الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخوئي ج 4

كتاب الطهارة

السيد الخوئي ج 4


[ 1 ]

التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريرا لبحث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي دام ظله العالي للمحقق حجة الاسلام والمسلمين الميرزا علي الغروي التبريزي دامت بركاته الجزء الرابع

[ 2 ]

الطبعة الثالثة ذي حجة 1410 هجري

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين. وبعد: فهذا هو الجزء الرابع من كتابنا (التنقيح) في شرح العروة الوثقى شرعنا في طبعه حامدين مصلين سائلين من المولى جل شأنه أن يوفقنا لا تمامه فانه الموفق والمعين.

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم فصل في الوضوءات المستحبة (مسأله 1): الاقوى كما اشير إليه - كونه مستحبا في نفسه وإن لم يقصد غاية من الغايات (1) حتى الكون على الطهارة، وإن كان الاحوط قصد احداها. (مسألة - 2): الوضوء المستحب على أقسام: (أحدها): ما يستحب في حال الحدث الاصغر فيفيد الطهارة منه. (الثاني): ما يستحب في حال الطهارة منه كالوضوء التجديدي. ] فصل في الوضوءات المستحبة (1) على ما قدمنا تفصيل الكلام في ذلك عند الكلام على غايات الوضوء (* 1) وبينا بما لا مزيد عليه ان الوضوء مستحب في نفسه وفاقا للماتن (قده) فليلاحظ.


(* 1) راجع الجزء الثالث ص 513.

[ 5 ]

[ (الثالث): ما هو مستحب في حال الحدث الاكبر وهو لا يفيد طهارة، وإنما هو لرفع الكراهة، أو لحدوث كمال في الفعل الذي يأتي به كوضوء الجنب للنوم، ووضوء الحائض للذكر في مصلاها. أما القسم الاول فلامور: (الاول): الصلاة المندوبة (1) وهي شرط في صحتها أيضا. (الثاني): اللطواف المندوب (2) وهو ما لا يكون جزءا من حج أو عمرة ولو مندوبين، وليس شرطا في صحته نعم هو شرط في صحة صلاته. ] (1) للادلة الدالة على أن الطهارة شرط في الصلاة، وأنه لا صلاة إلا بطهور، وغاية الامر أنها إذا كانت واجبة كان الوضوء أيضا واجبا إما عقلا وشرعا، وإما عقلا فقط بناء على انكار القول بوجوب مقدمة الواجب شرعا. كما أنها إذا كانت مستحبة كان الوضوء أيضا مستحبا لا محالة. وهذا لا بمعنى أن المكلف - في الصلوات المندوبة - يتمكن من ترك الوضوء بأن يأتي بها من دون وضوء، كما هو معنى الاستحباب في غيرها كاستحباب الوضوء لقراءة القرآن ونحوها من المستحبات. بل معنى استحباب الوضوء - حينئذ - أن المكلف يتمكن من ترك الوضوء بترك ما هو مشروط به أعني الصلاة المندوبة. (2) وهذا لا شتماله على الصلاة، وقد عرفت أنها مشروطة بالطهارة وإلا فلا يعتبر الوضوء في نفس الطواف المندوب أبدا وإنما بعتبر في الطواف الواجب على ما قدمنا الكلام عليه. وتدلنا على ذلك صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا بأس أن يقضى المناسك كلها على غير وضوء، إلا الطواف

[ 6 ]

[ (الثالث): التهيؤ للصلاة (1) في أول وقتها، أو أول زمان ] فان فيه صلاة، والوضوء أفضل (* 1)، وصحيحة جميل بن دراج عن عن أبي عبد الله (ع) أنه سئل أينسك المناسك وهو على غير وضوء؟ فقال: نعم إلا الطواف بالبيت، فان فيه صلاة (* 2) لصراحتها في أن أصل الطواف غير مشروط بالوضوء وانما يعتبر لصلاته. نعم لا بد من تخصيص ذلك بالمندوب لان الطواف الواجب - في نفسه - يعتبر فيه الوضوء كما تقدم. الوضوء للتهيؤ: (1) ان من المناسب في المقام أن تتكلم على ما هو الدليل على مشروعية الوضوء للتهيؤ قبل دخول وقت الصلاة، وذلك لانا ان قلنا: إن الوضوء أمر مستحب في نفسه، أو لم نقل بالاستحباب النفسي له ولكن المكلف أتى به بغاية الكون على الطهارة قبل الوقت فلا اشكال في صحته، لانه على التقدير الاول مستحب نفسي، وعلى الثاني قد أتى به بغاية مستحبة وهو الكون على الطهارة - بناء على إنكار الاستحباب النفسي للوضوء إذ الكون على الطهارة أمر محبوب شرعا فيأتي بالافعال والوضوء بغاية ترتب الطهارة عليها، فلا بد من الحكم بصحته على كلا التقديرين وإن كان له داع آخر أيضا على الاتيان به وهو التهيؤ للصلاة في أول وقتها.


(* 1) المروية في ب 5 من أبواب الوضوء من الوسائل ورواها الصدوق (قده) باسقاط قوله: فان فيه صلاة راجع ب 38 من أبواب الطواف من الوسائل. (* 2) المروية في ب 38 من أبواب الطواف من الوسائل

[ 7 ]

وأما إذا أنكرنا استحبابه النفسي ولم يؤت به بغاية الكون على الطهارة فيقع الكلام - حينئذ في مدرك مشروعيته إذا أتى به قبل وقت الفريضة بغاية التهيؤ للصلاة. فقد يستدل على مشروعيته بغاية التهيؤ قبل دخول وقت الصلاة بما دل على أفضلية الاتيان بها في أول وقتها وان أول الوقت رضوان الله (* 1) والآيات الآمرة باستباق الخيرات والمسارعة إلى مغفرة الله سبحانه (* 2) بتقريب أن أفضلية الصلاة في أول وقتها تدلنا - بالملازمة - على جواز الاتيان بالوضوء للتهيؤ لها قبل دخول وقتها، لوضوح انه إذا لم يجز للمكلف الاتيان بالوضوء للتهيؤ قبل الوقت لم يتمكن من الاتيان بالصلاة في أول وقتها ولكان الحث على الاتيان بها وقتئذ - في تلك الادلة - لغوا ظاهرا ومع سقوطها لم يمكن الحكم بأفضلية الصلاة في أول وقتها. ويدفعه: أن الآيات والاخبار وإن دلتا - بالملازمة على استحباب الوضوء قبل دخول وقت الصلاة وانه حينئذ يقع صحيحا مأمورا به، لان الصلاة مشروطة بالوضوء الصحيح، إلا أنه لا دلالة لهما - بوجه - على أن الاتيان به بتلك الغاية أعني غاية التهيؤ للصلاة أمر مشروع في الشريعة المقدسة وانه موجب لصحته وتماميته وذلك لا مكان الاتيان به قبل الوقت بغاية الكون على الطهارة، أو بغاية صلاة مندوبة، أو لاجل استحبابه النفسي. وعلى الجملة أن الصلاة مشروطة بالوضوء الصحيح وقد دلت الادلة المتقدمة على جواز الاتيان به قبل وقت الصلاة وكونه صحيحا وقتئذ.


(* 1) راجع الباب 3 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) البقرة 2: 148. آل عمران 3: 133.

[ 8 ]

وأما أن الاتيان به بغاية التهيؤ للصلاة مشروع وصحيح فلا يكاد يستفاد منها بوجه. على أنا لو سلمنا دلالتها على مشروعية الوضوء للتهيؤ قبل وقت الصلاة فلماذا خصصوا استحبابه بما إذا أتى به قريبا من الوقت؟ لانه على ذلك لا فرق في استحبابه - للتهيؤ - بين الاتيان به قريبا من الوقت أم بعيدا عنه كما إذا توضأ أول طلوع الشمس - مثلا - للتهيؤ لصلاة الظهر. وقد يستدل على ذلك بالمرسل المروي عن الذكرى من قولهم (ع) وما وقر الصلاة من اخر الطهارة لها حتى يدخل وقتها (* 1) وهي بحسب الدلالة ظاهرة ولكنها ضعيفة بحسب السند. اللهم إلا أن يقال إن اخبار من بلغ تدلنا على استحباب نفس العمل الذي قد بلغ فيه الثواب، أو على استحباب اتيانه رجاء. وقد عرفت عدم دلالتها على الاستحباب الشرعي في محله فليلاحظ. فالصحيح أن يستدل على مشروعية الوضوء للتهيؤ قبل الوقت باطلاق قوله عز من قائل: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا. (* 2) نظرا إلى أن القيام نحو الشئ - على ما يستعمل في غير اللغة العربية أيضا - إنما هو الاستعداد والتهيؤ له، وقد دلت الآية المباركة على أن من تهيأ للصلاة شرع له الوضوء أعني الغسلتين والمسحتين. ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في ذلك بين القيام لها قبل الوقت أو بعده نعم يختص ذلك بما إذا أتى بالوضوء قريبا من وقت الفريضة، لعدم صدق القيام لها في مثل ما إذا توضأ في أول الصبح - مثلا - تهيؤا


(* 1) المروية في الباب 4 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المائدة: 5: 6.

[ 9 ]

[ امكانها إذا لم يمكن اتيانها في أول الوقت، ويعتبر أن يكون قريبا (1) من الوقت أو زمان الامكان، بحيث يصدق عليه التهيؤ. (الرابع): دخول المساجد (2). ] لصلاة الظهر هذا. والذي يسهل الخطب أن الوضوء مستحب نفسي عندنا، ومعه لا يفرق الحال في مشروعيته بين أن يأتي به قريبا من وقت الفريضة أم بعيدا عنه. (1) قد عرفت تفصيل الكلام في ذلك آنفا فلاحظ. الوضوء لدخول المساجد: (2) قد اتضح مما سردناه في التعليقة المتقدمة أن الحكم باستحباب الوضوء بغاية الدخول في المساجد وما الحق بها من المشاهد المشرفة أيضا محل المناقشة والكلام، إذ الاخبار الواردة في استحباب دخول المساجد أو هي مع المشاهد متطهرا (* 1) إنما تدل على أن الوضوء قبل دخولهما أمر مستحب. وأما أنه مشروع بتلك الغاية، ويستحب الوضوء بغاية دخولهما فهو مما لا يكاد يستفاد منها كما عرفت، لامكان أن يتوضأ بغاية الكون على الطهارة أو الصلاة المندوبة أو غيرهما من الغايات المسوغة للوضوء هذا. ويمكن أن يصحح الوضوء المأتي به بغاية دخول المسجد وما الحق به من المشاهد وغيره من الغايات المذكورة في المتن بانا مهما شككنا في شئ فلا نشك في أن الطهارة أمر مرغوب فيها في الشريعة المقدسة فان بنينا على أن الطهارة هي الوضوء في نفسه كما ورد من أن الوضوء طهور (* 2) وأنه


(* 1) راجع الباب 10 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) راجع الجزء الثالث ص 513.

[ 10 ]

[ (الخامس): دخول المشاهد المشرفة. (السادس): مناسك الحج مما عدا الصلاة والطواف. (السابع): صلاة الاموات. (الثامن): زيارة أهل القبور. (التاسع): قراءة القرآن أو كتبه، أو لمس حواشيه، أو حمله. (العاشر): الدعاء وطلب الحاجة من الله تعالى. (الحادي عشر): زيارة الائمة ولو من بعيد. (الثاني عشر): سجدة الشكر، أو التلاوة. (الثالث عشر): الاذان والاقامة، والاظهر شرطيته في الاقامة. (الرابع عشر): دخول الزوج على الزوجة ليلة الزفاف بالنسبة إلى كل منهما. (الخامس عشر): ورود المسافر على أهله فيستحب قبله. (السادس عشر): النوم. (السابع عشر): مقاربة الحامل. (الثامن عشر): جلوس القاضي في مجلس القضاء. (التاسع عشر): الكون على الطهارة. (العشرون): مس كتابة القرآن في صورة عدم وجوبه، وهو شرط في جوازه كما مر، وقد عرفت أن الاقوى استحبابه نفسيا أيضا. ] على وضوء (* 1) كما قدمناه سابقا وهو الدارج في كلمات الفقهاء (قدس الله أسرارهم) حيث يقولون: الطهارات الثلاث ويقصدون بها الوضوء والغسل والتيمم، فلا كلام في أنه بنفسه أمر مستحب ومما ندب إليه في الشريعة المقدسة، لان الله يحب المتطهرين فلا يحتاج حينئذ في صحته إلى


(* 1) راجع الجزء الثالث ص 515.

[ 11 ]

قصد شئ من غاياته لاجل الاستحباب النفسي - على الفرض -. وإذا قلنا أن الطهارة كالملكية والزوجية وغيرهما من الامور الاعتبارية أمر مترتب على الغسلتين والمسحتين فلو كنا نحن وما دل على أن الوضوء غسلتان ومسحتان لاكتفينا في الحكم بحصول الطهارة وترتبها عليهما بمجرد حصولهما في الخارج من غير اعتبار أي شئ آخر في صحتها، كما كنا نحكم بحصول الطهارة الخبثية بمجرد غسل البدن والثياب من دون اعتبار شئ آخر في حصولها، إلا أن الادلة الدالة على أن الوضوء يعتبر فيه قصد القربة والاتيان به بنية صالحة دلتنا على أن الغسلتين والمسحتين غير كافيتين في حصول الطهارة ما لم يؤت بهما بنية صالحة مقربة. وعلى ذلك يمكن أن يؤتى بالوضوء بقصد شئ من غاياته المترتبة عليه من دخول المساجد والمشاهد وقراءة القرآن والصلاة المندوبة أو غير ذلك مما أشار إليه في المتن، لانه - وقتئذ - قد أتى بالغسلتين والمسحتين وأضافهما إلى الله سبحانه باتيانهما بقصد شئ من غاياته، وقد فرضنا أنهما مع النية الصالحة محصلتان للطهارة بلا فرق في ذلك بين قصد الغاية التي تتوقف مشروعيتها على الوضوء كالصلاة الواجبة والمندوبة وما يتوقف عليه كما لها كالقراءة، ودخول المساجد ونحوهما من غاياته. إذا فلا يعتبر في صحة الوضوء ان يؤتى به بغاية الصلاة أو الكون على الطهارة، ويصح بذلك الوضوء بجميع الغايات المذكورة في المتن فليلاحظ. فقد اتضح بما سردناه الخلل في جملة من الاستدلالات على استحباب التوضوء للغايات المذكورة في كلام الماتن (قده) كما اتضح الوجه في جواز التوضؤ بجميع تلك الغايات المذكورة فلا حاجة إلى اطالة الكلام بالتعرض لحكم كل واحد واحد بالاستقلال.

[ 12 ]

[ وأما القسم الثاني فهو الوضوء للتجديد، والظاهر جوازه (1) ثالثا. ورابعا فصاعدا أيضا. ] الوضوء التجديدي: (1) لا ينبغي الاشكال في مشروعية الوضوء التجديدي في الشريعة المقدسة سواء تخلل بين الوضوءين فصل فعل كالصلاة ونحوها أو فصل زمان أم لم يتخلل، كما لافرق في استحبابه بين ما إذا أتى به لنفسه، وما إذا أتى به لا جل فعل آخر مشروط به من فريضة أو نافلة. وأيضا لا فرق في ذلك بين من يحتمل طرو الحدث في حقه ومن لا يحتمل فلا وجه للتفصيل بينهما باشتراط الفصل بالفعل أو الزمان، أو ارادة الاتيان بما يشترط فيه الوضوء في الثاني دون الاول، والسر في ذلك أن الاخبار الواردة في الوضوء التجديدي على طائفتين: (إحدهما): ما ورد في موارد خاصة من صلاة المغرب والفجر ونحوهما. (ثانيتهما): ما ورد في استحباب مطلق التجديد. أما (الطائفة الاولى): (فمنها): موثقة سماعة بن مهران قال: كنت عند أبي الحسن (ع) فصلى الظهر والعصر بين يدى وجلست عنده حتى حضرت المغرب فدعا بوضوء فتوضأ للصلاة ثم قال لي: توض فقلت جعلت فداك أنا على وضوء فقال: وإن كنت على وضوء إن من توضأ للمغرب كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر ومن توضأ للصبح كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا

[ 13 ]

الكبائر (* 1). (ومنها): ما رواه أيضا سماعة بن مهران قال: قال أبو الحسن موسى (ع) من توضأ للمغرب كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر (* 2) وزيد عليه في رواية الكافي قوله: ومن توضأ لصلاة الصبح كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر (* 3). و (منها): رواية أبي قتادة عن الرضا (ع) قال: تجديد الوضوء لصلاة العشاء يمحو لا والله وبلى والله (* 4). و (منها) غير ذلك من الروايات. وأما (الطائفة الثانية): (فمنها): ما رواه محمد بن مسلم (* 5) عن أبي عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع) الوضوء بعد الطهور


(* 1) و (* 2) و (* 4) المرويات في الباب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 3) يلاحظ هامش الوسائل. (* 5) الرواية قد وقع في سندها القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد وهما وإن لم يوثقا في كتب الرجال غير أنهما ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات فلابد من الحكم بوثاقتهما. ولا يعارضه تضعيف العلامة وابن الغضائري لهما، لان الكتاب المنتسب إلى ابن الغضايري الذي منه ينقل تضعيفاته وتوثيقاته لم يثبت أنه له وإن كان له كتاب ولا بأس بالاعتماد على مدحه وقدحه في نفسه. وأما العلامة (قده) فلان تضعيفاته كتوثيقاته مبتنية على حدسه واجتهاده لتأخر عصره الموجب لضعف احتمال استناده في ذلك إلى الحس والنقل، إذا فالرواية لا بأس بها من حيث السند ولابد من الحكم بصحتها.

[ 14 ]

عشر حسنات فتطهروا (* 1). و (منها): رواية المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (ع) قال: من جدد وضوءه لغير حدث جدد الله توبته من غير استغفار (* 2). و (منها): غير ذلك من الاخبار. ومقتضى اطلاق هذه الروايات عدم الفرق في استحباب الوضوء التجديدي بين التخلل بفصل فعل أو زمان بين الوضوءين وعدمه ولا بين الاتيان به لنفسه واتيانه لاجل فعل آخر مشروط به ولا بين احتمال طرو الحدث في حقه وعدمه بل مقتضى اطلاقها هو الحكم باستحباب التجديد ثالثا ورابعا فصاعدا، كما إذا توضأ بغاية قراءة القرآن ثم توضأ بغاية الصلاة المندوبة. ثم توضأ بغاية ثالثة مستحبة وهكذا. بقي في المقام شئ: وهو أن ظاهر بعض الاخبار الواردة في المقام عدم مشروعية التجديد في الشريعة المقدسة فضلا عن استحبابه كما في رواية عبد الله بن بكير عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله (ع): إذا استيقنت أنك قد أحدثت فتوضأ وإياك أن تحدث وضوء أبدا تستيقن أنك قد أحدثت (* 3). ولكن مقتضى الجمع العرفي بينهما وبين الاخبار الواردة في مشروعية التجديد واستحبابه حمل الرواية على صورة احداث الوضوء بنية الوجوب لان استصحاب الطهارة حينئذ يقتضي الحكم بعدم وجوب الوضوء


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 44 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 15 ]

[ وأما الغسل فلا يستحب فيه التجديد (1) بل ولا الوضوء بعد غسل الجنابة، وإن طالت المدة. وأما القسم الثالث فلامور: ] عليه فالحكم بالوجوب في حقه نقض لليقين بالشك، ومعه يكون الاتيان بالوضوء تشريعا محرما، لا فيما إذا أتى به بنية الندب كما لعله ظاهر. غسل الجناية بعد غسلها: (1) هل يستحب الاتيان بغسل الجنابة بعد غسل الجنابة؟ وهل يستحب الاتيان بالوضوء بعد غسلها؟ لم يرد مشروعية الغسل أو الوضوء بعد غسل الجنابة في أية رواية بالخصوص. نعم تشملهما الاطلاقات الواردة في استحباب الطهر على الطهر كما في مرسلة سعدان عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (ع) قال: الطهر على الطهر عشر حسنات (* 1) لانها تشمل غسل الجنابة بعد غسل الجنابة. والاخبار الواردة في استحباب الوضوء بعد الطهور كما تقدم في رواية محمد بن مسلم. ولكن الحكم باستحباب التجديد في غسل الجنابة بعيد غايته، لانه لو كان مستحبا لبان وشاع، ولم يخف ذلك على الاصحاب (قدس الله أسرارهم) ولم يرد استحبابه في شئ من الروايات ولم يتعرض له الاصحاب في كلماتهم. بل الحكم باستحبابه لا يخلو عن مناقشة واشكال، لان المرسلة المتقدمة الدالة باطلاقها على استحباب غسل الجنابة بعد غسل الجنابة ضعيفة بالارسال وغير


(* 1) المروية في الباب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 16 ]

[ (الاول): لذكر الحائض (1) في مصلاها مقدار الصلاة. ] قابلة للاعتماد عليها في الحكم بالاستحباب اللهم إلا أن يقال باستفادة الاستحباب من أخبار من بلغ وقد ناقشنا فيه في محله فليراجع. الوضوء بعد غسل الجنابة: وأما الوضوء بعد غسل الجنابة فلا ينبغي التأمل في عدم مشروعيته، وذلك لما ورد في صحيحة زرارة عن أبى عبد الله (ع) ليس قبله ولا بعده وضوء (* 1) فان ظاهرها نفي مشروعية الوضوء بعد غسل الجنابة، وحملها على نفي الوجوب دون المشروعية خلاف الظاهر. ويؤيده قوله: قبله. لوضوح أن الوضوء قبل غسل الجنابة لم يتوهم أحد استحبابه ولا وجوبه، فكذلك الوضوء بعده. أضف إلى ذلك ما قدمناه في غسل الجنابة بعد غسل الجنابة من أن ذلك لو كان مستحبا في الشريعة المقدسة لذاع وشاع وورد ذلك في الروايات مع أن كلمات الفقهاء (قدهم) خالية عن التعرض لاستحبابه ولم ترد أية رواية في استحبابه بالخصوص. (1) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلاة، وعليها أن تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله عزوجل وتسبحه وتهلله وتحمده كمقدار صلاتها، ثم تفرغ لحاجتها (* 2).


(* 1) المروية في الباب 34 و 36 من ابواب الجنابة من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 14 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 17 ]

(الثاني): لنوم الجنب (1) وأكله وشربه (2) وجماعه (3) ] (1) دلت عليه صحيحة عبيدالله بن علي الحلبي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل أينبغي له أن ينام وهو جنب؟ فقال: يكره ذلك حتى يتوضأ (* 1). وموثقة سماعة قال: سألته عن الجنب يجنب ثم يريد النوم قال: ان احب أن يتوضأ فليفعل. والغسل أحب الي (* 2). (2) لصحيحة عبيدالله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله - ع - عن أبيه قال: إذا كان الرجل جنبا لم يأكل ولم يشرب حتى يتوضأ (* 3)، ويؤيدها صحيحة زرارة عن أبي جعفر - ع - قال: الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض وغسل وجهه وأكل وشرب (* 4). (3) المستند في ذلك ينحصر في روايتين: (احدهما): ما رواه الاربلي في كتاب كشف الغمة عن كتاب دلائل الحميري عن الوشاء قال: قال فلان بن محرز: بلغنا أن أبا عبد الله عليه السلام كان إذا أراد أن يعاود الجماع توضأ وضوء الصلاة فأحب أن تسأل أبا الحسن الثاني - ع - عن ذلك قال الوشاء فدخلت عليه فابتدأني من غير أن أسأله فقال: كان أبو عبد الله - ع - إذا جامع وأراد أن يعاود توضأ وضوء الصلاة (* 5). و (ثانيهما): ما عن أبي عبد الله - ع - قال: إذا أتى الرجل


(* 1) المروية في الباب 25 من أبواب الجنابة و 11 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 25 من أبواب الجنابة من الوسائل. (* 3) و (* 4) المرويتان في ب 2 من أبواب الجنابة من الوسائل. (* 5) المروية في ب 13 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 18 ]

[ وتغسيله الميت (1). ] جاريته ثم أراد أن يأتي الاخرى توضأ (* 1). لكن الروايتين مضافا إلى اختصاصهما بمن اجنب بالجماع وعدم شمولها لمن أجنب بالاحتلام، لم يتضح صحة الاولى منهما بحسب الطريق، كما ان ثانيتهما ضعيفة بالارسال. إذا فالحكم باستحباب الوضوء لجماع من أجنب بالمجامعة يبتنى على القول بالتسامح في أدلة السنن. نعم قد يستدل على الحكم باستحباب الوضوء لجماع من أجنب بالاحتلام بقول الشيهد (ره) في الذكرى، حيث انه - بعد ان ذكر موارد استحباب الوضوء وعد منها جماع المحتلم - قال: كل ذلك للنص وقول صاحب المدارك (قده) لانه أيضا كالشهيد (ره) بعد ما ذكر موارد استحباب الوضوء قال: وقد ورد بجميع ذلك روايات. بدعوى انهما (قدهما) قد اخبرا بذلك عن وجود رواية تدلنا على الاستحباب في محل الكلام. ويرده أن بمجرد هذين الكلامين لا يمكننا دعوى ورود نص - في محل الكلام - تام الدلالة على الاستحباب - عندنا - لان من الجائز أن لا يكون النص مما له دلالة على الاستحباب أو يكون نظرهما (قده) إلى ورود النص في مجموع الموارد المذكورة في كلامهما، أو أكثرها، لا في كل واحد واحد منها، إذ لو كان هناك نص في محل الكلام أيضا لعثرنا عليه في جوامع الاخبار وكتب الروايات بعد الفحص عنه لا محالة. نعم لو ثبت بقولهما ذلك ان في المسألة رواية تامة الدلالة على الثواب والاستحباب ابتنى الاستدلال بها - في المقام - على القول بالتسامح في أدلة الاستحباب كما لا يخفى. (1) لحسنة شهاب بن عبد ربه قال: سألت أبا عبد الله ع عن


(* 1) المروية في ب 155 من أبواب مقدمات النكاح من الوسائل.

[ 19 ]

[ (الثالث): لجماع من مس الميت ولم يغتسل بعد (1). (الرابع): لتكفين الميت (2) أو دفنه (3) بالنسبة إلى من غسله ولم يغتسل غسل المس. ] الجنب يغسل الميت أو من غسل ميتا، له أن يأتي أهله ثم يغتسل؟ فقال: سواء لا بأس بذلك إذا كان جنبا غسل يده وتوضأ، وغسل الميت وهو جنب، وان غسل ميتا توضأ ثم أهله ويجزيه غسل واحد لهما (* 1). (1) للحسنة المتقدمة الدالة على استحباب التوضؤ لجماع من غسل الميت ولم يغتسل بعد. (2) لم ترد أية رواية في استحباب الوضؤ في المقام وليس في المسألة إلا فتوى الاصحاب بالاستحباب إذا يبتنى الحكم بذلك على القول بالتسامح في أدلة المستحبات وفرض شمول أخبار من بلغه ثواب لفتوى الاصحاب بالاستحباب وهذا من قبيل الفرض في الفرض. (3) قد يستدل عليه بما رواه الحلبي ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: توضأ إذا أدخلت الميت القبر (* 2) ولكن الرواية ضعيفه السند لا لاجل محمد بن عبد الله بن زرارة لانه ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات وقد وثق مؤلفه كل من وقع في سلسلة رواياته. بل لان طريق الشيخ (قده) إلى علي بن الحسن بن فضال ضعيف بعلي ابن محمد بن الزبير القرشي (* 3).


(* 1) المروية في ب 43 من أبواب الجنابة و 34 من أبواب غسل الميت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 53 و 31 من أبواب الدفن من الوسائل. (* 3) قد عدل سيدنا الاستاذ - مد ظله - عن ذلك وبنى على صحة طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال. وأفاد في وجه ذلك ان طريق =

[ 20 ]

[ (مسألة - 3): لا يختص (4) القسم الاول من المستحب بالغاية ] إذا؟ الاستدلال بها في المسألة يبتني على القول بالتسامح في أدلة السنن. على أن الرواية غير مقيدة بمن غسل الميت ولم يغتسل - كما قيده الماتن (قد) - بل هي مطلقة فتعم غير الغاسل كما تعم الغاسل الذي قد اغتسل من مس الميت. أضف إلى ذلك ان الرواية تحتمل أن يراد بها استحباب الوضوء بعد ادخال الميت القبر، لا قبل الادخال لاجل ادخال الميت القبر فليلاحظ. اباحة جميع الغايات بالوضوء: (1) والوجه في ذلك أن الوضوء اما هو الطهارة في نفسه، أو ان الطهارة اعتبار شرعي مترتب على الوضوء كترتب الملكية على البيع، والزوجية على النكاح وغيرهما من الاحكام الوضيعة المترتبة على أسبابها، وعلى كلا التقديرين قد دلتنا الادلة الواردة في اعتبار قصد القربة في الوضوء على ان الاتيان بالغسلتين والمسحتين انما تكونان طهارة أو تترتب عليهما الطهارة فيما إذا


= الشيخ إلى كتاب إذا كان ضعيفا في المشيخة والفهرست، ولكن كان للنجاشي إلى ذلك الكتاب طريق صحيح، وكان شيخهما واحدا كما في المقام وهو ابن عبدون حكم بصحة رواية الشيخ أيضا عن ذلك الكتاب، إذ لا يحتمل أن يكون ما اخبر به شخص واحد كابن عبدون - مثلا - للنجاشي مغايرا لما اخبر به الشيخ فإذا كان ما اخبرهما به واحدا وكان طريق النجاشي إليه صحيحا حكم بصحة ما رواه الشيخ عن ذلك الكتاب أيضا لا محالة ويستكشف من تغاير الطريق ان الكتاب الواحد روى بطريقين ذكر أحدهما الشيخ، وذكر النجاشي الطريق الاخر، وليلاحظ.

[ 21 ]

اتى بهما المكلف بنية صالحة وبقصد التقرب إلى الله سبحانه، فإذا شككنا في اعتبار امر زائد على ذلك في حصول الطهارة أو في تحقق الوضوء فلا مناص من أن نرجع إلى اطلاق أدلة الوضوء وحيث إن المكلف قد أتى بها بغاية من الغايات القربية، بمعنى انه أضافهما إلى الله سبحانه نحو اضافة واتى بهما بنية صالحة فلا محالة تحصل بذلك الطهارة إذا فهو على وضوء أو قل انه على الطهارة فيشرع له الدخول في كل فعل مشروط بالطهارة بحسب الصحة أو الكمال فله أن يأتي - وقتئذ - بغاية اخرى من الغايات المترتبة على الكون على الطهارة، أو الوضوء لتحقق ما هو مقدمتها، وما يتوقف عليه صحتها أو كمالها، ولعله إلى ذلك اشار - ع - في الرواية المتقدمة حيث نهى عن احداث الوضوء إلا بعد اليقين بالحدث. وفي موثقة سماعة بن مهران المروية عن المحاسن: كنت عند أبي الحسن عليه السلام فصلى الظهر والعصر بين يدي وجلست عنده حتى حضرت المغرب فدعا بوضوء فتوضأ للصلاة، ثم قال لي: توض، فقلت: جعلت فداك أنا على وضوء، فقال: وان كنت على وضوء، ان من توضأ للمغرب كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر ومن توضأ للصبح كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر (* 1). ويستفاد من هاتين الروايتين ان الاتيان بالوضوء لاجل غاية معينة يكفي في الاتيان بغيرها من الغايات المترتبة عليه، ولا حاجة معه إلى التجديد والتوضؤ ثانيا


(* 1) المروية في ب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 22 ]

[ التي توضأ لاجلها بل يباح به جميع الغايات المشروطة به بخلاف الثاني (1) والثالث (2) فانهما وان وقعا على نحو ما قصدا لم يؤثرا إلا فيما قصد لاجله نعم لو انكشف الخطأ بان كان محدثا بالاصغر، فلم يكن وضوءه تجديديا ] (1) يعني الوضوء التجديدي الصادر من المتطهر، فانه لا يترتب عليه أثر من رفع الحدث، واحداث الطهارة لفرض كونه متطهرا قبل ذلك. نعم إنما يؤثر في الاستحباب ومجرد المطلوبية فقط، وهذا لا لقصور في ذلك بل من جهة عدم قابلية المحل للتأثير لفرض سبقه بالطهارة. (2) فان الظاهر عدم ترتب أي أثر على الوضوء في القسم الثالث سوى الغاية التي أتى به لاجلها، كما إذا توضأ الجنب للاكل، فانه إذا أراد الجماع - مثلا - لابد في ارتفاع كراهته من أن يتوضأ ثانيا ولا يجزي توضوءه للاكل عن غيره. والوجه فيه أن الغاية في هذا القسم غير مترتبة على الطهارة، حيث لا طهارة مع الجنابة، أو الحيض أو غيرهما من الاحداث، فلا تتحقق الطهارة بالوضوء، ولا انه طهارة بنفسه، لعدم قابلية المحل حينئذ، فالغاية مترتبة على نفس الافعال الصادرة من المتوضئ أعني الوضوء بالمعنى المصدري الايجادي، وهو أمر يوجد وينعدم ولا بقاء له حتى يكفي في حصول الغاية الثانية، فلا مناص من أن يتوضأ - ثانيا - لمثل رفع الكراهة عن الجماع أو غير ذلك من الغايات المترتبة عليه، فان مقتضى اطلاق القضية الشرطية في قوله ع (إذ كان الرجل جنبا لم يأكل ولم يشرب حتى يتوضأ) (* 1). وقوله - ع -: الجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض وغسل وجهه وأكل وشرب (* 2) بناء على أن المراد به هو الوضوء ان الاكل كالجماع سبب مستقل للوضوء سواء تحقق معه سبب آخر أم لا، إذا


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 23 ]

[ ولا مجامعا للاكبر، رجعا إلى الاول وقوى (1) القول بالصحة واباحة جميع الغايات به إذا كان قاصدا لامتثال الامر الواقعي المتوجه إليه في ذلك الحال بالوضوء، وان اعتقد انه الامر بالتجديدي منه - مثلا - فيكون من باب الخطأ في التطبيق، وتكون تلك الغاية مقصودة له على نحو الداعي لا التقييد بحيث لو كان الامر الواقعي على خلاف ما اعتقده لم يتوضأ، أما لو كان على نحو التقييد كذلك ففي صحته حينئذ اشكال. ] لكل من الغايات المترتبة على وضوء المحدث الاكبر وضوء مستقل وهذا معنى عدم التداخل في الاسباب. التفصيل بين الداعي والتقييد: (1) حاصل ما أفاد (قده) في المقام هو التفصيل في صحة الوضوء المأتي به في محل الكلام بين ما إذا كانت الغاية مقصودة للمتوضئ على نحو الداعي إلى العمل فيحكم بصحته وما إذا كانت مقصودة على نحو التقييد فيحكم ببطلان الوضوء ولتوضيح الكلام في المقام لابد من أن نتعرض إلى موارد صحة التقييد واستحالته في الافعال الصادرة من المكلفين حتى يتبين صحة ما أفاده الماتن (قده) أو سقمه فنقول: أقسام التقييد: التقييد قد يرجع إلى متعلق الاعتبار فيقيده بقيد أو قيدين أو أكثر، ولا اشكال في امكان ذلك فميا إذا كان المتعلق - وهو المبيع - مثلا أمرا كليا فيوجب تضييق دائرته، كما إذا باعه مقدارا كليا من الحنطة وقيدها

[ 24 ]

بكونها من مزرعة فلانية، أو كتاب الجواهر المقيد بالطبعة المعينة وبذلك يتحصص المبيع بحصة معينة، فإذا دفع إلى المشتري ما هو فاقد للقيد لم يكن هذا موجبا لبطلان المعاملة، كما لا يوجب الخيار بل للمشتري أن يرده ويطالب البايع بالمبيع، لان الفاقد لم تقع عليه المعاملة ولم يعتبر ملكا للمشتري. و أما إذا كان المتعلق شخصيا، كما إذا باعه كتابا مشخصا أو عبدا خارجيا على أن يكون الكتاب طبعة كذا، أو العبد كاتبا - مثلا - فهذا يستحيل أن يكون من باب القييد، لان المفروض أن المبيع شخصي وجزئي حقيقي لا سعة فيه حتى يقيد ويضيق لبداهة أن الكتاب الخارجي المعين ليس له قسمان، وكذا العبد المشخص الخارجي، فانه جزئي حقيقي فلا معنى للتضييق في مثله. فالتقييد حينئذ مرجعه إلى الاشتراط والتزام البايع بان يكون الكتاب المعين طبع كذا أو العبد المعين كذا، فإذا ظهر عدم كونه واجدا لتلك الصفة ثبت للمشتري الخيار على ما قدمنا الكلام عليه في بحث الخيار. نعم لامانع من التقييد في هذه الصورة أيضا - وان كان خارجا عن محل الكلام - كما إذا رجع التقييد إلى أصل البيع والاعتبار دون المتعلق والمبيع بان يبيع مثلا الحنطة المعينة على تقدير أن تكون من المزرعة الفلانية، على أن يكون البيع معلقا على ذلك بحيث لو لم يكن من المزرعة المذكورة لم يكن بيع أصلا وهذا تقييد في الاعتبار وليس من باب التقييد في المتعلق. ولا كلام أيضا في امكانه، لانه لا مانع من تقييد اعتبار الملكية بصورة دون صورة، إلا انه موجب لبطلان المعاملة حتى فميا إذا ظهر أن المبيع واجد للقيد فضلا عما إذا ظهر عدم كونه واجدا له، وذلك لان التعليق في العقود موجب للبطلان وكذلك الحال فيما إذا كان التقييد راجعا

[ 25 ]

إلى المشتري، كما إذا باع مالا - بقيمة زهيدة - لزيد الهاشمي أو التقي أو الذي يكون ابن عم له - حسب عقيدته - فان ذلك لا يعقل أن يكون من باب التقييد لعدم قابلية الجزئي للتضييق، فلا مناص من ارجاع ذلك أيضا إلى الاشتراط ونتيجته تقييد التزام البايع - دون البيع - بما إذا كان المشتري هاشميا أو تقيا أو غيرهما من القيود، وتخلفه يوجب الخيار دون البطلان. وعلى الجملة التقييد في الجزئي الحقيقي غير معقول، ورجوعه انما هو إلى الاشتراط وهو يوجب الخيار دون البطلان، فلا معنى وقتئذ لوحدة المطلوب وتعدده، لان أصل البع متحقق، والالتزام مشروط ومعلق على وجود القيد هذا كله في صورة التقييد. وأما إذا اعتبر الملكية لزيد على وجه الاطلاق بان باعه شيئا بقيمة زهيدة من دون شرط بداعي انه هاشمي أو تقي أو ابن عمه، فلا ينبغي الاشكال في أن تخلفه غير موجب للبطلان، كما أنه لا يوجب الخيار على ما هو الحال في جميع موارد تخلف الدواعي وهذا ظاهر. وقد يكون التقييد راجعا إلى مقام الامتثال، كما إذا أتى بالمأمور به مقيدا بقيد ومتخصصا بخصوصية أو خصوصيتين أو أكثر، فان كان المأمور به كليا طبيعيا ومنطبقا على المأتى به في الخارج، فلا اشكال في صحته وسقوط التكليف بذلك عن ذمته، وهذا كما إذا قرأ سورة من القرآن في يوم على انه يوم الجمعة أو غيره من الايام المتبركة بحيث لو كان عالما بعدم كونه كذلك لم يمتثل اصلا ولم يأت بالقراءة، أو أنه صلى في مكان على انه مسجد بحيث لو كان عالما بالخلاف لم يصل فيه. والوجه في صحة الامتثال في هذه الموارد: أن المأمور به كلي طبيعي كالقراءة والصلاة من دون مدخلية القيد المذكور في صحته، لانهما أمران

[ 26 ]

محبوبان سواء أكانتا في يوم الجمعة أو في غيره وسواء وقعتا في المسجد أو في مكان آخر، فالمأمور به منطبق على القراءة أو الصلاة المتقيدتين. وأما قصده ان لا يمتثل على تقدير عدم كون المكان مسجدا فهو غير مانع من انطباق المأمور به على المأتي به في الخارج، فإذا فرضنا ان المكلف قد أتى بالمأمور به بما له من القيود والشروط لم يكن أي موجب للحكم ببطلانه وعدم صحته. وأما إذا كان المأمور به طبيعة خاصة غير منطبقة على الطبيعة المأتي بها في الخارج لتغايرهما وتعددهما فلا مناص من ان يحكم ببطلانه، وعدم فراغ ذمة المكلف عما هو الواجب في حقه في مقام الامتثال، اللهم إلا أن يدلنا دليل على كفايته وجواز الاجتزاء به نظير ما دل على كفاية غسل الجمعة عن غسل الجنابة لدلالته على جواز الاكتفاء به عن غسل الجنابة، وإلا فمقتضى القاعدة هو البطلان. فإذا أتى بصلاة العصر باعتقاد أنه أتى بصلاة الظهر قبلها بحيث لو كان عالما بعدم اتيانه بالظهر لم يأت بصلاة العصر جزما بل كان يأتي بصلاة الظهر، أو انه اتى بصلاة الفجر قضاء معتقدا باتيانه لها أداء ا في وقتها كما إذا جرت عادته على الاتيان بصلاة الفجر قضاء بعد الاتيان بها اداء بحيث لو كان عالما بعدم اتيانها اداء لقصد بما اتى به الاداء دون القضاء، أو أنه أتى بصلاة الظهر باعتقاد انه لم يأت بها قبل ذلك. ففي جميع هذه الصور لا بد من الحكم ببطلان الصلاة المأتى بها - بحسب القاعدة فلا يقع ما أتى به عصرا كما أنها لا تحتسب ظهرا - في الصورة الاولى - ولا صلاة فجر قضائية ولا أدائية في الصورة الثانية - ولا يحتسب ما اتى به عصرا في الصورة الثالثة، بل لابد من الحكم بفساد ما اتى به من الصلاة مع قطع النظر عن النص الوارد في الصورة الاولى، حيث دل

[ 27 ]

على احتسابها ظهرا، لانه أربع مكان اربع (* 1). إلا أن الكلام فيما تقتضيه القاعدة وقد عرفت أن تقتضي البطلان وذلك لتغائر المأتي به والمامور به واختلافهما بحسب اختلاف القصود، فان القصد هو المناط في المتايز بين مثل الظهرين، وصلاتي الفجر ونافلتها، وصلاة الاداء والقضاء على ما استفدناه من الروايات من أنها حقوق مختلفة باختلاف القصود، وليست طبيعة واحدة. فقد دلتنا صحيحة عبيد بن زرارة. الا ان هذه قبل هذه (* 2) على مغائرة صلاتي العصر والظهر، حيث أشار بكل من كلمتي (هذه) إلى احدى الصلاتين، ولو لا مغائرتهما لم يكن معنى لقوله: هذه وهذه، لانهما - وقتئذ - شئ واحد مركب من ثمان ركعات وبحسب الطبع يكون احدى الاربعة منها سابقة على الاخرى من دون حاجة في ذلك إلى البيان والتنبيه. وأيضا يدلنا على ذلك ما ورد في العدول من الفريضة إلى النافلة ومن الحاضرة إلى الفائتة، ومن اللاحقة إلى السابقة. كما يمكن الاستدلال على التغائر في الاغسال بما دل على انها حقوق متعددة، حيث قال - ع - فإذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد (* 3) ومع التغائر بحسب الطبيعة كيف يعقل الحكم بصحة الماتي به في محل الكلام، لان ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع، وان كان لو علم بالحال لا تى بما هو المأمور به في حقه وترك ما بيده غير ان كونه كذلك لا يقتضي الحكم بصحة عمله بعد عدم انطباق المأمور به على الماتي به في الخارج اللهم إلا أن يقصد الفريضة الواقعية بحسب الواقع، كما إذا أتى بها


(* 1) المروية في ب 63 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 4 من أبواب المواقيت من الوسائل. (* 3) المروية في ب 43 من أبواب الجنابة من الوسائل.

[ 28 ]

بقصد ما هو فريضة الوقت غير انه اخطا وطبقها على صلاتي الظهر والعصر فانها حينئذ تقع صحيحة، لان الواجب الواقعي مقصود - وقتئذ - اجمالا وهو يكفي في الحكم بصحة العمل وان اخطا في تطبيقه. وما سردناه هو الميزان الكلي في باب الامتثال، ولا معنى فيه للداعي والتقييد فان المأمور به، إذا كان بحيث ينطبق على الماتي به في الخارج، فلا مناص معه من الحكم بالصحة ولا موجب للحكم بالبطلان، وإذا لم ينطبق على الماتي به لكونهما طبيعتين متغائرتين فلا مناص من الحكم بالبطلان هذا كله بحسب كبرى المسألة. وأما تطبيقها على المقام، فالمكلف إذا توضأ بنية التجديد، ثم ظهر انه كان محدثا بالاصغر - واقعا - أو توضأ بنية رفع الكراهة عن الاكل أو الجماع لاعتقاده بجنابته ثم ظهر انه كان محدثا بالاصغر فقد عرفت انه لا يأتي فيه احتمال التقييد والداعي بوجه، فان باب الامتثال أجنبي عن ذلك بالكلية بل المدار فيه على ملاحظة أن المأتي به هل يتحد مع ما هو المأمور به في حق الملكف وينطبق عليه أولا؟ إذا لا بد من النظر إلى ان الوضوء التجديدي هل يتغائر مع الوضوء الرافع للحدث حقيقة، وان كلا منهما طبيعة مغائرة مع الاخرى حتى يحكم بفساد وضوئه، لعدم انطباق المأمور به على المأتي به، أو انهما متحدان ولا تغائر بينهما؟ وحينئذ بحكم بصحته. الثاني هو الاظهر، لعدم الفرق في الوضوء بين المتجدد منه وغيره إلا في الاولية، والثانوية، والتقديم والتأخير، وذلك لوضوح أن حقيقة الوضوء إنما هي الغسلتان والمسحتان، مع اتيانهما بنية صالحة ولا يعتبر في حقيقته شئ زائد عليه، وارتفاع الحدث به حكم شرعي مترتب عليه، لا انه من مقوماته وأركانه إذا فالمتجدد متحد مع غيره وينطبق عليه الطبيعة

[ 29 ]

المأمور بها وان قصد به التجديد، لان التجديد كغير التجديد هذا كله في الوضوء المتجدد. وأما الوضوء بنية رفع الكراهة ممن هو محدث بالحدث الاكبر فقد حكى المحقق الهمداني (قده) عن صاحب الحدائق أن اطلاق الوضوء على الوضوء المجامع للحدث الاكبر - أعني الوضوء الذي أتى به المكلف بنية رفع الكراهة - مثلا - وهو محدث بالحدث الاكبر - إنما هو من باب المجاز، لانه لا يرفع الحدث فلا يكون بوضوء حقيقة، وهو نظير اطلاق الصلاة على صلاة الميت إذا فهو طبيعة مغائرة للوضوء الصادر من المحدث بالاصغر. وهذه الدعوى - على تقدير صحتها تقتضي الحكم ببطلان الوضوء فيما إذا قصد به رفع الكراهة - مثلا - لعدم انطباق المأمور به على الماتي به حينئذ، واختلافهما بحسب الحقيقة، ومعه لابد من الحكم بالبطلان ولكن هذه الدعوى مما لا يمكن المساعدة عليه، لان الوضوء ليس إلا مسحتان وغسلتان مع الاتيان بهما بنية صالحة وهما متحققان في الوضوء الصادر من المحدث بالحدث الاكبر أيضا واما ارتفاع الحديث به وعدمه فقد عرفت انه حكم شرعي طارء عليه، لا انه من مقومات الوضوء ومعه كيف يقاس ذلك بصلاة الميت التي لا يعتبر فيها شئ من الركوع والسجود وغيرهما مما يعتبر في الصلاة وقد استفدنا من الروايات انهما من مقومات الصلاة. لا يقال: ان مجرد الشك في أن الوضوء من المحديث بالاكبر متحد مع الوضوء الصادر من غيره - حقيقة - أو انهما طبيعتان متعددان، كاف في الحكم بالبطلان وعدم جواز الاقتصار عليه. لانه يقال: ان مجرد الشك في ذلك وان كان يكفي في ذلك، إلا

[ 30 ]

[ مسألة - 4) لا يجب في الوضوء قصد موجبه، بان يقصد الوضوء لاجل خروج البول، أو لاجل، بل لو قصد أحد الموجبات وتبين ان الواقع غيره صح (1) إلا أن يكون على وجه التقييد (2). ] ان اطلاق أدلته أعني ما دل على أن الوضوء غسلتان ومسحتان، مع النية الصالحة لا تبقى مجالا للشك في انهما متحدتان بحسب الطبيعة أو متغائرتان؟ وعلى الجملة أن الوضوء حقيقة واحدة سواء أصدر من المحدث بالاكبر أم من المحدث بالاصغر، فإذا كانت الطبيعة متحدة تنطبق المأمور به على الماتي به، وبذلك يحكم بصحة الوضوء وارتفاع الحدث بكل من الوضوء المتجدد والوضوء الماتي به بنية رفع الكراهة - مثلا - فيما إذا ظهر انه محدث بالحدث الاصغر واقعا، وان كان الحكم بالارتفاع في الوضوء التجديدي أظهر من ارتفاعه في الوضوء الماتي به بنية رفع الكراهة. عدم اعتبار قصد الموجب: (1) وذلك لما تقدم من ان الوضوء هو الغسلتان والمسحتان مع الاتيان بهما بنية صالحة، وهذا هو الذي يترتب عليه الحكم بارتفاع الحدث أو اباحة الدخول في الغايات المترتبة عليه ولا اعتبار بقصد كونه رافعا لحديث النوم أو البول أو غيرهما. (2) وهذا منه (قده) اما بمعنى الجزم بالبطلان عند الاتيان به على وجه التقييد، واما بمعنى عدم الحكم فيه بصحة الوضوء للاستشكال فيه، والاحتمال الثاني أظهر لمطابقته لا ستشكاله (قده) في المسألة المتقدمة. وكيف كان فقد عرفت ان في امثال المقام اعني باب الامتثال لا سبيل إلى التقييد، بل المناط فيه انما هو انطباق المأمور به على المأتي به

[ 31 ]

[ (مسألة - 5): يكفي الوضوء الواحد للاحداث المتعددة (1) إلا إذا قصد رفع طبيعة الحدث، بل لو قصد رفع أحدها صح وارتفع الجميع إلا إذا قصد رفع البعض دون البعض، فانه يبطل، لانه يرجع إلى قصد عدم الرفع. ] في الخارج، وعدم مدخلية شئ من القيود المقصودة في صحته، وبما ان الوضوء هو الغسلتان والمسحتان مع اضافتهما إلى الله سبحانه نحو اضافة فلا محالة ينطبق على الوضوء المأتي به بنية رفع الحدث البولي دون النومي - مثلا - وأما قصد كونه رافعا للحدث من جهة دون جهة فهو مما لا مدخلية له في صحة الوضوء لما مر من ان ارتفاع الحدث به وعدمه حكم شرعي طرء على الوضوء، وليس أمرا راجعا إلى المكلف ليقصده أو لا يقصده فان ما هو تحت قدرته واختياره انما هو الاتيان بالغسلتين والمسحتين بنية صالحة، والمفروض تحققه في المقام ومع انطباق المأمور به على المأتي به لا موجب للتوقف في الحكم بصحته. كفاية الوضوء الواحد للاحداث المتعددة: (1) ولنفرض الكلام فيما إذا حدثت الاحداث المتعددة في زمان واحد من دون تقدم شئ منها على الآخر بحسب الزمان، كما إذا بال وتغوط معا. وقد ظهر حكم هذه المسألة مما سردناه في الفروع المتقدمة. وذكرنا غير مرة أن ارتفاع الحدث حكم شرعى قد طرء على الوضوء وغير راجع إلى اختيار المكلف أبدا، إذا فلا أثر لقصد المكلف الرفع من جهة دون جهة. لانه إذا أتى بطبيعة التوضؤ قاصدا بها ربه فقد ارتفعت الاحداث

[ 32 ]

[ (مسألة - 6): إذا كان للوضوء غايات متعددة (1) فقصد الجميع حصل امتثال الجميع، واثيب عليها كلها، وان قصد البعض حصل الامتثال بالنسبة إليه ويثاب عليه. لكن يصح بالنسبة إلى الجمبيع، ويكون اداء بالنسبة إلى ما لم يقصد، وكذا إذا كان للوضوء المتسحب غايات عديدة. وإذا اجتمعت الغايات الواجبة والمستحبة أيضا يجوز قصد الكل، ويثاب عليها، وقصد البعض دون البعض، ولو كان ما قصده هو الغاية المندوبة، ويصح معه اتيان جميع الغايات، ولا يضر في ذلك كون الوضوء عملا واحدا لا يتصف بالوجوب والاستحباب معا. ومع وجود الغاية الواجبة لا يكون إلا واجبا، لانه على فرض صحته لا ينافي جواز قصد الامر الندبي، وان كان متصفا بالوجوب فالوجوب الوصفي لا ينافي الندب الغائي لكن التحقيق صحة اتصافه فعلا بالوجوب والاستحباب من جهتين. ] بأجمعها بذلك اللهم إلا أن يشرع في امتثاله تشريعا بان يقصد امتثال الامر بالوضوء الرافع للحدث البولي دون النومي، وهو تشريع محرم، لوضوح انه ليس لنا أمر شرعي مختص بالوضوء الرافع لبعض الاحداث دون بعض وهذا فرض خارج عن محل الكلام. تعدد غايات الوضوء: (1) قد تكون الغايات واجبة كلها، وقد تكون مستحبة كذلك ففي هاتين الصورتين لا شكال في ان المكلف إذا أتى به بغاية واجبة أو مستحبة ترتبت عليه الغايات الواجبة أو المستحبة كلها، إلا انه لا يقع امتثالا إلا لخصوص الغاية الواجبة التي أتى به لاجهلا أعني الغاية المقصودة له، وأما غيرها من الغايات غير المقصودة له فلا تقع امتثالا لها، لعدم قصدها على

[ 33 ]

الفرض، وان كانت تقع صحيحة لتحقق ما هو مقدمتها على الفرض. وكذلك الحال في الغايات المستحبة، لانه انما يثاب بخصوص الغاية المندوبة التي قصدها دون غيرها، لعدم قصد امتثالها وان كانت - كالواجبة - تترتب عليه لا محالة لحصول ما هو مقدمتها كما مر. وثالثة تختلف الغايات المقصودة في الوضوء المأتي به فيكون بعضها من الغايات الواجبة المستحبة وذلك الوضوء بعد الفجر، حيث ان له غايتان: (احداهما): نافلة الفجر المستحبة، و (ثانيتهما): صلاة الفجر الواجبة وفي هذه الصورة قد يأتي به المكلف بقصد كلتا الغايتين، ولا اشكال في صحته وقتئذ، ويجوز له الدخول في كل من الغايتين المذكورتين، لاندكاك الامر الاستحبابي في الامر الوجوبي. وقد يأتي به بقصد الغاية الواجبة، وفي هذه الصورة أيضا لا اشكال في صحته وجواز دخوله في كلتا الغايتين، أما دخوله في الغاية الواجبة فالوجه فيه ظاهر. وأما دخوله في المستحبة، فلاجل حصول ما هو مقدمتها في نفسها وانما الخلاف والنزاع فيما إذا اتى به بقصد الغاية المستحبة فهل يحكم حينئذ بصحة وضوئه، ويسوغ له الدخول في كلتا الغايتين المترتبتين عليه، أو لابد من الحكم بالبطلان، ولا يترتب عليه شئ من غايتيه؟ يبتنى الاشكال في صحة الوضوء حينئذ على استحالة اجتماع الوجوب والاستحباب في شئ واحد، لانهما ضدان لا يجتمعان في محل واحد، ومع فرض ان الوضوء مقدمة للغاية الواجبة يتصف لا محالة بالوجوب، وبعد ذلك يستحيل أن يتصف بالاستحباب، وبما أنه قد قصد به الغاية المستحبة له فيحكم على الوضوء بالفساد، لان ما قصده من الامر الاستحبابي لم يقع والامر الوجوبي الذي اتصف به الوضوء لم يقصد فلا مناص من الحكم

[ 34 ]

بالفساد كما مر. ثم ان الاستشكال في المسألة بما تقدم تقريبه يبتنى على القول بوجوب مقدمة الواجب شرعا، وأما إذا أنكرنا ذلك وقلنا بانه لا دليل على وجوب مقدمة الواجب شرعا - على ما قويناه في محله - فلا اشكال في المسألة بوجه. وذلك لان وجوب المقدمة - عقلا - أعني اللابدية العقلية غير مناف للحكم باستحباب المقدمة - فعلا - فيقال انها لما كانت مقدمة للغاية المستحبة فلا محالة تكون مستحبة - فعلا - من غير أن يكون ذلك منافيا لشئ. كما انه يبتنى على القول بوجوب المقدمة مطلقا. وأما بناء على ان الواجب من المقدمة هي التي يقصد بها التوصل إلى ذي المقدمة، كما ذهب إليه شيخنا الانصاري (قده) وقواه شيخنا المحقق (قده) فلا محالة يرتفع الاشكال في المسألة. نظرا إلى ان المفروض عدم قصد المتوضئ التوصل به إلى الواجب وحيث ان الواجب من المقدمة ليس هو الطبيعي على اطلاقه بل انما هو حصة خاصة منه، وهي المقدمة التي قصد بها التوصل إلى الواجب فلا يتصف الوضوء بالوجوب - في المقام - ومعه لا مانع من الحكم باستحبابها - فعلا - وهذا بخلاف ما إذا قلنا بوجوب المقدمة على نحو الاطلاق فانه حينئذ يمكن أن يقال: ان الوضوء الذي له غايتان احداهما واجبة والاخرى مستحبة إذا أتى به بقصد الغاية المستحبة وقع فاسدا، وذلك لان الاستحباب انما نشأ عن عدم المقتضى للوجوب ولا ينشأ من المقتضي لعدم الوجوب فان الاستحباب انما ينشأ عن الملاك غير البالغ حد الالزام أعني عدم كون الملاك ملزما، ولا ينشأ عن الملاك الملزم لعدم الوجوب إذا فهو لا يقتضي عدم الوجوب. وأما الوجوب فهو مقتضى لعدم الاستحباب لنشوه عن الملاك الملزم للوجوب، وهو يمنع عن تركه، ومعه لا يبقى اي نزاع في البين،

[ 35 ]

لوضوح انه لا تنافي بين المقتضى، واللا مقتضي، فإذا تحقق الوجوب ارتفع الاستحباب لا محالة. وعلى الجملة الوضوء إذا كان مقدمة للواجب اتصف بالوجوب - لا محالة - وهذا يمنع عن اتصافه بالاستحباب، ويصح معه ان يقال: ان ما قصده من الاستحباب لم يقع: وما وقع من الامر الوجوبي لم يقصد فلا بد من الحكم بالفساد. والجواب عن ذلك: ان المكلف قد يأتي بالوضوء قاصدا به الغاية المستحبة من دون أن يقصد الامر الندبي المتعلق بالوضوء، وهذا مما لا اشكال في صحته. بل هو خارج عن محل الكلام، لوضوح أن قصد الغاية المندوبة غير مناف لوجوب الوضوء، فان للمكلف أن يأتي بالوضوء الواجب بداعي الوصول به إلى تلك الغاية المندوبة كنافلة الفجر، فانها مستحبة سواء أكان الوضوء أيضا مستحبا أم لم يكن، فلا ينافي الوجوب الوصفي - في الوضوء - للندب الغائي بوجه كما أشار إليه الماتن (قده) وما أفاده من المتانة بمكان. فان المكلف - حينئذ - قد أتى بالغسلتين والمسحتين متقربا بهما إلى الله سبحانه، فلا مناص معه من أن يحكم بصحته، كما انه يصح أن يوتى به الغاية الواجبة المترتبة عليه أيضا لتحقق الطهارة التي هي المقدمة للصلاة الواجبة. واخرى يأتي بالوضوء ويقصد به الامر الندبي المتعلق به دون الغاية المندوبة المترتبة عليه، وهذا هو الذي وقع الكلام في صحته وفساده بدعوى ان مع الوجوب المقدمي الغيري - شرعا - لا يعقل ان يتصف الوضوء بالاستحباب. وأجاب الماتن (قده) عن ذلك بانه لا مانع من اجتماع الحكمين أعني

[ 36 ]

الوجوب والاستحباب في مورد واحد بعنوانين لجواز اجتماع الامر والنهي إذا كان المجمع معنونا بعنوانين وجهتين، فإذا أمكن اجتماع الحرمة والوجوب في محل واحد أمكن اجتماع الوجوب والاستحباب أيضا إذا كانا بعنوانين متعددين، والامر في المقام كذلك، فيقال باستحباب الوضوء بعنوان انه مقدمة للمستحب كما يحكم بوجوبه من حيث انه مقدمة للواجب هذا. وما أجاب به (قده) عن الاشكال ساقط رأسا، وذلك لان اجتماع الامر والنهي وان كان ممكنا على ما حققناه في محله غير انه انما يجوز فيما إذا كان التركب انضماميا، والجهتان تقييديتان والعنوانان في المقام ليسا كذلك بل انما هما تعليليتان والحكمان واردان على مورد واحد حقيقي بعلتين (إحدهما): كون الوضوء مقدمة للمستحب و (ثانيتهما): كونه مقدمة للواجب. ومعه لا يمكن الحكم بجواز الاجتماع ونظيره ما إذا أوجب المولى اكرام العالم وحرم اكرام الفساق وانطبق العنوانان على زيد العالم الفاسق في الخارج فانه يستحيل ان يتصف اكرامه بالحرمة والوجوب لفرض انه موجود شخصي لا تعدد فيه، فلا مناص اما ان يحكم بحرمة اكرامه، واما بوجوبه، والجهتان التعليليتان غير مفيدتين لجواز الاجتماع فهذا الجواب ساقط. والصحيح في الجواب عن الاشكال بناء على القول بوجوب المقدمة مطلقا ان يقال ان الوجوب انما ينافي الاستحباب بحده وهو الترخيص في الترك لما قدمناه في محله من ان الاستحباب انما ينتزع عن الامر المتعلق بشئ فيما إذا قامت قرينة على الترخيص في الترك، ومن الواضح أن الوجوب لا يجتمع مع الترخيص في الترك. وأما ذات الاستحباب أعني المحبوبية والطلب فهي غير منافية للوجوب أبدا، لجواز اجتماع الوجوب مع المحبوبية فيندك ذات الاستحباب في ضمن

[ 37 ]

الوجوب ومن الظاهر ان المقرب انما هو ذات الاستحباب دون حده، كما ان الداعي إلى اتيانه هو ذلك دون الحد، لوضوح انه يأتي به لمحبوبيته، لا لكونه مرخصا في الترك. وهذا هو المراد باندكاك الاستحباب في الوجوب، ولا يراد به اندكاك الاستحباب بحده في الوجوب لضرورة انه بحده مبائن للوجوب، بل المراد هو اندكاك ذات الاستحباب في الوجوب، وعليه فلا مانع من أن يكون الوضوء واجبا، بالفعل ومستحبا ايضا أي محبوبا وذا ملاك للطلب. هذا كله إذا لم نقل باختصاص الوجوب الغيري المقدمي بالمقدمة الموصلة وهي التي يقع في سلسلة علة الفعل والواجب، وقلنا بوجوب المقدمة على نحو الاطلاق. وأما إذا خصصنا الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة إلى الواجب كما قويناه في محله، فان كان قد اتى المكلف بالوضوء بداعي الغاية المستحبة ولم توصل ذلك إلى الصلاة الواجبة فلا اشكال في صحته، لان هذه الحصة الحاصلة من الوضوء ليست متصفة بالوجوب المقدمي لعدم كونها موصلة ومع عدم اتصافها بالوجوب فاي مانع من استحبابها لانها مقدمة لغاية مستحبة وهذا ظاهر. وان كان قد اتى به الملكف بداعي الغاية المستحبة وكان موصلا إلى الواجب فعلى القول بوجوب المقدمة الموصلة لابد من الحكم بوجوبه وحينئذ ان قلنا بما أسلفناه آنفا من أن الوجوب غير مناف للاستحباب - في ذاته - وانما ينافي الاستحباب بحده، فلا تنافي بين الحكم بوجوب الوضوء واستحبابه فلا كلام وأما إذا لم نقل بصحته لتنافي الوجوب مع الاستحباب مطلقا فلا يمكننا الحكم حينئذ بفساد الوضوء، لان الحكم بفساد الوضوء يستلزم عدم الفساد، وكل ما استلزم وجوده عدمه فهو محال.

[ 38 ]

[ فصل في بعض مستحبا الوضوء (الاول): أن يكون بمد وهو ربع صاع، وهو ستمائة وأربعة عشر مثقالا وربع مثقال. فالمد مائة وخمسون مثقالا وثلاثة مثاقيل، ونصف مثقال وحمصة ونصف. ] بيان ذلك: ان الوضوء الذي أتى به بداعي الامر الاستحبابي - وهو مقدمة موصلة إلى الواجب - على هذا باطل في نفسه لان ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصد، فإذا كان فاسدا لم يكن مقدمة موصلة إلى الواجب، لان الموصلة هي المقدمة الصحيحة دون الفاسدة، إذ لا ايصال في الفاسدة ومعه لا يتصف بالوجوب - لاختصاصه بالموصلة - وإذا لم يكن واجبا فلا محالة يقع صحيحا، لان المانع عن صحته انما هو الوجوب، ومع عدمه فهو أمر مستحب، لمكان انه مقدمة للمستحب، وقد أتى به المكلف بداعي الامر الاستحبابي المتعلق به فلا مناص من الحكم بصحته. فصل في بعض مستحبات الوضوء تنبيه: استحباب أكثر الامور التي ذكرها الماتن (قده) في المقام لما لم يثبت إلا بروايات ضعاف كان الحكم باستحبابها - لا محالة - متوقفا على تمامية قاعدة التسامح في أدلة السنن، وحيث انها لم تثبت عندنا بدليل ولم يمكن استفادتها من الروايات المشتهرة ب‍ ((أخبار من بلغ) لم يسعنا

[ 39 ]

[ (الثاني): الاستياك بأي شئ كان ولو بالاصبع، والافصل عود الاراك. (الثالث): وضع الاناء الذي يغترف منه على اليمين. (الرابع): غسل اليدين قبل الاغتراف مرة في حدث النوم والبول ومرتين في الغائط. (الخامس): المضمضة والاستنشاق، كل منهما ثلاث مرات، بثلاث أكف، ويكفي الكف الوحدة أيضا لكل من الثلاث. (السادس): التسمية عند وضع اليد في الماء، أو صبه على اليد واقلها: بسم الله، والافضل بسم الله الرحمن الرحيم وأفضل منهما: بسم الله وبالله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. (السابع): الاغتراف باليمنى ولو لليمنى، بأن يصبه في اليسرى ثم يغسل اليمنى. (الثامن): قراءة الادعية المأثورة عند كل من المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين. (التاسع): غسل كل من الوجه واليدين مرتين. (العاشر): أن يبدأ الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الاولى، وفي الثانية بباطنهما، والمرأة بالعكس. (الحادي عشر): أن يصب الماء على أعلى كل عضو وأما الغسل من الاعلى فواجب. ] الحكم باستحبابها، فلو أتى بها رجاء كان أحسن وأولى، لترتب الثواب عليه - حينئذ - على كل حال. إذا ليس هنا أمر قابل للبحث عنه إلا مسألة واحدة وهي استحباب الغسل - في الوجه واليدين - مرتين، فانها قد وقعت محل الخلاف ومورد الكلام بين الاصحاب (قدهم) فنقول:

[ 40 ]

[ (الثاني عشر): أن يغسل ما يجب غسله من مواضع الوضوء بصب الماء عليه، لا بغمسه فيه. (الثالث عشر): أن يكون ذلك مع امرار اليد على تلك المواضع وان تحقق الغسل بدونه. (الرابع عشر): ان يكون حاضر القلب في جميع أفعاله. (الخامس عشر): أن يقرأ القدر حال الوضوء. (السادس عشر): أن يقرأ آية الكرسي بعده. (السابع عشر): ان يفتح عينه حال غسل الوجه. ] استحباب الغسل ثانيا: المعروف المشهور بينهم هو استحباب الغسل مرتين في كل من الوجه واليدين، وذهب بعضهم إلى عدم مشروعية التثنية في الغسل، وعن ثالث القول بالمشروعية فحسب وقال ان تركه أفضل من فعله نظير صلاة النافلة والصوم في الاوقات المكروهة، والصحيح هو ما ذهب إليه المشهور في المسألة وذلك لما ورد في عدة روايات - فيها الصحيحة والموثقة و غيرهما - من أن الوضوء مثنى مثنى. أو مرتين مرتين. ففي صحيحتي معاوية بن وهب وصفوان عن أبي عبد الله - ع - ان الوضوء مثنى مثنى (* 1) وفي رواية زرارة أيضا ذكر ذلك وزاد: من زاد لم يوجر عليه (* 2)، وفي موثقة أو صحيحة يونس بن يعقوب (يتوضأ مرتين مرتين) (* 3). ثم ان معنى مثنى مثنى هو الاتيان بالشئ مرتين من دون فصل، وهو المعبر عنه في الفارسية ب‍ (جفت جفت) إذا فهذه الروايات واضحة الدلالة


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 3) المروية في ب 1 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 41 ]

على استحباب الغسل مرتين ومعها لا مجال للاستشكال في المسألة، وأما ما ذهب إليه الصدوق (قده) من حمل المرتين على التجديد ودعوى دلالتها على استحباب الاتيان بالوضوء بعد الوضوء فلا يمكن المساعدة عليه بوجه كيف والوضوء المتجدد انما هو بعد الوضوء الاول بزمان - لا محالة - ومعه لا يصدق (مثنى مثنى) كما عرفت. فالاخبار المتقدمة ظاهرة الدلالة على استحباب الغسل مرتين في كل من الوجه واليدين. وأما ما ورد في مقابلها مما دل على عدم استحباب الغسل مرتين، أو عدم جوازه فهي أيضا عدة روايات: ففي بعضها: والله ما كان وضوء رسول الله الامرة مرة (* 1) غير انها ضعاف وغير قابلة للاعتماد عليها في شئ، ومن الممكن حملها على ما إذا اعتقد المكلف وجوب الغسل ثانيا بقرينة ما في رواية ابن بكير من أن من لم يستيقن ان واحدة من الوضوء تجزيه لم يوجر على الثنتين (* 2) وذلك لانه من التشريع المحرم، ولا يبقى بعد ذلك شئ مما ينافي استحباب الغسل مرتين إلا امور: ما توهم منافاته لاستحباب الغسل ثانيا: (الاول) الوضوءات البيانية، لانها على كثرتها وكونها واردة في مقام البيان غير متعرضة لاستحباب الغسل مرتين، وانما اشتملت على اعتبار غسل الوجه واليدين ولزوم المسح على الرأس والرجلين، فلو كانت التثنية مستحبة في غسل الوجه واليدين لكانت الاخبار المذكورة مشتملة على بيانها لا محالة. (الثاني): موثقة عبد الكريم بن عمرو قال: سألت أبا عبد الله - ع -


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 42 ]

عن الوضوء فقال ما كان وضوء علي - ع - إلا مرة مرة (* 1) وبمضمونها غيرها من الروايات، فلو كان الغسل ثانيا امرا مستحبا وأفضل في الشريعة المقدسة فكيف التزم علي - ع - بالوضوء مرة مرة طيلة حياته؟! (الثالث): صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر - ع - ان الله وتر يحب الوتر فقد يجزئك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه واثنتان للذراعين. (* 2) وهذه الامور هي التي تبعد الاستدلال، بالاخبار المتقدمة على استحباب الغسلة الثانية في كل من الوجه واليدين. ولكن الصحيح ان الوجوه المتقدمة غير منافية للمدعى وذلك لان الاخبار البيانية ناظرة إلى بيان ما يعتبر في كيفية الوضوء من غسل اليدين إلى الاصابع ومسح الرأس والرجلين على النحو الدائر المتعارف لدى الشيعة ايذانا بأن وضوء العامة أجنبي عن وضوء رسول الله - ص - وانه ليس بوضوئه - ص - بل ان وضوءه ليس إلا ما هو الدائر عند الشيعة، والى ذلك يشير بقوله - ع - في جملة من الروايات ألا أحكي لكم وضوء رسول الله - ص - أو ما هو بمعناه فليلاحظ (* 3) وليست ناظرة إلى بيان الكم والعدد واعتبار الغسل الواحد فيه أو المتعدد فهذا الوجه ساقط. وأما صحيحة زرارة فهي بقرينة اشتمالها على كلمة يجزئك واردة لبيان اعتبار الغسل الواحد في مقام الاجزاء بمعنى ان الله وتر وقد أمر بالغسل مرة وهو الغسل الواجب في الوضوء، ويجوز الاكتفاء به في مقام الامتثال وأما الغسل الزائد على ذلك - أعنى الغسل الثاني - فهو أمر مستحب،


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 3) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 43 ]

وقد زاده رسول الله - ص - على ما في بعض الروايات (* 1). وأما ما دل على أن أمير المؤمنين - ع - كان ملتزما بالغسل مرة في وضوئه فليس إلا حكاية فعل صادر عنه وهو مجمل غير مبين الوجه في الرواية فلا ينافي الاخبار المعتبرة الدالة على أن الغسل ثاينا أمر مندوب في الشريعة المقدسة وغاية الامر انا لا نفهم الوجه في فعله - ع - وانه لما ذا كان ملتزما بالغسل الواحد ولا يمكننا رفع اليد عن الاخبار الظاهرة بالفعل المجمل وهذا ظاهر. ولعل فعله هذا من جهة ان له سلام الله عليه كالنبي - ص - أحكاما اختصاصية، كعدم حرمة دخوله المسجد في حال جنابته على ما اشتملت عليه الروايات فليكن هذا الحكم أيضا من تلك الاحكام المختصة به. ويؤكد هذا الاحتمال رواية داود الرقي عن أبي عبد الله - ع - حيث قال: ما أوجبه الله فواحدة وأضاف إليها رسول الله - ص - واحدة لضعف الناس (* 2) إذ الناس لا يبالون ولا يهتمون بأفعالهم فقد يتسامحون فلا يغسلون موضعا من وجوههم وأيديهم فأمر - ص - بالغسل ثانيا، لاسباغ الوضوء. ومن هنا يظهر ان استحباب الغسل الثاني في الوضوء انما يختص بالرعايا لانهما الذين لا يبالون في أفعالهم وواجباتهم وهم الضعفاء في دينهم دون المعصومين - ع - إذ لا ضعف في ايمانهم ولا يتصور فيهم الغفلة أبدا، وعلى هذا تحمل الاخبار الدالة على أن رسول الله - ص - كان يتوضأ مرة مرة (* 3) - على تقدير صحة أسانيدها. وكيف كان فسواء صح هذا الاحتمال أم لم يصح لا يسوغ لنا رفع اليد عن الروايات الظاهرة لاجل حكاية فعل مجمل الوجه، فانه نظير ما إذا


(* 1) و (* 3) راجع ب 31 و 32 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 32 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 44 ]

شاهدنا أن أمير المؤمنين - ع - يتوضأ مرة مرة وسمعنا عن الصادق - ع - مشافهة ان الغسل الثاني مستحب فهل كنا نطرح قول الصادق - ع - بمجرد رؤية ان عليا - ع - توضأ مرة مرة؟ بل كنا نأخذ بقوله وان لم ندر الوجه في عمل أمير المؤمنين - ع -. إذا لا مانع من أن يؤخذ بالاخبار الظاهرة في الدلالة على المدعى وهو استحباب الغسلة الثانية في كل من الوجه واليدين. نعم رواية ابن أبي يعفور قد دلت على مرجوحية الغسلة الثانية في الوضوء، حيث روى عن أبي عبد الله - ع - في الوضوء انه قال: اعلم ان الفضل في واحدة. (* 1) فان مقتضى كون الفضل في الواحدة ان الغسلة الثانية مرجوحة ومما لا فضل فيه فيكون معارضة للاخبار الدالة على استحباب الغسلة الثانية في الوضوء. إلا انها ضعيفة السند وغير قابلة للاعتماد عليها، لان محمد بن ادريس رواها عن نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر وطريقه إلى كتاب النوادر مجهول عندنا، إذا فلا معارض للاخبار المتقدمة ومقتضاها هو استحباب الغسلة الثانية في كل من الوجه واليدين. ولكن شيخنا الانصاري (قده) قد احتاط بترك الغسلة الثانية في اليد اليسرى، لاحتمال عدم مشروعية الغسلة الثانيه ومعه يقع المسح ببلة الغسلة غير المشروعة وليست هي من الوضوء فلا بد من الحكم ببطلانه. واحتاط سيد اساتيذنا الشيرازي (قده) بترك الغسلة الثانية حتى في اليد اليمنى فيما إذا كان غسل اليد اليسرى على نحو الارتماس الذي لا يحتاج معه إلى امرار اليد اليمنى عليها حتى تكون البلة الموجودة في اليمنى مستندة إلى بلة اليد اليسرى - والمفروض ان بلتها بلة الغسلة الاولى - التي هي من


(* 1) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 45 ]

[ فصل في مكروهاته (الاول): الاستعانة بالغير في المقدمات القريبة كان يصب الماء في يده. وأما في نفس الغسل فلا يجوز. (الثاني): التمندل بل مطلق مسح البلل. (الثالث): الوضوء في مكان الاستنجاء. (الرابع): الوضوء من الآنية المفضضة أو المذهبة أو المنقوشة بالصور. (الخامس): الوضوء بالمياه المكروهة كالمشمس، وماء الغسالة. ] الوضوء - لفرض انا تركنا الغسلة الثانية في اليسرى للاحتياط وأحتاط المحقق الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده) بترك الغسلة الثانية في الوجه أيضا فيما إذا احتيج في المسح إلى بلته. وهذه الاحتياطات كلها بملاك واحد، وهو ان لا يقع المسح ببلة الغسلة التي ليست هي من الوضوء ولا اشكال في انها احتياط والاحتياط حسن على كل حال. فصل في مكروهاته الكلام في مكروهات الوضوء هو الكلام في مستحباته وقد عرفت أن أكثرها تبتنى على القول بالتسامح في أدلة السنن فكذلك الحال في مكروهاته بناء على تعميم القاعدة للمكروهات أيضا فليلاحظ.

[ 46 ]

[ من الحدث الاكبر، والماء الاجن، وماء البئر قبل نزح المقدرات، والماء القليل الذي ماتت فيه الحية أو العقرب، أو الوزغ، وسؤر الحائض، والفار، والفرس والبغل، والحمار، والحيوان الجلال، وآكل الميتة، بل كل حيوان لا يؤكل لحمه. فصل في أفعال الوضوء (الاول): غسل الوجه (1) وحده (2) من قصاص الشعر إلى الذقن طولا، ومما اشتمل عليه الابهام والوسطى عرضا والانزع والاغم ] فصل في أفعال الوضوء (1) لان الوضوء غسلتان ومسحتان، وأولى الغسلتين غسل الوجه، ولا اشكال في وجوبه على ما يأتي في ضمن أخبار المسألة. (2) لصحيحة زرارة قال لابي جعفر - ع - أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ، الذي قال الله عزوجل فقال: الوجه الذي قال الله وأمر الله عزوجل بغسله، الذي لا ينبغي لاحد ان يزيد عليه ولا ينقص منه، ان زاد عليه لم يؤجر، وان نقص منه اثم ما دارت عليه الوسطى والابهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن وما جرت عليه الاصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه فقال له:

[ 47 ]

الصدغ من الوجه؟ فقال: لا (* 1). ورواه الكليني (قده) أيضا وزاد لفظة السبابة وقال: ما دارت عليه السبابة والوسطى والابهام. ولكن ذكر ذكر السبابة مستدرك وما لا ثمرة له، لوضوح ان الوسطى أطول من السبابة، فإذا دارت الوسطى والابهام على شئ دارت عليه السبابة أيضا لا محالة، لانها تقع في وسط الابهام والوسطى، ولعل ذكرها من جهة جريان العمل في الخارج على ادارة السبابة مع الوسطى عند غسل الوجه فانها لا تنفك عن الوسطى وقتئذ، لا من جهة ان ادارة السبابة أيضا معتبرة شرعا. والذي يشهد على عدم اهتمام الشارع بادارة السبابة، وان ذكرها من جهة جريان العمل في الخارج بذلك قوله - ع - وما جرت عليه الاصبعان فلو كانت ادارة السبابة أيضا معتبرة للزم أن يقول: وما جرت عليه الاصابع الثلاثة. ثم ان هذه الصحيحة وغيرها مما وردت في هذا المقام انما هي بصدد توضيح المفهوم المستفاد من الوجه لدى العرف وليست فيها أية دلالة على أن للشارع اصطلاحا جديدا في معنى الوجه وانه حقيقة شرعية في ذلك المعنى، وذلك لان الله سبحانه قد أمر عبادة بغسل وجوههم وكانوا يغسلونها من لدن زمان النبي - ص - إلى عصر الصادقين - ع - ولم ينقل الينا انهم كانوا يسألون عما هو المراد بالوجه لدى الشارع. بل كانوا يغسلونه على ما هو معناه المرتكز لدى العرف ولكن زرارة أراد أن يصل إلى حقيقته فسأله - ع - وأجابه بما قدمنا نقله وكيف كان المعروف المشهور وجوب غسل الوجه من القصاص إلى


(* 1) المروية في ب 17 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 48 ]

الذقن طولا وبمقدار ما بين الوسطى والابهام عرضا هذا هو المعروف في تحديد الوجه الواجب غسله في الوضوء. بل عن بعضهم ان هذا التحديد مجمع عليه بين الاصحاب (قدس الله أسرارهم). مناقشة شيخنا البهائي (قده): وقد أورد عليه شيخنا البهائي (قده) بان مبدأ الغسل ان كان هو القصاص بعرض ما بين الاصبعين لدخل التزعتان بذلك تحت الوجه الواجب غسله وهما البياضان فوق الجبين وذلك لان سعة ما بين الاصبعين تشمل النزعتين قطعا، مع انهما خارجتان عن المحدود جزما بل وتدخل الصدغان فيه أيضا مع عدم وجوب غسلهما على ما صرح به في الصحيحة المتقدمة. ولاجل هذه المناقشة لم يرتض (قده) بهذا التفسير المعروف عند الاصحاب وفسر الرواية بمعنى آخر يناسب الهندسة ولا يلائم الفهم العرفي أبدا وحاصله: ان المقدار الواجب غسله انما هو ما تشتمل عليه الاصبعان على وجه الدائرة الهندسية، بان توضع أحدهما على القصاص، والاخرى على الذقن من دون ان يتحرك وسطهما. بل يدار كل من الاصبعين على الوجه أحدهما من طرف الفوق إلى الاسفل وثانيهما من الاسفل إلى الفوق، وبهذا تتشكل شبه الدائرة الحقيقية وتخرج النزعتان عن المحدود الواجب الغسل، لان الاصبع الموضوع على القصاص ينزل إلى الاسفل شيئا فشيئا، والنزعتان تقعان فوق ذلك ويكون ما زاد عليه خارجا عن المحدود، كما تخرج الصدغان وانما عبر (قده) بشبه الدائرة، مع ان المتشكل من ادارة الاصبعين مع اثبات الوسط هو الدائرة الحقيقية لا ما يشبهها من جهة أن الوجه غير

[ 49 ]

مسطح، فلو كان مسطحا لكان الامر كما ذكرناه وتشكلت من ادارة الاصبعين دائرة حقيقية، ولعل الذي أوقعه في هذا التفسير الهندسي هو كلمتا (دارت) و (مستديرا) فحسب من ذلك ان المراد بهما هو الدائرة وهي انما تتشكل بما تقدم من وضع احدى الاصبعين على القصاص، والاخرى على الذقن وادارة احداهما من الاعلى إلى الاسفل، واداره الاخرى من الاسفل إلى الاعلى هذا. الجواب عن مناقشة البهائي (قده): والصحيح هو ما ذكره المشهور ولا يرد عليه ما أورده البهائي (قده) وذلك لان القصاص ان اخذناه بمعنى منتهى منبت الشعر مطلقا ولو كان محاذيا للجبينين - أعني منتهى منابت الشعر في النزعتين - فهو وان كان يشمل النزعتين لا محالة إلا أن الظاهر المتفاهم منه عرفا هو خصوص منتهى منبت الشعر من مقدم الرأس المتصل بالجبين، ومن الواضح ان وضع الاصبعين من القصاص - بهذا المعنى - غير موجب لدخول النزعتين في الوجه، لانهما تبقيان فوق المحدود الذي يجب غسله من الوجه. وأما الصدغان فان فسرناهما بآخر الجبين - المعبر عنه في كلماتهم بما بين العين والاذن - فهما مندرجان في الوجه فيجب غسله على كلا التفسيرين، كما انهما إذا كانا بمعنى الشعر المتدلى من الرأس أيضا دخل مقدار منهما في المحدود، وخرج مقدار آخر، فما أورده (قده) على تفسير المشهور غير وارد. وأما قوله: ما دارت فهو ليس بمعنى الدائرة الهندسية - كما تخيل - بل بمعنى التحريك والاطافة، كما ان قوله - ع - وما جرت عليه الاصبعان

[ 50 ]

من الوجه مستديرا. يمعنى تحريك الاصبعين على وجه الدائرة، وهعذا بلحاظ ان الجهة العالية من الوجه أوسع من الجهة السافلة منه، لانها أضيق كما هو ظاهر، فإذا وضع المتوضى اصبعيه على القصاص كان الفصل بينهما اكثر وأوسع وكلما حركهما نحن الذقن تضيقت الدائرة بذلك إلى ان يتصلا إلى الذقن، كما انه إذا وضعناهما على الذقن كان الفصل بينهما أقل واضيق وكلما حركناهما نحو القصاص اتسعت الدائرة بذلك لا محالة، وبهذا الاعتبار عبر عنه بالدائرة لشباهته إياها. وأما ما فسر به الرواية من وجوب غسل الدائرة المتشكلة من وضع احدى الاصبعين على القصاص والاخرى على الذقن فتتوجه عليه المناقشة من جهات: المناقشة مع البهائي (قدة) من جهات: (الاولى): انا لو سلمنا تمامية ما أفاده (قده) فلا ينبغي التردد في انه على خلاف الظاهر والمتفاهم العرفي من الرواية، ومن هنا لم يخطر هذا المعنى ببال أحد من لدن عصر النبي - ص - إلى زمان الصادقين - ع - والفقهاء (قدهم) أيضا لم يفسروها بذلك إلى زمان شيخنا البهائي (قده). (الثانية): ان القسمة المتوسطة من الجبين إنما هي على شكل الخط المستقيم ومعه لا يمكن ان يراد من الرواية ما ذكره (قده) لان لازم وضع الاصبع على القصاص وادارته على الوجه بشكل الدائرة ان يمر الاصبع على الجبين على نحو يكون المقدار الواقع منه بين الخطين الحادثين من امرار الاصبعين عليه بشكل القوس للدائرة. لا بشكل الخط المستقيم، لان جزء الدائرة لا مناص من ان يكون قوسا لها، ولا يعقل ان يكون خطا

[ 51 ]

مستقيما أبدا، ومع فرض امرارهما على الجبين على هذا النحو بحيث يكون المقدار الواقع من الجبين بينهما، بشكل القوس - كما إذا أمرهما مما يلي طرف عينيه بشكل الدائرة - يبقى مقدار من طرفي الجبين في خارج الدائرة ولابد من الحكم بعدم وجوب غسله مع وضوح ان الجبين واجب الغسل بتمامه حتى عند شيخنا البهائي (قده) فما ذهب إليه مما لا يمكن الالتزام به. (الثالثة): ان مقتضى صريح الرواية ان المبدء للوضع في كل من الاصبعين شئ واحد، كما ان المنتهى كذلك فمبدءهما القصاص ومنتها هما الذقن فيوضعان على القصاص ويحركان وينتهى كل منهما إلى الآخر في الذقن وهذا انما يتم على ما ذكره المشهور. وأما على ما أفاده (قده) فلا محالة يكون مبدء الوضع ومنتهاه في كل من الاصبعين غير المبدء والمنتهى في الاصبع الآخر، فالمبدء لوضع احدهما هو القصاص، والمنتهى هو الذقن، كما ان المبدء لوضع الاصبع الآخر هو الذقن والمنتهى هو القصاص بان يوضع أحد الاصبعين على القصاص فيحرك إلى طرف الذقن وينتهي إليه، كما يوضع الآخر على الذقن ويحرك إلى طرف القصاص وينتهي إليه، وهذا لعله خلاف صريح الرواية كما مر. (الرابعة): ان المشاهدة الخارجية قاضية بعدم تساوي البعد والفصل الحاصلين بين الاصبعين، مع البعد الموجود بين الذقن والقصاص - غالبا - فان كان شخص إذا وضع احدى اصبعيه على القصاص والاخرى على ذقنه ليرى - بالعيان - ان ما بين الاصبعين اطول عن وجهه. وعليه فإذا وضع احداهما على القصاص تجاوز الاخرى عن الذقن ووصل إلى تحت الذقن بمقدار، كما انه إذا وضع احداهما على الذقن تجاوز الاخرى عن القصاص ووصل إلى مقدار من الرأس فعلى ما فسره (قده) لابد من التزام وجوب الغسل في شئ من تحت الذقن أو فوق الجبين وهذا

[ 52 ]

[ ومن خرج وجهه أو يده عن المتعارف يرجع (1) كل منهم إلى المتعارف فيلاحظ أن اليد المتعارفة في الوجه المتعارف اين قصاصه؟ فيغسل ذلك المقدار ] مما لا يلتزم به هو ولاغيره من الفقهاء (قدهم) فالصحيح إذا هو ما ذهب إليه المشهور من وجوب غسل الوجه من القصاص إلى الذقن بالمدار الذي تدور عليه الوسطى ولابهام. وظيفة الانزع والاغم ونحوهما: (1) والوجه في رجوعهما إلى المتعارف ان الوجه محدود بحدو لا يتسع بعدم انبات الشعر على القصاص كما لا يتضيق بانباته على الجبهة فلا يقال في الانزع ان وجهه طويل بل يقال لا شعر على ناصيته، كما لا يقال في الاغم ان وجهه قصير بل يقال نبت الشعر على جبهته، إذا فمثل الانزع والاغم لابد من ان يرجع في المقدار المغسول من الوجه إلى الاشخاص المتعارفين في وجوههم وقصاصهم، وهذا مما لا كلام فيه. وانما الكلام في ان الاشخاص المتعارفين ايضا مختلفون في انفسهم، فقد يكون وحه بعضهم اطول من غيره بمقدار لا يخرجه عن الوجه المتعارف لدى العرف فيقع الكلام في أن المدار هل هو على الاطول أو الاقصر بحسب الوجه؟ الاظهر ان الواجب حينئذ انما هو غسل كل مكلف وجه نفسه سواء أكان اطول ام اقصر من غيره بمقدار لا يضر بكونه متعارفا لدى العرف وذلك لان العموم - فيما دل على وجوب غسل الوجه في الوضوء - انحلالي فيجب على كل واحد من المكلفين ان يغسل وجه نفسه من دون نظر إلى

[ 53 ]

وجه غيره هذا كله بالاضافة إلى الاختلاف في الطول. وأما بالاضافة إلى عرض الوجه، فان الاشخاص المتعارفين بحسب الوجه قد يختلفون بكثرة الفصل والابتعاد بين الاصبعين اعني الوسطى والابهام وقلتهما، فترى ان شخصين متحدان من حيث الوجه غير ان الاصبع من احدهما اطول من اصبع الآخر فهل المدار والاعتبار باطولهما في الاصبع بحيث يجب على اقصرهما اصبعا ان يغسل المقدار الزائد على ما دارت عليه اصبعاه أو أن الاعتبار باقصرهما اصبعا فلا يجب على اطولهما ان يغسل المقدار الزائد على ما دارت على اصبعا اقصرهما بحسب الاصبع؟ الصحيح ان المدار على اقلهما فصلا - اعني اقصرهما اصبعا - وذلك لما تقدم من ان الوجه شئ واحد وليس له الا حد واحد، ولا يعقل ان يكون له حدان أو اكثر، والمفروض انهما متساويان في الوجه، فمقتضى اطلاق ما دل على وجوب غسل الوجه في الوضوء ان اقلهما فصلا ايضا مأمور بغسل وجهه بالمقدار الدي تدور عليه اصبعاه فلا يجب عليه الزائد على ذلك بمقتضى تلك المطلقات. فإذا كان هذا هو حد الوجه الواجب غسله في احدهما كان هذا هو الحد في وجه الآخر - اعني اكثرهما فصلا - لا محالة لتساويهما من حيث الوجه سعة وضيقا، ولا يمكن ان يكون للوجه حد آخر لما عرفت، وعلى ذلك لا يجب على اطولهما فصلا غسل المقدار الزائد عما دارت عليه اصبعا اقلهما فصلا. وهكذا الحال فيما إذا كانا متفقين من حيث الاصبع ومختلفين في الوجه من جهة المساحة العرضية، فان الميزان - وقتئذ - انما هو الاقتصار باقلهما - فصلا - أو اقصرهما وجها، لانه مشمول للمطلقات الواردة في وجوب غسل الوجه، فإذا ثبت انه الحد الواجب الغسل في احدهما ثبت

[ 54 ]

في الآخر ايضا لتساويهما في الفصل المتخلل بين الاصبعين. ولكن هذا المقدار من الاختلاف في عرض الوجه لا يكاد يترتب عليه ثمرة عملية وذلك من جهة لزوم الغسل في المقدار اليسير الزائد عن الحد الواجب في كل من الوجه واليدين من جهة المقدمة العلمية، فزيادة احد الوجهين عن الآخر - بمقدار يسير - كما هو الحال في الاشخاص المتعارفين لا يترتب عليها اثر عملي هذا كله في الاشخاص المتعارفين من حيث الوجه واليدين. الخارج عن العادة في الوجه واليدين: واما من خرج عن العادة فيهما كما إذا كان وجهه ضعف الوجوه المتعارفة في الاشخاص أو كان وجهه اقصر من الوجوه المتعارفة بكثير، كما إذا كان بمقدار نصفها - مثلا - فهل المدار على اكبرهما وجها فيجب على اقصرهما وجها ان يغسل وجهه واذنيه مع خلفهما، لان المفروض ان المدار على اكبرهما وجها، ووجهه ضعف وجه اقصرهما أو ان المدار على اقصرهما وجها فلا يجب على اكبرهما وجها الاغسل مقدار النصف مثلا من وجهه، لان المقدار الواجب غسله انما هو وجه اقصرهما، والمفروض ان وجهه ضعف الوجوه المتعارفة فضلا عن الوجوه القصيرة والصغيرة؟ الصحيح في مفروض الكلام هو الرجوع إلى المتعارف، وهذا لا بمعنى انه يغسل من وجهه بمقدار الوجه المتعارف لدى الناس - كما يعطيه ظاهر عبارة الماتن (قده) - لاستلزام ذلك وجوب غسل الاذنين بل وخلفهما ايضا في حق من قصر وجهه عن الوجوه المتعارفة بنصفها - م - ثلا

[ 55 ]

اوو جوب غسل نصف الوجه في حق من كبر وجهه وكان ضعف الوجوه المتعارفة. بل بمعنى ان يلاحظ ان اليد المتناسبة لهذا الوجه تصل إلى اي مقدار منه ويحيط به فيغسل وجهه بهذا المقدار، والوجه في ذلك ما قدمناه في محله من ان التحديد قد يكون تحديدا عاما بالاضافة إلى الجميع كما هو الحال في مثل الكر المحدود بسبعة وعشرين شبرا أو بغيره من التحديدات وفي المسافة المرخصة للقصر المعنية بالذراع، لوضوح ان الكر والمسافة لا يختصان بشخص دون شخص، فان احكامهما طارءان على الماء والسفر فإذا بلغا ذلك الحد، فالاول كر في حق الجميع كما أن الثانية مسافة مرخصة للقصر كذلك، وإذا لم يبلغا إليه فهما ليسا كذلك في حق الجميع والمدار - وقتئذ - انما هو باقل الاشخاص المتعارفة شبرا، أو ذراعا، وكذلك غيرهما من التحديدات العامة على ما أشرنا إليه في محلها. وقد يكون التحديد شخصيا وحكما انحلاليا، كما هو الحال في المقام لان قوله عز من قائل فاغسلوا وجوهكم (* 1) عام انحلالي بمعنى أن كل واحد من المكلفين يجب ان يغسل وجه نفسه، فإذا كان وجهه اكبر عن المتعارف أو اصغر منه فلا بد من ان يرجع إلى المتعارف بالمعنى المتقدم وهو مراد الماتن (قده) ايضا، وان كانت عبارته كغيره من الفقهاء الذين اعتبروا المراجعة في المقام إلى المتعارف لا تخلو عن مسامحة، لان ظاهرها يعطى لزوم الغسل بمقدار الوجه المتعارف لدى الناس. وقد عرفت عدم امكان ارادته فليلاحظ.


(* 1) المائدة: 6: 5.

[ 56 ]

[ ويجب اجراء الماء (1) فلا يكفي المسح به، وحده ان يجري من جزء إلى جزء آخر، ولو باعانة اليد، ويجزي استيلاء الماء عليه، وان لم يجر إذا صدق الغسل. ] وجوب الغسل في الوضوء: (1) الاحتمالات في ذلك ثلاثة: (الاول): أن يكون الغسل المعتبر في الوجوه واليدين هو الغسل المعتبر في تطهير الاجسام المتنجسة، بان يعتبر فيه استيلاء الماء على البشرة وانفصال غسالته عنه كما هو الحال في تطهير المتنجسات، فان مجرد وصول الماء إليها من غير انفصال غسالتها غير كاف في تحقق الغسل، وصدق عنوانه لدى العرف. وربما يشهد لذلك ما ورد في صحيحة زرارة من قوله - ع -: كل ما احاط به من الشعر فليس للعباد ان يطلبوه ولا يبحثوا عنه، ولكن يجرى عليه الماء (* 1) لدلالتها على اعتبار الجريان في الوضوء فلا يكفى مجرد وصول الماء إلى البشرة. بل لا بد في صحته من ايصال الماء إليها، وجريانه اي انتقاله من جزء إلى جزء آخر حتى تنفصل غسالته. (الثاني): وهو مع الاحتمال المتقدم على طرفي النقيض ان يكون المعتبر في غسل الوجه واليدين مجرد ايصال النداوة إلى البشرة ولو بامرار اليد عليها، فكما ان النداوة تكفي في المسح، كذلك تكفى في الغسل المعتبر في الوضوء، وهذا لا بمعنى أن المعتبر في الوجه واليدين ايضا هو المسح كيف وهو على خلاف ما نطق به الكتاب ودلت عليه السنة القطعية


(* 1) المروية في ب 46 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 57 ]

لدلالتهما على ان الوضوء غسلتان ومسحتان وان الغسل معتبر في الوجه واليدين كما يعتبر المسح في الرأس والرجلين فللمسح موارد معينة ولا يجزي في غيرها اعني الوجه واليدين. بل لان الواجب فيهما ايصال النداوة إلى البشرة، ويحث أن ذلك لا يتحقق في الغالب بل الدائم الا بالمسح فيكون المسح مقدمة لما هو الواجب في الوجه واليدين، والدليل انما دل على أن المسح ليس بواجب فيهما ولم يدلنا اي دليل على حرمته حتى لا يجوز الاتيان به مقدمة لتحقق ما هو الواجب في الوجه واليدين. وقد يستدل على هذا الاحتمال بعدة من الاخبار الكثيرة التي فيها الصحيحة والموثقة الدالة على ان الوضوء يكفي فيه مسمى الغسل ولو مثل الدهن (منها): صحيحتي زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر - ع - قال: انما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، وأن المؤمن لا ينجسه شئ، انما يكفيه مثل الدهن (* 1) و (منها): موثقة (* 2) اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه - ع - ان عليا - ع - كان يقول: الغسل من الجنابة والوضوء يجزى منه ما اجزي من الدهن الذي يبل الجسد (* 3) و (منها): غير ذلك من الروايات. ولكن الاستدلال بهذه الروايات يتوقف على أن يكون وجه الشبه في تشبيه الماء بالدهن كفاية البلة والنداوة الواصلة إلى البشرة، ولو بامرار اليد عليها و جريانه وانتقاله من جزء إلى جزء آخر فتدلنا هذه الروايات على أن هذا المقدار من البلة المائية كاف في صحة الوضوء. إلا انه لم تقم أية


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 52 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) عد هذه الرواية موثقة باعتبار ان غياث بن كلوب الواقع في سندها وان لم يوثق في الرجال ولكن الشيخ نقل ان الطائفة قد عملت برواياته.

[ 58 ]

قرينة في شي ء من الاخبار المتضمنة للتشبيه على ان ذلك هو وجه الشبه بينهما. بل من المحتمل القوي ان يكون وجه الشبه - في الروايات - هو قلة الدهن في التدهين، فان في موارد التدهين لا يستعمل الدهن إلا قليلا فتؤخذ بمقدار الراحة من الدهن فيدهن به، كما ورد التصريح بذلك في صحيحة محمد بن مسلم الواردة في كيفية الوضوء، حيث قال أبو جعفر عليه السلام يأخذ احدكم الراحة من الدهن فيملا بها جسده، والماء أوسع. (* 1) فكذلك الحال في الوضوء فيكتفي فيه بالمقدار القليل من الماء، ولا يعتبر فيه استعمال الماء الكثير. وأوسيعة الماء في الصحيحة إنما هي بلحاظ سرعة جريانه. وقد ورد في صحيحة الحلبي الامر بالاسباغ عند كثرة الماء، والاكتفاء بالقليل عند قلته، حيث قال: اسبغ الوضوء ان وجدت ماء، وإلا فانه يكفيك اليسير (* 2)، وعلى الجملة التشبيه إنما هو في الكم والمقدار دون الكيف وايصال النداوة بالتمح. وما ذكرناه إما هو الظاهر من الاخبار المتقدمة، أو لا أقل من انه القدر المتيقن منها، كيف وحملها على كفاية ايصال النداوة بالمسح ينافي الصحيحة المتقدمة التي دلت على اعتبار جريان الماء في الوضوء، كما ينافي ذلك ما وورد في الآية المباركة والروايات من الامر بغسل الوجه واليدين فان الغسل يعتبر فيه استيلاء الماء على البشرة، وانفصاله عنها كما لا يخفى ومجرد ايصال النداوة إلى البشرة غير كاف في تحقق مفهوم الغسل لوضوح ان النداوة ليست بماء، وأيضا ينافيه الاخبار البيانية الواردة في الوضوء


(* 1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 52 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 59 ]

المشتملة على حكاية فعلهم - ع - من انه أخذ كفا من الماء وغسل به وجهه ويديه (* 1). (الثالث): أن يكون المعتبر في غسل الوجه واليدين أمرا متوسطا بين الاحتمالين المتقدمين بان يكون بالواجب هو استيلاء الماء على البشرة، دون مجرد ايصال النداوة إليها، إلا انه لا يعتبر انفصال الغسالة عنها، بل لو أوصل الماء إلى بشرته - ولو بالتمسح - على نحو لم ينفصل عنها ولو قطرة واحدة كفى هذا في صحة وضوئه، وعلى الجملة فاللازم أن يكون الماء مستوليا على البشرة والبدن، من دون اعتبار انفصال الغسالة عنها بوجه. وتدل على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر - ع - في الوضوء قال: إذا مس جلدك الماء فحسبك (* 2)، لظهورها في ان مجرد وصول الماء إلى البشرة كاف في صحة الوضوء وان لم ينفصل عنها كما لا يخفى وهي حاكمة على ما دل على اعتبار جريان الماء أو الغسل في الوضوء بحيث لو لا هذه الصحيحة لقلنا باعتبار تحقق الغسل والجريان أعني انفصال الغسالة في صحته، لانه معنى الغسل على ما عرفت. ولكن هذه الصحيحة قد دلتنا على ان الغسل الواجب في الوضوء إنما هو بمعنى وصول الماء إلى البدن لا بمعنى انقصال الغسالة عنه، وقد عرفت أن الاخبار الواردة في كفاية مثل الدهن من الماء أيضا ظاهرة في هذا المعنى، ولا أقل من انه القدر المتيقن من التشبيه دون ايصال مجرد النداوة إلى البشرة باليد.


(* 1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 52 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 60 ]

[ ويجب الابتداء بالاعلى (1) ] وجوب البدءة بالاعلى: (1) على ما هو المعروف بين المتقدمين والمتأخرين، وخالفهم في ذلك السيد المرتضى (قده) وذهب إلى جواز النكس وتبعه الشهيد وصاحب المعالم والشيخ البهائي وابن ادريس وغيرهم (قدس الله أسرارهم) واستدل على ما ذهب إليه المشهور بوجوه: (الوجه الاول): ان ذلك مقتضى أصالة الاشتغال لعدم العلم بالفراغ فيما إذا لم يبتدأ من الاعلى إلى الاسفل وهذا الاستدلال يبتني على أمرين: (أحدهما): ان لا يكون هناك دليل دل باطلاقه على جواز الغسل بأية كيفية كانت، لوضوح ان مع وجود الدليل الاجتهادي لا تصل النوبة إلى التمسك بالاصل. و (ثانيهما): عدم جريان البراءة في الطهارات الثلاث بدعوى ان المأمور به فيها إنما هو تحصيل الطهارة وهو أمر معلوم، وانما الشك في أسبابها ومحصلاتها، إذا فالشك في الملكف به دون التكليف ولا تجري معه أصالة البراءة في شئ من الطهارات والامران كلاهما ممنوعان. أما الاول فلان الآية المباركة: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق (* 1) مطلقة وقد دلتنا على وجوب غسل الوجه واليدين ولزوم مسح الرأس والرجلين من غير تقييدها الغسل بأن يبتدأ من الاعلى إلى الاسفل، فمقتضى اطلاقها جواز النكس في الغسل.


(* 1) الاعراف 5: 6)

[ 61 ]

ودعوى: أن الآية بصدد التشريع وبيان اصل الحكم في الشريعة المقدسة، وليست ناظرة إلى كيفياته وخصوصياته مما لا شاهد له، لوضوح انها قد وردت بصدد البيان وبينت حدود الغسل والمسح الوجبين، وانه لابد من ان يكون الغسل في اليدين من المرفق، وان محله انما هو في الوجه واليدين كما ان المسح في الرأس والرجلين، وحيث لم يقيد فيها الغسل بكيفية معينة فيستفاد منها كفاية الغسل على وجه الاطلاق كما هو المدعى. وكذلك الاخبار الواردة في كيفية وضوء النبي - ص - أو بعض الاوصياء - ع - كالروايات المشتملة على انه - ع - دعا بماء واخذ كفا منه فغسل به وجهه ويديه (* 1) فانها كما ترى مطلقة وليست مقيدة بكيفية دون كيفية هذا كله في الامر الاول. ثم لو سلمنا ذلك وقلنا ان الآية ليست بصدد البيان، وانه لا دليل في المقام يتشبث باطلاقه فللمنع عنب الامر الثاني مجال واسع وذلك لان الطهارة ليست مسببة عن الغسلتين والمسحتين، وانما هي عبارة عن نفس الافعال لان لها بقاء في عالم الاعتبار والتعبير ب‍ (انه على وضوء) كثير في الروايات (* 2). وعليه فإذ شككنا في ان الوضوء الواجب هل هو الافعال فقط اعني الغسلتين والمسحتين أو يعتبر فيه شئ زائد عليهما؟ فلا مانع من ان تجرى البراءة عن التكليف بالزائد، لانه من الشك في التكليف بناء على ما هو الصحيح من جريان البراءة في دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطين كما هو الصحيح. نعم بناء على القول فيه بالاشتغال فللمنع من جريان


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل. (* 2) منها صحيحة زرارة قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء. المروية في ب 1 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 62 ]

البراءة في المقام وجه، إلا انه على خلاف الواقع كما عرفت. الوجه الثاني مما استدل به على مذهب المشهور رواية قرب الاسناد عن ابي جرير الرقاشي قال: قلت لابي الحسن موسى - ع - كيف اتوضأ للصلاة؟ فقال: لا تعمق في الوضوء ولا تلطم وجهك بالماء لطما ولكن اغسله من اعلى وجهك إلى اسفله بالماء مسحا، وكذلك فامسح الماء على ذراعيك ورأسك وقدميك (* 1). لدلالتها على الامر بغسل الوجه من الاعلى إلى الاسفل، وقد نوقش في الاستدلال بهذه الرواية تارة من جهة السند واخرى من جهة الدلالة. اما من جهة السند فلاجل اشتماله على ابي جرير الرقاشي، وهو مهمل في الرجال وذلك لان الرقاشي عنوان لشخصين ليس منهما أبو جرير وهما الحسين بن المنذر، ومحمد بن درياب. كما ان ابا جرير كنية لجماعة ليس منهم الرقاشي، فابو جرير الرقاشي مهمل والسند ضعيف. ودعوى: ان كتاب قرب الاسناد من الاصول المعتبرة فلا يضره ضعف السند كما في الحدائق ساقطة لان كون الكتاب من الاصو ل المعتبرة لا يتقضي اعتبار كل روايه من رواياته وكيف لا فان كتاب قرب الاسناد لا يزيد في الاعتبار على كتاب الكافي - مثلا - فانه مع كونه من الكتب المعتمد عليها عند الاعلام لا يسوغ الاعتماد على كل روايه مندرجة فيه الا بعد ملاحظة سندها وتماميته، إذا فهذه المناقشة مما لا مدفع له. واما من جهة الدلالة فقد نوقش فيما بان الرواية قد نهت عن التعمق في الوضوء على ما هو داب الوسواسين، كما نهت عن التلطم بالماء، والنهي عن ذلك يحتمل امرين. (أحدهما): ان يكون النهي تنزيهيا باعتبار استحباب المسح في


(* 1) المروية في ب 15 و 30 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 63 ]

غسل الوجه وايصال الماء إلى تمام اطرافه بامرار اليد عليه فيكون اللطم في مقابله مكروها لا محالة. و (ثانيهما): ان يكون النهي عن التلطم مستندا إلى عدم احراز وصول الماء بذلك إلى تمام الوجه ومعناه انه لا تلطم وجهك بالماء لانه لا يوجب احراز الغسل الواجب في الوضوء. وعلى هذا الاحتمال يبقى ظهور القيد اعني قوله.. مسحا - في الاحترازية بحاله، لان معناه ان التلطم بالماء غير كاف في الوضوء. بل لابد فيه من غسل الوجه ولو مسحا حتى يصل الماء إلى تمام اطرافه واجزائه، ومعه لابد من الحكم بوجوب المسح. وهذا لا لاجل أن له موضوعية في صحة الوضوء. بل من جهة طريقيته إلى ما هو المعتبر من وصول الماء إلى جميع اجزاء الوجه، فالامر بالغسل مسحا امر وجوبي من دون ان يكون للمسح خصوصية وموضوعية وانما اخذ على وجه الطريقية فعلى هذا الاحتمال لا ترد المناقشة على الرواية من تلك الجهة. واما على الاحتمال الاول وهو ان يكون النهي تنزيهيا فلا يمكن التحفظ معه على ظهور القيد في الاحترازية، وذلك لعدم وجوب المسح في غسل الوجه قطعا لضرورة كغاية الغسل بالارتماس أو بماء المطر، ولانن التفصيل قاطع للشركة وقد فصل الله سبحانه بين الوجه واليدين، والرأس والرجلين فامر بالمسح في الثانيتن وهذا يدلنا على عدم وجوبه في الاوليتين. وعليه يكون الامر - بالغسل مسحا - محمولا على الامر باختيار افضل الافراد فهو امر استحبابي لا محالة. والنتيجة انه لم يدلنا دليل على وجوب كون الغسل من الاعلى إلى الاسفل هذا ولكن الصحيح عدم ورود هذه المناقشة على الاستدلال بالرواية،

[ 64 ]

وذلك لما بيناه غير مرة من ان الوجوب والاستحباب خارجان عن مدلول الصيغة فان صيغة الامر لا تستعمل في معنيين. بل انما تستعمل في معنى واحد دائما، والعقل ينتزع منها الوجوب مرة والاستحباب اخرى، وخصوصية الاستحباب انما تنتزع من اقتران الصيغة بالترخيص في الترك كما ينتزع الوجوب من عدم اقترانها به، فإذا استعملت ولم يكن مقترنة به فالعقل ينتزع منها الوجوب ويستقل باستحقاق العقوبة على الترك. ومن هنا قلنا ان الامر بغسل الجمعة والجنابة في رواية واحدة اغتسل للجمعة والجنابة (* 1) قد استعمل في معنى فارد ولكن القرينة قامت على الترخيص في الترك في احدهما فحكمنا باستحبابه ولم تقم في الاخر فحكمنا بوجوبه، وقيام القرينة على الترخيص في الترك في احدهما غير مانع عن دلالة الامر بالوجوب على التقريب المتقدم في الآخر لوجود الفارق بينهما وهو قيام القرينة على الترخيص في الترك، وان كان المستعمل فيه في كليهما شيئا واحدا هذا كله في حال الامر بالاضافة إلى الافراد. ومنه يظهر الحال بالنسبة إلى الاجزاء والقيو د كما إذا امر المولى باكرام جماعة من العلماء وقامت القرينة على الترخيص في ترك الاكرام لبعضهم فلا محالة يكون الاكرام بالنسبة إلى ذلك البعض مستحبا وبالنسبة إلى البقية محكوما بالوجوب، وفي المقام لما قامت القرينة على الترخيص في ترك المسح الذي هو قيد المأمور به كان الامر بالاضافة إليه استحبابيا لا محالة. واما بالنسبة إلى المأمور به وهو الغسل من الاعلى إلى الاسفل


(1) لم نعثر على هذه الرواية في مظانها نعم هناك رواية اخرى وهي صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله - ع - قال: اغتسل يوم الاضحى والفطر والجمعة وإذا غسلت ميتا ولا تغتسل من مسه إذا ادخلته القبر ولا إذا حملته ونحوها غيرها. المروية في ب 1 من ابواب الاغسال المسنونة من الوسائل.

[ 65 ]

فهو امر وجوبي، لعدم قيام القرينة على الترخيص في تركه فعلى تقدير تمامية الرواية بحسب السند لا ترد عليها المناقشة بحسب الدلالة، إذا فالعمدة هي المناقشة فيها بحسب السند. (الوجه الثالث): مما استدل به للقول المشهور هو الروايات البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي - ص - (منها): صحيحة زرارة قال: حكى لنا أبو جعفر - ع - وضوء رسول الله - ص - فدعا بقدح من ماء فاخذ كفا من ماء فاسدله على وجهه (من أعلى الوجه) ثم مسح وجهه من الجانبين جميعا ثم اعا يده اليسرى في الاناء... (* 1). وقوله: ثم مسح وجهه من الجانبين جميعا لعله بمعنى انه - ص - استعان بيده اليسرى كما استعان باليمنى فأمرهما معا على جانبيه. وقد ورد في بعض الاخبار انه - ص - كان يستعين بيده اليسرى في الوضوء (* 2) وفي بعض تلك الروايات انه - ص - وضح الماء على جبهته (* 3) وهي كما ترى كالصريحة في ان الغسل لابد ان يكون من أعلى الوجه إلى أسفله. ولكن للمناقشة في دلالتها على اعتبار ذلك مجال واسع، وذلك لان أبا جعفر - ع - انما حكى فعل رسول الله - ص - ووضوئه وانه كان يتوضأ بتلك الكيفية وليست فيها أية دلالة على أن تلك الكيفية كانت واجبة في الوضوء ولعلها من باب الافضلية والاستحباب دون الوجوب، ومن هنا لم ترد خصوصية غسله - ص - من أعلى الوجه إلى أسفله في غير هذه


(* 1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) كما فيما رواه بكير وزرارة ابنا اعين عن أبي جعفر - ع - المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 3) كما في صحيحة زرارة المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 66 ]

الروايات من الاخبار الواردة في الوضوءات البيانية وهي عدة روايات. فاثبات وجوب تلك الكيفية بهذه الروايات مما لا يمكن المساعدة عليه. ولا سبيل إلى دعوى وجوبها من جهة وجوب التأسي بالنبي - ص - إذ لا مجال لوجوب التأسي في المباحات والمستحبات. وقد دلتنا الآية المباركة باطلاقها على عدم وجوب الابتداء بالاعلى إلى الاسفل في غسل الوجه هذا. التذييل المنسوب إلى العلامة والشيهد (قدهما): وقد نسب إلى العلامة في المنتهى والشيهد في الذكرى (قدس الله اسرارهما) تذييل الصحيحة المتقدمة بقولهما ك روي عنه عليه السلام انه صلى الله عليه وآله قال بعدما توضأ: ان هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به (* 1) وهذا على تقدير ثبوته أيضا تدلنا على وجوب تلك الكيفية في الوضوء ومعه لابد من الحكم باعتبار البدء بالاعلى إلى الاسفل في غسل الوجه وغيره من الخصوصيات المذكورة في الرواية، إلا أن يقوم دليل على عدم وجوبها. و (سره): ان المشار إليه في قوله: هذا وضوء. ليس هو الوضوء الشخصي الصادر من النبي - ص - كيف وهو أمر قد انقضى وانصرم ولا يمكن صدوره منه - ص - ولا من الباقر - ع - أو غيرهما. بل انما هو اشارة إلى صنف ذلك الشخص وهو الوضوء المشتمل على الخصوصيات المذكورة في الرواية فلا مناص من الحكم بوجوبها. (ودعوى): ان الاشارة إلى طبيعة الوضوء لا إلى صنف ذلك الشخص الصادر منه - ص -


(* 1) راجع الجواهر المجلد الثاني - ص - 149 من الطبعة الحديثة.

[ 67 ]

(مندفعة): بان المحمول في قوله: ان هذا وضوء. هو الوضوء، ولا يصح هذا فيما إذا اريد من قوله هذا هو الطبيعي لانه يؤل إلى قوله ان طبيعي الوضوء وضوء. وهو كلام لا ينبغى صدوره منه - ص - نعم يصح ان يقال انه شئ أو أمر، وأما الوضوء فقد عرفت انه لا معنى لحمله عليه. والذي يسهل الخطب وهو العمدة في المقام أن هذا الذيل مما لا أصل له. لانه انما وقع في كلامهما مرسلا، ولا يكاد يوجد في شئ من الاخبار الواردة في كيفية غسل الوجه في الوضوء لا في مسنداتها ولا في مرسلاتها ولا ندري من اين جاءا به!. نعم ورد ذلك في روايات غسل الوجه مرة أو مرتين حيث روى الصدوق (قده) في الفقيه ان النبي - ص - توضأ مرة مرة فقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة الا به (* 1) وهو اجنبي عما نحن بصدده لان الكلام انما هو في اعتبار غسل الوجه من الاعلى إلى الاسفل، لا في اعتبار المرة وعدم جواز الغسل مرتين. (الوجه الرابع): مما استدل به للمشهور ان الامر بالغسل في الاية المباركة والرويات انما ينصرف إلى الغسل الخارجي المتعارف لدى الناس، والدراج عندهم انما هو غسل الوجه من الاعلى إلى الاسفل واما الغسل نكسا فهو امر غير معتاد فالغسل منصرف عنه لا محالة. وهذا الاستدلال مورد للمناقشة صغرى وكبرى. اما بحسب الصغرى فلان المتعارف في غسل الوجه انما هو الغسل من وسط الجبين أو ما يقرب من الوسط دون الغسل من قصاص الشعر إلى


(* 1) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 68 ]

[ والغسل من الاعلى إلى الاسفل عرفا (1) ولا يجوز النكس ] الاسفل لوضوح عدم جريان العادة بذلك، ومعلوم ان هذا غير كاف في الوضوء. وأما بحسب الكبرى فلان الغلبة الخارجية في افراد المطلق غير موجبة للانصراف إلى الفرد الغالب فان الحكم بعدما ترتب على الطبيعة سرى إلى جميع ما يمكن ان يكون مصداقا لها، ولا فرق في ذلك بين الافراد النادرة والغالبة، فالغلبة غير موجبة لاختصاص الحكم بالغالب فالمتحصل إلى هنا ان وجوب غسل الوجه من الاعلى إلى الاسفل مما لم يقم عليه دليل. فلم يبق الا تسالم الفقهاء الاقدمين وسيرة اصحاب الائمة عليهم السلام حيث جرت على غسل وجوههم من الاعلى إلى الاسفل، فان المتقدمين متسالمون على وجوب ذلك ولم يخالفهم في ذلك الا السيد المرتضى (قده) كما ان اصحاب الائمة - ع - لم ينقل عنهم خلاف ذلك فلو لم يكن هذا على وجه الالزام والوجوب لظهر وشاع فنطمئن من عدم ظهور ذلك بان الغسل من الاعلى إلى الاسفل امر واجب لا محالة. وعلى الجملة ان التسالم بين الفقهاء (قدهم) ان تم وثبتت سيرة اصحابهم - ع - فهو والا فللمناقشة في وجوب غسل الوجه من الاعلى إلى الاسفل مجال واسع. غير ان النفس مطمئنة من سيرتهم وتسالم فقهائنا الاقدمين على وجوبه هذا تمام الكلام في اصل المسألة وهو وجوب غسل الوجه من الاعلى إلى الاسفل وعدمه. (1) إذا قلنا بوجوب غسل الاعلى فالاعلى فلابد من التكلم فيما هو الواجب في المسألة وفيه احتمالات:

[ 69 ]

الاحتمالات في الغسل من الاعلى: (أحدها): ان يقال ان الواجب وقئتذ هو الغسل من اعلى الوجه والقصاص بمقدار يسير يصدق عليه الشروع واما بعد ذلك فلا يعتبر فيه الغسل من الاعلى فالاعلى بل له ان يغسل الباقي كيفما شاء فكان الواجب انما هو مجرد الشروع والابتداء في الغسل بالاعلى. وبذلك يسقط الوجوب والترتيب فللمكلف ان يغسل وجهه بعد ذلك باية كيفية شائها ولو نكسها. ويدفعه: ان الظاهر المستفاد من الاخبار البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي - ص - ورواية الرقاشي المتقدمة (* 1) على القول بصحة الاستدلال بهما على لزوم غسل الوجه من الاعلى إلى الاسفل ان الواجب انما هو غسل الوجه من الاعلى إلى اسفله بالتمام وان النبي - ص - انما شرع من الاعلى وغسل الاعلى فالاعلى إلى اسفله لا ان الواجب مجرد الشروع بالاعلى فالحكم بجواز النكس - بعد الابتداء في الغسل - به. خلاف ظواهر الاخبار. (ثانيها): ان الواجب غسل الاجزاء العالية فالعالية بحسب الخطوط العرضية، بحيث لا يجوز غسل شئ من الاجزاء السافلة حتى الجزء السافل الذي لا يكون مسامتا للجزء الاعلى غير المغسول الا بعد غسل تمام الاجزاء الواقعة فوقها في خط عرضي دقيق، كما نقل عن المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده). ويرده: أن هذا مضافا إلى صعوبته في نفسه على خلاف الروايات الصريحة في عكس المدعى كقوله - ع - في صحيحة زرارة المتقدمة:


(1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 70 ]

فاسد له على وجهه من اعلى الوجه ثم مسح وجهه من الجانبين جميعا (* 1) فان الماء بطبعه إذا اسدل من اعلى الوجه نزل إلى الاسفل منه فيغسل به الجزء السافل قبل غسل بقية الاجزاء العالية من الخط العرضي ومن هنا كان - ع - يمسح الجانبين فوصول الماء إليهما كان متاخرا عن اسدال الماء على الوجه لا محالة. (ثالثها): ان الواجب انما هو غسل الاجزاء العالية فالعالية بحسب الخطوط الطولية فلابد من غسل الجزء العالي قبل الجزء السافل المسامت له دون الاجزاء السافلة غير المسامتة له فانه يجوز غسلها قبل غسل الجزء العالي الذي لا يكون مسامتا له، إذا لا بد من غسل الوجه حسب الخط الطولي الهندسي لئلا يغسل شئ من الجزء السافل المسامت للجزء العالي قبل غسل الجزء العالي عليه. وهذا الاحتمال ايضا لا يمكن المساعدة عليه لوضوح ان الماء إذا صب من الاعلى لم ينزل إلى الاسفل على وجه مستقيم بل ينحرف بحسب الطبع إلى اليمين واليسار، ومن الظاهر ان اجراء الماء من الاعلى يكفى في صحة الوضوء إذا وصل إلى جميع اجزاء الوجه من دون اعتبار الاستقامة في الجريان فهذه الاحتمالات ساقطة. فلابد - على تقدير القول بوجوب غسل الاعلى فالاعلى - من ان نلتزم بوجوب ذلك على نحو الصدق العرفي المسامحي دون الصدق التحقيقي العقلي، بان يغسل وجهه على نحو يصدق عرفا انه قد شرع من الاعلى إلى الاسفل، وان لم يغسل بعض الاجزاء العالية قبل السافلة، كما إذا وضع الماء لعى جبهته وامر يده عليه إلى الاسفل فانه بحسب الطبع يبقي حينئذ شئ من جانبي الجبين غير مغسول بذلك الغسل، الا انه


(* 1) المتقدمة في ص 65.

[ 71 ]

[ ولا يجب غسل ما تحت الشعر (1) بل يجب غسل ظاهرة، سواء شعر اللحية، والشارب، واحاجب، بشرط صدق احاط الشعر على المحل، وإلا لزم غسل البشرة الظاهرة في خلاله. ] يكفي في صحة الوضوء إذا غسله بامرار اليد عليه ثانيا وثالثا لصدق انه قد غسل وجهه من الاعلى إلى الاسفل وقتئذ. تحت الشعر غير لازم الغسل: (1) متقضى ما دل على وجوب غسل الوجه واليدين ان الواجب بحسب الابتداء انما هو غسل البشرة سواء أكان فيها شعر ام لم يكن لان الوجه قد ينبت عليه الشعر وقد لا ينبت، فنبات الشعر واللحية غير مانع عن صدق عنوان الوجه، فان اسم للعضو المخصوص، والشعر قد ينبت عليه فحقيقة يصدق ان يقال ان اللحية نبتت على وجهه، أو الشعر نبت عليه، إذا يجب غسل الوجه وان كان عليه شعر. الا انا نرفع اليد عن ذلك ونكتفي بغسل ظاهر الشعر النابت على العضو فيما إذا احاط به الشعر بمقتضى الدليل الدال عليه وهو الاخبار البيانية الحاكية عن وضوء النبي - ص - لانه - ع - في مقام الحكاية عن وضوء رسول الله - ص - اخذ كفا من الماء فاسد له على وجهه ومسح جانبيه باليدين واكتفى به في وضوئه من دون ان يتصدى للتبطين والتخليل، فهذا يدلنا على عدم اعتبار غسل ما تحت الشعر لوضوح انه صيقلي ولا ينفذ الماء داخله وتحته الا بعلاج. فيظهر من ذلك ان الواجب غسله من الوجه هو المقدار الذي يصل إليه الماء بطبعه حين اسداله على الوجه فلا يجب التخليل والتبطين والتعمق

[ 72 ]

في ايصال الماء إلى البشرة بل ولا إلى الشعر المحاط بالشعر. وصحيحة زرارة المروية في التهذيب قال: قلت له: أرأيت ما كان تحت الشعر قال: كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد ان يغسلوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء (* 1) ورواها الصدوق في الفقيه باسناده إلى زرارة عن أبي جعفر - ع - ونظيرها غيرها من الروايات فان مقتضى تلك الروايات عدم وجوب التبطين والتعمق في غسل الوجه وكفاية مجرد جريان الماء عليه من دون وصوله إلى ذات البشرة بل ولا إلى الشعر المحاط بالشعر. تنبيه: لا يخفى ان الرواية في كل من الفقيه والتهذيب - على ما في الوسائل المطبوعة جديدا - بلفظة اللام في قوله: فليس للعباد وكذا ظاهر الوافي ان نسختي الفقيه والتهذيب متوافقتان من هذه الجهة، لان بعد ما نقلها عن التهذيب اشار إلى ان الصدوق في الفقيه أيضا روى مثله عن أبي جعفر عليه السلام وظاهر المماثلة هي المماثلة من جميع الجهات وعدم الفرق بين التهذيب والفقيه من هذه الناحية. إلا أن شيخنا المحقق الهمداني (قده) رواها عن التهذيب باللام كما نقلنا ها وعن الفقيه ب (على) وانه ليس على العبادان يغسلوه. وقد عرفت انه مخالف لنقل الوافي والوسائل المطبوعة جديدا. نعم التهذيب والفقيه - في طبعتهما الاخيرة - موافقان لنقل شيخنا المحقق فليلاحظ هذا كله في أصل المسألة.


(* 1) المروية في ب 46 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 73 ]

بقي الكلام في امور: (الاول): ان غسل ظاهر اللحية أو الشعر في مثل الحاجب والشارب هل هو على سبيل الحتم واللزوم بحيث لو غسل ذات البشرة وترك الغسل في ظاهرهما فسد وضوءه أو انه على وجه الرخصة والجواز بمعنى ان غسل ظاهر اللحية أو الشعر مجزء عن غسل البشرة لا انه متعين على وجه اللزوم؟ الاول هو المتعين وذلك لان ظاهر قوله ع في صحيحة زرارة المتقدمة: فليس للعباد ان يغسلوه، انما هو نفي المشروعية والجواز، فلا يجوز للمتوضئ ان يغسل نفس البشرة هذا على نسخة (اللام) وأما على النسخة الاخرى أعني قوله - ع - فليس على العبادان يغسلوه فظاهرها وان كان هو نفي الوجوب والالزام عن غسل ذات البشرة ولا دلالة لها على نفي المشروعية والجواز غير ان نفي الوجوب يكفي في الحكم ببطلان الوضوء فيما إذا غسل نفس البشرة وذلك لانه بعد عدم وجوبه تحتاج مشروعيته وجوازه إلى دليل وهو مفقود. ان قلت: يكفي في الدلالة على ذلك الروايات المطلقة والآية المباركة الدالتان على وجوب غسل الوجه والبشرة كما تقدم وهما كافيتان في الحكم بمشروعية غسل البشرة وكونه متعلقا للامر. قلت: نعم ولكنك قد عرفت بما لا مزيد عليه ان المطلقات مخصصة بما دل على لزوم غسل ظاهر الشعر فقد رفعنا اليد عن مقتضى تلك الاطلاقات بالاخبار المتقدمة، ومع التخصيص لا أمر ولا وجوب إذا يحتاج جواز غسل البشرة والاكتفاء به في مقام الامتثال عن غسل ظاهر اللحية والشعر

[ 74 ]

كما إذا لصق بلحيته ما يحجب عن وصول الماء إلى ظاهرها - إلى دليل وهو مفقود. (الامر الثاني): لا ينبغي الاشكال في وجوب غسل البشرة وعدم كفاية غسل ظاهر الشعر فيما إذا كانت كل واحدة من الشعرات نابتة منفصلة عن الاخرى بفاصل، لعدم صدق الاحاطة بالشعر وقتئذ، كما لا اشكال ولا خلاف في ان الشعر إذا كان كثيفا بحيث يمنع عن وقوع النظر إلى ذات البشرة وجب غسل ظاهر اللحية والشعر كالشراب والحاجبين ولم يجز الاقتصار بغسل ذات البشرة حسبما تقتضيه الاخبار المتقدمة التي قدمنا الكلام على دلالتها بما لا مزيد عليه. واما إذا كان الشعر خفيفا وغير مانع عن وقوع الابصار على نفس الوجه والبشرة ففي وجوب غسل الظاهر أو لزوم غسل ذات البشرة خلاف ونزاع، وكلماتهم في ذلك مضطربة على ما نقلها الاصحاب (قدهم) في كتبهم حتى ان بعضهم ادعى الاجماع على وجوب غسل البشرة إذا لم تكن مغطاة بالشعر ابدا بل كانت ظاهرة يقع عليها حس البصر وذكر ان محل الخلاف والنزاع انما هو ما إذا كانت البشرة مستورة بالشعر الخفيف ومغطاة به. وبعضهم قد عكس الامر في المسألة فنفى الريب عن الاجاع وعدم الخلاف في عدم لزوم غسل البشرة المستورة بالشعر الخفيف، وذكر ان الخلاف منحصر بما إذا كانت البشرة ظاهرة وغير مغطاه بوجه لا بالشعر الكثيف ولا بالعشر الخفيف كما إذا نبت الشعر على الوجه من غير التفاف بعضه ببعض بان كانت كل شعرة قائمة باصلها مع الفصل بين منابتها بمقدار اصبع أو اكثر أو اقل. ولا يخفى الفرق الشاسع بين الدعويين فان مقتضى الدعوى الاولى ان

[ 75 ]

اللحية الخفيفة أو غيرها من الشعر الخفيف - وهو الذي لا يمنع عن وقوع النظر إلى ذات البشرة - هي التي وقع فيها النزاع والخلاف واختلفت فيها اراء الفقهاء، ولا اتفاق على عدم وجوب غسل البشرة - وقتئذ - كما ان مقتضى الدعوى الثانية ان الشعر الخفيف كالشعر الكثيف مورد الاتفاق على ان معه لا يجب غسل البشرة وبين الدعويين بون بعيد. وعن ثالث ان النزاع لفظي في المقام هذا. والذي ينبغي ان يقال: ان الاخبار البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي - ص - لم تدع شكا في اي مورد في وجوب غسل البشرة وعدمه لانها دلتنا على ان اللازم غسله في محل الكلام انما هو عبارة عما يصله الماء بطبعه عند اسداله على الوجه من دون فرق في ذلك بين ما عليه شعر خفيف وما كان عليه شعر كثيف، حيث حكت ذلك عن وضوء النبي وكان الائمة - ع - ايضا يكتفون به في وضوء آتهم. ولحاحهم - ع - وان لم تكن خفيفة، إلا ان الشعر الخفيف كان موجودا على وجوههم وذلك لان من الواضح ان وجوههم - ع - لم تكن الا متعارفة ووجود الشعر الخفيف في الوجه المتعارف ايضا غير قابل للانكار كالشعر النابت على الخدين بل الموجود بين الحاجبين، لانه ايضا خفيف الا في بعض الناس وقد كانوا - ع - يكتفون بغسل الظواهر من ذلك بمقدار يصل إليه الماء - بحسب الطبع - عند اسداله. إذا فالمدار فيما يجب غسله - بمقتضى تلك الروايات - على المقدار الذي يصل إليه الماء بطبعه عند اسداله من اعلى الوجه من غير تعمق ولا تبطين وببركة تلك الاخبار لا يبقى لنا اي مورد نشك فيه في وجوب غسل البشرة وعدمه هذا ثم لو اغمضنا عن ذلك فنقول: الشعر النابت على الوجه على ثلاثة اقسام:

[ 76 ]

اقسام الشعر النابت على الوجه: (الاول): ما نقطع بصدق عنوان المحيط عليه لغزارته وكثافته المانعين عن وقوع حس البصر على البشرة وهذا مما نعلم باحاطته على الوجه وكونه مشمولا للاخبار الدالة على ان الوجه المحاط بالشعر لا يجب غسله بل يجزي غسل ظاهر الشعر عن غسله. (الثاني): ما نقطع بعدم انطباق عنوان المحيط عليه اما لخفته أو لان كل فرد من افراده قد نبت مستقلا ومنفصلا عن الآخر اي من غير التفات بعضها ببعض بحيث تظهر البشرة الواقعة تحته بوضوح ولا يكون شعرها مانعا عن رؤيتها وهذا ايضا لا اشكال في حكمه فان غسله لا يجزي عن غسل البشرة في الوضوء لعدم احاطته بالوجه على الفرض فلا مناص من غسل الوجه حينئذ. وهل يجب غسل الشعر ايضا وان لم يكن محيطا أو لا يجب؟ الظاهر هو الوجوب وهذا لا لان الشعر من توابع الوجه الواجب غسله، لان التابع لا دليل على اتحاد حكمه مع المتبوع دائما ولا من جهة الاصل العملي بدعوى أن المأمور به وهو الطهارة معلوم للمكلف وانما يشك في سببه وانها هل تحصل بغسل الوجه فحسب أو لابد من غسل الشعر ايضا ومع الشك في المحصل والسبب لابد من الاحتياط وقاعدة الاشتغال فيه هي المحكمة. وذلك لما مر من ان الطهارة ليست مسببة عن الوضوء. بل الطهارة هي نفس الوضوء ومعه يرجع الشك إلى الشك في التكليف بالمقدار الزائد ويندرج المقام في دوران الامر بنى الاقل والاكثر الارتباطيين ويرجع في الزائد على القدر المتقين إلى البراءة. بل الوجه فيما ذكرناه صحيحة زرارة

[ 77 ]

المتقدمة الامرة بغسل الوجه من اول القصاص إلى الذقن بما دارت عليه الاصبعان اعني الوسطي والابهام وذلك لضرورة ان الشعر النابت على الوجه ايضا مما تدور عليه الاصبعان، فان هذا المقدار من الوجه واجب الغسل في الوضوء وهو يشمل الشعر النابت عليه ايضا وان لم يكن محيطا بالوجه. (الثالث): ما نشك في صدق عنوان المحيط عليه وهذا إما من جهة الشبهة المفهومية، كما إذا لم ندر ان المحيط هل هو الشعر الكثيف المانع عن مشاهدة البشرة - دائما - أو انه يعم ما إذا كان خفيفا وغير مانع عن وقوع النظر على البشرة - دائما - أو في بعض الاحيان كما عند ملاعبة الريح مع اللحية؟ وإما من جهة الشبهة المصداقية بان علمنا بالمفهوم وان المحيط هو الذي يمنع عن وقوع حس البصر على البشرة - دائما - إلا انا شككنا في مورد في انه من المحيط المانع عن الرؤية أو انه ليس كذلك. وفي كلتا الشبهتين يجب غسل كل من البشرة والشعر. أما في الشبهة المفهومية فلاجل ان مقتضى صحيحة زرارة المتقدمة المحددة لما يجب غسله من الوجه بما دارت عليه الاصبعان وغيرها مما دل على وجوب غسل الوجه في الوضوء ان المعتبر في الوضوء انما هو غسل البشرة والوجه. وقد قيدناها بالصحيحة الثانية لزرارة الدالة على أن ما احاط به الشعر من الوجه لا يجب غسله بل يكفي عنه غسل ظاهر الشعر. وإذا فرضنا أن المخصص أو المقيد مجمل فلابد من الاخذ بالمقدار المتيقن منه وهو ما يمنع عن وقوع حس البصر على البشرة - دائما - واما في غيره فيرجع إلى العموم أو الاطلاق ومقتضاهما - كما عرفت - انما هو وجوب غسل البشرة، ففي موارد الشبهة لابد من غسل البشرة حسبما تقضيه المطلقات كما يجب غسل الشعر ايضا بمقتضى ما قدمناه من الدليل، وان لم يكن محيطا بالوجه.

[ 78 ]

وأما في الشبهات المصداقية فلمكان المطلقات وهذا لا لاجل التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية بل لاجل استصحاب عدم احاطة الشعر بالوجه ولا سيما بملاحظة انه من الاستصحاب النعتي دون المحمولي اعني استصحاب العدم الازلي حتى يقال انه مبني على القول بحريان الاصل في الاعدام الازلية. وذلك لان شعر كل انسان حتى بعد انبات لحيته لا يكون محيطا بوجهه من الابتداء بل هو مسبوق بعدم الاحاطة اولا، والاصل - عند الشك - انه كما كان. وبعد ذلك تشمله الاطلاقات الدالة على ان الوجه إذا لم يحيط به الشعر وجب غسله، كما يجب غسل الشعر، لما تقدم، فالمتحصل انه في جميع الصور المتصورة في المسألة لابد من غسل كل من الوجه والشعر الا في صورة واحدة، وهي ما إذا كان الشعر محيطا بالوجه، لما عرفت من أن غسل البشرة والوجه غير واجب - وقتئذ - هذا. ثم لا يخفى الفرق الواضح بين ما ذكرناه في المقام وما اعتمد عليه جملة من الاعلام ومنهم المحقق الهمداني (قده) من العلم الاجمالي بوجوب غسل الوجه - إذا لم يكن الشعر محيطا - أو بوجوب غسل الشعر - إذا كان محيطا - ومقتضى العلم الاجمالي بوجوب احدهما هو الاحتياط وغسل كل من البشرة والشعر. والفارق هو انا إذا قلنا بوجوب غسل كل من الوجه والشعر باصالة الاشتغال لم يجز له ان يتمسح ببلة شئ منهما، لعدم العلم بكونه بلة الغسل المأمور به، فان ما وجب غسله على المكلف انما هو احدهما، لا كلاهما، فاحدهما الآخر غير واجب الغسل، ولا يجوز التمسح ببلته، ويحث انه غير معلوم، فلا يجوز للمكلف ان يتمسح ببلة شئ منهما. وهذا بخلاف ما قررناه، فانه عليه يتمكن من المسح ببلة كل منهما لدلالة المطلقات والادلة

[ 79 ]

[ (مسألة 1) يجب ادخال شئ من اطراف الحد من باب المقدمة (1) وكذا جزء من باطن الانف ونحوه. ] على وجوب غسل كل من الوجه والشعر. هذا على ان ما ذكره المحقق الهمداني (قده) غير تام في نفسه، لان تنجيز هذا العلم الاجمالي يتوقف على القول بعدم وجوب غسل الشعر مع الوجه - كما إذا لم يكن محيطا بالوجه - واما إذا قلنا بوجوبه كما اخترناه وعرفت فالعلم الاجمالي منحل لا محالة، وذلك للقطع بوجوب غسل الشعر على كل تقدير سواء أكان محيطا ام لم يكن، ونشك في وجوب غسل الوجه وعدمه ولا مانع وقتئذ من الرجوع إلى اصالة البراءة. غسل شئ من الاطراف مقدمة: (1) إذا شككنا في وجوب غسل شئ من الوجه على نحو الشبهة المفهومية أو الموضوعية، فالرجوع معه إلى الاحتياط أو البراءة يبتني على الخلاف المتقدم في أن المأمور به الواجب تحصيله على المكلفين هل هو عنوان بسيط اعني الطهارة التي هي معلومة لدى المكلف، ولكنه يشك فيما يحصلها، وما هو سبب لتحققها في الخارج الخارج، أو ان الواجب امر مركب وهو نفس الغسلتين والمسحتين؟ فعلى الاول إذا شككنا في وجوب غسل شئ من الوجه لا بد من ان نرجع إلى قاعدة الاشتغال، كما انه على الثاني لابد من الرجوع إلى اصالة البراءة، لان الشك في اصل توجه التكليف إلى الزائد بناء على ما هو الصحيح من جريان البراءة عند دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين هذا فيما إذا شككنا فيما يجب غسله من الوجه.

[ 80 ]

وأما إذا علمنا بالمقدار الواجب غسله من الوجه وهو ما دارت عليه الاصبعان اعني الوسطي والابهام - عرضا - ومن القصاص إلى الذقن - طولا - ولكن شككنا في أن صب كف من الماء - مثلا - من اعلى الوجه وامرار اليد عليه هل يكفي في حصول غسل ذلك المحدود أو لا يغسل به الا المقدار الاقل منه؟ فالاصل الجاري وقتئذ ليس الا قاعدة الاشتغال وذلك لان الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية، فلا بد من غسل شئ من اطراف الحد ولو يسيرا حتى يقطع بحصول غسل المحدود. فان صب الماء من اعلى الوجه وامرار اليد عليه لا يمكن - عادة - لا يتحقق به غسل المحدود من دون زيادة أو نقيصة. بل اما ان يغسل شيئا زائدا عليه - ولو يسيرا - حتى نقطع بالفراغ، وإما ان يغسل بمقدار يشك في انه بمقدار المحدود أو اقل، فالامر يدور بين الوجهين. واما غسله بمقدار المحدود على وجه طابق النعل بالنعل من دون ان يزيد أو ينقص فلا يتيسر - عادة - كما هو الحال في جميع التحديدات المكانية. ومع دوران الامر بين الوجهين المذكورين يتعين الوجه الاول لا محالة قضاء لقاعدة الاشتغال كما مر. ومن هنا يظهر ان المراد بوجوب غسل شئ من اطراف الحد من باب المقدمة كما في المتن انما هو وجوب غسل شئ من اطراف المحدود من باب المقدمة العلمية، لا مقدمة الوجود، كما التزموا به في جملة من الموارد. (منها): الطواف الذي يجب الابتداء به من محاذاة الحجر الاسود وينتهي في محاذاته فقالوا انه يبتدء بالطواف من مقدم الحجر الاسود بشئ يسير من باب المقدمة، كما انه في الشوط السابع ينهي شوطه إلى موخر الحجر بمقدار يسير ايضا مقدمة هذا كله في الوجه وكذلك في مثل الانف ونحوه فانه يغسل شيئا من داخله من باب المقدمة العلمية كما عرفت.

[ 81 ]

[ وما لا يظهر من الشفتين بعد الانطباق من الباطن (1) فلا يجب غسله. (مسألة 2) الشعر الخارج عن الحد كمسترسل اللحية في الطول، وما هو خارج عن ما بين الابهام والوسطى في العرض لا يجب غسله (2). ] الباطن لا يجب غسله: (1) أما أن الباطن لا يجب غسله فهو مما لاإشكال فيه، لان ما يجب غسله من الوجه إنما هو المقدار الذي يصل إليه الماء بطبعه عند إسداله من أعلى الوجه ولو بامرار اليد عليه وهذا لا يكون إلا في ظاهر الوجه، كما لا يخفي. ويؤيده خبر زرارة عن ابي جعفر - ع - ليس المضمضة، والاستنشاق فريضة ولاستة إنما عليك أن تغسل ما ظهر (* 1). وأما عدم وجوب الغسل فيما لا يظهر من الشفتين بعد إطباقهما فلاجل أن هذا المقدار بعد الانطباق ممالا يصل الماء إليه بطبعه عند إسداله من أعلى الوجه. وقد عرف سابقا أنه المقدار الواجب في غسل الوجه وكذلك في داخل العين ونحوها. الشعر الخارج عن الحد: (2) وذلك لان الواجب أولا إنما هو غسل البشرة لقوله عز من قائل: فاغسلوا وجوهكم. (* 2) والاخبار المتقدمة قريبا، إلا انا خرجنا عن مقتضاهما بما دلت عليه الروايات المتعددة من أن غسل الشعر المحيط بالوجه


(* 1) المروية في ب 29 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المائدة: 5: 6.

[ 82 ]

[ (مسألة 3) إن كانت للمرأة لحية فهى كالرجل (1). (مسألة 4) لا يجب غسل باطن العين، والانف والفم (2) إلا شئ منها من باب المقدمة. (مسألة 5) في ما أحاط به الشعر لا يجزئ غسل المحاط عن المحيط (3). ] يجزى عن غسل ذات البشرة بالمعنى المتقدم، وبها رفعنا اليد عما تقتضيه الآية المباركة والاخبار المتقدمة، كما إستكشفنا بها ان المراد بالغسل الواجب هو غسل الشعر المحيط بالبشرة وذلك، لحكومتها عليهما. ومن الظاهر أنها إنما تختص بالشعر المحيط بالمقدار المتعارف وأما ما كان خارجا عن المتعارف في الطول أو كان خارجا عما دارت عليه الاصبعان - عرضا - كعريض اللحية فلا دليل على كون غسله مجزءا عن غسل ذات البشرة ولعله ظاهر. (1) كما قد يتفق في بعض النساء، والوجه فيما أفاده (قده) أن بعض الروايات الواردة في الباب وإن كان مشتملا على عنوان الرجل، كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما - ع - قال: سألته عن الرجل يتوضأ أيبطن لحيته؟ قال: لا (* 1) إلا أن صحيحة زرارة المتقدمة عن ابي جعفر - ع - قال: قلت له: أرأيت ماكان تحت الشعر؟ قال: كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يغسلوه (أن يطلبوه) ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء (* 2) عامة شاملة لكل من الرجال والنساء. (2) قد أسلفنا الكلام على ذلك في بعض الفروع المتقدمة وذكرنا أن البواطن لا يجب غسلها إلا بمقدار يسير من باب المقدمة العلمية فلاحظ (3) قد سردنا تفصيل الكلام في ذلك سابقا ولا حاجة معه إلى الاعادة فليراجع.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 46 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 83 ]

[ (مسألة 6) الشعور الرقاق المعدودة من البشرة يجب غسلها معها (1). (مسألة 7) إذا شك في أن الشعر محيط أم لا، يجب الاحتياط بغسله مع البشرة (2). (مسألة 8) إذا بقي مما في الحد ما لم يغسل ولو مقدار رأس أبرة لا يصح الوضوء (3). ] (1) قد أسلفنا الوجه في ذلك وقلنا أن الدليل على وجوب غسل تلك الشعور هو مادل على وجوب غسل الوجه بما دارت عليه الاصبعان، فانه يدلنا بوضوح على أن الوجه بهذا المقدار مما لابد من غسله ولو كان فيه شعر خفيف. الشك في أن الشعر محيط: (2) سبق أن تكلمنا على ذلك مفصلا وقلنا ان الشك في الاحاطة إما أن تكون من جهة الشبهة المفهومية، وإما أن يكون من جهة الشبهة الموضوعية وعلى كلا التقديرين لابد من غسل كل من البشرة والشعر، إلا أن الاخبار البيانية الحاكية لوضوء النبي - ص - لم تدع أي مورد للشك فيه فليراجع. (3) مقتضى إطلاق الآية المباركة والروايات البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي - ص - وجوب غسل الوجه واليدين بجميع أجزائهما فإذا بقي منها شئ غير مغسول - ولو يسيرا - فلا مناص من الحكم بفساد الوضوء، لان الواجب إرتباطي، ومع عدم غسل شئ من الوجه واليدين لم يأت المكلف بالغسل المأمور به شرعا فلابد من ملاحظة آماقه وأطراف عينيه وحاجبيه حتى لا يكون عليها شئ مما يمنع عن وصول الماء إليه من قيح أو كحل أو وسخ أو وسمة على الحاجب ونحوها.

[ 84 ]

[ (مسألة 9) إذا تيقن وجود ما يشك في مانعيته يجب تحصيل اليقين (1) بزواله أو وصول الماء إلى البشرة. ] صور الشك في المانعية: (1) الشك في المانعية على وجهين: (أحدهما): أن يتيقن بوجود شئ ويشك في مانعيته وعدمها، وهذا هو الشك في مانعية الموجود وحاصله الشك في صفة الحاجبية بعد القطع بأصل الوجود. (ثانيهما): الشك في أصل وجود الحاجب وهو الشك في الوجود أي وجود المانع. أما الوجه الاول فمقتضي قاعدة الاشتغال وجوب تحصيل اليقين بزوال ما قطعنا بوجوده وشككنا في مانعيته أو بوصول الماء إلى البشرة وذلك للعلم باشتغال الذمة بوجوب غسل الوجه أو اليدين، والشك في فراغ الذمة عن ذلك عند عدم العلم بوصول الماء إلى البشرة وعدم إزالة الشئ الموجود. ولكن قد يقال: إن صحيحة علي بن جعفر - ع - تدلنا على خلاف ذلك حيث روى عن أخيه موسى بن جعفر - ع - أنه سأله عن الخاتم الضيق لا يدري هل يجري الماء تحته إذا توضأ ام لا كيف يصنع؟ قال: ان علم أن الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضأ (* 1) لدلالتها على أن الفساد والبطلان إنما يخصان صوره العلم بحاجبية الموجود. وأما إذا لم يعلم بذلك سواء علم عدم الحاجبية أو شك فيها فوضوءه محكوم بالصحة ولا يعتني بشكة، ولا يلزم أن يخرج الخاتم من إصبعه.


(* 1) المروية في ب 41 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 85 ]

وموردها كما ترى هو الشك في حاجبية الموجود. و (يرده): إن علي بن جعفر - ع - قد سأل أخاه في صدر الرواية عن المرأة عليها السوار والدملج في بعض ذراعها لا تدري يجري الماء تحته أم لا كيف يصنع؟ إذا توضأت أو إغتسلت قال: تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه ومع هذا السؤال لم تكن أية حاجة ومحل إلى السؤال عن الخاتم الموجود على الاصبع للقطع بعدم الفرق بين الخاتم والسوار والدملج ولابين المرأة وغيرها. ومن هنا أجابه - ع - بأن الخاتم إن كان كالسوار والدملج في إمكان إيصال الماء إلى البشرة تحته بتحريكه فحاله حالهما في أنه يتخير بين تحريكه ونزعه في إحراز وصول الماء إلى البشرة. وأما إذا كان الخاتم على نحو لا يصل الماء تحته حتى إذا حركه فلا محالة يتعين نزعه تحصيلا للقطع بوصول الماء إلى البشرة. إذا قوله - ع - ان علم أن الماء لا يدخله فليخرجه غير ناظر إلى أن في صورة الشك في الحاجبية لا يجب على المكلف أن يفحص ويخرج الخاتم من إصبعه، وإلا لكان مناقضا لصدرها الصريح في وجوب الفحص وإيصال الماء إلى البشرة عند الشك في الحاجبية. قل هو ناظر إلى ما عرفت من أن الخاتم إذا كان كالسوار والدملج فحاله حالهما في التخيير بين التحريك والنزع وأما إذا علم أنه على نحو لا يصل الماء تحته ولو بالتحريك فلا مناص من نزعه وإخراجه هذا. ثم لو سلمنا أن ذيل الصحيحة ناظر إلى عدم وجوب إحراز وصول الماء إلى البشرة لدى الشك في حاجبية الشئ الموجود فهو كما عرفت مناف لصدرها وبذلك تصبح الرواية مجملة فتسقط عن صلاحية الاعتماد عليها في مقام الاستدلال، ولابد معه من أن نرجع إلى الاصل العملي وقد

[ 86 ]

[ ولو شك في أصل وجوده يجب الفحص (1) أو المبالغة حتى يحصل الاطمئنان بعدمه أو زواله أو وصول الماء إلى البشرة على فرض وجوده. ] عرفت أن مقتضى قاعدة الاشتغال هو إحراز وصول الماء إلى البشرة بازالة الشئ الموجود أو بغيرها مما يوجب الاحراز في مقام الامتثال. أما الوجه الثاني فيأتي عليه الكلام في التعليقة الآتية فلاحظ. (1) هذا هو الوجه الثاني من الوجهين المتقدمين للشك في المانعية أعني الشك في أصل وجود الحاجب والمعروف بين الاصحاب (قدهم). أن الشك في وجود المانع مما لاإعتبار به. وقد إستدل عليه بأمور: (الاول): الاجماعات المنقولة على أن الشك في وجود الحاجب غير قابل للاعتناء به. و (يدفعه): ان الاجماعات المدعاة أمور حدسية ومعلومة المدرك أو محتمله، فلا تكون كاشفة عن رأي المعصوم - ع - ولهذا لا يسعنا الاعتماد على مثلها في إستنباط الاحكام الشرعية بوجه. (الثاني): الاستصحاب، لان الحاجب قد كنا على يقين من عدمه، فإذا شككنا في طروه بنينا على عدمه بمقتضى الادلة الدالة على حرمة نقض اليقين بالشك و (فيه): ان وجود الحاجب وعدمه ممالا أثر له، وإنما الاثر الشرعي مترتب على وصول الماء إلى البشرة وعدمه، واستصحاب عدم الحاجب لاثبات وصول الماء إلى البشرة من الاصول المثبتة التي لا نقول باعتبارها فان وصول الماء إليها من اللوازم العقلية، لعدم طرو الحاجب. ودعوى أن الواسطة خفية، ومعه يكون المثبت حجة ممالا يصغى إليه لما ذكرناه في المباحث الاصولية من أنه لا أثر لخفاء الواسطة وجلائها والاصول المثبتة غير معتبرة باطلاقهأ، فان الاعتبار في موارد الاستصحاب إنما هو بالمتيقن والمشكوك فيه والاعتبار بغيرهما من اللوازم والملزومات بل اللوازم بانفسها مورد لاستصحاب العدم فيقال - مثلا - ان وصول الماء

[ 87 ]

إلى البشرة - اللازم لعدم طرو الحاجب في محل الكلام - لم يكن متحققا قبل ذلك قطعا، فإذا شككنا في تبدله إلى الوجود نبني على عدم وصوله إليها في زمان الشك أيضا. (الثالث): وهو العمدة دعوى سيرة المتدينين المتصلة بزمان المعصومين - ع - الجارية على عدم الاعتناء بالشك في وجود الحاجب، لان الانسان في أكثر الفصول لا يخلو عن البق والبرغوث وغيرهما من الحيوانات المؤذية الصغار ويتسبب بمصها أو قتلها - وهي على جسم الانسان - وقوع قطرة أو قطرتين من المدم على اللباس أو على أعضاء الغسل أو الوضوء وهي مانعة عن وصول الماء إلا لي البشرة - غالبا - كيف وربما يصعب إزالتها بعد الجفاف. مع انا لم نسمع ولم نر احدا من المتدينين يفحص عن ذلك في بدنه عند إغتساله أو توضوئه بل ينسبون المتفحص عن ذلك إلى الوسواس، مع وجود الاحتمال إذ قد يحصل القطع للمكلف بخلو بدنه من دم القمل والبق وقذى البراغيث. وهذه السيرة قد إدعاها جمع من المحققين ومنهم صاحب الجواهر والمحقق الهمداني (قدس سرهما) وهي إن ثبتت وتمت فلا كلام، ولكن الخطب كل الخطب في ثوبتها فلا بد من ملاحظة أنها ثابتة أو غير ثابتة، وملاحظة ذلك هي العمدة في المقام. والظاهر أن السيرة غير ثابته وذلك لان الناس في عدم إعتنائهم باحتمال الحاجب مختلفون فجملة منهم لا يعتنون باحتماله من جهة غفلهتم عن أن في أبدانهم حاجبا ومع الغفلة لا إحتمال ولا شك حتى نعتني به أو لا نعتني به إذا فعدم إعتنائهم بالشك من باب السالبة بانتفاء موضوعها. ومن الظاهر أن هذا القسم خارج عن محل الكلام، لان الدليل انما هو جريان سيرتهم

[ 88 ]

[ (مسألة 10) الثقبة في الانف موضع الحلقة أو الخزامة لا يجب غسل باطنها (1) بل يكفي ظاهرها سواء كانت الحلقة فيها أولا. ] على عدم الاعتناء باحتمال وجود الحاجب عند الشك والاحتمال لا عند الغفلة وعدم الاحتمال وجملة منهم لا يعتنون باحتماله من جهة الاطمئنان بعدم طرو الحاجب على أبدانهم أو مواضع وضوئهم فلا يشكون في وجود الحاجب ولا يحتملونه إحتمالا عقلائيا حتى يعتنى به وان كان الاحتمال الضعيف موجودا وهذا أيضا أجنبي عما نحن بصدده. وجملة ثالثة لا يطمئنون بعدمه ولا يغفلون عنه بل يشكون ويحتملون وجوده، ولم يثبت لنا أن المتدينين من هذا القسم الثالث لا يعتنون باحتمالهم وشكهم هذا والسيرة دليل لبي لا بد من اليقين به ولا علم لنا بثبوت السيرة في هذه الصورة. ومن هنا ذكر شيخنا الانصاري (قده) أنه لو ثبتت سيرتهم على عدم الاعتناء بالشك في وجود الحاجب للزم أن لا يعتنوا باحتمال مثل وجود القلنسوة على رؤوسهم أو ثوب على أعضائهم، أو جورب في أرجلهم مع أنه ممالا يمكن التفوه به. فالمتحصل أن السيرة - من أهل النظر وغير المقلدة - على عدم الاعتناء باحتمال وجود الحاجب غير ثابتة. وأما المقلدة فلا يمكن الركون على عملهم وسيرتهم لا حتمال تقليدهم وتبعيتهم في ذلك لمن يرى تمامية السيرة كصاحب الجواهر والمحقق الهمداني وغيرهما من الاعلام قدس الله أسرارهم. ومعه لابد من الرجوع إلى الاصل وهو كما عرفت يقتضي عدم وصول الماء إلى البشرة فلابد من التدقيق واحراز أن الماء قد وصل إلى البشرة. (1) لما تقدم من أن ما يجب غسله على المكلف في الوجه فانما هو المقدار الذي يصله الماء بطبعه عند اسداله من القصاص، والبواطن ومنها

[ 89 ]

[ (الثاني): غسل اليدين (1) من المرفقين إلى اطراف الاصابع. ] باطن الثقبة في الانف - ليس كذلك، لان الماء لا يصل إليه بطبعه عند اسداله من القصاص فلا يجب غسلها. الثاني من واجبات الوضوء. (2) لا اشكال ولا كلام في وجوب غسل اليدين في الوضوء بحسب الكتاب والسنة، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين بل لعله من ضروريات الدين وانما الكلام في جهات. (الاولى): وجوب غسل المرفقين مع اليدين. ذكر الشيخ الطوسي (قده) في محكى خلافه ان الفقهاء باجمعهم التزموا بوجوب غسل المرفقين مع اليدين الازفر - وهو ممن لا يعبأ بمخالفته - وقد ثبت عن الائمة - ع - ان (إلى) في الآية بمعنى (مع) والامر كما أفاده (قده) فان الاخبار البيانية الواردة في حكاية وضوء النبي - ص - صريحة الدلالة على وجوب غسل المرفقين مع اليدين. إذا فكلمة (إلى) في الآية المباركة بمعنى (مع). وهذا لا بمعنى ان كلمة (إلى) مستعملة بمعنى (مع) بل بمعنى أن الغاية داخلة في المغيى على ما يوافيك تفصيله قريبا ان شاء الله. فوجوب غسل المرفقين مع اليدين مما لا اشكال فيه، انما المهم بيان معنى المرفق. بيان معنى المرفق: والمتحصل مما ذكروه في تفسير المرفق معان ثلاثة:

[ 90 ]

(الاول): ان المرفق هو الخط الموهومي الفاصل بين عظم الذراع المحاط بعظمي العضد المحيطين، فان من وضع يده على مفصل العضد والذراع يرى أن في العضد عظمان محيطان بعظم الذراع. وعلى هذا لا معنى للتزاع في أن الغاية - أي المرفق - داخلة في المغي أعني ما يجب غسله، وذلك لانه لا معنى لغسل الخط الموهوم فان الغسل انما يقع على الاجسام الخارجية دون الامور الوهمية. نعم يجب غسل كل من عظمي العضد وعظم الذراع لوقوعها تحت ذلك الخط الوهمي وهو المرفق على الفرض. وأما نفس ذلك الخط والمرفق فقد عرفت أنه لا معنى لغسله. (الثاني): ان المرفق هو عظم الذراع المتداخل في عظمي العضد وهو المعبر عنه بطرف الساعد الداخل في العضد على ما نسب إلى ظاهر العلامة في المنتهى ومحتمل كلامه في النهاية، وعلى هذا لا مانع من التزاع في أن المرفق أعني عظم الذراع داخل في المغي أم خارج عنه، لانه بمعنى ان عظم الذراع أيضا مما يجب غسله مع اليدين أو لا يجب. (الثالث): أن المرفق هو مجموع العظام الثلاثة المتركبة من عظم الذراع المحاط وعظمي العضد المحيطين بعظم الذراع كما هو مختار الماتن (قده)، ولا يستفاد شئ من هذه المعاني من الآية المباركة ولا من الاخبار المشتملة على ما اشتملت عليه الآية المباركة من تحديد اليد إلى المرفق. ولا يدلناء شئ من ذلك على أن المرفق هو الخط الوهمي حتى لا يبقى معه مجال للنزاع في أنه داخل في المغي أو خارج عنه أو أن المرفق بمعنى عظم الذراع أو مجموع العظام؟ كما لا يمكن أن يستفاد من شئ منها - في نفسها - ان المرفق داخل في المغي أو خارج عنه، إذ الغاية عند أهل المحاورة.

[ 91 ]

قد تكون داخلة في المغي وقد تكون خارجة عنه. غير أن التسالم القطعي والاجماعات المدعاة والاخبار البيانية دلتنا على أن المرفق واجب الغسل مع اليدين فوجوب غسله معهما ممالا كلام فيه، وان لم يعلم انه بأي معنى من المعنيين الاخيرين، فانه على المعنى الاول لا معنى لغسله كما مر. إذا فتلك الامور قرينة على ان كلمة (إلى) انما هي بمعنى حتى أو مع في الآية المباركة وان الغاية داخلة في المغيي كما أشرنا إليه. وقد تقدم ان هذا الا بمعني أن كلمة (إلى) مستعملة بمعنى (حتى أو مع) حتى يقال انه لم بعهد استعمالها بهذا المعنى بل الكلمة مستعملة في في معناها الموضوع له. لكن المراد الجدي منها هو معنى (حتى أو مع) وعليه فلا يبقى اشكال في دخول الغاية في المغيي. إذا لا بد من تعيين ما هو الداخل في وجوب الغسل وانه أي عظم وهل هو خصوص عظم الذراع - كما نسب إلى العلامة - (قده) أو مجموع العظام في المفصل؟ الثاني هو الظاهر وذلك لان تفسير المرفق بعظم الذراع مضافا إلى أنه على خلاف معنى المرفق - لغة - لانه من الرفق والالتئام، والملتئم في المفصل مجموع العظام الثلاثة فلا موجب لتخصيصه باحدها وهو عظم الذراع - دون عظمي العضد - مخالف لصريح الصحيحة الواردة في المقام وهي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر - ع - قال: سألته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ؟ قال: يغسل ما بقي من عضده (* 1). لان الظاهر من اليد - التي قطعت - في مقابل العضد هو الذراع. والظاهر أيضا ان الذراع قد قطع بتمامه وانفصل عن عطمي العضد بحيث


(* 1) المروية في ب 49 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 92 ]

[ مقدما لليمنى على اليسرى (1). ] لم يبق من عظم الذراع شئ فلو كان المرفق بمعنى عظم الذراع فما معنى وجوب غسل العضد حينئذ. لانه أمر آخر غير المرفق والذراع. فهذا يدلنا على أن العضد - بعظيمه - من المرفق وحيث أخرج وانفصل بعضه - أي المرفق - وجب غسل الباقي منه وقوله - ع - يغسل ما بقي.. أيضا شاهد على هذا المدعى وبه نستكشف أن العضد هو باقي المرفق إذا يصح ما اختاره الماتن (قده) من أن المرفق هو المؤتلف من مجموع العظام الثلاثة وهو المشهور أيضا بين الاصحاب (قدهم) بحيث لو فرضنا أن اليد قد قطعت وجب غسل الباقي من المرفق وهو العضد وسيتعرض له الماتن (قده) فيما يأتي من الفروع إن شاء الله. تقديم اليمنى على اليسرى: (1) هذه هي الجهة الثانية التى لابد من أن يتكلم عنها في المقام وهي مسألة تقديم اليد اليمنى على اليسرى في غسلها وهذه المسألة وان كان يأتي عليها الكلام عند التكلم على شرائط الوضوء ان شاء الله غير إنا نتعرض لها في المقام تبعا للماتن (قده) فنقول ان المسألة متسالم عليها بين الاصحاب (قدهم) والعمدة فيها هي الروايات الكثيرة الواردة في الامر باعادة غسل اليد اليسرى وغير ن أفعال الوضوء فيما إذا غسلها قبلا أن يسغل اليد اليمنى. (فمنها): صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله - ع - قال: إذا نسى الرجل أن يغسل يمينه بغسل شماله ومسح رأسه ورجليه فذكر بعد

[ 93 ]

ذلك، غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه (* 1). و (منها): موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله - ع - قال: ان نسيت غسل وجهك فغسلت ذراعيك قبل وجهك ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه، فان بدأت بذراعك الايسر قبل الايمن فاعد على غسل الايمن ثم إغسل اليسار.. (* 2) و (منها): صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله - ع - في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين قال: يغسل اليمين يعيد اليسار (* 3). ويبدو من بعض الروايات الواردة في المقام ان المسألة من المسائل المسلمة عند الرواة حيث سئل - ع - عمن بدأ بالمروة قبل الصفا قال: يعيد، ألا ترى انه لو بدأ بشماله قبل يمينه في الوضوء أراد أن يعيد الوضوء (* 4) ونظيرها ما ورد في حديث تقديم السعي على الطواف - قال: الا ترى أنك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك (* 5) فان ظاهرهما ان وجوب تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى في الوضوء كان من المسلمات المفروغ عنها عندهم. و (منها): غير ذلك من الروايات.


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) و (* 5) المرويات في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 94 ]

[ ويجب الابتداء بالمرفق، والغسل منه إلى الاسفل عرفا، فلا يجزئ النكس (1). ] لزوم البدءة بالمرفق. (1) هذه هي الجهة الثالثة من الجهات التي نتكلم عنها في المقام وهي وجوب غسل اليدين من المرفق إلى طرف الاصابع وعدم كفاية النكس، ويدلنا على ذكل جميع ما قدمناه في وجوب غسل الوجه من الاعلى إلى الاسفل، عدم جواز النكس من التسالم والاجماع القطعيين، والروايات البيانية الحاكية عن وضوء رسول الله - ص - ويزيد المقام على غسل الوجه بموافقة ابن سعيد لانه (قده) قد قال بجواز النكس في الوجه، ولكنه التزم في اليدين بعدم الجواز، وكذلك السيد المرتضى (قده) في في أحد قوليه، وكيف كان فالكل متسالم على عدم جواز غسل اليدين منكوسا. أضف إلى ذلك صحيحة زرارة وبكير عن أبي جعفر - ع - عند حكاية فعل رسول الله - ص -. ثم غمس كفه اليسرى فغرف بها غرفة فافرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق ثم غمس كفه اليمنى (* 1) فان إهتمامهما بحكاية عدم رد الباقر - ع - يده إلي المرفق أقوى دليل على أن ذلك من الخصوصيات المعتبرة في الوضوء قد أراد - ع - أن يعرفها وبينها في تلك الروايات. وفي بعض الاخبار: قلت له: يرد الشعر؟ قال: إذا كان عنده آخر فعل، وإلا فلا (* 2) لان الظاهر أن رد الشعر عبارة عن الغسل


(* 1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 19 من أبواب الوضوء من المستدرك.

[ 95 ]

منكوسا، كما أن المراد بقوله: إذا كان عنده آخر. انه إذا كان عنده شخص آخر يتقي منه لا مانع من أن يغسل يده منكوسا. وفي صحيحة زرارة المروية في الفقيه عن أبي جعفر - ع -. ولا ترد الشعر في غسل اليدين... (* 1) ويؤيد ما ذكرناه عدة روايات قد وردت في أن كلمه (إلى) في الآية بمعنى (من) وهذا لا بمعنى انها مستعملة فيه لانه إستعمال غير معهود بل بمعنى أن المراد الجدي منها هو ذلك كما مر كرواية الهيثم بن عروة التميمي قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن قوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق. فقلت هكذا ومسحت من ظهر كفي إلى المرفق: فقال: ليس هكذا تنزيلها انما هي فاغسلوا وجوهكم وأيديكم (من) إلى المرافق ثم أمر يده من مرفقه إلى أصابعه (* 2). وفي قضية علي بن يقطين حيث أمره - ع - أن يغسل يديه من المرفقين بعدما إرتفعت عنه ألتقيقة (* 3). وفيما علمه جبرئيل، حيث روى في كشف الغمة عن على بن إبراهيم في كتابه عن النبي - ص - وذكر حديثا إلى أن قال فنزل عليه جبرئيل وأنزل عليه ماء من السماء فقال له يا محمد: قم توضأ للصلاة فعلمه جبرئيل عليه السلام الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين (* 4) إلى غير ذلك من الروايات غير الخالية عن ضعف في


(* 1) المروية في الفقيه ج 1 ص 38 وقد روى صدرها في ب 17 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في باب 19 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 3) المروية في ب 32 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 4) المروية في ب 1 من أبواب الوضوء من المستدرك.

[ 96 ]

في السند، إلا أنها صالحة لان تكون مؤيدة للمدعى. ثم انه لا تنافي بين ما ذكرناه وبين الآية المباركة: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق (* 1) لان الآية المباركة. إما ظاهرة في أن كلمة (إلى) غاية للمغسول وبيان لما يجب غسله من اليد، فان لليد اطلاقات كثيرة، فقد تطلق على خصوص الاصابع والاشاجع كما في آية السرقة وقد تطلق على الزند كما في آية التيمم، وثالثة تطلق على المرفق كما في آية الوضوء، ورابعة على المنكب كما هو الحال في كثير من الاستعمالات العرفية. فأراد عز من قائل أن يحددها ويبين أن ما لابد من غسله في اليد انما هو بهذا المقدار إذا فلا تعرض للآية إلى كيفية غسلها، وانما أوكلت بيان ذلك إلى السنة، وسنة النبي - ص - والائمة - ع - قد دلتا على أنها لابد من أن تغسل من المرفق إلى الاصابع فالسنة قد بينت ما لم يكن مبينا في الآية المباركة، فلا تكون الآية منافية لما قدمناه من لزوم كون الغسل من المرفق إلى الاصابع. وإما أن الآية - إذا لم تكن ظاهرة في كون الغاية غاية للمغسول - فعلى الاقل ليست بظاهرة في كون الغاية غاية للغسل فلا تعرض للآية إلى ذلك حتى تكون منافية للزوم كون الغسل من المرفق إلى الاصابع أو موافقة له، وكيف كان فالآية غير ظاهرة فيما سلكه العامة، ولا انها منافية لما سلكه الخاصة أعني ما قدمناه من لزوم كون الغسل من المرفق إلى الاصابع، والعامة أيضا لم تدعوا رجوع الغاية إلى الغسل وانما يدعون ان الغاية غاية للمغسول وقد استدلوا على مسلكهم اعني جواز الغسل منكوسا باطلاق الامر بالغسل في الآية المباركة وان مقتضى اطلاقه جواز غسل اليد من الاصابع إلى المرفق.


(* 1) المائدة: 5: 6

[ 97 ]

[ والمرفق مركب من شئ من الذراع وشئ من العضد، ويجب غسله بتمامه (1) وشئ آخر من العضد من باب المقدمة (2) وكل ما هو في الحد يجب غسله (3) وإن كان لحما زائدا أو اصبعا زائدة. ] (1) كما تقدم وعرفت (2) قد أسلفنا أن المراد بالمقدمة إنما هو المقدمة العلمية دون مقدمة الوجود، فان غسل الموضع المعين على نحو لا يزيد عنه ولا ينقص أبدا متعذر خارجا، فأما أن يكون المقدار الذي غسله أقل من المقدار اللازم ولو بمقدار قليل، وإما أن يكون زائدا عنه بشئ، وقد تقدم أن الثاني هو المتعين بحكم العقل. كل ما هو في الحد لا بد من غسله: (3) الظاهر أن المسألة متسالم عليها بين الاصحاب (قدهم) والوجه فيه ما ورد في ذيل صحيحة زرارة وبيكر المتقدمة: فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئا إلا غسله. (* 1) لان المستفاد منها ان اليد من المرفقين إلى الاصابع أعني المقدار الواقع بين الحدين لا بد من غسلها بما لها من التوابع والاطوار فإذا كان على يده لحم زائد أو اصبع زائدة فلا مناص من غسله بمقتضى تلك الصحيحة. بلا فرق في ذلك بين أن يكون الزائد خارجا عن المحدود وما إذا لم يكن كما إذا فرضنا أن الاصبع الزائدة أطول من بقية الاصابعت، لان مقتضى إطلاق الصحيحة وجوب غسلها بطولها لما عرفت من أن كلما كان على اليد من المرفق إلى الاصابع لا بد من غسله بمقتضى تلك الصحيحة.


(* 1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 98 ]

[ ويجب غسل الشعر مع البشرة (1) ] وأما ما ورد في بعض الروايات من تحديد اليد الواجب غسلها بقوله - ع -. وحد غسل اليدين من المرفق إلى أطراف الاصابع (* 1) فالظاهر أن نظرها إنما هو إلى الايدي المتعارفة ولا نظر لها إلى مثل الاصبع الزائدة أو اللحم الزائد على اليد، إذا فمقتضى إطلاق قوله - ع - فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئا إلا غسله وجوب غسل كل ما كان على اليد وان كان خارجا عن المحدود لطوله. يغسل الشعر مع البشرة: (1) قد أسلفنا أن مقتضى إطلاقات أدلة الغسل في الوضوء وجوب غسل البشرة في كل من الوجه واليدين وعدم جواز الاجتزاء بغسل غير البشرة عن غسلها، إلا أن الادلة الخارجية دلتنا - في خصوص الوجه - على كفاية غسل الشعر عن غسله فهل الامر في اليدين أيضا كذلك فيجزي غسل شعرهما عن غسلهما أو لابد من غسل البشرة في اليدين؟ فهناك أمران: (أحدهما): ان الشعر الموجود على اليدين هل يجب غسله عند غسلهما أو لا يجب؟ لا إشكال في أن اليدين كالوجه في وجوب غسل الشعر الموجود عليهما مع غسلهما وذلك أما في الوجه فلما مر وعرفت. وأما في اليدين فلصحيحة زرارة وبيكر المتقدمة وغيرها مما دل على وجوب غسل اليدين مما بين المرفق والاصابع فانهما ولا سيما الصحيحة كالصريحة في وجوب غسل كل ما كان على اليدين من المرفقين إلى الاصابع حيث قال - ع -


(1) المروية في الفقيه ج 1 ص 28.

[ 99 ]

فليس له أن: يدع من يديه إلى المرفقين شيئا الاغسله (* 1) فوجوب غسل الشعر الكائن على اليدين عند غسلهما مما لا ينبغي الكلام فيه. وانما الكلام في الامر الثاني الذي يأتي بعد ذلك. و (ثانيهما): انه هل يجزي غسل الشعر الكائن على اليدين عن غسل بشرتهما كما هو الحال في الوجه أو لا بد من غسل البشرة أيضا؟ مقتضي اطلاقات أدلة وجوب الغسل لزوم غسل البشرة واليدين وعدم كفاية غسل الشعر عن غسلها كما هو المشهور بين الاصحاب (قدهم) بل عن شيخنا الانصاري (قدهما دعوى الاتفاق على عدم اجزاء غسل الشعر عن غسل اليدين واستظهر المحقق الهمداني (قده) عدم الخلاف في المسألة عن بعضهم وخالفهم في ذلك كاشف الغطاء (قده) وذهب إلى الاجتزاء به. والوجه فيما ذهب إليه هو صحيحة زرارة: قلت له: أرأيت ما أحاط به الشعر فقال - ع - كل ما أحاط به الشعر فليس على العباد (أو للعباد) أن يطلبوه ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء (* 2) بدعوى أن عموم قوله - ع - كلما أحاط به الشعر، الدال على كفاية غسل الشعر عن غسل البشرة في الوضوء عدم الفرق في ذلك بين الوجه واليدين. ويرده: مضافا إلى الفرق الظاهر بينهما فان مجرد إجراء الماء على اليدين يكفي في غسلهما - عادة - ولا توجد أية يد يكون ما عليها من الشعرات مانعة عن غسلها عند إجراء الماء على شعرها وهذا بخلاف الوجه لان شعر الحواجب واللحي قد يكون مانعا عن وصول الماء إلى البشرة ولا تنغسل عند إجراء الماء على شعرها، ان الصحيحة ليس رواية مستقلة في نفسها، وإنما هي ذيل الرواية الواردة في تحديد الوجه على ما نقله الصدوق (قده)


(* 1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 100 ]

في الفقيه (* 1) حيث روى عن زرارة بن أعين أنه قال لا بي جعفر الباقر - ع - أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ الذي قال الله عزوجل؟ فقال: الوجه الذي. إلى أن قال: وما جرت عليه الاصبعان مستديرا فهو من الوجه وما سوى ذلك فليس من الوجه فقال له الصدغ من الوجه؟ فقال: لا قال زرارة: قلت أرأيت ما أحاط به الشعر. (* 2) وعليه فعموم قوله - ع - كلما أحاط به من الشعر، إنما هو بحسب ما أريد من لفظة (ماء) الموصلة، المراد بها الوجه بقرينة صدرها إذا تدلنا الصحيحة على أن كل وجه أحاط به الشعر فليس على العباد أن يغسلوه. وأما ما صنعه الشيخ (قده) في التهذيب حيث نقلها مستقلة (* 3) فهو إنما نشأ من تقطيع الروايات وليس مستندا إلى كونها رواية مستقلة، والنتيجة أن الصحيحة ليس لها عموم حتى يستدل به في اليدين هذا أولا. وثانيا: لا معنى لكونها روايه مستقلة فان قوله - ع - أرأيت.. لا يمكن أن يكون كلاما إبتدائيا، حيث لم يسبقه سؤال عن شئ ولا حكم بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما حتى يسئل عن أن هذا الشئ إذا أحاط به الشعر كيف يصنع؟ وهذا أيضا قرينة على أنه ورد في ذيل كلام آخر وهو ما ورد في تحديد الوجه كما قدمناه هذا. ثم لو أغمضنا عن ذلك وفرضنا انه رواية مستقلة أيضا لا يمكننا الاعتماد عليه، للقطع بأنه مسبوق بالسؤال عن شئ أو بالحكم بشئ لا محالة، إذ لا معنى لها مستقلة، وحيث لا ندري أن السابق عليها أي شئ؟ فتصبح


(* 1) الجزء الاول من الطبعة الحديثة. (* 2) أخرج صدره في ب 17 وذيله في ب 46 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 3) الجزء الاول ص 364 من الطبعة الحديثة.

[ 101 ]

[ ومن قطعت يده من فوق المرفق لا يجب عليه غسل العضد (1) وإن كان أولى، وكذا إن قطع تمام المرفق وإن قطعت مما دون المرفق يجب عليه غسل ما بقي، فان قطعت من المرفق - بمعنى إخراج عظم الذراع من العضد - يجب غسل ما كان من العضد جزءا من المرفق. ] الرواية مجملة لذلك، ولا يمكن الاستدلال بها على شى فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من عدم إجزءا غسل الشعر عن غسل البشرة في اليدين وما ذهب إليه كاشف الغطاء (قده) مما لاوجه له. مقطوع اليد وصوره: (1) قطع اليد قد تكون مما دون المرفق، وقد تكون من نفس المرفق كما إذا قطع بعضه كعظم الذراع، وبقي مقدار منه كعظمي العضد، وثالثة يقطع عما فوق المرفق وهذه صور ثلاث. (أما الصورة الاولى والثانية): أعني ما إذا قطعت عما دون المرفق أو من المرفق فلا كلام في أن المقدار الباقي - وقتئذ - مما لابد من غسله، للقطع بوجوب الصلاة في حقه وعدم سقوطها عن ذمته والقطع بعدم وجوبها مع الطهارة الترابية. ونتيجة هذين القطعين هو الحكم بوجوب الصلاة في حقه مع الطهارة المائية وحيث ان قطع شئ من اعضاء الوضوء غير موجب لسقوط الامر بالغسل عن غيره من الاعضاء السالمة، لوضوح ان قطع احدى اليدين - مثلا - غير مستلزم لسقوط الامر بالغسل في اليد الاخرى، وكذا فيما إذا قطع مقدار من إحداهما، فانه لا يستلزم سقوط الامر بالغسل عن المقدار الباقي من العضو فلا مناص من غسل المقدار الباقي في الصورتين، كما هو مفاد قاعدة (عدم سقوط الميسور بالمعسور) وإن لم نسلمها في غير المقام. وتدلنا على ذلك جملة من الصحاح:

[ 102 ]

(منها): صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر - ع - قال: سألته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ؟ قال: يغسل ما بقى من عضده (* 1) بناء على ما قدمناه من أن المرفق هو مجموع العظام الثلاثة أعني عظم الذراع وعظمي العضد. (منها): صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر - ع - قال: سألته عن الاقطع اليد والرجل قال: يغسلهما (* 2). و (منها): صحيحة رفاعة قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن الاقطع فقال: يغسل ما قطع منه (* 3) ومعناه انه يغسل المقطوع منه دون المقطوع كما هو المتراي من ظاهر الصحيحة وبذلك يظهر ان الضمير في صحيحة محمد بن مسلم يرجع إلى المقطوع منه في كل من الرجل واليد و (منها): صحيحة أخرى لرفاعة عن أبي عبد الله - ع - قال: سألته عن الاقطع اليد والرجل كيف يتوضأ؟ قال يغسل ذلك المكان الذي قطع منه (* 4) وهذه الصحاح قد دلتنا بوضوح على وجوب غسل الباقي من اليد والمرفق في حمل الكلام وهي بحسب السند صحاح ومن حيث الدلالة ظاهرة. نعم قد يقال ان صحيحتي رفاعة رواية واحدة وإحداهما منقولة، بالمعنى دون اللفظ، ولكن ذلك تم أم لم يتم وكانت الصحيحتان متحدتين أو متعددتين لا يضر فيما نحن بصدد لظهورها فيما ذكرناه فلا حظ، ولم يتعرض في شئ من الصحاح المتقدمة.؟؟ وجه الصراحة - للمقدار الواجب غسله في المسألة، ولعله لاجل كونها ناظرة إلى ما هو المرتكز في الاذهان من لزوم غسل المقدار الذي يتمكن المكلف من غسله من يده ومرفقه


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 103 ]

سواء قل أم كثر. فقه الرواية: بقى الكلام في فقه الرواية، حيث ورد في صحيحة محمد بن مسلم: يغسلهما أي يغسل اليد والرجل، فيقع الكلام في أنه ما معنى الامر بغسل الرجل في الوضوء وفي تفسير ذلك وجهان: (أحدهما): أن يقال انه - ع - بصدد بيان ما هو الوظيفة الفعلية في الاقطع اليد والرجل وإن الغسل أعم من المسح فقد بين - ع - انه يغسل يده ويمسح رجله. (ثانيهما): أن يحمل الامر بغسل الرجل على موارد التقية أعني ما إذا لم يتمكن من المسح على رجليه تقية والاظهر هو الاول هذا. وقد يستدل على وجوب الغسل في المقدار الباقي من المرفق أو اليد بقاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور والاستصحاب. ولكن القاعدة لو سلمنا أن غسل المقدار الباقي في الاقطع ميسور الوضوء غير ثابتة إذ لم يدلنا عليها أي دليل على ما قررناه في محله. وأما الاستصحاب فهو أيضا كسابقه، لعدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية كما مر غير مرة. على انا لو أغمضنا عن ذلك، وأغمضنا أيضا من المناقشة في بقاء الموضوع لدى العرف بأن قلنا ان الوضوء في المقدار الباقي من أعضائه قد كان واجبا في حق الاقطع قبل صيرورته أقطع ونشك في بقائه عليه بعد صيرورته كذلك مع أن الواجب أولا - في حقه - بمقتضى الآية المباركة وغيرها إنما هو الوضوء التام أعني غسل الوجه واليدين بتمامهما

[ 104 ]

لا المقدار الباقي منهما. فانما يتم ذلك فيما إذا عرض عليه التقطيع بعد دخول الوقت دون ما إذا طرء عليه قبل دخوله، إذ لا يتصف الوضوء في حقه - حينئذ - بالوجوب حتى نستصحبه لدى الشك في بقائه، اللهم إلا على القول بالاستصحاب التعليقي وهو مما لا نقول به. إذا فالصحيح في الاستدلال ما ذكرناه هذا كله فيما إذا قطعت اليد من المرفق أو عماد دونه. وإما الصورة الثالثة أعني ما إذا قطعت عما فوق المرفق فهل يجب عليه غسل عضده بدلا عن يده؟ المعروف بين أصحابنا عدم وجوب غسل العضد في حقه، بل إلتزم بعضهم بالاستحباب بل لم ينسب الخلاف فيه إلا إلى إبن الجنيد. ولكن العبارة المحكية منه غير مساعدة على تلك النسبة قال فيما حكي من كلامه: إذا قطعت يده من مرفقه غسل ما بقي من عضده. وهذه العبارة كما ترى كعبارة صحيحة علي بن جعفر المتقدمة حيث سئل عن الرجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ؟ قال - ع - يغسل ما بقى من عضده (* 1) وقد قدمنا أن ظاهرها أنو المراد بما بقي، إنما هو الباقي من مرفقه وهو العضد بعد ما قطع بعضه أعني الذراع، لان السؤال إنما هو عن قطع يده من المرفق، فلو كان أراد به قطع تمام المرفق ووجوب غسل العضد بدلا عن اليد لكان الواجب أن يقول: يغسل العضد مما بقي من يده. وعلى الجملة أن الصحيحة ظاهرة في إرادة قطع المرفق مع بقاء مقدار منه وليست ناظرة إلى قطع اليد عما فوق المرفق، وعليه فعبارة إبن الجنيد خارجة عما هو محل الكلام أعنى قطع اليد عما فوق المرفق، وكيف كان


(* 1) المتقدمة في ص 102.

[ 105 ]

فلا مستند للقول بوجوب غسل العضد بعد قطع تمام المرفق إلا أمران كلاهما غير قابل للمساعدة عليه. (أحدهما): إطلاق صحيحتي رفاعة ومحمد بن مسلم المتقدمتين لدلالتهما على الامر بغسل المكان الذي قطع منه أو بغسلهما أي اليد والرجل في أقطعهما من دون تعرض للمقدار الباقي من اليد فمقتضى إطلاقهما لزوم غسل العضد فيما إذا قطعت اليد عما فوق المرفق، لصدق انه المكان الذي قطع منه وانه يد الاقطع، فيشملها الامر بالغسل في قوله - ع - يغسلهما. و (يرده): أن القرنية القطعية الارتكازية في الصحيحتين وغيرهما من الاخبار المتقدمة مانعة عن إنعقاد الاطلاق للروايات، وهي إرتكاز سوقها لاجل إثبات وجوب الغسل وترتيبه على ما كان يجب غسله لو لا القطع دون ما لم يكن غسله واجبا كذلك أي لولا القطع، كي يكون مفادها إثبات البدلية للواجب المتعذر، حتى أن إبن الجنيد (قده) أيضا لا يمكنه الالتزام بالاطلاق في تلك الروايات لان لازم ذلك أن يحكم بوجوب غسل الكتف - مثلا - فيما إذا قطعت اليد من الكتف لصدق انه المكان الذي قطع منه وهذا كما ترى لا يمكن الالتزام به. و (ثانيهما): صحيحة علي بن جعفر المتقدمة بدعوى دلالتها على الامر بغسل العضد بعد قطع اليد من المرفق. و (يرده): ما قدمناه من أن ظاهرها بل لعل صريحها وجوب وجوب غسل ما بقي من المرفق الذي هو العضد لا وجوب غسل العضد بعد قطع تمام المرفق، كما إذا قطعت اليد عما فوق المرفق، إذ لو كان أراد ذلك لوجب أن يقول: يغسل العضد مما بقى بعد القطع، إذا فما ذهب إليه المشهور من عدم وجوب غسل العضد عند قطع اليد عما فوق المرفق هو الصحيح.

[ 106 ]

[ (مسألة 11) ان كانت له يد زائده (1) دون المرفق وجب غسلها أيضا كاللحم الزائد، وإن كانت فوقه، فان علم زيادتها لا يجب غسلها ويكفي غسل الاصلية. ] حكم اليد الزائدة: (1) إذا فرضنا لاحد يدا زائدة فهي تتصور على وجوه: لان اليد الزائدة قد تكون مما دون المرفق، وقد تكون مما فوق المرفق. أما إذا كانت من دون المرفق، فلا مناص من الحكم بوجوب غسلها سواء أكانت أصلية - بامعنى الآتي في الصورة الآتية - أم كانت زائدة والوجه فيه: ما إستظهرناه سابقا من أن مقتضى الآية المباركة والروايات ولا سيما صحيحة الاخوين المتقدمة المشتملة على قوله - ع - ولا يدع شيئا مما بين المرفقين إلى الاصابع إلا غسله لزوم غسل اليدين من الاشاجع إلى المرافق بما لهما من التوابع واللواحق ومن المعلوم أن اليد الزائدة إما أن تكون أصلية أو تكون تابعة للاصلية وعلى كلا التقديربن لا مناص من غسلها، لعدم جواز ترك الغسل في شئ مما بين الحدين المذكورين في الآية المباركة والروايات ولعل هظار ظاهر. وأما إذا كانت مما فوق المرفق فقد ذكر لها - في كلام الماتن صوره وذلك لانها قد تكون أصلية تساوي اليدين الآخريين في جميع الآثار المترقبة منهما من القوة والبطش والاعطاء والاخذ وغيرهما من آثارهما، وقد حكم (قده) فيها بوجوب غسل الزائدة مع اليد الاولية الواقعتين في أحد الجانبين من اليمين أو اليسار - وبجواز المسح بأية منهما شاء. وما أفاده (قده) هو الصحيح، لا طلاق قوله عز من قائل: فاغسلوا

[ 107 ]

وجوهكم وأيديكم (* 1) وغيرها مما دل على الامر بغسل اليد في الوضوء، لانها يد حقيقية وأصلية، ونسبتها مع اليد الاخرى متساوية على الفرض فلا يمكن ترجيح إحداهما على الاخرى من غير مرجح وكونها زائدة إنما هي بالنسبة إلى الخلقة الاصلية فلا ينافي كونها أصلية بالاضافة إلى شخص الملكف إذا فلا وجه لاختصاص الحكم باحداهما دون الاخرى. وقد يقال بعدم وجوب الغسل في إحداهما - أعني اليد الزائدة واليد الاولية الواقعتين في أحد الجانبين من اليمين أو اليسار - وذلك لوجهين: (أحدهما): أن الواجب حسبما يستفاد من الاخبار الواردة في الوضوء إنما هو غسل الوجه واليدين دون الايادي الثلاث أو الاربع ونحوهما، فلو حكمنا بوجوب غسل اليدين الموجودتين في جانب واحد للزم الحكم باعتبار غسل الايادي الثلاث أو الاكثر في الوضوء وهو على خلاف ما نطقت به الروايات بل وعلى خلاف الآية المباركة، فان الجمع الوارد فيها في قوله عز من قائل وجوهكم وأيديكم. إنما هو بلحاظ احاد المكلفين ومعناه أن كلا يغسل يديه ووجهه لا أن كلا يغسل وجهه وأيادي الثلاث أو الاربع ونحوهما ويندفع هذا الوجه بأن اشتمال الادلة على اليدين إنما هو من جهة كونها ناظرة إلى الاغلب والمتعارف في الاشخاص، إذا الاغلب أن يكون للانسان يدان لا أكثر، ولا نظر لها إلى نفي وجوب الغسل في اليد الزائدة التي قد يتحقق في بعض الملكفين. و (ثانيهما): ان اليد الواجب غسلها قد حددت في الآية المباركة بكونها إلى المرافق فلا تندرج في الآية المباركة إلا اليد المشتملة على المرفق، واليد الزائدة إنما يمكن الحكم بوجوب غسلها تمسكا باطلاق الآية وغيرها من الادلة فيما إذا إشتملت على المرفق. وأما إذا لم يكن لها مرفق بأن كانت اليد


(* 1) المائدة: 5: 6.

[ 108 ]

عظما واحدا متصلا، كما قد يقال ان رجل الفيل كذلك فلا مناص من الحكم بعدم وجوب غسلها لخروجها عن المحدود، فإذا وصلنا إلى المرفق لدى الغسل فقد إمتثلنا الامر بغسل اليد من دون حاجة إلى غسل العضو الزائد بوجه. وفيه: أن المرفق انما ذكر في الآية المباركة حدا للمغسول دون وجوب الغسل وهو حد للاوساط المتعارفة ذوات الايادي المشتملة على المرافق دون الفاقدين للمرافق، فاللازم في اليد الفاقدة للمرفق هو غسلها إلى حد المرفق في الاشخاص المتعارفة نظير ما إذا لم يكن للمكلف يد زائدة، إلا أن احدى يديه الاصليتين كانت فاقدة للمرفق فكما أن وظيفته هو غسل يده إلى حد المرفق في الاشحاص المتعارفة، فليكن الحال كذلك فيمن كانت له يد زائدة. فالصحيح أن اليد الزائدة في هذه الصورة - أيضا لابد من غسلها، كما يجوز المسح بأية من اليدين شاء الملكف، لصدق النها اليد اليسرى أو اليمنى حقيقة. هذا كله فيما إذا كانت اليد الزائدة أصلية. وقد لا تكون أصلية كما إذا لم يشترك مع اليد الاخرى في الآثار المترقبة من اليد وقد حكم الماتن (قده) بعدم وجوب غسلها حينئذ. والصحيح أن يقال أن اليد الزائدة غير الاصلية قد لا يكون يدا حقيقية، وانما يكون مجرد لحم بصورة اليد فحسب، وفي هذه الصورة لا يعتبر غسلها في الوصوء، لان الواجب انما هو غسل اليد دون ما لا يكون كذلك كما هو المفروض في المسألة. وقد تكون يدا حقيقية. ولا يتأتى منها الآثار المترقبة من اليد، وهذا كما في يد المشلول لانها يد حقيقية ولا اثر لها من القوة والبطش ونحوهما

[ 109 ]

[ وإن لم نعم الزائدة من الاصلية (1) وجب غسلهما، ويجب مسح الرأس والرجل بهما من باب الاحتياط، وأن كانتا أصليتين يجب غسلهما أيضا ويكفي المسح باحداهما. ] ولا نرى وجها لعدم وجوب غسلها في الوضوء بعدما فرضناه من أنها يد حقيقية ويصدق عليها عنوان اليد حقيقة، وذلك لا طلاق ما دل على وجوب غسل اليد في الوضوء. اللهم إلا أن يدعى الانصراف بدعوى: ان اليد في الآية والروايات منصرفة عما لا يترتب عليه الآثار المترقبة من اليد، ولكنه انصراف بدوي ناش من قلة وجودها أو من غلبة اليد الصحيحة والمتعارفة، وغلبة الوجود لا يكون منشأ للانصراف هذا تمام الكلام في هاتين الصورتين. (1) هذه هي الصورة الثالثة من الصور التي ذكرها الماتن (قده) في اليد الزائدة إذا كانت واقعة مما فوق المرفق، وذكر أن الزائدة إذا إشتبهت بالاصلية وجب الغسل في كلتيهما، كما يجب المسح بهما من باب الاحتياط. وما أفاده (قده) فيما إذا كانت اليد الزائدة بصورة اليد من دون أن تكون يدا حقيقية، أو كانت يدا حقيقية، ولكن بنينا على عدم وجوب غسل اليد الزائدة - بحسب الكبرى - متين وذلك للعلم الاجمالي بوجوب الغسل في إحداهما دون الاخرى، وحيث أنها غير متميزة عما لا يجب غسله وجب الغسل في كلتا اليدين تحصيلا للعلم بالامتثال كما يجب المسح بكلتيهما من باب المقدمة العلمية لانه إذا إقتصر بالمسح بأحداهما لم يحصل له العلم بالمسح باليد الاصلية، لاحتمال أن لا يكون ما أقتصر به يدا أصلية، والمسح بغير اليد الاصلية ممالا أثر له وبهذا تفترق اليد الزائدة المشتبهة بالاصلية عن اليدين الاصليتين فان الغسل والمسح في الاصليتين واجبان بالاصالة لا لاجل

[ 110 ]

[ (مسألة 12) الوسخ تحت الاظفار إذا لم يكن زائدا على المتعارف (1) لا يجب إزالته إلا إذا كان ما تحته معدودا من الظاهر، فان الاحوط إزالته وإن كان زائدا على المتعارف وجبت إزالته، كما انه لو قص أظفاره فصار ما تحتها ظاهرا وجب غسله بعد إزالة الوسخ عنه. ] كونهما مقدمة علمية وهذا ظاهر. ولكن الكلام في صغرى ما أفاده (قده) وإن إشتباه الزائدة بالاصلية كيف يتحقق في الخارج؟ والظاهر أنه لا يتحقق في الخارج أبدا، وذلك لان اليد الاصلية هي التي تشارك الاخرى وتساهمها في الآثار المترقبة من اليد من القوة والبطش والاكل أو الكتابة بها ونحو ذلك، كما أن الزائدة هي ما لم تكن كذلك. وهذان أمران وجدانيان لكل أحد. فهل يعقل الشك في الامور الوجدانية؟ فانه إن رأى انها تشارك اليد الاصلية فيعلم انها أصلية وإذا رأى أنها ليست كذلك فيعلم انها زائدة، ولا يبقى مجال للشك بينهما. الوسخ تحت الاظفار: (2) الوسخ المتعارف هو الذي لا يخلو منه الاظفار عادة إلا فيمن واظب على نظافتها. ثم ان الوسخ إذا كان في محل معدود من البواطن بحيث لولا الوسخ أيضا لم يجب غسل ذلك المحل لم يحكم بوجوب ازالته كما إذا كان في داخل العين أو الانف - دون موضع التقليم ونحوه - لوضوح أن الازالة متقدمة لغسل المحل، ولا يجب غسل البواطن وهذا ظاهر على أن السيرة المستمرة جارية من المتدينين على التوضوء من دون ازالته، كما أن الاخبار غير

[ 111 ]

[ (مسألة 13) ما هو المتعارف بين العوام من غسل اليدين إلى الزندين والاكتفاء عن غسل الكفين، بالغسل المستحب قبل الوجه باطل (1). ] متعرضة لوجوبها ومن ذلك يظهر أن الشارع لم يهتم بازالته والا لورد الامر بها في شئ من الروايات لا محالة. وأما إذا كان في محل معدود من الظواهر فلا ينبغي التأمل في وجوب رفعه وازالته، لان المحل الواقع تحته مما يجب غسله في الوضوء بمقتضى اطلاق الادلة، ولا يمكن غسله الا بازالة وسخه، وكون الوسخ قائما مقام ذلك المحل في كفاية وصول الماء إليه يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، ولم يحرز جريان سيرة المتدينين على عدم ازالة الوسخ - وقتئذ. ودعوى: ان المحل مستور بالوسخ فلا يجب غسل موضعه. مندفعة: بأن الستر بالوسخ غير مسوغ لعد المحل من البواطن، ومع كون الموضع معدودا من الظواهر لا مناص من غسله بمقتضى الاخبار المتقدمة. وقوله - ع - في صحيحة زرارة وبكير: ولا يدع شيئا مما بين المرفقين إلى الاصابع الا غسله (* 1) فان الخروج عن ذلك يحتاج إلى دليل وهو مفقود كما عرف هذا كله في الوسخ غير الزائد على المتعارف. واما الزائد عن المتعارف، كما إذا اشتغل بالطين - مثلا - وبقي شئ منه على وجهه أو يديه فلا اشكال في وجوب ازالته مطلقا سواء كان في محل الغسل أو موضع المسح، لانه مانع من وصول الماء إلى البشرة وهو واضح. (1) لما تقدم من أن الموضوء يعتبر فيه غسل اليدين من المرفقين إلى الاصابع بعد غسل الوجه، فغسل اليدين إلى الزند قبل غسل الوجه استحبابا ثم غسل اليدين من


(* 1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 112 ]

[ (مسألة 2) إذا انقطع لحم من اليدين وجب غسل ما ظهر بعد القطع (1) ويجب غسل ذلك اللحم أيضا (2) ما دام لم ينفصل وان كان اتصاله بجلدة، وان كان أحوط لو عد ذلك اللحم شيئا خارجيا (1) ولم يحسب جزءا من اليد. ] المرفقين إلى الزند غير كاف في صحته. ما يقطع من لحم اليدين: (1) لما أشرنا إليه في مسألة وجوب ازالة الوسخ تحت الاظفار، من أن المعتبر في صحة الوضوء انما هو غسل ما ظهر من البشرة بلا فرق في ذلك بين ما كان ظاهرا ابتداء وبحسب الحدوث، وما صار كذلك بحسب البقاء فما تحت اللحم وان كان من الباطن قبل قطعه، الا انه صار من الظواهر بعد قطع اللحم فلابد من غسله. (2) لانه معدود من توابع اليدين ولواحقهما ومقتضى قوله - ع - في صحيحة زرارة وبكير: لا يدع شيئا من المرفقين إلى الاصابع الا غسله (* 1) لزوم غسل اليدين بما لهما من التوابع والاجزاء ومعه ولا يجب قطع الجلدة ليغسل تحتها، لان غسل توابع اليد بمنزلة غسل نفس البشرة على ما هو الحال في اللحم والاصبع الزائدين في اليد. (3) كتب سيدنا الاستاذ - مد الله في أظلاله - في تعليقته المباركة على المتن: لا يترك هذا الاحتياط والسر فيه ان مقتضى الادلة الواردة في المقام وجوب غسل البشرة بالتمام في كل من الوجه واليدين، فإذا فرضنا ان في اليد أو الوجه شئ يمنع عن وصول الماء إلى البشرة من غير


(* 1) المروية في ب 29 من أبواب الوضوء من المسائل.

[ 113 ]

[ (مسألة 15) الشقوق التي تحدث على ظهر الكف من جهة البرد إن كانت وسيعة يرى جوفها (1) وجب إيصال الماء فيها (2) وإلا فلا (3) ومع الشك (4) لا يجب عملا بالاستصحاب وإن كان الاحوط الايصال. ] أن يعد جزءا أو تابعا لهما لدى العرف فكفاية غسله عن غسل البشرة المأمور به وقيامه مقامها في ذلك يحتاج إلى دليل وهو مفقود. شقوق ظهر الكف. (1) أي بسهولة ومن دون علاج. (2) لان جوفها - وقتئذ - من الظواهر، وقد مر أن الظواهر لا بد من غسلها في الوضوء. (3) لان الشقوق إذا لم تكن وسيعة على وجه يرى جوفها بسهولة لم يجب غسله، لانه من البواطن - وقتئذ - والباطن لا يعتبر غسله في الوضوء وإن أمكن رؤيته بالعلاج كما إذا فصل طرفي الشق باليد أو بغيرها. (4) الظاهر أنه (قده) أراد بذلك خصوص الشبهة المصداقية، إذ لا تحقق للشبهة المفهومية في أمثال المقام، وعلى فرض تحققها فهي من الندرة بمكان، وعليه فلا مانع من العمل بالاستصحاب كما أفاد الماتن (قده). وذلك لان عنوان الباطن وان لم يؤخذ موضوعا لاي حكم شرعي ولا قيدا له في شئ من النصوص. ولكن ورد فيما رواه زرارة. الامر بغسل ما ظهر، حيث قال - ع - انما عليك أن تغسل ما ظهر (* 1) وعلل في جملة من الروايات عدم وجوب الاستنشاق والمضمضة في الوضوء بأنهما من


(* 1) المروية في ب 29 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 114 ]

الجوف (* 1) وبذلك أصبح كل من عنواني الجوف، وما ظهر موضوعين لوجوب الغسل وعدمه. وبما أن جوف الشقوق الذي نشك في أنه من البواطن معدود من الجوف ولم يصدق عليه عنوان (ما ظهر) قبل الانشقاق فإذا شككنا في ذلك بعد ظهور الانشقاق فمقتضى الاستصحاب أنه الآن كم كان فهو بمقتضى الاصل من الجوف بالفعل فلا يجب غسله. هذا كله فيما إذا كانت الشبهة مصداقية. وأما إذا كانت مفهومية فلا مناص من غسل جوف الشقوق فيما إذا شككنا في أنه من البواطن أولا وذلك لما قررناه في الشك في إحاطة الشعر بالوجه من أن مقتضى اطلاق الادلة الآمرة بغسل الوجه واليدين انما هو وجوب غسل البشرة من المرافق إلى الاصابع ومن القصاص إلى الذقن فإذا ورد عليه تقييد ودار أمره بين الاقل والاكثر فانما نرفع اليد عن اطلاق تلك الادلة بالمقدار المتيقن من دليل التقييد وهو الشعر الذي علمنا باحاطته أو الموضع الذي قطعنا بكونه من الجوف. وأما في موارد الشك في الخروج كالشك في الاحاطة أو الجوف فالمحكم اطلاق الادلة أو عمومها وهو يقتضي وجوب الغسل في المقام وذلك لما بيناه في محله من أن اجمال المخصص لدورانه بين الاقل والاكثر لا يسري إلى العام. بل انما يخصصه بالمقدار المتيقن وفي موارد الشك يرجع إلى عموم العام.


(* 1) المروية في ب 29 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 115 ]

[ (مسألة 16) ما يعلو البشرة مثل الجدري عند الاحتراق مادام باقيا يكفي غسل ظاهره (1) وان انخرق، ولا يجب ايصال الماء تحت الجلدة بل لو قطع بعض الجلدة وبقي البعض الآخر يكفي غسل ظاهر ذلك البعض، ولا يجب قطعه بتمامه، ولو ظهر ما تحت الجلدة بتمامه، لكن الجلدة متصلة قد تلزق وقد لا تلزق يجب غسل ما تحتها، وان كانت لازقة يجب رفعها أو قطعها. (مسألة 17) ما ينجمد على الجرح عند البرء ويصير كالجلد لا يجب رفعه (2) وإن حصل البرء، ويجزي غسل ظاهره، وإن كان رفعه سهلا. وأما الدواء الذي إنجمد عليه (3) وصار كالجلد فما دام لم يمكن رفعه يكون بمنزلة الجبيرة يكفي غسل ظاهره، وإن أمكن رفعه بسهولة وجب. ] ما يعلو البشرة عند الاحتراق: (1) لصدق أنه مما ظهر من البشرة دون جوفه وما تحته وان انخرق، وكذا الحال فيما إذا قطع بعض الجلدة المتصلة باليد أو بغيرها وهي تلتصق بالبشرة - تارة - كما إذا كانت رطبة وتنفصل عنها - أخرى - ولا تعد من توابع اليد والبشرة وما تحتها من الظواهر التي ترى من دون علاج فيجب غسل ما تحتها برفع الجليدة أو قطعها فيما إذا إلتصقت بالبشرة. (2) لانه معدود من التوابع العرفية فلا ملزم لرفعه وإن أمكن بسهولة (3) ونظيرة القير الملصق بالبشرة ويأتي تفصيل هذه المسألة في المسألة الرابعة عشرة من أحكام الجبائر إن شاء الله وقد ذكر الماتن هناك أنه إذا كان شئ لاصقا ببعض مواضع الوضوء مع عدم جرح أو نحوه ولم يمكن ازالته أو كان فيها حرج ومشقة لاتتحمل مثل القير ونحون يجري عليه حكم الجبيرة

[ 116 ]

[ (مسألة 18) الوسخ على البشرة ان لم يكن جرما مرئيا (4) لا يجب ازالته وان كان عند المسح بالكيس في الحمام أو غيره يجتمع ويكون كثيرا ما دام يصدق عليه غسل البشرة، وكذا مثل البياض الذي يتبين على اليد من الجص أو النورة إذا كان يصل الماء إلى ما تحته، ويصدق معه غسل البشرة. نعم لو شك في كونه حاجبا أم لا وجب إزالته. ] والاحوط ضم التيمم أيضا، ولنا في اطلاق كلامه نظر يأتي تفصيله هناك. نعم الامر في خصوص الدواء كما أفاده للنص الوارد على ما سيوافيك في محله ان شاء الله. الاوساخ على البشرة: (1) الاوساخ المتكونة في البشرة على أقسام: (الاول): الوسخ الذي لا يرى وجوده على البشرة الا بعلاج كالدلك ونحوه ولا ينبغي الاشكال في عدم وجوب ازالته حينئذ لانه من الاعراض وليس من قيل الاجرام والاجسام المانعتين عن وصول الماء إلى نفس البشرة. (الثاني): الوسخ الذي يرى على البشرة من دون أن يكون له جرم وجسم بحسب النظر العرفي المسامحي بل انما يعد من الاعراض الطارءة عليه كالبياض يتراى على اليد من استعمال الجص والنورة وأمثالها، وهذا أيضا لا تجب ازالته، لعدم كونه مانعا عن صدق غسل البشرة لدى العرف، لان المفروض عدم كونه من قبيل الاجرام لدى العرف فإذا صب الماء على اليد - مثلا - وعليها شئ من ذلك الوسخ صدق أنه قد غسل البشرة ومع صدق ذلك لا ملزم لازالته كما مر.

[ 117 ]

[ (مسألة 19) الوسواسي الذي لا يحصل له القطع بالغسل يرجع إلى المتعاف (1). ] (الثالث): الوسخ الذي يرى على البشرة وله جرم ومعدود من الاجسام لدى العرف ولكن لا يمنع عن وصول الماء إلى البشرة. وهذا أيضا كسابقة لا تجب ازالته فان المأمور به انما هو غسل البشرة ومع فرض تحققه وصدق أنه غسل بشرته لاوجه لوجوب ازالة الوسخ لان الازالة مقدمة للغسل المأمور به وايصال الماء إلى البشرة والمفروض أنه متحقق من من دون حاجة إلى الازالة وهذا كما في الثوب الرقيق الموجود على اليد أو البدن أو سائر مواضع الوضوء فيما إذا لم يمنع عن وصول الماء إلى البشرة فلا يجب نزع الثوب وقتئذ، لصدق غسل البشرة عند صب الماء على الثوب، والوسخ غير المانع عن وصول الماء إلى البشرة كالثوب المذكور. (الرابع): الوسخ المرئي المعلوم مانعيته عن وصول الماء إلى البشرة أو محتملها وفي هذا القسم تجب الازالة حتى يحرز وصول الماء إلى البشرة ويقطع بتحقق المأمور به. وظيفة الوسواسي: (1) والوجه في ذلك مضافا إلى النهي عن العمل على الوسواس في الروايات (* 1) وان العمل على طبقة اطاعة الشيطان فلا يصح توصيف الوسواسي بالعقل (* 2) ان الوسواسي لا يجب عليه الجزم بالامتثال لعدم جريان


(* 1) راجع ب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة من الوسائل. (* 2) كما في صحيحة عبد الله بن سنان المروية في ب 10 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

[ 118 ]

[ (مسألة 20) إذا نفذت شوكة في اليد أو غيرها من مواضع الوضوء أو الغسل لا يجب إخراجها إلا إذا كان محلها على فرض الاخراج محسوبا من الظاهر. (1) ] الاستصحاب ولاقاعدة الاشتغال في حقه. أما عدم جريان الاستصحاب فلان الشك المعتبر في جريانه كما في قوله - ع - لا تنقص اليقين بالشك (* 1) منصرف إلى الشك العادي المتعارف لدى الناس، ولا يشمل الشكوك النادرة الخارجة عن المعتاد فلا مجال لاستصحاب الحدث أو عدم تحقق الامتثال في حقه. وأما عدم جريان القاعدة فلان العقل إنما إستقل بلزوم الامتثال العقلائي دون ما يعد عملا سفهائيا لدى الناس، إذا لا يجب عليه تحصيل الجزم بالامتثال بل يكفي في حقه الامتثال الاحتمالي وإن لم يكن هناك نهي عن العمل على الوسواس. نعم إذا كان شك الوسواسي شكا متعارفا كما إذا وقف تحت المطر فأصابت وجهه قطرات فشك في أنها هل وصلت إلى جميع أطراف الوجه أو يحتاج غسل تمام الوجه إلى أمرار اليد عليه وجب الاحتياط في مثله لا محالة. (1) كما إذا كانت الشوكة كالمسمار بأن كان أحد طرفيها أوسع على نحو لا يدخل الجوف بل يلتصق بظاهر البشرة الواجب غسله ويستر مقدارا منه، أو دخلت الشوكة منحنية كالمسمار المنحني - لا مستقيمة - على نحو بقي مقدار منها في الخارج وستر الظاهر على نحو لا يصل الماء إليه أي إلى الظاهر الذي وقع تحت الشوكة، والمناط أن لا يكون محل الشوكة معدودا من الجوف والباطن الذي لا يجب غسله في الوضوء.


(* 1) راجع ب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 119 ]

[ (مسألة 21) يصح الوضوء بالارتماس مع مراعاة الاعلى فالاعلى (1) لكن في اليد اليسرى لابد أن يقصد الغسل حال الاخراج من الماء (2) حتى لا يلزم المسح بالماء الجديد، بل وكذا في اليد اليمنى إلا أن يبقي شيئا من اليد اليسرى ليغسله باليد اليمنى حتى يكون ما يبقى عليها من الرطوبة من ماء الوضوء. ] (1) بان يدخل المرفق أولا، ثم يرمس اليد إلى اخرها مرة واحدة أو تدريجا. الوضوء الارتماسي: (2) في المقام كلامان: (أحدهما): أصل جواز الارتماس في الوضوء. و (ثانيهما): كفاية قصد الغسل حال الاخراج وعدمها. أما المقام الاول فلاينبغي الاشكال في جواز التوضوء بالارتماس لاطلاقات الادلة الآمرة بالغسل في الوضوء وعدم قيام دليل على المنع عن ذلك. وهي كافية في الحكم بالجواز. وأما المقام الثاني فالصحيح أن الاكتفاء بما أفاده الماتن (قده) من قصد الغسل حال الاخراج غير صحيح وذلك لان الظاهر من أي أمر متعلق بأي فعل من أفعال الملكفين إنما هو الايجاد والاحداث أعني إيجاد متعلقاته وإحداثه بعد ما لم يكن دون الابقاء والاستمرار، وبما أن الملكف قد وضع يده على الماء ورمسها فيه فقد تحقق منه الغسل لا محالة وهذا وإن كان غسلا - بحسب الايجاد والاحداث، إلا أنه غير محسوب من الوضوء لان الملكف لم يقصد به الغسل المأمور به - على الفرض - وإنما نوى الغسل المأمور به في الوضوء حال اخراجها من الماء أو يقصد ذلك بتحريكها

[ 120 ]

وهي في الماء. وهذا أيضا لا كلام في أنه غسل لليد حقيقة غير أنه غسل ابقائي أي ابقاء للغسل الحادث أولا برمس اليد في الماء، وليس ايجادا واحداثا للغسل غير الغسل المتحقق أولا بادخال اليد في الماء وهذا ظاهر، وقد فرضنا أن المأمور به انما هو ايجاد الغسل واحداثه لا ابقاءه واستمراره. ومن هنا استشكلنا في الغسل الترتيبي بتحريك الجانبين في الماء، وان كان المعروف صحة ذلك وكفايتة وقد ذكرنا في وجهه أن المأمور به في كل من الغسل والوضوء إنما هو ايجاد الغسل واحداثه، ولا يكفي ابقاءه واستمراره ومع فرض أن الملكف قد دخل الماء وتحقق الغسل منه في نفسه إذا حرك جانبيه وهو في الماء كان ذلك غسلا بقاء واستمرارا للغسل والحادث أولا لا ايجادا للغسل واحداثا له. والذي يكشف عما ذكرناه إذ لو أمرنا بالغسل مرتين في مثل اليد والاواني وغيرهما لم يمكننا الاكتفاء فيهما بادخال اليد في الماء واخراجها منه، بان يكون الاخراج أيضا غسلا على حدة كالادخال حتى يتحقق بهما التعدد في الغسل المأمور به ولاوجه له الا ما أشرنا إليه آنفا من أن الاخراج ابقاء للغسل الحادث بالادخال أولا، لا أنه غسل جديد كي يتحقق به التعدد وهذا ظاهر إذا لا يمكن أن يقتصر في الاواني ونحوها مما يعتبر التعدد في غسله باخراجها عن تحت الماء بعد ادخالها فيه أو بتحريكها وهي في الماء بل ادخالهما واخراجهما يعدان غسلا واحدا لدى العرف. وعلى الجملة لا يمكن الفرار بذلك - أي بقصد الغسل حال الاخراج - عن محذور المسح بالرطوبة الخارجية. بل لا بد في تحقق المسح برطوبة الوضوء أن يبقي شيئا من يده اليسرى - بعدم رمسه في الماء - حتى يغسل الباقي بعد اخراج يده من الماء بيده اليمنى لتكون الرطوبة من رطوبة الوضوء دون الرطوبة الخارجية.

[ 121 ]

[ (مسألة 22) يجوز الوضوء بماء المطر (1) كما إذا قام تحت السماء حين نزوله فقصد بجريانه على وجهه غسل الوجه مع مراعاة الاعلى فالاعلى وكذلك بالنسبة إلى يديه، وكذلك إذا قام تحت الميزاب أو نحوه، ولو لم ينو من الاول لكن بعد جريانه على جميع محال الوضوء مسح بيده على وجهه بقصد غسله، وكذا على يديه إذا حصل الجريان كفى أيضا، وكذا لو ارتمس في الماء ثم خرج وفعل ما ذكر. ] نعم لا مانع من الغسل الارتماسي - في الوضوء - إذا لم يكن الغسل بقائيا واستمراريا كما إذا قصد الغسل المأمور به من الابتداء نعم يبتلي الملكف - وقتئذ - بمعضلة كون المسح بالرطوبة الخارجية فيما إذا رمس يده في مثل الحوض والحب ونحوهما أو غسلها بالمطر كما ياتي عليه الكلام في التعليقة الآتية فليلاحظ. الوضوء بماء المطر: (1) ظهر الحال في هذه المسألة مما سردناه في التعليقة المتقدمة وتوضيحه: أنه لا إشكال ولا كلام في صحة التوضوء بماء المطر كما إذا قام تحت السماء حين نزول المطر ونوى من الابتداء أو بجريانه على وجهه أو يديه غسل الوجه أو اليدين المأمور بهما في الوضوء مراعيا للاعلى فالاعلى. وإنما الكلام فيما إذا لم يقصد الغسل المأمور به من الابتداء بل إنما قصد تنظيف وجهه أو تطهير يده - مثلا - أو لم يكن له قصد أصلا لغفلته، إلا أنه بعد ما جرى المطر على مواضع وضوئه قد مسح على وجهه أو غيره من مواضع الوضوء بيده قاصدا به غسل الوجه أو اليدين المعتبر في الوضوء، والاشكال المتقدم في التعليقة السابقة يأتي في ذلك بعينه، لان

[ 122 ]

المأمور به إنما هو الغسل الحادث بعد ما لم يكن والقطرات الموجودة على وجهه - مثلا - من ماء المطر، أو ماء الحوض بعد الخروج عنه إنما هي من توابع الغسل الحادث لوقوعه تحت المطر أو بدخوله تحت الماء، وليس غسلا جديدا، وامرار اليد على البدن أو محال الوضوء وإيصال الرطوبة إلى جميع جوانب البدن في الغسل أو الوجه واليدين في الوضوء لا يعد غسلا بوجه، لانه مفهوم عرفي يعرفه كل عارف باللسان، لبداهة عدم اطلاق الغسل عرفا على امرار اليد على البدن ونقل الرطوبات المائية إلى أطراف البدن أو الوجه أو غيرهما. والعجب عن بعض من قارب عصرنا حيث ذهب إلى كفاية مجرد قصد الغسل بعد الخروج عن الماء في حصول الغسل المأمور به من دون حاجة إلى شئ آخر حتى امرار اليد مدعيا أن الرطوبات المائية الموجودة على بدنه من ماء الحوض أو المطر كافية في تحقق الغسل ولا يجب إستعمال الزائد منها في تحصيله وتحققه إذا مجرد قصد الغسل وهي على بدنه كاف في حصول الغسل المأمور به. وفيه: ان الغسل لدى العرف لا يطلق على القصد مع إمرار اليد على البدن أو مواضع الوضوء فكيف بالقصد الساذج؟ لان الرطوبات الموجودة على بدنه إنما هي من توابع الغسل الحادث بالدخول تحت الماء أو بوقوعه تحت المطر ولا يعد إيصالها إلى جوانب البدن أو محال الوضوء غسلا حادثا لدى العرف، فما ظنك بكفاية مجرد القصد؟! وعلى الجملة أن الاخراج والتحريك أو إمرار اليد ونحوها لا يعد غسلا عندهم، لا أقل من الشك في صدق السغل عليه ومعه لا يمكن الاكتفاء به في مقام الامتثال ثم ان الوجه في ذلك كما تقدم هو ما إشرنا إليه من

[ 123 ]

[ (مسألة 23) إذا شك في شئ أنه من الظاهر حتى يجب غسله أو الباطن فلا، فالاحوط غسله، (1) إلا إذا كان سابقا من الباطن وشك في أنه صار ظاهرا أم لا كما أنه يتعين غسله لو كان سابقا من الظاهر، ثم شك في أنه صار باطنا أم لا. ] أن ظاهر الاوامر إنما هو إحداث المتعلق وإيجاده بعد ما لم يكن، لا أن الوجه هو إعتبار اليبوسة في أعضاء الوضوء أو الغسل لصحتهما مع رطوبة المحل. نعم يعتبر أن تكون الرطوبة السابقة أقل من الماء المستعمل في المحل حتى لا تكون غالبة عليه، كما إذا فرضنا الماء الموجود على المحل خمس قطرات وكان الماء المستعمل فيه قطرتان أو ثلاثا، فإذا كانت الرطوبة السابقة أقل منه فهي غير مانعة من صحة الوضوء، فالمناقشة في صحتهما مستندة إلى عدم كون الاخراج أو التحريك غسلا حادثا بعد ما لم يكن. الشك في كون الشئ من الظاهر: (1) قد تكون الشبهة مفهومية ولا كلام حينئذ في وجوب الاحتياط لما قدمناه من أن مقتضى الاطلاقات والعمومات وجوب الغسل في كل شئ قابل له بين الحدين أعني القصاص والذقن، أو المرفق وأطراف الاصابع وقد خرجنا عن ذلك فيما صدق عليه عنوان الجوف أو ما لم يظهر، لانه غير واجب الغسل بمقتضى الاخبار. إذ قد ذكرنا سابقا أن الباطن وان لم يكن موضوعا للحكم الا أن مرادفه أعني الجوف أو ما لم يظهر قد أخذ موضوعا للحمم بعدم وجوب الغسل في بعض الروايات الواردة في المضمضة والاستنشاق وغيرها فليلاحظ، فإذا علمنا أن موضعا من الجوف أو مرادفه فهو وان شككنا في ذلك وجب الرجوع إلى مقتضى العموم والاطلاق وهو وجوب الغسل كما مر. ولكن

[ 124 ]

الماتن لم يرد بذلك الشبهة المفهومية، وانما أراد الشبهة المصداقية والموضوعية وللشبهة المذكورة صور وأقسام. صور الشبهة الموضوعية: (الاولى): أن يكون للمشكوك فيه حالة سابقة، بان كان من الظاهر الذي يجب غسله في الوضوء، ولا اشكال حينئذ في استصحاب بقائه على الحالة السابقة، ووجوب غسله بمقتضاه. (الثانية): أن يكون له حالة سابقة على خلاف الصورة المتقدمة كما إذا كان المشكوك فيه من الجوف وما لم يظهر وهو الذي لا يجب غسله في الوضوء فهل يجري استصحاب كونه من الجوف أو غير الظاهر حينئذ أولا؟ فيه كلام، والظاهر جريان الاستصحاب في هذه الصورة أيضا كما في الصورة المتقدمة وبه يحكم على عدم وجوب غسله هذا. وقد يقال بعدم الجريان نظرا إلى أنه من الاصول المثبتة بدعوى أن المأمور به هو الطهارة واثباتها باستصحاب كونه من الجوف والباطن يبتني على القول بالاصل المثبت. و (يرده): ان الطهارة اما أن تكون عنوانا واسما للوضوء أعني نفس الغسلتين والمسحتين كما أشرنا إليه سابقا، وقلنا انه ليس ببعيد، وعليه لا مانع من جريان استصحاب كونه من الجوف لان المأمور به حينئذ نفس الغسلتين والمسحتين ومن الظاهر أن نفي وجوب الغسل عن بعض المواضع لا يكون من المثبت في شئ ولعله ظاهر واما أن تكون الطهارة أمرا بسيطا وحكما اعتباريا شرعيا غير المسحتين والغسلتين ولكنه يترتب عليهما ترتب الحكم على موضوعه، وعليه أيضا لا يكون الاستصحاب المذكور مثبتا لانه أصل يجري في موضوع الحكم الشرعي حينئذ، وبه ينقح الموضوع للحكم بالطهارة وأن

[ 125 ]

الموضوع هو غسل غير الموضع المشكوك فيه وتنقيح الموضوع بالاصل غير كون الاصل مثبتا. نعم إذا قلنا إن الطهارة أمر تكويني واقعي ومترتبة على تلك الافعال ترتبا واقعيا قد كشف عنها الشارع، حيث لا سبيل لنا إلى ادراكها كان للمناقشة المذكورة مجال لان استصحاب الجوف والباطن لاجل اثبات لا زمه التكويني وهو الطهارة من الاصول المثبتة لا محالة إلا أن القول بأن الطهارة أمر واقعي ضعيف غايته ولا يمكن التفوه به بل الطهارة عنوان لنفس الغسلتين والمسحتين أو أنه حكم شرعي مترتب عليهما ومعه لا يكون الاستصحاب مثبتا كما عرفت. (الثالثة): أن لا يكون للمشكوك فيه حالة سابقة أصلا، كما إذا كان مشكوكا فيه من الابتداء وفي هذه الصورة يبتني الحكم بعدم وجوب غسل الموضع المشكوك فيه على القول بجريان الاصل في الاعدام الازلية، فان مقتضى استصحاب العدم الازلي عدم كون المحل المشكوك فيه من الظاهر الذي يجب غسله، لانه قبل أن يوجد لم يكن متصفا بكونه ظاهرا لا محالة فإذا وجد وشككنا في أنه هل تحقق ووجد معه الاتصاف به أيضا أم لم يتحقق فالاصل عدم تحقق الاتصاف به حتى بعد وجوده. وهذا نظير الاستصحاب الجاري في الصورة الثانية غير أن العدم فيها نعتي وفي الصورة الثالثة أزلي بمعنى أن المحل في الصورة الثانية كان موجودا سابقا وكان متصفا بعدم كونه من الظاهر فالمستصحب هو اتصافه بالعدم المعبر عنه بالعدم النعتى في الاصطلاح. وأما في الصورة الثالثة فلم يحرز اتصافه بالعدم بعد وجود المحل وانما نستصحب عدم تحقق الاتصاف المعلوم قبل وجوده وهو الذي يعبر عنه بالعدم الازلي فلاحظ:

[ 126 ]

[ (الثالث): مسح الرأس (1) بما بقي ما البلة في اليد (2). ] الثالث من واجبات الوضوء: مسح الرأس: (1) لا إشكال ولا خلاف في وجوب المسح وإعتباره في الوضوء بين المسلمين. بل هو من الضروريات عندهم وقد دل عليه الكتاب والسنة وأمر به سبحانه بقوله: فامسحوا برءوسكم وأرجلكم (* 1) وانما الكلام والخلاف في بعض خصوصياته على ما يأتي عليها الكلام. (2) المعروف بين الامامية وجوب كون المسح بنداوة ماء الوضوء وعدم جواز المسح بالماء الجديد ولم ينقل في ذلك خلاف الا بمن ابن الجنيد، حيث نسب إليه القول بجوازه بالماء الجديد ولكن العبارة المحكية عنه غير مساعدة على ذلك. فان ظاهرها أنه قد رخص في المسح بالماء الجديد فيما إذا لم تبق من بلة الوضوء شئ في يده أو في غيرها مع الاختيار أو بلا اختيار، ولم يجوز المسح بالماء الجديد عند وجود البلة من ماء الوضوء (* 2) وكيف كان يدل على ما سلكه المشهور أمور. (منها): الروايات الحاكية لوضوء النبي أو الوصي حيث صرحت بأنه - ع - مسح رأسه ورجليه بالبلة الباقية من ماء الوضوء: ففي صحيحة


(* 1) المائدة: 5: 6. (* 2) وعبارته المحكية في الحدائق كما يلي: إذا كان بيد المتطهر نداوة يستبقيها من غسل يديه، مسح بيمينه رأسه ورجله اليمنى وبنداوة اليسرى رجله اليسرى وان لم يستبق ذلك أخذ ماء جديدا لرأسه ورجليه الحدائق ج 2 ص 280 من الطبعة الحديثة.

[ 127 ]

زرارة. ومسح مقدم رأسه، وظهر قدميه ببلة يساره وبقيه بلة يمناه (* 1) وفي صحيحة زرارة وبكير. ثم مسح رأسه وقدميه ببلل كفه لم يحدث لهما ماء جديدا (* 2) إلى غير ذلك من الروايات البيانية. وقد ذكرنا سابقا أن هذه الروايات انما وردت لبيان ما يجب في الوضوء وما هو وظيفة المتوضى في الشريعة المقدسة، وعلى ذلك فكلما ذكر فيها من القيود والخصوصيات فهو محكوم بالوجوب ما لم يقم على خلافه دليل. و (منها): إهتمام الرواة بنقل هذه الخصوصية - أعني عدم تمسحهم - ع - بالماء الجديد في رواياتهم: ففي بعضها أنه - ص - لم يعدهما (أي اليدين) في الاناء (* 3) وفي آخر: لم يجدد ماء (* 4) وفي ثالث: لم يحدث لهما ماء جديدا (* 5) وهذا يكشف عن إهتمام الائمة - ع - لهذه الخصوصية في وضوآتهم. وحيث أن الافعال الصادرة منهم - ع - في وضوآتهم كانت كثيرة كنظرهم - ع - إلى السماء في أثناء الوضوء أو إلى اليمين أو اليسار، أو تكلمهم بكلام أو غير ذلك مما كان يصدر منهم - ع - ولم يتصد الرواة لنقل شئ من هذه الخصوصيات والافعال غير هذه الخصوصية فنستكشف من ذلك كشفا قطعيا أن لهذه الخصوصية مدخلية في صحة الوضوء في الشريعة المقدسة لا محالة. و (منها): صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد الله - ع - (في حديث طويل) أن رسول الله - ص - قال: لما أسري بي إلى السماء أوحى الله إلى يا محمد أدن من صاد فاغسل مساجدك وطهرها. إلى أن قال ثم امسح رأسك بفضل ما بقى في يدك من الماء ورجليك إلى كعبيك. (* 6)


(* 1) و (* 2) المريتان في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 3) و (* 4) و (* 5) و (* 6) يراجع الحديث 10 و 6 و 11 و 3 و 5 من الباب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 128 ]

فانها ظاهرة في أن كلما صنعه النبي - ص - بأمر الله سبحانه في تلك الصحيحة أمور واجبة المراعاة على جميع المسلمين في وضوآتهم، إذ لا يحتمل أن يكون ذلك من خصائص النبي - ص - وقد قدمنا أن الاخبار البيانية تدلنا على أن ما وجب على النبي - ص - في وضوآته قد وجب على غيره من المسلمين أيضا وإن متابعته في ذلك لازمة فان الله سبحانه لا يقبل وضوءا غيره إذا هذه الصحيحة تدلنا على أن المسلمين يجب أن يمسحوا رؤوسهم وأرجلهم بنداوة ماء الوضوء لان الله سبحانه قد أوجب ذلك على النبي ص كما عرفت. و (منها): صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر - ع - أن الله وتر يحب الوتر. فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه، واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك وما بقي من بلة يمناك ظهر قدمك اليمنى وتمسح ببلة يسراك ظهر قدمك اليسرى (* 1) لان جملة وتمسح وان كانت خبريه إلا أنها مستعملة في مقام الانشاء فتدلنا على وجوب كون المسح ببلة اليد هذا. وقد يناقش في دلالتها باحتمال أن تكون جملة وتمسح معطوفة على فاعل يجزيك وهو ثلاث غرفات أي ويجزيك المسح ببلة يمناك، إذا تدلنا الصحيحة على أن المسح ببلة اليد مجزء في مقام الامتثال، لا انه أمر واجب لا بدل له وهي - على هذا - موافقة لما ذهب إليه الاسكافي (قده) من جواز المسح بكل من بلة اليد والماء الجديد، ولا دلالة لها على تعين كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء كما هو مسلك المشهور. و (يدفعه): أن الاضمار على خلاف الاصل والظهور، وذلك لانه لا يمكن جعل و (تمسح): معطوفة على فاعل بجزئك الا بتأويلها


(* 1) المروية في ب 3 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 129 ]

بالمصدر أي ويجزيك المسح، إذ لا معنى لان تكون الجملة الفعلية فاعلا فبما أن الاضمار على خلاف الاصل والظاهر فلا يمكن المصير إليه ولا مناص من إبقاء الجملة الفعلية على حالها، وحيث أنها في مقام الامر والانشاء فلا محالة تدلنا على وجوب كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء. و (منها): الاخبار الواردة في من نسي المسح حتى دخل في الصلاة أو لم يدخل فهيا - ثم ذكر أنه لم يمسح في وضوئه حيث دلت على أنه يأخذ من بلة لحيته - أو حاجبيه أو أو اشفار عينه - إن كانت، وإن لم يكن في لحيته ونحوها - بلل فلينصرف وليعد الوضوء (* 1). وأما المسح بالماء الجديد فلم تدلنا عليه شئ من تلك الروايات. وأما ما نسب إلى إبن الجنيد من تجويز المسح بالماء الجديد فيمكن الاستدلال عليه بطائفتين من الاخبار. (الطائفة الاولى): ما دلت على أن المسح بالماء الجديد هو المتعين بحيث لا يجزي عنه المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء، وهي عدة روايات وإليك نصها: (منها): صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن مسح الرأس قلت: امسح بما على يدي من الندى رأسي؟ قال: لا: بل تضع يدك في الماء ثم تمسح (* 2). و (منها): صحيحة معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن - ع - أيجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال: برأسه لا، فقلت: أبماء جديد؟ قال: برأسه نعم (* 3). و (منها): رواية جعفر إبن أبي عمارة الحارثى قال: سألت جعفر


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 130 ]

إبن محمد - ع - أمسح رأسي ببلل يدي؟ قال: خذ لرأسك ماء جديدا (* 1) ولكن هذه الطائفة بما أنها مخالفة للضرورة عند الشيعة ومعارضة للاخبار المتواترة أعنى الاخبار البيانية الحاكية عن وضوء النبي - ص - والوصي - ع - الدالة على وجوب كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء ولا أقل من إستحباب كون المسح بتلك البلة أو جوازه بحيث لم يوجد قائل بمضمون تلك الطائفة حتى ابن الجنيد (قده) إذ لم ينقل منه وجوب كون المسح بالماء الجديد بل انما ينسب إليه جواز ذلك فحسب، فلا مناص من حملها على التقية هذا. وقد يشكل الحمل على التقية في صحيحة معمر بن خلاد، لاجل اشتمالها على الامر بمسح الرجلين على ما هو الدارج عند الشيعة الامامية، والعامة يرون وجوب غسلهما ومعه كيف يمكن حمله على التقية لانها مخالفة للعامة وقتئد. والجواب عن ذلك باحد وجوه: (الاول): أن المسح فيها محمول على الغسل فان العامه يرون صحة اطلاق المسح على الغسل: (الثاني): ان المسح محمول على الموارد التي يجوز فيها المسح عند العامه كالمسح على الخفين لمن في رجله خف ولا يريد أن ينزعه للتوضوء. (الثالث): أن العامة باجمعهم لم يفتوا بوجوب الغسل في الرجلين بل الكثير منهم (* 2) ذهبوا إلى التخيير بين المسح والغسل فيهما نعم أئمتهم


(* 1) المروية في ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) كالحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري وأبي على الجبائي وغيرهم حيث ذهبوا إلى التخيير بين المسح والغسل، وأهل الظاهر ذهبوا إلى الجمع بينهما راجع عمدة القارئ ج 1 ص 657 وفى تفسير الطبري ج 10 ص 59 الصواب عندنا أن الله تعالي أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء =

[ 131 ]

قائلون بتعين الغسل (* 1) ما عدا الشافعي (* 2) وأما سائر علمائهم الذين قد عاصروا الائمة - ع - أو كانوا بعدهم فكثير منهم قائلون بالتخيير إذا لا تكون الرواية مخالفة للعامة فلا مانع من حملها على التقية ولا سيما في الخبر الاخير لانه في الحمل على التقية أقرب من غيره وذلك لان جملة من رواته عامى المذهب كما هو ظاهر. وكيف كان فهذه الطائفة ساقطة عن قابلية الاستدلال بها على ما ذهب إليه إبن الجنيد (قده). و (أما الطائفة الثالثة): فهي الاخبار الواردة فيمن نسي المسح وتذكره في أثناء الصلاة وهي روايات ثلاث أثنتان منها مطلقتان واحداهما مصرحة بجواز المسح بالماء الجديد كما يجوز بالبلة الباقية من ماء الوضوء. أما المطلقتان فهما صحيحة منصور قال: سألت أبا عبد الله ع فيمن نسى أن يمسح رأسه حتى قام في الصلاة قال: ينصرف ويمسح رأسه ورجليه (* 3) وصحيحة أبي بصير عن أبى عبد الله - ع - قال: سألته عن رجل توضأ ونسى أن يمسح رأسه حتى قام في صلاته


= كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم، وإذا فعل ذلك المتوضئ فهو ماسح غاسل، لان غسلهما إمرار اليد عليهما أو أصابتهما بالماء ومسحهما إمرار اليد أو ما قام مقامها عليهما. (* 1) كما في عمدة القارئ ج 1 ص 657 وبداية المجتهد 1 ص 13 وفي المغني ج 1 ص 132 غسل الرجلين واجب في قول أكثر أهل العلم. (* 2) ففي اختلاف الحديث على هامش الام ج 7 ص 60 وأحكام القرآن ج 1 ص 50 وهما للشافعي: غسل الرجلين كمال والمسح رخصة وكمال أيهما شاء فعل. (* 3) المروية في ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 132 ]

قال: ينصرف ويمسح رأسه ثم يعيد (* 1) ونظيرهما صحيحة ابي الصباح قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن رجل توضأ فنسي أن يمسح على رأسه حتى قام في الصلاة قال فلينصرف فليمسح على رأسه وليعد الصلاة (* 2) وهما كما ترى مطلقتان لدلالتهما على الامر بمسح الرأس من غير تقييده بأن يكون بالبلة الباقية من ماء الوضوء فتشملان المسح بالماء الجديد. اللهم إلا أن يدعى إنصراف المطلق إلى المسح بالماء الجديد لانه الغالب في مفروض الروايتين لغلبة الجفاف وذهاب البلة وقتئذ. وأما المصرحة بالجواز فهي ما رواه أبو بصير عن أبى عبد الله - ع - في رجل نسي أن يمسح على رأسه فذكر وهو في الصلاة فقال: ان كان استيقن ذلك انصراف فمسح على رأسه وعلى رجليه واستقبل الصلاة وإن شك فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته ان كانت مبتلة وليمسح على رأسه وإن كان أمامه ماء فليتناوله منه فليمسح به رأسه (* 3). ومما يدل على ما سلكه إبن الجنيد (قده) إطلاق الكتاب والسنة لان الله سبحانه قد أمر بمسح الرأس في قوله عن من قائل: فامسحوا برءوسكم (* 4) ولم يقيد ذلك بأن يكون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء كما أن الاخبار الامرة بالمسح مطلقة وغير مقيدة بأن يكون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء وهذه وجوه ثلاثة للاستدلال بها على ما سلكه ابن الجنيد (قده)


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 3 من أبواب الوضوء من الوسائل ثم أن التعبير بالصحيحة في ما رواه أبو الصباح مبني على أن يكون المراد بمحمد بن الفضيل الواقع في سندها هو محمد بن القاسم بن الفضيل الثقة فانه كثيرا ما يعبر عنه بمحمد بن الفضيل بل هو الظاهر منه فيما إذا كان الراوي عنه هو الحسين بن سعيد لغلبة روايته عنه فليلاحظ. (* 3) المروية في ب 42 من ابواب الوضوء من الوسائل: (* 4) المائدة: 5: 6.

[ 133 ]

وشئ منها غير صالح للاستدلال به كما لا يخفي. أما دعوى إطلاق الكتاب والسنة فلان الامر وان كان كذلك الا أن هناك روايات واضحة بحسب الدلالة والسند قد دلتنا على لزوم كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء وبها نرفع اليد عن تلك المطلقات على ما هو قانون حمل المطلق على المقيد في غير المقام. (منها): صحيحة زرارة المتقدمة المشملة على قوله - ع - تمسح ببلة يمناك ناصيتك (* 1) و (منها): غيرها من النصوص فليراجع. وأما الطائفة الئانية: أعني الاخبار الواردة فيمن نسي المسح وتذكره في أثناء الصلاة أو غيرها، فلان المطلقتين منها لابد من تقييدهما بما ورد في في خصوص هذه المسألة من لزوم كون المسح بالبلة الباقية من ماء الوضوء كموثقة (* 2) زرارة عن أبي عبد الله - ع - في الرجل ينسى مسح رأسه حتى يدخل في الصلاة قال: إن كان في لحيته بلل بقدر ما يسمح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصل (* 3) فان مفهومها أنه إذا لم يكن في لحيته بلل يكفي لمسح رأسه ورجليه لم يجز له الاستمرار في الصلاة حتى يتوضأ وضوء ثانيا. وأما المصرحة بجواز المسح بالماء الجديد كما يجوز بالبلة الباقية فيرد الاستدلال بها أنها وردت في مورد لا يجب على المكلف أن يتوضأ فيه فان موردها الشك في الوضوء بعد الفراغ وبعد الدخول في الصلاة وقد دل النص


(* 1) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) عدها موثقة يبتني على القول بوثاقة القاسم بن عروة الواقع في سندها أو بعد خبره صحيحا نظرا إلى تصحيح العلامة (قده) خبرا هو في طريقه ولكن الاول لم يثبت والثاني غير مفيد. (* 3) المروية ب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 134 ]

[ ويجب أن يكون على الربع المقدم من الرأس (1) فلا يجزي غيره والاولى ] الصريح على عدم وجوب الوضوء وقتئذ، لانه مورد قاعدة الفراغ. ومع فرض عدم كون الشاك مكلفا بالوضوء فأي مانع من الالتزام باستحباب المسح بكل من البلة الباقية والماء الجديد ولكنه غير ما نحن بصدده من جواز المسح بالماء الجديد في مورد يجب على المكلف الوضوء أعني كفاية المسح بالماء الجديد في مقام إمتثال الامر بالوضوء الواجب، فالمتحصل أن ما ذهب إليه إبن الجنيد (قده) من جواز المسح بالماء الجديد مما لم يقم عليه دليل فالصحيح ما ذهب إليه المشهور من إعتبار كون المسح بيلة ماء الوضوء. محل المسح في الرأس: (1) مقتضى إطلاق الآية المباركة والاخبار الواردة في وجوب المسح على الرأس عدم الفرق في ذلك بين مقدم الرأس ومؤخره أو يساره ويمينه إلا أن الاخبار المتضافرة دلتنا على عدم جواز التمسح بغير المقدم من الجهات. (منها): صحيحة محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله - ع - مسح الرأس على مقدمه (* 1) و (منها) غير ذلك من الروايات وبذلك يتعين أن يكون المسح على مقدم الرأس. بل هو من ضروريات مذهب الشيعة ولا خلاف فيه بين أصحابنا (قدهم) ولكن ورد في صحيحتين للحسين بن أبي العلاء ما يدل على خلاف ذلك. ففي (إحداهما): قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن المسح على الرأس؟ فقال: كاني أنظر إلى عكنة في قفا أبي يمر عليها يده وسألته


(* 1) المروية في ب 22 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 135 ]

عن الوضوء بمسح الرأس مقدمه أو مؤخره فقال: كاني أنظر إلى عكنة في رقبة أبي يمسح عليها (* 1). وفي (ثانيتهما): قال: قال أبو عبد الله امسح على مقدمه ومؤخره (* 2). وقد توهم دلالتهما على جواز المسح بمؤخر الرأس أيضا. ولكنهما مخالفتان لما ثبت بالضرورة من المذهب ولم يذهب أحد من أصحابنا إلى جواز ذلك، كما أنهما تنافيان الاخبار الدالة على لزوم المسح بمقدمه، إذا لا مناص من طرحهما أو تأويلهما وحملهما على التقية بل الصحيح أن الروايتين لا دلالة لهما على جواز المسح بمؤخر الرأس وإنا ظاهرهما وجوب المسح على تمام الرأس من مقدمه ومؤخره كما هو مذهب المخالفين، حيث أن كلمة (واو) في إحدى الروايتين لم يثبت كونها بمعنى (أو) بل ظاهرها إرادة الجمع، كما أن قوله - ع - يمسح عليها لا يدل على أن المسح أمر جائز في كل من مقدم الرأس ومؤخره. بل مقتضاه لزوم إمرار اليد على المؤخر أيضا كالمقدم. وأما أن إمرار اليد على المؤخر كاف في صحة الوضوء ولا يحتاج معه إلى إمرارها على المقدم فلا يكاد يستفاد منها بوجه وعليه لا مناص من حملهما على التقية لموافقتهما للعامة ومخالفتهما لما ثبت بالضرورة من مذهب الشيعة، ولعل قوله - ع - كاني أنظر إلى آخره اشارة إلى ذلك، إذ لو كان المسح على المؤخر واجبا أو جائزا لصرح به في مقام الجواب.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 22 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 136 ]

[ والاحوط الناصية (1) وهي ما بين البياضين من الجانبين فوق الجبهة. ] الناصية لا خصوصية لها: (1) أشرنا إلى أن الاصحاب (قدهم) قد تسالموا على وجوب كون المسح على الربع المقدم من الرأس وعدم كفاية المسح على سائر الجهات من المؤخر أو اليمين أو اليسار إلا أنهم قد إختلفوا - بعد إتفاقهم هذا - في ان المسح هل يتعين ان يكون على خصوص الناصية وهي عبارة عما بين النزعتين أو يجوز بغيرها من اجزاء الربع المقدم ايضا؟ وقد مال صاحب الجواهر (قده) في اول كلامه إلى تعين خصوص الناصية وذلك لما ورد في صحيحة زرارة المتقدمة من قوله - ع - وتمسح ببلة يمناك ناصيتك (* 1) لانها كما تقدم وإن كانت جملة خبرية الا أنها مستعملة في مقام الانشاء وهي جملة مستقلة وغير معطوفة على فاعل يجزيك إذا تدلنا تلك الجملة على تعين المسح على خصوص الناصية. ولما ورد في رواية عبد الله بن الحسين عن ابيه عن ابي عبد الله - ع - من قوله: لا تمسح المراة بالراس كما يمسح الرجال، انما المراة إذا اصبحت مسحت راسها تضح الخمار عنها، وإذا كان الظهر والعصر والمغرب والعشاء تمسح بناصيتها (* 2) وهما مقيدتان للاخبار المطلقة الدالة على وجوب كون المسح بمقدم الراس، الا انه (قده) عدل عن ذلك في آخر كلامه وجوز المسح بكل جزء من اجزاء الربع المقدم من الراس وجعل المسح على خصوص الناصية احوط واولى واضاف اخيرا ان المسألة لا تخلو


(* 1) المروية في ب 31 من ابواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 23 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 137 ]

عن إشكال هذا وفي المسألة إحتمالات. إحتمالات المسألة: (الاول): أن يقال بتعين خصوص الناصية تقديما للروايتين المتقدمتين على الاخبار المطلقة من باب حمل المطلق على المقيد وذلك بناء على أن الطائفتين متنافيتان بحسب الابتداء لان الناصية ومقدم الرأس أمران أحدهما غير الآخر فلابد من أن تجعل الروايتان مقيدتين للاخبار المطلقة كما هو الحال في غير المقام. (الثاني): أن يقال بجواز المسح على مطلق الربع المقدم من الرأس وبجعل المسح على خصوص الناصية أفضل الافراد هذا. ولا يخفى أنه إذا بنينا على تعارض الطائفتين وكون الناصية ومقدم الرأس أمرين متغايرين يتعين الاحتمال الاول لا محالة وذلك لما حققناه في محله من أن الجمع بين المطلق والمقيد بحمل الثاني على أفضل الافراد خلاف القاعدة وما هو المتفاهم العرفي من الدليلين فان القاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيد كما عرفت. (الثالث): أن يحمل مقدم الرأس على الناصية ويقال: ان الناصية ومقدم الرأس عبارتان عن أمر واحد وليسا بأمرين مختلفين إذا فلا تعارض بين الطائفتين، وذلك لان الناصية كما ذكره صاحب القاموس من أحد معاني المقدمة، وعليه يكون مقدم الرأس مجملا لم يعلم المراد منه وهل أريد به ما يقع في مقابل المؤخر أو أريد منه خصوص الناصية، ولكن الناصية مبينة فيحمل المجمل على المبين. (الرابع): عكس الثالث وهو حمل الناصية على مقدم الرأس بأن يقال ان الناصية أمر مجمل فيحتمل أن يراد بها المقدم كما يحتمل إرادة

[ 138 ]

خصوص ما بين (النزعتين) فنحمل المجمل على المبين ويقال أن المراد بالناصية مقدم الرأس هذا. ولا يخفى أن الاولى - إذا بنينا على عدم التعارض بين الطائفتين - هو الاحتمال الرابع بل هو المتعين على كل حال وذلك لان مقدم الرأس مفهوم مبين لا اجمال فيه، إذ المقدم من كل شئ إنما هو ما يقابل سائر الجهات من المؤخر والايمن والايسر، والناصية مجملة لم يظهر المراد بها فنحملها على مقدم الرأس وأما ما تقدم عن القاموس من أن الناصية من معاني المقدمة. ففيه أولا: أن ما ذكره صاحب القاموس خارج عما هو محل الكلام لانه إنما يفسر مطلق المقدم وإلمقدمة، - ولم يفس المتقدم المضاف إلى الرأس - بالناصية. و (ثانيا): أن من المحتمل - قويا - أن يكون مراد صاحب القاموس من ذلك أن مجموع الجبهة والناصية من أحد معاني المقدمة، لا الناصية فحسب لانهما من الانسان بمنزلة مقدمة الجيش للعكسر ويشهد على ذلك ما ذكره في محكي عبارته حيث قال: مقدمة الجيش متقدموه، ومن الابل أول ما ينتج ويلقح، ومن كل شئ أوله والناصية والجبهة إنتهى. وظاهر كلمة (واو) هو الجمع، ولم يظهر أنه أراد منها (أو) وكيف كان فلم يثبت أن مقدم الرأس هو الناصية وحيث أن المقدم مفهوم مبين لدى العرف والناصية مجملة فلا مناص من حملها على المبين، والحكم بجواز المسح على مطلق الربع المقدم من الرأس هذا. وهناك إحتمال خامس متحد بحسب النتيجة مع الاحتمال الرابع وهو أن الحكم باجمال كل من الناصية ومقدم الرأس وسقوط كل واحدة من الطائفتين عن الاعتبار ومعه يحكم بجواز المسح على مطلق الربع المقدم من

[ 139 ]

[ ويكفي المسمى ولو بقدر عرض اصبع واحدة (1) أو أقل. ] الرأس وكل ذلك لما عرفت من أن مقتضى إطلاق الآية المباركة والاخبار جواز المسح على كل جزء من أجزاء الرأس من المقدم والمؤخر واليمين واليسار، إلا أنا علمنا خارجا بمقتضى المخصص المنفصل عدم جواز المسح بالربع المؤخر ولا الايسر والا الايمن من الرأس وإنحصر ما يجوز مسحه بخصوص الربع المتقدم منه. وبما أن المخصص أعني ما دل على إنحصار محل المسح بالربع المقدم مجمل من حيث السعة والضيق إذ لم يظهر أن المراد منه خصوص الناصية أو مطلق الربع المقدم وهو من المخصص المنفصل فلا جرم سقط عن الاعتبار من هذه الجهة فلا يمنع عن الرجوع إلى مقتضى العموم أو الاطلاق وهو يقتضي جواز المسح بكل جزء من أجزاء مقدم الرأس سواء أكان هو خصوص الناصية أو المقدار الزائد عنها، لانه لم يثبت دليل مخصص بالاضافة إلى المقدار الزائد عن الناصية من مقدم الرأس هذا ومع ذلك كله المسح على خصوص الناصية أحوط وأولى كما ذكره الماتن (قده) لانها المقدار المتيقن مما يجوز المسح عليه من مقدم الرأس. كفاية المسمى في المسح: (1) المعروف بين الاصحاب (قدهم) أن المسح الواجب في الوضوء إنما هو أقل مقدار يتحقق به المسح عرفا أعني أول مراتب وجوده بل المسألة إجماعية وعن بعضهم أن نقل الاجماع على ذلك مستفيض ويدل عليه إطلاق الكتاب المجيد حيث أمر الله سبحانه بمسح الرأس بقوله عز من

[ 140 ]

فامسحوا برءوسكم (* 1). وقد دلتنا الصحيحة الواردة في تفسيره أن المراد مسح بعض الرؤوس لا جميعها، فإذا علمنا بالمراد من الآية المباركة بالصحيحة المفسرة لها كما يأتي نقلها صح لنا التمسك باطلاق أمره سبحانه لانه أمر بمسح الرأس وهذا يتحقق بأقل ما يتحقق به المسح عرفا وإن كان أقل من عرض اصبع واحدة. وأما الصحيحة المذكورة الواردة في تفسير الآية المباركة فهي التي رواها الصدوق (قده) باسناده عن زراره قال: قلت لابي جعفر - ع - ألا تخبرني من أين علمت و قلت: أن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال: يا زرارة قاله رسول الله - ص - ونزل به الكتاب من الله عزوجل، لان الله عزوجل قال: فاغسلوا وجوهكم، فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل ثم قال: وأيديكم إلى المرافق، فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه فعرفنا انه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلام فقال: وامسحوا برءوسكم فعرفنا حين قال: برءوسكم أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: وأرجلكم إلى الكعبين فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما، ثم فسر ذلك رسول الله - ص - للناس فضيعوه الحديث (* 2). ولكنها غير صالحة للاستدلال بها - في نفهسا وإستقلالها - على المدعى بدعوى أنها مطلقة والسر فيه: أن الصحيحة إنما سقيت لبيان عدم وجوب غسل الرأس بتمامه وأن الواجب الذي صنعه رسول الله - ص - إنما هو مسح بعض الرأس في مقابل العامة القائلين بوجوب غسل الرأس بتمامه كما يشير إليه قوله - ع - فضيعوه. إذا لا إطلاق للصحيحة من


(* 1) المائدة: 5: 6. (* 2) المروية في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 141 ]

حيث المقدار الذي لابد من مسحه فلو كنا نحن والصحيحة لا حتملنا أن يكون الواجب مسح تمام الربع المقدم من الرأس أو تمام المؤخر - مثلا - فان مسح ذلك بتمامه أو ببعضه مما لا يمكن إستفادته من الصحيحة. نعم إطلاق الآية المباركة في نفسها تام ولا مانع من الاستدلال به على التقريب المتقدم فلاحظ. بقي الكلام في وجه إستفادة التبعيض من الآية المباركة وأنه من جهة إستعمال كلمة الباء في التبعيض أو لاجل تضمينها معنى (من) أو لاجل إستعمالها في التبعيض مجازا أو لغير ذلك من الوجوه. ولكن تحقيق ذلك ممالا يترتب عليه ثمرة عملية، لان ما يهمنا إنما هو معرفة الاحكام الشرعية. والصحيحة كما تقدم صريحة في الحكم وأن الواجب إنما هو مسح بعض الرأس. وأما أنه من أية جهة؟ فلا ثمرة في تحقيقه. نعم أنكر سيبويه مجئ (الباء) بمعنى التبعيض وعليه إستند العلامة (قده) في إنكاره ذلك كما حكي. ولكنه لا ينافي الصحيحة المتقدمة لان دلالتها على وجوب مسح البعض يمكن أن تكون مستندة إلى مجئ (البإء) بمعنى التبعيض كما صرح النحاة بجوازه - عدى سيبويه - أو مستندة إلى التضمين، أو المجاز وكيف كان لاإشكال في دلالة الصحيحة على ذلك. ويمكن أن يقال ان نظره - ع - في قوله: لمكان الباء. إلى أن إستفادة التبعيض من الآية المباركة إنما هي من جهة الاتيان ب‍ (الباء) وتغيير اسلوب الكلام لا أنها من جهة استعمال (الباء) في التبعيض. إذا فالباء يدلنا على التبعيض لا أنها مستعملة فيه. وبيان ذلك: أن المسح والغسل مما يتعدى إلى المفعول بنفسه من دون حاجة إلى الاستعانة ب‍ (الباء) فيصح أن يقال فاغسلوا وجوهكم وأيديكم - كما في الآية المباركة - وامسحوا رؤوسكم وأرجلكم من دون الاتيان

[ 142 ]

(بالباء) فالاتيان بها مع عدم الحاجة إلى اتيانها - وتغيير اسلوب الكلام يدلنا على أن المراد في الامر بمسح الرأس انما هو مسح البعض بخلاف الامر بالغسل في الوجه واليدين فان المراد منه غسل الجميع دون البعض هذا. ويحتمل - قويا - أن يكون الوجه في استفادة البعض من الآية المباركة أمرا آخر وراء ذلك كله وان احتاج إلى العناية في الكلام. وتقريب ذلك أن يقال ان الماسح - حقيقة - وان كان هو اليد والممسوح هو الرأس، إلا أن الاتيان بكلمة (الباء) والعناية بذكرها في الكلام يدلنا على ان المراد بالعكس، وان الراس جعل آلة وسببا لمسح اليد بمعنى ان الماسح هو الراس والممسوح هي اليد نظير قولنا: مسحت يدي بالحائط، فان معناه ان الحائط قد صار سببا لمسح ما بيدي من الرطوبة أو الدهن أو غيرهما، وهذا وان كان على خلاف الواقع - في المقام - الا ان مقتضى العناية الواقعة في الكلام هو ما ذكرناه فيقال: ان الراس صار سببا لمسح ما بيد المتوضئ من الرطوبة، فإذا صار الماسح هو الراس يتعين ان يكون المسح ببعضه لا بتمامه كما هو الحال في المثال المتقدم، فان صحة قولك: مسحت يدي بالحائط غير متوقفة على مسح جميع الحائط باليد بل يصح ذلك بمسح اليد بشئ من الحائط. إذا فالمسح بالراس بنفسه يقتضي المسح بالبعض لا بتمامه هذا تمام الكلام في هذه الصحيحة. ومما يدلنا على ما سلكه المشهور في المسألة صحيحة الاخوين: اعني زرارة وبكيرا، انهما سألا ابا جعفر - ع - عن وضوء رسول الله - ص - إلى ان قال: فإذا مسح بشئ من راسه أو بشئ من قدميه. (* 1). وصحيحتهما الاخرى ايضا عن ابي جعفر - ع - انه قال في المسح: تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشئ من


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 143 ]

رأسك أو بشئ من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الاصابع فقد أجزأك (* 1) فان مقتضى إطلاقهما صحة الاجتزاء بأقل ما يتحقق به المسح عرفا، وعليه فلا دليل على أن يكون المسح بمقدار عرض اصبع واحدة كما يحكي عن جماعة. وقد تصدى بعض الاصحاب لتأويله بأنهم لم يريدوا بذلك التحديد، وإنما قصدوا به بيان أقل ما يتحقق به المسمى ويرده: أن كلماتهم آبية عن هذا التأويل. فقد حكي عن الشيخ في التهذيب ما مضمونه: انا لو خلينا وأنفسنا لقلنا بجواز مطلق المسح واكتفينا بمجرد تحقق المسمي إلا أن السنة منعتنا عن ذلك، فان هذا الكلام كالصريح في أن غرضه إنما هو تحديد المسح الواجب بالاصبع الواحدة. وكيف كان فقد استدلوا على ذلك بمرسلة حماد عن أحدهما - ع - في الرجل يتوضأ وعليه العمامة قال: يرفع العمامة بقدر ما يدخل اصبعه فيمسح على مقدم رأسه (* 2). وبما رواه عن الحسين قال: قلت لابي عبد الله - ع - رجل توضأ وهو معتم فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد فقال: ليدخل اصبعه (* 3) ويحتمل إتحاد الروايتين. ويدفع الاستدلال بهما - على تقدير إعتبار سندهما - أن إدخال الاصبع الواحدة تحت العمامة للمسح ليس مستندا إلى وجوب كون المسح بمقدار الاصبع الواحدة بل من أجل أنه أقل المقدار الميسور لدى المسح. إذ لا يتحقق الا بادخال الاصبع الواحدة أو الاصبعين تحت العمامة لا محالة، فالاصبع الواحدة أقل الميسور في المسح فقوله - ع - رفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه لا دلالة له على كونه مستندا إلى وجوب كون المسح بمقدار الاصبع الواحدة:


(* 1) المروية في ب 23 من ابواب الوضوء من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 144 ]

وبعبارة اخرى لا كلام لنا فيما يتحقق به المسح، وإنما الكلام في المقدار الذي يجب مسحه من الرأس ولا دلالة للروايتين على أنه لا بد أن يكون بمقدار عرض الاصبع الواحدة هذا على أن الاصبع شبه المدورات كما أن الرأس أيضا كذلك ومن الظاهر أن مسح باطن الاصبع الذي هو من قبيل المدور على ما يماثله مما يشبه بالمدورات لا يمكن أن يكون بمقدار عرض الاصبع الواحدة كما أشار إليه المحقق الهمداني (قده) في مطاوي كلامه، إذا الرواية لا دلالة لها على لزوم كون المسح بقدر عرض الاصبع الواحدة وأما وجوب كون المسح بمقدار عرض ثلاث أصابع مضمومة كما ربما يحكى القول به عن جماعة منهم الصدوق (قده) في الفقيه فهو أيضا كسابقه مما لا دليل عليه. وما استدلوا به على ذلك من صحيحة زرارة قال قال أبو جعفر (ع) المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع ولا تلقي عنها خمارها (* 1) وما رواه معمر بن عمر بن أبي جعفر (ع) قال: يجزي من المسح على الرأس موضع ثلاث اصابع وكذلك الرجل (* 2). مما لا يمكن المساعدة عليه، لان الرواية الثانية مضافا إلى ضعف سندها بمعمر بن عمر إذ لم يوثق في الرجال انما تدل على ان المسح بثلاث اصابع مجزء في الوضوء. وأما ان ما يجزي عنه اعني ما هو الواجب في الوضوء اي شئ فلا يكاد يستفاد منها ابدا ولعله يجزي عن مسح تمام الربع المقدم من من الراس أو عن المسح بمقدار عرض اصبع واحدة أو غير ذلك من المحتملات فلا دلالة للرواية على ان ذلك هو المقدار الواجب مسحه بحيث لا يجزي الاقل منه وعليه لابد من حملها على الاستحباب وكونه أفضل أفراد المسح، ومن هنا يظهر الجواب عن الرواية الاولى ايضا لانها وان كانت صحيحة بحسب السند، الا انها قاصرة الدلالة على هذا المدعى لان ظاهرها ان المسح بثلاث اصابع تحت الخمار مجزء في مقام


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 24 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 145 ]

[ والافضل بل الاحوط ان يكون بمقدار عرض ثلاث اصابع (1) بل ] الامتثال واما انه هو الواجب على نحو لا يجزي الاقل منه فلا يكاد يستفاد منها ابدا ويحتمل ان يكون الاجزاء راجعا ان عدم القاء الخمار. ومن ذلك يظهر ضعف التفصيل بين الرجل والمرأة بالحكم بوجوب كون المسح بثلاث اصابع في المرأة دون الرجل لصحيحة زرارة المتقدمة، وذلك إذ قد عرفت ان الصحيحة لا دلالة له على ان المسح بثلاث اصابع هو الواجب في الوضوء حتى يكون دليلا على التفصيل بين الرجل والمراة فيما يعتبر في الوضوء. وبما سردناه يظهران ما ذهب إليه المشهور في المسالة من ان الواجب انما هو مسمى المسح في الوضوء سواء أكان بقدر عرض الاصبع الواحد أو اقل منه هو الصحيح والسيرة الخارجية ايضا جارية على ذلك فلاحظ. أفضلية المسح بعرض ثلاث أصابع: (1) للروايتين المتقدمتين ولا يلزم أن يكون بالاصابع الثلاث بل يكفي المسح باصبع واحد إذا كان بمقدار عرض الاصابع الثلاث لان الظاهر من التقدير في جميع الموار د أن المطلوب هو نفس هذا المقدار من دون مدخلية الآلة فيه. - مثلا - إذا قيل يجب المشئ عشرة أمتار فالظاهر منه أن المشئ بهذا المقدار هو المطلوب للمولى من دون أن يكون للالة والسبب مدخلية في ذلك فظاهر الروايتين - مع قطع النظر عما يأتي بيانه أن المقدار الممسوح لابد أن يكون بمقدار عرض الاصابع الثلاث سواء أكان بنفس الاصابع الثلاث أم باصبع واحد بمقدار عرض الاصابع الثلاث.

[ 146 ]

[ الاولى أن يكون بالثلاث (1) ومن طرف الطول أيضا يكفي المسمى (2) ] أولوية كون المسح بالثلاث: (1) وذلك لان الظاهر من التقدير في الروايتين وإن كان هو ما ذكرناه من أن الاعتبار بالمقدار دون الآلة والسبب فلا خصوصية للاصابع الثلاث إلا أن هذا فيما إذا لم يقم قرينة على خلافه والقرينة على الخلاف موجودة في المقام وهي أن المسح لا بد وأن يكون بواسطة اليد ولحاظ ذلك يوجب ظهور التقدير في إرادة المسح في المقدار المذكور بنفس الاصابع واليد. وحيث انك عرفت حمل الروايتين المتقدمتين على بيان الفضيلة والاستحباب دون الوجوب فلا جرم كان المسح بنفس الاصابع الثلاث أولى وأفضل. كفاية المسمى في الطول: (2) لعين ما قدمناه في كفاية المسمى في العرض من إطلاق الاية المباركة والروايات لعدم التقييد فيهما بالمقدار الخاص وقد إدعى بعضهم الاجماع على كفاية المسمى في الطول وذكر أن محل الخلاف إنما هو كفاية المسمى في العرض وبعضهم إدعى الاجماع على عكس ذلك فلاحظ.

[ 147 ]

[ وإن كان الافضل أن يكون بطول اصبع (1) وعلى هذا فلو أراد إدراك الافضل ينبغي أن يضع ثلاث أصابع على الناصية، ويمسح بمقدار إصبع من الاعلى إلى الاسفل وإن كان لا يجب كونه كذلك فيجزي النكس (2) وان كان الاحوط خلافه، ولا يجب كونه على البشرة. ] أفضلية كون المسح بطول اصبع: (1) والسر في ذلك أن الروايتين المتقدمتين الدالتين على إجزاء المسح بثلاث أصابع في الرأس كما يحتمل أن يراد بهما اجزاء ذلك المقدار بحسب العرض فقط كذلك يحتمل أن يراد بهما إجزاء المسح بمقدار ثلاث أصابع بحسب كل من الطول والعرض ومن البديهي أن مقدار طول الاصابع الثلاث انما هو مقدار طول الاصبع الواحد وهذا ان تم فهو والا فلا دليل على أفضلية كون المسح بطول اصبع واحد. إجزاء النكس في مصح الرأس: نسب إلى المعروف عدم كفاية النكس في مسح الرأس بدعوى أن المقدار المتيقن من المسح المأمور به في الوضوء هو المسح من الاعلى إلى الاسفل، والنكس مشكوك الجواز و مقتضى قاعدة الاشتغال عدم جواز الاكتفاء به في مقام الامتثال. و (يرده) ان النوبة لا تصل إلى الاصل العملي في المسألة حتى يتكلم في ان الاصل الجاري في المقام هل هو الاشتغال أو البراءة على ما قدمناه في بعض الابحاث السابقة من انه لا مانع من اجراء البراءة عند الشك في اعتبار شئ في الوضوء.

[ 148 ]

و ذلك لان مقتضى اطلاق الآية المباركة والروايات عدم الفرق بين المسح من الاعلى إلى الاسفل والنكس ولم يقيد المسح فيما بأن يكون من الاعلى إلى الاسفل بل بعض الاخبار كالصريح في عدم اعتبار كون المسح من الاعلى إلى الاسفل وذلك كالروايتين المتقدمتين (* 1) الورادتين فيمن يتوضأ وعليه العمامة، فان الاسهل لمن أدخل اصبعه تحت العمامة لاجل المسح انما هو ان يمسح رأسه نكسا، إذا المسح من الاعلى إلى الاسفل يحتاج إلى رفع العمامة زائدا على مقدار رفعها عند المسح نكسا وهو أصعب. ودعوى: أن المتعارف مسح الرأس من الاعلى إلى الاسفل وهو يوجب انصراف المطلقات إلى الفرد المتعارف مندفعة صغرى وكبرى: أما بحسب الصغرى فلان المتعارف في غسل الوجه واليدين ولو لغير داعي الوضوء وان كان هو الغسل من الاعلى إلى الاسفل كما ذكر الا ان الامر في المسح ليس كذلك قطعا إذ ليس المتعارف فيه هو المسح من الاعلى إلى الاسفل فحسب بل كل من ذلك والنكس متعارفان. وأما بحسب الكبرى فلاجل أن تعارف أحد الفردين وغلبته غير موجبين لانصراف المطلق إلى الفرد الغالب، فلو كان هناك انصراف فلا اشكال في انه انصراف بدوي يزول بأدنى تأمل والتفات، فالمطلق يشمل الفرد المتعارف وغيره على حد سواء هذا. وأضف إلى ذلك صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا (* 2) لانها كالصريحة في جواز المسح نكسا بلا فرق في ذلك بين مسح الرأس وغيره. ولا يمنع عن الاستدلال بهذه الصحيحة روايته الاخرى بعين السند


(* 1) في ص 143 (* 2) المروية في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 149 ]

المذكور في الصحيحة عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بمسح القدمين مقبلا ومدبرا (* 1) وذلك لان وحدة السند لا يتقضي الحكم بوحدة المروي أبدا لجواز أن يكون حماد قد سمع عن أبي عبد الله (ع) روايتين: (إحداهما): عدم البأس في مسح الوضوء - مطلقا - مقبلا ومدبرا: و (ثانيتهما): عدم البأس في مسح القدمين مقبلا ومدبرا. ولا نلتزم بمفهوم اللقب ليتوهم ان الحكم بكفاية المسح مقبلا ومدبرا في مسح القدمين دليل على عدم كفايتهما في مسح الرأس حتى يتحقق التنافي بين الروايتين وعليه فهما روايتان لابد من العمل بكلتيهما في موردهما هذا كله بناء على ان الراوي في كلتا الروايتين هو حماد بن عثمان على ما هو الموجود في الطبعة الاخيرة من الوسائل. وأما بناء على أن الرواي في الرواية الاولى هو حماد بن عيسى كما هو الموجود في غير الطبعة الاخيرة من الوسائل وبه صرح المحقق الهمداني (قده) بل ربما يحكي عن بعض نسخ التهذيب أيضا فالامر اسهل وأوضح لانهما وقتئذ روايتان (احداهما): عن حماد بن عثمان و (ثانيتهما): عن حماد ابن عيسى، ولا نقول بمفهوم اللقب كي يتحقق المعارضة بينهما إذا لا بد من العمل بكل منهما في موردهما. ونظير رواية حماد بن عيسى غيرها مما ورد في جواز النكس في مسح الرجلين، لوضوح انها غير منافية لصحيحة حماد بن عثمان الدالة على جواز النكس في مسح الوضوء، وعلى الجملة سواء صحت الطبعة القديمة من الوسائل. ولم يقع خطاء من النساخ أو لم تصح بل كانت الطبعة الحديثة صحيحة والراوي في كلتا الروايتين كان هو حماد بن عثمان وكان الخطأ والاشتباءه من النساخ لا بد من الاخذ بكلتا الروايتين والاستدلال بالصحيحة


(* 1) المروية في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 150 ]

[ فيجوز أن يمسح على الشعر (1) النابت في المقدم بشرط أن لا يتجاوز بمده عن حد الرأس فلا يجوز المسح على المقدار المتجاوز وان كان مجتمعا في ] قد وقع في محله. هذا كله في أصل جواز النكس في المسح. وبعد ذلك يقع الكلام فيما ذكره بعضهم من أن المسح من الاعلى إلى الاسفل أفضل. وهذا بظاهره مما لا دليل عليه. اللهم الا ان يراد كونه أفضل بحسب العنوان الثانوي أعني الاحتياط، ولا سيما إذا قلنا ان الاحتياط مستحب أو احرزنا سيرة الائمة عليهم السلام كما إذا علمنا انهم كانوا مداومين في وضوءاتهم بالمسح من الاعلى إلى الاسفل فان التأسي بالائمة عليهم السلام امر راجح ولا اشكال في أنه أفضل من غيره. إلا أن الكلام في احراز ذلك وثبوت سيرتهم عليهم السلام على ذلك ودون ائباتها خرط القتاد. وأما ما عن بعضهم من الحكم بكراهة النكس في المسح فان أراد بذلك الكراهة في العبادات بمعنى أقلية الثواب فقد عرفت صحته لان المسح من الاعلى إلى الاسفل أفضل واكثر ثوابا وأرجح من النكس ولو بالعنوان الثانوي وان أراد بالكراهة المرجوحية في نفسه فهو مما لم يقم دليل عليه. جواز المسح على الشعر. (1) المسألة متسالم عليها بين الاصحاب (قدهم) بل هي من المسائل الضرورية والوجه فيه ان الرأس ومقدمه وان كان كالوجه واليدين وغيرهما من اسامي الاعضاء اسما لنفس العضو والبشرة، والشعر خارج عنهما لا محالة لانه قد ينبت عليها الشعر، وقد لا ينبت، فلو كنا نحن والدليل الدال

[ 151 ]

على وجوب مسح الرأس أو مقدمه لحكمنا بلزوم مسح البشرة - نفسها وعدم كفاية المسح على الشعر النابت عليها. ولكن القرينة الخارجية دلتنا على جواز مسح الشعر وانه كمسح نفس البشرة، والقرينة هي ان الغالب الاكثر وجود الشعر على الرأس ومقدمه بحيث يقع المسح على الشعر دائما الا في الاصلع ومن حلق رأسه قريبا فوقوع المسح على الشرع في الاغلب قرينة على ارادة الاعم من مسح الرأس ولولا هذه القرينة لما ساغ الاكتفاء بمسح الشعر أبدا كما لا يكتفى بغسله في الوجه واليدين الا بدلالة دليل خارجي. وأما مرفوعة محمد بن يحيى عن أبي عبد الله (ع) في الذي يخضب رأسه بالحناء، ثم يبدو له في الوضوء قال: لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه بالماء (* 1). فهي مضافا إلى ضعف سندها بالرفع قاصرة الدلالة على لزوم مسح البشرة وعدم كفاية المسح على شعرها. وذلك لان البشرة في الرواية انما ذكرت في مقابل الجسم الخارجي أعني احناء لا في قبال الشعر النابت عليها فالمراد بالبشرة أعم من البشرة وشعرها - قبالا للجسم الخارجي - هذا كله في الشعر النابت على مقدم الرأس الذي لا يخرج بمده عن حد الرأس. وأما الشعور النابتة على حوالي المقدم المتدلية إليه بطبعها وفي نفسها. الخاجرة بمدها عن حد الرأس والمسح كما إذا كانت مجعدة فربما يستشكل - في الحكم بعدم الاجتزاء بمسحها - بانه معدودة من توابع المقدم والرأس فاطلاقات المسح على المقدم تعمها لا محالة، لما عرفت من أن المراد منها ليس هو خصوص البشرة. ولكن الصحيح عدم جواز الاقتصار بمسحها لما عرفت من أن


(* 1) المروية في ب 37 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 152 ]

[ الناصية. وكذا لا يجوز على النابت في غير المقدم (1) وان كان واقعا على المقدم، ولا يجوز المسح على الحائل (2) من العمامة أو القناع نحوهما؟؟، ] مقتضى الادلة الآمرة بمسح الرأس والمقدم انما هو وجوب مسح البشرة. - في نفسها - والشعر خارج عن العضو كما مر، الا ان القرينة الخارجية دلتنا على كفاية المسح على الشعر النابت على المقدم والرأس ولا قرينة على جواز الاجتزاء بمسح الشعر النابت على اطرافه إذا تدلى إليه بنفسه ونزل على المقدم. فما ربما يظهر من المحقق الهمداني (قده) من الميل إلى الحكم بالاجتزاء فيما لا يمكن المساعدة عليه. وأما الشعور النابته على أطرافه المتدلية إلى المقدم واسطة العلاج كالخرقة واليد ونحوهما فلا كلام في عدم كفاية المسح عليها لعدم كونها معدودة من شعور المقدم ولا من توابعه عرفا. (1) ظهر الوجه في ذلك مما بيناه في التعليقة المتقدمة فلاحظ. عدم جواز المسح على الحائل. (2) للادلة الدالة على وجوب مسح المقدم والرأس، لانها تدلنا بانفسها على عدم كفاية المسح على الحائل من العمامة والقناع ونحوهما، إذ لا يطلق على الحائل عنوان المقدم والرأس فلا يكون المسح عليهما مسحا على الرأس أو المقدم مضافا إلى الاخبار الآمرة بوجوب رفع العمامة أو ادخال الاصبع تحتها. والمسح على الرأس (* 1). خلافا لما ذهب إليه جماعة من العامة من جواز المسح على الحائل


(* 1) راجع ب 24 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 153 ]

أما مطلقا أو فيما إذا كان رقيقا دون غير الرقيق على ما نقل عن أبي حنيفة (* 1) هذا. وقد ورد في روايتين جواز المسح على الحناء: (احداهما): صحيحة عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل بخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء قال: يمسح فوق الحناء (* 2). و (ثانيهما): صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (ع) في الرجل يحلق رأسه ثم يطلبه بالحناء ثم يتوضأ للصلاة فقال: لا بأس بان يمسح رأسه والحناء عليه (* 2). وربما يجمع بينهما وبين الاخبار المتقدمة بحملهما على ارادة لون الحناء دون نفسه ويدفعه: ان ذلك خلاف الظاهر بل خلاف الصريح في موارد من الصحيحتين. (منها): قوله: يمسح فوق الحناء. لانه كالصريح في أن المراد به هو الجسم الخاجي الذي يتصور له فوق وتحت وظاهر أن اللون عرض وليس للاعراض تحت ولا فوق. و (منها): قوله: ثم يطليه الحناء. وظهوره بل صراحته في ارادة الجسم الخارجي غير قابل للانكار، فان الطلي بماء الحناء أمر غير معهود. و (منها): قوله: والحناء عليه، فانه أيضا ظاهر في الجسم الخارجي فهذا الجمع غير صحيح. والصحيح ان تحمل الصحيحتان على التقية وذلك لان الروايتين وان


(* 1) راجع الجواهر ص 304 من الجزء الثاني من الطبعة الحديثة (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 37 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 154 ]

[ وان كان شيئا رقيقا لم يمنع عن وصول الرطوبة إلى البشرة. نعم في حال ] وردتا في الحناء الا ان احتمال ارادة خصوصه مقطوع الفساد، إذ لم يقل أحد بأن للحناء - بين الاجسام الخارجية - خصوصية تقتضي الحكم بكفاية المسح عليه دون مثل السدر وغيره من الاجسام. وعلى ذلك فالقول بجواز المسح على الحناء يستلزم القول بجواز المسح على بقية الاجسام الخارجية فإذا أريد منهما جواز المسح على كل جسم حائل لعارضتهما الاخبار الكثيرة المشهورة التي دلت على وجوب مسح المقدم أو الرأس من دون أن يكون عليهما شئ يمنع عن وقوع المسح على البشرة. وبما أن تلك الروايات من الروايات المشهورة والروايتان من الاخبار النادرة فلا مناص من اخذها وضرب الروايتين على الجدار هذا. وفي الوسائل والحدائق وكذا صاحب المعالم في المنتقى حمل الروايتين على صوره الاضطرار والتداوي بالحناء. ويؤيده عدم تعارف طلى الرأس بالحناء - بعد الحلق - إلا لضرورة التداوي والعلاج به. ولكن هذا الحمل في طول ما قدمناه لانه على ما سردناه لم يثبت اعتبار الروايتين حتى نحملهما على ضرورة التداوي والعلاج، إذ قد عرفت أنهما معارضتان مع الاخبار المشهورة المعروفة، ولا مناص من الغائهما لندرتهما ويجب الاخذ بالمشهورة كما عرفت ومما يؤيد ما ذكرناه مرفوعة محمد بن يحيى المتقدمة، لانها قد نصت بعدم الجواز حتى يصيب بشرة رأسه بالماء.

[ 155 ]

[ الاضطرار لا مانع من المسح على المانع (1) كالبرد، أو إذا كان شيئا لا يمكن رفعه. ] المسح على الحائل عند الاضطرار: (1) يأتي الكلام على تفصيل هذه المسألة في أحكام الجبائر ان شاء الله وحاصل ما نبينه هناك ان مقتضى الاخبار الآمرة بمسح الرأس بل مقتضى الآية المباركة أيضا لزوم كون المسح واقعا على بشرة الرأس بالمعنى الاعم نفسها؟؟؟ من وشعرها، ومقتضى هذا ان كون المسح واقعا على البشرة من مقومات الوضوء المأمور به وانه لا يتحقق في الخارج الا بذلك، فإذا عجز المكلف من ايقاع المسح على البشرة - بالمعنى المتقدم - سقط عنه التكليف بالوضوء لا محالة وانتهب النوبة في حقه إلى التيمم. وقد خرجنا عن ذلك في الدواء الملصق بالبشرة بما دل على أن المسح على الدواء بمنزلة المسح على البشرة، كما دل الدليل على أن المسح على الحائل كالعمامة والخف ونحوهما، إذا كان للتقيقة والاضطرار أيضا مجزء في مقام الامتثال وان المسح عليه كالمسح على نفس البشرة ويأتي في محله ان شاء الله ان العمل الاضطراري المستند إلى التقية كالاتيان بالمأمور به الواقعي الاولى لقوله (ع) التقية ديني ودين آبائي. ولا دين لمن لا تقية له ولا ايمان لمن لا تقية له (* 1) وغير ذلك من العمومات. فمن خاف من أن يترتب على ايقاع المسح على البشرة قتل أو ضرب


(* 1) راجع ب 24 و 25 من أبواب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوسائل.

[ 156 ]

أو هتك لدلالته على تشيعه فله أن يمسح على الحائل من خف أو عمامة أو نحوهما وانه كالمسح على البشرة في مقام الامتثال. وهذه العمومات المذكورة وان لم تخلو عن بعض المناقشات - كما يأتي في محلها - إلا أن الادلة الخاصة الواردة في إجزاء المأمور به الاضطراري المستند إلى التقية عن المأمور به الواقعي كافية في اثبات المدعى. وأما إذا كان الاضطرار مستندا إلى غير التقية وكان الحائل أمرا آخر غير الدواء فمقتضى الاطلاقات المتقدمة سقوط الامر بالوضوء عن الملكف - وقتئذ - ووصول النوبة إلى التيمم في حقه، لعدم تمكنه من المسح على البشرة وقد عرفت انه من مقومات الوضوء، الا ان يدعى القطع بعدم الفرق بين الدواء وغيره من أقسام الحائل، أو يقوم دليل بالخصوص على أن المسح على غير البشرة كالمسح على البشرة. وكلا الامرين فمقود في المقام، إذ ليس لنا قطع وجداني بعدم الفرق بينهما كما لم يقم أي دليل بالخصوص على كفاية المسح علي غير البشرة في الوضوء ومعه تصل النوبة إلى التيمم لا محالة. ولا يمكن اجراء أحكام الجبائر في المقام، لان الاجتزاء بالمسح على الجبيرة في القروح والكسور أيضا على خلاف القاعدة فان الاطلاقات المتقدمة يقتضي أن يكون الغسل أو المسح على البشرة مقوما للوضوء لانه غسلتان ومسحتان، ومع عدم التمكن منهما يسقط التكليف بالوضوء وتنتهي النوبة إلى التيمم لا محالة. ولكن الدليل دلنا على أن المسح على الجبيرة في مواضع القروح والكسور كالمسح على نفس البشرة واما في غير هذين الموضعين وغير الدواء والتقية فلم يدلنا على كفاية المسح على الحائل وكونه مجزء في الوضوء.

[ 157 ]

[ ويجب ان يكون المسح بباطن الكف (1) والاحوط أن يكون باليمنى والاولى أن يكون بالاصابع. ] بل مقتضى الآية المباركة والاخبار ما تقدم من سقوط التكليف بالوضوء ووجوب التيمم على المكلف. لابد أن يكون المسح بباطن الكف: (1) تعرض الماتن (قده) في هذه المسألة لعدة أمور قد اندمج بعضها في بعض. (فمنها): انه هل لابد أن يكون المسح باليد فلا يجزى المسح بغيرها من الآلات والاسباب وان كانت بلتها من البلل الموجودة في اليد كما إذا أخذ البلل من اليد بمثل الخرقة أو آلة أخرى ومسح بها رأسه ورجليه أولا؟ قد يقال بالانحصار في اليد ويستدل عليه بعدة روايات منها الاخبار البيانية وإليك بعضها: (منها): رواية المعراج وهي صحيحة عمر بن أذينة عن أبي عبد الله عليه السلام (في حديث طويل) ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لما أسري بي إلى السماء أوحى الله إلى يا محمد أدن من صاد إلي ان قال: ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء ورجليك إلى كعبيك. الحديث (1) و (منها): صحيحة زرارة قال: حكي لنا أبو جعفر (ع) وضوء رسول الله. إلى أن قال ثم مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء (* 2).


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 158 ]

و (منها): صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) يأخذ أحدكم الراحة من الدهن. إلى أن قال: ثم مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه (* 1) وفي صحيحة الاخوين: ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماء (* 2). و (منها): غير ذلك من الروايات. فان الظاهر من تلك الروايات ان المسح لابد من أن يكون بالبلة الباقية في يد المتوضي بوصف أنه مما بقي في اليد. وعليه أو أخذ البلل من اليد بآلة من الآلات كالخشبة والخرقة ونحوهما فمسح بها رأسه ورجليه لم يصدق أنه مسحهما بالبلة الباقية في اليد بوصف كونها باقيا في اليد: وان شئت قلت ان الاخبار المذكورة كما انها بصدد بيان ما به المسح في الوضوء أعني البلة الباقية في اليد كذلك وردت بصدد بيان الماسح أعني آلة المسح وانه أي شئ. وقد دلت على أنها منحصرة في اليد. مضافا إلى قوله (ع) في صحيحة زرارة المتقدمة: ثم مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء فانه كالصريح في لزوم أن يكون المسح بالبلة بواسطة اليد فلاحظ هذا. ولا يخفى عدم الامكان المساعدة على ذلك (والسر فيه): ان الاخبار الواردة في المقام التي منها الاخبار البيانية الحاكية عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله قد دلتنا على أن ما به المسح يعتبر أن يكون من البلة الباقية في اليد من ماء الوضوء بحث لو يبست وجب أخذ البلة من اللحية والحاجبين ولايجوز أن يكون المسح بالماء الجديد وهي بصدد الباين من هذه الجهة ودلالتها على تعيين ما به المسح في بلة اليد مما لا كلام فيه.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 159 ]

وانما الكلام في دلالتها على تعيين آلة المسح وبيان انها منحصرة في خصوص اليد أعني ما دون الزند وعدمها. والانصاف عدم دلالتها على ذلك بوجه لان الروايات انما دلت على لزوم كون المسح ببلة اليد واما ان الآلة أيضا هي اليد أعني ما دون الزند بحيث لا يسوغ المسح بغيرها كالذراع ونحوه فلا دلالة لها عليه هذا. ولكن يمكن الاستدلال على تعيين الآلة فيما دون الزند وعدم جواز المسح بالذراع بوجوه: (الاول): ان الظاهر من اليد عند اطلاقها - في مقابل الذراع - انما هو ما دون الزند لا ما دون المرفق كما وردت لفظة اليد في الاخبار البيانية في مقابل الذراع واستظهر منها ذلك أعني ارادة ما دون الزند لا ما دون الذراع. (الثاني): ان اليد وان كانت قد نطلق على ما دون الزند وقد تطلق على ما دون المرفق، كما يطلق ثالثة على ما دون الكتف، إلا أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي ارادة خصوص الاول لانه المناسب للحكم المحمول عليها في المقام، فان المسح بحسب الاغلب لا يكون إلا بالكف والاصابع فالمراد باليد انما هو ما دون الزند كما مر. نظير ما إذا قيل أكلت بيدي أن ضربت أو كتبت بيدي لان الاكل والضرب والكتابة وأمثالها قرينة معينة لما أريد من لفظة اليد لدلالتها على أن المراد بها هو ما دون الزند دون غيره من المحتملات لعدم مناسبتها مع الكتابة أو الاكل ونحوهما مملا لا يتحقق إلا بالكف والاصابع أعني ما دون الزند ووقوعها بغير ذلك يحتاج إلى أعمال عناية زائدة كما لا تخلو عن مشقة. نعم لو قيل قطعت يد فلان - مثلا - لم يكن له ظهور في ارادة ما دون الزند بل كان من المحتملات والمجملات لان القطع كما يناسب

[ 160 ]

الاصابع وما دون الزند كذلك يناسب ما دون المرفق وغيره من اطلاقات اليد وهذا بخلاف المقام فانه إذا ورد: امسح ببدك أو قال: مسحت بيدي - مثلا - فمناسبة الحكم والموضوع قرينة على ارادة ما دون الزند لما عرفت. (الثالث): ان جملة من الاخبار البيانية وان كان وردت فيها لفظة (اليد) إلا ان بعضها أعني صحيحة الاخوين قد اشتملت على كلمة الكف) حيث قال (ع) ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ما (* 1). وبما أن هذه الروايات تحكي عن فعل الرسول صلى الله عليه وآله وهو أمر واحد لا محالة كانت كلمة الكف في هذه الصحيحة قرينة على ما أريد باليد في بقية الروايات ودلتنا على أن المراد بها انما هو الكف وما دون الزند دون غيره من احتمالاتها فهذه الوجوه والقرائن تعينان المراد من لفظة (اليد) الواقعة في الروايات. وبما ان الرواة (قدس الله اسرارهم) قد اهتموا بنقل هذه الخصوصية فنستكشف منها ان لخصوصية كون المسح بواسطة اليد أعني ما دون الزند مدخلية في صحة الوضوء وانها من الخصوصيات اللازمة في المأمور به كما قد استفدنا من اهتمامهم بنقل عدم تجديد الماء لدى المسح وجوب كون المسح بالبلة الباقية في اليد من ماء الوضوء. ويؤيد ارادة الكف من اليد رواية العلل قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه عن مسائل وكان فيما سألوه: أخبرنا يا محمد لاي علة توضأ هذه الجوارح الاربع وهي انظف المواضع في الجسد؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله لما أن وسوس الشيطان إلى آدم (ع) دنا من الشجرة


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 161 ]

فنظر إليها فذهب ماء وجهه، ثم قام ومشى إليها وهي أول قدم مشت إلى الخطيئة، ثم تناول بيده منها ما عليها واكل فتظاير الحلي والحلل عن جسده فوضع آدم يده على أم رأسه وبكى، فلما تاب الله عليه فرض الله عليه وعلى ذريته تطهير هذه الجوارح الاربع فأمره الله عزوجل بغسل الوجه لما نظر إلى الشجرة وأمره بغسل اليدين إلى المرفقين لما تناول بهما، وأمره بمسح الرأس لما وضع يده على أم رأسه، وامره بمسح القدمين لما مشى بهما إلى الخطيئة (* 1). وهي صرحيه الدلالة على ارادة الكف من اليد. وأما الآية المباركة والاخبار المطلقة أعني ما اشتملت على انه صلى الله عليه وآله مسح رأسه ورجليه أو تضمنت الامر بمسح الرأس والرجلين من دون التقييد بكون المسح بواسطة اليد فحسب فقيها احتمالات ثلاثة: (الاول): ان يقال ان المطلقات ليست بصدد البيان من تلك الناحية وانما وردت لبيان ان المسح معتبر في الوضوء، كما ان الغسل مما لا بد منه فان الوضوء غسلتان ومسحتان فلا دلالة لها على اعتبار غير ذلك من الخصوصيات المعتبرة في الوضوء. وهذا الاحتمال وان كان بالاضافة إلى الآية المباركة من الامكان بمكان إلا انه بالاضافة إلى بعض الروايات المطلقة التي تضمنت لاعتبار بعض الخصوصيات المعتبرة في الوضوء مما لا مجال له، لانها بصدد بيان ما يعتبر في صحة الوضوء وحيث لم يقيد المسح بأن يكون بواسطة اليد فلا مانع من التمسك باطلاقاتها. (الثاني): ان يقال، ان المطلقات منصرفة إلى ما هو المتعارف في الخارج من المسح ولا تردد في ان المسح بحسب المتعارف الشايع لا يكون


(* 1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 162 ]

إلا باليد وما دون الزند. إذا يتعين ان يراد بالمطلقات خصوص المسح بواسطة اليد. ويدفعه: ما مر غير مرة من أن المطلق لا تنصرف إلى الفرد الغالب أبدا. نعم ربما يحدث انصراف بدوي إلى الغالب ولكنه يزول بأدنى التأمل والالتفات. وما عن شيخنا الانصاري (قده) من انتفاض ذلك بالغسل بدعوى ان الغسل كالمسح انما يتحقق في الخارج بآلة لا محالة، فكما ان الامر بغسل الوحه واليدين ليست فيه أية دلالة على تعيين آلة الغسل فليكن الامر بالمسح أيضا كذلك، وإلا فلا مناص من الالتزام بدلالة الامر بالغسل أيضا على تعيين آلة الغسل. كما ترى ممالا يمكن المساعدة عليه. والوجه في ذلك ان آلة المسح مما يتقوم به المسح بحيث لا يتحقق بدونها وهذا بخلاف الغسل لوضوح أن الغسل قد يصل بايقاف الوجه مثلا - تحت المطر وباجراء الماء عليه. وأما المسح فلا يوجد الابالة وهو ظاهر. إذا فلا مانع من أن يكون الامر بالمسح دالا على تعيين آلة المسح دون الغسل. (الثالث): أن يقال إن المطلقات المذكورة لابد من تقييدها بالاخبار المتقدمة التي دلتنا ببركة القرائن على أن المسح لابد من أن يكون باليد وما دون الزند، وهذا الوجه هو المتعين في المقام. وذلك للقطع بعدم ارادة الاطلاق لا في الآية المباركة ولا في الاخبار بحيث يشمل المسح بكل شئ ولو بالاجسام الخارجية من الخرقة والخشبة ونحوهما وحيث ان الوجهين الاولين غير ثابتين كما عرفت فيكون الوجه الاخير هو المتعين في محل الكلام.

[ 163 ]

هذا كله فيما إذا لم نقل بأن الاخبار البيانية الحاكية لفعل رسول الله صلى الله عليه وآله حكاية فعل ولا دلالة لها إلا على الجواز أو الاستحباب من غير أن تكون لها آية دلالة على الوجوب. وأما إذا قلنا بذلك فلا يبقى لها دلالة على الوجوب بالاطلق حتى نحتاج إلى تقييده وحملها على أحد المحامل المتقدمة. فتحصل أن مقتضى الاخبار البيانية - على تقدير أن يكون لها الدلالة على الوجوب - أن يكون المسح بما دون الزند وانه المراد من سائر المطلقات والآية المباركة هذا على ان المسألة اتفاقية كما حكاه صاحب الحدائق عن جملة من أصحابنا. و (منها) أن يكون المسح بباطن الكف ولم يرد ذكر باطن الكلف في شئ من النصوص ومقتضى اطلاقها عدم تعين المسح بباطنه. نعم لو قلنا بانصراف المطلقات الآمرة بالمسح إلى ما هو المتعارف الدارج في الخارج أمكننا أن نقول باعتبار كون المسح بباطن الكف، لانه الدراج الشايع في المسح واما إذا لم نقل بالانصراف إلى الفرد المتعارف فلا وجه للحكم بتعيين المسح بباطن الكف في مقام الامتثال هذا. ولكن يمكن ان نستدل على وجوب ذلك بالاخبار البيانية الحاكية لوضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أو أحد الائمة (ع) لانهم لو كانوا مسحوا بظاهر الكلف في الوضوء لوجوب على الرواة أن ينقلو ذلك في رواياتهم لانه أمر خارج عن المتعارف المعتاد ولا مناص من نقل مثله في الاخبار وحيث انهم لم ينقلوا ذلك استكشفنا ان النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) كانوا يمسحون بباطن الكف إذا فهو أمر معتبر في صحة الوضوء. و (منها): ان المسح لا بد أن يكون بالاصابع. ذهب جماعة إلى اعتبار ذلك في الوضوء الا انه مما لا شاهد له من النصوص لان الاخبار البيانية غير مشتملة على انهم (ع) قد مسحوا رؤوسهم بأصابعهم. بل مقتضى اطلاقاتها عدم لزوم كون المسح بالاصابع لان النبي صلى الله عليه وآله

[ 164 ]

أو الائمة (ع) لو كانوا مسحوا بأصابعهم لنقلته الرواة لوجوب نقل الخصوصيات الدخيلة في الاحكام الشرعية على الرواة وحيث لم ينقلوها في رواياتهم وهي مطلقة فيستكشف من ذلك عدم اعتبار المسح بالاصابع. واحتمال ان المطلقات منصرفة إلى المسح بالاصابع، لانه الفرد المتعارف من المسح بعيد لعدم كون المسح بغير الاصابع فردا نادرا فانه أيضا كثير وغاية الامر أن يكون المسحخ بالاصابع اكثر هذا. على انا لو سلمنا ندرة ذلك في الوضوء - مع ان الامر ليس كذلك - فلا ينبغي التأمل في أن المسح في غير الوضوء بغير الاصابع ليس من الافراد النادرة قطعا. مثلا - إذا قيل: مسح فلان على رأس طفل أن مسحت رأسه كان ظاهرا في أنه مسحه بيده وكفه لا بأصابعه، فانه الفرد الغالب في مسح الرأس وأمثاله، وحيث ان نزول الآية المباركة وصدور الاخبار متأخران عن استعمال المسح في المحاورات العرفية فلا مناص من حمله فيهما على ارادة ما هو الظاهر منه في الاستعمالات. وقد عرفت انه بحسب المحاورات العرفية كما يطلق على المسح بالاصابع كذلك يطلق على المسح باليد فالانصراف مما لا أساس له. نعم سبق ان احتملنا انصراف المطلقات في المسح إلى المسح باليد ولكنه مستند إلى ندرة المسح بغير اليد وليس المسح بغير الاصابع نادرا كما مر فتحصل أن تعين المسح بالاصابع مما لا وجه له. نعم لا بأس بالقول بالاولوية الاستحبابية لا حتمال اعتباره شرعا. و (منها): ان يكون مسح الرأس باليد اليمنى وقد نسب إلى المشهور القول بالاستحباب في المسألة. بل ذكر صاحب الحدائق (قده) ان ظاهرهم الاتفاق عليه، ولعل الوجه في ذلك هو اطلاقات الادلة لانها

[ 165 ]

[ (مسألة 24) في مسح الرأس لا فرق بين أن يكون طولا أو عرضا أو منحرفا (1) ] غير مقيدة بأن يكون المسح باليد اليمنى. بل في بعضها التصريح بالاطلاق كما في صحيحة زرارة: ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يساره وبقية بلة يمناه (* 1) ولم يرد في قبال تلك المطلقات دليل يدلنا على التقييد باليمنى. نعم يمكن ان يستدل على وجوب ذلك بما رود في صحيحة زرارة المتقدمة من قوله (ع) وتمسح ببلة يمناك ناصيتك (* 2) لما قدمناه من أن جملة وتمسح ببلة. جملة مستقلة قد دلت على لزوم كون المسح ببلة اليد اليمنى فان ظاهرها هو الوجوب ومن هنا قدمنا انها معارضة لما دل على اعتبار كون المسح على مقدم الرأس. واحتمال كون هذه الجملة معطوفة على فاعل (يجزيك) في قوله المتقدم (ان الله وتر يحب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات واحدة للوجه واثنتان للذراعين ضعيف - كما تقدم - لانه يحتاج إلى التقدير والاضمار بأن تكون المجلة هكذا (وان تمسح. وهو على خلاف الاصل فلاحظ. التسوية بين انحاء المسح. (1) لاطلاقات الادلة فكما ان للمكلف أن يمسح نكسا كذلك له المسح بالانحراف كما إذا مسح من إحدى زوايا المثلث إلى ما يقابله من الضلع، فان مقدم الرأس مثلث الشكل لا محالة.


(1) و (2) المرويتان في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 166 ]

[ الرابع مسح الرجلين (1) ] واما ما ورد من أن الامر في المسح موسع (* 1) فلعله ناظر إلى ان المسح ليس كالغسل الذي يعتبر أن يكون من الاعلى إلى الأسفل بل يجوز فيه النكس أيضا. وأما ان الانحراف فيه سائغ أولا فهو مما لا يستفاد من الرواية: على انها انما وردت في مسح الرجلين دون الرأس. مسح الرجلين: (1) للآية المباركة والاخبار المتضافرة. بل لا يبعد دعوى تواترها أما الآية المباركة فهو قوله عز من قائل: وامسحوا برؤسكم وارجلكم (* 2) بالجر أو النصب على اختلاف القرائتين (فان قرأنا ارجلكم بالجر فيكون معطوفة على رؤسكم ومعناه فامسحوا برؤسكم وامسحوا بأرجلكم وإذا قرأنا بالنصب كما هو قراءة عاصم في رواية حفص - وهو الذي كتب القرآن على قراءته - فيكون معطوفة على محل (رؤسكم) والمعنى حينئذ: وأمسحوا برؤوسكم وامسحوا أرجلكم. وعلى كلا التقديرين تدلنا الآية المباركة على وجوب مسح الرجلين. واحتمال أن تكون وأرجلكم - على قراءة النصب معطوفة على (أيديكم) و (وجوهكم) ليكون معنى الآية المباركة فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برؤسكم واغسلوا أرجلكم. فهو مما لا يناسب الاديب - لعدم جواز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة الا جنية - فضلا عن كلام الخالق الذي هو في أرقي درجات البلاغة والاعجاز.


(* 1) المروية في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل (* 2) المائدة: 5: 6

[ 167 ]

[ من رؤوس الاصابع إلى إلى الكعبين (1) ] وأما الاخبار فقد ورد الامر بالمسح على الرجلين في جمله من الاخبار الكثيرة حتى بالغ فيها السيد (قده) في الانتصار حيث قال: انها اكثر من عدد الرمل والحصى، على ما نقله صاحب الجواهر وغيره. مبدء المسح في الرجلين: (1) كما هو المشهور بين أصحابنا. بل ادعي عليه الاجماع في كلماتهم وعن الشهيد في الذكرى احتمال عدم وجوب المسح إلى الكعبين. واختاره صريحا في المفاتيح ونفى عنه البعد في رياض المسائل ومال إليه واختاره صاحب الحدائق (قده) ان ذكر اخيرا ان المسح إلى الكعبين هو الاحوط. ويدل على مسلك المشهور قوله عز من قائل: وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين (* 1) فان قوله عز من قائل إلى الكعبين غاية للمسوح وحد للمسح، وليس غاية له، إذ لا يعتبر الانتهاء في المسح إلى الكعبين لجواز النكس والانتهاء إلى الاصابع كما ذكرناه في الغسل. فان قوله تعالى: إلى المرافق غاية للمغسول وحد للغسل لا انه غاية له وهو نظير قولنا: اكنس الدار من هنا إلى هنا فان معناه ان وجوب الكنس انما هو في هذا المقدار الواقع بين المبدء والمنتهى من دون نظر إلى المبدء والمنتهى فله أن يكنس من هذا الطراف إلى الطرف الآخر كما له العكس فلم يتعلق الغرض بالابتداء والانتهاء وانما الغرض بيان المقدار الذي يجب غسله أو مسحه. ومن هنا لو كنا نحن وهذه الآية المباركة لقلنا بجواز الغسل من


(* 1) المائدة: 5: 6

[ 168 ]

الاعلى إلى الاسفل وعكسه ولكن الاخبار منعتنا عن الاخذ باطلاقها ولا جلها خصصنا الغسل الواجب بالغسل من المرافق إلى الاصابع. وأما الاطلاق في طرف الامر بالمسح فهو باق على حاله ولم يدلنا دليل على تقييده إذا لا مانع من الاخذ به والحكم بجواز المسح في الرجلين من العكبين إلى الاصابع وبالعكس، ولم يتعلق الغرض بتعيين المبدأ والمنتهى وانما الغرض بيان مقدار المسح وان الممسوح لابد أن يكون بالمقدار الواقع بين الاصابع والكعبين سواء أكان المبدأ هو الاصابع والمنتهى هو الكعبان أو كان الامر بالعكس. وأيضا تدل على ذلك الاخبار البيانية وغيرها مما اشتملت على الامر بمسح الرجلين إلى الكعبين فليراجع. وأما ما ذهب إليه صاحب الحدائق والمفاتيح وغيرهما، فقد استدل عليه بعدة روايات. (منها): بالاخبار الدالة على أن مسح شئ من الرأس والرجلين مجزء في الوضوء كصحيحة زرارة وبكير عن أبي جعفر (ع) انه قال في المسح: تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك وإذا مسحت بشئ من رأسك، أو لشئ من قدميك ما بين أطراف الاصابع فقد أجزأك (* 1). وصحيحتهما الاخرى: ثم قال: وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين فإذا مسح بشئ من رأسه، أو بشئ من قدمية ما بين الكعبين إلى أطراف الاصابع فقد أجزأه (* 2) وبمضمونهما روايات أخرى قد دلت على كفاية المسح بشئ من الرأس والرجلين فلا يجب مسحهما إلى الكعبين هذا.


(* 1) المروية في ب 23 من ابواب الوضوء من الوسائل (* 2) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 169 ]

ولا يحفى عدم امكان المساعدة عليه لان الاستدلال بتلك الاخبار على كفاية المسمى في المسح يتوقف على أن تكون تلك الروايات ناظرة إلى كفاية المسح ببعض الرجلين بحسب كل من الطول والعرض ولا تكون ناظرة إلى كفاية ذلك بحسب العرض فقط. وهذا يتوقف على تحقيق ان قوله (ع) ما بين كعبيك إلى أطراف الاصابع، بيان لاي شئ وهل هو بيان للشئ في قوله: أو بشئ من قدميك ليكون معناه إذا مسحت بما بين كعبيك إلى اطراف الاصابع من قدميك أجزأك، أو انه بيان للقدمين ومعناه أنه إذا مسحت بشئ مما بين كعبيك إلى أطراف الاصابع فقد أجزأك. فعلى الاول تدلنا الصحيحتان على ما سلكه المشهور ووجوب الاستيعاب فيما بين الكعبين إلى الاصابع بالمسح، كما انهما على الثاني تدلنا على ما ذهب إليه الجماعة من كفاية المسح بشئ مما بين الكعبين إلى الاصابع. والظاهر هو الاول، لان من قدميك جار ومجرور ويبعد أن يكون ماء الموصولة بيانا له فهي بيان للشئ. وقد عرفت ان الصحيحة حينئذ؟ تدلنا على ما ذهب إليه المشهور أعني وجوب الاستيعاب فيما بين الكعبين إلى الاصابع في المسح هذا. بل لو لم يثبت ما ذكرناه واحتملنا رجوع قوله (ع) ما بين. إلى كل من كلمة بشئ ومن قدميك أيضا لا يمكن الاستدلال بها على مدعى الجماعة، لانها تصبح مجملة حينئذ وتخرج عن قابلية الاستدلال بها في المقام ومعه لا بد من الرجوع إلى مقتضى اطلاق الآية المباركة والروايات والاطلاق يقتضي وجوب كون الممسوح بمقدار ما بين الكعبين إلى الاصابع. و (منها): الاخبار الواردة في عدم وجوب استبطان الشراكين

[ 170 ]

في المسح كصحيحة الاخوين المتقدمة حيث ورد في صدرها: تسمح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك (* 1). وحسنة زرارة بل صحيحته عن الباقر (ع) ان عليا (ع) مسح على النعلين ولم يستبطن الراكين (* 2) وغيرهما من الاخبار. وتقريب الاستدلال بها ان الشراكين انما يقعان فيما دون الكعبين وعدم وجوب استبطانهما حينئذ اما لاجل ان لهما خصوصية من بين أفراد الحائل وأقسامه كالدواء والحناء على ما ورد في الروايات حيث ان مسحه كمسح البشرة ولاجل ذلك لم يجب استبطانهما بادخال الاصبع تحتهما. وأما لاجل عدم وجوب الاستيعاب في المسح من الاصابع إلى الكعبين وكفاية مسمى المسح طولا. وهذا يحصل بالمسح إلى الشراكين. وحيث ان الاول غير محتمل لانه على خلاف الاجماع والضرورة كان كان الثاني متعينا لا محالة، و (يدفعه): ان الاستدلال بهذه الروايات انما يتم بناء على تفسير الكعبين بمفصل الساق والقدم وملتقاهما كما عن العلامة (قده) وجمع ممن تأخر عنه وعلى هذا يتم الاستدلال بها بالتقريب المتقدم كما عرفت. واما بناء على ما سلكه المشهور من تفسير الكعبين بالعظم الناني فوق ظهر القدم وهو المختار فلا وجه للاستدلال المذكور أصلا وذلك لان الكعب - وقتئذ - انما يقع فيما دون الشراك أو تحته على نحو يستر الشراك مقدارا من الكعبين إذا لا يكون عدم وجوب استبطان الشراك دليلا على عدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين طولا لاستناده إلى خروج موضع الشراك عن مورد المسح وموضعه.


(* 1) المروية في ب 23 من ابواب الوضوء من الوسائل (* 2) المروية في ب 24 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 171 ]

[ وهماقبتا القدمين (1) على المشهور، والمفصل بين الساق والقدم على قول بعضهم هو الاحوط. ] بيان معنى الكعبين: (1) المشهور عند اصحابنا أن الكعبين هما العظمان النائتان فوق ظهر القدم وهو المعبر عنه بقية القدمين، لان كل عال يسمى كعبا ومنه تسمبة الكعبة كعبة. وخالفهم في ذلك العامة وفسروا الكعبين بالعظمين الناتيتين من يمين الساق وشماله. والتحقيق انه لا يمكننا تشخيص مفهوم الكعبين بالرجوع إلى تفاسير أهل اللغة وكلمات أصحابنا (قدهم) للاختلاف في تفسيرهما ومن الظاهر ان الرجوع إلى اهل اللغة انما هو من جهة كونهم أهل الخيرة والاطلاع، وكونهم من غير الشيعة لا يمنع عن الرجوع إليهم والاخذ بأقوالهم. وحيث ان المفسرين لمفهومهما من الشيعة وغيرهم مختلفون في تفسيرهما فلا يمكننا الاعتماد على أقوالهم وآرائهم ولا يتعين انه قبة القدم أو العظمان الواقعان عن يمين الساق وشماله، لا حتمال أن يكون كلاهما كعبا قد يطلق على هذا وقد يطلق على ذاك كما احتمله شيخنا البهائي (قده). إذا لابد من المراجعة إلى الروايات فان ظهر منها ان الكعب أي شئ فهو والا فيصل النوبة إلى الاصل العملي. والاخبار الواردة في تفسيرهما ظاهرة الدلالة على ما ذكره المشهور عدى صحيحة الاخوين التي استدل بها العلامة (قده) ومن تبعه من الاعلام على أن الكعب عبارة عن مفصل الساق والقدم واليك نصها.

[ 172 ]

عن زرارة وبكير انهما سألا أبا جعفر (ع) عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله: فدعا بطست أو تور فيه ماء فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على وجهه. إلى أن قال: فإذا مسح بشئ من رأسه، أو بشئ من قدميه ما بين الكعبين إلى الاطراف فقد اجزأه قال: فقلنا أين الكعبان؟ قال: ههنا يعني المفصل دون عظم الساق، فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: هذا من عظم الساق، والكعب أسفل من ذلك. الحديث (* 1). ويرد الاستدلال بها ان الصحيحة غير ظاهرة في ارادة مفصل الساق والقدم، لاحتمال أن يراد بالمفصل قبة القدم، لانه قد يطلق على المفصل نظرا إلى أنه مفصل الاشاجع وسائر العظام. والدليل عليه قوله (ع) والكعب اسفل من ذلك، فان المفصل عبارة عن خط موهومي وليست فيه مسافة: بعد أو قرب، وقوله هذا يدلنا على أن بين المفصل والكعب مسافة، ولا يستقيم هذا إلا بأن يكون الكعب هو المفصل الواقع في قبة القدم، فان بينه وبين مفصل الساق والقدم مسافة هذا كله. على انا لو سلمنا ظهور الصحيحة فيما ادعاه العلامة وتابعوه فلا مناص من رفع اليد عن ظهورها بحملها على معنى آخر جمعا بينها وبين الاخبار الآتية الدالة على ما سلكه المشهور في تفسير الكعب، لان الصحيحة لا تقاوم الاخبار الآتية في الظهور، واليك جملة من الاخبار الدالة على ما ذكره المشهور. (منها): موثقة ميسر عن أبي عفر (ع) قال: الا احكي لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أخذ كفا من ماء فصبها على وجهه.


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 173 ]

إلى أن قال: ثم مسح رأسه وقدميه، ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال: هذا هو الكعب، وقال: وأومى بيده إلى الاسفل العرقوب ثم قال: ان هذا هو الظنبوب (* 1) ودلالتها على ما ذهب إليه المشهور غير قابلة للانكار وقوله أخيرا: ان هذا هو الظنبوب ورد ردا على العامة المعتقدين انه هو الكعب. و (منها) صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الاصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم (* 2) فان ظاهر القدم إما عبارة عن أول الاصابع إلى الساق أو انه عبارة عن خصوص العظم الناتي في قبة القدم. والاول غير محتمل في الرواية لمكان قوله: إلى ظاهر القدم. فانه بيان لقوله: إلى الكعبين، والمفروض انه قد مسح رجله من أول أصابعه إلى ظاهر القدم فكيف يمكن معه ارادة أول الاصابع إلى الساق، فالمعنى الثاني هو المتعين في الرواية. ثم ان هذا على تقدير كون النسخة ظاهرة القدم. واما بناء على انها ظهر القدم فالامر أوضح، لان ظهر القدم صحيح الاطلاق على قبة القدم. وإذا تمت دلالة الروايتين على ما سلكه المشهور في بيان المراد من الكعب أمكن الجمع بينهما وبين الصحيحة المتقدمة بأن الكعب عبارة عن العظم الناتي في قبة القدم إلى المفصل اعني مفصل الساق والقدم بأن تكون الصحيحة واردة لبيان منتهى الكعب والروايتان واردتين لبيان أوله فلا تعارض بين الطائفتين.


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل (* 2) المروية في ب 24 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 174 ]

هل الغاية داخلة في المغيى؟ بقي الكلام في أن الغاية داخلة في المغي حكما أو غير داخلة فيه؟ قد نسب إلى العلامة والمحقق الثاني ان الكعبين داخلان في المغيى فيجب مسح الكعبين أعني الغاية كما يجب المسح فيما بينهما إلى الاصابع وهو المغيى. والتحقيق ان هذا النزاع - بناء على أن الكعب هو مفصل الساق والقدم - لا يرجع إلى محصل، فان المفصل خط موهومي غير قابل للتجزءة كالنقطة الموهومة، فكيف يمكن مسحه ببعضه أو بتمامه: نعم لا بأس بهذا النزاع بناء على ان الكعب هو العظم الناتي في قبة القدم. إلا أن الصحيح انه مجرد نزاع علمي من دون أن يترتب عليه أية ثمرة عملية وذلك لان ان اريد من دخول الغاية - أعني الكعبين - في المغيي - دخولها بتمامها، بأن يجب مسح قبة القدم بتمامها. ففيه: ان لازم ذلك وجوب الاستيعاب في مسح القدم، وقد عرفت ان مسح ظاهر القدم بتمامه غير معتبر في الوضوء. وقد أبطلنا القول بذلك في المباحث السابقة بما لا مزيد عليه للادلة المتقدمة في محلها، ولا أقل من الاخبار الدالة على عدم وجوب الاستبطان تحت الشراكين الصريحة الصريحة في عدم وجوب الاستيعاب في مسح تمام ظاهر القدم. وان اريد منه ادخال شئ من العظم الناتي في قبة القدم في الممسوح بأن يمسح ما بين الاصابع إلى مقدار من الكعبين من باب المقدمة العلمية وتحصيل الجزم بالامتثال والاتيان بالمأمور به، لعدم امكان المسح من الاصابع إلى الكعبين بحده على نحو لا يدخل شئ من المبدء وللمنتهى في المحدود على ما قدمناه في غسل الوجه

[ 175 ]

واليدين. وبهذا تصبح المسألة خالية عن الثمرة العملية ويتمحض التزاع في البحث العلمي الصرف. وعلى أي تقدير قد اتضح مما سردناه عدم امكان الاستدلال على وجوب مسح الكعبين بقوله عز من قائل: وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين. بدعوى ان إلى بمعنى مع في الآية المباركة وان معنى الآية وجوب مسح الارجل مع الكعبين. والوجه في عدم تمامية هذا الاستدلال انه على تقدير تسليم ان إلى بمعنى مع، ان اريد بذلك وجوب مسح الكعبين من أولهما إلى آخرهما فهو باطل جزما، لعدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين كما مر وان اريد به وجوب مسح بشئ منهما فقد عرفت انه مما لا مناص من الالتزام به من باب المقدمة العلمية سواء اكانت الغاية داخلة في المغي أم كانت خارجة، كما ان الاستدلال على دخولهما فيما يجب مسحه بأن الغاية داخلة في المغيى مما لا وجه له والوجه فيه عدم كون ذلك من القواعد المسلمة حتى يمكننا الاعتماد عليه في محل الكلام لضرورة انها بعد اول الكلام على انا لو أغمضنا عن ذلك فلا اشكال في ان الغاية لو كانت داخلة في المغيى فانما يدخل فيه شئ من أجزائها، ولم يتوهم أحد كونها داخلة في المغيى بتمامها - مثلا - إذا قيل: صم من أول النهار إلى الليل لم يكن معنى ذلك: صم من أول النهار إلى آخر الليل. بل معناه - بناء على ان الغاية داخلة في المغيى - صم من أول النهار إلى مقدار من الليل. وهذا مما لا مناص من الالتزام به في جميع موارد التحديد من باب المقدمة العلمية كما تقدم. وأما الاستدلال على وجوب مسح الكعبين بمرسلة يونس المتضمنة على أن ابا الحسن (ع) بمنى مسح ظهر قدميه من الكعب إلى أعلى

[ 176 ]

القدم (* 1) نظرا إلى ان ظاهرها انه (ع) قد مسح رجليه من نفس الكعبين. فيدفعه: ما قدمناه آنفا من ان مسح شئ من الكعبين من باب المقدمة العلمية مما لا مناص من الالتزام به سواء قلنا بدخول الغاية في المغيى أم لم نقل بعد عدم احتمال مسحه (ع) الكعبين بتمامهما، لوضوح عدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين. ولاجل هذا ذكرنا ان بحثنا هذا مجرد بحث علمي لا يترتب عليه أية ثمرة عملية هذا. والانصاف ان الحق - في هذا البحث العلمي - مع القائلين بعدم وجوب مسح الكعبين وذلك لصحيحة الاخوين: حيث ورد فيها: فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه ما بين الكعبين إلى اطراف الاصابع فقد أجزأه (* 2). لصراحة ذلك في ان المقدار الذي يجب مسحه انما هو المقدار الواقع بين الكعبين واطراف الاصابع دون الكعبين - بعينهما - وهذا واضح. وفي طهارة المحقق الهمداني: فإذا مسحت بشئ مما بين كعبيك إلى آخر أطراف اصابعك (* 3) وهو اشتباه فليلاحظ هذا كله في مسح الرجلين بحسب الطول واما عرضا فقد أشار إليه الماتن (قده) بقوله ويكفي المسمى عرضا.


(* 1) قال أخبرني من رأى أبا الحسن (ع) يملى يمسح ظهر القدمين من أعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى أعلى القدم ويقول الامر في مسح الرجلين موسع من شاء مسح مقبلا ومن شاء مسح مدبرا. فانه من الامر الموسع ان شاء الله. المروية في ب 20 من ابواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل. (* 3) راجع ص 161 من كتاب الطهارة.

[ 177 ]

[ ويكفي المسمى عرضا (1) ولو بعرض اصبع أو اقل، والافضل أن يكون بمقدار عرض ثلاث أصابع، وافضل من ذلك مسح تمام ظهر القدم، ] كفاية المسمى عرضا: (1) هذا هو المعروف بين أصحابنا (قدس الله أسرارهم) وعن الصدوق في الفقيه وجوب المسح - على جميع الاصابع - بمقدار الكف واليه مال المحقق الاردبيلي (قده) فيما حكى عنه وعن المفاتيح أنه لولا الاجماع لجزمنا به، ونسب إلى ظاهر النهاية والمقنعة وجوب المسح بمقدار عرض اصبع واحدة وعن الاشارة والغنية ان الاقل اصبعان وعن بعضهم لزوم كون المسح بمقدار ثلاث أصابع هذه هي أقوال المسألة. أما القول بوجوب المسح بالاصبع الواحدة في الرجلين فلم يدلنا عليه أي دليل. نعم ورد في بعض الاخبار مسح الرأس بالاصبع الواحدة. ولكنا قدمنا هناك ان المسح بها من باب انه أقل ما يمكن به المسح المأمور به لا من جهة انه المأمور به بالخصوص. على انا ذكرنا أن باطن الاصبع شبيه بالدائرة فالمسح به أقل من عرض الاصبع الواحدة، ولعل القائل ذلك اراد كفاية المسمى في المسح المأمور به. وأما القول باعتبار كون المسح بالاصبعين فهو أيضا مما لم نعثر عليه بدليل ولو كان رواية ضعيفة. وأما اعتبار كون المسح بثلاثة أصابع فيأتي أن مدركه هو ما رواه معمر بن عمر عن أبي جعفر (ع) قال: يجزي من المسح على الرأس موضع

[ 178 ]

ثلاث أصابع وكذلك الرجل (* 1) وسيأتي انها روايه ضعيفة غير قابلة للاستدلال بها على شئ. على ان القائل بذلك غير معلوم. إذا العمدة في المقام هو ما نسب إلى الصدوق (قده) من وجوب مسح الجميع بالكف. وقد يستدل عليه بصحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الاصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم. فقلت: جعلت فداك لو ان رجلا قال: باصبعين من أصابعه هكذا فقال: لا الا بكفيه (بكفه) كلها (* 2) وقد دلت على ان المسح لابد أن يكون بالكف على الاصابع. ويؤيد ذلك برواية عبد الاعلى مولى آل سام قال، قلت لابي عبد الله عليه السلام عثرت فانقطع ظفري فجلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا واشباهه من كتاب الله عزوجل قال الله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج امسح عليه (* 3). والوجه في التأييد واضح لان المسح على جميع الاصابع إذا لم يكن مأمورا به في الوضوء لم يكن وجه لسؤال الراوي بعدما عثر وانقطع ظفره وجعل عليه مرارة بقوله: كيف اصنع؟ لوضوح انه وقتئذ يمسح على بقية أصابعه فما الموجب لتحيره وسؤاله. فمن ذلك ومن جوابه (ع) امسح عليه يظهر بوضوح ان مسح الاصابع بأجمعها أمر معتبر في المأمور به ون وجوبه من الامور المرتكزه في أذهانهم ومن هنا أوجب (ع) المسح على المرارة بدلا عن الاصبع من دون أن يردع السائل عما كان مرتكزا في ذهنه.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 24 من ابواب الوضوء من الوسائل (* 3) المروية في ب 39 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 179 ]

واحتمال ان سؤاله (كيف اصنع) سؤال عن المسح المستحب كاحتمال وجود المانع في بقية أصابعه بعيد غايته. ومقتضى الصحيحة المتقدمة المؤيدة بتلك الرواية هو ما ذهب إليه الصدوق (قده) من وجوب كون المسح بالكف على جميع الاصابع. وقد يقال ان الصحيحة معارضة بعدة روايات دلتنا على كفاية المسمى في مسح الرجلين بحسب العرض. (منها): صحيحة الاخوين: وإذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك ما بين كعبيك إلى اطراف الاصابع فقد أجزاك (* 1) أواذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه مابين الكعبين إلى اطراف الاصابع فقد أجزأه كما في صحيحتهما الاخرى (* 2) بدعوى ان ظاهرهما كفاية المسمى من المسح في القدمين. ويدفعه: ان ذلك يبتنى على ان يكون قوله (ع) ما بين. بيانا للقدمين ليكون حاصله أنه إذا مسح بشئ مما بين الكعبين إلى اطراف الاصابع فقد أجزأه فيدلنا على كفاية المسح عرضا بل وعلى كفايته بحسب الطول أيضا وأما إذا كان بيانا للشئ كما لعله الظاهر منه، لانه يقتضي أن يكون قوله (ع) ما بين. توضيحا للشئ وحاصله انه إذا مسح بما بين كعبيه إلى اطراف الاصابع فقد اجزأه. فلا دلالة للروايتين على كفاية المسمى بوجه بل مقتضاها لزوم المسح في تمام ما بين الكعبين إلى اصابع. و (منها): صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر (ع) ألا تخبرني من أين علمت وقلت ان المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين.


(* 1) المروية في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل (* 2) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 180 ]

إلى أن قال فعرفنا حين وصلهما بالرأس ان المسح على بعضهما. (* 1) وهي صريحة الدلالة على كفاية المسمى في مسح الرجلين. ويرده: ان الظاهر من الصحيحة انما هي بصدد الردع عما التزم به المخالفون من وجوب كون المسح على باطن الرجل وظاهرها كما ورد الامر بذلك في بعض رواياتنا أيضا (* 2). وقد دلتنا على ان مسح كل من باطن الرجل وظاهرها غير واجب في المأمور به بل يكفي المسح ببعضهما اعني ظاهرهما وذلك لان ظاهر الرجل - بتمامه - بالاضافة إلى المجموع من ظاهرها وباطنها مما يصدق عليه بعض الرجل فاطلاق البعض في الصحيحة يحتمل أن يكون - في قبال الظاهر - والباطن ومن الواضح ان تمام ظاهر الرجل في مقابل الباطن والظاهر بعض الرجل. إذا لا دلالة للصحيحة على كفاية مسمى المسح اعني مسح بعض الظاهر من الرجل ومعه كيف يصح أن يكون معارضة لصحيحة البزنطي المتقدمة؟! و (منها): رواية معمر بن عمر عن أبي جعفر (ع) قال: يجزى من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع وكذلك الرجل (* 3) وهي أيضا صريحة الدلالة على كفاية المسح موضع ثلاث اصابع في الرجل وعدم وجوب المسح في تمامها وعلى هذه الرواية اعتمد القائلون بوجوب كون


(* 1) المروية في ب 23 من أبواب الوضوء من الوسائل (* 2) كرواية سماعة عن أبي عبد الله (ع) قال إذا توضأت فامسح قدميك ظاهرهما وباطنهما. والمرفوعة إلى أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) في مسح القدمين ومسح الرأس فقال: مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس ومؤخره ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما. المرويتين في ب 23 من ابواب الوضوء من الوسائل. (* 3) المروية في ب 24 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 181 ]

المسح بمقدار ثلاث أصابع. ولكن يردها: ان الرواية وان كانت صريحة الدلالة على المدعى وان مسح جميع الاصابع بالكف غير معتبر في الوضوء الا انه ضعيفة السند لان معمر بن عمر مجهول لم يوثقة اهل الرجال وفي طهارة المحقق الهمداني (قده) معمر بن خلاد بدل معمر بن عمر وهو من الثقات الا انه مبني على الاشتباه لان الراوي لها في كتب الحديث معمر بن عمر دون غيره. و (منها): ما رواه جعفر بن سليمان عمه (* 1) أو عن عمه (* 2) قال سألت أبا الحسن موسى (ع) قلت جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقا فيدخل يده فيمسح ظهر قدميه أيجزيه ذلك؟ قال: نعم (* 3) ودلالتها على المدعى - أعني كفاية مسمى المسح - وعدم وجوب مسح الاصابع كلها بالكف كدلالة الرواية المتقدمة عليها ظاهرة، لان الخرق بحسب العادة المتعارفة أي مقدار فرضنا له من السعة لا تبلغ حدا يدخل فيه الكف بتمامه ليمسح به الاصابع وظهر القدم. بل انما يكون مقدار ا يدخل فيه الاصبع الواحدة ويمسح بها مقدارا من ظهره. الا انها أيضا كسابقتها ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها على شئ لعدم توثيق جعفر بن سلميان وجهالة حاله هذا على تقدير أن تكون النسخة جعفر بن سليمان عمه أي عم الراوي المتقدم على في السند وهو القاسم بن محمد. وأما بناء على ان النسخة جعفر بن سليمان عن عمه فالامر اشكل لان عم الرجل مجهول.


(* 1) كما في التهذيب عن الكافي (* 2) كما عن الكافي ج 1 ص 10 من الطبعة الحديثة راجع تعليق الحدائق ج 2 ص 292 من الطبع الحديث (* 3) المروية في ب 23 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 182 ]

وفي سند الرواية على بن اسماعيل. وقد وقع الكلام في ان المراد به أي شخص فنقل الكشي عن نضر بن الصباح أنه علي بن اسماعيل السندي وحكم بوثاقته. وهذه الدعوى منه غير ثابته إذ لم تر رواية يقع في سندها علي بن اسماعيل السندي وشهادة نضر بن الصباح على أنه هو السندي لا اعتداد بها كما لا يخفى. واستظهر سيدنا الاستاذ مد ظله ان علي بن اسماعيل المذكور في سند روايات كثيرة من هذه الطبقة منصرف إلى علي بن اسماعيل بن عيسى الثقة وقال: سيجيئ الكلام في اتحاد مع علي بن السندي وعدمه. وذكر في ترجمة علي بن السندي ان الاتحاد لم يثبت لاحتمال تعددهما واشتراكهما في بعض الرواة والمروي عنهم لوحدة الطبقة. فعلى هذا لايد من الحكم بوثاقة السند من هذه الجهة وان كان ضعيفا من جهة جعفر ابن سليمان. نعم ذكر مد ظله عند التعرض لترجمة علي بن السندي أنه قد تقدم في ترجمة علي بن اسماعيل بن شعيب ان علي بن اسماعيل في هذه الطبقة ينصرف إلى علي بن اسماعيل بن شعيب وهذا ينافي ما قدمنا نقله فراجع تمام كلامه وتأمل في جهاته وأطرافه. وإلى هنا تحصل ان صحيحة البزنطي المؤيدة برواية عبد الاعلى مما لا معرض له ومن هنا مال المحقق الاردبيلي (قده) إلى وجوب مسح اصابع كلها بالكف. وذكر صاحب المفاتيح انه لولا الاجماع على خلافه لكان القول به متيقنا هذا. ومع ذلك كله الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور في المسألة من كفاية

[ 183 ]

المسمي في مسح ظاهر الرجلين بحسب العرض وذلك لعدم امكان الاعتماد على صحيحة البزنطي من وجوه: (الاول): ان الصحيحة على ما في الوسائل المطبوعة جديدا مشتملة على لفظة (بكفيه) كما أن نسخة التهذيب اشبه أن تكون كذلك (* 1) وقد نقلت الرواية في الوافي مشتملة على لفظة (بكفه). فعلى تقدير ان تكون الرواية مشتملة على لفظة (بكفيه) يتعين حملها على التقية، لان الظاهر المتفاهم لدى العرف من مسح الرجل بكفين انما هو مسح ظاهر الرجل باحداهما ومسح باطنها بالاخرى وهذا موافق لمذهب المخالفين ومخالف للمذهب الحق عندنا فلا مناص من حمل الرواية على التقية وقتئذ وهذا بخلاف ما إذا كانت الرواية مشتملة على لفظة (بكفه) إذ لا موجب للحمل على التقية معه وهذا ظاهر إذا فلا مناص من الفحص التام عن النسخ الصحيحة حتى يظهر ان الرواية مشتملة على أيتهما فان ظهرت احداهما فهو وإلا أصبحت الرواية مجملة وسقطت عن الاعتبار لجهالة انها مشتملة على أية لفظة. (الثاني): ان مقتضى قانون الاطلاق والتقييد تقييد صحيحة البزنطي بمثل صحيحة زرارة وغيرها مما دل على أن الواجب انما مسح بعض الرجلين لا تمامهما وحمل المسح في المجموع على الندب والاستحباب وذلك لا ناقد أثبتنا بمقتضى الاخبار الواردة في المقام ان المراد بالكعب هو قبة ظاهرة القدم دون العظمين الناتيين عن يمين الساق وشماله. وقد أسلفنا ان المسح في الرجل لا بد أن ينتهي إلى الكعبين بحسب الطول ولا يكفي مسمى المسح طولا وعليه لابد من أن يكون المراد بالارجل في الآية المباركة خصوص ظاهر الرجلين لان الظاهر هو المشتمل على الكعب دون الباطن بالخصوص ولا ما هو اعم من الظاهر والباطن حيث

[ 184 ]

ليس في باطن الرجل كعب ينتهي إليه المسح بالمأمور به. اللهم الا أن يراد بالكعب في الباطن المحل المحاذي لقبة القدم في ظاهر الرجل ولكنه اضمار وتقدير ولا قرينة على ارتكابه بوجه فإذا أريد بالرجل ظاهرها ودخلت عليه كلمة الباء فلا محالة تدلنا على ارادة بعض ظاهر الرجل فقوله (ع) فعرفنا حين وصلهما بالرأس ان المسح على بعضهما أي على بعض ظاهر الرجلين ومعه تصبح الصحيحة كالصريحة في كفاية المسمى في مسح الرجلين بحسب العرض، لعدم امكان ارادة البعض بحسب الطول بمقتضى الاخبار المتقدمة الدالة على لزوم انتهاء المسح إلى الكعبين - طولا -. وبعبارة أخرى تارة تكون كلمة الباء داخلة على الرجلين من دون تقييدهما بشئ وتدل حينئذ على ارادة البعض منهما ومعه يمكن أن يقال ان ظاهرهما ارادة بعض من الرجلين فلا دلالة لمثله على كفاية مسح بعض ظاهرهما. واخرى تدخل (الباء) على الرجلين المقيدتين بالكعبين وحينئذ تدلنا على ارادة بعض ظاهرهما فقط لانه لا وجود للكعب في باطنهما فذكره يكون قرينة على ارادة الظاهر فحسب وكلمة (الباء) تقتضي حينئذ ارادة بعض ذلك الظاهر وبذلك نقيد صحيحة البزنطي لا محالة. (الثالث): ان عدة من الروايات دلتنا على أن من نسى مسح رأسه حتى دخل في الصلاة لم تجب عليه اعادة الوضوء من أوله. بل إذا كانت في لحيته أو حاجبيه أو اشفار عينيه بلة بقدر ما يمسح به رأسه ورجليه أخذ البلل من لحيته أو اشفار عينيه أو غيرهما. ثم يصلي ومن جملتها موثقة مالك بن أعين (* 1) عن أبي عبد الله (ع) قال: من نسى مسح رأسه ثم ذكر انه لم يمسح رأسه فان كان في لحيته بلل. فليأخذ منه


(* 1) موثقة بعثمان بن عيسى الواقفي

[ 185 ]

وليمسح رأسه وان لم يكن في لحيته يلل فلينصرف وليعد الوضوء (* 1). ومقتضى هذه الروايات كفاية المسمى في مسح الرجلين لقضاء العادة على أن البلل المتخلف في الحاجبين أو الاشفار أو اللحية لا يكون بمقدار يفي لمسح جميع ظاهر الرجلين. فهذا أيضا نقيد اطلاق الصحيحة المتقدمة فلا حظ. نعم قد يحتمل أن تكون هذه الروايات مختصة بمن نسي مسح رأسه فليكن المسمى كافيا في حقه - في مسح الرجلين - ولا دلالة لها على كفاية المسمى في غير ناسي المسح. ويندفع بأن الاخبار المتقدمة وان كانت واردة في خصوص ناسي المسح غير ان المستفاد منها انه لا خصوصية للناسي في الحكم المذكور. بل انما هو يمسح بالمقدار الذي يعتبر في المسح لولا النسيان وذلك لقوله (ع) في بعضها: ان كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه ورجليه فليفعل ذلك وليصل (* 2) فالمقدار الذي يعتبر مسحه في الوضوء مقدار واحد في كل من الناسي وغيره إلا ان الناسي له أن يأخذ البلل من لحيته وحاجبيه ونحوهما. (الرابع): السيرة المتحققة بين المتشرعة فانها حجة ممضاة من غير نقاش والسر في ذلك ظاهر فان المكلف يبتلى بالوضوء في كل يوم ثلاث مرات على الاقل فلو كان الاستيعاب في مسح الرجلين واجبا في مثله كما ادعاه الصدقو (قده) لظهر وبان ولكان ذلك من الامور الواضحة عندهم فالتسالم القطعي بين أصحابنا (قدهم) كاشف قطعي عن عدم وجوب الاستيعاب في مسح الرجلين حيث لم ينقل ذلك عن غير الصدوق (قده) نعم مال إليه المحقق الاردبيلي (قده) على ما حكى


(* 1) المروية في ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل (* 2) ضعيفة بالقاسم بن عروة

[ 186 ]

[ ويجزي الابتداء بالاصابع وبالكعبين (1) والاحوط الاول ] كما عرفت. وعلى ذلك مناص من رفع اليد عن صحيحة البزنطي وتقييدهم بمقتضى الادلة الاربعة المنقدمة والاكتفاء في مسح الرجلين بالمسمى عرضا، فقد اتضح بما ذكرناه ان الحق هو ما ذهب إليه المشهور في المسألة بعدما قدمناه من بطلان الاقوال الاخر كما مر. جواز المسح مقبلا ومدبرا: (1) وقد يعبر عن ذلك بالمسح مقبلا ومدبرا والوجه في كفاية المسح من طرف الكعب إلى الاصابع صحيحه حماد عن أبي عبد الله (ع) المروية تارة في خصوص مسح القدمين (قال: لا بأس بمسح القدمين مقبلا ومدبرا) (* 1) وأخرى في مسح الوضوء (قال: لا بأس بمسح الوضوء مقبلا ومدبرا) (* 2) ومن هنا احتمل اتحاد الروايتين على ما أشرنا إليه في مسح الرأس. ومرسلة يونس قال: أخبرني من رأى أبا الحسن (ع) بمنى يمسح ظهر القدمين من أعلى القدم إلى الكعب ومن الكعب إلى أعلى القدم وبقول: الامر في مسح الرجلين موسع من شاء مسح مقبلا ومن شاء مسح مدبرا، فانه من الامر الموسع ان شاء الله (* 3) وقوله من أعلى القدم أريد منه الاصابع بقرينة قوله إلى الكعب هذا على أن جواز النكس هو المطلق للقاعدة لاطلاق الآية المباركة والاخبار الآمرة بمسح الرجلين إلى الكعبين من دون تقييده بشئ كما لا يخفى على من لاحظ الاخبار البيانية.


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 187 ]

الواردة في الوضوء. وليس في البين ما يقتضى وجوب المسح من الاصابع إلى الكعبين غير قاعدة الاشتغال - بناء على أن المورد مورد الاشتغال دون البراءة - إلا أن من الواضح أن أصالة الاشتغال مما ليس له معارضة الاخبار والدليل. وقد جاء في كلام المحقق الهمداني (قده) والوضوءات البيانية) ولم نقف نحن على شئ من الاخبار الواردة في الوضوءات البيانية يدلنا على أن المسح لابد أن يكون من طرف الاصابع إلى الكعبين. وأما ما ورد في الآية المباركة وبعض الاخبار المتقدمة من تحديد مسح الرجلين إلى الكعبين فقد تقدم ان قوله إلى الكعبين غاية للمسوح دون المسح كما ان الغاية في غسل الوجه واليدين غاية للمغسول دون الغسل هذا كله في جواز المسح نكسا. هل يجوز المسح بصائر الكيفيات؟: فهل يجوز المسح بغير ذلك من الانحاء والكيفيات كما إذا مسح نصف رجله مقبلا ونصفها الآخر مدبرا بأن مسح إلى منتصف القدم من طرف الاصابع ومسح النصف الآخر من طرف الكعبين فتلاقيا في الوسط أو مسح من اليمين إلى الشمال وبالعكس أو مسح مؤربا أو لا يجوز؟ فيه خلاف بنى الاصحاب (قدس الله اسرارهم). وذهب المحقق الهمداني (قده) إلى عدم الجواز. ويبتني هذه المسألة على تحقيق أن مقتضى الاطلاقات وصحيحة البزنطي - أعني القاعدة الاولية - مع قطع النظر عن صحيحة حماد أي شئ؟ فهل مقتضى القاعدة عدم جواز المسح

[ 188 ]

[ كما أن الاحوط تقديم الرجل اليمنى على اليسري (1) وان كان الاقوى جواز مسحهما معا نعم لا يقدم اليسرى على اليمنى. ] إلا من طرف الاصابع إلى الكعبين وقد خرجنا عن مقتضى القاعدة والاطلاقات في خصوص المسح نكسا بدلالة صحيحة حماد المتقدمة فتبقى بقية الكيفيات تحت القاعدة واطلاقات المنع أو ان القاعدة والاطلاقات لا يقتضيان عدم جواز المسح بسائر الكيفيات؟ الثاني هو الصحيح وذلك لان الآية المباركة والاخبار الواردة في الوضوءات البيانية لا تعرض في شئ منهما على الكيفية المعتبرة في المسح المأمور به وقد أسلفنا ان التحديد في الآية المباركة وفي بعض الاخبار البيانية بقوله: إلى الكعبين. انما يرجع إلى الممسوح دون المسح. وصحيحة البزنطي المتقدمة أيضا كذلك لانها بصدد بيان المقدار المعتبر بحسب الكم ومن هنا سأله الراوي عن جواز المسح باصبعين. وليس لها نظر إلى بيان الكيفية المعتبرة في المسح فعلى ذلك مقتضى اطلاق قوله عز من قائل وأمسحوا برؤسكم وأرجلكم واطلاق الاخبار الآمرة بمسح الرأس والرجلين كما في الاخبار الواردة في الوضوءات البيانية جواز المسح كيفما اتفق فلا مانع من مسح مقدار من الرجل مقبلا ومقدار آخر مدبرا والمسح من اليمين إلى الشمال أو بالعكس أو المسح موربا. تقديم الرجل اليمنى على اليسرى: (1) ذهب جمع كثير من الاصحاب (قدس الله أسرارهم) إلى عدم اعتبار الترتيب في مسح الرجلين وأن للمتوضئ أن يمسحهما معا كما أن له يمسح على اليسرى مقدما على مسح اليمنى وبالعكس. وذهب جماعة

[ 189 ]

آخرون من قدماء أصحابنا ومتأخر بهم (قدهم) إلى اعتبار الترتيب بينهما وانه لا بد من تقديم مسح اليمنى على اليسرى بل ادعى على ذلك الاجماع في بعض الكلمات وهذا القول وان ذهب إليه جمع كثير إلا أن القائل بالقول الاول اكثر فهو الاشهر وذلك مشهور. والتزم جماعة قليلون بالتخيير بين مسح الرجلين معا ومسح أحداهما قبل الاخرى الا أنه على تقدير عدم مسحهما معا يقدم اليمنى على اليسرى كم اختاره الماتن (قده) هذه هي أقوال المسألة ومنشأ الخلاف هو اختلاف الانظار فيما يستفاد من الروايات. ويدل على القول الاشهر اطلاق الآية المباركة والاخبار الواردة في الوضوءات البيانية حيث اشتملت على الامر بمسح الرجلنى من دون ان يتعرض إلى اعتبار الترتيب بينهما بل وسكوته (ع) عن بيان ذلك مع كونه بصدد البيان وناظرا إلى اعتبار الترتيب بين أفعال الوضوء، وحيث قال (ع) ابدء بما بدء الله به فاغسل وجهك أولا. ثم اغسل اليدين ثم امسح على رأسك ورجليك (* 1) ولكنه سكن عن بيان اعتبار الترتيب في مسح الرجلين. وبازاء ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: امسح على القدمين وابدأ بالشق الايمن (* 2) مؤيدة ببعض الاخبار الضعاف كرواية أبي هريرة وغيرها (* 3) كما ورد في قباله أيضا التوقيع المروي عن الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان (ع) أنه كتب إليه


(* 1) هذا مضمون صحيحة زرارة المروية في ب 34 من أبواب الوضوء وقد صرح بجملة (ابدء بما بدأ الله في ذيل هذه الصحيحة وصحيحة زرارة الاخرى المروية في ب 34 من أبواب الوضوء فليلاحظ. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 34 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 190 ]

يسألة عن المسح على الرجلين بأيهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعا معا؟ فأجاب (ع) يمسح عليهما جميعا معا فان بدأ بأحداهما قبل الاخرى فلا يبدأ إلا باليمين (* 1) إذا عرفت ذلك فليتكلم في جهتين: (الجهة الاولى): في أن صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة هل تصلح أن يقيد بها الاطلاقات المتقدمة الدالة على عدم اعتبار الترتيب في مسح الرجلين أو انه غير صالحة لذلك. فعلى تقدير كونها صالحة للتقييد بها يسقط بذلك القول الاشهر لا محالة. ثم بعد ذلك نتكلم في الجهة الثانية في أن خبر الاحتجاج هل يرفع به اليد عن اطلاق صحيحة محمد بن مسلم فتقيدها - لاجله - بما إذا لم يمسحهما جميعا أو أنه غير صالح لذلك؟ فعلى الاول يثبت به ما ذهب إليه الماتن (قدس الله سره) كما أنه على الثاني يثبت به قول المشهور في المسألة فتجب مراعاة الترتيب في مسح الرجلين بتقديم مسح اليمنى على اليسرى. (أما الجهة الاولى): فقد ذكر المحقق الهمداني (قده) أن الصحيحة ومؤيداتها لا تصلح أن تكون مقيدة لتلك المطلقات الكثيرة الواردة في محل الحاجة وان رفع اليد عن اطلاق الآية والروايات بالتزام اهمالهما أو أو احتفائهما بقرائن حالية أو مقالية أو بالتزام كونها مسوقة لبيان الحكم الظاهري دون التكليف الواقعي أوغير ذلك مما يصحح به تأخير ذكر القيد عن وقت الحاجة في مثل هذا الحكم العام البلوى ليس بأهون من حمل الامر في هذه الصحيحة ومؤيداتها على الاستحباب. ولكن الظاهر أن الامر ليس كما أفيد لانه لا محذور في تقديم الصحيحة على كل من اطلاقي الآية والروايات أما اطلاق الآية المباركة فلانه ما من اطلاق كتابي إلا وهو مقيد بشئ حيث أنه سبحانه لم يتعرض للخصوصيات


(* 1) المروية في ب 34 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 191 ]

المعتبرة في كل عبادة أو معاملة بل انما أو كل بيانها إلى النبي صلى الله عليه وآله وأوصياءه عليهم السلام فلا مانع من رفع اليد عن اطلاق الآية المباركة بتلك الصحيحة أبدا. وأما اطلاقات الاخبار البيانية الآمرة بمسح الرأس والرجلين فهي كاطلاق الآية المباركة. وقد عرف أنه لم ترد لبيان الكيفيات المعتبرة في المسح فلا محذور في تقديم الصحيحة عليها. والعمدة في المقام هي الروايات المتكفلة لبيان الترتيب المعتبر بين أفعال الوضوء، لانها مع كونها في مقام البيان لم يتعرض للترتيب المعتبر في مسح الرجلين بل انما أمرت بالبدء بما بدء الله به من غسل الوجه أولا ثم غسل اليدين ثم مسح الرأس والرجلين. ويمكن الجواب عن ذلك بأن عدم تعرض الرواة لكيفية مسح الامام - عليه السلام - مع أنه قد مسحهما بكيفية من الكيفيات لا محالة، لا ستحالة تحقق المسح المطلق خارجا، انما هو من جهة عدم كون مسحه (ع) مغايرا عن الطريقة المتعارفة المرسومة عند الناس أعني مسح اليمني قبل مسح اليسري، فعله لاجل كونه على الوجه المتعارف لم يتعرضوا لنقل كيفيته فلو كان (ع) قد مسحهما على النحو غير المتعارف كمسحهما معا - مثلا - أو بتقديم اليسري على اليمنى لنقلوها لا محالة. فلو ادعى مدع القطع بأن الترتيب المعتبر لو كان على غير الطريقة المتعارفة لنقله الرواة لا محالة لم يكن دعواه دعوي بعيدة وعليه فاطلاق هذه الروايات وسكوتها عن التعرض للترتيب - وهي في مقام البيان - دليل على ما أشرنا إليه من اعتبار الترتيب المتعارف في مسح الرجلين ومع الاغماض عن ذلك فالقدر المتيقن انها غير متكفلة الا للترتيب الوارد في الكتاب وليست بعدد بيان غيره من الكيفيات المعتبرة في الوضوء.

[ 192 ]

[ والاحوط أن يكون مسح اليمنى باليمنى واليسرى باليسري (1) وان كان ] ومن هنا لم يتعرض في جملة من الروايات لبيان الترتيب المعتبر في غسل اليدين مع ان الترتيب بينهما مما لا كلام في اعتباره، فالمتحصل أنه لا مانع من تقييد الاطلاقات المذكورة بالصحيحة المتقدمة وبذلك يظهر ضعف القول الاشهر وسقوطه عن الاعتبار. (وأما الجهة الثانية) وان خبر الاحتجاج هل يصلح أن يقيد به صحيحة محمد بن مسلم أو أنه غير صالح لذلك فيبتنى ذلك على أن طريق الطبرسي إلى الحميري طريق معتبر كما التزم به بعضهم أو انه مما لم يثبت اعتباره؟ وقد ناقشنا فيه سابقا وقلنا إن طريقه لم يعلم اعتباره فعلى الاول لا مناص من تقييد الصحيحة بذلك. ولا يضره عدم عمل المشهور على طبقه، لاحتمال أن يكون الوجه في ذلك عدم عثورهم عليه لعدم نقله في الجوامع المعتبرة كالتهذيب والكافي والفقيه وبه يثبت ما ذكره الماتن (قده) من أن المكلف مخير بين مسح الرجلين معا ومسح أحدهما قبل الاخرى إلا أنه إذا مسح أحدهما دون الاخرى لا بد من أن تقدم مسح اليمنى على اليسري. وأما على الثاني كما هو الصحيح فالخبر ضعيف وبه تبقى الصحيحة خالية عن المعارض فالاخذ بها والحكم بثبوت مسح الرجلين لو لم يكن أقوى فلا أقل من أنه أحوط. ما هو الاحوط في المقام: (1) بل هذا هو المتعين وذلك لان الدليل على جواز المسح في كل من الرجلين بكل من اليدين كمسح اليسري باليمنى وبالعكس أو مسح

[ 193 ]

[ لا يبعد جواز مسح كليهما بكل منهما ] كليهما باليمنى أو كلتيهما باليسرى انما هو الاطلاق في الكتاب العزيز والاخبار البيانية الآمرة بمسح الرأس والرجلين من غير تعيين آلة المسح ولكنا قيدنا اطلاقهما من هذه الجهة بما تقدم من الروايات الواردة في لزوم أن يكون المسح باليد. وأما اطلاقهما من حيث كونه باليد اليمنى أو اليسرى فهو باق بحاله ومقتضاه جواز المسح في كل من الرجلين بكل واحدة من اليدين. وكذا يدل عليه سكوتهم عليهم السلام في مقام البيان كما في الاخبار المتعرضة لا عتبار بعض الخصوصيات في الوضوء حيث لم يتعرض لا عتبار مسح اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى فلو كان ذلك أيضا معتبرا في المسح والوضوء لبينه الامام (ع) كغيره لا نه كان في مقام البيان. نعم ورد في صحيحة زرارة (وتمسح ببلة يمناك ناصيتك وما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى (* 1). وهي وان كانت واضحة الدلالة على التعيين إلا ان الماتن (قده) حملها على الاستحباب وبيان أفضل الافراد تقديما لاطلاق الكتاب والاخبار الكثيرة المتقدمة وسكوت بعضها عن اعتبار ذلك وهي في مقام البيان. ويرده: ما أشرنا إليه في المسألة المتقدمة من أنه ليس هناك أي مانع من تقييد الاطلاقات المذكورة بالرواية المعتبرة لان المطلقات ليست بصدد البيان من تلك الناحية، وحيث ان الصحيحة ظاهرة في التعيين ووجوب مسح اليمنى باليد اليمنى واليسرى باليد اليسرى، لان قوله (ع) وتمسح جملة فعلية ظاهرة في الوجوب لكونها في مقام الانشاء وقد تقدم انها جملة


(* 1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 194 ]

[ وان كان شعر على ظاهر القدمين فالاحوط الجمع بينه وبين البشرة في المسح (1) ] مستقلة وغير معطوفة إلى فاعل (يجزيك) المتقدم في صدر الصحيحة فلا مانع من تقديمها على اطلاقات الكتاب والسنة بوجه. وأما الاخبار الساكتة عن بيان ذلك وهي في مقام البيان فالتحقيق - كما قدمناه - ان عدم تعرض الرواة لنقل هذه الخصوصية من جهة ان مسحهم - عليهم السلام - كان على النحو المتعارف عندنا أعني مسح اليمنى باليد اليمني واليسرى باليد اليسرى وإلا فلو كان مسحهم (ع) على غير الطريقة المتعارفة بأن كان كالاكل من القفا أعني مسح اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى لوجب على الرواة نقل تلك الخصوصية لا محالة لانها خصوصية زائدة يجب نقلها في مقام الحكاية والاخبار إذا لا تبقى دلالة في ذلك على كفاية المسح مطلقا. نعم يمكن أن يقال أن عملهم عليهم السلام لا يدل على وجوب ذلك وتعينه لاحتمال أن يكون مسح اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى مستندأ إلى استحبابه ولاجله لم يهتم الرواة بنقله ولكنه هذا الاحتمال غير مانع عن الاخذ بظاهر الصحيحة في الوجوب كما هو ظاهر فالمتحصل ان المتعين مسح الرجل اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى. الاحوط الجمع في المسح: (1) قد مر وعرفت ان الشعر النابت على الوجه لابد من غسله في الوضوء ولا يجزى غسل البشرة عن غسله وأما النابت على اليدين فقد عرفت أنه لابد من غسله مع اليدين كوجوب غسل غيره من التوابع كاللحم

[ 195 ]

الزائد إذ الاصبع الزائدة النابتة بين الاصابع والمرافق وان لم يكن غسله مجزءا عن غسل البشرة إلا أنه تبعا للبشرة لا بد من غسله معها. وأما النابت على الرأس فهو أيضا لا بد من مسحه ويجزى عن مسح نفس البشرة لان الشعر وان كان جسما خارجيا غير الرأس الواجب مسحه إلا ان الرأس لما لم يكن خاليا عن الشعر غاليا أو دائما كان الامر بمسح الرأس راجعا إلى الامر بمسح ما عليه من الشعر لغلبة وجوده معه. وأما الشعر النابت على الرجلين فقد وقع محل الخلاف بين الاعلام فمنهم من ذهب إلى أن عدم اجزاء مسح الشعر عن مسح البشرة فلا بد من مسح بشرتهما نظرأ إلى أن كلمة الرجل موضوعة لنفس البشرة والشعر جسم خارجي قد ينبت على الرجلين وقد لا ينبت فالامر بمسح الرجلين يقتضي وجوب مسح بشرتهما وعدم كفاية مسح الشعر عن مسحهما. ومنهم من قال بكفاية مسح الشعر عن مسح البشرة لانه معدود من توابعهما والامر بمسحهما أمر بمسح التوابع لا محالة وان انكار ذلك مكابرة للوجدان وتكذيب لما اطبقت عليه كلمة العرف ومن هنا لو أمر السيد عبده بامرار يده على ساقه أو ساعده أو غيرهما من أعضائه لم يخطر بباله ازالة شعرهما - أولا - مقدمة للامتثال: والماتن (قده) لما لم يرجح أحد الامرين على الآخر توقف في المسألة واحتاط - احتياطا لزوميا - بالجمع بين مسح كل من الشعر والبشرة هذا. ولكن الاحتياط لا ترى له وجها في محل الكلام لانه انما يحسن فيما إذا دار الامر بين وجوب مسح البشرة على نحو لا يجزي عنه مسح شعرها ووجوب مسح الشعر على نحو لا يجزى عنه مسح البشرة، مع ان الامر ليس كذلك.

[ 196 ]

لان الشعر النابت على الرجلين ان كان خفيفا بحيث لا يمنع عن رؤية البشرة كما هو الموجود في كل انسان متعارف حيث ينبت الشعر على أصابعه بل وعلى كعبه وأطرافه من دون أن يمنع عن وقوع الابصار على بشرته. فلا اشكال في جواز المسح عليه واجزاء ذلك عن مسح البشرة نفسها، لان الشعر وان كان جسما خارجيا غير البشرة الا أن الرجل لما لم تكن خالية عن الشعر المتعارف كما عرفت كان الامر بمسحها أمرا بمسح شعرها المتعارف أيضا على ما تقدم تفصيله عند التكلم على مسح الرأس، والمسح على مثل ذلك لو لم يكن مجزءا عن المأمور به في مقام الامتثال للزم أن ينبه عليه في الكلام فعدم البيان في مثله دليل على كفاية المسح على الشعر لا محالة. ودعوى ان الشعر قد لا ينبت على الرجل ويبقى موضع المسح خاليا عن الشعر ومعه لا يكون وجود الشعر على الرجل أمرأ دائميا بل ولا غالبيا. مندفعة: يأنها لو تمت فانما تختص بغير الاصابع لان الاصابع ينبت عليها الشعر دائما ولا يوجد بحسب المتعارف انسان إلا وقد نبت الشعر على أصابعه بل وعلى كعبه وأطراف كعبه بحيث لو مسح من أول أصابعه إلى كعبيه على نحو الخط مستقيم لم يصل الخط إلى كعبيه إلا بالمرور على الشعر في مقدار من رجله. نعم لو مسح على نفس البشرة أيضا كان كافيا في مقام الامتثال هذا كله فيما إذا كان الشعر خفيفا لا يمنع عن وقوع الابصار على البشرة. وأما إذا كان الشعر كثيرا وخارجا عن المتعارف كما إذا نبت على تمام رجله أو اكثره على نحو يمنع عن رؤية البشرة تحته فلا ريب في جواز المسح على نفس البشرة وقتئذ لان الشعر خارج عن الرجل وليس

[ 197 ]

[ وتجب ازالة الموانع والحواجب (1) ] أمرا متعارفا ليشمله الامر بمسح الرجل ولا دليل على أن مسحه يجزى عن المسح المأمور به. وأما صحيحة زرارة: كلما أحاط به الشعر فليس على العباد أو للعباد أن يبحثوا عنه ولكن يجرى عليه الماء (* 1) فقد قدمناه انها تختص بالوجه ولا يعم غيره، على أن الكلام في المقام انما هو في المسح والصحيحة مختصة بالغسل بلا كلام لما في ذيلها من قوله (ع): يجرى عليه الماء وذلك لان الجريان لا يتحقق إلا في الغسل وهذا ظاهر فالمتحصل ان مسح البشرة مجزء على كل حال ومعه لا مجال لما صنعه الماتن (قده) من الاحتياط بالجمع في المسح بين البشرة والشعر، يجب ازالة الموانع: (1) لظاهر الكتاب والسنة لدلالتهما على وجوب مسح الرجلين ومن الظاهر أن الرجل لا تصدق على الخف أو غيره من الموانع، إذا لا يكون المسح عليهما مسحا على الرجلين وهو المأمور به على الفرض، وفي رواية الكلبي النسابة عن الصادق (ع) إذا كان يوم القيامة ورد الله كل شئ إلى شيئه ورد الجلد إلى الغنم فترى أصحاب المسح اين يذهب وضوئهم (* 2).


(* 1) المروية في ب 46 من ابواب الوضوء من الوسائل (* 2) المروية في ب 38 من أبواب الوضوء من الوسائل وهي ضعيفة بمحمد علي لانه الهمداني.

[ 198 ]

[ واليقين بوصول الرطوبة إلى البشرة ولا يكفي الظن، ومن قطع بعض قدمه مسح على الباقي (1) ] وظيفة من قطع بعض قدمه: (1) وهذا لا لقاعدة ان الميسور لا يسقط بالمعسور لنناقش فيها بما ناقشنا به في محله ولا للتسالم المدعى في المقام حتى يناقش فيه باحتمال استناد المتسالمين إلى قاعدة ان الميسورلا يسقط بالمعسور. بل لدلالة الكتاب والسنة فان قوله عز من قائل وامسحوا برؤسكم و أرجلكم. من تقابل الجمع بالجمع فيدلنا على أن كل واحد منكم يمسح رأسه ورجليه لوضوح ان كل أحد ليس له إلا رأس واحد ورجلان وليس له رؤوس وارجل فإذا كان معنى الآية ذلك فتدلنا على أن الرجل يجب مسحها على حسب اختلافها بحسب الصغر والكبرو كونها مقطوعة أو غير مقطوعة، إذ الرجل كما يصدق على الرجل غير المقطوعة كذلك تصدق على المقطوعة ولا مناص معه من مسحها. ويؤيد ذلك صحيحة رفاعة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الاقطع فقال: يغسل ما قطع منه (* 1) وصحيحة الثانية عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الا قطع اليد والرجل كيف يتوضأ؟ قال: يغسل ذلك المكان الذي قطع منه (* 2) وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الا قطع اليد والرجل قال: يغسلهما (* 3) ويستفاد من الامر بغسلهما بقاء مقدار من مقطوعهما، والمراد بالغسل


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في باب 49 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 199 ]

[ ويسقط مع قطع تمامه (1) ] في الصحيحتين أعم من المسح ومعناه غسل المقدار الباقي من اليد ومسح المقدار الباقي من الرجل وانما عبر بالغسل للتغليب والازدواج هذا ولكن مستند الحكم في المقام هو الكتاب والسنة والروايتان مؤيدتان للمدعى: يسقط المسح عند قطع الرجل تماما: (1) وذلك لاطلاق الكتاب والسنة ومقابلة الجمع بالجمع وإن اقتضت الانحلال كما مر ودلت على ان كل أحد مأمور بأن يمسح رأسه ورجليه إلا أنه على نحو القضية الحقيقية لا محالة ومقتضاها حينئذ أنه يجب على كل أحد أن يمسح رأسه ورجليه على تقدير أن يكون له رجل ورأس لما ذكرناه غير مرة من أن القيود الخارجة عن الاختيار المأخوذة في المأمور به لابد أن تكون مفروضة الوجود ومع عدمه لا يجب عليه مسح احدى رجليه أو كلتيهما إذا قطعتا معا ويبقى اطلاق الامر بغسل الوجه واليدين في الآية المباركة بحاله هذا أولا. وثانيا: أن قوله عز من قائل في ذيل الآية المباركة وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا يدلنا على أن الامر يغسل الوجه واليدين أعني الوضوء انما يتخص بالواجدين. لوضوح أن التفصيل قاطع للشركة فالوضوء وظيفة الواجد للماء، كما أن التيمم وظيفة الفاقد. والفقدان انما يتحقق بأحد أمرين: أما بفقدان ذات الماء كما هو الغالب في المسافرين ولا سيما في الازمنة القديمة في الصحاري والقفار. وأما بعدم التمكن من استعماله لمرض أو نحوه، إذ المريض كثيرا ما يكون

[ 200 ]

[ (مسألة 25): لا اشكال في أنه يعتبر أن يكون المسح بنداوة الوضوء (1) فلا يجوز المسح بماء جديد، والاحوط ان يكون بالنداوة الباقية في الكف فلا يضع بعد تمامية الغسل على سائر أعضاء الوضوء ] واجدا للذات إلا أنه عاجز عن استعماله لمرضه: وحيث أن مقطوع الرجل أو الرجلين لا ينطبق عليه الفاقد بأحد المعنيين لوجود الماء عنده وتمكنه من استعماله وان لم تكن له رجل فلا محالة يصدق عليه عنوان واجد الماء ومعه يجب عليه الوضوء لانه فريضة الواجد كما مر. على أن الصلاة واجبة في حقه من دون شك. ولا صلاة إلا بطهور والتيمم غير سائغ في حقه لعدم صدق الفاقد عليه فيتعين عليه الوضوء لا محالة فإذا وجب فيجب من غير مسح لا ستحالة التكليف بما لا يطاق ثم ان المعتمد عليه في المسألة انما هو ما قدمناه من اطلاق الكتاب والسنة دون التسالم حتى يناقش فيه باحتمال استناد المجمعين إلى قاعدة ان الميسور لا يسقط بالمعسور. اعتبار كون المسح بنداوة الوضوء: (1) لما تقدم عند التكلم على وجوب مسح الرأس وقلنا ان المسح بالماء الجديد غير مسموح وما دل على جوازه وانه (ع) أمر بالمسح بالماء الجديد (* 1) محمول على التقية كما تقدم.


(* 1) راجع ب 21 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 201 ]

[ لئلا يمتزج ما في الكف بما فيها، لكن الاقوى جواز ذلك (1) ] (1) هذا الذي ذكره الماتن (قده) قد ذهب إليه جماعة من الاعلام (قدس الله أسرارهم) وذهب آخرون إلى عدم جوازه إلا مع جفاف بلة اليد ومنشأ الخلاف في ذلك ان الروايات الدالة على لزوم كون المسح بالبلة الباقية كما ورد في الوضوءات البيانية من أنه (ع) مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه ولم يجدد ماء أو لم يحدث لهما ماء جديدا على ما رواه زرارة وبكير (* 1) أو أنه مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء كما في صحيحة زرارة (* 2) أو أنه مسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلة يساره وبقية بلة يمناه كما في صحيحته الاخرى (* 3) وغيرها من الروايات هل تصلح أن تكون مقيدة للمطلقات من الآية المباركة والاخبار الواردة بمضمونها، كما اشتمل على الامر بمسح الرأس والرجلين من دون تقييد بشئ. (* 4) أو انها غير صالحة لتقييدها وان قيدناها بأن يكون المسح بواسطة اليد لابالة أخرى بمقتضى الاخبار التي قدمناها في محلها، إلا ان اطلاقها من حيث كون المسح ببلة ما في اليد أو غيرها من الاعضاء بحاله؟ وتلك الاخبار غير موجبة لتقييد اطلاقاتها من هذه الجهة كما هو ظاهر.


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل (* 4) وهي عدة روايات منها صحيحة زرارة: إذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك مابين كعبيك إلى اطراف الاصابع فقد أجزاءك المروية في ب 23 من أبواب الوضوء وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) في حديث. قال: وذكر المسح فقال: امسح على مقدم رأسك وامسح على القدمين وابداء بالشق الايمن. المروية في ب 25 من أبواب الوسائل.

[ 202 ]

والصحيح ان الاخبار المذكورة غير صالحة لتقييد المطلقات وذلك لان الاخبار المذكورة انما هي حكاية فعل من الامام (ع) وفعله بما هو فعل لا دلالة له على الوجوب وانما يستفاد الوجوب من اهتمام الرواة بنقله مثلا أو غير ذلك من القرائن. ولا قرينة في تلك الاخبار على أن فعله (ع) مستند إلى الوجوب إذ من الجائز أن يكون مسحه ببلة يده من جهة استحبابه ومع هذا الاحتمال كيف يمكن الاستدلال بها على الوجوب هذا. بل يمكن أن يقال: القرينة قائمة على أن تلك الروايات ليست ناظرة إلى بيان ان المسح يجب أن يكون بالبلة الباقية في اليد وذلك لانها ناظرة إلى بيان أن المسح لابد أن يكون ببلة الوضوء وانه لا يجوز المسح بالماء الجديد كما عليه الجمهور فهذه الروايات غير صالحة للتقييد. نعم ورد في صحيحة زرارة: وتمسح ببلة يمناك ناصيتك وما بقى من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى وتمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسري (* 1) ودلالتها على الوجوب واضحة، حيث دلت على أن مسح الرجل اليمنى باليد اليمنى لابد من أن يكون ببللها كما أن مسح اليسري باليد اليسرى لابد أن يكون كذلك. وبهذه الصحيحة نقيد المطلقات المتقدمة لان قوله (ع) وتمسح جملة


(* 1) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 203 ]

فعلية قد وردت في مقام الانشاء فلا محالة يدلنا على الوجوب وليست معطوفة إلى فاعل (يجزيك) على ما مر مفصلا. ودعوى انها انما وردت لبيان أمر آخر وهو اعتبار تقدم مسح الرجل اليمنى على اليسرى ولا نظر لها إلى لزوم كون المسح بالبلة الباقية في اليد غير مسموعة. لانها كما وردت لبيان الجهة الاولى كذلك وردت لبيان الجهة الثانية فهي ناظرة إلى كلتيهما ومن هنا قيدت المسح بأن يكون بالبلة الباقية في اليد. ونظيرها صحيحة عمر بن أذينة الواردة في معراج النبي صلى الله عليه وآله ثم امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء ورجليك إلى كعبيك (* 1) فان الامر ظاهر في الوجوب وهي أيضا قابلة للتقييد وبهاتين الصحيحتين نقيد المطلقات المتقدمة. وأما الروايات الواردة في أخذ البلل من اللحية أو الحاجبين أو اشفار العينين فلم نجد فيها ما يدلنا على ما نحن بصدده إلا رواية واحدة وهي مرسلة الصدوق (قده) كما يأتي ذكرها. وأما بقية الروايات المذكورة فلا دلالة لها على ذلك بوجه. لانها انما تدل على وجوب أخذ البلة من اللحية أو الحاجبين لمن نسى المسح حتى دخل في الصلاة وأما وجوب الاخذ من بلة اليد ما دامت مبتلة فلا يكاد يستفاد منها بوجه فلا دلالة لها على أن الاخذ من بلة اللحية مثلا انما هو فيما إذا لم تكن اليد مبتلة وأما إذا كانت مبتلة فلا يجوز المسح ببلة اللحية مثلا فلا يمكن استفادتها منها كما عرفت فالاستدلال بها على تقييد المطلقات غير تام هذا. على أن التمسك باطلاقاتها غير صحيح في نفسه وذلك مضافا إلى أن


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 204 ]

الغالب يبوسة بلة اليد فيمن نسى المسح ودخل في الصلاة ان الروايات المذكورة قد دلت على وجوب الاخذ من بلة الحية والحاجبين وهذا مما يلائم الاطلاق أبدا لوضوح ان في صورة وجود البلة في اليد لا يجب أخذ البلة من اللحية أو غيرها بلا كلام وانما الكلام في جوازه وعدمه. وأما الوجوب فهو مقطوع العدم حينئذ كما لا يخفى. أضف إلى ذلك أن أكثرها ضعيفة الاسناد فلاحظ، فاطلاقات تلك الروايات غير قابلة للاعتماد عليها أبدا. وأما مرسلة الصدوق عن الصادق (ع) ان نسبت مسح رأسك فامسح عليه وعلى رجليك من بلة وضوئك فان لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شئ فخذ ما بقي منه في لحيتك وامسح به رأسك ورجليك وان لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك واشفار عينيك وامسح به رأسك ورجليك وان لم يبق من بلة وضوئك شئ أعدت الوضوء (* 1) فلا بأس بدلالتها على المدعى مع الغض عن سندها. نعم الاصحاب غير ملتزمين بالترتيب الوارد في الرواية أعني الترتيب بين الاخذ من بلة اللحية والحاجبين، لعل ذكر اللحية أولا من جهة ان بقاء اليلة فيها أزيد من بقائها في الحاجبين لانها تأخذ الماء اكثر مما يأخذه الحاجبان أو اشفار العينين، ولاجل ذلك قال (ع) وان لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك الخ. ولم يقل وان لم تكن بلة في لحيتك لاستحالة فقدان البلة من اللحية وبقائها في الحاجبين عادة هذا. وقد جاء في كلام صاحب الحدائق (قده) بعد ذكر هذه المرسلة ومثلها رواية زرارة. والظاهر أنه من سهو القلم والاشتباه إذ ليست لزرارة رواية مثل مرسلة الصدوق (قده) نعم له رواية كبقية الاخبار


(* 1) المروية في ب 21 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 205 ]

[ وكفاية كونه برطوبة الوضوء وان كانت من سائر الاعضاء، فلا يضر الامتزاج المزبور، هذا إذا كانت البلة باقية في اليد، واما لو جفت فيجوز الاخذ من سائر الاعضاء (1) ] الواردة في من نسى المسح ودخل في الصلاة والآمرة بالمسح من بلة اللحية فليراجع (* 1). أخذ البلل من سائر الاعضاء: (1) لا اشكال ولا كلام في جواز أخذ البلل من اللحية عند جفاف اليد كما ورد في غير واحد من الروايات وهي وان كان اكثرها ضعيفة السند إلا أن بينها رواية واحدة قابلة للاعتماد عليها في الاستدلال وهي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال إذا ذكرت وأنت في صلاتك إنك قد تركت شيئا من وضوئك (إلى أن قال) ويكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك فتمسح به مقدم رأسك (* 2). وهي بظاهرها وان كانت مطلقة من حيث جفاف اليد ورطوبتها إلا أنه بالنظر إلى أن الاغلب جفاف نداوة اليد فيما إذا ترك المتوضؤ المسح ودخل في الصلاة وتكون الصحيحة كالمختصة بصورة جفاف اليد وتدلنا على أن من جفت يده ثم تذكر أنه ترك مسح الوضوء جاز له يأخذ من بلة لحيته وهذا مما لا كلام فيه. وانما الكلام في أن الاخذ من اللحية هل يتعين حينئذ أو أنه بعد جفاف اليد لا ترتيب بين أعضاء الوضوء فله أن يأخذ البلل من لحيته كما


(* 1) و (* 2) يراجع ب 21 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 206 ]

أن له أخذ البلل من يده اليسرى أو من سائر أعضائه كحاجبيه واشفار عينيه فيه كلام وخلاف بين الاصحاب (قدهم). وقد يستدل على الثاني باطلاقات ما دل على وجوب مسح الرأس والرجلين من دون تقييده بشئ كما في الآية المباركة وغيرها من الروايات الآمرة بمسح الرأس والرجلين بعد تقييدها بأن يكون المسح ببلة اليد، إذ القدر المتيقن من التقييد انما هو صورة وجود اليلة في اليد إذ حينئذ لا يجوز المسح ببلة غيرها من الاعضاء بلا كلام وأما إذا جفت ويبست فلا مناص من الرجوع اإلى المطلقات وحيث أنه لادليل على تقييد المطلقات المذكورة بشي فمقضتاها جواز السح ببلة الوضوء سواء أكانت البلة بلة اللحية أو بلة غيرها من أعضاء الوضوء. ويدفعه أمران: (أحدهما): ما حققناه في المباحث الاصولية من ان اطلاق دليل المقيد مقدم على اطلاق دليل المطلق وبما أن ما دل على لزوم كون المسح بالبلة الموجودة في اليد غير مقيد بحالة رطوبة اليد وعدم جفافها فلا مناص من رفع اليد بذلك عن المطلقات في كلتا صورتي رطوبة اليد ويبوستها والحكم بأن المسح ببلة اليد مطلقا جزء معتبر في الوضوء. وذلك لان صحيحة زرارة وغيرها مما قدمنا دلالته على التقييد قد وردت ارشادا إلى اعتبار المسح ببلة اليد وجزئية ذلك في الوضوء بلا فرق في ذلك بين صورتي التمكن من المسح ببلة اليد وعدمه ومعه لا اطلاق المطلقات بعد يبوسة اليد حتى نتمسك بها في اثبات جواز المسح ببلة أعضاء الوضوء لوضوح ان كفاية المسح ببلة غير اليد وقتئذ يحتاج إلى دليل ولم يقم دليل الا على كفاية المسح ببلة اللحية فحسب فلا مناص من الاقتصار عليه والحكم بعدم جواز المسح ببلة غيرها من الاعضاء.

[ 207 ]

(ثانيهما): أنه على تقدير التنازل وتسليم صحة الرجوع إلى المطلقات في غير الصورة المتيقنة من تقييدها وهي صورة رطوبة اليد اعني ما إذا لم يتمكن المتوضئ من المسح ببلة اليد فالمطلقات غير منطبقة على ما نحن فيه. وذلك لضرورة أن عدم التمكن من المسح ببلة اليد الذي عرفت أنه جزء للمأمور به يختص بالوضوء الماتي به ولا يعم طبيعي الوضوء لوضوح ان المكلف يتمكن من أن يأتي بفرد آخر من الوضوء ويمسح فيه ببلة يده، وما سلمناه من شمول المطلق لصورة العجز من الجزء أو القيد فانما هو فيما إذا كان العجز وعدم التمكن من اثباته غير مختص بفرد دون فرد كما إذا عجز عن اتيانه بين المبدأ والمنتهى على ما شرحنا تفصيله في بحث الاصول وحيث ان المكلف في المقام متمكن من اتيان الجزء المعتبر في المأمور به في ضمن فرد آخر من أفراد الطبيعي المأمور به فلا وجه لدعوى شمول المطلقات للفرد الناقص بوجه، وأخرى يستدل على عدم تعين المسح ببلة اللحية بمرسلة الصدوق المتقدمة بتقريب ان ظاهرها ان المدار على المسح ببلة الوضوء كما في قوله فامسح عليه وعلى رجليك من بلة وضوئك بلا فرق في ذلك بين بلة عضو وبلة عضو آخر. وأما الترتيب الذي اشير إليه في المرسلة من المسح ببلة اللحية أولا فالظاهر أنه من جهة أن اللحية تشتمل على البلة اكثر مما يشتمل عليه غيرها من الاعضاء فيكون جفافها بعد جفاف بقية الاعضاء ومن هنا لم يقل: فإذا لم تكن بلة في لحيتك فخذ من حاجبيك لانه بعيد عادة وانما قال: وان لم يكن لك لحية هذا، وظهور المرسلة في المدعى وان كان غير قابل للانكار غير ان ضعف

[ 208 ]

سندها بالارسال مانع عن الاعتماد عليها في مقام الاستدلال والمتحصل ان المسح لابد وان يكون ببلة اللحية بعد يبوسة اليد: بل الاقوى عدم جواز المسح بغير بلتها فيما إذا لم يكن هناك لحية أو كانت ولكنها يبست فلا يجوز المسح ببلة الحاجبين أو اشفار العينين لعدم دلالة الدليل على كفاية المسح ببلة غير اللحية. نعم وردت في ذلك عدة روايات الا انها ضعيفة السند كما اشرنا إليه سابقا ويدل على ما ذكرناه موثقة مالك بن أعين عن أبى عبد الله عليه السلام قال: من نسى مسح رأسه ثم ذكر أنه لم يمسح فان كان في لحيته بلل فلليأخذ منه وليمسح رأسه وان لم يكن في لحيته بلل فلينصرف وليعد الوضوء (* 1). وقد يقال: ان عدم تعرض الرواية لا خذ البلة من غير اللحية وحكمها بالاعادة عند عدم البلة في اللحية لعله من جهة ان من البعيد عادة بقاء الرطوبة في غير اللحية من الحاجبين أو اشفار العينين أو غيرهما من الاعضاء مع يبوسة بلة اللحية، فلاجل التلازم العادي بين يبوسة اللحية ويبوسة الحاجبين والاشفار أو غيرهما أمر (ع) باعادة الوضوء عند يبوسة اللحية لا من جهة عدم كفاية المسح ببلة غير اللحية من الاعضاء كمالا يخفى. وفيه: ان غلبة فقدان البلة في غير اللحية عند ارتفاعها وزوالها عن اللحية وان كانت صحيحة كما ذكر إلا ان بقاء الرطوبة في غيرهما من الاعضاء عند يبوسة اللحية أيضا كثير وليس من الندرة بمكان وذلك كما إذا تمندل وتنشف لحيته بعد الوضوء وتذكر أنه ترك المسح قبل أن ينشف يده فان الرطوبة باقية في يده وقتئذ مع جفاف لحيته، والمتندل أمر متعارف


(* 1) المروية في ب 20 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 209 ]

[ بلا اشكال من غير ترتيب بينها على الاقوى، وان كان الاحوط تقديم اللحية والحواجب على غيرهما من سائر الاعضاء. نعم الاحوط عدم أخذها (1) مما خرج من اللحية عن حد الوجه، كالمسترسل منها، ] لدى الناس وان احتمل كراهته أو استحباب تركه، ومع كون بقاء الرطوبة في غير اللحية أمرا كثيرا متعارفا إذا حكم بوجوب الاعادة عند جفاف اللحية وارتفاع بللها فلا محالة يستفاد من ذلك عدم كفاية المسح بغير بلة اللحية كما ذكرناه. أخذ البلة من المسترسل من اللحية: (1) هل البلة الموجودة في المسترسل من اللحية الذي خرج عن حد الوجه كالبلة الموجودة في اللحية نفسها فيجوز المسح بها أو لا يجوز؟ فقد يقال بعدم الجواز نظرا إلى أن المسح لابد أن يكون ببلة الوضوء على ما تقدم وعرفت والبلة الموجودة في غير مواضع الوضوء ليست من بلة الوضوء وعليه فيقع الكلام في أن بلة المسترسل من اللحية هل هي من بلة الوضوء أو انها ماء خارجي؟ ذكر المحقق همداني (قده) انها من بلة الوضوء لصدق انها من نداوته لدى العرف ولكن الصحيح انها ليست من نداوة الوضوء، لان المراد بماء الوضوء انما هو الماء الموجود في محاله دون مطلق الماء المستعمل في الوضوء وإلا لجاز المسح بالبلة الواقعة على الثوب أو البدن حال الوضوء أو بالماء المجتمع في الاناء عند الوضوء ومن الظاهر ان مسترسل اللحية ليس من محال الوضوء لانه خارج عما بين القصاص والذقن فلا يجوز

[ 210 ]

[ ولو كان في الكف ما يكفي الرأس فقط مسح به الرأس (1) ثم يأخذ للرجلين من سائرها على الاحوط (2) وإلا فقد عرفت أن الاقوى جواز الاخذ مطلقا. (مسألة 26) يشترط في المسح أن يتأثر الممسوح (3) برطوبة الماسح وأن يكون ذلك بواسطة الماسح (4) لا بأمر آخر، ] المسح ببلته وكذلك الحال فيما خرج عن حد الوضوء بحسب العرض لان بلله ليست من بلل مواضع الوضوء فلا يجوز المسح ببلته. (1) لانه مع وجود ما يكفي لمسح رأسه في الكف ليس له المسح ببلل غيره من الاعضاء. (2) بل على الاقوى كما عرفت شرطية تأثر المسوح: (3) بأن تكون اليد مبتلة ببلة الوضوء ولا تكون يابسة والا لم يصدق عليه المسح ببلة ما في اليد من ماء الوضوء وان كان يصدق عليه المسح باليد لما تقدم من أنه يعتبر في المسح أن يكون باليد وان يكون ببلة الوضوء (4) لما عرفت من اعتبار كون آلة المسح هي اليد فلا مناص من أن يكون المسح باليد فلو نقل الرطوبة إلى جسم آخر ومسح به رأسه ورجليه فهو ليس مسحا باليد وان كان مسحا ببلة الوضوء وقد عرفت اعتبار كون المسح باليد وان يكون ببلة الوضوء فلا يكفي أحدهما من دون الآخر في صحته.

[ 211 ]

[ وان كان على الممسوح رطوبة خارجة (1) فان كانت قليلة غير مانعة من تأثير رطوبة الماسح فلا بأس وإلا لابد من تجفيفها، والشك في التأثير كالظن لا يكفي بل لابد من اليقين. ] إذا كانت على الممسوح رطوبة: (1) للمسألة صور ثلاث: (الاولى): أن تكون الرطوبة الموجودة في الممسوح قليلة جدا بحيث لا تمنع عن ظهور أثر المسح باليلة في الممسوح كما إذا كانت الرجل رطبة بالعرق الخفيف أو رطوبة خارجية قليلة ولا اشكال في صحة الوضوء وقتئذ كما لا يجب تجفيف الموضع الممسوح بوجه وذلك لانه لم يرد اعتبار الجفاف في الممسوح في آية أو رواية بل مقتضى اطلاقات الآية والرواية عدم الاعتبار وانما التزمنا به تحقيقا لصدق المسح ببلة الوضوء وهو انما يتحقق فيما إذا لم تكن على الممسوح رطوبة كثيرة تمتزج برطوبة اليد ويمنع عن كون البلة بلة الوضوء. وحيث ان المفروض قلة الرطوبة في هذه الصورة بحيث لا تمنع عن ظهور أثر المسح ببلة اليد فلا مناص من الحكم بصحته بمقتضى الاطلاقات المذكورة وصدق المسح ببلة الوضوء. (الصورة الثانية)، ما إذا كانت رطوبة الممسوح كثيرة غالبة على رطوبة اليد أو متساوية معها أو كانت أقل الا انها في نفسها كثيرة تمتزج برطوبة اليد وتمنع عن كون المسح بخصوص بلة الوضوء لا متزاجها بغيرها ولا اشكال في هذه الصورة في عدم صحة المسح ولزوم تجفيف الموضع الممسوح تحقيقا للمسح ببلة الوضوء.

[ 212 ]

(مسألة 27) إذا كان على الماسح حاجب ولو وصلة رقيقة لابد من رفعه، ولو لم يكن مانعا من تأثير رطوبته في الممسوح (1). (مسألة 28): إذا لم يمكن المسح بباطن الكف يجزى المسح بظاهرها (2) وان لم يكن عليه رطوبة نقلها من سائر المواضع إليه ثم يمسح به، وان تعذر بالظاهر أيضا مسح بذراعه، ومع عدم رطوبته يأخذ من سائر المواضع، وان كان عدم التمكن من المسح بالباطن من جهة ] (الصورة الثالثة): ما إذا شككنا في ان الرطوبة الموجودة في الممسوح أي مقدار وهل هي بمقدار يمنع عن وصول بلة الوضوء إلى البشرة أو انها أقل وغير مانعة عن وصول البلة البها؟ ولا بد في هذه الصورة من تحصيل العلم بقلة الرطوبة وعدم مانعيتها عن الوصول حسب قاعدة الاشتغال ولا يكفي الظن بالقلة وعدم المانعية لان حكمه حكم الشك ولا اعتبار به في الشريعة المقدسة بوجه كما ان أصالة عدم الحاجب أو المانع من وصول البلة إلى البشرة كما قيل بها عند الشك في الحاجب لا مجال له لانها من الاصول المثبتة ولا يثبت بها ان البلة قد وصلت إلى نفس البشرة. (1) وذلك لعدم صدق المسح باليد وقتئذ بل الفرض انه قد مسح بالخرقة أو بغيرها مما هو على اليد وقد وقع المسح به لا باليد كما تقدم نظيره في اعتبار عدم الحاجب على الممسوح لعدم كون المسح حينئذ مسحا على البشرة وان كان الحاجب رقيقا، لان وقوع المسح على البشرة معتبر في صحته إذا لم يمكن المسح بباطن الكف: (2) كما إذا كانت على باطن الكف قرحة مانعة عن المسح بالباطن وهناك مسألتان:

[ 213 ]

[ عدم الرطوبة وعدم امكان الاخذ من سائر المواضع اعاد الوضوء، وكذا بالنسبة إلى ظاهر الكف، فانه إذا كان عدم التمكن من المسح به عدم الرطوبة وعدم امكان أخذها من سائر المواضع لا ينتقل إلى الذراع بل عليه أن بعيد. ] (إحداهما): ان المسح بباطن الكف إذا كان متعذرا أجزأه المسح بظاهرها فإذا لم يكن رطوبة على ظاهرها أخذها من سائر المواضع أو من خصوص اللحية على الخلاف المتقدم وهذه المسألة هي التي حكم فيها صاحب المدارك بلزوم المسح بظاهر الكف وكفايته عن المسح بالباطن وجعله حكما قطعيا باتا. (وثانيتها): ما إذا تعذر المسح بظاهر الكف كباطنه إما لانه فاقد اليد ولا يدله أوله يد إلا أن ظاهرها كباطنها في عدم التمكن من المسح به لوجود قرحة أو غيرها من الموانع في كل منهما مسح بذراعه حينئذ وقد حكى عن صاحب المدارك (قده) أنه جعل الحكم بالمسح بالذراع أقوى ولم يذكر في هذه المسألة ان الحكم مقطوع به كما ذكره في المسألة الاولى. وهناك مسألة ثالثة وهي ما إذا كان عدم التمكن من المسح بالباطن مستندا إلى يبوسته وارتفاع الرطوبة عنه ولم يمكن نقلها إليه من سائر المواضع ولابد حينئذ من الحكم ببطلان وضوئه ووجوب الاعادة في حقه فهذه مسائل ثلاث: أما المسألة الثالثة فالوجه فيها في الحكم بالبطلان ووجوب الاعادة هو أن عجز المكلف عن المسح ببلة الباطن انما يختص بهذا الفرد الذي أثى به والمفروض أنه يتمكن من المسح ببلة الباطن في غيره من أفراد الوضوء لعدم عجزه عن تحصيل ذلك في الطبيعي المأمور به ومعه لابد من الحكم ببطلان الفرد المأتي به ووجوب العادة في ضمن فرد آخر لا محالة.

[ 214 ]

وأما المسألة الاولى فالحق فيها هو الذي حكم به الماتن (قده) وجعله في المدارك مقطوعا به وذلك لا لاجل قاعدة الميسور التي ناقشنا في سندها ودلالتها في محله ولا لدعوى التسالم على جريان القاعدة في خصوص المقام، لان دون اثبات ذلك خرط القتاد ولا لاصالة الاحتياط لما مر غير مرة من أن الاصل عند الشك في اعتبار شئ زائد في الوضوء انما هو البراءة دون الاحتياط: بل الوجه في ذلك ان الحكم بوجوب كون المسح بباطن الكف لم يرد في شئ من الاخبار المتقدمة بل أن مقتضى اطلاق الآية المباركة والروايات عدم اعتبار كون المسح بالكف وانما قلنا باعتباره من جهة ما استفدناه من الاخبار الواردة في الوضوءات البيانية. وحاصل ذلك ان الرواة لم ينقلوا في رواياتهم خصوصية مسح الامام (ع) وانه كان يمسح بغير باطن الكف مع انهم عليهم السلام لو كانوا مسحوا بظاهر الكف لوجب على الرواة ونقلة الآثار أن ينقلوا تلك الخصوصية لانها خصوصية زائدة غير متعارفة ومثلها يحتاج إلى عناية لا محالة ونقل ذلك أمر لازم على الرواة فمن سكوتهم عن نقل تلك الخصوصية يستكشف أن مسحهم عليهم السلام قد كان على النحو المتعارف الدارج عتدنا وهو المسح بباطن الكف والامر المتعارف العادي لا يحتاج إلى النقل. وعلى ذلك يندرج المقام في كبري كلية تعرضنا لتفصيلها في بحث الاصول وهي أنه إذا كان لدليل المطلق اطلاق ولم يكن لدليل التقييد ذلك كما إذا كان المقيد هو السيرة والاجماع ونحوهما من الامور اللبية التي لا اطلاق لها فعند الشك في سعة التقييد وضيقه لابد من الاخذ باطلاق دليل المطلق وبما أن الاخبار الآمرة بمسح الرأس والرجلين باليد مطلقة وغير مقيده بأن يكون بباطن الكف، ودليل التقييد بالباطن لبى لا اطلاق له

[ 215 ]

لانه امر استفدناه من فعلهم عليهم السلام وهو كالسيرة والاجماع مما لا اطلاق له فلا مناص من الاقتصار في التقييد بالقدر المتيقن وهو صورة للتمكن من المسح بباطن الكف. وفي غير تلك الصورة يرجع إلى اطلاق الدليل الذي دلنا على لزوم كون المسح باليد كقوله (ع) في صحيحة زرارة: وتمسح ببلة يمناك ناصيتك. (* 1) ومقتضى اطلاقها كفاية المسح بكل من ظاهر الكف وباطنه لصحة اطلاق اليد عليها حقيقة. واما المسألة الثانية فالتحقيق فيها هو الذي ذكره الماتن (قده) وجعله صاحب المدارك أقوي حسب ما ينقل عنه (قده) والسر في ذلك هو انا انما قيدنا المطلقات الآمرة بمسح الرأس والرجلين بأن يكون المسح باليد أي بما دون الزند للاخبار الواردة في الوضوءات البيانيه من أنه (ع) يمسح رأسه ورجليه بيده وذلك لوجوه ثلاث: (الاول): ان اليد وان كان لها اطلاقات متعددة إلا ان الظاهر منها عند اطلاقها في مقابل الذراع انما هو ما دون الزند وقد ذكرت كلمة اليد في الاخبار المذكورة في مقابل الذراع (* 2) وهو قرينة على ارادة ما دون الزند من اليد. (الثاني): ما ورد بعض تلك الاخبار وهو روايتان انه مسح


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل (* 2) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع). ثم أخذ كفا آخر بيمينه فصبه على يساره ثم غسل به ذراعه الايمن، ثم أخذ كفا آخر فغسل به ذراعه الايسر، ثم مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه. المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 216 ]

بكفه رأسه ورجليه (* 1) ولا يطلق الكف الا على ما دون الزند وحيث ان الروايات المذكورة كلها تحكى عن امر واحد وهو فعله (ع) ووضوءه في الخارج فيعلم منها ان المراد باليد في بقية الروايات أيضا هو ما دون الزند أعني الكف. (الثالث): مناسبة الحكم والموضوع لان لفظة اليد وان صح اطلاقها على ما دون الزند تارة وعلى ما دون المرفق ثانيا وعلى ما دون المنكب ثالثا غير أن المحمولات المترتبة عليها ربما تعين المراد منها بحسب المناسبات وهي تختلف باختلاف ما يحمل عليها لا محالة. فإذا قيل: قطعت يد فلان فلا يظهر من ذلك انها قطعت من أي موضع منها فهل انها قطعت مما دون الزند أو ما دون المرفق أو ما دون المنكب، إذ القطع يناسب الجميع إذا فهي مجملة كحالها قبل حمل القطع عليها. ولكن ذا قيل: كتبت بيدى. أو ضربت أو مسحت بها يتعين أن يكون المراد بها خصوص ما دون الزند لعدم مناسبة المحمولات المذكورة لغيره من معاني اليد وهذا ظاهر. فبهذه الوجوه الثلاثة قيدنا الاطلاقات الآمرة بمسح الرأس والرجلين غير انها انما تقتضي تقييدها بما دون الزند فيما إذا أمكن المسح باليد أي بما دون الزند ولا دلالة لها على القيدية المطلقة في كلتا حالتي التمكن والاضطرار حتى يوجب سقوط الامر بالمسح عند عدم التمكن من المسح بما دون الزند وعلى الجملة انها انما تقتضي القيدية في حالة التمكن من المسح بما دون الزند فحسب: وذلك لان الاخبار البيانية انما تحكى عن فعل النبي صلى الله عليه وآله أعني


(* 1) كما في صحيحتي زرارة وبكير الحديث 30 و 11 من الباب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 217 ]

مسحه بما دون الزند ولكنه صلى الله عليه وآله كان واجد اليد أي ما دون الزند ومتمكنا من المسح به ولا اشكال في ان المسح به هو المتعين وقتئذ ولا دلالة لفعله صلى الله عليه وآله على أنه قيد معتبر مطلقا ولو عند عدم التمكن من المسح بما دون الزند، لعدم اليد أصلا أو لوجود قرحة فيها أو المانع آخر. وحمل المسح عليها وان كان يقتضي ارادة ما دون الزند منها إلا أنه يختص بمن كان له ما دون الزند وكان متمكنا من المسح بها. وأما من لا يدله أعني ما دون الزند فقوله: مسحت بيدي لا يناسب ارادة ما دون الزند بوجه وعليه فاطلاق الاخبار والآية المباركة في حق من لابد له أو له يد ولا يتمكن من المسح بما دون زنده باق بحاله فيدلنا على ارادة المسح بذراعه حينئذ فالتقييد بخصوص ما دون الزند انما هو فيما إذا تمكن من المسح به. وعليه فما جعله صاحب المدارك أقوى وذهب إليه الماتن (قده) من تعين المسح بالذراع عند عدم التمكن من المسح بما دون الزند هو الصحيح إلا ان ظهور الحكم في هذه المسألة ليس بمثابة ظهوره في المسألة الاولى المتقدمة ومن هنا ذكر (قده) ان الحكم هناك مقطوع به وأما هنا فقد جعله أقوى حسبما حكى عنه. وليس مستند الحكم هنا وهناك قاعدة الميسور أو اصالة الاحتياط لتكون المسألتان من واد واحد ويستشكل على صاحب المدارك بعدم ظهور الفرق بين المسألتين فلما ذا جعل الحكم في احدهما مقطوعا به دون الاخرى. وذلك لان المستند في كلتا المسألتين وان كان هو الرجوع إلى المطلقات والتمسك باطلاق دليل المطلق في غير المقدار المتيقن من دليل المقيد لعدم اطلاق دليل التقييد، الا ان بينهما فرقا من جهة ان المطلقات في المسألة الاولى مما لا خدشة فيه لقوله (ع) وتمسح ببلة يمناك ناصيتك (* 1)


(* 1) راجع ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 218 ]

وغيرهما من الاخبار الآمرة بالمسح باليد التي قيدناها بخصوص باطن الكف في صورة التمكن من المسح بالباطن. وأما المطلقات في هذه المسألة أعني الآية المباركة والاخبار الآمرة بمسح الرأس والرجلين المقيدتين بما دون الزند بمقتضى الوجوه المتقدمة فهي محل اشكال وكلام ولم يثبت على وجه الجزم والتأكيد لما مر وعرفت من أن المطلقات المذكورة يدور أمرها بين احتمالات ثلاثة: (أحدهما): أن يقال باهمالها وعدم كونها في مقام لبيان من هذه الناحية. (ثانيها): أن يقال انها تنصرف إلى المسح المتعارف وهو المسح بما دون الزند: (ثالثها): أن يقال انها في مقام البيان فهي طلقة وتدل على كفاية المسح ببلة الوضوء ولو كان بواسطة الاجسام الخارجية كما إذا جعل الخشبة مبللة ببلة الوضوء ومسح بها رأسه ورجليه فأمرها يدور بين تلك الاحتمالات ولا اطلاق لها على التقديرين الاولين وانما يثبت لها الاطلاق على الاحتمال الثالث فقط ونحن وان قوينا اطلاقها والتزمنا بكونها مطلقة الا انه محل الكلام والنزاع وهذا بخلاف الاطلاق في المسألة الاولى لانه مما لا كلام في ثبوته كما مر ومن هنا ذكرنا ان تعيين المسح بالذراع أقوى كما حكى عن صاحب المدارك (قده). واما الحكم في المسألة الاولى فهو كما قدمناه مقطوع به بحسب مقام الاثبات ولعل هذا هو الذي دعى صاحب المدارك (قده) إلى جعل الحكم في المقام أقوى كما حكى أو انه (قده) لا يرى ثبوت الاطلاق لتلك المطلقات باختيار أخذ المحتملين الاولين ويتمسك بقاعدة الاشتغال كما هو الحال عند عدم الاطلاق لدليلي المطلق والمقيد. بناء على ان المقام

[ 219 ]

من موارد التمسك بقاعدة الاشتغال دون البراءة. وهذا بخلاف المسألة المتقدمة فان الاطلاقات فيها هي المحكمة ولاتصل النوبة فيها إلى الاصل العملي ليختار اصالة الاشتغال ونحن وان قوينا الاطلاق في المقام أيضا ولم تراجع أصالة الاشتغال لان المورد من موارد البراءة الا ان ظهور الحكم في هذه المسألة ليس بمثابة ظهوره في تلك المسألة فما نسب إلى صاحب المدارك (قدس سره) من ذهابه إلى الفرق بين المسألتين هو الصحيح. هذا كله بناء على صحة الحكاية المتقدمة عن صاحب المدارك (قده) وانه فصل بين المسألتين المتقدمتين بجعل الحكم في الاولى مقطوعا به وفي الثانية أقوى ولكننا راجعنا المدارك في تلك المسألة وظهر أن ما حكى عنه في المسألة الاولى من جعله وجوب المسح بظاهر اليد قطعيا صحيح ومطابق لما في المدارك. وأما ما حكى عنه في المسألة الثانية من جعله المسح بالذراع أقوى فهو غير موجود في المدارك أصلا. نعم المسألة الثانية ذكرها الشهيد في الذكرى وقال: فالاقوى جوازه بالذراع، وصاحب الجواهر (قده) قد نقل كلتا المسألتين متصلتين فنقل المسألة الاولى عن المدارك والثانية عن الشهيد (قدس سره) في الذكرى وتوهم من ذلك ان المسألتين منقولتان عن المدارك فلاحظ.

[ 220 ]

[ (مسألة 29): إذا كانت رطوبة على الماسح زائده بحيث توجب جريان الماء على الممسوح لا يجب تقليلها (1) بل يقصد المسح بامرار اليد وان حصل به الغسل، والاولى تقليلها. ] إذا كانت على الماسح رطوبة زائدة: (1) لا ينبغي الاشكال في أن الغسل في الرأس والرجلين لا يجزى عن المسح المأمور به فيهما على ما نطق به غير واحد من الروايات وانما الكلام في ان الغسل والمسح أمران متبائنان ولا يجتمعان في مورد واحد ليحكم بعدم تحقق المسح عند العلم بتحق الغسل، أو أن بينهما عموما من وجه فهما متخالفان كالحلاوة والحمرة، فقد يكون غسل ولا مسح واخرى يكون مسح ولا غسل وثالثة يجتمعان وحيث ان الغسل لم يثبت كونه مانعا عن المسح وانما ثبت عدم اجزائه عن المسح فلا مانع من الاكتفاء بالمسح مع تحقق الغسل معه؟ الثاني هو الصحيح لان الغسل عبارة عن جريان الماء أو اسرائه من محل إلى محل مع الغلبة والمسح عبارة عن امرار اليد على الممسوح وهما أمران قد يجتمعان والغسل غير مانع عن تحقق المسح كما عرفت فالتقليل غير واجب. نعم هو أولى خروجا عن شبهة الخلاف وتحصيلا للجزم بالامتثال.

[ 221 ]

[ (مسألة 30): يشترط في المسح امرار الماسخ على الممسوخ (1) فلو عكس بطل. نعم الحركة اليسيرة في الممسوح لا تضر بصدق المسح. ] شرطية امرار الماسح على الممسوح: (1) اعلم ان للمسح معنيين. (أحدهما): ازالة الوسخ والعلة ونحوهما كما إذا قيل مسحت يدي بالحجر أي ازلت الوسخ عنها كما يقال في مقام الدعاء مسح الله مالك من علة. ومنه الدرهم الممسوح وهو الذي زالت نقوشه فصار املس ومنه اطلاق المسح على الكذاب لانه يزيل الحق ويقيم الباطل مقامه. ولعل له معنى آخرا به اطلق على المسيح على نبينا وآله وعليه السلام ومن البين الظاهر ان المسح بهذا المعنى لم يؤخذ فيه الامرار ولا دلالة له على ان الازالة كانت بامرار اليد على الحجر أم كانت بامرار الحجر على اليد أو ان زوال نقوش الدرهم من جهة امراره على شئ أو لامرار الشئ على الدرهم وهذا ظاهر. و (ثانيها): الامرار، كما إذا قيل مسحت برأس التيمم فان معناه: امررت يدى على رأسه لا أنه أمر رأسه على يده وهو نظير قولنا: مسحت الحجر بالدهن أي أمررت يدي على الحجر وفيها دهن. وعلى ذلك فمعنى مسحت رأسي أو رجلي بالبلة: امررت يدي عليهما وفيها بلة لوضوء ومن الواضح ان المسح في المقام انما هو بالمعنى الثاني دون الاول لوضوح أنه لا وسخ ولا علة في الرأس أو الرجلين ليراد ازالتها باليد. بل يصح استعمال كلمة (المسح) مع جفاف كل من اليد والرأس فضلا عن كون أحدهما وسخا أو مشتملا على أمر يراد ازالته باليد،

[ 222 ]

[ (مسألة 31) لو لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح من جهة الحر في الهواء أو حرارة البدن أو نحو ذلك ولو باستعمال ماء كثير بحيث كلما أعاد الوضوء لم ينقع فالاقوي جواز المسح بالماء الجديد (2) ] فيصح أن يقال: مسحت رأسي أي امررت يدي على رأسي مع جفافهما وعليه فلا مناص من اعتبار امرار الماسح وهو اليد على الممسوح باسكانه وامرار اليد عليه فلو عكس فاسكن يده وأمر رأسه أو رجليه عليها بطل. نعم الحركة اليسيرة في الممسوح غير مضرة بصدق المسح فما أفاده الماتن (قده) هو الصحيح. إذا لم يمكن حفظ الرطوبة: (1) المشهور بينهم أنه إذا لم يمكن حفظ الرطوبة في اليد جاز المسح بالماء الجديد، بل في الجواهر أنه لم يعثر على مفت بالتيمم في حقه. والماتن (قده) بعد الحكم بجواز المسح بالماء الجديد احتاط بالجمع بين المسح باليد اليابسة والمسح بالماء الجديد والتيمم. والكلام في هذه المسألة يقع من جهتين: (احداهما): ما ذكره الماتن من احتمال وجوب المسح باليد اليابسة لانه لو لم يحتمل ذلك لم يحتط بالجمع بينه وبين المحتملين الآخرين فنتكلم في أن ذلك محتمل في المسألة أو أنه غير محتمل في محل الكلام. و (ثانيتهما): في ان الواجب في المسألة هل هو التيمم أو المسح بالماء الجديد. (أما الجهة الاولى): فالصحيح ان وجوب المسح باليد اليابسة غير محتمل في المسألة وذلك لان المسح بالماء الجديد إما واجب كما إذا تم

[ 223 ]

أحد الوجوه المستدل بها على وجوبه وعمدتها قاعدة الميسور بدعوى ان المسح بالماء الجديد ميسور المسح بالبلة الوضوئية المفروض تعذره كما يأتي تفصيله. وإما انه غير مانع عن المسح الواجب كما إذا لم يتم شئ من الوجوه المستدل بها على وجوب المسح بالماء الجديد وقلنا بوجوب المسح مطلقا ولو باليد اليابسة وذلك لانه لم يدلنا أي دليل على وجوب كون المسح باليد اليابسة بحيث لو مسح بيده وهي متعرقة مثلا أو مبتلة بالماء الخارجي بطل مسحه. فان الاخبار البانية التي منعت عن المسح بالماء الجديد بقوله (ع) ولم يعدهما في الاناء (* 1) ونحو ذلك فانما تختص بما إذا كانت اليد مبتلة ببلة الوضوء إذ المستفاد من الروايات المتقدمة على اختلاف في متنها انه عليه السلام انما لم يعد يديه في الاناء لكونهما مبتلتين ببلة الوضوء. وقد عرفت أنه مع التمكن منها لا يجوز المسح بالماء الجديد ولا لادلة في الروايات المذكورة على ان اليد إذا لم تكن مبتلة ببلة الوضوء وجب ان يمسح باليد اليابسة بحيث لو مسح بعده وهى رطبة بطل مسحه بل لامانع عن المسح باليد حينئذ ولو كانت مبتلة بالماء الجديد أو بغيره من المياه المضافة فان اللازم وقتئذ انما هو مطلق المسح باليد سواء أكانت رطبة أم يابسة وعليه فهذا الاحتمال ساقط والامر يدور بين وجوب المسح بالماء الجديد ووجوب التيمم في حقه. و (أما الجهة الثانية): قد استدل المشهور بوجوه: (الاول): وهو العمدة قاعدة الميسور بتقريب ان الواجب في المسح المأمور به في الوضوء أن يكون المسح بالبلة المقيدة بكونها بلة الوضوء


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 224 ]

وحيث ان تلك الخصوصية متعذرة فلا محالة يسقط التقييد ويجب المسح بمطلق البلة ولو كانت بلة خارجية لان المسح بالبلة الخارجية ميسور البلة المقيدة بكونها من بلة الوضوء ولا يسقط الميسور بالمعسور أبدا. ويندفع بالمنع عن كل من الكبري والصغرى المذكورتين. أما الكبرى فلما ذكرناه في محله من ان تلك القاعدة مضافا إلى ضعف مدركها لانه نبوي وعلوي وكلاهما ضعيف ان أخبارها قاصرة الدلالة على ان المركب إذا تعذر شرط أو جزء منه وجب الاتيان بما تيسر من اجزائه وقيوده وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله. وأما بحسب الصغرى فلان الخصوصيات المتعذرة مختلفة فقد تكون الخصوصية المتعذرة غير مقومة للمأمور به بالنظر العرفي كما إذا أمره بالصلاة في المسجد فصلى في غيره أوامره باتيان ماء بارد وتعذر عليه تحصيل البارد فأتى بماء غير بارد فان الصلاة في غير المسجد ميسور الصلاة في المسجد عرفا وكذلك الاتيان بالماء غير البارد متيسر الاتيان بالماء بالبارد حسب النظر العرفي كما هو واضح وفي مثله لا مانع من دعوى عدم سقوط الميسور بالميسور إذ تمت أدلته بحسب السند والدلالة. وقد تكون الخصوصية المتعذرة مقومة للمأمور به لدى العرف بحيث أنهم يرون فاقدها مغاثرا لواجدها فضلا عما إذا اشتمل على خصوصية أخرى مغائرة للخصوصية المتعذرة عندهم كما إذا أمره السيد بالاتيان بماء الرمان وتعذرت عليه خصوصية كون الماء مضافا إلى الرمان فأتى بماء البطيخ أو الرقي أو بالماء المطلق بدعوى انه ميسور ذلك الميسور أو امره بالاتيان بغلام زيد أو ابنه ولم يتمكن المكلف من ذلك فأتي بغلام عمرو أو ابنه مدعيا أن خصوصية اضافة الغلام إلى زيد ميعذرة؟؟ فغلام عمرو ميسور لذلك المعسور لم يسمع منه ذلك لدى المحاكم العرفية لان للخصوصيات المتعذرة

[ 225 ]

مدخلية في تحقق المأمور به وفاقدها مغائر عندهم لواجدها لا انه ميسور لذلك المعسور كما لا يخفى. وما نحن فيه من هذا القبيل إذ المأمور به هو المسح بالبلة المضافة إلى الوضوء وهي مع البلة المضافة إلى النهر الجاري متبائنان ولا يعد احداهما ميسورا من الاخرى فتصحل ان دعوى وجوب المسح بالماء الجديد نظرا إلى أنه ميسور للمأمور به المتعذر خصوصيته ساقطة بحسب الكبرى والصغرى. وأما رواية عبد الاعلى مولى آل سام (* 1) فهي مضافا إلى ضعيف سندها (* 2) فانما دلت على أن المسح على البشرة غير واجب لاجل كونه حرجا في مقابل ما توهمه السائل من وجوبه. واما قوله فامسح على المرارة فهو حكم جديد وغير مستند إلى أنه ميسور للمعسور فلا دلالة لها على تلك القاعدة.


(* 1) المروية في ب 39 من أبواب الوضوء من الوسائل (* 2) بعيد الاعلى مولى آل سام لعدم توثيقه في الرجال وما وقع في أسانيد تفسير على بن ابراهيم القمى هو عبد الاعلى بن أعين العجلى دون مولى آل سام، ولم يثبت اتحادهما وأما مارود في رواية الكليني في الحديث الاول من باب فضل الابكار من كتاب النكاح من التصريح بأن عبد الاعلى ابن أعين هو عبد الاعلى مولى آل سام، حيث قال: عبد الاعلى بن أعين مولى آل سام. فلا دلالة له على الاتحاد لان غايه ما يثبت بذلك هو أن عبد الاعلى مولى آل سام هو ابن أعين. وهذا لا يكفي في الحكم بالاتحاد لان من الجائز أن يكون عبد الاعلى العجلي غير عبد الاعلى مولى آل سام ويكون والد كل منهما مسمى بعين ولعله لاجل ذلك يراهما الشيخ متعددا لانه قد عد كلا منهما مستقلا في اصحاب الصادق عليه السلام فلاحظ

[ 226 ]

ونظيرها دعوى وجوب المسح المطلق عند تعذر المسح ببلة الوضوء مستندا إلى تلك القاعدة، لانها أيضا ضعيفة لما مر، إلا انها دون الدعوى المتقدمة في الضعف لان مغائرة المسح ببلة الوضوء مع المسح بالبلة المتخصصة بخصوصية أخرى كبلة ماء النهر اظهر وأوضح من مغائرته مع المسح المطلق. (الثاني): استصحاب وجوب المسح فقد استدل به بعضهم على وجوب المسح ببلة الوضوء أو المسح باليد اليابسة وذلك لان المتوضي قد كان المسح واجبا عليه قبل ان تحدث الحرارة في بدنه أو في الهواء أو قبل طرو القلة على الماء فنستصحب بقائه على الوجوب بعد تعذر المأمور به أعني حالة حدوث الحرارة أو القلة. وهو يتقضي الحكم بوجوب المسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد وعدم وجوب التيمم في حقه. ويندفع هذا الوجه مضافا إلى أنه من الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية ولا نقول بها بأنه من القسم الثالث من أقسام الاستصحاب الكلي ولا مجال للاستصحاب في مثله وذلك لان الوجوب المتعلق بالمسح ببلة الوضوء قد زال وارتفع يقينا ونشك في حدوث فرد آخر من الوجوب متعلقا بالمسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد وعدمه ولا مجال للاستصحاب في القسم الثالث من الكلي على ما برهنا عليه في محله. (الثالث): التمسك باطلاق الاخبار الآمرة بالمسح لانها وان كانت مقيدة بأن يكون المسح بالبلة الباقية من الوضوء في اليد بمقتضى صحيحة زرارة وغيرهما مما دل على اعتبار كون المسح ببلة الوضوء، الا ان تلك المقيدات مختصة بحال التمكن من المسح ببلة الوضوء ولا اطلاق لها حتى يشمل صورة تعذر المسح ببلته. فلا بد وقتئذ من التمسك باطلاق ما دل على أصل وجوب المسح في الوضوء وحينئذ اما ان يمسح باليد اليابسة أو بالماء الجديد هذا.

[ 227 ]

ويمكن المناقشة في ذلك بأن الروايات التي ورد فيه الامر بالمسح في الوضوء لم ترد في مقام البيان من هذه الجهة ولا نظر لها إلى كيفية المسح بوجه وذلك نظرا إلى أن المسح في الوضوء في تلك الازمنة كعصر الصادقين عليهم السلام كان من الامور الواضحة الجلية عند الجميع وكان يعرف كيفيته الصبيان والصغار فضلا عن الاكابر والرجال بل انما هي بصدد البيان من الجهات المختلف فيها بين العامة والخاصه كبيان أن الرجل لابد من أن يمسح لا ان يغسل وان الرأس يمسح مقدمه لا جميعه إذا فلا اطلاق في الاخبار المذكورة حتى لتمسك باطلاقها. نعم يمكن التمسك باطلاق الآية وهو العمدة في المقام وتقريب اطلاقها ان يقال انها قد اشتملت على الامر بمسح الرأس والرجل ولم يقيده ببلة الوضوء. بل مقتضى اطلاقها جواز المسح بالماء الجديد أو باليد اليابسة وانما رفعنا اليد عن اطلاقه عند التمكن من المسح ببلة الوضوء بمقتضى الاخبار الدالة على ذلك. واما إذا لم يتمكن المتوضئ من المسح ببلة الوضوء فمقتضى اطلاق الآية المباركة جواز المسح بالماء الخارجي أو المسح باليد اليابسة. هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقريب الاستدلال بالاطلاق في محل الكلام. ومع هذا كله يمكن المناقشة فيه من وجهين. (احدهما): ان المسح المأمور به في الآية المباركة يحتمل أن يكون بالمعنى الاول من المعنيين المتقدمين للمسح أعني ازالة الاثر على ما أشرنا إليه عند التكلم على دلالة الآية المباركة على التبعيض حيص احتملنا أن يكون ادخال كلمة (الباء) في اثناء الكلام مع تماميته بغيرها من جهة ارادة كون اليد ممسوحة والرأس والرجلين ماسحا. وهذا لا بمعنى اسكان اليد وامرار الرأس أو الرجل بها لما عرفت

[ 228 ]

من أن المعنى الاول للمسح لا يعتبر فه امرار الممسوح على الماسح ولا امرار الماسح على الممسوح فانه امر يتأني بكل منهما. بل بمعنى ازالة الاثر الموجود في اليد بمسح الرأس أو الرجلين ومعناه أن الرأس أو الرجلين قد ازال الاثر عن اليد. وعليه فقد فرض في الآية المباركة وجود أثر في اليد حتى يزيله الرأس أو الرجل وليس ذلك إلا البلل ورطوبة الوضوء فلا اطلاق في الآية المباركة حتى يدلنا على كفاية المسح باليد اليابسة أو بالماء الخارجي. ثم ان ما ذكرناه في المقام لا ينافي ما قدمناه من أن المسح المأمور به في الوضوء ليس بمعنى ازالة الاثر بل بمعنى الامرار وذلك لانه انما كان كذلك بالنظر إلى دلالة الاخبار وهو غير مدلول الآية المباركة فالآية دلت على أن اليد لا بد أن تكون مبتلة ببلة الوضوء والاخبار دلت على امرار اليد على الرأس والرجلين فإذا ضممنا أحدهما إلى الآخر فيكون حاصل مدلولهما ان الوضوء يعتبر فيه أن نكون اليد مبتلة ببلة الوضوء وان تكون اليد المبتلة مارة على الرأس والرجلين دون العكس. و (ثانيهما): انا لو سملنا اطلاق الآية المباركة والروايات فلا نسلم اختصاص الادلة المقيدة بصوره التمكن من المسح ببلة الوضوء، لان صحيحة زرارة وعمر بن اذينة الدالتين على اعتبار كون المسح ببلة الوضوء مطلقتان وقوله عليه السلام وتمسح خطاب للمكفين وهو أمر في مقام الارشاد إلى جزئية المسح بالبلة الوضوئية في الوضوء ولم يقيد الجزئية بحالة التمكن والاختيار. ومقتضى جزئية المسح ببلة الوضوء في كلتا صورتي التمكن والتعذر سقوط الامر بالمسح والوضوء عند عدم التمكن من المسح ببلة الوضوء فيدخل بذلك تحت عنوان فاقد الماء فجب عليه التيمم بمقتضى الآية المباركة، لان فقدان الماء ليس بمعنى عدم الماء مطلقا بل لو تمكن من استعماله في

[ 229 ]

[ (مسألة 32) لا يجب (1) في مسح الرجلين أن يضع يده على الاصابع، ويمسح إلى الكعبين بالتدريج، فيجوز أن يضع تمام كفه على تمام ظهر القدم من طرف الطول إلى المفصل ويجرها قليلا بمقدار صدق المسح. ] مقدار من أجزاء الوضوء ولم يتمكن من استعماله في بعضها الآخر كفى ذلك في تحقق العجز عن استعمال الماء في الوضوء لانه عبارة عن غسلتين ومسحتين ولابد في كليهما من الماء فإذا عجز عن الاستعمال في احدى الغسلتين أو في احدى المسحتين فلا محالة يندرج تحت كبرى فاقد الماء ويجب عليه التيمم وقتئذ. وهذا هو الاقوى في المسألة ولا يضره ما حكي من عدم وجدان من يفتي بوجوب التيمم حينئذ لان الاجماع في المسائل الاجتهادية والنظرية يحتمل أن يكون مستندا إلى أحد المدارك المذكورة فيها فيحتمل أن يستندوا في عدم الحكم بوجوب التيمم إلى قاعدة الميسور مثلا ومعه لا يكون الاجماع تعبديا ولا يكشف عن رأي المعصوم (ع) نعم الاحوط الجمع بين المسح بالماء الخارجي والتيمم. عدم لزوم وضع اليد على الاصابع: (1) أي لا يجب ان يكون المسح تدريجيا بأن يقع مسح الاجزاء المتأخرة بعد الاجزاء المتقدمة بل له ان يمسح جميع اجزاء الرجل دفعة واحدة كما اشار إليه الماتن (قده) والدليل على ذلك اطلاق الآية المباركة والاخبار لعدم تقييدهما المسح بالتدريج ولا معارض لا طلاقهما غير صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: قال: سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الاصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم

[ 230 ]

قلت: جعلت فداك لو أن رجلا قال باصبعين من اصابعه هكذا فقال: لا الا بكفيه (بكفه) كلها (* 1). لانها ظاهرة في لزوم التدرج في المسح إلا انها غير صالحة لتقييد المطلقات ولا دلالة لها على الوجوب بل لابد من حملها على الاستحباب وأفضل الافراد لوجهين. (أحدهما): ان الصحيحة بقرينه قول السائل في ذيلها) لو أن رجلا قال باصبعين. ناظرة إلى بيان مقدار الممسوح وانه لا بد من أن يكون بمقدار الكف عرضا ولا نظر لها إلى البدءة والانتهاء. و (ثانيهما: انها ظاهرة في وجوب كون المسح من الاصابع إلى الكعبين مع ان النكس جائز في المسح بلا كلام لما مر من ان الامر موسع في مسح الرجلين فيجوز مسحهما مقبلا كما يجوز مدبرا ومعه لا بد من حملها على الاستحباب وبيان افضل الافراد ولا يمكن العمل بظاهرها من وجوب كون المسح من الاصابع إلى الكعبين متدرجا فالصحيحة غير صالحة لان يقيد بها المطلقات. هذه غاية ما يمكن ان يقال: في تقريب ما ذهب إليه الماتن (قدس سره) إلا أن الاحتياط يقتضي ان يكون المسح متدرجا لظهور الصحيحة في ذلك. واما ما ذكر من الوجهين في عدم دلالتها على الوجوب فيرد على أولهما ان ظاهر الصحيحة انها في مقام بيان الكيفية المعتبرة في المسح من جميع الجهات. ويدل عليه قول السائل سألته عن المسح. كيف هو؟ أي من جميع الجهات واما قوله في ذيلها: لو ان رجلا قال باصبعين. فهو سؤال من جهة اخرى. ولا يكون ذلك قرينة على عدم الاطلاق


(* 1) المروية في ب 34 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 231 ]

[ (مسألة 33) يجوز المسح على الحائل (1) كالقناع والخف والجورب ونحوها في حال الضرورة من تقية أو برد يخاف منه على رجله، أو لا يمكن معه نزع الخف مثلا، وكذا لو خاف من سبع أو عدو أو نحو ذلك مما يصدق عليه الاضطرأر. ] في صدرها: واما ثانيهما ففيه ان الصحيحة ظاهرة في تعين كون المسح من الاصابع إلى الكعبين وحيث قد دلت الروايات على جواز النكس في مسح الرجلين فقد علم من ذلك ان ظاهر الصحيحة اعني الوجوب التعييني في كون المسح من طرف الاصابع إلى الكعبين غير مراد، لان له بدلا وهو المسح نكسا فبذلك يحمل الوجوب على التخيير. فتدل الصحيحة على وجوب كل من المسح إلى الكعبين وعكسه على نحو الواجب التخييري فلا موجب لرفع اليد عن ظهورها في الوجوب أبدا وبما بيناه يظهران الاكتفاء في المسح بالمسح دفعة واحدة لا يخلو عن اشكال لانه على خلاف ظاهر الصحيحة، كما ان الاكتفاء في المسح بالمسح إلى نصف الرجل مقبلا وإلى نصفها الآخر مدبرا أو بغيره من انحاء المسح كذلك لظهور الصحيحة في تعين المسح بالمسح من الاصابع إلى الكعبين وبالعكس على ما دلت عليه غير واحد من الاخبار فالاجتزاء بغيره في مقام الامتثال مشكل جدا. المسح على الحائل: (1) اما المسح على الحائل تقية فسيأتي الكلام عليه مفصلا. و أما المسح على الحائل من جهة الضرورة ليرد أو لعدم امكان نزع

[ 232 ]

الخف أو لخوف سبع ونحو ذلك فالمشهور بين المتقدمتين والمتأخرين جوازه بل لا خلاف في المسألة إلا من جملة من متأخر المتأخرين واستدل عليه بأمور. (منها): دعوى الاجماع على كفايه المسح على الحائل للضرورة لما عرفت من اطباق القدماء و المتأخرين على الجواز ولم يخالفهم في ذلك إلا جمع من متأخر المتأخرين وهو غير قادح في الاجماع كما هو ظاهر. ويرد هذا الوجه انا نحتمل استناد المجمعين في المسألة إلى أحد الوجوه الآتية ومعها لا يمكن الاعتماد على اجماعهم، لعدم كونه تعبديا كاشفا عن رأي الامام عليه السلام. و (منها): رواية أبي الورد قال: قلت لابي جعفر عليه السلام ان أبا ظبيان حدثني انه رأي عليا (ع) اراق الماء ثم مسح على الخفين فقال: كذب أبو ظبيان اما بلغك قول علي عليه السلام فيكم سبق الكتاب الخفين. فقلت: فهل فيهما رخصه؟ فقال: لا إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك. (* 1) وهي ظاهرة الدلالة على جواز المسح على الخفين عند خوف الثلج ونحوه هذا وقد أورد صاحب المدارك على هذا الوجه بأن الرواية ضعيفة السند بابي الورد لعدم توثيقه في الرجال فلا يجوز الاعتماد على روايته. واجيب عن ذلك بوجوه: (الاول): ان الرجل وان كان لم يوثق قي الرجال إلا ان الرواية قد تلقاها الاصحاب بالقبول ومنه يستكشف ان الرواية كانت مقترنة بقرينة دلتهم على صحتها. وهذا الجواب مبني على تمامية القاعدة المعروفة من ان الرواية الضعيفة


(* 1) المروية في ب 38 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 233 ]

ينجبر ضعفها بعمل المشهور على طبقها فان صحت وتمت فهو والا فللمناقشة فيه مجال واسع لان عملهم على طبق رواية لا يكشف عن عثورهم على قرينة دلتهم على صحتها كما ذكرنا تفصيله في محله. (الثاني): ان في سند الرواية حماد بن عثمان وهو ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه لانهم لا يروون إلا عن ثقة. ويرده انا قد عثرنا في غير مورد على رواتهم عن غير الثقة ومعه ينحصر الوجه في تصحيح رواية الرجل على الاجماع المدعى على قبول رواية حماد بن عثمان. فان ثبت اجماع تعبدي على ذلك فهو وإلا فلا مستند لذلك أبدا. والاجماع المحصل غير حاصل والاجماع المنقول مما لا اعتبار به. (الثالث): ان الرجل ممن مدحه المجلسي في الوجيزة وذكر صاحب الحدائق (قدء) ان شيخنا أبا الحسن روي مدحه في بلغته وعليه فالرجل ممدوح والرواية من الحسان فلابد من الحكم باعتبارها. والظاهر ان هذا الوجه أيضا غير تام لان مدح المجلسي للرجل مستند إلى ما رواه الكليني من أن رجلا يقال له أبو الورد قد دخل على أبي عبد الله (ع) عند مراجعته من الحج فقال له أبو عبد الله عليه السلام يا أبا الورد اما انتم فترجعون عن الحج مغفورا لكم واما غيركم فيحفظون في أهاليهم واموالهم (* 1). بدعوى ان الرواية ظاهرة في مدح الرجل لقوله عليه السلام انكم مغفورون، والا فالمجلسي لم يعاصر الرجل بوجه وبين عصريهما قرون والرواية لا يمكن الاعتماد عليها من وجهين.


(* 1) فروع الكافي الجزء 4 ص 264 من الطبعة الاخيرة والوافي في م 8 ص 45 ج 2

[ 234 ]

(أحداهما): ان قوله عليه السلام انكم مغفورون لا يدلنا على أزيد من ان الرجل شيعي فان شيعة علي (ع) إذا حجوا غفرت ذنوبهم المتقدمة فليستقبلوا أعمالهم (* 1) وأما غيرهم فعمله غير مقبول ومن هنا قال: انكم مغفورون ولم يقل انك مغفور حتى يتوهم منه توثيق الرجل. ويؤيده أيضا مقابلة ذلك بقوله وغيركم. لان ظهوره في ارادة غير الشيعة غير قابل للانكار ومن الظاهر ان كون الرجل شيعيا اماميا غير كاف في اعتبار روايته. و (ثانيتهما): انا لو سلمنا ان الرواية صريحة الدلالة على توثيق الرجل وانه ثقة ومن الاتقيا وانه معهم عليه السلام في الجنة مثلا إلا انا من أبن نعرف ان الرجل المذكور في الرواية هو أبو الورد الراوي للراوية التي بأيدينا، لعدم انحصار المكنى بأبي الورد براوي هذه الرواية ومن الجائز أن يكون هناك رجل آخر مكني بأبي الورد قد ورد على الامام (ع) وسأله وأجاب عليه السلام بما تقدم وليس في الرواية غير أنه كان يقال له أبو الورد وأما أنه الراوي لهذه الرواية فلا قرينة عليه بوجه. بل القرينة موجودة على خلافه لان أبا الورد الراوي لهذا الخبر ممن عدوه من أصحاب الباقر عليه السلام وهو يروى عنه عليه السلام كما أن


(* 1) هذا مضمون جملة من الاخبار الواردة في فضل الحج والعمرة - بضميمة ما ورد من أن الله لا يتقبل إلا من المؤمنين - وفي بعضها انهم على اصناف ثلاثة فافضلهم نصيبا رجل غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر ووقاه الله عزوجل عذاب البقر واما الذى يليه فرجل غفر له ذنبه ما تقدم منه ويستأنف العمل مما بقي من عمره وأما الذي يليه فرجل حفظ في أهله وماله وروى في الفقيه: أنه الذي لا يقبل منه الحج، راجع الجزء الثاني من الوافي كتاب الحج م 8 ص 40 والجزء الاول منه م 3 ص 142

[ 235 ]

ما بأيدينا من الرواية أيضا رواها عنه (ع) ولم يكن معاصرا لآبي عبد الله عليه السلام وإلا لعدوه من أصحاب الصادق والباقر عليهم السلام كليهما وأبو الورد في رواية الكافي من معاصري أبي عبد الله (ع) حيث أنه ورد عليه وسأله كما في الخبر وهذا يوجب الظن بل الاطمئنان بأنهما متغائران واحدهما غير الآخر ومعه كيف يمكن اثبات وثاقة الرجل بتلك الرواية. وما صنعه الميرزا (قده) من ايراد الرواية المتقدمة الواردة في الحج في ترجمة الي الورد راوي هذه الرواية فمبني على نظره واجتهاده ولا يمكننا الاعتماد عليه في مقام الاستدلال. إذا لا دلالة في الرواية على المدعي. ولعل صاحب الحدائق (قده) التفت إلى ما ذكرناه ومن هنا قال قد روي في الكافي ما يشعر بمدحه (* 1) فما استشكله صاحب المدارك (قده) من ان الرجل لم يثبت وثاقته والرواية ضعيفة هو الصحيح وعليه لابد من الحكم بوجوب التيمم لعدم تمكنه من الوضوء المأمور به ولا بأس بالاحتياط بالجمع بين التيمم والمسح على الحائل. و (منها): أي مما يستدل به على جواز المسح على الحائل فيما إذا كان لضرورة من برد أو خوف سبع ونحوهما رواية عبد الاعلى مولى آل سام الواردة فيمن عثر فانقطع ظفره فجعل على اصبعه مرارة فكيف يصنع في الوضوء؟ قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل


(* 1) ولا يخفى ان الرجل وان لم يوثق في الرجال إلا انه ممن وقع في أسانيد تفسير علي بن ابراهيم القمي فبناء على ما عليه سيدنا الاستاذ مد ظله من وثاقة كل وقع في سلسلة اسانيد ذلك الكتاب أعني تفسير القمي لابد من الحكم باعتبار الرواية ومعه لا حاجة إلى استدلال على وثاقة الرجل برواية الكليني (قده) المتقدمة فان الرواية ضعيفة السند بسلمة بن محرز لعدم ثبوت وثاقته ولا يمكن اثبات وثاقة الرجل بالرواية الضعيفة بوجه؟

[ 236 ]

قال الله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج. امسح عليه (* 1). لانها وان وردت في انقطاع الظفر وجعل المرارة على الاصبع إلا ان المستفاد من قوله (ع) يعرف هذا وأشباهه. انه حكم كبروي يستفاد من الكتاب وان من لم يتمكن من المسح على بشرته فوظيفته المسح على الحائل بلا فرق في ذلك بين الاصبع والمرارة وغيرهما. ويرد على هذا الاستدلال أمران: (أحدهما): ان الرواية ضعيفة السند لان عبد الاعلى مولى آل سام لم يوثق في الرجال. و (ثانيهما): انها ضعيفة الدلالة وذلك لان ما يعرف من كتاب الله ليس هو جواز المسح على الحائل عند عدم التمكن من المسح على البشرة حتى يقال ان ذلك حكم كبروي ولا اختصاص له بمن انقطع ظفره وجعل على اصبعه مرارة بل الذي يستفاد من الكتاب انما هو عدم وجوب المسح على البشرة لانه عسر. وأما وجوب المسح على المرأرة والحائل فلا يستفاد من الكتاب وكيف يمكن أن يستفاد منه ان المسح على المرارة ميسور المسح على البشرة مع أنهما متغائران. نعم يستفاد ذلك من قوله عليه السلام فامسح على المرارة وعليه فهي كسائر الاخبار الواردة في الجبائر كما يأتي في محلها وعليه فهو حكم يختص بالجبائر أعني من انقطع ظفره مثلا وجعل على اصبعه مرارة فلا يمكننا التعدي عن موردها إلى المقام اعني ما إذا لم يتمكن المتوضئ من المسح على بشرته لضرورة من الخوف ونحوه فالصحيح أنه إذا اضطر إلى عدم مسح البشرة وجب عليه التيمم لعدم تمكنه من الوضوء المأمور به ومن عجز عن الطهارة المائية انتقلت وظيفته إلى الطهارة الترابية لا محالة.


(* 1) المروية في ب 39 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 237 ]

[ من غير فرق بين مسح الرأس والرجلين (1) ] نعم الاحوط الجمع بينه وبين المسح على الخفين هذا. ثم انا إذا قلنا باعتبار رواية أبي الورد إما من جهة انجبارها بعمل الاصحاب واما من جهة وقوع حماد بن عثمان في سندها واما من جهة كون الرجل ممدوحا أو لغير ذلك من الوجوه لا بد من أن يعمم الحكم أعني جواز المسح على الخفين إلى ما إذا ترتب الضرر من المسح على البشرة على ما هو أعظم وأهم من الرجلين كالبدن إذا استلزم مسحهما طرو الحمى على بدنه أو كانت القافلة على شرف الحركة والنقر فاستلزم المسح على رجليه بقاءه منفردا ومنفصلا عن القافلة في قفر من القفار أو غير ذلك مما هو اعظم من اصابة البرد أو الثلج على رجليه. بل نتعدى إلى ما إذا ترتب على المسح ما هو مساو لاصابة البرد والثلج كما إذا خاف من اصابة الحر على رجليه وذلك لان ظاهر الرواية ان اصابة الثلج مما لا خصوصية له في الحكم وانما ذكره (ع) من باب أنه أقل افراد الضرر المترتب على مسح الرجلين. وعلى الجملة ان متقضى المناسبة بين الحكم وموضوعه عدم اختصاص الحكم المذكور بمن خاف على رجليه من الثلج خاصة. بل يعم ما إذا خاف على رجليه من الحر أو ما هو أعظم من ذلك كما مر، كما ان مناسبة الحكم والموضوع يقتضي التعدي إلى غير الخفين من الموانع المتحققة في الرجل كالجورب ونحوه لان مورد الرواية وان كان هو الخف إلا ان المورد لا يكون مخصصا. بل الظاهر منها بمناسبة الحكم والموضوع جواز المسح على كل حائل عند الضرورة وعدم التمكن العرفي من المسح على البشرة. (1) لا يخفى ان رواية أبي الورد على تقدير الفول باعتبارها تختص بالرجلين، كما ان الاجماع - على تقدير تماميته - منعقد فيما إذا خاف

[ 238 ]

على رجليه من البرد وعليه فالتعدي إلى مسح الرأس يحتاج إلى دليل. ودعوى القطع بعدم الفرق بين مسح الرجلين ومسح الرأس عهدتها على مدعيها لعدم علمنا بملاكات الاحكام ويحتمل اختصاص الملاك بالرجلين لموافقة المسح على الخفين مع العامة بخلاف مسح الحائل في الرأس. نعم قد يستدل على جواز المسح بالحائل في الرأس عند الضرورة بالروايتين الواردتين في الحناء. (احداهما): صحيحة محخمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يحلق رأسه ثم يطلبه بالحناء ثم تتوضأ للصلاة فقال: لا بأس بأن يمسح رأسه والحناء عليه (* 1). و (ثانيتهما) صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يخضب رأسه بالحناء ثم يبدو له في الوضوء قال: يمسح فوق الحناء (* 2) بدعوى ان الظاهر منهما ارادة الضرورة والتداوي بالحناء ولا يمكن الاستدلال بشئ من الروايتين. اما الرواية الاولى: فلان ظاهرهما كما قدمناه ان طلى الحناء بعد الحلق انما كان مستندا إلى النداوي بالحناء وعليه فلا مانع من المسح عليه لان كفاية المسح على الدواء عن المسح على البشرة منصوصة على ما يأتي تفصيله عند الكلام على أحكام الجبائر ان شاء الله تعالى فلا دلالة لها على كفاية المسح على كل حائل على الرأس عن المسح بالبشرة. واما الرواية الثانية فللقطع الوجداني بعدم خصوصية للحناء في ذلك فلو جاز المسح على جاز المسح على كل حائل على الرأس وعليه فلا مناص من حمل الرواية على التقية لموافقتها للعامة: اللهم إلا ان تحمل على صورة التداوي بالحناء فيتحد مع الرواية السابقة. وقد عرفت ان كفاية المسح


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 37 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 239 ]

[ ولو كان الحائل متعددا لا يجب نزع ما يمكن (1) وان كان أحوط، وفي المسح على الحائل أيضا لا بد (2) من الرطوبة المؤثرة في الماسح، وكذا سائر ما يعتبر في مسح البشرة. ] على الدواء منصوصة. فالمتحصل أنه لا دليل على جواز المسح على الحائل عند الضرورة على ترك مسح الرأس فلا مناص حينئذ من التيمم والاحتياط بالجمع بينه وبين المسح على الحائل أولى كمالا يخفى. تعدد الحائل: (1) كما إذا ليس جوربا زائدا على الخفين أوجوربا ثانيا وهكذا وكما إذا ليس (عرقجين) تحت العمامة فهل يجب نزع ما يمكن نزعه من افراد الحائل؟ الصحيح لا. وذلك لاطلاق الرواية وكلمات الآصحاب لان الظاهر من قوله (ع) لا إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك أنه في هاتين الصورتين لا مانع من المسح على الخفين سواء كان معهما حائل آخر أم لم يكن رقيقا كان أم غليظا واحدا كان أم متعددا. اعتبار الرطوبة المؤترة في المسح على الحائل: (2) لان ظاهر الرواية المتقدمة ان المسح على الحائل كالمسح على البشرة فيرعى فيه ما روعى في المسح على البشرة فهي توسعة في الممسوح ولا دلالة لها على الغاء الشرائط المعتبرة في المسح من لزوم كونه بنداوة الوضوء وأن يكون على

[ 240 ]

[ (مسألة 34): ضيق الوقت عن رفع الحائل أيضا مسوغ للمسح عليه (1) لكن لا يترك الاحتياط يضم التيمم أيضا. ] نحو التدريج وان يكون بامرار اليد على الرأس والرجلين وغيرها من الشرائط المتقدمة فلا بد من مراعاتها حسب اطلاق أدلتها وهذا ظاهر. ضيق الوقت غير مسوغ للمسح على الحائل: (1) ما سردناه إلى هنا من جواز المسح على الخفين أو غيرهما من افراد الحائل انما يختص بما لم يتمكن المتوضي من المسح على بشرته خوفا مما يترتب على مسحها من برد أو حر أو غيرهما من المضمار على ما تقدم تفصيله. وأما إذا فرضنا أنه متمكن من مسح البشرة ولم يترتب عليه أي ضرر إلا أنه عجز عن مقدمته كنزع الخفين - مثلا - لما في يده من الشلل أو أن يده قد أصابها البرد بحيث لا يمكنه نزعهما أو لم يتمكن من نزعهما لضيق الوقت لكن لو نزعهما أحد أو نزعهما بنفسه لم يترتب على مسح للرجلين أي ضرر برد أو حر أو غيرهما فهل يجوز له المسح على الخفين حينئذ أيضا أو لا يجوز؟ الصحيح عدم الجواز خلافا للماتن (قده) وذلك لان الرواية مختصة بما إذا ترتب على مسح البشرة ضرر من برد أو حر وقد تعدينا عن موردها وهو خوف الثلج على الرجلين إلى صورة الخوف على ما هو أعظم منهما كالبدن إذا خيف عليه من الحمى - مثلا - ونحو ذلك: وأما صورة عدم ترتب أي ضرر على مسحهما وعدم تمكنه من النزع ولو لاجل ضيق الوقت فلم يدلنا فيها دليل على كفاية المسح على الخفين حينئذ بل لابد معه من التيمم فلو جمع بينه وبين المسح على خفيه لكان أولى

[ 241 ]

[ (مسألة 35): إنما يجوز المسح على الحائل في الضرورات ما عدا التقية إذا لم يمكن رفعها (1) ولم يكن بد من المسح على الحائل ولو بالتأخير. ] وأحسن والاقتصار في هذه الصورة بخصوص المسح على الخفين خلاف الاحتياط جدا. شرطية عدم التمكن من رفع الضرورات: (1) والوجه في ذلك ان الاضطرار إلى المسح على الخفين في محل الكلام نظير بقية موارد الاضطرار فهو انما يكفى ويجتزى به في مقام الامتثال فيما إذا لم يتمكن من المسح على نفس الرجلين في الطبيعي المأمور به في شئ من الافراد الواجبة ما بين المبدء والمنتهى. دون ما إذا لم يتمكن منه في فرد أو فردين - ولكن كان متكنا في غيره من الافراد العرضية - كما إذا لم يتمكن من المسح عليهما في ساحة الدار خوفا من البرد على رجليه وتمكن منه في داخل الغرفة لان الهواء فيها متدافئ - أو من الافراد الطولية - كما إذا تمكن من المسح على بشرته إذا صبر واخر الوضوء إلى آخر الوقت - فانه حينئذ متمكن من المسح المأمور به فلا يجزى عنه غيره. وبعبارة أخرى الشئ الذي وجب في حق المكلف انما هو الطبيعي الواقع بين المبدء والمنتهى فلابد في تحقق الاضطرار من العجز عن المسح المأمور به في ذلك الطبيعي الواقع بين الحدين فلو عجز عن المسح المأمور به في فرد دون بقية الافراو فهو يتمكن من المسح الواجب لا محالة ومعه كيف يمكن الاجتزاء بغيره والعجز والاضطرار في جميع أفراد الطبيعة هو الذي يستفاد من رواية أبي الورد المتقدمة ولا اطلاق لها بالاضاإفة إلى كفاية العجز عن مسح البشرة في فرد من افراد الواجب حتى يتمسك به في الحكم

[ 242 ]

[ إلى آخر الوقت. وأما في التقية فالامر أوسع (1) فلا يجب الذهاب إلى مكان لا تقية فيه، وان أمكن بلا مشقة، نعم لو أمكنه - وهو في ذلك المكان - ترك التقية واراءتهم المسح على الخف - مثلا - فالاحوط بل الاقوى ذلك، ولا يجب بذل المال لرفع التقية بخلاف سائر الضرورات (2) والاحوط في التقية أيضا الحيلة في رفعها مطلقا. ] بكفاية مجرد الاضطرار في فرد واحد من أفراد الطبيعة المأمور بها. (1) يأتي الكلام على التقية مفصلا بعد بيان الفروع المترتبة على الاضطرار إلى المسح على الخفين ان شاء الله. لا يجب بذل المال لرفع التقية: (2) كما إذا توقف المسح المأمور به أعني المسح على البشرة على بذل مال لنزع الخفين من رجلي المتوضئ أو لادخاله مكانا متدافئا لا يخاف فيه من البرد على رجليه أو لغيرهما مما يتمكن به من المسح المأمور به. ولعل الماتن (قده) استفاد وجوب بذل المال على ذلك مما ورد في بعض الروايات من وجوب بذل المال على ماء الوضوء ولو كان كثيرا وذكر في ذيله: وما يسوؤني (تسرني) بذلك مال كثيره (* 1). ولا يمكن المساعدة على ذلك بوجه لان ايجاب الوضوء ليس كايجاب سائر الواجبات المالية أو البدنية كالخمس والزكاة والجهاد والحج ايجابا مبنيا على الضرر المالي أو البدني من الابتداء ليقال ان المال فيها لابد من بذله وان كان موجبا للضرر ولا يتوقف تحصيله على بذل مال. وعليه فإذا استلزم امتثال ايجاب الوضوء ضررا ماليا أو بدنيا على


(* 1) راجع ب 26 من أبواب التيمم من الوسائل

[ 243 ]

[ (مسألة 36): لو ترك التقية في مقام وجوبها (1) ومسح على البشرة ففى صحة الوضوء اشكال. (مسألة 37): إذا علم بعد دخول الوقت انه لو أخر الوضوء والصلاة يضطر إلى المسح على الحائل فالظاهر وجوب المبادرة إليه (2) في غير ضرورة التقية وان كان متوضا وعلم انه لو أبطله يضطر إلى المسح على الحائل لا يجوز له الابطال. ] المكلف فمقتضى قاعدة نفي الضرر عدم وجوب الوضوء في حقه لانه أمر ضرري ولا ضرر ولا ضرار في الاسلام فإذا لم يجب عليه الوضوء وجب عليه التيمم لا محالة بمقتضى تلك القاعدة وقد خرجنا عن عمومها لي خصوص ما إذا توقف تحصيل ماء الوضوء على بذل مال فان مقتضى أدلة نفي الضرر عدم وجوب البذل وعدم وجوب الوضوء عليه. ولم يرد هناك تخصيص للقاعدة وعليه ففي مفروض المسألة لا مناص من الحكم بوجوب التيمم من دون أن يجب عليه بذل المال لرفع الضرورة في المسح على الخفين. (1) تأتي هذه المسألة عند التعرض لاحكام التقية بعد التكلم على فروع الاضطرار إلى مسح الخفين فانتظر. وجوب المبادرة في محل الكلام: (2) يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين: (أحدهما): ما إذا علم المكلف بعد دخول وقت الصلاة أنه لو أخر الوضوء ولم يتوضأ فعلا لم يتمكن من الوضوء المأمور به والمسح على البشرة بعد ذلك، أو كان متوضأ على النحو المأمور به وعلم بأنه لو

[ 244 ]

أبطله لم يتمكن من الوضوء مع المسح على البشرة بعد ذلك. فهل يجب عليه المبادرة إلى الوضوء في المسألة الاولى ويحرم عليه ابطال الوضوء في المسألة الثانية اولا؟ الصحيح كما أفاده في المتن وجوب المبادرة وحرمة الابطال وذلك لانه حينئذ يتمكن من الاتيان بالمأمور به الاولى حال وجوبه وبه يتنجز عليه وجوب الصلاة مع الوضوء المأمور به في حقه لتمكنه من امتثاله وعليه فلو اخرج نفسه عن التمكن والقدرة إلى العجز باراقة الماء أو بترك المبادرة أو بابطال وضوئه كان ذلك عصيانا ومخالفة لذلك الامر المتنجز فلا محالة يعاقب على تفويته وتركه الواجب بالاختيار. وأدلة الابدال انما تدل على البدلية لمن لم يتمكن من المأمور به الاولى. وكان عاجزا عن الماء أو غيره والمفروض أنه متمكن من الماء ومن الوضوء الصحيح فلا يجوز في حقه الاتيان ببدله الا بتفويت قدرته وتمكنه واخراج نفسه عن التمكن وادخالها في العجزة وغير القادرين وهذا أمر غير سائغ. بل لو كنا نحن وأدلة وجوب الوضوء لقلنا بسقوط الامر بالوضوء والصلاة عمن عجز نفسه بتفويت قدرته على الماء أو المسح المأمور به بالعصيان ومعاقبته بترك الواجب اختيارا. إلا ان الادلة دلت على أن الصلاة لا تسقط بحال ولابد من اتيانها بالطهارة الترابية وهذا لا ينافي العقاب من جهة تركه المأمور به بالاختيار هذا كله فيما إذا علم بذلك بعد دخول الوقت. و (ثانيهما): ما إذا علم بذلك قبل دخول وقت الوجوب وهو الذى أشاره إليه الماتن بقوله: وان كان ذلك قبل دخول الوقت.

[ 245 ]

[ وان كان ذلك قبل دخول الوقت (1) فوجوب المبادرة أو حرمة الابطال غير معلوم. ] (1) والصحيح في هذه المسألة عدم وجوب المبادرة إلى الوضوء وعدم حرمة الابطال وذلك لان وجوب الوضوء والوضوء والصلاة مشروط في الشريعة المقدسة بدخول وقتها كما دل عليه قوله عز من قائل: اقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل.. (* 1) وقوله (ع) إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة ولا صلاة إلا بطهور (* 2). وعلى ذلك لا حكم متنجز بشئ من الطهور والصلاة قبل الوقت فلو ترك المكلف المبادرة إلى الوضوء أو أبطله قبل دخول الوقت لم يكن في ذلك أية مخالفة وعصيان التكليف المتنجز عليه لان المفروض ان التكليف قد اشترط بالوقت وهو غير متحقق بعد فلا وجه للحكم بوجوب المبادرة إليه ولا لحرمة ابطاله. نعم قد يتوهم ان في ترك المبادرة قبل الوقت أو في ابطال الوضوء حينئذ تفويتا للملاك الملزم وهو بالنظر العقلي كعصيان التكليف المنجز في القبح فلا مناص معه من الحكم بوجوب المبادرة وحرمة الابطال وهذا الكلام وان كان بحسب الكبرى صحيحا ومما لا مناقشة فيه لما ذكرناه غير مرة من ان تفويت الملاك الملزم ومخالفة التكليف المنجز سيان عند العقل وكلاهما عصيان ومخالفه لديه. الا ان الكلام كله في صغرى ذلك في المقام وان الصلاة مع الوضوء التام هل فيها ملاك ملزم بالاضافة إلى العاجز عن الوضوء المأمور به من أول الوقت أو ان الملاك الملزم يخص القادرين؟ وحيث لا سبيل لنا إلى


(* 1) سورة الاسراء 17: 78 (* 2) المروية في ب 24 من ابواب الامر والنهى من الوسائل

[ 246 ]

[ واما إذا كان الاضطرار بسبب التقية (1) فالظاهر عدم وجوب المبادرة وكذا يجوز الابطال وان كان بعد دخول الوقت لما مر من الوسعة في أمر التقية لكن الاولى والاحوط فيها أيضا المبادرة وعدم الابطال ] استكشاف ملاكات الاحكام الشرعية على ما ذكرناه غير مرة إلا بالامر والتكليف شرعا ولا تكليف على العاجز ومن لم يتمكن من الوضوء التام بالاضافة إلى الوضوء قبل الوقت ولا بعده فلا يمكننا تحصيل العلم بوجود الملاك الملزم في حقه. ومن الجائز وجدانا أن تكون القدرة دخلية في تحقق الملاك ومعه لا يمكن الحكم بحرمة ابطال الوضوء أو بوجوب المبادرة إليه قبل الوقت بدعوى أنه تفويت للملاك الملزم هذا كله في الفروع المترتبة على ترك المسح بالمأمور به أعني المسح على غير البشرة بشئ من الضرورات المتقدمة غير التقية. إذا كانت الضرورة هي التقية: (1) وأما إذا كانت الضرورة هي التقية فالمعروف المشهور بين الاصحاب (قدس الله أسرارهم) جواز المسح على الخفين نقية وتدل عليه العمومات والاطلاقات الواردة في وجوب التقية ومشروعيتها كقوله (ع) التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له (* 1) التقية في كل شئ على ما سيأتي فيها الكلام وأيضا تدل عليه رواية أبي الورد المتقدمة حيث صرح


(* 1) المروية في ب 24 و 25 من أبواب الامر والنهي من الوسائل (* 2) المروية في ب 25 من ابواب الامر والنهى من الوسائل

[ 247 ]

فيها بجواز المسح على الخفين تقبة وقال: لا الا من عدو تتقيه (* 1). وفي قبال ذلك عدة روايات دلت على عدم جواز المسح على الخفين تقية. (الاولى): صحيحة زرارة قال: قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج (* 2) وهما كالصريحة في عدم جريان التقية في المسح على الخفين. نعم الراوي فهم من قوله: لا أتقي. الاختصاص وان عدم جواز التقية في الامور الثلاثة من خصائصه (ع) على ما صرح به في ذيل الرواية حيث قال: قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحدا وهو على جلالته وعلو مقامه لا مناص من رفع اليد عما فهمه بقرينة صحيحته الثانية التي رواها الكليني (قده) ولم نعثر عليها في أبواب التقية من الوسائل، و (الثانية): ما أشرنا إليه آنفا أعني صحيحة زرارة التي رواها الكليني عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز عن زرارة عن غير واحد قال: قلت لابي جعفر (ع) في المسح على الخفين تقية؟ قال: لا يتقى في ثلاثة قلت: وما هن قال: شرب الخمر أو قال: (شرب المسكر) والمسح على الخفين ومتعة الحج (* 3). فانها صريحة في عدم اختصاص الحكم بهم عليهم السلام بقوله: عليه السلام لا يتقى. ومعه لابد من حمل قوله (ع) في الصحيحة الاولي


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 38 من ابواب الوضوء من الوسائل (* 3) المروية في الكافي الجزء 6 ص 615 وعنه في الوافي المجلد الثالث م 11 ص 86 من الطبعة الاخيرة بلفظة (لانتقي) لا (لا يتقي) فلاحظ.

[ 248 ]

لا أتقي على المثال: (الثالثة): ما رواه الكليني (قده). أيضا عن درست عن محمد ابن الفضيل الهاشمي قال: دخلت مع اخوتي على أبي عبد الله (ع) فقلنا انا تريد الحج وبعضنا صرورة فقال: عليكم بالتمتع فانا لا نتقي في التمتع بالعمرة إلى الحج سلطانا واجتناب المسكر والمسح على الخفين. (* 1) (الرابعة): ما رواه الكليني والبرقي والصدوق (قدس الله اسرارهم) عن أبي (ابن) عمر الاعجمي عن أبي عبد الله (ع) في حديث انه قال: لا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شئ إلا في النبيذ والمسح على الخفين (* 2) وزاد في الخصال ان تسعة اعشار الدين في التقية، ولم يذكر في هذه الرواية متعة الحج كما لم يذكر في شئ من روايات الكليني والبرقي والصدوق لهذه الرواية ولا نقل ذلك عنهم (قدهم) في الوسائل ولا في غيره من كتب الحديث. فما في كلام المحقق الهمداني (قده) من نقل الرواية مشتملة على متعة الحج من سهو القلم هذه هي الاخبار الواردة في المقام وقد عرفت استدلالهم بها على عدم جواز التقية في المسح على الخفين. ويرد الاستدلال بالرواية الاخيرة انها ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها على شئ لان أبا عمر الاعجمي ممن لم يتعرضوا لحاله فهو مجهول الحال من جميع الجهات حتى من حيث التشيع وعدمه فضلا عن الوثاقة وعدمها فالرواية ساقطة عن الاعتبار وكذلك الرواية الثالثة لضعفها بمحمد بن الفضيل الهاشمي لعدم توثيقة في الرجال وكذلك درست. المواقع في سندها


(* 1) المروية في الكافي الجزء 4 ص 293 من الطبعة الحديثة (* 2) المروية في ب 25 من ابواب الامر والنهي من الوسائل

[ 249 ]

لانه لم يوثق في الرجال (* 1) وأما الرواية الاولى أعني صحيحة زرارة الاولى فهي أيضا غير صالحة للاستدلال بها على المدعى لاحتمال أن يكون الحكم الوارد فيها من مختصاته (ع) ومع هذا الاحتمال كيف يسوغ الاستدلال بها على عدم جواز التقية في مسح الخفين على المكلفين فلا تبقى في البين رواية الا الصحيحة الثانية لزرارة وهي العمدة في المقام. فان قلنا باعتبار رواية أبي الورد المتقدمة ولو بأحد الوجهين المتقدمين من عمل المشهور على طبقها أو لكون حماد بن عثمان الواقع في سندها من أحد أصحاب الاجماع فلا اشكال في المسألة لان الرواية ناصة في الجواز والصحيحة ظاهرة في حرمة التقية في محل الكلام فيجمع بينهما بحمل الظاهر على النص. ونتيجة هذا الجمع ان التقية في الامور الثلاثة الواردة في الرواية أمر مكروه أو يحمل الصحيحة على غير الكراهة مما لا ينافي الرواية واما إذا لم نقل باعتبار الرواية ولم نعتمد عليها في الاستدلال فهل يمكننا رفع اليد بصحيحة زرارة عن الاطلاقات والعمومات الواردة في التقية نظرا إلى أن الصحيحة أخص منها مطلقا فهي توجب تقييدها لا محالة أو ان الامر بالعكس فلا بد من أن يرفع اليد عن الصحيحة بهذه الاطلاقات والعمومات؟ الثاني هو التحقيق وذلك لان الظاهر ان الصحيحتين المتقدمتين لزرارة متحدتان والوجه في هذا الاستظهار أمور. (منها): ان زرارة بعد ما نقل الصحيحة الاولى وعقبها بما فهمه منها من ان عدم جواز التقية في الموارد الواردة في الصحيحة من خصائص


(* 1) نعم ورد درست في أسانيد تفسير القمي فهو ثقة بتوثيقه فليلاحظ.

[ 250 ]

الامام (ع) حيث قال: ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا كيف يسوغ له أن يروى رواية أخرى بعين ذلك السند يدل على خلاف ما استفاده من الصحيحة الاولى أعني حرمة التقية في الامور الثلاثة الواردة في الصحيحة. و (منها): ان السند في كلتا الروايتين واحد كما تقدم. و (منها): ان الرواية قد نقلها في الوافي بلفظة (لا نتقي) لا (لا يتقى) ولعله هو الصحيح وان كانت نسخ الكافي كلها حتى النسخة التي بهامش مرآة العقول وهكذا نسخ غير الكافي بلفظة (لا يتقى) وعلى ذلك فالاتحاد بين الروايتين ظاهر حيث لا فرق بين (نتقي) و (اتقي) لانهم عليهم السلام بمنزلة شخص واحد. وكيف كان فبهذه الامور نستظهر اتحاد الروايتين ولا أقل من احتمال ذلك كما لا يخفى. إذا لا دلالة في الصحيحة على عدم جواز التقية في الامور الثلاثه لغيرهم عليهم السلام. ولعل هذا هو السر في أن صاحب الوسائل (قده) لم ينقل الصحيحة الثانية في شئ من الابواب المناسبة لها فانه لو لا اتحاد الروايتين وكون الصحيحة بلفظة لا نتقى لم يكن لما صنعه صاحب الوسائل من ترك نقل الصحيحة الثانية وجه صحيح لصحة سندها ووضوح دلالتها مع أنه قد التزم بنقل الاخبار الموجودة في الكتب الاربعة في الوسائل. والظاهر ان النسخة عند صاحب الحدائق (قده) أيضا (لا نتقى) لانه بعدما نقل الصحيحة الاولى عن زرارة وحمل الشيخ لها في التهذيبين على اختصاص عدم جواز التقية في الامور الثلاثة به عليه السلام قال: ومثل خبر زرارة المذكورة أيضا ما رواه في الكافي ثم نقل الصحيحة الثانية إلى آخرها.

[ 251 ]

ولولا كون النسخة عنده (لا نتقى) لم يكن هذه الصحيحة مثلا للصحيحة الاولى بل كانت مغائرة معها لان احداهما مشتملة على كلمة (لا أنقي) الدالة على الاختصاص و (ثانيتهما) مشتملة على كلمة (لا يتقى) وهي تدل على عمومية الحكم وعدم اختصاصه له (ع) فالمتحصل ان عدم التقية في تلك الامور من خصائصهم عليهم السلام هذا أولا. ثم لو سلمنا ان الصحيحة (لا يتقى) وانها مغائرة مع الصحيحة الاولى فالظاهر انها غير ناظرة إلى أن التقية غير جارية في الامور الثلاثة بحسب الحكم بأن تكون الصحيحة دالة على حرمة التقية فيها ومخصصة للعمومات والاطلاقات الواردة في التقية بل انما هي ناظرة إلى عدم جريان التقية فيها بحسب الموضوع أو الشرط. وذلك أما بالاضافة إلى شرب الخمر فلانا لم نجد أحدا يفتى من العامة بجواز شرب الخمر في الشريعة المقدسة كيف وحرمته من الضروريات والمسلمات ومع عدم ذهابهم إلى الجواز لا معنى للتقية المصطلح عليها في شربها لانها انما يتحقق فيما إذا كان الامر على خلاف مذهبهم وأما مع الموافقة فلا موضوع للتقية وهذا ظاهر، نعم يمكن أن يجبر سلطان أو حاكم احدا على شربها إلا أنه خارج عن التقية المصطلح عليها ويندرج في عنوان الاضطرار أو الاكراه على شرب الخمر لان التقية انما يتحق باظهار الموافقة معهم فيما يرجع إلى الدين واظهار الموافقة معهم لا بعنوان الدين والحكم الشرعي خارج عن التقية بالكلية. وأما متعة الحج فلاجل انها وان كانت من مختصات الطائفة المحقة - على ما هو المعروف بيننا - الا ان التقية فيها فاقدة لشرطها وهو خوف ترتب الضرر على خلاف التقية أعني الاتيان بمتعة الحج لامكان الاتيان بها

[ 252 ]

من دون أن يترتب عليها أي ضرر بحسب الغالب وذلك من جهة أن حج التمتع بعينه حج القران لا شتراكهما في الامور المعتبرة فيهما ويمتاز التمتع عنه بأمرين: (أحدهما): النية لانا ننوي التمتع وهم ينوون القران. و (ثانيهما) التقصير. وأما في غيرهما من الاحرام من المواقبت ودخول مكة والطواف فهما مشتركان لا يمتاز أحدهما عن الآخر والنية أمر قلبي لا معنى للنقية فيه لعدم ظهورها في الخارج وهذا ظاهر والتقصير مما يتمكن منه أغلب الناس، لان أخذ شئ من شعر الرأس أو الاظافر أمر متيسر للاغلب واو في الخلوة فالتمتع في الحج فاقد لشرط التقية. نعم انها احد المتعتين اللتين حرمهما الخليفه الثاني إلا ان تابعيه قد قبلوا منه تحريم متعة النساء ولم يقبلوا منه تحريم متعة الحج بل وقع فيه الخلاف بينهم - فعن مسند أحمد ان عبد الله بن عمر حج متمتعا فقيل له هل تخالف سنة أبيك فقال: يا سبحان الله سنة أبي احق ان يتبع أم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وفي خبر آخر سنة الله فليراجع. فالنقية في متعة الحج فاقدة للشرط بحسب الاغلب فلو وجد مورد ولم يتمكن فيه من التمتع على طريقة الشيعة فهو من النذرة بمكان والآخبار منصرفة عن مثله إلى ما هو الغالب لا محالة. وأما المسح على الخفين فلاجل ان وجوب المسح عليهما ليس من المسائل الاتفاقية عندهم بل الاكثر منهم ذهبوا إلى التخيير بين المسح عليهما وغسل الرجلين وذهب بعضهم إلى أفضلية إلمسح على الخفين (* 1). إذا فلا موضوع للتقية في المسح على الخفين بل ينتزع الخفين عن رجليه من غير خوف ولكنه يغلسهما تقية كما ورد الامر بغسلهما في بعض


(* 1) راجع تعليقة ص 130 من هذا الجزء

[ 253 ]

الاخبار وقد حملناه على التقية (* 1) وعلى الجملة ان عدم جريان التقية في الامور المذكورة انما هو من جهة خروجها عن التقية بحسب الموضوع أو الشرط فان شئت قلت بحسب الموضوع فقط لانه الجامع بين الموضوع الذي أشرنا إليه والشرط. ولا نظر الرواية إلى عدم جريان التقية فيها بحسب الحكم حتى تكون مخصصة للعمومات والاطلاقات وذلك للقطع بان الامر إذا دار بين المسح على الخفين وضرب أعناق المؤمنين لم يرض الشارع بترك المسح بدعوى حرمة المسح على الخفين وعدم جوازه من باب التقية وعلى ما ذكرناه لا مانع من المسح على الخفين إذا اقتضت النقية ذلك بحسب العمومات والاطلاقات. ولما آل الامر إلى هنا فمن الجدير جدا أن نتعرض إلى أحكام التقية على وجه البسط التفصيل. بحوث التقية: وذلك انما يتم بالبحث عن جهات: (الجهة الاولى): ان التقية مصدر تقي يتقى والاسم التقوى وهي مأخوذة من الوقاية وتائها بدل من الواو بمعنى الصيانة والتحفظ عن الضرر ومنه المتقون لانهم صانوا أنفسهم عن سخط الله سبحانه وعقابه وقد تجيئ بمعنى الخوف كما إذا اسند إلى الله سبحان كما في قوله تعالى: واتقوا الله. (* 2)


(* 1) راجع ب 25 الحديث 13 و 14 و 15 من ابواب الوضوء من الوسائل. (* 2) سورة البقرة: 2 الاية، 194 و 196 و 203 وغيرها من الايات

[ 254 ]

وهي قد تستعمل ويراد منها المعنى العام وهو التحفظ عما يخاف ضرره ولو في الامور التكوينية كما إذا اتقى من الداء بشرب الدواء وأخرى تستعمل ويراد منها المعنى الخاص وهو التقية المصطلح عليها أعني التقية من العامة. أما التقية من الله سبحانه فمن الظاهر انها غير محكومة بحكم شرعا لان الامر بها مساوق للامر باتيان الواجبات وترك المحرمات كالامر بالطاعة ومن الظاهر أنه واجب عقلي ولا حكم له شرعا. وأما التقية بالمعنى الاعم فهي في الاصل محكومة بالجواز والحلية وذلك لقاعدة نفي الضرر وحديث رفع ما اضطروا إليه (* 1) وما ورد من أنه ما من محرم إلا وقد أحله الله في مورد الاضطرار (* 2) وغير ذلك مما دل على حلية أي عمل عند الاضطرار إلى فكل عمل صنعه المكلف اتقاء لضرره واضطرار إليه فهو محكوم بالجواز والحلية في الشريعة المقدسة. وأما التقية بالمعنى الاخص أعني التقية من العامة فهي في الاصل واجبة وذلك للاخبار الكثيرة الدالة على وجوبها بل دعوى تواترها الاجمالي والعلم بصدور بعضها عنهم عليهم السلام ولا أقل من اطمئنان ذلك قريبة جدا هذا على أن في بينها روايات معتبرة كصحيحتي ابن أبي يعفور ومعمر بن خلاد (* 3) وصحيحة زرارة (* 4) وغيرهما من الروايات الدالة على وجوب التقية.


(* 1) المروية في ب 30 من أبواب الخلل و 56 من أبواب جهاد النفس من الوسائل. (* 2) المروية في ب 1 من أبواب القيام وب 12 من ابواب كتاب الايمان من الوسائل. (* 3) المروية في ب 24 من أبواب الامر والنهي من الوسائل. (* 4) المروية في ب 25 من ابواب الامر والنهي من الوسائل

[ 255 ]

ففي بعضها ان التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لاتقية له (* 1) وأي تعبير أقوى دلالة على الوجوب من هذا التعبير حيث أنه ينفي التدين رأسا عمن لا تقية له فمن ذلك يظهر أهميتها عند الشارع وأن وجوبها بمثابة قد عد تاركها ممن لا دين له. وفي بعضها الآخر: لا ايمان لمن لا تقية له (* 2) وهو في الدلالة على الوجوب كسابقه. وفي ثالث: لو قلت ان تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقا (* 3) ودلالته على الوجوب ظاهرة لان الصلاة هي الفاصلة بين الكفر والايمان - كما في الاخبار - وقد نزلت التقية منزلة الصلاة ودلت على انها أيضا كالفاصلة بين الكفر والايمان وفي رابع ليس منا من لم يجعل التقية شعاره ودثاره (* 4). وقد عد تارك التقية في بعضها ممن أذاع سرهم وعرفهم إلى أعدائهم (* 5) إلى غير ذلك من الروايات فالتقية بحسب الاصل الاولى محكومة بالوجوب. ثم ان التقية بالمعنى الجامع بين التقية بالمعنى الاعم والتقية المصطلح عليها قد يتصف بالوجوب كما إذا ترتب على تركها مفسدة لا يرضى الشارع بوقوع المكلف فيها كالقتل هذا في التقية بالمعنى الاعم وأما التقية بالمعنى


(* 1) و (* 4) المرويتان في ب 24 من أبواب الامر والنهي من الوسائل. (* 2) كما في صحيحتي ابن أبي يعفور ومعمر بن خلاد المتقدمين (* 3) كما في رواية السرائر المروية في ب 24 من أبواب الامر والنهي من الوسائل. (* 5) كما في رواية الاحتجاج المروية في ب 39 وصحيحة معلى بن خنيس المتقدمة المروية في ب 24 من أبواب الامر والنهي من الوسائل.

[ 256 ]

الاخص فقد عرفت انها مطلقا واجبة وان لم يترتب عليها إلا ضرر يسير وقد يتصف التقية بالمعنى الجامع المتقدم بالحرمة التشريعية وهذا كما إذا أجبره الجائر على الصلاة خلف من نصبه أماما للجماعة أو خلف رجل آخر علمنا فسقه فانه إذا صلى خلفه ناويا بها التقرب والامتثال فقد فعل محرما تشريعيا لا محالة لان التقية تنادي بصورة الصلاة معه وحيث أنه يعلم ببطلانها وعدم كونها مأمورا بها حقيقة فلو أتى بها بقصد القربة كان ذلك محرما تشريعيا لا محالة. ونظيره ما إذا أتى بالعبادة تقية وقلنا انها غير مجزءة عن المأمور بها لان التقية انما تقتضي جواز العمل فقط ولا يقتضي الاجزاء عن المأمور به كما ذهب إليه جمع ومنهم المحقق الهمداني (قده) كما في المسح على الخفين - مثلا - فانه لو اتقى بذلك ومسح على خفيه تقية لم يجز له ان يقصد به التقرب والامتثال لعدم كونه مصداقا للمأمور به فلو قصد به ذلك كان محرما تشريعيا كما عرفت. ومن ذلك ما إذا وقف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام تقية وقلنا بعدم أجزائه من الوقوف المأمور به وهو الوقوف بها يوم التاسع من الشهر المذكور مطلقا أو فيما إذا علم بأن اليوم يوم الثامن دون التاسع فانه لا يجوز أن ينوي به التقرب والامتثال وإلا لارتكب عملا محرما تشريعيا لا محالة. وثالثة تتصف التقية بالمعنى الجامع بالحرمة الذاتية وهذا كما إذا أجبره الجائر بقتل النفس المحترمة فانه لا يجوز له أن يقتلها تقية لما دل على أن التقية انما شرعت لحقن الدماء فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية فإذا قتلها تقية ارتكب محرما ذاتيا لا محالة. وقد يمثل لذلك بما إذا لم يترتب على ترك التقية ضرر عاجل ولا آجل.

[ 257 ]

ولكنا قدمنا ان التقية من الوقاية. وقد أخذ في موضوعها خوف الضرر ومع العلم بعدم ترتب الضرر على تركها لا يتحقق موضوع للتقية. والصحيح ان يمثل التقية المحرمة بالقتل كما مر وبما إذا كانت المفسدة المترتبة على فعل التقية أشد واعظم من المفسدة المترتبة على تركها أو كانت المصلحة في ترك التقية أعظم من المصلحة المترتبة على فعلها، وكما إذا علم بأنه ان عمل بالتقية ترتب عليه اضمحلال الحق واندراس الدين الحنيف وظهور الباطل وترويج الجبت والطاغوت وإذا ترك التقية ترتب عليه قتله فقط أو قتله مع جماعة آخرين ولا اشكال حينئذ في أن الواجب ترك العمل بالتقية وتوطين النفس للقتل لان المفسدة الناشئة عن التقية أعظم وأشد من مفسدة قتله. نعم ربما تكون المفسدة في قتله أعظم واكثر كما إذا كان العامل بالتقية ممن يترتب على حياته ترويج الحق بعد الاندراس وانجاء المؤمنين من المحن بعد الابتلاء ونحو ذلك ولكنه أمر آخر والتقية بما هي تقية متصفة بالحرمة في تلك الصورة كما عرفت. ولعله من هنا أقدم الحسين سلام الله وصلواته عليه وأصحابه رضوان الله عليهم لقتال يزيد بن معاوية وعرضوا أنفسهم للشهادة وتركوا التقية عن يزيد وكذا بعض أصحاب امير المؤمنين (ع) بل بعض علمائنا الابرار قدس الله أرواحهم وجزاهم عن الاسلام خيرا كالشهيدين وغيرهما. ورابعة تتصف التقية بالمعنى المتقدم بالاستحباب وقد مثل له شيخنا الانصاري (قده) بالمداراة معهم ومعاشرتهم في بلادهم وحضور مجالسهم وعيادة مرضاهم وغير ذلك مما لا يترتب أي ضرر على تركه بالفعل إلا أن تركه كان مفضيا إلى الضرر على نحو التدريج. وفيه ما تقدم من ان التقية متقومة بخوف الضرر الذي يترتب على

[ 258 ]

تركها ومع العلم بعدم ترتب الضرر على ترك التقية لا يتحقق موضوع للتقية كما مر. وعليه فالصحيح أن يمثل للتقية المستحبة بالمرتبة الراقية من التقية لان لها كالعدالة وغيرها مراتب ودرجات متعددة وهذا كشدة المواظبة على مراعاتها حتى في موارد توهم الضرر فضلا عن موارد احتماله لئر يذاع بذلك اسرار اهل البيت عليهم السلام عند أعدائهم ولا اشكال في استحباب ذلك مع تحقق موضوع التقية وهو احتمال الضرر ولو ضعيفا. ويشهد على ذلك ما رواه حماد بن عيسى عن عبد الله بن حبيب (جندب) عن أبي الحسن (ع) في قول الله عزوجل (ان اكرمكم عند الله أتقاكم) قال: اشدكم تقية (* 1) فان ذلك وان كان من أحد مصاديق التقية فان التقية قد تكون من الله سبحانه وقد يكون من العامة وغيرهم. إلا ان الرواية تدلنا على ان من كان شديد المواظبة على التقية فهو اتقى واكرم عند الله وهذا كاف في رجحان شدة المواظبة على التقية. ويمكن التمثيل للتقية المستحبة أيضا بما إذا اكره مكره على اظهار كلمة الكفر أو التبري من أمير المؤمنين (ع) بناء على أن التقية وقتئذ باظهار البراءة أرجح من تركها ومن تعريض النفس على الهلاكة والقتل كما يأتي عن قريب ان شاء الله. وقد تتصف التقية - بالمعنى المتقدم - بالكراهة ومرادنا بها ما إذا كان ترك التقية أرجح من فعلها وهذا كما إذا اكره على اظهار البراءة من أمير المؤمنين (ع) وقلنا ان ترك التقية حينئذ وتعريض النفس للقتل أرجح من فعلها واظهار البراءة منه (ع) كما احتمله بعضهم. وكما إذا نرتب ضرر على أمر مستحب كزيارة الحسين (ع) فيما إذا


(* 1) المروية في ب 24 من أبواب الامر والنهي من الوسائل.

[ 259 ]

كانت ضررية فان ترك التقية حينئذ باتيان المستحب الضرري أرجح من فعلها وترك العمل الاستحبابي وهذا بناء على ما قدمناه عند التكلم على حديث لا ضرر من أنه كحديث الرفع وغيره مما دل على ارتفاع الاحكام الضررية على المكلف. ومعه يكون ترك التقية باتيان المستحب أرجح من فعلها وترك العمل المستحب هذا كله في هذه الجهة. (الجهة الثانية): بيان مورد التقية بالمعنى الاخص مقتضى الاطلاقات الكثيرة الدالة على أن من لا تقية له دين له أو لا ايمان له وانه ليس منا من لم يجعل التقية شعاره ودثاره وان التقية في كل شئ، والتقية ديننا إلى غير ذلك من الاخبار المتقدمة (* 1) ان التقية تجري في كل مورد احتمل ترتب ضرر فيه على تركها. بل الظاهر بما ورد من أن التقية شرعت ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية (* 2) ان النقية جارية في كل شئ سوى القتل وقد أشرنا آنفا أن التقية بالمعنى اخص واجبة فتجب في كل مورد احتمل فيه الضرر على تقدير تركها وقد استثنى الاصحاب (قدهم) عن وجوب التقية موارد: موارد الاستثناء: (الاول): ما إذا كره على قتل نفس محترمة وقد تقدم ان التقية المتحققة بقتل النفس المحترمة محرمة وذلك لما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: انما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية (* 3) وصحيحة أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام. انما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم


(* 1) المتقدمة في ص 246 و 255 (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 31 من ابواب الامر والنهي من الوسائل

[ 260 ]

فلا تقية. (* 1). و (الثاني): ما إذا لم يترتب على ترك التقية أي ضرر عاجل أو آجل فقد ذكروا ان التقية محرمة وقتئذ، وبينا نحن ان التقية قد أخذ في موضوعها احتمال الضرر فإذا لم يترتب هناك ضرر على تركها فهي خارجة عن موضوع التقية رأسا وعلى الجملة ان خروج مثلها تخصصي موضوعي لا تخصيصي. (الثالث): مسح الخفين حيث ذكروا ان التقية غير جارية في مسح الخفين وذكرنا نحن ان عدم جريان التقية في مسح الخفين ومتعة الحج وشرب المسكر يختص بالائمة عليهم السلام ولا يعم غيرهم وعلى تقدير التنازل عن ذلك وفرض شمول الحكم لغيرهم (ع) كما إذا كانت الكلمة الواردة في صحيحة زرارة المتقدمة (لا يتقى) لا (لا نتقي) ذكرنا ان الظاهر ان خروج الموارد الثلاثة عن التقية خروج موضوعي غالبا لا انها خارجة عنها حكما على ما فصلنا الكلام عليه سابقا. فعلى ذلك لو فرضنا ان موضوع التقية في المسح على الخفين قد تحقق في مورد على وجه الندرة والاتفاق كما إذا خاف من العامة على نفسه من الاتيان بالمأمور به أعني المسح على الرجلين فمسح على الخفين تقية فالظاهر جريان التقية فيه لانصراف الاخبار إلى الغالب وانه الذى لا يتحقق فيه موضوع التقية. (الرابع): ما إذا اكره على التبري من أمير المؤمنين (ع) لما ورد في عدة من الاخبار من الامر بمد الاعناق والنهي عن التبرى منه (ع) لانه على الفطرة أو مولود على الفطرة. فمن جملتها ما رواه الشيخ في مجالسه باسناده عن محمد بن ميمون عن


(* 1) المروية في ب 31 من ابواب الامر والنهي من الوسائل.

[ 261 ]

جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (ع) قال: قال: أمير المؤمنين (ع) ستدعون إلى سبي فسبوني وتدعون إلى البراءة مني فمدوا الرقاب فاني على الفطرة (* 1). و (منها): ما رواه الشيخ أيضا في مجالسه باسناده عن علي بن على أخي دعبل بن علي الخزاعي عن علي بن موسى عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب (ع) انه قال: انكم ستعرضون على سبي فان خفتم على أنفسكم فسبوني ألا وانكم ستعرضون على البراءة مني فلا تفعلوا فانى على الفطرة (* 2). و (منها): ما في نهج البلاغه عن أمير المؤمنين (ع) انه قال أما انه سيظهر عليكم بعدى رجل رحب البلعوم، مند حق البطن يأكل ما يجد ويطلب مالا يجد فاقتلوه ولن تقتلوه ألا وانه سيأمركم بسبي والبراءة مني فأما السب فسيوني فانه لي زكاة ولكم نجاة وأما البراءة فلا تبرأوا أو (تتبرأوا) مني فاني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الايمان والهجرة (* 3) إلى غير ذلك من الروايات المستفيضة. ولا ينبغي الاشكال في دلالتها على المدعى أعني تعريض النفس للهلاك عدا الاكراه على التبري منه (ع) ولا يعارضها رواية مسعدة بن صدقه قال: قلت لابي عبد الله (ع) ان الناس يرون أن عليا (ع) قال على منبر الكوفة: أيها الناس انكم ستدعون إلى صبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرءوا مني، فقال: ما أكثر ما يكذب الناس على علي (ع) ثم قال: وانما قال: انكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني واني لعلى دين محمد صلى الله عليه وآله ولم يقل ولا تبرؤا مني.


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 29 من ابواب الامر والنهي من الوسائل.

[ 262 ]

فقال له السائل: ارأيت ان أخبار القتل دون البراءه فقال: والله ما ذلك عليه وماله إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث اكره أهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان فأنزل الله عزوجل فيه (الا من اكره وقبله مطمئن بالايمان) فقال له النبي صلى الله عليه وآله عندها: يا عمار ان عادوا فعد أنزل الله عذرك وأمرك أن تعود ان عادوا (* 1) وذلك أما أولا فلانها ضعيفة السند بمسعدة لعدم ثوثيقه في الرجال (* 2). وأما ثانيا فلقصور دلالتها على حرمة القتل ووجوب التبري عند الاكراه لانه (ع) انما نفى كون القتل على ضرره وبين أن ما ينفعه ليس إلا ما مضى عليه عمار ولم تدل على حرمة التعرض على القتل حينئذ بوجه بل التعرض على القتل والتبري كلاهما سيان. والظاهر أن هذا مما لا كلام فيه وانما الكلام في أنه هل يستفاد من تلك الروايات المستفيضة وجوب اختيار القتل وعدم جواز التبري واظهاره باللسان للصيانة عن القتل أو انه لا يستفاد منها ذلك؟. الثاني: هو الصحيح وذلك لعدم دلالتها على تعين اختيار القتل حينئذ لانها انما وردت في مقام توهم الحظر لان تعريض النفس على القتل حرام وبهذه القرينة يكون الامر بمد الاعناق واختيار القتل ظاهرا في الجواز دون دون الجواب وعلى فالاخبار انما تدلنا على الجواز في كل من التقية باظهار


(* 1) المروية في ب 29 من أبواب الامر والنهي من الوسائل (* 2) الرجل ممن وقع في سلسلة أسانيد كامل الزيارات وتفسير القمي فعلى ما سلكه سيدنا مد ظله من وثاقة كل من وقع في سلسلة أحاديث الكتابين المذكورين إذا لم يضعف بتضعيف معتبر لابد من الحكم بوثاقته واعتباره.

[ 263 ]

التبري منه (ع) باللسان وتركها باختيار القتل ومد الاعناق. ويدلنا على ذلك ما رواه عبد الله بن عطاء قال: قلت لابي جعفر عليه السلام رجلان من أهل الكوفة أخذا فقيل لهما: ابريا عن أمير المؤمنين عليه السلام: فبرئ واحد منهما وابى الآخر فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر فقال: أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه وأما الذي لم يبرء فرجل تعجل إلى الجنة (* 1) وقد دلت على جواز كل من التبري منه (ع) تقية والتعرض للقتل وان كلا من الرجلين من أهل الجنة وقد تعجل أحدهما إلى الجنة وتأخر الآخر. وما رواه محمد بن مروان قال: قال لي أبو عبد الله (ع) ما منع ميثم رحمه الله من التقية؟ فوالله لقد علم ان هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه: الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان (* 2) لدلالتها على جواز كل من البراءة واختيار القتل لانه (ع) لم يتزجر عما فعله ميثم وانما سئل عن وجهه هذا. وقد يقال إن ترك التقية أرجح من التقية باظهار التبري منه (ع) وعليه فيكون المقام من موارد التقية المكروهة والمرجوحة وإذا قلنا بعكس ذلك وان التقية باظهار التبري أرجح من تركها فيكون المقام مثالا للتقية المستحبة لا محالة. والصحيح ان الامرين متساويين ولا دلالة لشئ من الروايات على أرجحية أحدهما عن الآخر أما رواية عبد الله بن عطاء فلانها انما دلت على ان من ترك التقية فقتل فقد تعجل إلى الجنة ولا دلالة لذلك على أن ترك التقية باختيار القتل


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 29 من أبواب الامر والنهي من الوسائل.

[ 264 ]

أرجح من فعلها وذلك لان العامل بالتقية أيضا من اهل الجنة وانما لم يتعجل بل تأجل فلا يستفاد منه إلا تساويهما. وأما ما رواه محمد بن مروان فلانها انما تدل على أرجحية التقية باظهار التبري منه (ع) فيما إذا كانت كلمة (ميثم) غير منصرفة فيصح وقتئذ أن تقرء كلمة (منع) مبنية للفاعل والمفروض ان كلمة (ميثم) لا تكتب منصوبة (ميثما) لعدم انصرافها فتدلنا الرواية حينئذ على توبيخ ميثم لتركه التقية وتعرضه للقتل والهلاك. الا ان كلمة (ميثم) منصرفة لوضوح عدم اشتمالها على موانع الصرف وعليه فلا يصح قراءة كلمة (منع) مبنية للفاعل والا للزم أن تكون كلمة (ميثم) منصوبة وأن تكون العبارة هكذا ما منع ميثما ولم تذكر الكلمة في شئ من النسخ التي وقفنا عليها منصوبة بل هي في جميع النسخ مكتوبة بالرفع (ميثم) ومعه لا بد من قراءة كلمة (منع) مجهولة ومبنية للمفعول هكذا (ما منع ميثم) أي لم تكن التقية ممنوعة وغير سائغة في حقه بل كانت مرخصة بالنسبة إليه وهو أيضا كان عالما بجوازها ومع ذلك اختار القتل باختياره إذا فلا يستفاد منها توبيخ ميثم على عمله ل معناها أحد أمرين: (أحدهما): أن تكون هذه الجملة (ما منع ميثم) دفعا للاعتراض على ميثم بأنه لما ذا اختار القتل ولم يتق وهل كان ممنوعا عن التقية فأجاب عليه السلام: عن ذلك بأنه ما كان ممنوعا عن التقية وانما اختار القتل لتساوي التقية وتركها في الرجحان عند الله سبحانه وحينئذ لا يستفاد منها مدح ميثم ولا قدحه. و (ثانيهما): أن تكون الجملة دالة على مدح ميثم وانه مع علمه بالحال وان التقية جائزة في حقه قد اختار القتل لعدم طيب نفسه بالتبري

[ 265 ]

عن سيده ومولاه ولو بحسب الظاهر واللسان لقوة ايمانه وشدة حبه وعلاقته لمولاه (ع) إذا تكون الرواية دالة على مدحه رضوان الله عليه وعلى كل لا يستفاد منها أرجحية التقية عن القتل. ويحتمل أن يكون الوجه في اختيار ميثم القتل على التقية هو علمه بانتفاء موضوع التقية في حقه لانه كان يقتل على كل حال لمعروفيته بالولاء واشتهاره بالتشيع والاخلاص لامير المؤمنين صلوات الله عليه. وعلى الجملة الرواية أما أن تدلنا على أرجحية القتل من التقية وإما أن تدل على تساوي التعرض للقتل والتقية وأما أن التقية بالتبري عنه (ع) أرجح من التعرض للقتل فلا يكاد يستفاد من الرواية بوجه فالحكم بأرجحية التقية من القتل في نهاية الاشكال هذا كله في هذه الجهة. (الجهة الثالثة): ان الاضطرار والتقية هل يقتضيان ارتفاع الآثار المترتبة على الفعل الاضطراري لولا الاضطرار والتقية إذا كان لدليل ثبوتها اطلاق أو عموم أو ان الآثار المترتبة على الفعل لا ترتفع من جهة الاضطرار إليه واتيانه تقية؟ استشكل شيخنا الانصاري (قده) في ارتفاع الآثار من جهة التقية والاضطرار نظرا إلى ان المرفوع في حديث الرفع ليس هو جميع الآثار المترتبة على الفعل المأتي به بداعي التقية أو الاضطرار وانما المتيقن رفع خصوص المؤاخذة على الفعل وأما ارتفاع جميع آثاره بالاضطرار فلم يقم عليه دليل ثم أمر بالتأمل. ولا بد لنا في المقام من التكلم على جهات ثلاث: (الجهة الاولى): ان التقية والاضطرار هل بوجبان ارتفاع الاحكام التكليفية المتعلقة بالفعل المأتي به تقيه أو اضطرار أو لا يوجبان؟ كما إذا اضطر إلى ارتكاب فعل حرام كشرب الخمر ونحوه أو إلى ترك واجب من الواجبات كترك صوم يوم من شهر رمضان.

[ 266 ]

(الجهة الثانية): ان التقية والاضطرار هل يرفعان الاحكام المترتبة على الفعل المأتي به تقية أعني الاحكام التي نسبتها إلى الفعل المأتي به نسبة الحكم إلى موضوعه المترتب عليه لا نسبة الحكم إلى متعلقه كما في الجهة الاولى بلا فرق في ذلك بين الاحكام التكليفية والوضعية وذلك كوجوب الكفارة المترتبة على ترك الصوم في نهار شهر رمضان أو على اتيان بعض المحرمات على المحرم في الحج وكالضمان المترتب على اتلاف مال الغير من جهة الاضطرار كالمخمصة ونحوها أو من جهة التقية كما إذا قسم الحاكم السني مال شيعي واعطى له حصته فقبلها واتلفها تقية. (الجهة الثالثة): ان الجزئية أو الشرطية إذا اضطر إلى ترك جزء أو شرط أو تركهما تقبة أو المانعية إذا اضطر إلى اتيان ما هو مانع من العمل أو أتى به تقية فهل يرتفع للتقية والاضطرار حتي يحكم بصحة ما أتى به لمطابقته المأمور به ويسقط عنه وجوب الاعادة والقضاء أو لا ترتفع؟ أما الجهة الاولى: فلا ينبغي الاشكال في أن الاضطرار إلى فعل المحرم أو ترك الواجب يرفع الالزام عن ذلك الفعل لحديث الرفع وغيره مما دل على حلية الفعل عند الاضطرار وليس المرتفع في حديث الرفع خصوص المؤاخذة أو استحقاق العقاب لانهما أمران خارجان عما تناله يد الجعل والتشريع رفعا ووضعا ولا مناص من أن يكون المرفوع امرأ تناله يد التشريع وهو منشأ لارتفاع المؤاخذة واستحقاق العقاب وليس هذا إلا الالزام ومع ارتفاعه يبقى الفعل على اباحته. كما أن الامر كذلك عند الاتيان بالمحرم أو ترك الواجب تقية حيث ان التقية واجبة كما عرفت ومع وجوبها لا يعقل أن يكون الفعل باقيا على حرمته أو وجوبه بل ترتفع حرمته إذا أتى به تقية كما ترتفع وجوبه إذا تركه كذلك بل هذا هو المقدار المتيقن من حديث الرفع وغيره من أدلة

[ 267 ]

التقية وهذا ظاهر. وأما الجهة الثانية: فالذي تقتضيه القاعدة في نفسها ان العمل الاضطراري أو الذي أتى به تقية كلا عمل لانه معني رفعه فكأنه لم يأت به أصلا كما أنه لازم كون العمل عند التقية من الدين فإذا كان الحال كذلك فنرتفع عنه جميع آثاره المترتبة عليه لارتفاع موضوعها تعبدا فلا تجب عليه الكفارة إذا أفطر في نهار شهر رمضان متعمدا لان افطاره كلا افطار أو لان افطاره من الدين ولا معنى لوجوب الكفارة فيما يقتضيه الدين والتشريع. هذا كله فيما تقتضيه القاعدة فلو كنا نحن وهذه القاعدة لحكمنا بارتفاع جميع الآثار المترتبة على الفعل عند التقية والاضطرار سواء أكانت الآثار حكما تكليفيا أم كان حكما وضعيا. ويؤيد ذلك صحيحة أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عن صفوان واحمد ابن محمد بن أبي نصر جميعا عن أبي الحسن (ع) في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك ايلزمه ذلك؟ فقال: لا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه وما لم يطيقوا وما اخطأوا (* 1). لان الحلف بالامور المذكورة وان لم تكن صحيحا حال الاختيار أيضا إلا أن قوله (ع) في ذيل الصحيحة قال رسول الله صلى الله عليه وآله واستشهاده بحديث الرفع أقوى شاهد على أن الرفع غير مختص بالمؤاخذة بل يشمل الآثار كلها. وما ورد من قوله (ع) أي والله أفطر يوما من شهر رمضان أحب إلي من أن يضرب عنقي. (* 2)


(* 1) المروية في ب 12 من ابواب كتاب الايمان من الوسائل (* 2) المروية في ب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم من الوسائل

[ 268 ]

وقوله فكان افطاري يوما وقضاؤه أيسير علي من أن يضرب عنقي ولا يبعد الله (* 1) حيث ان عدم ذكره (ع) اعطاء الكفارة بعد الافطار يدل على أن وجوب الكفارة يرتفع بالافطار تقية والا لكان المتعين التعرض له لانه أشد واعظم من وجوب القضاء. وما رواه الاعمش عن جعفر بن محمد (ع) في (حديث شرايع الدين) قال: ولا يحل قتل أحد الكفار والنصار في التقية إلا قاتل أو ساع في فساد ذلك إذا لم يخف على نفسك ولا على أصحابك، واستعمال التقية في دار التقية واجب ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلما عن نفسه (* 2). وعلى الجملة ان مقتضى القاعدة المؤيدة بعدة من الروايات ان الاضطرار والتقية يوجبان ارتفاع جميع الآثار المترتبة على الفعل المأتي به بداعيهما بلا فرق في ذلك بين الاحكام التكليفية والاحكام الوضعية. نعم يستثنى عن ذلك موردان: (أحدهما): ما إذا كان نفى الآثار عن العمل الماتي به عن تقية أو اضطرار خلاف الامتنان على نفس للفاعل كما إذا اضطر لا سمح الله - إلى ييع داره أو ثيابه لصرف ثمنهما في معالجة أو معاش فان الحكم وقتئذ ببطلان بيعه على خلاف الامتنان في حقه بل مستلزم لتضرره ومشقته بل ربما يودي إلى موته مرضا أو جوعا في بعض الموارد. و (ثانيهما): مااذا كان نفي الآثار عن العمل المأتي به بداعي الاضطرار أو التقية على خلاف الامتنان في حق غيره كما إذا اتلف مال غيره لاضطرار كما في المخمصة أو للتقية كما مثلناه سابقا فان الحكم بعدم


(* 1) المروية في ب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم من الوسائل (* 2) المروية في ب 24 من أبواب الامر والنهي من الوسائل.

[ 269 ]

ضمانه لمال الغير تستلزم تضرر مالك المال المتلف وهو على خلاف الامتنان في حقه والحديث لا يجري في الموارد الفاقدة للامتنان. و (أما الجهة الثالثة): أعني ما إذا ترك جزءا أو شرطا تقية أو للاضطرار كما إذا صلى بلا سورة أو من دون البسملة لعدم كونهما جزءا من المأمور به عند المخالفين - مثلا - أو صلى مع المانع تقية كما إذا صلى في شئ من الميتة لطهارتها عندهم بالدبغ فهل يقتضي التقية أو الاضطرار سقوط الجزئية أو الشرطية أو المانعية حينئذ أولا يقتضي؟ وكلامنا في المقام انما هو فيما لو كنا نحن والاخبار الواردة في التقية عموما كحديث الرفع - أو خصوصا - كما ورد في التقية بخصوصها مع قطع النظر عما دل على صحة الصلاة الفاقدة لشئ من أجزائها أو شرائطها عند الاضطرار فهل تقتضي أدلة التقية صحة العمل وقتئذ بحيث لا تجب اعادته أو قضاؤه أو لا تقتضي؟ التنبيه على امرين: وقبل الخوض في تحقيق ذلك تنبه على أمرين: (الامر الاول): ان محل الكلام في المانعية انما هو المانعية المنتزعة عن النواهي الغيرية كالنهي عن الصلاة فيما لا يؤكل أو النهي عن الصلاة. في الحرير ونحوها، وأما المانعية المنتزعة عن النهي المستقل فهي غير داخلة في محل النزاع وهذا كاعتبار عدم كون المكان أو اللباس مغصوبا في الصلاة أو عدم كون الماء مغصوبا في الوضوء لانه لم يرد اعتبار ذلك في شئ من الادلة اللفظية وغيرها بل انما نشأ اعتباره من النهي النفسي الدال على حرمة التصرف

[ 270 ]

في مال الغير من غير رضاه نظرا إلى استحالة اجتماع الحرمة والوجوب في شئ واحد وعدم معقولية كون المحرم مصداقا للواجب فمانعية الغصب في الصلاة والوضوء ناش ء من النهي النفسي المستقل بمعونة الحكم العقلي واستقلاله في عدم امكان كون المحرم مصدقا للواجب. والوجه في خروج هذا القسم من المانعية عن محل النزاع هو أن المكملف إذا اضطر إلى اتلاف ماء الغير أو إلى التصرف في ماله تقية أو اضطرارا سقطت عنه حرمته لما قدمناه آنفا من أن الاضطرار والتقية يرفعان الاحكام المتعلقة بالفعل الاضطراري لا محالة ومع سقوط الحرمة النفسية ترتفع المانعية أيضا لانها ناشئة ومسببة عنها فإذا زالت زالت. وأما ما ذهب إليه شيخنا الاستاذ (قده) من ان الاضطرار والتقية وغيرهما من الروافع والاعذار انما يتقضى ارتفاع الحرمة فحسب وأما الملاك المقتضي للحرمة فهو بعد بحاله ولا موجب لارتفاعه بالاضطرار أو التقية أو غيرهما ومع بقاء الملاك المقتضي للرحمة تبقى المانعية أيضا بحالها. لان للملاك والمفسدة الملزمة معلولان: (أحدهما): الحرمة النفسية و (ثانيهما): المانعية وإذا سقط أحدهما وهو الحرمة بالتقية أو بالاضطرار فيبقى معلوله الثاني بحاله لا محالة فالمانعية المستفادة من النهي النفسي كالمانعية المستفادة عن النواهي الغيرية ولا ترتفع بالاضطرار إلى التصرف في مال الغير بوجه. فمما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لانا لو سلمنا ان الاضطرار وغيره من الاعذار غير مقتض لارتفاع المفسدة والملاك كما لا يبعد حيث أن الرفع انما يتصور فيما إذا كان هناك مقتض للتكليف كما قدمناه عند التكلم على حديث الرفع فلا نسلم عدم ارتفاع المانعية عند سقوط الحرمة النفسية بالاضطرار.

[ 271 ]

وذلك لان الملاك على تقدير بقائه غير مؤثر في المنع عن الفعل المضطر إليه وحرمته لان الشارع قد رخص في فعله ومع عدم تأثير الملاك في المنع والتحريم وجواز التصرف في مال الغير بترخيص الشارع نفسه لا معنى للمانعية في الصلاة لضرورة ان العمل إذا كان مباحا ومرخصا فيه في غير الصلاة فهو مباح ومرخص فيه في الصلاة أيضا فان الصلاة وغيرها سيان من هذه الجهة فإذا جاز له لبس لباس الغير في غير الصلاة جاز له لبسه في الصلاة أيضا إذ لا فرق بينها وبين غيرها من ناحية الترخيص في التصرف في مال الغير. ولا يقاس محل الكلام بما إذا اضطر إلى ليس الحرير لبرد أو غير برد حيث أنه مع سقوط الحرمة النفسية في لبس الحرير بالاضطرار لا يمكنه لبسه في الصلاة بل يجب عليه ايقاع الصلاة في غير الحرير لعدم سقوط المانعية عن لبس الحرير بسقوط حرمته النفسية وذلك لان المانعية في ليس الحرير لم ينشأ عن حرمة ليسه النفسية وانما هي منتزعة عن النهي عن الصلاة في الحرير وهذا باق بحاله وهذا بخلاف المقام فان المانعية انما نشأت عن النهي النفسي ومع سقوطه بالتقية والاضطرار ترتفع المانعية المنتزعة عنة بالتبعية لا محالة. (الامر الثاني) ان محل الكلام ومورد النقض والا برام انما هو ما إذا كان لدليل كل من الجزئية والشرطية والمانعية اطلاق أو عموم يشمل حال الاضطرار إلى تركها. وأما إذا لم يكن كذلك كما إذا ثبتت الامور المذكورة باجماع أو سيرة أو بدليل لفظي لا إطلاق ولاعموم له فهو خارج عن محل النزاع. وذلك لان الواجب إذا كان لدليله عموم أو اطلاق يتمسك باطلاقه أو عمومه وبه يثبت عدم جزئية الشئ أو شرطيته أو مانعيته للواجب حال

[ 272 ]

الاضطرار إليه. وإذا فرضنا عدم الاطلاق أو العموم لدليل الواجب يتمسك بأصالة البراءة في نفي الجزئية والشرطية والمانعية في حال الاضطرار فمورد الكلام ومحل النقض والابرام منحصر بما إذا كان لادلة التكاليف الغيرية عموم أو اطلاق يشمل كلتا حالتي التمكن والاضطرار إذا عرفت ذلك فنقول: قد يقال بأن التقية والاضطرار كما أنهما يرفعان التكاليف النفسية من الحرمة والوجوب كذلك يرفعان التكاليف الغيرية من الشرطية والجزئية والمانعية ويستدل على ذلك بوجوه: وجوه الاستدلال في محل الكلام: (الاول): قوله صلى الله عليه وآله رفع عن امتى تسعة. حيث أنه يقتضي ارتفاع الشرطية أو الجزئية بالاضطرار إلى تركهما كما يقتضي ارتفاع المانعية للاضطرار إلى الاتيان بها وبذلك يثبت ان العمل غير مشترط بما تعلق به الاضطرار إلى تركه أو فعله وانه لابد من الاتيان به فاقدا للجزء أو الشرط المضطر إلى تركه أو واجدا للمانع المضطر إلى الاتيان به. ويدفعه: ما قدمناه في محله من أن الاضطرار إلى ترك شئ من الاجزاء والشرط أو إلى الاتيان بالموانع ان كان مختصا بفرد من الافراد الواجبة ولم يستوعب الوقت كله فهو مما لا يترتب عليه ارتفاع ما اضطر إليه في صلاته وذلك لانما اضطر إلى تركه أو إلى فعله مما لم يتعلق به الامر - أعني الفرد - وما تعلق به الامر وهو طبيعي الصلاة لم يتعلق به الاضطرار لانه انما اضطر إلى ترك شئ من الاجزاء والشرائط في الفرد لا في طبيعي الصلاة.

[ 273 ]

وأما إذا استوعب الوقت كله أو كان الوقت ضيقا ولم يكن له إلا فرد واحد فاضطر إلى ترك شئ من الجزء أو الشرط في طبيعي المأمور به فالحديث أيضا لا يقتضي ارتفاع شئ من الجزئية أو الشرطية وذلك لان الجزئية والشرطية والمانعية انما تنتزع عن الامر بالعمل المركب من الشئ المضطر إليه وغيره وهي بأنفسها ممالا تناله يد الوضع والرفع وانما ترتفع برفع منشأ انتزاعها. - مثلا - إذا اضطر المكلف إلى ترك السورة في الصلاة أو إلى الصلاة فميسا لا يؤكل لحمه فمقتضى الحديث انما هو ارتفاع الامر عن المجموع المركب مما اضطر إليه وغيره أعني الصلاة مع السورة أو الصلاه فيما يؤكل لحمه بالنسبة إليه لانه المنشأ لانتزاع الجزئية أو المانعية وأما الامر بالصلاة الفاقدة للسورة أو الواجدة للمانع كما لا يؤكل لحمه فهو مما لا يمكن استفادته من الحديث بل يحتاج اثبات الامر بالعمل الفاقده المضطر إليه إلى دليل هذا. على أن الحديث انما يقتضي ارتفاع التكليف عند الاضطرار ولا تتكفل اثبات التكليف بوجه فهذا الوجه ساقط. (الثاني): ما استدل به شيخنا الانصاري من قوله (ع) التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحلة الله له (* 1) وقد ورد ذلك في عدة روايات. (منها): ما رواه اسماعيل الجعفي ومعمر بن يحيى بن سالم (* 2)


(* 1) المروية في ب 25 من ابواب الامر والنهي من الوسائل (* 2) هكذا في الوسائل وهو غلط والصحيح سام كما في نسخة الكافي على ما في الوافي م 3 ص 122 من المجلد الاول أو بسام كما احتمله بعضهم.

[ 274 ]

ومحمد بن مسلم وزرارة وهي رواية صحيحة. بتقريب ان لفظة (كل) من أداة العموم فقد دلت الرواية على أن التقية جائزة أو واجبة في كل أمر اضطر إليه بان آدم ثم فرعت عليه قوله (ع) فقد أحله الله. ودلنا ذلك على أن كل أمر اضطر إليه العباد فهو محلل في حقه وان الاضطرار والتقية وافعان لحرمته على تقدير كونه محرما في نفسه. ومن الظاهر ان حلية كل حرام بحسبه، فإذا كان العمل محرما نفسيا في نفسه مع قطع النظر عن التقية فهي يجعله مباحا نفسيا لا يترتب على فعله العقاب والمؤاخذة كما انه إذا كان محرما غيريا فالتقية تجعله مباحا غيريا ومعناه عدم كون العمل مشروطا بذلك الشئ. - مثلا - إذا اضطر المكلف إلى التكفير في صلاة أو إلى ترك البسملة أو إلى استعمال التراب للتيمم في صلاته وهي من المحرمات الغيرية لاشتراط الصلاة بعدم التكفير وعدم ترك البسلمة فالتقية تجعلها مباحة غيرية بمعنى عدم اشتراط الصلاة بعدم التكفير أو بعدم ترك البسملة وهكذا. ونتيجة ذلك ان الصلاة الواجية في حقه غير مشروطة بعدم التكفير وعدم ترك البسلمة وبذلك يثبت وجوب الصلاة الفاقدة لبعض أجزائها أو شرائطها أو الواجدة لبعض موانعها. وعلى الجملة ان الصحيحة كما تشمل التكاليف النفسية من الوجوب والحرمة النفسيين؟ كذلك تشمل التكاليف الغيرية أعني الوجوب والحرمة الغيريين هذا. وفيه ان الظاهر من الصحيحة ان كل عمل كان محرما بأي عنوان من العناوين المفروضة تزول عنه حرمته بواسطة التقية فيصير العمل المعنون بذلك العنوان متصفا بالحلية لا جلها لا أن الحلية توجب التغير والتبدل في موضوعها لوضوح ان الحكم لا يكون محققا لموضوعه ولا مغيرا له.

[ 275 ]

- مثلا - التكتف في الصلاة لما كان بعنوان كونه مبطلا محرما في الصلاة فتقتضي التقية كون التكتف المبطل حلالا في الصلاة ومعنى ذلك أن الابطال أمر محلل لاجل التقية وقد ارتفعت حرمته. وليس معنى ذلك ان التكتف يخرج عن كونه مبطلا للصلاه بسبب التقية حتى تصح معه الصلاة بل التكتف المعنون بالمبطلية في الصلاة يحكم عليه بالحلية لا جلها فيصير ابطال الصلاة جائزا بالتقية وأما أن التكتف لاجل الحكم بحليته وارتفاع حرمته يخرج عن كونه مبطلا للصلاة فلا يكاد يستفاد من الروايات بوجه. وعلى الجملة الصحيحة انما تختص بالتكاليف النفسية ولا تشمل التكاليف الغيرية أبدا لان الحكم لا يحقق موضوع نفسه ولا يتصرف فيه بوجه إذا لا بد من ملاحظة ان العمل بأي عنوان كان محرما لولا الاضطرار حتى يحكم بحليته ورفع حرمته لطرو الاضطرار عليه فالتكتف قد حكم عليه بالحرمة بعنوان ابطاله الصلاة مع قطع النظر عن التقيية والاضطرار وكذلك ترك السورة أو غيرها من الاجزاء والشرائط متعمدا بناء على حرمة ابطال الصلاة فإذا طرءت عليه التقية والاضطرار رفعا حرمة الابطال وأوجبا حليته. والنتيجة ان ابطال الصلاة حلال للتقية والاضطرار لا أن التكتف أو ترك الجزء أو الشرط متعمدا غيره مبطل للصلاة. وكذا الحال في الصوم المعين لان ابطاله بتناول المفطرات حرام مطلقا وفي الصوم غير المعين حرام إذا كان بعد الزوال إلا ان ذلك العمل المحرم بعنوان الابطال محلل فيما إذا كان للاضطرار والتقية وكذا في غير ذلك من الموارد التي حكم فيها بحرمة الابطال في نفسه. وأما إذا لم يكن الابطال محرما في نفسه كما في ابطال الصلاة على الاظهر وكما في ابطال الوضوء والغسل ونحوهما من العبادات لعدم حرمة ابطالهما جزما

[ 276 ]

فهل يمكن أن يقال ان مثل المسح على الخفين في الوضوء أو التكتف في الصلاة أو ترك البسملة والسورة وغيرها من الموانع والاجزاء والشرائط أعني المحرمات الغيرية ترتفع حرمتها الغيرية بالتقية والاضطرار ويقال ان التكتف في الصلاة محرم بالحرمة الغيرية في نفسه لولا التقية والاضطرار ومحلل غيري عند التقية والاضطرار وكذا ترك السورة أو غيرها من الاجزاء والشرائط لحرمته الغيرية في نفسه فإذا طرءت عليه التقية ارتفعت حرمته وبها اتصفت بالاباحة الغيرية ومعناه عدم مانعية التكتف أو عدم جزئية السورة في الصلاة وهكذا. أو ان الصحيحة لا يمكن التمسك بها في التكاليف الغيرية من الشرطية والجزئية والمانعية؟ الثاني هو التحقيق وذلك لان العمل المركب من الاجزاء والشرائط وعدم المانع ارتباطي لا محالة فإذا فرضنا ان المكلف قد عجز عن الاتيان بتمامه واضطر إلى ترك شئ من أجزائه أو شرائطه أو إلى الاتيان بشئ من موانعه سقط التكليف المتعلق بالمركب عن مجموع العمل لا محالة فلا يبقى تكليف بالمركب هناك وذلك لانه مقتضى اطلاق أدلة الجزئية أو الشرطية أو المانعية الشامل لموارد الاضطرار إلى تركها - كما هو مفروض كلامنا - لان لازمه سقوط الامر عن مجموع العمل المركب لعدم قدرة المكلف عليه بجميع أجزائه وشرائطه. وإذا فرضنا سقوط الامر والالزام عن العمل المركب لم يبق معنى للاضطرار إلى ترك أجزائه وشرائطه أو إلى فعل شئ من موانعه لتمكنه من ترك العمل برأسه وعدم الاتيان به من أساسه وقد تقدم ان مفهوم الاضطرار قد أخذ فيه اللابدية وعدم التمكن من فعله أو من تركه وهذا غير متحقق عند تمكن المكلف من ترك الاجزاء والشرائط بترك العمل المركب رأسا

[ 277 ]

ومع هذا الفرض أعني التمكن من ترك العمل برأسه لم يصدق الاضطرار إلى ترك الشرط أو الجزء أو إلى الاتيان بالمانع. وعلى ذلك فالتقية والاضطرار يرفعان الحرمة النفسية المترتبة على ترك الواجب المركب عند الاضطرار إلى ترك شئ من أجزائه وشرائطه. وأما الجزئية والشرطية والمانعية فهي غير مرتفعة بشئ من التقية والاضطرار لعدم تحقق الاضطرار إليها عند التمكن من ترك العمل برأسه. فلا يصح أن يقال انه مضطر إلى ترك الجزء أو الشرط أو إلى الاتيان بالمانع عند التمكن من ترك العمل برمته اللهم إلا ان يكون قوله (ع) في الرواية: فقد أحله الله. شاملا التكاليف الغيرية من الجزئية والشرطية والمانعية أيضا حتى يدل على وجوب العمل الفاقد للمضطر إلى تركه من جزء أو شرط أو الواجد للمضطر إلى فعله أعنى المانع لانه وقتئذ مضطر إلى ترك الجزء أو الشرط أو إلى الاتيان بالمانع ولا يتمكن من ترك العمل المركب برمته - لقدرته من الاتيان به على الفرض - إلا أن الحكم لا يكون محققا لموضوع نفسه فكيف يعقل أن يكون الحكم بالحلية محققا للاضطرار الذي هو موضوعه لانه موضوع للحكم بالحلية وارتفاع الحرمة ولا مناص من أن يتحقق بنفسه أولا مع قطع النظر عن حكمه حتى يحكم بالحلية وليس الامر كذلك في المقام لوضوح أن المكلف مع قطع النظر عن الحكم بالحلية في مورد الاضطرار غير مضطر إلى ترك الجزء أو الشرط بالوجدان لتمكنه واقتداره من ترك العمل المركب رأسا. كما ان العلم الخارجي في مورد كالصلاة بأن المركب عمل لا يسقط عنه حكمه ابدا وان لم يتمكن المكلف من جزئه أو شرطه أو من ترك الاتيان بمانعه، كذلك أي لا يتحقق ذلك صدق عنوان الاضطرار وتحققه إلى

[ 278 ]

ترك الجزء أو الشرط أو إلى الاتيان بالمانع حتى يحكم بارتفاع التكاليف الغيرية بالتبع. لان الكلام انما هو في أنه لو كنا نحن والادلة الدالة على ارتفاع ما اضطر إليه وحلية العمل المأتي به تقية فهل يقتضي تلك الادلة ارتفاع التكاليف الغيرية بالاضطرار وعدم اشتراط العمل بما اضطر إلى تركه من شرط أو جزء أو إلى فعله كالموانع حتى يجب الاتيان به فاقدا لما اضطر إليه ولا تجب عليه الاعادة أو القضاء ليكون ذلك قاعدة كلية تجري في جميع الموارد أو انها لا يتقتضي ذلك؟. لا فيما إذا علمنا بوجوب العمل الفاقد لما اضطر إلى تركه أو إلى فعله في مورد واحد بالدليل الخارجي كالصلاة لوضوح ان وجوب الفاقد حينئذ غير مستند إلى أدلة التقية حتى نتعدى إلى جميع مواردها بل انما يستند إلى الدليل الخارجي فيثبت في مورده فقط. و (منها) صحيحة (* 1) ابى الصباح قال والله لقد قال لي جعفر ابن محمد (ع). ما صنعتم من شئ أو حلفتم عليه من يمين في تقية فانتم منه في سعة (* 2). لان اطلاق قوله (ع) ما صنعتم. يشمل اتيان العمل فاقدا لجزئه أو شرطه أو واجدا لمانعه إذا فالمكلف في سعة من قبل ترك الجزء أو الشرط أو الاتيان بالمانع فلا يترتب عليه التكليف بالاعادة أو القضاء وهي نظير


(* 1) بناء على أنه أبو الصباح الكناني الثقة كما لا يبعد وان سيف بن عميرة الواقع في سندها لم يثبت كونه واقفيا والا فعلى ما حكى عن بعضهم من كونه واقفيا فالرواية موثقة لاصحيحة. (* 2) المروية في ب 12 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل

[ 279 ]

ما ورد من أن الناس في سعة ما لم يعلموا (* 1) فكما أنه يدلنا على ارتفاع المشكوك جزئيته أو شرطيته لانه معنى كونهم في سعة ما لا يعلمون فكذلك الحال في هذه الصحيحة. فتدلنا على ارتفاع الجزئية أو الشرطية أو المانعية عند التقية. ويرد على الاستدلال بهذه الرواية انها وان كانت تامة بحسب السند غير انها بحسب الدلالة غير تامة ولا دلالة لها على ذلك المدعى والوجه في ذلك ان السعة انما هي في مقابل الضيق فمدلول الصحيحة ان العمل المأتي به في الخارج إذا كان فيه ضيق في نفسه لولا التقية فيرتفع عنه ضيقه ويتبدل بالسعة فيما إذا أتى به لاجل التقية والاضطرار - مثلا - شرب المسكر أمر فيه ضيق من ناحيتين - لولا التقية وهما جهتا حرمته وحده لان من شربه متعمدا بالاختيار ترتب عليه العقوبة والحد ويحكم بفسقه لارتكابه الحرام بالاختيار. فيقع الملكف في الضيق من جهتهما فإذا صدر منه ذلك من أجل التقية أو الاضطرار لانه لو لم يشربه لقتله السلطان أو أخذ أمواله أو مات في وقته لمرضه ارتفعت عنه الجهتان ولا يترتب عليه الحرمة ولا الحد فيكون الملكف في سعة من قبلهما. وكذلك الحال فيما إذا تناول مالا يراه العامة مفطرا للصوم فانه مما يترتب عليه الحكم بالحرمة كما أنه موجب للكفارة لا محالة لانه افطار عمدي على الفرض إلا أنهما ترتفعان عن ذلك فيما إذا استند إلى التقية والاضطرار ويكون المكلف في سعة من جهة الرحمة والكفارة.


(* 1) الرواية وان لم نعثر عليها بهذه الالفاظ إلا أن مضمونها قدورد في رواية السفرة واللفظ فيها: هم في سعة حتى يعلموا. المروية في ب 23 من أبواب اللقطة من الوسائل.

[ 280 ]

وعلى الجملة أن مقتضى الصحيحة أن أي أثر كان يتعلق بالعمل أو يترتب عليه ترتب الحكم على موضوعه - لولا التقية - يرتفع عنه عند التقية والاضطرار فيكون المكلف في سعة من ناحيته. وهذا المعنى غير متحقق عند ترك الجزء أو الشرط أو الاتيان بالمانع وذلك لانه لا يترتب على تلك التكاليف الغيرية أي ضيق حتي يتبدل إلى السعة للتقية والاضطرار. أما بطلان العمل بتركها أو باتيانها فلان البطلان كالصحة أمران واقعيان خارجان عن اختيار الشارع وتصرفاته وليس له رفعهما ولا وضعهما فان البطلان عبارة عن مخالفة المأتي به للمأمور به كما أن الصحة عبارة عن موافقة المأتي به للمأمو ر به. وأما وجوب الاعادة أو القضاء بترك الاتيان بالجزء أو الشرط أو بالاتيان بالمانع فلان الاعادة غير مترتبة على الاتيان بالعمل الفاسد بل موضوع الاعادة عدم الاتيان بالمأمور به لان الامر بالاعادة وهو بعينه الامر بالاتيان بالمأمور به وامتثاله كما أن الفضاء كذلك فانه مترتب على فوات الواجب وغير مترتب على الاتيان بالعمل الفاسد ولعيه فلاضيق على المكلف في مخالفة التكاليف الغيرية حتى يرتفع عنه بالتقية ويكون المكلف في سعة من جهته وينتج ذلك وجوب الاتيان بالعمل الفاقد لجزئه أو لشرطه أو الواجد لمانعه. ومما يوضح ذلك بل يدل عليه ملاحظة غير العبادات من المعاملات بالمعني الاعم فانه إذا اضطر أحد إلى غسل ثوبه المتنجس بالبول مرة وإحدة ولم يتمكن من غسله مرتين أو لم يتمكن من غسله بالماء فغسله بغير الماء أو لم يتمكن من طلاق زوجته عند عدلين فطلقها عند فاسقين اضطرارا لم يمكن أن يحكم بحصول الطهارة للثوب أو بوقوع الطلاق على الزوجة

[ 281 ]

بدعوى أنه أمر قد صدر عن تقية أو اضطرار. فهذا أقوى شاهد ودليل على عدم ارتفاع الشرطية أو الجزئية أو المانعية في حال الاضطرار والتقية إذا لا يكون العمل الفاقد لشئ من ذلك أي من الجزء أو الشرط مجزءا في مقام الامتثال. ومن هنا يظهر أن قياس محل الكلام بما ورد من ان الناس في سعة ما لم يعلموا. قياس غير قريب وذلك لان المشكوك فيه في ذلك الحديث انما هو نفس الجزئية وعديليها و من البديهي ان في جزئية المشكوك فيه أو شرطبته أو مانعيته ضيقا واضحا على المكلف لانه تقييد لاطلاق المأمور به وموجب للكلفة والضيق فيكون في رفعها عند الشك توسعة له ورفعا للتضيق الناشئ من جزئية الجزء أو شرطية الشرط أو مانعية المانع. وأبن هذا مما نحن فيه، لان الصحيحة ناظرة إلى ما أتى به المكلف من العمل في الخارج كما هو مفاد قوله ما صنعتم إذا لابد من ملاحظة ان العمل الخارجي الفاقد لجزئه أو شرطه أو الواجد لمانعه. أي ضيق يترتب عليه من ناحية ترك الجزء أو الشرط أو الاتيان بالمانعت حتى يرتفع بالتقية ويبتدل ضيقه بالسعة. وقد عرفت أنه لا يوجد أي ضيق يترتب عليه فلا موضوع للسعة في التكاليف الغيرية بوجه. وعلى الجملة ان الصحيحة قد دلت على التوسعة مما يؤتى به تقية والتوسعة انما يكون بأحد أمرين: اما برفع الالزام المتعلق بالفعل المتقى به كالتحريم في شرب الخمر أو في ترك العبادة الواجبة وأما برفع الاحكام المترتبة عليه كوجوب الكفارة في ترك الصيام تقية أو في حنث اليمين كذلك وكالحد في شرب المسكر وهكذا ولا يوجد شئ من هذين الامرين في التكاليف الغيرية كما مر. وكيف كان لا يمكن ان يستفاد من شئ من الادلة ان العمل الفاقد

[ 282 ]

لجزئه أو لشرطه أو الواجد لمانعه واجب بوجه. ومن هنا يظهر عدم صحة التمسك في المقام بحديث رفع الاضطرار (* 1) بدعوى دلالته على أن ما أتى به المكلف في الخارج بالاضطرار كأنه مما لم يأت به وانه كالعدم حقيقة فإذا شرب خمرا بالاضطرار أو تكتف في الصلاة تقية فكأنه لم يشرب الخمر من الابتداء أو لم يتكتف في صلاته أصلا ومعنى ذلك ان المانعية أعني مانعية التكتف مرتفعة حال التقية أو حال الاضطرار فبذلك ترتفع أحكامه وآثاره سواء أكانت من الاحكام النفسية أم كانت من الاحكام الغيرية. والوجه في عدم صحة التمسك به في المقام هو أن ما أتى به المكلف اضطرارا لا معنى لرفعه وهو موجود بالتكوين الا بلحاظ الامور المترتبة على وجود كالالزام المتعلق به من وجوب أو تحريم أو حد أو كفارة كما في شرب الخمر وترك الصيام والحنث في اليمين وليس شئ من ذلك متحققا في التكاليف الغيريه كما عرفت فلا دلالة للحديث إلا على رفع ما يترتب على وجود العمل الصادر بالاضطرار من الآثار والاحكام. وأما ان العمل الفاقد لجزئه أو لشرطه أو الواجد لمانعه واجب ومجزء في مقام الامتثال فهو مما لا يمكن استفادته من الحديث وقد قدمنا الكلام على حديث الرفع مفصلا فليجعل هذا تتميما لما تقدم. و (منها): ما رواه ابن أبي عمر الاعجمي عن أبي جعفر (ع) انه قال: ان التقية في كل شئ إلا في شرب المسكر والمسح على الخفين (* 2).


(* 1) المروية في ب 56 من ابواب جهاد النفس من الوسائل (* 2) كما نقله شيخنا الانصاري (قده) عن اصول الكافي في رسالة التقية ناسيا للرواية إلى أبي جعفر (ع) ولكن الموجود في الوسائل منسوب =

[ 283 ]

بدعوى دلالتها على أن التقية ترفع الاحكام المتعلقة بالعمل بالمأتي به تقية مطلقا سواء أكان ذلك من الاحكام النفسية أو من الاحكام الغيرية وذلك لمكان استثناء مسح الخفين وهو من المحرمات الغيرية لوضوح عدم حرمة المسح على الخفين حرمة نفسية وهذا يدلنا على أن قوله (ع) كل شئ يعم التكاليف النفسية والغيرية. فالمتحصل منها ان الجزئية والشرطية والمانعية ترتفع كلها بالتقية والاضطرار نظير غيرها من الاحكام النفسية الا في موردين وهما شرب المسكر والمسح على الخفين. فإذا تكتف في صلاته تقية ارتفع عنه المسح الغيري وهو المانعية و معناه عدم مانعية التكتف في الصلاة حال التقية ويرد عليه أولا: ان الرواية ضعيفة السند كما تقدم (* 1). وثانيا: ان حمل الرواية على هذا المعنى اعني ارتفاع الاحكام المتعلقة بالفعل المأتي به تقية مضافا إلى أنه خلاف الظاهر في نفسه. مما لا يمكن المساعدة عليه لوجود القرينة في نفسه الرواية على عدم ارادته. والقرينة هو استثناء شرب المسكر وذلك لان حمل الرواية على المعنى المدعى يستلزم الحكم بعدم ارتفاع الحرمة في شرب المسكر عند التقية والاضطرار كعدم ارتفاع الحرمة الغيرية في المسح على الخفين لمكان استثنائهما.


= إلى أبي عبد الله (ع) ومشتمل على النبيذ بدل المسكر كما أنه مشتمل على جملة أخرى في صدرها وفي قوله (ع) لا دين لمن لاتقية له وكذلك الحال في الكافي والوافي وغيرهما فالظاهر ان ما في كلام شيخنا الانصاري (قدس سره) من اشتباه القلم فليلاحظ. راجع ب 25 من أبواب الامر والنهي من الوسائل. (* 1) تقدم في ص 247

[ 284 ]

عن العموم وهو مما لا يمكن النفوه به كيف والتقية والاضطرار يحللان أعظم من شرب المسكر كترك الصلاة فيما إذا أجبرة الجائر عليه وترتب ضرر على ترك التقية كالقتل فكيف يحكم بحرمته حال الاضطرار إلى شربه فان حفظ النفس من الهلكة أولى من ترك شرب المسكر فلا وجه لحمل الرواية على هذا المعنى. بل الصحيح - كما هو ظاهرها - ان الرواية ناظرة إلى أن تشريع التقية وحكمها من الجواز والوجوب جار في كل شئ الا في شرب المسكر والمسح على الخفين، فان التقية غير مشرعة فيهما فلا يجب أولا يجوز التقية فيهما، لا ان الحرمه غير مرتفعة عن شرب المسكر في حال التقية والاضطرار. والوجه في ذلك أي في عدم تشريع التقية في الموردين على ما قدمناه مفصلا - عدم تحقق موضوعها فيهما أما في شرب المسكر فلان حرمته من الضروريات في الاسلام وقد نطق بها الكتاب الكريم ولم يختلف فيها سني ولا شيعي فلا معنى للتقية في شربه. واما في المسح على الخفين فلانا لم نعثر فيما بأيدينا من الاقوال على من أوجبه من العامة وانما ذهبوا إلى جواز كل من مسح الخفين وغسل الرجلين. نعم ذهبت جماعة منهم إلى أفضليته كما مر (* 1) وعليه فلا يحتمل ضرر في ترك المسح على الخفين بحسب الغالب. نعم يمكن أن تتحقق التقية فيهما نادرا كما إذا أجبره جائر على شرب المسكر أو على مسح الخفين إلا أنه من الندرة بمكان ولا كلام حينئذ في مشروعية التقية فان الرواية المانعة ناظرة إلى ما هو الغالب.


(* 1) قد مر الكلام في ذلك في ص 130 واشرنا إليه في ص 252

[ 285 ]

ولعل الشيخ (قده) لم يلفت نظره الشريف إلى ملاحظة استثناء شرب المسكر لتوجهه إلى استثناء مسح الخفين ومن هنا حمل الرواية على غير المعني الذي ذكرناه والله العالم بحقيقة الحال فعلى ما بيناه الرواية أجنبية عما نحن بصدده. و (منها): موثقة سماعة قال سألته عن رجل كان يصلى فخرج الامام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة قال: ان كان اماما عدلا فليصل أخرى وينصرف ويجعلهما تطوعا وليدخل مع الامام في صلاته كما هو، وان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلي ركعة اخرى ويجلس قدر ما يقول: (اشهد ان لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدأ عبده ورسوله) ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع، فان التقية واسعة، وليس شئ من التقية الا وصاحبها مأجور عليها ان شاء الله (* 1). أما الجهة الاولى أعني قوله: ان كان الامام عادلا فمضمونها هو من دل عليه غيرها من الاخبار من ان من دخل في الفريضة ثم اقيمت الجماعة استحب له أن يجعل ما بيده من الفريضة تطوعا ويسلم في الركعة الثانية حتى يدرك ثواب الجماعة بائتمامه من أول الصلاة. وأما الجملة الثانية أعني قوله: وان لم يكن امام عدل. فقد حملها شيخنا الانصاري (قده) على ما قدمناه في الجملة الاولى من أنه يجعل ما بيده من الفريضة تطوعا ويسلم في الثانية ويأتم الامام ويأتي من أجزاء الصلاة وشرائطها على ما استطاع فان تمكن من أن يأتي بتمامهما مع الامام فهو وان لم يستطع إلا من بعضهما فيكتفي بالبعض لان التقية واسعة.


(* 1) المروية في ب 56 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل

[ 286 ]

فقد استدل (قده) بقوله: على ما استطاع على أن ما أتى به المكلف من الاجزاء و الشرائط تقية كاف ومجزء في مقام الامتثال سواء كان ما أتى به تمام الاجزاء والشرائط أما كان بعضهما. ولا يخفى غرابة ذلك منه (قده) لان مضمون الرواية على ما هو ظاهرها ان الامام إذا لم يكن امام عدل فلا يجعل المأموم صلاته تطوعا كما كان يجعلها كذلك في الصورة الاولى بل يظهر للناس أنه جعلها تطوعا بأن يصلي ركعة أخرى ثم يتشهد من دون أن يسلم بعدها وبقوم بعد ذلك ويصلي صلاته بنفسه مظهرا للغير الائتمام والاقتداء بالامام الحاضر بقدر يستطيعه من الاظهار والابراز لان التقية واسعة وهذا لا اختصاص له بالائتمام من أول الصلاة. بل لو أظهر الائتمام في أثناء الصلاة أيضا كان ذلك تقية كما أن لها طريقا آخر غيرهما وما من شئ من انحاء التقية الا وهو واجب أو جائز وصاحبه مأجور عليه وعلى ذلك لا دلالة للرواية على جواز الاكتفاء في الصلاة معهم بما يتمكن منه من الاجزاء والشرائط هذا. على ان الرواية مضمرة وللمناقشة في سندها أيضا مجال لان مضمرها وهو سماعة ليس كزرارة ومحمد بن مسلم واضرابهما من الاجلاء والفقهاء اللذين لا يناسبهم السؤال عن غير أئمتهم عليهم السلام بل هو من الواقفة ومن الجائز أن يسأل غير أئمتنا عليهم السلام. ولقد صرح بما ذكرناه في معنى الرواية صاحب الوسائل (قده) وعنوان الباب باستحباب اظهار المتابعة حينئذ في أثناء الصلاة مع المخالف تقية فلاحظ ولعل لشيخ (قده) لم يلفت نظره الشريف إلى عنوان الباب في الوسائل. و (منها): ما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (ع) في

[ 287 ]

حديث.. وتفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فانه جائز (* 1) بدعوى ان جواز كل شئ بحسبه فالرواية نعم الاشياء المحرمة النفسية لولا التقية وتجعلها جائزة نفسية كما تعم الاشياء المحرمة بالحرمة الغيرية قتقبلها إلى الجواز الغيري لا محالة. إذا تدلنا الرواية على صحة الصلاة المقترنة بالتكتف أو بغيره من الموانع لانها جائزة جوازا غيريا بمقتضى التقية وكذا الصلاة الفاقدة للجزء أو الشرط. ويرد على أولا: انها ضعيفة السند بمسعدة لعدم توثيقه في الرجال (* 2). وثانيا: ان الرواية لا دلالة لها على المدعى لان الجواز فيما إذا اسند إلى الفعل كان ظاهره الجواز النفسي فحسب أي كون الفعل بما هو وفي نفسه أمرا جائزا لا انه جائز لدخالته في الواجب وجودا أو عدما أو عدم دخالته فيه وهو المعبر عنه بالجواز الغيرى. وثالثا: ان ملاحظة صدر الرواية تدلنا على أن المراد بالجواز في الرواية انما هو جواز نفس التقية لا جواز الفعل المتقى به فلا دلالة لها على جواز الفعل حتى يقال أنه أعم من الجواز النفسي والغيري.


(* 1) المروية في ب 25 من ابواب الامر والنهي من الوسائل (* 2) قد قدمنا غير مرة ان الرجل وان لم يوثق في الرجل الا أنه ممن ورد في أسانيد كامل الزيارات وتفسير القمي فعلى مسلك سيدنا الاستاذ مد ظله من وثاقة كل من وقع في شئ من الكتابين المذكورين ولم يضعف بتضعيف معتبر لابد من الحكم بوثاقة الرجل.

[ 288 ]

وقد ورد في صدرها: ان المؤمن إذا اظهر الايمان ثم ظهر منه ما يدل على نقضه خرج مما وصف واظهر وكان له ناقضا، الا ان يدعى أنه انما عمل ذلك تقية ومع ذلك ينظر فيه فان كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك لان للتقية مواضع من ازالتها عن مواضعها لم تستقم له وتفسير ما يتقى مثل أن يكون. وهذا يدلنا على أنه (ع) بصدد بيان المواضع التي تستقيم فيها التقية وتجوز وارد تمييز تلك الموارد عما لا يجوز التقية في مثله كما إذا شرب المسكر سرا وادعى أنه كان مستندا إلى التقية فلا دلالة للرواية على وجوب الاتيان بالعمل مقترنا بمانعه أو فاقدا لجزئه وشرطه. فالمتحصل إلى هنا أنه لا دلالة في شئ من الاخبار المتقدمة على وجوب اتيان العمل فاقدأ لشرطه أو لجزئه أو مقترنا بمانعه إذا استند إلى التقية حتى لا يجب اعادته أو قضائه. ما يستفاد من الاخبار الآمرة بالتقية: إذا لابد من عطف عنان الكلام إلى أنه عسل يستفاد من الاخبار الآمرة بالتقية صحة العمل لدى الاتيان به فاقدا لشئ من أجزائة وشرائطه أو واجدا لشئ من موانعه للتقية أو لا يستفاد منها ذلك؟ فنقول. الصحيح أن يقال: إن الاضطرار إذا كان مستندا إلى غير جهة التقية المصطلح عليها وهي التقية من العامة فيما يرجع إلى الامور الدينية فمقتضى القاعدة حينئذ سقوط الامر بالمركب عند الاضطرار إلى ترك شئ مما اعتبر في المأمور به لان ذلك مقتضى اطلاق أدلة الجزئية والشرطيه أو المانعية وهو يشمل كلا من صورتي التمكن من الاتيان بها وعدمه.

[ 289 ]

وبما أن المكلف غير متمكن من اتيان العمل واجدا لشرطه أو جزئه أو فاقدا لمانعيه فلا محالة يسقط الامر بالمركب رأسا في حقه فلا يجب عليه شئ وقتئذ الا في خصوص الصلاة فيما إذا لم يتمكن من شئ من أجزائها وشرئطها في غير الطهور فانه يجب فيها الاتيان بالمقدار الممكن من الصلاة لانها لا تسقط بحال. وأما إذا كان الاضطرار من جهة التقية المصطلح عليها فان كان العمل المتقى به موردا للامر به بالخصوص في شئ من رواياتنا كما في غسل الرجلين، والغسل منكوسا وترك القراءة في الصلاة خلفهم ونحو ذلك مما ورد فيه الامر بالعمل بالخصوص فلا ينبغي الاشكال في صحته بل واجزائه عن المأمور به الواقعي بحيث لا تجب عليه الاعادة ولا القضاء. وذلك لان الظاهر من الامر بالاتيان بالعمل الفاقد لبعض الامور المعتبرة في المأمور به انما هو جعل المصداق للطبيعة المأمور بها تقية ومع جعل الشارع شيئا مصداقا للمأمور به لابد من الحكم بسقوط الامر المتعلق بالطبيعة لان الاتيان بذلك الشئ اتيان لما هو مصداق وفرد للطبيعة المأمور بها فيسقط به الامر المتعلق بها لا محالة. وأما إذا لم يكن العمل المتقي به موردا للامر بالخصوص فالتحقيق أن يفصل حينئذ بين الامور التي يكثر الابتداء بها لدى الناس أعني الامور عامة البلوى التي كانوا يأتون بها بمرئى من الائمة عليهم السلام والامور التي لا يكون الابتلاء بها غالبا وبمرئي منهم عليهم السلام: بل يندر الابتلاء به. فان كان العمل من القسم الاول كما في التكتف في الصلاة وغسل الرجلين في الوضوء مع قطع النظر عن كونه موردا للامر به بالخصوص لكثرة بالابتلاء به في كل يوم مرات متعددة فلا مناص فيه من الالتزام

[ 290 ]

بالصحة والاجزاء أي عدم وجوب الاعادة أو القضاء لان عدم ردعهم عما جرت به السيرة من اتيان العمل تقية أقوى دليل على صحته وكونه مجزءأ في مقام الامتثال فلو لم تكن التقية مفيدة للاجزاء في مثله فلا بد من بيانه ونفس عدم بيان البطلان وترك التنييه على عدم اجزائها مع كون العمل موردا للابتلاء وبمرئي منهم (ع) يدلنا على امضائهم لما جرت به السيرة. ولم يرد في شئ من رواياتنا أمر باعادة العمل المتقي به أو قضائه ولو على نحو الاستحباب. نعم عقد صاحب الوسائل (قده) بابا وعنونه باستحباب ايقاع الفريضة قبل المخالف أو بعده (* 1) إلا ان شيئا مما نقله من الروايات غير مشتمل على الامر بالاعادة أو القضاء. فيما أتى به تقية ولو على وجه الاستحباب. بل قد ورد في بعض الروايات ما لا تقبل المناقشة في دلالته على الاجزاء وهذا كما دل على أن من صلى معهم في الصف الاول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله (* 2) أفيحتمل عدم كون الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله مجزءة عن المأمور به الاولى؟! وفي بعض آخر أن المصلي معهم في الصف الاول كالشاهر سيفه في سبيل الله (* 3). وفي جملة من الروايات الامر بالصلاة معهم في مساجدهم (* 4) وعلى الصلاة في عشائرهم (* 5)


(* 1) راجع ب 6 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 5 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل. (* 5) المروية في 26 من ابواب الامر والنهي من الوسائل وفي باب من ابواب احكام العشرة أيضا حديث 6.

[ 291 ]

وفي بعضها الصلاة في عشائركم (* 1) فليلاحظ. وكيف كان فلم يرد في رواياتنا أمر باعادة الصلاة أو الوضوء أو غيرهما من الاعمال المتقى بها من العامة على كثرة الابتلاء بها لكونهم معاشرين لهم في اسواقهم ومساجدهم وفي محلاتهم وأماكنهم حتى في بيت واحد إذ ربما كان الابن عاميا والاب على خلافه أو بالعكس أو أحد الاخوين شيعي والآخر عامي وكانوا يصلون أو يتوضون بمرئى منهم ومشهد فالسيرة كانت جارية على التقية في تلك الافعال كثيرة الدوران ومع عدم ردعهم (ع) يثبت صحتها لا محالة. نعم ورد في بعض الروايات الامر بالصلاة قبل الامام أو بعده إذا لم يكن موردا للوثوق حيث نهى (ع) السائل عن الصلاة خلفه ولو يجعلها تطوعا لعدم جواز الصلاة خلف من لا يوثق به، ثم أمره بالصلاة قبله أو بعده ولعله إلى ذلك اشار صاحب الوسائل (قده) في عنوان الباب المتقدم نقله غير ان الرواية خارجة عما نحن بصدده لورودها في الصلاة خلف من لا يثق به وهو أعم من أن يكون عاميا أو شيعيا. والرواية لم تشتمل على الامر بالصلاة معه ثم اتيانها اعادة أو قضاء بعده. ومما يؤيد ما قدمناه ما فهمه زرارة في الصحيحة المتقدمة المشتملة على قوله عليه السلام ثلاثة لا اتقى فيهن أحدا. (* 2) حيث قال أعني زرارة: ولم يقل الواجب عليكم ان لاتتقوا فيهن أحدا. وذلك لان المسح على الخفين ليس من المحرمات النفسية ليكون جريان التقية فيه موجبا لارتفاع حرمته بل انما هو محرم غيري فلو جازت التقية فيه أو وجبت لدل على ارتفاع المنع الغيري أعني المانعية في الوضوء وكون الوضوء المشتمل


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب احكام العشرة من الوسائل (* 2) المروية في ب 25 من ابواب الامر والنهي من الوسائل

[ 292 ]

على مسح الخفين صحيحا. هذا كله في الصلاة والوضوء. ومن هذا القبيل الصيام لانه أيضا من الامور العامة البلوى وقد كانوا يصومون معهم ويفطرون بما لا يراه العامة مفطرا في نهار شهر رمضان أو في اليوم الذي لا يرونهم من شهر رمضان وذلك كله للتقية والمعاشرة معهم. الوقوف بعرفات في اليوم الثامن: ومن هذا القييل الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام لان الائمة عليهم السلام: كانوا يحجون أغلب السنوات وكان أصحابهم ومتابعوهم أيضا يحجون مع العامة في كل سنة وكان الحكم بيد المخالفين من بعد زمان الامير (ع) إلى عصر الغيبة ولا يحتمل عاقل توافقهم معهم في هلال الشهر طوال تلك السنوات وتلك المدة التي كانت قريبة من ماءتين سنة وعدم مخالفتهم معهم في ذلك أبدا. بل نقطع قطعا وجدانيا انهم كانوا مخالفين معهم في أكثر السنوات ومع هذا كله لم ينقل ولم يسمع عن أحدهم (ع) ردع الشيعة ومتابيعهم عن تبعية العامة في الوقوف بعرفات وقتئذ وقد كانوا يتبعونهم بمرئى ومسمع منهم عليهم السلام بل كانوا بأنفسهم يتبعون العامة فيما يرونه من الوقوف وعلى الجملة قد جرت سيرة أصحاب الائمة (ع) ومتابعيهم على التبعية في ذلك للعامة في سنين متمادية. ولم يثبت ردع منهم عليهم السلام عن ذلك ولا أمر التابعين للوقوف بعرفات يوم التاسع احتياطا ولا انهم تصدوا بأنفسهم لذلك وهذا كاشف قطعي عن صحة الحج المتقى به بتلك الكيفية واجزائه عن الوظيفة الاولية

[ 293 ]

في مقام الامتثال. بلا فرق في ذلك بين كون الحج في سنة الاستطاعة وكونه في غير تلك السنة لوجوب الحج في كليهما وعدم كونه مطابقا للوظيفه الاولية أيضا في كليهما وقد عرفت ان السيرة قد جرت على التقية بفي ذلك كما جرت على الحج في سنة الاستطاعة كثيرا وهي سيرة قطعية ممضاة بعدم الردع عنها مع كونه بمرئى منهم عليهم السلام فلم ير دعوهم عن ذلك ولا أمروهم بالوقوف يوم التاسع احتياطا كما مر وفي مثل ذلك إذا لم يكن عملهم مجزء عن الوطيفة الواقعية لوجب التنبيه على ذلك وردعهم عما يرتكبونه حسب سيرتهم. هذا كله فميا إذا لم يعلم المخالفة بالوجدان كما إذا علم علما وجدانيا أن اليوم الذي تقف فيه العامة بعرفات يوم الثامن دون التاسع. وأما إذا حصل للمكلف علم وجداني بذلك فالظاهر عدم صحة الوقوف حينئذ ووجوب اعادة الحج في السنة المقبلة إلا فيما إذا أدرك وقوف اختياري المشعر بل وكذا فيما إذا أدرك وقوف اضطراري المشعر. والوجه في ذلك هو أن الوقوف بعرفات مع العلم الوجداني بالخلاف ليس من الامور كثيرة الابتلاء ليقال إن الائمة عليهم السلام مع جريان للسيرة بذلك بمرئى منهم لم ير دعوا عنه ولم يأمروهم بالوقوف يوم التاسع ليكون ذلك كاشفا قطعيا عن كون عملهم مجزء في مقام الامتثال بل انما هو أمر نادر الاتفاق أو لعله أمر غير واقع وعدم الردع في مثله لا يكون دليلا قطعيا على صحة ذلك الوقوف وأجزائة في مقام الامتثال. نعم يمكن الحكم بصحة الوقوف حتى مع العلم الوجداني بالمخالفة فيما إذا ثبت أمران. (أحدهما): كون حكم الحاكم المخالف نافذا في حق الجميع وواجب

[ 294 ]

الاتباع حسب مذهبهم حتى في حق العالم بالخلاف. و (ثانيهما): أن يتم شئ من الادلة اللفظية المتقدمة المستدل بها على سقوط الجزئية والشرطية والمانعية عند التقية. فانه بعد ثبوت هذين الامرين يمكن الحكم بصحة الوقوف مع العلم بالخلاف، لانه من موارد التقية من العامة على الفرض من ان حكم الحاكم نافذ عندهم حتى بالنسبة إلى العالم بالخلاف كما ان كل عمل أتى به تقية مجزء في مقام الامتثال على ما دلت عليه الادلة اللفظية المتقدمة فان الفرض تماميتها. الا ان الامرين ممنوعان: أما الامر الاول فلعدم ثبوت ان حكم الحاكم عندهم نافذ حتى في حق العالم بالخلاف. وأما الامر الثاني فلما عرفت تفصيله وكيف كان لا دليل على صحة الحج والوقوف مع العلم الوجداني بالخلاف هذا كله فيما إذا كان العمل المأتي به تقية كثير الابتلاء وبمرئي من الائمة (ع). وأما إذا لم يكن العمل من هذا القبيل بل كان نادرا وغير محل الابتلاء فلا دليل في مثله على كون العمل الفاقد لشئ من الاجزاء والشرائط أو الواجد للمانع صحيحا ومجزءا في مثام الامتثال فان الدليل على ذلك ينحصر بالسيرة ولا سيرة في امثال ذلك على الفرض. ومن هذا القبيل الوضوء بالنبيذ ولا سيما النبيذ المسكر على ما ينسب إلى بعض المخالفين من تجويزه التوضؤ بالنبيذ فانه إذا توضأ بالنبيذ تقية فهو وان كان جائزا أو واجبا على الخلاف إلا انه لا يجزى عن المأمور به الاولى بوجه لان التوضؤ بالنبيذ أمر نادر التحقق ولم يتحقق سيرة في مثله حتى يقال ان الائمة عليهم السلام لم ير دعوا عنها مع كون العمل بمرئى منهم عليهم السلام وهذا بخلاف ما إذا تمت الادلة اللفظية المتقدمة المستدل بها

[ 295 ]

على سقوط الجزئية والشرطية والمانعية عند التقية لان مقتضاها صحة الوضوء في الصورة المفروضة كما هو واضح. ومن هذا القبيل المسح على الخفين وذلك لندرة الابتلاء به في مقاله التقية، حيث ان العامة غير قائلين بوجوبه تعيينا وعليه فان قلنا بتمامية رواية أبي الورد المتقدمة (* 1) المشتملة على الترخيص في المسح على الخفين فيما إذا كان مستندا إلى التقية فلا مناص من الحكم بصحته وكونه مجزء في مقام الامتثال لعدم كون المسح على الخفين من المحرمات النفسية وانما هو من المحرمات الغيرية فالترخيص في مثله بمعنى رفع المانعية لا محالة. وأما إذا لم نعتمد على الرواية لعدم توثيق أبي الورد ولا مدحه للوجوه المتقدمة سابقا فلا يمكننا الحكم بصحته وإجزائه إذ لا سيرة عملية حتى يدعي انها كاشفة عن الصحة والاجزاء لعدم ردعهم (ع) عن ذلك مع كونه بمرئى منهم. وأما قضية ما فهمه زرارة من الصحيحة المتقدمة - وهو الذي جعلناه مؤيدا للمدعى ففهمه انما يتبع بالاضافة إلى كبرى المسألة أعني التقية في المحرمات الغيرية. واما خصوص مورد الصحيحة أعني المسح على الخفين فلا لما مر من أن العامة على ما وقفنا على أقوالهم غير ملتزمين بوجوبه التعييني كما تقدم هذا بل نفس اطلاق الروايات الآمرة بغسل الرجلين المحمولة على التقية يتقضي الحكم ببطلان المسح على الرجلين وعدم كونه مجزءا لان مقتضي اطلاقها ان غسل الرجلين واجب تعييني مطلقا ولو في حال التقية ولا يجزئ عنه أمر آخر أي أنه ليس بواجب تخييري ليتخير المكلف بينه وبين المسح على الخفين فلو اقتضت التقية المسح على الخفين في مورد على وجه الندرة فهو


(* 1) المتقدمة في ص 233 فليراجع

[ 296 ]

لا يكون مجزءا عن المأمور به الاولى. ومن هذا القبيل الوقوف بعرفات يوم الثامن مع العلم بالمخالفة، لانه أمر يندر الابتلاء به ومع الندرة لا مجال لدعوي السيرة ولا لكشفها عن الاجزاء في مقام الامتثال لاجل عدم ردع الائمة (ع) عنها، اللهم إلا أن يتم شئ من الادلة اللفظية على التفصيل المتقدم آنفا. (الجهة الرابعة): فيمن يتقى منه: لا ينبغي التردد في أن التقية المحكومة بالوجوب أو الجواز لا يختص بالعامة على وجه الخصوص بل تعم كل ظالم وجائز إذا خيف ضرره وهو مورد للتقية الواجبة أو الجائزة ويدلنا على ذلك مضافا إلى العمومات (* 1) وإلى حديث رفع الاضطرار (* 2) مادل على أنه ما من محرم إلا وقد أحله لمن اضطر إليه (* 3) وحديث لا ضرر ولاضرار موثقة أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع) التقية من دين الله؟ قال: أي والله من دين الله ولقد قال يوسف (ايتها العير انكم لسارقون) والله ما كانوا سرقوا شيئا. ولقد قال ابراهيم: (إني سقيم) والله ما كان سقيما (* 5). حيث ان تطبيقه (ع) التقية التي هي من دين الله على قولي يوسف


(* 1) و (* 3) و (* 5) راجع ب 25 من أبواب الامر والنهي من الوسائل. (* 2) المروية في ب 56 من أبواب جهاد النفس من الوسائل (* 4) راجع ب 5 من أبواب الشفعة وب 7 و 12 من أبواب احياء الموات من الوسائل.

[ 297 ]

وابراهيم عليهما السلام دليل قطعي على ان التقية التي هي من دين الله سبحانه غير مختصة بالعامة بل كل أحد خيف من ضرره وجبت عنه التقية أو جازت. وما رواه محمد بن مروان قال: قال لي أبو عبد الله (ع) ما منع ميثم رحمه الله من التقية؟ فو الله لقد علم ان هذه الآية نزلت في عمار وأصحابه: الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان (* 1) وغير ذلك من الاخبار: وإنما الكلام في الاحكام الوضعية المترتبة على التقية كالحكم بصحة العمل مع التقية واجزائها فهل الصحة والاجزاء يترتيان على كل تقية أو يختصان بالتقية من العامة بالخصوص. والصحيح أن يقال أنه ان تم هناك شئ من الادلة اللفظية المستدل بها على سقوط التكاليف الغيرية عند التقية فلا مناص من الحكم بالصحة والاجزاء في جميع موارد التقية ولو كانت من غير العامة بمقتضى عموم الادلة المذكورة كقوله عليه السلام التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله (* 2). وقد ادعى شيخنا الانصاري (قده) ان الحلية أعم من الحلية النفسية والحلية الغيرية. وأما إذا لم يتم شئ من تلك الادلة وانحصر دليل صحة التقية والاجزاء بالسيرة كما هو الحق فالظاهر اختصاص الحكمين بخصوص التقية من العامة لانها التي تحققت فيها السيرة ولم يردع عنها الائمة (ع) ولا علم لنا يتحقق السيرة في غيرها. كما أنه بناء على ما ذكرناه لا يجرى الحكم بالصحة والاجزاء في


(* 1) المروية في ب 29 من ابواب الامر والنهى من الوسائل (* 2) راجع ب 25 من ابواب الامر والنهي من الوسائل

[ 298 ]

التقية من جميع العامة بل يختص بالتقية من العامة المعروفين القائلين بخلافة الخلفاء الاربعة. وأما التقية من الخوارج الملتزمين بخلافة الخليفتين الاولتين فهي خارجة عن الحكم بالصحة والاجزاء وذلك لعدم كثرة الابتلاء بالتقية منهم في تلك الازمنة حتى نستكشف من عدم ردعهم (ع) صحة العمل المأتي به تقية وأجزائه عن المأمور به الواقعي هذا على ان التقية من النواصب داخلة في التقية من غير العامة من الكفار لان النواصب محكومة بالكفر. ثم ان التقية مختصة بالاحكام واما التقية من العامة المعروفين الذين هم محل الابتلاء كثيرا في الموضوعات الخارجية كما إذا اعتقد عامي ان ثوبا من الحرير وكانت الصلاة واجبة في الثوب الحرير في مذهبهم فان التقية حينئذ في لبس الثوب الذي يعتقده العامي حريرا تقية في الموضوع الخارجي قد اشتبه أمره على العامي وغير راجعة إلى التقية في الاحكام ولم يتحقق في مثلها سيرة من المتدينين على التبعية حتى يحكم بصحة التقية وأجزائها. نعم بناء على تمامية الادلة اللفظية المتقدمة فمقتضى عمومها واطلاقها عدم الفرق في صحة التقية وأجزائها بين التقية في الاحكام والتقية في الموضوعات. والظاهر عدم التزام الفقهاء (قدهم) بصحة التبعية في الموضوعات وهذا من أحد المفاسد المترتبة على القول بسقوط الجزئية والشرطية والمانعية في موارد التقية اعتمادا على الادلة اللفظية المتقدمة.

[ 299 ]

تنبيه: ما قدمناه من أن العمل المأتي به تقية إذا كان مما يبتلي به غالبا وهو بمرئى من الائمة عليهم السلام فسكوتهم وعدم ردعهم عن ذلك العمل وعدم تعرضهم لوجوب اعادته أو قضائه يكشف كشفا قطعيا عن صحته وإجزائه عن الاعادة والقضاء وسقوط المأمور به الاولى بسببه وارتفاع جميع آثاره انما يختص بما إذا كانت الآثار المترتبة عليه من الآثار التي تترتب على فعل المكلف بما هو فعله. كما في غسل اليد منكوسا أو غسل رجليه أو التكتف في الصلاة إلى غير ذلك من الافعال المترتبة عليها آثارها فان امثالها إذا استندت إلى التقية ارتفعت عنها آثارها كما عرفت. وأما إذا لم تكن الآثار المترتبة عليه من آثار فعل المكلف فالتقية في مثله لا يرفع عنه آثارها بوجه سواء استندنا في الحكم بصحة العمل المتقى به وأجزائه إلى السيرة العملية أم إلى الادلة اللفظية كقوله (ع) ما صنعتم من شئ. (* 1) لاختصاصها بما إذا اتى المكلف بعلم وصنع صنعا يترتب عليه آثاره. وعليه فلو فرضنا أنه غسل ثوبه المتنجس مرة فيما بجب غسله مرتين - تقية - أو غسله من دون تعفير فيما يجب تعفيره أو من غير ازالة عين النجس لعدم كونه نجسا عندهم كما في المني على ما ينسب إلى بعضهم لم يحكم بذلك على ارتفاع نجاسة الثوب أو الاناء ولا بسقوط اعتبار الغسل مرة ثانية أو التعفير أو غير ذلك مما يعتبر في التطهير واقعا.


(* 1) المروية في 12 من كتاب الايمان من الوسائل

[ 300 ]

وذلك لان النجاسة ووجوب الغسل مرتين أو مع التعفير أو غيرهما ليست من الآثار المترتبة على فعل المكلف بما هو فعله وانما هي من الآثار المترتبة على ملاقاة النجس وهي ليست من أفعال المكلفين. نعم لو صلى في ذلك الثوب تقية أو اضطرارا حكمنا بصحتها. وهذا نظير ما قدمناه في محله عند التعرض لحديث الرفع من أن الاضطرار والاكراه انما يوجبان ارتفاع الآثار المترتبة على الفعل المكره عليه أو المضطر إليه ولا يرتفع بهما الآثار المترتبة على أمر آخر غير الفعل كما إذا اضطر إلى تنجيس شئ طاهر لانه لا يحكم عند استناد ذلك إلى الاضطرار بارتفاع نجاسة الملاقي لحديث الرفع. لانها لم تترتب على فعل المكلف بما هو فعله بل انما ترتبت على ملاقاة النجس وهي قد تكون من فعله وقد تكون من أمر آخر (الجهة الخامسة): ان ما ذكرناه آنفا من أن العمل المأتي به تقية محكوم بالصحة والاجزاء بمقتضى السيرة العملية أو الادلة اللفظية المتقدمة انما هو فيما إذا أتى المكلف بعمل في مقام الامتثال ولكنه كان ناقصا لافتقاده جزءأ أو شرطا أو لاشتماله على مانع تقيه وحينئذ يأتي ما ذكرناه من أنه يجزي عن العمل التام بمقتضى السيرة أو بحسب الادلة اللفظية، واما إذا ادت التقية إلى ترك العمل بزمته كما إذا ترك الصلاة - مثلا - تقية فلا ينبغي الاشكال حينئذ في وجوب الاتيان بالمأمور به الاولى بعد ذلك في الوقت ان كان باقيا وفي خارجه إذا كانت التقية مستوعبة للوقت فان


(* 1) المروية في ب 57 من ابواب ما يمسك عنه الصائم من الوسائل.

[ 301 ]

ترك العمل لا يجزي عن العمل وهذا بحسب الكبرى مما لا اشكال فيه عند الاعلام. وإنما وقع الكلام في بعض تطبيقاتها ومصاديقها كما إذا حكم الحاكم بثبوت الهلال فاضطر المكلف إلى أن يظهر موافقته لحكمه فافطر في ذلك اليوم تقية فقد يقال وقتئذ ان ذلك من باب ترك العمل الواجب وهو الصوم من أجل التقية وقد قدمنا ان الاجزاء والصحة انما يأتيان فميا إذا أتى المكلف بعمل ناقص في مقام الامتثال فانه يجزى عن المأمور به التام بحسب الادلة التي قد عرفتها. وأما ترك المأمور به رأسا فهو لا يجزي عن الواجب بوجه فيجب قضاء ذلك اليوم الذي ترك فيه الصيام تقية ويستشهد على ذلك برواية داود ابن الحصين عن رجل من أصحابه عن أبي عبد الله (ع) انه قال وهو بالحيرة في زمان أبي العباس: اني دخلت عليه وقد شك الناس في الصوم وهو والله من شهر رمضان فسلمت عليه، فقال: يأ أبا عبد الله صمت اليوم، فقلت لا، والمائدة بين يديه قال: فادن فكل، قال: فدنوت فأكلت قال: وقلت: الصوم معك والفطر معك، فقال الرجل لابي عبد الله (ع) تفطر يوما من شهر رمضان؟ فقال: اي والله افطر يوما من شهر رمضان أحب إلي من أن يضرب عنقي. فان هذه الرواية وان لم تشتمل على قضاء ذلك اليوم الذي أفطر فيه تقية إلا ان كلمة أفطر التي صدرت منه (ع) ظاهره في ان ما صنعه من اكل وشرب كان مفطرا لصومه وانه قد بطل بارتكابه، فلو كان الافطار تقية غير مبطل للصوم ولا موجب لارتفاعه لم يكن وجه لتوصيفه ذلك الفعل بالافطار فقد دلتنا هذه الرواية على أن ترك الصيام تقية غير مقتض للاجزاء بل لابد من قضائه لبطلانه بالافطار.

[ 302 ]

وبرواية رفاعة عن رجل عن أبي عبد الله (ع) قال دخلت على أبي العباس بالحيرة فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم؟ فقال: ذاك إلى الامام ان صمت صمنا إن افطرت أفطرنا فقال: يا غلام علي بالمائدة فأكلت معه وانا أعلم والله انه يوم من شهر رمضان، فكان افطاري يوما وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله (* 1). وهي صريحة الدلالة على عدم اجزاء ترك الصوم تقية ووجوب قضائه بعد ذلك. ولا يخفى ان كبرى عدم اجزاء ترك العمل رأسا عن الوظيفة المقررة وجوبا وان كانت مسلمة كما عرفت إلا أن تطبيقها على الافطار تقية لحكم حاكمهم بثبوت الهلال مما لا وجه له والسر في ذلك ان الزام الامام (ع) أو غيره على اظهار الموافقة لحكم حاكمهم انما يقتضي الافطار في قطعة خاصة من اليوم كساعة أو ساعتين ونحوهما أو طول المدة التي كان (ع) عند الحاكم في تلك المدة مثلا. ولا يقتضي التقية ازيد من الافطار في ذلك الزمان كتمام النهار من أوله إلى آخره وعليه فالمكلف العامل بالتقية حينئذ لا يترك صيامه الواجب في مجموع النهار وانما تركه تقية في جزء خاص منه مع تمكنه من الصيام في المدة الباقية من النهار ومعه لا يسقط عنه الامر بالصوم بذلك ومن هنا لا يجوز له أن يتناول شيئا من المفطرات في غير ساعة التقية فلا مرخص له أن يتغدى في منزله. وليس هذا إلا من جهة أمره بالصيام وعدم اضطراره إلى ترك الصوم في تمام النهار ومع ذلك كيف تنطبق كبرى ترك العمل رأسا على ترك


(* 1) المروية في ب 57 من ابواب ما يمسك عنه الصائم من الوسائل.

[ 303 ]

الصيام في جزء من النهار بل هومن اتيان العمل الناقص - تقية - في مرحلة الامتثال. وقد مر أن ذلك يجزى عن العمل التام المأمور به وهذا نظير ما إذا أفطر بما لا يراه العامة مفطرا - تقية - فكما أنه محكوم بالصحة والاجزاء ولا يجب معه القضاء كما مر لانه ليس من ترك العمل المأمور به برمته بل من قبيل الاتيان بالعمل الناقص وهو مجزء عن التام فكذلك الحال في المقام. نعم لو اضطر - في مورد - إلى ترك الصيام المستمر من أول النهار إلى آخره انطبق عليه الكبرى المتقدمة اعني ترك العمل رأسا تقية وهو غير مجزء عن الواجب كما عرفت. وأما الروايتان المستشهد بهما على وجوب القضاء في محل الكلام فيدفعه: أنهما ضعيفتا السند لا رسالهما فان كلا من رفاعة وداود بن الحصين يروي عن رجل وهو مجهول على أن في سند إحداهما سهل بن زياد وهو ضعيف فلا يصح الاعتماد على شئ منهما للاستدلال فالصحيح عدم وجوب القضاء فيما إذا افطر في نهار شهر رمضان تقية لثبوت الهلال عندهم. (الجهة السادسة). أنه بناء على ما سردناه من أن أجزاء العمل المأتي به تقية عن الوظيفة الاولية على خلاف القاعدة وانه يحتاج إلى دليل يدلنا عليه وان الدليل على أجزائه هو السيرة العملية يختص الحكم بالاجزاء بالعبادات ولا يأتي في شئ من المعاملات بالمعنى الاعم ولا في المعاملات بالمعنى الاخص فإذا الجأتته التقية على غسل ثوبه المتنجس مرة واحدة فيما يجب غسله مرتين لم يحكم بطهارته بذلك بل يبقى على نجاسته.

[ 304 ]

نعم إذا صلى في ذلك الثوب تقية حكم بصحة صلاته وعدم وجوب اعادتها أو قضائها كما انه إذا اضطر إلى بيع ماله ببيع فاسد كما إذا باع مثليا بما هو أزيد منه لعدم حرمه الرباء عند العامة في المثليات - مثلا - لم يحكم بصحة المعاملة أو إذا طلق زوجته عند غير عدلين تقية لم يحكم بصحة طلاقه لافتقاده شهادة العدلين. كل ذلك لما عرفت من أن أجزاء العمل المأتي به تقية على خلاف القاعدة وهو محتاج إلى دلالة الدليل والدليل انما هو السيرة ولم تقم سيرة على التبعية للعامة في غير العبادات. وأما بناء على الاعتماد على شئ من الادله اللفظية المتقدمة فيشكل الامر في المسألة لان مقتضى عمومها واطلاقها عدم الفرق في الحكم بالصحة والاجزاء بين العبادات والمعاملات، لان مثل قوله (ع) التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له (* 1) أعم من الحلية التكليفية والوضعية على ما أفاده شيخنا الانصاري. فيحكم بسقوط الجزئية والشرطية والمانعية عند التقية حتى في المعاملات ولازم ذلك عدم الفرق في الصحه والاجزاء بين العبادات والمعاملات ولا نعهد أحدا التزم بالاجزاء في المعاملات فليكن هذا أيضا من احد المحاذير المترتبة على الاستدلال بالادلة اللفظية في المقام. (الجهة السابعة): في اعتبار عدم المندوحة في موارد التقية وتفصيل


(* 1) المروية في ب 25 من أبواب الامر والنهي من الوسائل

[ 305 ]

الكلام في هذا المقام: ان التقية قد تكون من العامة وقد تكون من غيرهم. أما التقية بالمعنى الاعم أعني التقية من غير العامة كما إذا أجبره سلطان جائر على ترك واجب أو على اتيان فعل حرام فلا ينبغي الاشكال فيها في اعتبار عدم المندوحة في جواز ترك الواجب أو الاتيان بالحرام. وذلك لاختصاص أدلة حلية المحرمات بحال الضرورة والاضطرار كما تقدم في صحيحة زرارة: التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له (* 1) وقوله: التقية في كل ضرورة. (* 2) ولا تصدق الضرورة والاضطرار مع وجود المندوحة في البين ومعه عموم أدلة ذلك الواجب أو المحرم يكون محكما لا محالة. واما التقية بالمعنى الاخص أعني التقية من العامة فهي قد تكون في ترك الواجب في الاتيان بالحرام واخرى في ترك جزء أو شرط أو الاتيان بالمانع في المأمور به وان شئت قلت التقية قد تكون في غير العبادة من ترك الواجب أو الاتيان بالحرام وقد تكون في العبادة. أما التقية في ترك الواجب أو الاتيان بالحرام لولا التقية فالظاهر فيها اعتبار عدم المندوحة في وجوب التقية أو جوازها. وذلك لان التقية في عدة من الروايات قد قيدت بالضرورة والاضطرار وهي الصحاح الثلاث المرويات عن أبي جعفر (ع). ففي بعضها: التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به. وفي الاخرى: التقية في كل ضرورة فقد دلتنا على عدم مشروعية التقية في غير الضرورة.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 25 من ابواب الامر والنهي من الوسائل.

[ 306 ]

وهذا لا لاجل القول بمفهوم اللقب كما ربما يتراءى من الروايتين بل من جهة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد حصر المسند في المسند إليه فان حق العبارة لولا الحصران يقال: كل ضرورة فيها التقية، فتقديمه (ع) التقية على كل ضرورة انما هو لاجل حصر التقية في موارد الضرورة بحسب ظاهر الكلام و؟ ان معنى التقية في كل ضرورة ان التقية مشروعة في كل ضرورة لعدم كونها ناظرة إلى نفس التقية فيستفاد من هاتين الصحيحتين؟ عدم مشروعية التقية في غير موارد الضرورة. وفي الثالثة: التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له (* 1) ودلالتها على الحصر اظهر لان ال‍ (فاء) تفريعية فقد دلت على عدم الحلية فيما لا يضطر إليه ابن آدم ونحن انما قلنا بالمفهوم في الجملات الشرطية لمكان ال‍ (فاء) التي هي للتفربع فيكون الحال في المقام هو الحال في الجملات الشرطية فلاحظ. نعم لو كانت الصحيحة هكذا: التقية في كل شئ. وكل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له أمكن أن يقال: انها اشتملت على كبريين. (إحداهما): التقية في كل شئ سواء اكانت مع الاضطرار أم لم تكن. و (ثانيتهما): كل شئ يضطر إليه. إلا انها ليست كذلك كما ترى. وبما ان الضرورة والاضطرار لا يصدق مع وجود المندوحة فلا محالة تختص التقية المشروعة بموارد عدم المندوحة. ومما يدلنا على ذلك أيضا ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن معمر بن يحيى قال: قلت لابي جعفر (ع) ان معي بضايع للناس


(* 1) المروية في ب 25 من ابواب الامر والنهي من الوسائل

[ 307 ]

ونحن نمربها على هؤلاء العشار فيحلفونا عليها فنحلف لهم فقال: وددت أني اقدر على أن أجيز اموال المسلمين كلها واحلف عليها، كل ما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقية (* 1). وبذلك كله نقيد الاطلاقات الواردة في بعض الاخبار كقوله (ع) ما صنعتم من شئ أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة (* 2). هذا على أنه يمكن أن يمنع عن دلالة المطلقات على عدم اعتبار المندوحة من الابتداء وذلك لما قدمناه من أن التقية من وقى يقى وقاية والوقاية بمعنى الصيانة عن الضرر ومنه المتقون، لتحذرهم وصيانة انفسهم من سخط الله سبحانه وعليه فقد أخذ في مفهوم التقية خوف الضرر واحتماله، ولا اشكال أو في أن المكلف مع وجود المندوحة لا يحتمل ضررا في ترك شرب النبيذ أو في الاتيان بواجب، لان المفروض تمكنه من ذلك لوجود المندوحة العرضية أو الطولية ومع وعدم خوفه وعدم احتماله الضرر في ترك شرب النبيذ كيف يكون ارتكابه تقية رافعة لحرمته ولعيه فلا يصدق مفهوم التقية في موارد وجود المندوحة. إذا لا اطلاق يقتضي مشروعية التقية عند وجود المندوحة حتى تحتاج إلى تقييده بما قدمناه من الصحاح هذا كله فيما إذا كانت التقية من العامة في غير العبادات من ترك الواجب أو فعل الحرام. وأما التقية منهم في العبادات كما في التقية في ترك شرط أو جزء أو الاتيان بمانع في العبادة فالظاهر تسالمهم على عدم الاعتبار وانه لا يعتبر عدم المندوحة فيها مطلقا بحيث لو تمكن من الاتيان بالوظيفة الواقعية إلى


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 12 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل

[ 308 ]

آخر الوقت لم يجز له التقية معهم فاعتبار عدم المندوحة فيها عرضية كانت أم طولية مقطوع الفساد وذلك لما ورد منهم (ع) من الحث والترغيب في الصلاة معهم وفي عشائرهم وفي مساجدهم كما مر (* 1). بل في بعضها ان الصلاة معهم في الصف الاول كالصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله (* 2) فان مقتضى اطلاقها عدم الفرق في ذلك بين صورة التمكن من الاتيان بالوظيفة الواقعية إلى آخر الوقت وصورة عدم التمكن من ذلك وحملها على عدم التمكن من الاتيان بالصلاة الواقعية ولو في داره إلى نهاية الوقت حمل لها على كثرتها على مورد نادر وهو من الاستهجان بمكان. بل ظاهر أمرهم (ع) بالصلاة معهم وحثهم وترغيبهم إلى ذلك ان تكون الصلاة معهم وفي صفوفهم بالقدرة والاختيار لا خصوص ما إذا كانت لاجل الضرورة والاضطرار ومن هنا ذهبوا إلى عدم اعتبار عدم المندوحة في جواز التقية على وجه الاطلاق. اعتبار عدم المندوحة في محل الكلام: وهل يعتبر عدم المندوحة حال التقية والعمل كما لعله المشهور بينهم أو ان المندوحة غير معتبر في وجوب التقية وإجزائها عن الوظيفة الواقعية حتى في حال التقية والعمل؟ فلو تمكن حال الصلاة معهم من أن يقف في صف أو مكان يتمكن فيه من السجود على ما يصح السجود عليه جاز له أن يترك ذلك ويقف على صف لا يتمكن فيه من السجود على ما يصح السجود عليه، أو إذا كان في


(* 1) و (* 2) المتقدمتان في ص 290

[ 309 ]

مسجده موضعان أحدهما مما يصح السجود عليه جاز له أن يسجد على الموضع الآخر الذي يجوز السجود عليه. قد ذهب شيخنا الانصاري والمحقق الهمداني (قدس الله سرهما) إلى اعتبار عدم المندوحة حال التقية والامتثال وما استدل به على ذلك في مجموع كلماتهم وجوه: وجوه الاستدلال: (الاول): ان مقتضى الاخبار الواردة في المقام هو اختصاص التقية بصورة الضرورة والاضطرار وعدم مشروعيتها في غير موارد الضرورة فضلا عن إجزائها غير انا خرجنا عن ذلك في غير حال التقية بما قدمناه من الاخبار الآمرة بالصلاة معهم والدالة على الحث والترغيب في متابعتهم والصلاة في مساجدهم وعشائرهم. وأما في حال التقية والعمل فلم يقم دليل على عدم اعتبار الضرورة والاضطرار فيبقى ظواهر الروايات بالنسبة إلى حال التقية والعمل بحالها. ومقتضى ذلك عدم جواز التقية فيما إذا تمكن حال التقية والصلاة من الاتيان بالوظيفة الواقعية فإذا تمكن مثلا من الوقوف في صف يتمكن فيه من السجود على ما يصح السجود عليه وجب عليه ذلك ولم يجز له الوقوف في مورد آخر لا يتمكن فيه من ذلك. ويندفع هذا باطلاقات الاخبار المتقدمة أعني ما دل على الحث والترغيب في اظهار المتابعة لهم والآمرة بالصلاة معهم، لان ظاهرها ان المصلي معهم كأحدهم فيصلي كصلاتهم ولم يقيد ذلك بما إذا كان غير قادر من العمل بحسب الوظيفة الواقعية حال العمل.

[ 310 ]

بل ذكرنا ان مقتضى الحث والترغيب أن يكون الدخول معهم في الصلاة اختياريا للمكلف فهو مع تمكنه من الصلاة المأمور بها يصلي معهم اظهارا للموافقة وتحسب صلاته هذه صلاة واقعية ولو كان ذلك بداعي التقية وان لايعرف المصلي بالتشيع عندهم. ففي بعض الروايات انه قال أبو عبد الله (ع): يحسب لك إذا دخلت معهم وان كنت لا تقتدي بهم مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من تقتدي به (* 1). بل بعضها كاد أن يكون صريحا فيما ادعيناه كما دل على ان من صلى معهم في الصف الاول كان كمن صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله لدلالته على استحباب الصلاة معهم في الصف الاول مطلقا وان لم يتمكن المكلف من السجود على ما يصح السجود عليه في ذلك الصف بخلاف غيره من الصفوف كما يتفق ذلك كثيرا فهذا الوجه ساقط. (الثاني): ان التقية قد أخذ في مفهومها خوف الضرر كما تقدم غير مرة ومع تمكن المكلف من الاتيان بالوظيفة الواقعية لا يحتمل الضرر في ترك التقية، إذا لا مناص من اعتبار عدم المندوحة حال العمل تحقيقا لمفهوم التقية فانه مع وجود المندوحة لا تحقق للتقية. والجواب عن ذلك ان الوجه في الحكم بصحة العبادة المأتي بها تقية ان كان هو الاخبار العامة الواردة في التقية فحسب كان لهذا الكلام مجال إلا أن الامر ليس كذلك لوجود الاخبار الخاصة الآمرة بالصلاة معهم وعيادة مرضاهم والصلاة في عشائرهم كما تقدم (* 3) وهي أخص مطلقا من عمومات التقية كما لا يخفى فيخصصها بغير العبادات من موارد التقية.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 5 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل (* 3) تقدم في ص 290 و 380

[ 311 ]

وأما في العبادات فلا يعتبر في صحة العمل المأتي به لاجل المتابعة للمخالفين احتمال الضرر عند تركه بل لابد من الحكم بصحنها ولو مع عدم احتمال الضرر والخوف شخصا. نعم لا نضائق أن تكون الحكمة في ذلك هي مراعاة التقية والمحافظة على الشيعة كي لا يعرفوا بالتشيع لدى الناس. (الثالث): ما رواه ابراهيم بن شيبة قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (ع) اسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (ع) وهو يري المسح على الخفين، أو خلف من تحرم المسح وهو يمسح فكتب (ع) ان جامعك واياهم موضع فلم تجد بدا من الصلاة فاذن لنفسك وأقم، فان سيقك إلى القراءة فسبح (* 1) حيث دلتنا على أن الصلاة مع من يمسح على الخفين انما تجوز فيما إذا لم يجد بدا من ذلك. ويرد على هذا الاستدلال (أولا): ان الرواية ضعيفة السند لان ابراهيم بن شيبة لم يوثق وما في كلام المحقق الهمداني (قده) من اسناد الرواية إلى ابراهيم بن هاشم من سهو القلم. و (ثانيا): ان الرواية أجنبية عما نحن بصدده لان الكلام انما هو في الصلاة مع العامة، والرجل في الرواية على ما يبدو انها شيعي لانه يتولى أمير المؤمنين (ع) وان كان يتبع العامة في مسحة كما يتفق ذلك في بعض الامكنة فترى ان جماعة يتولون عليا (ع) إلا انهم في الفروع يجرون على طريقة العامه لعدم وصول الفروغ الصحيحة إليهم أو لغير ذلك من الجهات، وبما أن صلاة الرجل كانت محكومة بالبطلان في مورد الرواية فلذا منع (ع) عن الصلاة خلفه فهي خارجة عن محل الكلام. و (ثالثا): لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على صحة الرواية بحسب السند لدلتنا على اعتبار عدم المندوحة العرضية والطولية لتخصيصها الجواز


(* 1) المروية في ب 33 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل

[ 312 ]

بما إذا كان لابد من الصلاة خلفه وقد عرفت التسالم على عدم اعتبار المندوحة الطولية فليلاحظ. (الرابع): ما عن دعائم الاسلام بسنده عن أبي جعفر (ع) لا تصلوا خلف ناصب ولا كرامة الا ان تخافوا على أنفسكم. (* 1). ويتوجه على هذا الاستدلال ان روايات دعائم الاسلام غير قابله للاعتماد عليها للارسال وان كان مؤلفه جليل القدر وكبير الشأن كما ذكرناه غير مرة هذا. على انها على تقدير تماميتها سندا قاصرة الدلالة على المدعى لاختصاصها بالناصب وهو خارج عن محل الكلام لانه محكوم بالكفر بل بالنجاسة أيضا على الاظهر. وعلى تقدير التنازل فلا مانع من كون الرواية مخصصة لما دل على جواز الصلاة مع المخالفين ودالة على عدم جواز الصلاة مع المخالف الناصب. (الخامس): ما في الفقه الرضوي (لا تصل خلف أحد إلا خلف رجلين أحدهما من تثق به وبدينه وورعه والآخر من تتقي سيفه وسوطه وشره وبواثقه وشنعته فصل خلفه على سبيل التقية والمداراة (* 2). ويرده ان كتاب الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلا عن اعتبارها مضافا إلى عدم دلالتها على المدعى لانها بصدد حصر الامام في رجلين وأما ان الصلاة خلف من يتقى منه مشروطة بعدم المندوحة حال العمل فلا دلالة لها على ذلك بوجه. بل يمكن أن يقال ان قوله (ع) على سبيل التقية والمداراة، بنفسه


(* 1) المروية في ب 6 من ابواب صلاة الجماعة من مستدرك الوسائل (* 2) المروية في ب 9 من ابواب صلاة الجماعة من مستدرك الوسائل

[ 313 ]

يدلنا على عدم اعتبار عدم المنوحة حال الصلاة وانما يصلي معهم مع التمكن من الاتيان بالوظيفة الواقعية على سبيل المداراة لا الضرورة والاضطرار. ما ينبغي التنبيه عليه: ومما ينبغي أن ينبه عليه في المقام هو أن الصلاة معهم ليست كالصلاة خلف الامام العادل وانما هي على ما يستفاد من الروايات صورة صلاة يحسبها العامة صلاة وائتماما بهم ومن هنا لم يرد في الروايات عنوان الاقتداء بهم بل ورد عنوان الصلاة معهم، فهو يدخل الصلاة معهم ويؤذن ويقيم ويقرء لنفسه على نحو لا يسمع همسه فضلا عن صوته. ولا دلالة في شئ من الروايات على انها صلاة حقيقة وقد ورد في بعضها: ما هم عنده (ع) إلا بمنزلة الجدر (* 1) إذا لا تكون الصلاة معهم كالصلاة خلاف الامام العادل بل انما هي صورة الائتمام لتحسبوها كذلك من دون أن يسقط القراءة والاقامة ولا غيرهما لانهم ليسوا الا كالجدر. نعم قد استفدنا من الاخبار الواردة في التقية بحسب الدلالة الالتزامية عن عدم المندوحة غير معتبر في الصلاة معهم لا حال العمل والامتثال ولا فيما بعده. فما ورد في عدة من الروايات من النهي عن الصلاة خلف فاسدي المذهب أو الفاسق أو شارب الخمر أو غير ذلك مما ورد في الاخبار لا ينافي شئ منه ما ذكرناه في المقام من صحة الصلاة معهم على النحو الذي بيناه لانه انما دلت على عدم جواز الصلاة خلف الجماعة المذكورين على نحو الائتمام الصحيح كالائتمام بالامام العادل وقد عرفت ان الصلاة معهم


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل

[ 314 ]

ليست إلا صورة الائتمام. فالمتحصل إلى هنا ان في التقية من العامة في العبادات الظاهر عدم اعتبار عدم المندوحة مطلقا لا عرضية ولا طولية وان كان اشتراط عدم المندوحة العرضية أحوط. (الجهة الثامتة): في المراد بالضرر الذي يعتبر احتماله في مفهوم التقية وفي الحكم بجوازها أو وجوبها. أما في التقية بالمعنى الاعم أو بالمعنى الاخص في موارد ترك الواجب أو فعل الحرام تقية فالقدر المتيقن من الضرر المسوغ احتماله للارتكاب انما هو الضرر المتوجه إلى نفس الفاعل سواء أكان بدنيا أم ماليا أم عرضيا ويلحق بذلك الضرر المتوجه إلى الاخ المؤمن لعدة من الروايات الواردة في جواز الحلف كاذبا لاجل حفظ أموال المسلمين (* 1) وقد طبق على ذلك في بعضها قوله: (كل ما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقية (* 2). مع ان المفروض انه لا ضرر ولا ضرورة في ترك الحلف على نفسه بل الضرورة والضرر متوجهان إلى الاخ المؤمن أو المسلم فمن تطبيق الكبرى المذكورة على موارد الضرر المتوجه إلى الاخ المؤمن نستكشف ان الضرر المسوغ للتقية أعم من ضرر نفس الانسان وضرر أخيه المؤمن. ثم انا نتعدى من مورد الروايات وهو التضرر المالي للاخ المؤمن إلى التضرر العرضي والنفسي بطريق الاولوية وعليه فالجامع فيما يسوغ التقية في ترك الواجب أو في فعل الحرام انما هو الضرر المتوجه إلى النفس أو الاخ


(* 1) و (* 2) راجع ب 12 من ابواب كتاب الايمان من الوسائل

[ 315 ]

المسلم في شئ من المال أو العرض أو النفس، وأما إذا لم يترتب على ترك التقية ضرر على نفسه ولا على غيره بل كانت التقية لمحض جلب النفع من الموادة والتحابب والمجاملة معهم في الحياة فلا تكون مسوغة لارتكاب العمل المحرم ولا ترك الفعل الواجب فليس له الحضور في مجالسهم المحرمة كمجلس الرقص وشرب الخمر ونحوهما لاجل المجاملة لعدم تحقق مفهوم التقية حينئذ حيث لا ضرر يترتب على تركها. نعم لا بأس بذلك في خصوص الصلاة فان له ان يحضر مساجدهم ويصلي معهم للمداراة والمجاملة من دون أن يترتب ضرر على تركه بالنسبة إلى نفسه أو بالاضافة إلى الغير وذلك لاطلاقات الاخبار الآمرة بذلك لان ما دل على أن الصلاة معهم في الصف الاول كالصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله غير مقيد بصورة ترتب الضرر على تركها. بل قد عرفت أن حملها على تلك الصورة حمل لها على مورد نادر لبعد ان يكون ترك الحضور في مساجدهم أو ترك الصلاة معهم مرة أو مرتين أو اكثر مستلزما لا شتهاره بالتشيع ومعروفيته به أو لامر آخر موجب لتضرره. نعم إذا ترك ذلك بالكلية أمكن أن يستلزم الضرر بل قد قدمنا ان ظاهر هذه الروايات هو الحث والترغيب إلى اظهار الموافقة معهم في الصلاة أو في غيرها من الاعمال بالقدرة والاختيار لا من جهة الخوف والالتجاء والتقية. وقد ورد ان الصلاة معهم من حيث الاثر والثواب كالصلاة خلف من يقتدى به حيث قال (ع) يحسب لك إذا دخلت معهم وان كنت

[ 316 ]

لا تقتدي بهم مثل ما يحسب لك إذا كنت مع من يقتدى به (* 1) وهو أيضا غير مقيد بصورة خوف الضرر عند ترك الصلاة معهم فجواز الحضور عندهم أو الصلاة معهم وعيادة مرضاهم وغير ذلك من الامور الواردة في الروايات غير مقيد بصورة ترتب الضرر على تركها وانما ذلك من باب المجاملة والمداراة معهم. ولقد صرح بحكمة تشريع التقية في هذه الموارد وعدم ابتنائها على خوف الضرر في صحيحة هشام الكندي قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إياكم أن تعملوا عملا نعير به، فان ولد السوء يعير والده بعمله كونوا لمن انقطعتم إليه زينا ولا تكونوا عليه شينا، صلوا في عشائرهم (* 2) وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شئ من الخير فانتم أولى به منهم والله ما عبد الله بشئ أحب إليه من الخباء قلت: وما الخباء؟ قال: التقية (* 3). لدلالتها على ان حكمة المداراة معهم في الصلاة أو غيرها انما هي ملاحظة المصلحة النوعية واتحاد كلمة المسلمين من دون أن يترتب ضرر على تركها فان ظاهرها معروفية أصحابه (ع) بالتشيع في ذلك الوقت ولم يكن أمره بالمجاملة لاجل عدم انتشار تشيعهم من الناس وإنما كان مستندا إلى تأديبهم بالاخلاق الحسنة ليمتازوا بها عن غيرهم ويعرفوا الشيعة بالاوصاف الجميلة وعدم التعصب والعناد واللجاج وتخلقهم بما ينبغي أن يتلحق به


(* 1) راجع ب 5 من أبواب صلاة الجماعة وب 1 من احكام العشرة. (* 2) هكذا في الكافي والوسائل وفي الوافى في عشائركم راجع المجلد الاول ص 122 م 3. (* 3) المروية في ب 26 من أبواب الامر والنهي من الوسائل.

[ 317 ]

حتى يقال رحم الله جعفرا ما أدب أصحابه. كما ورد في رواية زيد الشحام عن أبي عبد الله (ع) انه قال: يا زيد خالقوا الناس بأخلاقهم، صلوا في مساجدهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم وان استطعتم أن تكونوا الائمة والمؤذنين فافعلوا فانك إذا فعلتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفرا ما كان أحسن ما يؤدب اصحابه، وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية فعل الله بجعفر ما كان اسوء ما يؤدب أصحاب (* 1). وقد ورد في صحيحة عبد الله بن سنان انه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أوصيكم بتقوى الله ولا تحملوا الناس على اكتافكم فتذلوا ان الله عزوجل يقول: في كتابه قولوا للناس حسنا) ثم قال: عودوا مرضاهم واحضروا جنائزهم واشهدوا لهم وعليهم وصلوا معهم في مساجدهم حتى يكون التمييز وتكون المباينة منكم ومنهم (* 2). وعلى ذلك لا يتوقف جواز الصلاة معهم على ترتب أي ضرر على تركه ولو احتمالا وهذا قسم خاص من التقية فلنعبر عنه بالتقية بالمعنى الاعم لمكان انها أعم من التقية بالمعنى العام إذ لا يعتبر في ذلك ما كان يعتبر في ذلك القسم من خوف الضرر واحتماله على تقدير تركها. بل هذا القسم خارج من المقسم لعدم اعتبار احتمال الضرر في تركه هذا وفي بعض الكلمات ان الاخبار الآمرة بالصلاة معهم وحضور مجالسهم مختصة بصورة خوف الضرر على تقدير تركها. إلا أن صبر الروايات الواردة في هذا الباب المروية في الوسائل في


(* 1) المروية في ب 75 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل (* 2) راجع ب 5 من ابواب صلاة الجماعة وب 1 من أبواب احكام العشرة من الوسائل.

[ 318 ]

أبواب مختلفة كباب العشرة من كتاب الحج وفي كتاب الامر بالمعروف وكتاب الايمان يشهد يعدم تمامية هذا المدعى لاطلاقاتها وعدم كونها مقيدة بصورة الخوف على تقدير تركها. فبناء على ذلك لابد من حمل ما ورد من أنه ليس منا من لم يجعل التقية شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجية مع من يحذره (* 1) على التقية بهذا المعنى الاخير كما في حضور مجالسهم والصلاة معهم لانها التي يعتبر فيها خوف الضرر ولا يمكن حملها على التقية بالمعنى المتقدم في ترك الواجب وفعل الحرام لتقومها بخوف الضرر كما مر. ولا خوف من الضرر مع من يأمنه أو في التقية في الباطن كما هي المراد من قوله (ع) شعاره ودثاره: أي في باطنه وظاهره ومن هنا يحرم على المكلف الارتماس في الماء في نهار شهر رمضان إذا كان عنده من العامة من لا يخاف منه على نفسه ولا على غيره وهذا وان كان حملا للرواية على غير ظاهرها إلا انه مما لابد منه بعدم عدم امكان التحفظ على ظهورها على أنها ضعيفة السند فليلاحظ. (الجهة التاسعة): هل التقية بالمعنى الاخير تختص بزمان شوكة العامة واقتدارهم وعظمتهم كما في اعصار الائمه (ع) أو انها تعم عصرنا هذا وقد ذهب فيه اقتدارهم ولم تبق لهم تلك العظمة على نحو لا يخاف من ضررهم فلو تشرف أحدنا سامرا - مثلا - استحب له حضور مساجدهم والصلاة معهم إلى غير ذلك من الامور الواردة في الروايات المتقدمة؟


(* 1) المروية في ب 24 من ابواب الامر والنهي من الوسائل

[ 319 ]

لم نعثر على من تعرض لهذه المسألة الا المحقق الهمداني (قده) حيث تعرض لها واختار اختصاصها بزمان اقتدار هم وأيام عظمتهم. والصحيح عدم اختصاص التقية بوقت دون وقت لان اختصاصها بعصر شوكتهم انما يتم فيما إذا اريد من التقية معناها المتقدم المتقوم بخوف الضرر حيث لا يحتمل ضرر في ترك التقية في امثال زماننا الا انك قد عرفت انها بهذا المعنى غير مرادة في مثل الصلاة. وانما الحكمة في تشريعها هي المداراة وتوحيد الكلمة وابراز الميزة بينهم وبين العامة وعليه فهي تأتي في امثال زماننا أيضا فيستحب حضور مساجدهم والصلاة معهم ليمتاز الشيعة بذلك عن غيرهم ويتبين عدم تعصبهم حتى تتحد كلمة المسلمين. والخطاب في بعض الاخبار المتقدمه وان كان لا يشملنا لاختصاصه بذلك الزمان كما اشتمل على الامر بالصلاة في عشائركم ووقوله (ع) عودوا مرضاهم. حيث لا عشيرة لنا من المخالفين ليستحب الصلاة معهم الا ان في اطلاق بعضها الآخر مما اشتمل على بيان حكمة تشريع تلك التقية أو غيره من المطلقات المتقدمة. كما دل على ان الصلاة في الصف الاول معهم كالصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله غنى وكفاية. لتحقق الحكمة في أعصارنا وعدم تقيد استحباب الصلاة في الصف الاول معهم بزمان دون زمان ولا باحتمال ترتب الضرر على تركها وعلى هذا يمكن أن يمثل للتقية المستحبة بهذه التقية أعني حضور مساجدهم والصلاة معهم من دون احتمال الضرر على تقدير تركها.

[ 320 ]

(الجهة العاشرة): ان ما هو محل البحث والكلام في هذه المسألة انما هو التقية من العامة باظهار الموافقة معهم في الصلاة أو الصوم أو الحج ونحوها من العبادات وغير العبادات وقد عرفت حكمها على نحو لا مزيد عليه. وأما اذاعة اسرارهم عليهم السلام وكشف الستر عن خصوصياتهم ومزايا شيعتهم عند العامة أو غيرهم فهي محرمة في نفسها فان الكشف عن أسرار الائمة (ع) للمخالفين أو غيرهم مرغوب عنه عندهم بل أمر مبغوض وقد نهى عنه في عدة روايات (* 1) وفي بعضها ان من أذاع أسرارهم يمس حر الحديد (* 2) ولعل قتل معلى بن الخنيس أيضا كان مستندا إلى ذلك حيث كشف عن بعض أسرارهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. (الجهة الحادية) عشرة: ان المكلف في موارد التقية إذا ترك العمل على طبقها استحق العقاب على مخالفته لما تقدم من ان التقية واجبة في مواردها فلا ينبغي اشكال في


(* 1) راجع ب 32 و 34 وغيرهما من الابواب المناسبة من ابواب الامر والنهي من الوسائل. (* 2) عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (ع) قال: من استفتح نهاره باذاعه سرنا سلط الله عليه حر الحديد وضيق المجالس المروية في ب 34 من ابواب الامر والنهي من الوسائل

[ 321 ]

أن ترك التقية محرم بالحرمة التكليفية وانما الكلام في حرمته الوضعية وان العمل إذا لم بؤت به على طبق التقية فهل يقع فاسدا ولا بد من الحكم ببطلانه أو انه محكوم بالصحة إذا كان مطابقا للواجب الواقعي؟. وللمسألة صور: (الصور الاولى): ان يترك المكلف في موارد التقية العمل برمته فلا يأتي به على طبق التقية ولا على طبق الوظيفة الاولية كما إذا اقتضت التقية الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام والمكلف قد ترك الوقوف معهم في ذلك اليوم وفي اليوم التاسع حسب عقيدته، أو ان التقية اقتضت غسل رجليه ولكنه ترك غسلهما كما ترك مسحهما. فان استندنا في الحكم بصحة العمل المتقى به واجزائه عن المأمور به الاولى إلى السيرة العملية الجارية على الاكتفاء به في مقام الامتثال من لدن عصرهم إلى زماننا فلا كلام في الحكم ببطلان العمل وقتئذ حيث يكفي في بطلانه مخالفته للوظيفة الواقعية ومن الظاهر ان المخالف للواقع باطل لا يمكن الاكتفاء به في مقام الامتثال اللهم إلا ان يدل عليه دليل. والدليل على اجزاء العمل المخالف للواقع في موارد التقية انما هو السيرة وهي انما تحققت فيما إذا كان العمل المخالف للواقع موافقا لمذهب العامة بأن يؤتى به متابعة لهم وأما ما كان مخالفا للواقع ولم يكن موافقا مع العامة وعلى طبق مذهبهم فلم تقم أية سيرة على صحته وكونه مجزءا عن الوظيفة الواقعية فلا مناص وقتئذ من الحكم بالبطلان. وأما إذا استندنا في الحكم بصحة العمل المتقى به وإجزائه إلى الادلة

[ 322 ]

اللفظية كقوله (ع) ما صنعتم من شي ء. (* 1) أو غيره من الروايات المتقدمة كمال صنعه شيخنا الانصاري (قده). فان استفدنا من الامر بالتقية في ذلك المورد أو من غيره انقلاب الوظيفة الواقعية وتبدلها إلى ما يراه العامة وظيفة حينئذ فأيضا لابد من الحكم بالبطلان لعدم مطابقة العمل المأتي به لما هو الوظيفة في ذلك الحال. وهذا كما في غسل الرجلين بدلا عن المسح حال التقية أو الغسل منكوسا بدلا عن الغسل من الاعلى إلى الاسفل فان ظاهر الامر بهما أن الوظيفة حال التقية في الوضوء انما هو الوضوء بغسل الرجلين أو الغسل منكوسا ولا يجب عليه المسح أو الغسل من الاعلى إلى الاسفل. وكذا الحال في مسح الخفين بناء على الاعتماد على رواية أبي الورد لدلالتها على الرخصة في مسح الخفين عند التقية وقد ذكرنا ان الرخصة في مثله لا يحتمل غير الترخيص الغيري وعدم كون ذلك العمل مانعا عن الوضوء بل هو جزء أو شرط له. ففي هذه الموارد إذا أتى بالوضوء ولم يأت بغسل الرجلين أو بمسح الخفين أو بالغسل منكوسا فلا محالة يحكم ببطلانه لمخالفة الوضوء كذلك للوضوء الواجب حينئذ وذلك لما استفدناه من الادلة من التبدل والانقلاب بحسب الوظيفة الواقعية. وأما إذا لم تستفد من الدليل انقلاب الوظيفة الواقعية وتبدلها إلى العمل المطابق للعامة بل انما علمنا بوجوب التقية فحسب بمقتضى الادلة المتقدمة كما هو الحال في الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجة الحرام فلا يبعد حينئذ الحكم بصحة العمل لان مقتضى الادلة اللفظية سقوط الجزئية والشرطية والمانعية في ذلك الحال وعدم كون الفعل مقيدا بما اقتضت التقية


(* 1) المتقدمة في ص 278

[ 323 ]

تركه أو فعله. ومعه لا وجه لبطلان العمل إذ الحج - مثلا - في حقه غير مقيد بالوقوف يوم التاسع لاضطراره إلى تركه التقية فإذا أتى به وترك الوقوف يوم التاسع فقد أتى بما وجب عليه في ذلك وهو الحج من دون اعتبار الوقوف فيه يوم التاسع وغاية الامر أنه عصى وارتكب الحرام لعدم عمله بالتقية بالوقوف يوم الثامن اظهارا للموافقة معهم إلا ان عصيانه من تلك الجهة غير موجب لبطلان حجه بوجه بعدما فرضناه من مطابقته لما هو الواجب عليه حينئذ. ودعوى أن حجه عند اضطراره إلى اظهار الموافقة معهم قد قيد بالوقوف معهم يوم الثامن وبما أنه لم يأت بالوقوف في ذلك اليوم كما لم يأت به بعده فلا محالة يقع عمله باطلا لعدم اشتماله لما هو المعتبر حينئذ من الوقوف يوم الثامن - مثلا -. مندفعة: بأن غاية ما يستفاد من الادلة الآمرة بالتقية وانه لا دين لمن لا تقية له أو لا ايمان له وأمثال ذلك أن التقية واظهار الموافقة معهم واجبة وان تركها أمر غير مشروع. وأما ان عمله مقيد ومشروط بما يراه العامة شرطا أو جزءا للعمل فهو مما لم يقم عليه دليل وعلى الجملة مقتضى سقوط الجزئية والشرطية والمانعية انما هو الحكم بصحة العمل عند ما ترك المكلف قيده وشرطه رأسا ولم يأت به على نحو يوافق مذهب العامة ولا على نحو تقتضيه الوظيفة الواقعية. (الصورة الثانية): ما إذا ترك المكلف العمل على طبق مذهبهم وأتى به على طبق الوظيفة الواقعية فيما تقتضي التقية اظهار الموافقة معهم وهذا قد يتصور في المعاملات

[ 324 ]

بالمعنى الاعم أو بالمعني الاخص وقد يتصور في العبادات: أما ترك العمل بالتقية في المعاملات والاتيان بها حسبما يقتضيه الحكم الواقعي كما إذا فرضنا ان التقية اقتضت الطلاق من غير شهادة العدلين والمكلف قد ترك التقية وطلق زوجته عند العدلين وشهادتهما. فلا ينبغي الاشكال في وقوع المعاملات صحيحة عندئذ لان ترك التقية وان كان محرما كما عرفت إلا ان النهي في المعاملات لا بعنوانها بل بعنوان آخر لا دلالة له على الفساد وحيث ان المعاملة مشتملة على جميع القيود والشروط فلا محالة تقع المعاملة صحيحة وان كان المكلف قد ارتكب معصية كما عرفت. وأما في العبادات فترك العمل فيها على طبق التقية واتيانه على طبق الوظيفة الواقعية يتصور على وجهين: وذلك لان التقية قد تقتضي فعل شئ إلا ان المكلف يتركه ويخالف فيه التقية وأخرى ينعكس الامر فتقتضي التقية ترك الاتيان بشئ في مورد والمكلف يخالف التقية ويأتى به. أما إذا اقتضت التقية فعل شئ وخالفها المكلف بترك ذاك العمل فالصحيح صحة عباداته مطلقا سواء أكان فعله جزءا من العبادة على مذهبهم كقول آمين بعد القراءة أم كان شرطا للعبادة كما في التكفير بوضع احدى اليدين على الاخرى أو لا هذا ولا ذاك بل كان امرا مستحبا عندهم غير ان التقية اقتضت اظهار الموافقة معم في الاتيان بالمستحب كصلاة الجماعة معهم فإذا ترك التأمين والتكفير ولم يصل معهم وهو في المسجد. فالظاهر صحة عمله لموافقته للوظيفية الواقعية وغاية الامر انه ارتكب الحرام بتركه التقية إلا ان ارتكاب المحرم في الصلاة غير مضر بصحتها بعد ما فرضنا كونها مطابقة للمأمور به الواقعي. والسر في ذلك ان الادلة الامرة بالتقية كقوله (ع) لا دين لمن لا تقية له أو لا ايمان له ونحوهما مما قدمنا نقله (* 1) انما تدلنا على أن


(* 1) في ص 246 و 255

[ 325 ]

التقية من الدين وتركها أمر غير مشروع وأما ان القيود المعتبرة عند العامة أيضا معتبرة في العمل تقية فلا دلالة على ذلك كما مر. وأما إذا كانت التقية في الترك وخالفها المكلف باتيان ذلك الفعل وهو وهو مطابق للوظيفة المقررة بحسب الواقع فله صورتان: (إحداهما): ما إذا كان العمل المأتي به في العبادة - على خلاف التقية - خارجا عن العبادة ولم يكن من قيودها وشرائطها، كما إذا اقتضت التقية ترك القنوت إلا ان المكلف قد أتى به وترك التقية بتركه. ولا مانع في هذه الصورة من الحكم بصحة العبادة لان العمل المأتي به وان كان محرما على الفرض وقد وجب عليه ان يتركه للتقية غير ان العمل المحرم الخارج عن حقيقة العبادة غير مضر للعبادة بوجه. اللهم إلا ان نقول بما احتمله شيخنا الاستأذ (قده) بل بنى عليه من ان الذكر المحرم من كلام الآدميين وهو مبطل للصلاة ولكنا أجبنا عنه في محله بأن حرمة الذكر لا يخرج الذكر عن حقيقته ولا تبدله إلى حقيقة أخرى بل هو ذكر محرم لا أنه حقيقة ثانوية أخرى والمبطل انما هو كلام الآدميين دون الذكر كما لا يخفى. و (ثانيتهما): ما إذا كان العمل المأتي به على خلاف التقية من أجزاء العبادة أو شرائطها كما إذا اقتضت التقية ترك السجدة على التربة الحسينية على مشرفها آلاف التحية والسلام. والمكلف قد خالف التقية وسجد على التربة فحينئذ ان اقتصر على ذلك ولم يأت بسجدة أخرى موافقة للتقية فلا ينبغي التأمل في بطلان عبادته. لان السجدة على التربة - لاجل كونها على خلاف التقية - محرمة على الفرض، والمحرم لا يعقل أن يكون مصداقا للواجب، وحيث أنه قد

[ 326 ]

اقتصر عليها ولم يأت بسجدة اخرى موافقة للتقية فقد ترك جزءا من صلاته ومعه تقع الصلاة فاسدة لا محالة. وأما إذا لم يقتصر على ذلك العمل المحرم بل أتى به ثانيا مطابقا للتقية فهو أيضا على قسمين. لان ما اتى به من العمل المحرم في الصلاة قد تكون من الافعال التي زيادتها مانعة عن صحة الصلاة كما في زيادة السجدة على ما استفدناه من من النهي عن قراءة العزائم في الصلاة معللا بأن السجدة الواجبة لاجلها زيادة في المكتوبة فأيضا لابد من الحكم ببطلان العبادة. لان الصلاة وقتئذ وان كانت مشتملة على جزئها وهو السجدة على غير التربة. إلا ان اشتمالها على سجدة أخرى محرمة وهي السجدة على التربة الحسينية - مثلا - في حال التقية يوجب الحكم ببطلانها لان السجدة زيادة في الفريضة كما عرفت. وقد لا تكون من الافعال التي تبطل الصلاة بزيادتها وهذا أيضا على قسمين: لان العبادة ان كانت مما يبطل بمطلق الزيادة فيها كالصلاة أيضا لابد من الحكم بالبطلان لانها وان كان مشتملة على جزئها غير أن تكراره زيادة والزيادة في الصلاة موجبة لبطلانها وان كانت نفس الزيادة غير معدودة من الزيادة في الفريضة. وان لم تكن مما يبطل بمطلق الزيادة كما في غير الصلاة، ولم يكن العمل المتكرر مما تمنع زيادته عن صحة العبادة كما في غير السجدة حكم بصحة العمل والعبادة لمكان اشتمالها على ما هو جزئها اعني الفعل المأتي به ثانيا حسبما تقتضيه التقية في ذلك الحال وان كان المكلف قد ارتكب محرما بالاتيان بالعمل المخالف للتقية.

[ 327 ]

[ (مسألة 38): لا فرق في جواز المسح على الحائل في حال الضرورة بين الوضوء الواجب والمندوب (1). (مسألة 39): إذا اعتقد التقية أو تحقق إحدى الضرورات الاخر فمسح على الحائل، ثم بان أنه لم يكن موضع تقية أو ضرورة ففي صحة وضوئه اشكال (2). ] الا انك قد عرفت ان حرمة ذلك العمل غير مضرة بصحة العبادة هذا تمام الكلام في التقية وقد اتضح بذلك الحال في جملة من الفروع المذكورة في المتن فلا نتعرض لها ثانيا وبقيت جملة أخرى نتعرض لها في التعليقات الآتية ان شاء الله تعالى. لا فرق في التقية بين الواجب والمندوب: (1) لا طلاق الادلة الدالة على كفاية العمل المأتى به تقية عن المأمور به الواقعي كغسل الرجلين في الوضوء عند التقية أو الغسل منكوسا لانها تعم كلا من الوضوء الواجب والمستحب وكذا ما دل على جواز مسح الخفين بناء على اعتبار رواية أبي الورد وكذلك الاخبار الآمرة بالصلاة معهم وفي مساجدهم وعلى الجملة ان أدلة التقية في كل مورد من مواردها باطلاقها يقتضي عدم الفرق بين كون العمل المتقى به واجبا وكونه مستحبا في نفسه. إذا اعتقد التقية ثم انكشف الخلاف. (2) الامر كما أفاده (قده) والوجه في ذلك ان الماتن لم يرد من من هذه المسألة ما إذا احتمل المكلف الضرر في الاتيان بالوظيفة الواقعية

[ 328 ]

وتحقق فيه الخوف من تلك الناحية ثم انكشف انه لم يكن أي ضرر في الاتيان بالمأمور به الاولى وذلك لان الحكم بالبطلان أو الاستشكال في صحة العمل حينئذ بلا وجه: لما تقدم من أن صحة التقية في العبادات غير متوقفة على احتمال الضرر عند الترك فان التقية انما شرعت فيها لمحض المجاملة والمداراة مع العامة سواء كان في تركها ضرر على المكلف أم لم يكن بأن علمنا ان الاتيان بالوظيفة الواقعية غير موجب الضرر بوجه فاحتمال الضرر وعدمه مما لا أثر له في العبادات، وأما في غيرها فوجوب التقية أو جوازها انما يدور مدار احتمال الضرر احتمالا عقلائيا فالخوف وقتئذ تمام الموضوع لوجوب التقية أو جوازها ولا يعتبر في ذلك أن يكون في ترك التقية ضررا واقعا لان الخوف أعم فقد يكون في الواقع أيضا ضرر وقد لا يكون فلا وجه للاستشكال في صحة العمل عند انكشاف عدم ترتب الضرر على ترك التقية وذلك لان موضوعها انما هو الخوف وقد فرضنا انه كان متحققا بالوجدان. فمراد الماتن (قده) من قوله إذا اعتقد التقية أو تحقيق إحدى الضرورات الاخر. حسبما فهمناه من ظاهر عبارته: أن يعتقد المكلف ان الموضوع للتقية أو لسائر الضرورات قد تحقق في حقه، ولم يكن لها موضوع واقعا. كما إذا اعتقد ان أهل البلد الذي نزل فيه من العامة أو ان الجماعة الحاضرة عنده من المخالفين أو كان أعمى فتخيل ان العامة حاضرون في المسجد عنده فاتقى في وضوئه أو في صلاته ولم يكن الامر كما زعمه واقعا ولم يكن أهل البلد أو الجماعة الحاضرون عنده من العامة أو لم يكونوا حاضرين عنده في المسجد أصلا.

[ 329 ]

واعتقد أن ما يراه من بعيد سبع فمسح على خفيه لان مسحه على رجليه يتوقف إلى زمان يخاف من وصول السبع إليه في ذلك الزمان - بناء على تمامية رواية أبي الورد لتعدى الفقهاء قدس الله أسرارهم من العدو فيها إلى كل ما يخاف منه كالسبع ونحوه - واعتقد أن الرجل القادم عدوه فاتقى منه ومسح على خفيه ثم ظهر ان السبع صورة مجسمة والرجل صديقه فلا موضوع للتقية واقعا. والظاهر في تلك الصورة بطلان وضوئه وصلاته وذلك لان مدرك صحة العمل المأتي به تقية وإجزائه عن المأمور به الواقعي انما هو السيرة العملية كما مر ومن المعلوم انها انما كانت متحققة عند اتيان العمل على طبق مسلك العامة عند وجودهم وحضورهم عنده وأما العمل طبق مذهبهم من دون أن يكون عندهم ولا بمحضرهم فلا سيرة عملية تقتضي الاجزاء والحكم بصحته. وكذلك الحال فيما إذا اعتمدنا على رواية أبي الورد، حيث انها قيدت الحكم بالمسح على الخفين بما إذا كان هناك عدو تتقيه فوجود العدو مما لابد منه في الامر بالمسح على الخفين ومع فرض صداقة الرجل القادم لا موضوع للحكم بالتقية وإجزائها وعلى الجملة المكلف إذا اعتقد وجود موضوع التقية - سواء خاف أم لم يخف - ولم يكن هناك موضوع واقعا فالظاهر بطلان عمله وهذا هو الذي اراده الماتن من عبارته فلاحظ.

[ 330 ]

[ (مسألة 40): إذا أمكنت التقية بغسل الرجل فالاحوط تعينه (1) وان كان الاقوى جواز المسح على الحائل أيضا. ] دوران الامر بين الغسل والمسح: (1) إذا دار امر المكلف بين التقية بغسل رجليه والتقية بالمسح على الخفين قدم الاول على الثاني لا محالة وهذا لا لاجل الوجوه الاعتبارية والاستحسانية التي عمدتها ما ذكره الشهيد (قده) من ان غسل الرجلين أقرب إلى المأمور به من مسح الخفين نظرا إلى أن في غسلهما بتحقق مسح البشرة بالرطوبة لا محالة وان كانت الرطوبة رطوبة خارجية وهذا بخلاف المسح على الخفين لعدم تحقق المسح على البشرة وقتئذ بوجه لا برطوبة الوضوء ولا بالرطوبة الخارجية ومن الظاهر ان المسح بالرطوبة الخارجية أقرب إلى المأمور به أعني مسح الرجلين برطوبة الوضوء. وذلك لعدم إمكان الاعتماد على الوجوه الاعتبارية بوجه ومن الواضح أن مسح البشرة بالرطوبة الخارجية غير معدود بالنظر العرفي ميسورا للمسح على البشرة برطوبة الوضوء. بل الوجه في تقديم الغسل على مسح الخفين هو أنه إذا قلنا بعدم جريان التقية في المسح على الخفين على ما نطقت به الروايات فلا اشكال في أن المتعين هو الغسل وإذا قلنا بجريانها في مسح الخفين أيضا بحمل الروايات على أن عدم التقية فيه من خصائصهم (ع) حسبما فهمه زرارة أيضا تعين عليه الغسل: وذلك لان الغسل مما ورد به الامر بالخصوص ولم يرد أمر بمسح الخفين إلا في رواية أبي الورد وقد عرفت انها ضعيفة السند وغير قابلة

[ 331 ]

[ (مسألة 41): إذا زال السبب المسوغ للمسح على الحائل من تقية أو ضرورة، فان كان بعد الوضوء فالاقوى عدم وجوب اعادته (1) وإن كان قبل الصلاة إلا إذا كانت بلة اليد باقية فيجب اعادة المسح وان كان في اثناء الوضوء فالاقوى الاعادة إذا لم تبق البلة. ] للاعتماد عليها وظاهر الامر بغسل الرجلين هو التعين وعدم كفاية غيره عنه في موارد التقية، فمقتضى الاصل اللفظي أعني ظهور الامر في التعيين وجوب تقديم الغسل على مسح الخفين، كما ان غسلهما موافق للاحتياط. لان المورد من موارد دوران الامر بين التعيين والتخيير، حيث لا نحتمل وجوب المسح على الخفين تعيينا بخلاف غسل الرجلين والاحتياط حينئذ انما هو باختيار ما يحتمل فيه التعين هذا كله فيما إذا دار الامر بينهما واما إذا لم يتمكن إلا من المسح على الخفين فلا شك في تعينه وهذا ظاهر. زوال السبب المسوغ للتقية: (1) إذا زال السبب المسوغ للمسح على الحائل في أثناء الوضوء أعني ما قبل المسح على الخفين أو غسل الرجلين فلا اشكال في عدم جواز التقية بالمسح على الخفين أو بغسل الرجلين حيث لا موجب للتقية عند المسح على الفرض فيجب عليه الاتيان بالمأمور به الاولى بأن يمسح على رجليه. وإذا زال السبب وارتفعت التقية بعد المسح أو الغسل فان كانت البلة موجودة ولم تكن الموالات فائتة وجب عليه المسح على رجليه لانه اتمام للوضوء الواجب وقد فرضنا أنه لا مانع من اتمامه لارتفاع التقية. ولا دليل على عدم وجوب اتمام الوظيفة الاولية فيما إذا لم يكن في البين ما يمنع عن الاتمام، لان ما دل على أجزاء التقية وصحتها انما ينفي

[ 332 ]

[ (مسألة 42): إذا عمل في مقام التقية بخلاف مذهب من يتقيه (1) ففي صحة وضوئه اشكال، وان كانت التقية ترتفع به، كما إذا كان مذهبه ] وجوب الاعادة أو القضاء ولا دلالة في شئ منها على عدم وجوب اكمال العمل واتمامه. نعم إذا فرضنا ان البلة غير باقية أو الموالات مرتفعة بحيث احتاج تحصيل الوظيفة الاولية إلى الاعادة لم تجب عليه الاعادة حسبما دلتنا عليه الادلة المتقدمة من أن التقية مجزءة ولا تجب معها الاعادة أو القضاء. إذا عمل بخلاف مذهب من يتقيه: (1) كما إذا كان من يتقيه من الحنفية إلا انه أتى بالعمل على طبق الحنابلة أو المالكية أو الشافعية لا اشكال في ذلك بحسب الحكم التكليفي من الوجوب أو الجواز لان التقية بمعنى الصيانة عن الضرر وتتادى ذلك باظهار الموافقة مع الحنابلة مثلا وان كان من يتقيه من الحنفية - مثلا - وانما الكلام في صحة ذلك واجزائه، والظاهر ان العمل وقتئذ صحيح ومجزء عن المأمور به الاولى. وذلك لان المستفاد من الاخبار الواردة في التقية انها انما شرعت لاجل ان تختفي الشيعة عن المخالفين والا يشتهروا بالتشيع وبالرفض ولاجل المداراة والمجاملة معهم ومن البين ان المكلف إذا أظهر مذهب الحنابلة عند الحنفي - مثلا - أو بالعكس حصل بذلك التخفي وعدم الاشتهار بالرفض والتشيع وتحققت المداواة والمجاملة معهم فإذا صلى في مسجد الحنفية مطابقا لمذهب الحنابلة صدق أنه صلى في مساجدهم أو معهم. والسر في ذلك ان الواجب انما هو التقية من العامة والمجاملة والمداراة

[ 333 ]

[ وجوب المسح على الحائل دون غسل الرجلين فغسلهما، أو بالعكس، كما أنه لو ترك المسح والغسل بالمرة بطل وضوئه (1) وان ارتفعت التقية به أيضا، ] معهم ولم يرد في شئ من الادلة المتقدمة وجوب اتباع أصنافهم المختلفة ولا دليل على وجوب اتباع من يتقي منه في مذهبه وانما اللازم هو المداراة والمجاملة مع العامة واخفاء التشيع عندهم. وهذا يتأتى باتيان العمل على طبق الحنابلة عند كون الحاضر الذى اتقى منه حنيفا - مثلا - أو بالعكس فان الاصناف الاربعة لا يخطى كل منهم الآخر ولا يعترضون ولا ينكرون مذهبه بل ربما يقتدي بعضهم ببعض هذا. على أن التقية باتيان العمل على طبق المذهب الآخر أعنى غير مذهب المتقى منه قد يكون مطابقا للتقية وذلك كما إذا كان المتقى من بلد معروف أهله بالشافعية وقد ورد بلدا آخرا وهم الحنابلة - مثلا - فانه ان اتقي حينئذ باتيان العمل على مذهب الحنابلة ربما يعرف أنه ليس من الحنابلة لانه موجوب لالفات نظرهم إليه حيث انه من بلدة فلانية وهم من الشافعية - مثلا - وهو يعمل على مذهب الحنابلة فبذلك يتضح أنه اظهر التسنن معهم وهو رافضي. وهذا بخلاف ما إذا أتى بالعمل على طبق الشافعية لانهم يحملون ذلك على أنه من البلدة الفلانية وهم من الشافعية فلا يقع موردا للاعجاب والتحقيق حتى يتفحص ويظهر تشيعه عندهم. (1) قد أسلفنا الكلام على ذلك في الجهة الحادية عشرة مفصلا وهو الصورة الاولى من صور ترك العمل بالتقية فلاحظ

[ 334 ]

[ (مسألة 43): يجوز في كل من الغسلات أن يصب على العضو عشر غرفات بقصد غسلة واحدة، فالمناط تعدد الغسل المستحب ثانيه والحرام ثالثه، ليس تعدد الصب بل تعدد الغسل مع القصد (1). ] جواز الصب متعددا في كل غسلة: (1) بمعنى أن ما سردناه من أن الغسل مرة واحدة هو الواجب في الوضوء ويستحب مرتين والغسل الثالث وما زاد بدعة انما هو في الغسل فحسب وأما الصب فهو خارج عن الغسل وله صب الماء كيفما شاء ولو عشرات مرات. وتوضيح هذه المسألة ان المكلف قد يعتبر وجهه أو يديه ذا جهات فيصب صبة على موضع منهما قاصدا بذلك غسل جهة من تلك الجهات ويصب صبة ثانية بقصد غسل الجهة الثانية وهكذا إلى خمس جهات أو اكثر وهذا مما لا ينبغي الاشكال في صحته لان مجموع الصبات والغسلات محقق للغسل الواحد المعتبر في الوضوء ولا بعد كل صية غسلة واحدة مستقلة. الا ان هذه الصورة خارجة عن محط نظر الماتن (قده) لان نظره إلى صورة تعدد الصب والغسل: وقد يعتبر مجموع وجهه أو مجموع اليدين شيئا واحدا فيصب الماء على المجموع صبة أو صبتين أو صبات متعددة وبما أن الغسل ليس من الامور المتوقفة على القصد لانه بمعنى مرور الماء على المغسول سواء قصد به الغسل أم لم يقصد فيصدق أنه غسل وجهه مرة أو مرتين أو مرات حسب تعدد الصبات.

[ 335 ]

[ (مسألة 44): يجب الابتداء في الغسل بالاعلى، لكن لا يجب الصب على الاعلى، فلو صب على الاسفل وغسل من الاعلى باعانة اليد صح (1). ] نعم ليس مطلق الغسل وطبيعه الغير المتوقف على القصد ليس من الغسل المعتبر في الوضوء فان الغسل الوضوئي موقوف على قصد كونه وضوئيا إذا له أن يصب الماء عشر مرات ولا يقصد بها الغسل المعتبر في الوضوء بل يقصده في الصبة الاخيرة فقد أتى وقتئذ غسلا واحدا من غسلات الوضوء والصبات والغسلات المتحققتان قبل الصبة الاخيرة خارجتان عن الغسل المعتبر في الوضوء فلا يكون تعددهما مخلا له. نعم إذا قصد الغسل المعتبر في الوضوء في كل واحد من الصبات تحققت بذلك غسلات متعددة والثالثة وما زاد منها بدعة محرمة. وجوب الابتداء في الغسل بالاعلى: (1) امرار اليد من الاعلى إلى الاسفل ليس من حقيقه الغسل لا في شي ء من لغة العرب ولا في غيرها لضرروة ان قطرة من الماء إذا وقعت على أي موضع من البدن أو غيره فأمررنا عليها اليد مرتين - مثلا - لم يصدق أنا غسلناه مرتين. بل الغسل عبارة عن مرور الماء على الوجه أو اليد أو غيرهما من المواضع فإذا صب الماء على الاسفل فهو غسل حقيقة إلا انه غير معتبر في الوضوء للزوم كون الغسل من الاعلى إلى الاسفل دون العكس. فلو بقي شئ من الماء في يده حين وصولها أي اليد إلى الاعلى فأمر يده بالماء من أعلى الوجه إلى الذقن صدق عنوان الغسل عليه إلا ان الاجتزاء به

[ 336 ]

[ (مسألة 45): الاسراف في ماء الوضوء مكروه (1) ] يبتني على كفاية مطلق الغسل في مقام الامتثال على أنه من الندرة بمكان لعدم بقاء الماء بحسب العادة في اليد بعد صبه من الاسفل حين وصولها إلى الاعلى. وأما بناء على ما قدمناه من عدم كفاية الغسل بحسب البقاء في موارد الامر بالغسل كالوضوء والغسل ووجوب إحداث الغسل وايجاده فيشكل الحكم بصحة الوضوء في مفروض المسألة لان الغسل قد تحقق من صب الماء من الاسفل وهو غسل حادث إلا أنه غير معتبر لمكان أنه من الاسفل إلى الاعلى فالغسل المعتبر والمأمور به الما هو امرار اليد بالماء من الاعلى إلى الاسفل ولكنه غسل بحسب دون الحدوث وقد بنينا على عدم كفاية الغسل بجسب البفاء ولزوم الغسل حدثا وعليه فلا مناص من أن يصب الماء من أعلى الوجه كما في الاخبار الواردة في الوضوءات البيانية ليتحقق الغسل الحادث من الاعلى إلى الاسفل. كراهة الاسراف في ماء الوضوء: (1) الحكم بكراهة الاسراف في ماء الوضوء يبتني على القول بالتسامح في أدلة السنن ثم التعدي من المستحبات إلى المكروهات. والوجه في ذلك: ان الرواية المستدل بها على ذلك في المقام هي ما رواه الكلينين (قده) عن علي بن محمد وغيره عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون (بالتخفيف أو التشديد) عن حماد بن عيسى عن حريز عن أبى عبد الله عليه السلام قال: ان لله ملكا يكتب سرف

[ 337 ]

[ لكن الاسباغ مستحب (1) وقد مر أنه يستحب أن يكون ماء الوضوء بمقدار مد (2) والظاهر ان ذلك لتمام ما يصرف فيه من أفعاله ومقدماته من المضمضة، والاستنشاق وغسل اليدين: ] الوضوء كما يكتب عدوانه (* 1) ومحمد بن الحسن بن شمون ضعيف ضعفه النجاشي صريحا وكذا سهل بن زياد فانه أيضا ضعيف فلاحظ. الاسباغ مستحب: (2) كما ورد في عدة من الروايات فيها الصحاح وغيرها (* 2). تحديد ماء الوضوء بالمد: (2) كما في صحيحة زرارة عن أبى جعفر (ع) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بمد ويغتسل بصاع، والمد رطل ونصف والصاع ستة أرطال (3) وصحيحة أبى بصير ومحمد بن مسلم عن أبى جعفر (ع) أنهما سمعاه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغتسل بصاع من ماء ويتوضأ بمد من ماء (* 4) ومفهوم المد وان لم يمكن تحقيقه على وجه دقيق إلا أن شيخنا البهائي (قده) على ما يحكى عنه في الحبل المتين ذكر ان المد ربع المن


(* 1) المروية في ب 52 من ابواب الوضوء من الوسائل (* 2) راجع ب 54 من ابواب الوضوء من الوسائل (* 3) و (* 4) المرويتان في ب 50 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 338 ]

التبريزي الصغير - على وجه التقريب - وهو ستمائة وأربعون مثقالا، وعليه يكون المد مائة وخمسون مثقالا - تقريبا - والوجه في كون ذلك على وجه التقريب ان المد ربع الصاع، والصاع ستة أرطال بالرطل المدني وتسعة بالعراقي. فالمد رطل ونصف. وكل رطل مائة مثقال مع شئ زائد، إذ الصاع - الذي هو ستة أرطال - ستمائة وأربعة عشر مثقالا وربع مثقال. فيكون الرطل والنصف - الذي هو المد - عبارة عن مائة وخمسين مثقالا وثلاثة مثاقيل ونصف مثقال وحمصة ونصف. وهو قريب من ربع المن التبريزي أعني مائة وخمسين مثقالا كما ذكره شيخنا البهائي (قده). إلا أن استحباب كون الوضوء بهذا المقدار من الماء لا توافقه الروايات الواردة في الوضوءات البيانية، لمكان اشتمالها على أنه صلى الله عليه وآله أخذ كفا من الماء واسد له على وجهه وأخذ كفا ثانيا فغسل به يده اليمنى ثم غرف غرفة ثالثة فغسل بها يده اليسرى، ومن الظاهر ان ثلاث غرف لا يبلغ ربع المن التبريزي الذي هو المد. وعليه لابد من الجمع بين الاخبار الواردة في استحباب كون الوضوء بمد من الماء والاخبار الواردة في الوضوءات البيانية بحمل الثانية على ورودها لبيان الامور المعتبرة في الوضوء على وجه الوجوب ولم تشتمل من المستحبات الا على شئ قليل، إذا الغرض منها تعريضهم (ع) للمخالفين، حيث نسبوا إليه صلى الله عليه وآله أنه غسل منكوسا وغسل الرجلين عوضا عن مسحهما فثلاث غرفات من جهة ما يحصل به المقدار الواجب من الغسل في الوضوء. وتحمل الاولى على بيان المقدار المستحب في الوضوء مشتملا على جميع مستحباته لان الماء المصروف في الوضوء المراعى فيه تمام المستحبات لا يقل عن ربع المن التبريزي بكثير.

[ 339 ]

لانه يستحب فيه غسل اليدين مرة من حدث البول ومرتين من حدث الغائط فهذا كف أو كفان ويستحب غسل الوجه مرتين وهما كفان فهذه ثلاثة اكف أو اربعة. ويستحب الغسل في كل من اليدين مرتين وهو يستلزم الماء كفين لعدم كون اليد مسطحة كالوجه حتى يكتفي فيها بكفه واحدة في غسلها على وجه الاسباغ، اللهم الا ان يواصل الماء إلى تمام أجزاء يده بامراره اليد وهو ينافي الاسباغ المستحب وعليه لابد من صب كف من الماء على ظاهرها وصب كف أخرى على باطنها ليتحقق بذلك الاسباغ وهذه أربعة اكف ومع ضم الثلاثة المتقدمة إليها ليبلغ سبعة. ويستحب المضمضة والاستنشاق ثلاث مرات وهي ستة والمجموع تبلغ ثلاثة عشرة أو أربعة عشرة كفا وهو قريب من المد وربع المن التبريزي. ومعه لا حاجة إلى ادخال الاستنجاء أيضا في الوضوء كما عن بعضهم وحمل أخبار المد على الوضوء مع الاستنجاء لوضوح أنه أمر آخر لا موجب لادارجه في الوضوء بعد كون الماء المصروف فيه بجميع مستحباته بالغا حد المد كما عرفت. وقد ورد في الفقيه أنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله الوضوء مد والغسل صاع، وسيأتي أقوام بعدي يستقلون ذلك فأولائك على خلاف سنتي والثابت على سنتي معي في حظيرة القدس (* 1) ويمكن الاستدلال بها على كراهة السرف في الوضوء وانه باكثر من مد - لاستقلال المد وعدم اعتقاده بكفايته للوسواس خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله


(* 1) المروية في ب 50 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 340 ]

[ (مسألة 46): يجوز الوضوء برمس الاعضاء كما مر، ويجوز برمس أحدها واتيان البقية على المتعارف (1) بل يجوز التبعيض في غسل عضو واحد مع مراعاة الشروط المتقدمة من البدءة بالاعلى وعدم كون المسح بماء جديد وغيرهما. ] غير ان الروية مرسلة، فيبتني الاستدلال بها أيضا على التسامح في أدلة السنن والحاق المكروهات بالمستحبات. جواز التوضؤ برمس بعض الاعضاء: (1) تقدمت مسألة الغسل الارتماسي في الوضوء برمس أعضائه في الماء وحكم الماتن (قده) بأنه لابد من نية الغسل حال اخراج الغضو من الماء وتقدم منا الاستشكال فيما سابقا وتعرض في هذه المسألة لما إذا غسل بعض أعضائه بالارتماس وغسل بعضها الآخر بالترتيب وصب الماء عليه وحكم بصحته وما افاده (قده) هو الصحيح والوجه فيه ان الآية المباركة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم (* 1) مطلقة ولم يرد عليها أي مقيد واطلاقها يقتضي جواز الاكتفاء في الغسل بالتبعيض كما ذكره في المتن. وأما ما ورد في بعض الروايات البيانية من أنه (ع) صب الماء على وجهه ويديه (* 2) فانما هو من جهة الغلبة إذا الغالب في الوضوء أن يكون بالصب والماء القليل.


(* 1) المائدة: 5: 6 (* 2) هذا مضمون عدة من روايات مشتملة على لفظة الصب أو ما هو بمعناه كاسدال الماء على الوجه أو اليد أو الذراع أو غيرهما المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 341 ]

[ (مسألة 47): يشكل صحة وضوء الوسواسي (1) إذا زاد في غسل اليسرى من اليدين في الماء، من لزوم المسح بالماء الجديد، في بعض الاوقات. بل ان قلنا بلزوم كون المسح ببلة الكف دون رطوبة سائر الاعضاء يجئ الاشكال في مبالغته في امرار اليد، لانه يوجب مزج رطوبة الكف برطوبة الذراع. (مسألة 48): في غير الوسواسي إذا بالغ في امرار يده على اليد اليسرى لزيادة اليقين لا بأس به ما دام يصدق عليه انه غسل ] الاشكال في وضوء الوسواسي: (1) لان الوسواسي بعد تحقق الغسل المعتبر في الوضوء يصب الماء على يديه وهو يستلزم أن يكون المسح بالماء بالجديد وقد عرفت لزوم كون المسح بالبلة الوضوئية الباقية في اليد وكذا يجئ الاشكال عند امرار يده من المرفق - بعد تمامية الغسل المعتبر - لاستلزامه امتزاج رطوبة الكف برطوبة المرفق والذراع وهو يمنع عن كون المسح ببلة اليد كما لعله ظاهر. ومن هنا الاولى للوسواسي - كما ابتلينا به برهة من الزمان - ان يتوضأ وضوئين بأن يتوضأ أولا وضوءا عاديا كما يصنعه غير الوسواسي - وان كان هذا باطلا حسب عقيدته - ثم يتوضأ ثانيا بما يراه وضوءا صحيحا حسب اعتقاده لئلا يلزم محذور كون المسح بلة الوضوء.

[ 342 ]

[ واحد (1) نعم بعد اليقين إذا صب عليها ماءا خارجيا يشكل (2) وان كان الغرض منه زيادة اليقين لعده في العرف غسلة اخرى، وإذا كان ] إذا بالغ غير الوسواسي في غسلة: (1) أي قبل حصول اليقين أو الاطمئنان أو قيام الامارة الشرعية على تحقق الغسل المعتبر في الوضوء. (2) لاستلزام ذلك أن يكون المسح بالماء الجديد، وكذا الكلام فيما إذا أمر يده بعد اليقين أو الاطمئنان بحصول الغسل المعتبر من طرف المرفق إلى طرف الاصابع لاستلزامه امتزاج رطوبة الكف برطوبة المرفق والذراع. الشك في تحقق الغسل: بقي الكلام فيما إذا شك المكلف في تحقق الغسل المعتبر في الوضوء وعدمه، لان مقتضى الاستصحاب وقاعدة الاشتغال وجوب صب الماء مرة ثانية أو امرار يده حتى يحصل اليقين بتحقق الغسل المعتبر في الوضوء وقد عرفت انه إذا صب على يده الماء ثانيا أو أمر يده على مرفقه لم يمكنه الجزم بأن المسح بالبلة الباقية. لاحتمال أن يكون المسح بالماء الجديد كاحتمال امتزاج البلة الموجودة في كفه ببلة الذراع والمرفق وذلك لاحتمال تحقق الغسل المعتبر في الوضوء - واقعا - ومعه يكون الماء الذي قد صبه بعد الشك والتردد من الماء الجديد أو تكون الرطوبة الموجودة في يده ممتزجة برطوبة المرفق والذراع

[ 343 ]

فلا يمكنه احراز ان البلة الوضوء. والاصلان انما يقتضيان وجوب الصب وعدم تحقق الغسل المعتبر في الوضوء وأما ان البلة بلة الوضوء فلا يمكن احرازها بشئ منهما فهل تجب عليه اعادة الوضوء ثانيا، أو لا مانع من أن يصب الماء بعد الشك والتردد في تحقق الغسل المعتبر أو يمر يده من المرفق إلى أصابعه؟ قد يقال: ان الحكم ببطلان الوضوء عند صب الماء بعد الشك أو امرار اليد من المرفق يستلزم الهرج والمرج إذ قلما ينفك المتوضئ عن هذا الابتلاء أعني الشك في تحقق الغسل المعتبر - في الجملة -. والظاهر أنه لا مانع من الاحتياط فيه في نفسه بأن يصب الماء على يده عند الشك في تحقق الغسل المعتبر أو يمر بيده من المرفق، فلا حاجة معه إلى التمسك بلزوم الهرج والمرج وذلك لوجهين: " أحدهما ": ان مقتضى الاخبار الواردة في المقام ان المسح لابد من أن يكون بالبلة الباقية في الكف بعد تمامية الغسل المأمور به في الوضوء والاستصحاب يقتضي أن يكون غسلها عند الشك مأمورا به - ظاهرا - ومعه يكون البلة الموجودة في الكف بلة باقية بعد تمامية الغسل المأمور به لانه لا فرق بين الغسل المأمور به الواقعي والغسل المأمور به بحسب الظاهر. و " ثانيهما ": نفس الاخبار الواردة في الشك في الاتيان ببعض الافعال المعتبرة في الوضوء قبل اتمامه لدلالتها على وجوب الاتيان بما يشك في الاتيان به وما بعده من الاجزاء والشرائط ثانيا ومع الامر بتلك الافعال لا تكون الرطوبة الباقية في الكف رطوبة خارجية جديدة فلا تضر بصحة المسح والوضوء لاستنادها إلى الغسل المعتبر في الوضوء.

[ 344 ]

[ غسله لليسرى باجراء الماء من الابريق - مثلا - وزاد على مقدار الحاجة (1) مع الاتصال لا يضر ما دام يعد غسلة واحدة. ] صب الماء زائدا على مقدار الحاجة: (1) الزيادة على مقدار الحاجة من صب الماء من الابريق أو الحنفيات المتعارفة اليوم قد تكون قليلة ومما لابد منها في استعمال مقدار الحاجة من الماء وهي غير قادحة في صحة الوضوء ابدا لفلتها بل ومما لابد منه في الاستعمال لان صب الماء على اليد بمقدار لا يزيد عن مقدار الحاجة ولا ينقص منه بشئ أمر فلا مناص من صبه الماء وان زاد على مقدار الحاجة بشئ يسير. وأخرى تكون الزيادة كثيرة ومما لا يتسامح به كما إذا فرضنا أن الصب من الابريق أو الحنيفة دقيقة واحدة يكفي في مقدار الحاجة من الماء وبه يمكن غسل اليد بتمامها إلا أنه صبه ساعتين أو اوقف يده تحت الحنفية كذلك وهذه الزيادة قادحة في صحة المسح والوضوء لا محالة. وهذا لا لان الغسلة متعددة بل مع تسليم وحدتها - لان الاتصال مساوق للوحدة، وهي غسلة واحدة طالت أم قصرت - لا يمكن الحكم بعدم قدحها إذا المدار على تعدد غسلة الوضوء ووحدتها لا على تعدد طبيعي الغسلة وتعددها، والغسلة المطلقة وان لم تتعدد سواء طال؟ صب الماء على العضو أم قصر إلا ان غسلة الوضوء متعددة لا محالة. وذلك لان غسلة الوضوء عبارة عن اجراء الماء على العضو بمقدار يتحقق به غسلة ولنفرض حصولها بصب الماء دقيقتين وما زاد عليها تعد غسلة وضوئية زائدة وهو نظير الغسل تحت الحنفية أو بالارتماس في الماء

[ 345 ]

[ (مسألة 49): يكفي في مسح الرجلين المسح بواحدة من الاصابع الخمس إلى الكعبين أيها كانت حتى الخنصر منها (1). ] لانه يتحقق بمجرد احاطة الماء على تمام البدن ويكون بقائه تحت الماء زائدا على مقدار احاطة الماء على البدن زائدا على الغسلة الواجبة الكافية في حصول الغسل. المسح برطوبة الغسلة الزائدة حينئذ لا يخلو عن الاشكال بل الصحة ممنوعة جدا. (1) ظهر الحال في هذه المسألة مما قدمناه في كيفية المسح على الرجلين فليراجع.

[ 346 ]

فصل في شرائط الوضوء " الاول ": اطلاق الماء (1) فلا يصح بالمضاف ولو حصلت الاضافة بعد الصب على المحل جهة كثرة الغبار أو الوسخ عليه، فاللازم كونه باقيا على الاطلاق إلى تمام الغسل " الثاني ": طهارته (2). [ فصل في شرائط الوضوء (1) قد أسلفنا تفصيل الكلام على ذلك في أوائل الكتاب وذكرنا ان المضاف لا يزيل خبثا ولا يرفع حدثا. (2) للروايات المستفيضة بل المتواترة المروية في الوسائل وغيره في أبواب مختلفة كما دل على لزوم اهراق المائين المشتبهين والتيمم بعده (* 1). وما دل على النهي عن التوضؤ بفضل الكلب معللا أنه رجس نجس لا يتوضؤ بفضله واصبب ذلك الماء (* 2). وما دل على النهي عن الوضوء بالماء المتغير (* 3) إلى غير ذلك من الروايات فاعتبار الطهارة في الماء المستعمل في الوضوء مما لا اشكال فيه. وانما الكلام في أن الطهارة شرط واقعي في صحته فوضوء الجاهل


(* 1) المروية في ب 12 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) وهي صحيحة البقباق المروية في ب 1 من أبواب الاسئار من الوسائل (* 3) راجع ب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 347 ]

بالنجاسة محكوم بالبطلان فلو توضأ بالماء النجس فصلى ثم انكشف ان الماء كان نجسا أعاد وضوءه كما يعيد صلاته إذا كان في الوقت ويقضيها فيما إذا كان الانكشاف في خارجه أو أن الطهارة شرط عملي أي انها شرط بالاضافة إلى العالم بالنجاسة حال الوضوء أو العالم بها قبله فيما إذا نسيها فتوضأ بماء نجس. وأما الجاهل فلا يشترط الطهارة في صحة الوضوء في حقه بوجه فكل من الوضوء والصلاة في المثال المتقدم محكوم بالصحة لا محالة. لا اشكال ولا خلاف - كما ذكره في الحدائق - في وجوب الاعادة أو القضاء فيما إذا توضأ بالماء المتنجس مع العلم بنجاسة الماء حال الوضوء كما ان الظاهر من كلماتهم ان من علم بنجاسة الماء قبل الوضوء ونسيها حال الوضوء فتوضأ بالماء النجس أيضا كذلك وان الناسي للنجاسة يلحق بالعالم بالنجاسة حال الوضوء لوجوب التحفظ في حقه. ولعلهم استفادوا ذلك مما دل على بطلان صلاة الناسي للنجاسة في ثوبه أو بدنه لاستناده إلى ترك التحفظ عن النجاسة لا محالة. وأما إذا توضأ بالماء النجس جاهلا بالنجاسة فالمشهور بين المتأخرين الحاقه بالقسمين المتقدمين والحكم عليه بوجوب الاعادة أو القضاء والمفهوم من كلام الشيخ في المبسوط - على ما في الحدائق - وجوب الاعادة في الوقت خاصة دون وجوب القضاء خارج الوقت وبه صرح ابن البراج كما انه ظاهر ابن الجنيد. وخالفهم في ذلك صاحب الحدائق " قده " وذهب إلى هدم وجوب الاعادة والقضاء حيث أنه بعدما نقل كلام العلامة والشهيد " قدهما " قال ما مضمون كلامه: ان ما ذكروه من وجوب الاعادة والقضاء فانما يسلم في القسمين الاولين وأما في حق الجاهل بنجاسة الماء فلا لعدم توجه النهي إليه لجهالته فلا تجب عليه الاعادة ولا القضاء. وعمدة ما استند " قده "

[ 348 ]

إليه في حكمه هذا أمران: " أحدهما ": ما ذكره في مقدمات كتابه الحدائق من معذروية الجاهل مطلقا إلا ما خرج بالدليل مستندا في ذلك إلى جملة من الروايات الواردة في مواردها خاصة " منها ": ما ورد في باب الحج كصحيحة زرارة عن أبى جعفر (ع) قال: من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فلا شئ عليه (* 1). وكما رواه عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله (ع) قال: جاء رجل يلبى حتى دخل المسجد الحرام وهو يلبى وعليه قميصه، فوثب عليه الناس من أصحاب أبى حنيفة فقالوا: شق قميصك واخرجه من رجليك فان عليك بدنة وعليك الحج من قابل وحجك فاسد فطلع أبو عبد الله (ع) فقام على باب المسجد فكبر واستقبل الكعبة فدنا الرجل من أبي عبد الله (ع) وهو ينتف شعره ويضرب وجهه، فقال له أبو عبد الله (ع) اسكن يا عبد الله فلما كلمه وكان الرجل أعجميا، فقال أبو عبد الله (ع) ما تقول؟ قال: كنت رجلا أعمل بيدي فاجتمعت لي نفقة فجئت احج لم أسأل أحدا عن شئ فأفتوني هؤلاء ان أشق قميصي وأنزعه من قبل رجلي وان حجي فاسد وان علي بدنه فقال له: متى لبست قميصك أبعد ما لبيت أم قبل؟ قال: قبل أن البي قال: فأخرجه من رأسك فانه ليس عليك بدنة وليس عليك الحج من قابل، أي رجل ركب امرا بجهالة فلا شئ عليه. طف بالبيت اسبوعا وصل ركعتين عند مقام ابراهيم (ع) واسع بين الصفا والمروة وقصر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل واهل بالحج واصنع كما


(* 1) المروية في ب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام من الوسائل وقد نقلناها في المتن عن الحدائق وهي فيه بهذا المقدار نعم لها صدر وذيل رواهما في الوسائل فلاحظ.

[ 349 ]

يصنع الناس (* 1). وشيخنا الانصاري " قده " رواها بالفظة " ايما امرء ركب أمرا بجهالة.. ". و " منها " ما ورد في النكاح في العدة كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي ابراهيم (ع) قال: سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة أهي ممن لا تحل له ابدا؟ فقال لها لا اما كان بجهالة فليتزوجها بعدما تنقضي عدتها وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك فقلت بأي الجهالتين اعذر بجهالته ان يعلم ان ذلك محرم عليه أم بجهالته انها في العدة؟ فقال: احدى الجهالتين اهون من الاخرى، الجهالة بأن الله حرم عليه ذلك.. (* 2). فان هذه الروايات تقتضي ارتفاع جميع الآثار عند ارتكاب العمل بالجهالة ومعه لا تجب على من توضأ بالماء النجس شئ من الاعادة والقضاء كما لا عقاب عليه لجهله بالنجاسة فضلا عن اشتراط الصلاة أو الوضوء بالطهارة. و " ثانيهما ": ان النجاسة انما تثبت عند العلم بها ولا نجاسة عند عدمه حتى تمنع عن صحة وضوئه أو صلاته وذلك لقوله (ع) كل ماء طاهر (* 3).


(* 1) نقلناها عن الحدائق وهي تختلف عن رواية الوسائل في بعض الالفاظ فراجع ب 45 من أبواب تروك الاحرام من الوسائل. (* 2) كذا في الحدائق و " حرم ذلك عليه " كما في ب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها من الوسائل. (* 3) كذا في الحدائق الموجود في الوسائل عن حماد: الماء كله =

[ 350 ]

حتى تعلم أنه قذر (* 1) وقوله كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر (* 2) لدلالتهما على ان النجاسة ليست من الامور الواقعية وانما هي اعتبار شرعي قد ثبت لدى العلم بالنجاسة دون الجهل. وقد رتب على ذلك عدم وجوب الاعادة والقضاء عند الجهل بنجاسته ثم استشهد على ذلك بكلام المحدث السيد نعمة الله الجزائري والشيخ جواد الكاظمي وافتائهما بما ذهب إليه في المسألة وذكر في ذيل كلامه ان بعض معاصريه استبعد ما ذهب إليه لمخالفته ما هو المشهور الاصحاب حيث ان طبعة الناس مجبولة على متابعة المشهورات وإن انكروا بظاهرهم تقليد الاموات. وان الله سبحانه قد وفقه للوقوف على كلام الفاضلين المذكورين فاثبته في المقام لا للاستعانة به على قوة ما ذهب إليه بل لكسر سورة النزاع ممن ذكره من المعاصرين، لعدم قبولهم الا لكلام المتقدمين هذا ولا يخفى عدم امكان المساعدة على شئ مما استند إليه في المقام. اما ما ذكره في الوجه الاول فلان معذورية الجاهل مطلقا إلا في موارد قيام الدليل فيها على عدم المعذورية وان كانت مسلمة لعين الاخبار التى ذكرها في كلامه ومن هنا حكمنا ان من أفطر في نهار شهر رمضان بما لا يعلم بمفطريته ولا بحرمته لم تجب عليه الكفارة وفاقا لصاحب العروة وخلافا لشيخنا الاستاذ " قدهما " في هامشها " وكذا قلنا بعدم ترتب الكفارة على ارتكاب محرمات الاحرام جهلا


= طاهر. نعم روى في الوسائل عن الصادق (ع) كل ماء طاهر الا ان ذيله، الا ما علمت انه قذر لا حتى يعلم أنه قذر فليراجع. (* 1) المروية في ب 1 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في ب 37 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 351 ]

بحكمها أو بموضوعها وبارتفاع الحد عن ارتكاب المحرم إذا كان عن جهل بحكمه أو بموضوعه. وقد ورد في موثقة ابن بكير عن أبي عبد الله (ع) في رجل شرب الخمر على عهد أبي بكر وعمر واعتذر بجهله بالتحريم فسألا أمير المؤمنين عليه السلام فأمر (ع) بأن يدار به على مجالس المهاجرين والانصار وقال من تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه ففعلوا ذلك فلم يشهد عليه أحد فخلى سبيله (* 1). بلا فرق في ذلك بين المقصر والقاصر ولا بين الجهل بالحكم والجهل بالموضوع إلا في موارد قام الدليل فيها على عدم معذورية الجاهل وذلك كمن تزوج بامرأة جاهلا بكونها في العدة فدخل بها لانها بذلك تحرم عليه مؤبدا إلى غير ذلك من الموارد فعموم هذه الاخبار واطلاقها هو المحكم في غير موارد الاستثناء. نعم لا مناص من تقييدها بما إذا كان العمل والارتكاب بعد الفحص في الشبهات الحكمية لدلالة الادلة على ان الاحكام الواقعية متنجزة على المكلفين قبل الفحص. الا انها غير منطبقة على المقام وذلك لان مقتضاها انما هو ارتفاع الموأخذة والعقاب عما ارتكبه جاهلا من فعل المحرمات أو ترك الواجبات وارتفاع الآثار المترتبة عليه من كفارة أو حد أو غيرهما من الآثار ومن البين ان وجوب الاعادة أو القضاء ليس من الآثار المترتبة على التوضؤ الماء المتنجس بل انما هما من آثار بقاء التكليف الاول وعدم سقوطه عن ذمة المكلف ومن آثار فوات الواجب في ظرفه ولا يترتب شئ منهما على التوضوء بالماء النجس حتى يحكم بارتفاعهما.


(* 1) كذا في الحدائق وروى تفصيله في ب 10 من ابواب حد المسكر من الوسائل.

[ 352 ]

نعم نحكم بارتفاع الحرمة والمؤاخذة عن ارتكابه فحسب وعلى الجملة اما يرتفع بها الآثار المترتبة على الفعل أو الترك الصادر منه جهلا دون ما لم يكن كذلك كالاعادة أو القضاء وكتنجس يده المترتب على ملاقاة النجس ونحوه فالتطبيق في غير محله وأما ما ذكره في الوجه الثاني: فلاندفاعه. " أولا ": بأن قوله (ع) حتى تعلم أنه قذر أدل دليل على ثبوت النجاسة والقذارة في ظرف الجهل وعدم العلم لبداهة انه لو لا ثبوتهما قبل العلم بهما فبأى شئ يتعلق علمه في قوله حتى تعلم. فلا مناص من التزام ثبوت النجاسة قبل ذلك واقعا وهي قد يتعلق بها العلم وقد لا يتعلق وعليه فمفاد الروايتين انما هو الطهارة الظاهرية الثابتة في ظرف الشك في النجاسة وحيث ان وضوئه قد وقع بالماء النجس - واقعا - فلا مناص من الحكم بالفساد والبطلان ولزوم اعادة ما أتى به من الصلوات بعده أو قضائها لان الاجتزاء بما أتى به من الصلوات الفاسدة يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه. ومقتضى القاعدة لزوم الاعادة في الوقت والقضاء في خارجه. و " ثانيا ": بأنا نقطع أن صاحب الحدائق " قده " بنفسه لا يلتزم بما أفاده في المقام فما ظنك بغيره؟ وذلك لانا إذا غسلنا ثوبا متنجسا بماء مشكوك الطهارة والنجاسة مع فرض كونه نجسا واقعا فهل يفتي صاحب الحدائق بالطهارة في مثله حتى بعد الانكشاف والعلم بقذارة الماء حال الغسل به بحيث لا يحكم بنجاسة ما أصابه ذلك الثوب أو ذلك الماء حال الجهل بنجاسته؟ بدعوى ان تطهير الثوب المتنجس يتوقف على غسله بالماء الطاهر والغسل محرز بالوجدان وطهارة الماء ثابتة بالتعبد على ما ادعاه. وهذا

[ 353 ]

مما لا يحتمل صدروه عمن هو دونه فضلا عن مثله قدس الله أسراره. و " ثالثا ": بأن ما أفاده " قده " إذا كان تماما في قوله الماء كله طاهر.. أو كل شئ نظيف.. فلماذا لا يلتزم به في قوله (ع) كل شئ لك حلال حتى تعلم انه حرام (* 1) بان يدعى ان الحرمة مما لا واقعية له وانما هي أمر اعتباري اعتبرها الشارع بعد العلم بها ومن البعيد جدا أن يلتزم بتوقف الحرمة على العلم بها مع ان وزانة وزان قوله الماء كله طاهر. وهذا على انا لو سلمنا كلا الوجهين وبنينا على صحة انطباق الروايات الواردة في معذورية الجاهل على ما نحن فيه وعلى ان النجاسة انما تثبت بالعلم بها أيضا لا يمكننا الالتزام بما أفاده في المقام وذلك للنص الخاص الذي دل على وجوب اعادة الصلاة أو قضائها فيما إذا توضأ بالماء النجس جاهلا ومع وجود النص الصريح كيف يمكن العمل على طبق القاعدة؟! وهو موثقة عمار الساباطي انه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل يجد في انائه فأرة وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه وقد كانت الفأرة متسلخة، فقال ان كان رآها في الاناء قبل ان يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعدما رآها في الاناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة وان كان انما رآها بعد ما فرغ من ذلك وفعله فلا يمس من ذلك الماء شيئا وليس عليه شئ لانه لا يعلم متى سقطت فيه ثم قال: لعله أن يكون انما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها (* 2).


(* 1) راجع ب 4 من ابواب ما يكتسب به وب 61 من الاطعمة المباحة و 64 من الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 4 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 354 ]

[ وكذا طهارة مواضع الوضوء (1) ويكفي طهارة كل عضو قبل غسله، ولا يلزم أن يكون قبل الشروع تمام محله طاهرا، فلو كانت نجسة ويغسل كل عضو بعد تطهيره كفى. ولا يكفي غسل واحد بقصد الازالة والوضوء وان كان برمسه في الكر أو الجاري ] فان تعليله الحكم بقوله لانه لا يعلم متى سقطت فيه. كالصريح في أنه لو كان علم سقوطها فيه قبل الوضوء أو الاغتسال أو غسل الثوب وجبت عليه اعادة الوضوء والصلاة ولزم أن يغسل ثيابه وكل ما أصابه ذلك الماء وانما لم يجب عليه ذلك لاحتمال وقوعها في الماء في تلك الساعة التي رآها. ثم ان الرواية نعم ما إذا انكشفت نجاسة الماء قبل خروج وقت الصلاة وما إذا كان الانكشاف بعد خروجه وذلك لقوله قد توضأ من ذلك الاناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه، لان الوضوء مرارا أو الاغتسال وغسل الثياب كذلك - لعطفهما على الوضوء مرارا - قبل خروج وقت الصلاة مما لا يتحقق عادة والعجب منه " قده " كيف لم يلتفت إلى وجود النص في المقام والتزم بما نقلناه عنه؟! اشتراط الطهارة في مواضع الوضوء: (1) اعتبار الطهارة في مواضع الوضوء وان نسب إلى المشهور إلا أنه مما لم ينص عليه في الاخبار ومن هنا وقع الكلام في مدرك الحكم بالاعتبار وانه لماذا لم يجز تطهير المواضع المذكورة بالغسلة الوضوئية نفسها. واستدل على اعتبار الطهارة فيها بوجوه: " الاول ": ان يستفاد حكم المسألة مما ورد في كيفية غسل الجنابة

[ 355 ]

من لزوم غسل الفرج أولا ثم الشروع في الاغتسال. بأن يقال: انه لاوجه لذلك الا اعتبار طهارة المحل في حصول الطهارة المعتبرة في الصلاة ولا يفرق في ذلك بين الغسل والوضوء. و " يندفع ": " أولا " بأن المسألة في الغسل غير مسلمة فما ظنك بالوضوء؟!. و " ثانيا ": بأن الغسل أمر والوضوء أمر آخر فكيف يمكن أن يستفاد الوظيفة في أحدهما من بيان الوظيفة في الآخر وهل هذا الا القياس وهو مما لا نقول به. " الثاني ": ان المحل إذا كان متنجسا قبل الوضوء فلا محالة ينفعل الماء الوارد عليه بالملاقاة وقد أسلفنا اعتبار الطهارة في ماء الوضوء وقلنا ان الوضوء بالماء المتنجس باطل إذا لابد من تطهير مواضع الوضوء أولا حتى لا يتنجس الماء بالمحل ويقع الوضوء صحيحا. وهذا الوجه وان كان لا بأس به في نفسه الا انه لا يصحح الحكم بلزوم طهارة المحل على وجه الاطلاق. بل لابد من اخراج التوضوء بالمياه المعتصمة كما إذا توضأ بماء المطر أو بالارتماس في الكر أو غيرهما من المياه المعتصمة لبداهة ان الماء وقتئذ باق على طهارته وان لاقى المحل المتنجس ومع طهارة الماء لا وجه للحكم ببطلان الوضوء. كما ان الوضوء إذا كان بالماء القليل لابد في الحكم باعتبار طهارة المحل من القول بنجاسة الغسالة من حين ملاقاتها مع المتنجس. إذ لو قلنا بطهارتها مطلقا أو في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل كما هو الصحيح، أو قلنا بنجاستها بعد الانفصال عن المتنجس لا قبله لم يكن وجه للمنع عن الوضوء لفرض عدم انفعال الماء بالصب على الموضع المتنجس اما مطلقا - كما على الاول - أو فيما إذا كانت متعقبة بطهارة

[ 356 ]

المحل - كما على الثاني - كالغسلة الاولى في المتنجس بما لا يعتبر في غسله التعدد أو الغسلة الثانية فيما يعتبر التعدد في غسله. فإذا نوى الوضوء في الغسلة الثانية لم يحكم عليه بالبطلان لعدم نجاسة الماء حال كونه في اليد أو في غيرها من الاعضاء. وكيف كان لابد على هذا الوجه من التفصيل بين ما إذا كان الماء معتصما كالكر والمطر وكونه غير معتصم وعلى الثاني أيضا يفصل بين كون الغسالة متنجسة ما دامت في المحل وكونها طاهرة فيلتزم باشتراط الطهارة في المحل فيما إذا كان الماء غير معتصم وكون الغسالة في المحل. " الثالث ": أصالة عدم التداخل وحيث انا أمرنا بغسل المتنجس وتطهيره كما أمرنا بغسلة الوضوء وكل منهما سبب تام لوجوب غسل المحل وقد تحقق السببان معا وجب الغسل متعددا لان كل سبب يؤثر في ايجاب مسببه مستقلا الاكتفاء بالغسلة الواحدة لرفع كل من الحدث والخبث على خلاف الاصل وهو أصالة عدم التداخل كما مر. ولا يمكن المساعدة على هذا الاستدلال بوجه وذلك لان عدم التداخل أو التداخل انما هي فيما إذا كان الامران مولويين كما إذا وجبت كفارتان من جهة الافطار في نهار شهر رمضان ومن جهة حنث النذر - مثلا - فيأتي وقتنذ مسألة التداخل وعدمه فيقال ان كلا من الامرين يستدعي امتثالا مستقلا فتجب عليه كفارتان والاكتفاء بالكفارة الواحدة خروجا عن عهدة كلا الامرين على خلاف الاصل فان الاصل عدم التداخل واما إذا لم يكن الامران مولويين كما في المقام إذا الامر يغسل المتنجس ارشادي لا محالة لكونه ارشادا إلى النجاسة وانها مما ترتفع بالغسل فلا مجال فيه لهذه الاصالة وعدمها فان الامر بالغسل قد يكون ارشادا إلى أمر واحد

[ 357 ]

وقد يكون ارشادا إلى أمرين: أعني النجاسة وكونها مما يزول بالغسل. والاول كما إذا فرغنا عن نجاسة شئ فورد الامر بغسله كما في موثقة (* 1) عمار سألته عن الاناء كيف يغسل وكم مرة يغسل قال: يغسل ثلاث مرات.. (* 2) لان الامر بالغسل ارشاد إلى ان نجاسته مما تزول بالغسل. والثاني كما إذا لم يعلم نجاسة الشئ قبل ذلك ورود الامر بغسله ابتداء كما في قوله (ع) اغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه (* 3) لان الامر بالغسل في مثله ارشاد إلى نجاسة أبوال ما لا يؤكل لحمه وإلى أن نجاسته مما يزول بالغسل. ومن الظاهر ان طهارة المتنجس بالغسل مما لا يتوقف على القصد بل يطهر بمجرد وصول الماء إليه وتحقق غسله وعليه فإذا صب الماء على العضو المتنجس قاصدا به الوضوء حصلت بذلك طهارته أيضا كما يتحقق به الوضوء بل الامر كذلك حتى فيما إذا قصد به الوضوء ولم يقصد به الازالة أصلا كما إذا لم يكن ملتفتا إلى نجاسته. نعم يبقى هناك احتمال أن تكون الغسلة الوضوئية مشروطة بطهارة المحل قبلها فلا يكتفي بطهارته الحاصلة بالوضوء ولكنه يندفع باطلاقات الامر بغسل الوجه واليدين في الآية المباركة والروايات المشتملة على الامر


(* 1) على ما حققه سيدنا الاستاذ مد ظله من أن الصحيح في سندها محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال - لا كما في التهذيب والوسائل أعني رواية محمد بن أحمد بن يحيى عن احمد بن يحيى والا فاحمد بن يحيى مجهول فليلاحظ. (* 2) هو مضمون موثقة عمار المرواية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في ب 8 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 358 ]

[ نعم لو قصد الازالة بالغمس والوضوء باخراجه كفى (1) ولا يضر تنجس عضو بعد غسله وان لم يتم الوضوء. ] بغسلهما لعدم تقييد الغسل فيها بطهارة المحل قبل ذلك. وعليه فالصحيح عدم اشتراط طهارة الاعضاء قبل الوضوء فيما إذا كان التوضؤ بالماء القليل وكانت الغسلة غير متعقبة بطهارة المحل كما في الغسلة الاولى فيما إذا كانت متنجسة بما يعتبر التعدد في ازالته لاستلزام نجاسة الاعضاء وقنئذ نجاسة الماء الوارد عليها وهي قادحة في صحة الوضوء كما مر. وأما إذا كان التوضؤ بشئ من المياه المعتصمة أو كان بالماء القليل وكانت الغسالة متعقبة بطهارة المحل كما إذا لم تكن النجاسة مما يعتبر تعدد الغسل في ازالتها أو كان معتبرا الا انه قصد التوضؤ بالغسلة الثانية المتعقبة بطهارة المحل فلا يشترط طهارة الاعضاء قبل التوضؤ كما لا يخفى. وقد سقط في تعليقات سيدنا الاستاذ - مد ظله - تفصيل هذه المسألة حيث ان السيد " قده " في أحكام غسل الجنابة اعتبر طهارة البدن قبل غسلها وعلق عليه سيدنا الاستاذ - دام ظله - بقوله: مر تفصيلها في الوضوء. ولم يتقدم عنه هذا التفصيل في تعليقاته على مسائل الوضوء وهو سقط مطبعي (* 1). إذا قصد الوضوء بالاخراج: (1) ما أفاده " قده " متين بالنسبة إلى رفع غائلة نجاسة المحل وهو كاف في صحة الوضوء مع قطع النظر عما أشرنا إليه سابقا من ان الظاهر المستفاد


(* 1) وقد أضيف هذا التفصيل على تعليقته المباركة في طبعاتها الاخيرة

[ 359 ]

[ (مسألة 1) لا بأس بالتوضؤ بماء " القليان " ما لم يصير مضافا (1) (مسألة 2) لا يضر في صحة الوضوء نجاسة سائر مواضع البدن بعد كون محاله طاهرة. نعم الاحوط (2) عدم ترك الاستنجاء قبله. ] من الاخبار الآمرة بالغسل في الوضوء والغسل انما هو ايجاد الغسل واحداثه واما الغسل بحسب البقاء فهو غير كاف في صحته وحيث ان الغسل باخراج العضو من الماء ليس باحداث للغسل وانما هو ابقاء له والاحداث انما كان بادخاله العضو في الماء. فلا يمكن الاكتفاء به في الحكم بصحة الوضوء. التوضوء بماء القليان: (1) هذه المسألة لا تناسب المسائل الراجعة إلى اشتراط طهارة الماء أو الاعضاء في الوضوء فكان الاولى والانسب ان يعنون المسألة باشتراط طهارة الوضوء وعدم تغيره بشئ من أوصاف النجس ثم يذكر ان التغير بغير أوصاف النجس - كتغير ماء القليان بالدخان - غير قادح في صحته ما دام لم يصير مضافا. (2) هذا الاحتياط احتياط استحبابي والمنشأ فيه ما ورد في بعض النصوص من الامر باعادة الوضوء فيمن ترك الاستنجاء نسيانا (* 1) وحمل الوضوء فيها على الاستنجاء كما عن بعضهم خلاف ظاهر الروايات إذا تدلنا هي على اشتراط الاستنجاء في صحة الوضوء. وقد ورد في مقابلها عدة روايات فيها صحاح وموثقة دلت على عدم بطلان الوضوء بترك الاستنجاء والجمع بينهما بحمل الامر باعادة الوضوء


(* 1) راجع ب 10 من أحكام الخلوة وب 18 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 360 ]

[ (مسألة 3): إذا كان في بعض مواضع وضوئه جرح لا يضره الماء ولا ينقطع دمه فليغمسه بالماء وليعصره قليلا حتى ينقطع الدم آناما، ثم ليحركه بقصد الوضوء (1) مع ملاحظة الشرائط الآخر، والمحافظة على عدم لزوم المسح بالماء الجديد إذ كان في اليد اليسري، بأن يقصد الوضوء بالاخراج من الماء. ] في الطائفة الاولى على الاستحباب غير صحيح لانه انما يصح فيما إذا كان الامر في المتعارضين مولويا وليس الامر كذلك لان الامر بالاعادة في الطائفة الاولى ارشاد إلى بطلان الوضوء واشتراطه بالاستنجاء. وعليه فالصحيح في الجمع بينهما حمل الطائفة الآمرة بالاعادة على التقية وإلا فهما متعارضتان ولابد من الحكم بتساقطها والرجوع إلى اطلاقات أدلة الوضوء كما في الآية المباركة والروايات لعدم تقييد الامر بالغسل فيها بالاستنجاء فمقتضى الاطلاقات عدم اشتراط الاستنجاء في الوضوء. كيفية غسل موضع الجرح: (1) قد عرفت غير مرة ان المأمور به في الوضوء انما هو احداث الغسل وايجاده ولا يكفي فيه الغسل بقاء ومنه يظهر الحال فيما إذا قصد الوضوء باخراج يده من الماء. نعم هناك طريقة اخرى وهي أن يضع يده على موضع الجرح ويدخلها في الماء ويحرك يده حتى يدخل الماء تحتها ثم يخرجها عنه ويغسل بقية المواضع - أعني المقدار الباقي من اليد - في الخارج بصب الماء عليه.

[ 361 ]

[ (الثالث): أن لا يكون على المحل حائل (1) يمنع وصول الماء إلى البشرة ولو شك في وجوده يجب الفحص حتى يحصل اليقين أو الظن بعدمه، ومع العلم بوجوده يجب تحصيل اليقين بزواله (2). ] اعتبار عدم الحائل على المحل: (1) فان الوضوء غسلتان ومسحتان فكما انه لابد في المسحتين من وقوع المسح على نفس البشرة ولا يكفي المسح على الحائل على ما عرفت تفصيله فكذلك الحال في الغسلتين عدم الاعتبار بالظن: (2) لا اعتبار بالظن بالعدم لان مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم العلم بالفراغ والخروج عن عهدة التكليف المتيقن وعليه لا مناص من الفحص حتى يحصل له العلم أو الاطمئنان بوصول الماء إلى البشرة وزوال الحاجب أو تقوم على ذلك امارة معتبرة شرعا. فلا وجه للتفرقة بين موارد الشك في الحاجب وموارد العلم بوجوده كما صنعه الماتن (قده) واعتبر تحصيل اليقين بزواله عند العلم بالوجود واقتصر على الظن بالعدم عند الشك في وجوده فان الصحيح كما عرفت انما هو تحصيل الحجة المعتبرة على زوال المانع ووصول الماء إلى البشرة لان استصحاب عدم الحاجب لا يترتب عليه الحكم بالوصول الا على القول بالاصول المثبتة. والسيرة على عدم الاعتناء بالشك في وجود الحائل مما لا أساس له

[ 362 ]

[ (الرابع): ان يكون الماء وظرفه ومكان الوضوء ومصب مائه مباحا (1) ] فلا مناص من الاستاذ إلى حجة معتبرة من الاطمئنان أو غيره كما مر بلا فرق في ذلك بين الصورتين: أعني صورة العلم بوجود الحائل وصورة الشك في وجوده. اعتبار الاباحة في الماء: اعتبار الاباحة في الماء: (1) اما اعتبار اباحة الماء في صحة الوضوء فهو مما اشكال فيه ولا خلاف لان الماء إذا كان مغصوبا محرما حرم جميع التصرفات الواقعة فيه ومن جملتها غسل مواضع الوضوء به وإذا حرم الغسل به استحال أن يكون متصفا بالوجوب. وذلك لان حرمة التصرف في المغصوب انحلالية وقد ثبت على كل واحد من انحاء التصرفات في الماء ومقتضى الامر بطبيعى الوضوء والغسل وان كان هو الترخيص في تطبيقه على أي فرد شاءه المكلف خارجا. إلا أن من الظاهر ان الترخيص في التطبيق يختص بالافراد غير المحرمة إذا لا معنى للترخيص في الحرام فلا يجوز تطبيق الطبيعي المأمور به في الوضوء والغسل على الغسل بالماء المغصوب فإذا توضأ بالماء الغصبي بطل وضوءه لا محالة. ثم لا يخفى ان الحكم بفساد الوضوء من الماء المغصوب غير مبتن على مسألة جواز اجتماع الامر والنهي واستحالته وان نسب إلى الكليني " قده " جواز التوضوء بالماء المغصوب ولعله استند في ذلك إلى جواز اجتماع الامر والنهي.

[ 363 ]

[ فلا يصح لو كان واحد منها غصبا من غير فرق بين صورة الانحصار، وعدمه، إذا مع فرض عدم الانحصار وان لم يكن مأمورا بالتيمم إلا ان وضوءه حرام من جهة كونه تصرفا أو مستلزما للتصرف في مال الغير فيكون باطلا، نعم لو صب الماء المباح من الظرف الغصبي في الظرف ] والوجه في عدم ابتناء هذه المسألة على تلك المسألة هو أن المسألة جواز الاجتماع وامتناعه انما هي فيما إذا كان هناك عنوانان قد تعلق بأحدهما الامر وتعلق النهي بالآخر وتصادق كل من العنوانين على شئ واحد خارجا فانه يتكلم وقتئذ في أن ذلك المجمع للحرمة والوجوب هل هو موجود واحد حقيقة حتى يحكم بالامتناع لعدم امكان أن يكون شئ واحدا واجبا وحراما في وقت واحد أو أنه موجود واحد بالاشارة إلا أنه في الحقيقة أمران قد الضم أحدهما بالآخر حتى يحكم بالجواز كما في الصلاة والغصب المنطبقتين على الصلاة في الدار المغصوبة. وأما إذا تعلق الامر بشئ كالغسل في الوضوء وتعلق عليه النهي أيضا لكونه غصبيا فلا ينبغي الاشكال في خروجه بذلك عن الوجوب سواء قلنا بجواز اجتماع الامر والنهي أم بالامتناع وذلك العلم باتحاد متعلق الامر والنهي فان الغسل بعينه تصرف مبغوض. وبعبارة أخرى إذا تعلق النهي بشئ من أحد مصاديقه هو ما تعلق الامر بطبيعية كان النهي مقيدا لما تعلق به الامر بغير ذلك الفرد الذي وقع مصداقا للمنهي عنه لان النهي الحلالي والنهي عن فرد من افراد الطبيعة المأمور بها يوجب تقيد متعلق الامر بغير ذلك الفرد لا محالة وهذا من دون فرق بين صورتي انحصار الماء به وعدمها.

[ 364 ]

اعتبار الاباحة في الظرف والمكان والمصب: وأما اباحة الظرف أو المكان أو مصب ماء الوضوء فالصحيح أن يفصل فيها بين صورتي الانحصار وعدمه. فإذا فرضنا ان الماء منحصر بالماء الموجود في الاناء المغصوب أو المكان أو المصب منحصر بالمغصوب منهما حكم ببطلان الوضوء لانه تصرف في ماء الغير من دون اذنه أو ان الماء ملكه أو مباح له والتصرف فيه سائغ إلا ان التوضؤ به مستلزم للحرام لان أخذه والاغتراف به من اناء الغير محرم مبغوض فلا يتعلق به الامر وينتقل فرضه إلى التيمم. وكذلك الحال فيما إذا كان التوضؤ به مستلزما للتصرف في مكان الغير أو في المصب المغصوب وكل ذلك تصرف حرام وأما إذا فرضنا عدم الانحصار لا في الماء ولا في المكان والمصب بأن كان له ماء آخر مباح أو مكان أو مصب مباحان فالصحيح صحة الوضوء حينئذ كما مر في التكلم على أواني الفضة والذهب فلاحظ والوجه فيه ان المحرم انما هو مقدمة الوضوء أعني الاغتراف من اناء الغير وأما الماء فهو مباح التصرف له على الفرض ومن هنا لو أفطر في نهار شهر رمضان بذلك الماء لم يكن افطارا بالحرام. فإذا كان الماء مباحا له فله أن يتوضأ منه كما له أن يصرفه في غيره من الامور والمفروض انه مكلف بالوضوء لعدم انحصار الماء بما يستلزم الوضوء منه تصرفا حراما وحرمة المقدمة لا تسرى إلى ذي المقدمة. وكذا الحال فيما إذا كان المكان محرما لان الغسل المأمور به الذي هو بمعنى مرور الماء على أعضائه مما لا حرمة له وإن كانت مقدمتة كتحريك اليد

[ 365 ]

تصرفا في ملك الغير وهو حرام إلا ان حرمة التحريك والمكان لا تسرى إلى الغسل الذي فسرناه بمرور الماء على اعضائه. وكذا فيما إذا كان المصب مغصوبا لان الموضوء وصب الماء على العضو ومروره عليه كان مستلزما لوقوع فطراته على المصب الغصوب وهو كالعلة التامة للتصرف الحرام الا أنا قدمنا في محله ان المقدمة لا تتصف بالوجوب فضلا عن أن تكون محرمة ولو كانت كالعلة التامة للوقوع في الحرام. وعليه فالوضوء وإن كان مسلتزما للتصرف الحرام إلا أنه لا يتصف بالحرمة ومعه لا مانع من الامتثال به ووقوعه مصداقا للواجب وإن كان الاحوط هو الاجتناب لوجود القائل بالحرمة والبطلان هذا وقد قدمنا في التكلم على أواني الفضة والذهب ان الوضوء في مفروض الكلام محكوم بالصحة حتى في صورة الانحصار فيما إذا كان الاناء مغصوبا أو كان المصب أو المكان محرما. وذلك لان القدرة المعتبرة في الواجبات انما هي القدرة التدريجية والمفروض في محل الكلام ان المكلف قادر ومتمكن من الماء المباح وكذا من التوضوء بعد الاغتراف فالقدرة على الماء والوضوء تحصل له بالتدريج حسب تدريجية الغرفات وان كان واحد من اغترافاته محرما وتصرفا في مال الغير من دون رضائه. إذا المكلف قادر من الماء والتوضوء به على تقدير ارتكابه المعصية وهي الاغتراف وعليه فلا فرق بين صورتي الانحصار وعدمها إلا في ان ان المكلف مأمور بالوضوء في صورة عدم الانحصار وأما في صورة الانحصار فله أن يختار التيمم من دون أن يرتكب المعصية بالاغتراف ويكلف بالوضوء.

[ 366 ]

[ المباح ثم تؤضأ: لا مانع منع (1) وإن كان تصرفه السابق على الوضوء حراما ولا فرق في هذه الصورة بين صورة الانحصار وعدمه، إذ مع الانحصار وإن كان قبل التفريغ في الظرف المباح مأمورا بالتيمم إلا انه بعد هذا يصير واجدا للماء في الظرف المباح وقد لا يكون التفريغ أيضا حراما (2) كما لو كان الماء مملوكا له وكان القاءه في ظرف الغير تصرفا فيه، فيجب تفريغه حينئذ فيكون من الاول مأمورا بالوضوء، ولو مع الانحصار ] (1) لصيرورته بالتفريغ متمكنا من الوضوء بالماء المباح بالتكوين وان كان غير قادر عليه قبله وذلك لحرمة التصرف في اناء الغير بالتفريغ، والممتنع شرعا كالممتنع عقلا ومن هنا وجب عليه التيمم في صورة الانحصار. (2) ما أفاده " قده " انما يتم فيما إذا كان اشغال ظرف الغير غير مستند إلى اختياره أو كان مستندا إلى سوء الاختيار، إلا انا بنينا على أن الامتناع بالاختيار - كالامتناع بغير الاختيار - ينافي الاختيار. لان مالك الماء مكلف وقتئذ بتفريغ إناء الغير لما فرضنا من أن بقاء ماله في الاناء مما يصدق عليه التصرف لدى العرف وإن لم يكن مستندا إلى اختياره ولا يحرم عليه التصرف فيه بالتفريغ لعدم استناده إلى اختياره أو على فرض أنه مستند إليه بنينا على ان الامتناع ولو بالاختيار يوجب سقوط الحرم وإرتفاعها والمكلف - على هذا - يكون متمكنا من الماء فيجب عليه الوضوء من الابتداء. وأما إذا كان التصرف في اناء الغير واشغاله مستندا إلى سوء اختياره كما هو الغالب في الغاصبين وبنينا في محله على ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار - كما هو الصحيح - فلا يتم ما أفاده الماتن بوجه. لانه وقتئذ محرم التصرف في اناء الغير - بالحرمة السابقة على الامتناع - ومعه لا يتمكن من تفريغ الاناء كما لا يتمكن من ابقائه بحاله لانه أيضا

[ 367 ]

[ لا فرق في عدم صحة الوضوء بالماء المضاف أو النجس أو مع الحائل بين صورة العلم والعمد والجهل والنسيان (1) وأما في الغصب فالبطلان مختص بصورة العلم والعمد (2) سواء كان في الماء أو المكان أو المصب فمع الجهل بكونها مغصوبة أو النسيان لا بطلان، وكذا مع الجهل بالحكم أيضا إذا كان قاصرا، بل ومقصرا أيضا إذا حصل منه قصد القربة، وان كان الاحوط مع الجهل بالحكم خصوصا في المقصر الاعادة ] معدود من التصرف في مال الغير - على الفرض - فلا يحكم على تفريغ الاناء بالوجوب. بل لو فرغه لارتكب محرما من المحرمات وإن كان العقل يلزمه بالتفريغ لانه أقل الضررين وأخف القبيحين فهو مأمور به عقلا ومحرم عليه شرعا. وكيف كان فسواء كان تفريغه محرما أم لم يكن فهو بعد ما فرغ الاناء واجد للماء ومتمكن من الوضوء فلابد من الحكم بوجوبه في حقه. اشتراط الاطلاق واخويهما واقعا: (1) بمعنى ان شرطية الاطلاق والطهارة وعدم الحائل شرطية واقعية ثابتة في كلتا حالتي العلم والجهل الشامل للنسيان أيضا. اشتراط الاباحة ذكرى: (2) فتكون شرطية الاباحة في الماء والمكان والمصب ذكرية فلا اشتراط عند الجهل والنسيان. وتفصيل الكلام في هذا المقام ان الماتن ذهب إلى ان الاباحة في كل

[ 368 ]

من الماء والمكان والمصب انما تشترط في صحة الوضوء حال العلم بغصبيتها وحرمتها وهي شرط ذكرى ليست كبقية الشرائط المتقدمة التي هي شروط واقعية. وعلى ذلك لا اشتراط في حالتي الجهل والنسيان بلا فرق في ذلك بين الجهل بالحكم والجهل بالموضوع بل بلا فرق بين القاصر والمقصر في الجاهل بالاحكام لان استحقاق العقاب في الجاهل المقصر لا ينافي صحة الوضوء منه حال الجهل بحرمة الغصب لانه قد اتى بطبيعي الغسل وتمشى منه قصد القربة لجهله بحرمته ومعهما يتم عمله ويصح وضوءه وان استحق بذلك العقاب أيضا هذا ما ذهب إليه الماتن في المقام. وهو ان كان موافقا للمشهور في غير التعدي إلى الجاهل المقصر لان المشهور قد الحقوه بالعالم المتعمد في الترك. وأما عدم مانعية الغصب في غير صورة العلم به فهو المعروف والمشهور بين الاصحاب (قدس الله أسرارهم) بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية. وقد ادعى صاحب مفتاح الكرامة " قده " - على ما يبالي - الاجماع على صحة الوضوء عند الجهل بحرمة الغصب أو الجهل بموضوعه الذي هو الغصب. إلا ان ما أفاده " قده " مما لا يمكن المساعدة عليه. أما بالاضافة إلى التعدي إلى الجاهل المقصر فيتوجه عليه ان المقصر وان كان قد تمشى منه قصد القربة إلا ان العمل مما لا يمكن التقرب به واقعا لمبغوضيته وحرمته فهو غير قابل للمقربية بحسب الواقع ولاجل ذلك يستحق العقاب لان العقاب انما هو على نفس عمله الحرام لا على تركه التعلم أو غير ذلك ومع كون العمل موجبا للعقاب ومبغوضيته صدوره من فاعله كيف

[ 369 ]

يمكن أن يكون مقربا إلى الله سبحانه فهل يكون المبغوض محببا والمبعد مقربا؟! وأما بالاضافة إلى الجاهل القاصر فلان الاجماع المدعى على صحة الوضوء منه لا يحتمل أن يكون اجماعا تعبديا كاشفا عن رضى المعصوم ورأيه وانما هو مستند ما زعموه في محل الكلام من ان المورد من موارد اجتماع الامر والنهي لان الغسل بماء الغير واجب من جهة ومحرم من جهة أخرى. فإذا كانت الحرمة متنجزة لكونها واصلة إلى المكلف فلا محالة نبني على بطلان الوضوء والعبادة لما عرفت من ان الحرام والمبغوض لا يقع مصداقا للواجب والمحبوب ومع العلم بهما لا يمكن قصد التقرب بالعمل. وأما إذا لم يتنجز الحرمة ولم تصل إلى المكلف وفرضناه معذورا في ارتكابه لان جهله عذر مستند إلى قصوره فلا مانع من ان يأتي بالعمل والمجمع وبقصد به القربة حيث لا حرمة متنجزة في حقه حتى تمنع عن قصد التقرب وكون العمل مصداقا للواجب. وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه كما تعرضنا له مفصلا في الكلام على مسألة اجتماع الامر والنهي وذلك لما اشرنا إليه من ان المقام خارج عن بحث الاجماع فان الغصب يحرم التصرفات الواقعة فيه بأجمعها ومن جملتها الغسل فيكون السغل مصداقا للواجب والحرام وتركبهما اتحادي لا محالة بمعني ان ما هو متعلق للنهي بعينه مصداق للواجب ومع التركب الاتحادي أعني وحدة المصداق حقيقة لا يكون المورد من موارد اجتماع الامر والنهي. ومعه لا مناص من ان يقيد الترخيص في تطبيق الطبيعي المأمور به على مصاديقه بغير هذا المصداق المحرم لاستحالة اجتماع الحرمة والوجوب في

[ 370 ]

شئ واحد حقيقي لوضوح ان الحرام لا يمكن أن يقع مصداقا للواجب والمبعد لا يمكن أن يكون مقربا كما تقدم هذا كله في صورة العلم بحرمة المجمع. وأما إذا لم تنجز الحرمة على المكلف لجهله المعذر له فلا ينبغي الاشكال في جواز تصرفاته في الماء حينئذ لمعذوريته ومن تلك التصرفات غسله في الوضوء وتطبيقه الطبيعي المأمور به على الغسل بذلك الماء ومعه يجب عليه التوضوء لتمكنه شرعا من الغسل. إلا أن الكلام في أن هذا الترخيص في التصرفات التي منها تطبيق الغسل المأمور به على الغسل بذلك الماء ترخيص واقعي وان الحكم بوجوب الوضوء في حقه وجوب واقعي أو ان كلا من الترخيص والوجوب حكم ظاهري في حقه. فان قلت ان الوضوء واجب واقعي في حقه وهو مرخص في التصرف في الماء بحسب الواقع ومعه يلزم اجتماع الوجوب والحرمة في مورد واحد واقعا. وذلك لان حرمة الحرام انما تسقط في موارد الجهل ظاهرا وأما الحرمة الواقعية فهي غير مرتفعة بالجهل أبدا لعدم دوران الحرمة الواقعية مدار العلم والجهل بها فهو مع الحرمة الوقعية قد اتصف بالوجوب واجتماع الحرمة والوجوب بحسب الواقع من الاستحالة بمكان وعليه فلا مناص من أن يكون الوجوب والترخيص ظاهريين قد ثبتا في ظرف الجهل بحرمته. ومعه إذا انكشف الخلاف وعلم المكلف بغصبية الماء أو بحرمة الغصب وجبت اعادة وضوئه وصلاته لان ما أتى به غير مطابق للواجب الواقعي ولم يقم أي دليل على اجزاء غير المأمور به عن المأمور به في المقام. والسر فيما ذكرناه ان مصداق المأمور به إذا اتحد مع ما هو من

[ 371 ]

مصاديق الحرام كان النهي - لمكان انه انحلالي - مخصصا للاطلاق في دليل الواجب ومقيدا له بالاضافة إلى هذا الفرد لان الحرام لا يعقل أن يكون مصداقا للواجب والمبعد لا يمكن أن يكون مقربا وبما ان التخصيص واقعي فلا يكون العمل مصداقا للواجب فيقع باطلا لا محالة والجهل بحرمته لا بجعله مأمورا به وانما يكون عذرا عن عقابه فحسب هذا. ومما يتعجب به في المقام ما صدر عن المحقق النائيني (قده) حيث انه مع تعرضه لما ذكرناه آنفا وبنائه على ان المحرم إذا كان مصداقا للواجب على نحو التركب الاتحادي استحال ان يتعلق به الوجوب لان المبغوض والحرام لا يكونان مقربين ومصداقين للواجب والمحبوب. التزم في المقام بعدم بطلان الوضوء من الماء المغصوب عند الجهل بحرمته أو بموضوعه واحتمال انه مستند إلى الاجماع المدعى بعيد القطع بعدم كونه تعبديا ولعله من جهة الغفلة عن تطبيق الكبرى المذكورة على موردها هذا كله في الجهل بالحرمة. وأما ناسي الحرمة أو الغصبية فالصحيح صحة عمله وذلك لان النسيان يوجب سقوط الحرمة عن الناسي واقعاد وليس ارتفاعها ظاهريا في حقه كما في الجاهل لانا قد ذكرنا ان الرفع في حديث الرفع بالاضافة إلى " مالا يعلمون " رفع ظاهري وبالاضافة إلى النسيان والاضطرار واخواتهما رفع واقعي وإذا سقطت الحرمة الواقعية في حق المكلف فلا يبقى أي مانع من أن يشمله اطلاق دليل الواجب لانه عمل مرخص فيه بحسب الواقع فلا محذور في شمول الاطلاق له كما أنه صالح للتقرب به. وأما ما عن شخينا المحقق النائيني " قده " من ان المرتفع عن المضطر والناسي ونحوهما هو الحرمة دون ملاكها اعني المبغوضية ومع كون العمل مبغوضا واقعا لا يمكن التقرب به لان المبعد والمبغوض لا يصلح أن يكون

[ 372 ]

مقربا ومحبوبا كما قدمناه في الجاهل المقصر. فقد ظهر الجواب عنه بما سردناه في صورة الاضطرار إلى ارتكاب الحرام حيث قلنا ان المبغوضية والملاك وان كانا باقيين في كلتا صورتي الاضطرار والنسيان وأمثالهما كما يقتضيه ظاهر اسناد الرفع اليهما لانه انما يصح فيما إذا كان هناك مقتض وملاك حتى يصح أن يقال ان أثره ومقتضاه مرفوع عن المضطر والناسي ونحوهما، الا انهما غير موثرين في الحرمة كما هو المفروض لعدم حرمة العمل بحسب الواقع ولا انهما مانعان عن ترخيص الشارع في ذلك العمل كما هو الحال في الناسي والمضطر وغيرهما. والمقتضي والملاك اللذان لا يؤثران في الحرمة ولا أنهما يمنعان عن ترخيص الشارع في ذلك العلم غير مانع عن المقربية وعن صحة التقرب به هذا كله فيما إذا كان النسيان عذرا واما النسيان غير المعذر الذي هو من من قبيل الممتنع بالاختيار المستند إلى اختياره وترك تحفظه كما في نسيان الغاصب فان الغالب فيه هو النسيان حيث انه بعد ما غصب شيئا ولم يرده إلى مالكه ينسى كونه مغصوبا غالبا إلا ان نسيانه ناش عن سوء الاختيار أعني غصبه لمال الغير وعدم رده إلى مالكه في أول الامر. إذا فهو من قبيل ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فهو عمل يعاقب عليه الغاصب وبصدر عنه مبغوضا ومع المبغوضية الواقعية وكونه موجبا للعقاب لا يمكن التقرب به بوجه لان المبعد يتسحبل أن يكون مقربا والمبغوض لا يعق مصداقا للواجب والمحبوب كما مر في الجاهل المقصر.

[ 373 ]

[ (مسألة 5): إذا التفت إلى الغصبية في أثناء الوضوء صح ما مضى (1) من أجزائه ويجب تحصيل المباح للباقي وإذا التفت بعد الغسلات قبل المسح هل يجوز المسح بما يقي من الرطوبة في يده ويصح الوضوء أو لا قولان (2). ] الالتفات إلى الغصبية في أثناء الوضوء: (1) هذا على مسلكه (قدس سره) من عدم بطلان وضوء الجاهل بغصبية الماء. وأما بناء على ما قدمناه فلابد من الحكم ببطلان ما مضى من الاجزاء المتقدمة ووجوب استئنافها بالماء المباح. اللهم إلا أن يكون ناسيا بنسيان عذري لما تقدم وعرفت من أن مصداق المأمور به إذا كان متحدا مع المنهى عنه فلا محالة يخصص اطلاق دليل الواجب بالحرام تخصيصا واقعيا ومن المعلوم ان الجهل بالحرام لا يجعل ما ليس بمأمور به مأمورا به كما تقدم تفصيله الالتفات إلى الغصبية بعد الغسلات: (2) قد استدل عليه بما أشار إليه في المتن من أن الندواة الباقية من الغسل بالماء المغصوب لا تعد مالا ولا يمكن ردها إلى مالكها. والظاهر انه لم يرد بذلك ان الرطوبة لا تعد مالا لعدم امكان الانتفاع بها مع بقائها على ملك مالكها والا لم يصح حكمه بجواز التصرف في النداوة المذكورة بالمسح بها لان المال والملك يشتركان في حرمة التصرف

[ 374 ]

فيهما من دون اذن مالكيهما. وانما الفرق بينهما في أن الملك لا ضمان فيه كما في حبة من الحنطة والثانى في الضمان لمكان المالية له ولكن الحكم بوجوب الرد إلى المالك وحرمة التصرف وغيرهما أمر يشترك فيه كل من المال والملك وان كانت الادلة اللفظية الواردة في حرمة التصرف من دون اذن المالك واردة في خصوص المال كقوله (ع) لا يحل مال امرء مسلم الا بطيبة نفس منه (* 1) الا ان من الظاهر ان التصرف في ملك الغير أيضا ظلم ومن أظهر موارد التعدي والعدوان فهو أيضا محرم ولابد من رده إلى مالكه. فكأنه (قده) أراد بذلك بيان ان الماء بعدما صرف في الغسل يعد تالفا وينتقل الامر فيه إلى بدله من القيمة أو المثل فالرطوبة في الاعضاء لا تعتبر مالا حيث لا ينتفع به في شئ بحسب الغالب فالرطوبة المتحققة في التراب عند اراقة ماء الغير على الارض لا تعتبر مالا لمالكها كما لا تعتبر ملكا له للغوية اعتبار الملك فيما لا يمكن ارجاعه إلى مالكه كما في النداوة. فإذا لم تكن الرطوبة مالا ولا ملكا لاحد جاز للمتوضئ أن يتصرف فيها بالمسح أو بالصلاة في الثوب المرطوب الذي قد غسل بالماء المغصوب مع بقاء الرطوبة فيه أو بالصلاة مع رطوبة بدن المصلي فيما إذا اغتسل بماء الغير ثم التفت إلى غصبيته قبل جفاف البدن. وما أفاده في المقام وفيما رتبه على ذلك بقوله: إذا توضأ بالماء المغصوب عمدا ثم أراد الاعادة هو الصحيح فإذا توضأ أو اغتسل بماء الغير


(* 1) كما في موثقة سماعة عن أبي عبد الله (ع) (في حديث) أن رسول الله (ص) قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فان لا يحل دم أمرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفس منه المروية في ب 3 من أبواب مكان المصلي من الوسائل.

[ 375 ]

[ أقواهما الاول لان هذه النداوة لا تعد مالا وليس مما يمكن رده إلى مالكه، ولكن الاحوط الثاني. وكذا إذا توضأ بالماء المغصوب عمدا ثم اراد الاعادة هل يجب عليه (1) تجفيف ما على محال الوضوء من رطوبة الماء المغصوب أو الصبر حتى تجف أولا؟ قولان أقواهما الثاني. وأحوطهما الاول. وإذا قال المالك أنا لا أرضى أن تمسح بهذه الرطوبة أو تتصرف فيها لا يسمع منه بناء على ما ذكرناه. نعم لو فرض امكان انتفاعه بها فله ذلك (2) ولا يجوز المسح بها حينئذ. ] نسيانا عذريا على ما سلكناه أو جهلا ونسيانا ولو غير عذري على مسلكه ثم التفت إلى غصبية الماء قبل المسح جاز له أن يمسح بالرطوبة الباقية على يديه وبذلك يصح غسله أو ضوءه. (1) الوجوب المذكور في كلامه شرطي لا محالة وليس وجوبا تكليفيا وإلا لم يفترق الحال في حرمة التصرف في مال الغير أو في ملكه - على تقدير ان تكون الرطوبة باقية على ماليتها وملكيتها - بين تجفيفها أو صب الماء عليها للتوضؤ أو الاغتسال فالوجوب المذكور شرطي أي هل يشترط في صحة الوضوء أحد الامرين أم لا؟ وقد ظهر مما سردناه عدم اشتراط شي ء من الامرين في صحة الوضوء لعدم بقاء الرطوبة على ماليتها وملكيتها كما لا يخفى. ابتناء المسألة على ثبوت حق الاختصاص: (2) تبتني هذه المسألة على ما تعرضنا له في بحث المكاسب تبعا لشيخنا الانصاري " قده " من أن المال إذا حكم عليه بالتلف وانتقل الامر إلى

[ 376 ]

بدله من القيمة أو المثل فهل يبقى للمالك حق الاختصاص فيما بقى من آثار ذلك المال مما لا مالية له أو لا يثبت حق اختصاص للمالك فيه. وذلك كما إذا كسر جرة غيره وحكم عليه بضمان قيمتها فهل المواد الخزفية الباقية بعد الكسر التي لا مالية لها بوجه ترجع إلى مالك الجرة لحق الاختصاص أو لا ترجع إليه؟ أو إذا اتلف خلا لغيره كما إذا جعله خمرا - مثلا - فهل لمالك الخل حق الاختصاص بها فيصح له منع الغير عن الانتفاع بها في مثل التداوي ونحوه من الانتفاعات المحللة فيجوز له خاصة أن ينتفع منها بتلك الانتفاعات المحللة دون غيره الا برضاه أو لا يثبت له حق الاختصاص بها؟ حكم شيخنا الانصاري (قده) ان الحكم بوجوب رد العوض من المثل أو القيمة في تلك الموارد انما هو غرامة وليس من باب المعارضة في شئ وعلى ذلك ترجع المواد والاجزاء الباقية من المال التالف إلى مالك المال وان لم يكن لها أية مالية وقيمة عند العقلاء وذلك لحق الاختصاص. وقد ذكرنا نحن في محله ان مقتضى السيرة وبناء العقلاء عدم ثبوت حق الاختصاص للمالك في تلك الموارد لان رد البدل عندهم معاوضة قهرية حينئذ وبتلك المعاوضة تنتقل الاجزاء الباقية والمواد إلى الضامن دون المالك وليس في ذلك حق الاختصاص بها. وعليه فلو طالب مالك الماء المتوضئ بالرطوبة الباقية على يديه لالصاق ورقة بأخرى بتلك الرطوبة - مثلا - لم يجب سماعه بل للمتوضئ أن يمسح بها لانتقالها إليه بالمعاوضة القهرية ورد البدل ومعه لا وجه للاستشكال في جواز المسح بالرطوبة المذكورة عند مطالبة المالك بها لغاية الانتفاع منها على الوجه الحلال وعلى الجملة لابد أن يكون الماء مباحا في الوضوء. ثم ان الاباحة قد تستند إلى كون الماء من المباحات الاصلية التي

[ 377 ]

لا مالك لها شرعا. وقد تستند إلى كونه ملكا للمتوضئ بعنوانه وتشخصه. وثالثة تستند إلى كونه ملكا لجهة عامة أو خاصة تشمل المتوضئ كما في الاوقاف العامة أو الخاصة فيما إذا كان المتوضئ من الموقوف عليهم ورابعة تستند إلى كون منفعة الماء مملوكة للمتوضئ كما في موارد الاجارة. وأما إذا لم يكن هناك شئ من هذه الامور فلابد في صحة الوضوء من اذن مالك الماء ورضائه وذلك لان حرمة التصرف في مال الغير من دون اذنه قد اطبقت عليها الاديان والشرايع ومن الامور الضرورية عند العقلاء. لبداهة ان التصرف في ملك الغير من دون رضائه ظلم وعدوان كما ان الحرمة من ضروريات الدين وقد دلت موثقة سماعة المتقدمة (* 1) على عدم جواز التصرف في مال الغير لا بطيبة نفسه. ثم ان المالك قد يصرح برضائه واذنه في الوضوء كما إذا قال ابحث لك التصرف في هذا الماء بالوضوء أو قوله انتفع به في الوضوء أو غير ذلك من العبارات. وقد يستكشف رضائه بالفحوى وطريق الاولوية كما إذا اجاز له في اتلاف ماله لانه يستلزم الاذن في الوضوء بطريق أولى حيث لا اتلاف معتد به في الوضوء أو لو كان فهو قليل. وثالثة يستكشف الاذن من شاهد حال كما في الضيوف ولا سيما في المضائف العامة فانه إذا أضاف أحد غيره يرضى بتصرفاته في مثل الماء الموجود في محل الضيافة بالاستنجاء أو بالتوضوء أو بغيرهما مما لا يوجب


(* 1) المتقدمة في ص 374

[ 378 ]

الاضرار والاتلاف كما جرت عليه السيرة في الضيافات فان الضيف يتصرف في مال المضيف كتصرفات نفسه وقد قيد الماتن " قده " شاهد الحال بالقطعي ويأتي عليه الكلام عن قريب ان شاء الله تعالى. بقي هنا شئ: وهو انك قد عرفت ان بناء العقلاء والمتشرعة على عدم جواز التصرف في مال الغير بغير اذنه ورضاه بل مر ان ذلك من ضروريات الدين ومما اطبقت عليه الاديان والشرايع إذا حرمة التصرف في مال الغير من غير اذنه ورضاه مما لا اشكال فيه. وانما الكلام في ان موضوع الحرمة المذكورة هل هو عدم الرضا القلبي والطيب النفساني أو ان موضوعها عدم الاذن وعدم ابراز الرضى بحيث لو علمنا برضاه قلبا ولكنه لم يبرزه بمبرز في الخارج من تصريح أو فحوى ونحوهما حكم بحرمة التصرف في ماله؟ مقتضى ما جرت عليه سيرة العقلاء والمتشرعة انما هو الاول ومن هنا تراهم يتصرفون في أموال غيرهم من كتاب أو لحاف أو عباء عند العلم برضى مالكه وان لم يبرز رضائه في الخارج بشئ. وتدل عليه صريحا موثقة سماعة " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله الا بطيبة نفس منه " (* 1) حيث علقت الجواز على طيبة النفس لا على الاذن والابراز. نعم ورد في التوقيع الخارج إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان


(* 1) المروية في ب 3 من ابواب مكان المصلي من الوسائل

[ 379 ]

العمري قدس الله روحه قوله (ع) فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير اذنه (* 1) وهو كما ترى قد علق الجواز على اذن المالك وابراز رضائه في الخارج. ولكن الصحيح هو الاول كما مر وذلك لان الرواية الثانية ضعيفة السند فانها قد رويت في الاحتجاج عن أبي الحسين محمد بن جعفر وهو منقطع السند ورويت أيضا عن مشايخ الصدوق (قده) كعلي بن احمد ابن محمد الدقاق وعلي بن عبد الله الوراق وغيرهما ولكنهم لم يوثقوا في الرجال وليس في حقهم غير انهم من مشايخ الاجازة للصدوق " قده " وانه قد ترضى وترحم على مشايخه في كلامه. وشئ من ذلك لا بدل على توثيقهم لوضوح ان مجرد كونهم مشيخة الاجازة غير كاف في التوثيق لعدم دلالته على الوثاقة بوجه، كما ان ترحمه وترضيه " قده " كذلك فان الامام (ع) قد يترحم على شيعته ومحبيه ولا يدل ذلك على وثاقة شيعته فكيف بترحم الصدوق (قده) هذا اولا. وثانيا ان الجمع العرفي بين الروايتين يقتضي حمل الاذن في الرواية الثانية على كونه كاشفا عن الطيب النفساني والرضا القلبي من دون أن تكون له خصوصية في ذلك ومع امكان الجمع العرفي بين الروايتين لا تكون الرواية مخالفة لما ذكرناه إذا المدار في جواز التصرف لغير المالك انما هو رضى المالك وطيبة نفسه سواء اكان مبرزا بشئ أم علمنا بوجوده من دون ابرازه بمبرز. هذا كله فيما إذا علمنا برضى المالك على احد الانحاء المتقدمة واما إذا شككنا في رضاه فقد أشار الماتن إلى تفصيل الكلام فيه بقوله: مع الشك.


(* 1) المتقدمة في ص 374

[ 380 ]

[ (مسألة 6): مع الشك في رضا المالك (1) يجوز التصرف ويجرى ] صور الشك في رضى المالك: (1) قد يكون لرضى المالك حالة سابقة متيقنة وقد يكون مسبوقا بها. أما إذا لم تكن له حالة سابقة فلا اشكال في عدم جواز التصرف في ماء الغير بالتوضؤ أو بغيره وذلك لاستصحاب عدم اذنه ورضاه لان المستثنى في قوله (ع) لا يحل لاحد ان يتصرف في مال غيره الا برضاه أو بطيبة نفسه وهو مما يجرى الاستصحاب في عدمه. وأما إذا كانت له حالة سابقة فهي على قسمين: فقد يعلم برضى المالك بهذا التصرف الشخصي سابقا كما إذا كانت بينهما صداقة فاذن له في التوضؤ بمائه أو في جميع التصرفات فيه ثم ارتفعت الصداقة ولاجله شككنا في بقاء اذنه ورضاه ولا شبهة وقتئذ في جريان الاستصحاب في بقاء الرضاء وبه يحكم على جواز التوضؤ وصحته. واخرى لا يعلم الا اصل الرضا على نحو الاجمال كما إذا لم ندر انه هل رضى بالتصرف في مائه هذا اليوم فقط أو انه أذن له في تصرفاته فيه في اليوم الثاني والثالث أيضا ففي هذه الصورة لابد من الاقتصار بالمقدار المتيقن من اذن المالك وهو اليوم الاول في المثال وأما في غيره فلابد من الرجوع إلى عمومات حرمة التصرف في مال الغير من دون اذنه. والسر في ذلك ما سردناه في التكلم على المعاطاة من ان كل تصرف

[ 381 ]

[ عليه حكم الغصب فلابد فيما إذا كان ملكا للغير من الاذن في التصرف فيه صريحا أو فحوى (1). أو شاهد حال قطعي (2) ]. مغائر للتصرف الآخر وحرمة التصرف في مال الغير انحلالية وقد ثبت على كل واحد من أفراد التصرفات حرمة استقلالية ومعه إذا علمنا ارتفاع الحرمة عن فرد من أفراد المحرم فقد علمنا بجواز ذلك الفرد من الافراد المحرمة ولا يستلزم هذا ارتفاع الحرمة عن الفرد المحرم الآخر بل لابد معه من الرجوع إلى عموم حرمة التصرف في مال الغير كما عرفت. (1) كما قدمناه فلاحظ. (2) قد قيد شاهد الحال بالقطعي ولعله أراد منه مطلق الحجة المعتبرة إذ لا وجه لتخصيصه ذلك بخصوص القطعي منها لوضوح ان الاطمئنان أيضا حجة عقلائية يعتمدون عليه امورهم ومعاشهم ولا سيما في أمثال تصرفات الضيوف للاطمئنان الخارجي برضى المضيف لهم. بل وكذلك الحال في القسمين السابقين أعني تصريح المالك بالاذن أو استكشافه بالفحوى فان مالكية الاذن قد تثبت بالبينة والامارة الشرعية كاليد لا بالعلم الوجداني. وكذا تصريحه بالاذن فانه قد يثبت بالبينة وقد ثبت بالفحوى كما إذا رأينا ان من بيده المال قد اذن في اتلافه وعلمنا منه اذنه في الوضوء بطريق الاولوية القطعية مع ان مالكيته مستندة إلى اليد. وعلى الجملة تكفي في جواز التصرفات في الاملاك الراجعة إلى الغير قيام شئ من الحجج المعتبرة على الاذن والرضا بتلك التصرفات ولا اختصاص في ذلك للعلم.

[ 382 ]

[ (مسألة 7): يجوز الوضوء والشرب من الانهار الكبار (1) سواء كانت قنوات أو منشقة من شط وان لم يعلم رضى المالكين بل وان كان فيهم الصغار والمجانين نعم مع لهيهم بشكل الجواز. ] حكم التوضوء من الانهار الكبار: (1) قد أسلفنا حكم التوضوء من المياه المملوكة غير الكبيرة. وأما المياه الكبيرة المملوكة للغير فقد أفتى الماتن " قده " بجواز التوضؤ والشرب من الانهار الكبيرة وان لم يعلم برضى ملاكها وهذا هو المشهور بين الاصحاب " قدس الله اسرارهم ". بل قد ذهب بعضهم إلى جواز التصرف فيها حتى مع منع المالك عن تصرف الغير في مياهه، وكذلك التصرف في الاراضي الوسيعة بالتوضؤ فيها أو الجلوس والنوم عليها. وتبعهم الماتن في بعض أقسام الاراضي كالاراضي المتسعة جدا. والكلام في مدرك ذلك والعمدة فيه هي السيرة القطعية المستمرة على ما يأتي تقريبها. وقد يستدل عليه بانصراف أدلة التصرف في مال الغير بغير اذنه عن مثل الصلاة والجلوس والنوم ونحوها من التصرفات غير المضرة لمالك المال وكذلك الوضوء فيما إذا صب مائه عليه النهر المملوك لمالك الماء بحيث نعلم عدم تضرره الا بمقدار يسير لا يعتني به عند العقلاء أعني الرطوبات الباقية على يديه أو وجهه ومن هنا جاز الاستظلال بجدار الغير أو الاستضاءة بنوره أو ناره. ويندفع بأن الاستظلال بجدار الغير أو الاستظاءة بنوره وان كان

[ 383 ]

مباحين الا ان الوجه في اباحتهما عدم كونهما تصرفا في جدار الغير أو مصاحبه - مثلا -. وليس الوجه فيه هو انصراف أدلة حرمة التصرف عن مثله، حيث لا موجب للانصراف بعد صدق التصرف على مثل الصلاة في ارض الغير أو الوضوء بمائه مع عموم قوله في موثقة سماعة المتقدم " لا يحل مال امرء مسلم الا بطيبة نفسه ". وأخرى يتوهم عدم شمول أدلة حرمة التصرف لمثل الوضوء من الانهار الكبيرة من جهة معارضتها بما دل على مطهرية الماء وطهارته وعدم انفعاله الا بالتغير نظرا إلى ان مقتضى اطلاق تلك الادلة أو عمومها حصول الطهارة بالتوضؤ من مياه الغير. ويتوجه عليه انا لا ننكر طهورية الماء وعدم انفعاله إلا بالتغير وانما ننكر مطهريته عند كونه ملك الغير من جهة العنوان الثانوي وهو كونه تصرفا في مال الغير من دون اذنه وعليه فالادلة المذكورة أجنبية عما نحن بصدده وغير معارضة للادلة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير من دون رضاه. نعم حكى عن المجلسي والكاشاني (قدهما) الاستدلال على ذلك بما ورد في بعض الروايات من ان الناس في ثلاثة شرع سواء الماء والنار والكلاء ومقتضاها جواز التوضؤ والشرب من المياه المملوكة للغير وان لم يرض به ملاكها. الجواب عن ذلك ان الرواية لابد من حملها على المياه التي هي من المباحات غير الداخلة في حيازة أحد وكذا في النار والكلاء وإلا فظاهرها جواز التصرف في تلك الامور الثلاثة مطلقا حتى فيما إذا حازها أحد وجعلها في اناء مثلا أو كان التصرف فيها مستلزما لتضرر

[ 384 ]

ملاكها كشق نهر مملوك لغيره ونحو ذلك. مع انه على خلاف الضرورة وخلاف ما بنى عليه العقلاء، فان الاشتراك في الاموال المذكورة على خلاف الاديان وخلاف الضرورة في ديننا وهو من أظهر أنحاء الظلم والعدوان وتعدى لاموال الناس بلا مسوغ فيكف يؤخذ مال الغير من دون اذنه بدعوى انه ماء أو نار أو كلاء. وحمل الرواية على خصوص الانهار الكبار يستلزم تخصيص الاكثر المستهجن إذا لا مناص من حملها على الماء أو الكلاء أو النار التي هي من المباحات الاصلية غير الداخلة في حيازة أحد أو مع كراهة المنع عن فضل الماء أو الكلاء كما ورد في بعض الروايات (* 1). ولعله من جملة الحقوق المستحبة فيستحب أن لا يمنع فضل الامور المذكورة فلاحظ. هذا مع انا لم نقف على الرواية المذكورة بتلك الالفاظ لا من طرقنا ولا من طرق العامة والموجودة في رواياتنا انما هي رواية الشيخ (قده) باسناده عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن أبي الحسن (ع) قال سألته عن ماء الوادي فقال ان المسلمين شركاء في الماء والنار والكلاء (* 2) ورواها الصدوق (قده) أيضا باسناده عن محمد بن سنان ولكنها أيضا ضعيفة السند بمحمد بن سنان وغير قابلة للاستدلال بها في محل الكلام وورد أيضا عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الناس شركاء في ثلاث النار والماء والكلاء (* 3) ولكنها أيضا ضعيفة السند بالارسال.


(* 1) راجع ب 7 من ابواب احياء الموات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 5 من ابواب احياء الموات من الوسائل. (* 3) المروية في ب 4 من ابواب احياء الموات من المستدرك.

[ 385 ]

وعلى تقدير تماميتها من حيث السند لابد من حملها على المحملين الذين قدمنا ذكرهما آنفا والمراد بالنار في الرواية اما اصلها وهو الحطب فتكون الرواية دالة على كراهة المنع عن فضل الحطب أيضا أو تبقى على ظاهرها فيحكم بكراهة المنع عن فضل النار نفسها وكيف كان لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية في المقام. والمتحصل عدم امكان الاستدلال على هذا الحكم بشئ من الامور المتقدمة. فالعمدة هي السيرة القطعية المستمرة حيث ان الناس يتصرفون في الاراضي الوسيعة بمثل الاستراحة والتغدي أو الصلاة وفي الانهار الكبيرة بالشرب والاغتسال والتوضؤ كما هو المشاهد في الماشين إلى زيارة الحسين عليه السلام راجلا. ولم يرد ردع عن ذلك كما عرفت فلو كان ذلك من التصرفات المحرمة لردعوا عن ذلك لا محالة وعلى هذا فان احرزنا جريان السيرة على ذلك في مورد فلابد من أن نحكم بجواز التوضؤ والصلاة أيضا كبقية التصرفات فيه. وأما مع الشك في قيامها في مورد كما إذا المالك صغيرا أو مجنونا أو منع الغير عن التصرف في مائه ونهره فلا مناص من الحكم بحرمة التصرفات الواقعة فيه لعدم قيام السيرة فيها على الجواز. والحاصل ان حرمة التصرف في أموال الناس واملاكهم مما قد اطبقت عليه الاديان - كما قيل - وهو الصحيح المحقق في محله لان التصرف في أموال الناس من دون اذنهم ظلم وعدوان وعليه جرت سيرة المتدينين وبناء العقلاء بل هو من ضروريات الدين الحنيف مضافا إلى الاخبار الدالة على عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بطيبة نفسه.

[ 386 ]

إذا لابد في جواز التصرف في اموال الغير من العلم برضى المالك واذنه. نعم إذا اذن المالك الحقيقي وهو الشارع في التصرف في مال الغير - كما في حق المارة مثلا - أيضا يجوز التصرف فيه سواء رضي به المالك الصوري أم لم يرض به بل منع عنه والا فمقتضى ما قدمناه حرمة التصرفات في أموال الغير وعدم جوازه. والمخصص لتلك الادلة ليس دليلا لفظيا - على ما قدمناه - ليتمسك بعمومه أو اطلاقه وانما هو السيرة القطعية الجارية على التصرف في مثل الانهار الكبار والاراضي المتسعة حيث لا يرون ذلك منافيا للعدالة بل يتصرفون فيها تصرف الملاك في أملاكهم ولم يردع عنها الشارع كما مر وهي دليل لبي يقتصر فيها بالمقدار المتيقن أعني موارد العلم بقيام السيرة. ففي كل مورد علمنا بقيامها فيه فهو وأما إذا شككنا في تحققها وعدمه فمقتضي العمومات والاطلاق واطباق الاديان والعقلاء هو حرمة التصرف وعدم جوازه كما مر. والمقدار الذي يتيقن بقيام السيرة فيه على الجواز انما هو الانهار الكبيرة والاراضي المتسعة فيما إذا كانت بيد ملاكها وكانوا متمكنين من التصرف فيها ويسمع اذنهم واجازتهم فيه ولم يظهر متهم عدم الرضا به وأما إذا فرضنا ان المالك صغير أو مجنون بحيث أو اذن في التصرف في أموال لم يسمع منه ذلك فضلا عما إذا لم يأذن. ولا يتمكن وليه من الاذن فيه لان اذنه في التصرف في اموال الصغار انما يعتبر في الامور الراجعة إلى مصلحة الصغير أو المجنون بمراعاة غبطتهما ولا مصلحة في الاذن في تصرف الناس في أنهارهما أو أراضيهما كما لا يخفى. وكذلك الحال فيما إذا أحرزنا ان المالك بخيل لا يرضى بالتصرف

[ 387 ]

[ وإذا غصب غاصب أيضا يبقى جواز التصرف (1) لغيره ما دامت جارية في مجراها الاول، بل يمكن بقاؤه مطلقا. وأما الغاصب فلا يجوز (2) وكذا لاتباعه (3) من زوجته وأولاده ] في أمواله فلا علم لنا بتحقق السيرة وقيامها على الجواز. ومع احراز السيرة لا يمكن الحكم بجواز التصرف من الوضوء والاغتسال والصلاة فيما يرجع اليهما وكذا الحال فيما إذا ظن كراهة المالك وهذا لا لان الظن حجة يعتمد عليها لدى (الاسراع؟) بل من جهة انه يولد التردد والشك في تحقق السيرة ومع عدم احرازها لا يمكن الحكم بالجواز. نعم إذا شككنا في ان المالك صغير أو مجنون أو كاره للتصرف في مائه أو أرضه لم يكن مانع من التصرف بالوضوء والصلاة وامثالها وقتئذ من جهة قيام السيرة عليه مع الشك في ذلك. اغتصاب الانهار الكبيرة غير مغير لحكمها: (1) ولكنك قد عرفت عدم جواز التصرف فيما إذا لم يكن الماء تحت يد المالك لان القدر المتيقن من السيرة الجارية على الجواز انما هو ما كان الماء أو الارض تحت يد مالكيتها واما إذا كان خارجا عن يده وكان في يد الغاصب فلا علم بثبوت السيرة وجريانها على التصرف فيهما بالتوضوء أو الصلاة ونحوهما ولعل الوجه في عدم جريان السيرة حينئذ ان التصرف في الماء وهو في يد الغاصب تأييد عملي له. (2) لحرمة التصرف في مال اليغر من دون اذنه ورضاه وعدم تحقق السيرة على تصرف الغاصب فيما غصبه بالتوضؤ أو الصلاة. (3) لعين ما قدمناه في التعليقة المتقدمة.

[ 388 ]

[ وضيوفه، وكل من يتصرف فيها بتبعيته، وكذلك الاراضي الوسيعة (1) يجوز التوضؤ فيها كغيره من بعض التصرفات، كالجلوس والنوم ونحوهما ما لم ينه المالك (2) ولم يعلم كراهته، بل مع الظن (3) أيضا الاحوط الترك. ولكن في بعض اقسامها يمكن ان يقال ليس للمالك النهي أيضا. (مسألة 8): الحياض الواقعة في المساجد والمدارس إذا لم يعلم كيفية وقفها من اختصاصها بمن يصلي فيها أو الطلاب الساكنين فيها " أو عدم اختصاصها لا يجوز لغيرهم التوضؤ منها (4) الا مع جريان العادة بوضوء كل من يريد مع عدم منع احد فان ذلك يكشف عن عموم الاذن. ] (1) لقيام السيرة على التصرف فيها بمثل الصلاة والاستراحة عليها كما تقدم. (2) لعدم قيام السيرة على جواز التصرف في الانهار الكبار والاراضي المتسعة عند نهي المالك عن التصرف في ماله ولا اقل من الشك في ذلك وهو كاف في الحكم بحرمة التصرف وعدم الجواز. (3) لا لاعتبار الظن وحجيته بل لا (يراثه؟) الشك في تحقق السيرة كما مر. حكم التوضؤ من حياض المساجد ونحوها: (4) قد تعرضنا لتفصيل هذه المسألة في التكلم على أحكام التخلي عند تعرض الماتن للتخلي في أرض الغير وذكرنا هناك ان عموم الوقف وخصوصه انما يتبعان جعله على وجه العموم أو الخصوص حال الوقف وانشائه. فإذا شككنا في ذلك فمقتضى اصالة عدم جعله ولحاظه على وجه

[ 389 ]

[ وكذا الحال في غير المساجد والمدارس كالخانات ونحوها. (مسألة 9): إذا شق نهر أو قناة من غير إذا مالكه لا يجوز الوضوء بالماء الذي في الشق (1) وان كان المكان مباحا أو مملوكا له. بل يشكل (2) إذا أخذ الماء من ذلك الشق وتوضأ في مكان آخر وان كان له أن يأخذ من أصل النهر أو القناة. (مسألة 10): إذا غير مجرى نهر من غير اذن مالكه، وان لم يغصب الماء ففي بقاء حق الاستعمال الذي كان سابقا من الوضوء والشرب من ذلك الماء لغير الغاصب اشكال. وان كان لا يبعد (3) بقاء هذا بالنسبة إلى مكان التغيير، واما ما قبله ] العموم عدم جواز تصرف غير المخصوصين من سكنة المدارس أو المصلين في المسجد ونحوهما فلا يجوز التصرف فيه لمن شك في اندراجه في الموقوف عليهم أو المباح لهم ولا يعارضها أصالة عدم جعله على وجه الخصوص وذلك لانها مما لا أثر شرعي له في المقام فان الاثر أعني حرمة التصرف لغير المخصوصين مترتب على عدم جعله على وجه العموم وعدم لحاظه ذلك حين الوقف ولم يترتب على جعله على وجه الخصوص. (1) لعدم جريان السيرة وقتئذ على التصرف في الماء بالتوضؤ. (2) لعين ما قدمناه من عدم احراز قيام السيرة على التصرف عند عدم كون الماء تحت يد المالك. إذا غير المجرى من دون اذن المالك: (3) كما إذا كان مجرى الماء على وجه الدائرة فغيره وجعله على وجه الخط المستقيم لغرض له في ذلك من دون أن يكون الماء تحت يد الغاصب

[ 390 ]

[ وما بعده فلا اشكال. (مسألة 11): إذا علم أن حوض المسجد وقف على المصلين فيه (1) لا يجوز الوضوء منه بقصد الصلاة في مكان آخر ولو توضأ بقصد الصلاة فيه ثم بدا له أن يصلي في مكان آخر أو لم يتمكن من ذلك فالظاهر عدم بصلان وضوئه. ] ولا ان يكون المكان والمجرى مغصوبا كما إذا كان برضى مالك المجرى أو كان مملوكا لمالك الماء، وحيث ان المتيقن من موارد السيرة هو ما إذا كان الماء في المجرى الاولى ونشك في قيامها مع التغيير فلابد من الحكم بحرمة التصرف في الماء بالتوضؤ أو الاغتسال ونحوهما من جهة الادلة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير من غير احراز المخصص لها وهو السيرة كما مر. إذا كان حوض المسجد وقفا على المصلين فيه: (1) وحيث ان الصلاة متأخرة عن الوضوء فتكون حرمة التوضؤ - من الماء الموقوف على المصلين في المسجد بالاضافة إلى من لا يصلي فيه - مشروطة بالشرط المتأخر وهو عدم الصلاة في المسجد بعد الوضوء وهذا من أحد موارد الشرط المتأخر في الاحكام الشرعية. فإذا توضأ منه ثم ترك الصلاة فيه استكشف من تركه ان الوضوء كان محرما في حقه لانه خارج عن الموقوف عليهم وهو من صلى في المسجد بعد الوضوء على الفرض. ثم ان حال هذه الحرمة لا تخلو عن أحد أوجه ثلاثة لانها اما ان تكون فعليه متنجزة، وأما أن تكون فعليه غير متنجزة، واما ان لا تكون

[ 391 ]

[ بل هو معلوم في الصورة الثانية، كما انه يصح لو توضأ غفلة أو باعتقاد عدم الاشتراط، ولا يجب عليه أن يصلي فيه وان كان احوط بل لا يترك في صورة التوضأ بقصد الصلاة فيه والتمكن منها، ] فعليه ولا متنجزه بل كان هناك مجرد انشاء الحرمة. أما الصورة الاولى أعني ما إذا كانت حرمة الوضوء من الماء فعليه متنجزة كما إذا كان المكلف عالما بالاختصاص وان الماء موقوف على خصوص من صلى في المسجد بعد الوضوء وكان قاصدا عدم الصلاة فيه بعد الوضوء فان الحرمة متنجزة حينئذ لعلم المكلف بها وتعمده فلا اشكال في حرمة التوضوء وبطلانه حينئذ. لانه لا يتمشى منه قصد القربة مع العلم بالحرمة وعدم كونه من الموقوف عليهم حتى لو عدل عن قصده بعد الوضوء وبني على الصلاة في ذلك المسجد لم يكن قصده ذلك وعمله المتأخران عن التوضؤ بالباطل مصححين له لان الوضوء بعدما وقع باطلا لعدم تمشي قصد القربة حال العمل لا ينقلب عما وقع عليه بقصد المتوضي الصلاة في المسجد وهذا ظاهر. وأما الصورة الثانية أعني ما إذا كانت حرمة التوضؤ فعلية من غير أن تكون متنجزة في حق المكلف كما إذا توضأ بذلك الماء قاصدا به الصلاة في المسجد الا انه لم يكن في علم الله سبحانه ممن يصلي في المسجد بعد الوضوء ولم يكن من جملة الموقوف عليهم. لانه وقتئذ وان كان معذورا في تصرفه في الماء بقصده الصلاة في المسجد بعد الوضوء الا انه بحسب الواقع كان محرما في حقه فان تركه الصلاة في المسجد بعد الوضوء يكشف عن عدم كونه مندرجا في الموقوف عليهم والمفروض ان التصرف في الماء محرم لغيرهم. فالحكم في هذه الصورة يبتنى على ما قدمناه في التوضؤ بالماء المغصوب جاهلا

[ 392 ]

بالحال من ان الحرمة والمبغوضية الواقعيتين هل يقتضيان بطلان العمل لاستحالة كون المحرم مصداقا للواجب أوا ن الحرمة من الموانع الذكرية ومع الجهل بها لا مقتضى للبطلان وقد عرفت ان الاول هو الحق. وبناء على ذلك لا مناص من الحكم ببطلان الوضوء في مفروض الكلام للمبغوضية والحرمة الواقعيتين واستحالة كون المحرم مصداقا للواجب على تفصيل قد عرفت وحيث ان الماتن كغيره ممن لا يرى الحرمة الواقعية مبطلة للعمل ما دام غير متنجز على المكلف. فقد ذهب في المتن إلى صحة التوضؤ في مفروض المسألة في هذه الصورة. ومن هذا القبيل ما إذا توضأ بماء المسجد قاصدا به الصلاة فيه الا انه احتمل عدم تمكنه من ذلك كما إذا كان باب المسجد ينسد في وقت معين واحتمل المكلف اقتراب وقت الانسداد ولكنه عمد إلى الوضوء بحجة معتبرة قائمة على تمكنه من الصلاة في المسجد من استصحاب أو امارة وكان في الواقع وعلم الله سبحانه لا يتمكن من الصلاة فيه وكان خارجا عن الموقوف عليهم واقعا، لان عدم تمكنه من ذلك بعد الوضوء يكشف عن عدم كونه من الموقوف عليهم لا محالة وان التصرف في ذلك الماء كان محرما في حقه واقعا وان كان معذورا في تصرفه في الماء بالوضوء. وأما الصورة الثالثة أعني ما إذا لم تكن حرمة التصرف فعلية ولا متنجزة في حق المكلف بل انما كان هناك انشاء الحرمة فحسب. كما إذا توضأ بماء الحوض في المسجد معتقدا تمكنه من الصلاة في المسجد بعد الوضوء أو غافلا عن ان الوقف مخصوص بالمصلين في المسجد ولم يكن بحسب الواقع متمكنا من الصلاة في المسجد والماء موقوف على خصوصهم.

[ 393 ]

فان حرمة التصرف فيه ساقطة واقعا حيث لا معنى لفعلية الحرمة مع الغفلة أو الاعتقاد بالتمكن من الصلاة لعدم كونها قابلة للامتثال في حقيهما ولو على وجه الاحتياط لان الغافل والجاهل المركب غير متمكنين من الاحتياط ومع عدم قابلية الحكم للامتثال لا معنى لفعليته. فالصحيح حينئذ هو الحكم بصحة وضوئه لتمشي قصد التقرب منه وعدم حرمة الفعل ومبغوضيته واقعا ومع انتفاء الحرمة لا وجه للبطلان. نعم يبقى الكلام حينئذ في أنه إذا التفت إلى خصوصية الوقف بعد الوضوء أو علم بخطأ اعتقاده ثم عرض له التمكن بعد ذلك فهل يجب عليه أن يصلي ذي ذلك المسجد حتى يندرج بذلك في عنوان الموقوف عليهم؟ ذكر في المتن انه هو الاحوط بل لا يترك في صورة التوضؤ بقصد الصلاة فيه والتمكن منها. ولا نرى نحن وجها صحيحا لا يجاب للصلاة عليه في المسجد في مفروض الكلام وذلك لان ما يوجب بطلان الوضوء انما هو احد أمرين إما الحرمة المتنجزة وإما الحرمة الواقعية على الخلاف فيها بيننا وبين الاصحاب (قدهم). ولا تحقق لشئ منهما في المقام ومعه يقع الوضوء محكوما بالصحة - لا محالة - فلا وجه للحكم بوجوب الصلاة في ذلك المسجد، لان الوضوء من حوض المسجد قد حكم بصحته سواء اندرج المتوضي في الموقوف عليهم أم لم يندرج فله أن يصلي في أي مكان شاءه. تنبيه: وهو أن صحة الوضوء في الصورة الثالثة من جهة عدم فعلية الحرمة في حق المكلف لا تستلزم الحكم بعدم ضمانه الماء فيما إذا كانت للماء الذي توضأ به مالية لدى العرف كما إذا توضأ خارج الحوض وصرف مقدارا له مالية عند العقلاء وذلك لانه اتلاف لمال الموقوف عليهم فيوجب الضمان

[ 394 ]

[ (مسألة 12): إذا كان الماء في الحوض وأرضه وأطرافه مباحا لكن في بعض أطرافه نصب آجر أو حجر غصبي يشكل الوضوء منه (1) مثل الآنية إذا كان طرف منها غصبيا ] وان قلنا بصحة وضوئه. وعلى الجملة لا ملازمة بين الحكمين بوجه فربما نحكم بصحة وضوئه وضمانه كما في المثال. وقد نحكم بصحة وضوئه من دون ان نحكم بالضمان كما إذا توضأ غفلة من الماء في الحوض من دون أن يصبه على الارض بحيث لم يتلف من الماء إلا بمقدار الرطوبة الباقية على أعضائه وهي مما لا مالية له. وثالثة نحكم بالضمان ولا نحكم بصحة الوضوء كما إذا توضأ من الماء في احدى الصورتين الاوليتين وصرف من الماء مقدارا له ماليته عند العقلاء. إذا كان بعض أطراف الحوض مغصوبا: (1) الحكم بالبطلان في مفروض المسألة يبتني على أن يعد التوضؤ من الحوض أو الاناء تصرفا في ذلك الآجر المغصوب أو الطرف الغصبي منه سواء كان على نحو الاشاعة كما في اغتصاب أحد الشريكين حصة شريكه من الحوض أو الاناء أم كان على نحو التعيين والافراز لانه إذا عد من التصرف لدى العرف وكان الماء منحصرا بذلك الماء الموجود في الحوض أو الاناء وجب عليه التيمم لا محالة. فلا أمر في حقه بالوضوء لفرض انه فاقد الماء فلا يقع وضوءه على وجه الصحة. وأما إذا لم يعد تصرفا عرفيا فيهما أو عد ولم يكن الماء منحصرا بالماء

[ 395 ]

[ (مسألة 13): الوضوء في المكان المباح مع كون فضائه غصبيا مشكل بل لا يصح لان حركات يده تصرف في مال الغير (1). ] الموجود فيهما فالتحقيق صحة وضوئه كما اسلفناه في التوضوء من الاناء المغصوب لانه مأمور بالوضوء وقتئذ والماء مباح له وانما المحرم مقدمة وضوئه أعني التصرف في ذلك الحوض أو الاناء بأخذ الماء منه وقد تقدم غير مرة ان حرمة المقدمة لا تسرى إلى ذي المقدمة هذا. بل ذكرنا في الكلام على اواني الفضة والذهب أنه يمكن ان يحكم بصحة الوضوء حتى في صورة انحصار الماء به وذلك بالترتب لانه حينئذ إذا أراد أن يمتثل الوظيفة المقررة في حقه شرعا من غير عصيان يتيمم ويصلي. وأما إذا عصى واخذ الماء من ذلك الاناء أو الحوض فهو متمكن من التوضوء على وجه التدريج وهذا كاف في الحكم بصحة الوضوء بالترتب. إذا كان الفضاء غصبيا: (1) لا اشكال في ان حركة اليد تصرف في الفضاء وقد فرضنا أنه للغير فهو محكوم بالحرمة لا محالة غير ان حرمته لا تستلزم الحكم ببطلان الوضوء لان حركات يده مقدمة للوضوء أو الاغتسال المأمور به أعني وصول الماء إلى بشرته. وقد ذكرنا غير مرة ان حرمة المقدمة لا تسري إلى ذي المقدمة فهو وان كان يصدر عنه أمران منضمان أحدهما التحريك والآخر الاغتسال وايصال الماء إلى البشرة أحدهما محرم والآخر مأمور به الا ان الحكم لا يسري من أحدهما إلى الآخر كما مر.

[ 396 ]

[ مسألة 14): إذا كان الوضوء مستلزما (1) لتحريك شئ مغصوب فهو باطل (2). ] وكذلك الحال في مسح الرجلين لانه وان كان موجبا للتصرف في الفضا لاشتماله على امرار اليد على الرجلين وهو من التصرف في الفضاء لا محالة إلا ان الامرار خارج عن حقيقة المسح المأمور به لانه في لغة العرب هو المس ولا فرق بينهما إلا في التدرج فان المسح هو المس التدريجي. ومن هنا قلنا ان مجرد وضع اليد على الرجلين غير كاف في تحقق المسح المأمور به بل لابد من مسها عليهما ولكن المس أمر والامرار أمر آخر. نعم لا يتحقق المس إلا بالامرار فهو مما لا يتحقق الواجب الا به لا أنه من احد اجزاء الواجب والمأمور به إذا حرمة الامرار والحركة لا تسري إلى الوضوء أعني الغسل والمسح. نعم لو تمكن من التيمم في الفضاء المباح تعين عليه التيمم لانه فاقد للماء حيث ان الوضوء في حقه مشتمل على أمر حرام من جهة مقدمته والشارع لا يأمر بالحرام الا انه إذا عصى ذاك الكليف وارتكب الحرام فقد صار واجدا للماء ومتمكنا من الوضوء فلو توضأ وقع وضوئه صحيحا لا محالة ز استلزام الوضوء تحريك المغصوب: (1) بأن كان بينهما مجرد التلازم الخارجي من دون أن يكون الوضوء متوقفا عليه كما إذا كان الحرام مقدمة للوضوء ومثاله ما إذا كان وضوئه أعنى الغسلتين والمسحتين مستلزما لتحريك ما بيده وبدنه من الثوب المغصوب. (2) قد عرفت عدم بطلان الوضوء فيما إذا كانت مقدمته محرمة

[ 397 ]

[ (مسألته 15): الوضوء تحت الخيمة المغصوبة ان عد تصرفا فيها كما في حال الحر والبر المحتاج إليها باطل (1). ] فكيف ما إذا كانت مقدمته مباحة ولكن كان الملازم الخارجي له محكوما بالحرمة. فان الحكم بعدم بطلان الوضوء فيما إذا كان ما يتوقف عليه محرما يستلزم الحكم بعدم بطلانه فيما إذا كان ملازمة محرما - دون مقدمته - بطريق أولى حيث يصدر من المكلف أمران متلازمان وحرمة أحدهما لا تسري إلى الآخر كما مر. الوضوء تحت الخيمة المغصوبة: (1) ونظيرها ما إذا كان السقف غصبيا أو كان الحيطان أو الجص كذلك من دون حرمة المكان والفضاء والماء. وقد فصل " قده " في هذه المسألة بين ما إذا عد التوضؤ تحت الخيمة تصرفا عرفيا في الخيمة وما إذا لم يكن معدودا من التصرف بالحكم بالبطلان في الصورة الاولى دون الثانية. ولا كلام لنا في الشرطية بوجه وانه متى ما صدق على التوضؤ تحت الخيمة عنوان التصرف فيها كان الوضؤ باطلا. وانما الكلام في أنه متى يصدق على التوضؤ تحت الخيمة المغصوبة عنوان التصرف فيها وانه كيف يكون الوضوء تصرفا في الخيمة أو السقف نعم الانتفاع بالخيمة أمر صحيح حيث النفع بظلها أو بغير الظل من فوائد الخيمة واما انه تصرف فيها فلا نرى له وجها محصلا. نعم إذا استولى على خيمة الغير وكانت الخيمة ذات منفعة ومالية

[ 398 ]

[ (مسألة 16): إذا تعدى الماء المباح من المكان المغصوب إلى المكان المباح لا اشكال في جواز الوضوء منه (1). (مسألة 17): إذا اجتمع ماء مباح كالجاري من المطر في ملك ] كما في أيام الحر في الاماكن الحارة - مثلا - استلزم ذلك ضمان الخيمة وضمان جميع منافعها الفائتة ما دامت تحت يد الغاصب أي ما دام مستوليا عليها سواء استوفاها أم لم يتسوفها الا انه أمر آخر إذا الكلام فيما إذا توضأ تحت الخيمة من غير الاستيلاء عليها خارجا وقد سلمنا ان التوضوء تحتها قد يكون انتفاعا منها. الا ان ذلك لا يصحح أن يكون الوضوء تصرفا في الخيمة أو السقف بوجه ومن هنا يظهر أنه إذا اغتصب خمية غيره - كما في الغرفات مثلا - وعلم غيره انها مغصوبة جاز له أن يتوضأ تحتها. لما عرفت من عدم كون ذلك تصرفا في الخيمة ولا انه مأمور برد الخيمة إلى مالكها لعدم اغتصابه لها على الفرض ولا سيما فيما إذا لم يكن المتصرف تحت الخيمة أعني المستولي عليها عالما بكونها مغصوبة أو قرضنا غفلتها عن ذلك. (1) لبداهة ان دخول الماء على أرض مغصوبة لا يوجب حرمة التوضوء به في غيرها من الاراضي المباحة كما لا يستلزم بطلانه وإلا للزم الحكم ببطلان الوضوء من الماء القليل الذي أخذه مالكه في ظرفه وأدخله مكانا غصبيا ثم أخرجه عنه مع انه مما لا يمكن الالتزام به والمسألة ظاهرة وانما تعرض لها الماتن " قده " طردا للباب.

[ 399 ]

[ الغير، ان قصد المالك تملكه كان له (1)، ] هل القصد الساذج يكفي في الحيازة: (1) هل القصد المجرد يكفي في الحكم بصيرورة المباح الاصلي ملكا لمالك الارض أو أنه غير كاف في صدق الحيازة والتملك؟ فيه وجهان الظاهر كفاية ذلك في التملك. وذلك لما ورد من أن من استولى على شئ فهو له (* 1) حيث ان الاستيلاء بعد دخول ذلك المباح في ملكه انما يتحقق بمجرد قصد التملك والحيازة لانه بقصده ذلك يكون مستوليا عليه وهذه الرواية وما هو بمضمونها وان كانت ضعافا - على ما نستعهده - إلا انه يكفينا في ذلك السيرة العقلائية حيث ان بنائهم على عدم مزاحمة من قصد التملك والحيازة لما دخل في ملكه من المباحات الاصلية فلا يرون مزاحمته بالاخذ منه بل يرونه أحق بذلك وأولى. - مثلا - إذا اجتمع ماء المطر في حوض أحد وقصد مالك الحوض تملكه له فلا يرون العقلاء أخذ ذلك الماء منه فليس لمن طريقه إلى بيته من ذلك المكان الذي فيه الحوض أو ان له حق المرور منها إلى داره التصرف في ذلك الماء من دون اذن مالك الحوض. ومن هذا القبيل الصيد أو النبات الداخل على بستان احد أو غيرهما من المباحات الاصلية.


(* 1) الذي عثرنا عليه من ذلك هو ما ورد في ذيل ما رواه يونس ابن يعقوب من قوله (ع) ومن استولى على شئ منه فهو له. المروية في باب 8 من ابواب ميراث الازواج من الوسائل.

[ 400 ]

[ وإلا كان باقيا على اباحته (1). فلو أخذه غيره وتملكه ملك الا انه عصى من حيث التصرف في ملك الغير، وكذا الحال في غير الماء من المباحات مثل الصيد وما اطارته الريح من النباتات. (مسألة 18): إذا دخل لمكان الغصبي غفلة وفي حال الخروج توضأ بحيث لا ينافي فوريته، فالظاهر صحته لعدم حرمته (2) حينئذ. ] (1) لوضوح انه إذا لم يقصد المالك تملكه لم يكن مجرد دخوله في أرضه وبستانه مخرجا له عن الاباحة بلا كلام فيجوز لغيره أن يأخذه ويتملكه مالك الدار إلى ذلك فلم يقصد تملكه فان للغير ان يأخذه ويتملكه وان كان دخوله في دار الغير تصرفا حراما فيما إذا لم يكن مأذونا من قبل مالك الدار. التوضؤ عند الخروج عن المغصوب: (2) الخروج عن المكان المغصوب في مفروض المسألة وان لم يكن حراما للاضطرار إليه من دون استناده إلى سوء الاختيار الا ان الحكم بصحة الوضوء وقتئذ - بناء على اعتبار الاباحة في مصب ماء الوضوء في نهاية الاعتضال. وذلك لان ما كان المكلف مضطرا إليه انما هو المشي في الارض والتصرف في الفضاء وقد ارتفعت عنهما الحرمة بالاضطرار وأما صب ماء الوضوء على الارض فهو ليس بمورد الاضطرار فلا محالة تبقى على حرمته

[ 401 ]

[ وكذا إذا دخل عصيانا ثم تاب وخرج بقصد التخلص من الغصب (1) وان لم يتب ولم يكن بقصد التخلص ففي صحة وضوئه حال الخروج اشكال ] فإذا اشترطنا في صحة الوضوء اباحة المصب كما عليه الماتن " قده " فلا محالة يقع الوضوء باطلا لاستلزامه التصرف في مال الغير من دون اذنه اللهم إلا ان يتوضأ على نحو لا يصب ماءه على الارض. التوضؤ عند الخروج بلا قصد التخلص: (1) تبتنى هذه المسألة على ما أسلفناه في بحث الاجتماع عند الكلام على مسألة من توسط أرضا مغصوبة بسوء الاختيار فان قلنا في تلك المسألة بما قررناه هناك من ان التوبة انما ترفع العقاب عما ارتكبه التائب من المعاصي قبل توبته أعني العقاب في دخوله أرض الغير من دون رضائه. ولا أثر للتوبة بالنسبة إلى ما ارتكبه حال التوبة اعني به الخروج عن الدار المغصوبة. وحيث انه باق على مبغوضيته وعقوبته من جهة النهي السابق عليه فلا محالة يقع الوضوء حال الخروج المبغوض المترتب عليه للعقاب باطلا فان الاضطرار انما يرفع النهي عنه حال الخروج كما فيمن القى نفسه من الشاهق الا أنه منهي عنه بالنهي المتقدم على الاضطرار ومع كون الدخول فيها بسوء الاختيار يقع الخروج عنها مبغوضا ومعاقبا عليه. وعلى الجملة حال الخروج - على هذا - حال الدخول فان كان صادرا على وجه الاباحة فخروجه أيضا مباح كما انه إذا كان صادرا على الوجه الحرام كان الخروج عنها أيضا كذلك

[ 402 ]

[ (مسألة 19): إذا وقع قليل من الماء المغصوب في حوض مباح فان أمكن رده إلى مالكه وكان قابلا لذلك لم يجز التصرف في ذلك الحوض (1) وان لم يمكن رده يمكن أن يقال بجواز التصرف فيه، لان المغصوب محسوب تالفا، لكنه مشكل من دون رضا مالكه. ] وأما إذا بنينا على ما ربما يظهر من شيخنا الانصاري " قده " من عدم حرمة الخروج في مفروض المسألة لمكان انه مقدمة للتخلص عن الحرام وهو أمر واجب لا محالة ومقدمة الواجب اما واجبة عقلا فقط أو انها واجبة بحسب العقل والشرع لان التخلص الواجب متوقف عليه والشارع لا يأمر بالحرام فلا محالة يقع الخروج على الوجه المباح ويصح التوضؤ حينئذ فيما إذا لم يستلزم صب ماء الوضوء على الارض ولا يفرق على ذلك بين توبته وقصد التخلص الملازم معها أي التوبة والتندم أم لم ينوها. إذا وقع قليل من الماء المغصوب في حوض مباح: (1) الظاهر ان نظره " قده " إلى ان القليل من الماء المغصوب بعدما وقع في الماء المباح وامتزج معه قد يمكن رده إلى مالكه ولو برد جميع الماء الممتزج بحيث لو رد إليه جميعه صدق انه رده إلى مالكه. وحينئذ يتخير مالك الماء المغصوب بين الشركة مع مالك الماء المباح وبين أن يأخذ قيمته ويسلم المجموع إلى شريكه. وهذا كما إذا كان الماءان من سنخ واحد بأن كان كلاهما من المياه المعدة للشرب أو المعدة للغسل وازالة الاقذار أو كان كلاهما حلوا أو مرا إلى غير ذلك من الخصوصيات. وأخرى لا يكون الماء المغصوب ممكن الرد إلى مالكه بعد الامتزاج

[ 403 ]

[ (الشرط الخامس): أن لا يكون ظرف ماء الوضوء من أواني الذهب أو الفضة (1) والا بطل سواء اغترف منه أو اداره على اعضائه وسواء انحصر فيه أم لا، ومع الانحصار يجب أن يفرغ ماءه في ظرف آخر ويتوضأ به وان لم يمكن التفريغ الا بالتوضؤ يجوز ذلك حيث ان التفريغ واجب ولو توضأ منه جهلا أو نسيانا أو غفلة صح كما في الآنية الغصبية ] مع الماء المباح ولو برد المجموع إليه لعد ذلك ماء مغايرا مع الماء المغصوب ومبانيا معه وهذا كما إذا كان الماء ان سنخين متغايرين كما إذا كان احدهما معدا للشرب والآخر معدا لازالة القذرات أو كان أحدهما حلوا والآخر مرا. كما إذا وقع مقدار من الماء المغصوب الحلو في خزان ماء الحمام لانه حينئذ غير قابل للرد إلى مالكه ولو برد مجموع ماء الخزان. ففي الصورة الاولى لا يجوز التوضؤ من الماء الممتزج لاشتماله على ماء الغير والوضوء بماء الغير غير صحيح وأما في الصورة الثانية فلا مانع من التوضوء من الماء المتزج من جهة ان الماء الواقع فيه غير موجود وقتئذ فانه يعد تالفا لدى العرف وينتقل الامر معه إلى البدل من المثل أو القيمة من دون أن يكون لمالك الماء حق في الماء الممتزج وما أفاده " قده " هو المتين. الشرط الخامس: (1) قد أسلفنا تفصيل الكلام في هذه المسألة عند الكلام على أواني الذهب والفضة وانما نتعرض في المقام إلى ما لم نتعرض له هناك وهو ما اشار إليه بقوله: وان لم يمكن التفريغ الا بالتوضؤ يجوز ذلك.

[ 404 ]

[ والمشكوك كونه منهما يجوز التوضؤ منه (1) كما يجوز سائر استعمالاته. ] إذا لم يمكن التفريغ الا بالتوضؤ: (1) ذكر " قده " ان الماء إذا كان منصحرا بما في احدى الانائين وجب تفريغه في ظرف آخر مقدمة للوضوء الواجب واما إذا ما لم يمكن تفريغهما الا بالتوضؤ منهما فقد ذكر في بحث اواني النقدين ان الوجوب يرتفع عن الغسل أو الوضوء ويجب التيمم في حق المكلف. وذكر في المقام ان التوضؤ منهما حينئذ امر جائز لان التفريغ واجب كما عرفت فلو توضأ منهما بقصد التفريغ لوقع وضوئه أو غسله سائغا لا محالة. وهذا الذي ذكره في المقام مناقض صريح لما قدمنا نقله عنه " قده " في الكلام على أواني النقدين والصحيح هو الذي ذكره هناك. والوجه في ذلك ان تفريغ ماء الاناءين وان لم يكن محرما لعدم كونه استعمالا لهما فيما إذا لم يكونا من الاواني المعدة للتفريغ (كالسماور) و (القوري) ونحوهما لوضوح ان التفريغ في مثلهما استعمال لهما فيما اعدا له. وأما إذا لم يكونا مما اعد للتفريغ فلا بأس بتفريغهما بل هو أمر واجب عند الانحصار لانه مقدمة للواجب وهي واجبة أما عقلا فحسب وأما عقلا وشرعا فلا يقع التفريغ محرما لا محالة الا ان التوضؤ منهما استعمال لها يقينا وقصد كون ذلك تفريغا لهما لا يغير الفعل عن حقيقته فكيف يكون قصد التفريغ مانعا عن كون الفعل استعمالا لهما. فالصحيح ان الوضوء يسقط وقتئذ عن الوجوب وينتقل الامر إلى بدله وهو التيمم.

[ 405 ]

[ (مسألة 20): إذا توضأ من انية باعنقاد غصبيتها، أو كونها من الذهب أو الفضة، ثم تبين عدم كونها كذلك ففي صحة الوضوء اشكال (1) ولا يبعد الصحة إذا حصل منه قصد القربة. ] التوضؤ من اناء باعتقاد الغصبية وانكشاف الخلاف: (1) قد فصل " قده " بين صورتي حصول قصد القربة من المكلف وعدمه وحكم بالصحة في الاول دون الثانية وما أفاده هو الصحيح. وتوضيح ما أفاده " قده ": ان المعتقد بغصبية الاناء أو بكونه من من النقدين قد لا يعلم حرمة التصرف في المغصوب أو حرمة استعمال الاواني المصوغة من الذهب والفضة ولو عن تقصير منه في التعلم كما يتفق ذلك في كثير من العوام أو انه يعلم بحرمة التصرف أو الاستعمال غير انه يعتقد عدم انطباق التصرف والاستعمال عن التوضؤ من الاناء بدعوى ان التصرف والاستعمال انما يتحققان بأخذ الماء من الاناء. وأما التوضؤ أو الاغتسال بعد ذلك فهو امر أجنبي عن التصرف والاستعمال رأسا ففي هاتين الصورتين لا اشكال في تمشي قصد التقرب من المكلف في الوضوء وحيث انه بحسب الواقع أمر مباح فلا محال يحكم بصحة لتمشي قصد التقرب واباحة الماء والاناء. وأخرى يعلم المعتقد بمغصوبية الاناء أو بكونه من النقدين حرمة التصرف في المغصوب أو استعمال أواني النقدين ويعتقد أيضا بانطباق التصرف والاستعمال على نفس الوضوء ولا يتمشى منه قصد التقرب في هذه الصورة بوجه لعلمه بحرمة

[ 406 ]

[ الشرط السادس): أن لا يكون ماء الوضوء مستعملا في رفع الخبث (1) ولو كان طاهرا مثل ماء الاستنجاء مع الشرائط المتقدمة، ولا فرق بين الوضوء الواجب والمستحب على الاقوى، حتى مثل وضوء الحائض. واما المستعمل في رفع الحدث الاصغر فلا اشكال في جواز التوضؤ منه، والاقوى جوازه من المستعمل في رفع الحدث الاكبر، وان كان الاحوط تركه مع وجود ماء آخر واما المستعمل في الاغسال المندوبة فلا اشكال فيه ايضا، والمراد من المستعمل في رفع الاكبر هو الماء الجاري على البدن للاغتسال إذا اجتمع في مكان. ] التوضؤ كما مر ولا يعقل معه التمكن من قصد التقرب أبدا الا على وجه التصور والخيال لا الواقع والحقيقة. اشتراط ان لا يكون الماء مستعملا في رفع الخبث: (1) قد اشترطوا في صحة الوضوء أن لا يكون الماء المستعمل فيه مستعملا في رفع الخبث ولو مع الحكم بطهارته كما في كما في ماء الاستنجاء أو الغسالة المتعقبة بطهارة المحل أو مطلقا بناء على طهارة الغسالة على نحو الاطلاق. وايضا اشترطوا ان لا يكون الماء المستعمل فيه مستعملا في رفع الحدث الاكبر واما المستعمل في رفع الحدث الاصغر فلا مانع من ان يستعمل في رفع الحدث الاصغر ثانيا وثالثا وهكذا وتفصيل الكلام في هذه المسألة وجميع فروعها قد اسلفناه عند التكلم على مطهرية المياه فليراجع.

[ 407 ]

[ وأما ما ينصب من اليد أو الظرف حين الاغتراف أو حين ارادة الاجراء على البدن من دون أن يصل إلى البدن فليس من المستعمل. وكذا ما يبقى في الاناء. وكذا القطرات الواقعة في الاناء ولو من البدن، ولو توضأ من المستعمل في الخبث جهلا أو نسيانا بطل، ولو توضأ من المستعمل في رفع الاكبر احتاط بالاعادة. (السابع): أن لا يكون مانع من استعمال الماء من مرض أو خوف أو عطش أو نحو ذلك: إلا فهو مأمور بالتيمم ولو توضأ والحال هذه بطل (1) ولو كان جاهلا بالضرر صح، وان كان متحققا في الواقع والاحوط الاعادة أو التيمم. ] اشتراط ان لا يكون هناك مانع من استعمال الماء: (1) قد يستند الحكم بجواز التيمم إلى النص الشرعي كما في موارد الخوف على النفس من العطش أو المرض أو اشتداده ونحوها حيث ورد الامر بالتيمم وقتئذ في صحيحة الحلبي (* 1) وغيرها مما يأتي في مبحث التيمم ان شاء الله ويكون ذلك النص تخصيصا شرعيا فيما دل على وجوب التوضؤ على واجد الماء لان المفروض ان المكلف متمكن من استعمال الماء عقلا وشرعا فأمره بالتيمم - والحال هذه - تخصيص في تلك الادلة لا محالة. ومعه إذا أقدم المكلف على الوضوء وترك التيمم فمقتضى القاعدة هو الحكم ببطلان وضوئه لعدم الامر به بل قد عرفت ان مقتضى اطلاق دليل التخصيص تعين التيمم في حقه وكونه واجبا تعينيا لا تخيريا، وكفاية الطهارة المائية عن الطهارة الترابية يحتاج إلى دليل وهو مفقود على الفرض.


(* 1) راجع ب 25 من ابواب التيمم من الوسائل.

[ 408 ]

بلا فرق في ذلك بين موارد حرمة استعمال الماء في الوضوء كما إذا فرضنا ان استعمال الماء موجب لاشتداد المرض وموارد عدم حرمته كما إذا خاف من العطش بعد ذلك. فان استعمال الماء وقتئذ وان كان مفوتا للواجب الا ان الاستعمال غير محرم شرعا ومع ذلك لو توضأ حينئذ حكمنا ببطلانه للنص الدال على تعين التيمم في حقه. وقد يستند الحكم بجواز التيمم إلى حكم العقل به كما في موارد المراحمة بين وجوب الوضوء وواجب آخر أهم كانقاذ الغريق ونحوه كما إذا كان عنده مقدار من الماء يكفي لوضوئه فحسب ووجبت عليه ازالة النجاسة عن المسجد وحيث ان الازالة مما لا بدل له والوضوء مما له البدل يتعين عليه صرف الماء في الازالة والتيمم للصلاة. وهذا لا من جهة دلالة الدليل الشرعي عليه بل من جهة استقلال العقل بقبح التكليف لما لا يطاق لعدم تمكن المكلف من امتثال كلا التكليفين وعدم امكان الامر بالضدين في زمان واحد. ففي هذه الموارد إذا عصى المكلف للامر بالتيمم و صرف الماء في الازالة الواجبة - مثلا - فصرفه في الوضوء أمكننا الحكم بصحة وضوئه بالترتيب وحيث ان المخصص للامر بالوضوء عقلي وليس دليلا شرعيا كي يتمسك باطلاقه حتى في صورة عصيان الامر بالاهم فلا مناص من الاكتفاء فيه بمقدار الضرورة. كما هو الحال في موارد التخصيصات العقلية وهو صورة امتثال المكلف للامر بالاهم فانه وقتئذ غير مكلف بالوضوء جزما لاستلزامه التكليف بما لا يطاق ولاجل الفرار؟ عن هذا المخذور؟ رفعنا اليد عن اطلاق الامر بالمهم - عند امتثال المكلف للامر بالاهم - فان بهذا المقدار من تقييد

[ 409 ]

دليل المهم يرتفع المخذور العقلي من البين. ومعه لا موجب لرفع اليد عن أصله وأساعة فإذا فرضنا ان المكلف عصى للامر بالاهم والمفروض بقاء الامر بالمهم بحالة فلا مانع من التمسك باطلاقه والحكم بوجوب الوضوء عليه في محل الكلام لتمكنه منه بحسب العقل والشرع فإذا أتى به وقع صحيحا ومأمورا به لا محالة. نعم قد استشكل شيخنا الاستاذ " قدس سره " في جريان الترتب في الطهارات الشرعية مدعيا ان القدرة قد اخذت في موضوعها لقوله عز من قائل: ولم تجدوا ماء.. لان التفصيل قاطع للشركة فيدلنا ذلك على ان الوضوء وظيفة واجد الماء كما ان التيمم وظيفة الفاقد والعاجز عنه. وحيث ان المكلف في مفروض الكلام غير متمكن - شرعا - على صرف الماء في الوضوء لاختصاصه بالواجد والمتمكن منه كما عرفت وعصيان الامر بالاهم لا يجعل العاصي متمكنا من الماء شرعا لوجوب صرف الماء في الازلة - مثلا - ولا قدرة له في استعماله في الوضوء سواء امتثل التكليف بالاهم أم لم يمتثل. ونحن أيضا قد بنينا على ذلك برهة من الزمان وقد عدلنا عنه أخيرا نظرا إلى ان القدرة المأخوذة في هذه الموارد أعني الوضوء والحج وغيرهما انما هي القدرة بالمعنى اللغوي اعني المفهوم العرفي العام وهو التمكن من الشئ تكوينا وعدم الممنوعية عنه شرعا وليس لها معنى شرعي آخر. وحيث ان المكلف عند عصيانه الامر بالاهم يتمكن من الاتيان بالمهم تكوينا كما لا ممنوعية له عنه شرعا فيتحقق الموضوع للامر بالمهم في حقه ويشمله دليله. أما تمكنه من الوضوء في مفروض المسألة عقلا وبحسب التكوين فلانه أمر ظاهر جلي إذ لا يتصور أي مانع عقلي أو تكويني من

[ 410 ]

استعماله الماء في الوضوء واما تمكنه منه شرعا فلاجل عدم تعلق أي نهى عن استعمال الماء في الوضوء وانما تعلق الامر باستعماله في الازالة فحسب والامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده نعم إذا كان استعماله الماء في الوضوء ممنوعا عنه بحسب الشرع كما في التوضوء من الماء المغصوب انتقل فرضه إلى التيمم ومنع عن الوضوء لا محالة لعدم قدرته على التوضؤ شرعا. وثالثة يستند جواز التيمم إلى الادلة العامة كقاعدتي نفي الحرج والضرر من دون أن يستند إلى دليل يخصه بحسب الشرع أو العقل كما كان كذلك في الصورتين الاوليتين وهذا كما في موارد كون الوضوء مستلزما للتضرر غير المنصوص عليه في الاخبار فهل يحكم بصحة الوضوء وقتئذ فيما إذا اقدم عليه عالما بكونه ضرريا في حقه أو حرجيا أو لا يحكم عليه بالصحة؟ قد فصل الماتن " قده " في مبحث التيمم في هذه المسألة بين الحرج والضرر مدعيا ان هاتين القاعدتين انما تتكفلان نفي الالزام والوجوب ولا يتكفلان نفي المشروعية والجواز فمن هنا يصح وضوئه في موارد الحرج. وأما في موارد الضرر فحيث ان الاضرار محرم وهو ينطبق على الوضوء فلا محالة يتصف الوضوء بالحرمة فيبطل من هذه الناحية. ولنا في ذلك كلام يأتي في مبحث التيمم ان شاء الله فلا نتعرض إلى ذلك في المقام تبعا للماتن حيث لم يتعرض له هنا بل نتعرض لما تعرض له " قده ". وهو ما إذا كان المكلف جاهلا بأن الوضوء يترتب عليه الضرر فاقدم عليه وترتب عليه الضرر واقعا أعني الضرر غير المنصوص عليه في الاخبار كترتب ذهاب مال له عليه كما إذا اشتغل بالوضوء فسرق اللصوص أمواله

[ 411 ]

فهل يحكم بصحة وضوئه؟ حكم بصحته في المتن واحتاط باعادته - إذا لم يترتب عليه الضرر - كما احتاط بالتيمم - فيما إذا استلزم الضرر - وقد تعرض الماتن " قده " لهذه المسألة بعينها في مبحث التيمم وجزم بالصحة هناك من غير أن يحتاط بشئ. والصحيح في المسألة التفصيل: وذلك لان الضرر المترتب على الوضوء قد لا يكون أمرا مبغوضا لدى الشرع وقد يكون مبغوضا شرعيا على نحو لا يرضى الشارع بتحققه في الخارج بوجه. أما إذا لم يكن الضرر مبغوضا عند الشارع كما إذا ترتب على وضوئه سرقة مال له فلا مناص من الحكم بصحة الوضوء حينئذ وذلك لانه أمر مباح في الواقع على الفرض ولا يشمله حديث نفي الضرر لانه قاعدة امتنانية ولا امتنان في الحكم ببطلان الوضوء الصادر عن الجاهل بترتب الضرر الغير المحرم عليه. إذا فلا مانع من أن ينطبق المأمور به على الوضوء المأتي به في الخارج لانه مصداق ومحققه فيحكم بصحته، بل يمكن أن يقال ان في نفس الاخبار الواردة في التيمم اشعارا بصحة الوضوء عند الجهل بضرره فان الظاهر من تلك الروايات ان موضوع وجوب التيمم انما هو خوف الضرر ولكن لا على وجه الموضوعية بل على وجه الطريقية إلى الضرر الواقعي أعني به الضرر الواصل للمكلف ومع الجهل به وعدم خوفه منه لا يكون الضرر واصلا للمكلف فلا ينتقل فرضه إلى التيمم فلابد من الحكم بصحة وضوئه، وإذا كان الضرر المترتب على الوضوء محرما لا يرضى الشارع بوجوده في الخارج كما إذا ترتب على الوضوء قتل النفس المحترمة أو ما يشاكل

[ 412 ]

[ (الثامن): أن يكون الوقت واسعا للوضوء والصلاة، بحيث لم يلزم من التوضوء وقوع صلاته ولو ركعة منها (1) خارج الوقت وإلا وجب التيمم إلا أن يكون التيمم أيضا كذلك بأن يكون زمانه بقدر زمان الوضوء أو اكثر إذ حينئذ يتعين الوضوء. ] ذلك مما لا يرضى به الشارع فلابد من الحكم بالبطلان لان الوضوء وقتئذ محرم وكيف يعقل أن يكون المحرم مصداقا للواجب؟ والجهل بحرمته لا يقلب الحرام إلى الجايز أو الوجوب. وعلى الجملة ان المسألة من صغريات الكبرى المتقدمة في التوضؤ بالماء المغصوب جاهلا بمغصوبيته وقد مر ان الصحيح وقتئذ هو الحكم بالبطلان. وأما مار بما يتوهم من تصحيح ذلك بالملاك فيندفع بما ذكرناه غير مرة من ان دعوى وجود الملاك تخرص على الغيب إذ لا علم لنا بالملاك بعد سقوط الامر والتكليف أنه على تقدير القول به فهو ملاك مندك في جنب الملاك الآخر أعنى ملاك (الحرمة؟) لان المفروض حرمته والملاك المندك مما لا يترتب عليه أي أثر. اشتراط السعة في الوقت: (1) من المحتمل القوي أن يكون قوله: ولو ركعة من باب المثال لوضوح انها مما لا خصوصية له بل لا يجوز ايقاع نصف جزء من أجزاء الصلاة أيضا في خارج الوقت لان مقتضى الاخبار الواردة في الوقت وجوب ايقاع الصلاة بأجمعها فيما بين المبدء والمنتهى فلا يجوز ايقاعها خارج الوقت ولو بجزء منها أو نصف جزء. فإذا فرضنا أن التوضوء يستلزم ايقاع شئ من الصلاة في خارج الوقت

[ 413 ]

دون التيمم فلا محالة ينتقل فرضه إلى التيمم اللهم الا ان يكون التيمم أيضا كالوضوء من هذه الجهة فان فرضه وقتئذ هو الوضوء أيضا. ثم ان الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين: " إحداهما ": هل ان ضيق الوقت من مسوغات التيمم في الشريعة المقدسة أو ان التيمم لا بسوغه ذلك؟ حيث لم يرد نص على مسوغية ضيق الوقت للتيمم بل قد حكى عن الشيخ حسين آل عصفور عدم مسوغية له لعدم دلالة الدليل عليه وان الآية المباركة والروايات انما تدلان على مشروعية التيمم لفاقد الماء فحسب والمفروض ان المكلف واجد الماء فكيف يشرع التيمم في حقه وهو ظاهر صاحب المدارك " قده " أيضا فيمن كان واجد للماء أولا فاهمل حتى ضاق الوقت بحيث لو توضأ لم يمكنه ايقاع الصلاة بتمامها في وقتها، حيث حكم عليه بوجوب التوضؤ وعدم مشروعية التيمم في حقه معللا بأن التيمم انما هو وظيفة فاقد الماء والمكلف في مفروض المسألة واجد للماء ولم يرد أي نص على ان ضيق الوقت من مسوغات التيمم وقد نسب ذلك إلى المعتبر أيضا. فان هذه المسألة وان كانت غير مسألتنا هذه لان المفروض فيها تمكن المكلف من الماء للصلاة الا انه اهمل حتى ضاق الوقت عن الصلاة وهي غير ما نحن فيه اعني ما إذا كان الضيق ناشئا عن غير الاختيار الا ان تعليله يعم المقام أيضا. وهذه المسألة لم تتعرضوا لها الا في كلمات متأخر المتأخرين وذكر في الحدائق ان الوجه في ذلك لعله وضوح المسألة عندهم وقد أورد على صاحب المدارك بأن ضيق الوقت من المسوغات إذا المدار في وجوب التيمم انما هو عجز المكلف وعدم تمكنه من استعمال الماء للطهارة والصلاة. وما أفاده هو الصحيح وضيق الوقت من مسوغات التيمم شرعا

[ 414 ]

والوجه في ذلك ان التيمم انما لا يكون سائغا فيما إذا تمكن المكلف من استعمال الماء لوضوء الصلاة فكلما لم يتمكن المكلف من استعماله ساغ التيمم في حقه ولو كان متمكنا من استعمال الماء في غير الوضوء أو غير وضوء الصلاة أعني الوضوء لاجل غير الصلاة كما إذا أذن له مالك الماء في التصرف في مائه في غير وضوء الصلاة فان المكلف حنيئذ وان كان واجدا للماء لغير وضوء الصلاة غير ان فرضه هو التيمم دون الوضوء. وذلك لان كلا من الامر بالوضوء والامر بالتيمم في الآية المباركة أمر غيري ومقدمة للصلاة فقد قال عز من قائل: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا.. إلى أن قال: أو لامستم النساء. فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا (* 1). وقد استفدنا من ذكر المريض في الآية المباركة ان المراد بالوجدان هو التمكن من استعمال الماء فإذا فرضنا ان المكلف يتمكن من استعماله لوضوء الصلاة إذا يجب عليه الوضوء فإذا لم يتمكن من استعماله لوضوء الصلاة ففرضه ينتقل إلى التيمم وان كان واجدا للماء بالوجدان ومتمكنا من استعماله في غير وضوء الصلاة. وحيث ان المفروض عدم تمكن المكلف من استعمال الماء لوضوء الصلاة عند ضيق الوقت فلا محالة يشرع في حقه التيمم كما أشرنا إليه. هذا كله في هذه الجهة. " الجهة الثانية ": انه بعد الفراغ في الجهة المتقدمة عن ان ضيق الوقت من مسوغات التيمم يقع الكلام في ان الوقت إذا ضاق بحيث لو توضأ لم يتمكن الا من ايقاع ركعة واحدة منها في وقتها ووقعت البقية في خارج الوقت فهل يسوغ له أن يتيمم حتى يوقع الصلاة بتمام أجزائها


(* 1) المائدة: 5: 6

[ 415 ]

في وقتها أو يجب عليه أن يتوضأ وان لم يدرك من الوقت الا ركعة واحدة لان من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة كلها في وقتها فكأنه متمكن من أن يتوضأ ويأتي بجميع أجزاء الصلاة في وقتها؟ التحقيق هو الاول وذلك لان الله سبحانه قد قسم المكلفين على قسمين وهما واجد الماء وفاقد وأوجب عليهما ثمان ركعات - مثلا - فيما بين المبدء والمنتهى أعني ما بين الدلوك والغروب فمن تمكن من استعمال الماء لاجل الصلاة فيما بين الحدين وجب عليه الوضوء ومن لم يتمكن من استعماله لاجلها ما بين الحدين فقد وجب عليه التيمم. وحيث ان المكلف لا يتمكن من استعمال الماء لاجل ايقاع الصلاة باسرها في الوقت فلا جرم وجب عليه التيمم اللهم إلا أن يكون التيمم أيضا كالوضوء بان لا يتمكن معه أيضا من الاتيان بالفريضة باسرها في الوقت فان المتعين وقتئذ هو الوضوء كما تقدم. وأما حديث من أدرك فالصحيح المعتبر منه ما ورد في صلاة الغداة من أن من أدرك ركعة منها فقد أدرك الغداة تامة (* 1) وأما غيرهما مما ورد من أن من ادرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (* 2) أو ان من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الشمس (* 3) فهي روايات ضعاف. وما ورد في الغداة وان لم تكن مختصه بها فان المورد لا يكون مخصصا لا محالة الا انه غير ناظر إلى شئ من أجزاء الصلاة وشرائطها وإلى تغيير الوظيفة والتكليف عما كان عليه بل إنما تنظر إلى توسعة الوقت


(* 1) و (* 2) و (* 3) في ب 30 من ابواب المواقيت من الوسائل.

[ 416 ]

[ ولو توضأ في الصورة الاولى بطل (1) ان كان قصده امتثال الامر المتعلق به من حيث هذه الصلاة على نحو التقييد. ] وان طبيعي الصلاة سواء أكانت مقيدة بالطهارة المائية أم بالطهارة الترابية إذا وقعت ركعة منها في وقتها فقد وقعت اداء. بمعنى ان المكلف متى ما تمكن من ايقاع ركعة من الفريضة في وقتها على اختلاف الفرائض باختلاف المكلفين وجب أن يوقعها في وقتها ولا يسوغ له ان يؤخرها ويقضيها في خارجه فان ايقاع ركعة من الصلاة في الوقت كايقاعها باسرها في وقتها. ومن الظاهر ان من تمكن من الاداء لم يجز له أن يفوت وقتها ويأتى بها قضاء فلا نظر لها إلى أن من تمكن من الصلاة مع الوضوء في وقتها ولو بمقدار ركعة وجب أن يتوضأ ويأتي بها مع الطهارة المائية ولا يشرع التيمم في حقه. وعلى الجملة أن الحديث غير ناظر إلى تغيير الوظيفة والتكليف من التيمم إلى الوضوء وبيان ان شرط الصلاة حينئذ أي شئ وانما نظره إلى التوسعة في الوقت في طبيعي الصلاة سواء أكانت مقيدة بالوضوء أم مشروطة بالتيمم حسب اختلاف المكلفين. إذا توضأ وهو مأمور بالتيمم: (1) أراد بذلك بيان حكم المتوضئ فيما إذا حكمنا عليه بوجوب التيمم وانه عند ضيق وقت الصلاة إذا توضأ وترك التيمم الواجب في حقه فهل نحكم بصحة وضوئه وجاز له قضائها في خارج الوقت بهذا الوضوء أم لابد من الحكم ببطلانه. ولا تخلو عبارة الماتن عن قصور.

[ 417 ]

[ نعم لو توضأ لغاية أخرى أو بقصد القربة صح، وكذا قصد ذلك الامر بنحو الداعي لا التقييد. ] وتوضيح ذلك ان المكلف ربما يأتي بالتوضؤ - في مفروض المسألة - قاصدا به امتثال الامر بالصلاة المقيدة في الشريعة المقدسة بالطهارة المائية وحينئذ لابد من الحكم ببطلان الوضوء لان ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصد لانه لم يؤمر في الشريعة المقدسة بالصلاة المتقيدة بالوضوء والطهارة المائية وانما أمر في حقه بالصلاة المقيدة بالطهارة الترابية والتيمم، والمفروض أنه لم يأت بالوضوء قاصدا لامتثال هذا الامر. وربما يتوضأ قاصدا به امتثال الامر المتعلق بطبيعي الصلاة الاعم من المقيدة بالوضوء والمقيدة بالتيمم أما لداعي أن لا يصلي به بوجه بل يأتي به لغيرها من الغايات المترتبة عليه كالكون على الطهارة أو الاستحباب النفسي ونحوها واما بداعي أن يأتي به الصلاة الواجبة على ذمته بحيث لولا وجوب الصلاة في حقه لم يكن يتوضأ أبدا الا انه نوى في وضوئه امتثال الامر المتعلق بطبيعي الصلاة. وحينئذ يحكم بصحة الوضوء لان مجرد كونه مأمورا بالتيمم حينئذ لا يخرج الوضوء عن محبوبيته ولا يسلب ملاكه بل هو باق على استحبابه النفسي وذكرنا في محله ان الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده إذا فالوضوء مستحب ومحبوب ولم يتعلق عليه أي نهي فلا محالة يقع صحيحا وان كان المكلف قد عصى بتركه التيمم الواجب في حقه حتى يتمكن من ايقاع الصلاة كلها في وقتها. فإذا صح ذلك وحكم على المكلف بالطهارة والوضوء فله أن يصلي بهذا الوضوء أية الصلاة شاءها ومنها قضاء صلاته في خارج الوقت هذا. ولكن الصحيح أن يقال: انا ذكرنا في التكلم على مقدمة الواجب

[ 418 ]

ان عبادية الوضوء والغسل غير ناشئة عن أمرها الغيري المقدمي بل انما نشأت عن استحبابها النفسي فالعبادية في مرتبة سابقة على الامر الغيري المقدمي. نعم لا يعتبر في عباديتها قصد أمرها النفسي على ما أسلفناه في محله كما سبق في التكلم على التعبدي والتوصلي ان العبادية يكتفي فيها بالاتيان بذات العمل واضافته نحو المولى سبحانه نحو اضافة وبهذا يمتاز الواجب التعبدي عن التوصلي فعلى ذلك يكفي في صحة الوضوء في محل الكلام الاتيان به مضافا إلى الله سبحانه نحو اضافة من غير ان يعتبر في صحته قصد الحصة الخاصة من الوضوء أعني الوضوء المأمور به مقدمة للصلاة. فما أفاده الماتن لا يتم لا على ما ذكرناه آنفا ولا على ما هو ظاهر عبارته. أما بناء على ما سردناه آنفا فلان قصد المكلف الاتيان بالحصة الخاصة من الوضوء أعني الوضوء الواجب مقدمة للصلاة - الذي هو المراد من قصده امتثال الامر المتعلق به من حيث هذه الصلاة على نحو التقييد - قصد أمر لا واقع له، حيث عرفت ان الوضوء بطبيعية عبادة ومستحب ذاتي وليست له حصتان ولا هو على نوعين وقسمين فقصد الحصة الخاصة من الوضوء مما لا واقع له وهو نظير قصده الوضوء الليلي أو النهاري حيث لا حصة للوضوء من حيث الليل والنهار فالقيد بهذا المعنى مما لا واقع له. نعم المقيد وهو الصلاة على قسمين لانها قد تتقيد بالطهارة الترابية وقد تتقيد بالطهارة المائية وأما للقيد فلا كما مر، واما بناء على ما هو عبارته " قده " من تقسيمه الوضوء المأتي به على قسمين وانه قد يأتي به على نحو التقييد بأن يأتي الوضوء بداعي أنه الذي تتقيد به الصلاة الواجبة في حقه على نحو لو لم يكن صلاته متقيدة به

[ 419 ]

لم يكن يأتي به. وقد يأتي به على نحو الداعي - لا التقييد - بأن يأتي به بداعي أنه الذي تقيدت به صلاته ولكن لا على نحو لو لم تتقيد به صلاته لم يكن يأتي به، بل هو يأتي بذلك الوضوء حتى لو لم تكن صلاته متقيدة به كما مر منه " قده " هذا التفسير للداعي والتقييد في المسألة الثالثة من مسائل الوضوءات المستحبة. فالوجه في عدم تمامية ما أفاده " قده " هو ما أسلفناه هناك من ان التقييد بهذا المعنى أيضا لا يرجع إلى محصل فان العبادة يكفي في صحتها أن تؤنى بذات العمل مضافة إلى المولى نحو اضافة والمفروض ان المكلف في المقام قد أتى بذات الوضوء واضافها إلى الله سبحانه أيضا وبذلك تمت العبادة وغاية الامر انه كان معتقدا بوجوبه فقد ظهر استحبابه فهو من قبيل الخطأ في التطبيق وقصده ان لا يأتي به على تقدير عدم كونه مقدمة لصلاته لغو ولا يضر بصحة ما أتى به من العمل متقربا به إلى الله تعالى. اللهم إلا ان يكون عالما بعدم وجوبه وان الصلاة غير متوقفة عليه ومع ذلك أتى به بداعي أنه مقدمة لصلاته فانه وقتئذ تشريع محرم وهو مبطل للعبادة كما قدمنا تفصيله في محله فما أفاده " قده " من ان الاتيان بالوضوء قد يكون على وجه التقييد وقد يكون على وجه الداعي لا يرجع إلى محصل معقول. بل الصحيح أن يفصل في صحة الوضوء بين ما إذا كان المكلف عالما بعدم توقف صلاته على الوضوء لعلمه بضيق الوقت وان وظيفته حينئذ هو التيمم ومعه قد أتى به بقصد انه واجب ومقدمي للصلاة فانه وقتئذ تشريع وهو موجب لبطلان وضوئه. وما إذا لم يكن عالما بعدم المقدمية بل كان جاهلا بها ولكنه أتى به

[ 420 ]

[ (مسألة 21): في صورة كون استعمال الماء مضرا (1) لو صب الماء على ذلك المحل الذي يتضرر به ووقع في الضرر ثم توضأ صح إذا لم يكن الوضوء موجبا لزيادته لكنه عصى بفعله الاول. (التاسع): المباشرة في افعال (2) الوضوء في حال الاختيار، ] بداعي شئ من الغايات المترتبة عليه أو بداعي تلك الصلاة مع الغفلة عن نضيق وقتها وعدم توقف صلاته عليه فان وضوئه صحيح في هذه الصورة فانه أتى بذات العمل مضافة إلى الله سبحانه وقد عرفت أنه يكفي في الحكم بصحة العبادة وان اخطأ في التطبيق حيث تخيل وجوبه وكان أمرا استحبابيا واقعا. (1) بان حصل الضرر بمجرد وصول الماء إلى البشرة بحيث لو صب الماء بعد ذلك بقصد الغسل أو الوضوء لم يترتب عليه أي ضرر من حدوث مرض أو اشتداده أو بطء زواله ونحو ذلك فيقع غسله أو وضوئه صحيحا حيث لا ضرر في شئ منهما وان عصى بذلك حيث أوقع نفسه في الضرر بناء على أن مطلق الاضرار بالنفس محرم شرعا واما بناء على ما قدمناه في محله من عدم دلالة الدليل على حرمة مطلق الاضرار بالنفس فلا معصية أيضا بوجه. اعتبار المباشرة في افعال الوضوء: (2) ويدل على ذلك مضافا إلى الاخبار الواردة في الوضوءات البيانية حيث دلت باجمعها على أنه (ع) قد اسدل الماء من أعلى وجهه أو من مرفقه وأمر يده إلى الذقن أو الاصابع نفس الخطابات المتكلفة لوجوب الغسل والمسح كما في الآية المباركة والروايات.

[ 421 ]

[ فلو باشرها الغير أو اعانه في الغسل والمسح بطل وأما المقدمات للافعال فهي أقسام: " احدهما ": المقدمات البعيدة كاتيان الماء أو تسخينة أو نحو ذلك. ] فان مقتضى اطلاق الامر بالغسل ان المكلف يجب أن يغسل وجهه ويديه بنفسه وكذلك يجب أن يمسح رأسه أو رجليه بنفسه فلو غسلهما أو مسحهما الغير لم يسقط بذلك التكليف عنه لان ايجابهما مطلق ويدل على وجوب الاتيان بهما بالمباشرة سواء أتى بهما غيره أم لم يأت بهما. وكذلك الحال في جميع التكاليف والواجبات تعبدية كانت أم توصلية فان المناط المتقدم أعني ظهور نفس الخطاب وتوجيه في وجوب المباشرة وعدم سقوط الواجب يفعل الغير متحقق في الجميع على حد سواء. اللهم إلا ان يقوم دليل خارجي على أن الغرض يحصل في الخارج من مجرد تحقق المأمور به ووجوده سواء استند ذلك إلى المباشرة أم التسبيب وفعل الغير فلو أمر بغسل ثوبه فمقتضى ظهور هذا الخطاب واطلاقه عدم كفاية غسل الغير في حصول الامتثال إلا ان القرينة الخارجية دلتنا على ان الغرض من الامر بغسله انما هو مجرد ازالة النجاسة عنه حصل ذلك بفعل نفس المأمور ومباشرته أو بفعل شخص آخر بل وسواء حصل من عاقل بالاختيار أم من غير العاقل أو من دون الاختيار كما إذا اطارته الريح والقته في كر من الماء وزالت عنه النجاسة بذلك أو وقع عليه المطر فطهره. واما إذا لم تقم قرينة خارجية على ذلك فمقتضى الظهور والاطلاق انما هو اشتراط المباشرة كما عرفت. وقد خرجنا عن ذلك في باب العقود والايقاعات لانه لو امر بالبيع أو النكاح أو الطلاق أو الصلح فكما يحصل امتثال الامر بذلك بايقاع

[ 422 ]

المعاملة بنفسه والمباشرة كذلك يحصل بأمره الغير بايقاعها. والسر في ذلك ما أشرنا إليه في بحث المكاسب من ان الافعال التكوينية ليست كالافعال الاعتبارية من جهة ان اسناد الافعال التكوينية على وجه الحقيقة لا يصح الا إلى فاعلها ومصدرها أو صانعها فلا يصح أن يقال شرب فلان الماء الا إذا شربه بالمباشرة فلو أمر غيره بشربه فشربه ذلك الغير لم يصح ان يقال شرب فلان الماء حقيقة. هذا بخلاف الافعال الاعتبارية لانها كما يصح اسنادها إلى فاعلها بالمباشرة كذلك يصح اسنادها حقيقة إلى فاعلها بالتسبيب كما إذا أوجدها من أمره بايجادها وذلك لان قوم الامور الاعتبارية باعتبار فيصح اسنادها إلى من اعتبرها حقيقة كما إذا اعتبر ملكية ماله للمشترى وامر غيره بأن يبيع ماله منه أي من ذلك المشتري. فكما يصح أن يقال حقيقة ان الوكيل أو المأمور قد باع ذلك المال كذلك يصح أن يقال حقيقة ان المالك والآمر قد باع ذلك المال لقيام الاعتبارية وكذا فيما لو باعه الفضولي فاجازه مالك المال لانه بالاجازة يصح ان يسند البيع إلى المالك بامضائه واجازته ويصح أن يقال فلان باع داره حقيقة لانه الذي اعتبر ملكيتها للمشتري وابرزه باجازته وامضائه. وأظهر من ذلك ما إذا كان المأمور وكيلا في مجرد ايقاع الصيغة وانشائها من دون علمه بالعوضين ولا عرفانه بشئ من شروطها فان البيع حينئذ يسند إلى الموكل المالك اسنادا حقيقيا بل في صحة اسناده إلى الوكيل المذكور اشكال ومن هنا تأمل الشيخ " قده " في ثبوت خبار المجلس لمثل هذا الوكيل نظرا إلى ان البيع لا يصدق على مثله حقيقة. وكيف كان فالخطابات بأنفسها واطلاقاتها ظاهرة في اشتراط المباشرة في الافعال التكوينية اللهم إلا أن يقوم دليل على صحة النيابة كما في الجهاد وعليه يكون العمل الصادر من الغير مسقطا للواجب عن ذمة المنوب

[ 423 ]

[ وهذه لا مانع من تصدى الغير لها. ] عنه لا أنه يقع مصداقا للمأمور به لوضوح عدم معقولية تكليف أحد بالعمل الصادر من الغير وهذا ظاهر. وأما في الافعال الاعتبارية فظهور الخطابات ولا اطلاقاتها لا يقتضي اعتبار المباشرة كما عرفت وحيث ان الغسل والمسح من الافعال التكوينية ولم يقم دليل على صحة النيابة فيهما فمقتضى ظهور الآية والاخبار واطلاقاتهما هو اعتبار المباشرة في الوضوء وعدم سقوطه بالفعل الصادر من الغير. على ان المسألة مما لا خلاف فيه الا من ابن الجنيد حيث ذهب إلى كراهة التولية في الوضوء الا انه مما لا يعبأ به لشذوذه وندرته فانه على خلاف المتسالم عليه بين الاصحاب " قدس الله أسرارهم ". (1) ويدل عليه مضافا إلى الاخبار الواردة في الوضوءات البيانية لاشتمالها على أنه صلى الله عليه وآله دعى بقعب أو قدح أو طست أو تور أو غيره من أواني الماء (* 1) وهي قد وردت في مقام البيان فيستفاد منها ان الاعانة في امثال ذلك من المقدمات البعيدة للوضوء أمر سائغ لا منع عنه. ان التوضوء من دون اعانة الغير في المقدمات أمر لا يتحقق الا نادرا لتوقفه على أن يصنع لنفسه ظرفا من ابريق ونحوه حتى يخرج به الماء من البئر أو البحر أو المخزن ونحوها والا فصانع الابريق أو من أتى به الماء - مثلا - معين للمتوضي في وضوئه فلا يتحقق الوضوء من دون اعانة الغير الا بالذهاب إلى بحر أو نهر ليتوضأ منه بلا اعانة الغير وهو قليل التحقق لا محالة.


(* 1) راجع ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 424 ]

[ " الثاني ": المقدمات القريبة مثل صب الماء في كفه وفي هذه يكره (1) مباشرة الغير. ] هذا على ان عبادية الوضوء ليست بأرقى من عبادية بقية العبادات كالحج والصلاة ولا اشكال في جواز الاستعانة من الغير في مقدماتها فهل يكون هذا تشريكا في الحج والصلاة، أو انه لامانع من الشركة فيها بخلاف الوضوء وهذا مما يدلنا على عدم المنع من الاستعانة بالغير في مقدمات الوضوء. مورد كراهة مباشرة الغير: (1) بل الظاهر عدم المنع عن ذلك لا كراهة ولا تحريما ولا يمكن المساعدة على ما ذكره الماتن من الحكم بالكراهة وذلك لعدم قيام دليل على الكراهة بوجه وما استدل به عليها من الروايات الآتي نقلها اما ضعيف السند والدلالة معا أو من احدى الجهتين. مضافا إلى دلالة الرواية الصحيحة على الجواز وعدم الكراهة أو الحرمة وهي صحيحة الحذاء قال: وضأت ابا جعفر (ع) بجمع " عرفات " وقد بال فناولته ماء فاستنجى ثم صببت عليه كفا فغسل به وجهه (وكفا غسل به ذراعه الايمن) وكفا غسل به ذراعه الايسر ثم مسح بفضله الندى رأسه ورجليه (* 1). وهي صريحة الدلالة على جواز تصدي الغير بالمقدمات القريبة في الوضوء.


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 425 ]

نعم رواها الشيخ " قده " في موضع آخر (* 1) من التهذيب مشتملة على قوله ثم اخذ كفا بدل ثم صببت عليه كفا. كما نقله في الوسائل وعليه تكون الرواية اجنبية عما نحن بصدده. الا ان الصحيح هو نسخة الوسائل ولعله سقط عن قلم الشيخ اشتباها وذلك لاشتمال صدرها على قول الحذاء: وضأت ابا جعفر. فلو كان (ع) اخذ الماء بنفسه فأين وضاءه الحذاء حينئذ؟ هذا. وقد استدل للكراهة بعدة روايات. " منها " رواية حسن الوشاء قال: دخلت على الرضا (ع) وبين يديه ابريق يريد أن يتهيأ منه للصلاة فدنوت منه لاصب عليه فأبى ذلك فقال: مه با حسن: فقلت له لم تنهاني ان اصب الماء على يديك تكره أن أوجر قال: تؤجر انت وأوزر انا فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: اما سمعت الله عزوجل يقول: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. وها انا ذا اتوضأ للصلاة وهي العبادة فاكره ان يشركني فيها احد (* 2). ولكنها ضعيفة السند بابراهيم بن اسحاق الاحمر لانه ممن ضعفه الشيخ والنجاشي (قدهما). كما انها ضعيفة الدلالة على المدعى حيث ان ظاهرها الحرمة لان معنى قوله تعالى: فمن يرجو. انه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. ومن الظاهر ان ارتكاب امر مكروه عند الله سبحانه لا يستلزم انتفاء الايمان بالله سبحانه واليوم الآخر فلا يتحقق هذا الا في ارتكاب المحرمات.


(* 1) كما في الجزء الاول ص 79 من الطبعة الحديثة واخرجها في ص 58 مطابقة لما في الوسائل فلاحظ. (* 2) المروية في ب 47 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 426 ]

اضف إلى ذلك قوله (ع) اوزر انا. فان الوزر بمعنى العقاب وهو مختص بالحرام. وفي الرواية مناقشة اخرى وهي ان ظاهر الآية المباركة التي استشهد بها الامام (ع) عدم جواز الاشراك في العبودية وان من أمن بالله واليوم الآخر لا يسوغ له أن يعبد غير الله سبحانه بل لا مناص من حصر المعبودية به جلت عظمته كما اشتمل عليه غيره من الآيات أيضا كقوله عز من قائل وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين (* 1) وقوله: إياك نعبد (* 2). لا يستفاد منها عدم جواز الاتيان بعبادة الله تعالى - من دون اشراك - مع الاستعانة بالغير في مقدمات العمل. وعلى الجملة ان ظاهر الآية عدم جواز الاشراك في المعبود دون الاشراك في العمل. إذا لا مناص من طرح الرواية أو حملها على ارادة التشريك في نفس العمل كما إذا وضأه غيره كما كان هو المرسوم عند السلاطين والجبابرة العظماء حيث كانوا يوضوئهم الخدم والعبيد ولم يكونوا يتصدون لتلك الامور بالمباشرة وقد اشير إلى ذلك في بعض الروايات الآتية (* 3) أيضا فلاحظ. ولا ينبغي الاشكال في ان ذلك يوجب البطلان لمنافاته اشتراط المباشرة في أعمال المكلف. و " منها ": مرسلة الصدوق (قده) قال: كان امير المؤمنين (ع) إذا توضأ لم يدع أحدا يصب عليه الماء فقيل له يا أمير المؤمنين لم لا تدعهم


(* 1) البينة: 98: 5 (* 2) الفاتحة: 1: 5 (* 3) وهي مرسلة المقيد الآتية: المروية في 47 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 427 ]

[ " الثالث ": مثل صب الماء على أعضائه مع كونه هو المباشر لاجرائه وغسل أعضائه. وفي هذه الصورة وإن كان لا يخلو تصدي الغير عن اشكال الا ان الظاهر صحته، فينحصر البطلان فيما لو باشر الغير غسله أو اعانه على المباشرة بأن يكون الاجراء والغسل منهما معا. ] يصبون عليك الماء؟ فقال: لا أحب ان اشرك في صلاتي أحدا وقال الله تبارك وتعالى: فمن كان برجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (* 1). ويتوجه على الاستدلال بها. " أولا ": انها ضعيفة السند بالارسال. و " ثانيا " انها قاصرة الدلالة على المدعى لما مر من ان ظاهر الآية المباركة حرمة الاشراك في عبادة الله سبحانه وهل يكون الاشراك مكروها؟ والا لم يختص تركه بمن آمن بالله ويوم المعاد هذا. على ان ظاهر الرواية ان عدم حبه (ع) ان يصب عليه الماء مستند إلى كون الوضوء مقدمة للصلاة وان الاشراك فيه اشراك في الصلاة ولازم هذا كراهة الاستعالة في جميع مقدمات الصلاة حتى تهيئة المكان والمسجد وغيرهما لانه اشراك في الصلاة وهذا مما لا يمكن الالتزام به. هذا كله فيما رواه الصدوق " قده " في المقنع والفقيه على وجه الارسال. وقد نقله " قده " في العلل بالاسناد عن أبيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن احمد عن ابراهيم بن اسحاق عن عبد الله بن حماد عن ابراهيم


(* 1) المروية في ب 47 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 428 ]

ابن عبد الحميد عن شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد الله عليه السلام عن أمير المؤمنين (ع). وهذا الطريق أيضا ضعيف بابراهيم بن اسحاق الاحمر لان الشيخ والنجاشي (قدهما) قد ضعفاه. ونقله الشيخ " قده " في تهذبيه باسناده عن ابراهيم بن هاشم عن عبد الرحمان بن حماد عن ابراهيم بن عبد الحميد. وهذا أيضا ضعيف لان عبد الرحمان بن حماد امامي مجهول. و " منها ": مرسلة المفيد " قده " قال: دخل الرضا (ع) يوما والمأمون يتؤضأ للصلاة، والغلام يصب على يده الماء فقال: لا تشرك يا أمير المؤمنين بعبادة ربك أحدا، فصرف المأمون الغلام وتولى تمام وضوئه بنفسه (* 1). وقد استدل بها على كراهة الاستعانة بالغير في المقدمات نظرا إلى ان الامام (ع) لم يأمر المأمون بالاستئناف واعادة وضوئه بل قد اتم وضوئه بالمباشرة وامضاه الامام عليه السلام فلو كانت الاستعانة بالغير محرما لامره بالاستئناف والاعادة. ولكنها أيضا ضعيفة بارسالها كما انها قاصرة الدلالة لعين ما قدمناه في سابقتها لان ظاهرها ان الاستعانة بالغير في مقدمات الوضوء اشراك في العبادة وفي الصلاة ولازمه كراهة الاستعانة بالغير في مطلق مقدمات الصلاة لانها اشراك في العبادة والصلاة كما عرفت ان الآية المباركة منطبقة على الاشراك في العمل لانها انما دلت على حرمة الاشراك ولا حرمة الا في الاشراك في المعبود لا في العمل. و " منها ": ما رواه هو " قده " في الخصال باسناده عن أبيه عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (ع)


(* 1) المروية في ب 47 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 429 ]

عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: رسول الله صلى الله عليه وآله خصلتان لا احب أن يشاركني فيهما أحد: وضوئي فانه من صلاتي وصدقتي فانها من يدي إلى يد السائل فانها تقع في يد الرحمان (* 1). وهي وان كانت من حيث السند معتبرة حيث بنينا اخيرا على اعتبار روايتي النوفلي والسكوني اعتمادا على ما يحكي عن الشيخ " قده " من دعوي اجماعهم على العمل بروايات السكوني في غير واحد من مواضع كلامه. وهذا الاجماع توثيق منهمم للسكوني وهو وان اختلفوا في مذهبه وقد قيل انه عامي الا ان غير قادح في وثاقته في الرواية. ثم ان هذا الاجماع كما ذكره الوحيد البهبهاني " قده " يلازم الاجماع على قبول روايات النوفلي أيضا لان طريق السكوني في كتابه انما هو النوفلي الذي يروي عن ابراهيم بن هاشم فإذا أجمعوا على اعتبار روايات السكوني كان ذلك اجماعا بالملازمة على اعتبار روايات النوفلي أيضا فلاحظ هذا. ويمكن المناقشة في ذلك بان ما سردناه وذكره البهبهاني " قده " انما يتم فيما إذا كانت روايات السكوني منحصرة بما في كتابة عن النوفلي وليس الامر كذلك لان له روايات أخرى بطريق آخر غير كتابة حسبما نقله الادربيلي " قده " في جامع الرواة. ومعه لا يكون الاجماع على اعتبار روايات السكوني اجماعا بالملازمة على اعتبار روايات النوفلي أيضا إذا لابد من ملاحظة حال النوفلي رأسا وهو وان لم يضعف في الرجال الا أنه لم يوثق أيضا ولم يذكروا له مدحا ولا توثيقا وبذلك يكون النوفلي مجهول الحال فيكون السند في الرواية ضعيفا


(* 1) المروية في ب 47 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 430 ]

لا محالة (* 1). ولكنها قاصرة الدلالة على المدعى لان ظاهرها هو الاستعانة بالغير في نفس العمل والوضوء دون مقدماته لان المشاركة لا تطلق على مجرد الاعانة في المقدمات فلا يصح أن يقال: لمن هيأ الدواة والقرطاس انه شارك الكاتب فيما كتبه ولا يقال: للخياط انه شارك اللابس في لبسه الثياب. فالمشاركة انما يصح اطلاقها فيما إذا أعان الفاعل في نفس العمل بان صدر الفعل من اثنين معا ولا اشكال في بطلان الوضوء بذلك لانه خلاف الادلة المتقدمة الدالة على اعتبار المباشرة في الواجبات. ويؤيد ذلك الفقرة الاخيرة من الرواية حيث ان مشاركة الغير في الصدقة انما تتصور باعطاء الفلوس - مثلا - لذلك الغير حتى هو يوصله إلى يد السائل وهو الشركة في نفس العمل والاستنابة فيه. وهذا قرينة على ان المراد من الفقرة الاولى أيضا هو ذلك ولا اشكال في ان الشركة في نفس الوضوء والاستنابة فيه موجبان للبطلان فالمتحصل إلى هنا ان الحكم بكراهة الاستعانة بالغير في المقدمات مشكل جدا ولم يدلنا على كراهيتها دليل مضافا إلى القطع بأنه لا خصوصية للوضوء من بين العبادات فلو كانت الاستعانة في مقدماته مكروهة لكرهت الاستعانة في مقدمات مثل الحج


(* 1) ولا يخفى ان النوفلي ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات وقد بنى دام ظله - أخيرا - على اعتبار كل من وقع في سلسلة اسانيد ذلك الكتاب ولم يضعف بتضعيف معتبر إذا على هذا المسلك يكون النوفلي ممن وثقه ابن قولويه وحيث لم يضعف بتضعيف معتبر فلابد أن يحكم بوثاقة الرواية في المقام.

[ 431 ]

والصلاة والصوم والجهاد أيضا وهذا مما لا يلزم به القائل بكراهة الاستعانة في مقدمات الوضوء وتخصيص الوضوء بذلك من بين العبادات مما لا مخصص له. ثم انه قد ظهر مما بيناه في المقام ان الاخبار المستدل بها على الكراهة في الاستعانة بالغير في مقدمات الوضوء غير قابلة للاعتماد عليها عند الاستدلال لضعفها من جهتي السند والدلالة معا وانه ليست المناقشة فيها منحصرة بضعف السند فحسب - كما عن بعضهم - حتى يجاب عنها - كما في الجواهر بان ضعفها منجبر بعمل المشهور على طبقها على ان ضعف السند غير مضر في الحكم بالكراهة من جهة قاعدة التسامح في أدلة السنن. وقد مر ان الاخبار المتقدمة زائدة على ضعف السند قاصرة الدلالة أيضا على المدعى. وما أجاب به في الجواهر على تقدير تماميته انما يتكفل لتصحيح السند ولا يدفع المناقشة عنها في دلالتها على انه غير دافع للمناقشة السندية أيضا. وذلك لانا لو سلمنا ان اعتماد الاصحاب (قدس الله اسرارهم) على رواية ضعيفة جابر لضعفها لكشفه عن انهم قد اصابوا بقرينة دلتهم على اعتبارها فهو انما يتم فيما إذا احرزنا صغرى تلك القاعدة وعلمنا انهم قد اعتمدوا في حكمهم هذا على تلك الرواية الضعيفة. ومن أين نحرز ذلك في المقام حيث ان الحكم من الاحكام غير الالزامية فيحتمل انهم اعتمدوا في الحكم بكراهة الاستعالة في المقدمات على قاعدة التسامح في أدلة السنن ومعه كيف يمكن الحكم بانجبار ضعف الروايات بدعوى انجبار ضعف الرواية بعمل المشهور على طبقها. وأما التمسك في المقام بقاعدة التسامح في أدلة السنن. فيتوجه عليه مضافا إلى انها مما لا اساس له حسبما قدمناه في محله،

[ 432 ]

[ (مسألة 22): إذا كان الماء جاريا من ميزاب أو نحوه، فجعل وجهه أو يده تحته بحيث جرى الماء عليه بقصد الوضوء صح (1) ولا ينافي وجوب المباشرة. بل يمكن أن يقال (2): إذا كان شخص يصب الماء من مكان عال لا بقصد أن يتوضأ به أحد (3) وجعل هو يده أو وجهه تحته صح أيضا ولا يعد هذا من اعانة الغير أيضا. ] انها لو تمت في نفسها فانما تتم في المستحبات لان ظاهر قوله (اص) من بلغه ثواب من الله على عمل.. (* 1) هو الفعل والعمل فلا يعم الترك والكراهة. فالصحيح ما قدمناه من أن الكراهة مما لا أساس له في المقام فما ذهب إليه صاحب المدارك واختاره في الحدائق من عدم كراهة الاستعانة في المقدمات القريبة - فضلا - عن البعيدة هو الصحيح. (1) وذلك لصحة استناد الوضوء حينئذ إلى المتوضي حقيقة لدى العرف لانه الذي جعل يده تحت الميزاب وغسل وجهه ويده دون غيره كما هو ظاهر. (2) لعين ما قدمناه في الوضوء من الماء الجاري من الميزاب لان غسل الوجه واليدين بالامرار أو يأخذ اليد تحت الماء انما يستند إلى المتوضى حقيقة. وأما صب الماء من غير أن يقصد توضؤ الغير به فانما هو اعداد لا اعانة في الوضوء. (3) بل ولو بقصد أن يتوضأ به أحد لان القصد وعدمه مما لا مدخلية له في استناد الوضوء إلى المتوضي وعدمه فلو كانت له مدخلية فانما هي


(* 1) راجع ب 18 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل

[ 433 ]

[ (مسألة 23): إذا لم يتمكن من المباشرة جاز (1). ] في صدق الاعانة على صبه لا في صدق الاستعانة وعدم استناد الوضوء إلى فاعله. بناء على ان مفهوم الاعانة يتقوم بالقصد كما ذكره شيخنا الانصاري (قدس سره) فانه إذا لم يقصد بصبه أن يتوضأ به غيره لم يصدق على صبه عنوان الاعانة. كما انها تصدق مع قصده ذلك وأما في صدق الاستعانة فلا! والسر في ذلك هو ان الجزء الاخير الذي به يتحقق الفعل المأمور به انما يصدر من المتوضي بارادته واختياره وهو جعل يده ووضعها تحت الماء الذي به يتحقق الوضوء من غسل يده ووجهه فبه صح أن يقال انه توضأ سواء قصد الصاب بصبه هذا ان يتوضأ به غيره أم لم يقصده. ففرق ظاهر بين أن تكون يده في موضع فصب عليها الماء غيره وان يصب الماء غيره وهو وضع يده تحته للوضو، لان الوضوء حينئذ يستند إلى فاعله حقيقة. نعم لو أمر المتوضي غيره بأن يصب الماء على يده دخل ذلك في الاستعانة بالغير في المقدمات وقد اسفلنا حكمها. وظيفة العاجز عن المباشرة: (1) المسألة متسالم عليها عندهم ولم يعرف فيها الخلاف وانما الكلام في مدركها وان المكلف بعدما وجبت عليه المباشرة في العمل واصدار المكلف به بنفسه من جهة اقتضاء ظواهر الخطابات ذلك إذا عجز عن التصدي له بالمباشرة لماذا يجب عليه الاستنابة والاستعانة بغيره. مع ان مقتضى القاعدة ان تتبدل وظيفته إلى التيمم لعدم تمكنه من

[ 434 ]

الوضوء المأمور به أعني الوضوء الصادر منه بالمباشرة. وقد قيل في وجه ذلك امور: " الاول ": قاعدة الميسور وان الوضوء المباشري إذا تعذر على المكلف وجب عليه أن يأتي بميسورة وهو أصل طبيعي الوضوء بالغاء قيد المباشرة. وفيه مضافا إلى ما مر منا غير مرة من المناقشة في كبرى تلك القاعدة ان الصغرى قابلة للمنع في المقام وذلك لان طبيعي العمل المأمور به وان كان بالنظر العقلي ميسورا للطبيعي المقيد بالمباشرة الا انهما بالنظر العرفي متبائنان ولا يعد العمل الصادر من الغير بالتسبيب ميسورا للعمل الصادر منه بالمباشرة فانهما أمران متباينان عندهم وعلى الجملة أن التمسك في المقام بقاعدة الميسورة مما لا وجه له والعمدة فيه هي المناقشة الكبروية. " الثاني ": الاجماع القطعي في المسألة ويمكن المناقشة في أيضا بان المستند في حكمهم في المسألة ان كان منحصرا بالاجماع فهو وان أمكن الاستدلال به نظرا إلى انه اجماع تعبدي كاشف عن رضى المعصوم (ع) إلا ان الوجه متعدد في المقام ولا ينحصر المستند بذلك. ومعه يحتمل أن يكون المستند لهم في ذلك قاعدة الميسور أو غيرها من الوجوه المستدل بها في المقام ومع هذا الاحتمال لا يكون الاجماع تعبديا كاشفا عن رأي المعصوم (ع) بوجه. " الثالث ": ما رواه الشيخ " قده " بطرق متعددة عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث انه كان وجعا شديد الوجع فأصابته جنابة وهو في مكان بارد قال: فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملوني فاغسلوني فحملوني ووضعوني على خشبات، ثم صبوا علي الم ء فغسلوني (* 1).


(* 1) المروية في ب 48 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 435 ]

حيث دل على ان من عجز عن الغسل بالمباشرة ينتقل فرضه إلى الغسل بالتسبيب أي بالاستعانة بغيره حتى يغسله. وبما رواه الكليني باسناده عن أبي عبد الله (ع) قال: قيل له: ان فلانا أصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات فقال: قتلوه الا سألوا؟ الا بمموه؟! ان شفاء العى السؤال (* 1) وغيرها من الاخبار الواردة بهذا المضمون. لدلالتها على ان من عجز عن المباشرة بالتيمم يجب أن يستعين بفعل الغير حتى ييممه. والاستدلال بهذه الاخبار انما يفيد فيما إذا انضم إليه القطع بعدم الفرق في ذلك بين الغسل والتيمم وبين الوضوء وان فرض من عجز عن المباشرة لغسله وتيممه إذا كان هو الاستعانة والاستنابة لتغسيله وتيممه فلابد أن يكون الامر كذلك في الوضوء أيضا. وحيث ان لو لا دعوى القطع بعدم الفرق يمكن أن يقال ان الحكم بما أنه على خلاف القاعدة لانها تقتضي انتقال الامر إلى التيمم فلا يمكن أن نتعدى عن مورد النص إلى سواه. " الثالث ": ان دليل اعتبار المباشرة وشرطيتها في الواجبات ليس دليلا لفظيا حتى يمكن التمسك باطلاقه في كلتي حالتي التمكن منها وعدمه وذلك لان دليل الشرطية إذا كان لفظيا لم يكن أي مانع من الحكم بشرطية المباشرة في كل من المتمكن والعاجز عنها. ولا يصغى إلى ما ذكره المحقق القمي (قده) في بعض كلماته وكذا صاحب الجواهر " قده " من أن دليل الشرطية والاعتبار إذا كان هو الامر والايجاب أختص بحالة القدرة والتمكن ولا يعم حالة العجز.


(* 1) المروية في ب 5 من ابواب التيمم من الوسائل

[ 436 ]

والوجه في عدم الاصغاء إليه ان القدرة انما تعتبر في متعلق الاوامر المولوية وأما الاوامر الارشادية فلا وجه لاشتراط القدرة فيها بوجه لعدم لزوم أي محذور في كون الشرطية مطلقة وثابتة في كل من حالتي التمكن وعدمه. وغاية الامر ان العاجز عن الشرط بما أنه غير متمكن من الايتان بالمأمور به واجدا لشرطه فيسقط عن ذمته وينتقل الامر إلى بدله من الوضوء أو غيره. وكيف كان إذا كان الدليل على اعتبار المباشرة لفظيا لالتزمنا بشرطيتها مطلقا الا ان دليل شرطية المباشرة ليس كذلك في المقام لانا انما استفدنا اعتبارها وشرطيتها من حال الخطابات وظواهرها في نفسها لانها تقتضي اعتبار استناد العمل وصدوره إلى نفس المكلف الفاعل له فلابد في الحكم بسقوط الواجبات من أن يصح اسنادها إلى فاعلها. وهذا يختلف باختلاف الفاعلين لان الفاعل إذا كان قادرا متمكنا من الاتيان بالعمل الواجب بالمباشرة فلا يصح اسناده إليه الا إذا أتى به بنفسه بحيث لو أتى به شخص آخر ولو بتسبيبه لم يصح اسناده إليه على وجه الحقيقة. وأما إذا كان عاجزا عن اصدار العمل والاتيان به بنفسه وبالمباشرة فأتى به بالتسبيب فلا مانع من صحة اسناد ذلك العمل إليه على وجه الحقيقة. وهذا لا من جهة ان المراد من اللفظ هو ايجاد غير العاجز عن المباشرة بالمباشرة وايجاد العاجز عن المباشرة بالتسبب ليكون لفظ واحد مستعملا في معنيين. بل من جهة ان المتبادر من الاوامر الواردة في الآية المباركة والروايات

[ 437 ]

بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين ليس إلا وجوب اصدار مطلق الطبيعة على كل مكلف من المكلفين على وجه يصح اسناده إليه لدى العرف. وهذا أمر يختلف باختلاف المكلفين والاشخاص من جهة قدرتهم وعجزهم فانه كالاختلاف في التعظيم والتجليل حسب اختلاف الاشخاص من حيث القدرة وعدمها فنرى ان من عجز عن القيام للتعظيم إذا حرك جانبه أو قام لا على وجه التمام تعظيما للوارد عليه أو اقامة غيره صح ان يسند إليه التعظيم على وجه الحقيقة. بخلاف من تمكن من القيام لانه إذا لم يقم وجه التمام بل حرك جانبه أو قام لا على وجه التمام أو اقامه غيره وهو متمكن من القيام لم يصح اسناد التعظيم إليه حقيقة. وكذلك المتمكن من البناية لانه لا تستند إليه البناية الا فيما إذا باشرها بنفسه كما إذا بنى دارا أو حانوتا - مثلا - فيصح حينئذ أن يقول قد بنيت الدار ويسند البناية إلى نفسه على وجه الحقيقة واما إذا بناهما غيره ولو بتسبيبه فانه لا يصح ان يسند إليه بنايتهما حقيقة. وهذا بخلاف مالك الدار العاجز عن البناية لصحة أن يقول اني بنيت داري أو حانوتي أو عمرتهما ويصح أن يسند بنايتهما إلى نفسه حقيقة مع انه انما أوجد البناية بالتسبيب من دون أن يصدر عنه بالمباشرة. وعليه فإذا عجز المكلف من التوضوء بنفسه وبالمباشرة واستعان فيه بالغير بان أوجده بالتسبيب صح أن يسند إليه فعل الوضوء لدى العرف. وبهذا يظهر ان الاخبار الواردة في الغسل والتيمم الدالة على وجوبهما على من عجز عنهما بالتسبيب على طبق القاعدة لانها كما عرفت يقتضى

[ 438 ]

[ أن يستتيب (1) بل وجب وان توقف على الاجرة (2) فيغسل الغير أعضاءه ] اصدار العمل بالتسبيب إذا لم يمكن الاتيان به بالمباشرة. وهذا الوجه قد ذكره شيخنا المحقق الهمداني " قده " ولعمري أنه قد أجاد فيما أفاد وجاء فيما نقلناه عنه بما فوق المراد وكم له " قده " من بيانات شافية في المطالب الغامضة والدقيقة فشكر الله سعيه واجزل مثوبته. إذا توقف الاستنابة على الاجرة: (1) الاستنابة في المقام بمعنى الاستعانة بالغير في ايجاد العمل المأمور به. (2) إذا فرضنا ان استناد فعل الوضوء إلى المكلف على وجه التسبب قد توقف على بذل المال والاجرة للغير حتى يوضأ أو يغسله فهل يجب أن يبذلها؟ يختلف ذلك باختلاف الوجوه المتقدمة في بيان وجوب الاستنابة واصدار العمل الواجب على وجه التسبيب. فان اعتمدنا في ذلك على الاخبار المتقدمة الحاكية لفعل أبي عبد الله (ع) مع التعدي عن موردها إلى الوضوء أو الواردة في تيمم المجدور فلا يمكننا الحكم بوجوب بذل المال والاجرة في الوضوء أو الغسل التسبيبين. حيث لا يستفاد منها أنه (ع) بذل الاجرة لعمل المباشر أم لم يبذلها له حيث لا يتوقف على البذل واعطاء الاجرة فلا دلالة على ذلك في شئ من الروايات. وكذلك الحال فيما إذا اعتمدنا على الاجماع المدعى في المقام لانه انما العقد على الحكم ولم ينعقد على لفظ ليستكشف أنه صدر من المعصوم (ع) حتى يؤخذ باطلاقه، ومن الظاهر ان الاجماع دليل لبي يقتصر فيه على

[ 439 ]

المورد المتيقن وهو ما إذا لم يتوقف التسبيب على بذل المال أو اعطاء الاجرة عليه ولم يعلم انعقاد الاجماع فيما إذا توقف على بذل الاجرة بوجه. نعم إذا اعتمدنا في المسألة على ما أسلفنا نقله عن شيخنا المحقق الهمداني " قده " ووافقناه عليه لم يكن بد من الحكم بوجوب اصدار المأمور به على وجه التسبيب عند العجز عن المباشرة حتى إذا توقف على بذل الاجرة واعطاء المال. لان فعل الغير أعني تغسيل أو توضيه عمل من الاعمال المحترمة وهو مال له قيمته بحسب الطبع ما لم يزيل احترام ماله بقصد التبرع والاحسان فإذا كان العمل مالا بطبعه وكانت له قيمة سوقية لدى العرف وقد عرفت ان الآية المباركة والاخبار الآمرة بالوضوء والاغتسال قد دلتنا على وجوب استناد تلك الافعال إلى المكلفين وقد ذكرنا ان الاستناد مع التمكن من المباشرة لا يتحقق الا بالمباشرة بنفسه كما انه مع العجز لا يتحقق الا بالتسبيب. إذا تدلنا الآية المباركة والروايات على وجوب التسبيب لدى العجز ولزوم الاتيان بتلك الافعال بفعل الغير الذى له قيمته على الفرض فيكون دفع الاجرة على عمل الغير مأمورا به بذلك الامر المتعلق بايجاد الافعال ولو بالتسبيب واستنادها إلى المكلفين باستنابة الغير وتسبيبه لان العمل الصادر من الغير مال بطبعه وله قيمة سوقية لدى العرف. هذا كله فيما إذا توقف العمل التسبيبي على بذل الاجرة له بمقدار ماليته لدى العرف والعادة. واما إذا توقف على بذل المال زائدا على قيمته المتعارفة كما إذا طلب الغير دينارا على عمله وهو يسوى عند العرف درهما أو درهمين فلا ينبغي التأمل في عدم وجوب البذل وقتئذ لانه ضرر مالي زائدا على ما يقتضيه طبع الاستنابة والتسبيب ومقتضى قاعدة نقي الضرر عدم وجوبه على المكلف.

[ 440 ]

[ وهو ينوي الوضوء (1) ولو أمكن اجراء الغير الماء بيد المنوب عنه بان يأخذ يده ويصب الماء فيها ويجزيه بها هل يجب أم لا؟ الاحوط ذلك ] تعيين من تجب عليه النية في الوضوء التسبيبي: (1) فهل يجب نية الوضوء على المتوضئ العاجز عن المباشرة أو ان الناوي لابد أن يكون هو المعين؟ وتظهر ثمرة ذلك في الاستعانة بما لا نية له كالاستعانة ببعض الحيوانات المعلمة أو الصبي ونحوهما يختلف الحال في المسألة حسب اختلاف الوجوه المتقدمة في التعليقة المتقدمة. فان كان المعتمد في تلك المسألة هو قاعدة المسور أو الوجه الاخير الذي قد اخترناه فلابد أن يكون الناوي هو نفس المتوضئ العاجز عن المباشرة وذلك لان العمل عمله غاية الامر انه عمل ناقص أو عمل بالتسبب فكما ان العمل التام والمباشري كان مستندا إليه على وجه الحقيقة دون المجاز كذلك العمل الناقص والميسور أو العمل بالتسبيب مستندان إليه حقيقة إذا لابد أن يكون الناوي هو المتوضئ العاجز عن المباشرة. واما إذا استندنا فيها إلى دعوى الاجماع أو الاخبار المتقدمة فلابد من الاحتياط بالجمع بين نية المعين ونية المتوضي العاجز عن المباشرة وذلك لان الاجماع دليل لبي ومعقده غير مبين لعدم علمنا ان مراد المجمعين هل هو وجوب الاستعانة بالغير مع كون الناوى هو ذلك المعين أو مع كون النية من المتوضئ العاجز؟ كما ان الاخبار مجملة من تلك الجهة لوضوح انه لا دلالة في شئ منها على ان الامام (ع) قد نوى الغسل أو ان الغلمان نووا ذلك.

[ 441 ]

[ وان كان الاقوى عدم وجوبه لان مناط المباشرة في الاجراء واليد آلة (1) والمفروض ان فعل الاجراء من النائب. نعم في المسح لابد من كونه بيد المنوب عنه (2) لا النائب فيأخذ يده ويمسح بها رأسه ورجليه وان لم يمكن ذلك أخذ (3) الرطوبة التي في يده ومسح بها، ولو كان يقدر على المباشرة في بعض دون بعض بعض. ] وكذلك الحال في تيمم المجدور وحيث انا علمنا اجمالا بوجوب احدى النيتين وهما متبائنان فلا مناص من الاحتياط بالجمع بين كلتا النيتين فينوي الوضوء كل من المعين والمتوضئ العاجز تحصيلا لليقين والجزم بحصول شرط العمل. (1) كما سيظهر الوجه في ذلك. لابد ان يكون المسح بيد المنوب عنه: (2) لانه يعتبر في المسح أن يكون ببلة اليد وان يكون على وجه المباشرة فإذا سقط قيد المباشرة بالعجز فلابد من التحفظ على بقية القيود الميسورة للمكلف وهي كون المسح باليد وبالبلة. وهذا بخلاف غسل الوجه واليدين إذ لا يعتبر ان يكون غسلهما بيد المتوضئ العاجز عن المباشرة بل يكفي غسلهما بين المعين لوضوح ان الغسل باليد غير معتبر في الوضوء حال الاختيار لجواز غسلهما بصوب أو قطن أو بملعقة ونحوهما من الآلات فضلا عن حال العجز وعدم التمكن من المباشرة ولعله واضح. (3) لما اشرنا إليه من أنه يعتبر في المسح أن يكون ببلة ما في يمناه على وجه المباشرة فإذا سقط قيد المباشرة وكونه باليد من جهة العجز وعدم

[ 442 ]

[ (العاشر): الترتيب (1) بتقديم الوجه، ثم اليد اليمنى، ثم اليد اليسرى، ثم مسح الرأس، ثم الرجلين ولا يجب الترتيب بين أجزاء ] التمكن منها فلا مناص من التحفظ على بقية قيود الموضوع الممكنة للمكلف إذا يجب أن يأخذ الموضي المعين البلة من يد المتوضي العاجز ويمسح بها رأسه ورجليه ولا اعتبار بالبلة الكامنة في يد المعين. اعتبار الترتيب في افعال الوضوء: ويدل عليه مضافا إلى تسالمهم على ذلك في المسألة الروايات الآمرة بالبدء بما بدء به الله سبحانه ففي صحيحة زرارة قال: سأل أحدهما (ع) عن رجل بدأ بيده قبل وجهه وبرجليه قبل يديه. قال: يبدأ بما بدأ الله به وليعد ما كان (1). وفي صحيحته الاخرى قال: قال ابو جعفر (ع) تابع بين الوضوء كان قال الله عزوجل ابد بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس و الرجلين ولا تقدمن شيئا بين يدي شئ تخالف ما امرت به فان غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه، واعد على الذراع، وان مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل، ثم اعد على الرجل، ابدا بما بدأ الله عزوجل (* 2) إلى غير ذلك من الاخبار الامرة بتقديم غسل الوجه على غسل اليدين وعلى مسح الرأس والرجلين. واما ما دل على لزوم مراعاة الترتيب بين اليدين فهو أيضا عدة من الاخبار.


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل (* 2) المروية في ب 34 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 443 ]

" فمنها ": صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين، قال: يغسل اليمين وبعيد اليسار (* 1). " ومنها ": صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا نسى الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه وشماله وسمح رأسه ورجليه وان كان انما نسى شماله فليغسل الشمال ولا يعيد على ما كان توضأ وقال اتبع وضوئك بعضه بعضا (* 2). و " منها ": ما رواه ابن ادريس في آخر السرائر نقلا من كتاب النوادر لاحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الكريم يعني ابن عمرو عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا بدأت بيسارك قبل يمينك ومسحت رأسك ورجليك، ثم استيقنت بعد انك بدأت بها غسلت يسارك ثم مسحت رأسك ورجليك (* 3) إلى غير ذلك من الروايات. واما ما دل على لزوم الترتيب بين مسح الرجلين وكذا بينه ومسح الرأس فقد قدمنا الكلام عليه مفصلا فلا نعيد. ومقتضى هذه الروايات لزوم مراعاه الترتيب بين الافعال المذكورة ولزوم في الاثناء أم بعد الفراغ عن الوضوء قبل فوات الموالاة. واما بعد فواتها فلابد من استئناف الوضوء لبطلانه بفوات الموالات المعتبرة بين اجزائه.


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 444 ]

بقي الكلام في شئ: وهو أن مقتضى الاخبار الواردة في المقام انه إذا نسي غسل اليد اليمنى قبل غسل اليسرى فغسلهما على خلاف الترتيب المعتبر في أفعال الوضوء ثم تذكر وجب أن يغسل بمينه بعد ذلك مرة ثانية ثم يساره أيضا ثانيا ولا يكتفي باعادة غسل اليد اليسرى فقط. هذا كما في موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: ان نسيت غسل وجهك فغسلت ذراعيك قبل وجهك فاعد غسل وجهك، ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه فان بدأت بذراعك الايسر قبل الايمن فاعد على غسل الايمن ثم اغسل اليسار، وان نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك (* 1) ومرسلة الصدوق " قده " قال روي في حديث آخر فيمن بدأ بغسل يساره قبل يمينه أنه يعيد على يمينه ثم على يساره (* 2) إلى غير ذلك من الروايات. ولا نرى نحن وجها صحيحا لوجوب الاعادة في غسل اليد اليمنى أبدا لان الترتيب المعتبر بين أفعال الوضوء انما يحصل باعادة الغسل في اليد اليسرى فحسب ولا مناص معه من رفع اليد عن الاخبار الآمرة باعادة غسلهما معا أو حملها على ما إذا غسل اليسار فقط قبل غسل اليمنى من غير أن يغسل اليمنى بعدها فانه وقتئذ لابد من غسل اليمنى ابتداء ثم يعيد غسل اليسرى حتى يتحقق بذلك الترتيب المعتبر في الوضوء.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 445 ]

[ كل عضو (1). نعم يجب مراعاة الاعلى فالاعلى كما مر ولو اخل بالترتيب ولو جهلا أو نسيانا بطل إذا تذكر بعد الفراغ وفوات الموالاة، وكذا ان تذكر في الاثناء لكن كانت نيته فاسدة (2) حيث نوى الوضوء على هذا الوجه ] عدم اعتبار الترتيب بين اجزاء العضو: (1) فله أن يصب الماء على ظاهر يده من المرفق ويغسله ثم يصب الماء على باطنها فيغسل باطنها كما له ان يعكس الامر بأن يغسل باطن يده من المرفق أولا ثم يغسل ظاهرها. وكذلك الحال في غسل الوجه فان له أن يغسل جانبه الايمن أولا بأن يصب الماء عليه بيده ثم يغسل الجانب الايسر كذلك كما ان له أن يعكس الامر فلا يعتبر الترتيب بين الاجزاء العرضية في الاعضاء. نعم لابد من مراعاة الاعلى فالاعلى فيما يغسله من الاطراف فإذا أراد غسل باطن يده من المرفق ابتداء فلابد من ان يغسل الجزء المسامت للجزء المتأخر عنه أولا ثم يغسل ذلك الجزء الثاني المسامت للجزء الثالث ثانيا وهكذا يراعى الاعلى فالاعلى إلى آخر الاجزاء الواجب غسلها وهكذا الحال فيما إذا غسل ظاهر يده أو وجهه. نعم لا تعتبر في المسامة المسامته الدقية العقلية بل المسامته العرفية كافية في تحقق الشرط المعتبر في الوضوء كما مر في محله. (2) كما إذا قصد امتثال أمر متعلق بوضوء مقيد بان يغسل فيه اليد اليسرى قبل غسل اليمنى أو يغسل فيه الوجه بعد غسل اليدين أو بغير ذلك من القيود والجامع أن يكون متعلق الامر مقيدا بما لا واقع له فان الوضوء وقتئذ باطل على الاطلاق وهذا لا لاجل التشريع فحسب لتختص

[ 446 ]

[ وان لم تكن نيته فاسدة فيعود على ما يحصل به الترتيب (1) ولا فرق في وجوب الترتيب (2) بين الوضوء الترتيبي والارتماسي. ] حرمته يصورة العلم بالحال بل من جهة ان العمل غير مقرب واقعا وقصد التقرب لو تمشى في مثله لم يسبب حصول التقرب لعدم صلاحية العمل للمقربية واقعا وهذا لا يفرق فيه بين صورتي العلم والجهل ولا بين التذكر في اثناء العمل أو بعد الفراغ عنه نعم لا بأس بالوضوء في محل الكلام فيما إذا اخطأ في التطبيق بان قصد امتثال الامر الواقعي المتعلق بالوضوء الذي اعتقد كونه مقيدا بكذا وبكذا خطأ، الا ان هذه المسألة مستدركة في المقام لان الكلام في الترتيب من غير هذه الناحية كقصد امتثال أمر متعلق بما لا واقع له فهو خارج عن محط الكلام. (1) وقد بينا الوجه فيه مفصلا آنفا فلا يجب عليه اعادة غسل كل من اليدين فيما إذا غسل اليد اليسرى مقدما على غسل اليمنى لانه لو اعاد غسل اليسرى فحسب لحصل به الترتيب المعتبر في الوضوء. عدم الفرق في اعتبار الترتيب بين الارتماسي والترتيبي: (2) أشار " قده " بذلك إلى الفرق بين الطهارتين أعني الغسل والوضوء وان الوضوء لا يختلف الترتيب المعتبر فيه باختلاف انحائه واقسامه كما يختلف في الغسل لوضوح أن غسل الرأس مقدم في الغسل على غسل الجانبين من غير خلاف كما ان غسل الجانب الايمن مقدم على الايسر على المشهور. الا ان ذلك خاص بالترتيبي منه دون الارتماسي فان الامر ربما ينعكس في الارتماس فيغسل أولا رجليه ثم جانبيه ثم رأسه لانه انما يدخل

[ 447 ]

[ (الحادي عشر): الموالاة (1) بمعني عدم جفاف الاعضاء السابقة قبل الشروع في الاحقة فلو جف تمام ما سبق بطل، بل لو جف العضو ] في الماء من طرف الرجل غالبا - في الارتماس -. هذا بخلاف الوضوء لان متقضى اطلاق أدلته ان الترتيب معتبر فيه مطلقا سواء اكان التوضؤ بالترتيب أم بالارتماس فالارتماسي فيه كالترتيبي فان المراد بالارتماس في الوضوء انما هو ارتماس وجهه أو يده اليمنى أو اليسرى فلو قدم ما هو متأخر بطل وضوءه لا محالة. اشتراط الموالاة في أفعال الوضوء: (1) لا اشكال ولا خلاف في اعتبار الموالاة في الوضوء وان كان بينهم كلام في ان الموالاة واجب شرطي فيبطل الوضوء بالاخلال بها أو انها واجب نفسي فالاخلال بها يوجب الاثم والعقاب ولا يبطل بذلك الوضوء وكيف كان فالمسألة متسالم عليها عندهم. وتوضيح الكلام في ذلك: ان مقتضى اطلاق ادلة الوضوء من الآية المباركة والاخبار الواردة عنهم عليهم السلام عدم الموالاة في الوضوء وان حال حال الغسل فكما لا تعتبر الموالاة في صحته فله أن يغسله رأسه في مجلس وزمان ويغسل طرفه الايمن في وقت آخر والايسر في زمان ثالث فكذلك الحال في الوضوء فيتمكن المكلف من ان يغسل وجهه في زمان ويديه في وقت آخر وان طال الفصل بينهما حسبما يقتضيه اطلاق الادلة كما عرفت. نعم الفصل الطويل بين الغسلتين المسحتين مخل بالصحة من جهة اعتبار ان يكون المسح في الوضوء بالندواة بالباقية في يد المتوضي ومع الفصل

[ 448 ]

الكثير ترتفع الندواة وييبس المحل فلا يتحقق المأمور به في الوضوء. وعلى الجملة انا لو كنا نحن وهذه المطلقات لحكمنا بعدم اعتبار الموالاة - بمالها من المعنى والتفسير - في الوضوء. واما الاخبار الآمرة بالاتباع في الوضوء أو الاخبار الدالة على وجوب المتابعة فيه أو ما دل على ان الوضوء غير قابل للتبغيض فسيأتي ان شيئا من ذلك لا دلالة له على اعتبار الموالاة العرفية فلاحظ. نعم ان بين الروايات روايتان وهما موثقة أبي بصير وصحيحة معاوية ابن عمار وكلتاهما عن أبي عبد الله (ع). قال في أولا لهما: إذا توضأت بعض وضوئك وعرضت لك حاجة حتى يبس وضوئك فاعد وضوئك فان الوضوء لا يبغض (* 1). وفي ثانيتهما: قلت لابي عبد الله (ع) ربما توضأت فنفذ الماء فدعوت الجارية فابطأت علي بالماء فيجف وضوئي فقال: اعد (* 2) وقد دلتا على عدم بطلان الوضوء بحدوث الفصل الطويل في أثنائه ما دام لم يؤد إلى جفاف الاعضاء المتقدمة ولو كان الفصل مخلا بالموالات لدى العرف. فنستفيد منهما ان المولاة المعتبرة في الوضوء عند الشارع ليست هي الموالاة العرفية فحسب بل ان لبقاء الرطوبة على الاعضاء المتقدمة مدخلية تامة في تحقق الموالاة في نظره. وهذا المعنى من الموالاة أعني عدم جفاف الاعضاء المتقدمة. وان كان أمرا تعبديا في الجملة لا محالة الا أنه في الجملة أيضا موافق للذوق العرفي فان الاعضاء السابقة ما دامت باقية على رطوبتها فكأنها باقية على اتصالها مع الاجزاء اللاحقة عليها لدى العرف وانما يراها منفصلة عن سابقتها إذا جفت ويبست واما مع بقاء الرطوبة فالوحدة باقية في نظره


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 33 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 449 ]

وعليه فمقتضى الجمع بينهما والاخبار المطلقة أن نكتفي في حصول شرط الوضوء بكل من الموالاة العرفية وبقاء الاعضاء المتقدمة على رطوبتها فأي منهما حصل كفى في الحكم بصحة الوضوء. فإذا فرضنا أنه فصل بين أجزاء الوضوء بمقدار مخل للموالاة العرفية ولكن الاعضاء المتقدمة كانت باقية على رطوبتها لبرودة الهواء - مثلا - كما في الشتاء بحيث لو كان الفصل غير فصل الشتاء لجفت ويبست كفى ذلك في صحة الوضوء. كما انا لو فرضنا ان الاعضاء السابقة - لمرض كما في بعض أقسام الحمى أو لحرارة الهواء - تجف بمجرد وصول الماء إليها الا ان الفصل المخل بالموالاة العرفية لم يتحقق في الخارج أيضا حكمنا بصحة الوضوء. نعم إذا فرضنا ان الاعضاء السابقة قد يبست؟ من جهة التأخير وعدم مراعاة الموالاة حكمنا عليه بالبطلان بمقتضى الموثقة والصحيحة وهذا بخلاف ما إذا راعى الموالاة ولكن الاعضاء يبست؟ بسبب حرارة البدن أو الهواء فان الاطلاقات المقتضية للصحة هي المحكمة وقتئذ. فلا نشترط الموالاة العرفية على وجه الاطلاق كما لا نشترط بقاء الاعضاء السابقة على رطوبتها على الاطلاق هذا. وقد يقال مستدلا بالموثقة والصحيحة المتقدمتين ان المدار في بطلان الوضوء انما هو جفاف الاعضاء المتقدمة سواء استند ذلك إلى التأخير والفصل الكثير المنافي للموالاة العرفية أم استند إلى حرارة البدن أو الهواء فبجفاف الاعضاء المتقدمة يحكم بالبطلان وإن كانت المولاة العرفية غير زائلة. لان المذكور في الموثقة وان كان هو يبوسة الاعضاء المتقدمة من جهة الفصل الطويل المسبب عن عروض الحاجة له الا ان التعليل الوارد في ذيلها

[ 450 ]

بقوله (ع) فان الوضوء لا يبعض يعم ما إذا حصل الجفاف من جهة حرارة البدن أو الهواء لدلالته على ان جفاف الاعضاء السابقة مبعض للوضوء سواء استند إلى ذلك أو إلى ذاك هذا. ولا يخفى ان الكبرى الواردة في ذيل الموثقة وان كنا نسلمها ونعترف بأن الوضوء لا يبعض الا ان الكلام في ان التبعيض في الوضوء يتحقق بأي شئ والظاهر انه لابد أن يكون التبعيض بأحد أمرين: فاما ان يكون التبعيض بالنظر العرفي وترك الموالاة العرفية. واما ان يكون التبعيض بالتعبد الشرعي كما إذا حصلت اليبوسة في الاعضاء السابقة من جهة الفصل الطويل كما هو مورد الرواية. وإذا فرضنا بقاء الموالاة العرفية في مورد فلا محالة يتوقف حصول التبعيض تعبدا بمجرد جفاف الاعضاء السابقة من جهة المرض أو الحرارة الهواء على دلالة الدليل عليه والمفروض عدمها لان العلة الواردة في ذيل الموثقة انما تشتمل على الكبرى فقط وقد عرف انا نسلمها ونعترف مضمونها الا انها غير متكلفة لبيان الصغرى والمصداق اعني ما به يتحقق التبعيض في في الوضوء وموردها خصوص ما إذا استند جفاف الاعضاء السابقة إلى الفصل الطويل لاجل عروض الحاجة له ولا تعرض لها إلى الجفاف المستند إلى حرارة البدن أو الهواء. وقد ذكرنا ان التبعيض انما يتحقق بأحد أمرين والمفروض انه لا أثر منهما في المقام هذا كله في الموثقة. وأما صحيحة معاوية فيتوجه على الاستدلال بها في المقام ان الحكم الذي تكفلته الصحيحة قضية شخصية في واقعة وهو خطاب لمعاوية. ولابد في مثلها من الاقتصار على المقدار المتيقن والمعلوم وهو مورد الرواية اعني ما اشتمل على قيدين: أحدهما جفاف الاعضاء السابقة. وثانيهما: استناد ذلك إلى التأخير والابطاء المستندين إلى عروض الحاجة له ووجوب الاعادة

[ 451 ]

في مثله مما لا كلام فيه. واما التعدي عنه إلى ما اشتمل على قيد واحد وهو مجرد الجفاف وان لم يستند إلى الابطاء والتأخير فمما لا شاهد له ولا يمكن استفادته من الحكم الخاص أعني ما تكفلته الصحيحة في موردها. وعليه فما ذهب إليه في المتن ووافقه عليه جملة من المحققين أعني القول بكفاية أحد الامرين من الموالاة العرفية اعني عدم التعبيض وبقاء الرطوبة في الاعضاء هو المتين ولعل هذا القول منشأة الصدوق " قده " هذا. ثم ان مقتضى الروايتين هو اعتبار جفاف الاعضاء السابقة بأجمعها لمكان قوله (ع) فيجف وضوئي أو حتى يبس وضوئك. فان ظاهرهما هو جفاف تمام الوضوء وعليه فجفاف بعض الاعضاء السابقة مع رطوبة البعض الآخر مما لا يترتب عليه أثر في البطلان. ومن ذلك يظهر بطلان ما ذهب إليه الاسكافي " قده " من الحكم بالبطلان عندما يبس شئ من الاعضاء المتقدمة لما عرفت من ان المدار في ذلك انما هو يبوسة الاعضاء السابقة بتمامها ولا دليل على بطلان الوضوء بجفاف بعضها بوجه. وكذلك الحال فيما سلكه الحلي " قده " من ذهابه إلى الحكم بالبطلان عند جفاف العضو المتقدم على العضو الذي يريد غسله أو مسحه. وذلك لانه ان أراد بذلك جفاف تمام الاعضاء المتقدمة - بالملازمة - كما هو الاقرب، لانه إذا كان التأخير بمقدار جف معه العضو المتقدم على ما يريد الاشتغال به فيجف معه الاعضاء المتقدمة عليه بطريق أولي فهو عين ما قدمناه من اعتبار جفاف الاعضاء السابقة بتمامها. وان أراد به جفاف خصوص العضو السابق على ما بيده ولو مع بقاء الرطوبة في العضو المتقدم عنه كما إذا كانت رطوبة وجهه باقية وقد جفت

[ 452 ]

رطوبة يده اليمنى وهو يريد الاشتغال باليد اليسرى - مثلا - فقد ظهر انه مما لا دليل عليه لان ظاهر الصحيحة والموثقة انما هو اعتبار الجفاف في تمام الاعضاء المتقدمة كما مر. ومما يدلنا على بطلان هذا القول هو الاخبار الآمرة بأخذ البلة من اللحى والحاجبين فيما إذا توضأ ونسي المسح ثم تذكر وقد جفت رطوبة يده ووجهه فان الوضوء إذا قلنا ببطلانه بجفاف العضو السابق على المسح للزم الحكم ببطلان الوضوء في موارد الاخبار المذكورة ولم يكن وجه لصحته باخذ البلة من اللحي والحاجبين. فالمتحصل ان الوضوء يعتبر فيه أحد الامرين المتقدمين: بقاء الاعضاء السابقة على رطوبتها. والموالاة العرفية فيما إذا لم يستند جفاف الاعضاء إلى التأخير. ما ذهب إليه جمع من الاصحاب (قدهم): بقي الكلام فيما ذهب إليه جمع من الاصحاب " قدهم " من ان العامد في الاخلال بالموالاة العرفية يبطل وضوءه واما المضطر الذي من جملته الناسي فهو انما يبطل وضوءه بالاخلال بالموالاة فيما إذا جفت الاعضاء المتقدمة واما إذا تذكر مع بقاء الاعضاء المتقدمة على رطوبتها فهو محكوم بصحة الوضوء.

[ 453 ]

الوجوه المستدل بها على التفصيل بين الناسي والعامد: هكذا يفصل بين الناسي والعامد ويستدل عليه بأمور: " الاول ": ان ذلك مقتضى الجمع بين الروايات فان الاخبار المتضمنة بالامر بالاتباع أو المتابعة في الوضوء تدلنا على اعتبار الموالاة العرفية في صحته لان ظاهر كلمة الاتباع والمتابعة هو اتيان كل جزء بعد الجزء الآخر متواليا فإذا أخل المكلف بذلك متعمدا ولم يأت بالاجزاء على نحو التوالي فقد أخل بالشرط فيحكم على وضوئه بالبطلان. وأما الموثقة والصحيحة الدالتان على صحة الوضوء عند بقاء الرطوبة في الاعضاء السابقة فهما محمولتان على ترك التوالي عند الاضطرار كما هو موردها ومن أفراد الاضطرار النسيان وبهذا يجمع بين الطائفتين هذا. والتحقيق انه لا فرق بين العامد وغيره في ان الوضوء مع الاخلال بالموالاة العرفية إذا بقيت الاعضاء السابقة على رطوبتها محكوم بالصحة كما مر والسر في ذلك أنه لا دليل على ان الاخلال بالمولاة العرفية يوجب الحكم ببطلان الوضوء حتى يحمل ذلك على العامد. وما استدل به على ذلك من الاخبار الامرة بالاتباع والمتابعة وقالوا انها محمولة على المتعمد في الاخلال بالموالاة العرفية فمما لا يمكن الاعتماد عليه وذلك لان الاخبار الآمرة بالاتباع والمتابعة روايات ثلاث: " الاولى ": رواية حكم بن حكيم قال: سألت ابا عبد الله عن رجل نسى من الوضوء الذراع والرأس قال: يعبد الوضوء ان الوضوء يتبع بعضه بعضا (* 1) بدعوى ان قوله عليه السلام يتبع بعضه بعضا بمعنى ان الاجزاء


(* 1) المروية في ب 33 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 454 ]

الوضوئية تعتبر فيها الموالاة عرفا. ويتوجه على الاستدلال بها " أولا ": انها ضعيفة السند بالحسين بن محمد بن عامر لانه وان كان يحتمل أن يكون هو الحسين بن محمد بن عمران وهو موثق في الرجال الا انه مجرد احتمال لا يعتني به (* 1) والحسين بن محمد بن عامر لم يوثق في الرجال كما ان معلى بن محمد أيضا مجهول فالرواية غير قابلة للاعتماد عليها من حيث السند. و " ثانيا ": ان دلالتها على المدعى محل الكلام وذلك لان المراد بالتبعية في قوله (ع) يتبع بعضه بعضا انما هو الترتيب المعتبر بين أفعال واجزائه دون الموالاة العرفية كما توهم وذلك بقرينة ورودها فيمن نسى الذراع والرأس واخل بالترتيب المعتبر في الوضوء إذا معنى أنه يتبع بعضه بعضا ان لكل جزء منه موضعا معينا لا يسع للمتوضي ان يقدم ما هو متأخر أو يؤخر ما هو متقدم منها. و " ثالثا ": انا لو سلمنا ان قوله (ع) يتبع بعضه بعضا بمعنى الموالاة في الوضوء فلا مناص من حمله على الموالاة بمعنى جفاف الاعضاء السابقة لان موردها انما هو الناسي وهو غير مكلف بالموالاة حسبما يقتضيه الموثقة والصحيحة المتقدمتان وانما موالاته بمعنى عدم جفاف الاعضاء السابقة. وقد تقدم انه تبعدي في الجملة كما أنه في الجملة أيضا موافق للذوق العرفي لان العرف يرى استمرار العمل وعدم انقطاعه عما تقدم ما دامت الرطوبة باقية على أعضاء الوضوء ومع ورود الرواية في مورد النسيان كيف


(* 1) وقد تعرض دام ظله لهذا في الرجال وبنى على أن محمد بن عامر هو الحسين بن محمد بن عمران معللا بما عن النجاشي من ان عامرا هو ابن عمران فلاحظ.

[ 455 ]

بحمل ذيلها على العامد وغير الناسي إذا لا مجال لحمل التبعية فيها على الموالاة العرفية حتى يحمل على العامد لمنافاته مورد الرواية كما عرفت. " الثانية ": صحيحة زرارة قال: قال: ابو جعفر: تابع بين الوضوء كما قال الله عزوجل أبدأ بالوجه ثم باليدين ثم امسح الرأس والرجلين ولا تقد من شيئا بين يدي شئ.. (* 1) مدعيا ان كلمة (تابع) بمعنى الاتيان بالاجزاء متوالية. ويدفعه: ان كلمة (تابع) في الصحيحة ليست بمعنى الموالاة قطعا لانه (ع) استشهد بقول الله عزوجل مع وضوح ان الآية المباركة أجنبية عن الدلالة على اعتبار الموالاة العرفية. بل ذكرنا ان مقتضى اطلاقها كبقية الاخبار المطلقة عدم اعتبار الموالاة في الوضوء كما هي غير معتبر في الغسل بل انما هي بمعنى الترتيب لانه الذي ذكره الله سبحانه بقوله فاغسلوا وجوهكم.. ومن ثمة قال عليه السلام ابداء بالوجه. وعلى الجملة قد يراد بالاتباع الاتيان بالاجزاء متوالية وقد يراد منه الاتيان بالاجزاء بعضها بعد بعض وان لم تكن متوالية وقد عرفت ان الاول غير مراد في الصحيحة وحيث ان الوضوء متركب من امور متعددة لا يمكن الاتيان بها مرة واحد بأجمعها وانما يؤتى ببعضها قبل بعضها الآخر فالتتابع متحقق فيه في نفسه وانما أراد (ع) أن يبين كيفية التتابع وانه انما يحصل بتقديم غسل الوجه على غسل اليدين وبتقديمهما على مسح الرأس ثم الرجلين " الثالثة ": صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا نسى الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله ومسح رأسه ورجليه فذكر بعد ذلك غسل يمينه وشماله ومسح رأسه ورجليه وان كان انما نسي شماله فليغسل


(* 1) المروية في ب 34 من أبواب الوضوء من الوسائل

[ 456 ]

الشمال ولا يعيد على ما كان توضأ وقال: اتبع وضوئك بعضه بعضا (* 1) وقد استدل بالجملة الاخيرة على اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء. ويرده: ان الاتباع المأمور به في الرواية ليس بمعنى الموالاة العرفية وانما معناه الترتيب المعتبر في الوضوء بقرينة صدرها وهو انما ذكر كالدليل على الحكم المذكور في صدر الرواية ويبين ان الوجه فيه هو لزوم الاتباع في الوضوء. على انا لو سلمنا انه بمعنى الموالاة فهي بمعنى عدم جفاف الاعضاء المتقدمة وذلك لعين ما قدمناه في الرواية الاولى من ان موردها النسيان والناسي غير مكلف بالموالاة العرفية وانما يكلف بالموالاة بالمعنى الثاني حسبما تقتضيه الموثقة والصحيحة المتقدمتان ومع كون المورد هو الناسي كيف تحمل الرواية على المعتمد ويراد منها اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء والمتحصل أنه لم يقم على اعتبار الموالاة العرفية دليل حتى نحمله على العامد ونحمل الموثقة والصحيحة على الناسي فلا وجه للتفرقة بينهما أعني العامد والناسي بدعوى انه مقتضى الجمع بين الدليلين بل قد عرفت ان مقتضى اطلاق الآية المباركة وبقية الاخبار المطلقة الامرة بغسل الوجه واليدين عدم اعتبار الموالاة في الوضوء وان حاله حال الغسل فله أن يأتي بجزء منه في زمان وبالجزء الآخر في زمان آخر الا المسح لانه لابد وان يقع عقيب غسل اليدين أعني قبل جفافهما لاعتبار أن يكون المسح بالبلة الوضوئية الباقية في اليد ومع يبوستها لا يتحقق المسح المأمور به كما هو ظاهر. ومن هنا يظهر عدم امكان الاستدلال على اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء بالاخبار الآمر بالاعادة عند جفاف الاعضاء للتراخي وذلك لاحتمال استناد البطلان وقتئذ إلى عدم تحقق المسح المأمور به لا إلى فواة الموالاة


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 457 ]

العرفية بين الاعضاء وعلى ذلك لا يعتبر الموالاة العرفية في الوضوء. نعم يعتبر عدم جفاف الاعضاء المتقدمة حسبما تقتضيه الموثقة والصحيحة. فإذا جفت وكان مستنده التأخير والابطاء فهو يوجب البطلان لانه المقدار المتيقن من دلالتهما. وأما إذا لم يحصل التأخير الموجب للجفاف ولكن حصل الجفاف من عله أخرى كحرارة البدن والهواء فيما ان سبيبه مثله للتبعيض والبطلان لا يمكن ان يستفاد من الصحيحة والموثقة لعدم دلالتهما على بيان ما به يتحقق التبعيض فالمرجع حينئذ هو الاطلاقات المقتضية للحكم بصحة الوضوء وعدم اعتبار شئ من بقاء الرطوبة أو غيره في صحته. فبهذا - لا دلالة الاخبار المتقدمة - صح لنا ان نقول أنه يعتبر في الوضوء أحد أمرين: اما الموالاة العرفية وان حصل الجفاف من جهة حرارة البدن أو الهواء واما بقاء الرطوبة في الاعضاء السابقة فيما إذا لم يتحقق هناك الموالاة بلا فرق في ذلك بين المتعمد والناسي. هذا كله في الامر الاول من الامور المستدل بها على التفصيل بين المتعمد والناسي أعني حالتي الاختيار والاضرار. و " الثاني ": قاعدة الاشتغال بدعوى انا مكلفون بالطهارة للصلاة فإذا شككنا في اعتبار شئ ومدخليته في تحققها فلا مناص من ان يؤتى بها حتى نقطع بحصول الواجب في الخارج وامتثال الامر المتعلق به لانه من قبيل الشك في المحصل وحيث انا نحتمل اعتبار التوالي العرفي في حق المتعمد فلا مناص من أن نراعيه حتى نقطع باتيان ما هو محقق للطهارة الواجبة في حقنا. وفيه: " أولا " ان الطهارة ليست الا نفس الافعال أعني الغسلتين والمسحتين كما قدمناه تفصيله سابقا لا انها أمر آخر يتولد منهما وهما محصلان للطهارة فإذا شككنا في اعتبار أمر زائد على ما نعلم اعتباره في الوضوء فهو

[ 458 ]

من قبيل الشك في أصل توجه التكليف باتيان المأمور به مقيدا بما نشك في اعتباره وهو مورد للبراءة دون الاشتغال. و " ثانيا ": لو سلمنا ان الشك من قبيل الشك في المحصل وانه مورد الاشتغال أيضا لا مجال للتمسك بها في المقام وذلك لان الشك في اعتبار الموالاة العرفية - بالاضافة إلى المعتمد - مما يدفعه اطلاق الآية المباركة والاخبار المطلقة لما تقدم من أن متقضى اطلاقهما ان الوضوء كالغسل وان الموالاة غير معتبرة فيه ابدا ومن الواضح ان الدليل الاجتهادي لا يبقى مجالا للتشبث بالاصل العملي. " الثالث ": الاخبار الواردة في الوضوءات البيانية حيث تضمنت انه (ع) غرف غرفة فغسل بها وجهه وغرف غرفة أحرى وغسل بها يده اليمنى ثم غرف ثالثا وغسل بها يده اليسرى ثم مسح رأسه ورجليه ولم يرد في شئ من تلك الاخبار الواردة في مقام البيان انه (ع) غسل وجهه ثم صبر؟ مدة ثم غسل يديه - مثلا -. إذا تدلنا على ان الوضوء يعتبر فيه التوالي لا محالة وانه من دون التوالي محكوم بالبطلان وقد وقد خرجنا عنها في حق الناسي والمضطر بالموثقة والصحيحة المتقدمتين وبقى المتعمد تحتها. والجواب عن ذلك: ان الاخبار المذكورة ليست بصدد بيان ان الموالاة معتبرة في الوضوء وانما كان (ع) في تلك الاخبار بصدد تعليم الوضوء للراوي؟ وارشاده ومن البهديهي ان مقتضى التعليم ان يأتي (ع) بجميع أفعال الوضوء بعضها بعد بعض فهل ترى من نفسك ان احدا إذا سألك تعليم الوضوء تأتي ببعض أفعالها وتؤخر اتيان البعض الآخر؟! أو تأتي برمتها وحسب ترتيبها مرة واحدة. ومن الظاهر ان التأخير في أثناء العمل لا يصدر عن العاقل والحكيم

[ 459 ]

عند تعليمه الابداع اهم ومع عدمه فالعادة جارية على الاتيان بجميع ما يعتبر في العمل متتالية حتى يتعلمها الجاهل عند التعليم إذا عدم اتيانه (ع) الاجزاء مع التراخي في الاخبار البيانية - انما هو من جهة الجري على المتعارف العادي في مقام التعليم لا من جهة اعتبار التوالي في الوضوء. " الرابع ": الاجماع حيث ادعوا الاجماع على هذا التفصيل وإن التوالي يعتبر بالاضافة إلى المتعمد المختار وأما الناسي والمضطر فيعتبر في صحة وضوئه عدم جفاف الاعضاء المتقدمة على العضو الذي يريد الاشتغال به. وفيه: ان الاجماع المنقول لو قلنا باعتباره في غير المقام - مع انا لا نقول باعتباره اصلا - لا يمكننا الاعتماد عليه في خصوص المسألة وذلك لتصريحهم بندرة القول باعتبار الموالاة العرفية في حق العامد وان القائل باشتراطها غير معروف ومعه كيف يكون اعتبارها الشرطي مجمعا عليه بين الاصحاب وانما القائل باعتبارها يرى الموالاة واجبة بالوجوب النفسي وان الاخلال بها يوجب الاثم والعصيان لا انه بسبب البطلان وهذا أمر آخر - أي الوجوب النفسي - وان نسب إلى المشهور وكيف كان فلم يثبت اعتبار الموالاة العرفية شرطا في الوضوء. فالصحيح ما ذكرناه من عدم اعتبار الموالاة العرفية في الوضوء من دون فرق في ذلك بين المتعمد والناسي. ما نسب إلى المشهور في المسألة: بقي الكلام فيما نسبوه إلى المشهور بين الاصحاب (قدس الله اسرارهم) من ان الموالاة معتبرة في الوضوء بالوجوب النفسي وان الاخلال بها يوجب الاثم والمعصيان دون بطلان الوضوء.

[ 460 ]

فقد يستدل على ذلك بقاعدة الاشتغال لاحتمال اعتبارها في الوضوء وبما أن المورد من موارد الشك في المحصل فلا مناص من الاحتياط. وفيه: انا ان اعتمدنا على قاعدة الاشتغال عند الشك في اشتراط صحة الوضوء بالموالاة فلا نعمتد عليها في الشك في وجوبها النفسي أبدا وذلك لاطباق المحدثين والاصوليين على ان الشبهات الوجوبية مورد للبراءة عدى المحدث الاسترابادي ومعه لا مجال للتمسك بقاعدة الاشتغال. وقد يستدل بان الامر بقتضي الفور فلو فصل بين اجزاء الوضوء وأفعال وخالف الفور اثم إذا لابد من أن يأتي بها فورا وهو معنى وجوب الموالاة في الوضوء وهذا الاستدلال لو لم يذكروه في الكتب العلمية لكان الصفح عن ذكره اجدر لعدم قابليته للذكر أو الاعتماد عليه. ويدفعه: " أولا ": ان الامر لا يفيد الفور وعلى تقدير تسليم انه يفيد الفور لا يمكن الالتزام به في المقام والا لوجبت المبادرة إلى غسل الوجه فورا وهو مما لا يلتزم به أحد لانه كغسل اليدين متعلق للامر فمن قام من نومه - وهو الذي فسر به القيام في الآية المباركة - لوجب عليه أن يغسل وجهه وهو كما ترى. واحتمال أنه لا يقتضي الفور في غسل الوجه ويقتضيه في غسل اليدين ضعيف غايته لان غسل اليدين لم يتعلق به أمر مستقل وانما عطف على غسل الوجه فلو حملنا الامر المعلق به على غير الفور فبأي شئ نستدل على الفور في غسل اليدين هذا كله. على انا لو سلمنا جميع ذلك واغمضنا عن عدم افادة الامر للفور وعن عدم امكان الالتزام به في المقام لمحذور التفكيك بين مثل الوجه وغسل اليدين فهو انما يتم في الامر المولوي ولا يتم في مثل الوضوء الذي هو شرط ومقدمة للصلاة فان الاتيان به غير واجب على الفور فكيف يكون الاتيان باجرائه واجبا فوريا وقتئذ.

[ 461 ]

وثالثة يستدل بالاجماع ورابعة بالاخبار الآمرة بالمتابعة والاتباع ولكن الاجماع غير تعبدي ولا يكشف مثله عن رأيه (ع) والاخبار المذكورة انما تدل على وجوب الترتيب لا على وجوب الموالاة كما تقدم. فالانصاف أنه لا دليل على اعتبار الموالاة في الوضوء لا على وجه الشرطية ولا على وجه النفسية من دون فرق في ذلك بين العامد وغيره. بقي هناك أمران ينبغي التنبيه عليهما: " أحدهما ": ان المدار في جفاف الاعضاء السابقة هل على الجفاف الفعلي أو ان المعتبر هو الجفاف التقديري نظير التغير التقديري في الماء؟ وجه شيخنا الانصاري " قدس سره " الاحتمال الثاني بل قواه واختاره على ما ينسب إليه نظرا إلى قوله (ع) حتى يبس وضوئك أو فيجف وضوئي في الموثقة الصحيحة المتقدمتين منصرفان إلى اليبس المتعارف العادي. وأفاد أنه على ذلك يعتبر في الجفاف المبطل الموضوء؟ أن يكون على نحو لو كان التوضوء في الهواء المعتدل لجف واما الجفاف في الهواء غير المعتدل وعدمه فهما خارجان عن مورد الروايتين فلو فرضنا انه جفت أعضائه في الهواء الحار الشديد أو بقيت على رطوبتها من جهة برودة الهواء ورطوبته كما في أيام الربيع - مثلا - فهو خارج عن مورد الصحيحة والموثقة. وفيه: مضافا إلى ان حمل الجفاف على التقديري خلاف ظاهر الروايتين ان غاية ما يلزم على ذلك أن يكون عدم الجفاف في الهواء غير المعتدل خارجا عن مورد الروايتين لانهما انما دلتا على صحة الوضوء فيما إذا لم تجف الاعضاء المتقدمة من جهة التأخير والابطاء أي لم يفصل زمان

[ 462 ]

تجف فيه الاعضاء المتقدمة على تقدير حرارة الهواء. وأما إذا فرضنا تخلل زمان تجف فيه الاعضاء على تقدير اعتدال الهواء غير انها لم تجف لعدم اعتدال الهواء فهو خارج عن مورد الروايتين واما ان الوضوء يبطل حينئذ فهو يحتاج إلى دليل فهب أنه خارج عن موردهما. الا ان مقتضى الاطلاق كما قدمناه عدم اعتبار الموالاة في الوضوء وان حاله حال الغسل بعينه وانما خرجنا عنها فيما إذا جفت الاعضاء لاجل التأخير فحسب وبقي غيره مشمولا للاطلاقات هذا. على ان الاخبار الواردة فيمن نسى المسح في وضوئه وانه يأخذ البلة من لحيته على تقدير كونها مبتلة ويمسح بها تدفع اعتبار الجفاف التقديري باطلاقها، لانها واردة في حق عامة المكلفين على اختلاف امزجتهم وامكنتهم واختلاف اماكن أخذ البلة منها حكم بصحة الوضوء وان كانت بقاء الرطوبة فيها من جهة برودة الهواء وعدم اعتداله بحيث لو كان الهواء معتدلا لجفت. " الامر الثاني ": قد أسلفنا ان جفاف الاعضاء المتقدمة إذا استند إلى التأخير والابطاء فالوضوء محكوم وقتئذ بالبطلان بمقتضى الصحيحة والموثقة واما إذا جفت من دون استناد الجفاف إلى التأخير كما إذا استند إلى حرارة البدن أو الهواء فقد ذكرنا ان مقتضى الاطلاقات صحته فإذا جفت اعضائه لا لاجل التأخير وحكمنا بصحة وضوئه كما عرفت فهل يجب أن يأتي بالبقية من دون فصل أوله ان يتأخر بعد ذلك ساعة أو ساعتين أو اكثر ثم يأتي ببقية أفعال الوضوء؟ الصحيح وجوب الاتيان بالبقية من دون ابطاء على نحو يصدق التبعيض لدى العرف لان المستفاد من التعبيض لدى العرف لان المستفاد من التعليل الوارد في ذيل الموثقة فان

[ 463 ]

الوضوء لا يتبعض ان الوضوء عمل وحداني غير قابل للتبعيض وهذه الكبرى وان كانت قد طبقت على مورد الرواية وهو ما إذا حصلت اليبوسة للتأخير ولم تطبق على غيره كما إذا حصلت اليبوسة لحرارة الهواء - مثلا - الا ان كل مورد صدق عليه عنوان التبعيض لدى العرف يشمله تعليل الرواية لا محالة وعليه فيعتبر في صحة الوضوء أحد أمرين. " أحدهما ": ان لا تجف الاعضاء المتقدمة من جهة التأخير والابطاء. و " ثانيهما ": ان لا يتخلل الفصل بين أجزائه وأفعاله بمقدار يتحقق به التبعيض لدى العرف فإذا جفت أعضاء المتوضي لحرارة الهواء فليس له ان يتأخر بمقدار يتحقق به التبعيض في الوضوء وهذا هو المراد بقولنا في اوائل المسألة ان الوضوء يعتبر فيه أحد أمرين كما عرفت هذا. ثم انه ورد في صحيحة حريز: في الوضوء يجف قال: قلت فان جف الاول قبل ان اغسل الذي يليه قال: جف أو لم يجف اغسل ما بقي قلت وكذلك غسل الجنابة قال هو بتلك المنزلة وابدأ بالرأس ثم افض على ساير جسدك قلت: وان كان بعض يوم قال: نعم (* 1). وهي تعارض الموثقة والصحيحة المتقدمتين لدلالتها على عدم بطلان الوضوء بجفاف الاعضاء المتقدمة ومن هنا جمع بينها وبين الروايتين الشيخ (قده) جمعا دلاليا بحمل مطلقهما على مقيدهما بدعوى المتقدمة مطلقا حريز مطلقة لدلالتها على عدم بطلان الوضوء بجفاف الاعضاء المتقدمة مطلقا سواء استند إلى التأخير أم إلى شئ آخر من حرارة الهواء أو الريح الشديد والموثقة والصحيحة دلتا على بطلان الوضوء من جهة خصوص الجفاف المستند إلى التأخير فهما اخص من صحيحة حريز.


(* 1) المروية في ب 33 من ابواب الوضوء من الوسائل

[ 464 ]

ومتقضى قانون الاطلاق والتقييد تقديم الدليل المقيد والاخص وتقييد المطلق به ونتيجة ذلك في المقام هو الحكم ببطلان الوضوء بجفاف الاعضاء المتقدمة عند استناده إلى التأخير بخلاف الجفاف غير المستند إليه. وقد جمع " قده " بينهما مرة اخرى مجمل الصحيحة على التقية لان مذهب كثير من علماء العامة عدم اعتبار الموالاة (* 1) في الوضوء وعدم بطلانه بجفاف الاعضاء المتقدمة. والصحيح هو ما أفاده اخيرا وذلك لما قدمناه غير مرة من ان الامر بالاعادة ارشاد إلى البطلان وعليه فالموثقة والصحيحة دلتا على بطلان الوضوء عند جفاف الاعضاء المتقدمة بالتأخير وهذه الصحيحة دلت على عدم البطلان بذلك فهما متعارضتان ولابد من الرجوع إلى مرجحات المتعارضين وحيث


(* 1) في الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 47 من الطبعة الخامسة ان الشافعية والحنفية قالوا ان الموالاة سنة فيكره التفريق بين الاعضاء إذا كان بغير عذر. أما للعذر فلا يكره كما إذا كان ناسيا أو فرغ الماء المعد لوضوئه فذهب ليأتي بغيره ليكمل وضوءه ومحل كونه سنة عند الشافعية ما لم يكن صاحب ضرورة كصاحب السلس فانه يجب عليه التتابع كما سبق والمالكية قالوا ان شرط وجوب الموالاة ان يكون المتوضئ ذاكرا قادرا فلو كان ناسيا أو عاجزا غير مفرط، وغير المفرط هو كمن اعد من الماء ما يكفي للطهارة يقينا ثم ظهر عدم كفايته واريق منه شئ فانه يبنى على ما فعل ولو طال الزمن. وفي كتاب الرحمة بهامش الميزان للشعراني ص 19: والموالاة في الوضوء سنة عند أبي حنيفة وقال مالك الموالاة واجبة وللشافعي فيه قولان أصحهما انها سنة، والمشهور عن احمد انها واجبة.

[ 465 ]

[ السابق على العضو الذي يريد أن يشرع فيه الاحوط الاستئناف، وان بقيت الرطوبة في العضو السابق على السابق، واعتبار عدم الجفاف انما هو إذا كان الجفاف من جهة الفصل بين الاعضاء أو طول الزمان. واما إذا تابع في الافعال وحصل الجفاف من جهة حرارة بدنه أو حرارة الهواء أو غير ذلك فلا بطلان، فالشرط في الحقيقة أحد الامرين من التتابع العرفي وعدم الجفاف. وذهب بعض العلماء إلى وجوب الموالاة بمعنى التتابع وان كان لا يبطل الوضوء بتركه إذا حصلت الموالاة بمعنى عدم الجفاف ثم انه لا يلزم بقاء الرطوبة في تمام العضو السابق. بل يكفي بقاؤها في الجملة ولو في بعض أجزاء ذلك العضو. (مسألة 24): إذا توضأ وشرع في الصلاة ثم تذكر انه ترك بعض المسحات أو تمامها بطلت صلاته (1) ووضوءه أيضا إذا لم ] ان الصحيحة موافقة للعامة وهما مخالفتان معهم فلا مناص من طرح الموافق والاخذ بما خالفهم. واما ما صنعه أولا من حمل مطلقهما على مقيدهما ففيه: ان الصحيحة انما دلت على عدم بطلان الوضوء بجفاف الاعضاء المتقدمة عند استناده إلى التأخير ولم تدلنا على عدم بطلان الوضوء بمطلق الجفاف. وهذا يظهر بملاحظة قوله (ع) هو أي الغسل بتلك المنزلة أي بمنزلة الوضوء حيث يدلنا على انهما متحدان بحسب الحكم وبما انه (ع) صرح بعد ذلك بعدم بطلان الغسل وان أخر بعض اجزائه بعض يوم فيعلم من ذلك ان الوضوء أيضا كذلك وان مراده بالجفاف في الوضوء هو الجفاف المستند إلى التأخير وانه غير قادح في صحته وعليه فالصحيحة والروايتان متعارضتان وليستا من المطلق والمقيد في شئ.


(1) لفقدانها الطهارة المعتبرة فيها.

[ 466 ]

[ يبق (1) الرطوبة في أعضائه، والا اخذها ومسح بها واستأنف الصلاة، (مسألة 25): إذا مشى بعد الغسلات خطوات ثم اتى بالمسحات لا بأس (2) وكذا قبل تمام الغسلات إذا أتى بما بقى ويجوز التوضؤ ماشيا. (مسألة 26): إذا ترك الموالاة نسيانا بطل وضوءه (3) مع فرض عدم التتابع العرفي أيضا وكذا لو اعتقد عدم الجفاف (4) ثم تبين الخلاف. (مسألة 27): إذا جف الوجه حين الشروع في اليد لكن بقيت الرطوبة في مسترسل اللحية أو الاطراف الخارجة عن الحد ففي كفايتها اشكال (5). ]


(1) من دون فرق في ذلك بين أن يكون جفاف أعضائه مستندا إلى التأخير واستناده إلى شئ آخر من حرارة البدن أو الهواء أو غيرهما من الامور وذلك لان المسح يعتبر ان يكون ببلة الوضوء الباقية في اليد ومع عدمها وعدم ما يقوم مقامها من بلة سائر الاعضاء يقع باطلا لا محالة. (2) والدليل على هذا وما بعده أعني ما إذا مشى قبل تمام الغسلات وغسل الاعضاء الباقية في مكان آخر وما إذا توضأ ماشيا انما هو الاطلاق لان أدلة الوضوء غير متقيدة بأن يكون مسحه وغسله في مكان واحد أو تكون الغسلات فيه كذلك أو ان يقع الوضوء بجميع أجزائه في محل واحد إذا له أن يتوضأ ماشيا كما عرفت. (3) لان الوضوء أمر واحداني لا يقبل التبعيض كما مر. (4) لعين ما مر وعرفت. (5) والامر كما افيد بل يمكن الحكم ببطلان الوضوء حينئذ من جهة ان ظاهر قوله (ع) في الصحيحة والموثقة حتى يبس وضوئك أو فيجف وضوئي. ان ماء الوضوء انما يجف في مورد أمر فيه بغسله لا انه يجف

[ 467 ]

[ (الثاني عشر): النية (1). ] الماء الموجود في موضع لا يجب غسله، لانه اما ليس بماء الوضوء أوانه ليس في مورد الامر بالغسل وموضعه، ومع جفاف ماء الوضوء في مورده يتبعض الوضوء بمقتضى تطبيقه (ع) الكبرى " فان الوضوء لا تبعيض " على مورد الجفاف المستند إلى التأخير. اشتراط النية في الوضوء: (1) لا خلاف يعتد به في المسألة وانما الكلام في وجه امتياز الوضوء - من بقية مقدمات الصلاة - بكونه عبادة يعتبر فيه قصد الامتثال والايتان به بداعي أمر الله سبحانه واطاعته بخلاف غيره من المقدمات كتطهير الثوب والبدن ونحوهما. الوجوه المستدل بها على عباديه الوضوء: يمكن أن يستدل على ذلك بعدة وجوه: " منها ": الاجماع والارتكاز المتشرعي الثابت في اذهان للتشرعة الثابت من لدن تشريع أمر قربي عبادي وهذا كاشف عن ان ذلك وصلهم يدا بيد وتلقاه الخلف عن السلف والولد عن والده إلى زمان الائمة عليهم السلام. الركوع وثلث السجود (* 1).


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب الوضوء و 9 من ابواب الركوع و 28 من أبواب السجود من الوسائل من دون الالف واللام.

[ 468 ]

وما ورد من ان الوضوء من الصلاة كما تقدم في رواية النوفلي عن علي عليه السلام عن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله من أنه قال: خصلتان لا احب ان يشاركني فيها أحد: وضوئي فانه من صلاتي.. (* 1) وذلك لانه لا معنى لجعل الوضوء ثلثا من الصلاة الا فيما هو اظهر آثارها وهو العبادية واعتبار قصد القربة فيها كما انه لا وجه لكونه من الصلاة الا من جهة كونه عبادة. بل مقتضى هذه الروايات انه يترتب على الوضوء كل أثر يترتب على الصلاة بل كل شرط يعتبر فيها إلا ما علمنا بعدم اعتباره في الوضوء كالطمأنينة واستقبال القبلة ونحوها. وعلى تقدير المناقشة في ذلك ففي الارتكاز المتشرعي غني وكفاية كما مر. و " منها ": ان الاصل في كل واجب أن يكون عباديا لا يسقط إلا بقصد القربة والامتثال وذلك من جهة أن تحصيل غرض المولى واجب عقلي على المكلفين وحيث انا نحتمل أن يكون لقصد الامر والتقرب مدخلية في حصوله فوجب الانيان بالعمل بقصد القربة والامتثال تحصيلا للجزم بحصول الغرض هذا. وقد اجبنا عن ذلك في محله بأنا ان بنينا على امكان اخذ قصد التقرب والامتثال في متعلق الامر الاول كما بنينا عليه في محله أو في متعلق الامر الثاني على نحو نتيجة التقييد كما ذكره المحقق النائيني " قده " فلا مانع من ان ندفع احتمال مدخلية قصد الامر في حصول الغرض باطلاق الدليل. وأما إذا بنينا على استحالة ذلك وعدم امكان اخذ قصد القربة في متعلق الامر فلنا أن ندفع احتمال مدخلية ذلك بالبراءة العقلية لقبح العقاب من دون بيان وذلك لانا إذا قلنا بالاستحالة فالمستحيل انما هو اخذ قصد التقرب والامتثال في متعلق الامر والتكليف.


(* 1) المروية في ب 47 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 469 ]

واما بيان ان قصد التقرب مما له مدخلية في حصول الغرض ولو بالجملة الخبرية بعد الامر فهو من الامكان بمكان فإذا كان المولى في مقام البيان ولم يبين ذلك بوجه مع التمكن والقدرة من بيانه وتوضيحه فلا يستحق العبد لوما ولا عقابا على مخالفته لانه من العقاب من دون بيان وهو أمر قبيح. و " منها ": قوله عز من قائل: قل أطيعوا الله واطيعوا الرسول (* 1) بدعوى ان الاطاعة لا يتحقق الا بقصد الامرو الامتثال ولا تصدق مع الاتيان بذات العمل مجردا عن ذلك فمقتضى الآية المباركة ان الاطاعة وقصد القربة والامتثال واجبة في كل واجب الا ما خرج بالدليل هذا. والانصاف ان الآية المباركة لا دلالة لها على المدعى لان الاستدلال بها يتوقف على أمرين: " أحدهما ": اثبات ان الامر بالاطاعة أمر مولوي وليس ارشادا إلى ما استقل به العقل من وجوب طاعة المولى سبحانه لانه إذا كان ارشاديا لم يترتب عليه الا ما كان يترتب على نفس الاتيان بالواجبات الشرعية في نفسها فلابد من لحاظ ان الامر بها هل يقتضى التعبدية حتى يكون طاعته بالاتيان بها متقربا إلى الله سبحانه أو أنه لا يقتضي التعبدية فلا يعتبر في اطاعته سوى الاتيان بها بذاتها. و " ثانيهما ": اثبات انه أمر غيري وليست الاطاعة واجبة بالوجوب النفسي وهذا بعد اثبات ان الامر بها امر مولوي فيثبت ان الامر بها من باب المقدمة لان قصد الامر والتقرب جزء من الواجبات فان الامر الغيري لا يعقل الا في الشرائط والاجزاء ولاجله أمر بها بالامر المولوي الغيري وهو يدلنا على ان قصد التقرب جزء معتبر في التكاليف فيتقيد به اطلاق


(* 1) آل عمران: 3: 32

[ 470 ]

أدلة الواجبات واما إذا كانت الطاعة واجبة بالوجوب النفسي فهي إذا من احدى الواجبات الشرعية وفي عرضها فلا دلالة لها على اعتبار قصد التقرب في الواجبات واني للمستدل باثباتهما. وذلك لان الامر بالطاعة فيها ارشاد إلى ما استقل به العقل من لزوم طاعة المولى جلت عظمته ومعه لا يترتب عليه إلا ما يترتب على نفس الامر بالواجبات ولولا هذا الامر بالطاعة أيضا. كنا نلتزم بوجوب الطاعة للمولى سبحانه بمعنى لزوم الاتيان بالواجبات فلا دلالة له على اعتبار قصد القربة بوجه فيكون وجوده كعدمه وليس المورد مما يقبل الامر المولوي كما أشرنا إليه في محله. ومما يدلنا على أن الامر بالاطاعة ارشادا إلى ما استقل به العقل ان الآية المباركة كما يقتضي لزوم طاعة الله سبحانه في الواجبات - بناء على ان الامر فيها مولوي - كذلك يقتضي وجوب طاعته في المحرمات وذلك لعدم انحصار الطاعة بالاتيان بالواجبات ومن البديهي ان الطاعة في المحرمات انما يتحقق بمجرد تركها والتجنب عنها ولا يتوقف حصول الطاعة في المحرمات على قصد التقرب والامتثال. كما ان الظاهر من كل أمر أنه أمر نفسي فحمله على الغيرية يحتاج إلى دليل فالامر بالطاعة على تقدير تسليم انه أمر مولوي ظاهر في ان الطاعة واجبة بالوجوب النفسي لا الغيري فلا دلالة له على ان قصد القربة جزء أو شرط الواجبات ومعه لا يمكن أن يستدل بالآية المباركة على ان الاصل في كل واجب هو التعبدية إلا ما خرج بالدليل. ومما يؤيد ما ذكرناه ان الواجبات التوصلية اكثر من التعبديات في الشريعة المقدسة بكثير فعلى تقدير دلالة الآية المباركة على اعتبار قصد التقرب في كل واجب يلزم تخصيص الاكثر المتهجن حيث يخرج عنها مثل رد

[ 471 ]

السلام والانفاق على الزوجة ودفن الميت وكفنه ورد الدين وغيرها من الواجبات وما يبقى تحتها إلا التعبديات وما يشك في أنه تعبدي أو توصلي. و " منها ": قوله عز من قائل: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفا. (* 1). والاستدلال بهذه الآية المباركة كسابقتها أيضا غير تام حيث يتوقف على ان تكون العبادة متعلقة للامر لا غاية له بأن يكون اللام بمعنى " الباء " أي إلا بعبادة الله مخلصين له الدين. وعليه تنحصر الاوامر الواردة في الدين بالاوامر المعلقة بالعبادات فكل ما تعلق به أمر فهو عبادة لا محالة لا يسقط أمره الا بقصد الطاعة والامتثال ودون اثبات ذلك خرط القتاد وذلك لان ظاهر الآية المباركة ان العبادة غاية لاوامر الله سبحانه كما انها غاية لخلقه على ما صرح به في قوله عز من قائل: وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون (* 2). إذا العبادة هي الغاية القصوى لكل من التكوين والتشريع حيث انه سبحانه خلقهم وأرسل إليهم رسله بعد ذلك ليعبدوه والعبادة موجبة لاستكمال النفوس فالغاية لكل من التكوين والتشريع هو استكمال النفس بالعبادة وعليه فلا دلالة للاية المباركة على اعتبار قصد التقرب في الواجبات إلا ما خرج بالدليل. ثم ان الآية المباركة انما تعرضت لخصوص الصلاة والزكاة حيث قال عز من قائل: وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة (* 3) اشارة إلى الكمال النفسي وما فيه المصلحة العامة للمكلفين لان الصلاة فارقة بين الكفر والاسلام


(* 1) و (* 2) البينة: 98: 5 (* 3) الذاريات: 51: 56

[ 472 ]

والزكاة فيها مصلحة عامة من اعاشة الفقراء بامداد غيرهم فكان الآية والله العالم قد بينت انهم امروا لغاية استكمال النفس وما فيه المصالح العامة وان احدهما غير منفك عن الآخر ومن هنا لا نذكر موردا ذكر فيه الامر بالصلاة من دون اقترانها بالزكاة هذا. ثم لو تنازلنا عن ذلك وبنينا على ان اللام بمعنى الباء والعبادة متعلقة للاوامر لا انها غاية لها فأيضا لا يمكن الاستدلال بها على هذا المدعى وذلك لانها انما تدل على ان العبادة لابد أن يكون منحصرة بالله سبحانه ولا عبادة لغيره من الاوثان ونحوها وهذا لقرينية صدرها حيث ورد في المشركين واهل الكتاب: وما تفرقوا الا من بعد جاءتهم البينة (* 1). أي وما تفرق اهل الكتاب ولم يعبد بعضهم عزيزا بدعوى انه ابن الله وبعضهم قال عيسى ابن الله إلا من بعد ما جائتهم البينة. وقال قبل ذلك: لم يكن الذين كفروا والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة (* 2) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (* 3) فصدر الآية المباركة انما ورد في المشركين واهل الكتاب الذين عبدوا غير الله سبحانه من الوثن والعزيز أو عيسى بن مريم مع انهم انما امروا ليعبدوا الله خاصة. فالآية المباركة بصدد بيان انحصار المعبود بالله العظيم وان عبادة غيره أمر غير جائز واين هذا من اعتبار قصد التقرب والامتثال في الواجبات فالآية أجنبية عما نحن بصدده بالكلية. هذا كله فما استدل به على هذا الاصل من الايات المباركة. واما ما استدل به من الاخبار على ان الاصل في كل واجب أن يكون عباديا يعتبر في سقوط أمره قصد التقرب والامتثال. فهو جملة من


(* 1) و (* 2) و (* 3) البينة: 98: 4 و 1 و 2.

[ 473 ]

الروايات الواردة بمضمون ان الاعمال بالنيات (* 1) ولاعمل الا بنية (* 2) ولكل امرئ ما نوى (* 3) بدعوى ان النفي في هذه الاخبار أنما ورد على نفي وصف الصحة دون الذات لوضوح تحقق الذات مع عدم قصد القربة والامتثال فتدلنا على ان العمل الفاقد لنية القربة فاسد لا يترتب عليه أي اثر هذا. والمحتملات فيما أريد بالنية في هذه الروايات امور: " الاول ": ان المراد بها نية القربة وقصد الامتثال وهذا الاحتمال هو الذي يبتنى عليه الاستدلال في المقام. وبرده مضافا إلى ان النية ليست بحسب العرف واللغة بمعنى قصد القربة والامتثال. ان لازم حمل النية على ذلك لزوم تخصيص الاكثر وهو أمر مستهجن فان العبادات في جنب التوصليات قليلة في النهاية، والصحة في التوصليات لا تنتفي بعدم قصد القربة والامتثال. على أنه ينافيه بعض الروايات كما يأتي قريبا ان شاء الله. " الثاني ": ان يراد بها قصد عناوين الافعال وان الفعل إذا اتى به من دون ان يقصد عنوانه وقع فاسدا ولا يترتب عليه أي أثر في الخارج - مثلا - إذا غسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه ولكنه لا بقصد عنوان الوضوء لم يترتب عليه أي أثر لدى الشرع. وعلى هذا الاحتمال تكون الاخبار المذكورة أجنبية عن المدعى وانما تدلنا على ان الفعل الاختياري يعتبر في صحته أن يكون صادرا بالارادة وقصد عنوانه ولا يستفاد منها اعتبار نية القربة والامتثال في كل واجب. ولكن الاخبار المذكورة لا دلالة لها على هذا المعنى أيضا وذلك لان بيان اعتبار الاختيارية وقصد عنوان الفعل - بالاضافة إلى الافعال المنقومة


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 5 من ابواب العبادات من الوسائل.

[ 474 ]

بالقصد كالتعظيم والاهانة والعبادات الشرعية حيث يعتبر فيها زائدا إلى قصد القربة قصد عناوين الافعال وصدورها عن الارادة والاختيار وكذا الحال في العقود والايقاعات - من قبيل توضيح الواضحات غير المناسب للامام (ع) لوضوح ان تلك الافعال لا يتحقق إلا بقصد عناوينها. وأما بالاضافة إلى التوصليات وغيرها من الافعال التي لا تقوم بقصدها وارادة عناوينها فهو يستلزم محذور تخصيص الاكثر، لانها باجمعها الا نادرا تتحقق من غير قصد عناوينها كما إذا أوجدها غيره أو أوجدها غفلة من دون قصد عناوينها كغسل الثوب للصلاة وغيره من التوصليات. هذا على ان هذا الاحتمال كالاحتمال السابق عليه ينافي بعض الاخبار الواردة في المقام وقد ورد في روايتين عنه صلى الله عليه وآله انه قال: لا قول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بينة ولا قول وعمل ونية إلا باصابة السنة - موافقها - (* 1) حيث يستفاد منهما ان المراد بالنية ليس هو قصد القربة ولا قصد عناوين الافعال والا فلا معنى لاصابتهما السنة. فالصحيح ان يقال: ان المراد بالنية أمر ثالث وهو الداعي والمحرك نحو العمل وان كل ما صدر عن المكلفين من الافعال امر مستحسن فيما إذا كان الداعي إليه حسنا كما انه أمر مستقبح فيما إذا كان الداعي إليه قبيحا وهذا كضرب اليتيم لانه إذا كان بداعي التأديب يتصف بالحسن ويثاب عليه وإذا كان بداع التشفي أو الايذاء اتصف بالقبح وعوقب عليه وكالنوم لانه إذا كان بداع الاستراحة ثم الاشتغال بالعبادة فلا محالة اتصف بالحسن كما إذا كان بداع الاستراحة ليجدد قواه حتى يقتل مؤمنا بعد ذلك - مثلا - اتصف بالقبح


(* 1) المروية في ب 5 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

[ 475 ]

وهكذا الصلاة فان الداعي إليها إذا كان هو التقرب وقصد الامتثال اتصفت بالحسن ويثاب عليها كما إذا كان الداعي إليها هو الريا ونحوه اتصفت بالقبح وعوقب عليها وهكذا بقية الاعمال والافعال لانها كالجسد والنية بمثابة الروح فكما ان الانبياء عليهم السلام متحدون بحسب الصورة مع الاشقياء لان كلا منهما بصورة الانسان لا محالة وانما تختلفان ويفترقان بحسب الروح والحقيقة فان روح النبي روح طيبة ولاجل اتحادها مع البدن نحو اتحاد اتصف بدنه أيضا بوصف روحه. وروح الشقي روح خبيثة فبدنه أيضا خبيث. كذلك الافعال الصادرة من العباد لانها كالاجساد يشبه بعضها بعضا وانما يفترقان من ناحية أرواحها وهي النيات والدواعي فالفعل إذا صدر بداع حسن فيتصف بالحسن وان كان صادرا بداع قبيح فهو قبيح. وبهذا يصح ان يقال لا عمل إلا بنية وان الميزان في الحسن والقبح والثواب والعقاب انما هو الدواعي والنيات فان كان الداعي حسنا فالعمل أيضا حسن وإن كان قبيحا فالعمل أيضا قبيح. وبما ذكرناه قد صرح في ذيل بعض الروايات حيث قال: فمن غزى ابتغاء ما عبد؟ الله فقد وقع أجره على الله عزوجل. ومن غزى يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا لم يكن له الا ما نوى (* 1) فان الغزو من كل من الشخصين فعل واحد لا اختلاف فيه بحسب الصورة والجسد لان كلا منهما قاتل وجعل نفسه معرضا للقتل غير انهما يختلفان بحسب الروح الداعية إليه والمحركة نحوه فان كان الداعي له إلى ذلك هو الله عزوجل فقد وقع عليه أجره ومن كان داعية عرض الدنيا لم يكن له إلاما نوى. ويؤيد ما ذكرناه انه عبر في الرواية بالجمع حيث أنه قال: الاعمال


(* 1) المروية في ب 5 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل

[ 476 ]

بالنيات. ولم يقل الاعمال بالنية. وذلك للدلالة على ان الدواعي مختلفة فربما يكون الداعي حسنا وربما يكون قبيحا وثالثة لا يكون حسنا ولا قبيحا كما إذا شرب الماء بداعي رفع العطش ولم يشربه بداع آخر فيصح أن يقال الاعمال بالنيات لاختلاف الافعال بحسب اختلاف الدواعي. فالمتحصل من ذلك انه لا دليل على ان الاصل في كل واجب أن يكون قربيا عباديا بل لابد من مراجعة أدلته فان دلت على اعتبار قصد القربة والامتثال فيه فيكون عباديا وإلا كان توصليا يسقط أمره بمجرد الاتيان به وقد عرفت ان مقتضى الارتكاز المتشرعي ان الوضوء واجب عبادي فيعتبر في صحته أن يؤتى به بداعي القربة والامتثال. ثم ان شيخنا الاستاذ " قده " عند استدلاله على ان العبادة لا يعتبر فيها خصوص قصد الامتثال بل يكفي في العبادية أن يؤتى بالعمل ويضاف إلى الله سبحانه نحو اضافة تمسك بقوله (ع) في الوضوء: يأتي به بنية صالحة يقصد بها ربه (* 1) وهذه الرواية لم نعثر عليها في أبواب الوضوء


(* 1) الرواية بتلك الالفاظ التي نقلناها عنه " قده " غير موجودة في كتب الحديث نعم روى مضمونها في الوسائل في حديث: ان العبد ليصلي ركعتين يريد بهما وجه الله عزوجل فيدخله الله بهما الجنة. المروية في ب 8 من ابواب العبادات من الوسائل. أيضا روى عن يونس بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: قبل له وانا حاضر: الرجل يكون في صلاته خاليا فيدخله العجب: فقال: إذا كان أول صلاته بنية يريد بها ربه فلا يضره ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته وليخسأ الشيطان. رواها في ب 24 من أبواب العبادات فلاحظ فكلمة صالحة غير موجودة في الرواية ولفظة قصد مبدلة بلفظة يريد كما انها واردة في الصلاة دون الوضوء وهو " قده " =

[ 477 ]

[ وهي القصد إلى الفعل مع كون الداعي أمر الله تعالى (1) اما لانه تعالى أهل الطاعة وهو أعلى الوجوه أو لدخول الجنة والفرار من النار وهو أدناها، وما بينهما متوسطات. ] ولا في غيرها من سائر الابواب فليلاحظ. هذا كله في اعتبار النية في الوضوء وأما معنى النية فقد فسرها الماتن " قده " بقوله: وهي القصد إلى الفعل مع كون الداعي أمر الله تعالى. ونتعرض له في التعليقة الآتية فلاحظ. هل الامور المذكورة محققات للعبادة أو غايات؟ (1) مما ينبغي أن يتعرض له في المقام تحقيق ان الامور المذكورة في المتن من كون الله سبحانه أهلا للطاعة أو دخول الجنة أو غيرها مما ذكره " قدس سره " هل هي محققات للطاعة والعبادية أو انها غايات للعبادة ومحقق عنوان الطاعة أمر آخر وهذا من غير اختصاصه بالشريعة المقدسة وذلك لان الافعال على قسمين في جميع المذاهب والاديان فيعتبر في بعضها أن يؤتى به على وجه التذلل والتخضع والجامع أن يقع على وجه التأله أي أخذ المعبود الها والتعبد له بالطاعة ولا يعتبر ذلك في بعضها الآخر. فنقول: (العمل؟) قد يكون طاعة وعبادة في ذاته إذا أتى به على وجهه وعنوانه وهذا كما في ذكر الله سبحانه كسبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله ومنه قوله عز من قائل: لا اله إلا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين فان أمثال ذلك إذا أتى به بعنوان أنه ذكر الله سبحانه وقع عبادة لانه


= أيضا لم يدع ورودها في الوضوء. فاستدلال " قده " تام في نفسه الا ان استشهاده بتلك الرواية غير صحيح لانه مبنى على الاشتباه.

[ 478 ]

بنفسه تذلل وتخضع من دون حاجة إلى قصد أمر آخر وكالسجود لان وضع الجبهة على الارض تخضع ذاتي وتأله فهو عبادة في نفسه من دون حاجة إلى قصد أمر آخر. وقد لا يكون العمل اطاعة في ذاته وهذا كالصيام لان الامساك عن المفطرات من أول الفجر إلى الغروب أجنبي عن الله سبحانه وليس تخضعا وتذللا في نفسه فيعتبر في اتصاف هذه الافعال بالعبادية والتذلل والتخضع والجامع التأله أن يؤتى بها مضافة إلى الله سبحانه نحو اضافة. ومحقق الاضافة والطاعة أحد امرين لا ثالث لهما: " أحدهما ": أن يوتى بها بقصد امتثال امر الله سبحانه. و " ثانيهما ": أن يؤتى بها بقصد ما هو ملاك أمره أعني المحبوبية لله سبحانه فان العمل بذلك يضاف إلى الله تعالى ويقع عبادة وطاعة أي تذللا وتخضعا ويوجب التقرب لا محالة وأما إذا أتى بها لا بقصد أمرها ولا بقصد كونها محبوبة. بل يقصد الدخول في الجنة أو الفرار عن النار أو نحوهما من الامور الدنيوية أو الاخروية فلا يمكن ان تقع عبادة وطاعة بشئ من ذلك ولا تضاف بها إلى الله سبحانه بوجه لان تلك الامور انما هي في طول الطاعة والعبادة وهي امور مترتبة عليها لا انها في عرضها ومحققة لعنوان الطاعة والعبادية ومع عدم تحقق المقربية والاضافة لا يتحقق العبادة لا محالة ومع عدم تحققها لا يترتب عليها شئ من تلك الامور اخروية كانت أم دنيوية. لان تلك المنافع والاثار ليست من الاثار الوضعية المترتبة على ذوات تلك الافعال كعدم الابتلاء بالفقر - مثلا - المترتب على صلاة الليل حيث ورد ما مضمونه ان دعوى الفقر والجوع ممن يأتي بصلاة الليل دعوى

[ 479 ]

كاذبة (10) وفي بعض الروايات سئل (ع) عن الاتيان بصلاة الليل في جواب من سأله عن الفقر (20) وشكى إليه الحاجة وافراط في الشكاية. ومن الظاهر ان تلكم الافعال غير دافعة للفقر بحسب الوضع والتكوين وانما الدافع له خصوصية العبادة وهي لا تتحقق إلا إذا أتى بها بأحد الامرين المتقدمين المحققين لعنوان الطاعة والعبادة وعليه فالامور المذكورة في المتن من الغايات المترتبة على الطاعة والعبادة لا انها محققة لعنوانهما كما لا يخفى. ثم ان غايات العبادات منحصرة في ثلاثة لا رابع لها: فان العاقل لا يأتي بعمل من دون أن يقصد غاية مترتبة على ذلك الفعل. والغاية المترتبة على الفعل أما أن لا تكون عائدة إلى نفس الفاعل وانما تعود إلى المعبود فقط فيأتي بالعبادة لانه أهل لها ولا ينظر إلى الحور أو القصور ولا له طمع في الجنة ولا انه يخاف من النار ولا انه يقصد شيئا من المنافع الدنيوية أو الاخروية من عمله وهذا القسم من العبادة انما تتأتى من المعصومين عليهم السلام. وأما من غيرهم فلا يمكن التصديق بتحققها نعم هي من الامور الممكنة والمحتملة وقد حكي عن امير المؤمنين (ع) انه قال: ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك (30) وقد رواها المجلسي في مراة العقول ولعلها من الاخبار الواردة عن طرق العامة


(10) و (20) المرويتان في ب 39 من ابواب بقية الصلوات المندوبة من الوسائل. (30) رواها في مرآة العقول المجلد الثاني ص 104 وفي الوافي المجلد الاول م 3 ص 70 فليلاحظ.

[ 480 ]

ومن هنا لم نعثر عليها في رواياتنا ولم يرد من طرقنا إلا في كتاب المذكور. واما تعود الغاية إلى نفس الفاعل وهي على قسمين: لان القوى الكامنة في الانسان قد يلائم شيئا مترتبا على العبادة فيأتي بها للتوصل إلى وجود ذلك الشئ الملائم له كدخول الجنة أو الحور أو القصور وقد لا يلائم شيئا فيأتي بالعبادة للتوصل بها إلى التباعد عن ذلك الشئ كالنار والعقوبة هذا فيما يرجع إلى الامور الاخروية. وكذلك الحال فيما يرجع إلى الامور الدنيوية فانه ربما يأتي بالصوم أو الصلاة أو زيارة الحسين (ع) ليتوصل بذلك إلى المال أو الولد أو الصحة والشفاء من المرض أو غير ذلك من الامور. وقد يأتي بالعبادة للتوصل بها إلى عدم زوال ملكه ونعمة فيصلى الله شكرا لئلا يذهب ماله ويزول ملكه. وقد أشار عز من قائل إلى جميع أنحاء الغايات المترتبة على العبادة في سورة الفاتحة بقوله: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، فاشار بالجملة الاولى إلى كماله الذاتي حيث أتى بكلمة " الله " اعني الربوبية لكل شئ وبهذا الكمال الذاتي استحق العبادة وصار أهلا لها. ثم أشار إلى رأفته ورحمته بقوله: الرحمن الرحيم. وقد دل ذلك على ان بعبادة الله عزوجل يمكن أن يصل الانسان إلى رحمته وما يلائم لاحدى قواه من المال والجنة والحور والقصور وغيرها. وأشار ثالثا إلى يوم الحساب وان العقاب بيده وان بعبادته يوفق الانسان إلى الفرار عن عقوبته. وعلى الجملة ان ما أفاده الماتن " قده " هو الصحيح والطاعة انما يتحقق بأحد الامرين المتقدمين ومعهما لا يضر بالعبادة قصد شئ من الغايات المتقدمة. نعم لا يكفي في العبادية قصد هذه الغايات ما دام لم يكن العمل طاعة بذاته أو قصد امتثال أمر الله سبحانه أو محبوبية العمل كما مر.

[ 481 ]

[ ولا يلزم التلفظ بالنية (1) بل ولا اخطارها بالبال (2) بل يكفي وجود ] عدم لزوم التلفظ بالنية: (1) إلا في تلبية الحج لزوما أو احتياطا لانه منصوص وقد يقال بكراهة التلفظ بالنية فان أريد بها الكراهة مطلقا في الصلاة وفي غيرها لو في خصوص الصلاة على وجه الاطلاق فلا نرى له وجها. وان أريد بها الكراهة بعد الاقامة فهو صحيح لان التكلم بين الاقامة والصلاة أمر مكروه والتلفظ بالنية من أحد مصاديق التكلم. وقد يكون التلفظ بالنية محرما مفسدا للعمل وهذا كالتكلم والتلفظ بالنية في صلاة الاحتياط بناء على انها جزء من الصلاة أو كالجزء لها ولذا يعتبر فيها ان لا يأتي بالمنافيات التي منها التكلم والتلفظ المنطبق على التلفظ بالنية. نعم يستحب التلفظ بالنية في الحج بأن يقول اني أتى بالحج قربة إلى الله وهذا غير التلفظ بتلبية الحج فلا تغفل. عدم لزوم الاخطار البال: (2) لان الدليل على اعتبار نية القربة في الوضوء انما هو الارتكاز المتشرعي ولا دلالة له على اعتبار اخطارها بالقلب بل إنما يدلنا على اعتبار صدور الوضوء بالداعي القربى أخطرها بقلبة أم لا.

[ 482 ]

[ الداعي في القلب (1) بحيث لو سئل عن شغله يقول: اتوضأ - مثلا -. وأما لو كان غافلا بحيث لو سئل بقي متحيرا فلا يكفي وان كان مسبوقا ] كفاية وجود الداعي في القلب: (1) ان ما أفاده " قده " في كلا شقي كلامه أمر غالبي لا دائمي والا فلنقض على كلا الشقين مجال واسع حيث ان العمل قد يصدر عن الارادة الاجمالية والارتكازية إلا انه لو سئل عن شغله يتحير في الجواب وليس تحيره الا من نفس السؤال حيث ينشغل باله ولا يتمكن من الجواب فيتحير لا محالة مع انه لو لا هذا السؤال كان يتحرك على طبق ارادته الاجمالية والارتكازية. كما ربما يقع ذلك في الافعال الخارجية فنرى انه يمشي إلى داره بحسب ارادته الاجمالية وإذا سئل عن انك تمشي إلى أي مكان يتحير في الجواب ولا سيما فيما إذا اندهش من السؤال كما إذا كان السائل كبيرا من الاكابر - مثلا -. وكذا الحال في الشق الآخر من كلامه فانه قد يأتي بالعمل لا عن الارادة الاجمالية لغفلته إلا انه إذا سئل عن عمله لا يتحير في الجواب بل يخطر مقصده بباله بنفس هذا السؤال بعد ما كان غافلا عن وجه عمله وموجبه بالكلية فيجيب فالصحيح ان الوضوء لا يعتبر في صحته الا أن يكون صادرا عن داع قربي إلهي سواء تمكن من الجواب عند السؤال عن موجب عمله أم لم يتمكن من ذلك.

[ 483 ]

[ بالعزم والقصد حين المقدمات ويجب استمرار النية إلى آخر العمل (1) فلو نرى الخلاف أو تردد وأتى ببعض الافعال بطل الا ان يعود إلى النية ] لزوم الاستمرار في النية: (1) فان العمل بمجموعه عبادة وليست العبادية مختصة بأوله فلابد من ايقاع كل جزء من اجزاء العمل بداع الهي فلو وقع شئ منها لا بهذا الداعي بطل العمل برمته وهذا هو المراد من اعتبارهم استمرار النية إلى آخر العمل وهذا مما لا شبهة فيه ولا كلام. وانما الكلام في اعتبار استمرارها في الانات المتخللة بين اجزاء العمل وانه إذا عدل عنها ونوى خلافها أو تردد فيها ثم بنى على نيته الاولية صح عمله مطلقا أو لا يصح كذلك أو ان هناك تفصيلا. قد يكون العدول عن نيته بالعزم على عدم الاتيان بالعمل أو بالتردد في ذلك موجبا لوقوع جزء من العمل من دون نية قربية كما في الصوم حيث يجب فيه الامساك بالنية المقربة في كل آن من الآنات النهارية. فإذا فرضنا انه عدل عن نيته فعزم على الافطار أو تردد في ذلك فقد مضى عليه ان أو انات من دون نية مقربة وهو امر غير قابل للتدارك ولا مناص حينئذ من أن يحكم بالفساد لعدم اشتمال بعض اجزاء العمل على النية المعتبرة في العبادة. وهذا لا من جهة ان العزم على الافطار مفطر حتى يقال ان العزم على الافطار ليس بافطار بالضرورة بل هو عزم على الافطار لا انه افطار بنفسه ومن هنا لا يترتب على احكام الافطار العمدي في نهار شهر رمضان فلا تجب عليه الكفارة بذلك.

[ 484 ]

بل من جهة ان العزم على الافطار يستلزم انتفاء شرط الصحة في جزء من أجزاء العمل وهو الصوم فيبطل العمل بأسره لبطلان جزء من أجزائه كما هو الحال في جميع الواجبات الارتباطية. وقد يكون العدول في اثناء العمل غير مستلزم لوقوع شئ من أجزائه من دون نية مقربة أو انه إذا استلزم ذلك فصدر بعض أجزاء العمل في حالة التردد أو العزم بعدم الاتيان به فهو أمر قابل للتدارك كما في الوضوء لانه مركب من الغسلتين والمسحتين فإذا عدل عنه في اثناء الغسلتين أو في اثناء أحدهما وفرضنا انه قد غسل نصفا من يده من دون نية مقربة ثم رجع عن ذلك إلى نيته الاولية فلا مانع من أن يعيد غسل النصف من يده مع النية المقربة وبذلك يحكم بصحة وضوئه. اللهم الا ان يكون ذلك مستلزما لفوات الموالاة المعتبرة في الوضوء كما إذا تردد زمانا جفت اعضاءه السابقة بذلك فانه يقتضي الحكم ببطلان الوضوء لا محالة الا انه من جهة الاخلال بالموالاة لا من جهة العدول عن نية الوضوء وهذا ظاهر. وهناك شق ثالث متوسط بين مثل الصوم الوضوء وهو عبارة عن الصلاة فيما إذا عدل عن نيتها في أثنائها فعزم على قطع الصلاة أو تردد في ذلك. وهذا بتصور تارة فيما إذا أتى ببعض أجزاء الصلاة مترددا أو عازما على القطع. ويتصور أخرى فيما إذا لم يأت بشئ من أجزائها مع التردد أو العزم على القطع كما إذا عدل عن نية الصلاة في اثنائها ثم رجع إلى نيتها من دون أن يأتي بشئ من اجزائها عند العدول. أما في الصورة الاولى فلا تأمل في الحكم ببطلان الصلاة من جهة

[ 485 ]

[ الاولى قبل فوات الموالاة ولا يجب (1) نية الوجوب والندب لا وصفا ولا غاية ولا نية وجه الوجوب والندب بأن يقول أتوضأ الوضوء الواجب أو المندوب أو لوجوبه أو ندبه أو أتوضأ لما فيه من المصحلة، بل يكفي قصد القربة واتيانه لداعي الله. ] ان ما أتى به من الاجزاء الصلاتية عند العدول أي لا بنية الصلاة زيادة عمدية مبطلة للصلاة لا محالة لعدم احتسابها من الصلاة لافتقادها النية المعتبرة في صحتها. وأما الصورة الثانية فالحكم فيها بالبطلان يبتنى على القول بأن الاكوان المتخللة بين أجزاء الصلاة جزء من الصلاة وحيث ان الظاهر ان الاكوان المتخللة خارجه عن أجزاء الصلاة فالظاهر عدم بطلان الصلاة بالعدول في تلك الاكوان. ولا ينافي هذا مع الحكم ببطلانها فيما إذا أتى بشئ من قواطع الصلاة في أثنائها ولو في الاكوان المتخللة كما إذا تكلم فيها بكلام الآدميين أو احدث أو استدبر لان الحكم بالبطلان وقتئذ ليس مستندا إلى ان الاكوان المتخللة جزء من الصلاة بل مستند إلى الاتيان بالقاطع وهو في الصلاة لان المصلي لا يخرج عنها إلا بالتسليمة فان أولها التكبيرة واخرها التسليمة فما دام لم يسلم فهو في الصلاة فإذا تكلم فقد تكلم في الصلاة كما انه إذا أحدث وقتئذ فقد احدث في صلاته وهو موجب لبطلان الصلاة لا محالة. عدم اعتبار نية الوجوب ولا نية وجهه: (1) بعدما بين الشروط المعتبرة في الوضوء تعرض " قده " لجملة من الامور التي ربما يقال باعتبارها في صحة الوضوء وذكر عدم اعتبار

[ 486 ]

شئ منها في صحته. ومن تلك الامور وجوب نية الوجوب أو الندب إما على نحو التوصيف كما إذا قال اتوضأ الوضوء الواجب أو الندب واما على نحو الغاية بأن يقول اتوضأ لوجوبه أو لاستحبابه. فان الغاية هي الداعي بوجوده الخارجي كما ان الداعي هي الغاية بوجودها الذهني فسقوط الوجوب وتحقق الندب بوجودهما الخارجيين غايتان للوضوء كما أنهما بوجودهما الذهنيين داعيان فيتصور سقوط الوجوب ويأتي بالوضوء بداعي امتثال أمره واسقاطه أو لغاية الامتثال وسقوط الوجوب. و " منها ": نية وجه الوجوب أو الندب وهو على ما فسره الماتن " قدس سره " عبادة عما يقتضي الوجوب أو الندب اعني المصلحة بناء على ما ذهب إليه العدلية من ان الواجبات الشرعية ثابعة للمصالح الكامنة فيها و " منها ": قصد رفع الحدث بالوضوء أو قصد الاستباحة به أعني قصد اباحة الدخول به في الصلاة و " منها ": قصد موجب الوضوء وانه بول أو نوم و " منها ": قصد الغاية التي لاجلها وجب الوضوء وحكم في جميع ذلك بعدم الاعتبار. وتوضيح الكلام في المقام انه قد يكون الواجب أو المستحب على نحو لا يتعين الا بنية الواجب أو المستحب وهذا كما في صلاة الصبح ونافلتها لان كلا منهما ركعتان ولا امتياز بينهما في شئ فلو انى بركعتين ولم يقصد الركعتين الواجبتين أو المستحبتين بطلتا لا محالة وكذلك الحال فيما إذا كانت على ذمته اربع ركعات ادائية واربع اخرى قضائية فان احداهما لا تتميز عن الاخرى الا بالقصد، إذ الطبيعي الواحد لا يعقل ان يحكم عليه بحكمين متضادين كالوجوب والاستحباب أو بحكمين متماثلين

[ 487 ]

كالحكم بوجوبه - مثلا - مرتين. فلا مناص في الحكم بالصحة والوجوب من تميزه عما يحكم عليه بالاستحباب أو يحكم عليه بوجوب آخر أو بتوصيفهما من الادائية أو القضائية هذا كله فيما إذا لم يتميز الواجب عن غيره الا بنيته وقصده. واما فيما إذا كان الواجب أو المستحب متميزا في نفسه أو لم يكن على ذمة المكلف واجب آخر غيره فلا دليل على اعتبار نية الوجوب أو الندب لا من العقل ولا من الشرع. اما العقل فلانه لا سبيل له إلى استكشاف مدخلية تلك الامور في الاحكام وعدمها. واما احتمال دخلها بحسب الشرع فان بنينا على ما بنينا على في محله من امكان أخذ قصد الامر - وتوابعه مما ينشأ من الامر وفي مرتبة متأخرة عنه كقصد من الوجوب أو الندب - في متعلق الامر الاول أو في متعلق الامر الثاني كما بنى عليه المحقق النائيني " قده " أو فرضنا الكلام في القيود التي لا استحالة في أخذها في المتعلق كقصد المصلحة أو الرفع والاستياحة أو قصد موجب الوضوء أو قصد الغاية فيندفع باطلاق الامر الاول أو الامر الثاني. لانه سبحانه أمر بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين في كل من الكتاب والسنة ومقتضى اطلاقهما عدم اعتبار شئ مما يحتمل دخله في الواجب وهو الوضوء وقد اشرنا فيما سبق إلى ان الامر بذلك ارشاد إلى اشتراط الصلاة بالوضوء ولم يقيد الوضوء بشئ من نية الوجوب أو الندب لا وصفا ولا غاية كما انه غير مقيد بنية وجه الوجوب أو غيره مما مما قدمنا ذكره فمقتضى اطلاق الكتاب كاطلاق السنة والروايات عدم اعتبار شئ من ذلك في صحة الوضوء

[ 488 ]

[ بل لو نوى أحدهما في موضع الآخر كفى (1) ان لم يكن على وجه ] نعم خرجنا عن اطلاقهما في الحكم باعتبار نية القربة وقصد الامتثال بالارتكاز المتشرعي المتأكد ببعض الروايات. واما إذا قلنا باستحالة ذلك عدم امكان أخذ قصد الامر وتوابعه في متعلق الامر الاول ولا الثاني وبنينا أيضا على وجوب تحصيل الغرض - كما بنى عليه صاحب الكفاية " قده " - فمقتضى ذلك وان كان هو الالتزام باعتبار كل ما يحتمل دخل في الواجب أو الغرض لقاعدة الاشتغال والاحتياط. الا انا مع ذلك لا نلتزم بذلك في المقام بل ندفع احتمال مدخلية تلك الامور في الواجب بالاطلاق المقامي اعني سكوتهم عليهم السلام عن البيان والتنبيه - مع كونهم في مقام البيان لان تلك الامور مما يغفل عنها عامة المكلفين لان اكثرهم لا يميز الاجزاء الواجبة في العمل عن مندوبها ومثل ذلك لو كانت دخيلة في الواجب أو الغرض لوجب على المولى التنبيه والبيان ومع سكوته عن ذلك في مقام البيان نستكشف عدم دخلها في شئ مما يهم المكلف في مقام العمل إذا المورد ليس من موارد الاشتغال والاحتياط. نية الواجب في موضع المندوب وبالعكس: (1) والوجه في صحته ان الوضوء انما يعتبر فيه أن يؤتى بذات العمل مضافة بها إلى المولى نحو اضافة والمفروض ان المكلف أتى به كذلك واما قصد وجوبه أو استحبابه فهو غير معتبر في الوضوء فوجود ذلك وعدمه سيان وقد استثنى عن ذلك موردين: " أحدهما ": ما اشار إليه بقوله ان لم يكن على وجه التشريع و " ثانيهما ": ما اشار إليه بقوله: أو التقييد،

[ 489 ]

[ التشريع (1) أو التقييد (2) فلو اعتقد دخول الوقت فنوى الوجوب وصفا أو غاية ثم تبين عدم دخوله صح إذا لم يكن على وجه التقييد والا بطل كان يقول: اتوضأ لوجوبه والا فلا اتوضأ. ] نية احدهما في موضع الآخر على وجه التشريع: (1) بأن كان عالما بوجوب العمل غير انه نوى استحبابه متعمدا كما في صوم شهر رمضان أو الوضوء بعد دخول وقت الصلاة وانما يصح فيما إذا لم يكن متعمدا في ذلك كما إذا اعتقد استحباب الوضوء بعد دخول وقت الصلاة أو اعتقد وجوبه قبل دخول الوقت. وليس الوجه في بطلان الوضوء عند التشريع هو ان ما قصده المكلف لا واقعية له وما له واقع لم يقصده. بل الوجه في بطلانه هو ان حرمة التشريع تسري إلى العمل وتوجب حرمته ومبغوضيته ومع حرمة الشئ ومبغوضيته كيف يمكن أن يقع مصداقا للواجب أو المستحب. نية أحدهما على وجه التقييد: (2) وقد فسر التقييد بكون المكلف على نحو لو كان الوضوء واجبا لم يتوضأ وانما يتوضأ على تقدير استحبابه كما فسره به في بعض الموارد المتقدمة. وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه لما أشرنا إليه غير مرة من ان الوضوء انما يعتبر في صحته الاتيان بذاته مضافة بها إلى المولى نحو اضافته والمفروض انه حاصل والمكلف اتى به كذلك والامر الشخصي الخارجي غير قابل

[ 490 ]

[ (مسألة 28): لا يجب في الوضوء قصد رفع الحدث أو الاستباحة على الاقوى (1)، ] للتقييد ليقيد بالوجوب تارة وبالاستحباب اخرى كما ان متعلقة كذلك. وأما قصد المكلف أن لا يأتي به على تقدير الوجوب فهو من قبيل تخلف الداعي والخطأ في التطبيق وهو لا يضر بصحة العمل بعد الاتيان به بجميع أجزائه وشرائطه. وقد عرفت أنه لا يعتبر في صحة الوضوء غير الاتيان به مضافا إلى الله سبحانه وهو حاصل على الفرض. فكونه على نحو لا يأتي به على تقدير الوجوب مما لا يمنع عن صحته بعد الاتيان به وقد أشرنا ان هذه الموارد ليست من موارد التقييد في شئ بل هي من موارد الخطأ في التطبيق أو تخلف الداعي كان بنائه أن لا يأتي به على تقدير استحبابه أم كان بنائه ان يأتي به وان كان مستحبا، إذا لا مناص من الحكم بصحة الوضوء سواء قيده بالندب أو الوجوب أم لم يقيده بشئ منهما. عدم اعتبار نية الرفع أو الاباحة: (1) اشار بقوله: على الاقوى إلى الخلاف في المسألة حيث نسب إلى الشيخ (قده) اعتبار قصد رفع الحدث معينا وعن السيد المرتضى (قده) لزوم نية الاستباحة فقط وعن الحلبي والقاضي اعتبار كلا الامرين اعني نية الرفع وقصد الاستباحة وعن المبسوط والمعتبر والوسيلة والعلامة والشهيد والسرائر لزوم نية أحدهما مخيرا وهذا اقوال اربعة. وهناك قول خامس وهو عدم اعتبار شئ من الامرين لا معينا ولا على سبيل التخيير ولاهما معا وهما الذي اختاره الماتن وجماعة من المحققين

[ 491 ]

وهو القول الصحيح والوجه فيه هو اطلاقات الادلة الآمرة بالوضوء وبغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين من الكتاب والسنة حيث لم يقيد الوضوء في شئ منهما بقصد رفع الحدث ولا بنية الاستباحة ومقتضاها عدم اعتبار شئ من الامرين في صحة الوضوء. واحتمال ان يكون ذلك معتبرا في مقام الامتثال وان لم يعتبر في المأمور به مندفع: بأن احتمال مدخلية أحد الامرين في الامتثال عقلا مما لا وجه له لانه لا حكم للعقل باعتبار ذلك في مقام الامتثال بعدما عرفت من عدم تقييد المأمور به بذلك في شئ من أدلته، كما ان احتمال مدخليته في الامتثال شرعا مندفع باطلاقات الادلة إذا الصحيح عدم اعتبار شئ من ذلك في صحته هذا على ان ما استدل به على لزوم قصد الرفع أو الاستباحة ضعيف غايته لان العمدة فيما استدلوا به على ذلك قوله (ع) إذا دخل الوقت وجبت الطهور والصلاة (10) بدعوى ان متعلق الوجوب انما هو عنوان الطهور فلابد في مقام امتثال من قصد ما تعلق به بعنوانه الذي تعلق به الامر بذلك العنوان وهو عنوان الطهور كما هو الحال في غير المقام كما إذا امر السيد عبده باكرام زيد - مثلا - فقام العبد اكراما له فلابد من ان يقصد في قيامه ذلك عنوان الاكرام لزيد فلو قام لا بقصد اكرامه لم يقع فعله ذلك امتثالا لامر السيد بوجه لانه لم يؤمر بالقيام وانما تعلق الامر بعنوان الاكرام فلا مناص من قصده. وفي المقام لم يتعلق الوجوب بالوضوء ليقال انه عبارة عن الغسلتين والمسحتين فلا موجب لاعتبار قصد عنوان آخر غير الغسلتين والمسحتين بل انما تعلق الامر بالطهور فلابد من قصد عنوان الطهور في مقام الامتثال.


(10) المروية في ب 4 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 492 ]

والطهور اما بمعنى ما يرفع الحدث أو بمعنى المبيح للدخول في الصلاة فلا مناص من ان يقصد أحد الامرين عند الامتثال هذا. ولا يخفى ضعفه: لان الطهوران اريد به معناه بحسب الاشتقاق - أي ما يتطهر به - وهو الماء والتراب فمعنى الرواية انه إذا دخل الوقت فقد وجبت الصلاة والماء والتراب بتقدير كلمة الاستعمال أي وجب استعمالها كما يقال: يحرم الخمر أي يحرم استعمال الخمر وشربها. ولا مانع من اسناد الوجوب إلى الماء والتراب بتقدير كلمة الاستعمال كيف وقد اسند الوجوب إلى الماء في بعض الاخبار حيث روى عن علي عليه السلام انه قال: اتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من الماء (10) أي استعماله. بل يأتي ان شاء الله ان هذا المعنى هو المحتمل في قوله (ع) لا صلاة الا بطهور (10) دون الوضوء والغسل والتيمم ويأتي ثمرة ذلك عند التكلم على الجبائر ان شاء الله تعالى. وعلى هذا الاحتمال لا تبقى للرواية اية دلالة على وجوب قصد عنوان الطهور أصلا. لان المفروض انه اريد منه جامع الماء والتراب فاللازم قصد المعنون دون العنوان. وان اريد بالطهور معناه المصدري اعني الطهارة أي إذا دخل الوقت فقد وجبت الصلاة والطهارة سواء كانت الطهارة مسببة عن الغسلتين والمسحتين أم كانت عنوانا لهما فحينئذ وان كان الوجوب متعلقا بعنوان الطهارة الا ان الرواية لا دلالة لها على اعتبار قصد الرفع أو الاباحة في صحة الوضوء وذلك لان الطهارة - التي بمعنى الاباحة أو الرفع - إما حكم


(10) المروية في ب 6 من ابواب الجنابة من الوسائل

[ 493 ]

واثر مترتب على الوضوء الصحيح اعني ما اتى به بداع قربي إلهي، أو انها عنوان اعتبره الشارع على الوضوء الواقع صحيحا بمعنى ان الوضوء الذي هو امر عبادي إذا تحقق بماله من القيود والشروط التي منها قصد القربة فاثره هو الطهارة أو انها عنوانه. وعلى أي حال فالطهارة ورفع الحدث في مرتبة متأخرة عن الوضوء التام الصحيح ومعه كيف يعقل اخذ قصدهما قيدا في صحة الوضوء وإلا لزم أن تكون الطهارة ورفع الحدث أو الاباحة في مرتبة سابقة عن الوضوء الصحيح ولازم ذلك ان يكون الوضوء في نفسه وان لم يؤت به بداع قربي محصلا للطهارة وموجبا لارتفاع الحدث أو سببا للاباحة وهو خلاف فرض الوضوء عبادة لا يترتب عليه اثره إلا إذا أتى به بداع الهي. نعم لا مانع من التزام ذلك واعتباره في الطهارة الخبيثة حيث انها مترتبة على طبيعي الغسل به القربة أم لم يقصد وحينئذ يصح أن يقال يعتبر في تطهير الثياب غسلها بقصد الطهارة وهذا بخلاف الغسلتين والمسحتين في الوضوء على طبيعيهما ومعنى ذلك ان الطهارة مترتبة على الوضوء الصحيح وفي المرتبة المتأخرة عنه ولا يمكن معه أخذ قصدها قيدا في الوضوء كما عرفت. وببيان آخر: لا اشكال في ان الوجوب في قوله (ع) فقد وجبت ليس هو الوجوب المولوي النفسي حتى يتوهم انه قد تعلق على عنوان الطهارة فيجب قصد عنوانها في مقام الامتثال بل انما هو وجوب غيري شرعي ان قلنا ان مقدمة الواجب واجبة أو انه وجوب ارشادي إلى تقيد الصلاة بالطهارة إذا أنكرنا وجوب المقدمة شرعا. وعلى أي حال ليست الوضوء مستندة إلى وجوبه الغيرى أو الارشادي بل العبادية مستفادة من الامر النفسي المتعلق بذاته وعليه كيف

[ 494 ]

[ ولا قصد الغاية (1) التي امر لاجلها بالوضوء وكذا لا يجب ] يمكن أن يقال ان ترتب الوجوب الغيري أو الارشادي على الوضوء بعنوان الطهارة كاشف عن ان متعلق ذلك الامر النفسي المولد للعبادية مقيد بما إذا قصد بالوضوء عنوان الطهارة أي قصد رفع الحدث أو الاباحة. نعم يستفاد منه ان الصلاة لا تتحقق الا بالطهارة واما انها قيد في متعلق الامر النفسي فلا. بل لو قلنا بدلالة هذا الوجوب الغيري أو الارشادي أيضا على عبادية الوضوء - مثلا - لم يمكننا اعتبار قصد عنوان الطهارة في الوضوء فان غاية ما يستفاد منه وقتئذ ان علة جعل الوضوء شرطا ومقدمة للصلاة انما هي كونه طهارة واما ان قصد الطهارة معتبر في تحقق ما هو المقدمة والشرط للصلاة فلا وهو نظير قوله عز من قائل بعد امره المكلفين بالتيمم ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (10) فانه يستفاد منه ان العلة في امره تعالى بالتيمم انما هي كون التيمم مطهرا وعلى الجملة المكلف إذا اتى بذات الغسلتين والمسحتين مضافا بها إلى الله سبحانه فقد اتى بما هو شرط ومقدمة للصلاة. (1) قد علم الحال في ذلك مما بيناه في سابقة وحاصلة ان مقتضى اطلاقات الكتاب والسنة وعدم اشتمال الاخبار الواردة في الوضوءات البيانية على اعتبار قصد الغاية عدم اعتبار ذلك في صحة الوضوء. واما ما استدل به عليه من قوله عز من قائل: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا. بدعوى دلالته على ان الوضوء لابد أن يكون للتهيؤ والقيام إلى الصلاة فلو اتى به لا بقصد للصلاة بطل فهو ايضا ضعيف. وذلك لما عرفت من ان عبادية الوضوء غير مستفادة من الامر الغيري


(10) المائدة: 5: 6

[ 495 ]

[ قصد الموجب (1) من بول أو نوم كما مر. نعم قصد الغاية معتبر في تحقق الامتثال بمعنى انه لو قصدها يكون ممتثلا للامر الاتي من جهتها، وان لم يقصدها يكون اداء للمأمور به لا امتثالا (2) فالمقصود من عدم اعتبار ] أو الارشادي المتعلق به بل هي مستفادة من الامر النفسي المتعلق بذات الوضوء من غير تقييده بقصد الغاية وعليه فلو أتى به بقيوده وشرائطه لوقع عبادة من دون حاجة إلى ان يقصد به الغاية. نعم امتثال هذا الامر الغيري والاثابة به يتوقف على ايتانه بقصد الغاية. واما صحته في نفسه فهي غير متوقفة على قصد الغاية بوجه. لا يعتبر قصد الموجب في الوضوء: (1) للاطلاقات وعدم دلالة أي دليل على اعتبار قصد الموجب ولو كان ضعيفا فاعتبار قصد الموجب اضعف من اعتبار سابقية، (2) لما اشرنا إليه في تضاعيف الكلام على المسائل المتقدمة من ان عبادية الطهارات الثلاث غير ناشئة عن الامر الغيري المتعلق بها بناء على ان المقدمة واجبة بالوجوب الغيري بل انما تنشأ عن امرها النفسي فهي إذا عبادات جعلت مقدمة للواجب فلا محالة تكون العبادية فيها في مرتبة متقدمة على امرها الغيري. وعليه إذا اتى بذات الوضوء وقصد به القربة والامتثال تتحقق به العبادة خارجا كما تحققت المقدمة وان لم يقصد به أمرها الغيري أو لم يلتفت إليه أصلا فان الامر الغيري توصلي لا يحتاج سقوطه إلى قصد القربة كما لا يمكن أن يكون منشأ للعبادية ومع تحقق العبادة في الخارج تترتب عليها الطهارة لانها من الاحكام المترتبة على الوضوء الصحيح الذي

[ 496 ]

قصد به القربة. نعم هذا لا يكون موجبا لامتثال أمرها الغيري لعدم الاتيان بها بداعي الوجوب المقدمي هذا كله بناء على ان عبادية الطهارات الثلاث مستندة إلى أوامرها النفسية. واما إذا قلنا ان عباديتها انما نشأت عن الاوامر الغيرية المتعلقة بها بناء على ان مقدمة الواجب واجبة: فلا يكون الاتيان بها من دون قصد الامر الغيري المتعلق بها محققا للمأمور به فضلا عن أن يكون ذلك امتثالا له وذلك لان عباديتها حينئذ قد نشأت عن ذلك الامر الغيري إذا لابد في تحقق عباديتها من اتيانها بداعي ذلك الامر الغيري فلو أتى بها لا بقصده وداعيه لم تتحقق العبادة باتيانها بذاتها ومعه يقع الوضوء باطلا فلا أداء ولا امتثال. ثم ان الاتيان بالوضوء بقصد أمره الغيري يستلزم الاتيان به بقصد غايته لان الغرض من الامر الغيري انما هو التوصل إلى غايته المترتبة عليه فلو اتى به ولم يقصد باتيانه التوصل إلى غايته لم يقع الوضوء عبادة. ولا سيما بناء على ان الواجب من المقدمة حصة خاصة وهي المقدمة الموصلة إلى ذي الغاية في الخارج فإذا أتى بأمره الغيري للتوصل به إلى غايته فقد تحقق كلا الامرين من أداء المأمور به والامتثال هذا. ثم ان في المقام كلاما وهو انه بناء على ان عبادية الطهارات الثلاث ناشئة عن أوامرها الغيرية فهل يجب ان يؤتى بها بقصد غاية معينة من غاياتها المترتبة عليها أو ان قصد جنس الغاية كاف في صحتها وان لم يدر ان ما يختاره من الغابات بعد ذلك أي شئ؟ فيجب ان يؤتى به بقصد

[ 497 ]

قراءة القران خاصة أو إذا اتى به للتوصل به إلى شئ من غاياته وان لم يدر انه سيختار القراءة أو الصلاة - مثلا - كاف في صحتها؟ والصحيح كفاية قصد جنس الغاية من دون اعتبار قصد الغاية المعينة وذلك لان للوضوء - مثلا - اوامر غيرية من نواح شتى لانه مأمور به بالامر الغيري الاستحبابي الناشئ من الامر الاستحبابي النفسي المتعلق بالقراءة ومأمور به بالامر الغيري الوجوبى الناشئ من الامر الوجوبي المتعلق بصلاة الظهر - مثلا - اداء ومأمور به بالامر الغيرى الوجوبي الناشئ عن الامر الوجوبي المتعلق بصلاة الظهر - قضاء - وهكذا. فإذا اتى بالوضوء وقصد التوصل به إلى غاية من غاياته من دون تعيين فهو وان لم يدر انه مأمور به بالامر الاستحبابي أو الوجوبي الادائي أو الوجوبي القضائي الا انه محرز مطلوبيته على جميع التقادير ويعلم بأنه مأمور به قطعا فإذا أتى به بداعي امرها الغيري المحرز للتوصل به إلى شئ من غاياته فلا محالة يقع صحيحا وقد مر انه لا دليل على اعتبار قصد الوجوب أو الاستحباب وتمييز المأمور به من الوجوب والاستحباب كما لا تردد فيما هو الغاية المترتبة عليه في الواقع لتعينها في علم الله سبحانه فلا اهمال في الواقع. ومن هنا يظهر الحال في مسألة اخرى وهي ما إذا اتى بالوضوء بداعي التوصل به إلى القراءة - مثلا - عازما بأن لا يصلي به أو غير ملتفت إلى ذلك أصلا ثم بعد الوضوء ندم وبدا له فبنى على ان يصلي بذلك الوضوء ولا يأتي بالقراءة: فان وضوءه بناء على ما قدمناه صحيح، لانه قد احرز تعلق الامر الغيري بما يأتي به من الوضوء وقد اتى به بهذا الداعي توصلا به إلى غاية معينة ومع يقع وضوءه عبادة صحيحة لا محالة وغاية الامر انه اخطأ في التطبيق حيث خيل ان الامر الغيري المتعلق به هو الامر الاستحبابي مع انه بحسب الواقع هو الامر الغيري الوجوبي والخطأ في

[ 498 ]

[ قصد الغاية عدم اعتباره في الصحة وان كان معتبرا في تحقق الامتثال. نعم قد يكون الاداء موقوفا على الامتثال (1) فحينئذ لا يحصل الاداء أيضا كما لو نذر ان يتوضأ لغاية معينة فتوضأ ولو يقصدها، فانه لا يكون ممتثلا للامر النذري ولا يكون اداء للمأمور به بالامر النذري ايضا وان كان وضوءه صحيحا، لان اداءه فرع قصده. نعم هو اداء للمأمور به بالامر الوضوئي. ] التطبيق غير مضر بصحة العبادة. مضافا إلى ان نية الوجوب والاستحباب مما لا اعتبار به كما مر، وهذا المبني اعني كون عبادية الوضوء ناشئة عن أمره الغيري وان كان فاسدا بل لا أمر غيرى اصلا لما بيناه في بحث مقدمة الواجب من انكار وجوبها شرعا الا انه بناء عليه لا يعتبر في صحة الطهارات الثلاث قصد الغاية المعينة كما تقدم. الفارق بين الوجوب الغيرى والوجوب النذري: (1) أراد بذلك بيان الفارق بين الوجوب الغيري والوجوب الناشئ من النذر حيث انه إذا اتى بذات الوضوء مضافة بها إلى الله سبحانه فقد حصلت العبادة وكان هذا اداء للمقدمة والواجب الغيرى وان لم يكن امتثالا له بناء على ما هو الصحيح من ان عبادية الوضوء ناشئة عن أمره النفسي. وهذا بخلاف ما إذا نذر ان يأتي بالوضوء لغاية خاصة كالقراءة لانه إذا أتى به غير قاصد لتلك الغاية المعينة لم يتحقق اداء الامر النذري ولا امتثاله. والوجه في ذلك كما اسلفناه سابقا ان النذر قد تعلق بحصة خاصة من الوضوء وهو الوضوء المقيد بكونه للقراءة - مثلا - دون طبيعي الوضوء

[ 499 ]

فالمنذور شئ مقيد وامر خاص فإذا اتى به لا لهذه الغاية لم يتحقق منه الوضوء المقيد بكونه للقراءة ومعه لا اداء ولا امتثال. نعم يكفي هذا في تحقق المقدمة وهو اداء للمأمور به بالامر الغيري واما بالاضافة إلى الامر النذري فليس باداء ولا بامتثال ونظيره ما إذا نذر ان يأتي بصلاة الظهر في المسجد واتى بها في داره لانه وان كان اداء للامر الصلاتي لعدم تقييده بمكان خاص الا أنه بالنسبة إلى الامر النذرى المتعلق بها ليس باداء ولا امتثال. وهذا اعني تقييد المتعلق هو الوجه فيما أفاده الماتن في المقام لا انه إذا لم يقصد الغاية لم يف بنذره. لان اداء المنذور كاداء سائر ما على ذمة المكلف من الديون انما يكون بالقصد. والوجه في عدم استناد الماتن إلى هذا الوجه هو انه انما يصدق فيما إذا كانت ذمة المكلف مشتغلة بعدة من الواجبات يتوقف تمييز بعضها عن بعضها الآخر على قصده نظير ما إذا كانت ذمته مديونة بصلاة رباعية أدائية ورباعية أخرى قضائية فان احتساب ما يأتي به عن احداهما المعينة انما يكون ذمة المكلف من الديون انما يكون بالقصد. والوجه في عدم استناد الماتن إلى هذا الوجه هو انه انما يصدق فيما إذا كانت ذمة المكلف مشتغلة بعدة من الواجبات يتوقف تمييز بعضها عن بعضها الآخر على قصده نظير ما إذا كانت ذمته مديونة بصلاة رباعية أدائية ورباعية أخرى قضائية فان احتساب ما يأتي به عن احداهما المعينة انما يكون بقصد الاداء أو القضاء. واما إذا لم يشتغل ذمته الا بواجب واحد فلا يعتبر في سقوطه عن ذمته قصده لذلك، كما إذا نذر ان يصلي صلاة الليل في ليلة معينة واتى بها في تلك الليلة غافلا عن نذرة فانه يوجب برء النذر لا محالة وان لم يكن ناويا للامر النذرى بوجه. فقياس المقام لاعطاء الدرهم المحتمل ان يكون أداء دين أو هبة أو عارية مع الفارق فلاحظ. هذا تمام كلامنا في هذا الجزء من الكتاب ويتلوه الجزء الخامس أوله اشتراط الخلوص في الوضوء ولله الحمد أولا وآخرا.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية