الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخوئي ج 3

كتاب الطهارة

السيد الخوئي ج 3


[ 1 ]

التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريرا لبحث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي تأليف الميرزا علي الغروي التبريزي الجزء الثالث

[ 2 ]

الطبعة الثالثة ذيحجه 1410 هجري

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين وبعد قد حالف التوفيق جناب العلامة المحقق حجة الاسلام قرة عينى الاعز الميرزا على الغروى التبريزي دامت تأييداته أنه أعد الجزء الثالث من كتابه التنقيح في شرح العروه الوثقى وهو تقرير جيد لابحاثنا الفقهية وجدته يمتاز كسابق أجزائه بحسن البيان والاحاطة بدقائق البحث ومزاياه وأنى أذ أبارك له هذه الخطوات العلمية والجهود الدينية الجبارة اسأله تعالى أن يجعله قدوة للعلماء العاملين وأن يديم توفيقه لخدمة العلم والدين إنه ولى التوفيق 29 شهر محرم الحرام 1382 ابو القاسم الموسوي الخوئى

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وآله الغر الميامين لاسيما أبن عمه ووصيه علي أمير المؤمنين واللعن الدائم على أعدائهم إلى يوم الدين.

[ 5 ]

[ فصل في المطهرات وهي أمور: (أحدها): الماء وهو عمدتها، لان سائر المطهرات مخصوصة بأشياء خاصة بخلافه فأنه مطهر لكل متنجس (1) حتى الماء المضاف ] فصل في المطهرات (1) المتنجس إما من الاجسام الجامدة. وإما من المايعات. والمايع إما هو الماء وإما غيره وهو المضاف وما يلحقه من اللبن والدهن ونحوهما. أما الجوامد من الاجسام فمطهرها على نحو الاطلاق إنما هو الغسل بالماء وذلك للاستقراء وملاحظة الموارد المتعددة من الثوب والبدن والحصر والفرش والاواني وغيرها مما حكم فيها الشارع على أختلافها بتطهيرها بالغسل، حيث سئل عن أصابتها بالدم أو المني أو البول أو غيرها من النجاسات وأمروا عليهم السلام بغسلها بالماء. ومن هذا يستفاد أن الغسل بالماء مطهر على الاطلاق فأن الامر في تلك الموارد بالغسل على ما قدمناه في محله أرشاد إلى أمرين: (أحدهما): كون ملاقاة الاعيان النجسة منجسة لملاقياتها. و (ثانيها): طهارة الملاقى المتنجس بغسله بالماء، حيث أن المستفاد من تلك الاوامر حسب المتفاهم العرفي عدم أختصاص الطهارة المسببة من الغسل بمورد دون مورد لوضوح عدم مدخلية شئ من خصوصيات الموارد في ذلك فلا مناص من التعدي والحكم بأن الغسل بالماء مطهر للاجسام المتنجسة على الاطلاق. ومن ثمة لا نضائق من الحكم

[ 6 ]

بكفاية الغسل بالماء في تطهير الاجسام المتنجسة التي لم تكن متكونة في زمان صدور الامر بالغسل في الموارد المتقدمة وذلك كما في (البرتقان والطماطة) وليس هذا إلا من جهة أن الغسل بالماء مطهر مطلقا. نعم قد أعتبر الشارع في حصول الطهارة بذلك بعض القيود يأتي عليها الكلام في تفاصيل المطهرات إن شاء الله. هذا. مضافا إلى موثقة عمار الواردة فيمن يجد في إنائه فأرة ميتة وقد توضأ من ذلك الماء مرارا أو أغتسل منه أو غسل ثيابه قال عليه السلام: إن كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعدما رآها في الاناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء.. (* 1) لدلالتها على أن المتنجس بالماء المتنجس مطلقا يطهر بالغسل، وكيف كان فبالموثقة والاستقراء نحكم بأن الجوامد يطهرها الغسل بالماء هذا، ولكن بعض الجوامد غير قابل للتطهير بالاستهلاك ولا بالغسل لعدم أستهلاكه في الاجزاء المائية ولا يتداخل الماء في أجزائه ليطهر بالغسل كما في الدهن الجامد أذا تنجس حال ميعانه، فأن مثله لا يستهلك في الماء لانفصاله عن الاجزاء المائية بالطبع ولا يرسب الماء في جوفه ويأتي ذلك في المسألة التاسعة عشرة إن شاء الله. نعم لم يستبعد الماتن (قده) الحكم بطهارة الدهن حينئذ فيما إذا جعل في ماء عاصم وغلى الماء مقدارا من الزمان فأن الماء يصل بذلك إلى جميع أجزائه إلا أن الصحيح عدم كفاية ذلك في تطهيره على ما يأتي في محله، لان الغليان إنما يوجب تصاعد الاجزاء وتنازلها وهذا لا يقتضي سوى وصول العاصم إلى السطح الظاهر من الاجزاء ولا يوجب تداخل العاصم ووصوله إلى جوفها. ونظيره: الفلزات كالذهب والفضة وغيرهما إذا تنجست حال ذوبانها، حيث لا يمكن


(* 1) المروية في ب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 7 ]

الحكم بتطهيرها بشئ لعدم أستهلاكها في الماء وعدم رسوبه في جوفها حتى إذا فرضنا فرضا غير واقع أن الفلز كالدهن يذوب بالغليان في الماء لما مر من أن الغليان الذي هو تصاعد الاجزاء وتنازلها لا يوجب سوى وصول الماء إلى السطح الظاهر من أجزائه ولا يقتضي تداخله ووصوله إلى جوفه هذا كله في الاجسام الجامدة. وأما المياه المتنجسة فقد قدمنا في محله أن مطهرها هو أتصالها بالماء العاصم أو بممازجتها معه بناء على أعتبار الامتزاج في تطهيرها. وأما المضاف النجس فقد أسلفنا في بحث المياه عدم قابليته للطهارة إلا بالاستهلاك وأنعدام موضوعه ولا نعرف مخالفا في المسألة سوى ما حكي عن العلامة (قده) من الحكم بطهارة المضاف بأتصاله بالكثير إلا أنه من الفلتات ولم يقم دليل على أن الاتصال بالكر مما يطهر المضاف. وإنما يطهره الاستهلاك كما ذكره في المتن، ولكن في إسناد التطهير إلى الاستهلاك ضربا من المسامحة إذ لا موضوع مع الاستهلاك حتى يحكم بطهارته لاجله. نعم أسناد الطهارة بالاستهلاك إلى الماء أسناد حقيقي لا تسامح فيه وذلك لان الاستهلاك بما هو هو غير موجب للطهارة بوجه ومن هنا لو أستهلك المضاف المتنجس في ماء قليل حكمنا بنجاسة القليل لملاقاته المضاف المتنجس وإن أستهلك فيه المضاف فلا بد في الحكم بالطهارة من أن يكون الماء كرا وغير منفعل بالملاقاة فمثله مطهر للمضاف مشروطا بأستهلاكه فيه. بل يمكن أن يقال: لا تسامح في إسناد التطهير إلى الاستهلاك أيضا، وذلك لان المضاف إذا أستهلك في الماء العاصم ثم فصلناه عن الماء بالتبخير فهو محكوم بالطهارة لا محالة لان أجزائه المتسهلكة في الماء المتحققة فيه عقلا قبل الانفصال قد حكمت بطهارتها على الفرض ومعه تكون طاهرة ولو بعد الانفصال

[ 8 ]

[ بالاستهلاك (1) بل يطهر بعض الاعيان النجسة كميت الانسان فأنه يطهر (2) بتمام غسله. ويشترط في التطهير به أمور، بعضها شرط في كل من القليل والكثير، وبعضها مختص بالتطهير بالقليل. أما الاول (فمنها): زوال العين والاثر (3) بمعنى الاجزاء الصغار منها لا بمعنى اللون والطعم ونحوهما (4) ] فلا تستند طهارة الاجزاء المستهلكة إلا إلى الاستهلاك السابق مع بقاء المضاف ووجود الموضوع لفرض أنفصاله عن الماء فلا تسامح في إسناد التطهير إلى الاستهلاك كما لا مسامحة في إسناده إلى الماء. وكيف كان الاستهلاك مطهر للمضاف. بل ذكرنا في بحث الماء المضاف أن المضاف المتنجس إذا أثر في الماء بالعاصم بأستهلاكه. كما إذا قلبه مضافا بعد مضي زمان لم يحكم بنجاسة شئ منهما وذلك لان المضاف قد حكم بطهارته بالاستهلاك فإذا قلب المطلق إلى الاضافة لم يكن موجب للحكم بنجاسته فأن ما لاقاه من أجزاء المضاف محكوم بالطهارة وأنقلاب الماء الطاهر مضافا ليس من أحد المنجسات. (1) قد عرفت أنه لا تسامح في أسناد الطهارة بالاستهلاك إلى الماء وكذا في أسنادها إلى الاستهلاك. (2) يأتي الكلام على ذلك في محله إن شاء الله تعالى. (3) لا يخفى ما في عد ذلك من شرائط التطهير بالماء من المسامحة لان زوال العين والاجزاء الصغار التي تعد مصداقا للنجاسة لدى العرف مقوم لمفهوم الغسل المعتبر في التطهير ولا يتحقق غسل بدونه، لانه بمعنى إزالة العين ومع عدمها لا غسل حقيقة. (4) وعن العلامة (قده) في المنتهى وجوب إزالة الاثر بمعنى اللون دون الرائحة، وفي محكي النهاية وجوب إزالة الرائحة دون اللون إذا كان عسر الزوال وعن القواعد ما ربما يفهم منه وجوب إزالة كل من اللون والرائحة

[ 9 ]

إذا لم يكن عسر في أزالتهما. والتحقيق وفاقا للماتن (قده) عدم أعتبار شئ من ذلك في حصول الطهارة بالغسل وذلك إما (أولا). فلا طلاق الروايات الآمرة بالغسل حيث لم تدل إلا على أعتبار الغسل في تطهير المتنجسات وقد أشرنا آنفا إلى أن الغسل بمعنى إزالة العين وأما إزاله الرائحة أو اللون فهى أمر خارج عن مفهومه وأعتبارها فيه يتوقف على دلالة دليل وهو مفقود. وأما (ثانيا): فلان النجاسات بأكثرها تشتمل على رائحة أو لون لا تزولان بزوال عينها كما في دم الحيض والميتة وبعض أقسام المنى فترى أنها بعد ما غسلت وأزيلت عينها تبقى رائحتها أو لونها، ولم ترد مع ذلك إشارة في شى من الاخبار الواردة في التطهير عن الاعيان المذكورة وغيرها إلى أعتبار زوال الرائحة أو اللون وإنما دلت على لزوم غسلها فحسب. ويؤيده ما في جملة من الروايات (* 1) من الامر بصبغ الثوب الذى أصابه دم الحيض بالمشق حتى. يختلط فيما إذا غسل ولم يذهب أثره. نعم لا يمكن الاستدلال على المدعى بما ورد في الاستنجاء من أن الريح لا ينظر إليها (* 2) وذلك لان الموضع المخصوص له خصوصية من بين سائر المتنجسات بحيث لا يمكن قياس غيره به، ومن هنا يكفى في تطهيره التمسح بالاحجار مع أن الاجزاء المتخلفة من النجس في المحل قد لا يقلعها التمسح بالاحجار، لوضوح أنه ليس من الاجسام الصيقلية حتى تزول عنه العين بالتمسح بها فمقايسة غيره من المتنجسات به في غير محله.


(* 1) يراجع ب 25 من أبواب النجاسات و 52 من أبواب الحيض من الوسائل. (* 2) كما في حسنة أبن المغيرة المروية في ب 25 من النجاسات و 13 من أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 10 ]

وأما ما يقال من أن بقاء الاثر كاللون والريح وغيرهما يكشف عن بقاء العين لا محالة، لان أنتقال العرض من معروضه أمر غير معقول. فيندفع (أولا): بأن الاحكام الشرعية لا تبتنى على التدقيقات الفلسفية وإنما تدور مدار صدق العناوين المأخوذة في موضوعاتها عرفا وبما أن الاثر المتخلف من العين من قبيل الاعراض لدى العرف والنجاسة مترتبة على عنوان الدم والعذرة ونحوهما ولا يصدق شى من هذه العناوين على الاوصاف والاعراض فلا يمكن الحكم بنجاسة الاثار المتخلفة في المحل و (ثانيا): بأن كبرى أستحالة أنتقال العرض وإن كانت مسلمة إلا أنها غير منطبقة على المقام، لان عروض الرائحة أو اللون أو غيرهم من آثار النجس على الثوب مثلا كما يحتمل أن يكون مستندا إلى أنتقال أجزاء ذلك النجس إلى الثوب لاستحالة إنتقال العرض من دون معروضه، كذلك يحتمل أن يكون مستندا إلى المجاورة، لانها ربما تسبب أستعداد الشى للتأثر بأثار مجاوره وهذا لا بمعنى إنتقال أعراض ذلك النجس إليه حتى يدفع بأستحالته. بل بمعنى تأهل الشئ لان يعرض عليه مثل ذلك العرض من الابتداء كما عرض على النجس، وهذا كما إذا جعلنا مقدارا قليلا من الميتة في حب من الماء فأن الماء يكتسب بذلك رائحة الجيفة أذا مضى عليه زمان، ولا يحتمل أن يكون ذلك مستندا إلى أنتقال أجزاء الجيفة إلى الماء، حيث أن الجيفة لقلتها لا يمكن أن تنتشر في تلك الكمية من الماء فليس ذلك إلا من جهة تأهل الماء بالمجاورة لعروض الرائحة عليه من الابتداء، ويمكن مشاهدة ما أدعيناه بالعيان فيما إذا ألقينا كمية قليلة من اللبن على أكثر منها من الحليب لانها يقلبه لبنا لا محالة من دون أن يكون ذلك مستندا إلى أنتشار الاجزاء اللبنية في الحليب فلا وجه له سوى التأهل بالمجاورة.

[ 11 ]

[ و (منها): عدم تغير الماء (1) في أثناء الاستعمال. ] (1) وتفصيل الكلام في هذه المسأله يقع في صور ثلاث: (الاولى): ما إذا تغير الماء بأوصاف عين النجس في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل. (الثانية): الصورة مع حصول التغير في غير الغسلة المتعقبة بالطهارة. (الثالثة): ما إذا تغير الماء بأوصاف المتنجس بلا فرق في ذلك بين الغسلة المتعقبة بالطهارة وغيرها. أما (الصورة الاولى): فلا مناص فيها من أشتراط عدم تغير الماء في التطهير به وفاقا للماتن (قده) وذلك لاطلاق ما دل على نجاسة الماء المتغير بأوصاف النجس ولا موجب لرفع اليد عن أطلاقه، ومع الحكم بتقذره لا يمكن الحكم بطهارة المتنجس المغسول به. وتوضيح ذلك أن الغسالة غير المتغيرة بالنجس وإن التزمنا فيها بتخصيص أدلة أنفعال الماء القليل بالملاقاة على جميع الاقوال المذكورة في الغسالة حيث أنا سواء قلنا بطهارتها مطلقا أم قلنا بنجاستها بالانفصال عن المحل أو قلنا بنجاستها مطلقا غير أن خروج المقدار المتعارف منها مطهر للاجزاء المتخلفة في المحل، نظير الدم المتخلف في الذبيحة، حيث أن خروج المقدار المتعارف منه بالذبح موجب لطهارة الاجزاء المتخلفة منه في الذبيحة لا بد من أن نلتزم بتخصيص أدلة أنفعال الماء القليل بالملاقاة إما مطلقا أو مادام في المحل أو بعد خروج المقادر المتعارف من الغسالة، ولوضوح انه لولا ذلك لم يمكن الحكم بطهارة شى من المتنجسات بالغسل وبه ينسد باب التطهير بالمياه وهو على خلاف الضرورة والاجماع القطعي بين المسلمين. وأما الادلة القائمة على نجاسة الماء المتغير بأوصاف النجس فلا نرى ملزما لتخصيصها بوجه وليست هناك ضرورة تدعو إليه ولا تترتب على القول بنجاسة الماء المتغير مطلقا أي مفسدة ومعه لا بد من الالتزام بعدم حصول الطهارة إلا بالماء غير المتغير بالنجس. نعم يستلزم ذلك

[ 12 ]

القول بتخصيص أدله أنفعال الماء القليل وهو مما نلتزمه كما عرفت هذا. وقد يقال: لا مانع من التزام حصول الطهارة بالماء المتغير بالاستعمال دون المتغير قبل الغسل به وأستعماله تمسكا بأطلاقات الادلة الآمرة بالغسل كما في صحيحة محمد بن مسلم (أغسله في المركن مرتين فإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة) (* 1) وغيرها لان أطلاقها يشمل ما إذا تغير الماء بغسله وأستعماله وبهذا نلتزم بتخصيص مادل على نجاسة الماء المتغير وحصول الطهارة بالماء المتغير بالاستعمال أو أنا نتحفظ بأطلاق ما دل على نجاسة الماء المتغير وما دل على كفاية الغسل في تطهير المتنجسات. فنلتزم بزوال النجاسة السابقة الموجودة في المتنجس حسب أطلاق ما دل على حصول الطهارة بالغسل كما نلتزم بتنجسه ثانيا من جهة ملاقاته الماء المتغير لاطلاق مادل على نجاسة الماء المتغير بالنجس وهاتان دعويان لا يمكن المساعدة على شئ منها. أما بالاضافة إلى الدعوى المتقدمة فلان النسبة بين أطلاقات مادل على حصول الطهارة بالغسل وبين إطلاق ما دل على نجاسة الماء المتغير عموم من وجه، لان الاولى مطلقة من حيث حصول التغير بالغسل وعدمه والثانى أعم من حيث أستناد التغير إلى نفس أستعمال الماء أو إلى أمر سابق عليه ومع التعارض في مورد الاجتماع وهو الماء المتغير بالاستعمال يتساقطان فلا بد من الرجوع إلى أحد أمرين: إما العموم الفوق كما دل على عدم جواز الصلاة في الثوب المتنجس، فإنه أرشاد إلى نجاسة ومقتضى تلك الاطلاقات أن النجاسة تبقى في أي متنجس إلى الابد إلا أن يطرء عليه مزيل شرعى كالغسل بالماء غير المتغير وهذا هو المستفاد من قوله عليه السلام في موثقة عمار (فإذا علمت فقد قذر (* 2) ولا يكفى الغسل بالماء المتغير لاجل الشك في مطهريته ومقتضى الاطلاق بقاء


(* 1 * 2) الاولى في ب 2 والثانية في 37 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 13 ]

النجاسة ما لم يقطع بأرتفاعها، وأما أستصحاب النجاسة مع الغض عن الاطلاق فهو يبتنى على القول بجريان الاستصحاب في الاحكام وحيث أنا لانقول به وقد عرف تمامية الاطلاقات الفوق فلا مناص من أشتراط عدم أنفعال الماء ولو بالاستعمال. وأما بالاضافة إلى الدعوى الثانية: أعنى التحفظ على كلا الاطلاقين فلان ظاهر ما دل على طهارة المتنجس بالغسل أن ذلك سبب لحصول الطهارة بالفعل والطهارة الفعلية لا تجتمع مع الحكم بنجاسة الماء بغسله من جهة ملاقاته مع الماء المتغير وهو نجس هذا كله في الصورة الاولى. وأما (الصورة الثانية): وهى ما إذا تغير الماء بأوصاف النجس في الغسلة غير المتعقبة بطهارة المحل فلا نلتزم فيها بالاشتراط فتغير الماء حين أستعماله كعدمه اللهم الا أن يكون هناك أجماع تعبدي على أعتبار عدم تغير الماء حتى في الغسلة الاولى أعنى مالا يتعقبه طهارة المحل أو أدعى أنصراف أدلة المطهرية عن الغسل بالماء المتغير إلا أن قيام الاجماع التعبدى في المسألة مما لا نظنه ولا نحتمله، ودعوى الانصراف لو تمت فإنما يتم في الغسلة المتعقبة بالطهارة بأن يقال إن ظاهر الغسل المأمور به هو الذى يتعقبه طهارة المحل بالفعل فلا يشمل الغسل غير المتعقب بالطهارة كذلك. وأما الغسلة غير المتعقبة بالطهارة كما في محل الكلام فلا معنى لدعوى أنصارف المطهرية عنها كما لعله ظاهر. على أن التغير في الغسلة الاولى أمر غالبى كما في الغسلة الاولى فيما أصابه بول كثير أو دم كذلك فيما إذا قلنا بلزوم التعدد في مثله فدعوى الانصراف ساقطة وأطلاقات أدلة الغسل هي المحكمة ومقتضاها عدم الفرق في الغسلة غير المتعقبة بطهارة المحل بين تغير الماء بأستعماله وعدمه. و (أما الصورة الثالثة): أعنى ما إذا أستند التغير إلى المتنجس لا إلى

[ 14 ]

[ و (منها): طهارة الماء (1). ] عين النجس فأشتراط عدم التغير بذلك يبتنى على ما أسلفناه في محله من أن المتغير بالمتنجس كالمتغير بأوصاف النجس في الحكم بنجاسته أو أن التغير بالمتنجس مما لا أثر له؟ وقد عرفت في محله أن المتعين عدم نجاسته لانه المستفاد من الاخبار ولو بملاحظة القرائن المحتفة بها كقوله عليه السلام في صحيحة أبن بزيع (حتى يذهب الريح ويطيب طعمه) (* 1) على التفصيل المتقدم هناك وعليه لا أثر لتغير الماء بأوصاف المتنجس مادام لم ينقلب مضافا بلا فرق في ذلك بين الغسلة المتعقبة بالطهارة وغيرها، وكلام الماتن وإن كان مطلقا في المقام إلا أنه صرح في محله بعدم نجاسة المتغير بأوصاف المتنجس فليلاحظ. (1) لان الطهارة الحاصلة للاشياء المتنجسة بغسلها، حسبما هو المرتكز لدى العرف، مترتبة على الماء الطهور وهو ما كان طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره ويمكن الاستدلال عليه بجملة من الروايات الواردة في موارد خاصة كالامر بصب ماء الاناء إذا ولغ الكلب فيه (* 2) والامر بأهراق المائين المشتبهين إذا وقع في أحدهما قذر وهو لا يدرى أيهما (* 3) إلى غير ذلك من الاخبار، حيث أن الماء المتنجس لو جاز غسل المتنجس به أو كان تترتب عليه فائدة أخرى مما يجوز أستيفائه لم يكن للامر بصبه وأهراقه وجه صحيح فالامر بأهراقه أو بصبه كناية عن عدم قابليته للاستعمال. ويؤيده الاخبار المانعة عن التوضوء من الماء الذى تدخل فيه الدجاجة


(* 1) المروية في ب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. كما في صحيحة البقباق وغيرها من الاخبار المروية في ب 3 من أبواب الاسئار و 12 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) موثقة سماعة المروية في ب 8 و 12 من أبواب الماء المطلق من الوسائل

[ 15 ]

[ ولو في ظاهر الشرع (1) و (منها): إطلاقه (2) بمعنى عدم خروجه عن الاطلاق في أثناء الاستعمال. ] أو الحمامة واشباههما وقد وطئت العذرة (* 1) أو الذي قطرت فيه قطرة من دم الرعاف (* 2) والناهية عن الشرب والتوضوء مما وقع فيه دم (* 3) أو مما شرب منه الطير الذى ترى في منقاره دما أو الدجاجة التى في منقارها قذر (* 4) لان الشرب والتوضوء مثالان لمطلق الانتفاعات المشروعة والمتعارفة فتشمل مثل الغسل والغسل. وحيث أنا نقطع بعدم الفرق بين تلك النجاسات الواردة في الاخبار وبين غيرها من أفرادها كما لا فرق بين مثل الشرب والتوضوء وغيرهما من الانتفاعات والتصرفات المشروعة والمتعارفة فلا مناص من أشتراط الطهارة في الماء. (1) كما إذا أثبتنا طهارته بالاستصحاب أو بقاعدة الطهارة في قبال أحراز أن الماء طاهر واقعا فلا فرق بين الطهارتين في المقام سوى أن الاولى طهارة ظاهرية والثانية واقعية. (2) لعدم مطهرية المضاف وغيره من أقسام المايعات فلا مناص من


(* 1) ورد في صحيحة على بن جعفر المروية في ب 8 و 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) كما في الصحيحة الاخرى لعلي بن جعفر عليه السلام المروية في ب 8 و 13 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 3) راجع حديث سعيد الاعرج المروية في ب 13 و 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 4) راجع موثقة عمار المروية في ب 4 من أبواب الاسئار وغيرها من الوسائل.

[ 16 ]

[ و (أما الثاني): فالتعدد في بعض المتنجسات كالمتنجس بالبول (1) وكالظروف والتعفير (2) كما في المتنجس بولوغ الكلب. والعصر (3) في مثل الثياب والفرش ونحوها مما يقبله. ] أشتراط بقاء الاطلاق في الماء مطلقا بلا فرق في ذلك بين الغسلة الاولى والثانية بحيث لو أنقلب مضافا قبل إكمال الغسلات أو قبل تمام الغسلة الواحدة فيما لا يشترط فيه التعدد حكم بعدم طهارة المغسول به (1) يأتي الكلام في تفصيل هذه المسألة عن قريب ونصرح هناك بأن تعدد الغسل في المتنجس بالبول لا يختص بالماء القليل، بل يشترط ذلك حتى في الكثير، وإنما تكفى المرة الواحدة في المتنجس بالبول في خصوص الغسل بالجاري وما يلحق به من ماء المطر بناء على تمامية ما ورد (* 1) من أن كل شى يراه ماء المطر فقد طهر فتخصيص الماتن أشتراط التعدد بالقليل يبتنى على إلحاق الكثير بالجاري وفيه منع كما سيظهر. (2) خص لزوم التعفير في المتنجس بالولوغ بما إذا غسل بالماء القليل، وهذا من أحد موارد المناقضة في كلام الماتن (قده) فإنه سوف يصرح في المسألة الثالثة عشرة بأن أعتبار التعفير في الغسل بالكثير لا يخلو عن قوة ويأتى هناك ما هو الصحيح في المسألة. (3) لا ينبغى الاشكال في أن الغسل والصب لدى العرف مفهومان متغائران وكذلك الحال في الاخبار حيث جعل الغسل في جملة منها مقابلا للصب فقد ورد في بعضها (إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فأغسله وأن


(* 1) ورد ذلك في مرسلة الكاهلى المروية في ب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 17 ]

مسه جافا فأصبب عليه الماء. (* 1) وفي آخر حينما سئل عن بول الصبى (تصب عليه الماء فإن كان قد أكل فأغسله بالماء غسلا.) (* 2) وفى ثالث (عن البول يصيب الجسد (قال صب عليه الماء مرتين، فإنما هو ماء وسألته عن الثوب يصيبه البول، قال: إغسله مرتين..) (* 3). وعلى الجملة لا تردد في أن الصب غير الغسل وإنما الكلام في أن الغسل الذي به ترتفع نجاسة المتنجسات، لما ذكرناه من أن الامر في الروايات الامرة بغسل الاشياء المتنجسة أرشاد إلى أمرين: (أحدهما): نجاسة الثوب مثلا بملاقاة النجس و (ثانيهما): أن نجاسته ترتفع بغسله هل يعتبر في مفهومه العصر فلا يتحقق إلا بأخراج الغسالة بالعصر أو ما يشبهه كالتغميز والتثقيل ونحوهما أو يكفي في تحقق الغسل مجرد أدخال المتنجس في الماء أو صب الماء عليه حتى يرتوى؟ وإلا فلم يرد في شئ من الروايات أعتبار العصر في الغسل فنقول: إن مقتضى إطلاق ما دل على تقذر المتقذرات بالمنع عن أستعمالهما في الصلاة أو الشرب أو غيرهما مما يشترط فيه الطهارة أو بغير ذلك من أنحاء البيان بقائها على قذارتها إلا أن يرد عليها مطهر شرعى بحيث لولاه لبقيت على نجاستها إلى الابد كما هو المستفاد من قوله عليه السلام في موثقة عمار (فإذا علمت فقد قذر) (* 4) وعلى ذلك إذا علمنا بحصول الطهارة بشى من الاسباب الموجبة للطهارة فلا مناص من


(* 1) كما في صحيحة الفضل أبى العباس المروية في ب 12 من أبواب النجاسات و 1 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 2) مصححة الحلبي المروية في ب 3 من أبواب النجاسات من الوسائل (* 3) حسنة الحسين بن أبى العلاء المروية في ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 4) المتقدمة في ص 15

[ 18 ]

الاخذ به وتقييد الاطلاق المتقدم بذلك. وأما إذا شككنا في أن الشى الفلاني سبب للطهارة أولا تحصل به الطهارة؟ فلا بد من الرجوع إلى الاطلاق المتقدم ذكره ومقتضاه الحكم ببقاء النجاسة وآثارها. إذا عرفت ذلك فنقول: الصحيح أعتبار العصر في الغسل وذلك لانه مفهوم عرفى لم يرد تحديده في الشرع فلا مناص فيه من الرجوع إلى العرف وهم يرون أعتباره في مفهومه بلا ريب ومن هنا لو أمر السيد عبده بغسل شئ ولو من القذارة المتوهمة كما إذا لاقى ثوبه ثوب رجل غير نظيف لا يكتفي العبد في أمتثاله بأدخال الثوب في الماء فحسب، بل ترى أنه يعصره ويخرج غسالته. على أنا لو تنزلنا عن ذلك فلا أقل من أنا نشك في أن العصر معتبر في مفهوم الغسل الذى به ترتفع نجاسة المتنجس أولا أعتبار به وقد عرفت أن المحكم حينئذ هو الاطلاق وهو يقتضى الحكم ببقاء القذارة إلى أن يقطع بأرتفاعها كما إذا عصر. وتؤيد ما ذكرناه حسنة الحسين بن أبى العلا سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصبى يبول على الثوب قال: تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره (* 1) والوجه في جعلها مؤيدة أن الجملة المذكورة في الحديث مسبوقة بجملتين حيث سئل عليه السلام عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين وعن الثوب يصيبه البول قال: إغسله مرتين (* 2) وهاتان الجملتان قرينتان على أن المراد ببول الصبى في الرواية هو الصبى غير المتغذى ولا يجب فيه الغسل كى يعتبر فيه العصر فالامر به محمول على الاستحباب لا محالة. وفي الفقه الرضوي (وإن أصاب بول في ثوبك فأغسله من ماء جار مرة ومن ماء راكد مرتين ثم أعصره) (* 3) وعن دعائم الاسلام عن على عليه السلام قال في المنى يصيب الثوب: يغسل مكانه فإن لم


(* 1) و (* 2) المروية في ب 13 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في باب 1 من أبواب النجاسات من المستدرك.

[ 19 ]

يعرف مكانه وعلم يقينا أنه أصاب الثوب غسله كله ثلاث مرات يفرك في كل مرة ويغسل ويعصر (* 1) إلا أنهما لضعفهما مما لا يمكن الاستدلال به حيث لم يثبت أن الاولى رواية فضلا عن أعتبارها، والثانية مرسلة. على أنهما تشتملان على مالا نقول به لان ظاهرهما أعتبار العصر بعد الغسل ولم نعثر على قائل بذلك حيث أن من يرى أعتباره فإنما يعتبره في نفس الغسل أو الغسلتين لا بعدهما وكذلك الكلام في أعتبار الغسل ثلاث مرات في المنى وأعتبار الفرك في كل غسلة لانهما مما لانلتزم به. هذا كله في الغسل بالماء القليل. وأما الغسل بالمطر فقد يقال بعدم أعتبار العصر فيه لمرسلة الكاهلى عن أبى عبد الله عليه السلام (كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر) (* 2) لدلالتها على كفاية رؤية المطر في التطهير فلا حاجة معها إلى العصر إلا أنها لارسالها غير قابلة للاعتماد عليها بل الصحيح أن للغسل مفهوما واحدا لا يختلف بأختلاف ما يغسل به من أقسام المياه. وأما الجارى فقد الحقه بعضهم بالمطر في عدم أعتبار العصر فيه ولعله من جهة ما بينهما من الشباهة في الجريان حيث أن المطر يجرى من السماء فيشبه الماء الجارى على وجه الأرض وفيه أن ذلك لو تم فإنما يقتضى أن يكون المطر كالجاري لما مر وأما عكسه وهو كون الجارى كالمطر فلا إذ أنه لم يثبت بدليل فلا تترتب عليه أحكام المطر التى منها عدم أعتبار العصر في الغسل به، على أن ذلك في المطر أيضا محل منع فما ظنك بما الحق به؟ وأما الماء الكثير فعن أكثر المتأخرين عدم أعتبار العصر في الغسل به ولعل المستند في ذلك هو ما أرسله العلامة (قده) عن أبى جعفر محمد بن علي عليه السلام


(* 1) المروية في باب 3 من أبواب النجاسات من المستدرك. (* 2) المروية في

[ 20 ]

[ والورود (1) إى ورود الماء على المتنجس دون العكس على الاحوط. ] من أن هذا (مشيرا به إلى ماء في طريقه فيه العذرة والجيف) لا يصيب شيئا إلا طهره. (* 1) ولكن الرواية مرسلة لا يثبت بها شئ من الاحكام الشرعية، على أنها لم توجد في جوامع الاخبار فالصحيح أن مفهوم الغسل أمر مطرد في جميع أقسام المياه فلا يفرق في أعتبار العصر فيه بين القليل وغيره من المياه المعتصمة. (1) أختلفت كلماتهم في الحكاية عما سلكه المشهور في المسألة فقد ينسب إليهم القول بالاشتراط وقد ينسب إليهم القول بعدمه وعن بعضهم أن الاكثر لم يتعرضوا لهذا الاشتراط، فلو كان معتبرا لكان موجودا في كلماتهم وكيف كان المتبع هو الدليل وقد أستدلوا على أعتبار ورود الماء على المتنجس في التطهير بالماء القليل بوجوه: (منها): التمسك بالاستصحاب لانه يقتضى بقاء المتنجس على نجاسته حتى يقطع بزوالها. و (منها): أن الغالب في أزالة القذارت العرفية ورود الماء على القذر وحيث أن الشارع في أزالة القذارات الشرعية لم يتخط عن الطريقة الماء لوفة لدى العرف فلا مناص من حمل الاخبار الواردة في الغسل على الطريقة العرفية وغلبة الورود فيها مانعة عن شمول أطلاقات مطهرية الغسل لما إذا كانت النجاسة واردة على الماء فندرة العكس توجب أنصراف المطلق إلى الفرد الغالب. و (منها): الروايات الآمرة بصب الماء على الجسد عند تطهيره (* 2) حيث أن مقتضى الجمود على ظواهرها يقتضى الحكم بأشتراط الورود، لان الظاهر من (الصب) إنما هو أرادة ورود الماء على الجسد و (منها): غير ذلك من الوجوه. ولا يمكن المساعدة على شئ من ذلك


(* 1) المروية في ب 9 من أبواب الماء المطلق من المستدرك. (* 2) راجع ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 21 ]

أما الوجه الاول فلان الاصل محكوم بأطلاق ما دل على مطهرية الغسل وإلا فيرجع إلى أطلاق مادل على تقذر المتقذر وعدم جواز شربه أو غيره مما يشترط فيه الطهارة وعلى كلا التقديرين لا يبقى مجال للتمسك بالاستصحاب مع أن الشبهة حكمية. وأما الثاني من الوجوه فلان مقتضى أطلاق ما دل على مطهرية الغسل بالماء عدم الفرق بين ورود الماء على المتنجس وعكسه و (دعوى) أن الدليل منصرف إلى صورة الورود (تندفع) فأن الغلبة لا تقتضي الانصراف، على أن الاغلبية غير مسلمة، لان الغسل بأيراد المتنجس المتقذر على الماء كما في أدخال اليد المتقذرة على الماء القليل أيضا متعارف كثير وغاية الامر أن الغسل بأبراد الماء عليه أكثر وهذا لا يوجب الانصراف بوجه وأما الوجه الثالث وهو العمدة من الوجوه المستدل بها في المقام فلانه يرد عليه أن الامر بالصب في الاخبار لم يظهر كونه بعناية أعتبار ورود الماء على النجس بل الظاهر أن الصب في قبال الغسل وإنما أمر به تسهيلا للمكلفين فلم يوجب عليهم الغسل كما أوجبه عند تنجس ثيابهم فكان الصب غسل ومحقق لمفهومه في الجسد، ولا سيما أن مواضع الجسد مما يصعب أيراده على الماء القليل كما أذا تنجس بطن الانسان مثلا ويدل على ما ذكرناه حسنة الحسين بن أبى العلاء المتقدمة (* 1) حيث أمر فيها الامام عليه السلام. بصب الماء على الجسد مرتين فيما إذا أصابه البول معللا بقوله: فإنما هو ماء. ودلالتها على أن إيجاب الصب دون الغسل بعنايه التسهيل مما لا يقبل المناقشة فإن الجسد غير الثوب ونحوه مما يرسب فيه البول وبما أنه أيضا ماء فيزول عنه بالصب من غير حاجة إلى الغسل.


(* 1) في ص 17.

[ 22 ]

هذا وقد يبدو من بعضهم أن بعض المطلقات كالصريح في عدم إعتبار الورود وهذا كما في صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب يصيبه البول قال: أغسله في المركن مرتين فأن غسلته في ماء جار فمرة واحدة (* 1) لان الغسل في المركن بقرينة التقابل كالغسل في الجارى لا محالة، فكما أن الغسل فيه إنما هو بإيراد النجس على الماء لوضوح انه لو أنعكس بأخذ الماء وصبه على النجس لخرج عن الغسل بالماء الجارى فكذلك الغسل في المركن لابد أن يراد به إيراد النجس على الماء فإذا الصحيحة كالصريح في عدم أعتبار الورود. ولكن الصحيح عدم الفرق بين هذه الرواية وغيرها من المطلقات فإنها ليست بصريحة في الدلالة على المدعى فإن دعوى الصراحة إنما تتم فيما إذا كانت الرواية هكذا: أغسله في الماء القليل مرتين، فإن يبدل المركن بالماء القليل ويكون ظرف الغسل هو الماء فتتم دعوى الصراحة حينئذ بالتقريب المتقدم، إلا أن الامر ليس كذلك وظرف الغسل في الصحيحة هو المركن والغسل في المركن على نحوين: فإنه قد يتحقق بأيراد النجس على الماء وقد يتحقق بطرح المتنجس في المركن أولا ثم صب الماء عليه فدلالة الصحيحة على كفاية مورودية الماء القليل بالاطلاق دون الصراحة. والصحيح أن يفصل في المسألة بين الغسلة المطهرة والغسلة غير المطهرة. بيان ذلك: أن القاعدة: المرتكزة في أذهان المتشرعة التى دلت عليها جملة كثيرة من الاخبار أعنى أنفعال الماء القليل بملاقاة النجس تقتضي الحكم بنجاسة الماء عند إيراد المتنجس عليه لانه قليل ومع الحكم بنجاسته لا يتيسر التطهير به. وأما إذا عكسنا الامر وأوردنا الماء على النجس فمقتضى القاعدة المتقدمة


(* 1) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 23 ]

[ (مسألة 1) المدار في التطهير زوال عين النجاسة دون أوصافها فلو بقيت الريح أو اللون مع العلم بزوال العين كفى (1) إلا أن يستكشف من بقائهما بقاء الاجزاء الصغار، أو يشك في بقائها فلا يحكم حينئذ بالطهارة. ] وإن كان هو الحكم بنجاسة الماء كسابقه إلا أن الاجماع والضرورة يقضيان بتخصيصها إما بالالتزام بعدم نجاسة الغسالة مطلقا كما هو المختار في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل. وإما بالالتزام بعدم نجاستها ما دامت في المحل ويحكم بنجساتها بالانفصال. وأما بالالتزام بطهارتها بعد خروج المقدار المتعارف منها عن الثوب فإنه لولا ذلك لم يمكن التهطير بالماء القليل أصلا وهو خلاف. الضرورة والاجماع القطعي بين المسلمين ومن هنا فصل السيد المرتضى (قده) في أنفعال الماء القليل بين الوارد والمورود نظرا إلى أن الحكم بأنفعال الماء عند وروده على النجس يؤدى إلى سد باب التطهير بالقليل وينحصر بأيراده على الكر أو أيراده عليه وهو أمر عسر. فإذا لا مناص من أشتراط الورود في التطهير بالماء القليل هذا كله في الغسله المتعقبة بالطهارة. وأما غيرها فمقتضى أطلاق ما دل على حصول الطهارة بالغسل عدم الفرق في ذلك بين ورود الماء على النجس وعكسه لانه دل بأطلاقه على أن الغسلة غير المطهرة معدة لعروض الطهارة على المحل عند الغسلة المطهرة سواء أكان ذلك بأيراد الماء على النجس أم بأيراد المتنجس عليه ولا يلزمه تخصيص القاعدة المتقدمة فأن الماء يوجب أستعداد المحل وقابليته للحكم بطهارته ولو مع الحكم بنجاسة الماء بالاستعمال. (1) أسلفنا تفصيل الكلام في ذلك عند التكلم على شرائط التطهير بالماء فليراجع.

[ 24 ]

[ (مسألة 2) إنما يشترط في التطهير طهارة الماء قبل الاستعمال فلا يضر (1) تنجسه بالوصول إلى المحل النجس. وأما الاطلاق فأعتباره إنما هو قبل الاستعمال وحينه، فلو صار بعد الوصول إلى المحل مضافا لم يكف (2) كما في الثوب المصبوغ، فإنه يشترط في طهارته بالماء القليل بقاؤه على الاطلاق حتى حال العصر، فما دام يخرج منه الماء الملون لا يطهر إلا إذا كان اللون قليلا لم يصر إلى حد الاضافة. وأما إذا غسل في الكثير فيكفى (3) فيه نفوذ الماء في جميع أجزائه بوصف الاطلاق، وإن صار بالعصر مضافا، بل الماء المعصور المضاف أيضا محكوم بالطهارة (4) وأما إذا كان بحيث يوجب إضافة الماء بمجرد وصوله ] (1) لان نجاسة الماء بالاستعمال لو كانت مانعة عن التطهير به لانسد باب التطهير بالماء القليل رأسا هذا كله في غير الغسلة المطهرة. وأما الغسلة المتعقبة بطهارة المحل فقد عرفت أن الالتزام فيها بطهارة الغسالة مما لا مناص عنه وهو مستلزم لتخصيص أدله أنفعال الماء القليل بالملاقاة فإذا لم يكن الماء محكوما بالنجاسة قبل أستعمالة لم يحكم بنجاسته بالاستعمال. (2) لان المطهر إنما هو الغسل بالماء فإذا خرج الماء عن كونه ماء بالاضافة ولو بالاستعمال لم يتحقق الغسل بالماء. (3) هذا أنما يتم بناء على ما سلكه الماتن (قده) من التفرقة في أشتراط العصر بين الغسل بالماء القليل والكثير. وأما بناء على ما ذكرناه من أن الغسل قد أعتبر في مفهومه العصر بلا فرق في ذلك بين أقسام المياه فلا مناص من أشتراط بقاء الماء على أطلاقه وعدم صيروته مضافا ولو وبالعصر، لانه لولاه لم يتحقق الغسل بالماء ولا يفرق الحال في ذلك بين القليل والكثير. (4) لانه قد أنقلب مضافا عن الماء الطاهر ولم يلاق شيئا يقتضى

[ 25 ]

[ إليه ولا ينفذ فيه إلا مضافا فلا يطهر مادام كذلك، والظاهر أن أشتراط عدم التغير أيضا كذلك (1). ] نجاسته، إذ المتنجس المغسول بالكثير قد طهر بغسله بناء على عدم أعتبار العصر في مفهومه فلا موجب لنجاسة الماء المعصور المضاف لوضوح أن الانقلاب ليس من أحد المنجسات. نعم بناء على ما سلكناه لا بد من الحكم بنجاسة الماء المعصور حينئذ لملاقاته المتنجس قبل تحقق غسله لاعتبار العصر في تحققه كما مر فلاحظ. (1) بمعنى أن التغير بالاستعمال كالاضافة الحاصلة بسببه مانع عن حصول الطهارة بالغسل وكذا التغير بالعصر إذا غسل المتنجس بالماء القليل. وأما إذا غسل بالكثير فلا يضره تغير الماء بعصره، وذلك لتمامية الغسل في الكثير بمجرد نفوذ الماء في أجزائه من دون حاجة إلى العصر. وهذا ما أراده. الماتن (قده) في المقام. ولكنه من الندرة بمكان، على أن المراد بالتغير هو التغير المستند إلى عين النجس، وهى إذا كانت مقتضية لذلك لاوجبت التغير من حين ملاقاتهما، لا أن الماء يتغير لاجلها لدى العصر. بل لو تغير بسببه فهو تغير مستند إلى المتنجس ولا ينفعل الماء بذلك بوجه. ثم إن هذه المسألة أيضا مبتنية على الكلام المتقدم في العصر وأنه معتبر في الغسل بالماء القليل دون الكثير. وقد عرفت أن الصحيح عدم الفرق في أعتباره بينهما وعليه فلو حدث التغير بالعصر لم يحكم بطهارة المتنجس ولو في الماء الكثير لتغير الماء قبل تمامية غسله والماء المتغير مما يغسل منه وليس مما يغسل به هذا كله في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل. وأما غيرها فلا يضره تغير الماء بوجه لان مقتضى أطلاق مادل على لزوم الغسل عدم الفرق بين تغير الماء وعدمه،

[ 26 ]

[ فلو تغير بالاستعمال لم يكف مادام كذلك (1) ولا يحسب غسلة من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدد. ] حيث أنه غير مطهر للمحل حتى يقال: الماء المتغير لا يكفى في تطهير المحل، فأن الغسلة غير المطهرة معدة لان يكون المحل قابلا للحكم بطهارته عند الغسلة المطهرة (1) أي مادام الماء يتغير بغسل المتنجس فيه مرة أو مرتين أو أكثر فكل مرة يتغير الماء بغسل المتنجس فيه لا تحسب من الغسلات ولا يمكن أن يحصل بها الطهر. هذا. ثم إن في المقام مسألة أخرى ربما يفسر قول الماتن: مادام كذلك. بتلك المسألة. وهى أن الماء إذا تغير بغسل المتنجس فيه ثم زال عنه تغيره بنفسه أو بالعلاج بحيث لم يكن متغيرا بقاء وإن كان كذلك بحسب الحدوث فهل يكفى الغسل به في تطهير المتنجس؟ قد يقال بكفايته تمسكا بأطلاق مادل على مطهرية الغسل. ويندفع بأن ما أستدللنا به على عدم مطهرية الماء المتغير بحسب الحدوث والبقاء يأتي بعينه في الماء المتغير بحسب الحدوث وإن لم يكن متغيرا بقاء. وحاصل ما ذكرناه في وجهه أن قاعدة أنفعال الماء القليل بملاقاة النجس وإن رفعنا عنها اليد في الغسلة المتعقبة بالطهارة حيث أن التحفظ بعمومها يقتضي سد باب التهطير بالماء القليل إلا أن رفع اليد عما دل على نجاسة الماء المتغير مما لا موجب له إذ لا أجماع ولا ضرورة تقتضيه بل مقتضى إطلاقه بقاء الماء على نجاسته لانه كان متغيرا بالنجاسة ولم يطرء عليه مطهر شرعى بعد ما زال عنه تغيره، ومن الظاهر أن مجرد زوال التغير لا يقتضى الحكم بطهارته. هذا كله في أصل المسألة. وأما تفسير عبارة الماتن بذلك وحمل قوله: مادام كذلك. على معنى مادام متغيرا بحيث لو ذهب عنه التغير لكان موجبا للطهارة فقد عرفت أن

[ 27 ]

[ (مسألة 3) يجوز (1) أستعمال غسالة الاستنجاء في التطهير على الاقوى وكذا غسالة ساير النجاسات على القول بطهارتها، وأما على المختار من وجوب ] زوال التغير لا يقتضي الحكم بذلك ما لم يطرء عليه مطهر شرعى. على أن الظاهر عدم أرادة الماتن ذلك وإنما مراده بقوله: مادام. هو مادام الماء متغيرا بغسل المتنجس فيه فكل مرة يتغير الماء بذلك لا يكفي في الحكم بطهارة المغسول به ولا أنها تعد من الغسلات المعتبرة في التطهير، ويشهد لذلك قوله: ولا يحسب غسلة من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدد. ومعه لا مسوغ لتفسيره بما عرفت. (1) لطهارتها مع الشروط المتقدمة في محلها وكذلك الحال في بقية الغسالات على القول بطهارتها كما هو الصحيح في الغسلة المتعقبة بالطهارة. والوجه في جواز أستعمالها في أزالة الخبث ثانيا وثالثا وهكذا إنما هو أطلاق الروايات الآمرة بالغسل كقوله عليه السلام أغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه (* 1) وقوله عليه السلام صب عليه الماء مرتين (* 2) وقوله أغسله في المركن مرتين (* 3) وغيرها فإنه لا فرق في صدق الغسل بالماء بين الغسل بالغسالة وغيرها نعم في أرتفاع الحدث بالماء المستعمل في إزالة الخبث كلام قدمنا تفصيله في محله وقلنا إن القول بعدم جواز أستعماله في رفع الحدث هو الصحيح إن تمت الاجماعات المنقولة في المسألة ولم نناقش في رواية عبد الله بن سنان (الماء الذى يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه


(* 1) حسنة عبد الله بن سنان المروية في ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) صحيحة البزنطى المروية في ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل (* 3) صحيحة محمد بن مسلم المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 28 ]

وأشباهه، (* 1) بحسب السند والدلالة فالا فهو مبنى على الاحتياط. وأما إزالة الخبث به ثانيا وثالثا وهكذا فقد عرفت أنها هو الصحيح للاطلاق المتقدم تقريبه. وقد يقال بعدم الكفاية لموثقة عمار (* 2) الآمرة بصب الماء في الاناء وتحريكه ثم تفريغه من الماء ثم صب ماء آخر فيه مع التحريك والافراغ وهكذا إلى ثلاث مرات. بتقريب أن الغسالة لو جاز أن يغسل بها المتنجس ثانيا وثالثا لم يكن وجه للامر بأفراغ الاناء من الماء المصبوب فيه أولا ثم صب ماء آخر فيه بل كان تحريك ذلك الماء فيه بعينه مرة ثانية وثالثة كافيا في تطهير الاناء من دون حاجة إلى تفريغه عنه أبدا، فالامر بتفريغه من الماء المصبوب فيه أولا كاشف قطعي عن عدم كفاية الغسالة في إزالة الخبث بها ثانيا وثالثا. هذا ما ربما يتوهم في المقام. ولكنه من الفساد بمكان لا ينبغى التعرض له وذلك لان الموثقة أجنبية عما نحن بصدده حيث إنها من أدلة نجاسة الغسالة وكلامنا إنما هو في الغسالة الطاهرة وقد بينا في مورده أن غير الغسالة المتعقبة بطهارة المحل محكوم بالنجاسة وعليه فالوجه في أمره عليه السلام بأفراغ الاناء من الماء المصوب فيه أولا وثانيا إنما هو نجاسة الغسالة في المرتين لعدم كونها فيهما متعقبة بالطهارة ومن الظاهر أن الماء المتنجس لا يكفى في تطهير مثله من الاشياء المتنجسة. وأما أمره عليه السلام بالافراغ في الغسلة الثالثة فهو أيضا مستند إلى نجاسة الماء بناء على أن الغسالة مطلقا نجسة ولو مادامت في المحل وأما بناء على ما هو الصحيح من طهارة الغسالة حينئذ فالوجه في أمره عليه السلام أن الغسلة الثالثة لا يتحقق من غير أفراغ الاناء، حيث أن مجرد صب الماء فيه لا يكفى في صدق الغسل عليه مادام لم يفرغ من الماء. فليس


(* 1) المروية في ب 9 من أبواب الماء المضاف من الوسائل. (* 2) المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 29 ]

[ الاجتناب عنها أحتياطا فلا. (مسألة 4) يجب في تطهير الثوب أو البدن بالماء القليل من بول غير الرضيع الغسل مرتين (1). ] الوجه في أمره عليه السلام بالصب في الغسلة الثالثة أن الغسالة الطاهرة لا تزال بها الخبث ثانيا وثالثا. (1) أسنده في الحدائق ومحكى المدارك وغيرهما إلى الشهرة مطلقا وقيدها في الجواهر ب‍ (بين المتأخرين) وعن المعتبر أنه مذهب علمائنا. وعن الشهيد في البيان عدم وجوب التعدد إلا في إناء الولوغ، وعنه (قده) في ذكراه أختيار التعدد ناسبا إلى الشيخ في مبسوطه عدم وجوب التعدد في غير الولوغ وقد أستظهر القول بذلك عن العلامة في جملة من كتبه ولكنه في المنتهى ذهب إلى التفصيل بين صورتي جفاف البول وعدمه بالاكتفاء بالمرة في الصورة الاولى دون الثانية، وعن صاحبي المدارك والمعالم الاكتفاء بالمرة في البدن دون الثوب. هذه هي المهم من أقوال المسألة وقد يوجد فيها غير ذلك من الوجوه. أما ما ذهب إليه الشهيد في البيان والعلامة في جملة من كتبه من كفاية الغسل مرة واحدة في غير الولوغ فلم يقم عليه دليل فيما نحن فيه سوى الاخبار الآمرة بغسل ما أصابه البول (* 1) من غير تقييده بمرتين. وفيه أن هذه الاخبار غير واردة في مقام البيان من تلك الناحية أعنى كفاية الغسل مرة واحدة وعدمها. بل إنما وردت لبيان أصل الوجوب. على أنها على تقدير كونها مطلقة لابد من تقييدها بمرتين على مادل عليه غير واحد من الاخبار. ولعل نظرهم من الاكتفاء بالمرة الواحدة إلى صورة زوال العين وجفافها


(* 1) كما في صحيحة وحسنة أبن سنان وموثقة سماعة المروية في: ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 30 ]

كما حكى ذلك عن العلامة (قده) في المنتهى حيث فصل بين صورتي جفاف البول وعدمه وأكتفى بالمرة الواحدة في الاولى دون الثانية، ولعله من جهة أن الغسلة الاولى للازالة والثانية للتطهير ولو بدعوى أستفادة ذلك من المناسبات المركوزة بين الحكم وموضوعه فمع زوال العين بنفسها لا حاجة إلى تعدد الغسلتين. وهذا الاحتمال وإن كان أمرا معقولا في نفسه إلا أن الظاهر من الاخبار الآمرة بالغسل مرتين أن للغسلتين دخالة في التطهير لا أن إحداهما من باب الازالة كما أدعى. بل لو سلمنا أن الغسلة الاولى للازالة فلا مناص من أعتبار كون الازالة بالماء فلا يكون الازالة على أطلاقها موجبة للطهارة وإن كانت مستندة إلى أمر آخر غير الماء كما إذا جف البول أو تمسح بخرقة ونحوها فإن ظهور الاخبار في مدخلية الماء في الطهارة أمر غير قابل للانكار، ومن الجائز أن تكون الغسلة الاولى موجبة لحصول مرتبة ضعيفة من الطهارة لتشتد بالثانية ولا يكون الامر بها لمجرد الازالة حتى يكتفى بمطلقها هذا كله، على أن حمل الروايات الامرة بالتعدد على صورة وجود العين حمل لها على مورد نادر، لان الغالب في غسل الثوب والجسد إنما هو غسلهما بعد الجفاف، ولا أقل من أن ذلك أمر غير غالبى هذا. ويمكن الاستدلال لهذه الدعوى بما رواه الشهيد (قده) في الذكرى عن الصادق عليه السلام (في الثوب يصيبة البول، إغسله مرتين: الاولى للازالة والثانية للانقاء) (* 1) فإن الغرض من الغسلة الاولى إذا كان هو الازالة فالمطهر هو الغسلة الثانية حقيقة فيصدق أن الغسلة الواحدة كافية في تطهير نجاسة البول، والازالة قد تتحقق بالجفاف وقد تتحقق بغيره كما مر هذا.


(* 1) في البحث الثالث من أحكام النجاسات ص 15

[ 31 ]

(وقد سبقه إلى ذلك المحقق (قده) في المعتبر (* 1) حيث نقل رواية الحسين أبن أبي العلاء المتقدمة (* 2) بزيادة (الاولى للازالة والثانية للانقاء) وهي كما ترى صريحة الدلالة على مسلك الشهيد (قده) إلا أن الكلام في ثبوت تلك الزيادة لانها على ما أعترف به جملة من الاكابر لم يرد في شى من كتب الحديث فهذا صاحب المعالم (قده) ذكر في محكى كلامه (ولم أر لهذه الزيادة أثرا في كتب الحديث الموجودة الآن بعد التصفح بقدر الوسع) ونظيره ما ذكره صاحب الحدائق والفاضل السبزواري في ذخيرته فليراجع. والظاهر أشتباه الامر على الشهيد حيث حسب الزيادة من الرواية مع أنها من كلام المحقق (قده) ذكرها تفسيرا للرواية. على أنا لو سلمنا أن المحقق نقل الزيادة تتمة للرواية أيضا لم يمكننا المساعدة عليها لما عرفت من أنها مما لا عين له ولا أثر في كتب الحديث فالامر مشتبه على المحقق (قده). ولو تنزلنا عن ذلك وسلمنا عدم أشتباه الامر عليه وهي رواية حقيقة فالواسطة التى وصلت منها الرواية إلى المحقق (قده) مجهولة عندنا ولم يظهر أنها من هو فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه. وأما ما ذهب إليه صاحبا المعالم والمدارك من التفصيل بين الثوب والبدن والاكتفاء بالمرة في البدن دون الثوب فهو مستند إلى أستضعاف الاخبار الواردة في التعدد في البدن. ويرد عليه ما أورده صاحب الحدائق (قده) وحاصله أن مادل على التعدد في الجسد عدة روايات: (منها) صحيحة أو حسنة أبى أسحاق النحوي عن أبى عبد الله عليه السلام


(* 1) في أحكام النجاسات ص 162 (* 2) في ص 17

[ 32 ]

قال: سألته عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين (* 1) و (منها): حسنة الحسين أبن أبى العلا قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء. (* 2) و (منها) صحيحة البزنطى المروية في آخر السرائر (* 3) وهى بعين الالفاظ المنقولة من الحسنة ومضمونها. وهذه الاخبار كما ترى بين صحيحة وحسنة فلا مجال فيها للمناقشة سندا. فألى هنا ظهر أن الصحيح هو ما ذهب إليه الماتن وفاقا للمشهور من وجوب التعدد في البول. بقى الكلام في جهات: (الاولى): هل الحكم بالتعدد يخص الثوب والبدن فيكتفى بالغسلة الواحدة في غيرهما أو أنه يعم جميع الاشياء المتنجسة بالبول؟ الاخبار الآمرة بالتعدد إنما وردت في الثوب والبدن ولا يمكننا التعدي إلى غيرها من الاشياء الملاقية له إلا بدعوى دلالة الاخبار على العموم بالغاء خصوصيتى الثوب والجسد، وهذا مما لا سبيل إليه. لانا وإن قلنا أن الأمر بغسل ما لاقاه بول أو دم أو غيرهما من الاعيان المذكورة في الروايات أرشاد إلى نجاسة الملاقى وتعدينا عن مواردها إلى جميع ما يلاقى الاعيان النجسة حسبما يقتضيه الفهم العرفي من مثله، إذ الانفعال عندهم ليس من الامور المختصة بملاقاة الاعيان المذكورة في الاخبار. بل المستفاد منه أن ملاقاة مطلق العين النجسة سبب في تأثر الملاقى إلا إنه في خصوص المقام ليس لنا جزم بعدم خصوصيتى الثوب والبدن في وجوب التعدد في الغسل لانه من المحتمل القوى أن الشارع أراد فيهما المحافظة على المرتبة الشديدة من الطهارة، ومع هذا الاحتمال ليس لنا أن نتعدى إلى غيرهما.


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل

[ 33 ]

وعلى الجملة إنما يمكننا التعدي إلى غير الثوب والجسد فيما إذا علمنا بعدم دخل خصوصيتهما في الحكم المترتب عليهما وجزمنا بوحدة المناط في الاشياء الملاقية مع البول بأسرها. وأما مع عدم القطع بذلك فلا لانا نحتمل دخل خصوصيتى الثوب والبدن في حكمهما لوضوح أن الاحكام الشرعية يختلف بأختلاف موضوعاتها مع أنها مما قد تجمعه طبيعة واحدة. فترى أن الشارع حكم بوجوب الغسل ثلاث مرات في الاناء ولم نر من الاصحاب من تعدى عنه إلى غيره مما صنع من مادته من صفر أو خزف أو غيرهما، ومع العلم بأن الجميع صفر أو غيره من المواد إلا أنه إذا أصطنع بهيئة الاناء يعتبر في تطهيره الغسل ثلاث مرات وإذا كان على هيئة أخرى كفى في تطهيره الغسل مرة واحدة مثلا. وكذا نرى أن الشارع حكم بطهارة مخرج الغائط بالتمسح بالاحجار أو بغيرها من الاجسام القالعة للقذارة، ولا يحكم بطهارة هذا الموضع بعينه إذا تنجس بغير الغائط من النجاسات بمجرد أزالتها كما إذا تنجس بدم قد خرج من بطنه أو أصابه من الخارج. بل يجب غسله بالماء. ولاجل هذا وذاك لا يحصل القطع لنا بعدم الفرق بين الثوب والجسد وغيرهما من المتنجسات بالبول، ولا يصغى إلى ما قيل من أن التوقف في ذلك من الخرافات. بل الحكم بتعدد الغسل أو الصب يختص بمورد النصوص وهو الثوب والجسد، وأما في غيرهما فأطلاقات مطهرية الغسل محكمة وهي تقتضي الاكتفاء بالغسل مرة واحدة. (الجهة الثانية): هل الصبة الواحدة المستمرة بقدر زمان الغسلتين أو الصبتين والفصل بينهما كافيه عن الصبتين أو الغسلتين المأمور بهما في تطهير الثوب والبدن أو يعتبر تحققهما بالانفصال؟ فلو فرضنا أمتداد كل من الصبتين دقيقة

[ 34 ]

واحدة والفصل بينهما أيضا كذلك بحيث كان زمانهما مع الفصل بينهما ثلاث دقائق لم تكف الصبة الواحدة المستمرة ثلاث دقائق أو أكثر في الحكم بطهارة البدن أو الثوب بل لابد من صب الماء عليهما مرتين بأنفصال كل منهما عن الآخر أو غسلهما كذلك. حكي عن الشهيد في الذكرى القول بكفاية الصبة الواحدة بقدر الغسلتين أو الصبتين وتبعه جماعة ممن تأخر عنه ولعله من جهة أن الاتصال بين الغسلتين بالصب ليس بأقل من القطع بينهما بالفصل. إلا أن الصحيح هو أعتبار الفصل بين الغسلتين أو الصبتين لانه الذى يقتضيه الجمود على ظواهر الاخبار الآمرة بالصب أو الغسل مرتين، حيث أن ظواهرها أن للتعدد دخلا في حصول الطهارة المعتبرة. ودعوى: أن وصل الماء ليس بأقل من فصله مندفعة: بأنه وجه أستحساني لا مثبت له، فإنه على خلاف ما عليه أهل المحاورة، حيث أن السيد إذا أمر عبده بالسجدة مرتين أو برسم خطين مستقيمين لم يكتف العبد في أمتثاله بالسجدة الواحدة الممتدة بقدر زمان السجدتين والفصل بينهما أو برسم خط واحد كذلك. فرفع اليد عن ظهور الاخبار في التعدد بمثل ذلك من الوجوه الاستحسانية مما لا مسوغ له. (الجهة الثالثة): هل الحكم بوجوب التعدد يختص ببول الآدمي أو أنه يعم غيره من الابوال النجسة؟ ظاهر الاسئلة الواردة في الروايات حسب المتفاهم العرفي هو الاختصاص لانهم كانوا يبولون على وجه الارض وهى على الاغلب صلبة فكان يترشح منها البول إلى أبدانهم وأثوابهم ومن أجل ذلك تصدوا للسؤال عن حكمه ولا يبعد بهذه المناسبة دعوى أنصراف الاخبار إلى بول الآدمى وأنه المنسبق إلى الاذهان من الاسئلة، ولعل هذا هو الوجه في عدم أستفصالهم عن كون البول مما يؤكل لحمه أو من غيره مع طهارة البول مما يؤكل لحمه. ومن ذلك يظهر أن

[ 35 ]

نظرهم إنما هو السؤال عن خصوص بول الادمى فتعميم الحكم إلى مطلق الابوال النجسة مما لا وجه له. بل يمكن التمسك في ذلك بأطلاق قوله عليه السلام أغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه (* 1) لان مقتضى أطلاقه جواز الاكتفاء بالمرة الواحدة في بول غير الآدمى فلا يجب التعدد في مطلق الابوال النجسة حينئذ. (الجهة الرابعة): أن الظاهر من أسئلتهم عن أن البول يصيب الثوب أو البدن هو أختصاص السؤال والجواب بما قد يصيبه البول وقد لا يصيبه فيعتبر في مثله الغسل مرتين. وأما ما كان في معرض الاصابة دائما فلا تشمله الروايات بوجه وعليه فلا يجب التعدد في مخرج البول حينئذ إذ لا يصح أن يقال إنه مما يصيبه البول بل إن كان هناك دليل يدل على أعتبار التعدد فيه فهو وإلا فيقتصر فيه بالصبة الواحدة أو الغسل مرة. (الجهة الخامسة): هل يعتبر إزالة العين النجسة قبل الغسلتين أو الصبتين أو أن إزالتها بالغسلة الاولى كافية في حصول الطهارة بالثانية؟ قد يتوهم أن الغسلتين أو الصبتين لابد من أن تقعا بعد إزالة العين بشئ فلا تكفى إزالتها بالغسلة الاولى من الغسلتين. ويتوجه عليه أن الحكم بذلك يتوقف على دلالة الدليل ولا دليل على أعتبار وقوع الغسلتين بعد إزالة العين. بل الامر بغسل ما أصابه البول مرتين أو صب الماء عليه كذلك يقتضى بأطلاقه كفاية إلازالة بأولى الغسلتين وعدم أعتبار وقوعهما بعد إزالة العين بمزيل. بل المناسبة المرتكزة بين الحكم وموضوعه أن الغسلة الاولى للازالة والثانية للانقاء كما


(* 1) حسنة عبد الله بن سنان المروية في ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 36 ]

نقلناه عن المحقق (قده) هذا. وقد يقال إن مقتضى الاطلاق في الروايات كفاية إزالة العين ولو بالغسلة الثانية فلا يعتبر إزالتها بأولى الغسلتين و (يندفع): بأن الاخبار الواردة في المقام منصرفة إلى البول المتعارف الذى يكفي في إزالته الغسل أو الصب مرة واحدة كما يرشدنا إليه قوله في بعض الاخبار المتقدمة (فإنما هو ماء) (1) تعليلا لما أمر به من صب الماء عليه مرتين فإن ظاهره بيان أن الماء كما أنه لا لزوجة له، ويكفى في إزالته صب الماء عليه مرة واحدة فكذلك الحال في البول فتكون الغسلة الثانية مطهرة لا مزيلة، ومعه فالاخبار مختصة بالبول الذى يكفي في إزالته الغسل مرة واحدة فإذا فرض بول لا يكفي ذلك في إزالته فهو خارج عن مورد الروايات هذا. ويمكن أن يوجه المدعى بتقريب آخر وهو أن الاخبار الواردة في المقام وإن أخذت فيها الاصابة كما في قوله: يصيب الثوب أو البدن. وظاهر الاصابة الحدوث فأنها لا تطلق على بقاء البول. إلا أن من المقطوع به عدم الفرق في نجاسة البول بين الحدوث والبقاء. وعليه فإذا أصاب الثوب أو البدن وجب غسله أو صب الماء عليه مرتين كما دلت عليه الاخبار المتقدمة. فإذا غسلناه مرة واحدة ولم يزل بذلك فهو أيضا بول متحقق في الثوب أو البدن فيجب غسله مرتين بمقتضى إطلاق الروايات وعليه فمقتضى الاطلاقات هو العكس أعنى أعتبار كون الغسلة الاولى مزيلة للعين وإلا وجب غسله مرتين لانه بول متحقق في الثوب أو البدن ولا فرق في تحققه بين الحدوث والبقاء.


(* 1) راجع ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 37 ]

[ وأما من بول الرضيع غير المتغذي بالطعام فيكفي صب الماء مرة (1) وإن كان المرتان أحوط. ] (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات: (الاولى): أن الصبة الواحدة هل تكفي في إزالة بول الرضيع غير المتغذى بالطعام أو لابد في تطهيره من صب الماء عليه مرتين؟ المشهور بل المتسالم عليه بينهم كفاية الصب مرة خلافا لما حكي عن كشف الغطاء من أعتبار الصب مرتين، ولعل الوجه فيه أن حسنة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الصبى قال: تصب عليه الماء (* 1) الدالة على كفاية الصبة الواحدة مطلقة. ومقتضى قانون الاطلاق والتقييد تقييدها بما دل على أعتبار التعدد في مطلق البول كما في حسنة أو صحيحة أبى أسحاق النحوي (* 2) وحسنة الحسين بن أبى العلاء (* 3) وغيرهما من الاخبار المشتملة على قوله عليه السلام: صب عليه الماء مرتين. بعد السؤال عن أصابة البول للجسد هذا. ولكن الصحيح هو ما ذهب إليه المعروف في المسألة وذلك لان حسنة الحلبي وإن كانت مطلقة إلا أن حسنة الحسين المتقدمة ظاهرة الدلالة على كفاية الصبة الواحدة في بول الصبى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء، وسألته عن الثوب يصيبه البول قال: أغسله مرتين، وسألته عن الصبى يبول على الثوب قال: تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره (* 4). والوجه في الظهور: أن التفصيل قاطع للشركة فأنه عليه السلام فصل بين بول الصبى حيث أكتفى فيه بالصب مره وبين غيره فأوجب فيه الصب مرتين وهذا


(* 1) و (* 4) راجع ب 1 و 3 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) و (* 3) راجع ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 38 ]

يدلنا على أن التعدد إنما هو في بول غير الصبى. وأما بول الصبى فيكفي فيه الصب مرة واحدة كما ألتزم به المعروف. (الجهة الثانية): هل العصر بعد الصب معتبر في بول الصبى أو يكفى في إزالته مجرد الصب؟ قد يقال: بأعتبار العصر في تطهيره نظرا إلى ما ورد في ذيل حسنة الحسين المتقدمة (تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره) ولا سيما بناء على أن الغسالة نجسة، فإن الماء ينفعل بملاقاة البول لا محالة، ولا مناص في تطهير المتنجس حينئذ من أخراج الغسالة بالعصر. ولكن الظاهر عدم الاعتبار وذلك لان الامر بالعصر في الحسنة يحتمل أن يكون جاريا مجرى العادة والغلبة، فإن الغالب عصر المتنجس بعد الصب عليه كما يحتمل أن يكون مستحبا للقطع بكفاية العصر على تقدير القول به مقارنا مع الصب فالتقييد بكونه بعد الصب قرينة على ما ذكرناه فلا دلالة للحسنة على أعتبار العصر بعد الصب. وأما غسالة بول الصبى فإن قلنا بطهارة الغسالة المتعقبة بطهارة المحل كما هو الصحيح فلا كلام. وأما إذا قلنا بنجاستها فالامر أيضا كذلك لانه لا يجب أخراج الغسالة في التطهير عن بول الصبى للحكم بطهارتها مادامت باقية في محلها تبعا له فلا يحكم بنجاستها بالانفصال. (الجهة الثالثة): هل الرش كالصب في التطهير عن بول الصبى؟ الصحيح عدم كفاية الرش عن الصب لان الوارد في السنة الاخبار المتقدمة إنما هو الصب فلا دليل على كفاية الرش والنضح وإن أستوعبا الموضع النجس فإن ظاهر الاخبار أعتبار القاهرية في الماء وغلبة المحل دفعة. نعم ورد في روايتين الامر بالنضح في بول الصبى ففي (إحداهما):

[ 39 ]

يغتسل من بول الجارية وينضح على بول الصبى ما لم يأكل (* 1) و (ثانيتهما): أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ الحسن بن علي عليه السلام فأجلسه في حجره فبال عليه قال: فقلت له: لو أخذت ثوبا فأعطني أزارك فأغسله فقال: إنما يغسل من بول الانثى وينضح من بول الذكر (* 2) إلا أنهما عاميان ولا يمكن أن نرفع اليد لاجلهما عن الاخبار المعتبرة الآمرة بالصب كما تقدم. (الجهة الرابعة): هل الحكم بكفاية الصب خاص بالصبى أو يعم الصبية أيضا؟ قد يطلق الصبى ويراد به الجنس فيشمل الانثى والذكر إلا أن أرادته من لفظة الصبى في روايات الباب غير ظاهرة فيما أن الوارد فيها هو الصبى فلا مناص من أن يقتصر في الحكم بكفاية الصب عليه ويرجع في بول الصبية إلى عموم ما دل على أن البول يغسل منه الثوب أو البدن مرتين لان المقدار المتيقن من تخصيص ذلك إنما هو التخصيص ببول الصبى. وأما بول الصبية فيبقى مشمولا لعموم الدليل أو أطلاقه. أما ما ورد في ذيل حسنة الحلبي من قوله عليه السلام والغلام والجارية في ذلك شرع سواء (* 3) فلا يمكن الاستدلال به لاجمال المشار إليه في قوله: (في ذلك) لان المتقدم عليه أمران: أحدهما قوله عليه السلام يصب عليه الماء وثانيهما: قوله فإن كان قد أكل فأغسله بالماء غسلا. ولم يعلم أن الجارية كالغلام في كفاية صب الماء في تطهيره، أو أن المماثلة إنما هي في لزوم الغسل بالماء فيما إذا كان يأكل الطعام ومعه نشك في التحاق بول الصبية ببول الصبى فلا مناص حينئذ من الاكتفاء في الخروج عن مقتضى الادلة الدالة على لزوم غسل البول


(* 1) أخرجه أبو داود في سننه ج 1 ص 154 بتغيير يسير وكذا غيره (* 2) نفس المصدر وعنه في تيسير الوصول ج 3 ص 57 (* 3) راجع ب 3 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 40 ]

[ وأما المتنجس بساير النجاسات عدا الولوغ (1) فالاقوى كفاية الغسل مرة (2) ] مرتين بخصوص بول الصبى. (الجهة الخامسة): أن عنوان الرضيع لم يرد في شئ من الروايات المعتبرة وإنما ورد فيها عنوان الصبى مقيدا بعضها لما إذا لم يأكل الطعام وحيث أن الصبى غير المتغذى بالطعام لا ينفك عن كونه رضيعا فعبر عنه الاصحاب بالرضيع وعليه فالمدار إنما هو على صدق عنوان الصبى سواء بلغ عمره سنتين أم زاد عليهما فما في بعض الكلمات من تخصيص الحكم بالصبى الذي لم يبلغ سنتين ضعيف. (1) قد كتبنا في تعليقتنا أن أستثناء الولوغ في المقام من أشتباه القلم بلا ريب والصحيح (عدا الاناء) لوضوح أن الولوغ لا خصوصية له في وجوب التعدد فيه، حيث أن الاواني بأجمعها كذلك والاناء قد يتنجس بالولوغ وقد يتنجس بغيره ولكل منهما وإن كان حكم عليحدة إلا أن الجميع يشترك في وجوب التعدد فيه كما يأتي في محله. (2) وذلك لاطلاقات الروايات الآمرة بالغسل في مثل البول من غير الآدمى (* 1) والمنى (* 2) والكافر (* 3) والكلب (* 4) وغير ذلك من


(* 1) حسنة عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه المروية في ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) صحيحة محمد بن مسلم في المني يصيب الثوب قال: إن عرفت مكانه فأغسله وإن خفى عليك كله. المروية في ب 16 من أبواب النجاسات من الوسائل (* 3) موثقة أبى بصير عن أحدهما عليهما السلام في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني قال: من وراء الثوب فإن صافحك بيده فأغسل يدك. المروية في ب 14 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 4) حسنة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب

[ 41 ]

النجاسات الواردة في الاخبار، فإن الامر بالغسل أرشاد إلى أمرين: (أحدهما): نجاسة ذلك الشئ و (ثانيهما): أن الغسل بالماء مطهر له ومقتضى إطلاق الامر به كفاية الغسل مرة واحدة ولعل هذا مما لا أشكال فيه. وإنما الكلام في المتنجسات التى لم يرد فيها أمر مطلق بالغسل وذلك كما إذا أستفدنا نجاسته من الامر بأعادة الصلاة الواقعة فيه وكما في ملاقي المتنجس بالبول أو غيره مما يجب فيه الغسل متعددا ولا سيما في المتنجس بالمتنجس من دون واسطة فإنه يتنجس بملاقاته من دون أن يكون هناك مطلق ليتمسك بأطلاقه في الحكم بكفاية المرة الواحدة فيه. نعم المتنجس بالمتنجس بالنجاسة التى يكفي فيها الغسل مرة كالدم وغيره لا أشكال في كفاية المرة الواحدة فيه. فهل يكتفى في أمثال ذلك بالمرة الواحدة أو لابد فيها من التعدد؟ فقد يقال بكفاية المرة الواحدة حينئذ وما يمكن أن يستدل به على ذلك وجوه: (الاول): الاجماع المركب وعدم القول بالفصل بين النجاسات التى ورد فيها أمر مطلق بغسلها وما لم يرد في غسلها أمر مطلق بوجه وحاصله دعوى الاجماع على أن كل مورد لم يقم فيه الدليل على أعتبار التعدد يكفي فيه المرة الواحدة. ويدفعه عدم أحراز أتفاقهم في المسألة كيف وقد ذهب جملة من متأخرى المتأخرين إلى أعتبار التعدد فيما لم يقم دليل على كفاية المرة فيه على أنا لو سلمنا ثوبت الاتفاق عندهم في المسألة أيضا لم يمكن الاعتماد عليه لوضوح أنه ليس إجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم عليه السلام لاحتمال أستنادهم في ذلك إلى أحد الوجوه الآتية في الاستدلال. (الثاني): النبوى الذى رواه المؤالف والمخالف كما عن السرائر أعنى


السلوقى، فقال: إذا مسسته فأغسل يدك المروية في ب 12 من أبواب النجاسات و 11 من أبواب النواقض من الوسائل.

[ 42 ]

قوله صلى الله عليه وآله خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شى إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه (* 1). لدلالته على حصول الطهارة بالماء مطلقا. وفيه أنه إنما يدل على ثبوت المطهرية للماء فحسب وأما كيفية التطهير به فلا يستفاد من الرواية بوجه، على أنها كما قدمنا في الجزء الاول من كتابنا (* 2) نبوية ضعيفة السند حيث رويت بطرق العامة ولم تثبت روايتها من طرقنا فضلا عن أن يكون نقلها متسالما عليه بين المؤالف والمخالف. (الثالث): أصالة الطهارة بتقريب أن المتيقن من نجاسة الملاقي لشئ من النجاسات إنما هو نجاسته قبل غسله فإذا غسلناه مرة وحدة لم ندر أنه طاهر أو نجس ومقتضى أصالة الطهارة طهارته. وهذا الوجه وإن كان وجيها في نفسه بناء على ما سلكناه من عدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية لان أستصحاب نجاسة المتنجس فيما نحن فيه بعد الغسلة الواحدة معارض بأستصحاب عدم جعل النجاسة عليه زائدا على المقدار المتيقن وهو نجاسته قبل غسله إلا أنه لا مجال للرجوع إليها في المسألة لاطلاق ما دل على نجاسة المتنجسات فأن أطلاق مادل على أن الصلاة الواقعة في ملاقي النجس باطلة أو تجب أعادتها أو مادل على نجاسته بغير ذلك من أنحاء البيان يقتضى بقائها على نجاستها إلى الابد إلا أن يطرء عليها مطهر شرعى وهو غير محرز في المقام (الرابع): إطلاقات الاخبار وقد عثرنا على ذلك في جملة من الروايات: (الاولى): صحيحة زرارة التى هي من أدلة الاستصحاب قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شى من منى. إلى أن قال: تعيد


(* 1) المروى في ب 1 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. وب 3 من تلك الابواب من المستدرك. (* 2) ص 17.

[ 43 ]

الصلاة وتغسله.. الحديث (* 1) فأن الظاهر أن السؤال فيها إنما هو عن مطلق النجاسة لا عن الدم فحسب فأن قوله: أو غيره. وإن كان يحتمل في نفسه أن يراد به غير الدم من النجاسات ليكون ذكر المنى بعد ذلك من قبيل ذكر الخاص بعد العام كما يحتمل أن يراد به دم غير الرعاف إلا أن المستفاد من جملات السؤال والجواب الواردة في الصحيحة أن ال‍ سؤال إنما هو عن طبيعي النجاسة ولا سيما قوله: ولا تعيد الصلاة قلت لم ذلك قال: لانك كنت على يقين من طهارتك.. (الثانيه): موثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام أنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلي فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة (* 2) فإن قوله ولا تحل الصلاة فيه وإن كان يحتمل أستناده إلى كون الثوب ممالا يؤكل لحمه إلا أن قوله عليه السلام فإذا أصاب ماء غسله كاشف عن أن عدم حلية الصلاة فيه كان مستندا إلى نجاسته. (الثالثه): مرسلة محمد بن أسماعيل بن بزيع عن أبى الحسن عليه السلام في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام إلا أن يعلم أنه قد نجسه شي بعد المطر فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فأغسله.. (* 3) وهذه الاخبار كما ترى مطلقة ومقتضاها كفاية الغسلة الواحدة في التطهير عن مطلق النجس. نعم لا يمكن الاستدلال على ذلك بالرواية الاخيرة لضعف سندها بالارسال وأمكان المناقشة في دلالتها من جهة أن الطريق سواء علمنا بطهارته أم بنجساته لا يختلف حكمه قبل الثلاثة وبعدها فإنه إن كان طاهرا فهو كذلك قبل الثلاثة


(* 1) المروية في ب 41 و 42 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 45 من أبواب النجاسات و 30 من أبواب التيمم من الوسائل (* 3) المروية في ب 75 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 44 ]

وبعدها وإذا كان نجسا فكذلك أيضا فلم يظهر لنا وجه صحيح لمدخلية ثلاثة أيام في الحكم الوارد في الرواية. ومن جملة الاخبار التى يمكن أن يستدل بها على المدعى موثقة ثانية لعمار عن أبى عبد الله عليه السلام في الرجل إذا قص أظفاره بالحديد أو جز شعره، أو حلق قفاه، فإن عليه أن يمسحه بالماء قبل أن يصلي، سئل فإن صلى ولم يسمح من ذلك بالماء؟ قال: يعيد الصلاة لان الحديد نجس. (* 1) فإن حكمه بكفايه المسح بالماء معللا بأن الحديد نجس يعطي أن طبيعة النجس تنجس ملاقياتها بالرطوبة وتزول نجاستها بمجرد أن أصابها الماء وهو معنى كفاية الغسل مرة واحدة. نعم تطبيق ذلك على الحديد لا يخلو من عناية لوضوح عدم كون الحديد نجسا ولا أنه منجس لما يلاقيه إلا أنه أمر آخر. والظابط الكلى في المسألة أن ما دل على نجاسة الملاقي لشئ من الاعيان النجسة كالامر بغسله أو بأعادة الصلاة الواقعة فيه ونحوهما إما أن يكون مطلقا وإما أن لا يكون وإنما دل على نجاسته في الجملة: فعلى الثاني لا بد من الاكتفاء في نجاسته بالمقدار المتيقن وهو ما إذا لم يغسل الملاقي إصلا ولو مرة واحدة فإنه حينئذ محكوم بالنجاسة قطعا، وأما إذا غسلناه مرة واحدة فلا محالة يشك في نجاسته وطهارته وبما أنه لا أطلاق لما دل على نجاسته فلا بد من المراجعة إلى الاصو ل الجارية في المسألة ولا بأس بأستصحاب بقاء النجاسة بعد الغسل مرة بناء على جريانه في الاحكام الكلية الالهية وحيث لا نلتزم بذلك يتعين الرجوع إلى أصالة الطهاره لا محالة. وأما على الاول فلا مناص من التمسك بأطلاق الدليل عند الشك في نجاسة


(* 1) المروية في ب 14 من أبواب نواقض الوضوء و 83 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 45 ]

المتنجس وطهارته بعد الغسلة الواحدة إلا أنك عرفت إن الاطلاق بقتضى كفاية الغسل مرة في مطلق النجاسات سوى ما قام الدليل فيه على التعدد. ثم لو ناقشنا في تلك المطلقات سندا أو دلالة ولو بدعوى عدم كونها في مقام البيان من تلك الناحية فلا بد من النظر إلى ما ورد من الدليل في كل واحد من النجاسات فإن كان له أطلاق من حيث كفاية الغسل مرة واحدة مضافا إلى أطلاقه من حيث بقائه على نجاسته إلى أن يطرأ عليه مزيل فهو وإلا فلا بد من غسله ثانيا حتى يقطع بطهارته هذا بحسب كبرى المسألة. وأما تطبيقها على صغرياتها فأعلم أن الادلة الواردة في نجاسة الاعيان النجسة بأجمعها مطلقة وذلك لانها إنما تستفاد من الامر بغسلها وأزالته عن الثوب والبدن أو بأعادة الصلاة الواقعة في ملاقياتها والاخبار الامرة بالغسل مطلقة. فقد ورد في البول (أغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه) (* 1) ومقتضى أطلاقة كفاية الغسل مرة واحدة وقد خرجنا عن ذلك بما دل على لزوم التعدد في بول ما لا يؤكل لحمه أو خصوص بول الانسان على الخلاف وكذلك الحال في الغائط لانه بأطلاقه وإن لم ترد نجاسته في رواية إلا أنها يستفاد مما دل على نجاسة البول لعدم القول بالفصل بينهما. وأما الغائط من الانسان فهو لا يحتاج إلى الغسل إذ يكفي في أزالته التمسح بالاحجار ونحوها. وورد في الكلب (إن اصاب ثوبك من الكلب رطوبة فأغسله..) (* 2).


(* 1) حسنة أبن سنان المروية في ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل (* 2) صحيحة أبى العباس المروية في ب 12 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 46 ]

وفي الخنزير (عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، فإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلا أن يكون فيه أثر فيغسله.) (* 1) وفي أهل الكتاب (في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني، قال: من وراء الثوب فإن صافحك بيده فأغسل يدك) (* 2) وقد أسلفنا تحقيق الكلام في نجاستهم وعدمها في محله فليراجع. وفي عرق الابل الجلالة (وإن أصابك شئ من عرقها فأغسله) (* 3) نعم بينا في محله عدم نجاسته وقلنا ان الوجه في الامر بغسله إنه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه وأستصحابها في الصلاة يمنع عن صحتها. وفي المني (أن عرفت مكانه فأغسله وإن خفى عليك فأغسله كله) (* 4) وفى الميت (يغسل ما أصاب الثوب) (* 5) وفي الخمر إذا أصاب ثوبك (فأغسله إن عرفت موضعه وإن لم تعرف موضعه فأغسله كله وإن صليت فيه فأعد صلاتك) (* 6).


(* 1) صحيحة على بن جعفر المروية في ب 13 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) موثقة أبى بصير المروية في ب 14 من أبواب النجاسات من الوسائل (* 3) حسنة حفص بن البخترى المروية في ب 15 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 4) صحيحة محمد بن مسلم المروية في ب 16 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 5) حسنة الحلبي المروية في ب 34 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 6) صحيحة على بن مهزيار الامرة بالاخذ بقول أبى عبد الله عليه السلام =

[ 47 ]

وفى الدم (إن أجتمع قدر حمصة فغغسله وإلا فلا) (* 1) أي وإلا فلا يعاد منه الصلاة فلا يلزم غسله لذلك لا أنه طاهر إذا كان أقل من حمصة كما ذهب إليه الصدوق. وهذه الاخبار كما ترى مطلقة دلت على نجاسة الاعيان الواردة فيها كما أنها أقتضت كفاية الغسل مرة واحدة. وإن كان لا يعتمد على بعضها لضعيف سندها أو لغيره من الجهات المتقدمة في مواردها هذا كله في المتنجس بالاعيان النجسة فتلخص أن المرة الواحدة كافية في أزالتها. وأما المتنجس بالمتنجس بتلك النجاسات فلا مناص من الحكم بكفاية المرة الواحدة في تطهيرها لان المرة إذا كانت كافيه في أزالة الاعيان النجسة كانت موجبه لطهارة المتنجس بالمتنجس بها بالاولوية القطعية. نعم فيما إذا كانت العين مما يعتبر فيه التعدد كالبول لم يمكن الحكم بكفاية المرة في المتنجس بها مع الواسطة لعدم زوال العين إلا بالتعدد فهل يلتزم فيه بالتعدد أو تكفي فيه المرة أيضا. الثاني هو الصحيح وذلك لمعتبرة العيص بن القاسم قال: سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء فقال: إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه (* 2) لان أطلاقها يقتضي الحكم بكفاية الغسلة الواحدة في المتنجس بالماء المتنجس بالبول أو بغيره من النجاسات هذا. وقد يناقش في الاستدلال بالرواية من جهتين: (إحداهما): الاضمار


= المروية في ب 38 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 1) رواية مثنى بن عبد السلام المروية في ب 20 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 9 من أبواب الماء المضاف من الوسائل.

[ 48 ]

ويدفعه أن جلاله شأن العيص مانعة عن أحتمال رجوعه في الاحكام الشرعية إلى غير الامام عليه السلام فالاضمار في حقه غير مضر. و (ثانيتهما) الارسال. ويرد عليه أن ظاهر قول الشهيد أو المحقق (قده) قال العيص أو روى أو ما هو بمضمونهما أنه أخبار حسى لانه ينقلها عن نفس الرجل وكلما دار أمر الخبر بين أن يكون إخبارا حسيا أو أخبار حدسيا حمل على الحس على ما بيناه في محله وبما أن الشهيد لم يكن معاصرا للرجل فلا مناص من حمل قوله هذا على أنه وجدها في كتاب قطعي الانتساب إلى العيص وحيث أنه ثقة عدل فيعتمد على نقله وروايته فلا إشكال في الرواية بوجه فتحصل أن المتنجس بالاعيان النجسة والمتنجس منها يطهر بغسله مرة واحدة نعم الاناء المتنجس بالبول أو الولوغ أو بغيرهما من الاعيان النجسة لابد فيه من التعدد فإن له حكما أخر كما يأتي عن قريب. وأما إذا تنجس بالمتنجس كما إذا تنجس بالمتنجس بالبول أو الولوغ فهل يكفي فيه المرة الواحدة أو لابد من غسله متعددا كما إذا كان متنجسا بالاعيان النجسة؟ مقتضى أطلاق موثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل قال؟: يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ ذلك الماء ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه وقد طهر. (* 1) أن الاناء إنما يطهر بغسله ثلاث مرات سواء في ذلك أن يتنجس بشئ من الاعيان النجسة وأن يكون متنجسا بالمتنجس إلا فيما دل الدليل على وجوب غسله زائدا على ذلك.


(* 1) المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 49 ]

[ فلا تكفي الغسلة المزيلة (1) لها إلا أن يصب الماء مستمرا بعد زوالها والاحوط التعدد في سائر النجاسات أيضا، بل كونهما غير الغسلة المزيلة. (مسألة 5) يجب في الاواني إذا تنجست بغير الولوغ الغسل ثلاث مرات في الماء القليل (2) وإذا تنجست بالولوغ التعفير بالتراب مرة وبالماء بعده مرتين (3) والاولى أن يطرح فيها التراب من غير ماء ويمسح به، ثم يجعل فيه شئ من الماء ويمسح به وإن كان الاقوى كفاية الاول فقط، بل الثاني أيضا، ] (1) تكلمنا على ذلك في البحث عن التطهير من البول وذكرنا ماتوضيحه: أن الغسل بمعنى إزالة العين بالماء ولا شبهة في أن ذلك صادق على الغسلة المزيلة أيضا فمقتضى الاطلاقات كفاية الغسلة المزيلة كغيرها ولم يقم دليل على عدم كفاية المزيلة في التطهير ولم يثبت أن الغسلة الاولى للازالة والثانية للانقاء. نعم لا بأس بالاحتياط بالغسل مرتين بعد الغسلة المزيلة. (2) لموثقة عمار المتقدمة (* 1) فإن مقتضى أطلاقها عدم الفرق في ذلك بين النجاسات والمتنجسات وبها يقيد أطلاق صحيحة محمد بن مسلم قال: سألته عن الكلب يشرب من الاناء قال: إغسل الاناء إلا أن الموثقة مختصة بالغسل بالماء القليل لعدم إمكان جعل الماء الكثير في الاناء ثم تفريغه ومعه إنما يرفع اليد عن الاطلاق في صحيحة محمد بن مسلم في خصوص الغسل بالماء القليل ويبقى اطلاقها في التطهير بالكثير والجارى ونحوهما على حاله إذ لا مقتضي لتقييده في الغسل بغير الماء القليل ولعلنا نعود إلى تتميم هذا البحث بعذ ذلك. (3) هذا هو المعروف بينهم وعن المفيد في المقنعة أن الاناء يغسل من الولوغ ثلاثا وسطا هن بالتراب ثم يجفف وعن السيد والشيخ (قدهما) في


(* 1) في ص 48 (* 2) المروية في ب 1 و 2 من أبواب الاسئار من الوسائل.

[ 50 ]

محكي الانتصار والخلاف أنه يغسل ثلاث مرات إحداهن بالتراب. وهذان القولان مما لم نقف له على مستند فيما بأيدينا من الروايات. وعن أبن الجنيد أنه يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب ويأتى الكلام على مدرك ذلك بعد التعرض. لما هو المختار في المسالة. والكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: (أحدهما): في تطهير ما ولغ فيه الكلب بالماء القليل. و (ثانيهما): في تطهيره بالماء العاصم من الكر والجارى ونحوهما. أما المقام الاول فالصحيح فيه ما ذهب إليه المشهور من لزوم غسله ثلاث مرات أولاهن بالتراب وهذا لصحيحة البقباق قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة والشاة. إلى أن قال فلم أترك شيئا إلا سألته عنه فقال: لا بأس به حتى أنتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله وأصبب ذلك الماء وأغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء مرتين (* 1) بناء على ما نقله المحقق في المعتبر، لانها على ذلك صريحة فيما سلكه المشهور في المقام. وأما إذا ناقشنا فيما نقله (قده) لعدم نقل الرواية في كتب الاصحاب وجوامع الاخبار كما نقله (قده) حيث أنهم إنما رووها بإسقاط لفظة (مرتين) فالزيادة محمولة على سهو القلم فالامر أيضا كذلك ويعتبر في تطهير الاناء من الولوغ غسله ثلاث مرات أولاهن بالتراب وذلك لموثقة عمار المتقدمة لانها كما تقدمت مطلقة ومقتضى أطلاقها وجوب غسل الاناء ثلاث مرات سواء تنجس بشى من النجاسات أو المتنجسات وبذلك لابد من رفع اليد عن أطلاق صحيحة البقباق في قوله: بالماء وتقييده بثلاث مرات كما هو الحال في صحيحة محمد


(* 1) المروية في ب 1 من الاسئار و 70 من أبواب النجاسات من الوسائل من غير لفظة (مرتين).

[ 51 ]

أبن مسلم المتقدمة في قوله: أغسله بالماء ونتيجة ذلك أنه لابد من غسل الاناء المتنجس ثلاث مرات مطلقا من دون تقييد كون أولاهن بالتراب ولكن الصحيحة قيدت الغسلة الاولى بذلك فالصحيحة مقيدة للموثقة من جهة والموثقة مقيدة لها من جهة وقد أنتج الجمع بين صحيحتي البقباق ومحمد بن مسلم وموثقة عمار بتقييد بعضها ببعض أن الاناء المتنجس بالولوغ لابد من غسله ثلاث مرات أولاهن بالتراب. وأما ما حكي عن أبن الجنيد فالمستند له أمران: (أحدهما): النبوى إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهن بالتراب (* 1) وفيه مضافا إلى أنه نبوى ضعيف السند أنه معارض بما في النبويين الاخرين (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات (* 2) وفى أحدهما زيادة: أو خمسا أو سبعا (* 3) وبما أن التخيير في تطهير المتنجس بين الاقل والاكثر مما لا معنى له فالرواية تدلنا على أن المعتبر في تطهير الاناء هو الغسل ثلاث مرات والزيادة تكون مستحبة لا محالة. و (ثانيهما): موثقة عمار عن الاناء يشرب فيه النبيذ فقال: تغسله سبع مرات وكذلك الكلب (* 4) ويرد على الاستدلال بها أن المذكور في الموثقة أبتداء هو النبيذ وقد حكم بوجوب غسل الاناء منه سبع مرات ثم شبه به الكلب ويأتى في محله أو الاناء إنما يغسل من النبيذ ثلاث مرات ولا يجب فيه السبع.


(* 1) نقله في كنز العمال ج 5 ص 89 عن أحمد والنسائي عن أبى هريرة. (* 2) حاشية أبن مالك على صحيح مسلم ج 1 ص 162. (* 3) سنن البيهقى ج 1 ص 240 عن الاعرج عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله في الكلب يلغ في الاناء أنه يغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا. (* 4) المروية في 30 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 52 ]

ومعه لا بد من حمل الزائد على الاستحباب وإذا كان هذا هو الحال في المشبه به فلا محالة تكون الحال في المشبة أيضا كذلك فلا يمكن الاستدلال بها على وجوب غسل الاناء من الولوغ سبع مرات هذا كله في الغسل بالماء القليل. وأما المقام الثاني ولزوم التعدد أو التعفير في الغسل بالماء العاصم من الكر والجارى وغيرهما فيأتى عليه الكلام عند تعرض الماتن لحكمه. بقى الكلام في أمور: (منها): ما حكي عن المفيد من أعتبار تجفيف الاناء بعد الغسلات ووافقه عليه جملة من المتأخرين ومتأخريهم بل عن الصدوقين أيضا التصريح به ولعل المستند في ذلك هو الفقه الرضوي (إن وقع كلب في الماء أو شرب منه أهريق الماء وغسل الاناء ثلاث مرات مرة بالتراب ومرتين بالماء (* 1) ثم يجفف) والصحيح وفاقا للمشهور عدم أعتبار التجفيف بعد الغسلات لان الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلا عن أن تكون معتبرة، على أن الامر بالتجفيف فيه إنما جرى مجرى الغالب لان تجفيف الاناء بعد غسله أمر غالبى فما أعتمدوا عليه في ذلك لا يمكن المساعدة عليه سندا ودلالة. و (منها): أن الحكم بلزم غسل الاناء ثلاث أولاهن بالتراب هل هو خاص بما إذا شرب الكلب من الماء أو أنه يعم ما إذا شرب من سائر المايعات ولا يعتبر في ذلك أن يكون السئور ماء؟ الظاهر عدم الاختصاص لان ذيل صحيحة البقباق المتقدمة وإن كان يظهر منه أختصاص الحكم بالماء حيث قال: وأصبب ذلك الماء. إلا أن صدرها ظاهر


(* 1) كذا في المستدرك ب 43 من أبواب النجاسات وبعض الكتب الفقهية إلا أنها في فقه الرضا هكذا: غسل الاناء ثلاث مرات بالماء ومرتين بالتراب ثم يجفف ص 5 السطر 29.

[ 53 ]

الدلالة على عدم الاختصاص لان السؤال فيها إنما هو عن فضل الهرة والكلب وغيرهما من الحيوانات والفضل بمعنى ما يبقى من الطعام والشراب وهو أعم من الماء فالحكم عام لمطلق المايعات. وأما ذيل الصحيحة أعنى قوله وأصبب ذلك الماء فإنما هو بلحاظ الوضوء. حيث رتب عليه عدم جواز التوضوء به ولاجل بيان ذلك قدم الامر بصب الماء و (منها): معنى التعفير وهو الذى أشار إليه بقوله والاولى أن يطرح الخ لان لفظة التعفير وإن لم في ترد في شى من الاخبار إلا أن الصحيحة ورد فيها الامر بالغسل بالتراب ومن هنا لا بد من التكلم فيما أريد منه فنقول: إن الغسل بالتراب إما أن يكون بمعنى مسح الاناء بالتراب وإنما أستعمل فيه الغسل مجازا بجامع إزالة الوسخ به لانه كما يزول بالغسل بالماء كذلك يزول بالمسح بالتراب وعلى ذلك فالغسل بالتراب معنى مغاير للغسل بالماء فيعتبر في تطهير الاناء حينئذ الغسل أربع مرات أحداهما الغسل بالمعنى المجازى وذلك لان موثقة عمار دلت على لزوم الغسل ثلاث مرات وصحيحة البقباق أشتملت على لزوم الغسل بالتراب وقد فرضننا أنه أمر مغائر للغسل حقيقة ومقتضى هاتين الروايتين أن الاناء يعتبر في تطهيره الغسل أربع مرات إحداهما المسح بالتراب. وإما أن يكون بمعنى الغسل بالماء بأستعانة شى أخر وهو التراب فالباء في قوله: أغسله بالتراب للاستعانة كما هو الحال في قولهم: أغسله بالصابون أو الاشنان أو الخطمي ونحوها فإن معناه ليس هو مسح الثوب بالصابون وإنما هو بمعنى غسله بالماء ولكن لا بوحدته بل بضم شى آخر إليه وعليه فمعنى الغسل بالتراب جعل مقدار من الماء في الاناء مع مقدار من التراب وغسله بالماء بأعانة التراب أعني مسح الاناء بالماء المخلوط به التراب كما هو الحال في الغسل بالصابون ونحوه ثم يزال أثر التراب بالماء وبذلك يتحقق الغسل بالتراب عرفا.

[ 54 ]

[ ولابد من التراب فلا يكفي عنه الرماد والاشنان والنورة ونحوها (1) نعم يكفي الرمل (2). ] وهذا هو الصحيح المتعارف في غسل الاناء وإزالة الاقذار العرفية وعليه لا يعتبر في تطهير الاناء سوى غسله ثلاث مرات أولاهن بالتراب وذلك لان الغسل بالتراب على ما ذكرناه أمر غير مغاير للغسل بالماء بل هو هو بعينه بأضافة أمر زائد وهو التراب لان الغسل معناه إزالة الوسخ بمطلق المايع وإنما خصصناه بالماء لانحصار الطهور به في الاخباث وحيث أن الموثقة دلت على أعتبار الغسل ثلاث مرات من غير تقييد كون أولاهن بالتراب فنقيدها بذلك بمقتضى صحيحة البقباق والنتجية أن الاناء يعتبر في تطهيره الغسل ثلاث مرات مع الاستعانة في أولاهن بالتراب. (1) كالصابون وذلك لان ما ورد في صحيحة البقباق المتقدمة إنما هو الغسل بالتراب ولم يحصل لنا القطع بعدم الفرق بين التراب وغيره مما يقلع النجاسة لاحتمال أن تكون للتراب خصوصية في ذلك كما حكي أن (ميكروبات) فم الكلب ولسانه لاتزول إلا بالتراب وإن لم نتحقق صحته. (2) الوجه في ذلك غير ظاهر لانه إن كان مستندا إلى جواز التيمم به كالتراب ففيه أنه أشبه شى بالقياس لان التيمم حكم مترتب على الارض والصعيد فلا مانع من أن يعتدى فيه إلى الرمل لانه أيضا من الارض على كلام فيه. وأما إزالة النجاسة والتطهير فهى أمر آخر مترتب على التراب فلاوجه لقياس أحدهما بالاخر. وإن كان الوجه فيه هو ما أدعاه بعضهم من أن التراب حسبما يستفاد منه لدى العرف أعم من الرمل فيدفعه أن التراب في قبال الرمل فدعوى أنه داخل في مفهومه لا أنه في قباله بعيد غايته. فالصحيح الاقتصار في التعفير على التراب.

[ 55 ]

[ ولا فرق بين أقسام التراب، (1) والمراد من الولوغ شربه الماء، أو مايعا أخر (2) بطرف لسانه، ويقوى إلحاق لطعه (3) الاناء بشربه. وأما وقوع لعاب فمه فالاقوى فيه عدم اللحوق وإن كان أحوط، بل الاحوط أجراء الحكم المذكور في مطلق مباشرته ولو كان بغير اللسان من سائر الاعضاء حتى وقوع شعره أو عرقه في الاناء. ] (1) لاطلاق الصحيحة من حيث أفراد التراب فيشمل الطين الارمني والطين الاحمر وغيرهما من أفراده فهى وإن كانت خاصة بالتراب إلا أنها عامة من حيث إفراده. (2) كما عرفت: (3) أن عنوان الولوغ لم يرد في شى من الاخبار المعتبرة نعم ورد في النبويين المتقدمين إلا أنهما ضعيفان كما مر والعمدة صحيحة البقباق وهي إنما وردت في خصوص الشرب مشتملة على عنوان الفضل ولا تشمل اللطع بوجه والتعدى من الشرب إليه يحتاج إلى الفطع بعدم الفرق بينهما وهو غير موجود لانه من الجائز أن تكون للشرب خصوصية في نظر الشارع إذ لا علم لنا بمناطات الاحكام الشرعية. وأصعب من ذلك ما إذا لم يشرب الكلب من الاناء ولا أنه لطعه وإنما وقع فيه شى من لعاب فمه لعطسة ونحوها فإن الحاق ذلك بالشرب في الحكم بوجوب التعفير وغسله ثلاث مرات لاوجه له سوى القطع بوحدة المناط ولا قطع لنا بذلك وأوضح منهما أشكالا ما إذا أصاب الكلب الاناء بغير لسانه كيده ورجله وغيرهما من أعضاء جسده. وذلك لعدم القطع بالتسوية بين الشرب بلسانه وبين اللمس ببقية أعضائه. نعم ورد في رواية الفقه الرضوي المتقدم نقلها (* 1).


(* 1) في ص 52

[ 56 ]

[ (مسألة 6) يجب في ولوغ الخنزير غسل الاناء سبع مرات (1) وكذا ] (أن وقع كلب في الماء أو شرب منه أهريق الماء..) وهو صريح في التسوية للقطع بإن وقوع الكلب في الاناء بتمام جسده لا خصوصية له ووقوعه ببعضه كاف في صدق وقوع الكلب في الاناء الذى يترتب عليه الحكم بالغسل مرة بالتراب ومرتين بالماء. إلا أن الرواية ضعيفة لا يعتمد عليها ولا سيما في المقام لذهاب المشهور فيه إلى أختصاص الحكم بالولوغ. (1) لصحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام حيث قال: وسألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرات (* 1). وقد يستبعد أيجاب الغسل سبع مرات بأنه عليه السلام في صدر الصحيحة قد أكتفي في تطهير الثوب من الاثر المنتقل إليه من الخنزير بمطلق الغسل وطبيعيه حيث قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، فإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلا أن يكون فيه أثر فيغسله. ومعه كيف يوجب الغسل سبع مرات في الاناء فإن أزالة الاثر من الثوب أصعب من أزالته من الاناء. ويؤيد ذلك بأعراض أكثر القدماء عن ظاهر الصحيحة وعدم التزامهم بمضمونها. ويدفعه أن الوجوه الاستحسانية والاستبعادات العقليه غير صالحة للركون عليها في الاحكام الشرعية التعبدية لانه من المحتمل أن تكون للاناء الذى شرب منه الخنزير خصوصية لاجلها أهتم الشارع بشأنه وشدد الامر فيه بل الامر كذلك واقعا لان الاناء معد للاكل والشرب فيه. وأما المشهور فلم


(* 1) المروية في ب 13 من أبواب النجاسات من الوسائل

[ 57 ]

[ في موت الجرذ (1) وهو الكبير من الفأرة البرية، والاحوط في الخنزير التعفير قبل السبع أيضا. لكن الاقوى عدم وجوبه (2). (مسألة 7) يستحب في ظروف الخمر الغسل سبعا (3) والاقوى كونها ] يثبت أعراضهم عن الصحيحة بل أعتنوا بشأنها وحملوها على الاستحباب فالاستبعاد في غير محله. وعلى الجملة يجب في ولوغ الخنزير غسل الاناء سبع مرات كما يجب في ولوغ الكلب ثلاث مرات وإنما الفرق بينهما في أن في ولوغ الكلب لا يجب التعدد إلا إذا غسل بالماء القليل لاختصاص الموثقة به وأطلاقات الامر بالغسل في الماء غير القليل تبقى بحالها. وأما في ولوغ الخنزير فيجب فيه الغسل سبع مرات بلا فرق في ذلك بين الغسل بالماء القليل وبين الغسل بغيره وذلك لاطلاق الصحيحة المتقدمة فلاحظ. (1) لموثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام.. أغسل الاناء الذى تصيب فيه الجزذ ميتا سبع مرات (* 1). (2) لعدم الدليل عليه فإن الصحيحة المتقدمة غير مقيده بالتعفير وقد حكي عن الشيخ في الخلاف إلحاق الخنزير بالكلب مستدلا عليه بتسميته كلبا في اللغة ومعه لابد من القول بوجوب التعفير فيه. وفيه أن الخنزير ليس من الكلب في شئ فلو أطلق عليه أحيانا في بعض الموارد فهو أطلاق مجازى بلا ريب ولا يمكن معه أسراء حكم الكلب إليه. (3) لموثقة عمار عن أبى عبد الله عليه السلام عن الاناء يشرب فيه النبيذ فقال تغسله سبع مرات وكذلك الكلب (* 2) وموثقته الاخرى عنه عليه السلام.. في


(* 1) المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 30 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 58 ]

[ كسائر الظروف في كفاية الثلاث (1). ] قدح أو إناء يشرب فيه الخمر قال: تغسله ثلاث مرات. (* 1) لان مقتضى الجمع بينهما هو الحكم بوجوب الغسل في ظروف الخمر ثلاث مرات وأستحباب غسلها سبعا والجمع بينهما بذلك هو الذى يقتضيه الفهم العرفي في أمثال المقام وأما الاخذ بالاكثر بأن يؤخذ بالثلاثة التى دلت عليها إحداهما وتضاف عليها الاربعة التى تضمنتها رواية السبع لتكون النتيجة وجوب الغسل في ظروف الخمر سبع مرات فلا يراه العرف جمعا بين الدليلين. (1) ما أفاده (قده) من أن ظروف الخمر كسائر الظروف المتنجسة مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لان وجوب الغسل ثلاث مرات في سائر الاواني المتنجسة إنما يختص بغسلها في الماء القليل وأما إذا غسلت بالماء العاصم فقد تقدمت الاشارة إلى أنه لا يعتبر فيه التعدد بل يكفي غسلها فيه مرة واحدة كما يأتي تفصيله عن قريب وذلك لمكان الاطلاقات الواردة في غسل الاناء المقتضية لكفاية الغسل مرة واحدة وإنما رفعنا عنها اليد بتقييدها ثلاث مرات لموثقة عمار المتقدمة وهى خاصة بالماء القليل فالاطلاقات المقتضية لكفاية المرة الواحدة في الماء العاصم بحالها. وهذا بخلاف الظروف المتنجسة بالخمر لان مقتضى الجمع بين الموثقتين المتقدمتين وجوب غسلها ثلاث مرات مطلقا بلا فرق في ذلك بين غسلها بالماء القليل أو بالماء العاصم كما أن بذلك نرفع اليد عن المطلقات المقتضية لكفاية مطلق الغسل في الاواني المتنجسة بالخمر و (منها) صدر الموثقة حيث قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خل أو كامخ أو زيتون؟


(* 1) المروية في ب 51 من النجاسات و 30 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 59 ]

[ (مسألة 8) التراب الذى يعفر به يجب أن يكون طاهرا قبل الاستعمال (1) ] قال: إذا غسل فلا بأس بناء على أنها في مقام البيان من هذه الجهة (1) قد يقال كما قيل إن الوجه في ذلك هو أنصراف النص إلى الغسل بالطاهر من التراب إلا أنه من الفساد بمكان لعدم الفرق بين النجس والطاهر فيما هو المستفاد من النص لو لم ندع أن الغالب في التعفير هو التعفير بالتراب النجس. فالصحيح في المقام أن يقال: إن الغسل بالتراب أن أريد به مسح الاناء بالتراب كما هو أحد المحتملين في معني الغسل به من دون أعتبار مزجه بالماء فلا مانع من أعتبار الطهارة في التراب حينئذ إما لاجل ما هو المرتكز في الاذهان من عدم كفاية الغسل أو المسح بالمتنجس في التطهير متفرعا على القاعدة المعروفة من أن فاقد الشى لا يكون معطيا له فالتراب المتنجس لا يوجب طهارة الاناء المغسول به وإما لاجل أن التراب طهور للاناء وقد مر أن الطهور هو ما يكون طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره فالتراب النجس لا يطهر الاناء. وأما إذا أريد به الغسل حقيقة بأستعانة التراب كما هو الحال في مثل الغسل بالصابون ونحوه لما تقدم من أن معني ذلك ليس هو مسح المغسول بالصابون مثلا وإنما معناه غسله بالماء بأستعانة الصابون فلا وجه لاعتبار الطهارة في التراب وذلك لان التراب ليس بطهور للاناء حينئذ وإنما مطهره الماء. وتوضيحه: أن التراب الذى يصب في الاناء ويصب عليه مقدار من الماء ثم يمسح به الاناء لا بد من أن يزال أثره بالماء بعد المسح لوضوح أن مجرد مسح الاناء بالطين أي بالتراب الممتزج بالماء من غير أن يزال أثره بالماء لا يسمى تعفيرا وغسلا بالتراب وعليه فهب أن التراب متنجس والماء الممتزج به أيضا قد تنجس بسببه إلا أن الاناء يطهر بعد ذلك بالماء الطاهر الذى لابد

[ 60 ]

[ (مسألة 9) إذا كان الاناء ضيقا لا يمكن مسحه بالتراب فالظاهر كفاية (1) جعل التراب فيه وتحريكه إلى أن يصل إلى جميع أطرافه. وأما إذا كان مما لا يمكن فيه ذلك (2) فالظاهر بقاؤه على النجاسة أبدا (3) إلا عند من يقول بسقوط التعفير في الغسل بالماء الكثير. ] من صبه على الاناء لازالة أثر التراب عنه وهو جزء متمم للتعفير ثم يغسل بالماء مرتين ليصير مجموع الغسلات ثلاثا فالمطهر هو الماء وهو طاهر في الغسلات الثلاث ومعه لا موجب لاعتبار الطهارة في التراب، ومن هنا ذكرنا في التعليقة أن أشتراط الطهارة في تراب التعفير مبني على الاحتياط. (1) لان معنى الغسل بالتراب هو إيصال التراب إلى جميع أجزاء المغسول به سواء أكان ذلك بواسطة اليد أو بالخشبة أو بتحريك الاناء. نعم مجرد التلاقي لا يكفي في تحقق الغسل بالتراب بل لابد من وصوله إليه بالضغط فلا يعتبر فيه المسح أو الدلك وما عبر به هو (قده) وعبرنا به من المسح لا يخلو عن مبالغة، وعليه فلو فرضنا أن الاناء ضيق على نحو لايدخل فيه اليد أو الاصبع مثلا فلا مانع من تطهيره بإيصال التراب إلى جميع أجزائه بخشبة أو بجعل مقدار من التراب فيه ثم تحريكه شديدا. (2) الظاهر أن ذلك مجرد فرض لا واقع له وعلى تقدير الوقوع لابد من فرضه فيما إذا كان فم الاناء وسيعا أولا بحيث يتمكن الكلب من الولوغ فيه ثم عرضه الضيق إذ لا يتصور الولوغ فيما لم يمكن صب التراب فيه لضيق فمه. (3) لان الامر بتعفير ما أصابه الكلب في الصحيحة ليس من الاوامر النفسية حتى تسقط بالتعذر وإنما هو أرشاد إلى نجاسة الاناء وإلى طهارته بالتعفير فوزانه وزان الجملة الخبرية كقولنا: يتنجس الاناء بالولوغ ويطهر بالتعفير. وبما أنه مطلق فمقتضاه بقاء الاناء على نجاسته إلى ان يرد عليه

[ 61 ]

[ (مسألة 10) لا يجري حكم التعفير في غير الظروف (1) مما تنجس بالكلب ولو بماء ولوغه أو بلطعه. ] المطهر وهو التعفير فإذا فرضنا عدم التمكن منه يبقى على النجاسة إلى الابد فما في طهارة المحقق الهمداني (قده) من أن المتبادر من مثل قوله عليه السلام أغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء ليس إلا أرادته بالنسبة إلى ما أمكن فيه ذلك فالاواني التى ليس من شأنها ذلك خارجة عن مورد الرواية. مما لا نرى له وجها صحيحا. (1) لان العمدة في المقام إنما هو صحيحة البقباق وهى إنما دلت على وجوب التعفير في فضل الكلب. والفضل وإن كان بمعنى الباقي من المأكول والمشروب وهو بإطلاقه يشمل ما إذا كان ذلك في الاناء وما إذا كان في غيره إلا أن الضمير في قوله عليه السلام (وأغسله بالتراب..) غير ظاهر المرجع لجواز رجوعه إلى كل ما أصابه الفضل من الثياب والبدن والفرش وغيرها كما يحتمل رجوعه إلى مطلق الظروف المشتملة على الفضل ولو كان مثل يد الانسان فيما إذا أغترف الماء بيده وشرب منه الكلب أو الصندوق المجتمع فيه ماء المطر أو غيره أذا شرب منه الكلب، كما يمكن رجوعه إلى كل ما جرت العادة بجعل الماء فيه لكونه معدا للاكل والشرب منه وهو المعبر عنه بالاناء دون مطلق الظروف الشاملة لمثل اليد والصندوق بل الدلو فإنه أعد لان ينزح به الماء لا لان يشرب منه وهكذا غيرها مما لم تجر العادة بجعل الماء فيه لعدم أعداده للاكل والشرب منه وحيث أن مرجع الضمير غير مصرح به في الصحيحة وهو يحتمل الوجوه المتقدمة فلا مناص من أن يقتصر فيه على المقدار المتيقن منه وهو الظروف التى جرت العادة بجعل الماء أو المأكول فيها لكونها معدة لذلك دون مطلق الظروف ولا مطلق ما يصيبه الفضل كمثل الثوب والبدن وغيرهما مما لم يقل أحد بوجوب

[ 62 ]

[ نعم لا فرق بين أقسام الظروف في وجوب التعفير حتى مثل الدلو (1) لو شرب الكلب منه، بل والقربة والمطهرة وما أشبه ذلك. (مسألة 11) لا يتكرر التعفير (2) بتكرر الولوغ من كلب واحد أو أزيد بل يكفي التعفير مرة واحدة. ] التعفير فيه وعليه فالحكم يختص الاناء ولا يأتي في غيره. ويؤيد ما ذكرناه ورود لفظة الاناء في النبويات والفقه الرضوي المتقدمة. وإن لم نعتمد عليها لضعفها. (1) قدمنا أن الحكم يختص بالظروف المعدة للاكل والشرب منها ولا يشمل مطلق الظروف كالدلو ونحوه لانه أعد لان ينزح به الماء ولم يعد للاكل أو الشرب منه. (2) مقتضى القاعدة على ما حققناه في محله وإن كان عدم التداخل عند تكرر السبب إلا أن ذلك خاص بالواجبات نظير كفارة الافطار في نهار رمضان فيما أذا جامع مثلا مرتين أو جامع وأتى بمفطر آخر فإن القاعدة تقتضي وجوب الكفارة حينئذ مرتين. وأما في موارد الاوامر الارشادية وغير الواجبات التى منها المقام فلا مناص فيها من الالتزام بالتداخل وذلك لان الاوامر الارشادية كالجملات الخبرية ليس فيها أقتضاء للوجود عند الوجود حتى يلزم بعدم التداخل كما في الاوامر المولوية. بل مقتضى أطلاقها التداخل وعدم الفرق في ترتب الحكم على موضوعه بين تحقق السبب والموضوع مرة واحدة وبين تحققهما مرتين أو أكثر فعلى ذلك أذا شرب الكلب من إناء مرتين أو شرب منه كلبان مثلا لم يجب تعفيره إلا مرة واحدة كما هو الحال في غيره من النجاسات لوضوح أن البول مثلا إذا أصاب شيئا مرتين لم يجب تطهيره متعددا هذا.

[ 63 ]

[ (مسألة 12) يجب تقديم التعفير على الغسلتين (1) فلو عكس لم يطهر. (مسألة 13) إذا غسل الاناء بالماء الكثير لا يعتبر فيه التثليث (2) بل يكفي مرة واحدة حتى في إناء الولوغ. ] على أن الموضوع للحكم بوجوب التعفير في الصحيحة هو الفضل وعدم تعدده بتعدد الشرب غير خفي ومعه لاوجه لتكرر التعفير عند تكرر الولوغ فبذلك أتضح أن الوجه فيما أفاده الماتن (قده) من عدم تكرر التعفير بتكرر الولوغ هو ما ذكرناه لا الاجماع المدعى كما قيل (1) لانه مقتضى الصحيحة المتقدمة حيث ورد فيها (وأغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء) وقد أشرنا سابقا إلى أن ما حكي عن المفيد (قده) من أن الاناء يغسل من الولوغ ثلاثا وسطاهن بالتراب أو أحداهن بالتراب كما عن محكي الخلاف والانتصار من دون تخصيصه بالغسلة الاولى مما لا دليل عليه. (2) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: (أحدهما): في تطهير الاناء لمتنجس بغير الولوغ كالمتنجس بالخمر أو بولوغ الخنزير أو موت الجرذ فيه وغيره من المتنجسات التى تعتبر فيه التعدد كالثوب المتنجس بالبول حيث يجب غسله مرتين ويقع الكلام فيه في أنه إذا غسل بالماء العاصم من الكر والجارى والمطر فهل يعتبر فيه ذلك العدد كما إذا غسل بالماء القليل أو يكفي فيه الغسل مرة واحدة؟ التحقيق أن المتنجسات المعتبر فيها العدد لا يفرق الحال في تطهيرها بين الغسل بالماء القليل وغسلها بغيره من المياه المعتصمة وذلك لاطلاق ما دل على وجوب غسلها متعددا فإن تفييده بالغسل بالماء القليل مما لم يقم عليه دليل ومعه لا بد من أعتبار العدد في تطهيرها مطلقأ. هذا ولكن المعروف بينهم سقوط التعدد في الغسل بغير الماء القليل بل

[ 64 ]

ظاهر الكلام المحكي عن الشهيد (قده) أن المسألة كالمتسالم عليها عندهم حيث قال: (لا ريب في عدم أعتبار العدد في الجارى والكثير..) وإنما الكلام في مدرك ذلك. وقد أستدلوا عليه بوجوه: (الاول): دعوى أنصراف ما دل على أعتبار التعدد إلى الغسل بالقليل ومع عدم شموله الغسل بالماء الكثير ونحوه لا مناص من الرجوع فيه إلى المطلقات وهى تقتضي كفاية الغسل مرة واحدة. وفيه أن دعوى الانصراف لا منشاء لها غير غلبة الوجود لغلبة. الغسل بالماء القليل فأن الاحواض المعمولة في زماننا لم تكن متداولة في تلك العصور وإنما كان تطهيرهم منحصرا بالمياه القليلة إلا بالاضافة إلى سكنة السواحل وأطراف الشطوط، وقد ذكرنا في محله أن غلبة الوجود غير مسببة للانصراف ولا سيما إذا كان المقابل أيضا كثير التحقق في نفسه كما هو الحال في المقام لان الغسل بالماء الكثير أيضا كثير كما في البراري والصحار ولا سيما في أيام الشتاء لكثرة أجتماع المياه الناشئة من المطر وغيره في الغدران حينئذ فدعوى الانصراف ساقطة. (الثاني: ما أرسله العلامة في المختلف عن أبي جعفر عليه السلام مشيرا إلى ماء في طريقه: إن هذا لا يصيب شيئا إلا طهره. (1) فإنه يدل على أن مجرد الاصابة كاف في التطهير بالماء الكثير من غير توقفه على الغسل فضلا عن تعدده فإن للحديث نوع حكومة ونظر على الادلة القائمة على لزوم الغسل في المتنجسات ويدفعه أن الرواية ضعيفة بأرسالها ودعوى أنها منجبرة بعمل الاصحاب غير قابلة للاصغاء إليها لانا لو قلنا بأنجبار الرواية الضعيفة بعمل الاصحاب على طبقها فإنما هو في غير المقام لان هذه الرواية ليس لها عين وأثر في جوامع


(* 1) تقدم نقله عن المستدرك في ص 20.

[ 65 ]

الاخبار ولا في كتب الاستدلال قبل العلامة (قده) فأين كانت الرواية قبله؟ وهو إنما ينقلها عن بعض علماء الشيعة ولا ندرى أنه من هو؟ نعم قيل إن مراده أبن أبى عقيل إلا أنه مجرد حكاية لم تثبت مطابقتها للواقع لاحتمال أرادة غيره فالرواية مرسلة وغير قابلة للانجبار بعملهم. (الثالث) مرسلة الكاهلى (كل شى يراه ماء المطر فقد طهر) (* 1) حيث دلت على كفاية مجرد الرؤية في التطهير بماء المطر وبعدم القول بالفصل بينه وبين غيره من المياه العاصمة، يتم المدعى فلا حاجة في التطهير بها إلى تعدد الغسل. ويندفع هذا (أولا): بأنها مرسلة ولا يعتمد عليه في شي و (ثانيا): بأن الاتفاق على عدم الفصل بين المطر وغيره لم يثبت بوجه فأن دعواهم ذلك لا يزيد على الاجماع المنقول بشى. بل الدعوى المذكورة معلومة الخلاف كيف وقد فصلوا بين ماء المطر وغيره بعدم أعتبارهم العصر في الغسل بالمطر بخلاف الغسل بغيره من المياه وهذا كاشف قطعي عن عدم التلازم بينهما في الاحكام فالحكم على تقدير ثبوته خاص بالمطر ولا يمكن تعديته إلى غيره. فلو تنازلنا عن ذلك فغاية الامر أن نتعدى إلى الجارى فحسب بناء على أن ماء المطر كالجاري كمنا قيل فإن التشبيه على تقدير ثبوته وإن كان من طرف ماء المطر إلا إنا ندعي مماشاة للمستدل أن الجاري أيضا كالمطر وإن الاحكام المترتبة على أحدهما مترتبة على الاخر إلا أن الحاق غيره كالكثير يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه. (الرابع): أطلاق أدلة التطهير بالماء كالآيات والاخبار المتقدمتين في أوائل الكتاب وأطلاق ما دل على أن المتنجس يطهر بغسله من غير تقييده بمرتين أو أكثر على ما تقدم في البحث عن أعتبار التعدد في البول فراجع.


(* 1) المروية في ب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 66 ]

ويدفعه أن العبرة إنما هو بأطلاق دليل المقيد وهوب مادل على لزوم التعدد في غسل الثوب المتنجس بالبول والاناء المتنجس بالخمر أو بولوغ الخنزبر أو بوقوع ميتة الجرذ فيه ومقتضى إطلاقه عدم الفرق في أعتبار التعدد بين غسله بالماء القليل وغسله بالكثير. (الخامس): صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب يصيبه البول قال: أغسله في المركن مرتين فإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة (* 1) بتقريب أن جملة فإن غسلته في ماء جار فمرة بيان للمفهوم المستفاد من الجملة السابقة عليه أعنى قوله عليه السلام أغسله في المركن مرتين. الذى يدل على لزوم التعدد في غسل المتنجس بالبول بالماء القليل، ويستفاد من مفهومها عدم أعتبار التعدد فيما إذا غسل بغيره من المياه العاصمة بلا فرق في ذلك بين غسله بالماء الكثير وغسله بالجاري ونحوهما مما لا ينفعل بالملاقاة. وأما تعرضه عليه السلام للغسل بالجاري دون الكثير فلعله مستند إلى قلة وجود الماء الكثير في عصرهم عليه السلام فالتصريح بكفاية المرة في الجارى لا دلالة له على أختصاص الحكم به بل الجارى وغيره من المياه العاصمة سواء والتعدد غير معتبر في جميعها. وهذه الدعوى كما ترى مجازفة ولا مثبت لها لانها ليست بأولى من عكسها فلنا أن نعكس الدعوى على المدعي بتقريب أن جملة (أغسله في المركن مرتين) تصريح وبيان للمفهوم المستفاد من الجملة المتأخرة عنها أعنى قوله عليه السلام فإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة. إذا تدلنا الصحيحة على أن الغسله الواحدة تكفي في الجارى خاصة ولا تكفي في غيره من المياه بلا فرق في ذلك بين الماء القليل والكثير وإنما صرح بالغسل بالقليل دون الكثير من جهة قلة وجود الكر في عصرهم عليهم السلام لانه لم يكن يوجد وقتئذ إلا في الغدران الواقعة في الصحاري


(* 1) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 67 ]

والقفار فالاحتمالان متساويان ولا يمكن الاستدلال بالصحيحة على أحدهما، فالصحيح أن الصحيحة لا تعرض لها على كفاية المرة في الغسل بالكثير أثباتا ولانفيا (السادس): ما ورد في صحيحة داود بن سرحان (* 1) من أن ماء الحمام بمنزلة الماء الجارى. وتقريب دلالتها على المدعى أن المياه الكائنة في الحياض الصغار مع أنها ماء قليل إنما نزلت منزلة الماء الجارى الذى يكفي فيه الغسل مرة واحدة لاعتصامها بمادتها أعنى الماء الموجود في الخزانة وهو كثير إذا فنفس المادة التى هي الماء الكثير أولى بإن تنزل منزلة الجارى في كفاية الغسل مرة واحدة وعلى ذلك فالكثير كالجاري بعينه ولا يعتبر فيه التعدد. ويرد على هذا الاستدلال أن التنزيل في الصحيحة إنما هو بلحاظ الاعتصام وهو الذى نطقت به جملة من الروايات وليس من جهة أن ماء الحمام حكمه حكم الجارى مطلقا حتى يترتب عليه جميع الاثار المترتبة على الجارى: وتوضيحه: أن المياه الكائنة في الحياض الصغار في الحمامات ماء قليل ينفعل بملاقاة النجس لا محالة وكونها متصلة بالماء الكثير في موادها لا يوجب التقوي لدى العرف لعدم تقوى الماء السافل بالعالى حسب الارتكاز كما أن النجاسة لاتسرى من السافل إلى العالي لانهما ماءان متغائران عرفا ومعه فمقتضى القاعدة إنفعال الماء في الاحواض الصغار ولاجل هذه الجهة سئلوهم عليهم السلام عن حكمها وأنها تنفعل بالملاقاة أو لا تنفعل فأجابوا عليهم السلام إنها متعصمة لاتصالها بالمواد فالسؤال عن حكمها إنما هو من جهة أن أعتصامها على خلاف القاعدة والتشبيه بالجاري في كلامهم عليهم السلام لدفع توهم الانفعال ببيان أن مياه الاحواض الصغار لا تنفعل بالملاقاة لا أن حكمها حكم الجارى مطلقا حتى يترتب عليه جميع الاثار المترتبة على الجارى فالصحيح عدم الفرق في الموارد التى أعتبر فيها التعدد


(* 1) المروية في ب 7 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 68 ]

بين الغسل بالماء القليل والغسل بالكثير. نعم خرجنا عن ذلك في خصوص غسل المتنجس بالبول في الجارى للصحيحة المتقدمة المشتملة على قوله عليه السلام (فإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة) هذا كله في هذا المقام. و (ثانيهما): الاناء المتنجس بالولوغ وأنه إذا غسلناه بالماء العاصم فهل بعتبر فيه التعدد أو يكفي فيه الغسل مرة؟ وقد نسب القول بالتعدد إلى جماعة في المقام إلا أن الصحيح عدم الاعتبار كما أفاده الماتن (قده) وذلك لما قدمناه من أن موثقة عمار الآمرة بغسل الاناء المتنجس ثلاث مرات مختصة بالماء القليل فإن صب الماء فيه وتفريغه لا يتحقق عادة إلا في القليل وبها قيدنا المطلقات المقتضية للاجتزاء بالغسلة الواحدة في الماء القليل. وأما الغسل بالمياه العاصمة فمقتضى أطلاق صحيحتي البقباق ومحمد بن مسلم كفاية الغسل مرة واحدة ولم يرد عليهما ما يقتضي التقييد في الكثير ونحوه فلا موجب لرفع اليد عن أطلاقهما حينئذ في غير الماء القليل. نعم إذا بنينا على أن صحيحة البقباق مشتملة على كلمه (مرتين) بعد قوله ثم بالماء كما نقله المحقق (قده) كان اللازم أعتبار التعدد حتى في الغسل بالمياه العاصمة لاطلاق الصحيحة وعدم أختصاصها بالماء القليل. ولكن الزيادة لم تثبت كما مر إذ لا أثر منها في الجوامع المعتبرة والكتب الفقهية. وتعين الاخذ بالزيادة عند دوران الامر بين أحتمالي الزيادة والنقيصة نظرا إلى أن أحتمال الغفلة في طرف الزيادة أضعف وأهون من أحتمالها في طرف النقيصة لان الناقل قد يغفل فيترك شيئا وينقصه وأما أنه يغفل فيزيد فهو أحتمال ضعيف لوتم فإنما هو في الموارد التى كان أحتمال الغفلة في طرف الزيادة

[ 69 ]

[ نعم الاحوط عدم سقوط التعفير فيه، بل لا يخلو عن قوة (1) والاحوط التثليث حتى في الكثير. ] ضعيفا وأهون. وأما إذا كان أحتمال الغفلة والاشتباه في طرف الزيادة أقوى وأكد كما في المقام لتفرد المحقق في نقلها فلاوجه لتعين الاخذ بالزيادة بوجه، والمحقق (قده) وإن كان من أجلاء أصحابنا إلا أن تفرده في نقل الزيادة يؤكد أحتمال الغفلة في نقلها إذا لا مثبت للتعدد في غسل الاناء المتنجس بالولوغ بالمياه العاصمة (1) ما أفاده (قده) في هذه المسألة مناقض صريح لما مر منه (قده) في أوائل الكتاب من جعله التعفير في الولوغ من شرائط التطهير بالماء القليل إلا أنه في المقام ذهب إلى أشتراطه في الغسل بالكثير أيضا وهما أمران متناقضان وقد أشرنا إلى المناقضة أيضا هناك والصحيح ما أفاده في المقام. وذلك لاطلاق صحيحة البقباق وعدم أختصاصها بالماء القليل فالتعفير معتبر في كل من الغسل بالماء الكثير والقليل. وأما الغسل بالمطر فهل يعتبر فيه التعفير أيضا أو لا يعتبر؟ مقتضى مرسلة الكاهلى. كل شى يراه ماء المطر فقد طهر (* 1) عدم أعتباره في الغسل بالمطر لدلالتها على كفاية مجرد الرؤية في تطهير المتنجسات سواء أكان المتنجس إناء الولوغ أم غيره. ومقتضى صحيحة البقباق المتقدمة أعتباره مطلقا حتى في الغسل بالمطر فهما متعارضتان في غسل إناء الولوغ بالمطر والنسبة بينهما عموم من وجه. فقد يقال حينئذ بعدم أعتبار التعفير في الغسل بالمطر نظرا إلى أن المتعارضين يتساقطان بالمعارضة ومعه لا يبقى هناك ما يقتضي التعفير في الغسل بالمطر ويكفي في الحكم بعدم الوجوب عدم الدليل عدم عليه أو يرجح المرسلة على


(* 1) المروية في ب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 70 ]

[ (مسألة 14) في غسل الاناء بالماء القليل يكفي صب الماء فيه وأدارته إلى أطرافه ثم صبه على الارض ثلاث مرات كما يكفي أن يملاه ماء ثم يفرغه ثلاث مرات (1). ] الصحيحة من جهة أن دلالتها بالعموم ودلالة الصحيحة بالاطلاق، والعموم متقدم على الاطلاق عند المعارضة والنتيجة على كلا التقديرين عدم وجوب التعفير في الغسل بالمطر هذا. ولكن الصحيح أن الولوغ يعتبر التعفير فيه حتى إذا غسل بالمطر. وذلك أما (أولا): فلاجل أن الرواية ضعيفة بأرسالها ولا يعتمد على المرسلة بوجه فالصحيحة غير معارضة بشى. وأما (ثانيا): فلان الظاهر من المرسلة أنها ناظرة إلى بيان أن الغسل بالمطر لا يعتبر فيه إنفصال الغسالة وإن شئت قلت أن التطهير بالمطر لا يعتبر فيه الغسل لانه لغة متقوم بخروج الغسالة وأنفصالها فلا غسل بدونه ومن هنا أعتبرناه في التطهير بكل من الماء القليل والكثير والمرسلة دلتنا على أن المطر يكفي رؤيته في تطهير المتنجسات من غير حاجة إلى غسلها وأخراج غسالتها. وأما أن التعفير أو غيره من الشرائط المعتبرة في التطهير بغير المطر لا يعتبر في التطهير به فدون أستفادته من المرسلة خرط القتاد وعليه فالتعفير معتبر في إناء الولوغ مطلقا بلا فرق في ذلك بين الغسل بالماء القليل والغسل بالكثير أو المطر أو غيرهما من المياه. (1) ورد في موثقة عمار المتقدمة الامر بتحريك الاناء عند تطهيره بعد صب الماء فيه ومن هنا وقع الكلام في أن تحريك الاناء هل له موضوعية في تطهير الاناء أو أنه إنما ذكر مقدمة لايصال الماء إلى أجزائه بحيث لو أوصلناه إليها بتوسط أمر آخر من دون تحريكه كفى في تطهيره كما إذا

[ 71 ]

[ (مسألة 15) إذا شك في متنجس أنه من الظروف حتى يعتبر غسله ثلاث مرات أو غيره حتى يكفي فيه المرة فالظاهر كفاية المرة (1). ] أملاناه ماء؟ الذى يستفاد من الامر بتحريك الاناء في الموثقة حسب المتفاهم العرفي أنه طريق إلى إيصال الماء إلى أجزاء الاناء ولا موضوعية له في تطهيرة. وإن أستشكل فيه صاحب الجواهر (قده) نوع إشكال جمودا على ظاهر الموثقة إلا أن مقتضى الفهم العرفي ما ذكرناه، ومن المستبعد أن يفصل في تطهير الاواني بين ما يمكن أن يستقر فيه الماء على نحو يمكن تحريكه ومالا يستقر فيه الماء ولا يمكن تحريكه كما إذا كان مثقوبا من تحته بحيث لا يبقى الماء فيه فهل يحكم ببقائه على النجاسة فيما إذا أوصلنا الماء إلى جميع أجزائه لغزارته؟ والمتحصل أن الماء الملاقي للاناء كالغسالة يقتضي طهارته بالانفصال عنه (1) الشك في أن المتنجس من الظروف والاوانى ليجب غسله ثلاثا أو سبعا أو أنه من غيرهما ليكتفي في تطهيره بالغسلة الواحدة يتصور على نحوين: فتارة يشك في ذلك من جهة الشبهة المفهومية لتردد مفهوم الاناء بين الاقل والاكثر كما إذا شككنا في أن الطست مثلا هل يطلق عليه الاناء أو أنه خارج عن حقيقته لعدم كونه معدا للاكل والشرب منه. وأخرى يشك فيه من جهة الشبهة الموضوعية لعمى أو ظلمة ونحوهما. أما إذا شك فيه من جهة الشبهة المفهومية فيكتفى في تطهيره بالغسلة الواحدة وذلك لما حررناه في محله من أن تخصيص أي عام أو مطلق وإن كان موجبا لتعنون العام المخصص بعنوان عدمي إذا كان العنوان المأخوذ في دليل المخصص عنوانا وجوديا، لاستحالة الاهمال في مقام الثبوت فأما أن يكون الموضوع في دليل العام مطلقا بالاضافة إلى العنوان الوارد في دليل الخاص.

[ 72 ]

وإما أن يكون مقيدا بوجوده أو بعدمه. والاطلاق والتقييد بالوجود لا معنى لهما مع التخصيص فيتعين أن يكون مقيدا بعدم ذلك العنوان الوارد في دليل المخصص ولا يفرق في ذلك بين العموم اللفظي وغيره فأن المدار إنما هو على ما يستفاد منه عموم الحكم وسريانه سواء كان لفظيا أم غيره. إلا أن هذا التقييد أعنى تخصيص المطلق أو العام ورفع اليد عن إطلاقه أو عمومه إنما هو بمقدار ما قامت عليه الحجة والدليل. وأما الزائد المشكوك فيه فالمحكم فيه هو الاطلاق أو العموم إذا عرفت هذا فنقول: إن العمومات والاطلاقات دلتا على كفاية الغسلة الواحدة في تهطير المتنجسات كقول عليه السلام في موثقة عمار: وأغسل كلما أصابه ذلك الماء.. (* 1) وقد ورد عليهما التخصيص بالاناء لوجوب غسله ثلاثا أو سبعا وحيث إنه مجمل على الفرض فيؤخذ منه بالمقدار وهو الافراد التى يصدق عليها عنوان الظرف والاناء لانها مما قامت الحجة على خروجها عن العام فيتقيد بعدمه. وأما ما يشك في صدق الاناء عليه وهو المقدار الزائد المشكوك فيه فيرجع فيه إلى عموم العام أو أطلاقه لعدم قيام الحجة القطعية على خروجه عن العام حتى يتقيد بعدمه. ومقتضى العموم أو الاطلاق كفاية الغسل مرة واحدة. وأما إذا شك فيه من جهة الشبهة الموضوعية فلا مجال فيه للتمسك بعموم العام أو أطلاقه لعدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية لتردده بين دخوله تحت أحدى الحجتين فهل يتعين حينئذ الرجوع إلى أستصحاب بقاء النجاسة فيما يشك في كونه ظرفا بعد غسله مرة واحدة بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية أو أن هناك أصلا آخر ينقح به الموضوع.


(* 1) المروية في ب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 73 ]

[ (مسألة 16) يشترط في الغسل بالماء القليل أنفصال الغسالة على المتعارف (1) ففي مثل البدن ونحوه مما لا ينفذ فيه الماء يكفي صب الماء عليه، وأنفصال معظم الماء، وفي مثل الثياب والفرش مما ينفذ فيه الماء لابد من عصره (2) أو ما يقوم مقامه كما إذا داسه برجله أو غمزه بكفه، أو نحو ذلك، ولا يلزم أنفصال تمام ] التحقيق هو الثاني لاستصحاب عدم كون الموجود الخارجي المشكوك فيه إناء، ولا يبتني هذا الاصل على جريان الاصل في الاعدام الازلية بوجه لان جريان الاصل فيها وإن كان هو الصحيح إلا أن الاصل الجاري في المقام إنما يجري في العدم النعتي دون الازلي وذلك لان الظرف والاناء لا يتكون إناء من الابتداء بل إنما يتشكل بشكل الاناء بعد كونه مادة من الخزف أو الصفر أو النحاس أو نحوها وعليه فيصح أن يقال إن هذا الجسم الخارجي لم يكن إناء في زمان قطعا والاصل إنه الآن كما كان فمقتضى الاستصحاب الجاري في العدم النعتي أن المشكوك فيه ليس باناء. نعم إذا فرضنا ظرفا مخلوق الساعة بأعجاز ونحوه وشككنا في أنه إناء أو غيره لم يجر فيه أستصحاب العدم النعتي إذ لا حالة سابقة له وينحصر الاصل حينئذ بأستصحاب العدم الازلي فما أفاده الماتن (قده) من كفاية الغسلة الواحدة فيما شك في كونه إناء هو الصحيح. (1) لان عنوان الغسل يتوقف صدقه على أنفصال الغسالة عن المغسول لوضوح أنه لو أخذ كفه وصب الماء عليه بحيث لم تنفصل عنها الغسالة لم يصدق أنه غسل يده. (2) لما مر من أن أنفصال الغسالة معتبر في تحقق الغسل وهي فيما يرسب فيه الماء وينفذ في أعماقه لا تنفصل إلا بعصره فالعصر أيضا معتبر في تحقق مفهوم الغسل وصدقه إلا أنه لا بما هو هو بل بما أنه مقدمة لانفصال الغسالة

[ 74 ]

[ الماء، ولا يلزم الفرك والدلك (1) إلا إذا كان فيه عين النجس أو المتنجس ] عن المغسول بحيث لو أنفصلت بغيره مما يفيد فائدته من فرك أو دلك أو نحوهما كفى في تحقق الغسل وطهارة المغسول. وربما يتوهم أعتبار العصر بما هو هو لوروده في حسنة الحسين بن أبي العلاء حيث قال عليه السلام: (وتصب عليه الماء قليلا ثم تعصره (* 1) ويدفعه أن العصر في الحسنة محمول على الاستحباب كما مرت الاشارة إليه سابقا. على أنه يحتمل أن يكون من جهة الجري مجرى العادة لان العصر هو الغالب في غسل الثوب ونحوه. (1) هل يعتبر في التطهير الدلك بعد الغسل؟ قد يقال بأعتباره نظرا إلى وروده في تطهير الاناء كما في موثقة عمار: وسئل أيجزبه أن يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات (* 2) ونسب أعتباره إلى العلامة (قده) وأنه تعدى عن إناء الخمر وأوجب الدلك في مطلق المتنجسات الصلبة. ويدفعه: أن الموثقة إنما أشتملت على الدلك بعد الصب ولم تدل على لزوم الدلك بعد الغسل كما إنها إنما وردت في الاناء المتنجس بالخمر لا في مطلق المتنجس بمطلق النجاسات. ولعل أعتبار الدلك في مورد الموثقة مستند إلى أن للخمر على ما يدعون ثخونة ورسوبا لا تزولان بصب الماء عليه ولا سيما في الاواني المصنوعة من الخشب أو الخزف بل يتوقف على الدلك وعليه فأعتباره في مورد الموثقة مطابق للقاعدة من دون أختصاصه بالاناء المتنجس بالخمر لان المتنجس


(* 1) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 51 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 75 ]

[ وفي مثل الصابون والطين ونحوهما مما ينفذ فيه الماء ولا يمكن عصره فيطهر ظاهره (1) بأجراء الماء عليه، ولا يضره بقاء نجاسة الباطن على فرض نفوذها فيه ] لابد من غسله على نحو يزول عنه عين النجس فإن كانت العين مما يزول بالصب أو الغسل فهو وإلا فلابد من دلكها حتى تزول. ويدل على ذلك ما ورد في حسنة الحسين بن أبي العلاء حيث سأل عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء.. (* 1) حيث علل كفاية الصب في التطهير عن البول بأنه كالماء أمر قابل للارتفاع بالصب وإنما لا يكتفى بالصب فيما لا يزول به، فأعتبار الدلك في الموثقة مستند إلى ما ذكرناه وغير مستند إلى أعتباره في تطهير المتنجسات. ويؤيده بل يدل عليه عدم ورود الامر بذلك في شى من الاخبار الواردة في التهطير. (1) قد تعرض (قده) في هذه المسألة لعدة فروع. (منها): تطهير المتنجس الذي لا يرسب فيه الماء ولا ينفذ إلى أعماقه وقد تقدم آنفا أن في تطهيره بالماء القليل يكفي مجرد الصب عليه مشروطا بأنفصال الغسالة عنه كما في البدن ونحوه. و (منها): تطهير المتنجس الذي يرسب فيه الماء وهو قابل للعصر أو ما يقوم مقامه. وقد عرفت أن في تطهيره بالماء القليل لابد من صب الماء عليه وعصره أو دلكه أو غيرهما مما ينفصل به الغسالة عن الجسم. و (منها): المتنجس الراسب فيه الماء وهو غير قابل للعصر وشبهه كالصابون والطين والحنطة والشعير ونحوها فقد ذكر (قده) أن أجراء الماء على مثله يكفي في الحكم بطهارة ظاهره ولا يضره بقاء الباطن على نجاسته على


(* 1) المروية في ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 76 ]

تقدير نفوذها فيه. وهذه المسألة يقع الكلام فيها من جهات ثلاث: (الاولى): أن الجسم القابل لان يرسب فيه الماء إذا تنجس ظاهره بشى فهل يمكن تطهير ظاهره بالماء القليل؟ قد يقال بعدم أمكان ذلك لاشتراط أنفصال الغسالة عن المغسول في الغسل بالماء القليل وهذا لا يتحقق في الاجسام غير القابلة للعصر فيما إذا نفذ الماء في جوفها لانه لا ينفصل عن مثلها سوى المقدار غير الراسب في جوفها ومع عدم أنفصال الغسالة يبقى المتنجس على نجاسته، لان الماء الكائن في جوفها ماء قليل لاقاه المتنجس ونجسه وهو يوجب نجاسة المغسول لا محالة. هذه ولا يخفى عدم إمكان المساعدة عليه وذلك لانا وإن أشترطنا أنفصال الغسالة في التهطير إلا أن المعتبر إنما هو أنفصالها عن الموضع المتنجس المغسول لا عن تمام الجسم بحيث لو أنفصلت عن محل الغسل وأجتمعت في مكان آخر من الجسم كفت في طهارة الموضع الذي أنفصلت الغسالة عنه مثلا إذا غسل الموضع المتنجس من يده وأنفصلت الغسالة عنه وأجتمعت في كفه حكم بطهارة ذلك الموضع لا محالة. وكذلك الحال في تطهير الموضع المتنجس من الارض فإن أنفصالها عن موضع الغسل يكفي في طهارته وإن أجتمعت في جانب آخر من الارض وعليه يكفي أنفصال الغسالة عن ظاهر مثل الصابون في الحكم بطهارة ظاهره وإن صارت مجتمعة في جوفه فلا مانع من تطهير الاجسام غير القابلة للعصر بالماء القليل وأن نفذ في جوفها. (الجهة الثانية): أن الغسالة النافذة في جوف الاجسام المذكورة هل تنجس بواطنها بناء على نجاسة الغسالة؟ التحقيق أنها لا تنجس البواطن، لان ما ينفذ في جوفها إنما هو من الاجزاء المتخلفة من الغسالة والمتخلف منها محكوم بالطهارة بطهارة المحل، لانه من

[ 77 ]

لوازم الغسل التي يحكم بطهارتها بتماميته. وذلك للامر بغسل المتنجسات ودلالة الروايات على طهارتها بذلك ومعه لا مناص من الالتزام بطهارة كل ما هو من لوازم غسلها وتطهيرها وقد عرفت أن بقاء مقدار من الغسالة في المغسول أمر لازم لغسله فنفوذ الغسالة في الاجسام المذكورة لا يوجب نجاسة بواطنها. (الجهة الثالثه): أن بواطن الاجسام المذكورة إذا تنجست قبل غسلها وتطهيرها فهل تطهر بصب الماء على ظواهرها بمقدار يصل جوفها؟ فقد يقال بالمنع عن طهارة جوفها بذلك بدعوى: أن الطهارة إنما تحصل بالغسل، وصب الماء على ظاهر الجسم لا يعد غسلا لباطنه بوجه هذا، والصحيح كفاية ذلك في تطهير بواطن الاجسام لان غسل كل شئ إنما هو بحسبه فرب شئ يكتفى في غسله بصب الماء عليه وأنفصال الغسالة عنه كما في البدن ونحوه. وشئ يعتبر فيه عصره ولا يكفى صب الماء عليه، ففي بواطن الاجسام المذكورة يكتفى بصب الماء على ظواهرها إلى أن يصل الماء الطاهر إلى جوفها لانه غسلها. وأما أستكشاف أن ذلك يعد غسلا للبواطن فهو إنما يحصل بملاحظة كيفية إزالة القذارات لدى العرف فترى أن العرف يكتفي في تطهير ما وقع في البالوعة وتقذر جوفها لذلك. بصب الماء على ظاهره حتى ينفذ الماء الطاهر في أعماقه. فإذا كان هذا طريق الازالة لدى العرف فلا مناص من الحكم بكفايته في حصول الطهارة لدى الشرع، لان ما أمر به في الروايات من الغسل إنما هو الغسل الذي يكون غسلا لدى العرف. وعليه فمقتضى عموم أو أطلاق ما دل على طهارة المتنجس بغسله طهارة البواطن أيضا بما ذكرناه هذا. وقد يستدل على طهارة البواطن بصب الماء على ظواهرها بحديث نفى الضرر لان بقائها على نجاستها ضرر على مالكها، إذ النجاسة مانعة عن أكلها

[ 78 ]

أو أستعمالها فيما يشترط فيه الطهارة. ويجاب عنه بأن الحديث إنما ينفي الاحكام الضررية التكليفية ولا يعم الاحكام الوضعية التى منها الطهارة والنجاسة. وهذه الاستدلال والجواب لا يرجعان إلى محصل: أما الجواب فلما قدمناه في محله من أن حديثى الرفع ونفي الضرر وكذلك ما دل على نفي العسر والحرج غير مختصة بالاحكام التكليفية، ومن هنا أستدلوا على عدم لزوم المعاملة الغبنية بحديث نفي الضرر ولم يستشكل عليهم بعدم جريان الحديث في الاحكام الوضعية. وأما الاستدلال فلما بيناه في حديث نفي الضرر من أنه أنما ينظر إلى الاحكام المجعولة في الشريعة المقدسة، ويدل على أن ما يلزم منه الضرر في مورد فهو مرفوع لا محالة ولا نظر لها إلى الاحكام المعدومة بوجه فلو لزم من عدم جعل حكم في مورد ضرر على أحد المكلفين لم يقتض الحديث جعل ذلك الحكم في الشريعة المقدسة، فإن عدم جعل الحكم ليس من الاحكام الضررية، والامر في المقام كذلك، لان الضرر إنما ينشأ عن عدم جعل مطهر لتلك الاجسام فالحديث لا يقتضي جعل مطهرها لها في الشرع. نعم لو أرجعنا الحديث إلى منشاء عدم جعل الطهارة للبواطن وهو نجاسة تلك الاجسام صح أن يقال أنها حكم ضررى فيرتفع بالحديث إلا أن أرتفاع النجاسة عن الاجسام المذكورة خلاف المقطوع به لليقين بنجاستها على الفرض على أن ذلك خلاف ما نطقت به الاخبار حيث أنها تدل على نجاسة جملة من الامور الموجبة للضرر، كما دل على لزوم أهراق الانائين الذين وقع في أحداهما غير المعين نجس (* 1) وما ورد في نجاسة الدهن بوقوع النجس عليه وأنه


(* 1) راجع حديثي عمار وسماعة المرويتين في ب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 79 ]

[ وأما في الغسل بالماء الكثير فلا يعتبر أنفصال الغسالة (1) ولا العصر (2) ولا التعدد (3) وغيره، بل بمجرد غمسه في الماء بعد زوال العين يطهر، ويكفي ] يطرح أو يستصبح به إذا كان ذائبا (* 1) مع أن نجاسة الماء أو الدهن موجبة للضرر على المكلفين فالصحيح في الحكم بطهارة بواطن الاجسام المذكورة ما ذكرناه من التمسك بالعمومات والمطلقات. (1) شرع (قده) في أحكام الغسل بالماء الكثير وذكر أن الاجسام التي لا ترسب فيها النجاسة ولا ينفذ فيها الماء تطهر بوصول الماء الكثير إليها من غير حاجة إلى أنفصال غسالتها، والامر كما أفاده لصدق عنوان الغسل في الاجسام التي لا يرسب فيها الماء بمجرد وصوله إليها من دون أن يتوقف على أنفصال الغسالة عنها فلو أدخل يده المتنجسة في الماء الكثير صدق أنه غسل يده وإن لم يخرجها عن الماء. (2) عدم أعتبار العصر وأنفصال الغسالة إنما هو فيما لا يرسب فيه الماء ولا يمكن عصره. وأما ما ينفذ الماء في جوفه وهو قابل للعصر كالثياب المتنجسة بالبول ونحوه فلا يفرق الحال في تطهيره بين غسله بالماء الكثير وغسله بالقليل. وذلك لان العصر وإن لم يرد أعتباره في شئ من روايتنا إلا أنا بينا أن الغسل لا يتحقق بدونه وأنه مأخوذ في مفهومه بما هو طريق إلى أخراج الغسالة لا بما هو هو ومن هنا نكتفي في تحققه بالدلك وغيره مما يقوم مقامه ومعه لا وجه لتخصيص أعتبار العصر بالغسل في القليل. (3) أي في تطهير الاجسام التي لا ينفذ فيها الماء وقد قدمنا تفصيل الكلام في ذلك وقلنا إن التعدد المدلول عليه في موثقة عمار المقيدة لاطلاقات أدلة اللغسل في الاواني إنما يختص بالغسل بالماء القليل.


(* 1) راجع ب 6 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 80 ]

[ في طهارة أعماقه إن وصلت النجاسة إليها نفوذ الماء الطاهر (1) فيه في الكثير، ولا يلزم تجفيفه أولا. نعم لو نفذ فيه عين البول مثلا مع بقائه فيه يعتبر تجفيفه، بمعنى عدم بقاء مائيته فيه، بخلاف الماء النجس الموجود فيه، فإنه بالاتصال بالكثير يطهر فلا حاجة فيه إلى التجفيف. ] وأما في الغسل بالكثير فمقتضى الاطلاقا ت عدم أعتبار التعدد فيه. وأما التعدد المدلول عليه بالمطلقات كما في التعدد في المتنجس بالبول أو الاناء الذي شرب منه الخنزير أو مات فيه الجرذ فهو عام لا يختص أعتباره بالغسل بالقليل بل مقتضى الاطلاق وجوب التعدد في كل من القليل والكثير. نعم خرجنا عن ذلك في خصوص غسل المتنجس بالبول في ماء جار لصحيحة محمد بن مسلم المصرحة بكفاية الغسل فيه مرة واحدة (* 1). (1) تعرض (قده) لحكم الاجسام التى ينفذ فيها الماء وهي غير قابلة لعصر كالصابون والحنطة والطين ورأى أن نفوذ الماء الطاهر الكثير في أعماقها كاف في الحكم بطهارتها وأن ما في جوفها إذا كان غير العين النجسة كالماء المتنجس لم يلزم تجفيفها أولا. بل يطهرها مجرد أتصال ما في جوفها بالماء الكثير لكفاية أتصال الماء المعتصم في طهارة الماء المتنجس. وأما إذا كان ما في جوفها هو العين النجسة كالبول فلا مناص من تجفيقها أولا حتى تذهب ما يئتها وإن بقيت رطوباتها ثم يوصل الماء الكثير إلى جوفها وذلك لان العين الموجودة في جوف الاجسام المذكورة مانعة عن وصول الماء المعتصم إليها. هذا ما أفاده (قده) في المقام. ولا يمكن المساعدة عليه لان الموجود في أعماق الاجسام المتنجسة لا يطلق عليه الماء ليكتفي في تطهيره بمجرد أتصاله بالماء الكثير وإنما هو رطوبات


(* 1) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 81 ]

[ (مسألة 17) لا يعتبر العصر ونحوه (1) فيما تنجس ببول الرضيع وإن كان مثل الثوب، والفرش ونحوهما، بل يكفي صب الماء عليه مرة على وجه يشمل جميع أجزائه، وإن كان الاحوط مرتين. لكن يشترط أن لا يكون متغذيا، معتادا بالغذاء، ولا يضر تغذيته أتفاقا نادرا، وأن يكون ذكرا لا أنثى على الاحوط، ولا يشترط فيه أن يكون في الحولين، بل هو كذلك مادام يعد رضيعا غير متغذ، وإن كان بعدهما كما أنه لو صار معتادا بالغذاء قبل الحولين لا يلحقه الحكم المذكور، بل هو كسائر الابوال، ] والمستفاد من صحيحة أبن بزيع وغيرها إنما هو كفاية الاتصال بالماء العاصم في تطهير المياه المتنجسة وأما غيرها فلا دليل على طهارتها بذلك فلا يمكن الحكم بطهارة الرطوبات المتنجسة بأتصالها بالماء المعتصم في بعض أطرافها، كما أن الاتصال كذلك بالنجس لا يوجب نجاسة الجميع. حيث أن النجس إذا لاقى أحد أطراف الجسم الرطب لم يحكم بنجاسة سائر جوانبه بدعوى أن الرطوبات متصلة. فكما أنها لا توجب السراية في ملاقاة الاشياء النجسة كذلك لا توجب سراية الطهارة في موارد الاتصال بالماء الكثير أترى أن الجسم الرطب إذا لاقى أحد جوانبه الطاهرة مع الماء العاصم يكفي ذلك في تطهير الجانب النجس منه؟. وعليه فلابد في تطهير أمثال هذه الاجسام المتنجسة من أبقائها في الماء المعتصم بمقدار يصل إلى جميع أجزائها الداخلية لغلبته على ما في جوفها من الرطوبات أو تحريك الماء في جوفها على نحو تحصل الغلبة. (1) قدمنا الكلام على ذلك في المسألة الرابعة مفصلا، وتعرضنا هناك لجيمع ما تعرض لها الماتن (قده) هنا من الشروط سوى أشتراط كون اللبن من المسلمة وإنه إذا كان من الكافرة أو الخنزيرة حكم بوجوب غسله. ويقع

[ 82 ]

[ وكذا يشترط (1) في لحوق الحكم أن يكون اللبن من المسلمة فلو كان من الكافرة لم يلحقه، وكذا لو كان من الخنزيرة. ] الكلام فيها وفيما دل على هذه الاشتراط في التعليقة الآتية فليلاحظ. (1) قد يقال: الوجه في هذا الاشتراط هو ما يستفاد من التعليل الوارد في رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام قال: لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، لان لبنها يخرج من مثانة أمها، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا من بوله قبل أن يطعم، لان لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين (* 1). حيث يستفاد منها أن العلة في الغسل من لبن الجارية وبولها هي نجاسة لبنها لخروجه من مثانة أمها، كما أن العلة في عدم لزوم الغسل من لبن الغلام وبوله طهارة لبنه لانه يخرج من العضدين والمنكبين وبتعليلها هذا يتعدى من موردها إلى كل لبن نجس كلبن الكلبة والخنزيرة والمشركة والكافرة فإذا أرتضع به الولد وجب الغسل من بوله. وهذا الاستدلال مخدوش من جهات: (الأولى): أن لازم هذا الكلام هو الحكم بوجوب الغسل من بول الغلام فيما إذا أرتضع بلبن أمرأة ولدت جارية، وعدم وجوبه من بول الجارية التي أرتضعت بلبن امرأة ولدت ذكرا، والوجه في الملازمة ظاهر لان الجارية حينئذ أرتضعت باللبن الطاهر دون الغلام وقد فرضنا أن نجاسة اللبن هي العلة في الحكم بوجوب الغسل من بول الجارية، وهذا مما لا يلتزم به أحد. (الثانية): أن خروج اللبن من المثانة على تقدير تسليمه لا يقتضي نجاسته كيف فإن المذى والودى أيضا يخرجان من المثانة من دون أن يحكم


(* 1) المروية في ب 3 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 83 ]

بنجاستهما، فإن ما خرج من المثانة لم يدل دليل على نجاسته إلا إذا كان بولا أو منيا. (الثالثة): أن الرواية لا يحتمل صحبتها ومطابقتها للواقع أبدا للقطع بعدم أختلاف اللبن في الجارية والغلام من حيث المحل بأن يخرج لبن الجارية من موضع ويخرج لبن الغلام من موضع آخر لان الطبيعة تقتضي خروج اللبن عن موضع معين في النساء بلا فرق في ذلك بين كون الولد ذكرا أو أنثى، فإذا سقطت الرواية عن الحجية من هذه الجهة أعني دلالتها على خروج لبن الجارية من مثانة أمها فلا محالة تسقط عن الحجية في الحكم المترتب عليه وهو الحكم بوجوب الغسل من بول الرضيع فيما إذا أرتضع باللبن النجس. و (دعوى): أن سقوط الرواية عن الحجية في بعض مداليلها لا يكشف عن عدم حجيتها في بعض مدلولاتها الاخر لعدم قيام الدليل على خلافه. (مدفوعة): بما ذكرناه غير مرة من أن الدلالات الالتزامية تابعة للدلالات المطابقية حدوثا وحجية فإذا سقطت الرواية عن الاعتبار في مدلولها المطابقي سقطت عن الحجية في مدلولها الالتزامي أيضا لا محالة، وحيث أن في الرواية ترتب الحكم بوجوب الغسل من لبن الجارية على خروج لبنها من مثانة أمها وقد سقطت الرواية عن الحجية فيما يترتب عليه ذلك الحكم لعلمنا بعدم مطابقته للواقع سقطت عن الحجية في الحكم المترتب أيضا وهو وجوب الغسل من لبن الجارية وبولها. وما أشبه دعوى بقاء الرواية على حجيتها في مدلولها الالتزامي بعد سقوطها عن الحجية في المدلول المطابقي بأستدلال بعض أهل الخلاف على جواز الجميع بين الفريضتين للمطر والخوف والمرض بل وللسفر ونحوه من الاعذار بما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله من أنه جمع بينهما في الحضر من غير عذر وقالوا إن هذه الرواية وإن كان لابد من طرحها لكونها مقطوعة الخلاف إلا أنها تدلنا على

[ 84 ]

[ (مسألة 18) إذا شك في نفوذ الماء النجس في الباطن في مثل الصابون ونحوه بني على عدمه (1) كما إنه إذا شك بعد العلم بنفوذه في نفوذ الماء الطاهر فيه بني على عدمه (2) فيحكم ببقاء الطهارة في الاول وبقاء النجاسة في الثاني. (مسألة 19) قد يقال بطهارة الدهن المتنجس إذا جعل في الكر الحار بحيث أختلط معه، ثم أخذ من فوقه بعد برودته لكنه مشكل (3) لعدم حصول العلم بوصول الماء إلى جميع أجزائه، وإن كان غير بعيد أذا غلى الماء مقدارا من الزمان. ] جواز الجمع بينهما للمطر وغيره من الاعذار المتقدمة بالاولوية (* 1). فأنهم قد أسقطوا الرواية في مدلولها المطابقي عن الاعتبار بدعوى أنها مقطوعة الخلاف مع تمسكهم بمدلولها الالتزامى كما عرفت وهو من الغرابة بمكان (الجهة الرابعة): وهي أسهل الجهات أن الرواية ضعيفة السند فإن في طريقها النوفلي عن السكوني، والسكوني وإن كان لا بأس برواياته إلا أن النوفلي ضعيف ولم يوثقه علماء الرجال. (1) لاستصحاب عدم نفود الماء النجس في باطنه. (2) لاستصحاب عدم نفوذ الماء الطاهر فيه (3) والوجه في ذلك أن الدهن المنتشر في الماء قد تكون أجزاؤه المتفرقة من الدقة والصغر بمكان يعد عرفا من الاعراض الطارئة على الماء، وإن


(* 1) الجزء الثاني من المننقى لابن تيمية الحراني ص 4 أن النبي (صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. قلت: وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر وللخوف وللمرض، وإنما خلف وظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للاجماع ولاخبار المواقيت فيبقى فحواه على مقتضاه. أنتهى

[ 85 ]

كان في الحقيقة باقيا على جوهريته السابقة على الانتشار إذ الجوهر يمتنع أن يتبدل عرضا، إلا أنه إذا تشتت وصارت أجزاء صغارا عد بالنظر العرفي عرضا على الماء، نظير الدسومة السارية من اللحم إلى اليد أو الاناء، فإنها لدقتها وصغارتها معدودة من عوارض اليد وطوارئ الاناء وإن كانت في الحقيقة جوهرا وقابلا للانقسام إلى اليمين واليسار وإلى غير ذلك من الجهات بناء على إستحالة الجزء الذي لا يتجزأ. ولا مانع في هذه الصورة من الحكم بطهارة الدهن إذا أخذت أجزاؤه المنتشرة على الماء لكونها مأخوذة من الماء الطاهر على الفرض. ولعل الماتن إلى ذلك أشار بقوله: وإن كان غير بعيد إذا غلى الماء مقدارا من الزمان. إلا أن هذه الصورة خارجة عن محل الكلام لان البحث إنما هو في طهارة الدهن المتنجس مع بقائه على دهنيته وجوهريته لا فيما إذا أنعدم موضوعه بصيرورته من عوارض الماء. وقد يلقى الدهن المتنجس على الكر فيغلى وبعد ما برد يؤخذ من علا الماء مع بقائه على دهنيته من دون أن يصير من عوارض الماء. ولا يمكن الحكم بطهارته في هذه الصورة بوجه لان المطهر لا يصل إلى جميع أجزاء الدهن مرة واحدة، وإنما يلاقي الماء جانبا من الاجزاء الدهنية فحسب ولا يلاقي بقية جوانبها، وهذا لا يكفي في الحكم بطهارة الدهن أبدا، لان الغليان يوجب الانقلاب وبه يتبدل الداخل خارجا وبالعكس، معه إذا طهرنا الجانب الخارج من الدهن بأيصال الكر إليه تنجس بملاقاة الجانب الداخل عند صيرورة الخارج داخلا بالغليان، لعدم وصول المطهر إلى الاجزاء الدهنية بجميع جوانها وأطرافها دفعة واحدة. نعم إذا أنقلب ذلك الجزء الداخل المتنجس خارجا طهر لا صاله بالكر

[ 86 ]

[ (مسألة 20) إذا تنجس الارز أو الماش (1) أو نحوهما يجعل في وصلة (خرقة) ويغمس في الكر، وإن نفذ فيه الماء النجس يصبر حتى يعلم نفوذ الماء الطاهر إلى المقدار الذى نفذ فيه الماء النجس، بل لا يبعد تطهيره بالقليل بأن يجعل في ظرف ويصب عليه، ثم يراق غسالته، ويطهر الظرف أيضا بالتبع (2) فلا حاجة إلى التثليث فيه وإن كان هو الاحوط. نعم لو كان الظرف أيضا نجسا فلابد من الثلاث. ] وعليه فكل واحد من الاجزاء الخارجية إذا دخل الجوف تنجس، وإذا خرج طهر فلا يحصل بذلك طهارة الدهن كما عرفت نعم يكن تطهير الدهن المتنجس بطريق آخر أشار الماتن إليه في المسألة الرابعة والعشرين وهو بأن يلقى الدهن المتنجس على العجين فيطبخ وإذا صار خبزا سلط الماء عليه بمقدار يصل إلى جميع أجزائه وجوانبه. والوجه في طهارته بذلك أن الدهن حينئذ من عوارض الخبز لعدم كونه معدودا من الجواهر عرفا، ومعه إذا طهرنا الخبز طهرت عوارضه تبعا لا محالة وحاصل هذا الطريق تطهير الادهان المتنجسة بأعدام موضوعها وقلبها عرضا. (1) قد أتضح حكم هذه المسألة مما أسلفناه في تطهير الصابون وغيره من الاجسام التى ينفذ في جوفها الماء ولا يمكن أخراج غسالتها بعصرها فإن الارز والماش أيضا من هذا القبيل، وقد بينا أن تطهير تلك الاجسام إنما هو بإيصال الماء الطاهر إلى جوفها فراجع هذا. وقد تعرض الماتن في هذه المسألة لحكم فرع آخر وهو طهارة ظرف المتنجس بالتبع نتعرض له في التعليقة الآتية فليلاحظ. (2) ذهب (قده) إلى أن المحل الذي يجعل فيه المتنجس لا يحتاج إلى تطهيره بعد غسل المتنجس فيه بل يحكم بطهارة المحل بالتبع فإذا كان ذلك المحل

[ 87 ]

من الاواني والظروف التى يعتبر في تطهيرها الغسل ثلاث مرات وكانت طاهرة قبل أن يغسل فيها المتنجس لم يجب غسلها ثلاثا نعم إذا كانت متنجسة قبل ذلك لم يكن بد من غسلها ثلاث مرات. وذلك لانها إذا كانت متنجسة سابقا شملها أطلاق موثقة عمار الآمرة بغسل الاناء ثلاث مرات (* 1) وهذا بخلاف ما إذا كانت طاهرة قبل ذلك فإن مقتضى صحيحة محمد بن مسلم (أغسله في المركن مرتين) (2) هو الحكم بطهارة الاناء أيضا لانها دلت على أن الثوب المتنجس يطهر بغسله في المركن مرتين ولازمه الحكم بطهارة المركن أيضا بذلك وإلا لم يصح الحكم بطهارة الثوب حينئذ لملاقاته المركن وهو باق على نجاسته على الفرض فالحكم بطهارة الثوب في الصحيحة يدل بالدلالة الالتزامية على طهارة المركن بالتبع هذا. ولو سلمنا جواز التكفيك بين المركن والثوب المغسول فيه من حيث الطهارة والنجاسة فسكوت الامام عليه السلام وعدم تعرضه لوجوب غسل المركن بعد الغسلة الاولى والثانية يدل على طهارة المركن بعد الغسلتين لانه لو كان باقيا على نجاسته لاشار عليه السلام إلى وجوب غسله بعد غسل الثوب لا محالة هذا. ولا يخفى عدم أمكان المساعدة على ذلك بوجه لان غاية ما هناك أن الصحيحة تقتضي طهارة المركن بالتبع، إلا أن ذلك لا يوجب الحكم بطهارة الاواني التى تغسل فيها المتنجسات وذلك للعلم بعدم صدق الاناء على المركن بوجه لا وأقل من أحتمال، إذ الاواني هي الظروف المعدة للاكل والشرب فيها فليس كل ظرف بإناء. وعلى هذا لم يقم دليل على الطهارة التبعية في مطلق الاناء وإنما الدليل


(* 1) المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 88 ]

[ (مسألة 21) الثوب النجس يمكن تطهيره بجعله في طشت وصب الماء عليه (1) ثم عصره، وأخراج غسالته وكذا اللحم النجس، ويكفي المرة في غير البول والمرتان فيه، إذا لم يكن الطشت نجسا قبل صب الماء (2) وإلا فلابد من الثلاث. والاحوط التثليث مطلقا. (مسألة 22) اللحم المطبوخ بالماء النجس أو المتنجس بعد الطبخ يمكن (3) تطهيره في الكثير، بل والقليل إذا صب عليه الماء، ونفذ فيه إلى المقدار الذى وصل إليه الماء النجس. ] قام عليها في خصوص المركن. وهو أجنبي عن الاناء فأطلاق موثقة عمار المتقدمة الآمرة بوجوب غسل الاناء ثلاثا بالاضافة إلى الاواني التى تغسل فيها المتنجسات باق بحاله، وهو يقتضي عدم حصول الطهارة لها بالتبع نعم إذا كان الاناء طاهرا في نفسه ولم تطرء عليه النجاسة من غير جهة غسله، وكان المغسول فيه مما لا يعتبر فيه التعدد لم يحكم بنجاسة الاناء أصلا بناء على ما هو الصحيح من أن غسالة الغسلة المتعقبة بالطهارة طاهرة. (1) أعتبار جعل المتنجس في الطشت أولا ثم صب الماء عليه كأعتباره في المسألة السابقة يبتني على القول بأشتراط الورود في التطهير بالماء القليل. وقد أسلفنا تفصيل الكلام على ذلك في شرائط التطهير بالماء القليل فليراجع. (2) عرفت في المسألة السابقة أن الظروف التى تغسل فيها المتنجسات لابد من غسلها ثلاث مرات بعد غسل المتنجس وتطهيره لان الطهارة التبعية لم يقم عليها دليل في غير المركن كما مر. (3) ورد في تطهير اللحم المتنجس روايتان: (إحداهما): رواية ذكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير، قال: يهراق المرق، أو يطعمه

[ 89 ]

أهل الذمة أو الكلب، واللحم أغسله وكله.. (* 1) وظاهرها أن ظاهر اللحم قد تنجس بالنجاسة الواقعة في المرق وأنه إذا غسل بعد ذلك حكم بطهارته. و (ثانيتهما): رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فأرة قال: يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل (* 2) وهذه الرواية ظاهرة في أن اللحم كان أنه تنجس ظاهره بملاقاة المرق المتنجس كذلك تنجس باطنه بنفوذ المرق المتنجس في أعماقه لفرض طبخه في ذلك المرق. وبأطلاقها دلت على أن غسل ظاهر اللحم يكفي في تطهيره وجواز أكله بلا فرق في ذلك بين أن يكون باطنه أيضا متنجسا وعدمه، لانه أذا طهر ظاهره حكم بطهارة الباطن تبعا من دون حاجة إلى أشتراط نفوذ الماء في أعماق اللحم. ومن هنا أستدل بعضهم بهذه الرواية على أن البواطن المتنجسة تطهر بالتبع عند غسل ظواهرها. هذا وفيه أن مورد الرواية إنما هو تنجس ظاهر اللحم دون باطنه وذلك فإن اللحم قد يكون جافا كما هو المتعارف في بعض البلاد ومثله إذا طبخ نفذ الماء في جوفه بحيث لو كان الماء متنجسا لاوجب نجاسة باطن اللحم لا محالة. إلا أن هذه الصورة خارجة عما هو منصرف الرواية حيث أن ظاهرها أرادة اللحم المتعارف غير الجاف. واللحم غير الجاف إذا وضع على النار أنكمش كأنكماش الجلد وبه تتصل


(* 1) المروية في ب 38 من أبواب النجاسات و 26 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 5 من أبواب المضاف و 44 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 90 ]

[ (مسألة 23) الطين النجس اللاصق بالابريق يطهر (1) بغمسه في الكر ونفوذ الماء إلى أعماقه، ومع عدم النفوذ يطهر ظاهره، فالقطرات التى تقطر منه بعد الاخراج من الماء طاهرة، وكذا الطين اللاصق بالنعل بل يطهر ظاهره بالماء القليل أيضا بل إذا وصل إلى باطنه بأن كان رخوا طهر باطنه أيضا به. (مسألة 24) الطحين والعجين النجس يمكن تطهيره (2) بجعله خبزا، ] أجزاؤه المنفصلة وتنسد خلله وفرجه، ويندفع ما في جوفه من الماء والرطوبات إلى خارجه، ولا ينفذ الماء في أعماقه لينجس جوفه وباطنه، وعلى الجملة أن اللحم الرطب مما لا تسرى النجاسة إلى جوفه فالمتنجس بالمرق حينئذ ليس إلا ظاهره، ومع الغسل بالماء الطاهر يحكم بطهارته لا محالة، فلا دلالة للرواية على طهارة الباطن بالتبع فيما إذا سرت إليه النجاسة على أن الروايتين ضعيفتان بحسب السند فحكم اللحم حينئذ حكم الطين الآتى في التعليقة الآتية. (1) الطين اللاصق بالابريق أو الكوز ونحوهما حكمه حكم الصابون وغيره من الاجسام التى ينفذ الماء في أعماقها ولا تنفصل غسالتها بالعصر. وعليه فإذا كان ذلك الطين جافا كفى في تطهيره أن يغمس في الكر أو يصب الماء عليه حتى ينفذ في أعماقه بمقدار نفذ فيه الماء النجس، فإن هذا يكفي في صدق الغسل عليه حيث أن غسل كان شي بحسبه. وأما إذا كان رطبا فقد تقدم الاشكال في تطهير مثله بالصب أو بالقائه في الكر. اللهم إلا أن يجفف أو يحرك الماء فيه بمقدار يغلب الماء الطاهر على ما في جوفه من الرطوبات المتنجسة، أو يبقى في الكر بمقدار تحصل به غلبة الماء الطاهر على الرطوبات الكائنة في جوفه. (2) وحاصله كما مر هو إعدام الموضوع الاول وقلبه موضوعا آخر قابلا للطهارة.

[ 91 ]

[ ثم وضعه في الكر حتى يصل الماء إلى جميع أجزائه وكذا الحليب النجس (1) بجعله جبنا ووضعه في الماء كذلك. (مسألة 25) إذا تنجس التنور يطهر بصب الماء في أطرافه من فوق إلى تحت، ولا حاجة فيه إلى التثليث (2) لعدم كونه من الظروف، فيكفي المرة في غير البول، والمرتان فيه، وألاولى أن يحفر فيه حفيرة يجتمع الغسالة فيها وطمها بعد ذلك بالطين الطاهر. ] (1) ربما يستشكل في تطهير الحليب بأن حاله حال سائر المايعات والمياه المضافة التى لا تكون قابلة للطهارة بأتصالها بالماء المعتصم، لما تقدم في بحث المضاف من أن الاتصال بالكر وشبهه إنما يكفي في تطهير المياه، ولا دليل على كفايته في تطهير المضاف. وفيه أن الحليب قد يراد تطهيره وهو حليب، والحال فيه وإن كان كذلك حيث أنه كسائر المايعات والمياه المضافة غير قابل للتطهير بالاتصال. إلا أن هذا ليس بمراد الماتن (قده) قطعا لانه إنما حكم بطهارته بعد صيرورة جبنا لا في حال كونه حليبا. وقد يراد تطهيره بعد صيرورته جبنا مثلا ولا ينبغي الاشكال في قبوله التطهير حينئذ، لان حال الجبن حال الصابون وغيره من الاجسام التى نيفذ فيها الماء في أعماقها إلا أنها غير قابلة للعصر وقد تقدم أن طريق تطهيرها صب الماء أو تسليطه على ظواهرها بمقدار يصل إلى أعماقها وذلك لانه غسلها وغسل كل شي بحسبه. (2) لعدم صحة إطلاق الاناء عليه والغسل ثلاث مرات إنما يجب في الاناء فما أفاده الماتن (قده) هو الصحيح، إلا أن الغسالة المجتمعة من غسل التنور محكومه بالنجاسة بناء على نجاسة الغسالة وهى تقتضي نجاسة موضعها

[ 92 ]

[ (مسألة 26) الارض الصلبة أو المفروشة بالآجر والحجر (1) تطهر بالماء القليل إذا أجري عليها، لكن مجمع الغسالة يبقي نجسا (2)، ولو أريد تطهير بيت أو سكة فإن أمكن أخراج ماء الغسالة بأن كان هناك طريق لخروجه فهو، وإلا يحفر حفيرة ليجتمع فيها، ثم يجعل فيها الطين الطاهر، كما ذكر في التنور، وإن كانت الارض رخوة بحيث لا يمكن أجراء الماء عليها، فلاتطهر إلا بالقاء الكر أو المطر أو الشمس (3) نعم إذا كانت رملا يمكن تطهير ظاهرها (4) بصب الماء عليها ورسوبه في الرمل فيبقى الباطن نجسا بماء الغسالة، وإن كان لا يخلو عن إشكال (5) من جهه أحتمال عدم صدق إنفصال الغسالة. ] ومعه لابد من أخراج الغسالة عن ذلك المكان وطم الموضع بالتراب فإن بذلك يطهر ظاهره وإن بقي باطنه نجسا. (1) أو بالقير أعنى التبليط أو بغير ذلك من الامور. (2) بناء على أن الغسالة نجسة. ولا يمكن تطهير المجمع بالماء القليل لعدم أنفصال الغسالة عنه وإنما يطهر بالمطر أو بأتصاله بالماء الكثير. (3) لان في التطهير بالماء القليل يشترط أنفصال الغسالة عن المتنجس المغسول، والارض الرخوة لا تنفصل عنها غسالته حيث لا تنزل إلى جوف الارض بتمامها بل يبقى منها مقدار في الاجزاء الارضية وهو يقتضي تنجسها. (4) إذ الغسالة في الاراضي الرملية تنزل إلى الجوف بأسرها وقد عرفت فيما سبق أن أنفصال الغسالة عن أي جسم يقتضي طهارته في المقدار الذى أنفصلت عنه الغسالة وإن لم تخرج عن تمام الجسم، والرطوبات الكائنة في الاجزاء المنفصلة عنها غسالتها لا توجب سراية النجاسة إليها. (5) ويندفع بما أشرنا إليه آنفا من أن المعتبر إنما هو أنفصال الغسالة عن الموضع المغسول فحسب ولا يشترط أنفصالها عن تمام الجسم، فإذا أجتمعت

[ 93 ]

[ (مسألة 27) إذا صبغ ثوب بالدم لا يطهر مادام يخرج منه الماء الاحمر (1) نعم إذا صار بحيث لا يخرج منه طهر بالغمس في الكر أو الغسل بالماء القليل، بخلاف ما إذا صبغ بالنيل النجس، فإنه إذا نفذ فيه الماء في الكثير بوصف الاطلاق يطهر وإن صار مضافا (2) أو متلونا (3) بعد العصر كما مر سابقا. ] الغسالة في موضع آخر من الجسم وأنفصلت عن المحل المغسول طهر المحل، وإلا فلا يمكن تطهير الاراضي الصلبة والبدن ونحوهما من الاجسام فيما إذا أجتمعت غسالتها في موضع آخر منها. وهو كما ترى. (1) فإن التغير بلون الدم يقتضي إنفعال الماء ونجاسته ولا تحصل الطهارة بمثله أبدا. (2) قد أسلفنا أن العصر يعتبر في كل من الغسل بالماء القليل والكثير وإنه مقوم لعنوان الغسل وتحققه فإذا غسلنا المصبوغ بمثل النيل في الكثير ولدى العصر خرج عنه ماء مضاف لم يحكم بطهارته لانه من الغسل بالمضاف وليس من الغسل بالماء. نعم بناء على عدم أعتبار العصر في الغسل بالكثير كما هو مسلك الماتن (قده) لابد من الحكم بطهارته بالغمس في الكثير وإن خرج عنه ماء مضاف وذلك لان الثوب قد طهر بمجرد وصول الماء الكثير إليه، والمضاف الخارج منه محكوم بطهارته لخروجه عن الثوب الطاهر حينئذ. (3) تلون الماء بمثل النيل المتنجس غير مانع عن التطهير به ولو على القول بأعتبار العصر في الغسل بالماء الكثير إذا التغير بأوصاف المتنجس غير موجب لانفعال الماء بوجه اللهم إلا أن يصير مضافا فإنه على ما سلكناه مانع عن تحقق الغسل بالماء كما عرفت.

[ 94 ]

[ (مسألة 28) فيما يعتبر فيه التعدد لا يلزم توالي الغسلتين (1) أو الغسلات فلو غسل مرة في يوم، ومرة أخرى في يوم آخر كفى. نعم يعتبر في العصر الفورية (2) بعد صب الماء على الشئ المتنجس. (مسألة 29) الغسلة المزيلة للعين بحيث لا يبقى بعدها شئ منها تعد (3) من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدد، فتحسب مرة، بخلاف ما إذا بقي بعدها ] (1) لاطلاق مادل على أعتبار التعدد وعدم تقيده بالتوالي في شي من رواياته وعليه فلو غسل ما يعتبر التعدد في غسله مرة بعد فصل طويل غسله مرة ثانية كفى في الحكم بطهارته. (2) لا وجه لاعتبار الفورية في العصر لان أعتباره في الغسل لم يثبث بدليل خارجي وإنما نعتبره لانه مقوم لمفهوم الغسل كما مر وأنه لابد من في تحقق مفهومه من العصر. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون العصر وأخراج الغسالة فوريا وبين أن لا يكون كما إذا عصره بعد دقائق فإنه يصدق بذلك أنه غسله. وعلى الجملة حال الغسل في الاشياء المتنجسة شرعا إنما هو حاله في الاشياء المتقذرة بالقذارة العرفية ولا إشكال في أن العرف لا يعتبر فورية العصر في إزالة القذاره بل يكتفي بغسل المتقذر وعصره ولو بعد فصل زمان. (3) تقدمت إلاشارة إلى ذلك في ذيل المسألة الرابعة وقلنا إن دعوى وجوب إزالة العين قبل الغسلتين أو الغسلات أمر لا دليل عليه بل مقتضى أطلاق مادل على أعتبار التعدد وعدم تقيده بكون العين زائلة قبل الغسلات كفاية زوالها بالغسلة الاولى بعينها وعليه فلا مانع من عد الغسلة المزيلة من الغسلات. ثم إن الماتن في المقام وإن عد الغسلة المزيلة من الغسلات إلا أنه ذكر في المسألة الرابعة: أن الغسلة المزيلة للعين غير كافية إلا أن يصب الماء مستمرا بعد زوال العين. فليلاحظ.

[ 95 ]

[ شئ من أجزاء العين، فإنها لا تحسب (1) وعلى هذا فإن أزال العين بالماء المطلق فيما يجب فيه مرتان كفى غسله مرة أخرى، وإن أزالها بماء مضاف يجب بعده مرتان أحزيان. (مسألة 30) النعل المتنجسة تطهر بغمسها في الماء الكثير (2) ولا حاجة فيها إلى العصر، لا من طرف جلدها، ولا من طرف خيوطها. وكذا البارية. بل في الغسل بالماء القليل أيضا كذلك، لان الجلد والخيط ليسا مما يعصر، وكذا الحزام من الجلد كان فيه خيط أو لم يكن. (مسألة 31) الذهب المذاب ونحوه من الفلزات إذا صب في الماء النجس أو كان متنجسا فأذيب ينجس ظاهره وباطنه (3)، ولا يقبل التطهير إلا ظاهره. ] (1) لعدم كونها غسلا لما عرفت من أن الغسل متقوم بأزالة العين واجزائها فلا غسل مع عدم إلازالة. (2) أما جلدها فلعدم كونه قابلا للعصر فيكفي في غسله وتطهيره صب الماء عليه بمقدار ينفذ في أعماقه أو الغمس في الكثير لان غسل كل شي بحسبه. وأما خيوطها فلانها تابعة للجلد أو الحزام أو غيرهما مما تستعمل فيه وليس لها وجود مستقل فإذا لم يكن الجلد قابلا للعصر فتكون الخيوط القائمة به أيضا كذلك. ومجرد أنها قد تكون قابلة لحمل مقدار معتد به من الماء لا يقتضي كونها قابلة للعصر وذلك لانها لا تحمل من الماء أزيد مما يحمله الجلد، ولا خلاف في أن الجلد في النعل غير قابل للعصر. فعلى ما ذكرناه يكفي في تطهيرها صب الماء عليها إلا أن يصل إلى جوفها أو يغمس في الكثير كما عرفته في الجلد. (3) يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين: (أحدهما): ما إذا تنجس الفلز قبل أن يذاب وأذيب بعد تنجسه.

[ 96 ]

و (ثانيهما): ما إذا طرءت عليه النجاسة حال ذوبانه كما إذا ألقي عليه ماء متنجس أو القي الفلز المذاب عليه فهل يحكم بذلك على نجاسة أجزائه الداخلية والخارجية في كلا المقامين أو يتنجس بذلك ظاهره فحسب؟ أما المقام الاول فإن علم بعد أذابة الفلز وأنجماده أن أجزاؤه الظاهرية هي التى أصابها النجس قبل أذابته فلا مناص من الحكم بنجاستها إلا أنها إذا غسلت حكم بطهارتها كما هو الحال في بقية المتنجسات. وأما إذا شككنا في جزء منها في أنه هو الذى أصابه النجس قبل الاذابة بمعنى أنه من الاجزاء الظاهرية التى علمنا بتنجسها سابقا أو أنه من الاجزاء الداخلية التى لم يلاقها النجس وذلك لان أذابة الفلز إنما هي غليانه وفورانه والغليان هو القلب فإن به تتبدل الاجزاء الداخلية خارجية وبالعكس ومن هنا قد يشك في أن الجزء المشاهد الخارجي من الاجزاء الظاهرية للفلز حتى يحكم بنجاسة لا ملاقاته مع النجس قبل أذابته أو أنه من الاجزاء الداخلية له ليكون طاهرا؟ فمقتضى القاعدة هو الحكم بطهارة ملاقي ذلك الجزء المشكوك طهارته لقاعدة الطهارة أو أستصحاب عدم أصابة النجس له. وأما نفس ذلك الجزء فلا يمكن الحكم بطهارته، لانه طرف للعلم الاجمالي بالنجس، حيث أن ما أصابه النجس قبل أذابة الفلز إما أن يكون هو ذلك الجزء الخارجي الذى نشك في طهارته وإما أن يكون هو الجزء النازل إلى الجوف بالغليان والعلم الاجمالي مانع عن جريان الاصول في أطرافه. نعم ملاقي أحد أطراف العلم محكوم بطهارته إذ لا مانع من جريان الاصول فيه لعدم كونه طرفا للعلم الاجمالي على ما حررناه في بحث الاصول وذلك لان الاصل الجارى فيه لا يعارضه شي من الاصول الجارية في أطراف العلم في نفسها أي مع قطع النظر عن العلم الاجمالي.

[ 97 ]

ودعوى أنه طرف لعلم أجمالي آخر وهو العلم بنجاسة الملاقي أو الطراف الآخر مدفوعة بأن العلم الاجمالي الآخر وإن كان موجودا كما ذكر إلا أنه مما لا أثر له لعدم ترتب التنجيز عليه فإن المدار في تنجيز العلم الاجمالي إنما هو تساقط الاصول في أطرافه بالمعارضة وقد عرفت أن الاصل الجاري في الملاقي غير معارض بشئ وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله. فالمتحصل أن الملاقي للجزء المشكوك طهارته محكوم بطهارته بخلاف نفس ذلك الجزء أو غيره من الاجزاء الظاهرية للفلز بعد أذابته. أللهم إلا أن تكون الاجزاء الباطنية خارجة عن قدرة المكلف فإنه لا مانع حينئذ من جريان الاصل في الاجزاء الظاهرية لعدم معارضة بالاصل في الطرف الخارج عن القدرة أو يقال بأنحلال العلم الاجمالي بخروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء مع تعميمه إلى مثل الاجزاء الداخلية في المقام كما عممه أي الخروج عن محل الابتلاء شيخنا الانصاري (قده) إلى خارج الاناء وعليه حمل صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام (* 1) هذا كله بالاضافة إلى ظاهر الفلز بعد أذابته وأنجماده. وأما إذا أستهلك ظاهره بالاستعمال أو بغيره حتى ظهرت أجزاؤه الداخلية فحالها حال الجزء الظاهر قبل الاستهلاك فإن علم أنها هي التى أصابها النجس حكم بنجاستها كما يحكم بطهارتها إذا غسلت. وإذا شككنا في أنها هي التى أصابها النجس أو أنها غيرها؟ أتى فيه


(* 1) قال: سألته عن رجل رعف فأمتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: إن لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس.. المروية في ب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 98 ]

ما قدمناه في صورة الشك قبل الاستهلاك فلا نعيد. أما المقام الثاني فقد يقال: إن أصابة النجس لجزء من أجزاء الفلز تقتضي سراية النجاسة إلى تمام أجزائه الظاهرية والباطنية. إما بدعوى أن الفلزات الذائبة كالمياه المضافة والمايعات كالدهن والحليب ونحوهما فكما أن إصابة النجس لجزء من أجزائها يوجب تنجس الجميع فليكن الحال في المقام أيضا كذلك. أو بدعوى أن الفلزات الذائبة إذا القيت على ماء متنجس أو ألقي عليها الماء المتنجس وصل الماء إلى جميع أجزائها الداخلية والخارجية وبذلك يتنجس الجميع. ويدعى أن هذا هو الغالب في الفلز المذاب ولا يخفى ما في هاتين الدعويين أما الاولى منهما فلان سراية النجاسة من جزء إلى غيره من الاجزاء الآخر إنما هي في المياه المضافة والمايعات ولا دليل في غير ذلك على السراية بوجه فالذيبق مثلا وإن كان ذائبا إلا أنه إذا صب على موضع متنجس أن لا يحكم بنجاسة شئ من أجزائه وذلك لعدم المقتضى له. وأما ثانيتهما فلان الدعوى المذكورة على خلاف ما ندركه بوجداننا حيث أن الفلزات الذائبة إذا لاقت الماء أنجمدت فكيف يلاقي الماء المتنجس جميع أجزائها. بل لا يلاقي سوى بعضها وهو الاجزاء الظاهرية من الفلز. هذا ثم لو سلمنا على فرض غير واقع أنها لا تنجمد إلا أن غاية ما هناك أن يلاقي الماء الاجزاء الظاهرية من الفلز. وأما بواطنها فلا ينفذ الماء المتنجس فيها بأسرها، ولا محالة تبقى على طهارتها. وعلى الجملة لا دليل على تنجس الاجزاء الداخلية في مثل الفلز المذاب. هذا ثم لو فرضنا في مورد موصول الماء المتنجس إلى جميع الاجزاء الداخلية والخارجية للفلز ولو بأذابته مرات كثيرة وألقائه في كل مرة على الماء المتنجس

[ 99 ]

بحيث لا يشك في ملاقاة الماء المتنجس لكل واحد من أجزاء الفلز لم يقبل الطهارة بعد ذلك أبدا لعدم التمكن من غسل باطنه ضرورة عدم وصول المطهر إلى جوف الفلز. نعم لا مانع من تطهير ظاهره إلا أن الظاهر لو أستهلك بأستعمال الفلز فالجزء البادي بعد الاستهلاك باق على نجاسته وهو أيضا قابل للغسل والتطهير بصيرورته من الاجزاء الظاهرية هذا كله فيما إذا علمنا أن الجزء إنما ظهر بعد أستهلاك ظاهر الفلز. وأما إذا شككنا في أنه من الاجزاء الظاهرية التى طهرناها بغسلها أو أنه مما ظهر بعد الاستهلاك فهو باق على نجاسته فهل يحكم بطهارته أو لابد من غسله؟ تبتني هذه المسألة على مسألة أصولية وهي أن الحالة السابقة إذا علم أنتقاضها في بعض أفراد المتيقن السابق وعلم عدم أنتقاضها في فرد آخر وشك في فرد بعد ذلك في أنه الفرد المعلوم أنتقاض الحالة السابقة فيه أو أنه الفرد الذى علمنا بعدم أنتقاض حالته السابقة فهل يجري فيه الاستصحاب أولا؟ ذهب شيخنا الاستاذ (قده) إلى عدم جريان الاصل فيه بدعوى أنه من الشبهة المصداقية للاستصحاب وذلك للشك في أن رفع اليد عن الحالة السابقة حينئذ نقض لليقين بالشك أو أنه من نقض اليقين باليقين ولا مجال معه للتمسك بعموم مادل على حرمة نقض اليقين بالشك هذا. ولكنا أسلفنا في محله أن اليقين والشك وغيرهما من الاوصاف النفسانية لا يتعقل فيها شبهة مصداقية بوجه لانه لا معنى للشك في الشك أو اليقين بأن يشك الانسان في أنه يشك في أمر كذا أو لا يشك أو أنه متيقن منه أولا يقين له لانه إذا راجع وجدانه يرى أنه يشك أو يتيقن فلا معنى الشك في أمثالها وعليه

[ 100 ]

[ فإذا أذيب ثانيا بعد تطهير ظاهره تنجس (1) ظاهره ثانيا. نعم لو أحتمل عدم وصول النجاسة إلى جميع أجزائه وأن ما ظهر منه بعد الذوبان الاجزاء الطاهرة، يحكم بطهارته (2) وعلى أي حال بعد تطهير ظاهره لا مانع من أستعماله وإن كان مثل القدر من الصفر. ] فلا مانع من الرجوع إلى أستصحاب الحالة السابقة في الفرد المشكوك فيه. وهذا كما إذا ذبحنا حيوانا وخرج منه المقدار المتعارف من الدم فأنه حينئذ يقتضي الحكم بطهارة المقدار المتخلف منه في الذبيحة وبه تنتقض الحالة السابقة فيه فلو شككنا بعد ذلك في دم أنه من الدم المتخلف أو المسفوح فعلى ما سلكناه لامانع من التمسك بأستصحاب نجاسته لعدم كونه من الشبهات المصداقية للنقض الحرام. وعلى ذلك لما علمنا في المقام بأنتقاض الحالة السابقة في الاجزاء الظاهرية للفلز للعلم بتطهيرها وعلمنا أيضا بعدم أنتقاضها في الاجزاء الداخلية لم يكن أي مانع من الرجوع إلى أستصحاب بقاء النجاسة فيما إذا شككنا في جزء أنه من الاجزاء الظاهرية أو الداخلية. نعم بناء على ما سلكه شيخنا الاستاد (قده) لا يبقى مجال للاستصحاب وتنتهى النوبة إلى قاعدة الطهارة في الجزء المشكوك فيه. (1) لوضوح أن الفلز إذا أذيب وكانت أجزاؤه الداخلية متنجسة حكم بنجاسة أجزائه الظاهرية لا محالة. وهذا لا لان الذوبان يقتضي نجاستها بل لان الاجزاء الظاهرية هي الاجزاء الداخلية المتنجسة على الفرض وقد ظهرت بالغليان والذوبان. (2) ظهر مما تلوناه عليك في التعليقة السابقة عدم أمكان الحكم بطهارة الجزء المشكوك فيه لانه طرف للعلم الاجمالي بأصابة النجاسة له أو للجزء الداخل إلى

[ 101 ]

[ (مسألة 32) الحلي الذى يصوغه الكافر إذا لم يعلم ملاقاته له مع الرطوبة يحكم بطهارته (1) ومع العلم بها يجب غسله ويطهر ظاهره، وإن بقي باطنه على النجاسة إذا كان متنجسا قبل الاذابة. (مسألة 33) النبات المتنجس يطهر بالغمس في الكثير، بل والغسل بالقليل إذا علم (2) جريان الماء عليه بوصف الاطلاق وكذا قطعة الملح. نعم لو صنع النبات من السكر المتنجس أو أنجمد الملح بعد تنجسه مائعا لا يكون حينئذ قابلا للتطهير (3). (مسألة 34) الكوز الذى صنع من طين نجس أو كان مصنوعا للكافر يطهر ظاهره بالقليل (4) وباطنه أيضا إذا وضع في الكثير فنفذ الماء في أعماقه. ] الجوف بالغليان. (1) فمجرد أن الصائغ غير مسلم لا يوجب الحكم بنجاسة الحلي. بل لو شككنا في أن ذلك الحلي هل أصابته نجاسة رطبة ولو كانت هي يد الصائغ بنينا على طهارته بأستصحابها أو بقاعدة الطهارة. نعم مع العلم بأصابة النجس له يحكم بنجاسة ظاهره أو جميع أجزائه الظاهرية والباطنية على التفصيل المتقدم في التعليقة السابقة فليراجع. (2) وكذلك الحال فيما إذا شك في بقائه على أطلاقه وذلك لاستصحاب بقائه على الاطلاق وعدم صيرورته مضافا بالجريان. (3) لعدم أمكان وصول المطهر إلى أعماقه وهو مطلق لان نفوذه في مثل النبات يستلزم صيرورته مضافا، ومع فرض كثرة الماء وغلبته يخرج النبات المتنجس عن كونه كذلك بالاستهلاك في الماء. (4) ظهر حكم هذه المسألة مما بيناه في تطهير الصابون وغيره من الاجسام التى ينفذ فيها الماء وهي غيره قابلة للعصر فليراجع.

[ 102 ]

[ (مسألة 35) اليد الدسمة إذا تنجست تطهر في الكثير والقليل إذا لم يكن لدسومتها جرم (1) وإلا فلابد من إزالته أولا، وكذا اللحم الدسم والالية فهذا المقدار من الدسومة لا يمنع من وصول الماء. (مسألة 36) الظروف الكبار التى لا يمكن نقلها، كالحب المثبت في الارض ونحوه إذا تنجست يمكن تطهيرها بوجوه (2) (أحدها): أن تملا ماء ثم تفرغ ثلاث مرات (الثاني): أن يجعل فيها الماء ثم يدار إلى أطرافها بأعانة اليد أو غيرها، ثم يخرج منها ماء الغسالة ثلاث مرات. (الثالث): أن يدار الماء إلى أطرافها، مبتدئا بالاسفل إلى الاعلى، ثم يخرج الغسالة المجتمعة ثلاث مرات. (الرابع): أن يدار كذلك لكن من أعلاها إلى الاسفل ثم يخرج ثلاث مرات، ولا يشكل بأن الابتداء من أعلاها يوجب أجتماع الغسالة في أسفلها قبل أن يغسل، ومع أجتماعها لا يمكن إدارة الماء في أسفلها، وذلك لان المجموع يعد غسلا واحدا، فالماء الذى ينزل من الاعلى يغسل كل ما جرى ] (1) بأن عدت الدسوسة من الاعراض الطارئة على اليد مثلا فإن العرض غير مانع عن وصول الماء إلى البشرة ويمكن معه تطهير اليد أو اللحم أو غيرهما بغسلها. وأما إذا كانت الدسوسة معدودة من الجواهر والاجسام فلا ينبغي الشبهة في كونها مانعة عن الغسل ووصول الماء إلى البشرة فلابد في تطهيرها حينئذ من إزالة الدسومة أولا. (2) والدليل على تلك الوجوه موثقة عمار الواردة في كيفية تطهير الكوز والاناء بضميمة ما قدمناه في المسألة الرابعة عشرة من أنه لا موضوعية للتحريك الوارد في الموثقة وإنما هو مقدمة لايصال الماء الطاهر إلى جميع أجزاء الكوز والاناء بأى وجه أتفق فليلاحظ.

[ 103 ]

[ عليه إلى الاسفل، وبعد الاجتماع يعد المجموع غسالة، ولا يلزم تطهير آلة (1) ] (1) من اليد والخرقة ونحوهما. وقد يقال: بأن الآلات المستعملة لاخراج الغسالة متنجسة لملاقاتها الغسالة وهي نجسة في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل ومعه لابد من تطهيرها كل مرة قبل أدخالها الاناء لاخراج الغسالة الثانية لاستلزام بقائها على نجاستها نجاسة الظروف المغسولة بملاقاتها ثانيا. وهذا هو الصحيح وذلك لان الوجه في الحكم بعدم لزوم تطهير الآلات المذكورة أحد أمرين: (أحدهما): إطلاق موثقة عمار الدالة على طهارة الظروف بغسلها ثلاث مرات من غير تقييدها بتطهير الآلات المستعملة لاخراج الغسالة. و (ثانيهما) أن الغسالة لا تكون منجسة لما غسل بها وهذان الوجهان ساقطان. أما أولهما فلما أورده صاحب الجواهر (قده) من أن الموثقة غير مسوقة لبيان ذلك وإنما وردت لبيان أن الطهارة في مثل الكوز والاناء تحصل بغسله ثلاث مرات، والامر كما أفاده (قده). وأما ثانيهما فلان الغسالة وإن لم تكن منجسة لما غسل بها مطلقا قلنا بطهارة الغسالة أما لم نقل، لان القول بكونها منجسة له يستلزم القول بتعذر تطهير المتنجسات وعدم أمكانه بغسلها وذلك لفرض أن الغسالة منجسة للمغسول بملاقاته فكيف تحصل الطهارة بغسله حينئذ؟! وعلى الجملة أن الغسالة غير منجسة لما غسل بها أما لطهارتها في نفسها. وأما بتخصيص مادل على منجسية المتنجسات بالاضافة إلى الغسالة فرارا عن المحذور المتقدم ذكره، إلا أن ذلك إنما هو حال الغسل بالماء وأجرائه على المغسول

[ 104 ]

[ أخراج الغسالة كل مرة وإن كان أحوط، ويلزم (3) المبادرة إلى أخراجها عرفا في كل غسلة، لكن لا يضر الفصل بين الغسلات الثلاث، والقطرات التى تقطر من الغسالة فيها لا بأس بها، وهذه الوجوه تجرى في الظروف غير المثبتة أيضا وتزيد بأمكان غمسها في الكر أيضا، ومما ذكرنا يظهر حال تطهير الحوض أيضا بالماء القليل. (مسألة 37) في تطهير شعر المرأة ولحية الرجل لا حاجة إلى العصر (4) وإن غسلا بالماء القليل، لانفصال معظم الماء بدون العصر. (مسألة 38) إذا غسل ثوبه المتنجس، ثم رأى بعد ذلك فيه شيئا من الطين أو من دقاق الاشنان الذى كان متنجسا، لا يضر ذلك بتطهيره. بل يحكم ] وأما بعد غسله وأخراج الغسالة فلا يفرق بين تلك الغسالة وغيرها من المتنجسات بناء على أن الغسالة نجسة بحيث لو أصابت الاناء المغسول بها ثانيا أوجبت نجاسته. وعليه لابد من تطهير الآلة المستعملة لاخراج الغسالة قبل إدخالها الاناء حتى لا يتنجس بها ثانيا. (3) لزوم المبادرة العرفية إلى أخراج ماء الغسالة في كل غسلة ممنوع بتاتا على ما أسلفناه في المسألة الثامنة والعشرين. على إنه يمكن أن يستدل على ما ذكرناه في خصوص المقام بإطلاق موثقة عمار (1) وسكوته عليه السلام فيها عن بيانه مع أنه في مقام البيان. (4) إلا أن يكون الشعر كثيفا لا ينفصل عنه الماء بطبعه فإن حاله حال الصوف المجعول في اللحاف ولا بد في مثله من أخراج الغسالة بالعصر أو بغيره.


(* 1) المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 105 ]

[ بطهارته أيضا لانغساله بغسل الثوب (1). (مسألة 39) في حال إجراء الماء على المحل النجس من البدن أو الثوب إذا وصل ذلك الماء إلى ما أتصل به من المحل الطاهر على ما هو المتعارف لا يلحقه حكم ملاقي الغسالة (2) حتى يجب غسله ثانيا، بل يطهر المحل النجس بتلك الغسلة، وكذا إذا كان جزء من الثوب نجسا فغسل مجموعه، فلا يقال إن المقدار الطاهر تنجس بهذه الغسلة، فلا تكفيه، بل الحال كذلك إذا ضم مع المتنجس شيئا آخر طاهرا، وصب الماء على المجموع، فلو كان واحد من أصابعه نجسا، فضم إليه البقية وأجرى الماء عليها، بحيث وصل الماء الجاري على النجس منها إلى البقية، ثم أنفصل تطهر بطهره. وكذا إذا كان زنده نجسا، فأجرى الماء عليه، فجرى على كفه ثم أنفصل، فلا يحتاج إلى غسل الكف لوصول ماء الغسالة إليها وهكذا. نعم لو طفر الماء من المتنجس حين غسله ] (1) قدمنا في المسألة السادسة عشرة أن الاجسام غير القابلة للعصر كالطين ودقاق الاشنان في مفروض الكلام إذا نفذ الماء المتنجس في جوفها فإن كانت جافة كفى في تطهيرها أن تغمس في الماء العاصم أو يصب عليها إناء بمقدار يصل إلى أعماقها. وأما إذا كانت رطبة فيشكل الحكم بطهارتها بذلك إلا أن تجفف أو يحرك فيها الماء على نحو يغلب على الرطوبات الكائنه في جوفها أو تبقى في الماء الكثير مدة تحصل فيها غلبة الماء على رطوبتها. (2) الكلام في هذه المسألة يقع في مراحل ثلاث: (المرحلة الاولى): ما إذا كانت الغسالة طاهرة كما في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل بناء على طهارتها كما هو الصحيح ولا إشكال في طهارة ملاقي تلك الغسالة فإنه لا مقتضي لنجساته وهذه الصورة غير مرادة للماتن (قده)

[ 106 ]

لان كلامه إنما هو في طهارة ملاقي الغسالة المتنجسة وعدمها. (المرحلة الثانية): ما إذا كانت الغسالة محكمومة بالنجاسة كما في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل. والتحقيق في هذه الصورة عدم طهارة الملاقي، النجاسة الغسالة وملاقاة المتنجس تقتضي النجاسة وهو ظاهر، ولم يرد مخصص على قاعدة منجسية المتنجس في المقام ولا بد معه من غسل ملاقي الغسالة كما يجب غسل المتنجس من ثوب وغيره ويكفي في طهارتهما الغسل مرة واحدة ولو في غسالة المتنجس بالبول، وذلك لان المتنجس فرضنا أنه قد غسل مرة واحدة وإلا لم يكن له غسالة حتى يحكم على ملاقيا بالنجاسة أو الطهارة فإذا غسل مرة ثانية حكم بطهارته لا محالة. وأما كفاية المرة الواحدة في ملاقي الغسالة فلاجل عدم كونه متنجسا بالبول حتى يجب غسله مرتين وإنما هي متنجس بالمتنجس به وهى الغسالة. (المرحلة الثالثة): ما إذا كانت الغسالة من الغسلة المتعقبة بطهارة المحل إلا إنا بنينا على نجاستها كما ألتزم به جماعة ومنهم الماتن (قده). ولا ينبغي الاشكال في هذه الصورة في أن ملاقي الغسالة في الجملة محكوم بطهارته وذلك للسيرة القطعية الجارية على الاكتفاء بالغسل في تطهير المتنجسات مع أن غسل المتنجس يقتضي سراية الغسالة إلى جزء آخر من الاجزاء الطاهرة لا محالة ولا يمكن عادة غسل الموضع المتنجس من غير أن تسري الغسالة إلى شئ من أطراف المحل هذا. بل لا يمكن الالتزام بنجاسته ملاقي الغسالة في نفسه إذ مع القول بها لا يتيسر الاكتفاء بالغسل في تطهير المتنجسات إذ لابد من غسل كل جزء لاقته الغساله لنجاستها وإذا أمتنع تطهير من الارض أو غيرها من الاشياء الكبار فإن غسل الموضع المتنجس منها يوجب سراية الغسالة وجريانها إلى جزء

[ 107 ]

آخر من الارض فلا يتحقق تطهير الارض مثلا. إلا بغسل الكرة بأسرها هذا. على أنه يمكننا الاستدلال على طهارة الملاقي في مفروض الكلام بالادلة الواردة في؟ المتنجسات وذلك بدلالة الاقتضاء، وبالاطلاق المقامي حيث دلت على طهارة البدن أو الثوب بغسل الناحية التي أصابها دم أو مني أو غيرهما من النجاسات. فلو قلنا بنجاسة ملاقي الغسالة لم يمكن تطهيرهما ولا تطهير غيرهما من المتنجسات بصب الماء على الموضع المتنجس منهما وغسله، إذ كلما طهرنا جانبا نجسنا جانبا آخر فلا تتيسر الطهارة إلا بغسلهما بأسرهما ومعه تصبح الادلة الدالة على كفاية غسل الناحية المتنجسة منهما لغوا ظاهرا فإنه أي فائدة في غسل تلك الناحية مع عدم حصول الطهارة به؟ مضافا إلى أنا نقطع بعدم وجوب غسل البدن والثوب أو غيرهما من المتنجسات بتمامه فيما إذا أصابت النجاسة جانبا منهما. فألى هنا طهر أن ملاقي الغسالة في الجملة محكوم بالطهارة وإن قلنا بنجاسة الغسالة في نفسها، إلا أن ما ذكرناه إنما هو في خصوص المقدار الذى تصل إليه الغسالة عادة وحسبما يقتضيه طبع الغسل. ولا يعم ما إذا لم يتكن أصابة الغسالة لمثله أمرا عاديا أو مما يقتضيه الغسل بطبعه. والسر في ذلك أن طهارة الملاقي في مفروض الكلام لم تثبت بدليل لفظي حتى يتمسك بعمومه أو أطلاقه بالاضافة إلى جميع الملاقيات وإنما أثبتناها بالسيرة ودلالة الافتضاء ولابد فيهما من الاقتصار على المقدار المتيقن وهي المواضع التي تصيبها الغسالة عادة وحسبما يقتضيه طبع الغسل. وأما في المقدار الزائد على ذلك فأطلاقات الادلة الدالة على نجاسة ملاقي

[ 108 ]

[ على محل طاهر من يده أو ثوبه يجب (1) غسله بناء على نجاسة الغسالة وكذا لو وصل بعد ما أنفصل عن المحل إلى طاهر منفصل، والفرق أن المتصل بالمحل النجس يعد معه مغسولا واحدا بخلاف المنفصل. (مسألة 40) إذا أكل طعاما نجسا فما يبقى منه بين أسنانه باق ] النجساسات والمتنجسات يقتضي الحكم بنجاسته كما إذا طفرت الغسالة من موضع جريانها وأصابت جسما آخر أو أنها أصابت جسما طاهرا ملاصقا للمتنجس المغسول ولكن العادة لم تكن جارية على وصول الغسالة إليه كما إذا تنجست إحدى أصابعه فضمها إلى غيرها من أصابعه وغسلها مرة واحدة أو أنه وضع اصبعه على رأسه وغسلها ورأسه أو جميع بدنه دفعة واحدة. وذلك لوضوح عدم جريان العادة على غسل سائر الاصابع والرأس أو بقية أجزاء البدن في غسل واحدة من الاصابع لا مكان الفصل بينهما وبهذا ظهر ما في كلام الماتن من المناقشة فلاحظ. (1) قد أستثنى (قده) من الحكم بطهارة ملاقي الغسالة النجسة موردين: (أحدهما): ما إذا طفرت الغسالة من موضع جريانها إلى محل طاهر آخر. و (ثانيهما): ما إذا أنفصلت الغسالة من محلها وأصابت جسما آخر منفصلا عن المحل النجس والامر فيهما كما أفاده على ما فصلناه في التعليقة المتقدمة فراجع هذا. ثم إن في كلام الماتن تقييدان لم نقف على مأخذهما ولعلهما من سهو القلم: (أحدهما): تقييد الحكم بنجاسة الملاقي بما إذا أنفصلت الغسالة عن المحل. مع أن إنفصالها غير معتبر في الحكم بنجاسة الملاقي قطعا لانها إذا أصابت جسما آخر وهي في المحل أيضا حكمنا بنجاسته إذا لم تجر العادة على وصول

[ 109 ]

[ على نجاسته، ويطهر بالمضمضة (1) وأما إذا كان الطعام طاهرا فخرج دم من بين أسنانه، فإن لم يلاقه لا يتنجس، وإن تبلل بالريق الملاقي للدم، لان الريق لا يتنجس بذلك الدم، وإن لاقاه ففي الحكم بنجاسته أشكال (2) من حيث أنه لاقى النجس في الباطن لكن الاحوط الاجتناب عنه، لان القدر المعلوم أن النجس في الباطن لا ينجس ما يلاقيه مما كان في الباطن، لا ما دخل إليه من الخارج. فلو كان في أنفه نقطة دم لا يحكم بتنجس باطن الفم، ولا يتنجس رطوبته، بخلاف ما إذا أدخل أصبعه فلاقته، فإن الاحوط غسله. ] الغسالة إليه كما مر. و (ثانيهما): تقييده بما إذا أصابت جسما منفصلا عن المحل النجس. وهو أيضا كسابقه لانه تقييد بلا سبب لوضوح أن الغسالة بعد أنفصالها أو قبله إذا أصابت جسما متصلا بالمحل النجس أيضا أوجبت نجاسته. بل لو أصابت بعد أنفصالها نفس الموضع المغسول بها كانت موجبة لنجاسته ثانيا، فالتقييد بما إذا كان الجسم منفصلا مما لاوجه له. (1) لان الطعام المتنجس لا يعتبر في تطهيره أن يكون خارج الفم فإن تطهيره في داخله كخارجه، فإذا تمضمض على نحو وصل الماء إلى جوف المتنجس وهو في الفم حكم بطهارته (2) قد أسبقنا الكلام على هذه المسألة في بحث النجاسات وقلنا أنه لم يقم دليل على كون النجاسات في الباطن منجسة لملاقياتها ومن جملتها الدم حيث أن الادلة الواردة في نجاسته ومنجسيته تختص بالدم الخارجي كدم القروح والجروح والرعاف وغيرها من أقسام الدماء، كما ذكرنا أن الجسم الطاهر إذا دخل الجوف ولاقى في الباطن نجسا لم يحكم بنجاسته فيما إذ اخرج نظيفا ومن هنا قلنا بطهارة شيشة الاحتقان الخارجة

[ 110 ]

[ (مسألة 41) آلات التطهير كاليد والظرف الذي يغسل فيه تطهر بالتبع (1) فلا حاجة إلى غسلها، وفي الظرف لا يجب غسله ثلاث مرات، بخلاف ما إذا كان نجسا قبل الاستعمال في التطهير، فإنه يجب غسله ثلاث مرات كما مر (2). ] نظيفة وإن علم ملاقاتها شيئا من النجاسات الباطنية والتفصيل موكول إلى محله. (1) الطهارة التبعية في مثل اليد والظروف وغيرهما من الآلات لم يقم عليها دليل، والسيرة وإن جرت على عدم تطهير آلات الغسل بعد تطهير المتنجس إلا أنها غير مستندة إلى الطهارة التبعية. بل الوجه فيها أن الآلات غالبا تغسل بنفسها حين غسل المتنجس فطهارتها مستندة إلى غسلها كما أن طهارة المغسول مستندة إلى تطهيره. ومن ثمة لو أصاب الماء أعالي اليد والظرف في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل ولم يصلها الماء في الغسلة المطهرة لم يمكن الحكم بطهارتها لعدم الدليل على الطهارة التبعية كما مر. والاطلاق المقامي في صحيحة محمد بن مسلم (* 1) لو تم فإنما يقتضى الحكم بالطهارة التبعية في المركن فحسب ولا دلالة لها على الطهارة التبعية في الاناء وذلك لان المركن غير الاناء على ما مر تفصيله في محله (* 2) والمتحصل أن الآلات المستمعلة في تطهير الاشياء المتنجسة إنما يحكم بطهارتها فيما إذا غسلت مع المغسول دون ما إذا لم تغسل كذلك. (2) تقدم الوجه في ذلك والجواب عنه في المسألة الواحدة والعشرين وسابقتها فليراجع.


(* 1) المروية في باب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) راجع ص 87.

[ 111 ]

[ (الثاني): من المطهرات الارض (1) وهي تطهر باطن القدم، والنعل بالمشي عليها ] مطهرية الارض (1) قد أتفقوا على أن الارض تطهر باطن القدم والنعل والخف وغيرها مما يتعارف المشي به كالقبقاب بعد زوال العين عنه، بل أدعوا على ذلك الاجماع في كلماتهم. والمسألة مما لا خلاف فيه عدا ما ربما يحكى عن الشيخ (قده) في الخلاف من قوله إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه في الارض حتى زالت تجوز الصلاة فيه عندنا.. إلى أن قال: دليلنا: أنا بينا فيما تقدم أن ما لا تتم الصلاة فيه بأنفراده جازت الصلات وإن كانت فيه نجاسة والخف لا تتم الصلاة فيه بأنفراده.. فإن الظاهر من هذا الكلام أن الخف إذا أصابته النجاسة لا ترتفع نجاسته بالدلك على الارض. نعم يعفى عن نجاسته لانه مما لا تتم فيه الصلاة. وعن المحقق البهبهاني أن أستدلال الشيخ (قده) بذلك غفلة منه. وما ذكره (قده) هو الوجيه ولا مناص من حمل الاستدلال المذكور على الاشتباه وذلك لان تجويزه الصلاة في الخف في مفروض الكلام لو كان مستندا إلى كون الخف مما لا تتم فيه الصلاة لاصبحت القيود المأخوذة في كلامه المتقدم نقله لغوا ظاهرا. حيث أن صحة الصلاة فيما لا تتم فيه غير مقيدة بوصول النجاسة إلى أسفله ولا بزوال النجاسة عنه ولا على أزالته بدلكه بالارض ضرورة أن النجاسة فيما لا تتم الصلاة فيه لا تكون مانعة عن صحتها سواء أصابت أسفله أو أعلاه وسواء زالت عنه العين أم لم تزل كما في القلنسوة إذا أصابها البول ووضعها المكلف

[ 112 ]

على رأسه فصلى مع بقاء العين فيها كما ورد في رواية زرارة (* 1) وإن لم يكن فيها تصريح ببقاء العين حال الصلاة وأيضا سواء دلكه بالارض أم لم يدلكه وحيث أن تقييد موضوع الحكم بما لا يترتب عليه أي أثر لغو ظاهر وبعيد الصدور من مثل الشيخ (قده) فلا محالة يكون أخذها في كلامه قرينة ظاهرة على أن تجويزه الصلاة في الخف المتنجس مستند إلى طهارة أسفل الخف بالمشي به أو بدلكه على الارض فالاستدلال المتقدم محمول على الاشتباه. ولا نرى مانعا من صدور الاشتباه منه (قده) لعدم عصمته عن الخطأ حيث أن العصمة لاهلها. فالمتلخص أن مطهرية الارض لباطن النعل والقدم والخف وغيرها ما يتعارف التنعل به ممالا ينبغي الخلاف فيه. وتدل على ذلك النصوص الواردة في المقام، وجملة منها وإن كانت ظاهرة في أرادة الرجل والقدم أعني نفس العضو والبشرة فلا تعم ما قد يقترن بها من خف أو نعل أو غيرهما لعدم كونها نفس العضو والبشرة ولو تجوزا بعلاقة المشارفة ومعه لا تكون الارض مطهرة لغير العضو مما يتنعل به عادة. إلا أنه لابد من التعدي عن البشرة إلى كل ما يتعارف المشي به على الارض لما ستقف عليه من الوجوه. وتوضيح الكلام في المقام يتوقف على نقل الاخبار الواردة في المسألة (منها): صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام رجل وطأ على عذرة (هام) (* 1) قال قلت لابي عبد الله عليه السلام إن قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها فوضعتها على رأسي ثم صليت فقال: لا بأس. المروية في باب 31 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 113 ]

فساخت رجله فيها، أينقض ذلك وضوءه؟ وهل يجب عليه غسلها؟ فقال: لا يغسلها إلا أن يقذرها، ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلي (* 1) وهي تامة الدلالة والسند إلا أنها مختصة بالرجل الظاهرة في أرادة نفس البشرة. و (منها): ما عن معلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء، أمر عليه حافيا؟ فقال: أليس وراءه شئ جاف؟ قلت: بلى. قال: فلا بأس إن الارض يطهر بعضها بعضا (* 2) وهي كسابقتها من حيث الدلالة وأختصاصها بالبشرة. (منها): رواية حفص أبن أبي عيسى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إن وطأت على عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئا ما تقول في الصلاه فيه؟ فقال: لا بأس (* 3) وهي واردة في الخف. ولكن قد يقال إن نفي البأس عن الصلاة في الخف بعد مسحه وأزالة العين عنه لعله مستند إلى أن الخف ممالا تتم فيه الصلاة فلا يتيسر مع هذا الاحتمال أن يستدل بها على طهارة الخف بالمسح. ويدفعه أن الظاهر المستفاد من السؤال والجواب الورادين في الرواية أنهما راجعان إلى طهارة الخف ونجاسته، ولا ظهور للرواية في السؤال عن كون الخف مما لا تتم فيه الصلاة ليكون الجواب ناظرا إليه. على أن الامام عليه السلام قرر السائل على ما أرتكز في ذهنه من عدم جواز الصلاة في الخف على تقدير عدم أزالة العين عنه. ولا خفاء في أن صحة الصلاة فيه لو كانت مستندة إلى كونه مما لا تتم فيه الصلاة لم يفرق في ذلك بين صورتي وجود العين وأزالتها على ما تقدمت الاشارة إليه سابقا. وهذه قرينة واضحة على أن الرواية سيقت لبيان طهارة الخف بالمسح


(* 1 و 2 و 3) المرويات في ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 114 ]

فلا مانع من الاستدلال بالرواية من هذه الجهة. نعم الرواية ضعيفة السند بحفص بن أبي عيسى المجهول فلا يمكن الاعتماد عليها من هذه الجهة. و (منها): صحيحة الاحول عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا قال: لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك (* 1) وهي أيضا مطلقة كما يأتي عليها الكلام. و (منها): ما رواه محمد الحلبي قال: نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: أين نزلتم؟ فقلت نزلنا في دار فلان، فقال: إن بينكم وبين المسجد زقاقا قذرا، أو قلنا له: إن بيننا وبين المسجد زقاقا قذرا، فقال: لا بأس إن الارض تطهر بعضها بعضا. قلت والسرقين الرطب أطأ عليه فقال: لا يضرك (* 2) مثله وهى غير مقيدة بالقدم والبشرة. بل مقتضى أطلاقها أن الارض تطهر باطن القدم والخف وغيره مما ينتعل به عادة. و (منها) ما رواه في آخر السرائر نقلا عن نوادر أحمد بن أبي نصر عن المفضل بن عمر، عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه وليس علي حذاء فيلصق برجلي من نداوته، فقال: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت بلى قال: فلا بأس إن الارض تطهر بعضها بعضا قلت: فأطأ على الروث الرطب؟ قال: لا بأس أنا والله ربما وطئت عليه ثم أصلي ولا أغسله (* 3). وهي مقيدة بالقدم كما هو ظاهر.


(* 1 و * 2 و * 3) المرويات في ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل

[ 115 ]

وربما يورد على هاتين الروايتن بأنهما متنافيتان نقلا لان ظاهرهما الحكاية عن قضية واحدة نقلها محمد الحلبي وغاية الامر أن الراوي عن الحلبي شخصان وقد رواها أحدهما مقيدة بالرجل ورواها الآخر مطلقة فأحد النقلين يناقض الآخر. هذا ولا يخفى أن الروايتين إن حملناهما على تعدد الواقعة كما هو غير بعيد بأن يقال إن الرواي سأله عليه السلام عن مسألة واحدة مطلقة تارة ومقيدة بالرجل أخرى حتى يطمئن بحكمه فإن المشي حافيا لا يناسب الحلبي ولا يصدر عن مثله إلا نادرا فسأله عن حكمه مرة ثانية حتى يطمأن به فهما روايتان ولا مانع من كون إحداهما مطلقة والاخرى مقيدة بالرجل فنأخذ معه بأطلاق المطلقة وهي تقتضي أطراد الحكم في كل ما يتعارف المشي به من أسفل القدم والخف وغيرهما. وأما إذا قلنا بوحدة الواقعة في الروايتين لاستبعاد التعدد في الواقعة ولا نرى أي بعد في تعددها كما مر سقطت الروايتان عن الاعتبار للعلم بعدم صدور إحداهما عن الامام عليه السلام ولا ندرى أنه أيهما. والوجه في أختلاف النقل حينئذ أن الحلبي إما أنه نقل الرواية لاحد الروايين بألفاظها ونقلها للآخر بمعناها بتوهم عدم أختلاف المعنى بذلك أو أنه نقلها لكلا الروايين بالالفاظ، إلا أن أحدهما نقل الرواية على غير النمط الذي سمعه. ثم أنك إذا أحطت خبرا بالاخبار الواردة في المقام عرفت أن الصحيح عدم أختصاص الحكم بالرجل والبشرة وأنه مطرد في كل ما يتنعل به عادة. ويمكن الاستدلال على ذلك بوجوه: (الاول): التقريب المتقدم في الاستدلال برواية حفص مع الغض عن سندها فإنها دلت على طهارة الخف بمسحه بالارض، وحيث أن الخف لا يحتمل أن تكون له خصوصية في المقام فيستكشف بذلك عمومية الحكم للنعال

[ 116 ]

وغيره مما يتعارف المشي به. (الثاني): عموم التعليل الوارد في بعض الاخبار المتقدمة (* 1) أعني قوله عليه السلام (إن الارض يطهر بعضها بعضا) حيث يدل على أن الارض تطهر النجاسة الحاصلة منها مطلقا من دون فرق في ذلك بين أسفل القدم والخف وغيرهما. بيان ذلك أن نجاسة أسفل القدم أو الخف أو غيرهما إنما حصلت من الارض كما أشير إليه في بعض الروايات بقوله عليه السلام أن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه (* 2) وفى آخر: أن بيننا وبين المسجد زفاقا قذرا (* 3) ولاجله صح أن يقال أن الارض الطاهرة تطهر الارض النجسة وهذا لا بمعنى أنها تطهر الارض النجسة بنفسها بل بمعنى أنها تطهر الاثر المترشح من الارض القذرة وهو النجاسة فوزان ذلك وزان قولنا: الماء يطهر البول والدم وغيرهما من الاعين النجسة مع أن العين النجسة غير قابلة للتطهير ولايكون الماء مطهرا لها بوجه إلا أنه لما أمكن أن يكون مزيلا ومطهرا من الآثار الناشئة عن الاعيان النجسة وهي النجاسة صح أن يقال أن الماء مطهر للبول. وهذه تعبير صحيح ولا حاجة معه إلى تفسير الجملة المذكورة بما عن المحدث الكاشاني (قده) من أنها بصدد بيان أمر عادي وهو أنتقال القذارة من الموضع المتنجس من الارض إلى الموضع الآخر منها بوضع القدم ورفعها حتى لا يبقى على الارض شئ من النجاسة. ولا إلى تفسيرها بما عن الوحيد البهبهاني (قده) من أن معناها أن بعض


(* 1) تقدمت هذه الجملة في الرواية الاولى والثانية للحلبي ورواية المعلى وتأتي في حسنة محمد بن مسلم الآتية. (* 2) وهى الرواية الثانية للحلبي. (* 3) وهى الرواية الاولى للحبلي.

[ 117 ]

الارض أي الطاهرة منها يطهر بعض المتنجسات كالنعل، لمكان أن بعضا نكرة. وذلك لما عرفت من أن ظاهره حسب المتفاهم العرفي أن الارض الطاهرة تطهر الارض النجسة بالمعنى المتقدم، وهي واردة لبيان أمر شرعي فحملها على أرادة بيان أمر عادي أو على كون الارض مطهرة لبعض المتنجسات خلاف الظاهر ولا يمكن المصير إليه. ثم إن تلك الجملة وإن كانت مجملة في بعض مواردها كما في حسنة محمد بن مسلم قال: كنت مع أبي جعفر عليه السلام إذ مر على عذرة يابسة فوطأ عليه فأصابت ثوبه، فقلت: جعلت فداك قد وطئت على عذرة فأصابت ثوبك؟ فقال: أليس هي يابسة؟ فقلت: بلى قال: لا بأس إن الارض يطهر بعضها بعضا (* 1) لان عدم تنجس ثوبه عليه السلام وطهارته من جهة يبوسة العذرة غير مرتبطة بقوله: إن الارض يطهر بعضها بعضا. وهو كمضمون روايه عمار: كل شئ يابس زكي (* 2) ومن الواضح أن ذلك أجنبي عن العليل الوارد في الرواية فالجملة مجملة في الحسنه. إلا أن إجمالها في مورد لا يضرها في غيره لما عرفت من أنها واضحة الدلالة على مطهرية الارض للاثر الناشي من الارض النجسة. وكيف كان فمقتضى عموم التعليل أطراد الحكم وشموله لكل ما ينتعل به عادة. (الثالث): صحيحة الاحول المتقدمة حيث أنها مطلقة لعدم أستفصاله عليه السلام بين وطئ الموضع حافيا ووطئه متنعلا. وترك الاستفصال يدل


(* 1) المروية في ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 31 من أبواب أحكام الخلوه من الوسائل. (* 3) في ص 114

[ 118 ]

[ أو المسح بها (1) بشرط زوال عين النجاسة (2) إن كانت، والاحوط (3) ] على عدم أختصاص الحكم بأسفل القدم. وهذه الرواية صحيحة السند وتامة الدلالة غير أنها أشتملت على تحديد المشي بخمسه عشر ذراعا. والمشهور لا يلتزم به لذههابهم إلى كفاية مطلق المشي وأن الحد هو النقاء ولو حصل بالمشي بما هو أقل من خمسة عشر ذراعا. إلا أن ذلك لا يضر بالاستدلال بها. بل إن أمكننا حمله على الاستحباب أو على بيان أن النقاء عادة لا يتحقق بأقل من المقدار المذكور فهو وإلا فلا مناص من الاخذ به وتحديد المشي بخمسة عشر ذراعا. (1) كما ورد في صحيحة زرارة ورواية حفص المتقدمتين (* 1). (2) وذلك مضافا إلى الارتكاز فإن التهطير بالارض لا يزيد على التطهير بالمآء وقد مر أعتبار أزاله العين فيه تدل عليه صحيحة زرارة: ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها. ورواية حفص حيث حكم عليه السلام فيها بحصول الطهارة فيما فرضه السائل بقوله: إن وطئت على عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئا. ومعه يعتبر في مطهرية الارض لاسفل النعل والقدم زوال عين النجس بحيث لو أنجمدت تحتهما كما في الدم ونحوه ولم تزل بالمشي أو المسح لم يحكم بطهارتهما (3) والوجه في هذا الاحتياط أعنى الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الارض النجسة وعدم التعدي إلى النجاسة الحاصلة من الخارج كما إذا أنفجر ما في أسفل قدمه من الدمل لدى المشي وأصاب الدم خفه أو رجله. هو أن الروايات المتقدمة إنما وردت في النجاسة الحاصلة بالمشي على الارض كوطئ العذرة الموجودة فيها والمرور على الطريق المتنجس وغيرها من الموارد. ولا مناص معه من الاقتصار على المقدار المتيقن من الاخبار وهي النجاسة الحاصلة من المشي


(* 1) في ص 113

[ 119 ]

وأما المقدار الزائد على ذلك فيرجع فيه إلى عموم أو أطلاق ما دل على أن النجاسة يعتبر في إزالتها الغسل بالماء لانه مقتضى القاعدة عند أجمال المخصص لدورانه بين الاقل والاكثر. ويؤيده ما تقدم في تفسير قوله عليه السلام أن الارض يطهر بعضها بعضا. من أن تعبيره عليه السلام عن مطهرية الارض لباطن النعل والقدم وغيرهما بقوله إن الارض إنما هو من جهة أن النجاسة كانت ناشئة من الارض ولاجله صح أن يقال: إن الارض الطاهرة مطهرة للارض القذرة أي للنجاسة الناشئه منها. ومع كون الاثر وهي النجاسة مستندة إلى غير الارض لا يصح التعبير المذكور بوجه هذا. وقد يقال بالتعدي إلى النجاسة الحاصلة من الخارج ويستدل عليه بأمرين (أحدهما): ما ورد في صحيحة زرارة جرت السنة في أثر الغاط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ولا يغسله ويجوز أن يمسح رجليه ولا يغسلهما (* 1). فإن قوله عليه السلام يجوز أن يمسح رجليه يدلنا بأطلاقه على مطهرية المسح في كل من النجاسة الناشئة من الارض والنجاسة الناشئة من غيرها. ويدفعه (أولا): أن من المحتمل القوي أن يكون قوله: ويجوز أن يمسح رجليه. ناظرا إلى المسح في الوضوء لنفي ما يزعمه أهل الخلاف من أعتبار غسل الرجلين فيه، ومن هنا قال: ويجوز أن يمسح.. مع أن مسحهما من الشرائط المعتبرة في الوضوء فهو أمر لازم لا جائز. وعليه فالرواية أجنبية عما نحن بصدده. و (ثانيا): أن الرواية لو سلم كونها ناظرة إلى مطهرية المسح فلاشك في أنها ليست بصدد البيان للقطع بعدم كون المسح مطهرا مطلقا كالمسح بالخرقة


(* 1) المروية في ب 30 من أبواب أحكام الخلوة وفي ب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 120 ]

أو الخشب ونحوهما فلا أطلاق للرواية حتى يدل على مطهرية الارض من النجاسة الحاصلة من الخارج. و (ثانيهما): ما ذكره المحقق الهمداني (قده) وتوضيحه أن مقتضى الارتكاز عدم الفرق في مطهرية الارض بين النجاسة الحاصلة من الارض وبين الحاصلة من غيرها، إذ لا يتبادر من الاخبار سوى أن المسح أو المشى مطهر للرجل أو الخف من النجاسة من غير أن تكون لكيفية وصولها إلى الرجل مدخلية في الحكم. ومن هنا لا يتوهم أحد فرقا بين أن تكون العذرة التي يطأها برجله مطروحة على الارض أو على الفراش. وبهذا الارتكاز العرفي نتعدى عن مورد الروايات إلى مطلق النجاسة سواء حصلت بالمشي على الارض أو بغيره هذا. ولا يخفى أن الارتكاز العرفي وإن كان يقتضي عدم الفرق بين كون العذرة مطروحة على الارض أو أعلى الفراش إلا أن الكلام في المقام غير راجع إلى النجاسة المستندة إلى المشي وإن لم تكن ناشئه من الارض وذلك إذ قد لا تصل النعل أو الرجل إلى الارض أصلا لحيلولة العذرة أو غيرها من النجاسات بينهما كما أشير إليه في صحيحة زرارة حيث قال: فساخت رجله فيها (* 1) أو لكون العذرة الموطوءة مطروحة على خرقة أو خشبة أو غيرهما من الاشياء الموجودة في الطريق فلا يعتبر أن تكون النجاسة ناشئة من الارض وإنما يعتبر أستناد النجاسة إلى المشى سواء أكانت العذرة واقعة على الارض أم على الفراش فما أفاده (قده) خارج عن محل الكلام. وإنما كلامنا فيما إذا أستندت النجاسة إلى الخارج وغير المشي كما في المثال المتقدم حيث أن تنجس الاصابع بالدم حيئنذ غير مستند إلى المشي.


(* 1) المتقدمة في ص 113

[ 121 ]

[ الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشى على الارض النجسة دون ما حصل من الخارج ويكفى مسمى المشى أو المسح (1) وإن كان الاحوط المشي خمس عشرة خطوة (2) ] وفي مثله إن أقمنا دليلا قطعيا على عدم الفرق بين النجاسة الحاصلة بالمشى والنجاسة الحاصلة بغيره فهو وإلا فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقن وهو النجاسة الحاصلة بالمشى وفي المقدار الزائد يرجع إلى العموم أو الاطلاق وهما يقتضيان إناطة تطهير المتنجس بالغسل بالمآء. ولا سبيل لنا إلى مناطات الاحكام الشرعية وملاكاتها ونحتمل وجدانا أن تكون لكيفية وصول النجاسة بالمشى مدخلية في الحكم. ويشهد على ذلك ملاحظة أحجار الاستنجاء لانها مطهرة من العذرة في المحل وأما إذا كانت في غيره من الثوب والبدن ونحوهما فالاحجار لا ترفع أثرها بوجه. (1) لاطلاق النصوص عدا صحيحة الاحول (* 1) حيث حددت المشى بخمسة عشر ذراعا. ولكن الصحيح كفاية المسمى لان دلالة صحيحة زرارة على أن المناط في حصول الطهارة هو النقاء وزوال عين النجس أقوى من دلالة الصحيحة المتقدمة على التحديد بخمسة عشر ذراعا، لانه من المحتمل أن يكون التحديد في الصحيحة جاريا مجرى الغالب من توقف أزالة النجاسة على المشى بذلك المقدار ويتقوى هذا الاحتمال بملاحظة قوله عليه السلام أو نحو ذلك. فلاحظ. (2) الذي ورد في صحيحة الاحول إنما هو خمسة عشر ذراعا. وليس من خمس عشرة خطوة عين ولا أثر في الروايات، والفرق بين الخطوة والذراع (* 1) المتقدمة في ص 114.

[ 122 ]

[ وفي كفاية مجرد المماسة (1) من دون مسح أو مشي إشكال (2) ] بالثلث، فلا وجه لما ذكره الماتن من أن الاحوط المشى خمس عشرة خطوة. فلوا أنه أراد أن يبين مقدار خمسة عشر ذراعا بالخطوات لوجب أن يقول الاحوط المشي عشر خطوات لان الفاصل بين القدمين مقدار ذراع ومكان القدمين بمقدار نصف ذراع فتكون الخطوة الواحدة ذراعا ونصفا كما أن خمسة عشر ذراعا يعادل عشر خطوات على ما أشرنا إليه في التعليقة فليراجع. (1) كما إذا وقعت نعله على الارض وبذلك زالت عنها عين النجس أو أنها وقعت على الارض وتحققت المماسة إذا لم تكن مشتملة على عين النجس. (2) ولعل الوجه فيه أن رواية الحلبي (* 1) دلت على أنحصار المطهر بالمشي وذلك من جهتين: (أحداهما): قوله عليه السلام أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ لانه عليه السلام بصدد البيان والتحديد وذكر في هذا المقام أليس تمشى.. وهو حينئذ ظاهر الدلالة على حصر المطهر في المشى. و (ثانيتهما): قوله عليه السلام فلا بأس وقد فرع قوله هذا على المشى فدل ذلك على أن قوله: فلا بأس تصريح بتالى المقدم المحذوف وحاصله: إن مشيت بعد ذلك فلا بأس. ودلالته حينئذ على عدم كفاية غير المشى لا تقبل الانكار إلا أنا خرجنا عن ذلك في المسح بقوله عليه السلام في صحيحة زرارة ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها... وقوله لا بأس في رواية حفص على تقدير أعتبارها جوابا عما سأله الراوي بقوله: إن وطئت على عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئا. فبهاتين الروايتين يقيد مفهوم الرواية المتقدمة ويكون النتيجة أن المطهر أمران: المشى على الارض والمسح بها.


(* 1) المتقدمة في ص 114

[ 123 ]

[ وكذا في مسح التراب عليها (1) ] وأما مجرد المماسة فمقتضى الرواية عدم كفايتها فلو شككنا في ذلك ولم ندر أن المماسة كافية أو ليست بكافيه فالمرجع هو المطلقات الدالة على أعتبار الغسل بالماء في إزالة النجاسات. (1) كما إذا أخذ حجرا أو شيئا من التراب ومسح به رجله أو نعله. وظاهر الماتن أن الاشكال في هذه الصورة إنما نشأ عن أحتمال أن يكون المعتبر هو مسح الارض بالرجل أو النعل فلو أنعكس بأن مسحهما بالارض لم يمكن الحكم بكفايته هذا. ولكن الصحيح أن الاشكال في هذه الصورة إنما ينشاء من أنفصال الاجزاء الارضية من الارض لان الحجر أو المقدار المأخوذ من التراب وأن كان حال كونه متصلا بالارض مما لاأشكال في كفاية المسح أو المشى عليه. ولكنه إذا أنفصل لم يمكن الحكم بكفايته وذلك لانه ليس بأرض وإنما هو من الارض والاخبار المتقدمة إنما دلت على مطهرية الارض فحسب وأما ما هو جزء من الارض ولكنه ليس بأرض فلم يقم دليل على مطهريته. ويدل على ذلك التعليل في بعضها بأن الارض يطهر بعضها بعضا بمعنى أن الارض الطاهرة تطهر الارض النجسة بالمعنى المتقدم. فأن مقتضاه أن الارض مطهرة لا ما هو من أجزائها. ومن ثمة لا يفرق في الاشكال الذي ذكرناه بين أن يمسح الرجل أو النعل بالحجر أو التراب المأخوذين من الارض وبين أن يمسح الحجر أو التراب المأخوذين من الارض بالنعل أو الرجل فإن الماسحية والممسوحية في الاشكال سواء وهذا بخلاف ما إذا كان منشاء الاشكال هو ما يوهمه ظاهر الماتن فإن لازمه الحكم بكفاية المسح في الصورة الثانية كما لعله ظاهر.

[ 124 ]

[ ولا فرق في الارض بين التراب والرمل والحجر الاصلي (1) بل الظاهر كفاية (2) المفروشة بالحجر، بل بالآجر، والجص والنورة. ] نعم يأتي منافي المسألة الثانية من مسائل المقام ما يدل على كفاية المسح بالاجزاء المنفصلة من الارض فيما لا يمكن عادة أن يمسح بالاجزاء المتصلة منها فليلاحظ. (1) كما إذا كانت الارض ذات رمل، أو حجر، أو تراب من الابتداء وذلك لاطلاق الارض الواردة في الاخبار ولعل هذا مما لاإشكال فيه. وإنما الكلام في كفاية الارض الرملية أو الحجرية بالعرض وهو الذي أشار إليه بقوله: بل الظاهر كفاية المفروشة.. (2) لان المفروشة بالحجر أو بغيره من أجزاء الارضية يصح أن يقال أنها أرض حقيقة فأن الحجر مثلا من الاجزاء الارضية كما عرفت وأنما أنتقل من مكانه إلى مكان آخر ومن الواضح أن الانتقال غير مانع من صدق عنوان الارض بوجه. ثم أن فرش الارض بالحجر أو بغيره من أجزائها أمر متعارف بل هو أمر غالبي في البلاد وليس من الامور النادرة ليدعى أنصراف الارض عن المفروشة بالحجر أو بغيره. ثم لو قلنا بعدم صدق الارض على المفروشة بشئ من الاجزاء الارضية فهل يمكننا الحكم بطهارة باطن الرجل أو النعل بالمسح أو المشي عليها؟ قد يقال بطهارتهما بذلك إلى أن أستصحاب نجاستهما السابقة يعارض أستصحاب مطهرية الاجزاء الارضية المفروشه فيتساقطان كما هو الحال في جميع الاستصحابات التعلقية فإن أستصحاب المطهرية تعليقي في المقام وتقريبه: أن تلك الاجزاء المفروشة كالحجر وغيره كانت قبل أن تنتقل من مكانها مطهرة

[ 125 ]

[ نعم يشكل كفاية المصلي بالقير (1) أو المفروش باللوح من الخشب، ] لباطن الرجل أو الخف لو مسح أو مشي عليها وإذا أنتقلت عن مكانها حكم بكونها أيضا كذلك بالاستصحاب وهو يعارض بأستصحاب نجاستهم السابقة ولاجل ذلك يتساقطان وتنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة وببركتها يحكم بطهارة باطن الرجل أو النعل في مفروض الكلام. وفيه بعد الغض عن عدم أعتبار الاستصحابات التعليقية في نفسها وعدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية التى منها أستصحاب النجاسة في المقام أن المورد ليس من موارد الرجوع إلى قاعدة الطهارة بل لابد من الرجوع فيه إلى الاطلاقات المقتضية لاعتبار الغسل بالماء في تطهير المتنجسات وعدم جواز الاكتفاء بغيره. فإن المقدار المتيقن مما خرج عن تلك المطلقات إنما هو صورة المسح أو المشي على الارض غير المفروشة وأما الزائد المشكوك فيه فيبقى تحت المطلقات لا محالة (1) لعدم صدق الارض عليها وكذا الحال في المفروش بالصوف أو القطن أو غيرهما مما ليس من الاجزاء الارضية. نعم ورد في صحيحة الاحول ورواية المعلى المتقدمتين (* 1) ما بأطلاقه يشمل المقام وهو قوله (مكانا نظيفا) و (شئ جاف) لشمولهما المطلي بالقير والمفروش بالقطن ونحوه إلا أن مقتضى التعليل الوارد في جملة من الاخبار المتقدمة أعنى قوله عليه السلام (إن الارض يطهر بعضها بعضا) تقييد الروايتين المتقدمتين بالارض وعدم ترتب الطهارة على المشي فيما ليس بأرض، ويؤيده رواية السرائر عن الحلبي لاشتمالها على أعتبار المشي في الض اليابسة.


(* 1) في ص 114 113

[ 126 ]

[ مما لا يصدق عليه أسم الارض، ولا أشكال في عدم كفاية المشي (1) ] (1) يتصور المشي على الارض بوجوه: (الاول): أن يقع المشي على الاجزاء الارضية الاصلية كما في الاراضي الحجرية أو الرملية ونحوهما ولا أشكال في مطهرية المشى حينئذ على تفصيل قد تقدم (الثاني): أن يقع المشي على الاجزاء العرضية كالمشي على الارض المفروشة بالاحجار مثلا وقد قدمنا أن المشي عليها أيضا مطهر لانها من الارض. (الثالث): أن يقع المشي على أجزاء عرضية تعد بالنظر العرفي من الارض وإن لم تكن كذلك حقيقة وهذا كالمشي على الارض المفروشة بالقير المعبر عنه في زماننا هذا بالتبليط أو المفروشة بالالواح ونحوها لانها خارجة عن الارض حقيقة إلا أنها لمكان أتصالها بها تعد من الارض مسامحة والاقوى في هذه الصورة. عدم كفاية المشى عليها لانها وإن كانت تطلق عليها الارض عرفا ومسامحة إلا أنها ليست من الارض حقيقة. (الرابع): أن يقع المشي على الاجزاء العرضية غير المعدودة من الارض عرفا ولا حقيقة لانفصالها من الارض وذلك كالالواح المطروحة على الطريق وعدم كفاية المشي في هذه الصورة أظهر من سابقتها لان الاجزاء العرضية كانت في الصورة السابقة متصلة بالارض والاتصال مساوق للوحدة. وهذا بخلاف هذه الصورة لانفصال الاجزاء فيها من الارض ولا موجب معه لتوهم الاجزاء أبدا. والمشي على النبات والزرع كالمشي على القير فلا يكتفي به في التهطير بل النبات غير متصل بالارض كالقير وإن كانت مادته وأصوله متصلتين بها فعدم الكفاية في المشي على النبات أظهر، كما أن المشي على الفرش والحصير والبواري كالمشي على الالواح المطروحة في الطريقة وقد عرفت حكمها.

[ 127 ]

[ على الفرش، والحصير، والبواري، وعلى الزرع والنباتات، إلا أن يكون النبات قليلا (1) بحيث لا يمنع عن صدق المشى على الارض، ولا يعتبر أن تكون في القدم أو النعل رطوبة (2) ولا زوال العين بالمسح أو المشى (3) وإن كان أحوط. ] (1) لصدق المشي على الارض عند قلة النبات ولا سيما في البلدان دون البوادى لان الارض فيها لا تخلو عن الاجزاء العرضية كأجزاء الحطب أو الخرق مما ليس من الاجزاء الارضية ومع ذلك يصدق المشى على الارض عرفا (2) لاطلاق الروايات. (3) فإذا زالت العين قبل المسح أو المشى بخرقة أو خشبة ونحوهما ثم مسح رجله أو نعله أو مشى بهما على الارض كفى في الحكم بطهارتهما فلا يعتبر أن يكون زوال العين بالمسح أو المشي. أما عدم أعتبار زوال العين بالمشي فلعدم تقييد الادلة الدالة على مطهريته بما إذا زالت العين بالمشي وإنما هي مطلقة كقوله عليه السلام أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ (* 1) وأما عدم أعتبار زوالها بالمسح فلاطلاق صحيحة زرارة الدالة على مطهرية المسح كالمشى فإن قوله: ولكنه يمسحها (* 2) غير مقيد بأن يكون المسح بالارض فيعم المسح بغيرها إلا أنه لا بد من تقييد أطلاقه بذلك نظرا إلى أن المستفاد من النصوص أن المسح قائم مقام المشي في التهطير، والمشي هو الانتقال من مكان إلى مكان بوضع القدم ورفعها. فغاية ما يمكن أستفادته من الرواية أن الشارع ألغى خصوصية الانتقال


(* 1) المتقدمة في ص 114 (* 2) المتقدمة في ص 113 112

[ 128 ]

[ ويشترط طهارة الارض (1) ] من مكان إلى مكان وأكتفى بمجرد وضع الرجل على الارض ورفعها أعنى المسح وهو في مكانه من غير أن ينتقل إلى مكان آخر. وأما الغاءه خصوصية الارض فلا يسعنا أستفادته منها بوجه، وعلى ذلك فلا يعتبر في مطهرية الارض زوال العين بالمسح لانه كما مر قائم مقام المشي وقد مر عدم أعتباره فيه. (1) ذهب إلى ذلك جماعة نظرا إلى أن المتنجس لا يكفى في تطهير مثله ولا سيما بملاحظة ما هو المرتكز في الاذهان من أن فاقد الشى لا يكون معطيا له وإلى قوله صلى الله عليه وآله (جعلت لى الارض مسجدا وطهورا) (* 1) لان معنى الطهور هو ما يكون طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره. وإلى غير ذلك من الوجوه. وعن جماعة منهم الشهيد الثاني (ره) عدم الاشتراط بل ذكر (قده) أن مقتضى إطلاق النص والفتوى عدم الفرق في الارض بين الطاهرة وغيرها هذا وربما ناقش بعضهم في الاشتراط بإن الاحكام الشرعية تعبدية محضة ولا مجال فيها لاعمال المرتكزات العرفية فمن الجايز أن يكون النجس مطهرا لغيره بالتعبد الشرعي. وأستقراء موارد التطهير بالمياه والاحجار في الاستنجاء وغيرها مما أعتبرت فيه الطهارة لا يفيد القطع باعتبارها في كل مطهر. والصحيح هو ما ذهب إليه الماتن وغيره من أشتراط الطهارة في مطهرية الارض وذلك لوجهين: (أحدهما): أن العرف حسب أرتكازهم يعتبرون الطهارة في أي مطهر ولايجوز عندهم أن يكون المطهر فاقدا للطهارة بوجه ولا سيما بملاحظة أن فاقد الشي لا يكون معطيا له ولا نرى أي مانع من الاستدلال بالارتكاز. وإن كان قد يناقش فيه. بأنه لا أرتكاز عرفي في التطهير بالارض ولكنه كما ترى.


(* 1) راجع ب 7 من أبواب التيمم من الوسائل.

[ 129 ]

[ وجفافها (1) نعم الرطوبة غير المسرية غير مضرة. ] (وثانيهما): صحيحة الاحول المتقدمة (* 1) في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا، قال: لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك. فإن قيد النظافة في المكان وإن ورد في كلام السائل دون الامام عليه السلام إلا أنه يمكن، أن يستدل بالصحيحة على أعتبار الطهارة من جهتين: (أحداهما): أن قوله عليه السلام لا بأس نفي له عما أخذه السائل في كلامه من القيود ومعناه أنه لا بأس بما فرضته من وطئ الموضع الذي ليس بنظيف مع وطئ المكان النظيف بعده وهذا في الحقيقة بمنزلة أخذ القيود المذكورة في كلام الامام عليه السلام. و (ثانيهما): أن نفي البأس في كلامه عليه السلام قد علق على ما إذا كان خمسة عشر ذراعا. والضمير في قوله: كان، يرجع إلى المكان النظيف أي لا بأس إاذا كان المكان النظيف خمسة عشر ذراعا. ونحن وإن ذكرنا أن التحديد بذلك من جهة أن الغالب توقف زوال العين بالمشي خمسة عشر ذراعا إلا أن تعليقه عليه السلام عدم البأس على ما إذا كان المكان النظيف كذلك يرجع بحسب اللب إلى أنه لا بأس إذا كان المكان النظيف بمقدار تزول عنه العين بالمشي عليه، فإذا لم يكن المكان النظيف بهذا المقدار أنتفى المعلق عليه وهو عدم البأس لا محالة. (1) لرواية محمد الحلبي: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ (* 2) ورواية المعلى بن خنيس: أليس وراءه شئ جاف (* 3)؟ وهما يقتضيان


(* 1 و * 2) المتقدمتان في ص 114 (* 3) المتقدمة في ص 113

[ 130 ]

[ ويلحق بباطن القدم والنعل حواشيهما بالمقدار المتعارف (1) مما يلتزق بهما من الطين والتراب حال المشي وفي الحاق ظاهر القدم أو النعل بباطنهما إذا كان يمشي بهما، لاعوجاج في رجله وجه قوي (2) وإن كان لا يخلو عن أشكال، ] أعتبار الجفاف في الارض، وعلى ذلك فالارض الرطبة مسرية كانت أم لم تكن لا تكون مطهرة لشئ إلا أن تكون الرطوبة قليلة بحيث يصدق معها الجفاف ويصح أن يقال أن الارض يابسة لانها غير مضرة حينئذ. هذا ولكن الروايتين ضعيفتان فإن في سند أحداهما المفضل بن عمر والراوي في الثانية المعلى بن خنيس وهو وإن كنا تعتمد على رواياته إلا أن الصحيح أن الرجل ضعيف لا يعول عليه ومعه لا يمكن الاستدلال بهما على أعتبار الجفاف في الارض فلا مانع على ذلك من الالتزام بمطهرية الارض الندية بمقتضى الاطلاقات. نعم إذا كانت رطبة على نحو تسري رطوبتها إلى الرجل لم يكن المشي عليها مطهرا لانه كل ما يصل من الرطوبة إلى المحل النجس فهو ينجس بالملاقاة فلابد من زواله في حصول طهارته. ولعله إلى ذلك ينظر ما ذكره الماتن بقوله: نعم الرطوبة غير المسرية غير مضرة. (1) دون الزائد عن المقدار المتعارف وذلك لاطلاق الروايات بداهة أن أصابة الارض أو نجاستها لباطن الرجل أو النعل بخصوصه من دون أن تصيب شيئا من حواشيهما بالمقدار المتعارف مما يلتزق بهما حال المشي قليلة الاتفاق بل لا تحقق لها عادة. (2) والوجه في القوة هو أن في مفروض المسألة يصدق وطئ الارض والعذرة، والمشي على الارض وغير ذلك من العناوين المأخوذة في لسان الاخبار لان الوطئ هو وضع القدم على الارض من دون أن تؤخذ فيه خصوصية معينة

[ 131 ]

[ كما أن الحاق الركبتين واليدين بالنسبة إلى من يمشي عليهما أيضا مشكل (1) وكذا نعل الدابة، وكعب عصا الاعرج، وخشبة الاقطع (2)، ولا فرق في النعل (3) بين أقسامها من المصنوع من الجلود والقطن والخشبب ونحوها مما هو متعارف. ] إذ الوطئ في كل شخص بحسبه، وبما أن الاعوجاج في الرجل أمر متعارف وكثيرا ما ينفق في كل بلدة ومكان فلا يمكن دعوى أنصراف الروايات عن مثله ومعه لا مجال للاشكال في المسألة بوجه. (1) وذلك لان وضع اليد أو الركبة على الارض أجنبي عن المشي بالرجل والقدم، والاخبار مختصة بالمشي بهما وليس فيها ما يعم وضع اليد أو الركبة على الارض. والتعليل الوارد في بعضها أن الارض يطهر بعضها بعضا أيضا لا عموم له، وذلك لان الاخبار المشتملة على التعليل إنما وردت لبيان عدم أنحصار المطهر في الماء وللدلالة على أن الارض أيضا مطهرة في الجملة، ولم ترد لبيان أنها مطهرة على وجه العموم بل لا يمكن حملها عليه أي العموم لاستلزامه تخصيص الاكثر المستهجن. وأما صحيحة الاحول فهي وإن كانت متضمنة على الوطئ، دون المشي إلا أنها أيضا غير شاملة للمقام إذ الوطئ هو وضع القدم على الارض وأما وضع الركبة أو اليد عليها فلا يمسى وطأ بوجه وإنما يطلق عليه الوضع. فإذا لم تشمل الاخبار الواردة للركبتين. واليدين بالنسبة إلى من يمشي عليهما كان أطلاق ما دل على عدم زوال النجاسة بغير الغسل بالماء محكما في المقام (2) إذ لا يصدق فيها الوطئ ولا المشي فلا تشملها الاخبار الواردة في المقام، ولم يقم دليل على أن مجرد المماسة مطهر في الاشياء المذكورة بخصوصها. (3) لاطلاق الاخبار وشمولها لكل ما يتنعل به عادة ولا يحتمل أن تكون

[ 132 ]

[ وفي الجورب إشكال (1) إلا إذا تعارف لبسه بدلا عن النعل. ] لبعض الخصوصيات مدخلية في الحكم. (1) أشرنا في التعليقة إلى أن الجورب محل إشكال وإن تعارف لبسه بدلا عن النعل. والسر في ذلك أن ما تعارف لبسه بعد زمانهم عليهم السلام غير مشمول للاخبار كما إذا تعارف إلصاق خشبة على باطن القدم أو تعارف لبس شي جديد وراء الامور المتعارفة في عصرهم عليهم السلام بل الروايات مختصة بالامور المتعارفة هناك. وذلك لان تلك الروايات غير واردة على نحو القضية الحقيقة حتى تشمل كل ما تعارف لبسه من غير أختصاص في ذلك بعصر دون عصر، أذ لو كان الامر كذلك لم يكن وجه لاختصاص الروايات بالاشياء المتعارف لبسها بل كانت تشمل كل ما يلبسه الرجل أو غيره وإن لم يكن متعارفا. وهذا مما لا يلتزم به الاصحاب لعدم الخلاف عندهم في أختصاصها بالامور المتعارف لبسها. وهذا قرينة على أن الاخبار الواردة في المسألة إنما هي على نحو القضية الخارجية وأنها ناظرة إلى الامور المتعارفة في عصرهم عليهم السلام. ثم أن المتعارف في تلك الازمنة إنما كان أمران: (أحدهما): المشي حافيا. و (ثانيهما): المشي متنعلا أو لابسا للخف ونحوهما ولم يدلنا دليل في غير الامرين المذكورين على حصول الطهارة بالمسح أو المشي. ولا يتعدى عنهما إلى غيرهما بوجه. والتعدي إلى جميع أفراد الخف والنعل إنما هو من جهة القطع بعدم أعتبار خصوصية نعل دون نعل أوخف ونحوهما لا أنه من جهة كون القضية حقيقية فتعارف لبس الجورب لا يكاد أن تترتب عليه الطهارة بالمشي.

[ 133 ]

[ ويكفي في حصول الطهارة زوال عين النجاسة وإن بقي أثرها (1) من اللون والرائحة، بل وكذا الاجزاء الصغار التي لا تتميز (2)، كما في الاستنجاء بالاحجار (3) لكن الاحوط أعتبار زوالها، كما أن الاحوط زوال الاجزاء الارضية اللاصقة بالنعل والقدم ] (1) لان زوال الاثر بمعنى اللون والرائحة لا يعتبر في الغسل بالماء فكيف بالتطهير بالتراب. بل اللون والرائحة لا يزولان بالغسل المتعارف، ولا بالمسح ولا المشي ولو بمقدار خمسة عشر ذراعا فعلى فرض القول بأعتبار زوالهما فلا مناص من المسح أو المشى إلى أن يذهب جلد القدم أو أسفل النعل أو الخف بل قد لا يرتفعان بذلك أيضا، مع أن مقتضى الاطلاقات كفاية مطلق المشى أو المسح فأعتبار الزائد على ذلك خلاف ما نطقت به الروايات. وأما ما ورد في صحيحة زارة من قوله: حتى يذهب أثرها (* 1) فالمتيقن منها أرادة ذهاب العين على نحو لا يبقى منها شئ يعتد به كما هو المتعارف في الاستعمالات وأما زوال اللون والرائحة فقد عرفت أنه لا دليل على أعتباره في الغسل بالماء فضلا عن التطهير بالتراب. (2) وإن أعتبر زوالها في الغسل بالماء والوجه في عدم أعتبار زوالها في المقام وضوح أن النجس لا ينقلع بهما وجه لا يبقى منها أجزاءها الصغار إلا في الاجسام الشفافة لانفصال الاجزاء الصغار عنها بالمسح ومع ذلك حكموا عليهم السلام بكفاية المسح والمشي في التطهير، وعليه فمقتضى أطلاقات الاخبار عدم أعتبار زوال الاجزاء الصغار في التطهير بهما. (3) وفي بعض النسخ ولعله الاكثر (كما في ماء الاستنجاء) والظاهر أنه من سهو القلم والصحيح أن يشبه المقام بأحجار الاستنجاء على ما أشرنا إليه في التعليقة كما في بعض النسخ، لان كلامنا إنما هو في أن المتنجس لا يعتبر في


(* 1) المتقدمة في ص 113

[ 134 ]

[ وإن كان لا يبعد طهارتها أيضا (1). (مسألة 1) إذا سرت النجاسة إلى داخل النعل لا تطهر بالمشي (2) بل في طهارة باطن جلدها إذا نفذت فيه إشكال وإن قيل بطهارته بالتبع. ] تطهيره بالمسح أو المشي زوال الاجزاء الصغار، وأحجار الاستنجاء أيضا كذلك لانها غير قالعة للاجزاء الصغار عن المحل مع كونها كافية في التطهير وليس الكلام فيما يتطهر به وأن وجود الاجزاء الصغار غير مانع عن حصول الطهارة به فلا تغفل. (1) لم يرد بذلك بيان أن الاجزاء الارضية اللاصقة بباطن القدم والنعل من التراب وغيره طاهرة حتى يستدل عليها بالدلالة الالتزامية ويقال إن الدليل القائم على الطهارة بالمسح يدل بالدلالة الالتزامية على طهارة الاجزاء المتخلفة من الارض في باطن النعل أو القدم. والوجه في عدم أرادة ذلك أن طهارة الاجزاء الارضية الملاصقة بباطن القدم مثلا مقطوع بها لما قدمناه من أن المطهر لابد من أن يكون طاهرا في نفسه ومعه إذا كانت الارض مطهرة فلا مناص من أن يكون أجزائها أيضا طاهرة. بل المراد به أن الملاصق بالنعل أو القدم من التراب المتعارف ملاصقته في المشي على الارض إذا تنجس كنفس الرجل أو القدم وطهرناهما بعد ذلك بالمسح أو المشي طهرت الاجزاء الملاصقة أيضا بالتبع وذلك لاطلاق الاخبار فأن المشي من دون أن يلتصق شئ من الاجزاء الترابية بباطن الرجل أو القدم لا يكاد أن يتحقق خارجا أللهم إلا أن تكون الارض حجرية من دون أن يكون فيها شئ من التراب. (2) لان ظاهر قوله في صحيحة الاحول: في الرجل يطأ على الموضع

[ 135 ]

[ (مسألة 2) في طهاره مابين أصابع الرجل أشكال (1) ] الذي ليس بنظيف ثم يطأ بعده مكانا نظيفا... وغيرها من الاخبار الواردة في طهارة الرجل أو القدم بالمسح أو المشي إنما هو تنجس السطح الخارج من النعل أو القدم بالعذرة أو بالبلل المتنجس بملاقاة الخنزير أو بغيرهما وأن ذلك السطح الخارج يطهر بالمسح أو المشي. وأما طهارة داخلهما أو جوفهما فلا يستفاد من الاخبار الواردة في المسألة ولم يقم عليها دليل آخر فإن التطهير بالارض لا يزيد على التطهير بالماء فكما أن في غسل السطح الظاهر بالماء لا يمكن الحكم بطهارة الجوف والداخل فليكن الحال في التطهير بالارض أيضا كذلك. (1) لان النصوص الواردة في المقام كما عرفت إنما تدل على طهارة السطح الظاهر من القدم أو النعل بالمسح أو المشي. وأما طهارة مثل ما بين الاصابع الخارج عن سطح القدم أو النعل فلا يمكن أن تستفاد منها بوجه. نعم ورد في صحيحة زرارة: رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها أينقض ذلك وضوءه؟ وهل يجب عليه غسلها؟ فقال؟ لا يغسلها إلا أن يقذرها ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلي (* 1) ومقتضاها طهارة ما بين الاصابع أيضا بالمسح لان الغالب مع السوخ وصول العذرة إلى ما بين الاصابع بل الامر دائما كذلك ومع هذا حكم عليه السلام بطهارة الرجل بالمسح فيستفاد منها أن المسح فيما بين الاصابع أيضا مطهر. بل يدلنا هذا على كفاية المسح بالاجزاء المنفصلة من الارض فيما يتعذر مسحه بالاجزاء المتصلة منها كما بين الاصابع فإن المتيسر في مثله أن يؤخذ حجر أومدر من الارض ويمسح به ما بين الاصابع فأطلاق قوله عليه السلام يمسحها


(* 1) المتقدمة في ص 113

[ 136 ]

[ وأما أخمص القدم فإن وصل إلى الارض يطهر، وإلا فلا (1) فاللازم وصول تمام الاجزاء النجسة إلى الارض، فلو كان تمام باطن القدم نجسا ومشى على بعضه لا يطهر الجميع، بل خصوص ما وصل إلى الارض. (مسألة 3) الظاهر كفاية المسح على الحائط، وإن كان لا يخلو عن إشكال (2). ] يقتضي كفاية المسح بتلك الكيفية أيضا وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم ومع ذلك فقد منعنا عن كفاية المسح بالاجزاء المنفصلة في مثل سطح الرجل أو النعل وغيرها مما يمكن أن يمسح بالاجزاء المتصلة من الارض بسهولة. (1) لان الاخبار الواردة في المقام دلت على طهارة الموضع الذي يمس الارض بالمشي أو المسح دون المواضع التي لا تمسها. ومن هنا لو تنجست رجله فمشى على أصابعه لم يحكم بطهارة غير الاصابع منها. ويوضحه: أن التطهير بالارض لا يكون أقوى من التطهير بالماء ولم يختلف أثنان في أن الغسل بالماء لا يطهر سوى الموضع المغسول به فكيف تكون الارض مطهرة للمواضع التي لا تمسها؟ فأخمص القدم لا تطهر إلا بالمسح أو المشي على الاراضي غير المسطحة حتى تصل إلى الارض وتمسها. (2) لا منشأ للاستشكال في كفاية المسح على الحائط لانه من الاجزاء الارضية وغاية ما هناك أنها أجزاء مرتفعة عن الارض بالجعل، ولكن الارتفاع بالجعل كالارتفاع الاصلي في الجبال غير مانع عن كفاية المسح بوجه هذا. بل لا مجال للتوقف في المسألة حتى بناء على أشتراط الاتصال، وذلك لوضوح أتصال الحائط بالارض فإذا مسح رجله على الحائط صدق أنه مسح رجله على الارض فما ربما يتوهم من أنصراف الادلة عنه مما لا وجه له.

[ 137 ]

[ (مسألة 4) إذا شك في طهارة الارض يبني على طهارتها (1) فتكون مطهرة إلا إذا كانت الحالة السابقة نجاستها، وإذا شك في جفافها لا تكون مطهرة إلا مع سبق الجفاف فيستصحب (2). (مسألة 5) إذا علم وجود عين النجاسة أو المتنجس لابد من العلم بزوالها (3) وأما إذا شك في وجودها (4) فالظاهر كفاية المشي (5) وإن لم يعلم بزوالها على فرض الوجود. ] (1) لما تقدم من أعتبار الطهارة في مطهرية الارض فمع الشك في تحققها لا مانع من أحرازها بالاستصحاب لعدم كون الارض متنجسة أزلا، وإذا فرضنا عدم جريانه لمانع كما إذا كانت الارض مسبوقة بحالتين متضادتين بأن كانت طاهرة في زمان ومتنجسة في زمان آخر وأشتبه المتقدم بالمتأخر منهما أيضا حكمنا بطهارتها بقاعدة الطهارة. (2) لان جفاف الارض شرط في مطريتها والاستصحاب يحرزه إلا إذا لم تكن الارض مسبوقة بالجفاف لانه أمر وجودي فمع الشك في تحققه يبنى على عدمه بالاستصحاب. (3) لان زوال عين النجس شرط في حصول الطهارة بالمشي أو المسح على ما أستفدناه من صحيحة زرارة: يمسحها حتى يذهب أثرها.. (* 1) فلا مناص من أحرازه، ومع الشك فيه لا يمكن الحكم بحصول الطهارة بوجه. (4) بأن علم بتنجس نعلم أو رجله ولم يدر بوجود عين النجس لاحتمال أنفصالها عنهما بعد الاتصال والملاقاة. (5) لان الاصل عدمها، هذا. ولا يخفى أن مماسة الارض لباطن القدم أو النعل معتبره في مطهريتها


(* 1) راجع ص 113

[ 138 ]

[ (مسألة 6) إذا كان في الظلمة ولا يدري أن ما تحت قدمه أرض أو شئ آخر من فرش ونحوه لا يكفي المشي عليه فلابد من العلم بكونه أرضا (1) بل إذا شك في حدوث فرش أو نحوه بعد العلم بعدمه يشكل الحكم بمطهريته أيضا (2). ] كما مر ومع الشك في وجود العين لا تحرز المماسة بوجه لانها على تقدير وجودها حائلة بينهما وبين الارض، وأصالة عدم العين لاأصل لها، إذ لا أثر شرعي يترتب على عدمها حتى يجري فيه الاستصحاب بل الاثر مترتب على مماسة الارض لباطن القدم أو النعل، وأستصحاب عدمها لاثبات المماسة من أظهر أنحاء الاصول المثبتة وهو نظير ما لو شك بعد غسل المتنجس في زوال العين وعدمه، فإن أستصحاب عدمها لا أثر له في نفسه وأستصحابه لاثبات تحقق الغسل لتقومه بزوال العين مثبت ولا أعتبار بالاصول المثبتة بوجه ففي موارد الشك في وجود العين لا بد من العلم بزوالها على تقدير الوجود. (1) لان المطهر ليس هو مطلق المسح أو المشي، وإنما المطهر خصوص المسح أو المشي في الارض فلابد في طهارة القدم والنعل من إحراز وقوعهما على الارض. (2) والوجه في الاستشكال أن أستصحاب عدم كون الارض مفروشة أو عدم حدوث الفرش لا يثبت وقوع المسح أو المشي على الارض، ومع الشك في ذلك لا يمكن الحكم بمطهريتها. وأشكل من ذلك ما إذا لم تكن الارض موردا للاستصحاب كما إذا كانت مسبوقة بحالتين متضادتين ككونها مفروشة في زمان وغير مفروشة في زمان آخر، وأشتبه المتقدم بالمتأخر منهما، وذلك لانه ليس هناك أستصحاب حينئذ ليتوهم كفايته في الحكم بمطهرية الارض.

[ 139 ]

[ (مسألة 7) إذا رقع نعله بوصلة طاهرة فتنجست تطهر بالمشي (1) وأما إذا رقعها بوصلة متنجسة (2) ففي طهارتها إشكال لما مر من الاقتصار على النجاسة الحاصلة بالمشي على الارض النجسة. (الثالث): من المطهرات: الشمس (3). ] (1) لان الرقعة فيم يتنعل به أمر شايع لا ندرة فيها، ومعه يشملها أطلاق الروايات فإذا تنجست بعد توصيلها حكم بطهارتها بالمشي أو المسح لصيرورتها جزء من النعل بالعرض، وإن لم يكن من الاجزاء الاصلية لها إلا أن مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الاجزاء الاصلية والعرضية. (2) بأن كانت الرقعة متنجسة قبل صيرورتها جزء من النعل. وليس منشأ الاشكال حينئذ هو ما ذكره الماتن (قده) إذ لو لم نقتصر على النجاسة الناشئة من الارض أيضا أستشكلنا في طهارة الرقعة حينئذ. وذلك لان النصوص الواردة في المسألة إنما تدل على أن الرجل أو النعل إذا تنجست بالنجاسة الحاصلة من الارض أو من غيرها حكم بطهارتها بالمسح أو المشي فالموضوع في الحكم بالطهارة إنما هو تنجس النعل أو الرجل لا تنجس غيرهما من الامور والرقعة حينما تنجست لم تكن داخلة في شئ منهما. كما أنها بعد ما صارت جزء من النعل لم تتنجس على الفرض، فالمتحصل أن الاجزاء المتنجسة إذا صارت جزء من النعل لم يمكن الحكم بطهارتها بالمسح أو المشي. مطهرية الشمس (3) الكلام في مطهرية الشمس من جهات: (الاولى): أن الشمس هل هي كالماء مطهرة للاشياء المتنجسة ولو في الجملة أو أنها لا تؤثر إلا في العفو عن النجاسة في بعض آثارها كالتيمم

[ 140 ]

والسجود على الموضع المتنجس الذي جففته الشمس من الارض والحصر والبواري؟ (الثانية): أن الشمس هل هي مطهرة للارض بخصوصها أو أن مطهريتها غير مختصة بها؟ وعلى الثاني هل هي مطهرة لجميع المتنجسات المنقولة وغير المنقولة أو أنها مختصة بالمتنجس غير المنقول؟. (الثالثة): أن مطهريتها خاصة بالبول أو يعم جميع النجاسات والمتنجسات؟ (أما الجهة الاولى): وهي التي أشار إليها الماتن بقوله: الشمس وهى تطهر.. فالمشهور بين أصحابنا أن الشمس من المطهرات في الجملة. بل عن بعضهم دعوى الاجماع في المسألة فجواز التيمم والسجود على ما جففته الشمس من المواضع المتنجسة مستند إلى طهارتها بذلك، لا إلى أن الشمس تؤثر في العفو عنهما مع بقاء الموضع على نجاسته، وعن المفيد وجماعة من القدماء والمتأخرين القول بالعفو دون الطهارة. وأستدل للمشهور بجملة من الاخبار المستفيضة: (منها): صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن البول يكون على السطح أوفي المكان الذي يصلى فيه، فقال: إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر (* 1). وهذه الصحيحة أظهر ما يمكن أن يستدل به في المقام وقد دلت على أن السطح والمكان المتنجسين بالبول يطهران بأشراق الشمس عليهما وتجفيفهما، ومقتضى صريحها أن جواز الصلاة على المكان المتنجس بعد جفافه بالشمس مستند إلى طهارته بذلك لا إلى العفو عنه مع بقاء الموضع على نجاسته. وهذا لا لان قوله عليه السلام فصل عليه ظاهر في أرادة السجود على السطح أو المكان. وجواز السجود عليهما يقتضي طهارتها لعدم جواز السجدة على


(* 1) المروية في باب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 141 ]

النجس. ليمنع بعدم ظهوره في ارادة السجود. بل لقوله عليه السلام فهو طاهر فإنه صريح في المدعى حتى بناء على حمل قوله: فصل عليه على أرادة الصلاة فيه كما ربما يراد منه ذلك. ودعوى أن الطاهر لم يثبت كون بالمعنى المصطلح عليه وإنما هو بمعنى النظيف مندفعة بأن الصحيحة إنما وردت عن أبي جعفر الباقر عليه السلام وأطلاق الطاهر في ذلك العصر وأرادة معناه اللغوي بعيد غايته، لان الطهارة في تلك الازمنة إنما كانت تستعمل لدى المتشرعة بالمعنى المرتكز منها في أذهانم، ولعمري أن الكف عن التعرض لامثال هذه المناقضة أولى وأحسن. و (منها): صحيحة زرارة وحديد بن الحكيم قالا: قلنا لابي عبد الله عليه السلام: السطح يصيبه البول أو يبال عليه يصلى في ذلك المكان؟ فقال: إن كان تصيبه الشمس والريح وكان جافا فلا بأس به، إلا أن يتخذ مبالا (* 1) وأستدلوا بهذه الصحيحة أيضا في المقام لنفيها البأس عن الصلاة في المكان المتنجس بعد أصابة الشمس وجفافه، وظاهرها أن ذلك من جهة طهارة المكان بالشمس، لا أنه من جهة العفو مع بقائه على نجاسته كما قيل والوجه في الظهور أن زرارة وصاحبه إنما سألا عن الصلاة في المكان المتنجس لاعتقادهما عدم جواز الصلاة في الارض النجسة وعدم ثبوت العفو عنه وهو عليه السلام لم يردعهما عن هذا الاعتقاد، فقوله: إن كان تصيبه الشمس. فلا بأس به بعد تقريرهما على ما أعتقداه ظاهر في طهارة الارض المتنجسة. باصابة الشمس وتجفيفها. وأما قوله: والريح مع عدم مدخليتها في الحكم بالطهارة فلا بد من حمله على بيان أمر عادي حيث أن جفاف الارض كما أنه يستند إلى أشراق الشمس.


(* 1) المروية في ب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 142 ]

وإصابتها يستند أيضا ولو بمقدار قليل إلى هبوب الريح وجريان الهواء كما يأتي تفصيله فلا إشكال في الصحيحة من تلك الجهة. نعم يمكن المناقشة في دلالتها بأن غاية ما هناك أنها دلت على جواز الصلاة في السطح المتنجس بعد جفافه بالشمس وهذا يجتمع مع القول بعدم طهارة المكان لجواز أن يكون ذلك مستندا إلى العفو عنه، ولا تقرير في الصحيحة بوجه بل هي رادعة عن إعتقادهما حقيقة. نعم لو كانت متضمنة لجواز الصلاة على السطح المتنجس بعد إصابة الشمس لم تكن خالية عن الاشعار للمدعى لعدم جواز السجدة على النجس، وبين العبارتين من الفرق ما لا يخفى، حيث أن الصلاة على الشي قد يستعمل بمعنى السجدة عليه وهذا بخلاف الصلاة فيه لانه يصح أن يقال: صلى زيد في المسجد مع سجوده على غير المسجد من الترب والقرطاس ونحوهما ولا يصح إستعماله بعمنى السجدة عليه. ثم إن أطلاق قوله: وكان جافا. إما أن نقيده بما ذكر قبله، ليكون معناه أعتبار جفاف المتنجس بكل من الشمس والريح، وإما أن يبقى بحاله ليكون معناه أعتبار مطلق الجفاف فيه بحمل ذكر الشمس والريح على بيان أمر عادي غالبي لانه على الغالب يستند إلى أصابة الشمس أو إلى الرياح، والمتلخص أن هذه الصحيحة على خلاف الصحيحة المتقدمة لا يمكن الاستدلال بها على مطهرية الشمس للارض. بل يمكن أن يقال: إن ظاهره يقتضي أعتبار الجفاف حال الصلاة لقوله: وكان جافا فالجفاف الحاصل قبلها لاإعتبار به حتى إذا كان مستندا إلى إشراق الشمس وإصابتها كما إذا جففت الارض باشراق الشمس أولا ثم ترطبت حال الصلاة

[ 143 ]

وعلى ذلك فالصحيحة كما لادلالة لها على مطهرية الشمس كذلك لا دلالة لها على ثبوت العفو عن نجاسة الارض بعد إصابة الشمس إلا فيما إذا كانت يابسة حال الصلاة. والانصاف أن الصحيحة. إما أنها ظاهرة في ذلك وإما أنها مجملة لترددها بين المعنيين المتقدمين، فلا يمكن الاستدلال بها على كل حال. و (منها): موثقة عمار الساباطى عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث قال: سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس، ولكنه قد يبس المضوع القذر قال: لا يصلى عليه وأعلم موضعه حتى تغسله، وعن الشمس هل تطهر الارض؟ قال: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة، وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطبا فلا يجوز الصلاة حتى ييبس، وإن كانت رجلك وجبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس، وإن كان غير الشمس أصابه حتى ييبس فإنه لا يجوز ذلك (* 1). حيث أن قوله عليه السلام فالصلاة على الموضع جائزة. يدلنا على طهارة الموضع المتنجس بالشمس، وذلك بقرينة أن السؤال في الرواية إنما هو عن طهارة الموضع ونجاسته لقوله: وعن الشمس هل تطهر الارض؟ فبذلك يظهر أن جواز الصلاة حينئذ من أجل طهارة المكان لا للعفو عن نجاسته حال الصلاة. وإلا لم يتطابق السؤال والجواب هذا. وقد يقال: إن الرواية لا يستفاد منها أزيد من سببية تجفيف الشمس


(* 1) المروية في ب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 144 ]

لجواز الصلاة فلا دلالة لها على الطهارة. بل ربما يستشعر من عدول الامام عليه السلام إلى الجواب بجواز الصلاة عدم الطهارة فيكون الرواية حينئذ شاهدة للقائلين بالعفو، وكذا ظاهر قوله عليه السلام وإن كانت رجلك رطبة.. بناء على رجوع الضمير في ييبس إلى الجبهة والرجل لا إلى الموضع حتى يلزم التكرار. مؤكدا ذلك بما عن الوافى وحبل المتين من قوله عليه السلام: وإن كان عين الشمس بالعين المهملة والنون بدلا عن (غير الشمس) لانها على ذلك صريحة في عدم طهارة الموضع بأصابة الشمس وإشارقها عليه وكلمة (إن) على تلك النسخة وصلية، كما أن قوله: فإنه لا يجوز ذلك. تأكيد لعدم جواز الصلاة على ذلك الموضع حتى ييبس. وهذه الدعوى يبعدها أمور: (الأول): ما تقدم من أن الرواية بقرينة السؤال فيها ظاهرة في طهارة الموضع. (الثاني): أن الضمير في (ييبس) غير راجع إلى الجبهة أو الرجل بل الظاهر رجوعه إلى (الموضع) لقربه ولان مرجع الضمير لو كان هو الجبهة أو الرجل لكان الاولى أن يقول (حتى تيبس) بدلا عن (ييبس) وذلك لان الجبهة والرجل مؤنثتان إحداهما لفظية والاخرى سماعية. (الثالث): أن كلمة (إن) لو كانت وصلية لكان المتعين أن يقول: وإن كان عين الشمس أصابته حتى يبس بدلا عن (ييبس) لان (إن) الوصلية إنما يؤتى بها في الامور مفروضة التحقق والوجود، وهي مدلول الافعال الماضية دون المستقبلة. ومعنى الجملة حينئذ أن عين الشمس لا توجب طهارة الموضع وإن كانت أصابته وجففته ولا يصح في مثله أن يقال ولو كانت تجففه بعد ذلك بصيغة المضارع لانه ينافي مفروضية التحقق بل إستعمالها غلط أو شبه الغلط. نعم في

[ 145 ]

كلمة (إن) الشرطية لا يفرق الحال بين الماضي والمضارع. (الرابع): أن النسخة لو كانت هي (عين الشمس) وجب تأنيث الضمير في (أصابه) لان الضمير المتأخر في المؤنثات السماعية لا بد من تأنيثه، وإن كان الضمير المقتدم جائز الوجهين كما في قولنا: طلع الشمس أو طلعت. (الخامس): أنه لا معنى محصل لاصابة عين الشمس شيئا لان عينها بمعنى شخصها ونفسها لا تصيب شيئا أبدا، وإنما يصيب نورها وشعاعها فأستعمال العين في مورد الرواية من الاغلاط وبعبارة أخرى أن العين والنفس إنما يؤتى بهما للتأكيد ولدفع توهم الاشتباه فيقال مثلا رأيت زيدا بعينه حيت لا يشتبه على السامع أنه رأى أباه أو أبنه. وهذا لا معنى له في أصابة الشمس وغيرها مما لا يحتمل فيه أرادة عين الشي ونفسه فلا مسوغ لاتيان كلمة (العين) في الرواية حتى يوجب التأكيد فالصحيح هو غير الشمس. ويؤكد المدعى أن الرواية إنما أوردها الشيخ (قده) وأستدل بها على مطهرية الشمس للارض ومع كون الرواية (عين الشمس) كيف صح له الاستدلال بها على الطهارة فإن الرواية حينئذ صريحة في عدمها. و (منها): روايه أبى بكر الحضرمي عن أبي جعفر عليه السلام قال: يا أبا بكر ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر (* 1) أو كل ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر (* 2) وهى على أحدى الروايتين عامة وعلى الاخرى مطلقة. ودلالتها على المدعى غير قابلة للمناقشة. نعم هي مطلقة من جهتين لابد من تقييدهما: (إحداهما) إطلاقها من جهة اليبوسة وعدمها، حيث أنها تقتضي طهارة كل ما أشرقت عليه الشمس سواء يبس بأشراقها أم لم ييبس فلا مناص من


(* 1) (* 2) المرويتان في ب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 146 ]

تقييدها بصورة الجفاف بالاشراق لصحيحة زرارة المتقدمة الدالة على إعتبار الجفاف بالشمس في مطهريتها. و (ثانيتهما): إطلاقها من جهة كون المتنجس مما ينقل أو من غيره، مع أنهم لم يلتزموا بمطهرية الشمس في مثل اليد وغيرها من المتنجسات القابلة، للانتقال فلا بد من تقييدها بغير الاشياء القابلة له. وذلك للامر الوارد بغسل البدن والثياب أو غيرهما من المتنجسات، حيث يدلنا على عدم حصول الطهارة بغير الغسل بالماء إذ الامر في الاخبار المشتملة عليه وإن كان للارشاد إلا أن ظاهره التعيين وأن الغسل بالماء متعين في التطهير، فالتخيير بين الغسل بالماء وغيره يحتاج إلى دليل وهو يختص بالاشياء غير القابلة للانتقال فلا يكتفى بأشراق الشمس في تطهير الامور القابلة له. ويؤيده ما ورد في الفقه الرضوي من قوله عليه السلام ما وقعت الشمس عليه من الاماكن التى أصابها شي من النجاسة مثل البول وغيرها طهرتها. وأما الثياب فلا يتطهر إلا بالغسل (* 1) حيث خص مطهرية الشمس بالاشياء غير القابلة للانتقال وبعد هذين التقييدين لا يبقى مجال للمناقشة في دلالة الرواية بوجه. وإنما الكلام في سندها وهو ضعيف وغير قابل للاستناد إليه لاشتماله على عثمان بن عبد الله وأبى بكر الحضرمي والاول مجهول والثاني غير ثابت الوثاقة، فإن قلنا بأن أعتماد جماعة من المتقدمين والمتأخرين وعملهم على طبق رواية ضعيفة جابر لضعفها فهو وإلا لم يصح الاعتماد عليها في الاستدلال. وما ربما يقال من أن في رواية الاساطين لها كالمفيد والشيخ والقميين كأحمد بن محمد بن عيسى وغيره نوع شهادة بوثاقة رواتها لانهم لا ينقلون عن الضعفاء. بل كانوا يخرجون الرواي من البلد لنقله الرواية عن الضعيف فإن


(* 1) المروية في ب 22 من أبواب النجاسات من المستدرك.

[ 147 ]

قضية أحمد بن محمد ونفيه البرقي وإبعاده من بلدة قم معروفة في كتب الرجال، ومع هذا كيف يصح أن ينقل هو بنفسه عن الضعيف ومعه لا مناص من الاعتماد على الرواية في المقام. لا يمكن المساعدة عليه بوجه لان نقل هولاء الاعاظم من غير الثقة كثير وقد ذكرنا في محله أن مثل أبن أبى عمير قد ينقل عن الضعيف ولو في مورد فلا يمكن الاعتماد على مجرد روايتهم فأنها لا تستلزم توثيق المخبر بوجه. وأما حديث نفى البرقي من (بلدة قم) فهو مستند إلى أكثاره الرواية عن الضعفاء كجعل ذلك شغلا لنفسه وليس من باب أن النقل عن الضعيف ولو في مورد واحد أو موردين مذموم وموجب للقدح عندهم كيف وقد عرفت أن الموثق قد ينقل عن الضعيف فلا يمكن عده قدحا في حقه وإلا لزم القدح في أكثر الرواة الاجلاء بل جلهم حيث لا يكاد يوجد راو لم يرو عن الضعيف ولو في مورد ومعه لامانع عن أن ينقل أحمد بن محمد عن عثمان أو أبى بكر الضعيفين من دون أن يكون لنقله دلالة على وثاقتهما. فالانصاف أن الرواية ساقطة سندا. فالعمدة في المسألة صحيحة زرارة وموثقة عمار المتقدمتين. ويعارضهما صحيحة محمد بن أسماعيل بن بزيع قال: سألته عن الارض والسطح يصيبه البول وما أشبهه هل تطهر الشمس من غير ماء؟ قال: كيف يطهر من غير ماء؟ (* 1) والصحيح أنه لا تعارض بينها وبين الصحيح والموثقة وذلك أن السائل لما أرتكز في ذهنه أن الشمس سبب في تطهير المتنجس في الجملة ومن هنا قال: هل تطهر الشمس من غير ماء. وشك في أنها سبب مستقل في طهارة الارض أو السطح المتنجسين أو أن لها شرطا سأله عليه السلام عن أستقلال الشمس في


(* 1) المروية في ب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 148 ]

المطهرية وعدمها والامام عليه السلام بين أن الشمس بأستقلالها غير كافيه في التطهير بل هي محتاجة إلى قيد آخر وهو الماء فالصحيحة إنما تدل على أعتبار الماء في مطهرية الشمس، لا أنها تنفي مطهريتها لتكون معارضة للصحيحة والموثقة المتقدمتين. ثم إنه لما لم يحتمل أن تمس الحاجة إلى الشمس وأصابتها بعد تطهير السطح أو الارض بالماء تعين أن يراد به المقدار القليل غير الموجب للتطهير، كما وأن الصحيحة يستفاد منها أن موردها الارض اليابسة ومن هنا دلت على أعتبار وجود الماء في تطهيرها بالشمس، فتحصل أن الصحيحة غير معارضة للروايتين المتقدمتين. وإن شئت قلت أن مقتضى أطلاقها عدم المطهرية عند عدم الماء سواء أكانت الارض رطبة أم لم تكن. ومقتضى صريح الصحيحة المتقدمة لزرارة طهارة الارض الرطبة بأشراق الشمس وتجفيفها، والنسبة بينهما عموم مطلق فبها تخرج الارض الرطبة عن أطلاق صحيحة أبن بزيع وتبقى تحتها خصوص الارض اليابسة وهي التي دلت الصحيحة على عدم مطهرية الشمس لها إلا مع الماء وظاهر أن أعتبار الماء بالمعنى المتقدم في الارض اليابسة ممالا كلام فيه هذا. ثم لو سلمنا أنها ناظرة إلى نفي المطهرية عن الشمس وأنها معارضة للصحيحة والموثقة فالترجيح معها لانهما روايتان مشهورتان قد عمل المشهور على طبقهما ومخالفتان للعامة لذهاب أكثرهم إلى عدم مطهرية الشمس (* 1) كما ذكره صاحب


(* 1) ففي الميزان للشعراني ج 1 ص 24 عند الائمة الثلاثة أن الشمس والنار لا يؤثران في النجاسة تطهيرا، وقال أبو حنيفة إذا تنجست الارض فجفت بالشمس طهر موضعها وجاز الصلاة عليها. وفي نيل الاوطار للشركاني ج 1 ص 37 أن عدم كفاية الشمس في التطهير مذهب العترة والشافعي ومالك وزفر وقال أبو حنيفة وأبو يوسف هما =

[ 149 ]

[ وهي تطهر الارض وغيرها (1) من كل مالا ينقل، كالابنية، والحيطان، وما يتصل بها، من الابواب، والاخشاب، والاوتاد، والاشجار، وما عليها من الاوراق، والثمار، والخضروات، والنباتات ما لم تقطع وإن بلغ أو إن قطعها بل وإن صارت يابسة ما دامت متصلة بالارض أو الاشجار. وكذا الظروف المثبتة في الارض، أو الحائط، وكذا ما على الحائط والابنية مما طلي عليها من جص وقير ونحوهما، ] الوسائل وغيره. وصحيحة أبن بزيع موافقة لهم فلابد من طرحها هذا تمام الكلام في الجهة الاولى. (1) هذه هي الجهة الثانية من الجهات المتقدمة الثلاث وهي أن الشمس هل هي مطهرة للارض بخصوصها أو أنها مطهرة للاعم منها ومن غيرها؟ المشهور أن الشمس تطهر الارض وغيرها مما لا ينقل حتى الاوتاد على الجدار والاوراق على الاشجار. وذهب بعضهم إلى أختصاص الحكم من غير المنقول بالارض مع التعدي إلى الحصر والبواري مما ينقل. وعن ثالث الاقتصار عليهما فحسب إلى غير ذلك مما يمكن أن يقف عليه المتتبع من الاقوال. وأستدل للمشهور برواية أبى بكر الحضرمي لان عمومها أو أطلاقها يشمل الجميع. نعم خرجنا عن عمومها أو أطلاقها في المنقول بالاجماع والضرورة


= مطهران لانهما يحيلان الشئ. وفي كتاب الام ج 1 ص 45 إذا صب على الارض شيئا من الذائب كالبول والخمر والصديد وشبهه، ثم ذهب أثره ولونه وريحه فكان في شمس أو غير شمس فسواء ولا يطهره إلا أن يصب عليه الماء وذهب إلى ذلك الشيخ عبد القادر الشيباني الحنبلى في نيل المآرب ج 1 ص 20 وأبن مفلح الحنبلى في الفروع ج 1 ص 153 وغيرهم

[ 150 ]

[ من نجاسة البول، بل سائر النجاسات والمتنجسات (1). ] وأطلاق ما دل على لزوم غسل المتنجسات بالماء فيبقى غير المنقول مشمولا لهما. ودلالة الرواية وإن كانت ظاهرة كما ذكر إلا أنها غير قابلة للاستدلال بها لضعيف سندها بعثمان وأبى بكر الحضرمي كما مر. والصحيح أن يستدل عليه بصحيحة زرارة وموثقة عمار المتقدمتين. لاشتمال الاولى على (المكان) والثانية على (الموضع) وهما أعم من الارض فتشملان الالواح وغيرها من الاشياء المفروشة على الارض إذا كان بمقدار يتيسر فيه الصلاة، إذ يصدق على مثله الموضع والمكان فإذا قلنا بمطهرية الشمس لغير الارض من الالواح أو الاخشاب المفروشة على الارض وهما مما لا ينقل تعدينا إلى غير المفروضة منهما كالمثبتة في البناء أو المنصوبة على الجدار كالابواب بعدم القول بالفصل. فإذا قد أعتمدنا في القول بمطهرية الشمس لغير الارض في غير المنقول على أطلاق الصحيحة والموثقة بنحو الموجبة الجزئية كما أنا أعتمدنا فيها على الاجماع وعدم القول بالفصل بنحو الموجبة الكلية فتحصل أن مطهرية الشمس وإن كانت غير مختصة بالارض إلا أنها لا تعم المنقولات كما مر. نعم أستثنوا عنها الحصر والبواري ويقع الكلام عليهما بعد التعليقة الآتية فانتظر. (1) هذه هي الجهة الثالثة من الجهات المتقدمة ويقع الكلام فيها في أن الشمس مطهرة من خصوص نجاسة البول أو أنه لا فرق في مطهريتها بين البول وغيره من النجاسات والمتنجسات؟ الصحيح كما في المتن هو الثاني، لان صحيحة زرارة وإن لم تشتمل على غير البول إلا أن الموثقة مطلقة تشمل النجاسة البولية وغيرها لان المأخوذ فيها

[ 151 ]

[ ولا تطهر من المنقولات إلا الحصر والبواري (1) فإنها تطهرهما أيضا على الاقوى. ] هو القذر وهو أعم بل هي مصرحة بالتعميم بقوله: من البول أو غير ذلك وكذا يستفاد ذلك من صحيحة أبن بزيع لاشتمالها على السؤال عن البول وما أشبهه نعم هي مضمرة إلا أن الاضمار غير قادح في أمثال إبن بزيع وغيره من الاجلاء. (1) قد وقعت طهارتهما بالشمس مورد الكلام فالاشهر أو المشهور على طهمارتهما بالشمس وأنهما مستثنيان من الاشياء المنقولة. وأستدل عليه بوجوه: (الاول): رواية أبى بكر الحضرمي (* 1) فإن عموم قوله: كل ما أشرقت عليه الشمس أو أطلاق قوله ما أشرقت.. يشمل الحصر والبواري وإنما خرجنا عن عمومها أو أطلاقها في غيرهما من المنقولات بالاجماع والضرورة وهما مختصتان بغيرهما. وقد يناقش في شمول الرواية للحصر والبواري بأن ظاهرها مطهرية الشمس فيما من شأنه أن تشرق الشمس عليه وهو مختص بالمثبتات لعدم كون المنقولات كذلك حيث أنها قد توضح في قبال الشمس وتدخل بذلك فيما من شأنه أن تشرق عليه الشمس. وقد توضع في مكان آخر لا تشرق الشمس عليه. وفيه أن أعتبار كون المتنجس أمرا قابلا لاشراق الشمس عليه وإن كان غير قابل للمناقشة، لان الموضوع في الرواية هو ما أشرقت عليه الشمس وهو ظاهر في الفعلية والفعلية فرع القابلية، إلا أن أختصاص القابلية بالمثبتات مما لاوجه له، فإن كل شي مثبت أو غيره قابل لاشراق الشمس عليه إذا كان في محل تصيبه الشمس كما أنه ليس بقابل له إذا كان في محل لا تصيبه، كما إذا كانت الشجرة تحت الجبل مثلا وبعبارة أخرى كل شي قابل لاشراق الشمس عليه فيما إذا


(* 1) المتقدمة في ص 145

[ 152 ]

لم يحجز عنه حاجب من دون أن يكون ذلك مختصا بالمثبتات. فالصحيح أن دلالة الرواية على المدعى غير قابلة للمناقشة، وإنما لا نعتمد عليها لضعيف سندها كما مر. (الثاني): صحيحة على بن جعفر عن أخيه عليه السلام في حديث قال: سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن تغسل؟ قال: نعم لا بأس (* 1). فإنها وإن كانت مطلقة من حيث جفافها بالشمس أو بغيرها، فعدم تقييدها الجفاف بها، إلا أنه لا بد من تقييدها بذلك بصحيحة زرارة الدالة على أعتبار كون الجفاف بالشمس. وبذلك تدل الصحيحة على طهارة البواري فيما إذا أصابتها الشمس وجففتها، إذ الصلاة على البواري طاهره، أرادة السجود عليها ولا يتم هذا إلا بطهارتها. ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال بأن الصلاة على الشي وإن كان مشعرا بأرادة السجود عليه إلا أنه لا يبلغ مرتبة الظهور لتعارف التعبير بذلك في أتخاذ الشي مكانا للصلاة، حيث أن لفظة (على) للاستعلاء وهو متحقق عند أتخاذ شي مكانا للصلاة، لاستعلاء المصلي على المكان. ويشهد على ذلك أستعمال هذه الجملة في صحيحة زرارة بالمعنى الذي ذكرناه قال: سأتله عن الشاذ كونة يكون عليها الجنابة أيصلي عليها في المحمل قال: لا بأس بالصلاة عليها (* 2) ونظيرها من الاخبار، ومع هذا الاحتمال لا يبقى مجال للاستدلال بالصحيحة على المدعى. ويتضح مما ذكرناه أنه لا حاجة إلى تقييد إطلاق الصحيحة بحمل الجفاف.


(* 1) المروية في ب 29 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 30 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 153 ]

[ والظاهر أن السفينة والطرادة من غير المنقول (1) وفي الگري ونحوه ] على الجفاف بالشمس وذلك لان المكان إذا جف جازت الصلاة عليه سواء أستند جفافه إلى الشمس أم أستند إلى غيرها. (الثالث): الاستصحاب لان الحصر والبواري كانا قبل قطعهما وفصلهما بحث لو أشرقت عليهما الشمس طهرتا لكونهما من النبات وهو مما لا ينقل فلو شككنا بعد فصلهما في بقائهما على حالتهما السابقة وعدمه نبني على كونهما بعد القطع أيضا كذلك للاستصحاب التعليقي ومقتضاه الحكم بكون الشمس مطهرة للحصر والبواري. وقد يقال: بمعارضته بالاستصحاب التنجيزي أعني أستصحاب نجاستهما المتيقنة قبل أشراق الشمس عليهما ويحكم بتساقطهما والرجوع إلى قاعدة الطهارة. وفي كلا الامرين مالا يخفى. أما في التمسك بالاستصحاب فلانه من أستصحاب الحكم المعلق، والاستصحابات التعليقية غير جارية في نفسها وإن قلنا بجريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية فضلا عما إذا لم نقل به. وأما جعلة معارضا بالاستصحاب التنجيزي والحكم بالتساقط والرجوع إلى قاعدة الطهارة فلعدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية (أولا) ولعدم كون المورد من موارد الرجوع إلى قاعده الطهارة (ثانيا) لان المرجع في المقام بعد تساقط الاصلين إنما هو العمومات أو المطلقات الدالة على أعتبار الغسل بالماء في تطهير المتنجسات والمتخلص أنه لا دليل على الحاق الحصر والبواري بالارض بل حالهما حال غيرهما من المنقولات. (1) لما تقدم من أن مطهرية الشمس غير مختصة بالارض، لان عنوان (الموضع القذر) أو (السطح) أو (المكان الذى يصلى فيه) كما ورد في الاخبار

[ 154 ]

[ إشكال (1) وكذا مثل الچلابية والقفه، ويشترط في تطهيرها أن يكون في المذكورات رطوبة مسرية (2). ] المتقدمة من العناوين الشاملة لغير الارض أيضا فيشمل الطرادة والسفينة لا محالة لصحة أن يقال أن كلا منهما سطح أو مكان يصلى فيه بمعنى أنه قابل ومعد للصلاة. فلا أشكال في طهمارتهما بالشمس. (1) لانه ونظائره من (الجلابية والقفة) وغيرهما من المراكب البحرية أو البرية غير معدة ولا قابلة للصلاة فيها لصغرها وضيقها فلا يصدق عليها عنوان السطح أو المكان الذى يصلى فيه. ونحن وإن قلنا بطهارة الاخشاب ونظائرها بالشمس نظرا إلى أنها إذا كانت مثبتة ومفروشة على الارض صح أن يطلق عليها السطح أو المكان الذى يصلى فيه. وذكرنا أنها إذا صدق عليها شي من العناوين المتقدمة في مورد تعدينا إلى سائر الموارد أيضا وإن لم يصدق عليها تلك العناوين كما إذا كانت مثبتة في البناء للاجماع القطعي وعدم القول بالفصل. إلا أن هذا فيما إذا كانت الاخشاب مما لا ينقل. وأما إذا كانت من المنقول: فلا أجماع قطعي حتى يسوغ التعدي بسببه. نعم لو كنا أعتمدنا على رواية الحضرمي لم يكن مانع من الحكم بالطهارة في (الگارى) ونظائره بالشمس لعموم قوله عليه السلام كل ما أشرقت. أو أطلاق قوله ما أشرقت ولكنك عرفت عدم كون الرواية قابلة للاعتماد عليها في الاستدلال. (2) أشتراط الرطوبة المسرية في مطهرية الشمس لا دليل عليه لان ظاهر السؤال في الروايات عن البول يكون على السطح أو عن السطح يصيبه البول أو يبال عليه وأن كان هو أشتمال المتنجس على الرطوبة المسرية إلا أن حكمه عليه السلام لم يترتب على ما فيه رطوبة مسرية، وإنما حكم عليه السلام بعدم البأس فيما أشرقت عليه

[ 155 ]

الشمس أو أصابته وجففته. فالمدار على أصابة الشمس وجفاف المتنجس بأشراقها، وهذا كما يتحقق مع الرطوبة المسرية كذلك يتحقق فيما إذا كانت الارض أو السطح ندية فيقال أنها كانت ندية فجففت بأشراق الشمس عليها فاللازم في مطهرية الشمس أشتمال المتنجس على النداوة لتوقف صدق الجفاف واليبس عليها وعلى ذلك يحمل قوله عليه السلام في صحيحة أبن بزيع: كيف يطهر من غير ماء. وأما الزائد على ذلك أعني الرطوبة المسرية فلا دليل على أشتراطه هذا. وقد يقال: الجفاف غير اليبوسة إذ الاول في مقابل الرطوبة المسرية. والثاني في قبال النداوة وبما أن بينهما بحسب المورد عموم من وجه، لان الاول يتوقف على الرطوبة المسرية ويصدق بذهابها وإن بقيت النداوة في الجملة. والثاني يكفي فيه مجرد النداوة ولا يصدق إلا بذهاب النداوة بتمامها كان مقتضى الجمع بين صحيحة زرارة المشتملة على أعتبار الجفاف وبين الموثقة المتضمنة لاعتبار اليبوسة هو الاكتفاء بكل من الرطوبة المسرية والنداوة بحيث لو كانت في الموضع المتنجس رطوبة مسرية فأذهبتها الشمس طهر ولو مع بقاء نداوته لصدق الجفاف بذهاب الرطوبة. وإن كانت فيه ندواة طهر بذهابها لصدق اليبس بالشمس هذا. ولا يخفى أن اليبس والجفاف على ما يظهر من اللغة مترادفان فيقال: جففه أي يبسه، ويبس الشى: جففه. والارتكاز العرفي وملاحظة موارد الاستعمالات أقوى شاهد على المدعى. وعليه فالمعتبر إنما هو ذهاب النداوة بالشمس حتى يصدق معه اليبوسة والجفاف، إذ لو أذهبت الشمس بالرطوبة وبقيت النداوة لم يصدق معه شى منهما فلا يقال أن الشي جاف أو يابس فلا يحكم بطهارته.

[ 156 ]

[ وأن تجففها بالاشراق عليها (1) بلا حجاب عليها كالغيم ونحوه وعلى المذكورات فلو جفت بها من دون أشراقها، ولو بأشراقها على ما يجاورها، أو لم تجف أو كان الجفاف بمعونة الريح لم تطهر (2). نعم الظاهر أن الغيم الرقيق أو الريح اليسير على وجه يستند التجفيف إلى الشمس وأشراقها لا يضر. ] (1) أعتبار أستناد الجفاف إلى أشراق الشمس على المتنجس هو المصرح به في رواية الحضرمي حيث قال: كل ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر. فبناء على أعتبار الرواية لا غبار في هذا الاشتراط وفعلها المستند في المسألة عند الماتن وغيره ممن ذهب إلى ذلك، وتبع الرواية في التعبير بالاشراق. وأما إذا لم نعتمد على الرواية. كما لا نعتمد فالمدرك في هذا الاشتراط موثقة عمار. وقد ورد فيها: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة.. (* 1) لوضوح أن الاصابة لا تصدق مع الحجاب على الشمس أو علي المتنجس كالغيم والحصير الملقى على الارض وغيره مما يمنع من أشراق الشمس عليه فلا يكفي الجفاف حينئذ لعدم أصابة الشمس عليه. (2) أما إذا جفت بالمجاورة فلما تقدم من أعتبار أصابة الشمس وأشراقها على المتنجس ومع أنتفائها لا يكفي مطلق الجفاف وما ورد في صحيحة زرارة من قوله: إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر (* 2) وإن كان مطلقا يشمل الجفاف بالمجاورة إلا أنه لابد من تقييدها بما إذا كان الجفاف مستندا إلى أصابة الشمس وأشراقها بمقتضى موثقة عمار.


(* 1) المتقدمة في ص 143 (* 2) المتقدمة في ص 140

[ 157 ]

وأما إذا جفت بمعونة الريح بأن أستند الجفاف إلى أشراق الشمس وإلى غيره كالهواء والريح وغيرهما فهل يكفي في الطهارة أشتراكهما في التجفيف أو لابد من إستناده إلى إلاشراق بالاستقلال؟. فالصحيح أن يفصل بين ما إذا كان تأثير الريح مثلا في التجفيف. بالمقدار المتعارف وبين ما إذا كان بالمقدار الزائد عليه. وأما في الصورة الاولى فلا ينبغي الاشكال في كفاية التجفيف المشترك، لانه المتعارف في الاشراق وإليه تنظر الاطلاقات فإن أشراق الشمس وتأثيرها في الجفاف من دون أن يشترك معها غيرها ولو بمقدار يسير أمر نادر أو لا تحقق له أصلا. وأما الصورة الثانية كما إذا أستند التجفيف في مقدار نصفه إلى الاشراق وفي النصف الآخر إلى النار أو الهواء؟ فقد يقال فيها: بكفاية التجفيف أيضا بدعوى أن المعتبر حسبما يستفاد من الاخبار أستناد الجفاف إلى الشمس وهو حاصل في فرض الاشتراك وأما عدم أستناده إلى غير الشمس فهو مما لم يقم عليه دليل، ولا يستفاد من الاخبار. ويؤيد ذلك بموثقة عمار لما ورد فيها من قوله: فأصابته الشمس ثم يبس الموضع، لاطلاق اليبوسة فيها وعدم تقييدها بكونها مستندة إلى الشمس فحسب فمع الاشتراك يصدق أن الارض مما أصابته الشمس ثم يبست، هذا. ولا يخفى أن موثقة عمار وإن كانت مطلقة من تلك الجهة إلا أنه على خلاف الاجماع القطعي عندنا لصدقها على ما إذا أصابت الشمس شيئا في زمان ولم يحصل معها الجفاف ولكنه حصل بعد مدة كيوم أو أقل أو أكثر، لبداهة صدق أن الشي أصابته الشمس ثم يبس حينئذ، مع أنه غير موجب للطهارة من

[ 158 ]

غير نكير فسوء التعبير مستند إلى عمار، وعلى أي حال لا يمكن الاعتماد على أطلاق الموثقة وعليه فلابد من ملاحظة أن هل هناك دليل على لزوم أستقلال الشمس في التجفيف وعدم استناده إلى غيرها أو لا دليل عليه؟ فنقول إن قوله عليه السلام في صحيحة زرارة: إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر (* 1) يقتضي بظاهره لزوم أستناد التجفيف إلى الشمس بأستقلالها، وذلك لان الجفاف عن رطوبة لا يعقل فيه التعدد والتكرر، لانه أي الجفاف عرض غير قابل للتعدد عن رطوبة واحدة. وإذا أسند مثله إلى شي فظاهره أنه مستند إليه بالاستقلال لانه لو كان مستندا إلى شيئين أو أكثر كالشمس والنار ونحوهما لم يصح إسناده إلى أحدهما لانه مستند إلى المجموع على الفرض ولا يعقل فيه التعدد، فإذا أستند إلى شي واحد كما في الخبر حيث أسند فيه إلى الشمس فحسب كان ظاهرا في الاستناد بالاستقلال، وليست اليبوسة كأكل زيد ونحوه ممالا ظهور فيه في نفي صدور الفعل عن غيره لوضوح أن قولنا: أكل زيد لا ظهور له في عدم صدور الاكل من عمرو مثلا. والسر فيه أن الاكل في نفسه أمر قابل للتعدد والتكرار فيمكن أن يستند إلى زيد كما يستند إلى عمرو لتعدده وهذا بخلاف الجفاف واليبس، لان الشي الواحد لا يجف عن رطوبة واحدة مرتين، فعلى ذلك يعتبر في الطهارة بالشمس أستناد الجفاف إلى الشمس بالاستقلال فمع أستناده إليها وإلى غيرها لم يحكم بالطهارة، وأما ما ورد في صحيحة زرارة وحديد من قوله عليه السلام إن كان تصيبه


(* 1) المتقدمة في ص 140

[ 159 ]

[ وفي كفاية أشراقها على المرآة مع وقوع عكسه على الارض أشكال (1). ] الشمس والريح وكان جافا فلا بأس فقد قدمنا أنها أجنبية عن مورد الكلام، وإنما تدل على جواز الصلاة في الامكنة المتنجسة إذا يبست بشي من الشمس أو النار أو الريح أو غيرها. (1) ومنشأ الاشكال في المسألة ليس هو عدم صدق الاشراق عليه بدعوى أن ظاهر الاشراق وقوع نفس الضوء على الارض. وذلك لانا لو أعتمدنا على رواية الحضرمي ومنعنا عن صدق الاشراق مع الواسطة فلنا أن نحكم بطهارة الارض في مفروض المسألة بصحيحة زرارة، لان الجفاف الوارد فيها مطلق يعم ما إذا كان الجفاف مع الواسطة وذلك كما إذا أشرقت الشمس على أرض مجاورة للارض المتنجسة فجفت بحرارة الشمس لا بأشراقها ولا ننافي بينها وبين رواية الحضرمي لانها ليست بذات مفهوم لتدل على أن غير األشراق لا يطهر الارض حتى تقع المعارضة بينهما في التطهير بالجفاف مع الواسطة. بل الاشكال في المسألة ينشاء عما قدمناه آنفا من أعتبار الاصابة في مطهرية الشمس لموثقة عمار: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس.. فإن الاصابة لا تصدق مع وجود الواسطة وعدم المقابلة بين الشمس والموضع. ومفهوم الموثقة عدم حصول الطهارة في غير صورة الاصابة وبها قيدنا أطلاق الجفاف في صحيحة زرارة وكذا الحال في رواية الحضرمي على تقدير تماميتها سندا وشمول الاشراق للاشراق مع الواسطة. ومن هنا يظهر أن أشراق الشمس على المتنجس بواسطة الاجسام الشفافة كالبلور والزجاج وبعض الاحجار الكريمة كالدر لا يكفي في الطهارة، لعدم


(* 1) المتقدمة في ص 141

[ 160 ]

[ (مسألة 1) كما تطهر ظاهر الارض كذلك باطنها (1) المتصل بالظاهر النجس بأشراقها عليه. وجفافه بذلك بخلاف ما إذا كان الباطن فقط نجسا (2) أو لم يكن متصلا بالظاهر، بأن يكون بينهما فصل بهواء أو بمقدار طاهر. ] صدق الاصابة معها فالحاجز على أطلاقه مانع عن التطهير بالشمس. (1) قد يقال: بعدم طهارة الباطن بأشراق الشمس على ظاهر الارض نظرا إلى أن مطهرية الشمس إنما أستفدناها من حكمهم عليهم السلام بجواز الصلاة على الارض المتنجسة بعد جفافها بالشمس. ومن الظاهر أن في جواز الصلاة على الارض المتنجسة تكفي طهارة الظاهر فحسب فلا يكون ذلك مقتضيا لطهارة الباطن أيضا. نعم لا محيص من الالتزام بطهارة شي يسير من الباطن فإن الصلاة على بعض الاراضي كالاراضى الرملية يستتبع تبدل أجزائها وقد توجب تبدل الظاهر باطنا وبالعكس ففي هذا المقدار لا بد من الالتزام بطهارة الباطن دون الزائد عليه. والصحيح ما أفاده الماتن (قده) لان جواز الصلاة على الارض وإن لم يقتض طهارة المقدار الزائد على السطح الظاهر كما ذكر إلا أن صحيحة زرارة تدلنا على طهارة الباطن أيضا لقوله فيها: فهو طاهر. حيث أن الضمير فيه يرجع إلى الشي المتنجس بالبول ونحوه ومعناه أن ذلك المتنجس إذا جففته الشمس حكم بطهارته. ومن الظاهر أن الباطن المتصل بالظاهر شي واحد ففي المقدار الذى وصل إليه النجس إذا جف بالشمس حكمنا بطهارته لوحدتهما. (2) ومما ذكرناه في التعليقة المتقدمة يظهر أن النجس إذا كان هو الباطن فحسب لم يحكم بطهارته بإشراق الشمس على ظاهرها لان النجس حينئذ شي آخر

[ 161 ]

[ أو لم يجف (1) أو جف بغير الاشراق على الظاهر (2) أو كان فصل (3) بين تجفيفها للظاهر وتجفيفها للباطن، كأن يكون أحدهما في يوم والآخر في يوم آخر، فإنه لا يطهر في هذه الصورة. ] يغاير ظاهرها فأشراق الشمس على الظاهر لا يوجب صدق الاصابة والاشراق على باطنه لانه أمر آخر غير ما تصيبه الشمس وكذا الحال فيما إذا لم يكن الباطن متصلا بالظاهر لتخلل هواء أو مقدار طاهر من الارض بينهما وذلك لان الباطن والظاهر حينئذ شيئان متعددان ولا موجب لطهارة أحدهما بأشراق الشمس على الآخر (1) فالطاهر خصوص السطح الظاهر الذى جف بالشمس. وأما الباطن الباقي على رطوبته فلا لاشتراط الجفاف في مطهرية الشمس. (2) لانه يعتبر في الجفاف أن يستند إلى أشراق الشمس وأصابتها ولا يكتفى في الطهارة بمطلق الجفاف. (3) حيث أن الباطن إذا جف مقارنا لجفاف السطح الظاهر صدق أنهما شئ واحد جف بأشراق الشمس عليه. وأما إذا حصل بين الجفافين فصل مخل للمقارنة العرفية لان جفاف الظاهر حقيقة متقدم على جفاف الباطن إلا أنهما متقارنان بالنظر العرفي ما لم يفصل بينهما بكثير كما في ما مثل به الماتن (قده) فلا يمكن الحكم بطهارة الباطن لان أشراق الشمس على ظاهر الارض في اليوم الآخر لا يعد إشراقا على باطنها لتوسط الجزء الطاهر وهو ظاهر الارض حيث طهر في اليوم السابق على الفرض بينه وبين الباطن، وهو كتوسط جسم آخر بين ظاهر الارض وباطنها في المسألة المتقدمة. وأما إشراق الشمس على ظاهر الارض في اليوم السابق في المثال فهو أيضا غير مقتض لطهارة الباطن لعدم جفافه حينئذ وإنما يبس في اليوم الآخر.

[ 162 ]

[ (مسألة 2) إذا كانت الارض أو نحوها جافة، وأريد تطهيرها بالشمس يصب عليها الماء الطاهر، أو النجس، أو غيره (1) مما يورث الرطوبة فيها حتى تجففها. (مسألة 3) ألحق (2) بعض العلماء البيدر الكبير بغير المنقولات. وهو مشكل. (مسألة 4) الحصى والتراب والطين والاحجار ونحوها ما دامت واقعة على الارض هي في حكمها (3) ] (1) كسائر المايعات المورثة للرطوبة لما عرفت من أعتبار الجفاف بالشمس وهو لا يتحقق مع اليبوسة كما مر وعلى ذلك حملنا قوله عليه السلام في صحيحة أبن بزيع: كيف تطهر بغير الماء. (2) ولا بأس بهذا إلالحاق لو تمت رواية الحضرمي لانها بأطلاقها أو عمومها يدل على طهارة كل ما أشرقت عليه الشمس وقد خرجنا عنها في الاشياء القابلة للانتقال بالاجماع والضرورة. والبيدر وأمثاله من الظروف الكبيرة التي يصعب نقلها وإن كان من المنقول حقيقة إلا أنه لا إاجماع ولا ضرورة يقتضي خروجه عن أطلاق الرواية. نعم من لا يعتمد عليها لضعفها لا يمكنه الحكم بالالتحاق لعدم شمول الاخبار له حيث لا يصدق عليه عنوان السطح أو المكان الذي يصلي فيه أو غيرهما من العناوين الواردة في الاخبار. (3) والوجه فيه أن المدار في طهارة المتنجس بالشمس إنما هو صدق عنوان السطح أو المكان أو الموضع عليه ففي أي زمان صدق عليه شى من العناوين المذكورة حكم بطهارته كما أنه إذا لم يصدق عليه شي منها لم يحكم بطهارته والحصاة التي هي من أجزاء الارض أو الرمل إذا كانت واقعة على الارض صدق عليها عنوان المكان أو الموضع بتبع الارض فيحكم بطهارتها بالاشراق.

[ 163 ]

[ وإن أخذت منها لحقت بالمنقولات، وإن أعيدت عاد حكمها (1) وكذا المسمار الثابت في الارض أو البناء، مادام ثابتا يلحقه الحكم، وإذا قلع يلحقه حكم المنقول، وإذا أثبت ثانيا يعود حكمه الاول، وهكذا فيما يشبه ذلك. (مسألة 5) يشترط في التطهير بالشمس زوال عين النجاسة (2) إن كان لها عين. ] وإذا أخذت من الارض لحقها حكم المنقول لعدم صدق العناوين الواردة في الاخبار عليها. (1) لما عرفت من أن المدار في طهارة المتنجس بالشمس هو صدق شي من العناوين المتقدمة عليه فإذا صدق شي من تلك العناوين بأعادة الحصى إلى الارض حكم بطهارتها بالاشراق. بل الحال كذلك فيما إذا عرضت لها النجاسة بعد الانفصال لعدم أشتراط الطهارة بالشمس بعروض النجاسة عليها حال تأصالها بالارض. (2) وذلك للارتكاز الشاهد على أن الغرض من الاخبار الواردة في المقام إنما هو تسهيل الامر على المكلفين بجعل أشراق الشمس قائما مقام الغسل بالماء ولا ينبغي الاشكال بحسب الارتكاز في أعتبار زوال العين في الغسل به ولابد معه من إعتبار ذلك أيضا في بدله. ويصلح هذا الارتكاز لتقييد المطلقات بصورة زوال عين النجس. هذا على أن النجس إذا لم تكن له عين لدى العرف لكونه عندهم عرضا وإن كان من الجواهر حقيقة كما في البول حيث أن له أجزاء صغيرة وربما يظهر أثره فميا يصيبه إذا تكررت أصابته إلا أنه عرض بالنظر العرفي فلا عين له ليشترط زوالها أولا يشترط وهو مورد جملة من الاخبار المتقدمة وأما إذا عد من الجواهر وكانت له عين بنظرهم فلا شبهة في أن وجود

[ 164 ]

[ (مسألة 6) إذا شك في رطوبة الارض حين الاشراق، أو في زوال العين بعد العلم بوجودها، أو في حصول الجفاف، أو في كونه بالشمس أو بغيرها أو بمعونة الغير لا يحكم بالطهارة (1) وإذا شك في حدوث المانع عن الاشراق من ستر ونحوه يبنى على عدمه على إشكال (2) تقدم نظيره في مطهرية الارض. ] النجس حينئذ يمنع عن أصابة الشمس للارض فهو لو كان طاهرا منع عن طهارة الارض ولم تصدق معه الاصابة فكيف بما إذا كان نجسا. وتوهم أن العين بعد ما وقعت على الارض عدت من أجزائها فتطهر العين بنفسها حينئذ تبعا لطهارة الارض بالاشراق فلا عين نجس بعد ذلك حتى يشترط زوالها يندفع: بأن العين النجسة لاتعد من الاجزاء الارضية بوجه والصحيحة المتضمنة للسطح والمكان غير شاملة للعين النجسة لاختصاصها بالبول. وأما موثقة عمار المشتملة على (الموضع القذر) فهي وإن كانت مطلقه ولا أختصاص لها بالبول وبأطلاقها تعدينا إلى غير البول من النجاسات إلا أنه لا مناص من تقييدها بالقرينة الخارجية بما إذا لم تكن في الموضع عين النجس والقرينة هو الارتكاز الشاهد على أن أصابة الشمس وأشراقها قائمة مقام الغسل بالماء تسهيلا للعباد ومن الظاهر أن مع عدم زوال العين لا تحصل الطهارة بالماء. وعلى الجملة لا دلالة في شي من الصحيحة ولا الموثقة على طهارة العين النجسة تبعا. (1) للشك في حصول شرطها ومعه لا بد من الرجوع إلى أستصحاب النجاسة السابقة وهو بلا معارض. (2) وهو أن أستصحاب عدم حدوث المانع لا أثر له في نفسه وأستصحابه لا ثبات أصابة الشمس وأشراقها على الارض من الاصول المثبتة ومع عدم أحراز الاصابة لا يمكن الحكم بالطهارة لانها كما مر مترتبة على أصابة الشمس وأشراقها

[ 165 ]

[ (مسألة 7) الحصير يطهر بأشراق الشمس على أحد طرفيه طرفه الآخر (1) وأما إذا كانت الارض ألتي تحته نجسة فلا تطهر بتبعيته (2) وإن جفت بعد كونها رطبة، وكذا إذا كان تحته حصير آخر (3) إلا إذا خيط به على وجه يعدان معا شيئا واحدا. وأما الجدار المتنجس إذا أشرقت الشمس على أحد جانبيه فلا يبعد (4) طهارة جانبه الآخر إذا جف به ] (1) لان في الاخبار الواردة في جواز الصلاة على الحصر والبواري عند جفافهما بالشمس على القول بطهارتهما بذلك ما يدل على أن أشراق الشمس على أحد جانبيهما تقتضي طهارة جميع أجزائهما الداخلية والخارجية كما في صحيحه علي بن جعفر المروية عن كتابه عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذرأيصلى عليه؟ قال: إذا يبست فلا بأس (* 1). وموثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البارية يبل قصبها بماء قذر، هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال: إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها (* 2) لان ظاهر السؤال فيهما أن الماء القذر أصاب جميع أجزاء البارية وأجاب عليه السلام بأنها إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها. ومقتضى مطابقة الجواب للسؤال أن الشمس إذا أصابت أحد جنبي البارية وجففته جازت الصلاة على كلا جانبيهما فإذا كان جواز الصلاة عليها دليلا على طهارتها فلا محالة يحكم بطهارة كلا الجانبين بأشراق الشمس على أحدهما. (2) وذلك لانها جسم آخر والشمس إنما أصابت الحصير دون الارض وقد أشترطنا في التطهير بها أصابتها على المتنجس والمفروض عدمها في المقام. (3) لعين ما عرفته آنفا. (4) لان الضمير في قوله عليه السلام وهو طاهر. الوراد في صحيحة زرارة


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 30 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 166 ]

[ وإن كان لا يخلو عن إشكال (1) وأما إذا أشرقت على جانبه الآخر أيضا فلا أشكال ] راجع إلى السطح أو المكان وقد دل على طهارتهما بأشراق الشمس عليهما وتجفيفهما ومقتضى أطلاقه عدم أختصاص الطهارة بجانب منهما دون جانب وبذلك يحكم على طهارة السطح أو المكان بتمامهما إذا جفا بالشمس. (1) ومنشاء الاشكال في المقام دعوى أن أطلاق الصحيح ينصرف إلى خصوص السطح الذي تشرق الشمس عليه وكذا أجزاؤه الداخلية غير القابلة لان تصيبها. وأما الجانب الاخر القابل لاشراق الشمس عليه في نفسه من غير أن يكون تابعا لشي آخر فلا يشمله إطلاقها. إلا أن دعوى الانصراف مما لا شاهد له وإطلاق الصحيحة يقتضي طهارة السطح أو المكان بأوله وآخره وظاهره وباطنه. وبما ذكرناه يتضح أن الماتن لماذا خص إلاستشكال في طهارة الجانب الاخر بالجدار ولم يستشكل في طهارة الجانب الاخر في الحصير. وتوضيح الفارق بينهما أن الحكم بالطهارة في الطرف الآخر في الجدار على تقدير نجاسته وجفافه بيبوسة الطرف الذى أشرقت عليه الشمس إنما هو بأطلاق الصحيحة المتقدمة ومن ثمة إستشكل في ذلك بدعوي الانصراف إلى الاجزاء غير القابلة لاشراق الشمس عليها في نفسها وأما الحكم بطهارة الجانب الآخر في الحصير فهو مستند إلى الروايتين المتقدمتين نظرا إلى أن مفروض سئوالهما وصول النجاسة إلى جميع أجزاء البارية وجوانبها كما أن مقتضى جوابه عليه السلام طهارة جميع تلك الاجزاء والجواب بأشراق الشمس على بعضها فالاستدلال على طهارة الجانب الآخر في الحصير ليس هو بالاطلاق ليستشكل عليه بدعوى الانصراف. نعم هذا كله إنما هو فيما إذا قلنا بطهارة البواري بالشمس ولكنا منعنا عن دلالة الاخبار على طهارتها وقلنا إن مدلولها جواز الصلاة فيها على تقدير.

[ 167 ]

[ (الرابع): الاستحالة (1). ] يبوستها وهو لا يقتضي الطهارة فليلاحظ. مطهرية الاستحالة (1) عدوا الاستحالة من المطهرات وعنوا بها تبدل جسم بجسم آخر مبائن للاول في صورتهما النوعية عرفا، وإن لم تكن بينهما مغائرة عقلا وتوضيحه: أن التبدل قد يفرض في الاوصاف الشخصية أو الصنفية مع بقاء الحقيقة النوعية بحالها وذلك كتبدل القطن ثوبا أو الثوب قطنا، فإن التبدل حينئذ في الاوصاف مع بقاء القطن على حقيقته لوضوح أن القطن لا يخرج عن حقيقته وكونه قطنا بجعله ثوبا أو الثوب بجعله قطنا بل هو هو حقيقة وإنما تغيرت حالاته بالتبدل من القوة إلى الضعف أو من الشدة إلى الرخاء أو العكس لتماكس أجزائه حالكونه ثوبا وتفللها وعدم تماكسها عند كونه قطنا وهذه التبدلات خارجة عن الاستحالة المعدة من المطهرات. ومنها تبدل الحنطة دقيقا أو خبزا لان حقيقة الحنطة باقية بحالها في كلتا الصورتين وإنما التبدل في صفاتها من القوة والتماكس وعدم كونها مطبوخة إلى غيرها من الصفات والجامع هو التبدل في الاوصاف الشخصية أو الصنفية وقد يفرض التبدل في الصورة النوعية كما إذا تبدلت الصورة بصورة نوعية أخرى مغائرة للاولى عرفا. وهذه الصورة هي المراد بالاستحالة في كلماتهم بلا فرق في ذلك بين أن تكون الصورتان متغائرتين بالنظر العقلي أيضا كما في تبدل الجماد أو النبات حيوانا أو تبدل الحيوان جمادا كالكلب الواقع في المملحة إذا صار ملحا أو الميتة أكلها حيوان وصارت نطفة وصارت النطفة بعد تحولاتها حيوانا مثلا وبين ما إذا لم تكن بينهما مغائرة عقلا. وإن كانتا متغائرتين

[ 168 ]

عرفا وذلك كالخمر إذا تبدلت بالخل كنا يأتي بيانه في التكلم على الانقلاب إن شاء الله. وحيث أن الاحكام الشرعية غير مبتنية على الانظار العقلية والفلسفية كان الحكم بالطهارة في موارد الاستحالة منوطا بالتبدل لدى العرف وإن لم يكن تبدل في الصورة النوعية عقلا. ثم أن الدليل على مطهرية الاستحالة هو أن بالاستحالة يتحقق موضوع جديد غير الموضوع المحكوم بنجاسته لانه أنعدم وزال والمستحال إليه موضوع. آخر فلابد من ملاحظة أن ذلك الموضوع المستحال إليه هل ثبتت طهارته بدليل أجتهادى أو لم تثبت طهارته كذلك؟ فعلى الاول لا مناص من الحكم بطهارته بعين ذلك الدليل كما إذا أستحال شاة أو أنسانا أو جمادا أو غير ذلك من الموضوعات الثابتة طهارتها بالدليل. كما أنه على الثاني يحكم بطهارة المستحال إليه أيضا لقاعدة الطهارة وذلك لفرض أنه مشكوك الحكم ولم تثبت نجاستها ولا طهارتها بدليل. ونجاسته قبل إلاستحالة قد أرتفعت بأرتفاع موضوعها ولا معنى لبقاء الحكم عند أنعدام موضوعه، بحيث لو قلنا بنجاسته كما إذ كان المستحال إليه من الاعيان النجسة فهي حكم جديد غير النجاسة الثابتة على قبل أستحالته، وربما تختلف أثارهما كما إذا إستحال الماء المتنجس بولا لما لا يؤكل لحمه إذ النجاسة في الماء المتنجس ترتفع بالغسل مرة. وأما بول ما لا يؤكل لحمه أو الانسان على الخلاف فلا تزول نجاسته إلا بغسله مرتين إما مطلقا أوفي خصوص الثوب والجسد فالمتحصل أن النجاسة في موارد الاستحالة ترتفع بأنعدام موضوعها وإن المستحال إليه موضوع آخر لا ندري بطهارته ونجاسته فلا مناص من الحكم بطهارته لقاعدة الطهارة. ومما ذكرناه إتضح أن عد الاستحالة من المطهرات لا يخلو عن تسامح

[ 169 ]

[ وهى تبدل حقيقة الشئ وصورته النوعية إلى صورة أخرى، فإنها تطهر النجس (1)، بل المتنجس (2) كالعذرة تصير ترابا، والخشبة المتنجسة إذا صارت رمادا، والبول أو الماء المتنجس بخارا، والكلب ملحا، وهكذا كالنطفة تصير حيوانا، والطعام النجس جزء من الحيوان. ] ظاهر، حيث أن الاستحالة موجبة لانعدام موضوع النجس أو المتنجس عرفا لا أنها موجبة لطهارته مع بقاء الموضوع بحاله ولعل نظرهم قدس الله أسرارهم إلى أن الطهارة ثابته مع الاستحالة لا أنها رافعة لها. (1) لما عرفت من أن المستحال إليه إذا كان من الاشياء التى ثبتت طهارتها بشي من الأدلة الاجتهادية حكم بطهارة العين المستحلية بعين ذلك الدليل لانها موضوع جديد وهو من جملة الافراد التى قامت الادلة على طهارتها والموضوع السابق المحكوم بالنجاسة قد أرتفع بالاستحالة وإذا كان المستحال إليه مما يشك في طهارته ونجاسته في الشريعة المقدسة ولم يقم دليل على طهارته أيضا حكم بطهارتها لقاعدة الطهارة وتوضيحه: أن النجاسة في الاعيان النجسة إنما ترتبت إلى الصور النوعية وعناوينها الخاصة فالدم مثلا بعنوان أنه دم نجس كما أن العذرة بعنوانها محكومة بالنجاسة ومع تبد الصورة النوعية وزوال العناوين الخاصة ترتفع نجاستهما لانعدام موضوعهما ولم تترتب النجاسة في الاعيان النجسة على مادة مشتركة بين المستحال منه والمستحال إليه أو على عنوان الجسم مثلا ليدعى بقاء نجاستها بعد أستحالتها وتبدلها بصورة نوعية أخرى لبقاء موضوعها هذا كله في الاعيان النجسة. (2) لما قدمناه في أستحالة الاعيان النجسة هذا ولكن قد يقال كما نقله شيخنا الانصاري (قده) بالفرق بين أستحالة نجس العين والمتنجس بالحكم

[ 170 ]

بعدم كونها مطهرة في المتنجسات وأظن أو أول من أبداه هو الفاضل الهندي نظرا إلى أن الاستحالة في الاعيان النجسة موجبة لانعدام موضوع الحكم كما مر وهذا بخلاف الاستحالة المتنجس، حيث أن النجاسة بالملاقاة لم تترتب على المتنجسات بعناوينها الخاصة من الثوب والقطن والماء وغيرها لعدم مدخلية شي من تلك العناوين في الحكم بالنجاسة بالملاقاة بل النجاسة فيها تترتب على عنوان غير زائل بالاستحالة وهو الجسم أو الشي كما في موثقة عمار: ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء.. (* 1) أي كل شي أصابه المتنس بلا مدخلية شي من الخصوصيات الفردية أو الصنفية فيه. ومن الواضح أن الجسمية أو الشيئية صادقتان بعد الاستحالة أيضا حيث أن الرماد أو الدخان مثلا جسم أو شي. ومع بقاء الموضوع وعدم أرتفاعه يحكم بنجاسته حسب الادلة الدالة على أن الجسم أو الشي يتنجس بالملاقاة، ثم إن الشئ وإن كان يشمل الجواهر والاعراض إلا أن العرض لما لم يكن قابلا للاصابة والملاقاة كانت الاصابة في الموثقة قرينة على أختصاص الشئ بالجواهر، وكيف كان الاستحالة غير موجبة للطهارة في المتنجسات هذا. ولقد أطال شيخنا الانصاري (قده) الكلام في الجواب عن ذلك وذكر بتلخيص وتوضيح منا: أن النجاسة لم يعلم كونها في المتنجسات محمولة على الصورة الجنسية والجسم وإن أشتهر في كلماتهم أن كل جسم لاقى نجسا مع رطوبة أحدهما ينجس. إلا أن قولهم هذا ليس مدلولا لدليل من آية أو رواية وإنما هو قاعده مستنبطة من الادلة الخاصة الواردة في الموارد المعينة من الثوب والبدن والماء ونحوهما فهي تشير إلى تلك العناوين المشخصة ويؤل معناها إلى أن الماء إذا لاقى نجسا ينجس والثوب


(* 1) المروية في ب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 171 ]

إذا لاقى. وهكذا فإذا للصور والعناوين الخاصة دخالة في الحكم بالنجاسة وإذا زالت بسبب الاستحالة زال عنها حكمها كما هو الحال في الاعيان النجسة كما مر هذا. إلا أن ما أفاده (قده) لا يفي بدفع الشبهة وذلك لما عرفت من أن النجاسة والانفعال إنما رتبا على عنوان الجسم أو الشي كما ورد في موثقة عمار فقولهم إن كل جسم لاقى نجسا مع رطوبة أحدهما ينجس هو الصحيح وهو مضمون الموثقة ولم تترتب النجاسة على العناوين الخاصة لبداهة عدم مدخلية الخصوصيات الصنفية من القطن والثوب ونحوهما في الحكم بالانفعال بالملاقاة. وعلى ذلك لامانع من التمسك بأطلاق الادلة الاجتهادية الدالة على نجاسة الاشياء الملاقية مع النجس برطوبة حيث أن مقتضى أطلاقها أن الشي إذا تنجس تبقى نجاسته إلى الابد ما لم يطرء عليه مزيل شرعا، أو لو ناقشنا في أطلاقها لامكن التمسك بأستصحاب النجاسة الثابتة عليه قبل أستحالته كما سيتضح. فالصحيح في الجواب أن يقال: إن التمسك بالاطلاق أو الاستصحاب إنما يتم إذا كان التبدل في الخصوصيات الشخصية أو الصنفية كما إذا بدلنا الثوب قطنا أو القطن ثوبا أو صارت الحنطة طحينا أو خبزاونحو ذلك فإن النجاسة العارضة على تلك الاشياء بملاقاة النجس لا ترتفع عنها بالتبدل في تلك الاوصاف فإن الثوب هو القطن حقيقة وإنما يختلفان في وصف التفرق والاتصال، كما أن الحنطة هو الخبز واقعا وإنما يفترقان في الطبخ وعدمه والنجاسة كما ذكرنا إنما ترتبت على عنوان الشي أو الجسم وصادقان بعد التبدل أيضا بل الشي قبله هو الشي بعده بعينه عقلا وعرفا والتبدل في الاوصاف والاحوال غير مغير للحقيقة بوجه ومعه لا مانع من التمسك بالاطلاق أو الاستصحاب لاحراز بقاء الموضوع وأتحاد القضية المتيقنة والمشكوك فيها بناء على جريان الاستصحاب في الاحكام

[ 172 ]

إلا أن التغير في تلك الاوصاف ليس من الاستحالة المبحوث عنها في المقام. وأما إذا كان التبدل في الاوصاف النوعية كتبدل الثوب المتنجس ترابا أو الخشب المتنجس رمادا فلا يمكن التمسك حينئذ بالاطلاق أو الاستصحاب لمغائرة أحد هما الآخر، وأرتفاع موضوع الحكم بالنجاسة عقلا وعرفا وأما عرفا فحسب، والنجاسة بالملاقاة وإن كانت مترتبة على عنوان الجسم أو الشي إلا أن المتبدل به شئ والمتبدل منه الذي حكم بنجاسته بالملاقاة شي آخر، والذي لاقاه النجس هو الشي السابق دون الجديد ولا يكاد يسري حكم فرد إلى فرد آخر مغائر له فالمتحصل أن التبدل في العناوين المنوعة يرتفع الشي السابق ويزول ويتحقق شي آخر جديد فلا مجال معه للتمسك بالاطلاق أو الاستصحاب فالاستحالة في المتنجسات كالاستحالة في الاعيان النجسة موجبة لانعدام الموضوع السابق وأيجاد موضوع جديد. ويؤيد ذلك ما جرت عليه سيرة المتدينين من عدم أجتنابهم عن الحيوانات الطاهرة إذا أكلت أو شربت شيئا متنجسا فالدجاجة التى أكلت طعاما قذرا لا يجتنب عن بيضها كما لا يجتنبون عن روث الحيوان المحلل أو بوله أو خرئه أو لحمه إذا أكل أو شرب شيئا متنجسا وليس هذا إلا من جهة طهارة المتنجس بالاستحالة هذا. وقد يستدل على طهارة المتنجسات بالاستحالة بصحيحة حسن بن محبوب قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجص يوقد عليه بالعذره وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب إلي بخطه: إن الماء والنار قد طهراه (* 1) لانها تدل على أن مادة الجص وإن كانت تنجست بالعذرة والعظام النجستين


(* 1) المروية في ب 81 من أبواب النجاسات وب 10 من أبواب ما يسجد عليه من الوسائل.

[ 173 ]

[ وأما تبدل الاوصاف وتفرق الاجزاء، فلا أعتبار بهما (1) كالحنطة إذا صارت طحينا أو عجينا، أو خبزا، والحليب إذا صار جبنا. وفي صدق الاستحالة على صيرورة الخشب فحما تأمل (2) وكذا في صيرورة الطين خزفا أو آجرا، ] للايقاد بهما عليها ولا سيما مع ما في العظام من الاجزاء الدهنية إلا أن أستحالتها بالنار وصيرورتها جصا موجبة لطهارتها. ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال بوجوه (الاول): أن الرواية إنما تدل على طهارة العذرة والعظام النجستين بالاستحالة وليست فيها أية دلالة على كفايه الاستحالة في تطهير المتنجسات فإن المطهر للجص هو الماء على ما قدمنا تفسيرها في التكلم على أعتبار الطهارة في موضع السجود وما ذكرناه في تفسير الرواية هناك إن تم فهو وإلا فالرواية مجملة، وما قيل من أن النار مطهرة بأزالة العين وأعدامها. والماء أي المطر مطهر بأصابته. كغيره مما ذكروه في تفسيرها تأويلات لاظهور للرواية في شي منها. (الثاني): أن صريح الرواية إسناد الطهارة إلى كل من الماء والنار بأن يكون لكل منهما دخل في حصولها فما معنى إسناد الطهارة إلى خصوص النار ودعوى أنها مطهرة بالاستحالة؟ (الثالث): ما تقدمت إلاشارة إليه ويأتي تفصيله من أن طبخ الجص أو التراب أو الحنطة أو غيرها إنما هو من التبدل في الحالات والاوصاف الشخصية أو الصنفية وليس من الاستحالة بوجه فالاستدلال بالصحيحة ساقط والصحيح في وجه كون الاستحالة مطهرة في المتنجسات ما ذكرناه. (1) لما تقدم من أن التبدل في الاوصاف كالتفرق والاجتماع لاربط له بالاستحالة التى هي التبدل في الصور النوعية بوجه. (2) بعد ما تقدم من أن الاستحالة في المتنجسات كالاستحالة في الاعيان


(* 1) ج 2 ص 263

[ 174 ]

[ ومع الشك في الاستحالة لا يحكم بالطهارة (1) ] النجسة مطهرة وقع الكلام في مثل الخشب المتنجس إذا صار فحما أو الطين خزفا أو آجرا وأن مثله هل هو من التبدل في الصورة النوعية بصورة نوعية أخرى كما أختاره جماعة في مثل الطين إذا صار خزفا أو آجرا ومن هنا قالوا بطهارته بذلك وعليه رتبوا المنع عن التيمم أو السجدة عليهما نظرا إلى خروجهما بالطبخ عن عنوان الارض والتراب. أو أن الطبخ لا يوجب التبدل بحسب الحقيقة؟ الثاني هو الصحيح لان الخشب والفحم أو الطين والآجر من حقيقة واحدة ولا يرى العرف أي مغائرة بين الخزف والآجر وإنما يراهما طينا مطبوخا وكذلك الحال في الخشب والفحم فالاختلاف بينهما إنما هو في الاوصاف كتماسك الاجزاء وتفرقها وحالهما حال اللحم والكباب وحال الحنطة والخبز. فمع بقاء الصورة النوعية بحالها لا يمكن الحكم بطهارة الطين والخشب بصيرورتهما خزفا أو فحما. (1) الكلام في ذلك يقع في مقامين: (أحدهما) أنه إذا شك في الاستحالة في الاعيان النجسة. (وثانيهما) ما إذا شك في الاستحالة في المتنجسات. (أما المقام الاول) فحاصل الكلام فيه أن الشبهة قد تكون موضوعية ويكون الشك في الاستحالة مسببا عن أشتباه الامور الخارجية. وقد تكون الشبهة مفهومية ويكون الشك في الاستحالة ناشئا عن الشك في سعة المفهوم وضيقة والاول كما إذا وقع كلب في المملحة وشككنا بعد يوم في أنه هل أستحال ملحا أم لم يستحل، والثانى كما إذا صارت العذرة فحما وشككنا بذلك في أستحالتها نظرا إلى الشك في أن لفظة العذرة هل وضعت على العذرة غير المحروقة فإذا أحرقت خرجت عن كونها عذرة أو أنها وضعت على الاعم من المحروقة وغيرها فلا يكون الاحراق سببا لاستحالتها فالشك في سعة

[ 175 ]

المفهوم وضيقه. أما إذا كانت الشبهة موضوعية فلا مانع من التمسك بأستصحاب كون العين النجسة باقية بحالها وعدم صيرورتها ملحا أو ترابا بأن يشار إلى الموضوع الخارجي ويقال أنه كان كلبا أو عذرة سابقا والاصل أنه الان كما كان لتعلق الشك حينئذ بعين ما تعلق به اليقين وأتحاد القضيتين: المتيقنة والمشكوك فيها وبهذا يترتب عليه جميع الاثار المترتبة على النجس هذا. وقد يقال بعدم جريان الاستصحاب حينئذ نظرا إلى أن مع الشك في الاستحالة لا يمكن أحراز بقاء المضوع في الاستصحاب لعدم العلم بأن الموجود الخارجي كلب أو ملح، إذ لو كنا عالمين بكون كلبا أو عذرة لم يشك في نجاستهما بل قلنا بنجاستهما بعين الدليل الاجتهادي الذى فرضناه في المسألة، ومع الشك في الموضوع لا يبقى للاستصحاب مجال وتنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة لا محالة. وهذه الشبهة من الضعف بمكان وذلك لان المعتبر في الاستصحاب إنما هو أتحاد القضيتين: المتيقنة والمشكوك فيها بمعنى كون الشك متعلقا بعين ما تعلق به اليقين ولا يعتبر الزائد على ذلك في الاستصحاب. ثم أن الموضوع في القضيتين يختلف بأختلاف الموارد: فقد يكون الموضوع فيهما هو نفس الماهية الكلية أو الشخصية المجردة عن الوجود والعدم بحيث قد تتصف بهذا وقد تتصف بذاك، كما أذا شككنا في بقاء زيد وعدمه حيث أن متعلق اليقين حينئذ هو الماهية الشخصية في الزمان والسابق ونشك في نفس تلك الماهية في الزمان اللاحق فالقضيتان متحدتان ولا يمكن أن يكون الموضوع في مثله هو الوجود أو العدم لانهما أمران متبائنان ومتقابلان تقابل السلب والايجاب فلا يتصف أحدهما بالآخر

[ 176 ]

ليشك في أن الوجود مثلا هل صار عدما في الزمان اللاحق أم لم يصر وإنما القابل لذلك هو الماهية كما مر لامكان أن تكون الماهية المتصفة بالوجود في الآن السابق متصفة بالعدم في الآن اللاحق وليس كذلك الوجود والعدم على أن لازم ذلك عدم جريان الاستحصاب في وجدو الشي أو عدمه إذا شك في بقائه على حالته السابقة لعدم أحراز الوجود أن العدم في زمان الشك فيهما. وقد يكون الموضوع في القضيتين هو الوجود كما إذا علمنا بقيام زيد أو طهارة ماء ثم شككنا في بقائه على تلك الحالة وعدمه لوضوح أن الموضوع في مثله هو زيد الموجود وبما أنا كنا على يقين من قيامه ثم شككنا فيه بعينه فالقضيتان متحدتان. وثالثة يكون الموضوع في القضيتين هو الهيولى والمادة المشتركة بين الصور النوعية كما إذا كنا على يقين من أتصاف جسم بصورة وشككنا بعد ذلك في أنه هل خلعت تلك الصورة وتلبست بصورة أخرى أم لم تخلع؟ فإن الموضوع في القضيتين هو المادة المشتركة فيشار إلى جسم معين ويقال: أنه كان متصفا بصورة نوعية كذا ولا أصل أنه الان كما كان. ومقامنا هذا من هذا القبيل فنشير إلى ذلك الموجود الخارجي ونقول إنه كان كلبا سابقا والآن كما كان للعلم بأن المادة المشتركة كانت متصفة بالصورة الكلبية فإذا شك في بقاء هذا الاتصاف يجرى أستصحاب كونها متصفة بالصورة الكلبية، ولا نريد أن نقول أنه كلب بالفعل ليقال أنه لو كان كلبا فعلا لم نحتج إلى الاستصحاب بل حكمنا بنجاسته حسب الدليل الاجتهادي كما لا نريد أنه ملح كذلك ليقال: أن مع العلم بالاستحالة نعم بطهارته فلا حاجة أيضا إلى الاصل. بل نريد أن نقول إنه كان كلبا سابقا ولا منافاة بين العلم بالكلبية السابقة

[ 177 ]

وبين الشك في الكلبية فعلا. بل دعوى العلم بكونه كلبا سابقا صحيحة حتى مع العلم بالاستحالة الفعلية نظير قوله عز من قائل: ألم يك نطفة من مني يمنى (* 1) حيث أطلقت النطفة على الانسان المستحيل منها فكأنه قال للانسان: إنك كنت نطفة مع العلم بأستحالتها أنسانا. نعم الاثر إنما يترتب على كونه كلبا سابقا فيما إذا شككنا في الاستحالة دون ما إذا علمنا أن المادة المشتركة قد خلعت الصورة الكلبية وتلبست بصورة نوعية أخرى. هذا كله في الشبهات الموضوعية وأما الشبهات المفهومية فلا سبيل فيها إلى الاستصحاب لافى ذات الموضوع ولا في الموضوع فوصف كونه موضوعا ولا في حكمه مضافا إلى ما نبهنا عليه غير مرة من عدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية. أما عدم جريانه في ذات الموضوع الخارجي فلانه وإن تعلق به اليقين إلا أنه ليس متعلقا للشك بوجه للعلم بزوال وصف من أوصافه وأتصافه بوصف جديد حيث لم تكن العذرة مثلا محروقة فأحترقت ومع عدم تعلق الشك به لا يجري فيه الاستصحاب لتقومه باليقين السابق والشك اللاحق ولاشك في الموضوع كما عرفت. وأما عدم جريانه في الموضوع بوصف كونه موضوعا فلانه عبارة أخرى عن أستصحاب الحكم فإن الموضوع بوصف كونه موضوعا لا معنى له سوى ترتب الحكم عليه ويتضح بعد سطر عدم جريان الاستصحاب في الحكم. وأما عدم جريانه في نفسه الحكم فلانا وإن كنا عالمين بترتب النجاسة على العذرة سابقا وقبل أحراقها ونشك في بقائه إلا أن القضية المتيقنة والمشكوك فيها يعتبر إحراز أتحادهما ومع الشك في بقاء الموضوع لا مجال لاحراز الاتحاد لاحتمال أن يكون ما علمنا بنجاسته زائلا حقيقة وأن هذا الموجود الخارجي


(* 1) القيامة 75: 37

[ 178 ]

موضوع جديد لم تتعلق النجاسة به وإنما ترتبت على العذرة غير المحروقة ومع هذا الاحتمال يكون المورد شبهة مصداقية للاستصحاب فلا يمكن التمسك بإطلاق أدلته أو عمومه. وهذا مطلب سيال يأتي في جميع الشبهات المفهومية كما ذكرناه في غير واحد من المباحث. منها مبحث المشقات حيث قلنا: إن في الشك في مثل مفهوم العالم وإنه يعم ما إذا نقضى عنه التلبس أيضا لا يجرى الاستصحاب في الموضوع لعدم تعلق الشك به وإنما نعلم بإتصافه بالعلم سابقا وزواله عنه فعلا، ولا يجري في حكمه لاجل الشك في بقاء موضوعه، ولا يجرى في الموضوع بوصف كونه موضوعا لانه راجع إلى أستصحاب الحكم. نعم الشك في الشبهات المفهومية التى منها المقام يرجع إلى التسمية والموضوع له فإن الشك في سعته وضيقه ومأله إلى أن كلمة العذرة مثلا هل وضعت لمطلق العذرة أو للعذرة غير المحروقة وكذا الحال في غير المقام ولا أصل يعين السعة أو الضيق ومعه لابد في موارد الشك في الاستحالة من الرجوع إلى قاعدة الطهارة وبها يحكم بطهارة الموضوع المشكوك أستحالته هذا كله في الاعيان. وأما المقام الثاني وهو الشك في الاستحالة في المتنجسات فإن كانت الشبهة موضوعية كما إذا شككنا في أستحالة الخشب المتنجس رمادا وعدمها فلا مانع من أستصحاب بقاء المادة المشتركة بين الخشب والرماد على حالتها السابقة أعنى أتصافها بالجسمية السابقة فنشير إلى الموجود الخارجي ونقول أنه كان متصفا بالجسمية السابقة ونشك في بقائه على ذاك الاتصاف وتبدل الجسم السابق بجسم آخر فنستصحب أتصافه بالجسمية السابقة وعدم زوال الاتصاف به وبذلك يحكم بنجاسته.

[ 179 ]

وهل تعقل الشبهة المفهومية في الاستحالة في المتنجسات؟. التحقيق عدم تصور الشبهة المفهومية فيها وذلك لان النجاسة في الاعيان النجسة كانت مترتبة على العناوين الخاصة من الدم والعذرة وغيرهما ولاجله كنا قد تتردد في سعة بعض تلك المفاهيم وضيقها ونشك في أن العذرة أسم لغير المحروقة أو للاعم منها ومن غيرها وهو المعبر عنه بالشبهات المفهومية. وأما المتنجسات فقد تقدم أن النجاسة بالملاقاة غير مترتبة على العناوين الخاصة من الصوف والقطن وغيرهما ليمكن الشك في سعة بعض المفاهيم وضيقه بل إنما ترتبت على عنوان الجسم والشي ولا نشك في سعة مفهومهما لوضوح أنهما صادقان على المتنجسات قبل تبدل شي من أوصافه الشخصية أو النوعية وبعده لانها جسم أو شئ على كل حال فلا يتحقق مورد يشك في سعة المفهوم وضيقة في المتنجسات فإذا شككنا في متنجس أنه أستحال أم لم يستحل فهو شبهة موضوعية لا مانع من أستصحاب عدم أستحالته حينئذ. ومن ذلك الشك في أستحالة الخشب فحما أو التراب آجرا أو خزفا فإنه مع الشك في تحقق الاستحالة مقتضى الاستصحاب هو الحكم ببقاء الموجود الخارجي على الجسمية السابقة وعدم تبدله بجسم آخر فلابد من الحكم بالنجاسة في تلك الامور نعم الشك في الاستحالة بالاضافة إلى جواز السجدة أو التيمم على التراب من الشبهات المفهومية لا محالة لان جواز السجدة مترتب على عنوان الارض ونباتها وجواز التيمم مترتب على عنوان التراب أو الارض ومعنى الشك في الاستحالة هو الشك في سعة مفهوم الارض والتراب وأنهما يشملان ما طبخ منهما وصار آجرا أو خزفا، ومع الشك في المفهوم لا يجري فيه الاستصحاب كما عرفت ولابد في جواز الامرين المذكورين من إحراز موضوعيهما.

[ 180 ]

[ (الخامس): الانقلاب كالخمر ينقلب خلا، فإنه يطهر (1) سواء كان بنفسه أو بعلاج كالقاء شئ من الخل أو الملح فيه ] تنبيه ربما عدوا النار من المطهرات في قبال الاستحالة. وفيه أن النار لم يقم على مطهريتها دليل في نفسها والاخبار المستدل بها على مطهريتها قد قدمنا الجواب عنها في التكلم على نجاسة الدم (* 1) نعم هي سبب للاستحالة وهي المطهرة حقيقة. بل قد عرفت أن عد الاستحالة من المطهرات أيضا مبتن على المسامحة فيكون أطلاق المطهر على النار مسامحة في مسامحة هذا. وفي بعض المؤلفات: أن نجاسة أي نجس إنما هي جائية من قبل (الميكروبات) المتكونة فيه فإذا أستعرض على النار قتلت الجراثيم والميكروبات بسببها وبذلك تكون النار مطهرة على وجه الاطلاق. ولا يخفى أن التكلم في أمر (الميكروب) أجنبي عما هو وظيفة الفقيه لانه إنما يتعبد بالادلة والاخبار الواصلتين إليه من قبل الله سبحانه بلسان سفرائه وأوليائه الكرام، وليس له أن يتجاوز عما وصله ولا يوجد فيما بأيدينا من الاخبار ولاغيرها ما يتقضي تبعية النجاسة لما في النجس من (الميكروب) حتى تزول بهلاكه وأحراقه فلابد من مراجعة الادلة ليرى أنها هل تدل على مطهرية النار أولا وقد عرفت عدم دلالة شي من الادلة الشرعية على ذلك. مطهرية الانقلاب. (1) التحقيق أن الانقلاب من أحد أفراد الاستحالة وصغرياتها وإنما


(* 1) ج 2 ص 29 27

[ 181 ]

أفرده بعضهم بالذكر وجعله قسما من أقسام المطهرات لبعض الخصوصيات الموجودة فيه. أما أن الانقلاب هو الاستحالة حقيقة فلان تبدل الخمر خلا وإن لم يكن من التبدل في الصورة النوعية لدى العقل، لوحده حقيقتهما بل التبدل تبدل في الاوصاف كالاسكار وعدمه، إلا أنه من التبدل في الصورة النوعية عرفا إذ لا شبهة في تغاير حقيقة الخل والخمر لدى العرف، على أن الحرمة والنجاسة قائمتان في الاعيان النجسة بعناوينها الخاصة من البول والدم ونحوهما، فإذا زال عنوانها زالت حرمتها ونجاسته وحيث أن الحرمة والنجاسة في الخمر مترتبتان على عنواني الخمر والمسكر الذي هو المقوم للحقيقة الخمرية فبتبدلها خلا يرتفع عنها هذان العنوانان فيحكم بطهارة الخل وحليته. وأما الخصوصية الموجبه لافراد الانقلاب بالذكر فهي جهتان: (الاولى): أن الاستحالة وإن كانت من أقسام المطهرات بالمعنى المتقدم في محله الا أنها في تبدل الخمر خلا لا يقتضي الحكم بطهارتها وحليتها وذلك لان الخمر من المايعات وهي تحتاج إلى إناء لا محالة وهذا الاناء قد تنجس بالخمر قبل صيرورتها خلا فإذا تبدلت خلا فلا محالة يتنجس بإنائها فإن الاستحالة إنما هي في الخمر لا في الاناء. نعم الاستحالة تقتضي أرتفاع نجاسة الخمر وحرمتها الذاتيتين، إلا أنها تبتلي بالنجاسة والحرمة العرضيتين وفي النتيجة لا يترتب على أستحالة الخمر خلا شئ من الحلية والطهارة الفعليتين ومن ثمة نحتاج في الحكم بهما إلى الاخبار الواردة في المقام وهي كافية في أثباتهما وذلك لانها دلت بالدلالة المطابقية على طهارتها وحليتها الفعليتين كما دلت بالدلالة الالتزامية على طهارة إنائها بالتبيع لعدم أمكان الطهارة والحلية الفعليتين مع بقاء الاناء على نجاسته.

[ 182 ]

(الثانية): أن الاستحالة تقتضي الطهارة والحلية مطلقا سواء حصلت بنفسها أم بالعلاج مع أن أنقلاب الخمر خلا إذا كان بالعلاج كما إذا ألقي في الخمر مقدار ملح من دون أن يندك فيها وتزول عينه لا يوجب الحكم بحليتها وطهارته وذلك لان الاستحالة إنما هي في الخمر لا فيما عولجت به من ملح أو غيره، وحيث أن ما به العلاج لاقته الخمر ونجسته قبل أستحالتها فهو يوجب تنجسها بعد إستحالتها خلا فلاتحصل لها الطهارة والحلية بالانقلاب وهذه أيضا جهة تحوجنا إلى التشبت بالاخبار وهي قد تكلفلت بطهارة الخمر وحليتها ولو كان بعلاج. والاخبار على طوائف ثلاث:. (الاولى): المطلقات الدالة على طهارة الخل المتبدل من الخمر سواء أكان ذلك بنفسها أم بالعلاج كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الخمر يكون أوله خمرا ثم يصير خلا قال: إذا ذهب سكره فلا بأس.. (* 1) وموثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في الرجل إذا باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا فقال: إذا تحول عن أسم الخمر فلا بأس به (* 2) وفي بعض الاخبار أن الخل المستحصل من الخمر تقتل دواب البطن ويشد الفم (* 3) وفي آخر أنه يشد اللثة والعقل (* 4). (الثانية): ما دل على طهارة الخمر وحليتها فيما إذا أنقلبت خلا بالعلاج كما عن السرائر نقلا عن جامع البزنطي عن أبى عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الخمر تعالج بالملح وغيره لتحول خلا قال: لا بأس بمعالجتها.. (* 5) وما رواه عبد العزيز بن المهتدي قال. كتبت إلى الرضا عليه السلام جعلت فداك، العصير يصير خمرا


(* 1) و (* 2) و (* 5) المرويات في ب 31 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 3) و (* 4) راجع ب 45 من أبواب الاطعمة المباحة من الوسائل

[ 183 ]

[ سواء أستهلك أو قي على حاله (1) ويشترط في طهارة الخمر بالانقلاب عدم ] فيصب عليه الخل وشي يغيره حتى يصير خلا قال: لا بأس به (* 1) وحسنة زرارة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلا قال: لا بأس (* 2) وذلك لان قوله تجعل خلا ظاهره بجعل الخمر خلا بسبب وعلاج. (الثالثة): الاخبار الواردة في أن الانقلاب بالعلاج لا تترتب عليه الطهارة وهي في قبال الطائفة الثانية: (منها): موثقة أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الخمر يجعل فيها الخل فقال: لا إلا ما جاء من قبل نفسه (* 3) و (منها): موثقته الاخرى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخمر يصنع فيها الشي حتى تحمض قال: إن كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فلا بأس به (* 4). وهاتان الطائفتان متعارضتان وحيث أن الطائفة الثانية صريحة في طهارة الخل المنقلب من الخمر بالعلاج والطائفة الثالثه ظاهرة في نجاسته فيتصرف في ظاهر الطائفة الثانية بحملها على الكراهة، وعلى الجملة أن الاخبار تقتضي حلية الخل المستحيل من المخمر بالمعالجة أو بغيرها. (1) لما عرفت من أن الاخبار الواردة في المقام دلت على طهارة الخل


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 31 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) و (* 4) المرويتان في ب 31 من أبواب الاشربة المحرمة و 77 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 184 ]

[ وصول نجاسة خارجية إليه (1) فلو وقع فيه حال كونه خمرا شئ من البول أو غيره أولا في نجسا لم يطهر بالانقلاب. ] وحليته الفعليتين فيما إذا أنقلب من الخمر بنفسها أو بالعلاج كما أنها بأطلاقها دلت على أنه لا يفرق الحال في ذلك بين أن يكون ما به العلاج مستهلكا في الخمر وبين ما إذا لم يكن كما إذا ألقي عليها قطعة ملح أو ملح مدقوق إلا أنه لم تضمحل فيه بتمامه بل بقي منه مقدار من الخليظ كالتراب أو الرمل أو نحوهما. وهذا يدلنا على أن ما به العلاج في مفروض الكلام لا يمكن أن يكون باقيا على نجاسته لان الطهارة الفعلية لا تجتمع مع نجاسته حيث أن ما به العلاج لو كان باقيا على نجاسته لتنجس به الخل ولم يمكن الحكم بطهارته بالانقلاب. (1) لعله بدعوى أن الاخبار المتقدمة ناظرة بأجمعها إلى النجاسة الخمرية فحسب وقد دلت على أنها ترتفع بالانقلاب ولا نظر لها إلى غيرها من النجاسات. وفيه أن الخمر من النجاسات العينية وهي غير قابلة لان تتنجس ثانيا بملاقاة الاعيان النجسة أو المتنجسات، كما أن نجاسته غير قابلة للاشتداد بالملاقاة لان الغائط مثلا لا تزيد نجاسته بملاقاة البول أو غيره، وعليه لو صب بول أو نجس آخر على الخمر لم تزد نجاسته علما كانت ثابتة عليه قبل الصب، وإنما نجاستها هي النجاسة الخمرية فحسب ومعه لا مانع من أن تشملها الاخبار، فأن نجاستها هي النجاسة الخمرية فقط هذا. بل الامر كذلك حتى إذا قلنا بتنجس الخمر بالملاقاة وذلك لاطلاق الاخبار حيث دلت على طهارة الخل المنقلب من الخمر مطلقا سواء أصابتها نجاسة خارجية أم لم تصبها وذلك لان ما دل على جواز أخذ الخمر لتخليلها غير مقيد بما إذا أخذت من يد المسلم بل مقتضى أطلاقها عدم الفرق في ذلك بين أن يوخذ من يد المسلم أو الكافر ومن الواضح أن الكافر بل مطلق صناع الخمر لا يتحفظ

[ 185 ]

[ (مسألة 1) العنب أو التمر المتنجس إذا صار خلا لم يطهر (1). وكذا إذا صار خمرا ثم أنقلب خلا (2). ] عليها من سائر النجاسات بل تصيبها النجاسة عنده ولو من جهة الاواني أو يده النجسة أو المتنسجة. نعم هذا فيما إذا لم تصب النجاسة الثانية للاناء وإلا فالاناء المتنجس يكفي في تنجس الخل به بعد أنقلابه من الخمر. وما قدمناه من أن مقتضى الاخبار عدم تنجس الخل بنجاسة الاناء إنما هو فيما إذا كانت النجاسة العارضة على الاناء مستندة إلى الخمر. وأما إذا تنجس الاناء بنجاسة أخرى غيرها فلا دلالة للاخبار على طهارة الخل حينئذ. (1) لما تقدم من أن النجاسة في المتنجسات قائمة بالجسم وليست قائمة بعناوينها فلا ترتفع بصيرورة العنب خلا، ونصوص الانقلاب مختصة بالخمر فلا دليل على مطهريته في المتنجسات. (2) لان الانقلاب حسبما يستفاد من رواياته إنما يوجب أرتفاع النجاسة الخمرية فحسب هذا. ولكن الصحيح أن العنب أو التمر أو غيرهما إذا صار خمرا ثم أنقلب خلا طهر وذلك لما أشرنا إليه من أن النجاسة العرضية في مثل العنب ونظائره تتبدل بالنجاسة الذاتية عند صيرورته خمرا غير قابلة لان تعرضها النجاسة العرضية كما أن نجاستها لا تقبل الاشتداد إذا ليست هناك نجاسة أخرى غير النجاسة الخمرية ومع أنقلاب الخمر خلا يشملها الاخبار المتقدمة وبذلك يحكم بزوال نجاستها بل ذكرنا أن مقتضى أطلاق الروايات هو الحكم بالطهارة مع الانقلاب وإن قلنا بتنجس الخمر بالملاقاة نعم يشترط في الحكم بالطهارة أن يفرغ بعد صيرورته خمرا من إنائه إلى إناء آخر ليتحقق الانقلاب خلا في ذلك الاناء،

[ 186 ]

[ (مسألة 2) إذا صب في الخمر ما يزيل سكره لم يطهر وبقي على حرمته (1) ] لانه لو بقي في إنائه السابق لتنجس به بعد الانقلاب، فإن ذلك الاناء متنجس بالخل المتنجس قبل أن يصير خمرا وقد نقدم أن الاخبار الواردة في المقام ناظرة إلى أرتفاع النجاسة الخمرية بالانقلاب دون النجاسة المستندة إلى غيرها. (1) هنا مسألتان ربما تشتبه إحداهما بالاخرى: (الاولى) أن مطهرية الانقلاب هل تختص بما إذا أنقلبت الخمر خلا أو تعم ما إذا أنقلبت شيئا أخر من الماء أو مائع طاهر آخر؟ الثاني هو الصحيح وذلك لموثقة عبيد بن زرارة: إذا تحول عن أسم الخمر فلا بأس (* 1) به وصحيحة على بن جعفر المروية عن كتابه: إذا ذهب سكره فلا بأس (* 2) لدلالتهما على أن المناط في الحكم بطهارة الخمر إنما هو زوال سكرها أو تحولها عن إسمها سواء أستند ذلك إلى أنقلابها خلا أم أستند إلى أنقلابها شيئا آخر هذا. وربما يقال: إن الظاهر عدم عملهم لظاهر الروايتين وأن بنائهم على الاختصاص وهذا هو الذى يقتضي ظاهر كلامهم في المقام ولا يمكن المساعدة على ذلك بوجه حيث لم يظهر أن المشهور ذهبوا إلى الاختصاص، لان ظاهر كلماتهم كظاهر عبارة الماتن هو التعميم ويشهد على ذلك أمران. (أحدهما): أنهم ذكروا أن من أقسام المطهرات الانقلاب ثم مثلوا له بقولهم: كالخمر ينقلب خلا. وهذه قرينة على أن مطهرية الانقلاب غير مختصة عندهم بما إذا أنقلبت الخمر خلا وإنما هو مطهر على كبرويته وأطلاقه ومن موارد صغراياتها أنقلاب الخمر خلا فقولهم: كالخمر ينقلب خلا تمثيل تبعي، لوروده


(* 1) المتقدمة في ص 182. (* 2) المروية في ب 31 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 187 ]

في الاخبار لانه الغالب في أنقلاب الخمر لا من جهة أن مطهرية الانقلاب مختصة بذلك. بل يأتي أن الانقلاب مطهر في جميع الاعيان النجسة ولا تختص مطهريته بالنجاسة الخمرية فليلاحظ. و (ثانيهما): ملاحظة ذيل كلام الماتن (قده) حيث قال: الانقلاب غير الاستحالة إذ لا تتبدل فيه الحقيقة النوعية بخلافها ولذا لا تطهر المتنجسات به وتطهر بها. حيث ظهر من تفريعه أن الانقلاب لا تترتب عليه الطهارة في المتنجسات لما سنذكره في المسألة الخامسة إن شاء الله. وإنما هو مطهر في الاعيان النجسة من دون أن تختص مطهريته بالنجاسة الخمرية فضلا عن أختصاصها بأنقلاب الخمر خلا فالانقلاب على ذلك من أقسام المطهرات من دون حاجة في ذلك إلى الاخبار وإنما أحتجنا إليها في خصوص أنقلاب الخمر خلا من جهة نجاسة إنائها حال خمريتها وهي موجبة لتنجسها بعد أنقلابها خلا. وهذا كله في هذه المسألة (المسألة الثانية): أن الخمر إذا صب فيهما مقدار من الماء أو غيره حتى زالت سكرها من دون أن تنقلب خلا أو ماء أو غيرهما كما في المسألة المتقدمة بل أستهلكت فيما صب فيها أو أمتزجت معه وحصلت منهما طبيعة ثالثة فهل تطهر بذلك أولا؟ حكم الماتن بنجاستها وهو كما أفاده (قده) لان ما ألقي في الخمر من ماء أو غيره يتنجس بمجرد ملاقاتهما فإذا زال عن الخمر أسكارها فلا محالة يتنجس به سواء بقي بحاله كما إذا أستهلكت الخمر في الماء أم لم يبق كذلك كما إذا تبدلا حقيقة ثالثة وذلك لان النجاسة في الاشياء المتنجسة غير طارئة على عناوينها وإنما تترتب على أجسامها كما مر وهي باقية بحالها بعد صيرورتهما طبيعة ثالثه فزوال العنوان في المتنجسات لا يؤثر في طهارتها، ولم يقم دليل على أن الخمر إذا أستهلكت فيما صب فيها أو أمتزجت معه حتى حصلت منهما طبيعه ثالثة أرتفعت

[ 188 ]

نجاستها فإن الاخبار المتقدمة إنما تدل على طهارته بالانقلاب أما بنفسها وأما بالعلاج، وإلاستهلاك والامتزاج ليسا من أنقلاب الخمر في نفسها ولامن الانقلاب بالعلاج. وتوضيح ذلك: أن الانقلاب إنما لم نلتزم بكونه موجبا للطهارة في نفسه نظرا إلى أن نجاسة الاناء الناشئة من الخمر الموجودة فيه قبل الانقلاب. تقتضي نجاستها بعد أنقلابها خلا ومن هنا أحتجنا إلى الروايات الواردة في المسألة وببركتها قلنا بطهارة الاناء وقنئذ بالتبع فلولا نجاسة إلاناء لم نحتج في الحكم بمطهرية الانقلاب إلى النصوص ومن هنا لو أكتفينا بحرمة الخمر ولم نلتزم بنجاستها كما هو أحد القولين في المسألة وفرضنا أنها تحولت إلى شئ آخر وإن لم تنقلب خلا لم تتردد في الحكم بزوال حرمتها وهذا بخلاف مالو قلنا بنجساتها كما هو الصحيح حيث لا يمكننا الحكم بزوال نجاسته بالانقلاب إلا مع التشبث بذيل النصوص كما أتضح، وهذه النصوص لا دلالة لها لا على طهارة الخمر وإنائها عند أستهلاكها أو أمتزاجها بما يصب فيها وإنما تختص بصورة الانقلاب، وعلى الجملة أن القاعدة تقتضي الحكم بعد طهارة الخمر في مفروض الكلام ويؤكدها عدة روايات: (منها): رواية عمر بن حنطلة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره؟ فقال: لا والله ولا قطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك الحب (* 1) لان القطره تستهلك في حب من الماء كما أن الماء المصبوب في قدح من المسكر يمتزج معه فلو كان أستهلاكه أو أمتزاجه بشئ آخر موجبا لطهارته لم يكن وجه للحكم بأهراق الحب والمنع عن شرب ما في القدح.


(* 1) المروية في ب 18 و 26 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 189 ]

[ (مسألة 3) بخار البول أو الماء المتنجس طاهر (1) فلا بأس بما يتقاطر من سقف الحمام إلا مع العلم بنجاسة السقف. ] و (منها): رواية ذكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيها لحم كثير ومرق كثير، قال. فقال: يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة.. (* 1) مع أن القطرة مستهلكة في المرق الكثير لا محالة. و (منها): رواية أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث قال: ما يبل الميل ينجس حبا من ماء يقولها ثلاثا (* 2) فقد أتضح من جميع ما تلوناه في المقام أن الخمر في مفروض المسألة باقية على نجاستها ولا تشملها أخبار الانقلاب كما مر، وأن في المقام مسألتين أختلطت إحداهما بالاخرى والظاهر أن الثانية هي مراد الماتن (قده) ولا نظر له إلى المسألة الاولى ولا أنه بصدد التعرض لحكمها (1) تقدمت هذه المسألة في أوائل الكتاب (* 3) وذكرنا هناك أن ذلك من الاستحالة والتبدل في الصورة والنوعية والحقيقة إذ البخار غير البول وغير الماء المتنجس لدى العرف وهما أمران متغايران ولا يقاسان بالغبار والتراب لان العرف يرى الغبار عين التراب وإنما يصعد الهواء للطافته وصغره لا لانه أمر آخر غير التراب. ومن ها يصح عرفا أن يقال عند نزول الغبار إنه ينزل التراب. وأما


(* 1) المروية في ب 26 من أبواب الاشربة المحرمة و 38 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 20 من أبواب الاشربة المحرمة و 38 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) ج 1 ص 48

[ 190 ]

[ (مسألة 4) إذا وقعت قطرة خمر في حب خل، وأستهلكت فيه لم يطهر وتنجس الخل إلا إذا علم أنقلابها خلا بمجرد الوقوع فيه (1). ] البخار فلا يقال إنه ماء فإذا أستحال البول أو الماء المتنجس بخارا حكم بطهارته فلو أنقلب البخار ماء فهو ماء جديد قد تكون من البخار المحكوم بطهارته فلا مناص من الحكم بطهارته لوضوح أنه ماء آخر غير الماء الاول المتبدل بالبخار، وهذا في بخار البول أظهر منه في الماء المتنجس لان الغافل قد يتوهم أن الماء الحاصل بالبخار هو الماء السابق بعينه وإنما تبدل مكانه. ولكن هذا التوهم لا يجري في بخار البول لان الماء المتكون منه ماء صاف خال من الاجزاء البولية فكيف يتوهم أنه البول السابق بعينه لان حاله حال الماء المتحصل من الرمان أو غيره حيث أن الماء المصعد منه ماء صاف لا يتوهم أنه الماء السابق قبل تبخيره. (1) القطرة الخمرية الواقعة في حب خل لو فرضنا تبدلها خلا قبل ملاقاتهما كما إذا تبدلت بفرض غير واقع بمجرد أن أصابه الهواء الكائن في السطح الظاهر من الخل فلا ينبغي التردد في بقاء الخل على طهارته لانه إنما يلاقي جسما طاهرا، إلا أن في هذه الصورة لا يصدق وقوع الخمر في الخل لعدم بقائها على خمريتها حال الوقوع وكونها خمرا قبل ذلك لا يترتب عليه أثر. وأما إذا فرضنا أنقلابها خلا بعد ملاقاتهما ولو بآن دقي حكمي فالخل محكوم بالانفعال لانه لاقى خمرا على الفرض. والاخبار المتقدمة إنما دلت على طهارة الخمر فيما إذا أنقلبت خلا بنفسها أو بالعلاج لافيما إذا لاقت خلا ثم تبدلت إليه وعليه فلا موضع للاستثناء الواقع في كلام الماتن (قده) بل الصحيح هو الحكم بنجاسة الخل في مفروض المسألة مطلقا.

[ 191 ]

[ (مسألة 5) الانقلاب غير الاستحالة (1) إذ لا تتبدل فيه الحقيقة النوعية بخلافها، ولذا لا تطهر المتنجسات به وتطهر بها. ] (1) الانقلاب والاستحالة متحدان حقيقة بحسب اللغة فإن الحول والقلب بمعنى فيقال: قلبه قلبا. حوله عن وجهه ولم ترد الاستحالة في شي من الاخبار ليتكلم في مفهومها وإنما حكمنا بالطهارة معها لانعدام موضوع النجاسة وأرتفاع حكمه. نعم بين الاستحالة والانقلاب فرق في مصطلح الفقهاء وقد تصدى الماتن (قده) لبيان الفارق بينهما بحسب الاصطلاح. وتوضيح ما أفاده أن النجاسة في الاعيان كما تقدم مترتبة على عناويها الخاصة من البول والخمر والدم وهكذا فالخمر بما هي خمر نجسه لا بما أنها جسم مثلا وهكذا الحال في غيرها من الاعيان وهو معنى قولهم: الاحكام تتبع الاسماء بمعنى أنها تدور مدار العناوين المأخوذة في موضوعاتها فإذا زال عنها عنوانها زال حكمها لا محالة فيحكم بعدم نجاسة الخمر وعدم حرمتها إذا سلب عنها عنوانها وأتصفت بعنوان آخر فلا يعتبر في زوال النجاسة أو الحرمة زوال الخمر وأنعدامها بذاتها أو أنعدام البول كذلك أو غيرهما. ومن هنا يظهر أن أستصحاب النجاسة عند زوال عنوان النجس بالانقلاب من الاغلاط التى لا نتمكن من تصحيحها فإن النجاسة كحرمة المسكر الجامد كالبنج فكما أنه إذا زال عنه إسكاره أرتفعت حرمته لكونها مترتبة على البنج المسكر كذلك الحال في المقام فهل يمكن أستصحاب حرمته حينئذ؟ وهذا بخلاف المتنجسات. لعدم ترتب النجاسة فيها على عناوينها وإنما ترتبت على ذواتها فهى متنجسة بما أنها جسم فلا ترتفع نجاستها بزوال عناوينها لبقاء الجسمية بمرتبتها النازلة بل يتوقف زوال حكمها على أنعدام ذاوتها وتبدل صورتها الجسمية

[ 192 ]

[ (مسألة 6) إذا تنجس العصير بالخمر، ثم أنقلب خمرا وبعد ذلك أنقلب الخمر خلا، لا يبعد طهارته (1) لان النجاسة العرضية صارت ذاتية بصيرورته خمرا، لانها هي النجاسة الخمرية، بخلاف ما إذا تنجس العصير بسائر النجاسات فإن الانقلاب إلى الخمر لا يزيلها، ولا يصيرها ذاتية، فأثرها باق بعد الانقلاب أيضا ] بحبسم آخر كما إذا تبدل النبات المتنجس حيوانا فأن الصورة الجسمية في أحدهما غير الصورة في الآخر، وحيث أن ارتفاع النجاسة في الاعيان النجسة لا يحتاج إلى تبدل الذات بل يكفي فيه تبدل العنوان على خلاف المتنجسات فأصطلح الفقهاء (قدس الله أسرارهم) في زوال العنوان بالانقلاب كما أصطلحوا في زوال الذات والحقيقة بالاستحالة تمييزا بينهما وبيانا للفارق بين النجاسات والمتنجسات لا من جهة أن الانقلاب غير الاستحالة حقيقة لما عرفت من أنهما شئ واحد. وإن شئنا عكسنا الامر وعبرنا عن زوال الذات بالانقلاب وعن تبدل العناوين بالاستحالة وقلنا: أنقلاب الحقائق والذوات وأستحالة العناوين وتحولاتها من المطهرات. فإنه صحيح وأن كان على خلاف الاصطلاح ولا بأس بما أصطلحوا عليه تمييزا بين القسمين المتقدمين، وعلى ذلك أتضح عدم أختصاص مطهرية الانقلاب بالخمر فإنه مطهر في مطلق النجاسات العينية المترتبة على العناوين والاسماء فإن أحكامها ترتفع بزوال عناوينها وهو الانقلاب كما أنه لا يترتب عليه أثر في المتنجسات فإن زوال العنوان غير مؤثر في أرتفاع أحكامها لترتبها على ذواتها. أللهم إلا أن تتبدل صورتها الجسمية بصورة جسمية آخرى كما مر وهو الاستحالة بحسب الاصطلاح. (1) لا غبار فيما أفاده (قده) بناء على ما ذكرناه من أن نجاسة العنب أو العصير أو غيرهما بسبب الملاقاة غير مانعة عن طهارة الخمر الحاصلة منه بأنقلابها خلا لاندكاك نجاستها العرضية في نجاستها الذاتية فإن العرف لا يرى في مثلها

[ 193 ]

[ (مسألة 7) تفرق الاجزاء بالاستهلاك غير الاستحالة (1) ولذا لو وقع مقدار من الدم في الكر وأستهلك فيه يحكم بطهارته لكن لو أخرج الدم من الماء بآلة من الآلات المعدة لمثل ذلك عاد إلى النجاسة، بخلاف الاستحالة فإنه إذا صار البول بخارا ثم ماء لا يحكم بنجاسته، لانه صار حقيقة أخرى. ] نجاستين بأن تكون أحداهما عرضية قائمة بجسمها وثانيتهما ذاتية قائمة بعنوانها. بل تقدم أنا لو سلمنا إشتماله على نجاستين إيضا التزمنا بالطهارة لاطلاقات الاخبار وشمولها لما إذا كانت الخمر متنجسة أيضا ولعل هذا هو الغالب في الخمور لتنجسها حال كونها عصير أو خلا بيد صناعها مسلما كان أو غيره لبعد تحفظهم على عدم تنجسها من سائر الجهات إذ الخمار لا يبالي بأمثال ذلك. وأما بناء على ما سلكه الماتن (قده) من أعتبار الطهارة في التمر أو العنب أو غيرهما مما يصطنع منه الخمر وأن نجاسته قبل صيرورته خمرا مانعة عن طهارة الخمر الحاصلة منه بالانقلاب فيشكل الفرق بين تنجسه بالنجاسة الخمرية وتنجسه بسائر النجاسات والمتنجسات وذلك لامكان أن يقال: أن العنب أو التمر أو غيرهما إذا تنجس بالخمر ثم صار خمرا منع ذلك عن طهارتها بالانقلاب لاشتمال الخمر حينئذ على نجاستين. عرضية وهي تقوم بحسمها كما هو الحال في بقية المتنجسات وذاتية قائمة بعنوانها، والاخبار إنما تقتضي زوال نجاسته الذاتية القائمة بعنوانها بالانقلاب وأما نجاستها العرضية فهي باقية بحالها لعدم أرتفاع موضوعها بالانقلاب. وعلى الجملة لا نرى وجها صحيحا للتفصيل بين التنجس بالخمر والتنجس بغيرها فأما أن نلتزم بالطهارة بالانقلاب في كليهما لما ذكرناه وإما أن نلتزم بعدم حصول الطهارة في كليهما لما ذكره (قده) (1) وذلك لان الاستهلاك من الهلاك وهو بمعنى إنعدام الشئ بتمامه

[ 194 ]

[ نعم لو فرض صدق البول عليه يحكم بنجاسته بعد ما صار ماء. ومن ذلك يطهر حال عرق بعض الاعيان النجسة أو المحرمة، مثل عرق لحم الخنزير، أو عرق العذرة، أو نحوهما، فإنه إن صدق عليه الاسم السابق وكان فيه آثار ذلك الشئ وخواصه يحكم بنجاسته أو حرمته، وإن لم يصدق عليه ذلك الاسم، بل عد حقيقة أخرى ذات أثر وخاصية أخرى، يكون طاهرا وحلالا، وأما نجاسة عرق الخمر فمن جهة أنه مسكر مائع، وكل مسكر نجس. ] إنعداما عرفيا وزوال حيثية الوجود عنه من غير أن يبقى منه شئ ظاهرا وإن كان باقيا حقيقة والاستحالة عبارة عن زوال الحقيقة والصورة النوعية وحدوث حقيقة أخرى وإن كانت المادة المشتركة بينهما باقية بحالها فإن الوجود في موارد الاستحالة هو الوجود الاول وإنما التبدل في مراتبه بمعنى أن الهيولى كانت متحققة وموجودة بالصورة المرتفعة ثم صارت موجودة بالصورة النوعية الاخرى والمادة المشتركة خلعت صورة ولبست صورة أخرى بحيث يصح أن يقال: إن هذا مشيرا به إلى موجود خارجي كان كذا ثم صار كذا كما تقدم في قوله تعالى: ألم يك نطفة من مني يمنى (* 1). وتظهر الثمرة فيما إذا أستهلكت قطرة دم في ماء كثير ثم أخذناها من الماء بالآلات المعدة للتجزئة فأنها محكومة بالنجاسة حينئذ لانها عين القطرة السابقة غاية الامر أنها لم تكن محسوسة لتفرق أجزائها مع بقائها حقيقة من غير أن تتبدل حقيقتها وصورتها فإذا أجتمعت وظهرت على الحس حكم بنجاستها لا محالة وهذا بخلاف ما إذا أستحالت القطرة ترابا ثم بدواء أو غيره صيرنا التراب دما فانه حينئذ دم جديد غير الدم السابق لانه قد أنعدم بصورته وحقيقته ولا يحكم بنجاسته لاختصاص النجاسة بدم الحيوان الذي له نفس سائلة، والدم المتكون


(* 1) تقدم في ص 177

[ 195 ]

[ (مسألة 8) إذا شك في الانقلاب بقي على النجاسة (1). (السادس): ذهاب الثلثين في العصير العنبي على القول بنجاسته بالغلبان لكن قد عرفت أن المختار عدم نجاسته، وإن كان الاحوط الاجتناب عنه (2) فعلى المختار فائدة ذهاب الثلثين تظهر بالنسبة إلى الحرمة، وأما بالنسبة إلى النجاسة فتفيد عدم الاشكال لمن أراد الاحتياط، ولافرق بين أن يكون الذهاب بالنار، أو بالشمس، أو بالهواء كما لا فرق في الغليان الموجب للنجاسة على القول بها بين المذكورات، كما أن في الحرمة بالغليان التى لا أشكال فيها والحلية بعد الذهاب كذلك، أي لافرق بين المذكورات، ] بعد الاستحالة دم مخلوق الساعة ولا دليل على نجاسته. ثم إن الانسب في المثال ما ذكرناه دون ما مثل به الماتن (قده) وذلك لانه مثل في الاستحالة بما لا يعود إلى الشئ السابق لوضوح أن الماء الحاصل من البخار غير البول الذي أستحال بخارا ومن المناسب أن يمثل بما يعود إلى الشيئية السابقة بعد الاستحالة والاستهلاك ويحكم عليه في أحدهما بالطهارة وفى الآخر بالنجاسة، ولا مثال له سوى الدم كما مثلنا به. وأما بخار الماء المتنجس إذا صار ماء فهو أيضا غير صالح للمثال لان البخار وإن كان يعود إلى الشيئية السابقة وهى الماء إلا أنه لا يتم في الاستهلاك لا نالو فصلنا أجزاء المتنجس من الماء الكثير بعد فرض أستهلاكه فيه لم نحكم بنجاستها لطهارته بالكثير كما لا يحكم بنجاستها في فرض أستحالتها ومعه لا يبقى فرق بين الاستحالة والاستهلاك فالصحيح في المثال ما ذكرناه. (1) لاستصحاب بقاء العنوان وعدم زواله. مطهرية ذهاب الثلثين. (2) مر تفصيل هذه الفروع في مبحث النجاسات وذكرنا أن الغليان مطلقا يوجب حرمة العصير بل ونجاسته أيضا على تقدير القول بها بلا فرق في

[ 196 ]

[ وتقدير الثلث والثلثين إما بالوزن أو بالكيل أو بالمساحة (1). ] ذلك بين أستناد الغليان إلى نفسه وأستناده إلى النار أو الشمس أو غيرهما ودفعنا التفصيل بين الغليان بنفسه وهو المعبر عنه بالشيش والغليان بسبب النار أو غيرها بالقول بالحرمة والنجاسة على الاول وبالحمرة فحسب على الثاني، بمالا مزيد عليه نعم ذكرنا أن المطهر أو المحلل إنما هو خصوص ذهاب الثلثين بالطبخ وهو لا يكون إلا بالنار فذهابهما بنفسه أو بحرارة الشمس أو غيرهما مما لا يترتب عليه الحكم بالطهارة والحلية فليراجع. (1) ذكر صاحب الجواهر (قده): أن المعتبر إنما هو صدق ذهاب الثلثين من دون فرق بين الوزن والكيل والمساحة وإن كان الاحوط الاولين إي الوزن والكيل بل قيل هو الوزن وتبعه الماتن في المقام ونقول في توضيح المسألة: إن المساحة والكيل أمران متحدان وهما طريقان إلى تعيين كم خاص ولا أختلاف بينهما: وأما الوزن فهو أمر يغائر الكيل والمساحة والنسبة بينه وبينهما عموم مطلق. والتحديد بمثلهما أمور لا محصل له لحصول الاخص وهو الكيل والمساحة في المقام قبل الاعم وهو الوزن دائما ويعتبر في التحديد بشيئين أن تكون النسبة بينهما عموما من وجه بحيث قد يتحقق هذا دون ذاك وقد يتحقق ذاك دون هذا على ما سبقت الاشارة إليه عند تحديد الكر بالوزن والمساحة حيث قلنا إن النسبة بين سبعة وعشرين شبرا وبين الوزن عموم من وجه ولا مانع من تحديد الكر بهما وهذا بخلاف ستة وثلاثين أو ثلاثة وأربعين إلاثمن شبر، فإن الوزن حاصل قبلهما. والامر في المقام كذلك. فإن بقاء الثلث أو ذهاب الثلثين بحسب المساحة والكم الخارجي يتحقق قبل ذهابهما أو قبل بقاء الثلث بحسب الوزن. و (سره) أن أوزان الاشياء

[ 197 ]

المتحدة بحسب الكم الخارجي تختلف بأختلافها فترى أن الخشبة والحديد المتحدين بحسب الابعاد الثلاثة مختلفان وزنا إذا الحديد أثقل من الخشب وكذا الذهب والحديد المتوافقين بحسب الكم الخارجي فإن الذهب أثقل الفلزات وهكذا كم خاص من الماء الصافي والعصير لان العصير لاشتماله على المواد السكرية والارضية أثقل فإذا غلى كل منهما وذهب ثلثاهما بحسب الكم كان الثلث الباقي من العصير أثقل من الثلث الباقي من الماء لكثافة الاول من جهة ذهاب الاجزاء المائية وبقاء المواد الارضية والسكرية وخفة الثاني لصفائه، وعليه فذهاب الثلثين وزنا يتأخر دائما عن ذهابهما كيلا ومساحة، ومع كون النسبة بين الوزن والكم أي المساحة والكيل عموما مطلقا لا يمكن تحديد الحرمة أو هي مع النجاسة بهما بل لا بد من تحديدها بأحدهما، وهل المدار على الذهاب وزنا أو على الذهاب كما؟ لا بد في ذلك من النظر إلى الروايات لنرى أن المستفاد منها أي شي. والكلام في تحقيق ذلك يقع في مقامين: (أحدهما): فيما تقتضيه الادلة الاجتهادية و (ثانيهما): فيما يقتضيه الاصل العملي. (أما المقام الاول) فقد يقال إن المعتبر هو الوزن ويستدل عليه بوجهين (أحدهما): أن جملة من الاخبار الواردة في العصير دلت على أنه إذا غلى حرم أو نجس أيضا وهى بأطلاقها تقتضي بقاء حرمته أو نجاسته مطلقا ذهب ثلثاه أم لم يذهبا (منها): رواية حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن شرب العصير قال: تشرب ما لم يغل فإذا غلى فلا تشربه.. (* 1) و (منها): حسنته عنه عليه السلام قال: لا يحرم العصير حتى يغلي (* 2) و (منهما): موثقة ذريح قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا نش العصير أو غلى حرم (* 3) وفي قبال هذه الروايات جملة أخرى دلت على أن الحرمة والنجاسة تزولان


(* 1) و (2) و (3) المرويات في ب 3 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 198 ]

بذهاب ثلثي العصير وبقاء ثلثه وفي بعضها أن ثلثيه للشيطان وثلثه لآدم عليه السلام (* 1) وهى تخصص المطلقات المتقدمة بما إذا لم يذهب ثلثاه ولكنها مجملة لاجمال المراد بالثلث والثلثين للشك في أن المراد منهما خصوص الوزني أو الكمي، ومقتضى القاعدة في المخصصات المجملة المنفصلة الاخذ بالمقدار الميتقن والرجوع في الزائد المشكوك فيه إلى العام، والذى نتيقن بأرادته في المقام هو الوزني الذى يحصل بعد الكمي كما عرفت. وأما الاكتفاء بخصوص الذهاب الكمي فهو مشكوك فيه فيرجع فيه إلى العمومات والمطلقات الدالة على بقاء الحرمة والنجاسة حتى يذهب ثلثاه بحسب الوزن. و (ثانيهما): الاخبار: (منها): ما رواه أبن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا زاد الطلا على الثلث أوقية فهو حرام (* 2) لدلالتها على أن المراد بالثلث هو الثلث الوزني لمكان قوله: أوقية. وهي من أسماء الاوزان و (منها): ما رواه عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أخذ عشرة أرطال من عصير العنب فصب عليه عشرين رطلا ماء ثم طبخهما حتى ذهب منه عشرون رطلا وبقي عشرة أرطال أيصلح شرب تلك العشرة أم لا؟ فقال: ما طبخ على الثلث فهو حلال (* 3) وقد دلت على أن المراد من الثلث والثلثين هو الوزني خاصة. و (منها): رواية عبد الله بن سنان قال: العصير إذا طبخ حتى يذهب منه ثلاثة دوانيق ونصف ثم يترك حتى يبرد فقد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه (* 4) هذا وفي كلا الوجهين مالا يخفى. أما (أولهما): فلاجل أن الاشياء تختلف بحسب الاعتبار فإن في بعضها الاعتبار بالعدد كما في الحيوان والانسان وغيرهما


(* 1) و (* 2) راجع ب 2 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 8 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 4) المروية في ب 5 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 199 ]

من المعدودات وفي بعضها الآخر بالوزن كما في الحنطة والشعير والارز وغيرها مما يوزن وفي ثالث بالمساحة كما في الاراضي، والعرف لا يكاد يشك في أن المايعات التى منها الماء والعصير مما يعتبر فيه المساحة فإذا قيل العصير يعتبر في حليته وطهارته ذهاب ثلثيه وبقاء ثلثه حمل على أرادة الثلثين بحسب المساحة فلا إجمال في المخصص بوجه. ويدل عليه ذلك أنهم عليهم السلام أطلقوا أعتبار ذهاب الثلثين في حلية العصير من دون أن يخصصوا ذلك بشخص دون شخص مع أن أكثر أهل البلاد لا يتمكن من وزن العصير حيث لا ميزان عندهم فكيف بالصحارى والقرى وما هذا شأنه لا يناط به الحكم الشرعي من غير أن يبين في شئ من الروايات. ومما يؤيد ذلك ما ورد في بعض الروايات بيانا لكيفية طبخ العصير من قوله عليه السلام ثم تكيله كله فتنظر كم الماء ثم تكل ثلثه (* 1) فإنه كالصريح في أن الاعتبار بالكيل والمساحة. نعم لم نستدل بتلك الرواية في الحكم بحرمة العصير بالغليان للمناقشة فيها سندا ودلالة فليراجع ما ذكرناه في البحث عن نجاسة العصير وحرمته (* 2) هذا كله في الوجه الاول من الوجهين السابقين. وأما (ثانيهما): وهو الاستدلال بالاخبار فلان الرواية الاولى منها وإن كانت تامة دلالة إلا أنها مرسلة لان الكليني (قده) إنما ينقلها عن بعض أصحابنا فلا يمكن الاعتماد عليها. وأما الرواية الثانية فلان الوزن فيهاإ نما ذكر في كلام السائل دون جواب الامام عليه السلام فإن كلامه غير مشعر بأرادة الوزن أبدا. وقد عرفت أن أطلاق


(* 1) راجع رواية عمار المروية في ب 5 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) راجع ج 2 ص 117 116

[ 200 ]

الثلث أو غيره من المقادير في المايعات منصرف إلى الكيل والمساحة. مضافا إلى ضعف سندها بعقبة بن خالد ومحمد بن عبد الله بناء على أنه محمد بن عبد الله بن هلال كما هو الظاهر. وأما الرواية الثالثة فلان الدانق معرب (دانك) بالفارسية والمراد به سدس الشي عند إلاطلاق وهو من أسماء المقادير بالمساحة فلا دلالة لها على إرادة الوزن. على أن سندها ضعيف من وجوه منها: عدم توثيق منصور بن العباس الواقع في سلسلته فليراجع. وأما المقام الثاني فقد يقال: إن مقتضى أستصحاب حرمة العصير أو نجاسته قبل ذهاب الثلثين عنه هو الحكم بحرمته ونجاسته بعد الغليان وذهاب ثلثيه كما وذلك للشك في طهارته وحليته بذلك ولا مسوغ لرفع اليد عن اليقين بحرمته ونجاسته حتى يقطع بحليته وطهارته وهذا إنما يحصل بذهاب الثلثين وزنا. وفيه: أن الشبهة مفهومية في المقام للشك فيما يراد من الثلث الباقي أو الثلثين الذاهبين وقد أسلفنا في محله أن أستصحاب الحكم لا يجري في أمثال المقام للشك في بقاء موضوعه ومع عدم إحراز أتحاد القضيتين المتيقنة والمشكوكة لا يبقى مجال للاستصحاب. كما أنه لا مجال لاستصحاب الموضوع حينئذ لتقومه بالشك واليقين ولا شك لنا في المقام في شئ للقطع بزوال الثلثين كما وعدم زوالهما بحسب الوزن ومعه كيف يجري الاستصحاب في الموضوع؟! على أن الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية رأسا فإذا شككنا في حرمة العصير وطهارته بعد ذهاب ثلثيه بحسب الكم فلا بد من الرجوع إلى أصالتي الحل والبرائة أو أصالة الطهارة. فالمتلخص أن الميزان في حلية العصير وطهارته إنما هو زوال ثلثيه بحسب الكم والمساحة.

[ 201 ]

[ ويثبت بالعلم، وبالبينة، ولا يكفي الظن (1). ] (1) لقد تكلمنا في أعتبار الامور التى ذكرها الماتن (قده) في المقام من العلم والبينة وخبر العدل وإخبار ذى اليد في البحث عما يثبت به النجاسة، مفصلا (* 1) ولا حاجة إلى إعادته. كما ذكرنا أن الظن لا أعتداد به شرعا بقي الكلام في أن أعتبار قول ذى اليد في محل الكلام هل يختص بما إذا كان مسلما عارفا أو مسلما ورعا مؤمنا أو لا يشترط بشئ؟ ورد في موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام إن كان مسلما ورعا مؤمنا فلا بأس أن يشرب. بعد السؤال عن رجل يأتي بالشراب ويقول هذا مطبوخ على الثلث (* 2) وفى صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليهم السلام قال: سألته عن الرجل يصلي إلى القبلة لا يؤثق به أتى بشراب يزعم أنه على الثلث فيحل شربه؟ قال: لا يصدق إلا أن يكون مسلما عارفا (* 3). ولكن الصحيح عدم أعتبار شي من ذلك في أعتبار قول ذى اليد وذلك لما ورد في صحيحة معاوية بن عمار من قوله: قلت فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف يخبرنا أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه؟ قال: نعم (* 4) حيث أن ظاهر قوله: ممن لا نعرفة. أنه ممن لا يعرفون وثاقته وعدالته، ومع هذا أمر بتصديقه في إخباره فلا يشترط في إعتبار قول ذى اليد شئ من الاسلام والايمان والعدالة نعم لابد في حجية قوله من إشتراط شئ آخر وهو أن لا يكون ممن يشرب العصير قبل تثليثه وإن لم يكن مستحلا له أيضا وذلك لما ورد في صدر


(* 1) ج 1 ص 292 281 وج 2 ص 170 165 (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 7 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل

[ 202 ]

[ وفي خبر العدل الواحد إشكال (1) إلا أن يكون في يده ويخبر بطهارته وحليته وحينئذ يقبل قوله وإن لم يكن عادلا، إذا لم يكن ممن يستحله قبل ذهاب الثلثين (2). (مسألة 1) بناء على نجاسة العصير إذا قطرت منه قطرة بعد الغليان على الثوب أو البدن أو غيرهما يطهر بجفافه أو بذهاب ثلثيه بناء على ما ذكرنا عن عدم الفرق بين أن يكون بالنار أو بالهواء (3) وعلى هذا فالآلات المستعملة في طبخه تطهر بالجفاف وإن لم يذهب الثلثان مما في القدر، ولايحتاج إلى أجراء حكم التبعية، ولكن لا يخلو عن إشكال من حيث أن المحل إذا تنجس به أولا ] الصحيحة من قوله: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيه يالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وأنا أعرف أنه يشربه على النصف أفاشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال: لا تشربه، فإنه يدل على عدم قبول أخبار ذي اليد إذا كان ممن يشرب العصير على النصف ولو كان من أهل المعرفة وغير مستحل له. (1) بل لا إشكال في أعتباره لما ذكرناه غير مرة من عدم التفرقة في حجيته بين الاحكام والموضوعات إلا في موارد خاصة كالزنا وموارد الترافع وغيرهما. بل لا يشترط في أعتباره العدالة أيضا لكفاية الوثاقة في حجية الخبر. (2) مر أن حجية قول ذي اليد في خصوص المقام لا يكفي فيها مجرد عدم أستحلاله للعصير قبل تثليثه بل يشترط فيها أن يكون ممن لا يشربه قبل التثليث. (3) إذا بنينا على أن المحلل والمطهر على تقدير القول بنجاسة العصير بالغليان إنما هو خصوص ذهاب الثلثين بالنار كما قويناه في البحث عن نجاسة

[ 203 ]

[ لا ينفعه جفاف تلك القطرة، أو ذهاب ثلثيها، والقدر المتيقن من الطهر بالتبعية المحل المعد للطبخ مثل القدر والآلات، لا كل محل كالثوب والبدن ونحوهما. ] العصير بالغليان فلا إشكال في عدم طهارة الثوب والبدن ولا نفس القطرة الواقعة عليهما بذهاب ثلثيها أو بجفافها لعدم أستنادهما إلى النار. وأما إذا قلنا بكفاية مطلق ذهابهما في حليته وطهارته سواء أكان بالنار أم بغيرها فهل يحكم بطهارة الثوب والبدن؟ أستشكل الماتن طهارتهما نظرا إلى أن المحل بعد ما تنجس بتلك القطرة لم ينفع ذهاب ثلثيها أو جفافها بوجه. لانه لم يقم دليل على طهارة المحل تبعا لطهارة القطرة الواقعة عليه. وما أفاده (قده) هو المتين وتوضيحه: أن الطهارة بالتبع أنما ثبتت بأحد أمور منفية في الثوب والبدن، حيث أنها: إما أن تثبت من جهة السيرة الخارجية والاجماع القطعيين القائمين على عدم الاجتناب عن العصير ومحله بعد ذهاب الثلثين لطهارة المحل بتبع طهارته. وأما أن تثبت بالروايات لسكوتها عن التعرض لنجاسة المحل وهي في مقام البيان فيستكشف من ذلك طهارته تبعا إذ لو كان نجسا لكان عليهم السلام البيان والتنبيه على نجاسته. وأما أن تثبت من جهة اللغوية فإن الحكم بطهارة العصير بعد تثليثه مع بقاء المحل على نجاسته لغو ظاهر. وهذه وجوه ثلاثة وهي مختصة بالاواني والآلات وغيرهما مما يصيبه العصير عادة حين طبخه وتثليثه ولا يأتي شئ منها في الثوب والبدن. أما السيرة والاجماع فلانهما من الادلة اللبية والقدر المتيقن منهما الاواني والآلات ونظائرهما وهي التى جرت السيرة على عدم التجنب عنها ولا يمكن الاستدلال بالادلة اللبية في الزائد على القدر المتيقن منها.

[ 204 ]

وأما سكوت الاخبار في مقام البيان فلانهم عليهم السلام إنما كانوا بصدد بيان أن العصير يحل شربه ويحكم بطهارته بذهاب ثلثيه وكذلك الآته وأوانيه ولم يعلم أنهم بصدد بيان أن محل العصير ولو كان كالثوب والبدن أيضا يطهر بتبعه حتى يتمسك بأطلاق الروايات وسكوتها في مقام البيان. وأما دليل اللغوية فلانه إنما يتم فيما إذا ورد دليل على ثبوت حكم في مورد بخصوصه وكان ثبوته في ذلك المورد متوقفا على ثبوت حكم آخر فإنه يلتزم حينئذ بثبوت ذلك الحكم الآخر أيضا صونا للكلام عن اللغو وهذا كما في الحكم بطهارة العصير المغلي بعد ذهاب ثلثيه فإنها مع بقاء الآلات والاواني على نجاستهما لغو ظاهر فصونا لكلامهم عليهم السلام عن اللغو نلتزم بثبوت الطهارة للاواني والآلات كالعصير. وأما إذا لم يثبت الحكم إلا بالاطلاق وكان شموله لفرد من أفراده متوقفا على التزام حكم آخر فلا مسوغ للتمسك بالاطلاق في ذلك الفرد ما لم يقم دليل على ثبوت الحكم الآخر في نفسه وذلك لما ذكرناه في محله من أن الاطلاق إنما يشمل الموارد التى لا يتوقف شموله لها على مؤنة زائدة كلحاظ ثبوت اللازم وهو الحكم الآخر على الفرض ومع توقفه على المؤنة أي على لحاظ ثبوت الحكم الآخر لا يشمله الاطلاق في نفسه حتى يقوم دليل خارجي على تلك المؤنة الزائدة وقد ذكرنا نظيره في الكلام على الاصول المثبتة، حيث أستدل على أعتبارها بأطلاق أدلة الاصول ولزوم اللغوية على تقدير ثبوت مثبتاتها لان أطلاق قوله عليه السلام لا تنقض اليقين بالشك يشمل اليقين السابق الذي لا يترتب عليه أثر شرعي في نفسه ولا معنى لنقضه إلا أن له لازما له أثر وبما أن شموله لذلك الفرد من اليقين لغو إلا بالالتزام بجريانه في لازمه والحكم بعدم نقض أثار ذلك اللازم فصونا لكلامه عليه السلام عن اللغو لابد من التزام شمول الادلة للازمه.

[ 205 ]

وقد أجبنا عن ذلك هناك بما ذكرناه في المقام لان عدم نقض اليقين الذي لا أثر شرعي له في نفسه ليس بمورد للدليل وإنما يشمله أطلاقه والاطلاق لا يشمل إلا الموارد التى لا يتوقف شموله لها على لحاظ أمر زائد ولو كان لحاظ ثبوت الحكم في لازمه ما دام لم يقم دليل خارجي على لحاظه والامر فيما نحن فيه أيضا كذلك إذ العصير الطاري على الثوب أو البدن ليس بمورد لدليل بالخصوص وإنما يحكم بطهارته بذهاب الثلثين للاطلاق وهو لا يشمل الموارد التي يتوقف شموله لها على لحاظ أمر زائد وعليه فالدليل على طهارة العصير بذهاب ثلثيه قاصر الشمول للقطرة الواقعة على الثوب أو البدن في نفسه حتى يدعى ثبوت الطهارة في لازمه بدليل اللغوية. وهذا بخلاف الاواني والآلات حيث أن طهارة العصير المغلي بذهاب ثلثيه مورد للدليل بالخصوص، والعصير إنما يكون في الاناء كما أن اغلائه إنما يكون بالآته ومعه لابد من الالتزام فيهما أيضا بالطهارة صونا لكلامهم وحكمهم بطهارة العصير بذهاب الثلثين عن اللغو فالمتحصل أنه لا دليل على طهارة البدن والثوب تبعا لطهارة القطرة الواقعة عليهما أو بجفافها، ولاجل ذلك أستشكل الماتن في الحكم بطهارتهما كما عرفت. نعم يمكن الحكم بطهارة الثوب والبدن أيضا تبعا لطهارة العصير المغلي في إنائه بذهاب الثلثين لا تبعا بطهارة القطرة على الثوب والبدن بجفافها أو بذهاب ثلثيها وذلك لما تقدم من أن الاواني والآلات ولباس الطباخ وبدنه وغيرها مما يصيبه العصير عادة حين طبخه حتى الملعقة التي بها يحرك العصير والاناء الذي تجعل فيه تلك الملعقة محكومة بالطهارة تبعا لطهارة العصير وذلك لان نجاسة تلك الامور مما يغغفل عنه العامة وهي على تقدير ثبوتها لابد من أن يبين في مقام البيان فسكوتهم عليهم السلام عن التعرض لنجاستها في تلك الروايات الواردة

[ 206 ]

[ (مسألة 2) إذا كان في الحصرم حبة أو حبتان من العنب فعصر وأستهلك لا ينجس ولا يحرم بالغليان (1) أما إذا وقعت تلك الحبة في القدر من المرق أو غيره فغلى يصير حراما ونجسا على القول بالنجاسة. ] في مقام البيان يدل على طهارتها تبعا. وأما التبعية في الثوب والبدن للقطرة الواقعة عليهما فقد عرفت عدم ثبوتها كما أن ثوب الطباخ أو بدنه إذا كان بحيث لا يصيبه العصير عادة لم نلتزم بطهارتهما التبعية لعدم الدليل عليها وإن أصابتهما قطرة العصير أتفاقا. وبما سردناه في المقام أتضح أن الحكم بطهارة نفس القطرة بجفافها أو بذهاب ثلثيها أيضا غير تام، لما مر من أن العصير الطاري على الثوب أو البدن ليس بمورد لدليل بالخصوص وإنما يحكم بطهارته بذهاب الثلثين للاطلاق وهو لا يشمل الموارد التى يتوقف شموله لها على لحاظ أمر زائد كما في المقام لان المحل بعد ما تنجس بتلك القطرة لم ينفع جفافها أو ذهاب ثلثيها في طهارتها بل تتنجس بنجاسة المحل ولا يمكن الحكم بطهارتها إلا بالحكم بطهارة لازمه وهو المحل والاطلاق لا يشمل الفرد الذي يتوقف شموله له على لحاظ أمر زائد كما مر (1) والوجه فيه أن ما حكم بحرمته أو بنجاسته أيضا إذا غلى إنما هو العصير العنبي لا عصير الحصرم أو غيره ومع أستهلاك حبة أو حبتين من العنب في عصير الحصرم لا يبقى موضوع للحرمة والنجاسة. بل لا يتوقف الحكم بالحلية والطهارة على صدقه كما يظهر من كلام الماتن. بل المدار عدم صدق العصير العنبي لانه الموضوع للحكم بالحرمة والنجاسة وبأنتفائه ينتفي الحكمان، صدق عليه عصير الحصرم أم لم يصدق.

[ 207 ]

[ (مسألة 3) إذا صب العصير الغالي قبل ذهاب ثلثيه في الذى ذهب ثلثاه يشكل طهارته (1) وإن ذهب ثلثا المجموع. نعم لو كان ذلك قبل ذهاب ثلثيه وإن كان ذهابه قريبا فلا بأس به. والفرق أن في الصورة الاولى ورد العصير النجس على ما صار طاهرا فيكون منجسا له بخلاف الثانية، فإنه لم يصر بعد طاهرا فورد نجس على مثله. هذا ولو صب العصير الذى لم يغل على الذى غلى فالظاهر عدم الاشكال فيه. ولعل السر فيه أن النجاسة العرضية صارت ذاتية، وإن كان الفرق بينه وبين الصورة الاولى لا يخلو عن إشكال ومحتاج إلى التأمل. ] (1) الصور المذكورة للمسألة في كلام الماتن ثلاث: (الاولى): ما إذا كان عصير إن قد صب أحدهما في الآخر بعد غليان كل منهما ونجاستهما. ولا ينبغي الاشكال حينئذ في أنه إذا غلى وذهب ثلثا مجموع العصيرين حكم بحليته وطهارته لان المجموع عصير مغلي قد ذهب ثلثاه. (الثانية): ما إذا كان عصير أن أحدهما مغلي نجس والآخر طاهر غير مغلي وقد صب أحدهما في الاخر فهل يحكم بطهارة المجموع إذا غلى وذهب ثلثاه؟ أستشكل الماتن في الحكم بطهارته حينئذ، ولعل منشاء أستشكاله أن الاخبار الواردة في طهارة العصير بذهاب ثلثيه بالغليان إنما دلت على أن نجاسته الذاتية المسببة عن الغليان ترتفع بذهاب ثلثيه، والعصير الطاهر في مفروض الكلام قد طرءت عليه نجاستان: ذاتيه بالغليان وعرضية بملاقاته مع العصير المغلي النجس ومعه لا يحكم بطهارته إذا غلى وذهب عنه الثلثان لعدم دلالة الاخبار على أرتفاع النجاسة العرضية في العصير أيضا بذلك فهو غير مشمول للروايات ونظيره ما إذا تنجس العصير قبل الغليان بشئ من النجاسات الخارجية كالدم والبول وغيرهما حيث لا يحكم بطهارته بذهاب ثلثيه قطعا. ولا يمكن قياس المقام بما إذا تنجس العصير بالخمر أو بغيرها ثم أنقلب خمرا

[ 208 ]

وبعد ذلك أنقلب الخمر خلا، لان الحكم بطهارته وأرتفاع النجاسة العرضية عنه مستند إلى أطلاق الروايات كما مر ولا أطلاق في المقام لاختصاص أخبار المسألة بالنجاسة العينية الحاصلة للعصير بالغليان. و (دعوى): أن النجاسة العرضية بعد ما غلى العصير تندك وتتبدل بالنجاسة الذاتية. (غير مسموعة): لان النجاسة وإن كانت تتبدل بالذاتية إلا أن الاخبار الواردة في المسألة لا دلالة لها على أرتفاع تلك النجاسة الذاتية المنقلبة عن العرضية لاختصاصها بأرتفاع النجاسة الذاتية المسببة عن الغليان. هذا على أن ذلك لو تم في تنجس العصير الطاهر بالعصير النجس جرى مثله حينئذ في تنجس العصير بالنجاسات الخارجية أيضا من البول والمني وغيرهما مع أن النجاسة العرضية الحاصلة بملاقاتها غير مرتفعة بالغليان جزما هذا كله في تقريب الاستشكال في المسألة. ومقتضى تدقيق النظر أن ذهاب ثلثي المجموع موجب لطهارته والوجه فيه أن نجاسة العصير الطاهر في مفروض الكلام أيضا مستندة إلى الغليان بالارتكاز بيان ذلك أن الغليان لا يطرء على تمام أجزاء العصير وأطرافه دفعة واحدة لانها مستحيلة عادة أو كالمستحيلة والقدر المتيقن أنها غير واقعة خارجا إذ الغليان في أي مايع عصير أو غيره إنما يتحقق في الاجزاء المتصلة منه بالاناء ثم شيئا فشيئا يسري إلى بقية الاجزاء والاطراف بل في القدور الكبيرة قد تغلي الاجزاء المتصلة بها من غير أن تنسلب البرودة عن الاجزاء الوسطانية أو الأخيرة تماما وعلى ذلك إذا غلت الاجزاء المتصلة بالاناء من العصير حكم بنجاستها لا محالة لانها عصير قد غلى، وإذا تنجست الاجزاء المتصلة به تنجست بقية الاجزاء أيضا بسببها مع عدم غليانها حالئذ على الفرض ولا أشكال في أن ذهاب الثلثين في مثله موجب للحلية والطهارة في المجموع ولا وجه لذلك في

[ 209 ]

الاجزاء غير المغلية إلا أستناد نجاستها إلى الغليان بواسطة أتصالها بالاجزاء المغلية ولا فرق في ذلك بين كون الاجزاء غير المغلية متصلة بالاجزاء المغلية أبتداء وبين كونها متصلة بها بعد ما كانت منفصلة عنها أولا لعدم الفرق بين الاتصال والانفصال كذلك حسب المرتكز عرفا نعم هذا يختص بالنجاسة الحاصلة بالغليان ولا يأتي في تنجس العصير بالنجاسات الخارجية من البول والدم ونحوهما (الثالثة): ما إذا كان عصيران مغليان أحدهما طاهر بالتثليث والآخر نجس لعدم تثليثه وقد صب أحدهما في الآخر فهل يحكم بطهارة المجموع إذا ذهب ثلثاه؟ التحقيق عدم طهارته بذلك لان العصير بعد ما طهر بتثليثه لو عرضته نجاسة خارجية لم تطهر بأذهاب ثلثيه ثانيا لان النصوص الواردة في المقام إنما تدل على أن ذهاب ثلثي العصير يطهره من النجاسة الحاصلة بغليانه ولا يكاد يستفاد منها كونه مطهرا له مطلقا ولو بعد ذهاب ثلثيه مرة أو أكثر وبما أن العصير النجس في مفروض الكلام أوجب تنجس العصير الطاهر بالتثليث فلا يمكن الحكم بأرتفاع نجاسته العرضية بتثليثه ثانيا وإن كانت نجاسة الطاهر أيضا مستندة إلى الغليان، والفرق بين هذه الصورة والصورة الثانية مما لا يكاد يخفى لان العصير الطاهر في الصورة الثانية لم يذهب ثلثاه فإذا تنجس بالنجاسة المستندة إلى الغليان حكم بأرتفاعها بتثليثه. وأما في الصورة الثالثة فقد فرضنا أن العصير كان نجسا وطهرناه بتثليثه ومعه لم يقم دليل على أنه إذا تنجس ثانيا ترتفع نجاسته بالتثليث هذا. ولا يخفى أن ذلك كله يبتني على القول بنجاسة العصير بالغليان وقد منعناه في التكلم على نجاسة وطهارته وذكرنا أن الغليان إنما يسبب الحرمة دون النجاسة وعليه فلا ينبغي الاشكال في حلية العصير في جميع الصور الثلاث: أما في الاوليتين فظاهر. وأما في الثالثة فلان ذهاب الثلثين عن العصير قد أوجب الحكم بحلية

[ 210 ]

[ (مسألة 4) إذا ذهب ثلثا العصير من غير غليان لا ينجس إذا غلى بعد ذلك (1). (مسألة 5) العصير التمري أو الزبيبي لا يحرم ولا ينجس (2) بالغليان على الاقوى، بل مناط الحرمة والنجاسة فيهما هو الاسكار. ] شربه فإذا أمتزج مع ما يحرم شربه وغلى مجموعهما ثانيا حكم بحليته بالتثليث لان حلية الحلال لا تنقلب إلى الحرمة إذا زالت عن الممتزج به بأذهاب الثلثين ثانيا (1) ذهاب ثلثي العصير بععد ما وضع على النار وقبل أن يغلي قد يفرض مع تبدل العصير وخروجه عن كونه عصيرا كما إذا كان من الغلظة والثخونة بحيث ينقلب دبسا بمجرد وضعه على النار وقبل أن يغلي ولا شبهة حينئذ في أنه إذا غلى بعد ذلك لم يحكم بحرمته ولا بنجاسة لانهما حكمان مترتبان على غليان العصير وواضح أن الدبس غير العصير، إلا أن هذه الصورة خارجة عن محط كلام الماتن لان ظاهره إرادة بقاء العصير بحاله لا خروجه عن كونه عصيرا. وقد يفرض مع بقاء العصير على كونه عصيرا وفي هذه الصورة إذا غلى بعد ما ذهب ثلثاه لا مانع من الحكم بحرمته بل بنجاسته أيضا على تقدير القول بها لاطلاق الروايات ودلالتها على أن غليان العصير سبب لحرمته ونجاسته تقدم عليه ذهاب ثلثيه أم لم يتقدم ولم يقم دليل على أن ذهاب ثلثي العصير قبل غليانه يوجب سقوطه عن قابلية الاتصاف بالحرمة والنجاسة وإن غلى بعد ذلك وإنما الدليل دل على أن ذهابهما يرفع الحرمة والنجاسة بعد الغليان. وأما ذهابهما قبله فلا يترتب عليه أثر بوجه وعليه لا يحكم بحليته وطهارته إلا أن يذهب ثلثاه ثانيا. (2) تكلمنا على ذلك في مبحث النجاسات فليراجع (* 1) ويأتي منا في المسألة


(* 1) ج 2 ص 131 123.

[ 211 ]

[ (مسألة 6) إذا شك في الغليان يبنى على عدمه (1) كما أنه لو شك في ذهاب الثلثين يبنى على عدمه (2). (مسألة 7) إذا شك في أنه حصرم أو عنب يبنى على أنه حصرم (3). (مسألة 8) لا بأس (4) يجعل الباذنجان أو الخيار أو نحو ذلك في الحب مع ما جعل فيه من العنب أو التمر أو الزبيب ليصير خلا أو بعد ذلك قبل أن يصير خلا، وإن كان بعد غليانه أو قبله وعلم بحصوله بعد ذلك. ] العاشرة أيضا أن العصير التمري أو غيره لا بأس به مادام غير مسكر فانتظره. (1) لاستصحاب عدمه لانه أمر حادث مسبوق بالعدم. (2) للاستصحاب. (3) لاستصحاب بقاء صفته وهي الحصرمية وعدم تبدلها بالعنبية، (4) لا موجب للحكم بطهارة الخل في مفروض المسألة بناء على نجاسة العصير بالغليان لان العصير وإن كان يحكم بطهارته وحليته بالانقلاب خلا أو بتثليثه إلا أن الباذنجان المجعول فيه الذى تنجس بالعصير بعد غليانه باق على نجاسته لعدم ورود مطهر شرعي عليه وعدم الدليل على طهارته بالتبع وهو يوجب تنجس العصير ثانيا بعد تثليثه أو أنقلابه خلا. نعم الاواني وحب التمر وغيرهما مما يتقوم به الخل والعصير أو جرت العادة على جعله فيه محكومة بالطهارة تبعا لانه المتيقن من الاخبار الدالة على طهارة العصير بالثليث دون مالا مدخلية له في الخل والعصير ولم تجر العادة على جعله فيهما. والذى يسهل الخطب أنا لم نلتزم بنجاسة العصير بالغليان وإنما هو سبب لحرمته فحسب ومعه لا أشكال في الحكم بحلية الخل مع جعل البانجان أو الخيار فيه لانهما من ملاقي الحرام دون النجس وملاقي الحرام ليس بحرام.

[ 212 ]

[ (مسألة 9) إذا زالت حموضة الخل العنبي (1) وصار مثل الماء لا بأس به إلا إذا غلى (2) فإنه لابد حينئذ من ذهاب ثلثيه أو أنقلابه خلا ثانيا. ] (1) قيد الخل بالعنبي إحترازا عن الزبيبي والتمري لعدم حرمتهما بالغليان (2) في المقام مسألتان: (إحداهما): أن العصير العنبي إذا غلى هل ينحصر تطهيره بتثليثه أو أنه يطهر بأنقلابه خلا أيضا؟ وهذه المسألة وإن كانت أجنبية عن المقام إلا أنا نتعرض لها تبعا حيث أشار الماتن في طي كلامه إلى طهارة العصير المغلي بالانقلاب. و (ثانيتهما): أن الخل العنبي إذا زالت حموضته وصار ماء مضافا فهل ينجس بالغليان؟ أما المسألة الاولى فقد يقال: بعدم الانحصار وطهارة العصير بأنقلابه خلا ويستدل عليه بوجوه: (الاول): الاجماع القطعي على أن أنقلاب العصير المغلي خلا كأنقلاب الخمر خلا موجب لطهارته. وفيه أن تحصيل الاجماع التعبدي في المسألة كبقية المسائل من الصعوبة بمكان ولعله مما لا سبيل إليه. (الثاني): الاولوية القطعية بتقريب أن الانقلاب خلا إذا كان موجبا للطهارة في الخمر فهو موجب لها في العصير المغلي بالاولوية، لوضوح أن الخمر أشد نجاسة من العصير. وفي هذه الدعوى مالا يخفى على الفطن، لانها قياس على أنه في غير محله لانه مع الفارق حيث أن الخمر من النجاسات العينية والنجاسة فيها قائمة بالعنوان كعنوان الكلب والبول والخمر فإذا زال بالانقلاب أرتفع حكمه لا محالة ومن ثمة قلنا أن الطهارة في أنقلاب الخمر خلا حكم على القاعدة ولا حاجة فيها إلى التمسك بالاخبار وإنما مست الحاجة إليها من جهة نجاسة الاناء الموجبة لتنجس الخمر بعد أنقلابها خلا فلولاها لم نحكم بطهارة الخمر حينئذ وهذا بخلاف العصير فإن

[ 213 ]

النجاسة فيه بالغليان إنما ترتبت على ذاته وجسمه ولم يتعلق على أسمه وعنوانه وعليه فقياس العصير بالخمر مع الفارق لبقاء متعلق الحكم في الاول دون الثاني. (الثالث): صحيحة معاوية: خمر لا تشربه (* 1) حيث دلت على أن العصير بعد غليانه خمر وهو تنزيل له منزلتها من جميع الجهات والاثار وحيث أن الخمر يطهر بأنقلابها خلا فلا مناص من أن يكون العصير أيضا كذلك. ويرد عليه (أولا): أن لفظة خمر غير موجودة على طريق الكليني (قده) كما تقدم (* 2). و (ثانيا): أنها ظاهرة على تقدير وجود اللفظة في أن العصير منزل منزلة الخمر من حيث حرمته، حيث قال: خمر لا تشربه. لانه فرق بين بين أن يقال: خمر فلا تشربه وبين أن يقال: خمر لا تشربه. فإن ظاهر الاول عموم التنزيل لمكان (فاء) الظاهرة في التفريع لدلالتها على أن حرمة الشرب أمر متفرع على التنزيل لا أن التنزيل خاص بحرمة الشرب، والثاني ظاهر في أرادة التنزيل من حيث حرمة الشرب فحسب. و (ثالثا): هب أنها دلت على تنزيل العصير منزلة الخمر مطلقا إلا أنه ينصرف إلى أظهر الخواص والآثار وهي في الخمر ليست إلا حرمة الشرب والنجاسة. وأما طهارتها بالانقلاب خلا فهي من الاثار غير الظاهرة التى لا ينصرف إليها التنزيل بوجه. والصحيح أن يستدل على ذلك بالاخبار الواردة في طهارة الخل وجواز


(* 1) المروية في ب 7 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) تقدم في ج 2 ص 106.

[ 214 ]

شربه وأوصافه وآثاره (* 1) كما دل على أنه مما لا بد منه في البيوت، وأنه ما أفقر بيت فيه خل وغير ذلك من الآثار وذلك لان الخل لا يتحقق إلا بعد نشيش العصير وغليانه بنفسه وقد دلت الروايات على حليته مع أنه غلى قبل الانقلاب. بل الحرمة بالنشيش آكد من الحرمة بالغليان بالنار أو غيرها ومقتضى الاخبار المذكورة طهارة الخل الحاصل بالنشيش فضلا عن الحاصل بالغليان بالاسباب ومعه لا حاجة إلى الاستدلال بشئ من الوجوه المتقدمة. هذا كله في المسألة الاولى. (أما المسألة الثانية): أعني نجاسة الخل الذى ذهبت حموضته وحرمته بالغليان فقد ذهب الماتن إلى نجاسة وحرمته إذا غلى إلا أن يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا ثانيا. ولا يمكن المساعدة عليه. وذلك لان الموضوع للحكم بالحرمة أو هي مع النجاسة هو الغليان على نحو صرف الوجود المنطبق على أول الوجودات، ومعه إذا تحقق الغليان أولا، ثم طهر بذهاب الثلثين أو التخليل فالغليان الثانوي لا يترتب عليه أثر من الحرمة والنجاسة حتى نحتاج في تطهيره وتحليله إلى ذهاب الثلثين أو التخليل هذا في العصير، وكذلك الحال في الخل لعدم حرمته ونجاسته بالغليان حيث سبقه الغليان مرة وترتبت عليه الحرمة والنجاسة وزالتا بأنقلابه خلا إذا فالوجود الثاني من الغليان لا يؤثر شيئا منهما وإنما هو باق على حليته وطهارته غلى أم لم يغل هذا كله في الخل غير الفاسد. وأما الخل الفاسد أعني ما زالت عنه حموضته فهو أيضا كسابقه والغليان الثانوي لا يقتضي حرمته ولانجاسته.


(* 1) راجع ب 43 و 44 و 45 من أبواب الاطعمة المباحة وب 31 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 215 ]

[ (مسألة 10) السيلان وهو عصير التمر أو ما يخرج منه بلا عصر، لا مانع من جعله في الامراق (1) ولا يلزم ذهاب ثلثيه كنفس التمر. (السابع): الانتقال (2) كأنتقال دم الانسان أو غيره مما له نفس إلى جوف مالا نفس له كالبق والقمل، وكأنتقال البول إلى النبات والشجر (3) ونحوهما، ولابد من كونه. ] (1) والوجه في حليته وطهارته أن العصير التمري لا دليل على حرمته أو نجاسته بالغليان مادام غير مسكر وإذا أسكر فهو حرام كما ورد في جملة من الاخبار (* 1) وفي بعضها: يا هذا قد أكثرت علي أفيسكر، قال: نعم قال: كل مسكر حرام. والروايات الدالة على حرمة العصير أو نجاسته بالغليان مختصة بالعصير العنبي دون التمري فلئن تعدى أحد فإنما يتعدى إلى الزبيبي أو يحتاط فيه. وأما التمري أو غيره فالالتزام بحرمته أو نجاسته بالغليان بلا موجب يقتضيه مطهرية الانتقال (2) والمراد به أنتقال النجس إلى جسم طاهر وصيرورته جزء منه. (3) الظاهر أن ذلك من سهو القلم لان المنتقل إلى النبات أو الشجر إنما هو الاجزاء المائية من البول لا الاجزاء البولية بأنفسها وهو معدود من الاستحالة وليس من الانتقال في شئ. نعم يمكن أن تنتقل الاجزاء البولية إلى الشجر بجعله فيه مدة ترسب الاجزاء البولية فيه، إلا أنه لا يحتمل أن يكون مطهرا للبول الموجود في الشجر فالانسب أن يمثل بأنتقال الماء المتنجس إلى الشجر أو النبات.


(* 1) راجع ب 24 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 216 ]

[ على وجه لا يسند إلى المنتقل عنه (1) وإلا لم يطهر كدم العلق بعد مصه من الانسان ] (1) وتفصيل الكلام في ذلك أن النجس كدم الانسان أو غيره مما له نفس سائله قد ينتقل إلى حيوان طاهر ليس له لحم ولا دم سائل كالبق والقمل أو أن له لحما ولا نفس سائلة له كالسمك على نحو تنقطع أضافته الاولية عن المنتقل عنه وتتبدل إلى أضافة ثانوية إلى المنتقل إليه بحيث لا يقال إنه دم أنسان مثلا بل دم بق أو سمكة ونحوها لصيرورته جزء من بدنهما بالتحليل بحيث لا يمكن أضافته إلى الانسان إلا على سبيل العناية والمجاز فالدم وإن كان هو الدم الاول بعينه إلا أن الاضافة إلى الانسان في المثال تبدلت بالاضافة إلى البق أو السمكة فهو ليس من الاستحالة في شئ لانه يعتبر في الاستحالة تبدل الحقيقة إلى حقيقة أخرى مغائرة مع الاولى والحقيقة الدموية لم تتبدل بحقيقة أخرى في المثال بل تبدلت أضافته فحسب ولا أشكال حينئذ في الحكم بطهارة ذلك النجس لانه دم حيوان لا نفس له ومقتضى عموم مادل على طهارة دمه أو أطلاقه هو الحكم بطهارته. وقد ينتقل النجس إلى حيوان طاهر من دون أن تنقطع أضافته الاولية إلى المنتقل عنه ولا يصح أضافته إلى المنتقل إليه كما إذا أنتقل دم الانسان إلى بق أو سمكة وقبل أن يصير جزء منهما عرفا شق بطنهما فإن الدم الخارج حينئذ دم الانسان ولا يقال إنه دم البق أو غيره وجوف السمكة أو البق وقتئذ ليس إلا ظرفا لدم الانسان، ونظيره ما لو أخذ الانسان دم السمكة في فمه وطبقه فإن الدم الخارج من فمه دم سمكة وإنما كان ظرفه فم الانسان. ومن هذا القبيل الدم الذى يمصه العلق من الانسان ولا شبهة حينئذ في نجاسة ذلك الدم لانه مما له نفس سائله. وإنما تبدل مكانه من دون تبدل في حقيقته وأضافته فمقتضى عموم مادل على نجاسة دم الانسان أو أطلاقه هو

[ 217 ]

الحكم بنجاسته. وثالثة ينتقل النجس إلى حيوان طاهر ولكنه بحيث يصح أن يضاف إلى كل من المنتقل عنه والمنتقل إليه إضافة حقيقية لجواز أجتماع الاضافات المتعددة على شي واحد لعدم التنافي بينها والاضافة أمر خفيف المؤنة وتصح بأدنى مناسبة فترى أن دم الانسان بعد ما أنتقل إلى البق أو السمكة في زمان قريب من الانتقال وإن صار جزء منها يصح أن يضاف إلى الانسان بأعتبار أنه منه كما يصح أن يضاف إلى البق نظرا إلى أنه جزء من بدنه بل لا يستبعد أجتماع الاضافتين قبل صيرورة الدم جزء من البق أو السمكة فيضاف إلى الانسان لانه منه كما يصح أن يضاف إلى البق لانه في جسده فهل يحكم بطهارة الدم وقتئذ؟ فيه أشكال وكلام. والذي ينبغي أن يقال إن نجاسة دم المنتقل عنه وطهارة دم المنتقل إليه إما أن تثبتا بدليل لبي من أجماع أو سيرة. وإما أن تثبتا بدليل لفظي أجتهادي، وإما أن تثبت أحداهما باللبي وثانيتهما باللفظي. فإن ثبت كل منهما بالادلة اللبية فلا إشكال في عدم أمكان أجتماعهما في ذلك المورد لاستحالة أتصاف الشئ الواحد بالنجاسة والطهارة الفعليتين من جهتين فالدليلان لا يشملان المورد بوجه فيفرضان كالعدم ولا بد معه من مراجعة الاصل العملي من قاعدة الطهارة أو أستصحاب النجاسة كما يأتي عن قريب. وأما إذا ثبت أحدهما باللفظي وثبت الآخر باللبي فلا بد من رفع اليد عن عموم الدليل اللفظي أو أطلاقه بقرينة الاجماع مثلا وحمله على مورد أخر هذا فيما علم شمول الاجماع لمورد الاجتماع وإلا فيؤخذ بالقدر المتيقن وهو غير مورد الاجتماع ويرجع فيه إلى الدليل اللفظي من أطلاق أو عموم. وأما إذا ثبت كل منهما بدليل لفظي فإن كان أحدهما بالاطلاق والآخر

[ 218 ]

بالوضع والعموم فقد بينا في محله أن الدلالة الوضعية منقدمة إلى الاطلاق فالمقدم هو ما ثبت بالوضع والعموم وإذا كان كلاهما بالاطلاق فلا محالة يتساقطان لانه مقتضى تعارض المطلقين ويرجع إلى مقتضى الاصل العملي، ولو ثبت كلاهما بالعموم فهما متعارضان ومعه لا بد من الرجوع إلى المرحجات كموافقة الكتاب ومخالفة العامة إن وجدت وإلا فيحكم بالتخيير بينهما على ما هو المعروف بينهم وأما على مسلكنا فلا مناص من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى الاصل العملي وهو أستصحاب نجاسة الدم المتيقنة قبل الانتقال وهذا هو المعروف عندهم إلا أنه يبتني على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وقد ناقشنا فيه في محله لانه متبلى المعارض دائما حيث أن أستصحاب نجاسة الدم قبل الانتقال معارض بأستصحاب عدم جعل النجاسة عليه زائدا على القدر المتيقن وهو الدم ما لم ينتقل ومعه تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة وبها يحكم على طهارة الدم في مفروض الكلام هذا كله إذا علمنا حدوث الاضافة الثانوية وعدم أنقطاع الاضافة الاولية. وأمالو شككنا في ذلك فلا يخلو إما أن يعلم بوجود الضافة الثانوية لصدق أنه دم البق أو البرغوث مثلا ويشك في أنقطاع الاضافة الاولية وعدمه. وإما أن يعلم بقاء الاضافة الاولية لصدق أنه دم الانسان مثلا ويشك في حدوث الاضافة الثانوية. وإما أن يشك في كلتا الاضافتين للشك في صدق دم الانسان أو البق وعدمه وهذه صور ثلاث: أما الصورة الاولى: فإن كانت الشبهة مفهومية كما إذا كان الشك في سعة مفهوم الدم أي دم الانسان مثلا وضيقه من غير أن يشك في حدوث شئ أو أرتفاعه فلا مانع من التمسك بأطلاق مادل على طهارة الدم المنتقل إليه أو عمومه. ولا يجري أستصحاب بقاء الاضافة الاولية لما مر غير مرة من عدم

[ 219 ]

جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية لا في الحكم لعدم أحراز موضوعه ولا في الموضوع لعدم الشك في حدوث شئ أو أرتفاعه. وأما إذا كانت الشبهة موضوعية كما إذا بنينا على بقاء الاضافة الاولية حال المص والانتقال كما أن الاضافة الثانوية موجودة على ما تأتي الاشارة إليه فإنه على ذلك قد يشك في أن الدم الذي أصاب ثوبه أو بدنه هل أصابه بعد الانتقال ليحكم بطهارته لانه دم البق أو أنه أصابه حال مصه ليحكم بنجاسته فلا مانع من أستصحاب بقاء الاضافة الاولية وبذلك يشمله إطلاق ما دل على نجاسة دم المنتقل عنه أو عمومه ولكن يعارضه العموم أو الاطلاق فيما دل على طهارة الدم المنتقل إليه ويدخل المورد بذلك تحت القسم الثالث من أقسام الانتقال وذلك للعلم بصدق كلتا الاضافتين لاجل إحراز أحدهما بالوجدان وثانيهما بالنعبد ولا بد حينئذ من ملاحظة أن دلالة دليليهما بالاطلاق أو بالعموم أو أن إحداهما بالعموم والاخرى بالاطلاق إلى آخر ما قدمناه آنفا. لا يقال: إن الاستصحاب الذي هو أصل عملي كيف يعارض الدليل الاجتهادي من عموم أو أطلاق. لانه يقال: التعارض حقيقة إنما هو بين دليل طهارة الدم المتنقل إليه وبين ما دل على نجاسة الدم المنتقل عنه والاستصحاب إنما يجري في موضوع الدليل القائم على نجاسة الدم المنتقل عنه وبه ينقح موضوعه وبعد ذلك يشمله عموم ذلك الدليل أو أطلاقه وهو يعارض العموم أو الاطلاق في الدليل القائم على طهارة الدم المنتقل إليه. وأما الصورة الثانية: فلا إشكال فيها في الحكم بنجاسة الدم بلا فرق في ذلك بين جريان الاستصحاب في عدم حدوث الاضافة الثانوية كما إذا كانت الشبهة موضوعية وبين عدم جريانه كما إذا كانت الشبهة مفهومية وذلك لعموم ما

[ 220 ]

[ (مسألة 1) إذا وقع البق على جسد الشخص فقتله، وخرج منه الدم لم يحكم بنجاسته إلا إذا علم أنه هو الذي مصه من جسده بحيث أسند إليه لا إلى البق (1) فحينئذ يكون كدم العلق ] دل على نجاسة دم المنتقل عنه أو أطلاقه حيث لا معارض له لعدم جواز التمسك بالاطلاق أو العموم فيما دل على طهارة الدم المنتقل إليه وذلك للشك في موضوعه كما في الشبهات المفهومية أو لاستصحاب عدم حدوث الاضافة الثانوية كما في الشبهات الموضوعية حيث يحرز به أن الدم ليس بدم البق مثلا فلا يشمله العموم أو الاطلاق فيما دل على طهارة دمه. وأما الصورة الثالثة: فإن كانت الشبهة مفهومية لم يكن فيها مجال لاستصحاب الحكم أو الموضوع في شئ من الاضافتين فيرجع حينئذ إلى قاعدة الطهارة. وأما إذا كانت الشهبة موضوعية فلا مانع من إستصحاب بقاء الاضافة الاولية أو أستصحاب عدم حدوث الاضافة الثانوية والحكم بنجاسة الدم هذا كله في كبرى المسألة. وأما صغراها فقد أشار إليه الماتن بقوله: إلا إذا علم أنه هو الذي مصه. (1) ما أفاده (قده) من الحكم بنجاسة الدم على تقدير العلم ببقاء الاضافة الاولية وعدم صدق دم البق عليه وإن كان متينا إلا أن الكلام في تحقق المعلق عليه وصدق ذلك التقدير والصحيح عدم تحققه وذلك أما (أولا) فلان البق والبرغوث من الحيوانات التى ليس لها دم حسب خلقتها وتكونها والدم المضاف إليهما أعني ما يقال له أنه دم البق ويحكم بعدم البأس به وأن كثر وتفاحش هو الدم الذي يمصه من الانسان أو غيره فما يمصه هو دم البق حقيقة لا أنه دم الانسان مثلا وعليه فالمقام من صغريات القسم الاول من أقسام الانتقال وهو مما علم أنقطاع الاضافة الاولية فيه وتبدلها بالاضافة الثانوية فلا بد

[ 221 ]

[ (الثامن): الاسلام وهو مطهر لبدن الكافر (1) ورطوباته المتصلة به ] من الحكم بطهارته حينئذ. وأما (ثانيا): فلانا لو تنزلنا عن ذلك وفرضنا الاضافة الاولية غير محرزة الانقطاع عنه فلا محالة يدخل المقام تحت الصورة الاولى من صور الشك المتقدمة وهي ما إذا علمنا بحدوث الاضافة الثانوية جزما وشككنا في بقاء الاضافة الاولية وأنقطاعها وقد مر أن الشبهة حينئذ إذا كانت مفهومية لا يجري الاستصحاب في بقاء الاضافة الاولية ويجري إذا كانت الشبهة خارجية وبه تقع المعارضة بين العموم أو الاطلاق في كل من دليلي الدم المنتقل عنه والمنتقل إليه فيتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة لان دلالة كل منهما في المقام بأطلاق. وأما (ثالثا): فلانا لو تنزلنا عن ذلك أيضا وسلمنا بقاء الاضافة الاولية حال المص والانتقال كما أن الاضافة الثانوية موجودة فهو مورد لكلتا الاضافتين لعدم التنافي بينهما فتندرج مسألتنا هذه في القسم الثالث من أقسام الانتقال للعلم بكلتا الاضافتين وقد تقدم أن دليلي المنتقل عنه والمنتقل إليه إذا كانت دلالتهما بالاطلاق لابد من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى الاصل العملي وبما أن نجاسة دم الانسان وطهارة دم البق مثلا إنما ثبتتا بالاطلاق فيتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة لا محالة. مطهرية الاسلام (1) لان بالاسلام يتبدل عنوان الكافر وموضوعه فيحكم بطهارته كما هو الحال في بقية الاعيان النجسة لان الخمر أو غيرها من الاعيان النجسة إذا زال عنوانها زال عنها حكمها.

[ 222 ]

[ من بصاقه، وعرقه، ونخامته، والوسخ الكائن على بدنه (1). وأما النجاسة الخارجية التى زالت عينها ففي طهارته منها أشكال (2) وإن كان هو الاقوى. نعم ثيابه التى لاقاها حال الكفر مع الرطوبة لا تطهر على الاحوط ] (1) لا ينبغي الارتياب في طهارة فضلات الكافر المتصلة ببدنه من شعره وبصاقة ونخامته وعرقه وغيرها لان نجاستها إنما كانت تبعية لنجاسة بدنه لان الشعر مثلا بما أنه شعر الكافر نجس ولم يدل دليل على نجاسة الامور المذكورة في أنفسها فإذا حكمنا بطهارة بدنه بالاسلام زالت النجاسة التبعية فيها لا محالة، إذ الشعر بقاء ليس بشعر كافر وإن كان شعر كافر حدوثا. كما لا ينبغي الشك في عدم طهارة الاشياء الخارجية التى تنجست بملاقاة الكافر قبل الاسلام كالاواني والفرش وغيرهما مما لاقاه الكافر برطوبة كما هو الحال في بقية النجاسات حيث أن النجس إذا لاقى شيئا خارجيا ثم أستحال وحكم بطهارته لم يوجب ذلك طهارة الملاقي بوجه والوجه فيه أن الامور الخارجية ليست نجاستها نجاسة تبعية لبدن الكافر أو يده مثلا وإنما حكم بنجاسته لملاقاتها مع النجس فلاوجه لطهارتها بطهارته وهذا واضح، وإنما الاشكال والكلام في موردين آخرين: (أحدهما): أن بدن الكافر لو أصابته نجاسة قبل أسلامه ثم زالت عنه عينها فهل يحكم بطهارته وتزول عنه النجاسة العرضية أيضا بإسلامه كما تزول النجاسة الكفرية به فلا يجب على الكافر غسل بدنه بعد ذلك أو أن النجاسة العرضية لا تزول بالاسلام؟ و (ثانيتهما): ثيابه التى لاقاها حال كفره ويأتي التعرض لهما في التعليقتين الآتيتين فليلاحظ. (2) قد يقال: إن إسلام الكافر يقتضي الحكم بطهارته من جميع الجهات ولا تختص مطهريته بالنجاسة الكفرية ويستدل عليه بالسيرة وبخلو السنة عن الامر

[ 223 ]

[ بل هو الاقوى فيما لم يكن على بدنه فعلا (1). ] بتطهير بدنه بعد إسلام مع أن الغالب ملاقاة الكافر بشئ من النجاسات حال كفره. بل من المستحيل عادة أن لا يلاقية شئ من المتنجسات وبهذا يستكشف أن الاسلام كما يوجب أرتفاع النجاسة الذاتية عن الكافر كذلك يوجب أرتفاع النجاسات العرضية عنه وهذا هو الذي قواه الماتن (قده) ولا يمكن المساعدة عليه. وذلك لان المقدار الثابت من طهارة الكافر بالاسلام إنما هو طهارته من النجاسة الكفرية فقط وزوال النجاسات العرضية عنه بذلك يحتاج إلى دليل وأما عدم أمرهم عليهم السلام بتطهير بدنه بعد أسلامه فهو ممالا دلالة له على المدعى. وذلك أما في عصر النبي صلى الله عليه وآله فلاحتمال أن يكون عدم أمر الكفار بتطهير أبدانهم بعد الاسلام مستندا إلى عدم تشريع النجاسات وأحكامها للتدرج في تشريع الاحكام الشرعية. وأما في عصر الائمة عليهم السلام والخلفاء فلاجل أن الكافر بعد ما أسلم وإن كان يجري عليه جميع الاحكام الشرعية إلا أنه يبين له تلك الاحكام تدريجا لا دفعة ومن جملتها وجب غسل البدن والثياب وتطهيرهما ولقد بينوها في رواياتهم بل لعل بعض الكافرين كان يعلم بوجوبه في الاسلام فلا موجب للامر بالكافر بخصوصه فإن أطلاق مادل على لزوم الغسل من البول وغيره من النجاسات شامل له ومعه يجب على الكافر أن يطهر بدنه وثيابه من النجاسات العارضة عليهما حال كفره. (1) لافرق بين ألبسة الكافر وبين الاواني والفرش وغيرها من الاشياء الخارجية التي لاقاها حال كفره وقد عرفت عدم طهارتها بأسلامه مثلا إذا أسلم في الشتاء لاوجه للحكم بطهارة ثيابه الصيفية لعدم تبعيتها للكافر في نجاستها وكذا الحال في ثيابها التى على بدنه هذا.

[ 224 ]

[ (مسألة 1) لا فرق في الكافر (1) بين الاصلي والمرتد الملي بل الفطري أيضا على الاقوى من قبول توبته باطنا وظاهرا أيضا فتقبل عباداته ويطهر بدنه نعم يجب قتله إن أمكن وتبين زوجته. وتعتد عدة الوفاة وتنتقل أمواله الموجودة ] وقد يقال بطهارتها بأسلامه لعين ما نقلناه في الاستدلال على طهارة بدنه من النجاسات العرضية من السيرة وخلو السنة عن الامر بغسل ألبسته بعد الاسلام والجواب عنهما هو الجواب. (1) أما الاصلي والملي وهو المرتد الذي لم يكن أحد أبويه مسلما حال أنعقاده فهما المتيقن مما دل على طهارة الكافر بالاسلام ولا خلاف فيها بينهم. وأما الفطري وهو المرتد الذي أنعقد وأحد أبويه أو كلاهما مسلم فيقتل وتبين عنه زوجته وتقسم أمواله، والمشهور عدم قبول توبته وأسلامه وأنه مخلد في النار كبقية الكفار وذهب جملة من المحققين إلى قبول توبته وأسلامه واقعا وظاهرا. وفصل ثالث في المسألة وألتزم بقبول توبته وأسلامه فيما بينه وبين الله سبحانه واقعا وأنه يعامل معه معاملة المسلمين وحكم بعدم قبولهما ظاهرا بالحكم بنجاسته وكفره وغيرهما من الاحكام المترتبة على الكفار وعن أبن الجنيد أن الفطري تقبل توبته مطلقا حتى بالاضافة إلى الاحكام الثلاثة المتقدمة فلا يقتل بعد توبته ولا تبين زوجته ولا يقسم أمواله إلا أنه شاذ لا يعبأ به إلى غير ذلك من الاقوال. والصحيح هو القول الوسط وهو ما نقلناه عن جملة من المحققين وذلك لانه سبحانه واسع رحيم ولا يغلق أبواب رحمته لاحد من مخلوقاته فإذا ندم المرتد وتاب حكم بأسلامه واقعا وظاهرا ونسبة عدم قبولهما إلى المشهور غير ثابتة ولعلهم أرادوا بذلك عدم أرتفاع الاحكام الثلاثة المتقدمة بأسلامه وإن كان مسلما شرعا وحقيقة ولا غرابة في كون المسلم محكوما بالقتل في الشريعة المقدسة

[ 225 ]

ويدل على ذلك (أولا): صدق المسلم عليه من دون عناية، إذ لا نعني بالمسلم إلا من أظهر الشهادتين وأعترف بالمعاد وبما جاء به النبي صلى الله عليه وآله المفروض أن المرتد بعد توبته معترف بذلك كله فلاوجه معه للحكم بنجاسته. بل لا دليل على هذا المدعى سوى ما ورد في جملة من الاخبار من أن الفطري لا يستتاب وأنه لا توبة له (* 1) ولا يمكن الاستدلال به على المدعى لوضوح أن عدم أستتابته لا يقتضي كفره ونجاسته على تقدير توبته فلعل عدم أستتابته من جهة أو توبته لا يترتب عليها أرتفاع الاحكام الثلاثة الثابتة عليه بالارتداد فلا أثر لتوبته بالاضافة إليها وقد تقدم أن عدم أرتفاع الاحكام الثلاثة أعم من الكفر. وأما ما دل على أنه لا توبة له فهو وإن كان قد يتوهم دلالته على كفره ونجاسته لانه لو كان مسلما قبلت توبته لا محالة. إلا أنه أيضا كسابقه حيث أن التوبة ليست ألا بمعنى إظهار الندم وهو يتحقق من الفطري على الفرض فلا معنى لنفي توبته سوى نفي آثارها وعلى ذلك فمعنى أن الفطري لا توبة له: أن القتل وبينونة زوجته وتقسيم أمواله لا يرتفع عنه بتوبته وأن توبته كعدمها من هذه الجهة ولا منافاة بين ذلك وبين أسلامه بوجه. ويمكن حمله على نفي الاعم من الآثار الدنيوية والاخروية وأنه مضافا


(* 1) صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن المرتد فقال من رغب عن الاسلام وكفر بما أنزل على محمد بعد أسلامه فلا توبة له وقد وجب قتله وبانت منه أمراته وقسم ما ترك على ولده. صحيحة الحسين بن سعيد قال: قرأت بخط رجل إلى أبى الحسن الرضا عليه السلام رجل ولد على الاسلام ثم كفر واشرك وخرج عن الاسلام هل يستتاب أو يقتل ولا يستتاب؟ فكتب عليه السلام يقتل المرويتان في ب 1 من أبواب حد المرتد من الوسائل.

[ 226 ]

إلى قتله وغيره من الاحكام السابقة آنفا يعاقب بأرتداده أيضا ولا يرتفع عنه القعاب بتوبته لان مادل على أن التائب من ذنب كمن لا ذنب له وغيره من أدلة التوبة (* 1). لا مانع من أن يخصص بما دل على أن الفطري لا تقبل توبته إلا أنه لا يدل على عدم قبول أسلامه بوجه. وتوضيح ما ذكرناه أن المعصية الصادره خارجا قد يقوم الدليل على أن الآثار المترتبة عليها غير زائلة إلى الابد وإن زالت المعصية نفسها وذلك لاطلاق دليل تلك الآثار أو عمومه لدلالته على أن المعصية بحدوثها وصرف وجودها كافية في بقاء آثارها إلى الابد. وقد لا يقوم دليل على بقاء آثار المعصية بعد أرتفاعها لعدم العموم والاطلاق في دليلها بحيث لا يستفاد منه سوى ترتب الاثر على المعصية مادامت موجودة. ثم إن الآثار المترتبة على المعصية قد تكون تكوينية كأستحقاق العقاب وقد تكون شرعية كوجوب القتل وجواز تقسيم المال ونحوهما. أما القسم الاول من المعصية فمقتضى أطلاق أو عموم الادلة الدالة على آثارها وإن كان بقاء تلك الآثار وإن أرتفعت المعصية إلا أنه قد يقوم الدليل على أن المعصية المتحققة كلا معصية وكأئها لم توجد من الابتداء ومعه ترتفع الآثار المترتبة على صرف وجودها لا محالة وهذا كما في دليل التوبة لدلالته على أن التوبة تمحي السيئة. العصيان وأن التائب من ذنب كمن لا ذنب له ومعناه أن المعصية الصادرة كغير الصادرة فلا يبقى مع التوبة شئ من آثار المعصية بوجه نعم قد يرد مخصص على هذا الدليل ويدل على أن التوبة مثلا لا توجب أرتفاع المعصية المعينة كما ورد في المرتد عن فطرة ودل على أنه لا توبة له وأنها لا تقبل منه فتوبته كعدمها ومعه إذا كان لدليل آثارها أطلاق أو عموم


(* 1) المروية في ب 86 من أبواب جهاد النفس من الوسائل.

[ 227 ]

فلا مناص من الالتزام ببقائها فلا بد من النظر إلى الآثار المترتبة على الارتداد لنرى أبها يثبت على المعصية الارتدادية مطلقا وأيها يثبت عليها مادامت باقية. فيقول: أما أستحقاق العقاب والخلود في النار فمقتضى قوله عز من قائل (وليست التوبة للذين يعملون السيئآت حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (* 1) أن الخلود في النار إنما هو من الآثار المترتبة على الكفر حال الموت دون من لم يتصف به حينه فأرتفاع المعصية الكفرية يقتضي الحكم بعدم الخلود في النار فإذا أسلم المرتد وتاب ولم يبق على كفره إلى حين موته أرتفع عنه العقاب والخلود. وهذا لا من جهة دليل التوبة حتى يدعى أن توبة المرتد كعدمها لانه لا تقبل توبته بل من جهة القصور في دليل الاثر المترتب على الارتداد لاختصاصه بما إذا كان باقيا حال الممات ومع القصور في المقتضي لا حاجة إلى التمسك بدليل التوبة لانه إنما يحتاج إليه في رفع الآثار التى لولاه كانت باقية بحالها. وأما بقية الاحكام المترتبة على الكفر والارتداد كنجاسة بدنه وعدم جواز تزوجيه المرئة المسلمة وعدم توارثه من المسلم ونحوها فهي أيضا كسابقها لارتفاعها بأرتفاع موضوعها الذي هو الكفر لوضوح أن نجاسة اليهود والنصارى مثلا على تقدير القول بها إنما تترتب على عنوان اليهودي أو النصراني ونحوهما فإذا أسلم وتاب لم يصدق عليه عنوانهما فترتفع نجاسته وغيرها من الآثار المترتبة على عنوانهما لقصور أدلتها وعدم شمولها لما بعد أسلامه من غير حاجة إلى التشبث بدليل التوبة ليقال أن المرتد لا توبة له. وأما وجوب قتل المرتد وبينونة زوجته وتقسيم أمواله فلا مناص من


(* 1) النساء 4: 18.

[ 228 ]

الالتزام ببقائها وعدم أرتفاعها بتوبته وذلك لاطلاق أدلتها فليراجع (* 1) وإن زال كفره وأرتداده بسببها فهو مسلم يجب قتله ولا غرابة في ذلك لان المسلم قد يحكم بقتله كما في اللواط وبعض أقسام الزنا والافطار في نهار شهر رمضان متعمدا على الشروط والتفاصيل المذكورة في محلها هذا كله في الوجه الاول مما يمكن الاستدلال به على المختار. (الوجه الثاني): أنه لا شبهة في أن المرتد بعد ما تاب وأسلم كبقية المسلمين مكلف بالصلاة والصيام ويتوارث من المسلم ويجوز له تزويج المرئة المسلمة وغيرها من الاحكام ولا يمكن التفوه بأنكاره لانه على خلاف الضرورة من الفقه وإن كان ثبوتها في حقه قبل إسلامه وتوبته مورد الكلام والنزاع للخلاف في تكليف الكفار بالفروع وعدمه. وعلى ذلك إما أن نلتزم بأسلامه وطهارة بدنه وغيرها من الاحكام المترتبة على بقية المسلمين وهذا هو المدعى وإما أن نلتزم بنجاسة بدنه وبقائه على كفره وهذا يستلزم التكليف بما لا يطاق لان من حكم بنجاسته لا يتمكن من تطهير بدنه فكيف يكلف بالصلاة وغيرها من الامور المشروطة بالطهارة وهل هذا إلا التكليف بما لا يطاق. و (دعوى): أن عجزه عن الامتثال إنما نشاء من سوء الاختيار وقد تقرر في محله أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فلا مانع من تكليف المرتد بالصلاة وغيرها مما يشترط فيه الطهارة. (تندفع): بإن قبح التكليف بما لا يطاق لا يختص على مسلكنا بما إذا لم يستند إلى سوء الاختيار. وأما ما ربما يقال من أن التكاليف في حقه تسجيلية ولا غرض منها سوى


(* 1) راجع ب 1 من أبواب حد المرتد من الوسائل.

[ 229 ]

[ حال الارتداد إلى ورثته، ولا تسقط هذه الاحكام بالتوبة، لكن يملك ما أكتسبه بعد التوبة (1). ] التوصل إلى عقابه فهو أيضا كسابقه مما لا يمكن المساعدة عليه لان الامور الخارجة عن الاختيار غير قابلة للبعث نحوها أو الزجر عنها، فبناء على ما ذكرناه من أن الضرورة تقتضي تكليف المرتد بمثل الصلاة والصيام ونحوهما بعد توبته لابد من الالتزام بأحد أمرين على سيبل منع الخلو: فأما أن نلتزم بالتقييد في الادلة الدالة على أعتبار الاسلام والطهارة في مثل الصلاة والتوارث وتزويج المرئة المسلمة بأن لانعتبرهما في حقه فتصح صلاته من دون طهارة وأسلام ويجوز له تزويج المسلمة ويتوارث من المسلم من دون أن يكون مسلما. أو نلتزم بالتخصيص فيما دل على أن الفطري لا تقبل توبته بأن نحمله على عدم قبولها بالاضافة إلى الاحكام الثلاثة المتقدمة لا في مثل طهارة بدنه وتوارثه وجواز تزويجه المسلمة وغيرها من الاحكام لقبول توبته بالاضافة إليها. ومقتضى الفهم العرفي الالتزام بالاخير بل لا ينبغي التردد في أنه المتعين الصحيح لانه أهون من الاول بالارتكاز وإن كانت الصناعة العلمية قد يقتضي العكس. فتلخص أن المرتد عن فطره تقبل توبته وإسلامه ظاهرا وواقعا. نعم دلت الاخبار المعتبرة على أنه يقتل ويقسم أمواله وتبين زوجته وتعتد عدة المتوفى عنها زوجها (* 1). (1) لانه كساير المسلمين فله مالهم وعليه ما عليهم ولعل هذا مما لا أشكال فيه وإنما الكلام فيما أكتسبه بعد كفره وقبل أن يتوب بالحيازة أو العمل فهل ينتقل إلى ورثته كغيره مما تملكه قبل الارتداد أو لا ينتقل؟


(* 1) راجع ب 1 من أبواب حد المرتد من الوسائل.

[ 230 ]

[ ويصح الرجوع إلى زوجته بعقد جديد (1) حتى قبل خروج العدة على الاقوى ] الصحيح عدم أنتقالة إلى ورثته لانه حكم على خلاف القاعدة ولابد من الاقتصار فيه على دلالة الدليل وهو إنما دل على أن أمواله التى يملكها حال الارتداد تنتقل إلى ورثته. وأما ما تملكه بعد توبته فلادليل على أنتقاله هذا وقد يستشكل في الحكم بتملكه بعد توبته بأن الشارع قد ألغى قابليته عن التملك بل نزله منزلة الميت في أنتقال أمواله إلى ورثته فالمعاملة معه كالمعاملة مع الميت وهو غير قابل للتملك بالمعاملة. ويدفعه أطلاقات أدلة البيع والتجارة والحيازة وغيرها من الاسباب لانها تقتضي الحكم بصحة الامور المذكورة وإن كانت صادرة من المرتد بعد أسلامه وهذه المسألة عامة البلوى في عصرنا هذا لان المسلم قد ينتمي إلى البهائية أو الشيوعية أو غيرهما من الاديان والعقائد المنتشرة في أرجاء العالم وهو بعد ردته وإن كان يجب قتله وتبين عنه زوجته وتقسم أمواله تاب أم لم يتب إلا أن المعاملة معه إذا تاب وندم مما يتبلي به الكسبة غالبا لانه إذا لم يكن قابلا للتملك لم يجز التصرف فيما يؤخذ منه لعدم أنتقاله من مالكه وإذا كان قابلا له ولكن قلنا بأنتقال ما تملكه إلى ورثته وقعت معاملاته فضوليه لا محالة. وأما بناء على ما ذكرناه من أنه قابل للتملك ولا تنتقل أمواله التى أكتسبها بعد توبته إلى ورثته فلا يبقى أي شبهة في معاملاته وضعا وإن كانت في بعض الموارد محرمة تكليفا بعنوان أنها ترويج للباطل أو غير ذلك من العناوين الثانوية الموجبة لحرمة المعاملة تكليفا. (1) لما تقدم من أن دليل التوبة بأطلاقه يجعل المعصية المتحققة كغير المتحققة فكأنها لم تصدر من المكلف أصلا وبه ترتفع آثارها مطلقا إلا فيما دل الدليل على بقائه كوجوب قتل المرتد وغيره من الاحكام الثلاثة المتقدمة تخصيصا

[ 231 ]

[ (مسألة 2) يكفي في الحكم بأسلام الكافر إظهاره الشهادتين وإن لم يعلم موافقة قلبه للسانه (1). ] في أدلة التوبة بما دل على أن توبته كعدمها بالاضافة إلى تلك الاحكام وأما غيرها من الآثار المترتبة على الكفر المقارن كالنجاسة وعدم تزويج المرئة المسلمة والخلود في النار ونحوها فقد عرفت أنها ترتفع بأرتفاع الكفر والارتداد من غير حاجة إلى التشبث بشئ وعلى هذا لا مانع من الرجوع إلى زوجته قبل خروج عدتها وبعده لانه بعد توبته مسلم وله أن يتزوج بالمسلمة وبما أنها زوجته لم يعتبر أنقضاء عدتها في تزويجها لان المرئة إنما تعتد لغير زوجها. نعم لابد في رجوعه من العقد الجديد لحصول البينونة بينهما بالارتداد. (1) أسلفنا تحقيق الكلام في هذه المسألة سابقا (* 1) ولا بأس بتوضحيه أيضا في المقام. فنقول: الايمان في لسان الكتاب المجيد هو الاعتقاد القلبي والعرفان، والايقان بالتوحيد والنبوة والمعاد ولا يكفي في تحققة مجرد الاظهار باللسان لان النبي صلى الله عليه وآله إنما بعث لان يعرف الناس وحدانيته سبحانه ونبوة نفسه والاعتقاد بيوم الجزاء، والايمان أمر قلبي لابد من عقد القلب عليه وقد تصدى سبحانه في غير موضع من كتابه لاقامة البرهان على تلك الامور فبرهن على وحدانيته بقوله: لو كان فيهما إلهة إلا الله لفسدتا (* 1) وقوله: إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض (* 3) كما برهن على نبوة النبي صلى الله عليه وآله بقوله: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وأدعوا شهداءكم من دون الله


(* 1) راجع ج 2 ص 59 و 68 و 69. (* 2) الانبياء 21: 22. (* 3) المؤمنون 23: 91.

[ 232 ]

إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فأتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (* 1) وقوله: فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (* 2) وقال في مقام البرهان على المعاد: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (* 3) إلى غير ذلك من الايات الدالة على تلك الامور وكيف كان فهذه الامور يعتبر في تحققها الاعتقاد والعرفان ولا يكفي فيها مجرد الاظهار باللسان. وأما الايمان في لسان الائمة عليهم السلام ورواياتهم فهو أخص من الايمان بمصطلح الكتاب وهو ظاهر. وأما الاسلام فيكفي في تحقيقة مجرد الاعتراف وأظهار الشهادتين باللسان وإن لم يعتقدهما قلبا بأن أظهر خلاف ما أضمره وهو المعبر عنه النفاق ويدل على ذلك الاخبار الواردة في أن الاسلام هو أظهار الشهادتين (* 4) وأن به حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح (* 5) كما ورد ذلك في جملة من الاخبار النبوية أيضا فراجع (* 6) وقوله عز من قائل: قالت الاعراب آمنا قل


(* 1) البقرة 2: 23 و 24. (* 2) الصافات 37: 157. (* 3) يس 36: 79. (* 4) فليراجع ب 1 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل. (* 5) حمران بن أعين عن أبى جعفر عليه السلام في حديث والاسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذى عليه جماعة الناس من الفرق كلها وبه حقنت الدماء وعليه جرت المواريث وجاز النكاح.. المروية في ج 2 من أصول الكافي ص 26 وروى جملة منها في ب امن أبواب مقدمة العبادات من الوسائل. (* 6) كما في صحيح مسلم ج 1 ص 39 والبخاري ج 1 ص 10 و 11 وكنز العمال ج 1 ص 23.

[ 233 ]

[ لا مع العلم بالمخالفة (1). ] لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم هذا. مضافا إلى السيرة القطعية الجارية في زمان النبي صلى الله عليه وآله على قبول أسلام الكفرة بمجرد أظهارهم للشهادتين مع القطع بعدم كونهم معتقدين بالاسلام حقيقة لان من البعيد جدا لو لم يكن مستحيلا عادة أن يحصل اليقين القلبي للكفرة بمجرد مشاهدتهم غلبة الاسلام وتقدمه إلا في مثل العقيل على ما حكي. فتلخص أن الاسلام لا يعتبر فيه سوى أظهار الشهادتين ولا بأس بتسميته بالايمان بالمعنى الاعم وتسمية الايمان في لسان الكتاب بالايمان بالمعنوى الاخص وتسمية الايمان في لسان الاخبار بالايمان أخص الخاص. هذا كله إذا لم يعلم مخالفة ما أظهره لما أضمره. وأما إذا علمنا ذلك وأن ما يظهره خلاف ما يعتقده فيأتي عليه الكلام في التعليقة الآتية. (1) بأن علمنا بقاءه على كفره وإنما يظهر الشهادتين لجلب نفع أو دفع ضرر دينوي فهل يحكم بأسلامه؟ ظاهر المتن عدم كفاية الاظهار حينئذ ولكنا في التعليقة لم نستعبد الكفاية حتى مع العلم بالمخالفة فيما إذا كان مظهر الشهادتين جاريا على طبق الاسلام ولم يظهر أعتقاده الخلاف. وتوضيح ذلك: أن أظهار الشهادتين قد يقترن بأظهار الشك والتردد أو بأظهار العلم بخلافهما وعدم كفاية الاظهار حينئذ مما لاأشكال فيه لانه ليس أظهارا للشهادتين وإنما هو أظهار للتردد فيهما أو العلم بخلافهما. وقد لا يقترن بشي منها وهذا هو الذي لم نستبعد كفايته في الحكم بأسلام مظهر الشهادتين.


(* 1) الحجرات 49: 14.

[ 234 ]

[ (مسألة 3) الاقوى أسلام الصبي (1) المميز إذا كان عن بصيرة. ] ويدل على ذلك أطلاقات الاخبار الدالة على أن إظهار الشهادتين هو الذي تحقن به الدماء وعليه تجري المواريث ويجوز النكاح (* 1) والسيرة القطعية الجارية على الحكم بأسلام المظهر لهما ولو مع العلم بالخلاف لمعاملة النبي صلى الله عليه وآله مع مثل أبي سفيان وغيره من بعض أصحابه معاملة الاسلام لاظهارهم الشهادتين مع العلم بعدم إيمانهم لله طرفة عين وإنما أسلموا بداعي الملك والرياسة. كيف وقد أخبر الله سبحانه النبي صلى الله عليه وآله بنفاق جماعة معينة عنده من المسلمين مع التصريح بإسلامهم حيث قال عز من قائل: قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا (* 2) فتحصل أن الظاهر كفاية إظهار الشهادتين في الحكم بأسلام مظهرهما ولو مع العلم بالمخالفة ما لم يبرز جحده أو تردده. (1) فإن الصغير قد يكون أذكى وأفهم من الكبار ولا ينبغي الاشكال في قبول أسلامه والحكم بطهارته وغيرها من الاحكام المترتبة على المسلمين وذلك لاطلاق ما دل على طهارة من أظهر الشهادتين وأعترف بالمعاد أو مادل على جواز تزويجه المسلمة وغير ذلك من الاحكام ولا شبهة في صدق المسلم على ولد الكافر حينئذ إذ لا نعني بالمسلم إلا من أعترف بالوحدانية والنبوة والمعاد. أللهم أن يكون غير مدرك ولا مميز لان تكلمه حينئذ كتكلم بعض الطيور وهذا بخلاف المميز الفهيم لانه قد يكون في أعلى مراتب الايمان. ولا ينافي أسلامه حديث رفع القلم عن الصبي (* 3) لانه بمعنى رفع إلالزام


(* 1) كما تقدم في ص 232. (* 2) الحجرات 49: 14. (* 3) راجع ب 4 من أبواب مقدمات العبادات من الوسائل وغيره من الابواب المناسبة.

[ 235 ]

والمؤاخذة ولا دلالة فيه على رفع أسلامه بوجه. نعم قد يتوهم: أن مقتضى ما دل على أن عمد الصبي خطأ (* 1) عدم قبول إسلامه لانه في حكم الخطاء ولا أثر للامر الصادر خطاء. ويندفع: بأن الحديث لم يثبت أطلاق له ليدل على أن كل ما يصدر عن الصبي من الافعال الاختيارية فهو بحكم الفعل الصادر خطأ بحيث لو قلنا بصحة عبادات الصبي وتكلم في أثناء الصلاة أو أكل في صيامه متعمدا لم تبطل صلاته وصومه لان التكلم أو الاكل خطا غير موجب لبطلانهما. وهذا للقطع ببطلان الصلاة والصوم في مفروض المثال وعليه فالحديث مجمل للقطع بعدم أرادة الاطلاق منه. فلا مناص من حمله على ما ورد في رواية أخرى من أن عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة (* 2) وهذا لا لقانون الاطلاق والتقييد لعدم التنافي بينهما بل للقطع بعدم أرادة الاطلاق منه ومقتضى الجمع العرفي حينئذ ما ذكرناه ومعه يختص الحديث بالديات ومدلوله أن القتل الصادر عن الصبي عمدا كالقتل خطاء تثبت فيه الدية على عاقلته ولا يقتص منه. بل أن الحديث في نفسه ظاهر في الاختصاص بموارد الدية مع قطع


(* 1) صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: عمد الصبي وخطأه واحد. المروية في ب 11 من أبواب العاقلة من الوسائل. (* 2) رواها أسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليه السلام أن عليا عليه السلام كان يقول عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة. المروية في ب 11 من أبواب العاقلة وفي رواية أبى البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام أنه كان يقول في المجنون والمعتوه الذي لا يفيق والصبي الذي لم يبلغ عمدهما خطأ تحمله العاقلة وقد رفع عنهما القلم. المروية في ب 36 من أبواب القصاص في النفس من الوسائل.

[ 236 ]

النظر عن القرينة الخارجية وذلك لان المفروض في الرواية ثبوت حكم للخطأ غير ما هو ثابت للعمد وأنه يترتب على عمد الصبي أيضا وهذا إنما يكون في موارد الدية فلا حاجة إلى أقامة قرينة خارجية عليه. نعم إذا كان الوارد في الحديث: عمد الصبي كلا عمد أحتجنا إلى قيام القرينة على ما ذكرناه من الخارج وعلى ذلك: فلا مجال لما عن بعضهم من الحكم ببطلان عقد الصبي ومعاملاته ولو بأذن من الولي نظرا إلى أن العقد الصادر منه خطاء لا يترتب أثر عليه وذلك لما ذكرناه من أن الحديث لم يثبت أطلاقه ليدل على أن كل عمل أختياري يصدر عن الصبي فهو بحكم الخطاء وإنما هو ناظر إلى الدية كما عرفت وعلى الجملة لا دلالة للحديث على أن الاسلام الصادر عن الصبي بالاختيار خطأ فهو مسلم حقيقة لاعترافه بكل ما يعتبر في الاسلام ويترتب عليه ما كان يترتب على سائر المسلمين من الاحكام وأظهرها الطهارة. وإن شئت قلت إن الدليل على نجاسة أولاد الكفار على ما عرفت منحصر بمامر من صدق اليهودي أو النصراني أو المشرك أو غير ذلك من العناوين المحكومة عليها بالنجاسة على الصبي المميز المعتقد بما يعتقد به أبواه. ويحكم بنجاسة غير المميز بعدم القول بالفصل، ومن الظاهر أن المميز المعترف بالاسلام لا يصدق عليه شئ من تلك العناوين. فالمقتضي للنجاسة قاصر الشمول له في نفسه فهو بعد أظهاره الشهادتين محكوم بالطهارة قبل أسلامه أم لم يقبل. نعم غير الطهارة من أحكام المسلمين كجواز تزويجه المرئة المسلمة وغيره يتوقف على قبول أسلامه كما مر. هذا كله في أسلام ولد الكافر. وأما إذا أرتد ولد المسلم وأنكر الاسلام فهل يحكم بنجاسته وغيرها من أحكام الارتداد عن فطرة؟

[ 237 ]

[ (مسألة 4) لا يجب على المرتد الفطري بعد التوبة تعريض نفسه للقتل (1) بل يجوز له الممانعة منه، وإن وجب قتله على غيره. (التاسع): التبعية وهي في موارد: ] التحقيق أن يفصل في المقام بالحكم بنجاسته لصدق أنه يهودي أو نصراني حسب أعترافه بهما. دون وجوب قتله وتقسيم أمواله وبينونة زوجته وذلك لحديث رفع القلم (* 1) الدال عل عدم الزام الصبي بشئ من التكاليف حتى يحتلم فلا أعتداد بفعله وقوله قبل البلوغ ولا يحكم عليه بشئ من الاحكام المذكورة حتى يشب فإذا بلغ ورجع في أول بلوغه فهو وإلا فيحكم بوجوب قتله وغيره من الاحكام المتقدمة فحاله قبل الاحتلام حال المرتد عن ملة في قبول توبته وعدم ترتب الاحكام المتقدمة عليه. وأما الحكم بنجاسته فهو في الحقيقة الزام لسائر المكلفين بالتجنب عنه لا أنه الزام للصبي حتى يحكم بأرتفاعه بالحديث وعلى الجملة الاحكام الثلاثة المتقدمة غير ثابتة على الصبي. نعم لا بأس بتأديبه كغيره من المعاصي والمنكرات. (1) قد يفرض الكلام قبل ثبوت الارتداد عند الحاكم وأخرى بعد ثبوته: أما الصورة الاولى: فلا ينبغي التردد في حرمة تعريض المرتد نفسه إلى القتل بأظهاره عند الحاكم أو بغيره لوجوب حفظ النفس عن القتل بل له رد الشاهدين وإنكار شهادتهما أو الفرار قبل أقامة الدعوى عند الحاكم، على أنه إظهار للمعصية وأفتضاح لنفسه وهو حرام. وأما الصورة الثانية: فلا يبعد فيها أن يقال بوجوب تعريض المرتد نفسه إلى القتل لوجوب تنفيذ حكم الحاكم الشرعي وحرمة الفرار عنه لان رد حكمه


(* 1) قدمنا مصدره في ص 234.

[ 238 ]

[ (أحدها): تبعية فضلات الكافر المتصلة ببدنه (1) كما مر. (الثاني): تبعية ولد الكافر له في الاسلام (2) أبا كان، أو جدا، أو أما، أو جدة. ] بالفعل أو القول رد للائمة عليهم السلام وهو رد لله سبحانه هذا. والظاهر أن نظر الماتن إلى الصورة الاولى أعني التعريض قبل ثبوت الارتداد عند الحاكم، لعدم أختصاص وجوب القتل بالحاكم حيث لا يتوقف على حكمه بل يجوز ذلك لجميع المسلمين إذا تمكنوا من قتله ولم يترتب عليه مفسدة، وإنما ينجر الامر إلى أقامة الدعوى عند الحاكم في بعض الموارد والاحيان فمراده (قده) أن المرتد لا يجب أن يعرض لنفسه للقتل ويسلمها للمسلمين بمجرد الارتداد ليقتلوه. مطهرية التبيعة وهى في موارد (1) لان نجاسة فضلاته كطهارتها إنما هي من جهة التبعية لبدنه ولاجل أضافتها إليه فإذا أسلم أنقطعت أضافتها إلى الكافر وتبدلت بالاضافة إلى المسلم فلا يصدق بعد أسلامه أن الشعر شعر كافر أو الوسخ وسخه بل يقال إنه شعر مسلم ووسخه كما تقدم. (2) وهي القاعدة المعروفة بتبعية الولد لاشرف الابوين وليس مدركهم في تلك القاعدة رواية حفص قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب فظهر عليهم المسلون بعد ذلك فقال: أسلامه أسلام لنفسه ولولده الصغار وهم أحرار وماله ومتاعه ورقيقه له، فأما الولد الكبار فهم فيئ للمسلمين إلا أن يكونوا أسلموا قبل ذلك.. (* 1) لكي يرد عدم شمولها


(* 1) المروية في ب 43 من أبواب الجهاد من الوسائل.

[ 239 ]

[ (الثالث): تبعية الاسير للمسلم الذي أسره (1) إذا كان غير بالغ (2) ولم يكن معه أبوه أو جده (3). (الرابع): تبعية ظرف الخمر له بأنقلابه خلا (4). ] للجد والجدة لاختصاصها بالاب أو الابوين على أنها ضعيفة السند بقاسم بن محمد وعلي بن محمد القاشاني الضعيف لرواية الصفار عنه فليراجع ترجمته. بل المدرك في ذلك كما أشرنا إليه سابقا أنه لادليل على نجاسة ولد الكافر غير الاجماع وعدم القول بالفصل بين المميز المظهر للكفر وغيره ولا إجماع على نجاسة ولد الكافر إذا أسلم أحد أبويه أو جده أو غير ذلك من الاصول فدليل النجاسة قاصر الشمول للمقام رأسا لا أن طهارة ولد الكافر مستندة إلى دليل رافع لنجاسته. (1) وذلك لان دليل النجاسة قاصر الشمول له في نفسه حيث أن الدليل على نجاسة ولد الكافر منحصر بالاجماع وعدم الفصل القطعي بين المظهر للكفر وغيره ومن الواضح عدم تحقق الاجماع على نجاسته إذا كان أسيرا للمسلم مع الشروط الثلاثة الآتية لذهاب المشهور إلى طهارته فالمقتضي للنجاسة قاصر في نفسه وهو كاف في الحكم بطهارته. (2) لان الاسير البالغ موضوع مستقل ويصدق عليه عنوان اليهودي والنصراني وغيرهما من العناوين الموجبة لنجاسة. (3) وإلا تبعهما في نجاستهما ولم يمكن الحكم بطهارته بالتبعية للاجماع القطعي على نجاسة ولد الكافر كما مر هذا وقد ذكرنا في التعليقة شرطا ثالثا في الحكم بطهارته وهو أن لا يكون مظهرا للكفر وإلا أنطبق عليه عنوان اليهودي أو غيره من العناوين الموجبة لنجاسته. (4) لما أسلفنا في التكلم على الانقلاب من أن أواني الخمر لو كانت باقية

[ 240 ]

[ (الخامس): آلات تغسيل الميت (1) من السدة، والثوب الذي يغسله فيه، ويد الغاسل دون ثيابه، بل الاولى والاحوط الاقتصار على يد الغاسل. (السادس): تبعية أطراف البئر (2) والدلو والعدة، وثياب النازح على ] على نجاستها بعد الانقلاب لكان الحكم بطهارة الخمر بالانقلاب لغوا ظاهرا هذا وقد نسب إلى بعض المتقدمين من المعاصرين أختصاص الطهارة التبعية بالاجزاء الملاصقة من الاناء بالخمر. وأما الاجزاء الفوقانية المتنجسة بالخمر قبل الانقلاب حيث أن بالانقلاب تقل كميتها فلا مقتضي لطهارتها تبعا إذ لا يلزم من بقائها على نجاستها أي محذور، ولا يكون الحكم بطهارة الخمر بالانقلاب لغوا بوجه ومن هنا حكم بلزوم كسر الاناء أو ثقبه من تحته حتى يخرج الخل من تلك الثقبة فإن أخراجه بقلب الاناء يستلزم تنجس الخل بملاقاة الاجزاء الفوقانية. ويدفعه: أن طهارة الاجزاء الفوقانية في الاناء وإن لم يكن لازمة لطهارة الخمر بالانقلاب إلا أن السيرة العملية كافية في الحكم بطهارتها لان سيرتهم في عصر الائمة عليهم السلام وما بعده لم تجر على أخذ الخل بكسر ظرفه أو ثقبه على الكيفية المتقدمة وإنما كانوا يأخذونه من ظروفه أخذ الماء أو غيره من المايعات عن محلها. (1) للسيرة القطعية الجارية على عدم غسل السدة والثوب الذي يغسل فيه الميت بعد التغسيل وكذلك غيره مما يستعمل فيه من الكيس ويد الغاسل ونحوهما فإن الثوب يحتاج في تطهيره إلى العصر ولم يعهد عصر ثوب الميت بعد التغسيل فطهارته تبعية مستندة إلى طهارة الميت. نعم الاشياء التي لم تجر العادة على أصابة الماء لها حال التغسيل كثوب الغاسل مثلا لاوجه للحكم بطهارتها بالتبع. (2) لا يخفى أن السيرة وإن كانت جارية على عدم غسل الدلو وأطراف

[ 241 ]

[ القول بنجاسة البئر لكن المختار عدم تنجسه بما عدا التغير، ومعه أيضا يشكل جريان حكم التبعية (1). ] البئر وغيرهما مما يصيبه الماء بالنزح عادة ولا سبيل إلى أنكارها بوجه إلا أنها من باب السالبة بأنتفاء موضوعها لان ماء البئر لا ينفعل بملاقاة النجس حتى تتنجس أطرافها والآلات المستعملة في النزح بسببه ويحتاج في الحكم بطهارتها التبعية إلى الاستدلال بالسيرة، والنزح أمر مستحب أو أنه واجب تعبدي من غير أن يكون مستندا إلى إنفعال ماء البئر بملاقاة النجس فأطراف البئر أو الدلو ونحوهما لا تتنجس إلا بالتغير ولا دليل حينئذ على الطهارة التبعية في تلك الامور التى يصيبها الماء عند النزح لان التغير في البئر أمر قد يتفق ولا مجال لدعوى السيرة فيه كيف وهو من الندرة بمكان لم نشاهده طيلة عمرنا وأحراز السيرة فيما هذا شأنه مملا سبيل إليه. (1) والوجه في ذلك ليس هو أستناد طهارة البئر حينئذ إلى زال التغير لا إلى النزح لان الطهارة في مفرض الكلام وإن كانت مستندة إلى زوال التغير لقوله عليه السلام في صحيحة محمد أبن أسماعيل بن بزيع: فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه (* 1) والنزح مقدمة له ومن هنا ذكرنا أن زوال التغير إذ نشأ من ألقاء عاصم عليه أيضا كفى في تطهيره من غير حاجة إلى النزح إلا أنه لا فرق في الحكم بالطهارة التبعية وعدمه بين أستناد الطهارة إلى النزح وأستنادها إلى زوال التغير فإن السيرة إن كانت جارية على عدم غسل الحبل والدلو وأطراف البئر ونحوها فلا مناص من الالتزام بطهارتها بالتبع سواء أستندت طهارة البئر إلى زوال التغير أم إلى النزح وإن لم تجر السيرة على ذلك فلا مناص من الالتزام بنجاستها أستندت طهارة البئر إلى النزح أو إلى زول التغير.


(* 1) المروية في ب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 242 ]

[ (السابع): تبعية الآلات المعمولة (1) في طبخ العصير على القول بنجاسته فإنها تطهر تبعا له بعد ذهاب الثلثين. (الثامن): يد الغاسل والآت الغسل (2) في تطهير النجاسات، وبقية الغسالة الباقية في المحل (3) بعد أنفصالها. (التاسع): تبعية ما يجعل مع العنب أو التمر للتخليل (4) كالخيار، والباذنجان، ونحوهما كالخشب والعود، فأنها تنجس تبعا له عند غليانه على القول بها وتطهر تبعا له بعد صيرورته خلا. ] بل الوجه فيما أفاده أن النجاسة بعد ما ثبتت تحتاج إزالتها إلى غسلها أو إلى دليل يقتضي زوالها من غير غسل والاول مفروض العدم في الدلو وأشباهه والثاني غير متحقق لانحصار دليل الطهارة بالسيرة وهي غير محرزة لقلة الابتلاء بتغير البئر كما مر فأدلة لزوم الغسل في المتنجسات محكمة ومقتضى تلك الادلة عدم طهارة الدلو ونظائره من غير غسل. (1) للسيرة المحققة ولان الحكم بطهارته من غير طهارة الاناء المطبوخ فيه العصير لغو ظاهر كما عرفت في أواني الخمر المنقلبة خلا. (2) لادليل على طهارتهما التبعية بوجه وإنما لا يحتاجان إلى الغسل بعد تطهير المتنجسات لانغسالهما حال غسلها وتطهيرها فكما أن المتنجس يطهر بغسله كذلك اليد والظرف يطهران به لا أنهما يطهران بتبع طهارة المتنجس من غير غسلهما. (3) والامر وإن كان كما أفاده إلا أن طهارة بقية الغسالة لا تستند إلى الطهارة بالتبع بل عدم نجاستها من باب السالبة بإنتفاء موضوعها لان الغسالة في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل طاهرة كما بيناه في محله. (4) أثبات الطهارة لما يجعل مع العنب أو التمر للتخليل من الصعوبة

[ 243 ]

[ (العاشر): من المطهرات: زوال عين النجاسة أو المتنجس عن جسد الحيوان غير الانسان (1) بأي وجه كان سواء كان بمزيل، أو من قبل نفسه، فمنقار الدجاجة إذا تلوث بالعذرة يطهر بزوال عينها وجفاف رطوبتها وكذا ظهر الدابة المجروح إذا زال دمه بأي وجه، وكذا ولد الحيوانات الملوث بالدم عند التولد إلى غير ذلك. ] بمكان ودون أثباتها خرط القتاد حيث لا دليل على الطهارة التبعية فيه بعد العلم بتنجسه بالعصير بناء على القول بنجاسته بالغليان إذ الحكم بطهارته يحتاج إلى الغسل إو إلى دليل دل على طهارته التبعية من غير غسل وكلا الامرين مفقود في المقام فماذا أوجب طهارته بعد طهارة العصير بالتثليث؟! وكذلك الحال فيما يجعل في العصير للتخليل فيصير خمرا ثم ينقلب خلا كما قد يتفق في بعض البيوت لانه بعد ما تنجس بالخمر يحتاج زوال النجاسة عنه إلى دليل. نعم إذا كان الشي المجعول فيه مما يعد علاجا للتخليل كالملح أو كان أمرا عاديا في العصير كالعودة في العنب والنواة في التمر حكم بطهارته التبعية للاخبار الدالة على طهارة الخمر المنقلبة خلا بالعلاج وجريان السيرة على طهارته هذا. والذي يسهل الخطب في مفروض المسألة أنا لا نلتزم بنجاسة العصير بالغليان كما تقدمت الاشارة إليه سابقا (* 1). مطهرية زوال العين (1) المشهور طهارة بدن الحيوان غير الآدمي بزوال العين عنه ويستدل عليه بالسيرة المستمرة من الخلف والسلف على عدم التحرز من الهرة ونظائرها مما يعلم عادة بمباشرتها للنجس أو المتنجس عادة وعدم ورود أي مطهر عليها.


(* 1) تقدم في الفرع 8 من فروع مطهرية ذهاب الثلثين.

[ 244 ]

وبما دل على طهارة سؤر الهرة (* 1) مع العلم بنجاسة فمها عادة لاكل الفأرة أو الميتة أو شربها المايع المتنجس وغير ذلك من الاسباب الموجبة لنجاسة فمها فلاوجه لطهارة سوءرها سوى طهارة الهرة بزوال العين عنها، وبما دل على طهارة الماء الذي وقعت فيه الفأرة وخرجت حية (* 2) مع العلم بنجاسة موضع بولها وبعرها وبما دل على طهارة الماء الذي شرب منه باز أو صقر أو عقاب إذا لم ير في منقارها دم (* 3) مع العلم العادي بنجاسة منقارها بملاقاته الدم أو الميتة أو غيرهما من النجاسات، لانها من جوارح الطيور فلو لم يكن زوال العين مطهرا لمنقارها لم يكن موجب الحكم بطهارة الماء في مفروض الخبر. فهذا كله يدلنا على أن زوال العين مطهر لبدن الحيوان من دون حاجة إلى غسلها هذا. وفي المسألة أحتمالات أخر: (أحدهما): ما أحتمله شيخنا الهمداني (قده) بل مال إليه من أستناد الطهارة في سؤر الحيوانات الواردة في الروايات إلى ما نفى عنه البعد في محله من عدم سراية النجاسة من المتنجس الجامد الخالي عن العين إلى ملاقياته، إذ مع البناء على ذلك لا يمكن أستفادة طهارة الحيوان من الادلة المتقدمة بزوال العين عنه، لانها دلت على طهارة الماء الملاقي لتلك الحيوانات فحسب وهي لا تنافي بقائها على نجاستها لاحتمال أستنادها إلى عدم تنجيس المتنجسات. ومقتضى أطلاق ما دل على لزوم الغسل في المتنجسات بقاء النجاسة في الحيوانات المذكورة بحالها إلى أن يغسل. وتظهر ثمرة الخلاف في الصلاة في جلدها أو صوفها المتخذين عنها بعد


(* 1) راجع ب 2 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 2) راجع ب 9 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 3) راجع موثقة عمار المروية في ب 4 من أبواب الاسئار من الوسائل.

[ 245 ]

زوال عين النجس لانها بناء على هذا الاحتمال غير جائزة ما لم يرد عليهما مطهر شرعي. وأما على القول بطهارتها بزوال العين عنها فلا مانع من الصلاة في جلدها أو صوفها لطهارتها بزوال العين عنهما. (ثانيها): أن الاخبار المتقدمة إنما وردت للدلالة على سقوط أستصحاب النجاسة وعدم جريانه في الحيوان غير الآدمي تخصيصا في أدلته من غير أن تدل على طهارة الحيوان بزوال العين عنه وذلك لانه عليه السلام قد علق نفي البأس عما شرب منه باز أو صقر أو عقاب على ما إذا لم ير في منقارها دم ومقتضى ذلك أن يكون الحكم بنجاسة بدن الحيوان مختصا بصورة رؤية النجاسة على بدنه ومع عدم رؤيتها وأحساسها لا يجري فيه أستصحاب النجاسة ولا يحكم بنجاسته ولا بكون منجسا لملاقياته، لاحتمال أن يرد مطهر عليه كشربه من بحر أو نهر أو كر ماء أو أصابة المطر له، ومن هنا نسب إلى النهاية أختصاص الحكم بطهارة بدن الحيوان بعد زوال العين عنه بما إذا أحتمل ورود مطهر عليه فالمدار على ذلك في الحكم بطهارة بدن الحيوان هو أحتمال ورود المطهر عليه وعن بعضهم أعتبار ذلك في الحكم بطهارة بدن الحيوان من باب الاحتياط (* 1). (ثالثها): أن الوجه في طهارة سؤر الحيوانات المتقدمة عدم تنجسها بشئ لا أنها تتنجس وتطهر بزوال العين عنها وذلك لعدم عموم أو أطلاق يدلنا على نجاسة كل جسم لاقى نجسا، وقولهم: كل ما لاقى نجسا ينجس لم يرد في لسان أي دليل، وإنما عمومه أمر متصيد من ملاحظة الاخبار الواردة في موارد خاصة لعدم أحتمال خصوصية في تلك الموارد ومع عدم دلالة الدليل عليه لا يمكننا الحكم بنجاسة بدن الحيوان بالملاقاة وإنما النجس هو العين الموجودة عليه. وهذا هو الذى أستقر به الماتن (قده) وقال: إنه على هذا فلاوجه لعد زوال العين


(* 1) حكاه دام ظله عن المحقق الورع الميزرا محمد تقي الشيرازي (قده)

[ 246 ]

من المطهرات. هذه أحتمالات ثلاثة وإذا أنضمت إلى ما ذهب إليه المشهور من أن الحيوان كغيره يتنجس بملاقاة النجس إلا أن زوال العين عنه مطهر له للسيرة والاخبار المتقدمة كانت الوجوه والاحتمالات في المسألة أربعة. ولا يمكن المساعدة على شئ منها عدا الاحتمال الاخير وهو الذي ألتزم به المشهور: أما ما أحتمله شيخنا الهمداني (قده) فيدفعه: (أولا): أن المتنجس من غير واسطة على ما قدمناه في محله منجس لما لاقاه وقد دلتنا على ذلك جملة من الاخبار: (منها): قوله عليه السلام: وإن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شئ من المني (* 1) لان مفهومه على ما صرح به في الرواية أنه إذا أصاب يده شئ من المنى فأدخل يده في الماء ففيه بأس. و (ثانيا): أن البناء على عدم تنجيس المتنجس إنما يقدح في الاستدلال بالاخبار. وأما السيرة فهي باقية بحالها لان المتشرعة خلفا عن سلف وفي القرى والامصار جرت سيرتهم على عدم التجنب عن أبدان الحيوانات وأصوافها وأوبارها وجلودها حيث يعاملون معها معاملة الاشياء الطاهرة فيلبسونها فيما يشترط فيه الطهارة مع العلم بتنجسها جزما بدم الولادة حين تولدها من أمهاتها أو بدم الجرح أو القرح المتكونين في أبدانها أو بالمني الخارج منها بالسفاد أو بغير ذلك من الامور. والاطمينان بعدم ملاقاته للمطهر الشرعي لانها لاتستنجي من البول ولا تسبح في الشطوط فهل في قلل الجبال والفلوات نهر أو بحر أو ماء كثير ليحتمل وروده في تلك المياه؟ كيف ولا يوجد في مثل الحجاز شئ من ذلك إلا ندرة وإنما يتعيش أهله بمياه الآبار. وأما أحتمال أصابة المطر لها فيندفع: بأن المطر على تقدير أصابته الحيوانات


(* 1) راجع موثقة سماعة المروية في ب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل

[ 247 ]

المتنجسة أبدانها فإنما يصل إلى ظهورها لا إلى بطونها فكيف لا يتحرزون عنها ويستعملونها فيما يشترط فيه الطهارة فلاوجه له سوى طهارتها بزوال العين عنها. وأما الاحتمال الثاني فيرده أن السيرة جرت على عدم غسل الحيوانات مع العلم بنجاستها في زمان والعلم عادة بعدم ملاقاتها للمطهر بوجه كما في الحيوانات الاهلية في البيوت للقطع بعدم ورود أي مطهر على الهرة من غسلها أو وقوعها في ماء كثير أو أصابة المطر لها ولاسيما في غير أوان المطر وعلى ذلك لا يعتبر في الحكم بطهارة الحيوان أحتمال ورود المطهر عليه، إذ لم يعهد من أحد غسل الهرة أو التحرز عن صوف الشاة في الصلاة بدعوى العلم بتنجسها بدم الولادة وعدم ورود مطهر عليه بل لو غسل أحد فم الهرة التي أكلت الفأرة أو شيئا متنجسا عد من المجانين عندهم، وهذا لا يستقيم إلا بطهارة الحيوان بمجرد زوال العين عنه فلا يمكننا المساعدة على هذا الاحتمال. إذا يدور الامر بين الاحتمالين الاخيرين وهما يبتنيان على أن الادلة الدالة على الانفعال بالملاقاة هل فيها عموم أو أطلاق يدلنا على نجاسة كل جسم لاقى نجسا أو لا عموم فيها، وحيث أن موثقة عمار: يغسله ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء. (* 1) يكفي في أثبات العموم فلا مناص من أن يلتزم بنجاسة كل جسم لاقى نجسا أو متنجسا ولو كان بدن حيوان غير آدمي. ثم إن الامر بالغسل في تلك الروايات وإن كان إرشادا إلى أمرين: (أحدهما): نجاسة ذلك الشي الذي أمر بغسله و (ثانيهما): أن نجاسته لا ترتفع من دون غسل ومقتضى ذلك عدم زوال النجاسة عن الحيوانات المتنجسة إلا بغسلها إلا أنا علمنا بالاخبار والسيرة المتقدمتين أن نجاسة الحيوان بخصوصه قابلة الارتفاع بزوال العين عنه وبذلك نرفع اليد عن حصر المطهر بالغسل في


(* 1) المروية في ب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 248 ]

الحيوان فهو وإن قلنا بتنجسه بالملاقاة كبقية الاجسام الملاقية للنجس إلا أنه يمتاز عن غيره في أن زوال العين عنه كاف في طهارته. فعلى ذلك لو تنجس بدن الحيوان بشئ كالعذرة فجف فيه ولم تزل عنه عينه ثم ذبح لابد في تطهيره من الغسل وذلك لان كفاية زوال العين في التطهير إنما يختص بالحيوان فإذا خرج عن كونه حيوانا لادليل على كفايته فلا مناص من غسله بالماء نعم بناء على عدم تنجس الحيوان بالملاقاة لا يحتاج في تطهيره إلى الغسل لان النجاسة حينما أصابته رطبة لم تؤثر في بدنه لانه حيوان وهو لا يتنجس بالملاقاة وبعد ما خرج عن كونه حيوانا لم تصبه النجاسة الرطبة حتي تنجسه ويحتاج في تطهيره إلى الغسل فالمتحصل أن ما ذهب إليه المشهور من تنجس بدن الحيوان بالملاقاة وكفاية زوال العين في طهارته هو الصحيح. بقى الكلام فيما يترتب على هذا النزاع فقد يقال: كما عن جماعة منهم شيخنا الاستاذ (قده) في بحث الاصول: أن الثمرة تظهر فيما أذا أصابت الحيوان عين من الاعيان النجسة أو المتنجسة ثم لاقى بدنه ماء أو غيره من الاجسام الرطبة كالثوب مع الشك في بقاء العين في الحيوان حال وصول الماء أو الجسم الرطب إليه فإنه إن قلنا بعدم تنجس الحيوان أصلا فلا يحكم بنجاسة الملاقي للحيوان لان ما علمنا بملاقاته الماء مثلا إنما هو بدن الحيوان وهو جسم طاهر لا يقبل النجاسة حتى ينجس الماء أو غيره. وأما العين النجسة التي أصابت الحيوان على الفرض فملاقاتها الماء غير محرزة للشك في بقائها حال ملاقاتهما. وأستصحاب بقائها إلى حال الملاقاة لا يترتب عليه ملاقاة العين النجسة مع الماء. أللهم على القول بالاصل المثبت. وأما إذا قلنا بتنجس الحيوان بالملاقاة وطهارته بزوال العين عنه فلا مناص من الحكم بنجاسة الملاقي للحيوان في مفروض الكلام أعني الماء أو الجسم الآخر

[ 249 ]

الرطب وذلك لان ملاقاة الحيوان مع الماء أو الثوب الرطب مثلا وجدانية وغاية الامر أنا نشك في زوال العين عنه. وبعبارة أخرى نشك في طهارته ونجاسته ومقتضى أستصحاب بقاء النجاسة أو عدم زوال العين عنه أنه باق على نجاسته حال ملاقاتهما وهو يقتضي الحكم بنجاسة الملاقي للحيوان هذا. وفيه أنا سواء قلنا بتنجس الحيوان بالملاقاة وطهارته بزوال العين عنه أم قلنا بعدم تنجسه أصلا لا نلتزم بنجاسة الملاقي للحيوان مع الشك في بقاء العين على بدنه وذلك لانقطاع أستصحاب النجاسة في الحيوان لما تقدم من دلالة الاخبار على أن الحكم بالنجاسة في الحيوانات ينحصر بصورة العلم بنجاستها ومع الشك لا يحكم عليها بالنجاسة لان مقتضى قوله: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما. نجاسة الماء الذي يشرب منه الطير إذا رأى في منقاره دما. والرؤية وإن كانت موجبة للعلم بالحاسة الخاصة أعني الابصار إلا أن هذه الخصوصية ملغاة للقطع بعدم الفرق بين العلم الحاصل بالابصار والعلم الحاصل بغيره وعليه فالرواية تدل على نجاسة منقار الطيور والماء الملاقي معه عند العلم بها وأما مع الشك في نجاسته فهو ومالاقاه محكوم بالطهارة فهذه الثمرة ساقطة. نعم لا بأس بجعل ما قدمناه ثمرة النزاع وهو ما إذا أصابت الحيوان نجاسة وجفت ولم تزل عنه عينها ثم ذبح فإنه على القول بعدم تنجس الحيوان أصلا لابد من الحكم بطهارته لان العين حال رطوبتها لم توجب نجاسته لفرض أن الحيوان لا يتنجس بها وأما بعد ذبحه وخروجه عن كون حيوانا فلانه لم تصبه عين رطبة حتى يحكم بنجاسته. وأما على القول بتنجس الحيوان بالملاقاة وطهارته بزوال العين عنه فالحيوان المذبوح محكوم بالنجاسة ولا يكفي زوال العين في طهارته لان كونه مطهرا يختص بالحيوان والمفروض خروجه عن كونه حيوانا فلا مناص

[ 250 ]

[ وكذا زوال عين النجاسة أو المتنجس عن بواطن الانسان (1) كفمه، وأنفه، وأذنه. فإذا أكل طعاما نجسا يطهر فمه بمجرد بلعه. هذا إذا قلنا إن البواطن تتنجس بملاقاة النجاسة، وكذا جسد الحيوان. ولكن يمكن أن يقال بعدم تنجسهما أصلا، وإنما النجس هو العين الموجودة في الباطن، أو على جسد الحيوان. وعلى هذا فلاوجه لعده من المطهرات. وهذا الوجه قريب جدا. ومما يترتب على الوجهين أنه لو كان في فمه شئ من الدم فريقه نجس ما دام الدم موجودا على الوجه الاول. فإذا لاقى شيئا نجسه، بخلافه على الوجه الثاني فإن الريق طاهر. والنجس هو الدم فقط، فإن أدخل أصبعه مثلا في فمه، ولم يلاق الدم لم ينجس، وإن لاقى الدم ينجس إذا قلنا بإن ملاقاة النجس في الباطن أيضا موجبة للتنجس، وإلا فلا ينجس أصلا إلا إذا أخرجه وهو ملوث بالدم. ] من تطهيره بالغسل. ثم إن ما دل على أناطة الحكم بالنجاسة بالعلم بها إنما ورد في الطيور ويمكن الحكم بذلك في الفأرة أيضا نظرا إلى قضاء العادة بنجاستها ولو من جهة بولها وبعرها الموجبين لنجاسة محلهما ومعه حكم عليه السلام بطهارة الماء الذى وقعت فيه الفأرة إذا خرجت منه حية (* 1) وأما غير الفأرة فإن قطعنا بعدم الفرق بينها وبين سائر الحيوانات فهو وإلا فيقتصر في الحكم بالطهارة وأنقطاع أستصحاب النجاسة بمورد النص والفأرة فحسب. (1) وقع الكلام في أن بواطن الانسان هل تتنجس بملاقاة النجاسة


(* 1) كما في رواية علي بن جعفر المروية في ب 9 من أبواب الاسئار من الوسائل.

[ 251 ]

وتطهر بزوال العين عنها أو أنها لا تقبل النجاسة أصلا؟ ويمكن أن يقال في المقام أن البواطن على قسمين: ما دون الحلق وما فوقه أما البواطن ما دون الحلق فلا ينبغي الاشكال في عدم تنجسها بملاقاة النجاسة. بل ولا ثمرة للبحث في أنها تتنجس وتطهر بزوال العين عنها أولا تتنجس من الابتداء للقطع بصحة الصلاة ممن أكل طعاما متنجسا أو شرب ماء كذلك أو الخمر وهي موجودة في بطنه فالنزاع في ذلك لغو لا أثر له. وأما العموم المستفاد من موثقة عمار المتقدمة (* 1) فهو منصرف عن هذا القسم من البواطن جزما ولا يتوهم شمولها لغسل البواطن بوجه. وأما البواطن ما فوق الحلق كباطن الفم والانف والعين والاذن فإن كانت النجاسة الملاقية لها من النجاسات المتكونة في الباطن كملاقاة باطن الانف بدم الرعاف فلا شبهة في عدم تنجسها بذلك لما ورد في موثقة عمار الساباطى قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل يسيل من أنفه الدم، هل عليه أن يغسل باطنه يعني جوف الانف؟ فقال: إنما عليه أن يغسل ما ظهر منه (* 2) وهي تخصص العموم المستفاد من موثقة عمار المتقدمة (* 3) لانها تقتضي وجوب الغسل حتى إذا كان الملاقي من البواطن فوق الحلق وبهذه الموثقة يرتفع الامر بالغسل في البواطن المذكورة ومع أرتفاعه لا يبقى دليل على نجاسة داخل الانف وأمثاله من البواطن لان النجاسة إنما تستفاد من الامر بالغسل كما مر غير مرة. وإذا كانت النجاسة خارجية ولم تكن من النجاسات المتكونة في الجوف كما إذا أستنشق بالماء المتنجس فقد ذكرنا في البحث عن نجاسة البول والغائط (* 4)


(* 1) و (* 3) المتقدمة في ص 247. (* 2) المروية في ب 24 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 4) راجع ج 1 ص 420.

[ 252 ]

[ (مسألة 1) إذا شك في كون شئ من الباطن أو الظاهر يحكم ببقائه على النجاسة بعد زوال العين على الوجه الاول (1) من الوجهين ويبنى على طهارته على الوجه الثاني، لان الشك عليه يرجع إلى الشك في أصل التنجس. ] أن الاجزاء الداخلية لا تتنجس بملاقاة النجاسة الخارجية إلا أن ذلك إنما يتم في القسم الاول من البواطن. وأما القسم الثاني منها فمقتضى عموم موثقة عمار المتقدمة تنجسها بملاقاة النجاسة ولم يرد أي مخصص للعموم المستفاد منها بالاضافة إلى النجاسات الخارجية إلا أنها تطهر بزوال العين عنها وذلك. للسيرة الجارية على طهارتها بذلك مؤيدة بروايتين واردتين في طهارة بصاق شارب الخمر (إحداهما): ما رواه عبد الحميد بن أبي الديلم قال: قلت لا بيعبد الله عليه السلام رجل يشرب الخمر فيبصق فأصاب ثوبي من بصاقه قال: ليس بشئ (* 1) و (ثانيتهما): رواية الحسن بن موسى الحناط قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي فقال: لا بأس (* 2) وعليه فهذا القسم من البواطن نظير بدن الحيوان لا أنها لا تتنجس بالملاقاة أصلا. وتظهر ثمرة ذلك فيما إذا وصلت نجاسة إلى فم أحد فإنه على القول بتنجس البواطن يتنجس به الفم لا محالة وبه ينجس الريق الموجود فيه فإذا أصاب شيئا نجسه وهذا بخلاف ما إذا قلنا بعدم تنجسها فإن الريق والفم كملاقيهما باقيان على الطهارة. (1) بل على كلا الوجهين السابقين: أما إذا قلنا بتنجس البواطن وطهارتها بزوال العين عنها فلاجل العلم بنجاسة ما يشك في كونه من البواطن وإنما الشك في أرتفاع نجاسته بزوال العين عنه


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 39 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 253 ]

ومقتضى الاستصحاب بقائه على نجاسته. وأما إذا قلنا بعدم تنجس البواطن فلاجل الاصل الموضوعي الموجب للحكم بعدم أرتفاع نجاسته حتى يغسل وتوضحيه: أن الشك في كون شئ من البواطن قد يكون من جهة الشبهة المفهومية وعدم الاطلاع بسعة مفهوم الباطن وضيقه ولا مناص حينئذ من الرجوع إلى مقتضى العموم والاطلاق ومقتضى العموم المستفاد من موثقة عمار المتقدمة أن كل شي أصابته النجاسة ينجس ولا ترتفع نجاسته إلا بغسله وخرجنا عن عمومها في البواطن بما دل على أنها لا تتنجس بملاقاة النجاسة أصلا لانا نتكلم على هذا البناء ومع أجمال المخصص لدورانه بين الاقل والاكثر يرجع إلى العام في غير المقدار المتيقن من المخصص لانه من الشك في التخصيص الزائد فيندفع بالعموم والاطلاق. وقد يكون من جهة الشبهة المصداقية كما إذا شك لظلمة ونحوها في أن ما أصابته النجاسة من البواطن أو غيرها وفي هذه الصورة وإن لم يجز الرجوع إلى العام لانه من التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية إلا أن هناك أصلا موضوعيا ومقتضاه أن المورد المشكوك فيه باق تحت العموم وذلك لان الحكم بعدم التنجس في الدليل المخصص إنما رتب على عنوان الباطن وهو عنوان وجودي ومقتضى الاصل عدمه وأن المشكوك فيه ليس من البواطن لجريان الاصل في الاعدام الازلية وكل ما لم يكن من البواطن لابد من غسله لتنجسه بملاقاة النجاسة وعدم أرتفاعها إلا بغلسه. وذلك لان الموضوع للحكم في الموثقة هو الشئ المعبر عنه بلفظة (ما) في قوله ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء. وما لم يثبت أنه من الباطن أيضا شئ ويصدق أن يقال: أنه مما أصابه ذلك الماء من غير حاجة إلى تجشم أثبات أنه

[ 254 ]

[ (مسألة 2) مطبق الشفتين من الباطن (1) وكذا مطبق الجفنين، فالمناط في الظاهر فيهما ما يظهر منهما بعد التطبيق. ] من الظواهر هذه كله في النجاسة الخارجيه وأما النجاسة الداخلية فقد عرفت أنها غير منجسة للبواطن فلو شككنا في. أن ما أصابته النجاسة الداخلية من الباطن أو الظاهر؟ فلا مناص من الحكم بطهارته بالاصل الموضوعي أو قاعدة الطهارة وذلك لان وجوب الغسل في موثقة عمار الواردة في دم الرعاف (* 1) إنما رتب على عنوان الظاهر حيث قال: وإنما يغسل ظاهره. وعليه إن قلنا إن الجملة المذكورة متكفلة لحكم أيجايى فقط وهو وجوب غسل الظاهر فيما أنه من العناوين الوجودية يمكن أن يحرز عدمه بالاستصحاب لجريانه في الاعدام الازلية كما مر فيقال: الاصل أن المشكوك فيه لم يكن من الظاهر وكلما لم يكن كذلك لا تتنجس بالنجاسة الداخلية بمقتضى الموثقة. وأما إذا بنينا على أن الجملة المذكورة متكفلة لحكمين: أيجابي وسلبي لكلمة (إنما) لانها من أداة الحصر فتدل على وجوب غسل الظاهر وعدم وجوب غسل الباطن فلا يمكننا أستصحاب عدم كون المشكوك فيه من الظاهر لانه يعارض بأستصحاب عدم كونه من الباطن فيتساقطان إلا أنه لا بد حينئذ من الرجوع إلى قاعدة الطهارة وهي تقتضي الحكم بطهارة المشكوك فيه لا محالة. (1) أما في الطهاره الحدثية من الغسل والوضوء فلا شك في أن المطبقين من البواطن ولا يجب غسلهما ويمكن أستفادة ذلك من كلمة (الوجه) لانها بمعنى ما يواجه الانسان ومطبق الشفتين أو الجفنين لا يواجه الانسان وهو ظاهر، وكذا في غسل الجنابة لبوله: لو أن رجلا أرتمس في الماء أرتماسة واحدة أجزاءه


(* 1) المتقدمة في ص 251.

[ 255 ]

ذلك (* 1) فإنه يقتضي عدم كون المطبقين من الظاهر لجريان العادة على عدم فتح العينين والشفتين في الارتماس وعند صب الماء على الوجه فلا يصل الماء إلى المطبقين وقد دلت الرواية على كفايته. وإنم الكلام في الطهارة الخبثية. والصحيح أن الامر فيها أيضا كذلك وهذا لا لموثقة عمار الواردة في الرعاف (* 2) ولا لما ورد في الاستنجاء (* 3) الدالتين على أن الواجب إنما هو غسل ظاهر الانف والمقعدة حتى يستشكل شيخنا الاعظم (قده) بأختصاصهما بالانف والمقعدة وأنه لا دليل على التعدي إلى غيرهما على أنهما خاصتان بالنجاسة الداخلية وقد عرفت أنها غير موجبه لتنجس البواطن أصلا وهي خارجة عن محل الكلام لان البحث في تنجس المطبقين بالنجاسة الخارجية التى بنينا على كونها موجبة لتنجس البواطن وإن كان زوالها موجبا لطهارتها. بل لجريان السيرة على عدم فتح العينين أو الفم فيما إذا تنجس جميع البدن وأريد تطهيره بالارتماس في كر ونحوه أو بصب الماء على جميع البدن كما يظهر ذلك من ملاحظة حال الداخلين في الحمامات وأمثالهم ويؤيد ذلك الروايتان المتقدمتان الواردتان: في طهارة بصاق شارب الخمر وهما روايتا عبد الحميد بن أبي الديلم والحسن بن موسى الحناط (* 4). وذلك لوصول الخمر عادة إلى مطبق الشفتين فلو لم يكن مطبقهما


(* 1) كما في صحيحة زرارة المروية في ب 26 من أبواب الجنابة من الوسائل (* 2) المتقدمة في ص 251. (* 3) كما في موثقة عمار المشتملة على قوله: إنما عليه أن يغسل ما ظهر منها يعنى المقعدة وليس عليه أن يغسل باطنها ونحوها من الاخبار المروية في ب 29 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 4) المتقدمتان في ص 252.

[ 256 ]

[ (الحادي عشر): إستبراء الحيوان الجلال (1) فإنه مطهر لبوله وروثه، ] من البواطن لتنجس بشربها ولم يكف زوال العين في الحكم بطهارته وبذلك كان يتنجس البصاق لغلبة أصابته مطبقهما وقد تقدم أن المتنجس من غير واسطة منجس لما لاقاه ومعه لاوجه للحكم بهطارة بصاق شارب الخمر وحيث أنه عليه السلام حكم بطهارته فيستكشف من ذلك أن مطبق الشفتين من البواطن التي تتنجس بملاقاة النجاسة الخارجية وإن كانت تطهر بزوال العين عنها ومن ذلك يظهر الحال في مطبق الجفنين إيضا لان حكمه حكم مطبق الشفتين. مطهريه أستبراء الجلال. (1) الكلام في هذه المسألة يقع في جهات: (الاولى): يحرم أكل الحيوانات الجلالة لصحيحة هاشم بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تأكل اللحوم الجلالة وإن أصابك من عرقها شئ فأغسله (* 1) وغيرها من الاخبار. (الجهة الثانية): أن بول الجلالة ومدفوعها محكومان بالنجاسة لقوله في حسنة أبن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام أغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه (* 2) لانها تدل على ثبوت الملازمة بين كون الحيوان محرم الاكل وكون بوله نجسا، كما أن مقتضى أطلاقها عدم الفرق في تلك الملازمة بين الحرمة الذاتية وبين كونها عارضة بالجلل أو بغيره وبهذا تثبت نجاسة بول الجلالة لحرمة أكلها فإذا ثبتت نجاسة بولها ثبتت نجاسة مدفوعها لعدم الفصل بينهما بالارتكاز. ثم إن الحرمة العرضية إنما تستتبعها نجاسة البول والخرء فيما إذا كانت ثابتة


(* 1) المروية في ب 15 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 257 ]

[ والمراد بالجلال (1) مطلق ما يؤكل لحمه من الحيوانات المعتادة بتغذي العذرة، ] على نوع الملكفين كما هو الحال في الجلل. وأما الحرمة العرضية الثابتة لشخص دون شخص أو لطائفة دون أخرى فهى لا تستلزمها نجاسة البول والخرء وذلك لوضوح أن حرمة أكل لحم الشاة على المريض لا ضراره مثلا لا تستتبعها نجاسة بول الشاة وخرئها كما لاتستتبعها حرمة أكلها لغيره وكذا الاغنام المملوكة لملاكها لانها محرمة الاكل على من لم يأذن له المالك إلا أن أمثال تلك الحرمة العرضية لا تستلزم نجاسة بولها وروثها فالمدار في الحكم بنجاسة بول الحيوان وخرئه إنما هو حرمة لحمه على نوع الملكفين كما أن الامر كذلك في الملازمة بين حلية أكل لحم الحيوان وطهارة بوله وروثه لان حلية الاكل العارضة لبعض دون بعض غير مستتبعة للحكم بطهارة بول الحيوان وروثه كما إذا أضطر أحد إلى أكل لحم السباع أو أحتاج إليه للتداوي فالمدار في الطرفين على كون الحكم ثابتا للنوع هذا. وقد سبق بعض الكلام في ذلك في التكلم على نجاسة البول وعرق الابل الجلالة فليراجع (* 1). (1) هذه هي الجهة الثالثة من الكلام وهي في بيان مفهوم الجلل، والتحقيق أن الجلل لا يختص بحيوان دون حيوان بل يعم كل حيوان يتغذي بعذرة الانسان. وما في بعض كتب اللغة من تفسير الجلالة بالبقرة تتبع النجاسات (* 2) فالظاهر أنه تفسير بالمثال وذلك لاطلاق الجلالة في بعض الاخبار المعتبرة على الابل (* 3) بل قد أطلقت على غيرها من الحيوانات كالدجاجة والبطة


(* 1) راجع ج 1 ص 410 وج 2 ص 155 154. (* 2) كما في لسان العرب وأقرب الموارد. (* 3) ورد ذلك في حسنة حفص بن البختري المروية في ب 15 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 258 ]

والشاة وغيرها على ما في بعض الاخبار الواردة في أستبراء الحيوانات الجلالة (* 1) نعم لابد من تخصيص الجلالة بالحيوان الذي يأكل العذرة فلا يعم أكل سائر الاعيان النجسة لان الاسد والهرة وغيرهما من السباع يأكل الميتة ولا يصح أطلاق الجلالة عليهما. ثم على تقدير الشك في ذلك فلا مناص من الاخذ بالمقدار المتيقن وهو الاقل وفي المقدار الزائد يرجع إلى عموم العام وذلك لان الجلال محلل الاكل في ذاته ومقتضى أطلاق ما دل على حليته حليته مطلقا وإنما خرجنا عن ذلك في خصوص آكل العذرة للقطع بجلله فإذا شككنا في صدق الجلل بآكل غيرها من الاعيان النجسة فلابد من مراجعة إطلاق مادل على حليته كما هو الحال في موارد إجمال المخصص لدورانه بين الاقل والاكثر. وأما مرسلة موسى بن أكيل عن أبي جعفر عليه السلام في شاة شربت بولا ثم ذبحت قال: فقال: يغسل ما في جوفها ثم لا بأس به وكذلك إذا اعتلفت بالعذرة ما لم تكن جلالة والجلالة ألتي تكون ذلك غذاها (* 2) فلا يمكن الاستدلال بها من جهتين: (الاولى): ضعف سندها بالارسال (الثانية): عدم دلالتها على أن الجلل هو التغذي بعذرة الانسان فحسب لعدم تقيد العذرة في الرواية بشئ. ودعوى أنصرافها إلى عذرة الانسان مندفعة: بأنها أسم لكل رجيع نتن ولا أختصاص لها بمدفوع الانسان بوجه. بل قد أطلقت في بعض الاخبار


(* 1) السكوني عن أبى عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام قال: قال: أمير المؤمنين عليه السلام الدجاجة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تقيد ثلاثة أيام والبطة الجلالة بخمسة أيام والشاة الجلالة عشرة أيام والبقرة الجلالة عشرين يوما والناقة الجلالة أربعين يوما. وغيرها من الاخبار المروية في ب 28 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 24 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 259 ]

[ وهي غائط الانسان، والمراد من الاستبراء (* 1) منعه من ذلك وأغتذاؤه بالعلف الطاهر حتى يزول عنه أسم الجلل، والاحوط مع زوال الاسم مضي المدة المنصوصة في كل حيوان بهذا التفصيل: ] على رجيع الكلب والسنور (* 1) فالرواية غير قابلة للاعتماد عليها بوجه. وإنما خصصنا الجلل بالتعذي بعذرة الانسان خاصة نظرا إلى عدم معهودية أكل الحيوان غيرها من عذرة الكلب والهرة ونحوهما وأنما المشاهد أكله عذرة الانسان فالجلل مختص به وعلى تقدير الشك في سعته وضيقه كان المرجع أطلاق ما دل على حلية أكل لحم المحلل في ذاته كما تقدم. (1) هذه هي الجهة الرابعة من الجهات التي يتكلم عنها في المقام وهي في بيان ما يحصل به الاستبراء عن الجلل وبه ترتفع نجاسة البول والرجيع بناء على نجاستهما في مطلق الحيوان المحرم أكله ولو عرضا أو ما يرتفع به خصوص حرمة الاكل إذا منعنا عن نجاستهما في المحرم بالعرض. ذكر الماتن (قده) أن المدار في ذلك على زوال أسم الجلل وهذا هو الوجيه لان الموضوع في الحكم بحرمة الاكل أو هي ونجاسة البول والرجيع هو الجلل وبما أن الحكم يتبع موضوعه بحسب الحدوث والبقاء فمع أرتفاعه لا يحتمل بقاء الاحكام المترتبة عليه، ولا يصغى معه إلى أستصحاب بقاء الاحكام المترتبة على الحيوان حال الجلل إذ لا مجرى للاستصحاب بعد أرتفاع موضوعه على أنه من الاستصحاب في الشبهة الحكمية وهو ممنوع كما مر غير مرة. وأما ما عن المشهور من أن الاستبراء إنما يحصل بمضي المدة المنصوصة في الروايات وإن بقي عنوان


(* 1) عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من أنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد. المروية في ب 40 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 260 ]

الجلل بعد أنقضائها فهو على تقدير صحة النسبة وهي مستعبدة مندفع بوجهين: (أحدهما): أن الاخبار المحددة للاستبراء كلها ضعاف لانها بين مرسلة ومرفوعة وضعيفة الاسناد فلا أعتبار لها بوجه. و (ثانيهما): أن المرتكز في الاذهان من تحديد حرمة الاكل أو نجاسة الخرء والبول بتلك المدة المنصوصة في الاخبار أن الحرمة أو النجاسة محددتان بتلك المدة بعد زوال عنوان الجلل بمعنى أن الابل الجلالة مثلا بعد ما زال عنها أسم الجلل لا يحكم بحلية لحمها وطهارة بولها وروثها إلا بعد أربعين يوما كما في الخبر لا أن الاحكام المترتبة على الابل الجلالة ترتفع بعد المدة المنصوصة وأن بقي عنوان جللها وقد ذكرنا نظير ذلك في مثل الامر الوارد بغسل الثوب المتنجس بالبول مرتين أو بصب الماء على البدن كذلك (* 1) وما ورد في الاستنجاء من المسح بثلاثة أحجار (* 2) حيث قلنا إن ظاهرها كفاية الحد بعد زوال النجاسة عن المحل لا أن مجرد الغسل أو الصب أو المسح بالاحجار كاف في الحكم بالطهارة ولو بقيت العين بحالها. نعم لا يشترط أرتفاع الموضوع قبل الغسل أو الصب أو قبل أنقضاء المدة المنصوصة في المقام. بل يكفي أرتفاعه وزواله ولو مع الغسل أو أخويه فانقضاء المدة المنصوصة في الاخبار غير كاف في الحكم بحلية اللحم أو بطهارة الخرء والبول وإن بقي موضوعهما وهو عنوان الجلل. نعم لو تمت الاخبار الواردة بحسب السند لامكن القول بأن طهارة مدفوعي الجلالات وحلية لحمها متوقفتان على أنقضاء المدة المنصوصة بعد زوال عنوانها وهو الجلل لانه تحديد تعبدي فلا يحكم بأرتفاع أحكامها بزول جللها


(* 1) راجع صحيحة البزنطي وغيرها مما ورد في ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) راجع ب 30 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 261 ]

قبل المدة المنصوصة في الاخبار. ومع عدم تمامية سندها كما مر لا مناص من حملها على الندب بناء على التسامح في أدلة السنن. ومن المحتمل القريب أن يكون ما ذكرناه هو المراد مما ذكره الشهيد الثاني (قده) وغيره من أعتبار أكثر الامرين من المقدر وما يزول به أسم الجلل بأن يقال: إن نظره من ذلك إلى أن أنقضاء المدة المنصوصة مع بقاء الجلل غير موجب لارتفاع الاحكام المترتبة عليه وذلك لان ظاهر التحديد أرادة مضي المدة المنصوصة بعد زوال عنوان الجلل. وأما ما ربما يظهر من كلام صاحب الجواهر (قده) من الاخذ بالمقدار المنصوص عليه إلا مع العلم ببقاء صدق الجلل فإن أنقضاء المدة غير موجب لحلية الحيوان وطهارة بوله وورثه فلعله أيضا ناظر إلى ما قدمناه بمعنى أنه لا يريد بذلك أن التحديد بالمقدرات المنصوصة تحديد ظاهري وأن المقدرات حجة في مقام الشك والجهل بل لعل مقصوده أن المقدرات وإن كانت تحديدات واقعية إلا أن التمسك بأطلاقها إنما يصح في موردين: (أحدهما): ما إذا علم زوال أسم الجلل وعنوانه قبل أنقضاء المدة المنصوصة في الاخبار و (ثانيهما) ما إذا شك في زواله بأنقضاء المدة المقدرة وهو الغالب في أهل القرى والبوادي وغير المطلعين باللغة العربية حيث أن أكثرهم غير عالمين بزوال الجلل لجهلهم بمفهومه وما مع العلم ببقاء عنوان الجلل فلا يمكن الحكم بحليته وطهارة بوله وروثه بمجرد أنقضاء المدة المقدرة لما تقدم من أن المتفاهم العرفي في أمثال التحديدات الواردة في المقام هو التحديد بعد زوال الموضوع وأرتفاعه ولو كان أرتفاعه مقارنا لانقضاء المدة كامر وبهذا يحصل التوافق بين كلمات الشهيد وصاحب الجواهر وما ذكره الماتن (قدس الله أسرارهم) إلا أن هذا كله مبني على تمامية الاخبار الواردة في التحديد وقد مر أنها ضعيفة السند والدلالة فالصحيح ما أخترناه

[ 262 ]

تبعا للماتن (قده). فالى هنا تحصل أن مفهوم الجلل كبقية المفاهيم العرفية لابد في تعيينه من الرجوع إلى العرف ولا أعتبار بشئ مما ذكروه في تعريفه من أنه يحصل بالتغذي بالعذرة يوما وليلة أو بظهور النتن في لحمه وجلده أو بصيرورة العذرة جزء من بدنه. بل إنما هو عرفي لابد من الرجوع إليه فإن علمنا بحدوثه أو بأرتفاعه فهو. وإذا شككنا في حدوثه أو في بقائه فلابد من الرجوع إلى ما تقتضيه القواعد المقررة وقتئذ وهي قد تقتضي الرجوع إلى عموم الدليل أو أطلاقه وقد تقتضي الرجوع إلى الاستصحاب. وتفصيل الكلام في المقام: أن الشك في حدوث الجلل قد يكون من جهة الشبهة المفهومية وقد تكون من جهة الشبهة الموضوعية فإن شككنا في حدوثه من جهة الشبهة المفهومية للجهل بمفهوم الجلل وأنه يتحقق بالتغذي بالعذرة يوما وليلة أو بثلاثة أيام مثلا فلا يمكن الرجوع حيئنذ إلى إلاستصحاب الحكمي للجهل بموضوعه ولا إلى الاستصحاب الموضوعي إذ لا شك لنا في شئ من الموجودات الخارجية فلابد معه من الرجوع إلى عموم أو أطلاق الدليل الذي دل على حلية لحكم الدجاج أو الشاة مثلا وطهارة بولهما ومدفوعهما لان ما دل على حرمة لحم الجلال أو نجاسة بوله وروثة من المخصصات المنفصلة لدليل الحلية والطهارة وقد بينا في محله أن أجمال المخصص المنفصل لا يسري إلى العام. بل يؤخذ بالمقدار المتيقن منه للعلم بقيام حجة أقوى فيه على خلاف العموم وفي المقدار الزائد يرجع إلى عموم الدليل أو أطلاقه لانه حجة في مدلوله ما دام لم يقم على خلافه حجة أقوى وحيث لاحجة على خلافه في المقدار الزائد فيكون عموم العام أو أطلاقه هو المحكم فيه. وأما إذا كانت الشبهة مصداقية للعلم بمفهوم الجلل والشك في بعض الامور

[ 263 ]

الخارجية، كما إذا علمنا أن الجلل يتحقق بالتغذي ثلاثة أيام أو أربعة مثلا وشككنا في أن التغذي هل كان ثلاثة أيام أو أربعة أو لم يكن فلا يمكن الرجوع فيها إلى عموم الدليل بناء على عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية كما هو الصحيح ولا مناص حينئذ من الرجوع إلى أستصحاب عدم حدوث الجلل وبه يحكم بحلية لحمه وطهارة بوله وروثة. وإذا كان الشك في بقائه بعد العلم بالحدوث فهو أيضا يتصور على قسمين إذ قد تكون الشبهة مفهومية كما إذا شك في بقائه للجهل بمفهوم بالجلل وأنه هل يزول بالاستبراء ثلاثة أيام أو بغير ذلك. نعم هذا لا يتحقق إلا إذا بنينا على أن أستبراء الجلل إنما هو بزوال أسمه عرفا. وأما إذا عملنا بالاخبار الواردة في تحديده فلا يتصور للجهل شبهة مفهومية بحسب البقاء للعلم ببقائه إلى أنقضاء المدة المقدرة. نعم تتحقق فيه الشبهة المصداقية كما يأتي عن قريب. وعلى الجملة إذا شك في بقائه للشبهة المفهومية لابد في غير القدار المتيقن فيه من الرجوع إلى العموم أو الاطلاق لا الاستحصاب لما مر غير مرة من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية. على أن الشبهة حكمية ولا يجري فيها الاستصحاب بل لو قطعنا النظر عن هاتين الجهتين أيضا لابد من الرجوع إلى العموم أو الاطلاق دون الاستصحاب وذلك لما بنينا عليه في محله من أن الامر إذا دار بين التمسك بالعموم أو أستصحاب حكم المخصص تعين الاخذ بالعموم من غير فرق في ذلك بين كون الزمان مأخوذا على وجه التقييد حتى لا يمكن جريان الاستصحاب في غير المقدار المتيقن في نفسه أو يكون مأخوذا على وجه الظرفية حتى يمكن جريان الاستصحاب فيه في نفسه إذ العموم والاطلاق محكمان في كلتا الصورتين كان المورد قابلا للاستصحاب أم لم يكن

[ 264 ]

[ في الابل إلى أربعين يوما (1) ] ثم على تقدير التنزل والبناء على أن المورد حينئذ كما أنه ليس بمورد لاستصحاب حكم المخصص ليس بمورد للتمسك بالعموم والاطلاق أيضا كما ذكره صاحب الكفاية (قده) في التنبيه الذى عقده لبيان هذا الامر في الاستصحاب حيث ذكر أن المرود قد لا يكون موردا لشئ من العموم والاستصحاب. لابد من الرجوع فيه إلى قاعدة الحل وهي تقتضي طهارة بول الحيوان وروثه لان كل ما حل أكل لحمه حكم بطهارة بوله ومدفوعه. ثم لو ناقشنا في ذلك أيضا بدعوى أن طهارة الروث والبول مترتبة على الحيوان الذي من شأنه وطبعه أن يكون محلل الاكل لا المحلل الفعلي بالقاعدة ومن الظاهر أن أصالة الحل لا تثبت الحلية الشأنية وإنما تقتضي الحلية الفعلية في ظرف الشك فحسب تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة في بوله وروثه فعلى جميع تلك التقادير لابد من الحكم بحلية لحم الحيوان وطهارة بوله وروثه. وأما إذا شككنا في بقاء الجلل من جهة الشبهة الموضوعية كما إذا كان الجلل معلوما بمفهومه وعلمنا أنه يرتفع بترك تغذي العذرة ثلاثة أيام مثلا أو أعتمدنا على الروايات المتقدمة وبنينا على أن الجلل يزول بأستبراء الحيوان أربعون يوما مثلا وشككنا في أن التغذي هل كان بتلك المدة أو أقل فلا مجال حينئذ للتمسك بالعام لانه من الشبهة المصداقية فلابد من الرجوع إلى أستصحاب بقاء الجلل وبه يحكم بنجاسة بوله وروثه كما يحكم بحرمة لحمه. (1) نص على ذلك في جملة من الاخبار: (منها) خبر مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام الناقة الجلالة لا يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها حتى تغذي أربعين يوما.. (* 1) و (منها): رواية السكوني


(* 1) المروية في ب 28 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 265 ]

[ وفي البقر إلى ثلاثين (1) وفي الغنم إلى عشرة أيام (2) وفي البطة إلى خمسة أو سبعة (3) وفي الدجاجة إلى ثلاثة أيام (4) وفي غيرها يكفي زوال الاسم. (الثاني عشر): حجر الاستنجاء (5) على التفصيل الآتي. (الثالث عشر): خروج الدم من الذبيحة بالمقدار المتعارف فأنه مطهر (6) لما بقي منه في الجوف. ] أن الناقة الجلالة لا يؤكل لحمها حتى تقيد أربعين يوما (* 1) و (منها): غير ذلك من الاخبار. (1) كما في مرفوعه يعقوب بن يزيد (* 2) ونحوه خبر مسمع المتقدمة على رواية الكافي ورواية يونس (* 3) وغيرهما من الاخبار. (2) كما في روايات السكوني ومسمع والجوهري (* 4) ومرفوعة يعقوب بن يزيد. (3) ورد التحديد بخمسة أيام في روايتي السكوني ومسمع كما ورد سبعة أيام في رواية يونس. (4) كما في جملة من الاخبار: (منها): رواية السكوني و (منها) خبر مسمع و (منها) غير ذلك من الروايات. (مطهرية حجر الاستنجاء) (5) يأتي عليه الكلام في محله. مطهرية خروج الدم من الذبيحة. (بالمقدار المتعارف) (6) أطلاق المطهر على ذلك يبتني على القول بنجاسة الدم في الباطن فإن


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 28 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 266 ]

[ (الرابع عشر): نزح المقادير المنصوصة (1) لوقوع النجاسات المخصوصة في البئر على القول بنجاستها ووجوب نزحها. (الخامس عشر): تيمم الميت (2) بدلا عن الاغسال عند فقد الماء، فإنه مطهر (3) لبدنه على الاقوى. ] خروج المقدار المتعارف من الذبيحة حينئذ مطهر للمقدار المتخلف في الجوف ومزيل لنجاسته. وأما بناء على عدم نجاسته لاختصاص أدلتها بالدم الخارجي فأطلاق المطهر على خروج الدم بالمقدار المتعارف بمعنى الدفع لا الرفع لانه إنما يمنع عن الحكم بنجاسة المقدار المتخلف من الدم لا أنه رافع لنجاسته حيث لم يكن محكوما بالنجاسة في زمان حتى يحكم بأرتفاعها بسببه وأطلاق المطهر بمعنى الدفع أمر لا بأس به وقد وقع نظيره في الآية المباركة (يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهر كم تطهيرا) (* 1) لان التطهير فيها بمعنى المنع عن عروض ما يقابل الطهارة عليهم عليهم أفضل الصلاة لا الرفع فأنهم قد خلقوا طاهرين وأنهم المطهرون من الابتداء. (1) لزوال النجاسة بسببه. (2) لعدم وجدان الماء حقيقة أو لعدم التمكن من أستعماله لتناثر لحم الميت أو جلده بالتغسيل كما في المجدور والمحروق وما ورد من الامر (* 2) بصب الماء عليه صبا محمول على صورة عدم تناثر لحمه أو جلده بالتغسيل وصب الماء عليه (3) أستفادة أن التيمم يكفي في أرتفاع الخبث من أدلة بدلية التيمم


(* 1) الاحزاب 33: 33 (* 2) زيد بن علي عن علي عليه السلام أنه سئل عن رجل يحترق بالنار فأمرهم أن يصبوا عليه الماء صبا وأن يصلى عليه. المروية في ب 16 من أبواب غسل الميت من الوسائل.

[ 267 ]

[ (السادس عشر): الاستبراء بالخرطات بعد البول، وبالبول بعد خروج المني، فإنه مطهر لما يخرج منه من الرطوبة المشتبهه، لكن لا يخفى أن عد هذا من المطهرات من باب المسامحة، وإلا ففي الحقيقة مانع عن الحكم بالنجاسة أصلا (السابع عشر): زوال التغير في الجاري، والبئر، بل مطلق التابع بأي وجه كان (1) وفي عد هذا منها أيضا مسامحة، وإلا ففي الحقيقة المطهر هو الماء الموجود في المادة (2). ] عن الغسل في الاموات من الصعوبة بمكان ودون أثباته خرط القتاد لان غاية ما يمكن أن يستفاد من أدلة البدليه أن التيمم في الاموات كالاحياء ينوب عن الاغتسال في رفعه الحدث وأما أنه يرفع الخبث ويطهر بدن الميت أيضا فهو يحتاج إلى دليل. نعم لو ثبت أن نجاسة بدن الميت متفرعة على حدثه بحيث ترتفع لو أرتفع قلنا بطهارة جسده في المقام لارتفاع حدثه بالتيمم وأنى لنا بأثباته؟ لانهما حكمان ثبت كل منهما بدليل لوضوح أن وجوب تغسيل الميت حكم ثبت بأدلته، ونجاسة بنده حكم على حدة ثبت بدليلها ومقتضى أطلاقه عدم أرتفاعها بشئ حتى تغسل بالماء ومن هنا أستشكلنا في التعليقة وذكرنا أن الاقرب بقاء بدنه على النجاسة ما لم يغسل. (1) ولو بألقاء كر عليه أو بزوال التغير عنه بنفسه. (2) بمعنى أن أتصاله بالمادة هو المطهر له وزوال التغير شرط في طهارته فلا يكون زوال التغير مطهرا له.

[ 268 ]

[ (الثامن عشر): غيبة المسلم، فإنها مطهرة (1) لبدنه، أو لباسه، أو فرشه، أو ظرفه، أو غير ذلك مما في يده ] مطهرية غيبة المسلم (1) عد غيبة المسلم من المطهرات لا يخلو عن تسامح ظاهر لانها طريق يستكشف بها طهارة بدن المسلم وما يتعلق به لدى الشك لا أنها مطهرة لبدنه ومتعلقاته فالاولى ذكرها في عداد ما تثبت به الطهارة كأخبار ذي اليد وخبر الثقة ونحوهما. والوجه في الحكم بالطهارة معها أستمرار سيرتهم القطعية المتصلة بزمان المعصومين عليهم السلام على المعاملة مع المسلمين وألبستهم وظروفهم وغيرها مما يتعلق بهم معاملة الاشياء الطاهرة عند الشك في طهارتها، مع العلم العادي بتنجسها في زمان لا محالة ولا سيما في الجلود واللحوم والسراويل للعلم بتنجسها حين الذبح أو في وقت مامن غير شك ومع هذا كله لا يبنون على نجاستها بالاستصحاب وهذا مما لا شبهة فيه. إنما الكلام في أن الحكم بالطهارة وقتئذ وعدم التمسك بأستصحاب الحالة السابقة هل هو من باب تقديم الظاهر على الاصل لظهور حال المسلم في التجنب عن شرب النجس وعن الصلاة في غير الطاهر وعن بيع النجس من غير أعلام بنجاسته وهكذا أو أن الطهارة حكم تعبدي نظير قاعده الطهارة من غير ملاحظة حال المسلم وظهوره؟ فعلى الاول يستند عدم جريان الاستصحاب إلى قيام الامارة على أنتقاض الحالة السابقة وخلافها كما أنه على الثاني يستند إلى التخصيص في أدلة أعتبار الاستصحاب. ذهب شيخنا الانصاري (قده) إلى الاول لظهور حال المسلم في التنزه عن النجاسات وقد جعله الشارع أمارة على الطهارة للسيرة وغيرها كما جعل

[ 269 ]

سوق المسلمين أمارة على الذكاة وعليه لا يمكن الحكم بطهارة بدن المسلم وتوابعه إلا مع عدم العلم بعدم مبالاته بالنجاسة إذ لا يستكشف الطهارة بظهور حال المسلم مع القطع بعدم مبالاته على نجاسته كما أنه يشترط في الحكم بالطهارة بناء على أنها من باب تقديم الظاهر على الاصل علم المسلم بنجاسة ما يستعمله لوضوح أنه لاظهور في التنزه عن النجاسة في أستعمالاته مع الجهل بالنجاسة وهذا ينحل إلى أمرين: (أحدهما): أستعماله الثوب أو غيره فيما يشترط فيه الطهارة. و (ثانيهما): العلم بشرطية الطهارة فيما يستعمله لانه لولاهما لم يكن أستعماله الخارجي إخبارا عمليا عن طهارة ما يستعمله فلا يكون له ظهور في الطهارة بوجه نعم العلم بأن المستعمل عالم بالاشتراط غير معتبر في أستكشاف الطهارة إذ يكفي أحتمال كونه عالما به وذلك لان حال المسلم ظاهر في كونه عارفا بما يشترط في أعماله. ومن هنا لم نستبعد في التعليقة كفاية أحتمال العلم أيضا هذا كله بناء على إن الحكم بالطهارة عند الغيبة من باب تقديم الظاهر على الاصل وحمل فعل المسلم على الصحة. ولا يبعد أن يقال إن الحكم بالطهارة أمر تعبدي كما هو الحال في قاعدة الطهارة من غير أن يلاحظ حال المسلم وظهوره، وعليه لا يعتبر في الحكم بالطهارة شئ من الشرائط المتقدمة ويبتني أستكشاف أنه من باب التعبد على التأمل في أن السيرة الجارية على الحكم بالطهارة في موارد الغيبة خاصة بموارد وجود الشرائط المتقدمة أو أنها جارية في جميع الموارد حتى في الفاقد لتلك الشروط؟ والاقرب أنها عامة لجميع موارد الشك في الطهارة وإن لم يكن واجدا للشروط وذلك لان التأمل في سيرة الائمة عليهم السلام وتابعيهم في عصرهم وغيره يعطي عدم أختصاصها بمورد دون مورد لانهم عليهم السلام كانوا يساورون أهل الخلاف

[ 270 ]

الموجودين في زمانهم ويدخلون بيوت الفسقة والمرتكبين لاعظم المحرمات مع أن العامة لا يلتزمون بنجاسة جملة من الامور المعلومة نجاستها عندنا لذهابهم إلى طهارة جلد الميتة بالدباغة (* 1) وطهارة مخرج البول بالتمسح على الحائط ونحو ذلك (* 2) والفسقه كانوا يشربون الخمور ولا يبالون بأصابة البول وغيره من النجاسات والمتنجسات ولم يسمع تجنبهم عليهم السلام عن أمثالهم وعدم مساورتهم أو غسلهم لما يشترونه من الفساق أو أهل الخلاف. وكذلك الحال في المسلمين فتراهم يشترون الفرو مثلا ممن يغلب في بلاده المخالفون من غير سؤال عن صانعه وأنه من الشيعة أو غيرهم. وقد نسب إلى الميزار الشيرازي (قده) أنه كان بانيا في الحكم بالطهارة عند الغيبة على مراعات الشروط المتقدمة إلى أن نزل سامراء وشاهد العامة وأوضاعهم فعدل عن ذلك وبنى على عدم أعتبار تلك الشروط، ومن الظاهر أن أهل الخلاف الذين كانوا يتعيشون في عصرهم عليهم السلام إما كانو ا أسوأ حالا منهم في عصرنا أو أنهم مثلهم وقد عرفت أن من النجاسات القطعية عندنا ما هو محكوم بالطهارة عندهم وكذلك أهل القرى والبوادي لعدم جريان السيرة على التجنب عن مساورتهم والمؤاكلة معهم مع العلم بتنجس ظروفهم أو ألبستهم أو أيديهم في زمان وعدم علمهم بنجاسة جملة من النجاسات والمتنجسات في الشريعة المقدسة. فالانصاف أن السيرة غير مختصة بمورد دون مورد إلا أنه مع ذلك لا يمكننا الجزم بعدم الاشتراط لامكان المناقشة فيما تقدم بأن عدم تجنبهم عن مساورة الاشخاص المتقدم ذكرهم يحتمل أن يكون مبنيا على عدم تنجيس المتنجس شرعا.


(* 1) تقدم نقله في ج 1 ص 484. (* 2) تقدم نقله في ج 1 ص 41 40

[ 271 ]

[ بشروط خمسة (1). (الاول): أن يكون عالما بملاقاة المذكورات للنجس الفلاني. (الثاني): علمه بكون ذلك الشئ نجسا أو متنجسا إجتهادا أو تقليدا. (الثالث): أستعماله لذلك الشئ فيما يشترط فيه الطهارة، على وجه يكون أمارة نوعية على طهارته، من باب حمل فعل المسلم على الصحة. ] ويمكن الجواب عن ذلك بأن الاستدلال بالسيرة لا يتوقف على القول بالسراية في المتنجسات لانا لو قلنا بالسراية في المتنجس من دون واسطة وأنكرناها في غيره بل لو سلمنا عدم تنجيس المتنجس مطلقا أيضا أمكننا الاستدلال بالسيرة على عدم الاشتراط لعدم أختصاصها على عدم الغسل فيما يصيبه العامة أو الفسقة بأبدانهم أو في ألبستهم وغيرها مما يتعلق بهم حتى يحتمل أستنادها إلى أنكار السراية في المتنجسات بل هي جارية على المعاملة مع الامور المذكورة معاملة الاشياء الطاهرة لانهم يصلون فيما يشترونه من أمثالهم كالفرو في المثال المتقدم ومن الظاهر أنه لو كان محكوما بالنجاسة لم تصح فيه الصلاة قلنا بالسراية في المتنجسات أم لم نقل وعلى الجملة القول بعدم الاشتراط هو الاقرب والسيرة مخصصة للاستصحاب وبها يحكم بالطهارة فيما علمنا بنجاسته سابقا عند أحتمال طرو الطهارة عليه إلا أن الاحتياط اللازم يقتضي أعتبار الشرائط المتقدمة في الحكم بالطهارة (1) الشروط المذكورة تبتني أكثرها على أن يكون الحكم بالطهارة في موارد الغيبة من باب تقديم الظاهر على الاصل حملا لفعل المسلم على الصحيح وحيث لم يثبت ذلك لما تقدم من أن الحكم بالطهارة في تلك الموارد أمر تعبدي وليس من باب أمارية حال المسلم وظهوره فالقول بشرطية الامور المذكورة يكون مبنيا على الاحتياط كما مر

[ 272 ]

[ (الرابع): علمه بأشتراط الطهارة (1) في الاستعمال المفروض (الخامس): أن يكون تطهيره لذلك الشئ محتملا، وإلا فمع العلم بعدمه لاوجه للحكم بطهارته (2) بل لو علم من حاله أنه لا يبالي بالنجاسة وأن الطاهر والنجس عنده سواء يشكل الحكم بطهارته، وإن كان تطهيره إياه محتملا، وفي أشتراط كونه بالغا، أو يكفي ولو كان صبيا مميزا وجهان (3) والاحوط ذلك. نعم لو رأينا أن وليه مع علمه بنجاسة بدنه أو ثوبه يجري عليه بعد غيبته آثار الطهارة لا يبعد البناء عليها. والظاهر إلحاق الظلمة (4) والعمي بالغيبة مع تحقق الشروط المذكورة. ] (1) قد عرفت الكلام في ذلك فلا نعيد (2) ضرورة أن جريان السيرة مختص بصورة الشك ولا يحتمل أن تكون الغيبة من المطهرات (3) أقواهما عدم أشتراط البلوغ لان المميز إذا كان مستقلا في تصرفاته كالبالغين حكم بطهارة بدنه وما يتعلق به عند أحتمال طرو الطهارة عليهما لجريان السيرة على المعاملة معهما معاملة الطهارة. نعم لو كان الطفل غير مميز ولم يكن مستقلا في تصرفانه ولا أنها صدرت تحت رعاية البالغين لم يحكم بطهارة بدنه وثيابه وغيرهما بعد العلم بنجاستهما في زمان ما بمجرد أحتمال تطهيرهما وذلك لعدم تمكنه من تطهيرها بنفسه على الفرض فاحتمال الطهارة حينئذ إما من جهة أحتمال أصابة المطر لهما أو من جهة أحتمال تطهير البالغين لبدنه أو ثيابه من باب الصدفة والاتفاق إلا أن أحتمال الصدفة ممالا يعتنى به عند المتشرعة والعقلاء نعم الطفل غير المميز إذا كانت أفعاله تحت رعاية البالغين حكم بطهارة بدنه وألبسته وجميع ما يتعلق به كالبالغين عند أحتمال طرو الطهارة عليها لانه حينئذ من توابع البالغ الذي تصدى لافعاله وأموره (4) لان الغيبة ليست لها خصوصية في الحكم بالطهارة فإنه يدور مدار

[ 273 ]

[ ثم لا يخفى أن مطهرية الغيبة إنما هي في الظاهر، وإلا فالواقع على حاله وكذا المطهر السابق وهو الاستبراء بخلاف سائر الامور المذكورة فعد الغيبة من المطهرات من باب المسامحة، وإلا ففي الحقيقة من طرق إثبات التطهير. (مسألة 1) ليس من المطهرات الغسل بالماء بالمضاف (1) ولا مسح النجاسة عن الجسم الصيقل (2) كالشيشة، ولا إزالة الدم بالبصاق (3) ولا غليان الدم (4) في المرق، ولا خبز العجين النجس (5) ] قيام السيرة وعدمه وهي كما أنها متحققة في موارد الغيبة كذلك متحققة في غيرها لانهم إذا رؤا أحدا أستنجى خارج الفسطاط وعلموا بنجاسة يده عاملوا معها معاملة الطهارة عند أحتمال تطهيرها بعد ذلك فلا موضوعية للغيبة والحكم يشمل موارد الظلمة والعمى وغيرهما. (1) كما قدمنا في بحث المياه وضعفنا ما ذهب إليه الشيخ المفيد والسيد (قدهما). و (2) وإن ذهب السيد والمحدث الكاشاني (قدهما) إلى كفاية زوال العين في الاجسام الصيقلية بالمسح أو بغيره إلا أن مقتضى أطلاقات الامر بالغسل كقوله في موثقة عمار: ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء.. (* 1) عدم الفرق في وجوبه بين الاجسام الشفافة الصيقلية وغيرها على ما مر عليه الكلام في محله (3) وإن وردت في روايه غياث (* 2) الا أنا أجبنا عنها في البحث عن أحكام المضاف فليراجع. (4) كما مر في التكلم على نجاسة الدم. (5) كما أشير إليه في المسألة الرابعة والعشرين من فروع التهطير بالماء.


(* 1) المروية في ب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في ب 4 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 274 ]

[ ولامزج الدهن النجس بالكر الحار (1) ولا دبغ جلد الميتة (2) وإن قال بكل قائل. (مسألة 2) يجوز أستعمال جلد الحيوان الذي لا يؤكل لحمه بعد التذكية (3) ولو فيما يشترط فيه الطهارة، وإن لم يدبغ على الاقوى. نعم يستحب أن لا يستعمل مطلقا إلا بعد الدبغ. ] (1) كما تقدم في المسألة التاسعة عشرة من فروع التطهير بالماء. ولا مناقضة فيما أفاده في تلك المسألة وفي المقام حيث حكم في كليهما بعدم كفاية مزج الدهن النجس بالكر نعم حكى هناك قولا بكفايته وأستشكل فيه إلا أنه إستثنى صورة واحدة ولم يستبعد الطهارة فيها وهي ما إذا جعل الدهن في كر حار وغلى مقدارا من الزمان حتى وصل إلى جميع الاجزاء الدهنية وقد ذكرنا هناك أن ذلك أمر لا تحقق له خارجا وأن الماء يصل إلى جميع الاجزاء الدهنية بالغليان. (2) نعم ورد في بعض الاخبار ما يدل على طهارة جلد الميتة المدبوغ (* 1) إلا أنها غير قابلة للاستناد إليها لضعفها ومعارضتها مع الاخبار الكثيرة وموافقتها للعامة كما تعرضنا لتفصيله في التكلم على نجاسة المتية فليراجع (3) في هذه المسألة عدة فروع: (أحدها): أن الحيوان الذي لا يؤكل لحمه إذا لم تقع عليه التذكية كما إذا مات حتف أنفه أو بسبب آخر غير شرعي فهل يجوز أستعمال جلده أولا يجوز؟ وقد ذكرنا في التكلم على الانتفاع بالميتة أن جواز الانتفاع بها فيما لا يشترط فيه الطهارة مما لا تأمل فيه وإنما أستشكلنا في جواز بيعها وعليه لامانع من أستعمال جلد الحيوان في مفروض الكلام والماتن (قده) لم يصرح بهذا الفرع


(* 1) كما في رواية الفقه الرضوي ص 41 وخبر الحسين بن زرارة المروية في ب 34 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 275 ]

في كلامه وإنما أشار إليه بقوله: بعد التذكية. (ثانيها): أن جلد الحيوان الذي لا يؤكل لحمه هل يجوز أن يستعمل بعد التذكية وإن لم يدبغ أو أن أستعماله محرم قبل دباغته؟ حكي عن الشيخ في المبسوط والخلاف وعن السيد المرتضى في مصباحه المنع من أستعماله قبل الدبغ ونسبه في الذكرى إلى المشهور وعن كشف اللثام نسبته إلى الاكثر. وذلك إما لتوقف تذكية الجلد وطهارته على الدبغ أو من جهة حرمة أستعمالة قبل الدبغ تعبدا وذهب الآخرون إلى جواز أستعماله من غير حاجة إلى الدبغ وهذا هو الصحيح لاطلاق الاخبار الدالة على جواز الانتفاع بجلد الحيوان بعد التذكية: (منها): موثقة سماعة قال سألته عن جلود السباع أينتفع بها؟ قال: إذا رميت وسميت فانتفع بجلده (* 1). و (منها): موثقته الاخرى قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن جلود السباع فقال: أركبوها ولا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه (* 2) و (منها) غير ذلك من الاخبار، فما حكي عن الشيخ والسيد مما لاوجه له. وربما نقل عن الشيخ الاستدلال على ما ذهب إليه بأن الاجماع قام على جواز الانتفاع به بعد دباغته ولم يقم إجماع على جوازه قبل الدبغ. وهو أستدلال عجيب لبداهة عدم أنحصار الدليل بالاجماع ويكفي في الحكم بالجواز أطلاق الروايات كما تقدم. هذا على أن مقتضى أصالة الحل جواز الانتفاع بالجلد قبل دباغته لانه فعل يشك في حرمته والاصل يقتضي حليته ومعه لا يحتاج في الحكم بالحواز إلى دليل فإن المتوقف على الدليل إنما هو الحرمة دون الجواز.


(* 1) المروية في ب 49 من النجاسات و 34 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 5 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

[ 276 ]

[ (مسألة 3) ما يؤخذ من الجلود من أيدي المسلمين أو من أسواقهم محكوم بالتذكية (1) وإن كانوا ممن يقول بطهارة جلد الميتة بالدبغ. ] و (ثالثها): أن جلد الحيوان الذي لا يؤكل لحمه هل يستحب التجنب عن أستعماله قبل الدبغ؟ ذهب المحقق في الشرايع والعلامة في محكي القواعد إلى أستحبابه ووافقهما الماتن (قده) وعن المعتبر والمختلف كراهة أستعماله قبل الدبغ. ولا يمكن المساعدة على شئ من ذلك لعدم دلالة الدليل على كراهة الاستعمال ولا على أستحباب التجنب عنه لما حكي في المدارك عن المحقق في المعتبر من أنا إنما قلنا بالكراهة تفصيا عن شبهة الخلاف ومعنى ذلك أن القول بالكراهة أو الاستحباب للاحتياط لا لانه أمر مستحب أو مكروه في نفسه وحيث أن مستند المنع ضعيف فلا موجب للقول بالكراهة أو أستحباب التجنب عن أستعماله قبل الدبغ. (1) وكذا اللحوم والشحوم وذلك للروايات الكثيرة (* 1) الدالة على طهارة اللحم أو الجلد المأخوذين من أسواق المسلمين أو من أيديهم وإن كانوا معتقدين بطهارة جلد الميتة بالدبغ. وفى بعضها: والله إني لاعترض السوق فأشتري بها اللحم والسمن والجبن والله ما أظن كلهم يسمون هذه البربر وهذه السودان (* 2) وقد ورد المنع عن السؤال في بعضها (* 3) فلا يعتنى معها


(* 1) راجع ب 50 من أبواب النجاسات و 29 من أبواب الذبائح من الوسائل. (* 2) المروية في ب 61 من أبواب الاطعمة المباحة من الوسائل. (* 3) إسماعيل بن عيسى قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك،

[ 277 ]

[ (مسألة 4) ما عدا الكلب والخنزير من الحيوانات ألتي لا يؤكل لحمها قابل للتذكية (1) فجلده ولحمه طاهر بعد التذكية. (مسألة 5) يستحب غسل الملاقي في جملة من الموارد مع عدم تنجسه كملاقاة البدن أو الثوب لبول الفرس، والبغل والحمار (2) وملاقاة الفأرة الحية ] بأحتمال عدم التذكية أو كون الدباغة مطهرة عنده. وهذه المسألة قد تقدمت في البحث عن نجاسة الميتة مفصلا. وهذا بخلاف اللحوم والجلود المأخوذة من غير المسلمين وأسواقهم لانه إذا لم يكن هناك أمارة أخرى على التذكية فمقتضى الاستصحاب عدمها إلا أن هذا الاستصحاب لا يتربت عليه الحكم بنجاسة الجلود واللحوم وإنما يترتب عليه حرمة أكلها وعدم جواز الصلاة فيها وذلك لان النجاسة مترتبة على عنوان الميتة وأستصحاب عدم التذكية لا يثبت كونها ميتة والتفصيل موكول إلى محله. (1) مرت الاشارة إلى ذلك في المسألة الثالثة من مسائل نجاسة البول والغائط فليراجع. (2) للامر بغسلهما من أبوال الدواب الثلاث في جملة من الاخبار (* 1) المحمولة على الاستحباب جمعا بينها وبين مادل بصراحته على عدم وجوب الغسل من أبوالها. ويمكن المناقشة في ذلك بأن الاخبار الدالة على نجاسة الابوال


= وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه. المروية في ب 50 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 1) حسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن أبوال الدواب والبغال والحمير فقال: إغسله، فإن لم تعلم مكانه فأغسل الثوب كله، فإن شككت فأنضحه وغيرها من الاخبار المروية في ب 9 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 278 ]

[ مع الرطوبة مع ظهور أثرها (1) والمصافحة مع الناصبي بلا رطوبة (2). ويستحب النضح أي الرش بالماء في موارد، كملاقاة الكلب (3) ] المذكورة بالامر بغسلها محمولة على التقية لذهاب جم غفير من العامة (* 1) إلى نجاسة البول من الحيوانات المكروهة لحمها ومعه لا يبقى أي دليل على الحكم بالاستحباب. (1) كما ورد في صحيحة علي بن جعفر قال: سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب أيصلى فيها؟ قال: أغسل ما رأيت من أثرها، وما لم تره أنضحه بالماء (* 2) وحملت على الاستحباب لجملة من الاخبار المعتبرة الدالة على طهارتها وعدم وجوب الغسل من أثرها. (2) لخبر خالد القلانسي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ألقي الذمي فيصافحني قال: اأمسحها بالتراب وبالحائط قلت فالناصب؟ قال: أغسلها (* 3) المحمول على الاستحباب لعدم سراية النجس مع الجفاف كما هو مفروض الرواية فإنه لولاه لم يكن وجه لقوله: أمسحها بالتراب وبالحائط لتعين الغسل حينئذ وبما أن الرواية ضعيفة بعلي بن معمر فالحكم بالاستحباب يتبني على التسامح في أدلة السنن. (3) ورد ذلك في صحيحة البقباق قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فأغسله، وإن مسه جافا فاصبب عليه الماء.. (* 4) وفي حديث الاربعمائة: تنزهوا عن قرب الكلاب فمن أصاب الكلب وهو


(* 1) قدمنا أقوالهم في ذلك في ج 1 ص 414 و 67. (* 2) المروية في ب 33 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في ب 14 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 4) المروية في ب 26 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 279 ]

[ والخنزير (1) والكافر (2) بلا رطوبة، وعرق الجنب من الحلال (3) وملاقاة ما شك في ملاقاته (4) لبول الفرس والبغل والحمار، ] رطب فليغسله وإن كان جافا فينضح ثوبه بالماء (* 1) ونحوها غيرها وحيث أن ملاقاة النجس مع الجفاف غير موجبة للسراية ووجوب الصب أو النضح خلاف المقطوع به حمل الامر بهما في الاخبار على الاستحباب. (1) ففي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به:؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، فإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلا أن يكون فيه أثر فيغسله (* 2) وغير ذلك من الاخبار. (2) كما ورد في مصححة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في ثوب المجوسي فقال: يرش بالماء (* 3) المحمولة على الاستحباب إذا لم يعلم ملاقاته الثوب عن رطوبة، وحيث أن المجوسي لا خصوصية له فيتعدي عنه إلى غيره من أصناف الكفار. (3) لموثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القميص يعرق فيه الرجل وهو جنب حتى يبتل القميص فقال: لا بأس وإن أحب أن يرشه بالماء فليفعل (* 4). (4) لقوله عليه السلام في حسنة محمد بن مسلم المتقدمة: فإن شككت فأنضحه.


(* 1) المروية في ب 12 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 13 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في ب 73 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 4) المروية في ب 27 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 280 ]

[ وملاقاة الفأرة الحية (1) مع الرطوبة إذا لم يظهر أثرها. وما شك في ملاقاته للبول (2) أو الدم أو المني (3) وملاقاة الصفرة الخارجة من دبر صاحب البواسير (4) ] (1) لقوله عليه السلام في صحيحة علي بن جعفر المتقدمة: وما لم تره أنضحه بالماء. (2) لصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن رجل يبول بالليل فيحسب أن البول أصابه فلا يستيقن فهل يجزه أن يصب على ذكره إذا بال ولا يتنشف؟ قال: يغسل ما أستبان أنه أصابه وينضح ما يشك فيه من جسده أو ثيابه ويتنشف قبل أن يتوضأ (* 1). (3) لحسنة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم قال: إن كان قد علم أنه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلي ثم صلى فيه ولم يغسله فعليه أن يعيد ما صلى، وإن كان لم يعلم به فليس عليه إعادة، وإن كان يرى أنه أصابه شئ فنظر فلم ير شيئا أجزأه أن ينضحه بالماء (* 2). (4) لصحيحة البزنطي قال: سأل الرضا عليه السلام رجل وأنا حاضر فقال: إن لي جرحا في مقعدتي فأتوضأ ثم أستنجي، ثم أجد بعد ذلك الندى والصفرة تخرج من المقعدة أفاعيد الوضوء؟ قال: قد أيقنت؟ قال: نعم، قال: لا


(* 1) المروية في ب 11 من أحكام الخلوة و 37 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 40 من أبواب النجاسات من الوسائل. ثم إن كلمة دم في الجواب موجودة في التهذيب والوسائل وغير موجودة في الكافي والوافي فعلى نسختهما لابد من حمل الجنابة على المثال ليطابق الجواب مع السؤال.

[ 281 ]

[ ومعبد اليهود والنصارى والمجوس (1) إذا أراد أن يصلي فيه. ويستحب المسح بالتراب أو بالحائط في موارد: كمصافحة الكافر الكتابي (2) بلا رطوبة، ومس الكلب والخنزير (3) بلا رطوبة، ومس الثعلب والارنب. ] ولكن رشه بالماء لاتعد الوضوء (* 1) والجرح يعم البواسير وغيرها. (1) كما في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الصلاة في البيع والكنائس وبيوت المجوس فقال: رش وصل (* 2) وغيرها من الاخبار (* 3) والوارد فيها بيوت المجوس لا معابدهم ومن ثمة عبر صاحب الوسائل (قده) بباب جواز الصلاة في بيوت المجوس فليلاحظ. وقد أسلفنا بعض الكلام في هذه المسألة عند التكلم على أحكام النجاسات فليراجع (* 4) (2) كما في رواية القلانسي المتقدمة وقد عرفت الحال فيها. (3) هذا وإن أشتهر في كلام جملة منهم كما نقله صاحب الحدائق (قده) إلحاقا لهما بسابقهما با عن الشيخ في المبسوط أستحبابه في كل نجاسة يابسة أصابت البدن، وعن أبن حمزة إيجابه في مس الكلب والخنزير وأخويهما بل هو ظاهر الطوسى (قده) في نهايته بزيادة الثعلب والارنب والفأرة، والوزغة وكذا المفيد (قده) بأسقاط الارنب والثعلب إلا أنه لم يقم دليل على أستحباب ذلك فضلا عن وجوبه فالحكم بأستحباب التمسح حينئذ يستند إلى فتوى الاصحاب ولا بأس به بناء على التسامح في أدلة السنن إلا أنه على ذلك لاوجه للاقتصار على ما ذكره الماتن (قده) بل لابد من أضافة الفأرة والوزغة بل كل نجاسة


(* 1) المروية في ب 16 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 13 من أبواب مكان المصلي من الوسائل. (* 3) راجع ب 13 و 14 من أبواب مكان المصلي من الوسائل. (* 4) ج 2 ص 164

[ 282 ]

[ فصل إذا علم نجاسة شئ يحكم ببقائها ما لم يثبت تطهيره، وطريق الثبوت أمور: (الاول) العلم الوجداني (1) (الثاني) شهادة العدلين (2) بالتطهير أو بسبب الطهارة، وإن لم يكن مطهرا عندهما أو عند أحدهما، كما إذا أخبرا بنزول المطر على الماء النجس بمقدار لا يكفي عندهما. ] يابسة لوجود الفتوى بأستحباب التمسح في مسها. فصل (1) لانه حجة بذاته وهو أقوى الحجج والطرق. (2) لا شبهة في حجية البينة في الشريعة المقدسة على ما بيناه مفصلا في مباحث المياه وعند البحث عما تثبت به النجاسة فليراجع (* 1) وإنما الكلام في أن البينة إذا قامت على طهارة شئ معلوم النجاسة سابقا هل يترتب أثر عليها أولا أثر لها؟ الثاني هو الصحيح. وذلك لان الطهارة ليست أمرا قابلا للاحساس بأحدى الحواس. وإنما هي حكم حدسي نظري ولا معنى للشهادة فيه لانها إنما تعتبر في الامور المحسوسة فحسب فعلى ذلك ترجع الشهادة بالطهارة إلى الشهادة بالسبب كأصابة المطر أو الاتصال بالكر وغيرهما من الاسباب المحسوسة للطهارة وهذا إنما يفيد فيما إذا كان السبب متحدا عند الشاهد والمشهود عنده كما لو أعتقدا كفاية مجرد الاتصال بالكر في التطهير لان السبب يثبت بذلك لدى المشهود عنده ولا مناص له من الحكم بالطهارة على طبقه.


(* 1) راجع ج 1 ص 283 وج 2 ص 165

[ 283 ]

[ في التطهير مع كونه كافيا عنده أو أخبرا بغسل الشئ بما يعتقدان أنه مضاف وهو عالم بإنه ماء مطلق، وهكذا (الثالث) إخبار ذي اليد (1) وإن لم يكن عادلا. (الرابع): غيبة المسلم (2) على التفصيل الذي سبق. (الخامس): إخبار الوكيل في التطهير (3) بطهارته. ] وأما إذا أختلف السبب عندهما كما إذا أعتقد الشاهد كفاية الاتصال بالكر في التطهير وبنى المشهود عنده على عدم كفايته فلا أثر للشهادة حيئنذ لاحتمال أستناد الشاهد في شهادته هذه إلى ما لا أثر له عند من يشهد له ومعه لابد من الرجوع إلى أستصحاب نجاسته السابقة. وعلى الجملة حال الشهادة على المسبب حال الشهادة على السبب وليس لها أثر زائد عليه. (1) لقيام السيرة القطعية على المعاملة مع الاشياء المعلومة نجاستها السابقة معاملة الاشياء الطاهرة لدى الشك إذا أخبر ذو اليد عن طهارتها. (2) كما تقدم وعرفت تفصيل الكلام فيه. (3) للسيرة الجارية على إتباع قول الوكيل فيما وكل فيه كالطهارة فيما وكل لتطهيره وهذا لا بما أنه إخبار الوكيل. بل بما أنه من مصاديق الكبرى المتقدمة أعني إخبار ذي اليد عما تحت أستيلائه لان المراد به ليس هو المالك للعين فقط وإنما يراد به مطلق من كان المال تحت يده وإستيلائه سواء أكان مالكا لعينه أم لمنفعته أو للانتفاع به أو كان المال وديعة عنده كما في المقام. نعم قد أدعوا الاجماع في العقود والايقاعات على أعتبار إخباره بما أنه وكيل بحيث لو أخبر عن بيعه أو تطليقه أو غيرها من الامور الاعتبارية أعتمد على أخباره وثبت به البيع والطلاق وهو من فروع القاعدة المتصيدة: من ملك شيئا ملك الاقرار به إلا أن ذلك يختص بالامور الاعتبارية دون الامور التكوينية كالغسل والتطهير إذ لم يقم فيها دليل على أعتبار قوله بما أنه وكيل

[ 284 ]

[ (السادس): غسل مسلم له بعنوان التطهير (1) وإن لم يعلم أنه غسله على الوجه الشرعي أم لا حملا لفعله على الصحة (السابع) إخبار العدل الواحد عند بعضهم لكنه مشكل (2). (مسألة 1) إذا تعارض البينتان أو إخبار صاحبي أليد في التطهير وعدمه تساقطا (3) ويحكم ببقاء النجاسة. وإذا تعارض البينة مع أحد الطرق المتقدمة ] وإنما يعتبر لانه ذو اليد وتظهر ثمرة ذلك فيما إذا لم يكن المال تحت يد الوكيل لان إخباره حينئذ عن طهارة ما وكل لتطهيره لم يقم دليل على أعتباره (1) كما إذا شاهدنا غسله وذلك حملا لفعله على الصحة. كما هو الحال في جميع الافعال القابلة للاتصاف بالصحة مرة وبالفساد أخرى من العبادات والمعاملات. (2) بل لاإشكال في حجيته لان السيرة الجارية على إعتباره في الاحكام هي ألتي تقتضي أعتباره في الموضوعات. وأما ما قد يتوهم من أن رواية مسعدة بن صدقة (* 1) رادعة عن السيرة في الموضوعات الخارجية فيدفعه أن الرواية غير صالحة للرادعية بوجه لضعفها بحسب الدلالة والسند على ما بيناه في مباحث المياه (* 2). (3) لان أدلة الاعتبار لا تشملهما معا لاستلزامه الجمع بين المتضادين أو المتناقضين ولا لاحدهما دون الآخر لانه من غير مرجح فأدلة أعتبار الطرق والامارات تختص بصورة عدم أبتلائها بالمعارض هذا في البينتين وإخبار صاحبي أليد وكذا الحال في إخبار العدلين أو أحدهما مع غيبة المسلم أو غسله.


(* 1) المروية في ب 4 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 2) راجع ج 1 ص 284.

[ 285 ]

[ ما عدا العلم الوجداني تقدم البينة (1). (مسألة 2) إذا علم بنجاسة شيئين فقامت البينة على تطهير أحدهما غير المعين، أو المعين وأشتبه عنده أو طهر هو أحدهما ثم أشتبه عليه حكم عليهما بالنجاسة عملا بالاستصحاب (2) بل يحكم بنجاسة ملاقي كل منهما. ] (1) لانها أقوى الامارات والحجج عدا العلم فيتقدم على غيرها. نعم يتقدم عليها الاقرار على ما يستفاد من الاخبار الواردة في القضاء ولقد أسلفنا جملة من الكلام على ذلك في مباحث المياه فليراجع (* 1). (2) لما أخترناه في مباحث الاصول من أن العلم الاجمالي بنفسه غير منجز ولا مانع من جريان الاصول في أطرافه في نفسه وإنما المانع عن ذلك لزوم الترخيص في المخالفة القطعية على تقدير جريانها في أطرافه فمتى لم يلزم من جريانها محذور المخالفة القطعية جرت في أطرافه والحال في المقام كذلك لان أستصحاب النجاسة في كل من الطرفين لا يستلزم الترخيص في المخالفة العملية إذ المعلوم بالاجمال طهارة أحدهما غير المعين ولا معنى للمخالفة العملية في مثلها إذا لا مانع عن جريان الاستصحاب في الطرفين والحكم بنجاسة ملاقي أي منهما وإن قلنا بعدم النجاسة في ملاقي بعض أطراف الشبهة وذلك لجريان أستصحاب النجاسة في المقام هذا. ولقد ألتزم شيخنا الانصاري (قده) بذلك في مباحث القطع وذكر أن المخالفة الالتزامية غير مانعة عن جريان الاصول في الاطراف ولكنه (قده) منع عن جريان الاستصحاب فيها في مباحث الاستصحاب وهذا لا لاجل المحذور المتقدم ليختص بما إذا لزم من جريانه الترخيص في المخالفة العملية. بل من جهة لزوم المناقضة بين الصدر والذيل في قوله عليه السلام في صحيحة زرارة (ولا تنقض اليقين أبدا بالشك وإنمنا تنقضه


(* 1) ص 293 ج 1

[ 286 ]

بيقين آخر) (* 1) حيث منع عن نقض اليقين بالشك في صدره وأمر بنقض اليقين باليقين في ذيله فإن الشك في صدره واليقين في ذيله مطلقان فأطلاق الشك يشمل البدوي والمقرون بالعلم الاجمالي كما أن أطلاق اليقين يشمل اليقين الاجمالي والتفصيلي وهذان الاطلاقان لا يمكن التحفظ عليهما في أطراف العلم الاجمالي لان مقتضى إطلاق الصدر جريان الاستصحاب في كلا الطرفين ومقتضى إطلاق الذيل عدم جريانه في أحدهما وبهذا تصبح الصحيحة مجملة وعلى الجملة أن جريان الاستصحاب في أطراف الشبهة وإن كان لا إشكال فيه بحسب الثبوت إلا أنه غير ممكن بحسب الاثبات فالمانع أثباتي وهو لزوم المناقضة بين الصدر والذيل. ولقد وافقه شيخنا الاستاذ (قده) على هذا المدعى وإن لم يرتض ببرهانه حيث أجاب عما أستدل به (قده) بما ذكره صاحب الكفاية من أن دليل أعتبار الاستصحاب غير منحصر بتلك الصحيحة المشتملة على الذيل فهب أنها مجملة إلا أن الاخبار ألتي لا تشتمل على هذا الذيل مطلقة وهي شاملة لكل من الشبهات البدوية والمقرونة بالعلم الاجمالي لوضوح أن إجمال أي دليل لا يسري إلى الآخر هذا. على أن ظاهر اليقين الوارد في ذيل الصحيحة خصوص اليقين التفصيلي وذلك لان ظاهر الذيل جواز نقض اليقين الاول باليقين الثاني المتعلق بما تعلق به اليقين الاول لانقضه بمطلق اليقين وإن كان متعلقا بشئ آخر. ومن الضروري أن اليقين في موارد العلم الاجمالي لا يتعلق بما تعلق به اليقين السابق أعني اليقين بنجاسة كلا الانائين مثلا إذ لا يقين بطهارة هذا وذاك وإنما اليقين تعلق بطهارة أحدهما فمتعلق اليقين الثاني في موارد العلم الاجمالي أمر آخر غير ما تعلق به اليقين السابق عليه ومعه لا محذور في أستصحاب نجاستهما والمانع


(* 1) المروية في ب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 287 ]

إلاثباتي لا تحقق له. وإنما لا نلتزم بجريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي للمانع الثبوتي. وتقريبه: أن الاستصحاب أصل إحرازي تنزيلي ومعنى ذلك أن الشارع في مورد الاستصحاب قد نزل الملكف منزلة العالم تعبدا، وإن كان شاكا وجدانا ومن البين أن جعل المكلف عالما بنجاسة كل من الانائين بالتعبد مع العلم الوجداني بطهارة أحدهما أمر غير معقول، لانه تعبد على خلاف المعلوم بالوجدان وهذا يختص بالاصل التنزيلي ولا يجري في غيره من الاصول المثبتة للتكليف في أطراف العلم الاجمالي كأصالة الاحتياط عند العلم بجواز النظر إلى إحدى المرأتين لانه لامانع من الحكم بعدم جواز النظر إليها من باب الاحتياط وإن علمنا بجواز النظر إلى إحداهما. وسره أن الشارع لم يفرض الملكف عالما بعدم جواز النظر واقعا هذا كله فيما إذا قامت البينة على طهارة أحد الانائين أو علمنا بطهارته من غير تعيين. وأما إذا قامت البينة على طهارة أحدهما المعين أو علمنا بطهارته ثم أشتبه بغيره فقد بنى على عدم جريان الاستصحاب في الطرفين وذكر في وجهه زائدا على المناقشة المتقدمة وجها آخر وهو أن اليقين بالنجاسة في أحدهما المعين حال قيام البينة على طهارته أو العلم بها قد أنقطع وزال وسقط فيه الاستصحاب عن الاعتبار لتبدل اليقين بالنجاسة باليقين بطهارته فإذا أشتبه بالآخر لم يمكن أستصحاب النجاسة في شئ منهما وذلك لاشتباه ما أنقطعت فيه الحالة السابقة بغيره فالطرفان كلاهما من الشبهات المصداقية لحرمة نقض اليقين بالشك ولا يمكن التمسك فيها بالعموم أو الاطلاق. وقد ظهر بما سردناه في المقام أن ما أفاده شيخنا الاستاذ (قده) لو تم فإنما يتم في الاصول إلاحرازية التنزيلية ولا يجري في سائر الاصول كأصالة

[ 288 ]

الاحتياط في المثال فما ربما يقال من أنه لو تم لشمل الاصول العملية بأسرها ولا يختص بالاستصحاب مما لا أساس له. نعم لاتسعنا المساعدة على ما أفاد شيخنا الاستاذ (قده) وذلك لانه إنما يتم فيما إذا كان اليقين والشك في كلا الطرفين موردا لاستصحاب واحد بإن شملهما شمولا واحدا فإن التعبد بالنجاسة في مجموعهما تعبد على خلاف العلم الوجداني بعدم نجاسة أحدهما فعلى تقدير أن يكون لنجاسة المجموع أثر شرعي كما إذ فرضنا أن لبسهما معا محرم في الصلاة لم يمكن الحكم ببقاء النجاسة في مجموعهما بأستصحاب واحد لانه على خلاف ما علمناه بالوجدان. وأما إذا كان كل واحد من اليقين والشك في الطرفين موردا للاستصحاب مستقلا فلا وجه لما أفاده وذلك لان كل واحد من الطرفين معلوم النجاسة سابقا ومشكوك فيه بالفعل وهو مورد للاستصحاب من دون علم وجداني على خلافه لان العلم الاجمالي إنما يتعلق بالجامع دون الاطراف فمرتبة الاستصحاب في كل واحد من الطرفين محفوظة فلا مانع من جريانه فيه ولا يضره العلم بمخالفة أحد الاستصحابين للواقع لان المخالفة الالتزامية غير مانعة من جريان الاصول في الاطراف كما مر. ويترتب على ما ذكرناه من جريان الاستصحاب في كلا الطرفين أنه إذا لاقى أحدهما شيئا برطوبة حكم بنجاسته إلا أن الطرفين إذا كانا ثوبا وكرر الصلاة فيهما صحت صلاته وذلك أما في صورة عدم التمكن من الصلاة في الثوب المعلوم طهارته تفصيلا فواضح. وأما في صورة التمكن منها فلما بيناه غير مرة من أن الامتثال الاجمالي إنما هو في عرض الامتثال التفصيلي لا في طوله وسعه لا مانع من تكرار الصلاة في الثوبين مع التمكن من تحصيل العلم بالظاهر منهما هذا كله في صورة العلم الاجمالي بطهارة أحد الطرفين. وأما إذا علم طهارة أحدهما تفصيلا أو شهدت البنية بطهارته معينا ثم

[ 289 ]

[ لكن إذا كانا ثوبين وكرر الصلاة فيهما صحت (1). (مسألة 3) إذا شك بعد التطهير وعلمه بالطهارة، في أنه هل أزال العين أم لا؟ أو أنه طهره على الوجه الشرعي أم لا؟ يبني على الطهارة (2) إلا أن يرى فيه عين النجاسة، ولو رأى فيه نجاسة، وشك في أنها هي السابقة أو أخرى ] أشتبه بغيره فيتوجه على ما أفاده أن الشبهة المصداقية للاستصحاب أو لسائر الاصول العملية لا مصداق لها بوجه لما ذكرناه في محله من أن اليقين والشك من الامور الوجدانية ألتي لا يتطرق عليها الشك والترديد إذ لا معنى لتردد الانسان في أنه متيقن من أمر كذا أو أنه شاك فيه وإنما الشبهة المصداقية تتحقق في الامور التكوينية وبما أن نجاسة كل واحد من الانائين كانت متيقنة سابقا ومشكوكة بحسب البقاء فلا مانع من جريان الاستصحاب في كليهما نعم يحتمل في كل منهما أن يكون هو الذى قد علمنا بطهارته وأنقطع باليقين بنجاسته إلا أن العلم بالطهارة في أحدهما المعين قبل التردد والاشتباه غير مانع عن جريان الاستصحاب بعد الاشتباه إذ اليقين على خلاف اليقين السابق إنما يمنع عن الاستصحاب مادام باقيا وأما لو أرتفع وشك المكلف في بقاء المتيقن فاليقين بالطهارة بوجوده المرتفع بالفعل لا يكون مانعا عن أستصحاب النجاسة. ونظيره ما إذا علم فسق أحد ثم قطع بعدالته ثم شك في أن قطعه بالعدالة هل كان مطابقا للواقع أم كان جهلا مركبا فإنه يستصحب فسقه لعدم بقاء اليقين بعدالته، وعلى الجملة اليقين بالطهارة إنما يمنع عن أستصحاب النجاسة على تقدير بقائه لافيما إذا أنعدم وزال كما يأتي في المسألة الآتية إن شاء الله. (1) كما أتضح مما سردناه في التعليقة المتقدمة. (2) لقاعدة الفراغ المعبر عنها في أمثال المقام بأصالة الصحة الثابتة بالسيرة القطعية لما قدمناه في محله من أن الشك إذا كان في عمل الشاك نفسه وكان مقارنا

[ 290 ]

له أعتنى بشكه وإذا كان بعد العمل لم يعتن به لقوله عليه السلام كلما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو (* 1) وغيره. وأما إذا شك في العمل الصادر من الغير فلا يعتني به مطلقا مقارنا كان أم بعده وهذا بعينه قاعدة الفراغ. ثم إن أصالة الصحة إنما تجري فيما إذا علم تحقق أصل العمل الجامع بين الصحيح والفاسد وشك في صفته كما إذا شك بعد علمه بالطهارة في أنه أورد المتنجس على الماء القليل أو أورد الماء عليه، بناء على أعتبار ورود الماء على المتنجس. وأما إذا شك في أصل أتيانه بالعمل وعدمه فهو ليس بمورد لاصالة الصحة وقاعدة الفراغ كما إذا شك في أنه باع أم لم يبع أو أنه صلى على الميت أم قرء الفاتحة عليه حيث لا يمكن الحكم حينئذ بإنه باع أو صلى على الميت بأصالة الصحة. وهذا بخلاف ما إذا تيقن ببيعه وشك في أنه أوقعه بالعربية أو بغيرها أو علم أصل صلاته وشك في عدد تكبيراتها. فعلى هذا لا مجال في المقام للتشبث. بشئ من أصالة الصحة وقاعدتي الفراغ والتجاوز لانه بعد علمه بالطهارة إذا شك في بقاء العين وإزالته أو في عصر الثوب وعدمه فهو في الحقيقة شك في أصل الغسل وعدمه لما أسبقناه من أن الغسل متقوم بالعصر وإزالة العين ولا غسل بدونهما فالاظهر في المقام هو الحكم بالنجاسة كما كتبناه في التعليقة لاستصحاب النجاسة المتيقنة سابقا وقد أشرنا أن اليقين بالطهارة قبل الشك إنما يمنع عن أستصحاب النجاسة على تقدير البقاء لافي صورة الارتفاع والزوال فأستصحاب بقاء النجاسة مع الشك في أصل الغسل محكم سواء أكانت العين مانعة عن نفوذ الماء على تقدير بقائها أم لم تكن وليست المسألة من موارد القواعد الثلاث حتى تكون حاكمة على الاستصحاب.


(* 1) المروية في ب 23 من أبواب الخلل من الوسائل.

[ 291 ]

[ طارئه بنى على أنها طارئة (1) (مسألة 4) إذا علم بنجاسة شئ، وشك في أن لها عينا أم لا، له أن ينبي على عدم العين (2) فلا يلزم الغسل بمقدار يعلم بزوال العين على تقدير وجودها، وإن كان أحوط. ] (1) بدعوى أن التردد في أنها عين طهارءة يساوق التردد في صحة التطهير وفساده لانه من المحتمل أن تكون هي العين السابقة إلا أن مقتضى قاعدة الفراغ أو أصالة الصحة صحة الغسل والتطهير وبها يتعين أن تكون العين طارءة. وقد ظهر لك مما ذكرناه في التعليقة المتقدمة أن الشك في التطهير من جهة الشك في بقاء العين وزوالها شك في تحقق الغسل وعدمه ومع الشك في أصل العمل لا مجرى للقواعد الثلاث ويكون المحكم هو أستصحاب نجاسة المغسول وعدم طرو المطهر عليه. (2) إن كان الماتن (قده) قد أعتمد فيما أفاده على أستصحاب عدم العين في المتنجس فيدفعه أن أستصحاب عدم العين لا يثبت تحقق الغسل بمقدار لا تزول به العين على تقدير وجودها لانه لازم عقلي لعدم العين في المتنجس إذ الغسل يتقوم بأزالة العين فأستصحاب عدمها لاثبات تحقق الغسل بذلك المقدار من أظهر أنحاء الاصول المثبتة فاللازم حينئذ هو أستصحاب بقاء النجاسة مطلقا سواء أكانت العين على تقدير وجودها حاجبة عن وصول الماء إلى المحل أم لم تكن. وإن أستند إلى السيرة بدعوى جريانها على عدم الاعتناء بالشك في وجود العين النجسة لدى الغسل، كما أدعوا قيامها على ذلك في الشك في الحاجب في موردين: (أحدهما): الطهارة الحدثية نظرا إلى أنهم يدخلون الحمامات

[ 292 ]

[ (مسألة 5) الوسواسي يرجع في التطهير إلى المتعارف. ولا يلزم أن يحصل له العلم بزوال النجاسة (1). ] والخزانات ويغتسلون ولا يعتنون بأحتمال أن يكون على ظهرهم شئ مانع عن وصول الماء إلى بشرتهم كدم البق والبرغوث ونحوهما. و (ثانيهما): تطهير مخرج البول حيث لا يعتنون في تطهيره بأحتمال أن يكون على المخرج لزوجة مانعة عن وصول الماء إليه ففيه: أن السيرة غير ثابتة في الموردين فإن عدم أعتنائهم بأحتمال وجود الحاجب مبني على أطمينانهم بعدمه وبوصول الماء إلى البشرة كما هو الغالب أو أنهم لغفلتهم لا يشكون في وجود المانع أصلا. ثم على تقدير تسليم السيرة في الموردين لا يمكننا تسليمها في الطهارة الخبثية إذ لم نحرز قيامها على عدم أعتنائهم بالشك في وجود عين الدم مثلا في يدهم أو لباسهم عند تطهيرهما وعليه يجري أستصحاب النجاسة حتى يعلم بأرتفاعها بإن يصب عليه الماء بمقدار تزول به العين على تقدير وجودها. (1) الوسواسي قد يشك في تطهير المتنجس على النحو المتعارف العادي كما إذا يبست النجاسة على المحل وصب الماء عليه مرة أو مرتين وشك في وصول الماء إليه وزوال العين عنه فإنه شك عادي قد يعتري على غير الوسواسى أيضا إذ النجاسة بعد يبوستها قد لاتزول بصب الماء عليها مرتين وفي هذه الصورة يجري في حقه الاستصحاب وتشمله الادلة القائمة على أعتباره فلا يجوز له أن ينقض يقينه بالنجاسة بالشك في أرتفاعها. وقد يشك فيه على نحو غير عادي بحيث لا يشك فيه غيره فيغسل المتنجس مرة ثم يغسله ثانيا وثالثا ورابعا وهكذا ولا إشكال في عدم جريان الاستصحاب في حقه لان مادل على حرمة نقض اليقين بالشك لا يشمل مثله لانصرافه إلى

[ 293 ]

[ فصل في حكم الاواني (مسألة) لا يجوز أستعمال الظروف المعمولة من جلد نجس العين أو الميتة (1) فيما يشترط فيه الطهارة، من الاكل والشرب والوضوء والغسل بل الاحوط (2) عدم أستعمالها في غير ما يشترط فيه الطهارة أيضا. ] الشك العادي ومعه لابد من أن يرجع في تطهيره إلى العادة المتعارفة بين الناس لان شكه هذا غير عادي وهو من الشيطان أو أنه جنون كما ورد في صحيحة عبد الله بن سنان قال: ذكرت لابي عبد الله عليه السلام رجلا متبلا بالوضوء والصلاة وقلت هو رجل عاقل فقال: أبو عبد الله عليه السلام وأي عقل له وهو يطيع الشيطان فقلت له وكيف يطيع الشيطان، فقال. سله هذا الذي يأتيه من أي شئ هو؟ فإنه يقول لك من عمل الشيطان (* 1) وقد حكى مد ظله (عن بعض مشايخه) عن بعض المبتلين بالوسواس أنه كان يشك في جواز صلاة الصبح للشك في طلوع الفجر وعدمه وفي عين الوقت يشك في طلوع الشمس وقضاء صلاته. فصل في أحكام الاواني (1) لانه بعد الفراغ عن نجاسة الميتة وجلد نجس العين لاإشكال في تنجس ما في تلك الظروف من المأكول والمشروب ولا يسوغ أكل المتنجس أو شربه أو التوضوء والاغتسال به. (2) هذا الاحتياط وجوبي لعدم كونه مسبوقا بالفتوى في المسألة فيناقض ما تقدم منه (قده) في الكلام على نجاسة الميتة من جواز الانتفاع بها فيما لا يشترط فيه الطهارة، وما أفاده (قده) في تلك المسألة هو الصحيح لانه


(* 1) المروية في ب 10 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

[ 294 ]

[ وكذا غير الظروف من جلدهما، بل وكذا سائر الانتفاعات غير الاستعمال (1) فإن الاحوط ترك جميع الانتفاعات منهما وأما ميتة مالا نفس له كالسمك ونحوه فحرمة أستعمال جلده غير معلوم (2) وإن كان أحوط. وكذا لا يجوز أستعمال ] المنع عن أستعمال الميتة والانتفاع بها وإن ورد في بعض الاخبار (* 1) إلا أنه معارض بالاخبار المجوزة ومعه لابد من حمل المانعة على التصرفات المتوقفة على الطهارة أو الكراهة. وإن كان ترك الانتفاع بها هو الموافق للاحتياط. (1) كتطعيمها للحيوانات وجعلها في المصيدة للاصطياد فإن ذلك لا يعد إستعمالا للميتة أو الجلد. (2) التفصيل بين الميتة مما لا نفس له وبين ماله نفس سائلة إنما يتم فيما إذا أستندنا في المنع عن الانتفاع بالميتة مما له نفس سائله إلى مثل رواية الوشاء قال: سألت أبا الحسن عليه السلام فقلت إن أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطونها قال: هي حرام قلت فتستصبح بها؟ فقال: أما تعلم أن يصيب اليد والثوب وهو حرام (* 2) ورواية تحف العقول: أو شئ من وجوده النجس فهذا كله حرام ومحرم لان ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وأمساكه والتقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام (* 3) لانهما كما ترى يتخصان بالميتة النجسة ولا تشملان الميتة الطاهرة كميتة مالا نفس له. إلا أنا لا نعتمد على شئ منهما لما ذكرناه في محله وإنما نعتمد في المنع عن الانتفاع بالميتة على تقدير القول به على صحيحة علي بن أبي مغيرة قال:


(* 1) راجع ج 1 ص 501. (* 2) المروية في ب 32 من أبواب الاطعمة المحرمة و 30 من أبواب الذبائح من الوسائل. (* 3) المروية في ب 2 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 295 ]

[ الظروف المغصوبة مطلقا (1) والوضوء والغسل منها مع العلم. ] قلت لابي عبد الله عليه السلام الميتة ينتفع بها بشي، قال: لا.. (* 1) ونحوها من الاخبار وهي مطلقة تشمل الميتات النجسة والطاهرة. ودعوى أنصرافها إلى النجسة مما لا ينبغي التفوه به فعلى القول بحرمة الانتفاع بالميتة لاوجه للتفصيل بين الميتة النجسة والطاهرة. والذي يهون الامر ما قدمناه في التكلم على أحكام الميتة من جواز الانتفاع بها مطلقا بنجسة كانت أم طاهرة لصحيحة البزنطي قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من الياتها وهي أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال: نعم يذبيها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها (* 2) ونحوها لانها صريحة الدلالة على جواز الانتفاع بالميتة النجسة فضلا عن الميتات الطاهرة ومعه لا بد من حمل مادل على المنع عن الانتفاع بالميتة إما على حرمته فيما يشترط فيها الطهارة وإما على الكراهة جمعا بين الاخبار، وعلى الجملة لا يمكننا التفصيل بين الميته النجسة والطاهرة قلنا بحرمة الانتفاع بها أم قلنا بالجواز. (1) لان حرمة مال المسلم كحرمة دمه فلا يسوغ التصرف في ماله إلا بطيبة نفسه كما في مو ثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من أئتمنه عليها فإنه لا يحل دم أمرء مسلم


(* 1) المروية في ب 34 من أبواب الاطعمة المحرمة و 61 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 6 من أبواب ما يكتسب به و 30 من أبواب الذبائح من الوسائل.

[ 296 ]

[ باطل (1) مع الانحصار، بل مطلقا. نعم لو صب الماء منها في ظرف مباح فتوضأ أو أغتسل صح، وإن كان عاصيا من جهة تصرفه في المغصوب. ] ولا ماله إلا بطيبة نفس منه (* 1). (1) ظاهر لفظه (منها) في كلام الماتن (قده) أن مراده الوضوء أو الغسل منها بالاغتراف لا بالارتماس والدخول فيها كما في الاواني الكبيرة فإنهما خارجان عن محط بحثه في المقام ولنتعرض لهما بعد بيان حكم التطهر بالاغتراف. والكلام في الوضوء والاغتسال منها بالاغتراف أي بأخذ الماء منها غرفة فغرفة يقع في موردين: (أحدهما): ما إذا أنحصر الماء بالماء الموجود في الاواني المغصوبة. و (ثانيهما): ما إذا لم ينحصر لوجود ماء آخر مباح. أما المورد الاول فلا أشكال ولا خلاف في أن الملكف يجوز أن يقتصر فيه بالتيمم بدلا عن وضوئه أو غسله لانه فاقد الماء لما بيناه غير مرة من أن المراد بالفقدان ليس هو الفقد عن الحقيقي وإنما المراد به عدم التمكن من أستعماله وإن كان موجدوا عنده وهذا بقرينة ذكر المرضى في الآية المباركة في سياق المسافر وغيره إذ المريض يبعد عادة أن يكون فاقدا للماء حقيقة وإن كان المسافر يفتقده كثيرا ولا سيما في القفار وحيث أن الملكف لا يجوز أن يتوضأ من الاناء ولو بأفراغ مائه إلى إناء آخر لانه تصرف منهي عنه في الشريعة المقدسة والممنوع شرعا كالممتنع عقلا فهو غير متمكن من أستعمال الماء في الوضوء والغسل وفاقد له ووظيفته التيمم حينئذ. وعلى الجملة لم يخالف أحد في جواز الاقتصار بالتيمم في مفروض المسألة.


(* 1) المروية في ب 3 من أبواب مكان المصلي و 1 من أبواب القصاص في النفس من الوسائل.

[ 297 ]

وإنما الكلام فيما إذا أراد التوضوء والاغتسال والتصرف في ماء الاناء بأستعماله في أحدهما فهل يصحان وضعا بعد ما كانا محرمين تكليفا أو أنهما باطلان؟ قد يقال بصحة الوضوء والغسل حينئذ نظرا إلى أنهما وإن لم يكونا مأمورا بهما بالفعل لحرمة ما يتوقفان عليه إلا أن الملاك موجود فيهما وهو كاف في الحكم بصحة العمل وفي التمكن من قصد التقرب به. ويرد عليه ما قدمناه في بحث الترتب من أن الطريق لاستكشاف الملاك منحصر بالامر والتكليف ومع أرتفاعهما لعدم التمكن من الامتثال يحتاج دعوى الاستكشاف إلى عالم الغيب. و (دعوى): أن الامر بهما ظاهره وجود الملاك (مدفوعة): بأن سعة المنكشف تتبع سعة الكاشف وهو الامر وهو إنما يكشف عن الملاك ما دام موجودا ولم يرتفع. وأما بعد أرتفاعه فلا كاشف ولا منكشف. هذا ما قدمناه هناك. ونزيده في المقام أن المكلف مع العجز عن الماء مأمور بالتيمم كما عرفت وظاهر الامر وإطلاقه التعيين، وتعين التيمم حينئذ يدل على عدم الملاك في الوضوء أو الغسل. وهذا هو الذي ذكره شيخنا الاستاذ (قده) وإن قرره بتقريب آخر وحاصله أن الامر بالوضوء مقيد في الآية المباركة بالتمكن من أستعمال الماء فإذا أرتفع التمكن أرتفع الامر والملاك وبعبارة أخرى أن الآية قسمت المكلفين إلى واجد الماء وفاقده، لان التفصيل قاطع للشركة وقيد الامر بالوضوء بالوجدان كما قيد الامر بالتيمم بالفقدان فإذا أنتفى القيد وهو وجدان الماء أنتفى المقيد والمشروط ومع أرتفاع الامر يرتفع الملاك لا محالة هذا على أن مجرد الشك في الملاك يكفينا في الحكم بعدم جواز الاكتفاء بالوضوء لاستلزامه الشك في تحقق الامتثال بإتيان غير المأمور به بدلا عن المأمور به ومع الشك في السقوط لابد من إتيان التيمم لانه مقتضى القاعدة تحصيلا للقطع بالفراغ. وهذه المسألة لا يقاس بما إذا أمر المولى بشئ على تقدير التمكن منه

[ 298 ]

وبشئ آخر على تقدير العجز عنه كما إذا أمر عبده بشراء التفاح مثلا إن تمكن وإلا فبشراء شئ آخر أو قال إذا جائك زيد فقدم له تمرا فإن لم تجد فماء باردا ونحو ذلك من الامثلة فإن مقتضى الفهم العرفي في أمثال ذلك أن الملاك في شراء التفاح أو تقديم التمر مطلق ولا يرتفع بالعجز عنه. والوجه في منع القياس أن إحراز بقاء الملاك في تلك الامثلة العرفية وعدم أرتفاعه بالعجز عنه إنما هو من جهة العلم الخارجي بالبقاء.. وهذا بخلاف الاحكام الشرعية إذ لا علم ببقاء ملاكاته بعد زوال القيود لاحتمال زوال الملاك في الوضوء بأرتفاع التمكن من الماء. ومن الغريب في المقام منا صدر عن بعضهم من دعوى أن الامر بالوضوء مطلق ولا يشترط فيه الوجدان مستشهدا عليه بالاجماع المحكي على حرمة إراقة الماء بعد الوقت. والوجه في غرابته أن الامر بالوضوء لمن لا يتمكن من أستعمال الماء تكليف بما لا يطاق فلا مناص من تقييده بالوجدان ومن هنا لم يدع أحد الاطلاق في وجوب الوضوء وإن أدعى بعضهم الاطلاق في الملاك إلا أنهما دعويان متغائرتان والاولى غير ممكنة والثانية أمر ممكن وإن كانت باطلة. والاستشهاد على الدعوى المذكورة بالاجماع على حرمة إراقة الماء بعد الوقت أجنبي عما نحن فيه وذلك لان الامر بالوضوء مع التمكن من الماء بعد الوقت فعلي منجز وتعجيز النفس من أمتثال الواجب الفعلي كالعصيان محرم حسبما يقتضيه الفهم العرفي في أمثال المقام لان السيد إذا أمر عبده بأتيان الماء مثلا على تقدير التمكن منه وإتيان شئ آخر على تقدير العجز عنه لم يجز له أن يفوت قدرته على المأمور به بأن يعجز نفسه عن إتيان الماء في المثال حتى يدخل بذلك فيمن لا يتمكن من المأمور به ويترتب عليه وجوب الاتيان بالشئ الآخر وأين هذا مما نحن فيه؟ فدعوى الاطلاق في الامر بالوضوء مما لا تمكن المساعدة

[ 299 ]

عليه. والاستشهاد في غير محله. هذا كله فيما إذا أشترطنا في القدرة المعتبرة في التكليف القدرة على مجموع الواجب المركب من الابتداء بإن يعتبر في مثل وجوب الوضوء أن يكون عند المكلف قبل الشروع في الوضوء ماء بمقدار يكفي لغسل تمام أعضاء الوضوء ولنعبر عنها بالقدرة الفعلية على المركب. وأما إذا لم نعتبر ذلك ولم نقل بأعتبار القدرة الفعلية على مجموع العمل قبل الشروع فيه وأكتفينا بالقدرة التدريجية في الامر بالواجب المركب ولو على نحو الشرط المتأخر بإن تكون القدرة على الاجزاء التالية شرطا في وجوب الاجزاء السابقة بحيث لو لم يتمكن من القيام والركوع وسائر الاجزاء الصلاتيه سوى التكبيرة مثلا لمرض ونحوه ولكنه علم بطر والتمكن منها شيئا فشيئا بعد ما كبر بحيث لو كبر لتمكن من القرائة والقيام ولو أتى بهما تمكن من غيرهما من أجزاء الصلاة لبرء مرضه أو حل شده لو كان مشدودا مثلا وجبت عليه الصلاة قائما. أو إذا لم يكن له من الماء إلا بمقدار يفي بغسل الوجه فحسب إلا أنه يعلم بنزول المطر وتمكنه من غسل بقية الاعضاء به بعد ما غسل وجهه وجب عليه الوضوء أو إذا كان عنده ثلج يذوب شيئا فشيئا ولا إناء عنده ليجمعه ولا يتمكن من الماء إلا بمقدار غرفة يسعها كفه وهو لا يفي إلا بغسل الوجه فحسب ولا يتمكن من غسل سائر الاعضاء بالفعل إلا أنه يتمكن من غسلها بعد ما غسل وجهه لتمكنه من الغرفة الثانية والثالثة بعد ذلك على التدريج. أو أن الماء كان لغيره ولم يأذن له في التصرف إلا بمقدار غرفة ولكنه على أن المالك يبدو له فيرضى بالغرفة الثانية والثالثة بعد ما غسل وجهه وجب عليه الوضوء في تلك الموارد ولا يسوغ التيمم في حقه لتمكنه من الماء متدرجا وقد بينا كفاية القدرة التدريجية في الامر بالمركب فلا بأس بالتوضوء من الاواني المغصوبة لامكان تصحيحه بالترتب حيث أن المكلف بعد ما أرتكب المحرم وأغترف من الاناء يتمكن من الوضوء بمقدار غسل الوجه فحسب إلا أنه يعلم

[ 300 ]

بطرو التمكن له من غسل بقية أعضائه لعلمه بأنه سيعصي ويغترف ثانيا وثالثا وإن لم يتوضأ ولم يغتسل فعلي ذلك فهو متمكن من الوضوء بالتدريج فلابد من الحكم بوجوبه إلا أنه بالترتب لترتب الامر به على عصيانه ومخالفته النهي عن الغصب بالتصرف في الاناء لتوقف قدرتة للوضوء على معصيته بحيث إن طالت المعصية طالت القدرة وإن قصرت قصرت فهو وإن كان مأمورا بالتجنب عن التصرف فيه لانه غصب محرم ويجب عليه التيمم لفقدانه الماء إلا أنه لو عصى النهى وجب الوضوء في حقه لصيرورته واجدا له بالعصيان. ونظير ذلك ما إذا أبتلى الملكف بالنجاسة في المسجد لان وجوب الصلاة في حقه مترتب على عصاينه الامر بالازالة. بل هو بعينه مما نحن فيه لوجوب الازالة في جميع آنات الصلاة فالمكلف غير قادر عليها بوجه إلا أنه بعد الآن الاول من ترك إلازالة يتمكن من تكبيرة الصلاة وهو في هذا الحال وإن لم يتمكن من بقية أجزاء الصلاة لوجوب الازالة في حقه إلا أنه يعلم بتمكنه منها لعلمه بأنه يعصي الامر بالازالة في الآن الثاني أيضا فيقدر على الجزء الثاني من الصلاة وفي الآن الثالث فيتمكن من الجزء الثالث وهكذا. وحيث أن الترتب على طبق القاعدة ولايحتاج في وقوعه إلى دليل في كل مورد فلا مناص من الالتزام به في الوضوء أيضا. وأما ما عن شيخنا الاستاذ (قده) من أن الترتب يتوقف على أن يكون المهم واجدا للملاك مطلقا حتى حال المزاحمة أعني حال وجود الامر بالاهم وهو إنما يحرز فيما إذا كانت القدرة المأخوذة في المهم عقلية. وأما إذا كانت شرعية بأن أخذت قيدا للمهم في لسان الدليل كما هو الحال في الوضوء فبأنتفاء القدرة في ظرف الامر بالاهم لا يبقى ملاك للامر بالمهم لارتفاعه بأرتفاع قيده وشرطه ومعه لا يجري فيه الترتب بوجه على ما أفاده (قده) في التنبية الذي عقده لذلك

[ 301 ]

في بحث الاصول. فقد أجبنا عنه في محله بأن الترتب لا يتوقف على أحراز الملاك في المهم لا أنه مما لا سبيل له سوى الامر ومع سقوطه لا يبقى طريق لاستكشافه سواء أكانت القدرة المأخوذة فيه عقلية أم كانت شرعية لان في كل منهما يحتمل زوال الملاك بالعجز والمتلخص أن في هذه الصورة يمكن أن يصحح الغسل والوضوء بالترتب هذا كله في صورة الانحصار. وأما المورد الثاني أعني صورة عدم الانحصار فالاغتراف من الاواني المغصوبة وإن كان عصيانا محرما إلا أن الوضوء أو الغسل الواقع بعده صحيح لا محالة وذلك لبقاء الامر بالوضوء في حقه إذ المفروض تمكنه من الماء في غير الاواني المغصوبة، وما يأخذه من الاناء المغصوب أيضا مباح بعد الاغتراف لانه ملكه وإن كان في إناء مغصوب ولا فرق بينه وبين الماء الموجود في غيره بحيث لو توضأ أو أغتسل منه لصح وإن أرتكب أمرا محرما. نعم لو قلنا إن ما يأخذه من الاواني المغصوبة وإن كان ملكا له إلا أن الوضوء به تصرف في الاناء لان التصرف في الاواني ليس إلا بأخذ الماء منها وصرفه في الاكل والشرب والغصب والوضوء وغيرها وعليه فالوضوء أو الغسل في أنفسهما معدودان من التصرف في الاواني المغصوبة بمعنى أن الوضوء بالماء المأخوذ من الاناء المغصوب بنفسه مصداق للغصب والتصرف الحرام وكذلك الحال في الاغتسال به فهما باطلان، إذ لا معنى للتقرب بما هو مبغوض في نفسه. ولو تمت هذه الدعوي لم يكن فرق بين صورتي الانحصار وعدمه لان الوضوء في كليهما تصرف حرام والتقرب بالمبغوض أمر لا معنى له فلا مناص من الحكم ببطلانه ولعل الماتن وغيره ممن حكم بالبطلان في كلتا الصورتين قد نظروا إلى ذلك هذا ولكن دعوى أن التصرفات الواقعة بعد أخذ الماء تصرف في نفس

[ 302 ]

الاناء دون أثباتها خرط القتاد ولا يمكن تتميمها بدليل لان التصرف في الاناء بحسب الفهم العرفي إنما هو إلاغتراف وأخذ الماء منه وأما سقيه بعد ذلك للحيوان أو صبه على الارض أو شربه فكل ذلك تصرفات خارجية إنما تقع في ملكه وهو الماء ولا يقع شئ من ذلك في الاناء فهل يقال إن سقي الحيوان بالماء الموجود في الكف تصرف في الاناء؟ نعم يحرم الاكل في أواني الذهب والفضة وفي الاواني المغصوبة إلا أنها ليست مستندة إلى أن الاكل تصرف في الاواني وإنما هي من جهة الدليل الذي دل على حرمة الاكل في الاواني المذكورة فإن الاكل في الاناء بطبعه يقتضي أخذ الطعام أو غيره منه ووضعه في الفم. ولم يرد دليل على حرمة التوضوء من الاواني المغصوبة حتى نلتزم بحرمة نفس التوضوء بعد أخذ الماء منها وإنما قلنا بحرمة الوضوء منها من أجل أنه تصرف في مال الغير من غير رضاه وهو يختص بالاخذ والاغتراف دون التوضوء أو الاغتسال أو غيرهما من التصرفات هذا كله فيما إذا كان التوضوء بالاغتراف. وأما لو أخذ الماء من الاناء المغصوب دفعة واحدة بمقدار يفي بالوضوء كما إذا فرغ ماءه على إناء آخر ثم توضأ أو أغتسل به صح وضوئه أو غسله لانه ماء مباح وإن أرتكب معصية بأخذ الماء منها، ولافرق في ذلك بين صورتي الانحصار وعدمه. وأما لو توضأ منها بالارتماس كما إذا أدخل يده فيها مرة أو مرتين فالظاهر البطلان لان أدخال اليد في الاناء للوضوء أو لغيره تصرف فيه عرفا بلا فرق في ذلك بين أستلزامه تموج الماء على السطح الداخل للاناء كما هو الغالب أو الدائم وبين عدم أستلزامه على فرض غير محقق وذلك لصدق التصرف على الارتماس وإن لم يستلزم التموج في الماء. ومع فرض كون الوضوء تصرفا محرما لا يمكن

[ 303 ]

[ (مسألة 1) أواني المشركين وسائر الكفار محكومة بالطهارة (1) ما لم يعلم ملاقاتهم لها مع الرطوبة المسرية. ] التقرب به، ولا يكفي في الامتثال لان الحرام لا يكون مصداقا للواجب. (بقي شئ) ولا بأس بالاشارة إليه وهو أن المالك لو أذن له في الافراغ فحسب فهل يصح التوضوء منه بالاغتراف أو لا يصح، بناء على بطلانه على تقدير عدم الاذن في الافراغ الظاهر عدم صحة الوضوء وهذا لا لان وجوب المقدمة مشروط بقصد التوصل بها إلى ذيها حتى يجاب بأن المقدمة. بناء على وجوبها واجبة في ذاتها وأن لم يقصد بها التوصل إلى ذيها بل من جهة أن الترخص في الافراغ قد يراد به جواز الافراغ ولو في بعض الاناء بأن يفرغ بعض الماء دون بعض ولا أشكال حينئذ في صحة الوضوء منه بالاغتراف لانه أفراغ لبعض مائه إلا أن هذه الصورة خارجة عن مورد الكلام. وقد يراد به جعل الاناء خاليا من الماء كما هو معنى الافراغ وحينئذ لو توضأ منه بالاغتراف بطل وضوءه لانه إفراغ لبعض مائه لعدم صيرورة الاناء خاليا بذلك عن الماء فالوضوء منه بالاغتراف مما لم يأذن به المالك فيبطل. وعلى الجملة مورد الاذن إنما هو الافراغ فيسوغ جعل الاناء خاليا عن الماء دفعة واحدة أو متدرجا بأن يفرغ بعض مائه مشروطا بأنضمامه إلى أفراغ البعض الآخر. وأما الافراغ لا بشرط أو بشرط لا فهما خارجان عن مورد الاذن والترخيص وبما أن الاغتراف للوضوء تخلية لبعض الاناء عن الماء بشرط لا فهو خارج عن مورد الاذن المالكي اللهم إلا أن نصححه بالترتب كما تقدم في الصورة السابقة. (1) وذلك لاحد أمرين: (أحدهما): أستصحاب طهارتها فيما لو شككنا في أصل تنجسها مع العلم

[ 304 ]

بطهارتها السابقة لعموم التعليل الوارد في صحيحة إبن سنان قال: سأل أبي أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر إني أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده على فأغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك فأنك أعرته أياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسة، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجسه (* 1) فإن قوله: أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه يدل على جريان الاستصحاب في مورد الصحيحة وهو إنما يتقوم باليقين السابق والشك اللاحق وهذا يجرى في أواني الكفار أيضا إذ لا خصوصية للثوب والاعارة جزما ولا سيما في الطهارة التى هي مورد الصحيحة. وحيث أنا ندري بطهارة أوانيهم أولا ونشك في تنجسها عندهم فلابد من البناء على طهارتها بالاستصحاب بل يجرى أستصحاب الطهارة في كل ما نشك في تنجسه مما عندهم إذ لا خصوصية للاواني في ذلك. و (ثانيهما): قاعده الطهارة فيما لو علمنا بطر وحالتين متضادتين على أواني الكفار كما إذا علمنا بنجاستها في زمان وطهارتها في وقت آخر وشككنا في السبق واللحوق كما هو الغالب فيها لانها تتنجس وتطهر هذا. نعم ورد في جملة من الروايات (* 2) النهى عن الاكل في أواني أهل الكتاب وقد ورد في بعضها الامر بغسل آنيتهم (* 3) وهو أرشاد إلى نجاستها. ومن هنا قد يتوهم أن المقام من موارد تقديم الظاهر على الاصل لان مقتضى الاستصحاب أو قاعدة الطهارة وإن كان طهارة آنيتهم إلا أن الظاهر لما


(* 1) المروية في ب 74 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) راجع ب 55 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 3) كما في صحيحة زرارة وروايته المرويتين في ب 55 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 305 ]

أقتضى نجاستها لنجاسة أيديهم وطعامهم قدمه الشارع على مقتضى الاصلين حسبما دلت عليه الاخبار الواردة في المقام. نعم لابد من أخراج صورة العلم بطهارتها كما إذا أخذها الكافر من المسلم ثم أستردها المسلم من غير فصل إذ لا يمكن الحكم بنجاستها مع العلم ببقائها على طهارتها. وأما صورة الشك في الطهارة فهى باقية تحت المطلقات. ولكن التوهم غير تام وذلك لان في بعض الروايات قيدت الاواني بما شرب فيه الخمر أو ما أكل فيه الميتة أو لحم الخنزير كما في صحيحتي محمد بن مسلم (* 1) والثانية منهما أصرح في التقييد لمكان (إذا) الشرطية وبذلك تقيد المطلقات الواردة في المقام ولا يلتزم بالنجاسة إلا فيما يشرب فيه الخمر أو يوكل فيه شئ من النجاسات. وإذا شككنا في إناء من آنيتهم في أنه مما يؤكل فيها الميتة أو يشرب فيها الخمر مثلا فهو شبهة مصداقية لا يمكن التمسك فيها بالمطلقات فلا مناص من الرجوع إلى أستصحاب طهارتها أو إلى قاعدة الطهارة. (تتميم): لا يخفى أن الاخبار الواردة في أواني أهل الكتاب على طوائف ثلاث: (منها): ما دل على المنع من الاكل أو الشرب في آنيتهم من غير تقييدها بشئ (* 2) وهو في نفسه يكشف عن نجاسة أهل الكتاب بعد العلم بأن مجرد تملك الكتابي للاناء لا يقتضي نجاسته وإنما يتنجس الاناء بأستعماله. و (منها): ما دل على المنع عن الاكل في آنيتهم ألتي يأكلون فيها الميتة أو يشربون فيها الخمر (* 3) وهذا يدلنا على أن نجاسة آنية أهل الكتاب عرضية


(* 1) رجع ب 55 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 2) كما في صحيحة زرارة وصدر صحيحة محمد بن مسلم المرويتين في ب 55 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 3) كما في ذيل صحيحة محمد بن مسلم وصحيحته الاخرى المرويتين في =

[ 306 ]

[ بشرط أن لا تكون من الجلود، وإلا فمحكومة بالنجاسة (1) إلا إذا علم تذكية حيوانها، أو علم سبق يد مسلم عليها، وكذا غير الجلود وغير الظروف مما في ] ناشئة من ملاقاتها للخمر أو الميتة أو غيرهما من النجاسات كما يدل على طهارة الكتابي بالذات. و (منها): طائفة ثالثة دلت على أن النهي عن الاكل في آنيتهم نهي تنزيهي (* 1) ولو كنا نحن وهذه الروايات لحملنا الاخبار المانعة على التنزه وقلنا بطهارتهم جمعا بين ما دل على نجاسة أهل الكتاب وما دل على طهارتهم وإنما لانلتزم بذلك للشهرة العظيمة القائمة على نجاسة أهل الكتاب وأرتكازها في أذهان المسلمين. وكيف كان فالاخبار الواردة في المقام سواء دلت على طهارتهم أم دلت على نجاسة آنيتهم وأنفسهم لا نظر لها إلى بيان الحكم الظاهري والوظيفة الفعلية حال الشك في طهارته ونجاستها فإنها لو دلت فإنما تدل على الحكم الواقعي وأنه الطهارة أو النجاسة وعليه فعند الشك في طهارة آنيتهم لابد من الرجوع إلى أستصحاب الطهارة أو قاعدتها لحكومة أدلة الاصول على أدلة الاحكام الواقعية هذا كله فيما بأيديهم غير الجلود واللحوم والشحوم. (1) اللحوم والجلود وغيرهما مما يحتاج إلى التذكية لا يجوز أكلها ولا الصلاة فيها وإذا كانت بأيدي غير المسلمين لاستصحاب عدم التذكية وأما الحكم بنجاستها فقد ذكرنا غير مرة أن النجاسة لم تترتب في أدلتها على عنوان ما لم يذك وإنما ترتبت على عنوان الميتة وأصالة عدم التذكية لا تثبت كونها ميتة بوجه وإن حرم أكلها ولم تصح فيها الصلاة اللهم إلا أن تكون هناك أمارة على


= ب 55 من أبواب الاطعمه المحرمة من الوسائل. (* 1) كما في صحيحة أسماعيل بن جابر المروية في ب 55 من بواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 307 ]

[ أيديهم، مما يحتاج إلى التذكية كاللحم والشحم والالية، فإنها محكومة بالنجاسة (1) إلا مع العلم بالتذكية، أو سبق يد المسلم عليه. وأما مالا يحتاج إلى التذكية فمحكوم بالطهارة، إلا مع العلم بالنجاسة، ولا يكفي الظن (2) بملاقاتهم لها مع الرطوبة، والمشكوك في كونه من جلد الحيوان أو من شحمه أو إليته (3) محكوم بعدم كونه منه، فيحكم عليه بالطهارة، وإن أخذ من الكافر. (مسألة 2) يجوز أستعمال أواني الخمر بعد غسلها (4) وإن كانت من الخشب أو القرع أو الخزف غير المطلي بالقير أو نحوه (5) ولا يضر نجاسة باطنها ] التذكية من يد المسلم أو غيرها. (1) قد عرفت الكلام في نجاستها. (2) لعدم حجية الظن شرعا. (3) كما إذا شككنا في شئ أنه من ال‍ (لاستيك) المتدوال في عصرنا أو من الجلود وقد فرع الماتن الحكم بطهارته على الحكم بعدم كون المشكوك فيه من الحيوان ويظهر من تفريعه هذا أنه (قده) يرى جريان الاستصحاب في الاعدام الازالية كما أخترناه وتقريب ذلك أن اضافة الجلد أو اللحم أو غيرهما إلى الحيوان أمر حادث مسبوق بالعدم ولا ندري تحققها حال حدوثهما والاصل عدم تحقق أضافتها إلى الحيوان حينئذ وهذا بناء على جريان الاصل في الاعدام الازلية مما لا غبار عليه. وأما إذا منعنا عن ذلك فلا مناص من الحكم على المشكوك فيه أيضا بالطهارة والحلية لقاعدة الطهارة وأصالة الحل. (4) لانها كسائر الاواني المتنجسة قابلة للطهارة بالغسل لاطلاق ما دل على غسل الاناء ثلاث مرات أو أكثر (* 1). (5) قد يقال بالمنع من أستعمال ما ينفذ فيه الخمر غسل أو لم يغسل ويستدل


(* 1) راجع ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 308 ]

[ بعد تطهير ظاهرها داخلا وخارجا، بل داخلا فقط. نعم يكره أستعمال ما نفذ الخمر إلى باطنه إلا إذا غسل على وجه يطهر باطنه أيضا. ] على ذلك بأن للخمر حدة ونفوذا فإذا لم تكن الآنية صلبة نفذت في أعماقها من غير أن يصل إليها الماء حال تطهيرها وبذلك تبقى على نجاستها ويرد على ذلك: (أولا): أن هذا لاأختصاص له بأواني الخمر بوجه لانه لو تم لعم الاواني الملاقية للبول والماء المتنجس وغيرهما من المايعات النجسة أو المتنجسة لانها أيضا تنفذ في أعماقها ولا يصلها الماء حال تطهيرها. و (ثانيا): قدمنا في البحث عن المطهرات (* 1) أن أواني الخمر قابلة للطهارة حتى أعماقها بجعلها في الكر أو الجاري إلى أن ينفذ الماء في جوفها. و (ثالثا): أن نجاسة باطنها وعدم قبوله التطهير لو سلم لا يمنعان عن الحكم بطهارة ظاهرها بغسله فلو غسلنا ظاهرها من الداخل حكم بطهارته وإن كان الحكم باطنها نجسا هذا ولكن المعروف بينهم كراهة أستعمال ما نفذ فيه الخمر كما أشار إليه الماتن بقوله: نعم يكره.. وبصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهم السلام قال: سألته عن نبيذ قد سكن غليانه.. إلى أن قال: وسألته عن الظروف فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدباء والمزفت وزدتم أنتم الحنتم يعني الغضار، والمزفت يعنى الزفت الذي يكون في الزق ويصب في الخوابي ليكون أجود للخمر، قال: وسألته عن الجرار الخضر والرصاص، فقال: لا بأس بها (* 2) والدباء هو الظرو ف المصطنعة من القرع والمزفت من الاوعية هو الاناء الذي طلي بالزفت وهو القير والحنتم هي


(* 1) في التكلم على التطهير بالماء. (* 2) المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 309 ]

الجرار الصلبة المصنوعة من الخزف وقد يعبر عنها بالجراب الخضر (* 1) وفي بعض العبائر (الحتم) وهو غلط والوجه في نفيه عليه السلام البأس عن الجرار الخضر والرصاص أعني الحنتم هو عدم كونه منهيا عنه في كلام النبي صلى الله عليه وآله وإنما زيد من قبلهم لقوله صلى الله عليه وآله وزدتم أنتم الحنتم وهذه الرواية وإن كانت صحيحة سندا إلا أنها غير تامة الدلالة على المراد وذلك لان المزفت بل الدباء مما لا يصل الماء إلى جوفه فأين هذا من الاواني التي تنفذ الخمر في باطنها؟! ولعل النهي عن أستعمال تلك الظروف مستند إلى ملاك آخر غير كونها ظروف خمر ككونها موجبة لبعض الامراض أو غير ذلك من الملاكات. على أنها معارضة بما دل على طهارة ظروف الخمر بالغسل كما قدمناه في محله (* 2). ورواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن كل مسكر فكل مسكر حرام قلت: فالظروف التي يصنع فيها منه؟ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدباء والمزفت والحنتم والنقير، قلت: وما ذلك؟ قال: الدباء: القرع، والمزفت: الدنان، والحنتم: حرار خضر، والنقير: خشب كان أهل الجاهلية ينقرونها حتى يصير لها أجواف ينبذون فيها (* 3) وهذه الرواية مضافا إلى قصورها سندا لعدم توثيق أبي الربيع وإن لم يبعد تشيعه. لا دلالة لها على المدعى لان الاواني المذكورة فيها ليست مما تنفذ الخمر في أعماقه لصلابتها على أنها تنافى الصحيحة المتقدمة لانها نفت البأس عن الحنتم


(* 1) وإما الرصاص فلم نعثر على تفسيره فيما يحضرنا بالفعل من كتب الحديث واللغة، ولعل المراد به هو الحنتم وإنما أطلق عليه لاستحكامه وتداخل أجزائه ومنه قوله: عز من قائل: كأنهم بنيان مرصوص: الصف 61: 4. (* 2) تقدم في الفرع 7 من فروع مطهرية الماء. (* 3) المروية في ب 52 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 310 ]

[ (مسألة 3) يحرم أستعمال أواني الذهب والفضة في الاكل والشرب (1) ] كما عرفت كما أنها تعارض الاخبار الدالة على طهارة ظروف الخمر كغيرها بالغسل فالمتحصل أن الروايتين لادلالة لهما على المنع عن أستعمال أواني الخمر غير الصلبة تحريما ولا كراهة وعلى تقدير التنازل نلتزم بالكراهة في مورد الروايتين ولا يمكننا التعدي عنه إلى بقية الظروف أو نلتزم بأستحباب الترك في مورد الرواية بناء على القول بالتسامح في أدلة السنن. نعم لا مانع من الاحتياط بالترك في أواني الخمر مطلقا خروجا عن شبهة الخلاف. (1) المعروف بل المتسالم عليه بين الاصحاب حرمة أستعمال أواني الذهب والفضة في الاكل والشرب وحكي أن الشيخ في الخلاف القول بكراهته وقد حملوا الكراهة في كلامه على الحرمة بقرينة دعواهم الاجماع على حرمته وتصريحه بالتحريم في محكي زكاة الخلاف ولعله إنما عبر بالكراهة تبعا لبعض النصوص. وقد وردت حرمته في رواياتنا وروايات المخالفين ففى الحدائق أن الجمهور رووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة. وعن علي عليه السلام: الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم. وفي تعليقته أن الرواية الاخيرة أعني الرواية عن علي عليه السلام لم توجد في طرقهم. وأما الاخبار الورادة من طرقنا في الاواني والآلات المتخذة من الذهب والفضة فهى من الكثرة بمكان وقد جمعها صاحب الحدائق (قده) ونقلها في الوسائل في أبواب مختلفه وهي في الاواني على طوائف ثلاث. (الاولى): ما أشتملت على النهي عن أستعمالها في الاكل والشرب كمصححة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا تأكل في آنية ذهب ولا فضة (* 1)


(* 1) المروية في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 311 ]

وصحيحته المروية في المحاسن عن أبي جعفر عليه السلام أنه نهى عن آنية الذهب والفضة (* 1) وحسنة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تأكل في آنية من فضة ولا في آنية مفضضة (* 2) وغير ذلك من الاخبار. (الثانية): الاخبار المشتملة على الكراهة كصحيحة محمد بن أسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن آنية الذهب والفضة فكرههما. (* 3) وموثقة بريد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كره الشرب في الفضة وفي القدح المفضض (* 4) وصحيحة الحلبي أن أبي عبد الله عليه السلام أنه كره آنية الذهب والفضة والآنية المفضضة (* 5) وقد ذكروا أن الكراهة في تلك الطائفة بمعنى المرجوحية المطلقة لا لمعنى المصطلح عليه فلا تنافي الطائفة الدالة على حرمة أستعمالهما في الاكل أو الشرب لان الحرمة تجتمع مع المرجوحية المطلقة هذا ولكن الصحيح أن تلك الطائفة أيضا تدل على الحرمة مع قطع النظر عن الطائفة المتقدمة. وذلك لان الكراهة التي هي في قبال الاحكام الاربعة أصطلاح مستحدث. وأما بحسب اللغة فهي بمعنى المبقوضية لان معنى كرهه: ضد أحبه أي أبغضه وعلى ذلك فالكراهة تدل على الحرمة ما دام لم تقم قرينة على خلافها إذا الدليل قد يدل على الحرمه نفسها وقد يدل على الحرمة بالدلالة على منشائها الذي هو البغض هذا وقد أستعملت الكراهة بمعنى الحرمة في بعض


(* 1) و (* 3) و (* 5) المرويات في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) و (* 4) المرويتان في ب 66 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 312 ]

الاخبار أيضا فليراجع (* 1) ويؤيد ما ذكرناه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن المرآة هل يصلح أمساكها إذا كان لها حلقة فضة؟ قال: نعم إنما يكره أستعمال ما يشرب به.. (* 2) إذ الكراهة في قوله عليه السلام إنما يكره. بمعنى الحرمة وذلك لان معنى تلك الجملة حسبما تقتضية الفهم العرفي أنه لا يصلح أستعمال أواني الفضة لان مقابل يصلح هو لا يصلح فكأنه عليه السلام قال: لا بأس بالتصرف في المرآة التي فيها حلقة من فضة وإنما المحرم ما إذا كانت الآنية فضة هذا على أن الكراهة في الاناء لو كانت بمعنى الكراهة المصطلح عليها كما في المشطة والمدهن ونحوهما لم يتم الحصر في قوله: إنما يكره. لثبوت الكراهة في غير الآنية أيضا وعليه فالصحيحة تدلنا على أن المراد بالكراهة المنحصرة في الاناء هو الحرمة. و (الطائفة الثالثة): ما أشتمل على كلمة (لا ينبغي) كموثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا ينبغي الشرب في آنية الذهب والفضة (* 3) قالوا إن لفظة لا ينبغي غير مستعلمة في الامور المحرمة على ما هو الشايع المتعارف من إستعمالاتها وإنما يستعمل في الامور غير المناسبة فهي على هذا تؤل إلى الكراهة


(* 1) كما في رواية سيف التمار قال: قلت لابي بصير: أحب أن تسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أستبدل قوصرتين فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها تمر مشقق قال: فسأله أبو بصير عن ذلك فقال عليه السلام هذا مكروه، فقال أبو بصير: ولم يكره؟ فقال: أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يكره أن يستبدل وسقا من تمر المدينة بوسقين من تمر خبير لان تمر المدينة أدونهما ولم يكن علي عليه السلام يكره الحلال. المروية في ب 15 من أبواب الرباء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 313 ]

بل ربما تؤخذ هذه الموئقة قرينة على التصرف في الاخبار الناهية المتقدمة وحملها على الكراهة لولا الاجماع ولا يمكن المساعدة على شئ من ذلك لان (الانبغاء) في اللغة بمعنى التيسر والتسهل فمعنى لا ينبغي الشرب إنه لا يتيسر ولا يتسهل ولا يمكن للمكلفين وحيث أن الاكل والشرب من أواني الذهب والفضة أمر ميسور لهم فلا يكاد يحتمل أن يراد منها في الرواية معناها الحقيقي الخارجي فلا مناص من أن يراد بها في المقام عدم كون الاكل والشرب منهما ميسرا لهم في حكم الشارع وهذا لا يتحقق إلا في المحرمات. ويؤيد ذلك أن كلمة (لا ينبغي) قد أستعملت في غير موضع من الكتاب العزيز بمعناها اللغوي كما في قوله عز من قائل: قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء (* 1) وقوله: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر (* 2) وقوله: قال رب أغفر لي وهب لى ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي (* 3) وغير ذلك من الآيات لانها إنما أستعملت فيها بمعنى ما لا يتيسر لا بمعنى ما يكره ومالا يليق فهي على ذلك قد أستعملت في الموثقة بمعنى الحرمة كما قد أستعملت بهذا لمعنى في قوله عليه السلام فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا (* 4) أي لا يتيسر لك نقض اليقين بالشك لا أنه لا يناسبك ولا يليق لك نعم يمكن أن يقال أنها وأن كانت بمعنى الحرمة لغة إلا أنها ظاهرة


(* 1) الفرقان: 35: 18 (* 2) يس: 36: 40 (* 3) ص: 38: 35 (* 4) كما في صحيحة زرارة المروية في ب 41 و 44 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 314 ]

في عصرنا في المعنى المصطلح عليه أعني الكراهة والامر غير المناسب وبما أن تأريخ النقل إلى المعنى المصطلح عليه غير معين ولا ندري أنه كان متقدما على عصر الصدرو أم كان متأخرا عنه فلا محاله تكون مجملة والمتلخص أن الرواية إما ظاهرة في الحرمة أو أنها مجملة وعلى كلا التقديرين لا مجال لدعوى كونها قرينة على التصرف في الاخبار الناهية المتقدمة وحملها على الكراهة هذا والذى يسهل الخطب أن المسألة متسالم عليها بين الاصحاب ولا خلاف في حرمة الاكل والشرب في أواني النقدين. (بقيت شبهة) وهى أن مقتضى الاخبار المتقدمة حرمة الاكل في أواني الذهب والفضة وحرمة الشرب في آينة الفضة وأما الشرب من آنية الذهب فلم يصرح بحرمته في الاخبار المتقدمة حتى بناء على أن (كره) بمعنى أبغض نعم ورد ذلك في الطائفة الثالثة إلا أنكم ناقشتم في دلالتها بأمكان دعوى أجمالها فما أدعيتم من أن الطائفة الاولى والثانية تدلان على حرمة الاكل والشرب من أواني الذهب مما لادليل عليه. والجواب عنها مضافا إلى أن المسألة متسالم عليها بينهم أن قوله عليه السلام نهي عن آنية الذهب والفضة وقوله: عن آنية الذهب والفضة فكرهما أي أبغضهما وغيرهما من الاخبار المتقدمة في الطائفتين مطلق فكما أنها تشمل أستعمال الاواني المذكورة أكلا كذلك تشمل أستعمالها بحسب الشرب لان الاناء هو ما يستعمل في الاكل والشرب فصح أن الطائفتين تدلان على حرمة الاكل والشرب في الاواني المذكورة، ويؤيدها جملة من الروايات الناهية عن الشرب في آنية الذهب والفضة (* 1) إلا أن أسنادها غير نقية عن المناقشة ومن ثمة جعلناها مؤيدة


(* 1) كحديث المناهي ورواية مسعدة المرويتين في ب 65 من أبواب النجاسات عن الوسائل.

[ 315 ]

[ والوضوء والغسل وتطهير النجاسات وغيرها من سائر الاستعمالات (1) حتى وضعها على الرفوف للتزيين، بل يحرم تزيين المساجد والمشاهد المشرفة بها، بل يحرم أقتناؤها من غير أستعمال. ] للمدعى هذا كله في حرمة الاكل والشرب من الآنيتين وقد تلخص أن مقتضى الاخبار المتقدمة حرمة الاكل والشرب من أواني الذهب والفضة وإن لم يصدق عليهما أستعمال الاناء نظرا إلى أن أستعماله إنما هو بتناول الطعام أو الشراب منه وأما أكله أو شربه بعد ذلك فهما أمران آخران وغير معدودين من أستعمال الاناء وكيف كان فهما محرمان صدق عليهما الاستعمال أم لم يصدق. (1) المعروف بين الاصحاب (قدهم) تعميم الحكم بالحرمة بالنسبة إلى سائر الاستعمالات من الوضوء والغسل وتطهير النجاسات وغيرها مما يعد أستعمالا للانية. بل عن بعضهم دعوى الاجماع في المسألة وهو إن تم فلا كلام وأما لو ناقشنا في ذلك إما لان الاجماع محتمل المدرك وإما لعدم ثبوته في نفسه ولو لاقتصار بعضهم على خصوص الاكل والشرب وعدم تعرضه لغيرهما فلا يمكن المساعدة على ما التزموه بوجه لضعف مستنده حيث أستدلوا على ذلك. تارة برواية موسى بن بكر عن أبي الحسن موسى عليه قال: آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون (* 1) فإن المتاع بمعنى ما ينتفع به ومنه متاع البيت فالرواية تدل على أن الانتفاع بأنيتهما حرام لانهما مما ينتفع به غير الموقنين وبذلك يحرم أستعمالاتهما مطلقا حيث أن أستعمال الشئ أنتفاع به. ويدفعه: أن المتاع وإن كان بمعنى ما ينتفع به إلا أن الانتفاع في كل متاع بحسبه فأن الانتفاع بالفرش الذي من أمتعة البيت بفرشه وفي اللباس بلبسه وهكذا ومن الظاهر أن الانتفاع بأنيتهما إنما يكون بالاكل والشرب فيهما لان الاناء إنما يعد


(* 1) المروية في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 316 ]

لذلك وهم الغاية المطلوبة منه فمعنى الرواية أن الانتفاع بهما، كما ينتفع به غير الموقنين محرم وقد مر أن الانتفاع بالاناء. إنما هو بأستعماله في خصوص الاكل والشرب فلا تشمل بقية الانتفاعات هذا على أن الرواية على طريق الكليني ضعيفة بسهل بن زياد وموسى بن بكر وعلى رواية البرقي بخصوص الاخير فليراجع ومعه لا دليل على حرمة أستعمالاتهما عدى الاكل والشرب وإن كانت الشهرة على خلاف ذلك. وأخرى بصحيحتي محمد بن مسلم المتقدمة نهي عن آنية الذهب والفضة (* 1) ومحمد بن أسماعيل بن بزيع سألت الرضا عليه السلام عن آنية الذهب والفضة فكرههما (* 2) ونحوهما من المطلقات نظرا إلى أن النهي والكراهة لا معني لتعلقهما بالذوات أما في النهي فهو ظاهر وأما في الكراهة فلان الكراهة التكوينية وإن إمكن أن تتعلق بالذوات بأن يكون الشئ مبغوضا بذاته كما أنه قد يكون محبوبا كذلك إلا أن الكراهة التشريعية كالنهي لا معنى لتعلقلها بالذوات والكراهة في الصحيحة لا يحتمل حملها على الكراهة التكوينية لان ظاهر الرواية أنها صدرت من الامام عليه السلام بما أنه مبين للاحكام ولا ظهور لها في أنه عليه السلام بصدد أظهار الكراهة لشخصية في الاناء ومعه لابد من تقدير شئ من الافعال في الصحيحتين ليكون هو المتعلق للنهى والكراهة وحيث أن المقدر غير معين بوجه فلا مناص من تقدير مطلق الاستعمالات. ويرد على هذا الاستدلال أن النهى والكراهة وإن لم يمكن أن يتعلقا بالذوات إلا أن المقدر متعين وهو في كل مورد بحسبه لان المناسب في مثل النهي عن الامهات هو النكاح لانه الاثر الظاهر في النساء وفي النهي عما لا فلس له من الاشماك أو الميتة أو الدم هو الاكل وحيث أن الاثر الظاهر من الاناء هو


(* 1) و (* 2) المتقدمتان في ص 305 و 311

[ 317 ]

الاكل والشرب منه لانه لم يعد إلا لهما لا لغيرهما من الاستعمالات فناسب أن يكون المقدر في الصحيحتين هو الاكل أو الشرب فحسب هذا. وتوضيح الكلام في المقام أن هناك وجوها أو أحتمالات: (الاول): ما قدمناه آنفا من أن المقدر هو الاكل والشرب فحسب لان النهي عن كل شئ إما هو بحسب الاثر المرغوب منه وقد تقدم أن الاثر المرغوب منه في الآنية هو الآكل والشرب منها وعلى ذلك تتحد الصحيحتان مع الاخبار الناهية عن الاكل والشرب من آنية الذهب والفضة ولا يبقى دليل على المنع عن سائر أستعمالاتهما. (الثاني): أن المقدر مطلق الاستعمال الاعم من الاكل والشرب ويقع الكلام على هذا التقدير في أن المحرم هو نفس تلك الاستعمالات أو أنه أعم منها ومن الافعال المترتبة عليها؟ وعلى القول بحرمة الاستعمال نفسه دون الفعل المترتب عليه كما هو الصحيح لا بأس بالتوضوء من أواني الذهب والفضة لان المحرم على ذلك هو أستعمالهما أعني تناول الماء منهما فحسب. وأما صرفه بعد ذلك في شئ من الغسل أو الوضوء أو الصب أو غيرها فلا يعد أستعمالا للانية بل هو فعل آخر لم يقم على حرمته دليل وإنما التزمنا بحرمة الاكل والشرب منها بعد تناول الطعام أو الشرب منهما لقيام الدليل عليها لا لانهما أستعمال للاناء هذا إذا كان عنده ماء آخر يتمكن من الوضوء أو كان متمكنا من أفراغ الآنيتين في ظرف آخر. وأما إذا أنحصر الماء بما في الآنيتين فصحة الوضوء والغسل منهما تبتني على القول بالترتب كما قدمناه في التوضوء من الآنية المغصوبة فأن حال الآنيتين حال الاواني المغصوبة من تلك الجهة. وقد تقدم الكلام فيها مفصلا. وعلى الجملة لا دليل على حرمة التوضوء وغيره من الافعال المترتبة على إستعمالهما بناء على هذا الاحتمال كما لا دليل على حرمة وضعها على الرفوف للتزيين لعدم صدق

[ 318 ]

الاستعمال عليه فإن أستعمال أي شئ إنما هو عبارة عن أعماله في جهة من الجهات المرغوبة منها ومجرد التزيين بهما ليس من الجهات المرغوبة من الآنيتين حتى لو سئل عمن وضعهما على الرف أنك هل أستعملتهما؟ لاجاب بقوله: لا بل وضعتها على الرف مثلا للتزيين. (الثالث). أن المقدر هو الانتفاع كما هو المناسب لقوله عليه السلام في رواية موسى بن بكر (آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون) لما عرفت من أن المتاع بمعنى ما ينتفع به وعليه فالمحرم هو الانتفاع منهما مطلقا سواء أكان ذلك بأستعمالهما أم بغيره كالتزيين لوضوح أنه إنتفاع بهما كالانتفاع بالتزيين بغيرهما من النقوش الموجودة على البيوت والابواب وإن لم يعد أستعمالا لهما أو للنقوش وإلى هذا ذهب صاحب الجواهر (قده) إلا أنه على ذلك لا دليل على حرمة أقتنائهما وأدخارهما لعدم كونه إنتفاعا بهما بوجه كما إذ أدخرهما بداعي بيعهما عندما دعت الحاجة إليه. (الرابع): أن المقدر مطلق الفعل المتعلق بهما سواء عد أستعمالا لهما أم لم يعد وسواء كان أنتفاعا بهما أم لم يكن وذلك كالاقتناء لان حفظهما عن الضياع أيضا فعل متعلق بهما فيحرم. هذه هي الوجوه المحتملة في المقام وقد عرفت أن أظهرها أولها لما تقدم من أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون المقدر في كل مورد ما يناسب ذلك المورد فيقدر النكاح في تحريم الامهات والاكل في تحريم الدم والميتة ومالا فلس له من الاسماك واللبس في تحريم لباس الذهب والحرير دون فرشهما مثلا وبما إن المناسب للانية كما يأتي في معنى الاناء هو الاكل والشرب فليكن المقدر في النهي عن آنية الذهب والفضة خصوص الاكل والشرب منهما دون سائر الاستعمالات هذا ومع التنازل عن ذلك فالظاهر هو الاحتمال الثاني ومع الاغماض عنه فالاحتمال الثالث. وأما الاحتمال الرابع

[ 319 ]

[ ويحرم بيعها وشرائها (1) ] فهو مما لا يمكن تتميمه بدليل ولعله لاجل الترتب في الاحتمالات المذكورة ترقى الماتن شيئا فشيئا فأولا حكم بحرمة الاكل والشرب منهما ثم عطف عليها سائر الاستعمالات ثم عممها إلى مثل الوضع على الرفوف ثم ترقى إلى حرمة أقتنائها. (1) ذكرنا في البحث عن المكاسب المحرمة أن مالية الاموال بالمواد لا بالصور الشخصية والصفات فالمال إنما يبذل بأزاء موادها فحسب ولا يقع شئ من الثمن بأزاء الصور الشخصية بالاستقلال. نعم الصور باعثة على بذل المال في مقابل المواد وموجبة للزيادة في قيمتها فترى أن الصوف المغزول مثلا تزيد قيمته على غير المغزول منه وإن كان المال مبذولا في مقابل المادة التي هي الصوف فأواني النقدين لاأشكال في جواز بيعهما فيما إذا وقع الثمن في المعاملة بأزاء مادتهما من غير أن يكون للهيئة دخل في بذل الثمن بأزائها وذلك لوضوح أنهما من الاموال ومن هنا لو أتلفهما متلف ضمنهما كما ألتزم شيخنا الانصاري (قده) بذلك في بيع الصليب والصلبان إذا قصد المعاوضة على موادهما فحسب وأما إذا باعهما بشكلهما وهيئتهما بإن كان لصورتهما دخل في المعاوضة وفي بذل المال في مقابلهما فعلى ما قدمناه أيضا لا إشكال في صحة بيعهما لان الثمن إنما يبذل بأزاء المواد ولا يقع شي منه في قبال الصور الشخصية بوجه وإنما هي دواع للبيع فقط سواء قلنا بحرمة أقتنائهما أم لم نقل. نعم على القول بحرمة الاقتناء يبتني الحكم ببطلان بيعهما على تمامية شئ من العمومات المقتضية للبطلان كقوله: إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. إذ مع القول بحرمة أقتتنائهما يصدق أنهما مما حرمه الله لحرمة جميع الافعال المتعلقة بهما. وقوله في رواية تحف العقول: وكل شئ يجيئ منها الفساد محضا إلا أن روايه تحف العقول ضعيفة السند. والرواية الاولى يأتي عدم تماميتها في التعليقة الآتية فعلى

[ 320 ]

[ وصياغتها وأخذ الاجرة عليها (1) بل نفس الاجرة أيضا حرام، لانها عوض المحرم، وإذا حرم الله شيئا حرم ثمنه. (مسألة 4) الصفر أو غيره الملبس بأحدهما يحرم أستعماله إذا كان على وجه لو أنفصل كان إناء مستقلا (2) ] ذلك لا مانع من جواز بيع الاواني المصوغة من النقدين. (1) يترتب هذه المسألة على جواز أقتنائهما وعدمه لانه إذا جاز جازت صياغتها للاقتناء كما جاز أخذ الاجرة عليها. وهذا بخلاف ما إذا قلنا بحرمته لان الافعال المتعلقة بها إذا حرمت بأجمعها ولم يبق لها طريق محلل حرمت صياغتها ولم يجز أخذ الاجرة عليها. وهذا لا لما أستند إليه الماتن (قده) من أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. لانها رواية عامية لم تثبت من طرقنا بل ولا من طرقهم فإن ما يوجد في كتبهم هو أن الله إذا حرم أكل شئ حرم ثمنه بأضافة لفظة (أكل) نعم عثرنا على روايتها من غير تلك اللفظة في موضع من مسند أحمد. إلا أنها محمولة على السقط والاشتباه لان أحمد بنفسه رواها من ذلك الراوي بعينه في مواضع أخر من مسنده بأضافة لفظة (أكل) كما مر (* 1) فما أعتمد عليه الماتن ساقط. بل الوجه في حرمة صياغتها وأخذ الاجرة عليها حينئذ أن الشارع بعد ما سد السبيل إلى إيجادها وحرم الافعال المتعلقة بها بأجمعها كما هو الفرض لم يجز تسليمها وتسلمها لحرمتها ومبغوضيتها ولا تصح معه الاجارة على صياغتها إذ لا يعقل الامر بالوفاء بعقدها مع حرمة العمل ومبغوضيته فإنه كالاجارة للغيبة أو الكذب أو غيرهما من المحرمات فلا يشمله ما دل على وجوب الوفاء بالعقود ولا تصح الاجارة على صياغتها. (2) الاناء الملبس بأحدهما قد يكون من قبيل إناء في إناء نظير الشعار


(* 1) مر في ج 1 ص 425 وص 427.

[ 321 ]

[ وأما إذا لم يكن كذلك فلا يحرم، كما إذا كان الذهب أو الفضة قطعات منفصلات ليس بما الاناء من الصفر داخلا أو خارجا. (مسألة 5) لا بأس بالمفضض (1) والمطلي والمموه بأحدهما. نعم يكره ] والدثار بحيث لو نزعنا الاناء الصفر مثلا عما لبس به بقي لباسه أناء مستقلا في نفسه وهذا لا شبهة في حرمة أستعماله مطلقا أو في خصوص الاكل والشرب على الخلاف لانه إناء ذهب أو فضة وقد لا يكون من هذا القبيل كما إذا نصب فيه قطعة ذهب أو فضة أو كان له حلقة أو سلسلة منهما وهذا لاأشكال في جواز أستعماله لعدم كون الاناء إناء ذهب أو فضة وإنما هو صفر أو غيره وإن كان مشتملا على قطعة منها مثلا. (1) وهو المقصود بالمطلي والمموه ولعل الوجه في تسمية المفضض مموها أنه يوهم الناظر أن الاناء من الفضة أو الذهب كما في المذهب مع أنه من الصفر أو النحاس أو غيرهما وقد تقدم في حسنة الحلبي (* 1) المنع عن الاكل في الآنية المفضضة ولكن صحيحة معاوية بن وهب قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الشرب في القدح فيه ضبة من فضة قال: لا بأس إلا أن تكره الفضة فينزعها (* 2) وحسنة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس أن يشرب الرجل في القدح المفضض وأعزل فمك عن موضع الفضة (* 3) تدلان على الجواز ومعه لابد من حمل النهي في حسنة الحلبي على الكراهة بالاضافة إلى المفضض لانه مقتضى الجمع بين الطائفتين مع التحفظ على ظهورها في الحرمة بالاضافة إلى الفضة إذ لا مانع من حمل النهي الوارد في رواية واحدة على الكراهة في جملة وعلى الحرمة في جملة أخرى


(* 1) المتقدمة في ص 311. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 66 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 322 ]

[ أستعمال المفضض، بل يحرم (1) الشرب منه إذا وضع فمه على موضع الفضة، بل الاحوط ذلك في المطلي أيضا. ] وذلك لما بيناه في محله من أن الامر. النهى ظاهر أن في الحرمة والوجوب فيما إذا لم يقتربهما الترخيص في فعل المنهي عنه أو في ترك المأمور به كما أن ظاهرهما الكراهة والاستحباب إذا أقترنهما وحيث أن النهي في المفضض قد أقترنه المرخص دون الفضة لم يكن مناص من حمله على ظاهره في الفضة وعلى الكراهة في المفضض فلا يتوهم على ذلك أن المقام من قبيل أستعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد لما تبين من أن صيغة النهي إنما أستعملت في معنى واحد وهو أبراز أعتبار المكلف محروما عن الفعل وإنما فرقنا بين الفضة والمفضض لقيام القرينة على الترخيص في الثاني دون الاول. (1) هذا هو المعروف بينهم إلا أنه إنما يتم في الاناء المشتمل على قطعة من الفضة وذلك لحسنه عبد الله بن سنان الآمرة بعزل الفم عن موضع الفضة وحيث لا قرينة على الرخصة في تركه فلابد من الاخذ بظاهره ومقتضى الجمود عليه هو الوجوب. وأما الاناء المطلي فلا يأتي ذلك فيه حيث لا فضة فيه ليقال: أعزل فمك عن موضع الفضة وإنما هو مطلي بمائها وهو من قبيل الاعراض ألتي لا وجود لها بالاستقلال وإن كان مشتملا على الاجزاء الصغيرة من الفضة حقيقة ثم إن كراهة الاكل والشرب والامر بعزل الفم فيما فيه قطعة فضة أو فيه وفي المطلي يختص بالفضة فحسب وأما الاناء المشتمل على قطعة من الذهب أو الاناء المطلي بالذهب فلا كراهة في أستعماله كما لا دليل فيه على وجوب عزل الفم عن موضع الذهب بل القاعدة تقتضي الجواز فيه وإن كان الذهب أعلى قيمة من الفضة وذلك لعدم السبيل إلى ملاكات الاحكام الشرعية فلو كان الملاك في الحكم بكراهة الاكل والشرب في المفضض أو وجوب العزل عن موضع

[ 323 ]

[ (مسألة 6) لا يحرم أستعمال الممتزج من أحدهما مع غيرهما (1) إذا لم يكن بحيث يصدق عليه أسم أحدهما. ] الفضة غلاء قيمتها وكونها مرغوبة لدى الناس لكانت الاحجار الكريمة من الزبرجد والماس وغيرهما مما هو أعلى قيمة من الفضة أولى بالكراهة أو الوجوب. نعم ورد في رواية الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام عن السرير فيه الذهب أيصلح أمساكه في البيت؟ فقال: إن كان ذهبا فلا وإن كان ماء الذهب فلا بأس (* 1) وهى تدل على عدم جواز أمساك السرير إذا كان ذهبا إلا أنها مختصة بالسرير ولا تعم الاناء المذهب بوجه و (دعوى): أن الرواية تكشف عن أن حرمة مطلق المذهب في الشريعة المقدسة كانت مرتكزة ومفروغا عنها عند السائل (مندفعة): بأن الرواية ضعيفة سندا ودلالة أما بحسب السند فلوقوع محمد بن سنان وربعي في سلسلته وأما بحسب الدلالة فلاجل القطع بجواز إبقاء السرير من الذهب لضرورة عدم حرمة أبقاء الذهب في الشريعة المقدسة سريرا كان أو غيره، وأما قوله عز من قائل: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم (* 2) فهو ناظر إلى تحريم منع الزكاة فإن أخراج زكاه المسكوك من الفضة والذهب مانع عن تجمعها إلا إذا كانا أقل من النصاب وهو مما لا حرمة في أبقائه في الشريعة المقدسة بوجه. ومما ذكرناه يظهر أن ما ذكره صاحب الحدائق (قده) من الحاق المذهب بالمفضض مما لا يمكن المساعدة عليه لعدم الدليل كما عرفت. (1) لان الحرمة إنما ترتبت على أستعمال آنية الذهب والفضة مطلقا أو في خصوص الاكل والشرب على الخلاف فتدور مدار صدقها فإذا فرضنا أن


(* 1) المروية في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) التوبة: 9: 34.

[ 324 ]

[ (مسألة 7) يحرم ما كان ممتزجا منهما (1) وإن لم يصدق عليه أسم أحدهما بل وكذا ما كان مركبا منهما، بأن كان قطعة منه من ذهب وقطعة منه من فضة (مسألة 8) لا بأس بغير الاواني إذا كان من أحدهما (2) كاللوح ] الخليط أكثر من الذهب والفضة بحيث لا يصدق على الاناء إنائهما إلا على سبيل التسامح والمجاز لم يحرم الاكل والشرب منه كما إذا كان ثلثاه من الصفر ونحوه وثلثه منهما. وأما إذا قل خليطهما بحيث لم يمنع عن صدق أناء الذهب أو الفضة عليه كما هو الغالب المتعارف في صياغة الذهب بل لا يوجد منه الخالص إلا نادرا كما قيل فلا ينبغي الاشكال في حرمته إذ لا يعتبر في الاحكام المترتبة على آنية الذهب والفضة خلوصهما من غيرهما كما يعتبر ذلك في حرمة لبس الحرير لوضوح أن أطلاق الأدلة تشمل الردي والجيد كليهما. (1) الأدلة اللفظية الواردة في المقام وإن كانت قاصرة الشمول للممتزج من الذهب والفضة وكذا ما كان مركبا منهما بأن كان نصفه من الفضة ونضفه من الذهب أو غير ذلك من أنحاء الامتزاج وذلك لان الممتزج منهما لا يصدق عليه إناء الذهب ولا إناء الفضة ومع عدم صدق أحد العنوانين عليه لا يحكم بحرمة الاكل والشرب منه إلا أنه لابد من الالتزام بحرمته بمقتضى الفهم العرفي والارتكاز وذلك لقيامهما على أن المركب من عدة أشياء محرمة بأنفرادها محرم وإن لم ينطبق عليه شئ من عناوين أجزائه مثلا إذ ركبنا معجونا من الميتة والدم الطاهرين أو من التراب والنخاع حرام أكله حسب الفهم العرفي والارتكاز وإن لم يصدق على المركب عنوان الميتة أو الدم أو غيرهما من أجزائة وذلك الحرمة أكل الاجزاء بأنفرادها. (2) لاختصاص الاخبار الواردة بالآنية لكونها مأخوذة في موضوعها

[ 325 ]

[ من الذهب أو الفضة، والحلي كالخلخال، وإن كان مجوفا بل وغلاف السيف والسكين وأمامة الشطب، بل ومثل القنديل، وكذا نقش الكتب والسقوف والجدران بهما. ] ولسانها فأدلة التحريم لا تشمل غيرها ولوجود الدليل على الجواز وهو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليهم السلام قال: سألته عن المرآة هل يصلح أمساكها إذا كان لها حلقة فضة؟ قال: نعم، إنما يكره أستعمال ما يشرب به (* 1). مضافا إلى الاخبار الواردة في موارد خاصة كما ورد في ذي الفقار سيف رسول الله صلى الله عليه وآله من أن هبط به جبرئيل من السماء وكانت حلقته فضة (* 2) وما ورد في ذات الفضول درعه صلى الله عليه وآله من أن لها ثلاث حلقات من فضة: حلقة بين يديها وحلقتان من خلفها (* 3) أو أربع حلقات: حلقتان في مقدمها وحلقتان في مؤخرها (4) وغير ذلك من الروايات هذا. وقد يقال بحرمة غير الاواني منهما كأوانيهما ويستدل عليها بجملة من الاخبار: (منها): خبر الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن السرير فيه الذهب، أيصلح أمساكه في البيت؟ فقال: إن كان ذهبا فلا وإن كان ماء الذهب فلا بأس (* 5) لدلالتها على حرمة أمساك السرير الذي فيه الذهب ويدفعه أن إمساك الذهب لم يقم دليل على حرمته كما مر والمحرم إنما هو أستعمال آنيته مطلقا أو في خصوص الاكل والشرب فلا مناص من حمل الرواية على الكراهة لان أتخاذ السرير الذهبي من أعلى مراتب الاقبال على نشأة الدنيا الموقتة وهو بهذه المرتبة مذموم بتاتا على أن الرواية ضعيفة السند كما مر. و (منها) صحيحة علي بن جعفر عن أخيه المروية بأسانيد متعددة قال:


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) و (* 5) المرويات في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 326 ]

سألته عليه السلام عن السرج واللجام فيه الفضة أيركب به؟ قال: إن كان مموها لا يقدر على نزعه فلا بأس وإلا فلا تركب به (* 1) وفيه ما قدمناه في الرواية المتقدمة من أن مضمونها مقطوع الخلاف فأن جعل الفضة في السرج أو اللجام لم يقم على حرمته دليل. بل نفس الصحيحة تدلنا على الجواز لانها علقت الحرمة على التمكن من النزع فلو كان جعل الفضة في السرج واللجام كأستعمال آنيتها محرما لم يفرق في حرمته بين التمكن من نزعها وعدمه وذلك لانه متمكن من تعويضهما أو من تعويض المركب أو المشي راجلا حيث لم يفرض في الرواية عدم القدرة من تلك الجهات حتى يتوهم أن نفيه عليه السلام البأس من أجل الاضطرار هذا. مضافا إلى النصوص الواردة في موارد خاصة كما تقدم بعضها ومع ذلك لا مناص من حمل الرواية على الكراهة وذلك لان المراد من المموه ليس هو المطلي جزما إذ لافضة فيه ليتمكن من نزعها أو لا يتمكن منه وإنما المطلي يشتمل على ماء الفضة فحسب. بل المراد به تلبيس السرج أو اللجام بالفضة وهو كما ترى من أعلى مراتب الاقبال على الدنيا ونشأته. هذا على أنا لو تنازلنا عن ذلك فغاية الامر أن نلتزم بحرمة الفضة في مورد والصحيحة فحسب وهو السرج واللجام فالاستدلال بها على حرمتها مطلقا مما لا وجه له. و (منها): صحيحة محمد بن أسماعيل بن بزيع قال: سألت أبا لحسن الرضا عليه السلام عن آنية الذهب والفضة فكرههما، فقلت قد روى بعض أصحابنا أنه كان لابي الحسن عليه السلام مرآة ملبسة فضة فقال: لا الحمد لله أو لا والله (* 3) إنما كانت لها حلقة من فضة وهي عندي ثم قال: إن العباس حين عذر عمل له


(* 1) المروية في ب 67 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كما في الكافي ج 6 ص 267 من الطبعة الحديثة. (* 3) كما في التهذيب ج 9 ص 91 من الطبعة الحديثة.

[ 327 ]

قضيب ملبس من فضة من نحو ما يعمله الصبيان تكون فضة نحوا من عشرة دراهم فأمر به أبو الحسن عليه السلام فكسر (* 1) إذ لولا حرمة أستعمال الذهب والفضة في غير الاواني أيضا لم يكن وجه لتشديده عليه السلام في الانكار. ويندفع بأن أستنكاره عليه السلام إنما هو لكذبهم في إخبارهم كيف فأن المرآة الملبسة إنما تناسب العرس والطرب ولا يتناسب مع المؤمنين فضلا عن الامام عليه السلام وليست فيها أية دلالة على حرمة إستعمال الفضة في غير الاناء. وعن بعضهم الاستدلال على حرمة أستعمالهما في غير الاواني بما عن النبي صلى الله عليه وآله أن هذين حرام على ذكور أمتى حل لاناثهم مشيرا إلى الحرير والذهب ويرد على الاستدلال به أمور (الاول): أن الحديث نبوي لم يثبت من طرقنا فلا يمكن الاعتماد عليه (الثاني) أنه غير شامل للفضة لاختصاصه بالذهب والحرير. (الثالث): أن الحديث يختص بالرجال وكلامنا إنما هو في حرمة الذهب والفضة لمطلق المكلفين ذكورا كانوا أم أناثا. (الرابع): أن التحريم الوارد في الحديث لا يراد به سوى تحريم


(* 1) المروية في ب 65 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) في سنن النسائي ج 2 ص 285 وسنن أبي داود ج 4 ص 50 ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 96 (الطبعة الاولى) بمصر كلهم عن أبي زرير الغاففى قال سمعت علي بن أبي طالب يقول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيمينه حريرا وأخذ ذهبا لشماله ثم رفع بهما يديه وقال: إن هدين حرام على ذكور أمتي ورواه أبن ماجه في سننه ج 2 ص 376 مع زيادة (حل لاناثهم) في أخره. وفي سنن الترمذي على هامش الماحوذي ج 7 ص 219 عن أبي موسى الاشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حرام لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لاناثهم

[ 328 ]

[ (مسألة 9) الظاهر أن المراد من الاواني (1) ما يكون من قبيل الكأس والكوز، و (الصيني)، والقدر، و (السماور) والفنجان، وما يطبخ فيه القهوة وأمثال ذلك مثل كوز القليان بل والمصفاة و (المشقاب)، و (النعلبكي) دون مطلق ما يكون ظرفا، فشمولها لمثل رأس القليان ورأس الشطب، وقراب السيف، والخنجر، والسكين وقاب الساعة، وظرف الغالية، والكحل، والعنبر والمعجون والترياك، ونحو ذلك غير معلوم وإن كانت ظروفا، إذ الموجود في الاخبار لفظ الآنية، وكونها مرادفا للظرف غير معلوم، بل معلوم العدم وإن كان الاحوط في جملة من المذكورات الاجتناب. نعم لا بأس مما يصنع بيتا للتعويذ إذا كان من الفضة، بل الذهب أيضا، وبالجملة فالمناط صدق الآنية، ومع الشك فيه محكوم بالبراءة. ] لبسهما فحسب إذ لا يحتمل حرمة أستعمال الحرير بفرشه أو بغير ذلك من الاستعمالات فالمتلخص أنه لا دلالة في شئ من الاخبار المتقدمة على المدعى. وأما الاستدلال عليه ببعض الوجوه الاعتبارية كدعوى أن أستعمال الذهب والفضة في غير الاواني كنقش الكتب والسقوف والجدران تعطيل للمال وتضييع له في غير الاغراض الصحيحة وأنه يستلزم الخيلاء وكسر قلوب الفقراء وغير ذلك مما ربما يستدل به في المقام فمما لا ينبغي الاصغاء إليه لانه أي تضييع للمال في جعلهما حلقة المرأة أو السيف أو في أستعمالهما في موارد أخر؟ وأي فرق بين إبقائهما في مثل المرآة والسقف ونحوهما وبين أبقائهما في الصندوق من غير أستعمالهما في شئ كما أن أستعمالهما لا يستلزم العجب وكسر القلوب كيف وقد تقدم أن درع النبي صلى الله عليه وآله وسيفه كانا مشتملين على حلقات الفضة، وذلك لوضوح أن أستعمالهما كأستعمال بقية الاشياء الثمينة والاحجار الكريمة الغالية التي لا خلاف في جواز أستعمالها (1) إن من العسير جدا تعيين معاني الالفاظ وكشف حقائقها بالرجوع إلى

[ 329 ]

كتب اللغة لان شأن اللغوي إنما هو التفسير بالاعم وشرح الالفاظ ببيان موارد أستعمالاتها وليس من شأنه تعيين المعاني الحقيقية ولا أنه من أهل خبرة ذلك إذا لا سبيل إلى تعيين معنى الاناء لان ما ذكروه في تفسيره من أنه كوعاء لفظا ومعنى (* 1) أو أنه الوعاء والجمع آنية وجمع الجمع أوان كسقاء وأسقية وأساق (* 2) تفسير بالاعم لعدم صحة أستعمال الاناء فيما يصح أستعمال الوعاء فيه إذ الوعاء مطلق الظرف يجمع فيه الزاد أو المتاع فيصدق على مثل الصندوق وغيره مما لا يصدق عليه الاناء. ففي كلام علي عليه أفضل الصلاة: يا كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها (* 3) فترى أنه سلام الله عليه قد أطلق الاوعية على القلوب مع أنه لا يصح أطلاق الآنية عليها إذ لا يصح أن يقال: القلوب آنية فبذلك يظهر أن الوعاء لا يرادف الاناء فهو من التفسير بالاعم. بل قد يقال: إنه من التفسير بالمبائن لان الوعاء قد أخذ فيه مفهوم أشتقاقي بمعنى المحل ويعينه ما يضاف إليه فيقال وعاء من أوعية الماء وليس كذلك الاناء فتفسير أحدهما بالآخر من التفسير المبائن وصدقهما على بعض الموارد إنما هو بأعتبارين بمعنى أن الاناء إنما تطلق الوعاء عليه بالاضافة إلى ما يوضع فيه ولا يطلق عليه إذا لوحظ الظرف شيئا مستقلا في نفسه. والمتحصل أن مفهوم الاناء من المفاهيم المجملة ومعه لابد من الاقتصار على المقدار المتيقن منه ويرجع إلى البرائة في الزائد المشكوك فيه لانه من الشبهات الحكمية التحريمية والقدر المتيقين من مفهوم الاناء هو الظروف المعدة للاكل


(* 1) كما في المصباح. (* 2) كما في أقرب الموارد. (* 3) نهج البلاغة: باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام رقم 147

[ 330 ]

[ (مسألة 10) لا فرق في حرمة الاكل والشرب (1) من آنية الذهب والفضة بين مباشرتهما لفمه، أو أخذ اللقمة منها ووضعها في الفم. بل وكذا إذا وضع ظرف الطعام في الصيني من أحدهما، وكذا إذا وضع الفنجان في (النعلبكي) من أحدهما وكذا لو فرغ ما في الاناء من أحدهما في ظرف آخر لاجل الاكل ] والشرب منها قريبا أو بعيدا فيشمل المشقاب والقدر والمصفاة والصيني الموضوع فيه الظرف الذي يؤكل فيه أو يشرب منه كما يشمل السماور حيث أن نسبته بالاضافة إلى الماء المصبوب منه كنسبة القدر بالاضافة إلى ما يطبخ فيه ولا يشمل كوز القليان ولا قرب السيف ولا رأس الشطب وغير ذلك مما ذكروه في المقام لعدم كونها مستعملة في الاكل والشرب ولو بعيدا هذا. بل يمكن أن يقال إن الاناء يختص بما يكون قابلا لان يشرب به لصحيحة على بن جعفر المتقدمة (* 1) المشتملة على قوله عليه السلام نعم وإنما يكره أستعمال ما يشرب به لانها رواية معتبرة قد دلت على حصر الحرمة بما يشرب به وإن كان قد يستعمل في الاكل أيضا كالكأس ونحوه فلا يشمل الصيني والقدر والمصفاة والمشقاب وحلقات الذهب أو الفضة ألتي يتعارف وضع الاستكان فيها في بعض البلدان وصحائف الذهب أو الفضة ألتي يؤكل فيها الطعام وغيرها وذلك لعدم كونها قابلا لان يشرب به. نعم يشمل الحب وغيره مما يشرب به الماء ولو مع الواسطة كما يأتي فالصحيحة على ذلك شارحة للفظة الاناء الواردة في الاخبار وموجبة لاختصاص الحرمة بما يشرب به وإن كان الاوحوط الاجتناب عن كل ما يستعمل في الاكل والشرب ولو بعيدا. (1) لاطلاق الاخبار الناهية عن الاكل والشرب من آنيتهما ودعوى


(* 1) في ص 325

[ 331 ]

[ والشرب لا لاجل نفس التفريغ، فأن الظاهر حرمة الاكل والشرب لان هذا يعد أيضا أستعمالا لهما فيهما بل لا يبعد حرمة شرب الچاي في مورد يكون (السماور) من أحدهما وإن كان جميع الادوات ما عداه من غيرهما، والحاصل أن في المذكورات كما أن الاستعمال حرام، كذلك الاكل والشرب أيضا حرام. نعم ] أنهما منصرفان إلى الاكل والشرب من غير واسطة تندفع: بأنها لو تمت فإنما يتم في الشرب فحسب لان الغالب فيه هو الشرب بلا واسطة أي بمباشرة الفم للاناء وأما الاكل فالامر فيه بالعكس لعدم جريان العادة على أخذ الطعام من الاناء بالفم فإنه شأن الحيوانات حيث تأخذ العلف من المعلف بالفم وأما الانسان فهو إنما يأكل بأخذ الطعام بيده أو بغيرها من الآلات ثم وضعه في فمه فالغالب في الاكل هو الاكل مع الواسطة هذا. ولو أغمضنا عن ذلك وسلمنا أنصرافهما إلى الاكل والشرب من غير واسطة ففي صحيحتي محمد بن أسماعيل بن بزيع (فكرههما) (* 1) ومحمد بن مسلم المروية في محاسن البرقي (نهي عن آنية الذهب والفضة) (* 2) وما هو بمضمونهما غنى وكفاية وذلك لان النهي والكراهة وإن كانا لا يتعلقان بالذوات إلا بلحاظ الافعال المتعلقة بها لكن المقدر فيهما إما أن يكون خصوص الاكل والشرب لمناسبته الاناء أو يكون مطلق الاستعمال الشامل للاكل والشرب وعلى كلا التقديرين دلت الروايتان على حرمتهما من غير تقييدهما بمباشرة الفم للاناء فمقتضى أطلاقهما حرمة الاكل والشرب من آنية الذهب والفضة مطلقا كانا من غير واسطة أو معها إذ لا موجب لانصرافهما إلى الاكل والشرب بلا واسطة.


(* 1) المتقدمة في ص 305 (* 2) المتقدمة في ص 311

[ 332 ]

[ المأكول والمشروب لا يصير حراما (1) فلو كان في نهار رمضان لا يصدق أنه أفطر على حرام، وإن صدق أن فعل الافطار حرام ] (1) وقع الكلام في أن الحرمة والحزازة في الاكل والشرب من آنية الذهب والفضة هل تختصان الاكل والشرب فقط أو يعمان المأكول والمشروب أيضا؟ نسب إلى المفيد وظاهر أبي الصلاح والعلامة الطباطبائي (قدهم) القول بحرمة المأكول والمشروب أيضا، ويظهر من الحدائق الميل إليه حيث ذكر توجيها لكلام المفيد ره أن النهي أولا وبالذات وإن كان عن تناول المأكول والمشروب لكن يرجع ثانيا وبالعرض إلى المأكول بأن يقال إن هذا المأكول يكون حراما متى أكل على هذه الكيفية، وظاهر النصوص يساعده.. إلى آخر ما أفاده. والمشهور عدم تعدي الحرمة إلى المأكول والمشروب. ولقد رتبوا على هذا النزاع أنه بناء على سراية الحرمة إلى المأكول والمشروب لو أكل المكلف أو شرب من آنيتهما في نهار شهر رمضان فقد أفطر على الحرام ووجب عليه الجمع بين الكفارات الثلاث نظير ما إذا أفطر بالخمر أو الميتة ونحوهما وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالاختصاص وعدم سراية الحرمة إليهما لانه على ذلك أفطار بالحلال لعدم حرمة المشروب والمأكول حينئذ هذا. والتحقيق أنه لا معنى محصل لهذا النزاع لوضوح أن الاحكام التكليفية لا تتعلق على الذوات الخارجية بما هي وإنما تتعلق عليها بلحاظ الفعل المتعلق بها فلا معنى لحرمة الميتة أو الخمر مثلا إلا حرمة أكلها أو شربها وعليه فلا معنى محصل لحرمة المأكول والمشروب في نفسهما بعد حرمة الفعل المتعلق بهما أعني الاكل والشرب. ثم إن معنى الافطار بالحرام هو أن يكون المفطر محرما في نفسه مع قطع

[ 333 ]

النظر عن كونه مفطرا كأكل الميتة وشرب الخمر ونحوهما وبما أن الاكل والشرب من آنية الذهب والفضة كذلك لحرمتهما في نفسهما فيكون الاقدام عليهما في نهار شهر رمضان أفطارا على الحرام. نعم هناك كلام في أن الحرمة في الافطار على الحرام الموجب للجمع بين الخصال هل تعتبر أن تكون ذاتية بأن تكون ثابتة على المحرم بالعنوان الاولي كما في أكل الميتة وشرب الخمر ونحوهما أو أن الحرمة العرضية الطارئة على المحرم بالعنوان الثانوي أيضا تقتضي كفارة الجمع؟ كما إذا أفطر بالطعام المغصوب مثلا إذ الطعام مباح في نفسه وإن حرم بعنوان أنه غصب وتصرف في مال الغير من غير رضاه أو أفطر بالاكل أو الشرب من آنية الذهب والفضة فأن الطعام والشراب الموجودين في آنيتهما وإن كانا مباحين في ذاتيهما إلا أنها محرمان بالعنوان الثانوي وهو كونه أكلا أو شربا من آنيتهما. والصحيح كما يأتي في محله بناء على أن الافطار على الحرام موجب للجمع بين الخصال عدم الفرق بين الحرمة الذاتية والعرضية لاطلاق الدليل هذا. ثم إن هناك نزاعا آخر وهو أن الاكل مثلا قد يكون محرما بعنوان أنه مفطر ولا إشكال في أن ذلك من الافطار على الحرام وبه يجب الجمع بين الخصال الثلاث سواء أكانت حرمته ذاتية أم كانت عرضية كما إذا أكل الميتة أو الطعام المغصوب في نهار شهر رمضان. وقد يكون محرما لا بعنوان أنه مفطر بل بعنوان آخر وإن كان قد ينطبق على المفطر كما إذا أكل طعاما مضرا له وهو ملكه فإن الاكل وإن كان محرما حينئذ بناء على أن الاضرار بالنفس حرام إلا أنه لكونه مضرا له لا لاجل كونه مفطرا وإن كان قد ينطبق عليه كما إذا أكله في نهار رمضان وهو صائم فهل تكون الحرمة من غير جهة الاكل والافطار أيضا موجبة للافطار على

[ 334 ]

[ وكذلك الكلام في الاكل والشرب من الظرف الغصبي (1). (مسألة 11) ذكر بعض العلماء أنه إذا أمر شخص خادمه فصب الچاي من (القوري) من الذهب أو الفضة في الفنجان (الفرفوري) وأعطاه شخصا آخر، فشرب، فكما أن الخادم والآمر عاصيان كذلك الشارب لا يبعد (2) أن يكون عاصيا، ويعد هذا منه أستعمالا لهما. ] الحرام ويجب معه الجمع بين الكفارات كما في المحرم بعنوان المفطر أولا؟ الصحيح كما يأتي في محله أن الحرمة من جهة أخرى غير موجبة للجمع بين الخصال ولا يكون الافطار معها أفطار على الحرام. (1) قد أتضح مما سردناه في التعليقة المتقدمة أن الاكل والشرب من آنية الذهب والفضة وكذا أكل المغصوب وشربه غير الاكل أو الشرب من الآنية المغصوبة مع حلية ما فيها من الطعام والشراب وذلك لان الثاني ليس من الافطار بالحرام وإنما هو أفطار بالمباح لان الطعام ملكه أو أنه لغيره إلا أنه مجاز في أكله والمحرم تناول الطعام والشراب من الآنية لانه تصرف في مال الغير وهو حرام فالاكل حلال وإن كانت مقدمته محرمة وهذا بخلاف الاكل أو الشرب من آنية الذهب والفضة أو أكل مغصوب لما مر فما صنعه الماتن (قده) من ألحاق الاكل والشرب من الآنية المغصوبة بالاولين مما لا يمكن المساعدة عليه. (2) بل هو بعيد وإن كان أمر الآمر وفعل الخادم محرما وذلك لان الاخبار الواردة في المقام على طائفتين: (إحداهما) الاخبار المشتملة على النهي عن الاكل والشرب في آنية الذهب والفضة وهذه الطائفة لا تشمل الشارب بوجه لان شرب الجاي من الاناء الفرفوري لا يصدق عليه الاكل والشرب من الآنيتين بل عده كذلك من الاغلاط لانه نظير أن يقال زيد أكل من القدر بأعتبار أنه أكل في المشقاب

[ 335 ]

[ (مسألة 12) إذا كان المأكول أو المشروب في آنية من أحدهما ففرغه في ظرف آخر بقصد التخلص من الحرام لا بأس به (1) ولا يحرم الشرب أو الاكل بعد هذا. ] طعاما طبخ في القدر وهو غلط لعدم أكله من القدر وإنما القدر ما طبخ فيه الطعام وكذا الحال في (القوري) لانه ظرف قد طبخ فيه الچاي لا أن الشارب شرب الچاي منه. و (ثانيتهما): الاخبار المشتملة على النهي عن أوانيهما وأنهما مكروهتان وهى أيضا غير شاملة للشارب لما تقدم من أن المقدر فيها خصوص الاكل والشرب أو مطلق الاستعمال، والشارب لم يستعمل (القورى) في المقام ولا أنه أكل أو شرب منه فلاعصيان في حقه نعم أستعملها الآمر والخادم كلاهما: أحدهما بالمباشرة والآخر بالتسبيب والامر به، وحيث أن أستعماله المباشري محرم وعصيان حرم التسبيب إليه بالامر به لانه أمر بالحرام والعصيان وهو حرام. (1) لعله أراد بذلك ما إذا لم يصدق على تفريغ الطعام أو الشراب من آنيتهما في غيرهما أستعمال الآنيتين عرفا وتوضيحه: أن أستعمال كل إناء بحسبه فإن أستعمال آنية الذهب أو الفضة في الشرب أو الاكل قد يكون مع الواسطة لدى العرف كالقدر و (السماور) ونحوهما فإن الاكل والشرب في مثلهما إنما هو بصب الطعام والشراب منهما في المشقاب والفنجان فإن الاكل أو الشرب منهما من غير واسطة غير معهود بل ربما تكون واسطة شيئا معينا عندهم كتوسط الصينى والمشقاب في القدر. وقد يكون بلا واسطة وذلك كالشرب عن الكأس والاكل في المشقاب فإذا أكل من آنيتهما مع الواسطة المعينة فيما يحتاج فيه إلى التوسط أو من غير واسطة فيما لا حاجة إليها صدق أنه أستعملها في الاكل والشرب وهو

[ 336 ]

[ (مسألة 13) إذا أنحصر ماء الوضوء أو الغسل في إحدى الآنيتين (1) ] حرام فلا يجوز تفريغ الطعام من القدر في الصيني والمشقاب أو تفريغ الماء من (السماور) في الفنجان كما لا يجوز شرب الماء من آنية الذهب من دون واسطة وذلك لانه بنفسه مصداق لاستعمال الآنيتين في الاكل أو الشرب عرفا ولا فرق في ذلك بين قصده التخلص من الحرام بتفريغه وعدمه لوضوح أن القصد لا يغير الواقع عما هو عليه فيما أن تفريغه أو شربه مصداق لاستعمال الآنيتين حقيقة فقصده التخلص لا يمنع عن صدق الاستعمال عليهما ولا يخرجهما عن كونهما أستعمالا لهما في الاكل أو الشرب. وأما لو أكل من آنيتهما بتوسط أمر أخترعه بنفسه على خلاف المتعارف في مثلهما لان الاكل منهما لم يكن محتاجا إلى واسطة أصلا أو لو أحتاج فألى واسطة معينة لا إلى تلك الواسطة المخترعة كما إذا فرغ الطعام من القدر الذهبي إلى قدر آخر من الصفر مثلا أو من (السماور) كذلك إلى (سماور) آخر أو من كأس إلى كأس غير ذهب وهكذا فلا يعد تفريغه مصداقا لاستعمالهما لدى العرف لانه في الحقيقة أعراض عن الاناء الاول بداعي التخلص عن الحرام ولا فرق في ذلك بين القول بحرمة أستعمالهما في خصوص الاكل أو الشرب وبين القول بحرمة أستعمالهما مطلقا لما عرفت من أن التفريغ حينئذ ليس بمصداق لاستعمالهما عرفا وإذا لم يكن التفريغ مصداقا له لم يكن وجه لحرمته. وهذا هو مراد الماتن (قده) في المقام دون الصورة المتقدمة فلاوجه للنقض عليه بما إذا فرغ ماء (السماور) في القوري أو الفنجان ونحوهما وذلك لانه من قبيل الصورة المتقدمة وهو أستعمال عرفي (للسماور) في الشرب منه وقد مر أن مراده (قده) ما إذا لم يكن التفريغ مصداقا للاستعمال الحرام (1) ظهر حكم هذه المسألة مما قدمناه في التوضوء من الاناء المغصوب

[ 337 ]

وتفصيل الكلام فيها بناء على عدم جواز أستعمال الآنيتين مطلقا أن الماء قد ينحصر في إحداهما ولا يتمكن المكلف من تفريغه في ظرف آخر على وجه لا يعد أستعمالا للآنيتين وقد لا ينحصر أو يتمكن من تفريغه في ظرف آخر من دون أن يعد أستعمالا للآنيتين وهاتان صورتان: (أما الصورة الاولى): فلا شبهة في أن وظيفة المكلف هو التيمم وقتئذ ولا يجب في حقه تحصيل الطهارة المائية لحرمة مقدمتها، وإنما الكلام في أنه لو عصى النهي عن تلك المقدمة وأخذ الماء من الآنيتن فتوضأ أو أغتسل فهل يمكن الحكم بصحتهما أو لا يمكن؟ قد يكون الغسل أو الوضوء محرمين في نفسيهما كما إذا توضأ أو إغتسل فيهما بالارتماس ولا شبهة في بطلانهما حينئذ لعدم إمكان التقرب. بما هو مصداق للحرام. وقد يكون المحرم مقدمتهما دون نفسهما كما إذا إغتسل أو توضأ منهما بالاغتراف بأن بنينا على أن الاستعمال المحرم إنما هو تناول الماء منهما فحسب دون الاستعمالات المترتبة عليه. وصحة الغسل أو الوضوء في في هذه الصورة مبتنية على القول بالترتب ولا نرى أي مانع من الالتزام به في المقام، لان المعتبر في الواجبات المركبة إنما هي القدرة التدريجية ولا تعتبر القدرة الفعلية على جميع أجزائها من الابتداء كما أو ضحناه في التكلم على الوضوء من الاناء المغصوب، وحيث أن القدرة التدريجية متحققة في المقام بالعصيان فلا مانع من الالتزام به وذلك لان الترتب على طبق القاعدة ولا يحتاج الالتزام به إلى دليل بالخصوص ولامانع من الامر بالاهم والمهم كليهما سوى لزوم الامر بالجمع بين الضدين المحال إلا أن ذلك يرتفع بالتقييد في أطلاق أحدهما فإن الامر بالغسل أو الوضوء مقيد بالوجدان والامر بالتيمم وبالاجتناب عن أستعمال الآنيتين مطلق في المقام ونتيجة ذلك أن الامر بالغسل أو الوضوء مشروط بعصيان الامر

[ 338 ]

بالاجتناب والتيمم وذلك لانه لو عصى وتناول الماء من الآنيتين بالاغتراف تحققت القدرة على غسل الوجه في الوضوء وحيث أن المكلف عالم بعصيانه مرة ثانية فثالثة فهو متمكن من غسل يديه متدرجا والقدرة التدريجية كافية في الواجب المركب على الفرض فلا مانع من الحكم بصحة الغسل والوضوء بالترتب فإن حالهما حال الصلاة المزاحمة بالازالة على ما بيناه سابقا فلا نعيد. وأما ماعن شيخنا الاستاذ (قده) من أن الترتب مشروط بأحراز الملاك في كلا الواجبين تقدم الجواب عنه في الكلام على التوضوء من الاناء المغصوب فراجع هذا. ولا يخفى أن تصحيح الوضوء والغسل بالترتب يبتني على القول بعدم حرمة الاستعمالات المتفرعة على تناول الماء من الاناء وإلا فالوضوء بنفسه مصداق للحرام ويستحيل أن يتصف معه بالوجوب وكذلك الحال في الغسل. نعم لا ملزم للالتزام به لان الاخبار الناهية عن الاكل والشرب في آنيتهما تختص بالاكل والشرب منهما ولا تشمل غيرهما من أستعمالاتهما فضلا عن الاستعمالات المترتبة على تناول الماء منهما. وأما ما ورد بلسان النهي عنهما أو كراهتهما فهي أيضا كذلك لان المقدر فيهما إما الاكل والشرب فحسب وإما مطلق أستعمالاتهما وأستعمال الاناء لا يصدق إلا على تناول الماء منهما. وأما صبه بعد ذلك أو أطعامه للحيوان أو غسل الثوب به خارج الاناء فلا يصدق على شئ من ذلك أستعمال الآنية بوجه ومن هنا نسب إلى عامة الفقهاء صحة التوضوء منهما في صورة عدم الانحصار مع ذهابهم إلى حرمة أستعمالات الانيتين مطلقا فلو كان الوضوء محرما في نفسه لم يكن وجه للقول بصحته هذا كله في صورة الانحصار. و (أما الصورة الثانية): فهى إلتى أشار إليها الماتن بقوله: وإن كان له ماء آخر أو أمكن التفريغ في ظرف.

[ 339 ]

[ فإن أمكن تفريغه في ظرف آخر وجب وإلا سقط وجوب الوضوء أو الغسل، ووجب التيمم، وإن توضأ أو أغتسل منهما بطل سواء أخذ الماء منهما بيده أو صب على محل الوضوء بهما، أو أرتمس فيهما، وإن كان له ماء آخر، أو أمكن التفريغ في ظرف آخر ومع ذلك توضأ أو أغتسل منهما فالاقوى أيضا البطلان (1) لانه وإن لم يكن مأمورا بالتيمم إلا أن الوضوء أو الغسل حينئذ يعد أستعمالا لهما عرفا فيكون منهيا عنه. بل الامر كذلك لو جعلهما محلا لغسالة الوضوء (2) لما ذكر من أن توضوءه حينئذ يحسب في العرف أستعمالا لهما ] آخر.. فالاقوى أيضا البطلان. (1) بل لا ينبغي التأمل في صحة الغسل والوضوء حينئذ وذلك لان الامر بالطهارة المائية فعلي في حقه لتمكنه من الماء فإذا عصى وتناول الماء منها بالاغتراف صح وضوءه وغسله قلنا بالترتب أم لم نقل لان الماء الموجود في يده حاله حال المياه المباحة وأختيار المقدمة المحرمة لا يضر بصحتهما بعد كونه متمكنا من الماء. (2) يقع الكلام في هذه المسألة في صورتين: (إحداهما): ما إذا قصد المتوضي إدخار ماء الوضوء وجمعه في الآنيتين لانه قد يتعلق به الغرض من التبرك أو أستعماله بعد ذلك مورد آخر. و (ثانيتهما): ما إذا لم يقصد المتوضي ذلك وإنما أجتمع ماء الوضوء فيهما بطبعه. (أما الصورة الاولى): فالظاهر أنه لا أشكال في حرمتة لانه أستعمال للآنيتين وقد فرضنا حرمته والوجه في ذلك أن أستعمال أي شي إنما هو بأعماله فيما أعد له الآنية معدة لان يجمع فيها الماء والطعام وهل حرمة ذلك تستتبع الحكم ببطلان الوضوء وحرمته.

[ 340 ]

الصحيح أنها غير مستتبعة لذلك و (سره) أن الوضوء أو الغسل شئ وأستعمال الاناء بجمع الماء فيه شئ آخر ولا يصدق أستعمال الاناء على الوضوء ومع عدم كونه أستعمالا لآنيتهما لا موجب لحرمته وبطلانه. وقد يقال بالحرمة والبطلان نظرا إلى أن الغسل أو الوضوء علتان للمعصية وهي جمع الماء في الآنيتين وإذا حرم المعلول حرمت علته وفيه أن دعوى ذلك كدعوى أن الوضوء أستعمال للآنيتن أمر لا يمكن المساعدة عليه وذلك لعدم تماميتها صغرى وكبرى. أما بحسب الصغرى فلامرين: (أحدهما): أن الوضوء هو إيصال الماء إلى البشرة على وجه يجري من محل إلى محل ومن الظاهر أنه غير مستلزم لصب الماء على الاناء ولا لجمعه فيه فأن إجراء الماء على أعضاء الوضوء إذا كان على وجه التدهين باليد لم يستلزم صب الماء على الاناء. وأما وقوع بعض القطرات فيه أثناء الوضوء فهو وإن كان كذلك إلا أنه لا يعد أستعمالا للاناء مضافا إلى أمكان المنع عن أنفصال القطرات عن المحال فبذلك يظهر أن أنصباب الماء على الاناء وأجتماعه فيه عند الوضوء أمر قد يتحقق وقد لا يتحقق وليس هذا معلولا للوضوء حتى لا ينفك عنه. و (ثانيهما): هب أن الوضوء يستلزم الصب وأنه علة لاجتماع الماء في األناء إلا أنه لاشك في أن أجتماع الماء في الاناء غير مستند إلى التوضوء بوحدته وإنما هو معلول لامرين: (أحدهما) الوضوء و (ثانيهما) إبقاء الاناء في موضعه إذ لو نقل منه إلى محل آخر لم يقع عليه ماء الوضوء والابقاء أمر أختياري للمتوضي ومعه فالوضوء مقدمة من مقدمتي الحرام وليس علة تامة للمعصية وقد بينا في محله أن مقدمة الحرام ليست بحرام. وأما بحسب الكبرى فلان العلة ومعلولها موجودان متغائران ولايكون البغض في أحد المتغائرين ساريا إلى الآخر وجه حيث لا تلازم بينهما فلا أساس

[ 341 ]

[ نعم لو لم يقصد جعلهما مصبا للغسالة، لكن أستلزم توضوءه ذلك أمكن أن يقال إنه لا يعد الوضوء أستعمالا لهما (1) بل لا يبعد أن يقال: إن هذا الصب أيضا لا يعد أستعمالا فضلا عن كون الوضوء كذلك. (مسألة 14) لا فرق في الذهب والفضة (2) بين الجيد منهما والردئ، والمعدني والمصنوعي، والمغشوش والخالص، إذا لم يكن الغش إلى حد يخرجهما عن صدق الاسم وإن لم يصدق الخلوص. وما ذكره بعض العلماء من أنه يعتبر الخلوص وأن المغشوش ليس محرما وإن لم يناف صدق الاسم، كما في الحرير المحرم على الرجال حيث يتوقف حرمته على كونه خالصا لاوجه له، والفرق بين الحرير والمقام أن الحرمة هناك معلقة في الاخبار على الحرير المحض، بخلاف المقام فأنها معلقة على صدق الاسم. ] لما هو المشتهر من أن علة الحرام حرام والمتلخص أن الوضوء والغسل صحيحان في محل الكلام ولا يعدان أستعمالا للاناء هذا كله في الصورة الاولى. أما (الصورة الثانية): فهي ألتي أشار إليها الماتن بقوله: نعم لو لم يقصد.. (1) بل هذا هو الصحيح لما مر من أن أستعمال أي شئ إنما هو إعماله فيما أعدله وقد فرضنا أن الاناء لم يعمل لجمع الماء فيه لان المتوضي لا يريد ذلك ولا يقصده وحيث لا إعمال فلا إستعمال للاناء و (دعوى): أن صدق الاستعمال عليه أوضح من صدق الاستعمال على الوضوء من ماء الاناء عهدتها على مدعيها فما أفاده الماتن من أن هذا الصب لا يعد أستعمالا فضلا عن كون الوضوء كذلك متين لا غبار عليه. (2) لاطلاق الدليل وهو يشمل المعدني والمصنوعي والقسم الجيد والردئ وكذلك الخالص والمغشوش إذا كان الخليط قليلا كما هو الحال في الليرات وغيرها من النقود وذلك لان الحكم يدور مدار عنوان الذهب والفضة وهو

[ 342 ]

[ (مسألة 15) إذا توضأ أو أغتسل من إناء الذهب أو الفضة مع الجهل بالحكم أو الموضوع صح (1). ] يصدق على المغشوش وسائر الاقسام المتقدمة. بل قدمنا أن الغالب في صياغة الذهب هو المزج حتى يتقوى بذلك كما قيل ولم يرد أعتبار الخلوص في حرمة أواني الذهب والفضة حتى نلتزم بالجواز في الممتزج بغيرهما ولو قليلا وإنما الدليل دل على حرمة آنيتهما فحسب فمتى صدق هذا العنوان حكم بحرمتهما وأما أعتباره في حرمة الحرير على الرجال فهو مستند إلى الاخبار الدالة على جواز لبس الحرير إذا كان مخلوطا بغيره ولو قليلا (* 1) نعم إذا أكثر المزيج بحيث لم يصدق على الاناء عنوان الذهب أو الفضة جاز أستعماله لعدم شمول الدليل عليه وإن كان مشتملا على شئ منهما. وكذا ما ليس بذهب حقيقة فإنه لا بأس بأستعماله وإن سمي ذهبا لدى العرف كما هو الحال في الذهب المعروف بالفرنكي (1) قد يفرض الكلام فيما إذا كان التوضوء أو الاغتسال محرما في نفسه كما إذا توضأ أو أغتسل بالارتماس فإنه أستعمال للآنيتين وقد فرضنا حرمته وقد يفرض فيما إذا كانت مقدمتهما محرمة لانفسهما كما إذا توضاء أو أغتسل منهما بالاغتراف لما مر من أن المحرم ليس إلا تناول الماء من الآنيتين لا الافعال المترتبة عليه. ومحل الكلام في هذه الصورة ما إذا لم نقل بصحة الوضوء أو الغسل عند العلم بالحرمة وموضوعها بالترتب لانه على ذلك لا مناص من الالتزام بصحتهما مع الجهل بالاولوية. و (أما الصورة الاولى): فلا تردد في الحكم ببطلانهما لما ذكرناه في محله من أن الفعل إذا حرم بذاته إستحال أن يكون مصداقا للواجب لانه مبغوض ولايكون المبغوض الواقعي مقربا بوجه وجهل المكلف حرمته وإن


(* 1) راجع ب 13 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

[ 343 ]

[ (مسألة 16) الاواني من غير الجنسين لا مانع منها (1) وإن كانت أعلى وأغلى (2) حتى إذا كانت من الجواهر الغالية كالياقوت والفيروزج. ] كان عذرا له أنه لا يغير الواقع عما هو عليه ولا ينقلب المبغوض محبوبا ومقربا بسببه. وهذه المسألة طويلة الذيل وقد تعرضنا لتفصيلها في بحث أجتماع الامر والنهي وقلنا إن ما نسب إلى المشهور من الحكم بصحة العبادة مع الجهل بحرمتها لا يجتمع مع القول بالامتناع فلابد من الالتزام ببطلانها أو القول بالجواز أعني جواز الاجتماع وأما (الصورة الثانية): فحاصل الكلام فيها أن الحكم ببطلان الغسل والوضوء لما كان مستندا إلى التزاحم بين حرمة المقدمة ووجوبهما وسقوطهما عن الوجوب للعجز عن المقدمة أنحصر ذلك بما أذا تنجزت حرمة المقدمة بأن كان المكلف عالما بحكمها وموضوعها وأما إذا لم يكن كذلك لجهل المكلف بحرمتها من جهة الشبهة الحكمية أو الموضوعية فلا موجب لسقوطهما عن الوجوب لاباحة المقدمة ولو ظاهرا نعم هذا إذا كان الجهل معذرا وموجبا للترخيص في مرحلة الظاهر كما إذا كانت الشبهة موضوعية أو أنها كانت حكمية ولكنه فحص ولم يظفر بالدليل وهو المعبر عنه بالجهل القصوري. وأما إذا لم يكن جهله معذرا بأن كان تقصيريا كما في الشبات الحكمية قبل الفحص فلا بد من الحكم ببطلان الغسل أو الوضوء لتنجز الحرمة الواقعية بالاحتمال وعدم الترخيص في الاتيان بالمقدمة بحكم العقل ومع عدم الترخيص فيها يسقط الامر عن الغسل أو الوضوء فيحكم ببطلانهما (1) لاختصاص الادلة بأواني الذهب والفضة فلا نهي عن غيرها. (2) لما تقدم من أن ملاكات الاحكام الشرعية مما لا سبيل إليه ولم يعلم أن الملاك في النهي من آنيتهما غلاء قيمتهما ليثبت الحكم فيما هو أعلى وأغلى

[ 344 ]

[ (مسالة 17) الذهب المعروف بالفرنكي لا بأس بما صنع منه (1) لانه في الحقيقة ليس ذهبا، وكذا الفضة المسماة بالورشو، فإنها ليست فضة بل هي صفر أبيض. (مسألة 18) إذا أضطر إلى أستعمال أواني الذهب أو الفضة في الاكل والشرب وغيرهما جاز (2) وكذا في غيرهما من الاستعمالات نعم لا يجوز التوضوء ] منهما بالاولوية. (1) لما ذكرناه من أن النهي إنما تعلق بالذهب أو الفضة الحقيقتين وليس الامر في الذهب الفرنكي والورشو كذلك إذ ليسا ذهبا ولا فضة حقيقة وإنما الاول ملون بلون الذهب والثاني صفر أبيض أو مادة أخرى. (2) لحديث رفع الاضطرار (* 1) وقوله عليه ليس شئ مما حرم الله


(* 1) وضع عن أمتى تسعة أشياء: السهو والخطاء والنسيان وما أكرهوا عليه وما لا يعلمون ومالا يطيقون وما أضطروا إليه، والطيرة، والحسد، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفة. المروية في ب 30 من أبواب الخلل و 56 من أبواب جهاد النفس من الوسائل. ثم إن هذه الرواية المروية عن التوحيد والخصال وإن عبر عنها شيخنا الانصاري (قده) بالصحيحة حيث قال: ومنها المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم واله بسند صحيح في الخصال كما عن التوحيد ثم ساق الخبر. إلا أنها ضعيفة السند بأحمد بن محمد بن يحيى نعم هناك رواية أخرى صحيحة السند ومتحدة المضمون مع الرواية المتقدمة في غير السهو والحسد والطيرة والوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة. وهى ما رواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: وضع عن هذه الامة ست خصال: الخطاء والنسيان وما أستكرهوا عليه ومالا يعلمون ومالا يطيقون وما أضطروا =

[ 345 ]


= إليه. المروية في ب 16 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل. وأستدلالنا إنما هو بهذه الرواية لا الرواية المتقدمة. والوجه في صحة سندها أن للشيخ إلى نوادر أحمد بن محمد بن عيسى طريقان أحدهما قابل للاعتماد عليه وأما ما يرويه عنه في غير نوادره فقد ذكر إليه طريقين في المشيخة متقسطا حيث قال: ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى ما رويته بهذه الاسانيد: عن محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى. ثم قال بعد فصل غير طويل: ومن جملة ما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى ما رويته بهذا الاسناد: عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد وطريقه إليه في الجملة الاولى صحيح وضعيف في الجملة الثانية، لان في طريق الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب أحمد بن محمد بن يحيى العطار وهو ضعيف إذا لا يمكننا الحكم بصحة شئ مما يرويه الشيخ (قده) بأسناده عن الرجل في غير نوادره لكونه شبهة مصداقية للاخبار التي رواها عنه بطريقه الصحيح إذ من المحتمل أن تكون الرواية من الجملة الثانية التي عرفت ضعف طريق الشيخ إليها. نعم لو كان طريقه إليه معتبرا في كلتا الجملتين لم يكن مجال للمناقشة في الحكم بصحة طريقه إلى الرجل بأن العبارة غير مشتملة على طريقة إلى ما يرويه عنه جمعا وإنما أشتملت على طريقه مقسطا ومن المحتمل أن يكون له طريق ثالث لم يتعرض إليه في المشيخة. والوجه فيما ذكرناه أنه لو كان له طريق ثالث إليه لوجب أن يذكره في مشيخنه لانه إنما تعرض لطرقه إلى الرواة روما لخروج الاخبار التي رواها في كتابه عن حد المراسيل على ما صرح به في أول المشيخة والسكوت عن بعض الطرق لا يلائم هذا الغرض فبهذا تطمئن بأن له إلى الرجل طريقان وحيث أنهما معتبران فلا مناص من الحكم بصحة طريقه إلى الرجل على نحو الاطلاق. نعم هذا إنما هو في المشيخة. وأما في الفهرست فقد ذكر فيه إلى أحمد بن محمد بن عيسى طريقين كليهما ضعيف أحدهما بأحمد بن محمد بن يحيى العطار والآخر بأحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد فما في بعض الكلمات من أن طريق

[ 346 ]

[ والاغتسال (1) منهما، بل ينتقل إلى التيمم. (مسألة 19) إذا دار الامر في حال الضرورة بين أستعمالهما أو أستعمال الغصبي قدمهما (2). ] إلا وقد أحله لمن أضطر إليه (* 1). (1) لعدم أضطراره إليهما فأستعمال أواني الذهب والفضة في الغسل أو الوضوء باق عل حرمته ومع حرمة المقدمة ومبغوضيتها لا تجب العبادة المتوقفة عليها بوجه. بل لا تصح أيضا إلا على الترتب على ما عرفت نعم لو أضطر إلى خصوص التوضوء منهما أو إلى جامع التوضوء وغيره كما إذا أضطر إلى إفراغهما شيئا فشيئا وهو يحصل بالتوضوء منهما وبالاغتراف صح وضوءه وغسله لعدم حرمة مقدمتهما وأباحتهما في نفسهما. (2) وهذا لا لان أدلة حرمة الغصب بلسان: لا يحل مال أمرء مسلم إلا بطيبة نفسه (* 2) ولا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه (* 3) وهى أقوى دلالة من الادلة الدالة على حرمة أستعمال الآنيتين حيث أنها بلسان: لا ينغبي أو الكراهة كما تقدم والنهي إنما ورد في بعضها. وذلك لان الاقوائية في الدلالة أو السند إنما هي من المرجحات في المتعارضين. وأما في باب التزاحم الذي لا تنافي ولا تكاذب فيه بين الدليلين بحسب


= الشيخ إلى الرجل صحيح في المشيخة والفهرست مبني على وثاقة الرجلين أو أولهما أو أنه من سهو القلم. (* 1) المروية في ب 1 من أبواب القيام و 12 من أبواب كتاب الايمان من الوسائل. (* 2) المروية في ب 3 من أبواب مكان المصلي من الوسائل. (* 3) المروية في ب 3 من أبواب الانفال من الوسائل.

[ 347 ]

الجعل لامكان ثبوت المتزاحمين كليهما في الشريعه المقدسة. نعم قد يكونان متنافييين في مرحلة الامتثال من جهة عجز الملكف عن صرف قدرته في أمتثالهما فلا تكون الاقوائية في الدلالة أو السند موجبة لتقديم أحدهما على الآخر بل قد يتقدم أضعفهما دلالة أو سندا على أقواهما من الجهتين لاهميته بحسب الملاك ومن هنا قد تتقدم السنة على الكتاب عند تزاحمهما كما إذا كان مدلولها أهم وأقوى بحسب الملاك ومقامنا هذا من هذا القبيل حيث لا تعارض ولا تكاذب بين أدلة حرمة الغصب وأدلة حرمة أستعمال الآنيتين فإن كلتا الحرمتين ثابتتان في الشريعة المقدسة إلا أن الملكف في خصوص المقام غير قادر على أمتثالهما معا لفرض أضطراره إلى الشرب من الآنية المغصوبة أو من آنيتهما ومع التزاحم لا قيمة لاقوائية الدلالة أو السند هذا. على أن (لا ينبغي) أو (الكراهة) على ما قدمناه لا يقصران في الدلالة على الحرمة عن قوله: لا يجوز أو لا يحل. أضف إلى ذلك أن الادلة غير منحصرة بالاخبار المشتملة على (لا ينبغي والكراهة) لما تقدم من أن جملة من الاخبار الواردة هناك تشتمل على لفظة النهي فليراجع بل الوجه في ذلك أن حقوق الناس أهم من حقوق الله سبحانه فكلما دار الامر بينها وبين حق الله محضا تقدمت حقوق الناس لاهميتها فهي الاولي بالمراعات عند المزاحمة وبما أن حرمة أستعمال الآنيتين من حقوق الله المحضة بخلاف حرمة التصرف في المغصوب لان فيها حق الناس أيضا فلا محالة تتقدم الحرمة فيه على الحرمة في الآنيتين لان حق الناس إذا كان محرز الاهمية عن حق الله سبحانه فلا كلام في تقدمه وإذا كان مشكوك الاهمية فالامر أيضا كذلك للقطع بعدم الاهمية في حق الله سبحانه فهما إما متساويان أو أن حق الناس أهم ومع كون أحد المتزاحمين محتمل الاهمية يتقدم على مالا يحتمل فيه الاهمية.

[ 348 ]

[ (مسألة 20) يحرم إجارة نفسه لصوغ الاواني من أحدهما (1) وأجرته أيضا حرام كما مر. (مسألة 21) يجب على صاحبهما كسرهما (2) وأما غيره (3) فإن علم أن ] (1) تتفرع هذه المسألة على ما أختاره (قده) من حرمة الانتفاع بالآنيتين حتى أقتنائهما وعليه فالامر كما أفاده لمبغوضية الهيئة عند الشارع وحرمتها فصياغتهما فعل محرم وعمل الحرام لا يقابل بالمال فلو آجر نفسه على المحرم بطلت الاجارة لما قدمناه في المسألة الثالثة فليراجع. هذا ولكن الصحيح جواز الاجارة على صياغتهما لما تقدم من أن الاخبار الواردة في المقام إنما يدل على حرمة أستعمالهما في خصوص الاكل والشرب أو مطلقا. وأما الانتفاع بهما أو أقتنائهما فلم يقم دليل على حرمته (2) هذه المسألة أيضا متفرعة على ما أختاره (قده) من حرمة الانتفاع بهما وأقتنائهما ومعه الامر كما أفيد لمبغوضية الهيئة وعدم رضى الشارع بوجودها وكونها ملغاة عن الاحترام. (3) بمعنى أن المسألة تختلف بأختلاف المالك مع غيره وأتفاقهما في الاعتقاد لان نهي غير المالك للمالك ثم مباشرته للكسر إنما يسوغ من باب النهي عن المنكر عند أتفاقهما إجتهادا أو تقليدا على حرمة الانتفاع بالآنيتين وعدم جواز أقتنائهما حكما وموضوعا. وأما مع أختلافهما في ذلك بحسب الحكم أو الموضوع كما إذا رأى المالك أجتهادا أو تقليدا جواز الاقتناء والانتفاع بهما أو عدم كون الابريق الذهبي إناء فلا مسوغ لنهيه إذ لا منكر ولا لكسره لجواز أبقائهما للمالك حسب عقيدته وهو معذور في ذلك الاعتقاد والهيئة كالمادة حينئذ باقية على أحترامها.

[ 349 ]

[ صاحبهما يقلد من يحرم أقتناءهما أيضا، وأنهما من الافراد المعلومة في الحرمة يجب عليه تهيه (3) وإن توقف على الكسر يجوز له كسرهما، ولا يضمن قيمة صياغتهما نعم لو تلف الاصل ضمن (4) وإن أحتمل أن يكون صاحبهما ممن يقلد من يرى جواز الاقتناء، أو كانتا مما هو محل الخلاف في كونه آنية أم لا، لا يجوز له التعرض له (5). (مسألة 22) إذا شك في آنية أنها من أحدهما أم لا، أو شك في كون شئ مما يصدق عليه الآنية أم لا، لا مانع من أستعمالها (6). ] (3) وليس له الاقدام على كسرهما لان الهيئة وإن لم تكن محترمة وهى مبغوضة الوجود إلا أن غير المالك لا يتمكن من إزالتها عند أقدام المالك عليها لاستلزامه التصرف في مادتهما وهي محترمة ولا يجوز التصرف فيها إلا برضى مالكها وهذا نظير ما إذا تنجس مصحف الغير فإن الامر بتطهيره يتوجه على مالكه ومع أقدامه عليه ليس لغيره التصرف فيه بالتطهير لاستلزامه التصرف في مال الغير من غير رضاه. نعم إذا لم يرض المالك لكسرهما أو بتطهير المصحف في المثال جاز لغيره. الاقدام عليهما بل وجب لان المالك بأمتناعه عما وجب عليه في الشريعة المقدسة ألغى ماله عن الاحترام بهذا المقدار من التصرف فيه لان الهيئة مبغوضة ولا سبيل إلى أزالتها إلا بالتصرف فيما مادتها ولو من دون رضى مالكها لامتناعه عن كسرها وعن الاذن فيه وكذلك الحال في المصحف المتنجس فلاحظ. (4) لان الاصل مال محترم وأتلافه موجب للضمان كما إذا أزال الهيئة بالقاء الاناء في بحر أو نهر ونحوهما. (5) كما نقدم. (6) الشك في إناء الذهب والفضه قد يكون من جهة الهيئة وقد يكون

[ 350 ]

من جهة المادة. أما الشك فيه من جهة الهيئة فهو أيضا على قسمين لان الشبهة قد تكون حكمية مفهومية كما إذا شك في الظروف غير المعدة للاكل أو الشرب من جهة الشك في سعه مفهوم الاناء وضيقه وأنه هل يشمل الابريق مثلا أو يختص بما أعدا للاكل أو الشرب منه؟ وقد تكون موضوعية كما إذا لم يدر لظلمة أو عمى ونحو ذلك أن الهيئة هيئة صندوق مدور أو أناء. أما إذا شك في الهيئة من جهة الشبهة الحكمية فلابد من الفحص عن مفهوم الاناء وبعد ما عجز عن تشخيصه رجع إلى أستصحاب عدم جعل الحرمة لما يشك في صدق الاناء عليه لان مرجع الشك في سعة مفهوم الاناء وضيقه إلى الشك في ثبوت الحرمة وجعلها على الفرد المشكوك فيه ومقتضى أستصحاب عدم جعل الحرمة عليه جواز الاكل والشرب منه وعلى تقدير المناقشة في ذلك أصالة البرائة عن حرمة أستعماله هي المحكمة. وأما الشك في الهيئة من جهة الشبة الموضوعية فهو أيضا مورد للحكم بالاباحة وذلك لان أتصاف المادة بهيئة الاناء أمر حادث مسبوق بالعدم لعدم كونها متصفة بها من الابتداء فمقتضى الاستصحاب النعتى عدم أتصافها بهيئة الاناء ومع الغض عن ذلك أصالة البرائة عن حرمة أستعماله ممالا محذور فيه. وأما الشك فيه من جهة المادة فالشبهة فيه موضوعية غالبا كما إذا لم يدر مثلا أن مادة الاناء ذهب أو نحاس وجريان الاستصحاب حينئذ يبتني على القول بجريانه في الاعدام الازلية وذلك لان المادة قبل وجودها لم يكن أتصافها بالذهب موجودا يقينا وبعد ما وجدت المادة وشككنا في تحقق أتصافها بالذهب نستصحب عدمه وكذلك الحال فيما إذا شككنا في كونه فضة فبهذا الاستصحاب يثبت أن المادة ليس بذهب ولا فضة فيجوز أستعمالها مطلقا ومع

[ 351 ]

[ فصل في أحكام التخلي (مسألة 1) يجب في حال التخلي بل في سائر الاحوال ستر العورة (1) عن الناظر المحترم. ] المناقشة في جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية أصالة البرائه عن حرمة أستعمالها مما لا مزاحم له. نعم قد يشك في المادة من جهة الشك في سعة مفهوم الذهب وضيقه كما إذا شك في أن مفهوم الذهب أو الفضة هل يصدق على مادة الاناء؟ والمرجع حينئذ هو أستصحاب عدم جعل الحرمة لما يشك في كونه ذهبا أو فضة أو البراءة عن حرمة أستعماله على تقدير المناقشة في الاستحصاب فالمتلخص أن ما يشك في كونه إناء الذهب أو الفضة يجوز أستعماله مطلقا سواء كان الشك من جهة المادة أو الهيئة وسواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية. فصل في أحكام التخلي (1) وجوب ستر العورة عن الناظر المحترم من المسائل القطعية بل الضرورية في الجملة ويدل عليه قوله عز من قائل: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم (* 1) وغيرها من الآيات المتحدة معها في المفاد، حيث دلت على وجوب حفظ الفرج عن كلما يترقب منه من الاستلذاذات إلذ الاستلذاذ به قد يكون بلمسه وقد يكون بالنظر إليه وقد يكون بغير ذلك من الوجوه على ما تقتضيه القوة الشهوية والطبع البشري وذلك لان حفظ الفرج في تلك الآيات الكريمة غير مقيد بجهة دون جهة.


(* 1) النور 24: 31.

[ 352 ]

ومعه لا حاجة في تفسير الآية المباركة إلى مرسلة الصدوق (قده) سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل: قل للمؤمين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكي لهم. فقال: كل ما كان في كتاب الله من ذكر حفظ الفرج فهو من الزناء إلا في هذا الموضع فأنه للحفظ من أن ينظر إليه (* 1) حتى يرد بأرسالها. وأيضا يدل على ذلك جملة من الاخبار فيها روايات معتبرة وإن كان بعضها ضعيفا. (فمنها): ما رواه حريز عن أي عبد الله عليه السلام قال: لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه (* 2). و (منها): حسنة رفاعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بميزر (* 3) حيث جعلت ستر العورة من لوازم الايمان فتدل على وجوب سترها مطلقا بعد القطع بأن الاتزار ليس من الواجبات الشرعية في الحمام والجزم بأن الحمام ليست له خصوصية في ذلك فليس الامر به إلا من جهة أن الحمام لا يخلو عن الناطر المحترم عادة كما أن الامر به ليس مقدمة للاغتسال ومن هنا ورد جواز الاغتسال بغير أزار حيث لا يراه أحد وذلك كما في صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يغتسل بغير إزار حيث لا يراه أحد قال: لا بأس (* 4) وهذه الصحيحة تدل على أن الامر بالاتزار في الحسنة المتقدمة ليس إلا لوجوب ستر العورة عن الناظر المحترم. وفي جملة من الاخبار (عورة المؤمن على المؤمن حرام) وظاهرها أن النظر إلى عورة المؤمن حرام.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 1 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 9 من أبواب آداب الحمام من الوسائل. (* 4) المروية في ب 11 من أبواب آداب الحمام من الوسائل.

[ 353 ]

وقد يناقش في ذلك بأن المراد بالعورة هو الغيبة فالاخبار إنما تدل على حرمه غيبة المؤمن وكشف ما ستره من العيوب كما ورد تفسيرها بذلك في جملة من النصوص: (منها): ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال: نعم، قلت أعني سفليه، فقال: ليس حيث تذهب إنما هو إذاعة سره (* 1). و (منها): رواية زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام في عورة المؤمن على المؤمن حرام قال: ليس أن ينكشف فيرى منه شيئا إنما هو أن يزري عليه أو يعيبه (* 2) ومنها غير ذلك من الروايات. والجواب عن ذلك أنه لا مناص من حمل تلك الروايات على تفسير كلامه بذلك في خصوص المرود أو الموردين أو أكثر فكأنه عليه السلام أراد منها معنى عاما ينطبق على الغيبة وإذاعة السر في تلك الموارد تنزيلا لهما منزلة كشف العورة ولا يمكن حملها على أن المراد بتلك الجملة هو الغيبة في جميع الموارد وأينما وقعت كيف وقد وردت في مورد لا يمكن فيه حملها على ذلك المعنى بوجه. وهذا كما في رواية حنان بن سدير عن أبيه قال: دخلت أنا وأبي وجدي وعمي حماما بالمدينة فأذا رجل في البيت المسلخ فقال لنا: من القوم؟ فقلنا من أهل العراق فقال: وأي العراق؟ قلنا: كوفيون، فقال: مرحبا بكم يا أهل الكوفة أنتم الشعار دون الدثار ثم قال: ما يمنعكم من الازر فأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال عورة المؤمن على المؤمن حرام، قال: فبعث إلى أبي كرباسة فشقها بأربعة ثم أخذ كل واحد منا واحدا ثم دخلنا فيها.. فسئلنا عن الرجل فإذا هو


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 8 من أبواب آداب الحمام من الوسائل.

[ 354 ]

[ سواء كان من المحارم أم لا (1) رجلا كان أو أمرأة، حتى عن المجنون والطفل ] علي بن الحسين عليه السلام ومعه أبنه محمد بن على عليهما السلام (* 1). وذلك لان إرادة الغيبة من قوله عليه السلام فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: عورة المؤمن.. أمر غير ممكن بقرينه الحمام وأتزارهم بالكرباس فالمتحصل إلي هنا أن وجوب ستر العورة مما لا أشكال فيه وكذا الحال في حرمة النظر إليها على ما دلت عليه الادلة المتقدمة. وما عن بعض متأخر المتأخرين من أنه لو لم يكن مخافة خلاف الاجماع لامكن القول بكراهة النظر، دون التحريم كما نقله المحقق الهمداني (قده) فلعله مستند إلى مصححة أبن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أيتجرد الرجل عند صب الماء ترى عورته؟ أو يصب عليه الماء؟ أو يرى هو عورة الناس؟ قال: كان أبي يكره ذلك من كل أحد (* 2) ولكن فيه أن الكراهة في الروايات لا يراد منه الكراهة بالمعنى المصطلح عليه عند الاصحاب لانه أصطلاح حديث ومعناها الحرمة والبغض ما لم يقم على خلافها دليل وعلى ذلك فالرواية إما ظاهرة في الحرمة أو مجملة فلا يمكن جعلها قرينة على إرادة الكراهة المصطلح عليها في سائر الروايات هذا تمام الكلام في وجوب ستر العورة وحرمة النظر إليها. وأما خصوصيات ذلك فهي التي أشار إليها الماتن بقوله: سواء كان من المحارم.. (1) هذا وما بعده لاطلاق الادلة المتقدمة من الآيات والاخبار الدالتين على حرمة النظر إلى عورة الغير ووجوب حفظ الفرج مطلقا وذلك لانه لم يستثن منه سوى أزواجهم وما ملكت أيمانهم بلا فرق في ذلك بين المحرم كالاخ والاخت والاب والام ونحوهم وبين غير المحرم.


(* 1) المروية في ب 9 من أبواب آداب الحمام من الوسائل. (* 2) المروية في ب 3 من أبواب آداب الحمام من الوسائل.

[ 355 ]

[ المميز (1) كما أنه يحرم على الناظر أيضا النظر إلى عورة الغير ولو كان مجنونا (2) أو طفلا مميزا، والعورة في الرجل: القبل والبيضتان والدبر، وفي المرأة: القبل والدبر (3). ] (1) لانه مقتضى أطلاق الادلة المتقدمة، وعدم حرمة كشف العورة والنظر إليها في حق الطفل والمجنون نظرا إلى أعتبار العقل والبلوغ في التكليف لا يستلزم جواز كشف العورة عندهما أو جواز النظر إلى عورتيهما في حق المكلفين نعم لا يجب ستر العورة عن الصبي غير المميز ولاعن المجنون غير المدرك لشدة جنونه وذلك لان الظاهر المنصرف إليه من الادلة المتقدمة أن العورة إنما يجب سرتها عن الناظر المدرك دون الناظر فاقد الشعور وإلادراك فأن حاله حال الحيوان فكما لا يحرم الكشف عنده فكذلك الناظر غير الشاعر المدرك. (2) لاطلاق ما دل على حرمة النظر إلى عورة الغير، وإنما خرجنا عن هذا الاطلاق في الطفل غير المميز بالسيرة الجارية على جواز النظر إلى عورته كما تأتى الاشارة إليه في المسألة الثالثة إن شاء الله. (3) الذي ورد في الادلة المتقدمة من الآيات والروايات هو عنوان الفرج والعورة والظاهر أنهما والسوءة من الالفاظ المترادفة كالانسان والبشر ومعناها ما يستحيى ويأبى من أظهاره الطبع البشري والقدر المتيقن من ذلك هو القبل والدبر في المرأة، والدبر والقضيب والبيضتين في الرجل. وحرمة النظر إلى الزائد عن ذلك كحرمة كشفه تحتاج إلى دليل. وما أستدل به على التعميم روايات ثلاث: (إحداهما): روايه قرب الاسناد عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عليه السلام أنه قال: إذا زوج الرجل أمته فلا ينظرن إلى عورتها، والعورة

[ 356 ]

ما بين السرة والركبة (* 1). و (ثانيتها): خبر بشير النبال قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الحمام فقال تريد الحمام؟ قلت: نعم، فأمر بأسخان الماء ثم دخل فأتزر فغطى ركبتيه وسرته ثم أمر صاحب الحمام فطلى ما كان خارجا عن الازار، ثم قال: أخرج عني ثم طلى هو ما تحته بيده، ثم قال: هكذا فأفعل (* 2). و (ثالثتها): حديث الاربعمأة المروي في الخصال عن على عليه السلام إذا تعرى أحدكم (الرجل) نظر إليه الشيطان فطمع فيه فأستتروا ليس للرجل أن يكشف ثيابه عن فخذيه ويجلس بين قوم وهي تدل على أن العورة الواجبة سترها هي ما بين السرة والركبة. إذ أن هذه الاخبار ساقطة عن الاعتبار لضعف أسنادها ولا يمكن الاستدلال بها بوجه، على أنها معارضة بمثلها من الاخبار الضعاف: (منها): مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام الفخذ ليس من العورة (* 4) و (منها): مرسلة أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابه عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: العورة عورتان: القبل والدبر، والدبر مستور بالاليتين فإذا سترت القضيب والبيضتين فقد سترت العورة (* 5). و (منها): مرسلة الكليني: أما الدبر فقد سترته الاليتان وأما القبل فأستره بيدك (* 6) وبما ذكرناه تحمل الطائفة المتقدمة على الاستحباب بناء


(* 1) المروية في ب 44 من أبواب نكاح العبيد والاماء من الوسائل. (* 2) المروية بالتقطيع في ب 5 و 27 و 31 من أبواب اداب الحمام من الوسائل. (* 3) المروية في ب 10 من أبواب الملابس من الوسائل. (* 4) و (* 5) و (* 6) المرويات في ب 4 من أبواب اداب الحمام من الوسائل.

[ 357 ]

[ واللازم ستر لون البشرة دون الحجم (1) وإن كان الاحوط ستره أيضا وأما الشبح وهو ما يتراءى عند كون الساتر رقيقا، فستره لازم وفي الحقيقة يرجع إلى ستر اللون. (مسألة 2) لا فرق في الحرمة بين عورة المسلم والكافر على الاقوى (2) ] على التسامح في أدلته أو على المحافظة على الجاه والشرف. (1) ظاهر الادلة المتقدمة الدالة على وجوب حفظ الفرج وحرمة النظر إلى عورة الغير أن المحرم وقوع النظر على العين نفسها لانه الظاهر من كلمة النظر في موارد أستعمالاتها فالمنسبق إلى الذهن في مثل قولنا: زيد نظر إلى كذا. أنه نظر إلى عين ذلك الشئ ونفسه والفقهاء (قدهم) عبروا عن ذلك بحرمة النظر إلى لون البشرة وأرادوا بذلك بيان أن وقوع النظر على نفس العورة هو الحرام وذلك لوضوح أن لون البشرة لا مدخلية له في الحكم بوجه لان من قام وراء زجاجة حمراء أو صفراء مثلا بحيث لا ترى عورته إلا بغيره لونها لم يجز النظر إلى عورته بوجه ولم يكف التلون في الستر الواجب أبدا. ويترتب على ذلك أن اللازم إنما هو ستر نفس العورة لا حجمها ولا مانع من النظر إليه لعدم صدق النظر إلى العورة حينئذ. نعم يحرم النظر إلى ما يتراءى تحت السائر الرقيق غير المانع عن وقوع النظر إلى نفس العورة لما فيه من الخلل وذلك لان في مثله يصدق النظر إلى العورة حقيقة فلا يمكن الاكتفاء به في الستر الواجب بوجه. (2) ما أفاده (قده) بالاضافة إلى وجوب ستر العورة مما لا إشكال فيه لان مقتضى الادلة المتقدمة وجعله من لوازم الايمان كما في بعضها وجوب ستر العورة عن الناظر مطلقا بلا فرق في ذلك بين المسلم وغيره على أن كشف العوره لدى الكافر ينافي أحترام المسلم فعلى ذلك لو فرضنا أن من في الحمام

[ 358 ]

بأجمعهم يهود أو نصارى مثلا لم يجز الدخول فيه من غير أزار. وأما بالاضافة إلى حرمه النظر إلى عورة الكفار ففيه كلام وخلاف وقد ورد جوازه في روايتين وإن كان يحتمل أتحادهما (إحداهما): حسنة أبن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار و (ثانيتهما): مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام أنه قال: إنما أكره النظر إلى عورة المسلم فأما النظر إلى عوره من ليس بمسلم مثل النظر إلى عورة الحمار وهما صريحتان في الجواز كما ترى ولعل الوجه فيه أن غير المسلم نازل عن الانسانية وساقط عن الاحترام فحالهم حال الحيوان لانهم كالانعام بل هم أضل. وهذا أعني القول بالجواز هو المحكي عن جماعة وهو ظاهر الوسائل والحدائق بل الصدوق أيضا لان أيراده الرواية في كتابه يكشف عن عمله على طبقها. وما ذهبوا إليه لا يخلو عن قوة لصراحة الحسنة في الجواز وأعتبارها بحسب النسد هذا وقد يناقش في الاستدلال بها من جهتين: (إحداهما): أنها ضعيفة السند بالارسال لان أبن أبي عمير قد نقلها عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام وفي الحدائق وصفها بالارسال وإن كان قد عمل على طبقها. وهذه المناقشة ساقطة وذلك لان لان مراسيل أبن أبي عمير كماسنيده لما مر غير مرة من أن المراسيل ساقطة عن الحجية مطلقا كان مرسلها أبن أبي عمير ونظرائه أم غيرهم. بل لان قوله: عن غير واحد معناه أن الرواية وصلت إليه عن جماعة من الرواة لعدم صحة هذا التعبير فيما إذا رواها واحد أو أثنان وتلك الجماعة نطمئن بوثاقة بعضهم على الاقل لانه من البعيد أن يكون كلهم غير موثقين.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 6 من أبواب آداب الحمام من الوسائل.

[ 359 ]

و (ثانيتهما): أن الرواية مهجورة لاعراض الاصحاب عن العمل على طبقها كما يستكشف من أطلاق كلماتهم في حرمة النظر إلى عورة الغير. ويرد على هذه المناقشة. (أولا): أن إعراضهم عن الرواية لم يثبت بوجه لانه من المحتمل أن يستندوا في الحكم بحرمة النظر مطلقا إلى ترجيع الادلة المعارضة وتقديمها على روايه الجواز كما ربما يظهر من كلام شيخنا الانصاري (قده) فتركهم العمل على طبقها من جهة مخالفه الرواية لاطلاق الآية والروايات. والاعراض عن الرواية إنما يسقطها عن الحجية فيما إذا كشف عن ضعفها دون ما إذا كان مستندا إلى علة أخرى كما في المقام على أن مثل الصدوق وغيره ممن ذهبوا إلى الجواز قد عملوا على طبقها فصغرى الاعراض غير ثابتة. و (ثانيا): أن كبرى سقوط الرواية عن الحجية بأعراضهم لا يمكن الالتزام بها بوجه كما قدمناه في محله وعلى ذلك لاأشكال في الرواية سندا كما لاكلام في دلالتها على الجواز فهي مقيدة للادلة المتقدمة الدالة على حرمة النظر إلى عورة الغير على تقدير كونها مطلقة هذا. على أنا لو أغمضنا عن روايه الجواز أيضا لا يمكننا الحكم بحرمة النظر إلى عورة الكافر وذلك لقصور المقتضي في نفسه حيث لا أطلاق فيما دل على حرمة النظر إلى عورة الغير حتى يشمل الكفار لان الاخبار الواردة في ذلك مقيدة بالمؤمن أو المسلم أو الاخ وأما الآية المباركة: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم فهي أيضا لا دلالة لها على المدعى وذلك: أما (أولا): فلان الظاهر من الآية المباركة أنها ناظرة إلى الجامعة الاسلاميه وتكفلت ببيان وظيفة بعضهم بالاضافة إلى بعض آخر فلا أطلاق لها


(* 1) المتقدمة في ص 351.

[ 360 ]

[ (مسألة 3) المراد من الناظر المحترم من عدا الطفل غير المميز (1). ] حتى تشمل غير المسملين. وأما (ثانيا)؟ فلانها على تقدير أطلاقها وشمولها لغير المسلمين لابد من تقييدها بروايه حريز وما تقدم عن حنان بن سدير وغيرهما من الاخبار المشتملة على الاخ المؤمن أو المسلم. والسر في ذلك أن تقييد موضوع الحكم بوصف أو غيره من القيود يدل على أن الحكم في القضية لم يترتب على الطبيعة بأطلاقها وأنيما سرت وإنما ترتب على الحصة المتصفة بذلك الوصف أو القيد لانه لولا ذلك لكان تقييد الموضوع بأحدهما لغوا ظاهرا. وقد تقدم في مبحث المفاهيم أن ذلك متوسط بين القول بمفهوم الوصف وأنكاره حيث لا نلتزم بالمفهوم في الاوصاف بأن ننفي الحكم عن غير المتصف ولو بسبب آخر. ولا ننكر مدخليته في ثوبت الحكم رأسا. بل ندعي أن للقيد دخالة في ترتب الحكم على موضوعه إلا أنه لا يدل على عدم مدخليه غيره من القيود فيه. مثلا تقييد الرجل بالعلم في قولنا: ئكرم الرجل العالم يدل على أنه له دخلا في الحكم بوجوب ئكرام الرجل ولا يدل على أن العدالة مثلا ليست كذلك لانه يحتمل أن تكون العدالة أيضا كالعلم علة للحكم. وعلى الجملة تقييد حرمة النظر في الادلة المتقدمة بالمؤمن أو المسلم أو الاخ يدلنا على أن الحرمة لم يترتب على النظر إلى عورة طبيعي البشر وإنما هي خاصة بحصة معينة وهذا يكفينا في الحكم بجواز النظر إلى عورة الكافر لانه مقتضى الصناعة العلمية وإن كان الاحتياط في تركه. (1) لما تقدم من أن الظاهر المنصرف إليه من إلادلة المتقدمة لزوم ستر العورة عمن له إدراك وشعور فغير المدرك الشاعر كالصبي غير المميز والبهائم خارج عن منصرف الادلة رأسا هذا مضافا إلى السيرة الجارية على عدم التستر

[ 361 ]

[ والزوج والزوجة (1) والمملوكة بالنسبة إلى المالك، والمحللة بالنسبة إلى المحلل له (2) فيجوز نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر، وهكذا في المملوكة ومالكها، والمحللة والمحلل له، ولا يجوز نظر المالكة إلى مملوكها أو مملوكتها وبالعكس (3). (مسألة 4) لا يجوز للمالك النظر إلى عورة مملوكته إذا كانت مزوجة (4) ] عن مثله لانهم يدخلون الحمامات مصاحبين لاطفالهم من غير أن يتستروا عن غير المميزين كمالا يجتنبون عن النظر إلى عوراتهم وهي سيرة متصلة بزمان المعصومين عليهم السلام ولم يردع عنها في أي دليل. (1) لان الآية المباركة الآمرة بالتحفظ على الفرج قد أستثنت الازواج وما ملكت أيمانهم، على أن جواز النظر في الزوج والزوجة من اللوازم العادية للوطئ الجائز لهما، وكذلك الحال في المالك ومملوكته. (2) لجواز الوطئ وعدم وجوب التخفظ على الفرج في حقهما وقد مر أن جواز النظر من اللوازم العادية للوطئ واللمس الجائزين لهما. (3) لاطلاق ما دل على وجوب التحفظ على الفرج وحرمة النظر إلى عورة الغير. (4) المسألة منصوصة وقد عقد لها بابا في الوسائل ومن جملة ما ورد في المسألة خبر الحسين بن علوان المتقدم نقله عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه عليه السلام أنه قال: إذا زوج الرجل أمته فلا ينظرن إلى عورتها (* 1). (تنبيهان): (أحدهما): أن مقتضى الاخبار الواردة في المنع عن وطئ الامة الموجة والنظر إلى عورتها عدم الفرق في ذلك بين كونها مدخولا بها وعدمه لاطلاقها. وأما الامة المحللة فهي بما أنها محللة لادليل على حرمة النظر إلى عورتها


(* 1) المروية في ب 44 من أبواب نكاح العبيد والاماء من الوسائل.

[ 362 ]

أللهم إلا أن تكون حبلى أو موطوءة ولم يتتبرء وذلك لما ورد في جملة من الروايات من عدم جواز وطئ الامة الحامل من زوجها أو من المحلل له أو التي لم تنقض عدتها أو التي وطئت ولم تستبرء فلا مانع من أندراج المحللة فيمن يحرم على المالك النظر إلى عورتها إذا كانت حبلى من المحلل له أو موطوءة له قبل أن تستبرء لان الامة إذا حرم وطيها لابد من الرجوع فيها إلى أطلاق الادلة المتقدمة الدالة على حرمة النظر إلى عورة الغير ووجوب سترها عن النظر وذلك لاختصاص الاستثناء في الآية المباركة بغير من يحرم وطيها من الاماء فمع حرمته تندرج الامة في الجملة المستثنى منها لا محالة ومع عدم كونها كذلك يجوز للمالك النظر إلى عورتها بمقتضى الاستثناء الوارد في الآية المباركة ولا يمكن قياسها على المزوجة فما أفاده الماتن (قده) من أن المالك لا يجوز له النظر إلى عورة مملوكته المحللة لا يمكن المساعدة على أطلاقه. و (ثانيهما): أن من يحرم النظر إلى عورتها من الاماء غير منحصرة بمن ذكرها الماتن (قده) بل هي كثيرة جمعها المحدث الكاشاني (قده) فيما عقد له من الباب وسماء بباب ما يحرم من الاماء وتحل وتعرض لها صاحب الوسائل (قده) أيضا فليراجع (فمنها): ما إذا ملك أخت أمته و (منها): ما إذا ملك أم أمه من الرضاعة أو أختها أو عمتها أو خالتها لانهن أمه أو عمته أو خالته من الرضاعة و (منها): ما إذا ملك بنت أمته و (منها): غير ذلك من الموارد ومع حرمة الوطئ يحرم النظر إلى عورتها كما مر فالاولى حينئذ أن يقال: يحرم


(* 1) راجع ب 2 و 7 و 8 و 44 من أبواب نكاح العبيد والاماء من الوسائل. (* 2) راجع المجلد الثالث من الوافي ص 45 م 12. (* 3) راجع ب 18 من أبواب نكاح العبيد والاماء من الوسائل.

[ 363 ]

[ أو محللة أو في العدة (1) وكذا إذا كانت مشتركة بين مالكين لا يجوز لواحد منهما النظر إلى عورتها وبالعكس (2). (مسألة 5) لا يجب ستر الفخذين (3) ولا الاليتين ولا الشعر النابت أطراف العورة. نعم يستحب (4) ستر ما بين السرة، إلى الركبة بل إلى نصف الساق. (مسألة 6) لا فرق بين أفراد الساتر (5) فيجوز بكل ما يستر ولو بيده أو يد زوجته أو مملوكته. ] النظر إلى عورة الامة لمحرمة وطيها ثم يمثل بما ذكره الماتن (قده) لا كما صنعه هو (ره) لان ظاهره الحصر مع أن المحرمات كثيرة كما مر. (1) للنص كما مر. (2) لعدم جواز وطيها للمالكين المشتركين وقد تقدم أن مع حرمة الوطئ في الاماء لابد من الرجوع إلى إطلاق والادلة المتقدمة وهي تقتضي حرمه النظر إلى عورتها ووجوب حفظ الفرج عنها. (3) لانصحار العورة بالقبل والدبر أو به وبالقضيب والبيضتين فالفخذان خارجان عن حدها وكذا الحال في إلاليتين وفي الشعر النابت أطراف العورة. (4) لعله لروايه النبال المتقدمة (* 1) بناء على أن المتعارف من الاتزار هو ما يستر به ما بين السرة إلى نصف الساق أو لما نسب إلى الحلبي من أن العورة من السرة إلى نصف الساق هذا ولا يخفى أن الاستحباب لا يمكن أثابته بشئ منهما (5) لان الغرض في الستر الواجب في نفسه لا الستر الصلاتي إنما هو التحفظ عن النظر إلى البشرة فيكفي في سقوط الامر به الاتزار بكل ما يحصل هذا الغرض كما إذا سترها بيده أو بيد زوجته أو مملوكته أو الوحل أو الدخول


(* 1) في ص 356.

[ 364 ]

[ (مسألة 7) لا يجب التسر (1) في الظلمة المانعة عن الرؤية أو مع عدم حضور شخص، أو كون الحاضر أعمى، أو العلم بعدم نظره. (مسألة 8) لا يجوز النظر إلى عورة الغير من وراء الشيشة (2) بل ولا في المرآة أو الماء الصافي (3). ] في الحفيرة أو الماء أو غير ذلك مما يمنع عن وقوع النظر إلى البشرة. وهذا بخلاف الستر الواجب في الصلاة لانه يعتبر أن يكون ثوبا ولا يجزى غيره إلا مع الاضطرار (1) لعدم وقوع النظر على العين مع الظلمة فالغرض من الامر بالتستر حاصل من غير حاجة إلى الستر. وهذا بخلاف الستر الصلاتي لانه واجب وإن صلى في الظلمة أو عند الاعمى أو في مكان خال عن الغير. (2) لان الشيشة مانعة عن لمس البشرة وليست مانعة عن رؤيتها لنفوذ النور في الزجاج وبنفوذه يقع النظر على عين العورة ويصح أن يقال إنه نظر إلى العورة حقيقة كالنظر بالمنظرة أفيشك معها في صدق النظر إلى العورة حقيقة؟ فالادلة القائمة على حرمة النظر إلى العورة غير قاصرة الشمول للنظر من وراء الشيشة. (3) حرمة النظر في المرآة أو الماء الصافي يتوقف على أحد أمرين: (أحدهما): أن تكون الرؤية بخروج الشعاع لا بالانطباع ويكون النور الخارج من العين المتصل بالمرآة أو الماء منكسرا منهما إلى المرئي وذي الصورة بأن يقال إن النور والشعاع في الاجسام الشفافة والصيقلية ألتي منها الماء والمرآة بعد ما خرج مستقيما عن العين يقع على تلك الاجسام الشفافه ثم ينكسر فيرد منها أيضا مستقيما إلى المرئي وذي الصورة وعلى ذلك يقع النظر على نفس العوره حقيقة. و (ثانيهما): العلم بعدم الفرق بين النظر إلى ذي الصورة وصورته لانها هو هو بعينه فالنظر إلى المرأة وصورتها سيان بالارتكاز وعلى ذلك لو لم نقل

[ 365 ]

[ (مسألة 9) لا يجوز الوقوف (1) في مكان يعلم بوقوع نظره على عورة الغير، بل يجب عليه التعدي عنه وغض النظر، وأما مع الشك أو الظن في وقوع نظره فلا بأس (2) ولكن الاحوط أيضا عدم الوقوف أوغض النظر. (مسألة 10) لو شك في وجود الناظر أو كونه محترما فالاحوط التستر (3) ] بخروج الشعاع والانكسار وقلنا إن المشاهد في الماء أو المرآة صورة العورة مثلا. قد أنطبعت فيهما لا أن المشاهد هي العورة نفسها أيضا يمكننا الحكم بحرمة النظر إلى العورة فيهما لعدم الفرق بين رؤية الشئ ورؤية صورته بالارتكاز وأما إذا أنكرنا الانكسار والشعاع ونفينا العلم بمساواة النظر إلى الصورة وصاحبها وإن كان بعيد في نفسه فلا مناص من الالتزام بجواز النظر إلى العورة في المرآة أو الماء وبذلك يتضح أن النظر إليها من وراء الشيشة والنظر إليها في الماء أو المرآة من واديين وليست الحرمه في كليهما مبتنية على الامرين المتقدمين. (1) لعله أراد بذلك حرمة الوقوف في مفروض المسألة عقلا لتوقف الامتثال على ترك الوقوف في ذلك المكان ومعه يستقل العقل بحرمة الوقوف حتى يتمكن المكلف من الامتثال. وأما لو أراد حرمة الوقوف شرعا بدعوى أنه مقدمة للحرام وهي محرمة إذا قصد بها التوصل إلى الحرام أو كانت علة تامة له كما أدعوه فيندفع بما قدمناه في محله من أن مقدمة الحرام ليست محرمة مطلقا قصد بها التوصل إلى الحرام أم لم يقصد كانت علة تامه له أم لم تكن. (2) لعدم الاعتبار بالظن وحكمه حكمم الشك وهو مورد لاصالة البراءة (3) ذهب المحقق الهمداني (قده) إلى أن وجوب التحفظ على المكلف موقوف على علمه بوجود ناظر بالفعل أو بتجدده حال أنكشاف عورته فمع الشك في وجوده أو الظن به يجوز كشف العورة لاصالة البرائة عن حرمته. إلا أن

[ 366 ]

[ (مسألة 11) لو رأى عورة مكشوفة وشك في أنها عورة حيوان أو إنسان، فالظاهر عدم وجوب الغض عليه (1) وإن علم أنها من إنسان وشك في أنها من صبي غير مميز أو من بالغ أو مميز، فالاحوط ترك النظر (2) وإن شك في أنها من زوجته أو مملوكته أو أجنبية فلا يجوز النظر (3) ويجب الغض عنها، لان جواز النظر معلق على عنوان خاص وهو الزوجية أو المملوكية فلابد من إثباته. ولو رأى عضوامن بدن أنسان لا يدري أنه عورته أو غيرها من أعضائه ] دقيق النظر يقتضي خلافه وعدم جريان البرائة في المقام وذلك ألن الامر في قوله تعالى.. ويحفظوا فروجهم.. إنما تعلق بالمحافظة وقد أخذ في مفهوم المحافظة أحتمال ما ينافي صدقها بحيث لو لم يعتن بالاحتمال صدق ترك المحافظة لدى العرف مثلا لو أحتمل تلف الاماته على تقدير وضعها في مكان كذا ومع ذلك وضعها فيه كان ذلك مصداقا لترك المحافظة على الامانع فليس له حينئذ التشبث بأستصحاب عدم محبئ السارق أو عدم تلف المال بنفسه فالمحافظة لا تصدق إلا بسد أبواب الاحتمال فأذا لم يستر عورته في موارد الشك في وجود النظار صدق عدم التحفظ على عورته. وعلى الجملة مقتضى المحافظة التستر في كل مورد أحتمال فيه الناظر المحترم فمع الشك لا مناص من الاحتياط بل يمكن الجزم بوجوب التستر كما عرفت. (1) للشك في موضوع الحكم وهو العورة ومعه تجري البرائة عن حرمة النظر إلى المشكول فيه. (2) والاقوى جوازه لاستصحاب عدم بلوغ الصبي حد التمييز. (3) للشك في زوجية ذي العوره أو مملوكيته والاصل عدمهما والسر في ذلك أن الرخصة والجواز قد تعلقا على عنوان الزوجية أو المملوكية أو غيرهما من العناوين الوجودية ومعه لا مناص من أحرازها في الخروج عن الالزام والتكليف.

[ 367 ]

[ جاز النظر (1) وإن كان الاحوط الترك. (مسألة 12) لا يجوز للرجل والانثى النظر إلى دبر الخنثى (2) وأما قبلها (3) فيمكن أن يقال بتجويزه لكل منهما، للشك في كونه عورة، لكن الاحوط الترك، بل الاقوى وجوبه، لانه عورة على كل حال. ] (1) للشك في الموضوع وأصالة البرائة عن حرمة النظر إلى المشكوك فيه هي المحكمة وقتئذ. (2) لانه عورة على كل حال. (3) إن قلنا إن الخنثى طبيعة ثالثة أجتمعت فيها الانوثة والذكورة فهي أمرأة ورجل ولها آلتهما وأن الانسان قد يكون ذا آلة واحدة: أنوثيه أو ذكورية. وقد يكون ذا آلتين. فلا شبهة في حرمة النظر إلى أحليلها وبضعها لانهما عورتان حقيقة. وأما لو قلنا إنما مرددة بين الرجل والنساء وليست طبيعة ثالثة كما هو المستفاد من الآيات المباركة: يهب لمن يشآء أناثا ويهب لمن يشآء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن. أني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى إلى غير ذلك من الآيات. وما ورد في أستكشاف حالها وأختبارها لينظر أنها انثى أو ذكر فيقع الكلام فيها بالاضافة إلى محارمها تارة وبالنسبة إلى


(* 1) الشورى 49 42. (* 2) الشورى 50 42. (* 3) غافر 40 40. (* 4) آل عمران 195 3. (* 5) راجع ب 1 و 3 من أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه من الوسائل.

[ 368 ]

[ (مسألة 13) لو أضطر إلى النظر إلى عورة الغير كما في مقام المعالجة ] الاجنبي أخرى: أما نظر المحارم إلى أحد قبليها فلا أشكال في حرمته للعلم الاجمالي بأن أحدهما عورة فيجب الغض عن كليهما عند ما تمت شرائط التنجيز كما إذا كان متمكنا من النظر إلى عورتيها ولو بالغلبة. وأما الاجنبي فإن نظر إلى ما يماثل عورته كما إذا نظر الرجل إلى إحليلها أو المرأة إلى بضعها فلا أشكال أيضا في حرمته للعلم بأنها إما عورة محرمة النظر وإما عضو من أعضاء بدن الاجنبي أو الاجنبية مثلا إذا نظر الرجل الاجنبي إلى إحليلها علم بأنه إما عورة الرجل كما إذا كانت ذكرا واقعا وإما عضو من بدن المرأة الاجنبية كما إذا كانت أنثى وأقعا وكذلك الحال فيما إذا نظرت المأرة إلى بعضها لانه إما عورة المرأة على تقدير كونها أنثى وإما عضو من بدن الرجل كما إذا كانت ذكرا فالناظر حينئذ عالم بحرمة النظر تقصيلا وإنما الاجمال في سببها ولعله إلى ذلك نظر الماتن (قده) في قوله: لانه عورة على كل حال. وأما إذا نظر الاجنبي إلى ما يخالف عورته كما إذا نظرت المرأة إلى إحليلها أو الرجل إلى بضعها فلا يمكن الحكم بحرمته لشك في كل من قبلي الخنثى أنه عورة أو عضو زائد من بدن المماثل للناظر في الانوثة والذكورة فالمرأة يحتمل أن يكون أحليل الخنثى آلة رجولية كما تحتمل أن يكون عضوا زائدا من بدن المرأة وكذلك الحال في الرجل وحيث أن نظر المماثل إلى بدن المماثل أمر لا حرمة فيه فالعلم الاجمالي غير مؤثر في التنجيز ولابد من الرجوع إلى أصالة البرأة عن حرمة النظر إلى المشكوك فيه كما تقدم في الشك في العورة.

[ 369 ]

[ فالاحوط أن يكون في المرآة (1) المقابلة لها إن أندفع الاضطرار بذلك وإلا فلا بأس. (مسألة 14) يحرم في حال التخلي أستقبال القبلة وأستدبارها (2). ] (1) إن قلنا بجواز النظر إلى العورة أو الاجنبية في الماء أو المرآة أو غيرهما من الاجسام الشفافة فلا شبهة في تعين ذلك في المقام لدوران الامر بين المحرم والمباح ولا كلام في تعين الثاني حينئذ. وأما إذا قلنا بحرمته كما قويناه في المسألة الثامنة ولو للعلم الخارجي بعدم الفرق بين النظر إلى العورة أو الاجنبية نفسهما وبين النظر إلى صورتيهما لتساويهما في الملاك والمفسدة فأيضا بتعين النظر في المرآة أو الماء ونحوهما وذلك للقطع بآكدية الحرمة وأقوائيتها في النظر إلى نفس العوره أو الآجنبية ولا أقل من أحتمال الاهمية والاقوائية عنه وهذا بخلاف النظر إلى الصورة إذ لا يحتمل أن تكون الحرمة فيه آكد من النظر إلى نفس العورة أو الاجنبية فيكون المقام حينئذ من دوران الامر بين ما يحتمل أهميته وما لا تحتمل أهميته ولا أشكال في أن محتمل الاهمية هو المتعين حينئذ هذا مضافا إلى روايتي موسى بن ممد والمفيد في الارشاد الواردتين في كيفية أختبار الخنثى وأنها تبول من فرج الذكر أو الانثى حيث دلتا على تعين الكشف في المرآة وأن العدول أو العدلين يأخذ كل واحد منهم مرآة وتقوم الخنثى خلفهم عريانة فينظرون في المرآيا فيرون شبحا لا أنهم ينظرون إلى نفس العوره. والروايتان وإن كانتا واضحة الدلالة على المراد إلا أنهما ضعيفتان بحسب السند ومن ثمة نجعلهما مؤيدتين للمدعى. (2) حرمة أستبقال القبلة وأستدبارها حال التخلي من المسائل المتسالم عليها عند الاصحاب حيث لم ينقل فيها الخلاف إلا عن جماعة من متأخري المتأخرين


(* 1) المرويتان في ب 3 من أبواب ميراث الخنثى وما أشبهه من الوسائل.

[ 370 ]

منهم صاحب المدارك (قده) حيث ذهب إلى كراهتهما فإن أعتمدنا على التسالم القطعي وأجماعهم بأن كان أتفاق المتقدمين والمتأخرين مدركا لاثبات حكم شرعي كما هو غير بعيد فلا كلام وإلا فما قواه في المدارك من القول بالكراهة وفاقا لجملة من متأخر المتأخرين هو الصحيح. وذلك لان الاخبار المستدل بها على حرمة أستقبال القبلة وأستدبارها في المقام ساقطة عن الاعتبار وهي بين ضعيفة ومرفوعة ومرسلة (* 1) ولا يمكننا الاعتماد على شئ منها في الاستدلال. نعم لاوجه للمناقشة في دلالتها على الحرمة لان أشتمال بعضها على بعض المكروهات كأستقبال الريح وأستدبارها غير صالح للقرينية على التصرف في ظهور النهي عن أستقبال القبلة وأستدبارها في الحرمة، وإقتران حكم غير الزامي لحكم الزامي لا يكون قرينة على أرادة غير الالزام منه بدعوى وحدة السياق وذلك لان الظهور حجة ولا يمكن أن يرفع اليد عنه إلا بقرينه أقوى على خلافه وهى غير موجودة في المقام فما عن بعضهم من المناقشة في دلالة الاخبار من جهة أشتمالها على ما هو مسلم الكراهة مما لا يمكن المساعدة عليه. نعم للمناقشة في أسنادها مجال واسع كما مر فلو كنا نحن وهذه الروايات لم يمكننا الحكم بحرمة أستقبال القبلة وأستدبارها حال التخلي. بل يمكن الاستدلال على كراهتهما أو أستحباب تركهما بروايه محمد بن أسماعيل بن بزيغ قال: دخلت على أبي الحسن الرضا عليه السلام وفي منزلهه كنيف مستقبل القبلة وسمعته يقول: من بال حذاء القبلة ثم ذكر فانحرف عنها إجلالا للقبلة وتعظيما لها لم يقم من مقعده ذلك حتى يغفر له وذلك لان لسانها لسان الاستجباب أو كراهة الفعل فإن ترك الاستقبال لو كان واجبا لامره


(* 1) و (* 2) راجع ب 2 من أبواب أحكام الخلوه من الوسائل.

[ 371 ]

[ بمقاديم بدنه (1) وإن أمال عورته إلى غيرهما، والاحوط ترك الاستقبال والاستدبار بعورته فقط، وإن لم يكن مقاديم بدنه اليهما، ولا فرق في الحرمة ] بالانحراف أو نهاه عن الاستمرار على أستقبال القبلة. نعم لا مجال للاستدلال بوجود الكنيف في منزله مستقبل القبلة على جواز أستقبالها حال التخلي وذلك لان أستقبال القبلة حالئذ لو لم يكن محرما فلا أقل من كراهته والامام عليه السلام لا يرتكب المكروة فلا مناص من حمل ذلك على صورة كون المنزل للغير أو على شرائه وهو بهذه الحالة أو على عدم وسع البناء لجعل الكنيف على كيفية أخرى أو غير ذلك من الوجوه. (1) هل المحرم بناء على حرمة أستقبال القبلة حال التخلي هو أستقبال القبلة أو أستدبارها بمقاديم البدن وإن أمال المتخلي عورته عن القبلة إلى الشرق أو الغرب وبال إلى غير القبلة أو أن المحرم هو البول إلى القبلة سواء كان بمقاديم البدن مستقبلا لها أم لم يكن؟ الاول هو المشهور وأليه ذهب الماتن (قده) والصحيح أن يقال إن المدرك في الحكم بحرمة أستقبال القبلة وأستدبارها إن كان هو الروايات ولو بناء على أنجبار ضعفها بعملهم كان المتعين هو الحكم بحرمة كل من الاستقبال بمقاديم البدن والفرج لاشتمال جملة منها على النهي عن أستقبال القبلة بالبول أو الغائط ومقتضى أطلاقها عدم الفرق في حرمته بين الاستقبال بمقاديم البدن وعدمه وبعضها أشتمل على نهي المتخلي عن أستقبال القبلة وأستدبارها حيث قال: إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ويشمل بأطلاقه صورة الاستقبال بالبول والفرج وعدمه وحيث لا تنافي بين الجهتين فنأخذ بكلتيهما ونلتزم بحرمة كل من الاستقبال بالبدن والاستقبال بالفرج وإن كان قد يجتمعان بل هذا هو المتعارف كما يأتي كما إذا أستقبل القبلة بمقاديم بدنه وعورته.

[ 372 ]

[ بين الابنية والصحاري (1) والقول بعدم الحرمة في الاول ضعيف والقبلة المنسوخة ] وأما إذا كان المدرك هو التسالم والاجماع فلا مناص من القول بحرمة المجمع دون خصوص الاستقبال بالبدن والاستقبال بالفرج وذلك لانه المتيقن مما قام الاجماع على حرمته دون كل واحد منهما لوجود المخالف كما مر فالمحرم على ذلك هو أستقبال المتخلي بمقاديم بدنه وفرجه كما هو المتعارف حال التخلي لا ما إذا أستقبلها ببدنه دون فرجه أو العكس. ثم إن الجمع بين الاستقبال بالبدن والاستقبال بالفرج إنما يأتي في البول ولا يتصور في الغائط أبدا لان أستقبال المتخلي ببدنه لا يجتمع مع الاستقبال بمخرج الغائط لضرورة أن المتخلي إذا أستقبل القبلة ببدنه كان مخرج الغائط إلى السفل لا إلى القبلة. نعم يمكن أستقبالها بمخرج الغائط فيما إذا كان المتخلي مستلقيا وكان رأسه إلى الشمال ورجلاه إلى الجنوب وبالعكس فأن في مثله قد يكون مخرج الغائط مستقبلا للقبلة وقد يكون مستدبرا لها إلا أن ذلك من الفروض النادرة والادلة لا تشمل سوى التخلي المعتاد وهو التخلي المتعارف حال القعود المستلزم كون الغائط إلى السفل. (1) لاطلاق الروايات من غير تقييدها بالابنية. وأما روايه محمد بن أسماعيل المتقدمة (* 1) فقد عرفت أنها قضية في واقعة من غير أن تدل على جواز التخلي مستقبلا للقبلة في الابنية وأنها محمولة على ما إذا كان المنزل موقتا أو أنتقاله إليه عليه السلام وهو بتلك الحالة أو غير ذلك من المحامل وأما ما يحكى عن أبن الجنيد والمفيد وسلار قدس الله أسرارهم من عدم الحرمة في الابنية فلعله من جهة أن أستقبال القبلة عندما لا حائل بينها وبين المتخلي مناف لاجلالها وتعظيهما وهذا بخلاف ما إذا كان حائل بينهما إلا أنه يندفع بأطلاق الروايات


(* 1) في ص 370

[ 373 ]

[ (كبيت المقدس) لا يلحقها الحكم (1) والاقوى عدم حرمتهما في حال الاستبراء والاستنجاء (2) وإن كان الترك أحوط. ] كما أشرنا إليه هذا كله إذا كان المدرك هو الاخبار. وأما إذا أستندنا إلى الاجماع والتسالم فلا مناص من الاقتصار على غير الابنية لوجود المخالف في الابنية ومع الشك في حرمة أستقبال القبله وأستدبارها في الابنية يرجع إلى البراءة وإن كان تركهما حتى في الابنية هو الاحوط (1) لاختصاص الاجماع والاخبار بالقبلة الفعلية للمسلمين وذلك لان الحكم بالحرمة على تقدير الصدور إنما يصدر من أئمتنا عليهم أفضل الصلاة فلا تشمل قبله اليهود وغيرهم للانصراف وكونها هي القبلة للمسلمين سابقا غير كاف في الشمول لظهور القبلة فيما هو القبلة الفعلية للمسلمين لا ما كان كذلك سابقا (2) لاختصاص الادلة بالبول والغائط ولم يرد نهي عن أستقبال القبلة أو أستدبارها حال الاستبارء والاستنجاء. نعم قد يقال بعموم الحكم لهما لرواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الرجل يريد أن يستنجي كيف يقعد؟ قال: كما يقعد للغائط فكما أن القعود للغائط مستقبل القبلة أو مستدبرا لها حرام فكذلك القعود للاستنجاء بمقتضى الخبر. ويرد عليه أن الرواية إنما وردت لبيان الكيفية اللازمة في القعود وأن كيفيته للاستنجاء ككيفيته للتخلي فلا يعتبر في القعود له أن يرخي نفسه ولا أن يسوع فخذيه بأكثر من تفريجهما للتخلي وإن ألتزم العامة بأستحباب الاسترخاء حينئذ بل ذهب بعضهم إلى وجوبه (* 2) فلا دلالة للرواية على حرمة


(* 1) المروية في ب 37 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) ذكر في شرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء المالكى ج 1 ص 76 ويندب لقاضي الحاجة حال، الاستنجاء تفريج فخذيه وأسترخاؤه لئلا ينقبض المحل

[ 374 ]

أسقبال القبلة أو أستدبارها في الاستنجاء. وقوله عليه السلام في ذيلها: وإنما عليه أن يغسل ما ظهر منه وليس عليه أن يغسل باطنه. أيضا يدل على ذلك ولا أقل من أنه مشعر له لانه ناظر إلى دفع ما ربما يتوهمه الغافل من أعتبار إدخال الانملة لتنظيف الباطن أو الاسترخاء أو التفريج الزائد أو غيرها من الامور. وأما الاستبراء فهو أيضا كسابقه ولا دليل فيه على حرمة أستقبال القبلة وأستدبارها وقد يقال فيه بالحرمة نظرا إلى أنه قد يخرج بسببه قطرة بول أو قطرتان أو أكثر فإذا أستبرء المكلف مستقبلا للقبلة أو مستدبرا لها وهو عالم بخروج البول منه فقد أرتكب الحرام لخروج البول منه نحو القبلة أو دبرها. ويندفع بأن الحكم في لسان الدليل قد يتلعق بخروج البول من مخرجه ولا شبهة حينئذ في أن خروج القطرة يكفي في ترتب الحكم عليه وهذا كما في الوضوء لان المكلف إذا توضأ ثم أستبرء فخرج منه البول ولو قطرة بطل وضوءه لترتب الحكم على خروج البول منه. وقد يتعلق بالبول وأن البول إلى القبلة محرم كما في المقام ولا تأمل في عدم ترتب الحكم حينئذ على مجرد خروج قطره أو قطرتين لانه لا يصدق بذلك أنه قد بال ومع عدم صدقه لا مانع من


على ما فيه من الاذى فيؤدي ذلك إلى بقاء النجاسة. وفي الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 48 يندب الاسترخاء قليلا عند الاستنجاء. والشافعية قالوا بوجوب الاسترخاء والحنيفة قالوا إنهما يندب الاسترخاء إذا لم يكن صائما محافظة على الصوم وفي بدايع الصنايع ج 1 ص 21 ينبغي أن يرخى نفسه أرخاء تكميلا للتطهير وفي البحر الرائق لابن نجيم ج 1 ص 24 الاولى أن يقعد مسترخيا كل الاسترخاء إلا أن يكون صائما.

[ 375 ]

[ ولو أضطر إلى أحد الامرين تخير، وإن كان الاحوط الاستدبار (1) ] أستقبال القبلة أو أستدبارها. هذا كله بناء على أن المدرك في المسألة هو الروايات وأما إذا أستندنا إلى التسالم والاجماع فالامر أوضح لان المتيقن منه إنما هو حرمة أستقبال القبلة أو أستدبارها لدى البول أو الغائط دون الاستبراء كما لعله ظاهر. (1) لان أستدبار القبلة أقرب إلى أجلالها وتعظيهما هذا والصحيح أن المسألة يختلف بأختلاف المدركين وذلك: لان المدرك في الحكم بحرمة أستقبال القبلة وأستدبارها إن كان هو الاخبار فمقتضى أطلاقها عدم الفرق في حرمتهما بين الاضطرار وغيره ومعه تندرج المسألة في كبرى التزاحم لعدم قدرته على أمتثال التكليفين مع الاضطرار إلى ترك أحدهما فيرجع إلى مرجحات المتزاحمين وحيث أن الحرمة في أستقبال القبلة محتملة الاهمية دون الحرمة في أستدبارها فلا مناص من تقديمها وبذلك يتعين عليه الاستدبار ويكون الاحتياط به وجوبيا حينئذ. وأما إذا كان المدرك هو التسالم والاجماع كما قربناه أندرجت المسألة في دوران الامر بين التعيين والتخيير بحسب الجعل وذلك لان الاجماع والتسالم إنما يوجبان حرمة أستقبال القبلة وأستدبارها في الجملة ولا يسببان حرمتهما على نحو الاطلاق حتى في موارد عدم التمكن من كليهما وبما أن المكلف قد عجز عن أحدهما فلا يحتمل حرمتهما في حقه معا فالحرمة في حال الاضطرار إما أنها مجعولة في خصوص أستقبال القبلة لاحتمال كونها أهم أو أنها جعلت لاستقبالها وأستدبارها مخيرا. وقد أسلفنا في محله أن مقتضى الاصل النافي للتعين هو التخيير ومعه يكون الاحتياط بالاستدبار أحتياطا ندبيا لا محالة.

[ 376 ]

[ ولو دار أمره بين أحدهما وترك الستر مع وجود الناظر وجب الستر (1) ولو أشتبهت القبلة (2) ] (1) كما إذا كان في غير القبلة ودبرها ناظر محترم لا يمكن التستر عنه فإن أمره يدور بين ترك أستقبال القبلة وأستدبارها والبول من دون تستر وبين البول مستقبلا لها أو مستدبرا ولا أشكال في وجوب التستر حينئذ بلا فرق في ذلك بين كون المدرك هو الاخبار وكونه التسالم والاجماع فإنه وقتئذ بحث علمي لا نتيجة عملية له. فإن المدرك لو كان هو الاخبار وقعت المزاحمة بين حرمتهما وحرمة كشف العورة وحيث أن الثانية أهم بالارتكاز فتتقدم على حرمتهما ويجوز للمكلف أن يبول مستقبل القبلة أو مستدبرا لها وإذا كان المدرك هو التسالم والاجماع لم يبق دليل على حرمة أستقبال القبلة وأستدبارها عند التزاحم وذلك لان التسالم لا يقتضي حرمتهما إلا في الجملة وفى غير مورد التزاحم وأما معه فلا مقتضي لحرمتهما كما هو ظاهر (2) قد يتمكن المكلف عند أشتباه القبلة من الاحتياط كما إذا دار أمر القبلة بين نقطتين متقابلتين لانه يتمكن حينئذ من البول إلى غيرهما من النقاط وكذا إذا دارت بين الجهات الاربع أو الاقل أو الاكثر في نقاط معينة بحيث لو تقاطع خطان من تلك النقاط على وجه حصلت منهما زوايا أربع علم بوجود القبلة في منتهى أحد الخطوط الاربعة لتمكنه حينئذ من البول إلى غيرها كما إذا بال بين خطين منها. وقد لا يتمكن من الاحتياط كما إذا دار أمر القبلة بين جهات متعددة بحيث أحتملنا القبلة في كل نقطة من نقاطها فإن تمكن من الانتظار إلى أن ينكشف له القبلة لوصوله إلى منزله أو لدخول الليل وظهور الانجم أو لطلوع الشمس أو

[ 377 ]

[ لا يبعد العمل بالظن (1) ولو ترددت بين جهتين متقابلتين أختار الاخريين، ولو تردد بين المتصلتين فكالترديد بين الاربع، التكليف ساقط فيتخير بين الجهات ] غير ذلك مما يستكشف به القبلة تعين وبقيت حرمة التخلي إلى القبلة أو استدبارها بحالها. وإن لم يتمكن من الانتظار أندرجت المسألة في كبرى الاضطرار إلى أحد أطراف الشبهة لا بعينه وقد بينا في محله أن العلم الاجمالي لا يسقط عن التنجيز بالاضطرار لانه لم يتعلق بمخالفة الحكم الواقعي إذ لا أضطرار للمكلف إلى البول مستقبل القبلة أو مستدبرا لها وإنما تعلق بأرتكاب أحد أطراف الشبهة ولا يسقط بذلك سوى وجوب الموافقة القطعية مع بقاء المخالفة القطعية بحرمتها وقد ذكرنا في المباجث الاصولية أن الموافقة القطعية مع التمكن منها في أطراف العلم واجبة والمخالفة القطعية محرمة ومع العجز عنها تسقط عن الوجوب وتبقى المخالفة القطعية على حرمتها خلافا لصاحب الكفاية (قده) حيث ذهب إلى سقوط العلم الاجمالي عن التنجيز بطرو الاضطرار إلى أحد الاطراف لا بعينه (1) إذا ظن بالقبلة في جهة فهل يحرم التخلي إلى تلك الجهة أو أن الظن كالشك ولا يمكن الاعتماد عليه فلا محالة يتخير بينها وبين سائر الجهات؟ الصحيح أن الظن حجة في باب القبلة مطلقا وذلك لاطلاق صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر: يجزى التحرى أبدا إذا لم يعلم أين وجه القبلة (* 1) لدلاتها على كفاية الاخذ في باب القبلة بما هو أحرى وأرجح في نظر المكلف، ولا أشعار فيها بأختصاص ذلك بباب الصلاة بل مقتضى أطلاقها حجية الظن في تعيين القبلة بالاضافة إلى الاحكام المترتبة عليها وجوبية كانت كما في الصلاة والدفن ونحوهما أم تحريمية كما في التخلي أم شرطا كما في الذبح. وهذا


(* 1) المروية في ب 6 من أبواب القبلة من الوسائل.

[ 378 ]

[ (مسألة 15) الاحوط ترك إقعاد الطفل للتخلي على وجه يكون مستقبلا أو مستدبرا (1) ولا يجب منع الصبي والمجنون (2) إذا أستقبلا أو أستدبرا عند التخلي، ويجب ردع البالغ العاقل العالم بالحكم والموضوع (3) من باب النهي عن المنكر، كما أنه يجب إرشاده إن كان من جهة جهله بالحكم، ولا يجب ردعه إن كان من جهة الجهل بالموضوع. ] من الموارد ألتي أثبتنا حجية الظن فيها بالخصوص. (1) قد يستفاد من الدليل المتكفل لبيان حرمة الشئ أو من الخارج أن ذلك الشي مبغوض مطلقا وأن المولى لا يرضى بصدوره ولو من غير المكلفين كما في الخمر واللواط والزنا وقتل النفس وأمثالها مما علمنا أن الشارع لا يرضى بصدورها ولو من الصبي وفي مثل ذلك يحرم أيجاده وإصداره بالصبي بالاختيار لانه أيجاد للمبغوض شرعا. وقد لا يستفاد من نفس الدليل ولا من الخارج إلا حرمة الشئ على المكلفين ولا مانع في مثله من أصداره بغير المكلفين لعدم كونه مبغوضا من مثله والامر في المقام كذلك لان غاية ما ثبت بالاجماع والروايات إنما هي حرمة أستقبال القبلة وأستدبارها من المكلفين لان الخطاب مختص بهم كما في بعضها: إذا دخلت المخرج. (* 1) أو: لاتستقبل القبلة ولا تستدبرها (* 2) فلا يكون أستقبالها وأستدبارها مبغوضا من غير البالغين ومعه لا مانع من إقعاد الطفل إليها للتخلي هذا ولو شككنا في ذلك ولم نعلم أن المنهي عنه مبغوض مطلقا أو مبغوض من المكلفين أيضا لامانع من إقعاد الطفل إليها لاصالة البرائة عن حرمته. (2) كما يظهر وجهه مما يأتي في التعليقة الآتية. (3) المتخلي مستقبل القبلة أو مستدبرا لها قد يكون عالما بالحكم


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 2 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 379 ]

وموضوعه قد لا يكون وغير العالم قد يكون ناسيا وغافلا وقد يكون جاهلا بالحكم أو موضوعه. أما العالم بالحكم وموضوعه فلا أشكال في وجوب ردعه لوجوب النهي عن المنكر وحرمة العمل في حقه. وأما غير العالم فقد يكون جهله رافعا للحرمة الواقعية عنه كما في الناسي والغافل ولا يجب الردع في مثله لانما يصدر منهما عمل محلل حقيقة وغير مبغوض في حقهما. وقد يكون جهله مسوغا للعمل في مرحلة الظاهر فحسب ولا يتصف بالحلية الواقعية لاجله بل هو باق على مبغوضيته وحرمته كما هو الحال في موارد الجهل بالموضوع إذا أرتكب العمل أعتمادا على أصل أو أمارة نظير ما إذا ظن بالقبلة في جهة معينة أو قامت الامارة على ذلك وبال المكلف إلى غيرها وصادف القبلة واقعا لخطأ الامارة أو الظن. والردع في هذه الصورة أيضا غير واجب وهذا لا لان العلم مباح واقعا بل لانه مرخص في الارتكاب ومع الترخيص المولوي ولو في مرحلة الظاهر لا يبقى مجال للردع عنه وهذا هو الحال في جميع الشبهات الموضوعية إذا أعتمد فيها على أصل أو أمارة معتبرة ولم يصادفا الواقع إلا فيموارد علمنا فيها بأهتمام الشارع وعدم رضائه بصدورها ولو من غير الملكفين وذلك كما في النفوس والاعراض والاموال الخطيرة فإذا أراد تزويج أمرئة وعلمنا أنها أخته أو أراد قتل شخص بأعتقاد أنه سبع أو كافر وعلمنا أنه مؤمن محرم القتل وجب ردعه عن عمله وإن كان مستندا في عمله ذلك إلى حجة معتبرة. وأما لو كان المكلف جاهلا بالحكم ولم يكن جهله رافعا للحرمة الواقعية كما في موارد الغفلة والنسيان فيجب إرشاده من باب وجوب البيان وتبليغ الاحكام الشرعية وحفظها عن الانطماس والاندارس.

[ 380 ]

[ ولو سأل عن القبلة فالظاهر عدم وجوب البيان (1) نعم لا يجوز إيقاعه في خلاف الواقع (2) (مسألة 16) يتحقق ترك الاستقبال والاستدبار بمجرد الميل إلى أحد الطرفين (3) ولا يجب التشريق أو التغريب وإن كان أحوط. ] (1) لانه من السؤال عن الموضوع الخارجي ولا يجب فيه البيان. نعم لو سأل عن حكمها لوجب الجواب والبيان لوجوب تبليغ الاحكام وأرشاد الجهال (2) كما لو عين القبلة في غير جهتها ليبول إلى جهة القبلة. نظير ما إذا قدم طعاما جسا للجاهل ليأكله وقد ذكرنا في بحث المياه أن الشارع إذا نهي المكلف عن عمل دلنا ذلك بحسب الارتكاز على أن مبغوض الشارع مطلق الوجود بلا فرق ففي ذلك بين أيجاده بالمباشرة وأيجاده بالتسبيب فأيجاد البول إلى القبلة بالتسبيب كأصداره بالمباشرة حرام. (3) أما إذا كان المدرك هو التسالم والاجماع فلانه لا إجماع ولا تسالم على حرمة التخلي منحرفا عن القبلة إلى الشرق أو الغرب لاختصاصهما بالتخلي الي القبلة فحسب. وأما إذا كان المدرك هو الروايات فلانها إنما دلت على حرمة أستقبال القبلة وأستدبارها ولا دلالة لها على وجوب التشريق أو التغريب. وما ورد في بعض النصوص من قوله صلى الله عليه وآله ولكن شرقوا أو غربوا (* 1) غير صالح للاستدلال به على وجوبهما وذلك لضعفها بعيسى بن عبد الله وغيره ولعدم دلالته على وجوبهما بالمعنى المقصود في المقام أعني مواجهة المشرق أو المغرب لانهما بمعنى الميل إليهما والانحراف عن القبلة وبهذا المعنى يستعملان اليوم في عرفنا فيتحققان في أمثال بلادنا بالميل إلى طرفي الشرق أو الغرب


(* 1) وهو رواية عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن جده المروية في ب 2 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 381 ]

[ (مسألة 17) الاحوط فيمن يتواتر بوله أو غائطه مراعاة ترك الاستقبال والاستدبار بقدر الامكان وإن كان الاقوى عدم الوجوب (1). (مسألة 18) عند أشتباه القبلة بين الاربع لا يجوز أن يدور ببوله (2) ] (1) والوجه في ذلك أما بناء على أن مدركهما الاجماع والتسالم فلان المقدار المتيقن منهما حرمة الاستقبال والاستدبار في البول والغائط المعتادين وقيامهما على حرمتهما فيمن تواتر بوله أو غائطه غير معلوم. وأما بناء على أن المدرك هو الاخبار فلان ما يصدر من المتخلي مستقبل القبلة أو مستدبرا لها أمران: (أحدهما): الاستقبال وأستدبار القبلة. و (ثانيهما): التبول والتغوط فأن كان المحرم في حقه هو أستقبال القبلة وأستدبارها حال التخلي فمن تواتر بوله أو غائطه مشمول للاخبار الناهية عنهما لان مركز الحرمة أمر أختياري له وهو أستقباله وأستدباره وإن كان البول والغائط خارجين عن تحت قدرته. وأما لو كان المحرم على المتخلي هو التبول والتغوط مستقبل القبلة أو مستدبرا لها كما هو مدلول النصوص فالاخبار لا تشمل المقام ولا يحرم على من تواتر بوله أو غائطه أستقبال القبلة وأستدبارها لان الافعال الصادرة عن المكلفين إنما تتصف بالحرمة أو غيرها إذا كانت أختيارية لفاعلها والتبول والتغوط إنما يصدران عمن تواتر بوله أو غائطه لا بالاختيار فلا يتصفان بالحرمة في حقه فما أفاده الماتن (قده) هو الصحيح ومع ذلك فالاحوط ترك الاستقبال والاستدبار بقدر الامكان وفي غير ذلك لا يحرم للقطع بعدم حرمتهما في حقه زائدا على أمكانه ووسعه وإلا لاستلزم العسر ولحرج المنفيين في الشريعة المقدسة. (2) لاستلزامه المخالفة القطعية مع أتحاد الواقعة وقد تقدم أن الموافقة القطعية في أطراف العلم الاجمالي واجبة كما أن المخالفة القطعية فيها محرمة فيما إذا

[ 382 ]

[ إلى جميع الاطراف. نعم إذا أختار في مرة أحدها لا يجب عليه الاستمرار عليه بعدها (1) بل له أن يختار في كل مرة جهة أخرى إلى تمام الاربع، وإن كان الاحوط ترك ما يوجب القطع بأحد الامرين ولو تدريجا خصوصا إذا كان قاصدا ذلك من الاول، بل لا يترك في هذه الصورة. ] أمكننا وحيث لا يمكن الموافقة القطعية في المقام لاضطرار المكلف إلى التخلي مستقبلا أو مستدبرا لبعض الجهات سقط العلم الاجمالي عن التنجيز بالاضافة إلى وجوب الموافقة إلا أنه بالاضافة إلى حرمة المخالفة القطعية باق على تنجيزه لامكانها وقد مر أن الاضطرار إلى أرتكاب أحد أطراف الشبهة لا يوجب سقوط العلم الاجمالي عن التنجيز نعم إذا تمكن من الانتظار إلى أن يظهر الحال لكان العلم منجزا بالاضافة إلى وجوب الموافقة القطعية أيضا. (1) بأن كانت الواقعة متعددة كما إذا حبس مدة في مكان وأضطر فيه إلى البول متعددا وكون التخيير أستمرار حينئذ وعدم وجوب أختيار الطرف الذي قد أختاره في المرة الاولي كما ذهب إليه الماتن (قده) مبني على عدم تنجيز العلم الاجمالي في الامور التدريجية وقد ذكرنا في محله أن التدريجي كالدفعي والعلم الاجمالي منجز في كليهما وذلك لان للمكلف علوما إجمالية عند العلم بحرمة البول إلى أحدى الجهات وذلك أنه إذا بال إلى جهة علم أن البول إلى تلك الجهة أو إلى الجهة الاخرى محرم وهكذا الحال في المرة الثانيه والثالثة وهكذا ومقتضى ذلك تنجز التكليف بالاضافة إلى الموافقة والمخالفة القطعيتين. نعم الموافقة القطعية ساقطة عن الوجوب لعدم كونها ممكنة في حقه للاضطرار ولكن المخالفة القطعية باقية على حرمتها لكونها ميسورة له وقد تقدم أن الاضطرار إلى أحد أطراف الشبهة لا يوجب سقوط العلم عن التنجيز بالاضافة إلى حرمة المخالفة القطعية بلا فرق في ذلك أن يكون المكلف قاصدا للوصول إلى الحرام

[ 383 ]

[ (مسألة 19) إذا علم ببقاء شئ من البول في المجرى يخرج بالاستبراء فالاحتياط بترك الاستقبال أو الاستدبار في حاله أشد (1). ] من الابتداء وعدمه وإن كان القصد إليه أشنع فعلي ذلك لا يكون التخيير أستمراريا وإنما هو بدوي هذا. وقد يقال إن التخيير أستمراري في المقام وله أن يختار في كل مرة جهة غير الجهة ألتي أختارها أو لا بدعوى أنه إذا بال إلى جميع الجهات وإن حصل له العلم بالمخالفة القطعية إلا أنه يعلم حصول الموافقة القطعية أيضا لعلمه بأنه بال إلى غير القبلة في بعض الجهات لان الجوانب ليست قبلة بأجمعها. وأما إذا أقتصر على ما أختاره أولا فهو لم يرتكب المخالفة القطعية بالوجدان إلا أنه لم يحصل العلم بالموافقة القطعية أيضا لاحتمال أن تكون القبلة هي الجهة التي قد أختارها للتخلي فالموافقة والمخالفة أحتماليتان والامر يدور بين المخالفة القطعية المستلزمة للموافقة القطعية وبين الموافقة الاحتمالية المستلزمة للمخالفة الاحتمالية وهما سيان عقلا ولا ترجيح لاحدهما على الآخر هذا. ولا يمكن المساعدة على ذلك لان المخالفة الاحتمالية المقرونة بالموافقة كذلك لا يمكن مقايستها بالمخالفة القطعية المستتبعة للعلم بالموافقة القطعية لما بيناه في المباحث الاصولية من أن المخالفة الاحتمالية بالترخيص في بعض الاطراف أمر ممكن لا قباحة فيه وإنما لم نلتزم بجوازها لقصور أدلة أعتبار الاصول العملية وعدم شمولها للاطراف إذ شمولها لبعضها المعين لا مرجح له وشمولها للجميع يستلزم الترخيص في المعصية وشمولها لبعضها غير المعين لا معنى محصل له، وهذا بخلاف المخالفة القطعية لان الترخيص فيها وقبيح وإن كانت مستتبعة للعلم بالموافقة القطعية وعلى الجملة العقل لا يرخص في المخالفة القطعية تحصيلا للعلم بالموافقة القطعية. (1) تعرض (قده) في المسألة الرابعة عشرة لحكم الاستبراء مستقبل

[ 384 ]

[ (مسألة 2) يحرم التخلي في ملك الغير (1) من غير أذنه حتى الوقف الخاص، بل في الطريق غير النافذ بدون أذن أربابه (2) وكذا يحرم على قبور ] القبلة أو مستدبرها وجعل تركهما أحوط، وجعل الاحوط في المقام أشد وذلك لفرض علم المكلف بخروج البول بالاستبراء. وقد قدمنا جوازه مستقبل القبلة ومستدبرها لان المتيقن من التسالم والاجماع غير ذلك وليست الحرمة في الادلة اللفظية مترتبة على مجرد خروج البول من مخرجه وإنما هي مترتبة على عدم جواز البول مستقبل القبلة ومستدبرها ومن البديهي أن الاستبراء ولو خرج به البول لا يسمى بولا عرفا ولا يصدق معه أنه يبول بل يقال إنه يستبرء. (1) لحرمة التصرف في ملك الغير من غير أذنه ورضاه ونظيره الوقف الخاص لان التخلي فيه من دون رضى الموقوف عليه تصرف في الوقف على غير ما أوقفه أهله (2) حرمة التخلي في الطريق غير النافذ تبتني على أحد أمرين: (أحدهما): القول بأن الطرق غير النافذة مختصة كانت أم مشتركة ملك لاربابها بالحيازة ومن ثمة جاز لهم أن يجعلوا لها الباب وجاز منع غيرهم من التصرف فيها بأنحائه وهذا كله للسيرة الجارية عليه ومعه لا يجوز التصرف فيها إلا بأذن أربابها كما هو الحال في الاملاك والوقوف. (ثانيهما): أن التصرف فيها بالتخلي أو غيره بناء على عدم كونها ملكا لاربابها إنما يسوغ إذا لم يكن مزاحما لاستطراق أربابها. وأما إذا زاحمه ولو بتلوث أبدانهم وأثوابهم ولو في أستطراقهم ليلا فلامجوز لمنعهم ومزاحتمهم بالتخلي أو غيره كما هو الحال في الطرق النافذة لان التخلي وغيره من التصرفات إنما يجوز إذا لم يزاحم المارة بوجه.

[ 385 ]

[ المؤمنين (1) إذا كان هتكا لهم. (مسألة 21) المراد بمقاديم البدن: الصدر، والبطن، والركبتان (2). ] (1) لحرمة هتك المؤمن حيا وميتا. (2) أعتبر في باب الصلاة مضافا إلى أستقبال القبلة بالصدر والبطن والركبتين أستقبال القبلة بالوجه، ولا يعتبر هذا في المقام للفرق بين أستقبال القبلة في الصلاة وبين أستقبالها فيما نحن فيه والفارق هو الدليل لانه دل على أعتبار أستقبال القبلة بالوجه في الصلاة كما في قوله عز من قائل: وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره (* 1) وقد ورد النهي (* 2) عن الالتفات يمينا وشمالا في الصلاة وفي بعض الاخبار: أمروا أن يقيموا وجوههم شطره (* 3) وبالجملة الدليل الخارجي قام على أعتبار ذلك في باب الصلاة. ولم يقم أي دليل على أعتباره في المقام لان المناط في حرمة التخلي إنما هو صدق أستقبال القبلة بالبول والغائط ولا ينبغي التردد في عدم توقف ذلك أي صدق أستقبال القبلة على الاستقبال بالوجه. نعم يعتبر في المقام الاستقبال بالصدر لعدم صدقه لولاه وكذلك الاستقبال بالبطن لعدم أنفكاكه عن الاستقبال بالصدر. وأما الركبتان فقد ذكرنا في بحث الصلاة أن الاستقبال بهما غير معتبر في الصلاة فضلا عن غيرها وذلك لصحة الصلاة متربعا مع أن الركبتين تستقبلان الشرق والغرب. وفي الصلاة قائما وإن كانتا واقعتين نحو القبلة إلا أنه غير معتبر في أستقبال الصلاة هذا كله في باب الصلاة. وكذلك الحال في المقام لصدق أستقبال القبلة فيما إذا قعد للتخلي على النحو المتعارف بأن أستقبل القبلة بصدره وبطنه ورفع رجليهما أمامه فأن الركبتين


(* 1) البقرة: 2: 144 و 150. (* 2) و (* 3) راجع ب 1 من أبواب القبلة من الوسائل.

[ 386 ]

[ (مسألة 22) لا يجوز التخلي في مثل المدارس (1) التي لا يعلم كيفية وقفها من أختصاصها بالطلاب أو بخصوص الساكنين منهم فيها أو من هذه الجهة أعم ] حينئذ إلى السماء مع عدم صدق الاستقبال عليه وكذا الحال فيما إذا قعد للتخلي متربعا إذ يصدق عليه الاستقبال عرفا. مع أن الركبتين إلى الشرق والغرب على أن العادة جرت على الاستقبال بهما في التخلي لما عرفت من عدم أستقبال القبلة بالركبتين في التخلي على الوجه المتعارف أللهم إلا بمشقة خارجة عما هو المتعارف المعتاد. (1) إذا ثبت أن المدرسة مثلا وقفت لطائفة معينة أو لساكنيها أو لغيرهم بالبينة أو برؤية ورقة الوقف ونحوهما فهي من الوقوف الخاصة وقد تقدم أن التصرف فيها محرم ولا نعيد، كما أنه إذا ثبت أنها من الوقوف العامة جاز فيها التخلي وغيره من التصرفات. وإنما الكلام فيما إذا لم يثبت من ذلك. والاقوى حرمة التصرف حينئذ لان التصرف في الوقوف إنما يجوز إذا جعلها الواقف عامة بالنسبة إلى المتصرف فيها فالشك في جواز التصرف وعدمه ينشأ عن الشك في كيفية جعل الواقف وأنه جعل وقفه عاما أو خاصا ومقتضى أصالة عدم جعله عاما بالنسبة إلى المتصرف حرمة التصرف فيه. وبعبارة أخرى المدرسة قد خرجت عن سلطنة الواقف جزما وإنما الشك في أنها هل خرجت عن ملكه بجعلها وقفا عاما يشمل المتخلي أو بجعلها وقفا مختصا لطائفة لا يشمل المتصرف فيه والاصل عدم جعلها وقفا عاما بالاضافة إليه ولا يعارض ذلك أصالة عدم جعلها وقفا خاصا لانها وإن كانت تامة الاركان في نفسها إلا أن الاثر لم يتربت على عدم جعل الوقف خاصا، وإنما ترتب على جعلها وقفا عاما لان جواز التصرف في المال يتوقف على أذن المالك أو كون المتصرف

[ 387 ]

[ من الطلاب وغيرهم، ويكفي إذن المتولي (2) إذا لم يعلم كونه على خلاف الواقع، والظاهر كفاية جريان العادة (3) أيضا بذلك، وكذا الحال في غير التخلي من التصرفات الاخر. فصل في الاستنجاء يجب غسل مخرج البول بالماء (4). ] مالكا له والاذن مفروض العدم والمالكية بمعنى نفوذ التصرفات وجوازها إنما يثبت إذا كان الوقف عاما شاملا للمتخلي فعدم كونه وقفا خاصا لا أثر شرعي له وأستصحابه لاثبات عموم وقفها من الاصول المثبتة. (2) لحجية قول ذي اليد ما لم يعلم مخالفته للواقع. (3) كما إذا جرت العادة على التصرف في الوقف يدا بيد من دون مخالف ونكير وذلك لان يدهم يد عامة نوعية وهي كاليد الشخصية في الاعتبار وهذا هو الحال في الخانات الشاه عباسية الموجودة في بعض الطرق فإن المسافرين يدخلونها للتخلي ولسائر التصرفات ولا ينكر ذلك في زمان وبه يستكشف أن الوقف عام. فصل في الاستنجاء (4) الكلام في ذلك يقع من جهات: (الجهة الاولى): وجوب غسل المخرج بالماء. وقد تكلمنا في كبرى ذلك في مباحث المياه وقلنا إن المتنجس لا يطهر إلا بالغسل ولا يكفي فيه المسح والدلك كما أن الغسل لابد أن يكون بالماء ولا يكفي الغسل بالمضاف أو بغيره من المايعات وإنما الكلام في المقام في مخرج البول بخصوصه وأنه كمخرج الغائط يطهر بالتمسح

[ 388 ]

أو أنه كسائر المتنجسات التي لا يطهر إلا بالغسل بالماء؟ ويظهر من عدة روايات كفاية التمسح في مخرج البول. (منها): رواية سماعة قلت لابي الحسن موسى عليه السلام إني أبول ثم أتمسح بالاحجار فيجيئ مني البلل ما يفسد سراويلي قال: ليس به بأس (* 1). و (منها) موثقة حنان بن سدير قال: سمعت رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام فقال: إني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك على فقال: إذا بلت وتمسحت فأمسح ذكرك بريقك فإن وجدت شيئا فقل هذا من ذاك (* 2). و (منها): خبر عبد الله بن بكير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط قال: كل شئ يابس زكي (* 3) هذا والصحيح عدم كفاية التمسح في تطهيره وذلك لان أقصى ما يستفاد من الروايتين الاوليتين عدم تنجيس المتنجس وأن الذكر المتنجس بالبول لا ينجس الريق أو البلل الخارج منه كما أنهما لا ينجسان السراويل وغيره من ملاقايتهما فلا دلالة لهما على طهارة مخرج البول بالتمسح. مضافا إلى أن الرواية الاولى ضعيفة السند بحكيم بن مسكين والهيثم بن أبي مسروق لعدم توثيقهما على أنهما معارضتان في موردهما بصحيحة عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر.. قال: يغسل ذكره وفخذيه.. (* 4) لدلالتها على عدم طهارة الذكر بالمسح وتنجيس المتنجس ومن هنا أمر بغسل فخذيه لملاقاتهما مع المتنجس وهو الذكر. وأما رواية أبن بكير فهي مضافا إلى ضعيف سندها بمحمد بن خالد قاصرة الدلالة على المدعى لانها ظاهرة في أن مخرج البول بعد ما يبس لا ينجس


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 13 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 3) و (* 4) المرويتان في ب 31 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 389 ]

[ مرتين (1) ] لما لاقاه لا أنه يطهر بيبوسته فإن مجرد اليبوسة لو كان كافيا في تطهير المتنجس لم يحتج في تطهير الفرض والثياب والبدن وغيرها إلى الغسل مع وضوح عدم طهارتها إلا بالغسل بالماء فالعموم في قوله: كل شي.. بمعنى أن كل يابس لا تسري نجاسته لما لاقاه لا أنه يطهر باليبوسة هذا. مضافا إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا صلاة إلا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وأما البول فإنه لابد من غسله (* 1) ورواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال يجزي من الغائط المسح بالاحجار ولا يجزي من البول إلا الماء (* 2) فالمتحصل أن مخرج البول كسائر المتنجسات لا يطهر إلا بالغسل بالماء هذا كله في الجهة الاولى. (1) هذه هي الجهة الثانية من الجهات التي يتكلم عنها في المقام يقع فيها الكلام في أن الغسل مرة واحدة هل يكفي في تطهير مخرج البول أو يعتبر فيه التعدد؟ قد يقال بكفاية الغسل مرة ويستدل عليها بجملة من الاخبار: (منها): موثقة يونس بن يعقوب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الوضوء الذي أفترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال قال: يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين مرتين (* 3) لانه عليه السلام على ما هو ظاهر الموثقة بصدد بيان ما هو المعتبر في الاستنجاء ومع ذلك ترك التقييد بمرتين فظهورها في كفاية المرة قوي غايته ويزيدها ظهورا أنه عليه السلام قيد الوضوء بمرتين فإن التعرض لتعدد في الوضوء مع أستحبابه دون المقام أظهر في الدلالة على عدم أعتبار التعدد في مخرج البول.


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 9 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 390 ]

ويرد على هذا الاستدلال أن الموثقة إنما وردت لبيان ما هو المعتبر في الوضوء وذلك بقرينة السؤال لان السائل إنما سأله عن الوضوء الذي أفترضه الله على العباد وليست بصدد بيان ما يجب في تطهير مخرج البول فلو دلت الموثقة فإنما تدل على أشتراط الاستنجاء في صحة الوضوء كما يأني عند التعرض لتلك المسألة أللهم إلا أن يقال إن السؤال فيها وإن كان عن الوضوء إلا أنه عليه السلام تصدى لبيان ما يعتبر في الوضوء وما هو مقدمة له من غسل الذكر وتطهير موضع الغائط أيضا تفضلا إذا الموثقة مطلقة. والجواب عنها على ذلك يأتي في الجواب عن رواية نشيط فانتظره. و (منها): حسنة أبن المغيرة عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: للاستنجاء حد؟ قال: لا، ينقي ماثمة.. (* 1) لانها تقتضي بأطلاقها كفاية مجرد النقاء في الاستنجاء سواء أكان بالغسل بالماء أم بغيره وعلى تقدير الغسل بالماء غسل مرة أو مرتين. وفيه أن الاستنجاء لغة بمعنى إنقاء موضع الغائط بالغسل أو المسح لانه من النجو فلا يشمل موضع البول بوجه وإن كان في كلمات الفقهاء (قدهم) يستعمل بالمعنى الاعم. على أنه لو كان شاملا لغسل موضع البول في نفسه ففي الرواية قرينة على عدم أرادة المعنى الاعم وذلك لما ورد في ذيله من قوله: قلت ينقي ماثمة ويبقى الريح؟ قال: الريح لا ينظر إليه. ومن الظاهر أن الريح يختص بالغائط فالمراد بالاستنجاء في الحسنة هو إنقاء موضع الغائط فحسب. و (منها): صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا


(* 1) المروية في ب 13 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 391 ]

أنقطت درة البول فصب الماء (* 1) لان قوله: صب الماء بأطلاقه يقتضي جواز الاقتصار بالصب مرة واحدة. ويندفع: بأن الصحيحة بصدد بيان أن الاستبراء من البول غير معتبر في طهارة المحل بالغسل بل إذا صب الماء عليه بعد أنقطاع الدرة طهر وليست ناظرة إلى بيان عدم أعتبار التعدد في تطهير مخرج البول. و (منها): رواية نشيط عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول؟ فقال: مثلا ما على الحشفة من البلل (* 2) وهذه الرواية هي العمدة في المقام لاشتمالها على السؤال عن كم الماء ومقداره اللازم في غسل مخرج البول وقد دلت عليه أن كمه مثلا ما على الحشفة وتقريب دلالتها على المدعى أن مثلي البلل الموجود على رأس الحشفة إما أن يصبا عليها دفعة واحدة أو دفعتين لا سبيل إلى أرادة الثاني بوجه لان مثل البلل إذا صب على المحل خرج عن كونه ماء مطلقا لامتزاجه بالبول المساوي معه بحسب الكم ومن الظاهر أن المضاف لا يكفي في تطهير المتنجس فأرادة الشق الاول هي المتعينة والجواب عن هذه الرواية أنها ضعيفة السند بهيثم أبن أبي مسروق بل يمكن المناقشة في سندها بغير ذلك أيضا فليراجع. ثم لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على صحة سندها لكون الرواية موردا لاعتمادهم (قدهم) حيث أدرجوا عبارتها في كتبهم وفتاويهم وقالوا: يجزي في الاستنجاء من البول مثلا ما على الحشفة فهي قابلة للمناقشة في دلالتها وذلك لان أقصى ما هناك أن الرواية بأطلاقها يقتضي كفاية الغسل مرة وليست صريحة في ذلك لان مثلا أعلى الحشفة قد يصبا مرة واحدة وقد يصبا مرتين


(* 1) المروية في ب 31 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 26 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 392 ]

ولا تقييد في الرواية بأحدهما. و (دعوى) أن القطرة الاولى بملاقاتها مع البلل الكائن على الحشفة يخرج عن كونها ماء مطلقا مما لا يصغى لايه لان القطرة إذا وصلت إلى الحشفة سقطت عنها القطرة العالقة على المحل كما أن القطرة الثانية إذا وصلت إليها سقطت عنه القطرة الاولى لا محالة ومعه لا تجتمع القطرتان في رأس الحشفة ليخرج الماء عن أطلاقه بالامتزاج بل لولا أنفصال البول بالصبة الاولى عن المحل لم يمكن الاقتصار بصب مثلي ما على الحشفة دفعة واحدة أيضا وذلك لان الماء إذا أمتزج بشئ آخر بمقدار الثلث خرج عن أطلاقه فلو أمتزج كران من الماء بمقدار كر من البول سلب أطلاقهما لان الثلث لا يندك في الثلثين حتى لا يؤثر فيهما فالمتحصل أن كفاية المرة إنما تستفاد من أطلاق الرواية. إذا لا مانع من تقييدها بغيرها مما دل على أعتبار التعدد في البول لصحيحة البزنطي قال: سألته عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين (* 1) وغيرها من الاخبار الدالة على المراد ومقتضى الجمع العرفي بينهما حمل المطلقة على بيان كم الماء اللازم في غسل مخرج البول من دون أن تكون متعرضة لكيفيته من أن المثلين يصبان مرة أو مرتين فإن المدار في كيفية الغسل على المقيدات وهي تقتضي لزوم الصب مرتين. هذا وقد يقال كما عن غير واحد إن صحيحة البزنطي وغيرها من المقيدات المشتملة على كلمة (الاصابة) منصرفة عن مخرج البول لان ظاهر الاصابة إصابة البول للجسد من غير الجسد ولا تشمل البول الخارج من الجسد وهذه الدعوى لا يمكن تتميمها بدليل وذلك لان الاصابة بمعنى الملاقاة


(* 1) المروية في ب 1 من النجاسات و 26 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 393 ]

وهى تعم البول الواصل من الجسد إلى الجسد فلو ورد أغسل بدنك مما يصيبه من النجاسات فهل يشك في شموله للدم أو المني أو غيرهما من النجاسات الخارجة من البدن؟! على أن العمل بظاهر الرواية غير ممكن في نفسها لانها تدل على كفاية مثلي ما على الحشفة من البلل وهو عبارة عن الاجزاء اللطيفة المتخلفة في المحل ونسبة البلل الموجود على الحشفة إلى القطرة كنسبة الواحد إلى العشرة، إذ القطرة الواحدة يمكن أن تبلل بها الكف مثلا ونسبة مخرج البول إلى الكف كنسبة الواحد إلى العشرة أو ما يقاربها فما على الحشفة من البلل عشر القطرة تقريبا ولا شبهة في أن مثلي عشر القطرة لا يستوعب مخرج البول أستيعابا يصدق عليه الغسل عرفا. مع أن مقتضى الادلة ومنها موثقة يونس بن يعقوب المتقدمة (* 1) المشتملة على قوله يغسل ذكره. أعتبار الغسل في تطهير مخرج البول ظاهر الرواية مما لا يمكن العمل به. وأما العمل على خلاف ظاهرها بحمل البلل على القطرة كما عبرنا بها آنفا فهو أمر يحتاج إلى دليل لعدم حجية الرواية فيما يخالف ظاهرها هذا كله في رواية النشيط وقد ظهر بذلك الجواب عن موثقة يونس المتقدمة أيضا بناء على أنها مطلقة إذ لابد من تقييدها بصحيحة البزنطي وغيرها من المقيدات ثم إن للنشيط رواية أخرى في المقام وهي مرسلة عن أبى عبد الله عليه السلام قال: يجزي من البول أن تغسله بمثله (* 2) وهي مضافا إلى إرسالها قاصرة الدلالة على المدعى لان الضمير في (بمثله) غير ظاهر المرجع فهل يرجع إلى ما على الحشفة وهو غير مذكور في الرواية أو يرجع إلى البول ومعناه لانه لابد من غسل البول


(* 1) المتقدمة في ص 389 (* 2) المروية في ب 26 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 394 ]

بمثله من الماء. والظاهر أنها بصدد بيان أن البول كالماء فكما أن غسل الماء المتنجس لا يحتاج إلى مسح أو ذلك ونحوهما فكذلك البول يرتفع بصب الماء عليه من دون حاجة إلى دلكه وهذا بيان للحكم المترتب على البول على نحو الاطلاق فلا أختصاص له بمخرج البول لان الوارد في الرواية مطلق البول. وقد صرح بذلك في مرسلة الكليني: وروي أنه يجزي أن يغسل بمثله من الماء إذا كان على رأس الحشفة وغيره (* 1) كما صرح بعدم أعتبار الدلك فيه في مرسلته الثانية: روى أنه ماء ليس بوسخ فيحتاج أن يدلك (* 2) فالضمير على ما ذكرناه راجع إلى البول بالمعنى المتقدم فلا دلالة لهما على كفاية المرة بوجه. و (منها): صحيحة زرارة أن أبي جعفر عليه السلام قال: لا صلاة إلا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وأما البول فإنه لابد من غسله (* 3) لان مقتضى طألاقها جواز الاقتصار على الغسل مرة واحدة. والجواب عن ذلك أن الصحيحة إنما سيقت لبيان الفارق بين المخرجين وأن مخرج الغائط يكفى فيه التمسح بالاحجار دون مخرج البول ولم يرد لبيان كفاية المرة في البول هذا مضافا إلى أنها على تقدير أطلاقها كرواية نشيط المتقدمة وغيرها لابد من أن يقيد بما دل على لزوم التعدد في البول كما مر وعلى الجملة أن التعدد في غسل مخرج البول لو لم يكن أقوى فلا أقل أنه أحوط. تتميم: لقد تلخص عما سردناه أن الاخبار المستدل بها على كفاية المرة بين ما ليس بصدد البيان من تلك الناحية كصحيحة زرارة وغيرها وبين


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 26 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 9 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 395 ]

ما لا يعتمد على سنده على تقدير دلالته. بقي الكلام في صحيحة البزنطي المتقدمة وغيرها من الاخبار الواردة في تعدد الصب أو الغسل فيما أصابه البول فإن منعنا دعوى أنصارفها إلى أصابة البول للجسد من غير الجسد كما عرفت فلا كلام فيما قويناه آنفا من أعتبار التعدد في مخرج البول. وأما لو قلنا بأنصراف الاخبار إلى إصابة البول من غير الجسد كما لعله معنى الاصابة في صحيحة داود أبن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان بنوا أسرائيل إذا أصاب أحدهما قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض.. (* 1) لوضوح أن الاصابة لا يمكن أن يراد بها ما يعم إصابة البول الخارج من الجسد للجسد حتى يشمل لمخرج البول فإن قرضه بسبب البول يستلزم أنعدامه متدرجا فيمكننا الاستدلال على أعتبار التعدد بأن الامر بالغسل أرشاد إلى النجاسة كما مر غير مرة ولا فرق في نجاسة البول حسبما هو المرتكز في الاذهان بين مخرج البول وغيره. ثم لو تنزلنا عن ذلك أيضا ومنعنا أرتكاز التسوية بين البول الخارج من الجسد والطارئ من غيره ولو بأحتمال الفرق بينهما لدى العرف فلا محالة تصل النوبة إلى الاصول العملية لعدم جواز التمسك بأطلاق الادلة الدالة على كفاية الغسلة الواحدة في مطلق النجاسات وذلك لما فرضناه من أنها كالأدلة الدالة على التعدد منصرفة إلى النجاسات الخارجية ولا تشمل البول الخارج من الجسد فإذا وصلت النوبة إلى الاصول العملية: فعلى ما سلكه المشهور من جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية لابد من الالتزام بالتعدد إذ بعد الغسلة الواحدة نشك في طهارة مخرج البول وعدمها ومعه يجري أستصحاب النجاسة ما لم يقطع بالارتفاع وأما بناء على مسلكنا من عدم جريان الاستصحاب في الاحكام لابتلائه بالمعارض دائما فبعد الغسلة


المروية في ب 1 من أبواب الماء المطلق و 31 من أبواب أحكام الخلوة من المسائل.

[ 396 ]

[ والافضل ثلاث (1) بما يسمى غسلا (2) ولا يجزئ غير الماء، ولا فرق بين الذكر، والانثى، والخنثى (3) وكذا لا فرق بين المخرج الطبيعي وغيره معتادا ] الواحدة إذا شككنا في نجاسه المخرج رجعنا إلى قاعدة الطهارة وبها يقتصر في تطهير مخرج البول على الغسل مرة. (1) لما رواه زرارة قال: كان يستنجي من البول ثلاث مرات ومن الغائط بالمدر والخرق (* 1) وعن المنتقى أن ضمير (كان) عائد إلى أبي جعفر عليه السلام وقوله كان يدل إنه عليه السلام كان مستمرا عل الثلاث وهذا يكشف عن رجحانه لانه لولاه لم يكن وجه لاستمراره عليه السلام عليه نعم لو كان صدر ذلك منه عليه السلام مرة أو مرتين لم يستكشف به الرجحان أبدا. ثم إن المدرك في أسناد الرواية إلى أبي جعفر عليه السلام شهادة المنتقى كما مر ولا ندري من أين جاء به؟ لان زراره لجلالته وعلو منزلته وإن كان لا يروي عن غير المعصوم عليه السلام إلا أن تعيينه في أبي جعفر عليه السلام يحتاج إلى قرينة لانه عاصر كلا من الباقر والصادق عليهما السلام ولا دليل على تعيين المروي عنه في أحدهما عليهما السلام وربما أحتمل رجوع الضمير في (قال) إلى أبي جعفر عليه السلام وفي (كان) إلى النبي صلى الله عليه وآله ولا نرى لهذا الاحتمال وجها يقتنع به لان الرواية مروية عن زرارة وظاهرها أنه الفاعل له (قال) فأرجاع الضمير فيه إلى النبي صلى الله عليه وآله مع أنه لم يذكر في الكلام يحتاج إلى قرينة معينة ولا قرينه عليه. (2) لموثقة يونس وصحيحة زرارة المتقدمتين (* 2) وغيرهما من الادلة القائمة على أعتبار الغسل في تطهير المتنجسات. (3) لاطلاق الاخبار الدالة على التعدد. نعم لو بنينا على كفاية


(* 1) المروية في ب 26 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) المتقدمتان في ص 389

[ 397 ]

[ أو غير معتاد (1) وفي مخرج الغائط مخير (2) بين الماء والمسح بالاحجار أو الخرق ] المرة في المقام لاختص ذلك بالرجال وذلك لان عمدة الدليل على هذا القول روايتان: (أحداهما) موثقة يونس بن يعقوب. و (ثانيتهما): رواية نشيط وهما مختصتان بالرجال. أما الموثقة فبقرينتين: (إحداهما): قوله عليه السلام يغسل ذكره و (ثانيتهما): قوله: ويذهب الغائط وذلك لان الا ذهاب بمعنى الازالة ولو بالتمسح بالخرق والمدر والاستنجاء بغير الماء إنما يتم على الاغلب في الرجال لان من البعيد في النساء أن لا يصل بولهن إلى حواشي مخرج الغائط ومعه لا يتكفى بالتمسح في الاستنجاء منه، وعلى الجملة أن موردها الذكر فهي مختصة بالرجال. نعم لو كان مورد الموثقة شيئا قابل التحقق في النساء تعدينا من الذكر إلى الانثى أيضا بقاعدة الاشتراك في التكليف كما إذا كان السؤال فيها عن الغسل. وأما الرواية فأختصاصها بالرجال أظهر من سابقتها لقوله عليه السلام فيها: مثلا ما على الحشفة من البلل. (1) كل ذلك لاطلاق الاخبار نعم لو قلنا بكفاية المرة في مخرج البول أختص ذلك بالمخرج الطبيعي لورود الروايتين المتقدمتين في الذكر والحشفة ولا مناص معه من الالتزام بالتعدد في غير المخرج الطبيعي والخنثى. (2) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا صلاة إلا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وأما البول فإنه لابد من غسله (* 1) وغيرها من الاخبار الواردة في المقام فإن قوله عليه السلام يجزي يدلنا على جواز الاجتزاء في الاستنجاء بالتمسح ولا دلالة لها على تعينه ومعه يجوز الاقتصار بالماء أيضا بل الاستنجاء به أفضل كما يأتي


(* 1) المروية في ب 9 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 398 ]

[ إن لم يتعد عن المخرج (1) على وجه لا يصدق عليه الاستنجاء. ] عن قريب. مضافا إلى المطلقات والاخبار الواردة في كفاية الغسل بالماء (* 1). ثم إن الاستنجاء بالماء أو بالتمسح مختص بما إذا نجس الغائط شيئا من ظاهر البدن وأطراف المقعدة وأما إذا خرج من غير أن ينجس شيئا من ظاهره كما قد يتفق فالظاهر عدم وجوب شي منها لعدم تنجس الباطن وعدم وجوب غسله وإنما يجب الغسل في ظواهر البدن ومع عدم تنجسها لا مقتضي للغسل والتطهير. وأحتمال وجوب الغسل أو التمسح تعبدا يندفع بأنه يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه. (1) قد يتعدى الغائط إلى جسم آخر غير متصل بمخرجه كما إذا طفر وأصاب رجله أو فخذه ولا كلام حينئذ في تعين الغسل بالماء لانه جسم متنجس مبائن لمخرج الغائط فلا يكفي فيه التمسح بوجه وقد يتعدى إلى ما هو متصل بالمخرج زائدا على المقدار المتعارف كما إذا أستنجى قائما لانه يستلزم إصابة الغائط بالاليتين وغيرهما زائدا على المعتاد المتعارف في الاستنجاء. وفي هذه الصورة أيضا يتعين غسل المقدار الزائد بالماء ولا يكفى فيه التمسح لعدم صدق الاستنجاء عليه. نعم لهم كلام في أن المسح هل يكفى في تطهير المخرج حينئذ أو إنه كالمقدار الزائد لابد من أن يغسل بالماء. والصحيح كفاية التمسح للاطلاقات فهو مخير في تطهير المخرج بين المسح


(* 1) كموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال.. وإن خرج من مقعدته شئ ولم يبل فإنما عليه أن يغسل المقعدة وحدها ولا يغسل الاحليل. المروية في ب 28 من أبواب أحكام الخلوة وفي جملة أخرى منها، إنما عليه أن يغسل ما ظهر منها يعني المقعدة وليس عليها أن يغسل باطنها. المروية في ب 29 من أبواب أحكام الخلوة. وغيرها من الروايات.

[ 399 ]

[ وإلا تعين الماء (1) وإذا تعدى على وجه الانفصال، كما إذا وقع نقطة من الغائط على فخده من غير أتصال بالمخرج، يتخير في المخرج بين الامرين (2) ] والغسل وإن كان الغسل في المقدار الزائد على المعتاد متعينا ويتعدى ثالثا إلى حواشي المخرج المقدار المتعارف المعتاد، والظاهر كفاية التمسح في الزائد لان المسح بالخرق ونحوها قد كان متعارفا في تلك الازمنة والاخبار الواردة في الاجتزاء به ناظره إلى الاستنجاء المتعارف ولا كلام في أن التعدي إلى حواشي المخرج أمر معتاد وإن كان لا يتعدى إليها أحيانا إلا أن المتعارف هو التعدي وعدم كفاية التمسح حينئذ يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه إلا أن يقوم الاجماع عليه وهو أمر لانحتمله فضلا عن الظن أو الاطمئنان به حيث أن لازم ذلك تخصيص روايات التمسح بالاجماع وحملها على المورد النادر وهو كما نرى. وأما ما نسبه المجهور إلى علي عليه السلام من أنه قال: كنتم تبعرون بعرا وأنتم اليوم تثلطون ثلطا فأتبعوا الماء الاحجار (* 1) فهو على تقدير صدوره مندفع بأن الاخبار الواردة في جواز الاكتفاء بالتمسح إنما صدرت عنهم عليهم السلام في عصر السعة والرخاء متأخرا عن عصر علي عليه السلام ومع ذلك كيف يمكن الالتزام بمفاد الرواية على أن لازمها تخصيص الاخبار الورادة في المقام بالموارد النادرة وهو أمر لانحتمله. (1) كما مر. (3) تقدم وجهه.


(* 1) نسبه إلى على عليه السلام أبن قدامة في المغنى ج 1 ص 159 وأبن الاثير في النهاية وأبن منظور في لسان العرب في مادة ثلط وقد ينست إلى الحسن البصري كما في بدايع الصنايع ج 1 ص 21.

[ 400 ]

[ ويتعين الماء فيما وقع على الفخذ (1) والغسل أفضل (2) من المسح بالاحجار، والجمع بينهما أكمل (3) ولا يعتبر في الغسل تعدد بل الحد النقاء (4) وإن حصل بغسلة ] (1) لما عرفت. (2) لما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) قال: كان الناس يستنجون بالكرسف والاحجار ثم أحدث الوضوء وهو خلق كريم فأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وصنعه فأنزل الله في كتابه إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (* 1) وغيرها من الاخبار. (3) لم يظهر لنا معنى أكملية الجمع. نعم هو جمع بين الامرين ولا إشكال في جوازه. وأما ما ورد عن علي عليه السلام فأتبعوا الماء الاحجار (* 2) فقد عرفت أنه حديث عامي والحكم بأستحباب الجمع بذلك مبني على القول بالتسامح في أدلة السنن وأستحباب ما بلغ فيه الثواب ولو بطريق غير صحيح وأما بناء على ما سلكناه في محله من أن أخبار من بلغ لا دلالة لها على أستحباب العمل وإنما تدل على ترتب الثواب على أتيانه برجاء الثواب والاستحباب وأنها إرشاد إلى حسن الانقياد فلا يمكننا الحكم بأستحباب الجمع وأكمليته بالخبر الضعيف لان الاستحباب كالوجوب حكم شرعي لا يثبت إلا بحجة معتبرة. (4) لحسنة أبن المغيرة عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: للاستنجاء حد؟ قال: لا ينقى ما ثمة.. (* 3) وموثقة يونس بن يعقوب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الوضوء الذي أفترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط


(* 1) المروية في ب 34 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) المتقدمة في ص 399 (* 3) المروية في ب 13 و 35 من أبواب أحكام الخلوة و 25 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 401 ]

[ وفي المسح لابد من ثلاث (1) وإن حصل النقاء بالاقل، وإن لم يحصل بالثلاث فالي النقاء، فالواجب في المسح أكثر الامرين من النقاء والعدد. ] بال، قال: يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين مرتين (* 1) لدلالتها على أن المدار إنما هو إذهاب الغائط سواء كان ذلك بالتمسح أو بالغسلة الواحدة أو بالغسلتين. (1) لا ينبغي التردد في أن الغائط إذا لم يذهب عينه بالتمسح ثلاثا لم يحكم بطهارة المحل بل وجب غسله أو التمسح بعد ذلك حتى النقاء إذ لا يحتمل طهارة المحل بمجرد المسح ثلاث مرات وإن كانت العين بحالها فزوال العين مما لابد منه في كل من الغسل والمسح. وإنما الكلام في أن النقاء إذا حصل بأقل من الثلاث فهل يكتفى به في تطهير المحل أو يجب إكمال الثلاث؟ والكلام في ذلك يقع في موردين. (أحدهما): أن التمسح بأقل من الثلاث هل دل دليل عليه كفايته بحيث لا تصل النوبة إلى الشك والاصل العملي من أستصحاب النجاسة أو قاعدة الطهارة أو لادليل عليها ولابد من الرجوع إلى الاصل العملي في المسألة؟ و (ثانيهما): في الادلة الواردة في التقييد بالثلاث. (أما لمورد الاول) فقد يستدل على كفاية الاقل من الثلاث بعدة من الروايات. (منها): موثقة يونس بن يعقوب المتقدمة لان السؤال فيها وإن كان عن الوضوء إلا أنه عليه السلام تصدى لبيان ما يعتبر في الوضوء ومقدماته من غسل الذكر وتطهير موضع الغائط أيضا تفضلا وحيث أنه لم يقيد إذهاب الغائط بشئ فمقتضى أطلاقها عدم الفرق بين التمسح مرة واحدة أو مرتين لان المدار على ما


(* 1) المروية في ب 9 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 402 ]

يستفاد منها إنما هو على ذهاب الغائط فحسب فإذا حصل بالمسح مرة واحدة حكم بكفايته. وعن شخينا الانصاري (قده) المناقشة في الموثقة بإن ذكر الوضوء. في صدرها وذكر غسل الذكر في الجواب قرينتان على أنها ناظرة إلى التطهير بالماء فلا تعم التمسح بالاحجار أو غيرها فالمراد من الموثقة أنه يغسل ذكره ودبره وإنما ترك التعبير بغسل الدبر للاستهجان بذكره. وفيه أن الذكر والدبر في الاستهجان سواء فلماذا صرح بالذكر دون الدبر؟ على أن في بعض الروايات صرح بمسح العجان (* 1) وهو والدبر بمعنى واحد هذا مضافا إلى إمكان التعبير عن الدبر بموضع الغائط ومحل النجو ونحوهما مما لاأستهجان في ذكره فعدم ذكر الغسل في موضع الغائط يكشف عن أن الموثقة ناظرة إلى كفاية مجرد النقاء سواء أكان بالماء أو بالتمسح مرة أو مرتين أو أكثر. و (منها): حسنة أبن المغيرة المتقدمة (* 2) لانها صريحة الدلالة على أن حد الاستنجاء هو النقاء سواء حصل ذلك بالغسل أو بالتمسح مرة أو مرتين أو أكثر. وربما يناقش في دلالتها كما عن شيخنا الانصاري (قده) بأن الرواية بذيلها: قلت ينقي ماثمة ويبقى الريح؟ قال: الريح لا ينظر إليها، ظاهرة في أرادة النقاء لان الريح الباقية في المحل إنما يستكشف بأستشمام اليد، ومزاولة اليد المحل إنما هي في الاستنجاء بالماء. (* 1) وهي صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان ولا يغسله.. المروية في ب 30 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) في ص 400

[ 403 ]

ولا يخفي ضعف هذه المناقشة لان بقاء الريح كما يمكن أستكشافه بأستشمام اليد المزاولة للمحل كذلك يمكن أن يستكشف بغيرها من الاشياء الملاقية له وكذا بأستشمام اليد الماسحة على الموضع بعد التمسح بالاحجار أو الخرق ونحوهما فهذه المناقشة ساقطة. نعم يرد على الاستدلال بالحسنة أن المراد بالنفاء لو كان يعم التمسح لكان الاولى بل المتعين أن يسأل عن الاجزاء الصغار أيضا لتخلفها في المحل وعدم زوالها بالتمسح ويشهد لذلك أختياره في اليد الملوثة بالوحل أو غيره حيث ترى أن مسحها بالحجر أو الخرق لا يزيل الاجزاء الصغار ومن هنا ذكر فقهائنا الاعلام (قدهم) أنه لا يعتبر في الاستنجاء بالتمسح إزالة الاثر المفسر بالاجزاء الصغار دون الاعراض الخارجية من اللون والرائحة ونحوهما لعدم أعتبار زوالها في الغسل فكيف بالمسح. وحيث لم يسئل عن الاجزاء الصغار فيستكشف به أن الرواية ناظرة إلى الاستنجاء بالماء ولا تعم التمسح أصلا. بل لو كانت الرواية ناظرة إلى الاعم منه لم يبق موجب للسؤال عن بقاء الريح بوجه وذلك لان التمسح غير قالع للاجزاء الصغار وهى مستتبعة لبقاء الريح بلا كلام ومع العفو عن الاجزاء المذكورة كيف يكون بقاء الريح مخلا للطهارة؟. وهذا بخلاف ما إذا أختصت الرواية بالغسل فإن بقاء الريح أمر لا يلازمه بل قد تزول به وقد لا تزول كما إذا كان الغائط عفنا جدا. وعليه فللسؤال عن بقاء الريح مجال. وحاصل الجواب عنه أن المبالغة في الغسل على وجه يذهب به الريح غير معتبر في اسأتنجاء ومجرد زوال العين كاف في طهارة المحل ولعل هذا مراد من منع عن دلالة الرواية على كفاية الاقل من الثلاث في المسح. و (منها): رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: يجزي

[ 404 ]

من الغائط المسح بالاحجار ولا يجزي من البول إلا الماء (* 1) بتقريب أن اللام في الاحجار للنجس ومقتضاه أن جنس الحجر كاف في تطهير المحل متعددا كان أو غيره ولم يرد به الجمع ليقال إن أقل الجمع ثلاثة. وفيه أن اللام وإن كان للجنس كما أفيد إذ لا يحتمل حمله للاستغراق للقطع بعدم أراده التمسح بأحجار العالم جمع كما لا يحتمل حمله على العهد لبعد إرادة الاحجار المعهودة خارجا فلا مناص من أن يكون اللام للجنس والطبيعة وإنما الكلام في أن المراد به طبيعي الفرد أو طبيعي الجمع ولا أشكال في أن ظاهر اللام الداخل على الجمع جنس الجمع لا الفرد حيث لا قرينة على العهد ولم يمكن حمله على الاستغراق نعم قد تقوم القرينة على أرادة جنس الفرد من اللام الداخل على الجمع كما في قوله عز من قائل: وأعلموا أنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى والتيامى والمساكين وأبن السبيل.. (* 2) وقوله: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها.. (* 3) وذلك لوضوح أن الخمس والصدقات إنما تدفعان للافراد لا إلى الجموع. فهذه الرواية على خلاف المطلوب أدل. و (منها): مضمرة زرارة: كان يستنجي من البول ثلاث مرات ومن الغائط بالمدر والخرق (* 4) حيث لم يقيد المسح بالمدر والخرق بالتعدد ومقتضى أطلاقها كفاية التمسح مطلقا. ويرد هذا الاستدلال أن الرواية غير واردة لبيان أعتبار التعدد وعدمه وإنما وردت حكاية عن فعل الامام عليه السلام وغاية ما تدل عليه أن مخرج البول لا يجتزئ


(* 1) المروية في ب 30 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) الانفال: 41: 8. (* 3) التوبة: 9: 60. (* 4) المروية في ب 26 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 405 ]

فيه بالتمسح لالتزامه عليه السلام فيه بالماء وإنما يكفي ذلك في الغائط. وأما أنه يكفي مطلقا أو ثلاث مرات فليست الرواية ناظرة إليه وعلى الجملة الراوي إنما حكى عن الامام كفاية التمسح في الغائط دون التعدد وعدمه إذ لم يكن عليه السلام يستنجي من الغائط بمرئى من زرارة ليتمكن من حكاية ذلك عنه عليه السلام والحاصل أن الاخبار المتقدمة لا دلالة في شئ منها على الاجتزاء بالاقل من الثلاث عدا موثقة يونس لتمامية دلالتها كما مر ومعها لا تصل النوبة إلى الاصل فإن قام دليل مقيد لاطلاقها فلا كلام وإلا فلا مناص من الاخذ بأطلاق الموثقة والحكم بالاجتزاء بالاقل من الثلاث في المسح كالغسل هذا كله في المورد الاول. و (أما المورد الثاني): فقد ورد في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا صلاة إلا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله (* 1) وقد قيدت المجزئ من الاستنجاء بالثلاث وحيث أنا نلتزم بمفهوم العدد بالاضافة إلى الاقل لان المتفاهم العرفي في مثل قولنا: الاقامة عشرة أيام موجبة لاتمام الصلاة. عدم وجوب الاتمام في الاقامة بما دون العشرة فلا مناص من الالتزام بعدم أجزاء ما دون الاحجار الثلاثة في المقام فهي صالحة لتقييد الموثقة المتقدمة بما إذا كان إذهاب الغائط في التمسح بالثلاث هذا وقد نوقش في التقييد بهذه الصحيحة من وجوه: (الاول): أستبعاد وجوب التمسح ثانيا وثالثا بعد النقاء لان المسح وقتئذ لغو ظاهر لا يترتب عليه أي أثر. ويبعده أن الاحكام التعبدية لا سبيل إلى أستكشاف ملاكاتها بالوجوه الاعتبارية والاستحسانات ومن المحتمل أن يكون الملاك في وجوب التمسح ثلاثا أمرا آخر وراء النقاء. ونظائر ذلك كثيرة. في الشريعة المقدسة.


(* 1) المروية في ب 9 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 406 ]

(منها): وجوب الغسل مرتين كما في المتنجس بالبول لانا إذا بالغنا في الغسلة الاولى في غسله وأزلنا عنه العين وأثرها لم يترتب على الغسلة الثانية أثر حينئذ مع أنها معتبرة في الحكم بطهارته و (منها): وجوب الغسل ثلاث مرات في الاناء مع أن العين قد تزول عنه بالاقل من الثلاث ومن هذا القبيل نفس الخزف المصنوع منه الاناء لانه إذا صنع بهئية غير الاناء كفى في تطهيره الغسل مرة وإذا صنع بهيئة إلاناء أعتبر فيه الغسل ثلاث مرات مع أن الخزف هو الخزف بعينه وكذا الحال في إزالة الغائط بالتمسح حيث يختص ذلك بما إذا كان الغائط في المحل لانه إذا كان في غير المخرج لم يكف في إزالته المسح من غير خلاف مع أن العذرة هي العذرة بعينها وعلى الجملة لا مجال لاستكشاف الملاكات بالاستحسان وحيث أن الدليل دل على وجوب التمسح ثلاثا فلا مناص من الاخذ بظاهره والحكم بأعتبار التعدد وإن حصل النقاء قبل الثلاث. (الثاني): أن الصحيحة تشتمل على كلمة (السنة) وهي تحتمل الاستحباب ومع أحتماله لا يمكن الاستدلال بها على وجوب التمسح ثلاثا. ويندفع بأن السنة في قبال الفريضة فالمراد بها ما ثبت وجوبه وتشريعه من النبي صلى الله عليه وآله كما أن الفريضة هي ما أوجبه الله سبحانه في كتابه. وأستعمال السنة بالمعنى المذكور أمر شايع في الاخبار فإذا قبل: الركعتان الاخيرتان سنتان في الصلاة لايراد منها أستحبابهما وهذا ظاهر. (الثالث): أن التقييد في الصحيحة بالثلاث إنما ورد مورد الغالب لعدم حصول النقاء غالبا بالمسح بأقل من ثلاث مرات ولا مفهوم للقيد إذا كان واردا مورد الغالب كما في قوله عز من قائل: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن (* 1) وهذه المناقشة يرد عليها أمران:


(* 1) النساء 4: 23.

[ 407 ]

[ ويجزئ ذو الجهات الثلاث (1) من الحجر، وبثلاثة أجزاء من الخرقة الواحدة، وإن كان الاحوط ثلاثة منفصلات. ] (أحدهما): منع الكبري المدعاة لان الاتيان بأي قيد في الكلام ظاهره أن للمتكلم عناية خاصة به وهو يقتضي المفهوم لا محالة ورد في مورد الغالب أو غيره لان الغلبة غير مانعة عما ندعيه من الظهور وأما عدم التزامنا بمفهوم القيد في الآية المباركة فهو مستند إلى الادلة الدالة على أن حرمة الربائب لا تختص بما إذا كانت في الحجور ولو لاتلك الادلة لالتزامنا بمفهومه كما التزمنا به في قوله: دخلتم بهن. مع أن كون المرأة المزوجة مدخولا بها أمر غالبي وقلما يتفق عدم الدخول بها. و (ثانيهما): أن القيد الوارد مورد الغالب لو سلمنا عدم دلالته على الاختصاص فلا ينطبق ذلك على المقام لعدم كونه من هذا القبيل وذلك لان حصول النقاء بالتمسح بثلاثة أحجار ليس بغالبي فأنه كما يحصل بالثلاثة كذلك يحصل بالاربعة والخمسة. نعم لا يحصل النقاء بالمرة الاولى والثانية غالبا لا أن حصوله غالبي في الثلاثة فلو كانت العباره هكذا: لا يجتزئ بالمرة الاولى والثانية لكان للقول بأن التقييد بهما مستند إلى الغلبة وجه صحيح. وأما في مثل قوله عليه السلام يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار فلا لعدم الغلبة في الثلاثة كما عرفت إذا فما ذهب إليه المشهور من أشتراط أن يكون التمسح بثلاثة أحجار هو الصحيح (1) بعد ما أتضح أن التمسح يشترط أن يكون بالثلاث ولا يجزئ الاقل منها يقع الكلام في أنه هل يعتبر في الاستنجاء به أن يكون المسح بثلاثة أحجار أو يكفى التمسح بالحجر الواحد ثلاث مرات كما إذا كان له جهات ثلاث؟ وبعبارة أخرى أن المعتبر تعدد المسح فحسب وإن كان ما به التمسح واحدا أو يعتبر التعدد في كل من التمسح وما به المسح.

[ 408 ]

أختلفت كلماتهم في المقام فذهب جماعة إلى أعتبار التعدد فيما يتمسح به من الحجر أو غيره نظرا إلى صحيحة زراره المتقدمة: يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار. لصراحتها في تعدد ما يتمسح به وعن جماعة آخرين كفاية التمسح بالحجر الواحد ثلاثا كما إذا كانت له جهات ثلاث للقطع بعدم الفرق بين الاتصال والانفصال حيث أن المدار على التمسح ثلاث مرات سواء أكان ما يتسمح به في كل مرة منفصلا عما يتمسح به في المرة الاخرى أم لم يكن. وهذه الدعوى عهدتها على مدعيها لما تقدم من أن الاحكام التعبدية لا سبيل إلى أستكشاف ملاكاتها بالوجوه الاعتبارية والاستحسانات إذ من المحتمل بالوجدان أن يكون للانفصال خصوصية لا يحصل الغرض من التمسح إلا به ولولا هذا الاحتمال للزم الحكم بكفاية الغسلة الواحدة فيما يجب فيه الغسلتان إذا كانت الغسلة بمقدار الغسلتين بحسب الكم والزمان كما إذا فرضنا زمان كل من الغسلتين دقيقة واحدة وكان الماء المستعمل فيها بمقدار كأس مثلا وقد غسلناه دقيقتين وصببنا عليه الماء كأسين فهل يصح أن يقال إنها غسلتان متصلتان ولا فرق بين أتصالهما وأنفصالهما؟ فهذه الدعوى ساقطة. ومن الغريب في المقام ما صدر عن بعضهم من أن قوله عليه السلام يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار يدل على كفاية التمسح بالحجر ذي جهات ثلاث وذلك بدعوى أن المراد بالتمسح بثلاثة أحجار هو ثلاث مسحات قياسا للمقام بما إذا قيل: ضربته خمسين سوطا لوضوح أن صدقه لا يتوقف على تعدد السوط وما به الضرب وعليه فالمسح ثلاث مرات إنما يقتضي تعدد المسح سواء أكان ما به التمسح أيضا متعددا أم لم يكن. والوجه في غرابته أن السوط في المثال مصدر ساط أي ضرب بالسوط لانه قد يستعمل بالمعنى المصدري وقد يستعمل بمعنى الآلة وما به الضرب

[ 409 ]

[ ويكفي كل قالع ولو من الاصابع (1) ] فالمعنى حينئذ: ضربته خمسين مرة بالسوط، فسوطا مفعول مطلق للضرب إي ضربته كذا مقدارا ضربا بالسوط فالتعدد في المثال إنما هو في الضرب لافي السوط وما به الضرب. وأين هذا من قوله عليه السلام يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار حيث أن التعدد فيه في الآلة وما به التمسح أعني الاحجار ولا ينطبق الاحجار الثلاثة على الحجر الواحد وإن كان ذا جهات ثلاث وعلى ذلك لا مناص من أن يكون ما يتمسح به كالمسح متعددا نعم قد يصدق المسح بالاحجار الثلاثة على التمسح بالحجر الواحد كما إذا كان حجرا عظيما أو جبلا متحجرا لانه حجر واحد حقيقة إذ الاتصال مساوق الموحدة مع أنه لو تمسح بأطرافه الثلاثة صدق التمسح بالاحجار الثلاثة عرفا لطول الفواصل بين الاطراف (1) كما إذا أستنجى بثلاثة من أصابعه والمستند في ذلك أمور: (الاول): الاجماع على أنه لافرق في جواز الاستجمار بين الاحجار وغيرها من الاجسام الطاهرة القالعة للنجاسة ولو كانت هي أصابع المتخلي عدا ما أستثني من العظم والروث وغيرهما مما يأتي عليه الكلام. ويندفع بأن الاجماع التعبدي على جواز الاستجمار بكل جسم قالع للنجاسة لم يثبت بوجه وعلى فرض التحقق لا نعلم بل لا نظن أن يكون المراد من معقد أجماع المجمعين أي جسم قالع للنجاسة ولو كان من أعضاء المتخلي كأصابعه. (الثاني): الاخبار المشتملة على كفاية الاستجمار بغير الاحجار من المدر والخرق والكرسف وغيرها فقد ورد في بعضها أن الحسين بن على عليه السلام كان يتمسح من الغائط بالكرسف ولا يغسل (* 1) وفي مضمرة زرارة المتقدمة أنه كان يستنجي من الغائط بالمدر والخرق (والخزف) كما عن بعض نسخ


(* 1) المروية في ب 35 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 410 ]

التهذيب (* 1) ومعها لا تحتمل أن تكون للاحجار خصوصية بوجه. نعم لو كان الوارد في النصوص خصوص التمسح بالاحجار لاحتملنا أن تكون لها مدخلية في الحكم بالطهارة، كما أنا لا نحتمل خصوصية للكرسف والمدر وغيرهما من الامور الورادة في النصوص. بل يستفاد من مجموع الاخبار الواردة في المسألة أن الحكم يعم كل جسم قالع للنجاسة ولو كان من أعضاء المتخلي كأصابعه. ويؤيده ما ورد في رواية ليث المرادي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن أستنجاء الرجل، بالعظم أو البعر أو العود قال: أما العظم والروث فطعام الجن وذلك مما أشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لا يصلح بشئ من ذلك (* 2) حيث أن ظاهرها أن الاجسام القالعة بأجمعها صالحة للاستنجاء عدا العظم والروث لاقترانهما بالمانع وهو عهده صلى الله عليه وآله للجن أن لا يستعمل طعامهم في الاستنجاء بلا فرق في ذلك بين الاصابع وغيرها. ويرد هذا الوجه أن الاحجار وإن لم يحتمل أن تكون لها خصوصية في الاستنجاء فلا مانع من التعدي عنها إلى كل جسم قالع للنجاسة إلا أن التعدي إلى مثل الاصابع ألتي هي من أعضاء المتخلي وليس من الاجسام الخارجية الورادة في الروايات يحتاج إلى دليل، إذ لا يستفاد من النصوص سوى التعدي إلى الاجسام الخارجية دون الاصابع ونحوها. (الثالث): حسنة أبن المغيرة عن أبى الحسن عليه السلام قال: قلت له: للاستنجاء حد؟ قال. لا، ينقي ماثمة.. (* 3) حيث أن الظاهر من جواب


(* 1) كما في مصباح الفقيه. (* 2) المروية في ب 35 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 13 و 35 من أبواب أحكام الخلوة و 25 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 411 ]

الامام عليه السلام بقوله: لا، ينقي ماثمة أن المدار في طهارة موضع الغائط على النقاء سواء أكان ذلك بالماء أو حصل من التمسح بالكرسف أو الاحجار أو غيرهما من الاجسام القالعة للنجاسة ولو كانت هي الاصابع ويدفع ذلك أمران: (أحدهما): ما قدمناه من أن المراد بالنقاء بقرينة السؤال عن الريح هو النقاء المسبب من الغسل إذ لو كان المراد به الاعم من التمسح والغسل لكان المتعين أن يسأله عن الاجزاء الصغار المتخلفة في المحل بعد المسح. بل لم يكن وجه للسؤال عن الريح لانها من لوازم المسح كما مر. و (ثانيهما): أن الحسنة بعد الغض عن المناقشة المتقدمة إنما وردت لبيان حد الاستنجاء فحسب لانه مورد السؤال فيها ولم ترد لبيان حد ما يستنجى به وكم فرق بينهما فالحسنة لا إطلاق لها من تلك الناحية حتى يشمل الاصابع ونحوها (الرابع): موثقة يونس بن يعقوب قلت لابي عبد الله عليه السلام الوضوء الذي أفترضه الله على العباد لمن جاء من الغائط أو بال. قال: يغسل ذكره ويذهب الغائط ثم يتوضأ مرتين مرتين (* 1) حيث أنها ناظرة إلى بيان ما يجب في الوضوء وما هو مقدمة له من غسل الذكر وإذهاب الغائط وحيث أنها مطلقة فتعم إذهابه بكل جسم قالع للنجاسة ولو كان هي الاصابع، ولعل هذه الموثقة هي التي أعتمد عليها الماتن في المقام. ولكن الاستدلال بها أيضا غير تام لان أطلاق الموثقة وإن لم يكن قابلا للانكار لما تقدم من أنها تشمل الا ذهاب بكل من الغسل والمسح ولافرق في ذلك بين الحجر وغيره إلا أن أطلاقها لا يشمل الاصابع لانها بصدد بيان ما أعتبر في الوضوء ومقدماته ومن الظاهر أن طهارة الاصابع أولى بالاشتراط من غيرها لانها من مواضع الوضوء وبالاستنجاء بها يتنجس بالعذرة لا محالة ومعه


(* 1) المروية في ب 9 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 412 ]

[ ويعتبر فيه الطهارة (1) ] يبطل الوضوء على أنها بظاهرها أعتبرت طهارة الذكر وموضع الغائط في الوضوء فكيف لا تعتبر الطهارة في أعضاء الوضوء؟ إذا لا يمكن أن يراد من إذهاب الغائط ما يعم الاستنجاء بالاصابع. نعم إطلاقها بالاضافة إلى غير الاصابع مما لاخدشة فيه فالصحيح أن الاستنجاء بكل جسم قالع للنجاسة كاف في طهارة المحل عدا الاصابع كما عرفت. (1) قد يفرض الكلام في الاستنجاء بالاعيان النجسة أو المتنجسة فيما إذا أصابت المحل وهو رطب وأخرى في الاستنجاء بها إذا لم تصب المحل أو أصابته وهو يابس. أما إذا كان المحل رطبا فلا شبهة في أن الاستنجاء بغير الاجسام الطاهرة لا يكفي في طهارته لوضوح أن النجس أو المتنجس حينئذ ينجسان الموضع بملاقاتهما فلا يكون التمسح بها موجبا للطهارة بل يسقط المحل بذلك عن كونه قابلا للطهارة بالاستجمار بحيث لو تمسح بعد ذلك بالاجسام الطاهرة لم يحكم بطهارته. والوجه فيه أن المحل إذا تنجس بغير النجاسة الخارجة من نفسه لم تشمله الادلة الورادة في الاستنجمار لاختصاصها بما إذا تنجس بالغائط الخارج منه كما أشار إليه الماتن (قده). ودعوى أن المتنجس لا يتنجس ثانيا مندفعة بأن الملاقي المتنجس إذا كان له أثر مغائر لاثر المتنجس فبمقتضى أطلاق أدلته يرتب ذلك الاثر عليه وإن قلنا بأن المتنجس لا يتنجس ثانيا مثلا إذا دل الدليل على أن ما لاقاه بول يجب أن يغسل مرتين وفرضنا أن لاقى متنجسا تكفي فيه الغسلة الواحدة وجب غسل المتنجس مرتين وهذا لا لان المتنجس يتنجس ثانيا بل لاطلاق ما دل على التعدد فيما لاقاه بول مثلا إذ معه لابد من ترتيب الاثر الزائد على المتنجس وإن

[ 413 ]

قلنا إن المتنجس لا يتنجس ثانيا، فتحصل أنه إذا أستنجى بشئ من الاعيان النجسة أو المتنجسة لم يكف التمسح بعد ذلك في تطهير المحل ووجب الاقتصار فيه على الماء لاطلاق الادلة الدالة على وجوب الغسل فيما لاقى نجسا. وأما إذا كان المحل يابسا أو أن العين لم تصبه أصلا كما إذا أصابت الغائط فقط فالظاهر أن الامر أيضا كذلك وأن ما يتسمح به لابد أن يكون طاهرا. وهذا يمكن الاستدلال عليه بوجوه: (الاول) الاجماع على عدم كفاية التمسح بالاجسام غير الطاهرة. وهذا يمكن المناقشة فيه بما أوردناه على دعوى الاجماع في سائر المقامات. (الثاني): الارتكاز المتشرعي لانه يدل على أن النجس والمتنجس لا يكونان مطهرين في الشريعة المقدسة ويؤكده أنا لا نعهد مطهرا من دون أن يكون محكوما بالطهارة في نفسه. وعلى ذلك فيعتبر في المطهر أن يكو طاهرا لا محالة. (الثالث): صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال، لا صلاة إلا بطهور ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وأما البول فأنه لا بد من غسله (* 1) وتقريب الاستدلال بها أن الطهور أعم من الطهارة الحدثية والخبثية بقرينة ذكر الاستنجاء من الغائط والبول. نعم لولا ذلك أمكن دعوى أن الطهور ظاهره الطهارة الحدثية فحسب. والطهور على ما قدمناه في أوائل الكتاب هو ما يكون طاهرا في نفسه ومطهر لغيره، وحيث أنه شرط في الصلاة فلا مناص من أن يكون المستعمل في كل من الطهاره الحدثية والخبثية طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره لانه لو لم يكن مطهرا لغيره أو لم يكن طاهرا في نفسه لم يصدق عليه الطهور ويترتب عليه بطلان الصلاة لانها وقتئد


(* 1) المروية في ب 9 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 414 ]

[ ولا يشترط البكارة (1) فلا يجزئ النجس، ويجزئ المتنجس بعد غسله، ولو مسح بالنجس أو المتنجس لم يطهر بعد ذلك إلا بالماء (2) إلا إذا لم يكن لاقى ] فاقدة لشرطها وهو الطهور فعلى ذلك يشترط الطهارة فيما يتمسح به حتى يصدق عليه الطهور ويصح الاكتفاء به في الصلاة وظني أن هذا أحسن أستدلال على أعتبار الطهارة فيما يستنجي به فلاحظ. (1) أختلفت كلماتهم في معنى البكارة فيما يستجمر به ففسرها المحقق (قده) في محكي معتبره بأن لا يكون ما يستجمر به مستعملا في الاستنجاء بوصف كونه متنجسا ومستعملا، وأما لو طهر الموضع المتنجس فيه أو أنكسر أو كسره جاز أستعماله في الاستنجاء ثانيا وهذا المعنى من البكارة يرجع إلى أشتراط الطهارة فيما يتمسح به وليس شرطا على حدة وإن أمكن الفرق بينهما من بعض الجهات. وقد تكلمنا في أشتراط الطهارة عن قريب. وعن بعضهم أن البكارة بمعنى أن لا يستعمل في الاستجمار قبل ذلك فالمستعمل فيه لا يكفي في التمسح به سواء غسل الموضع المتنجس منه أو كسره أم لم يغسل ولم يكسر. وهذا المعنى من البكارة مضافا إلى أنه مستبعد في نفسه يحتاج إلى دليل ولم يرد أعتبار البكارة في شئ من رواياتنا سوى ما عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار ويتبع بالماء (* 1) إلا أنها ضعيفة السند بالرفع والارسال ودلالتها أيضا لا تخلو عن مناقشة وذك لان أتباع الاحجار بالماء مستحب وهو قرينة على أن البكارة أيضا مستحبة ولكن المهم هو ضعف السند فهذا المعنى من البكارة لم يقم عليه دليل. (2) كما تقدم.


(* 1) المروية في ب 30 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 415 ]

[ البشرة، بل لاقى عين النجاسة ويجب في الغسل بالماء إزالة العين والاثر (1) بمعنى الاجزاء الصغار التي لا ترى لا بمعنى اللون والرائحة (2) وفي المسح يكفي إزالة العين ولا يضر بقاء الاثر بالمعنى الاول أيضا. ] (1) أراد بذلك بيان الفارق بين الغسل والمسح وحاصله أن التمسح يكتفى فيه بأزالة العين وإن لم يذهب أثرها. وأما الغسل بالماء فقد أعتبروا فيه زوال العين والاثر وذلك لان عنوان الغسل المعتبر بمقتضى الروايات الآمرة به متوقف على إزالة العين والاثر ولا يصدق عرفا من غير زوالهما. (2) لانهما من الاعراض وإزالة العرض غير معتبرة في حصول الطهارة شرعا ولا سيما في بعض النجاسات كدم الحيض فإن لونه قد لا يزول بالمبالغة في غسله ومن ثمة ورد في بعض الروايات السؤال عن عدم ذهاب لونه بغسله وأمروا عليه السلام بصبغ ما أصابه بالمشق حتى يختلط ويذهب (* 3) فالمراد بالاثر ليس هو اللون والرائحة بل المراد به ما لو باشرته باليد الرطبة لاحسست فيه لزوجة تلصق بيدك أو بدنك والوجه في أعتبار إزالته لدى الغسل أن اللزوجة عبارة عن الاجزاء الصغار من الغائط والدم وغيرهما من النجاسات وقد تقدم أن إزالة العين مقومة للغسل. نعم لا تعتبر إزالة اللزوجة والاجزاء الصغار في التمسح والاستجمار وذلك لان التمسح المعتبر في الاستنجاء وهو المسح على النحو المتعارف المعتاد غير مزيل للاجزاء الصغار بطبعه إلا بالمبالغة الكثيرة المؤدية إلى الحرج وإذهاب جلد البشرة ومن هنا لو باشرت ما مسحت عنه الاجسام اللزجة التي منها الغائط بالخرقة أو اليد الرطبتين لرأيت فيه اللصوقة والزوجة وهذه قرينة عقلية على أن الاخبار الواردة في الاستجمار لا تعتبر إزالة الاجزاء الصغار أيضا.


(* 3) المروية في ب 25 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 416 ]

[ (مسألة 1) لا يجوز الاستنجاء بالمحترمات (1) ولا بالعظم والروث (2) ولو أستنجى بها عصى لكن يطهر المحل (3) على الاقوى. ] (1) ككتب الاخبار والقرآن والعياذ بالله والاستنجاء بها من المحرمات النفسية التكليفية لحرمة هتكها ومن هنا لو أستنجى بها غفلة أو متعمدا طهر به المحل لاطلاق الاخبار الدالة على كفاية التمسح وإذهاب الغائط في الاستنجاء وإن كان أمرا محرما في نفسه هذا. إذا لم يستلزم الاستنجاء بها الكفر والارتداد. وأما لو بلغ المرتبة كما إذا أستنجى بالكتاب عامدا وقلنا أنه يستلزم الارتداد فلا معنى للبحث عن طهارة المحل بالاستنجاء لتبدل النجاسة العرضية بالذاتية للارتداد. (2) الظاهر أن المسألة متسالم عليها عندهم ولم ينسب فيها الخلاف إلا إلى العلامة في التذكرة لتردده وصاحب الوسائل (قده) حيث عقد بابا وعنونه بكراهة الاستنجاء بالعظم والروث ولم ينقل خلاف ممن تقدمهما بل ظاهر العلامة في بعض كتبه دعوى الاجماع على المنع. (3) إن أعتمدنا في الحكم بحرمة الاستنجاء بهما إلى النصوص بدعوى أنها وإن كانت ضعيفة سندا إلا أن ضعفها منجبر بعملهم فلا مناص من الالتزام بعدم حصول الطهارة حينئذ وذلك لان عمدتها رواية ليث المرادي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن أستنجاء الرجل بالعظم أم البعر أو العود قال: أما العظم والروث فطعام الجن وذلك مما أشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لا يصلح بشئ من ذلك (* 1) وظاهر قوله: لا يصلح بشئ من ذلك نفي الجواز لانه لم يكن يحتمل أستحباب الاستنجاء بهما ليكون نفي الصلاحية نفيا لاستحبابه


(* 1) المروية في ب 35 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 417 ]

[ (مسألة 2) في الاستنجاء بالمسحات إذا بقيت الرطوبة في المحل يشكل الحكم بالطهارة (1) فليس حالها حال الاجزاء الصغار. ] وقد مر غير مرة أن ظاهر النواهي الورادة في المعاملات بالمعنى الاعم عدم التحقق والوجود دون الحرمة التكليفية إذا فنفي الجواز في هذه الرواية والنهي في غيرها يدلان على أن الطهارة لاتتحقق بالاستنجاء بالعظم والروث وأنهما غير صالحين لذلك لا أنه محرم تكليفي فالرواية مقيدة لاطلاق موثقة يونس المتقدمة في قوله: ويذهب الغائط. حيث أن ظاهره كما تقدم حصول الطهارة بالتمسح بأي جسم قالع للنجاسة وموجبة لاختصاصها بغير العظم والروث. وأما إذا أعتمدنا في المسألة على الاجماعات المنقولة البالغة حد الاستفاضة فلا بد من الالتزام بحرمة الاستنجاء بهما وضعا وتكليفا وذلك لاختلاف كلماتهم المحكية في المسألة حيث صرح بعضهم بأن الاستنجاء بهما وإن كان معصية إلا أنه يقتضي طهارة المحل وبهذا ألتزم الماتن (قده) وذهب آخر إلى أن الاستنجاء بهما غير مطهر بوجه وإن لم يكن معصية وبهذا نستكشف ثبوت أحد الامرين في الشريعة المقدسة إما عدم جواز الاستنجاء بهما وضعا وإن جاز تكليفا. وإما عدم الجواز تكليفا وإن جاز وضعا وبه يحصل العلم الاجمالي بأحدى الحرمتين فلا يبقى للتمسك بأطلاق الموثقة المتقدمة مجال لان قوله عليه السلام ويذهب الغائط ظاهر في جواز الاستنجاء بهما من كلتا الجهتين والعلم الاجمالي بتقييدها من إحدى الناحيتين يمنع عن التمسك بأطلاقها وبهذا يشكل الحكم بجواز الاستنجاء بهما وضعا وتكليفا. بل مقتضى أطلاقات الأدلة الدالة على وجوب الغسل في المتنجسات عدم حصول الطهارة ووجوب الغسل بالماء لان المتيقن مما خرج عن أطلاقها إنما هو الاستنجاء بغير العظم والروث. (1) لان مقتضى إطلاقات الادلة أن المتنجسات لابد من غسلها وأنها

[ 418 ]

[ (مسألة 3) في الاستنجاء بالمسحات يعتبر أن لا يكون في ما يمسح به رطوبة مسرية (1) فلا يجزئ مثل الطين، والوصلة المرطوبة. نعم لا تضر النداوة التي لا تسري. (مسألة 4) إذا خرج مع الغائط نجاسة أخرى كالدم، أو وصل إلى المحل نجاسة من خارج يتعين الماء (2). ] لا تطهر من دونه وقد خرجنا عن ذلك في مخرج الغائط لكفاية الاستجمار في تطهيره والمتيقن من ذلك ما إذا أزيلت النجاسة بمالها من الشؤون والاثار إلا فيما قامت القرينة على عدم لزوم رفعه وإزالته كما في الاجزاء الصغار لما تقدم من أنها لا ترتفع بالتمسح المتعارف. وأما رطوبة النجاسة فحيث أنها قابلة لزوال بالتمسح ولاقرينة على عدم لزوم إزالته أعتبرت إزالتها بالتمسح كالعين. (1) لان الرطوبة بعد ما تنجست بملاقاة العذرة تنجس المحل ويأتي أن التمسح إنما يكفي في الطهارة إذا لم تنجس بغير الغائط من النجاسات والمتنجسات نعم لا تعتبر اليبوسة في الاحجار لان كونها رطبة برطوبة غير مسرية لا يضر في الاستنجاء بها. (2) لان الاخبار الواردة في المقام إنما دلت على جواز الاجتزاء بالمسح فيما إذا تنجس بالمحل بالغائط وأما إذا تنجس بغيره فيحتاج كفاية التمسح إلى دليل ولم يقم دليل على كفايته. بل الدليل قد دل على عدمها وذلك لان المحل إذا تنجس بغير الغائط من النجاسات الخارجية ترتبت عليه آثارها ومنها لزوم غسلها بالماء وعدم كفاية التمسح في إزالتها وهذا بناء على أن المحل يتنجس بالنجاسة الخارجية أو بما خرج مع الغائط مما لا إشكال فيه. وكذا إذا منعنا عن ذلك نظرا إلى أن المتنجس لا يتنجس ثانيا وهذا لان المحل وإن لم يتنجس بالنجاسة الثانية حينئذ إلا أن المحل يتبدل حكمه

[ 419 ]

[ ولو شك في ذلك (1) يبنى على العدم فيتخير. ] بملاقاتها لان للنجاسة الثانية أثرا زائدا أو مغائرا مع الاثر المترتب على النجاسة الاولية ومقتضى أطلاق أدلته لزوم ترتيب الاثر على المحل كما دل على وجوب التعدد أو التعفير أو الغسل بالماء أو غير ذلك من الآثار مثلا إذا أصاب البول جسما متنجسا بالدم وجب غسله مرتين لاطلاق ما دل على لزوم التعدد فيما تنجس بالبول كما أن الاناء المتنجس إذا ولغ فيه الكلب وجب تعفيره لاطلاق ما دل على أعتبار التعفير في الولوغ وهكذا. وعلى ذلك إذا أصاب المحل المتنجس بالغائط دم أو غيره وجب غسله بالماء لاطلاق ما دل على لزوم الغسل بالماء في إزالة الدم ونحوه وعدم كفاية التمسح في التطهير منه وعلى الجملة أن النجاسة الثانية وإن لم تنجس المحل ثانيا إلا أن المحل يتبدل حكمه بملاقاتها وينقلب جواز المسح بوجوب الغسل. (1) للشك في ذلك صورتان: (إحداهما): أن يشك في تنجس المحل قبل خروج الغائط مع القطع بعدم طرو النجاسة عليه بعد الخروج ولا مانع في هذه الصورة من أستصحاب عدم وصول النجاسة إلى المحل قبل الخروج فإن مقتضاه الحكم بطهارة المحل إلى حين الخروج وعدم تنجسه إلا بالغائط أما تنجسه وملاقاته للغائط فبالوجدان وأما عدم تنجسه بغيره فبالاستصحاب فبضم الوجدان إلى الاصل يثبت أن المحل متنجس بملاقاة الغائط فحسب ولم تصبه نجاسة أخرى غيره ومعه يتخير في تطهيره بين الغسل والمسح. ودعوى أن المرجع بناء على أن المتنجس لا ينتجس ثانيا هو أستصحاب نجاسة المحل بعد الاستجمار لان النجاسة الحاصلة إن كانت مستندة إلى الغائط فقد أرتفعت قطعا وإن كانت مستندة إلى غيره فهي باقية جزما لعدم أرتفاعها

[ 420 ]

بالمسح فالحادث مردد بين الطويل والقصير وما هو مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع ومعه يرجع إلى أستصحاب كلي النجاسة الجامع بين القصير والطويل للعلم بتحققها والشك في بقائها وأرتفاعها بالمسح وهو من القسم الثاني من أستصحاب الكلي حينئذ. (مندفعة): بأن الاستصحاب إنما يجري في الكلي الجامع فيما إذا تردد الفرد الحادث بين الطويل والقصير ولم يكن هناك أصل آخر معين لحاله كما إذا خرج من المكلف بعد الوضوء مايع مردد بين البول والمني وذلك لان أستصحاب عدم حدوث الجنابة حينئذ معارض بأستصحاب عدم خروج البول منه ومعه يتساقطان ويرجع إلى أستصحاب كلي الحدث. وأما إذا كان هناك أصل مبين لحال الفرد المشكوك فيه فلا يبقى لاستصحاب الكلي مجال كما إذا خرج المايع المردد بين البول والمني بعد الحدث الاصغر في المثال فإن أستصحاب عدم حدوث الجنابة أو عدم خورج المني معين للحدث المشكوك فيه ومقتضاه أن المكلف لم يخرج منه المني وأنه ليس بمحدث بالاكبر ولا يعارض ذلك أستصحاب عدم خروج البول منه إذ لا أثر يترتب عليه حيث أن مفروض الكلام أن المكلف قد أحدث بالاصغر والمحدث لا يحدث ثانيا ولا أثر للبول بعد البول مثلا وكيف كان فمع جريان الاصل المذكور لا يبقى لاستصحاب الحدث الكلي مجال. ومقامنا هذه من هذا القبيل لان أستصحاب عدم إصابة النجاسة إلى المحل قبل الخروج بضمه إلى الوجدان وهو ملاقاة المحل للغائط يقتضي عدم كون الموضع متنجسا بغير الغائط فهو مبين لحال النجاسة الحادثة المشكوكة ومعه يتخير بين الغسل والمسح كما تقدم. و (ثانيتهما): أن يشك في طرو نجاسة أخرى على المحل بعد خروج

[ 421 ]

الغائط مع الجزم بعدم طروها قبل الخروج وحال هذه الصورة حال الصورة المتقدمة حيث أن النجاسة الثانية مشكوكة الحدوث والاصل عدمه إذا المحل متنجس بالغائط بالوجدان ولم تصبه النجاسة الاخرى بالاستصحاب فيتخير بين غسل المحل والتمسح بالاحجار قلنا بتنجس المتنجس ثاينا أم لم نقل. أما على الاول فالامر ظاهر كما مر. وأما على الثاني فلان المحل حينئذ وإن لم يتنجس بالنجاسة الثانية إلا أن المحل يتبدل حكمه بملاقاتها كما مر ومع الشك في تبدل حكم المحل يجرى أستصحاب عدم طرو النجاسة الثانية وعدم تبدل حكمه من التخيير إلى تعين الغسل بالماء وهو أصل موضوعي لا يجري معه أستصحاب نجاسة المحل. و (دعوى): أن المقام مورد لاستصحاب نجاسة المحل للعلم بنجاسته قبل التمسح والشك في أرتفاعها بالاستجمار وذلك للشك في أن المحل أصابته نجاسة غير الغائط أم لم تصبه ومعه يجري أستصحاب كلي النجاسة وهو من القسم الاول من أستصحاب الكلى. (مندفعة): بأن مقتضى الاصل الجاري في الموضوع أن المحل لم تصبه أية نجاسة غير الغائط وذلك بضم الوجدان إلى الاصل وبه يثبت أن المحل متنجس بالغائط فحسب فيترتب عليه حكمه وهو التخيير بين الغسل والمسح وعلى الجملة أن أحتمال إصابة النجاسة سواء كان قبل خروج الغائط أم بعده وسواء قلنا بتنجس المتنجس ثانيا أم لم نقل مندفع بالاستصحاب لان المقتضي للحكم بكفاية التمسح وهو تنجس المحل بالغائط محرز بالوجدان فإذا شككنا في طرو المانع وهو إصابة نجاسة أخرى للمحل يمني على عدمه كما مر ولا مجال معه لاستصحاب. الكلي في كلتا الصورتين.

[ 422 ]

[ (مسألة 5) إذا خرج من بيت الخلاء، ثم شك في أنه أستنجى أم لا بنى على عدمه (1) على الاحوط وإن كان من عادته ] (1) لاستحصاب عدمه وعدم جريان قاعدة التجاوز فيه. وتوضيحه: أن قاعدة التجاوز إنما تجري فيما إذا صدق التجاوز عن المشكوك فيه كما إذا شك في صحة شئ وفساده بعد العلم بوجوده الجامع بينهما لوضوح أن التجاوز عن المشكوك فيه فرع أحرازه وتحققه فإذا أحرز وجوده وشك في أنه هل أتى به صحيحا أو فاسدا صدق التجاوز عن المشكوك فيه حقيقة وأما إذا شك في وجود شئ وعدمه كما في المقام فلا يصدق أنه شئ قد مضى وتجاوز عنه إذ لم يحرز أصل وجوده فضلا عن التجاوز عنه ولعل الملكف لم يأت به أصلا مع أن المضي والتجاوز معتبران في القاعدة حسبما تقتضيه أدلتها على ما يأتي في محله إن شاء الله. نعم دلت صحيحة زرارة: قلت: لابي عبد الله عليه السلام: رجل شك في الاذان وقد دخل في الاقامة قال: يمضي، قلت: رجل شك في الاذان والاقامة وقد كبر، قال: يمضي، قلت: رجل شك في التكبير وقد قرء. قال: يمضي قلت: شك في القراءة وقد ركع قال: يمضي، قلت: شك في الركوع وقد سجد قال: يمضي على صلاته ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شي ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي (* 1) وغيرها من الاخبار الواردة في القاعدة. على أن التجاوز الحقيقي عن المشكوك فيه غير معتبر في جريانها. بل المعتبر هو التجاوز عن المحل المقرر له في الشريعة المقدسة لانه عليه السلام قد حكم بالمضي في الشك في الموارد المسؤل عنها في الصحيحة المتقدمة مع أن التجاوز عن المشكوك فيه غير محرز في شي من تلك الموارد لوضوح أن الشك فيها إنما


(* 1) المروية في ب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة من الوسائل.

[ 423 ]

هو في أصل الوجود ومعه لا يمكن إحراز التجاوز الحقيقي وعلى الجملة دلت الصحيحة على أن التجاوز عن المحل كالتجاوز عن المشكوك فيه. إلا أن شيئا من التجاوز الحقيقي والتعبدي غير صادق فيما نحن فيه: أما التجاوز حقيقة فلما تقدم من أن مع الشك في الوجود لا يمكن أحراز التجاوز عن المشكوك فيه. وأما التجاوز تعبدا وهو التجاوز عن المحل فلانه لا محل مقرر للاستنجاء في الشريعة المقدسة بل أي مورد أستنجى فيه الملكف فهو محله، والصلاة وإن كانت مشروطة بالطهارة أو أن النجاسة مانعة عن الصلاة على الخلاف إلا أن ذلك لا يستلزم أن يكون للاستنجاء محل مقرر شرعا فالتجاوز التعبدي أيضا لا تحقق له و (دعوى): أن الاستنجاء إذا كان له محل أعتيادي كبيت الخلاء ونحوه وشك فيه بعد الخروج عنه صدق عليه أن مضى وتجاوز محله. (تندفع): بأن التجاوز عن المحل الاعتيادي وإن كان صادقا عليه إلا أنه لم يقم دليل على كفايته في جريان القاعدة وإنما الدليل دل على جريانها عند التجاوز عن المحل المقرر الشرعي المشكوك فيه وهو كالتجاوز الحقيقي غير صادق بالتجاوز عن المحل الاعتيادي. نعم لو قلنا بكفاية التجاوز عن المحل العادي المشكوك فيه لم يحتج إلى الاستنجاء بالاضافة إلى الصلوات المتأخرة من الشك فيه لان الاستنجاء حينئذ قد أحرزته قاعدة التجاوز نظير ما إذا شككنا في الوضوء وأحرزناه بالتعبد الشرعي بالقاعدة لانه وقتئذ كما يكفي بالاضافة إلى ما بيده من الصلاة كذلك يكفي بالاضافة إلى الصلوات المتأخرة عن الشك فيه هذا كله في جريان قاعدة التجاوز بالاضافة إلى الاستنجاء نفسه.

[ 424 ]

[ بل وكذا لو دخل في الصلاة ثم شك (1). ] (1) إذا شك في الاستنجاء وهو في أثناء الصلاة جرت قاعدة التجاوز بالاضافة إلى الاجزاء المتقدمة على الشك فيه لصدق التجاوز والمضي حقيقة وأما بالاضافة إلى الاجزاء الآتية فليحصل الطهارة بالاستنجاء في أثنائها كما إذا لم يستلزم الفعل الكثير كالاستنجاء من البول من غير أن يكشف عورته أو كان بجنبه حوض ماء فدخل فيه ثم خرج وهو مستقبل القبلة أو أستنجي بالتمسح بالحجر أو الخرقة فإذا حصله في أثناء الصلاة حكم بصحتها. (لا يقال): الاستنجاء في أثناء الصلاة مما لا أثر له وهو مقطوع الفساد إما لانه كان قد أستنجى قبل الصلاة والاستنجاء في أثنائها من الاستنجاء على الاستنجاء وهو فاسد لا أثر له. وإما لانه لم يستنج قبل الصلاة والاجزاء المتقدمة قد وقعت باطلة لاقترانها بالمانع أعني نجاسة البدن ومعه لا يترتب على الاستنجاء في أثناء الصلاة أي أثر. (لانه يقال): الامر وإن كان كذلك بالاضافة إلى الواقع إلا أن أثر الاستنجاء في أثناء الصلاة إنما هو أنقطاع الاستصحاب الجاري في نجاسة المحل لانه لو لم يستنج في أثنائها لكان رفع اليد عن نجاسة المحل المتيقنة سابقا نقضا لليقين بالشك وهو حرام وهذا بخلاف ما إذا أستنجى في أثناء الصلاة لان رفع اليد حينئذ عن نجاسة المحل نقض لليقين باليقين. وقد ذكرنا عند التعرض للشبهة العبائية أن الشئ قد لا يكون له أثر بالاضافة إلى الواقع إلا أن له أثرا بالاضافة إلى أنقطاع الاستصحاب والحكم الظاهري وهو كاف في التعبد به فلا أشكال من هذه الجهة. ونظيره ما ذكرناه في الشك في نية الفريضة كما إذا رأى نفسه في أثناء الصلاة كصلاة الفجر أو الظهر أو غيرهما وعلم أنه ناو للفريضة بالفعل ولكنه شك

[ 425 ]

[ نعم لو شك في ذلك بعد تمام الصلاة صحت (1) ولكن عليه الاستنجاء للصلوات ] في أنه هل نواها من الابتداء أو أنه نوى شيئا غيرها فإن القاعدة تجرى حينئذ بالاضافة إلى الاجزاء المتقدمة وبما أنه ناو للفريضة بالفعل فيحكم بصحه صلاته نعم تصحيح الصلاة بذلك يبتني على أن لا تكون الطهارة شرطا للاكوان المتخللة في الصلاة كما أنها شرطا لافعالها. وأما لو بنينا على ذلك وقلنا الطهارة كما أنها معتبرة في أفعال الصلاة كذلك تعتبر في الاكوان المتخللة بين أجزائها كما هو الظاهر من بعض الاخبار فلا يبقى مجال لتصحيح الصلاة بمامر وذلك لا لاعتبار عدم طرو النجاسة في أثنائها لانها غير مانعة في الاكوان المتخللة حسبما دلت عليه صحيحة زرارة: ولعله شئ أوقع عليك (* 1) فلا مانع من إزالتها في أثناء الصلاة. بل لان الملكف في الآن الذي يشك في الاستنجاء فيه فاقد للطهارة بل محكوم بنجاسة البدن بمقتضى أستصحابها وقاعدة التجاوز لا تجري بالاضافة إلى ذلك الآن لعدم التجاوز عنه كمالا يمكنه إحراز الطهارة فيه بالاستنجاء لانه يحتاج إلى زمان وهو من الاكوان المتخللة ولم يحرز الطهارة فيه فلا مناص من الحكم ببطلان الصلاه بمقتضى أستصحاب النجاسة السابقة. (1) لقاعدة الفراغ لصدق المضي والتجاوز عنها حقيقة إلا أنه يستنجى للصلوات الآتية إذ لا تجري فيها القاعدة لعدم صدق المضي والتجاز عنها حقيقة ولا تعبدا وأجراء القاعدة بالاضافة إلى الصلاة المتقدمة وإن كان يلزمه تحقق الاستنجاء والطهارة لا محالة وإلا لم يحكم بصحة الصلاة إلا أن القاعدة لا تثبت لوازماتها قلنا إنها من الاصول أم قلنا إنها إمارة كما أخترناه في محله وذلك لان المثبت لا دليل على أعتباره في شئ من الاصول والامارات وحجية الامارات


(* 1) المروية في ب 44 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 426 ]

[ الآتية، لكن لا يبعد جريان قاعدة التجاوز في صورة الاعتياد (1). (مسألة 6) لا يجب الدلك (2) باليد في مخرج البول عند الاستنجاء، وإن شك في خروج مثل المذي بنى على عدمه (3) لكن الاحوط الدلك في هذه الصورة. ] المثبتة تختص بما إذا كانت الامارة من نسح الحكاية والاخبار كالخبر الواحد ونحوه لجريان السيرة العقلائية على الاخذ بكل من المداليل المطابقية والالتزامية في الحكاية والاخبار وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله. (1) لكنك عرفت أنه بعيد، إذ لا دليل عليه، وأدلة الاستصحاب محكمة (2) لاطلاق الامر بالغسل أو الصب. (3) الوجه في كفاية الصب وعدم أعتبار الدلك في المخرج إذا أحتمل أن يكون على البشرة ما يمنع عن وصول الماء إليه أحد أمرين. (أحدهما): إستصحاب عدم طرو المانع على المحل وذلك لانه يكفي في طهارته مجرد الصب عليه ولا ندري هل طرء عليه ما يمنع عن وصول الماء إليه أم لم يطرأ ومقتضى الاصل عدمه. وقد ذكروا نظير ذلك في الطهارة الحدثيه فيما إذا شك في جود الحاجب على بدنه كدم البق أو البرغوث أو غيرهما مما يمنع عن وصول الماء إلى البشرة وهذا لعله أعتمد عليه جمع غفير. إلا أنه مندفع بأن أصالة عدم المانع لا أثر شرعي له إذ الطهارة إنما ترتبت على وصول الماء إلى البشرة ولم يترتب على عدم الحاجب والمانع في المحل. نعم وصول الماء إلى البشرة لازم عقلي له وأستصحاب عدم المانع لاثبات وصول الماء إلى البشرة مثبت لا أعتبار به. و (ثانيهما): دعوى أن سيرة المتدينين خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل في الطهارة الحدثية والخبثية قد جرت على عدم الاعتناء بأحتمال وجود الحاجب

[ 427 ]

[ (مسألة 7) إذا مسح مخرج الغائط بالارض ثلاث مرات كفى مع فرض زوال العين بها (1). ] أو طرو المانع على المحل وهى متصلة بزمان المعصومين عليهم السلام وبعدم ردعهم عنها يستكشف رضائهم عليهم السلام بذلك وعليه لا يجب الدلك في الاستنجاء من البول وإن أحتمل وجود المانع على المحل كالمذي. ويرده أن المسلمين وإن كان عملهم الخارجي جاريا على عدم الفحص عن المانع والحاجب إلا أنه مستند إلى أطمينانهم بعدمه أو إلى غفلتهم عنه بالكلية. وأما جريان سيرتهم علي ذلك عند أحتمال وجود الحاجب على المحل فهو غير محقق بوجه وهذا هو الذي يترتب عليه الاثر في المقام إذا الكلام إنما هو في المانع المحتمل على المحل إذا أستصحاب نجاسة المحل هو المحكم حتى يقطع بأرتفاعها بالدلك أو بغيره. (1) وذلك للاطلاق فإن صحيحة زرارة: ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار بذلك جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله. (* 1) غير مقيدة بأن تكون الاحجار ماسحة أو ممسوحة وكذلك روايته الاخرى: جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان.. (* 2) حيث أن مسح العجان أعم من أن يكون الموضع ماسحا أو ممسوحا. نعم في موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن التمسح بالاحجار فقال: كان الحسين بن علي عليه السلام يمسح بثلاثة أحجار (* 3). وظاهرها أن الاحجار إنما كانت ماسحة إلا أنها ليست بصدد بيان أن الاحجار تعتبر أن تكون ماسحة أو لا تعتبر وإنما هي حكاية فعل عن


(* 1) المروية في ب 9 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 30 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 428 ]

[ (مسألة 8) يجوز الاستنجاء بما يشك في كونه عظما أو روثا أو من المحترمات (1) ويطهر المحل. ] الامام عليه السلام للدلالة على كفاية التمسح في الاستنجاء. وأما جريان عادته عليه السلام بالتمسح بالاحجار المستفاد من قوله: كان فهو مستند إلى الغلبة إذا التمسح عادة إنما هو بجعل الاحجار ماسحة وأما التمسح بجعلها ممسوحة فهو على خلاف العادة التمعارفة هذا كله مضافا إلى أطلاق موثقة يونس بن يعقوب المتقدمة. (* 1).. ويذهب الغائط. لدلالتها على أن المدار في طهارة المحل هو أذهاب الغائط وأزالته بلا فرق في ذلك بين أن تكون الاحجار ماسحة وبين كونها ممسوحة. (5) ما أفاده (قده) بناء على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية من الوضوح بمكان لان مقتضاه أن ما يشك في كونه عظما أو روثا ليس بعظم ولا بروث وبذلك يجوز التمسح به لجوازه بكل جسم قالع للنجاسة. وقد خرج عنه العظم والروث وهو عنوان وجودي مسبوق بالعدم فبالاستصحاب يصح الحكم بجواز التمسح بالمشكوك فيه لانه أستنجاء بالوجدان وليس ما يتمسح به عظما ولاروثا بالاستصحاب، والاستنجاء بما ليس كذلك كاف في طهارة المحل هذا بل الاستصحاب النعتي أيضا يقتضي ذلك في بعض الموارد كما إذا شك في أن الورق من المحترمات كالكتاب أو أنه من الصحف والمجلات فإن مقتضى الاستصحاب إنه ليس من الكتاب مثلا وهو أستصحاب نعتي لان الورق كان ولم يكن من الكتاب في زمان، وكذلك الحال فيما إذا كان التمسح بالعظم أو الروث أو المحترمات محرما تكليفيا فحسب وذلك لان الشبهة موضوعية والشبهات الموضوعية التحريمية مورد للبراءة بالاتفاق.


(* 1) المتقدمة في ص 389

[ 429 ]

[ وأما إذا شك في كون مائع ماء مطلقا أو مضافا لم يكف في الطهارة (1) بل لابد من العلم بكونه ماء. فصل في الاستبراء والاولى في كيفياته أن يصبر حتى تنقطع دريرة البول (2) ثم يبدأ بمخرج ] وأما إذا بنينا على أن التمسح بتلك الامور محرم وضعي ومنعنا عن جريان الاصل في الاعدام الازلية فلا يمكننا الاكتفاء بالتمسح بما يشك في كونه من هذا القبيل للشك في زوال النجاسة بسببه ولا أصل يحرز به أرتفاعها. بل مقتضى أستصحاب نجاسة المحل عدم حصول الطهارة بالتمسح بما يشك في كونه عظما أو روثا أو من المحترمات. (1) لان موضوع الحكم بالطهارة مقيد بالماء وهو عنوان وجودي لا مناص من أحرازه في الحكم بالطهارة بالغسل ومع الشك في القيد لا يمكن الحكم بطهارته. فصل في الاستبراء. (2) بل الصبر مما لا مناص عنه حتى تنقطع لوضوح أن الغرض من الاستبراء ليس إلا نقاء المجرى والمحل من الرطوبات البولية المتخلفة فيهما وهذا لا يحصل إلا بالاستبراء بعد الانقطاع فلو أستبرء قبله لزمه الاستبراء ثانيا لا مكان أن تتخلف الرطوبات البولية في الطريق بالبول بعد أستبرائة ولا يؤمن خروجها بعد الانقطاع إلا بإن يستبرء ثانيا هذا. على أن يمكن أستفادة ذلك من رواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللا، قال: إذا بال فخرط ما بين المقعدة والانثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما. ثم أستنجى فإن سال حتى يبلغ

[ 430 ]

[ الغائط (1) فيطهره، ثم يضع أصبعه الوسطى (2) من اليد اليسرى (3) ] السوق فلا يبالي (* 1) حيث أن الامام عليه السلام فرع الخرط فيها على البول بلفظة (فاء) الظاهرة في أعتبار كون الخرط متأخرا عن البول. (1) لم ينص على ذلك في الاخبار إلا أن يقتضيه أمران: (أحدهما): أن لا يتلوث يده ولا موضع الاستبراء بالنجاسة حتى يحتاج إلى الغسل بالماء زائدا عما يحتاج إليه في البدء بمخرج الغائط. و (ثانيهما): أستحباب تقديم الاستنجاء من الغائط على الاستنجاء من البول كما في بعض الروايات (* 2) لانه كما يستحب تقديمه على الاستنجاء من البول كذلك يستحب تقدميه على الامور المعتبرة فيه لزوما أو على غير وجه اللزوم. (2) كما في النبوي من بال فليضع أصبعه الوسطى في أصل العجان ثم ليسلها (يستلها) ثلاثا (* 3) ولا بأس بالعمل به رجاء ومن باب الانقياد. (3) للنهي عن الاستنجاء باليمين وعن مس الذكر بها (* 4) ولما عن النبي صلى الله عليه وآله من أستحباب أن يجعل اليد اليمنى للطعام والطهور وغيرهما من أعالي الامور، واليسرى للاستنجاء والاستبراء ونحوهما من الامور الدانية (* 5). نعم الحكم بأستحباب ذلك يبتني على التسامح في أدلة السنن.


(* 1) المروية في ب 13 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 2) كموثقة عمار عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل إذا أراد أن يستنجي بالماء بيده بالمقعدة أو بالاحليل؟ فقال: بالمقعدة ثم بالاحليل المروية في ب 14 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 10 من أبواب أحكام الخلوة من المستدرك. (* 4) راجع ب 12 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 5) سنن أبي داود ج 1 ص 9 عن عائشة قالت كانت يد رسول الله صلى الله عليه وآله =

[ 431 ]

[ على مخرج الغائط، ويمسح إلى أصل الذكر ثلاث مرات (1). ] (1) أختلفت كلماتهم في عدد المسحات المعتبرة في الاستبراء فذهب المشهور إلى أعتبار أن تكون المسحات تسعا بأن يمسح من مخرج الغائط إلى أصل القضيب ثلاث مرات بقوة ويمسح القضيب ثلاثا ويعصر الحشفة وينترها ثلاثا كما ذكره الماتن (قده) وعن جملة منهم (قدهم) كفاية الست بالمسح من مخرج النجو إلى أصل إلقضيب ثلاثا وينتره ثلاث وعن علم الهدى وأبن الجنيد أن المسحات المعتبرة في الاستبراء ثلاث وهو بأن ينتر الذكر من أصله إلى طرفه ثلاثا. وعن المفيد (قده) في المقنعة أن يمسح بأصبعه الوسطى تحت أنثييه إلى أصل القضيب مرة أو مرتين أو ثلاثا ثم يضع مسبحته تحت القضيب وأبهامه فوقه ويمرهما عليه بأعتماد قوي من أصله إلى رأس الحشفة مرة أو مرتين أو ثلاثا ليخرج ما فيه من بقيه البول. وظاهر هذا الكلام عدم أعتبار العدد في الاستبراء والمدار فيه على الوثوق بالنقاء. هذه هي أقوال المسألة ومنشأ أختلافها هو أختلاف الروايات الواردة في المقام. (منها): رواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يبول ثم يستنجي ثم يجد بعد ذلك بللا، قال: إذا بال فخرط ما بين المقعدة والانثيين ثلاث مرات وغمز ما بينهما ثم أستنجى فإن سال حتى يبلغ السوق فلا


= اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى وأيضا فيه عن حفصة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: النبي صلى الله عليه وآله يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل شماله لما سوى ذلك. وفي المنتهى للعلامة ج 1 ص 41 عن عائشة كانت يد رسول الله اليمنى لطعامه وطهوره ويده اليسرى للاستنجاء وكان النبي صلى الله عليه وآله أستحب أن يجعل اليمنى لما علا من الامور واليسرى لما دنى.

[ 432 ]

يبالي (* 1). و (منها): حسنه محمد بن مسلم قال: قلت لابي جعفر عليه السلام رجل بال ولم يكن معه ماء قال: يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات وينتر طرفه فإن خرج بعد ذلك شئ فليس من البول ولكنه من الحبائل (* 2). و (منها): رواية حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يبول، قال ينتره ثلاثا، ثم إن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي (* 3) وقالوا إن القاعدة تقتضي إلاكتفاء بكل ما رود في النصوص لاستبعاد تقييد بعضها ببعض، ولا نرى نحن أي مانع من تقييد المطلق منها بالمقيد فإن حالهما في المقام حال بقية المطلقات والمقيدات فقانون المطلق والمقيد يقتضي تقييد رواية عبد الملك الدالة على كفاية التمسح بما بين المقعدة والانثيين ثلاثا وغمز ما بينهما برواية حفص الدالة على أعتبار مسح القضيب ثلاثا كما يقتضي تقييد رواية حفص بحسنة محمد بن مسلم المشتملة على مسح الحشفة ثلاثا أيضا وبهذا يستنتج أن المعتبر في الاستبراء تسع مسحات كما هو المشهور. ثم إن رواية عبد الملك المتقدمة أشتملت على قوله: وغمز ما بينهما. وفي الجواهر أن الغمز إي غمز ما بين المقعدة والانثيين لم يقل أحد بوجوبه فلا مناص من طرحه. والظاهر أن الرواية تعتبر شيئا زائدا على مسح القضيب، حيث أن الضمير يرجع إلى الانثيين والمراد بما بينهما هو القضيب بأعتبار وقوعه بين البيضتين وإنما لم يصرح عليه السلام به حياء وليس غمز الذكر إلا عصره ومسحه بشدة والله العالم بحقيقة الحال. تتميم: ظاهر المتن أعتبار الترتيب في المسحات التسع المتقدمة حيث عبر بكلمة (ثم) وأعتبر تقدم المسحات الثلاث بين المقعدة والانثيين على المسحات


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 13 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 11 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 433 ]

الثلاث المعتبرة في القضيب كما أعتبر تقدم مسحات القضيب على المسحات الثلاث في الحشفة. وهذا لم يقم عليه دليل. بل الاخبار المتقدمة مطبقة على أن المسحات لا يعتبر الترتيب بينها ولا أختلاف بين الروايات من هذه الجهة وإن كان لابد من تقييد مطلقها بمقيدها كما تقدم وذلك: أما روايه حفص بن البختري فلان ظاهرها أن الضمير في (ينتره) راجع إلى البول المدلول عليه بجملة (يبول) كما في قوله عزمن قائل: أعدلوا هو أقرب للتقوى (* 1) ومعنى ينتره أنه يجذب البول، وأنجذاب البول المتخلف في الطريق لا يتحقق بعصر نفس القضيب لان الاختبار أقوى شاهد على أن المتخلف من البول بين المقعدة وأصل القضيب أكثر من المتخلف في القضيب بحيث لو عصرت ما بينهما لرأيت أن البول يتقاطر من القضيب بأزيد مما يخرج في مسح القضيب وعليه فالرواية تدل على أعتبار عصر ما بين المقعدة ونهاية القضيب وجذب البول المتخلف فيما بينهما ثلاثا، وما بين المقعدة ونهاية الذكر قطعات ثلاث وهي: ما بين المقعدة والانثيين، والقضيب، والحشفة، ومسح القطعات الثلاثه ثلاثا تبلغ تسع مسحات كما تقدم فالرواية دلت على أعتبار المسحات التسع من دون أن تعتبر الترتيب بينها بحيث لو مسح من عند المقعدة إلى نهاية القضيب ثلاث مرات كفى في تحقق المسحات التسع المعتبرة في الاستبراء مع أن المسحات الثلاثة الاولى لم تتقدم بأجمعها على المحسات الوسطى الثلاث كما أنها بتمامها لم تتقدم على المسحات الاخيرة الثلاث. وأما حسنة محمد بن مسلم فلان أصل الذكر الوارد في الحسنة ظاهره العروق ألتي يقوم عليها الذكر ولم يرد به آخر القضيب وهو القسمة الاخيرة المرئية خارجا كما أن أصل الشجر يطلق على العروق المنشعبة المتشتة تحت الارض. وهى ألتي


(* 1) المائدة: 5: 8.

[ 434 ]

يقوم بها الشجر، وهذه العروق هي الكائنه فيما بين المقعدة والانثيين وعليه فالحسنة تدل على أعتبار المسح فيما بين المقعدة وطرف الذكر ثلاث مرات ولا دلالة لها على أعتبار تقدم المسحات الثلاث في القطعة الاولى على مسحات القطعة الوسطى الثلاث. بل لو مسح من عند المقعدة إلى طرف القضيب مرة وهكذا في المرة الثانية والثالثة كفى في حصول الاستبراء بمقتضى الحسنة. وهذا الذي ذكرناه في تفسيرها إما أنه الظاهر المستفاد منها لدى العرف. وإما أنه محتمل الارادة منها في نفسه ومعه تصبح الرواية مجملة، وكيف كان فليست الحسنة ظاهرة الدلالة على أعتبار الترتيب بين المسحات هذا. وقد يتوهم أن قوله عليه السلام وينتر طرفه مطلق ولا دلالة له على نتر الطرف ثلاثا. ويندفع بأنه عليه السلام لم يرد بقوله (وينتر طرفه) أن مسح أصل الذكر مغائر مع نتر طرفه بأن يراد مسح الذكر إلى الحشفة ثلاثا مرة ومسح نفس الحشفة أخرى. بل الظاهر أنه عليه السلام أراد المسح من أصل الذكر إلى نهايته ثلاث مرات ودفعا لتوهم عدم أعتبار نتر الحشفة أضاف قوله: وينتر طرفه. أي يمسح القضيب وينتر طرفه في كل واحد من المسحات الثلاث فالحسنة والرواية المتقدمة متطابقتان. وأما رواية عبد الملك فقد تقدم أن المراد من (غمز ما بينهما) إنما هو عصر القضيب بقوة لانها معنى الغمز وحيث أنها مطلقة بالاضافة إلى تعدد الغمز وعدمه فلا مناص من تقييدها بالروايتين المتقدمتين الدالتين على أعتبار غمز الذكر ثلاثا ومعه تدل الرواية على أعتبار المسحات التسع فيما بين المقعدة والانثيين والقضيب وطرفه من غير أن تدل على أعتبار الترتيب بوجه فهي متطابقة مع الروايتين المتقدمتين وعلى ذلك لو مسح من عند المقعدة إلى نهاية الذكر مرة وهكذا في المرة الثانية والثالثة تحققت به المسحات التسع المعتبرة في الاستبراء والمتحصل أن الاخبار الواردة في المقام مطبقة على عدم أعتبار الترتيب في

[ 435 ]

[ ثم يضع سبابته فوق الذكر وأبهامه تحته (1) ويمسح بقوة إلى رأسه ثلاث مرات، ثم يعصر رأسه ثلاث مرات. ويكفي سائر الكيفيات (2) مع مراعاة ثلاث مرات، وفائدته الحكم بطهارة الرطوبة المشتهبة (3) وعدم ناقضيتها، ويلحق به في الفائدة المذكورة طول ] المسحات فالقائل بأعتبار التسع إن أراد ما قدمنا تفصيله فهو وأما لو أراد مسح كل قطعة من القطعات الثلاث ثلاثا مترتبة على الترتيب الذي ذكره الماتن (قده) فهو مما لا دليل عليه. (1) لم نعثر على ذلك في شئ من الروايات معتبرها وضعيفها ولا نستعهده في فتاوى أصحابنا فإن الموجود في كلماتهم عكس ما ذكره الماتن (قده) على أنه من الصعوبة بمكان لانه خلاف المتعارف المعتاد فإن الطبع والعادة جريا على مسح القضيب بوضع السبابة تحته والابهام فوقه فما ذكره (قده) من سهو القلم والصحيح عكسه. (2) لان الغرض ليس إلا تنقية المجرى والطريق من الرطوبات البولية المتخلفة فيهما وهذا كما يحصل بالكيفية المتقدمة كذلك يحصل بغيرها وهو ظاهر (3) مقتضى قاعدة الطهارة وإن كان طهارة الرطوبة المشتبهة إلا أن الظاهر لما كان يقتضي تخلف شئ من الرطوبات البولية في الطريق وهي قد تجتمع وتخرج بعد البول بحركة ونحوها حكم الشارع بناقضية الرطوبة المشتبهة للوضوء تقديما للظاهر على الاصل ومنه نستكشف نجاستها وكونها بولا ولو من جهة حصر النواقض وعدم أنطباق شئ منها على الرطوبة المشتبهة بعد البول سوى البول كما يأتي في المسألة الثانية إن شاء الله وإذا أستبرء وحصلت به تنقية الطريق من الرطوبات المتخلفة فيه لم يحكم بنجاسة البلل ولا بناقضيته حسب الاخبار المتقدمة وأما صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: من أغتسل وهو

[ 436 ]

[ المدة (1) على وجه يقطع بعدم بقاء شئ في المجرى، بأن أحتمل أن الخارج ] جنب قبل أن يبول ثم يجد بللا فقد أنتقض غسله، وإن كان بال ثم أغتسل ثم وجد بللا فليس بنقض غسله ولكن عليه الوضوء لان البول لم يدع شيئا (* 1). وموثقة سماعة: فإن كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد غسله ولكن يتوضأ ويستنجي (* 2) فلا مناص من تقييدهما بما إذا لم يستبرء من البول لما عرفت من أن الطهارة لا تنتقض بالبلل المشتبهة إذا خرج بعد الاستبراء تنبيه: الاخبار الواردة في الاستبراء إنما وردت للارشاد ولبيان ما يتخلص به عن أنتقاض الوضوء بالبلل المشتبه لانه ناقض للطهارة ومحكوم بالنجاسة كما عرفت فلا دلالة في شئ منها على وجوب الاستبراء ولو شرطا لكونها واردة للارشاد ولصحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أنقطعت درة البول فصب الماء (* 3) لدلالتها على طهارة المحل بصب الماء عليه بعد الانقطاع من غير أن يشترط الاستبراء في طهارته فالاستبراء لا دليل على وجوبه بل الحكم بأستحبابه أيضا مشكل لما عرفت من أن الاخبار الآمرة به وردت للارشاد ولا دلالة في شئ منها على وجوب الاستبراء ولا على أستحبابه (1) لما أشرنا إليه من أن الاخبار المتقدمة إنما وردت للارشاد إلى ما يتخلص به عن أنتفاض الوضوء بالبلل المشتبه بعد البول والوضوء لان الظاهر تخلف شئ من الرطوبات البولية في الطريق وهي قد تجتمع وتخرج بعد البول بالحركة ونحوها والشارع قدم هذا الظاهر على الاصل فالفائدة المترتبة على الاستبراء ليست إلا سد هذا الاحتمال إذ معه لا يحتمل أن تكون الرطوبة المشتبهة


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 13 من النواقض و 36 من أبواب الجنابة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 31 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 437 ]

[ نزل من الاعلى، ولا يكفي الظن بعدم البقاء (1) ومع الاستبراء لا يضر أحتماله (2) وليس على المرأة أستبراء (3) نعم الاولى أن تصبر قليلا (4) وتنحنح وتعصر فرجها عرضا، وعلى أي حال الرطوبة الخارجة منها محكومة بالطهارة، وعدم الناقضية ما لم تعلم كونها بولا. ] من الرطوبات البولية المتخلفة في الطريق ولا يندفع به أحتمال كونها بولا قد نزل من موضعه لوضوح أن هذا الاحتمال كما أنه موجود قبله كذلك موجود بعده نعم هذا الاحتمال يندفع بالاصل وليس أمرا يقتضيه ظاهر الحال ليتقدم على الاصل فعلى ذلك لو قطع الملكف ولو بطول المدة أن البلل الخارج ليس من الرطوبات البولية المتخلفة في الطريق لم يحتج إلى الاستبراء بوجه وترتبت عليه فائدته وإن كان يحتمل أن تكون بولا نزل من موضعه إلا أنه مندفع بالاصل كما مر. (1) لعدم العبرة به ومقتضى أطلاق الاخبار الواردة في الاستبراء أن وجود الظن كعدمه. (2) كما أشرنا إليه. (3) لاختصاص الروايات بالرجال وحيث أن الحكم بناقضية البلل على خلاف القاعدة فلا مناص من الاقتصار على مورد النصوص فالمرأة باقية على الاصل وهو يقتضي طهارة البلل الخارج منها بعد البول. (4) حتى تطمئن بعدم كون البلل من الرطوبات البولية المتخلفة في الطريق لانها من المايعات وبالصبر تنزل وتخرج ولا يبقى شئ منها في الطريق حتى يخرج بعد البول نعم هذا على سبيل الاحتياط والاولوية لا على وجه اللزوم والوجوب لان البلل في المرأة محكوم بالطهارة وعدم الناقضية كما مر وكذلك الحال في التنحنح وعصر فرجها عرضا. بل الاولوية في تلك الامور ليست محتاجة إلى

[ 438 ]

[ (مسألة 1) من قطع ذكره يصنع ما ذكر فيما بقي (1). (مسألة 2) مع ترك الاستبراء يحكم على الرطوبة المشتهبة بالنجاسة والناقضية (2). ] النص لما مر من أن الاستبراء مختص بالرجال والامور المذكورة في حق المرأة من باب الاحتياط ولا كلام في أولويتها إذ بها تنزل الرطوبات المتخلفة في محلها ولا تبقى ليخرج بعد البول فيوجب الشك في نجاستها وناقضيتها ويحتاج في دفع أحتمالهما إلى التثبت بالاصل. (1) فيستبرء بمسح ما بين المقعدة والانثيين إذا قطع من أصله أو به ومسح المقدار الباقي من ذكره إذا قطع مقدار منه وذلك لان الامر به في الاخبار المتقدمة ليس على وجه التعبد. بل المرتكز أن الامر به من جهة النقاء وأخراج الرطوبة المتخلفة في الطريق وهذا لا يفرق فيه بين سليم الذكر ومقطوعه لحصول النقاء بمسح الذكر وما بين المقعدة والانثيين هذا. ثم إن هذا الوجه الاستحساني الذي ذكرناه وإن كان صحيحا في نفسه إلا أنا في غنى عنه للنص وهو رواية حفص المتقدمة لان قوله عليه السلام ينتره ثلاثا يدل بأطلاقه على أعتبار جذب البول ثلاثا بالاضافة إلى سليم الذكر ومقطوعه. (2) تقدم الوجه في ذلك آنفا فلا نطيل بأعادته. وقد تعجب صاحب الحدائق (قده) من حكمهم بنجاسة البلل المشتبه على مسلكهم وقال في الكلام على الماء الطاهر المشتبه بالنجس أن العجب منهم نور الله مراقدهم فيما ذهبوا إليه هنا من الحكم بطهارة ما تعدى إليه هذا الماء، مع أتفاقهم ظاهرا في مسألة البلل المشتبه الخارج بعد البول وقبل الاستبراء على نجاسة ذلك البلل ووجوب غسله إلى أن قال: والمسألتان من باب واحد كما لا يخفى. وإلى ما ذكره (قده) من المناقشة أشرنا سابقا بقولنا: ومن هنا قد يتوقف.

[ 439 ]

في الحكم بنجاسة البلل المشتبه لعدم دلالة دليل على نجاسته (* 1) وقد تعرض شيخنا الانصاري (قده) لكلام صاحب الحدائق في الاصول وذكر أن نجاسة البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء إنما أستفيدت من أمر الشارع بالطهارة عقبه من جهة أستظهار أن الشارع جعل هذا المورد من موارد تقديم الظاهر على الاصل (لما مر من أن الظاهر تخلف شي من الرطوبات البولية في الطريق وهي قد تجتمع وتخرج بعد البول بحركة ونحوها) فحكم بكون الخارج بولا لا أنه أوجب خصوص الوضوء بخروجه. وقال: إن بذلك يندفع تعجب صاحب الحدائق من حكمهم بعدم النجاسة فيما نحن فيه أي في ملاقي بعض أطراف الشهبة وحكمهم بها في البلل مع كون كل منهما مشتبها.. أنتهى. ونزيد عليه أن ظاهر قوله عليه السلام ويستنجي في موثقة سماعة المتقدمة أن الشارع إنما حكم بذلك لاجل أن البلل الخارج وقتئذ بول ناقض للوضوء إذ لولا كونه بولا نجسا لم يكن وجه لامره عليه السلام بعده بالاستنجاء لوضوح أن مجرد غسل الذكر من غير بول لا يسمي أستنجاء بوجه هذا مضافا إلى أن نواقض الوضوء محصورة فإذا حكمنا على البلل بالناقضية أستكشف من ذلك أنه بول لا محالة، إذ لا ينطبق شئ منها على البلل سوى البول فالبولية والناقضية متلازمتان في البلل. وهذا بخلاف البلل الخارج بعد الاستبراء، لانه محكوم بالطهارة وعدم أنتقاض الوضوء به، كما دلت عليه النصوص. ومن هنا قيدنا صحيحة محمد بن مسلم وموثقة سماعة المتقدمتين (* 2) الدالتين على أنتقاض الوضوء بالبلل بما إذا خرج قبل الاستبراء من البول، فالمتحصل أن الاخبار الواردة في المقام وإن لم يشتمل على أن البلل المشتبه بول أو نجس دلت على أنتقاض الوضوء به إذا خرج بعد الاستبراء


(* 1) الجزء الثاني ص 161. (* 2) في ص 439.

[ 440 ]

[ وإن كان تركه من الاضطرار (1) وعدم التمكن منه. ] من البول إلا أن الصحيح كما أفاده الماتن هو الحكم ببوليته وناقضيته كما عرفت (1) كما إذا كانت يداه مغلولتان أو غير ذلك من الوجوه والوجه فيما أفاده أن المستفاد من الادلة الدالة على نجاسة البلل الخارج قبل الاستبراء من البول وأنتقاض الطهارة به أن طهارة البلل وعدم أنتقاض الوضوء به من الاثار المترتبة على العملية الخاصة المتقدمة تفصيلها فإذا أنتفت ولو للاضطرار ترتبت عليه النجاسة والانتقاض لانه مقتضى إطلاقها. و (دعوى): أن الاضطرار مرفوع في الشريعة المقدسة لحديث رفع الاضطرار وحيث أن ترك الاستبراء في مفروض المسألة مستند إليه فهذا الترك كلا ترك وكانه قد أستبرء بمقتضى الحديث وبذلك يحكم على البلل بالطهارة وعدم الانتقاض به. (مندفعة): بوجوه تعرضنا لها في التكلم على الحديث عمدتها: أن الرفع فيما أضطروا وما أستكرهوا عليه والخطاء ونحوها قد تعلق عنى التكاليف الالزامية المتوجهة إلى المكلف بسبب الفعل الصادر منه بالاختيار كالافطار في نهار رمضان إذا صدر عن علم وأختيار لان موضوع لجملة من الاثار منها وجوب الكفارة والحرمة والعقاب وإذا أرتكبه بالاضطرار أو الاكراه ونحوهما أرتفعت عنه الحرمة ووجوب الكفارة بحديث رفع الاضطرار. وأما الاحكام الالزامية المتوجهة إلى المكلف بسبب أمر غير أختيارى له فلا يرتفع عنه بالحديث وقد مثلنا لذلك بالنجاسة ووجوب الغسل المترتبين على إصابة النجس وملاقاته لانهما حكمان مترتبان على أصابة البول ونحوه والاصابة ليست من الافعال الاختيارية له وإن كانت قد تصدر عنه بالاختيار ويكون فعلا من أفعاله إلا أن نجاسة الملاقي مترتبة على الاصابة به أنها إصابة لا بما أنها

[ 441 ]

[ (مسألة 3) لا يلزم المباشرة في الاستبراء (1) فيكفي في ترتب الفائدة إن باشره غيره كزوجته أو مملوكته. (مسألة 4) إذا خرجت رطوبة من شخص وشك شخص آخر في كونها ] فعل أختياري للمكلف فالنجاسة تترتب على أصابة النجس سواء أكانت بأختياره أم لم تكن ولا مجاف في مثل ذلك للقول بأنها صدرت بالاضطرار ومقتضى حديث الرفع عدم نجاسة الملاقي حينئذ. والامر في المقام كذلك لان النجاسة والانتقاض قد ترتبا على خروج البلل بعد البول وقبل الاستبراء منه ومن الواضح أن خروجه ليس من الافعال الاختيارية الملكلف وإن كان قد يستند إلى أختياره إلا أنه إنما أخذ في موضوعيهما بما أنه خروج البلل بما أنه فعل أختياري للمكلف فمتى تحقق ترتب عليه أثره وإن كان مستندا إلى الاضطرار أو الاكراه. على أن معنى الحديث إنما هو رفع الحكم عن المضطر إليه كترك الاستبراء في مفروض الكلام لا ترتيب أثر الفعل على الترك المستند إلى الاضطرار أو الاكراه مثلا إذا أكره أحد أو أضطر إلى ترك البيع في مورد لم يحكم بحصول الملكية المترتبة على البيع نظرا إلى أن تركه مستند إلى الاكراه أو الاضطرار وإنما حكم بأرتفاع الحكم بالمترتب على ترك البيع لان الترك هو المضطر إليه أو المكره عليه فلاحظ. (1) لان مقتضى الاخبار المتقدمة أن نتر البول ثلاثا موضوع للحكم بطهارة البلل وعدم ناقضيته سواء في ذلك أن ينتره بالاصبع أو بالخرقة أو بغيرهما مما يمكن به النتر وسواء كان ذلك بالمباشرة أو بالتسبيب كما إذا نترته مملوكته أو زوجته لما تقدم من أن الغرض من الاستبراء إنما هو النقاء وهذا لا يفرق فيه بين الآت النتر وأنحائه.

[ 442 ]

[ بولا أو غيره فالظاهر لحوق الحكم أيضا (1) من الطهارة إن كان بعد أستبرائه والنجاسة إن كان قبله، وإن كان نفسه غافلا بأن كان نائما مثلا، فلا يلزم أن يكون من خرجت منه هو الشاك وكذا إذا خرجت من الطفل، وشك وليه في كونها بولا، فمع عدم أستبرائه يحكم عليها بالنجاسة. (مسألة 5) إذا شك في الاستبراء يبني على عدمه (1) ولو مضت مدة، بل ولو كان من عادته. نعم لو علم أنه استبرأ وشك بعد ذلك في أنه كان ] (1) لان الاخبار الواردة في المقام دلتنا على أن النجاسة والناقضية حكمان مترتبان على خروج البلل المشتبه قبل الاستبراء من البول كما أن الطهارة وعدم الناقضية مترتبان على خروج البلل بعد الاستبراء منه فالحكمان مترتبان على خروج البلل بلا فرق في ذلك بين من خرج منه البلل وغيره بحيث لو خرج البلل من شخص بعد ما بال وأعتقد كونه مذيا مثلا وشك آخر في أنه بول أو مذي بنى على نجاسته وناقضيته فيما إذا خرج قبل إلاستبراء من البول لما تقدم من أن مقتضى الروايات عدم الفرق في ذلك بين من خرج منه البلل وغيره كما لا فرق فيه بين أن يكون من خرج منه البلل غافلا أو معتقدا للطهارة بالغا كان أو غيره (1) لان الاستبراء ليس له محل مقرر شرعي والتجاوز عن المحل الاعتيادي لا أعتبار به في جريان قاعدة التجاوز كما مر فأصالة عدم الاستبراء عند الشك فيه هي المحكمة وإن لم يستبعد الماتن (قده) في المسألة الخامسة من مسائل الفصل السابق جريان القاعدة عند التجاوز عن المحل الاعتيادي، إلا أنه مما لا يمكن تتميمه بدليل كما عرفت

[ 443 ]

[ على الوجه الصحيح أم لا بنى على الصحة (1). (مسألة 6) إذا شك من لم يستبرء في خروج الرطوبة وعدمه بنى على عدمه (2) ولو كان ظانا بالخروج. كما إذا رأى في ثوبه رطوبة وشك في أنها خرجت منه أو وقعت عليه من الخارج. (مسألة 7) إذا علم أن الخارج منه مذي، ولكن شك في أنه هل خرج معه بول أم لا (3) لا يحكم عليه بالنجاسة إلا أن يصدق عليه الرطوبة المشتبهة بأن يكون الشك في أن هذا الموجود هل هو بتمامه مذي أو مركب منه ومن البول (مسألة 8) إذا بال ولم يستبره، ثم خرجت منه رطوبة مشتبهة بين البول ] (1) لقوله عليه السلام كلما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو (1) وغيرها من الاخبار (2) لان الاخبار المتقدمة إنما وردت لبيان حكم الشك في صفة البلل بعد العلم بوجوده وخروجه بأن يشك في أنه بول أو مذى فالشك في أصل وجوده وأنه هل خرج منه البلل أم لم يخرج؟ خارج عن محطها وأصالة العدم يقتضي الحكم بعدمه (3) هذا على قسمين: لانه قد يقطع بأن ما يراه من الرطوبة المشتبهة مذي مثلا ولكنه يشك في أنه خرج معه بول أيضا أم لا. وهذا مورد لاصالة عدم الخروج لانه من الشك في وجود البلل وخروجه وقد تقدم أن مورد الاخبار هو الشك في صفة الخارج لا الشك في الخروج وقد يقطع بأن البلل الخارج منه مقدار منه كنصفه مذي مثلا ولا يدري أن النصف الآخر منه أيضا مذي أو بول وهو مشمول للاخبار لانه


(* 1) المروية في ب 23 من أبواب الخلل من الوسائل.

[ 444 ]

[ والمني (1) يحكم عليها بأنها بول، فلا يجب عليه الغسل، بخلاف ما إذا خرجت منه بعد الاستبراء، فإنه يجب عليه الاحتياط بالجمع بين الوضوء والغسل عملا بالعلم الاجمالي. هذا إذا كان ذلك بعد أن توضأ، ] من الشك في صفة الخارج بالاضافة إلى النصف المشكوك كونه بولا أو مذيا وليس من الشك في الخروج (1) بأن علم أنها نجسة وشك في أنها هل توجب الوضوء أو أنها مني يوجب الغسل؟ قد حكم الماتن (قده) بوجوب الوضوء حينئذ كما حكم بالاحتياط والجمع بين الوضوء والغسل فيما إذا خرجت بعد الاستبراء من البول وأورد على ذلك بأن مورد الاخبار الواردة في المقام إنما هو البلل المردد بين البول وغير المني كالمذي بحيث لو كان خرج قبل الاستبراء حكم ببوليته وناقضيته ولو خرج بعده حكم بطهارته وكونه من الحبائل. وأما البلل المردد بين البول والمني فالاخبار غير شاملة له ومقتضى العلم الاجمالي في مثله هو الجمع بين الوضوء والغسل هذا على أنا لو قلنا بشمول الاخبار للبلل المردد بينهما فمقتضاه الحكم بكونه منيا فيما إذا خرج بعد اللاستبراء من البول وذلك لما تقدم من أن الروايات المتقدمة قد دلت على أن البلل الخارج بعد الاستبراء من البول ليس ببول وإذا نفينا بوليته ثبت لازمه وهو كونه منيا في المقام والماتن لا يرضى بذلك ومن ثمة حكم بوجوب الجمع بين الوضوء والغسل حينئذ هذا والصحيج ما أفاده الماتن (قده) وذلك لان صحيحة محمد بن مسلم وموثقة سماعة المتقدمتين الدالتين على أن الجنب إذا بال وخرجت منه رطوبة مشتبهة وجب عليه الوضوء والاستنجاء دون الاغتسال لان البول لم يدع شيئا بعد تقييدهما بغير صورة الاستبراء من البول للاخبار الدالة على أن البلل بعد الاستبراء لا توجب الوضوء وأنه من الحبائل تدلنا على أن أحتمال كون البلل المردد بين

[ 445 ]

البول والمني من المني المتخلف في الطريق ساقط لا يعباء به لان البول لم يدع شيئا فهو مقطوع العدم كما أن أحتمال كونه منيا نزل من محله أو بولا كذلك مورد لاصالة العدم. نعم لا دافع لاحتمال كونه من البول المتخلف في الطريق ومن ثمة حكم في الروايتين بوجوب الوضوء والاستنجاء هذا فيما إذا كان المكلف جنبا وقد بال. ومن ذلك يظهر الحال فيما إذا لم يكن جنبا وذلك لانه لا خصوصية للجنابة فيما يستفاد من الروايتين فلنفرض أن المكلف لم يجنب قبل ذلك ولم يخرج منه المني حتى يحتمل أن يكون البلل الخارج منه منيا متخلفا في الطريق وإنما بال كما هو مفروض الماتن (قده) ثم خرجت منه رطوبة مشتبهة فإن أحتمال كونه بولا أو منيا نزلا من محلهما مندفع بأصالة العدم وأحتمال كونه بولا متخلفا لادافع له فالرطوبة محكومة بالبولية والناقضية فلا يجب عليه إلا الوضوء فإذ قد عرفت ذلك ظهر لك أن ما ذكره الماتن هو الصحيح فإن من بال ولم يستبرء بالخرطات وخرجت منه الرطوبة المرددة بين البول والمني لم يحتمل في حقه أن تكون الرطوبة منيا تخلف في الطريق لعدم سبقه بالجنابة أو لو كان جنبا قبل ذلك فالبول لم يدع شيئا في الطريق. وأما أحتمال أنها مني أو بول نزلا من محلهما فهو مندفع بأصالة العدم ولا يعتنى به بوجه. نعم أحتمال أنه بول متخلف في الطريق مما لا دافع له لانه لم يستبرء على الفرض فالرطوبة الخارجة محكومة بالبولية والناقضية ولا يجب على المكلف سوى الوضوء كما في المتن وأما إذا أستبرء بالخرطات فكما لا يحتمل أن تكون الرطوبة منيا متخلفا في الطريق كذلك لا يحتمل أن يكون بولا متخلفا لمكان الخرطات فيبقى أحتمال كونها منيا أو بولا نزلا من محلهما وكل من هذين الاحتمالين في نفسه وإن كان موردا للاصل إلا أن دوران الامر بينهما والعلم الاجمالي بأنه بول أو مني يمنع

[ 446 ]

[ وأما إذا خرجت منه قبل أن يتوضأ فلا يبعد جواز الاكتفاء بالوضوء (1) لان الحدث الاصغر معلوم ووجود موجب الغسل غير معلوم، فمقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء وعدم وجوب الغسل. ] عن جريان الاصل في أطرافه ومعه لا مناص من الاحتياط بالجمع بين الغسل والوضوء كما ذكره الماتن (قده) هذا فيما إذا كان المكلف متوضئا بعد الاستبراء بمكان من الوضوح. وأما إذا خرجت منه الرطوبة قبل أن يتوضأ فستسمع الكلام عليه في التعليقة الآتية إن شاء الله (1) قد يقال إن المقام من موارد أستصحاب كلي الحدث وهو من أستصحاب القسم الثاني من أقسام أستصحاب الكلى بناء على أن الحدث الاكبر والاصغر متضادان بحيث لو طرء أحد أسباب الاكبر أرتفع الاصغر وثبت الاكبر مكانه وذلك لان الحدث بعد ما توضأ المكلف في مفروض المسألة مردد بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع لان الرطوبة المرددة على تقدير أن يكون بولا واقعا فالحدث مقطوع الارتفاع وعلى تقدير أن تكون منيا كذلك فهو مقطوع البقاء ومقتضى أستصحاب الحدث الجامع بينهما المتيقن وجوده قبل الوضوء بقاء الحدث ومعه يجب عليه الغسل بعد الوضوء حتى يقطع بأرتفاع حدثه الثابت بالاستصحاب نعم إذا بنينا على أن الحدث الاكبر والاصغر فردان من الحدث وهما قابلان للاجتماع أو أن الاكبر مرتبة قوية من الحدث وإذا طرأت أسبابه تبدلت المرتبة الضعيفة بالقوية لم يجر أستصحاب كلي الحدث لانه من القسم الثالث من أقسام أستصحاب الكلي إذا المكلف بعد خروج البلل يشك في أن الحدث الاصغر هل قارنه الاكبر أو تبدل إلى مرتبة قوية أو أنه باق بحاله ومقتضى الاصل حينئذ أن الاصغر لم يحدث معه فرد آخر وأنه باق بحاله ولم يبدل إلى مرتبة

[ 447 ]

قوية ومعه لا يجب عليه الغسل بعد الوضوء هذا والصحيح ما أفاده الماتن (قده) وذلك لما ذكرناه في محله من أن الاستصحاب إنما يجري في الكلي الجامع إذا لم يكن هناك أصل حاكم عليه كما إذا لم يكن المكلف متوضئا في مفروض الكلام. وأما معه فلا مجال لاستصحاب الجامع لتعين الفرد الحادث والعلم بأنه من أي القبيلين تعبدا وتوضيح الكلام في كبرى المسألة وتطبيقها على المقام: أن المستفاد من قوله، عز من قائل: إذا قمتم إلى الصلاة فأغسلوا وجوهكم... وإن كنتم جنبا فأطهروا (* 1) أن الوضوء إنما هو وظيفة غير الجنب لانه مقتضى التفصيل الوارد في الاية المباركة. وكذا الحال في الاخبار لما ورد من أن غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء (* 2) فعلمنا من ذلك أن الادلة القائمة على وجوب الوضوء للمحدث مقيدة بغير الجنب لان غسل الجنابة لا يبقي مجالا للوضوء وحيث أن المكلف في مفروض المسألة لم يكن متوضئا قبل خروج الرطوبة المشتبهة وهو شاك في جنابته لاحتمال أن تكون الرطوبة بولا واقعا فمقتضى الاستصحاب عدم جنابته فهو محدث بالوجدان وليس جنبا بالاستصحاب فيحكم عليه بوجوب الوضوء لتحقق موضوعه بضم الوجدان إلى الاصل. ومع أستصحاب عدم الجنابة لا مجال لاستصحاب كلي الحدث لانه أصل حاكم رافع للتردد والشك فإن مقتضاه أن المكلف لم يجنب بخروج البلل وإن حدثه الاصغر باق بحاله. بل يمكن أن يقال أن الرطوبة المشتبهة ليست بمني وذلك ببركة الاستصحاب الجاري في الاعدام الازلية ولا يعارضه أستصحاب عدم كونها بولا إذ المكلف محدث بالاصغر على الفرض ولا أثر للبول بعد الحدث حتى ينفى


(* 1) المائدة: 5: 6 (* 2) المروية في ب 34 من أبواب الجنابة من الوسائل

[ 448 ]

فصل في مستحبات التخلي ومكروهاته [ (أما الاول): فأن يطلب خلوة (1) أو يبعد حتى لا يرى شخصه. ] كونه بولا ولا يفرق الحال فيما ذكرناه بين أن يكون الاكبر والاصغر متضادين أو قلنا إنهما قابلين للاجتماع أو أن الاكبر مرتبة قوية من الحدث والاصغر مرتبة ضعيفة وذلك لان مقتضى الاصل عدم حدوث الجنابة وعدم أقتران الحدث الاصغر بالاكبر وعدم تبدله إلى المرتبة القوية من الحدث فما أفاده الماتن (قده) من أن المكلف إذا لم يكن متوضئا وخرجت منه الرطوبة المشتبهة لم يبعد جواز الاكتفاء بالوضوء وعدم وجوب الجمع بينه وبين الغسل معللا بأن الحدث الاصغر معلوم ووجود موجب الغسل غير معلوم ومقتضى الاستصحاب وجوب الوضوء وعدم وجوب الغسل هو الصحيح. فصل في مستحبات التخلي ومكروهاته الحكم بأستحبات جملة من الامور التى تعرض لها الماتن (قده) أو كراهتها يبتني على القول بالتسامح في أدلة السنن وأستحباب ما بلغ فيه الثواب وإن لم يكن الامر كما بلغ والتعدي عنها إلى أدلة الكراهة. وحيث أنا لم نلتزم بذلك وقلنا إن أخبار من بلغ واردة للارشاد إلى ترتب الثواب على العمل المأتي به أنقيادا وبرجاء الثواب من دون أن تكون فيها أية دلالة على أستحباب العمل فضلا عن التعدي عنها إلى الكراهة لم بسعنا الحكم بالاستحباب أو الكراهة في تلك الامور كيف ولم يرد في بعضها سوى أن له فائدة طبية أو منفعة أو مضرة دنيويتين أو غير ذلك مما لا يمكن الاستدلال به على الندب أو الكراهة وإنما نتعرض لها تبعا للماتن وتتميما للكلام على طريقتهم (1) لجملة من الاخبار الواردة في مدحه (منها): ما رواه الشهيد في

[ 449 ]

[ وأن يطلب مكانا مرتفعا للبول (1) أو موضعا رخوا (2) وأن يقدم رجله اليسرى عند الدخول (3) في بيت الخلاء، ورجله اليمنى عند الخروج، وأن يستر ] شرح النفلية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لم ير على بول ولا غائط (* 1) و (منها) رواية جندب (جنيد) بن عبد الله قال: في حديث: ورد على أمير المؤمنين عليه السلام فقال يا أخا الازد معك طهور؟ قلت: نعم فناولته الاداوة فمضى حتى لم أره وأقبل وقد تطهر. (* 2) و (منها): ما ورد في وصف لقمان من أنه لم يره أحد من الناس على بول ولا غائط قط ولا أغتسال لشدة تستره وتحفظه في أمره.. (* 3) (1) لما في مرسلة الجعفري قال: بت مع الرضا عليه السلام في سفح جبل فلما كان آخر الليل قام فتنحى وصار على موضع مرتفع فبال وتوضأ. (* 4) ورواية أبن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله أشد الناس توقيا للبول كان إذا أراد البول يعمد إلى مكان مرتفع من الارض أو إلى مكان من الامكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول (* 5) (2) ففي رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من فقه الرجل أن يرتاد موضعا لبوله (* 6) أو لموضع بوله كما في مرسلة سليمان الجعفري المتقدمة وفي رواية أبن مسكان: أو إلى مكان من الامكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول. كما تقدمت في التعليقة السابقة (3) أستدل على أستحباب ذلك بدعوى الاجماع عليه وكونه مشهورا عندهم كما في المدارك


(* 1) و (* 2) و (* 3) المروية في ب 4 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 4) و (* 5) و (* 6) المرويات في ب 22 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 450 ]

[ رأسه (1) وأن يتقنع (2) ويجزئ عن ستر الرأس (3) وأن يسمي عند كشف العورة (4) وأن يتكي في حال الجلوس ] (1) أدعي عليه الاتفاق كما عن الذكرى والمعتبر لما عن المقنعة من أن تغطئة الرأس إن كان مكشوفا عند التخلي سنة من سنن النبي صلى الله عليه وآله (1) (2) لما ورد عن أبي عبد الله عليه السلام من أنه كان إذا دخل الكنيف يقنع رأسه ويقول سرا في نفسه: بسم الله وبالله.. (* 2) وفى وصية النبي صلى الله عليه وآله لابي ذر يا أبا ذر أستحي من الله فأني والذي نفسي بيده لاظل حين أذهب إلى الغائط متقنعا بثوبي أستحياء من الملكين الذين معي.. (3) (3) لعله لان التقنع أخص من الستر فأذا تحقق حصل الغرض الداعي إلى الامر بالاعم (4) كما ورد في مرسلة الصدوق: قال أبو جعفر الباقر عليه السلام إذا أنكشف أحدكم لبول أو لغير ذلك فليقل: بسم الله. فإن الشيطان يغض بصره حتى يفرغ (4) وقد يستدل على ذلك برواية أبي أسامة عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث أنه سئل وهو عنده ما السنة في دخول الخلاء؟ قال: تذكر الله وتتعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. (* 5) وبالمرسل المروي عن الصادق عليه السلام أنه كان إذا دخل الكنيف يقنع رأسه ويقول سرا في نفسه بسم الله وبالله (* 6) وفيه أنا لو سلمنا أن المراد بالتسمية مطلق ذكر الله سبحانه فغاية ما يستفاد من هاتين الروايتين هو أستحباب الذكر والتسمية عند دخول الكنيف والخلاء وأين هذا من أستحبابهما


(* 1) و (* 2) و (* 3) (* 6) المرويات في ب 3 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 4) و (* 5) المرويتان في ب 5 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 451 ]

[ على رجله اليسرى (1) ويفرج رجله اليمنى (2) وأن يستبرئ بالكيفية التي مرت (3) وأن يتنحنح قبل الاستبراء (4) وأن يقره الادعية المأثورة بأن يقول عند الدخول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم (5) أو يقول: الحمد لله الحافظ ] عند كشف العورة فأنهما أمران متغائران (1) كما في الذكرى وكشف الغطاء واللمعتين ومنظومة الطباطبائى ولم يرد في أخبارنا ما يدل عليه. نعم في السنن الكبرى للبيهقي عن سراقة بن جشعم: علمنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى (* 1) ولعله إليه أشار الشهيد في الذكرى حيث أسند ذلك إلى رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وكذا العلامة في النهاية بقوله: لانه علم أصحابه الاتكاء على اليسار. (2) كما عن جماعة وهو في الجملة لازم الاعتماد على اليسرى. (3) في الجواهر: لا خلاف فيه بين المتأخرين. وعن ظاهر بعض المتقدمين الوجوب. وقد أشرنا سابقا إلى أن الاخبار الواردة في الاستبراء كلها أرشادية ولا دلالة فيها على الاستحباب فضلا عن الوجوب. (4) كما عن العلامة والشهيد والبهائى وغيرهم حيث ذكروا التنحنح ثلاثا في كيفية الاستبراء. وأعترف في الحدائق بعدم العثور على مأخذ له (5) كما في رواية أبي بصير عن أحدهما عليه السلام قال: إذا دخلت الغائط فقل: أعوذ بالله إلى آخر ما في المتن (* 2) إلا أنها غير مشتملة على لفظة (أللهم إني) بل الواردة فيها (أعوذ بالله. وفي مرسلة الصدوق: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد دخول المتوضأ قال: أللهم إلى آخر ما نقله الماتن (* 3) ولكنها مشتملة


(* 1) ج 1 ص 86 (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 5 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 452 ]

[ المؤدي (1) والاولى الجمع بينهما (2). وعند خروج الغائط: الحمد لله الذي أطعمنيه طيبا في عافية وأخرجه خبيثا في عافية (3) وعند النظر إلى الغائط: أللهم أرزقني الحلال وجنبني عن الحرام (4) ] على زيادة اللهم أمط عني الاذى وأعذني من الشيطان الرجيم. وروى معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام إذا دخلت المخرج فقل بسم الله اللهم إني أعوذ بك إلى آخر ما في المتن (* 1) إلا أن (الخبيث المخبث) مقدم فيها على (الرجس النجس) كما أن فيها زيادة (بسم الله). (1) كما في مرسلة الصدوق قال: وكان عليه السلام إذا دخل الخلاء يقول: الحمد لله الحافظ المؤدي (* 2) (2) حتى يعمل بكلتا الروايتين. والاولى من ذلك الجمع بينهما وبين ما ورد في مرسلة الصدوق من أن الصادق عليه السلام كان إذا دخل الخلاء يقنع رأسه ويقول في نفسه بسم الله وبا لله ولا إله إلا الله، رب أخرج عني الاذى سرحا بغير حساب، وأجعلني لك من الشاكرين فيما تصرفه عني من الاذى، والغم الذي لو حبسته عنى هلكت، لك الحمد أعصمني من شر ما في هذه البقعة وأخرجني منها سالما وحل بينى وبين طاعة الشيطان الرجيم (* 3) (3) وفي مرسلة الصدوق كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا تزحر قال: أللهم كما أطعمتنيه طيبا في عافية فأخرجه منى خبيثا في عافية (* 4) وهذا كما ترى يختلف مع ما في المتن من جهات (4) كما في مرسلة الصدوق قال: كان علي عليه السلام يقول ما من عبد إلا وبه ملك موكل يلوي عنقه حتى ينظر إلى حدثه ثم يقول له الملك: يا بن آدم هذا


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 5 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 453 ]

[ وعند رؤية الماء: الحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا (1) وعند الاستنجاء: أللهم حصن فرحي وأعفه وأستر عورتي وحرمني على النار ووفقني لما يقربني منك يا ذا الجلال والاكرام (2) وعند الفراغ من الاستنجاء: الحمد لله الذي عافاني من البلاء وأماط عني الاذى (3) وعند القيام عن محل الاستنجاء يمسح ] رزقك فأنظر من أين أخذته وإلى ما صار؟ وينبغي للعبد عند ذلك أن يقول: أللهم أرزقني الحلال وجنبني الحرام (* 1). (1) ورد هذا الدعاء في رواية عبد الرحمان بن كثير الهاشمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم جالسا مع محمد بن الحنفية إذ قال له: يا محمد أيتنى بأناء من ماء أتوضأ للصلاة، فأتاه محمد بالماء فأكفاه فصبه بيده اليسرى على يده اليمنى، ثم قال: بسم الله وبالله والحمد لله الذي جعل الماء.. (* 2) والرواية كما ترى لا دلالة لها على أستحباب ذلك عند النظر إلى الماء وإن ذكره جمع غفير كالمفيد في المقنعة والطوسي في مصباح المتهجد والكفعمي في المصباح والشهيد في النفلية وغيرهم من الاعلام. (2) كما في رواية أبن كثير الهاشمي المتقدمة حيث ورد فيها: ثم أستنجى فقال: أللهم حصن فرجي وأعفه وأستر عورتي وحرمني على النار (* 3) نعم الرواية كما في الوسائل غير مشتملة على (ووفقني..) إلى آخر ما في المتن. (3) كما في رواية أبى بصير حيث قال عليه السلام: وإذا فرغت فقل: الحمد لله الذي عافاني من البلاء وأماط عنى الاذى (* 4) بناء على أن المراد بالفراغ


(* 1) المروية في ب 18 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 16 من أبواب الوضوء من المسائل. (* 4) المروية في ب 5 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 454 ]

[ يده اليمنى (1) على بطنه ويقول: الحمد لله الذي أماط عنى الاذى وهنأنى طعامي وشرابي وعافانى من البلوى (2) وعند الخروج أو بعده: الحمد لله الذي عرفني لذته، وأبقى في جسدي قوته، وأخرج عني أذاه، يا لها نعمة، يا لها نعمة، يالها نعمة لا يقدر القادرون قدرها (3) ويستحب أن يقدم الاستنجاء من الغائط ] في الرواية هو الفراغ عن الاستنجاء لا التخلي. (1) كما عن المفيد (قده). (3) ذكره الشيخ في مصباح المتهجد حيث قال: ثم يقوم من موضعه ويمر يده على بطنه ويقول: الحمد لله الذي أماط عنى الاذى وهنأنى طعامي وشرابي وعافانى من البلوى فإذا أراد الخروج. الحديث (* 1) وعن الصدوق في الهداية والمقنع: إذا فرغت من حاجتك فقل: (الحمد لله.. إلى آخر الدعاء. وإذا أراد الخروج. (* 2) وفى دعائم الاسلام عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إذا دخلت المخرج فقل.. فإذا فرغت فقل: الحمدلله الذي أماط عنى الاذى وهنأنى طعامي وشرابي (* 3) ولم يذكر فيه (وعافانى من البلوى) كما أنه وكلام الصدوق غير مقيدين بحالة القيام من الموضع. (3) ذكره الشيخ في مصباح المتهجد قال: فإذا خرج قال: الحمد لله الذي إلى آخر ما نقله في المتن وفي مرسلة الصدوق كان عليه السلام إذا دخل الخلاء يقول. فإذا خرج مسح بطنه وقال: الحمد لله الذي أخرج عنى أذاه وأبقى في قوته، فيالها من نعمة لا يقدر القادرون قدرها (* 4) وفى رواية القداح عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عن على عليه السلام أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 5 من أبواب أحكام الخلوة من المستدرك. (* 4) المروية في ب 5 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 455 ]

[ على الاستنجاء من البول (1) وأن يجعل المسحات إن أستنجى بها وترا (2) فلو لم ينق بالثلاثة وأتى برابع يستحب أن يأنى بخامس ليكون وترا (3) وإن حصل النقاء بالرابع. وأن يكون الاستنجاء والاستبراء باليد اليسرى (4) ] رزقني لذته وأبقى قوته في جسدي وأخرج عنى أذاه يالها نعمة ثلاثا (* 1) وهاتان الروايتان غير موافقتين لما في المتن من جهات وعن المجلسي (قده) أن أكثر العلماء جمعوا بين الروايتين وقالوا: الحمد لله الذي إلى آخر ما ذكره في المتن. (1) لموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل إذا أراد أن يستنجي بالماء يبدء بالمقعدة أو بالاحليل؟ فقال: بالمقعدة ثم بالاحليل (* 2). (2) لما عن علي عليه السلام من أنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أستنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء (* 3). (3) لاطلاق الرواية. (4) أما الاستنجاء فلجملة من الاخبار الواردة في النهي عن أن يستنجي الرجل بيمينه وأن الاستنجاء باليمين من الجفاء ولما أخرجه أبو داود في سننه عن عائشة من أنها قالت: كانت يد رسول الله صلى الله عليه وآله اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى (* 5) وعن حفصة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله: النبي صلى الله عليه وآله يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل شماله لما سوى ذلك (* 6) وفي المنتهى للعلامة (* 7) عن عائشة كانت يد رسول الله اليمنى لطعامه


(* 1) المروية في ب 5 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 14 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 9 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 4) راجع ب 12 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 5) و (* 6) السنن ج 1 ص 9.

[ 456 ]

[ ويستحب أن يعتبر ويتفكر (1) في أن ما سعى وأجتهد في تحصيله وتحسينه كيف صار أذية عليه، ويلاحظ قدرة الله تعالى في رفع هذه الاذية عنه وإراحته منها. وأما المكروهات: فهي أستقبال (2) الشمس والقمر (3) بالبول والغائط ] وطهوره ويده اليسرى للاستنجاء وإن النبي صلى الله عليه وآله أستحب أن يجعل اليمنى لما علا من الامور واليسرى لما دنى. وأما الاستبراء فلمرسلة الفقيه: قال أبو جعفر عليه السلام: إذا بال الرجل فلا يمس ذكره بيمينه (* 1) وللرواية المتقدمة الدالة على أن النبي أستحب أن يجعل اليد اليمنى لملا علا من الامور واليسرى لما دنى لان الاستبراء من القسم الاخير (1) في مرسلة الفقيه: كان علي عليه السلام يقول: ما من عبد إلا وبه ملك موكل يلوي عنقه حتى ينظر إلى حدثه ثم يقول له الملك: يابن آدم هذا رزقك فأنظر من أين أخذته وإلى ما صار وينبغي للعبد عند ذلك أن يقول: أللهم أرزقني الحلال وجنبني الحرام (* 2) وفي رواية أبى أسامة: يابن آدم أنظر إلى ما كنت تكدح له في الدنيا إلى ما صاير (* 3). (2) النهي يختص بأستقبال الشمس فلا كراهة في أستدبارها. نعم لا فرق في القمر بين أستقباله وأستدباره للنهي عن كليهما. (3) لجملة من الاخبار: (منها): رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: نهى رسول صلى الله عليه وآله أن يستقبل الرجل الشمس والقمر بفرجه وهو يبول (* 4)


(* 1) راجع ب 12 عن أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 18 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 4) المروية في ب 25 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 457 ]

[ وترتفع بستر فرجه (1) ولو بيده، أو دخوله في بناء أو وراء حائط. وأستقبال الربح بالبول بل الغائط أيضا (2) ] و (منها): ما في غوالي اللئالي عن فخر المحققين قال: قال النبي صلى الله عليه وآله لا تستقبلوا الشمس ببول ولا غائط فأنهما آيتان من آيات الله (* 1). و (منها): مرسلة الكليني قال: وروي أيضا: لا تستقبل الشمس والقمر (* 2) و (منها): مرسلة الصدوق قال: وفي خبر آخر: لا تستقبل الهلال ولا تستدبره يعنى في التخلي (* 3) و (منها): غير ذلك من الاخبار. (1) لعله لما في بعض الاخبار من النهى عن البول والفرج باد للقمر يستقبل به (* 4) نظرا إلى أنه مع الستر أو الدخول في البناء ونحوهما لا يكون الفرج باديا للقمر وفيه أن الاخبار الناهية لا تختص بتلك الرواية وقد تعلق النهي في جملة منها على أستقبال الشمس والقمر أو أستقبال الهلال وأستدباره ولا يفرق في ذلك بين ستر الفرج والدخول في البناء وعدمهما. (2) لما في مرفوعتي محمد بن يحيى و عبد الحميد بن أبى العلاء أو غيره


(* 1) المروية في ب 20 من أبواب أحكام الخلوة من المستدرك. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 25 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 4) كما في حديث المناهي قال: ونهى أن يبول الرجل وفرجه باد للشمس والقمر. ورواية الكاهلي: عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا يبولن أحدكم وفرجه باد للقمر يستقبل به. المرويتان في ب 25 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل ثم أن الوجه في حمل الرواية على الكراهة أن الحرمة في المسألة لم تنقل من أصحابنا مع أنها مما يتكثر الابتلاء به والحكم في مثلها لو كان لذاع ولم يخف على المسلمين فضلا عن الاعلام المحققين ولم تنحصر روايته بواحدة أو أثنتين.

[ 458 ]

[ والجلوس في الشوارع (1) ] (ولا تستقبل الريح ولا تستدبرها) (* 1) ومرفوعة محمد بن علي بن أبراهيم (ولا تستقبل الريح لعلتين. (* 2) وبذلك يظهر أن تخصيص الحكم بأستقبال الريح كما صنعه الماتن وبعضهم مما لا وجه له للتصريح بالاستدبار في المرفوعتين. (1) ففي حديث المناهى: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبول أحد تحت شجرة مثمرة أو على قارعة الطريق الحديث (* 3) وفي حديث الاربعماة: لا تبل على المحجة ولا تتغوط عليها (* 4) وفى دعائم الاسلام عنهم عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن الغائط فيه إي في الماء.. وعلى الطرق. (* 5) وفي البحار عن العلل لمحمد بن علي بن أبراهيم.. ولا يتوضأ على شط نهرجار. ولا على جواد الطريق (* 6) وفي صحيحة عاصم بن حميد عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قال رجل لعلي بن الحسين عليه السلام أين يتوضأ الغرباء؟ قال: تتقي شطوط الانهار، والطرق النافذة. (* 7) وظاهر النهي في الصحيحة وإن كان حرمة التخلي في تلك الموارد إلا أنه لا مناص من حملها على الكراهة لتسالم الاصحاب على الجواز في تلك الموارد. نعم عن المفيد والصدوق أنهما عبرا بعدم الجواز. ولم يعلم أرادتهما التحريم من ذلك. على أن التخلي في تلك المواضع ولا سيما الشوارع والعقود كان من الامور المتعارفة في الاعصار السابقة بل الامر كذلك حتى الآن في بعض الامصار وكذا في القرى والبوادي والحكم في أمثال ذلك مما يعم به البلوي غالبا لو كان لاشتهر وبان ولورد في غير واحد من الاخبار ولم يكد يخفى على الاعلام الباحثين


(* 1) المروية في ب 2 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 2 من أبواب أحكام الخلوة من المستدرك. (* 3) و (* 4) و (* 5) المرويتين في ب 12 من أبواب أحكام الخلوة من المستدرك.

[ 459 ]

[ أو المشارع (1) أو منزل القافلة (2)، أو دروب المساجد (3) أو الدور (4) ] عن مدارك الاحكام. أضف إلى ذلك أن مساق الصحيحة وظاهرها أنها بصدد بيان السنن والآداب ليتأدب بها الغريب وإلا فالاحكام الشرعية لا فرق فيها بين الغرباء وغيرهم. (1) جمع مشرعة وهو مورد الشاربة. وفي مرفوعة علي بن أبراهيم قال: خرج أبو حنيفة من عند أبي عبد الله عليه السلام وأبو الحسن موسى عليه السلام قائم وهو غلام فقال له أبو حنيفة: يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال: أجتنب أفنية المساجد وشطوط الانهار، ومساقط الثمار، ومنازل النزال، ولا تستقبل القبلة بغائط ولا بول، وأرفع ثوبك، وضع حيث شئت (* 1) وفي رواية السكوني نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يتغوط على شفير بئر ماء يستعذب منها أو نهر يستعذب أو تحت شجرة فيها ثمرتها (* 2) ونظيرها رواية الحصين بن مخارق (* 3) وفي صحيحة العاصم المتقدمة (تتقى شطوط الانهار.. وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام: وكره البول على شط نهر جار (* 4). (2) للامر بالاجتناب عن منازل النزال في مرفوعة القمى المتقدمة (* 5) ورواية أبراهيم بن أبى زياد الكرخي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث من فعلهن ملعون: المغوط في ظل النزال.. (* 6) (3) للامر بالاجتناب عن أفنية المساجد في مرفوعة القمي المتقدمة (* 7) (4) لعله لما ورد في صحيحة عاصم بن حميد المتقدمة (* 8) من قوله عليه السلام تتقى شطوط الانهار.. ومواضع اللعن، فقيل له: وأين مواضع اللعن؟ قال:


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) و (* 5) و (* 6) و (* 7) و (* 8) المرويات في ب 15 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 460 ]

[ أو تحت الاشجار المثمرة (1) ولو في غير أوان التمر (2) والبول قائما (3) ] أبواب الدور. (1) وفى صحيحة العاصم المتقدمة: وتحت الاشجار المثمرة. وفي رواية الحسين بن زيد: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يبول أحد تحت شجرة مثمرة (* 1) وفي مرفوعة القمى المتقدمة (* 2) ومساقط الثمار. وفي رواية السكوني وأبن مخارق المتقدمتين: أو تحت شجرة فيما ثمرتها أو ثمرها وفي مرسلة الفقيه عن أبي جعفر عليه السلام (* 3) ووصية النبي المتقدمة (* 4) تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت وفى رواية عبد الله بن الحسن: تحت شجرة مثمرة قد أينعت أو نخلة قد أينعت يعني أثمرت (* 5). (2) ذهب إليه جماعة من المتأخرين وإن كانت الاخبار الواردة ظاهرة الاختصاص بحالة وجود الثمرة كما مر. (3) لجملة من الاخبار: (منها): صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: من تخلى على قبر أو بال قائما، أو بال في ماء قائما أو مشى في حذاء واحد أو شرب قائما أو خلا في بيت وحده وبات على غمر فأصابه شئ من الشيطان لم يدعه إلا أن يشاء الله وأسرع ما يكون الشيطان إلى الانسان وهو على بعض هذه الحالات (* 6) و (منها): مرسلة الصدوق قال: قال عليه السلام البول قائما من


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 15 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) و (* 4) في ص 459 (* 5) و (* 3) المرويتان في ب 15 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 6) المروية في ب 16 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 461 ]

[ وفي الحمام (1) وعلى الارض الصلبة (1) وفي ثقوب الحشرات (3) ] غير علة من الجفاء (* 1) و (منها) غير ذلك من الاخبار. (1) أستدل عليه بأنه من الصفات المورثة للفقر كما في الخبر (* 2) (2) لما ورد من أن من فقه الرجل أن يرتاد موضعا لبوله (* 3) وأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان أشد الناس توقيا للبول كان إذا أراد البول يعمد إلى مكان مرتفع من الارض أو إلى مكان من الامكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول (* 4) وفى الجواهر: يظهر من بعضهم عدم جعلة من المكروهات، بل جعل أرتياد موضع للبول من المتسحبات، والاولى الجمع بينهما للتسامح بكل منهما أنتهى. (3) لما عن النبي صلى الله عليه وآله من أنه قال: لايبولن أحدكم في جحر (* 5) وفي البحار عن أعلام الدين للديلمي قال: قال الباقر عليه السلام لبعض أصحابه وقد أراد سفرا فقال له: أوصني فقال: لا تسيرن سيرا وأنت حاف.. ولا تبولن في نفق الحديث (* 6).


(* 1) المروية في ب 33 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) عن الخصال قال أمير المؤمنين عيه السلام البول في الحمام يورث الفقر. راجع البحار ج 18 آداب الاستبراء ومثله في المستدرك ب 29 من أبواب أحكام الخلوة. وفي وصية النبي لعلي عليه السلام: لا يبولن الرجل في ماء حار فإن فعل ذلك وأصابه شئ فلا يلومن إلا نفسه. الخصال ج 2 ص 156 (* 3) و (* 4) المرويتان في ب ب 22 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل (* 5) كنز العمال ج 5 ص 87 (* 6) المروية في ب 29 من أبواب أحكام الخلوة من المستدرك. النفق محركة سرب في الارض له مخلص إلى مكان. والسرب جحر الوحشي.

[ 462 ]

[ وفي الماء (1) خصوصا الراكد (2) ] (1) ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: من تخلى على قبر أو بال قائما أو بال في ماء قائما. فأصابه شئ من الشيطان لم يدعه إلا أن يشاء الله.. (* 1) وفي روايته عن أحدهما عليهم السلام أنه قال: لا تشرب وأنت قائم ولا تبل في ماء نقيع.. (* 2) وفى مرسلة حكم عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: قلت له: يبول الرجل في الماء؟ قال: نعم ولكن يتخوف عليه من الشيطان (* 3) وفي مرسلة مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام أنه نهى أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة وقال: إن للماء أهلا (* 4) وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال لا تشرب وأنت قائم ولا تطف بقبر، ولا تبل في ماء نقيع.. (* 5) إلى غير ذلك من الاخبار. (2) الخصوصية مستفادة من الجمع بين الاخبار المتقدمة الناهية من البول في الماء وبين الاخبار الواردة في المقام كصحيحة الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري وكره أن يبول في الماء الراكد (* 6) ورواية عنبسة بن مصعب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبول في الماء الجاري قال: لا بأس به إذا كان الماء جاريا (* 7) إلى غير ذلك من الاخبار وذلك لان مقتضى الجمع بين الطائفتين والتفصيل بين الجاري وغيره في هذه الروايات حمل الطائفة الثانية على خفة الكراهة في الجاري والاولى على شدتها في الماء الراكد.


(* 1) المروية في ب 16 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) و (* 3) و (* 4) و (* 5) المرويات في ب 24 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 6) و (* 7) المرويتان في ب 5 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 463 ]

[ وخصوصا في الليل (1) والتطميح بالبول (2) أي البول في الهواء والاكل (3) والشرب (4) حال التخلي. بل في بيت الخلاء مطلقا، والاستنجاء باليمين (5) ] (1) علل ذلك بأن الماء للجن بالليل وأنه مسكنهم فلا يبال فيه ولا يغتسل لئلا تصيبه آفة من جهتهم كذا حكي عن العلامة والشهيد وغيرهما. (2) لما في مرسلة الصدوق من أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى أن يطمح الرجل ببوله في الهواء من السطح أو من الشئ المرتفع (* 1) وغيرها. (3) لمرسلة الفقيه قال: دخل أبو جعفر الباقر عليه السلام الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك معه فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت فلما خرج عليه السلام قال للملوك: أين اللقمة؟ فقال: أكلتها يابن رسول الله فقال عليه السلام أنها ما أستقرت في جوف أحد إلا أوجبت له الجنة فأذهب فأنت حر فاني أكره أن أستخدم رجلا من أهل الجنة (* 2) وغيرها من الاخبار المتحدة معها في المفاد. وتقريب الاستدلال بها أن قوله عليه السلام تكون معك لاكلها إذا خرجت يكشف عن مرجوحية الاكل في بيت الخلاء لانه لولا مرجوحيته لم يكن عليه السلام يؤخر أكل اللقمة بوجه لعلمه بأنها ما أستقرت في جوف أحد إلا أوجبت له الجنة نعم لا دلالة لها على كراهة الاكل حال التخلي وأن أستدل بها بعضهم على كراهة الاكل حالئذ. (4) إلحاقا له بالاكل بحسب الفتوى. (5) لجملة من الاخبار كما مر (* 3).


(* 1) المروية في ب 33 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 39 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 3) في ص 455

[ 464 ]

[ وباليسار إذا كان عليه خاتم فيه أسم الله (1) ] (1) كما عن المبسوط والمهذب والوسيلة والتذكرة وغيرها للاخبار المتضافرة. ((منها): رواية الحسين بن خالد عن أبي الحسن الثاني عليه السلام قال: قلت له: إنا روينا في الحديث أن رسول صلى الله عليه وآله كان يستنجي وخاتمه في أصبعه وكذلك كان يفعل أمير المؤمنين عليه السلام وكان نقش خاتم رسول الله: محمد رسول الله قال: صدقوا قلت: فينبغي لنا أن نفعل قال: أن أولئك كانوا يتختمون في اليد اليمنى فأنكم أنتم تتختمون في اليسرى (* 1). و (منها): رواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه أسم الله تعالى ولا يستنجى وعليه خاتم فيه أسم الله. (* 2). لعدم القول بالفصل بين الجنب وغيره وغير ذلك من الروايات. وفي قبالها رواية وهب بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان نقش خاتم أبي: العزة لله جميعا وكان في يساره يستنجى بها وكان نقش خاتم أمير المؤمنين عليه السلام الملك لله وكان في يده اليسرى يستنجى بها (* 3) إلا أنها ساقطة عن الاعبتار بوجوه: (أحدهما): أنها رواية شاذة لا تقاوم الاخبار المتضافرة في المقام. و (ثانيها): أنها معارضة في موردها لاشتمالها على أن النبي والوصي عليهما السلام كانا يتختمان باليسار مع أن رواية الحسين بن خالد المتقدمة صريحة في أنهما كانا يتختمان باليمين ومعه لابد من حمل رواية وهب على التقية لموافقتها العامة (* 4). و (ثالثها): أن الرجل عامي خبيث ومعروف بالكذب على الله وملائكته


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 17 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 4) في تفسير روح البيان ج 4 ص 142 الاصل التختم باليمين ولما صار شعار أهل البدعة والظلمة صارت السنة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا.

[ 465 ]

[ وطول المكث (1) في بيت الخلاء والتخلي (2) ] ورسله. بل قيل إنه أكذب البرية وهو يروي المنكرات فلا يصغي إلى روايته أبدا ولا يقاس ضعفه بضعف غيره من الرواة. ويستفاد من بعض الاخبار كراهة إدخال الخاتم الذي فيه أسم الله على الخلاء وإن لم يكن في اليد التي يستنجى بها كما في رواية عمار المتقدمة حيث ورد في ذيلها: ولا يدخل المخرج وهو عليه. ورواية أبى أيوب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أدخل الخلاء وفي يدي خاتم فيه أسم من أسماء الله تعالى؟ قال: لا ولا تجامع فيه (* 1) إلا أنهما محمولتان على صورة ما إذا كان الخاتم في اليد التي يستنجى بها وذلك لما دلت عليه رواية الحسين بن خالد المتقدمة من أن النبي والولي عليهما السلام كانا يتختمان باليمين ويدخلان الخلاء ويستنجيان وخاتمهما في أصبعيهما (1) لجملة من الاخبار الواردة في أن طول الجلوس على الخلاء يورث الباسور (منها): مرسلة الصدوق قال: قال أبو جعفر عليه السلام طول الجلوس على الخلات يورث الباسورة (* 2). (2) للاخبار الدالة على أن التغوط بين القبور مما يتخوف منه الجنون (* 3) أو أن من تخلى على قبر فأصابه شئ من الشيطان لم يدعه إلا أن يشاء الله (* 4) وفى بعض الروايات النبوية: إياكم والبول على المقابر فإنه يورث البرص (* 5) وأن


(* 1) المروية في ب 17 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 20 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 3) و (* 4) المرويتان في ب 16 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 5) كنزل العمال ج 5 ص 87

[ 466 ]

[ على قبر المؤمنين (1) إذا لم يكن هتكا وإلا كان حراما (2) وأستصحاب الدرهم البيض (3) بل مطلقا (4) إذا كان عليه أسم الله (5) أو محترم آخر، إلا أن يكون مستورا (6) والكلام (7) ] من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكمأنما جلس على جمرة من نار (* 1) (1) قال في كشف الغطاء: يكره التخلي على القبر حيث لا يكون محترما وإذا كان محترما فمحرم وربما كان مكفرا. ويقوى أستثناء قبر الكافر والمخالف. ولكن النصوص والفتاوى خاليتان عن التقييد بالمؤمن كمالا يخفى. (2) لحرمة هتك المؤمن حيا وميتا. (3) لما رواه غياث عن جعفر عن أبيه عليهم السلام أنه كره أن يدخل الخلاء ومعه درهم ابيض إلا أن يكون مصرورا (* 2). (4) قيل لانه لا يفهم الخصوصية للابيض بعد تقييده بما كان عليه أسم الله لقرب دعوى أن الوجه في الكراهة حينئذ هو أحترام الكتابة وفيه ما لا يخفى على الفطن. (5) لعله لمعروفية نقش ذلك على الدراهم البيض في ذلك العصر كذا في الجواهر. (6) لقوله عليه السلام في الرواية المتقدمة: إلا أن يكون مصرورا. كما مر (7) لرواية أبي بصير قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: لا تتكلم على الخلاء فإنه من تكلم على الخلاء لم تقض له حاجة (* 3) ورواية صفوان عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يجيب الرجل آخر وهو على


(* 1) كنز العمال ج 5 ص 87 (* 2) المروية في ب 17 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 6 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 467 ]

[ في غير الضرورة (1) إلا بذكر الله (2) أو آية الكرسي (3) ] الغائط أو يكلمه حتى يفرغ (* 1) وعن المحاسن عن أمير المومنين عليه السلام ترك الكلام على الخلاء يزيد في الرزق (* 2). (1) كما إذا أضطر إلى التكلم لاجل حاجة تضر فوتها. وقد علله في مصباح الفقيه بأنتفاء الحرج والضرر لحكومة أدلتهما على العمومات المثبتة للاحكام وفيه أن أدلة نفي الحرج والضرر ناظرة إلى نفي الاحكام الالزامية الحرجية أو الضررية ولا تشمل الاحكام غير الالزامية إذ لاحرج في فعل المستحب وترك المكروه، ولا أمتنان في رفعهما لمكان الترخيص في ترك أحدهما وأرتكاب الآخر وأدلة نفي الضرر مسوقة للامتنان فلا يجرى في ما لا أمتنان فيه. (2) لصحيحة أبى حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: مكتوب في التوراة التي لم تغير أن موسى سأل ربه فقال: ألهي أنه يأتي على مجالس أعزك وأجلك أن أذكرك فيها فقال: يا موسى إن ذكري حسن على كل حال (* 3) وحديث الاربعمأة عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إذكروا الله عزوجل في كل مكان فأنه معكم (* 4) وغيرهما من الروايات. (3) لرواية عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التسبيح في المخرج وقراءة القرآن قال: لم يرخص في الكنيف أكثر من آية الكرسي ويحمد الله وآية على رواية الشيخ وآية الحمد لله رب العالمين على رواية الصدوق (* 5) وهي على طريقه صحيحة بناء على أن عمر بن يزيد هو عمر بن محمد بن يزيد


(* 1) المروية في ب 6 من أبواب أحكام الخلوه من الوسائل. (* 2) المروية في ب 6 من أبواب أحكام الخلوة من المستدرك. (* 3) و (* 5) المرويتان في ب 7 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 4) المروية في ب 7 من أبواب أحكام الخلوة من المستدرك.

[ 468 ]

[ أو حكاية الاذان (1) أو تسميت العاطس (2) ] بياع السابري وفي بعض الاخبار المروية عن أبي عبد الله عليه السلام سألته أتقرء النفساء والحائض والجنب والرجل يتغوط القرآن؟ قال تقرءون ما شاءوا (* 1) وهى بظاهرها يقتضي عدم كراهية قراءة القرآن مطلقا وفي الجواهر: لم أعثر على مفت به بل صرح بعضهم بكراهة ما عداها. وهو مقتضى الجمع بين الروايتين لصراحة إلاولى في المنع وعدم الترخيص في الزائد على آيتى الكرسي والحمد، والثانية تقتضي الجواز، والجمع بين المنع والجواز ينتج الكراهة. (1) لرواية أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن سمعت الاذان وأنت على الخلاء فقل مثل ما يقول المؤذن ولا تدع ذكر الله عزوجل في تلك الحال لان ذكر الله حسن على كل حال (* 2) وصحيحة محمد بن مسلم المروية عن العلل عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال له: يا محمد بن مسلم لاتدعن ذكر الله على كل حال، ولو سمعت المنادي ينادي بالاذان وأنت على الخلاء فأذكر الله عزوجل وقل كما يقول المؤذن (* 3) ورواية سليمان بن مقبل المدينى قال: قلت لابي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام لاي علة يستحب للانسان إذا سمع الاذان أن يقول كما يقول المؤذن وإن كان على البول والغائط؟ فقال: لان ذلك يزيد في الرزق (* 4) (2) لرواية مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: كان أبى يقول: إذا عطس أحدكم وهو على خلاء فليحمد الله في نفسه (* 5) هذا إن أريد بالتسميت تحميد العاطس نفسه. وأما لو أريد به ظاهره وهو الدعاء للغير عند العطاس فلم ترد رواية في أستثنائه في المقام نعم يمكن أن يندرج تحت


(* 1) و (* 5) المرويتان في ب 7 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 8 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 469 ]

[ (مسألة 1) يكره حبس البول أو الغائط (1) وقد يكون حراما كما إذا كان مضرا (2) وقد يكون واجبا كما إذا كان متوضئا ولم يسع الوقت للتوضوء بعدهما والصلاة (3) وقد يكون مستحبا كما إذا توقف مستحب أهم عليه. (مسألة 2) يستحب البول (4) حين أرادة الصلاة، وعند النوم، ] مطلق الذكر. (1) وفي الرسالة الذهبية: ومن أراد أن لا يشتكي مثانته فلا يحبس البول ولو على ظهر الدابة وفي الفقة الرضوي: وإذا هاج بك البول فبل (* 2) هذا كله في البول وأما الغائط فلم نعثر على رواية تدل على كراهة حبسه ولو على مسلك القوم فلاحظ. (2) لا يمكن المساعدة على ما أفادة بأطلاقه لان الاضرار بأطلاقه لم تثبت حرمته بدليل وإنما يحرم بعض المراتب منه كما إذا أدى إلى تلف النفس ونحوه. (3) وجوب الصلاة مع الطهارة المائية عند التمكن من الماء وإن كان مما لاتردد فيه إلا أنه لا ملازمة بين وجوب ذي المقدمة ومقدمته ولا وجوب شرعي للمقدمة كما ذكرناه في محله فلاوجه للحكم بوجوب الحبس من تلك الجهة وأما الحكم بوجوبه من جهة حرمة تفويت القدرة وعدم جواز تعجيز النفس عن الصلاة الاختيارية المأمور بها فهو أيضا كسابقه لان لازم ذلك الحكم بحرمة البول وترك الحبس لا الحكم بوجوب الحبس. نعم لا مانع من الحكم بوجوبه عقلا لعدم حصول الواجب إلا به. ومن هذا يظهر الكلام في الحكم بأستحباب حبس البول إن توقف عليه مستحب آخر أهم. (4) الموارد التي ذكرها الماتن (قده) في هذه المسألة لم يثبت أستحباب


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 29 من أبواب أحكام الخلوة من المستدرك

[ 470 ]

[ وقبل الجماع، وبعد خروج المني، وقبل الركوب على الدابة، إذا كان النزول والركوب صعبا عليه، وقبل ركوب السفينة إذا كان الخروج صعبا. (مسألة 3) إذا وجد لقمة خبز في بيت الخلاء يستحب أخذها وإخراجها وغسلها، ثم أكلها (1) ] البول فيها بدليل. نعم ورد في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لابنه الحسن عليه السلام: ألا أعلمك أربع خصال تستغنى بها عن الطب؟ قال: بلى قال: لا تجلس على الطعام إلا وأنت جائع، ولا تقم من الطعام إلا وأنت تشتهيه، وجود المضغ، وإذا نمت فأعرض نفسك على الخلاء فأذا أستعملت هذا أستغنيت عن الطب (* 1) وفى من لا يحضره الفقيه: من ترك البول على أثر الجنابة أوشك تردد بقية الماء في بدنه فيورثه الداء الذي لا دواء له (* 2) وفي الجعفريات عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا جامع الرجل فلا يغتسل حتى يبول مخافة أن يتردد المنى فيكون منه داء لا دواء له (* 3). فعلى طريقتهم لا مانع من التمسك بالرواية الاولى على أستحباب البول والغائط عند النوم لا خصوص البول كما في المتن وبالروايتين الاخيرتين على أستحبابه بعد الجماع وبعد خروج المنى لا قبل الجماع كما في المتن. (1) لما رود من أن أبا جعفر الباقر عليه السلام أو الحسين بن علي عليه السلام دخل الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك معه فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلما خرج قال للمملوك: أين اللقمة؟ فقال: أكلتها يابن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عليه السلام: إذا ما أستقرت في جوف أحد إلا


(* 1) المروية في ب 2 من أبواب آداب المائدة من الوسائل. (* 2) ج 1 ص 46 من الطبعة الحديثة. (* 3) المروية في ب 35 من أبواب الجنابة من المستدرك.

[ 471 ]

[ فصل في موجبات الوضوء ونواقضه وهى أمور: (الاول والثانى): البول والغائط (1) من الموضع الاصلي ولو وغير معتاد، أو من غيره مع أنسداده، أو بدونه بشرط الاعتياد، أو الخروج على حسب المتعارف، ففي غير الاصلي مع عدم الاعتياد وعدم كون الخروج على حسب المتعارف أشكال، والاحوط النقض مطلقا خصوصا إذا كان دون المعدة. ] وجبت له الجنة فأذهب فأنت حر فأنى أكره أن أستحدم رجلا من أهل الجنة (* 1) فصل في موجبات الوضوء ونواقضه. (1) لا إشكال ولا خلاف في أن البول والغائط الخارجين من الموضع الخلقي الطبيعي ناقضان للوضوء بمقتضى النصوص المتواترة: (منها): صحيحة زرارة عن أحدهما عليهم السلام قال: لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك أو النوم (* 2) و (منها): صحيحته الثانية: قلت لابيجعفر وأبى عبد الله عليهم السلام ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الاسفلين: من الذكر والدبر من الغائط والبول.. الحديث (* 3) و (منها) غير ذلك من الاخبار. بل قامت على ذلك ضرورة الاسلام وإن لم يكن خروجهما من المخرج الطبيعي أمرا أعتياديا للمكلف كما إذا جرت عادته على البول والغائط من غير سبيليهما الاصليين لعارض حيث تشمله النصوص المتقدمة الواردة في أن الخارج من الطرفين الذين أنعم الله بهما عليك ينقض الوضوء كالبول والغائط والريح وأما مثل القيح والمذي ونحوهما فهو إنما خرج بالدليل ولا يفرق في ذلك بين أن يكون أخذ الخروج من الطرفين في لسان الروايات المتقدمة من جهة المعرفية لما هو الناقض حقيقة أعنى البول والغائط ونحوهما وإن لم يصرح عليه السلام بأسمهما وبين


(* 1) المروية في ب 39 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 2 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل

[ 472 ]

كونه من جهة الموضوعية بأن يترتب الاثر على خروجهما من سبيلهما الطبيعيين لا على نفس البول والغائط الخارجين لان النصوص على كلا الفرضين شاملة للبول والغائط الخارجين من سبيليهما الطبيعيين وإن كانت عادته على خلافه فهذا مما لا تأمل فيه. وإنما الكلام فيما يخرج من غير المخرج الطبيعي إذا كانت عادته على البول والغائط من سبيلهما الاصلييين بأن لا ينسد المخرج الطبيعي وأنفتح غيره فهل ينتقض به الوضوء؟ فيه حلاف بين الاعلام، والمشهور عدم النقض إلا مع الاعتياد وعن الشيخ (قده) التفصيل بين الخارج مما دون المعدة وما فوقها وألتزم بالنقض في الاول دون الاخير. وعن السبزواري (قده) عدم النقض مطلقا أي مع الاعتياد وعدمه. وأختاره صاحب الحدائق (قده) وذهب جماعة منهم المحقق الهمداني (قده) ألى النقض مطلقا. وما ألتزم به المشهور هو الصحيح. وذلك لان حمل (ما خرج من طرفيك الاسفلين) الوارد في جملة من الاخبار على المعرفية المحضة بعيد ويزيد في الاستبعاد صحيحة زرارة قلت لابيجعفر وأبي عبد الله عليهم السلام: ما ينقض الوضوء؟ فقالا: مايخرج من طرفيك الاسفلين من الذكر والدبر: من الغائط والبول أو مني أو ريح، والنوم حتى يذهب العقل (* 1) حيث صرحت بالذكر والدبر والغائط والبول، فلو كان المناط في النقض مجرد خروج البول والغائط ولم يكن للخروج من السبيلين أثر ودخل كان ذكر الاسفلين وتفسيرهما بالذكر والدبر لغوا لا محالة فهذه الصحيحة وغيرها مما يشتمل على العنوان المتقدم أعني قوله (ما خرج من طرفيك) واضحة الدلالة على أن للخروج من السبيلين مدخلية في الانتقاض فلا ينتقض الوضوء بما يخرج من غيرهما.


(* 1) المروية في ب 2 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 473 ]

وعلى الجملة إن من خرج غائطه أو بوله من غير المخرجين من دون أن يكون ذلك عاديا له كما إذا خرج بوله بالابرة المتداولة في العصور المتأخرة لا يمكننا الحكم بالانتقاض في حقه لعدم شمول الاخبار له و (دعوى) أن الاستدلال بقوله: من طرفيك الاسفلين. ونحوه من العبائر الواردة في الاخبار من الاستدلال بالمفهوم ولا مفهوم للقيود (مندفعة) بأن المفهوم فيها للحصر لا للقيد حيث أن زرارة في الصحيحة المتقدمة سألهما عليهما السلام عما ينقض الوضوء فقالا وهما في مقام البيان: ما يخرج من طرفيك الاسفلين فهو حصر للناقض فيما يخرج من الطرفين. ثم أن الصحيحة في الوافي (* 4) والحدائق (* 5) والكافي (* 6) والفقيه (* 7) قد نقلت كما نقلناه إي بعطف كل من البول والمني والريح ب‍ (أو) ولم يعطف البول فيها ب‍ (الواو) والمني والريح ب‍ (أو) كما في الوسائل. ومعه لا تشويش في الرواية بوجه ولا حاجة إلى دعوى أن المني معطوف على أسم الموصول، والبول على الغائط وهما إي البول والغائط بيان للموصول وتفسير له. بل الصحيح أن المذكورات في الصحيحة عدى النوم تفسير للموصول بأجمعها وكأنها أتي بها تقييدا لاطلاق (ما يخرج من طرفيك الاسفلين) وبيانا لعدم أنتقاض الوضوء بكل ما يخرج من الطرفين وأنه إنما ينتقض المذكورات الاربعة إذا خرجت من السبيلين. نعم لا مناص من الالتزام بالنقض فيما إذا كان الخروج من غير السبيلين


(* 1) المجلد 1 ص 38 م 4 (* 2) ج 2 ص 87 طبعة النجف الحديثة. (* 3) ج 3 ص 36 طبعة طهران الحديثة. (* 4) ج 1 ص 37 طبعة النجف الحديثة.

[ 474 ]

الاصليين أعتياديا للمتكلف لانسداد المخرج الطبيعي وذلك لان الصحيحة وغيرها من الاخبار المتقدمة غير ناظرة إلى تلك الصورة إثباتا ونفيا إذ الخطاب في الصحيحة شخصي قد وجه إلى زرارة وهو كان سليم المخرجين، وحيث لا يحتمل أن تكون له خصوصية في الحكم بتاتا كان الحكم شاملا لغيره من سليمي المخرجين وأما غير المتعارف السليم كمن لم يخلق له مخرج بول أو غائط أصلا فالصحيحة غير متعرضة لحكمه وهذا لا للانصراف كي يدفع بأنه بدوى لا أعتبار به بل لما عرفت من أن الخطاب في الصحيحة شخصي. إذا نرجع فيه إلى أطلاق قوله عز من قائل: أو جاء أحد منكم من الغائط (* 1) والخطاب فيها للعموم فأذا ذهب إلى حاجته فرجع صدق أنه جاء من الغائط وأنتقضت طهارته وإن خرج غائطه من غير المخرج الاصلى. و (دعوى) أن ظواهر الكتاب ليست بحجة أو أن الاستدلال بها نوع تخمين وتخريج كما في كلام صاحب الحدائق (قده) (مندفعة) بما ذكرناه في محله من أن الظواهر لا فرق في حجتيها بين الكتاب وغيره كما أن الاستدلال بالآية ليس من التخمين في شئ لانه أستدلال بالاطلاق والظهور. وإلى أطلاق صحيحة زرارة عن أبى عبد الله عليه السلام لا يوجب الوضوء إلا من غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها (* 2) وحملها على الغائط والبول الخارجين على النحو المتعارف كما صنعه صاحب الحداثق (قده) مما لا وجه له لانه تقييد على خلاف الظهور والاطلاق فما ذهب إليه السبزواري وصاحب الحدائق (قدهما) من عدم أنتقاض الوضوء بالبول والغائط الخارجين


(* 1) النساء: 4: 43 (* 2) المروية في ب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 475 ]

[ ولا فرق فيهما بين القليل والكثير (1) حتى مثل القطرة، ومثل تلوث رأس شيشة الاحتقان بالعذرة. نعم الرطوبات الآخر غير البول والغائط الخارجة من المخرجين ] من غير المخرجين الطبيعيين مطلقا ولو مع الاعتياد وأنسداد المخرجين الاصليين مما لا يمكن المساعدة عليه. على أن لازمه أنحصار الناقض فيمن خرج بوله وغائطه من غير المخرجين الاصليين بالنوم وهو من البعد بمكان. وأما التفصيل بين الخارج مما دون المعدة وما فوقها كما عن الشيخ (قده) فهو أيضا لا دليل عليه ولعل نظره (قده) إلى تعيين ما هو الموضوع في الحكم بالانتقاض وإن ما خرج عما فوق المعدة لا يصدق عليه الغائط حتى يحكم بناقضيته لوضوح أن الغذاء الوارد على المعدة إنما يصدق عليه الغائط إذا أنهضم وأنحدر إلى الامعاء وخلع الصورة النوعية الكيلوسية التى كان متصفا بها قبل الانحدار. وأما إذا لم ينحدر من المعدة بل خرج عما فوقها فلا يطلق عليه الغائط لدى العرف بل يعبر عنه بالقئ. وأما القول بالانتقاض ولو من غير الاعتياد وهو الذى أختاره المحقق الهمداني (قده) فقد ظهر الجواب عنه مما ذكرناه في تأييد القول المختار فلا نعيد فالاقوى هو القول المشهور وإن كان القول بالنقض مطلقا هو الاحوط. (1) لاطلاق الادلة. وتوهم أختصاصها بالكثير نظرا إلى أنه المتعارف من البول والغائط مندفع بأن الكثير منهما وإن كان متعارفا كما ذكر إلا أن قليلهما أيضا متعارف لانهما قد يخرجان بالقلة وقد يخرجان بالكثرة هذا. على أن الناقضية حكم مترتب على طبيعي البول والغائط ولا مدخلية في ذلك للكم. مضافا إلى النصوص الواردة في بعض الصغريات كالاخبار الواردة في البلل

[ 476 ]

[ ليست ناقضة (1) وكذا الدود أو نوى التمر ونحوهما إذا لم يكن متلطخا بالعذرة (2). (الثالث): الريح (3) الخارج من مخرج الغائط (4) إذا كان من المعدة، ] المشتبه وأنه قبل الاستبراء ناقض للوضوء (* 1) وذلك لان البلل المشتبه الخارج بعد البول أو المني قليل غايته فإذا كان المشتبه بالبولية ناقضا للوضوء وهو قليل فالقليل مما علم بوليته ينقض الوضوء بالاولوية القطعية. وما ورد في أن ما يخرج من الدبر من حب القرع والديدان لا ينقض الوضوء إلا أن يكون متلطخا بالعذرة (* 2) فإن ما يتحمله الحب والديدان من العذرة ليس إلا قليل. (1) لحصر النواقض فيما يخرج من السبيلين من البول والغائط والريح والمني مضافا إلى النصوص الواردة في عدم أنتقاض الوضوء بالمذي والودي ونحوهما (* 3). (2) لحصر النواقض وللاخبار الواردة في عدم أنتقاض الوضوء بما يخرج من الدبر من حب القرع والديدان إلا أن يكون متلطخا بالعذرة (* 4). (3) أنتقاض الوضوء بالريح من المسائل المتسالم عليها بين الفريقين والنصوص في ذلك متضافرة (منها): الصحاح المتقدمة لزرارة فليراجع فلا خلاف في أصل المسألة وإنما الكلام في بعض خصوصياتها. (4) الكلام في ذلك هو الكلام في البول والغائط فإن مقتضى الحصر


(* 1) راجع ب 13 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 2) و (* 4) راجع ب 5 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 3) راجع ب 12 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 477 ]

[ صاحب صوتا أولا (1) ] في الاخبار المتقدمة ولا سيما الصحيحة الثانية لزرارة عدم الانتقاض بما يخرج من غير السبيلين سواء كان ريحا أو بولا أو غائطا إلا أن ذلك يختص بالاشخاص المتعارفين أعني سليمي المخرجين لما مر من أن الخطاب في الصحيحة شخصي موجه إلى زرارة وهو سليم المخرجين فمن أنسد سبيلاه وخرج ريحه من غير المخرجين فهو غير مشمول للاخبار ولابد فيه من الالتزام بأنتقاض الوضوء كما عرفته في البول والغائط فإن الصحيحة ساكتة عن مثله وغير متعرضة لحكمه أثابتا ونفيا فلا مناص من الرجوع فيه إلى المطلقات كصحيحة زرارة الثالثة الدالة على أن لا يوجب الوضوء إلا غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها (* 1). (2) لاطلاق الصحيحة الثانية لزرارة وغيرها من الاخبار الواردة في المقام ولا مجال لتقييدها بما في الصحيحة الثالثة له: لا يوجب الوضوء إلا غائط أو بول أو ضرطة تسمع صوتها أو فسوة تجد ريحها (* 2) وذلك لان القيد فيها لم يذكر للاحتراز. بل الوجه في التقييد به أحد أمرين. (أحدهما): أن يكون الاتيان به لبيان الطبيعة والنوع وهو المعبر عنه بالقيد التوضيحي وقيد الطبيعة، لعدم أحتمال أن يكون السماع أو الوجدان الشخصيين دخيلا في ناقضية الريح بأن أعتبر في الانتقاض بهما سماع من خرجت منه أو وجدانه فلو خرجت منه الريح وهو لم يسمع صوتها ولو لمانع خارجي من صوت غالب عليه أو صمم ونحوهما لم ينتقض وضوءه وإن سمعها غيره من المكلفين ومن هنا لم يفرض في الصحيحة خروج الريح من زرارة أي ممن يسمع صوتها وإنما دلت على أن الريح الناقضة هي التي تسمع صوتها. إذا ليس القيد إلا لبيان نوع الريح الناقض للوضوء وأن الريح نوعان (أحداهما): مالا ينفك عن


(* 1) و (* 2) المتقدمة في ص 474

[ 478 ]

[ دون ما خرج من القبل (1) أو لم يكن من المعدة كنفخ الشيطان أو إذا دخل من الخارج ثم خرج. ] الصوت وإلا لم تسم ضرطة و (ثانيهما) ما يستشم رائحته نوعا. و (ثانيهما): أن يكون الاتيان به لبيان أن أنتقاض الطهارة مترتب على الريح المحرزة بسماع صوتها أو أستشمام رائحتها عادة. فلا أثر للريح المشكوكة الحدوث فإن الشيطان قد ينفخ في دبر الانسان حتى يخيل إليه أنه خرجت منه الريح فلا ينقض الوضوء إلا ريح تسمعها أو تجد ريحها كما في صحيحة معاوية بن عمار (* 1) وورد في صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله: أن أبليس يجلس بين إليتى الرجل فيحدث ليشككه (* 2) فالتقييد بسماع الصوت وأستشمام الرائحة من جهة أنهما طريقان عاديان للعلم بتحققها وغير مستند إلى مدخليتهما في الحكم بالانتقاض ومن هنا ورد في صحيحة علي بن جعفر المروية في كتابه عن أخيه عليه السلام بعد السؤال عن رجل يكون في الصلاة فيعلم أن ريحا قد خرجت فلا يجد ريحها ولا يسمع صوتها قال: يعيد الوضوء والصلاة ولا يعتد بشئ مما صلى إذا علم ذلك يقينا. (* 3) (1) لا يتفق هذا في الرجال وعن جماعة أن ذلك يتفق في قبل النساء وأنه سبب للانتقاض معللين ذلك بأن له منفذا إلى الجوف فيمكن الخروج من المعدة إليه. والصحيح عدم الانتقاض به كما ذكره الماتن (قده) وذلك لان الريح ليست ناقضة بأطلاقها وطبيعيها وإنما الناقض هو الريح المعنونة بالضرطة أو الفسوة كما في الصحيحة المتقدمة آنفا والريح الخارجة من القبل لا تسمى ضرطة


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 479 ]

[ (الرابع): النوم مطلقا (1) وإن كان حال المشي إذا غلب على القلب والسمع والبصر فلا تنقض الخفقة إذا لم تصل إلى الحد المذكور. ] ولا فسوة وكذا الحال فيما لم يخرج من المعدة كنفخ الشيطان أو الريح الداخلة من الخارج بالاحتقان ونحوه إذ لا يطلق عليهما شئ من العنوانين المتقدمين. (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات: (الاولى): أن ناقضية النوم للوضوء في الجملة مما لاشبهة فيه ويدل عليه من الكتاب قوله عز من قائل: إذا قمتم إلى الصلاة فأغسلوا وجوهكم وأيديكم.. (* 1) وذلك بأحد وجهين: (أحدهما): أن المراد بالقيام في الآية المباركة هو القيام من النوم وذلك لموثقة أبن بكير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة.) ما يعني بذلك قال: إذا قمتم من النوم، قلت ينقض الوضوء؟ فقال: نعم إذا كان يغلب على السمع ولا يسمع الصوت (* 2) وقد نقل عن العلامة في المنتهى والشيخ في التبيان أجماع المفسرين عليه فالآية المباركه ببركة الموثقة والاجماع قد دلت على أن النوم ينقض الوضوء وأنه سبب في أيجابه. و (ثانيهما): أن الآية المباركة في نفسها مع قطع النظر عن الاجماع والموثقة تدل على وجوب الوضوء عند مطلق القيام سواء أريد به القيام من النوم أو من غيره وإنما خرجنا عن أطلاقها في المتطهر بالاجماع والضرورة القائمين على أن المتطهر لا يجب عليه التوضوء ثانيا سواء قام أم لم يقم فالآية المباركة بأطلاقها دلت على وجوب التوضوء عند القيام من النوم. وأما ما دل عليه من السنة فهو جملة كثيرة من الاخبار قد وردت من


(* 1) المائدة: 5: 6 (* 2) المروية في ب 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 480 ]

طرقنا وطريق العامة (* 1) تقدمت جملة من رواياتنا في التكلم على ناقضية البول والغائط والريح وستطلع على جملة أخرى منها في التكلم على جهات المسألة وخصوصياتها إن شاء الله. وبالجملة أن المسألة متفق عليها بين الفريقين نعم نسب الخلاف في ذلك إلى الاوزاعي من العامة وإلى الصدوق ووالده (قدهما). أما صحة النسبة إلى الاوزاعي وعدمها فلا سبيل لنا إلى أستكشافها (* 2) وأما ما نسب إلى الصدوق ووالده فهو من البعد بمكان كيف وقد دلت على ذلك الآية المباركة ووردت فيه أخبار متضافرة قابلة للاعتماد عليها في الاحكام منها ما رواه هو (قده) بنفسه عن زرارة عن أبي جعفر وأبيعبد الله عليهما السلام حيث سألهما عما ينقض الوضوء فقالا. ما خرج عن طرفيك الاسفلين: الذكر


(* 1) سنن البيهقى ج 1 ص 118 باب الوضوء من النوم عن عبد الرحمان بن عائذ الازدي عن علي بن أبي طالب عن رسول الله قال: إنما العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ. السه بفتح السين المهملة وضمها ثم الهاء المخفقة العجز وقد يراد به حلقة الدبر. وقد أخرجه أبو داود في سننه ج 1 ص 52 وأبن ماجه في سننه ج 1 ص 176 ورواه أبن تيمية في المنتقى مع شرحه نيل الاوطار ج 1 ص 168 وفي كنز العمال ج 5 ص 82 إلى غير ذلك من الروايات. (* 2) لان نسبة الخلاف إليه وإن كانت موجودة في المحلى ج 1 ص 222 حيث قال: وذهب الاوزاعي إلى ان النوم لا ينقض الوضوء كيف كان. الا أن المصرح به في شرح صحيح مسلم على هامش أرشاد الساري في شرح البخاري ج 2 ص 454 أن الاوزاعي كالزهري وربيعة ومالك ذهب إلى أن كثير النوم ينقض بكل حال وقليله لا ينقض بحال. حيث قال: أختلف العلماء في هذه المسألة على ثمانية أقوال: (الاول): أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء على أي حال كان. حكى ذلك عن أبي موسى الاشعري وسعيد بن المسيب وأبي مجلز (مجاز) وحميد =

[ 481 ]

والدبر من غائط أو بول أو مني أو ريح والنوم حتى يذهب العقل.. (* 1) وهي صحيحة السند ومع روايته هذه وملاحظته الآية المباركة كيف يذهب إلى عدم ناقضية النوم للوضوء؟ فلعل نظرهما فيما ذكراه في الرسالة والمقنع من حصر نواقض الوضوء في البول والغائط والمني والريح كما ذكره صاحب الحدائق إلى أن النواقض الخارجة من الانسان منحصرة في الاربعة في مقابل القئ والقلس والقبلة والحجامة والمذي والوذي والرعاف وغيرها مما يخرج أو يصدر من الانسان لانها ليست


= الاعرج وشعبه. (الثاني): أن النوم ينقض الوضوء بكل حال وهو مذهب الحسن البصري والمزني وأبو عبيد والقاسم بن سلام وأسحاق بن راهويه وهو قول غريب للشافعي قال أبن المنذر وبه أقول وروى معناه عن أبن عباس وأنس وأبي هريرة. (الثالث): أن كثير النوم ينقض بكل حال وقليله لا ينقض بحال وهو مذهب الزهري وربيعة والاوزاعي ومالك وأحمد في أحدى الروايتين عنه. (الرابع): إذا نام على هيئة من هيئات المصلي كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوءه سواء كان في الصلاة أو لم يكن وأن نام مضطجعا أو مستلقيا على قفاه أنتقض. وهذا مذهب أبى حنيفة وداود وقول للشافعي غريب. (الخامس): لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد روي هذا عن أحمد بن حنبل. (السادس): لا ينقض إلا نوم الساجد روي أيضا عن أحمد. (السابع) لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال وينقض خارج الصلاة وهو قول ضعيف للشافعي. (الثامن): إذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الارض لم ينتقض وإلا أنتقض سواء قل أو كثر وسواء كان في الصلاة أو خارجها وهو مذهب الشافعي. (* 1) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 37 من طبعة النجف الحديثة ورواه في الوسائل في ب 2 من أبواب نواقض الوضوء.

[ 482 ]

ناقضة للوضوء خلافا للعامة القائلين بالانتقاض بها (* 1) لا أن مرادهما أن الناقض مطلقا منحصرة في الاربعة. (الجهة الثانية): النوم الناقض الوضوء هو النوم المستولي على القلب والمستتبع لذهاب العقل وتعطيل الحواس عن إحساساتها وإن شئت قلت: الناقض إنما هو حقيقة النوم فإذا تحققت أنتقض بها الوضوء ويستكشف حصول تلك الحقيقة أعني الاستيلاء على القلب من النوم الغالب على الحاستين: السمع والبصر فإنه أمارة على تحقق الحقيقة الناقضة للوضوء لا أن نومهما موضوع للحكم بالانتقاض كي يتوهم عدم أنتقاض الوضوء في فاقد الحاستين بالنوم إذ لا عين له ليبصر وينام ولا أذان له ليسمع وينام. وتدل على ذلك ما رواه زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخفقة والخفقتين فقال: ما أدري ما الخفقة والخفقتين إن الله تعالى يقول: (بل الانسان على نفسه بصيرة) إن عليا عليه السلام كان يقول: من وجد طعم النوم فإنما أوجب عليه الوضوء (* 2). وما رواه عبد الرحمان أبن الحجاج وهي بمضمون الصحيحة المتقدمة إلا أنه قال: من وجد طعم النوم قائما أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء (* 3). وما رواه عبد الله بن المغيرة ومحمد بن عبد الله في الحسن عن الرضا عليه السلام قالا سألناه عن الرجل ينام دابته؟ فقال: إذا ذهب النوم بالعقل فليعد الوضوء (* 4). وأما ورد في بعض الاخبار من أن العين قد تنام وإن المعتبر هو أستيلاء


(* 1) راجع الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 64 إلى ص 75 (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 483 ]

النوم على السمع والبصر أو هما مع القلب كما في صحيحة زرارة حيث قال عليه السلام يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن فإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء.. (* 1) ورواية سعد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أذنان وعينان، تنام العينان ولا تنام الاذنان وذلك لا ينقض الوضوء، فإذا نامت العينان والاذنان أنتقض الوضوء (* 2). فالظاهر أنه ناظر إلى بعض الاشخاص ممن لا يغمض عينيه في المنام فإنه إذا لم يبصر وعيناه منفتحتان قد يشك في نومه ولا نظر له إلى جميع الافراد لوضوح أن الانسان قد يغمض عينيه قبل المنام ومجرد عدم الابصار لا يوجب أنتقاض الوضوء فلا عبرة بنوم العين أبدا. وبما سردناه في المقام تتحد الاخبار بحسب المفاد وتدل بأجمعها على أن الناقض حقيقة النوم والخفقة والخفقتان لا أثر لهما في الاونتقاض. (الجهة الثالثة): مقتضى أطلاق الآية المباركة والاخبار الواردة في المقام أن النوم بأطلاقه ناقض للموضوء سواء أكان ذلك في حال الاضطجاع أم في حال الجلوس أو القيام إلا أن المتسالم عليه عند الحنابلة والمالكية عدم أنتقاض الطهارة بالنوم اليسير بلا فرق بين الجلوس والقيام (* 3) بل عن بعضهم أن النوم في حال الجلوس أو غيره من الحالات التي لا يخرج فيها الحدث عادة غير موجب للانتقاض سواء قل أم كثر (* 4) وذلك لعدم خروج الحدث حينئذ. وقد نسب هذا إلى الصدوق أيضا لا لانه صرح بذلك في كلامه بل لانه روى مرسلا عن موسى بن جعفر عليه السلام أنه سئل عن الرجل يرقد وهو قاعد هل عليه وضوء؟ فقال: لا


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل ز (* 3) و (* 4) راجع المحلى ج 1 ص 222 والفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 65

[ 484 ]

وضوء عليه ما دام قاعدا إن لم ينفرج (* 1) وقد ألتزم في صدر كتابه أو لا يورد فيه إلا ما يفتي على طبقه ويراه حجة بينه وبين ربه وهذه النسبة صحت أم لم تصح لا يمكننا المساعدة عليه بوجه. وذلك لان ما يمكن أن يستدل به على هذا المدعى روايات أربع وهي إما قاصرة الدلالة أو السند: (الاولى): هي المرسلة المتقدمة وهي ضعيفة السند بأرسالها نعم لا قصور في دلالته على المدعى وإن لم يستبعد المحقق الهمداني (قده) دعوى ظهور قوله عليه السلام إن لم ينفرج. في كونه كناية عن عدم ذهاب شعوره بحثي يميل كل عضو من أعضائه إلى ما يقتضيه طبعها. (الثانية): موثقة سماعة بن مهران أنه سأله عن الرجل يخفق رأسه وهو في الصلاة قائما أو راكعا فقال: ليس عليه وضوء (* 2) وهذه الرواية وإن كانت موثقة بحسب السند إلا أنها قاصرة الدلالة على المراد لان خفق الرأس أعم من النوم فيحمل على الخفقة جمعا بينها وبين الاخبار الدالة على أنتقاض الوضوء بالنوم (الثالثة): رواية عمران بن حمران أنه سمع عبدا صالحا عليه السلام يقول: من نام وهو جالس لا يتعمد النوم فلا وضوء عليه (* 3). (الرابعة) رواية بكر بن أبي بكر الحضرمي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام هل ينام الرجل وهو جالس؟ فقال: كان أبي يقول: إذا نام الرجل وهو جالس مجتمع فليس عليه وضوء وإذا نام مضطجعا فعليه الوضوء (* 4) وهاتان الروايتان ضعيفتان بحسب السند لعدم توثيق عمران وبكر هذا. على أن الاخبار المتقدمة مضافا إلى ما فيها من قصور الدلالة أو السند


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 485 ]

معارضة مع الاخبار الواردة في أن النوم مطلقا ناقض للوضوء: (منها): ما قدمناه من رواية زيد الشحام وغيرها. و (منها) ما رواه عبد الحميد بن عواض عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: من نام وهو راكع أو ساجد أو ماش على أي الحالات فعليه الوضوء (* 1) و (منها) غير ذلك من الاخبار. والترجيح مع الطائفة الثانية لموافقتها أطلاق الكتاب ومخالفتها للعامة ولا مناص معه من حمل الاخبار المتقدمة على التقية، ويؤيده بل يدل عليه قوله عليه السلام كان أبي يقو ل.. لاشعاره بل ظهوره في أنه عليه السلام كان في مقام التقيه وإلا لم يكن وجه لاسناده الحكم إلى أبيه لا إلى نفسه كما مر وعلى ذلك فالوضوء ينتقض مطلقا بالنوم سواء كان في حال الجلوس أم في غيره من الحالات. (الجهة الرابعة): هل النوم بما هو نوم ينقض الوضوء أو أن سببيته له من جهة أن النوم مظنة للحدث فالحكم بوجوب الوضوء مع النوم من باب تقديم الظاهر على الاصل؟ والاول هو الصحيح وذلك لان الظاهر من الروايات الواردة في المقام أن النوم ناقض في نفسه فهو بما أنه نوم من الاحداث وحملها على أن الناقض أمر آخر والنوم كاشف عنه وأمارة إليه خلاف الظاهر. ففي صحيحة أسحاق بن عبد الله الاشعري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا ينقض الوضوء إلا حدث والنوم حدث (* 2) وهي كما ترى كالصريح في أن النوم حدث بنفسه ومن ثمة طبق على كبري الحدث فأرادة أن الناقض أمر آخر والنوم أمارة عليه خلاف الظاهر بل الصريح. وأما رواية الكنانى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يخفق وهو في الصلاة فقال: إن كان لا يحفظ حدثا منه إن كان فعليه الوضوء وأعادة


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 486 ]

الصلاة وإن كان يستيقن أنه لم يحدث فليس عليه وضوء ولا أعادة (* 1) فليست فيها أية دلالة على أن النائم إذا علم بعدم خروج الحدث منه حال المنام لم ينتقض وضوئه وذلك لان الرواية بصدد التفصيل وبيان أن الخفقة إذا كانت بحيث لو خرج منه حدث في أثنائها لعلم به وحفظه فلا ينتقض وضوئه لانها لم تبلغ مرتبة النوم المستولي على السمع والبصر ولم يصدر منه أي حدث. وأما إذا كانت بحيث لو خرجت منه ريح حالئذ لم يشعر بها فهي نوم حقيقة فعليه الوضوء وأعادة الصلاة، فالرواية. مضافا إلى أمكان الخدشة في سندها قاصرة الدلالة على المدعى كما عرفت. نعم روى الصدوق في العلل والعيون عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام أنه قال: إنما وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة ومن النوم دون سائر الاشياء، لان الطرفين هما طريق النجاسة (إلى أن قال): وأما النوم فإن النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شئ منه وأسترخى، فكان أغلب الاشياء عليه فيما يخرج منه الريح فوجب عليه الوضوء لهذه العلة (* 2). وهذه الرواية وإن كانت صريحة الدلالة على أن العلة في ناقضية النوم علية خروج الريح من النائم لاسترخاء مفاصله إلا أن الرواية لادلالة لها على بقاء الطهارة عند العلم بعدم خروج الريح منه. وذلك لانها بصدد بيان الحكمة في الحكم بالانتقاض وأن العلة للجعل والتشريع غلبة خروج الريح حالة النوم لا أن الانتقاض يدور مدار خروج الريح وعدمه وهى نظير ما ورد من أن العلة في تغسيل الميت هي أن الروح إذا خرجت


(* 1) المروية في ب 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 487 ]

من البدن خرجت النطفة التي خلق منها من فيه أو عينيه (* 1) إلا أن من الظاهر أن وجوب تغسيل الميت لا يدور مدار خروج المني منه بحيث لو علمنا بعدم خروج النطفة من الميت في مورد لم يجب علينا تغسيله فخروج المنى منه ليس إلا حكمة في الحكم بوجوب تغسيله ولا يعتبر في الحكم الاطراد وكذلك الحال في العدة الواجبة للطلاق لانها إنما شرعت صيانة للانساب وتحصينا لها عن الاختلاف مع أن العدة واجبة على المرأة العقيم وغيرها ممن لا أختلاط في حقها فبهذا يستكشف أن العلة المذكورة ليست من العلل الحقيقية المعتبرة فيها الاطراد وإنما هي حكمة الجعل والتشريع ومتدرجة تحت المصالح والمفاسد الداعيتين إلى جعل الاحكام مضافا إلى أن الرواية ضعيفة السند للضعف في طريق الصدوق إلى الفضل بن شاذان فلاحظ فتحصل أنه لا فرق في النوم الناقض بين أن يخرج من النائم ريح أو بول أو غيرهما من الاحداث الناقضة للوضوء لاسترخاء مفاصله وبين أن لا يخرج شئ منه لبقاء التماسك المانع من أسترخاء المفاصل (الجهة الخامسة): جاء في رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل هل ينقض وضوئه إذا نام وهو جالس؟ قال: إن كان يوم الجمعة في المسجد فلا وضوء عليه. وذلك أنه في حال ضرورة (* 2) وحملها الشيخ (قده) على صورة عدم التمكن من الوضوء قال: والوجه فيه: أنه يتيمم ويصلي فإذا أنفض الجمع توضأ وأعاد الصلاة، لانه ربما لا يقدر على الخروج من الزحمة واستبعده في المنتقى وأحتمل أن تكون صادرة لمراعاة التقية بترك الخروج للوضوء في تلك الحال وأعترض عليه أن المورد ليس من موارد التقية بوجه لان التقية بترك الخروج إنما يتحقق فيما إذا كان سبب الوضوء منحصرا بالنوم


(* 1) راجع ب 3 من أبواب غسل الميت من الوسائل. (* 2) المروية في ب 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 488 ]

عند من تتقى منه ولكن الحصر غير صحيح لجواز أن يكون السبب هو الحدث الذي قد لا يدركه غير صاحبه. وربما يرد الرواية بأنها شاذة ولم ينسب بها إلى أحد هذا والصحيح أن العمل بالرواية لو صح سندها مما لا مناص عنه وإن الحكم بعدم وجوب الوضوء في مفروضها من جهة التقية كما أحتمله في المنتقى وذلك لان الرجل يوم الجمعة بعدما أزدحم الناس إلى الصلاة وقامت الصفوف إن كان خرج من المسجد وخرق الصفوف من دون أن يصرح بعذره فلا شبهة في أنه على خلاف التقية المأمور بها فإنه إعراض عن الواجب المتعين في حقه من غير عذر وهو يستتبع الحكم بفسقه على الاقل. وإن كان قد خرج مصرحا بعذره أيضا أرتكب خلاف التقية لان النوم اليسير أو النوم جالسا ولو كان غير يسير ليس من النواقض عند كثير منهم كما عرفت فكيف يمكن أن يعلل الخروج بالنوم اليسير أو بالنوم جالسا ومن هنا ورد في الرواية أنه في حال ضرورة وعليه فلا مناص من الحكم بصحة صلاته لانها مع الطهارة على عقيدتهم وإن كان الامر على خلاف ذلك عندنا لانتقاض وضوئه بالنوم. وهي نظير ما إذا توضأ على طريقتهم بان مسح على الخف أو غسل منكوسا تقية لانه متطهر حينئذ على عقيدتهم ولاجله يحكم بصحة صلاته للعمومات الدالة على أن التقية في كل شئ كما يأتي تفصيله في محله أن شاء الله فالمتحصل أن الرجل إذا نام في المسجد يوم الجمعة وهو جالس لم يحكم بوجوب الوضوء في حقه فيما أقتضت التقية ذلك بل لابد من الحكم بصحة صلاته فالعمل بالرواية على طبق القاعدة أللهم إلا أن يقوم أجماع تعبدي على بطلان وضوئه أو صلاته في مفروضها إذ معه لابد من الحكم بالبطلان لانه دليل شرعي يخصص به عمومات التقية

[ 489 ]

[ (الخامس): كل ما أزال العقل (1) مثل الاغماء والسكر والجنون دون مثل البهت. ] (1) المتسالم عليه بين الاصحاب (قدهم) أن الاغماء والسكر وغيرهما من الاسباب المزيلة للعقل ناقض كالنوم والعمدة ذلك هو التسالم والاجماع المنقولين عن جمع غفير نعم توقف في ذلك صاحبا الحدائق والوسائل (قدهما) إلا أن مخالفتهما غير مضرة للاجماع لما مر غير مرة من أن الاتفاق بما هو كذلك مما لا أعتبار به وإنما المدار على حصول القطع أو الاطمئنان بقول المعصوم عليه السلام من أتفاقاتهم وحيث أنا نطمئن بقوله عليه السلام من أتفاق الاصحاب (قدهم) في المسألة فلا مناص من أتباعه وإن خالف فيها من لم يحصل له الاطمينان بقوله عليه السلام من إجماعهم وقد ذكر المحقق الهمداني (قده): أنه قلما يوجد في الاحكام الشرعية مورد يمكن أستكشاف قول الامام عليه السلام أو وجود دليل معتبر من أتفاق الاصحاب مثل المقام كما أنه قلما يمكن الاطلاع على الاجماع لكثرة ناقليه وأعتضاد نقلهم بعدم نقل الخلاف كما فيما نحن فيه. فلعل الوجه في مخالفة صاحبي الحدائق والوسائل عدم تمامية الاجماع عندهما ثم أن أتفاقهم هذا في المسألة أن أستكشفنا منه قوله عليه السلام ولو على وجه الاطمئنان فهو وإلا فلتوقفهما مجال واسع. وقد يستدل على ذلك بوجوه: (منها): صحيحة زرارة المتقدمة: قلت لابيجعفر وأبي عبد الله عليهما السلام ما ينقض الوضوء؟ فقالا: ما يخرج من طرفيك الاسفلين.. والنوم حتي يذهب العقل (* 1) وما رواه عبد الله بن المغيرة ومحمد بن عبد الله في الحسن عن الرضا عليه السلام قالا: سألناه عن الرجل ينام على دابته فقال: إذا ذهب النوم بالعقل فليعد


(* 1) المتقدمة في ص 472

[ 490 ]

الوضوء (* 1) بتقريب أن الروايتين تدلان على أن الوضوء ينقض بالنوم حتى يذهب العقل أو إذا ذهب النوم بالعقل ومعنى ذلك أن الناقض حقيقة هو ذهاب العقل سواء أستند ذلك إلى النوم أم إلى غيره. ويرده أن الصحيحة والحسنة إنما وردتا لتحديد النوم الناقض للوضوء وقد دلتا على أن الناقض هو النوم المستولي على العين والاذن والقلب وهو المعبر عنه بذهاب العقل وليست فيهما أية دلالة ولا إشعار بأن الناقض ذهاب العقل بأي وجه أتفق و (منها): صحيحة معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل به علة لا يقدر على الاضطجاع، والوضوء يشتد عليه، وهو قاعد مستند بالوسائد فربما أغفى وهو قاعد على تلك الحال قال: يتوضأ قلت له إن الوضوء يشتد عليه لحال علته فقال: إذا خفى عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء. (* 2) وذلك بتقريبين: (أحدهما): أن الاغفاء وإن كان قد يطلق ويراد به النوم إلا أنه في الصحيحة بمعنى الاغماء وذلك لان كلمة (ربما) تدل على التكثير بل هو الغالب فيها على ما صرح به في مغنى اللبيب ومن الظاهر أن ما يكثر في حالة المرض هو الاغماء دون النوم. ويندفع بأن الاغفاء في الصحيحة بمعنى النوم ولم تقم قرينة على إرادة الاغماء منه. وأما كلمة (ربما) فهي إنما تستعمل بمعنى (قد) كما هو الظاهر منها عند الاطلاق فمعنى الجملة حينئذ: أنه قد يطرء عليه الاخفاء أي النوم وإنما


(* 1) المتقدمة في ص 482 (* 2) المروية في ب 4 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 491 ]

أحتيج إلى أستعمال تلك الكلمة مع أن النوم قد يطرء على الانسان من دون أن يحتاج إلى البيان نظرا إلى أن النوم وهو قاعد متكئ على الوسادة خلاف المعتاد إذ العادة المتعارفة في النوم هو الاضطجاع. و (ثانيهما): أن قوله عليه السلام في ذيل الصحيحة: إذا خفي عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء. يدل على أن خفاء الصوت على المكلف هو العلة في أنتقاض الوضوء ومقتضى أطلاقه عدم الفرق في ذلك بين أن يستند إلى النوم وبين أستناده إلى السكر ونحوه من الاسباب المزيلة للعقل. وفيه أن الخفاء على نحو الاطلاق لم تجعل في الصحيحة مناطا للانتقاض وإنما دلت الصحيحة على أن خفاء الصوت في خصوص النائم كذلك وهذا لان الضمير في (عليه) راجع إلى الرجل النائم فلا دلالة في الصحيحة على أن مجرد خفاء الصوت ينقض الوضوء. و (منها): ما رواه الصدوق في العلل والعيون عن الرضا عليه السلام قال: إنما وجب الوضوء مما خرج من الطرفين خاصة ومن النوم إلى أن قال: وأما النوم فإن النائم إذا غلب عليه النوم يفتح كل شئ منه وأسترخى فكان أغلب الاشياء عليه فيما يخرج منه الريح فوجب عليه الوضوء لهذه العلة (* 1) وذلك لوحدة الملاك حيث أن من ذهب عقله لسكر أو إغماء ونحوهما يسترخي مفاصله ويفتح منه كل شئ والغالب في تلك الحالة خروج الريح كما في النائم بعينه فهو ومن ذهب عقله سيان في المناط. والاستدلال بهذه الرواية في المقام قابل للمناقشة صغرى وكبرى. أما بحسب الصغرى فلانه لم يعلم أن الجنون أو غيره من الاسباب المزيلة للعقل يستتبع الاسترخاء كالنوم.


(* 1) المتقدمة في ص 486

[ 492 ]

[ (السادس): الاستحاضة (1) القليلة، بل الكثيرة والمتوسطة، وإن أوجبتا الغسل أيضا، وأما الجنابة فهي تنقض الوضوء (2) ] وأما بحسب الكبرى فلان الرواية كما مر إنما وردت لبيان حكمة التشريع والجعل، والاطراد غير معتبر في الحكم ومن ثمة أوجبنا الوضوء على النائم وإن علم بعدم خروج الريح منه ولا يحكم بأرتفاع الطهارة فيمن له حالة الفتور والاسترخاء إلا أن يعلم بالخروج على أن الرواية ضعيفة السند كما مر. و (منها): رواية دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام أن الوضوء لا يجب إلامن حدث وأن المرء إذا توضأ صلى بوضوئه ذلك ما شاء من الصلاة ما لم يحدث أو ينم أو يجامع أو يغمى عليه أو يكون منه ما يجب منه أعادة الوضوء (* 1). ويرد عليه أن مؤلف كتاب الدعائم وإن كان من أجلاء أصحابنا إلا أن رواياته مرسلة وغير قابلة للاعتماد عليها بوجه، على أن الرواية تشمل على أنتقاض الطهارة بالاغماء فحسب، والتعدي عنه إلى الجنون والسكر وغيرهما من الاسباب المزيلة للعقل يحتاج إلى دليل وعلى الجملة أن العمدة في المسألة هو الاجماع كما عرفت (1) يأتي تحقيق الكلام في أقسام الاستحاضة من القليلة والمتوسطة والكثيرة في محله إن شاء الله ونبين هناك أن أيا منها يوجب الوضوء فانتظره. (2) وذلك للنص حيث ورد في صحيحة زرارة المتقدمة بعد السؤال عما ينقض الوضوء: ما يخرج من طرفيك الاسفلين: من الذكر والدبر، من الغائط والبول، أو منى أو ريح والنوم حتى يذهب العقل..


(* 1) المروية في ب 2 من أبواب نواقض الوضوء من المستدرك.

[ 493 ]

[ لكن توجب الغسل فقط (3). ] (3) كما يأتي في محله. وأما سائر الاحداث الكبيرة كالنفاس ومس الميت فللكلام فيها جهتان قد أختلطتا. وذلك لانه قد يقع الكلام في أن الاحداث الكبيرة غير الجنابة هل توجب الوضوء وتنقضه أولا؟ وأخرى يتكلم في أن الاغتسال منها هل يغنى عن الوضوء كما في الاغتسال من الجنابة أو لابد معه من الوضوء؟ وهاتان جهتان إحداهما أجنبية عن الاخرى كما ترى. فإن الرجل المتوضئ إذا مس ميتا أو امرأة متوضئة إذا نفست زمانا غير طويل كنصف ساعة ونحوها وقع الكلام في أن ذلك المس أو النفاس هل ينقضان الوضوء بحيث لو أراد الصلاة بعدهما وجب عليهما الوضوء وإن أغتسلا من المس أو النفاس بناء على عدم أغناء كل غسل عن الوضوء سوى غسل الجنابة. أو أن وضوئهما يبقى بحالهما ولا ينتقض بالمس والنفاس والمكلف في مفروض المثال وإن لم يمكنه الدخول في الصلاة ما لم يغتسل لمكان الحدث الاكبر إلا أنه متوضئ على الفرض بحيث لو أغتسل من المس والنفاس ولو قلنا بعدم أغناء الغسل عن الوضوء جاز له الدخول في الصلاة من دون حاجة إلى التوضوء بوجه. وإنما مثلنا بالمس والنفاس ولم نمثل بحدث الحيض لان أقله ثلاثة أيام ومن البعيد أن لا يطرء على الحائض في تلك المدة شئ من نواقض الوضوء كالنوم والبول والغائط والريح وفرض الكلام في الحائض التي لم يكن لها حدث سوى الحيض يلحق بالامور الفرضية التى لا واقع لها بوجه. وإذا فرضنا رجلا أو امرأة قد أحدث بالبول أو النوم ونحوهما ثم مس الميت أو نفست قليلا وقع الكلام في أن الغسل من المس أو النفاس في حقهما هل يغني عن الوضوء أو يجب عليهما التوضوء بعد الاغتسال وهذا لا لان الاحداث الكبيرة غير الجنابة تنقض الوضوء. بل لعدم كون المكلف على

[ 494 ]

[ (مسألة 1) إذا شك في طرو أحد النواقض بنى على العدم (1) وكذا إذا شك في أن الخارج بول أو مذي مثلا إلا أن يكون قبل الاستبراء فيحكم بأنه بول. فإن كان متوضئا أنتقض وضوئه كما مر. (مسألة 2) إذا خرج ماء الاحتقان ولم يكن معه شئ من الغائط لم ينتقض الوضوء. وكذا لو شك في خروج شئ من الغائط معه. ] وضوء وعدم أغناء كل غسل عن الوضوء فهاتان جهتان لابد من التعرض لكل منهما عليحدة فنقول: أما الجهة الاولى فالتحقيق عدم أنتقاض الوضوء بالاحداث الكبيرة غير الجنابة إذ لا دليل يدل عليه ولم نعثر في ذلك على رواية ولو كانت ضعيفة. بل للدليل على عدم أنتقاض الوضوء بها وهو الاخبار الحاصرة للنواقض في البول وغيره من الامور المتقدمة ولم يعد منها مس الميت والنفاس والحيض. نعم الجنابة ناقضة للوضوء بالنص كما مر ولعل هذا هو السبب في عدم تعرض الماتن لغير الجنابة من الاحداث الكبيرة فالفارق بين الجنابة وغيرها هو النص وأما الجهة الثانية فسيأتي تحقيق الكلام في تلك الجهة عند تعرض الماتن للمسألة في محلها إن شاء الله. (1) بلا فرق في ذلك بين الشك في وجود الناقض والشك في ناقضية الموجود فيبني في كلتا الصورتين على العدم بالاستصحاب وقد دلت على ذلك صحيحة زرارة حيث قال: لا حتى تستيقن أنه قد نام.. وإلا فإنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين أبدا بالشك وإنما تنقضه بيقين آخر (* 1) فإن موردها وإن كان هو الشك في النوم إلا أن تعليلها أقوى شاهد على عدم أختصاص الحكم به ومن ذلك يظهر عدم أختصاص الاستصحاب بموارد الشك في الوجود


(* 1) المروية في ب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 495 ]

[ (مسألة 3) القيح الخارج من مخرج البول أو الغائط ليس بناقض وكذا الدم الخارج منهما (1) إلا إذا علم أن بوله أو غائطه صار دما وكذا المذي (2) ] وجريانه عند الشك في ناقضية للوجود أيضا للتعليل. نعم إذا تردد البلل الخارج المشكوك فيه بين البول والمذي مثلا وكان ذلك قبل الاستبراء من البول حكم بناقضيته ونجاسته وهذا لا من ناحية عدم جريان الاستصحاب فبه. بل للاخبار الدالة على ذلك تقديما للطاهر على الاصل وقد تقدمت في محلها. ومما ذكرناه في هذه المسألة ظهر الحال في المسألة الآتية فلا نطيل. (1) لادلة حصر النواقض في البول والغائط والريح والمني والنوم فالقيح والدم الخارجان من مخرج البول أو الغائط غير مؤثرين في الانتقاض أللهم إلا أن يكون خروجه بحيث يصدق عليه أنه يبول أو يتغوط دما لا أنه لا يبول ولا يتغوط وإنما يخرج الدم من أسفليه وذلك لانه على الثاني لا يصدق عليه أنه يبول أو يتغوط كما لا يصدق على الخارج منه أنه بول أو غائط. (2) الاخبار الواردة في المذي على طوائف أربع: (الاولى): ما دل على عدم ناقضية المذي مطلقا كحسنة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن سال من ذكرك شئ من مذى أو ودي وأنت في الصلاة فلا تغسله، ولا تقطع له الصلاة، ولا تنقض له الوضوء، وإن بلغ عقبيك فإنما ذلك بمنزلة النخامة. (* 1) وبهذا المضمون عدة من الاخبار وهى وإن لم تكن متواترة بالمعنى المصطلح عليه إلا أن دعوى القطع بصدور بعضها عنهم عليهم السلام غير بعيدة جدا.


(* 1) المروية في ب 12 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 496 ]

(الثانية): ما دل على أن المذي ينقض الوضوء مطلقا سواء أكان عن شهوة أم لم يكن وذلك كما رواه محمد بن أسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن المذي فأمرني بالوضوء منه، ثم أعدت عليه في سنة أخرى فأمرني بالوضوء منه وقال: إن عليا عليه السلام أمر المقداد بن الاسود أن يسأل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأستحي أن يسأله فقال: فيه الوضوء (* 1) وبالاطلاق صرح في صحيحة يعقوب بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يمذي فهو في الصلاة من شهوة أو من غير شهوة قال: المذي منه الوضوء (* 2). (الثالثة): الاخبار الدالة على التفصيل بين المذي الخارج بشهوة وبين الخارج لا عن شهوة بالنقض في الاول دون الاخير وذلك كرواية أبى بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام المذي يخرج من الرجل، قال: أحد لك فيه حدا؟ قال. قلت نعم جعلت فداك قال: فقال: إن خرج منك على شهوة فتوضأ وإن خرج منك على غير ذلك فليس عليك فيه وضوء (* 3) وصحيحة علي بن يقطين قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن المذي أينقض الوضوء؟ قال: إن كان من شهوة نقض (* 4) وغيرهما من الاخبار. (الرابعة): ما ورد في عدم ناقضية المذي الخارج بشهوة وذلك كصحيحة أبن أبى عمير عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس في المذى من الشهوة، ولا من الانعاظ ولا من القبلة، ولا من مس الفرج ولا من المضاجعة وضوء، ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد (* 5). والوجه في عدم الحاقها بالمراسيل ما ذكرناه غير مرة من أن التعبير،


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) المروية في ب 12 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 5) المروية في ب 9 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 497 ]

(غير واحد) إنما يصح فيما إذا كانت الواسطة جماعة من الرواة ولا نحتمل أن يكون الجميع غير موثقين بل لا أقل من أن يوجد فيهم ثقات لو لم يكن جلهم كذلك. بل التعبير بذلك ظاهر في كون الرواية مسلمة عنده ومن هنا أرسلها أرسال المسلمات وهذا هو الحال في تعبيراتنا اليوم. وما رواه الشيخ بأسناده عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد قال: أغتسلت يوم الجمعة بالمدينة ولبست أثوابي وتطيبت، فمرت بي وصيفة ففخذت لها، فأمذيت أنا وأمنت هي، فدخلني من ذلك ضيق، فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال: ليس عليك وضوء ولا عليها غسل (* 1) ومحل الاستشهاد بها هو قوله: ليس عليك وضوء. وأما نفيها الغسل عن الوصيفة فيأتى الكلام عليه في الكلام على غسل الجنابة إن شاء الله. وهذه الرواية واردة في المذي الخارج بشهوة بل موردها من أظهر موارد الخروج كذلك هذه هي الاخبار الواردة في المقام. والطائفة الاولي الدالة على عدم أنتقاض الوضوء بالمذي مطلقا والطائفة الثانية الدالة على أنتقاض الوضوء به متعارضتان. والنسبة بينهما هو التباين والترجيح مع الطائفة الاولى من جهات: (الاولى): أنها مشهورة وهى تقتضي ترجيحها على الطائفة الثانية بناء على أن الشهرة من المرجحات. (الثانية): أنها توافق العام الفوق وهي الاخبار الحاصرة للنواقض في البول والغائط والريح والمني والنوم لاقتضائها عدم أنتقاض الوضوء بغيرها من الاسباب وموافقة السنة من المرجحات.


(* 1) المروية في ب 12 من أبواب نواقض الوضوء و 7 من أبواب الجنابة من الوسائل.

[ 498 ]

(الثالثة): أنها موافقة للكتاب لان مقتضى أطلاق قوله: عز من قائل: إذا قمتم إلى الصلاة فأغسلوا وجوهكم وأيديكم... وإن كنتم جنبا فأطهروا (* 1) أن من قام من النوم أو غيره من الاحداث الصغيرة إلى الصلاة فتوضأ أو كان جنبا فأغتسل له أن يدخل في الصلاة مطلقا أي خرج منه المذي بعد الغسل أو الوضوء أم لم يخرج فمقتصى أطلاق الاية عدم أنتقاض الوضوء بالمذى وقد ذكرنا في محله أن الرواية المخالفة لاطلاق الكتاب إذا كان معارضا بما يوافق الكتاب سقطت عن الحجية وموافقة الكتاب من المرجحات. (الرابعة): أنها مخالفة للعامة لان أكثرهم لو لا كلهم مطبقون على النقض به (* 2) فالطائفة الثانية ساقطة عن الاعتبار وأما الطائفة الثالثة الدالة على أنتقاض الوضوء بالمذى الخارج عن شهوة فهي غير صالحة لتقييد الطائفة الاولى في نفسها الاولى في نفسها مضافا إلى أنها مبتلاة بالمعارض الراجح. أما عدم صلاحيتها للتقييد في نفسها فلان المذي إذا كان هو الماء الرقيق الخارج عند الملاعبة والتقبيل ونحوهما والجامع هو الشهوة كما في بعض اللغات (* 3) بل هو المصرح به في مرسلة أبن رباط حيث فسرت المذي بما يخرج من شهوة (* 4) ومن هنا كان يستحيي علي عليه السلام أن يسأل النبي صلى الله عليه وآله عن حكم المذي كما في بعض الاخبار (* 5) كانت الطائفة الثالثة والاولى متعارضتان بالتباين لدلالة الثالثة على أن المذي وهو الماء الخارج عند الشهوة ناقض للوضوء وتدل الاولى


(* 1) النساء: 5: 6 (* 2) راجع المغنى ج 1 ص 171 والبدائع ج 1 ص 24 والبداية ج 1 ص 31 (* 3) كما في مجمع البحرين ولسان العرب والثاني غير مشتمل على الماء الرقيق. (* 4) و (* 5) المرويتان في ب 12 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 499 ]

[ والوذي (1) ] على أن المذي بهذا المعنى غير ناقض له وقد تقدم أن الترجيح مع الطائفة الاولى من جهات وإذا كان المذي أعم مما يخرج عند الشهوة أولا معها فلا أشكال في أن الظاهر المنصرف إليه والفرد الغالب من المذي خصوص ما يخرج عند الشهوه ولا يمكن معه الجمع بين الطائفتين بحمل الاولي على الثالثة لاستلزامه تخصيص الطائفة الاولى مع ما هي عليه من الكثرة والتواتر الاجمالي على الفرد النادر لندرة المذي الخارج من دون شهوة ولا يعد هذا من الجمع العرفي بين المتعارضين فالطائفتان متعارضتان بالتباين والترجيح مع الطائفة الاولى كما مر. وأما معارضتها بالمعارض الراجح فلاجل أنها معارضة مع الطائفة الرابعة بالتباين وهى مرجحة على الطائفة الثالثة بالمرجحات الاربعة المتقدمة من الشهر ة وموافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة. (1) أشتملت عليه مرسلة أبن رباط المتقدمة ومن المحتمل القريب أن يكون الوذي هو الودي وغاية الامر أنه قد يعبر عنه بالدال المعجمة وأخرى بالدال غير المعجمة ويدل على ما ذكرناه صحيحة أبن سنان الآتية (* 1) لدلالتها على حصر الخارج من الاحليل في المني والمذي والودي إذا لو كان هناك ماء آخر وهو الوذي لم يكن الحصر بحاصر ويؤيده ما ذكره الطريحي في مجمع البحرين من أن ذكر الوذي مفقود في كثير من كتب اللغة، ولم نعثر عليه في أقرب الموارد بعد الفحص عنه، وعلى الجملة الوذي هو الودي ويأتي في التعليقة الآتية أن الودي ليس من الاسباب الناقضة للوضوء. ثم لو قلنا بأنه غير الودي كما تقتضيه المرسلة المتقدمة فلابد من الرجوع


(* 1) في التعليقة الآتية.

[ 500 ]

[ والودي (1) والاول هو ما يخرج بعد الملاعبة، ] فيه إلى أطلاق الكتاب والاخبار الحاصرة للنواقض في الامور المتقدمة وهما يقتضيان عدم أنتقاض الوضوء بالوذي. (2) وردت كلمة الودى في روايات ثلاث: (إحداها): مرسلة أبن رباط عن بعض اصحابنا عن أبى عبد الله عليه السلام قال: يخرج من الاحليل: المني، والوذي، والمذي والودي فأما المني فهو الذي يسترخي له العظام، ويفتر منه الجسد وفيه الغسل، وأما المذي فيخرج من شهوة ولا شئ فيه أما الودي فهو الذي يخرج بعد البول وأما الوذي فهو الذي يخرج من الادواء ولا شئ فيه (* 1). و (ثانيها): حسنة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام إن سال من ذكرك شئ من مذي أو ودى وأنت في الصلاة فلا تغسله ولا تقطع له الصلاة، ولا تنقض له الوضوء، وإن بلغ عقبيك، فإنما ذلك بمنزلة النخامة، وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل، أو من البواسير، وليس شئ فلا تغسله من ثوبك إلا أن تقذره (* 2). و (ثالثتها): صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث يخرجن من الاحليل: وهن المني، وفيه الغسل، والودي فمنه الوضوء، لانه يخرج من دريرة البول، قال: والمذي ليس فيه وضوء إنما هو بمنزلة ما يخرج من الانف (* 3). أما المرسلة فهي إنما أشتملت على تفسير الودي ولم تتعرض لحكمه اللهم إلا أن يستفاد ذلك مما ذكره عليه السلام في المذي بقرينة السياق. وأما الحسنة والصحيحة فهما متعارضتان لدلالة إحداهما على انتقاض الوضوء بالودي ودلالة الاخرى على عدمه. وفي الوسائل أن الشيخ حمل الصحيحة على


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 12 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 501 ]

[ والثانى ما يخرج بعد خروج المني، والثالث ما يخرج بعد خروج البول. (مسألة 4) ذكر جماعة من العلماء أستحباب الوضوء (1) عقيب المذي، والودي، والكذب، والظلم، والاكثار من الشعر ] من ترك الاستبراء بعد البول لانه إذا خرج منه شئ حينئذ فهو من بقية البول لا محالة. وأستجوده في الحدائق، ولعل الشيخ (قده) نظر في ذلك إلى رفع المعارضة بالجمع الدلالي للاخبار الواردة في البلل المشتبه الخارج بعد البول وقبل الاستبراء منه. إلا أنه مما لا يمكن المساعدة عليه لان ترك الاستبراء من البول إنما يقتضي الحكم بناقضية البلل إذا أشتبه ودار أمره بين البول والمذي مثلا وأما عند العلم بأن البلل الخارج وذي أو مذي أو غيرهما فلا موجب للحكم بأنتقاض الوضوء به للعلم بعدم كونه بولا. فالصحيح أن يقال: إن الروايتين متعارضتان ولابد من علاج التعارض بينهما والترجيح مع الحسنة للوجوه المتقدمة في المذي من الشهرة وموافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة. (3) الموارد التي ذكرها الماتن (قده) ونقل أستحباب الوضوء بعدها عن جماعة من العلماء على قسمين: فأن في جملة منها ربما يوجد القائل بأنتقاض الوضوء بها من أصحابنا ولا يوجد القائل به في جملة منها. أما مالا يوجد القائل بأنتقاض الوضوء به كمس الكلب وغيره فالامر بالوضوء بعده وأن كان ورد في بعض الاخبار كما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من مس كلبا فليتوضأ (* 1) إلا أنه لابد من حملها على التقية وذلك لاطلاق الاخبار الحاصرة للنواقض في البول والغائط والريح والمني والثوم.


(* 1) المروية في ب 11 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 502 ]

فإن رفع اليد عن أمثال تلك المطلقات الدالة على الحصر إذا ورد نص على خلافها وإن كان من الامكان بمكان كما التزمنا بذلك في الصوم وقيدنا أطلاق قوله عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام لا يضر الصائم ما صنع إذا أجتنب ثلاث (أو أربع) خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء (* 1) بما دل على بطلانه بالحقنة بالمايعات أو الكذب على الله أو رسوله أو الائمة عليهم السلام أو بغيرهما من المفطرات وذلك لان الاطلاق في الصحيحة وإن كان من القوة بمكان ولكنها بلغت من القوة ما بلغت لا يمكنها أن تعارض مع النص الدال على خلافها. إلا أن الاخبار الحاصرة في المقام أقوى من الاخبار الدالة على الانتقاض بمس الكلب ونحوه إذ الاخبار الحاصرة وردت لبيان أن الوضوء لا ينتقض بتلك الاشياء الشايعة أنتقاض الوضوء بها كالقبلة والمس والضحك وغيرها وأنه إنما ينتقض بالبول والغائط والريح والمني والنوم ولذلك يتقدم عليها لا محالة. هذا مضافا إلى النصوص الواردة في عدم أنتقاض الوضوء بها على التقية. وأما ما يوجد القائل بأنتقاض الوضوء به من أصحابنا فهو ستة أمور: (منها): التقبيل حيث نسب إلى أبن الجنيد القول بأنتقاض الوضوء بالتقبيل المحرم إذا كان عن شهوة وأستدل عليه بموثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قبل الرجل مرأة من شهوة أو مس فرجها أعاد الوضوء وهى كما ترى


(* 1) المروية في ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم من الوسائل. (* 2) راجع ب 6 و 7 و 8 و 9 و 10 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 3) المروية في ب 9 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 503 ]

أعم لعدم تقييدها القبلة بما إذا كانت محرمة، ولم ترد رواية في أنتقاض الوضوء بخصوص القبلة عن حرام على أنها معارضة بغير واحد من الاخبار المعتبرة الدالة على عدم أنتقاض الوضوء بالقبلة. (منها): صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس في القبلة ولا المباشرة ولا مس الفرج وضوء (* 1) و (منها): غير ذلك من الاخبار. و (دعوى): أن الصحيحة مطلقة فيقيد بالموثقة الدالة على أنتقاض الوضوء بالقبلة الصادرة عن شهوة وتحمل الصحيحة على القبلة لا عن شهوة. (مندفعة): بأن حمل الصحيحة على القبلة الصادرة لا عن شهوة ليس من الجمع العرفي بينهما لان الغالب في القبلة صدورها عن شهوة والقبلة لا عن شهوة فرد نادر لا يمكن حمل الصحيحة عليه هذا مضافا إلى الاخبار الحاصرة لانها أيضا معارضة مع الموثقة. و (منها): مس الدبر والقبل والذكر، والانتقاض بذلك أيضا منسوب إلى أبن الجنيد فيما إذا مس عن شهوة باطن فرجه أو باطن فرج غيره محللا كان أم محرما كما نسب إلى الصدوق فيما إذا مس الانسان باطن دبره وأحليله، وأستدل عليه بالموثقة المتقدمة، وموثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره قال: نقض وضوئه، وإن مس باطن أحليله فعليه أن يعيد الوضوء، وإن كان في الصلاة قطع الصلاة ويتوضأ ويعيد الصلاة، وإن فتح إحليله أعاد الوضوء وأعاد الصلاة (* 2). وهذه الموثقة مضافا إلى معارضتها مع الاخبار المتقدمة الحاصرة للنواقض في البول والغائط وأخواتهما معارضة بغير واحد من الاخبار الواردة في عدم أنتقاض الوضوء بمس الفرج والذكر (منها): صحيحة زرارة المتقدمة عن


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 9 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 504 ]

أبي جعفر عليه السلام قال: ليس في القبلة ولا المباشرة ولامس الفرج وضوء (* 1) و (منها): موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يمس ذكره أو فرجه أو أسفل من ذلك وهو قائم يصلي يعيد وضوئه؟ فقال: لا بأس بذلك إنما هو من جسده (* 2) و (منها) غير ذلك من الاخبار ويظهر من التعليل في موثقة سماعة أنه لا فرق في عدم أنتقاض الوضوء بين مس باطن الفرجين ومس ظاهريهما لان الباطن كالظاهر من جسده ومعه لابد من حمل الموثقة على التقية وبما ذكرناه يظهر الجواب عن الموثقة المتقدمة أيضا. و (منها): القهقهة وقد حكي القول بالانتقاض بها أيضا عن أبن الجنيد مقيدا بما إذا كان متعمدا وفي الصلاة لاجل النظر أو سماع أمر يضحكه. وأستدل عليه بموثقة سماعة قال: سألته عما ينقض الوضوء قال: الحدث تسمع صوته أو تجد ريحه، والقرقرة في البطن إلا شيئا تصبر عليه، والضحك في الصلاة والقئ (* 3) وهي أيضا محمولة على التقية لمعارضتها مع الاخبار الحاصرة للنواقض وما دل على أن القهقهة غير ناقضة للوضوء كحسنة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة (* 4). ويظهر من قوله عليه السلام وتنقض الصلاة أن القهقهة المحكومة بعدم كونها ناقضة للوضوء هي القهقهة التى لو كانت صادرة في أثناء الصلاة أنتقضت بها الصلاة فالقهقهة في أثنائها غير ناقضة للوضوء وإن أنتقضت بها الصلاة و (توهم) أن الحسنة إنما دلت على عدم أنتقاض الوضوء بالقهقهة فتحمل الموثقة على أنتقاضه بالتبسم والضحك من دون قهقهة جمعا بين الروايتين سخيف غايته إذ لا يحتمل أن ينتقض الوضوء بالضحك دون القهقهة لانها إذا لم توجب الانتقاض لم ينتقض بالتبسم والضحك بطريق أولى.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 9 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 3) و (* 4) المرويتان في ب 6 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 505 ]

و (منها): الدم الخارج من السبيلين المحتمل مصاحبته بشئ من البول أو الغائط أو المنى وهذا أيضا منسوب إلى أبن الجنيد وقد أستدل عليه بقاعدة الاحتياط بتقريب أن الواجب إنما هو الدخول في الصلاة مع الطهارة اليقينية ومع أحتمال أستصحاب الدم شيئا من النجاسات الناقضة للوضوء يشك في الطهارة فلا يحرز أن الصلاة وقعت مع الطهارة بل لا يجوز معه الدخول في الصلاة لان المأمور به إنما هو الدخول فيها مع الطهارة اليقينية. وفيه أن مقتضى أستصحاب عدم خروج شئ من النواقض مع الدم أن المكلف لم تنتقض طهارته ويجوز له الدخول في الصلاة كما أن صلاته وقعت مع الطهارة اليقينة بالاستصحاب. و (منها): الحقنة وأنتقاض الوضوء بها أيضا منسوب إلى أبن الجنيد ولم نقف في ذلك له على دليل إلا أن يستند إلى الاخبار الواردة في أن الوضوء لا ينقضه إلا ما خرج من طرفيك الاسفلين أو من طرفيك الذين أنعم الله بهما عليك (* 1) نظرا إلى أن أطلاقها يشمل مثل ماء الحقنة فيما إذا خرج بعد الاحتقان. وفيه أن المراد بما يخرج من الطرفين ليس إلا خصوص البول والغائط والمني لا الخارج منها على الاطلاق كما تقدم في المذي وأخواته. و (منها): المذى حيث ذهب أبن الجنيد إلى أن المذي إذا كان من شهوة أوجب الوضوء. وقد تقدم الكلام على ذلك والجواب عنه فلا نعيد. فالمتحصل أن الاخبار الواردة في أنتقاض الوضوء بغير البول والغائط وأخواتهما فيما وجد القائل به من أصحابنا يحتمل فيها أمران: الحمل على التقية والاستحباب في نفسها وإن كان المتعين هو الاول لمعارضتها مع الاخبار الدالة على عدم أنتقاض الوضوء بها وموافقتها للعامة كما مر كما أنها فيما لا يوجد به القائل من أصحابنا محمولة على التقية فحسب هذا على أن الوضوء مما يبتلي به المكلف ثلاث


(* 1) راجع ب 2 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 506 ]

[ الباطل، والقئ، والرعاف، والتقبيل بشهوة، ومس الكلب، ومس الفرج، ولو فرج نفسه، ومس باطن الدبر، والاحليل، ونسيان الاستنجاء قبل الوضوء والضحك في الصلاة، والتخليل إذا أدمى. لكن الاستحباب في هذه الموارد غير معلوم (1) والاولى أن يتوضأ برجاء المطلوبية، ] مرات في كل يوم على الاقل فلو كان ينتقض بشئ من تلك الامور لاشتهرو بأن وعدم الاشتهار في أمثال ذلك بنفسه دليل على الخلاف. (1) لما تقدم من أن الاخبار الواردة في أنتقاض الوضوء بتلك الامور محمولة على التقية لمعارضتها مع الاخبار الدالة على خلافها وموافقتها للعامة كما مر. وربما يورد عليه بأن علاج المتعارضين بحمل أحدهما على التقية تصرف راجع إلى أصالة الجهة مع أن المتيقن عند تعارض أصالتي الظهور والجهة سقوط الاولى دون الثانية. فمع أمكان الجمع العرفي بينهما وأسقاط إصالة الظهور لا وجه لحمل أحدهما على التقية، وحيث أن الاخبار الآمرة بالوضوء بعد المذي أو غيره من الامور المتقدمة ظاهرة في الوجوب والمولوية فمقتضى الجمع بين الطائفتين أن يلغى ظهورها في الوجوب بحملها على الاستحباب لا حملها على التقية كما لا يخفى هذا. والصحيح ما أفاده الماتن (قده) وذلك لان الروايات الواردة في المقام ليست بظاهرة في الحكم المولوي وإنما ظاهرها أن الوضوء يفسد وينتقض بالمذي أو غيره بل بعضها صريح في ذلك فلاحظ. كما أن الاخبار المعارضة لها ظاهرة في نفي الفساد والانتقاض، وظاهر أن الانتقاض وعدم الانتقاض أمران متناقضان ولا معنى للفساد أو الانتقاض أستحبابا إذا لابد من حمل الطائفة الاولى على التقية فلا يبقى ذلك معنى ومقتض للحكم بالاستحباب. نعم لا بأس بالتوضوء برجاء المطلوبية كما في المتن.

[ 507 ]

[ ولو تبين بعد هذا الوضوء كونه محدثا بأحد النواقض المعلومة كفى (1) ولا يجب عليه ثانيا ] (1) إذا بنينا على أستحباب الوضوء بعد المذي وغيره من الامور المتقدمة وفرضنا أن المكلف توضأ بعد المذي أو غيره ثم أنكشف كونه محدثا بأحد النواقض المعلومة صح وضوئه وكفى في رفع حدثه لانه أتى به صحيحا وإن أعتقد أستحبابه وعدم رافعيته للحدث وذلك لانه من الخطأ في التطبيق وهو غير مضر بصحة الوضوء إذ لا يعتبر في صحته قصد رفع الحدث به. وكذا إذا بنينا على عدم أستحبابه وفرضنا أن المكلف توضأ برجاء الامر والمحبوبية الفعليتين ثم أنكشف أنه محدث بأحد النواقض واقعا فإنه يحكم بصحة وضوئه وأرتفاع حدثه حيث أتى به على وجه صحيح والمفروض حدثه، ووضوئه متعلق للامر الفعلي واقعا. نعم قد يستشكل في الحكم بصحته بأنه من العبادات ولا يكون العمل عبادة إلا إذا قصد به التقرب إلى الله وكان أمرا صالحا وقابلا للتقرب به فمع أحتمال أن العمل لغو وغير مستحب كما هو معنى أحتمال الاستحباب وعدمه لم يحرز قابلية العمل للتقرب به ومعه لا يمكن الحكم بصحته وكفايته في رفع الحدث. ويرد على ذلك ما قدمناه في محله من أن العبادة إنما تمتاز عن بقية الواجبات التوصلية بأعتبار إضافاتها إلى المولى جل شأنه نحو أضافة بعد أشتراكها معها في لزوم الاتيان بذواتها وهذا متحقق في المقام لانه أتى بذات العمل وهو الوضوء وقد أضافها إلى الله سبحانه حيث أتى بها برجاء أستحبابها ومعه لابد من الحكم بصحته إذ لا يستفاد من أدلة أعتبار قصد الامر في العبادت إلا إضافتها إلى المولى فحسب وقد ورد في بعض الاخبار: أن العبد ليصلي ركعتين يريد بهما وجه

[ 508 ]

[ كما أنه لو توضأ أحتياطا لاحتمال حدوث الحدث ثم تبين كونه محدثا كفى (1) ولا يجب ثانيا فصل في غايات الوضوآت الواجبة وغير الواجبة فإن الوضوء إما شرط في صحة فعل كالصلاة والطواف (2) ] الله عزوجل فيدخله الله بهما الجنة (* 1) وفي آخر: إذا كان أول صلاته بنية يريد بها ربه فلا يضره ما دخله بعد ذلك والمفروض أن المكلف في المقام إنما أتى بالوضوء بنية يريد بها ربه وهذا يكفي في صحته. و (دعوى): أنه أتى به مقيدا بأستحبابه فإذا أنكشف عدم كونه مستحبا واقعا وقع باطلا لا محالة (مندفعة): بما سيأتي في مورده من أن الوجوب والاستحباب صفتان للامر الصادر من المولى وليسا من أوصاف العمل المأمور به فتقييد العمل بأحدهما لا معنى محصل له وغاية الامر أن يكون الداعي والمحرك له إلى نحو الوضوء هو الاستحباب أو الوجوب بحيث لو كان علم بأنتفائه لم يكن يأت به جزما إذا فالمقام من تخلف الداعي لا التقييد وتخلف الدواعي غير مضر بصحة العبادة بوجه والخلاصة أن الوضوء المأتي به برجاء الامر الفعلي أو الاستحباب الواقعي محكوم بالصحة وهو يكفي في رفع الحدث قلنا بأستحباب الوضوء بعد الامور المتقدمة أم لم نقل. (1) الوجه في ذلك قد ظهر مما سردناه في الفرع المتقدم فلا نطيل. فصل في غايات الوضوءآت الواجبة وغير الواجبة (2) لوضوح أن الوضوء شرط لصحة الصلاة والطواف لا أنه شرط


(* 1) المروية في ب 8 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 24 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

[ 509 ]

[ وإما شرط في كماله كقراءه القرآن (1) ] لوجوبهما ويدل عليه جملة وافرة من النصوص.. (منها): صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا صلاة إلا بطهور (* 1) و (منها): ما رواه علي بن مهزيار في حديث أن الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت وإذا كان جنبا أو على غير وضوء أعاد الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته. (* 2) و (منها) حديث لا تعاد (* 3) و (منها) غير ذلك من النصوص. هذا بالاضافة إلى الصلاة. وأما الطواف فمن جملة الاخبار الواردة فيه صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما عليهم السلام عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور قال: يتوضأ ويعيد طوافه.. (* 4) و (منها): صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام سألته عن رجل طاف ثم ذكر أنه على غير وضوء قال: يقطع طوافه ولا يعتد به (* 5) إلى غير ذلك من النصوص. (1) وليس شرطا في صحتها ويدل عليه رواية محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته: أقرء المصحف ثم يأخذني البول فأقوم فأبول وأستنجي وأغسل يدي وأعود إلى المصحف فأقرء فيه؟ قال: لاحتى تتوضأ للصلاة (* 6) ورواية الصدوق في الخصال في حديث الاربعمأة عن علي عليه السلام لا يقرء العبد القرآن إذا كان على غير طهر (طهور) حتى يتطهر (* 7) وفيما رواه أحمد بن فهد في (عدة الداعي) أن قراءة القرآن متطهرا في غير صلاة خمس وعشرون


(* 1) المروية في ب 1 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 3 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 4) و (* 5) المرويتان في ب 38 من أبواب الطواف من الوسائل. (* 6) و (* 7) المرويتان في ب 13 من قراءة القرآن من الوسائل.

[ 510 ]

[ وإما شرط في جوازه كمس كتابة القرآن (1) أو رافع لكراهته كالاكل (2) ] حسنة وغير متطهر عشر حسنات (* 1). نعم الاستدلال بهذه الاخبار على أستحباب التوضوء لقراءة القرآن مبنى على التسامح في أدلة السنن لضعف أسانيدها. ثم أن مقتضى الروايتين السابقتين وإن كان كراهة القراءة على غير وضوء لا أستحبابها مع الوضوء إلا أنهما تدلان على أن القراءة من غير وضوء أقل ثوابا من القراءة مع الوضوء لوضوح أن القراءة على غير الوضوء إذا كانت مكروهة فالقرءة مع الوضوء أفضل وأكمل منها من غير وضوء فالنتيجة أن القراءة مع الوضوء أكمل وأكثر ثوابا من غيره (1) كما يأتي عليه الكلام. (2) الظاهر أن في العبارة سقطا والصحيح: كالاكل للجنب أو أن المراد بها بيان مورد الكراهة على سبيل الموجبة الجزئية وذلك لعدم دلالة الدليل على كراهة الاكل قبل التوضوء إلا بالاضافة إلى الجنب كما يأتي في محله وأما ما في جملة من الاخبار من أن الوضوء قبل الطعام وبعده يذيبان الفقر (* 2) أو أنهما يزيدان في الرزق (* 3) وأن من سره أن يكثر خير بيته فليتوضأ عند حضور طعامه (* 4) وغير ذلك من المضامين الواردة في الاخبار فلا دلالة له على كراهة الاكل قبل الوضوء لانها لو دلت فإنما تدل على أستحباب الوضوء قبل الطعام وبعده. على أن المراد بالوضوء في تلك الروايات ليس هو الوضوء بالمعنى المصطلح عليه وأنما المراد به هو المعنى اللغوي أعنى التنظيف والاغتسال والقرينة على ذلك أمور.


(* 1) المروية في ب 13 من أبواب قراءة القرآن من الوسائل. (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 50 من أبواب آداب المائدة من الوسائل.

[ 511 ]

(منها): ما دل على أن التوضوء جميعا بعد الطعام أمر فارق بين المشركين والمسلمين كصحيحة الوليد قال: تعشينا عند أبى عبد الله عليه السلام ليلة جماعة فدعى بوضوء فقال: تعال حتى نخالف المشركين نتوضأ جميعا (* 1) وذلك لبداهة أن المشركين لا يتوضوءن بالمعنى المصطلح عليه فرادى بعد الطعام ليكون التوضوء جميعا بعد العشاء خلافا للمشركين. و (منها): الترغيب والحث على التوضوء بعد الطعام جميعا في طشت واحد كما في جملة من الروايات (منها): الرواية المتقدمة (ومنها): رواية الفضل بن يونس قال: لما تغدى عندي أبو الحسن عليه السلام وجي بالطشت بدء به وكان في صدر المجلس فقال: ابدء بمن على يمينك فلما توضأ واحد أراد الغلام أن يرفع الطشت فقال له أبو الحسن عليه السلام: دعها وأغسلوا أيديكم فيها (* 2) وما رواه البرقي في المحاسن عن عبد الرحمان بن أبى داود قال: تغدينا عند أبي عبد الله عليه السلام فأتى بالطشت فقال: أما أنتم يا أهل الكوفة فلا تتوضئون إلا واحد واحد وأما نحن فلا نرى باسا أن نتوضأ جماعة قال: فتوضأنا جميعا في طشت واحد (* 3). والوجه في الاستشهاد بها أن التوضوء بالمعنى المصطلح عليه لم يثبت وجوبه ولا رجحانه قبل الطعام أو بعده لعدم دلالة دليل عليه فلا معنى للحث عليه جماعة في طشت واحد والترغيب إلى تركه منفردا أللهم إلا أن يراد به معناه اللغوي وهو المدعى و (منها): الاخبار الدالة على أن صاحب المنزل أول من يتوضوء قبل الطعام وآخر من يتوضوء بعده كرواية محمد بن عجلان عن أبي عبد الله عليه السلام


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 52 من أبواب آداب المائدة من الوسائل.

[ 512 ]

[ أو شرط في تحقق أمر كالوضوء للكون على الطهارة (1) أو ليس له غاية (2) كالوضوء الواجب بالنذر، والوضوء المستحب نفسا إن قلنا به كما لا يبعد، ] قال: الوضوء قبل الطعام يبدء صاحب البيت. (* 1) ورواية مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام قال: صاحب الرجل يتوضأ أول القوم قبل الطعام وآخر القوم بعد الطعام (* 2) وذلك لعدم دلالة دليل على أستحباب أن يكون رب البيت أول من يتوضأ بالمعنى المصطلح عليه قبل الطعام وآخر من يتوضأ بعده وعليه فالمراد بالتوضوء في تلك الروايات هو التنظيف والتغسيل كما هو معناه اللغوي وبذلك صرح في رواية الموسوي قال: قال هشام: قال لي الصادق عليه السلام: والوضوء هنا غسل اليدين قبل الطعام وبعده (* 3). (1) يتضح الكلام في ذلك مما نبينه في التعليقة الآتية. (2) قد مثل الوضوء الذي لا غاية له بأمرين: (أحدهما): الوضوء الواجب بالنذر لانه لا يعتبر في الاتيان به قصد الغاية وفيه: أن نذر الوضوء يتوقف صحته على أن يكون الوضوء مستحبا في نفسه لوضوح أن النذر لا يشرع به ما ليس بمشروع في نفسه فلا مناص من أن يكون متعلقه راجحا ومشروعا مع قطع النظر عن النذر المتعلق به وما لم يثبت رجحانه كذلك لم يصح نذره إذا لا معين لعد ذلك قسما آخر في مقابل الوضوء المستحب نفسا. و (ثانيهما): الوضوء المستحب نفسا على القول به كما لم يستبعده الماتن (قده) وعن جماعة أنكار الاستحباب النفسي للوضوء وإنه إنما يتصف بالاستحباب فيما إذا أتى به لغاية من الغايات المستحبة. وأما الاتيان به بما هو


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 51 من أبواب آداب المائدة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 50 من أبواب آداب المائدة من الوسائل.

[ 513 ]

مشتمل على الغسلتين والمسحتين في قبال ما يؤتي به لغاية من الغايات فلم تثبت مشروعيته. والصحيح أن الوضوء مستحب في نفسه وفاقا للماتن (قده) وهذا لا للحديث القدسي المروي في أرشاد الديلمي قال: قال النبي صلى الله عليه وآله يقول الله سبحانه: من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني ومن أحدث وتوضأ ولم يصل ركعتين فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ وصلى ركعتين ودعاني ولم أجبه فيما سألني من أمر دينه وديناه فقد جفوته ولست برب جاف (* 1) ولا للمرسلة المروية عن الفقية: الوضوء على الوضوء نور على نور (* 2) ولا لرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الوضوء بعد الطهور عشر حسنات فتطهروا (* 3) وذلك لعدم قابليتها للاستدلال بها لضعفها. بل لقوله عز من قائل: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (* 4) بضميمة الاخبار الواردة في أن الوضوء طهور (* 5) وذلك لان الآية المباركة دلتنا على


(* 1) المروية في ب 11 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في ب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 3) المروية في ب 8 من أبواب الوضوء ومثله في حديث الاربعمأة المروية في ب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 4) البقرة: 2: 222 (* 5) يستفاد ذلك من مثل صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة ولا صلاة إلا بطهور المروية في ب 14 من أبواب الجنابة و 4 من أبواب الوضوء وجملة منها في ب 1 من تلك الابواب و 9 من أحكام الخلوة من الوسائل وصحيحته الاخرى: لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور... المروية في ب 3 من أبواب الوضوء وغيره وحسنة الحلبي عن

[ 514 ]

أن الطهارة محبوبة لله سبحانه ولا معنى لحبه إلا أمره وبعثه فيستفاد منها أن الطهارة مأمور بها شرعا والمراد بالطهارة في الآية المباركة ما يعم النظافة العرفية وذلك لما ورد فيما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) من أن الناس كانوا يستنجون بالكرسف والاحجار ثم أحدث الوضوء وهو خلق كريم فأمر به رسول الله وصنعه فأنزل الله في كتابه (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (* 1) وفي بعض الاخبار أن الناس كانوا يستنجون بالاحجار فأكل رجل من الانصار طعاما فلان بطنه فأستنجى بالماء فأنزل الله تبارك وتعالى فيه (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) ويقال إن هذا الرجل كان البراء بن معرور الانصاري (* 2) فأن الاستنجاء بكل من الماء والاحجار وإن كان نظافة شرعية إلا أن الاستنجاء بالماء يزيد في التنظيف لانه يذهب العين والاثر، والاحجار لا تزيل إلا العين فحسب. فالآية المباركة دلت على أن الله يحب التطهير بالماء وحيث أن ورود الآية في مورد لا يوجب أختصاصها بذلك المورد فيتعدى عنه إلى مطلق النظافات العرفية والشرعية وعلى الجملة أستفدنا من الآية المباركة أن النظافة بأطلاقها محبوبة لله وأنها مأمور بها في الشريعة المقدسة ويؤيدها ما ورد من أن النظافة من


أبي عبد الله عليه السلام قال: الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث الطهور، وثلث ركوع وثلث سجود المروية في ب 9 من أبواب الركوع و 28 من أبواب السجود من الوسائل وما رواه الصدوق في العيون والعلل عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال: إنما أمرو بالوضوء وبدء به لان يكون العبد طاهرا. المروية في ب 1 من أبواب الوضوء. إلى غير ذلك من الاخبار التي لا يسع المجال أستقصائها. (* 1) و (* 2) المرويتان في ب 34 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

[ 515 ]

الايمان (* 1) هذا كله في كبرى محبوبية الطهارة شرعا. وأما تطبيقها على الوضوء فلان الطهارة أسم لنفس الوضوء أعني المسحتين والغسلتين لا أنها أثر مترتب على الوضوء كترتب الطهارة على الغسل في تطهير المتنجسات فإذا قلنا الصلاة يشترط فيها الطهارة فلا نعني به أن الصلاة مشروطة بأمرين: وإنما المراد أنها مشروطة بشئ واحد وهو الغسلتان والمسحتان المعبر عنهما بالطهارة وعلى هذا جرت أستعمالاتهم فيقولون: الطهارات الثلاث ويريدون بها الوضوء والتيمم والغسل. لا يقال: الطهارة أمر مستمر ولها دوام وبقاء بالاعتبار وليس الامر كذلك في الوضوء لانه يوجد وينصرم فكيف تنطبق الطهارة على الوضوء؟. لانه يقال: الوضوء كالطهارة أمر أعتبر له الدوام والبقاء ويستفاد هذا من جملة من الروايات (منها): ما في صحيحة زرارة: الرجل ينام وهو على وضوء (* 2) وذلك لانه لو لم يكن للوضوء استمرار ودوام كما إذا فسرناه بالمسحتين والغسلتين بالمعنى المصدري فما معنى أن الرجل ينام وهو على وضوء إذ الافعال توجد وتنصرم وكون الرجل على وضوء فرع أن يكون الوضوء أمرا مستمرا بالاعتبار وبعبارة أخرى أن ظاهر قوله: وهو على وضوء أن الرجل بالفعل على وضوء نظير ما إذا قيل زيد على سفر فإنه إنما يصح إذا كان بالفعل على سفر ومنه قوله تعالى وإن كنتم على سفر وقوله وإن كنتم مرضى أو على سفر (* 4) أي كنتم كذلك بالفعل وهذا لا يستقيم إلا إذا كان المرتكز في ذهن السائل أن


(* 1) تقدم في ج 1 ص 38 (* 2) المروية في ب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 3) البقرة: 2: 283 (* 4) النساء: 4: 43

[ 516 ]

الوضوء له بقاء ودوام في الاعتبار. ونظيرها رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: من طلب حاجة وهو على غير وضوء فلم تقض فلا يلومن إلا نفسه (* 1) ومرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام إنى لاعجب ممن يأخذ في حاجة وهو على وضوء كيف لا تقضى حاجته. (* 2) وغيرهما من الاخبار. و (منها): الاخبار الواردة في أشتراط الوضوء في الطواف كصحيحتي محمد بن مسلم وعلي بن جعفر المتقدمتين (* 3) وغيرهما حيث دلتنا تلك الروايات على أن الانسان قد يكون على وضوء وقد يكون على غير وضوء ولا معنى لذلك إلا أن يكون للوضوء كالحدث والطهارة دواما عند الشارع. و (منها): ما هو أصرح من السابقتين وهو الاخبار الواردة في أن الرعاف والقئ والقلس والمذي والوذي والودي وأمثال ذلك مما ورد في الاخبار غير ناقض للوضوء (* 3) وأن البول والغائط والنوم والمنى ناقض له (* 5) والوجه في صراحتها في المدعى أن النقض إنما يتصور في الامر الباقي والمستمر وأما ما لا وجود له بحسب البقاء فلا معنى لنقضه وعدم نقضه فمن هذا كله يظهر أن الغسلتين والمسحتين لا بالمعنى المصدري الايجادي أمران مستمران وهما المأمور به فيما يشترط فيها الطهارة وهما المعبر عنهما بالطهارة في عبارات الاصحاب كما تقدم فالوضوء بنفسه مصداق للطهارة والنظافة تعبدا فتشملها الكبرى المستفاد من الآية المباركة وهى محبوبية النظافة في الشريعة المقدسة وكونها مأمورا بهامن


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 6 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 3) المتقدمتان في ص 509 (* 4) راجع ب 6 و 7 و 12 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 5) راجع ب 2 و 3 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 517 ]

[ أما الغايات للوضوء الواجب فيجب للصلاة الواجبة (1) أداء أو قضاء عن النفس أو عن الغير ولاجزائها المنسية (2) بل وسجدتي السهو على الاحوط (3) ] قبله فمن مجموع الآية والاخبار نستفيد أن الوضوء بنفسه من غير أن يقصد به شئ من غاياته أمر محبوب ومأمور به لدى الشرع كما أنه كذلك عند قصد شي من غاياته فلا مانع من أن يتعلق به النذر وأن يؤتى به لذاته من غير نذر ولا قصد شئ من الغايات المترتبة عليه. وبما ذكرناه ظهر أن قصد الكون على الطهارة هو بعينه قصد الكون على الوضوء لا أنه قصد أمر آخر مترتب على الوضوء لما عرفت من أن الوضوء هو بنفسه طهارة لا أن الطهارة أمر يترتب على الوضوء فمن قصد الوضوء فقد قصد الكون عليه فلا وجه لعد الكون على الطهارة من الغايات المترتبة على الوضوء.. (1) للاخبار الكثيرة وقد أسلفنا شطرا منها فلاحظ ولقوله عز من قائل: إذا قمتم إلى الصلاة فأغسلوا وجوهكم وأيديكم.. (* 1). (2) كالسجدة الواحدة والتشهد فأنه لا بد من قضائها على كلام في التشهد بمعنى أن الاجزاء المنسية تؤتى بها بعد الصلاة فقضائها بمعنى الاتيان بها كما هو معنى القضاء بحسب اللغة. والوجه في وجوب الوضوء للاجزاء المنسية من الصلاة كما قدمناه في الكلام على أشتراط الطهارة في الصلاة هو أن الاجزاء المنسية هي بعينها الاجزاء المعتبرة في الصلاة وإنما أختل محلها وأتي بها بعد الصلاة فما دل على أعتبار الوضوء في الصلاة وأجزائها هو الدليل على أعتباره في الاجزاء المنسية لانها هي هي بعينها. (3) وأما على الاظهر فلا، لان سجدتي السهو خارجتان عن الصلاة وليستا من أجزائها وإنما وجبتا لنسيان شئ مما أعتبر في الصلاة ومن هنا لا تبطل الصلاة


(* 1) المائدة: 5: 6

[ 518 ]

[ ويجب أيضا للطواف الواجب (1) وهو ما كان جزء للحج أو العمرة، وإن كانا مندوبين (2) فالطواف المستحب ما لم يكن جزء من أحدهما لا يجب الوضوء له (3) نعم هو شرط في صحة صلاته. ويجب أيضا بالنذر (4) والعهد واليمين، ويجب أيضا لمس كتابة القرآن إن وجب بالنذر أو لوقوعه في موضع يجب أخراجه منه، أو لتطهيره إذا صار متنجسا (5) وتوقف الاخراج أو التطهير ] إذا لم يؤت بهما بعد الصلاة وعليه لا يشترط الوضوء فيهما إلا على سبيل الاحيتاط. (1) كما دلت عليه صحيحتا محمد بن مسلم وعلي بن جعفر المتقدمتان (* 1) وغيرهما من النصوص. (2) أدعي الاجماع على أن الحج والعمرة يجب أتمامهما بالشروع فيهما ويدل عليه قوله عز من قائل: وأتموا الحج والعمرة لله (* 2) ولم نقف على ما يدل عليه من الاخبار. (3) دلت على ذلك صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث ورد فيها (عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور قال: يتوضأ ويعيد طوافه، وإن كان تطوعا توضأ وصلى ركعتين (* 3) ونظيرها غيرها من الاخبار الواردة في المقام نعم يعتبر الوضوء في صلاة الطواف وبهذه الاخبار يقيد المطلقات الدالة على أن الطواف يعتبر فيه الوضوء. (4) بناء على ما هو الصحيح من أستحباب الوضوء في نفسه. وأما إذا أنكرنا أستحبابه كذلك فلا ينعقد النذر به إلا إذا قصد به شئ من غاياته. (5) والجامع ما إ ذا وجب مس الكتاب والكلام في هذه المسألة يقع


(* 1) في ص 509 (* 2) البقرة: 2: 196 (* 3) المروية في ب 38 من أبواب الطواف من الوسائل.

[ 519 ]

[ على مس كتابته ولم يكن التأخير بمقدار الوضوء موجبا لهتك حرمته. ] من جهات: (الاولى): هل يحرم مس كتابة القرآن من غير وضوء؟ المشهور بين المتقدمين والمتأخرين حرمة ألمس من غير طهر بل عن ظاهر جماعة دعوى الاجماع في المسألة وخالفهم في ذلك الشيخ وأبن البراج وأبن أدريس وألتزموا بكراهة. وعن جملة من متأخري المتأخرين الميل إليه وما ذهب إليه المشهور هو الصحيح وهذا لا لقوله عزمن قائل: لا يمسه إلا المطهرون (* 1) لان معنى الاية المباركة أن الكتاب لعظمة معاني آياته ودقة مطالبه لا ينال فهمها ولا يدركها إلا من طهره الله سبحانه وهم الائمة عليهم السلام لقوله سبحانه: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (* 2) وليست له أية دلالة على حصر جواز المس للمتطهر لان المطهر غير المتطهر وهما من بابين ولم ير أطلاق المطهر على المتطهر كالمغتسل والمتوضي في شى من الكتاب والاخبار، على أن الضمير في (يمسه) إنما يرجع إلى الكتاب المكنون وهو اللوح المحفوظ ومعنى أن الكتاب المكنون لا يمسه إلا المطهرون هو ما قدمناه من أنه لا يناله ولا يصل إلى دركه إلا الائمة المعصومون عليهم السلام إذا الآية أجنبية عن المقام بالكلية هذا كله بالاضافة إلى نفس الآية المباركة. وأما بالنظر إلى ما ورد في تفسيرها ففى رواية أبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن عليه السلام قال: المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خطه، ولا تعلقه إن الله تعالى يقول: لا يمسه إلا المطهرون (* 3) ومقتضى هذه


(* 1) الواقعة: 56: 79 (* 2) الاحزاب 33: 33 (* 3) المروية في ب 12 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 520 ]

الرواية أن الضمير في (يمسه) راجع إلى الكتاب الموجود بين المسلمين وأن المراد بالمس هو المس الظاهري إلا أنها غير قابلة لاستدلال بها لضعف سندها من وجوه: (منها): أن الشيخ رواها بأسناده عن علي بن حسن بن فضال وطريق الشيخ إليه ضعيف: بل ودلالتها أيضا قابلة للمناقشة وذلك لانها قد أشتملت على المنع من تعليق الكتاب ومس ظاهره من غير ظهر وحيث لا قائل بحرمة التعليق من غير وضوء فلا مانع من أن يجعل ذلك قرينة على أرادة الكراهة من النهي ولو بأن يقال: إن الكتاب لمكان عظمته وشموخ مقاصده ومداليله لا يدركه غير المعصومين عليهم السلام ولذا يكره مسه وتعليقه من غير طهر. إذا لا يمكن الاستناد إلى الرواية في الحكم بحرمة المس وأرجاع الضمير إلى الكتاب الموجود يين المسلمين ولا لرواية حريز عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أسماعيل بن أبي عبد الله عنده فقال: يا بني إقرء المصحف فقال: إنى لست على وضوء فقال: لا تمس الكتابة ومس الورق وأقرئه (* 1) وذلك لارسالها. بل لموثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن قرء في المصحف وهو على غير وضوء قال: لا بأس ولا يمس الكتاب (* 2) فإن دلالتها على ما ذهب إليه المشهور من حرمة مس كتابة القرآن على غير المتطهر غير قابلة للمناقشة. (الجهة الثانية): هل ينعقد النذر بمس الكتاب؟ قد يقال إن صحة نذر المس يتوقف على رجحان في نفسه ولا رجحان في مس الكتاب. وفيه أن بعض أفراد المس وإن كان كذلك إلا أن من أفراد مالا شبهة في رجحانه كما إذا نذر مس الكتاب بتقبيله لانه كتقبيل الضرايح المقدسة ويد الهاشمي أو من قصد به النبي صلى الله عليه وآله تعظيم للشعائر ولا تأمل في رجحانه.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 12 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 521 ]

[ وإلا وجبت المبادرة من دون الوضوء (1) ] (الجهة الثالثة): إذا بنينا على عدم استحباب الوضوء في نفسه فهل يصح أن يؤتى به بغاية المس؟ قد يقال إن الغاية وما يتوقف عليه الوضوء ليس هو المس نفسه بل الغاية جواز المس ومشروعيته فليست الغاية فعلا أختياريا صادرا من المكلفين وإنما هي حكم شرعي وحيث أن الوجوب الغيرى لا يتعلق إلا بما هو مقدمة للفعل الصادر من المكلفين وليس الامر في المقام كذلك لما عرفت فلو وجب المس بالنذر أو بغيره لم يكن ذلك الوجوب كافيا في تشريع الوضوء والامر به. ويرد عليه أن مقدمة الواجب قد تكون مقدمة لذات الواجب وقد تكون مقدمة للواجب بوصف الوجوب وكلتاهما مقدمة للواجب ومن هنا ذكرنا في التكلم على وجوب مقدمة الواجب وعدمه أن مقدمات الصحة أيضا داخلة في محل الكلام مع أنها ليست مقدمة لوجود الواجب وذاته كتطهير البدن والثياب بالنسبة إلى الصلاة فلا فرق بين مقدمة ذات الواجب ومقدمة الواجب بوصف الوجوب فعلى القول بوجوب مقدمة الواجب يتصف كلتا المقدمتين بالوجوب ولامانع على ذلك من أن يقصد بالوضوء خصوص المس الواجب لانه مقدمة لحصة خاصة منه وهو المس المتصف بالوجوب إذ لا تتحقق إلا بالوضوء كما لا تتحقق الصلاة الواجبة إلا بطهارة البدن وغيرها من المقدمات. (1) لتزاحم حرمة هتك الكتاب مع حرمة المس من دون وضوء وحيث أن الحرمة في الهتك أقوى وآكد فتسقط الحرمة عن المس ويحكم بوجوب المبادرة إلى الاخراج أو التطهير من دون وضوء ولا يجب التيمم حينئذ وإن كان ميسورا للمكلف على وجه لا ينافي المبادرة ولا يستلزم هتك الكتاب كما إذا تيمم

[ 522 ]

[ ويلحق به أسماء الله وصفاته الخاصة (2) دون أسماء الانبياء والائمة عليهم السلام وإن كان أحوط، ووجوب الوضوء في المذكورات ما عدا النذر وأخويه أنما هو ] حال نزوله في البالوعة والوجه في ذلك أن التيمم إنما يسوغ عند فقدان الماء حقيقة أو العجز من أستعماله ولم تثبت مشروعيته في غير الصورتين مثلا إذا توقف أنقاذ الغريق على دخول المسجد والمكث فيه وفرضنا أن المكلف جنب لا يتمكن من الغسل لضيق المجال بحيث لو أغتسل لم يتمكن من أنقاذه لم يجز له التيمم لعدم مشروعيته لضيق الوقت بعد كون المكلف واجدا للماء. بل قد يستشكل في مشروعية التيمم لضيق وقت الصلاة لانه إنما شرع في حق فاقد الماء والعاجز عن أستعماله فحسب فيحتاج جوازه لضيق الوقت إلى دليل آخر ولا دليل عليه هذا. نعم يمكن أن يقال بوجوب التيمم لضيق وقت الصلاة للضرورة والاجماع القائمين على أن الصلاة لا تسقط بحال وهي مشروطة بالطهور وحيث لا يتمكن المكلف من الغسل أو الوضوء فلا مناص من أن يتيمم للصلاة ويمكن الاستدلال عليه بقوله عز من قائل: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل (* 1) أي إلى منتصفه. لدلالتها على أن الصلاة لابد من أقامتها على كل حال بين حدي الدلوك والغسق وحيث أنها مشروطة بالطهور والمكلف غير متمكن من الغسل أو الوضوء ولو لضيق وقت الصلاة فدلت الآية المباركة على وجوب التيمم في حقه إذ لا تتحقق الصلاة المأمور بها من دونه. نعم لا دليل على مشروعيته لضيق الوقت في غير الصلاة والمتحصل أن ما ذكره الماتن من وجوب المبادرة من دون الوضوء هو الصحيح ولا يجب عليه التيمم لما عرفت. (2) إن أعتمدنا في الحكم بحرمة مس الكتاب على موثقة أبي بصير المتقدمة.


(* 1) الاسراء: 17: 78

[ 523 ]

[ على تقدير كونه محدثا، وإلا فلا يجب. وأما في النذر وأخويه فتابع للنذر، فإن نذر كونه على الطهارة لا يجب إلا إذا كان محدثا، وإن نذر الوضوء التجديدي وجب وإن كان على وضوء. (مسألة 1) إذا نذر أن يتوضأ لكل صلاة وضوء رافعا للحدث وكان متوضئا يجب عليه نقضه (1) ثم الوضوء لكن في صحة مثل هذا النذر على إطلاقه تأمل. ] لم يمكننا الحكم بحرمة المس في غيره لاختصاص الموثقة بالكتاب ولا سبيل لنا إلى ملاكات الاحكام الشرعية لنتعدى عنه إلى غيره. وأما لو كان المدرك قوله عز من قائل: أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون (* 1) فلا مانع من التعدي إلى أسماء الله وصفاته الخاصة لدلالة الآية المباركة على أن المنع عن مس كتابة القرآن إنما هو لكرامته فيصح التعدي منه إلى كل كريم وأسماء الله وصفاته من هذا القبيل. بل لازم ذلك التعدي إلى أسماء الانبياء والائمة عليهم السلام بل وإلى أبدانهم الشريفة والكعبة المشرفة وغيرها لكرامتها وشرافتها عند الله سبحانه وكل ذلك مما لا يمكن الالتزام به والذي يسهل الخطب أن الآية كما تقدم أجنبية عن ما نحن فيه والمستند في المنع هو الموثقة وهى تختص بالكتاب ومعه فالحكم بالحاق أسماء الله وصفاته وأسماء الانبياء والائمة بالكتاب مبني على الاحتياط. (1) لا أشكال في أن النذر يعتبر الرجحان في متعلقه لوضوح أن ما يلتزم الناذر أن يأتي به لله سبحانه لو لم يكن أمرا محبوبا له لم يكن معنى للالتزام بالاتيان به لاجله إلا أنه لا يعتبر في صحته أن يكون أرجح من غيره فلو نذر أن يزور المسلم عليه السلام ليلة الجمعة مثلا صح نذره لرجحان زيارته ومحبوبيتها


(* 1) الواقعة: 56: 79

[ 524 ]

[ (مسألة 2) وجوب الوضوء لسبب النذر أقسام: (أحدها) أن ينذر أن يأتي بعمل يشترط في صحته الوضوء (1) كالصلاة. ] عند الله فأنها زيارة من أستشهد لاحياء الشريعة المقدسة سفارة من الحسين بن علي عليهما السلام وإن كانت زيارة الحسين عليه السلام أفضل وأرجح من زيارته عليه السلام فالنذر لا يعتبر في صحته سوى الرجحان في متعلقه وإن أستلزم ترك أمر آخر أرجح منه. نعم إذا كان للفعل الراجح مقدمة مرجوحة تلازمه كان الفعل المقيد بها أيضا مرجوحا لا محالة فلا يصح النذر في مثله وحيث أن الوضوء الرافع للحدث يتوقف على نقض الطهارة في حق المتطهر لان الرفع أعدام بعد الوجود ونقض الطهارة أمر مرجوح لاستحباب البقاء على الوضوء في جميع الحالات والازمنة كما يدل عليه قوله عز من قائل: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (* 1) كان النذر المتعلق به نذر فعل مرجوح لمقدمته فيبطل إلا إذا كان نقض الطهارة وأحداث الحدث مشتملا على الرجحان كما إذا فرضنا أن البقاء على الطهارة يستتبع الابتلاء بمدافعة الاخبثين وبنينا على كراهتها فإن النذر يصح حينئذ لرجحان ما يتوقف عليه الوضوء الرافع للحدث في حق المتطهر أعنى نقض الطهارة كما أن نذره من المحدث كذلك، وعلى الجملة بطلان النذر في مفروض الكلام مستند إلى المقدمة المرجوحة الملازمة لمتعلقه وليس من جهة أستلزامه ترك أمر آخر أرجح منه. (1) فالنذر لم يتعلق بالوضوء وإنما يجب الاتيان به لتوقف الفعل المنذور عليه والنذر في هذه الصورة مطلق وهو ظاهر.


(* 1) البقرة: 2: 222

[ 525 ]

[ (الثاني) أن ينذر أن يتوضأ إذا أتى بالعمل الفلاني غير المشروط بالوضوء (1) مثل أن ينذر أن لا يقرء القرآن إلا مع الوضوء (2) فحينئذ لا يجب عليه القراءة، لكن لو أراد أن يقرء يجب عليه أن يتوضأ (الثالث): أن ينذر أن يأتي بالعمل الكذائي مع الوضوء (3) كأن ينذر أن يقرء القرآن مع الوضوء. فحينئذ يجب الوضوء والقراءة. (الرابع): أن ينذر الكون على الطهارة (5) وجميع هذه الاقسام صحيح. لكن ربما يستشكل في الخامس. من حيث أن صحته موقوفة على ثبوت الاستحباب النفسي للوضوء، وهو محل إشكال لكن الاقوى ذلك. ] (1) النذر مقيد حينئذ لانه إنما ألتزم به على تقدير أرادة القراءة مثلا ولم يلتزم به على نحو الاطلاق فيجب عند أرادتها. (2) لا تخلو العبارة عن تسامح ظاهر لان الكلام إنما هو في نذر الوضوء مقيدا بشئ لاقى نذر ترك القرائة إلا مع الوضوء وإن كان ما ذكره (قده) عقدا سلبيا لتعلق النذر بالوضوء على تقدير أرادة القرائة حيث أن له عقدين: أيجابي وهو نذر الوضوء عند أرادة القرائة مثلا وسلبي لازم له وهو أن لا يقرء القران إلا مع الوضوء. والمراد هو العقد الايجابي وأن عبر عنه بما يدل على العقد السلبي وهو قابل للمناقشة فإن القرائة مستحبة مع الوضوء وعدمه وإن كانت القرائة مع الوضوء أرجح من القرائة من غير الوضوء إذا لا رجحان في ترك القرائة ليتعلق النذر به. (3) فيكون متعلق النذر هو الوضوء مع الفعل الآخر. (4) أي ينذر الوضوء لغاية الكون على الطهارة. (5) بأن ينذر الاتيان بالوضوء من دون قصد شئ من غاياته. وهذا

[ 526 ]

[ (مسألة 3) لافرق في حرمة مس كتابة القرآن على المحدث بين أن يكون باليد أو بسائر أجزاء البدن (1) ولو بالباطن كمسها باللسان أو بالاسنان، والاحوط ترك المس بالشعر أيضا وإن كان لا يبعد عدم حرمته (2). ] يتصور على نحوين: (أحدهما): أن ينذر الوضوء قاصدا به الطبيعي المنطبق على ما قصد به شئ من غاياته وما لم يقصد به. ولا ينبغي الاستشكال في صحة ذلك لانه نذر أمر راجح في الشريعة المقدسة وإن قلنا بعدم الاستحباب النفسي في الوضوء لان المتعلق هو الطبيعي الصادق على ما قصد به شئ من الغايات المترتبة عليه والوضوء بقصد شئ من غاياته مما لاكلام في أستحبابه. و (ثانيهما): أن ينذر الوضوء قاصدا به خصوص الحصة التي لا يؤتى بها بقصد شئ من غاياته وصحة النذر في هذه الصورة تبتني على القول بالاستحباب النفسي له إذ لولا ذلك كان النذر نذر عمل لا رجحان له فيبطل. وهذا القسم الاخير هو المورد للاستشكال في كلام الماتن: لكن ربما يستشكل في الخامس. دون القسم السابق فلاحظ. (1) لاطلاق الدليل. (2) الصحيح أن يفصل بين الشعر الخفيف والكثيف لان الشعر القليل غير مانع عن صدق المس بالبدن أو اليد ونحوهما فلو مس الكتابة بشعر لحيته الخفيف أو بشعر ذراعه مثلا صدق أنه مس الكتابة بذراعه أو بوجهه فيشمله الدليل الدال على حرمة مس الكتابة من غير طهر: وأما الشعر الطويل أو الكثيف فلا يصدق على المس به مس الكتابة باليد أو غيرها لانه في حكم المس بالامر الخارجي وهو غير مشمول للدليل.

[ 527 ]

[ (مسألة 4) لا فرق بين المس أبتداء أو أستدامة (1) فلو كان يده على الخط فأحدث يجب عليه رفعها فورا، وكذا لو مس غفلة ثم ألتفت أنه محدث. (مسألة 5) المس الماحي للخط أيضا حرام (2) فلا يجوز له أن يمحوه باللسان أو باليد الرطبة. (مسألة 6) لا فرق بين أنواع الخطوط (3) حتى المهجور منها كالكوفي وكذا لا فرق بين أنحاء الكتابة (4) من الكتب بالقلم أو الطبع أو القص بالكاغذ أو الحفر أو العكس. ] (1) لشمول النهى عن مسها للمس أبتداء وأستدامة بالارتكاز. (2) لانه محو بالمس حيث يمسه فيمحيه والمس من دون طهارة حرام. (3) لان الحرمة إنما ترتبت على مس كتابة القرآن النازل على النبي صلى الله عليه وآله سواء أكانت مكتوبة بالخط الكوفي أو النسخ أو النستعليق أو بغيرها من أنحاء الخطوط القديمة أو المستحدثة وكذلك يحرم مسها وإن كانت مكتوبة بغير الخط العربي. (4) أنحاء الكتابة ثلاثة: (أحداها): الخط الباز وهو الذي يعلو على سطح القرطاس أو الجلد أو غيرهما. (ثانيهما). الخط العادي وهو الذي لا يعلو على القرطاس أو غيره من الاجسام القابلة للكتابة عليها عند النظر وهذا هو المتعارف الغالب في الكتابة. (ثالثها): الخط المحفور وهو الذي يحفر على الخشب أو الصفر أو غيرهما أما القسمان الاولان فلا ينبغى الاستشكال في حرمة مسهما لانهما من الكتابة القرآنية القابلة للمس وهو حرام على غير المتطهر.

[ 528 ]

[ (مسألة 7) لا فرق في القرآن بين الآية والكلمة، بل والحرف (1) وإن كان يكتب ولا يقرأ (2) كالالف في (قالوا، وآمنوا) بل الحرف الذي يقرأ ولا يكتب إذا كتب (3) كما في الواو الثاني من (داود) إذا كتب بواوين، وكالالف في (رحمن، ولقمن)، إذا كتب كرحمان ولقمان. ] وأما القسم الثالث فقد يستشكل في حرمته كما عن شيخنا الانصاري (قده) نظرا إلى أن الكتابة بالحفر غير قابلة للمس لقيام الخط فيها بالهواء ولا يصدق عليه المس عرفا. والصحيح أن المحفور كغيره ولا فرق بينهما بوجه وما أدعاه (قده) لو تم فهو من التدقيقات الفلسفية ألتي لا سبيل لها إلى إلاحكام الشرعية والوجه فيما ذكرناه أن العرف يرى الخط في هذا القسم عبارة عن أطراف الحفر المتصلة بالسطح وهو أمر قابل للمس. (1) لما تقدم من أن الحرمة إنما ترتبت على مس القرآن النازل على النبي صلى الله عليه وآله آية كانت أو كلمة أو حرفا. (2) لانه جزء من كتابة القرآن وإن لم يكن مقروا. (3) الصحيح أن يفصل بين ما يعد صحيحا حسب قواعد الكتابة فلا يجوز مسه لانه جزء من كتابة القرآن كالالف في رحمن ولقمن إذا كتب كرحمان ولقمان وإنما كتب في القرآن على غير تلك الكيفية تبعا للخليفة الثالثة حيث أنه كتب رحمن ولقمن وأحتفظ بكتابته إلى الآن كما أنه كتب (ما لهذا هكذا: مال هذا (* 1) وهو غلط. وبين ما يعد غلطا بحسب القواعد لانه إذا كان غلطا زائدا لم يحرم مسه لخروجه عن كتابة القرآن.


(* 1) كما في سورة الكهف 18: 49 حيث كتب هكذا: مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة... وفي سورة الفرقان 25: 7 حيث كتب مال هذا الرسول..

[ 529 ]

[ (مسألة 8) لا فرق بين ما كان في القرآن أو في كتاب (1) ] (1) لما مر من أن الحرمة حسبما يقتضيه الفهم العرفي إنما ترتبت على القرآن النازل على النبي صلى الله عليه وآله سواء أنضم إلى باقي حروفه وآياته كما إذا كان في المصحف أم أنفصل بأن كان في كتاب فقه أو لغة أو غيرهما هذا وعن الشهيد (قده) التصريح بجواز مس الدراهم البيض المكتوب عليها شئ من الكتاب مستدلا على ذلك بما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته هل يمس الرجل الدرهم الابيض وهو جنب؟ فقال: أي أني والله لاوتي بالدرهم فاخذه وإني لجنب (* 1) وذكر أن عليه سورة من القرآن. وبما أنا لا نحتمل أن تكون للدراهم خصوصية في الحكم بالجواز فيمكن الاستدلال بالرواية على جواز مس كتابة القرآن في غير المصحف مطلقا. ويرد عليه أن الرواية ضعيفة السند وذلك لان البزنطي من أصحاب الرضا والجواد عليهم السلام، ومحمد بن مسلم من أصحاب الباقر والصادق عليهم السلام فليسا من أهل طبقة واحدة حتى يروي البزنطي عن محمد بن مسلم من غير واسطة ويؤيده أن البزنطي ليس في ترجمته أن يروي عن محمد بن مسلم إذا في البين واسطة وحيث لم تذكر في السند فالرواية مرسلة لا أعتبار بها ولعله لذلك عبر الشهيد عنها بالخبر ولم يوصف في كلام صاحب الحدائق (قده) بالصحيحة أو الموثقة وعبر عنها المحقق الهمداني بالرواية هذا ويمكن أن يضعف الرواية بوجه آخر وهو أن الرواية نقلها المحقق (قده) عن كتاب جامع البزنطي ولم يثبت لنا أعتبار طريقه إلى هذا الكتاب هذا. ثم إن دلالة الرواية أيضا قابلة للمناقشة وذلك لانها إنما دلت على أن الجنب أو المحدث يجوز أن يأخذ الدراهم المكتوب عليه شئ من الكتاب وأما أن الجنب


(* 1) المروية في ب 18 من أبواب الجنابة من الوسائل.

[ 530 ]

[ بل لو وجدت كلمة من القرآن في كاغذ، أو نصف الكلمة كما إذا قص من ورق القرآن أو الكتاب يحرم مسها أيضا (1) (مسألة 9) في الكلمات المشتركة بين القرآن وغيره المناط قصد الكاتب (2) ] يجوز أن يمس تلك الآية المكتوبة عليه فلا إذ ليست في الرواية أية دلالة عليه فمن الجايز أن تكون الرواية ناظرة إلى دفع توهم أن الجنب لا يجوز أن يأخذ الدرهم الذي فيه شئ من الكتاب حيث قال عليه السلام إي إني والله لاوتي بالدرهم فأخذه وإني لجنب فهذه الرواية ساقطة. وأما ما رواه أسحاق بن عمر عن أبي أبراهيم عليه السلام قال سألته عن الجنب والطامث يمسان أيديهما الدراهم البيض؟ قال: لا بأس (* 1) فهي وإن دلت على أن الجنب والطامث يجوز أن يمسا الدارهم إلا أنه لم تثبت أشتمالها على شئ من الكتاب. بل الظاهر أشتمالها على أسم الله سبحانه على أنها معارضة برواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يمس الجنب درهما ولا دينارا عليه أسم الله (* 1) مع الغض عن سندها لاشتماله على أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد وهو ممن لم يوثق في الرجال. (1) لاطلاق موثقة أبي بصير لان المنع عن مس الكتاب يشمل الآية والكلمات بل الحروف أللهم إلا أن يخرج عن القرآنية بحيث لا يصدق عليه عنوان الكتاب كما إذا قطعت حروفه وأنفصل بعضها عن بعضها الآخر فإن كل واحد من الحروف المنفصلة حينئذ لا يطلق الكتاب عليه ولا يقال أنه قرآن بالفعل. بل يقال: أنه كان قرآنا سابقا ومعه لا موجب لحرمة مسه. (2) كما هو الحال في غير الكلمات القرآنية من المشتركات كأعلام الاشخاص مثلا لفظة (محمد) تشترك بين أسم النبي صلى الله عليه وآله وغيره من المسلمين بها ولا تتميز إلا بقصد الكاتب بحيث لا يترتب عليها أثارها إلا إذا قصد بها النبي صلى الله عليه وآله


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 18 من أبواب الجنابة من الوسائل.

[ 531 ]

[ (مسألة 10) لافرق فيما كتب عليه القرآن بين الكاغذ، واللوح، والارض والجدار، والثوب، بل وبدن الانسان (1) فإذا كتب على يده لا يجوز مسه عند الوضوء. بل يجب محوه أولا ثم الوضوء (2) (مسألة 11) إذا كتب على الكاغذ بلا مداد (3) فالظاهر عدم المنع من مسه، لانه ليس خطا. نعم لو كتب بما يظهر أثره بعد ذلك فالظاهر حرمته كماء البصل فإنه لا أثر له إلا إذا أحمي على النار ] فجملة (قال موسى) مثلا إنما يحرم مسها إذا كتب قاصدا بها القرآن، وأما لو قصد بها شئ غيره أو لم يقصد بها شئ أصلا كما إذا قصد بكتابتها تجربة خطه فلا مقتضى لحرمة مسها بوجه وهذا بخلاف الكلمات المختصة بالكتاب لانها محرمة المس مطلقا قصد بكتابتها القرآن أم لا هذا (1) لحرمة مس الكتابة مطلقا سواء كانت الكتابة على القرطاس أو على شئ آخر. (2) أو يتوضأ بصب الماء على بشرته أو برمس يده في الماء من دون مس لان مسها مس لكتابة القرآن من غير وضوء وهو حرام. (3) أعني الكتابة من غير أن يظهر أثرها على القرطاس وهى أحد أقسام الكتابة ولا أشكال في عدم حرمة المس حينئذ لانه من السالبة بأنتفاء موضوعها حيث لا خط ولا كتابة كي يحرم مسهما. (القسم الثاني): من الكتابة ما إذا كتب بالمداد أعني ما يظهر أثره على القرطاس بالكتابة وهذا لا أشكال في حرمة مسه كما عرفت. (القسم الثالث): ما إذا كتب بما لا يظهر أثره بالكتابة وإنما يظهر بالعلاج كما إذا كتب باللبن أو بماء البصل إذ لا يظهر أثر الكتابة بهما إلا إذا أحمي على النار فهل يحرم مس هذا القسم من الكتابة قبل أن يظهر بالعلاج؟

[ 532 ]

[ (مسألة 12) لا يحرم المس من وراء الشيشة (1) وإن كان الخط مرئيا وكذا إذا وضع عليه كاغذ رقيق يرى الخط تحته. وكذا المنطبع في المرآة، نعم لو نفذ المداد في الكاغذ حتى ظهر الخط من الطرف الآخر لا يجوز مسه (2) خصوصا إذا كتب بالعكس فظهر من الطرف الآخر طردا. (مسألة 13) في مس المسافة الخالية التي يحيط بها الحرف كالحاء أو العين مثلا إشكال أحوطه الترك (3). (مسألة 14) في جواز كتابة المحدث آية من القرآن بأصبعه على الارض أو غيرها إشكال، ولا يبعد عدم الحرمة (4) فإن الخط يوجد بعد المس. ] أستظهر الماتن حرمته وهو الصحيح لان الكتابة موجودة قبل العلاج لوضوح أن الحرارة ليست من أسباب تكونها وإنما هي سبب لبروزها وكونها قابلة للاحساس والحرمة إنما ترتبت على مس الكتابة سواء أكانت بارزة أم لم تكن. (1) لضرورة أن المحرم إنما هو مس الكتابة ومس الشيشة ليس مسا للكتابة حقيقة لوجود الحائل على الفرض. (2) لان الحرمة إنما ترتبت على مس كتابة القرآن من دون فرق في ذلك بين الكتابة المقلوبة وغيرها فإن الخط الظاهر في الجانب الآخر من الخطوط القرآنية فيحرم مسها مع الحدث، وأظهر من ذلك ما إذا كتب مقلوبا فظهر من الطرف الآخر طردا لانه كتابة قرانية بلا ريب. (3) والاقوى جوازه لعدم كون الممسوس كتابة القرآن. (4) علله (قده) بأن الخط يوجد بعد المس فلا يقع المس على الكتابة. وفيه أن الخط وإن كان معلولا للمس ويوجد المس فيوجد الخط إلا أن تأخره رتبي لا زماني، ولا أثر للتقدم والتأخر الرتبيين بوجه لان الموضوع للاحكام الشرعية إنما هو الامور الواقعة في الزمان وليس التقدم والتأخر زمانيا في المقام

[ 533 ]

[ وأما الكتب على بدن المحدث وإن كان الكاتب على وضوء فالظاهر حرمته (1) خصوصا إذا كان مما يبقى أثره. ] لوضوح أن الخط غير متأخر عن المس بحسب الزمان وإنما هما متقارنان ويوجدان في زمان واحد ولا مناص معه من الحكم بالحرمة في المسألة لدلالة الموثقة المتقدمة على عدم جواز مس الكتابة مع الحدث سواء أكان مقارنا مع الخط أم كان متأخرا عنه في الزمان. (1) للكتب على بدن المحدث صورتان: إذ قد يبقى أثر الكتابة وقد يزول كما إذا كتب بالماء مثلا لانه يرتفع بعد الكتابة ويجف وقد حكم (قده) بالحرمة في كلتا الصورتين كما أنه حكم بالجواز في الفرع المتقدم على ما نحن فيه. ويا ليته عكس الامر في المسألتين وحكم بالحرمة في الفرع المتقدم وبالجواز في الصورتين. وذلك لان الوجه فيما صنعه الماتن من الحكم بالتحريم في الصورتين أن المس بعد الحكم بحرمته لا يفرق فيه بين أن يكون بالتسبيب أو بالمباشرة. والكاتب في مفروض المسألة وإن لم يرتكب المس المحرم بالمباشرة، لانه متطهر على الفرض إلا أنه بكتابته أوجد المس في بدن المحدث فإن مس المحدث للكتابة مسبب عن فعل الكاتب. وقد عرفت أن أيجاد المس محرم مطلقا سواء أكان بالمباشرة أم بالتسبيب. ويتوجه عليه أن الحرمة على ما دلت عليه الموثقة أنما ترتبت على مس كتابة القرآن مع الحدث والمس أنما يتحقق إذا كان هناك جسمان لاقى أحدهما الآخر. ولا يتحقق هذا في المقام وذلك لان المراد بالكتابة ليس هو الخطوط والنقوش في نفسهما كيف وهما من الاعراض والمس إنما يقع على الجواهر بما لها من الطواري والاعراض ولا يقع على العرض نفسه. بل المراد بها هو الخطوط معروضاتها من القرطاس أو الخشب أو الحديد أو غيرها من الاجسام

[ 534 ]

[ (مسألة 15) لا يجب منع الاطفال (1) والمجانين من المس إلا إذا كان مما بعد هتكا. نعم الاحوط عدم التسبب لمسهم (2). ] الخارجية. وعليه فالكاتب إنما أوجد الكتابة في بدن المحدث وهو كما إذا أوجدها في القرطاس أو الحديد. ومعه ليس في البين سوى الخطوط على بدنه وهو المعبر عنه بالممسوس فأين هناك الجسم الاخر الماس؟ حتى يقال أن الكاتب أوجد المس بالتسبيب ويحكم عليه بالحرمة فإن المس لا يتحقق إلا بتلاقي الجسمين وليس في المقام إلا جسم واحد كما عرفت. نعم إذا مس المحدث ذلك الموضع بيده أو بغيرها من أعضائه صدق عليه مس الكتابة. ومن هنا قلنا إن المتوضي يجب أن يمحو الآية المكتوبة على مواضع وضوئه أولا ثم يتوضأ لان مسه مس صادر عن المحدث وهو حرام. وعليه فالظاهر عدم حرمة الكتابة على بدن المحدث في كلتا الصورتين. (1) لان المنع عن المس خاص للمكلفين والاطفال والمجانين غير مكلفين بالاجتناب عنه فهو في حقهم مباح ومع أباحة الفعل الصادر عن الصبي أو المجنون لا مقتضي لوجوب منعهم عن المس. (2) هذا أحد الاقوال في المسالة أعنى المنع عن التسبيب لمسهم مطلقا. وقد يفصل بين ما إذا أن التسبيب بأعطائهم له ومناولتهم أياه بأن كان التسبيب بأيجاد مقدمة من مقدمات أفعالهم وبين التسبيب بأصدار نفس العمل من الغير كما إذا أخذ أصبع الصبي أو المجنون ووضعها على الكتاب بالمنع في الصورة الثانية دون الاولى. والصحيح عدم حرمة التسبيب في كلتا الصورتين. وذلك لانا وإن قدمنا في محله أن مقتضى الفهم العرفي والارتكاز عدم الفرق في العصيان والمخالفة بين أيجاد العمل المحرم بالمباشرة وبين أيجاده بالتسبيب لان كليهما يعد

[ 535 ]

[ ولو توضأ الصبي المميز فلا إشكال في مسه بناء على الاقوى من صحة وضوئه وسائر عباداته (1). (مسألة 16) لا يحرم على المحدث مس غير الخط (2) من ورق القرآن حتى ما بين السطور والجلد والغلاف نعم يكره ذلك (3) كما أنه يكره تعليقة وحمله ] عصيانا للنهي عرفا وبالاتكاز إلا أن ذلك يختص بما إذا كان العمل محرما في حق المباشر. وأما إذا كان العمل مباحا وغير مبغوض بوجه فلا مانع من أيجاد الفعل بالتسبيب إليه. والامر في المقام كذلك لان المس الصادر عن غير المكلفين إنما يصدر على الوجه الحلال فلا مانع من أيجاد المس بيده. اللهم إلا أن يعلم أهمية الحكم بحيث لا يرضى الشارع بتحقق العمل. الخارج ولو من غير المكلفين كما إذا دل عليه خارجا ومعه لابد من الحكم بوجوب ردعهم فضلا عن حرمة التسبيب إليه وهذا قد ثبت في جملة من الموارد كشرب الخمر والزنا واللواط والقتل وغيرها من الافعال القبيحة للعلم بعدم رضى الشارع بتحققها في الخارج إلا أنه لم يقم دليل على ذلك في المقام فالصحيح جواز التسبيب في كلتا الصورتين المتقدمتين. (1) سيأتي تحقيق ذلك في محله إن شاء الله. (2) لاختصاص المنع بمس الكتابة وعدم الدليل على حرمة المس في غير الخط. (3) أعتمد في ذلك وفي كراهة التعليق على رواية أبراهيم بن عبد الحميد المتقدمة (* 1) الناهية عن مس المصحف ومس خطه وتعليقه فإن المصحف في قبال الخط يشمل الجلد والورق والغلاف. وقد تقدم الكلام على هذه الرواية فليلاحظ.


(* 1) راجع ب 12 من أبواب الوضوء من الوسائل.

[ 536 ]

[ (مسألة 17) ترجمة القرآن ليست منه (1) بأي لغة كانت فلا بأس بمسها على المحدث. نعم لا فرق في أسم الله تعالى بين اللغات (2) (مسألة 18) لا يجوز وضع الشئ النجس على القرآن وإن كان يابسا لانه هتك (3) وأما المتنجس فالظاهر عدم البأس به مع عدم الرطوبة فيجوز للمتوضئ أن يمس القرآن باليد المتنجسة، وإن كان الاولى تركه. ] (1) لان المراد بالقرآن هو الذي أنزله الله سبحانه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو عربي اللغة كما في قوله عز من قائل: إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (* 1) فالنهي عن مسه على غير الوضوء لا يشمل ترجمته لانها ترجمة القرآن لا أنها القرآن نفسه. (2) لعدم أختصاص أسمه تعالى بكلمة (الله) بل كل ما عبر به عن الذات المقدسة ولو في غير اللغة العربية فهو أسمه. (3) لا ضابط كلي في كلا طرفي النفي والاثبات لان المدار على صدق الهتك الذي بمعنى الوهن وعدم الاعتناء بالشئ وهذا يختلف بأختلاف الموارد فقد ترى عدم صدق الهتك على وضع نجس العين على الكتاب كما إذا كان جلده من ميتة الاسد لانه غالي القيمة وعزيز الوجود، أو وضعنا المصحف في صندوق صنع من جلد الميتة تحفظا عليه فإنه لا يعد هتكا للكتاب بل هو تجليل وتعظيم له وأعتناء بشأنه. وقد يصدق عليه الهتك كما إذا وضع عليه العذرة أو ما يشبهها من النجاسات لانه هتك عظيم وإن لم تسر النجاسة إليه ليبوستها بل قد يتحقق الهتك بوضع جسم طاهر عليه كما إذا وضع عليه روث البقر أو الغنم أو غيرهما من الحيوانات المحللة إذا فالمدار على صدق الهتك وعدمه من دون فرق في ذلك بين الاعيان النجسة والمتنجسة والاعيان الطاهرة.


(* 1) يوسف: 12: 2

[ 537 ]

[ (مسألة 19) إذا كتبت آية من القرآن على لقمة خبز لا يجوز للمحدث أكله (1) وأما المتطهر فلا بأس خصوصا إذا كان بنية الشفاء أو التبرك، ] (1) لانه بأكله يمس كتابة القرآن بباطن فمه ولا فرق في المس المحرم بين المس بظاهر البدن وباطنه. نعم هذا يتوقف على صدق القرآن على الكتابة وهي في فمه. وأما إذا سقطت عن القرآنية لتفرق أجزائها وزوال هيئتها المعتبرة فلا مانع من أكلها إذ لا يحرم أكل اللقمة على المحدث إلا لاستلزامه المس الحرام وإذا لم تبق الكتابة بحالها فلا موضوع ليستلزم الاكل مسه. أللهم إلا أن يكون أكلها على وجه الاهانة فيحرم لانه هتك. هذا ما أردنا أيراده في الجزء الثالث من كتابنا والحمد لله أولا وآخر. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية