام الاول): فالصحيح انه لا منشاء صحيح لهذا الاحتياط لان الدليل على حرمة قطع الفريضة لو كان فانما هو الاجماع - لو تم - ومورده ما إذا كانت الفريضة مما ياتي به المكلف في مقام الامتثال مكنفيا بها من غير اعادتها ففي مثله يمكن القول بحرمة القطع على تقدير تمامية الاجماع واما إذا لم يكن المكلف مكتفيا بها في مقام الامتثال بل بنى على استينافها فاي دليل دل على لزوم اتمامها بعد عدم تحقق الاجماع إلا في العبادة الماتى بها في مقام الامتثال فهذا الاحتياط لا منشأ له.

[ 176 ]

و (اما المقام الثاني): فان قلنا ان الشرط في الصلاة انما هو الوضوء بحسب البقاء والاستمرار حيث قدمنا ان الطهارة هي عين الوضوء وان له بقاءا واستمرارا في نظر الشارع واعتباره ومن هنا يسند إليه النقض في الروايات كما ورد في ان الوضوء لا ينقضه إلا ما خرج من طرفك (1) وانه مما لا ينتقض إلا بالنوم وغيره من النواقض بل قد صرح ببقائه في بعض الاخبار كما في صحيحة زرارة حيث ورد ان الرجل ينام وهو على وضوء (2). أو قلنا ان الشرط فيها الطهارة المسيبة عن الوضوء كما هو المعروف عندهم حيث يعدون الطهارة من مقارنات الصلاة كالاستقبال فلا ينبغي الاشكال في عدم جريان القاعدة الوضوء لا في هذه المسألة وهي الشك فيه في اثناء الصلاة ولا في المسألة السابقة وهي ما إذا شك فيه بعد الصلاة. وذلك لان الشرط وهو الوضوء أو الطهارة المقارنة للصلاة لم يتجاوز عنه المكلف إذ التجاوز اما ان يكون تجاوزا عن نفس الشئ وهو انما يعقل بعد احراز وجوده ومع الشك في وجود الشئ لا معنى للتجاوز عن نفسه واما ان يكون التجاوز عن محله وهو المعتبر في جريان قاعدة التجاوز ومحل الشرط المقارن انما هو مجموع الصلاة فإذا شك فيه في اثنائها فلا يحكم بتجاوز محل الشرط فلا تجري فيه القاعدة كما لا تجرى بالاضافة إلى الصلوات الآتية إذا شك في الوضوء بعد الصلاة كما في


(1) كما في صحيحة زرارة، الوسائل الجزء 1، باب 2 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 1. (2) الوسائل: الجزء 1 باب 1، من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1.

[ 177 ]

المسألة المتقدمة لوضوح عدم تجاوز محل الشرط المقارن قبل الشروع فيه أو حينه. واما إذا قلنا ان شرط الصلاة هو الوضوء الحدوثي بشرط عدم تعقبه بالحدث فهل تجرى قاعدة التجاوز في الوضوء حينئذ عند الشك فيه في اثناء الصلاة أو بعدها باعتبار انه من الشرط المتقدم وهو مما قد تجاوز محله أو لا تجرى؟ التحقيق هو الثاني وذلك لان الامر الشرعي لا يتعلق بالشرط ابدا وانما يتعلق بذات المشروط المتقيد بالشرط كالصلاة المتقيدة بالوضوء ولا يتعلق بنفسه وعليه فلا محل شرعي للشرط حتى يقال ان محله قد مضى. نعم للصلاة المقيدة بالشرط محل شرعي دون شرطها لانه ليس كالاجزاء المتعلقة للامر شرعا كالركوع إذا شك فيه وهو ساجد - مثلا - حتى يقال ان محله قد مضى وتجاوز نعم يجب ايجاد الوضوء قبل الصلاة عقلا لتحصيل التقيد المأمور به في الصلاة إلا انه لا محل شرعي له حتى لو قلنا بوجوب مقدمة الواجب لان الوجوب المقدمي لا اثر له وليس كالوجوب التعيني المتعلق بالاجزاء. وهذا نظير ما ذكرناه في الشك في الاتيان بصلاة الظهر وهو في صلاة العصر حيث منعنا عن جريان قاعدة التجاوز في صلاة الظهر لانها مما لا محل له شرعا نعم تجب ان تكون صلاة العصر بعد صلاة الظهر واما ان صلاة الظهر تجب ان تكون قبل العصر بان يكون محلها قبل صلاة العصر فلا ومن هنا لو صلى الظهر ولم يات بصلاة العصر اصلا وقعت الظهر صحيحة وان لم تقع قبل العصر إذ لا عصر على الفرض. ونظير الدخول في التعقيبات المستحبة حيث ان الدخول في المستحب

[ 178 ]

[ يبنى على الصحة عملا بقاعدة الفراغ (1) ولا يضرها اليقين بالبطلان بعد تبدله بالشك ولو تيقن بالصحة ثم شك فيها فاولى بجريان القاعدة (2). ] إذا كان كافيا في صدق تجاوز المحل لا نلتزم بجريان القاعدة في الصلاة فيما إذا شك فيها وهو في التعقيبات وذلك لان التعقيب وان كان محله الشرعي بعد الصلاة إلا ان الصلاة ليس محلها قبل التعقيب حتى يقال ان محلها مما مضى وتجاوز حتى تجري القاعدة في الصلاة. فتحصل ان قاعدة التجاوز لا مجرى لها في الوضوء قلنا بانه شرط مقارن للصلاة ام انه شرط متقدم مشروطا بان لا يتعقبه حدث فعلى ما ذكرناه يرفع اليد عما به بيده من الصلاة ويحصل الوضوء ثم يستأنف الصلاة. إذا تيقن بالخلل بعد الوضوء ثم تبدل يقينه بالشك (1) للشك فعلا في صحة عمله الماضي وفساده وعدم اليقين بفساده بالفعل ولا دليل على حجية اليقين بحدوثه إذا لم يثبت اعتبار قاعدة اليقين ولا يقين بالفساد بحسب البقاء لتبدله بالشك على الفرض. (2) ولعله اراد الاولوية بحسب مقام الثبوت لان القاعدة لو جرت مع القطع بالفساد سابقا لجرت مع القطع بالصحة سابقا بطريق اولى واما الاولوية بحسب مقام الاثبات فلا لان شمول القاعدة لكلتا الصورتين بالاطلاق.

[ 179 ]

[ (مسألة 55): إذا علم قبل تمام المسحات انه ترك غسل اليد اليسرى أو شك في ذلك فاتى به وتمم الوضوء ثم علم انه كان غسله يحتمل الحكم ببطلان الوضوء (1) من جهة كون المسحات أو بعضها بالماء الجديد لكن الاقوى صحته لان الغسلة الثانية مستحبة على الاقوى حتى في اليد اليسرى فهذه ] لو علم بعدم غسل اليسرى وبعد الاتمام علم بغسلها (1) الصحيح هو التفصيل في المسألة كما افاده الماتن (قدس سره) حيث انه لو كان - قبل غسل يده اليسرى بعد الشك - قد غسلها بالغسلة الوجوبية والغسلة الاستحبابية بحيث كان غسلها بعد الشك من الغسلة الثالثة التي هي محرمة وبدعة فلا مناص من الحكم ببطلان وضوئه وذلك لانها وان لم تحرم عليه تكليفا حيث لم تصدر بالعمد والالتفات إلا انها موجبة للبطلان لا محالة لما مر من ان المسح يعتبر ان يكون بالبلة الوضوئية الباقية في اليد والبلة التي مسح بها في مفروض المسألة ليست من بلة الوضوء بل بلة غسل خارجي محرم فيبطل وضوئه، واما إذا كان غسلها قبل غسلها بعد الشك - غسلة واحدة وجوبية - بحيث كان غسلها بعد الشك من الغسلة الثانية المستحبة في الوضوء فيحكم بصحة وضوئه لان البلة حينئذ من بلة الغسلة الوضوئية المستحبة ولا يحتمل فيه البطلان إلا من جهتين:

[ 180 ]

[ الغسلة كان مأمورا بها في الواقع فهي محسوبة من الغسلة المستحبة ولا يضرها نية الوجوب لكن الاحوط اعادة الوضوء لاحتمال اعتبار قصد كونها ثانية في استحبابها هذا ولو كان آتيا بالغسلة الثانية المستحبة وصارت هذه ثالثة تعين البطلان لما ذكر من لزوم المسح بالماء الجديد. ] (احديهما): ان ما اتى به من الغسلة كانت مستحبة وهو قد اتى بها بعنوان الوجوب. إلا انك عرفت فيما سبق ان الوجوب والاستحباب لا يتميزان إلا بانضمام الترخيص في الترك إلى الامر وعدمه وإلا فالمنشاء فيهما في نفسهما شئ واحد فقد تخيل وجوبه وكان مستحبا واقعا فهو من الخطاء في التطبيق الغير المضر في صحة العمل. وقد اسلفنا سابقا ان الامر في هذه الموارد امر واحد شخصي غير قابل للتقييد حتى يأتي به مقيدا بالاستحباب أو الوجوب بل غاية ما هناك انه اتى به بداعي الوجوب ثم تبين استحبابه فهو من تخلف الداعي غير المبطل للعبادة وبعبارة اخرى ان العبادة يعتبر فيها اتيان ذات العمل واضافتها إلى الله والمفروض انه اتى بذات الغسلة الثانية وقد اضافها إلى الله سبحانه على الفرض ومعه يحكم بصحتها. و (ثانيهما): انا نحتمل ان يكون متعلق الامر الاستحبابي خصوص الغسلة الثانية التي قصد بها عنوان الغسلة الثانية وانه لم يتعلق بطبيعي الغسلة الثانية وحيث انه لم ينو بها ولم يقصد بها الغسلة الثانية فلم تقع مصداقا للمستحب كما انها ليست مصداقا للواجب فتقع باطلة والمسح بها مسح ببلة ماء خارجي فيحكم ببطلان الوضوء.

[ 181 ]

[ (فصل في احكام الجبائر): وهي الالواح الموضوعة على الكسر والخرق والادوية ] وهذا المعنى وان كان محتملا في نفسه إلا انه مردود: (اولا): باطلاقات الاخبار الآمرة بالغسلة الثانية استحبابا لان مقتضى اطلاقها ان كل غسلة كانت مصداقا للغسلة الثانية في الخارج محكوم بالاستحباب قصد بها عنوانها ام لم يقصد. و (ثانيا) لو اغمضنا النظر عن اطلاق الادلة فمقتضى البرائة عدم اعتبار قصد عنوان الثانية في الغسلة الثانية المستحبة في الوضوء وذلك لا بأجراء البرائة في المستحب ليقال انكم منعتم عن جريانها في المستحبات حيث لا ضيق فيها بلى بأجزائها عن تقيد متعلق الامر الوجوبي وهو الوضوء بعدم غسلة ثانية لم يقصد بها عنوانها حتى توجب بطلانه فالغسلة الثانية غير مبطلة للوضوء قصد بها عنوانها ام لم يقصد فلا محالة فلا يكون متصفة ومحكومة بالاستحباب والبلة بلة غسلة استحبابية فلا يكون موجبا لبطلان الوضوء وان كان الاحوط اعادة الوضوء للاحتمال المذكور. فصل: في احكام الجبائر ان من كان على موضع من مواضع وضوئه كسر أو قرح أو جرح وقد وضع عليه جبيرة يجب ان يمسح على الجبيرة على تفصيل يأتي عليه الكلام انشاء الله تعالى وقبل الشروع في مسائل الجبيرة ننبه على امور.

[ 182 ]

تنبيهات المسألة: (الاول): ان مقتضى القاعدة الاولية وجوب التيمم على من لم يتمكن من الوضوء أو الغسل لثبوت بدليته عنهما بالكتاب والسنة لان التراب احد الطهورين وقد قال الله سبحانه فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا (1) فلولا الاخبار الواردة في كفاية غسل الجبيرة أو مسحها لحكمنا بانتقال الفريضة حينئذ إلى التيمم لعجز المكلف عن الوضوء أو الغسل وانما رفعنا اليد عن ذلك بالادلة الدالة على كفاية مسح الجبيرة وعليه فلابد من الاقتصار على كل مورد ورد فيه الدليل بالخصوص على كفاية المسح على الجبيرة وفي غير لا مناص من الحكم بوجوب التيمم كما عرفت نعم لو قلنا بتمامية قاعدة الميسور وان الميسور من كل شئ لا يسقط بمعسوره لانعكس الحال في المقام وكان مقتضى القاعدة الاولية تعين مسح الجبيرة من غير ان يجب عليه التيمم لان الطهارة المائية متقدمة على الطهارة الترابية وحيث ان المكلف متمكن من الوضوء الناقص فلا يسقط وجوب الميسور منه بتعذر المعسور منه لان المتعذر انما هو مسح جميع الاعضاء واما مسح بعضها فلا فالوضوء الناقص منزل منزلة الوضوء التام بتلك القاعدة فمقتضى القاعدة الاولية في موارد الجبيرة هو الوضوء الناقص ومسح الجبيرة من غير ان تننقل الفريضة إلى التيمم لتأخر الطهارة الترابية عن الطهارة المائية.


(1) النساء والمائدة: الآية 42 - 6.

[ 183 ]

[ الموضوعة على الجروح والقروح والدماميل فالجرح ونحوه اما مكشوف أو مجبور وعلى التقديرين اما في موضع الغسل أو في موضع المسح ثم اما على بعض العضو أو تمامه أو تمام الاعضاء ثم اما يمكن غسل المحل أو مسحه أو لا يمكن فان امكن ذلك ] إلا انا ذكرنا في محله ان الاخبار الواردة في تلك القاعدة غير تامة للمناقشة في سندها أو في دلالتها. نعم في العمومات الانحلالية لا مناص من الالتزام بتلك القاعدة إلا انه لا من جهة ثبوتها تعبدا بل من جهة ثبوتها عقلا لاستقلال العقل بان وجوب امتثال كل حكم انما يتبع قدرة المكلف لمتعلقه لا لقدرته على متعلق حكم آخر فإذا كان زيد مديونا لعمر خمسة دراهم ولم يتمكن إلا من رد درهم واحد وجب رده لتمكنه من امتثال الامر برده وان لم يتمكن من امتثال الامر برد غيره من الدراهم وهكذا في غيره من موراد الانحلال واما في المركبات والمقيدات فلم يقم دليل على وجوب مقدار منهما إذا تعذر بعض اجزائها. نعم لو تمت رواية عبد الاعلى مولى آل سام في رجل عثر فوقع ظفره وحعل على اصبعه مرارة كيف يمسحها قال: يعرف حكم هذا واشباهه من كتاب الله سبحانه وهو قوله ما جعل عليكم في الدين من حرج. امسح على المرارة (1). لقلنا بثبوت قاعدة الميسور ولو في خصوص الوضوء وذلك لان المتعذر انما هو خصوصية المسح على البشرة واما مطلق المسح فهو


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 39 من أبواب الوضوء الحديث 5.

[ 184 ]

غير متعذر في مورد الرواية ومن هنا امره بالمسح على المرارة وقال انه واشباهه يعرف من كتاب الله فتدل على ان الوظيفة في جميع هذه الموارد هو المسح على الجبيرة من دون ان ينتقل الامر إلى التيمم. إلا ان الرواية ضعيفة السند كما ان دلالتها كذلك وذلك لان المسح على المرارة مما لا يعرف من كتاب الله قطعا لان العرف لا يرى المسح على المرارة ميسورا من المسح على البشرة بل يراهما متعددا ومن هنا لو تعذر المسح على الجبيرة والمرارة أيضا لم يتوهم احد وجوب المسح على الحائط - مثلا - بدعوى ان المتعذر انما هو خصوصية المسح على المرارة واما اصل المسح ولو بالمسح على الجدار فهو امر ممكن ولعله ظاهر وانما يعرف منه سقوط الامر بمسح البشرة لتعذره واما ان المسح على المرارة واجب فما لا يمكن استفادته من الكتاب فقوله عليه السلام امسح على المرارة على تقدير صحة الرواية حكم خاص انشاءه الامام عليه السلام في مورده ولا دليل على التعدي منه إلى غيره. فالمتحصل من ذلك ان مقتضى القاعدة الاولية في موارد الجبيرة هو التيمم ففي كل مورد ثبت كفاية المسح على الجبيرة أو المسح عليها فهو وإلا فلابد من الحكم بوجوب التيمم بمقتضى الكتاب والسنة. (الامر الثاني): ان في موارد الجبيره إذا امكن غسل البشرة أو مسحها يرفع الجبيرة من غير ان يكون في وصول الماء إليها ضرر ولا في رفع الجبيرة وشدها حرج ومشقة فلا اشكال في وجوب غسل البشرة أو مسحها برفع الجبيرة بمقتضى ادلة وجوبهما فان الاخبار الواردة في الجبائر الآمرة بالمسح على الجبيرة انما هي فيما إذا كان في وصول الماء إلى البشرة ضررا متوجها إلى المكلف ومع عدمه فلا تشمله الاخبار فيتعين غسلها ولعله ظاهر.

[ 185 ]

واما إذا كان في حل الجبيرة وشدها مشقة ولم يكن في وصول الماء إلى البشرة ضرر فهل يكفي جعل موضع الجبيرة في الماء وارتماسه فيه حتى يصل الماء إلى تحتها وهو البشرة أو لابد من المسح على الجبيرة؟ اما إذا كانت الجبيرة في مواضع المسح فجعل موضع الجبيرة في الماء مما لا اشكال في عدم كفايته لان الواجب هو المسح ولا يتحقق المسح بوصول الماء إلى البشرة واما إذا كانت الجبيرة في مواضع الغسل وفرضنا تحققه برمس موضع الجبيرة في الماء بان تحقق به مفهوم الغسل اعني جريان الماء على البشرة ولو بادنى مرتبة منه فظاهر جماعة ومنهم الماتن (قدس سره) كفايته ووجوبه. والتحقيق ان غسل الموضع إذا كان ممكنا مع التحفظ على الترتيب المعتبر في الوضوء اعني غسل العضو من الاعلى إلى الاسفل كما إذا كان متمكنا من رفع الجبيرة فلا اشكال في تعينه ولزوم رفعها مقدمة لتحقق الغسل المعتبر في الوضوء وكما إذا لم يكن عليه جبيرة اصلا فان الغسل وايصال الماء البشرة مترتبا معتبر في الوضوء كان على الموضع جبيرة ام لم يكن فعلى تقدير وجودها يتعين رفعها مقدمة. واما إذا لم يمكن غسله مع الترتيب ففي كفاية وضع الموضع على الماء ووصول الماء إلى البشرة ولو مع تحقق مفهوم الغسل اشكال لعدم حصول الترتيب المعتبر معه واما ما قد يتوهم في المقام من الاستدلال على كفاية وضع المحل في الماء وان فاته الترتيب المعتبر في الوضوء بموثقة عمار أو اسحاق بن عمار حيث اسندها إلى كل منهما في الوسائل عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل ينكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر ان يحله لحال الجبر إذا جبر كيف يصنع؟ قال: إذا اراد ان يتوضأ فليضع اناءا فيه ماء ويضع موضع الجبر في الماء حتى

[ 186 ]

[ بلا مشقة ولو بتكرار الماء عليه حتى يصل إليه لو كان عليه جبيرة أو وضعه في الماء حتى يصل الماء إليه بشرط ان يكون المحل والجبيرة طاهرين أو امكن تطهيرهما وجب ذلك وان لم يمكن اما لضرر الماء أو النجاسة وعدم امكان التطهير أو لعدم امكان ] يصل الماء إلى جلده وقد اجزأه ذلك من غير ان يحله (1) حيث دلت على كفاية جعل موضع الجبر في الماء مع فوات الترتيب المعتبر في الوضوء. فيدفعه: الرواية وان نقلت على الكيفية المتقدمة في الوسائل وقال بعد نقلها ان الشيخ رواها بهذا الاسناد عن اسحق بن عمار مثله إلا ان صاحب الحدائق رواها في الحدائق على نحو آخر حيث يدل قوله فلا يقدر ان يحله بقوله فلا يقدر ان يمسح عليه والموجود في كتاب (2) الشيخ في هذا الموضوع هو الثاني الذي نقله صاحب الحدائق (قدس سره) ولعل الاختلاف من جهة تعدد الروايتين وكون احديهما من عمار والاخرى من اسحاق بن عمار وصاحب الوسائل قد عثر على ما نقله الشيخ (قدس سره) في مورد آخر (3). وكيف كان فالموجود في الرواية ليس هو تعذر حل الجبيرة بل تعذر المسح على البشرة فعلى تقديران ما رواه صاحب الحدائق هو الاصح تدل الرواية على ان من لم يتمكن من غسل مواضع الغسل بمسحها كما هو العادة - لبداهة عدم وجوب المسح في اليد والساعد - يجب ان يجعل


(1) الوسائل: الجزء 1، باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 7. (2) التهذيب: ج 1 ص 426. (3) الاستبصار: ج 1 ص 78.

[ 187 ]

موضع الجبر في الماء حتى يصل الماء إلى بشرته ولا تنظر الرواية إلى سقوط اعتبار الترتيب وقتئذ لانه من الجائز ان يكون وصول الماء إلى البشرة مع مراعاة الترتيب أي بغسل الاعلى إلى الاسفل هذا كله فيما إذا تمكن من جعل موضع الجبر في الماء. واما إذا لم يتمكن من ذلك أيضا فلا اشكال في تعين غسل الجبيرة أو مسحها كما يأتي تفصيله انشاء الله تعالى. (الامر الثالث): ان عدم التمكن من ايصال الماء إلى البشرة يتسبب من امور: (احدها): تضرر المحل بوصول الماء إليه كما هو الحال في الكسر وفي اغلب الجروح والقروح ولا اشكال حينئذ في انتقال الوظيفة إلى مسح الجبيرة وهو الغالب في الاسئلة والاجوبة في الروايات كما انه مورد صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام الآمرة بمسح الخرقة الموضوعة على القرحة إذا كان يؤذيه الماء (1) أي يضره. و (ثانيها): تضرره بتطهيره ومقدمات غسله وان لم يتضرر بمجرد وصول الماء إليه وبنفس غسله لان تطهيره يتوقف على صب الماء الكثير لازالة الدماء وغيرها من النجاسات الموجودة فيه وهو يستلزم نفوذ الماء فيه فيتضرر به وهذا بخلاف مجرد غسله حيث لا يتضرر به لقلة الماء وسرعة مروره عليه وفي هذه الصورة أيضا لابد من مسح الجبيرة لان القروح والجروح بحسب الغالب متنجسة بالدم وازالته تستلزم الضرر وان لم يكن مجرد وصول الماء إليه موجبا للضرر ولا يوجد جرح من غير الدم إلا قليلا هذا.


(1) الوسائل: الجزء 1، باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

[ 188 ]

على انه مورد صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج حيث قال ويدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله ولا ينزع الجبائر ويعبث بجراحته (1) لانه في مفروض المسألة لا يستطيع من غسل الجراحة فان مقدماته وهي ازالة نجاستها ضررية وهي عبث ولعب بالجراحة. و (ثالثها): نجاسة المحل من غير ان يكون غسل الجرح ولا مقدمته وهو تطهير اطرافه ونفسه ضرريا في حقه وهذا يتصور بوجوه: فقد يستند ذلك إلى ضيق الوقت بحيث لا يسع لتطهيره وغسله للوضوء واخرى يستند إلى قلة الماء وان كان الوقت متسعا إلا ان الماء لا يسع لتطهيره ثم التوضوء به. لانه لو طهره لم يبق له ماء للوضوء. وثالثة: يستند إلى عدم القدرة على حل الجبيرة أو غيرها مما يمنع عن وصول الماء إلى تحته وان كان لا يضره الماء على تقدير وصوله إليه كما في الكسير حيث لا يتمكن من حل جبيرته ونزعها حتى يصل الماء تحتها فهل يجب عليه ان يمسح الجبيرة في هذه الصورة أيضا أو ينتقل امره إلى التيمم؟ قد يقال بمسح الجبيرة حينئذ كما عن جماعة ومنهم الماتن (قدس سره) إلا انه مما لا يمكن المساعدة عليه. وذلك لان مورد الاخبار الواردة في مسح الجبائر بين ما كان وصول الماء إلى البشرة موجبا للضرر وبين ما كان مقدمة غسلها ضررية كما في الصورتين المتقدمتين ولم يرد نص على مسح الجبيرة فيما إذا كانت البشرة نجسة من غير ان يكون في غسلها ولا في مقدمته ضرر فلو صح المسح على الجبيرة حينئذ لصح المسح عليها في غير موارد الجرح أيضا ولم يختص به كما إذا اصابت قطرة نجس على احد مواضع وضوئه ولم


(1) الوسائل: الجزء 1، باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

[ 189 ]

يتمكن من ازالتها من غير ان يكون الموضع كسيرا أو مجروحا فهل يتوهم احد كفاية المسح على الجبيرة حينئذ؟! لوضوح ان الوظيفة هي التيمم وقتئذ لعدم تمكن المكلف من الماء ولم يقل احد بجواز المسح على الخرقة حينئذ. وحيث ان الموارد مما لم ينص على جواز المسح فيه على الجبيره فلا مناص من الرجوع إلى الاصل الذي اسسناه في المسألة وهو وجوب التيمم في ما لم ينص على كفاية المسح فيه على الجبيرة هذا. وقد يتوهم استفادة كفاية المسح في المقام من صحيحة عبد الله بن سنان عن الجرح كيف يصنع به صاحبه قال عليه السلام يغسل ما حوله (1) نظرا إلى ان السؤال فيها عن الجرح وهو مشتمل على النجاسة غالبا ولاجل نجاسة المحل لم يأمره بغسله ولا بالتيمم بل امر بغسل ما حوله. ولا يخفى ان الرواية والسؤال فيها ناظران إلى نفس الجراحة بما هي ولا نظر فيها إلى عوارضها كالنجاسة بوجه وانما سئل منها عن نفس الجرح والمستفاد - بحسب المتفاهم العرفي - عن السؤال عن الجرح انما هو تضرره بالماء أو بغيره فقد دلت الرواية على ان الجرح إذا كان غسله موجبا للضرر يجب غسل ما حوله ولا دلالة لها على كفاية المسح على الجبيرة عند نجاسة المحل بالجرح أو بغيره فهذه الصورة لم ينص على مسح الجبيرة فيها فلابد فيه من التيمم.


(1) الوسائل: الجزء 1، باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 3.

[ 190 ]

[ ايصال الماء تحت الجبيرة ولا رفعها فان كان مكشوفا (1) ] احكام الجرح المكشوف (1) شرع (قدس سره) في احكام الجرح المكشوف وحكم بوجوب المسح على نفس الجرح إذا لم يكن فيه ضرر وإلا فيمسح على خرقة يضعها على الجرح فلو لم يمكن ذلك أيضا لضرره حكم بوجوب غسل ما حوله ولكن الاحوط ان يضم إليه التيمم أيضا. اما ما افاده (قدس سره) من مسح نفس الجرح وإلا فيمسح ما وضعه عليه من الخرقة فهو يبتنى على ان مسح البشرة ميسور لغسلها المعسور بالنظر العرفي كما ان مسح الخرقة ميسور الغسل المتعذر حسب المتفاهم عندهم وحيث ان الميسور لا يسقط بالمعسور فيجب المسح على البشرة اولا وإلا فمسح الخرقة ومع تعسرهما يغسل اطرافه ويضم إليه التيمم لذهابهم إلى ان الطهارة لا تتبعض. ولكن فيما افاده من اوله إلى آخره مجال للمناقشة وذلك لان مسح البشرة ليس مرتبة ضعيفة عن غسلها فلا يعد ميسورا للغسل بالنظر العرفي بل هما متقابلان واحدهما غير الآخر اللهم إلا ان يجري الماء بمسحه من جزء إلى آخر إلا انه خارج عن مفروض الكلام لانه غسل حقيقة وكلامنا في المسح هذا ثم على تقدير تسليم ذلك لا ينبغي المتردد في ان مسح جسم خارجي من جلد أو قرطاس أو خرقة ليس من المراتب النازلة لغسل البشرة فكيف يعد ميسورا بالنظر العرفي من

[ 191 ]

الغسل المتعسر؟! نعم إذا كانت الخرقة موضوعة من الابتداء وقبل الوضوء اعني بها الجبيرة فلا اشكال في كفاية مسحها للروايات على ان الاعتبار أيضا يساعد على ذلك لان الخرقة المشدودة على البشرة معدودة من توابع الجسد وملحقاته فالمسح عليها كالمسح على الجسد هذا كله بحسب الصغرى. واما كبرى ما افاده فقد مر غير مرة ان قاعدة الميسور لم يتم لضعف رواياتها سندا أو دلالة نعم لو تمت رواية عبد الاعلى (1) سندا ودلالة بان قلنا ان المسح على المرارة ميسور من غسل البشرة المعسور على الفرض لحكمنا بجواز المسح على الخرقة في المقام أيضا لدلالتها على ان ذلك حكم يستفاد من كتاب الله في مورد الرواية واشباهه إلا انها ضعيفة السند والدلالة كما مر. وعليه فالمتعين هو الاخذ باطلاق صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة الآمرة بغسل ما حول الجرح فحسب سواء تمكن من مسح الجرح أو الخرقة ام لم يتمكن إذا لو كان مسح الجرح أو الخرقة واجبا لتعرضت إليه لا محالة وحيث انها مطلقة لترك الاستفصال فيها فلا مناص من الاكتفاء بغسل اطرافه فحسب. واما ما افاده من ضم التيمم إلى الوضوء بغسل اطراف الجرح فالظاهر ان وجهه ان الامر حينئذ يدور بين المتبائنين لانه إما ان يجب عليه الوضوء الناقص اعني غسل ما حول الجرح فقط ويسقط عنه غسل موضع الجرح ومسحه والمسح على الخرقة بالتعذر كما هو المفروض واما ان يجب عليه التيمم لانه فاقد للماء وغير متمكن من الوضوء التام ولاجل دوران الامر بينهما وهما متبائنان حكم بوجوب غسل ما حول


(1) تقدمت في ص 183.

[ 192 ]

الجرح وقال الاحوط ضم التيمم إليه. إلا ان الصحيح الاقتصار على وجوب غسل اطراف الجراحة فقط وذلك لانا ان بنينا على ان الاخبار الآمرة بغسل ما حول الجرح أو القرحة مطلقة وانها في مقام البيان كما هو الصحيح فلا محالة نحكم بمقتضى اطلاقها على ان صاحب القرحة أو الجراحة المكشوفة يغسل ما حولها فقط سواءا كان متمكنا من مسح الجراحة أو مسح الخرقة ام لم يتمكن وذلك لاطلاق الاخبار وورودها في مقام البيان وعدم استفصالها لها بين التمكن من المسح وعدمه لانها حينئذ كالتخصيص في ادلة وجوب الغسل في الوضوء كما لا يخفى. بل نلتزم بذلك حتى مع قطع النظر عن الاخبار الواردة في كفاية المسح على الجبيرة في المجبور لانها إذا لم تكن موجودة أيضا كنا نلتزم بذلك في الجرح المكشوف بمقتضى اطلاق الروايات. واما إذا بنينا على عدم الاطلاق فيها بدعوى انها وردت لبيان وجوب غسل الاطراف في الجملة واما انه كذلك حتى مع التمكن من المسح فلا لعدم كونها بصدد البيان من تلك الجهة فهي مجملة فلا مناص من الحكم بوجوب التيمم في مفروض المسألة وذلك لانا نحتمل اختصاص تلك الاخبار الآمرة بغسل ما حول الجراحة بمن كان متمكنا من مسح الجرح أو الخرقة دون من كان عاجزا عنه كما هو مفروض الكلام وحيث لا اطلاق للاخبار على الفرض فلا نص على كفاية الوضوء الناقص في من به جرح مكشوف فوظيفته التيمم لانه فاقد الماء. فعلى ما ذكرناه يدور الامر في امثال المقام بين وجوب غسل الاطراف فقط مطلقا ولو مع التمكن من المسح وبين وجوب التيمم

[ 193 ]

[ يجب غسل اطرافه ووضع خرقة طاهرة عليه والمسح عليها مع الرطوبة وان امكن المسح عليه بلا وضع خرقة تعين ذلك ان لم يمكن غسله كما هو المفروض وان لم يمكن وضع الخرقة أيضا اقتصر على غسل اطرافه لكن الاحوط ضم التيمم إليه ] وحيث انا بنينا على اطلاق الروايات الآمرة بغسل ما حول الجرح أو القرحة فلا محالة يتعين الحكم بكفاية الوضوء الناقص فيمن كان به جرح مكشوف مطلقا سواء تمكن من المسح ام لم يتمكن فلا وجه لضم التيمم إليه هذا كله فيما إذا كان المكشوف هو الجرح أو القرح. احكام الكسر المكشوف واما الكشر المكشوف فهل ياتي فيه ما ذكرناه في القرحة المكشوفة فيجب عليه غسل ما حوله فقط من غير مسح موضع الكسر ولا الخرقة ولا ضم التيمم إليه على ما ذكرناه أو هو مع مسح الموضع أو الخرقة أو ضم التيمم إليه على ما ذكره الماتن (قدس سره) أو ان الوظيفة حينئذ هي التيمم فحسب؟ ظاهر المتن كبعضهم ان حكمه حكم الجرح المكشوف فيمسح المحل ان تمكن وإلا فيمسح على الخرقة التي يجعلها عليه وإلا فيغسل اطرافه ويضم التيمم إليه بل ظاهر بعض الكلمات ان الاعذار المانعة عن وصول الماء إلى غيره من مواضغ الوضوء مطلقا كذلك وان لم يكن هناك جرح

[ 194 ]

أو كسر كما إذا كان جرحه بحيث يتألم من وصول الماء إلى موضع معين من وجهه أو الرمد المانع من وصول الماء إلى ظاهر عينه فانه يمسح ذلك المحل أو الخرقة ان امكن وإلا فيكتفي بغسل اطرافها ويضم التيمم إليه هذا. ولكن الصحيح اختصاص ذلك الحكم بالجرح أو القرحة المكشوفتين وذلك لاختصاص الاخبار الآمرة بغسل ما حوله بهما أي بصاحب الجرح أو القرح ولا نص على ذلك في الكسر المكشوف نعم ورد الامر بغسل اطراف الكسر وانه لا يعبث بجراحته (1) إلا انه مختص بالمجبور دون المكشوف بل الوظيفة التيمم حينئذ لعدم تمكنه من الوضوء التام وقد عرفت ان الاصل الاولى فيمن عجز عن الوضوء التام هو التيمم إذا لم يرد فيه نص على كفاية الوضوء الناقص بل قد ورد الامر بالتيمم في الكسر بدلا عن الجنابة كما يأتي وانما خرجنا نحن عن مقتضاه في الكسر المجبور بالروايات على ما ياتي عليه الكلام ان شاء الله تعالى ومن ذلك يظهر الحال في بقية الاعذار التي يضرها الماء فان الفرض في مثلها التيمم لعدم تمكن المكلف من الوضوء التام هذا كله إذا كان الجرح أو للكسر المكشوفين في مواضع الغسل.


(1) كما في ذيل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، الوسائل: الجزء 1، باب 39 من أبواب الوضوء، حديث 1.

[ 195 ]

[ وان كان في موضع المسح ولم يمكن المسح عليه كذلك يجب وضع خرقة طاهرة والمسح عليها (1) بنداوة وان لم يمكن سقط وضم إليه التيمم (2) وان كان مجبورا وجب غسل ] الكسر في موضع المسح (1) هذا أيضا لا دليل عليه لان المسح على الخرقة الاجنبية ليس ميسورا للمسح على البشرة ولم يدل دليل على كفاية المسح عليها في المسح الواجب في الوضوء - لو سلمنا انه ميسور من المسح المعسور - نعم إذا كانت الخرقة موجودة من الابتداء بأن كان الجرح مجبورا لكفى المسح عليها من المسح الواجب بمقتضى الاخبار. (2) وفيه انه لا موجب لوجوب الوضوء الناقص وضم التيمم إليه بل الوظيفة حينئذ هو التيمم من الابتداء لذلك الاصل المؤسس في اول المسألة حيث قلنا ان لم يتمكن من الوضوء التام يجب عليه التيمم إلا ان يقوم دليل على كفاية الوضوء الناقص في حقه وهو مفقود في المقام نعم إذا تمكن من المسح على نفس الجرح أو القرح تعين لانه في موضع المسح الواجب ولاجل تمكنه منه يجب ان يمسح عليه.

[ 196 ]

[ اطرافه مع مراعاة الشرائط والمسح على الجبيرة (1) وان كانت طاهرة أو امكن تطهيرها وان كان في موضع الغسل والظاهر ] (الجبيرة واقسامها واحكامها) (1) وتفصيل الكلام في المقام ان الجبيرة اما ان يكون في موضع الغسل كالوجه واليدين واما ان تكون في موضع المسح كالناصية والرجلين اما إذا كانت في مواضع الغسل فمقتضى صحيحة الحلبي وغيرها من الاخبار الواردة في المقام انه يغسل اطراف الجييرة ويمسح عليها بدلا عن غسل البشرة التي تحتها وفي ذيل بعضها ان لا ينزع الخرقة ولا يعبث بجراحته بلا فرق في ذلك بين الجبيرة في مواضع الكسر وبين مواضع الجرح والقرح بل القرح لا تحتاج إلى دليل خاص لان الجرح يشمله بعمومه لان القرحة هي الجرح المشتمل على القيئ كالجروح المسببة عن المواد المقتضية في البدن والجرح اعم مما فيه قيح وما لا قيح فيه كالجرح بالسكين ونحوه. واما إذا كانت في مواضع المسح - ولابد من فرضه فيما إذا كانت الجبيرة مستوعبة للعضو إذ لو كان بقى منه شئ يتحقق به المسح الواجب وجب مسح نفس البشرة لتمكنه منه وهو خارج عن محل الكلام إذ البحث فيما إذا لم يتمكن من المسح الواجب على البشرة - فايضا لابد من مسح الجبيرة فانه يجزي عن مسح البشرة وهذا لا لرواية


(1) الوسائل: الجزء 1، باب 39 من أبواب الوضوء الحديث 2.

[ 197 ]

[ عدم تعين المسح حينئذ فيجوز الغسل ايضا والاحوط اجراء الماء عليها مع الامكان بامرار ] عبد الاعلى مولى آل سام حيث امره عليه السلام بمسح المراة الموضوعة على اصبعه وظفره (1) وذلك لانها ضعيفة السند ومخدوشة بحسب الدلالة بل للاولوية العرفية لان العرف إذا القى إليه ان المسح على الجبيرة يكفي عن غسل البشرة فيستفيد منه ان المسح عليها يكفي عن مسح البشرة بطريق اولى وعلى الجملة ان المسح إذا كان كافيا عن غسل البشرة فهو كاف عن مسحها أيضا بالاولوية ويدلنا على ذلك ما ورد في صحيحة الحلبي من قوله أو نحو ذلك من مواضع الوضوء (2) حيث عطفه على قوله في ذراعه. فانه يشمل ما إذا كانت القرحة في مواضع المسح فقد دلت على انه في هذه الموارد يمسح على الخرقه واما في ذيلها من قوله عليه السلام وان كان لا يؤذبه الماء فينتزع الخرقة ثم ليغسلها. حيث ان الضمير في ليغسلها راجع إلى الذراع فهو غير مناف لما ذكرناه لانه من جهة ان مورد الرواية هو القرحة في الذراع لا من جهة اختصاص الحكم بمسح الخرقة بمواضع الغسل وان شئت قلت ان الغسل فيها بالمعنى الاعم من المسح ومعناه انه يغسلها - أي الخرقة في مواضغ الغسل ويمسح عليها في مواضع المسح كما يدل عليه صحيحة الكليب الاسدي حيث ورد فيها انه ان كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره. لوضوح انها كما تشمل الجبيرة في مواضع الغسل كذلك يشملها في مواضع المسح. على انه لم ينقل خلاف في


(1) و (2) الوسائل: الجزء 17 باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 5 - 2.

[ 198 ]

[ اليد من دون قصد الغسل أو المسح ولا يلزم ان يكون المسح ] جواز المسح على الجبيرة إذا كانت في مواضع المسح عند عدم تمكنه من ايصال الماء إلى البشرة. جهات المسألة ثم ان في المسألة جهات من الكلام: (الاولى): ان المكلف إذا لم يتمكن من مسح البشرة في الجبيرة في مواضع الغسل فلا كلام في تعين المسح على الجبيرة كما عرفت واما إذا تمكن من مسح البشرة ينزع الجبيرة فهل يتعين عليه مسح البشرة بدلا عن غسلها ولا يجزي مسح الجبيرة حينئذ أو يجب عليه مسح الجبيرة كما إذا لم يتمكن من مسح البشرة؟ ذكر الماتن ان المسح على البشرة هو المتعين على الاحوط بل لا يخلو عن قوة ثم احتاط بالجمع بين المسح على الجبيرة وعلى المحل. إلا ان ما افاده (قدس سره) خلاف ظواهر الاخبار ومما لا مساغ له لان الاخبار الآمرة بالمسح على الخرقة والجبيرة مطلقة وغير مقيدة بما إذا لم يتمكن من المسح على البشرة فلا يمكن المصير إليه فانه ظاهرة في ان مسح الجبيرة واجب تعييني لا انه مخير بين المسح على الجبيرة أو البشرة لا مع التمكن من مسح البشرة ولا مع عدمه فما افاده (قدس سره) مما لا يمكن المصير إليه فانه لا يتم إلا على وجه اعتباري وهو ان المسح على نفس العضو اقرب إلى غسله من المسح على امر

[ 199 ]

خارجي وهو الجبيرة إلا ان الوجه الاعتباري لا يمكن الاعتماد عليه في قبال الروايات فالمتعين المسح على الجبيرة مطلقا تمكن من المسح على البشرة ام لم يتمكن. (الجهة الثانية): ان المكلف في مواضع المسح على الجبيرة مخير بين غسل الجبيرة بدلا عن غسل البشرة وبين مسحها أو ان المسح واجب معينا ولا يجزيه غسلها ذهب الماتن (قدس سره) إلى التخيير ثم احتاط بالجمع بينهما باجراء الماء على الخرقة بامرار اليد عليها من دون قصد الغسل أو المسح. وهذا إما بدعوى ان المراد بالمسح المأمور به في الروايات هو الغسل لانه قد يطلق ويراد منه الغسل فالمأمور به انما هو غسل الجبيرة دون مسحها. وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه لان المسح بحسب المنفاهم العرفي انما هو في مقابل الغسل اعني امرار اليد على العضو برطوبة لا انه بمعنى الغسل ولا سيما في الوضوء الذي هو مركب من المسح والغسل فالمسح المستعمل في الوضوء ظاهر في ارادة ما هو مقابل الغسل عرفا. على ان مسح الخرقة مما لا اشكال في جوازه ولو مع التمكن من غسلها ومقتضى ما ذكره القائل تعين الغسل وعدم جواز مسحها مع التمكن منه واما من جهة أن الغسل قد ثبت جوازه على طبق القاعدة وهى قاعدة الميسور والمسح لا دليل على وجوبه لان الاوامر الواردة في مسح الجبيرة انما وردت في مقام دفع توهم الحظر حيث ان الانسان يتخيل في تلك الموارد ان الواجب غسل الجبيرة وقد دفعه بأن المسح أيضا يكفي عن غسلها والامر في مقام الحظر يفيد الاباحة دون الوجوب ولهذا يكون المكلف مخيرا بين مسح الجبيرة وغسلها.

[ 200 ]

[ بنداوة الوضوء إذا كان في موضع الغسل ويلزم ان تصل الرطوبة إلى تمام الجبيرة ولا يكفى مجرد ] ويندفع ذلك بان الغسل لم يثبت جوازه على طبق القاعدة لعدم تمامية قاعدة الميسور في نفسها وعلى تقدير تماميتها غير منطبقة على المقام لان غسل شئ اجنبي عن البشرة كيف يكون ميسورا من غسل البشرة لانه في مقابله امر مغاير معه لا انه مرتبة نازلة منه فلو سلمنا ان الاخبار لا تدل على وجوب المسح يكفينا في نفي التخيير مجرد الشك في جواز غسل الجبيرة وكفايته عن مسحها وعدمه مضافا إلى ما عرفت من أن الاخبار ظاهرة في وجوب مسح الجبيرة متعينا لا على نحو التخيير بينه وبين غسل الجبيرة فالصحيح ان المسح هو المتعين في حقه ولا (يجزي) عنه غسلها: (الجهة الثالثة): ان المسح لابد وان يكون مستوعبا للجبيرة ولا يجزي مسح بعضها وذلك لان مسح الجبيرة بدل من غسل ما تحتها من البشرة فكما ان البشرة يجب غسلها مستوعبة فكذلك مسح ما هو يدل عنه نعم لا يجب التدقيق في مسحها لان المستفاد من الاخبار انما هو وجوب ما يصدق عليه مسح الجبيرة عرفا فلو مسحها على نحو صدق انه مسح الخرقة بتمامها كفى فالتدقيق غير لازم والتبعيض غير جائز. (الجهة الرابعة): إذا لم يتمكن المكلف من مسح الجبيرة لنجاستها وعدم تمكنه من تطهيرها أو لغير ذلك من الامور ذكر الماتن انه يضع على الجبيرة خرقة طاهرة فيمسح على تلك الخرقة وان لم يمكنه ذلك فالاحوط الجمع بين الوضوء بغسل اطراف الجبيرة وبين التيمم. وتفصيل الكلام في هذه المسألة ان الجبيرة التي لا يمكن مسحها

[ 201 ]

[ النداوة نعم لا يلزم المداقة بايصال الماء إلى الخلل والفرج بل يكفي صدق الاستيعاب عرفا ] قد تكون بمقدار الجراحة وقد تكون زائدة عليها فان كانت بقدرها فالظاهر ان المتعين حينئذ وجوب غسل اطراف الجراحة ولا يجب عليه ضم التيمم إليه ولا وضع خرقة طاهرة ليمسح عليها وذلك لان المستفاد من صحيحة الحلبي (1) وغيرها من الاخبار الواردة في المسألة ان الجريح إذا تمكن من المسح على جبيرته وجب كما إذا كان على جراحته جبيرة وإذا لم تكن عليها جبيرة يجب غسل اطرافها ويجزيه ذلك عن المأمور به فإذا فرضنا ان المكلف لا يتمكن من مسح جبيرته الموضوعة على جرحه سقط الامر بمسحها للتعذر فيكفي غسل اطراف الجرح كما في المكشوف واما انه يجب عليه احداث خرقة ووضعها على المحل فلا يمكن استفادته من الاخبار لانها كما عرفت انما دلت على كفاية مسحها عن الغسل المأمور به فيما إذا كانت موجودة على العضو في نفسها واما ايجادها واحداثها فلا دليل على وجوبه. ولا يقاس هذا بتطهير الجبيرة والخرقة إذا امكن وذلك لان تطهيرها مقدمة وجودية للمأمور به وهو مسح الجبيرة بعد كونها موجودة في نفسها واما اصل ايجاد الجبيرة فهو مقدمة الوجوب دون الوجود فلا يجب ايجادها فيكفي حينئذ غسل اطراف الجبيرة التي هي بقدر الجراحة نعم وضع خرقة طاهرة والمسح عليها احتياط محض وهو حسن على كل حال واما إذا كانت الجبيرة اطول وازيد من الجرح فالمتعين في حقه


(1) تقدم ذكرها في صفحة 118.

[ 202 ]

[ هذا كله إذا لم يمكن رفع الجبيرة والمسح على البشرة والا فالاحوط تعينه بل لا يخلو عن قوة إذا لم يمكن غسله كما هو المفروض والاحوط الجمع بين المسح على الجبيرة وعلى المحل ايضا بعد رفعها وان لم يمكن المسح على الجبيرة لنجاستها أو لمانع آخر فان امكن وضع خرقة طاهرة عليها ومسحها يجب ذلك وان لم يمكن ذلك ايضا فالاحوط الجمع بين الاتمام بالاقتصار على غسل الاطراف والتيمم. ] للتيمم وذلك لعدم تمكنه من الوضوء التام أو ما يحكمه لفرض عجزه عن مسح الجبيرة وعدم تمكنه من غسل اطراف الجرح لان مقدارا منها تحت الجبيرة التي لا يمكنه مسحها وقد اسسنا في اوائل المسألة ان كل من لم يتمكن من الوضوء فهو مأمور بالتيمم ولا يجب عليه وضع الخرقة الطاهرة عليها لما عرفت نعم وضع الخرقة الطاهرة والمسح عليها مع الضم إلى التيمم مجرد احتياط فتحصل انه مكلف بغسل اطراف للجراحة وللجبيرة في الصورة الاولى والتيمم في الصورة الثانية سواء تمكن من وضع خرقة طاهرة والمسح عليها ام لم يتمكن.

[ 203 ]

[ (مسألة 1): إذا كانت الجبيرة في موضع المسح (1) ولم يمكن رفعها والمسح على البشرة. ] حكم الجبيرة في موضع المسح (1) اما إذا لم يمكن ايصال الماء البشرة بوجه فلا اشكال في ان المسح على الجبيرة يجزي عن مسح البشرة وذلك لما قدمناه آنفا وانما الكلام كله فيما إذا تمكن من ايصال الماء إلى البشرة. فهل يجب عليه ايصال الماء إلى البشرة بصب الماء على الجبيرة مكررا أو بوضع الموضع في الماء أو يتعين عليه المسح على الجبيرة أو يجب عليه الجمع بينهما أو ان وظيفته التيمم حينئذ وجوه. اما احتمال وجوب التيمم في حقه فهو في غاية الضعف والسقوط لان الاخبار المتقدمة إذا تمت دلالتها على ان المسح على الخرقة بدل عن المسح على البشرة فهو متمكن من الوضوء لا محالة ومعه كيف ينتقل امره إلى التيمم. واما دعوى وجوب ايصال الماء إلى البشرة فهي تبتني على تمامية قاعدة الميسور نظرا إلى ان ايصال الماء إليها ميسور من المسح المأمور به المتعذر ويدفعه ما اشرنا إليه غير مرة من عدم تمامية القاعدة كبرى على انها غير منطبقة على المقام لعدم كونه من صغريات تلك الكبرى فان ايصال الماء إلى البشرة - المساوق الغسل - كيف يكون ميسورا من المسح المأمور به لانه امر وايصال الماء امر آخر هذا.

[ 204 ]

وقد يستدل على ذلك بموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل ينكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدران يحله حال الجبر إذا جبر كيف يصنع قال عليه السلام إذا اراد ان يتوضأ فليضع اناءا فيه ماء ويضع موضع الجبر في الماء حتى يصل الماء إلى جلده (1). وفيه ان الموثقة ظاهرة في ان السؤال انما هو عن حل الجبيرة بتوهم وجوبه وانه إذا لم يمكن حلها ماذا يصنع؟ وقوله عليه السلام في ذيلها حتى يصل الماء إلى جلده قرينة قطعية على ان الجبيرة انما كانت في محل الغسل إذ لو كانت في موضع المسح لم يكن ايصال الماء إليه واجبا ولو مع التمكن من حل الجبيرة فضلا عما إذا لم يمكنه ذلك لان المسح غير ايصال الماء كله لعله ظاهر. ولا يقاس ما نحن فيه بكفاية الغسل عن المسح في الرجلين عند التقية وذلك لانه امر ثبت بدليله وهو مختص بموارد تعذر المسح للتقية ولا يشمل المقام مما لا يمكن المسح على البشرة للجبيرة فقياس احدهما بالآخر مع الفارق والقياس لا نقول به فالموثقة انما يختص بمواضع الغسل وانه إذا امكنه ايصال الماء إلى البشرة وجب ولا دلالة لها على وجوب ايصال الماء إليها في مواضع المسح. واما احتمال وجوب المسح على الجبيرة وايصال الماء إلى البشرة معا فهو مستند إلى العلم الاجمالي بوجوب احدهما بعد العلم خارجا بعدم وجوب التيمم حينئذ إذ المكلف يعلم في مفروض المسألة بوجوب احد الامرين في حقه. ويدفعه انه انما يتم إذا لم يكن للاخبار المتقدمة اطلاق يشمل صورة تمكن المكلف من ايصال الماء إلى البشرة مع ان اطلاقها مما لا ينبغي المناقشة فيه لان صحيحة الحلبي وصحيحتي عبد الله بن سنان


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

[ 205 ]

[ لكن امكن تكرار الماء إلى ان يصل إلى المحل هل يتعين ذلك أو يتعين المسح على الجبيرة وجهان ولا يترك الاحتياط بالجمع. (مسألة 2): إذا كانت الجبيرة مستوعبة لعضو واحد من الاعضاء فالظاهر جريان الاحكام المذكورة (1) وان كانت مستوعبة لتمام الاعضاء ] والاسدي كله مطلقة ولا يختص الامر فيها بمسح الجبيرة بما إذا لم يتمكن المكلف من ايصال الماء إلى البشرة فالمتعين هو المسح على الجبيرة مطلقا تمكن من ايصال الماء إلى البشرة ام لم يتمكن وان كان الايصال احوط. (1) واما إذا كانت الجبيرة مستوعبة لجميع اعضاء الوضوء فلا ينبغي التردد في ان وظيفته التيمم حينئذ لان الوضوء غسلتان ومسحتان والمكلف عاجز عن جميعها وقد عرفت ان الاصل الاولى في كل مورد لم يتمكن المكلف من الوضوء المأمور به هو التيمم إلا ان يقوم دليل على كفاية المسح على الجبيرة عن الغسل أو المسح المأمور به ولم يقم دليل على كفاية مسح جميع اعضاء الوضوء عن غسل بعضها ومسح بعضها الآخر ولعله ظاهر نعم ضم المسح على الجبائر إلى التيمم احوط. واما إذا كانت الجبيرة مستوعبة لعضو واحد كالوجه أو اليدين ونحوهما فالظاهر انتقال الامر إلى التيمم أيضا وذلك لعدم تمكنه من الوضوء لانه غسلتان ومسحتان والمفروض عدم تمكنه من احدى الغسلتين أو المسحتين لان الجبيرة مستوعبة للعضو على الفرض وقد عرفت ان الاصل الاولى في كل من عجز عن الوضوء المأمور به هو التيمم إلا ان يقوم دليل على كفاية المسح على الجبيرة عن غسل البشرة أو مسحها

[ 206 ]

[ فالاجزاء مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع بين الجبيرة والتيمم. (مسألة 3): إذا كانت الجبيرة في الماسح فمسح عليها بدلا عن غسل المحل. ] ولم يقم دليل على كفاية مسح تمام العضو الواحد عن غسله أو مسحه. وذلك لان الظاهر المستفاد من الاخبار ان موردها ما إذا كانت الجبيرة على جزء من العضو الواحد بحيث لا يتمكن من مسحه بتمامه أو من غسله كذلك وانما يتمكن من غسل بعضه أو مسح بعضه دون بعضه الآخر فدونك صحيحة الحلبي - الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة ويتوضأ ويمسح عليها (1) الخ فان ظهورها في كون القرحة في جزء من ذراعه وهو الذي يعصبه بالخرقة مما لا يكاد يخفى. وصحيحة ابن الحجاج: يغسل ما وصل إليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر ويدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله ولا ينزع الجبائر ويعبث بجراحته (2) فان الظاهر ارادة انه يغسل مقدارا من عضو واحد ويدع المقدار الآخر الذي فيه الجبيرة لا انه يغسل احدى يديه ويدع يده الاخرى. وكذلك موثقة عمار (3) لظهورها في ان الجبيرة انما كانت على خصوص ذراعه لا انها كانت مستوعبة لتمام يده. وصحيحة عبد الله بن سنان عن الجرح كيف يصنع به قال عليه السلام


(1 و 2) الوسائل: الجزء 1 باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 2 و 1 (3) الوسائل: الجزء 1 باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 7

[ 207 ]

يغسل ما حوله (1) وان لم يذكر فيها المسح على الجبيرة إلا انه ذكر في سائر الاخبار فالروايات كما ترى انما دلت على كفاية مسح الجبيرة عن غسل البشرة أو مسحهما فيما إذا كانت الجبيرة على بعض العضو واما إذا كانت مستوعبة للعضو بتمامه فهو مما لم يدل شئ من الاخبار على كفاية المسح على الجبيرة فيه عن غسل البشرة أو مسحها فقد عرفت ان مقتضى الاصل الذي اسسناه في اول المسألة تعين التيمم حينئذ. بقي الكلام في رواية كليب الاسدي فان قوله عليه السلام فليمسح على جبائره قد يدعى شموله على ما إذا كانت الجبيرة مستوعبة لتمام عضو واحد ويندفع بعدم شمول اطلاقها لمثل المقام لندرته وإلا فيمكن ان يستدل باطلاقها على كفاية مسح الجبائر فيما إذا كانت مستوعبة لجميع اعضاء الوضوء مع انهم لا يلتزمون بكفايته في مثله. فالصحيح في هذه الصورة ما ذكرناه وان كان ضم المسح على الجبيرة إلى التيمم احوط. فذلكة الكلام ان الاخبار الواردة لا تشمل ما إذا كانت الجبيرة مستوعبة لعضو واحد فضلا عن تمام الاعضاء وذلك اما صحيحة الحلبي فلان قوله الرجل تكون به القرحة في ذراعه ظاهره (2) ان القرحة انما كانت


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 39 من أبواب الوضوء الحديث 3. (2) الوسائل: الجزء 1 باب 39 من أبواب الوضوء الحديث 2.

[ 208 ]

[ يجب ان يكون المسح به بتلك الرطوبة (1) أي الحاصلة من المسح على جبيرته. ] في بعض يده وان الذراع ظرف تلك القرحة لا انها كانت مستوعبة لتمام العضو حيث ان هذا التعبير اعني قوله القرحة في ذراعه لا يستعمل في موارد استيعاب القرحة للعضو بل يختص بما إذا كانت في بعضه دون بعضه الآخر. والذي يدلنا على ذلك هو ما ورد في ذيلها من امره عليه السلام بغسل ما حول القرح إذا كان مكشوفا لانه كالصريح في عدم كون القرحة مستوعبة لتمام العضو حيث ان مورد الرواية بصدرها وذيلها واحد وهو القرحة في العضو إلا انها إذا كانت مجبورة يمسح على الجبيرة وإذا كانت مكشوفة يغسل ما حولها فيدلنا ذيل الصحيحة على عدم كون القرحة مستوعبة لتمام العضو. واظهر منها الاخبار الآمرة بغسل ما وصل إليه الماء وترك ما سوى ذلك. واما رواية الكليب الاسدي فقد عرفت المناقشة في شموله للمقام فالصحيح ان التيمم هو المتعين في هذه الموارد وان كان ضم التوضوء بالمسح على الجبيرة احوط. إذا كانت الجبيرة في الماسح (1) لما دل على ان المسح يعتبر ان يكون بنداوة الوضوء في اليد

[ 209 ]

[ (مسألة 4): انما ينتقل إلى المسح على الجبيرة إذا كانت في موضع المسح بتمامه وإلا فلو كان بمقدار المسح بلا جبيرة (1) يجب المسح على البشرة مثلا لو كانت مستوعبة تمام ظهر القدم مسح عليها ولو كان من احد الاصابع ولو الخنصر إلى المفصل مكشوفا وجب المسح على ذلك وإذا كانت مستوعبة عرض القدم مسح على البشرة في الخط الطولي من الطرفين وعليها في محلها. (مسألة 5): إذا كان في عضو واحد جبائر متعددة ] كما في قوله ع وتمسح ببلة يمناك ناصيتك (1) والاخبار الواردة في كفاية المسح على الجبائر انما تدل على ان الجبيرة كالبشرة واما ان المسح بها لا يعتبر فيه ان يكون بنداوة الوضوء فهو مما لا دليل عليه. ما يشترط في الانتقال إلى مسح الجبيرة (1) كما إذا استوعبت الجبيرة تمام عرض الرجل إلا بمقدار مسمى المسح أو انها اشغلت مقدارا من طولها وبقى مقدار منه قبلها وبعدها فانه يجب ان يمسح نفس البشرة بمقدار المسمى عرضا لانه المأمور به


(1) المذكورة في صحيحة زرارة، الوسائل الجزء 1 باب 31 من أبواب الوضوء الحديث 2.

[ 210 ]

[ يجب الغسل أو المسح في فواصلها (1). (مسألة 6): إذا كان بعض اطراف الصحيح تحت الجبيرة فان كان بالمقدار المتعارف مسح عليها (2) وان كان ازيد من ] وهو متمكن منه ويجب ان يمسح ما قبل الجبيرة وما بعده لتمكنه من مسح البشرة المأمور بها بذلك المقدار ويمسح على الجبيرة في المقدار المتوسط. الجبائر المتعددة في محل واحد (1) كما يجب المسح على الجبائر في غير الفواصل لشمول قوله عليه السلام حينئذ ولا ينزع الجبائر ويعبث بجراحته للجبائر المتعددة لانها جمع ويغسل المتوسطات أو يمسحها لتمكنه من المأموره به ولم يدل دليل على كفاية المسح الجبائر عن مسح البشرة أو غسلها في غير مواضع الجبر. إذا وقع بعض الاطراف الصحيح تحت الجبيرة (2) لان كون الجبيرة بمقدار القرحة من غير زيادة ولا نقصان غير متحقق في الخارج وعلى تقدير تحققه فهو امر نادر قليل ولا يمكن حمل الاخبار عليه بل يحمل على المتعارف الكثير وهو كون الجبيرة زائدة عن مقدار الجراحة بالمقدار المتعارف اليسير.

[ 211 ]

[ المقدار المتعارف فان امكن رفعها رفعها (1) وغسل المقدار الصحيح ثم وضعها ومسح عليها وان لم يمكن ذلك مسح عليها (2) لكن الاحوط ضم التيمم أيضا خصوصا إذا كان عدم امكان الغسل من جهة تضرر القدر الصحيح أيضا بالماء. ] (1) لتمكنه من مسح البشرة أو غسلها المأمور به الصور المتصورة للعجز في المقام (2) عدم للتمكن من رفع المقدار الزائد من الجبيرة يتصور على وجوه (فتارة): لا يتمكن من رفعه لاستلزامه ضررا خارجيا في حقه كما إذا فرضنا انه غير متمكن من شد الجبيرة وانما شدها الطبيب على اسلوب خاص ونمط مخصوص فلو رفعها لاحتياج إلى الحضور عند الطبيب ثانيا وهو غير ميسور في حقه أو مستلزم لبذل مال ونحوه والمتعين حينئذ التيمم في حقه لان الاخبار الآمرة بالمسح على الجبائر مختصة بما إذا كان في غسل موضع الجرح أو القرح أو غسله ضرر لتلك الجراحة أو القرحة. واما إذا فرضنا ان المورد سليم لا جرح فيه ولكنه لو غسله أو مسحه يتوجه عليه ضرر خارجي فهو خارج عن الاخبار ومقتضى الاصل الاول وجوب للتيمم حينئذ. و (اخرى): لا يتمكن من رفع المقدار الزائد وغسل ما تحته أو

[ 212 ]

[ (مسألة 7): في الجرح المكشوف إذا اراد وضع طاهر ] مسحه لا من جهة ضرر خارجي بل من جهة استلزامه الضرر في ذلك المورد السليم الذي هو تحت الزائد من الجبيرة. كما إذا كان بحيث لو وصله الماء حدثت فيه جراحة أو قرحة ثانية من غير ان تستلزم ضررا في القرحة الاولى ابدا وهذه الصورة أيضا يجب فيها التيمم لان اخبار الجبيرة مختصة بما إذا كانت هناك جراحة ولا قرحة يضرها غسلها أو مسحها واما الموضع السليم الذي لا جراحة ولا قرحة فيه إذا استلزم غسله أو مسحه ضررا لتوليده الجراحة أو القرحة فهو مما لا تشمله الاخبار ابدا فمقتضى الاصل الاولى هو التيمم حينئذ وان كان ضم الوضوء بمسح الجبيرة إليه احوط كما يتعرض له في المسألة التاسعة انشاء الله تعالى وان كان بين المقام وتلك المسألة فرقا بسيطا وهو ان مفروض تلك المسألة عدم قرح ولا جراحة في موضع الوضوء ولكنهما تتولدان بغسله أو يتوجه بغسله ضرر غيرهما واما في المقام فالمفروض وجود قرحة أو جراحة يضرها الماء وما لا قرحة فيها انما هو اطراف تلك القرحة الواقعة تحت الزائد من الجبيرة. و (ثالثة): لا يتمكن من رفع المقدار الزائد وغسل ما تحته أو مسحة لاستلزامها تضرر القرحة أو الجراحة الاولى لا انهما يولدان ضررا غيرهما والصحيح في هذه الصورة أيضا هو التيمم لان الاخبار الواردة في كفاية المسح على الجبائر مختصة بما إذا كانت الجراحة بغسلها متضررة فإذا لم يتضرر بغسلها أي غسل نفس الجراحة يغسلها كما في صحيحة الحلبي: وان كان لا يؤذيه الماء فينتزع الخرقة ثم يغسلها.

[ 213 ]

[ عليه ومسحه يجب اولا ان يغسل (1) ما يمكن اطرافه ثم وضعه ] وإذا تضررت فليمسح على الجبيرة (1) واما إذا فرضنا ان الجراحة يتضرر بغسل غيرها كالمواضع السليمة تحت المقدار الزائد من الجبيرة فهي مما لا تستفاد كفاية المسح فيها على الجبائر من الروايات ومع عدم شمول الروايات لا مناص من الحكم بوجوب التيمم لانه الاصل الاولى في كل مورد لم يقم فيه دليل على كفاية المسح على الجبيرة وان كان ضم الوضوء إليه بمسح الجبيرة احوط. (1) تقدم ان المستفاد من الاخبار وجوب غسل الاطراف في الجرح المكشوف ولا يعتبر ان يضع عليه خرقة طاهرة ليمسح عليها إلا ان الماتن (قدس سره) احتاط بذلك سابقا وعليه فإذا اراد احد العمل بذلك الاحتياط فيغسل جميع اطراف الجرح اولا ثم يضع الخرقة عليه وبمسح عليها وذلك لانه لو وضعها اولا لسترت الخرقة مقدارا من الاطراف التي يجب غسلها والغرض من قوله يجب اولا ان يغسل الخ ليس هو الوجوب الشرطي الموجب لبطلان الوضوء على تقدير المخالفة بل المراد من ذلك تحصيل اليقين بغسل ما يجب غسله من الاطراف وعليه فلو فرضنا انه وضع الخرقة أولا ثم غسل الاطراف إلا انه رفعها حين غسل حول الجرح بحيث تمكن من غسل ما وجب غسله من الاطراف كفى.


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

[ 214 ]

[ (مسألة 8): إذا اضر الماء باطراف الجرح ازيد من المقدار المتعارف (1) يشكل كفاية المسح على الجبيرة (2) التي عليها أو يريد ان يضعها عليها فالاحوط غسل القدر الممكن والمسح على الجبيرة ثم التيمم. ] اضرار الماء باطراف الجرح (1) كما إذا كانت القرحة على اصبعه وكانت تتضرر بغسل الساعد - مثلا -. (2) وذلك لان الاخبار الواردة في الجبيرة انما دلت على كفاية مسح الجبيرة فيما إذا كان هناك جرح أو قرح أو كسر في مواضع الوضوء بحيث يتضرر بوصول الماء إليه واما إذا فرضنا موضعا من بدنه لا قرح ولا جرح فيه ولكن الجرح في مكان آخر يتضرر بوصول الماء إلى ذلك الموضع الذي لا قرح ولا جراحة فيه فلا اطلاق في شئ من الاخبار يشمل ذلك ومع عدم شمول الروايات ينتقل فرضه إلى التيمم لا محالة هذا. وقد يتوهم ان قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة (1) باطلاقه يشمل المقام إذ يصدق ان وصول الماء إلى ساعده - مثلا - يؤذيه وان لم يكن عليه جراحة إذ المفروض


(1) الوسائل: الجزء 1 باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

[ 215 ]

[ واما المقدار المتعارف بحسب العادة فمغتفر (1). (مسألة 9): إذا لم يكن جرح ولا قرح ولا كسر بل ] ان بوصول الماء إلى ساعده يتضرر الجرح الموجود في اصبعه ومعه يضع خرقة على ساعده ويمسح عليها. ويدفعه ما قدمناه من ان المراد من ايذاء الماء فيها ليس هو مطلق الايذاء بالماء بل المراد ما إذا كان وصول الماء إلى الجرح مؤذيا له لا وصوله إلى ما لا جرح فيه وذلك لقوله عليه السلام بعد ذلك وان كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها فان الضمير راجع إلى القرحة ومعناه ان القرحة ان تضررت بوصول الماء إليها فليمسح على الخرقة وان لم تتضرر به فليغسل نفس القرحة. واما إذا تضررت القرحة بوصول الماء إلى موضع لا قرح ولا جرح فيه فلم يدلنا شئ من الاخبار على كفاية المسح على الخرقة بدلا عن غسل موضع السليم أو مسحه بل وظيفته التيمم حينئذ وان كان ضم الوضوء بالمسح على الخرقة في الموضع السليم إليه احوط لمجرد احتمال تكليفه بذلك واقعا. (1) إذ العادة قاضية بان في موارد الجرح والقرح لا يتيسر غسل جميع اطرافهما بحيث لا يبقى منها شئ فتضرر الجرح بوصول الماء إلى اطرافه بالمقدار المتعارف كتضرره بوصول الماء إلى نفسه امر عادي متعارف فحكمه حكمه.

[ 216 ]

[ كان يضره استعمال الماء لمرض آخر فالحكم هو التيمم (1) لكن الاحوط ضم الوضوء مع وضع خرقة والمسح عليها أيضا مع الامكان أو مع الاقتصار على ما يمكن غسله. (مسألة 10): إذا كان الجرح أو نحوه في مكان آخر غير مواضع الوضوء لكن كان بحيث يضر استعماله الماء في مواضعه أيضا. ] إذا اضره الماء من دون جرح ونحوه (1) وهذه المسألة كالمسألة السابقة والامر فيها اظهر من سابقتها وما افاده (قدس سره) فيها هو الصحيح لان اخبار الجبيرة كما عرفت مختص بالجريح والكسير والقريح واما من ليس على مواضع وضوئه شئ من ذلك إلا انه لمرض قشري يتضرر بوصول الماء إلى موضع من بدنه فهو خارج عن موارد الاخبار والتكليف حينئذ التيمم لان الوضوء غسلتان ومسحتان على الكيفية المستفادة من الاخبار والمفروض عجز المكلف عنهما لتضرره بالماء في موضع من بدنه فيتعين التيمم في حقه وان كان ضم الوضوء مع وضع الحرقة والمسح عليها إلى التيمم احوط. ودعوى ان الواجب في حقه هو الوضوء بالمسح على الخرقة لقاعدة الميسور مندفعة: بما مر غير مرة من عدم تمامية القاعدة بحسب الكبرى على انا لو سلمناها في محلها فلا يمكن الاعتماد عليها في المقام ونحوه من الواجبات التي لها بدل شرعي كالتيمم للوضوء لان رب الماء رب

[ 217 ]

[ فالمتعين التيمم (1). (مسألة 11): في الرمد يتعين التيمم إذا كان استعمال الماء مضرا مطلقا (2) اما إذا امكن غسل اطراف العين من غير ضرر وانما كان يضر العين فقط فالاحوط الجمع بين الوضوء ] الصعيد كما في الخبر (1) فلم يتعسر الوضوء في حقه حتى يقتصر بالمعسور منه لتمكنه من بدله. (1) وقد اتضح حال هذه المسألة مما قدمناه في المسائل السابقة لما عرفت من ان اخبار الجبيرة مختصة بما إذا كانت الجراحة أو القرحة أو الكسر في شئ من مواضع الوضوء بحيث كانت يتضرر بوصول الماء إليها واما إذا كانت مواضع الوضوء سليمة عنها باجمعها إلا ان غسلها أو مسحها اوجب الضرر في الجراحة الموجودة في محل آخر فهو خارج عن موارد الاخبار ولمكان عدم تمكنه من الوضوء فينتقل فرضه إلى التيمم لا محالة. المرمد يتيمم (2) وكذا الحال فيما إذا كان مضرا لعينه فقط وذلك لان من به


(1) كما في صحيحة الحلبي: لان رب الماء هو رب الارض وفي صحيحة ابن أبي يعفور: أن رب الماء هو رب الصعيد الوسائل: الجزء 2 باب 3 من أبواب التيمم، الحديث 1 و 2.

[ 218 ]

[ بغسل اطرافها ووضع خرقة عليها ومسحها وبين التيمم. (مسألة 12): محل الفصد داخل في الجروح (1) فلو لم يمكن تطهيره أو كان مضرا يكفي المسح على الوصلة التي عليه ان لم يكن ازيد من المتعارف وإلا حلها وغسل المقدار الزائد ثم شدها كما انه ان كان مكشوفا يضع عليه خرقة ويمسح عليها بعد غسل ما حوله وان كانت اطرافه نجسة طهرا وان لم يمكن تطهيرها وكانت زائدة على القدر المتعارف جمع بين الجبيرة والتيمم (2). ] الرمد ليس بجريح ولا بكسير ولا بقريح فهو خارج عن موارد الاخبار وحيث انه عاجز عن الوضوء فتصل النوبة إلى التيمم في حقه. محل الفصد من الجروح (1) فحكمه حكمها فلا نعيد. (2) بل يتعين عليه التيمم لعدم شمول اخبار الجبيرة لما إذا لم يتمكن من غسل الموضع أو مسحه لا لاجل القرح أو الجرح أو الكسر بل لاجل امر آخر كتضرره ومع عدم شمولها تصل النوبة إلى التيمم لانه الاصل الاولى كما مر وكذلك الحال فيما إذا لم يمكن تطهير اطراف المحل من جهة الجبيرة المشدودة عليه لانه لو حلها لم يتمكن من شدها أو خرج

[ 219 ]

[ (مسألة 13): لا فرق في حكم الجبيرة بين ان يكون (1) الجرح أو نحوه حدث باختياره على وجه العصيان ام بغير اختياره. (مسألة 14): إذا كان شئ لاصقا ببعض مواضع الوضوء مع عدم جرح أو نحوه ولم يمكن ازالته أو كان فيها جرح ومشقة لا تتحمل مثل القير ونحوه. ] منه الدم الكثير ونحو ذلك. (1) لاطلاق ادلته ولعله مما لا اشكال فيه وانما الكلام في حكم الجرح للعمدي أو الكسر كذلك تكليفا لا من ناحية حرمته في نفسه للاضرار بل من جهة انه تفويت اختياري للواجب المنجز وهو حرام. وتوضيحه: ان الظاهر المستفاد من اخبار الجبائر كالمستفاد من اخبار التيمم ان المسح على الجبيرة كالتيمم طهارة عذرية والواجب الاولى في حق المكلفين هو الطهارة المائية اعني الوضوء فكما ان المكلف إذا دخل عليه وقت الصلاة وهو عالم ملتفت يحرم عليه اهراق ماء الوضوء لانه تفويت للواجب المنجز في حقه وان كان يجب عليه التيمم بعد ذلك. فكذلك الحال في المقام لانه إذا دخل عليه الوقت وهو متمكن من الوضوء من غير الجبيرة لا يجوز له تفويت ذلك الواجب المنجز في حقه بجرح عضوه أو بكسره ونحوهما نعم لو ارتكبه وعصاه يجب عليه الوضوء مع المسح على الجبيرة لا محالة.

[ 220 ]

[ يجري عليه حكم الجبيرة (1) والاحوط ضم التيمم أيضا. (مسألة 15): إذا كان ظاهر الجبيرة طاهرا ] اللاصق ببعض المواضع (1) لعل هذا هو المشهور بينهم وللكلام في مدرك ذلك لان اخبار الجبائر مختصة بالجراحة والقرحة والكسر واما مع عدم شئ من ذلك وكون الموضع سليما فلا دليل على ان اللاصق عليه حكمه حكم الجبيرة واستدل على ذلك في كلام شيخنا الانصاري (قدس سره) بتنقيح المناط وان المناط في احكام الجبائر ليس هو وجود الجرح والخرقة عليه وانما المناط عدم تمكن المتوضي من ايصال الماء إلى بشرته وهذا متحقق في المقام أيضا لتعذر ازالة اللاصق أو تعسره. وفيه ان تنقيح المناط اشبه شئ بالقياس بل هو هو بعينه وذلك لعدم علمنا بمناطات الاحكام وملاكاتها فترى انا نحكم بكفاية غسل اطراف الجرح المشكوك في صحة الوضوء مع عدم غسل تمام الاعضاء أو مسحه لعدم وجوب غسل الجرح ولا مسحه - ولا نلتزم بكفاية الوضوء الناقص فيما إذا توضوء، واعضائه سليمة ولم يف الماء لتمام اعضائه بل بقي منها شئ ولو بمقدار موضع الجرح أو اقل في الجريح كما ان شيخنا الانصاري ولا غيره لا يلتزمون بكفاية الوضوء حينئذ وليس هذا إلا لعدم علمنا بالمناط فليكن الامر في المقام أيضا كذلك. واما ما افاده صاحب الجواهر (قدس سره) من القطع بفساد

[ 221 ]

القول بوجوب التيمم بدلا عن الغسل والوضوء لمن كان في يده شئ لاصق كالقير إذا لم يتمكن من ازالته ما دام الحياة فهو، أيضا يلحق بكلام شيخنا الانصاري (قدس سره) فان دعوى القطع بالفساد بلا موجب فانا نلتزم بكفاية التيمم ما دام الحياة في مثل الرمد وغيره من الامراض إذا لم تبرء ما دام الحياة فليكن المقام أيضا كذلك افلم يرد ان التراب احد الطهورين (1) وانه يكفيك عشر سنين؟ (2) فالقطع بالفساد من غير وجه. وعليه فالصحيح ان يفصل في المقام بين ما إذا كان اللاصق دواءا طلى به على شئ من مواضع وضوئه وما إذا لم يكن دواءا ففي الاول نلتزم بأحكام الجبائر لصحيحة الوشاء الدالة على ان مثله يمسح على طلي الدواء (3) هذا من غير فرق بين ان يكون تحته جريحا أو كان سليما وانما وضع الدواء لمرض جلدي أو غيره. واما إذا كان اللاصق غير الدواء كالقير ونحوه فيفصل فيه بين ما إذا كان في غير محال التيمم كما إذا لصق بذراعه فحينئذ يتعين في حقه التيمم لعدم تمكنه من الوضوء المأمور به وقد عرفت ان اخبار الجبيرة لا تشمله فالاصل هو التيمم حينئذ كما مر وما إذا كان على محال الوضوء كما إذا كان على يديه أو وجهه فيجب عليه الجمع بين التيمم والوضوء


(1) الوسائل الجزء 2 باب 23 من أبواب التيمم، الحديث 1 وهي صحيحة محمد بن حمران وجميل. وفيها: ان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا. (2) كما في رواية السكوني: الوسائل: الجزء 2 باب 14 من أبواب التيمم، الحديث 12. (3) الوسائل: الجزء 1 باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 9.

[ 222 ]

[ لا يضره نجاسة باطنه (1). (مسألة 16): إذا كان ما على الجرح من الجبيرة مغصوبا ] وذلك لان الامر حينئذ يدور بين احتمالين فاما ان نلتزم بسقوط الصلاة في حقه لانها مشترطة بالطهور وهو غير متمكن منه فلا يجب في حقه الصلاة واما ان نلتزم بعدم سقوطها والاول مما لا يمكننا الالتزام به لاطلاق ما دل على وجوب الصلاة وانها لا تسقط بحال وان الواجب على كل مكلف في كل يوم خمسة واطلاق ما دل على اشتراطها بالطهارة لانه لا صلاة إلا بطهور. وقد قدمنا في اول الكتاب ان الطهور ما يتطهر به وهو اعم من الماء والتراب لانه احد الطهورين ومقتضى هذين الاطلاقين ان الصلاة واجبة في حق المكلف في مفروض المسألة وانها أيضا مشترطة بطهارة خاصة لا محالة وتلك الطهارة اما هو الوضوء مع غسل القير أو مسحه واما هو التيمم كذلك ومقتضى العلم الاجمالي بوجوب احد الامرين ان يجمع بين التيمم والوضوء مع وجود اللاصق على مواضع التيمم. (1) لان الدليل انما دل على اعتبار الطهارة في ماء الوضوء فإذا فرضنا نجاسة اعضاء الوضوء على نحو يوجب تنجس الماء فلا محالة يقتضي بطلانه واما إذا كانت غير سارية إلى الماء فلا دليل على كونها موجبة لبطلان الوضوء سواءا كانت الجبيرة واحدة وكان باطنها نجسا دون ظاهرها وما إذا كانت متعددة.

[ 223 ]

[ لا يجوز المسح عليه بل يجب رفعه (1) وتبديله وان كان ظاهرها مباحا وباطنها مغصوبا فان لم يعد مسح الظاهر تصرفا فيه فلا يضر والا باطل وان لم يمكن نزعه أو كان مضرا فان عد تالفا يجوز المسح عليه وعليه العوض لمالكه، والاحوط استرضاء المالك أيضا اولا، وان لم يعد تالفا وجب استرضاء المالك ولو بمثل شراء أو اجارة، وان لم يمكن فالاحوط الجمع بين الوضوء بالاقتصار على غسل اطرافه وبين التيمم. ] إذا كانت الجبيرة مغصوبة (1) لا اشكال في ان المسح على الجبيرة إذا لم يعد تصرفا في المغصوب كما إذا كان ظاهرها مباحا يجوز المسح عليها لعدم حرمته كما لا كلام في انه إذا عد تصرفا في المغصوب وامكن نزعه ورده إلى مالكه من غير ان يتوجه ضرر عليه يجب نزع الجبيرة المغصوبة وردها إلى مالكها لحرمة التصرف في مال الغير ووجوب رد المال إلى مالكه فبعد نزعها اما ان يجبر الموضع بشئ مباح فيمسح عليه واما ان يبقي الجرح مكشوفا فيغسل ما حوله وانما الكلام في جهات. (الجهة الاولى): إذا كان نزع الجبيرة المغصوبة مضرا في حقه فهل يجب عليه نزعها وردها إلى مالكها أيضا أو لا يجب؟ ذهب الماتن (قدس سره) إلى عدم وجوب الرد إلى مالكها فيما إذا عد تالفا

[ 224 ]

ولكن الصحيح وجوب نزعها وردها إلى مالكها في هذه الصورة أيضا وذلك لان الضرر على نحوين فقد يكون الضرر على نحو لا يرضى الشارع بتحققه في الخارج كما إذا كان نزعها مؤديا إلي هلاكه فلا يجب النزع والرد إلى مالكها حينئذ لان ما دل على حرمة التصرف في مال الغير مزاحم بما دل على حرمة اهلاك النفس المحترمة ووجوب حفظها فحيث انه اهم فلا محالة يتقدم على حرمة التصرف في مال الغير. واخرى يكون الضرر من غير مالا يرضى الشارع بوقوعه كما إذا كان نزع الجبيرة موجبا لاشتداد مرضه أو بطء برئه أو إلى ضرر مالي أو ايلامه فمقتضى اطلاق ما دل على حرمة التصرف في مال الغير في مثله وجوب نزعها وردها إلى مالكها ولا مانع عن ذلك إلا ما يتوهم من شمول قاعدة نفي الضرر للمقام وهي توجب نخصيص ما دل على حرمة التصرف في مال الغير ولكنا ذكرنا في محله ان القاعدة لا تشمل امثال المقام لانها امتنانية واجرائها في المقام على خلاف الامتنان لان معناها جواز التصرف في مال الغير من غير اذنه ولا تثبت القاعدة ذلك بوجه والظاهر انهم لم يختلفوا في وجوب رد المال إلى مالكه فيما إذا كان رده موجبا للتضرر المالي في حقه فإذا لم يشمل القاعدة للمقام فيكون حال الضرر النفسي كالمالي فلا يمنع عن وجوب رد المال المغصوب إلى مالكه (الجهة الثانية): إذا كانت الجبيرة المغصوبة معدودة من التالف كما هو الغالب لان الخرقة بعد فصلها عن ثوب الغير - مثلا - لا مالية لها فهل يجوز المسح عليها أو لابد من استرضاء المالك أو نزعها إذا امكن؟ ذهب الماتن إلى جواز المسح عليها وقال وعليه العوض لمالكه وقيل ان هذه المسألة مبتنية على ان الضمان بالتلف والاتلاف راجع إلى المعاوضة القهرية بين المال التالف ومال المضمون به أو ان الضمان

[ 225 ]

محض غرامه ولا رجوع له إلى المعاوضة بوجه فعلى الاول يجوز المسح على الجبيرة المعدودة من التالف لانها باتلاف الغاصب انتقل إليه وقد ضمن عوضها بالمعاوضة القهرية فليس للمالك المطالبة بالمواد الباقية بعد اتلاف المال لانتقالها إلى ملك المتلف فيجوز له المسح على الجبيرة في المقام وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالثاني لان الجبيرة حينئذ باقية على ملك مالكها الاولى فلا يجوز التصرف فيها بالمسح إلا برضاه هذا. والصحيح عدم انتباء المسألة على ذلك وذلك لان انتقال المال التالف إلى المتلف باتلافه مما لم يلتزم به احد فيما نعلمه من اصحابنا لوضوح ان الاتلاف ليس من احد الاسباب الموجبة للانتقال فلم يقل احد بان الثوب المملوك لاحد إذا احرقه الغاصب فهو ملك للغاصب بالمعاوضة القهرية فيضمن له قيمته أو القطعات المنكسرة في الكوز ملك لمن اتلفه وهكذا. نعم وقع الخلاف في انه إذا اغرم المتلف وادى عوض ما اتلفه فهل يكون ذلك معاوضة بين ما اداه وما اتلفه فالقطعات المنكسرة للمتلف وهكذا غيرها مما اتلفه واذهب ماليته وبقى مادته أو ان ما اداه غرامة مختصة والمواد باقية على ملك مالك المال. وذكرنا في محله ان العقلاء يرون ذلك معاوضة بين المال التالف والغرامة حيث ليس للمالك مال ومادة ولم يكن مالكا إلا لشئ واحد وقد اخذ عوضه وبدله لا انه كان مالكا لشيئن اخذ عوض احدهما وبقى الآخر على ملكه وهما المالية والمواد فاداء الغرامة معاوضة بالسيرة الثابتة عند العقلاء والمواد منتقلة إلى ملك المتلف بأداء الغرامة. ومفروض كلام الماتن انما هو ما إذا اتلف مال الغير وجعله جبيرة واسقطه من قبل ان يؤدي عوضه فهل يجوز له المسح عليها أو لا يجوز

[ 226 ]

لا ان محل كلامه في جواز المسح وعدمه بعد اداء الغرامة والعوض وذلك لقوله يجوز المسح عليه وعليه العوض. ولا معنى له مع ادائه فالكلام انما هو قبل رد العوض وقد عرفت ان الاتلاف قبل رد العوض مما لم يلتزم احد بكونه موجبا لانتفال المال متلفه. فالصحيح ان المسألة مبنية على امر آخر وهو ان الادلة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير مختصة بما إذا كان مورد التصرف مالا لغير المتصرف أو انها يعمه وما إذا كان ملكا أو مورد حق لغيره وان لم يكن مالا فان المال إذا خرج بالتصرف عن المالية قد يكون ملكا لمالكه كما في القطعات المكسورة في الكوز وقد لا يكون ملكا أيضا كما إذا قتل حيوان احد فان الميتة ليس بملك وانما يكون موردا للحق أي لحق مالكه للسابق فهل تشمل ادلة حرمة التصرف لهاتين الصورتين أو تختص بما إذا كان مورد التصرف مالا فقط؟ ومقتضى فتوى الماتن ان الصحيح عنده الاختصاص وعدم شمول الادلة لما إذا كان مورد التصرف ملكا أو حقا لغيره وهذا هو الذي تقتضيه الروايتان المستدل بهما على حرمة التصرف في مال الغير من غير اذنه اعني قوله عليه السلام لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة نفسه (1)


(1) وهي صحيحة زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله وقف بمنى.. إلى ان قال: فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفسه.. الوسائل: ج 19 باب 1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3. وروى عنه في كتاب تحف العقول بدون لفظ دم بل فيه مال امرئ مسلم.

[ 227 ]

وقوله لا يجوز التصرف في مال الغير إلا بأذنه (1) لاختصاصهما بالاموال فيرجع في غير المال إلى اصالة الحل وانما يخرج عن تلك الاصالة في خصوص الاموال. ولكن لا يبعد التفصيل في غير الاموال بين ما إذا كان تصرف الغير مزاحما لتصرف المالك السابق وما إذا لم يكن مزاحما له بالحكم بعدم جواز التصرف في الصورة الاولى لانه ظلم وتعدى عند العقلاء فلا يجوز الحكم بالجواز في الثانية لاصالة الحل وعدم كون التصرف ظلما وتعديا. (الجهة الثالثة): ما إذا لم يمكن نزع الجبرة اما تكوينا واما تشريعا لادائه إلى الهلاكة مثلا ولم تسقط الجبيرة عن المالية أيضا فماذا يصنع المكلف؟ فان مقتضى ادلة حرمة التصرف في مال الغير حرمة المسح عليها ومقتضى ما دل على اشتراط الصلاة بالطهارة ووجوب الصلاة في حقه وعدم سقوطها ان الصلاة واجبة في حقه مع الطهارة. احتاط الماتن بالجمع بين الوضوء بالاقتصار على غسل اطراف الجبيرة وبين التيمم. هذا ولكن المتعين هو التيمم في حقه وذلك لان كفاية الوضوء الناقص اعني غسل اطراف الموضع مختصة بما إذا كان على بدن المتوضى جرح مكشوف واما في غير المكشوف فلم يقم دليل على كفاية الغسل الناقص فإذا لم تشمل الاخبار للمقام فالاصل الاولى وهو التيمم الذي اسسناه في اوائل المسألة هو المحكم في المقام نعم لا بأس بضمه إلى الوضوء الناقص للاحتياط. هذا كله فيما إذا كانت الجبيرة.


(1) الوسائل: ج 6، باب 3 من أبواب الانفال وما يختص بالامام عليه السلام، الحديث 6. فان فيه فلا يحل لاحد ان يتصرف في مال غيره بغير اذنه، فكيف يحل ذلك في مالنا، الخ.

[ 228 ]

المغصوبة على غير محال التيمم. واما إذا كانت في محاله كالوجه واليدين فلا وجه لاحتمال وجوب التيمم حينئذ وذلك لانا انما نقول بانتقال الامر إلى التيمم من جهة ان المكلف لم يتمكن من الوضوء شرعا لاستلزامه التصرف في المال المغصوب والممتنع شرعا كالممتنع عقلا فإذا فرضنا ان التيمم أيضا كالوضوء مستلزم للتصرف في الجبيرة المغصوبة فلا موجب للانتقال إليه بل الامر يدور بين ان يسقط عنه الصلاة رأسا لعدم تمكنه من الطهارة وبين ان يسقط عنه حرمة التصرف في المغصوب فالحكمان متزاحمان ولا يتمكن المكلف من امتثالهما وحيث ان وجوب الصلاة مع الطهارة اهم من حرمة التصرف في المغصوب لان الصلاة عمود الدين ولا يترك بحال كما هو الحال في غير ذلك من المقامات إذا الامر إذا دار بين الصلاة والغصب فلم يتمكن من اتيانها وترك الغصب كما إذا حبس في مكان مغصوب فلا محالة يتقدم الامر بالصلاة لاعميتها فلا مناص من تقديم الامر بالصلاة وسقوط النهي عن التصرف في مال الغير. وهذا بخلاف المسألة المتقدمة التي حكمنا فيها بوجوب التيمم ولم نقدم الامر بالوضوء على حرمة التصرف وذلك لان المزاحمة في تلك المسألة انما كانت بين الامر بالوضوء وحرمة التصرف في مال الغير وحيث ان الوضوء له بدل دون حرمة التصرف فمن هنا رجحنا حرمة التصرف على الوضوء وقلنا بوجوب التيمم عليه واما ما في المقام فالمزاحمة بين اصل الصلاة وحرمة التصرف ولا بدل للصلاة ولمكان اهميتها قدمناها على حرمة التصرف كما عرفت. وبعد ذلك كله يدور الامر بين الاقتصار بالوضوء الناقص بغسل اطراف الجبيرة وبين التوضوء على نحو الجبيرة أي بالمسح عليها وحيث

[ 229 ]

[ (مسألة 17): لا يشترط في الجبيرة (1) ان تكون مما يصح الصلاة فيه فلو كانت حريرا أو ذهبا أو جزء حيوان غير ماكول لم يضر بوضوئه فالذي يضر هو نجاسة ظاهرها أو غصبيتها. (مسألة 18): ما دام خوف الضرر باقيا يجرى حكم الجبيرة وان احتمل البرء (2) ولا يجب الاعادة إذا تبين (3) برؤه ] ان الوضوء الناقص لا دليل على كفايته إلا في الجرح المكشوف لان مقتضى ما دل على غسل الاعضاء ومسحها في الوضوء وما دل على لزوم مسح الجبيرة وكونه بدلا عن العضو جزئية الجبيرة واعتبار مسحها مطلقا وعدم سقوطها بحال وعليه فيتعين في حقه الوضوء بطريق الجبيرة والمسح عليها لعدم حرمة التصرف في الجبيره المغصوبة حينئذ كما عرفت. (1) وذلك لاطلاق ادلتها وعدم تقييدها الجبيرة بشئ دون شئ. دوران الحكم مدار خوف الضرر (2) لاستصحاب بقاء جرحه أو كسره أو قرحه. هكذا قيل ويأتي في التعليقة الاتية ان ذلك حكم واقعي لا تحتاج فيه إلى الاستصحاب بوجه ومن ثمة لا نحكم عليه بوجوب الاعادة فيما إذا تبين برؤه قبل الوضوء (3) وهذا لا لما قيل من ان الخوف له موضوعية في ترتب احكام الجبائر كما يستفاد من رواية الكليب الاسدي حيث قال: ان كان

[ 230 ]

[ سابقا نعم لو ظن البرء وزال الخوف وجب رفعها. ] يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره (1) وذلك لان الظاهر من اخذ الخوف في موضوع الحكم انما هو طريقتيه إلى الواقع ومعنى انه ان كان يتخوف الخ انه ان كان في بدنه جرح أو كسر يخاف من وصول الماء إليه فليمسح على جبائره لا ان الخوف له موضوعية. بل الوجه فيما افاده في المتن هو الاطلاق المستفاد من صحيحة ابن الحجاج حيث امر عليه السلام فيها بغسل ما عد الكسر أو الجرح المجبور قائلا: انه لا يعبث بجرحه (2) فموضوع الحكم بالمسح على الجبيرة فيها هو الكسير أو الجريح الذي جبر كسره أو جرحه فلو كنا نحن وهذا المقدار لحكمنا بوجوب اعادة الصلاة والوضوء فيما إذا توضأ على نحو الجبيرة ثم انكشف برئه حال الوضوء وذلك لان الموضوع في الصحيحة هو الكسير الذي جبر كسره والمفروض عدم كون المتوضئ كسيرا حال الوضوء فيحكم ببطلان وضوئه. الا انه مضافا إلى ان العادة قاضية على عدم حل الجبائر إلى ان يزول الخوف ويظن بالبرء - قبل ذلك لا حين حلها - قد دلتنا القرينة الخارجية على ان الموضوع لوجوب المسح على الجبيرة انما هو من حدث به الكسر أو الجرح وقد كان مجبورا حال الوضوء بلا فرق في ذلك بين بقاء كسره أو جرحه في حال الوضوء أيضا وعدمه فلا اثر للبقاء وانما المدار على حدوث الكسر وكونه مجبورا حال الوضوء وتلك القرينة هي عدم تحقق اليقين بالبرء - في تلك الازمنة مع جبر الموضع - حال


(1) الوسائل: ج 1 باب 39 من أبواب الوضوء الحديث 8. (2) الوسائل: ج 1 باب 39 من أبواب الوضوء الحديث 1.

[ 231 ]

[ (مسألة 19): إذا أمكن رفع الجبيرة وغسل المحل لكن كان موجبا لفوات الوقت هل يجوز عمل الجبيرة فيه اشكال بل الاظهر عدمه والعدول إلى التيمم (1). ] حله بان يكون الجرح - مثلا - قد برء حال حل الجبيرة لا قبله ولا بعده أو لو كان متحققا فهو امر نادر قليل الانفاق وان امكن استكشاف ذلك في امثال زماننا هذا عن فوق الجبيرة ببعض آلات والادوات واما في تلك الازمنة فلم يكن للكشف عن ذلك طريق قطعي. فان حل الجبيرة قد يتفق ان يكون مقارنا لبرئه في ذلك الزمان اعني زمان حل الجبيرة وقد تنكشف انه برء قبل حله بزمان وثالثة ينكشف عدم برئه ويحتاج إلى الجبر ثانيا حتى يبرء فاليقين بالبرء حين حل الجبيرة اما لا يتحقق واما انه نادر لا يمكن حمل الرواية عليه فمقتضى اطلاقها بتلك القرينة ان كل من حدث به كسر ونحوه وكان مجبورا حال الوضوء وجب عليه المسح على جبيرته سواء كان برء في الواقع ام لم يكن بل ظاهر الصحيحة ان هذا حكم واقعي فإذا انكشف البرء حال وضوئه بعد الوضوء لم يجب عليه الاعادة بوجه فلا حاجة معه إلى الاستصحاب فيمن شك في برء كسره إلا إذا لم تتم دلالة الصحيحة على ما ذكرناه. إذا كان رفع الجبيرة مفوتا للوقت (1) المتعين في حقه هو التيمم لان روايات الجبائر كما مر غير مرة تختص بما إذا لم يتمكن من غسل البشرة أو مسحها من جهة الكسر أو

[ 232 ]

[ (مسألة 20): الداوء الموضوع على الجرح ونحوه إذا اختلط مع الدم وصار كالشئ الواحد ولم يمكن رفعه بعد البرء بان كان مستلزما لجرح المحل وخروج الدم فان كان مستحيلا بحيث لا يصدق عليه الدم بل صار كالجلد فما دام كذلك يجرى عليه حكم الجبيرة (1) وان لم يستحل كان كالجبيرة النجسة يضع عليه خرقة ويمسح عليه. (مسألة 21): قد عرفت انه يكفى في الغسل اقله بان يجري الماء من جزء إلى جزء آخر ولو باعانة اليد فلو وضع ] الجرح أو القرح واما من كان بدنه سليما ولم يضره الماء إلا انه لم يتمكن من غسله أو مسحه لضيق الوقت وعدم سعته لحل الجبيرة فهو خارج عن موارد الاخبار والاصل الاولى حينئذ هو التيمم كما سلف. الدواء المختلط بالدم (1) لا يمكن المساعدة على ما افاده في شئ من صورتي استحالة الدم وعدمها واما إذا لم يستحل فلان مفروض كلامه (قدس سره) انما هو برء المحل ومع سلامة البدن وارتفاع الكسر أو الجراحة لا يجري في حقه حكم الجبيرة لاختصاص اخبارها بالجريح والكسير والقريح والمكلف غير داخل في شئ من ذلك ومجرد عدم تمكنه من رفع الدواء

[ 233 ]

[ يده في الماء واخرجها ومسح بما يبقى فيها (1) من الرطوبة محل الغسل يكفي وفي كثير من الموارد هذا المقدار لا يضر خصوصا إذا كان بالماء الحار وإذا جرى الماء كثيرا يضر فيتعين هذا النحو من الغسل ولا يجوز الانتقال إلى حكم الجبيرة فاللازم ان يكون الانسان ملتفتا لهذه الدقة ] المخلوط به الدم لا يوجب جريان احكام الجبيرة في حقه بل ينتقل امره إلى التيمم لا محالة. على ان وضع خرقة طاهرة عليه امر لا موجب له ولا دليل على لزومه. واما إذا استحال الدم فلعين ما قدمناه في صورة عدم الاستحالة على ان استحالة الدم انما توجب ارتفاع احكامه واما احكام الدواء المتنجس به فلا موجب لارتفاعها فهو دواء نجس لا يتمكن من رفعه فيجب عليه التيمم لا محالة كما هو الحال في صورة عدم استحالة الدم فلا فرق بين الصورتين. نعم إذا كان المحل مريضا قد وضع عليه الدواء فحكمه حكم الجبيره بمقتضى صحيحة الوشاء (1) كما مر. هل المسح برطوبة اليد يجزي عن الغسل؟ (1) اقل الغسل وهو انتقال جزء من الماء من جزء إلى جزء وان كان مجزءا لا محالة إلا ان الغسل على النحو المقرر في المتن لا يخلو من


(1) الوسائل: ج 1، باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 9.

[ 234 ]

اشكال ومنع وذلك لما قدمناه غير مرة من ان الامر بالغسل ظاهر في لزوم احداث الغسل واما الغسل بحسب البقاء فهو غير كاف في الامتثال والمكلف إذا وضع يده في الماء وبذلك قد احدث الغسل في يده ثم مسح برطوبتها وجهه أو غيره من مواضع الكسر - مثلا - فلا محالة يكون المسح برطوبتها ابقاء للغسل الحادث في يده واحداثا للمسح في وجهه: ولا يطلق على امرار يدها على وجهة عنوان الغسل في شئ من اللغات بل يقال انه مسح وجهه مع ان المأمور به هو الغسل دون المسح. وتوضيح ما ذكرناه: انا تعرضنا - تبعا للماتن - لاقل الغسل في بحث غسل الوجه من الوضوء وقلنا انه عبارة عن جريان الماء من جزء إلى جزء اما بنفسه أو بواسطة اليد ونحوها كما قلنا ان النسبة بينه وبين المسح عموم من وجه فان المسح عبارة عن مرور الماسح على الممسوح برطوبة ونداوة وهما امران متقابلان في الوضوء ومن هنا جعله الله سبحانه في مقابل الغسل في الآية المباركة فاغسلوا وجوهكم. وامسحوا بروسكم الخ فلا يجزى احدهما عن الآخر بوجه. وعليه فإذا ادخل يده في الماء ثم اخرجها فلا يكون المسح بها على وجهه غسلا وذلك لان مفروض كلام الماتن انه يمسح برطوبة يده على وجهه والمسح مع النداوة والرطوبة مصداق للمسح ولا يطلق عليه الغسل في لغة العرب ولا في غيرها من اللغات فان المسح بالنداوة لا يكون اجراء للماء من جزء إلى جزء في شئ من اللغات وإذا كان المأمور به هو الغسل فلا يكون المسح بدلا عنه كافيا في الامتثال كما ذكرنا نظيره عند تعرض الماتن لجواز غسل الجبيرة الواقعة في مواضع الغسل ومسحها وقلنا ان المأمور به هو المسح والغسل لا يجزى عنه بوجه.

[ 235 ]

[ (مسألة 22): إذا كان على الجبيرة دسومة لا يضر بالمسح (1) عليها ان كانت طاهرة. (مسألة 23): إذا كان العضو صحيحا لكن كان نجسا ولم يمكن تطهيره لا يجرى عليه حكم الجرح بل يتعين التيمم (2) ] إذا كان على الجبيرة دسومة (1) سواءا كانت الدسومة قليلة ومعدودة من الاعراض ام كانت كثيرة ومعدودة من الجواهر وذلك لاطلاقات الاخبار الآمرة بالمسح على جبائره إلا ان تعرض الدسومة - يفرض غير واقع - على نحو لا يؤثر المسح فيها ابدا فان المسح غير المؤثر لا يكتفي به في مقام الامتثال حيث ان ظاهر المسح تأثر الممسوح بذلك. العضو السليم إذا لم يمكن تطهيره (2) والوجه فيه ظاهر لان اخبار الجبائر مختصة بالجريح والكسير والقريح واما السليم فهو خارج عن الاخبار وان فرضنا عدم تمكنه من غسل بشرته أو مسحها لعدم تمكنه من غسلها لقلة الماء أو غيرها من الاسباب ومع عدم شمول الاخبار له ينتقل امره إلى التيمم كما هو الاصل في كل من لم يتمكن من الوضوء.

[ 236 ]

[ نعم لو كان عين النجاسة لاصقة ولم يمكن ازالتها جرى به حكم الجبيرة (1) والاحوط ضم التيمم. (مسألة 24): لا يلزم تخفيف ما على الجرح من الجبيرة (2) ان كانت على المتعارف كما انه لا يجوز وضع شئ آخر عليها مع عدم الحاجة الا ان يحسب جزء منها بعد الوضع. ] (1) وفيه ان اللاصق بالبدن سواء كان من الاعيان النجسة ام من الاعيان الطاهرة لا يجري عليه احكام الجبائر كما عرفته في القير اللاصق بالبدن لاختصاصها بالكسير والجريح والقريح ومع سلامة العضو لا تشمله الاخبار فتنتقل وظيفته إلى التيمم لا محالة نعم خرجنا عن ذلك في الدواء اللاصق بالبدن بمقتضى صحيحة الوشاء (1) فان حكمه حكم الجبيرة كما مر واما غيره فلا دليل على التحاقه بالجبائر على ان وضع خرقة اخرى طاهرة عليه امر لا دليل على وجوبه. تخفيف الجبيرة غير واجب (2) فلا يجب تخفيف الضخمة وجعلها رقيقة أو بتبديلها بالرقيق وذلك لاطلاقات الاخبار الآمرة بالمسح على الجبائر فكلما صدق عرفا انه جبيرة كفى المسح عليها في مقام الامتثال إلا ان يخرج عن الجبيرة عند المتعارف كما إذا شد على جبيرته منديلا ومسح على المندبل فان


(1) تقدم ذكرها في مسألة 20.

[ 237 ]

[ (مسألة 25): الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث لا مبيح (1). (مسألة 26): الفرق بين الجبيرة التي على محل الغسل والتي على محل المسح من وجوه كما يستفاد مما تقدم ] المندبل لا يسمى جبيرة حينئذ. فالمراد من قوله ان كانت على المتعارف هو كون الحائل جبيرة عند العرف فكلما صدق انه جبيرة كفى مسحها عن غسل البشرة ومسحها ولم يرد بذلك كون الجبيرة متعارفة بحسب الغلظة والرقة لانها تختلف باختلاف الاشخاص والموارد فقد بجبر بالكرباس واخرى بالفاسون وثالثة بشئ آخر خفيف أو غليظ ومن ذلك يظهر حكم ما إذا وضع على الجبيرة شيئا واراد المسح عليه فانه ان عد عند العرف جزءا من الجبيرة فلا محالة يكفى المسح عليه في مقام الامتثال وإذا عد شيئا زائدا عليها فلا يكفى كما عرفت. الوضوء مع الجبيرة رافع (1) ان اراد القائل بكونه مبيحا ان المتوضى مع الجبيرة باق على حدثه وليس متطهرا بوجه إلا انه جاز ان يدخل في الصلاة أو في غيرها مما يشترط فيه الطهارة تخصيصا فيما دل على اشتراط الصلاة أو غيرها من الافعال بالطهارة فهو مما لا يحتمل بوجه. فان الاخبار الواردة في الجبائر قد اشتملت على السؤال عن الوضوء والغسل وان الجريح أو الكسير ما يصنع بوضوئه فأجابوا بانه يمسح

[ 238 ]

على الجبيرة وظاهرها ان السؤال انما هو عن ذلك الوضوء أو الغسل الذي اشترطت الصلاة به وانه هو الوضوء مع الجبيرة في حقه لا ان المراد منها امر آخر غير ما هو الشرط في الصلاة فلا يمكن القول بان المتوضى مع الجبيرة غير متطهر بوجه. كما ان القائل بكونه رافعا ان اراد ان الوضوء مع الجبيرة كالوضوء التام وهما فردان اختياريان من الطبيعي المأمور به واحدهما في عرض الآخر فكما ان المكلف يتمكن من ان ياتي بالوضوء التام يتمكن من الوضوء مع الجبيرة بادخال نفسه في موضوعه بالاختيار نظير الصلاة المقصورة والتامة حيث انهما فردان اختياريان من طبيعي الصلاة المأمور بها واحدهما في عرض الآخر وللمكلف ان يختار ايا منهما شاء بادخال نفسه في موضوع المسافر فهو أيضا غير محتمل بوجه. لان الاخبار الواردة في الجبائر كالادلة الدالة على كفاية التيمم في حق فاقد الماء انما تدلنا على ان الوضوء مع الجبيرة أو التيمم وظيفة المعذور عن الوضوء التام بحيث لا يتمكن من اتيانه واما من كان متمكنا من الوضوء التام ثم ادخل نفسه في ذوي الاعذار فهو خارج عن مصب الاخبار رأسا وعليه فالقول الوسط بين هذين القولين ان يقال ان الوضوء مع الجبيرة كالتيمم طهارة حقيقة ولكنها في طول الطهارة بالوضوء التام بمعنى انهما في حق المعذور يقابلان الوضوء والوضوء التام في حق الواجد وغير المعذور فهما طهارتان في ظرف المعذورية لا في عرض الوضوء والوضوء التام. ولا يرد على ذلك ان لازمه جواز التفويت الاختياري بأراقة الماء بعد الوقت وجعل نفسه فاقدا للماء بالاختيار أو بايجاد كسر أو قرح في بدنه اختيارا فانه بعد ادخال نفسه تحت عنوان الفاقد أو الجريح

[ 239 ]

والكسير يكون التيمم أو الوضوء مع الجبيرة طهارة حقيقية في حقه ورافع كالوضوء والوضوء التام في حق الواجد وغير الجريح والكسير. والوجه في عدم ورود ذلك على ما ذكرناه هو ان مقتضى ما قدمناه من اختصاص ادلة التيمم والوضوء مع الجبيرة للمعذور غير التمكن من الوضوء المأمور به عدم وجوب الصلاة على من فوت على نفسه واراق الماء أو اجرح نفسه وذلك لعدم كونه معذورا غير متمكن من الوضوء المأمور لانه كان متمكنا منه على الفرض وقد ادخل نفسه في موضع الفاقد أو العاجز بالاختيار والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فلا طهارة في حقه والصلاة ساقطة بالاضافة إليه ويعاقب من جهة تفويته الاختياري. ولكن الاجماع القطعي دلنا على ان الصلاة لا تسقط بحال فمنه استكشفنا ان وظيفته بعد تفويته هو الصلاة مع التيمم أو الوضوء مع الجبيرة فهما طهارتان حقيقيتان في حقه وليستا في عرض الوضوء التام بل في طوله على انهما في حق المعذور بالاختيار لا يقابلان الوضوء والوضوء التام للصحيح بل يصح ان يقال انهما طهارتان في مرتبة نازلة من الوضوء التام لعدم كونهما وافيان بالملاك مثل الوضوء التام كما انه يعاقب من تلك الناحية أي من ناحية تفويته مقدارا من المصلحة حيث عجز نفسه عن الاتيان بالوضوء التام واستيفاء ملاكه ويحكم بصحتها للاجماع الكاشف عن اشتمالهما على مقدار من المصلحة لازم الاستيفاء حينئذ. فالمتحصل انهما طهارتان في طول الوضوء التام ومرتبتهما دون مرتبة الوضوء التام والمفوت بالاختيار يعاقب على تفويته الملاك في ذلك الوضوء وان كان يحكم بصحة تيممه أو وضوئه الناقص من جهة

[ 240 ]

[ احدها: ان الاولى بدل الغسل والثانية بدل عن المسح (1) الثاني: ان في الثانية يتعين المسح وفي الاولى يجوز الغسل أيضا (2) على الاقوى (الثالث) انه يتعين في الثانية كون المسح بالرطوبة ] الاجماع واشتمالها على مقدار من المصلحة الملزمة. الفوارق بين الجبيرتين (1) ان كان نظره (قدس سره) إلى ان المسح في مواضع الغسل يجزي عن الغسل وفي موارد المسح يجزي عن المسح وان الشارع يكتفي به بدلا عن الغسل أو المسح فهو عين المسألة ومما لا اشكال فيه وان كان نظره إلى انه لابد من قصد البدلية عن الغسل في مواضعه والبدلية عن المسح في مواضعه فهو مندفع بالاطلاقات حيث دلت الروايات على انه يمسح على جبائره من غير اعتبار قصد البدلية عن الغسل أو المسح نعم البدلية هي التي لاحظها الشارع في جعله وامره به حيث لاحظ انه بدل عن الغسل أو المسح فامر به واما انها لابد من ملاحظتها في مقام الامتثال فهو مما لم يقم عليه دليل. (2) تقدم ان النسبة بين الغسل والمسح عموم من وجه وان احدهما غير الآخر والمأمور به في الاخبار انما هو المسح على الجبائر وظاهرها انه واجب متعين ولا دليل على كفاية غسل الجبيرة وقاعدة الميسور غير منطبقة على المقام على انها غير تامة في نفسها كما مر غير مرة.

[ 241 ]

[ الباقية في الكف (1) وبالكف وفي الاولى يجوز المسح بأي شئ كان وبأي ماء ولو بالماء الخارجي. (الرابع) انه يتعين في الاول استيعاب المحل (2) الا ما بين الخيوط والفرج وفي الثانية يكفي المسمى (3) ] (1) والوجه في ذلك ان المستفاد من الاخبار الواردة في المقام حسب الارتكاز العرفي ان الجبيرة بدل عن البشرة فحكمها حكمها وحيث ان المسح في مواضع المسح إذا كان بالبشرة لابد وان يكون بالنداوة الباقية في اليد كما في صحيحة زرارة وتمسح ببلة يمناك ناصيتك (1) فكذلك لابد من ذلك في المسح على الجبيرة التي هي بدل عن البشرة وحكمها حكم المحل. واما الغسل في مواضع الغسل فلا يعتبر فيه ان يكون بالبلة الباقية في اليد لجواز ان يكون بالماء الجديد كما مر تفصيله فكذلك الحال في الجبيرة التي هي في حكم المحل. (2) لما عرفت من ان حكم الجبيرة حكم المحل فكما ان في موارد الغسل لابد من استيعاب الغسل فكذلك في الجبيرة الموجودة على مواضع الغسل نعم لا يعتبر في الاستيعاب في المسح التدقيق بل يكفي المقدار الذي يسمى مسحا مستوعبا عند العرف. (3) كما هو الحال في المسح على نفس البشرة كما في مسح الرأس أو الرجل بحسب العرض واما طولا فيعتبر فيه ان يكون من الاصابع إلى الكعبين كما هو ظاهر.


(1) الوسائل: ج 1، باب 15 من ابواب الوضوء الحديث 2.

[ 242 ]

[ (الخامس) ان في الاولى الاحسن ان يصير شبيها (1) بالغسل في جريان الماء بخلاف الثانية فالاحسن فيها ان لا يصير شبيها بالغسل (السادس) ان في الاولى لا يكفي مجرد ايصال النداوة بخلاف الثانية (2) حيث ان المسح فيها بدل عن المسح الذي يكفي فيه هذا المقدار (السابع) انه لو كان على الجبيرة رطوبة زائدة لا يجب تجفيفها في الاولى بخلاف الثانية (3) ] (1) الاحتياط وان كان كما افاده إلا انه غير معتبر في صحة الوضوء وذلك لان الغسل غير المسح والنسبة بينهما عموم من وجه والمأمور به هو المسح في موارد الغسل والمسح ولا يعتبر ان يكون مجتمعا مع الغسل أو شبيها به. (2) قد عرفت ان المأمور به في كل من موارد الغسل والمسح هو المسح على الجبيرة ولا فرق بينهما في ذلك وان كان الاحوط المسح بالماء في مواضع المسح. (3) لما تقدم من ان حكم الجبيرة حكم المحل فكما ان الرطوبة في البشرة في مواضع الغسل غير مانعة عن صحة الوضوء فكذلك الحال في الجبيرة في تلك المواضع واما في مواضع المسح فحيث ان المعتبر ان يكون المسح بنداوة اليد فلابد من اعتبار تجفيفها لان النداوة لو اندكت في رطوبة المحل أو امتزجت معها وان لم تكن مندكة لم يتحقق المسح بنداوة اليد بل المسح كان بالماء الخارجي أو الممتزج منه ومن نداوة اليد وهو غير كاف في صحة الوضوء.

[ 243 ]

[ (الثامن) انه يجب مراعاة الاعلى فالاعلى (1) في الاولى دون الثانية (التاسع) انه يتعين في الثانية امرار الماسح (2) على الممسوح بخلاف الاولى فيكفي فيها باي وجه كان. ] (1) لان الجبيرة كالمحل فإذا لم يعتبر في نفس البشرة ان يكون المسح أو الغسل من الاعلى إلى الاسفل فكذلك الحال في الجبيرة في ذلك المحل كما انه إذا اعتبر فيه ذلك اعتبر في الجبيرة أيضا وعليه فيعتبر في الجبيرة في مواضع الغسل وفي مسح الرأس أن يكون المسح من الاعلى فالاعلى واما في مسح الرجلين فالاقوى عدم اعتباره كما هو الحال في نفس البشرة. (2) لما مر وعرفت من ان الجبيرة كالمحل وحيث ان المستفاد من الآية والاخبار (2) ان المسح في مواضع المسح يعتبر ان يكون بامرار الماسح على الممسوح فكذلك الحال في الجبيرة الموضوعة على محال المسح واما في مواضع الغسل فلا يعتبر فيه شئ من ذلك فيجوز ايقاف الماسح وامرار الممسوح بالماسح وكذا الحال في الجبيرة الموضوعة على المحل.


(1) (.. وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين.. المائدة 5: الآية 6. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الوضوء.

[ 244 ]

[ (مسألة 27): لا فرق في احكام الجبيرة (1) بين الوضوآت الواجبة والمستحبة. (مسألة 28): حكم الجبائر في الغسل كحكمها في الوضوء (2) واجبة ومندوبة. ] عدم الفرق بين الوضوء الواجب والمندوب (1) للاطلاقات (1) حيث لم يقيد شئ من الاحكام الواردة في روايات الجبائر بما إذا كان الوضوء واجبا. هل يفرق بين الغسل أو الوضوء في الجبائر؟ (2) هذا تتبنى على دعوى القطع بعدم الفرق بين الوضوء والغسل في شئ من احكام الجبائر وحيث انها غير تامة ولا قطع لنا بتساويهما بوجه فلا مناص من المراجعة في ذلك إلى الاخبار لنرى ان اي حكم من احكام الجبائر في الوضوء وقد ثبت في الغسل أيضا فناخذ به وفيما لم يقم عليه دليل في الغسل نرجع إلى الاصل الاولى اعني وجوب التيمم في حق من لم يتمكن من استعمال الماء في الوضوء أو الغسل.


(1) راجع الوسائل: ج 1، باب 39 من ابواب الوضوء.

[ 245 ]

ونتيجة انكار القطع بتساويها ان الجريح والقريح إذا اجنبا يتخير ان بين التيمم والغسل مع الجبيرة ولا يتعين عليه خصوص الغسل مع الجبيرة ويساعده ان في غسل الجريح والقريح مع الجبيرة عسرا وحرجا وهذا من احد موارد التخيير بين التيمم والغسل مع الجبيرة. وكيف كان المعروف بين الفقهاء (قدس الله اسرارهم) ان الغسل والوضوء متحدان من حيث الاحكام في الجبائر ولكن الصحيح انهما مختلفان في ذلك وان الجريح والقريح إذا اجنبا يتخير ان بين الغسل مع الجبيرة والتيمم بلا فرق في ذلك بين كونهما مجبورين وبين كونهما مكشوفين فلنتكلم اولا في جواز الغسل في حقه مع الجبيرة ليتضح منه جواز تيممه. المجبور من الجريح والقريح اما المجبور من الجريح والقريح فلصحيحة ابن الحجاج عن أبي الحسن عليه السلام عن الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء وعند غسل الجنابة وغسل الجمعة؟ فقال عليه السلام يغسل ما وصل إليه الغسل فما طهر مما ليس عليه الجبائر ويدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله ولا ينزع الجبائر ويعبث بجراحته (1). لانها كما ترى غير مختصة بالوضوء وقد دلت على ان الجريح المجبور - بقرينة قوله ولا ينزع الجبائر - يغسل بقية المواضع الصحيحة


(1) الوسائل: ج 1 باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

[ 246 ]

ويدع الموضع المجبور بلا فرق في ذلك بين الغسل والوضوء وهي وان كانت ظاهرة في رجوع الضمير في قوله أو تكون به الجراحة. إلى الكسير إلا انه غير مراد يقينا وانما يرجع إلى الرجل المقدر في قوله عن الكسير تكون عليه الجبائر بمعنى انه يرجع إلى ذات الكسير لا هو بوصف كونه كسيرا. ثم ان الصحيحة وان لم تتضمن الامر بالمسح على الجبيرة إلا انا استفدنا ذلك من بقية الاخبار (1) الآمرة بالمسح على الجبائر. ثم انها وان كانت مختصة بالوضوء إلا انا نلحق الجبيرة في الغسل إلى الوضوء للقطع بعدم كفاية الغسل من دون غسل بعض المواضع ولا مسح ما هو كالمحل حيث ان الجبيرة غالبا بل دائما تكون اوسع من الجراحة بمقدار فذلك المقدار الصحيح من اطراف الجراحة الذي تحت الجبيرة لابد اما ان يغسل واما ان يمسح الجبيرة الموضوعة عليه وحيث لا يجب على نزع الجبيرة وغسل ما تحته فلا مناص من ان يمسح على الجبيرة التي هي كالمحل. فالمتحصل ان الجرح أو القرح المجبور عند الاغتسال يغتسل مع الجبيرة ويمسح عليها كما هو الحال في الوضوء ويدل على ذلك صحيحة كليت الاسدي (2) حيث دلت على ان الكسير يمسح على جبائره لعدم اختصاصها بالوضوء.


(1) راجع الوسائل: الباب المتقدم. (2) الوسائل: ج 1 باب 39 من ابواب الوضوء الحديث 8.

[ 247 ]

الجرح المكشوف واما الجرح المكشوف عند الاغتسال فلصحيحة عبد الله بن سنان عن الجرح كيف يصنع به صاحبه قال عليه السلام يغسل ما حوله (1) لانها غير مختصة بالوضوء بل مطلقة تشمل كلا من الوضوء والغسل وعليه فهما متحدان في الجرح المكشوف حيث يجب غسل ما حوله في كليهما هذا. إلا ان في قبالهما عدة كثيرة من الاخبار وقد دلت على ان الجريح والقريح إذا اجنب يجب عليه التيمم فحسب. منها: صحيحة محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يكون به القرح والجراحة يجنب قال: لا بأس بأن لا يغتسل يتيمم (2). و (منها): صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام في الرجل تصيبه الجنابة وبه القروح أو جروح أو يكون يخاف على نفسه من البرد فقال: لا يغتسل ويتيمم (3). و (منها): غير ذلك من الاخبار (4) وهي معارضة مع الصحيحتين المتقدمتين وقد ذكر في الجمع بينهما وجوه لا بأس للتعرض لبعضها:


(1) الوسائل: ج 1 باب 39 من أبواب الوضوء الحديث 3 (2) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب التيمم الحديث 5. (3) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب التيمم الحديث 7. (4) كصحيحة داود بن سرحان وغيرها من أبواب التيمم الحديث 8.

[ 248 ]

فمنها ما ذكره صاحب الحدائق (قدس سره) من حمل الصحيحتين المتقدمتين على ما إذا كانت الجراحة واحدة وحمل الطائفة الثانية على صورة تعدد الجراحة ولعله لان في الاغتسال مع الجراحة المتعددة مشقة نوعية. ويبعده ان أكثر الاخبار في الطائفة الثانية وان اشتملت على لفظة القروح والجروح بصيغة الجمع الا ان الظاهر انها بمعنى الجنس حيث قد يستعمل الجمع ويراد منه الجنس كما في قوله (عليه السلام) وعليه جبائر مع ان وجود الجبيرة الواحدة كاف في اجراء حكم الجبيرة وانما أتى بصيغة الجمع بلحاظ تعدد أفراد الجبائر أو القروح والجروح لان الجبيرة قد تكون من الخشب وأخرى من الخرقة وهكذا هذا. على ان بعض أخبار الطائفة للثانية قد ورد بصيغة المفرد وان الرجل يكون به القرح أو للجراحة كما في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة فهذا الجمع غير وجيه: ومنها ما ذكره شيخنا الانصاري (قدس سره) واستحسنه جملة ممن تأخر عنه حيث حمل الطائفة الآمرة بالغسل مع الجبيرة على صورة عدم تضرر المواضع الصحيحة من بدنه بالاغتسال والطائفة الثانية الدالة على وجوب التيمم على صورة تضرر المواضع الصحيحة من بدنه بالماء للقطع بان من تضرر باستعمال الماء لا يجب عليه الاغتسال هذا. ولا يمكن المساعدة على ذلك أيضا لانه ليس من الجمع العرفي بين المتعارضين وذلك لان السؤال في الطائفة الامرة بالتيمم إنما هو عن الجريح ومن به قرح أو جراحة لا عمن تضرر بدنه غير الجريح باستعمال الماء - وظاهر الجواب حينئذ ان من لم يتمكن من استعمال الماء من جهة الجراحة في بدنه يتيمم لا ان من لم يتمكن من استعماله لاجل الحمى

[ 249 ]

أو لتضرر المواضع السليمة من بدنه يجب عليه التيمم وهذا دقيق. ووجوب التيمم على من أضر به الماء وان كان معلوما عندنا إلا انه لا يوجب تقييد الروايات بوجه لانها ناظرة إلى بيان ان من تضرر لاجل الجرح وظيفته التيمم ولا نظر لها إلى بيان حكم المتضرر من غير ناحية الجرح وحيث ان هذا الموضوع بعينه هو الذي دلت الطائفة الاولى على وجوب الغسل فيه فلا محالة تتعارضان ولا يكون حمل الثانية على صورة تضرر المواضع الصحيحة من الجمع العرفي في شئ. فالانصاف ان الطائفتين متنافيتين لوحدة المورد فيهما ومقتضى الجمع العرفي بينهما رفع اليد عن ظاهر كل منهما بنص الآخر حيث ان الطائفة الآمرة بالاغتسال ظاهرة في تعين الغسل وناصة في جوازه والطائفة الآمرة بالتيمم ظاهرة في تعين التيمم وناصة في جوازه فبنص كل منهما ترفع اليد عن ظاهر الآخر وتكون النتيجة ما ذكرناه من جواز كل من الغسل والتيمم وكون المكلف مخيرا بينهما هذا. بل يمكن استفادة ذلك من صريح صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث نفت البأس عن تركه الاغتسال وقال انه يتيمم وهي كالصريح في جواز كلا الامرين في حقه بل وكذلك صحيحة البزنطي بحمل النهي فيها عن الاغتسال على النهي في موارد توهم الامر وهو يفيد الاباحة والجواز هذا كله في حق الجريح والقريح عند الاغتسال. وأما الكسير فقد وردت فيه روايات أربع: (منها): مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يتيمم المجدور والكسير بالتراب إذا أصابته جنابة. (1)


(1) الوسائل: ج 2 باب 5 من أبواب التيمم، الحديث 4.

[ 250 ]

و (منها): مرسلة ثانية له عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يؤمم المجدور والكسير إذا أصابتهما الجنابة. (1) و (منها): مرسلة الصدوق قال وقال الصادق (عليه السلام) المبطون والكسير يؤممان ولا يغسلان. (2) و (منها): مرسلة الكافي قال وروى ذلك في الكسير والمبطون يتيمم ولا يغسل. (3) وهذه الاخبار تدلنا على ان الكسير يتيمم ولا يجوز في حقه الاغتسال الا انها لارسالها لا يمكننا الاعتماد عليها نعم يكفي في الحكم بوجوب التيمم في حقه المطلقات الآمرة بالتيمم لمن عجز من استعمال الماء وهو الاصل الاولى في كل من لم يتمكن من استعمال الماء فان مقتضاها ان الكسير المجنب يتيمم ولا يغتسل. وأما الاخبار الواردة في الجبيرة فقد دلت صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج على ان الكسير يغتسل أو يتوضأ حيث قال (عليه السلام) يغسل ما وصل إليه الغسل ويدع ما سوى ذلك (4) ومقتضاها ان الكسير لا يجوز ان يتيمم بل يغتسل مع الجبيرة وهي وان لم يشتمل على الامر بالمسح على الجبيرة الا انا علمنا من الخارج ان الشارع لم يرفع يده من غسل البشرة أو مسح ما هو بدل عن البشرة. وبما ان الجبيرة تسع مقدارا من الاطراف الصحيحة ولا تكون بمقدار


(1) الوسائل: ج 1 باب 5 من أبواب التيمم، الحديث 10. (2) الوسائل: ج 1 باب 5 من أبواب التيمم، الحديث 12. (3) الوسائل: ج 1 باب 5 من أبواب التيمم، الحديث 2. (4) الوسائل: ج 1 باب 39 من ابواب الوضوء، الحديث 1.

[ 251 ]

[ وإنما الكلام في انه هل يتعين حينئذ الغسل ترتيبا أو يجوز الارتماس (1) أيضا وعلى الثاني هل يجب ان يمسح على ] المحل بل لو وجدت بمقداره في الجراحة والقرحة فلا يتحقق في الكسر أبدا لانه لابد ان يشد بالاطراف الصحيحة أيضا حتى ينجبر وهذا المقدار الصحيح الذي هو تحت الجبيرة لا يجب غسله لعدم وجوب نزع الجبيرة فلا مناص من ان يمسح على الجبيرة التي فوقه فبهذه الصحيحة نحكم بوجوب الاغتسال على الكسير مع المسح على الجبيرة كما في الوضوء إلا انها مختصة بالكسر المجبور. ولاجل ذلك تكون الصحيحة أخص مطلقا من المراسيل الدالة على وجوب التيمم في حقه والمطلقات الآمرة بالتيمم في حق من عجز من استعمال الماء لعدم اختصاصهما بالمجبور فيتقدم الصحيحة عليهما ويخصصهما بما إذا كان الكسير مجبورا فان وظيفته الغسل مع الجبيرة ولا يتخير بين التيمم والاغتسال كما في الجريح والقريح فان التخيير فيهما مستند إلى المعارضة الموجبة لرفع اليد عن ظاهر كل منهما بنص الآخر المنتج للتخيير ولا معارضة في المقام. الكسر المكشوف وأما الكسر المكشوف فيجب معه التيمم بمقتضى المراسيل المتقدمة على تقدير الاعتماد عليها - أو المطلقات الدالة على ان الاصل الاولى في حق كل عاجز عن استعمال الماء هو التيمم. (1) بقى الكلام في ان الجريح أو القريح أو الكسير إذا أراد الاغتسال

[ 252 ]

[ الجبيرة تحت الماء أو لا يجب الاقوى جوازه وعدم وجوب المسح وان كان الاحوط اختيار الترتيب وعلى فرض اختيار الارتماس فالاحوط المسح تحت الماء لكن جواز الارتماس مشروط بعدم وجود مانع آخر من نجاسة العضو وسرايتها إلى بقية الاعضاء أو كونه مضرا من جهة وصول الماء إلى المحل. (مسألة 29): إذا كان على مواضع التيمم جرح أو قرح أو نحوهما. ] فهل يجب ان يغتسل ترتيبا أو ارتماسا وعلى الثاني يجب ان يمسح على الجبيرة تحت الماء أو لا يجب؟ ذكر الماتن أن الاقوى جواز الغسل ارتماسا وعدم وجوب المسح على الجبيرة تحت الماء ولكن الصحيح عدم جواز الارتماسي في حقه إذ يشترط في الغسل ارتماسا احاطة الماء للبدن دفعة واحدة والماء لا يحيط بدن الكسير ونحوه دفعة واحدة لمكان الجبيرة. وقد عرفت ان الواجب في حقه المسح على الجبيرة دون غسلها لانه ظاهر الامر بالمسح من غير عدل فان مثله ظاهر في التعيين فلو أراد أن يرتمس ويمسح على الجبيرة حال الارتماس أيضا لم يحكم بصحة غسله لان المسح تدريجي لا محالة لا يتحقق مع انغماس الرأس في الماء دفعة واحدة ولا أقل في الجزء الاخير من المسح لانه يتأخر عن انغماس الرأس يقينا فالمتعين في حقه الغسل ترتيبا.

[ 253 ]

[ فالحال فيه حال الوضوء في الماسح كان أو في الممسوح (1) ] ثم ان الكلام في كفاية الارتماس في حقه وعدمها إنما هو فيما إذا لم يكن هناك مانع آخر من صحته كما إذا كان وصول الماء إلى المحل على نحو الارتماس مضرا في حقه أو ان المحل كان نجسا ووصول الماء إليه بالارتماس يوجب سراية النجاسة إلى المواضع الطاهرة من بدنه تحت الجبيرة فان الارتماس غير جائز حينئذ. وهذا لا لان الغسل يعتبر فيه طهارة الاعضاء قبل الاغتسال بل لو لم يعتبر الطهارة قبل الاغتسال أيضا كما هو الصحيح نمنع عن الارتماس وان لم يغتسل في الماء القليل أيضا كما إذا ارتمس في الكثير والوجه في المنع انه لا يجوز له ان ينجس بدنه بأكثر من المقدار الضروري فلو ارتمس في الكثير فبمجرد اخراج يده أو غيرها من الماء تسري النجاسة من المواضع المتنجس إلى المواضع القريبة منه وتستلزم نجاستها تحت الجبيرة ولا يمكن تطهيرها بعد ذلك لمكان الجبيرة فيكون الغسل مرتمسا مفوتا لشرط الصلاة اعني طهارة البدن في غير موضع الجرح والغسل الموقت لشرط الصلاة مما لا أمر به شرعا. وليعلم ان محل كلامنا إنما هو الغسل مع الجبيرة لا الجرح أو الكسر المكشوف إذ يمكن معه تصحيح الارتماس بوضع شئ على جرحه أو بدنه فيرتمس في الماء وعلى تقدير تنجس بعض الاطراف الطاهرة يغسله بعد الاغتسال. إذا كان على مواضع التيمم جرح أو قرح. (1) لا اشكال في ان حكم الجبيرة في التيمم حكمها في الغسل

[ 254 ]

والوضوء سواء كانت الجبيرة في الماسح أو الممسوح ولعل المسألة متسالم عليها من غير خلاف وإنما الكلام في مدرك ذلك فقد يستدل عليه بالاجماع والتسالم القطعيين وأخرى يستدل عليه بحسنة الوشاء المتقدمة حيث اشتملت على السؤال عمن على يده أو يديه دواءا يمسح عليه قال: نعم (1) وذلك لاطلاقها فقد دلت على ان من كان مأمورا بغسل البشرة أو بمسحها كما في التيمم ولم يتمكن عنه لمانع من الدواء ونحوه يمسح على ذلك الدواء. وفيه انه مع الاغماض عن المناقشة في دلالتها بانها مختصة بالدواء ولا مرخص للتعدي عن موردها لان كفاية المسح على الحائل من غسل البشرة أو مسحها على خلاف القاعدة فلو تمسكنا بذيل الاجماع وعدم القول بالفصل بين الدواء وغيره كان استدلالا بالاجماع لا بالحسنة. يرد على الاستدلال بها انها رويت بطريقين باسناد واحد وفي أحدهما الرواية كما قدمناه وهو طريق الشيخ (قدس سره) وفي الآخر الذي هو طريق الصدوق زيدت كلمة في الوضوء بعد قوله ليمسح عليه فهما رواية واحدة لوحدة اسنادهما مرددة بين النقيصة والزيادة فمع الاغماض عن ان الامر إذا دار بين النقيصة والزيادة الاصل عدم الزيادة وان الشيخ كثيرا ما ينقص شيئا في الرواية أو يزيد عليه والصدوق أضبط ومقتضى هذين الاخذ برواية الصدوق وتخصيصها بالوضوء تصير الرواية مجملة فلا يمكننا الاعتماد عليها في الحكم بكفاية المسح على الحائل مطلقا ولو في التيمم لاحتمال اختصاصها بالوضوء كما ورد في طريق الصدوق فالصحيح في الاستدلال ان يقال ان الكسير والجريح والقريح في


(1) الوسائل: ج 1، باب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 9 - و 20.

[ 255 ]

[ (مسألة 30): في جواز استيجار صاحب الجبيرة اشكال (1) بل لا يبعد انفساخ الاجارة إذا طرء العذر في اثناء المدة مع ضيق الوقت عن الاتمام واشتراط المباشرة بل اتيان قضاء الصلاة عن نفسه لا يخلو عن اشكال مع كون العذر مرجو الزوال وكذا يشكل كفاية تبرعه عن الغير. ] موارد التيمم لا اشكال في انه مأمور بالصلاة حيث لا نحتمل سقوط التكليف عنه بالصلاة ما دام كونه كسيرا ولو إلى آخر عمره ولا صلاة الا بطهور والطهور اسم للماء والتراب أعني ما به يتطهر وحيث انه عاجز عن استعمال الماء على الفرض فيتعين ان يكون طهوره التراب وبما ان استعمال التراب لا نحتمل ان يكون على وجه آخر غير التيمم بان يمسح بدنه به أو نحوه ذلك - مثلا - أو فباليسير والتقسيم يظهر ان وظيفة مثله التيمم والمسح على بشرته وجبيرته والصلاة معه. حكم استيجار صاحب الجبيرة. (1) قد تقدم ان الوضوء مع الجبائر تصح معه الصلاة الواجبة الفعلية وإنما الكلام في انه هل يكفي الوضوء مع الجبائر في جواز الصلاة القضائية من قبل نفسه أو غيره مع الاجرة أو تبرعا أو لا تشرع به القضاء مطلقا؟ ان بنينا على ما ذهب إليه بعضهم من أن الوضوء مع الجبيرة

[ 256 ]

كالتيمم ومبيحان للدخول في الصلاة وغير رافعين للحدث فلا يصح القضاء مع الوضوء جبيرة لعدم دلالة الدليل على اباحة الدخول معه في القضاء وإنما ثبت اباحة الفرائض الفعلية به فحسب فإذا لم يشرع القضاء به في نفسه فلا تجوز الاجارة عليه أيضا لان صحة الاجارة فرع مشروعية العمل في نفسه. وأما إذا قلنا بانهما رافعان كما بنينا عليه سابقا فان توضأ لخصوص ان يأتي به القضاء فقط أيضا يحكم ببطلانه وذلك لان الوضوء مع الجبيرة وظيفة العاجز والامر بالقضاء موسع فله ان يصبر حتى يبرأ جرحه أو كسره فيصلي مع الوضوء التام ومع التمكن من التام لا يجوز له البدار والاتيان بالوضوء مع الجبيرة. كما هو الحال في الاداء حيث انه مع احتماله البرء إلى آخر وقت الفريضة لا يتمكن من البدار كما يأتي تفصيله فإذا لم يشرع في حقه الوضوء مع الجبيرة لمحض القضاء فلا تصح الاجارة عليه أيضا كما عرفت أللهم الا ان يعلم بعدم ارتفاع عذره إلى الابد فحينئذ يصح له اتيان القضاء مع الوضوء جبيرة الا انه خارج عن مفروض المسألة. وأما إذا توضأ جبيرة لاداء فريضة - فيما يصح له اتيانها مع الجبيرة - الا انه بعد ذلك أراد ان يأتي به القضاء من قبل نفسه أو غيره مع الاجرة أو بدونها كما أتى به الاداء فالظاهر انه لا اشكال في صحته وصحة قضائه حيث ان القضاء من نفسه أو من غيره مأمور به في الشريعة المقدسة ولا سيما عن الاب والام ولا صلاة إلا بطهور والمفروض أن المكلف متطهر ومن هنا جاز له مس المصحف وغيره مما يشترط فيه الطهارة كدخول المسجد مع الغسل جبيرة.

[ 257 ]

ومع الحكم بطهارته يصح منه القضاء كما صح منه الاداء ولا يفرق فيها بين الناقصة والتامة بعد فرض كونها طهارة مسوغة للغايات المشترطة بها فإذا جاز له القضاء في نفسه جازت الاجارة عليه أيضا كما تقدم. إذا طرء العذر في الاثناء بقى الكلام في انه إذا قلنا بعدم جواز الاجارة على القضاء مع الجبيرة وقد آجر نفسه للقضاء وهو سليم مأمور بالوضوء التام ولكن طرء عليه العذر في اثناء المدة ووجب عليه الوضوء مع الجبيرة فهل يحكم حينئذ بانفساخ العقد لانكشاف ان المنفعة المستأجرة عليها غير مملوكة للمؤجر وهو غير قادر على تسليمها فتبطل الاجارة بالاضافة إلى المقدار الباقي عن العمل نظير ما إذا خربت الدار في اثناء مدة الاجارة ولم يمكن تعميرها أو آجر نفسه للبناء فوقع في اثناء العمل وانكسر رجله ولم يتمكن من الوفاء بالعمل حيث تنفسخ الاجارة بالاضافة إلى المقدار الباقي من العمل لانكشاف عدم قدرة المؤجر لتسليم المنفعة وعدم كونها ملكا له أو ان الاجارة لا تنفسخ بل يثبت للمستأجر خيار تخلف الشرط وهو المباشرة فله ان يفسخ وله ان يرضى بالعمل منه مع التسبيب؟ إذا فرضنا ان المدة موسعة يتمكن المكلف من اتيان القضاء بالوضوء التام بعد برئه فلا كلام في صحة الاجارة وعدم انفساخها لتمكنه من تسليم المنفعة على الفرض واما إذا كانت المدة مضيقة ولا يبرء في تلك المدة فان وقعت الاجارة على العمل الكلي الجامع بين المباشرة والتسبيب أيضا تصح الاجارة لتمكنه من العمل بالتسبيب فيستأجر غيره ويأتي

[ 258 ]

بالعمل بسببه واما إذا كانت المدة مضيقة وكانت الاجارة واقعة على القضاء يالمباشرة فالصحيح ما ذهب إليه الماتن من انفساخ الاجارة. ولا وجه لصحتها مع خيار تخلف الشرط كما قيل والوجه في ذلك ان الاجارة بحسب البقاء كالاجارة بحسب الحدوث فكما ان الاجارة لو كانت واقعة في حال عجز المكلف من الوضوء التام من الابتداء حكمنا ببطلانها على الفرض فكذلك الحال فيما إذا طرء العجز في الاثناء ولم يتمكن من الوضوء التام في الوسط فلابد من الحكم ببطلانها. واما عدم جريان خيار تخلف الشرط في المقام فهو لما حققناه في بحث الخيار وقلنا ان الشرط في ضمن المعاملة قد يرجع إلى الاعيان الشخصية فيبيع كتابا معينا على ان يكون طبعة كذا أو عبدا معينا على ان يكون كاتبا أو روميا ونحو ذلك وقد يرجع إلى الكلي في الذمة كما إذا باع منا من الحنطة في ذمته على ان تكون من مزرعة كذا أو استأجره للصلاة على ان تكون في مكان كذا أو للصيام على ان يكون في شهر كذا أو يبيع كتاب الجواهر الكلي على ان يكون طبعة كذا. اما الشرط في العين الشخصية فقد ذكرنا انه يرجع إلى جعل الخيار على تقدير التخلف على الاغلب وان كان قد يرجع إلى امر آخر على ما ذكرناه في بحث الخيار ومعناه ان التزامه بالبيع مشروط بوجود شرطه وربما يصرح بذلك لدى العرف فتراه يقول اني اشتري هذا وإذا ظهر كذا فلا التزم بالمعاملة فالشرط في الاعيان الشخصية مرجعه إلى جعل الخيار ولا يرجع إلى تعليق المعاملة ليوجب البطلان ولا انه لتضيق دائرة المبيع لانه عين شخصية والجزئي متضيق في نفسه ولا معنى لتضييقه فإذا ظهر ان العبد المبيع ليس بكاتب فيثبت للمشتري خيار تخلف الشرط.

[ 259 ]

[ (مسألة 31): إذا ارتفع عذر صاحب الجبيرة لا يجب اعادة الصلاة (1) التي صلاها مع وضوء الجبيرة وان كان في ] واما الشرط الراجع إلى الكلي في الذمم فهو راجع إلى تضييق دائرة المبيع ولا يرجع إلى تعليق العقد ولا إلى جعل الخيار فإذا كان ما يدفعه البائع إلى المشتري حنطة مزرعة اخرى أو صلى المؤجر في غير المكان أو الزمان المشروط في ضمن المعاملة فليس للمشتري ان يفسخ المعاملة بالخيار بل له رده إلى البائع ومطالبته بالمبيع الذي هو الصحة الخاصة من الحنطة أو الصلاة ونحوهما. فبهذا يظهر انه إذا آجر نفسه للقضاء بشرط المباشرة ثم عجز عن المباشرة فقد عجز عن تسليم متعلق الاجارة إلى مستحقه ومع عدم القدرة على رده تبطل الاجارة لا محالة لا ان له الخيار لان مرجع الشرط في الكلي في الذمم إلى تضييق دائرة المبيع أو المنفعة المستأجرة عليها لا إلى جعل الخيار لنفسه. نعم لو آجر نفسه على ان يأتي بوضوء تام في الخارج بشرط المباشرة ثم عجز عن قيد المباشرة يثبت للمستأجر الخيار على ما بيناه آنفا ثم لا يخفى ان هذا كله مبني على القول ببطلان اجارة العاجز عن الوضوء التام وقد عرفت ان الحق صحته. وضوء الجبيرة مجزئ عن الواقع (1) اما إذا ارتفع عذره بعد خروج وقت الفريضة فلا ينبغي

[ 260 ]

[ الوقت بلا اشكال بل الاقوى جواز الصلاة الآتية بهذا الوضوء في والموارد التي علم كونه مكلفا بالجبيرة واما في الموارد المشكوكة التي جمع فيها بين الجبيرة والتيمم فلابد من الوضوء للاعمال الآتية لعدم معلومية صحة وضوئه وإذا ارتفع العذر في اثناء الوضوء وجب الاستيناف أو العود إلى غسل البشرة التي مسح على جبيرتها ان لم تفت الموالات. ] الاشكال في عدم وجوب الاعادة إذ لولا صحة الصلاة المأتى بها مع الوضوء جبيرة في وقتها لم يكن معنى للامر بها من التوضي بالوضوء جبيرة وهذا ظاهر واما إذا ارتفع عذره قبل خروج وقت الفريضة. فقد يفرض الكلام فيما إذا توضأ جبيرة وصلى حتى خرج وقت الفريضة ثم دخل وقت فريضة اخرى كالمغرب - مثلا - فصلاها بذلك الوضوء الذي اتى به جبيرة لصلاتي الظهر والعصر وارتفع عذره قبل خروج وقت الفريضة الثانية فلا اشكال في صحة صلاته في هذه الصورة لانه صلى المغرب وهو متطهر لما مر من ان الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث وموجب للطهارة بل قد ذكرنا انه لو توضأ مع الجبيرة وصلى ثم انكشف برء كسره أو جرحه وقرحه حال الوضوء صحت صلاته فضلا عما إذا كان كسره أو جرحه باقيين حال الوضوء إلا ان ذلك خارج عن مفروض كلام الماتن. واخرى يفرض الكلام فيما إذا توضأ وضوء الجبيرة معتقدا بقاء عذره إلى آخر الوقت أو باستصحاب بقائه كذلك أو انا جوزنا البدار

[ 261 ]

[ (مسألة 32): يجوز لصاحب الجبيرة الصلاة اول الوقت ] فصلى ثم ارتفع عذره قبل خروج وقت الصلاة فالصحيح في هذه الصورة وجوب الاعادة وذلك لان الاكتفاء بالوضوء الجبيرة على خلاف القاعدة لانها يقتضي وجوب التيمم في كل مورد عجز فيها المكلف عن الوضوء فلابد في الخروج عن مقتضى القاعدة من الاكتفاء بمورد النص وهو ما إذا لم يتمكن المكلف من الوضوء التام في مجموع الوقت إذ المستفاد من اخبار الجبيرة ان الوضوء معها وضوء عذري وحيث ان المأمور به هو الطبيعي الجامع بين المبدء والمنتهى فبارتفاع عذره في اثناء الوفت نستكشف تمكنه من الوضوء التام وعدم كونه معذورا في الاتيان بالوضوء الناقص. واما حكم الماتن بعدم وجوب الاعادة حينئذ فلعله مستند إلى الاجماع الذي ادعاه بعضهم على عدم وجوب اعادة الصلاة المأتى بها مع الوضوء جبيرة إلا انه اجماع منقول لا يعتمد عليه فلابد من الاعادة في الوقت - احتياط - نظرا إلى دعوى الاجماع على عدم الاعادة هذا كله إذا كان مأمورا بالوضوء مع الجبيرة. واما إذا اتى به في موارد الجمع للعلم الاجمالي بوجوب الوضوء جبيرة أو التيمم فاتى بهما عملا بعلمه الاجمالي ثم ارتفع عذره في اثناء الوقت فتجب عليه الاعادة يقينا كما لا يجوز له ان يأتي به الصلوات الآتية بوجه لعدم علمه بطهارته لاحتمال ان يكون مأمورا بالتيمم وهو يتبقض بوجدان الماء والتمكن من استعماله فلابد من تحصيل الطهارة للصلوات الآنية وفريضة الوقت.

[ 262 ]

[ مع اليأس عن زوال العذر في آخره ومع عدم اليأس الاحوط التاخير (1). (مسألة 33): إذا اعتقد الضرر في غسل البشرة فعمل بالجبيرة ثم تبين (2) عدم الضرر في الواقع أو اعتقد عدم ] (1) لا وجه لهذا الاحتياط وذلك لتمكن المكلف من البدار باستصحاب بقاء عذره إلى آخر الوقت فان اعتباره غير مختص بالامور المتقدمة بل كما يعتبر فيها يعتبر في الامور الاستقبالية أيضا على ما قدمناه في محله وحيث انه ذا عذر اول الزوال فيستصحب بقائه إلى آخره فبذلك يكون كالمتيقن في نظر الشارع ببقاء عذره إلى آخر الوقت فيسوغ له البدار فإذا انكشف عدم بقاء عذره إلى آخر الوقت بعد ذلك تجب اعادته وهو مطلب آخر غير راجع إلى صحة الوضوء مع البدار بل الامر كذلك فيما إذا بادر إليه لاعتقاد بقاء عذره ويأسه عن البرء إلى آخر الوقت فان مع ارتفاع عذره قبل خروج وقت الصلاة ينكشف ان اعتقاده كان مجرد خيال غير مطابق للواقع فتجب عليه الاعادة لا محالة. إذا اعتقد الضرر ثم تبين عدمه (2) صور المسألة اربع لان المكلف قد يكون معتقدا للضرر وقد يكون معتقدا لعدم الضرر وعلى كلا التقديرين قد يعمل على اعتقاده وقد يعمل على خلافه.

[ 263 ]

[ الضرر فغسل العضو ثم تبين انه كان مضرا وكان وظيفته الجبيرة أو اعتقد الضرر ومع ذلك ترك الجبيرة ثم تبين عدم الضرر وان وظيفته غسل البشرة أو اعتقد عدم الضرر ومع ذلك عمل بالجبيرة ثم تبين الضرر صح وضوئه في الجميع بشرط حصول قصد القربة منه في الاخيرتين والاحوط الاعادة في الجميع. ] اما إذا اعتقد الضرر أو عدمه فعمل على خلاف ما يعتقده كما إذا اعتقد الضرر وان وظيفته الوضوء مع الجبيرة إلا انه خالف اعتقاده فتوضأ وضوء التام أو انه اعتقد عدم الضرر وانه مأمور بالوضوء التام ولكنه توضأ جبيرة فلا اشكال في بطلان وضوئه لان ما اتى به غير مأمور به باعتقاده ومع الاعتقاد بعدم تعلق الامر به لا يتمشى منه قصد الامر فيقع فاسدا لعدم حصول قصد القربة هذا في هاتين الصورتين. واما الصورة الثالثة وهي ما إذا اعتقد الضرر فتوضأ جبيرة ثم انكشف انه لم يكن ضرر في الواقع فقد حكم الماتن بصحة الوضوء حينئذ. ولكن الصحيح ان نفصل بين ما إذا كان على بدنه كسرا وجرح أو قرح مجبور أو مكشوف فاحتمل بقائها وتضررها بالماء فتوضأ مع الجبيرة أو غسل اطراف الجرح ثم انكشف برئها حال الوضوء وعدم كون الماء مضرا في الواقع فيحكم بصحة وضوئه لاطلاقات الاخبار الآمرة بالمسح على الجبيرة أو غسل الاطراف للكسير والجريح والقريح فان الموضوع لجواز الوضوء مع الجبيرة هو الخوف دون الضرر الواقعي وحيث انه اعتقد الضرر فيصح منه الجبيرة أو الوضوء بغسل الاطراف.

[ 264 ]

[ (مسألة 34): في كل مورد يشك في ان وظيفته الوضوء الجبيري أو التيمم الاحوط الجمع بينهما (1). ] وبين ما إذا لم يكن على بدنه شئ من الجرح أو القرح أو الكسر قبل ذلك إلا انه تخيل كسر يده لعدم حركتها أو لوقوعه من علو فجبره بجبيرة أو لم يجبره وتوضأ مع الجبيرة أو بغسل اطرافه ثم انكشف عدم الكسر وعدم الضرر في الواقع فيحكم ببطلان وضوئه حينئذ لان الموضوع لجواز الجبيرة أو غسل الاطراف هو الكسر الواقعي الموجود أو السابق الذي يضره الماء فإذا انكشف انه لم يكن كسر لا فعلا ولا سابقا وانما كان هناك تخيل كسر فقط فهو خارج عن موارد الاخبار فوضوئه باطل يجب اعادته. واما الصورة الرابعة فهي ما إذا اعتقد عدم الضرر فتوضأ وضوء الصحيح ثم بان ضرره لكسر أو لجرح والصحيح في هذه الصورة الحكم بصحة الوضوء وذلك لعدم كونه مشمولا لاخبار الجبائر لما مر من ان الموضوع فيها خوف الضرر واحتماله والمفروض اعتقاد المكلف بعدم الضرر فيصح منه الوضوء الصحيح. ودعوى ان مقتضى حديث لا ضرر عدم وجوبه وبطلانه مندفعة بما مر غير مرة من انه قاعدة امتنانية ولا تجري في موارد خلاف الامتنان والحكم ببطلان الوضوء الذي كان ضرريا في الواقع على خلاف الامتنان فتلخص ان الحكم في الصورتين الاوليتين هو البطلان وفي الثالثة نوافق الماتن في صورة وتخالفه في صورة وفي الصورة الرابعة نوافقه كما عرفت. (1) لعلمه الاجمالي بوجوب احد الامرين في حقه.

[ 265 ]

[ فصل في حكم دائم الحدث المسلوس والمبطون اما ان يكون لهما فترة تسع الصلاة والطهارة ولو بالاقتصار على خصوص الواجبات وترك جميع المستحبات ام لا وعلى الثاني اما ان يكون خروج الحدث في مقدار الصلاة مرتين أو ثلاثة مثلا أو هو متصل ففي الصورة الاولى يجب (1) اتيان الصلاة في تلك الفترة سواء كانت في اول الوقت أو ] فصل في حكم دائم الحدث الصورة الاولى: (1) لاجل التحفظ على طائفتين من الادلة (احداهما): الادلة الدالة على اشتراط الصلاة بالطهارة وانه لا صلاة إلا بطهور و (ثانيتهما): الادلة الدالة على ناقضية البول والغائط ونحوهما للوضوء فلو صلى في الفرتة التي تسع الصلاة فقد جمع بين كلتا الطائفتين وعن الاردبيلي (قدس سره) احتمال عدم الوجوب وجواز الصلاة في كل وقت اراده ولو مع الحدث. وهذا يتبنى على احد امرين (احدهما): دعوي تخصيص ما دل

[ 266 ]

[ وسطه أو آخره وان لم تسع الا لاتيان الواجبات اقتصر عليها وترك جميع المستحبات فلو اتى بها في غير تلك الفترة ] على اشتراط الصلاة بالطهارة بالمسلوس والمبطون - ولو في مفروض كلامنا - فلا يعتبر في صلاتهما الطهارة حتى يجب عليها ايقاعها في وقت الفترة من البول والغائط و (ثانيهما): التزام التخصيص في ادلة ناقضية البول والغائط بالمسلوس والمبطون ولو في مفروض المسألة فالصلاة وان كانت مشروطة بالطهارة إلا ان طهارتهما باقيتان ولا ترتفعان بالبول والغائط تخصيصا في ادلة النواقض وكلا هذين الامرين فاسد ولا يمكن الاعتماد على شئ منهما وليس هناك امر ثالث. اما دعوى الالتزام بالتخصيص في ادلة اشتراط الصلاة بالطهارة فلانا لو التزمنا بذلك فجوزنا الصلاة في حقها من غير طهارة لجازت لهما الصلاة مع احداث غيرهما من الاحداث بالاختيار كاخراج الريح مثلا لان المحدث لا يحدث ثانيا والمفروض عدم اشتراط الطهارة في صلاتيهما مع انه مما لا يمكن الالتزام بصحتها فيهما مع اخراج الريح أو غيرهما من الاحداث هذا. على ان المسلوس والمبطون غالبا يصدر منهما الحدثان في اثناء وضوئهما أو بعده وقبل الصلاة فلو التزمنا بالتخصيص في ادلة الاشتراط مع القول بناقضيتهما في حقها فما الموجب لاشتراط الوضوء في حقهما من الابتداء؟! فلا يلزمهما الوضوء اصلا وهذا أيضا كما ترى مما لا يمكن الالتزام به. واما الالتزام بالتخصيص في ادلة الناقضية مع الالتزام ببقاء ادلة الاشتراط مجالها فهو وان كان امرا معقولا بل ونلتزم به في الصورتين

[ 267 ]

[ بطلت (1) نعم لو اتفق عدم الخروج والسلامة إلى آخر ] الاخيرتين كما يأتي تفصيلهما انشاء الله تعالى إلا ان الالتزام به في المقام وهو الصورة الاولى من الصور الاربعة للمسألة يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه سوى دعوى شمول اطلاقات الاخبار (1) الواردة في المسلوس والمبطون للقمام وهي تدل على جواز ايقاع الصلاة لهما مع الحدث. وفيه انه لا اطلاق لتلك الاخبار حسب الفهم العرفي لان الصلاة مع الحدث في حقهما حسب ما نفهم من ادلتها لدى العرف انما هي صلاة عذرية بدلا عن الصلاة المأمور بها على وجه التمام نظير الوضوء مع الجبيرة لديها وهي انما تصح مع معذورية المكلف وعدم تمكنه من الاتيان بالمأمور به الاولى فيقتصر على المأمور به الاضطراري واما مع فرض تمكنه من الواجب الاصلي فلا اضطرار له والصلاة مع الحدث ليست بعذرية حينئذ فتبطل. مضافا إلى قوله عليه السلام في صحيحة منصور بن حازم من انه إذا لم يقدر حسبه فالله اولى بالعذر (2) لانه كالصريح في ان صلاة المسلوس والمبطون عذرية ومع التمكن من المأمور به كيف تكون صلاته مع الحدث عذرية فهي غير جائزة في حقه حتى تكون عذرا وبالجملة ان الاخبار لا اطلاق لها على نحو يشمل المقام فالصحيح ما افاده الماتن كما عرفت وجهه. (1) لعدم الامر بها.


(1) راجع الوسائل: ج 1، باب 19 من أبواب الوضوء. (2) الوسائل: ج 1، باب 19 من أبواب الوضوء الحديث 2.

[ 268 ]

[ الصلاة صحت إذا حصل منه قصد القربة (1) وإذا وجب المبادرة لكون الفترة في اول الوقت فأخر إلى الآخر عصى لكن صلاته صحيحة (2) واما الصورة الثانية (3) وهي ما إذا ] (1) كما إذا كانت الفترة في آخر الوقت وقد اتى بها في اول وقتها رجاء عدم خروج شئ من الحدثين أو بأستصحاب عدم خروجها إلى ان يتم الصلاة أو غفلة عن انه يحدث والوجه في صحتها ان الصلاة لم يشترط فيها ان تقع في آخر الوقت مثلا وانما اوجبنا عليه ايقاعها في ذلك الوقت تحفظا على شرطها وهو الطهارة فإذا كانت حاصلة ولو في اول وقت الفريضة صحت صلاته والمفروض حصول قصد القربة وغيره من شرائطها أيضا. (2) القاعدة وان كانت تقتضي سقوط الامر بالصلاة عنه لعدم تمكنه من شرطها إلا انا لما علمنا بعدم سقوط الصلاة في حال من الاحوال كما تقتضيه الاجماع القطعي في المسألة فلا جرم أو جبنا عليه الصلاة مع ما هو عليه من الحدث بمقتضى اطلاقات اخبار المسألة لانه مسلوس أو مبطون عاجز عن الصلاة مع الطهارة. الصورة الثانية (3) وقد قسم الصورة الثانية وهي ما إذا لم يتمكن المكلف من الصلاة مع الطهارة في شئ من الوقت لعدم حصول فترة في البين

[ 269 ]

[ لم تكن فترة واسعة الا انه لا يزيد على مرتين أو ثلاثة أو ازيد بما لا مشقة في التوضوء في الاثناء والبناء يتوضأ ويشتغل بالصلاة بعد ان يضع الماء إلى جنبه فإذا خرج منه شئ توضأ بلا مهلة وبنى على صلاته ] تسع الطهارة والصلاة إلى اقسام ثلاثة. (الاول): ما إذا خرج منه مرة أو مرتين أو اكثر على نحو لم يكن الوضوء بعد كل واحد منها موجبا للعسر والحرج وقد حكم في هذا القسم بوجوب شروعه في الصلاة مع الطهارة فإذا خرج منه بول أو غائط في الاثناء جدد الوضوء بعد ان يضع الماء بجنبه فإذا خرج منه شئ توضأ بلا مهلة وبنى على صلاته وحكمه هذا يغائر حكمه في القسمين الآتيين. (القسم الثاني): ما إذا كان الخارج كثير بحيث يكون الوضوء بعد كل منها موجبا للعسر والحرج كما إذا كان بحيث يقول اياك نعيد فيتوضأ ويقول واياك نستعين فيتوضأ وهكذا وقد اوجب عليه الوضوء لكل من صلواته. (والقسم الثالث): ما إذا لم ينقطع بوله اصلا بل كان يخرج مستمرا فقد حكم في حقه بكفاية الوضوء الواحد لجميع صلواته وان له ان يصلي صلوات عديدة بوضوء واحد وانه بحكم المتطهر إلى ان يجيئه حدث آخر من نوم أو نحوه أو خرج منه البول أو الغائط على المتعارف.

[ 270 ]

[ من غير فرق بين المسلوس والمبطون لكن الاحوط ان يصلي صلاة اخرى بوضوء واحد خصوصا في المسلوس بل مهما امكن لا يترك هذا الاحتياط فيه ] القسم الاول من الاقسام الثلاثة وما ذكره (قدس سره) في القسم الاول من الحكم بوجوب الوضوء لكل صلاة وانه إذا خرج شئ منه في اثناء صلاته توضأ بلا مهلة فيما إذا لم يستلزم الفعل الكثير الماحي لصورة الصلاة ولا شيئا من منافياتها وقواطعها كالاستدبار - مثلا - على القاعدة اعني التحفظ على اطلاقات ادلة اشتراط الصلاة بالطهور حيث انها على قسمين: قسم دل على انه لا صلاة (1) إلا بطهور وهذا القسم انما يستفاد منه اعتبار الطهارة فيما هو صلاة فلا دلالة على اعتبار الطهارة في الاكوان المتخللة بين اجزاء الصلاة لانها ليست بصلاة وان كان المكلف في الصلاة ما دام لم يسلم فله ان يحدث متعمدا فضلا عما إذا لم يكن متعمدا في الاكوان المتخللات. وقسم دل على اعتبار الطهارة حتى في الاكوان المتخللة وهو ادلة القواطع من الاستدبار والحدث ونحوهما (2) فقد دلت على ان وقوع


(1) الوسائل: ج 1 باب 9 من أبواب احكام الخلوة حديث 1 وباب 1 و 4 من أبواب الوضوء حديث 1. (2) راجع الوسائل: ج 4 باب 3 و 1 وغيرهما من أبواب قواطع الصلاة.

[ 271 ]

الحدث في الصلاة ولو في الاوقات المتخللة موجب لبطلانها وانقطاعها وعدم انضمام ما سبق منها بما لحق. وقد رفعنا اليد في المسلوس والمبطون عن القسم الثاني بمقتضى اخبارهما حيث دلت على ان الحدث غير قاطع في حقهما إذ لو كان قاطعا في حقهما أيضا سقطت عنهما الصلاة لعدم تمكنهما عن الصلاة المأمور بها واما اطلاق القسم الاول وانه لا صلاة إلا بطهور فهو باق بحاله وهو يقتضي تحصيل الطهارة للاجزاء الصلاتية إذا حدث في اثنائها. ودعوى ان ذلك ينافي بطلان الصلاة بالفعل الكثير ولا وجه لتقديم ادلة اشتراط الطهارة في الصلاة على ادلة بطلانها بالفعل الكثير مندفعة بأن مبطلية الفعل الكثير للصلاة مما لم يدل عليه أي دليل لفظي وانما استفيدت من ارتكاز ذلك في اذهان المتشرعة والارتكاز انما هو في الافعال الاجنبية عن الصلاة ولا ارتكاز في مثل الوضوء لاجل الصلاة. نعم ورد في بعض الاخبار المانعة عن التكفير في الصلاة انه عمل ولا عمل في الصلاة (1) إلا ان معناه ان للتكفير في الصلاة إذا اتى به بما انه عمل من اعمالها موجب لبطلانها لانه ليس من اعمالها ولا دلالة على ان مطلق العمل في الصلاة يبطلها فلو وضع - مثلا - احدى يديه على احد جانبي وجهه ويده الاخرى على جانبه الآخر لم تبطل صلاته فالانصاف ان ما افاده (قدس سره) مطابق للقاعدة.


(1) وهي صحيحة علي بن جعفر الوسائل: ج 4 باب 15 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 5.

[ 272 ]

حكم المسألة بالنظر إلى الاخبار واما بالنظر إلى الاخبار الواردة في المقام فالصحيح ان حكم المسألة حكم المسألتين الآتيتين اعني حكم السلس والبطن ونتكلم في السلس اولا ثم في البطن. حكم السلس وعمدة هذه الاخبار موثقة سماعة قال: سألته عن رجل اخذه تقطير من فرجه إما دم واما غيره قال: فليصنع خريطة وليتوضأ وليصل، فانما ذلك بلاء ابتلى به، فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضأ منه (1) حيث دلت على ان المسلوس لا يعيد وضوئه وان للحدث الاقتضائي منه ليس بحدث في حقه وانه بلاء ابتلى به من قبل الله سبحانه وغير مستند إلى اختياره فلا يجب عليه اعادة الوضوء في اثناء صلاته هذا. وقد يناقش في الرواية بأضطراب متنها حيث ان في نسخة منها (قرحة) بدل فرجه وعليه فالموثقة اجنبية عما نحن بصدده ويدفعه ان الوسائل انما نقلها عن الشيخ والشيخ في تهذيبه رواها بلفظه فرجه كما ان الوافي والحدائق رويا عنه بتلك اللفظة وكذا في كتب الفقهاء فلفظة قرحة غلط من نساخ الوسائل هذا.


(1) الوسائل: ج 1 باب 7 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 9.

[ 273 ]

بل في نفس متنها لقرينة ظاهرة على ان الكلمة فرجه لا قرحه وتلك القرينة عبارة عن ان الكلمة لو كانت هي قرحة لم يكن وجه للسؤال عن بطلان الصلاة بما يخرج منه من دم أو غيره كالقيح لان الخارج من القرح غير ناقض للوضوء ابدا فسؤاله عن وضوئه وغسله قرينة على ان اللفظة هي فرجه. على ان قوله فليصنع خريطة كالصريح في ان الكلمة كلمة فرج لان الخريطة بمعنى الكيس الذي يعلق على الفرج لئلا ينجس الفخذين ولا نتعاهد الخريطة في القرح فهذه المناقشة ساقطة. ويناقش فيها اخرى بعدم صراحتها في البول لان لفظة واما غيره غير صريح في ذلك فيحتمل ان يراد به غير البول وتندفع هذه المناقشة بما عرفت من ان المراد منه أي من كلمة (إما غيره) لو كان غير البول لم يكن وجه للسؤال عن كونه حدثا ناقضا للوضوء والصلاة ولم يناسبه الجواب بعدم كونه حدثا وانه لا يعاد منه الوضوء بل المناسب في الجواب على تقدير السؤال عنه ان يقال انه طاهر أو نجس واما الجواب بانه بلاء وانه لا يوجب الوضوء إلا الحدث المتعارف من البول والغائط المتعارفين أو النوم المتعارف فهو قرينة على ان المراد به هو البول. وعلى ذلك فقد دلتنا الموثقة على أن بول المسلوس غير ناقض لوضوئه فلا يجب عليه الوضوء في اثناء صلاته ويؤيد ذلك ان الاخبار الواردة في احكام المبطون والمسلوس كلها خالية عن التعرض لحكم ما إذا اخذه البول أو الغائط في اثناء وضوئه مع انه امر عادي محتمل في حقها بل لا يقصر عن زمان الصلاة فلو كان بوله حدثا ناقضا لبطل وضوئه من الابتداء ولم يقدر على الطهارة اصلا هذا. وقد يعارض الموثقة بصحيحة حريز عن أبي عبد الله عليه السلام الدالة

[ 274 ]

على ان صاحب السلس يأخذ كيسا ويدخل فيه ذكره ثم يصلي يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر يؤخر الظهر ويعجل العصر باذان واقامتين ويؤخر المغرب ويعجل العشاء بأذان واقامتين ويفعل ذلك في الصبح (1) حيث اوجبت عليه الوضوء لكل صلاتين يجمع بينهما فهي تنافي الموثقة المتقدمة الدالة على ان بول المسلوس غير موجب للحدث والانتقاض. وفيه ان الصحيحة لو لم تؤيد الموثقة لم تكن منافية لها وذلك لان في الصحيحة جهتين. (احدهما): انه يجمع بين الصلاتين بوضوء واحد وهذه الجملة مؤيدة للموثقة حيث دلت على ان البول الخارج في زمان الصلاتين ليس بحدث وإلا لاوجب عليه الوضوء في اثنائهما. و (ثانيهما): ان المسلوس لا يتمكن من الشروع في صلاة اخرى غيرهما إلا ان الصحيحة غير مشتملة على ان ذلك من جهة ناقضية بوله لوضوئه بل لعله من جهة نجاسة محل بوله حيث انه يخرج من المسلوس ويوجب نجاسته وانما عفى عنها في الصلاتين واما في الزائد عليهما فهي باقية على مانعيتها في الصلاة. ويؤيده ان السؤال كله متوجه إلى الصلاة في الصحيحة ولم يسئل فيها عن الوضوء وعليه فالمسلوس لا يبطل وضوئه ببوله نعم ليس له الدخول في غير الصلاتين من النوافل أو غيرها إلا بعد غسل الموضع وتطهيره هذا كله في المسلوس. واما المبطون فالظاهر ان حكمه حكم المسلوس وذلك لان موثقة سماعة وان كانت واردة في سلس البول إلا ان قوله عليه السلام في ذيلها فانما ذلك بلاء ابتلى به فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضأ منه - اي


(1) الوسائل: ج 1 باب 19 من ابواب نواقض الوضوء، حديث 1.

[ 275 ]

من الاحداث المتعارفة اتي يتعارف الوضوء منها كالبول الاختياري أو غيره من الاحداث المعتادة - ظاهر في التعليل والعلة يعمم الحكم إلى غير مورد الرواية أيضا لانها تدل على ان كل حدث غير اختياري الذي هو بلاء من قبل الله سبحانه لا يعاد منه الوضوء وانما يعاد من الحدث الاختياري المتعارف وهو كما يشمل السلس يشمل البطن. ومن هنا الحق الفقهاء بهما صاحب الريح الغالبة مع عدم ورود رواية فيه فان العلة ظاهرة في التعميم وان امكن ان يكون لهم وجه آخر زائدا على ذلك أيضا فالصحيح ان المسلوس والمبطون لا يجب عليهما الوضوء في اثناء صلاتهما بل يتوضئان مرة واحدة للصلاتين بل لجميع الصلوات ويتمكنان من الدخول في صلاة اخرى غير الصلاتين التين جمع بينهما نعم لابد من تطهير الموضع من النجاسة لانها انما عفيت بقدر الصلاتين لا ازيد. حكم البطن واما الاخبار الواردة في البطن فهي ثلاثة كلها من محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام روى ثنتين منها صاحب الوسائل (قدس سره) وهما اللتان رواهما عنه عبد الله بن بكير وترك الثالثة - وهي التي رواها عنه علاء بن رزين - اشتباها ونقلها الصدوق في الفقيه. (احداهما): موثقة ابن بكير عن محمد بن مسلم قال سئلت أبا جعفر عليه السلام عن المبطون فقال يبنى على صلاته (1) وقوله يبنى على


(1) الوسائل: ج 1 باب 19 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 3.

[ 276 ]

صلاته يحتمل ان يراد منه انه إذا خرج منه الغائط في اثناء صلاته يتوضأ ثم يبنى على صلاته كما يحتمل ان يراد به انه لا يعتني بما خرج منه بل يبنى على صلاته ويمضي فيها وهذا لو لم يكن متعينا فلا اقل من انه الاظهر من الاحتمال السابق. و (ثانيهما): رواية علاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام صاحب البطن الغالب يتوضأ ويبنى على صلاته (1) وهي اظهر فيما ذكرناه من الموثقة المتقدمة فان ظاهرها ان صاحب البطن يتوضأ أولا فيدخل في الصلاة ولا يعتني بما خرج منه بل يبنى على صلاته. و (ثالثها): رواية ابن بكير عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: صاحب البطن الغالب يتوضأ ثم يرجع في صلاته فيتم ما بقى (2). وقد سقطت كلمة الغالب في كلام الحدائق (قدس سره) وكلمة ثم يرجع غير منقولة في الوافي. وكيف كان فظاهر الاخيرة ان المبطون إذا خرج منه الغائط في اثناء صلاته يتوضأ ثم يتم ما بقى من صلاته فتعارض الرواية المتقدمة بل الموثقة أيضا على ما قويناه من كونها ظاهرة في انه لا يعتني بما يخرج منه هذا ولكن الظاهر عدم امكان الاعتماد عليها. اما اولا فلضعف سندها لان طريق الشيخ إلى العياشي ضعيف واما ثانيا فلانه من البعيد عادتا ان يسئل راو واحد عن امام واحد مسألة واحدة ثلاث مرات ويجيبه الامام عليه السلام في كل مرة بعبارة غير العبارة الاخرى فالمظنون بل المطمئن به انها باجمعها أو ببعضها منقولة


(1) الفقيه: ج 1 باب صلاة المريض والمغمى عليه، حديث 11. (2) الوسائل: ج 1 باب 19 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 4.

[ 277 ]

بالمعنى اما من محمد بن مسلم أو من غيره وحيث انا لا ندري ان الالفاظ الصادرة عنه عليه السلام اية لفظة فلا محالة نتوقف عن الاعتماد عليها فلا يمكن الحكم بوجوب الوضوء على المبطون في اثناء صلاته هذا. على انا لو اغمضنا عن ذلك وبنينا على انها منقولات بالفاظها أيضا لا يمكننا العمل بمقتضى الاخيرة بل لابد من حملها على الاستحباب لان ظهور التعليل في العموم في قوله في موثقة سماعة انه بلاء ابتلى به ولا يعيدن حيث يدل على عدم وجوب الوضوء في شئ من الاحداث غير الاختيارية - اقوى من ظهور الامر في الوجوب في قوله في الاخيرة يرجع ويتوضأ. فلا مناص من حمله على الاستحباب. بل يمكن ان يقال ان البطن بمعنى صاحب مرض البطن فتوصيفه بالغالب كاشف عن ارداة ما إذا لم ينقطع عنه الغائط بوجه بل يخرج مستمرا ويأتي ان الحكم حينئذ كفاية وضوء واحد لجميع صلواته فكيف يمكن الحكم في مثله بوجوب الوضوء عند خروج الغائط في اثناء الصلاة وهذا أيضا شاهد على حملها على الاستحباب. فتلخص ان المسلوس والمبطون لا يجب عليهما الوضوء في اثناء صلاتهما وان خرج عنهما البول والغائط من غير اختيار وذلك تخصيصا في ادلة ناقضية البول والغائط بالاخبار المتقدمة الواردة في السلس والبطن فلهما ان يصليا صلاة اخرى غير الصلاتين اللتين جمعاهما في زمان نعم لابد من ان يطهرا بدنهما ولباسهما لغيرهما من الصلوات فان مانعية نجاسة البدن والثياب انما رفعنا عنها اليد بمقدار الصلاتين بمقتضى صحيحة حريز المتقدمة لا ازيد منه. ويؤيد ما ذكرناه انه لم يرد في شئ من روايات السلس والبطن حكم ما إذا خرج عنهما البول أو الغائط في اثناء وضوئهما مع انه امر

[ 278 ]

[ واما الصورة الثالثة (1) وهي ان يكون الحدث متصلا بلا فترة أو فترات يسيرة بحيث لو توضأ بعد كل حدث وبنى لزم الحرج يكفى ان يتوضأ لكل صلاة ولا يجوز ان يصلي صلاتين بوضوء واحد نافلة كانتا أو فريضة أو مختلفة هذا ان امكن اتيان بعض كل صلاة بذلك الوضوء. ] عادي ولا يقصر وقته عن الصلاة بكثير فلو كان حدثهما غير الاختياري مبطلا لوضوئهما لوجب عليهما استيناف الوضوء لو حصلا في اثنائه مع ان الاخبار لم يدل على بطلان وضوئه بخروجها في اثنائه. نعم انما يرتفع حدثه بما يتعارف منه الوضوء كالبول والغائط الاختياريين أو الريح والنوم العاديين وهكذا فما ذهب إليه الشيخ في مبسوطه من ان صاحب السلس والبطن يتوضئان مرة واحدة لجميع صلواتهما ولا يعيدان الوضوء إلا مما تعارف الوضوء منه بعد ذلك هو الصحيح. القسم الثاني من الاقسام الثلاثة (1) اعني الصورة الثانية من الصور الثلاث الباقية فان بنينا في الصورة الاولى - اعني ما إذا خرج البول أو الغائط مرة أو مرتين أو ثلاث مراة من غير استلزام التوضوء بعد كل واحدة من الاحداث عسرا أو حرجا - على ما بنينا عليه من ان الوضوء في المسلوس والمبطون لا ينتقض بالبول والغائط بوجه وانما يتوضئان مرة واحدة وهو يكفي

[ 279 ]

لجميع صلواتهما ولا يجب عليهما الوضوء في اثناء صلاتهما وانه يبقى إلى الابد ما دام لم يصدر منه حدث اختياري فالحكم في هذه المسألة ظاهر لانه أيضا يتوضؤ مرة واحدة ويصلي به أي صلاة شائها ولا ينتقض إلا بالحدث الاختياري ولا يجب عليه ان يتوضأ لكل صلاة بطريق اولى - لان الوظيفة كانت كذلك عند عدم لزوم العسر والحرج فكيف بما إذا كان الوضوء مستلزما لهما -. واما إذا لم نقل بذلك وبنينا على ناقضية البول والغائط من المبطون والمسلوس لوضوئهما وحكمنا في الصورة الاولى بوجوب الوضوء في اثناء الصلاة كما بنى عليه الماتن (قدس سره) فما حكم به الماتن من انه يتوضأ لكل صلاة ولا يجوز ان يصلي صلاتين بوضوء واحد هو الصحيح وذلك لان المسلوس والمبطون في فرض المسألة وان كان لا يجب عليهما الوضوء في اثناء صلاتهما لاستلزامه العسر والحرج المنفيين في الشريعة المقدسة إلا ان دليل نفي الحرج انما ينفي التكليف والالزام بالوضوء في الاثناء ولا يستفاد منه الحكم الوضعي من بطلان وضوئهما وصلاتهما أو صحتهما بوجه فلابد في تعيين الوظيفة حينئذ من الرجوع إلى دليل آخر. فقد يقال انه يجب ان يتوضأ حينئذ في اثناء الصلاة إلى ان يبلغ مرتبة توجب العسر والحرج في الوضوء فإذا بلغ إلى تلك المرتبة سقط عن الوجوب. وفيه ان دليل نفي العسر والحرج كما عرفت انما ينفي الالزام بايجاد الصلاة المشروطة بالطهارة في الخارج لانه عسر وحرجي واما اصل اشتراط الصلاة بالطهارة فهي ليس امرا موجبا للعسر والحرج لينفي بدليل نفيهما فلا دليل على ان صلاتهما في مفروض المسألة بعد بلوغ الوضوء مرتبة العسر والحرج غير مشترطة بالطهارة فتصح مع الحدث

[ 280 ]

أيضا فلابد في تعيين الوظيفة حينئذ من الرجوع إلى روايات الباب. فإذا نظرنا إلى رواية محمد بن مسلم (1) الدالة على ان صاحب البطن الغالب يتوضأ ثم يرجع في صلاته فيتم ما بقى وقطعنا النظر عن ضعف سندها وبنينا على انها مطلقة شاملة لكل من صورتي التمكن من الوضوء في الاثناء وعدم التمكن منه فانها فرضت الحدث في الاثناء ودلت بظاهرها على وجوبه في الاثناء ثم الرجوع إلى صلاته فمع فرض اطلاقها لكل من صورتي التمكن من الوضوء وعدمه لابد من الحكم بسقوط الصلاة عن المكلف في مفروض المسألة وذلك لان المفروض ان صلاته مشروطة بالطهارة حتى إذا لم يتمكن من الطهارة ولازمه تعذر الصلاة في حقه لتعذر شرطها لعجز المكلف عن الوضوء في الاثناء واستلزامه العسر والحرج. وتوهم عدم امكان الاطلاق فيها على نحو يشمل كلا من حالتي التمكن من الوضوء وعدمه لانها مشتملة على الامر بالوضوء والتكليف مع عدم القدرة غير ممكن مندفع بأن الامر وان كان كذلك إلا انه يختص بالتكاليف المولوية واما الاوامر الارشادية إلى الاشتراط كما في المقام أو غيره فلا مانع من ان تشمل موارد عدم التمكن أيضا فتدل على اشتراط الصلاة بالطهارة مطلقا حتى مع عدم التمكن من شرطها وهذا مما لا محذور فيه نعم انا نعلم - علما خارجيا - ان الصلاة لا تسقط عن المبطون ونحوه طيلة حياته كاربعين أو ثلاثين سنة وبهذا نستكشف انها لا اطلاق لها بحيث يشمل صورة عدم التمكن أيضا. وعليه فيتمسك بموثقة ابن بكير عن محمد بن مسلم المتقدمة بناءا على ما استظهرناه من دلالتها على وجوب الوضوء قبل الصلاة والبناء عليها


(1) الوسائل: ج 1، باب 19، من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 3.

[ 281 ]

المؤيدة بما رواه محمد بن مسلم في الفقيه (1) من ان صاحب البطن الغائب يتوضأ ويبنى على صلاته ومقتضاهما وجوب الوضوء على المبطون مرة واحدة لصلاته من دون ان يجب عليه في اثنائها وحيث انا تحفظنا على دليل الناقضية فلابد من اعادة الوضوء لكل صلاة لان الاول ينتقض بما يخرج منه بعد ذلك لا انه يتوضأ إلى ان يلزم الحرج فإذا لزم لم يجب عليه الوضوء لانه كما مر مما لا دليل عليه. وقياس ناقضية الحدث قبل لزوم الحرج وعدم ناقضيته بعد الحرچ بناقضية الحدث قبل الصلاة وعدمها بعد الدخول في الصلاة كما ذهب إليه الماتن (قدس سره) حيث حكم بوجوب الوضوء قبل الصلاة ولم يوجبه في اثنائها لان معناه ان الاحداث السابقة على الصلاة ناقضة فلذا وجب التوضوء لرفعها بخلاف الاحداث الواقعة في اثنائها لانها ليست بناقضية ومن هنا لم يجب الوضوء في اثناء الصلاة فإذا امكن التفكيك في الناقضية بين ما قبل الصلاة وما بعدها فيمكن التفكيك في الناقضية بين ما قبل لزوم الحرج وما بعده أيضا قياس مع الفارق. لانا انما قلنا بعدم ناقضية الحدث اثناء الصلاة بموثقة ابن بكير المؤيدة برواية محمد بن مسلم المتقدمتين الدالتين على انه يتوضأ قبل الصلاة ويبنى على صلاته واما التفكيك بين ما قبل الحرج وبعده فهو مما لم يقم عليه دليل.


(1) الوسائل: ج 1، باب 19، من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 3.

[ 282 ]

[ واما ان يكن كذلك بل كان الحدث مستمرا (1) بلا فترة يمكن اتيان شئ من الصلاة مع الطهارة فيجوز ان يصلي بوضوء واحد صلوات عديدة وهو بحكم المتطهر إلى ان يجيئه حدث آخر من نوم أو نحوه أو خرج منه البول أو الغائط على المتعارف لكن الاحوط في هذه الصورة ايضا الوضوء لكل صلاة. ] القسم الثالث من الاقسام الثلاثة (1) هذه هي الصورة الباقية من الصور الثلاث الباقية فان بنينا على ما ذكرناه في الصورة الاولى من ان البول والغائط من المسلوس والمبطون غير ناقضتين لحدثهما ويكفي له الوضوء مرة لجميع صلواته ولا ينتقض إلا بالحدث الاختياري فنقول به في هذه المسألة أيضا بطريق اولى واما إذا لم نبن عليه وقلنا بناقضية احداهما فالوجوه في المسألة اربعة. الوجوه المتصورة في المسألة (الاول): ان لا يجب عليهما الصلاة في هذه الصورة اصلا لتعذر شرطها وهو الطهارة. (الثاني): ان تجب عليهما الصلاة من غير وضوء لتعذره.

[ 283 ]

(الثالث): ان يجب عليها الوضوء لكل صلاة وهو الذي احتاط به الماتن في المسألة. (الرابع): ما بنى عليه الماتن من وجوب الوضوء عليهما مرة واحدة لجميع صلواتهما وانه لا ينتقض إلا بالحدث الاختياري. اما الوجه الاول فهو باطل يقينا للقطع بعدم سقوط الصلاة عن المسلوس والمبطون طيلة حياتهما وكذلك الوجه الثاني إذ لا صلاة إلا بطهور فكيف تجب الصلاة من دون وضوء؟ على ان لازمه جواز احداث المسلوس والمبطون في الصلاة متعمدا ولو بالبول ونحوه وهو مقطوع الخلاف. اما الوجه الثالث فهو أيضا باطل لعدم الدليل على وجوب الوضوء لكل صلاة لان الدليل عليه منحصر بموثقة ابن بكير ورواية محمد بن مسلم المتقدمتين الآمرتين بالوضوء والبناء على صلاته وهي غير شاملة للمقام لان الظاهر من الوضوء في قوله عليه السلام يتوضأ هو الوضوء الصحيح وهو الذي يجب اتيانه قبل الصلاة دون الوضوء الباطل لانه لم يقل ويبنى على وضوئه بل قال ويبنى على صلاته. والمكلف في هذه الصورة غير متمكن من الوضوء الصحيح لانه محدث على وجه الدوام فإذا بطلت الوجوه باجمعها يتعين الوجه الرابع وهو الذي بنى عليه الماتن (قدس سره).

[ 284 ]

[ والظاهر ان صاحب سلس الريح ايضا كذلك (1) (مسألة 1): تجب عليه المبادرة إلى الصلاة بعد الوضوء بلا مهلة (2) ] حكم سلس الريح (1) والامر كما افاده وذلك لعدم اختصاص الاخبار الواردة في السلس والبطن بموردها لاشتمال بعضها على التعليل كما في صحيحة منصور بن حازم إذا لم يقدر على حبسه فالله اولى بالعذر (1) فان ظاهره ان الحدث الصادر عن غير ارادة واختيار اعني حدث ذوي الاعذار غير ناقض للطهارة والعلة تعمم كما قد تخصص وبموثقة سماعة فانما ذلك بلاء ابتلى به فلا يعيدن إلا من الحدث الذي يتوضأ منه (2) فالحدث غير الاختياري ليس بناقض للطهارة وعليه فحكم صاحب سلس الريح حكم سلس البول والغائط على التفصيل المتقدم فيهما فراجع. وجوب المبادرة بلا مهلة (2) هذه الجملة وان كانت مطلقة إلا انها مختصة بالصورة الثالثة ولا يأتي في الرابعة ولا في الاولى والثانية. وتوضيحه انه على ما سلكناه


(1) الوسائل: ج 1 باب 19 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 2. (2) الوسائل: ج 1 باب 19 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 9.

[ 285 ]

في المسألة من التخصيص في ناقضية الحدث في حق المسلوس والمبطون وما يلحق بهما وعدم كون البول والغائط والريح ناقضا لطهارتهم وبقائها في حقهم إلى ان يخرج منهم حدث اختياري فلا اشكال في عدم وجوب المبادرة لان ما يخرج منهم ليس بحدث ناقض للطهارة. واما على ما سلكه الماتن (قدس سره) فلا معنى لايجاب المبادرة في الصورة الاولى من الصور المتقدمة لان المكلف يجب عليه حينئذ ايقاع الصلاة مع الطهارة في الوقت الذي يتمكن منهما فيه فلا مجال لايجاب المبادرة معه. وكذا لا وجه لاشتراطها في الصورة الثانية لانه وان وجب عليه الوضوء قبل لاصلاة وفي اثنائها إذا حدث حدث إلا انه إذا توضأ قبل الصلاة لا تجب عليه المبادرة إليها حيث لا دليل عليه نعم إذا احدث قبل الصلاة وجب عليه اعادة الوضوء فحال الحدث قبل الصلاة حاله في اثنائها فكما انه في الاثناء إذا حدث يوجب الوضوء وكذلك فيما إذا حدث قبل الصلاة واما المبادرة فلا وجوب لها بوجه. واما الصورة الرابعة فعدم وجوب المبادرة فيها اظهر لان المفروض انا رفعنا اليد فيها عن دليل الاشتراط والقاطعية والانتقاض فلا يكون حدثه موجبا للطهارة حينئذ أو ان حدثه ليس بحدث ناقض أو لا يجب عليه الوضوء ومعه كيف تجب عليه المبادرة إلى الصلاة؟ فتختص وجوب المبادرة بالصورة الثالثة وذلك لان المفروض فيها ان الواجب على المكلف هو تحصيل الطهارة في اول الصلاة من دون ان يجب عليه تجديدها في اثنائها فالمكلف يتمكن فيها من ايقاع اول جزء من صلاته مع الطهارة فيجب عليه ذلك بالمبادرة إليها ولا يسوغ له تفويت التمكن من هذا المقدار من الصلاة.

[ 286 ]

[ (مسألة 2): لا يجب على المسلوس والمبطون ان يتوضأ لقضاء (1) التشهد والسجدة المنسيين بل يكفيهما وضوء الصلاة التي نسيها فيها. ] لا يجب عليهما التوضوء لغير الصلاة (1) اما على ما سلكنا فلظهور ان الحدث منهما ليس بحدث ناقض للطهارة فله ان ياتي بالصلاة أو بغيرها مما يشترط فيه الطهارة بعد ذلك واما على ما سلكه الماتن فايضا تختص هذه المسألة بالصورة الثالثة ولا تأتي في غيرها. اما في الصورة الاولى فلاجل انه متمكن من الصلاة مع الظهارة في جزء من الوقت فيتعين عليه الاتيان بالصلاة واجزائها المنسية وغيرها في ذلك الزمان الذي يتمكن فيه من الطهارة. واما في الصورة الثانية فايضا يجب ان يتوضأ للاجزاء التي اراد قضائها لان المفروض ان حدوث الحدث في الاثناء بوجب الوضوء بعده اي تحفظنا فيها على دليل الناقضية فإذا حدث بين وضوئه وصلاته أو اجزائها المتأخرة حدث وجب الوضوء بعده لارتفاع طهارته السابقة بحدثه. واما في الصورة الرابعة فقد ظهر ان الطهارة فيها لا ينتقض بحدثهما غير الاختياري فهي باقية مع عدم حدث اختياري وله ان يصلي أو يأتي بالاجزاء المنسية من غير طهارة فتختص المسألة بالصورة الثالثة وهي التي حكم فيها الماتن بوجوب الوضوء لكل صلاة وعدم وجوبه

[ 287 ]

[ بل وكذا صلاة الاحتياط يكفيها وضوء الصلاة (1) التي شك فيها وان كان الاحوط الوضوء لها مع مراعات عدم الفصل الطويل وعدم الاستدبار ] في الاثناء. فهل تجب الطهارة للاجزاء المنسية فيها عند القضاء أولا تجب؟ الثاني هو الصحيح لان الاجزاء المقضية بعينها هي الاجزاء الصلاتية غاية الامر اتى بها مع مخالفة الترتيب والمحل فإذا بنينا على ان الحدث في الاجزاء واثناء الصلاة لا يكون ناقضا للطهارة فلا يكون ناقضا لها في الاجزاء المنسية أيضا فيما إذا طرأ بينها وبين الصلاة وليست الاجزاء المنسية واجبة مستقلة ليعتبر فيها الطهارة أو عدم الحدث وان لم يعتبر في الصلاة والمراد من انها تقتضي انها يؤتى بها بعد الصلاة لا انه واجب مستقل علي حده الذي هو المعنى المصطلح عليه في القضاء. (1) لان المأتي به ان كان ناقصا في الواقع وكانت صلاة الاحتياط جابرة لذلك النقص فحالها حال اجزاء نفس الصلاة غاية الامر انها كانت متصلة وهذه منفصلة إلا انها هي اجزاء الصلاة بعينها فإذا لم يجب الوضوء في الاجزاء الصلاتيا إذا حدث في أثنائها حدث فلا يجب في صلاة الاحتياط أيضا لانها هي اجزاء الصلاة بعينها. واما إذا كان المأتي به تاما في الواقع ولم تكن صلاة الاحتياط جابرة فهي واجبة مستقلة إلا انه إذا لم يتوضأ لها واتى بها فاسدة لم يكن ذلك مضرا بصحة صلاته المأتي بها ولاجل ذلك بنى (قدس سره) على عدم وجوب الوضوء لصلاة الاحتياط هذا. وللمناقشة في ذلك مجال وذلك لان كفاية الاجزاء المنفصلة عن

[ 288 ]

[ واما النوافل (1) فلا يكفيها وضوء فريضتها بل يشترط الوضوء لكل ركعتين منها. ] المتصلة على خلاف القاعدة وهي محتاجة إلى الدليل والدليل انما قام على كفاية صلاة الاحتياط وكونها مجزئة فيما إذا كانت صحيحة على كل تقدير مع تقدير نقصان المأتي به وعدمه واما صورة صحتها على تقدير دون تقدير فلم يقم دليل على اجزائها وكفايتها بل مع الشك في صحتها يشكل الشروع فيها أيضا إذ لا مرخص له. نعم بناءا على ما ذكرناه من عدم بطلان وضوء المسلوس والمبطون بحدثهما وبقائه إلى ان يحدث حدثا اختياريا لا يجب عليه الوضوء لصلاة الاحتياط ولا لغيرها من الصلوات. اشتراط الوضوء للنواف في حقهما (1) اما على ما سلكناه فلا كلام في عدم وجوب الوضوء لها لعدم انتقاض طهارتهما بالحدث غير الاختياري واما على مسلك الماتن فلابد من تحصيل الوضوء لها لان عدم انتقاض الوضوء بالحدث انما كان مخصوصا باثناء الصلاة الواحدة واما بعده فمقتضى دليل الانتقاض بطلانه بالحدث فيجب عليهما الوضوء لبقية الصلوات المستحبة أو الفرائض كما عرفت.

[ 289 ]

[ (مسألة 3): يجب على المسلوس التحفظ من تعدي بوله (1) بكيس فيه قطن أو نحوه والاحوط غسل الحشفة (2) قبل كل صلاة. ] وجوب التحفظ عليهما عن النجاسة (1) لاشتراط الصلاة بطهارة البذن والثياب. (2) لا ينبغي الاشكال في عدم مانعية النجاسة الطارئة في اثناء الصلاة من البول والغائط حينئذ وذلك لامرهم عليهم السلام بأتخاذ خريطة في الصلاة وان الله اولى بالعذر فيما لم يقدر على حبسه حيث ورد انه إذا لم يقدر على حبسه فالله اولى بالعذر بجعل خريطة (1) حيث تدل على ان ما كان لعذر غير مانع عن الصلاة فلا يجب ازالة نجاسة البول أو الغائط في اثناء الصلاة. واما النجاسة قبل الصلاة فمقتضى اطلاقات ما دل على اشتراط الطهارة في الثوب والبدن وجوب ازالتها ولم يثبت العفو عنها قبل الصلاة كما ثبتت في النجاسة في الاثناء وكون النجاسة غالبية في المسلوس والمبطون الذين حكمنا بعدم انتقاض طهارتهما بالحدث من البول والغائط لا يستتبع العفو عن النجاسة لانها شئ وعدم ناقضيتها للوضوء شئ


(1) كما تقدم في صحيحة منصور بن حازم الوسائل: ج 1، باب 19 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 2.

[ 290 ]

[ واما الكيس فلا يلزم تطهيره (1) وان كان احوط والمبطون ] آخر والثابت انما هو الثاني واما النجاسة فلا. و (دعوى): ان الاخبار الواردة فيهما مع انها في مقام البيان ساكنة عن لزوم تطهير الموضع من النجاسة قبل الصلاة وان هذا يدل على العفو عنها حينئذ (مندفعة): بان الاخبار انما وردت لبيان عدم انتقاض طهارة المسلوس والمبطون ببولهما أو غائطهما ولا نظر لها إلى مانعية النجاسة وعدمها فمقتضى اطلاق ادلة اشتراط الصلاة بطهارة البدن لزم تطهير النجاسة الطارئة قبل الصلاة فيجب تطهير مخرج البول لكل صلاة. نعم ثبت العفو عنها أيضا بصحيحة حريز (1) المتقدمة الدالة على انه يؤخر صلاة ويقدم اخرى ويجمع بينهما بوضوء واحد حيث ذكرنا انها ناظرة إلى جهة عدم مانعية النجاسة بمقدار الصلاتين لعدم ذكر الوضوء في الصحيحة وهي قد دلت على عدم مانعية النجاسة قبل الصلاة لدلالتها على صحة الثانية وان خرج منه البول في ما بين الصلايتن أو في اثناء الصلاة الاولى وعليه فالنجاسة قبل الصلاة وفي اثنائها معفو عنها إلى مقدار صلاتين واما في الزائد عنها فقد عرفت ان مقتضى القاعدة وجوب ازالة النجاسة قبل الصلاة هذا كله في السلس ويأتي حكم البطن عن قريب انشاء الله تعالى. (1) لانه اما من قبيل المحمول المتنجس وهو غير موجب لبطلان الصلاة واما انه من الملبوس باعتبار وضع الذكر فيه وقد مر ان مالا


(1) الوسائل: ج 1 باب 19 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 1.

[ 291 ]

[ ايضا (1) ان امكن تحفظه بما يناسب يجب كما ان الاحوط تطهير المحل ايضا ان امكن من غير حرج. (مسألة 4): في لزوم معالجة السلس والبطن اشكال (2) ] يتم فيه الصلاة من الثياب عفى نجاسته في الصلاة كما في الجورب والقلنسوة ونحوهما. (1) اما النجاسة في اثناء الصلاة فقد عرفت انها مورد العفو بمقتضى قوله عليه السلام إذا لم يقدر على حبسه فالله اولى بالعذر يجعل خريطة (1) لانه كالتعليل وان كلما كان مستندا إلى غير الاختيار فهو معذور فيه وان الله اولى بالعذر فلا يجب ازالته. واما النجاسة قبل الصلاة فقد عرفت ان مقتضى القاعدة وجوب ازالتها ان امكن ولا تأتي في المقام صحيحة حريز لاختصاصها بالبول وعدم اشتمالها على ما هو كالعلة حتى يتعدى عنه إلى الغائط ومعه يجب ازالة نجاسة الغائط قبل الصلاة اللهم إلا ان يدعي القطع بعدم الفرق بين البول والغائط ودونه خرط القتاد لاحتمال ان تكون للبول خصوصيه في ذلك. لا دليل على وجوب المعالجة عليهما (3) لا دليل على وجوب المعالجة بعد البناء على ان وظيفة المسلوس


(1) تقدم في صحيحة منصور بن حازم في ص 289.

[ 292 ]

[ والاحوط المعالجة مع الامكان بسهولة نعم أو امكن التحفظ بكيفية خاصة (1) مقدار اداء الصلاة وجب وان كان محتاجا إلى بذل مال (2). (مسألة 5): في جواز مس كتابة القرآن للمسلوس والمبطون بعد الوضوء للصلاة. ] والمبطون هي الصلاة مع الوضوء في اولها أو فيه وفي اثنائها فلا موجب للحكم بوجوب اخراج نفسهما من موضوعهما وادخالها في موضوع المختار (1) كشد حبل على ذكره أو ادخال القطن على دبره لئلا يخرج منه البول أو الغائط كما في الميت. (2) وكانه استفاد ذلك مما دل (1) على وجوب بذل المال لشراء الماء في الوضوء والصحيح عدم وجوب التحفظ فيما إذا لم يكن محتاجا إلى بذل مال فضلا عما إذا كان محتاجا إليه وذلك للبناء على ان وظيفة السلس والبطن هو الصلاة مع الوضوء الواحد في أولها أو معه في الاثناء لعدم ناقضية البول والغائط منها أو لوجه آخر كما مر وعدم مانعيته النجاسة فيهما عن الصلوات ومعه لا موجب للتحفظ ابدا هذا فيما إذا لم يتوقف التحفظ على بذل مال فضلا عما إذا توقف عليه وقياس المقام بوجوب بذل المال لشراء ماء الوضوء مع الفارق لان الثاني قد ثبت بدليل خاص.


(1) راجع الوسائل: ج 2، باب 26 من أبواب التيمم.

[ 293 ]

[ مع فرض دوام الحدث وخروجه بعده اشكال حتى حال الصلاة (1) ] حكم مسهما كتابة القرآن (1) لا اشكال في جواز مسهما كتابة القرآن فيما إذا بنينا على التخصيص في ادلة النواقض وقلنا انهما متطهران غير ان طهارتهما لا ترتفع ببولهما أو غائطهما ما دام لم يصدر منهما حدث اختيارا كما بنينا عليه وذلك لانهما متطهران حقيقة فيجوز لهما مس كتابة القرآن في غير حال الصلاة فضلا عما إذا كان في الصلاة. واما إذا بنينا فيهما على تخصيص ادلة اشتراط الصلاة بالطهارة وقلنا ان وجوب الصلاة في حقهما غير مشروط بالطهور فلا يجوز لهما مس كتابة القرآن مطلقا ولو كانا في حالة الصلاة لعدم كونهما متطهرين وهذا بخلاف ما إذا التزمنا بالتخصيص في ادلة الناقضية مع الالتزام بالاشتراط. نعم لو اعتمدنا في الحكم بوجوب الوضوء في حقهما اول الصلاة وعدم وجوبه في اثنائها على موثقة ابن بكير عن محمد بن مسلم من انه يبني على صلاته (1) يمكننا الحكم بأختصاص طهارته بالصلاة وعدم جواز ترتيب سائر الآثار عليه كمس كتابة القرآن ونحوه إلا انك عرفت انا نلتزم بادلة الاشتراط في حقهما فانه لا صلاة إلا بطهور ولانه يلزمه جواز الاحداث لهما في الصلاة عمدا وانما تخصص ادلة النواقض كما انا انما نعتمد على موثقة سماعة الدالة على انه بلاء ابتلى به ولا يعيدن


(1) الفقيه: ج 1، باب صلاة المريض والمغمى عليه.. الحديث 3.

[ 294 ]

[ الا ان يكون المس واجبا (1). (مسألة 6): مع احتمال الفترة الواسعة الاحوط الصبر (2) ] الوضوء إلا من الحدث الذي يتوضوء منه (1) لا على موثقة ابن بكير ومقتضى موثقة السماعة ما قدمناه من عدم انتقاض طهارتهما ببولهما وغائطهما وان الناقض هو الحدث المتعارف الذي يتوضوء منه. (1) كما إذا وقع المصحف في بالوعة وكان وجوب تطهيره اهم فان مس المسلوس والمبطون واجب حينئذ سواء كان متطهرين ام محدثين لفرض اهمية وجوب تطهيره من حرمة المس من غير وضوء. الاحوط الصبر مع احتمال التمكن (2) قد عرفت انه إذا علم بالفترة الواسعة وتمكنه من الصلاة مع الطهارة وجب عليه ايقاعها في ذلك الوقت واما مع احتمالها فلا يجب الصبر مع احتمال الفترة الواسعة بل يجوز له تقديم صلاته عملا باستصحاب بقاء عذره إلى آخر الوقت ثم إذا تبين قدرته على الصلاة مع الطهارة للفترة الواسعة يعيدها لعدم اجزاء الحكم الظاهري عن المأموره به الواقعي وكذلك الحال في غيره من ذوي الاعذار سوى المتيمم حيث يجب عليه تأخير صلاته إلى ان يحصل له اليأس من الماء وذلك لدليله الآتي في محله انشاء الله تعالى.


(1) الوسائل: ج 1، باب 19 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 9.

[ 295 ]

[ بل الاحوط الصبر إلى الفترة التي هي اخف مع العلم بها بل مع احتمالها (1) لكن الاقوى عدم وجوبه (2). ] (1) لا يجب الصبر مع العلم بالفترة التي هي اخف فضلا عما إذا احتملها فإذا علم بخفة بوله في ساعة كذا وانه يقل فيها عن بقية الساعات لم يجب عليه تأخير صلاته إلى تلك الساعة وذلك للبناء على ان وظيفة المسلوس والمبطون الاتيان بصلاتهما بوضوء واحد في اولهما أو في اثنائهما أيضا لعدم ناقضية حدئيهما أو لامر آخر كما مر وعدم مانعية النجاسة فيهما عن الصلاة ومعه لماذا يجب التأخير إلى ساعة الخفة فانه مما لا دليل عليه هذا فيما إذا علم بالفترة التي هي اخف فضلا عما إذا احتملها. (2) هذا راجع إلى المسألة الثانية أي الاقوى عدم وجوب الصبر عند العلم بالفترة التي هي اخف فضلا عن احتمالها وقد مر انه الصحيح ولا يرجع إلى صدر الكلام اعني المسألة الاولى وهي وجوب الصبر مع احتمال الفترة الواسعة. وذلك لان مبنى الماتن على وجوب التاخير في ذوي الاعذار مطلقا سوى فاقد الماء بدعوى استفادة جواز التقديم في المتيمم من الاخبار كما يصرح بذلك في اوائل الصلاة لا انه يلتزم بعدم وجوب التأخير فيهم. ونحن قد عكسنا الامر وقلنا بجواز التقديم في ذو الاعذار مطلقا غير المتيمم لانه يجب عليه الصبر كما مر ومنشأ الخلاف بيننا وبينه في المتبمم هو اختلاف الاستفادة من الاخبار.

[ 296 ]

[ (مسألة 7): إذا اشتغل بالصلاة مع الحدث باعتقاد عدم الفترة الواسعة وفي الاثناء تبين وجودها قطع الصلاة ولو تبين بعد الصلاة اعادها (1). ] (مسألة 8): ذكر بعضهم انه لو امكنهما اتيان الصلاة الاضطرارية ولو بأن يقتصر في كل ركعة على تسبيحة ويومئا للركوع والسجود مثل صلاة الغريق فالاحوط الجمع بينها وبين الكيفية السابقة وهذا وان كان حسنا لكن وجوبه محل منع (2) بل تكفي الكيفية السابقة ] إذا شرع في الصلاة باعتقاد عدم الفترة فتبين وجودهما (1) للعدم اجزاء المأمور به الظاهري أو الخيالي الاعتقادي عن المأمور به الواقعي كما مر. إذا تمكنا من الصلاة الاضطرارية (2) لو كنا نحن وصلاة المسلوس أو المبطون لحكمنا بتعين الصلاة الاضطرارية في حقهما مع الطهارة لتمكنهما من الطهارة على تقدير اقتصارهما على الاجزاء الاضطرارية كما هو الحال في غيرهما من المكلفين إذا دار امره بين ان

[ 297 ]

[ (مسألة 9): من افراد دائم الحدث المستحاضة وسيجي حكمها. (مسألة 10): لا يجب على المسلوس والمبطون بعد برئهما قضاء ما مضى (1) من الصلوات نعم إذا كان في الوقت وجبت الاعادة (2). ] يحصل الطهارة ويأتي بصلاة الاضطرار فيبدل القرائة بالتسبيحة الواحدة والركوع والسجود بالايماء وترك التشهد إذا لم يسعه الوقت وبين ان ياتي بصلاة المختار من غير ان يحصل الطهارة المأمور بها وذلك لان ما لا بدل له وهو الطهارة متقدم على ماله البدل وهو القرائة والركوع والسجود وغيرهما من اجزاء صلاة المختار. إلا ان الاخبار (1) الواردة في المقام دلتنا على ان وظيفة المسلوس والمبطون هي الصلاة على الكيفية المتقدمة ومعه لا وجه للاحتياط والجمع بينهما وبين الصلاة الاضطرارية وان نسب إلى شيخنا الانصاري (قدس سره) الاحتياط بالجمع بينهما. عدم وجوب القضاء عليهما (1) لان القضاء تابع لصدق عنوان الفوت ولا فوت مع الاتيان بوظيفة الوقت كما هو ظاهر. (2) لعدم اجزاء المأمور به الظاهري أو الاعتقادي الخيالي عن


(1) راجع الوسائل: باب 19 من ابواب نواقض الوضوء.

[ 298 ]

[ (مسألة 11): من نذر ان يكون على الوضوء دائما إذا صار مسلوسا أو مبطونا الاحوط تكرار الوضوء (1) بمقدار لا يستلزم الحرج ويمكن القول بانحلال النذر وهو الاظهر. ] المأمور به الواقعي. لو نذر الدوام على الوضوء فطرات احدى الحالتين (1) إذا بنينا على ان طهارة المسلوس والمبطون لا ينتقض ببولهما وغائطهما كما بنينا عليه فلا ينحل نذره لانه على الطهارة على الفرض واما إذا بنينا على انتقاض طهارتهما ببولهما وغائطهما فيجب عليهما الوضوء بعد كل حدث فيما إذا لم يستلزم الحرج فلا ينحل نذره أيضا. وأما إذا كان مستلزما للعسر والحرج فان كان نذره على نحو الانحلال والعموم الافرادي بان نذر الطهارة في كل فرد من افراد الزمان فيجب عليه الوضوء إلى ان يبلغ مرتبة العسر والحرج فلا ينحل وإذا كان حرجيا سقط عنه لعجزه وتعذره واما إذا كان نذره على نحو العموم المجموعي فبعدم تمكنه من الطهارة في فرد من الزمان اعني ما بعد بلوغه مرتبة العسر والحرج ينحل نذره لعجزه عن متعلقه واما بناء على ما ذكرناه من عدم ناقضية طهارتهما ببولهما وغائطهما فنذره صحيح غير منحل بلا فرق بين صورتي انحلال نذره وكونه على نحو العموم الافرادي أو

[ 299 ]

[ فصل في الاغسال والواجب منها سبعة (1) غسل الجنابة والحيض والنفاس والاستحاضة ومس الميت وغسل الاموات والغسل الذي وجب بنذر ونحوه كان نذر غسل الجمعة أو غسل الزيارة أو الزيارة مع الغسل والفرق بينهما (2) ان في الاول إذا اراد الزيارة يجب ان يكون مع الغسل ولكن يجوز ان لا يزور اصلا وفي الثاني يجب الزيارة فلا يجوز تركها وكذا إذا نذر الغسل لسائر الاعمال التي يستحب الغسل لها. ] كونه على نحو العموم المجموعي هذا تمام الكلام في دائم الحدث. فصل في الاغسال (1) وهناك غسل آخر وقع الكلام في انه واجب مستقل في نفسه وهو غسل الجمعة ويأتي تحقيق الحال فيه في محله عند التعرض لوجوبه وعدمه انشاء الله. (2) هاتان العبارتان: غسل الزيارة. الزيارة مع الغسل. لا تكونان

[ 300 ]

[ (مسألة 1): النذر المتعلق بغسل الزيارة ونحوها يتصور على وجوه (1) (الاول) ان ينذر الزيارة مع الغسل فيجب عليه الغسل والزيارة وإذا ترك احدهما وجبت الكفارة (الثاني) ان ينذر للزيارة بمعنى انه إذا اراد ان يزور لا يزور الا مع الغسل فإذا ترك الزيارة لا كفارة عليه وإذا زار بلا غسل وجبت عليه ] فارقتين في المقام لان النذر يتبع القصد فلقد يقصد الاتيان بالغسل عند ارادة الزيارة فلا يجب عليه الاتيان بالزيارة حينئذ ليجب عليه غسلها بل له ان لا يزور اصلا واخرى يقصد الاتيان بالزيارة مطلقا مع الغسل فتجب على الزيارة حينئذ لانها متعلقة لنذره على وجه الاطلاق وليس معناه انه نذر ان لا يزور من غير غسل حتى يستشكل في عدم انعقاده لعدم رجحان متعلقه فان الزيارة مطلقا راجحة فلا رجحان في تركها مع عدم الاغتسال بل معناه الاثبات وهو نذر اتيان الفرد الراجح من الزيارة أعني الزيارة مع الاغتسال لا انه ينفي الاتيان بغيره بلا فرق في ذلك بين الاتيان بالعبارة الاولى أو الثانية. الصور المتصورة في نذر غسل الزيارة (1) الصور غير حاصرة لامكان صورة اخرى غيره بحيث تختلف الكفارة باختلافها فالصحيح ان يقال ان الصور المتصورة في المقام تسع لان النذر قد يتعلق على الغسل على نحو الواجب المشروط بان

[ 301 ]

[ (الثالث) ان ينذر غسل الزيارة منجزا وحينئذ يجب عليه الزيارة ايضا وان لم يكن منذورا مستقلا بل وجوبها من باب المقدمة فلو تركها وجبت كفارة واحدة وكذا لو ترك احدهما ولا يكفي في سقوطها الغسل فقط وان كان من عزمه حينه ان يزور فلو تركها وجبت لانه إذا لم تقع الزيارة بعده لم يكن غسل الزيارة (الرابع) ان ينذر الغسل والزيارة فلو تركهما وجب عليه كفارتان. ] ينذر ان يغتسل فيما إذا اراد ان يزور وعليه فلا يجب عليه شئ من الغسل والزيارة اما الغسل فلعدم تحقق شرطه واما لزيارة فلعدم تعلق النذر بها هذه الصورة الاولى في المقام. وقد يتعلق على الغسل على نحو الاطلاق وحينئذ قد ينذر الغسل الذي يقصد به الزيارة فلا يجب حينئذ في حقه سوى الغسل نعم لابد من ان يكون ناويا وقاصدا للزيارة حال الاغتسال وإلا لا يكون الغسل غسلا للزيارة إلا انه إذا نوى الزيارة حاله لم يجب عليه الاتيان بها بعد الاغتسال لعدم كونها متعلقة لنذره فانه لم ينذر سوى الغسل المقصود به الزيارة والمفروض انه اتى به وإذا ترك الغسل وجبت عليه كفارة واحدة وهو ظاهر وهي الصورة الثانية كما لا يخفي. (الثالثة): ان ينذر الغسل المتعقب بالزيارة والواجب حينئذ ان ياتي بالزيارة بعد غسله لا لانها متعلقة لنذره بل من اجلها انها قيد ماخوذ في متعلق نذره فمع عدم الاتيان به لا يتحقق متعلق النذر فلو

[ 302 ]

ترك الغسل أو اغتسل وترك الزيارة لزمته كفارة واحدة وهذا بخلاف الصورة المتقدمة إذ لا يجب عليه الزيارة فيها بعد الاغتسال لعدم تعلق النذر بها ولا انها قيد له كما مر. (الرابعة): ما إذا نذر الزيارة المسبوقة بالغسل وهذه الصورة وان كانت خارجة عن محل الكلام بظاهرها لان البحث انما هو في نذر الغسل لا في نذر الزيارة إلا انها لما كانت مقيدة بسبق الغسل كان الغسل قيدا لمتعلق النذر ومن هنا كانت الصورة داخلة في المقام لتعلق النذر به على وجه التقييد فلو ترك الزيارة رأسا أو اتى بها من غير سبق الغسل وجبت عليه كفارة واحدة لعدم اتيانه بما تعلق به نذره أو بما هو قيد لمتعلقه (الخامسة): ما إذا تعلق نذره بالمجموع المركب من الغسل والزيارة على نحو العام المجموعي فيجب في هذه الصورة الاتيان بهما معا لان كلا منهما متعلق لنذره لفرض تعلقه بالمجموع فلو تركهما معا أو ترك احدهما وجبت عليه كفارة واحدة لعدم اتيانه بما تعلق به نذره وهذا بخلاف الصورة الرابعة فان الزيارة فيها لم تكن متعلقة للنذر وانما كانت قيدا في متعلقه هذا إذا تعلق النذر بمجموع الامرين معا وقد يتعلق بكل واحد منهما باستقلاله بان يكون نذره منحلا إلى الالتزام بامرين ونذرين وان كان قد اداهما بكلام واحد في مقام الاثبات وهذا يتصور على اربعة اوجه. لان النذر قد يتعلق بكل واحد منهما على وجه الاطلاق فهناك نذران ومنذوران مستقلان فلو تركهما وجبت عليه كفارتان لتركه الواجبين المنذورين، كما انه إذا اتى باحدهما دون الآخر وجبت عليه كفارة واحدة وهذه هي الصورة السادسة في المقام. واخرى ينذر كل واحد منهما مقيدا بالآخر بان ينذر الغسل المتعقب

[ 303 ]

بالزيارة والزيارة المسبوقة بالغسل وبذلك ينحل نذره إلى نذرين وهما واجبان إلا ان كلا منهما مقيد بالآخر فان اتى بهما فهو واما إذا تركهما أو ترك احدهما فلا محالة تجب عليه كفارتان. اما عند تركهما معا فواضح واما إذا ترك احدهما واتى بالآخر فلان الواجب المنذور ليس هو الغسل أو الزيارة على اطلاقهما بل الغسل المقيد بتعقب الزيارة أو الزيارة المتقيدة بالسبق بالغسل والمفروض انه اتى بذات المنذور وترك قيده فاغتسل ولم يزر اوزار ولم يغتسل فلا محالة تجب عليه كفارتان لترك احد الواجبين بذاته وترك الآخر بقيده وهذه هي الصورة السابعة من الصور المتصورة محل الكلام. وثالثة ينذر احدهما على وجه الاطلاق وينذر الآخر مقيدا بغيره وهدا على قسمين لانه تارة ينذر الغسل على وجه الاطلاق والزيارة مقيدة بان تكون مسبوقة بالغسل وحينئذ إذا اتى بهما فهو واما إذا اتى بالغسل وترك الزيارة فقد وجبت على كفارة واحدة لمخالفته احد المنذورين واتيانه بالآخر واما إذا تركهما معا أو ترك الغسل فلا محالة يستحق به كفارتين. اما عند تركهما معا فواضح واما إذا اتى بالزيارة وترك الغسل فلانه ترك احد الواجبين بذاته وهو الغسل وترك الواجب الآخر بقيده وهو الزيارة لان الواجب ليس هو طبيعي الزيارة قبل الزيارة المسبوقة بالغسل وقد ترك الغسل على الفرض وهذه هي الصورة الثامنة واخرى ينذر الزيارة على وجه الاطلاق والغسل مقيدا بان يكون متعقبا بالزيارة بهذا تترقى الصور إلى التسع. وحكم هذه الصورة حكم الصورة المتقدمة بعنيها لانه إذا تركهما معا أو ترك الزيارة وجبت عليه كفارتان اما عند تركهما معا فظاهر واما

[ 304 ]

[ ولو ترك احدهما فعليه كفارة واحدة (الخامس) ان ينذر الغسل الذي بعده الزيارة والزيارة مع الغسل وعليه لو تركهما وجبت كفارتان ولو ترك احدهما فكذلك لان المفروض تقيد كل بالآخر وكذا الحال في نذر الغسل لسائر الاعمال. (فصل في غسل الجنابة) وهي تحصل بامرين: (الاول) خروج المني ولو في حال النوم (1) أو الاضطرار ] عند تركه الزيارة فلاجل تركه احد المنذورين بذاته وهو الغسل وتركه الآخر بقيده وهو الزيارة لان الواجب هو الزيارة المقيدة بالسبق بالغسل والمفروض انه لم يات بالغسل فتحصل ان الصور المتصورة غير مختصة بالصور الخمسة المذكورة في المتن بل الصور المتصورة بالغة إلى التسع ويختلف الحكم بوجوب الكفارة باختلافها ولا وجه للاشكال في صحة النذر المتعلق بالزيارة مع الغسل لعدم رجوعه إلى النفي وعدم الاتيان بالافراد الاخر وانما معناه نذر خصوص الفرد الراجح ولا مانع من صحة نذره كما مر. (1) ما افاده (قدس سره) مما لا اشكال فيه وذلك لاطلاقات الاخبار (1) وتصريح بعضها بعد الفرق بين اليقظة والمنام وانما الكلام


(1) الوسائل: ج 1، باب 1 و 7 من أبواب الجنابة.

[ 305 ]

كله في ان وجوب غسل الجنابة بالانزال هل هو خاص بالرجال أو انه لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء؟ مقتضى جملة من الاخبار عدم الفرق في ذلك بين المرأة والرجل وان خروج الماء المعبر عنه بالانزال والامناء يوجب الغسل مطلقا. فمنها: ما رواه في الكافي عن اسماعيل بن سعد الاشعري قال سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى تنزل الماء من غير ان يباشر يعبث بها بيده حتى تنزل قال إذا انزلت من شهوة فعليها الغسل (1). ومنها: صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل بجامع المرأة فيما دون الفرج وتنزل المرأة هل عليها الغسل؟ قال: نعم (2). ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل قال ان انزلت فعليها الغسل (3) إلى غير ذلك من الاخبار الدالة على عدم الفرق بين المرأة والرجل وان المرأة أيضا إذا انزلت وجب عليها الغسل. وفي قبالها عدة كثيرة من الاخبار وفيها الصحاح وغيرها قد دلت على ان المرأة لا يجب عليها الغسل بانزالها. فمنها: ما عن عبيد بن زرارة قال قلت له هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل؟ قال لا: وايكم يرضى ان يرى أو يصبر على ذلك ان يرى ابنته أو اخته أو امه أو زوجته أو احدا من قرابته قائمة تغتسل فيقول مالك؟ فتقول احتلمت وليس لها بعل ثم قال:


(1 و 2) الوسائل: ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة، حديث 2 و 3. (3) الوسائل: ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة الحديث 5.

[ 306 ]

لا ليس عليهن ذلك وقد وضع الله ذلك عليكم وقال ان كنتم جنبا فاطهروا ولم يقل ذلك لهن (1). ومنها: صحيحة عمر بن يزيد قال اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة ولبست ثيابي وتطيبت فمرت بي وصيفة لي ففخذت لها فامذيت انا وامنت هي فدخلني في ذاك ضيق فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال: ليس عليك وضوء وليس عليها غسل (2). ومنها: صحيحة عمر بن اذينة قال قلت لابي عبد الله عليه السلام المرأة تحتلم في المنان فتهريق الماء الاعظم قال ليس عليها غسل (3). ومنها: صحيحة محمد بن مسلم قال قلت لابي جعفر عليه السلام كيف جعل على المرأة إذا رأت في النوم ان الرجل يجامعها في فرجها الغسل، ولم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة فامنت؟ قال، لانها رأت في منامها ان الرجل يجامعها في فرجها فوجب عليها الغسل والآخر انما جامعها دون الفرج فلم يجب عليها الغسل لانه لم يدخله ولو كان ادخله في اليقظة وجب عليها الغسل امنت أو لم تمن (4). وملخص هذه الرواية ان محمذ بن مسلم قد سلم الحكمين اعني الحكم بوجوب الغسل على المرأة فيما إذا رأت في المنام ان الرجل يواقعها وان لم تنزل والحكم بعدم وجوب الغسل عليها فيما إذا امنت في اليقظة من غير المجامعة وسأل عن وجهه وقد اجابه عليه السلام بما حاصله ان وجوب الغسل حكم مترتب على المواقعة والجماع من غير فرق بين تحققها في الخارج وبين تحققهما في المنام ولم يترتب على الانزال لا في اليقظة


(1) الوسائل: ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة الحديث 22. (2 و 3) الوسائل: ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة الحديث 20 و 21. (4) الوسائل: ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة الحديث 19.

[ 307 ]

ولا في المنام فقد جعلت المناط مجرد المواقعة دون الانزال إلى غير ذلك من الاخبار (1). وهذه الطائفة معارضة مع الطائفة المتقدمة والكلام في وجه المعالجة بينهما فان بنينا على ما بنى عليه المشهور من ان الرواية بلغت من الصحة ما بلغت إذا اعرض عنها المشهور سقطت عن الاعتبار فلا مناص من الاخذ بالطائفة الاولى الدالة على عدم الفرق في وجوب الغسل بالانزال بين المرأة والرجل وذلك لاعراض الاصحاب عن الطائفة الثانية ولم ينسب العمل بها إلى احد من اصحابنا وحيث ان الاعراض يوجب سقوط الرواية عن الاعتبار فتبقى الطائفة الاولى من غير معارض. واما إذا بنينا على ما سلكناه من ان اعراض المشهور عن رواية صحيحة لا يوجب سقوطها عن الاعتبار فايضا لابد من تقديم الطائفة الاولى على الثانية وذلك اما لان الطائفة الثانية موافقة للعامة على ما نسبه إليهم في الوسائل ولو في زمان صدور الرواية لاحتمال ان يكون العامة في تلك الازمنة قائلين بعدم وجوب الغسل على المرأة بالانزال. واما لانها اشبه بفتاويهم فان قوله عليه السلام في رواية عبيد بن زرارة ان الله وضع الاغتسال من الجنابة على الرجال وقال وان كنتم جنبا فاطهروا ولم يقل ذلك لهن مما لا يمكن اسناده إلى الامام كيف وجميع الاحكام والخطابات الواردة في الكتاب أو اغلبها متوجهة إلى الرجال ولازم ذلك عدم تكليفهن بشئ مما كلف به الرجال. على انها فرضت ان المرأة تجنب بالامناء حيث قال على المرأة غسل من جنابتها. وانما دلت على عدم وجوب الغسل في حقها وهو كما تري


(1) كصحيحة عمر بن يزيد: الوسائل ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة، الحديث 18.

[ 308 ]

مما لا يمكن التفوه به إذ كيف تكون المرأة جنبا ولا يجب عليها الغسل؟ وكذلك تعليله عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم من ان الغسل انما يجب بالمواقعة سواء كانت في الخارج ام في المنام. فان الغسل وان كان يجب بالمواقعة إلا انها انما تسببه فيما إذا تحقق في الخارج واما تخيل المواقعة في المنام فلا تكون موجبة للغسل ابدا وهل ترى ان من رأى في المنام انه قئل احدا يجب ان يعطي الدية ويقتص منه؟ وكذا إذا رأت في المنام انها حاضت حيث لا يجب عليها الغسل بذلك فهذا اشبه بفتاوى الناس وما اشبه باحكامهم فهو مردود وغير مقبول لان ما اشبه قول الناس ففيه التقية كما في الخير (1). ثم لو اغمضنا عن ذلك فالطائفتان متعارضتان لمنافات وجوب الغسل على المرأة مع عدم وجوبه عليها فلابد من الحكم بتساقطها والرجوع إلى المطلقات وهي تدل على ان غسل الجنابة انما يجب بخروج الماء (2) الاكبر أو الاعظم ومقتضى اطلاقه عدم الفرق عن ذلك بين الرجال والنساء. ودعوى ان الطائفة الاولى صريحة في عدم وجوب غسل الجنابة على المرأة بالانزال وظاهرة في حرمته عليها كما ان الطائفة الثانية صريحة في استحباب الغسل عليها بالانزال وظاهرة في وجوبه عليها فنرفع اليد عن ظهور كل منهما بصريح الآخر ونتيجته الحكم بأستحباب الغسل عليها بانزالها فلا تصل النوبة إلى التساقط والرجوع إلى الاطلاقات.


(1) راجع ما رواه عبيد بن زرارة باب 9 من ابواب القضاء من الوسائل (2) كما في موثقتي عنبسة الوسائل ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة حديث 6 و 11 وموثقة الحسين بن أبي العلاء باب 9، حديث 21 ففيها ورد: الماء الاكبر وتقدمت قريبا صحيحة عمر بن اذينة الدالة على عدم وجوب الغسل على المرأة وفيها ورد: الماء الاعظم.

[ 309 ]

[ وان كان بمقدار رأس ابرة (1) ] مندفعة: بان الجمع بين المتعارضين بذلك مخصوص بالاحكام التكليفية ولا يأتي في الاوامر والنواهي الارشادتين والامر في المقام كذلك لان الامر بغسلها ارشاد إلى مانعية جنابتها عن الصلاة كما ان النهي عنه ارشاد إلى عدم مانعية جنابتها عن الصلاة ومن الظاهر ان كون الجنابة مانعة وغير مانعة امران متنافيان ومعه لابد من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى المطلقات كما ذكرناه عدم الفرق في خروج المنى بين قلته وكثرته (1) لا فرق في خروج المني الموجب لغسل الجنابة بين قلته وكثرته وذلك لاطلاقات الاخبار حيث دلت على ان المدار في وجوب غسل الجنابة على خروج الماء الاكبر أو الاعظم أو الانزال أو الامناء فكلما صدق شئ من هذه العناوين وجب الغسل قليلا كان الخارج ام كثيرا. وقد يقال ان صحيحة معاوية بن عمار تدل على عدم وجوب الغسل عند قلة الخارج من المني حيث قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل احتلم فلما انتبه وجد بللا قليلا قال عليه السلام ليس بشئ إلا ان يكون مريضا فانه يضعف فعليه الغسل (1) وهي كالصريح في ان البلل القليل الذي وجده المحتلم ليس بشئ موجب للغسل. وفيه ان الصحيحة لا دلالة لها على المدعي لان الحلم بمعنى النوم


(1) الوسائل: ج 1 باب 8 من أبواب الجنابة، حديث 2.

[ 310 ]

[ سواء كان بالوطئ أو بغيره (1) ] فالمراد من انه احتلم انه رأى في منامه شيئا بأن رأى انه يواقع زوجته أو امرأة اخرى وليس بالمعنى المصطلح عليه عندنا اعني خروج المني منه وهو في المنام أو غيره وعليه فليس في الصحيحة ما يدل على ان المني القليل غير موجب لشئ وانما هي واردة في البلل المشتبهة وقد دلت على ان البلل المشتبهة إذا كان قليلا لا يوجب الاغتسال لان قلته كالقرينة على عدم كونه منيا حيث انه لو كان منيا لخرج على النمط المتعارف لا على وجه القلة إلا في المريض لانه لضعفه قد يخرج منه شئ قليل من المني فيجب عليه الاغتسال ولولا ذكر ان المريض يضعف لم يكن يحتمل التفصيل في خروج البلل القليل بين السليم والمريض بالحكم بعدم وجوب الغسل في الاول ووجوبه في الثاني إلا ان ذكر الضعف قرينة على المراد وان المريض لمكان ضعفه قد يخرج عنه المني القليل وانه ليس كالسليم فالمتحصل انه لا فرق في وجوب الغسل بخروج المني بين قلته وكثرته. خروج المني بالوطئ أو بغير سيان (1) لان المدار على صدق الانزال والامناء وخروج الماء الاكبر فيجب الغسل عند صدق احد هذه العناوين كما عرفت سواء كان بالوطئ أو بغيره.

[ 311 ]

[ مع الشهوة أو بدونها (1) ] كان الخروج مع الشهوة ام بدونها (1) الكلام في اعتبار الشهوة في وجوب الغسل بخروج المني تارة يقع في الرجال واخرى في النساء اما بالاضافة إلى الرجال فقد ورد في صحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام على ما رواه الشيخ (قدس سره) انه سأله عن الرجل يلعب مع المرأة ويقبلها فيخرج منه المني فما عليه؟ قال إذا جائت الشهوة ودفع وفتر لخروجه فعليه الغسل وان كان انما هو شئ لم يجد له فترة ولا شهوة فلا بأس (1) وهي كما ترى قيدت وجوب الغسل على الرجل بما إذا خرج منه المني عن شهوة وقد حملها صاحب الحدائق وكذا صاحب الوسائل (قدس سرهما) على التقية لموافقتهما لمذهب أبي حنيفة ومالك واحمد وهم من اشهر فقائهم. وفيه ان الحمل على التقية يتوقف على وجود المعارض للرواية حيث ان محالفة العامة من المرجحات واما الرواية المعتبرة من غير ان يكون لها معارض فمما لا يمكن رفع اليد عنها بحملها على التقية والامر في المقام كذلك لان الصحيحة غير معارضة بشئ حيث لم يرد في شئ من رواياتنا ان الرجل إذا خرج منه المني عن غير شهوة أيضا يوجب الجنابة وغسلها وليس في البين سوى الاطلاقات وان الغسل من الماء الاكبر (2) ومقتضى


(1) الوسائل: ج 1، باب 8 من أبواب الجنابة، حديث 1. (2) مر في ذيل ص 308

[ 312 ]

القاعدة تخصيص المطلقات بالصحيحة ولا موجب لحملها على التقية ابدا. وعن صاحب المنتقى ان المني في الصحيحة انما اطلق على البلل المشتبة الذي ظنه السائل منيا فاطلق المني على ما ظن انه منى فهو استعمال على طبق خياله وعقيدته لا ان الخارج كان منيا يقينا وعليه فالصحيجة خارجة عن محل الكلام وناظرة إلى ان البلل المشتبة انما يوجب الغسل ويحمل على كونه منيا فيما إذا خرج عن شهوة فهو كالقرينة على ان البلل مني لا ان ما علمنا بكونه منيا لا يوجب الغسل إلا إذا خرج من شهوة. ويدفعه ان حمل لفظة المني على خلاف ظاهرها يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه فلا مناص من حملها على ما هو ظاهرها اعني المني دون البلل وعليه فمقتضى القاعدة الالتزام بمفاد الصحيحة وتخصيص المطلقات بها والذي يسهل الخطب ان الموجود في الصحيحة على رواية قرب الاسناد وكتاب علي بن جعفر على ما رواه صاحب الوسائل (قدس سره) كلمة الشئ بدل المني وعليه فالصحيحة واردة في البلل المشتبهة دون المني ورواية قرب الاسناد وكتاب علي بن جعفر لو لم يكن هي الصحيحة لاجل وقوع الاشبتاه في روايات الشيخ على ما شاهدنا كثيرا فلا اقل من عدم ثبوت رواية الشيخ وعليه فمقتضى الاطلاقات وجوب الغسل بخروج الماء الاكبر مطلقا سواءا خرج مع الشهوة ام بدونها هذا كله في الرجال. واما في النساء فقد ورد في جملة من الاخبار تقييد وجوب الغسل عليها بالانزال والامناء بما إذا خرج عن شهوة ففي صحيحة اسماعيل ابن سعد الاشعري قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى تنزل الماء من غير ان يباشر يعبث بها بيده حتى تنزل

[ 313 ]

[ جامعا للصفات أو فاقدا لها مع العلم بكونه منيا (1) وفي حكمه الرطوبة المشتبهة الخارجة (2) بعد الغسل مع عدم ] قال: إذا انزلت من شهوة فعليها الغسل (1) وبمضمونها رواية محمد بن الفضيل (2) وغيرها (3) حيث اعتبر في الانزال الموجب للغسل ان يكون عن شهوة. ومقتضى القاعدة تخصيص المطلقات بهذه الاخبار والحكم باعتبار الشهوة في وجوب الغسل على المرأة بخروج المني دون الرجال إلا انه يشكل من جهة مخالفة المشهور لعدم التزامهم باعتبار الشهوة في خصوص المرأة دون الرجال ولولا ذلك لكان المتعين تخصيص المطلقات بهذه الاخبار في خصوص النساء دون الرجال. (1) وذلك لان الصفات الواردة في الاخبار من الخروج بالدفع أو الفتور أو الخروج عن شهوة انما نعتبر في تميز المني وتشخيصه عند الاشتباه كما في البلل المشتبهة واما مع العلم بان الخارج مني فلا يعتبر فيه شئ من الصفات لصدق الماء الاكبر أو الانزال والامناء عليه. البلل المشتبهة في حكم المني (2) كما يأتي في محله ونبين هناك ان الشارع جعل الغلبة فيها امارة


(1 و 2) الوسائل: ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة، الجنابة 1 و 4. (3) كصحيحة معاوية بن حكيم ورواية يحيى ابن أبي طلحة، الوسائل ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة، الحديث 14 و 15.

[ 314 ]

[ الاستبراء بالبول ولا فرق بين خروجه من المخرج المعتاد (1) أو غيره والمعتبر خروجه إلى خارج البدن فلو تحرك (2) من محله ولم يخرج لم يوجب الجنابة ] على كون الخارج منيا لانه إذا خرج منه البلل بعد خروج المني منه وقبل ان يبول فغالب الظن انه من بقايا المني في المجرى. الخروج عن المخرج المعتاد وغيره سيان (1) كما لا فرق في غير المعتاد بين ان يكون عاديا له وبين ما إذا لم يكن وذلك لان المدار في الحكم بوجوب الاغتسال انما هو صدق احد عناوين الانزال والامناء وخروج الماء الاكبر ونحوها سواءا كان الانزال من المخرج العادي أو من غيره وسواء كان معتادا له ام لم يكن وهذا كما إذا كانت على بدنه ثقبة يخرج منها المني نعم إذا لم يصدق عليه الانزال أو الامناء بحسب المتفاهم العرفي لم يجب عليه الاغتسال كما إذا استخرج منيه بشئ من الآلات الطبية فانه لا يقال انه انزال وامنى واما في غير ذلك من الموارد فمقتضى الاطلاق وجوب الاغتسال كما عرفت. (2) حيث لا يصدق عليه الامناء والانزال أو خروج الماء الاكبر وقد عرفت ان هذه العناوين هي الموضوع للحكم بوجوب غسل الجنابة.

[ 315 ]

[ وان يكون منه فلو خرج من المرأة (1) المني الرجل لا يوجب جنابتها الا مع العلم باختلاطه بمنيها وإذا شك في خارج انه ] حكم خروج مني الرجل من المراة (1) وذلك مضافا إلى عدم المقتضى لوجوب الغسل حينئذ لعدم صدق الانزال والامناء بخروج المني الدخل إلى فرجها من الخارج فان ظاهر الامناء هو اخراج مني نفسه لا مني غيره تدل عليه جملة من الاخبار. منها: صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل اجنب فاغتسل قبل ان يبول فخرج منه شئ قال يعيد الغسل قلت فالمرأة يخرج منها شئ بعد الغسل قالت لا تعيد قلت فما الفرق بينهما؟ قال: لان ما يخرج من المرأة انما هو من ماء الرجل (1). ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تغتسل من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل بعد ذلك هل عليها غسل؟ فقال: لا (2) ومنها غير ذلك من الاخبار (3).


(1 و 2) الوسائل: ج 1 باب 13 من أبواب الجنابة، حديث 1 و 3. (3) كالروايات الدالة على ان موجب الغسل هو الماء الاكبر وتقدم ذكر جملة منها في تعليقة ص 308.

[ 316 ]

[ مني ام لا اختبر بالصفات (1) من الدفق والفتور والشهوة فمع اجتماع هذه الصفات يحكم بكونه منيا وان لم يعلم بذلك ومع عدم اجتماعها ولو بفقد واحد منها لا يحكم به ] عند الشك يختبر الخارج بالصفات (1) في هذه المسألة جهات من الكلام: (الجهة الاولى): في انه إذا شك في ان الخارج مني أو غيره هل يجب الفحص والاختيار أو يبني على العدم من غير فحص؟ الصحيح هو الثاني لان الشبهة موضوعية ولا يجب الفحص في الشبهات الموضوعية على ما تقدم في محله فلا مانع من استصحاب عدم خروج المني أو استصحاب بقاء طهارته هذا إذا دار امر الخارج بين المني والوذي وكان متطهرا قبل خروجه فانه لا مانع حينئذ من استصحاب بقاء طهارته. واما إذا دار امره بين المني والبول فلا يجري فيه الاستصحاب للعلم الاجمالي بانتقاض طهارته اما بالحدث الاكبر أو الاصغر وحينئذ يبتني المسألة على ان الامتثال الاجمالي والاحتياط هل هو في مرتبة متأخرة من الامتثال التفصيلي فمع التمكن منه لا مساغ للاحتياط أو انهما في مرتبة واحدة ولا مانع من الاحتياط مع التمكن من الامتثال التفصيلي فعلى الاول يجب عليه الاختبار ليعلم انه بول أو مني واما على الثاني فله ان يحتاط من غير ان يجب عليه الفحص والاختبار. (الجهة الثانية): إذا قلنا بوجوب الاختبار عند الشك في ان

[ 317 ]

[ الا إذا حصل العلم وفي المرأة والمريض يكفي اجتماع صفتين وهما الشهوة والفتورة ] الخارج مني أو غيره فلابد من ان يختبر بالصفات الواردة في الاخبار من الدفق والفتور والشهوة كما في صحيحة علي بن جعفر المتقدمة حيث قال: إذا جاءت الشهوة ودفع وفتر لخروجه فعليه للغسل (1). والظاهر ان الشارع انما اعتبر هذه الصفات في الاختبار من جهة انها صفات غالبية لا تنفك عن المني فهي امارات كون الخارج منيا لا ان الطربق منحصر بها فلو علم أو اطمئن بالمني من سائر الاوصاف كاللون والرائحة الكريهة ونحوهما أيضا وجب عليه الغسل كما ذهب إليه جماعة من الفقهاء وكذا فيما إذا حصل له العلم بذلك عن اجتماع صفتين من الاوصاف الثلاثة وعلى الجملة المدار على العلم بكون الخارج منيا وإذا لم يكن فالمتبع هو الصفات الغالبية وهي الدفق والشهوة والفتور. ثم ان الكلام في ذلك قد يقع في الرجل السليم واخرى في المريض وثانئة في المرأة. اما بالاضافة إلى الرجل الصحيح فقد عرفت ان مقتضى صحيحة علي بن جعفر المتقدمة الحكم بالاغتسال عند اجتماع الاوصاف الثلاثة والظاهر ان الفترة والشهوة متلازمتان كما يدل عليه ذيل الصحيحة حيث قال وان كان انما هو شئ لم يجد له فترة ولا شهوة فلا بأس. مع ان انتفاء احد الاوصاف الثلاثة يكفي في الحكم بعدم وجوب الاغتسال لانه انما ترتب على وجود الاوصاف الثلاثة فلا حاجة إلى انتفاء كليهما فنقيهما


(1) تقدم ذكرها في ص 311.

[ 318 ]

معا يكشف عن تلازمهما كما هو كذلك خارجا وعليه فالمدار في الرجل الصحيح على الدفق والشهوة. ويدل على ذلك أيضا صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له الرجل يرى في المنام ويجد الشهوة فيستيقظ فينظر فلا يجد شيئا ثم يمكث الهون بعد فيخرج قال ان كان مريضا فليغتسل وان لم يكن مريضا فلا شئ عليه قلت فما فرق بينهما؟ قال: لان الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفعة قوية وان كان مريضا لم يجئ إلا بعد (1) وفي رواية الكليني يدفقه بقوة وهي تدلنا على ان الرجل الصحيح كما هو محل كلامنا انما يخرج ماء بدفق وقوة كما انه يخرج بشهوة كما في الصحيحة المتقدمة فامارة المني في الرجل الصحيح هي الدفق والخروج بشهوة. واما المرأة فلم يرد في اعتبار الدفق في منيها رواية وانما الاخبار دلت على ان ما يخرج من فرجها إذا كان خارجا بشهوة يجب عليها الغسل ففي صحيحة اسماعيل بن سعد الاشعري قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يلمس فرج جاريته حتى نزل الماء من غير ان يباشر يعبث بها بيده حتى تنزل قال: إذا انزلت من شهوة فعليها الغسل (2) وهكذا في غيرها (3) بل لم يعتبر الدفق في المرأة ولو اتفاقا. وعليه فالصفة التي يختبر بها مني المرأة انما هو خروجه بشهوة ولا يعتبر فيها صفة اخرى غيرها. واما الرجل المريض فهو أيضا لا يعتبر فيه الخروج عن دفق كما


(1) الوسائل: ج 1 باب 8 من أبواب الجنابة، حديث 3. (2) الوسائل: ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة، حديث 2. (3) راجع الوسائل: ج 1 باب 7 حديث 4 و 13 و 14 و 15.

[ 319 ]

[ (الثاني) الجماع وان لم ينزل (1) ولو بادخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها ] دلت عليه صحيحة ابن أبي يعفور المتقدمة فلا يعتبر في الرجل المريض والمرأة إلا الشهوة الملازمة مع الفتور ولا يعتبر فيهما الدفق وانما يختص ذلك بالرجل الصحيح كما مر. السبب الثاني للجنابة وهو الجماع (1) وجوب الغسل بالجماع - في الجملة - مما لا ريب فيه بين المسلمين وانما الكلام في جهات. (الجهة الاولى): ان الجماع المعبر عنه بالتقاء الختانين أو الادخال والايلاج بنفسه مسبب للجنابة ووجوب الغسل وان لم ينزل بوجه وذلك بمقتضى الاخبار الكثيرة الصحاح فضلا عن غيره ففي صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته متى يجب الغسل على الرجل والمرأة فقال: إذا ادخل وجب الغسل.. (1) وفي رواية أبي نصر البزنطي صاحب الرضا عليه السلام قال سألته ما يوجب الغسل على الرجل والمرأة؟ فقال إذا اولجه وجب الغسل... (2) ومنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: جمع عمر بن الخطاب اصحاب النبي صلى الله عليه وآله فقال ما تقولون في الرجل يأتي اهله


(1) الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة، حديث 1. (2) الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة، حديث 8.

[ 320 ]

فيخالطها ولا ينزل؟ فقالت الانصار: الماء من الماء وقال المهاجرون إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر لعلي عليه السلام ما تقول يا ابا الحسن؟ فقال علي عليه السلام اتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من الماء؟ إذا التقى الخفانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر القول ما قال المهاجرون ودعوا ما قالت الانصار (1) ومنها غير ذلك من الاخبار المشتمل بعضها على تلازم الغسل مع الحد والمهر فراجع إلى غير ذلك من الاخبار. مضافا إلى اطلاق الكتاب: أو لامستم النساء ولم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا (2). واما ما ورد من ان عليا عليه السلام كان لا يرى الغسل إلى في الماء الاكبر (3) فهو لا ينافي وجوب العسل بالجماع وذلك لان الحصر فيه انما هو بالاضافة إلى ما يخرج من الاحليل فكأنه عليه السلام قال المايع الذي يخرج من الاحليل لا يوجب الغسل إلا إذا كان الماء الاكبر وذلك لقرينتين: (احدهما): سبق ذلك في رواية عنبسة بالمذي حيث قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول كان علي لا يرى في المذي وضوءا ولا غسلا ما اصاب الثوب منه إلا في الماء الاكبر فان ذكر المذي قرينة واضحة على ان الحصر انما هو بالاضافة إلى ما يخرج من الاحليل لا بالاضافة إلى كل ما هو سبب للجنابة والغسل. و (ثانيتهما): اتيانه بالصفة والموصوف حيث قيد الماء بكونه


(1) الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة، حديث 5. (2) سورة المائدة: 5، 6. (3) الوسائل: ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة، حديث 6.

[ 321 ]

اكبر فمنه يظهر انه في قبال الماء الاصغر الذي هو كل مايع غير المني إذ لو كان مراده حصر مسبب الجنابة والغسل بالمني فقط لكان من الاولى والاخصر ان يقول إلا في المني فلا موجب للاطالة والاتيان بالصفة وموصوفها إلا التنبية على ان الحصر اضافي وبالنسبة إلى المايعات الخارجية من الاحليل الذي هو الماء غير الاكبر. الجهة الثانية من جهات البحث (الجهة الثانية): انه لو كنا والصحاح والواردة في وجوب الغسل بالادخال والايلاج لكنا قلنا بوجوب الغسل اما من مطلق الادخال والايلاج ولو كان اقل من مقدار الحشفة واما من خصوص الادخال المتعارف اعني ادخال جميع الآلة كما هو المناسب مع الايلاج ولم نكتف في وجوبه بادخال الحشفة إلا ان هناك اخبار قد وردت في تحديد الادخال والايلاج وبينت ان المراد بها ادخال الحشفة وغيبوبتها فقط فالادخال زائدا على ذلك غير واجب والادخال دون غيبوبة الحشفة غير موجب له وهي جملة من الاخبار المتضمنة على ان الغسل انما يجب بغيبوبة الحشفة اصرحها صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع قال سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان منى يجب الغسل؟ فقال: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فقلت التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم (1) ومقتضى هذه الاخبار


(1) الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة، حديث 2

[ 322 ]

ان الغسل انما يجب بغيبوبة الحشفة ولا يجب في الاقل منه كما لا يعتبر ادخال الاكثر منه. وفي قبال ذلك رواية محمد بن عذافر قال سألت أبا عبد الله عليه السلام متى يجب على الرجل والمرأة الغسل؟ فقال: يجب عليهما الغسل حين يدخله وإذا التقى الخنانان فيغسلان فرجهما (1) وقد رواها في الوسائل عن محمد بن ادريس في آخر السرائر عن كتاب محمد بن علي بن محبوب ومقتضاها ان الغسل انما يجب بالانزال واما الجماع المعبر عنه بالتقاء الخنانين فهو انما يوجب غسل الفرجين ولا يوجب الاغتسال. ولكن الظاهر عدم معارضتها مع الصحاح المتقدمة لانها مطلقة حيث نفت وجوب الاغتسال ودلت على وجوب الغسل بالالتقاء الاعم من الالتقاء الخارجي والداخلي والصحاح المتقدمة مقيدة وقد دلت على وجوب الاغتسال بالالتقاء الداخلي المفسر بغيبوبة الحشفة كما في صحيحة ابن بزيع المتقدمة فتحمل هذه الرواية عليه ما إذا كان الالتقاء خارجيا بغير الغيبوبة هذا اولا. وثانيا لو سلمنا انهما متعارضتان فلا يمكننا رفع اليد عن الصحاح المتقدمة بهذه الرواية لانها نادرة وتلك مشهورة بل لا يبعد دعوى تواترها الاجمالي والقطع بصدور بعضها عنهم عليهم السلام وعند المعارضة يترك الشاذ النادر ويؤخذ بالمجمع عليه بين الاصحاب وهذا لا للرواية الآمرة بالاخذ بالمجمع عليها وانه مما لا ريب فيه (2) لانها ضعيفة بل


(1) الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة، حديث 9. (2) ورد ذلك في روايتين وهما: مقبولة عمر بن حنطلة ومرفوعة زرارة، الوسائل: ج 18 باب 19 من أبواب صفات القاضي، حديث 1، والمستدرك ج 3 باب 9 من أبواب صفات القاضي، حديث 2.

[ 323 ]

لما حققناه في محله من ان الرواية إذا كانت مقطوعة السند لا يمكن رفع اليد عنها بالرواية النادرة. وثالثا لو اغمضنا عن ذلك أيضا فالصحاح المتقدمة موافقة للكتاب الذي امرنا بالتيمم بدلا عن الغسل فيما إذا تحققت الملامسة ولم يوجد الماء والرواية غير موافقة للكتاب حيث نفت الغسل عند الملامسة وموافقة الكتاب من المرجحات السندية فلابد من الاخذ بالصحاح وطرح تلك الرواية. واما ما في الحدائق نقلا عن بعضهم من عدم المعارضة بينهما يجعل قوله وإذا التقى الختانان جملة معطوفة إلى يدخله وكون العطف عطف تفسير وكانها هكذا يجب عليهما الغسل حين يدخله أي إذا التقى الختانان. وقوله فيغسلان فرجهما حكم آخر متفرع على الادخال والالتقاء ففيه ما لا يخفى كما ذكره في الحدائق لان الظاهر ان الجملة شرطية وقوله فيغسلان جملة جزائية. واما ما عن بعضهم من ان جملة فيغسلان.. لا يمكن ان تكون جزائية إذ لا وجه لدخول الفاء في الجزاء فيتعين حملها على انه حكم متفرع على الادخال والتقاء الختانين وكون جملة وإذا التقى عطفا تفسيريا لقوله حين يدخله. فيدفعه ان القاء انما لا يدخل في الجزاء فيما إذا لم تكن الجزاء من الافعال المضارعية واما في المضارع فلا بأس بدخوله في الجزاء كما لا يخفي على الممارس الفطن ويغسلان فعل مضارع فالصحيح في رفع المعارضة ما ذكرناه. والذي يسهل الخطب ان الرواية ضعيفة لان محمد بن ادريس (قدس سره) وان نقلها عن كتاب محمد بن علي بن محبوب وذكر ان ذلك الكتاب بخط الشيخ أبي جعفر الطوسي (قدس سره) موجود عنده فالطريق إلى نفس الكتاب معتبر وغير قابل للمناقشة إلا ان في

[ 324 ]

سند الرواية محمد بن عمر بن يزيد وهو لم يوثق في الرجال والنتيجة ان الرواية ضعيفة وغير قابلة للمعارضة مع الصحاح. الجهة الثالثة من جهات البحث (الجهة الثالثة): من قطع حشفته إذا بقى من حشفته مقدار وكان على نحو يصدق انه ادخل حشفته أو اولجها فلا اشكال في انه يجب عليه الاغتسال. واما إذا قطعت بتمامها فالمحتملات فيه امور: الاول من محتملات المسألة (الاول): ان الجنابة ووجوب الاغتسال انما يتحققان بادخال مقدار الحشفة لا بأدخال نفس الحشفة فقط سواء كانت هناك حشفة ام لم تكن فمقطوع الحشفة إذا اولج بمقدار الحشفة وجب عليه الاغتسال ويلاحظ في مقدار الحشفة حشفة كل شخص بحسبها وهذا الاحتمال منسوب إلى الاشهر أو المشهور إلا انه مما لا يمكن المساعدة عليه. وذلك لان ظاهر الاخبار (1) الواردة في وجوب الاغتسال بغيبوبة الحشفة ان ادخال الحشفة بنفسه موضوع للحكم بوجوب الاغتسال فحمله على التقدير وجعل الموضوع عبارة عن مقدار الحشفة خلاف ظاهر الاخبار ودون اثباته خرط القتاد.


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة.

[ 325 ]

ولا مجال لمقايسة المقام مع ما ورد في ان المسافر انما يجب عليه القصر فيما إذا توارى عن البلد المعبر عنه في كلمات الفقهاء بخفاء الجدران حيث ذكر المحقق الهمداني (قدس سره) ان المستفاد منه في المتفاهم العرفي ان وجوب القصر مشروط بالبعد عن بلد المسافرة بمقدار خفاء الجدران سواء أكان هناك جدران ام لم يكن كما إذا سافر من القرى والبوادي وكذلك الحال في المقام فان المستفاد من الاخبار الواردة في ان الغسل يجب بايلاج الحشفة ان المناط انما هو الادخال بقدر الحشفة سواء أكان له حشفة ام لم تكن فمقطوع الحشفة إذا ادخل من احليله بقدر الحشفة يجب عليه الاغتسال. والوجه في عدم جواز المقايسة ان ما ورد في وجوب القصر فيما إذا توارى عن البلد بحسب المتفاهم العرفي ظاهر في ارادة المقدار واين هذا من الاخبار الواردة في ان الغسل انما يجب بادخال الحشفة فان استفادة كفاية ادخال غير الحشفة بقدرها منها دونه خرط القتاد فارادة المقدار من الحشفة يحتاج إلى دلالة الدليل ولا دليل على ارادته فهذا الاحتمال ساقط. الثاني من المحتملات (الثاني): ان مقطوع الحشفة لا يجب عليه الغسل بالجماع وانما ينحصر سبب الغسل في حقه بالانزال لان الغسل بالاجماع مقيد بأدخال الحشفة ولا حشفة له على الفرض. ورد ذلك بان الاخبار الواردة في ان الغسل يجب بالادخال والايلاچ مطلقة ومقتضى اطلاقها وجوب الغسل بادخال مقطوع الحشفة أيضا وهذا منسوب إلى صاحب المدارك (قدس سره) وقد اورد على ذلك

[ 326 ]

بان المطلقات كما مر مقيدة بغيبوبة الحشفة وتلك المقيدات أيضا مطلقة لعدم اختصاصها بواجد الحشفة بل يعمه ومن قطعت حشفته ومقتضى اطلاق المقيدات ان الغسل انما يجب في حق مقطوع الحشفة وغيره بالجماع فيما إذا غابت الحشفة وحيث ان مقطوع الحشفة لا يتحقق في حقه الجماع بغيبوبة الحشفة فلا يجب عليه الغسل بالاجماع وينحصر سببه بالانزال فحسب لولا كون الحكم المزبور اعني وجوب الغسل على مقطوع الحشفة بالجماع مظنة الاجماع هذا ولا يخفي ان هذا الاحتمال أيضا مردود كسابقه وذلك لصحيحتين: (احداهما): صحيحة الحلبي قال سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيب المرأة فلا ينزل أعليه غسل؟ قال: كان علي عليه السلام يقول إذا مس الختان فقد وجب الغسل قال وكان علي عليه السلام يقول كيف لا يوجب الغسل والحد يجب فيه وقال: يجب عليه المهر والغسل (1). فان مقتضى صريح هذه الصحيحة ان وجوب الحد والمهر وغسل الجنابة امور متلازمة ومتى وجب احدها وجب الآخران وحيث لا اشكال في ان مقطوع الحشفة إذا جامع اجنبية يصدق انه زنى ويجب بذلك عليه الحد كما إذا جامع زوجته ويجب بذلك عليه المهر أيضا فمنه يستكشف انه إذا جامع امرأة وجب عليه غسل الجنابة أيضا لملازمته مع وجوب الحد والمهر فالقول بعدم وجوب الغسل في حقه ساقط. و (ثانيتهما): صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: جمع عمر بن الخطلاب اصحاب النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما تقولون في الرجل ياتي اهله فيخالطها ولا ينزل؟ فقالت الانصار: الماء من


(1) الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة، حديث 4.

[ 327 ]

الماء وقال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر لعلي عليه السلام ما تقول يا ابا الحسن؟ فقال علي عليه السلام اتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من الماء؟ إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل فقال عمر القول ما قال المهاجرون ودعوا ما قالت الانصار. (1) وهذه الصحيحة أيضا ظاهرة الدلالة على ان الحد والغسل متلازمان في الوجوب فمتى وجب احدهما وجب الآخر وحيث ان الاول يتحقق في حق مقطوع الحشفة بالادخال فكذلك الثاني يجب عليه بادخاله فاحتمال ان لا يجب على مقطوع الحشفة الغسل بالجماع ساقط حيث يستفاد منهما ان الموضوع لوجوب الغسل في حق مقطوع الحشفة مطلق الادخال والايلاج ومنه نستكشف ان المقيدات مختصة بواجد الحشفة دون فاقدها. فدعوى ان عدم وجوب الغسل على مقطوع الحشفة بالادخال هو الصحيح والاوفق بالقواعد لولا كون وجوب الغسل عليه بالادخال مظنة الاجماع ساقطة هذا كله في الاستدلال بالصحيحتين. واما فقههما فقد نقل في الحدائق عن الكاشاني (قدس سره) ان الوجه في استدلال علي عليه السلام هو القياس وذلك للمجادلة بالتي هي احسن لان المخالفين يرون صحة القياس ومن هنا قاس عليه السلام الغسل بالحد والمهر وإلا فلا تلازم بين الامور الثلاثة. وكيف يكون وجوب الغسل والحد والمهر متلازما مع ان الحد له اسباب متعددة ولا يجب الغسل إلا في سبب واحد وهو الزنا ولا يجب مع غيره من اسباب الحد المبينة في كتاب الحدود كما ان ثبوت المهر


(1) الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة، حديث 5.

[ 328 ]

كذلك فانه قد يثبت بازالة البكارة بالاصبع مع عدم وجوب الغسل معه هذا. ولكن الصحيح ان استدلال الامام عليه السلام تام غير مبتن على القياس وغرضه ان الموضوع لهذه الاحكام الثلاثة شئ واحد وهو الاتيان والادخال والمماسة والمس وغيرها من العناوين حيث قال سبحانه أو لامستم النساء ولم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا (1) وورد ان في المس المهر كلا كما ورد ان الادخال والايلاج يوجب الغسل كما انه موجب للحد والزنا وليس هذا من القياس في شئ هذا كله في الاحتمال الثاني. الثالث من المحتملات (الثالث): ان ادخال مقطوع الحشفة وان كان موجبا للغسل كما مر إلا ان الموجب له هو مسمى الادخال ومطلقه ولا يعتبر دخول الباقي بتمامه. الرابع من المحتملات (الرابع): ان الموجب انما هو ادخال تمام الباقي ولا يكفي مسماه والصحيح من هذين الاحتمالين هو الاول اعني كفاية مسمى الادخال والايلاج وذلك لما عرفت من تلازم الغسل مع الحد والمهر ولا اشكال في ان الموضوع للحد والمهر هو مسمى الادخال وكذلك الحال في الغسل على انا استفدنا من الصحيحتين ان الموضوع لوجوب الغسل في مقطوع


(1) النساء والمائدة: 43، 6.

[ 329 ]

[ في القبل أو الدبر (1) ] الحشفة هو الادخال والايلاج وذكرنا ان المقيدات مختصة بواجد الحشفة ولا اشكال في ان الادخال والايلاج لا يتوقف صدقهما على دخول تمام الباقي بل يكفي في صدقهما المسمى ولعله ظاهر. هل سيان في المسألة؟ قبل المرأة ودبرها (1) المسألة ذات قولين: (احدهما): عدم الفرق في وجوب الغسل بين الادخال في قبل المرأة ودبرها وهذا هو المشهور بينهم بل ادعى بعضهم الاجماع عليه و (ثانيهما) عدم وجوبه بالوطي في دبر المرأة كما ذهب إليه بعضهم ومال إليه صاحب الحدائق (قدس سره) واستدل على كلا القولين بالاخبار إلا ان اكثرها في كلا الجانبين ضعاف لضعف اسنادها مضافا إلى ضعف الدلالة في بعضها. (منها): مرسلة حفص بن سوقه عمن اخبره قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي اهله من خلفها قال: هو احد المائتين فيه الغسل (1) وقد استدل بها على المشهور إلا انها ضعيفة سندا لارسالها مضافا إلى امكان المناقشة في دلالتها حيث يحتمل ان يراد من اتيان اهلها من خلفها انه بولج في قبلها من خلفها كبقية الحيوانات حيث يأتون من الخلف لا انه يدخل في دبرها ويرشد إلى ذلك قوله يأتي اهله من خلفها ولم يقل يأتي خلف اهلها وبين العبارتين فرق واضح فكان المدخل واحد وله طريقان فقد يؤتي من الخلف واخرى من القدام.


(1) الوسائل: ج 1 باب 12 من أبواب الجنابة، حديث 1.

[ 330 ]

و (منها): مرفوعة البرقي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا اتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزلا فلا غسل عليهما وان انزل فعليه الغسل ولا غسل عليها (1) استدل بها على القول الثاني ودلالتها ظاهرة إلا انها ضعيفة بحسب السند لمكان رفعها وان عبر عنها في الحدائق بالصحيحة باعتبار صحة سندها إلى البرقي. و (منها): مرسلة احمد بن محمد عن بعض الكوفيين يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يأتي المرأة في دبرها وهي صائمة قال لا ينقض صومها وليس عليها غسل (2) وهي أيضا ضعيفة بارسالها. و (منها): صحيحة الحلبي قال: سأل الصادق عليه السلام عن الرجل يصيب المرأه فيما دون الفرج أعليها الغسل إذا انزل هو ولم تنزل هي؟ قال عليه السلام ليس عليها غسل وان لم ينزل هو فليس عليه غسل (3) وهذه الرواية وان كانت صحيحة بحسب السند إلا ان دلالتها مورد للمناقشة: اما اولا: فلان ظاهر كلمة ما دون الفرج هو ما كان تحت الفرج وليس ما تحته إلا الفخذان ومعنى انه يصيبها أي انه يفخذ فحسب وعليه فالصحيحة خارجة عما نحن فيه اعني الوطي في دبر المرأة. واما ثانيا: فلانا لو سلمنا ان المراد بما دون الفرج ما سوى الفرج لا انه بمعنى ما هو تحته واسفله كما قد يستعمل بهذا المعنى أي بمعنى عدا وسوى - أيضا لا يمكننا الاستدلال بها من جهة ان للفرج اطلاقات فقد يطلق ويراد منه خصوص القبل في مقابل الدبر وقد يطلق ويراد منه الاعم من القبل والدبر والذكر كما قد استعمل بهذا المعنى الاخير


(1 و 2) الوسائل: ج 1 باب 12 من أبواب الجنابة حديث 2 و 3. (3) الوسائل: ج 1 باب 11 من أبواب الجنابة حديث 1.

[ 331 ]

اعني الآلة الرجولية في قوله تعالى والذينهم لفروجهم حافظون إلا على ازواجهم (1): والاستدلال بالصحيحة انما يتم إذا احرزنا ان الفرج فيها قد استعمل بالمعنى الاول واما إذا كان المراد به هو المعنى الثاني فلا محالة يتعين في التفخيذ أيضا لانه الذي سوى الامور المذكورة وحيث انا لم نحرز ان المراد منه أي المعنيين فلا محالة تسقط الصحيحة عن قابلية الاعتماد عليها في المسألة فالاخبار المستدل بها على وجوب الاغتسال بالوطي في دبر المرأة من غير انزال كالاخبار المستدل بها على عدم وجوبه ضعيفة السند أو الدلالة كما ان الاجماع المدعى في المسألة غير قابل للاعتماد عليه لانه من الاجماع المنقول ولا اعتبار به. فالصحيح ان نستدل على وجوب الغسل بوطي المرأة في دبرها باطلاق الكتاب والسنة اما الكتاب فلقوله تعالى أو لامستم النساء ولم تجدوا ماءا الخ (2) لان الملامسة كما تصدق بوطئها في قبلها كذلك تصدق بوطيها في دبرها. واما ما ورد في تفسير الملامسة بالمواقعة في فرج المرأة اعني صحيحة أبي مريم الانصاري قال: قلت لابي جعفر عليه السلام ما تقول في الرجل يتوضاء ثم يدعو جاريته فتاخذ بيده حتى ينتهي إلى المسجد؟ فان من عندنا (يعني السنة) يزعمون انها الملامسة فقال: لا والله ما بذلك بأس وربما فعلته وما يعني بهذا (أو لامستم النساء) إلا المواقعة في الفرج (3) حيث استدل بها على ان سبب الجنابة ووجوب الغسل


(1) المؤمنون: 5. (2) النساء والمائدة: 43، 6. (3) الوسائل: ج 1 باب 9 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 4.

[ 332 ]

منحصر بالمواقعة فرج المرأة فلا يكون وطيها في دبرها موجبا وسببا للجنابة. ففيه ان الصحيحة لا دلالة لها على عدم وجوب الغسل بالوطي في دبر المرأة وذلك لان الفرج لم يثبت في لغة العرب انه بمعنى القبل بل الصحيح انه يستعمل في المعنى الجامع بين القبل والدبر بل بينها وبين الذكر كما في قوله تعالى والذينهم لفروجهم حافظون إلا على ازواجهم (1) لانه بمعنى الذكر فقط هذا. بل قد ورد في بعض الروايات بمعنى خصوص الدبر كما في موثقة سماعة قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يمس ذكره أو فرجه أو اسفل من ذلك وهو قائم يصلي يعيد وضوئه؟ فقال لا بأس بذلك انما هو من جسده (2) فان الفرج فيها بمعنى الدبر إذ لا قبل للرجل والذكر مذكور بنفسه كما هو واضح وعليه فلفظة الفرج اما انها بالمعنى الاعم من القبل والدبر أو لا اقل من اجمالها ومعه لا يمكن الاعتماد على الرواية في تقييد الآية لمباركة واما الاخبار فهي كالرواية المشتملة على ان اتيان الزوجة يوجب انتقاض الصيام فان الاتيان كما يشمل الوطي في القبل كذلك يشمل الاتيان في الدبر هذا كله في وطي المرأة في دبرها. حكم وطي الغلام واما وطي الغلام في دبره فهل يلحقه حكم وطي المرأة فيجب عليه الاغتسال؟ ذهب المشهور إلى ذلك بل عن المرتضى دعوى الاجماع على عدم الفرق في وجوب الغسل بالوطي بين وطي المرأة والغلام


(1) المؤمنون؟ 5. (2) الوسائل: ج 1 باب 9 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 8.

[ 333 ]

وخالفهم في تلك المحقق في المعتبر حيث ذهب فيه إلى العدم ومال إليه في شرايعه وتردد. واستدل على وجوب الغسل بوطي الغلام بالاجماع تارة واخرى بالروايتين (1) المتقدمتين الواردتين في ملازمة وجوب الحد مع وجوب الغسل وحيث ان وطي الغلام موجب الحد فلا محالة يكون موجبا للاغتسال وثالثة باطلاق الاخبار (2) الواردة في ان الغسل يجب مع الادخال أو الايلاج ونحوهما لان الادخال يصدق على الادخال في دبر الغلام أيضا ورابعة بحسنة الحضرمي أو صحيحة المروية عن الكافي عن الصادق عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله من جامع غلاما جاء جنبا يوم القيامة لا ينقيه ماء الدنيا (3) نظرا إلى دلالتها على ان الجنابة كما تتحقق بوطي المرأه كذلك تتحقق بوطي الغلام بل الجنابة الحاصلة بوطيه اقوى وآكذ من غيرها حيث انها لا ترتفع بماء الدنيا وانما ترتفع بنار الجحيم أو ماء الحميم. ولا يمكن المساعدة على شئ من هذه الوجوه. اما الاجماع فلانه من المنقول ولا اعتبار عندنا بالاجماعات المنقولة ولا سيما اجماعات السيد المرتضى (قدس سره). واما الاستدلال بالروايتين الواردتين في وجوب الغسل عند وجوب الحد فلما اسلفنا من انهما غير ناظرتين إلى ان الحد إذا وجب وجب معه الغسل كيف فان الحد له اسباب كثيرة لا يجب معها الغسل في غير الزنا أو اللواط على الكلام وإلا فقذف المرأة يوجب الحد ولا يوجب


(1) تقدم ذكرهما. (2) الوسائل: ج 1 باب 6 و 7 من أبواب الجنابة. (3) الوسائل: ج 14 باب 17 من أبواب النكاح المحرم، حديث 1.

[ 334 ]

[ من غير فرق بين الواطي والموطوء (1) ] الغسل وكذلك غيره من الاسباب الموجبة للحد بل نظرهما إلى ان موضوع وجوب الغسل ووجوب الحد في خصوص وطي المرأة امر واحد فهما متلازمان في وطي المرأة لا مطلقا فلا يمكن الاستدلال على وجوبه بوجوب مطلق الحد كما لا يخفى. واما الاستدلال بالمطلقات الدالة على ان الغسل انما يجب مع الادخال والايلاج فيه ان تلك الاخبار انما وردت لبيان الكمية أو الكيفية الموجبة للجنابة وقد دلت على انها تتحقق بمطلق الادخال دون التفخيذ وغيره واما ان متعلق الادخال أي شئ مرأة أو غلام فهي غير ناظرة إليه حتى يتمسك باطلاقها. واما رواية الكافي فهي أيضا كسابقتها لان الجنابة التي لا ترتفع بالاغتسال بماء الدنيا خارجة عن الجنابة المصطلح عليها التي رتبت عليها احكام من وجوب الغسل وحرمة المكث في المساجد ونحوهما فهي جنابة واقعية وامر مغائر مع الجنابة المصطلح عليها للقطع بان واطي الغلام إذا اغتسل لصحت منه الصلاة وغيرها مما يشترط فيه الطهارة من الحدث فلا دلالة للرواية على ان الجنابة المصطلح عليها تتحقق في حق واطي الغلام فالانصاف انه لا دليل على وجوب الغسل عند وطي الغلام ومن هنا ذهب المحقق إلى نفيه في المعتبر ومعه لا مناص من الاحتياط والجمع بين المحتملات - مثلا - إذا كان متطهرا قبل وطي الغلام فوطئه فيكتفي بالاغتسال واما إذا كان محدثا قبله فبعد الوطي يجمع بين الوضوء والغسل للاحتياط. (1) وذلك للارتكاز العرفي فان الجنابة امر واحد ونسبته إلى الواطي

[ 335 ]

[ والرجل والمرأة (1) والصغير والكبير (2) والحي والميت (3) والاختيار والاضطرار (4) في النوم أو اليقضة حتى لو ادخلت حشفة طفل رضيع فانهما يجنبان وكذا لو ادخل ذكر ميت ] والموطوء متساوية بحسب الارتكاز. (1) كما عرفت تفصيله. (2) الاخبار الواردة في المسألة وان كانت مشتملة على لفظة المرأة غالبا وهي لا تشمل غير البالغة إلا انه يوجد في بينها ما يكون باطلاقه شاملا لغير البالغة أيضا وذلك كما ورد (1) من انه إذا مس أو أتى بكرا فقد وجب عليه الغسل فان البكر كما يصدق على البالعة كذلك يصدق على غير البالغة. (3) وذلك لان الميت يصدق عليه المرأة عند العرف فلو جامع امرأة ميتة يصدق عرفا انه جامع امرأة وان كانت الامرأه بحسب العقل مختصة بغير الميت لان الميت جماد ومع ذلك لا حاجة لنا إلى الاستصحاب - كما عن الجواهر - حتى يستشكل فيه بانه من الاستصحاب التعليقي. (4) كل ذلك للاطلاق.


(1) كما في موثقة ابن يقطين: الوسائل ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة، حديث 3.

[ 336 ]

[ أو ادخل في ميت والاحوط في وطي البهائم (1) من غير انزال الجمع بين الغسل والوضوء ] حكم وطي البهائم في فرجها (1) هل الوطي في فرج البهيمة يلحق بالوطي في الآدمي فيوجب الغسل والجنابة؟ قد يقال بذلك نظرا إلى ما ربما يلوح من كلام السيد المرتضى (قدس سره) من ان وجوب الغسل في وطي البهمية اجماعي بيننا حيث حكى عنه ان الاصحاب يوجبون الغسل بالايلاج في فرج البهيمة. ولما ورد من ملازمة وجوب الحد مع وجوب الغسل. وفيه ان الاجماع لا يمكن الاعتماد عليه لعدم العلم بتحققه لان المشهور بينهم كما في الحدائق عدم وجوب الغسل بوطئ البهيمة ومعه كيف يكون وجوب الغسل اجماعيا عندهم واما حديث الملازمة بين وجوب الحد ووجوب الغسل فقد عرفت ان المراد بها خصوص التلازم بين حد الزنا ووجوب الاغتسال لاتحاد موضوعهما الذي هو المس أو الادخال والاتيان ولا تلازم بين مطلق الحد ووجوب الاغتسال كما مر. واما المطلقات الآمرة بالغسل عند الادخال والايلاج فقد عرفت ان المراد بها بيان الكمية المسببة بوجوب الغسل وانه انما يجب مع الادخال لا بالتفخيذ والملامسة والمس واما متعلق الادخال فلا تعرض له في المطلقات حتى بتمسك باطلاقاتها وبالجملة ان المتبع هو الدليل ولا دليل على وجوب الغسل بوطئ البهائم فالاحتياط ان يغتسل بوطيها ويتوضأ

[ 337 ]

[ ان كان سابقا محدثا بالاصغر والوطي في دبر الخنثى موجب للجنابة دون قبلها (1) الا مع الانزال فيجب الغسل عليه دونها الا ان تنزل هي ايضا ولو ادخلت الخنثى في الرجل أو الانثى مع عدم الانزال لا يجب الغسل على الواطي ولا على الموطوء (2) وإذا دخل الرجل بالخنثى والخنثى بالانثى وجب الغسل على الخنثى دون الرجل والانثى (3) ] كما قدمناه في وطي دبر الغلام. وطي الخنثى في دبرها (1) بناءا على وجوب الغسل بالادخال في الدبر فانه عليه يجب الغسل بوطئ الخنثى في دبرها لانه اما امرأة واما رجل وعلى كلا التقديرين يجب الغسل بالوطئ في دبرها واما قبلها فلا لاحتمال ان يكون مذكرا والقبل عضو زائد كالثقبة الخارجية والادخال في مطلق الثقبة غير موجب للغسل كما هو ظاهر هذا إذا قلنا بوجوب الغسل في الدبر حتى في الذكر. (2) لاحتمال ان تكون انثى وآلته الرجولية عضو زائد لا يجب الغسل بايلاجه. (3) اما وجوب الغسل على الخنثى فلانها اما رجل فقد وطي الانثى فوجب عليها الغسل واما انها انثى فقد وطئها الرجل واما عدم وجوب الغسل على الرجل والانثى فلاحتمال ان تكون الخنثى في الاول مذكرا

[ 338 ]

[ (مسألة 1): إذا رأى في ثوبه منيا وعلم انه منه ولم يغتسل بعده وجب عليه الغسل (1) وقضاء ما تيقن من الصلوات التي صلاها بعد خروجه واما الصلوات التي يحتمل سبق الخروج عليها فلا يجب قضاؤها (2) وإذا شك في ان هذا المني منه أو من غيره لا يجب عليه الغسل (3) وان كان الاحوط ] وآلته الانوثية عضو زائد وفي الثاني مؤنثا وآلتها الرجولية عضو زائد. (1) لفرض علمه بجنابته. (2) لاستصحاب عدم خروج المني حين تلك الصلوات وهو المعبر عنه باصالة تأخر الحادث ومع الغض عن الاستصحاب مقتضى اصالة البرائة عدم وجوب القضاء أيضا لانه بأمر جديد ومع الشك في توجهه إليه اصالة البرائة تقتضي بعدم الوجوب. واما دعوى الحكم بصحة تلك الصلوات وعدم وجوب قضائها لقاعدة الفراغ الحاكمة بصحتها ففيه ما ذكرناه غير مرة من ان القاعدة امارة أو شبهها ويعتبر في كونها امارة احتمال الالتفات إلى اجزاء العمل وشرائطه حال الامتثال حتى يكون اتيانه بتمامه لاجل انه اذكر واما مع العلم بغفلته حال العمل واحتمال الصحة لمجرد احتمال الصدفة الاتفاقية فلا تجري فيه القاعدة ولا تكون لها امارية حينئذ وإلا مر في المقام كذلك لان المفروض عدم التفات المصلي إلى جنابته حال الصلاة وانما التفت إليها بعدها فهي خارجة عن موارد قاعدة الفراغ. (3) لعدم علمه بجنابته وللعلم الاجمالي بجنابته أو بجنابة غيره غير مؤثر في حقه إذ لا اثر لجنابة الغير بالاضافة إليه اللهم إلا ان تكون جنابة الغير موردا

[ 339 ]

[ خصوصا إذا كان الثوب مختصا به وإذا علم انه منه ولكن لم يعلم انه من جنابة سابقة ] لابتلائه بأن امكن ابنلائه به كما إذا امكن استيجاره لكنس المسجد فان الاستيجار له كما يأتي يشترط فيه عدم جنابة الاجير واستيجار الجنب للكنس تسبيب لدخول الجنب ومكثه في المسجد وهو حرام فإذا كان الامر كذلك فله علم اجمالي بتوجه احد التكليفين إليه فاما انه يجب الغسل عليه واما انه يحرم ان يستأجر غيره. بقى الكلام في شئ وهو ان صاحب الحدائق (قدس سره) تعرض للمسألة المتقدمة وعنونها بما إذا نام احد ولم ير، في منامه انه احتلم ثم وجد بعد الانتباه في ثوبه أو على بدنه منيا وقال الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب رضوان الله عليهم في انه يجب عليه الغسل للعلم بتحقق الجنابة بذلك وذكر ان كثيرا من الاصحاب عبروا في هذا المقام بان واجد المني على جسده أو ثوبه المختص به يغتسل ومن الظاهر بعده عن مورد الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ونقل من الروايات موثقتين لسماعة ففي احداهما: سألته عن الرجل يرى في ثوبه المني بعدما يصبح ولم يكن رأى في منامه انه قد احتلم قال فليغتسل وليغسل ثوبه ويعيد صلاته. وفي ثانيتهما: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل ينام ولم ير في نومه انه احتلم فيجد في ثوبه أو على فخذه الماء هل عليه غسل؟

[ 340 ]

قال: نعم (1). ثم نقل عن الشيخ (قدس سره) انه في مقام الجمع بين هاتين الموثقتين وبين ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يصيب في ثوبه منيا ولم يعلم انه احتلم قال ليغسل ما وجد يثوبه وليتوضأ (2) حمل الاخيرة على ما إذا شاركه في الثوب غيره جمعا بين الروايات وعقبه بان الاقرب في الجمع بين الموثقتين وهذا الرواية حمل الموثقتين على من وجد المني بعد النوم بغير فصل مدة بحيث يحصل له العلم أو الظن الغالب باستناد المني إليه لا إلى غيره وحمل الرواية على وجدانه المني في الثوب في الجملة من غير تعقبه للنوم على الوجه المتقدم. ولا يخفى ان واجد المني في ثوبه بحسب الاغلب عالم بانه منه ومعه يجب عليه الغسل وقضاء الصلوات التي علم باتيانها بعد خروجه كما ذكره الماتن (قدس سره) واما إذا لم يحصل له القطع بذلك واحتمل انه من غيره فلا موجب وقتئذ للحكم عليه بوجوب الاغتسال والاصل يقتضي عدم خروج المني منه والعلم الاجمالي بجنابته غيره غير منجز إلا ان يكون الطرف الآخر موردا لابتلائه كما عرفت واما مع عدم كونه موردا للابتلاء فلا موجب عليه للاغتسال. والاستدلال على وجوب الغسل في تلك الصورة بالموثقتين بمكان من الغرابة لان السؤال فيهما ليس عن وجدان المني في الثوب مع احتمال كونه مستندا إلى الغير وانما السؤال فيهما عن ان خروج المني باستقلاله موجب للغسل أو لابد من ان يرى النائم في منامه انه قد احتلم حتى يجب عليه الغسل وبعبارة اخرى ان سماعة احتمل ان يكون للرؤية في


(1) الوسائل: ج 1 باب 10 من أبواب الجنابة، حديث 2 - 1. (2) الوسائل: ج 1 باب 10 من أبواب الجنابة، حديث 3.

[ 341 ]

[ اغتسل منها أو جنابة اخرى (1) لم يغتسل لها لا يجب عليه الغسل أيضا لكنه احوط. ] المنام موضوعية في وجوب الغسل واجابه الامام بان الموضوع في ذلك مجرد خروج المني رأي في المنام احتلامه أو لم يره وبذلك يرتفع التنافي بينهما وبين ما رواه أبو بصير فلا حاجة إلى ما ذكره الشيخ أو صاحب الحدائق (قدس سره) فانه ليس من الجمع العرفي بينهما بل الصحيح في الجمع بينهما ما ذكرناه من ان الموثقتين انما وردتا في صورة العلم بان المني منه لا في صورة التردد والشك إذ لا مناسبة لوجود مني الغير على فخذه إلا انه سئل عن وجوب الغسل حينئذ لاحتمال ان يكون لرؤية الاحتلام موضوعية في وجوبه واما ما رواه أبو بصير فهي واردة فيما نحن فيه اعني الشك في ان المني منه أو من غيره وقد حكم عليه السلام بعدم وجوب الغسل حينئذ كما هو مقتضى الاصل فالصحيح ما افاده الماتن (قدس سره) من عدم وجوب الغسل في المسألة. إذا علم بالجنابة ولم يعلم انها مما اغتسل منه (1) قد تعرضنا لهذه المسألة في بحث الاصول وسميناها بالقسم الرابع من اقسام الاستصحاب الكلي وقلنا انه يغاير القسم الثالث منها بان في القسم الثالث يعلم بزوال ما حدث قطعا ويشك في قيام فرد آخر مقامه مقارنا لارتفاع الفرد الاول أو بعده واما في هذا القسم فلا علم له بارتفاع ما حدث لانه يحتمل ان تكون الجنابة التي علم بتحققها حين

[ 342 ]

[ (مسألة 2): إذا علم بجنابة وغسل ولم يعلم السابق منهما وجب عليه الغسل الا إذا علم زمان (1) الغسل دون الجنابة فيمكن استصحاب الطهارة حينئذ. ] خروج المني المشاهد في ثوبه باقية بان تكون الجناية جنابة اخرى غير الجنابة التي اغتسل منها كما يحتمل ارتفاعها لاحتمال انها هي الجنابة التي اغتسل منها كما انه يغاير القسم الثاني من حيث انه ليس هناك شك في بقاء ما حدث لان احد الفردين المحتملين مشكوك الحدوث من الابتداء واحدهما الآخر مقطوع الارتفاع وهذا بخلاف المقام حيث ان ما علمنا بحدوثه اعني طبيعي الجنابة الحاصلة بخروج المني المشاهد نحتمل بقائه ولا علم بارتفاعه فهو قسم مستقل ولا مانع من الرجوع فيه إلى استصحاب بقاء الطبيعي المحتمل انطباقه على ما اغتسل منه وما لم يغتسل فيجب عليه غسل الجنابة حينئذ. إذا لم يعلم السابق من الغسل والجنابة (1) هذا يبتني على ما سلكه جملة من الاعلام ومنهم الماتن (قدس سره) من عدم جريان الاستصحاب في ما جهل تاريخه من الحادثين فان الاستصحاب حينئذ يجري في بقاء الغسل والطهارة من غير معارض فلا يجب عليه الغسل ولا الوضوء لكونه محكوما بالطهارة بالاستصحاب. واما بناءا على ما سلكناه من عدم الفرق بين ما علم تاريخه وما حهل تاريخه من الحادثين فاما ان لا يجري الاستصحاب في شئ من الجنابة

[ 343 ]

[ (مسألة 3): في الجنابة الدائرة بين شخصين لا يجب الغسل على واحد منهما (1) ] والطهارة كما على مسلك صاحب الكفاية (قدس سره) واما ان بجريان ويتساقطان بالمعارضة ومعه لابد من الرجوع إلى اصل آخر وهو اصالة الاشتغال حيث يحتمل جنابته ولا يقطع بفراغ ذمته إذا صلي والحال هذه إلا ان يغتسل إلا ان غسله هذا يغني عن الوضوء لعدم العلم بكونه غسل جنابة لاحتمال عدم جنابته ومعه يضم إليه الوضوء أيضا من باب الاحتياط فيما إذا لم يكن متوضئا سابقا واما مع طهارته السابقة فلا حاجة إلى ضم الوضوء إلى الاغتسال. واما إذا كان تاريخ الجنابة معلوما دون تاريخ الطهارة والغسل فانه بناءا على مسلك الماتن ومن حذى حذوه يجري استصحاب الجنابة من غير معارض لعدم جريان الاصل فيما جهل تاريخه ومعه يجب عليه الغسل وهو يغنى عن الوضوء لانه غسل جنابة بمقتضى استصحاب بقاء الجنابة واما على مسلكنا فحكمه حكم صورة الجهل بتاريخ كلا الحادثين فاما ان يجري الاستصحابان ويتساقطان بالمعارضة واما ان لا يجري شئ منهما في نفسه فيرجع إلى اصالة الاشتغال ويجب عليه الغسل ويضم إليه الوضوء أيضا احتياطا. الجنابة الدائرة بين شخصين (1) لعدم العلم بجنابته واستصحاب طهارته يقضي بعدمها والعلم

[ 344 ]

[ والظن كالشك (1) وان كان الاحوط فيه مراعات الاحتياط (2) فلو ظن احدهما انه الجنب دون الآخر اغتسل وتوضأ ان كان مسبوقا بالاصغر. (مسألة 4): إذا دارت الجنابة بين شخصين لا يجوز ] الاجمالي بجنابة نفسه أو غيره غير منجز إذ يشترط في تنجيزه ان يكون العلم الاجمالي متعلقا بتكليف نفس المكلف واما المتعلق بتكليفه أو تكليف غيره فلا يترتب عليه أي اثر اللهم إلا ان تكون جنابة الغير مما ينتهي إليه ابتلائه كما إذا كان ذلك الغير قابلا للاستيجار لكنس المسجد - لانه حمال مئلا - فانه يعلم حينئذ بتوجه احد التكليفين إليه لانه اما ان يجب عليه غسل الجنابة إذا كان هو الجنب واما ان يحرم عليه استيجار الطرف الآخر لكنس المسجد إذا كان الجنب هو الغير وذلك لحرمة التسبيب إلى دخول الجنب في المسجد واستيجاره تسبيب كما تأتي الاشارة إليه. (1) لعدم اعتباره. (2) لم يعلم لهذا الاحتياط وجه صحيح حيث انه ان كان مستندا إلى احتمال حجية الظن واعتباره فنحن نقطع بعدم حجيته ولا نحتمل اعتباره ليجب الاحتياط وان كان الاحتياط من جهة احتمال جنابته في الواقع فهو وان كان في محله لان ادارك الواقع حسن إلا انه لا يختص بالظن بالجنابة لان الشاك في جنابته أيضا مورد للاحتياط حتى يدرك الواقع فتخصيص الاحتياط بخصوص الظان بالجنابة بلا وجه.

[ 345 ]

[ لاحدهما الاقتداء بالآخر (1) للعلم الاجمالي بجنابته أو جنابة امامه ولو دارت بين ثلاثة ] عند دوران الجنابة بين شخصين لا يجوز ائتمام احدهما بالآخر (1) ان بنينا على ان المدار في صحة الاقتداء على كون صلاة الامام صحيحة عند نفسه فلا اشكال في جواز اقتداء احد الشخصين الذين علم جنابة احدهما بالآخر وذلك لاستصحاب طهارة نفسه بل يجوز الاقتداء مع العلم التفصيلي ببطلان صلاة الامام فيما إذا كانت صلاته صحيحة عند نفسه. واما إذا لم نبن عليه وقلنا بعدم كفاية الصحة عند الامام كما هو الصحيح حيث لم يدل دليل على جواز الاقتداء بالصلاة الباطلة ولا اطلاق في دليل جواز الاقتداء ليشمل المقام فلا يجوز لمن علم ببطلان صلاة احد ان يقتدي به كما لا فرق في العلم ببطلان الصلاة بين العلم التفصيلي والعلم الاجمالي به كما في المقام وذلك لعلمه ببطلان صلاة نفسه أو صلاة امامه وهذا العلم الاجمالي يولد العلم التفصيلي ببطلان صلاة نفسه اما لبطلانها في نفسها واما لبطلان صلاة امامه. نعم هناك مسألة اخرى نتعرض إليها في احكام الجماعة انشاء الله تعالى وهي ما إذا اعتقد المأموم صحة صلاة احد فأتم به في الصلاة وبعد الفراغ عنها ظهر ان الامام نسي جنابته أو النجاسة في ثوبه أو بدنه

[ 346 ]

فانكشف بطلان صلاته لان النسيان ليس بعذر هذا في الشبهات الموضوعية. وكذا الحال في الشبهات الحكمية كما إذا رأى الامام وجوب الانحناء بالمقدار الميسور لمن لا يتمكن من الركوع والمأموم رأى كفاية الايماء إليه من غير انحناء وعمل كل بوظيفته وعلم بذلك المأموم بعد الصلاة وهكذا. فهل يجب على المأموم ان يعيد صلاته؟ لا يجب عليه الاعادة قطعا إذا لم يخل بوظيفة المنفرد وعدم اشتمال صلاته على القراءة لا يوجب البطلان لعدم تركها متعمدا وانما تركها بحسبان صحة صلاة الجماعة ولا تعاد الصلاة إلا من خمس (1) وليست القراءة منها. واما إذا اخل بوظيفة المنفرد كما إذا رفع رأسه من الركوع باعتقاد ان الامام رفع رأسه ورأى ان الامام بعد راكع فتابعه وركع ثانيا فهل تجب عليه الاعادة أو لا تجب؟ ياتي عليه الكلام في احكام الجماعة ان شاء الله. كما نتكلم هناك في ان النص الوارد في عدم وجوب القضاء على من ائنم بامام مدة أو في صلاة واحدة ثم علم انه كان يهوديا وقد جامل المسلمين حيث ورد عدم وجوب القضاء على المأموم حينئذ فهل يمكن التعدي عنه إلى ما إذا اعتقد المأموم صحة صلاة امامه وانكشف كونها باطلة في الواقع من دون ان يكون الامام يهوديا أو لا يمكن التعدي؟ والغرض ان صحه الاقتداء وعدمها عند علم المأموم واعتقاده بصحة صلاة الامام وانكشاف بطلانها بعد الصلاة مسألة وصحة الاقتداء مع علم المأموم أو اعتقاده ببطلان صلاة الامام فيما إذا كانت صحيحة في حق نفس الامام أو عنده مسألة اخرى فلا تشتبه والكلام في المقام في


(1) الوسائل: ج 1 باب 3 من أبواب الوضوء حديث 8. وغيرها من الموارد.

[ 347 ]

[ يجوز لواحد أو الاثنين منهم الاقتداء (1) بالثالث لعدم العلم حينئذ ولايجوز لثالث علم اجمالا بجنابة احد الاثنين (2) ] المسألة الثانية دون الاولى. حكم الائتمام عند دوران الجنابة بين ثلاثة (1) بناءا على عدم صحة الاقتداء مع العلم ببطلان صلاة الامام تفصيلا أو اجمالا لا يمكن الحكم بجواز اقتداء احد الثلاثة المرددة بينهم الجنابة بالاثنين الآخرين أو احدهم أو الاثنين منهم بالثالث لعلمه الاجمالي اما ببطلان صلاته أو بطلان صلاة احد الامامين المولد للعلم التفصيلي ببطلان صلاة نفسه أو ببطلان صلاة احد الثلاثة فالصلاة خلف كل منهم في نفسه صلاة مع العلم الاجمالي ببطلان صلاة الامام والعجب من الماتن (قدس سره) حيث انه مع التفاته إلى وجود العلم الاجمالي بالبطلان ولذا حكم - في ذيل المسألة - بعدم جواز اقتداء الثالث الذي علم اجمالا بجنابة احد الاثنين أو احد الثلاثة بواحد منها أو منهم حكم بجواز الاقتداء في المقام وغفل عن العلم الاجمالي بالبطلان. ائتمام العالم بجنابة احد الاثنين بأحدهما (2) تقدم ان الامام إذا علم ببطلان صلاة نفسه تفصيلا أو علم

[ 348 ]

[ أو احد الثلاثة الاقتداء بواحد منهما أو منهم إذا كانا أو كانوا محل الابتلاء له (1) وكانوا عدولا (2) عنده والا فلا مانع والمناط علم المقتدي بجنابة احدهما لا علمهما فلو اعتقد كل منهما ] ببطلانها على نحو الاجمال وكان العلم الاجمالي منجزا في حقه - بان كانت جنابة الآخر موضوعا لاثر شرعي بالنسبة إليه كما إذا امكن استيجاره لكنس المسجد فان الامام يعلم حينئذ بتوجه احد التكليفين إليه فاما ان يجب عليه الغسل إذا كان هو الجنب واما ان يحرم عليه استيجار الآخر لكنس المسجد إذا كان الجنب هو الآخر - لم يجز للمأموم ان يقتدي به لبطلان صلاة الامام تفصيلا أو اجمالا وان لم يكن علم تفصيلي للمأموم بذلك ولا علم اجمالي له. وكذا لا يجوز للمأموم ان يقتدي بالامام فيما إذا كان للمأموم علم تفصيلي ببطلان صلاة الامام أو علم اجمالي ببطلانه كما إذا علم بجنابة احد شخصين عادلين فانه لا يجوز ان يقتدي بواحد منهما للعلم الاجمالي ببطلان صلاتهما فصلاة كل منهما باطل عنده بقاعدة الاشتغال وان لم يكن للامام علم تفصيلي ببطلان صلاته ولا علم اجمالي له أو كان ولكنه لم يكن منجزا كما إذا لم تكن جنابة الآخر موضوعا لاثر شرعي بالاضافة إليه فصحة الاقتداء موقوفة على ان تكون صلاة الامام صحيحة عند نفسه وعند المأموم ومع بطلانها عندهما أو عند احدهما لا يجوز الاقتداء لعدم جواز الاقتداء في الصلاة الباطلة. (1) بان تكون جنابتهما موضوعا لاثر شرعي بالاضافة إليه. (2) واما للفسق فلا تمس جنابتهما إليه ولا يكونان موردا لابتلائه.

[ 349 ]

[ عدم جنابته وكون الجنب هو الآخر أو لا جنابة لواحد منهما وكان المقتدي عالما كفى في عدم الجواز كما انه لو لم يعلم المقتدي اجمالا بجنابة احدهما وكانا عالمين بذلك لا يضر باقتدائه (1) (مسألة 5): إذا خرج المني بصورة الدم وجب الغسل أيضا بعد العلم بكونه منيا (2). ] (1) فيما إذا لم يكن علمهما الاجمالي منجزا كما إذا لم تكن جنابتهما موضوعة لاثر بالاضافة إلى المأموم ولعدم كون العلم منجزا وقتئذ وإلا فلا يجوز الاقتداء بهما كما قدمنا. إذا خرج المني بصورة الدم (2) لان الحكم بوجوب الغسل انما علق على خروج المني واما اللون فلا عبرة به بوجه وقد عرفت ان الاوصاف المشخصة للمني هي الخروج بدفق وشهوة وفتور واما اللون فلا موضوعية له في شئ فقد يتفق خروجه بصورة الدم كما في من كثر انزاله فيجب عليه الغسل إذا صدق عليه المني ولا يضره صدق عنوان الدم عليه أيضا إذ لا يعتبر في وجوب الغسل عدم صدق غير المني عليه بل اللازم ان يصدق عليه المني صدق عليه عنوان آخر ام لم يصدق.

[ 350 ]

[ (مسألة 6): المرأة تحتلم كالرجل ولو خرج منها المني حينئذ (1) وجب عليها الغسل والقول بعدم احتلامهن ضعيف. (مسألة 7): إذا تحرك المني في النوم عن محله بالاحتلام ولم يخرج إلى خارج لا يجب الغسل (2) كما مر فإذا كان بعد دخول الوقت ولم يكن عنده ماء الغسل هل يجب عليه حبسه عن خروج أو لا (3) الاقوى عدم الوجوب وان لم يتضرر به بل مع التضرر يحرم ذلك فبعد خروجه يتيمم للصلاة نعم لو ] المراة تحتلم (1) دلت على ذلك الاخبار المتقدمة كما دلت على انها إذا انزلت وجب عليها الغسل فليراجع. تحرك المني عن محله من دون الخروج (2) لان وجوب الغسل يترتب على الامناء والانزال وتوقف صدقهما على الخروج ظاهر ويتفرع على ذلك ما اشار إليه بقوله فإذا كان بعد دخول الوقت. (3) تبتني هذه المسألة على المسألة الاتية في حكم اجناب النفس

[ 351 ]

[ توقف اتيان الصلاة في الوقت على حبسه بان لم يتمكن من الغسل ولم يكن عنده ما يتيمم به وكان على وضوء بان كان تحرك المني في حال اليقظة ولم يكن في حبسه ضرر عليه لا يبعد وجوبه (1) فانه على تقدير المفروضة لو لم يحبسه لم يتمكن من الصلاة في الوقت ولو حبسه يكون متمكنا. (مسألة 8): يجوز للشخص اجناب نفسه (2) ولو لم يقدر على الغسل وكان بعد دخول الوقت ] بالاختيار مع عدم التمكن من الاغتسال ونبين هناك ان وجوب الحبس هو المتعين فيما إذا لم يكن موجبا للاضرار. (1) إذا توقفت صلاته في الوقت مع الطهارة على حبسه خروج المني لانه لو خرج لم يتمكن من الغسل ولا من التيمم كما إذا كان في بادية لا يوجد فيها التراب لوجود الثلج مثلا يجب عليه حبسه لان تركه تفويت للواجب في وقته اختيارا وهو حرام اللهتم إلا ان يكون في الحبس ضرر عليه فلا يجب الحبس حينئذ فيقضي صلاته خارج الوقت. اجناب النفس بالاختيار مع العجز عن الاغتسال (2) مقتضى القاعدة عدم جواز الاجناب بالاختيار بعد الوقت إذا كان عاجزا من الغسل وذلك لان التيمم وظيفة العاجز من الماء في مجموع الوقت والمفروض في المقام ان المكلف متمكن من الصلاة مع

[ 352 ]

الطهارة بعد الوقت فلا يشرع له التيمم والحال هذه واجناب نفسه تفويت للواجب بالاختيار وهو غير جائز. ومن هنا ذكر الماتن ان من كان متوضئا لا يجوز له ان يبطل وضوئه بعد الوقت إذا لم يكن متمكنا من الوضوء على تقدير الحدث وكذا لا يجوز له الاهراق بعد الوقت إذا لم يكن له ماء آخر يتوضأ به. فالمتحصل: ان القاعدة تقتضي عدم جواز الاجناب مع العجز عن الغسل لانه تفويت اختياري للواجب إلا ان يقوم دليل على الجواز والدليل انما قام على الجواز في خصوص اتيان الاهل دون بقية اسباب الجنابة وهو موثقة أو صحيحة اسحاق بن عمار عن الصادق عليه السلام عن الرجل يكون معه اهله في السفر لا يجد الماء أيأتي اهله قال عليه السلام ما احب ان يفعل إلا ان يخاف على نفسه قال: قلت فيطلب بذلك اللذة أو يكون شبقا إلى النساء فقال عليه السلام ان الشبق - الذي لا يتمكن من حفط نفسه إلا بصعوبة - يخاف على نفسه قال قلت طلب بذلك اللذة قال عليه السلام هو حلال.. (1) حيث دلت على جواز اتيان الاهل في السفر وان كان عاجزا عن الغسل عند الخوف على النفس أو ارادة اللذة ولا مسوغ للتعدي عن موردها إلى بقية اسباب الجنابة بوجه لان النص انما ورد في مورد خاص فمن كان عالما باحتلامه على تقدير المنام مع العجز عن الغسل على تقدير جنابته لا يجوز له المنام إلا ان يكون تركه ضرريا في حقه. نعم لا يحتمل موضوعية في ذلك للسفر بان يكون الحكم مختصا بالسفر دون الحضر ولعل تقييد الموضوع بالسفر من جهة ان الغالب في السفر عدم التمكن من الماء فلا موضوعية للسفر كما انه يمكن ان


(1) الوسائل: ج 14 باب 50 من أبواب مقدمات النكاح، حديث 1.

[ 353 ]

[ نعم إذا لم يتمكن من التيمم أيضا لا يجوز ذلك واما في الوضوء فلا يجوز لمن كان متوضأ ولو يتمكن من الوضوء لو احدث ان يبطل وضوئه إذا كان بعد دخول الوقت ففرق في ذلك بين الجنابة والحدث الاصغر والفارق النص (1) (مسألة 9): إذا شك في انه حصل الدخول ام لا لم يجب عليه الغسل (2) وكذا لو شك في ان المدخول به فرج أو ] يقال ان الاهل أيضا لا موضوعية له وان المملوكة أيضا كالزوجة واما التعدي عن الجماع إلى غيره من اسباب الجنابة فهو مما لا مسوغ له فتحصل ان اجناب النفس بالاختيار غير جائز بعد دخول الوقت إلا في مورد النص. من هذا يظهر الحال في المسألة المتقدمة فان ترك حبس المني بعد دخول الوقت بالاختيار تفويت للواجب وهو حرام فلا مناص من حبس المني إلا ان يكون المكلف متضررا بذلك. (1) النص لم يرد في عدم جواز التفويت في الوضوء وانما ورد في جوازه في الجماع مع الزوجة أو المملوكة فحسب فلا دليل على جواز الاجناب في غير مورده فحال الغسل حال الوضوء. إذا شك في الدخول (2) للشك في تحقق الجنابة والاصل عدمها وكذلك الحال فيما إذا شك في ان الدخول به فرج أو دبر أو غيرهما.

[ 354 ]

[ دبر أو غيرهما فانه لا يجب عليه الغسل. (مسألة 10): لا فرق في كون ادخال تمام الذكر أو الحشفة (1) موجبا للجنابة بين ان يكون مجردا أو ملفوفا بوصلة أو غيرها الا ان يكون بمقدار لا يصدق عليه الجماع. ] لا فرق بين كون الالة مجردة أو ملفوفة (1) في المسألة عدة احتمالات: (الاول): ان يقال بعدم وجوب الغسل حينئذ مطلقا نظرا إلى ان موضوع وجوب الغسل انما هو التقاء الختانين ومع اللف في الداخل أو المدخول فيه لا يتحقق الالتقاء فلا يجب الغسل مع اللف. والجواب عن ذلك ان الالتقاء ليس بموضوع لوجوب الغسل والجنابة وانما هو بيان للحد للذي يجب معه الغسل اعني الدخول بمقدار يلتقي معه الختانان واما نفس الالتقاء فهو مما لا موضوعية له ويدل على ذلك صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع حيث ورد فيها: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال عليه السلام نعم (1). فانها تدل بصراحتها على ان التقاء الختانين مما لا موضوعية له في الحكم وانما المدار على الدخول بقدر الحشفة فإذا غابت وتحقق الادخال بقدره وجب الغسل حصل الالتقاء أيضا ام لم يحصل.


(1) الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة، حديث 2.

[ 355 ]

[ (مسألة 11): في الموارد التي يكون الاحتياط في الجمع بين الغسل والوضوء الاولى ان ينقض الغسل بناقض من مثل البول ونحوه ثم يتوضأ لان الوضوء مع غسل الجنابة غير ] (الثاني): ان يقال بوجوب الغسل مع اللف حتى مع عدم صدق الجماع فضلا عن عدم صدق الالتقاء وذلك بدعوى ان الموضوع لوجوب الغسل ليس هو مجرد الجماع والالتقاء بل قد رتب في بعضها على الادخال والايلاج ومع تحققهما يجب الغسل سواء اصدق معه الجماع أيضا ام لم يصدق والجواب عن ذلك ان الادخال والايلاج لم يذكرا موضوعا مستقلا لوجوب الغسل في قبال الجماع واللمس وانما ذكرا توضيحا وشرحا لهما والموضوع للحكم ليس إلا المواقعة في الفرج وقد دلت على ذلك صحيحة أبي مريم الانصاري (1) المفسرة للملامسة والحاصرة لسبب الغسل بالمواقعة في الفرج وإذا لم يصدق المواقعة في الفرج اعني الجماع فيه لم يجب الغسل لا محالة. (الثالث): ان يقال بوجوب الغسل مع اللف في احد الغضوين إلا إذا كان على نحو لا يصدق عليه الجماع كما افاده في المتن وهذا هو الصحيح فان الموضوع لوجوب الاغتسال هو الجماع والمواقعة ومع صدقهما يجب الغسل ومع عدمه لا موجب للحكم بوجه.


(1) الوسائل: ج 1 باب 9 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 4.

[ 356 ]

[ جائز (1) والمفروض احتمال كون غسله غسل الجنابة. ] ما هو الاولى في موارد الاحتياط بالجمع (1) هذا التعليل عليل لان الوضوء قبل غسل الجنابة وبعده وان لم يكن جائزا إلا انه ليس محرما ذاتيا وانما لا يجوز لعدم تشريعه ومن الواضح ان الوضوء في اطراف العلم الاجمالي انما يؤتى به من باب الاحتياط لا التشريع نعم المدعى صحيح بمعنى ان الاولى ان ينقض غسله ويتوضأ بعد ذلك وهذا للتمكن من الجزم بالنية فانه لو لم يحدث بعد غسله لا يتمكن من ان يجزم في نية الوجوب لاحتمال ان يكون جنبا في الواقع وقد اغتسل فلا يجب عليه الوضوء. واما إذا احدث بعد الغسل فلا محالة يكون مقطوع الحدث اما من السابق لو لم يكن جنبا واما بالفعل إذا كان جنبا في الواقع ومعه يتمكن من الجزم بالنية في الوضوء والجزم بها وان لم يكن واجبا كما اسلفناه في محله إلا ان جماعة من الاعلام قد ذهبوا إلى اعتباره فخروجا عن خلافهم الاحتياط يقتضي تحصيل الجزم بالنية.

[ 357 ]

[ فصل: فيما يتوقف على الغسل من الجنابة وهي امور (الاول) الصلاة واجبة أو مستحبة اداءا وقضاءا لها (1) ولاجزائها المنسية (2) ] فصل: فيما يتوقف على الغسل من الجنابة الاول: مما يتوقف على الغسل الصلاة (1) وذلك مضافا إلى ضرورة الدين لانه امر واضح مجمع عليه بين المسلمين يستفاد من الكتاب بقوله تعالى بعد قوله وإذا قمتم إلى الصلاة.. وان كنتم جنبا فاطهروا.. أو لامستم النساء ولم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا (1) كما تدل عليه نصوص كثيرة واردة في أبواب (2) متفرقة بلا فرق في ذلك بين الواجبة منها والمستحبة والادائية والقضائية. (2) من السجدة أو التشهد بناءا على ان التشهد كالسجدة قضاءا والوجه في توقفها على الغسل ان القضاء فيها ليس بمعناه المصطلح عليه


(1) المائدة: 6. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 14 و 39 من أبواب الجنابة وج 5 باب 1 من أبواب قضاء الصلوات وغيرها.

[ 358 ]

[ وصلاة الاحتياط (1) بل وكذا سجدتا السهو (2) على الاحوط ] اعني الاتبان بالمأمور به في غير وقته بل بمعنى نفس الاتيان غاية الامر مع التبدل في المكان وعليه فالاجزاء المأتي بها قضاءا هي بعينها الاجزاء المعتبرة في المأمور به وحيث ان حكم المركب والكل يسري إلى اجزائه فلا محالة يغتبر في الاجزاء المأتي بها متأخرة الطهارة من الحدث كالصلاة. (1) والسر فيه ظاهر وذلك لانها اما صلاة مستقلة وقد مر ان الصلاة يعتبر فيها الطهارة من الحدث واما انها جزء من المأتي به - على تقدير نقيصته - وقد عرفت ان احكام الكل تسري إلى اجزائه لا محالة. (2) التحقيق عدم اعتبار الطهارة فيهما وذلك لعدم كونهما من اجزاء الصلاة وانما وجبتا مرغمتين للشيطان حيث ان النسيان من الشيطان وابغض الاشياء عنده السجود لانه لم يطرد إلا بالسجود فياتي بهما الانسان رغما عليه حتى لا يعود في وسوسته ولم يرد في شئ من الادلة كونها جزءا من الصلاة ومن هنا إذا تركهما متعمدا لم تبطل صلاته فهما واجبتان مستقلتان لا دليل على اشتراطهما بالطهارة. نعم في بعض الاخبار المعتبرة ان السجدتين يؤتي بهما بعد الصلاة قبل الكلام (1) وظاهره يعطي انهما من الصلاة ومن هنا يؤتى بهما قبل الاتيان بما ينافي الصلاة من التكلم ونحوه إلا انه لا مناص من حمله على الاستحباب لموثقة عمار الساباطي (2) الواردة في ان من وجب


(1) الوسائل: ج 5 باب 5 من أبواب الخلل وج 4 باب 7 و 9 من أبواب التشهد. (2) الوسائل: ج 5 باب 32 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث 2.

[ 359 ]

[ نعم لا يجب في صلاة الاموات (1) ولا في سجدة الشكر والتلاوة (2) ] عليه سجدتا السهو في صلاة الفجر يوخرهما إلى ان تطلع الشمس ويشع شعاعها حيث ان السجدة عند طلوع الشمس من آداب عبدة الشمس وان من الواضح ان الانتظار من الفجر إلى ان يشع شعاع الشمس وعدم الاتيان في تلك المدة التي يزيد على ساعة واحدة بما ينافي الصلاة من ادبار القبلة أو التكلم أو غيرهما بعيد ولو كان واجبا لاشير إليه في نفس الموثقة فمنها يظهر عدم كونهما من الصلاة وعدم اعتبار الامور المنافية للصلاة فيهما ومعه يكون الامر باتيانهما قبل الكلام محمولا على الاستحباب من جهة استحباب الاستباق إلى الخيرات. (1) للنصوص (1) وقد علل في بعض اخبارها (2) بانها ليست بصلاة ذات ركوع وسجود وانما هو دعاء ولا تعتبر الطهارة في الادعية. (2) لاطلاق ادلتهما وعدم تقييدهما بالطهارة مضافا إلى الاخبار حيث نص على عدم اعتبار الطهارة في سجدة التلاوة (3) ومع الغض عنه فالمقام من دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين والمرجع فيه هو البرائة عن التقييد بالزائد.


(1) الوسائل: ج 2 باب 7 - 8 - 21 - 22 من أبواب صلاة الجنازة. (2) الوسائل: ج 2 باب 7 - 8 من أبواب صلاة الجنازة. (3) الوسائل: ج 4، باب 42 من أبواب قراءة القرآن.

[ 360 ]

[ (الثاني) الطواف الواجب دون المندوب (1) لكن يحرم على الجنب دخول مسجد الحرام فتظهر الثمرة فيما لو دخله سهوا وطاف فان طوافه محكوم بالصحة نعم يشترط في صلاة الطواف الغسل ولو كان الطواف مندوبا ] الثاني مما يتوقف على الغسل الطواف (1) فان الطواف منه واجب بالاصالة بالعرض اعني ما وجب لاجل وجوب الاتمام في الحج ومنه مندوب لان الطواف عبادة في نفسه وللمكلف ان يأتي به وحده من دون ضمه إلى بقية النسك وهو امر مندوب شرعا وهل تعتبر الطهارة من الحدث الاكبر في كلا القسمين من الطواف أو لا يعتبر؟ الكلام في ذلك جهات. (الجهة الاولى): في اعتبار عدم الجنابة في الطواف الواجب وتدل على ذلك نصوص. (منها): صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن اخيه أبي الحسن عليه السلام قال سألته عن رجل طاف بالبيت وهو جنب فذكر وهو في الطواف قال يقطع الطواف ولا يعتد بشئ مما طاف (1). و (منها): صحيحة علا عن محمد بن مسلم قال سألت احدهما عليه السلام


(1) الوسائل: ج 9 باب 38 من أبواب الطواف، حديث 4.

[ 361 ]

عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور قال يتوضأ ويعيد طوافه وان كان تطوعا وصلى ركعتين (1). فان الجواب في هذه الصحيحة وان كان مختصا بالوضوء إلا ان السؤال عن الطواف من غير طهور الاعم من الغسل والوضوء قرينة واضحة على ان الطواف يعتبر فيه الطهارة عن كل من الحدث الاكبر والاصغر وهو عليه السلام انما تعرض لخصوص الوضوء لانه الامر الغالبي فان الطواف من غير غسل لا يتحقق إلا نادرا لحرمة الدخول في المسجد الحرام على الجنب ولا يتصور ذلك إلا في موارد النسيان والغفلة أو الاجبار وهذا نادر بخلاف الطواف من غير وضوء على ان الاشتراط بالوضوء يستدعي الاشتراط بالغسل أيضا لما يأتي من ان الجنب لا وضوء له وهذا ظاهر. و (منها): صحيحة معاوية بن عمار قال قال أبو عبد الله عليه السلام لا بأس ان يقضي المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف بالبيت والوضوء افضل (2) (أي في غير الطواف) حيث دلتنا على بطلان الطواف من غير وضوء ومن البديهي ان الجنب ليس له وضوء فيعتبر في الطواف عدم الجنابة مضافا إلى اعتبار الوضوء فيه نعم علمنا خارجا ان الغسل من الجنابة يغني عن الوضوء وهو امر آخر. و (منها): صحيحة جميل عن أبي عبد الله عليه السلام انه سئل اينسك المناسك وهو على غير وضوء فقال: نعم إلا الطواف بالبيت فان فيه صلاة (3) وهي مروية بطريقين احدهما ضعيف والذي فيه


(1) الوسائل: ج 9 باب 38 من أبواب الطواف، حديث 3 (2) الوسائل: ج 9 باب 38 من أبواب الطواف، حديث 1. (3) الوسائل: ج 9 باب 38 من أبواب الطواف، حديث 6 =

[ 362 ]

الجميل صحيح وقد دلتنا على اعتبار الوضوء في الطواف - الملازم لاعتبار عدم الجنابة إذ لا وضوء للجنب - لاجل اعتباره في جزء الطواف الذي هو صلاته فدلتنا على سراية حكم الجزء إلى كله. و (منها): غير ذلك من الاخبار. (1) (الجهة الثانية): في اعتبار عدم الجنابة في الطواف المندوب وعدمه. إذا دخل المسجد الحرام نسيانا وغفلة أو انه اجير على الدخول فيه بحيث لم يتمكن من الخروج عنه وبالجملة لم يكن الدخول فيه ممنوعا في حقه فهل يشترط في طوافه المندوب عدم الجنابة؟ المشهور بينهم عدم اشتراط الطهارة من الحدث الاكبر في الطواف المندوب وقد يستدل عليه بان الاصل عدم الاشتراط. وفيه ما ذكرناه غير مرة من ان البرائة غير جارية في المستحبات وانما تجري في الاحكام الالزامية فحسب وذلك لان الرفع في مقابل الوضع اعني وضع ايجاب التحفظ والاحتياط والمستحبات لا يجب فيها التحفط والاحتياط بالبداهة حتى يرفع بالبرائة هذا. مضافا إلى انه لا معنى للتمسك بالاصل العملي مع وجود الدليل الاجتهادي في المسألة فان الاطلاق في صحيحة علي بن جعفر المتقدمة يكفي في الحكم باعتبار عدم الجنابة في الطواف المندوب لعدم قرينة فيها على الاختصاص بالطواف الواجب. فالصحيح في الحكم بعدم اشتراط الطواف المندوب بالطهارة من


= الطريق الاول فيه سهل والثاني فيه ابراهيم بن هاشم فهي صحيحة. (1) راجع الوسائل: ج 9 باب 38 من أبواب الطواف، حديث 6.

[ 363 ]

الحدث الاكبر ان يستدل بما قدمناه من صحيحة علا عن محمد بن مسلم (1) لانها فصلت بين الطواف الواجب والتطوع حيث لوجب الاعادة في الاول إذا كان لا عن وضوء ولم يوجب ذلك في التطوع بل اوجب فيه الوضوء للصلاة فقط وقد اسلفنا ان المراد من اشتراط الطواف الواجب بالوضوء هو اشتراطه بكل من الغسل والوضوء بقرينة عمومية السؤال وانما خص الجواب بالوضوء لانه الفرد الغالبي. على ان الاشتراط بالوضوء يستدعي الاشتراط بالغسل أيضا وكيف كان فقد الصحيحة على ان الطواف المندوب لا يعتبر فيه الطهارة وانما تعتبر في صلاته. وبالاخبار (2) المتقدمة المعللة لاعتبار الطهارة في الطواف بان فيه صلاة حيث قلنا انها تدل على ان حكم الجزء يسري إلى كله في الطواف الفريضة واما في الطواف المندوب فقد علمنا خارجا ببركة الروايات ان السراية فيه من الجزء إلى كله غير ثابتة وانما هي معتبرة في الطواف الواجب دون المندوب فهي معتبرة في صلاة دونه بنفسه. (الجهة الثالثة): في اعتبار الطهارة من الحدث الاكبر في صلاة الطوافين الواجب والمندوب ولا اشكال في اعتبارها وذلك لاطلاق ادلة اعتبارها في الصلاة من الكتاب والسنة مضافا إلى النصوص (3) الخاصة الواردة في المقام


(1) الوسائل: تقدم ذكرها في ص 360. (2) الوسائل تقدم ذكرها في ص 361. (3) الوسائل: ج 9 باب 38 من أبواب الطواف.

[ 364 ]

[ (الثالث) صوم شهر رمضان وقضائه (1) بمعنى انه لا يصح إذا اصبح جنبا متعمدا أو نسيانا للجنابة واما سائر الصيام ما عدا رمضان وقضاءه فلا يبطل بالاصباح جنبا وان كانت واجبة نعم الاحوط في الواجبة منها ترك تعمد الاصباح جنبا نعم الجنابة العمدية في اثناء النهار تبطل جميع الصيام حتى المندوبة واما الاحتلام فلا يضر بشئ منها حتى صوم رمضان ] الثالث مما يتوقف على الغسل الصوم (1) في المقام اربع مسائل: اعتبار عدم البقاء على الجنابة لدى الفجر (المسألة الاولى): في اعتبار عدم الجنابة عند طلوع الفجر في صوم شهر رمضان وعدمه. اعتبار الطهارة من الحدث الاكبر وعدم البقاء على الجنابة عند طلوع الفجر في صوم شهر رمضان هو المشهور بين الاصحاب بل ادعى عليه الاجماع في كلمات جماعة منهم العلامة في التذكرة والمنتهي وابن ادريس في سرائره والشيخ في الخلاف وغيره في غيره ولم ينقل الخلاف في المسألة من المتقدمين إلا الصدوق من الحدث الاكبر في صوم شهر رمضان فان طريقته رحمه الله في ذلك الكتاب

[ 365 ]

الافتاء بمضمون الاخبار التي ينقلها فيه. وعن المحقق الاردبيلي (قدس سره) في شرح الارشاد التردد في المسألة والميل إلى عدم الاعتبار وفي الحدائق عن المحقق الداماد في رسالته الموضوعة في مسائل التنزيل اختيار عدم اعتبار الطهارة من الحدث الاكبر في صحة الصوم صريحا. والصحيح ان المخالف في المسألة منحصر بالاخيرين واما الصدوق فياتي ان الرواية التي اوردها في مقنعه لا دلالة لها على الاعتبار والاخبار في اعتبار الطهارة وعدم البقاء على الجنابة متعمدا عند طلوع الفجر في صوم شهر رمضان كثيرة متفرقة في الابواب الفقهية. (منها): ما ورد في من نسى غسل الجنابة حتى مضى شهر رمضان أو شئ منه كما في رواية ابراهيم بن ميمون قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان فنسى ان يغتسل حتى تمضي بذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان قال عليه قضاء الصلاة والصوم. وصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اجنب في شهر رمضان فنسى ان يغتسل حتى خرج شهر رمضان قال: عليه ان يقضي الصلاة والصيام (1) وقد دلتا على ان الصوم يبطل بنسيان الجنابة فمنها يستفاد حكم ما إذا تعمد البقاء على الجنابة فانه يوجب البطلان بالاولوية. و (منها): ما ورد فيمن كان جنبا وقد نام حتى طلع عليه الفجر كصحيحة معاوية بن عمار قال قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يجنب في اول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان قال ليس عليه


(1) الوسائل: ج 7 باب 30 من أبواب من يصح منه الصوم، حديث 1 - 3.

[ 366 ]

شئ قلت فانه استيقظ ثم نام حتى اصبح قال فليقض ذلك (1) اليوم عقوبة وقد دلت على ان النوم بعد الانتباه والبقاء على الجنابة بسببه يوجب البطلان ومنه يظهر بطلان الصوم بالتعمد بالبقاء على الجنابة بالاولوية. و (منها): ما ورد في خصوص المتعمد في البقاء على الجنابة كموثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل اجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى اصبح قال يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا وقال انه حقيق ان لا اراه يدركه ابدا (1). وهذه الموثقة مضافا إلى كونها موثقة معتمد عليها عندهم وهي مدرك القول بالكفارة في المسألة زائدا على وجوب القضاء. و (منها): غير ذلك من الاخبار (3). واما الاخبار الواردة في قبالها فهي عدة كثيرة من الاخبار فيها الصحاح وغيرها وهي التي اوجب التردد للمحقق الاردبيلي (قدس سره) وميله إلى عدم الاشتراط إلا انها غير قابلة للاعتماد عليها اما لضعف سندها أو لعدم دلالتها على المدعى. (منها): صحيحة أبي سعيد القماط انه سئل أبو عبد الله عليه السلام عمن اجنب في شهر رمضان في اول الليل فنام حتى اصبح قال لا شئ عليه وذلك ان جنابته كانت في وقت حلال (4) وهذه الصحيحة غير معارضة مع الاخبار المتقدمة من جهة انها مطلقة من حيث النومة الثانية وعدمها فنقيدها بما إذا لم تكن النومة ثانية بمقتضى الاخبار المتقدمة


(1) الوسائل: ج 7 باب 15 من أبواب من يصح منه الصوم حديث 1. (2) الوسائل: ج 7 باب 16 من أبواب من يصح منه الصوم، حديث 2. (3) الوسائل: ج 7 باب 16 (4) الوسائل: ج 7 باب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 1.

[ 367 ]

واما مع النومة الثانية قيجب عليه القضاء بل الكفارة أيضا بمقتضى موثقة أبي بصير. و (منها): صحيحة العيص بن القاسم انه سئل أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم ليستيقظ ثم ينام قبل ان يغتسل قال لا بأس (1) وهذه الصحيحة وان كانت مقيدة بالنومة الثانية إلا انها مطلقة من حيث كون النومتين في الليل أو في النهار والاخبار المتقدمة انما دلت على وجوب الكفارة والقضاء فيما إذا كانتا في الليل ولا محذور في الاحتلام في النهار فلنقيدها بالاخبار السابقة لتختص بالنهار. و (منها): صحيحة عيص بن القاسم أيضا قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اجنب في شهر رمضان في اول الليل فاخر الغسل حتى طلع الفجر فقال يتم صومه ولا قضاء عليه (2) والجواب عنها انها كصحيحة أبي سعيد القماط مطلقة من حيث النومة الاولى والثانية بلى من حيث النومة وعدمها فلنقيدها بمقتضى الاخبار المتقدمة بما إذا كانت الجنابة بعد النومة الاولى دون الثانية. و (منها): ما رواه الصدوق في المقنع عن حماد بن عثمان انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اجنب في شهر رمضان من اول الليل وأخر الغسل حتى يطلع الفجر فقال كان (قد كان نسخة) رسول الله صلى الله عليه وآله يجامع نسائه من اول الليل ثم يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر ولا اقول كما يقول هؤلاء الاقشاب يقضي يوما مكانه (3). وهذه هي التي قد اسند الاصحاب (قدس سرهم) - لاجل ايرادها -


(1) الوسائل: ج 7 باب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 2. (2) و (3) الوسائل: ج 7 باب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 4 و 3.

[ 368 ]

إلى الصدوق القول بعدم اعتبار الطهارة من الجنابة في صحة الصوم حيث ان ظاهرها ان من تعمد البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر لا يبطل صومه وذلك لان قوله أخر الغسل حتى يطلع.. ظاهره انه يتعمد في التأخير إلى ان يطلع الفجر لا انه بقي كذلك إلى الطلوع من باب الصدفة والاتفاق وقد حكي ان النبي صلى الله عليه وآله كان يجنب في اول الليل ويؤخر غسله إلى طلوع الفجر فلا يجب معه القضاء ولا يكون صومه باطلا. ولكن الصحيح انها لا دلالة لها على المدعى وذلك للقطع بان النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي صلاة الليل دائما لوجوبها في حقه وانه من خصائصه صلى الله عليه وآله وهي مشروطة بالطهارة لا محالة ولا يمكنه والحال هذه ان يبقى جنبا إلى طلوع الفجر. على ان ظاهر الرواية ان النبي صلى الله عليه وآله كانت عادته ذلك حيث عبر فيها بانه كان النبي يجامع... لا ان ذلك اتفق في حقه صدفة ومن المقطوع به عندنا خلاف ذلك لان البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر في شهر رمضان لو لم يكن محرما مبطلا للصوم ولا افل انه مكروه وكيف يصدر المكروه من النبي صلى الله عليه وآله طيلة حياته. وثالثا ان الرواية تضمنت ان القول بحرمة ذلك ووجوب القضاء به من قول الاقشاب. وليت شعري من المراد بالاقشاب؟! فهل هم الائمة الباقون - العياذ بالله - حيث صدرت منهم الاخبار في حرمة البقاء على الجنابة في شهر رمضان ووجوب قضاء الصوم حينئذ أو المراد بهم جميع الشيعة القائلين بحرمة البقاء ووجوب القضاء معه لما مر من انه امر متفق عليه بينهم ولم ينقل الخلاف في ذلك عن احد من اصحاب

[ 369 ]

الائمة بل العلماء الاقدمين سوى الصدوق (قدس سره) ولا ندري قائلا بذلك غير الائمة الباقين واصحابهم يعني الشيعة فكيف وصفهم الامام عليه السلام بالاقشاب؟! وهذه الوجوه الثلاثة يفيد القطع بعدم صدور الرواية الداعي بيان الحكم الواقعي فلا مناص معه من حملها على الفقية لذهابهم إلى ذلك أو قرائتها بلهجة اخرى غير ما هو ظاهرها وهي ان يحمل قوله عليه السلام كان رسول الله... على الاستفهام الافكاري وكانه قال هكذا قد كان رسول الله يجامع نساؤه من اول الليل ثم يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر؟! ولا اقول كما يقول هؤلاء الاقشاب - مريدا بهم المخالفين القائلين بعدم حرمة ذلك وعدم وجوب القضاء معه - يقضي يوما مكانه بان يكون هذه الجملة مقولا لقول الامام عليه السلام فتدل الصحيحة حينئذ على حرمة البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر في شهر رمضان وعلى وجوب قضاء الصوم مكانه. و (منها): رواية اسماعيل بن عيسى قال سألت الرضا عليه السلام عن رجل اصابته جنابة في شهر رمضان فنام عمدا حتى يصبح أي شئ عليه؟ قال لا يضره هذا ولا يفطر ولا ببالي فان أبي عليه السلام قال قالت عايشة ان رسول الله صلى الله عليه وآله - اصبح جنبا من جماع غير احتلام قال لا يفطر ولا يبالي.. الحديث (1) وهي مع الغض عن سندها أيضا محمولة على التقية وذلك لانها إذا كانت صادرة لبيان حكم الله الواقعي لم يكن وجه لنقل الامام عليه السلام ذلك عن عائشة ولاجل ذلك ولما مر في صحيحة حماد بن عثمان نحمل هذه الرواية على التقية.


(1) الوسائل: ج 7 باب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 6.

[ 370 ]

و (منها): صحيحة حبيب الخثعمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي صلاة الليل في شهر رمضان ثم يجنب ثم يؤخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر (1) ولا يرد على هذه الصحيحة ما اوردناه على صحيحة حماد بن عثمان المروية عن المقنع من منافاتها لما علمناه من وجوب صلاة الليل على النبي صلى الله عليه وآله لانها فرضت جنابته صلى الله عليه وآله بعد منتصف الليل واتيانه بصلاته. إلا ان منافاتها لما نقطع به من ان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يستمر على امر مكروه باقية بحالها لانها أيضا ظاهرة في ان ذلك كانت عادته حيث قال كان رسول الله فلا مناص من حملها على التقية لذهاب العامة إلى ذلك ومع ذلك لا وجه للتردد في المسألة أو الميل إلى عدم الاشتراط لانحصار المعارض بصحيح حماد بن عثمان وحبيب الخثعمي ولاجل موافقتهما للعامة ومخالفتهما لما نقطع به من دأبه صلى الله عليه وآله نحملهما على التقية كما مر على انهما روايتان شاذتان ولا يمكن الاخذ بالشاذ في مقابل الرواية المشهورة وهي الطائفة الاولى المتقدمة. هذا وعن بعضهم - واظنه السبزواري (قدس سره) - الجمع بين هاتين الطائفتين بحمل الطائفة الاولى على استحباب القضاء وافضلية ترك البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر وفيه ان ظاهر تلك الطائفة بطلان الصوم بالبقاء على الجنابة لا مجرد حرمته كما ان الطائفة الثانية ظاهرة في صحته فهما متنافيتان ولا يمكن الجمع بين البطلان والصحة وانما كان يمكن ذلك فيما إذا كانت الطائفة الاولى مشتملة على مجرد الحرمة الشرعية. فالصحيح ما ذكرناه من حمل الطائفة الثانية على التقية هذا.


(1) الوسائل: ج 7 باب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 5.

[ 371 ]

ثم ان المحقق في شرايعه اسند وجوب الامساك عن البقاء على الجنابة عامدا حتى يطلع الفجر إلى الاشهر حيث قال: عن البقاء عامدا حتى يطلع الفجر من غير ضرورة على الاشهر. وظاهره ان القول المقابل اعني عدم وجوب الاغتسال إلى طلوع الفجر مشهور. وهذا على خلاف الواقع حيث عرفت انه مما لا قائل به من المتقدمين إلى زمان المحقق سوى الصدوق (قدس سره) والاردبيلي والداماد متأخران عن المحقق (قدس سرهما) إلا ان يحمل الاشهر على الاشهر من حيث الرواية وعليه يصح كلام المحقق لان الطائفة الاولى كما عرفت اشهر من حيث الرواية والثانية مشهورة ولكنك عرفت عدم دلالتها نعم الصحيحتان المشتملتان على حكاية فعل رسول الله صلى الله عليه وآله من الرويات النادرة كما مر فتحصل ان الطهارة من الحدث الاكبر شرط في صحة صوم رمضان هذا. ولكن بعد المراجعة إلى الشرايع ظهر ان نسخها مختلفة ففي متن الجواهر ومصباح الفقيه للمحقق الهمداني: على الاشهر وفي نفس الشرايع المطبوعة عندنا: على الاظهر واما متن المسالك والمدارك فهو غير مشتمل لا على كلمة الاشهر ولا الاظهر والظاهر المناسب ان تكون على الاظهر دون الاشهر ولعل نسخة صاحب الجواهر والمصباح كانت مخلوطة. هذا ما استدلوا به على جواز البقاء على الجنابة ثم انهم استدلوا على جواز البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر في شهر رمضان بقوله عز من قائل: احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم

[ 372 ]

هن لباس لكم وانتم لباس لهن علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر.. (1) وذلك بموردين منها: (احدهما): احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم بدعوى ان اطلاق حل الرفث ليلة الصيام يشمل الجزء الاخير منها أيضا فإذا جاز الرفث في ذلك الجزء الاخير فلا يحرم البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر لا محالة ولا تكون الطهارة في طلوع الفجر شرطا في صحة الصيام، وفيه: ان حل الرفث في ليلة الصيام انما هو في قبال حرمته في الشرايع السابقة ومن هنا خصت الحيلة بتلك الامة حيث قال احل لكم فلا نظر للآية المباركة إلا إلى الترخيص في الرفث في قبال المنع واما الترخيص إلى الجزء الاخير وان البقاء على الجنابة جائز أو غير جائز فلا نظر في الآية إليه وليست بصدد بيانه فلا اطلاق لها من هذه الجهة. (ثانيهما): قوله فالآن باشروهن. بدعوى ان جواز المباشرة مغيا بطلوع الفجر وثابت إلى الجزء الاخير من الليل ومعه لا معنى لحرمة البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر. ويدفعه: ان قوله فالآن باشروهن كحلية الرفث انما هو بصدد اثبات الجواز فقط وليس قوله حتى يتبين لكم الخيط... غاية له وانما هو غاية لجواز الاكل والشرب لانفصال قوله الآن باشروهن عن قوله وكلوا واشربوا بجملة وابتغوا ما كتب الله لكم. والغرض من التعرض للاستدلال بالآية المباركة ان لا يتوهم ان الطائفتين من الاخبار بعد تساقطهما بالتعارض يرجع إلى اطلاق الآية


(1) البقرة: 187.

[ 373 ]

المباركة. لما عرفت من انها ليست مطلقة هذا كله في المسألة الاولى. اعتبار الطهارة في قضاء صوم رمضان (المسألة الثانية): في اشتراط الطهارة من الحدث الاكبر في قضاء صوم رمضان وهذا هو المشهور بين الاصحاب (قدس سرهم) وتدل عليه جملة من النصوص. (منها): صحيحة عبد الله بن سنان انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من اول الليل ولا يغتسل حتى يجئ آخر الليل وهو يرى ان الفجر قد طلع قال لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره. (1) و (منها): صحيحته الاخرى قال كتب أبي إلى أبي عبد الله عليه السلام وكان يقضي شهر رمضان وقال اني اصبحت بالغسل واصابتني جنابة فلم اغتسل حتى طلع الفجر فاجابه عليه السلام لا تصم هذا اليوم وصم غدا (2). و (منها): موثقة سماعة بن مهران قال سألته عن رجل اصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام وقد علم بها ولم يستيقظ حتى ادركه الفجر فقال عليه السلام عليه ان يتم صومه ويقضي يوما آخر فقلت إذا كان ذلك من الرجل وهو يقضي رمضان قال فليأكل يومه


(1) الوسائل: ج 7 باب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 1. (2) الوسائل: ج 7 باب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 2.

[ 374 ]

ذلك وليقض فانه لا يشبه رمضان شئ من الشهور (1). والاحتمالات في قوله فانه لا يشبه... وان كانت متعددة ولكن الاظهر ان المراد به ان في شهر رمضان لو بطل الصوم لجهة ككونه باقيا على الجنابة مثلا وجب عليه قضاء ذلك اليوم والامساك في ذلك اليوم الذي بطل فيه صومه وهذا بخلاف الصوم في غير رمضان لانه لو بطل وجب اتيانه في يوم آخر ولا يجب الامساك في ذلك اليوم فلا يشبه رمضان شئ من الشهور الاخر. عدم اعتبار الطهارة في الصوم المندوب (المسألة الثالثة): في اعتبار الطهارة من الحدث الاكبر في الصوم المندوب وعدمه. الصحيح عدم اعتبارها من الحدث الاكبر في الصوم المستحب ولا يكون البقاء على الجنابة مفطرا في المندوب من الصوم ولا استبعاد في اختلاف الواجب والمندوب في بعض الشرائط والخصوصيات كما في الصلاة فان الاستقبال شرط في الفريضة دون المندوبة منها والوجه في عدم اشتراط الصوم المندوب بالطهارة دلالة الاخبار عليه. ففي موثقة ابن بكير قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب ثم ينام حتى يصبح أيصوم ذلك اليوم تطوعا فقال أليس هو بالخيار ما بينه ونصف النهار (2) وفي ما رواه الصدوق في الصحيح باسناده عن عبد الله بن المغيرة عن حبيب الخثعمي قلت لابي عبد الله عليه السلام اخبرني عن التطوع وعن صوم هذه الثلاثة الايام إذا انا


(1) الوسائل: ج 7 باب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 3. (2) الوسائل: ج 7 باب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 2.

[ 375 ]

اجنبت من اول الليل فاعلم اني اجنبت فانام متعمدا حتى ينفجر الفجر اصوم أو لا اصوم قال صم (1). وفي رواية ابن بكير عن أبي عبد الله عليه السلام قال سئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب ثم اراد الصيام بعدما اغتسل ومضى ما مضى من النهار قال يصوم ان شاء وهو بالخيار إلى نصف النهار (2). عدم اعتبار الطهارة في الصوم الواجب بالعرض (المسألة الرابعة) في اعتبار الطهارة من الحدث الاكبر في الصوم الواجب غير صوم رمضان الادائي منه والقضاء فهل يعتبر فيه الطهارة من الحدث الاكبر كما ذهب إليه صاحب الجواهر والمحقق الهمداني وغيرهما من المحققين أو لا يعتبر؟ الصحيح ان الصوم الواجب غير صوم رمضان - اداؤه وقضائه - كالصوم المندوب لا يعتبر فيه الطهارة من الحدث الاكبر وذلك لعدم الدليل على اعتبارها وهو يكفي في الحكم بعدم الاشتراط وجواز البقاء على الجنابة فيه واما ما عن المحقق الهمداني (قدس سره) من ان شيئا إذا اثبتت شرطيته لفرد من افراد الواجب مثلا ثبتت لغيره من افراد الطبيعة الواجبة لاتحادهما بحسب الماهية والحقيقة ومع شرطية شئ للماهية لا يختص الشرطية بفرد دون فرد وعلى ذلك جرت عادة الفقهاء (قدس سرهم) فان الصلاة مثلا إذا قلنا انها متقومة بسجدتين وركوع واحد ثم اطلقنا لفظة الصلاة في مورد آخر وقلنا انها مستحبة - مثلا -


(1) و (2) الوسائل: ج 7 باب 20 من ابواب ما يمسك عنه الصائم حديث 1 و 3.

[ 376 ]

يتبادر منها إلى الاذهان تلك الصلاة التي اشترطنا فيها السجدتين والركوع. وفي المقام حيث اشترطنا في الصوم الواجب في شهر رمضان عدم البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر فلا محالة تثبت شرطية ذلك لسائر الافراد الواجبة أيضا (لا ادها) بحسب الماهية والحقيقة. ففيه ان ما افاده وان كان متينا في نفسه إلا انه انما يتم فيما إذا لم يثبت عدم اشتراط الماهية بذلك الشرط وفي المقام قد ثبت بمقتضى الاطلاقات عدم اشتراط ماهية الصوم بالاجتناب عن البقاء على الجنابة وذلك لما ورد عن ان الصائم لا يضره أي ما صنع إذا اجتنب خصالا ثلاثة أو اربع: الاكل والشرب، والنساء، والارتماس (1) - باعتبار عد الاكل والشرب واحدا أو اثنين - فمنه يستفاد ان الاجتناب عن البقاء على الجنابة أو الكذب على الله ورسوله ونحوهما من الامور المشترطة في محلها انما هي من الاوصاف والشرائط المعتبرة في شخص الصوم الواجب في رمضان وفي قضائه وليست وصفا للماهية لتسري إلى جمع افرادها هذا كله في الصوم الواجب المعين. واما غير المعين فالامر فيه اظهر لانا لو كنا اشترطنا الطهارة في الواجب المعين لم نكن نشرطها في غير المعين وذلك للتعليل الوارد في عدم اشتراط الطهارة في الصوم المستحب اعني قوله عليه السلام اليس هو بالخيار ما بينه ونصف النهار (2) فان مقتضاه حسب المتفاهم العرفي ان كل صوم كان المكلف مخيرا فيه إلى نصف النهار لا يعتبر فيه الطهارة من الحدث الاكبر


(1) الوسائل: ج 7 باب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 1. (2) راجع الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم من الوسائل

[ 377 ]

نسيان غسل الجنابة في رمضان واما نسيان غسل الجنابة في شهر رمضان فقد عرفت وجوب القضاء فيه بمقتضى رواية ابراهيم بن ميمون المتقدمة (1) وهي مروية بثلاثة طرق كلها ضعاف اما طريق الشيخ والصدوق (رحمهما الله) فهما ضعيفان بابراهيم ابن ميمون لعدم ثبوت وثاقته واما طريق الكليني فهو ضعيف به وبسهل بن زياد وبمقتضى صحيحة الحلبي المتقدمة (2) وهي العمدة في المقام. وان كان مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن النص عدم وجوب القضاء في نسيان غسل الجنابة حيث ان نواقض الصوم امور محصورة وليس منها نسيان غسل الجنابة وانما الناقض تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر وليس النسيان من التعمد كما هو واضح إلا ان مقتضى النص وجوب القضاء كما مر نسيان الجنابة أو الجهل بها وهل نسيان نفس الجنابة أو نسيان ان غدا من شهر رمضان كنسيان غسل الجنابة موجب للقضاء أولا؟ الظاهر ان الاصحاب لم يتعرضوا إلى ذلك في كلماتهم والصحيح ان نسيان الجنابة أو نسيان ان غدا من رمضان لا يوجبان القضاء وذلك لما مر


(1) الوسائل: ج 7 باب 17 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 1. (2) الوسائل: ج 8 باب 30 من أبواب من يصح منه الصوم، حديث 3.

[ 378 ]

من ان نواقض الوضوء امور محصورة ولم يذكر منها النسيان فلو كنا نحن وانفسنا لم نحكم بوجوب القضاء في نسيان غسل الجنابة أيضا فان الناقض تعمد البقاء على الجنابة دون النسيان وفد خرجنا عن ذلك في نسيان الغسل بالنص ويبقى نسيان نفس الجنابة ونسيان ان اليوم من رمضان محكوما بعدم كونهما موجبين للقضاء. وكذلك الحال في الجاهل بالجنابة كمن اجنب ولم يعلم به إلا بعد مدة فان مقتضى ما ذكرناه عدم وجوب القضاء عليه لعدم كونه من التعمد في البقاء على الجنابة ولا من غيره من النواقض هذا كله في صوم شهر رمضان. وهل الامر كذلك في قضائه أيضا بمعنى ان نسيان غسل الجنابة مانع عن صحته ونسيان نفس الجنابة أو الجهل بها غير موجب للبطلان؟ التحقيق ان قضاء صوم رمضان لاضيق دائرة من نفس صوم رمضان فان المستفاد من صحيحتي عبد الله بن سنان المتقدمتين ان الاصباح جنبا - متعمدا أو غير متعمد - مانع عن صحة قضائه ولعل صاحب الوسائل (قدس سره) أيضا استفاد ذلك منهما ومن هنا عنون الباب بان من اصبح جنبا لم يجز له ان يصوم ذلك اليوم قضاء عن شهر رمضان (1). ففي احدى الصحيحتين انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من اول الليل ولا يغتسل حتى يجئ آخر الليل وهو يرى ان الفجر قد طلع قال لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره. وفي الثانية: قال كتب أبي إلى أبي عبد الله عليه السلام وكان يقضي شهر رمضان وقال اني اصبحت بالغسل - أي مكلفا به - واصابتني جنابة فلم اغتسل حتى طلع الفجر فاجابه عليه السلام لا تصم هذا اليوم


(1) الوسائل: ج 7 باب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 1.

[ 379 ]

وصم غدا (1). فان المستفاد منهما ان في فرض الاصباح جنبا وان لم يكن اختياريا لا يصح منه قضاء صوم رمضان فلا يفرق في بطلانه بين كونه جاهلا بجنابته ام ناسيا لها أو ناسيا لغسلها بقي الكلام في مسألتين: (احداهما): ان الجنابة العمدية في النهار تبطل الصيام ولو كان مندوبا وهذا مما لم يقع فيه خلاف فان من النواقض النساء أي جماعهن فيبطل به الصوم وتجب الكفارة بلا كلام والاستمناء ملحق بالجماع ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني قال عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع (2) وهكذا في غيرها من الاخبار. هذا إذا كان خروج المني منه بأستمنائه وأما إذا تحرك لاجله المني من مكانه أو رأى في المنام ما هيج شهوته إلا انه لم يخرج المني منه بعد ذلك وكان متمكنا من ان يمنع عن خروجه فهل يجب عليه ذلك إذا لم يكن ضرريا في حقه لان ترك منعه امناء بالاختيار أو لا يجب عليه المنع من خروج المني؟ فهي مسألة طويلة الذيل ويقع الكلام عليها في صحة الصوم ان شاء الله. (ثانيهما): ان الاحتلام في نهار رمضان غير مبطل للصوم وذلك مضافا إلى ان النواقض محصورة وليس الاحتلام من الجماع ولا من


(1) الوسائل: ج 7 باب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 2. (2) الوسائل: ج 7 باب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 1.

[ 380 ]

غيره من النواقض قد دلت عليه جملة من النصوص ففي صحيحة العبص بن القاسم انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل ان يغتسل قال لا بأس (1) وفي رواية اخرى عن عمر بن يزيد قال قلت لابي عبد الله عليه السلام لاي علة لا يفطر الاحتلام الصائم والنكاح يفطر الصائم قال لان النكاح فعله والاحتلام مفعول به (1) إلى غير ذلك من الاخبار. هل تجب على الصائم المحتلم المبادرة إلى الاغتسال؟ وهل إذا احتلم في النهار يجب عليه المبادرة إلى الغسل لئلا يبقى على الجنابة متعمدا في النهار أو لا يجب ذهب بعض من قارب عصرنا إلى ذلك وان البقاء على الجنابة في النهار غير جائز متعمدا فان البقاء عليها كذلك في الليل إلى طلوع الفجر محرم كما مر وكذلك الحال في النهار. وفيه ان ذلك من القياس وحرمة البقاء على الجنابة في النهار وكونه ناقضا للصوم يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه في المقام نعم ورد في رواية ابراهيم بن عبد الحميد النهي عن النوم في النهار بعد الاحتلام حتى يغتسل حيث قال سألته عن احتلام الصائم قال فقال إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلا ينام حتى يغتسل، الحديث (3) فان المتفاهم من المنع عن النومة الثانية في الرواية هو وجوب المبادرة إلى الاغتسال إلا انه لا مناص من حمل ذلك على استحباب المبادرة إلى الغسل أو على كراهة التأخير في الاغتسال لان الرواية مرسلة وابراهيم بن عبد الحميد يرويها عن بعض


(1) و (2) الوسائل: ج 7 باب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3 و 4 (3) الوسائل: ج 7 باب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، حديث 5 وباب 16، حديث 4.

[ 381 ]

[ الاول مس خط المصحف (1) على التفصيل الذي مر في الوضوء ] مواليه وهو مجهول ولم يظهر انه أي شخص. ثم على تقدير وثاقة الرواية فهي معارضة بما دل على جواز النوم ثانيا كما في صحيحة العيص، القاسم المتقدمة ومعه لا يثبت بها وجوب المبادرة إلى الاغتسال ويمكن ان يقال ان الصحيحة مطلقة من حيث النوم في الليل والنهار ورواية ابراهيم بن عبد الحميد مختصة بالمنع عن النوم في النهار فلا محالة يقيد الصحيحة فلا تبقى اية معارضة بينهما فالجواب الصحيح هو ارسال الرواية فلا تغفل. فصل: فيما يحرم على الجنب الاول: من المحرمات مس المصحف (1) لم يرد حرمة مس الجنب كتابة المصحف في شئ من الاخبار إلا ان ما ورد في عدم جواز مس الكتاب من غير وضوء يكفينا في الحكم بحرم مس الجنب كما ياتي تقريبه وهذا لا لرواية ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن عليه السلام قال: المصحف لا تمسه على غير طهر، ولا جنبا، ولا تمس خطه ولا تعلقه ان الله تعالى يقول: لا يمسه إلا المطهرون (1) لان الآية المباركة لا دلالة لها على المدعى فان المطهر غير


(1) الواقعة: 56 - 79.

[ 382 ]

المتطهر لوضوح ان الثاني في التطهر من الحدث الاصغر أو الاكبر والمطهر من طهره الله من الزلل والخطأ ولمذكور في الآية المباركة هو الثاني دون الاول ففيها اشارة إلى قوله سبحانه انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا (1). معنى انه لا يمسه إلا من طهره الله انه لا يدركه بما له من البواطن غير المعصومين عليهم السلام فالآية اخبار وليست بانشاء فان غيرهم لا يدرك من الكتاب إلا ظاهره فتحمل الرواية على ارادة البواطن أيضا ويقال ان استفادة حرمة مس المحدث الكتاب من البواطن التي لا يدركها غيرهم عليهم السلام وقد استفادها الامام لوجه لا نعرفه. بل الوجه فيما ذكرناه موثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن قرأ في المصحف وهو على غير وضوء قال: لا بأس ولا يمس الكتاب (2) فإذا ثبت حرمة مس من لا وضوء له الكتاب نتعدى منه إلى الجنب لا محالة. وهذا لا للاولوية القطعية كما في كلمات بعضهم نظرا إلى ان المحدث بالحدث الاصغر إذا حرم مسه الكتاب فالمحدث بالحدث الاكبر يحرم مسه الكتاب أيضا بطريق اولى. حتى يقال بان الملاك في حرمة مس المحدث بالاصغر لعله غير متحقق في المحدث بالحدث الاكبر ولا علم لنا بتلازمها ولا بالملاكات الواقعية. بل التعدي من جهة اطلاق نفس الموثقة حيث ان الجنب بنفسه من مصاديق من لا وضوء له لان سبب الجنابة امران كلاهما ناقض للوضوء وهما الجماع والانزال فمس الجنب محرم بما انه لا وضوء له نعم إذا


(1) الاحزاب: 23: 33. (2) الوسائل الباب 12 من باب الوضوء الحديث 1.

[ 383 ]

[ وكذا مس اسم الله تعالى (1) ] اغتسل عن الجنابة يجوز له المس لا لانه ليس بجنب بل لانه على وضوء حيث ان غسل الجنابة يغنى عن الوضوء. مس الجنب لاسماء الله تعالى (1) لا اشكال في المسألة بل قالوا انها متفق عليها بينهم بل ادعى عليها الاجماع بل ضرورة المسلمين حتى من اهل الخلاف في كلمات القدماء وان ورد انه مكروه إلا انهم ادعوا ان الكراهة في اصطلاحهم تطلق على الحرمة وقد مر في الوضوء ان المنع عن مس المحدث بالحدث الاصغر اسم الله تعالى لم يرد في رواية وانما كان مستندا إلى كونه هتكا له ومنافيا لتعظيمه. واما في مس الجنب لاسم الله تعالى فقد وردت في حرمته موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله (1) وبأزائها جملة من الاخبار دلت على جوازه عمدتها موثقة اسحاق بن عمار - والباقي ضعيفة بحسب السند - عن أبي ابراهيم عليه السلام قال: سألته عن الجنب والطامث يمسان ايديهما الدراهم الببض؟ قال: لا بأس (2). وقد يجمع بينهما بحمل المنع على الكراهة بدعوى انه مقتضى الجمع


(1) الوسائل: ج 1 باب 18 من أبواب الجنابة حديث 1. (2) الوسائل: ج 1 باب 18 من أبواب الجنابة حديث 2.

[ 384 ]

العرفي بينهما إلا ان الصحيح عدم تعارضهما بحسب مناسبات الحكم والموضوع المؤيدة بما في نفس الروايتين مما يحتمل ان يكون قرينة على ذلك اما المناسبة بين الحكم وموضوعه فهو ان النهي في موثقه عمار إذا القى إلى العرف لم يشك احد في ان متعلقه هو مس لفظة الجلالة بمناسبة النهي ومس لفظة الجلالة نفسها ولا يرونه مطلقا حتى يشمل مس الموضوع الخالي عن اللفظة من الدرهم أو الدينار فإذا كانت الموثقة ظاهرة في حرمة مس نفس اللفظة لا بقية المواضع فلا محالة تخصص موثقة اسحاق بن عمار الدالة على الترخيص لان الترخيص فيها مطلق يعم الموضع المشتمل من الدراهم على لفظة الجلالة والموضع الخالي عنها فنخصصها بمسه الدرهم والدينار في الموضع الخالي من اللفظة فيهما فكان السؤال عن مس الموضع الخالي من اللفظة المباركة في الدرهم والدينار من جهة عظمتهما وتشرفهما بوجود اللفظة في شئ من مواضعهما فاحتمل ان مس الموضع الخالي منهما خلاف التعظيم والاحترام نظير الجلوس على الصندوق المشتمل على المصحف لانه لا اشكال في كونه هتكا لدى العرف وعليه فلا تعارض بينهما واما القرينة على ذلك مما في نفس الروايتين فهو اختلاف التعبير في الموثقتين حيث عبر في الموثقة المانعة بكلمة (على) الظاهرة في الاستيلاء وقال لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله فكأنه قد استولى على الدينار باجمعه فمسه كان مستلزما لمس اسم الله وفي بعض الاخبار المرخصة لم يعبر بتلك الكلمة بل بكلمة (في) الظاهرة في الاشتمال وان مس الدرهم المشتمل بعضه على لفظة الجلالة لا بأس به وهاتان الكلمتان يحتمل قرينتهما على ما ادعيناه. ويؤيده أيضا ما اشتمل عليه بعض الاخبار الضعيفة من الاخبار

[ 385 ]

المرخصة حيث اشتمل على قوله عليه السلام لا بأس به ربما فعلت ذلك (1) لبعد ان يمس الامام عليه السلام لفظة الجلالة وهو جنب لانه لو قلنا بعدم حرمته فلا اقل من انه خلاف التعظيم والاحترام فنحتمل الرخصة على مس غير الموضع المشتمل على لفظة الجلالة. وتوضيح الكلام في المسألة ان الاصحاب (قدس سرهم) قد تسالموا على حرمة مس الجنب اسم الله سبحانه وان خلافهم في ذلك بعض المتأخرين حيث ذهب إلى الكراهة وتدل على حرمته موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه اسم الله (2) وبأزاء هذه الموثقة روايات تدل على جوازه. (منها): رواية أبي الربيع عن أبي عبد الله عليه السلام في الجنب يمس الدرهم وفيها اسم الله واسم رسوله؟ قال: لا بأس وربما فعلت ذلك (3) وهي مضافا إلى ضعف سندها - بأبي الربيع وخالد حيث لم


(1) (2) (3) الوسائل: ج 1 باب 18 من أبواب الجنابة، الحديث 4 ثم ان المناقشة في سند هذه الرواية كانت في نظر سيدنا الاستاذ دام ظله في الازمنة السالفة ولكن حديثا بدل رأيه الشريف في المعجم وحاصله - ان خالدا وهو ابن حرير قد مدحه علي بن الحسن وقال انه كان صالحا وبهذه يعتمد على روايته وان أبا الربيع وهو الشامي وقد ورد في اسناد تفسير علي بن ابراهيم فهذا يكون موثقا واما طريق المحقق (قده) =

[ 386 ]

يوثقا في الرجال. ودعوى ان حسن بن محبوب الواقع في سندها من اصحاب الاجماع فلا ينظر إلى من كان بعده في سلسلة السند مندفع بما مر غيره من انه مما لا دليل عليه فلو روى مثله عن مجهول أو ضعيف لم يعتمد على روايته - لا تعارض الموثقة المتقدمة لانها ظاهرة في ارادة مس نفس الاسم ولو بمناسبة الحكم والموضوع وبقرينة الاتيان بكلمة على الظاهرة في الاستيلاء كما قدمناه. واما رواية أبي الربيع فلم يقيد المس فيها بخصوص الموضع المشتمل على الاسم نعم هي مطلقة فنقيدها بمس الموضع الخالي عن الاسم بالموثقة وبقرينة الاتيان فيها بكلمة في الظاهرة في الاشتمال والوجه في السؤال عن مس الموضع الخالي عن الدراهم من الاسم انما هو اكتساب الدرهم شرافة وعظمة بسبب وجود اللفظة في قطعة منه وقد اجابه الامام بعدم البأس بذلك. و (منها): ما رواه المحقق عن كتاب جامع البزنطي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته هل يمس الرجل الدرهم الابيض وهو جنب؟ فقال إي اني والله لاوتى بالدرهم فاخذه واني لجنب (1) وإلى هنا نقله في الوسائل وترك ذيلها وما سمعت احدا يكره من ذلك شيئا إلا ان عبد الله بن محمد كان يعيبهم عيبا شديدا يقول: جعلوا


= إلى كتاب الحسن بن محبوب فايضا معتبر لان له طرقا متعددة معتبرة إلى جميع ما اشتمل عليه كتاب الفهرست للشيخ أبي جعفر الطوسي (قده) كما يظهر من المراجعة إلى الطرق والاجازات ومن جملة ما في القهرست هو كتاب الحسن بن محبوب وطريق الشيخ إليه صحيح فتصبح الرواية معتبرة ويبقى الاشكال فيها من جهة الدلالة فقط. (1) الوسائل: ج 1 باب 18 من أبواب الجنابة الحديث 3.

[ 387 ]

سورة من القرآن في الدراهم فيعطي الزانية وفي الخمر ويوضع على لحم الخنزير. و (منها): موثقة اسحاق بن عمار عن أبي ابراهيم عليه السلام قال: سألته عن الجنب والطامث يمسان ايديهما الدراهم البيض؟ قال: لا بأس (1) ولم يذكر في هاتين الروايتين سبب السؤال عن مس الجنب الدراهم البيض فيحتمل ان يكون وجهه اشتمالها على القرآن كما تضمنه ذيل رواية المحقق عن جامع البزنطي. وعلى هذا الاحتمال الروايتان خارجتان عما نحن فيه لان الكلام في حرمة مس الجنب اسم الله وعدم حرمته لا في مس المصحف وعدمه فلا تعارضان الموثقة المتقدمة. وقد مر ان مس الجنب كتابة القرآن محرم فلا محالة تحملان هاتان الروايتان على مس غير الموضع المشتمل على القرآن أو غير ذلك من المحامل. كما يحتمل ان يكون الوجه في السؤال هو اشتمال الدراهم على لفظة الجلالة فقد ذهب بعضهم إلى انهما تعارضان الموثقة حينئذ فيجمع بينهما بحمل الموثقة على الكراهة كما هو الحال في جميع موارد لجمع الدلالي حيث يرفع اليد عن ظاهر كل من المتعارضين بنص الآخر وحيث ان لا بأس ظاهر في الاباحة ونص في الجواز والنهي في الموثقة ظاهر في الحرمة ونص في عدم المحبوبية والمبغوضية فنرفع اليد عن ظاهر الحرمة بنص لا بأس فتكون النتيجة هي الكراهة هذا. ولكن الظاهر انه لا معارضة بينهما حيث ان الموثقة ظاهرة بمناسبة الحكم وموضوعه وبقرينة اشتمالها على لفظة على الظاهرة في الاستعلاء في ارادة مس نفس لفظة الجلالة ولا يفهم منها عند القائها إلى العرف ارادة مس الدرهم من غير مس الاسم وهاتان الروايتان ظاهرتان في ارادة مس نفس الدرهم الاعم من اشتماله على الاسم وعدمه كما إذا


(1) تقدم في صفحة 385.

[ 388 ]

[ وسائر اسمائه (1) وصفاته المختصة ] مس الموضع الخالي من الكتابة فنقيد اطلاقهما بالموثقة ونحملهما على ارادة مس الدرهم في غير الموضع المشتمل على الكتابة. مضافا إلى ان رواية المحقق ضعيفة لانه نقلها عن كتاب البزنطي وهو رواها عن محمد بن مسلم مع ان بينهما واسطة فان البزنطي لا يروي عن محمد بن مسلم بلا واسطة والواسطة غير مذكورة في السند. مس سائر اسماء الله (1) إذا كانت اللفظة مشتركة بالاشتراك المعنوي بينه وبين غيره كالعالم - مثلا - لانه قد يطلق على الله سبحانه وقد يطلق على غيره ولم تكن معه قرائن تخصصه بالذات المقدسة كما إذا قيل العالم بكل شئ ويا عالما لا يخفى عليه شئ فلا اشكال في جواز مسها جنبا سواء قصد منه الكاتب نفس الذات المقدسة ام لم يقصد وذلك لان القصد لا يجعل اللفظة اسما له سبحانه إذ المفروض انه عام وموضوع غلى الطبيعة الجامعة فقصد فرد ومصداق من مصاديق الطبيعة لا يجعل اسم الطبيعة اسما له لبداهة ان قصد زبد من لفظة الكاتب لا يجعل لفظة الكاتب اسما لزيد ولعله ظاهر. واما إذا احتفت بقرائن تخصصها بالذات المقدسة كما إذا قال العالم بكل شئ ويامن لا تشتبه عليه الاصوات حيث انهما مختصتان بالذات المقدسة فلا يبعد جواز مسها أيضا وذلك لان الظاهر المستفاد من اسم الله هو كون اللفظة علما موضوعا له كما هو الحال في غيره فان الاسم

[ 389 ]

ظاهر في العلمية والوضع ولا يراد منه مطلق ما انباء عن الذات المقدسة ومن البديهي ان تقييد اللفظة المطلقة بقيود منبئة عن الذات المقدسة لا يجعلها علما موضوعا في حقه مثلا إذا قلنا الولد الاكبر لزيد فانه يختص بخصوص ولده الاكبر وينبأ عنه لا محالة إلا ان الولد الاكبر لا يكون بذلك علما لولده حتى يعد من اسمائه: الولد الاكبر وكذا اطلاق صاحب الدار على مالكها لانه وان كان مختصا به ومنبأ عنه إلا ان صاحب الدار لا يكون بذلك علما لمالكه واسما من اسمائه ولعله ظاهر. واما إذا كانت اللفظة مشتركة بينه وبين غيره اشتراكا لفظيا بان يجعل له بوضع ويجعل لغيره بوضع عليحدة كما إذا جعل احد اسم ولده (الله) ولو عنادا فالظاهر اناطة حرمة مسه بما إذا قصد الكاتب منها الذات المقدسة لان المشترك اللفظي بالقصد يتعين في العلمية لا محالة كما هو الحال في غيره من الاعلام المشتركة كلفظة (احمد) لاشتراكها بين آلاف ولكن إذا قصد منها ابن زيد فهو علمه واسمه المختص به ومعه يحكم بحرمة مسه. ثم ان مقتضى اطلاق موثقة عمار عدم الفرق بين كون اسم الله عربيا وكونه من سائر اللغات لان حرمة المس مرتبة على كون الاسم اسم الله وتقييده بالعربية بلا دليل نعم لابد وان يكون الاسم من قبيل العلم الموضوع له لا مطلق ما دل على الذات المقدسة ولو بالقرائن كما مر.

[ 390 ]

[ وكذا مس اسماء الانبياء والائمة عليهم السلام (1) على الاحوط ] مس الجنب لاسماء الانبياء أو الائمة عليهما السلام (1) ذهب جملة من الاصحاب إلى الحاق اسماء الانبياء والائمة عليهم السلام بأسمه سبحانه ولكن الدليل على الحاقها غير ظاهر والذي يمكن ان يستدل به على حرمة مسها امور. (الاول): الشهرة الفتوائية القائمة على حرمة مسها وفيه ان الشهرة الفتوائية غير معتبرة عند المتأخرين فلا حجية لها بوجه. (الثاني): الاجماع على حرمته كما عن ابن زهره (قدس سره) ويدفعه ان الاجماع المنقول مما لا اعتبار به ولا سيما اجماعات ابن زهره حيث لا نعلم ابتنائها على المبنى الذي يستكشف به قول الامام عند المتأخرين. (الثالث): ان مسها جنبا خلاف تعظيم شعائر الله سبحانه وقد وصف عز من قائل: تعظيمها بانه من تقوى القلوب. ويدفعه ان مقتضى الاستدلال بذلك هو استحباب ترك مسها لا وجوبه فان التعظيم له مراتب عديدة وليس التعظيم واجبا بجميع مراتبه وإلا لم يجز اجتياز الجنب من الصحن الشريف ولا مسه بحائط الصحن لانه خلاف تعظيم الشعائر فالصحيح عدم حرمة مس اسماء الانبياء والائمة عليهم السلام جنبا إلا ان يستلزم هتكها فان المس محكوم بالحرمة حينئذ إلا انه غير مختص بمس اسماء الانبياء والائمة عليهم السلام فان مس اسماء العلماء والعباد وغيرهم أيضا إذا كان مهانة وهتكا يحكم بحرمته لا محالة.

[ 391 ]

[ الثاني دخول مسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وان كان بنحو المرور (1) ] الثاني من المحرمات: دخول المسجدين (1) المسجدان يشتركان بقية المساجد في حرمة المكث فيها جنبا ويمتازان عن بقية المساجد في حرمة مرور الجنب فيهما واجتيازه حيث انه محرم فيهما دون بقية المساجد والمسألة متسالم عليها بين الاصحاب ويدل على ذلك صحيحة جميل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب يجلس في المساجد قال: لا ولكن يمر فيهما كلها إلا المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله (1) وصحيحة محمد بن مسلم قال قال أبو جعفر عليه السلام (في حديث الجنب والحائض) ويدخلان المسجد مجتازين ولا يقعدان فيه ولا يقربان المسجدين الحرمين (2) وغيرهما من الاخبار (3) وهذا لعله مما لا اشكال فيه. وانما الكلام فيما إذا احتمل المكلف في احد المسجدين فقد ورد في صحيحة أبي حمزة قال: قال أبو جعفر عليه السلام إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام ام مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فاحتلم فاصابته جنابة فليتيمم ولا يمر في المسجد إلا متيمما ولا بأس ان يمر


(1) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة، الحديث 2. (2) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة، الحديث 17. (3) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة.

[ 392 ]

[ (الثالث) المكث في سائر المساجد بل مطلق الدخول فيها (1) على غير وجه المرور ] في سائر المساجد ولا يجلس في شئ من المساجد (1) وذلك لحرمة المرور عليه في المسجدين كحرمة بقائه فيهما جنبا فهو جنب فاقد للماء فلابد ان يتيمم خروجا عن عهدة النهي عن مروره وبقائه فيهما جنبا، ومن هنا يظهر ان الصحيحة ناظرة إلى ما هو المتعارف العادي من كون زمان الخروج عن المسجد أو الاغتسال فيه اكثر زمانا من التيمم فيه وإلا فلو فرضنا ان التيمم اكثر زمانا من الخروج لانه - مثلا - كان خلف باب المسجدين ولا يحتاج خروجه عنهما إلا إلى خطوة واحدة أو امكنه الاغتسال في المسجد في زمان اقل من زمان التيمم لان مقدماته يحتاج إلى زمان فلا نظر للصحيحة إليه ولا مناص حينئذ من خروجه أو اغتساله فيهما إذا لم يستلزم تنجيسهما أو هتكهما أو غيرهما من المحاذير وعليه فلا نقتصر على مورد الصحيحة بل لو فرضنا انه اجبر على الدخول فيهما جنبا أيضا يجب عليه التيمم إذا كان زمانه اقصر من زمان الخروج أو الاغتسال هذا كله بالاضافة إلى حرمة الدخول في المسجدين ولو اجتيازا ومشيا واما حرمة المكث فيهما جنبا فهما مشتركان في ذلك مع المساجد الاخر ويأتي الاستدلال على حرمته فيها في المسألة الآتية ان شاء الله. حرمة مكث الجنب في المساجد (1) اما حرمة المكث في المساجد جنبا فلا كلام فيها بينهم وتدل


(1) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة الحديث 6.

[ 393 ]

عليه قوله تعالى لا تقربوا الصلاه وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل (1) بقرينة الاخبار المفسرة له بمكان الصلاة وذلك بقرينة قوله عابري سبيل لان المرور من الصلاة مما لا معنى له وانما المرور العبور من مكانها وهو المساجد وصحيحة محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قالا: قلنا: الحائض والجنب يدخلان المسجد ام لا؟ قال: الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين ان الله تبارك وتعالى يقول: ولا جنبا إلا عابري سبيل (2) والصحيحتان المتقدمتان. ولا خلاف في ذلك إلا ما ينسب إلى سلار حيث ذهب إلى كراهة دخول الجنب في المسجد ولعله استند إلى ما ورد في جملة من الاخبار من كراهة الدخول في المساجد جنبا كما ورد في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام ان الله كره لامتي العبث في الصلاة إلى ان قال واتيان المساجد جنبا (3) وفي المحاسن عن أبيه عن محمد بن سليمان الديلمي عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله ستة كرهها الله لي فكرهتها للائمة من ذريتي وليكرهها الائمة لاتباعهم: العبث في الصلاة والمن بعد الصدقة. والرفث في الصوم، والضحك بين القبور، والتطلع في الدور، واتيان المساجد جنبا (4). وفيه ان الكراهة المستعملة في لسان الائمة انما هي بمعناه اللغوي


(1) و (2) النساء الآية 43. (3) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة، الحديث 7. (4) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة، الحديث 16.

[ 394 ]

اعني المبغوض والحرام وليست هي بمعني الكراهة المصطلح عليها عند الفقهاء ويؤيده ان جملة من المذكورات في الرواية من المحرمات كالتطلع على الدور والرفث في الصوم في غير الليالي والمن بعد الصدقة لانه ايذاء. وعن الصدوق (قدس سره) جواز النوم في المساجد جنبا حيث حكي عنه: لا بأس ان يختضب الجنب إلى ان قال وينام في المسجد ويمر فيه ولم نقف على مستنده (قدس سره) نعم ورد في صحيحة محمد بن القاسم قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجنب ينام في المسجد؟ فقال: يتوضأ ولا بأس ان ينام في المسجد ويمر فيه (1) إلا ان الصدوق لم يقيد حكمه بجواز نوم الجنب في المسجد بما إذا توضأ فلو كان اعتمد عليها وحكم بجوازه مع الوضوء لقلنا ان ذلك من تخصيص هذه الصحيحة للآية المباركة وغيرها مما دل على حرمة مكث الجنب في المسجد لان النسبة بينهما عموم مطلق حيث انها مطلقة ولا مانع


(1) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة، الحديث 18 قد يقال بأن محمد بن القاسم مشترك بين جماعة وليس كلهم ثقات والمذكور في السند يحتمل الانطباق على غير الثقة أيضا فلا تكون الرواية صحيحة - الجواب، ان المطلق ينطبق على من يكون قابلا للانطباق من جهة الطبقة ويكون معروفا من جهة الرواية أو من جهة انه صاحب كتاب وعلى ذلك فمحمد بن القاسم هذا مردد بين محمد بن القاسم بن الفضيل ومحمد بن القاسم بن المثنى وكلاهما ثقتان وثقهما النجاشي بناءا على اتحاد محمد بن القاسم بن المثنى مع محمد بن القاسم كما استظهره سيدنا الاستاد مد ظله العالي أيضا وان كان من الغريب جدا انه من هو ابن الفضيل لوجود عدة روايات عنه في الكتب الاربعة دون بن المثنى فلم ترد عنه ولا رواية واحدة بهذا العنوان.

[ 395 ]

من تخصيصها بما إذا توضأ ونام كما خصصت بالاضافة إلى المرور حيث انه لو كنا وهذه الصحيحة قدمناها على ادلة حرمة مكث الجنب في المسجد لان النسبة بينهما عموم مطلق. ودعوى ان حرمة المكث والدخول مقياة بالاغتسال كما في قوله تعالى حتى تغتسلوا ومعه تكون النسبة بين ادلة حرمة مكث والدخول وبين هذه الصحيحة هي التباين حيث انها دلت على حرمة مكث الجنب ودخوله المسجد إلا ان يغتسل والصحيحة تدل على حرمة دخوله ومكثه فيه إلا ان يتوضأ وهما متباينان كما عن المحقق الهمداني (قدس سره). مندفعة بان الاغتسال ليس قيدا وغاية للحكم بحرمة المكث أو الدخول بل هو رافع لموضوع الجنابة فكان الآية اشتملت على ان دخول الجنب ومكثه حرام في المسجد إلا ان يخرج عن الجنابة بالاغتسال فالحرمة فيها مطلقة ولا تعارض بينها وبين هذه الصحيحة النافية للحرمة على تقدير التوضوء فلا تعارض بينهما. وعن المحدث الكاشاني حمل التوضوء على معناه اللغوي وهو الاغتسال وفيه اته بعيد غايته فان ظاهر الصحيحة جواز النوم وهو جنب كجواز المرور في حالة الجنابة لا جوازه مع انتفاء الجنابة بالاغتسال وعليه فمقتضى القاعدة ما ذكرناه وانما يمنعنا عن ذلك ان الصحيحة متروكة العمل عند الاصحاب على ما صرح به المحقق في معتبره ولا عامل لها ولو واحدا من الاصحاب حتى الصدوق لعدم تقييده الحكم بالتوضوء فلا تعارض بها الاخبار الدالة على الحرمة بل نحملها على التقية لموافقتها مذهب الحنابلة واسحاق حيث ذهبوا إلى جواز النوم في المسجد جنبا إذا توضأ كما في هامش الحدائق هذا كله في حرمة المكث في المساجد جنبا. بقى الكلام في جواز اجتيازه من المسجد فقد اشار إليه بقوله

[ 396 ]

[ واما المرور فيها بان يدخل من باب ويخرج من آخر فلا بأس به (1) ] واما المرور الخ. مرور الجنب في المساجد (1) قد استثنى من حرمة دخول الجنب المسجد في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم دخوله المسجد اجتيازا بان يدخل من باب ويخرج من باب آخر على وجه يصدق انه جعل المسجد طريقا فلا يجوز ان يدخل من باب واحد ويخرج منه بعينه أو يخرج من باب آخر على يمينه أو شماله حيث لا يصدق معه الاجتياز وجعل المسجد طريقا قالا. قلنا له: الحائض والجنب يدخلان المسجد ام لا؟ قال: الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين ان الله تبارك وتعالى يقول: ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا (1). وفي جملة من الروايات الواردة استثنى عنوان المرور كما في صحيحة جميل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: لا ولكن يمر فيها كلها إلا المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله (2) حيث استثنيت مرور الجنب في مقابل الجلوس في المسجد وكذا في غيرها من الاخبار (3) الواردة في المسألة.


(1) تقدم ذكرها في صفحة 393. (2) و (3) تقدم ذكرها في ص 391.

[ 397 ]

ولا يبعد ان يكون المرور متحدا مع الاجتياز فلا يصدق المرور من المسجد إلا يجعله طريقا ودخوله من باب وخروجه من باب آخر في مقابله واما إذا دخل من باب واحد وخرج منه أو مما بيمينه أو يساره فلا يصدق عليه المرور والاجتياز. وفي رواية واحدة استثنى عنوان المشي في المسجد في مقابل الجلوس فيه وهي رواية جميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال للجنب ان يمشي في المساجد كلها ولا يجلس فيها إلا المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله (1) والمشي غير الاجتياز والمرور فهذه الرواية معارضة للاخبار المتقدمة إلا انها ضعيفة السند بسهل بن زياد لعدم ثبوت وثاقته. على انها لو كانت تامة سندا أيضا لم تنهض في مقابل الاخبار المستثنية بعنوان الاجتياز والمرور وذلك لان النسبة بين الروايتين المتعارضتين عموم من وجه وذلك لان احديهما تدل على حرمة الدخول بغير الاجتياز سواء كان هناك مشي ام لم يكن والاخرى تدل على حرمته من غير مشي كان معه اجتياز ام لم يكن وتتعارضان فيما إذا كان دخله بالمشي فان الاولى تدل على حرمته والثانية على جوازه وفي موارد التعارض لابد من الرجوع إلى المرجحات والترجيح مع الصحيحة لموافقتها الكتاب لانه سبحانه استثنى عنوان العبور من المسجد بقوله إلا عابري سبيل وهو عين الاجتياز والمرور ولم يستثنى عنوان المشي في المساجد كما لعله ظاهر هذا. ثم ان المرور لو كان صادقا مع المشي وكان امرا آخر وراء الاجتياز فالكلام فيه أيضا هو الكلام في المشي لان النسبة بين الاجتياز


(1) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة، الحديث 4.

[ 398 ]

[ وكذا الدخول بقصد اخذ شئ منها (1) فانه لا بأس به ] والمرور المتحد مع المشي عموم من وجه والترجيح مع الصحيحة لموافقتها الكتاب فان المستثني فيه هو العبور الذي هو غير المشي والمرور والمتحد معه. دخول المسجد جنبا بنية الاخذ (1) لا اشكال في جواز اخذ الجنب وتناوله شيئا من المسجد كما لا كلام في حرمة وضعه شيئا فيه وذلك لصحيحة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب والحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال: نعم ولكن لا يضعان في المسجد شيئا (1) وصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمة حيث ورد في ذيلها وياخذان من المسجد ولا يضعان فيه شيئا قال زرارة قلت فما بالهما يأخذان منه ولا يضعان فيه؟ قال: لانهما لا يقدران على اخذ ما فيه إلا منه ويقدران على وضع ما بيدهما في غيره (2) وحاصله التعليل بالامر المتعارف الغالبي وبيان حكمة التفصيل بين الوضع والاخذ فان الجنب أو غيره لا يتمكن من اخذ متاعه الذي في المسجد إلا بالدخول فيه غالبا كما انه وغيره متمكن غالبا من وضع متاعه في مكان آخر غير المسجد فلا يضطر إلى الدخول فيه وكيف كان فهذان الحكمان مما لا كلام فيه. وانما البحث في ان الاخذ جائز في نفسه والوضع محرم كذلك أو ان الاخذ جائز لجواز الدخول بغاية الاخذ والوضع محرم لحرمة الدخول


(1) الوسائل: ج 1 باب 17 من أبواب الجنابة، الحديث 1. (2) الوسائل: ج 1 باب 17 من أبواب الجنابة، الحديث 2

[ 399 ]

لغاية الوضع فالمحتمل امران لا ثالث لهما فاما ان يكون الاخذ والوضع جائزا ومحرما في نفسه وذاته واما ان يكون جائزا ومحرما من جهة استلزامها الدخول. فان قلنا ان حرمة الوضع وجواز الاخذ مستندان إلى انفسهما فكما لا يجوز حينئذ الوضع في المسجد من غير الدخول فيه كذلك يحرم الاخذ بالدخول فيه للاخذ فان جواز الاخذ لا يستلزم جواز الدخول وهما امران فليس له ان يدخله لاخذ شئ وإذا قلنا ان حرمة الوضع وجواز الاخذ مستندان إلى استلزامها الدخول فحينئذ يجوز الدخول في المسجد للاخذ والتناول كما يجوز وضع شئ فيه من الخارج لا بالدخول لان المحرم هو الوضع بالدخول دون الوضع من غير الدخول. مناقشة مع الماتن ومن هنا تعرف ان ما ذكره الماتن (قدس سره) في هذه المسألة والمسألة الآتية من الحكم بجواز الدخول فيه بقصد اخذ شئ والحكم بحرمة الوضع فيه ولو من غير الدخول فيه امران متنافيان فان جواز الاخذ لو كان مستندا إلى جواز الدخول بهذه الغاية فلابد ان تستند حرمة الوضع أيضا إلى حرمة الدخول بتلك الغاية من دون ان تكون حرمة احدهما وجواز الآخر مستندا إلى ذاتهما ونفسهما ومعه لا يجوز الوضع في نفسه وانما يحرم بالدخول في المسجد وإذا بنينا على ان حكمهما مستندين إلى ذاتيهما فالوضع في ذاته محرم والاخذ في نفسه مباح فحينئذ وان صح الحكم بحرمة مطلق الوضع في المسجد إلا انه لا يلائم الحكم بجواز الدخول لاخذ شئ فان جواز الاخذ حكم مترتب عليه في نفسه

[ 400 ]

وهو غير مستلزم لجواز الدخول فيه فليأخذ الشئ من غير دخول. وعلى الجملة: الحكم بجواز الدخول لغاية الاخذ والحكم بحرمة الوضع امران متنافيان فاما ان يحرم الوضع في نفسه ويجوز الاخذ أيضا كذلك فلا وجه معه لجواز الدخول من جهة جواز الاخذ واما ان يحرم الوضع لاجل الدخول ويجوز الاخذ أيضا لاجله فحينئذ يجوز الدخول من جهة جواز الاخذ إلا ان الوضع لا يكون محرما مطلقا بل مع الدخول في المسجد فقط هذا كله فيما يرد على الماتن (قدس سره). تحقيق في اصل المسألة واما تحقيق اصل المطلب فالصحيح ان حرمة الوضع وجواز الاخذ مستندان إلى ذاتيهما وذلك لانه الظاهر من صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (1) لانه عليه السلام قد بين حكم الدخول قبل ذلك وانه محرم إلا على نحو الاجتياز ثم بين جواز الاخذ وحرمة الوضع فمنه يظهر ان جواز الاخذ ليس من جهة جواز الدخول وكذا حرمة الوضع ليست مستندة إلى حرمة الدخول لتقدم حكم الدخول حرمة وجوازا فلا وجه لاعادته فليس حرمة احدهما وجواز الآخر الا مستندين إلى انفسهما وبه يصح الحكم بحرمة الوضع مطلقا وان كان من غير دخول ولكن لابد أيضا من الحكم بحرمة الدخول وعدم جوازه لاجل الاخذ لان جوازه غير مستند إلى جواز الدخول هنا. ثم ان في رواية علي بن ابراهيم القمي عن الصادق عليه السلام ان الحائض والجنب يضعان فيه الشئ ولا يأخذان منه فقلت: ما بالها


(1) الوسائل: ج 1 باب 17 من أبواب الجنابة، الحديث 2.

[ 401 ]

[ والمشاهد كالمساجد في حرمة المكث فيها (1) ] يضعان فيه ولا ياخذان منه؟ فقال: لانهما يقدران على وضع الشئ فيه من غير دخول ولا يقدران على اخذ ما فيه حتى دخلا (1) وهي كما ترى عكس الاخبار المجوزة للاخذ والمحرمة للوضع المسجد حيث دلت على جواز الوضع وحرمة الاخذ معللة بان الوضع في المسجد لا تستلزم الدخول فيه فلا يكون حراما لان المحرم هو الدخول فليضع الشئ فيه من الخارج إلا ان الاخذ منه لا يمكن بغير الدخول فيحرم لحرمة الدخول. وهي وان كانت مؤكدة لما ذكرناه من ان جواز الاخذ لا يستلزم جواز الدخول في المسجد إلا انها من جهة حكمها بجواز الوضع مخالفة لما قدمناه والذي يسهل الخطب ان الرواية مرسلة ولا ندري ان الواسطة أي شخص فلا تنهض حجة في مقابل الاخبار المتقدمة. الحاق المشاهد بالمساجد (1) هل المشاهد المشرفة تلحق بالمسجدين فيحرم المكث والمرور فيها ولو بعنوان الاجتياز أو انها ملحقة بسائر المساجد فيحرم فيها المكث دون الاجتياز أو لا تحلق بهما ولا بسائر المساجد فلا مانع من المكث والاجتياز؟ فيها ذهب جماعة إلى الحاقها بالمساجد لوجوه. (منها): ان روح المسجدية وحقيقتها التي هي شرافة المكان وكونه محلا للعبادة والتقرب إلى الله سبحانه متحققة في المشاهد على نحو أتم فيأتي فيها احكام المساجد من حرمة المكث وغيرها لا محالة وفيه


(1) الوسائل: ج 1 باب 17 من أبواب الجنابة، الحديث 3.

[ 402 ]

ان حرمة المكث والدخول تترتب في ظواهر الادلة على عنوان المسجد لا على معنى المسجد وروحه فتسرية احكام المسجد إلى ما فيه روحه وحقيقته يحتاج إلى دليل. و (منها): ان ترك مكث الجنب ودخوله فيها من تعظيم شعائر الله وقد قال الله سبحانه: ان تعظيمها من تقوى القلوب ويدفعه ان التعظيم بما له من المراتب المختلفة مما لا دليل على وجوبه نعم هو مستحب وانما يحرم الهتك فقط فإذا لزم من دخول الجنب ومكثه في المشاهد هتك فتلتزم بحرمته وبذلك يتصف تعظيمها بالوجوب ولكن بالعرض والمجاز فان الحرمة متعلقة بالهتك وتركه يستلزم التعظيم والهتك قد يكون وقد لا يكون بل ربما يكون دخول الجنب المشاهد مصداقا للتعظيم والاجلال كما إذا كان الوقت ضيقا ولم يتمكن المسافر من الاغتسال لخروج القافلة ونحوه فدخل للزيارة وهو جنب فانه في الحقيقة تعظيم وليس من الهتك في شئ. و (منها): الاخبار الناهية عن دخول الجنب بيوت الانبياء. و (منها): ما عن جابر الجعفي عن علي بن الحسين عليه السلام انه قال اقبل اعرابي إلى المدينة فلما قرب المدينة خضخض ودخل على الحسين عليه السلام وهو جنب فقال: له يا اعرابي اما تستحي الله تدخل إلى امامك وانت جنب ثم قال: انتم معاشر العرب إذا خلوتم خضخضتم الحديث (1) وغيره من الروايات الضعاف والمرسلة (2) والعمدة فيها


(1) الوسائل: ج 1 باب 7 من أبواب الجنابة، الحديث 24 وباب 16 الحديث 4. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 16 من أبواب الجنابة فان جميعها مذكورة فيها.

[ 403 ]

روايتان: (احداهما): صحيحة محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عن أبي طالب يعني عبد الله بن الصلت عن بكر بن محمد قال: خرجنا من المدينة نريد منزل أبي عبد الله عليه السلام فلقينا أبي بصير خارجا من زقاق وهو جنب ونحن لا نعلم حتى دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام قال: فرفع رأسه إلى أبي بصير فقال: يا ابا محمد اما تعم لانه لا ينبغي لجنب ان يدخل بيوت الانبياء قال: فرجع أبو بصير ودخلنا (1). (الثانية): هي هذه الرواية التي رواها الحميري في قرب الاسناد عن احمد بن اسحاق عن بكير بن محمد الاردي فقد دلتنا هذه الاخبار على ان دخول الجنب المشاهد محرم إذا لا فرق بين احياهم وامواتهم. ويتوجه على الاستدلال بهذه الاخبار ان ما كانت دلالته منها تامة على المدعى ضعيفة السند كرواية الجعفي والمفيد وعلي بن عيسي في (كشف الغمة) والكشي في رجاله (2) فان النهي فيها عن دخول الجنب على الامام عليه السلام أو بيوت الانبياء أو غضبه عليهم السلام وان كانت ظاهرا في حرمة دخول الجنب على الامام عليه السلام إلا انها ضعاف بالارسال. وما كان بحسب السند معتبرا كالروايتين المتقدمتين غير تامة بحسب الدلالة وذلك لانه بناءا على ان كلمة لا ينبغي ظاهرة في الكراهة كما هو المعروف بينهم فعدم دلالتهما على الحرمة في غاية الوضوح واما بناءا على ما استظهرناه من انها بمعنى لا يتيسر ولا يتمكن وان معنى


(1) الوسائل: ج 1 باب 16 من أبواب الجنابة الحديث 1. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 16 من أبواب الجنابة فان جميعها مذكورة فيها.

[ 404 ]

لا ينبغي لك اي لا نتمكن منه وحيث انه متمكن منه تكوينا فتكون ظاهرة في عدم التمكن شرعا وتشريعا وهو معنى الحرمة فالروايتان في نفسيهما وان كانتا ظاهرتين في الحرمة إلا ان هناك قرينتان على عدم ارادة ظاهر تلك اللفظة في خصوص الروايتين: (احداهما): ان أبا بصير انما كان بصدد الاختبار كما شهد به بعض الاخبار الواردة في المسألة اعني رواية كشف الغمة حيث صرح فيها أبو بصير بكونه بصدد الامتحان والاختبار وكان الامام عليه السلام في مقام الاعجاز والاخبار عن امر واقعي ولم يكن بصدد بيان الحرمة والحلية فقوله: لا ينبغي وهو في هذا المقام لا يلائم ادنى مرتبة الكراهة فضلا عن الكراهة التامة فلا نستفاد منها الحرمة بتلك القرينة حيث يحتمل ارادة الكراهة منها حينئذ لعدم منافاتها مع كلمة لا ينبغي. و (ثانيتهما): انا نقطع بدخول الجنب على الائمة عليهم السلام في اسفارهم ومجالسهم العامة كجلوسهم في الاعياد وغيرها للعلم الوجداني بعدم خلو جميعهم عن الجنابة لعدم مبالات اكثر الناس باب بالدين أو من باب المصادفة ونحوها ومع هذا كله لم يرد في شئ من الاخبار ولا سمعنا احدا يقول ان الامام امر بخروج احد أو منع احدا عن الدخول لانه جنب ولم يرد ذلك إلا فيما رووه عن أبي بصير ومن الواضح ان ذلك لو كان محرما لشاع وذاع وانتشر ووصلنا بالتواتر وشبهه لكثرة ابتلاء الناس بذلك ولما انحصرت الرواية بأبي بصير وهذه أيضا قرينة على عدم حرمة الدخول على الائمة جنبا وبذلك تحمل الرواية على الكراهة. نعم لو قلنا بحرمته وتمت دلالة الاخبار وسندها لم يمكن المناقشة في ذلك بالنقض بازواجهم واولادهم وجواريهم وخدمهم حيث انهم في بيوت الائمة عليهم السلام وكانوا يحتلمون أو يجنبون يقينا ولم يرد

[ 405 ]

في رواية امرهم باخراج الجنب منهم عن البيت ومنعه عن الدخول فيه والوجه في عدم ورود النقض بذلك ان المحرم على ما يستفاد من للروايات دخول الجنب من الخارج عليهم أو على بيوتهم واما من صار جنبا في بيتهم عليهم السلام فهو ممن لا تشمله هذه الاخبار قطعا ولكنك عرفت ان الاخبار غير تامة اما سندا واما بحسب الدلالة فلا دليل على حرمة دخول الجنب على المشاهد المشرفة هذا كله. مضافا إلى ان المحرم انما هو الدخول على بيت الانبياء واولادهم من الائمة الاطهار عليهم السلام فانهم اولاد النبي فبيتهم بيت النبي صلى الله عليه وآله فان هذا هو المستفاد من الاخبار الواردة في المسألة وظاهر هذا العنوان ارادة ما هو بيت مضاف إلى النبي أو الائمة بالفعل ونعني بذلك ان يكون البيت مضافا إليهم اضافة ظرفية بان يكون البيت ظرفا لوجودهم بالفعل ولوضوح عدم كفاية الاضافة الملكية في ذلك حيث ان الامام إذا كان له بيت استأجره احد لا يمكن منع المستأجر عن دخوله الدار المستأجرة من جهة انها دار الصادق عليه السلام مثلا فلا محيص من ارادة الاضافة الظرفية وان البيت الذي هو ظرف لوجوده عليه السلام يحرم ان يدخل عليه الجنب وذلك من جهة وجوده لا لاجل البيت ومن هنا ورد في قضية الاعرابي تدخل على امامك وانت جنب: فإذا كان الامر كذلك فلا تشمل الاخبار المشاهد المشرفة بوجه وذلك لعدم كونها ظرفا لوجودهم بل ظرف لزيارتهم والعبادة فيها ولا يقال انها بيت فيه الامام بل هي بيت دفن فيه الامام وكون امواتهم كاحيائهم ومرزقون عند ربهم وان كان صحيحا إلا ان الحكم مترتب على عنوان لا يشمل ذلك العنوان على البيوت الي دفنوا فيها حيث لا تضاف البيوت إليهم اضافة ظرفية لوجودهم ولا يقال انها

[ 406 ]

بيت فيه الامام بل انها بيت فيه قبره عليه السلام. فتحصل ان الاخبار أيضا كالوجهين السابقين ولا دلالة فيها على حرمة دخول الجنب المشاهد ولا سيما ان الجنب في بعضها كان جنبا عن الحرام والاستمناء كما في رواية جابر الجعفي المشتملة على قضية الاعرابي ويحتمل ان يكون منعه عليه السلام ناظرا إلى تلك الجهة لا إلى جهة حرمة دخول مطلق الجنب هذا ولكنه مع ذلك لا يمكن الجزم بالجواز لذهاب جماعة إلى الحرمة ولكن الحرمة لو تمت وثبتت تختص بالحرم ولا تعم الرواق لعدم كونه بيتا فيه الامام أو فيه قبره وانما هو بيت محيط لذلك البيت. ثم ان ظواهر الاخبار - على تقدير تماميتها - ان طبيعي دخول الجنب على بيوت الانبياء مبغوض محرم بلا فرق في ذلك بين المكث والاجتياز فيكون حالها حال المسجدين لا كسائر المساجد فلو كانت الاخبار تامة لزمنا الحكم بحرمته مطلق الدخول ولو كان على نحو الاجتياز فما عن صاحب الحدائق (قدس سره) من ان منعه عليه السلام لعله كان مستندا إلى علمه بلبث أبي بصير ومكثه عنده مما لا وجه له حيث ان علمه الخارجي بليث احد لا يقتضي الحكم بالحرمة على نحو الاطلاق. كما ان دخول الجنب على المشاهد المشرفة لو كان مستلزما للهتك لحرم بلا كلام سواء تمت الاخبار المتقدمة دلالة وسندا ام لم تتم بل الهتك في المشاهد اعظم من الهتك في المساجد لان الهتك في المشاهد انما هو بعنوان كونها مزارا ومعبدا فيوجب هتكها هتك المعابد كلها حتى المساجد لانها مما ينطبق عليه عنوان المعابد.

[ 407 ]

[ (الرابع): الدخول في المساجد بقصد وضع شئ فيها بل مطلق الوضع فيها (1) وان كان من الخارج أو في حال العبور. (الخامس): قراءة سور العزائم (2) وهي سورة اقرأ والنجم والم تنزيل وحم السجدة وان كان بعض واحدة منها ] الرابع من المحرمات: دخول المسجد بقصد الوضع (1) قدمنا ان الوضع محرم في نفسه لا من جهة حرمة الدخول فلو وضع فيه شيئا من الخارج ارتكب محرما. كما لا محالة انه لو وضعه فيه بالدخول ارتكب محرمين ولكن الاخذ جائز والفارق ما ورد في النصوص (1) من ان الجنب لا يتمكن من اخذ ما في المسجد إلا من المسجد ولكنه يتمكن من الوضع في غير المسجد وقد نقل العلامة وصاحب مفتاح الكرامة عن السلار القول بكراهة الوضع في المساجد والظاهر ان مخالفته انما هي في حرمة الوضع وما تقدم نقله من بعضهم عن السلار من ذهابه إلى كراهة مكث الجنب في المساجد لعله اشتباه. الخامس من المحرمات: قراءة العزائم (2) هل يحرم على الجنب قراءة آية السجدة فحسب ولا مانع من قرائته لغيرها من الآيات أو يحرم عليه كل بعض من السور حتى البسملة


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 17 من أبواب الجنابة.

[ 408 ]

[ بل بل البسملة أو بعضها بقصد احداها على الاحوط لكن الاقوى اختصاص الحرمة بقراءة آيات السجدة منها. ] بقصد احداها بل بعض البسملة أيضا؟ قد ورد (1) في جملة من الاخبار ان الجنب والحائض والنفساء يقرؤن القرآن إلا السجدة والسجدة اما ان نقول بظهورها في كونها اسما للآية فحسب بقرينة ما ورد من الحائض تسمع السجدة أو المصلي لا يقرأ السجدة حيث اريد بهما نفس الآية المباركة فعليه فالامر واضح حيث تختص الحرمة بقراءة الآية فقط ولا تعم قراءه البسملة أو غيرها من اجزاء السور الاربع. واما ان نقول بانها على معناها اللغوي وحيث لا معنى لاستثناء السجدة عن القراءة لانها فعل من الافعال وامر غير قابل للقراءة فلا مناص من ان يقدر فيها شئ وهو اما ان تكون كلمة السورة أي إلا سورة السجدة واما ان تكون كلمة الآية اي إلا آية السجدة وحيث انه لا قرينة على تعينها فتصبح الرواية مجملة ولا مناص من الاخذ بالمقدار المتيقن منها وهو خصوص الآية ويرجع في غيرها إلى اطلاق ما دل على ان الجنب يقرأ القرآن أو إلى الاصل والنتيجة اختصاص حرمة القراءة على الجنب بخصوص الآية دون غيرها من اجزاء سور العزائم هذا. ولكن المحقق روى عن البزنطي في كتابه عن أبي عبد الله عليه السلام انه يجوز للجنب والحائض ان يقرأ ما شاءا من القرآن إلا سورة العزائم الاربع وهي اقرء باسم ربك والنجم وتنزيل السجدة وحم السجدة وقال


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 19 من أبواب الجنابة

[ 409 ]

بعد ذلك روى ذلك البزنطي في جامعه عن المثنى عن الحسن الصيقل (1) وهذه الرواية لو تمت سندا ودلالة لكانت مبين لاجمال الروايات المتقدمة ودالة على ان المراد بالسجدة هو سورة السجدة إلا انها عير تامة سندا لان المثنى بن الوليد وان امكن ان يقال بحسنه وادراجه في الحسان لما حكاه الكشي عن حسن بن علي بن فضال من انه لا بأس به إلا ان حسن الصيقل ممن لم يرد توثيقه في شئ من الكتب فالرواية ضعيفة لا محالة. ودعوى ان البزنطي من اصحاب الاجماع حيث اجمعوا على تصحيح ما يصح عنه فلا ينظر إلى من وقع بعده في سلسلة السند من الدعاوى لا مثبت لها وغاية الامر ان يقال ال رواية البزنطي من المثنى تدل على توثيقه واما ان الحسن الصيقل أيضا تعتبر روايته فهو مما لا دليل عليه هذا كله. مضافا إلى ان دلالتها أيضا قابلة للمناقشة وذلك لان السورة ليست كالقرآن فانه كلفظة الماء له اطلاقان فقد يطلق ويراد به الجميع واخرى يطلق ويراد به البعض فان كل قطعة من كل آية قرآن فهو اسم للطبيعي النازل من الله سبحانه يطلق على كل جزء واما السورة فهي اسم لمجموع الآيات المعينة ولا يطلق على البعض فالرواية على تقدير اعتبارها انما تدل على حرمة قراءة المجموع واما حرمة قراءة البعض منها فلا ومعه يصح استثناء قراءة خصوص الآية حيث يمكن ان يكون حرمة قراءة السورة مستندة إلى حرمة قراءة خصوص تلك الآية كما هو الحال فيما ورد من نهي قراءة المصلي العزائم لما فيها من السجدة لان الحرمة في قراءة المصلي مستندة إلى خصوص تلك الآية لا ان المحرم هو المجوع.


(1) الوسائل: ج 1 باب 19 من أبواب الجنابة الحديث 11.

[ 410 ]

[ (مسألة 1): من نام في احد المسجدين واحتلم أو اجنب (1) فيهما أو في الخارج ودخل فيهما عمدا أو سهوا أو جهلا وجب عليه التيمم للخروج الا ان يكون زمان الخروج اقصر من المكث للتيمم فيخرج من غير تيمم أو كان زمان الغسل فيهما مساويا أو اقل من زمان التيمم فيغتسل حينئذ ] فالمتحصل ان ما افاده الماتن (قدس سره) من حرمة قراءة خصوص الآية على الجنب وفاقا لغيره عن الفقهاء هو الصحيح. من احتلم أو اجنب في احد المسجدين (1) إذا نام في احد المسجدتين واحتلم وجب عليه التيمم للخروج وهذا متسالم عليه بين الاصحاب (قدس سرهم) ولم ينقل فيه خلاف إلا عن ابن حمزة في الوسيلة حيث جعل التيمم حينئذ ندبا ويدل على وجوب التيمم صحيحة أبي حمزة قال: قال أبو جعفر عليه السلام إذا كان الرجل نائما في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله فاحتلم فاصابته جنابة فليتيمم ولا يمر في المسجد إلا متيمما ولا بأس ان يمر في سائر المساجد ولا يجلس في شي من المساجد (1) ورواه الشيخ باسناد صحيح ولم يظهر الوجه فيما نسب إلى ابن حمزة (قدس سره) في وسيلته منع دلالة النص الصحيح على وجوب التيمم وكيف كان فالمسألة مما لا اشكال فيه وانما الكلام في خصوصيات المسألة وجهاتها.


(1) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة حديث 6.

[ 411 ]

عدم اختصاص الحكم بالنوم والاحتلام في المسجدين (الجهة الاولى): هل يختص وجوب التيمم بمن تام في المسجدين واحتلم أو يعم كل من كان جنبا في المسجدين ولو بغير النوم والاحتلام كما إذا اجنب نفسه في المسجدين أو كان جنبا فدخلهما عصيانا أو غفلة ونسيانا؟ الظاهر المستفاد من الصحيحة بحسب المتفاهم العرفي ولو بمناسبة الحكم والموضوع ان وجوب التيمم حكم لطبيعي الجنابة في المسجدين من دون اختصاصه بالنوم والاحتلام ويؤيده ما في ذيل الصحيحة (ولا يمر في المسجد إلا متيمما ولا بأس ان يمر في سائر المساجد ولا يجلس في شئ من المساجد) لانها من احكام مطلق الجنب دون خصوص المحتلم بالنوم. هل الحكم تعبدي في المسجدين؟ (الجهة الثانية): هل وجوب التيمم حكم تعبدي ثبت للجنب في المسجدين سواء كان متمكنا من الاعتسال فيهما من دون استلزامه تلويث المسجدين وتنجيسهما ام لم يكن أو انه حكم ثابت له على القاعدة فلا محالة يختص بمن لم يتمكن من الاغتسال فيهما من غير تنجيسهما والتحقيق هو الثاني وذلك لان التيمم حكم المضطر ولا اضطرار للجنب مع التمكن من الغسل في المسجدين من دون ان يستلزم ذلك تنجيس المسجدين وتلويثهما ولاسيما إذا كان زمان الاغتسال مساويا مع زمان

[ 412 ]

التيمم أو اقصر وانما حكم في الصحيحة بوجوب التيمم مطلقا من جهة ان الغالب في تلك الازمنة عدم تمكن المكلف من الغسل في المسجدين من غير استلزامه تنجيسهما وتلويثهما إذ لم يكن فيهما حوض ولا الانابيب الدارجة في ا ليوم فمع التمكن من الغسل لا يجب عليه التيمم بل لا يسوغ. هل الحكم يتم ما إذا كان زمان التيمم اكثر؟ (الجهة الثالثة): هل الحكم بوجوب التيمم يعم ما إذا كان زمان التيمم اكثر من زمان الخروج كما إذا كان نائما خلف باب المسجدين فانه يتمكن من الخروج عنهما في دقيقة واحدة ولكنه لو تيمم طال ذلك دقيقتين أو اكثر يختص بهما إذا كان زمان التيمم اقصر من زمان الخروج وإلا فلا يجب عليه التيمم بل لا يسوغ؟ مقتضى الجمود على ظاهر الصحيحة عدم الفرق بين الصورتين إلا ان الصحيح عدم جوازه عند كون زمانه اكثر من زمان الخروج وذلك لانا إذا فرضنا زمان الخروج دقيقة واحدة مثلا وزمان التيمم دقيقتين فالمكلف بالاضافة إلى الدقيقة الواحدة المشتركة بين التيمم والخروج مضطر إلى البقاء في المسجدين جنبا فلا اشكال في جواز بقاءه فيها كذلك للاضطرار واما الدقيقة الثانية التي يستلزمها التيمم فلا اضطرار له إلى البقاء فيها في المسجدين إذ له ان يخرج جنبا وهو يستلزم غير الكون فيهما دقيقة واحدة فما المسوغ لبقائه فيهما في الدقيقة الثانية جنبا. اللهم إلا ان يدعي ان حرمة الخروج والاجتياز جنبا اهم عند الشارع من حرمة المكث فيهما جنبا فمن هذا جاز له المكث فيهما جنبا في الذقيقة الثانية لئلا يرتكب المحرم الاهم اعني الاجتياز والخروج عنهما وهو جنب ولكن يرده

[ 413 ]

انا لو لم ندع اهمية حرمة المكث فيهما جنبا عن حرمة الاجتياز والخروج عنهما في حالة الجنابة - بملاحظة حال سائر المساجد إذ نرى ان مكث الجنب فيها محرم واجتيازه عنها غير محرم وهذا كاشف عن اهمية حرمة المكث عن حرمة الخروج والاجتياز - فلا اقل يمكننا ان لا ندعي اهمية حرمة الاجتياز عن حرمة المكث جنبا وعليه فلا يجب عليه التيمم حينئذ بل لا يجوز لانه مكث في المسجدين جنبا من غير ضرورة إليه. إذا كان زمان التيمم والخروج متساويين (الجهة الرابعة): إذا كان زمان التيمم والخروج متساويين من حيث الطول والقصر فهل يجب عليه التيمم حينئذ للخروج أو انه يتخير بينه وبين الخروج من غير تيمم؟ قد يقال بوجوب التيمم اخذا بظاهر الصحيحه وجمودا على ظاهرها وقد يقال بالتخيير لانه مضطر إلى البقاء في المسجدين بمقدار دقيقة واحدة مثلا سواء خرج من غير تيمم أو تيمم فيهما لتساوي زمانهما وحيث ان طرفي الاضطرار على حد سواء فيحكم بتخيير المكلف بينهما. والصحيح لا هذا ولا ذاك بل يتعين عليه الخروج من غير تيمم وذلك لانه وان كان مضطرا إلى البقاء دقيقة واحدة إلا انه إذا خرج في تلك الدقيقة فهو واما إذا لم يخرج وتيمم في تلك الدقيقة فهو بعدها يحتاج إلى دقيقة ثانية حتى يخرج فيها عن المسجدين وهو مكث أو اجتياز في المسجدين جنبا وهو حرام والتيمم غير مسوغ في حقه لانه وظيفة المضطر ولا اضطرار له إلى التيمم ليكفيه في الدقيقة الثانية. إذ له ان يخرج في الدقيقة الاولى عن المسجدين من غير حاجة إلى

[ 414 ]

[ وكذا حال الحائض والنفساء (1) ] التيمم في ذلك والتيمم من غير ضرورة غير مسوغ للاجتياز ومن هنا لو كان جنبا في خارج المسجد لم يكن له ان يتيمم ويجتاز عنهما إذ لا ضرورة له إلى الاجتياز والامر في المقام أيضا كذلك فانه لا اضطرار له إلى التيمم حتى يكفيه في الدقيقة الثانية نعم لو تيمم اضطر في الدقيقة الثانية إلا انه اضطرار حاصل بسوء الاختيار إذ كان له ان يخرج في الدقيقة الاولى وتعجيز النفس متعمدا أمر غير سائغ بل مفوت للغرض نظير اضطرار من توسط في الدار المغضوبة إلى الخروج عنها فانه اضطرار نشأ من سوء اختياره فالمتحصل ان الخروج جنبا هو المتعين في المسألة هذا كله. مضافا إلى ما قدمناه من عدم احتمال اهمية حرمة الخروج والاجتياز جنبا عن حرمة المكث فيهما جنبا بل الثانية اهم ولا اقل من تساويهما ومعه لا يبقى مجال للتخيير فان تيممه معجز ومفوت للغرض وليست حرمة الخروج جنبا اهم من حرمة المكث كذلك فيتعين عليه الخروج جنبا. حكم الحائض والنفساء (1) قد يقع الكلام فيمن له حدث الحيض أو النفاس مع انقطاع دمها بالفعل كما إذا حاضت وبعد انقطاع دمها دخلت المسجدين أو طرأ عليها النفاس في دقيقة واحدة فان اقل النفاس لا حد له وارتفع اي انقطع دمها واخرى يتكلم في الحائض والنفساء مع جريان دمهما من غير انقطاع.

[ 415 ]

اما إذا انقطع دمهما فلا ينبغي الاشكال في ان حكمهما حكم الجنب فيجب عليهما التيمم والخروج عن المسجدين ويدل عليه صحيحة زرارة ومحمد ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلنا له الحائض والجنب يدخلان المسجد ام لا؟ قال: الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين ان الله تبارك وتعالى يقول: ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا (1) حيث استشهد بالآية الواردة في الجنب على حرمة مكث الحائض ودخولها في المسجد فمنه يظهر ان الجنابة لا اختصاص لها في الاحكام المتقدمة وإلا لم يكن وجه للاستشهاد بالآية على حرمة دخول الحائض المسجد فيجب عليهما التيمم والخروج من المسجدين على التفصيل المتقدم في الجنب هذا كله في الحائض. واما النفساء فلم يرد في حرمة دخولها المسجد أو في وجوب تيممها للخروج إذا نفست في المسجدين رواية إلا ان الاجماع القطعي قام على ان النفساء حكمها حكم الحائض فيجب عليها ما يجب على الحائض فيجب ان تيمم في المسجدين للمزوج إذا نفست في المسجدين ويمكن الاستيناس لوحدة حكمهما بما ورد من ان النفاس حيض محتبس وخرج بعد احتسابه (2) وهذا ليس برواية في نفسه وانما استفيد مما ورد في حيض الحامل من ان حيضها يحبس لرزق ولدها (3) (كما ذكره الهمداني قدس سره)


(1) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة الحديث 10. (2) ما وجدنا رواية بعين هذه الالفاظ ويمكن استفادة مضمونها من حديث 13 و 12 باب 30 من أبواب الحيض وذكرت الاخيرة أيضا في المستدرك عن الجعفريات في: باب 25 من أبواب الحيض الحديث 7 وفي باب 2 من أبواب النفاس الحديث 1. (3) الوسائل: ج 2 باب 30 من أبواب الحيض الحديث 13 و 14.

[ 416 ]

وما ورد في ان حكم الحائض حكم النفساء (1) وما ورد في قصة اسماء بنت عميس حيث نفست في سفرها وامرها النبي صلى الله عليه وآله بان تعمل عمل الحائض ومورد الاستدلال روايتان: (احداهما): موثقة اسحاق قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الحائض تسعى بين الصفاء والمروة فقال اي لعمري قد امر رسول الله صلى الله عليه وآله اسماء بنت عميس فاغتسلت واستثغرت وطافت بين الصفاء والمروة (2) إذ لو لم يكن حكم الحائض متحدا مع حكم النفساء لم يكن وجه للجواب بجواز السعي على النفساء عند السؤال عن جوازه للحائض فان اسماء انما كانت نفساء لا حائضا. (ثانيهما) صحيحة عيص بن القاسم قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المستحاضة تحرم فذكر اسماء بنت عميس فقال ان اسماء بنت عميس ولدت محمد ابتها بالبيداء وكان في ولادتها بركة للنساء لمن ولدت منهن ان طمثت فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله فاستثغرت وتمنطقت بمنطق واحرمت (3). فلو لم يكن حكم المستحاضة والحائض هو حكم النفساء بعينه لم يكن لبيان حكم النفساء عند السؤال عن حكم المستحاضة ولا لكون ولادة اسماء التي هي النفساء بركة على من طمثت اي حاضت من النساء وجه صحيح. واما إذا لم ينقطع دمهما فقد ورد في رواية أبي حمزة المروية بطريق الكليني في الكافي: وكذلك الحائض إذا اصابها الحيض تفعل ذلك (4)


(1) الوسائل: ج 2 باب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 5. (2) الوسائل: ج 9 باب 89 من أبواب الطواف الحديث 3. (3) الوسائل: ج 9 باب 49 من أبواب الاحرام الحديث 2. (4) الوسائل: ج 1 باب 15 من أبواب الجنابة الحديث 3 و 6.

[ 417 ]

بعد الحكم بان من نام في المسجدين واحتلم يتيمم لخروجه. إلا انها مرفوعة حيث رفعها محمد بن يحيى إلى أبي حمزة واما روايته الصحيحة التي رواها الشيخ (قدس سره) فهي غير متشملة على جملة وكذلك الحائض إذا اصابها الحيض على ما قدمنا نقلها في اول المسألة فليراجع ومن هنا لا يمكن الاعتماد عليها في المقام وبما ان عمل الاصحاب لم يجر على الحاق الحائض بالجنب في ذلك فلا مجال لدعوى انجبار ضعفها بعملهم والتيمم وان كان رافعا للحدث عند الاضطرار إلا ان المورد مما لا يرتفع فيه الحدث بالاغتسال فضلا عن التيمم وذلك لان المفروض جريان دمها وعدم انقطاعه ومعه لا فائدة في الغسل فضلا عن التيمم فللازم حينئذ وجوب الخروج عليهما في الفور ولا مرخص لابطائهما بقدر التيمم في المسجدين هذا. وذهب بعضهم إلى استحباب التيمم عليهما بقاعدة التسامح في ادلة السنن فحكموا باستحبابه في حقها ولا يخفى فساده فان قاعده التسامح مما لم يثبت بدليل صحيح مضافا إلى إنا لو قلنا به فالمورد غير قابل له فان المكث للمحدث في المسجدين محرم في نفسه ولو بمقدار زمان التيمم فلو ورد في مثله رواية ضغيفة باستحبابه ساعة معينة - مثلا - لم يمكننا رفع اليد عن دليل الحرمة بتلك الرواية الضعيفة إذ لا يمكن الخروج عن الحكم الالزامي الا بدليل معتبر فلو ورد في رواية ضعيفة ان شرب الخمر في وقت كذا محلل سائغ - مثلا - لم يسعنا تصديقها والحكم باستحباب شربها تسامها في ادلة السنن فالصحيح انهما لابد ان يخرجا من المسجد من غير تيمم.

[ 418 ]

[ (مسألة 2): لا فرق في حرمة دخول الجنب في المساجد (1) بين المعمور منها والخراب وان لم يصل فيه احد ولم تبق آثار مسجدية نعم في مساجد الاراضي المفتوحة عنوة إذا ذهبت اثار المسجدية بالمرة يمكن القول بخروجها عنها لانها تابعة لآثارها (2) وبنائها. ] التسوية في المساجد بين المعمور فيها والخراب (1) لان الحكم انما يترتب على عنوان المسجد ولم يترتب على عنوان المعمور أو غيره فالعمارة وغيرها مما لا مدخلية له في الحكم بحرمة الدخول نعم ذكرنا في احكام تنجيس المساجد ان عنوان المسجد إذ زال وتبدل عنوانا آخر بحيث لم يصدق ان المكان مسجد بالفعل لانه بالفعل جادة أو نهر أو بحر أو حانوت - مثلا - وانما يقال انه كان مسجدا سابقا لم يترتب عليه شئ من احكام المساجد لعدم بقاء موضوعه وعنوانه والاحكام انما تترتب على عنوان المسجد وهو غير متحقق على الفرض فترتفع احكامه أيضا لانها تابعة لتحقق موضوعاتها. حكم المساجد في الاراضي المفتوحة عنوة (2) ما افاده (قدس سره) انما يتم في الاملاك الشحصية في الاراضي

[ 419 ]

[ (مسألة 3): إذا عين الشخص في بيته مكانا للصلاة وجعله مصلى له لا يجري عليه حكم المسجد (1). (مسألة 4): كل ما شك في كونه جزءا من المسجد من صحنه والحجرات التي فيه ومنارته وحيطانه ونحو ذلك لا يجري عليه الحكم وان كان الاحوط (2) الاجراء الا إذا علم خروجه منه. (مسألة 5): الجنب إذا قرأ دعاء كميل الاولى والاحوط ] المفتوحة عنوة لان الحكم بالملكية فيها انها هو يتبع آثارها فان نفس الارض ملك للمسلمين فإذا زالت الآثار والبناء ارتفعت الملكية لا محالة ولا يتم في المساجد بوجه لان وقف المسجد تحرير الارض واخراج لها عن علاقة المالكية كتحرير العبد وازالة العلقة الملكية عنه فإذا فرضنا ان وقف المسجد صحيح في نفسه في الاراضي المفتوحة عنوة بان كان فيها آثارها ووقفها باثآرها مسجدا فلا نعود الارض الحرة رقا ومملوكا للمسلمين أو لعيرهم وان زالت عنها آثارها. (1) لما مر من ان الاحكام مترتبة على عنوان المسجد ولم تترتب على عنوان المصلي. (2) وذلك للبرائة أو لاستصحاب عدم صيرورته مسجدا لانه كان في زمان ولم يكن مسجدا والاصل بقائه على حالته السابقة اللهم إلا ان تكون هناك امارة على المسجدية كمعاملة المسلمين معه معاملة المساجد فانها تكفي في الحكم بالمسجدية ومعها تترتب عليه احكامها.

[ 420 ]

[ ان لا يقرأ منه: (افمن كان (1) مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) لانه جزء من سورة حم السجدة وكذا الحائض والاقوى جوازه لما مر من ان المحرم قراءة آيات السجدة لا بقية السورة. (مسألة 6): الاحوط عدم ادخال الجنب في المسجد وان كان صبيا (2) أو مجنونا أو جاهلا بجنابة نفسه. ] (1) لما مر منه (قدس سره) ان الاقوى اختصاص حرمة قرائة الجنب بآية السجدة وفي غيرها من بقية الآيات الاحوط ترك قرائتها كما افاده. ادخال الجنب غير المكلف في المسجد (2) إذا فرضنا حرمة العمل على جميع افراد المكلفين وكان الفاعل بالمباشرة أيضا محرما في حقه فنستفيد من اطلاق تحريمه بالارتكاز ان الحرمة غير مختصة باصداره بالمباشرة بل المبغوض مطلق الانتساب تسبيبيا كان ام مباشريا فلو قال لا يدخل علي احد فيستفاد من اطلاقه بالارتكاز ان انتساب الدخول إلى احد مبغوض عنده بلا فرق بين انتسابه إليه بالمباشرة وانتسابه بالتسبيب. واما إذا فرضنا ان العامل بالمباشر لا حرمة في حقه لجهله أو لعدم بلوغه أو لجنونه فان استفدنا من الخارج ان العمل المحرم مما اهتم به

[ 421 ]

[ (مسألة 7): لا يجوز ان يستأجر الجنب لكنس المسجد (1) في حال جنابته بل الاجارة فاسدة ولا يستحق اجرة. نعم لو استأجره مطلقا لكنه كنس في حال جنابته وكان ] الشارع ولا يرضى بتحققه في الخارج على اية كيفية كان كما في مثل القتل واللواط والزنا وشرب الخمر ونحوها فلا يفرق أيضا في حرمته بين ايجاده المباشري والتسبيبي بل قد يجب الردع عنه كما في الامثلة المذكورة بل قد ثبت التعزير في بعض الموارد واما إذا لم يكن العمل صادر من المباشر على الوجه المبغوض والحرام لصغره أو لجنونه أو لجهله ولم يكن العمل مما اهتم الشارع بعدم تحققه في الخارج فلا دليل في مثله على حرمة التسبيب لانه من التسبيب إلى المباح ولو بحسب الظاهر وليس من التسبيب إلى الحرام وهذا كما في شرب الماء النجس فانه لا مانع من تسبيب البالغ إلى شربه ممن لا يحرم في حقه كما في المجنون والصغير ونحوه والامر في المقام أيضا كذلك بالاضافة إلى الصبي والمجنون والجاهل لان الدخول يصدر منهم على وجه حلال وليس حرمته مما اهتم به الشارع فلا دليل على حرمة التسبيب في مثله. صور استيجار الجنب لكنس المسجد (1) صور المسألة ثلاث: (الاولى): ما إذا وقعت الاجارة على امر مباح في نفسه ولكن مقدمته كانت محرمة كما إذا استاجر الجنب لكنس المسجد حال جنابته

[ 422 ]

فان الكنس مباح في نفسه إلا ان مقدمته وهي دخوله المسجد محرمة ولا يحصل إلا به. (الثانية): ما إذا وقعت الاجارة على امر جامع بين الفرد المتوقف على مقدمة محرمة وفرد آخر غير متوقف على مقدمة محرمة كما إذا استأجر للجنب لكنس المسجد ساعة من غير تقييده بحالة الجنابة ومن الظاهر ان لكنسه فردان فان كنسه في حالة الجنابة لا محالة يتوقف على المقدمة المحرمة وان كنسه في غير حالة الجنابة لا يتوقف على الحرام. (الثالثة): ما إذا وقعت الاجارة على امر محرم في نفسه كما إذا استأجر الجنب للمكث في المسجد جنبا. الاولى من صور المسألة اما الصورة الاولى فان كان الاجير جاهلا بجنابته وحرمة دخوله المسجد فلا اشكال في حصة اجارته لانها وقعت على امر مباح في نفسه كما ان مقدمته مباحة ظاهرا لجهل الاجير بجنابته فتصح اجارته ويستحق بذلك الاجرة واما إذا كان عالما بجنابته وحرمة دخوله المسجد فلا ينبغي الاشكال في بطلان الاجارة لانها وان وقعت على امر مباح إلا انه غير متمكن من تسليمه للمستأجر لتوقفه على امر محرم شرعا ولا يجتمع النهي عنه مع الامر باتيانه من جهة الاجارة فتفسد. وذكر الماتن ان الاجير في هذه الصورة لا يستحق اجرة. والظاهر انه اراد بها الاجرة المسماة لان الاجارة إذا بطلت لم يستحق الاجير اجرة المسمى قطعا لفساد الاجارة واما اجرة المثل فلا حيث ان العمل صدر بامر من المستأجر فيضمن اجرة مثله كما هو الحال في بقية موارد

[ 423 ]

الاجارة الفاسدة. الثانية من الصور: واما الصورة الثانية فقد فصل فيها الماتن بين ما إذا كنس المسجد في حال جنابته وكان جاهلا بانه جنب أو ناسيا فيستحق الاجرة لعين ما مر في الصورة الاولى عن جهل الاجير بجنابته وبين ما إذا كنسه في حال الجنابة مع العلم بجنابته فحكم بعدم استحقاقه الاجرة لانها اجرة على العمل المحرم لحرمة مقدمته ولا يجوز اخذ الاجرة على العمل المحرم. ولا يمكن المساعدة عليه لان الاجير استحق الاجرة بمجرد عقد الاجارة حيث وقعت على امر جامع بين الفرد المحلل وغيره ولا اشكال في صحة الاجارة عليه لان الكنس بما هو امر حلال والاجرة انما وقعت بازاء الحلال دون الحرام فلا فرق في صحة الاچارة حينئذ بين صورتي العلم بالجنابة والجهل بها وبها يستحق الاجرة وعمله الخارجي اجنبي عن الاجارة كما هو ظاهر. الثالثة من الصور: اما الصورة الثالثة اعني ما إذا وقعت الاجارة على امر محرم في نفسه كما إذا استأجر الجنب للمكث في المسجد أو لوضع شئ فيه لما قدمناه من انه حرام في نفسه أو استأجره للطواف أو لغير ذلك من المحرمات فهل يحكم ببطلان الاجارة حينئذ مطلقا أو يحكم بصحتها كذلك أو يفصل بين صورتي الجهل والعلم؟

[ 424 ]

ذهب الماتن إلى بطلان الاجارة مطلقا وحكم بعدم استحقاق الاجير الاجرة لانها من الاجرة على الحرام هذا. ولكن الصحيح ان يفصل بين صورتي العلم بالجنابة والجهل بها وذلك لان المحرم قد يلغى الشارع ماليته كما في التغني ونحوه من الافعال المحرمة لما ورد من ان اجرة المغنية سحت (1). ففي مثل تلك المحرمات تقع الاجارة باطلة بلا فرق بين صورتي العلم والجهل بها وذلك لعدم ماليتها وملكيتها ويستكشف ذلك من ملاحظة ما إذا اضطر أو اكره احد على التغني ساعة - مثلا - لانه مع عدم حرمته حينئذ في حقه لا يستحق اخذه الاجرة على عمله وليس هذا إلا من جهة ان العمل مما لا مالية له فاخذه الاجرة على مثله امر غير جائز لا محالة. ولا ينتقض علينا بافتضاض البكر بالاصابع أو بالادخال وبالدخول على الثيب اكراها فانهما يوجبان ثبوت مهر المثل على المشهور وان خالف الشيخ في ذلك لانا لو قلنا بثبوت مهر المثل بذلك - مع الغض من دليله لانه قابل للمناقشة - فهو امر آخر ليس باجرة للعمل بوجه وكم فرق بين اجرة المثل لوطى امرأه والاستفادة منها ساعة وبين مهر مثلها لانه مهر مثل الزوجة الدائمية وانما ثبت بالدليل وهذا لا يدل على عدم الغاء الشارع مالية العمل. واخرى لا يلغي الشارع مالية المحرم وانما يمنع عن ارتكابه وفي مثله لا مانع من صحة الاجارة إذا امكنه تسليم العمل إلى المستأجر وذلك لان الحرمة بما هي هي اعني الامر الاعتباري غير مناف للملكية بوجه


(1) الوسائل: ج 12 باب 99 من أبواب ما يكتسب به الحديث 17 ويدل على ذلك أيضا اكثر الروايات المذكورة في باب 15.

[ 425 ]

فإذا اكره احد على فعله كما إذا اكره الجنب على قراءة سور العزائم مدة معينة فلا مانع من ان ياخذ عليها الاجرة مع تمكنه من تسليم العمل إلى المستأجر وبما ان المكلف متمكن من تسليم العمل لجهله بجنابته وذكرنا ان الحرمة بما هي غير منافية لاخذ الاجرة فلا مانع من الحكم بصحة الاجارة واستحقاق الاجرة المسماة حينئذ. نعم المستأجر العالم بجنابة الاجير لا يمكنه ان يستأجره وان كان الاجير جاهلا بجنابته وذلك لما مر من ان الحرمة المطلقة تقتضي باطلاقها عدم الفرق بين اصدار العلم بالمباشرة وبين اصداره بالتسبيب لحرمته على الجميع إلا انه حرمة ذلك غير مستلزمة لبطلان الاجارة وعدم استحقاق الاجير الجاهل بجنابته الاجرة المسماة. وهذا بخلاف العالم بجنابته فان حرمة العمل وان كانت بما هي غير منافية للملكية ولكن بما انها مانعة عن تسليم العمل إلى المستأجر وموجبة لسلب القدرة عليه تقتضي بطلان الاجارة وعدم استحقاق الاجرة على عمله لعدم امكان الجمع بين الامر بالوفاء بالاجارة وتسليم العمل إلى المستأجر وبين النهي عن تسليمه لحرمته وهذا هو الوجه في بطلان الاجارة في المحرمات دون قوله صلى الله عليه وآله ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه لعدم ثبوته (1) ولا رواية تحف العقول (2) لضعفها.


(1) نعم ذكر الشيخ في الخلاف ج 2 مسألة 31 من كتاب البيوع هذا نصه: روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال ان الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه. (2) الوسائل: ج 12 باب 2 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

[ 426 ]

[ عالما فانه لا يستحق لكونه حراما ولا يجوز اخذ الاجرة على العمل المحرم وكذا الكلام في الحائض والنفساء ولو كان الاجير جاهلا أو كلاهما جاهلين في الصورة الاولى ايضا يستحق الاجرة لان متعلق الاجارة وهو الكنس لا يكون حراما وانما الحرام الدخول والمكث فلا يكون من باب اخذ الاجرة على المحرم نعم لو استأجره على الدخول أو المكث كانت الاجارة فاسدة ولا يستحق الاجرة ولو كانا جاهلين لانهما محرمان ولا يستحق الاجرة على الحرام ومن ذلك ظهر انه لو استأجر الجنب أو الحائض أو النفساء للطواف المستحب كانت الاجارة فاسدة ولو مع الجهل وكذا لو استأجره لقراءة العزائم فان المتعلق فيهما هو نفس الفعل المحرم بخلاف الاجارة للكنس فانه ليس حراما وانما المحرم شئ آخر وهو الدخول والمكث فليس نفس المتعلق حراما. (مسألة 8): إذا كان جنبا وكان الماء في المسجد يجب عليه ان يتيمم ويدخل المسجد لاخذ الماء (1) أو الاغتسال ] حكم دخول لجنب المسجد لاخذ الماء (1) هذا كانه للغفلة عما بنى (قدس سره) عليه في المسائل المتقدمة من جواز دخول الجنب للمسجد لاخذ شئ فانه يجوز حينئذ ان يدخل

[ 427 ]

[ فيه ولا يبطل تيممه لوجد ان هذا الماء الا بعد الخروج أو بعد الاغتسال ولكن لا يباح بهذا التيمم الا دخول المسجد واللبث فيه بمقدار الحاجة فلا يجوز له مس كتابة القرآن ولا قراءة العزائم الا إذا كانا واجبين فورا. ] الجنب المسجد لاخذ الماء من غير ان يمكث فيه. نعم ناقشنا في ذلك سابقا وقلنا ان حكمه بجواز دخول الجنب في المسجد للاخذ لا يلائم حكمه بحرمة الوضع في المسجد ولو من غير دخول لانهما اما ان يلاحظان بانفسهما فيحكم بجواز الاول وحرمة الثاني في نفسهما وحينئذ يتم حكمه بحرمة الوضع ولو من غير دخول ولا يتم حكمه بجواز دخول المسجد للاخذ فان جواز الاخذ في نفسه لا يلازم جواز الدخول في المسجد واما ان يلاحظان باعتبار مقدمتها اعني الدخول فيجوز الاول ويحرم الثاني وحينئذ يتم حكمه بجواز الدخول فيه من جهة الاخذ ولا يتم حكمه بحرمة الوضع في نفسه إلا انه امر آخر. هذا إذا كان التيمم لدخول المسجد واخذ الماء فقط واما إذا اراد ان يمكث فيه للاغتسال أو اردا الاخذ من المسجدين وقلنا بحرمته فيهما فهل يجب التيمم حينئذ مقدمة لجواز الدخول في المسجد لاخذ الماء أو لا يجب؟ ذكر الماتن (قدس سره) انه يجب ان يتيمم حينئذ ولا يباح به إلا دخول المسجد واللبث فيه بمقدار الحاجة ولا يبطل تيممه إلا بعد الاغتسال في المسجد أو بعد الخروج منه للاعتسال في خارجه. والوجه فيما افاده ان التيمم حينئذ انما هو للاضطرار إلى الدخول في المسجد

[ 428 ]

والضرورات تتقدر بقدرها فلا يترتب على تيممه هذا غير اباحة الدخول واما سائر الغايات فحيث لا اضطرار له إليها لا يترتب على تيممه. ولا يمكن المساعدة على ما افاده بوجه وذلك لان التيمم اما ان تكون غايته الصلاة مع الطهارة المائية اي الغسل بمعنى انه مأمور بالاغتسال من جهة الامر بالصلاة ولا يتحقق الغسل إلا بالتيمم وجواز الدخول في المسجد فالتيمم حينئذ مقدمة لمقدمة الواجب وانما وجب لوجوب الصلاة مع الغسل. فهذا امر مستحيل لان الغسل والصلاة مع الطهارة المائية واجب مشروظ بالتمكن من الماء ومع حرمة الدخول في المسجد لا قدرة له على الماء فان الممنوع شرعا كالممتنع عقلا ولان النهي عن الدخول فيه معجز مولوى عن استعماله الماء وعليه يتوقف وجوب الغسل اي وجوب الصلاة مع الطهارة المائية على جواز دخوله المسجد فلو توقف جواز دخوله المسجد على وجوب الصلاة مع الغسل لدار فلا يمكن ان يسوغ التيمم بغاية وجوب الغسل ووجوب الصلاة مع الطهارة المائية. واما ان تكون غايته نفس الكون في المسجد هو أيضا غير صحيح لعدم كونه غاية مشرعة للتيمم وإلا لم يجب عليه المبادرة إلى الخروج اي لم يحرم عليه المكث زائدا على مقدار الحاجة في المسجد كما التزم به (قدس سره) فانه محكوم بالطهارة وله ان يبقى في المسجد ما شاء ولجاز ان يبادر إلى الدخول في المسجد مع التيمم في اول الوقف مع القطع بانه بعد ساعة متمكن من الاغتسال إذا المفروض ان التيمم لغاية الكون في المسجد موجب للطهارة وهذا مما لا يمكن الالتزام به وعليه فالصحيح انه فاقذ للماء ووظيفته ان يتيمم لصلاته.

[ 429 ]

فرعان: الجنب المتيمم لكون الماء في المسجد ليس له ان يدخل المسجد (الاول): ما إذا تيمم للصلاة خارج المسجد من جهة كون الماء في المسجد وحكم بطهارته فهل يجوز ان يدخل المسجد حينئذ لانه متطهر أو لا يجوز؟ الصحيح انه لا يترتب على تيممه للصلاة جواز دخوله المسجد وذلك لانه يلزم من جواز دخوله المسجد عدمه وما استلزم وجوده عدمه فهو مستحيل. وتقريب ذلك ان المكلف إذا تيمم بغاية الصلاة حكم عليه بالطهارة شرعا لانه كان فاقدا وجاز التيمم في حقه فإذا تيمم لاجلها صار محكوما بالطهارة والمتطهر يجوز له جميع الغايات المتوقفة على الطهارة التي منها دخوله المسجد فبمجرد تيممه جاز له الدخول في المسجد فإذا جاز له الدخول تمكن من استعمال الماء وإذا تمكن منه انتقض تيممه لا محالة وإذا انتقض تيممه لم يجز له الدخول في المسجد فيلزم من القول بجواز دخوله المسجد عدم جواز دخوله وهو مستحيل ولذا قلنا ان تيممه لا يترتب عليه جواز الدخول في المسجد. ويدل على ما ذكرناه قوله تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا (1) حيث جعل الغاية الاغتسال ولم يقل حتي تيمموا لانه باطلاقه يدل على ان وظيفته الغسل تيمم ام لم يتيمم وعلى الجملة لا يجوز الدخول في المسجد بالتيمم إلا ان يضطر إليه اضطرارا شرعيا كتوقف


(1) النساء: 43.

[ 430 ]

انقاذ نفس محترمة على الدخول ونحوه. الجنب التيمم لبعض المسوغات ليس له ان يدخل المسجد (الثاني): ما إذا كان جنبا ووجب عليه التيمم لا لاجل كون الماء في المسجد بل لاجل مرض له أو قرحة وجراحة ويتيمم لاجل الصلاة فهل يجوز ان يدخل المسجد حينئذ أو لا يجوز؟ ظاهر كلماتهم جواز ذلك بل لم نر ولم نسمع خلافا في ذلك ولكن للمناقشة فيما تسالموا عليه مجال واسع وذلك لان الحكم قد يترتب على عنوان الحدث وعدم الطهارة كما في حرمة مس كتابة القرآن حيث انها مترتبة على عنوان الحدث وعدم الطهارة على ما ورد في بعض الاخبار من استشهاده عليه السلام على عدم جواز مس المحدث الكتاب بقوله تعالى ولا يمسه إلا المطهرون (1) فجواز المس مترتب على الطهارة وعدم الحدث وكوجوب الصلاة فانه متوقف على الطهارة لما ورد من انه لا صلاة إلا بطهور (2). ففي امثال ذلك إذا لم يتمكن المكلف من الوضوء أو الغسل وتيمم به بدلا عن الطهارة المائية فلا محالة يرتفع عنه الاحكام المترتبة على الحدث وعدم الطهارة لان التيمم يرفع الحدث ويوجب الطهارة حقيقة غاية الامر ما دام معذورا عن الماء والقول بالاباحة كلام محض بل لعله


(1) كما في موثقة ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن عليه السلام الوسائل ج 1 باب 12 من أبواب الوضوء الحديث 3. (2) الوسائل: ج 1 باب من أبواب الوضوء الحديث 1 وغيرها من الموارد.

[ 431 ]

لا قائل بها واقعا وذلك لعدم امكان الالتزام بان المتيمم محدث ويجوز له الصلاة وغيرها تحصيصا في ادلة اشتراط الطهارة في الصلاة. وقد يكون الحكم مترتبا على عنوان الجنابة لا على عنوان الحدث وهذا كما في المقام لان دخول المسجد محرم على الجنب لا على المحدث بحدث الجنابة وقد قال الله سبحانه ولا جنبا إلا عابرى سبيل ولم يقل ولا محدثا وفي مثل ذلك لا يرتفع الاحكام المترتبة على عنوان الجنابة بالتيمم لانه انما يرفع الحدث ويوجب الطهارة لا انه يرفع الجنابة حيث لم يرد في شئ من الاخبار والآيات ما يدلنا على ارتفاع الجنابة بالتيمم بل هو جنب متطهر وجنب غير محدث لا انه ليس بجنب لقصور المقتضي اي عدم الدليل ولوجود المانع وهو لزوم ان يكون وجدان الماء سببا للجنابة حيث انها ارتفعت بالتيمم وبما ان التيمم ينتقض بوجدان الماء فتعود عليه الجنابة بالوجدان مع ان سببها امران الجماع والانزال وليس وجدان الماء من اسبابها وعليه: فلا يجوز للمتيمم بدلا عن الجنابة ان يدخل المسجد لانه جنب ولم ترتفع جنابته بتيممه. ويدل على ما ذكرناه قوله تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا (1) حيث جعل غاية حرمة القرب من المسجد للجنب الاغتسال فلو كان له غاية اخرى وهو التيمم لذكره ولما حصرها في الاغتسال مع انه قال حتى تغتسلوا ولم يقل تغتسلوا أو تيمموا فيدل باطلاقه على ان وظيفته الغسل سواء تيمم ام لم يتيمم. ونظير المقام ما إذا يمم الميت لعدم الماء أو لجراحة في الميت ولم يغسل فان مسه موجب الغسل المس لان وجوب الغسل عن المس انما يترتب على عنوان الميت الذي برد ولم يغسل ولم يترتب على عنوان


(1) النساء: 43.

[ 432 ]

[ (مسألة 9): إذا علم اجمالا جنابة احد الشخصين لا يجوز له (1) استيجارهما ولا استيجار احدهما لقراءة العزائم أو دخول المساجد أو نحو ذلك مما يحرم على الجنب. ] الميت المحدث بحدث الموت والتيمم انما يرفع الحدث ولا يرفع الموضوع بان يجعل الميت مغسلا فلو مسه احد بعد تيممه لوجب عليه غسل المس أيضا وتظهر ثمرة ما ذكرناه في غير هذين الموردين أيضا كما في البقاء على الجنابة في شهر رمضان فان الحكم فيه أيضا مترتب على الجنابة لا على الحدث. استيجار من علم جنابته اجمالا لما يحرم على الجنب (1) قد يعلم الثالث بجنابة احد شخصين من غير تعيين من دون ان يعلم احد منهما بجنابة نفسه وقد يعلم الثالث بجنابة احدهما مع علم احدهما بجنابة نفسه. اما في الصورة الاولى فلا مانع من صحة اجارة احدهما أو كلاهما لما مر من ان الاجارة انما وقعت على امر مباح في نفسه وهو الكنس مثلا فلا مانع من صحة الاجارة سوى عدم تمكنه من تسليم العمل للمستأجر لحرمة مقدمته اعني الدخول في المسجد فإذا فرضنا جهله فلا محالة يجوز له الدخول ويتمكن من تسليم العمل لمالكه. هذا كله بالاضافة إلى حرمة اجارتهما أو جوازهما وضعا اما من حيث جوازها وحرمتها التكليفيين فالامر كما افاده الماتن (قدس سره)

[ 433 ]

[ (مسألة 10): مع الشك في الجنابة لا يحرم شئ (1) من المحرمات المذكورة الا إذا كانت حالته السابقة هي الجنابة. ] من حرمتها مطلقا وذلك لما مر من ان مقتضى اطلاق دليل الحرمة عدم جواز ايجاد المحرم بالمباشرة أو بالتسبيب فان المبغوض الواقعي لا يجوز ا يجاده في الخارج مطلقا بلا فرق في ذلك بين التسبيب والمباشرة فإذا استأجرهما معا فقد قطع بالمخالفة لانه اوجد دخول الجنب في المسجد بالتسبيب وإذا استأجر احدهما فهو مخالفة احتمالية لاحتمال ان يكون هو الجنب واستيجاره تسبيب لدخول الجنب في المسجد فما ذكره شيخنا الاستاذ (قدس سره) في تعليقته من ان الظاهر جواز استيجارهما معا فضلا عن احدهما. مما لا يمكن المساعدة عليه بل الصحيح هو ما افاده في المتن من حرمة الاجارة احدهما فضلا عن كليهما للثالث العالم بجنابة احدهما. واما في الصورة الثانية فلا اشكال في عدم جواز استيجار احدهما فضلا عن كليهما ولا في بطلان الاجارة لعدم قدرة احدهما على الدخول في المسجد لحرمته لفرض ان احدهما عالم بجنابة نفسه فيعلم الثالث اجمالا ان اجارة احدهما باطلة وان دخوله المسجد حرام. صور الشك في الجنابة (1) صور المسألة ثلاث لانه قد يعلم بعدم جنابته سابقا وقد يعلم بجنابته السابقة وثالثة لا يعلم حالته السابقة لتوارد الحالتين عليه. إذا علم بحالته السابقة وعدم جنابته فلا اشكال في المسأله لجريان استصحابها وبه يحرز جنابته أو طهارته.

[ 434 ]

[ فصل فيما يكره على الجنب وهي امور: (الاول): الاكل والشرب ويرتفع كراهتهما بالوضوء أو غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق أو غسل اليدين فقط (الثاني): قراءة ما زاد على سبع آيات من القرآن ما عدا العزائم وقراءة ما زاد على السبعين اشد كراهة (الثالث): مس ما عدا خط المصحف من الجلد والاوراق والحواشي وما بين السطور (الرابع): النوم الا ان يتوضأ أو يتيمم - ان لم يكن له الماء - بدلا عن الغسل (الخامس): الخضاب رجلا كان أو امرأة وكذا يكره للمختضب قبل ان يأخذ اللون اجناب نفسه. (السادس): التدهين (السابع): الجماع إذا كان جنابته بالاحتلام (الثامن): حمل المصحف (التاسع): تعليق المصحف. ] واما إذا لم يعلم الحالة السابقة فلا يجري فيها شئ من استصحابي الطهارة والحدث في نفسهما أو بجريان ويتساقطان بالمعارضة ومعه لابد من الرجوع إلى ما هو الاصل في المسألة وهو في مقامنا هذا البرائة عن حرمة دخول المسجد أو غيره مما يحرم على الجنب.

[ 435 ]

[ (فصل) غسل الجنابة مستحب نفسي وواجب غيري (1) للغايات الواجبة ومستحب غيري للغايات المستحبة ] (فصل) غسل الجنابة ليس بواجب نفسي (1) لا اشكال ولا كلام في محبوبية غسل الجنابة شرعا لقوله تعالى ان الله يجب التوابين ويجب المتطهرين (1) فان الغسل من الجنابة طهارة والمغتسل منها متطهر وانما الخلاف في ان محبوبيته نفسية أو غيرية؟ المعروف المشهور بينهم انه واجب غيري وخالف في ذلك من القدماء ابن حمزة ومن المتوسطين العلامة ومن المتأخرين الاردبيلي وصاحبا المدارك والذخيرة ولا تكاد تظهر ثمرة عملية لهذا النزاع بعد العلم باشتراط الصلاة والصوم على الطهارة وعدم الجنابة اعني توقفها على غسل الجنابة. إلا في موارد نادرة كمن اجنب قبل الوقت وعلم بانه يقتل بعد ساعة وقبل دخول الوقت فانه بناءا على انه واجب نفسي يجب الاتيان به بخلاف ما إذا كان واجبا شرطيا وهذا من الندرة بمكان.


(1) البقرة: 222.

[ 436 ]

نعم تظهر الثمرة - غير العملية - في استحقاق العقاب لانه إذا تركه وترك الصلاة مثلا فعلى القول بوجوبه النفسي يعاقب بعقابين بخلاف ما إذا قلنا بوجوبه الغيري فانه لا يعاقب حينئذ إلا عقابا واحدا لتركه الصلاة فحسب فالمسألة عادمة الثمرة عملا. وكيف كان استدل للقول بوجوبه النفسي بوجوه: منها قوله سبحانه وان كنتم جنبا فاطهروا (1) بدعوى ان ظاهر الامر بالاغتسال واطلاقه انه واجب نفسي ويدفعه ان صدر الآية المباركة وذيلها اقوى قرينة على ان المراد به هو الوجوب الغيري اعني كونه ارشادا إلى شرطية الطهارة من الحدث في الصلاة اما صدرها فلقوله تعالى فإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم. لانه قرينة ظاهرة على ان الامر بكل من الغسل والوضوء غيري وارشاد إلى الشرطية واما ذيلها فلقوله تعالى وان جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا حيث اقيم التيمم بدلا عن الغسل فلو كان الغسل واجبا نفسيا فلابد من الالتزام بان التيمم أيضا واجب نفسي وهو مما لا يلتزمون به فالآية لا دلالة لها على المدعى. واما الاخبار فاظهر ما استدل به على هذا المدعي من الاخبار ما ورد في ان الدين الذي لا يقبل الله تعالى من العباد غيره ولا يعذرهم على جهله شهادة ان الا اله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والغسل من الجنابة (2).


(1) المائدة: الآية 60. (2) الوسائل: ج 1 باب 1 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 38. رواها البرقي في المحاسن. هكذا: انه سئل عن الدين الذي لا يقبل الله من العباد غيره =

[ 437 ]

وربما يقال ان دلالتها على المدعي ظاهرة حيث عد غسل الجنابة من دعائم الذين ويبعد جدا ان يراد به الوجوب الغيري لمكان انه مقدمة للصلاة إذ للصلاة شرائط ومقدمات اخر لا وجه لتخصيصه بالذكر حينئذ من بينها وهذه الرواية وان كانت معتبرة بحسب السند لوجود الحسين بن سيف في اساتيد كامل الزيارات ولكنه يمكن المناقشة في دلالتها بانا لا نحتمل ان يكون غسل الجنابة من الاركان دون الجهاد والزكاة وامثالها مع انها عدته من الاركان وتركت امثال الجهاد والامر بالمعروف وغيرهما مما هو اعظم من غسل الجنابة بمرات كثيرة وليس هو بتلك المثابة من الاهمية قطعا. واما الاستدلال بغيرها من الاخبار فيدفعه انها مما لا دلالة له على المدعى كالاستدلال بما ورد من قولهم إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل (1). وقولهم اتوجبون عليه الحد والمهر ولا توجبون عليه صاعا من ماء: (2). وذلك لانها انما هي بصدد بيان ما هو الحد لموضوع تلك الاحكام وان حده هو الالتقاء وليست في مقام بيان انها واجبة نفسية أو غيرية بل يحد الموضوع لتلك الاحكام الاعم من النفسية والغيرية وتدل على ان حد وجوب الغسل على ما هو عليه من النفسية أو الغيرية هو الالتقاء


(1) = ولا يعذرهم على جهله فقال: شهادة ان لا اله الا الله. وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والصلاة والخمس وصيام شهر رمضان والغسل من الجنابة وحج البيت والاقرار بما جاء من عند الله جملة والايتمام بائمة الحق من آل محمد الحديث (2) الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة الحديث 2 و 5. (3) الوسائل: ج 1 باب 6 من أبواب الجنابة الحديث 5.

[ 438 ]

ولا دلالة لها على وجوبها النفسي ابدا. وعلى الجملة: انها انما سيقت لبيان ان الموضوع لتلك الاحكام اي شئ من غير ان يكون لها نظر إلى ان الوجوب المرتب عليه نفسي أو غيري بل لا نظر لها إلى الحكم اصلا وانما تدل على ان ما هو الموضوع لتلك الاحكام المستفادة من ادلتها - لا من تلك الروايات - اي شئ. على انا لو سلمنا ظهورها في ان غسل الجنابة واجب نفسي فحالها حال بقية الاوامر الواردة في غسل الثياب عن الابوال أو غيرها من النجاسات حيث ورد اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه (1) والاوامر الواردة في غسل الحيض والاستحاضة والنفاس وانها إذا طهرت فلتغسل والاوامر الواردة في الوضوء والتيمم فانها في حد انفسها ظاهرة في الوجوب النفسي ولكن العلم القطعي الخارجي بل الضرورة القائمة على ان الصلاة مشروطة بالطهارة من الحدث والخبث يوجب انصرافها إلى الاوامر الغيرية الارشادية إلى شرطية الطهارة للصلاة فالحال في تلك الروايات أيضا كذلك فتكون منصرفة إلى الوجوب الغيري الارشادي دون الوجوب النفسي. وعمدة ما اعتمدوا عليه في هذا المدعى ان غسل الجنابة لو لم يكن واجبا نفسيا للزم جواز تفويت الواجب بالاختيار وذلك لان المكلف إذا اجنب في ليالي شهر رمضان فاما ان نقول ان غسل الجنابة قبل طلوع الفجر واجب نفسي في حقه واما ان نقول واجب غيري واما ان نقول بعدم وجوبه اصلا والاول هو المدعي واما على الاخرين فيلزم المحذور وذلك لان الواجب الغيري تستحيل ان يتصف بالوجوب قبل وجوب ذي المقدمة فان المعلول لا يتقدم على علته فلو كان الغسل مقدمة


(1) الوسائل: ج 2 باب 8 من أبواب النجاسات الحديث 2 و 3.

[ 439 ]

فهو غير واجب قبل الفجر فإذا جاز ترك الغسل قبل الفجر لم يجب عليه الصوم غدا لاشتراطه بالطهارة عند الصبح وقد فرضنا جواز تركها فجاز له تفويت الواجب بالاختيار ومعه لا مناص من الالتزام بوجوبه النفسي لئلا يرد هذا المحذور. والجواب عن ذلك اولا: ان ذلك غير مختص بغسل الجنابة بل الامر كذلك في كل مقدمة لا يمكن الاتيان بها بعد دخول وقت الواجب كغسل الحيض والنفاس والاستحاضة فيما إذا طهرت قبل طلوع الفجر فلازم ذلك الالتزام بالوجوب النفسي في الجميع. وثانيا: ان الحصر غير حاصر فان لنا ان نلتزم بوجوب الغسل للغير لا بوجوبه النفسي ولا الغيري وهذا لا بملاك مستقل غير ملاك الواجب ليرد محذور تعدد العقاب عند ترك الواجب لترك مقدمته بل بملاك نفس ذي المقدمة لا بوجوبه النفسي ولا الغيري وقد بينا في محله ان الواجب للغير غير الواجب الغيري فنلتزم بان غسل الجنابة وغيره من المقدمات غير المقدورة في ظرف الواجب واجب للغير فلا يتعين القول بالوجوب النفسي حينئذ للفرار عن المحذور. وثالثا: يمكننا القول بوجوبه الغيري لان الصوم انما وجب من اول الليل بل من اول الشهر لقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه (1) بناءا على ان المراد بالشهادة هو الرؤية فالوجوب قبل طلوع الفجر فعلي والواجب استقبالي وظرفه متأخر كما التزمنا بذلك في جميع الواجبات المتعلقة ومع فعلية الوجوب تجب المقدمة ولا يشترط في وجوبها فعلية ظرف الواجب أيضا. ورابعا: يمكننا انكار وجوب الغسل حنيئذ رأسا ولا نلتزم بوجوبه


(1) البقرة: 185.

[ 440 ]

ولو مقدمة لانا لا نلتزم بوجوب مقدمة الواجب عند فعلية وجوب ذي المقدمة شرعا فضلا عما إذا لم يجب وانما تجب المقدمة عقلا تحصيلا للغرض الملزم فان ترك المقدمة تفويت اختياري للواجب بلا فرق في ذلك قبل الوقت وبعده لان العقل هو الحاكم بالاستقلال في باب الاطاعة والعصيان وحيث ان الاتيان بالواجب موقوف باتيان مقدمته ولو قبل الوقت فالعقل مستقل بلزوم اتيانه كذلك لان تركه ترك للغرض الملزم بالاختيار. وما عن أبي الحسن من ان المقدمة أو لم تجب شرعا جاز تركها فلو جاز تركها جاز ترك الواجب وذي المقدمة مندفع بان عدم وجوب المقدمة شرعا غير ملازم لجواز تركها عند العقل لانه مستقل بلزوم اتيانها كما مر هذا. على ان لنا ان نقلب الدعوي بان نقول هب انا التزمنا بالوجوب النفسي في جميع تلك المقدمات التي لا يمكن الاتيان بها في وقت الواجب فهل تلتزمون بوجوبها الغيري ولو مندكا في وجوبها النفسي أو لا تلتزمون به وانما هو واجب نفسي فقط فان انكرتم وجوبها الغيري فيلزمكم القول بتعدد العقاب عند ترك الواجب لترك مقدمته ولا يمكن الالتزام به وان اعترفتم بوجوبها الغيري فتعود المناقشة السابقة وانه كيف وجبت المقدمة قبل وجوب ذيها فما هو الجواب عن المحذور حينئذ هو الجواب عن محذور وجوب غسل الجنابة قبل الفجر. فتحصل ان غسل الجنابة ليس بواجب نفسي ولا قائل به اخيرا كما لا دليل عليه وان كانت له رنة في تلك الازمنة من جهة عدم تصويرهم الواجب المعلق.

[ 441 ]

[ غيري للغايات المستحبة والقول بوجوبه النفسي ضعيف ولا يجب فيه قصد الوجوب والندب بل لو قصد الخلاف (1) لا يبطل إذا كان مع الجهل بل مع العلم إذا لم يكن بقصد التشريع وتحقق منه قصد القربة فلو كان قبل الوقت واعتقد دخوله فقصد الوجوب لا يكون باطلا وكذا العكس ومع الشك في دخوله يكفي الاتيان بقصد القربة للاستحباب النفسي أو بقصد احدى غاياته المندوبة أو بقصد ما في الواقع من الامر الوجوبي أو الندبي ] هل يعتبر قصد الوجوب أو الندب في صحه الغسل؟ (1) قدمنا ان غسل الجنابة ليس بواجب نفسي كما انه غير متصف بالوجوب الغيري على ما ذكرناه في محله من عدم وجوب مقدمة الواجب شرعا وعليه فهو مستحب نفسي فقط وغير متصف بالوجوب ابدا وبما انه امر عبادي كما هو المتسالم عليه بين المسلمين فضلا عن الامامية فلابد من ان يؤتى به بقصد القربة والامتثال وهذا يتحقق في الغسل بوجهين. (احدهما): ان يأتي به بداعي استحبابه النفسي بلا فرق في ذلك بين ما قبل الوقت وبعده. و (ثانيهما): ان يأتي به بداعي انه مقدمة للعبادة وواقع في

[ 442 ]

سلسلتها فانه أيضا نحو امتثال واضافة للمل إلى الله وهذا يختص بما بعد دخول الوقت. واما بناءا على ان مقدمة الواجب واجبة فلا محالة يتصف الغسل بالوجوب الغيري بعد دخول وقت العمل وبه يرتفع استحبابه لتنافي الوجوب مع الاستحباب وعليه فلابد في صحته إذا اتى به بعد دخول الوقت من ان يوتي به بداعي الوجوب الغيري ولا يكفي الاتيان به بداعي استحبابه النفسي حيث لا استحباب حينئذ نعم يكفي ذلك عند الاتيان به قبل دخول الوقت. فلو اتى به بقصد استحبابه النفسي بعد دخول الوقت أو بداعي وجوبه الغيري قبل الوقت فان كان ذلك مستندا إلى اعتقاده وحسبان ان الوقت غير داخل فقصد بوجوبه النفسي أو انه داخل فقصد وجوبه الغيري فلا اشكال في صحته لانه قد قصد امره الفعلي وغاية الامر انه اخطأ في تطبيقه على الاستحباب النفسي أو على وجوبه الغيري ومثله غير مضر في صحة العبادة بعد كون الطبيعة المستحبة نفسا أو الواجبة مقدمة طبيعة واحدة. واما إذا كان عالما بالحال فاتى به قبل الوقت بداعي وجوبه الغيري متعمدا أو بعد الوقت بداعي استحبابه النفسي متعمدا فهل يحكم بصحته أو انه فاسد فقد فصل فيه الماتن (قدس سره) بين ما إذا لم بكن بقصد التشريع وتحقق منه قصد التقرب وما إذا لم يكن كذلك والكلام في ذلك يقع من جهتين: (احداهما): انه مع العلم بعدم استحبابه النفسي لو اتى به بداعي استحبابه أو مع العلم بعدم وجوبه الغيري إذا اتى به بداعي وجوبه الغيري هل يعقل ان لا يكون تشريعا محرما أو انه قد يكون كذلك وقد

[ 443 ]

لا يكون؟ (ثانيتهما): ان حرمة التشريع توجب بطلان العمل أو لا توجبه؟ اما الجهة الاولى: فلا تتعقل انفكاك مثله عن التشريع لانه عبارة عن ادخال ما علم انه ليس من الدين أو لم يعلم انه من الدين في الدين ومع العلم بعدم استحباب شئ إذا اتى به بعنوان انه مستحب لا محالة كان من ادخال ما علم انه ليس من الدين في الدين واما الجهة الثانية: فقد يقال بان حرمة التشريع لا تستلزم بطلان العبادة مطلقا بل انما توجبه فيما إذا كان التشريع في مقام الامر والتكليف كما إذا علم بوجوب شئ فبنى على استحبابه واتى به بداعي انه مستحب فانه محكوم ببطلانه إذا لا يتمشى معه قصد القربة والامتثال واما التشريع في مقام الامنثال والتطبيق كما إذا سمع ان المولى امره بشئ ولم يعلم انه اوجبه أو ندب إليه ولكنه بنى على انه اوجبه وان الامر هو الوجوبي فلا يوجب هذا بطلان عمله ولا ينافي ذلك قصد القربة والامتثال كما فصل بذلك صاحب الكفاية (قدس سره) والتزم بان التشريع لا يستلزم بطلان العمل مطلقا بل فيما إذا كان راجعا إلى الامر والتكليف ولا يمكن المساعدة على ذلك لعدم انحصار الوجه في بطلان العبادة مع الشتريع بعدم التمكن عن قصد التقرب والامتثال ليفصل بين الصورتين بل له وجه آخر يقتضي بطلان العبادة مع التشريع في كلتا الصورتين وهو مبغوضية العمل وحرمته المانعة عن كونه مقربا لان حرمة البناء والتشريع تسري إلى العمل الماتي به في الخارج وبه يحكم بحرمته ومبغوضيتة ومعهما كيف يكون العمل مقربا به ليحكم بصحته.

[ 444 ]

[ والواجب فيه بعد النية غسل ظاهر تمام البدن (1) ] وجوب غسل ظاهر تمام البدن في الغسل (1) لصحيحة زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الجنابة فقال: تبدء فتغسل إلى ان قال ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك الحديث (1) وصحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام في حديث (ثم أفض على رأسك وسائر جسدك (2) وغيرهما (3) من الاخبار الآمرة بغسل تمام الجسد. وفي موثقة سماعة يفيض الماء على جسده كله وفي بعضها انما تمر يدها عل جسدها كله (4). وفي بعضها: من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار (5) والمراد بالشعرة اما انه معناها الحقيقي فتدل على وجوب غسل الشعر الذي هو من توابع البدن فلو وجب غسل ما هو من توابع البدن بتمامه فلا محالة يجب غسل نفسه بتمامه بطريق اولى واما بمعناها المجازي - اي


(1) الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة، الحديث 5. (2) الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة، الحديث 16. (3) كما يستفاد من غير واحد من الاحاديث المذكورة في الباب المتقدم. (4) الوسائل: ج 1 باب 26 و 38 من أبواب الجنابة، الحديث 8 و 6 (5) الوسائل: ج 1 باب 1 من أبواب الجنابة، الحديث 5 و 2 وباب 38، الحديث 7.

[ 445 ]

بمقدار جزئي وحينئذ تدل على وجوب غسل تمام البدن على نحو بليغ هذا. وقد ذهب المحقق الخونساري إلى عدم وجوب الاعتداد ببقاء شئ يسير غير مخل بصدق غسل البدن عرفا وذلك لصحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال قلت للرضا عليه السلام الرجل يجنب فيصيب جسده ورأسه الخلوق والطيب والشئ اللكد مثل علك الروم والظرب وما اشبهه فيغتسل فإذا فرغ وجد شيئا قد بقى في جسده من اثر الخلوق والطيب وغيره قال: لا بأس (1). وفي رواية الكليني عن محمد بن يحيى (الطراز) بدل (الظرب) وفي الوافي (الطرار) (قال في البيان الذي عقب به الحديث الخلوق بالفتح ضرب من الطيب (وهو الذي يستثنى للمحرم من انواع العطر) فيه تركيب واللكد بالمهملة اللزج اللصيق وفي التهذيب اللزق والطرار بالمهملات ما يطين به ويزين (2). ولم يظهر لتلك الكلمة معنى مناسب للرواية لان الطرار هو ما يزين به ولو بالتعليق وليس ما يلصق البدن والطراز بمعنى الطرز والنمط اي الاسلوب ولا يناسب الرواية لانها في مقام التمثيل للكد. والظرب بمعنى ما يلصق وهو أيضا غير مناسب للرواية لانها في مقام التمثيل للكد الذي هو بمعنى ما يلصق فكيف يمثل له بما يلصق فلم يظهر معنى هذه الكلمة ولعلها كانت في تلك الازمنة بمعنى مناسب للرواية. وعلى الجملة ان لهذه الكلمة الواردة في صحيحة ابراهيم بن أبي محمود احتمالات لا يتناسب شئ منها للرواية.


(1) الوسائل: ج 1 باب 30 من أبواب الجنابة، الحديث 1. (2) راجع التهذيب، ج 1 باب حكم الجنابة وصفة الطهارة منها الحديث 356، مع تعليقه.

[ 446 ]

نعم المنقول في نسخ الوسائل الظرب وعن الكليني الطراز ولكن النسخ مغلوطة قطعا فان الكلمة ليست بالظاء بل بالضاد والضرب بمعنى الغسل الابيض الغليظ كما في اللغة وفي مجمع البحرين ذكر الحديث نفسه في مادة (الضرب) وهذا امر يناسب الرواية كما لا يخفى بخلاف الظرب الذي هو بمعنى اللاصق فانه كما ترى لا يناسبها بوجه واما الطرار فهو جمع الطره ولم نر استعماله مفردا وقد جعله في مجمع البحرين مفردا وفسره بالطين ونقل الحديث واستشهد به واما ما ذكره في الوافي تفسيرا للكلمة من انها بمعنى ما يطين به ويزين فمما لم نقف عليه في الاخبار ولا في شئ من اللغات وعليه فالمحتمل في الصحيحة امران احدهما الضرب بمعنى العسل الابيض الغليظ وثانيهما الطرار بمعنى الطين. وكيف كان استدل بالصحيحة على عدم وجوب غسل اليسير من البدن الذي لا يكون مخلا لصدق غسل البدن عرفا. ويدفعه: ان الصحيحة انما دلت على جواز الغسل وصحته مع بقاء اثر الخلوق والطيب والعلك لا مع بقاء عينها وكم فرق بينهما فان اثرها من الرائحة اللطيفة أو لون الصفرة غير مانع من وصول الماء للبشرة وهذا بخلاف عينها والعين غير مذكورة في الصحيحة على انها دلت على صحته مع بقاء اثرها اعم من ان يكون يسيرا ام كان كثيرا كما إذا دهن نالخلوق جميع راسه - مثلا - ولا دلالة فيها على جوازه وصحته مع شئ يسير في البدن فلو كان الاثر بمعنى العين فلازمها صحة الغسل ولو مع وجود العين في تمام الرأس وهو كما ترى. وبمضمونها روايات اخرى أيضا ظاهرة في ارادة الاثر دون العين. منها: ما رواه اسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كن نساء النبي صلى الله عليه وآله إذا اغتسلن من الجنابة يبقين

[ 447 ]

[ دون البواطن (1) منه فلا يجب غسل باطن العين والانف والاذن والفم ونحوها. ] صفرة الطيب على اجسادهن وذلك ان النبي صلى الله عليه وآله امرهن ان يصيبن الماء صبا على اجسادهن (1). وفي موثقة عمار عن أبي عبد الله في الحائض تغتسل وعلى جسدها الزعفران لم يذهب به الماء قال: لا بأس (2) إذ من المعلوم ان المراد بالزعفران اثره فانه بنفسه لا يلصق البدن. البواطن لا يجب غسلها في الاغتسال (1) ويدل عليه ما ورد في ان الغسل الارتماسي يجزي في مقام الامتثال فان الماء في الارتماسي لا يصل إلى البواطن كباطن العين والانف ونحوهما عادة فانها قاضية بفحص العينين في الارتماس ومع ذلك دل الدليل على كفايته فمنه نستكشف عدم اعتبار غسل البواطن في الغسل. ودعوى ان الارتماسي انما هو مجزء عن الترتيبي كما اشتملت عليه اخباره حيث دلت على انه إذا ارتمسها ارتماسة واحدة لجزئته (3) ويمكن ان يكون غسل البواطن معتبرا في المأمور به وان لم يكن معتبرا في ما يجزي عنه.


(1) الوسائل: ج 1 باب 30 من أبواب الجنابة، الحديث 2 و 3. (2) الوسائل: ج 1 باب 30 من أبواب الجنابة، الحديث 2 و 3. (3) راجع الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة.

[ 448 ]

[ ولا يجب غسل الشعر (1) مثل اللحية بل يجب غسل ما تحته ] مندفعة: بان الظاهر المستفاد من رواياته ان الارتماسي انما يجزي عن الترتيبي من جهة الترتيب فقط حيث انه معتبر في الاغتسال فيجب ان يغسل الرأس اولا ثم البدن وهذا لا يتحقق في الارتماسي لان الرجلين فيه تغسلان قبل البدن والبدن قبل الرأس وبهذه الجهة كان إلارتماس مجزءا عن الترتيبي المشتمل على الترتيب المعتبر. واما ان مقدار الغسل في الارتماسي اقل منه في الترتيبي فهو مما لا يستفاد من الروايات بل الظاهر ان مقداره فيهما غير متفاوت ومعه إذا دل الدليل على كفاية الارتماسي في مقام الامتثال فنستكشف ان البواطن غير واجبة الغسل في الغسل هذا. مضافا إلى الاخبار الواردة في الوضوء من تعليل عدم وجوب غسل داخل الانف والعين في روايات المضمضة والاستنشاق (1) بانهما من الجوف حيث يدل على ان الجوف مما لا يجب غسله وان الواجب انما هو غسل ما ظهر ويؤيده بعض الروايات الضعاف (2) الواردة في المسألة. الشعر لا يجب غسله في الغسل (1) الكلام في ذلك يقع في مقامين: (احدهما): في ان غسل الشعر يجزي عن غسل البشرة أو لا يجزي.


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 29 من أبواب الوضوء. (2) الوسائل: ج 1 باب 24 من أبواب الجنابة الحديث 6 - 7 - 8 و 5.

[ 449 ]

[ من البشرة ولا يجزي غسله عن غسلها نعم يجب غسل الشعور الدقاق الصغار المحسوبة جزءا من البدن مع البشرة. ] و (ثانيهما): في انه على تقدير عدم اجزائه هل يجب غسله مستقلا أو لا يجب؟ اما المقام الاول فلا ينبغي الاشكال في ان الواجب انما هو غسل البشرة لصحيحه زرارة المتقدمة الامرة بغسل البدن من القرن إلى القدم لان القرن بمعنى منبت الشعر وظاهره وجوب ايصال الماء إلى جميع اجزاء البشرة ولا يكفي ايصاله إلى الشعر دون البشرة. وفي صحيحة اخرى ثم افض على رأسك وجسدك (1) وفي موثقة سماعة يفيض الماء على جسده كله (2) وفي بعضها: إذا مس جلدك الماء فحسبك (3) وفي آخر: الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد اجزأه (4) ومن الظاهر ان الجسد غير الشعر وهو ليس من البدن وانما الشعر من توابعه لا من الجسد ويؤكد ذلك بل يدل عليه ما ورد من ان السناء يبالغن في غسل مواضع الشعر من جسدهن (5) ولا وجه له إلا ايصال الماء إلى البشرة. واما ما ورد في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام من قوله ارايت ما احاط به الشعر قال عليه السلام كلما احاط به الشعر فليس للعباد ان يطلبوه أو ان يغسلوه (6) الحديث فلا يمكن الاستدلال بها


(1) و (2) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 6 و 8. (3) الوسائل: ج 1 باب 52 من أبواب الوضوء الحديث 3. (4) الوسائل: ج 1 باب 31 من أبواب الجنابة الحديث 3. (5) الوسائل: ج 1 باب 38 من أبواب الجنابة الحديث 1 و 2. في الثانية: يبالغن في الغسل وفي الاولى: فقد ينبغي ان يبالغن في الماء. (6) الوسائل: ج 1 باب 46 من أبواب الوضوء الحديث 2 و 3.

[ 450 ]

على كفاية غسل الشعر عن غسل البشرة في القمام حيث ان قوله ارايت ما احاط به الشعر مسبوقة بجملة أو حال معين للمراد وقد سئل فيها عن شئ وهذه الجملة ملحقة به وإلا فلا معنى للابتداء بتلك الجملة كما لا يخفى فهي مسبوقة بشئ قطعا بمعنى انها منقطعة الصدر لعدم امكان الابتداء بقوله: ارايت. الخ. ومن المحتمل قويا ان تكون الجملة الساقطة واردة في السؤال من غسل ما احاط به الشعر الوضوء لكثرة الابتلاء به كما في النساء وكذا الرجال لانهم - كثيرا - ما كانوا ملتحين ولاسيما في الازمنة القديمة ومع هذا الاحتمال لا يمكننا التعدي عنه والاخذ بعمومها واطلاقها في جميع الموارد حتى في الغسل لان التمسك بالاطلاق يتوقف على جريان مقدمات الحكمة - لا محالة ء ولا مجال لها مع احتمال وجود ما يحتمل قرينته على الاختصاص. ودعوى انها عامة لمكان قوله كلما.. وليست مطلقة تحتاج إلى مقدمات الحكمة ساقطة لان عمومها بحسب افراد ما احاطه به الشعر خارج عن محل الكلام وانما المقصود التمسك باطلاق نفي وجوب الغسل في قوله ليس.. ان يغسلوه وانه يختص بموارد الوضوء أو يعمها وموارد الغسل وموارد الطهارة الخبثية أيضا هذا. مضافا إلى ما قدمناه في مبحث الوضوء من ان الرواية على اطلاقها غير قابلة للتصديق فان لازمها الحكم بكفاية غسل الشعر في طهارة ما احاط به إذا كان نجسا فالمتحصل ان الواجب انما هو غسل البشرة ولا يكون غسل الشعر مجزءا عنه. وعن الاردبيلي (قدس سره) التأمل في عدم اجزاء غسل الشعر على غسل البشرة استبعادا من كفاية اجزاء غرفتين أو ثلاث لغسل الرأس

[ 451 ]

كما نطق به غير واحد من الاخبار وذلك لان غرفتين أو ثلاث لا يصل إلى البشرة في مثل رأس النساء أو غيرهن ممن على راسه شعر كثير وهذا يدلنا على اجزاء غسل الشعر عن غسل البشره. ولكن الظاهر ان استبعاده في غير محله لان ما وقفنا عليه في الاخبار انما هو غسل الرأس بثلاث غرفات أو حفنات ولم نظفر بما اشتمل على غرفتين واليك بعضها منها: صحيحة زرارة قال قلت كيف يغتسل الجنب؟ فقال ان لم يكن اصاب كفه شئ غمسها في الماء ثم بدء بفرجه فانقاه بثلاث غرف ثم صب على راسه ثلاث اكف ثم صب على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الابسر مرتين فما جرى عليه الماء فقد اجزأه (1). ومنها صحيحة ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يفيض الجنب على رأسه الماء ثلاثا لا يجزيه اقل من ذلك (2) ودلالتها على ثلاث اكف بالاطلاق لان ثلاثا اعم من الاكف. وفي موثقة سماعة (ثم ليصب على رأسه ثلاث مرات ملاء كفيه (3) ولا استبعاد في وصل ثلاث اكف إلى البشرة فان الشعر ليس كالصوف والقطن مما يجذب الماء بل انما الماء يجري عليه ولاسيما بملاحظة ان الغسل يكفي فيه التدهين وايصال البلل. على ان كفين من الماء يكفي في الطرف الايمن أو الايسر كما عرفته في الاخبار فلو كان كفين من الماء كافيا في غسل احد الطرفين فكيف لا يكفي ثلاثة منها في غسل الرأس وايصال الماء إلى البشرة به مع ان الرأس لا صغر من احد الطرفين مرات نعم هو مشتمل على الشعر الكثير دون الطرفين هذا. بل قد ورد في بعض الروايات ما يدل على عدم اجزاء غسل الشعر


(1) و (2) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 2 و 4. (3) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 8.

[ 452 ]

عن غسل البشرة وهو ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: الحائض ما بلغ بلل الماء من شعرها اجزاها (1) فان كلمة من للابتداء وإذا صب الماء على شعرها وابتدأ منه البلل إلى ان وصل إلى الرأس اجزأه. واما صحيحة زرارة المتقدمة من قوله ارايت ما احاط به الشعر (2) المتوهمة دلالتها على كفاية غسل الشعر عن غسل البشرة فقد تقدم الجواب عنها فلا نعيد. ويؤيد ما ذكرناه ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله من ان تحت كل شعرة جنابة (3) فانه تدل على لزوم غسل تحت الشعرات لترتفع الجنابة الكائنة تحتها. واما المقام الثاني وان غسل الشعر أيضا واجب أو غير واجب: فقد يكون الشعر خفيفا كما لا يخلو عنه الغالب فيوجد في مواضغ غسله أو وضوئه شعور خفيفة ولا اشكال في وجوب غسلها حينئذ لانها من توابع البدن فقوله تغسل من قرنك إلى قدمك أو تفيض الماء على جسدك يشمل الشعور الخفيفة أيضا. وقد يكون الشعر كثيفا كما في شعور النساء أو لحى الرجال فهل يجب غسلها أو لا يجب فلو كان على شعره قير مانع من وصول الماء إلى نفس الشعور ومانع عن غسلها وقد غسل نفس البشرة أفيكفي


(1) الوسائل: ج 1 باب 31 من أبواب الجنابة الحديث 4 وباب 20 من أبواب الحيض من ج 2، الحديث 2. (2) تقدمت في ص 449. (3) مستدرك الوسائل: ج 1 باب 27 من أبواب الجنابة الحديث 3 وفيه.. فبلغ الماء تحتها في اصول الشعر كلها..

[ 453 ]

ذلك في صحته لان الشعر غير واجب الغسل؟ المعروف بينهم عدم وجوب غسل الشعر في الغسل وان قلنا بوجوبه في الوضوء لما ورد من تحديد مواضع الغسل بما بين القصاص والذقن أو من الذراع إلى الاصابع (1) فانه يشمل الشعر والجسد واما في الغسل فلم يلتزموا بذلك. وخالفهم فيه صاحب الحدائق (قدس سره) ومال إلى ان الشعر كالبشرة مما يجب غسله واستدل على ذلك بان الشعر غير خارج عن الجسد ولو مجازا فيدل على وجوب غسله ما دل على وجوب غسل الجسد كيف وقد حكموا بوجوب غسل الشعر في الوضوء معللين ذلك تارة بدخوله في محل الفرض واخرى بانه من توابع اليد وإذا كان الشعر داخلا في اليد باحد الوجهين المذكورين - واليد داخلة في الجسد - كان الشعر داخلا في الجسد لا محالة. على انا لو سلمنا خروجه عن الجسد فهو غير خارج عن الرأس والجانب الايمن والايسر. وقد ورد الامر بغسل الرأس ثلاثا وصب الماء على كل من جانبي الايسر والايمن مرتين وهو يشمل الشعر أيضا هذا كله. مضافا إلى صحيحة حجر بن زائدة عن الصادق عليه السلام انه قال: (من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار) (2) فان تأويلها بالحمل على ارادة مقدار الشعرة من الجسد خلاف الاصل لا يصار إليه إلا بدليل. هذه خلاصة ما افاده في المقام. ولكن الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من عدم وجوب غسل الشعر في الغسل ويكفينا في ذلك عدم الدليل على وجوبه ولا دلالة في


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 15 و 17 من أبواب الوضوء. (2) الوسائل: ج 1 باب 1 من أبواب الجنابة الحديث 5.

[ 454 ]

شئ مما ذكره في المسألة على وجوبه وذلك لان الشعر خارج عن الجسد وانما هو امر ثابت عليه نعم لا باس باطلاق الجسد وارادة الاعم منه ومن الشعر النابت عليه مجازا إلا ان ارادته تحتاج إلى قرينة تدل عليه ولا يمكن حمل الجسد عليه إلا بدليل ولا دليل عليه. نعم اطلاق الرأس والطرف الايمن أو الايسر يشمل الشعر كما افاده إلا ان الاخبار الآمرة بصب الماء على الرأس ثلاثا وبالطرفين مرتين انما وردت لبيان الترتيب في غسل الاعضاء ولم ترد لبيان ان الغسل واجب في اي شئ وانما يدل على وجوبه الاخبار الآمرة بغسل الجسد أو من قرنه إلى قدمه وغيرها مما لا يشمل الشعر كما مر. وصحيحة حجر بن زائدة أيضا لا دلالة لها على وجوب غسل الشعر لا بحمل الشعرة على معناها المجازي بل مع ابقائها على معناها الحقيقي وان الشعرة واجبة الغسل لا تدل إلا على لزوم غسلها من اصلها إلى آخرها واصل الشعر من الجسد فيكون في الامر بغسلها دلالة على لزوم ايصال الماء إلى الجسد نعم لو كانت دالة على وجوب غسل بعض الشعر لا من اصله إلى آخره امكن الاستدلال بها على مدعاه إلا ان الصحيحة لا دلالة لها عليه. فتحصل ان وجوب غسل الشعر في الغسل مما لا دليل عليه بل الدليل على عدم وجوبه موجود وهو موثقة عمار بن موسى الساباطي انه سئل أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تغتسل وقد امتشطت بقرامل ولم تنقض شعرها كم يجزيها من الماء؟ قال: مثل الذي يشرب شعرها وهو ثلاث حفنات على راسها الحديث (1) لان اطلاقها يشمل ما إذا كان شعر المرأة مفتولا شديدا بحيث لا يدخل الماء جوفه ولا يصل إلى جميع اجزاء الشعر فلو كان غسل الشعر أيضا


(1) الوسائل: ج 1 باب 38 من أبواب الجنابة الحديث 6.

[ 455 ]

[ والثقبة التي في الاذن (1) أو الانف للحلقة ان كانت ضيقة لا يرى باطنها لا يجب غسلها وان كانت واسعة بحيث تعد ] واجبا لوجب عليها النقض والاخبار صريحة الدلالة على عدم وجوبه. واجاب عنها في الحدائق بان عدم نقض الشعر لا يلزمه عدم وجوب غسله لامكان اضافة الماء وزيادته إلى ان يصل إلى جميع اجزائه. وفيه ان ايصال الماء إلى جوف الشعور المفتولة وإلى جميع اجزائها وان كان ممكنا كما افاده باضافة الماء حتى يروي إلا ان الكلام في الملازمة بينهما وان غسل الشعر ملازم لوصول الماء إلى جوف المفتول منه بحيث يصل إلى تمام اجزائه ومن الظاهر انه لا تلازم بينهما نعم قد يكون لاضافة الماء وكثرته وقد لا يكون مع ملاحظة ما ورد من كفاية صب ثلاث غرفات في غسل الرأس فتحصل ان غسل الشعر غير واجب كما ذهب إليه المشهور إلا إذا كان خفيفا ومعدودا من توابع الجسد كما قدمناه. حكم الثقبة في الانف ونحوه (1) قد مر وعرفت ان الواجب انما هو غسل ظواهر البدن دون بواطنه فالحكم يدور مدار صدقهما ولا مدخلية للثقبة فيه اثباتا ونفيا ولابد حينئذ من ملاحظة ان الثقبة من الظاهر أو الباطن فإذا كان وسيعة بحيث يرى باطنها فهي محسوبة من الظاهر وإذا كانت ضيقة ولا يرى باطهنا فهي من البواطن ولا يجب غسلها.

[ 456 ]

[ من الظاهر وجب غسلها وله كيفيتان (الاولى) الترتيب (1) وهو ان يغسل الرأس والرقبة اولا ثم الطرف ] كيفية الغسل الترتيبي (1) الكلام في ذلك يقع من جهات: اعتبار غسل الراس اولا (الجهة الاولى): في ان الغسل ترتيبا يعتبر فيه غسل الرأس قبل غسل البدن بحيث لو غسله بعد غسل البدن أو مقارنا لغسله بطل ويدل عليه - مضافا إلى الشهرة المحققة في المسألة بل الاجماع على اعتبار الترتيب بين الرأس والبدن ولا يعتد بما هو ظاهر المحكي من عبارة الصدوقين حيث عطف البدن على الرأس بالواو لانه نقل عنهما التصريح في آخر المسألة بوجوب اعادة الغسل لو بدء بغير الرأس ومع التصريح بذلك لا يمكن الاعتماد على ظاهر العطف في صدر المسألة - الاخبار المعتبرة من الصحيحة والحسنة والموثقة واليك جملة منها: (فمنها): صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال سألته عن غسل الجنابة - اي عن كيفيته بقرينة الجواب لا عن حكمه - فقال: تبدأ بكفيك فتغسلهما ثم تغسل فرجك ثم تصب على راسك

[ 457 ]

ثلاثا ثم تصب على سائر جسدك مرتين فما جرى عليه الماء فقد طهر (1) (أو طهر). لدلالتها على لزوم تقديم الرأس على البدن في العسل لكلمة ثم الظاهرة في التراخي واشتمالها على بعض المستحبات كغسل الفرج لعدم اعتبار الاستنجاء في صحة الغسل على ما ياتي في محله وغسل الكفين وكذلك الغسل ثلاثا أو مرتين - لقيام القرينة الخارجية على عدم وجوبها لا ينافي دلالتها على الوجوب فيما لم يقم على خلاف ظاهره الدليل. و (منها): صحيحة زرارة قال قلت كيف يغتسل المجنب؟ فقال ان لم يكن اصاب كفيه شئ غمسهما في الماء ثم بدء بفرجه فانقاه بثلاث غرف ثم صب على راسه ثلاث اكف ثم صب على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين فما جرى عليه الماء فقد اجزأه (2). وذلك لوقوع كلمة ثم عند عطف غسل البدن على غسل الرأس كما في الصحيحة المتقدمة وقد عرفت ان اشتمالها على بعض المستحبات لا ينافي دلالتها على الوجوب فيما لم يقم قرينة على استحبابه. نعم الرواية مضمرة إلا انا ذكرنا غير مرة ان مضمرات زرارة كمسنداته لانه لا يسأل من غير الامام عليه السلام على ان المحقق رواها في المعتبر عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام ولعله كما في الحدائق نقلها عن بعض الاصول القديمة التي كانت عنده. و (منها): موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا اصاب الرجل جنابة فاراد الغسل فليفرغ على كفيه وليغسلهما دون المرفق ثم يدخل يده في انائه ثم يغسل فرجه ثم ليصب على رأسه ثلاث مرات ملا كفيه ثم يضرب بكف من ماء على صدره وكف بين


(1) و (2) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 1 و 2 و 8.

[ 458 ]

كتفيه.. (1). و (منها): صحيحة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من اغتسل من جنابة فلم يغسل راسه ثم بدا له ان يغسل راسه لم يجد بدا من اعادة الغسل (2) نعم لا دلالة لها على بطلانه فيما إذا غسل رأسه مقارنا لغسل بدنه لانها انما تدل على بطلانه فيما إذا غسل بدنه قبل غسل رأسه فحسب ولكن يمكن ان يقال بدلالتها على بطلانه في صورة المقارنة بعدم القول بالفصل لان من قال بالترتيب بين الرأس والبدن والتزم ببطلانه عند تأخيره من غسل البدن التزم ببطلانه عند مقارنة غسله لغسله أيضا. و (منها): ما رواه حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من اغتسل من جنابة ولم يغسل رأسه ثم بدا له ان يغسل راسه - لجهله بلزومه مثلا - لم يجد بدا من اعادة الغسل (3) وهي كسابقتها. و (منها): صحيحة اي حريز المعبر عنها بمقطوعة حريز في كلماتهم في الوضوء يجف قال: قلت فان جف الاول قبل ان اغسل الذي يليه قال جف أو لم يجف اغسل ما بقى قلت وكذلك غسل الجنابة قال هو بتلك المنزلة وابداء بالرأس ثم افض على سائر جسدك قلت وان كان بعض يوم قال: نعم (4) ودلالتها على اعتبار تقديم غسل الرأس على غسل البدن ظاهرة وانما الكلام في انها مضمرة حيث لم يسندها حريز إلى الامام عليه السلام إلا ان اضمار حريز كاضمار زرارة


(1) قد تقدم ذكر مصدرها في ص 451. (2) الوسائل: ج 1 باب 28 من أبواب الجنابة الحديث 1. (3) الوسائل: ج 1 باب 28 من أبواب الجنابة الحديث 3. (4) الوسائل: ج 1 باب 29 من أبواب الجنابة الحديث 2.

[ 459 ]

واضرابه لان حريزا من اجلاء اصحاب الصادق عليه السلام وليس من شانه السؤال عن غير الامام ودرجه في الاخبار وقد يقال انها مقطوعة وتوصف بها ولعله من جهة ارجاع الضمير في (قال: قلت فان جف..) إلى عبد الله بن المغيرة الذي يروي عن حريز ليكون هو السائل دون حريز وارجاع الضمير في (قال جف ام لم يجف) إلى حريز ليكون هو المجنب دون الامام إلا انه بعيد غايته لان الظاهر ان ابن المغيرة انما يروي عن حريز نعم هي مضمرة وقد عرفت ان الاضمار غير مضر من امثال حريز وزرارة هذا. على ان الصدوق رواها في (مدنية العلم) عن حريز مسندا إلى أبي عبد الله عليه السلام والراوي عن الصدوق هو الشهيد في الذكرى على ما في الوسائل والشهيد ثقة عدل يتبع روايته عن كتاب (مدينة العلم) وان كان هذا الكتاب غير موجود في عصرنا لانه مسروق ولكن الشهيد - حسب روايته - ينقل عن نفس الكتاب وطريقه إلى الكتاب معتبر كما يظهر من المراجعة إلى الطرق والاجازات وبه تكون الرواية مسندة وتخرج عن الاضمار والقطع. و (منها): غير ذلك من الاخبار. وبازاء هذه الاخبار اخبار اخرى تدل على عدم لزوم الترتيب بين غسل الرأس والبدن اما باطلاقها واما بتصريحها ونصها. اما ما دل على عدمه بالنص فهو ما ورد في قضية الجارية اعني صحيحة هشام قال: كان أبو عبد الله عليه السلام فيما بين مكة والمدينة ومعه ام اسماعيل فاصاب من جارية له فأمرها فغسلت جسدها وتركت راسها وقال لها إذا اردت ان تركبى فاغسلي راسك ففعلت ذلك فعلت بذلك ام اسماعيل فحلقت راسها فلما كان من قابل انتهى أبو عبد الله عليه السلام

[ 460 ]

إلى ذلك المكان فقالت له ام اسماعيل اي موضع هذا؟ قال: لها: هذا الموضع الذي احبط الله فيه حجك عام اول (1). حيث دلت على عدم لزوم غسل الرأس قابل غسل البدن إلا انها مما لا يمكن الاعتماد عليه وان كانت صحيحة السند وصريحة الدلالة على المدعي وذلك لان راوي هذا الحديث اعني هشام ابن سالم بعينه روى تلك القضية في صحيحة محمد بن مسلم على عكس ما رواها في هذه الرواية حيث روى الهشام عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فسطاطه وهو يكلم امرأة فابطأت عليه فقال: ادنه هذه ام اسماعيل جائت وانا ازعم ان هذا المكان الذي احبط الله فيه حجها عام اول كنت اردت الاحرام فقلت: ضعوا إلي الماء في الخباء فذهبت الجارية بالماء فوضعته فاستخففتها فاصبت منها فقلت: اغسلي راسك وامسحيه مسحا شديدا لا تعلم به مولاتك فإذا اردت الاحرام فاغسلي جسدك ولا تغسلي راسك فتستريب مولاتك فدخلت فسطاط مولاتها فذهبت تتناول شيئا فمست مولاتها رأسها فإذا لزوجة الماء فحلقت رأسها وضربتها فقلت لها: هذا المكان الذي احبط الله فيه حجك (2). وهي على عكس الصحيحة التي رواها هشام عن أبي عبد الله عليه السلام ومن هنا قال الشيخ: هذا الحديث قد وهم الراوي فيه واشتبه عليه فرواه بالعكس لان هشام بن سالم روى ما قلنا بعينه (يعني لزوم غسل الرأس قبل غسل البدن). والصحيح ما افاده (قدس سره) وان الاشتباه انما هو من راوي الحديث عن هشام لانه بنفسه نقل عكسه كما عرفت.


(1) الوسائل: ج 1 باب 28 من أبواب الجنابة الحديث 4. (2) الوسائل: ج 1 باب 29 من أبواب الجنابة الحديث 1.

[ 461 ]

واما ما دل على عدم لزوم الترتيب باطلاقها فعدة روايات. (منها): صحيحة زرارة المشتملة على قوله (ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك) (1). و (منها) صحيحة احمد بن محمد أبي نصر قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن غسل الجنابة فقال: تغسل يدك اليمنى من المرفقين (المرفق) إلى اصابعك وتبول ان قدرت على البول ثم تدخل يدك في الاناء ثم اغسل ما اصابك منه ثم افض على راسك وجسدك ولا وضوء فيه (2). و (منها): صحيحة يعقوب بن يقطين عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن غسل الجنابة فيه وضوء ام لا فيما نزل به جبرئيل؟ قال: الجنب يغتسل يبدأ فيغسل يديه إلى المرفقين قبل ان يغمسهما في الماء ثم يغسل ما اصابه من اذى ثم يصب على راسه وعلى وجهه وعلى جسده كله ثم قد قضى الغسل ولا وضوء عليه (3). والكلام في تقييد المطلقات بالمقيدات المتقدمة وعدمه وذلك لان هذه المطلقات ليست باقوى من سائر المطلقات الواردة في الفقه حيث انها بناءا على كونها في مقام البيان من تلك الجهة اعني جهة الترتيب وان كان لها ظهور في الاطلاق إلا ان ظهور المقيد في التقييد حاكم على ظهوره ومانع عن حجيته إذا ان منفصلا ومانع عن اصل انعقاده لو كان متصلا. على انه يمكن ان يقال بعدم كونها في مقام بيان ان الواجب في


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 5، 6. (2) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 5، 6. (3) الوسائل: ج 1 باب 34 من أبواب الجنابة الحديث 1.

[ 462 ]

الغسل أي شئ لانها انما وردت لبيان آدابه وكيفياته لا لبيان الامور الواجبة فيه ومن هنا تعرض لجملة من المستحبات ولم يتعرض لاعتبار الترتيب فلو لم يكن الترتيب بين الرأس والبدن واجبا فلا اقل من انه مستحب للامر به في الاخبار من قوله صب على راسه ثلاث اكف ثم صب على منكبه الايمن مرتين (1).. وقوله ثم ليصب على راسه ثلاث مرات.. (2). وقوله تبدأ بكفيك.. (3) فان الامر لو لم يفد الوجوب فلا اقل من افادته الاستحباب وللتأسي به (ع) حيث انه كما في صحيحة زرارة بدأ بفرجه فانقاه بثلاث غرف ثم صب على راسه ثلاث اكف ثم صب على منكبة الايمن مرتين.. (4) ومع ذلك لم يتعرض لبيانه ولم يدل على استحبابه وهذا أيضا قرينة على وجوبه وانما لم يتعرض له لعدم كونها في مقام البيان من تلك الجهة فالانصاف ان المناقشة في دلالة الروايات على اعتبار الترتيب بين الرأس والبدن في غير محلها هذا كله في الجهة الاولى. هل الرقبة داخلة في الرأس؟ (الجهة الثانية): هل الرقبة داخلة في الرأس فيجب غسلها قبل


(1) تقدم ذكرها في ص 457. (2) تقدم ذكرها في ص 457. (3) تقدم ذكرها في ص 456. (4) تقدم ذكرها في ص 458.

[ 463 ]

غسل البدن أو داخلة في البدن فان قلنا بالترتيب بين الطرف الايمن والايسر فلابد من غسل نصف الرقبة مع الطرف الايمن ونصفها الآخر مع الطرف الايسر وان لم نلتزم بالترتيب بينهما فيغسلها مع الطرفين باية كيفية شائها؟ المعروف بينهم انها داخلة في الراس وهذا هو الصحيح لا لدعوى ان الراس يطلق على الرقبة وما فوقها ليقال انها غير ثابتة وان الراس اسم لما نبت عليه الشعر فوق الاذنين - مع ان اطلاقه وارادة الرقبة وما فوقها ليس اطلاقا غريبا بل قد يستعمل كذلك فيقال قطع راسه أو ذبح ولا يراد بذلك انه قطع عما فوق الاذنين. نعم ليس اطلاقا متعارفا كثيرا - بل من جهة ان حكم الرقبة حكم الراس فيجب غسلها مقدما على غسل البدن لقيام القرينة على ذلك أي على ان حكمها حكمه والذي يدل على ذلك امران: (احدهما): صحيحة زرارة الآمرة بصب ثلاث اكف على رأسه وصب الماء مرتين على منكبه الايمن ومرتين على منكبه الايسر (1) فان الرقبة لو لم تغسل مع الرأس وكانت الاكف الثلاثة لاجل غسل الراس فحسب فاين تغسل الرقبة بعد غسله فان صب الماء على المنكبين لا يوجب غسل الرقبة لوضوح انها فوق المنكبين ولا امر بالغسل غير غسل الراس والمنكبين إلى آخر البدن فتبقى الرقبة غير مغسولة. (وثانيهما): موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام الآمرة بعد صب الماء على راسه ثلاثا بضرب كف من الماء على صدره وكف بين كتفيه (2) فان ضرب الكف منه على صدره وكف على كتفيه


(1) تقدم في ص 457. (2) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 8.

[ 464 ]

اما ان تكونا هما تمام الغسل الواجب في الغسل واما ان يكونا مقدمة لوصول الماء في الغسل الواجب إلى تمام البدن بسهولة لان الماء في المبلول سريع الجريان وعلى كلا التقديرين لو لم تكن الرقبة داخلة تحت الرأس في الغسل لتبقى غير مغسولة وذلك لان صب الماء على الصدر والكتف لا يوجب غسل الرقبة لانها فوقها هذا. وقد يقال ان الرقبة داخلة في البدن ويستدل عليه بصحيحة أبي بصير حيث ورد فيها (وتصب الماء على راسك ثلاث مرات وتغسل وجهك..) (1) ونظيرها صحيحة يعقوب بن يقطين لما ورد فيها من قوله عليه السلام ثم يصب على راسه وعلى وجهه وعلى جسده كله (2) فان غسل الرأس إذا لم يشمل غسل الوجه فلا يشمل غسل الرقبة بطريق اولى وهذا القول هو الذي نقله في الحدائق عن بعض معاصريه الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (قدس سره). وفيه انه ان اريد بذلك ان الوجه والرقبة خارجان عن مفهوم الرأس لغة لانه اسم لمنبت اشرع من فوق الاذن فهو مما لا كلام فيه وان اراد ان الرقبة والوجه لا يغسلان مع غسل الرأس مقدما على غسل البدن فلا دلالة عليه في شئ من الروايتين بل هما يغسلان بغسله وانما امره بغسل الوجه اما لاستحبابه في نفسه ولو مع غسله بغسل الرأس واما لاجل الاهتمام به وقد احتاط الماتن بغسل نصف الرقبة ثانيا مع الجانب الايسر ونصفها كذلك مع الجانب الايمن وهو احتياط استحبابي لا بأس به.


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 9. (2) الوسائل: ج 1 باب 34 من أبواب الجنابة الحديث 1.

[ 465 ]

هل يعتبر الترتيب بين الجانب الايمن والايسر؟ (الجهة الثالثة) في ان الترتيب كما يعتبر في الرأس والبدن هل يعتبر بين الجانب الايمن والايسر؟ المعروف هو اعتباره بينهم مستدلا على ذلك بما ورد في صحيحة زرارة من صب الماء على راسه ثلاثا ثم صبه على المنكب الايمن مرتين وعلى المنكب الايسر مرتين فما جرى عليه الماء فقد اجزأه (1) بدعوى ان الظاهر منها ومن غيرها مما هو بهذا المضمون ان الغسل ثلاثة اجزاء غسل الرأس وغسل الجانب الايمن وغسل الجانب الايسر فلو لم يعتبر الترتيب بين الجانبين لما كان له اجزاء ثلاثة بل كان له جزءان غسل الرأس وغسل البدن وعلى ما ببالي ان القراء يرى مجئ واو العاطفة للترتيب الدكرى ومعه يكون عطف الجانب الايسر على الايمن بكلمة (واو) دالا على لزوم الترتيب بينهما وللاجماع على اعتبار الترتيب بين الجانبين كما يعتبر بين الرأس والبدن. ولكن الصحيح عدم اعتبار ذلك لان الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم عليه السلام غير حاصل في المسألة مع ذهاب جملة من اكابر الفقهاء كالبهائي والاردبيلي وصاحب المدارك والذخيرة إلى عدم الاعتبار واما ان واو العاطفة تدل على الترتيب فهو خلاف المتسالم عليه بين الادباء لانها انما تدل على مطلق الجمع دون الترتيب. واما الصحيحة وغيرها مما هو بمضمونها فيدفعه انها لا دلالة لها على ان الغسل له اجزاء ثلاثة بل له جزءان وانما عبر بغسل الرأس ثم الجانب


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 2.

[ 466 ]

الايمن والجانب الايسر لان الماء في مفروض الروايات هو الماء القليل والكيفية المتعارفة العادية في غسل البدن بالماء القليل انما هو غسل الرأس ثم احد الجانبين ثم الجانب الآخر وليس ذكره كذلك لكونه واجبا معتبرا في الغسل. بل يمكن القول بدلالتها على عدم لزوم الترتيب بين الجانبين وذلك لان معنى الترتيب ان النصف الايمن لابد ان يغسل بتمامه قبل النصف الايسر والروايات دلت على انه بعد صب الماء حفنتين على احد الجانبين يصب الماء حفنتين على الجانب الاخر وهل يمكن ان يغسل بحفنتين من الماء تمام الجانت الايمن حتى يكون الكفين بعد ذلك لغسل النصف الايسر؟!. بل يستحيل ذلك عادة. ثم لو فرضنا ان كفين من الماء يكفي في غسل تمام النصف أو اخذنا بما دل على صب الماء على الجانبين مرتين ولو بمقدار يكفي في غسل الطرفين إلا ان في صب الماء مرتين على النصف الايمن لا محالة يغسل شئ من النصف الايسر أيضا إذ لم يجعل خط فاصل بين نصفي البدن نصفا حقيقيا يمنع عن وصول الماء من جانب إلى جانب فإذا غسل شئ من جانب الايسر بغسل الجانب الايمن فهو كاف في غسل الجانب الايسر ولا يلزم غسل ذلك المقدار منه ثانيا بدلالة الصحيحة نفسها على ان ما جرى عليه الماء فقد اجزأه فهي بنفسها دالة على عدم اعتبار الترتيب بين الطرفين. هذا كله في ما استدل به على اعتبار الترتيب بين الطرفين اولا. واستدل على اعتباره ثانيا بما يتألف من مقدمتين:

[ 467 ]

(احداهما): ما ورد في جملة من الاخبار (1) فيها المعتبرة وغير المعتبرة من اعتبار الترتيب بين غسل الجانب الايمن والجانب الايسر في غسل الميت وانه يغسل رأسه اولا ثم يغسل طرفه الايمن ثم الايسر. (وثانيتهما): ما ورد من ان غسل الميت كغسل الجنابة (2) حيث استفيد منها انهما على حد سواء وحيث ان المقدمة الاولى تثبت اعتبار الترتيب في غسل الميت فلا محالة يعتبر ذلك في غسل الجنابة أيضا بحكم المقدمة الثانية. ويدفعه: ان الترتيب وان كان معتبرا في غسل الميت إلا ان المقدمة الثانية ممنوعة وذلك لان اللرواية لم تشتمل على ان غسل الجنابة كغسل الميت حتى يدل على ان ما يعتبر في المشبه به يعتبر في المشبه لا محالة وانما اشتملت على ان غسل الميت كغسل الجنابة ولا دلالة له على ان ما يعتبر في غسل الميت يعتبر في غسل الجنابة والا فيعتبر في غسل الميت تعدد الغسلات والمزج بشئ من السدر والكافور ولا يعتبر شئ من ذلك في غسل الجنابة وانما شبه بغسل الجنابة في ما يعتبر فيه اعني لزوم اصابة الماء ووصوله إلى تمام البدن بحيث لا تبقى منه ولو بمقدار شعرة واحدة فهو يعتبر في غسل الميت أيضا بهذه الرواية. على ان القاعدة أيضا تقتضي تشبيه غسل الميت بغسل الجنابة دون العكس وذلك لان الجنابة امر يعم به البلوى ويبتلي به عامة الناس إلا نادرا فحكمها امر يعرفه الجميع وهذا بخلاف غسل الميت لانه لعله مما


(1) راجع الوسائل: ج 3 باب 2 من أبواب غسل الميت. (2) الوسائل: ج 2 باب 3 من أبواب غسل الميت الحديث 1 وهي (صحيحة محمد بن مسلم).

[ 468 ]

لا يبتلى به واحد في المائة فيشبه بغسل الجنابة تشبيها للمجهول بالمعلوم والضعيف بالقوي فهذا الاستدلال غير تام. واما ما ورد من ان غسل الميت بعينه غسل الجنابة لان الميت يجنب حال موته بخروج النطفة التي خلق منها فغسل الميت بعينه غسل الجنابة فيندفع بان اكثرها ضعيفة السند ولا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال على ان منها ما اشتمل على ان النطفة انما تخريج منه من ثقبة في بدنه كعينه أو انفه واذنيه ولا اشكال في ان خروج النطفة من غير الموضع المعين لا يوجب الجنابة فلا يكون الميت جنبا بذلك ولا يكون غسله غسل الجنابة. ثم لو سلمنا انه يجنب بذلك لدلالة الدليل - مثلا - على ان الميت يجنب بذلك فلا دليل على ان غسل الجنابة في الاحياء يعتبر فيه ما يعتبر في غسل الجنابة في الاموات. ثم ان مما يدلنا على عدم الترتيب بين الطرفين ما ورد في ذيل صحيحة محمد بن مسلم (فما جرى عليه الماء فقد طهر) (1) وفي ذيل صحيحة زرارة (فما جرى عليه الماء فقد اجزأه) (2) لما مر من ان صب الماء على احد الطرفين لا يمكن عادة ان يغسل به احدهما من دون ان يصل منه الماء إلى شئ من الطرف الآخر وهو امر ظاهر فانه يجري الماء منه إلى شئ من الجانب الا يسر لا محالة والذيلان المتقدمان يدلان على كفاية ذلك في الغسل وعدم وجوب غسله ثانيا مع ان غسل ذلك المقدار من للجانب الايسر وقع قبل غسل تمام الطرف الايمن


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 1. (2) تقدم ذكرها في ص 465.

[ 469 ]

فهما تدلان على عدم اعتبار الترتيب بين الطرفين. ويدل على ذلك من الاخبار الخاصة مضافا إلى المطلقات المتقدمة ما ورد في ذيل صحيحة زرارة الواردة في من شك في غسل بعض جسده في الغسل حيث قال (فان دخله الشك وقد دخل في صلاته فليمض في صلاته ولا شئ عليه وان استيقن رجع فاعاد عليه الماء وان رآه وبه بلة مسح عليه واعاد الصلاة باستيقان.. (1) حيث فصلت بين صورتي الشك واليقين ودلت على وجوب اعادة الماء على الموضع غير المغسول أو مسحه بالبلة الموجودة في بدنه وعلى اعادة الصلاة في صورة اليقين وهذا انما يتم بناءا على عدم الترتيب بين الجانبين لان الترتيب لو كان معتبرا بينهما لوجب التفصيل بين ما إذا كان المحل المنسي غسله في طرف الايسر فيعود عليه بالماء أو يمسحه بالرطوبة الموجودة في بدنه كما في الرواية وبين ما إدا كان في الطرف الايمن فانه يعود عليه الماء أو بمسحه ويعيد غسل طرفه الايسر ليحصل به الترتيب المأمور به فكونها ساكتة عن التفصيل بين الصورتين مع انها في مقام البيان يدلنا على عدم اعتبار الترتيب بين الرأس والجانبين. ومنها: موثقة سماعة المتقدمة (2) حيث ورد منها (ثم تضرب بكف من ماء على صدره وكف بين كتفيه..) فان الظاهر ان الصبتين بنفسها الغسل المأمور به لا انهما مقدمتان للغسل بان يبلل بهما البدن ويصل الماء في الغسل إلى جميع اطرافه بسرعة وهي كما ترى تدل على لزوم غسلي الصدر والكتف من دون تقديم احد الجانبين على الآخر


(1) الوسائل: ج 1 باب 41 من أبواب الجنابة الحديث 2. (2) الوسائل ج 1 باب 26 من ابواب الجنابة الحديث 8

[ 470 ]

إذ لو اعتبر الترتيب بينهما للزم الامر بصبهما على الجانب الايمن من الصدر والكتف اولا ثم صبهما على جانب الايسر منهما. و (منها): صحيحة حكم بن حكيم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الجنابة فقال: افض على كتفك اليمنى من الماء فاغسلها ثم اغسل ما اصاب جسدك من اذى ثم اغسل فرجك وافض على رأسك وجسدك فاغتسل فان كنت في مكان نظيف فلا يضرك ان لا تغسل رجليك وان كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك (1). حيث انه عليه السلام فرع على صب الماء على الرأس والجسد بقوله فان كنت.. الخ انه ان كان في مكان نظيف فالماء الذي صبه على الرأس والجسد ويكفي في غسل رجليه فلا يجب غسلهما بعد ذلك واما إذا كان المكان قذرا وتنجس به رجلاه فيجب ان يغسلها بعد صبه الماء على رأسه وجسده اتماما للغسل وهذا لا يتم إلا بناءا على عدم اعتبار الترتيب بين الطرفين إذ لو كان معتبرا لوجب ان يأمره بغسل رجله اليمنى اولا ثم غسل رجله اليسري وجميع طرفه الايسر ثانيا تحصيلا للترتيب المعتبر بين الجانبين. ومما يدلنا على ما ادعيناه ولعله اظهر ما في الباب من الروايات ما رواه الصدوق في الموثق عن عمار بن موسى الساباطي انه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تغتسل وقد امتشطت بقرامل ولم تنقض شعرها كم يجزيها من الماء قال: مثل الذي يشرب شعرها وهو ثلاث حفنات على رأسها وحفنتان على اليمين وحفنتان على اليسار ثم تمر يدها


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 الحديث 7 وباب 27 الحديث 1 (من أبواب الجنابة).

[ 471 ]

على جسدها كله (1) وهي صريحة في المدعى فان قوله عليه السلام ثم تمر يدها تدل على تراخي امرار اليد عن صب الحفنتين على اليمين واليسار ولا وجه للامرار بعد ذلك إلا عدم وصول الحفنتين في كل من الطرفين إلى جميع البدن وإلا الامرار مما لا وجه له ولم تدل الموثقة على انها تمر بيدها على الجانب الايمن اولا ثم تصب الحفنتين على الايسر وتمر يدها عليه بل هي مطلقة فقد يكون الموضع الذي لم يصله الماء في الطرف الايمن مع انه قد صب الحفنتين على الايسر فانها دلت على انها لو مسحت بيدها ذلك الموضع كفى في غسلها ولا يتم هذا إلا مع عدم لزوم الترتيب بين الجانيين فالموثقة ظاهرة بل كادت ان تكون صريحة في عدم اعتبار الترتيب بينهما. ومما يشهد على ذلك بل يعادل جميع ما اسلفناه ان غسل الجنابة مسألة كثيرة الابتلاء لكل احد الا ما ندر والحكم في مثلها لو كان لشاع بين الرواة ولم يخف على احد مع انه لم يرد اعتباره الترتيب بين الطرفين ولا في رواية إذ لو كان معتبرا لورد في الاخبار وانتشر بين الرواة فانه قد ذكر الترتيب بين الرأس والبدن كما ذكر اعتباره بين الجانبين أيضا في غسل الميت مع قلة الابتلاء به فلو كان معتبرا في غسل الجنابة أيضا لورد في الروايات فنفس عدم الاشهار في مثله يدلنا على العدم فان الاعراب لا يمكنهم فهم اعتبار الترتيب بين الجانبين من قوله ثم صب على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين فما جرى عليه الماء فقد اجزأه فلو كان معتبرا لوجب عليه التنبيه والبيان. فتحصل ان الترتيب بين الجانبين مما لا دليل عليه سوى الاجماعات


(1) الوسائل: ج 1 باب 38 من أبواب الجنابة الحديث 6.

[ 472 ]

[ والاحوط ان يغسل النصف الايمن من الرقبة (1) ثانيا مع ] المنقولة والشهرة المحققة والشهرة لا نقول بحجيتها وكذا الاجماعات المنقولة لانها اخبارات حدسية لا يشملها ادلة اعتبار الخبر الواحد ومع القول بذلك في الاصول لا وجه للاعتماد عليها في الفروع حتى يشمله ما قاله بعض العلماء على ما نقله الشيخ (قدس سره) في بحث الاجماع المنقول من انهم إذا وردوا الفقه نسوا ما ذكروه في الاصول والاجماع المحصل غير حاصل لنا ولاسيما مع مخالفة الصدوقين حيث راجعنا عبارته ولم نرها دالة على اعتبار الترتيب بين الطرفين فالصحيح عدم اعتباره بين الجانبين ولكن الاحتياط مع ذلك في محله. حكم الاجزاء المشتركة (1) الكلام في الاجزاء المشتركة (منها الرقبة) قدمنا ان الرقبة داخلة في الرأس لا من جهة ان الرأس بمفهومه يشمل الرقبة بل من جهة ان الرقبة كالرأس في الغسل ولابد ان تغسل قبل غسل البدن ولكن الحد المشترك بينها وبين الجسد لابد من غسله مع الرقبة تارة ومع البدن اخرى لقاعدة الاشتغال حتى يحصل القطع بغسل الرقبة بتمامها قبل البدن وغسل البدن بعد الرقبة كما هو الحال في الوضوء حيث لابد من ادخال مقدار من الاطراف في الغسل تحصيلا للقطع بتحقق الغسل الواجب ثم ان قلنا بالترتيب بين الجانب الايمن والايسر وجب غسل

[ 473 ]

[ الايمن والنصف الايسر مع الايسر والسرة والعورة يغسل نصفها (1) الايمن مع الايمن ونصفهما الايسر مع الايسر والاولى ان يغسل تمامهما مع كل من الطرفين والترتيب المذكور شرط واقعي فلو عكس ولو جهلا أو سهوا بطل ولا يجب ] نصف الايمن من الحد الفاصل من الرقبة مع الجانب الايمن ثانيا ونصفها الايسر مع الجانب الايسر ثانيا واما إذا انكرنا الترتيب بينهما فلابد من غسله مع البدن كيفما اتفق و (منها) السرة والعورة. (1) هل يجب غسلهما مع الايمن فقط أو يجب غسلهما مع الايسر كذلك أو ينصفان فيغسل نصفهما الايمن مع الايمن ونصفهما الايسر مع الجانب الايسر أو لابد من غسلهما بتمامهما مع الجانب الايمن تارة ومع الجانب الايسر اخرى وهذا الاخير هو الذي جعله الماتن اولى. والظاهر انه لا اولوية ملزمة لذلك وذلك لانه مبنى على احتمال ان تكون السرة والعورة تابعتين للايمن أو للايسر ومن هنا تغسلان بتمامهما مع كل من الطرفين عملا بكلا الاحتمالين ولكنه احتمال لا منشأ له إذ لا وجه لتبعيتهما للايمن أو الايسر لان نسبتهما إلى كل من الجانبين على حد سواء بحيث لو نصفتا وقع نصفهما في احد الجانبين ونصفهما الآخر مع الآخر ومع تساوي النسبتين لا موجب لاحتمال تبعيتهما لاحد الطرفين فهما عضوان مستقلان كبقية الاعضاء المستقلة كالانف وغيره وهل يجب غسل نصفهما الايمن مع الايمن ونصفهما الايسر مع الايسر؟ الصحيح

[ 474 ]

[ البدءة بالاعلى في كل عضو ولا الاعلى فالاعلى (1) ولا الموالات العرفية ] عدم وجوب ذلك أيضا اما بناءا على عدم الترتيب بين الجانبين فظاهر فانه يتمكن من غسلهما كيفما اتفق واما بناءا على القول بالترتيب يبن الطرفين فلانه لم يثبت بدليل لفظي ليحكم بالترتيب في كل عضو وانما ثبت لو قلنا به بالاجماع كما مر وهو دليل لبي يقتصر فيه على المقدار المتيقن وهو غير الاعضاء المشتركة من السرة والعورة فالمطلقات فيهما محكمة وله ان يغسلهما كيفما اتفق نعم غسلهما بتمامهما مع كل من الجانبين احتياط محض لا بأس به. عدم وجوب البدءة بالاعلى فالاعلى (1) هذا هو المعروف بينهم بل لا خلاف فيه إلا ما نسب إلى بعضهم وما ذهبو إليه هو الصحيح وقد يجعل صحيحة زرارة (ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك) (1) وصحيحته الاخرى (ثم صب على رأسه ثلاث اكف ثم صب على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين) (2) دليلا على لزوم البدأة بالاعلى فالاعلى. وفيه: ان القرن ليس بمعنى اعلى الرأس وانما معناه موضع القرن


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 5 و 2.

[ 475 ]

من الحيوانات نعم يكنى به عن الاستغراق فالامر بغسل البدن من الفرن إلى القدم معناه وجوب غسل الجسد بتمامه ولا دلالة له على لزوم كون ذلك من الاعلى إلى الاسفل. على انها انما وردت لتحديد المغسول وانه هو ما بين القرن والقدم واما انه كيف يغسل فلا تعرض له في الرواية بوجه كما ذكرنا نظيره في الوضوء هذا بالاضافة إلى الصحيحة الاولى. واما الصحيحة الثانية فهى أيضا لا تدل على لزوم الغسل من الاعلى إلى الاسفل لان الامر بصب الماء على المنكبين ليس امرا مولويا وانما هو ارشاد إلى ايصال الماء إلى جميع اجزاء البدن وذلك للقرينة الخارجية والداخلية. اما الخارجية فهي موثقة سماعة الآمرة بصب كف من الماء على الصدر وكف منه على الكنف (1) فان الصدر والكتف ليسا من اعلى البدن فمنه يظهر ان الغرض ايصال الماء إلى اجزاء البدن وهذا قد يكون بصب الماء من اليمين واليسار وقد يكون من القدام والخلف فليس الامر بصب الماء من المنكبين إلا لذلك لا لاجل لزوم الغسل من الاعلى إلى الاسفل. واما القرينة الداخلية فلقوله عليه السلام في ذيلها فما جرى عليه الماء فقد اجزأه. لانه تفريع على صب الماء من المنكبين ومعناه ان الصب انما هو لجريان الماء على البدن ومن الواضح ان الجريان انما يكون بصب الماء من الاعلى والمنكب ولذا امر به لا لان الغسل لابد ان يقع من الاعلى إلى الاسفل. هذا كله. على انا لو سلمنا كونه مولويا فهو متعلق بالصب على المنكبين مقيدا بالمرتين وليس امرا مطلقا بالصب على المنكبين وقد علمنا خارجا


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 5 و 8.

[ 476 ]

ان المقيد مستحب إذا لا يعتبر في الصب مرتين فيكون الامر بالمقيد امرا استحبابيا. وتوهم ان العلم بالاستحباب انما يوجب رفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب في القيد واما ذات المقيد فالامر باق على ظهوره فيه فاصل الصب على المنكبين واجب. مندفع بان ذلك انما يتم في العموم والاطلاق فان الامر إذا تعلق باكرام عشرة وعلمنا بعدم وجوب اكرام واحد منهم فهو لا يوجب رفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب في الجميع وانما نرفع اليد عنه في خصوص الواحد المعلوم استحبابه وهذا بخلاف الامر بالمقيد لانه شئ واحد لا ينحل إلى امرين امر بالذات وامر بالقيد فإذا علمنا ان القيد مستحب فلابد من رفع اليد عن ظهور الامر بالمقيد من الوجوب. ويؤيد ما ذكرناه من عدم لزوم الغسل من الاعلى إلى الاسفل صحيحة زرارة المتقدمة الواردة (1) في نسيان بعض الاعضاء حيث دلت على انه يغسل ذلك الموضع أو يمسح بيده عليه فان الغسل من الاعلى إلى الاسفل لو كان واجبا للزم ان يفصل بين ما إذا كان المنسي اسفل الجزء وما إذا كان من الاجزاء العالية فانه في الصورة الثانية لابد من غسله وما بقي إلى آخر العضو حتى يتحقق الغسل من الاعلى إلى الاسفل. وهي وان كانت واردة في النسيان إلا انه يدلنا على عدم لزوم الترتيب بين الاعلى والاسفل باطلاقها.


(1) الوسائل: ج 1 باب 41 من أبواب الجنابة، الحديث 2.

[ 477 ]

[ بمعنى التتابع ولا بمعنى عدم الجفاف (1) فلو غسل رأسه ورقبته في اول النهار والايمن في وسطه والايسر في اخره صح وكذا لا تجب الموالاة في اجزاء عضو واحد ولو نذكر ] عدم اعتبار الموالاة في الغسل (1) وذلك مضافا إلى المطلقات كقوله في صحيحة زرارة ثم تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك (1) لعدم تقييدها بكون الغسل متواليا بل له ان يغسل عضوا اول الصبح وعضوه الآخر عند الزوال تدل عليه جملة من الاخبار. منها: صحيحة محمد بن مسلم الواردة في قضية الجارية حيث امر عليه السلام الجارية بان تعسل راسها وتمسحه مسحا شديدا وتغسل جسدها عند ارادة الاحرام (2). ومنها: ما ورد في مضمرة حريز من قوله عليه السلام وابدأ بالرأس ثم افض على سائر جسدك قلت: وان كان بعض يوم؟ قال: نعم (3). و (منها): صحيحة ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ان عليا عليه السلام لم ير بأسا ان يغسل الجنب رأسه غدوة ويغسل سائر جسده عند الصلاة (4).


(1) تقدم ذكرها في ص 474. (2) الوسائل: ج 1 باب 29 من أبواب الجنابة الحديث 1. (3) و (4) الوسائل: ج 1 باب 29 من أبواب الجنابة الحديث 2 و 3.

[ 478 ]

[ بعد الغسل ترك جزء من احد الاعضاء رجع وغسل ذلك الجزء فان كان الايسر كفاه ذلك وان كان في الرأس أو الايمن وجب غسل الباقي على الترتيب (1) ولو اشتبه ذلك الجزء وجب غسل تمام المحتملات مع مراعاة الترتيب (2) ] (1) ما افاده (قدس سره) على طبق القاعدة ليحصل الترتيب المعتبر بين الرأس والبدن واما بين الجانب الايمن والايسر فقد عرفت انه لا يعتبر الترتيب بينهما نعم لو قلنا به لصح ما افاده من وجوب غسل الموضع الباقي في الجانب الايمن ثم اعادة غسل الايسر ليحصل الترتيب بينهما. (2) وذلك للعلم الاجمالي بوجوب غسل موضع من مواضغ الغسل وحيث انه غير معين فيجب غسل الجميع تحصيلا للقطع بالفراغ ولكن هذا انما يتم فيما إذا كان الموضع غير المغسول في عضو واحد كما إذا علم بانه ترك غسل جزء من اجزاء راسه فيجب غسل جميع الراس لما مر أو علم بانه ترك غسل جزء من اجزاء بدنه فيجب غسل الجميع بناءا على عدم الترتيب بين الجانبين واما بناءا على الترتيب بينهما فكما إذ علم ببقاء جزء من طرفه الايمن فقط فيغسل جميع ذلك الطرف وهكذا. واما إذا كان المعلوم بالاجمال مرددا بين عضوين مترتبين كما إذا علم بانه ترك جزءا من رأسه أو من بدنه بناءا على عدم الترتيب يبن الجانبين واما بناءا عليه فكما إذا علم بترك جزء من راسه أو من جانبه الايمن فمقتضى اطلاق عبارة الماتن أيضا وجوب الاحتياط حينئذ إلا

[ 479 ]

[ (الثانية): الارتماس (1) وهو غمس تمام البدن في الماء دفعة واحدة ] ان الصحيح انه لا يجب عليه الجمع بين الاطراف وقتئذ وذلك لانحلال العلم الاجمالي إلى القضية المتيقنة والمشكوك فيها بالشك البدوي وذلك للقطع حينئذ بفساد غسل البدن أو الطرف الايمن اما لانه بقى منه جزء لم يغسله واما لبطلان غسل الرأس لبقاء جزء منه فان مع بطلان غسله يبطل غسل البدن أو الطرف الايمن للاخلال بالترتيب فلا مناص من اعادة غسله واما الرأس فهو مشكوك الغسل وعدمه ومقتضى قاعدة التجاوز صحت إذ بنينا وبنى الماتن (قدس سره) على جريانها في الغسل. وهكذا الحال فيما إذا علم اجمالا ببقاء جزء من طرفه الايمن أو الايسر بناءا على اعتبار الترتيب بينهما لانه يعلم حينئذ ببطلان غسل الايسر اما لعدم غسل شئ من اجزائه واما لبطلان غسل الايمن لبقاء جزء من اجزائه وشك في صحة غسل الجانب الايمن شكا بدويا تجري فيه قاعدة التجاوز. وهكذا الحال في كل امرين مترتبين كما إذا علم اجمالا ببطلان وضوئه أو بنقصان ركوع من صلاته فانه يعلم ببطلان صلاته تفصيلا اما لنقصان ركوعها واما لبطلان الوضوء مع ان مقتضى اطلاق عبارته (قدس سره) وجوب الاحتياط في هذه الصورة أيضا. الغسل الارتماسي وكيفيته (1) لا خلاف بين الفقهاء (قدهم) في ان الغسل ترتيبا انما يجب

[ 480 ]

[ عرفية (1) واللازم ان يكون ] فيما إذا كان غسل البدن تدريجيا واما إذا كان دفعة فلا يعتبر فيه الترتيب من غير خلاف وان قالوا بعدم تعرض القدماء لذلك إلا انه لعله من جهة وضوحه ويدل على ذلك ما ورد في صحيحة زرارة (ولو ان رجلا جنبا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة اجزأه ذلك وان لم يدلك جسده) (1) وفي صحيحة الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة اجزأه ذلك من غسله (2) وفي موثقة النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الرجل يجنب فيرتمس في الماء ارتماسة واحدة ويخرج يجزيه ذلك من غسله؟ قال: نعم (3). (1) واما إذا لم يكن كذلك بل كان تدريجيا فهو على قسمين لانه قد يرمس اعضاءه في الماء متدرجا فيدخل رجله ثم يخرجها فيرمس رجله الاخرى ثم يخرجها فيرمس عضوه الاخر إلى ان تنتهي اعضائه ولا اشكال في عدم كفاية ذلك بوجه لعدم صدق ان الرجل ارتمس ارتماسة واحدة وانما يصدق انه رمس رجله أو عضوه الآخر والمعتبر في الغسل هو صدق ان الرجل ارتمس. وقد يرتمس الرجل ولكنه متدرجا كما إذا فرضنا حوضا له درج متعددة فدخل الدرجة الاولى وصبر مقدارا ثم دخل الثانية فصبر عشرة


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 5. (2) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 12. (3) الوسائل: ج 1 باب 36 من أبواب الجنابة، الحديث 13.

[ 481 ]

[ تمام البدن تحت الماء (1) في آن واحد وان كان غمسه على ] دقائق وهكذا إلى ان احاط الماء بدنه مقتضى ما افاده الماتن (قدس سره) بطلان ذلك لعدم انغماس البدن في الماء دفعة واحدة عرفية هذا ولكنه (قدس سره) ذكر في المسألة الرابعة الآتية ان العسل الارتماسي يتصور على وجهين: احدهما: ان ينوي الغسل حين احاطة الماء بدنه لا عند دخوله في الماء وحينئذ يكون الغسل آنيا ومنحققا دفعة واحدة حقيقة ودخول الماء والتدرج في المقدمات لا فيه نفسه. وثانيهما: ما إذا نوى الغسل من اول دخوله الماء ليكون غسله تدريجيا ومستمرا إلى ان يدخل تمام بدنه الماء وعلى الاول لا يتصور وقوع الحدث في اثناء الغسل لانه آني وهذا بخلاف الثاني وعليه فيعتبر في الارتماس الدفعة الواحدة الحقيقية دون العرفية كما ذكره في المقام ولعل نظره في ذلك إلى الصورة الثانية التي يحصل الغسل فيه متدرجا فان الدفعة فيها لابد وان يكون وحدة عرفية كما افاده (قدس سره) وهو ظاهر قوله عليه السلام إذا ارتمس ارتماسة واحدة فقد اجزأه واما في الصورة الاولى فقد عرفت ان الغسل الارتماسي فيه آني وتعتبر فيه الوحدة العقلية لا محالة. اعتبار كون البدن بتمامه تحت الماء (1) وذلك لان الاخبار الواردة في اجزاء الارتماسة الواحدة انما

[ 482 ]

[ التدريج فلو خرج بعض بدنه قبل ان ينغمس البعض الآخر لم يكف (1) كما إذا خرجت رجله أو دخلت في الطين قبل ان يدخل رأسه في الماء أو بالعكس بان خرج راسه من الماء قبل ان تدخل رجله ولا يلزم ان يكون تمام بدنه أو معظمه ] ناظرة إلى الغاء اعتبار الترتيب في الغسل الترتيبي حيث يعتبر فيه غسل الراس اولا ثم البدن ولكن في الارتماس يكفي الغسل من طرف الرجل فهو مجزء عن الغسل الواجب بهذا الاعتبار. واما ان المغسول في الارتماس اقل منه في الترتيبي فلا دلالة لها على ذلك بوجه بل مقدار الغسل على حاله وانما الغت الاخبار كيفية الترتيب فحسب وعلى الجملة لا اختلاف بينهما بحسب الكمية وانما يفترقان في الكيفية وحيث ان الدليل دل على وجوب غسل جميع اجزاء البدن في الغسل ترتيبا بحيث لو تعمد في البقاء مقدار شعرة واحدة فيه دخل النار وابطل عبادته كذلك الحال في الارتماس ومن هنا ياتي في كلامه ان وصول الماء إلى البدن لو احتاج إلى تخليل الشعر وجب. (1) لان الارتماس عبارة عن احاطة الماء لتمام اجزاء البدن دفعة - على ما ياتي تفصيله في ذيل المسألة الرابعة ان شاء الله - فإذا خرج بعض اعضائه عن الماء عند دخول الجزء الآخر فيه فهو رمس للجزء لا رمس للبدن تحت الماء وعليه يتفرع بطلان الارتماس فيما إذا دخلت رجله في الطين أو خرجت عن الماء قبل ان يدخل رأسه في الماء أو بالعكس كما إذا دخل الماء كالسمك بان يدخل فيه برأسه حتى يخرج

[ 483 ]

[ خارج الماء بل لو كان بعضه خارجا فارتمس كفى (1) بل لو كان تمام بدنه تحت الماء فنوى الغسل وحرك بدنه كفى (2) على الاقوى ولو تيقن بعد الغسل عدم انغسال جزء من بدنه ] رأسه من الماء قبل ان تدخل رجله. (1) لان المأمور به هو الارتماس في الماء وهو يتحقق باحاطة الماء للبدن دفعة بلا فرق في ذلك بين كون مقدار من بدنه في الماء ام لم يكن بل المتعارف في الارتماس في البحار والانهار وامثالهما هو الاول حيث يرتمس بعد كون نصف بدنه أو الازيد من النصف في الماء واما الخروج عنه والطفرة في الارتماس فهما انما يناسبان اللعب والعبث وغير معتبرين في تحققه بوجه. نية الغسل وتحريك البدن تحت الماء (2) بناءا على كفاية الارتماس بقاء في الامتثال واما بناء على ما اسلفناه من ان الاوامر ظاهرة في الاحداث مطلقا ما دام لم تقم قرينة على كفاية الابقاء فلا ومن هنا لو كان في السجدة فتليت عليه آية التلاوة فبقى في السجدة مقدارا بداعي امتثال الامر بالسجدة لم يكف ذلك في الامتثال لان ظاهر الامر طلب الايجاد والاحداث فلا دليل إذا على كفاية قصد الغسل وتحريك بدنه وهو تحت الماء لانه ارتماس بقائي فلابد من ان يكون شئ من بدنه خارج الماء ويقصد الغسل بادخاله حتى يكون ارتماس بدنه بتمامه ارتماسا احدائيا نعم لا يعتبر في ذلك ان يكون

[ 484 ]

راسه خارج الماء بل الراس وغيره من اعضاء بدنه على حد سواء فان المدار على عدم كون بدنه بتمامه تحت الماء ليصدق احداث الارتماس بادخاله فما عن المستند من اعتبار كون راسه خارج الماء فمما لا دليل عليه في المقام. نعم له خصوصية في المفطرية في شهر رمضان فان الافطار انما يتحقق بادخال راسه ورمسه للدليل واما في تحقق الارتماس فلا خصوصية لادخال راسه بوجه - حال كوف سائر بدنه في الماء هذا. ثم لو اغمضنا عن ذلك ولم تعتبر الاحداث في الارتماس نظرا إلى ان الابقاء أيضا فعل اختياري له وهو كان في صحة الغسل فلا موجب لاعتبار تحريك البدن تحت الماء فان احاطة الماء بدنه بقاء غسل ارتماسي فما الموجب لاعتبار تحريك البدن تحته؟ ودعوى انه لاجل جريان الماء على بدنه لقوله عليه السلام كلما جرى عليه الماء فقد اجزأ (1) أو ما جرى عليه الماء فقد طهر (2) مندفعة بان الجريان معتبر في الغسل الترتيبي دون الارتماسي إذ لا يعتبر فيه إلا احطاطة الماء للبدن هذا. بل لو لم نعتبر الاحداث في ذلك وقلنا بكفاية الابقاء في الامتثال للزم الالتزام بذلك في الغسل الترتيبي أيضا كما إذا صب الماء على راسه بداع من الدواعي وقصد الغسل بالرطوبات الباقية على بدنه لانه غسل بقائي إذ لا يعتبر فيه جريان الماء على البدن فلو وضع اناء الماء على صدره فلصق الماء على بدنه وهكذا إلى آخر اجزاء بدنه كفى ذلك في تحقق الغسل المأمور به وان لم يكن للماء جريان.


(1) و (2) الواردتان في ذيل صحيحتي زرارة ومحمد بن مسلم: الوسائل ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 102.

[ 485 ]

[ وجبت الاعادة (1) ولا يكفي غسل ذلك الجزء فقط. ] ودعوى ان الجريان معتبر في الغسل لقوله عليه السلام كلما جرى عليه الماء فقد اجزأه - مندفعة بان قوله هذا إذا لوحظ مع قوله كل شئ امسسته الماء فقد انقيته (1) لا مناص من حمله على مجرد كفاية وصول الماء وان لم يكن فيه جريان مع ان كفاية الرطوبات الباقية على البدن في الغسل مما لا نحتمل التزامهم به بوجه إلا بعض من عاصرناهم (قدس الله اسرارهم) فانه كان ملتزما بذلك. وجوب الاعادة عند العلم بعدم انغسال جزء (1) فقد يقال كما عن العلامة في القواعد وصاحب المستند (قدهما) بكفاية غسل ذلك الموضع الباقي فحسب من دون حاجة إلى اعادة تمام الغسل اخذا بصحيحة زرارة المتقدمة (2) الدالة على كفاية غسل الموضع الباقي فقط عند يقينه ببقاء جزء من بدنه بدعوى ان الغسل الارتماسي كالترتيبي حيث لم تقيد الصحيحة الحكم بالترتيبي هذا. ويدفعه ان هذه الجملة من صحيحة زرارة المشار إليها ليست رواية مستقلة وانما وردت في ذيل صحيحته الواردة في الوضوء


(1) المذكورة في ذيل صحيحة زرارة الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 5. (2) تقدم ذكرها في ص 393.

[ 486 ]

حيث روى عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر اغسلت ذراعيك ام لا فاعد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه انك لم تغسله، أو تمسحه مما سمي الله ما دمت في حال الوضوء لى ان قال قلت له: رجل ترك بعض ذراعه، أو بعض جسده من غسل الجنابة، فقال: إذا شك وكانت به بلة وهو في صلاته مسح بها عليه. وان كان استيقن رجع فاعاد عليهما ما لم يصب بلة. فان دخله الشك وقد دخل في صلاته فليمض في صلاته ولا شئ عليه، وان استيقن رجع فاعاد عليه الماء، وان رآه وبه بلة مسح عليه واعاد الصلاة باستيقان.. (1) ومقتضى صدرها ان المراد بالغسل هو الترتيبي كما هو الحال في الوضوء لان الغسل فيه أيضا ترتيبي فكأنه سئل عن حكم الغسل المتحقق في كل من الوضوء والغسل وانه إذا لم يستوعب الاعضاء حكمه اي شئ ومع قرينية صدر الصحيحة على ارادة الغسل الترتيبي كيف يبقى لذيلها اطلاق حتى يشمل الارتماسي أيضا هذا اولا. وثانيا: لو سلمنا ان صدرها ليس قرينة على الذيل أيضا لا يمكننا الاستدلال بها على ذلك المدعى حيث انها ناظرة إلى السؤال عن الموالاة وانه إذا غسل مقدارا من بدنه ولم يغسل بعضه نسيانا أو غفلة هل يصح غسله أو لا يصح حيث انه لو غسله بعد التفاته إليه تخلل في غسل اجزائه زمان لا محالة فاجابه عليه السلام بان الموالاة غير معتبرة في الغسل.


(1) ذكر صاحب الوسائلي صدرها في الوسائل ج 1 باب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 1، وذيلها في باب 41 من أبواب الجنابة الحديث 2،

[ 487 ]

ومن الظاهر ان الموالاة انما يعتبر أولا تعتبر في الغسل الترتيبي واما الارتماسي فهو امر وحداني اما ان يوجد واما ان لا يوجد لان المراد به احاطة الماء للبدن وامره يدور بين الوجود والعدم ولا معنى فيه لغسل شئ من البدن تارة وغسل بعضه اخرى ليعتبر بينهما الموالاة أولا تعتبر. وعليه فالصحيحة مختصة بالغسل الترتيبي ولا يعم الارتماسي بوجه. نعم هناك شئ وهو ان الغسل الارتماسي هل هو امر اجنبي عن الغسل رأسا إلا انه يوجب سقوطه كما في عدلي الواجب التخييري حيث ان كل واحد منهما امر مغاير للآخر بحسب الطبيعة إلا انه مسقط للآخر وكما في الاتمام حيث ذكروا انه مسقط للواجب من غير ان يكون عدلا للواجب التخييري اصلا أو ان الارتماسي أيضا غسل ولكنه طبيعة والترتيبي طبيعة اخرى من الغسل فهما طبيعتان متغايرتان أو لا هذا ولا ذاك بل هما طبيعة واحدة ولهما كيفيتان فقد يوتى بكيفية الارتماس واخرى بكيفية الترتيبي نظير ما ذكرناه في صلاتي القصر والتمام حيث قلنا انهما طبيعة واحدة لها كيفيتان وفردان فقد تجب كيفيته القصر واخرى تجب الاتمام وثالثة يتخير بينهما كما في مواضع التخيير؟ اما احتمال ان يكون الارتماسي امرا اجنبيا مغايرا مع الغسل الترتيبي ومسقطا له فيدفعه ظهور قوله عليه السلام (إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة اجزأه ذلك) (1) فان ظاهره ان الارتماس من طبيعة الغسل وهو مجزء عن الترتيبي لا انه امر اجنبي عنه ومجزء كما ان ظاهره أن الارتماس هي الطبيعة المأمور بها وغاية الامر ان المتعين الاولى كيفية


(1) تقدم ذكرها في ص 396.

[ 488 ]

اخرى وتلك الكيفية مجزئة عن الواجب لا انه طبيعة اخرى مغايرة للطبيعة الواجبة وعليه فالمتعين انهما طبيعة واحدة وانما تختلفان بحسب الكيفية. ويترتب على ذلك ان المكلف إذا نوى الترتيبي فغسل رأسه ولكنه عند غسل بدنه بدا له واراد الارتماس فارتمس ثم انكشف بقاء لمعة على بدنه لم يصلها الماء فعلى الاحتمالين الاولين لابد من ان يرجع ويغتسل من الابتداء لانه في غسل بدنه لم يقصد الترتيب حتى يتحقق بغسل الموضع غير المغسول بعد غسله وانما قصد الارتماس وهو لم يتحقق لبقاء شئ من بدنه فيبطل وهذا بخلاف الاحتمال الثالث لان الواجب حينئذ ليس إلا غسل الجنابة ولا يجب على المكلف ان ينوي الترتيبي أو غيره وحيث انه نوى غسل الجنابة وصب الماء على بدنه ولم يحطه الماء فلا محالة يكون هذا ترتيبيا وان لم يقصده إلا ان الترتيبي والارتماسي لما كان طبيعة واحدة كان قصد احدهما قصد للاخر لا محالة بل كفى قصد غسل الجنابة في صحته وان لم يقصد الترتيب أو الارتماس وبما ان الماء لم يصل تمام بدنه فهو يكون ترتيبا لا محالة فان لم نقل بالترتيب بين الجانبين فيغسل ذلك الموضع فقط اسوأ كان في الجانب الايمن أو الايسر واما بناءا على الترتيب بينهما فان كان الموضع في الجانب الايسر فايضا يغسله فقط واما إذا كان في الجانب الايمن فيغسل ذلك الموضع عنه ويعود إلى غسل الجانب الايسر من الابتداء تحصيلا للترتيب المعتبر بينهما.

[ 489 ]

[ ويجب تخليل الشعر (1) إذا شك في وصول الماء إلى البشرة ولا فرق في كيفية الغسل باحد النحوين بين غسل الجنابة وغيره (2) من سائر الاغسال الواجبة والمندوبة ] وجوب تخليل الشعر لو شك في مانعيته (1) لما مر من ان المستفاد من قوله عليه السلام إذا ارتمس ارتماسة ان الارتماس مامور به ومجزء عن الواجب وهو والترتيبي طبيعة واحدة لا انه امر اجنبي مسقط للواجب كما في الاتمام حيث ذكروا انه مسقط للمأمور به وعليه فكلما يعتبر في الترتيبي يعتبر في الارتماسي أيضا فكما انه لابد من ايصال الماء إلى جميع اجزاء البدن في الترتيبي فلو ترك بمقدار شعرة واحدة متعمدا دخل النار - على ما في الخبر (1) - كذلك الحال في الارتماسي بعينه لانه هو هو بعينه سوى انه لا يعتبر فيه الترتيب وعليه فلو كان شعره كثيفا مانعا عن وصول الماء تحته أو احتمل مانعيته يجب تخليله وازالة المانع عن وصول الماء إلى البشرة كبقية الموانع وذلك تحصيلا للقطع بالامتثال أو لحكم العقل بافراغ الذمة عما اشتغلت به. هذا بناءا على ما قدمناه من ان الارتماسي والترتيبي طبيعة واحدة وانما يختلفان بحسب الكيفية فقط فان سائر الاغسال وان لم يرد كيفيتها في رواية إلا ان العرف يستفيد مما ورد في كيفية غسل الجنابة ان


(1) وهي صحيحة حجر بن زائدة الوسائل: ج 1 باب 1 من أبواب الجنابة الحديث 5.

[ 490 ]

الكيفية الواردة فيه غير مختصة به لان الاغسال طبيعة واحدة وانما الاختلاف في اسبابها وانما تصدوا عليهم السلام لبيان الكيفية في الجنابة دون غيرها لان الابتلاء بها اكثر عن الابتلاء بغيرها من الاسباب فتصدوا لبيان كيفيته حتى يظهر الحال في غيرها من ذلك البيان فيما ان غسل الجنابة له فردان من طبيعة واحدة اعني الترتيبي والارتماسي وهما يكفيان عنه فلا محالة يكفيان عن بقية الاغسال الواجبة أيضا. ويؤيد ما ذكرناه ما رواه في الفقيه من ان غسل الحيض والجنابة سواء (1). وما ورد في ان الجنب إذا ابتلى بالحيض لا يغتسل بل يصبر إلى ان ينقضى ايام حيضها وبعده تغتسل غسلا واحدا عن الجميع (2). كما دل على ان الغسل الواحد يجزى عن الحقوق المتعددة (3) حيث تدل على ان الاغسال طبيعة واحدة وانما الاختلاف في الاسباب واما إذا قلنا بان الارتماسي امر اجنبي مسقط عن المأمور به فلا وجه للحكم بكفايته في بقية الاغسال لان مورد الاخبار الدالة على اجزائه وكفايته انما هو غسل الجنابة ولا دليل على كفايته عن بقية الاغسال. كما نسب إلى العلامة التوقف في ذلك في بعض كتبه.


(1) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة الحديث 9. (2) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة الحديث 5 و 6 وغيرهما. (3) الوسائل: ج 1 باب 43 من أبواب الجنابة الحديث 1 وغيره.

[ 491 ]

[ نعم في غسل الجنابة لا يجب الوضوء بل لا يشرع (1) بخلاف سائر الاغسال (2) كما سيأتي ان شاء الله. ] لا يشرع الوضوء مع غسل الجنابة (1) وذلك لقوله سبحانه فإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق. إلى قوله وان كنتم جنبا فاطهروا (1) فان التفصيل قاطع للشركة فيستفاد من الآية المباركة ان وظيفة غير الجنب هي غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين واما وظيفة الجنب فهي الاغتسال فكما ان غير الجنب لا يشرع في حقه الاغتسال فكذلك الجنب لا يشرع في حقه الوضوء وقد ورد في الاخبار ان غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء (2) فالكتاب والسنة متطابقان على عدم مشروعية الوضوء مع غسل الجنابة. (2) اي يشرع فيها الوضوء وذلك لاطلاقات الامر به وعدم دلالة دليل على نفي مشروعيته كما في غسل الجنابة. نعم هناك بحث آخر يتعرض له الماتن بعد الاغسال وهو وجوب الوضوء مع بقية الاغسال وعدم وجوبه حيث ورد انه اي وضوء انقى من الغسل (3) وغيره مما يدل على عدم وجوبه ونحن أيضا لنتعرض له هناك وهما بحثان لابد


(1) المائدة الآية: 6. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 34 من أبواب الجنابة (3) راجع الوسائل: ج 1 باب 34 من أبواب الجنابة الحديث 4

[ 492 ]

[ (مسألة 1): الغسل الترتيبي افضل (1) من الارتماسي. (مسألة 2): قد يتعين الارتماسي كما إذا ضاق الوقت عن الترتيبي وقد يتعين الترتيبي كما في يوم الصوم الواجب وحال ] للتعرض إلى مشروعية الوضوء مع بقية الاغسال في المقام وإلى وجوبه أو جوازه في البحث الآتي في محله ان شاء الله تعالى فان القول بعدم وجوبه معها لا تستلزم نفي مشروعية الوضوء كما لا يخفى. افضلية الترتيبي من الارتماسي (1) لان الاخبار (1) الواردة في المقام انما امرت بالغسل ترتيبا وانه يغسل راسه اولا ثم بدنه ويصب الماء على رأسه ثلاثا ثم على منكبه الايمن مرتين وعلى منكبه الايسر مرتين فلو كنا نحن وهذه الاخبار لقلنا بتعين الترتيبي لا محالة ولكنه ورد (2) ان الارتماسي مجزء عن ذلك الواجب الاولى فإذا ضم احدهما إلى الآخر ينتج ان المأمور به هو الترتيبي وان كان يمكنه الاكتفاء بالارتماس ومعه يكون الترتيبي هو الافضل لانه المأمور به الاولى وهذا نظير ما إذا امره المولى بشئ ثم قال لو اتيت بشئ آخر كذا أيضا اجزئك وكفاك فان الاتيان بالشئ الاولى افضل حينئذ لانه المأمور به.


(1) و (2) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة.

[ 493 ]

[ الاحرام (1) وكذا إذا كان الماء لغيره ولم يرض بالارتماس فيه ] تعين كل من الكيفيتين بالخصوص احيانا (1) لحرمة تغطية الرأس على المحرم ولو بالماء ولان الارتماس من المفطرات في الصوم. نعم لو كان الصوم مستحبا أو واجبا موسعا غير مضيق جاز الارتماس لجواز ابطال الصوم غير الواجب ومعه يبقى التخيير بحاله بخلاف الصوم الواجب كصوم شهر رمضان أو المضيق والمعين كقضائه بناءا على المضايقة أو نذر صوم يوم معين. ثم ان هناك فرق بين تعين الارتماسي لضيق الوقت عن الترتيبي وبين تعين الترتيبي لحرمة الارتماسي فان في الثاني قد تعلق النهي بالارتماس ومعه تكون العبادة باطلة لان المحرم لا يكون مصداقا للواجب ولا يمكن التقرب به وهذا بخلاف الاول فان الترتيبي لم يتعلق به النهي حينئذ وانما تعين الارتماس لجهة واجب آخر مقدمة للصلاة في وقتها فلو عصى ولم يأت بالصلاة اداءا واتى بالغسل الترتيبي صح غسله ولا دليل على بطلانه حينئذ. نعم فيما إذا تعين الارتماسي لان مالك الماء لم يرض بالترتيبي لاستلزامه صرف الماء زائدا - مثلا - كان الترتيبي محرما في نفسه وغير مجزء وان عصى ولم يأت بالصلاة.

[ 494 ]

[ (مسألة 3): يجوز في الترتيبي (1) ان يغسل كل عضو من اعضائه الثلاثة بنحو الارتماس بل لو ارتمس في الماء ثلاث مرات مرة بقصد غسل الرأس ومرة بقصد غسل الايمن ومرة بقصد الايسر كفى وكذا لو حرك بدنه تحت الماء ثلاث مرات (2) أو قصد بالارتماس غسل الرأس وحرك بدنه تحت الماء بقصد الايمن وخرج بقصد الايسر ويجوز غسل واحد من الاعضاء بالارتماس والبقية بالترتيب بل يجوز غسل بعض كل عضو بالارتماس وبعضه الآخر بامرار اليد. ] غسل كل عضو بالارتماس في الترتيبي (1) لان الصب الوارد في الاخبار انما هو مقدمة لجريان الماء على البدن كما ورد في ذيل بعضها (1) ولا خصوصية له فلو جرى الماء على بدنه بغير الصب كالارتماس أيضا كفى في صحته. (2) قد مر ان ظواهر الاوامر هي طلب الايجاد والاحداث والوجود البقائي خارج عن المأمور به ومعه لا يكفي تحريك بدنه تحت الماء بدلا عن الغسل المأمور به.


(1) كما في صحيحتي محمد بن مسلم وزرارة، الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 1 و 2.

[ 495 ]

[ (مسألة 4): الغسل الارتماسي يتصور على وجهين احدهما ان يقصد الغسل باول جزء دخل في الماء (1) وهكذا إلى الآخر فيكون حاصلا على وجه التدريج والثاني ان يقصد الغسل حين استيعاب الماء تمام بدنه (2) وحينئذ يكون آنيا وكلاهما صحيح ويختلف باعتبار القصد ولو لم يقصد احد ] للارتماسي صورتان (1) ليكون الغسل الارتماسي تدريجيا يشرع فيه من اول دخوله في الماء إلى ان يحيط الماء بتمام بدنه وهو حينئذ نظير الصلاة وغيرها من المركبات فكما انه يشرع في الصلاه من حين دخوله فيها إلى ان ينتهي إلى آخرها كذلك الحال في الغسل الارتماسي حينئذ ومعه يمكن ان يتحقق الحدث في اثنائه كما يمكن ان يتحقق في اثناء الترتيبي على ما ياتي حكمه ان شاء الله تعالى. (2) فيكون الغسل الارتماسي امرا وحدانيا دفعي الحصول ولا يعقل تخلل الحدث في اثنائه. ولا يخفي ان الجمع بين القسمين المذكورين في الارتماسي والقول بانه قد يتحقق بهذا وقد يتحقق بذاك امر غير صحيح بل الصحيح ان يقال ان الارتماسي اما ان يتحقق على نحو التدريج فحسب واما انه دفعي ووحداني فهو من قبيل احدهما لا انه قد يكون تدريجيا وقد يكون دفعيا بيان ذلك.

[ 496 ]

إن الاخبار الواردة في الغسل الارتماسي على قسمين فقسم اشتمل على لفظة الارتماس وانه إذا ارتمس ارتماسة واحدة اجزأه وهذا أي الارتماس ورد في روايتين معتبرتين (1) والارتماس معناه الستر والتغطثة فيقال رمس خبره اي كتمه وستره ورمسه في التراب اي غطاه به. وقسم اشتمل عليه لفظة الاغتماس كما ورد في مرسلة الفقيه (2) وهو أيضا بمعنى الارتماس وان قيل ان بينهما فرقا وهو ان التستر والتغطي بالماء إذا كان كثيرا بان مكث تحته فهو اغتماس واما إذا لم يمكث تحته فهو ارتماس الا انه لم يثبت وكيف كان فسواء ثبت ام لم يثبت فهما بمعنى واحد ومن الظاهر ان التغطي والتستر بالماء لا يتحقق إلا باحاطة الماء تمام البدن بحيث لو بقى منه شئ خارج الماء لم يصدق الاغتماس والتغطي. وعليه فالارتماس امر وحداني دفعي لا انه تدريجي إذ ليس هو بمعنى احاطة الماء ليقال انه امر تدريجي الحصول بل معناه التستر والتغطي وهما امران دفعيان وعلى هذا فلابد من ان يقال ان الارتماس ان كان بمعنى احاطة الماء للبدن فهو امر تدريجي لابد من ان ينوي الغسل من اول جزء دخل في الماء وإذا كان معناه التغطي والتستر فهو دفعي وحداني لابد ان يقصد الغسل حين استيعاب الماء تمام بدنه فهو اما هذا أو ذاك لا انه قد يتحقق بهذا وقد يتحقق بذاك: وبما ان اللغة قد فسرته بالتستر والتغطي وبين موارد استعمالاته فهي اصدق شاهد على انه بمعنى الستر


(1) وهما صحيحة زرارة وصحيحة الحلبي، الوسائل ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 5 - 12 وكذلك ورد لفظ الارتماس من موثقة السكوني، نفس الباب الحديث 13. (2) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 15.

[ 497 ]

[ الوجهين صح أيضا وانصرف إلى التدريجي (1) (مسألة 5): يشترط في كل عضو (2) ان يكون طاهرا حين غسله فلو كان نجسا طهره اولا ولا يكفي غسل واحد لرفع الخبث والحدث كما مر في الوضوء ولا يلزم طهارة جميع الاعضاء قبل الشروع في الغسل وان كان احوط. ] والتغطي فهو امر دفعي وحداني ومعه ينوى الغسل حال استيعاب الماء تمام بدنه والاحوط ان لا ينوي شيئا لاحتمال ان يكون الارتماس بمعنى احاطة الماء وهو تدريجي والاولى من ذلك ان يقصد ما في الذمة لانه مهرء على كل حال. (1) لانه اسبق في الوجود من الاستيعاب التام. اشتراط الطهارة في كل عضو حين غسله (2) في المقام بحثان: احدهما انه هل يعتبر في صحة الغسل طهارة جميع الاعضاء قبله بحيث لو كانت رجله - مثلا - متنجسة لم يصح غسل رأسه أو لا يعتبر ذلك في صحة الغسل فان قلنا باشتراط الطهارة في جميع الاعضاء قبل الغسل فلا تصل النوبة إلى البحث الثاني. واما إذا لم نقل بهذا الاشتراط فيقع الكلام في ان الغسل يشترط فيه طهارة كل عضو قبل غسله وان لم يعتبر طهارة المجموع قبل

[ 498 ]

الغسل أو يكفي صب الماء مرة واحدة لازالة الخبث والحدث معا وهذا هو البحث الثاني في المقام. وهذا بخلاف الوضوء فان البحث السابق لا يأتي فيه إذ لم يقل احد باعتباره طهارة مجموع اعضاء الوضوء قبل الشروع فيه بل يكفي تطهير كل عضو قبل غسله وان كانت الاعضاء الباقية نجسة. اما المقام فقد ذهب جماعة إلى اشتراط طهارة مجموع الاعضاء قبل الغسل في صحته مستدلين عليه بالاخبار المتضمنة للامر بغسل الفرج قبل صب الماء على الرأس والبدن (1) وبما دل على غسل ما في البدن من الاذى - اي النجاسة - قبل غسل الرأس والبدن (2) بدعوى انها ظاهرة في شرطية تطهير البدن قبل الغسل في صحته. ولكن الصحيح عدم دلالتها على الاشتراط وذلك لانا وان قلنا ان ظاهر الامر هو الوجوب النفسي وان هذا الظهور الاولى انقلب إلى ظهور ثانوي في المركبات والمقيدات حيث ان ظهور الامر فيهما في الارشاد إلى الشرطية أو الجزئية كما ان النهي فيهما ظاهر في الارشاد إلى المانعية إلى ان هذا انما هو فيما إذا كان المولى بصدد المولوية بان يكون الامر مولويا فان الارشاد إلى الشرطية والجزئية أو المانعية أيضا من وطائف المولى. واما إذا لم يكن المولى بهذا الصدد وانما كان بصدد بيان امر عادي طبيعي فلا ظهور لامره في الارشاد اي شئ والامر في المقام كذلك لان الغالب نجاس الفرج بالمني في موارد غسل الجنابة والمني ليس كالبول


(1) راجع الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب 1 الجنابة. (2) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة.

[ 499 ]

ليزول بصب الماء عليه لانه ماء كما في الخبر (1) والمني لزج في نفسه وتحتاج ازالته إلى ذلك أو صابون واعمال عناية وهذا بحسب الطبع والمتعارف انما يتحقق في الكنيف أو موضع آخر ثم يغتسل في موضع آخر لا انه يزال في اثناء الغسل لان غسله في اثناء الغسل صعب حيث ان الماء عند صبه على الراس يصيبه لا محالة وهو نجس فيتنجس ما يلاقيه كما يتنجس الارض حيث تقطر منه الماء على الارض ويحتاج إلى تطهير ذلك كله والامام عليه السلام يامره بانقاء الفرج ناظر إلى بيان امر طبيعي عادي ومعه لا ينعقد له ظهور في الارشاد إلى الشرطية بوجه. ويدل على ما ذكرناه صحيحة حكم بن حكيم (2) المتقدمة الامرة بغسل الرجلين بعد غسل الراس والبدن إذا كان الموضع قذرا لتنجسهما بوصول الماء اليهما ومعه لم يحكم ببطلان غسل راسه وبدنه بل امره بغسلهما بعد ذلك حتى يطهرا ويصح غسلهما وهذا بخلاف ما إذا كان المحل نظيفا إذ لا حاجة حينئذ إلى غسلهما لان الماء بطبعه يصل إلى تحت القدمين عند صبه على الراس والمنكبين وعليه فلا يشترط تطهير جميع اعضاء الغسل قبله. واما المقام الثاني اعني اشتراط تطهير كل عضو قبل غسله فقد ذهب إليه المشهور والمستند لهم في ذلك احد امرين: (احدهما): ان العضو لو كان متنجسا تنجس به الماء عند وصوله


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الخلوة الحديث 3 وج 7 باب 1 من أبواب النجاسات الحديث 3. (2) الوسائل: ج 1 باب 27 من أبواب الجنابة الحديث 1 وورد صدرها في باب 26 من الباب الحديث 7.

[ 500 ]

إليه ولا يصح الغسل مع الماء المتنجس إذ لابد في ازالة الحدث من ان يكون الماء طاهرا بل وكذلك الحال في ازالة الخبث إذ الماء المتنجس بوصوله إلى العضو لا يكفي في تطهيره وازالة الخبث فلا يحصل به ازالة الخبث ولا الحدث. نعم لابد في ازالة الخبث من ان نعتبر طهارة الماء قبل ان يصل إلى المحل المتنجس فالنجاسة الحاصلة بنفس الغسل اي بوصول الماء إلى المحل غير مانعة عن حصول الطهارة به وذلك للضرورة الملجأة إلى ذلك حيث ان الماء القليل لو اشترطنا طهارته حتى بعد وصوله إلى المحل مع القول بنجاسة الغسالة مطلقا لزم عدم امكان تطهير شئ من المتنجسات به وهو خلاف الاخبار والضرورة. واما في ازالة الحدث فلا ضرورة ملجأة إلى تخصيص اشتراط الطهارة بما قبل وصول الماء إلى العضو بل نلتزم فيه باشتراط الطهارة في الماء مطلقا قبل وصوله إليه وبعده وغاية ما يلزمه بطلان الغسل به قبل تطهير العضو المتنجس وهو مما لا محذور في الالتزام به ومن هنا نعتبر في صحة الغسل بالماء القليل تطهير كل عضو قبل غسله. ولا يخفى انه لا يترتب النتيجة على هذا الاستدلال الا على نحو الموجبة الجزئية اي فيما إذا اغتسل بالماء القليل مع القول بنجاسة الغسالة مطلقا. واما إذا اغتسل في الكر أو الجاري أو غيرهما من المياه المعتصمة فلا يتنجس الماء بوصوله إلى العضو المتنجس حتى يشترط في صحة الغسل به طهارة العضو قبل غسله وكذا إذا اغتسل بالماء القليل مع القول بطهارة الغسالة مطلقا كما التزم به بعضهم أو فيما إذا كانت متعقبة بطهارة المحل فان الماء لا يتنجس في هذه الصورة فلا يبطل به غسله.

[ 501 ]

(ثانيهما)؟ ان غسل البدن يتعلق للامر من جهتين من جهة ازالة الخبث كما في موثقة عمار: فعليه ان يغسل ثيابه، ويغسل كلما اصابه ذلك الماء (1) وغيره من الاوامر الواردة في غسل البدن أو صب الماء عليه لتطهيره (2) ومن جهة ازالة الحدث كما في صحيحه زرارة الامرة بغسل البدن من القرن إلى القدم (3) وحيث ان الاصل عدم التداخل فلابد من ان نلتزم بتعدد غسل البدن فتارة من جهة الامر بغسله لازالة الخبث واخرى من جهة الامر بازالة الحدث لاستحالة تعلق امرين أو ازيد على طبيعة واحدة فلا محالة يقيد متعلق كل منهما بما هو غير متعلق الآخر هذا. ولا يخفى ان الطبيعة الواحدة إذا تعلق بها امران فصاعدا وان كان مقتضى الاصل عدم التداخل فيه لان كل شرط وسبب يستدعي مسببا عليمدة ويستحيل ان يبعث نحو الشئ الواحد ببعثين ويطلب مرتين كما إذا اورد ان افطرت فكفر وان ظاهرت فكفر فيقيد متعلق كل منهما بفرد دون الفرد الآخر الذي تعلق عليه الطلب الاخر الا ان ذلك فيما إذا كان الامران مولويين تكليفيين كما في المثال. واما إذا كانا ارشاديين فلا مانع من تداخلهما وليس الاصل فيهما عدم التداخل والامر في المقام كذلك لان الامر بغسل البدن من جهة ازالة الاخباث ارشاد إلى نجاسة البدن باصابة الماء المتنجس أو غيره له


(1) الوسائل: ج 1 باب 4 من أبواب الماء المطلق الحديث 1. (2) راجع الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب احكام الخلوة، وغيره من الابواب. (3) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 5.

[ 502 ]

[ (مسألة 6): يجب اليقين بوصول الماء (1) إلى جميع الاعضاء فلو كان حائل وجب رفعه ويجب اليقين بزواله مع ] كما انه ارشاد إلى ان نجاسته لا ترتفع بغير الغسل. وكذا الامر بغسل البدن من جهة ازالة الحدث لانه ارشاد إلى شرطية غسل تمام البدن في الغسل واي محذور في اجتماعهما على طبيعة واحدة؟ بل لا مناص عنه اخذا باطلاقهما فنلتزم ان الغسل مما يزال به نجاسة البدن كما انه شرط في صحة الغسل فلا موجب لتقييد كل منها بفرد غير ما تعلق به الآخر. فان الموجب للقول بعدم التداخل انما هو استحالة طلب الشئ مرتين وعدم مفعولية البعث نحو الشئ ببعثين للذي هو نظير محذور اجتماع المثلين في شئ واحد وهذا كما ترى مختص بالامرين التكليفين ولا ياتي في الارشادين بوجه إذا لا طلب ولا بعث فيهما فلا محذور في اجتماعهما في شئ واحد فالاصل فيهما التداخل لاعدم التداخل فان بالغسل مرة يرتفع الخبث كما يحصل به شرط صحة الغسل وعليه فالصحيح عدم اعتبار طهارة كل عضو قبل غسله وتطهيره إلا ان الاحوط ذلك بل الاولى ان يطهر جميع اعضائه قبل ان يشرع في الوضوء لوجود المخالف في المسألة والقول بالاشتراط. (1) لقاعدة الاشتغال حتى يقطع بالفراغ.

[ 503 ]

[ سبق وجوده (1) ومع عدم سبق وجوده يكفي الاطمئنان بعدمه بعد الفحص. (مسألة 7): إذا شك في شئ انه من الظاهر أو الباطن يجب غسله (2) على خلاف ما مر في غسل النجاسات حيث ] كفاية الاطمئنان بالعدم (1) لاستصحاب بقائه ولا ينقض اليقين الا بيقين مثله. ولكن الصحيح كفاية الاطمئنان بالزوال لانه يقين عقلائي ويطلق عليه اليقين في لسان اهل المحاورة والعامة كما انه يفين بحسب اللغة لان اليقين من يقن بمعنى سكن وثبت كما ان الاطمئنان بمعنى سكن واستقر فهو يقين لغة وعرفا وان كان بحسب الاصطلاح لا يطلق عليه اليقين فمع حصوله يرفع اليد عن اليقين السابق لا محالة وعليه فلا وجه بين صورة سبق وجود الحائل وصورة عدم سبقه بل يكفى الاطمئنان في كليهما. الشك في كون الشئ من الباطن (2) قدمنا تفاصيل الشك في ان الشئ من الباطن أو الظاهر - من دون العلم بحالته السابقة - في مبحث الوضوء وقلنا ان الشك فيه قد

[ 504 ]

[ قلنا بعدم وجوب غسله والفرق ان هناك يرجع إلى الشك في تنجسه بخلافه هنا حيث ان التكليف بالغسل معلوم فيجب تحصيل اليقين بالفراغ نعم لو كان ذلك الشئ باطنا سابقا وشك في انه صار ظاهرا ام لا فلسبقه بعدم الوجوب لا يجب غسله عملا بالاستصحاب (1) (مسألة 8): ما مر من انه لا يعتبر الموالاة في الغسل الترتيبي انما هو فيما عدا غسل المستحاضة والمسلوس والمبطون (2) ] يكون من قبيل الشبهة الحكمية المفهومية واخرى من قبيل الشبهة الموضوعية وبينا احكامها مفصلا وحيث ان الغسل والوضوء في ذلك سواء فلا نطيل بذكره في المقام. (1) وليس هذا الاصل من المثتب في شئ لان عدم وجوب غسل الموضع من الاثار المترتبة على كونه باطنا شرعا وليس استصحاب الموضوع للاثر الشرعي لاجل ترتيبه من المثبت في شئ فان المثبت هو استصحاب الشئ لاجل ترتيب اثار لوازمه أو ملزوماته أو ملازماته وقد بينا في محله ان ادلة اعتبار الاستصحاب لا يشمل الا الاثار المترتبة على نفس المستصحب لا على لوازماته فإذا جرى استصحاب كون الشئ من الباطن وتعبدنا بعدم وجوب غسله وغسلنا سائر المواضع الظاهرة بالوجدان فبضم الوجدان إلى الاصل نحرز انا غسلنا بدننا من القرن إلى القدم مما بعد ظاهرا والطهارة اسم لذلك. (2) ظاهر كلامه بل صريحه ان كلامه انما هو فيما إذا كانت هناك

[ 505 ]

[ فانه يجب فيه المبادرة إليه والى الصلاة بعده من جهة خوف خروج الحدث. (مسألة 9): يجوز الغسل تحت الميزاب ترتيبا لا ارتماسا نعم إذا كان نهر كبير جاريا من فوق على نحو الميزاب ] فترة تسع الصلاة مع الطهارة ولا اشكال في ان المسلوس والمبطون كما تقدم كذلك المستحاضة كما يأتي تجب عليهم المبادرة إلى الغسل والصلاة حينئذ والاتيان باجزائهما متوالية متتابعة وانما الكلام في ان هذا استثناء مما تقدم من عدم اعتبار الموالاة في الغسل كما هو ظاهر عبارة المتن أو انه حكم آخر لا ربط له بالحكم السابق بوجه؟ المتعين هو الاخير لان ما قدمناه من عدم اعتبار الموالاة في الغسل حكم وضعي بمعنى عدم اشتراط التتابع في الغسل واما وجوبه في المسلوس واخوته فانما هو وجوب تكليفي ليس بمعنى الاشتراط لوضوح ان المسلوس أو اخويه إذا اغتسل لا مع الموالاة ولم يخرج منه حدث من باب الاتفاق حكم بصحة غسله وعليه فالغسل لا يشترط فيه الموالاة مطلقا حتى المسلوس والمبطون والمستحاضة نعم يجب المبادرة والمسارعة في حق هولاء تحفظا على صلاتهم مع الطهارة لئلا يخرج منهم الحدث قبل اتمامها بمقدماتها وهو وجوب تكليفي. بل المبادرة والموالاة في حقهم اضيق دائرة من الموالاة المعتبرة في الوضوء اعني عدم جفاف الاعضاء السابقة وصدق التتابع العرفي بحيث لو فرضنا ان الموالاة العرفية وبقاء الاعضاء السابقة على رطوبتها يتحققان

[ 506 ]

[ لا يبعد جواز الارتماس (1) تحته ايضا إذا استوعب الماء جميع بدنه على نحو كونه تحت الماء. ] وتستمران إلى خمسة دقائق مثلا - ولكنه متمكن من الغسل في دقيقة واحدة وجب الاتيان به في دقيقة واحدة تحفظا على صلاته مع الطهارة فالموالاة ثابتة في حق هؤلاء وما افاده ليس استثناءا مما تقدم بل المناسب ان يذكر ذلك في بحث السلس والبطن والاستحاضة ويقال انهم يجب ان يبادروا إلى الغسل والصلاة ويسارعوا إليه بالاتيان متتابعا ولا يناسب ذكره في المقام. واما إذا لم يكن فترة في البين تسع الصلاة فقد ذكرنا في المسلوس والمبطون وياتي في المستحاضة أيضا ان ما ابتلوا به من الحدث ليس حدثا في حقهم ولا ينتقض به وضوئهم وغسلهم. جواز الغسل تحت المطر ونحوه (1) إذا صدق معه الارتماس والتغطئة والتستر في الماء لا اشكال في صحة غسله كما في النهر الكبير الجاري من الفوق إذ لا يعتبر في الارتماس الدخول في الماء من طرف الرجلين كما هو الحال في المياه المتعارفة من الحوض والنهر والبحر ونحوها بل لو دخله من طرف رأسه ايضا لكفى ذلك في صحته إذ المناط فيه صدق التغطئة والتستر بالماء. واما إذا لم يصدق معه الارتماس بالمعنى المذكور كما إذا وقع تحت

[ 507 ]

المطر حيث ان قطراته غير متصلة فتقع منه قطرة ثم قطرة اخرى من غير اتصال في يكون معه البدن متسترا بالماء ومتغطا به في آن واحد فلا كلام في عدم كونه من الارتماس حقيقة إلا ان الكلام في انه ملحق بالارتماس في عدم اعتبار الترتيب فيه أو انه غير ملحق به فيعتبر فيه الترتيب لا محالة. قد يقال بالحاقه بالارتماس تمسكا باطلاق ما دل على كفاية الغسل تحت المطر حيث لم يقيد الاجزاء فيه بما إذا كان مع الترتيب والعمدة فيما دل على كفاية الغسل تحت المطر روايتان صحيحتان لعلي بن جعفر رواهما في كتابه كما رواهما الحميري والشيخ وغيرهما. (احداهما): عن الرجل يجنب هو يجزيه من غسل الجنابة ان يقوم في المطر حتى يغسل راسه وجسده وهو يقدر على ما سوى ذلك؟ فقال: ان كان يغسله اغتسالة بالماء اجزأه ذلك (1). (ثانيهما): عن الرجل تصيبه الجنابة ولا يقدر على الماء فيصيبه المطر ايجزيه ذلك أو عليه التيمم؟ فقال: ان غسله اجزأه والا يتمم (2) بدعوى دلالتهما على ان ماء المطر إذا كان بقدر سائر المياه مما يكفي في غسل بدنه اجزأه ذلك عن الغسل من دون اعتبار الترتيب في صحته ومقتضى اطلاقهما ان الغسل تحت المطر ملحق بالارتماسي في عدم اعتبار الترتيب فيه وان لم يكن ارتماسا حقيقة. وفيه ان الصحيحتين لا اطلاق لهما حيث ان نظرهما إلى ان ماء المطر كبقية المياه فكان السائل احتمل ان لا يكون ماء المطر كافيا في الغسل فسأله عمن اصابته الجنابة وهو لا يقدر على غير المطر من المياه فهل


(1) و (2) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 10 و 11.

[ 508 ]

اصابة المطر كافية في حقه أو ان وظيفته التيمم ثم سأله عن حكمه عند تمكنه عن سائر المياه فاجابه عليه السلام بانه ان غسله اغتسالة بالماء كفى فالصحيحتان ناظرتان إلى كفاية ماء المطر كغيره وليستا ناظرتين إلى غير ذلك فلا اطلاق فيهما. على ان قوله ان كان يغسله اغتساله بالماء اجزأه... ظاهر في ان الاغتسال بالمطر لو كان كالاغتسال بالماء من حيث الحكم والكيف اجزأه بان يكون ماء المطر بمقدار يمكن به الاغتسال كبقية المياه وان يغسل به رأسه اولا ثم جسده كما هو الحال في الغسل بغير ماء المطر ويشهد له قول علي بن جعفر: حتى يغسل رأسه وجسده لانه قرينة على التفاته إلى اعتبار الترتيب في الغسل بالمطر ويسأله عن ان تلك الكيفية في المطر كافية أو غير كافية واجابه عليه السلام بان الغسل به إذا كان كالغسل بغيره كما وكيفا اجزأه فهاتان الصحيحتان مما لا دلالة له على ذلك المدعى. نعم هناك رواية ثالثة لا يبعد ظهورها في الاطلاق بل هو قريب وهو رواية ابن أبي حمزة في رجل اصابته جنابة فقام في المطر حتى سال على جسده ايجزيه ذلك من الغسل قال: نعم (1). لدلالتها على ان القيام تحت المطر كاف في صحة الغسل من دون اشتراط الترتيب فيه إلا انها مرسلة ولاجله لا يمكننا الاعتماد عليه فالصحيح ان في الغسل في المطر لابد من ملاحظة الترتيب.


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 15.

[ 509 ]

[ (مسألة 10): يجوز العدول عن الترتيب إلى الارتماس (1) في الاثناء وبالعكس (2) لكن بمعنى رفع اليد عنه والاستيناف على النحو الاخر. (مسألة 11): إذا كان حوض اقل من الكر يجوز الاغتسال فيه (3) بالارتماس مع طهارة البدن لكن بعده يكون من ] جواز العدول عن احدي كيفيتي الاغتسال إلى الاخرى (1) إذ لا دليل على حرمة رفع اليد عن الترتيبي فلو كان غسل راسه بقصد الغسل الترتيبي ثم بدا له في الغسل الارتماسي وارتمس يشمله قوله إذا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة اجزأته ذلك. (2) هذا انما يتصور على مسلكه من امكان كون الارتماس تدريجيا واما بناءا على ما ذكرناه من ان الارتماس امر آني دفعي الحصول فأمره دائر بين الوجود والعدم ولا يعقل قيه العدول والبداء في اثنائه. إذا اغتسل في اقل من الكر (1) لعدم الدليل على اشتراط الكثرة فيما يغتسل فيه بالارتماس ولاطلاق قوله عليه السلام إذا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة اجزأه. (1)


(1) الوسائل: الباب 26 من أبواب الجنابة الحديث 12 و 13.

[ 510 ]

[ المستعمل في رفع الحدث الاكبر فبناءا على الاشكال فيه يشكل الوضوء منه بعد ذلك (1) وكذا إذا قام فيه واغتسل بنحو الترتيب (2) بحيث رجع ماء الغسل إليه واما إذا كان كرا أو ] (1) لانه ماء قليل مستعمل في ازالة الحدث الاكبر وهو لا يجوز استعماله في رفع الحدث الاكبر أو الاصغر ثانيا لما في موثقة ابن سنان من ان الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز ان يتوضأ منه واشباهه (1). (2) لا يمكن المساعدة على ما افاده (قدس سره) بوجه لان الموضوع للنهي عن الاغتسال أو التوضوء بالماء المستعمل هو الماء الذي اغتسل به الرجل لا ما امتزج به الماء المستعمل في الاغتسال. وتوضيح ذلك ان الماء الراجع إلى الماء القليل قد يكون مستهلكا في ضمنه لكثرته بالاضافة إلى الماء المستعمل الراجع إليه ولا اشكال حينئذ في جواز الاغتسال به لعدم صدق الماء المستعمل عليه بل هو ماء غير مستعمل في الاغتسال. وقد ينعكس الامر ويكون الماء القليل مستهلكا فيما يرجع إليه من الماء المستعمل لكثرته وقلة الماء القليل ومعه أيضا لا اشكال في المسألة إذ لا يجوز الغسل منه لانه ماء مستعمل في ازالة الحدث. وثالثة يمتزج الماء المستعمل الراجع إلى الماء القليل معه من دون ان يستهلك احدهما في الاخر وهذا أيضا لا مانع من استعماله في رفع الحدث


(1) الوسائل: ج 1 باب 9 من أبواب الماء المضاف الحديث 13.

[ 511 ]

[ ازيد فليس كذلك نعم لا يبعد صدق المستعمل عليه إذا كان بقدر الكر (1) لا ازيد واغتسل فيه مرارا عديدة لكن الاقوى كما مر جواز الاغتسال والوضوء من المستعمل. ] لما عرفت من ان الموضوع للمنع عن الاستعمال هو الماء الذي اغتسل به لا الماء الممتزج به الماء المستعمل في الاغتسال ومن هنا لا بأس بالماء المنتضح من الماء المستعمل في الاناء كما ورد في صحيحة الفضيل (1). (1) وهذا لا لانه إذا كان بمقدار الكر واغتسل فيه نقص عن الكر ومعه يكون الماء القليل المستعمل في ازالة الحدث. إذ لو كان الماء بمقدار الكر فحسب من دون ان يزيد عليه لنقص عنه ولو بالغسل فيه مرة واحدة كما لعله ظاهر بل من جهة حسبان ان الماء إذا اغتسل فيه مرارا متعددة وكان بقدر الكر لا زائدا عليه بكثير كما في البحار والانهار الكبيرة صدق عليه انه ماء مستعمل في ازالة الحدث الاكبر فانه لو قسم إلى كل واحد واحد من اغتسالاته لو وقع بازاء كل واحد منهما من الماء مقدار يسير غير بالغ حد الكر، والماء القليل المستعمل في ازالة الحدث الاكبر غير رافع للحدث ثانيا فلا يصح استعماله في رفع الحدث ثانيا. وفيه ان الموضوع لعدم جواز استعمال الماء في رفع الحدث ثانيا ليس هو الماء المستعمل في ازالة الحدث الاكبر والا لصدق ذلك فيما هو زائد عن الكر ولم يكن للتقييد بقوله لا ازيد. وجه صحيح لانا لو فرضنا


(1) الوسائل: ج 1 باب 9 من أبواب الماء المضاف الحديث 1 و 5.

[ 512 ]

الماء زائدا على الكر ولكن كان المغتسل فيه زائدا عن الواحد كما في خزانات الحمامات حتى الدارجة في يومنا هذا أيضا يأتي فيه الكلام المتقدم فانه لو قسم إلى كل واحد واحد من آحاد المغتسلين لم يقع بازاء كل واحد منهم إلا اقل قليل ولعله لا يكفي في غسل بدنه ومعه لو كان صدق عنوان المستعمل كافيا في عدم ارتفاع الحدث بالماء المستعمل بلا فرق في ذلك بين الماء القليل والكثير للزم الحكم بعدم صحة الغسل والوضوء في خزانات الحمامات لما عرفت مع انه مما لا يلتزم به هو (قدس سره) ولا غيره. والسر في ذلك ان الموضوع لعدم ارتفاع الحدث بالماء المستعمل هو الماء المستعمل القليل لان الكر مما نعلم بعدم انفعاله وتأثره من الخبث ولا الحدث وقد ورد في صحيحة محمد بن مسلم السؤال عن الغدير فيه ماء مجتمع تبول فيه الدواب وتلغ فيه الكلاب ويغتسل فيه الجنب قال: إذا كان قدر كر لم ينجسه شئ (1) وكذلك في صحيحته الاخرى (2). وفي صحيحة صفوان بن مهران الجمال قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع وتلغ فيها الكلاب وتشرب منها الحمير ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها قال: وكم قدر الماء؟ قال: إلى نصف الساق وإلى الركبة فقال: توضأ منه (3) حيث ان ظاهرها بل صريحها السؤال عن حكم الماء المستعمل وقد دلت على عدم البائس به إذا كان كرا واليه يشير تفصيله بين ما إذا كان إلى نصف الساق وغيره حيث ان الماء في الحياض الموجودة في الصحاري


(1) و (2) الوسائل: ج 1 باب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 5 و 1. (3) الوسائل: ج 1 باب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 12.

[ 513 ]

[ (مسألة 12): يشترط في صحة الغسل ما مر من الشرائط في الوضوء (1) من النية واستدامتها إلى الفراغ واطلاق الماء وطهارته وعدم كونه ماء الغسالة وعدم الضرر في استعماله واباحته واباحة ظرفه وعدم كونه من الذهب والفضة واباحة ] لو كان بالغا إلى نصف الساق فهو زائد عن الكر بكثير ولا تقاس تلك الاحواض بالحياض الموجودة في الدور والحمامات. فالمتحصل ان الماء المستعمل الكثير لا يتأثر بشئ وانما لا يجوز استعماله في رفع الحدث ثانيا فيما إذا كان قليلا ومع كونه كرا لا يمنع عن استعماله في رفع الحدث ثانيا وثالثا وان صدق عليه عنوان المستعمل في ازالة الحدث. الشرائط المعتبرة في صحة الغسل (1) وقد مر توضيح الكلام في جميع تلك الشرائط في الوضوء (1) ولا وجه لاعادته غير اشتراط عدم حرمة الارتماس لاختصاصه بالغسل والوجه في اشتراطه ظاهر إذ مع حرمة الارتماس يقع الغسل فاسدا منهيا عنه لعدم امكان التقرب بالمبغوض والحرام لا محالة كما إذا ارتمس في نهار شهر رمضان أو في الاحرام أو في نهار الصوم الواجب المعين ولو غير شهر رمضان.


(1) راجع ج 4 ص 347.

[ 514 ]

[ مكان الغسل ومصب مائه وطهارة البدن وعدم ضيق الوقت والترتيب في الترتيبي وعدم حرمة الارتماس في الارتماسي منه كيوم الصوم وفي حال الاحرام والمباشرة في حال الاختيار وما عدا الاباحة وعدم كون الظرف من الذهب والفضة وعدم حرمة الارتماس من الشرائط (1) واقعي لا فرق فيها بين العمد والعلم والجهل والنسيان بخلاف المذكورات فان شرطيتها مقصورة على حال العمد والعلم. ] (1) اراد بذلك التفرقة بين الشروط المتقدمة وبين اشتراط عدم حرمة الارتماس نظرا إلى ان الاخير من الشرائط الواقعية فلا فرق في بطلان الغسل عند حرمته بين صورتي العلم والجهل لعدم اشتماله على شرطه وهذا بخلاف بقية الشروط كاشتراط حلية الماء واباحة ظرفه أو عدم كون الظرف من الذهب أو الفضة لان شرطيتها مقصورة بحال الذكر والعلم والاختيار فإذا جهل بحرمتها فلا مانع عن صحة الغسل لتمشي قصد التقرب منه عند الجهل بحرمة الماء أو ظرفه أو بكونه من الذهب أو الفضة. ولكنا قدمنا في بحث الوضوء ان التفرقة بين صورتي العلم والجهل في الافعال المحرمة انما يتم في موارد اجتماع الامر والنهي اعني موارد التزاحم بان يتعلق الامر بشئ والنهي بشئ آخر وتزاحما في موارد الاجتماع فانه مع العلم بالحرمة لا يقع العمل صحيحا لتزاحم الحكمين واما إذا جهل بالحرمة فلا مانع من الحكم بصحة المجمع لعدم تزاحم

[ 515 ]

[ (مسألة 13): إذا خرج من بيته بقصد الحمام والغسل فيه فاغتسل بالداعي الاول لكن كان بحيث لو قيل له حين الغمس في الماء (1) ما تفعل يقول اغتسل فغسله صحيح ] الحرمة المجهولة مع الوجوب. واما في موارد التعارض كما في المقام بان يكون شئ واحد متعلفا للحرمة والوجوب فان العمل محكوم بالبطلان حينئذ فلا فرق بين صورتي العلم بالحرمة والجهل بها وذلك لا لعدم تمكنه من قصد التقرب مع الجهل بحرمته لوضوح امكانه مع الجهل بل من جهة ان المبغوض والمحرم الواقعي لا يقع مصداقا للواجب ولا يمكن ان يكون مقربا بوجه الا ان يكون الجهل مركبا كما في موارد النسيان والغفلة فان الحرمة الواقعية ساقطة حينئذ لحديث رفع النسيان وهو رفع واقعي ومع عدم حرمة العمل بحسب الواقع لا مانع من ان يقع مصداقا للواجب ويكون مقربا إلى الله. (1) ما افاده (قدس سره) من الامارات الغالبية الكاشفة عن وجود النية في خزانة النفس لا انه هو المدار في صحة الغسل وبطلانه فان المدار على ان يكون حركته نحو العمل منبعثة عن الداعي إلى ذلك العمل ونيته فان كانت النية الداعية إلى العمل متحققة في خزانة نفسه وان لم يلتفت إليها بالفعل الا انه يأتي به بارتكازه فالعمل صحيح وهذا امر كثير التحقق خارجا فترى انه خرج من منزله بداعي التشرف إلى الحضرة الشريقة وقد غفل عن ذلك في اثناء مشيه وطريقه الا انه

[ 516 ]

[ واما إذا كان غافلا بالمرة بحيث لو قيل له ما تفعل يبقى متحيرا فغسله ليس بصحيح. (مسألة 14): إذا ذهب إلى الحمام ليغتسل وبعد ما خرج شك في انه اغتسل ام لا يبني على العدم (1) ولو علم انه ] بالاخرة يصل الحرم بارتكازه ونيته الكائنة في خزانة تقمه وان لم يكن ملتفتا إليها لتوجه النفس إلى امر آخر دنيوي أو اخروي. واما إذا لم يكن عمله بتحريك نية ذلك العمل ولو بارتكازه في خزانة النفس فلا محالة يحكم ببطلانه لعدم صدوره منه بالنية المعتبرة في صحته وما افاده (قدس سره) من عدم تحيره في الجواب على تقدير السؤال عنه فهو امارة غالبية على وجود النية في الخزانة وعدمها لا انه المدار في الحكم بالصحة والفساد كما قدمنا تفصيله في بحث الوضوء (1). إذا شك في اغتساله (1) لاستصحاب عدم الاتيان به اللهم الا ان نقول بجريان قاعدة التجاوز عند التجاوز عن المحل العادي وكانت عادته الاغتسال في وقت تجاوز عنه ولكنه احتمال ضعيف لعدم ترتب اثر شرعي على التجاوز عن المحل العادي على ما فصلنا القول فيه في محله.


(1) تقدم في ج 4 ص 482.

[ 517 ]

[ اغتسل لكن شك في انه على الوجه الصحيح ام لا يبنى على الصحة (1). (مسألة 15): إذا اغتسل باعتقاد سعة الوقت فتبين ضيقه وان وظيفته كانت هو التيمم فان كان على وجه الداعي (2) ] (1) لقاعدة الفراغ لان غسله مما مضى وكل شئ قد مضي يمضي كما هو. التفصيل بين الداعي والتقييد (2) هذا هو التفصيل الذي فصل به في للوضوء وحاصله انه ان اتى بالوضوء أو الغسل حينئذ بداعي الامر الفعلي المتوجه اليهما الناشئ - باعتقاده - من الامر بالصلاة أو بغيرها من الموقتات فوضوؤه وغسله صحيحان حيث اتى بهما بداعي الامر الفعلي المعلق بهما وغاية الامر انه اخطاء في التطبيق وحسب ان امرهما الفعلي هو الوجوب الناشئ من الامر بذي المقدمة وكان امرهما الفعلي هو الاستحباب وهو غير مضر في صحتهما بعد اتيانهما بداعي امرهما الفعلي. واما إذا اتى بهما مقيدا بان يكونا مقدمتين للصلاة اي مقيدا بكونهما واجبين غيريين فيحكم ببطلانها لعدم مقدمتيهما وعدم وجوبهما الغيري حينئذ. هذا ولكنا ذكرنا هناك ان طبيعة الوضوء أو الغسل طبيعة واحدة غير قابلة للتقييد بشئ والعبادية فيهما لم تنشأ عن مقدمتيهما للصلاة أو غيرها

[ 518 ]

[ يكون صحيحا وان كان على وجه التقييد يكون باطلا ولو تيمم باعتقاد الضيق فتبين سعته ففي صحته وصحة صلاته اشكال (1) ] من العبادات وانما نشأت عن استحبابهما الذاتيين فلا مانع من الحكم بصحتهما لاتيانهما بداعي امرهما الفعلي والخطاء في التطبيق غير مانع عن صحتهما. (1) قد تعرض (قدس سره) للمسألة في التكلم على مسوغات التيمم (1) حيث عد منها ضيق الوقت وعندئذ تعرض لما إذا اعتقد المكلف الضيق ثم تبين السعة وحكم هناك ببطلان التيمم جازما به وما افاده هناك هو الصحيح إذ لا وجه لصحة التيمم حينئذ لان المفروض انه كان واجدا للماء وكان الوقت وسيعا وغاية الامر انه تخيل الضيق وتخيل وجوب التيمم ثم تبين خطاء اعتقاده وهو في الوقت. نعم لو لم يتبين ذلك في الوقت إلى ان خرج فهو باعتقاده عاجز عن الماء واعتقاده لا يترتب عليه شئ. واما لو كان معتقدا عدم الماء في مجموع الوقت فيمكننا الحكم بصحة تيممه وان كان في الواقع متمكنا منه وذلك لانه باعتقاده عدم التمكن يعجز عن استعماله ولا يتمكن منه ما دام معتقدا لعدم الماء فهو غير متمكن من استعمال الماء حقيقة لاعتقاده فوظيفته التيمم ولو كان الماء موجودا عنده واقعا وكيف كان فلا وجه للاشكال في بطلان التيمم في مفروض المسألة بل لابد من


(1) يأتي في ذيل المسألة 34 من مسائل مسوغات التيمم ان شاء الله

[ 519 ]

[ (مسألة 16): إذا كان من قصده عدم اعطاء الاجرة للحمامي (1) فغسله باطل وكذا إذا كان بناؤه على النسيئة من غير احراز رضى الحمامي بذلك وان استرضاه بعد الغسل ولو كان بناؤهما على النسيئة ولكن كان بانيا على عدم اعطاء الاجرة أو على اعطاء الفلوس الحرام ففي صحته اشكال. ] الحكم ببطلانه جزما كما صنعه هناك. إذا اغتسل قاصدا عدم اعطاء الاجرة (1) التزم الماتن (قدس سره) ببطلان الاغتسال فيما إذا كان من قصده عدم اعطاء الاجرة أو اعطائها من المال الحرام أو على اعطائها نسيئة فيما إذا كان بناء الحمامي على النقد واستشكل في صحته فيما إذا كان بناؤهما أي الحمامي والمغتسل على النسيئة وصار بناء المغتسل على عدم اعطاء الاجرة للحمامي. وتفصيل الكلام في هذه المسألة ان الاغتسال في الحمام قد يكون من باب الاجارة كما إذا اوقعاها يالصيغة على ان يدخل المغتسل الحمام مدة متعارفة كساعة أو اقل أو اكثر لينتفع فيه بالتصرف في مائه وغيره في مقابلة اجرة معينة وعليه فيكون المغتسل مالكا باجارته هذه التصرف في الحمام مدة متعارفة كما ان الحمامي يملك بها الاجرة المسماة على ذمة المغتسل بلا فرق في ذلك بين ان يستوفى المغتسل تلك المنفعة المملوكة له ام لم

[ 520 ]

يستوفها بل اشتغل مع اصحابه بشئ آخر كالتكلم أو نحوه لانه لابد ان يدفع الاجرة المسماة مطلقا وان فوت المنفعة على نفسه. كما لا فرق في ذلك بين ان يبنى على عدم اعطاء الاجرة للحمامي أو بنى على اعطائها ولكنه لم يعطها بعد ذلك أو اعطائها من المال الحرام لان المعاملة صحيحة على كل حال وذمة المغتسل مشغولة بالاجرة المسماة والفعل الخارجي اعني اعطاء الاجرة من المال الحرام أو عدم اعطائها اجنبيان عن المعاملة وصحتها. ولا يختص ذلك بالاجارة بل يأتي في كل معاملة كان فيها العوض امرا ذميا كما إذا اشترى شيئا بقيمة معينة في ذمته فان المعاملة صحيحة سواء دفع القيمة ام لم يدفعها بنى على اعطائها ام لم يبن عليه. هذا إذا كان الدخول في الحمام للاغتسال أو لغيره من باب الاجارة. واما إذا كان من باب اباحة التصرف في الحمام بعوض لانه من المعاملات المتداولة في الخارج من دون ان يكون هناك تمليك أو تملك فان المغتسل يدخل الحمام ويغتسل من غير ان يعلم باجرته وانها اي مقدار ولاسيما في الغرباء كاهل مملكة اخرى بل وكذلك في اهل مملكة واحدة كالنجفي إذا دخل الحمام في بغداد لان الاسعار تختلف باختلاف البلدان والامكنة ولا يدري ان الاجرة اي مقدار، كما ان الحمامي لا يدري انه يصرف من الماء بمقدار الاغتسال ارتماسا أو ترتيبا أو يصرفه مقدارا زائدا لتنظيف بدنه، كما لا يعلم انه يتصرف في الحمام بمقدار الاغتسال أو يريد تنظيف بدنه بالصابون والنورة ونحوهما ومع هذا كله لا يستشكل احد في صحة غسله فلو كان ذلك من باب الاجارة للزم تعيين الاجرة والمنفعة والعلم بهما قبل الدخول لاعتبار العلم بمقدار العوضين في الاجارة.

[ 521 ]

وعليه فهو من باب اباحة التصرف بعوض فكأن الحمامي اعلن بالكتابة أو بغيرها على انه يرضى للدخول في حمامه بشرط اعطاء العوض عند الخروج وحيث ان الشرط بعنوان الموضوع فيكون الرضاء متعلقا على دخول كل من يعطي للعوض عند الخروج فاعطاء العوض عند الخروج من الشرط المتأخر لرضى الحمامي في الدخول والاغتسال في الحمام أو غيره من التصرفات ومعه لابد من ان يبنى المغتسل على اعطاء الاجرة حين الدخول والاغتسال كما لابد من ان يعطيها عند الخروج. فلو فرضنا انه بنى على اعطائها الا انه عند الخروج لم يعط الاجرة يحكم ببطلان غسله لان عدم اعطاء الاجرة كاشف عن عدم رضى الحمامي بتصرفاته من الابتداء كما ان اعطائها كاشف عن رضاه بذلك على ما هو الحال في جميع موارد الشرط المتأخر كما انه لو انعكس الامر فلم يبن على اعطاء الاجرة عند دخوله واغتساله الا انه دفعها عند الخروج أيضا يبطل غسله. وذلك لان اعطائه الاجرة وان كان كاشفا عن رضى الحمامي بدخوله واغتساله الا ان المغتسل اما ان يكون حال غسله عالما بعدم رضى الحمامي باغتساله لانه بان على عدم اعطائه الاجرة واما ان يكون شاكا في ذلك لتردده في انه يعطي الاجرة أو لا يعطيها فعلى الاول فهو عالم بحرمة التصرف في الماء وغيره ومعه كيف يتمشى منه قصد التقرب عند الاغتسال وان كان الحمامي راضيا واقعا واما على الثاني فايضا الامر كذلك لاستصحاب عدم رضى الحمامي وعدم اعطائه الاجرة بعد الخروج فالتصرفات الصادرة منه محكومة بالحرمة الظاهرية بالاستصحاب وان كان في الواقع حلالا لرضى الحمامي بتصرفاته ومع العلم بالحرمة أو

[ 522 ]

[ (مسألة 17): إذا كان ماء الحمام مباحا لكن سخن بالحطب المغصوب لا مانع من الغسل فيه (1) لان صاحب الحطب يستحق عوض حطبه ولا يصير شريكا في الماء ولا صاحب حق فيه. ] ثبوتها بالتعبد كيف يتمشى منه قصد التقرب ليصح غسله. ومعه لابد في صحة اغتساله من بنائه على اعطاء العوض عند الخروج ومن اعطائه كذلك ومع انتفائها أو انتفاء احدهما يحكم ببطلان غسله ولا فرق في ذلك بين النقد والنسيئة فلو فرضنا ان الحمامي يرضى باعطاء العوض بعد مدة معينة ولكنه بان على عدم اعطائها بعد تلك المدة أو لم يعطها بعدها أيضا يحكم ببطلان غسله لما مر بعينه فالتفصيل بين النقد والنسيئة مما لا وجه له. إذا كان تسخين الماء بشئ مغصوب (1) أو احماه بالكهرباء أو النفط المغصوبين والوجه في صحة غسله حينئذ ما ذكرناه في بحث المكاسب من ان الاعراض مطلقا سواء كانت من اعراض الجسم ام النفس لا تقابل بالمال وانما هي توجب زيادة قيمة الجسم ومعروضها فالصوف المنسوج كالالبسة ونحوها وان كانت قيمته اضعاف قيمة الصوف غير المنسوج الا ان زيادة القيمة انما هي قيمة لذات الصوف لا انها قيمة النسج وكذلك الجسم الابيض مع غيره أو

[ 523 ]

[ (مسألة 18): الغسل في حوض المدرسة لغير اهله (1) مشكل بل غير صحيح ] الجسم العريض والطويل مع الجسم غير العريض فان نسج الثوب أو بياض الجسم أو عرضه وطوله ليست امورا قابلة للتمليك لاحد بازاء مال أو بغيره ولا معنى لان يكون نسج الصوف ملكا لاحد ونفس الصوف ملكا لآخر وهكذا بياض الجسم أو عرضه وطوله وكذلك الحال في اعراض النفس ككتابة العبد إذ لا معنى لان تكون كتابة العبد لاحد ونفس العبد لاحد. وعليه فالحرارة المتحققة في الماء المباح لا معنى لان تقابل بالماء ويكون ملكا لصاحب الحطب أو الكهرباء أو النفط حتى يكون شريكا مع صاحب الماء في الماء لانها مما لا يقابل بشئ نعم يكون المتصرف في الحطب ضامنا لمالكه فلابد من ان يخرج من عهدته بدفع قيمته إلى مالكه واما الماء المتصف بالحرارة فهو ملك صاحب الماء فيصح غسله فيه ووضوئه وغيرهما من التصرفات. (1) هذه المسألة تبتني على بحث كروي وهو ان الوقف إذا شك في سعته وضيقه اما من جهة الموقوف عليه وانه جميع المسلمين أو خصوص اهل العلم مثلا واما من جهة كيفية التصرف مع العلم بالموقوف عليه كما إذا شك في ان الوقف وقف للانتفاع به في جهة معينة أو في جميع الجهات فهل يجوز التصرف فيه في غير المقدار المتيقن أو لا يجوز؟ فنقول: ان الاطلاق والتقييد المعبر عنهما بالسعة والضيق بحسب مقام الدلالة والاثبات من قبيل العدم والملكة حيث ان الاطلاق ليس إلا عدم

[ 524 ]

التقييد بخصوصية في مقام البيان وعليه فلو شك في ان الواقف هل جعله وقفا موسعا أو مضيقا وكان في مقام البيان ولم يأت بقيد يدل على كونه وقفا لجهة معينة فيمكننا التمسك باطلاق كلامه بمقدمات الحكمة والحكم بان الوقف مطلق حتى في مقام الثبوت لاستكشافه من الاطلاق في مقام الاثبات. واما إذا لم يكن هناك اطلاق ليتمسك به وشك في سعة الوقف وضيقه فلا مناص من الاقتصار على المقدار المتيقن وذلك لان التقابل بين الاطلاق والتقييد في مقام الثبوت تقابل التصاد لان الاطلاق عبارة عن لحاظ العموم والسريان وعدم مدخلية شئ من الخصوصيات في الموضوع والتقييد هو لحاظ الخصوصية ومدخليتها في الموضوع فإذا شككنا في ان الواقف لاحظ السريان في وقفه أو لاحظ الخصوصية المعينة فاصالة عدم لحاظه العموم والسريان يمنع عن الحكم بعموم الوقف وشموله للجميع. ولا يعارضه اصالة عدم لحاظ الخصوصية إذ لا اثر لها حيث ان عموم الوقف مترتب على لحاظ السريان لا على عدم لحاظ الخصوصية فاستصحاب عدم لحاظ الخصوصية لاثبات انه لاحظ العموم والسريان اثبات لاحد الضدين بنفي الضد الآخر وهو من اظهر انحاء الاصول المثبتة. وعليه فلو لم يكن هناك اطلاق أو امارة على جواز التصرف في الوقف في غير المقدار المتيقن لا يحكم بجوازه كما إذا شك غير اهل المدرسة في جواز تصرفاته في ماء حوضها بالاغتسال فان مقتضى اصالة عدم لحاظ العموم والسريان في وقفه عدم كون الوقف عاما شاملا له بل مقتضى اصالة الاشتغال أو استصحابه بطلان وضوئه ومن ذلك القبيل

[ 525 ]

[ بل وكذا لاهله (1) الا إذا علم عموم الوقفية أو الاباحة. (مسألة 19): الماء الذي يسبلونه (2) يشكل الوضوء والغسل منه الا مع العلم بعموم الاذن. ] ما إذا علمنا بوقفية لحاف - مثلا - وشككنا في انه وقف للتصرف فيه في جهة معينة كالتغطية به لبرد ونحو برد أو انه موقوف لمطلق التصرفات حتى جعله فرشا ينام عليه أو علمنا بوقفية كتاب لاهل العلم وشككنا في ان الوقف فيه خاص بمطالعته وتدريسه وتدرسه أو يعم غيرها أيضا كجعل الخبز عليه عند اكله أو جعله متكأ عند المنام فان مقتضى اصالة عدم لحاظ العموم والسريان عدم عمومية الوقف حينئذ فيكون التصرفات الزائدة على المقدار المتيقن متوقفة على مرخص. (1) فيه ان التصرف في ماء الحوض للاغتسال به في الدور والاماكن الصالحة للسكنى امر متعارف في البلاد الحارة كالنجف وما شابهها ومعنى وقف المدرسة لاهلها ان المدرسة كالدور واهل المدرسة كارباب الدور فكما ان رب الدار يتصرف فيها بما يحتاج إلى التصرف فيه من الامور المتعارفة من غسل بدنه وتنظيفه ومنامه ونحوها فكذلك اهل المدرسة فيتصرفون فيها تصرف الملاك في املاكهم. (2) وقد ظهر حال الماء المسبل مما قدمناه في المسألة السابقة لان التسبيل بمعنى اباحة التصرف ومع الشك في عمومها وتقيدها تجري اصالة عدم لحاظ العموم فلا يمكن التصرف فيه في غير المقدار المتيقن منه وهو شربه واما التوضوء أو الاغتسال أو غسل الثياب به فلا مسوغ

[ 526 ]

[ (مسألة 20): الغسل بالمئزر الغصبي باطل (1). (مسألة 21): ماء غسل المرأة من الجنابة والحيض والنفاس وكذا اجرة تسخينه إذا احتاج إليه على زوجها على الاظهر لانه يعد جزءا من نفقتها (2). ] له إلا ان يكون هناك اطلاق أو امارة قائمة على الجواز. الاغستال بالمئزر الغصبي (1) فيه ان الغسل انما يكون باطلا فيما إذا كان الاغتسال تصرفا في المئزر المغصوب ليكون محرما فيكون باطلا إلا ان صب الماء للاغتسال الذي هو بمعنى جريه على البدن أو مسه به امر وصبه على المئزر وجريه عليه امر آخر وهما امران احدهما اجنبي عن الآخر لان الغسل بمعنى جريان الماء على البدن وهو امر آخر اجنبي عن جريان الماء على المئزر وان كانا متحققين بفعل واحد وبصب الماء مرة واحدة ومع التعدد لا وجه بسراية الحرمة من احدهما إلى الآخر كما لا يسري الوجوب من احدهما إلى ثانيهما. مؤنة اغتسال الزوجة ليست على الزوج (2) النفقة الواجبة على الزوج على ما دلت عليه الآية المباركة ومن

[ 527 ]

قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله (1) والروايات المتضمنة على ان عليه النفقة (2) وان لم يفسر في نفس الآية والاخبار الآمرة بها إلا ان هناك جملة من الروايات قد حددت النفقة الواجبة على الزوج بما يقيم صلبها أو ظهرها ويكسو عورتها أو جثتها وغير ذلك مما يؤدي هذا المعنى وفي بعضها انه ليس لها عليه شئ غير هذا قال لا (3). وقد دلت جملة من الاخبار الآخر (4) على وجوب السكنى أيضا على الزوج وعليه فالواجب على الزوج السكنى وما يقيم صلب زوجته وكسوتها وقد دل على ذلك أيضا ما ورد في تفسير قوله تعالى فامساك بمعروف أو تصريح باحسان وان كانت الرواية ضعيفة (5) فيجب عليه كل ما تحتاج إليه المرأة في معاشها وحياتها حتى الماء لتنظيف بدنها والصابون بل الصبغ والدهن كما اشتملت عليه بعض الاخبار لانها راجعة إلى معاش المرأة وبها تقوم صلبها حيث انها لو لم تنظف بدنها ولم تستحم فلربما ابتليت بالمرض وصارت موردا للتنفر والانزعاج واما ما كان خارجا عن معاشها واقامة صلبها وكسوتها كالامور الواجبة عليه شرعا باسبابها من الكفارة أو الدية إذا قتلت شبهة أو عمدا واجرة


(1) الطلاق: الآية 7. (2) الوسائل: ج 15 باب 1 من أبواب النفقات الحديث 1 وباب 11، الحديث 3 و 5 وغيرها من الموارد. (3) راجع الوسائل: ج 15 باب 1 من أبواب النفقات. ويراجع الوسائل: ج 15 باب 8 من أبواب النفقات. (5) وهي مرسلة العياشي المذكورة في الوسائل: ج 15 باب 1 من أبواب النفقات، الحديث 13.

[ 528 ]

[ (مسألة 22): إذا اغتسل المجنب في شهر رمضان (1) أو صام غيره أو في حال الاحرام ارتماسا نسيانا لا يبطل صومه ولا غسله وان كان متعمدا بطلا معا ولكن لا يبطل احرامه وان كان آثما وربما يقال لو نوى الغسل حال الخروج من الماء غسله وهو في صوم رمضان مشكل لحرمة اتيان ] الماء للاغتسال أو تسخينه أو غير ذلك مما هو خارج عن معاشها فلا دليل على وجوبها على الزوج بل الزوجة ان كانت متمكنة منها فهو وإلا فينتقل الامر إلى بدلها في حقها كالتيمم بدلا عن الغسل وهي معذورة فان التيمم احد الطهورين (1) ويكفيك عشر سنين (2). نعم لولا تلك الاخبار المحددة للنفقة الواجبة بالامرين: ما يقيم صلب المرأة ويكسو عورتها وتصريحه عليه السلام بعدم وجوب غيرهما على الزوج لكان مقتضى اطلاق النفقة في الاخبار المطلقة والامر بالانفاق في الآية المباركة هو وجوب تمام نفقتها الاعم مما يرجع إلى معاشها ومعادها إلا ان الاخبار المحددة تخصص النفقة الواجبة بما يرجع إلى معاش المرأة ومعه فلا يبعد عدم كون ماء الغسل ومقدماته على الزوج. ارتماس الصائم نسيانا (1) الكلام في ذلك يقع من جهات:


(1) و (2) الوسائل: الباب 23 من أبواب التيمم الحديث 4، 5.

[ 529 ]

[ المفطر فيه بعد البطلان ايضا حرام كمكثه تحت الماء بل يمكن ان يقال ان الارتماس فعل واحد مركب من الغمس والخروج فكله حرام وعليه يشكل في غير شهر رمضان ايضا نعم لو تاب ثم خرج بقصد الغسل صح. ] (الجهة الاولى): ان الصائم في شهر رمضان أو في الواجب المعين قضاءا أو نذرا ولو في غير رمضان أو المحرم إذا ارتمس في الماء للاغتسال فان كان ذلك عن علم وعمد فلا اشكال في بطلان غسله وصومه لان الارتماس مفطر وهو حرام في نهار شهر رمضان ومع حرمته يقع على وجه الفساد كما انه يوجب بطلان الصيام فهناك تلازم بين حرمة الارتماس وبطلان الغسل وبطلان الصيام. واما في الاحرام فالارتماس متعمدا محرم في نفسه وموجب لبطلان الغسل دون الاحرام. واما إذا كان الارتماس سهوا وغفلة فلا يحرم ارتماسه فيصح غسله. كما يصح صومه فان ارتكاب المفطر سهوا وغفلة غير محرم ولا موجب لبطلان الصيام حينئذ كما انه غير محرم في الاحرام لصدوره سهوا وغفلة فتحصل ان الصوم في شهر رمضان أو الواجب المعين إذا كان الارتماس متعمدا بطلا معا وإذا كان نسيانا صحا معا. (الجهة الثانية): ان الصوم غير الواجب المعين وغير صوم رمضان أيضا يبطل بالارتماس في الماء ان الغسل يقع صحيحا ولا حرمة فيه لعدم حرمة الافطار في الصوم المندوب أو الواجب غير المعين قبل الزوال فلا ملازمة بين بطلان الصوم وبطلان الاغتسال هذا إذا وقع

[ 530 ]

عن علم وعمد واما إذا وقع سهوا وغفلة فلا اشكال في صحة صومه وغسله لعدم بطلان الصوم بالمفطر عند الغفلة والنسيان هذا كله إذا نوى الغسل حال دخوله في الماء. (الجهة الثالثة): فيما إذا نوى الغسل حال خروجه من الماء فعلى ما قدمناه - من ان ظواهر الادلة طلب الاحداث والايجاد فالواجب هو الارتماس احداثا وايجادا واما الارتماس بقاءا فهو غير مأمور به فلا يكفي في الاغتسال - لا اشكال في عدم صحة غسله فلو كان ايجاده عن تعمد واختيار بطل صومه بل ارتكب المعصية أيضا فيما إذا كان الصوم واجبا معينا أو كان في نهار شهر رمضان بخلاف ما إذا لم يكن عن اختيار فان صومه لا يبطل بذلك ولا يرتكب المعصية مطلقا: واما إذا قلنا بكفاية الابقاء كالاحداث ولو بدعوى ان قوله إذا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة (1) مطلق يشمل كلا منها فنوي الغسل حال الخروج ففيه تفصيل وحاصله. ان ادخال بدنه في الماء إذا لم يكن عن عمد واختيار كما إذا زلق فوقع في الماء في شهر رمضان أو نسي حتى احاط الماء على تمام بدنه فلا كلام في صحة صومه وغسله أو صحة احرامه وغسله من دون ان يرتكب الحرام وذلك لعدم حرمة خروجه من الماء حينئذ فالارتماس بحسب البقاء غير محرم في حقه لعدم استناده إلى الاختيار وهو نظير الخروج من الدار المغصوبة إذا توسطها من غير اختياره واما إذا كان ارتماسه بسوء اختياره فلا اشكال في بطلان صومه المعين وكذلك في صوم شهر رمضان وهل يصح غسله إذا نوى غسل حال الخروج نظرا


(1) الوسائل: ج 1 باب 26 من أبواب الجنابة الحديث 5 و 12 و 13.

[ 531 ]

إلى ان المفطر الحرام انما هو حدوث الارتماس واما بحسب البقاء فلا حرمة فيه لعدم كونه مفطرا؟ اما في صوم شهر رمضان فقد استشكل الماتن في صحته وهو كما افاده وذلك لان الارتماس بحسب البقاء وان لم يكن مفطرا الا ان الاتيان بالمفطر محرم في شهر رمضان ولو بعد ابطال الصوم أو الافطار فإذا افطر بالاكل أو بغيره فيحرم عليه الاكل أو غيره ثانيا وثالثا في نفسه لا بعنوان انه مفطر ومع حرمته ومبغوضيته لا يقع مصداقا للواجب. واما في غير صوم رمضان فايضا استشكل فيه الماتن من جهة ان الارتماس من اوله وهو غمس بدنه في الماء واحاطته إلى آخره وهو خروجه من الماء شئ واحد وموجود بوجود فارد والمفروض ان هذا الوجود الواحد محكوم بحرمته وهو مبغوض ومع مبغوضيته وحرمته كيف يقع مصداقا للواجب ومقربا إلى الله؟ وان كان ذلك الوجود امرا مستمرا هذا. ولا يخفى ان الارتماس وان كان له وجود واحد مستمر إلا انه بما انه ارتماس وتغطئة غير محرم في الصوم وانما حرم فيه لانه مفطر ومن هنا لو ارتمس غافلا أو ناسيا أو لا باختياره صح صومه فليس الصوم مشروطا بعدم الارتماس وانما هو مشروط بعدم المفطر نعم الارتماس بما انه ارتماس وتغطئة محرم في الاحرام واما في الصوم فلا وإذا كان الامر كذلك فلا اشكال في ان المفطر انما هو حدوث ذلك الوجود الواحد المستمر واما بعده وهو تحت الماء فهو ليس بمفطر إذ لا صوم ليكون بقاء الارتماس مفطرا له ولا مانع من ان يكون شئ واحد محكوما بحكم بحدوثه وبحكم آخر بحسب البقاء وهذا كما في السجدة

[ 532 ]

لان الواجب منها هو ما كان بقدر الذكر واما الزائد عليه اي ابقاء السجدة فهو امر مستحب ء اي اطالتها. وحيث ان الصوم صوم غير رمضان فلا دليل على حرمته ثانيا وثالثا فلا محالة يكون الارتماس بحسب البقاء غير مفطر ولا محرم كما عرفت فلا مانع من ان ينوي به الغسل فانه يقع صحيحا حينئذ وهذا بخلاف صوم رمضان فان الارتماس بحسب البقاء أيضا محرم فيه ثانيا وثالثا وان لم يكن مفطرا اللهم إلا ان يندم وهو تحت الماء ويتوب فان التوبة تجعل الذنب كالعدم فكأنه تحت الماء لم يرتكب الارتماس على وجه حرام وحينئذ لا مانع من ان ينوي الغسل عند الخروج وبه يحكم بصحة غسله لا محالة إلا ان ما ذكرناه في المقام يتبنى على القول بكفاية الغسل والارتماس بقاءا وهو مما لا نلتزم به كما مر. هذا تمام كلامنا في هذا الجزء من الكتاب ويليه ان شاء الله تعالى الجزء السادس وأوله فصل: في مستحبات غسل الجنابة ولله الحمد أولا وآخرا .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية