الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخوئي ج 2

كتاب الطهارة

السيد الخوئي ج 2


[ 1 ]

التنقيح في شرح العروة الوثقى تقرير البحث اية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئى دام ظله العالي تأليف الميرزا على التبريزي الغروي الجزء الثاني أشرف على طبعه مرتضى الحكمى مطبعة الآداب النجف الاشرف

[ 2 ]

الطبعة الثالثة ذيحجه 1410 هجري

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين وبعد فقد وفق الله سبحانه قرة عينى الاعز العلامة الحجة الميرزا على الغروي التبريزي دام تأييده إلى اعداد الجزء الثاني من كتابه (التنقيح) في شرح العروة الوثقى الذي كتبه تقريرا لابحاثنا العاليه في الفقه وقد لا حظته فوحدته كسابقه في حسن البيان والاحاطة باطراف البحث ودقائقه وذلك مما زاد يلى بكفاءته وتفوقه وضاعف ثقتى في أن يكون في المستقبل القريب احد الاعلام والمراجع في الفتيا بتوفيق الله فانه ولى التوفيق في 3 جمادى الثانية 1380 أبو القاسم الخوئي

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. وبعد: فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا (التنقيح) في شرح العروة الوثقى تقريرا لبحث آية الله العظمى سيدنا الاستاذ المؤسس الخوئي أدام الله أيام افاضاته فقد وفقنا إلى طبعه راجين منه سبحانه القبول والتوفيق لانهاء بقية أجزائه فانه ولي التوفيق. المؤلف

[ 5 ]

[ الخامس: الدم (1) من كل ماله نفس سائلة إنسانا أو غيره، كبيرا أو صغيرا. ] نجاسة الدم (1) نجاسة الدم من المسائل المتسالم عليها عند المسلمين في الجملة، بل قيل انها من ضروريات الدين، ولم يخالف فيها أحد من الفريقين وان وقع الكلام في بعض خصوصياته كما يأتي عليها الكلام. وليس الوجه في نجاسته قوله عز من قائل: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس (* 1) وذلك أما (أولا): فلعدم رجوع الضمير في قوله " فانه " إلى كل واحد مما تقدمه، وإنما يرجع إلى خصوص الاخير - أعني لحم الخنزير - وأما " ثانيا ": فلان الرجس ليس معناه هو النجس وإنما معناه الخبيث والدني المعبر عنه في الفارسية ب‍ " پليد " لصحة اطلاقه على الافعال الدنيئة كما في قوله تعالى: إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان * 2). فان الميسر من الافعال ولا معنى لنجاسة الفعل. بل الدليل على نجاسته - في الجملة - هو التسالم القطعي، والنصوص الواردة في المسألة كما تأتي، فالتكلم في أصل نجاسته مما لا حاجة إليه. وحيث ان اكثر نصوص المسألة قد وردت في موارد خاصة كما في الدم الخارج عند حك البدن (* 3) وقلع السن (* 4) ونتف لحم الجرح (* 5) ودم القروح


(* 1) الانعام 6: 145 (* 2) المائدة 5: 90 (* 3) كما ورد في رواية مثنى بن عبد السلام عن الصادق - ع - قال: قلت له: اني حككت جلدي فخرج منه دم، فقال: ان اجتمع قدر حمصة فاغسله والا فلا. المروية في ب 20 من ابواب النجاسات من الوسائل. (4) و (5) علي بن جعفر عن اخيه - ع - عن الرجل يتحرك بعض اسنانه وهو -

[ 6 ]

والجروح (* 1) ودم الحيض (* 2) ودم الرعاف (* 3). وغير ذلك من الموارد الخاصة فالمهم أن يتكلم في انه هل يوجد في شئ من أدلة نجاسته ما يقتضى بعمومه نجاسة كل دم على الاطلاق حتى يتمسك به عند الشك في بعض أفراده ومصاديقه، ويحتاج الحكم بطهارته إلى دليل مخرج عنه أو أن الحكم بنجاسته يختص بالموارد المتقدمة وغيرها مما نص على نجاسته؟ والاول هو الصحيح، ويمكن أن يستدل عليه بوجهين: (أحدهما): ارتكاز نجاسته في أذهان المسلمين على وجه الاطلاق من غير اختصاصه بعصر دون عصر، لتحققه حتى في عصرهم - ع - والخلاف وان وقع بين أصحابنا في بعض خصوصيات المسألة إلا أن نجاسته في الجملة لعلها كانت مفروغا عنها عند الرواة، ولذا تراهم يسألون في رواياتهم عن أحكامه من غير تقييده بشئ ولا تخصيصه بخصوصية وكذا


- في الصلاة هل ينزعه؟ قال: ان كان لا يدميه فيلنزعه وان كان يدميه فلينصرف، وعن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له ان بقطع الثالول وهو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه؟ قال: ان لم يتخوف ان سيل الدم فلا بأس وان تخوف ان الدم يسيل فلا يفعله. المروية في ب 2 و 27 من ابواب قواطع الصلاة. (* 1) سماعة بن مهران عن الصادق - ع - قال: إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم. المروية في ب 22 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2): ابو بصير عن ابي عبد الله - ع - أو ابي جعفر - ع - قال: لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فان قليله وكثيره في الثوب ان رآه أو لم يره سواء. المروية في ب 21. وعن سورة بن كليب عن ابي عبد الله - ع - عن المرأة الحائض أتغسل ثيابها التي لبستها في طمثها؟ قال: تغسل ما اصاب ثيابها من الدم.. المروية في ب 28 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) محمد بن مسلم عن ابي جعفر - ع - قال: سألته عن الرجل يأخذه الرعاف أو القئ في الصلاة كيف يصنع؟ قال: ينفتل فيغسل انفه.. المروية في ب 2 من ابواب قواطع الصلاة من الوسائل.

[ 7 ]

أجوبتهم - ع - فانهم لم يقيدوا الحكم بنجاسته بفرد دون فرد وهذا كما في صحيحة ابن بزيع قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا - ع - عن البئر تكون في المنزل للوضوء فتقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع - ع - بخطه في كتابي: ينزح منها دلاء (* 1) وموثقة أبي بصير عن أبى عبد الله - ع - قال: ان أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا اعادة عليه، وإن هو علم قبل أن يصلي فنسى وصلى فيه فعليه الاعادة (* 2) وغيرهما من الاخبار. والامر بالنزح في صحيحة ابن بزيع وان كان استحبابيا لا محالة إلا أن السؤال عن تأثير مطلق الدم في البئر مستند إلى ارتكاز نجاسته، إذ لولا مغروسيتها في أذهانهم لم يكن وجه للسؤال عن حكمه، وقد كانوا يسألونهم عن بعض مصاديقه غير الظاهرة كدم البراغيث ونحوه (* 3) فهذا كله يدلنا على أن نجاسة طبيعي الدم كانت مفروغا عنهم بينهم، فان النجس لو كان هو بعض أقسامه كان عليهم التقييد في مقام السؤال وقد عرفت انه لاعين ولا أثر منه في الاخبار المتقدمة. و " ثانيهما ": اطلاق موثقة عمار عن أبي عبد الله - ع - قال: سئل عما تشرب منه الحمامة، فقال: كل ما اكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب، وعن ماء تشرب منه باز، أو صقر، أو عقاب فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دما، فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ


(* 1) المروية في ب 14 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في ب 40 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3): ففى صحيحة الحلبي قال: سألت ابا عبد الله - ع - عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟ قال: لا، وان كثر.. المروية في ب 20 و 23 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 8 ]

منه ولا تشرب (* 1) لان الدم الواقع في كلامه - ع - مطلق فيستكشف من حكمه بعدم جواز الوضوء من الماء في مفروض السؤال نجاسة الدم على اطلاقه. و " قد يقال ": الرواية غير واردة لبيان نجاسة الدم حتى يتمسك باطلاقها، وإنما هي مسوقة لاعطاء ضابط كلي عند الشك في نجاسة شئ وطهارته وان نجاسة المنقار ومنجسيته للماء القليل تتوقفان على العلم بوجود النجاسة فيه. " يدفعه " انها غير واردة لاعطاء الضابطة عند الشك في نجاسة شئ لانها تقتضي الحكم بطهارة الماة في مفروض السؤال حتى مع العلم بوجود الدم في منقار الطيور سابقا من دون أن يرى حال ملاقاته للماء، مع ان الضابط المذكور يقتضي الحكم بنجاسة الماء حينئذ للعلم بنجاسة المنقار سابقا. فالصحيح أن يقال ان الرواية إما وردت لبيان عدم تنجس بدن الحيوان بالنجاسات - كما هو أحد الاقوال في المسألة - ومن هنا حكم - ع - بطهارة الماء عند عدم رؤية الدم في منقاره ولو مع العلم بوجوده سابقا، لطهارة المنقار على الفرض وأما مع مشاهدة الدم في منقاره فنجاسة الماء مستندة إلى عين النجس لا إلى نجاسة المنقار، وإما انها مسوقة لبيان طهارة بدن الحيوان بزوال العين عنه وان كان يتنجس بالملاقاة كما هو المعروف، وإما انها واردة لبيان عدم اعتبار استصحاب النجاسة في الحيوانات تخصيصا في أدلة اعتباره - كما ذهب إليه بعض الاعلام - وكيف كان فدلالة الرواية على نجاسة الدم غير قابلة للانكار، ولا نرى مانعا من التمسك باطلاقها، وليست الرواية من الكبرى المسلمة في محلها من ان الدليل إذا كان بصدد البيان من جهة ولم يكن بصدده من جهه اخرى لا يمكن التمسك باطلاقها إلا من الناحية التي وردت لبيانها كما في قوله تعالى: فكلوا


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب الاسئار وفي ب 82 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 9 ]

مما أمسكن (* 1) حيث يجوز التمسك باطلاقه في الحكم بجواز أكل ما يصيده الصيود وان مات قبل دركه، لانه ورد لبيان ان امساكه تذكية للصيد وكأنه استثناء من قوله تعالى: إلا ما ذكيتم (* 2) ولا يسوغ التمسك باطلاقه من جهة تنجسه بريق فم الكلب أو بنجاسة أخرى حتى يحكم بجواز أكله من غير غسل، لعدم كونه بصدد البيان من هذه الجهة. وذلك لان الموثقة سيقت لبيان نجاسة الدم على جميع المحتملات الثلاثة فيصح التمسك باطلاقه ويكفينا ذلك في الحكم بنجاسته وان لم يكن في البين دليل آخر، لان عدم جواز التوضوء من الماء في مفروض الرواية يكشف عن عدم طهارة الدم المشاهد في منقار الطائر بل يمكن أن يقال ان الشارع جعل الدم في منقاره امارة كاشفة عن انه من الدماء النجسة وإلا لم يكن وجه للحكم بعدم جواز التوضوء من الماء لان الدم على قسمين: طاهر ونجس فمن أين علمنا ان الدم في منقار الطائر من القسم النجس؟ وحيث ان الشبهة موضوعية فلا بد من الحكم بطهارته إلا ان الشارع جعل وجوده في منقاره امارة على نجاسته ولو من باب الغلبة، لان جوارح الطيور كثيرة الانس بالجيف، والمتحصل ان الموثقة تقتضي الحكم بنجاسة الدم مطلقا سواء كان من الدم المسفوح أم من المتخلف في الذبيحة وسواء كان مما له نفس سائلة أم كان من غيره إلا أن يقوم دليل على طهارته وخروجه عن إطلاق الموثقة كما يأتي في الدم المتخلف في الذبيحة ودم مالا نفس له و " دعوى ": ان الرواية تختص بدم الميتة لانه الذي يتلوث به منقار الطيور الجارحة دون غيره " غير مسموعة " لانا وان سلمنا غلبة ذلك إلا أن اختصاصه مسلم العدم لجواز أن يتلوث بدم مثل السمك أو غيره مما لا نفس له أو بدم المتخلف في الذبيحة


(* 1) المائدة 5: 4 (* 2) المائدة 5: 3

[ 10 ]

[ قليلا كان الدم أو كثيرا (1) ] أو الصيد الذي أمسكه الصيود. فالموثقة باقية على اطلاقها، ولا يمكن حملها على صورة العلم بمنشأ الدم المشاهد في منقار الطيور والحكم بنجاسته فيما إذا علم انه مما له نفس سائلة أو من الدم المسفوح لانه حمل لها على مورد نادر، إذ الغالب عدم العلم بمنشأه وكيف كان فلا مناقشة في شمولها لمطلق الدماء إلا انها مختصة بدم الحيوان، لانه الذي يتلوث به منقار الطيور ولا تشمل الدم النازل من السماء آية كما في زمان موسى - ع - أو الموجود تحت الاحجار عند قتل سيد الشهداء - ع - هذا على أن للمناقشة الصغروية في مثله مجال واسع، لاحتمال أن يكون الدم إسما لخصوص المايع الاحمر المتكون في خصوص الحيوان دون ما خرج من الشجر أو نزل من السماء ونحوهما، فاطلاق الدم على مثلهما اطلاق مسامحي للمشابهة في اللون. (1) لان مقتضى الوجهين المتقدمين هو الحكم بنجاسة كل ما صدق عليه انه دم وخالف في ذلك الشيخ وجماعة وذهبوا إلى عدم نجاسة الدم القليل الذي لا يدركه الطرف نظرا إلى صحيحة علي بن جعفر عن أخيه - ع - قال: سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب اناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: ان لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس وان كان شيا بينا فلا تتوضأ منه.. (1) ويندفع بأن الصحيحة لا دلالة لها على طهارة مالا يدركه الطرف من الدم، لعدم فرض اصابة الدم لماء الاناء وإنما فرض فيها اصابته للاناء ومن هنا حكم - ع - بعدم البأس بالماء وقد قدمنا تفصيل الجواب عن هذه الصحيحة في بحث انفعال الماء القليل فراجع (* 2). ثم ان في المقام


(* 1) المروية في ب 8 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) راجع ص 161

[ 11 ]

[ واما دم مالا نفس له فطاهر (1) كبيرا كان أو صغيرا كالسمك، والبق، والبرغوث ] خلافا ثانيا وهو عدم نجاسة ما دون الحمصة من الدم ذهب إليه الصدوق (ره) ولعله استند في ذلك إلى رواية الفقه الرضوي: وان كان الدم حمصة فلا بأس بأن لا تغسله إلا أن يكون الدم دم الحيض فاغسل ثوبك منه ومن البول والمني قل أو كثر وأعد منه صلاتك علمت به أو لم تعلم (* 1) فان عبارة الصدوق في الفقيه - كما في الحدائق - موافقة لعبارة الفقه الرضوي بل هي هي بعينها إلا في مقدار يسير. نعم في عبارة الفقيه: وان كان الدم دون حمصة. وقد سقطت كلمة " دون " من عبارة الفقه الرضوي. كما يحتمل استناده إلى رواية مثنى بن عبد السلام المتقدمة (* 2) إلا أن ما ذهب إليه مما لا يمكن المساعدة عليه لضعف الروايتين بل وعدم ثبوت كون الفقه الرضوي رواية فضلا عن اعتباره ولعل مراده (قده) هو العفو عما دون الحمصة من الدم في الصلاة لا طهارته. بقى في المسألة خلاف ثالث وهو عدم نجاسة دون الدراهم من الدم والبول وغيرهما من الاعيان النجسة غير دم الحيض والمني ذهب إليه ابن الجنيد ولعله - كما قيل - اعتمد في نفي نجاسة ما دون الدرهم من الدم على الاخبار الواردة في العفو عنه في الصلاة وقاس عليه سائر النجاسات ولا بعد في عمله بالقياس لان فتاواه كثيرة المطابقة لفتاوى العامة وكيف كان فان أراد من ذلك عدم نجاسة ما دون الدرهم من النجس فهو دعوى من غير دليل ومقتضى اطلاقات أدلة النجاسات عدم الفرق بين كونها أقل من مقدار الدرهم وكونها أكثر، وان أراد العفو عما دونه فهو مختص بالدم ولا يتم في غيره من النجاسات. (1) كما هو المشهور وعن الشيخ في المبسوط والجمل وغيره في غيرهما


(* 1) ص 6 السطر 6 (* 2) في ص 5

[ 12 ]

ما يوهم نجاسته وثبوت العفو عنه، وقد استدل للمشهور بوجوه: " الاول ": الاجماع على طهارة الدم مما لا نفس له و " يدفعه ": ان الاجماع على تقدير تحققه ليس باجماع تعبدي، لاحتمال استنادهم في ذلك إلى قوله تعالى: إلا أن يكون دما مسفوحا * 1) بدعوى عدم شموله لدم مالا نفس له، ودلالته على طهارته وان كان قد عرفت عدم دلالته على نجاسة الدم المسفوح فكيف بالاستدلال بها على طهارة غيره أو استنادهم إلى أحد الوجوه الآتية في الاستدلال. " الثاني ": ما عن أمير المؤمنين - ع - من انه كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل، يعني دم السمك (* 2) وقد رواه في الوسائل عن السكوني، ونقل ان الشيخ رواه باسناده عن النوفلي و " يرده ": انه على تقدير تمامية سنده فانما يدل على ثبوت العفو عن دم السمك في الصلاة وكلامنا في طهارته لا في ثبوت العفو عنه. " الثالث ": الاخبار الواردة في نفي البأس عن دم البق والبرغوث " منها ": ما رواه عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لابي عبد الله - ع -: ما تقول في دم البراغيث؟ قال ليس به بأس، قلت: انه كثير ويتفاحش، قال: وان كثر... (* 3) و " منها ": مكاتبة محمد بن ريان قال: كتبت إلى الرجل - ع -: هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟ وهل يجوز لاحد أن يقيس بدم البق على البراغيث فيصلي فيه، وأن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقع - ع -: يجوز الصلاة والطهر أفضل (* 4) ومنها غير ذلك من الاخبار. و " الجواب عن ذلك ": ان هذه الاخبار إنما وردت في خصوص البق والبرغوث ولا مسوغ للتعدي عن موردها، ثم لو تعدينا فانما نتعدى إلى مثل الذباب والزنبور وغيرهما مما لا لحم له لا إلى مثل


(* 1) الانعام 6: 145 (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 23 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 13 ]

[ وكذا (1) ما كان من غير الحيوان كالموجود تحت الاحجار عند قتل سيد الشهداء - أرواحنا فداه - ويستثنى من دم الحيوان، المتخلف في الذبيحة (2) بعد الخروج المتعارف، ] السمك الكبير والحية ونحوهما ولم يرد دليل على عدم نجاسة الدم مما لا نفس له بهذا العنوان، وعليه فلا مناص من الحكم بنجاسة الدم مطلقا ولو كان مما لا نفس له كما يقتضيه عموم أدلة نجاسته على ما قدمناه وبنينا عليه. نعم من يرى عدم تمامية العموم في المسألة له أن يرجع إلى قاعدة الطهارة فيما لا نفس له، اللهم إلا أن نعتمد على ما استدللنا به على طهارة بول مالا نفس له أعني موثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه - ع - قال: لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة (* 1) وغيرها مما ورد بمضمونها حيث أخذنا باطلاقها وقلنا انها تقتضي عدم نجاسة الماء بدمه وبوله وميتته وغيرها مما ينجس الماء إذا كان من الحيوانات التي لها نفس سائلة، ولكنا لم نر من الفقهاء من استدل بها على طهارة بوله ودمه (1) قدمنا وجهه آنفا. (2) المسألة متسالم عليها بين الاصحاب ولم يقع في ذلك خلاف وإنما الكلام في مدركها. وما استدل به على طهارة الدم المتخلف أمور: " الاول ": الاجماع وقد مر غير مرة ان الاجماع إنما يعتمد عليه فيما إذا كان تعبديا كاشفا عن رأيه - ع - وليس الامر كذلك في المقام للاطمينان ولا أقل من احتمال أن يكون مدرك المجمعين أحد الوجوه الآتية في الاستدلال. " الثاني ": ان لحم كل ذبيحة يشتمل على مقدار من الدم ولو مع المبالغة في غسله وقد حكم بحلية أكله شرعا مع ما فيها من الدم، وهي أخص من الطهارة، لان حلية الاكل من طواري الاشياء الطاهرة لعدم جواز أكل النجس شرعا فهذا يدلنا


(* 1) المروية في ب 35 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 14 ]

[ سواء كان في العروق، أو في اللحم، أو في القلب، أو في الكبد، فانه طاهر (1). ] على طهارة الدم المتخلف في الذبيحة. وهذا الوجه إنما يتم في ما يتبع اللحم من الاجزاء الدموية المستهلكة في ضمنه ولذا يحل أكله والامر فيه كما افيد ونزيد عليه ان موضع الذبح لا يمكن تخليصه من الدم عادة بل ترى ان الدم يتقاطر منه إذا عصر وان غسل متعددا، ومعه حكم الشارع بطهارته بعد غسله وهذا كاشف عن طهارة الدم المتخلف في المذبح وغيره من أجزاء الذبيحة إلا انه لا يتم في الاجزاء الدموية المستقلة في الوجود كما يوجد في بطن الذبيحة أو في قلبها أو في سائر أجزائها بحيث إذا شق سال منه دم كثير فانها غير محللة الاكل شرعا فهذا الوجه لا يقتضي طهارة الدم المتخلف مطلقا " الثالث ": وهو الوجه الصحيح استقرار سيرة المتشرعة المتصلة بزمان المعصومين - ع - على عدم الاجتناب عما يتخلف في الذبيحة من الدم كان تابعا للحمها أم لم يكن مع كثرة ابتلائهم بالذبائح من الابل والغنم والبقر، ولا سيما في الصحارى والقفار الخالية عن الماء فانهم غير ملتزمين بتطهير لحمها وما يلاقيه من أثوابهم وأبدانهم، بل ولا يمكن تطهيره بتجريده من الدم إلا بجعله في الماء مدة ثم غسله وعصره ونحو ذلك مما نقطع بعدم لزومه شرعا ومع هذا لو كان الدم المتخلف في الذبيحة نجسا لبان وذاع وبهذه السيرة نخرج عن عموم ما دل على نجاسة الدم، ولولاها لم نتمكن من الحكم بطهارة الدم المتخلف بوجه لعموم نجاسته. نعم بناء على عدم نجاسة مطلق الدم لعدم تمامية العموم لا مانع من التمسك بقاعدة الطهارة في الحكم بطهارة الدم المتخلف. (1) هل الحكم بالطهارة يختص بالمتخلف في الاجزاء المحللة أكلها أو انه يعم المتخلف فيما يحرم أكله أيضا كالطحال والنخاع ونحوهما من الحيوانات

[ 15 ]

[ نعم إذا رجع دم المذبح إلى الجوف لرد النفس، أو لكون رأس الذبيحة في علو كان نجسا (1) ] المحللة؟ يختلف هذا باختلاف الوجوه المتقدمة في المسألة، فان كان مدرك الحكم بطهارة الدم المتخلف هو الاجماع فلا مناص من الاقتصار في الحكم بالطهارة بما يتخلف في الاجزاء المحللة دون الاعضاء المحرمة في الذبيحة، لانها دليل لبي يقتصر فيه على مورد اليقين، بل ولا علم بانعقاد الاجماع على طهارة المتخلف في الاعضاء المحرمة أصلا مع وجود المخالف في المسألة فإذا لم يثبت المخصص فلا محالة يرجع إلى عموم العام اللهم إلا أن يقال بعدم ثبوت العموم فان المرجع على هذا إنما هو قاعدة الطهارة في المتخلف في العضو المحرم أكله، وكذلك الحال فيما إذا كان مدركه هو الوجه الثاني، لعدم حلية أكل مثل الطحال حتى يدعى ان الحلية أخص من الطهارة بالتقريب المتقدم. وأما إذا اعتمدنا في ذلك على الوجه الاخير أعني السيرة المتشرعية الجارية على عدم لزوم الاجتناب عن عن الدم المتخلف في الذبيحة فلا بد من الالتزام بطهارته مطلقا، بلا فرق في ذلك بين الدم المتخلف في الاعضاء المحللة وبين المتخلف في الاعضاء المحرمة لان السيرة قائمة على طهارته في كلا الموردين. (1) لا اشكال في نجاسة الدم الداخل إلى جوف الذبيحة بعد خروجه عن المذبح، للادلة المتقدمة التي دلت على نجاسته مطلقا كما لا اشكال في نجاسة ما أصابه ذلك الدم من لحم ودم وعرق وغيرها مما يلاقيه في جوف الذبيحة، هذا فيما إذا رجع الدم إلى جوف الذبيحة بنفسه أو لرد النفس بعد خروجه عن مذبحها. وأما فرض رجوع الدم إلى جوفها قبل خروجه عن المذبح بأن رجع إليه بعد وصوله إلى منتهى الاوداج فالظاهر انه فرض أمر مستحيل وذلك لان الذبح إنما يتحقق بقطع أوداج أربعة: " أحدهما ": الحلقوم وهو مجرى

[ 16 ]

الطعام ومدخله و " ثانيها ": مجرى النفس. و " ثالثها " و " رابعها ": عرقان من اليمين واليسار يسميان بالوريد وهما مجرى الدم فإذا قطع الوريد فلا محالة يخرج الدم من مفصله فكيف يرجع إلى الجوف قبل خروجه عنه؟! ولا يمكن للنفس أن يجذب الدم من الوريد الذي هو مجرى الدم، نعم يجذبه من مجرى النفس إلا انه بعد خروج الدم من الوريد ولا يمكنه ذلك قبل خروجه ثم ان هناك صورة أخرى وهي عدم خروج الدم من الذبيحة أصلا وهذا قد ينشأ من الخوف العارض على الحيوان وانجماد الدم بسببه، واخرى يحصل بوضع اليد على مقطع الذبيحة وسد الطريق، وثالثة يتحقق بالنار فان وضعها على المقطع يوجب التيامه وبه ينسد الطريق من دون أن يرجع الدم إلى الداخل كما في الصورة المتقدمة فهل يحكم بطهارته حينئذ؟ الصحيح انه محكوم بالنجاسة بل الذبيحة ميته محرمة والوجه في ذلك ان التذكية تتحقق بأمرين أعني خروج الدم وتحرك الذبيحة، لانه مقتضى الجمع بين ما دل على اشتراط التذكية بخروج الدم فحسب (* 1) وما دل على اعتبار تحرك الذبيحة في تحققها (* 2) وحيث ان مفروض المسألة عدم خروج الدم من الذبيحة فلا يمكن الحكم بتذكيته ثم انه إذا اكتفينا في تحقق التذكية بمجرد الحركة أو قلنا بكفاية كل واحد من الامرين كما ذهب إليه بعضهم فلا اشكال في جواز أكل الذبيحة، لوقوع التذكية عليها على الفرض، ولا يمكن الحكم بطهارة دمها، لان الدليل على طهارة الدم المتخلف منحصر بالسيرة المتشرعية، ولم تتحقق سيرتهم على عدم


(* 1) ففي ما رواه زيد شحام: إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس. المروية في ب 12 من ابواب الذبائح من الوسائل. (* 2) عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله - ع - قال: في كتاب علي - ع - إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحرك الذنب فكل منه فقد ادركت ذكاته. إلى غير ذلك من الاخبار. المروية في ب 11 من ابواب الذبائح من الوسائل.

[ 17 ]

[ ويشترط في طهارة المتخلف أن يكون مما يؤكل لحمه على الاحوط، فالمتخلف من غير المأكول نجس (1) على الاحوط. (مسألة 1) العلقة المستحيلة من المني نجسة، من انسان كان أو من غيره، حتى العلقة في البيض ] الاجتناب من دم الذبيحة في مفروض المسألة لندرة الابتلاء به ومعها لا طريق إلى احراز السيرة بوجه. هذا كله في صورة العلم بالحال وان الدم الموجود من المتخلف في الذبيحة أو مما دخل إلى الجوف بعد الخروج. وأما إذا شككنا في ذلك ولم نحرز انه من المتخلف أو من غيره فيأتي حكمه عند ما يتعرض له الماتن ان شاء الله. (1) أما إذا كان مدرك الحكم بطهارة الدم المتخلف في الذبيحة هو الاجماع فلانه دليل لبي ولا بد من الاقتصار فيه على المورد المتيقن وهو الدم المتخلف في الحيوانات المحللة. وأما إذا كان مدركه هو الوجه الثاني فلوضوح اختصاصه بما إذا كانت الذبيحة محللة الاكل وهو مفقود في الحيوانات المحرمة. وأما إذا اعتمدنا في ذلك على الوجه الاخير أعني السيرة المتشرعية فالسر في عدم الحكم بطهارة الدم المتخلف في غير الحيوانات المحللة للعموم وان كان الذوق يقتضي الحاق الحيوانات المحرمة بالمحللة طهارة ونجاسة ولكن الدليل لا يساعد عليه إلا أن نمنع العموم فانه لا مانع حينئذ من الرجوع إلى قاعدة الطهارة في الدم المتخلف في الحيوانات المحرمة، لان المتيقن إنما هو نجاسة الدم المسفوح أعني الخارج بالذبح، وغيره مشكوك النجاسة ومقتضى قاعدة الطهارة طهارته.

[ 18 ]

[ والاحوط الاجتناب عن النقطة من الدم الذي يوجد في البيض (1). لكن إذا كانت في الصفار وعليه جلدة رقيقة لا ينجس معه البياض (2) إلا إذا تمزقت الجلدة. ] (1) ما أفاده " " قده " في الموارد الثلاثة إنما يتم عند من يرى تمامية العموم لان اللازم حينئذ أن يحكم بنجاسة كل ما صدق عليه انه دم سواء أكان من أجزاء الحيوان أم لم يكن. وأما إذا ناقشنا في العموم ولم نحكم بنجاسة مطلق الدم فلا مناص من الاقتصار على المقدار المتيقن منه وهو الدم المسفوح الذي يعد من أجزاء الحيوان أو الانسان وأما العلقة التي لا تعد من أجزائهما لاستقلالها وهما ظرف لتكونها فللتردد في الحكم بنجاستها كما عن الاردبيلي والشهيد وكاشف اللثام " قدهم " مجال واسع بل جزم صاحب الحدائق بطهارتها، وعليه فان تم الاجماع على ان المتكون في الحيوان كاجزائه فهو وإلا فلا بد من الحكم بطهارة العلقة في مثل الحيوان والانسان. ثم انه لو بنينا على التعدي إلى المتكون في جوفهما وقلنا بنجاسته فنطالب الدليل على التعدي إلى مالا يعد جزءا منهما ولا هو متكون فيهما - كالعلقة في البيض - فلو تعدينا إلى كل ما هو مبدء نشو حيوان أو آدمي وقلنا بنجاسة العلقة في البيض أيضا فلنا أن نطالب الدليل على التعدي إلى مالا يعد جزءا من الحيوان أو الانسان ولا يتكون فيهما ولا هو مبدء نشوء للحيوان أو الآدمي - كالنقطة من الدم الموجودة في صفار البيض لعدم كونها مبدءا لنشوء شئ. (2) لان الجلدة مانعة من سراية النجاسة إلى البياض، وكذلك الحال فيما إذا كانت النقطة على الغطاء الرقيق الذي هو محيط بالصفار، فان النقطة بعد أخذها منه يبقى كل من الصفار والبياض على طهارتهما، لعدم ملاقاتهما مع الدم.

[ 19 ]

[ (مسألة 2) المتخلف في الذبيحة وإن كان طاهرا لكنه حرام (1) ] (1) اشار بذلك إلى خلاف صاحب الحدائق " قده " حيث ذهب إلى عدم حرمة الدم المتخلف مطلقا ناسبا عدم الخلاف في حليته إلى الاصحاب واستدل عليه بوجوبه: " منها ": قوله عز من قائل: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا... (* 1) بدعوى انه يقتضي حلية أكل الدم المتخلف في الذبيحة و " منها ": الاخبار الواردة في عد محرمات الذبيحة ولم تذكر الدم من محرماتها، ثم استضعف دلالتها والوجه في استضعافه ان الاخبار المذكورة غير واردة في مقام حصر المحرمات كى تدل على حلية غير ما عد فيها من المحرمات وإنما وردت لبيان حرمة الامور المذكورة فيها فحسب ومعه يمكن أن يكون في الذبيحة محرم آخر، كيف وقد دل قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير... (* 2) كبعض الروايات (* 3) على ان الدم من جملة المحرمات. ومن هذا يظهر ان نسبة عدم الخلاف في حلية أكل الدم المتخلف إلى الاصحاب غير واقعة في محلها، لانه مع دلالة الآية المباركة والاخبار على حرمة أكله مطلقا كيف يمكنهم الذهاب إلى حليته. ودعوى: ان الحرمة مختصة بالدم المسفوح تحتاج إلى دليل وهو مفقود على الفرض وأما الوجه الاول من استدلاله ففيه: انه لم يبين كيفية استدلاله بالآية المباركة، وكلامه في تقريب دلالتها مجمل فان كان نظره إلى ان الآية المباركة دالة على حصر المحرمات فيما ذكر فيها من الامور كما هو مقتضى كلمة " إلا " الواقعة بعد النفي ولم يعد منها الدم المتخلف فيدفعه: ان الحصر في الآية المباركة لا يمكن أن يكون حقيقيا لاستلزامه تخصيص الاكثر المستهجن


(1) الانعام 6: 145 (2) المائدة 5: 36. (3) راجع الوسائل ب 1 من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 20 ]

لوضوح ان المحرمات غير منحصرة في تلك الامور فان منها السباع ومنها المسوخ ومنها أموال الناس بغير اذنهم ومنها غير ذلك مما يحرم أكله شرعا فلا محيص من تأويله إما بحمله على الحصر الاضافي بدعوى ان المحرمات بالاضافة إلى ما جعلته العرب محرما على أنفسها في ذلك العصر منحصرة في تلك الامور، وإما بحمله على زمان نزول الآية المباركة وانحصار المحرمات فيها في ذلك الزمان للتدرج في بيان الاحكام، وعلى أي حال لا يستفاد من الآية المباركة حلية اكل الدم المتخلف بوجه وان كان نظره (قده) إلى توصيف الدم في الآية المباركة بكونه مسفوحا وان مفهوم الوصف يقتضي حلية غير المسفوح منه فيتوجه عليه: انا وان التزمنا بمفهوم الوصف أخيرا إلا أن مفهومه على ما شرحناه في محله ان الحكم لم يترتب على طبيعة الموضوع أينما سرت لاستلزام ذلك لغوية التوصيف إلا فيما إذا كان له فائدة ظاهرة، فيستفاد منه ان الحكم مترتب على حصة خاصة منها - مثلا - إذا ورد اكرم الرجل العادل يدل توصيف الرجل بالعدالة على ان طبيعيه على اطلاقه غير واجب الاكرام وإلا لم يكن وجه لتقييده بالعدالة بل إنما يجب اكرام حصة خاصة منه وهو الرجل المتصف بالعدل، ولكن لا دلالة له على ان فاقد الوصف أعني المتصف بصفة اخرى غير محكوم بذلك الحكم ولو بسبب وصف آخر، وعلى الجملة ان التوصيف وان كان ظاهرا في الاحتراز إلا انه لا يدل على نفي الحكم عن غير موصوفه فالآية لا دلالة لها على عدم حرمة الدم غير المسفوح، ويشهد بذلك ان صاحب الحدائق " قده " لا يرى طهارة غير المسفوح من الدماء كالدم الخارج عند حك البدن الخارج من الجروح ودم الحيض وغيرها مما لا يصدق عليه عنوان المسفوح. بل يمكن أن يقال ان المسفوح بمعنى المراق فكل دم تجاوز عن محله فهو مسفوح ومراق ولا اختصاص له بالدم الخارج بالذبح فإذا شق بطن الذبيحة فسال منه الدم فهو

[ 21 ]

[ إلا ما كان في اللحم مما يعد جزءا منه (1). (مسألة 3) الدم الابيض إذا فرض العلم بكونه دما نجس (2) كما في خبر (3) فصد العسكري - صلوات الله عليه - وكذا إذا صب عليه دواء غير لونه إلى البياض. (مسألة 4) الدم الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس (4) ومنجس لللبن. ] دم مسفوح ومراق فيحرم أكله، وينحصر غير المسفوح بما يتبع اللحم ويعد جزءا منه. هذا كله مضافا إلى دلالة الآية المتقدمة وبعض الاخبار على حرمة مطلق الدم. (1) بأن كان تابعا لللحم وان لم يكن مستهلكا في ضمنه بحيث لو عصر قطرت منه قطرات من الدم كما هو الحال في الكبد غالبا لان الدم فيه أكثر والوجه في ذلك - كما قدمناه - هو السيرة المتشرعية، وعدم امكان تخليص اللحم من الدم إلا ببعض المعالجات المعلوم عدم لزومه في الشرع كما مر (2) لانه بعد العلم بكونه دما وعدم انقلابه شيئا آخر لا مناص من الحكم بحرمته ونجاسته، لانهما مترتبان على طبيعي الدم وان زال عنه لونه بدواء أو بغيره، فان اللون لا مدخلية له في نجاسته وحرمته. (3) ورد في بعض الاخبار انه - ع - فصد وخرج منه دم أبيض كأنه الملح (* 1) وفي بعضها الآخر: فخرج مثل اللبن الحليب... (* 2). (4) لما مر من عموم نجاسة الدم. بل يمكن ان يقال انه من الدم


(1) كما رواه في الوسائل في ب 10 من ابواب ما يكتسب به (2) رواه في المجلد الثاني عشر من بحار الانوار ص 160

[ 22 ]

[ (مسألة 5) الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح ويكون ذكاته بذكاة أمه تمام دمه طاهر (1) ولكنه لا يخلو عن إشكال. (مسألة 6) الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد في طهارة ما تخلف فيه بعد خروج روحه إشكال (2) وان كان لا يخلو عن وجه. وأما ما خرج منه فلا اشكال في نجاسته (3). ] المسفوح بالتقريب المتقدم ولا نعيد. (1) تبع الماتن " قده " في حكمه هذا ثم الاستشكال فيه صاحب الجواهر " قده " فانه ايضا - بعد ان نفى البعد من إلحاق ما حكم الشارع بتذكيته بذكاة امه والحكم بطهارة تمام دمه - استكشل فيه. والاشكال في محله لان مدرك طهارة الدم المتخلف منحصر في السيرة كما عرفت، والمتيقن من موارد قيامها إنما هو طهارة الدم المتخلف في الحيوان بعد ذبحه وخروح المقدار المتعارف من دمه. وأما تمام دم الجنين بعد ذبح امه فقيام السيرة على طهارته غير معلوم فلا مناص من الحكم بنجاسته بمقتضى عموم مادل على نجاسة الدم، اللهم إلا أن يذبح ثانيا. نعم بناء على عدم تمامية العموم المذكور يمكن الحكم بطهارة تمام دم الجنين بقاعدة الطهارة إلا انه فرض امر غير واقع لتمامية العموم. (2) لا اشكال في طهارة الدم المتخلف فيما صاده الكلب المعلم أو صيد بآلة الصيد لعين ما قدمناه في طهارة الدم المتخلف في الذبيحة من قيام السيرة القطعية على طهارته فان المتشرعة يعاملون مع الدم المتخلف في كل من الصيد والذبيحة معاملة الطهارة، ولا يجتنبون عنه، ولم يسمع إلى الآن أحد ذبح ما صاده من الحيوانات ذبحا شرعيا ليخرج منه المقدار المتعارف من الدم ولم يردع الشارع عن عملهم هذا وبذلك نخرج عن عموم مادل على نجاسة الدم مطلقا. (3) لعموم ما دل على نجاسة الدم، ولانه من الدم المسفوح كما مر.

[ 23 ]

[ (مسألة 7) الدم المشكوك في كونه من الحيوان (1) أولا محكوم بالطهارة (2) كما ان الشئ الاحمر الذي يشك في انه دم أم لا كذلك (3) وكذا إذا علم أنه من الحيوان الفلاني ولكن لا يعلم أنه مما له نفس أم لا (4) كدم الحية والتمساح وكذا إذا لم يعلم انه دم شاة أو سمك (5) فإذا رأى في ثوبه دما لا يدرى أنه منه أو من البق أو البرغوث يحكم بالطهارة. وأما الدم المتخلف في الذبيحة إذا شك (6) في أنه من القسم الطاهر أو النجس فالظاهر الحكم ] (1) بأن علمنا بكون مايع دما وشككنا في انه دم حيوان أو غيره، لاحتمال كونه آية نازلة من السماء أو مما كان يوجد تحت الاحجار عند قتل سيد الشهداء - أرواحناه فداه -. (2) إما لاستصحاب عدم كونه من الحيوان على نحو استصحاب العدم الازلي أو لاصالة الطهارة وقد ذكرنا سابقا ان عموم مادل على نجاسة الدم مختص بدم الحيوان ولا يشمل غيره. (3) لاصالة الطهارة أو لاستصحاب عدم كونه دما على نحو العدم الازلي ولا يعارضه أصالة عدم كونه شيا آخر لعدم ترتب اثر عليها. (4) بان يكون الشك في نجاسة دمه ناشئا عن الشك في نفسه كما إذا شك في انه مما له نفس سائلة أو لانفس له، و لا اشكال في الحكم بطهارته إما لاصالة الطهارة أو لاصالة عدم كون الحيوان مما له نفس سائلة. (5) بأن يكون الشك في نجاسة الدم ناشئا عن الجهل بحاله، وانه من الشاة أو من السمك - مثلا - مع العلم بحالهما وأن احدهما المعين ذو نفس سائلة دون الاخر فيحكم بطهارته لاصالة الطهارة أو لاصالة عدم كونه من الشاة. (6) الشك في ذلك إما من ناحية الشك في رجوع الدم الخارج إلى

[ 24 ]

جوف الذبيحة لرد النفس وإما من ناحية الشك في خروج المقدار المتعارف من الدم بالذبح لاحتمال كون رأسه على علو. أما إذا شككنا في نجاسته من ناحية رجوع الدم فلا اشكال في الحكم بطهارته، وهذا لا لاصالة عدم رد النفس كما اعتمد عليها الماتن (قده) لوضوح انه ليس بحكم شرعي ولاهو موضوع له واستصحابه مما لا يترتب عليه أثر إلا على القول بالاصول المثبتة لان استصحاب عدم رد النفس وعدم الرجوع لا يثبت ان الباقي من الدم المتخلف الطاهر إلا بالتلازم العقلي. بل الوجه في ذلك هو استصحاب بقاء الدم المشكوك فيه في الجوف وعدم خروجه إلى الخارج حين الذبح فيحكم بطهارته وطهارة ما لاقاه من الدم المتخلف، وعلى تقدير الاغماض فيرجع إلى استصحاب الطهارة أو إلى اصالة الطهارة وقد " يتوهم ": ان الدم المتخلف المردد بين القسم الطاهر والنجس بما انه مسبوق بالنجاسة للعلم بنجاسته حال كونه في عروق الحيوان في حياته فإذا شككنا في طرو الطهارة عليه نستصحب بقائه على نجاسته. و " يدفعه ": انه لادليل على نجاسة الدم حال كونه في العروق، وإنما يحكم بنجاسته بعد خروجه عنها، على انه لو صح ذلك كان ما ذكرناه من الاستصحاب حاكما على استصحاب النجاسة. وقد " يقال ": ان الاصل في الدماء هو النجاسة فكل دم شك في طهارته ونجاسته يبنى على نجاسته، وذلك لموثقة عمار في ماء شرب منه باز، أو صقر، أو عقاب فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما فان رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه ولا تشرب (1) لان ظاهرها نجاسة الدم وان احتمل انه من الدم الطاهر. وأما ما يتوهم من ان اطلاق الموثقة يعارضه اطلاق ذيلها حيث رواها الشيخ " قده " مذيلة بقوله: وسئل عن ماء شربت منه الدجاجة، قال: ان كان في منقارها قذر لم يتوضأ


المروية في ب 4 من ابواب الاسئ‍؟؟ ر وفي ب 82 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 25 ]

منه ولم يشرب وان لم يعلم ان في منقارها قذرا توضأ منه واشرب، لانه صريح في اختصاص المنع عن التوضوء بالماء المذكور بصورة العلم بوجود القذر في منقار الدجاجة فيدور الامر بين رفع اليد عن صدر الرواية وحمله على صورة العلم بنجاسة ما في منقار الطيور من الدم وبين رفع اليد من اطلاق ذيلها وتقييده بغير الدم من القذارات وحيث انه لاقرينة على أحد التصرفين فتصبح الرواية مجملة ويرجع في غير صورة العلم بنجاسة الدم الموجود في منقار الطيور إلى اصالة الطهارة " فيندفع ": بقيام القرينة على تعين الاخذ باطلاق صدر الموثقة وهي ما أشرنا إليه آنفا من ان تخصيصها بصورة العلم حمل للرواية على المورد النادر لان العلم بنجاسة ما في منقار الطيور قليل الاتفاق غايته عليه فالاصل في الدماء هو النجاسة. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الدعوى المتقدمة إلا انه مما لا يمكن المساعدة عليه لان صدر الموثقة وان دل على أن الاصل الاولي هو النجاسة في الدماء إلا انه في خصوص موردها وهو منقار الطيور لا في جميع الموارد و " سره " ان الموثقة قد دلت باطلاقها على نجاسة كل دم في نفسه، وقد خرجنا عن هذا الاطلاق بما دل على طهارة بعض الدماء ومنه ما تخلف في الذبيحة بعد الذبح، كما دلت باطلاقها على عدم جواز الشرب أو الوضوء من الماء الذي شرب منه الطير وفي منقاره دم وان احتمل انه من الدم الطاهر، فإذا شك في دم أنه من المتخلف أو من غيره لم يمكن التمسك باطلاقها، لانه من التمسك بالمطلق في الشبهات المصداقية وهو ممنوع كما قررناه في محله وأما إذا شك في نجاسة ما في منقار الطير من الدم فلا مانع فيه من التمسك باطلاقها والحكم بنجاسته، لما مر من ان تخصيصها بصورة العلم غير ممكن لاستلزامه حمل الرواية على المورد النادر فكأن الشارع جعل الغلبة امارة على النجاسة في مورد الموثقة تقديما للظاهر على الاصل، لان الغالب في جوارح الطيور مساورة

[ 26 ]

[ بنجاسته - عملا بالاستصحاب - وإن كان لا يخلو عن اشكال. ويحتمل التفصيل بين ما إذا كان الشك من جهة احتمال رد النفس فيحكم بالطهارة لاصالة عدم الرد وبين ما كان لاجل احتمال كون رأسه على علو فيحكم بالنجاسة، عملا بأصالة عدم خروج المقدار المتعارف. (مسألة 8) إذا خرج من الجرح أو الدمل شئ أصفر يشك في أنه دم أم لا محكوم بالطهارة (1) وكذا إذا شك من جهة الظلمة أنه دم أم قيح، ولا يجب عليه الاستعلام (2). (مسألة 9) إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في أنها دم أو ماء أصفر يحكم عليها بالطهارة (3). ] الجيف وعليه فلا أصل لاصالة النجاسة في غير مورد الموثقة فلو شككنا في طهارة دم ونجاسته فلا مناص من الحكم بطهارته بمقتضى قاعدة الطهارة. وأما إذا شككنا في نجاسته من ناحية عدم خروج المقدار المتعارف من الدم بالذبح فلا مناص من الحكم بنجاسته لاستصحاب عدم خروجه كذلك، فان مدرك طهارة الدم المتخلف إنما هو السيرة ولاريب في ثبوتها فيما أحرز خروج المقدار المتعارف من الدم. وأما ثبوتها عند الشك في ذلك فغير محرز ومعه ويرجع إلى عموم مادل على نجاسة الدم. (1) لاصالة الطهارة أو لاستصحاب عدم كونه دما وكذا الحال فيما إذا شك من جهة الظلمة انه دم أم قيح. (2) لعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية وان أمكن بسهولة. (3) لاصالة الطهارة أو أصالة عدم كونه دما لان الاصل يجري في الاعدام الازلية كما يجري في غيرها.

[ 27 ]

[ (مسألة 10) الماء الاصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر (1) إلا إذا علم كونه دما، أو مخلوطا به، فانه نجس (2) إلا إذا استحال جلدا (3). (مسألة 11) الدم المراق في الامراق حال غليانها نجس، منجس (4) وان كان قليلا مستهلكا، والقول بطهارته بالنار - لرواية ضعيفة - ضعيف. ] (1) إما للاصل الموضوعي وهو اصالة عدم كونه دما أو لاصالة الطهارة (2) وان كان منجمدا لان الانجماد ليس من أحد المطهرات. (3) فيحكم بطهارته لتبدل الموضوع بالاستحالة كما يأتي في محله. (4) هذه المسألة أجنبية عما نحن بصدده وهو نجاسة الدم، وكان من حقها أن تؤخر إلى بحث المطهرات ويتكلم هناك في ان النار هل هي مطهرة للدم؟ كما ذهب إليه بعض الاصحاب، ولكنا نتعرض لها في المقام - على وجه الاختصار - تبعا للماتن " قده " فقد ادعى بعضهم ان النار من جملة المطهرات وما يمكن أن يستدل به على مطهريتها جملة من الاخبار: " منها ": مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق - ع - في عجين عجن وخبز، ثم علم ان الماء كانت فيه ميتة قال: لا بأس أكلت النار ما فيه (* 1). وفيه " أولا ": ان الرواية مرسلة ودعوى ان مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده مندفعة: بما مر غير مرة من انه لا اعتبار بالمراسيل مطلقا كان مرسلها ابن أبي عمير ونظراءه أم غيره و " ثانيا ": ان الظاهر من جوابه - ع - لا بأس أكلت النار ما فيه. ان السؤال في الرواية لم يكن عن مطهرية النار وعدمها وإلا لكان المتعين أن يجيب - ع - بأن النار مطهرة أو ليست بمطهرة كما أجاب بذلك في صحيحة الحسن بن محبوب قال:


(* 1) المروية في ب 14 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 28 ]

سألت أبا الحسن - ع - عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد ايسجد عليه؟ فكتب إلي بخطه: ان الماء والنار قد طهراه (* 1)، بل الظاهر ان السؤال فيها إنما هو عن حلية الخبز وحرمته نظرا إلى اشتمال ماء العجين على الاجزاء الدقيقة من الميتة لانه المناسب لقوله: لا بأس أكلت النار ما فيه، وعلى هذا لا مناص من حمل الميتة على ميتة مالانفس له لطهارتها. و " منها ": ما عن احمد بن محمد بن عبد الله بن زبير عن جده قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت فيعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبز؟ قال: إذا أصابته النار فلا بأس بأكله (* 2)، وهذه الرواية - مضافا إلى ضعف سندها ولو من جهة أحمد بن محمد بن عبد الله بن زبير حيث ان الرجل لم يوجد له ذكر في الرجال بل قد نص بجهالته فليراجع - قاصرة الدلالة على المقصود لان الاستدلال بها على مطهرية النار يتوقف على القول بانفعال ماء البئر بملاقاة النجس وقد قدمنا في محله ان ماء البئر معتصم بمادته واستدللنا على ذلك بعدة من الاخبار فلتكن منها هذه الرواية، وعليه فالغرض من نفي البأس عن أكله معلقا باصابة النار للخبز إنما هو دفع الاستقذار المتوهم في الماء نظرا إلى ملاقاته الميتة. فكأن اصابة النار تذهب بالتوهم المذكور. و " منها ": ما رواه الكليني والشيخ عن زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن - ع - عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير، قال: يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمة، أو الكلب واللحم اغسله وكله، قلت: فانه قطر فيه الدم، قال: الدم تأكله النار ان شاء الله.. (* 3)، وفيها مع ضعف


(* 1) المروية في ب 81 من النجاسات وفي ب 10 من ابواب ما يسجد عليه من الوسائل. (* 2) المروية في ب 14 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 3) المروية في ب 38 من النجاسات وفي ب 26 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 29 ]

سندها بابن المبارك ان قوله: الدم تأكله النار إنما يناسب السؤال عن حلية أكل الدم الواقع في المرق، ومن هنا أجاب - ع - عن حكم الدم ولم يجب عن طهارة المرق ونجاسته إذ لو كان السؤال عن طهارته بالنار وعدمها لكان المتعين أن يجيب بأن النار مطهرة أو ليست بمطهرة كما قدمناه في الجواب عن الرواية الاولى، ومعه لا مناص من حمل الدم على الدم الطاهر وان كان يحرم أكله إلا انه لامانع من أكل امرق واللحم إذا انعدم الدم الموجود فيهما بالنار أو استهلك في ضمنهما، وكيف كان فلا دلالة للرواية على ان الدم الواقع في المرق كان من القسم النجس ولا على مطهرية النار بوجه " منها ": ما عن سعيد الاعرج قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن قدر فيها جزور وقع فيها قدر أوقية من دم أيوكل؟ قال: نعم فان النار تأكل الدم (* 1). و " منها ": ما عن علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سألته عن قدر فيها الف رطل ماء يطبخ فيها لحم وقع فيها أوقية دم هل يصلح أكله؟ فقال: إذا طبخ فكل فلا بأس (* 2) ويتوجه على هاتين الروايتين ما أوردناه على الاخبار المتقدمة من ان السؤال والجواب فيهما ناظران إلى حلية الدم المذكور وحرمته لا إلى طهارة الدم بالنار. ومع الاغماض عن ذلك كله وفرض ان الاخبار المتقدمة ناظرة إلى كل من النجاسة والحرمة تقع المعارضة بينها وبين ما دل على عدم جواز التوضوء بالماء الذي قطرت فيه قطرة من الدم مطلقا سواء طبخ أم لم يطبخ وهو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال: وسألته عن رجل رعف وهو يتوضأ فتقطر قطرة في انائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا (* 3) فتتعارضان في الدم المطبوخ وبعد تساقطهما يرجع إلى استصحاب نجاسة الماء قبل طبخ الدم. نعم هذا إنما يتم على مسلك من يرى جريان الاستصحاب في الاحكام. وأما على مسلكنا


(* 1) و (* 2) المرويتان في باب 44 من ابواب الاطعمه المحرمة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 8 و 13 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 30 ]

[ (مسألة 12) إذا غرز إبرة أو أدخل سكينا في بدنه، أو بدن حيوان فان لم يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر (1) وان علم. ملاقاته، لكنه خرج نظيفا فالاحوط الاجتناب عنه (2). (مسألة 13) إذا استهلك الدم الخارج من بين الاسنان في ماء الفم فالظاهر طهارته، بل جواز بلعه (3). نعم لو دخل من الخارج دم في الفم فاستهلك فالاحوط الاجتناب عنه (4) والاولى غسل الفم بالمضمضة أو نحوها. ] من عدم جريانه في الاحكام الكلية الالهية فلا مناص من الرجوع إلى قاعدة الطهارة بعد تساقطهما. والذي يسهل الخطب عدم تمامية الاخبار المتقدمة كما مر (1) لاصالة عدم الملاقاة للدم. (2) ولعل وجهه شمول مادل على نجاسة الدم للدم الداخلي وقد عرفت منعه وانه لادليل على نجاسته فلا اشكال في طهارة الابرة أو السكين في مفروض المسألة بل الحال كذلك ولو قلنا بنجاسة الدم وهو في الباطن، فان المقام حينئذ من موارد ما إذا كان الملاقى من النجاسات الداخلية الباطنية ولا دليل على نجاسة الملاقي حينئذ كما قدمنا تفصيله في مثل شيشة الاحتقان فليراجع. (3) لما ذكرناه في المسألة الاولى من أحكام البول والغائط من انه لا دليل على نجاسة الدم والبول وغيرهما من النجاسات في الجوف فلا يحكم بنجاسة ماء الفم بملاقاة الدم الخارج من بين الاسنان. نعم يحرم أكل الدم وان لم يحكم بنجاسته لكنه إذا استهلك ما هو المفروض لم يبق ما يقتضي حرمة البلع لانتفاء موضوعها. (4) وكأنه " قده " يريد بذلك التفرقة بين النجاسة الداخلية والخارجية

[ 31 ]

[ (مسألة 14) الدم المنجمد تحت الاظفار أو تحت الجلد من البدن إن لم يستحل وصدق عليه الدم نجس (1) فلو انخرق الجلد ووصل الماء إليه تنجس، ويشكل معه الوضوء، أو الغسل، فيجب إخراجه إن لم يكن حرج، ومعه يجب (2) أن يجعل عليه شيئا مثل الجبيرة فيتوضأ أو يغتسل. هذا إذا علم أنه دم منجمد، وان احتمل كونه لحما صار كالدم من جهة الرض - كما يكون كذلك غالبا (3) - فهو طاهر. (السادس والسابع): الكلب والخنزير (4) البريان. ] بالحكم بطهارة ماء الفم بملاقاة الاولى دون الثانية إلا ان التفصيل بينهما في غير محله، لما ذكرناه في المسألة الاولى من أحكام البول والغائط من انه لادليل على تنجس الاجزاء الداخلية بملاقاة شئ من النجاسات الداخلية والخارجية ويدل عليه ما رواه عبد الحميد بن أبي الديلم قال: قلت لابي عبد الله - ع -: رجل يشرب الخمر فيبصق فاصاب ثوبي من بصاقه، قال: ليس بشئ (* 1). (1) لوضوح ان الانجماد ليس من أحد المطهرات. نعم إذا لم يعلم انه دم أو كان ولكنه استحال لحما فلا اشكال في طهارته للاستحالة. (2) بل يجب عليه التيمم حينئذ كما يأتي في محله. (3) بل الغالب ان السواد المترائى تحت الجلد انما هو من جهة انجماد الدم تحته وكونه من اللحم المرضوض نادر جدا. (4) أما الكلب فلا اشكال في نجاسته عند الامامية في الجملة والاخبار في نجاسته مستفيضة بل متواترة وقد دلت عليها بالسنة مختلفة ففي بعضها:


(* 1) المروية في ب 39 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 32 ]

ان الكلب رجس نجس (* 1) وفي آخر: ان الله لم يخلق خلقا انجس من الكلب (* 2) وفي ثالث: لا والله انه نجس لا والله إنه نجس (* 3) وفي رابع: ان اصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله (* 4) وفي خامس: سألته عن الكلب يشرب من الاناء قال: اغسل الاناء (* 5) إلى غير ذلك من النصوص. وفى قبالها ما يدل بظاهره على طهارة الكلب ولاجله قد يتوهم حمل الاخبار المتقدمة على التنزه والاستحباب " منها ": صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد الله - ع - قال: سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه والسنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك أيتوضأ منه أو يغتسل؟ قال: نعم إلا أن تجد غيره فتنزه عنه (* 6) وقد حملها الشيخ على ما إذا كان الماء بالغا قدر كر مستشهدا له برواية أبي بصير عن الصادق - ع - في حديث ولا تشرب من سئور الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه (* 7) ونفى المحقق الهمداني " قده " البعد عن حملها عليه، لقوة احتمال ورودها في مياه الغدران التي تزيد عن الكر غالبا. والتحقيق انه لا مناص من تقييد اطلاق صحيحة ابن مسكان بما دل على انفعال الماء القليل


(* 1) كما في صحيحة أبي العباس المروية في ب 1 من الاسئار و 11 و 12 و 70 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كما ورد ذلك في موثقة ابن ابي يعفور المروية في ب 11 من ابواب الماء المضاف من الوسائل. (* 3) كما في رواية معاوية بن شريح المروية في ب 1 من ابواب الاسئار و 12 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 4) ورد في صحيحة ابي العباس المروية في ب 12 من النجاسات و 1 من ابواب الاسئار من الوسائل. (* 5) ورد في صحيحة محمد بن مسلم المروية في ب 12 من النجاسات و 1 و 2 من ابواب الاسئار من الوسائل. (* 6) المروية في ب 2 من ابواب لاسئار من الوسائل. (* 7) المروية في ب 9 من الماء المطلق و 1 من ابواب الاسئار من الوسائل.

[ 33 ]

بملاقاة الكلب التي منها رواية أبي بصير المتقدمة وذلك لان النسبة بينهما هي العموم المطلق، فان الصحيحة دلت على طهارة الماء الذي باشره الكلب مطلقا قليلا كان أم كثيرا. والاخبار المتقدمة قد دلت على انفعال الماء القليل بملاقاة الكلب وعليه فمقتضى الصناعة العلمية وقانون الاطلاق والتقييد حمل الصحيحة على ما إذا كان الماء بالغا قدر كر فهو جمع دلالي وليس من الجمع التبرعي في شئ كما يظهر من كلام الشيخ وغيره. ثم لو سلمنا ان الصحيحة واردة في خصوص القليل فغاية ما يستفاد منها عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة وهي إذا من الادلة الدالة على اعتصام الماء القليل وقد عرفت الجواب عنها في محلها ولا تنافي بينها وبين الاخبار الدالة على نجاسة الكلب بوجه. هذا. وقد نسب إلى الصدوق " قده " القول بطهارة كلب الصيد حيث حكى عنه: ان من أصاب ثوبه كلب جاف فعليه ان يرشه بالماء وان كان رطبا فعليه ان يغسله وان كان كلب صيد فان كان جافا فليس عليه شئ وان كان رطبا فعليه ان يرشه بالماء. و " تدفعه " النصوص المتقدمة الظاهرة في نجاسة الكلب على وجه الاطلاق مضافا إلى حسنة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن الكلب السلوقي قال: إذا مسسته فاغسل يدك (* 1) فانها ظاهرة في نجاسة الكلب السلوقي بخصوصه. هذا كله في الكلب وأما الخنزير فنجاسته أيضا مورد التسالم بين الاصحاب وتدل عليها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى - ع - قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: ان كان دخل في صلاته فليمض، وان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه، إلا ان يكون فيه أثر فيغسله قال: وسألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال:


(* 1) المروية في ب 12 من النجاسات و 11 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 34 ]

[ دون البحري منهما (1) ] يغسل سبع مرات (* 1) وغيرها من الاخبار. وأما ما في بعض الروايات مما ظاهره طهارة شعر الخنزير أو جلده فيأتي الجواب عنه عن قريب إنشاء الله. (1) قد ذهب المشهور إلى طهارة الكلب والخنزير البحريين وخالفهم في ذلك الحلي " قده " والتزم بنجاسة البحري منهما أيضا بدعوى صدق عنوانهما على البحريين كالبريين، إلا ان ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح وذلك لان الكلب والخنزير البحريين ان كانا خارجين عن حقيقتهما واقعا وقد سميا بهما لمشابهتما للبريين في بعض الجهات والآثار كما هو الظاهر - لوضوح ان البحر لا يوجد فيه ما يكون كلبا أو خنزيرا حقيقة فلو وجد فانما يوجد فيه ما هو من أقسام السمك وقد يعبر عنه باحد أسماء الحيوانات البرية لمجرد مشابهته اياها في رأسه أو بدنه أو في غيرهما من أجزائه وآثاره ومنه انسان البحر - كما يقولون - أو بقر البحر - كما شاهدناه - فانه من الاسماك من غير أن يكون بقرا حقيقة وانما سمي به لضخامته وكبر رأسه ومن هذا الباب اطلاق الاسد على العنكبوت حيث يقال له أسد الذباب، لانه يفترس الذباب كما يفترس الاسد سائر الحيوانات، وكذا اطلاقه على التمساح فيقال انه أسد البحر لانه أشجع الحيوانات البحرية كما ان الاسد كذلك في البر - فلا اشكال في طهارتهما، لانهما من الاسماك وخارجان عن الكلب والخنزير حقيقة وانما سميا بهما مجازا فلا موجب للحكم بنجاستهما بوجه. وأما إذا قلنا انهما من الكلب والخنزير حقيقة - ولكن البحري منهما طبيعة أخرى مغائرة لطبيعة الكلب أو الخنزير البريين - بان يكون لفظ الكلب أو الخنزير مشتركا لفظيا بين البحري والبرى منهما حتى يكون اطلاقه على كل منهما حقيقة فايضا لا يمكننا الحكم بنجاستهما،


(* 1) المروية في ب 13 من النجاسات و 1 من ابواب الاسئار من الوسائل.

[ 35 ]

[ وكذا رطوباتهما، وأجزاؤهما، وان كانت مما لا تحله الحياة (1) كالشعر، والعظم، ونحوهما. ] وذلك لانا وان صححنا استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد في محله إلا انه يتوقف على قيام قرينة تدل على ذلك لا محالة، وبما انه لم تقم قرينة على ارادة ذلك من الكلب والخنزير الواردين في ادلة نجاستهما فلا يمكننا الحكم بارادة الاعم من البريين والبحريين فيختص الحكم بالاولين، للقطع بارادتهما على كل حال هذا. ثم لو تنزلنا وقلنا ان الكلب والخنزير البحريين من طبيعة البري منهما وهما من حقيقة واحدة وطبيعة فاردة ولا فرق بينهما إلا في ان أحدهما بري والآخر بحري فايضا لا موجب للحكم بنجاسة البحري منهما لا لانصراف أدلة نجاسة الكلب والخنزير إلى خصوص البحري منهما كما ادعاه جماعة من الاصحاب فان عهدة اثبات هذه الدعوى على مدعيها، بل لصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سأل أبا عبد الله - ع - رجل وانا عنده عن جلود الخز فقال ليس بها بأس فقال الرجل: جعلت فداك انها علاجي (في بلادي) وانما هي كلاب تخرج من الماء فقال أبو عبد الله - ع -: إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل: لا فقال: ليس به بأس (* 1) لانها نفت البأس عن جلود ما يسمى بكلب الماء، وهي وان وردت في خصوص كلب الماء إلا ان سئواله - ع - عن انه هل تعيش خارجة من الماء؟ ونفيه البأس بعد ذلك كالصريح في ان العلة في الحكم بالطهارة كون الحيوان مما لا يعيش خارجا عن الماء، وبذلك تشمل الصحيحة كلا من الكلب والخنزير البحريين فيحكم بطهارتهما كما في المتن (1) للادلة المتقدمة الدالة على نجاسة الكلب والخنزير بجميع أجزائهما


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب لباس المصلي من الوسائل.

[ 36 ]

وان كانت مما لاتحله الحياة ولا خلاف في المسألة إلا عن السيد المرتضى وجده " قدهما " حيث ذهبا إلى طهارة ما لا تحله الحياة من أجزائهما. والسيد " قده " وان لم يستدل على مرامه بشئ من الاخبار إلا انه ادعى ان ما لاتحله الحياة - كالشعر والعظم ونحوهما - لا يكون من أجزاء الحيوان الحي ثم أيد كلامه بدعوى اجماع الاصحاب عليه. ولا يخفى فساد ما ذهب إليه وذلك لمنافاته لاطلاقات أدلة نجاسة الكلب والخنزير حيث دلت على نجاستهما بما لهما من الاجزاء من غير فرق في ذلك بين ما تحله الحياة وما لاتحله الحياة، ودعوى الاجماع على طهارة ما لا تحله الحياة من اجزائهما جزافية. بل الاجماع منعقد على خلافه، وانكار ان مالا تحله الحياة جزء من الحيوان مكابرة كيف وهو معدود من اجزائه عند العرف والشرع واللغة. وأما ما نسب إليه من الاستدلال على ذلك بان ما لا تحله الحياة من أجزائهما نظير شعر الميتة وعظمها وغيرهما مما لاتحله الحياة فيدفعه: انه قياس والعمل بالقياس منهى عنه في الشريعة المقدسة. هذا على انه قياس مع الفارق، لوضوح ان نجاسة الكلب والخنزير نجاسة ذاتية وغير مستندة إلى موتهما ونجاسة الميتة عرضية مستندة إلى الموت مع الحكم بطارتها قبله، والموت انما يعرض الاجزاء التي تحلها الحياة دون مالا تحله ومعه لاوجه لنجاسة مالا تحله الحياة من أجزاء الميتة فما ذهب إليه علم الهدى وجده مما لا دليل عليه. نعم هناك جملة من الاخبار لا تخلو عن الاشعار بطهارة شعر الخنزير وجلده وكان ينبغي له " قده " أن يستدل بها على مسلكه " منها ": صحيحة زرارة عن أبي عبد الله - ع - قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء البئر هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال لا بأس (* 1) والجواب عن ذلك انه لا دلالة لها على طهارة شعر الخنزير


(* 1) المروية في ب 14 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 37 ]

بوجه، لعدم فرض العلم بملاقاته لماء الدلو " أو لا " لجواز ان يتخلل بينه وبين الدلو حبل طاهر، ولعل السؤال في الرواية من جهة احتمال حرمة الاستقاء للوضوء بحبل من شعر الخنزير لاحتمال حرمة الانتفاع بشعره شرعا وبما ان الوضوء أمر عبادي فيكون الاستقاء له بما هو مبغوض للشارع موجبا لحرمته فنفيه - ع - البأس راجع إلى نفي حرمة الانتفاع به لا إلى نفي نجاسة الماء. و " ثانيا ": ان الرواية على تقدير دلالتها فانما تدل على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس فهي إذا من أدلة القول باعتصام الماء القليل ولا دلالة لها على عدم نجاسة شعر الخنزير بوجه، وعليه فالاخبار الدالة على نجاسته بلا معارض و " منها ": رواية أخرى لزرارة قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء قال: لا بأس (* 1) ويرد على الاستدلال بها ان ظاهرها السؤال عن حكم الانتفاع بجلد الخنزير وغاية ما يستفاد منها ان الانتفاع به بالاستقاء أمر غير محرم شرعا - كما إذا كان الاستقاء للدواب ولا دلالة لها على طهارة جلده بوجه، ويحتمل ان يكون السؤال عن انفعال ماء البئر بملاقاة جلد الخنزير النجس فنفيه - ع - البأس يرجع إلى عدم انفعال مائها لا إلى طهارة جلد الخنزير، ومع الاغضاء عن ذلك كله وفرض ان السؤال فيها انما هو عن حكم الماء القليل وجواز استعماله فيما يشترط فيه الطهارة أيضا لا مجال للاستدلال بها في المقام لان الرواية حينئذ من أدلة عدم انفعال الماء القليل وقد تقدم الجواب عنها في بحث المياه و " منها ": خبر الحسين بن زرارة عن أبي عبد الله ع - " في حديث " قال: قلت له: شعر الخنزير يعمل حبلا ويستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها؟ فقال: لا بأس به (* 2)


(* 1) المروية في ب 14 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في ب 14 من الماء المطلق 33 من ابواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 38 ]

[ ولو اجتمع أحدهما مع الآخر أو مع آخر، فتولد منهما ولد، فان صدق عليه اسم أحدهما تبعه (1) وإن صدق عليه اسم أحد الحيوانات الاخر، أو كان مما ليس له مثل في الخارج، كان طاهرا (2) ] ولا يمكن الاستدلا بهذه الرواية أيضا لان ظاهرها - بقرينة تأنيث الضمير والتوصيف بكلمة التي - عدم البأس بالشرب والتوضوء من البئر المذكورة في الحديث فهي ناظرة إلى عدم انفعال ماء البئر بملاقاة النجس وأجنبية عن الدلالة على طهارة شعر الخنزير رأسا، على ان الرواية ضعيفة لعدم توثيق الحسين بن زرارة في الرجال حيث ان مجرد دعاء الامام - ع - في حقه لا يدل على وثاقته. هذا وقد أثبت صاحب الحدائق والمحقق الهمداني " قدهما " رواية اخرى في المقام وأسندها في الحدائق إلى الحسين بن زياد وعبر عنها بالموثقة واسندها في مصباح الفقيه إلى الحسين بن زرارة عن الصادق - ع - قال قلت له: جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها قال: لا بأس. ولم نعثر نحن على هذه الرواية بعد ما فحصنا عنها في جوامع الاخبار والله العالم بحقائق الامور. والمتحصل ان الكلب والخنزير محكومان بالنجاسة بجميع اجزائهما الأعم مما تحله الحياة وما لا تحله، لما مر. مضافا إلى ان الغالب في الاخبار الواردة في نجاستهما انما هو السؤال عن مسهما أو اصابتهما باليد والثوب ومن الظاهر ان اليد والثوب انما يصب شعرهما عادة - لاعلى بشرتهما - لا حاطته ببدنهما والشعر مما لا تحله الحياة وقد دلت على نجاسته فيما إذا أصابته اليد أو الثوب مع الرطوبة. (1) لصدق انه كلب أو خنزير. (2) لان النجاسة وغيرها من الاحكام انما ترتبت على ما صدق عليه عنوان الكلب أو الخنزير خارجا فما لم يصدق عليه عنوان أحدهما لا دليل على

[ 39 ]

نجاسته سواء أصدق عنوان حيوان آخر طاهر عليه أم لم يصدق هذا. والصحيح أن يقال: ان المتولد منهما إذا كان ملفقا من الكلب والخنزير - بان كان رأسه رأس أحدهما وبدنه بدن الآخر أو كان رجله رجل أحدهما ويده يد الآخر كما شاهدنا ذلك في الحيوان المتولد من الكلب والذئب - فلا مناص من الحكم بنجاسة بلا فرق في ذلك بين صدق عنوان أحدهما عليه وعدمه، وذلك لان مقتضى الفهم العرفي ان المتركب من عدة أمور محرمة أو نجسة أيضا محرم أو نجس وان لم يصدق عليه شئ من عناوين أجزائه - مثلا - إذا فرضنا ان خمسة من الاجزاء المحرمة أو النجسة مزجنا بعضها ببعض ودققناها على وجه تحصل منها معجون لا يصدق عليه شئ من عناوين تلك الاجزاء المحرمة أو النجسة فلا يشك العرف في الحكم بنجاسته وحرمته، كما انه يفهم من أدلة حرمة استعمال آنية الذهب والفضة حرمة استعمال الآنية المصوغة منهما معا وان لم يطلق عليها عنوان الاناء من الذهب أو الفضة وهذا ظاهر. واما إذا لم يكن المتولد منهما ملفقا من الكلب والخنزير ولم يتبع أحدهما في الاسم فلابد من الحكم بطهارته، لما مر من أن النجاسة وغيرها من الاحكام مترتبة على عنوان الكلب والخنزير ومع انتفائهما ينتفى الحكم بنجاسته سواء صدق عنوان حيوان آخر طاهر عليه أم لم يصدق، فان الحيوانات طاهرة باجمعها إلا مادل الدليل على نجاسته وهو مفقود في المقام، اللهم إلا أن يتبع أحدهما في الاسم، فانه محكوم بالنجاسة حينئذ لصدق انه كلب أو خنزير واطلاق مادل على نجاستهما كما هو الحال في المتولد من غيرهما - كالمتولد من الفرس والحمار - فانه ان تبع أحدهما في الاسم حكم عليه باحكام متبوعة. وأما التبعية في الحكم مطلقا فلم يقم عليها دليل.

[ 40 ]

[ وان كان الاحوط الاجتناب عن المتولد مهما، إذا لم يصدق عليه اسم أحد الحيوانات الطاهرة (1) ] (1) وعن الشهيدين في الذكرى والروض الحكم بنجاسة المتولد من النجسين وان باينهما في الاسم ولا يمكن المساعدة عليه وذلك لان الوجه في ذلك ان كان تبعية الولد لابويه فيدفعه: انه لا ملازمة بين نجاسة الابوين ونجاسة ولدهما لما عرفت من عدم قيام الدليل على التبعية مطلقا. وان كان الوجه فيه هو استصحاب نجاسة الولد المتيقنة حال كونه علقة لكونها دما والدم نجس، كما اعتمد عليه بعضهم في الحكم بنجاسة أولاد الكفار وبه حكم بنجاسة ولد الكافر وان لم يكن كافرا. فهذا الوجه لو تم - فكما يجري في المتولد من النجسين كذلك يجري فيما إذا كان أحد أبويه نجسا دون الآخر وذلك للعلم بنجاسته حال كونه علقة، بل يكون كتأسيس أصل كلي في جميع الحيوانات فيحكم بنجاسة كل حيوان لسبقه بالنجاسة حال كونه علقة إلا ما خرج بالدليل. إلا انه غير تام وذلك أما " أولا "): فلعدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية في نفسه على ما مر منا غير مرة وأما " ثانيا ": فلعدم بقاء موضوعه، لان ما علمنا بنجاسته انما هو الدم وما نشك في نجاسته هو الحيوان وأحدهما غير الآخر ومعه لا مجرى للاستصحاب بوجه. هذا كله إذا أريد به استصحاب نجاسته المتيقنة حال كونه دما. وأما إذا اريد به استصحاب نجاسته المتيقنة حال كونه مضغة بدعوى: ان المضغة تابعة لامها ومعدودة من أجزائها والمفروض نجاسة أمه بما لها من الاجزاء فحيث انه مقطوع النجاسة سابقا ونشك في بقائها وارتفاعها بعد تولده فالاصل يقتضي الحكم ببقائه على نجاسته " ففيه ": " أولا ": انه لو تم لجرى في المتولد من الام النجس أيضا وان كان أبوه طاهرا و " ثانيا ": انه من

[ 41 ]

[ بل الاحوط الاجتناب (1) عن المتولد عن أحدهما مع طاهر إذا لم يصدق عليه اسم ذلك الطاهر، فلو نزى كلب على شاة، أو خروف على كلبة، ولم يصدق على المتولد منهما اسم الشاة، فالاحوط الاجتناب عنه، وان لم يصدق عليه اسم الكلب. (الثامن) الكافر بأقسامه (2) ] استصحاب الحكم الكلي وقد عرفت عدم جريانه في الاحكام الكلية الالهية و " ثالثا ": ان المضغة غير تابعة لامها ولا هي معدودة من أجزائها وانما هي موجودة بوجود مستقل متكونة في جوف أمها فجوفها محل للمضغة لا انها من أجزاء أمها. نعم لو كانت المضغة - وهي المتشكلة بشكل الحيوان قبل أن تلج فيها الروح - صورة كلب أو خنزير لحكمنا بنجاستها لكونها كلبا أو خنزيرا لامن جهة عدها من أجزاء أمه إلا انه خلاف مفروض الكلام فان الكلام انما هو فيما إذا كانت المضغة بصورة غيرهما من الحيوانات ومعه لا وجه للحكم بنجاستها. ونجاسة المضغة عندنا وان كانت مستندة إلى كونها جيفة إلا انها انما تصدق على المضغة فيما إذا انفصلت من أمها فما دامت في جوفها لا تطلق عليها الجيفة بوجه. فالمتحصل ان المضغة لم تثبت نجاستها حتى يحكم على المتولد من الكلب والخنزير بالنجاسة باستصحابها فلا وجه للحكم بنجاسته. نعم لا بأس بالاحتياط استحبابا ولو من جهة وجود القائل بنجاسته. (1) قد ظهر الحال فيه مما ذكرناه آنفا فلا نعيد. (2) المعروف بين أصحابنا من المتقدمين والمتأخرين نجاسة الكافر بجميع أصنافه بل ادعي عليها الاجماع وثبوتها في الجملة مما لا ينبغي الاشكال فيه، وذهب بعض المتقدمين إلى طهارة بعض اصنافه وتبعه على ذلك جماعة من

[ 42 ]

متأخر المتأخرين. وتوضيح الكلام في هذا المقام انه لااشكال ولا شك في نجاسة المشركين بل نجاستهم من الضروريات عند الشيعة ولا نعهد فيها مخالفا من الاصحاب. نعم ذهب العامة إلى طهارتهم (* 1) ولم يلتزم منهم بنجاسة المشرك إلا القليل (* 2) وكذا لا خلاف في نجاسة الناصب بل هو أنجس من المشرك على بعض الوجوه ففى موثقة ابن أبي يعفور (* 3) فان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، والناصب لنا أهل البيت لانجس منه كما انه ينبغي الجزم بنجاسة غير المشرك من الكفار فيما إذا التزم بما هو أسوء


(1) اتفق فقهاءهم على طهارة أبدان المشركين كما في ج 4 من التفسير الكبير " طبعة استامبول " ص 614 وفي المغنى ج 1 ص 49 ان الآدمى طاهر وسؤره طاهر سواء كان مسلما أو كافرا عند عامة أهل العلم. وفى البديع ج 1 ص 63 سؤر الطاهر المتفق على طهارته سؤر الآدمى بكل حال مسلما كان أو مشركا. وله صرح ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ج 1 ص 126. وقال الشربيني الشافعي في اقناعه ج 1 ص 74 الحيوان كله طاهر العين حال حياته الا الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من احدهما. ويقرب منه عبارة الغزالي في الوجيز ج 1 ص 4 وبه قال ابن حجر في فتح الباري " شرح البخاري " ج 1 ص 269 والعيني في عمدة القارى ج 2 ص 60 وكذا في الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 11 فليراجع (2) ذهب إلى نجاسة المشرك الفخر في تفسيره ج 4 ص 614 من الطبع لمتقدم ذكره آنفا حيث قال: اعلم ان ظاهر القرآن " انما المشركون نجس " يدل على كونهم انجاسا فلا يرجع الا بدليل منفصل. ثم نقل وجوها في تأويل الآية المباركة وعقبها بقوله: اعلم ان كل هذه الوجوه عدول عن الظاهر بغير دليل ونقل عن صاحب الكشاف عن ابن عباس ان اعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير وعن الحسن من صافح مشركا توضأ وقال هذا قول الهادى من أئمة الزيدية. ونسب القول بالنجاسة في فتح الباري ج 1 ص 269 لى اهل الظاهر. وممن صرح بالنجاسة ابن حزم في المحلى ج 1 ص 129 - 130 وتعجب عن القول بطهارة المشركين قائلا: ولا عجب في الدنيا أعجب ممن يقول فيمن نص الله تعالى انهم نجس: انهم طاهرون ثم يقول في المني الذى لم يأت قط بنجاسته نص: انه نجس ويكفي من هذا القول سماعه ونحمد الله على السلامة. (* 3) المروية في ب 11 من ابواب الماء المضاف من الوسائل.

[ 43 ]

وأشد من الشرك في العبادة كانكار وجود الصانع رأسا، لان المشركين غير منكرين لوجوده سبحانه وانما يعبدون الاصنام والآلهة ليقربوهم إلى الله زلفى ويعتقدون ان الموت والحياة والرزق والمرض وغيرها من الامور الراجعة إلى العباد بيد هؤلاء الشفعاء، ومن البديهي ان انكار وجوده تعالى أسوء من ذلك وأشد فهو أولى بالحكم بالنجاسة من المشرك بالضرورة. وأما غير هذه الفرق الثلاث من أصناف الكفار كأهل الكتاب فقد وقع الخلاف في طهارتهم وهي التي نتكلم عنها في المقام فقد يستدل على نجاسة الكافر بجميع أصنافه بقوله عز من قائل: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا (* 1) بتقريب ان الله سبحانه حكم بنجاسة المشركين وفرع عليها حرمة قربهم من المسجد الحرام، وذلك لان النجس بفتح الجيم وكسره بمعنى النجاسة المصطلح عليها عند المتشرعة، فانه المرتكز في أذهانهم وبهذا نستكشف ان النجس في زمان نزول الآية المباركة أيضا كان بهذا المعنى المصطلح عليه لان هذا المعنى هو الذي وصل إلى كل لاحق من سابقه حتى وصل إلى زماننا هذا، وبما ان أهل الكتاب قسم من المشركين لقوله تعالى حكاية عن اليهود والنصارى: وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله إلى قوله: سبحانه عما يشركون (* 2) فتدل الآية المباركة على نجاسة أهل الكتاب كالمشكرين. وقد أجيب عن ذلك بامور ونوقش فيها بوجوه لا يهمنا التعرض لها ولالما أورد عليها من المناقشات بل الصحيح في الجواب عن ذلك ان يقال: ان النجس عند المتشرعة وان كان بالمعنى المصطلح عليه إلا انه لم يثبت كونه بهذا المعنى في الآية المباركة لجواز ان لا تثبت النجاسة - بهذا المعنى الاصطلاحي - على شئ من الاعيان النجسة في زمان نزول


(* 1) التوبة 9: 28 (* 2) التوبة 9: 30 - 31

[ 44 ]

الآية أصلا، وذلك للتدرج في بيان الاحكام، بل الظاهر انه في الآية المباركة بالمعنى اللغوي وهو القذارة وأي قذارة أعظم وأشد من قذارة الشرك؟ وهذا المعنى هو المناسب للمنع عن قربهم من المسجد الحرام، حيث ان النجس بالمعنى المصطلح عليه لا مانع من دخوله المسجد الحرام فيما إذا لم يستلزم هتكه فلا حرمة في دخول الكفار والمشركين المسجد من جهة نجاستهم - بهذا المعنى - وهذا بخلاف النجس بمعنى القذر لان القذارة الكفرية مبغوضة عند الله سبحانه والكافر عدو الله وهو يعبد غيره فكيف يرضى صاحب البيت بدخول عدوه على بيته؟ بل وكيف يناسب دخول الكافر بيتا يعبد فيه صاحبه وهو يعبد غيره هذا كله " أولا " و " ثانيا ": إن الشرك له مراتب متعددة لا يخلو منها غير المعصومين وقيل من المؤمنين ومعه كيف يمكن الحكم بنجاسة المشرك بما له من المراتب المتعددة؟ فان لازمه الحكم بنجاسة المسلم المرائي في عمله حيث ان الرياء في العمل من الشرك وهذا كما ترى لا يمكن الالتزام به فلا مناص من ان يراد بالمشرك مرتبة خاصة منه وهي ما يقابل أهل الكتاب و " ثالثا ": ان ظاهر الآيات الواردة في بيان أحكام الكفر والشرك - ومنها هذه الآية - ان لكل من المشرك وأهل الكتاب أحكاما تخصه - مثلا - لا يجوز للمشرك السكنى في بلاد المسلمين ويجب عليه الخروج منها. وأما أهل الكتاب فلا بأس أن يسكنوا في بلادهم مع الالتزام باحكام الجزية والتبعية للمسلمين فحكمهم حكم المسلمين وغير ذلك مما يفترق فيه المشرك عن أهل الكتاب، ومنه تبريه سبحانه من المشركين دون أهل الكتاب ومعه كيف يمكن ان يقال ان المراد من المشركين في الآية أعم من أهل الكتاب، فان ظاهرها ان المشرك في مقابل أهل الكتاب فالانصاف ان الآية لادلالة لها على نجاسة المشركين فضلا عن دلالتها على نجاسة أهل الكتاب. إلا انك عرفت ان نجاسة المشركين مورد التسالم القطعي بين

[ 45 ]

اصحابنا قلنا بدلالة الآية أم لم نقل كما ان نجاسة الناصب ومنكري الصانع مما لا خلاف فيه وعليه فلابد من التكلم في نجاسة غير هذه الاصناف الثلاثة من الكفار ويقع الكلام أولا في نجاسة أهل الكتاب ثم نعقبه بالتكلم في نجاسة بقية الاصناف فنقول: المشهور بين المتقدمين والمتأخرين نجاسة أهل الكتاب بل لعلها تعد عندهم من الامور الواضحة حتى ان بعضهم - على ما في مصباح الفقيه - ألحق المسألة بالبديهيات التي رأى التكلم فيها تضييعا للعمر العزيز وخالفهم في ذلك بعض المتقدمين وجملة من محققي المتأخرين حيث ذهبوا إلى طهارة أهل الكتاب والمتبع دلالة الاخبار فلننقل - أولا - الاخبار المستدل بها على نجاسة أهل الكتاب ثم نعقبها بذكر الاخبار الواردة في طهارتهم ليرى أيهما أرجح في مقام المعارضة " فمنها ": حسنة سعيد الاعرج سألت أبا عبد الله - ع - عن سؤر اليهودي والنصراني فقال: لا (* 1) ولا اشكال في سندها كما ان دلالتها تامة لان ظاهر السؤال من سؤرهم نظير السؤال عن سؤر بقية الحيوانات انما هو السؤال عن حكم التصرف فيه بانحاء التصرفات وقد صرح بالسؤال عن أكله وشربه في رواية الصدوق (* 2) فراجع و " منها ": صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر - ع - عن آنية أهل الذمة والمجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر (* 3) وهذه الرواية صحيحة سندا إلا انها قاصرة الدلالة على المدعى فان دلالتها على طهارة أهل الكتاب أظهر من دلالتها على نجاستهم وذلك لان الحكم بنجاستهم يستلزم


(* 1) المروية في ب 3 من الاسئار و 14 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في باب 54 من ابواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 54 من الاطعمة المحرمة و 14 و 72 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 46 ]

الحكم بالتجنب عن جيمع الاواني المضافة إليهم حتى الآنية التي يشربون فيها الماء ولا وجه معه لتقييد الآنية بما يشربون فيه الخمر ولا لتقييد طعامهم بما يطبخونه فمن تقييد الآنية والطعام بما عرفت يظهر عدم نجاسة أهل الكتاب. والنهي عن الاكل في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر مستند إلى نجاسة الآنية بملاقاتها الخمر وأما النهي عن اكل طعامهم المطبوخ فيحتمل فيه وجهان: " أحدهما ": ان أهل الكتاب ياكلون لحم الخنزير وشحمه والمطبوخ من الطعام لا يخلو عن اللحم والشحم عادة فطعامهم المطبوخ لا يعرى عن لحم الخنزير وشحمه و " ثانيهما ": ان آنيتهم من قدر وغيره يتنجس بمثل طبخ لحم الخنزير أو وضع شئ آخر من النجاسات فيها لعدم اجتنابهم عن النجاسات ومن الظاهر انها بعد ما تنجست لا يرد عليها غسل مطهر على الوجه الشرعي لانهم في تنظيفها يكتفون بمجرد ازالة قذارتها وهي لا يكفي في طهارتها شرعا وعليه يتنجس ما طبخ فيها بملاقاتها ومن هنا نهى - ع - عن أكل طعامهم الذي يطبخونه. ويمكن أن يكون هناك وجه آخر لنهيه - ع - ونحن لا ندركه و " منها ": حسنة الكاهلي قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن قوم مسلمين يأكلون وحضرهم رجل مجوسي أيدعونه إلى طعامهم؟ فقال: أما أنا فلا أواكل المجوسي، واكره أن أحرم عليكم شيئا تصنعون في بلادكم (* 1) ولا يخفى عدم دلالتها على نجاسة المجوس وهو - ع - انما ترك المواكلة معه لعلو مقامه وعدم مناسبة الاشتراك مع المعاند لشريعة الاسلام لامام المسلمين فتركه المواكلة من جهة الكراهة والتنزه و " منها ": صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر - ع - في رجل صافح رجلا مجوسيا، فقال: يغسل يده ولا يتوضأ (* 2) بدعوى ان الامر بغسل اليد ظاهر في نجاسة المجوسي


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 14 من ابواب النجاسات وغيرها من الوسائل.

[ 47 ]

إلا ان الصحيح عدم دلالتها على المدعى فان الرواية لابد فيها من أحد أمرين " أحدهما ": تقييد المصافحة بما إذا كانت يد المجوسي رطبة لوضوح ان ملاقاة اليابس غير مؤثرة في نجاسة ملاقيه لقوله - ع - كل شئ يابس زكي (* 1) و " ثانيهما ": حمل الامر بغسل اليد على الاستحباب من دون تقييد اطلاق المصافحة بحالة الرطوبة كما التزم بذلك بعضهم وذهب إلى استحباب غسل اليد بعد مصافحة أهل الكتاب ولا أولوية للامر الاول على الثاني بل الامر بالعكس بقرينة ما ورد في رواية القلانسي قال: قلت لابي عبد الله - ع - ألقى الذمي فيصافحني، قال: امسحها بالتراب وبالحائط. قلت: فالناصب؟ قال: اغسلها (* 2) ولعل ذلك اشارة إلى انحطاط أهل الكتاب أو من جهة التنزه عن النجاسة المعنوية أو النجاسة الظاهرية المتوهمة. هذا على ان الغالب في المصافحات يبوسة اليد فحمل الرواية على صورة رطوبتها حمل لها على مورد نادر فلا مناص من حملها على الاستحباب بهاتين القرينتين و " منها ": ما رواه أبو بصير عن أحدهما عليهما السلام في مصافحة المسلم اليهودي والنصراني، قال من وراء الثوب، فان صافحك بيده فاغسل يدك (* 3) ودلالتها على استحباب غسل اليد بعد مصافحة أهل الكتاب أظهر من سابقتها لان الامر بغسل يده لو كان مستندا إلى نجاستهم لم يكن وجه للامر بمصافحتهم من وراء الثياب وذلك لاستلزامها نجاسة الثياب فيلزمه - ع - الامر بغسل الثياب إذا كانت المصافحة من ورائها وبغسل اليد إذا كانت لامن ورائها و " منها ": ما عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى - ع - قال: سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعه واحدة، وأرقد معه على فراش واحد، وأصافحه؟ قال:


(* 1) المروية في ب 31 من ابواب احكام الخلوة من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 14 من النجاسات وغيرها من الوسائل.

[ 48 ]

لا (* 1) ونظيرها رواية هارون بن خارجة قال: قلت لابي عبد الله - ع -: إني أخالط المجوس فآكل من طعامهم، فقال: لا (* 2) ولا دلالة فيهما على نجاسة المجوس إذا لم تفرض الرطوبة في شئ من الروايتين ولابد من حمل النهي عن المواكلة والمراقدة معهم على التنزه لئلا يخالطهم المسلمون، لوضوح ان الرقود معهم على فراش واحد لا يقتضي نجاسة لباس المسلم أو بدنه حيث لا رطوبة في البين وكذا الاكل معهم في قصعة واحدة لعدم انحصار الطعام بالرطب و " منها ": صحيحة اخرى لعلي بن جعفر عن أخيه - ع - عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام، قال: إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلا ان يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل الحديث (* 3) وهي صحيحة سندا ودلالتها أيضا لا بأس بها لان الامر باغتساله بغير ماء الحمام لو كان مستندا إلى تنجس بدن النصراني بشئ من المني أو غيره - كما قد يتفق - لم يكن هذا مخصوصا به لان بدن المسلم ايضا قد يتنجس بملاقاة شئ من الاعيان النجسة فما وجه تخصيصه النصراني بالذكر؟ فمن هنا يظهر ان أمره - ع - هذا مستند إلى نجاسة النصراني ذاتا و " منها ": ما ورد في ذيل الصحيحة المتقدمة من قوله " سألته عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا إلا ان يضطر إليه " وعن الشيخ انه حمل الاضطرار على التقية وانه لا مانع من التوضوء بالماء المذكور تقية. ولا يخفى بعده لانه خلاف ظاهر الرواية بل الصحيح انه بمعنى عدم التمكن من ماء آخر غير ما باشره اليهودي أو النصراني ومعنى الرواية حينئذ انه إذا وجد ماء غيره فلا يتوضأ مما باشره أهل الكتاب وأما إذا انحصر الماء به ولم يتمكن من غيره فلا مانع من أن يتوضأ مما باشره أهل الكتاب وعلى هذا فلا دلالة لها على


(* 1) و (* 2) و (* 3) المروية في ب 14 من ابواب النجاسات وغيرها من الوسائل.

[ 49 ]

نجاستهم وإلا لم يفرق الحال في تنجس الماء وعدم جواز التوضوء به بين صورتي الاضطرار وعدمه فلا يستفاد منها غير استحباب التجنب عما باشره أهل الكتاب و " منها ": صحيحة ثالثة له عن أخيه - ع - قال: سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه؟ قال: لا بأس، ولا يصلى في ثيابهما، وقال: لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة، ولا يقعده على فراشه ولا مسجده ولا يصافحه، قال: وسألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق لللبس لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: ان اشتراه من مسلم فليصل فيه. وان اشتراه من نصراني فلا يصلى فيه حتى يغسله (* 1) ولا دلالة لها أيضا على نجاسة أهل الكتاب حيث لم تفرض الرطوبة فيما لاقاه المجوسي أو النصراني، على ان الصلاة في الثوب المستعار أو المأخوذ من أهل الكتاب صحيحة على ما يأتي عن قريب ومعه تنزل الرواية على كراهة الامور المذكورة فيها. هذا تمام الكلام في الاخبار المستدل بها عى نجاسة أهل الكتاب وقد عرفت المناقشة في أكثرها ولكن في دلالة بعضها على المدعى غنى وكفاية بحيث لو كنا وهذه الاخبار لقلنا بنجاسة أهل الكتاب لا محالة. إلا ان في قبالها عدة روايات معتبرة فيها صحاح وغير صحاح دلت بصراحتها على طهارتهم واليك نصها: " فمنها ": صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن مؤاكلة اليهود والنصراني والمجوسي فقال: إذا كان من طعامك وتوضأ فلا بأس (* 2) ومفهومها عدم جواز مؤاكلتهم إذا كان من طعامهم أو لم يتوضؤا ومن ذلك يظهر ان المنع حينئذ مستند إلى نجاسة طعامهم أو نجاسة أبدانهم العرضية الحاصلة من ملاقاة شئ


(* 1) المروية في ب 14 من ابواب النجاسات وغيرها من الوسائل. (* 2) المروية في ب 53 من الاطعمة المحرمة و 54 من النجاسات من الوسائل.

[ 50 ]

من الاعيان النجسة كلحم الخنزير وغيره إذ الطعام في كلامه - ع - لا يمكن ان يراد به الجامد منه كالتمر والخبز ونحوهما لان كل يا بس زكي وانما اريد منه الرطب وهو الطعام المطبوخ غالبا وقد تقدم النهي عن أكل طعامهم المطبوخ في بعض الاخبار ووجهناه باحد وجهين فراجع وكيف كان فالصحيحة بصراحتها دلت على طهارة أهل الكتاب بالذات وجواز المؤاكلة معهم في طعام المسلمين إذا توضؤا إذ لولا طهارتهم لم يكن وجه لجواز مواكلتهم سواء توضؤا أم لم يتوضؤا وعليه فيكون المنع عن المؤالكة من طعامهم مستندا إلى نجاستهم العرضية لا محالة و " منها ": ما رواه زكريا بن ابراهيم قال: دخلت على أبي عبد الله - ع - فقلت إني رجل من أهل الكتاب واني أسلمت وبقي أهلي كلهم على النصرانية وأنا معهم في بيت واحد لم أفارقهم بعد فآكل من طعامهم؟ فقال لي: يأكلون الخنزير؟ فقلت: لا، ولكنهم يشربون الخمر فقال لي: كل معهم واشرب (* 1) وهي صريحة الدلالة على طهارتهم بالذات وان المانع عن مؤاكلتهم ليس إلا ابتلائهم بالنجاسة العرضية الناشئة من أكل لحم الخنزير وغيره فإذا لم يأكلوه فلا مانع عن مؤاكلتهم، وأما ابتلائهم بشرب الخمر فعدم منعه عن المؤاكلة فلعله من جهة ان السائل لم يكن يبتلي بالآنية التي يشربون فيها الخمر وان شارب الخمر لا ينجس في الغالب غير شفتيه وهما تغسلان كل يوم ولا اقل من مرة واحدة فترتفع نجاستهما فلا يكون ابتلائهم بشرب الخمر مانعا من مؤاكلتهم. أوان هذه الرواية كغيرها من الاخبار الدالة على طهارة الخمر فلابد من طرحها أو تأويلها من هذه الجهة بما دل على نجاسة الخمر و " منها ": صحيحة اسماعيل بن جابر قال: قلت لابي عبد الله - ع -: ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال:


(* 1) المروية في ب 54 من ابواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 51 ]

لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله، ولا تتركه تقول انه حرام ولكن تتركه تتنزه عنه، ان في آنيتهم الخمر، ولحم الخنزير (* 1) ودلالتها على طهارة أهل الكتاب وكراهة مؤاكلتهم ظاهرة و " منها ": ما رواه عمار الساباطي عن أبي عبد الله - ع - قال: سألته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب منه على انه يهودي؟ فقال: نعم فقلت: من ذلك الماء الذي يشرب منه؟ قال: نعم (* 2) ودلالتها على المدعى واضحة إذ لولا طهارتهم لتنجس ماء الكوز والاناء بشربهم ولم يجز منه الوضوء و " منها ": صحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا - ع - الخياط، أو القصار يكون يهوديا، أو نصرانيا وأنت تعلم انه يبول ولا يتوضأ ما تقول في عمله؟ قال: لا بأس (* 3) وهذه الرواية وان أمكن حملها - بالاضافة إلى الخياط - على صورة عدم العلم بملاقاة يده الثوب رطبا إلا انها بالاضافة إلى القصار مما لا يجري فيه هذا الاحتمال لانه يغسل الثوب بيده وحيث انه - ع - نفى البأس عن عمله فتستفاد منه طهارة أهل الكتاب وعدم تنجس الثوب بملاقاتهم رطبا و " منها ": صحيحته الثانية قلت للرضا - ع -: الجارية النصرانية تخدمك وأنت تعلم انها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة، قال: لا بأس، تغسل يديها (* 4) وهي كالصريح في المدعى وذلك لان السؤال في تلك الرواية يحتمل أن يكون قضية خارجية بان كانت عنده - ع - جارية نصرانية تخدمه وقد سأله الراوي عن حكم استخدامها وعليه فيكون قوله - ع -


(* 1) المروية في ب 54 من ابواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 3 من ابواب الاسئار من الوسائل. (* 3) رواه في التهذيب في ج 2 ص 115 من الطبعة الاولى وعنه في الوافي في باب التطهير من مس الحيوانات ج 1 ص 32 م 4 (* 4) المروية في ب 14 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 52 ]

لا بأس تغسل يديها جملة خبرية ومعناها عدم الباس بخدمتها لطهارة يديها وارتفاع نجاستها العرضية بالغسل. ولكن يبعد هذا الاحتمال ان السائل من كبراء الرواة ولا يكاد يحتمل في حقه أن يسأله - ع - عن فعله فان اعتبار فعل الامام كاعتبار قوله مما لا يخفى على مثله فهل يحتمل في حقه أن يسأله - ع - عن حكم استخدام الجارية النصرانية بعد قوله: يجوز استخدام الجارية النصرانية؟ فكذلك الحال بعد فعله - ع - ويحتمل أن يكون السؤال فيها على نحو القضية الحقيقية كما هو الاظهر لان السؤال يقع على انحاء مختلفة " فتارة ": يسئل عن الغائب بقوله الرجل يفعل كذا و " أخرى ": يفرض السائل نفسه مبتلا بالواقعة من غير أن يكون مبتلا بها حقيقة كقوله: إني أصلي وأشك في كذا وكذا و " ثالثة ": يفرض المسئول عنه مبتلى بالواقعة كقوله: إذا صليت وشككت في كذا. كل ذلك على سبيل الفرض والتقدير وعليه فقوله - ع - تغسل يديها جملة انشائية وتدل على وجوب غسل اليد على الجارية وعلى كلا التقديرين الرواية تدل على طهارة اهل الكتاب وانه لامانع من استخدامهم إلا نجاستهم العرضية المرتفعة بالغسل و " منها ": ما ورد في ذيل صحيحة علي بن جعفر المتقدمة حينما سأل أخاه - ع - عن اليهودي والنصراني يدخل يده في الماء من قوله " لا إلا ان يضطر إليه " فان حمل الاضطرار في الرواية على التقية كما عن الشيخ " قده " بعيد وقد قدمنا انه بمعنى عدم وجدان ماء غيره وبذلك تكون الرواية ظاهرة في طهارة اليهود والنصارى وعدم نجاسة الماء بملاقاتهما وإلا لم يفرق الحال بين صورتي وجدان ماء آخر وعدمه. ومنها غير ذلك من الاخبار التي يستفاد منها طهارة أهل الكتاب وهي كما عرفت تامة سندا وصريحة دلالة وبعد ذلك لابد من ملاحظة المعارضة بينها وبين الاخبار الواردة في نجاستهم فنقول: مقتضى الجمع العرفي

[ 53 ]

بين الطائفتين حمل أخبار النجاسة على الكراهة لان الطائفة الثانية صريحة أو كالصريحة في طهارتهم والطائفة الاولى ظاهرة في نجاسة أهل الكتاب لان العمدة في تلك الطائفة موثقة سعيد الاعرج أو حسنته المشتملة على قوله - ع - " لا " وصحيحة علي بن جعفر المتضمنة لقوله - ع - " فيغسله ثم يغتسل " وهما كما ترى ظاهرتان في النجاسة وقابلتان للحمل على الاستحباب والكراهة وأما الطائفة الثانية التي منها صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمة فهي كالصريح في ان النهي عن مؤاكلة اهل الكتاب تنزيهي وليست بحرام فتدل على طهارتهم بالصراحة ومعه لا مناص من رفع اليد عن ظاهر الطائفة الاولى بصراحة الثانية كما جرى على ذلك ديدن الفقهاء " قدهم " في جميع الابواب الفقهية عند تعارض النص والظاهر ومن هنا ذهب صاحب المدارك والسبزواري " قدهما " إلى ذلك وحملا الطائفة الاولى على الكراهة واستحباب التنزه إلا ان معظم الاصحاب لم يرتضوا بهذا الجمع بل طرحوا أخبار الطهارة - على كثرتها - وعملوا على طبق الطائفة الثانية والمستند لهم في ذلك - على ما في الحدائق - أمران: " احدهما ": دعوى ان أخبار الطهارة مخالفة للكتاب لقوله عز من قائل: انما المشركون نجس... (* 1) وأخبار النجاسة موافقة له وقد بينا في محله ان موافقة الكتاب من المرجحات و " يدفعه ": ما تقدمت الاشارة إليه سابقا من منع دلالة الآية المباركة على نجاسة المشركين فضلا عن نجاسة أهل الكتاب وقد بينا الوجه في ذلك بما لا مزيد عليه فراجع و " ثانيهما ": ان أخبار النجاسة مخالفة للعامة لان معظم المخالفين - لولا كلهم - يعتقدون طهارة أهل الكتاب (* 2) وقد ورد في روايات أئمتنا - ع -


(* 1) التوبة 9: 28 (* 2) قدمنا شطرا من كلماتهم في هذه المسألة في ص 42 فليراجع.

[ 54 ]

الامر باخذ ما يخالف مذهب المخالفين من المتعارضين ومقتضى ذلك الاخذ بما دل على نجاسة أهل الكتاب وحمل أخبار الطهارة على التقية ولقد تعجب في الحدائق من صاحب المدارك والسبزواري " قدهما " وحمل عليهما حملة شديدة وذكر في ضمن ما ذكره استنكارا عليهما ما هذا نصه: فعدولهم عما مهده أئمتهم إلى ما احدثوه بعقولهم - حمل الظاهر على النص - واتخذوه قاعدة كلية في جميع أبواب الفقه بآرائهم من غير دليل عليه من سنة ولا كتاب جرأة واضحة لذوي الالباب وليت شعري لمن وضع الائمة - ع - هذه القواعد المستفيضة إلى ان قال وهل وضعت لغير هذه الشريعة أو ان المخاطب بها غير العلماء الشيعة؟ ما هذا إلا عجب عجاب من هؤلاء الفضلاء الاطياب انتهى ولا يخفى ان رواياتنا وان تضمنت الامر بعرض الاخبار الواردة على مذهب المخالفين والاخذ بما يخالفه إلا انه يختص بصورة المعارضة واين التعارض بين قوله - ع - لا في أخبار النجاسة وبين تصريحه - ع - بالكراهة والتنزيه في نصوص الطهارة؟ فهل ترى من نفسك انهما متعارضان؟ فإذا لم تكن هناك معارضة فلماذ تطرح نصوص الطهارة على كثرتها؟ ولم يعرض صاحب المدارك والسبزواري ومن حذى حذوهما عن قول أئمتهم وانما لم يعملوا باخبار النجاسة لعدم معارضتها مع الطائفة الدالة على الطهارة كما عرفت وحمل الظاهر على النص أمر دارج عند الفقهاء وعنده (قدس الله اسرارهم) في جميع أبواب الفقه وليت شعري ماذا كان يصنع صاحب الحدائق " قده " في كتابه لولا ذلك في موارد حمل الظاهر على النص - على كثرتها -؟ هذا كله على ان حمل أخبار الطهارة - على تضافرها - على التقية بعيد في نفسه وذلك لان التقية إما ان تكون في مقام حكمه - ع - بجواز مؤاكلة أهل الكتاب وإما ان تكون في مقام العمل بان يكون مرادهم - ع - معاملة السائلين وغيرهم معاملة الطهارة مع

[ 55 ]

أهل الكتاب وكلاهما بعيد غايته: اما حملها على التقية في مقام الحكم فلبعد ان يكون عندهم - ع - في جميع محافلهم في هذه الاخبار - على كثرتها - من يتقون لاجله ويخافون منه في حكمهم بنجاسة أهل الكتاب. وأما حملها على التقية في مقام العمل فلانه ابعد إذ كيف يأمر الامام - ع - بمعاملة الطهارة معهم بمخالطتهم ومساورتهم ومؤاكلتهم من غير أن يأمرهم بغسل أيديهم والبستهم بعد المراجعة إلى منازلهم وتمكنهم من العمل على طبق الحكم الواقعي لئلا يبطل وضوؤهم وصلاتهم وغيرهما من أعمالهم المتوقفة على الطهور. وعلى الجملة ان القاعدة تقتضي العمل باخبار الطهارة وحمل أخبار النجاسة على الكراهة واستحباب التنزه عنهم، كما أن في نفس الاخبار الواردة في المقام دلالة واضحة على ارتكاز طهارة أهل الكتاب في أذهان المتشرعة في زمانهم - ع - وانما كانوا يسألونهم عن حكم مؤاكلتهم أو غيرها لانهم مظنة النجاسة العرضية فمن هذه الاخبار صحيحتا ابراهيم بن أبي محمود المتقدمتان (* 1) المشتملتان على قوله: وأنت تعلم انها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة وقوله: وأنت تعلم انه يبول ولا يتوضأ. لان أهل الكتاب لو لم تكن طهارتهم مرتكزة في أذهان المتشرعة لم يكن حاجة إلى اضافة الجملتين المتقدمتين في السؤال لان نجاستهم الذاتية تكفي في السؤال عن حكم استخدامهم وعملهم من غير حاجة إلى اضافة ابتلائهم بالنجاسة العرضية و " منها ": صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن الثياب السابرية يعملها المجوس وهم أخباث " أجناب " وهم يشربون الخمر؟ قال: نعم.. الحديث (* 2) فان اضافة قوله: وهم أجناب وهم يشربون الخمر شاهدة على ارتكاز طهارتهم


(* 1) في ص 51 (* 2) المروية في ب 73 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 56 ]

في ذهن السائل وانما سأله عما يعملونه لكونهم مظنة للنجاسة العرضية وإلا لم تكن حاجة إلى اضافته كما هو واضح نعم في بعض النسخ وهم اخباث. إلا انه غلط ولا يناسبه قوله وهم يشربون الخمر بخلاف الجنابة بجامع النجاسة العرضية كما لعله ظاهر و " منها ": صحيحة عبد الله بن سنان قال: سأل ابي ابا عبد الله ع - وانا حاضر اني اعير الذمي ثوبي وانا اعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ثم يرده علي، فأغسله قبل ان اصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله - ع -: صل فيه ولا تغسله من اجل ذلك، فانك اعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه، فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن انه نجسه (* 1) ولولا ارتكاز طهارة الذمي في ذهن السائل - وهو من احد اصحاب الاجماع ومن اكابر الرواة - لم يزد على سئواله: وانا اعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير بل ناسب ان يقول: ولعله عرق بدنه أو لاقته يده وهي رطبة و " منها ": ما عن الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري انه كتب إلى صاحب الزمان - ع - عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة وينسجون لنا ثيابا، فهل تجوز الصلاة فيها من قبل ان تغسل؟ فكتب إليه في الجواب: لا بأس بالصلاة فيها (* 2) و " منها ": ما عن ابي جميلة عن ابي عبد الله - ع - انه سأله عن ثوب المجوسي البسه واصلي فيه؟ قال: نعم قلت: يشربون الخمر قال: نعم نحن نشتري الثياب السابرية فنلبسها ولا نغسلها (* 3) وتقريب الاستدلال بها قد ظهر مما قدمناه في الاخبار المتقدمة وبذلك ظهر ان طهارة اهل الكتاب كانت ارتكازية عند الرواة إلى آخر عصر الائمة - ع - وانما كانوا يسألونهم


(* 1) المروية في ب 74 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 73 من النجاسات وغيرها من الوسائل.

[ 57 ]

[ حتى المرتد بقسميه، واليهود، والنصارى، والمجوس، وكذا رطوباته، واجزاؤه سواء كانت مما تحله الحياة أولا (1) ] عما يعمله أهل الكتاب أو يساوره من أجل كونهم مظنة النجاسة العرضية ومن هنا يشكل الافتاء على طبق أخبار النجاسة إلا ان الحكم على طبق روايات الطهارة أشكل، لان معظم الاصحاب من المتقدمين والمتأخرين على نجاسة أهل الكتاب فالاحتياط اللزومي مما لا مناص عنه في المقام. ثم إنه إذا بنينا على نجاسة أهل الكتاب بمقتضى الاخبار المتقدمة وتسالم الاصحاب فهي إنما تختص باليهود والنصارى والمجوس ويحتاج الحكم بالنجاسة في بقية أصناف الكفار - كمنكر الضروري من المسلمين - إلى دليل وهو مفقود. وأما المرتد فان صدق عليه أحد عناوين أهل الكتاب كما إذا ارتد بتنصره أو بتهوده أو بتمجسه فحكمه حكمهم فإذا قلنا بنجاستهم فلا مناص من الحكم بنجاسته لانه يهودي أو نصراني أو مجوسي بلا فرق في ذلك بين كونه مسلما من الابتداء وبين كونه كافرا ثم أسلم. وأما إذا لم يصدق عليه شئ من عناوين أهل الكتاب فهو وان كان محكوما بالكفر لا محالة إلا ان الحكم بنجاسته ما لم يكن مشركا أو منكرا للصانع يحتاج إلى دليل وهو مفقود فان الادلة المتقدمة - على تقدير تماميتها - مختصة باهل الكتاب والمفروض عدم كونه منهم ومع ذلك فلابد من الاحتياط لذهاب المشهور إلى نجاسة الكافر على الاطلاق. (1) إذا بنينا على نجاسة أهل الكتاب أو غيرهم من الفرق المحكومة بكفرهم فهل نلحقهم في ذلك بالميتة فنفصل بين ما تحلها الحياة من اجزائهم وبين مالا تحلها الحياة بالحكم بنجاسة الاولى دون الثانية أو نلحقهم بالكلب والخنزير فنحكم بنجاسة جميع أجزائهم حتى مالا تحله الحياة؟ الظاهر هو الاول وذلك لقصور

[ 58 ]

[ والمراد بالكافر (1) من كان منكرا للالوهية، أو التوحيد، أو الرسالة، أو ضروريا من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضروريا، بحيث يرجع إنكاره إلى انكار الرسالة، والاحوط الاجتناب عن منكر الضروري مطلقا، وان لم يكن ملتفتا إلى كونه ضروريا. ] ما يقتضى نجاستهم، لانا لو سلمنا دلالة الاخبار المتقدمة على نجاسة أهل الكتاب فانما استفدناها من دلالة تلك الاخبار على نجاسة أسئارهم ولا يستكشف بذلك إلا نجاسة خصوص الجزء الملاقي منهم للطعام أو الشراب وبما انا نستعهد في الشريعة المقدسة الحكم بنجاسة بعض الاعيان وطهارة بعضها - كما هو الحال في الميتة من الحيوانات الطاهرة - فنحتمل أن يكون الكافر أيضا من هذا القبيل ومعه لا يمكننا الحكم بنجاسة اجزائه التي لاتحلها الحياة ولم يرد في شئ من الادلة نجاسة اليهودي - مثلا - بعنوانه حتى نتمسك باطلاقه لاثبات نجاسة جميع أجزائه. فلم يبق إلا دلالة الاخبار على نجاسة الكافر في الجملة إذ لا ملازمة بين نجاسة سؤره ونجاسة جميع أجزائه لان النجاسة حكم شرعي تعبدي تتبع دليلها فلا يمكن الحكم بنجاسة مالا تحله الحياة من أجزائهم لعدم قيام الدليل عليها إلا ان تحقق الشهوة الفتوائية بذهاب الاصحاب إلى نجاستهم على وجه الاطلاق يمنعنا عن الحكم بطهارة مالا تحله الحياة من اجزاء أهل الكتاب. (1) قد اعتبر في الشريعة المقدسة امور على وجه الموضوعية في تحقق الاسلام بمعنى ان انكارها أو الجهل بها يقتضى الحكم بكفر جاهلها أو منكرها وان لم يستحق بذلك العقاب لاستناد جهله إلى قصوره وكونه من المستضعفين " فمنها ": الاعتراف بوجوده جلت عظمته ووحدانيته في قبال

[ 59 ]

الشرك وتدل على اعتبار ذلك جملة من الآيات والروايات وهي من الكثرة بمكان. و " منها ": الاعتراف بنبوة النبي ورسالته - ص - وهو ايضا مدلول جملة وافية من الاخبار والآيات، منها قوله عز من قائل: وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين (* 1) و " منها ": الاعتراف بالمعاد وان اهمله فقهائنا (قدهم) إلا انا لا نرى لاهمال اعتباره وجها كيف وقد قرن الايمان به بالايمان بالله سبحانه في غير واحد من الموارد - على ما ببالي - كما في قوله عز من قائل: ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر (* 2)، وقوله: ان كن يؤمن بالله واليوم الآخر (* 3) وقوله: من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر (* 4) وقوله: من آمن بالله واليوم الآخر (* 5) إلى غير ذلك من الآيات ولا مناص معها من اعتبار الاقرار بالمعاد على وجه الموضوعية في تحقق الاسلام. وهل هناك أمر آخر يعتبر الاعتراف به في تحقق الاسلام على وجه الموضوعية ويكون انكاره سببا للكفر بنفسه؟ فيه خلاف بين الاعلام فنسب في مفتاح الكرامة إلى ظاهر الاصحاب ان انكار الضروري سبب مستقل للكفر بنفسه وذهب جمع من المحققين إلى ان انكار الضروري انما يوجب الكفر والارتداد فيما إذا استلزم تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وانكار رسالته كما إذا علم بثبوت حكم ضروري في الشريعة المقدسة وان النبي - ص - اتى به جزما ومع الوصف انكره ونفاه، لانه في الحقيقة تكذيب للنبي - ص -


(* 1) البقرة 2: 23 و 24 (* 2) النساء 4: 59 (* 3) البقرة 2: 228 (* 4) البقرة 2: 232 (* 5) البقرة 2: 177

[ 60 ]

وانكار لرسالته وهذا بخلاف ما إذا لم يستلزم انكاره شيئا من ذلك كما إذا انكر ضروريا معتقدا عدم ثبوته في الشريعة المقدسة وانه مما لم يأت به النبي - ص - إلا انه كان ثابتا فيها واقعا بل كان من جملة الواضحات فان انكاره لا يرجع حينئذ إلى انكار رسالة النبي فإذا سئل أحد - في أوائل اسلامه - عن الرباء فانكر حرمته بزعم انه كسائر المعاملات الشرعية فلا يكون ذلك موجبا لكفره وارتداده وان كانت حرمة الرباء من المسلمات في الشريعة المقدسة لعدم رجوع انكارها إلى تكذيب النبي - ص - أو انكار رسالته ومما ذكرناه يظهر ان الحكم بكفر منكر الضروري عند استلزامه لتكذيب النبي - ص - لا تختص بالاحكام الضرورية لان انكار أي حكم في الشريعة المقدسة إذا كان طريقا إلى انكار النبوة أو غيرها من الامور المعتبرة في تحقق الاسلام على وجه الموضوعية فلا محالة يقتضي الحكم بكفر منكره وارتداده هذا وعن شيخنا الانصاري " قده " التفصيل في الحكم بارتداد منكر الضروري بين المقصر وغيره بالحكم بالارتداد في الاول لاطلاق الفتاوى والنصوص دون غيره إذ لادليل على سببية انكاره للارتداد وعدم مبغوضية العمل وحرمته في حقه، وما لم يكن بمبغوض في الشريعة المقدسة يبعد ان يكون موجبا لارتداد فاعله وكفره وإذا عرفت ذلك فنقول: استدل القائل بارتداد منكر الضروري مطلقا بعدة من الاخبار وهي على طوائف ثلاث: " الاولى ": صحيحة بريد العجلي (* 1) وغيرها مما اخذ في موضوع الحكم بالكفر أدنى ما يكون


(* 1) المروية في الجزء الثاني من الطبعة الاخيرة من الكافي ص 397 وروى عنه في المجلد الاول من الوافي في باب أدنى الكفر والشرك والضلال ص 42 م 3. ثم ان هذه الرواية والرواية الثالثة وان عبر عنهما بالصحيحة في كلام المحقق الهمداني وغيره الا ان في سنديهما محمد بن عيسى عن يونس وفي نفس محمد بن عيسى كلام كما ان في خصوص روايته عن يونس كلام آخر محرر في الرجال فليراجع.

[ 61 ]

به العبد مشركا كما إذا قال للنواة انها حصاة أو للحصاة انها نواة تم دان به " الثانية ": صحيحة الكناني (* 1) وغيرها مما اخذ في موضوع الحكم بالكفر الجحد بالفريضة و " الثالثة ": صحيحة عبد الله بن سنان (* 2) وغيرها مما دل على ان من ارتكب كبيرة من الكبائر وزعم انها حلال اخرجه ذلك عن الاسلام وهذه الطائفة باطلاقها تدل على ان من زعم الحرام حلالا خرج بذلك عن الاسلام سواء أكان عالما بحرمته أم لم يكن بل وسواء كانت الحرمة ضرورية أم غير ضرورية. (أما الطائفة الاولى): فقد اسلفنا الجواب عنها سابقا وقلنا ان للشرك مراتب متعددة وهو غير مستلزم للكفر بجميع مراتبه وإلا لزم الحكم بكفر ا لمرائي في عبادته بطريق اولى، لان الرياء شرك. كما نطقت به الاخبار (* 3) بل هو اعظم من ان يقال للحصاة انها نواة أو بالعكس مع انا لانقول بكفره لان الشرك الموجب للكفر انما هو خصوص الشرك في الالوهية وعليه فلا يمكن في المقام الاستدلال بشئ من الاخبار المتضمنة للشرك. و (أما الطائفة الثانية): فالظاهر انها ايضا كسابقتها لان ظاهر الجحد هو الانكار مع العلم بالحال كما في قوله عز من قائل: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم (* 4) وقد عرفت ان انكار أي حكم من الاحكام الثابتة في الشريعة المقدسة مع العلم به يستلزمه تكذيب النبي - ص وانكار رسالته سواء كان الحكم ضروريا أم لم يكن ولاريب انه يوجب الكفر والارتداد فهو خارج عن محل الكلام إذ الكلام انما هو في ان انكار الضروري


(* 1) و (2) المرويتان في ب 2 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل. ثم ان عد رواية الكناني صحيحة كما في كلام المحقق الهمداني وغيره مبني على ان محمد بن الفضيل الواقع في سندها هو محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار الثقة وفيه كلام فليراجع مظانه. (* 3) راجع ب 11 و 12 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل. (* 4) النمل 27: 14

[ 62 ]

بما انه كذلك هل يستلزم الكفر والارتداد أو انه لا يوجب الكفر إلا مع العلم بثبوته في الشريعة المقدسة المستلزم لانكار رسالة الرسول - ص -؟ و (أما الطائفة الثالثة) وهي العمدة في المقام فعلى تقدير تماميتها لا مناص من الحكم بكفر منكر الضروري مطلقا وان لم يكن عن علم بالحكم وقد يورد على دلالتها - كما في كلام شيخنا الهمداني وغيره - بأن الصحيحة باطلاقها تشمل الاحكام الضرورية وغيرها ومقتضى ذلك هو الحكم بكفر كل من ارتكب كبيرة وزعم انها حلال وهو مما لا يمكن الالتزام به كيف ولازمه ان يكفر كل مجتهد المجتهد الآخر فيما إذا اعتقد حلية ما يرى الاول حرمته وارتكبه كما إذا بنى أحدهما على حرمة التصوير مثلا - ورأى الثاني اباحته وارتكبه حيث يصح ان يقال حينئذ ان المجتهد الثاني ارتكب كبيرة وزعم انها حلال وكذا الحال فيما إذا بنى على صحة النكاح بالفارسية وعقد بها ورأى الآخر بطلانه فانه حينئذ ارتكب كبيرة وزعم انها حلال حيث حلل ما قد حرمه الشارع واقعا فالاخذ باطلاق الصحيحة غير ممكن فلا مناص من تقييدها بأحد أمرين: فاما ان نقيدها بالضروري بأن يكون ارتكاب الكبيرة موجبا للارتداد في خصوص ما إذا كان الحكم ضروريا واما أن نقيدها بالعلم بان يقال ان ارتكاب الكبيرة والبناء على حليتها مع العلم بانها محرمة يوجب الكفر دون ما إذا لم تكن حرمتها معلومة، وحيث ان الرواية غير مقيدة بشئ وترجيح أحد التقييدين على الآخر من غير مرجح فلا محالة تصبح الرواية في حكم المجمل وتسقط عن الاعتبار. بل يمكن ان يقال التقييد بالعلم ارجح من تقييدها بالضروري لانه المناسب للفظة الجحود الواردة في الطائفة الثانية كما مر. كذا نوقش في دلالة الصحيحة إلا ان المناقشة غير واردة لعدم دوران الامر بين التقييدين المتقدمين بل المتعين ان يتمسك باطلاقها ويحكم بكفر مرتكب

[ 63 ]

الكبيرة إذا زعم انها محللة بلا فرق في ذلك بين الاحكام الضرورية وغيرها ولا بين موارد العلم بالحكم وعدمه ثم ان الالتزام بالكفر والارتداد إذا لم يصح في بعض هذه الاقسام أخرجناه عن اطلاقها ويبقى غيره مشمولا للرواية لا محالة. ولا نرى مانعا من الالتزام بالارتداد في شئ من الاقسام المتقدمة بمقتضى اطلاق الصحيحة إلا في صورة واحدة وهي ما إذا كان ارتكاب الكبيرة وزعم انها حلال مستندا إلى الجهل عن قصور كما في المجتهدين والمقلدين حيث ان اجتهاد المجتهد إذا أدى إلى اباحة حرام واقعي فلا محالة يستند ارتكابه لذلك الحرام إلى قصوره لانه الذي أدى إليه اجتهاده وكذا الكلام في مقلديه فلا يمكن الالتزام بالكفر في مثلهما وان ارتكبا الكبيرة بزعم انها حلال كيف وقد يكون المجتهد المخطئ من الاوتاد الاتقياء فالالتزام بالارتداد حينئذ غير ممكن وأما في غيره من الصور فلا مانع من التمسك باطلاق الصحيحة والحكم بكفر مرتكب الكبيرة مطلقا فلا دوران بين الامرين المتقدمين فالصحيح في الجواب عنها ان يقال: ان الكفر المترتب على ارتكاب الكبيرة بزعم حليتها ليس هو الكفر المقابل للاسلام الذي هو المقصود بالبحث في المقام وذلك لان للكفر مراتب عديدة " منها ": ما يقابل الاسلام ويحكم عليه بنجاسته وهدر دمه وماله وعرضه وعدم جواز مناكحته وتوريثه من المسلم وقد دلت الروايات الكثيرة على ان العبرة في معاملة الاسلام بالشهادتين اللتين عليهما اكثر الناس كما تأتي في محلها. و " منها ": ما يقابل الايمان ويحكم بطهارته واحترام دمه وماله وعرضه كما يجوز مناكحته وتوريثه إلا ان الله سبحانه يعامل معه معاملة الكفر في الآخرة وقد كنا سمينا هذه الطائفة في بعض أبحاثنا بمسلم الدينا وكافر الآخرة و " منها ": ما يقابل المطيع لانه كثيرا ما يطلق الكفر على العصيان ويقال ان العاصي كافر وقد ورد في تفسير قوله عز من قائل: إنا هديناه السبيل

[ 64 ]

[ وولد الكافر يتبعه في النجاسة (1) ] إما شاكرا وإما كفورا (* 1) ان الشاكر هو المطيع والكفور العاصي (* 2) وورد في بعض الروايات (* 3) ان المؤمن لا يزني ولا يكذب فقيل انه كيف هذا مع انا نرى ان المؤمن يزني ويكذب فأجابوا - ع - بأن الايمان يخرج عن قلوبهم حال عصيانهم ويعود إليهم بعده فلا يصدر منهم الكذب - مثلا - حال كونهم مؤمنين وعلى الجملة ان ارتكاب المعصية ليس باقوى من انكار الولاية لانها من أهم ما بنى عليه الاسلام كما في الخبر (* 4) وقد عقد لبطلان العبادة بدونها بابا في الوسائل فإذا لم يوجب انكارها الحكم بالنجاسة والارتداد فكيف يكون ارتكاب المعصية موجبا لهما؟ فالموضوع للاثار المتقدمة من الطهارة واحترام المال والدم وغيرهما إنما هو الاعتراف بالوحدانية والرسالة والمعاد وليس هناك شئ آخر دخيلا في تحقق الاسلام وترتب آثاره المذكورة. نعم يمكن ان يكون له دخالة في تحقق الايمان وهذا القسم الاخير هو المراد بالكفر في الرواية وهو بمعنى المعصية في قبال الطاعة وليس في مقابل الاسلام فلا يكون مثله موجبا للكفر والنجاسة وغيرهما من الآثار. (1) لا يتوقف البحث عن نجاسة ولد الكافر وطهارته على القول بنجاسة أهل اكتاب بل البحث يجري حتى على القول بطهارتهم لان الكلام حينئذ يقع في من يتولد من المشرك فان موضوع بحثنا هذا من تولد من


(* 1) الانسان 76: 3 (* 2) زرارة عن حمران بن أعين قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن قوله عزوجل: انا هديناه السيل اما شاكرا واما كفورا. قال: اما آخذ فهو شاكر واما تارك فهو كافر. ونظيرها غيرها من الاخبار المروية في ب 2 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل. (* 3) كما ورد في عدة من الاخبار المروية في الكافي ج 2 ص 280 - 284 - 285 من الطبع الحديث ورواها عنه في الوافي ج 1 ص 26 وص 170 م 3. (* 4) ورد في جملة من الروايات المروية في ب 1 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

[ 65 ]

شخصين محكومين بالنجاسة سواء أكانا من أهل الكتاب أم من غيرهم نعم على تقدير القول بنجاستهم فأولادهم أيضا يكون داخلا في محل الكلام كأولاد سائر المحكومين بالنجاسة. ثم ان البحث عن نجاسة ولد الكافر لا ينافي تسالمهم على ان حكم ولد الكافر حكمه من حيث جواز الاسر والاسترقاق وذلك لان هناك أمرين: " أحدهما " تبعية ولد الكافر لوالديه من حيث النجاسة وعدمها وهذا هو محل الكلام في المقام و " ثانيهما ": تبعية ولد الكافر له من حيث جواز الاسر والاسترقاق وهذا هو الذى تسالم عليه الاصحاب وقد ثبتت بالسيرة القطعية في حروب المسلمين حيث انهم كما كانوا يأسرون البالغين ويسترقونهم من الكفار كذلك كانوا يأسرون أولادهم واطفالهم فالتسالم على احدهما لا ينافي النزاع في الآخر ثم ان ولد الكافر ينبغي ان يخرج عن محل الكلام فيما إذا كان عاقلا رشيدا معتقدا بغير مذهب الاسلام كالتهود والتنصر ونحوهما وان كان غير بالغ شرعا لان نجاسته مسلمة ومما لااشكال فيه وذلك لانه حينئذ يهودي أو نصراني حقيقة وعدم تكليفه وكونه غير معاقب بشئ من افعاله لا ينافي تهوده أو تنصره كيف وقد يكون غير البالغ مشيدا لاركان الكفر والضلال مروجا لهما بتبليغه - كما ربما يشاهد في بعض الاطفال غير البالغين - فضلا عن أن يكون هو بنفسه كافرا وعليه فيتمحض محل الكلام فيما إذا كان ولد الكافر رضيعا أو بعد الفطام وقبل كونه مميزا بحيث كان تكلمه تبعا لوالديه متلقيا كل ما القي إليه على نهج تكلم الطيور المعلمة هذا. وقد استدل على نجاسته بوجوه: " الاول ": انه - كابويه - كافر حقيقة بدعوى ان الكفر امر عدمي وهو عدم الاسلام في محل قابل له والمفروض ان الولد ليس بمسلم كما انه محل قابل للاسلام وقد مران مجرد عدم الاسلام في المحل القابل له عبارة عن الكفر و " فيه ": ان الكفر وان كان أمرا عدميا إلا ان ظاهر الاخبار انه

[ 66 ]

ليس مطلق عدم الاسلام كفرا بل الكفر عدم خاص وهو العدم المبرز في الخارج بشئ فما دام لم يظهر العدم من احد لم يحكم بكفره فالاظهار معتبر في تحقق الكفر كما انه يعتبر في تحقق الاسلام وحيث ان الولد لم يظهر منه شئ منهما فلا يمكن الحكم بكفره ولا باسلامه " الثاني ": الاستصحاب بتقريب ان الولد - حينما كان في بطن امه علقة - كان محكوما بنجاسته لكونه دما فنستصحب نجاسته السابقة عند الشك في طهارته و " يرده ": اولا ان النجاسة حالكونه علقة موضوعها هو الدم وقد انقلب انسانا فالموضوع غير باق و " ثانيا ": ان الاستصحاب لا يثبت به الحكم الشرعي الكلي على ما بيناه في محله " الثالث ": الروايات كصحيحة عبد الله بن سنان (* 1) ورواية وهب بن وهب (* 2) وما ورد (* 3) في تفسير قوله عز من قائل: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم (* 4) حيث دلت باجمعها على ان اولاد الكفار كالكفار وانهم يدخلون مداخل آبائهم في النار كما ان اولاد المسلمين يدخلون مداخل ابائهم في الجنة لان الله اعلم بما كانوا عاملين به - على تقدير حياتهم - هذا ولا يخفى ان هذه الاخبار مخالفة للقواعد المسلمة عند العدلية حيث ان مجرد علمه تعالى بايمان احد أو كفره لو كان يكفي في صحة عقابه أو في ترتب الثواب عليه لم تكن حاجة إلى خلقه بوجه بل كان يدخله في النار أو في الجنان من غير ان يخلقه اولا ثم يميته لعلمه تعالى بما كان يعمله على تقدير حياته الا انه سبحانه خلق الخلق ليتم عليهم الحجة ويتميز المطيع من العاصي ولئلا يكون للناس


(* 1) و (* 2) المرويتان في الجزء الثالث ممن لا يحضره الفقيه ص 317 من الطبعة الحديثة وعنه في الوافي في المجلد الثالث ص 100 م 13. (* 3) راجع الجزء الثالث من الكافي ص 248 من الطبعة الاخيرة. والمجلد الثالث من الوافي ص 100 م 13. (* 4) الطور 52: 21

[ 67 ]

[ إلا إذا أسلم بعد البلوغ أو قبله مع فرض كونه عاقلا مميزا. وكان إسلامه عن بصيرة على الاقوى (1) ] على الله حجة ومعه كيف يمكن تعذيب ولد الكافر مادام لم يعص الله خارجا فهذه الاخبار غير قابلة للاستدلال بها في المقام ولا مناص من تأويلها. هذا على انها على تقدير تمامية دلالتها وصحتها بحسب السند - كما في صحيحة عبد الله به سنان - انما تدل على ان الله سبحانه يعامل معهم معاملة الكفر في النشأة الآخرة واين هذا مما نحن فيه من الحكم بنجاستهم وكفرهم في هذه النشأة؟ ولم تثب أية ملازمة بينهما وعليه فلا دليل على نجاسة ولد الكافر سوى الاجماع والتسالم القطعيين المنقولين عن أصحابنا فكما ان اصل نجاسة اهل الكتاب انما ثبت باجماعهم فكذلك نجاسة أولادهم. إلا ان هذا الاجماع ان تم وحصل لنا منه القطع أو الاطمئنان على انهم كانوا - في زمان الائمة - يعاملون مع ولد الكافر معاملة الكفر والنجاسة والا فللتوقف والمناقشة في نجاسة ولد الكافر مجال واسع. هذا كله فيما إذا كان ولد الكافر ولدا شرعيا لابويه ولو في مذهبهما. (1) إذا أقر ولد الكافر بالاسلام واجري الشهادتين على لسانه فلا محالة يحكم بطهارته وإسلامه لاطلاق مادل على تحقق الاسلام بالاقرار بالشهادتين كما يحكم بتهوده أو تنصره إذا اعترف بهما على نفسه - من غير فرق في ذلك بين البالغ وغير البالغ وعدم كونه مكلفا شرعا لا يقتضي عدم اسلامه بعد اعترافه به واعتقاده بصحته كما ذكرناه عند اعترافه بالتهود والتنصر ونحوهما ومعه لا مسوغ للحكم بنجاسته لانه إما من جهة صدق التنصر أو التهود عليه وهو مقطوع العدم في مفروض الكلام لوضوح عدم صدقهما مع اعتقاده بخلافهما واعترافه بالاسلام وإما من جهة الاجماع المدعى على نجاسة ولد الكافر وهو أيضا لا يشمل المقام لاختصاصه بالولد المتولد من شخصين كافرين من غير ان

[ 68 ]

يعتقد بالاسلام. " بقى الكلام " فيما هو الفارق بين الكفر والاسلام. هل المدار في الحكم باسلام أحد هو اعتقاده القلبي الباطني أو أن المناط في حصوله إظهاره الاسلام في الخارج أو يعتبر في حصوله كلا الامرين؟ الصحيح ان يفصل بين من حكم باسلامه من الابتداء لتولده من مسلمين أو من مسلم وكافر وبين من حكم بكفره من الابتداء وأراد ان يدخل في الاسلام بعد ذلك أما الاول فالتحقيق عدم اعتبار شئ من الامرين المتقدمين في اسلامه وانما هو محكوم بالطهارة وبالاسلام مادام لم يظهر الكفر ويدل على ذلك - مضافا إلى السيرة القطعية المتصلة بزمانهم - ع - حيث انه لم يسمع الزامهم احدا من المسلمين بالاقرار بالشهادتين حين بلوغه نعم إذا جحد وانكر شيئا من الاحكام الاسلامية مع العلم بثبوته يحكمون بكفره وارتداده كما اسلفناه في البحث عن حصول الكفر بانكار الضروري - جملة من الروايات الواردة في المقام بمضامين مختلفة " منها ": ما رواه زرارة عن ابى عبد الله - ع - قال: لو ان العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا (* 1) حيث رتب الكفر - في المسلمين - على الجحود لانهم المراد بالعباد بقرنية قوله - ع - لم يكفروا لبداهة انه لا معنى للجملة المذكورة بالاضافة إلى الكفار وعليه فما دام المسلم لم يجحد بشئ من الاحكام الاسلاميه فهو محكوم بالطهارة والاسلام و " منها ": ما عن محمد بن مسلم قال كنت عند ابي عبد الله - ع - جالسا عن يساره وزرارة عن يمينه فدخل عليه أبو بصير فقال: يا ابا عبد الله ما تقول فيمن شك في الله؟ فقال: كافر يا أبا محمد قال: فشك في رسول الله - ص - فقال: كافر ثم التفت إلى زرارة فقال: انما يكفر إذا جحد (* 2) ومنها غير ذلك من الاخبار التي تدل على عدم اعتبار شئ


(* 1) المروية في ب 2 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 6 من ابواب حد المرتد من الوسائل.

[ 69 ]

من الامرين المتقدمين في اسلام من حكم باسلامه من الابتداء: وأما من حكم بكفره كذلك فالحكم بطهارته يتوقف على ان يظهر الاسلام بالاقرار بالشهادتين وان كان اقرارا صوريا ولم يكن معتقدا به حقيقة وقلبا يدل عليه - مضافا إلى السيرة المتحققة فان النبي - ص - كان يكتفي في اسلام الكفرة بمجرد اجرائهم الشهادتين باللسان مع القطع بعدم كونهم باجمعهم معتقدين بالاسلام حقيقة والى قوله عز من قائل: والله يشهد ان المنافقين لكاذبون (* 1) وقوله: ولما يدخل الايمان في قلوبكم (* 2) حيث انه سبحانه اخبر في الآية الاولى عن كذب المنافقين في اعترافهم برسالته - ص - واعترض في الثانية على دعواهم الايمان ومع ذلك كله كان - ص - يعامل معهم معاملة الطهارة والاسلام. اضف إلى ذلك: ان بعض الصحابة لم يؤمنوا بالله طرفة عين وانما كانوا يظهرون الشهادتين باللسان وهو - ص - مع علمه بحالهم لم يحكم بنجاستهم ولا بكفرهم - ما ورد في غير واحد من الاخبار من ان الاسلام ليس الا عبارة عن الاقرار بالشهادتين (* 3) كما نطق بذلك أيضا بعض ما ورد من غير طرقنا ففي صحيح البخاري (* 4) عن النبي - ص - اني اقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله الا الله وان محمدا رسول الله كي يصون بذلك دماءهم وأموالهم منى. وعلى الجملة ان احترام الدماء والاموال وغيرهما من الاثار مترتب على اظهار الشهادتين ولا يعتبر في ترتبها


(* 1) المنافقون 63: 1 (* 2) الحجرات 49: 14 (* 3) يراجع ب 1 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل. (* 4) صحيح البخاري الجزء الاول ص 10 - 11 عن ابن عمر ان رسول الله - ص - قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحق الاسلام وحسابهم على الله. وفي 38 - 39 رواه عن عمر باختلاف يسير. وأخرجه مسلم في الجزء الاول من صحيحه ص 39 وفي كنز العمال ص 23 الجزء الاول بكيفيات مختلفة.

[ 70 ]

[ ولا فرق في نجاسته بين كونه من حلال أو من الزنا (1) ولو في مذهبه. ] الاعتقاد بالاسلام قلبا وحقيقة. نعم انما يعتبر العقد القلبي في الايمان ومع فقده يعامل الله سبحانه معه معاملة الكفر في الآخرة وهو الذى نصطلح عليه بمسلم الدنيا وكافر الآخرة فالذي تحصل ان المدار في الاسلام انما هو على إجراء الشهادتين باللسان دون العقد القلبي ولا هما معا. (1) قد تقدم الكلام في ولد الكافر فيما إذا كان ولدا شرعيا لابويه. وأما إذا كان الولد عن زنا - ولو في مذهبهما - فهل يحكم بنجاسته بناء على نجاسة ولد الكافر الحلال؟ فقد يتردد في الحكم بنجاسته نظرا إلى ان المراد بالولد ان ان كان هو الولد الشرعي لوالديه فلا يمكننا الحكم بنجاسة ولدهما عن زنا لانه ليس بولد شرعي للزاني ولا للزانية. وان اريد منه الولد لغة فهو كما يشمل الولد الحلال كذلك يشمل الولد الحرام، حيث انه نشأ من ماء احدهما وتربى في بطن الآخر فلا مناص من الحكم بنجاسته. هذا والصحيح ان ولد الزنا أيضا ولد لهما شرعا ولغة وعرفا فان الولد ليس له اصطلاح حادث في الشرع وانما هو على معناه اللغوى ولم يرد في شئ من روايتنا نفى ولدية ولد الزنا نعم انما ثبت انتفاء التوارث بينهما فلا يرثانه كما لا يرثهما وهو لا ينافى ولديته، كيف وقد ثبت انتفاء التوارث بين الولد ووالديه في غير واحد من المقامات من غير استلزامه نفي الولدية بوجه كما فيمن قتل أباه أو كان الولد كافرا اورقا حيث لا توارث حينئذ من غير ان يكون ذلك موجبا لسلب ولديته. أما قوله - ع - الولد للفراش وللعاهر الحجر (* 1) فهو انما ورد في مقام الشك في ان الولد من الزوج أو الزنا وقد دل على انه يعطى للفراش وللعاهر الحجر ولا دلالة له على نفى ولدية ولد الزنا


(* 1) ورد ذلك في جملة من الاخبار المروية في ب 58 من ابواب نكاح العبيد والاماء من الوسائل.

[ 71 ]

[ ولو كان أحد الابوين مسلما فالولد تابع له إذا لم يكن عن زنا (1) بل مطلقا (2) على وجه مطابق لاصل الطهارة. (مسألة 1) الاقوى طهارة ولد الزنا (3) من المسلمين، سواء كان من طرف أو طرفين، بل وان كان أحد الابوين مسلما كما مر ] بوجه وذلك فان الولد ليس الا بمعنى تكونه من ماء احدهما وتربية في بطن الاخر وهو متحقق في ولد الزنا ايضا كما مر وعليه فلا مناص من الحكم بنجاسة ولد الكافر الحرام إذا قلنا بنجاسة ولد الكافر عند كونه حلالا في مذهبه. هذا كله فيما إذا كان ابواه كافرين. (1) إذا حصل الولد عن زنا بين مسلم وكافرة ولم يكن العمل ممنوعا عنه في مذهبها أو كانت جاهلة بالحال الا انه كان محرما في مذهب الاسلام فهل يحكم بنجاسته؟ الصحيح ان يحكم بطهارته لان الولدية بمعنى التوارث وان كانت ثابتة بينه وبين امها كما انه ولد لابيه - على ما بيناه - الا ان المقتضى لنجاسته قاصر حيث ان الدليل على نجاسة ولد الكافر منحصر بالاجماع وهو مختص بالمتولد من كافرين ولا يشمل المتولد من مسلم وكافرة وعليه فمقتضى قاعدة الطهارة طهارته ومن هذا يظهر الحال في صورة العكس كما إذا زنى كافر بمسلمة وذلك لاختصاص دليل النجاسة بصورة كون الولد متولدا من كافرين فإذا كان احدهما مسلما فلا مقتضى للحكم بنجاسته سواء أكان الولد ولدا شرعيا لهما أو لاحدهما ام كان من الزنا. (2) قد عرفت الوجه في ذلك آنفا. (3) نسبت إلى علم الهدى والحلي والصدوق " قدهم " القول بكفر ولد الزنا من المسلمين ونجاسته، وذهب المشهور إلى طهارته واسلامه. واستدل على

[ 72 ]

نجاسته بامور: " منها ": ما ورد في رواية عبد الله بن يعفور (1) من أن ولد الزنا لا يطهر إلى سبعة آباء. ويدفعه ان الرواية ناظرة إلى بيان الخباثة المعنوية المتكونة في ولد الزنا وان اثارها لاتزول عنه إلى سبعة آباء ولانظر لها إلى الطهارة المبحوث عنها في المقام، ويدل على ذلك ان المتولد من ولد الزنا ممن لاكلام عندهم أي عند السيد وقرينيه في طهارته فضلا عن طهارته إلى سبعة اباء و " منها ": مرسلة الوشا (* 2) انه كره - ع - سؤر ولد الزنا، واليهودي والنصراني، والمشرك، وكل من خالف الاسلام وكان أشد ذلك عنده سؤر الناصب. وفيه انه لا دلالة في كراهة سؤر ولد الزنا على نجاسته ولعل الكراهة مستندة إلى خباثته المعنوية كما مر و " منها ": الاخبار الناهية عن الاغتسال من البئر التي تجتمع فيها غسالة ماء الحمام (* 3) معللا بان فيها غسالة ولد الزنا أو بانه يسيل فيها ما يغستل به الجنب وولد الزنا. والجواب عنها ان النهي في تلك الروايات مستند الي القذارة العرفية المتوهمة ولا دلالة لها على نجاسة ولد الزناء، وذكره مقارنا للنصارى واليهود لا يقتضي نجاسته إذ النهى بالاضافة إليهم ايضا مستند إلى الاستقذار العرفي كما اشير إليه في بعض الروايات حيث قيل لابي الحسن - ع - ان اهل المدينة يقولون: ان فيه " أي في ماء الحمام " شفاء من العين، فقال: كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام والزاني والناصب الذى هو شرهما وكل من خلق الله. ثم يكون فيه شفاء من العين؟! (4) بمعنى انه ماء متقذر فكيف يكون فيه شفاء من العين. ويدل على ما ذكرناه أيضا ان ولد


(* 1) المروية في ب 11 من ابواب الماء المضاف من الوسائل. (* 2) المروية في ب 3 من ابواب الاسئار من الوسائل. (* 3) راجع ب 11 من ابواب الماء المضاف من الوسائل. (* 4) وهي رواية محمد بن علي بن جعفر عن أبي الحسن الرضا - ع - المروية في ب 11 من ابواب الماء المضاف من الوسائل.

[ 73 ]

[ (مسألة 2) لا إشكال في نجاسة الغلاة (1) ] الزنا قد قورن في بعض الروايات (* 1) بالجنب والزاني، مع انهما ممن لااشكال في طهارته كما هو ظاهر و " منها ": موثقة زرارة قال: سمعت ابا جعفر - ع - يقول لاخير في ولد الزنا ولا في بشره، ولا في شعره، ولا في لحمه، ولا في دمه ولا في شئ منه يعني ولد الزنا (* 2) و " منها ": حسنة محمد بن مسسلم عن ابي جعفر - ع - قال: لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية احب إلي من ولد الزنا.. (* 3) وعدم دلالتهما على نجاسة ولد الزنا أظهر من ان يخفى فان كون لبن اليهودية والنصرانية والمجوسية خيرا من ولد الزنا لا يقتضي نجاسته وانما هو من جهة خباثته وتأثيرها في لبنها، كما ان نفي الخير عنه لا يلازم النجاسة، فالصحيح ان ولد الزنا مسلم و محكوم بطهارته لقاعدة الطهارة كما ذهب إليه المشهور من غير فرق في ذلك بين ان يكون الولد من مسلمين وبين ان يكون من مسلم وغير مسلم (1) الغلاة على طوائف: فمنهم من يعتقد الربوبية لامير المؤمنين أو أحد الائمة الطاهرين - ع - فيعتقد بانه الرب الجليل وانه الآله لمجسم الذي نزل إلى الارض وهذه النسبة لو صحت وثبت اعتقادهم بذلك فلا اشكال في نجاستهم وكفرهم لانه انكار لالوهيته سبحانه لبداهة انه لافرق في إنكارها بين دعوى ثبوتها لزيد أو للاصنام وبين دعوى ثبوتها لامير المؤمنين - ع - لاشتراكهما في انكار الوهيته تعالى وهو من احد الاسباب الموجبة للكفر. ومنهم من ينسب إليه الاعتراف بالوهيته سبحانه إلا انه يعتقد ان الامور


(1) كما في روايتي حمزة بن أحمد ومحمد بن علي بن جعفر المرويتين في ب 11 من ابواب الماء المضاف من الوسائل. (* 2) ثواب الاعمال ص 254 - 255 من الطبعة الاخيرة عام 1375 وعنه في البحار ج 5 ص 285 من الطبعة لاخيرة. (* 3) المروية في ب 75 من ابواب احكام الاولاد من الوسائل.

[ 74 ]

الراجعة إلى التشريع والتكوين كلها بيد امير المؤمنين أو احدهم - ع - فيرى انه المحيي والمميت وانه الخالق والرازق وانه الذي أيد الانبياء السالفين سرا وأيد النبي الاكرم - ص - جهرا. واعتقادهم هذان وان كان باطلا واقعا وعلى خلاف الواقع حقا حيث ان الكتاب العزيز يدل على ان الامور الراجعة إلى التكوين والتشريع كلها بيد الله سبحانه إلا انه ليس مما له موضوعية في الحكم بكفر الملتزم به نعم الاعتقاد بذلك عقيدة التفويض لان معناه ان الله سبحانه كبعض السلاطين والملوك قد عزل نفسه عما يرجع إلى تدبير مملكته وفوض الامور الراجعة إليها إلى أحد وزرائه وهذا كثيرا ما يترائى في الاشعار المنظومة بالعربية أو الفارسية حيث ترى ان الشاعر يسند إلى أمير المؤمنين - ع - بعضا من هذه الامور وعليه فهذا الاعتقاد انكار للضروري فان الامور الراجعة إلى التكوين والتشريع مختصة بذات الواجب تعالى فيبتنى كفر هذه الطائفة على ما قدمناه من ان انكار الضروري هل يستتبع الكفر مطلقا أو انه إنما يوجب الكفر فيما إذا رجع إلى تكذيب النبي - ص - كما إذا كان عالما بان ما ينكره ثبت بالضرورة من الدين؟ فنحكم بكفرهم على الاول وأما على الثاني فنفصل بين من اعتقد بذلك لشبهة حصلت له بسبب ما ورد في بعض الادعية وغيرها مما ظاهره انهم - ع - مفوضون في تلك الامور من غير أن يعلم باختصاصها لله سبحانه وبين من اعتقد بذلك مع العلم بان ما يعتقده مما ثبت خلافه بالضرورة من الذين بالحكم بكفره في الصورة الثانية دون الاولى ومنهم من لا يعتقد بربوبية أمر المؤمنين - ع - ولا بتفوض الامور إليه وإنما يعتقد أنه - ع - وغيره من الائمة الطاهرين ولاة الامر وأنهم عاملون لله سبحانه وأنهم أكرم المخلوقين عنده فينسب إليهم الرزق والخلق ونحوهما - لا بمعنى إسنادها إليهم - ع - حقيقة لانه يعتقد أن العامل فيها حقيقة هو الله - بل كاسناد

[ 75 ]

[ والخوارج (1) والنواصب (2) ] الموت إلى ملك الموت والمطر إلى ملك المطر والاحياء إلى عيسى - ع - كما ورد في الكتاب العزيز: وأحي الموتى باذن الله (* 1) وغيره مما هو من إسناد فعل من أفعال الله سبحانه إلى العاملين له بضرب من الاسناد. ومثل هذا الاعتقاد غير مستتبع للكفر ولا هو إنكار للضروري فعد هذا القسم من أقسام الغلو نظير ما نقل عن الصدوق " قده " عن شيخه إبن الوليد: إن نفي السهو عن النبي - ص - أول درجة الغلو. والغلو - بهذا المعنى الاخير - مما لا محذور فيه بل لا مناص عن الالتزام به في الجملة. (1) إن أريد بالخوارج الطائفة المعروفة - خذلهم الله - وهم المعتقدون بكفر أمير المؤمنين - ع - والمتقربون إلى الله ببغضه ومخالفته ومحاربته فلا إشكال في كفرهم ونجاستهم لانه مرتبة عالية من النصب الذي هو بمعنى نصب العداوة لامير المؤمنين وأولاده المعصومين - ع - فحكمهم حكم النصاب ويأتي أن الناصب محكوم بكفره ونجاسته. وإن أريد منهم من خرج على إمام عصره من غير نصب العدواة له ولا إستحلال لمحاربته بل يعتقد إمامته ويحبه إلا أنه لغلبة شقوته ومشتهيات نفسه من الجاه والمقام إرتكب ما يراه مبغوضا لله سبحانه فخرج على إمام عصره فهو وإن كان في الحقيقة أشد من الكفر والالحاد إلا أنه غير مستتبع للنجاسة المصطلحة لانه لم ينكر الالوهية ولا النبوة ولا المعاد ولا أنكر أمرا ثبت من الدين بالضرورة. (2) وهم الفرقة الملعونة التي تنصب العداوة وتظهر البغضاء لاهل البيت عليهم السلام كمعاوية ويزيد (لعنهما الله) ولا شبهة في نجاستهم وكفرهم هذا لا للاخبار الواردة في كفر المخالفين كما تأتي جملة منها عن قريب لان الكفر


(* 1) آل عمران 3: 49

[ 76 ]

فيها انما هو في مقابل الايمان ولم يرد منه ما يقابل الاسلام. بل لما رواه ابن أبي يعفور في الموثق عن أبي عبد الله - ع - في حديث قال: واياك أن تغستل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي، والنصراني، والمجوسي، والناصب لنا أهل البيت فهو شرهم فان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وان الناصب لنا أهل البيت لانجس منه (* 1) حيث ان ظاهرها ارادة النجاسة الظاهرية الطارئة على أعضاء الناصب لنصبه وكفره وهذا من غير فرق بين خروجه على الامام - ع - وعدمه لان مجرد نصب العدواة واعلانها على أئمة الهدى - ع - كاف في الحكم بكفره ونجاسته وقد كان جملة من المقاتلين مع الحسين - ع - من النصاب وإنما أقدموا على محاربته من أجل نصبهم العدواة لأمير المؤمنين وأولاده. ثم ان كون الناصب أنجس من الكلب لعله من جهة ان الناصب نجس من جهتين وهما جهتا ظاهره وباطنه لان الناصب محكوم بالنجاسة الظاهرية لنصبه كما انه نجس من حيث باطنه وروحه وهذا بخلاف الكلب لان النجاسة فيه من ناحية ظاهره فحسب و " دعوى ": ان الحكم بنجاسة الناصب بعيد لكثرة النصب في دولة بني امية ومساورة الائمة - ع - وأصحابهم مع النصاب حيث كانوا يدخلون بيوتهم كما انهم كانوا يدخلون على الائمة - ع - ومع ذلك لم يرد شئ من رواياتنا ما يدل على لزوم التجنب عن مساورتهم ولا ان الائمة اجتنبوا عنهم بانفسهم فهذا كاشف قطعي عن عدم نجاسة الناصب لانه لولا ذلك لاشاروا - ع - بذلك وبينوا نجاسة الناصب ولو لاصحابهم وقد وقد عرفت أنه لاعين ولا أثر منه في شئ من رواياتنا " مدفوعة ": بما نبه عليه شيخنا الانصاري " قده " وحاصله ان انتشار أغلب الاحكام انما كان في عصر الصادقين - ع - فمن الجائز أن يكون كفر النواصب أيضا منتشرا في


(* 1) المروية في ب 11 من ابواب الماء المضاف من الوسائل.

[ 77 ]

[ وأما المجسمة (1) ] عصرهما - ع - فمخالطة أصحاب الائمة معهم في دولة بني أمية انما كانت من جهة عدم علمهم بنجاسة الناصب في ذلك الزمان و توضيحه: ان النواصب انما كثروا من عهد معاوية إلى عصر العباسيين لان الناس مجبولون على دين ملكوهم والمرؤس يتقرب إلى رئيسه بما يحبه الرئيس وكان المعاوية يسب أمير المؤمنين - ع - علنا ويعلن عدواته له جهرا ولاجله كثر النواصب في زمانه إلى عصر العباسيين. ولا يبعد أنهم - ع - لم يبينوا نجاسة الناصب في ذلك العصر مراعاة لعدم تضيق الامر على شيعتهم فان نجاسة الناصب كانت توقعهم في حرج شديد لكثرة مساورتهم ومخالطتهم معه أو من جهة مراعاة الخوف والتقية فانهم كانوا جماعة كثيرين ومن هنا أخروا بيانها إلى عصر العباسيين حيث انهم كانوا يوالون الائمة - ع - ظاهرا ولاسيما المأمون ولم ينصب العدواة لاهل البيت إلا قليل. وما ذكرناه هو السر في عدم اجتناب أصحابهم عن الناصب وأما الائمة بانفسهم فلم يظهر عدم تجنبهم عنهم بوجه ومعه لا مسوغ لرد ما ورد من الرواية في نجاستهم بمجرد استعباد كفره وان الناصب لو كان نجسا لبينها الائمة - ع - لاصحابهم وخواصهم. (1) وهم على طائفتين فان منهم من يدعي ان الله سبحانه جسم حقيقة كغيره من الاجسام وله يد ورجل إلا انه خالق لغيره وموجد لسائر الاجسام فالقائل بهذا القول ان التزم بلازمه من الحدوث والحاجة إلى الحيز والمكان ونفي القدمة فلا اشكال في الحكم بكفره ونجاسته لانه انكار لوجوده سبحانه حقيقة وأما إذا لم يلتزم بذلك بل اعتقد بقدمه تعالى وانكر الحاجة فلا دليل على كفره ونجاسته وان كان اعتقاده هذا باطلا ومما لا أساس له. ومنهم من يدعى أنه تعالى جسم ولكن لا كسائر الاجسام كما ورد انه شئ

[ 78 ]

لا كالاشياء (* 1) فهو قديم غير محتاج. ومثل هذا الاعتقاد لا يستتبع الكفر والنجاسة أما استلزامه الكفر من أجل انه انكار للضروري حيث ان عدم تجسمه من الضروري فهو يبتني على الخلاف المتقدم من أن انكار الضروري هل يستلزم الكفر مطلقا أو أنه انما يوجب الكفر فيما إذا كان المنكر عالما بالحال بحيث كان انكاره مستلزما لتكذيب النبي - ص - هذا. والعجب عن صدر المتألهين حيث ذهب إلى هذا القول في شرحه على الكافي (* 2) وقال ما ملخصه: انه لامانع من التزام انه سبحانه جسم إلهي فان للجسم أقساما " فمنها ": جسم مادي وهو كالاجسام الخارجية المشتملة على المادة لا محالة. و " منها " جسم مثالي وهو الصورة الحاصلة للانسان من الاجسام الخارجية وهي جسم لامادة لها. و " منها ": جسم عقلي وهو الكلي المتحقق في الذهن وهو أيضا مما لامادة له بل وعدم اشتماله عليها أظهر من سابقه. و " منها ": جسم إلهي وهو فوق الاجسام باقسامها وعدم حاجته إلى المادة أظهر من عدم الحاجة إليها في الجسم العقلي و " منها ": غير ذلك من الاقسام ولقد صرح بان المقسم لهذه الاقسام الاربعة هو الجسم الذي له ابعاد ثلاثة من العمق والطول والعرض. وليت شعري ان ما فيه هذه الابعاد وكان عمقه غير طوله وهما غير عرضه كيف لا يشتمل على مادة ولايكون متركبا حتى يكون هو الواجب سبحانه؟! نعم عرفت ان الالتزام بهذه العقيدة الباطلة غير مستتبع لشئ من الكفر والنجاسة كيف واكثر المسلمين - لقصور باعهم - يعتقدون ان الله سبحانه جسم جالس على عرشه ومن ثمة يتوجهون نحوه توجه جسم إلى جسم مثله لاعلى نحو التوجه القلبي.


(* 1) ورد مضمونه في ص 82 إلى 85 من الجزء الاول من الكافي " الطبعة الحديثة " ورواها عنه في الوافي ج 1 ص 83. (* 2) في الحديث الثامن من الباب الحادي عشر من كتاب التوحيد.

[ 79 ]

[ والمجبرة (1) ] (1) القائلون بالجبران إن التزموا بتوالي عقيدتهم من ابطال التكاليف والثواب والعقاب بل واسناد الظلم إلى الله تعالى لانه لازم اسناد الافعال الصادرة عن المكلفين إليه سبحانه ونفى قدرتهم عنها نظير حركة يد المرتعش فلا تأمل في كفرهم ونجاستهم لانه ابطال للنبوات والتكاليف. وأما إذا لم يلتزموا بها - كما لا يلتزمون - حيث اعترفوا بالتكاليف والعقاب والثواب بدعوى انهما لكسب العبد وان كان فعله خارجا عن تحت قدرته واختياره واستشهدوا عليه بجملة من الآيات كقوله عز من قائل: ولا تكسب كل نفس إلا عليها (* 1) وقوله: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت (* 2) وقوله: لها ما كسبت ولكم ما كسبتم (* 3) وقوله: كل امرئ بما كسب رهين (* 4) إلى غير ذلك من الآيات فلا يحكم بكفرهم فان مجرد اعتقاد الجبر غير موجب له ولاسيما بملاحظة ما ورد من أن الاسلام هو الاعتراف بالشهادتين اللتين عليهما اكثر الناس لان لازمه الحكم بطهارة المجبرة واسلامهم لاعترافهم بالشهادتين مضافا إلى استبعاد نجاستهم وكفرهم - على كثرتهم - حيث أن القائل بذلك القول هو الاشاعرة وهم أكثر من غيرهم من العامة. نعم عقيدة الجبر من العقائد الباطلة في نفسها. وأما المفوضة فحالهم حال المجبرة فانهم إذا التزموا بما يلزم مذهبهم من اعطاء السلطان للعبد في قبال سلطانه تعالى فلا مناص من الحكم بكفرهم ونجاستهم لانه شرك لا محالة. وأما إذا لم يلتزموا بلوازم اعتقادهم - كما هو الواقع - حيث انهم أرادوا بذلك الفرار عما يلزم المجبرة من اسناد الظلم إلى الله سبحانه - لوضوح ان العقاب على ما لا يتمكن منه العبد ظلم


(* 1) الانعام 6: 164 (* 2) البقرة 2: 286 (* 3) البقرة 2: 134 (* 4) الطور 52: 21

[ 80 ]

قبيح - وان وقعوا في محذور آخر أشد - من حيث لا يشعرون - وهو إيجاد الشريك لله تعالى في سلطانه، فلا يستلزم اعتقادهم هذا شيئا من النجاسة والكفر. وأما ما ورد في بعض الروايات (* 1) من أن القائل بالتفويض مشرك فقد ظهر جوابه مما ذكرناه سابقا من أن للشرك مراتب عديدة وهو غير مستتبع للكفر على اطلاقه كيف ولا اشكال في اسلام المرائي في عبادته مع أن الرياء شرك بالله سبحانه فالشرك المستلزم للكفر انما هو الاشراك في ذاته تعالى أو في عبادته لانه المقدار المتيقن من قوله تعالى: انما المشركون نجس (* 2) على تقدير دلالته على نجاسة المشرك لان هؤلاء المشركين لم يكونوا إلا عبدة الاصنام والاوثان فالذي يعبد غير الله تعالى أو يشرك في ذاته هو المحكوم بكفره دون مطلق المشرك. ثم ان القول بالجبر والقول بالتفويض لما كانا في طرفي النقيض وكان يلزم على كل منهما محذور فقد نفاهما الائمة الهداة عليهم صلوات الله الملك المتعال وأثبتوا الامر بين الامرين قائلا: بانه لاجبر ولا تفويض بل منزلة بينهما (* 3) فان في الفعل اسنادين: اسناد إلى الله سبحانه وهو اسناد الافاضة والاقدار دون اسناد الفعل إلى فاعله واسناد إلى فاعله اسناد العمل إلى عامله. وقد ذكر شيخنا الاستاذ " قده " ان في هذه الاخبار الشريفة المثبتة للمنزلة بين المنزلتين لدلالة واضحة على ولايتهم صلوات الله عليهم اجمعين حيث ان الالتفات إلى هذه الدقيقة التي يتحفظ فيها على كلتا الجهتين عدالة الله وسلطانه لا يكون إلا عن منشأ إلهي ولنعم ما أفاده.


(* 1) المروية في ب 6 من ابواب حد المرتد من الوسائل. (* 2) التوبة 9: 28 (* 3) راجع الجزء الاول من الكافي ص 155 إلى 160 من الطبعة الحديثة ورواها عنه في المجلد الاول من الوافي ص 117 إلى 120

[ 81 ]

[ والقائلون بوحدة الوجود من الصوفية (1) إذا التزموا بأحكام الاسلام فالاقوى عدم نجاستهم إلا مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد ] (1) القائل بوحدة الوجود ان اراد ان الوجود حقيقة واحدة ولا تعدد في حقيقته وانه كما يطلق على الواجب كذلك يطلق على الممكن فهما موجودان وحقيقة الوجود فيهما واحدة والاختلاف انما هو بحسب المرتبة لان الوجود الواجبي في أعلى مراتب القوة والتمام، والوجود الممكني في انزل مراتب الضعف والنقصان وان كان كلاهما موجودا حقيقة وأحدهما خالق للاخر وموجد له فهذا في الحقيقة قول بكثرة الوجود والموجود معا نعم حقيقة الوجود واحدة فهو مما لا يستلزم الكفر والنجاسة بوجه بل هو مذهب اكثر الفلاسفة بل مما أعتقده المسلمون وأهل الكتاب ومطابق لظواهر الآيات والادعية فترى انه - ع - يقول أنت الخالق وأنا المخلوق وانت الرب وانا المربوب (* 1) وغير ذلك من التعابير الدالة على ان هناك موجودين متعددين أحدهما موجد وخالق للآخر ويعبر عن ذلك في الاصطلاح بالتوحيد العامي. وان أراد من وحدة الوجود ما يقابل الاول وهو أن يقول بوحدة الوجود والموجود حقيقة وانه ليس هناك في الحقيقة إلا موجود واحد ولكن له تطورات متكثرة واعتبارات مختلفة لانه في الخالق خالق وفي المخلوق مخلوق كما انه في السماء سماء وفي الارض أرض وهكذا وهذا هو الذي يقال له توحيد خاص الخاص وهذا القول نسبه صدر المتألهين إلى بعض الجهلة من المتصوفين - وحكي عن بعضهم انه قال: ليس في جبتي سوى الله - وانكر نسبته إلى أكابر الصوفية ورؤسائهم، وانكاره هذا هو الذي يساعده الاعتبار فان العاقل كيف يصدر منه هذا الكلام وكيف


(* 1) كما في دعاء يستشير وغيره من الادعية.

[ 82 ]

يلتزم بوحدة الخالق ومخلوقه ويدعي اختلافهما بحسب الاعتبار؟! وكيف كان فلا إشكال في ان الالتزام بذلك كفر صريح وزندقة ظاهرة لانه إنكار للواجب والنبي - ص - حيث لا امتياز للخالق عن المخلوق حينئذ الا بالاعتبار وكذا النبي - ص - وابو جهل - مثلا - متحدان في الحقيقة على هذا الاساس وانما يختلفان بحسب الاعتار وأما إذا اراد القائل بوحدة الوجود ان الوجود واحد حقيقه ولا كثرة فيه من جهة وانما الموجود متعدد ولكنه فرق بين بين موجودية الوجود وبين موجودية غيره من الماهيات الممكنة لان اطلاق الموجود على الوجود من جهة انه نفس مبدء الاشتقاق. واما اطلاقه على الماهيات الممكنة فانما هو من جهة كونها منتسبة إلى الموجود الحقيقي الذي هو الوجود لا من أجل انها نفس مبدء الاشتقاق ولا من جهة قيام الوجود بها، حيث ان للمشتق اطلاقات فقد يحمل على الذات من جهة قيام المبدء به كما في زيد عالم أو ضارب لانه بمعنى من قام به العلم أو الضرب. وأخرى يحمل عليه لانه نفس مبدء الاشتقاق كما عرفته في الوجود والموجود. وثالثة من جهة اضافته إلى المبدء نحو اضافة وهذا كما في اللابن والتامر لضرورة عدم قيام اللبن والتمر ببايعهما إلا ان البايع لما كان مسندا ومضافا اليهما نحو اضافة - وهو كونه بايعا لهما - صح اطلاق اللابن والتامر على بايع التمر واللبن، واطلاق الموجود على الماهيات الممكنة من هذا القبيل، لانه بمعنى انها منتسبة ومضافة إلى الله سبحانه باضافة يعبر عنها بالاضافة الاشراقية فالموجود بالوجود الانتسابي متعدد والموجود الاستقلالي الذي هو الوجود واحد. وهذا القول منسوب إلى أذواق المتألهين فكأن القائل به بلغ أعلى مراتب التأله حيث حصر الوجود بالواجب سبحانه ويسمى هذا توحيدا خاصيا. ولقد اختار ذلك بعض الاكابر ممن عاصرناهم وأصر عليه غاية الاصرار مستشهدا بجملة وافرة من الآيات والاخبار حيث

[ 83 ]

[ (مسألة 3) غير الاثنا عشرية من فرق الشيعة إذا لم يكونوا ناصبين ومعادين لسائر الائمة ولا ساببن لهم طاهرون (1) ] انه تعالى قد اطلق عليه الموجود في بعض الادعية (* 1) وهذا المدعى وان كان أمرا باطلا في نفسه لابتنائه على اصالة الماهية - على ما تحقق في محله - وهي فاسدة لان الاصيل هو الوجود إلا انه غير مستتبع لشئ من الكفر والنجاسة والفسق. بقي هناك احتمال آخر وهو ما إذا أراد القائل بوحدة الوجود وحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما فيلتزم بوحدة الوجود والموجود وانه الواجب سبحانه إلا ان الكثرات ظهورات نوره وشئونات ذاته وكل منها نعت من نعوته ولمعة من لمعات صفاته ويسمى ذلك عند الاصطلاح بتوحيد أخص الخواص وهذا هو الذي حققه صدر المتألهين ونسبه إلى الاولياء والعرفاء من عظماء أهل الكشف واليقين قائلا: بان الآن حصحص الحق واضمحلت الكثرة الوهمية وارتفعت أغاليط الاوهام. إلا انه لم يظهر لنا - إلى الآن - حقيقة ما يريدونه من هذا الكلام. وكيف كان فالقائل بوحدة الوجود - بهذا المعنى الاخير - ايضا غير محكوم بكفره ولا بنجاسته مادام لم يلتزم بتوال فاسدة من انكار الواجب أو الرسالة أو المعاد. (1) قد وقع الكلام في نجاسة الفرق المخالفة للشيعة الاثنى عشرية وطهارتهم. وحاصل الكلام في ذلك ان انكار الولاية لجميع الائمة - ع - أو لبعضهم هل هو كانكار الرسالة يستتبع الكفر والنجاسة؟ أو ان انكار الولاية انما يوجب الخروج عن الايمان مع الحكم باسلامه وطهارته. فالمعروف المشهور بين المسلمين طهارة أهل الخلاف وغيرهم من الفرق المخالفة للشيعة


(* 1) وقفنا عليه في دعائي المجير والحزين المنقولين في مفاتيح المحدث القمي ص 81 وهامش 148.

[ 84 ]

الاثنى عشرية ولكن صاحب الحدائق " قده " نسب إلى المشهور بين المتقدمين والى السيد المرتضى وغيره الحكم بكفر أهل الخلاف ونجاستهم وبنى عليه واختاره كما أنه بنى على نجاسة جميع من خرج عن الشيعة الاثنى عشرية من الفرق. وما يمكن أن يستدل به على نجاسة المخالفين وجوه ثلاثة: " الاول ": ما ورد في الروايات الكثيرة البالغة حد الاستفاضة من أن المخالف لهم - ع - كافر (* 1) وقد ورد في الزيارة الجامعة: " ومن وحده قبل عنكم " فانه ينتج بعكس النقيض ان من لم يقبل منهم فهو غير موحد لله سبحانه فلا محالة يحكم بكفره. والاخبار الوارة بهذا المضمون وان كانت من الكثرة بمكان إلا أنه لادلالة لها على نجاسة المخالفين إذ المراد فيها بالكفر ليس هو الكفر في مقابل الاسلام وانما هو في مقابل الايمان كما أشرنا إليه سابقا أو انه بمعنى الكفر الباطني وذلك لما ورد في غير واحد من الروايات (* 2) من ان المناط في الاسلام وحقن الدماء والتوارث وجواز النكاح إنما هو شهادة ان لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله وهي التي عليها أكثر الناس وعليه فلا يعتبر في الاسلام غير الشهادتين فلا مناص معه عن الحكم باسلام أهل الخلاف وحمل


(* 1) ففي بعضها: ان الله جعل عليا علما بينه وبين خلقه ليس بينه وبينهم علم غيره فمن تبعه كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا ومن شك فيه كان مشركا وفي آخر: علي باب هدى من خالفه كان كافرا ومن أنكره دخل النار. إلى غير ذلك من الاخبار فان شئت تفصيلها فراجع ب 6 من ابواب حد المرتد من الوسائل. (* 2) منها ما رواه سماعة عن أبي عبد الله - ع - قال: قلت له: أخبرني عن الاسلام والايمان أهما مختلفان؟ فقال: ان الايمان يشارك الاسلام والاسلام لا يشارك الايمان، فقلت: فصفهما لي، فقال: الاسلام شهادة أن لا اله الا الله والتصديق برسول الله - ص - به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس.. وفي بعضها: ان الاسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة الناس من العرق كلها وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث وجاز النكاح.. ومنها غير ذلك من الاخبار التي رواها في المجلد الثاني من الكافي ص 25 - 26 من الطبعة الحديثة ورواها عنه في الوافي ج 1 ص 18 م 3.

[ 85 ]

الكفر في الاخبار المتقدمة على الكفر الواقعي وان كانوا محكومين بالاسلام ظاهرا أو على الكفر في مقابل الايمان إلا أن الاول أظهر إذ الاسلام بنى على الولاية وقد ورد في جملة من الاخبار (* 1) ان الاسلام بنى على خمس وعد منها الولاية ولم يناد احد بشئ منها كما نودي بالولاية، كما هو مضمون بعض الروايات (* 2) فبانتفاء الولاية ينتفي الاسلام واقعا إلا أن منكر الولاية إذا أجرى الشهادتين على لسانه يحكم باسلامه ظاهرا لاجل الاخبار المتقدمة هذا كله مضافا إلى السيرة القطعية الجارية على طهارة أهل الخلاف حيث ان المتشرعين في زمان الائمة - ع - وكذلك الائمة بانفسهم كانوا يشترون منهم اللحم ويرون حلية ذبائحهم ويباشرونهم وبالجملة كانوا يعاملون معهم معامله الطهارة والاسلام من غير ان يرد عنه ردع. " الثاني ": ما ورد في جملة من الروايات من ان المخالف - ع - ناصب (* 3) وفى بعضها: ان الناصب ليس من نصب لنا أهل البيت، لانك لاتجد أحدا يقول: انا أبغض محمدا وآل محمد ولكن ان الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وأنكم من شيعتنا (4) والجواب عن ذلك ان غاية ما يمكن استفادته من هذه الاخبار ان كل مخالف للائمة - ع - ناصبي إلا ان ذلك لا يكفي في الحكم بنجاسة أهل الخلاف، حيث لادليل على نجاسة كل ناصب، فان النصب انما يوجب النجاسة فيما إذا كان لهم - ع - وأما النصب لشيعتهم فان كان منشأه حب الشيعة لامير المؤمنين


(* 1) يراجع ب 1 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل. (* 2) اشتمل على ذلك جملة من الاحاديث وقد أورد روايتن منهما في باب 1 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل مقطعا وهما روايتا أبي حمزة والفضيل وأورد الثالثة مذيلة ب‍ " ولم يناد احد... " فليراجع الكافي ج 2 ص 18 و 21 من الطبعة الحديثة. (* 3) كمكانبة محمد بن علي بن عيسى وغيرها من الاخبار المروية في ب 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس من الوسائل. (* 4) المروية في ب 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس من الوسائل.

[ 86 ]

وأولاده - ع - ولذلك نصب لهم وابغضهم فهو عين النصب للائمة - ع - لانه اعلان لعداوتهم ببغض من يحبهم. وأما إذا كان منشأه عدم متابعتهم لمن يرونه خليفة للنبي - ص - من غير ان يستند إلى حبهم لاهل البيت - ع - بل هو بنفسه يظهر الحب لعلي وأولاده - ع - فهذا نصب للشيعة دون الائمة - ع - إلا أن النصب للشيعة لا يستتبع النجاسة بوجه لما تقدم من الاخبار والسيرة القطعية القائمة على طهارة المخالفين فالنصب المقتضي للنجاسة إنما هو خصوص النصب للائمة - ع - " الثالث ": ان أهل الخلاف منكرون لما ثبت بالضرورة من الدين وهو ولاية أمير المؤمنين - ع - حيث بينها لهم النبي - ص - وأمرهم بقبولها ومتابعتها وهم منكرون لولايته - ع - وقد مر أن انكار الضروري يستلزم الكفر والنجاسة. وهذا الوجه وجيه بالاضافة إلى من علم بذلك وانكره، ولا يتم بالاضافة إلى جميع أهل الخلاف، لان الضروري من الولاية إنما هي الولاية بمعنى الحب والولاء، وهم غير منكرين لها - بهذا المعنى - بل قد يظهرون حبهم لاهل البيت عليهم السلام. وأما الولاية بمعنى الخلافة فهي ليست بضرورية بوجه وإنما هي مسالة نظرية وقد فسروها بمعنى الحب والولاء ولو تقليدا لآبائهم وعلمائهم وانكارهم للولاية بمعنى الخلافة مستند إلى الشبهة كما عرفت، وقد أسلفنا ان انكار الضروري انما يستتبع الكفر والنجاسة فيما إذا كان مستلزما لتكذيب النبي - ص - كما إذا كان عالما بان ما ينكره مما ثبت من الدين بالضرورة وهذا لم يتحقق في حق أهل الخلاف لعدم ثبوت الخلافة عندهم بالضرورة لاهل البيت - ع - نعم الولاية - بمعنى الخلافة - من ضروريات المذهب لامن ضروريات الدين. هذا كله بالاضافة إلى أهل الخلاف. ومنه يظهر الحال في سائر الفرق المخالفين للشيعة الاثنى عشرية من الزيدية، والكيسانية، والاسماعيلية، وغيرهم، حيث ان حكمهم حكم

[ 87 ]

[ وأما مع النصب، أو السب (1) للائمة الذين لا يعتقدون بامامتهم فهم مثل سائر النواصب ] أهل الخلاف لضرورة انه لا فرق في انكار الولاية بين انكارها ونفيها عن الائمة - ع - باجمعهم وبين اثباتها لبعضهم ونفيها عن الآخرين - ع - كيف وقد ورد (* 1) ان من انكر واحدا منهم فقد انكر جميعهم - ع - وقد عرفت ان نفي الولاية عنهم - باجمعهم غير مستلزم للكفر والنجاسة فضلا عن نفيها عن بعض دون بعض، فالصحيح الحكم بطهارة جميع المخالفين للشيعة الاثنى عشرية واسلامهم ظاهرا بلا فرق في ذلك بين أهل الخلاف وبين غيرهم وان كان جميعهم في الحقيقة كافرين وهم الذين سميناهم بمسلم الدنيا وكافر الآخرة. (1) أما مع النصب فلما تقدم تفصيله. وأما مع السب فلاجل أنه لا اشكال في نجاسة الساب لاحدهم - ع - فيما إذا نشأ سبه عن نصبه لاهل البيت - ع - لان السب حينئذ بعينه نصب واعلان للعدواة والبغضاء في حقهم - ع - وقد مر ان الناصب نجس. وأما إذا لم يكن سبه لاجل النصب كما إذا كان مواليا للائمة ومحبا لهم إلا انه سبهم لداع من الدواعي ففي استلزام ذلك الحكم بنجاسته إشكال، حيث ان الساب لهم - ع - وان كان يقتل بلا كلام إلا ان جواز قتله غير مستتبع لنجاسته فانه كم من مورد حكم فيه بقتل شخص من غير أن يحكم بنجاسته كما في مرتكب الكبيرة، حيث انه يقتل في المرة الثالثة أو الرابعة ولا يحكم بنجاسته، فمقتضى القاعدة طهارة الساب في هذه الصورة وان كان بحسب الواقع أبغض من الكفار.


(* 1) المروية في ب 6 من ابواب حد المرتد من الوسائل.

[ 88 ]

[ (مسألة 4) من شك في إسلامه وكفره طاهر، وان لم يجر عليه سائر أحكام الاسلام (1) ] (1) إذا شككنا في إسلام أحد وكفره " فتارة ": نعلم حالته السابقة من الاسلام أو الكفر. ولا ينبغي الاشكال حينئذ في جريان استصحاب اسلامه أو كفره وبه نرتب عليه آثارهما كالحكم بطهارته وارثه وجواز مناكحته ووجوب دفنه وغيرها من الآثار المترتبة على اسلامه أو الحكم بنجاسته وغيرها من الآثار المترتبة على كفره وهذا كما إذا علمنا بتولده من مسلمين أو من مسلم وغير مسلم فانه حينئذ ممن نعلم باسلامه لاجل التبعية لوالديه أو لاشرفهما وقد ذكرنا ان الكفر في مثله يتوقف على جحوده وانكاره فإذا شككنا في جحوده فلا مناص من الحكم باسلامه بالاستصحاب وكذا الحال فيمن علمنا بتولده من كافرين لان نجاسته متيقنة حينئذ من أجل تبعيته لوالديه وقد عرفت ان الاسلام في مثله يتوقف على ان يعترف بالوحدانية والنبوة فإذا شككنا في انه اعترف بهما أم لم يعترف فلابد من استصحاب كفره والحكم بترتب آثاره عليه و " أخرى ": نجهل بحالته السابقة ونشك في اسلامه وكفره بالفعل ومقتضى القاعدة - في هذه الصورة - طهارته من دون ان نرتب عليه اسلامه ولاشياء من آثاره كوجوب دفنه وجواز مناكحته والوجه في ذلك ان تقابل الكفر والاسلام وان كان من تقابل العدم والملكة، والاعدام والملكات من قبيل الامور العدمية إلا انها ليست عدما مطلقا بل عدم خاص وبعبارة أوضح ان العدم والملكة ليس مركبا من أمرين: أحدهما العدم وثانيهما الملكة - كما يعطي ذلك ظاهر التعبير - حتى يمكن احراز المركب منهما بضم الوجدان إلى الاصل بأن يقال في العمى - مثلا - ان الملكة وقابليته للابصار محرزة بالوجدان لانه انسان، وعدم البصر يثبت باستصحابه على نحو

[ 89 ]

[ " التاسع ": الخمر (1) ] العدم الازلي فإذا ضممنا أحدهما إلى الآخر فيثبت عدم البصر عمن من شأنه الابصار وكذلك الكلام فيمن يشك في ان له لحية أو انه اقرع أو غير ذلك مما هو من الاعدام والملكات. بل الصحيح ان الاعدم والملكات اعدام خاصة ومن قبيل البسائط، ولا يسعنا التعبير عنها إلا بالعدم والملكة لا ان تعبيرنا هذا من جهة انها مركبة وعليه فلا يمكننا احرازها بضم الوجدان إلى الاصل إذ لاحالة سابقة للاعدام الخالصة فلا يصح ان يقال في المقام ان القابلية محرزة بالوجدان لان من يشك في كفره واسلامه بالغ عاقل فإذا اثبتنا عدم اسلامه بالاستصحاب - لانه أمر حادث مسبوق بالعدم - فبضم الوجدان إلى الاصل نحرز كلا جزئي الموضوع المركب للحكم بالكفر. وذلك لما مر من أن الكفر عدم خاص وإذ لا حالة سابقة فلا يجري فيها الاستصحاب. كما ان استصحاب عدم الاسلام غير جار حيث لا اثر عملي له شرعا فاستصحاب عدم الاسلام لاثبات الكفر كاستصحاب عدم الابصار لاثبات العمى من أظهر أنحاء الاصول المثبتة ومعه لا يمكننا الحكم بكفر من نشك في اسلامه وكفره كما لا يمكننا أن نرتب عليه شيئا من الآثار المترتبة على الاسلام، نعم يحكم بطهارته بمقتضى قاعدة الطهارة للشك في طهارته ونجاسته بل ولعله - أعني الحكم بطهارته - مما لا خلاف فيه كما أشرنا إليه سابقا (* 1). (1) نجاسة الخمر هي المعروفة بين أصحابنا المتقدمين والمتأخرين ولم ينقل الخلاف في ذلك إلا من جماعة من المتقدمين كالصدوق ووالده في الرسالة والجعفي والعماني وجملة من المتأخرين كالاردبيلي وغيره حيث ذهبوا إلى طهارتها واختلافهم في ذلك انما نشأ من اختلاف الروايات التي هي العمدة في المقام وذلك


(* 1) مرت الاشارة إليه في ج 1 ص 498.

[ 90 ]

للقطع بعدم تحقق الاجماع على نجاسة الخمر بعد ذهاب مثل الصدوق والاردبيلي وغيرهما من الاكابر إلى طهارتها، كما ان الكتاب العزيز لا دلالة له على نجاستها، حيث ان الرجس في قوله عز من قائل: إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه (* 1) ليس بمعنى النجس بوجه، لوضوح انه لا معنى لنجاسة بقية الامور المذكورة في الآية المباركة فان منها الميسر وهو من الافعال ولا يتصف الفعل بالنجاسة أبدا. بل الرجس معناه القبيح المعبر عنه في الفارسية ب‍ " پليد وزشت " وعليه فالمهم هو الاخبار ولقد ورد نجاسة الخمر في عدة كثيرة من الروايات: ففي جملة منها ورد الامر بغسل الثوب إذا أصابته خمر أو نبيذ (* 2) وفي بعضها أمر باراقة ما قطرت فيه قطرة من خمر (* 3) وفى ثالث: لا والله ولا تقطر قطرة منه (أي من المسكر) في حب إلا اهريق ذلك الحب (* 4) وفى رابع غير ذلك مما ورد في الاخبار الكثيرة البالغة حد الاستفاضة. بل يمكن دعوى القطع بصدور بعضها عن الائمة - ع - فلا مجال للمناقشة فيها بحسب السند كما ان دلالتها وظهورها في نجاسة الخمر مما لا كلام فيه. وفي قبالها روايات كثيرة - فيها صحاح وموثقات - وقد دلت على طهارة الخمر بصراحتها وهي من حيث العدد اكثر من الاخبار الواردة في نجاستها ودعوى العلم بصدور جملة منها عن الائمة - ع - أيضا غير بعيدة، كما انها من حيث الدلالة صريحة أو كالصريح


(* 1) المائدة 5: 90 (* 2) ورد ذلك في عدة روايات منها صحيحة علي بن مهزيار الآتية فليراجع ب 38 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) كما في رواية زكريا بن آدم المروية في ب 38 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 4) كما في رواية عمر بن حنظلة المروية في ب 18 و 26 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 91 ]

حيث نفوا - ع - البأس عن الصلاة في ثوب أصابه خمر معللا - في بعضها - بان الثوب لا يسكر (* 1) فكأن مبغوضية الخمر انما هي في اسكارها المتحقق بشربها وأما عينها - كما إذا أصاب منها الثوب مثلا - فمما لا بأس به. وهاتان الطائفتان متعارضتان متقابلتان فلابد من علاجها بالمرجحات وهي تنحصر في موافقة الكتاب ومخالفة العامة على ما قدمناه في محله وكلا المرجحين مفقود في المقام: أما موافقة الكتاب فلما مر من انه ليس في الكتاب العزيز ما يدل على نجاسة الخمر أو طهارتها. وأما مخالفة العامة فلان كلا من الطائفتين موافقة للعامة من جهة ومخالفة لهم من جهة فان العامة - على ما نسب إليهم وهو الصحيح - ملتزمون (* 2) بنجاستها وعليه فروايات الطهارة متقدمة لمخالفتها مع العامة إلا ان ربيعة الرأي الذي هو من أحد حكامهم وقضاتهم المعاصرين لابي عبد الله عليه السلام ممن يرى طهارتها. على أنا مهما شككنا في شئ فلا نشك في ان امرائهم


(* 1) كما في مصححة الحسن بن أبي سارة المروية في ب 38 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) في المغني لابن قدامة الحنبلي ج 8 ص 318 الخمر نجسة في قول عامة اهل العلم وفي احكام القرآن للقاضي ابن العربي المالكي ج 1 ص 271 نفى الخلاف في نجاستها بين الناس الا ما يؤثر عن ربيعة انها محرمة وهي طاهرة كالحرير عند مالك محرم مع انه طاهر. وفي الميزان للشعراني ج 1 ص 96 ادعى الاجماع على نجاستها عن غير داود حيث حكى عنه القول بطهارتها مع تحريمها. وفي فتح الباري لابن حجر العسقلاني ج 4 ص 289 ان جمهور العلماء على ان العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة. وممن صرح بنجاستها ابن حزم في المحلى ج 1 ص 191 والنووي في المنهاج ص 5 ووافقه ابن حجر في تحفة المحتاج ج 1 ص 122 ومنهم الغزالي في الوجيز ص 4 واحياء العلوم ج 1 ص 114 والفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 18 والشيرازي في المهذب ج 1 ص 259 والعيني الحنفي في عمدة القاري ج 5 ص 606 والكاساني الحنفي في بدايع الصنايع ج 5 ص 113 نعم قال النووي في المجموع ج 2 ص 564 انه لا يظهر من الآية دلالة ظاهرة على نجاسة الخمر - إلى أن قال: وأقرب ما يقال فيها ما ذكره الغزالي من انه بحكم بنجاستها تغليظا وزجرا قياسا على الكلب وما ولغ فيه.

[ 92 ]

وسلاطينهم كانوا يشربون الخمر ولا يجتنبونه وعليه فاخبار الطهارة موافقة للعامة عملا فتتقدم أخبار النجاسة عليها، وعلى الجملة ان أخبار النجاسة مخالفة للعامة من حيث عملهم كما ان أخبار الطهارة مخالفة لهم من حيث حكمهم فإذا لا يمكننا علاج المعارضة بشئ من المرجحين فلو كنا نحن ومقتضى الصناعة العلمية لحكمنا بطهارة الخمر لا محالة، وذلك لانا ان نفينا المعارضة بين الطائفتين نظرا إلى أن احداهما صريحة في مدلولها والاخرى ظاهرة فمقتضى الجمع العرفي بينهما تقديم روايات الطهارة على أخبار النجاسة لصراحتها في طهارة الخمر ونفي البأس عن الصلاة في ثوب أصابته خمر بحمل أخبار النجاسة على الاستحباب لكونها ظاهرة في نجاستها كما في أمره عليه السلام بغسل الثوب الذي أصابته خمر أو اهراق المايع الذي قطرت فيه قطرة منها فنرفع اليد عن ظهروها في الارشاد إلى نجاسة الخمر بصراحة أخبار الطهارة في طهارتها فتحمل على الاستحباب لا محالة فلا مناص من الحكم بطهارة الخمر. وان أثبتنا التعارض بينهما وقلنا ان المقام ليس من موارد الجمع العرفي بين المتعارضين لما حررناه في محله من ان مورد الجمع العرفي بحمل الظاهر من المتقابلين على نصهما إنما هو ما إذا كان المتعارضان على نحو إذا ألقيناهما على أهل العرف لم يتحيروا بينهما بل رأوا أحدهما قرينة على التصرف في الآخر وليس الامر كذلك في المقام لان أمره عليه السلام بالاراقة والاهراق إذا انضم إليه نفيه عليه السلام البأس عن الصلاة في ثوب أصابته خمر والقيا على أهل العرف لتحيروا بينهما لا محالة ولا يرون أحدهما قرينة على التصرف في الآخر بوجه فايضا لابد من الحكم بطهارة الخمر لان الطائفتين متعارضتان ولا مرجح لاحداهما على الاخرى ومقتضى القاعدة هو التساقط والرجوع إلى قاعدة الطهارة وهي تقتضي الحكم بطهارة الخمر كما مر، ولكن هذا كله بمقتضى الصناعة العلمية مع قطع النظر عن صحيحة علي بن مهزيار

[ 93 ]

قال: قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام جعلت فداك روى زرارة عن أبى جعفر وأبى عبد الله - ع - في الخمر يصيب ثوب الرجل أنهما قالا: لا بأس بأن تصلي فيه إنما حرم شربها، وروى عن " غير " زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال: إذا اصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله ان عرفت موضعه، وان لم تعرف موضعه فاغسله كله، وان صليت فيه فأعد صلاتك. فاعلمني ما آخذ به، فوقع عليه السلام بخطه وقرأته: خذ بقول أبي عبد الله عليه السلام (* 1) وأما مع هذه الصحيحة فالامر بالعكس ولا مناص من الحكم بنجاسة الخمر، وذلك لان الصحيحة ناظرة إلى الطائفتين ومبينة لما يجب الاخذ به منهما فهي في الحقيقة من أدلة الترجيح وراجعة إلى باب التعادل والترجيح وغاية الامر انها مرجحة في خصوص هاتين المتعارضتين فلا مناص عن الاخذ بمضونها وهي دالة على لزوم الاخذ بقول أبى عبد الله عليه السلام وهو الرواية الدالة على نجاسة الخمر وعدم جواز الصلاة في ما أصابه دون رواية الطهارة، لانها قول الباقر والصادق - ع - معا وغير متمحضة في أن تكون قول الصادق عليه السلام وحده، هذا على ان الرواية الدالة على طهارة الخمر أيضا، لو كانت مرادة من قول أبى عبد الله عليه السلام لكان هذا موجبا لتحير السائل في الجواب ولوجب عليه اعادة السؤال ثانيا لتوضيح مراده وان قول الصادق عليه السلام أية رواية فان له عليه السلام حينئذ قولين متعارضين وحيث ان السائل لم يقع في الحيرة ولا انه أعاد سئواله فيستكشف منه انه عليه السلام أراد خصوص الرواية الدالة على نجاسة الخمر لانها المتمحضة في ان تكون قوله عليه السلام كما مر. وبهذا المضمون رواية أخرى عن خيران الخادم قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلي فيه أم لا؟ فان أصحابنا قد


(* 1) المروية في ب 38 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 94 ]

اختلفو فيه فقال: بعضهم صل فيه، فان الله إنما حرم شربها وقال بعضهم: لا تصل فيه. فكتب عليه السلام لا تصل فيه فانه رجس الحديث (* 1) إلا انها انما تصلح ان تكون مؤيدة للمدعى وغير صالحة للمرجحية بوجه لعدم كونها ناظرة إلى الطائفتين وعدم ذكر شئ منهما في الرواية. نعم يمكن ارجاعها إلى الصحيحة نظرا ان اختلاف اصحابنا انما نشأ من اختلاف الطائفتين فكأنه عليه السلام حكم بترجيح أخبار النجاسة على معارضاتها، إلا أن الرواية مع ذلك غير قابلة للاستدلال بها، فان في سندها سهل بن زياد والامر في سهل ليس بسهل لعدم ثبوت وثاقته في الرجال. والذي تحصل عما ذكرناه في المقام ان الاحتمالاث في المسألة أربعة: " أحدها ": تقديم أخبار النجاسة على أخبار الطهارة من جهة الصحيحة المتقدمة. وقد عرفت ان هذا الاحتمال هو المتعين المختار، و " ثانيها ": تقديم أخبار الطهارة على روايات النجاسة من جهة الجمع العرفي المقتضي لحمل الظاهر منهما على النص أو الاظهر وحمل الاوامر الواردة في غسل ما يصيبه الخمر على التنزه والاستجباب و " ثالثها ": تقديم اخبار الطهارة على أخبار النجاسة بمخالفتها للعامة بعد عدم امكان الجمع العرفي بينهما، و " رابعها ": التوقف لتعارض الطائفتين وتكافئهما فان كل واحدة منهما مخالفة للعامة من جهة وموافقة لهم من جهة فاخبار الطهارة موافقة لهم عملا ومخالفة لهم بحسب الحكم والفتوى كما أن روايات النجاسة موافقة معهم بحسب الحكم ومخالفة لهم عملا فلا ترجيح في البين فيتساقطان ولابد من التوقف حينئذ. هذه هي الوجوه المحتملة في المقام ولكنها - غير الوجه الاول منها - تندفع بصحيحة علي بن مهزيار، حيث ان القاعدة وان اقتضت الاخذ باحد هذه المحتملات إلا ان الصحيحة منعتنا عن الجري على طبق القاعدة ودلتنا على


(* 1) المروية في ب 38 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 95 ]

[ بل كل مسكر مايع بالاصالة (1) ] وجوب الاخذ بروايات النجاسة وتقديمها على أخبار الطهارة لما عرفت من حكومتها على كلتا الطائفتين و " دعوى ": ان الصحيحة لموافقتها مع العامة بحسب الحكم أيضا محمولة على التقية فهي غير صالحة للمرجحية بوجه " مندفعة ": بان مقتضي الاصل الاولي صدور الرواية بداعي بيان الحكم الواقعي، ولا مسوغ لرفع اليد عن ذلك إلا بقرينة كما إذا كانت الرواية معارضة برواية أخرى تخالف العامة. وحيث ان الصحيحة غير معارضة بشئ فلا موجب لحملها على التقية لانه بلا مقتض. هذا ثم ان الصحيحة قرينة على حمل أخبار الطهارة على التقية وذلك لانها لم تنف صدور الحكم بطهارة الخمر عن الصادقين (ع) وانما دلت لزوم الاخذ بما دل على نجاستها فبذلك لابد من حمل أخبار الطهارة على التقية، فلعلها صدرت موافقة لعمل امراء العامة وحكامهم وسلاطينهم لبعد اجتنابهم عن الخمر كما مر فإذا سقطت أخبار الطهارة عن الاعتبار فلا محالة تبقى أخبار النجاسة من غير معارض بشئ. (1) لاريب ولا اشكال في ان المسكرات المائعة بالاصالة ملحقة بالخمر من حيث حرمة شربها لما ورد في جملة من الاخبار من ان الله لم يحرم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبتها (* 1) مضافا إلى غيرها من الاخبار الواردة في حرمة مطلق المسكر (* 2) وانما الكلام كله في انها ملحقة بها من حيث نجاستها أيضا أو انها محكومة بالطهارة فقد يقال بنجاستها كالخمر ويستدل عليها بوجوه: " الاول ": الاجماع المنعقد على الملازمة بين حرمة شربها ونجاستها. ولا يخفى ما فيه، لان الاجماع على نجاسة نفس الخمر غير ثابت لما مر من ذهاب جماعة


(* 1) المروية في ب 19 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 15 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 96 ]

إلى طهارتها فما ظنك بنجاسة المسكر على اطلاقة؟! و " دعوى ": ان الاجماع المدعى اجماع تقديري ومعناه ان القائل بطهارة الخمر كالاردبيلي ومن تقدمه أو لحقه لو كان يقول بنجاستها لقال بنجاسة المسكرات المائعة على اطلاقها " مندفعة ": بانها رجم بالغيب فمن أين علمنا بانهم لو كانوا قائلين بنجاسة الخمر لالتزموا بنجاسة جميع المسكرات المائعة؟ هذا على انا لو سلمنا قيام اجماع فعلي على نجاسة المسكرات لم نكن نعتمد عليه لانه ليس اجماعا تعبديا كاشفا عن قول المعصوم عليه السلام حيث انا نحتمل استنادهم في ذلك إلى الاخبار الآتية فكيف بالاجماع التقديري فهذه الدعوى ساقطة " الثاني ": الاخبار الآمرة باهراق ماء الحب الذي قطرت فيه قطرة من المسكر كما في رواية عمر بن حنظلة قلت لابي عبد الله عليه السلام ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره فقال: لا والله ولا قطرة قطرت في حب إلا اهريق ذلك الحب (* 1) والناهية عن الصلاة في ثوب أصابه مسكر كما في موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تصل في بيت فيه خمر ولا مسكر، لان الملائكة لا تدخله، ولاتصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى تغسله (* 2) وصحيحة علي بن مهزيار المتقدمة (* 3) الآمرة بالاخذ بما ورد في نجاسة النبيذ المسكر، فان هذه الاخبار دلتنا على نجاسة جميع المسكرات باطلاقها وان لم تكن خمرا. والجواب عن ذلك ان رواية عمر بن حنظلة ضعيفة لعدم توثيقه في الرجال وان عبر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات. نعم له رواية


(* 1) المروية في ب 18 و 26 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 38 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المتقدمة في ص 93

[ 97 ]

أخرى (* 1) قد تلقاها الاصحاب بالقبول وعنونوها في بحث التعادل والترجيح ومن ثمة سميت بمقبولة عمر بن حنظلة إلا ان قبول رواية منه في مورد مما لا دلالة له على قبول جميع رواياته بعد ما لم ينص الاصحاب في حقه بجرح ولا تعديل اللهم إلا أن يستدل على وثاقته برواية يزيد بن خليفة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ان عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا لا يكذب علينا... (* 2) لانه توثيق له منه عليه السلام. ولكنه أيضا مما لا يمكن المساعدة عليه لان الرواية بنفسها ضعيفة فلا يعتمد عليها في شئ (* 3) والصحيحة انما دلت على نجاسة خصوص النبيذ المسكر لان للنبيذ قسمين مسكر حرام وغير مسكر حلال وقد دلت الصحيحة على نجاسة خصوص المسكر منه ولا دلالة لها على المدعى وهو نجاسة كل مسكر وإن لم يتعارف شربه وأما موثقة عمار فهي وان كانت موثقة بحسب السند إلا انها معارضة كما يأتي تفصيله ومعها لا يمكن الاستدلال بها بوجه. ونحن انما حكمنا بنجاسة الخمر بصحيحة علي ابن مهزيار ولم نعتمد فيه على هذه الموثقة وغيرها مما ورد في نجاستها لابتلائها بالمعارض كما مر. هذا وقد يقال ان الاخبار الواردة في نجاسة الخمر متقدمة على الاخبار الواردة في طهارتها ولو من جهة الصحيحة المتقدمة وقد قدمنا ان اخبار الطهارة محمولة على التقية بقرينة الصحيحة المذكورة وعليه فاخبار النجاسة التي منها موثقة عمار مما لا معارض له فلا مناص من العمل على طبقها وقد دلت الموثقة على نجاسة المسكر مطلقا وان لم يتعارف شربه كما في المادة " الآلكلية "


(* 1) وهي الرواية الاولى من الاخبار المروية في ب 9 من ابواب صفات القاضي وما يجوز ان يقضى به من الوسائل. (* 2) المروية في ب 5 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 3) وذلك لان يزيد بن خليفة واقفي ولم تثبت وثاقته على ان في سندها محمد بن عيسى عن يونس وهو مورد الكلام في الرجال.

[ 98 ]

المعروفة ب‍ " اسپرتو " ويدفع ذلك أمران: " أحدهما ": ان المسكر ينصرف إلى المسكرات المتعارف شربها. وأما ما لم يتعارف شربه بين الناس أو لم يمكن شربه أصلا - وان كان يوجب الاسكار على تقدير شربه - فهو أمر خارج عن اطلاق المسكر في الموثقة ولاسيما بلحاظ عدم تحققه في زمان تحريم الخمر والمسكر لانه انما وجد في الاعصار المتأخرة فدعوى انصراف المسكر عن مثله ليست بمستبعدة. وقد ادعى شيخنا الاستاذ (قده) ان ما ورد في المنع عن بيع الخمر والمسكر من الروايات منصرفة عن المادة المعروفة ب‍ " الكل " وان المطلقات انما تشمل المسكرات المتعارفة التي هي قابلة للشرب دون ما لم يتعارف شربه. و " ثانيهما ": ان الموثقة معارضة فان الاخبار الواردة في الخمر والمسكر على طوائف أربع: " الاولى والثانية ": مادل على نجاسة الخمر وما دل على طهارتها. " الثالثة ": ما ورد في طهارة المسكر مطلقا وهو موثقة ابن بكير قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب قال: لا بأس (* 1) " الرابعة ": ما ورد في نجاسة مطلق المسكر كما في موثقة عمار والصحيحة المتقدمة وقد اسلفنا ان مادل منها على نجاسة الخمر متقدمة على معارضتها للصحيحة المتقدمة وأما مادل على نجاسة مطلق المسكر وطهارته فهما متعارضان ولا مرجح لاحدهما على الآخر لان فتوى العامة وعملهم في مثل المسكر غير المتعارف شربه غير ظاهرين فالترجيح بمخالفة العامة غير ممكن ولا مناص معه من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى قاعدة الطهارة وهي تقتضي الحكم بطهارة كل مسكر لا يطلق عليه الخمر عرفا. " الثالث ": ما ذكره صاحب الحدائق (قده) من ان الخمر ليست اسما لخصوص مايع خاص بل يعمه وجميع المسكرات لانها حقيقة شرعية في الاعم فان الخمر ما يخامر العقل كان هو المايع المخصوص أو غيره مما يوجب الاسكار وقد ورد في تفسير الآية المباركة انما الخمر والميسر... ان كل مسكر


(* 1) المروية في ب 38 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 99 ]

خمر (* 1) ويتوجه عليه ان الوجه في تسمية الخمر خمرا وان كان هو ما نقله عن بعض أهل اللغة من انه يخامر العقل ويخالطه إلا انه لم يدلنا دليل على ان كل ما يخامر العقل خمر أو نجس لان البنج أيضا يخامر العقل إلا انه ليس بخمر ولا انه نجس واما ما ورد في تفسير الآية المباركة فهو مما لادلالة له على نجاسة الخمر حتى يدل على نجاسة كل مسكر وانما يدل على ان الخمر رجس يجب الاجتناب عنه ولا نخصص هذا بالخمر بل نلتزم ان كل مسكر رجس " الرابع ": الاخبار الواردة في نجاسة النبيذ المسكر وهي جملة من الروايات وقد عطف النبيذ المسكر في بعضها على الخمر (* 2) فيستكشف من ذلك ان النجاسة تعم الخمر وغيرها من المسكرات مضافا إلى ما ورد من ان للخمر أقساما وانها لا تختص بما صنع من عصير العنب كما في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (* 3) قال رسول الله صلى الله عليه وآله الخمر من خمسة: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والبتع من العسل، والمرز من الشعير، والنبيذ من التمر. وعليه فلا فرق في النجاسة بين الخمر وبين غيرها من المسكرات. والجواب عن ذلك ان الروايات المشتملة على عطف النبيذ المسكر إلى الخمر إنما دلت على حرمة النبيذ أو على نجاسته إما من جهة انه أمر خارج عن حقيقة الخمر ولكنه أيضا محكوم بحرمته ونجاسته - كما لعله الصحيح - حيث ان مجرد القاء مقدار من التمر في ماء ومضى مقدار من الزمان على ذلك لا يكفي في صيرورة الماء خمرا لانها تحتاج إلى صنعة خاصة فلو كان ذلك كافيا في صنعها لتمكن كل شارب من ايجادها وصنعها في بيته ولم يكن لغلاء ثمنها


(* 1) علي بن ابراهيم في تفسيره عن أبي الجارود عن أبي جعفر - ع - في قوله تعالى (انما الخمر والميسر) الآية. اما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا اخمر فهو خمر... المروية في ب 1 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) ورد ذلك في روايات علي بن مهزيار ويونس وعمار وزكريا بن آدم المرويات في ب 38 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في ب 1 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 100 ]

وجه فالنبيذ خارج عن الخمر حقيقة إلا أن الدليل دل على حرمته ونجاسته. واما من جهة انه خمر في الحقيقة وانما خصوه بالذكر من بين أفرادها من باب التعرض لبيان الفرد الخفي لخفاء كونه منها وعلى أي حال لادلالة لها على ان كل مسكر نجس. وأما مادل على ان للخمر أقساما متعددة فهو أيضا كسابقه مما لادلالة له على نجاسة كل مسكر وانما يدل على تعدد مصاديق الخمر وعدم انحصارها بما يصنع من العصير العنبي وهذا أمر لاننكره بوجه ونسلم النجاسة في كل ما صدق عليه عنوان الخمر خارجا كيف ولعل الخمر من العنب لم يكن له وجود في زمان نزول الآية المباركة أصلا ولا في زمانه صلى الله عليه وآله وإنما كان المتعارف غيرها من أفرادها. وعلى الجملة لا اشكال في نجاسة كلما صدق عليه انه خمر خارجا وإنما كلامنا في نجاسة المسكر الذي لا يصدق عليه انه خمر وقد عرفت انه لادلالة في شئ من الاخبار المتقدمة على نجاسته. " الخامس ": الاخبار الواردة في أن كل مسكر خمر وكل خمر حرام (* 1) والجواب عنها أن الاخبار المستدل بها مضافا إلى ضعف اسنادها قاصرة الدلالة على هذا المدعى، لان الظاهر المستفاد من قران قوله: كل خمر حرام لقوله كل مسكر خمر ان التشبيه والتنزيل إنما هما بلحاظ الحرمة فحسب لا ان المسكر منزل منزلة الخمر في جميع آثاره وأحكامه. ولقد انتج ما تلوناه عليك في المقام ان المادة المعروفة ب‍ " الكل واسپرتو " التي يتخذونها من الاخشاب وغيرها لا يمكن الحكم بنجاستها، حيث لا يصدق عليها عنوان الخمر عرفا وان كانت مسكرة - كما قيل - وأما المتخذة من الخمر المعبر عنها ب‍ " جوهر الخمر " التي تتحصل بتبخيرها وأخذ عرقها فهي أيضا كسابقتها غير محكومة بالنجاسة بوجه، لما قدمناه


(* 1) عطاء بن يسار عن أبي جعفر - ع - قال: قال رسول الله - ص -: كل مسكر حرام وكل مسكر خمر إلى غير ذلك من الاخبار المروية في ب 15 و 19 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل

[ 101 ]

[ وإن صار جامدا بالعرض (1) ] في محله من ان التبخير يوجب الاستحالة وهي تقتضي الطهارة كما في بخار البول وغيره من الاعيان النجسة وعليه فإذا أخذ بخار الخمر ولم يلاقه شئ من الاعيان النجسة فمقتضى القاعدة الحكم بطهارته، لان " الالكل " لا يسمى عندهم خمرا كما انه ليس بخمر حقيقة لفرض استحالته وان كان مسكرا على تقدير شربه هذا كله على طبق القاعدة إلا ان الاجماع التقديري المتقدم في صدر المسألة وانعقاد الشهوة الفتوائية على نجاسة جميع المسكرات أوقفنا عن الحكم بطهارة غير الخمر من المسكرات التي يتعارف شربها والزمنا بالاحتياط اللازم في المقام. (1) لااشكال في ان الخمر أو المسكر - على تقدير القول بنجاسته - إذا جفت وانعدمت بتبدلها هواء لا يحكم بنجاستها لارتفاع موضوعها. نعم الآنية الملاقية لهما قبل انعدامهما متنجسة فلابد من غسلها ثلاث مرات كما يأتي في محله. هذا فيما إذا انعدمت الخمر ولم تبق لها مادة بعد صيرورتها هواء. وأما إذا جفت وصارت ك‍ " الرب " لاجل ما فيها من المواد أو انجمدت - كما ينجمد الماء - على تقدير تحقق الانجماد في مثل الخمر و " الآلكل " ونحوهما فلا ينبغي التردد في نجاسة الجامد منها لوضوح ان الجفاف والانجماد ليسا من المطهرات وقد كانت المادة جزءا من الخمر أو المسكر قبل جفافهما وكانت محكومة بالنجاسة حينئذ ولم يرد عليها مطهر شرعي فيحكم بنجاستها لا محالة. نعم يمكن أن يزول عنها اسكارها لانه من خواص المواد " الآلكلية " الموجودة في الخمر وهي سريعة الفناء وتنقلب هواءا في أسرع الزمان إلا أن ذلك لا يوجب الحكم بطهارة المادة اليابسة لما عرفت من انها كانت جزءا من الخمر قبل الجفاف ولم يرد عليها مطهر بعد الجفاف هذا كله في المسكر المايع بالاصالة

[ 102 ]

[ لا الجامد (1) كالبنج، وإن صار مايعا بالعرض. ] الذي صار جامدا بالعرض. (1) بالاصالة وان انقلب مايعا بالعرض وهل يحكم بنجاسة؟ بعد الفراغ عن حرمته لقوله عليه السلام ان الله سبحانه لم يحرم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبتها... كما تقدم (* 1) وغيره من الاخبار الواردة في حرمة المسكر على اطلاقه. فان اعتمدنا في الحكم بنجاسة المسكر المايع بالاصالة على الاجماع المدعى في المسألة فمن الظاهر انه لا اجماع على النجاسة في المسكرات الجامدة بالاصالة فلا يمكن الحكم بنجاسة الجوامد من المسكرات. كما انه إذا قلنا بنجاسة المسكرات المايعة من جهة انها خمر حقيقة لانها اسم وحقيقة شرعية لكل ما يخامر العقل ويستره - كما ادعاه صاحب الحدائق قده - فايضا لاسبيل إلى الحكم بنجاسة المسكر الجامد للقطع الوجداني بعدم كونه خمر لانها على تقدير كونها اسما لكل مسكر لا لمسكر خاص - فانما تختص بالمسكرات المشروبة دون المأكولة فان البنج لا تطلق عليه الخمر أبدا. وأما إذا بنينا على نجاسة المسكر المايع بقوله عليه السلام كل مسكر حرام وكل مسكر خمر. فهل يمكننا الحكم بنجاسة المسكر الجامد بدعوى: انه خمر تنزيلية؟ الصحيح: لا، وذلك أما " أولا " فلاجل ضعف سندها كما مر وأما " ثانيا " فلاجل ان التنزيل - ان تم ولم نناقش فيه بما مر - فانما يتم فيما يناسب التنزيل والتشبيه، والذي يناسب ان ينزل منزلة الخمر انما هو المسكرات المايعة دون الجوامد لبعد تنزيل الجامد منزلة المائع فهل ترى من نفسك ان لبس لباس إذا فرضناه موجبا للاسكار يصح أن يقال ان اللبس خمر؟! هذا كله على ان المسألة اتفاقية ولم يذهب أحد إلى نجاسة المسكر الجامد.


(* 1) المتقدمة في ص 95

[ 103 ]

[ (مسألة 1) ألحق المشهور بالخمر العصير العنبي إذا غلى قبل أن يذهب ثلثاه (1) وهو الاحوط. وإن كان الاقوى طهارته. ] (1) العصير على ثلاثة اقسام: العنبي والتمري والزبيبي. أما العصير العنبي ففي نجاسته بالغليان قبل ان يذهب ثلثاه قولان معروفان في الاعصار المتأخرة " أحدهما ": انه ملحق بالخمر من حيث نجاسته وحرمته، وذهاب الثلثين مطهر ومحلل له و " ثانيهما ": انه ملحق بالخمر من حيث حرمته فحسب فذهاب ثلثيه محلل فقط. هذا وعن المستند ان المشهور بين الطبقة الثالثة - يعني طبقة متأخر المتأخرين - الطهارة والمعروف بين الطبقة الثانية - أي المتأخرين - النجاسة. وأما الطبقة الاولى - وهم المتقدمون - فالمصرح منهم بالنجاسة اما قليل أو معدوم وعليه فدعوى الاجماع على نجاسة العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه ساقطة، كيف ولم يتحقق الاجماع على نجاسة الخمر فما ظنك بنجاسة العصير؟ لما عرفته من الخلاف فيها بين الطبقات. ومما يؤيد ذلك بل يدل عليه ان صاحبي الوافي والوسائل لم ينقلا روايات العصير في باب النجاسات وانما أورداها في باب الاشربة المحرمة، فلو كان العصير العنبي كالخمر من أحد النجاسات لنقلا رواياته في بابها كما نقلا أخبار الخمر كذلك، ولم يكن لترك نقلها في باب النجاسات وجه صحيح. وأما الاستدلال على نجاسته بما استدل به على نجاسة المسكر ففيه مضافا إلى عدم استلزام الغليان الاسكار ما قدمناه من عدم تماميته في نفسه وعدم ثبوت نجاسة كل مسكر كما مر. نعم لاكلام في حرمة شرب العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه إلا انها أجنبية عما نحن بصدده في المقام. وما ورد في بعض الروايات (* 1) من انه لاخير في العصير ان


(* 1) كما في روايتي أبي بصير ومحمد بن الهيثم المرويتين في ب 2 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 104 ]

طبخ حتى يذهب ثلثاه وبقي منه ثلث واحد. لادلالة له نجاسته بوجه لان خيره شربه فإذا غلى يصح أن يقال انه لاخير فيه حتى يذهب ثلثاه لحرمة شربه قبل ذهابهما، وذلك لوضوح ان الخير فيه لا يحتمل ان يكون هو استعماله في رفع الحدث أو الخبث - ولو قلنا بطهارته - لانه ليس بماء فنفى الخير عنه نفى للاثر المرغوب منه وهو الشرب وقد عرفت صحته. ومن المضحك الغريب الاستدلال على نجاسة العصير بعد غليانه بما ورد في جملة من الاخبار (* 1) من منازعة آدم وحوا ونوح عليهم السلام مع الشيطان لعنه الله تعالى في عنب غرسه آدم وما غرسه نوح - ع - وان الثلثين له والثلث لآدم أو نوح فالسنة جرت على ذلك أو بما ورد (* 2) من ان الخمر يصنع من عدة امور منها العصير من الكرم. وذلك لانها أجنبية عن الدلالة على نجاسة العصير رأسا، وعليه فالمهم في الاستدلال على نجاسته موثقة معاوية بن عمار المروية عن الكافي والتهذيب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل من أهل المعرفة بالحق " يعني به الشيعة " يأتيني بالبختج، ويقول: قد طبخ على الثلث، وأنا أعرف أنه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال: خمر لا تشربه. قلت فرجل من غير أهل المعرفة يشربه على الثلث، ولا يستحله على النصف يخبرنا أن عنده بختجا قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه؟ قال: نعم (* 3) حيث دلتنا هذه الموثقة على عدم الاعتناء بقول ذى اليد واخباره عن ذهاب ثلثى العصير وأن المناط في سماع قوله اعتقاده وعمله فان كان معتقدا بجواز شربه على النصف وكان عمله ايضا شربه عليه فلا يعتد باخباره وأما إذا اعتقد جوازه على الثلث وكان عمله


(* 1) راجع ب 2 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) راجع به 1 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 3) المروية في ب 7 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 105 ]

كان شربه على الثلث فيعتمد على اخباره. كما دلتنا على ان العصير العنبي - بعد غليانه وقبل ان يذهب ثلثاه - خمر تزيلية فيترتب عليه ما كان يترتب عليها من أحكامها وآثارها التي منها نجاستها لان البختج - على ما فسروه - بمعنى " پخته " فالمراد منه هو العصير العنبي المطبوخ هذا وقد نوقش في الاستدلال بها من وجوه: " الاول ": أن البختج لم يثبت أنه بمعنى مطلق العصير المطبوخ وان فسره به جمع منهم المحدث الكاشاني " قده " بل الظاهر أنه عصير مطبوخ خاص وهو الذي يسمى عندنا ب‍ " الرب " كما في كلام المحقق الهمداني " قده " ومن المحتمل القوى ان يكون هذا القسم مسكرا قبل استكمال طبخه وعليه فغاية ما تقتضيه هذه الموثقة تنزيل خصوص هذا القسم من العصير منزلة الخمر بجامع إسكارهما ولانضائق نحن من الالتزام بنجاسة القسم المسكر منه للموثقة. وأما مطلق العصير العنبي المطبوخ - وان لم يكن مسكرا - فلا دلالة لها على نجاسته بوجه. و " يدفعه ": أن تفسير البختج بالقسم المسكر من العصير المطبوخ مخالف صربح لما حكم به عليه السلام في ذيل الموثقة من طهارته وجواز شربه إذا كان المخبر ممن يعتقد حرمة شربه على النصف وكان عمله جاريا على الشرب بعد ذهاب الثلثين. والوجه في المخالفة ان البختج لو كان هو القسم المسكر من العصير لم يكن وجه لحكمه عليه السلام بطهارته وجواز شربه عند اخبار من يعتبر قوله بذهاب الثلثين لان ذهابهما وان كان مطهرا للعصير - لو قلنا بنجاسته - أو محللا له إلا انه لا يكون مطهرا للمسكر أبدا لانه محكوم بنجاسته وحرمة شربه ذهب ثلثاه أم لم يذهبا فمن هذا نستكشف ان البختج ليس بمعنى القسم المسكر من العصير، وانما معناه مطلق العصير المطبوخ كما فسره به جماعة. وظني - وان كان لا يغني من الحق شيئا - ان البختج معرب " پختك " والكاف في الفارسية علامة التصغير

[ 106 ]

فمعنى " پختك " حينئذ ما طبخ طبخا غير تام وهو الذي لم يذهب ثلثاه، ثم ابدل الكاف بالجيم كما هو العادة في تعريب الالفاظ الاجنبية، فان أواخرها إذا كانت مشتملة على لفظة كاف تتبدل بالجيم كما في البنفسج الذي هو معرب " بنفشك " فالنتيجة ان البختج بمعنى العصير المطبوخ فهذه المناقشة غير واردة. " الثاني ": ان الرواية - على ما رواه الكليني قده - غير مشتملة على لفظة " خمر " بعد قوله فقال، وانما تشتمل على قوله عليه السلام لا تشربه. وعليه فلا دلالة لها على نجاسة العصير وانما تدل على حرمة شربه فحسب. نعم نقلها الشيخ (قده) في تهذيبه مشتملة على لفظة خمر فالرواية هكذا: فقال: خمر لا تشربه. وان لم ينقل هذه اللفظة في شئ من الوافي والوسائل مع اسنادهما الرواية إلى الشيخ ايضا. ومن هنا تعجب في الحدائق عن صاحبي الوافي والوسائل حيث نقلا الرواية عن الكليني غير مشتملة على لفظه خمر ونسباها إلى الشيخ أيضا مع ان رواية الشيخ مشتملة عليها، فعلى هذا فالرواية وان دلت على نجاسة العصير قبل ذهاب ثلثيه إلا أن رواية الشيخ معارضة برواية الكليني، وأصالة عدم الزيادة وان كانت تتقدم على اصالة عدم النقيصة لبناء العقلاء على العمل بالزيادة لان اصالة عدم الغفلة في طرف الزيادة أقوى عن اصالة عدم الغفلة في طرف النقيصة فان الانسان قد ينسى فينقص لفظة أو لفظتين - مثلا - وأما انه ينسى فيضيف على الرواية كلمة أو كلمتين فهو من البعد بمكان ومقتضى هذا تقديم رواية الشيخ على رواية الكليني " قدهما " إلا ان اضبطية الكليني في نقل الحديث تمنعنا عن ذلك لان الشيخ " قده " كما شاهدناه في بعض الموارد ونقله غير واحد قد ينقص أو يزيد ومعه اصالة عدم الغفلة في رواية الكليني لا يعارضها أصالة عدمها في

[ 107 ]

رواية الشيخ فتتقدم رواية الكافي على رواية التهذيب وبه يثبت عدم اشتمال الرواية على لفظة خمر أو ان الروايتين تتعارضان ومعه لا مناص من الرجوع إلى قاعدة الطهارة في العصير قبل ذهاب ثلثيه. هذا على ان اصالة عدم الزيادة انما تتقدم على اصالة عدم النقيصة فيما إذا كان ناقلها ساكتا وغير ناف للزيادة وهذا كما إذا دلت احدى الروايتين على استحباب شئ يوم الجمعة من دون ان تنفي استحبابه في غيره - مثلا - ودلت الاخرى على استحبابه يوم الجمعة وليلتها فحينئذ يؤخذ بالزيادة لبناء العقلاء كما مر. وأما إذا كان ناقل النقيصة نافيا للزيادة كما ان راوي الزيادة مثبت لها - كما هو الحال في المقام لان الناقل بنقله النقيصة ينفي اشتمال الرواية على الزيادة - فلا وجه لتقديم المثبت على النافي فهما متعارضتان، فلابد من المراجعة إلى قاعدة الطهارة وهي تقتضي الحكم بطهارة العصير حينئذ. هذا كله بناء على ان رواية الشيخ في تهذيبه مشتملة على زيادة لفظة خمر وأما إذا بنينا على عدم اشتمالها على الزيادة - نظرا إلى ان صاحبي الوافي والوسائل من مهرة فن الحديث ومن أهل الخبرة والتضلع فيه ومعه إذا نقلا الرواية عن الشيخ في تهذيبه غير مشتملة على لفظة خمر فلا محالة يكون ذلك كاشفا عن ان الكتاب المذكور غير مشتمل عليها وان اشتمل عليها بعض نسخه فلا يرد عليهما ما أورده صاحب الحدائق " قده " من اشتباهما في نقل الحديث وقد ذكرنا في محله ان التعارض من جهة اختلاف النسخ خارج عن موضوع تعارض الروايتين لانه من اشتباه الحجة بلا حجة كما أشرنا إليه في بحث التعادل والترجيح، حيث انا انما نعتمد على رواية الكافي أو الوسائل أو غيرهما للقطع بأن الاول للكليني والثاني للحر العاملي وهما ثقتان ورواياتهما حجة معتبرة، فإذا اشتبهت النسخ واختلفت فنشك في ان ما رواه المخبر الثقة هل هو هذه النسخة أو تلك فهو من اشتباه الحجة

[ 108 ]

بلا حجة الموجب لسقوط الرواية عن الاعتبار - فالاخذ برواية الكليني أوضح إذا لم تثبت رواية الشيخ لا مع الزيادة ولا بدونها لسقوطها عن الاعتبار من جهة اشتباه الحجة بلا حجة ومعه تبقى رواية الكليني من غير معارض وقد مر انها غير مشتملة على لفظة خمر، فلا دلالة لها على نجاسة العصير قبل ذهاب ثلثيه وانما تستفاد منها حرمته فحسب هذا والصحيح اشتباه الوافي والوسائل في نقلهما، فان الظاهر ان التهذيب مشتمل على الزيادة لكثرة نقلها عن الشيخ في تهذيبه وهي تكشف عن أن اكثر نسخ الكتاب مشتمل على الزيادة، فلو كانت عندهما نسخة غير مشتملة عليها فهي نسخة غير دارجة ولا معروفة فلابد من أن ينبها على ان النقيصة من جهة النسخة غير المعروفة الموجودة عندهما فحيث لم ينبها على ذلك بوجه فدلنا هذا على اشتمال النسخة الموجودة عندهما أيضا على الزيادة المذكورة وانما تركا نقلها اشتباها برواية الكليني (قده) وعليه فالروايتان متعارضتان ولا مناص من الحكم بتساقطهما والرجوع إلى قاعدة الطهارة وهي تقتضي الحكم بطهارة العصير حينئذ " الثالث ": ان تنزيل شئ منزلة شئ آخر قد يكون على وجه الاطلاق ومن جميع الجهات والآثار ففي مثله يترتب على المنزل جميع ما كان يترتب على المنزل عليه من أحكامه وآثاره، كما إذا ورد: العصير خمر فلا تشربه أو قال: لا تشرب العصير لانه خمر. لان لفظة " فاء " ظاهرة في التفريع وتدل على ان حرمة الشرب من الامور المتفرعة على تنزيل العصير منزلة الخمر مطلقا وكذلك الحال في المثال الثاني لانه كالتنصيص بان النهي عن شربه مستند إلى انه منزل منزلة الخمر شرعا وبذلك يحكم بنجاسة العصير لانها من أحد الآثار المترتبة على الخمر. وقد يكون التنزيل بلحاظ بعض الجهات والآثار ولا يكون ثابتا على وجه الاطلاق كما هو الحال في المقام، لان قوله عليه السلام خمر لا تشربه إنما يدل

[ 109 ]

على ان العصير منزل منزلة الخمر من حيث حرمته فحسب ولا دلالة له على تنزيله منزلة الخمر من جميع الجهات والآثار وذلك لعدم اشتماله على لفظة " فاء " الظاهرة في التفريع حيث ان جملة لا تشربه وقوله خمر بمجموعهما صفة للعصير أو من قبيل الخبر بعد الخبر أو انها نهي وعلى أي حال لا دلالة له على التفريع حتى يحكم على العصير بكل من النجاسة والحرمة وغيرهما من الآثار المترتبة على الخمر، فتحصل ان الصحيح هو القول الثاني ولا دليل على نجاسة العصير بالغليان كما هو القول الاخير. هذا وقد يفصل في المسألة بين ما إذا كان غليان العصير مستندا إلى النار فيحكم بحرمته ويكون ذهاب ثلثيه محللا حينئذ وبين ما إذا استند إلى نفسه أو إلى حرارة الهواء أو الشمس فيحكم بنجاسته إلا ان ذهاب الثلثين حينئذ لا يرفع نجاسته لان حاله حال الخمر فلا يطهره إلا تخليله، وهذا التفصيل نسب من القدماء إلى ابن حمزة في الوسيلة واختاره شيخنا الشيخ الشريعة الاصفهاني (قده) في رسالته: أفاضة القدير التي صنفها في حكم العصير وقد نسبه إلى جماعة منهم ابن ادريس والشيخ الطوسي في بعض كلماته واستدل عليه " تارة " بما يرجع حاصله إلى المنع الصغروي، حيث ذكر ان العصير العنبي إذا نش وغلى بنفسه - ولو بمعونة أمر خارجي غير منفرد في الاقتضا كالشمس وحرارة الهواء ونحوهما - كما إذا مضت عليه مدة لا محالة يصير مسكرا، لانه ببقائه مدة من الزمان يلقى الزبد وتحدث فيه حموضة وهي التي يعبر عنها في الفارسية ب‍ " ترشيدن " فبه ينقلب مسكرا حقيقيا وهو إذا من أحد أفراد الخمر والمسكر، ولا اشكال في نجاسة الخمر كما مر. والتكلم في الصغريات وان كان خارجا عن الابحاث العلمية إلا ان ما أفاده " قده " لو تم وثبت اقتضى التفصيل في المسألة من دون حاجة إلى اقامة الدليل والبرهان عليه، لان ما قدمناه من الادلة على نجاسة الخمر يكفينا في الحكم بنجاسة العصير إذا غلى من قبل

[ 110 ]

نفسه لانه فرد من أفراد الخمر حينئذ، إلا انه لم يثبت عندنا أن العصير إذا غلى بنفسه ينقلب خمرا مسكرا كما لم يدع ذلك أهل خبرته وهم المخللون وصناع الخل والدبس. بل المتحقق الثابت خلافه فان صنع الخمر وايجادها لو كان بتلك السهولة لم يتحمل العقلاء المشقة في تحصيلها من تهيئة المقدمات والمؤنات وبذل الاموال الطائلة في مقابلها، بل يأخذ كل أحد مقدارا من العصير ثم يجعله في مكان فإذا مضت عليه مدة ينقلب خمرا مسكرا. نعم ربما ينقلب العصير - الذي وضع لاجل تخليله - خمرا، إلا انه أمر قد يتفق من قبل نفسه وقد لا يتفق و " أخرى " منع عن كبرى نجاسة مطلق العصير بالغليان وعمدة ما اعتمد عليه في ذلك أمران: " أحدهما " دعوى ان كل رواية مشتملة على لفظة الغليان من الاخبار الواردة في حرمة العصير انما دلت على انه لا خير في العصير إذا غلى أو لا تشربه إذا غلى أو غيرهما من المضامين الواردة في الروايات إلا ان الحرمة أو النجاسة - على تقدير القول بها - غير مغياة في تلك الاخبار بذهاب الثلثين أبدا، وعليه فلا دلالة في شئ منها على أن الحكم الثابت على العصير بعد غليانه يرتفع بذهاب ثلثيه بل ليس من ذلك في الروايات عين ولا أثر. كما ان كل رواية اشتملت على التحديد بذهاب الثلثين فهي مختصة بالعصير المطبوخ أو ما يساوقه كالبختج والطلا. والجامع ما يغلى بالنار. فهذه الاخبار قد دلتنا على ان العصير المطبوخ الذي يستند غليانه إلى النار - دون مطلق العصير المغلي - إذا ذهب عنه ثلثاه وبقي ثلثه فلا بأس به ولا دلالة في شئ منها على عدم البأس في مطلق العصير المغلي إذا ذهب عنه ثلثاه فمن ذلك يظهر ان ذهاب الثلثين محلل للعصير الذي استند غليانه إلى الطبخ بالنار ولا نجاسة فيه أبدا. وأما ما استند غليانه إلى نفسه - ولو بمعونة أمر خارجي غير منفرد في الاقتضاء كالشمس وحرارة الهواء - فذهاب

[ 111 ]

الثلثين فيه لا يكون موجبا لحليته ولا مزيلا لنجاسته فبذلك نبني على ان العصير إذا غلى بنفسه فهو نجس محرم شربه ولا يرتفع شئ من نجاسته وحرمته إلا بانقلابه خلا كما هو الحال في الخمر و " سره " أن الغليان في الطائفة الاولى من الروايات - وهي الاخبار المشتملة على حرمة العصير أو نجاسته بغليانه - لم يذكر له سبب وكل وصف لشئ لم يذكر استناده إلى سبب فالظاهر انه مما يقتضيه نفس ذلك الشئ بمادته: وعليه فالروايات ظاهرة في أن الغليان المنتسب إلى نفس مادة العصير - ولو بمعونة أمر خارجي - هو الذي يقتضي نجاسته دون الغليان المنتسب إلى النار وبهذا صح التفصيل المتقدم ذكره ومعه لا وجه لما عن المحقق الهمداني وغيره من عدم استناد ذلك إلى دليل حيث ذكر المحقق المذكور - بعد نقله التفصيل المتقدم ذكره عن ابن حمزة في الوسيلة - انه لم يعلم مستنده و " دعوى ": ان هذه النكتة في الروايات - ذكر السبب وعدمه - قضية اتفاقية لا يناط بها الحكم الشرعي - كما عن بعض معاصريه - " مندفعة ": بأن النكات والدقائق التي أعملها الائمة - ع - في كلماتهم مما لا مناص من أخذها كما يجب الاخذ باصلها. هذه خلاصة ما أفاده (قده) في الامر الاول من استدلاله بعد ضم بعض كلماته ببعض وزيادة منا لتوضيح المراد. ولكن لا يمكننا المساعدة على هذه الدعوى بوجه، لانها مما لا أصل له حيث ان الاخبار المشتملة على لفظة الغليان مما دل على حرمة العصير أو نجاسته وان لم يغي فيها الحكم بذهاب الثلثين إلا ان عدم ذكر السبب للغليان لا يقتضي استناده إلى نفس العصير، لانه دعوى لا شاهد لها من العرف ولا من كلمات أهل اللغة كيف فان عدم ذكر السبب يقتضي الاطلاق من حيث أسبابه فلا يفرق بين استناده إلى نفسه أو إلى النار أو غيرهما. فالمراد بالغليان في حسنة

[ 112 ]

حماد عن أبي عبد الله عليه السلام لا يحرم العصير حتى يغلي (* 1) وفي خبره الآخر: تشرب ما لم يغل فإذا غلى فلا تشربه (* 2) اعم من الغليان بالنار والغليان بنفسه. فلا يكون عدم ذكر السبب موجبا لتقييد الغليان بخصوص ما يستند الي نفسه فإذا ورد ان الرجل إذا مات ينتقل ماله إلى وارثه فلا يحمله أحد على ارادة خصوص موته المستند إلى نفسه بل يعمه وما إذا كان مستندا إلى غيره من قتل أو غرق أو غيرهما من الاسباب الخارجية. هذا كله على ان الغليان لا يعقل ان يستند إلى نفس العصير فانه لو صب في ظرف - كالاناء - وجعل في ثلاجة أو غيرها مما لا تؤثر فيه حرارة خارجية فلا محالة يبقى مدة من الزمان ولا يحدث فيه الغليان أبدا وعليه فالغليان غير مسبب عن نفس العصير، بل دائما مستند إلى أمر خارجي من نار أو حرارة الهواء أو الشمس، ومعه لا وجه لحمل الغليان في الطائفة الاولى على الغليان بنفسه حتى ينتج ان الحاصل بسببه لا يرتفع حكمه بذهاب ثلثي العصير. نعم يبقى له سؤال وهو انه هب ان الغليان في الروايات المذكورة مطلق ولا يختص بالغليان بنفسه إلا انه لم يدلنا دليل على ان ذهاب الثلثين في مطلق العصير يقتضي طهارته ويرفع حرمته، لما قدمناه من ان الطائفة الثانية المشتملة على ذهاب الثلثين مختصة بالعصير المطبوخ بالنار أو ما يساوقه فذهابهما إنما يكون غاية لارتفاع الحرمة أو النجاسة في خصوص ما غلى بالنار. واما في غيره فلا دليل على ارتفاع حكمه بذهابهما فلابد من التمسك حينئذ بعدم القول بالفصل والملازمة بين ما غلى بالنار وما غلى بغيرها وهي بعد لم تثبت. وهذا السؤال وان كان له وجه إلا انه يندفع بأن الطائفة الثانية وان اختصت بالمطبوخ كما ادعاه إلا ان في بينها صحيحة عبد الله بن


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 3 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 113 ]

سنان أو حسنته (* 1) قال، ذكر أبو عبد الله عليه السلام ان العصير إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فهو حلال. والعصير فيها مطلق وتدلنا هذه الصحيحة على أن ذهاب الثلثين رافع لحرمة مطلق العصير سواء غلى بنفسه ونش أولا ثم أغلى بالنار وذهب ثلثاه أم لم يغل قبل غليانه بالنار هذا. بل قيل ان الغالب في العصير الموجود في دكاكين المخللين وصناع الخل والدبس هو الاول لان العصير عندهم كثير ولا يتمكنون من جعله دبسا دفعة ومن هنا يبقي العصير في دكاكينهم مدة ويحصل له النشيش من قبل نفسه ثم يغلى بالنار ويذهب ثلثاه فالمتحصل ان ذهاب الثلثين مطلقا يرفع الحرمة الثابتة على العصير غلى بنفسه أم غلى بالنار. " ثانيهما " صحيحة ابن سنان أو حسنته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه (* 2) حيث انه رتب الحرمة - المغياة بذهاب الثلثين - على العصير الذي أصابته النار فيستفاد منها ان ما لم تصبه النار من العصير - كما إذا غلى بسبب أمر آخر - لا ترتفع حرمته بذهاب ثلثيه وإلا فما فائدة تقييده العصير بما أصابته النار؟ ودعوى: ان القيد توضيحي خلاف ظاهر التقييد لان القيود محمولة على الاحتراز - فيما إذا لم يؤت بها لفائدة أخرى - كما في قوله عز من قائل: وربائبكم اللاتي في حجوركم (* 3) حيث ان الاتيان بالقيد من جهة الاشارة إلى حكمة الحكم بحرمة الربائب لا ان حرمتها مختصة بما إذا كانت في الحجور وعليه لا مناص من التفصيل في حلية العصير بذهاب ثلثيه بين صورة غليانه بنفسه وصورة غليانه بسبب أمر آخر، لان الغاية لحرمة العصير المغلي بنفسه تنحصر بتخليله هذا. ويتوجه


(* 1) المروية في ب 32 من ابواب الاشربة المباحة و 5 من الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 2 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 3) النساء 4: 23.

[ 114 ]

عليه ان الاصل في القيود وان كان هو الاحتراز وقد بينا في مبحث المفاهيم ان الوصف كالشرط ذات مفهوم إلا ان مفهومه ان الطبيعة على اطلاقها غير مقتضية للحكم والاثر وانما المقتضى لهما حصة خاصة من الطبيعي ولا دلالة له على ان الحكم الثابت لتلك الحصة غير ثابت لحصة أخرى من الطبيعة - مثلا - إذا ورد اكرم الرجل العالم يدلنا تقييد الرجل بان يكون عالما على ان طبيعي الرجولية غير مقتض لوجوب اكرامها بل الذي ثبت له وجوب الاكرام حصة خاصة وهي الرجل المتصف بالعلم، لانه لو كان ثابتا لطبيعي الرجل على اطلاقه كان تقييده بالعالم من اللغو الظاهر إلا انه لا يدل على ان الرجل العادل أو غيره من الحصص غير متصف بهذا الحكم حيث لا دلالة في الوصف على كونه علة منحصرة للوجوب في المثال ومعه يمكن ان تكون العدالة أو الشيخوخة أو غيرهما من القيود - كالعلم - علة لوجوب الاكرام - مثلا - وعليه يدلنا تقييد العصير في الرواية بما أصابته النار ان ارتفاع الحرمة بذهاب الثلثين غير مترتب على طبيعي العصير - وإلا كان تقييده لغوا ظاهرا - وإنما يترتب على حصة خاصة منه وهو الذي تصيبه النار إلا انه لا يدلنا بوجه على عدم ارتفاع الحرمة بذهاب الثلثين في غيره من الحصص المتصورة للعصير كالمغلي بنفسه أو بحرارة الشمس أو الهواء لما عرفت من ان الوصف لا ظهور له في العلية المنحصرة ومعه يمكن أن يكون الغليان بنفسه كالغليان بالنار علة للحرمة المغياة بذهاب الثلثين هذا. على انا لو سلمنا ظهور الرواية في ارادة خصوص الغليان بالنار وفرضنا انها كالصريح في ان الغليان بالنار هو الذي يقتضي الحرمة المغياة بذهاب الثلثين دون الغليان بغيرها من الاسباب فغاية ذلك ان نفصل في حرمة العصير بين ما إذا غلى بنفسه فلا ترتفع حرمته إلا بتخليله وما إذا غلى بالنار فترتفع حرمته بذهاب ثلثيه وأين هذا من التفصيل في نجاسة العصير؟ حيث لم

[ 115 ]

يدلنا أي دليل على أن العصير إذا غلى بنفسه ينجس حتى يحكم بعدم ارتفاعها بذهاب ثلثيه فالصحيح هو الذي قدمناه عن المحقق الهمداني (قده) من أن التفصيل في نجاسة العصير بين غليانه بالنار وغليانه بغيرهما مما لم يعلم مستنده، فان ما أفاده شيخ الشريعة (قده) لو تم فانما يقتضي التفصيل في حرمة العصير دون نجاسته هذا. وقد يستدل على هذا التفصيل برواية الفقه الرضوي: فان نش من غير أن تصيبه النار فدعه حتى يصير خلا من ذاته (* 1) فانه كالصريح في ان الغليان من قبل نفس العصير مولد لحرمته وكذا لنجاسته وانهما لا يرتفعان إلا بتخليله. إلا انا ذكرنا غير مرة ان الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلا عن ان تكون حجة. وقد يستدل برواية عمار بن موسى الساباطي قال: وصف لي أبو عبد الله عليه السلام المطبوح كيف يطبخ حتى يصير حلالا؟ فقال: تأخذ ربعا من زبيب وتنقيه ثم تصب على إثنى عشر رطلا من ماء، ثم تنقعه ليلة فإذا كان أيام الصيف وخشيت أن ينش جعلته في تنور سخن قليلا حتى لا ينش ثم تنزع الماء عنه كله إذا أصبحت، ثم تصب عليه من الماء بقدر ما يغمره، ثم تغليه حتى تذهب حلاوته إلى ان قال فلا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث. الحديث (* 2) بتقريب ان قوله: وخشيت ان ينش ظاهره ان العصير مع النشيش من قبل نفسه لا يقبل الطهارة والحلية باذهاب ثلثيه، فالخشية إنما هي من صيرورته خارجا عن قابلية الانتفاع به بذهاب الثلثين لاجل غليانه من قبل نفسه فالنش في قبال غليانه بالنار الذي يحلله ذهاب الثلثين. والكلام في هذا الاستدلال " تارة " يقع في فقه الحديث و " أخرى " في الاستدلال به على المدعى. أما فقه الحديث فقد وقع الكلام في المراد من


(* 1) فقه الرضا ص 38 السطر 13. (* 2) المروية في ب 5 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 116 ]

أمره عليه السلام بجعل العصير في تنور سخن قليلا خوفا من نشيشه من قبل نفسه، مع ان جعله في مكان حار معد لنشيشه لا انه مانع عنه. ذكر شيخنا شيخ الشريعة (قده) ان المراد بذلك جعل العصير في التنور السخن لاجل أن يغلي بالنار حتى لا ينش من قبل نفسه ويبعده: " أولا ": ان جعله في التنور السخن قليلا لا يوجب غليانه لقلة مكثه فيه و " ثانيا ": ان مراده عليه السلام لو كان غليانه بالنار لعبر عنه بعبارة أخصر كقوله فاغله، ولم يكن يحتاج إلى قوله: جعلته في تنور سخن قليلا - على طوله - و " ثالثا ": ان ظاهر الرواية انه عليه السلام يريد أن يحتفظ على العصير من نشيشه من دون أن يغلي، فما وجه به الرواية مما لا يمكن المساعدة عليه. والصحيح في وجه ذلك أن يقال: ان العصير أو غيره من الاشربة أو الاطعمة القابلة لان يطرء عليها الضياع والحموضة إذا أصابته الحرارة بكم خاص منع عن فسادها ولما طرأت عليها الحموضة بوجه فلا يسقط عن قابلية الانتفاع بها باكلها أو بشربها، فلو جعلت طعاما على النار - مثلا - في درجة معينة من الحرارة ترى انه يبقى أياما بحيث لو كان بقي على حاله من غير حرارة لفسد من ساعته أو بعد ساعات قلائل كما في الصيف. وقد ذكر المستكشفون العصريون في وجه ذلك ان الفساد انما يطرء على الطعام أو الشراب من جهة " الميكروبات " الداخلة عليهما التي تتكون في الجو والهواء بحيث لو ابقى ذلك الطعام أو الشراب على الحرارة في درجة معينة أعني الدرجة الستين وماتت " الميكروبات " الطارءة عليهما بتلك الحرارة لم يطرء عليهما الحموضة والفساد من غير أن يصل إلى درجة الغليان لان الحرارة إنما يولد الغليان في الدرجة الماءة هذا على ان ما ادعيناه وعرفته مما أثبتته التجربة وهي أقوى شاهد عليه سواء قلنا بمقالة العصريين أم أنكرنا وجود " الميكروب " من رأس وعليه فغرضه عليه السلام من الامر بجعل

[ 117 ]

[ نعم لا اشكال في حرمته سواء غلى بالنار، أو بنفسه، وإذا ذهب ثلثاه صار حلالا. سواء كان بالنار، أو بالشمس، أو الهواء (1) ] العصير في تنور سخن إنما هو التحفظ من أن تعرضه الحموضة والفساد لمكان حرارة التنور من غير أن يبلغ درجة الغليان هذا كله في فقه الحديث. وأما الاستدلال به على التفصيل المدعى ففيه " أولا ": ان الرواية ضعيفة بحسب السند، لان الراوي عن علي بن الحسن في السند لم يعلم انه محمد بن يحيى أو أنه رجل ومحمد بن يحيى يروي عن ذلك الرجل وحيث ان الرجل مجهول فتصبح الرواية بذلك مرسلة وان عبر عنها بالموثقة في كلمات بعضهم و " ثانيا ": ان قوله عليه السلام: وخشيت أن ينش. لم يظهر انه من جهة احتمال صيرورته محرما على نحو لا تزول عنه بذهاب ثلثيه لجواز أن تكون خشيته من جهة احتمال طرو الحموضة والنشيش على العصير وهما يمنعان عن طبخه على الكيفية الخاصة التي بينها عليه السلام حتى يفيد لعلاج بعض الاوجاع والامراض مع امكان ابقائه مدة من الزمان. فالاستدلال بالرواية غير تام. والصحيح هو الذي ذهب إليه المشهور من انه لا فرق في زوال حرمة العصير وكذا في نجاسته - على تقدير القول بها - بين غليانه بالنار وغليانه بنفسه بعد ذهاب الثلثين. (1) استدل على ذلك بالاطلاق، وليت شعري ما المراد من ذلك وأي أطلاق في روايات المسألة حق يتمسك به في المقام كيف فان الاخبار المشتملة على حلية العصير بذهاب الثلثين إنما وردت في خصوص ذهابهما بالنار فيكفينا في المقام عدم الدليل على حلية العصير بذهاب ثلثيه بمثل الشمس والهواء وكذا طهارته إذا قلنا بنجاسته بالغليان هذا على أن بعضها ذات مفهوم ومقتضى مفهومه عدم ارتفاع حرمة العصير بذهاب ثلثيه بمثل الشمس والهواء واليك

[ 118 ]

موثقة أبي بصير: ان طبخ حتى يذهب منه اثنان ويبقى واحد فهو حلال (* 1) فان مفهومها انه إذا لم يطبخ بالنار ليذهب ثلثاه فلا يحل. بل يمكن استفادة ما ذكرناه من الاخبار الواردة في حكمة تحريم الثلثين المشتملة على منازعة الشيطان وآدم عليه السلام وتحاكمهما إلى روح القدس حيث ورد في بعضها ان روح القدس أخذ ضغثا من النار فرمى به على القضيبين والعنب في أغصانهما حتى ظن آدم انه لم يبق منه وظن ابليس مثل ذلك فدخلت النار حيث دخلت وذهب منهما ثلثاهما وبقي الثلث وقال الروح أما ما ذهب منهما فحظ ابليس وما بقي فهو للآدم عليه السلام (* 2) لان ظاهرها ان المحلل للثلث الباقي إنما هو ذهاب الثلثين بالنار. وكيف كان فلا نرى اطلاقا في شئ من الاخبار. نعم ورد في بعض أخبار المسألة ان العصير إذا طبخ حتى يذهب منه ثلاثة دوانيق ونصف ثم ترك حتى برد فقد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه (* 3) وقد دلت على ان ذهاب ثلثي العصير المعتبر في حليته لا يعتبر أن يكون حال غليانه بالنار بل لو ذهب منه مقدار - كثلاثة دوانيق ونصف - وهو على النار وذهب نصف الدانق منه بعد رفعه عنها كفى ذلك في حليته لان مجموع الذاهب حينئذ أربعة دوانيق: ثلاثة ونصف حل‍؟؟؟ كونه على النار ونصف الدانق بعد أخذه منها لتصاعده بالبخار وهما ثلثان والباقي ثلث واحد وهو دانقان ولكن لا دلالة لها على كفاية ذهاب نصف الدانق الباقي - في حلية العصير - بمثل الشمس والهواء. والوجه فيه ان ذهاب نصف الدانق بعد أخذه من النار أيضا مستند إلى غليانه بسببها لان النار أغلته وأحدثث فيه الحرارة الموجبة لتصاعد المقدار الباقي منه بالبخار


(* 1) المروية في ب 2 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) هذا مضمون ما رواه في الوسائل في ب 2 من ابواب الاشربة المحرمة عن ابي الربيع الشامي. (* 3) رواه في الوسائل عن عبد الله بن سنان في ب 5 من ابواب الاشربة المحرمة.

[ 119 ]

[ بل الاقوى حرمته بمجرد النشيش (1) وإن لم يصل إلى حد الغليان ] بعد أخذه من النار فلا يستفاد منها ان ذهاب نصف الدانق يكفي في حلية العصير ولو كان مستندا إلى غير النار على أنا لو سلمنا دلالتها على كفاية ذهابه ولو بغير النار فانما نلتزم بذلك في خصوص مورد الرواية وهو نصف الدانق فحسب وأما ذهاب مجموع الثلثين بغير النار فلم يدل على كفايته دليل فالصحيح الاقتصار - في الحكم بحلية العصير بعد غليانه - بذهاب ثلثيه بالنار. (1) النشيش - كما قيل - هو الصوت الحادث في الماء أو في غيره قبل أخذه بالغليان وهو في بعض الاواني أوضح وأشد من بعضها الآخر وفى " السماور " أظهر. وهل يكفي ذلك في الحكم بحرمة العصير وكذا في نجاسته - على تقدير القول بها - أو ان موضوعيهما الغليان؟ ذهب الماتن إلى الاول وتبعه عليه غيره، ولعله اعتمد في ذلك على موثقة ذريح سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا نش العصير أو غلى حرم (* 1) حيث عطف الغليان فيها على النشيش وظاهر العطف هو التغائر والاثنينية هذا ولكنها معارضة بحسنة حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يحرم العصير حتى يغلي (* 2) وغيرها من الاخبار الواردة في عدم حرمة العصير قبل أن يغلي فانها ظاهرة في عدم العبرة بالنشيش الحاصل قبل الغليان غالبا ومع المعارضة، كيف يمكن الاعتماد على موثقة ذريح على أن لازمها أن يكون اعتبار الغليان وعطفه إلى النشيش لغوا ظاهرا، لانه مسبوق بالنشيش دائما، فلا مناص معه من حمل النشيش في الموثقة على معنى آخر - كنشيشه بنفسه - أو حمل الغليان فيها على موارد يتحقق فيها الغليان من دون أن يسبقه النشيش كما إذا وضع مقدار قليل من العصير على نار حادة كثيرة فانها تولد الغليان فيه دفعة، ولا سيما إذا كانت


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 3 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل

[ 120 ]

حرارة الاناء المصبوب عليه العصير بالغة درجة حرارة النار، فان العصير حينئذ يغلي من وقته من غير سبقه بالنشيش وكيف ما كان فالاستدلال بالموثقة مبني على ان تكون الرواية كما رواها في الوسائل والوافي بعطف الغليان إلى النشيش بلفظه " أو " لكنها لم تثبت كذلك لان شيخنا شيخ الشريعة الاصفهاني (قده) نقل عن النسخ المصححة من الكافي عطف أحدهما على الآخر والواو وان العصير إذا نش وغلى حرم وعليه فلا تنافى بين اعتبار كل من الغليان والنشيش - الذي هو صوته - في ارتفاع حلية العصير وبما انه " قدس الله سره " ثقة أمين وقد روى عطف أحدهما إلى الآخر بالواو فلا مناص من الاخذ بروايته لاعتبارها وحجيتها وبه يرتفع التنافي عن نفس الموثقة كما يرتفع المعارضة بينها وبين حسنة حماد المتقدمة ونظائرها. ثم إذا أخذنا برواية الوافى والوسائل وهي عطف أحدهما إلى الآخر بلفظة " أو " فلابد في رفع المعارضة أن يقال: ان النشيش لم يثبت انه أمر مغائر مع الغليان بل هو هو بعينه - على ما في أقرب الموارد - حيث فسر النشيش بالغليان وقال: نش البيذ: غلى. وأما تفسيره بصوت الغليان كما عن القاموس وغيره فالظاهر ارادة انه صوت نفس الغليان لا الصوت السابق عليه. وعليه فهما بمعنى واحد وبهذا المعنى استعمل النشيش في رواية عمار (* 1) الواردة في كيفية طبخ العصير حيث قال: وخشيت أن ينش. فان معناه خشيت أن يغلي وليس معناه الصوت المتقدم على غليانه لانه لا وجه للخشية منه. وهذا الذي ذكرناه وان كان يرفع المعارضة بين الموثقة والحسنة إلا أنه لا يكفي في رفع التنافي عن نفس الموثقة، لانه لا معنى لعطف الشئ إلى نفسه والقول بانه إذا غلى العصير أو غلى حرم. فلا بد في رفعه من بيان ثانوي وهو أن يقال ان النشيش وان كان بمعنى الغليان كما مر إلا انه ليس بمعنى مطلق


(* 1) المتقدمة في ص 115

[ 121 ]

[ ولا فرق بين العصير ونفس العنب، فإذا غلى نفس العنب من غبران يعصر كان حراما (1) الغليان، وإنما معناه غليان خاص وهو غليان العصير بنفسه أو انه مما ينصرف إليه لفظه ] فالغليان بالنار لا يطلق عليه النشيش ولم ير استعماله بهذا المعنى في شئ من الاخبار، لان الغليان - كما في خبر حماد - هو القلب اعني تصاعد الاجزاء المتنازلة وتنازل الاجزاء المتصاعدة وهو انما يتحقق بالنار ولا يتأتى في الغليان بنفسه، وعليه فالنشيش أمر والغليان أمر آخر ومعه لا يبقى أي تناف في الموثقة فكأنه عليه السلام قال: ان غلى العصير بنفسه أو غلى بالنار حرم وعليه فموضوع الحكم بالحرمة أحد الغليانين المتقدمين. وأما النشيش - بمعنى الصوت الحادث قبل غليان الماء أو غيره - فهو مما لا يوجب الحرمة بوجه، وإن كان الاحوط التجنب عنه من حين نشيشه. (1) قد مر أن الموضوع للحكم بحرمة العصير إنما هو غليانه بنفسه - أعني النشيش - أو غليانه بالنار، فهل هذا يختص بما إذا استخرجنا ماء العنب بعصره أو انه يعم ما إذا خرج ماءه من غير عصر كما إذا خرج عنه بالفوران في جوف العنب أو من جهة كثرة مائه فخرج عن قشره بالضغطة الشديدة ثم أغلى؟ لا ينبغي التردد في أن العرف لا يستفيد من أدلة حرمة العصير - على تقدير غليانه - خصوصية لعصره ولا يفهم مدخلية ذلك في حرمته بالغليان، ولاسيما بملاحظة ما ورد في حكمة حرمة العصير من منازعة آدم عليه السلام وابليس وإذهاب روح القدس ثلثى ماء العنب بالنار (* 1)، حيث ان المستفاد منها ان الميزان في الحكم بحلية ماء العنب إنما هو ذهاب ثلثيه بالنار بلا فرق في ذلك بين خروج مائه بالعصر وبين خروجه بغيره وعليه لافرق في الحكم بحرمة العصير بالغليان بين استخراج ماء العنب بعصره وبين خروجه عنه بغير عصر للقطع بعدم مدخلية العصر - بحسب الفهم العرفي - في حرمته هذا كله إذا خرج


(* 1) المقتدمة في ص 118

[ 122 ]

[ وأما التمر والزبيب وعصيرهما (1) فالاقوى عدم حرمتهما أيضا بالغليان (2) وان كان الاحوط الاجتناب عنهما أكلا، بل من حيث النجاسة أيضا. ] عنه ماءه. وأما إذا غلى ماء العنب في جوفه بحرارة الهواء أو الشمس ونحوهما من دون استخراجه عن العنب بوجه فهل يحكم بحرمته ونجاسته؟ - على القول بنجاسة العصير بالغليان - الظاهر ان هذه المسألة فرضية خيالية لانها تبتني على فرض أمر غير واقع أبدا حيث ان العنب ليس كالقربة - وغيرها - من الاوعية مشتملا على مقدار من الماء حتى يمكن غليانه في جوفه بل العنب - على ما شاهدنا جميع أقسامه - نظير الخيار والبطيخ والرقي مشتمل على لحم فيه رطوبة وكلما وردت عليه ضغطة خرج منه ماءه وبقيت سفالته. نعم الماء الخارج من العنب أكثر مما يمكن استخراجه من الخيار، وكيف كان فلا ماء في جوف العنب حتى يغلي وقد مر ان الغليان هو القلب وتصاعد النازل وتنازل الصاعد وكيف يتصور هذا في مثل العنب والبطيخ والخيار وغيرها مما لا يشتمل على الماء في جوفه. ثم على تقدير امكان ذلك ووقوعه في الخارج - بفرض أمر غير واقع - فهل يحكم بحرمته قبل أن يذهب ثلثاه؟ التحقيق انه لاوجه للحكم بحرمته، لان ما دل على حرمة العصير العنبي بعد غليانه انما دل على حرمة مائه الذي خرج منه بعصره أو بغير عصر. وأما ماء العنب في جوفه فحرمته تحتاج إلى دليل، ولم يدلنا دليل على أن ماء العنب إذا غلى في جوفه حرم حتى يذهب ثلثاه. (1) المصطلح عليهما بالنبيذ، فقال: نبيذ الزبيب أو التمر ولاسيما في الاخير، كما ان المصطلح عليه في ماء العنب هو العصير كذا ذكره صاحب الحدائق " قده ". (2) إذا نبذ الزبيب أو التمر في ماء وأكسبه حلاوة ثم غلى ذلك الماء

[ 123 ]

بسبب فهل يحكم بحرمته ونجاسته أو انه محكوم بالطهارة والحل؟ أما النجاسة فظاهرهم الاتفاق على عدمها بعد بطلان التفصيل المتقدم عن ابن حمزة في الوسيلة الذي اختاره شيخنا شيخ الشريعة " قده " حيث ذهب إلى نجاسة العصير فيما إذا غلى بنفسه وعدم ارتفاعها إلا بانقلابه خلا بلا فرق في ذلك بين العصير العنبي وعصيري التمر والزبيب. وقد ذكر في الحدائق اني لم أقف على قائل بنجاسة العصير الزبيبي ونقل التصريح بذلك عن الفاضل السبزواري (قده) وكيف كان فالظاهر عدم الخلاف في طهارة النبيذ أو لو كان هناك خلاف في نجاسة العصير الزبيبي فهو خلاف جزئي غير معتد به. وأما حرمته فقد وقع الكلام فيها بينهم وذهب بعضهم إلى حرمته ونسب ذلك إلى جملة من متأخر المتأخرين. والمشهور حليته ولنتكلم أولا في حكم النبيذ الزبيبي ثم نتبعه بالتكلم في النبيذ التمري إن شاء الله. فنقول: الذي يمكن أن يستدل به لحرمة النبيذ الزبيبي بل لنجاسته أمران: " أحدهما ": الاستصحاب التعليقي بتقريب أن الزبيب حينما كان رطبا وعنبا كان عصيره إذا غلى يحرم فإذا جففته الشمس أو الهواء وشككنا في بقائه على حالته السابقة وعدمه فمقتضى الاستصحاب انه الآن كما كان فيحكم بحرمة مائه على تقدير غليانه بل بنجاسته أيضا إذا قلنا بنجاسة العصير العنبي. وترد على هذا الاستصحاب المناقشة من جهات: " الاولى ": ان الاستصحاب دائما - كما مر غير مرة - مبتلى بالمعارض في الاحكام الكلية الالهية، فلا مورد للاستصحاب في الاحكام المنجزة فضلا عن الاحكام المعلقة " الثانية ": انه لا اصل للاستصحاب التعليقي أساسا، وهذا لا لان كل شرط يرجع إلى الموضوع كما ان كل موضوع يرجع إلى الشرط في القضايا الحقيقة حتى يدعى ان رجوع الشرط إلى الموضوع امر دقي فلسفي، والمدار في جريان الاستصحاب إنما هو على المفاهيم العرفية المستفادة من القضايا الشرعية

[ 124 ]

ولا اشكال في أن الشرط - بمفهومه العرفي المستفاد من الخطاب - يغائر الموضوع وحيث ان الموضوع باق بالنظر العرفي فلا مانع من جريان الاستصحاب في حكمه وان لم يتحقق شرطه - أعني الغليان - وذلك لان هذه الدعوى وان كانت صحيحة في نفسها على ما برهن عليه شيخنا الاستاذ (قده) في محله إلا أن الوجه في إنكارنا ومنع شيخنا الاستاذ (قده) عن الاستصحابات التعليقية من أساسها إنما هو ما قررناه في المباحث الاصولية من أن الاحكام الشرعية لها مرحلتان: مرحلة الجعل ومرحلة المجعول، والشك في المرحلة الاولى أعني الشك في بقاء جعلها وارتفاعه لايتحق إلا بالشك في نسخها، فإذا شككنا في نسخ حكم وبقائه فعلى المسلك المشهور يجري الاستصحاب في بقائه وعدم نسخه ولا يجري على مسلكنا لما حققناه في محله. وأما الشك في الاحكام في المرحلة الثانية وهي مرحلة المجعول فلا يمكن أن يتحقق إلا بعد فعليتها بتحقق موضوعاتها في الخارج بما لها من القيود فإذا وجد موضوع حكم وقيوده وشككنا - في بقائه وارتفاعه بعد فعليته فايضا لاكلام في جريان الاستصحاب في بقائه - بناء على القول بجريانه في الاحكام الكلية الالهية - ولا معنى للشك في بقاء الحكم الشرعي وعدمه في غير هاتين المرحلتين، وحيث أن الشك في حرمة العصير الزبيبي على تقدير الغليان لم ينشأ عن الشك في نسخها للقطع ببقاء جعلها في الشريعة المقدسة فلا مجري فيها للاستصحاب بحسب مرحلة الجعل لعدم الشك على الفرض. كما ان الشك في حرمته ليس من الشك في بقاء الحكم بعد فعليته فان العصير العنبي لم يتحقق في الخارج في أي زمان حتى يغلي ويتصف بالحرمة الفعلية ويشك في بقائها فلا يجري الاستصحاب فيها بحسب مرحلة المجعول أيضا وعليه فليس لنا حكم شرعي في هذه الموارد حتى نستصحبه عند الشك في بقائه. نعم الذي لنا علم بوجوده - بعد ما تحقق العنب في الخارج

[ 125 ]

وقبل أن يغلي - إنما هو الملازمة العقلية بين حرمته وغليانه، لانه بعد العلم بتحقق أحد جزئي الموضوع للحكم بحرمة العصير يتحقق العلم بالملازمة بين حرمته ووجود جزئه الآخر فيقال انه بحيث إذا غلى يحرم، إلا انه حكم عقلي غير قابل للتعبد ببقائه بالاستصحاب. " الثالثة ": هب انا بنينا على جريان الاستصحاب في جميع الاحكام الكلية منجزها ومعلقها إلا أن الاخبار الواردة في المقام كلها أثبتت الحرمة، وكذا النجاسة - على القول بها - على عنوان العصير المتخذ من العنب ولم يترتبا على نفس العنب ولا على أمر آخر، وظاهر أن الزبيب ليس بعصير حتى يقال إذا شككنا في بقاء حكمه، لجفافه وصيرورته زبيبا نستصحب بقائه لان مغائرة العصير والزبيب مما لا يكاد يخفى على أحد، كما أن النبيذ - أعني الماء الذي نبذ فيه شئ من الزبيب واكتسب حلاوته - كذلك لانه ماء فرات أو بئر أو مطر وإنما جاور الزبيب مقدارا من الزمان واكتسب حلاوته ولا يصدق عليه العصير العنبي أبدا ومع التعدد وارتفاع الموضوع المترتب عليه الحكم والاثر لا مجال لاجراء الاستصحاب بوجه. نعم لو كان العنب بنفسه موضوعا للحكم بحرمته أو بنجاسته لحكمنا بجريان استصحابهما عند صيرورة العنب زبيبا لان الجفاف والرطوبة تعدان من الحالات الطارئة على الموضوع لامن مقوماته فلا نضائق من القول باستصحاب الاحكام المترتبة على نفس العنب عند تبدله بالزبيب كاستصحاب ملكيته ونحوها فالمتحصل ان الاستصحاب التعليقي مما لا أصل له و " ثانيهما ": الروايات حيث استدل لحرمة العصير الزبيبي بجملة من الاخبار: " منها ": رواية زيد النرسي في أصله قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الزبيب يدق ويلقى في القدر ثم يصب عليه الماء ويوقد تحته فقال: لا تأكله حتى يذهب الثلثان ويبقى الثلث، فان النار قد أصابته، قلت: فالزبيب كما هو في القدر ويصب عليه الماء ثم يطبخ

[ 126 ]

ويصفى عنه الماء؟ فقال: كذلك هو سواء إذا أدت الحلاوة إلى الماء فصار حلوا بمنزلة العصير ثم نش من غير أن تصيبه النار فقدم حرم، وكذلك إذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد (* 1) حيث دلت على حرمة العصير الزبيبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه. وقد جعلها شيخنا شيخ الشريعة (قده) مؤيدة لما ذهب إليه من التفصيل المتقدم نقله عند الكلام على نجاسة العصير العنبي، وذلك لتصريحها بانه إذا نش من غير أن تصيبه النار فقد حرم. وأما إذا غلى بالنار فيفسد حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه وحيث انها لم تقيد الحرمة - فيما إذا غلى بنفسه - بشئ وقد قيدتها بذهاب الثلثين فيما إذا غلى بالنار فيستفاد منها ان الحرمة في الصورة الاولى لا ترتفع إلا بالانقلاب. وأما اطلاق ذيلها أعني قوله وكذلك إذا أصابته النار فأغلاه فقد فسد - من غير ان تقيد فساده بشئ - فهو من جهة وضوح حكمه وغايته في صدر الرواية. هذا ولقد جاءت الرواية في جملة من كتب فقهائنا كالجواهر والحدائق، ومصباح الفقيه، وطهارة شيخنا الانصاري (قده) وغيرها على كيفية أخرى حيث رووا عن الصادق عليه السلام في الزبيب يدق ويلقى في القدر ويصب عليه الماء فقال: حرام حتى يذهب الثلثان " إلا أن يذهب ثلثاه " قلت الزبيب كما هو يلقى في القدر قال: هو كذلك سواء إذا أدت الحلاوة إلى الماء فقد فسد كلما غلى بنفسه أو بالما أو بالنار فقد حرم حتى يذهب ثلثاه " إلا أن يذهب ثلثاه " وقد اسندت الرواية في جملة منها إلى كل من زيد الزراد وزيد النرسي كما ان الرواية تختلف عن سابقتها من وجوه عمدتها اشتمال الرواية الثانية على التسوية بين قسمي الغليان أعني الغليان بالنار والغليان بنفسه لدلالتها على أن الحرمة في كلا القسمين مغياة بذهاب الثلثين وعليها لا يبقى لتأييد شيخنا شيخ الشريعة (قده) على تفصيله


(* 1) المروية في ب 2 من ابواب الاشربة المحرمة من مستدرك الوسائل.

[ 127 ]

بهذه الرواية مجال هذا إلا ان العلامة المجلسي في أطعمة البحار وشيخنا النوري في مستدركه نقلا الرواية كما نقلناه أولا وصرح في المستدرك بوقوع التحريف والتصحيف في الرواية وقواه شيخنا شيخ الشريعة في رسالته وقال ان أول من وقع في تلك الورطة الموحشة هو الشيخ سليمان الماخوري البحراني وتبعه من تبعه من غير مراجعة إلى أصل زيد النرسي. كما ان الرواية مختصة بزيد المذكور وليس في أصل زيد الزراد منها عين ولا أثر، فاسنادها إليه خطأ. وكيف كان فقد استدل بها على حرمة العصير الزبيبي عند غليانه قبل ان يذهب ثلثاه. والصحيح ان الرواية غير صالحة للاستدلال بها على هذا المدعى ولا لان يؤتى بها مؤيدة للتفصيل المتقدم نقله، وذلك لضعف سندها فان زيدا النرسي لم يوثقه أرباب الرجال ولم ينصوا في حقه بقدح ولا بمدح. على انا لو اغمضنا عن ذلك - وبنينا على جواز الاعتماد على روايته نظرا إلى ان الراوي عن زيد النرسي هو ابن أبي عمير وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فايضا لا يمكننا الاعتماد على روايته هذه، إذ لم تثبت صحة أصله وكتابه الذي اسندوا الرواية إليه، لان الصدوق وشيخه - محمد بن الحسن بن الوليد - قد ضعفا هذا الكتاب وقالا انه موضوع وضعه محمد بن موسى الهمداني. والمجلسي (قده) انما رواها عن نسخة عتيقة وجدها بخط الشيخ منصور بن الحسن الآبي، ولم يصله الكتاب باسناد متصل صحيح، ولم ينقل طريقه الينا على تقدير ان الكتاب وصله باسناد معتبر فلا ندري ان الواسطة أي شخص ولعله وضاع أو مجهول، وأما الاخبار المروية - في غير تلك النسخة كتفسير علي بن ابراهيم القمي، وكامل الزيارة، وعدة الداعي وغيرها عن زيد النرسي بواسطة ابن أبى عمير - فلا يدل وجدانها في تلك النسخة على انها كتاب زيد المذكور وأصله، وذلك لانا نحتمل أن تكون النسخة موضوعة

[ 128 ]

وانما ادرج فيها هذه الاخبار المنقولة في غيرها تثبيتا للمدعى وايهاما على انها كتاب زيد وأصله، وعلى الجملة انا لانقطع ولا نطمئن بان النسخة المذكورة كتاب زيد كما نطمئن بان الكافي للكليني والتهذيب للشيخ والوسائل للحر العاملي قدس الله أسرارهم. والذي يؤيد ذلك ان شيخنا الحر العاملي لم ينقل عن تلك النسخة في وسائله، مع انها كانت موجودة عنده بخطه على ما اعترف به شيخنا شيخ الشريعة (قده) بل ذكر - على ما ببالي - ان النسخة التي كانت عنده منقولة عن خط شيخنا الحر العاملي بواسطة، وليس ذلك إلا من جهة عدم صحة اسناد النسخة إلى زيد أو عدم ثبوته. وبعد هذا كله لا يبقى للرواية المذكورة وثوق ولا اعتبار فلا يمكننا الاعتماد عليها في شئ من المقامات و " منها ": رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى ابى الحسن - ع - قال: سألته عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه ثم يؤخذ الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه ثم يرفع فيشرب منه السنة؟ فقال: لا بأس به (* 1) حيث نفت البأس عن العصير لزبيبي فيما إذا ذهب عنه ثلثاه ولم تنف البأس عنه قبل ذهابهما. وفيه: ان نفيه عليه السلام البأس عن العصير الزبيبي عند ذهاب ثلثيه لم يظهر انه من أجل حرمته قبل ذهابهما ونجاسته فلا بأس بشربه بعده لحليته وطهارته أو أنه مستند إلى أمر آخر - مع الحكم بحلية العصير وطهارته قبل ذهاب الثلثين وبعده - وهو أن العصير لو بقي سنة من غير اذهاب ثلثيه نش من قبل نفسه وحرم فلا يمكن ابقاؤه للشرب منه سنة إلا ان يذهب ثلثاه نعم لا بأس بابقائه سنة بعد ذهابهما فلا دلالة لها على حرمته قبل ذهابهما ولا على نجاسته وهذا الاحتمال من القوة بمكان و " ظني " ان العصير بجميع أقسامه يشتمل على المادة " الالكلية " التي هي الموجبة للاسكار - على تقدير


(* 1) المروية في ب 7 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 129 ]

نضجه - ومع الغليان - إلى أن يذهب ثلثاه - ترتفع عنه المادة المسببة للاسكار فلا يعرضه النشيش وان بقي سنة أو سنتين أو اكثر ولا ينقلب مسكرا بابقائه ومن هنا ترى أن الدبس في بعض البيوت والدكاكين يبقى سنة بل سنتين من غير أن يعرضه النشيش. وهذا بخلاف ما إذا لم يذهب ثلثاه، لانه إذا بقي مدة ووصلت حرارته إلى مرتبة نضج المادة " الالكلية " فلا محالة ينش وبه يسقط عن قابلية الانتفاع به ولعله السر في نفيه عليه السلام البأس في الرواية عن إبقاء العصير إلى سنة إذا ذهب عنه ثلثاه، ومع هذا الاحتمال كيف يمكن الاستدلال بها على حرمة عصير الزبيب إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه و " منها ": موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الزبيب كيف يحل طبخه حتى يشرب حلالا؟ قال: تأخذ ربعا من زبيب فتنقيه ثم تطرح عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقيه ليلة فإذا كان من غد نزعت سلافته ثم تصب عليه من الماء بقدر ما يغمره ثم تغليه بالنار غلية ثم تنزع ماءه فتصبه على الاول ثم تطرحه في إناء واحد ثم توقد تحته النار حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه وتحته النار... (* 1) و " منها ": روايته الاخرى المتقدمة (* 2) والظاهر وحدة الروايتين وانما وقع الاختلاف في نقلها ويكشف عن ذلك اتحاد رواتهما إلى عمرو بن سعيد فان من البعيد أن يسأل شخص واحد عن مسألة واحدة مرتين ويرويهما كذلك وكيف كان لا مجال للاستدلال بهما على حرمة عصير الزبيب بعد غليانه للقطع بعدم مدخلية مجموع القيود الواردة فيهما في حليته بحيث تنتفي إذا انتفى بعض تلك القيود التي منها قوله عليه السلام فروقه. أي صفه فلا يستفاد منهما حرمة العصير بمجرد غليانه ولعل السر فيما اعتبره من القيود


(* 1) المروية في ب 5 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) المتقدمة في ص 115

[ 130 ]

التي منها ذهاب الثلثين هو ان لا يطرء الفساد على العصير بنشيشه - بعدما مضى عليه زمان - الذي يوجب حرمته وسقوطه عن القابلية للانتفاع به كما أشير إلى ذلك في ذيل الرواية بقوله عليه السلام فان أحببت ان يطول مكثه عندك فروقه. ويؤيده ما ورد في رواية اسماعيل بن الفضل الهاشمي (* 1) من قوله " وهو شراب طيب لا يتغير إذا بقي انشاء الله. نعم جاءت حرمة النبيذ الذي فيه القعوة أو العكر في جملة من الاخبار (* 2) إلا انها أيضا لاتدل على حرمته بمجرد الغليان حيث ان القعوة - كما في نفس تلك الروايات - وكذلك العكر عبارة عن ثقل التمر يضرب به الاناء حتى يهدر النبيذ فيغلي أو انها حب يؤتى به من البصرة فيلقى في النبيذ حتى يغلي " وان لم يظهر انه أي حب " فلعل الوجه في نهيه عما كان مشتملا على القعوة من النبيذ إنما هو صيرورته مسكرا بسببها بحيث لولا ما فيه من القعوة والعكر لم يكن يتحقق فيه صفة الاسكار بوجه فهما مادتان للمسكر في الحقيقة، كما ان مادة الجبن كذلك حيث انه لولاها لم يوجد الجبن، ويدلنا على ذلك ما ورد في بعض الروايات: " شه شه تلك الخمرة المنتنة " بعد قول السائل: انا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك (* 3) وعليه فلا مجال للاستدلال بهذه الاخبار على حرمة النبيذ بعد غليانه فيما إذا لم يوجب الاسكار. هذا وقد يستدل في المقام بحسنة عبد الله ابن سنان كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه (* 4) نظرا إلى أن عموم قوله كل عصير... شامل لعصير الزبيب أيضا فإذا أصابته


(* 1) المروية في ب 5 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) راجع ب 24 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 3) رواه في الوسائل في ب 2 من ابواب الماء المضاف عن الكلبى النسابة. (* 4) المتقدمة في ص 113

[ 131 ]

النار فلا محالة يحكم بحرمته. ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من المناقشة أما " أولا ": فلان الظاهر المنسبق إلى الاذهان من لفظة " العصير " بحسب العرف واللغة انما هو الرطوبة المتكونة في ما يعصر من الاشياء - كالبرتقان والعنب ونحوهما - فيما إذا استخرجت بعصره فيقال هذا المايع عصير العنب أو البرتقان وهكذا نعم ذكر صاحب الحدائق ان العصير اسم مختص بماء العنب ولا يعم غيره ولعلم مراده ان العصير الوارد في روايات المسألة مختص بماء العنب وأما بحسب اللغة فقد عرفت انه اسم للماء المتحصل من مثل البرتقان وغيره مما هو مشتمل على رطوبة متكونة في جوفه. ومن الظاهر ان الزبيب غير مشتمل على رطوبة متكونة في جوفه حتى تستخرج بعصره ويصدق عليها عنوان العصير. ومجرد صب الماء عليه خارجا لا يصحح اطلاق العصير عليه فان له اسما آخر " فتارة " يعبر عنه بالنبيذ باعتبار ما نبذ من الزبيب في الماء و " أخرى " بالمريس باعتبار دلكه و " ثالثة " بالنقيع باعتبار تصفيته وأما عنوان العصير فلا يطلق عليه أبدا وأما " ثانيا ": فلان الاستدلال بعموم الحديث في المقام مستلزم لتخصيص الاكثر المستهجن فيلزم أن يقال: كل عصير أصابته النار فقد حرم إلا عصير البرتقان والليمون والرمان والبطيخ وعصير كل شئ سوى عصيري العنب والزبيب وهو من الاستهجان بمكان فلا مناص من حمل الحسنة على معنى آخر لا يلزمه هذا المحذور. وبما ان المراد بالعصير في الرواية لم يظهر انه أي فرد وانه خصوص العصير العنبي أو الاعم منه ومن عصير الزبيب، ولم يمكن ارادة جميع أفراده ومصاديقه فلا يمكننا الحكم بشمولها للمقام. وعليه فالصحيح ان العصير الزبيبي مطلقا لا نجاسة ولا حرمة فيه سواء غلى أم لم يغل، إلا ان الاحتياط بالاجتناب عن شربه - إذا غلى قبل ذهاب ثلثيه - حسن على كل حال. وأما العصير التمري فالحلية فيه - كطهارته - أظهر،

[ 132 ]

[ (مسألة 2) إذا صار العصير دبسا بعد الغليان، قبل أن يذهب ثلثاه (1) فالاحوط حرمته، وان كان لحليته وجه، وعلى هذا فإذا استلزم ذهاب ثلثيه إحتراقه، فالاولى أن يصب عليه مقدار من الماء، ] حيث لم ترد نجاسته ولا حرمته في شئ من الاخبار سوى ما تقدم من مثل قوله عليه السلام كل عصير أصابته النار... وما ورد في حرمة النبيذ الذي فيه القعوة أو العكر وغيره مما سردناه في عصير الزبيب كما أسلفنا هناك الجواب عنها باجمعها وقلنا انه لا دلالة لها على حرمة العصير إلا أن يكون مسكرا لنشه بنفسه هذا مضافا إلى جملة من الروايات الواردة في دوران الحرمة مدار وصف الاسكار وأحسنها صحيحتان: إحداهما صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت: لابي عبد الله عليه السلام إن رجلا من بني عمي وهو من صلحاء مواليك يأمرني أن أسألك عن النبيذ وأصفه لك فقال: أنا أصف لك: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مسكر حرام... (* 1) وثانيتهما صحيحة صفوان الجمال قال: كنت مبتلى بالنبيذ معجبا به فقلت لابي عبد الله عليه السلام أصف لك النبيذ؟ فقال: بل أنا أصفه لك: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مسكر حرام... (* 2) وفي بعض الاخبار بعدما سألوه صلى الله عليه وآله عن النبيذ وأطالوا في وصفه: يا هذا قد اكثرت علي أفيسكر؟ قال: نعم، قال: كل مسكر حرام (* 3) إلى غير ذلك من الاخبار فالمتحصل ان العصير زبيبيا كان أم تمريا طاهر محلل قبل غليانه وبعده مادام غير مسكر وانما يحرم شربه إذا كان موجبا للاسكار وان كان الاحوط الاجتناب. (1) لكثرة مادته الحلوية فهل يحكم بحليته وطهارته - إذا قلنا بنجاسة


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 17 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل (* 3) ورد في رواية " وفد اليمن " المروية في ب 24 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل

[ 133 ]

العصير العنبي حينئذ - أو انه باق على حرمته ونجاسته ولارافع لهما سوى ذهاب الثلثين المفروض عدمه في المقام؟ الوجوه المحتملة في اثبات حليته ثلاثة: " الاول ": ان الحرمة انما كانت متعلقة في الاخبار المتقدمة على شرب العصير كقوله عليه السلام تشرب ما لم يغل فإذا غلا فلا تشربه (* 1) فموضوع الحرمة هو المشروب فإذا فرضنا انه صار مأكولا - كالدبس مثلا - فقد ارتفع موضوع الحرمة وتبدل أمرا آخر لا يتحقق فيه شرب العصير فلا محالة يحكم بحليته. هذه الدعوى وان كانت جارية في بعض الروايات كما عرفت إلا انها لا تتأتى في أكثرها لان الموضوع للحرمة فيها نفس العصير كما في حسنة عبد الله بن سنان المتقدمة ومن الظاهر ان اطلاقها يشمل ما إذا صار العصير دبسا حيث دلت على ان كل عصير أصابته النار فقد حرم سواء أصار دبسا بعد ذلك أم لم يسر. " والثاني ": ان الغاية المقصودة من ذهاب الثلثين متحققة عند صيرورة العصير دبسا ومع حصول الغاية والغرض بذلك لاوجه لحكم بحرمته. ولا يخفى ان هذه الدعوى جزافية بحتة، إذ من أخبرنا بما هو الغاية المقصودة من ذهاب الثلثين في العصير؟ حتى نرى أنها حاصلة في المقام عند صيرورته دبسا أو غير حاصلة " (الثالث ": ما عن الشهيد الثاني (قده) من أن العصير إذا صار دبسا فقد انقلب من حال إلى حال والانقلاب من أحد موجبات الطهارة والحل كما في انقلاب الخمر والعصير خلا. وفيه ان الانقلاب غير الاستحالة والاستهلاك إذ الاستحالة عبارة عن انعدام شئ ووجود شئ آخر عقلا وعرفا وإما بحسب العرف فقط ومن هنا لا يصح ان يطلق المطهر على الاستحالة إلا على وجه المسامحة لان ما هو الموضوع للحكم بالنجاسة قد زال وأما ما وجد فهو موضوع جديد فارتفاع النجاسة وغيرها من أحكامه مستند إلى ارتفاعه


(* 1) وهو خبر حماد المتقدم نقله في ص 112

[ 134 ]

بنفسه وانعدامه بصورته، لان شيئية الشئ إنما هي بصورته النوعية والاستحالة هي انعدام صورة نوعية ووجود صورة أخرى عقلا وعرفا وإما بالنظر العرفي فحسب لوضوح أن الصور النوعية العرفية هي الموضوع للاحكام الشرعية في أدلتها ومع ارتفاع موضوع الحكم وانعدامه لا موضوع ليطرء عليه حكمه. وأما القدر المشترك بين الصورتين النوعيتين المعبر عنه بالهيولى عند الفلاسفة فلاحكم له في الشريعة المقدسة لاشتراكه بين موجودات العالم باسرها - مثلا - إذا استحال كلب ملحا أو الخشبة المتنجسة رمادا ترتفع عنهما نجاستهما لانعدام موضوعها لان الموجود غير المنعدم على الفرض وهذا بخلاف الانقلاب لانه عبارة عن تبدل وصف بوصف آخر كتبدل الحنطة خبزا من دون تبدل في الصور النوعية بوجه حيث ان الخبز والدقيق عين الحنطة وانما الاختلاف في الاوصاف ولم يدلنا دليل على ان الانقلاب موجب للطهارة أو الحلية نعم خرجنا عن ذلك في خصوص الانقلاب خلا بالنص ولا يمكننا التعدي عن مورده إلى غيره ومن هنا إذا تنجس العصير بسبب آخر غير غليانه بأن قطرت عليه قطرة بول أو غيره ثم انقلبت دبسا - مثلا - فلا نظن ان يلتزم الشهيد (قده) بطهارته بدعوى الانقلاب، وعليه فالصحيح ان الحرمة الطارءة على العصير بغليانه لا ترتفع إلا بذهاب ثلثيه فإذا فرضنا انه انقلب دبسا لشدة حلاوته - كما يتفق في بعض البلاد - فلا مناص من الحكم بحرمته إلا ان يصب عليه مقدار من الماء فيغلي فإذا ذهب ثلثاه نحكم بحليته حيث لا يفرق في ارتفاع الحرمة بذهاب الثلثين بين غليان العصير في نفسه وبين غليانه بالماء الخارجي المصبوب عليه فإذا فرضنا ان العصير عشرة " كيلوات " وقد أغلي وصار دبسا بعد ذهاب نصفه بالغليان فلا مانع من أن يصب عليه الماء بمقدار خمسة " كيلوات " أخر حتى إذا غلى وذهب منه نصفه - وهو خمسة " كيلوات " - يحكم بحليته لان الباقي ثلث

[ 135 ]

[ فإذا ذهب ثلثاه حل بلا اشكال. (مسألة 3) يجوز أكل الزبيب، والكشمش، والتمر في الامراق والطبيخ (1) وان غلت، فيجوز أكلها بأي كيفية كانت على الاقوى. ] المجموع المركب من الماء والعصير. (1) إذا طبخ الزبيب أو التمر في المرق أو غيره فحرمته على تقدير الغليان وعدمها مبتنيان على ما قدمناه في المسألة السابقة: فان قلنا بعدم حرمة العصير زبيبا كان أم تمريا كما قلنا به فلا ينبغي الاشكال في جواز أكلهما في الطبيخ والامراق غلى بالماء أو الدهن أم لم يغل. واما إذا قلنا بحرمة عصيرهما الحاقا له بالعصير العنبي في المرق أو في غيره فلا كلام أيضا في حلية أكلهما. وقد قدمنا ان الغليان هو القلب وهو تنازل الاجزاء وتصاعدها وذكرنا انه لا يتحقق في غير المايعات كالعنب والتمر والزبيب. وأما إذا فرض غليانهما ولو بالماء أو الدهن وفرضنا صدق عنوان العصير ولو مع المقدار القليل مما حولهما من الدهن والمرق فايضا لانلتزم بحرمة أكلهما في الاغذية وذلك لان المحرم حينئذ انما هو المقدار القليل الذي في حولهما إلا انه لما كان مستهلكا في بقيه المرق والطبيخ جاز أكله لانعدام موضوع الحرمة عرفا فحاله حال الدم المتخلف في اللحم حيث انه طاهر محرم اكله ولكنه إذا طبخ مع اللحم واستهلك في ضمنه يحكم بجواز أكله بالاستهلاك هذا كله فيما إذا قلنا بطهارة عصيري التمر والزبيب وأما إذا قلنا بنجاستهما الحاقا لهما بالعصير العنبي - عند القائلين بنجاسته - فلا مانع أيضا من أكلهما في الاغذية والاطعمة إذا لم يعرض عليهما الغليان. وأما إذا غليا فيحكم بنجاسة ما حولهما ولو بمقدار قليل ومع تنجس شئ من المرق يتنجس الجميع

[ 136 ]

[ العاشر): الفقاع (1) ] فلا محالة يحرم أكلهما مع المرق والطبيخ ولا ينفع حينئذ استهلاك ذلك المقدار النجس القليل في بقية اجزاء الطبيخ لانه ينجس البقية بمجرد ملاقاتها نظير ما إذا أصابته قطرة دم أو بول لانها ينجس جميع المرق وشبهه وان كانت مستهلكة في ضمن المرق فتحصل ان المسألة تبتني على المسألة المتقدمة وحيث انا نفينا هناك حرمة عصيري التمر والزبيب فضلا عن نجاستهما فلا نرى مانعا من اكلهما في الطبيخ والمرق وكذلك الحال في العنب لانا وان قلنا بحرمة عصيره إلا انا أنكرنا نجاسته وقد عرفت ان الحرمة غير مانعة عن جواز اكله في الاطعمة والامراق ما دام لم تطرء عليه صفة الاسكار فيما إذا كان بمقدار يستهلك في بقية الطبيخ والمرق. (1) لااشكال في نجاسة الفقاع في الشريعة المقدسة - كحرمته - بل الظاهر انها اتفاقية بين أصحابنا القائلين بنجاسة الخمر، وتدل على نجاسته الاخبار المستفيضة " منها ": مكاتبة ابن فضال قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن الفقاع فقال: هو الخمر وفيه حد شارب الخمر (* 1) و " منها ": موثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفقاع فقال: هو خمر (* 2) إلى غير ذلك من الاخبار، حيث اشتملت على ان الفقاع خمر وورد في بعضها انه خمر مجهول (* 3) وهذا إما لاجل ان الفقاع خمر حقيقة وان كان إسكاره ضعيفا بحيث لا يسكر إلا بشرب مقدار كثير منه، وعن بعض أهل الخبرة والاطلاع أن المادة " الالكلية " - التي تدور عليها رحى الاسكار - في


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 27 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 3) كما في موثقة ابن فضال ورواية ابى جميلة المرويتين في ب 27 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 137 ]

[ وهو شراب متخذ من الشعير (1) على وجه مخصوص، ويقال: إن فيه سكرا خفيا، وإذا كان متحذا من غير الشعير فلا حرمة، ولا نجاسة، إلا إذا كان مسكرا. ] العرق باقسامه إنما هي بنسبة الواحد إلى اثنين فنصفه الآخر خليط ومزيج وأما في الخمر باقسامها فهي بنسبة الواحد إلى خمس، وفي الفقاع بنسبة الواحد إلى خمسين. وحيث انه خمر حقيقية حكم بنجاسته وحرمته، ويدل عليه قوله عليه السلام انه خمر مجهول - كما مر - وقوله: انه خمرة استصغرها الناس (* 1). وإما من جهة ان الفقاع وان لم يكن خمرا حقيقة إلا أن الشارع نزله منزلة الخمر في جميع ما كان يترتب عليها من أحكامها فهو تنزيل موضوعي. وكيف كان فلا إشكال في ان حكمه حكم الخمر بعينها، وإنما الكلام في تعيين موضوعه وتحقيق ان الفقاع أي شئ واليه أشار الماتن بقوله: وهو شراب متخذ من الشعير. (1) وقع الكلام بينهم في أن الفقاع ما هو؟ فذهب بعضهم إلى انه شراب يتخذ من ماء الشعير، وعن آخر ان الفقاع وان كان بحسب القديم والغالب يتخذ من ماء الشعير إلا انه الآن قد يتخذ من الزبيب، وقيل ان اطلاقه على الاعم لعله اصطلاح حدث في خصوص الشام وعليه فلابد من النظر إلى ان ما نحكم بنجاسته وحرمته هل هو خصوص ما اتخذ من ماء الشعير أو أن كل شئ صدق عليه انه فقاع محكوم بنجاسته وحرمته وان اتخذ من غيره؟ الصحيح الاقتصار في الحكم بهما على خصوص ما اتخذ من ماء الشعير، وذلك لانهم بعد اتفاقهم على ان الشراب المتخذ من ماء الشعير فقاع حقيقة اختلفوا في ان المتخذ من غيره أيضا، كذلك أو انه خارج عن حقيقته فهو من الاختلاف


(* 1) رواه في الوسائل عن الوشاء في ب 28 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 138 ]

في سعة الموضوع وضيقه، ولا مناص معه من الاكتفاء بالمقدار المتيقن - وهو المتخذ من ماء الشعير - كما هو الحال في جميع الموارد التي يدور فيها الامر بين الاقل والاكثر وذلك للشك في أن المتخذ من غيره أيضا من الفقاع حقيقة أو أن المراد به في زمانهم - ع - وبلدهم إنما هو خصوص المتخذ من ماء الشعير، حيث ان اطلاقه على الاعم في غير زمانهم أو في غير بلادهم - كالشام - مما لا يكاد يجدي في الحكم بحرمته ونجاسته إذ المدار فيهما على ما يطلق عليه الفقاع في عصرهم وبلدهم وحيث انه مشكوك السعة والضيق فيرجع في غير المورد المتيقن إلى اصالة الطهارة والحل، فالمتحصل ان المايع إذا كان مسكرا فلا اشكال في حرمته كما يحكم بنجاسته - ان تم ما استدل به على نجاسة مطلق المسكر - وأما إذا لم يكن مسكرا فالحكم بنجاسته وحرمته يحتاج إلى دليل وهو إنما قام عليهما في الشراب المتخذ من الشعير، فيرجع في المتخذ من غيره إلى مقتضى الاصول. " بقي الكلام في شئ " وهو انه هل تتوقف نجاسة الفقاع وحرمته على غليانه ونشيشه أو يكفي فيهما مجرد صدق عنوانه؟ كما هو مقتضى اطلاق الفتاوى وأغلب النصوص فقد يقال بالاول وان حكمهم بحرمة الفقاع ونجاسته على الاطلاق إنما هو بملاحظة ان الغليان والنشيش معتبران في تحقق مفهومه، لان الفقاع من فقع، فلا يكون فقاعا حقيقة إلا إذا نش وارتفع في رأسه الزبد. وهذا هو الصحيح لصحيحة محمد بن أبي عمير عن مرازم قال: كان يعمل لابي الحسن عليه السلام الفقاع في منزله، قال ابن أبي عمير: ولم يعمل فقاع يغلي (* 1) حيث دلت على أن المحرم من الفقاع هو الذي يغلي وينش، وإلا لم يكن وجه لعمله في منزل أبي الحسن عليه السلام وتفسير ابن أبي عمير بانه لم يعمل فقاع يغلى.


(* 1) المروية في ب 39 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 139 ]

[ (مسألة 4) ماء الشعير الذي يستعمله الاطباء في معالجاتهم ليس من الفقاع فهو طاهر حلال (1). (الحادى عشر): عرق الجنب من الحرام (2) ] (1) وذلك لان ما يستعمله الاطباء في معالجاتهم إنما هو الماء الذي يلقى على الشعير ثم يطبخ معه ويؤخذ عنه ثانيا فيشرب ولا دليل على حرمته ونجاسته إذ الفقاع وإن اطلق عليه ماء الشعير إلا انه ليس كل ما صدن عليه ماء الشعير محكوما بنجاسته وحرمته وانما المحرم والنجس منه هو الذي يطبخونه على كيفية مخصوصة يعرفها أهله. (2) وقع الخلاف في نجاسة عرق الجنب من الحرام وطهارته، فعن الصدوقين والشيخين وغيرهم القول بنجاسته بل عن الامالي: ان من دين الامامية الاقرار بنجاسته. وظاهره ان النجاسة اجماعية عندنا. وعن الحلي (قده) دعوى الاجماع على طهارته، وان من قال بنجاسته في كتاب رجع عنه في كتاب آخر. واستدل للقول بنجاسته بامور: " الاول ": ما نقله المجلسي في البحار من كتاب المناقب لابن شهر اشوب نقلا عن كتاب المعتمد في الاصول قال: قال: علي بن مهزيار وردت العسكر عليه السلام وأنا شاك في الامامة فرأيت السلطان قد خرج إلى الصيد في يوم من الربيع إلا أنه صائف والناس عليهم ثياب الصيف وعلى أبي الحسن عليه السلام لباد وعلى فرسه تجفاف لبود وقد عقد ذنب فرسه والناس يتعجبون عنه ويقولون: ألا ترون إلى هذا المدني وما قد فعل بنفسه؟ فقلت في نفسي لو كان هذا إماما ما فعل هذا، فلما خرج الناس إلى الصحراء لم يلبثوا إلا ان ارتفعت سحابة عظيمة هطلت فلم يبق أحد إلا ابتل حتى غرق بالمطر وعاد عليه السلام وهو سالم من جميعه، فقلت في

[ 140 ]

نفسي يوشك أن يكون هو الامام، ثم قلت أريد أن أسأله عن الجنب إذا عرق في الثوب فقلت في نفسي ان كشف وجهه فهو الامام فلما قرب مني كشف وجهه ثم قال: ان كان عرق الجنب في الثوب وجنابته من حرام لا يجوز الصلاة فيه. وان كانت جنابته من حلال فلا بأس فلم يبق في نفسي بعد ذلك شبهة (* 1). " الثاني ": ما رواه ادريس بن داود أو يزداد الكفر ثوثي انه كان يقول بالوقف فدخل سر من رأى في عهد أبى الحسن عليه السلام فاراد أن يسأله عن الثوب لذي يعرق فيه الجنب أيصلى فيه؟ فبينما هو قائم في طاق باب الانتظار إذ حركه أبو الحسن عليه السلام بمقرعة وقال مبتدءا: ان كان من حلال فصل فيه، وان كان من حرام فلا تصل فيه (* 2). " الثالث ": رواية الفقه الرضوي ان عرقت في ثوبك وأنت جنب وكانت الجنابة من الحلال فتجوز الصلاة فيه وان كانت حراما فلا تجوز الصلاة فيه حتى يغسل (* 3) وهذه الرواية وان كانت بحسب الدلالة ظاهرة حيث انه عليه السلام جعل الحكم بعدم جواز الصلاة فيما أصابه عرق الجنب من الحرام مغيا بغسله ولم يجعل غايته الزوال و " توضيحه " ان الثوب الذي أصابه عرق الجنب لم يسقط عن قابلية الصلاة فيه إلى الابد بضرورة الفقه بل بالضرورة الارتكازية، فيرتفع المنع عن الصلاة في مثله بأحد أمرين لا محالة، فان المنع إذا كان مستندا إلى نجاسة عرق الجنب من الحرام فيرتفع بغسله. وان كان مستندا إلى مانعية العرق عن الصلاة في نفسه - ولو مع القول بطهارته نظير أجزاء مالا يؤكل لحمه حيث انها مانعة عن الصلاة وان كانت طاهرة كما في بصاق الهرة مثلا - فترتفع مانعيته بزواله كازالته بالنفط أو


(* 1) البحار ج 12 ص 139 (* 2) المروية في ب 27 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) ص 4 السطر 18

[ 141 ]

" البانزين " أو بغيرهما إلا انه عليه السلام لما جعل منعه عن الصلاة فيه مغيا بغسله ولم يجعل غايته الزوال كشف ذلك عن نجاسة عرق الجنب من الحرام. إلا انها لايتم بحسب السند، فان الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلا عن ان تكون معتبرة. وأما الرواية الاولى والثانية فهما أيضا ضعيفتان. أما بحسب السند فلان حال اسنادهما غير واضح حيث لم يذكر السند فيهما بتمامه ودعوى انجبارهما بشهرة الفتوى بمضمونهما بين القدماء. مدفوعة صغرى وكبرى. أما بحسب الكبرى فلما مر غير مرة من أن الشهرة لا يمكن أن تكون جابرة لضعف الرواية كما ان اعراضهم عن رواية لا يكون كاسرا لاعتبارها. وأما بحسب الصغرى فلما قدمنا نقله عن الحلي (قده) - وهو من الاعلام المحققين - من أن من ذهب إلى نجاسة عرق الجنب من الحرام في كتاب ذهب إلى طهارته في كتاب آخر. فالمشهور حينئذ هو طهارة العرق دون نجاسته فكيف يتوهم انهم اعتمدوا في الحكم بنجاسته إلى هاتين الروايتين، على ان اشتهار الفتوى بنجاسته - لو سلم - أيضا لا يكاد يجدي في المقام لان الشهرة التي يدعى انها جابرة أو كاسرة إنما هي الشهرة في مقابل النادر لا الشهرة في مقابل شهرة أخرى مثلها - كما في المقام -. وأما بحسب الدلالة فلان الروايتين إنما تدلان على المنع من الصلاة في ثوب أصابه عرق الجنب من الحرام ولا دلالة له على نجاسته لانه لازم أعم للنجاسة كما مر، ومما يبعد نجاسة عرق الجنب من الحرام أو مانعيته عن الصلاة ان السؤال في الاخبار المتقدمة إنما هو من الجنب ولم يقع السؤال من عرق الجنب من الحرام وهذا كاشف عن عدم معهودية نجاسته إلى زمان العسكري عليه السلام والتفصيل في نجاسته أو مانعيته بين كون الجنابة من الحلال وبين كونها من الحرام إنما صدر منه عليه السلام مع ان من البعيد أن تخفى نجاسته أو مانعيته عند المسلمين إلى عصر العسكري عليه السلام لكثرة ابتلائهم به في تلك الازمنة لكثرة الفجرة من السلاطين والامراء

[ 142 ]

وبالاخص إذا عممنا الحرام إلى الحرام بالعرض كوطئ الزوجة أيام حيضها أو في نهار شهر رمضان. كيف وقد ورد في جملة من الاخبار عدم البأس بعرق الجنب وان الثوب والعرق لا يجنبان (* 1) فلو كان عرق الجنب من الحرام نجسا أو مانعا عن الصلاة لورد ما يدلنا على نجاسته أو مانعيته إلى زمان العسكري عليه السلام فمن هذا كله يظهر انه لا مناص من حمل الاخبار المانعة على التنزه والكراهة لاستقذار عرق الجنب من الحرام وبهذا المقدار أيضا تثبت كرامته عليه السلام وإعجازه حيث أجاب عما في ضمير السائل من غير أن يسبقه بالسؤال " بقي الكلام " في مرسلة الشيخ (قده) في مبسوطه حيث قال في محكي كلامه: وإن كانت الجنابة من حرام وجب غسل ما عرق فيه على ما رواه بعض أصحابنا. فالكلام في أن ما رواه ذلك البعض أي رواية. والظاهر انه أراد بذلك رواية على بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن عليه السلام قال: لا تغتسل من غسالة ماء الحمام، فانه يغتسل فيه من الزنا، ويغتسل فيه ولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم (* 2) وذلك لانه ان كانت هناك رواية أخرى دالة على نجاسة عرق الجنب من الحرام لنقلها نفس الشيخ في كتابي الاخبار أو نقلها لا محالة في شئ من كتبه المعدة للاستدلال كالمبسوط وغيره، ولم ينقل شيئا يدل على ذلك في كتبه فتعين أن يكون مراده تلك الرواية المتقدمة إلا انها غير قابلة للاعتماد لضعف سندها فان علي بن الحكم انما رواها عن رجل وهو مجهول ومعه تدخل الرواية في المراسيل ولا يمكن ان نعتمد عليها في مقام الاستدلال. وأضف إلى ذلك المناقشة في دلالتها حيث انها انما تقتضي نجاسة بدن الزاني وولد الزنا وقد قدمنا طهارة ولد الزنا كما لا اشكال في طهارة بدن


(* 1) راجع ب 27 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 27 من النجاسات و 11 من ابواب الماء المضاف من الوسائل.

[ 143 ]

[ سواء خرج حين الجماع أو بعده (1) من الرجل أو المرأة، سواء كان من زنا، أو غيره، كوطئ البهيمه، أو الاستمناء، أو نحوهما مما حرمته ] الزاني وانما الكلام في نجاسة عرقه ولا دلالة لها على نجاسة عرقه بوجه، على انها معارضة بما دل على طهارة الزاني وولد الزنا. نعم لا اشكال في نجاسة الناصب كما أسلفنا في محله، فتحصل انه لم ترد رواية معتبرة في عرق الجنب من الحرام حتى يستدل بها على نجاسته. وقد بينا في كتاب الصلاة ان الشيخ (قده) كثيرا ما يسند الرواية إلى أصحابنا اجتهادا منه (قده) في دلالة رواية وحسبان دلالتها على المدعى مع انها محل منع أو خلاف. وبالجملة ان الاخبار المتقدمة التي استدل بها على النجاسة في المقام ضعيفة وغير قابلة للاعتماد عليها في الاستدلال. ثم انه لو قلنا بانجبار ضعفها من جهة شهرة الفتوى بمضامينها عند القدماء فغاية ما يستفاد منها عدم جواز الصلاة في ما أصابه عرق الجنب من الحرام وقد عرفت انه غير ملازم للحكم بنجاسته لاحتمال كونه مانعا مستقلا عن الصلاة كما هو الحال في أجزاء ما لا يؤكل لحمه. (1) لان الجنابة انما تتحقق بالتقاء الختانين وحيث انها من الحرام فيصدق انه جنب من الحرام فإذا بنينا على نجاسة عرقه بمقتضى الاخبار المتقدمة فلا مناص من الحكم بنجاسته حيث التقائهما وبعده بلا فرق في ذلك بين خروج المني وعدمه لان النجاسة مترتبة على عنوان الجنابة وهي غير متوقفة على الانزال في الجماع. وأما العرق قبل الجماع والالتقاء فلا اشكال في طهارته لعدم تحقق موضوع النجاسة وهو الجنابة من الحرام فعدم نجاسته سالبة بانتفاء موضوعها فما في بعض الكلمات من أن العرق قبل الجماع محكوم بطهارته لخروجه عن الاطلاق من سهو القلم حيث لا موضوع حتى يخرج عن الاطلاق.

[ 144 ]

[ ذاتية بل الاقوى ذلك في وطئ الحائض، والجماع في يوم الصوم الواجب المعين، أو في الظهار قبل التكفير (1). ] (1) تبتني هذه المسألة على ان المراد بالحلال والحرام في روايتي علي بن مهزيار وادريس بن داود المتقدمتين هل هو الحلية والحرمة الفعليتين سواء كانتا ذاتيتين أم عرضيتين - مثلا - إذا اكره أحد على الزنا أو اضطر إليه فكان حلالا فعليا في حقه لم يحكم بنجاسة عرقه وان كان محرما ذاتيا في نفسه. كما انه إذا جامع زوجته وهي حائض أو في يوم الصوم الواجب المعين بحيث كان الوطئ محرما فعليا في حقه حكم بنجاسة عرقه وان كان حلالا ذاتيا في نفسه. أو المراد منهما هو الحلية والحرمة الذاتيتان أعني بهما ماكان طريقه منسدا في نفسه وما كان الطريق إليه مفتوحا كذلك وان طرئه ما يوجب حليته أو رحمته ففي الصورة الاولى من المثال المتقدم يحكم بنجاسة عرقه لانه جماع انسد الطريق إليه في نفسه في الشريعة المقدسة وان طرء عليه الاكراه أو الاضطرار أو غيرهما مما يوجب حليته الفعلية، كما أنه في الصورة الثانية يحكم بطهارة عرقه لانه جماع لم ينسد الطريق إليه وان لم يتحقق شرطه بالفعل كعدم حيث الزوجة فلا يطلق عليه الجنب عن الحرام بل تصدق الحليلة على الزوجة حينئذ فيقال انه حليلة الابن - كما في قوله عز من قائل وحلائل أبنائكم (* 1) فللابن وطيها؟ فعلى الاول لابد من الحكم بنجاسة عرق الجنب في جيمع موارد الحرمة الفعلية ذاتية كانت أم عرضية وعلى الثاني يقتصر في الحكم بنجاسة عرق الجنب بما إذا كانت الجنابة محرمة ذاتية فحسب. ولا يبعد دعوى انصراف الحلال والحرام إلى الحرمة والحلية الذاتيتين، حيث ان ظاهر قوله عليه السلام إذا كان عرق الجنب وجنابته من حرام لا يجوز الصلاة فيه وان كانت جنابته من


(* 1) النساء 4: 23.

[ 145 ]

[ (مسألة 1) العرق الخارج منه حال الاغتسال قبل تمامه نجس (1) وعلى هذا فليغتسل في الماء البارد، وإن لم يتمكن فليرتمس في الماء الحار، وينوي الغسل حال الخروج، أو يحرك بدنه تحت الماء بقصد الغسل، ] حلال فلا بأس ان تكون الجنابة بعنوان انها جنابة محرمة أو كانت بما هي كذلك محللة، فإذا كانت الجنابة بما انها جنابة محللة لم يحكم بنجاسة عرق الجنب لان الجنابة في موارد الحرمة العرضية بما انها جنابة محللة وانما حكم بحرمتها بعناوين زائدة على ذواتها فلا يكون مثلها مستلزما لنجاسة عرق الجنب. نعم إذا اكره على الزنا أو اضطر إليه حكم بنجاسة عرقه لان الجنابة حينئذ بما انها جنابة محرمة وان كانت محللة بعنوان طارئ آخر. (1) إذا اغتسل المجنب من الحرام في الماء البارد فلا اشكال في صحة غسله فيحكم بطهارة عرقه بعد غسله. واما إذا اغتسل والماء حار فيشكل الحكم بصحة غسله إذا عرق بدنه في اثنائه لان الجنابة لا ترتفع إلا بتمام الغسل ومن هنا لا يجوز له مس كتابة القرآن ولادخول المسجد ولا غير ذلك من الاحكام المترتبة على الجنابة فيما إذا غسل بعض أعضائه ولم يغسل الجميع فإذا عرق بدنه وهو في أثناء غسله وقلنا بنجاسة عرق الجنب من الحرام فلا محالة يتنجس بدنه بذلك ولا يصح الغسل مع نجاسة البدن و " توضيحه ": انه إذا قلنا بكفاية ارتماسة واحدة أو صبة كذلك في غسله وغسله - بأن يطهر بدنه - بتلك الارتماسة وينوي بها الاغتسال حتى تحصل طهارة بدنه عن الخبث وطهارته الحدثية في زمان واحد، لان الطهارة البدنية وان لم تكن متقدمة على غسله زمانا إلا ان تقدمها الرتبي كاف في صحة غسله فلا يكون عرقه في أثناء غسله مانعا عن صحته وذلك لانه يرتمس في الماء دفعة واحدة أو يصب الماء على بدنه وينوي به غسل الجنابة فانه كما يطهر بدنه عن الخبث حينئذ كذلك تزول عنه

[ 146 ]

[ (مسألة 2) إذا أجنب من حرام، ثم من حلال، أو من حلال، ثم من حرام، ] جنابته ولا يضره اتحادهما زمانا لان الطهارة الخبثية متقدمة على غسله رتبة والتقدم الرتبي كاف في صحة الغسل كما مر. وأما إذا اعتبرنا في صحته تقدم الطهارة الخبثية بحسب الزمان فلا يتمكن الجنب من الحرام من الغسل إذا عرق بدنه في أثنائه لتنجس بدنه قبل اتمام غسله وقد ذكر الماتن في تصحيح ذلك انه يرتمس في الماء حينئذ وبه يطهر بدنه وينوي غسل الجنابة حال خروجه أو يحرك بدنه تحت الماء بقصد الغسل، فيكون دخوله في الماء مطهرا لبدنه كما ان خروجه أو تحريك بدنه تحت الماء اغتسال من الجنابة. وما أفاده (قده) يبتني على القول بكفاية الارتماس بحسب البقاء في صحة الغسل وعدم اعتبار إحداثه، لان إحداث الارتماس حينئذ وان لم يكن كافيا في ارتفاع جنابته لنجاسة بدنه حال الارتماس إلا انه إذا طهر بدنه بذلك ونوى الغسل بتحريك بدنه تحت الماء أو بخروجه كفى ذلك في غسله لاستمرار إرتماسه وبقائه ما دام غير خارج عن الماء وقد فرضنا ان الارتماس بقاءا كاف في صحة غسله. وأما إذا قلنا ان الاغتسال إنما يصح بأحد أمرين: وهما صب الماء على البدن أو الارتماس في الماء - ارتماسة واحدة - كما في الخبر (* 1) ولا يتحقق شئ منهما بالارتماس بقاءا، لانه بعد ارتماسه لم يصب الماء على بدنه، كما انه لم يرتمس ارتماسة، لان ظاهر اسناد الفعل إلى فاعله إنما هو ايجاده واحداثه إلا أن تقوم قرينة على ارادة الاعم، وعليه فالاغتسال بالارتماس بقاءا محل إشكال في نفسه ولو مع قطع النظر عن نجاسة عرق الجنب من الحرام فالغسل في الماء الحار غير ممكن في حقه، لابتلائه بنجاسة البدن كما عرفت.


(* 1) كما في حسنة الحلبي المروية في ب 26 من ابواب الجنابة من الوسائل.

[ 147 ]

[ فالظاهر نجاسة عرقه (1) أيضا خصوصا في الصورة الاولى. ] (1) الجنابة الواردة في الروايتين المتقدمتين ان أخذت في موضوع الحكم بالنجاسة بما هي جنابة إذا كانت عن حرام، وفي موضوع الحكم بالطهارة إذا كانت عن حلال، أو أخذت كذلك في موضوع الحكم بالمانعية عن الصلاة فلا ينبغي الاشكال حينئذ في ان العبرة بالوجود الاول فان كان من حرام حكم بنجاسة عرقه وإلا حكم بطهارته وذلك لاجل ان لا معنى للجنابة بعد الجنابة وان الجنب لا يجنب ثانيا، والمعلول يستند إلى أسبق علله فالجنابة تستند إلى العمل الحرام السابق. وأما العمل الثاني فهو غير مسبب للجنابة بوجه. وأما إذا قلنا ان الجنابة في الروايتين إنما أخذت في موضوع الحكمين المتقدمين بما هي عنوان مشير إلى سببها وموجبها لا بما هي جنابة - فكأنهما دلتا على ان سبب الجنابة إذا كان محرما يحكم بنجاسة عرق الجنب وبمانعيته في الصلاة وان كان سببها محللا فلا يحكم بشئ منهما - فلا كلام حينئذ في انه صدر منه سببان وفعلان أحدهما محرم والآخر حلال فيحكم بنجاسة عرقه ومانعيته من الصلاة سواء في ذلك تقدم الحرام وتأخره. وقد يتوهم حينئذ ان جملتي الرواية متعارضتان، لان مقتضى إحدى الجملتين طهارة عرقه في مفروض المسألة، لانه أتى بسبب جنابة وهو حلال ومقتضاه طهارة عرق الجنب وعدم مانعيته عن الصلاة، كما ان مقتضى الجملة الثانية نجاسته ومانعيته لانه أتى بسبب جنابة وهو حرام وهو يقتضي نجاسة العرق ومانعيته ولاجل ذلك تتعارضان فتسقطان فلا يبقى دليل على نجاسة عرق الجنب ولا على مانعيته عن الصلاة في مفروض الكلام فان مقتضى قاعدة الطهارة طهارة عرقه كما ان الاصل عدم مانعيته عن الصلاة. إلا ان هذه الدعوى بمكان من الفساد وذلك لان الجنابة من الحرام - أعني السبب المحرم - وان كانت مقتضية للنجاسة والمانعية عن الصلاة إلا ان الجنابة من الحلال - أعني السبب

[ 148 ]

[ (مسألة 3) المجنب من حرام إذا تيمم لعدم التمكن من الغسل فالظاهر عدم نجاسه عرقه (1) وان كان الاحوط الاجتناب عنه ما لم يغتسل وإذا وجد الماء ولم يغتسل بعد فعرقه نجس، لبطلان تيممه بالوجدان. ] الحلال - ليست مقتضية للطهارة ولا لصحة الصلاة وإنما يحكم بالطهارة وعدم المانعية لعدم المقتضي للحكم بالنجاسة أو المانعية ومن الظاهر انه لا تصادم بين المقتضي للنجاسة والمانعية - - وهو السبب الحرام - وبين اللامقتضي - وهو السبب الحلال - وبما انه أوجد السبب المحرم فهو يقتضي نجاسة العرق ومانعيته من غير معارضة شئ. وهو نظير قولنا ان بول مالا يؤكل لحمه يوجب النجاسة ويمنع عن الصلاة وبول مالا يؤكل لحمه لا يوجبهما فإذا أصاب الثوب كلاهما فهل يتوهم أحد ان فيه سببان أحدهما يقتضي النجاسة والمانعية والآخر يقتضي الطهارة وعدم المانعية فيتعارضان ويرجع إلى قاعدة الطهارة واصالة عدم مانعية البول حينئذ؟! وذلك لوضوح ان بول ما يؤكل لحمه إنما يحكم بطهارته وعدم مانعيته لعدم المقتضي لامن جهة مقتض للطهارة أو جواز الصلاة معه ومن الظاهر انه لا تنافي بين المقتضي واللا مقتضي وبين ما يضر وما لا يضر. (1) لااشكال ولا كلام في ان المتيمم متطهر، لقوله عز من قائل في آية التيمم: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم (* 1) فان مسح الوجه أو الرأس بالارض والتراب كان من الامور المستصعبة في تلك الازمنة لانه نهاية الذل وغاية الخضوع فبين سبحانه انه لا يريد بأمره هذا ان يجعلهم في مشقة وحرج وإنما أراد أن يطهرهم فقد اطلقت الطهارة على التيمم كما ترى وفى الرواية ان التيمم أحد الطهورين (* 2) ولولا كونه طهارة لزم


(* 1) المائد 5: 6. (* 2) راجع ب 21 و 23 من ابواب التيمم من الوسائل.

[ 149 ]

التخصيص فيما دل على اشتراط الطهارة في الصلاة لصحة صلاة المتيمم وهو غير متطهر وهو آب عن التخصيص، فكون التيمم طهورا مما لا اشكال فيه. وإنما الكلام في ان الطهارة الحاصلة بالتيمم رافعة للجنابة حقيقة إلى زمان التمكن من الماء وتعود الجنابة بعده وهذا لا بمعنى أن التمكن من أسباب الجنابة لانحصار سببها بالوطئ والانزال. بل بمعنى ان رافعية التيمم للجنابة موقتة بوقت ومحدودة من الابتداء بحد وهو زمان عدم التمكن من الماء واستعماله وعليه فيترتب على التيمم كل ما كان يترتب على الطهارة المائية من جواز الدخول معها في الصلاة ومس كتابة القرآن وغيرهما من الآثار أو ان الطهارة الحاصلة بالتيمم مبيحة للدخول في الصلاة فحسب لا بمعنى ان التيمم ليس بطهور بل بمعنى انه طهور غير الطهارة المائية فلنا طهارتان: المائية والترابية وهما طهارة واجد الماء وطهارة الفاقد له، والطهارة الثانية إنما يترتب عليها إباحة الدخول في الصلاة معها واباحة كل ما هو مشروط بالطهارة فهو مع جنابته شرعا وواقعا حكم عليه بجواز الدخول في الصلاة مثلا لا انه خرج من الجنابة كما إذا اغتسل. والثاني هو المتعين وذلك لانه لا يكاد يستفاد من أدلة كفاية التيمم بدلا عن الغسل ان التيمم رافع للجنابة حقيقة، لان أدلة التيمم إنما دلت على كفايته وبدليته في المطهرية فلا يمكننا الحكم بأنه كالطهارة المائية يرفع الجنابة حقيقة، فيتعين أن يكون التيمم مبيحا. وتتبنى عليهما فروع: " منها " ما إذا تيمم بدلا عن الغسل تم أحدث بالاصغر بأن نام أو بال فهل يجب أن يتوضأ حينئذ لصلواته أو لابد من التيمم؟ فعلى القول بأن التيمم رافع يجب عليه الوضوء لانه كمن اغتسل ونام. وعلى القول بأنه مبيح يجب التيمم عليه لانه جنب وإنما حكم الشارع باباحة دخوله في الصلاة لتيممه وهو قد انتقض بنومه، فهو بالفعل جنب غير واجد للماء فيجب أن يتيمم لصلاته. " ومنها " وما إذا لم نتمكن من تغسيل الميت

[ 150 ]

[ (مسألة 4) الصبي غير البالغ إذا أجنب من حرام ففى نجاسة عرقه إشكال، والاحوط أمره بالغسل (1). ] لمانع فيه فيممناه فلو مسه أحد بعد ذلك لا يجب عليه الغسل بمسه بناء على ان التيمم رافع للحدث حقيقة ويجب عليه ذلك بناء على انه مبيح، لان الميت محدث بحدث الموت، وإنما أبيح دفنه بتيممه فحسب. و " منها " ما نحن فيه لان التيمم إذا كان رافعا للجنابة حقيقة فنحكم بطهارة عرقه لانه ليس جنبا من الحرام. واما بناء على انه مبيح كما هو المختار فعرقه محكوم بالنجاسة لانه جنب من الحرام وإنما التيمم أوجب إباحة دخوله في الصلاة. و " منها " غير ذلك من الفروع التي يأتي تفصيلها كتفصيل الكلام في ان التيمم رافع أو مبيح في مبحث التيمم انشاء الله فانتظره. (1) يقع الكلام في هذه المسألة من جهتين. إحداهما في ان عرق الصبي المجنب من الحرام هل هو - كعرق البالغ المجنب - محكوم بنجاسته أو انه محكوم بالطهارة على خلاف المجنب من الحرام من البالغين؟ وثانيتهما أنه إذا قلنا بنجاسة عرقه فهل يصح منه غسل الجنابة حتى يرتفع به نجاسة عرقه ومانعيته من الصلاة أو أن الغسل منه لا يقع صحيحا، فلا رافع لنجاسة عرقه ولا لمانعيته عن الصلاة. ولنسمي الجهة الاولى بالبحث عن المقتضي والجهة الثانية بالبحث عن الرافع. (االجهة الاولى): فالحكم بنجاسة عرق الصبي إذا أجنب من الحرام والحكم بطهارته يبتنيان على ان المراد من لفظة الحرام الواردة في الروايتين المتقدمتين هل هو الحرام الفعلي الذي يستحق فاعله العقاب بفعله، بمعنى ان ما أخذ في موضوع الحكم بنجاسة العرق ومانعيته هو الحرام بما انه حرام فلعنوان الحرام دخالة في ترتب حكمه أو ان المراد بها ذات العمل بمعنى ان الحرام أخذ مشيرا إلى الذوات من اللواط والزنا والاستمناء ونحوها وان لم

[ 151 ]

يكن فاعلها مستحقا للعقاب بفعلها حيث ان المحرم مبغوض ولا يرضى الشارع بفعله أبدا وإن لم يستحق فاعله العقاب ومن هنا يوبخ الصبي إذا ارتكب شيئا من المحرمات مع عدم كونها محرمة في حقه بالفعل. فعلى الاول لا يحكم بنجاسة عرق الصبي لعدم حرمة العمل الصادر منه بالفعل بحيث يستحق العقاب بفعله لادلة رفع القلم عن الصبي فالجنابة غير متحققة بالاضافة إليه، وعلى الثاني لابد من الحكم بنجاسة عرقه إذا أجنب من الحرام لانه عمل مبغوض ولا يرضى الشارع بفعله وان لم يكن فاعله - وهو الصبي - مستحقا للعقاب. والظاهر ان الاول هو المتعين الصحيح، لان ظاهر أخذ الحرام موضوعا للحكمين المتقدمين ان لعنوان الحرام مدخلية في ترتبهما وانه اخذ في موضوعهما بما انه حرام فحمله على انه أخذه مشيرا إلى أمر آخر هو الموضوع في الحقيقة أعني ذات العمل خلاف الظاهر ولا يصار إليه إلا بقيام قرينة تدل عليه، ومعه لا مناص من حمل الحرام على الحرام الفعلي الذي يستحق فاعله العقاب ويؤيد ذلك ان الوطئ بالشبهة مع انه عمل مبغوض في ذاته لم يلتزموا فيه بنجاسة عرق الوطئ أو بمانعيته في الصلاة. ولا وجه له إلا عدم كون الوطئ بالشبهة محرما فعليا في حق فاعله وكذلك الغافل ونحوه فالمتحصل ان العمل إذا لم يكن محرما فعليا بالاضافة إلى فاعله إما لاجل انه لاحرمة بحسب الواقع أصلا - كما في مثل الصبي - وإما لعدم كون الحرمة فعلية وان كانت متحققة في نفسها - كما في حق الواطء بالشبهة - فلا يمكن الالتزام بنجاسة عرقه ولا بمانعيته في الصلاة. و (أما الجهة الثانية) أعني صحة الغسل من الصبي وفساده بعد الفراغ عن نجاسة عرقه فملخص الكلام فيها ان المسألة من صغريات الكبرى المعروفة وهي مشروعية عبادات الصبي وعدمها وتفصيل الكلام في تحقيقها يأتي في بحث الصلاة انشاء الله ونشير إلى اجماله هنا توضيحا للمراد فنقول مشروعية

[ 152 ]

عبادات الصبى هي المعروفة عندهم، وعن غير واحد الاستدلال عليها باطلاقات أدلة التكليف كالاوامر المتعلقة بالصلاة أو الصوم أو غيرهما، حيث ان اطلاق هذه الخطابات يشمل الصبيان وقد رفع عنهم الالزام بما دل على رفع القلم عن الصبي فلا محالة يبقى محبوبية العمل بحالها وهي كافية في صحته. ولكن الاستدلال بذلك عليل بل لعله أمر واضح الفساد وذلك أما " أولا " فلان التكاليف الشرعية أمور غير قابلة للتجزءة والتقسيم إلى إلزام ومحبوبية حتى يبقى أحدهما عند ارتفاع الآخر نظير ما ذكروه في محله من أنه إذا نسخ الوجوب بقي الجواز. لانها بسائط بحتة صادرة عن الشارع، فإذا فرضنا ان هذا الامر الواحد البسيط قد رفعه الشارع عن الصبي فلا يبقى هناك شئ يدل على محبوبية العمل في نفسه وأما " ثانيا ": فلما بيناه في محله من ان الاحكام الالزامية من الوجوب والتحريم مما لا تناله يد الجعل والتشريع، لان ما هو مجعول للشارع إنما هو الاعتبار - أعني اعتباره شيئا على ذمة المكلفين - وهو ملزوم لتلك الاحكام الالزامية وأما الاحكام الالزامية بنفسها فهي أحكام عقلية يدركها العقل بعد اعتبار الشارع وجعله لانه إذا اعتبر العمل على ذمة المكلفين ولم يرخصهم في تركه فلا محالة يدرك العقل لابدية ذلك العمل واستحقاق المكلف العقاب على مخالفته فتحصل ان الالزام من المدركات العقلية ومجعول الشارع أمر آخر وعليه فلا معنى لرفع الالزام بالحديث لانه ليس من المجعولات الشرعية كما عرفت فلا مناص من ان يتعلق الرفع بالاعتبار الذي عرفت انه فعل الشارع ومجعوله فإذا فرضنا ان الشارع رفع اعتباره في حق الصبي فمن أين يستفاد محبوبية العمل بالاضافة إليه؟ فهذا الاستدلال ساقط. وأحسن ما يستدل به على مشروعية عبادات الصبي انما هو الامر الوارد بامر الصبيان بالصلاة وغيرها

[ 153 ]

[ (الثاني عشر): عرق الابل الجلالة (1) بل مطلق الحيوان الجلال على الاحوط. ] من العبادات (* 1) لما قدمناه في الاصول من أن الامر بالامر بالشئ أمر بذلك الشئ حقيقة وحيث ان الشارع أمر أولياء الصبيان بامر أطفالهم بالصلاة - مثلا - فيثبت بذلك أمر الشارع بالصلاة بالاضافة إلى الصبيان وهو يدل على محبوبية عبادات الصبى - التي منها غسله - والنتيجة انه لامانع من ارتفاع نجاسة عرق الصبي المجنب من الحرام أو مانعيته بغسله. (1) لم يقع خلاف في طهارة العرق في غير الابل من الحيوانات الجلالة عدا ما يحكى عن نزهة بن سعيد وهو شاذ لا يعبأ به في مقابلة الاصحاب. وأما عرق الابل الجلالة فعن جملة من المتقدمين القول بنجاسته بل قيل انه الاشهر بين القدماء وذلك لحسنة حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تشرب من البان الابل الجلالة، وان أصابك شئ من عرقها فاغسله (* 2) وصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تأكل اللحوم الجلالة، وان أصابك من عرقها شئ فاغسله (* 3) واللام في " الجلالة " في الصحيحة ان حملناها على العهد والاشارة إلى الابل الجلالة فهي والحسنة متطابقتان فيختص نجاسة العرق بخصوص الجلالة من الابل. وأما إذا أبقيناها على اطلاقها لتشمل الجلال من غير الابل أيضا - كما يرومه القائل بنجاسة العرق في مطلق الجلال بحملها على الجنس - فهو وان كان يقتضي الحكم بنجاسة العرق في مطلق الجلال إلا انه خلاف التسالم على طهارة عرق الجلال من غير الابل. وكيف كان فقد استدل بهاتين الروايتين على نجاسة عرق الابل الجلالة بل استدل


(1) كما في حسنة الحلبي المروية في ب 3 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها من الوسائل (2) و (3) المرويتان في ب 15 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 154 ]

بالثانية على نجاسة عرق مطلق الجلال لان الامر بغسله ظاهر في الارشاد إلى نجاسته كما مر في نظائره منها قوله عليه السلام اغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه (* 3) ولكن الصحيح عدم نجاسة العرق من الابل الجلالة فضلا عن غيرها، بيان ذلك: ان الامر بغسل الثوب أو البدن ونحوهما مما أصابه البول أو العرق وان كان ظاهرا في نجاسة البول أو العرق ولاسيما إذا كان بلفظة من كما في قوله عليه السلام اغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه. لانها ظاهرة في ان الامر بغسل الثوب أو البدن إنما هو من جهة الاثر الحاصل من اصابة البول وليس ذلك الاثر إلا نجاسته وكذلك الحال فيما إذا أمر بغسل نفس البول أو العرق كما في الحسنة والصحيحة المتقدمتين، حيث قال عليه السلام اغسله أي ذلك العرق، فانه أيضا طاهر في الارشاد إلى نجاسة العرق وإن كان في الظهور دون القسم السابق. إلا أن هذا إنما هو فيما إذا لم يكن في الرواية قرينة أو ما يحتمل قرينيته على خلاف هذا الظهور وهي ثابتة في الروايتين لانه عليه السلام نهى عن شرب ألبان الابل الجلالة في الحسنة أولا ثم فرع عليه الامر بغسل عرقها، كما انه في الصحيحة نهى عن أكل لحوم الجلالة ثم فرع عليه الامر بغسل عرقها، وسبق الامر بغسله بالنهي عن شرب الالبان أو أكل اللحوم قرينة أو انه صالح للقرينية على ان وجوب غسل العرق مستند إلى صيرورة الجلال من الابل وغيرها محرم الاكل عرضا ولا تجوز الصلاة في شئ من أجزاء مالا يؤكل لحمه: روئه ولبنه وعرقه وغيرها كانت حرمته ذاتية أم عرضية بالجلل أو بوطئ الآدمي أو بشرب الشاة من لبن خنزيرة ولاجل ذلك فرع عليه الامر بغسل عرقه حتى يزول ولا يمنع عن الصلاة - وان كان محكوما بالطهارة في نفسه -


(* 1) كما في حسنة عبد الله بن سنان المروية في ب 8 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 155 ]

كما هو الحال في ريق فم الهرة أو غيرها من الحيوانات الطاهرة مما لا يؤكل لحمه، وعلى الجملة ان الامر بغسل عرق الجلال في الروايتين اما ظاهر فيما ذكرناه أوانه محتمل له ومعه لا يبقى للاستدلال بهما على نجاسة العرق مجال. ثم ان تخصيص العرض بالذكر دون بقية أجزائها ورطوباتها إنما هو لكثرة الابتلاء به فان عرقها يصيب ثوب راكبها وبدنه لا محالة. ثم ان الوجه في التعدي عن المحرمات الذاتية إلى المحرم بالعرض إنما هو اطلاق الادلة الدالة على بطلان الصلاة فيما حرم الله أكله من غير تقييده بالمحرم بالذات وغير ذلك مما يستفاد منه عموم المنع لكل من المحرمات الذاتية والعرضية وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله والغرض مجرد التنبيه على ان التعدي إلى المحرمات العرضية من المسائل الخلافية. وليس من الامور المتسالم عليها بينهم وانما نحن بنينا على التسوية بين الذاتي والعرضي. ولقد بنى شيخنا الاستاذ (قده) في رسالة اللباس المشكوك فيه على اختصاص المانعية بالمحرم الذاتي وأفاد ان الجلل لا يوجب اندراج الحيوان المتصف به في عنوان مالا يؤكل لحمه ولا في عنوان حرام أكله إلا انه في تعليقته المباركة بنى على تعميم المانعية للجلل أيضا وهما كلامان متناقضان والتفصيل موكول إلى محله. وكيف كان فلا دليل على نجاسة عرق الابل الجلالة فضلا عن غيرها ومن هنا كتبنا في التعليقة: ان الظاهر طهارة العرق من الابل الجلالة ولكن لا تصح فيه الصلاة. فعلى هذا لا موجب لحمل اللام في الصحيحة على العهد والاشارة حتى تطابق الحسنة ولئلا يكون اطلاقها على خلاف المتسالم عليه بل نبقيها على اطلاقها وهو يقتضي بطلان الصلاة في عرق مطلق الجلال من دون تخصيص ذلك بالابل. وقد عرفت انها لاتدل على نجاسته حتى يكون على خلاف المتسالم عليه هذا على انه لا عهد في الصحيحة حتى تحمل عليه اللام والذي تلخص ان الامر بغسل العرق من الابل الجلالة أو من

[ 156 ]

[ (مسألة 1) الاحوط الاجتناب عن الثعلب، والارنب، والوزغ، والعقرب، والفأر، بل مطلق المسوخات (1) وإن كان الاقوى طهارة الجميع. ] مطلق الجلال وان سلمنا انه ارشاد - وليس أمرا مولويا لبداهة ان غسل العرق ليس من الواجبات النفسية في الشريعة المقدسة - إلا انه إرشاد إلى مانعيته لا إلى نجاسته. (1) ذهب بعض المتقدمين إلى نجاسة الثعلب، والارنب، والوزغ، والفأرة. وآخر إلى نجاسة الثعلب والارنب وعن ثالث نجاسة الوزغ وعن بعض كتب الشيخ نجاسة مطلق المسوخ وعن بعضها الآخر نجاسة كل مالا يؤكل لحمه. والصحيح طهارة الجميع كما ستتضح. أما الثعلب والارنب فقد ورد في نجاستهما مرسلة يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته هل يحل أن يمس الثعلب والارنب أو شيئا من السباع حيا أو ميتا، قال: لا يضره ولكن يغسل يده (* 1) إلا انها ضعيفة ولا يمكن أن يعتمد عليها في الحكم بنجاسة الارنب والثعلب لارسالها، كما لا مجال لدعوى انجبارها، بعمل الاصحاب، إذ الشهرة على خلافها وأما الفأرة فقد دلت على نجاستها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء فتمشي على الثياب أيصلي فيها؟ قال: إغسل ما رأيت من اثرها وما لم تره نضحه بالماء (* 2) وهي معارضة بصحيحته الاخرى عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الغطاية والحية والوزغ تقع في الماء فلا تموت أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا بأس به وسألته عن فأرة وقعت في حب دهن وأخرجت


(* 1) المروية في ب 34 من ابواب النجاسات من الوسائل (* 2) المروية في ب 33 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 157 ]

قبل أن تموت أيبيعه من مسلم؟ قال: نعم ويدهن منه (* 1) وصحيحة سعيد الاعرج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفأرة والكلب تقع في السمن والزيت ثم تخرج منه حية فقال: لا بأس بأكله (* 2) وما رواه في قرب الاسناد عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام أن عليا عليه السلام قال: لا بأس بسئور الفأرة أن يشرب منه ويتوضأ (* 3) فان هذه الروايات الثلاث مطبقة على طهارة الفأرة ومعها لا مناص من حمل ما دل على نجاستها على استحباب الاجتناب عنها أو على كراهة تركه. وأما الوزغة ففي صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفأرة والوزغة تقع في البئر قال: ينزح منها ثلاث دلاء (* 4) وظاهرها وان كان يقتضي نجاسة الوزغة إلا انها أيضا معارضة بصحيحة علي ابن جعفر المتقدمة المشتملة على طهارة الوزغ والغطاية والحية إذا وقعت في الماء ولم تمت ومع المعارضة لا يعتمد عليها في شئ. وأما العقرب ففي موثقة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الخنفساء تقع في الماء أيتوضأ به؟ قال: نعم لا بأس به قلت: فالعقرب؟ قال: أرقه (* 5) وفي ذيل موثقة سماعة: وان كان عقربا فأرق الماء وتوضأ من ماء غيره (* 6) وظاهرهما نجاسة العقرب كما ترى وفى مقابلهما رواية هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الفأرة والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيا هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ به؟ قال: يسكب منه ثلاث مرات، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة، ثم يشرب منه ويتوضأ منه غير الوزغ فانه لا ينتفع


(* 1) المروية في ب 33 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 45 من ابواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 3) (* 5) (* 6) المروية في ب 9 من ابواب الاسئار من الوسائل. (* 4) المروية في ب 19 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 158 ]

[ (مسأله 2) كل مشكوك طاهر (1) سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الاعيان النجسة ] بما يقع فيه (* 1) إلا أنها ضعيفة فلا يمكن أن يعارض بها الموثقة ومن هنا يشكل الحكم بطهارة العقرب والذي يسهل الخطب ان الموثقة قاصرة الدلالة على نجاسته لانها انما اشتملت على الامر باراقة الماء الذي وقع فيه العقرب ولا دلالة له على نجاسته ولعله من جهة ما فيه من السم فقد أمر باراقة الماء دفعا لاحتمال تسممه هذا ويبعد القول بنجاسة العقرب ان ميتته لا توجب نجاسة الماء لانه مما لانفس له والماء انما يفسد بما له نفس سائلة ومعه كيف يوجب نجاسة الماء وهو حي؟!. وعلى الجملة ان الاخبار الواردة في نجاسة الحيوانات المذكورة معارضة ومعها إما ان نأخذ بمعارضاتها - لانها أقوى - واما ان نحكم بتساقطهما والرجوع إلى أصالة الطهارة وهي تقضي بطهارة الجميع هذا بل يمكن استفادة طهارتها من صحيحة البقباق قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة، والشاة، والبقرة، والابل، والحمار، والخيل، والبغال، والوحش، والسباع، فلم أترك شيئا إلا سألته عنه فقال: لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس. (* 2) حيث تدلنا على طهارة جميع الحيوانات سوى الكلب معه ان اكثرها مما حرم الله أكله ومن المسوخ هذا كله في طهارة بدن الحيوانات المذكورة. وأما بولها وروثها فقد تقدم أنهما محكومان بالنجاسة من كل حيوان محرم أكله. (1) طهارة ما يشك في طهارته ونجاسته من الوضوح بمكان ولم يقع فيها خلاف لافى الشبهات الموضوعية ولافي الشبهات الحكمية ومن جملة أدلتها


(* 1) المروية في ب 9 من ابواب الاسئار من الوسائل. (* 2) المروية في ب 1 من ابواب الاسئار و 11 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 159 ]

[ أو لاحتمال تنجسه مع كونه من الاعيان الطاهرة و " القول " بان الدم المشكوك كونه من القسم الطاهر أو النجس محكوم بالنجاسة " ضعيف " (1) نعم يستثنى مما ذكرنا الرطوبة الخارجة بعد البول قبل الاستبراء بالخرطات، أو بعد خروج المني قبل الاستبراء بالبول فانها مع الشك محكومة ] قوله عليه السلام في موثقة عمار كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر، فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك (* 1) وهذا الحكم ثابت ما دام لم يكن هناك أصل موضوعي يقتضي نجاسة المشكوك فيه. (1) قد اسلفنا انه لافرق بين الدم وغيره من النجاسات فعند الشك في انه من القسم الطاهر أو النجس يحكم بطهارته إلا في مورد خاص وهو ما إذا كان الدم مشاهدا في منقار الجوارح من الطيور لان الاصل حينئذ أن يكون نجسا وذلك لقوله عليه السلام في موثقة عمار بعد السؤال عن ماء شرب منه باز أو صقر أو عقاب: كل شئ، ومن الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا ان ترى في منقاره دما فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب (* 2). حيث دلت على نجاسة الدم حينئذ مع الشك بحسب الغالب في انه من القسم الطاهر أو النجس حيث يحتمل ان يكون من دم السمك أو المتخلف في الذبيحة كما يحتمل ان يكون من دم الميتة فان العلم بكونه من القسم النجس قليل الاتفاق ومع هذا كله حكم عليه السلام بنجاسته فالاصل في الدم المشاهد في منقار الجوارح هو النجاسة ولو من جهة جعل الشارع الغلبة امارة على ان الدم من القسم النجس كما أوضحناه في مبحث نجاسة الدم.


(* 1) المروية في ب 37 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 4 من ابواب الاسئار و 82 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 160 ]

[ بالنجاسة (1) (مسألة 3) الاقوى طهارة غسالة الحمام (2) ] (1) يأتي الكلام في الرطوبة الخارجة بعد البول أو المني عند التكلم في الاستبراء ونبين هناك ان الشارع حكم فيها بوجوب الغسل أو الوضوء فيما إذا خرجت قبل الاستبراء بالبول أو الخرطات ولو من جهة تقديم الظاهر على الاصل إلا ان الاخبار الواردة في ذلك لم يدل على ان البلل المشتبه بعد البول وقبل الاستبراء بول أو أن الخارج بعد المني وقبل الاستبراء مني، وانما دلت على ان البلل المشتبه ناقض للوضوء أو الغسل ومن هنا يتوقف في الحكم بنجاسة البلل المشتبه لعدم دلالة الدليل على نجاسته وتفصيل الكلام في دلالة الاخبار على نجاسة البلل المشتبه وعدمها يأتي في مسألة الاستبراء انشاء الله. (2) وقع الخلاف في طهارة غسالة الحمام ونجاستها فمنهم من قال بنجاستها - وان كانت مشكوكة الطهارة في نفسها - وانها ملحقة بالبللين المشتبهين ومستثناة عما حكمنا بطهارته مما يشك في نجاسته تقديما للظاهر على الاصل. وقال جمع بطهارتها وان حال غسالة الحمام حال بقية الامور التي يشك في طهارتها ونجاستها لقوله عليه السلام كل شئ نظيف... وليعلم ان محل البحث والكلام إنما هو صورة الشك في طهارة الغسالة ونجاستها. وأما مع العلم بحكمها - كما قد يتفق في الحمامات المعمولة في البيوت، حيث يحصل العلم في بعض الموارد بملاقاتها مع العين النجسة أو بعدم ملاقاتها - فهي خارجة عن محل البحث وهو ظاهر. وقد استدل للقول بنجاستها بجملة من الاخبار الواردة في المنع عن الاغتسال بماء الحمام أو بغسالته (* 1) لانه سواء أريد من الاغتسال في تلك الروايات معناه المصطلح عليه الذي هو في مقابل الوضوء أم أريد به معناه


(1) راجع ب 11 من ابواب الماء المضاف من الوسائل.

[ 161 ]

اللغوي أعني إزالة الوسخ لاوجه للنهي عنه إلا نجاستها هذا ولا يخفى ان تلك الروايات لادلالة لها على نجاسة الغسالة بوجه، لان النهي فيها ملل بعلل غير مناسبة لنجاسة الغسالة ففي بعضها: فانه يغتسل فيه من الزنا ويغتسل فيه ولد الزنا والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم، وفي آخر ان فيها تجتمع غسالة اليهودي والنصارى والمجوسي والناصب لنا أهل البيت وهو شرهم وغيرهما من العلل ومن الظاهر ان بدن الجنب مطلقا وكذا ولد الزنا والجنب من الحرام كلها محكوم بطهارته. نعم وقع الكلام في نجاسة عرق الجنب من الحرام وقد مر ان الحق طهارته. كما ان نجاسة اليهود والنصارى ليست متسالما عليها في الشريعة المقدسة وما هذا شأنه كيف يصلح ان يعلل به نجاسة غسالة الحمام؟! على انها قد عللت في بعض أخبارها بأن ولد الزنا لا يطهر إلى سبعة آباء. وهذه قرينة قطعية على ان النهي عن الاغتسال في غسالة الحمام غير مستند إلى نجاستها بالمعنى المصطلح عليه لعدم نجاسة ولد الزنا في نفسه فضلا عن أبنائه إلى سبعة أبطن. والناصب لاهل البيت عليهم السلام وان قلنا بنجاسته إلا أنه ليس بهذه الرواية لما عرفت ما فيها من القصور فان غير الناصب ممن ذكر معه في الرواية اما نقطع بطهارته أو أن نجاسته وقعت محلا للخلاف. وانما حكمنا بنجاسة الناصب لما رود في موثقة ابن أبي يعفور من ان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وان الناصب لنا أهل البيت لانجس منه (* 1) وعلى الجملة ان هذه الاخبار مما لااشعار فيه بنجاسة الغسالة فضلا عن ان تدل عليها ومن هنا لابد من حملها على استحباب التنزه عن الغسالة لتقذرها بالقذارة المعنوية لانها مست اليهودي والنصارى والجنب وولد الزنا وغيرهم ممن لا تخلو من القذارة معنى هذا بل ورد النهي عن الاغتسال بما قد اغتسل فيه وان كان المغتسل في غاية النظافة والورع حيث ورد: من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه (* 2) ومما يدلنا على

[ 162 ]

ان النهي عن الاغتسال في غسالة الحمام تنزيهي صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره أغتسل من مائه؟ قال: نعم لا بأس أن يغتسل منه الجنب، ولقد اغتسلت فيه وجئت فغسلت رجلي وما غسلتهما إلا بما لزق بهما من التراب (* 1) وصحيحته الثانية قال: رأيت أبا جعفر عليه السلام جائيا من الحمام وبينه وبين داره قذر فقال: لولا ما بيني وبين داري ما غسلت رحلي ولا يجنب و " يخبث " ماء الحمام (* 2) وموثقة زرارة رأيت أبا جعفر عليه السلام يخرج من الحمام فيمضي كما هو، لا يغسل رجليه حتى يصلي (* 3) فان هذه الاخبار دلتنا على طهارة غسالة الحمام لانه عليه السلام لم يغسل رجليه مع القطع باصابتهما الغسالة اما لانه عليه السلام بنفسه قد اغتسل في الحمام كما هو مقتضى الصحيحة الاولى فاصابة الغسالة برجليه عليه السلام واضحة واما لان رجليه وقعتا على أرض الحمام يقينا كما ان الغسالة أصابت الارض قطعا فقد أصابتهما الغسالة بواسطة أرض الحمام لا محالة فلو كانت الغسالة متنجسة لغسل عليه السلام رجليه لتنجسهما مع انه لم يغسلهما إلا لما لزقهما من التراب ولابد معه من حمل الاخبار المانعة على التنزه والكراهة هذا ثم لو سلمنا نجاسة الغسالة فانما نسلمها في الحمامات التي يدخلها اليهود والنصارى والناصب وغيرهم ممن سمي في الروايات كما كان هو الحال في الحمامات الدارجة في عصرهم - ع - فان الحماميين كانوا من أهل السنة وكان يدخلها السلاطين والامراء واليهود والنصارى والناصب فهب انا حكمنا بنجاسة الغسالة في مثلها إلا ان التعدي عن مورد الروايات إلى غيرها من الحمامات التي نعلم بعدم دخول اليهود والنصارى والناصب عليها - كحماماتنا - أو نشك في دخولهم دونه خرط القتاد فكيف يمكن الحكم


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 9 من ابواب المضاف من لوسائل. (* 2) المروية في ب 7 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 163 ]

[ وإن ظن نجاستها (1) لكن الاحوط الاجتناب عنها. (مسألة 4) يستحب رش الماء (2) إذا أراد أن يصلي في ] حينئذ بنجاسة الغسالة على وجه الاطلاق فالانصاف ان غسالة الحمام لادليل على نجاستها وهم ودفع أما " الوهم " فهو ان من البعيد جدا بل ولا يحتمل عادة طهارة الغسالة في الحمامات المتعارفة فان من يريد الاغتسال في الحمام لم تجر العادة على ان يطهر بدنه من الخبث خارجا ثم يدخله لمجرد الاغتسال بل انما يدخله مع نجاسة بدنه فيكون الماء الملاقي لبدنه متنجسا وبه تكون الغسالة التي هي مجمع تلك المياه المتنجسة متنجسة، لقلتها أو لو كانت كثيرة أيضا يحكم بنجاستها لما قدمناه من ان تتميم القليل كرا بالمتنجس غير كاف في الاعتصام. وبئر الغسالة انما تتمم كرا بالمياه المتنجسة ومعه كيف صح للامام عليه السلام أن يغتسل فيها أولا يغسل رجليه إلا لاجل مالزقهما من التراب؟! و " أما الدفع " فهو ان الحمامات الموجودة في عصرهم إنما كانت عبارة عن عدة حياض صغار - كما هي كذلك في حماماتنا اليوم - وكانت تتصل تلك الحياض بماء الخزانة بشئ كانبوب ومزملة ولو من خشب وبها كانت المادة تتصل بالحياض وتوجب طهارتها، كما انها تطهر أرض الحمام بجريانها عليه إلى أن يصل إلى بئر الغسالة فتوجب طهارة البئر أيضا لانها ماء مطهر عاصر فتطهر البئر بوصولها ومن هنا ورد في روايات ماء الحمام انه معتصم بمادته وحكمنا بطهارة الغسالة واغتسل فيها الامام عليه السلام ولم يغسل رجله من جهة تنجسها بل لاجل مالزقها من التراب قائلا: ان ماء الحمام لا يجنب اولا يخبث. (1) لعدم الدليل على اعتباره فحكمه حكم الشك في نجاستها. (2) للنصوص الواردة (* 1) في استحباب رش الماء عند الصلاة في


(* 1) راجع ب 13 من ابواب مكان المصلي من الوسائل.

[ 164 ]

[ معابد اليهود والنصارى مع الشك (1) في نجاستها، وإن كانت محكومة بالطهارة. (مسأله 5) في الشك في الطهارة والنجاسة لا يجب الفحص (2) بل يبنى على الطهارة إذا لم يكن مسبوقا بالنجاسة. ولو امكن حصول العلم بالحال في الحال. ] البيع والكنائس أو في بيوت المجوس كما في النصوص بل وكذلك بيوت النصارى واليهود لعدم اختصاص الحكم بمعابدهم. (1) قد قيد الماتن وبعضهم الحكم باستحباب الرش بما إذا شك في نجاسة معابدهم فلا استحباب عند العلم بطهارتها لعلمه بنزول المطر على سطح دارهم أو علم بتجدد بنائها من قبل بناء مسلم. ولكن النصوص خالية من التقييد بصورة الشك في نجاستها ومقتضى اطلاقها ان الرش مستحب ولو مع العلم بطهارتها وهو نوع تنزه عن اليهود والنصارى والمجوس بفعل ما يشعر به وإلا فليس رشه رافعا لاحتمال نجاستها كيف فان الرش يقتضي سراية النجاسة إلى المواضع الطهارة منها - على تقدير نجاستها -. (2) الشبهة قد تكون حكمية كما إذا شككنا في نجاسة الخمر أو المسكر أو عرق الجنب من الحرام أو عرق الجلال ونحوها مما وقع الشك في نجاسته وطهارته ولا اشكال حينئذ في وجوب الفحص والنظر وانه ليس للمجتهد ان يفتي بطهارة شئ أو بنجاسته إلا بعد الفحص واليأس عن الظفر بالدليل، وذلك لان أدلة اعتبار قاعدة الطهارة وغيرها من الاصول وان كانت مطلقة إلا ان مقتضى الادلة العقلية والنقلية المذكورتين في محلهما عدم جريانها قبل الفحص عن الدليل فبهما نقيد اطلاقاتها بما بعد الفحص عن الدليل. إلا ان هذه

[ 165 ]

[ فصل طريق ثبوت النجاسة أو التنجس العلم الوجداني (1) أو البينة العادلة (2) ] الصورة غير مرادة للماتن قطعا. وقد تكون الشبهة موضوعية كما إذا علمنا بالحكم وشككنا في الموضوع الخارجي ولم ندر - مثلا - ان الدم المشاهد من القسم الطاهر أو النجس أو أن المايع المعين ماء أو بول أو أنه متنجس أو غير متنجس ففي جميع ذلك تجري أصالة الطهارة وغيرها من الاصول من غير إعتبار الفحص في جريانها وان أمكن تحصيل العلم بسهولة - كما إذا توقف على مجرد النظر وفتح العين - وذلك لاطلاق أدلة اعتبارها وعدم ما يدل على تقييدها بما بعد الفحص من عقل ولا نقل مضافا إلى ما ورد في بعض الروايات من قوله عليه السلام ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم (* 1) لدلالته على عدم توقف جريان اصالة الطهارة على الفحص في الشبهات الموضوعية. فصل (1) لما حققناه في بحث الاصول من أن العلم حجة بذاته والردع عن العمل على طبقه أمر غير معقول كما أشرنا إليه في مباحث المياه. (2) لاطلاق دليل حجيتها إلا فيما دل الدليل على عدم اعتبار البينة فيه كما في الزنا لانه لا يثبت بالبينة بمعنى شهادة عدلين بل يعتبر في ثبوته شهادة عدلين بل يعتبر في ثبوته شهادة أربعة عدول، وكذلك ثبوت الهلال - على قول - وتوضيح الكلام في المقام: ان البينة لايراد منها في موارد استعمالاتها


(* 1) المروية في ب 38 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 166 ]

[ وفى كفاية العدل الواحد إشكال (1) فلا يترك مراعاة الاحتياط. ] في الكتاب والسنة إلا مطلق ما به البيان وما يثبت به الشئ كما هو معناها لغة لان البينة بمعنى شهادة عدلين اصطلاح جديد حدث بين الفقهاء فالبينة في مثل قوله عز من قائل: إني على بينة من ربي (* 1) فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر (* 2) وغيرهما ليست بمعناها المصطلح عليه قطعا وانما استعملت بمعناها اللغوي أعني ما به البيان والدليل كما ان المراد بها في قوله صلى الله عليه وآله إنما اقضي بينكم بالبينات والايمان (* 3) مطلق الدليل وكأنه صلى الله عليه وآله أراد أن ينبه على ان حكمه في موارد الدعاوى والمرافعات وكذا حكم أوصيائه ليس هو الحكم النفس الامري الواقعي لان ذلك كان مختصا ببعض الانبياء وإنما حكمه حكم ظاهري على طبق اليمين والدليل. ثم ان النبي صلى الله عليه وآله في موارد القضاء لما طبق البينة - بهذا المعنى اللغوي - على شهادة عدلين فاستكشفنا بذلك اعتبار شهادتهما وانها مصداق الدليل والبينة وهذا باطلاقه يقتضي اعتبار البينة بمعنى شهادة العدلين في جميع مواردها إلا فيما قام الدليل على عدم اعتبارها فيه كما مر وعلى ذلك لاشبهة في ثبوت النجاسة بشهادة عدلين حيث لم يرد دليل يمنع عن اعتبارها في النجاسة كما منعه في الزنا. (1) لااعتبار بخبر العدل الواحد في الدعاوى والترافع حيث لم يطبق صلى الله عليه وآله البينة فيهما إلا على شهادة عدلين، كما لااعتبار به في مثل الزنا لانه إنما يثبت بشهادة أربعة عدول. وإنما الكلام في اعتباره في. غير هذين الموردين فهل خبر العدل الواحد تثبت به الموضوعات الخارجية على وجه


(* 1) الانعام 6: 57. (* 2) النحل 16: 44 (* 3) المروية في ب 2 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى من الوسائل.

[ 167 ]

الاطلاق حتى يمنع من اعتباره دليل أو لا اعتبار بخبره في ثبوتها وان كان معتبرا في بعض الموارد الخاصة؟ التحقيق ان خبر العدل الواحد كالبينة يعتبر في الموضوعات الخارجية كما يعتبر في الاحكام. والوجه فيه ان عمدة الدليل على حجية خبر العدل في الاحكام إنما هي السيرة العقلائية القائمة على الاخذ باقوال الموثقين فيما يرجع إلى معاشهم ومعادهم وقد أمضاها الشارع بعدم الردع عنها ومن الظاهر عدم اختصاص سيرتهم هذه بباب دون باب لان حال الموضوعات الخارجية والاحكام عندهم على حد سواء وقد جرت سيرتهم على الركون والاعتماد على أخبار الثقات في جميع ما يرجع إلى معاشهم ومعادهم وبها يثبت اعتبار خبره في الموضوعات التي منها بولية مايع أو تنجسه ونحوهما. ويؤيده ما ورد من النهي عن اعلام المصلي بنجاسة ثوبه بقوله عليه السلام لا مؤذنه حتى ينصرف (* 1) نظرا إلى أن أخبار العدل الواحد لو لم يكن معتبرا في مثلها لم يمكن لمنعه عن أخبار المصلي بنجاسة ثوبه وجه صحيح ونظيرها ما ورد في توبيخ من أخبر المغتسل بعدم احاطة الماء جميع بدنه حيث قال عليه السلام ما كان عليك لو سكت (* 2) ولا وجه له إلا ثبوت المخبر به باخبار العدل الواحد. وقد يقال - كما قيل - ان رواية مسعدة بن صدقة (* 3) رادعة عن السيرة العقلائية في الموضوعات الخارجية وذلك لانه عليه السلام بعدما حكم في الرواية بحلية الاشياء المشكوك فيها قال: والاشياء كلها على هذا حتى يستبين أو تقوم به البينة (* 3) حيث حصر المثبت في الموضوعات الخارجية بالعلم والبينة، ومنه يظهر ان خبر العدل الواحد لا اعتبار به في الموضوع الخارجي. ويندفع


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 47 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في ب 4 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 168 ]

[ وتثبت ايضا بقول صاحب اليد (1) يملك، أو إجارة أو إعارة أو امانة، بل أو غصب. ] ذلك - مع الغض عن ضعف سندها بمسعدة - ان البينة في الرواية لم يرد منها معناها المصطلح عليه لانه كما عرفت اصطلاح حديث بل المراد بها على ما قدمناه آنفا وسابقا في بحث المياه هو الدليل وما به البيان ويدل عليه - مضافا إلى انه معناها لغة - ان المثبت في الموضوعات الخارجية غير منحصر بالعلم والبينة المصطلح عليها لانها كما تثبت بهما كذلك تثبت بالاستصحاب وحكم الحاكم و الاقرار وعليه فمعنى الرواية ان الاشياء كلها على هذا حتى يظهر حكمها بنفسه بحيث لو لاحظتها رأيت حرمتها أو نجاستها - مثلا - كما هو الحال في موارد العلم الوجداني أو يظهر من الخارج بالدليل كما في موارد البينة المصطلح عليها وخبر العدل الواحد وحكم الحاكم والاستصحاب وإقرار المقر فالرواية لا تكون رادعة عن السيرة أبدا. ولاجل هذه المناقشة استشكل الماتن في كفاية خبر العدل الواحد واحتاط ولا بأس بمراعاته. (1) بعد البناء على ثبوت النجاسة باخبار الثقة لا يبقى مجال للبحث عن ثبوتها باخبار ذي اليد إذا كان ثقة فلا بد حينئذ من فرض الكلام فيما إذا لم يعلم وثاقته. فنقول لاإشكال في اعتبار اخباره عما بيده سواء أكان مالكا لعينه أم لمنفعته أو للانتفاع أو لم يكن مالكا له أصلا كما إذا غصبه وهذا للسيرة العقلائية حيث جرت من لدن آدم عليه السلام إلى زماننا هذا على ان من أخبر عما هو تحت سلطانه أو عن شئونه وكيفياته يعتمد على اخباره ويعامل معه معاملة العلم بالحال. ولعله من جهة ان من استولى على شئ فهو أدرى بما في يده وأعرف بكيفياته. ومن جملة شئون الشئ وكيفياته نجاسته وطهارته ولم يرد ردع عنها في الشريعة المقدسة فبذلك يثبت اعتبار قوله

[ 169 ]

واخباره. ونزيده توضيحا أن لنا علما تفصيليا بنجاسة أشياء كثيرة من الذبائح وأيدي المسلمين والفرش والثياب والاواني وغيرها ولو حين غسلها ولا علم لنا بعد ذلك بطرو مطهر عليها بوجه، فلو لا اعتبار قول صاحب اليد واخباره عن طهارتها لكان استصحاب النجاسة حاكما بنجاستها ولم يمكننا اثبات طهارتها بوجه وهو مما يوقعنا في عسر وحرج فيلزم اختلاف النظام وإنما خرجنا عن استصحاب النجاسة باخبار صاحب اليد وبه صار الحكم بطهارتها من نقض اليقين باليقين وخرج عن كونه نقضا لليقين بالشك وليس ذلك إلا من جهة قيام السيرة على اعتباره ومعه لا يفرق بين اخباره عن طهارته وبين إخباره عن نجاسته أو غيرهما من شئونه وكيفياته هذا مضافا إلى الاخبار (* 1) الواردة في بيع الادهان المتنجسة الآمرة باعلام المشتري بنجاستها حتى يستصبح بها، لان إعلام المشتري وان وقع الخلاف في انه واجب نفسي أو شرطى إلا انه لا إشكال في وجوبه على كل حال ومنه يستكشف اعتبار قول صاحب اليد واخباره عن نجاسة المبيع بحيث لو أخبر بها وجب على المشتري أن يستصبح به أو يجعله صابونا. وما ورد فيمن أعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه قال: لا يعلمه قال: قلت: فان أعلمه؟ قال: يعيد (* 2) حيث ان ظاهر قوله وهو لا يصلي فيه انه لا يصلي فيه لنجاسته - وان احتمل أن يكون له وجه آخر - وعليه فالرواية تدل على اعتبار إخبار المعير عن نجاسة الثوب المستعار بحيث لو أخبر بها وجب على المستعير ان يعيد صلاته هذا ويستفاد من بعض النصوص الواردة في العصير العنبى ان اخبار من بيده العصير عن ذهاب الثلثين انما يعتبر فيما إذا ظهر صدقه من القرائن والامارات الخارجية كما إذا كان ممن يشربه على


(* 1) المروية في ب 6 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 2) المروية في ب 47 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 170 ]

[ ولا اعتبار بمطلق الظن وان كان قويا (1) فالدهن، واللبن، والجبن المأخوذ من أهل البوادي محكوم بالطهارة، وان حصل الظن بنجاستها، بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط (2) بالاجتناب عنها، بل قد يكره، أو يحرم إذا كان في معرض الوسواس. ] الثلث ولا يستحل شربه على النصف أو كان العصير حلوا يخضب الاناء لغلظته على ما تدل عليه موثقة معاوية بن عمار وصحيحة معاوية بن وهب (* 1) ومقتضى هذه النصوص عدم جواز الاعتماد على قول صاحب اليد في خصوص العصير تخصيصا للسيرة في مورد النصوص. هذا وقد قدمنا بعض الكلام في هذه المباحث في مبحث المياه (* 2) فليراجع. (1) لعله أراد بالظن القوي الظن غير البالغ مرتبة الاطمئنان المعبر عنه بالعلم العادي العقلائي الذي يكون احتمال خلافه موهوما غايته ولا يعتنى به العقلاء وإلا فهو حجة عقلائية يعتمد عليه العقلاء في جميع أمورهم ولم يردع عن عملهم هذا في الشريعة المقدسة ومعه لامانع من الحكم بثبوت النجاسة به كما يثبت به غيرها من الامور. نعم الظن غير البالغ مرتبة الاطمئنان الذي يعتني العقلاء باحتمال خلافه - كما إذا كان تسعون في المائة وتسعا في العشرة - لم يثبت حجيته فلا بد في مورده من الرجوع إلى استصحاب الطهارة التي هي الحالة السابقة في المتنجسات أو إلى اصالة الطهارة إذا شك في مورد أنه من الاعيان النجسة أو غيرها، لعموم أدلتهما فان المراد بالشك الذي أخذ في موضوع الاصول أعم من الظن غير المعتبر كما حرر في محله. (2) عدم رجحان الاحتياط أو مرجوحيته بما انه احتياط أمر غير


(* 1) المرويتان في ب 7 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) تقدم في ج 1 ص 290

[ 171 ]

معقول لانه عبارة عن التحفظ على الامر الواقعي المحتمل لئلا يقع في مفسدته أو تفوت عنه مصلحته وكيف يتصور المرجوحية في مثل وإلا فما فائدة التحفظ على المطلوب الواقعي؟ نعم قد يلازم الاحتياط عنوان آخر مرجوح أو حرام وبه يقع التزاحم بينهما فيقدم الاقوى منهما بحسب الملاك فقد يوجب ذلك مرجوحية الاحتياط بل حرمته إلا انه لا يختص بالاحتياط في باب النجاسات بل ولا يختص بالاحتياط أصلا فان العناوين الاولية طرا قد يطرءها العناوين الثانوية فتزاحمها. والعنوان الثانوي الذي نتصوره في الاحتياط بحيث يوجب مرجوحيته على الاغلب هو الوسواس فان غيره قد يوجب مرجوحيته لا بحسب الغالب أو الاغلب وهذا كما إذا كان عنده ماء يشك في طهارته ونجاسته فان الاحتياط بعدم التوضوء منه إنما يحسن فيما إذا كان عنده ماء آخر. وأما إذا كان الماء منحصرا به فان الاحتياط حينئذ بعدم التوضوء منه مما لاإشكال في حرمته ومرجوحيته لعدم مشروعية التيمم مع التمكن من التوضوء بماء محكوم بالطهارة شرعا وأما الوسواس فهو مما لاكلام في مرجوحيته لانه مخل للنظام وموجب لتضييع الاوقات الغالية - على ما شاهدناه بالعيان - وإنما الكلام في أمرين آخرين: " أحدهما ": في ان الجري العملي على طبق الوسوسة محرم شرعي أو لاحرمة له؟ مثلا إذا توضأ ثم توضأ وهكذا أو صلى ثم صلى فهل نحكم بفسقه وسقوطه بذلك عن العدالة؟ فيما إذا التفت إلى وسوسته الذي هو مرتبة ضعيفة من الوسواس دون ما إذا لم يلتفت إليها واعتقد صحة عمله وبطلان عمل غيره - وهو مرتبة عالية من الوسواس - فانه لا يحكم عليه بشئ لغفلته و " ثانيهما ": ان الاحتياط المستلزم لتعقب الوسواس محرم أو لاحرمة له؟ (أما الجري على طبق الوسوسة) فالظاهر عدم حرمته بعنوان الوسوسة وان التزم بعضهم بحرمته. نعم قد يتصف

[ 172 ]

بالحرمة بعنوان آخر ككونه سببا لنقض الصلاة - وهو محرم على المشهور - أو لاستلزامه تأخير الصلاة عن وقتها أو لتفويت واجب آخر كالانفاق على من يجب عليه انفاقه أو لاستلزامه اختلال النظام أو الهلاكة ونحوهما. إلا انها عناوين طارءة محرمة في حد انفسها من غير ناحية الوسواس. والكلام في أن الوسواس بما هو كذلك - إذا لم يستلزمه شئ من العناوين المحرمة - محرم أو لاحرمة فيه. نعم ورد في بعض الروايات النهي عن تعويد الشيطان نقض الصلاة (* 1) وفي صحيحة عبد الله بن سنان ذكرت لابي عبد الله عليه السلام رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة، وقلت هو رجل عاقل، فقال أبو عبد الله عليه السلام وأي عقل له وهو يطيع الشيطان؟ فقلت له وكيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من أي شئ هو فانه يقول لك من عمل الشيطان (* 2) إلا أن شيئا من ذلك لا يقتضي حرمة الوسواس وذلك فان النهي عن التعويد إرشاد إلى عدم ارتكاب نقض الصلاة لانه مرجوح وقد ذهب المشهور إلى حرمته والتزم بعضهم بكراهته - وليس تحريما مولويا - وقد علل ذلك في بعض الروايات بان الخبيث إذا خولف وعصي لم يعد (* 3) وكيف كان فلا تستفاد من الرواية حرمة الوسواس وكذا صحيحة ابن سنان وذلك لانا نسلم ان الوسواس بل مجرد الشك والتردد من الشيطان ونعترف بان الوسواسي يطيعه إلا أنه لادليل على حرمة إطاعة الشيطان في جميع الموارد إذ الانسان قد يقدم على مكروه أو مباح، ولا إشكال في انه من الشيطان لان المؤمن - حقيقة - الذي هو أعز من الكبريت الاحمر لا يضيع وقته الثمين بالاشتغال بالمكروه أو المباح كيف وقد حكي عن بعضهم انه لم يرتكب طيلة حياته مباحا فضلا عن المكروه فارتكاب غير محبوبه تعالى اطاعة للشيطان مع حليته فليكن الوسواس أيضا من


(* 1) و (* 3) فليراجع ب 16 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 10 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

[ 173 ]

[ (مسألة 1) لا اعتبار بعلم الوسواسي (1) في الطهارة والنجاسة. ] هذا القبيل، فالمتحصل انه لادليل على حرمة الوسواس في نفسه اللهم إلا أن يستلزم عنوانا محرما كما إذا استلزم تأخير الصلاة عن وقتها - وهو الذي يتفق في حق الوسواسي غالبا - وقد حكي عن بعض المبتلين بالوسواس إنه أتى نهرا عظيما للاغتسال - قبل أن تطلع الشمس بساعة - وفرع من اغتساله - والشمس قد غربت - ولا اشكال في حرمة ذلك ونظيره ما إذا أدى إلى اختلال النظام أو إلى هلاكة نفسه وغيرهما من الامور المحرمة و (أما الاحتياط المتعقب بالوسواس) فقد ظهر حاله مما بيناه آنفا فان ذا المقدمة وهو الوسواس غير محرم في نفسه فضلا عن حرمة مقدمته. (1) يقع الكلام في ذلك من جهات: " الجهة الاولى ": هل يجب على الوسواسي تحصيل العلم بالواقع في مقام الامتثال أو أن له أن يكتفي بالشك والاحتمال في فراغ ذمته؟ لا ينبغي الاشكال في أن الوسواسي يجوز أن يكتفي في امتثاله بالشك ولا يجب عليه تحصيل العلم بالفراغ وذلك لان شكه خارج عن الشكوك المتعارفة عند العقلاء فلا يشمل مثله الشك الذي أخذه في موضوع الاصول فلا يجري في حقه الاستصحاب ولا غيره، ولا مناص معه من أن يمتثل على النمط المتعارف عند العقلاء، ولا يضره الشك في صحة ما أتى به على النحو المتعارف وذلك للاخبار الواردة فيمن كثر سهوه (* 1) حيث دلت على انه يكتفي بالشك والاحتمال ولا يجب عليه تحصيل العلم باتيان المأمور به، لانه إذا ثبت ذلك عند كثرة الشك فيثبت مع الوسواس - الذي هو أشد من كثرة الشك - بالاولوية القطعية. " الجهة الثانية ": إذا شهد الوسواسي بنجاسة شئ وأخبر بها فهل يعتمد على إخباره وشهادته أو


(* 1) فليراجع ب 16 من ابواب الخلل الوافع في الصلاة من الوسائل.

[ 174 ]

لا اعتبار بهما لاستنادهما إلى علمه واعتقاده وهو في ذلك قطاع، لان علمه إنما يحصل من الاسباب التي لا يحصل لغيره منها ظن بل ولا احتمال؟ المتعين هو الثاني للعلم بان أخباره وشهادته مستندان إلى وسوسته أو إلى سبب لا يفيد غيره ظنا ولا احتمالا. وقد نقل عن بعض المقلدين انه كان يتوضأ - وهو على سطح دار - فاعتقد ان قطرة من ماء الوضوء قد طفرت من الارض وصعد الهواء إلى أن وقعت على رقبته. وصار هذا سببا لزوال وسوسته حيث تنبه انه من الشيطان إذ كيف يطفر الماء من الارض ويصعد إلى أن تقع على رقبته؟! وعن بعض المتقدمين انه كان يعتقد نجاسة جميع المساجد الكائنة في النجف من جهة انفعال الماء القليل بملاقاة الآلات والادوات المستعملة في البناء. وأعجب من الجميع ما حكى عن وسواسي - عامي - انه كان يحلق لحيته مقدمة لوصول الماء إلى بشرته لاعتقاد ان اللحية ولو خفيفها مانعة عن وصول الماء إلى البشرة. ومن البديهي ان الاخبار المستند إلى تلك الاعتقادات السخيفة الخيالية مما لامساغ للاعتماد عليه. " الجهة الثالثة ": إذا اعتقد الوسواسي بطلان عمله - من صلاته أو وضوئه ونحوهما - لعلمه بطرو حدث يقطعه أو يمنع عنه فهل يحكم ببطلان عمله لعلمه هذا اولا يعتمد على علمه؟ الصحيح ان علمه هذا حجة في حقه ولا مناص من الحكم ببطلان علمه وذلك لان التصرف في حجية علمه وردعه عن العمل على طبقه غير منقول. وأما التصرف في متعلق قطعه - بان يقال ان الحدث انما يبطل الصلاة. إذا علم من غير طريق الوسوسة دون ما إذا علم بطريقها - فهو وان كان خدعة حسنة حتى يرتدع الوسواسي عن عمله. إلا أن المانعية أو الشرطية بحسب الواقع ومقام الثبوت غير مقيدتين بما إذا أحرزهما المكلف بطريق متعارف حيث لم يدل دليل على تقييد اطلاقات المانعية أو الشرطية بذلك. ولا نحتمل انعقاد إجماع تعبدي على اختصاص

[ 175 ]

[ (مسألة 2) العلم الا جملي كالتفصيلي (1) فإذا علم بنجاسة أحد الشيئين يجب الاجتناب عنهما. إلا إذا لم يكن أحدهما محلا لابتلائه (2) فلا يجب الاجتناب عما هو محل الابتلاء أيضا. ] المانعية أو الشرطية بما إذا أحرزتا بطريق متعارف لان المسألة غير معنونة في كلماتهم ولا طريق معه إلى تحصيل اجماعهم ودعوى انه ليس بحدث وانما هو أمر نخيله الوسواسي حدثا إنما تفيد في مقام الخديعة للارتداع ولا تنفع في تقييد المانعية أو الشرطية بوجه. فالصحيح بطلان عمله في مفروض المسألة - على تقدير مطابقة علمه الواقع - وأما ما ورد من النهي عن تعويد الخبيث وان الوسوسة من الشيطان وان من أطاعه لاعقل له فانما ورد في صورة الشك في البطلان ومن هنا نهى عن نقض الصلاة، فان النقض أمر اختياري للمكلف حينئذ وكذلك الحال في متابعة الشيطان لان موردها الشك كما عرفت. وكلامنا انما هو في صورة العلم ببطلان العمل فهو منتقض في نفسه ولا معنى للنهي عن نقضه. (1) قد أسلفنا تفصيل الكلام في ذلك في مباحث القطع باشكالاته ونقوضه وأجوبتها. (2) القول بانحلال العلم الاجمالي بخروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء وان كان مشهورا عند المتأخرين عن شيخنا الانصاري (قده) بل لم نجد قائلا بخلافه إلا أنه - كما ذكرناه في الاصول - مما لا أساس له فان الخروج عن محل الابتلاء وعدمه سيان في تنجيز العلم الاجمالي إلا أن يكون خروجه عنه من جهة عدم قدرة المكلف عليه عقلا كما إذا علم إجمالا بوقوع قطرة دم على يده أو على جناح طائر قد طار، فان الاجتناب عن الطرف الآخر غير لازم حينئذ والوجه فيما ذكرناه من عدم التفرقة بين خروج بعض الاطراف

[ 176 ]

[ (مسألة 3) لا يعتبر في البينة حصول الظن بصدقها (1) نعم يعتبر عدم معارضتها بمثلها (2). (مسألة 4) لا يعتبر في البينة ذكر مستند الشهادة (3) ] عن محل الابتلاء وعدمه هو ان العلم الاجمالي ليس بنفسه علة في تنجيز متعلقه وإنما تنجيزه مستند إلى تساقط الاصول في أطرافه بالمعارضة فان فرضنا ان بعضها مما لا يتمكن منه المكلف عقلا فلا يبقى مانع عن جريان الاصول في بعض أطرافه الاخر لعدم معارضتها بشئ لان الاصل لا يجري في الطرف الخارج عن القدرة والاختيار. وأما إذا كانت الاطراف مقدورة له عقلا ولو بواسطة أو وسائط فمجرد خروج بعضها عن محل الابتلاء بالفعل مع التمكن منه عقلا غير مستلزم لانحلال العلم الاجمالي بوجه، لان جريان الاصول في كلا الطرفين مستلزم للترخيص في المخالفة القطعية، وجريانها في أحدهما دون الآخر من غير مرجح وهو معنى التساقط بالمعارضة وبهذا يكون العلم الاجمالي منجزا حيث لابد من الاحتياط في كل واحد من الاطراف دفعا لاحتمال العقاب. (1) لعدم ابتناء اعتبارها على افادتها الظن بمضمونها، ولا على عدم قيام الظن بخلافها، فان مقتضى دليل الاعتبار حجية البينة على وجه الاطلاق أفادت الظن أم لم تفد، ظن بخلافها أم لم يظن. (2) لان دليل اعتبار البينة لا يمكن ان يشمل كلا المتعارضين - لاستحالة التعبد بالضدين أو النقيضين - ولا أحدهما المعين لانه بلا مرجح، ولا لاحدهما لا بعينه، لانه ليس فردا آخر غيرهما فلا بد من التساقط والرجوع إلى أمر آخر. (3) والصحيح التفصيل بين ما إذا لم يكن بين الشاهدين - أي البينة - والمشهود عنده خلاف في شئ من النجاسات والمتنجسات اجتهادا أو تقليدا فلا يعتبر

[ 177 ]

مستند الشهادة. وبين ما إذا كان بينهما خلاف في شئ منهما - كما إذا رأى الشاهد نجاسة الخمر أو نجاسة العصير أو منجسية المتنجس دون المشهود عنده - فيعتبر ذكر المستند حينئذ و " توضيح ذلك " ان الشاهد - أعني البينة - إذا أخبر عن نجاسة شئ وذكر مستندها أيضا ولكنا علمنا بخطأئه وعدم صحة مستندها كما إذا أخبر عن نجاسة الماء لاجل اخباره عن انه لاقى الدم، وقد علمنا بعدم ملاقاته له وان مالاقى الماء كان طاهرا فلا إشكال في سقوطه عن الاعتبار وعدم حجية شهادته، فان إخباره عن السبب بالمطابقة وان دل على نجاسة الماء بالالتزام إلا انه لااعتبار بالدلالة الالتزامية بعد سقوط الدلالة المطابقية عن الاعتبار للعلم بخطائه، فالنجاسة الناشئة من ملاقاة الدم منتفية يقينا. والنجاسة المسببة عن شئ آخر لم تحك عنها الشهادة بالمطابقة ولا بالالتزام وإلى هذا أشار الماتن بقوله: نعم لو ذكرا مستندها وعلم عدم صحته لم يحكم بالنجاسة. وأما إذا أخبر بنجاسة شئ ولم يذكر مستندها فهو منحل واقعا إلى أمرين وان كان الشاهد غير ملتفت اليهما (أحدهما): الاخبار عن الكبرى المجعولة في الشريعة المقدسة على نحو القضايا الحقيقة وهي نجاسة البول أو المني أو غيرهما من الاعيان النجسة ومنجسيته لما يلاقيه خارجا. و " ثانيهما ": الاخبار عن ان تلك الكبرى المجعولة قد انطبقت على موردها ومصداقها وان صغراها تحققت في الخارج بمعنى ان البول أو المني - مثلا - لاقى الماء أو الثوب خارجا. (أما أولهما): فلا اعتبار للبينة في مثله فان الحكاية والاخبار عن الاحكام المجعولة في الشريعة المقدسة وظيفة الرواة حيث ينقلونها حتى يأخذ عنهم الفقيه أو وظيفة المفتي والفقيه حيث يفتي بوجوب شئ أو حرمته حتى يتبعه مقلدوه. وأما البينة فليس لهما ان أن تخبر عن الاحكام الكلية بوجه، و (أما ثانيهما): فهو وان كان اخبارا عن الموضوع

[ 178 ]

الخارجي أعني ملاقاة النجس للماء - مثلا - فلا مناص من أن تتبع فيه البينة وان كان مدلولا التزاميا لها إلا أن البينة انما تحكي عن ملاقاة الماء للنجس بالالتزام فيما إذا لم يكن بين الشاهد والمشهود عنده خلاف في الاسباب المؤثرة في التنجيس كما إذا كان أحدهما مقلدا للاخر أو كانا مقلدين لثالث أو مجتهدين متطابقين في الرأي والنظر وقد بنيا على نجاسة الخمر أو العصير أو على منجسية المتنجس وهكذا. ولعل توافقهما في ذلك هو الاغلب لان استقلال الشاهد - البينة - بما لا يراه المشهود عنده مؤثرا في التنجيس قليل الاتفاق. وكيف كان فإذا لم يكن بينهما خلاف في ذلك فاخبار الشاهد عن نجاسة شئ اخبار التزامي عن ملاقاته النجس أو المتنجس، لانه لا معنى للمعلول من غير علة وهو إذا لم يعلم بسبب النجاسة على تفصيله فلا أقل من أنه عالم به على الاجمال، لعلمه بأنه لاقى بولا أو عصيرا أو غيرهما من النجاسات والمتنجسات. وبما انه إخبار عن الموضوع الخارجي فلا محالة تتبع فيه البينة، لان الاخبار الالتزامى كالاخبار المطابقي حجة ومانع عن جريان الاصل العملي وهو ظاهر. وأما إذا كان بينهما خلاف في ذلك كما إذ رأى الشاهد - البينة - نجاسة الخمر أو العصير أو منجسية المتنجس دون المشهود عنده. وقد أخبره بنجاسة الماء من غير ذكر مستندها واحتملنا استناده في ذلك على ما لا يراه المشهود عنده نجسا فلا يكون أخباره هذا إخبارا عن ملاقاة الماء مع النجس بالالتزام. نعم يدل بالدلالة الالتزامية على تحقق طبيعي الملاقاة وجامعها المردد بين المؤثر بنظر المشهود عنده وغير المؤثر. وظاهر ان الاثر لم يترتب على طبيعيها وانما هو مترتب على بعض أفراده ولم يخبر الشاهد عن تحقق الملاقاة المؤثرة لا بالمطابقة - وهو ظاهر - ولا بالالتزام وبالجملة ان الالفاظ انما وضعت الدلالة على ما أراد المتكلم تفهيمه ولا دلالة في كلام

[ 179 ]

الشاهد على انه قصد تفهيم حصول الملاقاة المؤثرة بنظر المشهود عنده أو غيرها فنحن بعد في شك في ملاقاة الماء للبول أو غيره من المنجسات فأي مانع معه من الرجوع إلى استصحاب عدم حصول الملاقاة المؤثرة؟ كملاقاته البول أو المني أو غيرهما. وهذا الاستصحاب جار من غير معارض - فان استصحاب عدم حصول الملاقاة غير المؤثرة مما لا أثر له - وحيث لم تقم البينة على حصول الملاقاة المؤثرة فلا مانع من الرجوع إلى الاصل. نعم لو كانت للبينة دلالة على حصولها ولو بالالتزام - كما إذا لم يكن بينهما خلاف في الاسباب المؤثرة في التنجيس - لكانت حاكمة على الاستصحاب المذكور لا محالة لانها حينئذ تزيل الشك عن حصول الملاقاة الموثرة بالتعبد. فما ذهب إليه العلامة (قده) من ان الشاهد لا يعتنى بشهادته إذا شهد بالنجاسة ولم يذكر السبب لجواز اعتماده على مالا يعتمد عليه المشهود عنده هو الصحيح ودعوى: استقرار سيرة العقلاء على قبول شهادته وعدم فحصهم وسؤالهم عن مستندها عهدتها على مدعيها لانه لم تثبت عندنا سيرة على ذلك وقد عرفت أن إخباره عن الحكم المجعول في الشريعة المقدسة - أعني نجاسة ملاقي الماء على نحو القضية الحقيقية - غيره معتبر. واخبارها عن حصول الملاقاة في الخارج وان كان معتبرا إلا ان ما يثبت به إنما هو حصول طبيعي الملاقاة لا الملاقاة المؤثرة بنظر المشهود عنده والمدار في ثبوت النجاسة بالبينة إنما هو على اخبارها عن سبب تام السببية عنده لا ما هو سبب عند الشاهد إذ لا يترتب عليه أثر عند المشهود عنده ومن هنا ذكر الماتن في المسألة الآتية ان الشاهد إذا أخبر بما لاسببية له في نجاسة الملاقى عنده إلا انه سبب مؤثر فيها بنظر المشهود عنده تثبت به نجاسة الملاقى لا محالة فتحصل ان البينة إذا اخبرت عن النجاسة ولم يذكر مستندها فلا يعتمد على شهادتها عند اختلافهما في الاسباب هذا كله في هذه المسألة ومما ذكرناه في المقام يظهر الحال في المسائل الآتية فليلاحظ

[ 180 ]

[ نعم لو ذكرا مستندها، وعلم عدم صحته لم يحكم بالنجاسة. (مسألة 5) إذا لم يشهدا بالنجاسة، بل بموجبها، كفى (1) وان لم يكن موجبا عندهما أو عند أحدهما. فلو قالا: ان هذا الثوب لاقى عرق المجنب من حرام، أو ماء الغسالة كفى عند من يقول بنجاستهما وان لم يكن مذهبهما النجاسة. (مسألة 6) إذا شهدا بالنجاسة واختلف مستندهما كفى في ثبوتها (2) ] (1) لما ظهر مما أسلفناه في الفرع السابق من ان المدار في ثبوت النجاسة بالبينة إنما هو على اخبارها عن سبب تام السببية بنظر المشهود عنده فان معه لا يبقى مجال لاستصحاب عدم ملاقاة النجس للامارة الحاكمة عليه والامر في المقام كذلك ولا عبرة بعدم كون المشهود به سببا للنجاسة عند الشاهد. (2) قد فصل الماتن (قده) في المسألة بين ما إذا نفى كل منهما قول الآخر وما إذا أخبر من غير أن ينفي الآخر، فحكم بالنجاسة في الصورة الثانية واستشكل فيها في الصورة الاولى. والتحقيق: ان المشهود به بالبينة لا مناص من أن يكون واقعة واحدة شخصية كانت أم كلية، حيث لا يعتبر في البينة أن يكون المشهود به واقعة شخصية، لان البينة إذا شهدت على أن المالك قد باع داره من زيد بخصوصه فالمهشود به واقعة شخصية فيثبت بشهادتهما ان المالك باع داره من فلان، كما إذا شهدت على انه باع داره من أحد شخصين: عمرو وبكر من غير تعيين يثبت أيضا بشهادتها ان المالك باع داره من أحدهما مع أن المشهود به واقعة كلية أعني البيع من أحدهما المحتمل انطباقه على هذا وذاك نظير المتعلق في موارد العلم الاجمالي، كما إذا علمنا ببيعه من أحدهما فكما ان متعلق العلم حينئذ هو البيع الكلي المتخصص باحدى

[ 181 ]

[ وإن لم تثبت الخصوصية، كما إذا قال أحدهما: إن هذا الشئ لاقى البول. وقال الآخر: انه لاقي الدم. فيحكم بنجاسته، لكن لا تثبت النجاسة البولية ولا الدمية، بل القدر المشترك بينهما. لكن هذا إذا لم ينف كل منهما قول الآخر، بأن اتفقا على أصل النجاسة. وأما إذا نفاه كما إذا قال أحدهما: انه لاقى البول. وقال الآخر: لا بل لاقى الدم ففى الحكم بالنجاسة إشكال. ] الخصوصيتين القابل انطباقه على البيع من عمرو أن من بكر فكذلك الحال عند قيام البينة على بيع المالك من أحدهما وكيف كان فالمعتبر في البينة إنما هو وحدة الواقعة المشهود بها كلية كانت أم شخصية. وأما إذا أخبر أحد الشاهدين عن أن المالك باع داره من زيد - مثلا - وأخبر الآخر عن بيعها من شخص آخر فلا تكون الواقعة المشهود بها واحدة بل واقعتان قد أخبر كل منهما عن واقعة فهي خارجة عن كونها مشهودا بها بالبينة فتدخل في شهادة العدل الواحد ولا يثبت بشهادته بيع المالك في موارد المرافعة. وأما الجامع المنتزع من كلتا الشاهدتين - أعني بيعه من أحدهما - فهو مدلول التزامي للشهادتين، والدلالة الالتزامية تتبع الدلالة المطابقية حدوثا وحجية فإذا فرضنا سقوط الشهادتين عن الحجة في مدلولهما المطابقي - لانه من شهادة العدل الواحد - فلا مجال لاعتبارهما في مدلولهما الالتزامي. وإذا تحققت ذلك فنقول: ان الشاهدين - في المقام - قد يخبر كل منهما عن ملاقاة الآناء للبول - مثلا - وهي قضية شخصية وبما أن المشهود به واقعة واحدة فتثبت بشهادتهما نجاسة الملاقي لا محالة. وأخرى يخبران عن ملاقاد الاناء لاحد نجسين من غير تعيينه كالبول أو المني. وهي قضية كلية وحيث ان المشهود بها واقعة واحدة كسابقه

[ 182 ]

أيضا يحكم بنجاسة ملاقي النجس وهو الاناء. وثالثة يخبر أحدهما عن أن الاناء لاقى البول - مثلا - ويخبر الآخر عن ملاقاته الدم. ولا يمكننا حينئذ الحكم بنجاسة الملاقي لتعدد الواقعة المشهود بها فان كل واحد من الشاهدين قد شهد بما لم يشهد به الآخر فهي خارجة عن الشهادة بالبينة، نعم هي من شهادة العدل الواحد ولا تثبت بها النجاسة - بناء على عدم اعتبار خبر العدل الواحد في الموضوعات - واما الجامع الانتزاعي أعني عنوان ملاقاته لاحدهما فلم تشهد عليه البينة على الفرض. نعم هو مدلول التزامي للشهادتين. وقد عرفت ان الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية حدوثا وحجية ومع سقوط الشهادتين عن الحجية في مدلولهما المطابقي لا يبقى مجال لحجيتهما في مدلولهما الالتزامي. ولافرق في ذلك بين ما إذا نفى كل منهما قول الآخر وما إذا شهد بملاقاة الاناء للبول من غير أن ينفي ما شهد به الآخر وهو ملاقاته للدم في المثال، وذلك لانا ان بنينا على حجية الدلالة الالتزامية وان سقطت الدلالة المطابقية عن الاعتبار فلا محيص من ان نلتزم بثبوت النجاسة في كلتا الصورتين لدلالة الشهادتين على ملاقاة الاناء لاحدهما بالالتزام نفى كل منهما الآخر أم لم ينفه ومن هنا التزم صاحب الكفاية (قده) في مبحث التعادل والترجيح ان الدليلين المتعارضين ينفيان الثالث بالدلالة الالتزامية مع سقوطهما عن الاعتبار في مدلولهما المطابقي بالمعارضة لنفي كل منهما الآخر فالتنافي بينهما غير مانع عن حجية المدلول الالتزامي حينئذ. وأما إذا بنينا على ان الدلالة الالتزامية تتبع الدلالة المطابقية حدوثا وحجية - كما هو الصحيح - فلا يمكننا الحكم بنجاسة الملاقي في شئ من الصورتين لسقوط الدلالة المطابقية عن الحجية وبه تسقط الدلالة الالتزامية أيضا عن الاعتبار فنفي أحدهما الآخر وعدمه سيان فلا تثبت بهما نجاسة الملاقي. هذا كله مجمل القول في المسألة. وأما تفصيله: فهو ان

[ 183 ]

المشهود به قد يكون موجودا واحدا شخصيا في كلتا الشهادتين إلا انهما يختلفان في عوارضه وطواريه أو يختلفان في صنفه أو في نوعه مع التحفظ على وحدة الموجود المشهود به. وأخرى يكون المشهود به وجودين مختلفين قد شهد كل من الشاهدين لكل منهما مع اختلافهما في عوارضهما أو في صنفهما أو في نوعهما وهذه صور اختلاف الشاهدين. أما إذا كان المشهود به موجودا واحدا شخصيا واختلف الشاهدان في عوارضه - كما إذا شهد كل منهما على أن قطرة بول وقعت في الاناء وادعى أحدهما انها وقعت فيه ليلا وقل الآخر وقعت فيه نهارا وهما متفقان على ان ما شاهده أحدهما هو الذي شاهده الآخر بعينه أو أخبرا عن مجئ زيد واختلفا في زمانه ونحوهما مما كان المشهود به للشاهدين موجودا واحدا - فلا اشكال في ثبوت النجاسة بشهادتهما، ولا يضرها اختلافهما في عوارض المشهود به لان العوارض والطوارئ مما لا مدخلية له في شئ من الاحكام الشرعية وموضوعاتها فان النجاسة - مثلا - حكم ثبت على ما لاقته عين نجسة كانت ملاقاتهما في الليل أم في النهار وكذلك الحال فيما إذا كان المشهود به موجودا واحدا إلا أن الشاهدين اختلفا في صنفه - كما إذا شهدا على وقوع ميتة مشخصة في ماء قليل واتفقا على ان ما شاهده أحدهما هو الذي شاهده الآخر ولكنهما اختلفا في انها ميتة هرة أو شاة أو ادعى أحدهما أن الميتة رجل الشاة وقال الآخر بل كانت يد الشاة أو شهد على وقوع قطرة من دم الرعاف في الاناء واختلفا في انه من هذا أو من ذاك - لان المشهود به موجودا واحد فلا مناص من الحكم بنجاسة الماء بشهادتهما واختلافهما في صنفه كاختلافهما في عوارضه غير مانع عن اعتبار الشهادتين لان الخصوصيات الصنفية غير دخيلة في نجاسة الميتة أو الدم ونحوهما حيث أن الميتة مما له نفس سائلة تقتضي نجاسة ملاقيها كانت ميتة هرة أم شاة

[ 184 ]

وهكذا. وأما إذا كان المشهود به موجودا واحدا إلا انهما اختلفا في نوعه - كما إذا اتفقا على ان قطرة نجس قد وقعت في الاناء إلا انهما اختلفا فقال أحدهما انها كانت قطرة بول وشهد الآخر بانها كانت قطرة دم فالصحيح ان النجاسة لا تثبت بشهادتهما حينئذ وذلك لتعدد المشهود به حيث شهد أحدهما بوقوع قطرة دم في الاناء وشهد الآخر بوقوع قطرة بول فيه وهما أمران متعددان وان كان الواقع في الاناء موجودا واحدا فهاتان الشهادتان تدخلان في شهادة العدل الواحد وهي خارجة عن البينة. وأما العنوان الانتزاعي - أعني وقوع أحدهما في الاناء - فقد عرفت انه ليس بمشهود به للبينة بالمطابقة وإنما هو مدلول التزامي للشهادتين. وقد مر ان الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية حدوثا وحجية ومع عدم اعتبار الشهادتين في مدلولهما المطابقى لا يبقى مجال لحجيتهما في مدلولهما الالتزامي. بلا فرق في ذلك بين نفي أحدهما الآخر وعدمه هذا بل الشهادتان مع فرض وحدة المشهود به متنافيان دائما لاستحالة كون الموجود الواحد بولا ودما، فأحدهما ينفي الآخر لا محالة وعليه فلا يمكن الحكم بثبوت النجاسة في مفروض المسألة حتى إذا قلنا بكفاية شهادة العدل الواحد في الموضوعات الخارجية وذلك لانهما شهادتان متعارضتان وقد مر ان التعارض مانع عن شمول دليل الاعتبار للمتعارضين هذا كله مع وحدة المشهود به. وأما إذا كان المشهود به موجودين مختلفين - كما إذا شهد أحدهما على ان الهرة بالت في الاناء بعد صلاة المغرب وشهد الآخر بأنها بالت فيه بعد طلوع الشمس وهذا لا بمعنى ان ما رأى أحدهما هو الذي رآه الآخر. وإنما يختلفان في زمانه حتى يرجع إلى الصورة الاولى من صور وحدة المشهود به بل إن هناك أمرين متعددين والمشهود به لاحدهما غير المشهود به للآخر، فقد ظهر مما ذكرناه في الصور المتقدمة ان البينة لا تثبت نجاسة الملاقي حينئذ لتعدد

[ 185 ]

المشهود به فتدخل الشهادتان بذلك تحت شهادة العدل الواحد. وأما الجامع الانتزاعي فقد عرفت حكمه فلا نعيد. وكذلك الحال فيما إذ كان المشهود به أمرين متعددين مع اختلاف الشاهدين في صنفهما أو في نوعهما والاول كما إذا شهد أحدهما بوقوع قطرة دم من رعافه في الاناء وشهد الآخر بوقوع قطرة دم من المذبوح فيه والثاني كما إذا شهد أحدهما بوقوع قطرة بول فيه، وشهد الآخر بوقوع قطرة دم فيه لا مع اتفاقهما على ان ما وقع فيه قطرة واحدة وان ما رأى أحدهما هو الذي رآه الآخر كما في الصورة الاخيرة من صور وحدة المشهود به. بل هما متفقان على تعدد القطرة وان المشهود به لاحدهما غير المشهود به للآخر فالمدار في استكشاف وحدة المشهود به وتعدده - في هذه الصورة - إنما هو على العنوان الذي تقع الشهادة بذلك العنوان، ففي الصورة المتقدمة وقعت الشهادة على وقوع قطرة نجس في الاناء إلا ان أحدهما يدعي انها قطرة دم. والآخر يدعي انها قطرة بول. وأما في هذه الصورة فاحدى الشهادتين إنما وقعت على وقوع قطرة بول فيه والشهادة الاخرى وقعت على وقوع قطرة دم فيه فالمشهود به في احدى الشهادتين غير المشهود به في الثانية. وكيف كان فلا يترتب على شهادة البينة أثر مع تعدد المشهود به. ثم ان الفرق بين هذه الصورة وبين صورة اختلاف الشاهدين في نوع المشهود به مع فرض وحدته هو انا لو قلنا بكفاية اخبار العدل الواحد في الموضوعات الخارجية نلتزم بنجاسة الملاقى في المقام لعدد المشهود به وعدم نفي كل منهما الآخر فهما شهادتان غير متعارضتين لابد من اتباعهما. وهذا بخلاف صورة اختلافهما في نوع المشهود به مع اتحاده لماعرفت من ان الشهادتين - مع فرض وحدة المشهود به - متعارضتان دائما فان كلا منهما ينفي الآخر إذ يستحيل أن يكون شئ واحد بولا ودما.

[ 186 ]

[ (مسألة 7) الشهادة بالاجمال كافية أيضا (1) كما إذا قالا: احد هذين نجس. فيجب الاجتناب عنهما. وأما لو شهد أحدهما بالاجمال والآخر بالتعيين (2) كما إذا قال أحدهما: أحد هذين نجس. وقال الآخر: هذا - معينا - نجس ففى المسألة وجوه، وجوب الاجتناب عنهما ووجوبه عن المعين فقط، وعدم الوجوب أصلا. ] (1) لما عرفت من ان شهادة البينة على نجاسة أحد شيئين غير المعين كشهادتها على نجاسة المعين منهما فتثبت نجاسة الاناء بشهادتها لوحدة الواقعة المشهود بها. نعم لا تثبت بها الخصوصية كما هو واضح (2) فان اختلفا في سبب النجاسة - كما أنهما مختلفان في الاجمال والتعيين - بأن شهد أحدهما بأن قطرة بول أصابت أحد الانائين من غير تعيينه وشهد الآخر بأن قطرة دم لاقت أحدهما المعين. فلا اشكال في عدم اعتبار البينة حينئذ لما مر وعرفت من ان المشهود به إذا كان واحدا شخصيا معينا عندهما لا يحكم باعتبار البينة فيما إذا اختلف الشاهدان في سبب النجاسة ومستندها فضلا عما إذا كان المشهود به مختلفا فيه من حيث الاجمال والتعيين وأما إذا اتفقا على ذلك وان النجس الواقع في الاناء قطرة بول - مثلا - ولكنهما اختلفا من حيث خصوصياتها فأخبر أحدهما عن انها وقعت في أحد الانائين لاعلى التعيين وشهد الآخر بوقوعها في أحدهما المعين ففيه وجوه واحتمالات فقد يقال بوجوب الاجتناب عن المعين فحسب، لان وجوب الاجتناب عنه مشهود به لكلتا الشهادتين حيث شهد به أحدهما تفصيلا وشهد به الآخر على وجه الاجمال فان لازم وقوع النجاسة في أحدهما غير المعين وجوب الاجتناب عن كلا الطرفين فالمعين قد شهد كلاهما بوجوب الاجتناب عنه. نعم لا يثبت بذلك

[ 187 ]

نجاسته حتى يحكم بنجاسة ملاقيه وإنما يجب الاجتناب عنه فحسب وهذا بخلاف الطرف الآخر فان وجوب الاجتناب عنه مشهود به لاحدهما وليس بمشهود به لمن أخبر عن وقوع النجاسة في المعين منهما فيجب الاجتناب عن المعين دون الآخر. والجواب عن ذلك ان نجاسة المعين منهما وان كانت مشهودا بها لاحدهما إلا ان شهادة الآخر بنجاسة أحدهما على نحو الاجمال لا تثبت وجوب الاجتناب عن المعين وذلك لان النجاسة الاجمالية غير ثابتة بالبينة وإنما شهد بها العدل الواحد ومع عدم ثبوت النجاسة الاجمالية لا يثبت وجوب الاجتناب عن كلا الطرفين، لانها إذا سقطت عن الاعتبار في مدلولها المطابقى فلا مجال لاعتبارها في مدلولها الالتزامي وهو وجوب الاجتناب عن المعين منهما فتحصل ان وجوب الاجتناب عن المعين ليس بمشهود به لكلا الشاهدين بل لاحدهما وحيث انه من شهادة العدل الواحد فلا يترتب على شهادته أثر - بناء على عدم اعتبار شهادته في الموضوعات الخارجية - وان شئت قلت ان وجوب الاجتناب عن طرفي العلم الاجمالي حكم عقلي لا يثبت بالشهادة لانه يتبع موضوعه فإذا تحقق حكم العقل على طبقه دون ما إذا لم يتحقق موضوعه فلا محيص من أن تتعلق الشهادة بالنجاسة. ولم تتعلق شهادة بنجاسة المعين من كليهما وإنما شهد بها أحدهما فلا اثر لشئ من الشهادتين. وقد يقال بوجوب الاجتناب عن كليهما، حيث ان احدهما قد شهد بنجاسة ما هو الجامع بين الانائين وهو عنوان أحدهما وشهد الآخر أيضا بنجاسة ذلك الجامع لكن متخصصا بخصوصية معينة فشهادته بنجاسة المعين شهادة بنجاسة الجامع مع زيادة وهي الشهادة بالخصوصية وحيث انه من شهادة العدل الواحد فلا تثبت بها الخصوصية فيكون الجامع مشهودا به لكليهما فلا مناص من الاجتناب عن كلا الطرفين ويدفعه: ان الشهادة بفرد خاص غير منحلة إلى شهادتين بأن تكون شهادة بالجامع وشهادة بالخصوصية

[ 188 ]

[ (مسألة 8) لو شهد أحدهما بنجاسة الشئ فعلا، والآخر بنجاسته سابقا مع الجهل بحاله فعلا، فالظاهر وجوب الاجتناب (1) وكذا إذا شهدا معا بالنجاسة السابقة، لجريان الاستصحاب. ] وإنما هي شهادة واحدة بخصوص الجامع المتخصص فالشهادة في المقام إنما تعلقت بأحدهما المعين وهي شهادة به بخصوصه مبائنة مع الشهادة المتعلقة بالجامع حيث ان الثانية شهادة بنجاسة شئ مردد والاولى شهادة بما هو متميز في نفسه. وبالجملة ان أحدهما شهد بأمر كلي والآخر شهد بأمر خاص ولاجامع بينهما فلا تثبت النجاسة بشئ من الشهادتين لانهما خبران عن أمرين متغايرين وحيث ان الشهادتين لم تتعلقا بشئ واحد فلا تثبت النجاسة في شئ منهما بالشهادتين. وعليه فالصحيح عدم لزوم الاجتناب عن شئ من الطرفين. نعم لو قلنا بثبوت النجاسة بخبر العدل الواحد - كما قلنا به - لا مناص من الاجتناب عن خصوص المعين منهما لان في البين خبران تعلق أحدهما بنجاسة الجامع ولازمه الاحتياط لانه علم اجمالي تعبدي وتعلق ثانيهما بنجاسة واحد معين وهو أيضا علم تعبدي بنجاسته فالمعين معلوم النجاسة يقينا والطرف الآخر مشكوك فيه فلا مانع من الرجوع فيه إلى الاصل لانه غير معارض بالاصل في المعين للعلم التفصيلي بنجاسته - بالتعبد - وهو يقتضي الانحلال. (1) لاكلام في أنهما إذا شهدا بنجاسة شئ - فعلا - تثبت نجاسته بشهادتهما على تفصيل قد تقدم، كما أنهما إذا شهدا بنجاسة شئ سابقا يترتب عليهما الاثر وهو الحكم بنجاسته فعلا بالاستصحاب، لما قدمنا في محله من أن الامارة إذا قامت على طهارة ما علمنا بنجاسته الوجدان سابقا كما أنه يمنع عن جريان استصحاب النجاسة فيه لانه من نقض اليقين باليقين كذلك إذا قامت على نجاسة شئ أو طهارته حدوثا لانها علم تعبدي فلا يجوز نقضه بالشك

[ 189 ]

فيستصحب حكمها لبداهة انه لافرق في اليقين السابق بين الوجداني والتعبدي فان اطلاق اليقين يشملهما فإذا أخبرت البينة عن نجاسته سابقا فلا مانع من استصحابها لانها يقين تعبدي. وإنما الكلام فيما إذا اختلفت شهادتهما فشهد أحدهما بنجاسته فعلا والآخر بنجاسته سابقا. فان كانت الواقعة المشهود بها متعددة - كما إذا أخبر أحدهما عن أن قطرة من دم الرعاف أصابت الاناء آخر الليل وأخبر الآخر عن اصابة نجس آخر للآناء أول الليل - فلا تثبت النجاسة حينئذ بشهادتهما فيما إذا كانا متحدين من حيث الزمان فضلا عما إذا كانا مختلفين زمانا بناء على عدم ثبوت النجاسة باخبار العدل الواحد. ولعل هذه الصورة غير مرادة للماتن (قده) وأما إذا كانت الواقعة واحدة - كما إذا شهدا بوقوع ميتة حيوان معين في الاناء إلا انهما اختلفا في زمانه وادعى أحدهما انها وقعت فيه أول الليل وقال الآخر: وقعت فيه آخره فاتفقا من جهة واختلفا من جهة - فلا مانع من الحكم بثبوت النجاسة بشهادتهما لوحدة الواقعة المشهود بها وكونها أول الليل وآخره مما لادخالة له في نجاسه الاناء. نعم إنما تثبت بهما النجاسة الجامعة بين الزمانين من غير تعيين أحدهما. ثم ان هناك صورا: " الاولى ": ما إذا علمنا ان ذلك الاناء الذي قامت البينة على نجاسته أول الليل أو آخره لم يطرء عليه مطهر لافي أول الليل ولا في آخره ولا ينبغي الاشكال ان الاناء - مثلا - يجب الاجتناب عنه حينئذ، لان النجاسة - سواء وقعت فيها أول الليل أو في آخره - باقية بحالها بلا حاجة معه إلى استصحاب النجاسة للعلم الوجداني ببقاء النجاسة الجامعة بين الزمانين ونظيره ما إذا شهدت البينة بنجاسة شئ في زمان معين كأول الليل في المثال وقد علمنا بعدم طرو مطهر عليه إلى آخر الليل، لانا لانحتاج في الحكم بنجاسته آخر الليل إلى استصحابها للعلم الوجداني ببقائها. " الثانية ": ما إذا

[ 190 ]

علمنا بطرو مطهر عليه في زمان كمنتصف الليل في المثال إلا انا شككنا في نجاسته للشك في زمان حصولها حيث لا ندري ان النجاسة الكلية - بحسب الزمان - الثابتة بالبينة هل كانت متحققة في أول الليل فارتفعت أو أنها كانت متحققة في آخره فهي باقية، ولامانع حينئذ من استصحاب النجاسة الجامعة بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع لانه من القسم الثاني من استصحاب الكلي وهو جار في نفسه إلا أنه معارض باستصحاب بقاء الطهارة الطارءة على الاناء في منتصف الليل. في المثال، حيث نشك في بقائها من جهة احتمال وقوع النجاسة في آخر الليل فيستصحب طهارتها وحيث انه معارض باستصحاب النجاسة فيتساقطان فيرجع إلى قاعدة الطهارة في المشهود به. " الثالثة ": ما إذا شككنا في ان الاناء هل طرء عليه مطهر في أحد الزمانين أم لم يطرء. ويجري في هذه الصورة استصحاب النجاسة الكلية بحسب الزمان، لانا كنا على يقين من حدوثها بالبينة وان لم ندر زمانها وهو من استصحاب القسم الثاني من الكلي. إذ قد أوضحنا في محله ان الجامع لا يلزم أن يكون جامعا لفردين أو الافراد بل إذا كان جامعا بين زمانين في فرد واحدا أيضا يجري فيه الاستصحاب الكلي فليراجع. و " دعوى ": انه من استصحاب الفرد المردد " مدفوعة ": بما ذكرناه في محله من ان الفرد المردد مما لا معنى له فهو من استصحاب الكلي بين حالتين أو حالات وان كان أمرا جزئيا في نفسه. وبالجملة إذا شككنا في المقام في ارتفاع النجاسة الجامعة بحسب الزمان لاحتمال طرو مطهر على الاناء وله بآن بعد تحقق النجاسة فلا مانع من استصحابها، ومرجع استصحاب الاحكام الجزئية إلى استصحاب الموضوع الخارجي - كما بيناه في محله - فمرجع استصحاب نجاسة الاناء إلى استصحاب عدم طرو رافعها. هذا كله بناء على عدم ثبوت الموضوعات الخارجية بغير

[ 191 ]

[ (مسألة 9) لو قال أحدهما: إنه نجس. وقال الآخر: إنه كان نجسا والآن طاهر، فالظاهر عدم الكفاية وعدم الحكم بالنجاسة (1) ] البينة. وأما إذا اكتفينا في ثبوتها بخبر العدل الواحد فلا مناص من الحكم بنجاسة المشهود به فعلا في جميع الصور المتقدمة لقيام خبر العدل على نجاسة الاناء بالفعل ولا ينافيه الخبر الآخر الحاكي عن نجاسته في الزمان السابق كما هو ظاهر اللهم إلا أن تقع بينهما المعارضة من ناحية وحدة الواقعة المشهود بها، حيث يستحيل ان تقع في زمانين مختلفين ومعه ينفي كل منهما الاخر فيتعارضان ويتساقطان فيرجع إلى قاعدة الطهارة. (1) الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدمة ان الشاهد بالنجاسة السابقة في تلك المسألة كان جاهلا بحكم الاناء فعلا. وأما في هذه المسألة فله شهادتان: إحداهما انه كان نجسا سابقا. وثانيتهما انه طاهر بالفعل كما ان الشاهد الآخر يشهد بنجاسته الفعلية فان قلنا بكفاية شهادة العدل الواحد في الموضوعات الخارجية تتعارض الشهادتان، لاخبار أحدهما عن نجاسته الفعلية، وأخبار الآخر عن طهارته كذلك ويحكم بتساقطهما والرجوع إلى استصحاب النجاسة السابقة الثابتة بشهادة العدل الواحد المخبر عن طهارتها بالفعل لانه غير معارض بشئ أو إلى قاعدة الطهارة فيما إذا أخبر الشاهد بنجاسته الفعلية عن طهارتها السابقة، لان الواقعة واحدة وكل منهما ينفي الآخر فيتعارضان ويتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة لا محالة. وأما إذا قلنا بعدم اعتبار خبر العدل الواحد في الموضوعات الخارجية فان كان المشهود به متعددا - كما إذا أخبر أحدهما عن نجاسة الاناء بالفعل بملاقاته البول، وأخبر الآخر عن انه كان متنجسا بملاقاته الدم أول الليل وقد طهره في منتصفه فهو طاهر بالفعل - فلا تثبت نجاسته بالشهادتين لتعدد المشهود به. فحال هذه

[ 192 ]

[ (مسألة 10) إذا أخبرت الزوجة أو الخادمة أو المملوكة بنجاسة ما في يدها من ثياب الزوج أو ظروف البيت كفى في الحكم بالنجاسة. وكذا إذا اخبرت المربية للطفل أو المجنون بنجاسته أو نجاسة ثيابه. بل وكذا لو اخبر المولى بنجاسة بدن العبد أو الجارية أو ثوبهما مع كونهما عنده أو في بيته (1). ] المسألة حال المسألة المتقدمة عند تعدد المشهود به. وأما إذا كانت الواقعة المشهود بها واحدة - كما إذا أخبرت البينة عن قطرة دم معينة وقعت في الاناء واختلفا في زمانه فقال أحدهما انها وقعت فيه سابقا وقال الآخر انها وقعت فيه فعلا - فلا مانع من الحكم بثبوت النجاسة - الجامعة من حيث الزمان - بشهادتهما وقد مر ان الاختلاف في الزمان غير قادح في صحة الشهادة فحال هذه المسألة حال المسألة المتقدمة، حيث ان دعوى أحدهما الطهارة الفعليه كالعدم، لانه اخبار عدل واحد والمفروض عدم ثبوت الطهارة به فهي هي بعينها. (2) قد مر وعرفت ان اعتبار قول صاحب اليد عما هو تحت سلطانه واستيلائه أو عن كيفياته وأطواره أنما ثبت بالسيرة القطعية العقلائية، ولا اشكال في تحققها في الموارد التي ذكرها الماتن (قده) عدا الاخير وذلك لان السيد وإن كان مستوليا على عبده أو جاريته وهما تحت يده وسلطانه إلا أن حجية قول صاحب اليد لم تثبت بدليل لفظي يمكن التمسك باطلاقه حتى في مثل السيد وعبده وإنما مدركها السيرة القطعية والمتيقن منها هو ما إذا لم يكن لما في اليد ارادة مستقلة من ثياب وظروف ونحوهما مما لا يتصرف بارادة منه واختيار وإنما يتصرف فيه صاحب اليد. وأما اخباره عن نجاسة أمر

[ 193 ]

[ (مسألة 11) إذا كان الشئ بيد شخصين كالشريكين يسمع قول كل منهما في نجاسته (1) نعم لو قال أحدهما: إنه طاهر وقال الآخر: إنه نجس، تساقطا (2) كما ان البينة تسقط مع التعارض، ومع معارضتها بقول صاحب اليد تقدم عليه (3). (مسألة 12) لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقا أو عادلا، بل مسلما أو كافرا (4). ] مستقل في وجوده وارادته بحيث له أن يفعل ما يشاء ويزاول النجاسات والمطهرات - كما في العبد والامة - فلم تثبت سيرة من العقلاء على اعتبار قول صاحب اليد في مثله. نعم ثياب العبد و غيره مما هو مملوك لسيده وتحت يده ولا ارادة مستقلة له مما يعتبر قول صاحب اليد فيه كما مر. (1) لان السيرة العقلائية لا يفرق فيها بين ما إذا كانت اليد مستقلة وما إذا كانت غير مستقلة كما إذا اشترى شخصان ملكا أو استأجراه أو وهبه لهما واهب أو اباحه المالك لهما والحكم في جميع ذلك على حد سواء. (2) كما عرفت وجهه مما ذكرناه آنفا وسابقا في بحث المياه. (3) قدمنا وجهه في مبحث المياه عند التكلم في طرق ثبوت النجاسة ولا نعيد. (4) لان عدالة صاحب اليد وفسقه وكذلك اسلامه وكفره على حد سواء بالاضافة إلى السيرة العقلائية لانها قائمة على قبول قوله مطلقا من غير فرق بين إسلامه وكفره ولا بين فسقه وعدالته. وأما ما ورد من عدم قبول قول الكافر بل الفاسق في الاخبار عن طهارة شئ - مما بيده - بعد نجاسته لاعتبار الاسلام بل الورع والعدالة فيه - كما في نصوص البختج (* 1) - فهو


(* 1) المروية في ب 7 من ابواب الاشربة المحرما من لوسائل.

[ 194 ]

[ (مسألة 13) في اعتبار قول صاحب اليد إذا كان صبيا إشكال (1) وإن كان لا يبعد إذا كان مراهقا. (مسألة 14) لا يعتبر في قبول قول صاحب اليد أن يكون قبل الاستعمال (2) - كما قد يقال - فلو توضأ شخص بماء مثلا، وبعده أخبر ] أجنبي عما نحن بصدده، إذ الكلام إنما هو في ثبوت النجاسة بقول صاحب اليد وقد عرفت انها تثبت باخباره بمقتضى السيرة العقلائية. وأما اعتبار قوله في ثبوت الطهارة وعدمه فيأتي التعرض له عند التكلم على موجبات الطهارة وأسبابها انشاء الله. (1) لافرق في اعتبار قول صاحب اليد بين بلوغه وعدمه بل يعتمد عليه حتى إذا كان صبيا إلا أنه كان بحيث يميز النجس عن غيره وذلك بمقتضى سيرة العقلاء، إذ رب صبي اعقل من الرجال وافهم من غيره وانما فرق الشارع بينهما من حيث التكاليف وهو أمر آخر. (2) قد سبق أن ذكرنا أن اعتبار قول صاحب اليد مدركه السيرة العقلائية الممضاة في الشريعة المقدسة بعدم الردع عنها. ولا يفرق فيها بين أن يكون إخباره عما في يده قبل استعماله وبين أن يكون بعد استعماله، فلو توضأ أحد بماء أو اغتسل به، ثم أخبر مالكه أو من بيده عن نجاسته حكم بنجاسته وبطل وضوءه وغسله. وقد يرتفع الموضوع وينعدم باستعماله ومعه لا معنى للحكم بنجاسته أو طهارته. نعم تظهر ثمرة اعتبار قوله في الحكم ببطلان وضوء المتوضي أو غسل المغتسل، وهذا كما إذا كان الماء قليلا بحيث انعدم باستعماله في الغسل أو الوضوء. وقد لا ينعدم كما إذا كان الماء كثيرا واغتسل فيه بالارتماس أو توضأ به. وثالثة لا يترتب ثمرة على

[ 195 ]

[ ذو اليد بنجاسته يحكم ببطلان وضوئه وكذا لا يعتبر أن يكون ذلك حين كونه في يده (1) فلو أخبر بعد خروجه عن يده بنجاسته حين كان في يده، يحكم عليه بالنجاسة في ذلك الزمان، ومع الشك في زوالها تستصحب. ] انكشاف نجاسة الشئ المستعمل باخبار صاحب اليد كما إذا صلى في ثوب أحد ثم أخبر من بيده عن نجاسته، فان اخباره هذا مما لا يترتب ثمرة عليه لان مانعية النجاسة عن الصلاة إنما هي منوطة باحرازها وان كانت منسية في حال العمل، ولا مانعية للنجاسة المجهولة بوجه فلا معنى لاعتبار قول ذي اليد وعدمه حينئذ. وأما إذا ترتب على اخباره - بعد الاستعمال - أثر كما في المثال المتقدم، لان طهارة الماء في الغسل والوضوء شرط واقعي فإذا انكشف نجاسته بعدهما فيحكم ببطلانهما لا محالة لان السيرة - كما عرفت - لا يفرق فيها بين سبق اخباره الاستعمال وبين تأخره عنه. (1) إذا خرجت العين عن ملك مالكها أو عن استيلاء من بيده ثم أخبر عن أنها كانت نجسة حال كونها تحت سلطانه وسيطرته فهل يعتمد على قوله نظرا إلى ان المخبر به إنما هو نجاسة العين التي كانت مملوكة له أو تحت استيلائه أولا يعتمد عليه لان المخبر لا يصدق عليه صاحب اليد حال إخباره؟ فيه وجهان ثانيهما صحيحهما وذلك لان مدرك اعتبار قوله هو السيرة العقلائية - كما عرفت - ولم تحرز سيرتهم على قبول قوله في أمثال المقام ويكفي في عدم حجيته مجرد الشك في سيرتهم حيث أنا نحتمل أن تكون سيرة العقلاء هي مدرك القاعدة المعروفة من أن من ملك شيئا ملك الاقرار به - كما أفاده المحقق الهمداني قده - وبه يستكشف ان اعتبار قول ذي اليد يدور مدار

[ 196 ]

[ فصل في كيفية تنجس المتنجسات يشترط (1) في تنجس الملاقي للنجس أو المتنجس أن يكون فيهما، ] ملكه واستيلائه ومع انتفائهما لا ينفذ قوله ولا يعتمد عليه هذا وقد. يدعى قيام السيرة على قبول خبره في المقام وبالاخص فيما إذا كان اخباره قريبا من زمان استيلائه كما إذا باع ثوبا من أحد وبعد تسليمه إليه أخبر عن نجاسته. ولا يمكن المساعدة على هذا المدعى، لان سيرة العقلاء وان جرت على قبول اخبار البايع عن نجاسة المبيع إلا أن المستكشف بذلك ليس هو اعتبار قول ذي اليد بعد انقطاع سلطنته ويده وانما المستكشف هو اعتبار خبر الموثق في الموضوعات الخارجية كما هو معتبر في الاحكام، والذي يدلنا على ذلك ان البايع في مفروض المثال لا يعتمد على اخباره عن نجاسة المبيع فيما إذا لم تثبت وثاقته عند المشتري لاحتمال ان البايع يريد ان يصل بذلك إلى غرضه وهو فسخ المعاملة حيث يبدي للمشتري نجاسته حتى يرغب عن تملكه وابقائه ومع هذا الاحتمال لا يعتمد على اخباره عند العقلاء وأظهر من ذلك ما لو باع المالك ما بيده ولما اتلف ثمنه أخبر المشتري بانه كان مغصوبا أو وقفا فهل يعتمد على دعواه هذا؟! نعم لو ادعى شيئا من ذلك قبل أن يبيعه اعتبر قوله لانه من اقرار العقلاء على أنفسهم، فالانصاف ان قول صاحب اليد لم يثبت اعتباره في أمثال المقام. فصل في كيفية تنجس المتنجسات (1) وذلك للارتكاز حيث لا يرى العرف نجاسة ملاقي النجس أو المتنجس وتأثره من شئ منهما مع الجفاف. وأما الاخبار - الواردة في نجاسة

[ 197 ]

ملاقي النجس أو المتنجس من غير تقييدها بما إذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة مسرية - فقد ورد بعضها في مثل ملاقي البول أو الماء المتنجس ونحوهما مما فيه الميعان، والرطوبة في مثله مفروغ عنها لا محالة، وهذا كما في الاخبار الآمره بغسل ما أصابه البول (* 1) وموثقة عمار الآمرة بغسل كل ما لاقاه الماء المتنجس (* 2) وورد بعضها الآخر فيما لا رطوبة مسرية فيه من غير ان تقيد نجاسة الملاقي بما إذا كانت في أحد المتلاقيين أو في كليهما رطوبة مسرية وهذا كما في صحيحة محمد بن مسلم (* 3) وحسنته (* 4) الآمرتين بغسل المكان الذي أصابه الكلب أو بغسل اليد إذا مسسته. إلا انه لا مناص من رفع اليد عن اطلاقها بالارتكاز، لان ملاقاة اليابس مع مثله مما لا أثر له عند العرف ومن هنا حملنا - ما ورد في خصوص الميتة (* 5) من الامر بغسل ما أصابته مطلقا من غير تقييده بما إذا كان في أحد المتلاقيين أو في كليهما رطوبة مسرية - على الاستحباب وقلنا ان ملاقاتها مع الجفاف غير مؤثرة في نجاسة الملاقى. واما وجوب الغسل بملاقاة ميت الآدمي بعد برده وقبل تغسيله - ولو مع الجفاف - فهو أمر آخر، لان الكلام إنما هو في تأثير ملاقاة النجس - مع الجفاف - من حيث الخبث لا من ناحية الحدث. والوجه في هذا كله هو الارتكاز وما ورد من تعليل عدم نجاسة ملاقي النجس بانه يابس كما في حسنة محمد بن مسلم في " حديث " أن أبا جعفر عليه السلام وطئ على عذرة يابسة فاصاب ثوبه، فلما أخبره قال: أليس هي يابسة؟ قال: بلى،


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 4 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 3) و (* 4) المرويتان في ب 12 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 5) كمرسلة يونس المروية في ب 34 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 198 ]

[ أو في أحدهما رطوبة مسرية فإذا كانا جافين لم ينجس، وإن كان ملاقيا للميتة. لكن الاحوط غسل ملاقي ميت الانسان قبل الغسل وإن كانا جافين وكذا لا ينجس إذا كان فيهما أو في أحدهما رطوبة غير مسرية (1). ثم إن كان الملاقي للنجس أو المتنجس مائعا ] فقال: لا بأس (* 1) وموثقة عبد الله بن بكير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يبول ولا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط قال: كل شئ يابس زكي (* 2) هذا كله مضافا إلى أن الاوامر المطلقة الواردة بغسل ما أصابه النجس (* 3) ظاهرة في أنفسها في اعتبار الرطوبة في أحد الملاقيين فان الغسل عبارة عن ازالة الاثر، والاثر انما يتحقق بملاقاة النجس مع الرطوبة المسرية حيث لا تأثير في الملاقاة مع الجفاف فهذه الاخبار أيضا شاهدة على ان الرطوبة المسرية معتبرة في نجاسة ملاقي النجس أو المتنجس فالمتحصل ان اعتبار الرطوبة في تأثير النجاسات مما لا اشكال فيه. (1) ان الرطوبة باطلاقها غير كافية في الحكم بنجاسة الملاقي وتأثره من النجس بل يعتبر أن تكون مسرية بالارتكاز بان ينتقل بعض الاجزاء المائية في النجس إلى ملاقيه. فالرطوبة التي لاتعد ماء بالنظر العرفي - كما في رطوبة الطحين والملح الموضوعين على مكان رطب من سرداب ونحوه إذا كانت


(* 1) المروية في ب 26 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 31 من ابواب احكام الخلوة من الوسائل. ثم ان الرواية وان عبر عنها بالموثقة في كلماتهم الا أن في سندها محمد بن خالد والظاهر أنه محمد بن خالد الاشعري الذي لم تذكر وثاقته في الرجال (* 3) كما في الروايتين المتقدمتين عن محمد بن مسلم في ص 197 وغيرهما من الاخبار الواردة في النجاسات.

[ 199 ]

[ تنجس كله (1) كالماء القليل المطلق، والمضاف مطلقا، والدهن المائع ونحوه من المائعات. ] مكتسبة من الماء النجس - غير كافية في الحكم بنجاسة الملاقي وذلك لان الرطوبة وان كانت بالنظر العقلي هي الاجزاء الدقيقة المائية غير القابلة للابصار - كما الحال في البخار لانه أيضا أجزاء صغار من الماء يتصاعد بالحرارة إلى الهواء من غير أن تشاهد فيه الاجزاء المائية فالرطوبة جوهر وماء وليست عرضا بوجه وإلا استحال انتقالها من شئ إلى شئ لاستحالة انتقال العرض كما هو ظاهر - إلا انها تعد بالنظر العرفي عرضا ولا تعد ماء عندهم. ومن هنا لا يحكم بنجاسة الرطوبة لانها عرض. فهي لاتقبل النجاسة كما لا تؤثر في نجاسة الملاقي لانها أمر آخر وراء الماء المتنجس ولاجل هذا حكمنا بطهارة الثوب الذي صبغ بالدم النجس بعد غسله وان كان لونه باقيا في الثوب وكذا في الحناء المتنجس، لان الالوان بحسب الدقة وان كانت من الجواهر كالدم والحناء ونحوهما وغاية الامر انها أجزاء صغار غير قابلة للمشاهدة بالابصار إذ لو كانت من الاعراض حقيقة استحال فيها الانتقال - مع ان انتقالها من مثل الدم والحنا إلى ملاقيهما مما لاخفاء فيه. إلا انها بالنظر العرفي من الاعراض فهي ليست دما ولا حناء ولاغيرهما من الاعيان النجسة أو المتنجسة فلا يتنجس في أنفسها كما لا تؤثر في ملاقيها. (1) قد يكون ملاقي النجس أو المتنجس مايعا وقد يكون جامدا. والمايع إما ماء وإما غيره من زيت ودهن وامثالهما كما ان الماء مطلق أو مضاف اما الماء المطلق فلا كلام في انفعاله بملاقاة النجس أو المتنجس إذا لم يكن بالغا قدر كر وان لم تكن النجاسة ملاقية لجميع أجزائه حيث ان اصابة النجس لجزء من اجزائه كافية في تنجس الجميع فإذا لاقي طرفه الشرقي نجسا فيحكم

[ 200 ]

بنجاسة طرفه الغربي أيضا لانه ماء واحد أصابته النجاسة. ومن هذا يظهر الحال في غير الماء من المايعات كالادهان والزيوت، لان حكمها حكم الماء القليل - كما مر في محله - أما الماء المضاف فهو أيضا يتنجس باجمعه عند ملاقاة جزء منه نجسا سواء كان قليلا أم كثيرا، لان الكرية إنما هي عاصمة في الماء دون المضاف وقد تقدم كل ذلك في محله. اما الملاقي الجامد - كالثوب والارض ونحوهما - مع الرطوبة المسرية في كل من المتلاقيين أو في أحدهما فالنجاسة فيه مختصة بموضع الملاقاة منه دون جميع أجزائه، لان الجامد اما أن يكون غير الموضع الملاقي منه جافا. واما أن يكون مرطوبا بالرطوبة المسرية. اما مع جفاف غير موضع الملاقاة منه فلا كلام في عدم تنجس الجميع بنجاسة جزئه وهذا - مضافا إلى أنه المطابق للقاعدة، لان النجس لم يلاق تمامه - مورد للنصوص " منها " صحيحة زرارة " تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد أصابها " (* 1) واما إذا كان بقية أجزائه رطبا برطوبة غير مسرية فلظهور أن الملاقاة مع النجس مختصة بموضع منه فلا موجب لتنجس الجميع، وان كانت فيه رطوبة إلا أن الرطوبة غير المسرية في حكم الجفاف حيث انها غير معدودة من الجواهر، والعرض لا يتنجس كما أنه لا ينجس لعدم كون العرض ماء ولاغيره من النجاسات والمتنجسات وهذا كله ظاهر. وإنما الكلام فيما إذا كان الملاقي الجامد رطبا برطوبة مسرية - كالارض الممطورة بعد انقطاع المطر - فهل يحكم بنجاسة الجميع إذا لاقى جزء منه النجس نظرا إلى اتصال أجزائه ورطوبتها فإذا تنجس جزء منه يتنجس جزئه المتصل به بملاقاته وهو يلاقي الجزء الثالث المتصل به فينجسه وهكذا إلى أن تنتهي أجزائه أو ان المتنجس انما هو خصوص الموضع


(* 1) المروية في ب 7 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 201 ]

[ نعم لا ينجس بملاقاة السافل (1) إذا كان جاريا من العالي، بل لا ينجس ] الملاقي منه للنجس دون بيقة أجزائه وان كانت مشتملة على رطوبة مسرية؟ الثاني هو الصحيح لان الظاهر ان الاتصال بما انه كذلك لا يكفي في الحكم بالنجاسة لعدم كونه موضوعا لها إذ الموضوع المترتب عليه التنجس هو الاصابة والملاقاة. وإصابة النجس وملاقاته مختصتان بجزء من الجامد وغير متحققتين في الجميع ولم يقم دليل على ان الاتصال يوجب النجاسة. نعم لو انفصل جزء من ذلك الجامد ثم اتصل بالموضع المتنجس منه يحكم بنجاسة ذلك الجزء لصدق اصابة النجس وملاقاته بالاتصال كما إذا أخذنا مقدار من الطين ثم القيناه على الموضع المتنجس منه، لصدق أنه لاقى نجسا وأصابه، ففرق واضح بين الاتصال قبل تنجس موضع من الجسم وبين الاتصال بعد تنجسه، والفارق هو الصدق العرفي فان الملاقاة والاصابة تصدقان في الثاني دون الاول هذا. بل يمكن دعوى القطع بعدم تنجس تمام الجسم الجامد بتنجس بعضه وذلك لاستلزامه الحكم بنجاسة جميع البلد بسطوحه ودوره وأرضه إذا كانت مبتلة بالمطر - مثلا - وقد بال أحد في جانب من البلد. وهو مقطوع العدم، فالاتصال غير كاف في الحكم بنجاسة الجسم. وقد خرجنا عن ذلك في الماء والدهن ونحوهما من المايعات للدليل حيث قلنا بانفعال جميع أجزائها إذا أصابت النجاسة طرفا منها لان الاتصال مساوق للوحدة وهو ماء أو مايع واحد لاقاه نجس فيتنجس لا محالة. (1) بمعنى ان ما ذكرناه من الحكم بنجاسة جميع الماء القليل بملاقاة جزء منه نجسا يختص بما إذا كان واقفا وأما إذا كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل وكان النجس أسفلهما فلا يحكم بنجاسة السطح العالي بملاقاته، فلو صب ماء من الابريق على يد الكافر - مثلا - لا يحكم بنجاسة الماء الموجود في

[ 202 ]

[ السافل بملاقاة العالي إذا كان جاريا من السافل، كالفوارة، من غير فرق في ذلك بين الماء وغيره من المائعات. وإن كان الملاقى جامدا اختصت النجاسة بموضع الملاقاة سواء كان يابسا، كالثوب اليابس إذا لاقت النجاسة جزءا منه. أو رطبا كما في الثوب المرطوب، أو الارض المرطوبة، فانه إذا وصلت النجاسة إلى جزء من الارض أو الثوب لا يتنجس ما يتصل به، وإن كان فيه رطوبة مسرية، بل النجاسة مختصة بموضع الملاقاة. ومن هذا القبيل الدهن والدبس الجامدان. نعم لو انفصل ذلك الجزء المجاور ثم اتصل تنجس موضع الملاقاة منه، فالاتصال قبل الملاقاة لا يؤثر في النجاسة والسراية، بخلاف الاتصال بعد الملاقاة. وعلى ما ذكر فالبطيخ والخيار ونحوهما مما فيه رطوبة مسرية إذا لاقت النجاسة جزءا منها لا تتنجس البقية، بل يكفي غسل موضع الملاقاة إلا إذا انفصل بعد الملاقاة ثم اتصل. (مسألة 1) إذا شك في رطوبة أحد المتلاقيين، أو علم وجودها ] الابريق بتنجس السافل منه حيث لاقى يد الكافر هذا. بل ذكرنا في مبحث المياه ان المناط والاعتبار انما هما بخروج الماء بقوة ودفع ولا يعتبر في عدم انفعال الماء أن يكون عاليا بل لو كان أسفل من الماء المتنجس أيضا لا يحكم بنجاسته إذا خرج بقوة ودفع وهذا كما في الفورات لان تنجس العالي في مثلها غير مستلزم لتنجس أسفله حيث أن القوة والدفع توجبان التعدد عرفا. ولا يفرق في ذلك بين الماء وغيره من المايعات وقد تقدم هذا كله سابقا وإنما أشرنا إليه في المقام تبعا للماتن (قده).

[ 203 ]

[ وشك في سرايتها لم يحكم بالنجاسة (1)، وأما إذا علم سبق وجود المسرية وشك في بقائها (2) فالاحوط الاجتناب وان كان الحكم بعدم النجاسة لا يخلو عن وجه. ] (1) إذا شككنا في ملاقاة شئ للنجس أو علمنا بملاقاتهما وشككنا في وجود الرطوبة فيهما أو في أحدهما أو علمنا بها أيضا وشككنا في كونها مسرية ففي جميع ذلك يحكم بطهارته لعدم العلم بتحقق الموضوع للحكم بالنجاسة ومع الشك قاعدة الطهارة محكمة. (2) يبتنى جريان الاستصحاب في بقاء الرطوبة المسرية لاثبات نجاسة الملاقي على تحقيق ان الموضوع في الحكم بنجاسته ما هو؟ فان قلنا أن موضوعه السراية - كما قدمناه آنفا وقلنا ان اعتبارها هو الاظهر لانه الذي يقتضيه الارتكاز العرفي وما أسبقنا ذكره من الاخبار - فلا يمكننا استصحاب بقاء الرطوبة لاثبات سرايتها إلى الملاقي إلا على القول بالاصول المثبتة، وحيث أن السراية غير ثابتة فلا يمكننا الحكم بنجاسة الملاقي بالاستصحاب. وأما إذا قلنا أن موضع الحكم بنجاسته عبارة عن ملاقاته مع النجس أو المتنجس حال رطوبتهما أو رطوبة أحدهما فلا مانع من استصحاب بقاء رطوبة حينئذ، فان ملاقاتهما محرزة بالوجدان فإذا أثبتنا رطوبتهما أو رطوبة أحدهما بالاستصحاب فلا محالة يتحقق الموضوع للحكم بنجاسة الملاقي. وأما إذا شككنا في ذلك ولم ندر ان الموضوع في الحكم بنجاسته هو السراية أو الملاقاة مع رطوبة أحدهما فايضا لا مجال لاجراء الاستصحاب في المقام للشك في أن بقاء الرطوبة يترتب عليه أثر أو لا أثر له ولا مناص معه من الرجوع إلى قاعدة الطهارة وهي تقتضي الحكم بطهارة الملاقي في مفروض المسألة وقد ظهر من ذلك ان الاحتياط - في كلام الماتن - استحبابي، وان الوحه - في

[ 204 ]

[ (مسألة 2) الذباب الواقع على النجس الرطب إذا وقع على ثوب أو بدن شخص، وان كان فيهما رطوبة مسرية لا يحكم بنجاسته (1) إذا لم يعلم مصاحبته لعين النجس، ومجرد وقوعه لا يستلزم نجاسة رجله لاحتمال كونها مما لا تقبلها، وعلى فرضه فزوال العين يكفي في طهارة الحيوانات ] قوله: ان الحكم بعدم النجاسة لا يخلو عن وجه - هو الاظهر الوجيه كما أشرنا إليه في تعليقاتنا على المتن. (1) قد حكم " قده " بطهارة ما لاقاه الذباب ونحوه من الحيوانات - الملاقية مع النجس الرطب - بقاعدة الطهارة لاحتمال أن لا يتأثر بدن الحيوان بالنجاسة ولا يقبل الرطوبة من النجس كما قيل بذلك في الزيبق ونحوه أو من جهة أن زوال عين النجس مطهر لبدنه كما يأتي في محله. وتفصيل الكلام في المقام انه لا ينبغي التأمل في أن زوال العين عن بدن الحيوان كاف في الحكم بطهارته من غير حاجة في ذلك إلى عروض أي مطهر عليه وذلك لان اكثر الحيوانات بل جميعها مما نعلم بنجاسته ولو حين ولادته بدم النفاس ومع القطع بعدم طرو أي مطهر عليه - ولاسيما في الصحارى والقفار لقلة الماء وعزته - يعامل معه معاملة الاعيان الطاهرة بعد زوال العين عنه. فطهارة بدن الحيوان بعد زوال العين مما لاريب فيه. ثم ان الشك في تنجس ما وقع عليه مثل الذباب في مفروض المسألة من ثوب أو بدن ونحوهما قد يكون مستندا إلى الشك في السراية من جهة الشك في رطوبة الجسم الملاقي أو الشك في بقاء الرطوبة النجسة في رجل الذباب مثلا حيث علمنا بوقوعه على النجس الرطب وقد كانت رجله مشتملة على عين النجس ورطوبتها يقينا إلا انا نشك في بقائها فيما إذا طار عن العين النجسة ووقع على الثوب أو البدن الجاف أو الرطب بغير

[ 205 ]

رطوبة مسرية ففي مثل ذلك لا يحكم بنجاسة ما وقع عليه الذباب - مثلا - باستحصاب بقاء الرطوبة لما عرفت من انه لا يثبت سراية النجاسة إلى الملاقي إلا على القول بالاصل المثبت. ولا يفرق في ذلك بين القول بتنجس بدن الحيوان وطهارته بزوال العين عنه وبين القول بعدم تنجسه من الابتداء وقد يستند إلى الشك في بقاء العين النجسة أو المتنجسة في رجل الذباب مثلا مع العلم برطوبة الشئ الذي وقع عليه الذباب كالماء أو الثوب أو البدن الرطبين ونحوها مما نعلم أن فيه رطوبة مسرية. ويفصل في هذه الصورة بين ما إذا قلنا بتنجس بدن الحيوان، وطهارته بزوال العين عنه وبين ما إذا قلنا بعدم تنجسه من الابتداء، فانه على الاول قد علمنا بنجاسة رجل الذباب في المثال وقد فرضنا أنه لاقاه ماء أو ثوب فيه رطوبة مسرية - بالوجدان - فلا مناص معه من الحكم بنجاستهما. ومجرد الشك في زوال النجاسة عنه لا يوجب الحكم بطهارة الملاقي بل يحكم ببقائها وعدم زوال النجاسة عن الحيوان بالاستصحاب وأما على الثاني فلا يمكننا الحكم بنجاسة ملاقي بدن الحيوان، لعدم نجاسة بدنه على الفرض. وأما اشتماله على عين النجس فهو وان كان قطعيا في زمان إلا أن استصحاب بقائها على بدنه إلى حين ملاقاته الماء أو الثوب لا يثبت انه لاقى النجس للشك في انه لاقى رجل الذباب أو لاقى العين النجسة الموجودة على رجله فالتعبد ببقاء العين على رجله لا يثبت ملاقاة الماء أو الثوب مع النجس إلا على القول بالاصل المثبت. وبعبارة واضحة الموضوع المعلوم في الخارج وهو ملاقاة الماء لرجل الذباب مثلا لا أثر له إذ المفروض ان بدن الحيوان لا ينجس وما هو موضوع الاثر وهو ملاقاة الماء مع العين الملاقية لرجل الذباب لم يحرز إلا على القول بالاصل المثبت فاذن لا يحكم بنجاسة الماء، والتفصيل بذلك هو الذي ذهب إليه المشهور وهو الوجه المؤيد المنصور إلا انه

[ 206 ]

" قد يقال ": بعدم نجاسة ملاقي الحيوان مطلقا ولو على القول بتنجس بدنه وذلك لعدم جريان الاستصحاب - في الحيوان - نفسه، لان زوال العين مطهر للحيوان على الفرض فنجاسة بدنه إنما هي مادام لم تزل عنه عين النجس فلو حكمنا بنجاسة ملاقي الحيوان حينئذ - مع الشك في بقاء العين وزوالها - فهو من جهة استصحاب بقاء العين النجسة وعدم زوالها عن بدنه ولكن الاستصحاب غير جار لان الاصول العملية التي منها الاستصحاب يعتبر في جريانها أن يترتب عليها اثر عملي - كما هو مقتضى كونها أصلا عمليا، ولا أثر لنجاسة بدن الحيوان في المقام، لان الملاقي انما يلاقي العين النجسة قبل أن يلاقى الحيوان بزمان فالاثر الذي هو نجاسة الملاقي مستند إلى ملاقاة نفس العين النجسة لا إلى ملاقاة عضو الحيوان ليستصحب نجاسته ولا يخفى فساده وذلك لان هذا القائل إن أراد أن الحكم بالنجاسة في ظرف اليقين ببقاء العين لاأثر له فان نجاسة الملاقي يستند إلى ملاقاة العين لا إلى ملاقاة المحل فيرده ان للنجاسة أحكاما أخر غير نجاسة الملاقي فلا مانع من الحكم بها من جهة تلك الآثار ومع ذلك لامانع من الاستصحاب والحكم بنجاسة الملاقي بقاء، ولا يعتبر في جريان الاستصحاب أن يكون الاثر أثرا للمتيقن حدوثا. بل يكفي أن يكون أثرا له بقاء. وإن أراد أن الاستصحاب لا يترتب عليه الحكم بنجاسة الملاقي، فان العين إذا كانت باقية فنجاسة الملاقي مستندة إلى ملاقاتها. وإن لم تكن باقية فالمحل طاهر ولا أثر لملاقاته فبالنتيجة نعلم وجدانا بعدم تنجس الملاقي بملاقاة المحل فكيف يمكن الحكم به بالتعبد ببقاء نجاسة المحل. فيرد عليه أن الحكم بنجاسة الملاقي ليس مسببا ومعلولا للملاقاة ونجاسة الملاقى بأن يكون حكم شرعي مترشحا من موضوع خارجي أو من حكم شرعي آخر فان الاحكام الشرعية كلها اعتبارات خاصة لاتنشأ

[ 207 ]

إلا من أرادة من بيده الاعتبار ويستحيل أن تنشأ من أمر تكويني أو من اعتبار تشريعي وعليه فالحكم بنجاسة الملاقي إنما يترتب على الملاقاة الخارجية وعلى نجاسة ما لاقاه ترتب الحكم على موضوعه لا ترتب المعلول على علته ومعه لا يضر بالاستصحاب العلم بنجاسة الملاقي قبل أن يلاقي ما حكم بنجاسته بالتعبد على تقدير نجاسته واقعا وذلك كما إذا علمنا بطهارة جسم بعينه وبنجاسة جسم آخر كذلك ثم علمنا إجمالا بعدم بقائهما على ما كانا عليه فاما أن الجسم الطاهر قد تنجس أو أن النجس قد طهر فانه حينئذ لا إشكال في جريان الاستصحاب في كل منهما فيحكم بطهارة ما كان طاهرا وبنجاسة ما كان نجسا، ثم إذا لاقى الجسم المحكوم بطهارته ما حكم بنجاسته فلا ينبغي الشك في الحكم بنجاسته مع أنا نعلم انه لم يتنجس من قبل هذه الملاقاة إذ المفروض أنا نعلم أنه إما كان نجسا قبل الملاقاة أو أن ما لاقاه طاهر وليس ذلك إلا من جهة ما ذكرناه من أنه لا تأثير ولا تأثر في الاحكام الشرعية وإنما هي اعتبارات شرعية تترتب على الامور الخارجية ترتب الاحكام على موضوعاتها لا ترتب المعاليل على عللها. فالمتحصل ان ما ذهب إليه المشهور من التفصيل بين المسلكين والحكم بجريان استصحاب النجاسة على الاول هو الصحيح هذا كله حسبما تقتضيه القاعدة في نفسها إلا انا لانقول باستصحاب النجاسة على كلا المسلكين نظرا إلى النصوص الواردة في المسألة وهي كثيرة " منها ". ما ورد من نفي البأس عن التوضوء أو الشرب مما شرب منه باز أو صقر أو نحوهما من جوارح الطيور فيما إذا لم تر في منقارها دم (* 1) و " منها ": ما ورد من نفي البأس


(* 1) كموثقة عمار المروية في ب 4 من ابواب الاسئار و 82 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 208 ]

عن الصلاة في ثوب وقع عليه الدود من الكنيف إلا أن يرى فيه أثر (* 1) ومنها غير ذلك من الاخبار. حيث أن موردها بعينه ما نحن بصدده للقطع بنجاسة الدود قبل خروجه من الكنيف إلا أنه عليه السلام حكم بطهارته مادام لم ير فيها عين النجس فالحكم بنجاسته منوط برؤية العين فيه وأما مع الشك في بقائها على الحيوان وعدمه فلابد من الحكم بطهارته لان الاستصحاب إنما يقوم مقام العلم بما انه علم كاشف ولا يقوم مقام الرؤية التي هي بمعنى العلم الوجداني حيث انه الظاهر منها بعد القطع بعدم مدخلية خصوص الرؤية في الحكم بنجاسته إذ لو علم بها علما وجدانيا - ولو من غير طريق الرؤية - كما إذا علم بها باللمس في الليل المظلم - أيضا يحكم بنجاسته وحيث أنه قد أخذ في موضوع الحكم بما انه صفة وجدانية فلا يقوم الاستصحاب مقامه ومعه لابد من الحكم بطهارة الحيوان عند الشك في بقاء العين على بدنه وزوالها عنه بلا فرق في ذلك بين القول بعدم تنجس الحيوان من الابتداء وبين القول بتنجسه وطهارته بزوال العين عنه. هذا ثم لو تنزلنا عن ذلك وقلنا ان الرؤية كناية عن العلم الكاشف سواء كان وجدانيا أم تعبديا أو علمنا بما ورد في بعضها من قوله عليه السلام: وإن لم يعلم أن في منقارها قذرا توضأ منه واشرب. وقلنا أن المراد بالعلم فيها أعم من الوجداني والتعبدي كما في قوله عليه السلام: كل شئ نظيف حتى تعلم... (* 2) وقوله عليه السلام: كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف... (* 3) فلا مناص من الحكم بنجاسة ملاقي الحيوان بالاستحصاب لانه يقوم مقام العلم الطريقي وبه يثبت بقاء النجاسة على بدنه بلا فرق في ذلك


(* 1) وهو صحيحة علي بن جعفر المروية في ب 80 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كما في موثقة عمار المروية في ب 37 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) راجع ب 61 من ابواب الاطعمة المباحة من الوسائل.

[ 209 ]

[ (مسألة 3) إذا وقع بعر الفأر في الدهن أو الدبس الجامدين يكفي إلقاؤه، وإلقاء ما حوله، ولا يجب (1) الاجتناب عن البقية، وكذا إذا مشى الكلب على الطين، فانه لا يحكم بنجاسة غير موضع رجله، إلا إذا كان وحلا. ] بين المسلكين فان استصحابها لا يكون مثبتا حينئذ على القول بعدم تنجس بدن الحيوان وذلك لانه إنما يكون مثبتا فيما إذا اعتبرنا في موضوع الحكم بنجاسة الملاقي ملاقاته للعين النجسة كما هو الحال مع قطع النظر عن الاخبار. وأما إذا قلنا أن الموضوع في الحكم بنجاسة الملاقي انما هو ملاقاته لعضو من أعضاء الحيوان - كالمنقار - لانه مقتضى الروايات المتقدمة، حيث دلت على نجاسة ما لاقاه منقار الجوارح أو غيرها مشروطا بما إذا علمت أن في منقارها قذرا فلا يكون الاستصحاب مثبتا بوجه لاحراز ما هو الموضوع بنجاسة الملاقي - وهو ملاقاة المنقار مثلا - بالوجدان كما أن شرطه - وهو وجود النجاسة فيه - محرز بالاستصحاب. هذا ولكن الاظهر أن الرؤية بمعنى خصوص العلم الوجداني ومعه لا يترتب على استصحاب بقاء النجاسة أثر على كلا المسلكين. (1) قد تقدم منه " قده " ومنا اعتبار السراية في الحكم بنجاسة ملاقي النجس أو المتنجس وذكرنا أنه لابد فيه من وجود الرطوبة المسرية في كليهما أو في أحدهما وأم الرطوبة المعدودة من الاعراض بالنظر العرفي فهي غير كافية في الحكم المذكور أبدا، كما ذكرنا أن تنجس جزء من أجزاء غير المايعات لا يوجب سراية النجاسة إلى أجزائها الاخر ولو مع الرطوبة المسرية. وإنما أعاده الماتن في المقام نظرا إلى النصوص الواردة في بعض الفروع وقد وردت فيما بايدينا من المسألة عدة نصوص ربما تبلغ ثلاثة عشر رواية. وقد فصل في بعضها بين الذوبان والجمود كما في حسنة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام

[ 210 ]

قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فان كان جامدا فألقها وما يليها وكل ما بقي وإن كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به والزيت مثل ذلك (* 1) وفى بعضها التفصيل بين الزيت وغيره من السمن والعسل كما في رواية اسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله سعيد الاعرج السمان وأنا حاضر عن الزيت والسمن والعسل تقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به؟ قال: أما الزيت فلا تبعه إلا لمن تبين له فيبتاع للسراج. وأما الاكل فلا. وأما السمن فان كان ذائبا فهو كذلك وان كان جامدا والفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها وما حولها ثم لا بأس به والعسل كذلك إن كان جامدا (* 2) والسر في تفصيلها بين الزيت وغيره ان الزيت - كالماء - ينصرف عند اطلاقه إلى معناه الحقيقي وهو خصوص الزيت المتخذ من الزيتون. وانما يحمل على غيره فيما إذا قيد بقيد كما إذا قيل زيت اللوز أو زيت الجوز وهكذا كما هو الحال في الماء بعينه فانه ينصرف إلي إرادة الماء المطلق إلا أن يقيد بقيد كماء الرمان أو البطيخ ونحوهما. والزيت المستحصل من الزيتون لا ينجمد في الصيف والشتاء وان كان ترقق في الصيف باكثر منه في الشتاء. ومن هنا دلت الرواية على نجاسته بموت الفأرة فيه من غير تفصيل. وفصلت في السمن والعسل بين ذوبانهما وعدمه. وفي ثالث التفصيل بين الصيف والشتاء كما في صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفأرة والدابة تقع في الطعام والشراب فتموت فيه فقال: إن كان سمنا أو عسلا أو زيتا فانه ربما يكون بعض هذا، فان كان الشتاء فانزع ما حوله وكله وان كان الصيف فارفعه حتى تسرج به،


(* 1) المروية في ب 34 من ابواب الاطعمة المحرمة و 6 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 2) المروية في ب 6 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 211 ]

وان كان بردا فاطرح الذي كان عليه ولا تترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه (* 1) وقد أسندها شيخنا الانصاري " قده " إلى سعيد الاعرج وهو اشتباه من قلمه الشريف كما نبهنا عليه في بحث المكاسب. والمراد بالصيف والشتاء فيها إنما هو التفصيل بين الذوبان والانجماد وذلك للقرينة الخارجية والداخلية: أما الخارجية فهي ظهور ان المايعات تنجمد في الشتاء كما تذوب في الصيف. وأما القرينة الداخلية فهي قوله عليه السلام فانزع ما حول. لوضوح ان النزع لا يمكن إلا فيما له صلابة وانجماد فمن ذلك يظهر أن مراده عليه السلام هو التفصيل بين الذوبان والانجماد. وأما ما في ذيلها - أعني قوله عليه السلام وان كان بردا فاطرح الذي كان عليه - فلعله تأكيد لما أمر به في صدرها بقوله عليه السلام فان كان الشتاء فانزع ما حوله. ويبعده انه تكرار في الكلام وهو من الاستهجان بمكان. والصحيح - كما في بعض النسخ - هو الثرد بمعنى القطعات المبللة من الخبز بماء القدر أو غيره فهذه الجملة حينئذ من متفرعات ما ذكره في صدرها بقوله عليه السلام: فان كان الشتاء فانزع ما حوله. وذلك لان تنجس قطعة من القطعات المبللة بالمرق - مثلا - لا يوجب تنجس الجميع لخروجه من الميعان إلى الانجماد بالقاء القطعات فيه بل انما يؤخذ عنه تلك القطعة المتنجسة بخصوصها ويؤكل الباقي وكيف كان فقد دلتنا هذه الاخبار على ان المايع إذا جمد ووقع فيه شئ من النجاسات أو المتنجسات فيؤخذ منه ما حول النجس دون بقية أجزائه وكذلك الحال في الجوامد بالاصالة كالارض الرطبة إذا مشى عليها الكلب - مثلا - فانه لا ينجس منه إلا خصوص موضع الملاقاة وهو موضع قدم الكلب لاجميعه ولو مع الرطوبة المسرية. اللهم إلا أن يدخل في المايعات كما إذا كان وحلا فان وقوع النجاسة


(* 1) المروية في ب 42 من ابواب اطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 212 ]

[ والمناط في الجمود والميعان (1) أنه لو أخذ منه شئ فان بقي مكانه خاليا حين الاخذ وإن امتلا بعد ذلك فهو جامد، وإن لم يبق خاليا أصلا فهو مائع. (مسألة 4) إذا لاقت النجاسة جزءا من البدن المتعرق لا يسري (2) إلى سائر أجزائه إلا مع جريان العرق. (مسألة 5) إذا وضع إبريق مملوء ماء على الارض النجسة، وكان في أسفله ثقب يخرج منه الماء، فان كان لا يقف تحته، بل ينفذ في الارض أو يجري عليها فلا يتنجس (3) ما في الابريق من الماء، ] فيه يوجب تنجس الجميع كما هو الحال في جميع المايعات على ما قدمناه سابقا لدلالة الاخبار بل لولاها أيضا كنا نلتزم به لانه المرتكز العرفي في اذهاننا. (1) ليس المراد بالجامد ما بلغت صلابته صلابة الحجر لانه لا يتفق في العسل والسمن المذكورين في الروايات بل المراد به - كما هو المتفاهم العرفي عند اطلاقه - هو مالا يسري أجزائه ولا تميل إلى المكان الخالي منه بسرعة باخذ مقدار من أجزائه، وإن مالت إليه وتساوت سطوحه شيئا فشيئا. ويقابله المايع وهو الذي إذا اتخذ منه شئ مالت أجزائه إلى المكان الخالي منه بسرعة. (2) لما تقدم من أن الجوامد لا تسري نجاسة جزء منها إلى جميع أجزائها ولو مع الرطوبة المسرية. اللهم إلا أن يسيل العرق من الموضع المتنجس، لانه يوجب نجاسة كلما أصابه. (3) لما مر من أن القوة والدفع يوجبان تعدد الماء عرفا فإذا كان الماء الخازج من الثقب جاريا على وجه الارض أو نافذا فيها - كما في الاراضي

[ 213 ]

[ وإن وقف الماء بحيث يصدق اتحاده مع ما في الابريق بسبب الثقب تنجس وهكذا الكوز والكأس والحب ونحوها. (مسألة 6) إذا خرج من أنفه نخاعة غليظة، وكان عليها نقطة من الدم لم يحكم (1) بنجاسة ما عدا محله من سائر أجزائها فإذا شك في ملاقاة تلك النقطة لظاهر الانف لا يجب غسله. وكذا الحال في البلغم الخارج من الحلق. (مسألة 7) الثوب أو الفرش الملطخ بالتراب النجس يكفيه نفضه (2) ولا يجب غسله، ولا يضر احتمال بقاء شئ منه بعد العلم بزوال القدر المتيقن. ] الرخوة أو الرملية - فيكون خروجه من الثقب بقوة ودفع مانعا عن سراية النجاسة من الماء الخارج إلى داخل الكوز أو الابريق لانهما ماءان متعددان بالنظر العرفي ونجاسة أحدهما غير مستلزمة لنجاسة الآخر. وأما إذا لم يكن الماء الخارج جاريا على وجه الارض ولا نافذا فيها بل كان مجتمعا حول الابريق أو الكوز فلا مناص من الحكم بتنجس الماء الموجود فيهما وذلك لسقوط الماء الخارج حينئذ من القوة والدفع وحيث ان الماءين متحدان لاتصالهما بالثقب فتسري نجاسة أحدهما إلى الآخر لا محالة. ولعل ما ذكرناه هو مراد الماتن " قده " من قوله: وان وقف الماء. وذلك لوضوح ان وقوف الماء الخارج من الكوز أو الابريق في مكان آخر بعيد عنهما غير مستلزم لتنجس الماء في داخلهما لان الماء الخارج لا يسقط بذلك عن القوة والدفع. (1) لما بيناه في المسائل المتقدمة فليراجع. (2) قد أسبقنا أن من شرائط تنجس ملاقي النجس أن تكون

[ 214 ]

فيهما أو في أحدهما رطوبة مسرية. وعلى هذا إذا أصابت الفرش أو الثوب أجزاء ترابية متنجسة أو أجزاء العذرة اليابسة ولم تكن في شئ من المتلاقيين رطوبة مسرية لم يحكم بنجاسة الملاقي كالثوب والفرش ونحوهما فلا يجب غسله. نعم لابد من نفضه واخراج الاجزاء النجسة أو المتنجسة الموجودة فيه وهذا الذي أفاده " قده " مضافا إلى انه مقتضى القاعدة - على ما طبقناها آنفا - مما دل عليه النص الصحيح، فروى علي بن جعفر في كتابه عن أخيه عليه السلام عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة فتهب الريح فتسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه، يصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال: نعم ينفضه ويصلي فلا بأس (* 1) هذا وينبغي أن ننبه على أمرين: " أحدهما ": انه لو قلنا بجواز حمل النجس في الصلاة لقلنا بجواز الصلاة في الثوب المتلطخ باجزاء العذرة اليابسة من غير حاجة إلى نفضه - لولا الصحيحة المتقدمة - لان الثوب غير متنجس على الفرض وإنما هو حامل للاجزاء النجسة وقد بينا ان حمل النجس غير مانع عن الصلاة إلا أن الصحيحة دلتنا على عدم جواز الصلاة في مثله وان حمل النجس بتلك الكيفية مانع عنها - وكأن من الصلاة في النجس - ولا مناص من الاخذ بظاهرها وهو اعتبار النفض في الصلاة في مثل الثوب المتلطخ باجزاء العذرة ونحوها ومانعية حمل النجس في الصلاة إلا انه لابد من الاقتصار في ذلك على موردها وهو حمل النجس بالكيفية الواردة في الصحيحة و " ثانيهما ": ان الشك في بقاء الاجزاء النجسة أو المتنجسة في الثوب - مثلا - بعد نفضه يتصور على وجهين: " أحدهما ": أن يشك في مقدار الاجزاء النجسة أو المتنجسة الطارئة عليه وهل هي المقدار الخارج منه بنفضه أو انها اكثر من المقدار الخارج وبقي مقدار منها في الثوب ففي هذه الصورة لا يمكن الرجوع


(* 1) المروية في ب 26 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 215 ]

إلى استصحباب بقائها لان الزائد مشكوك التحقق من الابتداء فيكون الاستصحاب معه من القسم الثالث من الكلي وقد برهنا في محله على عدم جريان الاستصحاب فيه. و " ثانيهما ". ما إذا علمنا بطرو مقدار معين من الاجزاء النجسة على الثوب ونفرضه مثقالين - مثلا - وبعد نفضه نشك في خروج ذلك المقدار المعلوم العروض وعدمه للشك في أن الخارج بمقدار مثقالين أو أقل. وهل يجري استصحاب بقاء المقدار المعلوم من الاجزاء النجسة أو المتنجسة في الثوب؟ فيه تفصيل وذلك لان الاثر المترتب على وجود تلك الاجزاء في الثوب - مثلا - أمران: " أحدهما ": الحكم بنجاسة ملاقي الثوب ونحوه إذا كان رطبا كاليد الرطبة أو الماء القليل كما إذا القينا الثوب في حب من الماء و " ثانيهما " بطلان الصلاة فيه لانه حامل للنجس وحمله بتلك الكيفية مبطل لها أما بالاضافة إلى الامر الاول فلا يمكن استصحاب بقاء الاجزاء النجسة في الثوب لاجل الحكم بنجاسة ملاقيه الرطب وذلك لان المقدار المتيقن إنما هو ملاقاة الثوب للماء - مثلا - وهي غير موجبة للحكم بنجاسة الماء لعدم نجاسة الثوب على الفرض وإنما الموجب للحكم بنجاسة الماء هو ملاقاة الاجزاء النجسة الطارئة على الثوب إلا أن استصحاب بقائها لا يثبت انها لاقت الماء إلا على القول بالاصل المثبت فالاستصحاب بالاضافة إلى هذا الاثر غير جار سواء أدرجناه تحت القسم الثالث من الكلي أم تحت غيره. وأما بالاضافة إلى الاثر الثاني فلا مانع من استصحاب بقاء الاجزاء النجسة في الثوب لان المفروض ان الثوب الحامل للنجاسة - بتلك الكيفية - محكوم ببطلان الصلاة فيه فإذا شككنا في بقائه على وصفه يجري استصحاب بقائه على الاوصاف السابقة وبه يحكم ببطلان الصلاة الواقعة فيه.

[ 216 ]

[ (مسألة 8) لا يكفي مجرد الميعان في التنجس، بل يعتبر أن يكون مما يقبل التأثر (1) وبعبارة أخرى يعتبر وجود الرطوبة في أحد المتلاقيين. فالزببق إذا وضع في ظرف نجس لا رطوبة له لا يتنجس، وإن كان مائعا. وكذا إذا أذيب الذهب أو غيره من الفلزات في بوتقة نجسة أو صب بعد الذرب في ظرف نجس لا يتنجس، إلا مع رطوبة الظرف أو وصول رطوبة نجسة إليه من الخارج. ] (1) قد عرفت ان المايع إذا لاقى نجسا يحكم بنجاسته لانه مرطوب برطوبة مسرية ومعها لا حاجة إلى اعتبار رطوبة النجس في نجاسة ملاقيه إلا أن هذأ يختص بالمايع الرطب. وأما المايع الجاف الذي لا يؤثر في ملاقيه كما لا يتأثر منه - كالزيبق - ونحوه فملاقاته النجس أو المتنجس اليابس لا يقتضي نجاسته وإن كان مايعا كما إذا وضعناه على ظرف يابس متنجس فانه لا يتأثر بذلك ولا ينتقل شئ من أجزائه إلى الظرف فحكم المايعات اليابسة حكم الجوامد اليابسة ونظيره الفلزات المذابة كالذهب والفضة والنحاس ونحوها لانها إذا صبت في ظرف نجس - كالبوتقة النجسة - لا يحكم بتنجسها لانها مايع جاف لا يؤثر في الاشياء اليابسة ولا يتأثر منها. ومع عدمه السراية والرطوبة لا يحكم بنجاستها. نعم إذا فرضنا أن الزيبق أو الفلز المذاب لاقى نجسا أو متنجسا وهو رطب كالدهن المتنجس المصبوب في البوتقة - كما يستعمل في الصياغة فانه يحكم بتنجس الزيبق أو الفلز لتأثرهما من النجس أو المتنجس الرطبين. ثم انها إذا تنجست فقد نقطع ان النجاسة إنما أثرت في سطحها الظاهر فقط فحينئذ إذا غسلنا سطحها طهرت كغيرها من المتنجسات، وقد نعلم أن النجاسة اثرت في جميع أجزاء الفلز الداخلية منها والخارجية لتصاعدها وتنازلها حال إذابتها

[ 217 ]

[ (مسألة 9) المتنجس لا يتنجس ثانيا ولو بنجاسة أخرى، لكن إذا اختلف حكمهما يرتب كلاهما، فلو كان لملاقى البول حكم، ولملاقي العذرة حكم آخر، يجب ترتيبهما معا، ولذا لو لاقى الثوب دم، ثم لاقاه البول، يجب عليه غسله مرتين، وإن لم يتنجس بالبول بعد تنجسه بالدم، وقلنا بكفاية المرة في الدم. وكذا إذا كان في إناء ماء نجس، ثم ولغ فيه الكلب يجب تعفيره وإن لم يتنجس بالولوغ. ويحتمل أن يكون للنجاسة مراتب في الشدة والضعف، وعليه فيكون كل منهما مؤثرا ولا اشكال (1). ] فانه قد تسري النجاسة بذلك إلى الجميع فيشكل تطهيرها حينئذ لعدم امكان ايصال المطهر إلى كل واحد من الاجزاء الظاهرية والداخلية فلا مناص من أن يبقى على نجاستها إلى الابد، وعلى الجملة ان الفلز حال ذوبانه إذا أمكن أن يتنجس بمثل الدهن أو البول ونحوهما تخرج بذلك عن قابلية الطهارة إلى الابد. وأظهر من ذلك مالو تنجس الفلز أولا ثم أذيب لان الذوبان في مثله يوجب سراية النجاسة إلى باطنه وبه يسقط عن قابلية الطهارة كما عرفت. (1) الكلام في هذه المسألة في أن الاشكال الذي كان يرد على كلامه إذا أنكرنا تعدد المراتب للنجاسة بحسب الشدة والضعف، ولا يرد عليه إذا قلنا به أي شئ؟ وليعلم قبل ذلك ان البحث عن اصالة عدم التدخل أجنبي عن مسألتنا هذه بتاتا وذلك لان البحث عن عدم التداخل يختص بما إذا كانت الاوامر مولوية ولكن واحد منها شرط أو موضوع: كما إذا ورد: ان ظاهرت فكفر. وان أفطرت فكفر فيقال حينئذ ان ظاهر كل شرط انه سبب مستقل في استتباعه الحكم المترتب عليه. وحيث ان الشئ الواحد

[ 218 ]

لا معنى للبعث نحوه ببعيثن فلا مناص من تقييد متعلق كل من الامرين بفرد دون فرد آخر ويقال ان ظاهرت يجب عليك فرد من الكفارة وان أفطرت يجب عليك فرد آخر منها. وأما إذا كانت الاوامر ارشادية فلا شرط ولاحكم فيها حتى يقال ان ظاهر كل من الشرطين انه سبب مستقل يستدعي حكما باستقلاله ولاستحالة البعث إلى شئ واحد مرتين لابد من تقييد متعلقهما بفرد غير الفرد الآخر. وهذا لوضوح انه لابعث في الارشاد. والقول بعدم التداخل نتيجة استحالة البعث نحو الشئ مرتين إذ الارشاد في الحقيقة كالاخبار، ولامانع من حكاية شئ واحد مرتين وهذا كما في قوله عليه السلام اغسل ثوبت من أبوال مالا يؤكل لحمه (* 1) لانه ارشاد إلى أمرين: أحدهما: نجاسة أبوال مالا يؤكل لحمه ونجاسة ملاقيها. وثانيهما: عدم ارتفاع نجاستها بغير الغسل، فلو فرضنا ان مثله ورد في نجس آخر كما إذا ورد اغسل ثوبك من الدم - مثلا - فانه أيضا يكون ارشادا إلى الامرين المتقدمين ففي موارد اجتماعهما - كما إذا أصاب كل منهما الثوب - أمران ارشاديان إلى نجاسة ملاقي كل من النجسين ولا محذور في اجتماعهما حيث لابعث كي لا يجتمع اثنان منه في مورد واحد و انما حالهما حال الحكاية كما عرفت وما أشبههما بالاخبار عن التقذر بالقذارة الخارجية كما إذا ورد نظف ثوبك من كثافة التراب وورد نظف ثوبك من كثافة الرماد فهل يتوهم أحد أن الثوب المشتمل على كلتا الكثافتين لابد من تنظيفه مرتين ولا يكفي تنظيفه مرة واحدة؟! فالمتحصل ان المسألة أجنبية عن اصالة عدم التداخل بالكلية وإذا تحققت ذلك فلنرجع إلى ما كنا بصدده فنقول: الاشكال المتوجه على كلام الماتن " قده " هو أنه بنى في صدر المسألة على أن المتنجس لا يتنجس ثانيا وان الشئ الواحد لا يقبل


(* 1) كما في حسنة عبد الله بن سنان المروية في ب 8 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 219 ]

[ (مسألة 10) إذا تنجس الثوب مثلا بالدم مما يكفي فيه غسله مرة وشك في ملاقاته للبول أيضا مما يحتاج إلى التعدد، يكتفي فيه بالمرة ] النجاسة مرتين فكأن النجاسة الثانية لم تطرء على الشئ من الابتداء، فمع فرض انه لم يلاق غير نجاسة واحدة - كالدم - مثلا كيف يترتب عليه أثر كلتا النجاستين إذا اختلف حكمهما، لان مفروضنا ان النجاسة الثانية كأنها لم تطرء حقيقة فما الموجب للحكم بترتيب آثارها؟ وهذه المناقشة - كما ترى - إنما ترد إذا بنينا على أن المتنجس لا يتنجس ثانيا وان النجاسة الثانية كالعدم حقيقة. وأما إذا بنينا على أن لها مراتب بحسب الشدة والضعف وأنه لامانع من الحكم بتنجس المتنجس ثانيا بان تكون احدى النجاستين ضعيفة والاخرى شديدة فلا يبقى للمناقشة مجال حيث لابد حينئذ من ترتيب أثر كلتا النجاستين وهذا الاشكال هو الذي نفاه بقوله: ولا اشكال - على تقدير القول بأن للنجاسة مراتب في الشدة والضعف - ثم لا ينبغي التأمل في أن النجاسة - سواء كانت مختلفة بحسب المرتبة أم لم تكن وسواء قلنا أن المتنجس ينجس أولا ينجس - إذا طرءت على شئ واحد مرتين أو مرات متعددة - اتحد نوعها أم تعدد - لا يجب غسله إلا مرة واحدة. اللهم إلا أن يكون لاحداهما أثر زائد كوجوب غسلها مرتين أو التعفير فانه لابد من ترتيب ذلك الاثر حينئذ وذلك لاطلاق دليله لان مقتضى إطلاق ما دل على وجوب غسل البول مرتين عدم الفرق في وجوبهما بين كونه مسبوقا بنجاسة أخرى أو لم يكن وكذلك الحال فيما دل على لزوم تعفير ما ولغ فيه الكلب لاطلاقه من حيث تحقق نجاسة أخرى معه وعدمه وهذا هو السر في لزوم ترتيب الاثر الزائد حتى على القول بعدم تنجس المتنجس ثانيا.

[ 220 ]

[ ويبني على عدم ملاقاته للبول (1). وكذا إذا علم نجاسة إناء وشك في انه ولغ فيه الكلب أيضا أم لا، يجب فيه التعفير، ويبني على عدم تحقق الولوغ. نعم لو علم تنجسه إما بالبول أو الدم، أو إما بالولوغ ] (1) وذلك للاستصحاب لانه بعد الغسل مرة وان كان يشك في ارتفاع النجاسة - كما إذا كانت دموية - وبقائها - كما إذا كانت بولية - فالفرد المعلوم المتحقق مردد بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع إلا أنه لا مجال لاستصحاب الكلي الجامع بينهما حتى يحكم ببقاء النجاسة بعد الغسل مرة واحدة وإن قلنا بجريان الاستصحاب في القسم الثاني من الكلي في محله وذلك لانه إنما يجري فيما إذا لم يكن هناك أصل حاكم عليه وهو موجود في المقام وهذا للقطع بعدم عروض النجاسة البولية على الثوب في زمان فإذا شككنا في طروها وعدمه فمقتضى الاصل ان نجاسته باقية بحالها ولم تزد عليها نجاسة ثانية حتى يجب غسلها مرتين وبهذا الاستصحاب نبني على كفاية الغسل مرة واحدة في المسألة. وبعبارة أخرى الاستصحاب انما يجري في القسم الثاني من الكلي فيما إذا كان الفرد الحادث - من الابتداء - مرددا بين الباقي والمرتفع. وأما إذا علمنا بحدوث فرد معين ثم شككنا في تبدل ذلك الفرد الحادث بفرد آخر أو في طروه مع بقاء الفرد الاول بحاله فلا تأمل في أن الاستصحاب يقتضي الحكم بعدم تبدل الفرد الحادث بغيره وعدم طرو شئ زائد عليه، وهو نظير ما يأتي في محله من أن المكلف إذا كان حدثا بالاصغر ثم شك في أنه هل أجنب؟ يحكم بعدم طرو الحدث الاكبر حينئذ ويبني على أن حدثه هو الاصغر فيرتفع بالوضوء ولا يجري استصحاب بقاء الحدث الجامع بين ما علمنا بارتفاعه وما نعم ببقائه.

[ 221 ]

[ أو بغيره يجب إجراء حكم الاشد (1) من التعدد في البول، والتعفير في الولوغ. (مسألة 11) الاقوى أن المتنجس منجس (2) كالنجس ] (1) لاستصحاب بقاء النجاسة حتى يقطع بارتفاعها وهو من القسم الثاني من استصحاب الكلي إلا أنه يبتني على أمرين: أحدهما: القول بجريان الاستصحاب في الاحكام كما هو المعروف بينهم. وثانيهما: منع جريان الاصل في الاعدام الازلية. وأما على مسلكنا من جريان الاستصحاب في العدم الازلي فلا وجه لوجوب الغسل ثانيا أو التعفير وغيره كما هو الحال في المسألة المتقدمة وذلك لانا قد استفدنا من الادلة الواردة في تطهير المتنجسات ان طبيعي النجس يكفي في ازالته الغسل مرة فلا حاجة إلى الغسل المتعدد ولا إلى التعفير إلا فيما خرج بالدليل كما في البول والولوغ ونحوهما. وعليه فنقول الذي علمنا بحدوثه إنما هو طبيعي النجاسة الذي يكفي في ازالتة الغسل مرة واحدة ولا ندري هل تحققت معه الخصوصية البولية أو الولوغية أم لم تتحقق والاصل عدم تحقق الخصوصية البولية ولاغيرها فإذا ضممنا ذلك إلى علمنا بحدوثه بالوجدان فينتج لا محالة أن الثوب متنجس بنجاسة ليست ببول ولا مستنده إلى الولوغ وقد عرفت ان كل نجاسة لم تكن بولا أو ولوغية - مثلا - يكتفي فيها بالغسل مرة. (2) قد وقع الكلام في أن المتنجس كالنجس منجس لما لاقاه مطلقا ولو بألف واسطة أو أن تنجيسه يختص بما إذا كان بلا واسطة، فالمتنجس معه الواسطة غير منجس، أو أن المنجسية من الاحكام الثابتة على النجاسات العينية ولا يأتي في النجس بالعرض مطلقا؟ لا ينبغي الاشكال في أن النجاسات.

[ 222 ]

العينية منجسة لملاقياتها وموجبة للسراية بحيث لاتزول النجاسة الحاصلة بملاقاتها إلا بغسلها بالماء وان ذهب المحدث الكاشاني (قده) إلى عدم الحاجة في تطهير المتنجس إلى غسله بالماء كفاية مجرد زوال العين في طهارته ولو بغير الماء إلا فيما دل الدليل على اعتبار غسله به إلا انا ابطلنا ما ذهب إليه في محله وقلنا ان ملاقاة الاعيان النجسة بالرطوبة موجبة للسراية واستشهدنا عليه بما ورد في موثقة عمار (* 1) من قوله عليه السلام يغسل كل ما أصابه ذلك الماء. أي الماء المتنجس بموت الفأرة فيه، لانه كاشف قطعي عن سراية النجاسة إلى ملاقي النجس وملاقى ملاقيه، ومن هنا أمر بغسل كلما أصابه، فان الغسل كما مر عبارة عن ازالة الاثر المتحقق في المغسول فلولا سراية النجاسة إليه بملاقاة النجس لم يكن معنى للامر بازالة الاثر حيث لا أثر بعد زوال العين حتى يغسل ويزال ولعله ظاهر. وإنما الكلام في المتنجسات والمشهور بين المتأخرين انها كالاعيان النجسة منجسة مطلقا واستدل لهم على ذلك بامور: " الاول ": أن منجسية المتنجس أمر ظاهر يعرفه المتشرعة وجميع المسلمين من عوامهم وعلمائهم من غير اختصاصه بطائفة دون طائفة، وعليه فمنجسية المتنجس أمر ضروري لا خلاف فيه بين المسلمين و " يدفعه ": انه ان اريد بذلك ان تنجيس المتنجس نظير وجوب الصلاة وحرمة الخمر وغيرهما من الاحكام التي ثبتت من الدين بالضرورة المستتبعة انكارها انكار النبوة والموجبة للحكم بكفر منكرها ففساده مما لا يحتاج إلى البيان لان تنجيس المتنجس أمر نظري ولا تلازم بين انكاره وانكار النبوة بوجه فكيف يمكن قياسه بسائر الاحكام الضرورية من الدين. وان اريد أنه أمر واضح معروف لدى المتشرعة وان لم يصل مرتبة الضرورة الموجبة لكفر منكرها. ففيه انه وان كان معروفا عندهم إلا أن ذلك لا يكشف عن


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 223 ]

ثبوته في الشريعة المقدسة لعدم احراز اتصال الحكم بزمانهم - ع - لان أي حكم إذا أفتى به المقلدون في عصر واتبعتهم مقلدوهم برهة من الزمان فلا محالة يكون معروفا عندهم ومغروسا في أذهانهم بحيث يزعمون انه ضروري في الشريعة المقدسة. مع انه أمر قد حدث في عصر متأخر عن عصرهم - ع - وبالجملة ان الحكم إذا لم يحرز اتصاله بزمان الائمة - ع - لا يستكشف باشتهاره أنه ثابت في الشريعة أبدا " الثاني ": ان تنجيس المتنجس اجماعي حيث أفتوا بذلك خلفا عن سلف وعصرا بعد عصر ولم ينكر ذلك أحد. والجواب عنه " أولا ": ان دعوى الاجماع في المسألة انما تتم لو قلنا بحجيته بقاعدة اللطف - كما اعتمد عليها الشيخ " قده " - فان الحكم بتنجيس المتنجس قد وقع الاتفاق عليه في عصر - مثلا - ولم يظهر خلافه الامام عليه السلام في ذلك العصر فمنه يستكشف انه مرضي عنده. ولكنا قد أبطلنا هذه القاعدة في محله وذكرنا أنها على تقدير تماميتها في نفسها لا يمكن أن تكون مدركا لحجية الاجماع بوجه. على ان اظهاره الخلاف مما لا يكاد أن يترتب عليه ثمرة، لانه ان ظهر وعرف نفسه وأظهر الخلاف فهو وان كان موجبا لاتباع قوله عليه السلام إلا انه خلاف ما قدره الله سبحانه حيث عين وقتا لظهوره لايتقدم عليه ولا يتأخر عنه. وأما إذا أظهر الخلاف من غير أن يظهر ويعرف نفسه فأي أثر يترتب على خلافه حينئذ؟ لانه لم يعرف بالعلم حالئذ فضلا عن امامته. وأما على طريقة المتأخرين في حجية الاجماع أعني الحدس بقوله عليه السلام من اجماع المجمعين فلا يتم دعوى الاجماع في المسألة فانه كيف يستكشف مقالة الامام عليه السلام من فتوى الاصحاب في المسألة مع ذهاب الحلي ونظرائه إلى عدم تنجيس المتنجسات؟ بل ظاهر كلامه ان عدم تنجيس المتنجس كان من الامور المسلمة في ذلك الزمان حيث يظهر من محكي كلامه أن المنجسية من آثار عين النجس، والمتنجسات الخالية منها

[ 224 ]

نجاسات حكميات. وكيف كان ان الاتفاق على حكم في زمان لا يوجب العلم بمقالة الامام عليه السلام و " ثانيا ": ان دعوى الاجماع في المسألة لو تمت فانما تتم في حق المتأخرين. وأما علمائنا المتقدمون فلا تعرض في شئ من كلماتهم إلى تلك المسألة ولم يفت أحد منهم بتنجيس المتنجس مع كثرة الابتلاء به في اليوم والليلة وفي القرى والبلدان ومعه كيف تتم دعوى الاجماع على تنجيس المتنجسات، ومن هنا ذكر المرحوم الآغا رضا الاصفهاني " قده " - في رسالة وجهها إلى العلامة البلاغي " قده " ما مضمونه: انا لم نجد أحدا من المتقدمين يفتي بتنجيس المتنجس فضلا عن أن يكون موردا لاجماعهم فلئن ظفرتم على فتوى بذلك من المتقدمين فلتخبروا بها وإلا لبدلنا ما في منظومة الطباطبائي " قده ": والحكم بالتنجيس إجماع السلف * وشذ من خالفهم من الخلف (* 1) وقلنا: والحكم بالتنجيس احداث الخلف * ولم نجد قائله من السلف وعليه فلا يمكننا الاعتماد على الاجماعات المنقولة في المسألة - ولو على تقدير القول باعتبار الاجماع المنقول في نفسه - وذلك للقطع بعدم تحقق الاجماع من المتقدمين. أضف إلى ذلك كله أن الاجماع على تقدير تحققه ليس من الاجماع التعبدي في شئ لانا نحتمل استنادهم في ذلك على الاخبار أو غيرها من الوجوه المستدل بها في المقام " الثالث " ": الاخبار: " فمنها ": الاخبار الواردة في وجوب غسل الاناء الذي شرب منه الكلب أو الخنزير (* 2) بتقريب ان العادة تقتضي أن يكون شربهما في الاناء من غير ملاقاتهما له ولاسيما في الكلب


(* 1) كذا في الرسالة. وفي الطبعة الاخيرة من الدرة جاء هكذا: وشذ من خالف ممن قد خلف * والقول بالتنجيس اجماع السلف (* 2) راجع ب 1 من ابواب الاسئار و 12 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 225 ]

حيث انه انما يلغ بطرف لسانه مما في الاناء ولا يصيب فمه الاناء عادة. فلولا أن الماء المتنجس منجس لما لاقاه وهو الاناء لم يكن وجه للامر بغسله أو تعفيره. و " منها ": ما عن العيص بن القاسم: قال سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء فقال: إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه (* 1) لما مر من انه لو لم يكن الماء المتنجس بالبول أو القذر منجسا لما أصابه لم يكن لامره عليه السلام بغسله وجه صحيح و " منها ": رواية معلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخنزير يخرج من الماء فيمر على الطريق فيسيل منه الماء، أمر عليه حافيا؟ فقال: أليس وراؤه شئ جاف؟ قلت بلى، قال: فلا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا (* 2) فان الماء المتنجس بملاقاة الخنزير لو لم يكن منجسا للارض لم تكن حاجة إلى سئواله عليه السلام عن وجود شئ جاف وراؤه، فان رجله طاهرة حينئذ ولم تتنجس بشئ كان هناك شئ جاف أم لم يكن و " منها ": موثقة عمار سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه وقد كانت الفأرة متسلخة فقال: إن كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه، ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الاناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء... (* 3) حيث أمر بغسل كل ما لاقاه الماء المتنجس بميتة الفأرة. ولو لا ان المتنجس منجس لم يكن وجه لامره هذا بوجه. ومنها غير ذلك من الاخبار. ولا يخفى ان هذه الاخبار أجنبية عما هو محل البحث والكلام لان مدعي عدم تنجيس المتنجس إنما يدعي ذلك


(* 1) المروية في ب 9 من ابواب الماء المضاف من لوسائل. (* 2) المروية في ب 32 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في ب 4 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 226 ]

فيما إذا جف المتنجس وزالت عنه عين النجس ثم لاقى بعد ذلك شيئا رطبا وأما المايع المتنجس أو المتنجس الجامد الرطب قبل أن يجف فلم يقل أحد بعدم منجسيته من المتقدمين والمتأخرين ولعلها مما يلتزم به الكل كما ربما يلوح من محكي كلام الحلي " قده ". وهذه الاخبار المستدل بها انما وردت في المايع المتنجس فهي خارجة عما نحن بصدده نعم إذا كان مدعى القائل بعدم منجسية المتنجس عدم تنجيسه ولو في تلك الصورة لكانت الاخبار المتقدمة حجة عليه في المتنجس المايع أو الرطب. هذا وقد يستدل للمشهور بموثقة عمار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الباريه يبل قصبها بماء قذر. هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال: إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها (* 1) حيث دلت على عدم جواز الصلاة على البارية فيما إذا كانت رطبة ولا وجه له سوى انها منجسة لما اصابها من بدن المصلى أو ثيابه. إلا أن الاستدلال بها في غير محله، لان الجفاف فيها ان حمل على الجفاف باصابة الشمس فحسب - كما حمله على ذلك جماعة واستدلوا بها على مطهرية الشمس للحصر والبواري وحملوا الصلاة عليها على ارادة السجود على البارية لكونها من النبات ومما يصح السجود عليه - فهي أجنبية عن تنجيس المتنجس وعدمه لان معناها حينئذ إن القصب المبلل بماء قذر إذا جف بالشمس طهر فلا مانع معه من إن يسجد عليه. وأما إذا كان رطبا أو جف بغير الشمس فهو باق على نجاسته فلا يجوز السجود عليه لاعتبار الطهارة فيما يسجد عليه. وأما إذا حمل على مطلق الجفاف - كما هو الصحيح، حيث ان الموثقة لم تقيد الجفاف باصابة الشمس ومن هنا استشكلنا في الاستدلال بها على مطهرية الشمس للحصر والبواري وحملنا الصلاة فيها على ارادة الصلاة فوق البارية - لاعلى


(* 1) المروية في ب 30 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 227 ]

السجود عليها - وإن كان قد يسجد عليها إذا صلى فوقها، الا أن الرواية ناظرة إلى حكم ما إذا صلى فوقها سجد عليها ام لم يسجد - فمعنى الرواية إن القصب المبلل بالماء القذر لامانع من أن يصلى فوقه إذا يبس لعدم سراية النجاسة منه إلى بدن المصلى أو ثيابه. ولا يجوز الصلاة فوقه إذا لم يجف لسراية النجاسة لما اصابها. وعليه ايضا تخرج الموثقة عما نحن بصدده فيكون حالها حال الاخبار المتقدمة لما عرفت من ان منجسية المايع المتنجس أو المتنجس الجامد الرطب مما لا خلاف فيه ولا دلالة للموثقة على ان المتنجس إذا جف ثم لاقى شيئا رطبا ينجسه أو لا ينجسه فإذا العمدة في تنجيس المتنجس بعد جفافه وقبله عدة روايات وردت في الامر بغسل الاواني الملاقية للخمر أو الخنزير أو الكلب أو موت الجرذ فيها أو غير ذلك من النجاسات المتضمنة لوجوب غسلها من اصابة الخنزير أو موت الجرذ سبع مرات (* 1) ومن إصابة الخمر وسائر النجاسات ثلاثا (* 2) ولوجوب تعفيرها من جهة ولوغ الكلب (* 3) وذلك لان الاواني غير قابلة للاكل ولا لللبس في الصلاة ولا لان يسجد عليها حتى يتوهم إن الامر بغسلها مستند إلى شئ من ذلك وعليه فلو قلنا أن المتنجس بعد جفافه غير منجس لاصبح الامر بغسل الاواني على كثرته وما فيه من الاهتمام والتشديد في تطهيرها لغوا ظاهرا حيث لامانع من ابقائها بحالها واستعمالها من غير غسل لانها غير موثره في تنجيس ما اصابها فهذا كاشف قطعي عن ان الامر بغسل الاواني ارشاد إلى انها منجسة لما يلاقيها برطوبة. ومن الغريب في المقام ما صدر عن المحقق الهمداني " قده " حيث اجاب عن تلك الروايات


(* 1) المروية في ب 13 و 53 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) راجع ب 51 و 53 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) راجع ب 70 من ابواب النجاسات و 1 من ابواب الاسئار من الوسائل.

[ 228 ]

بان غاية ما يستفاد من الامر بغسل الاواني ونحوها انما هو حرمة استعمالها ومنبعوضيته حال كونها قذرة ولا دلالة لها على انها منجسة وموثرة في نجاسة ما فيها بوجه. فالامر بغسل الاواني مقدمة لارتفاع المتنجس وحرمته لا انه ارشاد إلى منجسيتها. والوجه في غرابته ان من الواضح ان استعمال الاناء المتنجس والاكل فيه إذا لم يوثر في نجاسة ما فيه من الطعام والشراب مما لا مبغوضية فيه ولا انه حرام بضرورة الفقه فيتعين ان يكون الامر بغسله ارشادا إلى تنجيسه لما يلاقيه، وليس الاكل في الاواني المتنجسة كالاكل في اواني الذهب والفضة حيث ان الاكل والشرب فيهما مبغوضان في نفسهما للنصوص المانعة عن استعمالهما وهذا بخلاف الاكل في الاواني المتنجسة لانه لم يدل دليل على مبغوضيته ما لم تكن نجاستها موثرة في نجاسة ما فيها من الطعام والشراب و " دعوى ": ان الامر بغسلها انما هو لاهتمام الشارع بالتحفظ والاجتناب عن النجاسات العينية المتخلفة اثارها في الاواني المتقذرة وليس ارشادا إلى كونها منجسة لملاقياتها " مدفوعة " بان هذا إنما يتم احتماله في المتنجس ببعض النجاسات كالميتة والخمر ولا يتطرق في جميع الاواني المتنجسة - كالمتنجس بالماء القذر حيث انه إذا جف لم يبق منه عين ولا اثر، ونظير الاخبار المتقدمة ما ورد من عدم البأس بجعل الخل في الدن المتنجس بالخمر إذا غسل (* 1) لان البأس المتصور في جعل الخل في الدن المتنجس على تقدير عدم غسله ليس إلا سراية النجاسة منه إلى ملاقيه، حيث ان الاكل في الدن غير معهود فلا يتوهم ان البأس من جهة حرمة الاكل فيه بدعوى ان الاكل في الاناء المتنجس مبغوض في نفسه وان لم يكن موثرا في نجاسه ما فيه من الطعام والشراب فالغسل مقدمة


(* 1) كما في موثقة عمار المروية في ب 51 من ابواب النجاسات و 30 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 229 ]

لحلية الاكل فيه، لوضوح ان ما في الدن انما يوكل بعد اخراجه عنه ووضعه في اناء آخر فالبأس فيه قبل غسله ليس إلا من جهة كونه منجسا لما اصابه. وتؤكد الاخبار المتقدمة الاخباره الامرة بغسل الفراش ونحوه المشتملة على بيان كيفيته (* 1) وذلك لان الفراش ونظائره لا يستعمل في شئ مما يعتبر فيه الطهارة من الاكل أو اللبس في الصلاة فلا وجه للامر بغسلهما الا الارشاد إلى انهما منجسان لما اصابهما. واوضح من الجميع الاخبار الناهية عن التوضوء والشرب من الماء القليل الذى لاقته يد قذرة وفي بعضها الامر باراقته ولاوجه لذلك الا انفعال الماء القليل بملاقاه اليد المتنجسة وسقوطه بذلك عن قابلية الانتفاع به فيما يشترط فيه الطهارة فان ادخاره لان يسقى به البستان ونحوه امر غير مألوف، وهي عدة روايات فيها الصحيح والموثق " فمنها " صحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر قال: سألت ابا الحسن " ع " عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة قال: يكفئ الاناء (* 2) أي يقلبه. والقذر بمعنى النجس يستعمل في قبال النظيف و " منها " موثقة سماعة عن أبي عبد الله " ع " قال: إذا اصاب الرجل جنابة فادخل يده في الاناء فلا باس إذا لم يكن أصاب يده شى من المنى (* 3) فان مفهومها انه يده إذا اصابها شئ من المنى ففى ادخالها الاناء باس وبهذا المفهوم صرح في موثقة الاخرى: قال سألته عن رجل يمس الطست أو الركرة ثم يدخل يده في الاناء قبل ان يفرغ على كفيه قال: يهريق من الماء ثلاث جفنات وان لم يفعل فلا بأس، وان كانت اصابته جنابة فادخل يده في الماء فلا باس به ان لم يكن اصاب يده شئ من المنى وان كان اصاب يده فادخل يده في الماء قبل ان يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله (* 4) و " منها ": ما


(* 1) راجع ب 5 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 8 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 230 ]

في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه " ع " قال: سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أيغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة؟ إلى ان قال " ع " إن كانت يده نظيفة فليأخذ كفأ من الماء بيد واحدة الحديث (* 1) ومنها غير ذلك من الاخبار حيث ان طلاقها يقتضى نجاسة الماء القليل الذي لاقته اليد المنجسة كانت فيها عين النجس ام لم تكن لانها قذرة ومتنجسة على كل حال. والانصاف ان دلالة هذه الاخبار على تنجيس المتنجس في غاية الظهور والوضوح. والعجب عن صاحب الكفاية وغيره ممن تأخر عنه ومنهم المرحوم الآغا رضا الاصفهاني " قدهم " حيث ذكروا أن تنجيس المتنجس مما لم يرد في شئ من الروايات. وكيف كان فهذه الاخبار باطلاقها يكفي في الحكم بتنجيس المتنجس كما عرفت إلا أن الكلام كله في أن تنجيس المتنجس هل يختص بالمتنجس بلا واسطة أعني ما تنجس بالعين النجسة من غير واسطة أو أنه يعمه والمتنجس بالمتنجس وهكذا ولو إلى ألف واسطة؟ حيث أن الاخبار المتقدمة - بحسب الغالب - واردة في المتنجس بلا واسطة كما في الاواني والفرش ونحوهما. وأما المتنجس بالمتنجس ومع الواسطة فلم يدل على تنجيسه شئ فيحتاج تعميم الحكم له إلى اقامة الدليل. فقد يقال بالتعميم ويستدل عليه بصحيحة البقباق قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل إلى أن قال فلم أترك شيئا إلا سألته عنه فقال: لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب: فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله وأصبب ذلك الماء وأغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء (* 2) بتقريب انها دلت على أن المناط في تنجيس الماء


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب الماء المضاف من الوسائل. (* 2) المروية في ب 1 من ابواب الاسئار من الوسائل.

[ 231 ]

وعدم جواز استعماله في الشرب أو الوضوء إنما هو ملاقاته النجس والنجس كما يشمل الاعيان النجسة كذلك يشمل المتنجسات، وحيث ان قوله عليه السلام رجس نجس بمنزلة كبرى كلية للصغرى المذكورة في كلامه - أعني ملاقاة الماء للنجس - وكالعلة للحكم بعدم جواز شربه أو التوضوء منه فلا محالة يتعدى من الكلب في الصحيحة إلى كل نجس أو متنجس، لان العلة تعمم الحكم كما انها قد يخصصه وكأنه قال: هذا ماء لاقى نجسا وكل ما لاقي النجس لا يتوضأ به ولايجوز شربه. وهذا يأتي فيما إذا لاقى الماء - مثلا - بالمتنجس فيقال أنه لاقى نجسا وكل مالاقى النجس لا يجوز شربه ولا التوضوء به وهكذا تتشكل صغرى وكبرى في جميع ملاقيات النجس والمتنجس سواء كان مع الواسطة أم بدونها ونتيجته الحكم بتنجيس المتنجس ولو بألف واسطة. ويؤيد ذلك برواية معاوية بن شريح قال: سأل عذافر أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن سئور السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال: نعم اشرب منه وتوضأ منه قال: قلت له: الكلب؟ قال: لا قلت: أليس هو سبع؟ قال: لا والله انه نجس، لا والله انه نجس (* 1) حيث ان ظاهرها ان العلة في الحكم بعدم جواز الشرب والتوضوء من سئور الكلب انما هي نجاسة ما باشره ولاقاه فيتعدى من الكلب إلى كل ما هو نجس أو متنجس هذا. ولا يخفى ان اطلاق النجس على المتنجس وان كان أمرا شايعا لانه أعم من الاعيان النجسة والمتنجسة ويصح أن يقال: ان ثوبي نجس، إلا أن كلمة الرجس لم يعهد استعمالها في شئ من المتنجسات. بل لا يكاد أن يصح فهل ترى صحة اطلاقها على مؤمن ورع إذا تنجس بدنه بشئ؟! وذلك لان الرجس بمعنى " پليد " وهو ما بلغ أعلى مراتب الخباثة القذارة فلا يصح اطلاقه على المتنجس بوجه،


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب الاسئار من الوسائل.

[ 232 ]

على انه لاقرينة في الصحيحة على ان قوله عليه السلام رجس نجس تعليل للحكم بعدم جواز التوضوء أو الشرب منه بل فيها قرينة على عدم ارادة التعليل منه وهي قوله عليه السلام واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء، فان لازم حمله على التعليل والتعدي عن مورد الصحيحة إلى غيره الحكم بوجوب التعفير في ملاقي جميع الاعيان النجسة والمتنجسة مع انه مختص بولوغ الكلب ولا يأتي في غيره من النجاسات فضلا عن المتنجسات. وأما الرواية فهي ضعيفة بمعاوية، على انها قاصرة الدلالة على المدعى لان قوله عليه السلام لا والله انه نجس. لم يرد تعليلا للحكم المتقدم عليه وإنما ورد دفعا لما توهمه السائل من أن الكلب من السباع التي حكم عليه السلام بطهارة سئورها، فقد دفعه بأن الكلب ليس من تلك السباع فهو في الحقيقة كالاخبار دون التعليل فهذا الاستدلال ساقط. والصحيح أن يستدل على تنجيس المتنجس - ولو مع الواسطة - بالاخبار الواردة في عدم جواز التوضوء بالماء القليل الذي أصابته يد قذرة وقد تقدمت الاشارة إليها آنفا ومن جملتها حسنة زرارة الواردة في الوضوءات البيانية حيث اشتملت على حكاية الامام عليه السلام عن وضوء النبي صلى الله عليه وآله وانه دعا بقعب فيه شئ من الماء وبعد ما حسر عن ذراعيه وغمس فيه كفه اليمنى قال: هكذا إذا كانت الكف طاهرة (* 1) فان مفهومها ان الكف إذا لم تكن طاهرة فلا يجوز التوضوء بادخالها في الماء القليل ولا وجه لمنعه إلا انفعال الماء القليل بملاقاة اليد المتنجسة ومقتضى اطلاقها انه لافرق في ذلك بين أن تكون الكف متنجسة بلا واسطة وبين ما إذا تنجست مع الواسطة، كما إذا تنجست يده بالمتنجس بلا واسطة ثم أدخلها في الماء القليل فان المتنجس بلا واسطة قد عرفت منجسيته فبملاقاته تكون الكف قذرة فإذا أدخلها في الاناء فيصح أن يقال ان الماء لاقته كف


(* 1) المروية في ب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 233 ]

غير طاهرة فتؤثر في انفعاله ولايجوز شربه ولا التوضوء به ثم ننقل الكلام إلى ما أصابه ذلك الماء المتنجس بواسطتين ونقول انه مما أصابه ما ليس بطاهر فينجس ولايجوز التوضوء به ولا شربه وهكذا. والمناقشة في دلالتها بأن منعه عليه السلام عن التوضوء من الماء في مفروض المسألة غير ظاهر الاستناد إلى تنجيس المتنجس وذلك لاحتمال استناده إلى عدم جوزا الغسل والتوضوء من الماء المستعمل في رفع الخبث - كما هو الحال في المستعمل في رفع الحدث الاكبر - مع الحكم بطهارته في نفسه فان الماء يصدق عليه عنوان المستعمل بمجرد ادخال اليد فيه، وقد دلت رواية ابن سنان على ان الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يتوضؤ منه واشباهه (* 1) ولما ذكرناه بنوا على عدم جواز التوضوء بماء الاستنجاء مع القول بطهارته فهذه الاخبار مجملة وغير قابلة للاستدلال بها على منجسية المتنجسات مطلقا - كما ناقشنا بذلك في بحث انفعال الماء القليل - مندفعة بوجوه: " الاول ": ان الظاهر المتفاهم من الصحيحة وغيرها ان منعهم عن التوضوء بذلك الماء مستند إلى منجسية اليد المتنجسة - ولو من جهة بنائهم على تنجيس المتنجس في الجملة - ولا يكاد يستفاد منها - حسب المتفاهم العرفي - ان المنع من جهة كون الماء من المستعمل في ازالة الخبث فاحتمال ذلك على خلاف ظواهر الاخبار " الثاني ": ان المتنجس الملاقي مع الماء من اليد ونحوها على ثلاثة أقسام: فان المتنجس قد يكون متحملا لشئ من الاجزاء النجسة من البول والدم ونحوهما. وقد يتنجس بعين النجس إلا أنه لا يتحمل شيئا من أجزائها لازالتها عنه بخرقة أو بشئ آخر. وثالثة يتنجس بالمتنجس كاليد المتنجسة بملاقاة الاناء المتنجس فان المتنجس بلا واسطة منجس كما مر. أما القسمان الاولان فلا نزاع في تنجيسهما


(* 1) المروية في ب 9 من ابواب الماء المستعمل والمضاف من الوسائل.

[ 234 ]

الماء القليل، لانهما من المتنجس بلا واسطة أو حامل للاجزاء النجسة، فالمنع عن التوضوء يستند إلى سراية النجاسة من النجس إلى الماء، وأما القسم الثالث فالمنع عن استعماله أيضا يستند إلى سراية النجاسة إليه إذا قلنا بمنجسية المتنجس ولو مع الواسطة ويستند إلى كونه من الماء المستعمل في ازالة الخبث إذا منعنا عن تنجيس المتنجس مع الواسطة، إلا أن حمل الرواية على خصوص قسم واحد من أقسام المتنجس الملاقي للماء خلاف الظاهر فلا يصار إليه، " الثالث ": ان المنع عن استعمال الماء القليل في مفروض الكلام لو كان مستندا إلى انه من الماء المستعمل في رفع الخبث لم يكن للامر باراقته في بعض الاخبار المانعة وجه صحيح لانه باق على طهارته ولامانع من استعماله في الشرب و تطهير البدن ونحوهما وان لم يصح منه الوضوء. فالانصاف ان دلالة الاخبار على منجسية المتنجس ولو مع الواسطة غير قابلة للمناقشة وما ناقشنا به في دلالتها على ذلك في بحث انفعال الماء القليل مما لا يمكن المساعدة عليه. إلا انا مع هذا كله بحاجة - في تتميم هذا المدعى - من التشبث بذيل الاجماع وعدم القول بالفصل، لان مورد الاخبار انما هو الماء وهو الذي لا يفرق فيه بين المتنجس بلا واسطة والمتنجس معها والتعدي عنه إلى الجوامد لايتم إلا بالاجماع وعدم القول بالفصل بين الماء وغيره، لانا نحتمل أن يكون تأثير المتنجس في الماء مطلقا من أجل لطافته وتأثره بما لا يتأثر به غيره، ومن هنا اهتم الشارع بحفظه ونظافته وورد أن من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه (* 1) أو أمر بالاجتناب عنه إذا لاقاه المتنجس ولو مع الواسطة وليس هذا إلا لاهتمام الشارع بنظافة الماء وتحفظه عليه ومع هذا الاحتمال لا مسوغ للتعدي عن الماء إلى غيره فلو تعدينا فنتعدى إلى بقية


(* 1) المروية في ب 11 من ابواب الماء المضاف من الوسائل.

[ 235 ]

المايعات لان حكمها حكم الماء. وأما الجوامد فلا. على ان السراية المعتبرة في نجاسة الملاقي أمر ارتكازي ولا اشكال في عدم تحققها عند تعدد الواسطة وكثرتها - مثلا - إذا لاقى شئ نجسا رطبا فلا محالة تسرى نجاسته إلى ملاقيه بالارتكاز وإذا لاقى ذلك المتنجس شيئا ثالثا فهب انا التزمنا بتحقق السراية منه إلى الثالث أيضا بالارتكاز إلا أن الثالث إذا لاقى شيئا رابعا وهكذا إلى التاسع والعاشر فتنقطع السراية بالارتكاز، ومن هنا لا يسعنا التعدي من الماء إلى الجوامد بوجه. ولولا مخافة الاجماع المدعى والشهرة المتحققة على تنجيس المتنجس مطلقا لاقتصرنا في الحكم بتنجيس المتنجس على خصوص الماء أو المايعات ولذا استشكلنا في تعاليقنا على المتن في تنجيس المتنجس على اطلاقه لما عرفت من عدم دلالة الدليل على منجسية المتنجس - في غير الماء والمايعات - مع الواسطة ومعه فالحكم بمنجسيته على اطلاقه مبني على الاحتياط. " بقي الكلام " في أدلة القول بعدم منجسية المتنجس على اطلاقه. وقد استدل عليه بامور: " منها ": ان الحكم بمنجسية المتتجسات والامر بالاجتناب عن ملاقياتها لغو لا يصدر عن الحكيم فانه حكم غير قابل لامتثال وتقريب ذلك كما في كلام المحقق الهمداني " قده " بزيادة منا ان القول بتنجيس المتنجس مطلقا يستلزم العلم القطعي بنجاسة جميع الدور والبقاع بل وجميع أهل البلد والبلاد ونجاسة ما في أيد المسلمين وأسواقهم، وذلك فان النجاسة مسرية ولا يمكن قياسها بالطهارة لان الطاهر إذا لاقى جسما أخر لا تسري طهارته إليه ولو مع الرطوبة المسرية. وهذا بخلاف النجاسة فانها موجبة لسراية النجس من أحد المتلاقيين إلى الآخر، وعليه فإذا فرضنا ان آنية أو أواني متعددة قد وضعت في مكان يساورها أشخاص مختلفة فيباشرها الصغير والكبير والرجال والنساء والمبالين لامور دينهم وغير المبالين - كما في الحبات الموضوعة في

[ 236 ]

الصحن الشريف سابقا - فنقطع بالضرورة بنجاسة تلك الآنية أو الاواني للقطع بملاقاتها مع التنجس من يد أو شفة ونحوهما كما هو المشاهد المحسوس في أوقات الكثرة والازدحام - كأيام الزيارات ونحوها - فان من لاحظ كيفية حركات النساء والصبيان وسكناتهم وعدم اجتنابهم عن النجاسات فضلا عن المتنجسات لم يحتج في الاذعان بذلك إلى أزيد مما سردناه فإذا جزمنا في أوقات الازدحام بنجاسة الآنية أو الاواني المتعددة لعلمنا بنجاسة جميع من باشره إذ يتنجس بذلك بدنه وثيابه فإذا مضى على ذلك زمن غير طويل لاوجب تنجس داره وبما انه يخالط الناس ويساورهم فتسري النجاسة إلى جميع البلاد بمرور الدهور والايام كما لا يخفى وجهه على من ابتلى بنجاسة في واقعة وغفل عن تطهيرها إلا بعد أن خالط الناس. وكذلك الحال في أدوات البنائين وآلاتهم حيث لا يزالون يستعملونها في جميع البقاع والامكنة مع القطع بنجاسة بعضها بالبول أو باصابة متنجس - كالكنيف - لوضوح ان الدور والبقاع لا يطرء عليها مطهر، كما أن عادتهم لم تجر على غسل أدواتهم وتطهيرها بعد استعمالها في الكنيف فبذلك تتنجس جميع أبنية البلاد. وكذلك الحال في المقاهي والمطاعم حيث يدخلهما كل وارد وخارج وهو يوجب القطع بنجاسة الاواني المستعملة فيهما للقطع بأن بعض الواردين عليهما نجس أو في حكمه، كما في اليهود والنصارى وفسقة المسلمين وغير المبالين منهم بالنجاسة حيث يدخلونهما ويشربون فيها الماء والشاي مع نجاسة أيديهم أو شفاههم وهذا يوجب القطع بسراية النجاسة إلى جميع البلاد، والانصاف ان ما أفاده من استلزام القول بمنجسية المتنجس على وجه الاطلاق القطع بنجاسة أكثر الاشياء والاشخاص بل الجميع متين غايته، ولاسيما في أمثال بغداد وطهران ونحوهما من بلاد الاسلام المحتوية على المسلم والكافر باقسامهما إذ الاماكن الاجتماعية في أمثالهما كالمقاهي لا تنفك

[ 237 ]

عن القطع باصابة نجس أو متنجس لها، فلو كان المتنجس منجسا لاستلزم ذلك القطع بنجاسة جميع ما في العالم، والامر بالاجتناب عن الجميع أمر غير قابل للامتثال فبه يصبح الحكم بمنجسية المتنجس والامر بالاجتناب عنه لغوا ظاهرا. ودعوى عدم حصول القطع بملاقاة النجس أو المتنجس في أمثال الاواني الموضوعة في الاماكن العامة عهدتها على مدعيها. بل ذكر المحقق الهمداني " قده " في طي كلامه: ان من زعم ان هذه الاسباب غير مؤثرة في حصول القطع لكل أحد بابتلائه في طول عمره بنجاسة موجبة لتنجس ما في بيته من الاثاث مع اذعانه بان اجماع العلماء على حكم يوجب القطع بمقالة المعصوم عليه السلام لكونه سببا عاديا لذلك فلا أراه إلا مقلدا محضا لا يقوى على استنتاج المطالب من المبادئ المحسوسة فضلا عن أن يكون من أهل الاستدلال. فانكار حصول العلم بالنجاسة خلاف الوجدان. والجواب عن ذلك ان هذه المناقشة إنما ترد فيما إذا قلنا بتنجيس المتنجس على وجه الاطلاق. وأما إذا اكتفينا بمنجسية المتنجس بلا واسطة - في كل من الجوامد والمايعات - دون المتنجس مع واسطة أو واسطتين أو أكثر. أو قلنا بتنجيس المتنجس من غير واسطة والمتنجس معها في خصوص المايعات دون غيرها من الجوامد فأين يلزم العلم بنجاسة جميع مافى العالم من الاشخاص والابنية والاثاث لانقطاع الحكم بالمنجسية في المتنجس مع الواسطة وقد أشرنا انا لانلتزم بمنجسية المتنجس في غير الواسطة الاولى في الجوامد بوجه إلا انا لانحكم بعدم منجسيته مخافة الاجماع المدعى على تنجيس المتنجس مطلقا والوقوع في خلاف الشهرة المتحققة في المسألة. ومما ذكرناه في الجواب عن ذلك ظهر الجواب عن الامر الثاني من استدلالهم وهو دعوى استقرار سيرة المتشرعة على عدم الاجتناب عن مثل الاواني الموضوعة في أماكن الاجتماع أو عن الدور والابنية والبقاع

[ 238 ]

أو عن الاواني المستعملة في المقاهي وأمثالها، حيث يعاملون معها معاملة الاشياء الطاهرة بحيث لو تعدى أحد عن الطريقة المتعارفة عندهم - بأن اجتنب عن مثل هذه الامور معللا بأن من عمر الابنية - مثلا - استعمل في عمارتها الآلات التي لا زال يستعملها في عمارة الاماكن المتنجسة من غير أن يطهرها أو اجتنب عن مساورة شخص معتذرا بأنه يساور أشخاصا لا يزالون يدخلون المقاهي والمطاعم ويساورون الكفار - يطعنه جميع المتشرعة بالوسواس. و " دعوى " أن عدم اجتنابهم عن الاشياء المتقدم ذكرها إنما هو مسبب عن العسر والحرج في الاجتناب عنها وغير ناش ء عن طهارتها " مندفعة ": بأن المراد بالعسر والحرج ان كان هو الشخصي منهما ففيه: انه قد لا يكون الاجتناب عن تلك الامور عسرا في حق بعضهم لعدم كونها موردا لابتلائه - كما إذا كان مثريا متمكنا من تحصيل لوازم الاعاشة من الخبز والجبن واللبن في بيته - فلا يكون الاجتناب عنها حرجيا في حقه ولازمه الحكم بنجاستها بالاضافة إليه مع أن سيرتهم لم تجر على الحكم بنجاستها ولو بالاضافة إلى شخص دون شخص. وان أريد منهما العسر والحرج النوعيان بدعوى: ان الاجتناب عن الاشياء المذكورة وأمثالها لما كان موجبا للعسر والحرج على أغلب الناس وأكثرهم فقد أوجب ذلك الحكم بارتفاع النجاسة ووجوب الاجتناب عن الجميع وان لم يكن حرجيا في حق بعض. ففيه ان ذلك كر على ما فر منه لانه عين الالتزام بعدم تنجيس المتنجسات، إذ الماء - مثلا - إذا جاز شربه وصح استعماله في الغسل والوضوء وغيرهما مما يشترط فيه الطهارة وكذا غير الماء من المتنجسات فما ثمرة الحكم بنجاسته؟ وقد ظهر الجواب عن ذلك بما سردناه في الجواب عن الوجه السابق وذلك لان سيرة المتشرعة انما يتم في الاستدلال بها إذا كان المدعى منجسية المتنجس مع الواسطة

[ 239 ]

وبدونها. وأما إذا اقتصرنا على خصوص المتنجس بلا واسطة على التفصيل المتقدم تقريبه فلا موقع للاستدلال بها بوجه، لان قيام السيرة على عدم الاجتناب في ملاقي المتنجس بلا واسطة مقطوع العدم، وانما المتيقن قيامها على عدم الاجتناب عن ملاقي المتنجس مع الواسطة. " الوجه الثالث ". الاخبار وقد استدلوا بجملة منها على عدم منجسية المتنجس ولنتعرض إلى أهمها " فمنها ": موثقة حنان بن سدير قال: سمعت رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام فقال: إني ربما بلت فلا أقدر على الماء ويشتد ذلك علي. فقال: إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك. فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك (* 1) بتقريب ان المتنجس لو كان منجسا لما أصابه كان مسح موضع البول المتنجس به بالريق ونحوه موجبا لاتساع النجاسة وزيادتها لا موجبا لطهارته فمنه يظهر ان المتنجس غير منجس لما أصابه و " فيه ": ان تقريب الاستدلال بالموثقة إنما هو باحد وجهين " أحدهما ": ان يكون وجه الاشتداد على السائل خروج البلل منه بعد بوله ونمسحه وقبل استبرائه فانه يحتمل أن يكون بولا حينئذ وهو يوجب تنجس ثوبه بل بدنه وانتقاض طهارته لانه من البلل الخارج قبل الاستبراء وبه يقع في الشدة لا محالة فعلمه عليه السلام طريقا يتردد بسببه في أن الرطوبة من البلل أو من غيره وهو أن يمسح موضع البول من ذكره بريقه حتى إذا وجد رطوبة يقول انها من ريقه لامن البلل الخارج منه بعد بوله فعلى هذا تدل الموثقة على عدم تنجيس المتنجس أعني موضع البول المتنجس به ولكن يبعد ذلك أمران: " أحدهما ": أنه عليه السلام إنما أمره بان يمسح ذكره بريقه ولم يأمره بمسح موضع البول من ذكره فلا وجه لتقييده بموضع البول أبدا و " ثانيهما ": ان المتنجس إذا لم يكن منجسا فلماذا لم يعلم السائل


(* 1) المروية في ب 13 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 240 ]

طريقة الاستبراء التي توصله إلى القطع بعدم كون الرطوبة بولا منجسا وناقضا لطهارته لانه إذا بال واستبرأ فلا محالة يحكم بطهارة البلل الخارج منه بعد ذلك لان البلل بعد الاستبراء محكوم بطهارته في نفسه ولا ينجسه ملاقاة موضع البول المتنجس به لعدم تنجيس المتنجس على الفرض ومعه لم تكن حاجة إلى تعليم طريقة لا تفيده القطع بطهارته. هذا على أن الاشتداد لو كان مستندا إلى خروج البلل بعد بوله لم يفرق الحال في الاشتداد بين قدرته على الماء وعدمها، لان البلل قبل الاستبراء محتمل البولية وناقض للطهارة وسواء تمكن من الماء وغسل موضع البول به أم لا، وانما يحكم بطهارته فيما إذا خرج بعد الاستبراء ومعه ما معنى قوله فلا أقدر على الماء و " ثانيهما " أن يكون الاشتداد عليه مستندا إلى خروج البلل بعد بوله واستبرائه - كما قد يتفق - فانه أيضا يوجب الضيق والاشتداد لان البلل متنجس بملاقاة موضع البول حينئذ لعدم طهارته فانه مسحه ولم يغسله والامام عليه السلام أراد أن يعلمه طريق التخلص عن ذلك فأمره بان يمسح ذكره بريقه حتى يتردد فيما يجده من الرطوبة في انها من البلل الخارج عن موضوع البول ليكون متنجسا به أو انها من ريق فمه ولم يخرج عن موضع البول كي يحكم بطهارته ومع الشك في نجاسته يحكم بطهارته بقاعدة الطهارة. وعليه فالموثقة تقتضي منجسية المتنجس وتدل على ان الرطوبة لو كانت من البلل الخارج عن موضع البول حكم بنجاستها لملاقاتها المتنجس وهو موضع البول وانما لا يحكم بنجاستها فيما إذا مسح ذكره بريقه حتى يتردد في أن الرطوبة من ريقه أو مما خرج عن المحل المتنجس فلا دلالة لها على عدم تنجيس المتنجس بوجه وهذا الاحتمال هو الذي يقتضيه ظاهر الموثقة وعلى تقدير التنزل وعدم كونها ظاهرة في ذلك فلا أقل من احتماله ومعه تصبح مجملة وتسقط عن الاعتبار و " منها ": صحيحة حكم بن حكيم

[ 241 ]

ابن أخي خلاد أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام فقال له: أبول فلا أصيب الماء وقد أصاب يدي شئ من البول فامسحه بالحائط والتراب ثم تعرق يدي فامسح " فامس " به وجهي، أو بعض جسدي، أو يصيب ثوبي قال: لا بأس به (* 1) لانها نفت البأس عن مسح الوجه أو بعض جسده أو أصابة ثوبه باليد المتنجسة الرطبة وهو معنى عدم تنجيس المتنجس. وفيه ان السائل لم يفرض في كلامه ان مسح وجهه أو بعض جسده كان بالموضع المتنجس من يده، لان المتنجس انما هو موضع معين أو غير معين منها ولم تجر العادة على مسح الوجه أو غيره بجميع أجزاء اليد كما أن العرق لا يحيط بتمامها عادة وانما تتعرق الناحية التي أصابها شئ من البول - مثلا - فان كانت تلك الناحية معينة في يده وعلمنا أنها قد لاقت وجهه أو بعض جسده وشككنا في أن الملاقي هل كان هو الموضع المتنجس منها أو غيره من المواضع الطاهرة فالاصل ان الموضع المتنجس لم يلاق الوجه أو بعض جسده. وأما إذا كانت الناحية التي أصابها شئ من البول غير معينة فتكون اليد من الشبهة المحصورة لعلم بنجاسة بعض مواضعها وقد بينا في محله ان ملاقي أحد أطراف الشبهة محكوم بالطهارة و " منها ": رواية سماعة قال: قلت لابي الحسن موسى عليه السلام إني أبول ثم أتمسح بالاحجار فيجئ مني البلل ما يفسد سراويلي قال: ليس به بأس (* 2) لان نفيها البأس عن البلل مع العلم بملاقاته الموضع المتنجس بالبول لا يستقيم إلا على القول بعدم تنجيس المتنجس هذا ولا يخفى ان الرواية لابد من تقييدها بما إذا كان البلل قد خرج بعد استبرائه وذلك لما دل على نجاسة البلل إذا خرج قبله فلابد من تقييدها بذلك بل عن النسخة المطبوعة من التهذيب انها مقيدة


(* 1) المروية في ب 6 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) راجع ب 13 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 242 ]

بالاستبراء في نفسها فكأنه قال فيجيئ مني البلل (بعد استبرائي) ما يفسد سراويلي (* 1) هذا ثم ان الرواية غير صالحة للاعتماد عليها في مقام الاستدلال وذلك أما " أولا ": فلان في سندها الحكم بن مسكين وهو ممن لم ينص الاصحاب على مدحه ووثاقته، نعم ذهب الشهيد " قده " إلى اعتبار رواياته حيث عمل بها معللا بأنه لم يرد طعن في حقه واعترضه الشهيد الثاني " قده " بأن مجرد عدم الجرح لا يكفي في الاعتماد على رواية الرجل بل يعتبر توثيقه ومدحه وهو كمالم يرد طعن في حقه كذلك لم يرد مدحه وتوثيقه ومن هنا ذهب السبزواري وصاحب المدارك " قدهما " إلى تضعيفه. وكذلك الحال في الهيثم ابن أبي مسروق النهدي وهو الذي روى عنه الحكم حيث لم تثبت وثاقته ولم يرد في حقه غير أنه فاضل وانه قريب الامر فليراجع. وأما " ثانيا ": فلانها قاصرة عن اثبات المدعى لانه لم يظهر من الرواية ان نفيه عليه السلام البأس ناظر إلى عدم تنجيس المتنجس وان محل البول المتنجس به لا يتنجس به البلل الخارج منه لتكون الرواية مثبتة للمدعى لاحتمال أنها ناظرة إلى طهارة محل البول بالتمسح بشئ كما هو كذلك في موضع الغائط فكأنه عليه السلام سئل عن أن محل البول يطهر بالتمسح حتى لا يتنجس به البلل الخارج منه أو لا يطهر بغير الغسل فالبلل الخارج منه متنجس به لا محالة فأجاب عنه بقوله ليس به بأس ومعناه ان المحل يطهر بالتمسح ولا يتنجس البلل الخارج منه بسببه ومعه تحمل الرواية على التقية لموافقتها لمذهب العامة (* 2) كما هو الحال في غيرها من الاخبار الواردة بهذا المضمون. بل ان هذا الاحتمال هو الظاهر البادي للنظر من الرواية وعلى تقدير التنزل فهي مجملة لاحتمالها لكلا الامرين المتقدمين


(* 1) راجع التهذيب ج 1 ص 51 من الطبع الحديث. (* 2) قدمنا اقوالهم في ذلك في ج 1 ص 40 - 41.

[ 243 ]

ومعه لا يمكن الاعتماد عليها في شئ. وأما ما ربما يحتمل من حمل الرواية على صورة خروج البلل من غير أن يصيب مخرج البول المتنجس به كما إذا خرج مستقيما وأصاب السراويل أو غيره فهو بعيد غايته لانه يصيب المخرج عادة ولاسيما إذا خرج بالفتور و " منها ": صحيحة العيص قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر وقد عرق ذكره وفخذاه قال: يغسل ذكره وفخذيه وسألته عمن مسح ذكره بيده ثم عرقت يده فأصابه ثوبه؟ قال: لا (* 1) حيث نفت لزوم غسل ثوبه مع ملاقاته اليد المتنجسة بمسع ذكره ويدفعه " أولا ": ان الرواية لم يفرض في ذيلها مسح موضع البول من الذكر بيده حتى تتنجس به يده ولعله مسح غير ذلك المحل إلا أنه توهم أن مسح الذكر يوجب نجاسة اليد كما انه ينقض الوضوء عند أكثر المخالفين (* 2) و " ثانيا ": انه لو سلمنا ان ذيل الصحيحة مطلق لعدم استفصاله بين مسح موضع البول ومسح غيره من مواضع الذكر وترك الاستفصال دليل العموم وان مقتضى إطلاقه عدم تنجيس المتنجس فلا مناص من تقييد اطلاقها بما دل على منجسية المتنجس ومنه صدر الصحيحة، حيث دلت على وجوب غسل ذكره وفخذيه عند عرقها، لوضوح انه لاوجه له إلا تنجسها بالعرق المتنجس بموضع البول من ذكره فصدرها وغيره مما دل على منجسية المتنجس قرينة


(* 1) روى صدرها في ب 31 من ابواب احكام الخلوة و 26 من ابواب النجاسات وذيلها في ب 6 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) ففي المغني ج 1 ص 178 ان في مس الذكر روايتان عن احمد: احداهما: ينقض الوضوء. وهو مذهب ابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وابان بن عثمان وعروة وسليمان بن يسار والزهري والاوزاعي والشافعي وهو المشهور عن مالك وروي أيضا عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وابن سيرين وأبي العالية. والرواية ثانية: لا وضوء فيه. روى ذلك عن علي وعمار وابن مسعود وحذيفة وعمران بن حصين وأبي الدرداء وبه قال ربيعة والثوري وابن المنذر واصحاب الرائي.

[ 244 ]

على حمل اطلاق الذيل على التمسح بغير موضع البول من ذكره. واما احتمال ان العرق لعله كان موجودا - حال بوله - في ذكره فقد أصابه البول ونجسه ثم أصاب ذلك العرق المتنجس فخذه وذكره أو غيرهما وان الصحيحة خارجة حينئذ عما نحن بصدده لما تقدم من أن المايعات المتنجسة مما لاكلام في تنجيسها لملاقياتها وانما الكلام في المتنجسات التي زالت عنها عين النجس وجفت ثم أصابها شئ رطب فهو من البعد بمكان، حيث ان عرق الذكر بحيث ان يصيبه البول عند خروجه أمر غير معهود، وعلى تقدير تحققه فلا ريب في ندرته ولا مساغ معه لحمل الصحيحة عليه. و " ثالثا ": ان الصحيحة لو سلمنا ان ظاهرها مسح خصوص موضع البول من ذكره بقرينة مقابله أعني قوله: فمسح ذكره بحجر. لانه بمعنى مسح خصوص موضع البول بالحجر لما امكننا الاعتماد عليها فيما نحن فيه إذ لادلالة لها على ان ما أصاب ثوبه انما هو خصوص الموضع المتنجس من يده لاحتمال ان يكون ما أصابه هو الموضع غير المتنجس منها لاطلاق الرواية وعدم تقييدها بشئ وعليه فان كان الموضع المتنجس من يده معينا فيشك في أنه هل أصاب ثوبه أم لم يصبه، فالاصل عدم إصابته. وإذا كان الموضع المتنجس غير معين فيكون الثوب من ملاقي أحد أطراف الشبهة وملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة محكوم بالطهارة على ما حققناه في محله. وبعبارة أخرى ان الرواية - كما عرفتها - مشتبهة الوجه والمراد، حيث لم تقم قرينة على أن الوجه في نفيها الغسل بقوله: لا. هو عدم تنجيس المتنجس أو أن وجهه ان الثوب لاقى أحد أطراف الشبهة المحصورة وهو محكوم بالطهارة كما مر. وكيف كان فهذه الرواية غير قابلة للاعتماد عليها. و " منها ": رواية حفص الاعور (* 1) حيث دلت على أن


(* 1) المروية في ب 51 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 245 ]

الدن المتنجس بالخمر إذا جف فلا بأس بجعل الخل فيه. ويدفعها أن تجفيف الدن من الخمر ثم جعل الخل فيه إنما وقع في كلام السائل حيث لم يرد في كلامه عليه السلام غير قوله: نعم وهو كما يحتمل ان يراد به جعل الخل في دن الخمر بعد تجفيفه من دون غسله - وهو معنى الاستدلال بها على عدم تنجيس المتنجس - كذلك يحتمل أن يراد به جعل الخل فيه بعد غسله فدلالتها انما هو بالاطلاق ولكن لا مناص من تقييدها بما بعد الغسل لموثقة عمار المتقدمة (* 1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خل أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس.. حيث وردت في تلك المسألة بعينها ودلت على عدم البأس بجعل الخل في الدن المتنجس بالخمر مقيدا بما إذا كان بعد غسله. هذا ثم أن الرواية على تقدير صراحتها في ارادة كفاية الجفاف من دون غسل أيضا لا يمكننا الاعتماد عليها في المقام وذلك لاجمالها حيث انها وان احتمل أن يكون الوجه في قوله عليه السلام. فيها نعم هو عدم منجسية المتنجس إلا أن من المحتمل أن تكون ناظرة إلى طهارة الخمر كغيرها من الاخبار الواردة في طهارتها وعليه فقوله نعم مستند إلى عدم نجاسة الدن في نفسه لطهارة ما أصابه من الخمر وان حرم شربها لانها إذا جفت حينئذ ولم يبق فيه شئ من أجزائها فلا مانع من أن يجعل فيه الخل أو شئ آخر من المايعات. ويقرب هذا الاحتمال ان لراوي هذا الحديث رواية أخرى أيضا تقتضي طهارة الخمر في نفسها. قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إني آخذ الركوة فيقال انه إذا جعل فيها الخمر وغسلت ثم جعل فيها البختج كان أطيب له فنأخذ الركوة فنجعل فيها الخمر فنخضخضه ثم نصبه فنجعل


(* 1) في ص 228

[ 246 ]

فيها البختج قال: لا بأس به (* 1) و " منها ": ما رواه علي بن مهزيار قال: كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره انه بال في ظلمة الليل، وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك انه أصابه ولم يره وانه مسحه بخرقة ثم نسى أن يغسله وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى فاجابه بجواز قرأته بخطه: أما ما توهمت مما أصاب يدك فليس بشئ إلا ما تحقق فان حققت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلاة اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها وما فات وقتها فلا اعادة عليك لها من قبل أن الرجل إذا كا ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت، وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه اعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته، لان الثوب خلاف الجسد فاعمل على ذلك انشاء الله (* 2) حيث انها تكفلت ببيان أمرين: أحدهما: صغرى أن الرجل قد تنجست يده بالبول وانه لم يغسلها وانما مسحها بخرقة ثم تمسح بالدهن ومسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وصلى. وثانيهما: كبرى ان من صلى في النجس - من ثوب أو بدن - والتفت إلى ذلك بعد الصلاة فانما يجب عليه أعادتها في الوقت ولا يجب قضائها خارج الوقت. نعم لو صلى محدثا ثم التفت إلى حدثه بعد الصلاة تجب عليه أعادتها في الوقت كما يجب قضائها خارج الوقت سواء أكان حدثا بالاصغر أم كان محدثا بالاكبر. وقد علم من تطبيق الكبرى المذكورة على موردها وصغراها ان المتنجس غير منجس فانه لولا ذلك لتعين الحكم ببطلان الوضوء لانفعال الماء المستعمل فيه بملاقاة يده المتنجسة ومعه تجب اعادة الصلاة - التي صلاها بذلك الوضوء - في وقتها كما يجب قضائها خارج الوقت مع انه عليه السلام لم


(* 1) المروية في 30 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 42 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 247 ]

يحكم ببطلان الوضوء بل عد الرجل ممن صلى بوضوء. واوجب عليه الاعادة في وقتها لانكشاف أن صلاته وقعت مع النجس في وقتها. فصريح تطبيقه هذا أن المتنجس غير منجس لما أصابه و " توهم " ان الوضوء في مورد الصحيحة غير صحيح مطلقا قلنا بمنجسية المتنجس أم قلنا بعدمه فان طهارة المحل معتبرة في صحة الوضوء، وحيث ان يده متنجسة - في مفروض الرواية - بملاقاتها البول وعدم غسلها فلا مناص من الحكم ببطلان وضوئه وصلاته التي صلاها بهذا الوضوء " مندفع ": بان اشتراط طهارة الاعضاء في الوضوء مما لم يرد في أي دليل غير انهم اعتبروها شرطا في صحته نظرا إلى أن المتنجس كالنجس منجس عندهم فان نجاسة المحل حينئذ تقتضي سراية النجاسة إلى الماء وطهارة الماء شرط في صحة الوضوء فإذا أنكرنا منجسية المتنجس فلا يبقى موقع لاشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء لان الماء - على ذلك - لا ينفعل بملاقاة العضو المتنجس ومع طهارة الماء لا مناص من الحكم بصحة الوضوء. نعم يبقى المحل على نجاسته، وحيث انه صلى مع نجاسة بدنه فقد وجبت عليه اعادة صلاته في الوقت ولا يجب عليه قضائها خارج الوقت لتمامية وضوئه على الفرض فالانصاف ان الصحيحة ظاهرة الدلالة على المدعى. ويؤكد ذلك - أعني عدم تنجيس المتنجس - تقييد الامام عليه السلام الحكم بالاعادة بالصلوات اللواتي صلاها بذلك الوضوء بعينه والوجه في ذلك ان بهذا القيد قد خرجت الصلاة الواقعة بغير ذلك الوضوء كما إذا توضأ ثانيا أو ثالثا وصلى به فلا تجب اعادتها ولاقضائها، ولا يتم هذا إلا على القول بعدم تنجيس المتنجس، لان يده المتنجسة لو كانت منجسة لما أصابها لاوجبت تنجس الماء وجميع أعضاء الوضوء ولا بدمعه من الحكم ببطلان صلواته مطلقا سواء أكان صلاها بذلك الوضوء أم بغيره لان أعضاء وضوئه المتنجسة بسبب ذلك الوضوء باقية على نجاستها

[ 248 ]

ولم يقع عليها أي مطهر إلا أن المتنجس لما لم يكن منجسا ولم تستلزم نجاسة يده تنجس الماء ولا أعضاء وضوئه لم يحكم ببطلان صلواته اللواتي صلاها بالوضوء الثاني أو الثالث وهكذا وذلك لطهارة بدنه وأعضاء وضوئه عند التوضوء الثاني أو الثالث وهكذا أما غير يده المتنجسة بالبول فلعدم سراية النجاسة من يده إليه. وأما يده المتنجسة فللقطع بطهارتها لانه غسلها مرتين حيث توضأ مرتين أو أكثر وهذا بخلاف الصلوات اللواتي صلاها بذلك الوضوء بعينه لان النجاسة البولية لا ترتفع بغسل يده مرة واحدة فإذا صلى مع نجاسة بدنه فلا محالة يحكم بوجوب اعادتها في الوقت فالصحيحة غير قابلة للمناقشة في دلالتها. والصحيح في الجواب أن يقال ان الرواية مضمرة ولا اعتبار بالمضمرات إلا إذا ظهر من حال السائل انه ممن لا يسأل غير الامام كما في زرارة ومحمد بن مسلم وهكذا علي بن مهزيار وأضرابهم. والكتاب فيما نحن فيه - وهو سليمان بن رشيد - لم يثبت أنه ممن لا يسأل غير الامام عليه السلام حيث لا نعرفه ولا ندري من هو فلعله من أكابر أهل السنة وقد سأل المسألة عن أحد المفتين في مذهبه أو عن أحد فقائهم. وغاية ما هناك ان علي بن مهزيار ظن - بطريق معتبر عنده - انه سأل الامام عليه السلام أو اطمئن به إلا ان ظنه أو اطمئنانه غير مفيد بالاضافة إلى غيره كما لعله ظاهر. و " منها ": الاخبار الواردة في طهارة القطرات المنتضحة من الارض في الاناء وهي طوائف من الاخبار " فمنها ": ما ورد في غسل الجنب من انه يغتسل فينتضح من الارض في الاناء قال: لا بأس (* 1) حيث دلت على ان الارض - ولو كانت متنجسة - غير موجبة لتنجس القطرات المنتضحة منها في الاناء هذا. ويمكن أن يقال ان الاخبار الواردة بهذا المضمون غير ناظرة إلى عدم تنجيس المتنجس وإنما


(* 1) راجع ب 9 من ابواب الماء المضاف من لوسائل.

[ 249 ]

سيقت لبان أن القطرات المنتضحة من غسالة الجنابة في الاناء غير مانعة عن صحة الاغتسال بالماء الموجود فيه وان حكمها ليس هو حكم الغسالة في كونها مانعة عن صحته و " منها ": ما ورد في القطرات المنتضحة من الكنيف أو المكان الذي يبال فيه عند الاغتسال أو غيره قال: لا بأس به. حيث دلت باطلاقها على طهارة القطرات المنتضحة من الكنيف وان علمنا بنجاسة الموضع المنتضح منه الماء لعدم استفصالها بين العلم بنجاسة الموضع وبين العلم بطهارته أو الشك فيها وترك الاستفصال دليل العموم. وهذه الاخبار على طائفتين فان منها ما يقتضي طهارة القطرات المنتضحة مطلقا بلا فرق في ذلك بين صورتي جفاف الارض ورطوبتها (* 1) ومنها ما دل على طهارتها مقدة بما إذا كانت الارض جافة وهذا كما رواه علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الكيف يصب فيه الماء فينضح على الثياب ما حاله؟ قال: إذا كان جافا فلا بأس (* 2) و ظاهرها أن للجفاف مدخلية في الحكم بطهارة القطرات المنتضحة من الكنيف كما أن للرطوبة خصوصية في الحكم بنجاستها وبها يقيد اطلاق الطائفة المتقدمة فيختص الحكم بطهارة الماء المنتضح بما إذا كانت الارض جافة و " دعوى ": ان التقييد بالجفاف إنما هو من جهة ملازمته للشك في نجاسة المكان وطهارته، كما أن رطوبة الكنيف تلازم العلم بنجاسته " مندفعة ": بان الجفاف غير مستلزم للشك في نجاسة الكنيف كما ان الرطوبة غير مستلزمة للعلم بنجاسته إذ الجفاف قد يقترن بالشك في نجاسته وقد يقترن بالعلم بها وكذلك الرطوبة تارة تقترن العلم بالنجاسة أخرى تجتمع مع الشك فيها وكيف كان فالمتسفاد من هذه الطائفة بعد تقييد مطلقها بمقيدها عدم


(* 1) راجع ب 9 من أبواب الماء المضاف من الوسائل. (* 2) المروية في ب 60 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 250 ]

تنجيس المتنجس الجاف للماء الوارد عليه هذا. ولا يخفى انها وان دلت على طهارة القطرات المنتضحة من الارض النجسة حال جفافها إلا أنه لابد من الاقتصار فيها على موردها وهو الماء القليل الذي أصابه النجس من غير أن يستقر معه ولا يمكننا التعدي عنه إلى غيره فان الالتزام بعدم انفعال الماء القليل حينئذ أولى من الحكم بعدم تنجيس المتنجس على وجه الاطلاق فان الحكم بعدم انفعال الماء القليل في مورد الرواية لا يستلزم سوى ارتكاب تقييد المطلقات الواردة في انفعال الماء القليل بملاقاة النجس فيستثنى منها ما إذا لم يستقر القليل مع النجس ولا محذور في التقييد أبدا. وهذا بخلاف الالتزام بعدم تنجيس المتنجسات لانه مخالف للادلة الواردة في منجسية المتنجس كالنجس هذا بل يمكن أن يقال: إن الحكم بعدم انفعال الماء في مفروض الكلام مما لا يستلزمه أي محذور حتى تقييد المطلقات وذلك لان ما دل على انفعال الماء القليل بملاقاة النجس أمران: " أحدهما ": مفهوم ما ورد من أن الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شئ (* 1) و " ثانيهما ": الاخبار الواردة في موارد خاصة كالماء الذي وقعت فيه فأرة ميتة أو الاناء الذي قطرت فيه قطرة من الدم (* 2) وغير ذلك من الموارد المتقدمة في تضاعيف الكتاب ولا اطلاق في شئ منهما يقتضي انفعال الماء القليل بمجرد ملاقاة النجس وان لم يستقر معه: أما مفهوم قوله: الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شئ فلما حققناه في محله من أنه لااطلاق في مفهوم ذلك ولا دلالة له على أن الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه كل شئ وانما يقتضي بمفهومه انه إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه شئ ما وليكن ذلك هو الاعيان النجسة بل المتنجسات أيضا ولو كان الماء واردا - على خلاف


(* 1) وهو مضمون جملة من الاخبار المروية في ب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) رجع ب 4 و 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 251 ]

[ لكن لا يجرى عليه جميع احكام النجس (1) فإذا تنجس الاناء بالولوغ يجب تعفيره، لكن إذا تنجس إناء آخر بملاقاة هذا الاناء، أو صب ماء الولوغ في إناء آخر لا يجب فيه التعفير، وان كان الاحوط، خصوصا في الفرض الثاني وكذا إذا تنجس الثوب بالبول وجب تعدد الغسل، لكن إذا تنجس ثوب آخر بملاقاة هذا الثوب ] السيد المرتضى " قده " حيث فصل بين الوارد والمورود - ولا يستفاد من مفهومه ان النجس أو المتنجس منجس للماء في جميع الاحوال والكيفيات وان لم يستقر معه. وأما الروايات الخاصة فلانه لم يرد شئ منها في انفعال الماء القليل غير المستقر مع النجس وإنما وردت في القليل المستقر مع الميتة أو الدم ونحوهما وعليه فلا اطلاق في شئ من الدليلين حتى يشمل المقام ويكون القول بعدم انفعال القليل غير المستقر مع النجس تقييدا للمطلقات أو تخصيصا للعمومات فتحصل إلى هنا عدم تمامية شئ من الاخبار المستدل بها على نفي منجسية المتنجسات مطلقا فالصحيح ما ذكرناه من أن المتنجس بلا واسطة مما لا مناص من الالتزام بمنجسيته في الجوامد والمايعات وأما المتنجس مع الواسطة فايضا لا كلام في منجسيته في المايعات وأما في الجوامد فقد عرفت عدم ثبوتها بدليل وان ذهب المشهور إلى منجسية كالمتنجس بلا واسطة ولكن الافتا بمنجسيته مشكل ومخالفة المشهور أشكل، ومعه يكون الحكم بمنجسية المتنجس مبنيا على الاحتياط. (1) فالثوب إذا أصابه البول - مثلا - يجب أن يغسل مرتين في الماء القليل إلا انه حكم يخص بالمتنجس بالبول فحسب. وأما المتنجس بالمتنجس به كما إذا تنجس ثوب آخر بالثوب المتنجس بالبول فلا يأبي ذلك فيه ولا يجب

[ 252 ]

غسله مرتين فانه لم يصبه البول وانما أصابه المتنجس به فإذا قلنا بكفاية الغسل مرة واحدة في مطلق النجاسات - كما هو الصحيح - وان الزائد عنها يحتاج إلى دليل فيكتفي في تطهير الثوب المتنجس بالمتنجس بالبول بالغسل مرة واحدة وأما إذا لم نقل بذلك وقلنا بجريان الاستصحاب في الاحكام الكلية فلا مناص من الحكم بوجوب غسله مرتين للشك في كفاية الغسل مرة واحدة في تطهير المتنجس بما تنجس بالبول فنستصحب نجاسته حتى يقطع بارتفاعها. وكذلك الحال فيما إذا ولغ الكلب في الاناء فان تطهيره يتوقف على تعفيره زائدا على غسله بالماء إلا أن ذلك الاناء إذا لاقى إناءا ثانيا فلا نحكم باعتبار التعفير في تطهيره لعدم ولوغ الكلب فيه ولعل هذا مما لاخفاء فيه. وانما الكلام كله فيما إذا ولغ الكلب في الاناء بان شرب من مائه من غيره أن يصيب نفسه ثم أفرغنا ماءه إلى إناء آخر فان التعفير لااشكال في اعتباره في تطهير الاناء الاول - لولوغ الكلب فيه - وهل يجب أيضا ذلك في الاناء الثاني أو الثالث وهكذا لاشتراكه مع الاول فيما هو العلة في تنجيسه وهو شرب الكلب من الماء المظروف فيه من غير أن يصيب نفسه، فان ذلك الماء بعينه موجود في الاناء الثاني أو الثالث فيجب تعفيره أو ان اعتباره مختص بالاول فحسب؟ فقد قوى وجوب ذلك بعضهم في الاناء الثاني وما زاد، واحتاط الماتن " قده " في المسألة بعد ذهابه إلى عدم وجوب التعفير حينئذ. أما الاحتياط الاستحبابي في تعفيره فلا اشكال في حسنه. وأما القوة فهي مما لاوجه له وذلك لان من لاحظ صحيحة البقباق التي هي المدرك في الحكم باعتبار التعفير في الولوغ فلا يتأمل في الحكم باختصاصه بالاناء الاول قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل والحمار الخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئا إلا سألته عنه فقال:

[ 253 ]

لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله واصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء (* 1) ومرجع الضمير في قوله واغسله غير مذكور في الصحيحة وانما استفدناه من القرينة الخارجية وهي أن الكلام إنما هو في التوضوء بسؤر الكلب وفضل مائه ومن البديهي ان السؤر وفضل الكلب أو غيره لابد من أن يكون في إناء وإلا فلا معنى لصبه فالذي أمره عليه السلام بغسله بالتراب ثم بالماء هو الاناء الذي شرب منه الكلب لا محالة ومن الظاهر أن الاناء الذي شرب منه الكلب وبقي فيه فضله وسؤره إنما هو الاناء الاول دون الثاني والثالث وغيرهما حيث أنهما ليسا باناء شرب منه الكلب وهو ظاهر فبهذا اختص وجوب التعفير بالاناء الاول فحسب ودعوى أن الثاني والثالث متحدان مع الاول في المناط. تحتاج إلى علم الغيب بملاكات الاحكام ومن أين لنا ذلك إذ من الجائز أن يكون الملاك متحققا في خصوص الاناء الاول دون غيره. نعم إذا قلنا بما يحكى عن العصيريين من أو ولوغ الكلب يوجب انتقال " الميكروبات " إلى ما ولغ فيه فلا مناص من الحكم باتحاد الاناء الثاني والثالث مع الاول لان " الميكروبات " المنتقلة إلى الاناء الاول بعينها منتقلة إلى الثاني أو غيره فان الماء الذي ولغ فيه الكلب هو الموجود في الجميع، إلا أن النجاسة ووجوب التعفير لو كانا دائرين مدار " الميكروب " لزم الحكم بوجوب تعفير الثوب والبدن وغيرهما مما افرغ فيه شئ من الماء الذي ولغه الكلب في الاناء الاول لانتقال " الميكروب " إليه ولم يقل بذلك احد لان اعتباره مختص بالآنية ومن المحتمل أن تنتقل " الميكروبات " إلى خصوص ما ولغ فيه الكلب أولا ولا ينتقل شئ منها إلى ملاقيه.


(* 1) راجع ب 1 من ابواب الاسئار وقد أورد ذيلها في ب 12 و 70 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 254 ]

[ لا يجب فيه التعدد، وكذا إذا تنجس شئ بغسالة البول - بناء على نجاسة الغسالة - لا يجب فيه التعدد. (مسألة 2) قد مر أنه يشترط (1) في تنجس الشئ بالملاقاة تأثره، فعلى هذا لو فرض جسم لا يتأثر بالرطوبة أصلا، كما إذا دهن على نحو إذا غمس في الماء لا يتبلل أصلا يمكن ان يقال: إنه لا يتنجس بالملاقاة ولو مع الرطوبة المسرية، ويحتمل أن تكون رجل الزنبور، والذباب، والبق من هذا القبيل. (مسألة 13) الملاقاة في الباطن لا توجب التنجيس (2) فالنخامة الخارجة من الانف طاهرة وإن لافت الدم في باطن الانف. نعم لو ادخل فيه شى من الخارج، ولاقى الدم في الباطن، فالاحوط فيه الاجتناب. ] (1) أما كبرى ما أفاده فلما قدمناه وعرفت من أن السراية معتبرة في تنجيس المتنجسات بالارتكاز فان العرف لا يرى ملاقاة النجس مؤثرة في ملاقياته مع الجفاف فلا مناص في تأثيرها من اعتبار السراية وهي لاتتحقق إلا إذا كانت في كلا المتلاقيين أو في أحدهما رطوبة مسرية، وأما الصغريات الواقعة في كلامه فلا يمكن المساعدة على عدم تأثرها بالرطوبة بوجه وذلك لان الدهن بنفسه يتأثر بالماء مادام فيه فكيف لا يتأثر الجسم بالرطوبة بسببه حال كونه في الماء، واحتمال أن رجل الزنبور وأخويه مما لا يتأثر بالرطوبة - حال كونها في الماء - خلاف الوجدان كما ذكرناه في تعليقتنا على المتن. (2) قدمنا الكلام في ذلك في محله وقلنا أن الملاقاة لاأثر لها في الباطن وان كان الملاقي أمرا خارجيا كما إذا دخل شئ من الخارج إلى الجوف ولاقى

[ 255 ]

[ فصل يشترط (1) في صحة الصلاة واجبة كانت أو مندوبة إزالة ] فيه الدم أو غيره من النجاسات فليراجع. فصل (1) إتفقوا على اعتبار ازالة النجاسة على البدن واللباس في صحة الصلاة وهو مما لاكلام فيه وتدل عليه الاخبار الكثيرة المتواترة إلا أنها وردت في موارد خاصة من الدم والبول والمني ونحوها ولم ترد رواية في اعتبار ازالة النجس بعنوانه عن البدن واللباس في الصلاة كي تكون جامعة لجميع أفراد النجس ففي صحيحة زرارة قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت أثره، إلى أن أصيب له الماء فاصبت وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك، قال. تعيد الصلاة وتغسله.. الحديث (* 1) وهي كما ترى تختص بالمني ودم الرعاف وغيره من الدماء ولا تشمل النجاسات باجمعها. نعم لو قرء الضمير في (غيره) مرفوعا بأن أرجعناه إلى الدم لا إلى الرعاف دلت على مانعية مطلق النجاسات في الصلاة ولكن يمكن استفادة ذلك من الاخبار الواردة في جواز الصلاة في مثل التكة والجورب والقلنسوة وغيرها من المتنجسات التي لا تتم فيها الصلاة (* 2) حيث أن ظاهرها أن الاشياء التي نتم فيها الصلاة يعتبر أن تكون طاهرة وإنما لا تعتبر الطهارة فيما لا تتم فيه الصلاة. بل يمكن استفادته مما ورد من أن


(* 1) المروية في ب 42 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) راجع ب 31 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 256 ]

[ النجسة عن البدن حتى الظفر، والشعر (1) واللباس سائرا كان أو ] الصلاة لا تعاد إلا من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع والسجود (* 1) حيث دل على وجوب إعادة الصلاة بلاخلال بالطهور وهو بمعنى ما يتطهر به على ما عرفت في أول الكتاب فيعم الطهارة من الحدث والخبث ويؤيد ذلك ارادة ما يعم الطهارتين في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام لاصلاة إلا بطهور، ويجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار وبذلك جرت السنة (* 2) فان تذييل حكمه عليه السلام - بنفي الصلاة من غير طهور - بتجويزه الاستنجاء بثلاثة أحجار قرينة واضحة على ان المراد بالطهور ما يعم الطهارة من الخبث والحدث، وعلى ذلك ما لحديث يدلنا على اعتبار الطهارة من كل من الحدث والخبث في الصلاة ولكن الصحيح هو اختصاص الطهور في الحديث بالطهارة من الحدث كما يأتي بيانه في البحث عن شمول " لا تعاد " لمن صلى في النجس عن جهل قصوري فانتظره. وكيف كان فلا كلام في اعتبار ازالة النجاسة عن الثوب والبدن في الصلاة فإذا صلى في النجس متعمدا وجبت إعادتها أو قضاؤها، ولا يجب على الجاهل شئ. وأما ناسي النجاسة فحاله عند الاكثر حال العالم بها في وجوب الاعادة والقضاء، وان ذهب شرذمة إلى التفصيل بين الوقت وخارجه فحكموا بوجوب الاعادة دون القضاء استنادا إلى رواية علي بن مهزيار المتقدمة (* 3) وتفصيل الكلام في هذه المسألة يأتي في محله انشاء الله. (1) الطهارة كما تعتبر في بدن المصلي وثيابه كذلك تعتبر في عوارض بدنه - كشعره وظفره - لانهما أيضا من بدنه، ولم نقف على من فصل في


(* 1) راجع ب 3 من أبواب الوضوء و 1 من أبواب أفعال الصلاة وغيرهما من الوسائل (* 2) المروية في ب 9 من أبواب احكام الخلوة من الوسائل. (* 3) في ص 246

[ 257 ]

[ غير سائر عدا ما سيحيى من مثل الجورب ونحوه مما لا تتم الصلاة فيه، وكذا يشترط (1) في توابعها من صلاة الاحتياط، وقضاء ] ذلك من الاصحاب ولعله " قده " انما تعرض له توضيحا للكلام. كما لافرق في اشتراط الطهارة بين الصلوات الواجبة والمندوبة، ولافرق في ذلك بين الاداء والقضاء فان أحدهما عين الآخر ولا يتفارقان إلا من ناحية الزمان فحيث أن الطهارة معتبرة في الصلاة والصلاة قضاء أيضا صلاة اعتبر فيها الطهارة لا محالة. (1) هل يشترط الطهارة من الخبث في توابع الصلاة - كصلاة الاحتياط - وكذا في قضاء الاجزاء المنسية من الصلاة - كما إذا نسي سجدة أو غيرها ثم تذكرها فانه يقضيها بعد الصلاة أو نسي التشهد - بناء على ان له قضاء -؟ فقد يستشكل في اعتبارها في قضاء الاجزاء المنسية بان اعتبار الطهارة إنما تختص بالصلاة، وما يؤتى به من الاجزاء المنسية بعد الصلاة ليس بصلاة. وهذه المناقشة لعلها تبتنى على حمل القضاء - فيما دل على قضاء الاجزاء المنسية - على معناه المصطلح عليه. وأما إذا حملناه على معناه اللغوي - أعني مجرد الاتيان - فلا وجه للمناقشة أبدا وذلك لان القضاء عين الاداء ولا يفترقان إلا من ناحية الزمان، والطهارة من الخبث معتبرة في الصلاة وأجزائها كالسجدة والتشهد ونحوهما فلا مناص معه من اعتبارها في قضاء الاجزاء المنسية أيضا فان السجدة المقتضية - مثلا - بعينها السجدة المعتبرة في أداء الصلاة وإنما اني بها في غير محلها واختلف زمانها ومن هنا لو لم يؤت بها قضاء بطلت الصلاة حيث لم يؤت ببعض أجزائها فاعتبار الطهارة في قضاء الاجزاء المنسية مما لاشبهة فيه ومن تلك الاجزاء التشهد المنسي فيعتبر الطهارة في قضائه - بناء على أن له قضاء - إلا انه لم يثبت القضاء للتشهد كما يأتي في محله انشاء الله. وكذا لا ينبغي الاشكال في اعتبارها في صلاة الاحتياط وذلك

[ 258 ]

[ التشهد والسجدة المنسيين. وكذا في سجدتي السهو على الاحوط، ولا يشترط (2) في ما يتقدمها من لاذان، والاقامة، والادعية التي قبل ] لانها أيضا صلاة وقد اعتبرنا الطهارة في صحة الصلاة. وأما اعتبارها في سجدتي السهو فلم نقف له على دليل ولاسيما انهما خارجتان عن أجزاء الصلاة ومن هنا لا تبطل بالاخلال بهما حيث ان اتيانهما واجب نفسي بعد الصلاة وانما وجبتا ارغاما للشيطان كما في الخبر (* 1) وكيف كان انهما واجبتان نفسيتان قبل التكلم بعد الصلاة لا انهما من أجزاء الصلاة كما انهما ليستا بصلاة في نفسهما فلا وجه لاعتبار الطهارة في صحتهما. (1) لا اشكال ولا ريب في عدم اعتبار الطهارة في الاذان لانه أمر مستحب وخارج عن حقيقة الصلاة بل قد ورد الترخيص في الاذان مع الحدث (* 2) فما ظنك بجوازه مع الخبث. وأما الاقامة فهي أيضا كالاذان خارجة عن الصلاة فلا موجب لاعتبار الطهارة من الخبث في صحتهما. وأما ما ورد (* 3) من أن الاقامة من الصلاة وان من دخل فيها فقد دخل في الصلاة فانما ورد اهتماما من الشارع بالاقامة وللحث عليها لا انها حقيقة من الصلاة كيف وقد ورد ان الصلاة يفتتح بالتكبير وتختم بالتسليم أو ان الصلاة تحريمها التكبير وتحليها التسليم (* 4) وهي مع ورودها في مقام البيان والتحديد لم تعد الاقامة من الصلاة فلا يعتبر فيها ما كان يعتبر في الصلاة كالاستقبال وترك التكلم والطهارة من الخبث ونحوها. نعم لو تكلم المقيم بعد قول " قد قامت الصلاة " استحبت اعادتها. هذا بالاضافة إلى الطهارة من الخبث.


(* 1) راجع ما رواه معاوية بن عمار ب 32 من ابواب الخلل من الوسائل. (* 2) راجع ب 9 من ابواب الاذان والاقامة من الوسائل. (* 3) هذا مضمون بعض الاخبار الواردة في ب 13 من ابواب لاذان والاقامة من الوسائل (* 4) يراجع ب 1 من ابواب تكبيرة الاحرام والتسليم من الوسائل.

[ 259 ]

[ تكبيرة الاحرام، ولا في ما يتاخرها من التعقيب (1) ويلحق باللباس - على الاحوط - اللحاف (2) الذي يتغطى به المصلى مضطجعا أيماء سواء كان مسترا به أولا، وإن كان الاقوى في صورة عدم التستر به، بأن كان ساتره غيره عدم الاشتراط. ] وأما الطهارة من الحدث فيأتي في محله اعتبارها في الاقامة لا لانها من أجزاء الصلاة بل للنهي عنها بدونها (* 1) هو نهي وضعي يقتضي بطلان الاقامة من دونها كما هو الحال في القيام إذ قد ورد أنه لا يقيم إذ وهو قائم (* 2) ومما ذكرناه في الاذان والاقامة ظهر الحال في الادعية المستحبة قبل التكبيرة فلا نطيل. (1) لانقضاء الصلاة وانتهائها وعدم كون الامر المتأخر من أجزاء الصلاة. (2) هل يشترط الطهارة فيه مطلقا أو لا يشترط أو يفصل بين ما إذا تستر به - كما إذا لم يكن على بدنه ساتر غيره - وما إذا لم يتستر به بالاشتراط في الاول دون الاخير؟ التحقيق ان هذا التفصيل مما لا يرجع إلى محصل معقول وان التزم به الماتن " قده " بل الصحيح أن يفصل على نحو آخر كما نبينه، وذلك لان الساتر - كما يأتي في محله - ساتران: " أحدهما " ما يتستر به العورة عن الناظر المحترم، ولا يعتبر في هذا القسم من الساتر أية خصوصية من الخصوصيات المفردة فان الغرض منه ليس إلا المنع عن النظر وهو كما يحصل باللباس كذلك يحصل بالوحل والحشيش بل و بالظلمة والدخول في مثل الحب ووضع اليد أو الصوف ونحوهما على القبل والدبر، لبداهة حصول الغرض بجميع


(* 1) راجع ب 9 من ابواب الاذان والاقامة من لوسائل. (* 2) راجع ب 13 من ابواب الاذان والاقامة من الوسائل.

[ 260 ]

ذلك كما لعله ظاهر. و " ثانيهما ": الساتر المعتبر في الصلاة ويشترط فيه أن يكون من قبيل اللباس حيث ورد أن الرجل لابدله في صلاته من ثوب واحد ولابد للمرأة من ثوبين (* 1) كما يأتي تحقيقه في موضعه انشاء الله فقد اعتبر في الصلاة أن يكون المصلي لابسا اللابس في مقابل العاري فلا تصح صلاة العريان وان ستر عورتيه بيده أو بوحل أو ظلمة ونحوها لان المصلي حال كونه متسترا بمثل الحب أو الظلمة يصح أن يقال انه عريان لعدم صدق اللابس على المتستر بظلمة أو حب. وإذا تبينت ذلك فنقول إن المصلي مضطجعا أو غيره ان كان قد لبس اللحاف بان لفه على بدنه بحيث صدق عرفا انه لبسه - لبداهة ان اللبس لا يعتبر فيه كيفية معينة فقد يكون باللبس على الوجه المتعارف وقد يكون باللف كما في المئزر ونحوه - فلا مناص من أن يشترط فيه الطهارة لانه لباس وقد اشترطنا الطهارة في لباس المصلي كما مر بلا فرق في ذلك بين أن يكون له ساتر آخر غير اللحاف وعدمه، لان الطهارة لا يختص اعتبارها بالساتر فحسب فانه يعم جميع ما يلبسه المصلي متعددا كان أم متحدا. وأما إذا لم يلبس اللحاف ولم يلفه على بدنه - كما إذا القاه على رأسه أو منكبيه على ما هو المتعارف في مثله - فلا نعتبر فيه الطهارة بوجه لعدم كونه لباسا للمصلي على الفرض إلا أنه لو صلى معه ولم يكن له ساتر آخر بطلت صلاته لانه صلى عاريا فان المصلي كما يصح أن يقال له انه صلى عاريا فيما إذا صلى في بيت مسقف أو في ظلمة ونحوهما ولم يكن لابسا لشئ كذلك إذا صلى تحت اللحاف من دون أن يكون له لباس فيقال انه عريان تحته فيحكم ببطلان صلاته وهذا بخلاف ما إذا كان له ساتر غير اللحاف لان نجاسته غير مانعة عن صحة الصلاة لعدم كون اللحاف لباسا للمصلي وإنما هو


(* 1) هو مضمون جملة من الاخبار المروية في ب 21 و 22 و 28 من ابواب لباس المصلي من الوسائل.

[ 261 ]

[ ويشترط (1) في صحة الصلاة أيضا إزالتها عن موضع السجود، دون المواضع الاخر فلا بأس بنجاستها إلا إذا كانت مسرية إلى بدنه أو لباسه. ] من المحمول المتنجس في الصلاة ويأتي حكمه في محله ان شاء الله. (1) هذا هو المعروف بينهم بل ادعى جملة من الاصحاب الاجماع عليه وعن أبي الصلاح اشتراط الطهارة في مواضع المساجد السبعة باجمعها، كما حكى عن السيد (قده) اعتبارها في مطلق مكان المصلي سواء أكان من مواضع المساجد أو غيرها. والظاهر بل الواقع ان محل النزاع والكلام ومورد النفي والاثبات إنما هو النجاسة غير المتعدية لانها إذا كانت متعدية فلا ينبغي الاشكال في بطلان الصلاة معها، وهذا لا لاجل اشتراط الطهارة في المكان بل من جهة اشتراطها في ثوب المصلي وبدنه حيث ان النجاسة المتعدية تسري اليهما وبه تبطل صلاته. بل عن فخر المحققين " قده " إعتبار خلو المكان عن النجاسة المسرية من جهة اعتبار الطهارة في المكان وكيف كان فاشتراط خلو المكان عن النجاسة المسرية موضع الوفاق عندهم وإنما الاختلاف بين الفخر وغيره في انه يعتبر ذلك بما أن الطهارة شرط في المكان، وغيره يعتبره من جهة ان الطهارة شرط في ثوب المصلي وبدنه وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا كانت النجاسة المسرية مما يعفى عنه في الصلاة كما إذا كان أقل من مقدار الدرهم من الدم أو كانت النجاسة مسرية إلى الجورب وغيره مما لايتم فيه الصلاة فان في هذه الموارد لابد من الحكم ببطلان الصلاة بناء على ما ذهب إليه الفخر " قده " من اشتراط خلو المكان عن النجاسة المسرية من جهة اعتبار الطهارة في المكان ويحكم بصحتها بناء على أن اعتبار عدم النجاسة المسرية في المكان من جهة اشتراط الطهارة في ثوب المصلي أو بدنه حيث أن نجاستهما معفو عنها على الفرض أو أنها إنما تسري إلى الجورب وغيره مما لايتم فيه الصلاة والنجاسة

[ 262 ]

فيه غير مانعة عن الصلاة. إذا عرفت ذلك فالكلام تارة يقع في اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة. وأخرى في اعتبارها في مواضع المساجد السبعة باجمعها وثالثة في اشتراطها في مطلق مكان المصلي. أما اعتبارها في مسجد الجبهة فالظاهر انه مما لاشبهة فيه بل هو اجماعي عندهم. وقد يتوهم الخلاف في المسألة من جماعة منهم المحقق " قده " حيث حكى عنه أنه نقل في المعتبر عن الراوندي وصاحب الوسيلة القول بجواز السجدة على الارض والبواري والحصر المتنجسة بالبول فيما إذا تجففت بالشمس واستجوده، مع ذهابهم إلى عدم طهارة الاشياء المذكورة بذلك لان الشمس عندهم ليست من المطهرات لبعد طهارة المتنجس من دون ماء وهذا في الحقيقة ترخيص منهم في السجدة على المتنجسات وهذا التوهم بمكان من الفساد لان المحقق أو غيره لا يرى جواز السجدة على المتنجس وإنما رخص في السجدة على الارض المتنجسة ونحوها من جهة ثبوت العفو عن السجود على أمثالها عند جفافها بالشمس مع الحكم ببقائها على نجاستها فان الشمس عندهم ليست من المطهرات كما التزموا بذلك في ماء الاستنجاء لانه نجس معفو عنه عند بعضهم ومن هنا لم يرخصوا في السجدة على الارض المتنجسة إذا لم تجف بالشمس فتحصل انه لا خلاف في اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة عند أصحابنا ويدل عليه صحيحة حسن بن محبوب عن أبي الحسن عليه السلام انه كتب إليه يسأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب عليه السلام إلي بخطه: ان الماء والنار قد طهراه (* 1) حيث قرر عليه السلام السائل على اعتقاده ان النجاسة في مسجد الجبهة مانعة عن الصلاة ولم يرد عن ذلك وإنما رخص في السجود على الجص نظرا إلى طهارته بالماء والنار.


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب ما يسجد عليه و 81 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 263 ]

هذا كله في الاستدلال بها. وأما فقه الحديث وبيان أن الجص بعد ما تنجس بملاقاة العذره وعظام الحيوانات الميتة - حيث يوقد عليه بهما - كيف يطهره الماء والنار، ولاسيما ان العظام تشمل المخ وإن فيه دهنا ودسومة. فقد يقال أن المراد بالنار حرارة الشمس والمراد بالماء رطوبة الجص الحاصلة بصب الماء عليه لعدم إمكان التجصيص بالجص اليابس فمرجع الصحيحة إلى أن الجص المشتمل على الرطوبة والمتنجس بالعذرة وعظام الموتى يطهر باشراق الشمس عليه. ولا يخفى بعده لان حمل النار على حرارة الشمس وارادة الرطوبة من الماء تأويل لا يرضى به اللبيب وقد يقال أن الصحيحة غير ظاهرة الوجه إلا أن جهلنا بوجهها وان الماء والنار كيف طهرا الجص غير مضر بالاستدلال بها على اشتراط الطهارة في مسجد الجبهة لان دلالتها على ذلك مما لاخفاء فيه لتقريره عليه السلام هذا والصحيح انه لا هذا ولا ذاك وان الماء والنار باقيان على معناهما الحقيقي وان الجص طهر بهما وذلك لان النار توجب طهارة العذرة والنظام النجستين بالاستحالة حيث تقلبهما رمادا ويأتي في محله أن الاستحالة من المطهرات. وأما الماء فلان مجرد صدق الغسل يكفي في تطهير مطلق المتنجس إلا ما قام الدليل على اعتبار تعدد الغسل فيه ويأتي في محله ان الغسلة الواحدة كافية في تطهير المتنجسات كما وقفت فيما سبق على أن غسالة الغسلة المتعقبة بطهارة المحل طاهرة سواء خرجت عن محلها وانفصلت أم لم تنفصل فانه لولا ذلك لم يمكننا تطهير الاراضي الرخوة لعدم انفصال غسالتها أبدا وعليه فإذا صب الماء على الجص المتنجس أو جعل الجص على الماء فلا محالة يحكم بطهارته وان لم تخرج غسالته وبهذا يصح أن يقال ان الماء والنار قد طهراه كما يصح أن يسجد عليه ولا يمنع ذلك طبخه لان الجص من الارض ولا تخرج الارض عن كونها أرضا بطبخها كما أن اللحم - في الكباب - لا يخرج عن كونه

[ 264 ]

لحما بطبخه فلو كان أكل اللحم محرما حرم أكل مطبوخه أيضا فلا مانع من السجود على الارض المطبوخة كالجص والكوز والآجر وان منع عنه الماتن " قده " في محله إلا انا كتبنا في تعليقتنا: أن الاظهر جواز السجود على على النورة والجص المطبوخين أيضا لعدم خروج الجص بالطبخ عن كونه أرضا وكذا غيره من الاجزاء الارضية ودليلنا على ذلك هذه الصحيحة كما يأتي في محله. هذا كله في اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة. وأما اشتراطها في مواضع المساجد السبعة باجمعها فقد حكى القول بذلك عن أبي الصلاح الحلبي كما مر ولم يظهر لنا وجهه، ولعله اعتمد في ذلك على النبوي: جنبوا مساجدكم النجاسة (* 1) فان المساجد جمع محلي باللام يعم المساجد السبعة باجمعها. ويرد على الاستدلال به وجوه: " الاول ": ان الحديث نبوى ضعيف السند ولم يعمل المشهور على طبقه حتى يتوهم انجباره " الثاني ": ان المراد بالمساجد لم يظهر انه المساجد السبعة في الصلاة فان من المحتمل أن يراد بها بيوت الله المعدة للعبادة، ويقرب هذا الاحتمال بل يدل عليه أن هذا التعبير بعينه ورد في غيره من الاخبار وقد أريد منها بيوت الله سبحانه كقوله عليه السلام جنبوا مساجدكم البيع والشراء والمجانين والصبيان.. (* 2) ومن الظاهر عدم إمكان ارادة المساجد السبعة في مثله فالرواية قاصرة الدلالة على المدعى " الثالث ": أن المراد بالمساجد لو كان هو المساجد في الصلاة فلا محالة ينصرف إلى مساجد الجبهة للانسباق والتبادر إلى الذهن من إطلاقها. وأما التعبير عن مسجد الجبهة بالجمع فهو بملاحظة أفراد المصلين كما لا يخفى هذا كله في هذا الحديث. وأما الصحيحة المتقدمة فالمستفاد منها بتقريره عليه السلام


(* 1) نقله في ب 24 من ابواب المساجد من الوسائل. (* 2) المروية في ب 27 من ابواب المساجد من الوسائل.

[ 265 ]

إنما هو مانعية النجاسة في مسجد الصلاة في الجملة ولا اطلاق لها بالنسبة إلى غير مسجد الجبهة، وكيف كان فلم نقف على دليل يدل على اعتبار الطهارة في مواضع المساجد السبعة باجمعها وأما اشتراط الطهارة في مكان المصلي مطلقا - وهو الذي حكى القول به عن السيد المرتضى " قده " - فقد استدل عليه بموثقتين: " احداهما ": موثقة ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الشاذ كونة " الفراش الذي ينام عليه " يصيبها الاحتلام أيصلى عليها؟ فقال: لا (* 1). و " ثانيتهما ": موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس، ولكنه قد يبس الموضع القذر قال: لا يصلي عليه.. (* 2) ويمكن أن يستدل على ذلك أيضا بغيرهما من الاخبار " منها ": صحيحة زرارة وحديد ابن حكيم الازدي جميعا قالا: قلنا لابي عبد الله عليه السلام السطح يصيبه البول أو يبال عليه يصلى في ذلك المكان؟ فقال: إن كان تصيبه الشمس والريح وكان جافا فلا بأس به إلا أن يكون يتخذ مبالا (* 3) وقد أخذ فيها في موضوع الحكم أمران: جفاف الشئ واصابة الشمس عليه كما دلت بمفهومها على عدم جواز الصلاة في المكان المتنجس إلا أن يطهر باشراق الشمس عليه و " منها ": صحيحته الاخرى سألت أبا جعفر عليه السلام عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلى فيه فقال: إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر (* 4) لدلالتها على أن المكان الذي يصلى فيه إذا لم يكن طاهرا ولو باشراق الشمس عليه فلا تصح فيه الصلاة: وقد يستدل على ذلك بما ورد من أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة في المجزرة، والمزبلة، والمقبرة، وقاعة


(* 1) المروية في ب 30 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) و (* 3) و (* 4) راجع ب 29 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 266 ]

الطريق، وفى الحمام، وفي معاطن الابل، وفوق ظهر بيت الله (* 1) بدعوى أنه لاوجه للمنع عنها في مثل المجزرة والمزبلة والحمام إلا نجاستها. ويدفعه أن ظاهر النهي في الاماكن المذكورة انها بعناوينها الاولية - ككونها حماما أو مزبلة أو مجزرة - مورد للنهي عن الصلاة فيها لا بالعنوان الثانوي ككونها نجسة أو محتمل النجاسة والسر في ذلك النهي أن الصلاة لاجل شرافتها وكونها قربان كل تقي ومعراج اؤمن مما لا يناسب الامكنة المذكورة لاستقذارها واستخبائها فلا محالة يكون النهى فيها محمولا على الكراهة وليس الوجه فيه نجاستها لان النسبة بين تلك العناوين وبين عنوان النجس عموم من وجه فيمكن أن تقع الصلاة في الحمام أو غيره مع التحفظ على طهارة المكان ولو بغسله عند الصلاة. وأما الاخبار المتقدمة فتفصيل الجواب عنها أن موثقة ابن بكير المانعة عن الصلاة في الشاذ كونة التي أصابها الاحتلام معارضة صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الشاذ كونة يكون عليها الجنابة أيصلى عليها في الحمل؟ قال: لا بأس بالصلاة عليها (* 2) وفي رواية الشيخ قال: لا بأس ورواية ابن أبي عمير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام أصلي على الشاذ كونة وقد أصابتها الجنابة؟ فقال: لا بأس (* 3) والجمع بينهما انما هو باحد أمرين: " أحدهما " حمل قوله في الموثقة: لا. على الكراهة بقرينة التصريح في الصحيحتين بالجوز. و " ثانيهما ": حمل الموثقة على ما إذا كانت الشاذ كونة رطبة وذلك لانقلاب النسبة بينهما وبيانه: ان الصحيحتين وان كانتا ظاهرتين في الاطلاق من حيث رطوبة الشاذ كونة وجفافها إلا أنه لابد من تقييدهما


(* 1) أخرجه الترمدى في ج 2 من صحيحه من الطبعة الاولى ص 144 عن رسول الله - ص - انه نهى ان يصلي في سبع مواطن في المزبلة... وعنه في تيسير الوصول ج 2 ص 250 وفي كنز العمال ج 4 ص 74 (* 2) و (* 3) المرويتين في ب 30 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 267 ]

بصورة الجفاف وعدم رطوبتهما للاخبار المعتبرة الدالة على اعتبار الجفاف في مكان الصلاة إذا كان نجسا كما يأتي نقلها عن قريب. فإذا قيدنا الصحيحتين بصورة الجفاف فلا محالة تنقلب النسبة بينها وبين الموثقة من التبائن إلى العموم المطلق لاطلاق الموثقة وشمولها لصورتي جفاف الشاذ كونة ورطوبتها وبما ان الصحيحتين المجوزتين مختصتان بصورة الجفاف فيتقيد بهما الموثقة وتكون محمولة على صورة الرطوبة لا محالة هذا كله في الجواب عن الموثقة. وأما غيرها من الاخبار الثلاثة المتقدمة فالجواب عنها أنها أيضا كالموثقة معارضة بغير واحد من الاخبار: " منها ": صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر عليه السلام قال: سألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلى عليه قال: إذا يبست فلا بأس (* 1) و " منها ": موثقة عمار قال. سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البارية يبل قصبها بماء قذر هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال: إذا جفت فلا بأس (* 2) و " منها ": ما رواه في قرب الاسناد أيضا عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل مر بمكان قد رش فيه خمر قد شربته الارض وبقى نداوته أيصلي فيه؟ قال: إن أصاب مكانا غيره فليصل فيه وان لم يصب فليصل ولا بأس و " منها ": صحيحة أخرى لعلي بن جعفر حيث سأل أخاه عليه السلام عن البيت والدار لا تصيبهما الشمس ويصيبهما البول، ويغتسل فيهما من الجنابة، أيصلى فيهما إذا جفا؟ قال: نعم (4) فان هذه الاخبار معارضة مع الاخبار الثلاثة المتقدمة لدلالتها على جواز الصلاة في اوضع النجس ويمكن الجمع بينهما أيضا باحد وجهين: " أحدهما ": حمل المانعة على ارادة خصوص مسجد الجبهة وانه لابد من خلوه عن مطلق النجاسة يابسة كانت أم رطبة ولا يشترط ذلك في بقية المواضع و " ثانيهما " حمل المانعة على الكراهة


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 30 من ابواب النجاسات من الوسائل

[ 268 ]

بصراحة الاخبار المتقدمة في الجواز وبذلك يظهر انه لاوجه لاشتراط الطهارة في جميع مواضع الصلاة. نعم إذا كان المحل مشتملا على نجاسة رطبة تصيب الثوب والبدن فلا محالة يكون ذلك موجبا لبطلان الصلاة إلا انه خارج عن محل الكلام كما مر " بقى الكلام في شئ " وهو أن مقتضى الاخبار المتقدمة عدم جواز الصلاة في الموضع المتنجس الرطب الذي يوجب سراية النجاسة إلى الثوب أو البدن فهل يختص ذلك بما إذا كانت النجاسة مما لم عف عنه في الصلاة أو فيما إذا سرت إلى ثيابه التي تتم فيه الصلاة أو أنها تعمه وما إذا كانت النجاسة مما يعفى عنه في الصلاة أو كانت سارية إلى مثل الجورب والقلنسوة ونحوهما مما لا تتم فيه الصلاة؟ ذهب فخر المحققين " قده " إلى التعميم تمسكا باطلاق الروايات وحكى عن والده الاجماع على عدم صحة الصلاة في ذي المتعدية وان كانت معفوا عنهما في الصلاة إلا أن الصحيح هو الاختصاص وذلك لان العهد والارتكاز - في اشتراط الصلاة بطهارة الثوب والبدن - مانعان عن انعقاد الظهور في الاطلاق في الاخبار المتقدمة في اعتبار خلو المكان - في الصلاة - عن النجاسة المتعدية ويوجبان انصراف اطلاقها إلى بيان اشتراط الطهارة في ثوب المصلي وبدنه فإذا فرضنا أن النجاسة الكائنة في مواضع الصلاة غير مانعة عنها حتى إذا كانت في ثوبه أو في بدنه أو أنها أصابت التكة والجورب وغيرهما مما لا تتم فيه الصلاة فكيف تكون مانعة عن صحة الصلاة؟ هذا ثم لو شككنا في ذلك ولم ندر أن الصلاة مقيدة بخلو موضعها عن النجاسة المتعدية أو أن الطهارة معتبرة في خصوص بدن المصلي وثيابه فاصالة البراءة عن اشتراط الطهارة في مكان الصلاة وتقييده بأن يكون خاليا عن النجاسة المتعدية محكمة وعليه فلا بأس بالصلاة في المواضع المتنجسة إذا كانت نجاسته مما يعفى عنه في الصلاة أو كان سارية إلى مالا تتم فيه الصلاة، إذ لا اخلال حينئذ بشئ من شرائطها.

[ 269 ]

[ (مسألة 1) إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر وبعضه نجس صح (1) إذا كان الطاهر بمقدار الواجب، فلا يضر كون البعض ] (1) بعد الفراغ عن اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة وخلوه عن مطلق النجاسة يقع الكلام في أن الطهارة شرط للسجود بمعنى أن السجود كما يشترط أن يكون واقعا على وجه الارض أو نباتها كذلك يشترط أن يكون واقعا على الجسم الطاهر أو أن الطهارة من شرائط مسجد الجبهة؟ فعلى الاول إذا وضع جبهته على محل بعضه طاهر وبعضه نجس صحت سجدته إذا كان الطاهر بمقدار الواجب ولا يضرها نجاسة البعض الآخر منه وذلك لانه يصدق حينئذ أنه سجد على شئ طاهر حقيقة وان كان أيضا يصدق انه سجد على شئ نجس إلا أن السجود على النجس لا يحسب من السجدة المأمور بها لفقدان شرطها وهو الطهارة ولا تكون مانعة عن صحة السجود على البعض الطاهر بوجه وهو نظير ما إذا سجد على جسم بعضه من الارض وبعضه من المأكول أو الملبوس فان وضع الجبهة بمقدار الواجب على الارض كاف في تحقق المأمور به وإن كان يلزمه صدق السجدة على الملبوس أو المأكول أيضا. وأما إذا قلنا أن الطهارة من شرائط مسجد الجبهة فلا تكفي السجدة على محل بعضه نجس لعدم طهارة المحل حيث أنه شئ واحد ومع نجاسة بعض أجزائه لا يتصف بالطهارة بوجه ويصح أن يقال أنه نجس لكفاية تنجس بعض الجسم في اطلاق النجس عليه لوضوح أن الثوب إذا تنجس بعضه يصح أن يقال انه نجس فإذا لم يصدق أن المحل طاهر فلا محالة يبطل السجود عليه وعليه فيعتبر أن يكون مسجد الجبهة طاهرا بتمامه. ولا دلالة للصحيحة المتقدمة - الواردة في الجص التي دلت بتقريره عليه السلام على اعتبار الطهارة في مسجد الجبهة - على أن الطهارة شرط للسجود أو انها من شرائط مسجد الجبهة لانها انما دلت على أن المسجد يعتبر

[ 270 ]

فيه الطهارة في الجملة في قبال كونه نجسا بتمامه كما في الجص المسئول عنه في الصحيحة لنجاسته بتمامه لاجل إيقاد العذرة والعظام عليه ولانظر لها إلى ما إذا كان المحل بعضه طاهرا وبعضه الآخر نجسا وعلى الجملة انها إنما سيقت لبيان عدم جواز كون المسجد نجسا بتمامه ولانظر لها إلى غير تلك الصورة بوجه وبذلك نجيب عن دعوى دلالة الصحيحة على مانعية مطلق النجاسة في مسجد الجبهة وذلك لما سبق من انها سبقت لبيان عدم جواز السجود على مثل الجص الذي يكون متجسا بتمامه وكيف كان فلا يستفاد من الصحيحة شئ من الاحتمالين. وأما اطلاق كلمات أصحابنا حيث اشترطوا الطهارة في مسجد الجبهة ولم يقيدوا ذلك بخصوص المقدار الواجب في السجود فقد يتوهم أن ذلك يدل على اعتبار طهارة المسجد بتمامه. وفيه ان ذلك كالصحيحة مما لادلالة له على أن الطهارة معتبرة في المسجد بمقدار الواجب أو في تمامه و " سره " أن اطلاق كلماتهم فيما نحن فيه كاطلاق كلماتهم في اشتراط وقوع السجدة على ما يصح السجود عليه أعني الارض ونباتها من غير تقييد ذلك بخصوص المقدار الواجب في السجود مع أن الجبهة إذا وقعت على جسم بعضه مما يصح السجود عليه وبعضه مما لا يصح صحت السجدة من غير كلام فلتكن طهارة المسجد أيضا كذلك. فالصحيح أن الطهارة شرط للسجود ولا تعتبر الطهارة في مسجد الجبهة زائدا على المقدار الواجب، لان القدر المتيقن من الصحيحة المتقدمة وإطلاق كلماتهم ومعاقد إجماعاتهم المدعاة وإنما هو اعتبار الطهارة في خصوص المقدار الواجب من مسجد الجبهة ولم يقم دليل على اعتبارها في المسجد بتمامه فلو شككنا في اعتبارها في الزائد عن المقدار الواجب كانت أصالة البراءة عن إشتراط الطهارة في الزائد عن المقدار المتيقن محكمة فاعتبار الطهارة كاعتبار وضع الجبهة على ما يصح السجود وما أفاده

[ 271 ]

[ الآخر نجسا، وإن كان الاحوط طهارة جميع ما يقع عليه. ويكفي (1) كون السطح الظاهر من المسجد طاهرا، وإن كان باطنه أو سطحه الآخر أو ما تحته نجسا، فلو وضع التربة على محل نجس، وكانت طاهرة ولو سطحها الظاهر صحت صلاته. (مسألة 2) تجب (2) إزالة النجاسة عن المساجد: داخلها، وسقفها، وسطحها. ] في المتن مما لا غبار عليه ويؤكد ما ذكرناه بل يدل عليه أن المسجد إذا كان بطول شبر - مثلا - وتنجس أحد جوانبه بشئ فلا نظن فقيها يفتي بعدم جواز السجدة على الجانب الطاهر منه نظرا إلى أنه شئ واحد مع أنه لا يصدق أنه طاهر بل يصح ان يطلق عليه النجس كما مر وهذا أقوى شاهد على أن المعتبر في مسجد الجبهة إنما هي طهارته بالمقدار الواجب دون تمامه. (1) لان المستفاد من صحيحة إبن محبوب المتقدمة ليس إلا اعتبار طهارة المسجد وما يلاصق منه الجبهة في الجملة ويكفي في صدق ذلك وتحققه طهارة خصوص السطح الظاهر من المسجد وأما طهارة باطنه أو سطحه الآخر فلم يقم على اعتبارها دليل. (2) لا إشكال في وجوب إزالة النجاسة عن المساجد وحرمة تنجيسها لارتكازهما في أذهاب المتشرعة حيث أن المساجد بيوت الله المعدة لعبادته فلا تجتمع مع النجاسة لمكان أهميتها وعظمتها وللاجماع القطعي المنعقد في المسألة ولا ينافى ذلك ما عن صاحب المدارك " قده " من الميل إلى جواز تنجيسها وذلك لشذوذه وإن وافقه صاحب الحدائق " قده " لان موافقته لا تخرج المخالفة عن الشذوذ ولا يضر في الحكم لقطعيته. ومن العجيب ما عن صاحب

[ 272 ]

الحدائق " قده " حيث انه استشهد على جواز تنجيس المساجد بموثقة (* 1) عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الدمل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة قال يمسحه: ويسمح يده بالحائط أو بالارض ولا يقطع الصلاة (* 2) بدعوى أن إطلاقها يشمل ما إذا كانت الصلاة في المسجد فتدل على جواز تنجيس أرض المسجد وحائطه و " يدفعه ": أن الرواية إنما سيقت لبيان أن مسح المنفجر من الدمل بمثل الحائط أو الارض ليس من الفعل الكثير القاطع للصلاة ولانظر لها إلى جواز تنجيس المسجد أو غيره من الامكنة بوجه فهل ترى صحة الاستدلال باطلاقها على جواز تنجيس الحائط إذا كان ملكا لغير المصلي؟! ولا وحه له إلا أن الرواية غير ناظرة إلى تلك وكيف كان إن حرمة تنجيس المساجد ووجوب إزالة النجاسة عنها حكمان قطعيان وأمران ارتكازيان في أذهان المتشرعة على انه يمكن أن يستدل على وجوب الازالة بصحيحة علي ابن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الدابة تبول فتصيب بولها المسجد أو حائطه أيصلى فيه قبل أن يغسل؟ قال: إذا جف فلا بأس (* 3) حيث دلت على أن وجوب إزالة النجاسة عن المسجد كان مرتكزا ومفروغا عنه عند السائل وإنما تردد في وقتها حيث سأله عن أنها على الفور أو يجوز تأخيرها إلى بعد الصلاة وقد قرره الامام عليه السلام على هذا الارتكاز ولم يردع عن اعتقاده الوجوب. وأما سئواله عن بول الدابة فيحتمل أن يكون مستندا إلى احتماله نجاسة بول الدواب أو إلى اعتقادها كما دل عليها بعض الاخبار الواردة


(* 1) كذا عبر عنها في الحدائق وغيره ولم يظهر لنا وجهه. (* 2) المروية ب 22 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في ب 9 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 273 ]

بطريقنا (* 1) وحملناه على التقية لموافقته العامة حيث ذهب جملة منهم إلى نجاسة بول الدواب (* 2) ومن هنا يظهر أن عدم حكمه عليه السلام بطهارته مستند إلى التقية وعدم إظهاره المخالفة مع المخالفين. وأما تفصيله عليه السلام بين صورتي جفاف البول ورطوبته فلعله من جهة استقذاره مع الرطوبة وإذا يبس فلا يبقى مجال لاستقذاره وعلى الجملة إن الرواية لاإشكال في سندها حيث أن صاحب الوسائل " قده " رواها بطريقين فبطريق عبد الله بن الحسن تارة وهو الذي ضعفناه في بعض أبحاثنا وعن كتاب علي بن جعفر أخرى وطريقه إلى كتابه صحيح. كما أن دلالتها واضحة نعم يمكن المناقشة فيها - أي في دلالتها - بان الاستدلال بالرواية على وجوب ازالة النجاسة عن المسجد وحرمة تنجيسه إنما يصح فيما إذا كان لها ظهور عرفي في ارتكازهما ومفروغيتهما عند السائل وأن الوجه في سئواله عن غسل بول الدابة إنما هو احتماله أو اعتقاده نجاسته. وأما إذا لم يكن لها ظهور عرفي في انحصار وجه السؤال في ذلك وكان الاستدلال بها مبتنيا على الحدس والتخمين بأن احتملنا أن يكون لسئواله وجه آخر فلا يمكننا الاعتماد عليها أبدا لانا كما نحتمل أن يكون الوجه في سئواله أحد الامرين المتقدمين كذلك نحتمل أن يكون سئواله راجعا إلى حكم ترجيح أحد الامرين المستحبين على الآخر حيث أن ظاهر الصحيحة سعة الوقت للصلاة وتمكن المكلف من اتيانها قبل خروج وقتها مع تقديم تطهير المسجد على الصلاة ومن الظاهر أن المبادرة إلى الواجب الموسع مستحبة كما أن تنظيف المسجد عن القذارة والكثافة أمر مرغوب فيه في الشريعة المقدسة ومن هنا تصدى للسؤال عن أن المستحبين أيهما أولى بالتقديم على غيره؟ لا انه


(* 1) راجع ب 9 و 8 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) قدمنا اقوالهم في ذلك في ج 1 ص 41 و 67

[ 274 ]

احتمل نجاسة أبوال الدواب أو كان معتقدا بها لبعد ذلك في حق علي بن جعفر ونظرائه لجلالة شأنه وكثرة رواياته. فلعله كان عالما بطهارة بول الدواب كما دلت عليها جملة من الاخبار على ما أسلفناه في محله وإنما سأل أخاه عن تقديم أحد المستحبين على الآخر فبذلك تصبح الصحيحة غير مبنية فلا يعتمد عليها في مقام الاستدلال. ومما يؤيد ذلك أن بول الدواب لو كان محكوما بالنجاسة عند السائل لم يكن يرتضي بتفصيله عليه السلام بين صورتي جفافه وعدمه وكان من حقه أن يعترض على الامام لوضوح أن النجس واجب الازالة عن المساجد جف أم لم يجف وهذا بخلاف ما إذا كان معتقدا بطهارته لان تفصيله عليه السلام بين الصورتين حينئذ وحكمه بتقديم ازالة البول على الصلاة مع الرطوبة مستند إلى استقذاره واشتماله على الرائحة الكريهة ولذلك كانت ازالته أولى من المبادرة إلى الصلاة كما أن حكمه عليه السلام بتقديم الصلاة على الازالة عند الجفاف مستند إلى انقطاع رائحته وعدم استقذاره ولذا كانت المبادرة إلى الصلاة أولى من المبادرة إلى ازالته فلا مورد للاعتراض حينئذ فالمتحصل أن الصحيحة مجملة ولا دلالة لها على المدعى. نعم يمكن الاستشهاد على ذلك بجملة من الاخبار المستفيضة الواردة في جواز اتخاذ الكنيف مسجدا بعد تنظيفه وطمه بالتراب معللا في بعضها بان التراب يطهره (* 1) لدلالتها على أن الارض المتنجسة لا يجوز اتخاذها مسجدا إذا لم ينظف ولم تطم بالتراب فمقتضى تلك الاخبار أن المسجدية والنجاسة أمران متنافيان ولا يجتمعان فتجب إزالتها عنه كما يحرم تنجيسه ثم انها انما تقتضي وجوب ازالة النجاسة عن ظاهر المساجد فحسب وأما باطنها فلا تجب إزالتها عنه كما لا يحرم تنجيسه، لعدم منافاة نجاسة الباطن مع المسجدية وإلا لم يكف طم الكنيف في جواز اتخاذه مسجدا لان طمه بالتراب إنما يقطع


(* 1) راجع في ب 11 من ابواب المساجد من الوسائل.

[ 275 ]

رائحته ويمنع عن سراية نجاسته لا أنه يطهره كما لعله ظاهر وهل هذا حكم تعبدي مخصوص بمورد الروايات المتقدمة أو انه يعم غيره من الموارد أيضا؟ ذهب صاحب الجواهر " قده " إلى اختصاص ذلك بمورد الاخبار وهو المسجد المتخذ من الكنيف وما يشبهه فلا يجوز تنجيس الباطن في سائر المساجد كما تجب ازالة النجاسة عنه و " فيه ": أن حرمة تنجيس باطن المسجد لم تثبت بدليل، وكذا وجوب الازالة عنه لان مدركهما إن كان هو الاجماع والارتكاز فمن الظاهر انهما مفقودان في الباطن وانما تختصان بظاهر المساجد. وإن كان مدركهما هو الصحيحة المتقدمة فهي أيضا كذلك لان المرتكز في ذهن السائل إنما كان وجوب الازالة عن السطح الظاهر من المسجد لانه الذي بالت عليه الدابة وسأل الامام عليه السلام عن حكمه. وأما إذا كان مدرك الحكمين هو الاخبار الواردة في جواز اتخاذ الكنيف مسجدا بعد طمه بالتراب فلا أشكال في انها لا تنفي جواز تنجيس البواطن في غير موردها فمقتضى الاصل جواز تنجيسها وعدم وجوب الازالة عنها فالصحيح أن حرمة التنجيس ووجوب الازالة حكمان مخصوصان بظاهر المساجد وسطحها هذا. وقد يستدل على أصل وجوب الازالة بموثقة الحلبي قال: نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: أين نزلتم؟ فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: إن بينكم وبين المسجد زقاقا قذرا، أو قلنا له: إن بيننا وبين المسجد زقاقا قذرا، فقال: لا بأس إن الارض تطهر بعضها بعضا... (* 1) وبما رواه صاحب السرائر عن نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر عن المفضل بن عمر عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ان طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه فربما مررت فيه وليس علي حذاء فيلصق برجلي من نداوته فقال: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟ قلت: بلى


(* 1) المروية في ب 32 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 276 ]

قال: فلا بأس إن الارض تطهر بعضها بعضا.. (* 1) حيت دلتا على أن تنجس الرجل بملاصقة الزقاق القذر أو المتنجس بنداوة البول يمنع عن الدخول في المساجد لئلا يتنجس بملاقاتها إلا أن يمشي بعد ذلك في أرض يابسة لان الارض تطهر بعضها بعضا. و " يدفعه ": أن ذيل الرواية الثانية أعني قوله قلت فأطأ على الروث الرطب، قال: لا بأس أنا والله ربما وطئت عليه ثم أصلي ولا أغسله. لقرينة واضحة على أن ما لصق برجله من النجاسات في الطريق إنما كان يمنع من ناحية الصلاة فحسب - لاستلزامه نجاسة البدن - لامن ناحية دخول المساجد كما لعله ظاهر. وأخرى يستدل عليه بقوله تعالى: وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (* 2) أي المصلين، حيث أن التطهير بمعنى إزالة النجاسة كما أن الامر للوجوب ولافرق بين البيت وسائر المساجد لعدم القول بالفصل و " يندفع ": بأن الامر بالازلة متوجه إلى ابراهيم الخليل ولم يثبت أن الطهارة كانت في زمانه بمعنى الطهارة المصطلح عليها في زماننا بل الظاهر أنها بمعناها اللغوي أعني النظافة من القذرات فالآية لو دلت فانما تدل على وجوب تنظيف المساجد لاعلى وجوب إزالة النجاسة عنها. وثالثة بقوله عز من قائل: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام (* 3) وقوله صلى الله عليه وآله جنبوا مساجدكم النجاسة (* 4) ونحن نتعرض للاستدلال بهما عند التكلم في حرمة ادخال النجاسة في المسجد ونجيب عنهما بما يأتي في تلك المسألة فانتظره.


(* 1) المروية في ب 32 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) الحج 22: 26 (* 3) التوبة 9: 28 (* 4) المتقدمة في ص 264

[ 277 ]

[ وطرف الداخل من جدرانها (1) بل والطرف الخارج (2) على الاحوط إلا أن لا يجعلها الواقف جزء من المسجد، بل لو لم يجعل مكانا ] (1) لانها من أجزاء المسجد. (2) بعد الفراغ عن وجوب إزالة النجاسة عن المسجد وحرمة تنجيس داخله وسطحه الظاهر يقع في الكلام في اختصاصهما بداخل المسجد وشمولهما لخارجه بحيث يحرم تنجيس حائط المسجد من الخارج وتجب ازالة النجاسة عنه فيما إذا لم يكن تنجيس خارجه أو ترك إزالة النجاسة عنه هتكا وإهانة في حقه وإلا فلا تأمل في حرمة تنجيسه ووجوب الازالة عنه. مقتضى إطلاق كلماتهم عدم الفرق بين داخل المسجد وخارجه كما لافرق بين سطحه وحائطة وناقش بعضهم في ذلك وذهب إلى عدم حرمة تنجيس خارج المسجد إذا لم يستلزم هتكه واهانته. والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف مدرك الحكمين فان كان مدركهما الاخبار الواردة في جواز اتخاذ الكنيف مسجدا بعد طمه فلابد من تخصيصهما بداخل المسجد لان مقتضى تلك الروايات ان المسجدية لا تجتمع مع نجاسة السطح الظاهر من داخل المسجد. وأما منافاتها مع نجاسة الخارج منه فلا يكاد يستفاد منها بوجه. وكذا إذا كان مدركهما الاجماع والارتكاز لانهما دليلان لبيان يقتصر فيهما على المقدار المتيقن وهو داخل المسجد فحسب. نعم إذا اعتمدنا فيهما على صحيحة علي بن جعفر المتقدمة فلا مناص من تعميمهما إلى كل من داخل المسجد وخارجه لان المستفاد من اطلاقها ان تنجيس المسجد حرام كما أن ازالة النجاسة عنه واجبة بلا فرق فيهما بين الداخل والخارج، ولاسيما أن الدابة إذا بالت فانما تبول على خارج الحائط من المسجد - لعدم تعاهد بولها على داخله - وهو الذي أمر عليه السلام بغسله، ولكن المناقشة المتقدمة تمنعنا عن الاستدلال بالصحيحة ومعه

[ 278 ]

[ مخصوصا منها جزء لا يلحقه الحكم ووجوب الازالة فورى (1) فلا يجوز التأخير بمقدار ينافي الفور العرفي. ويحرم تنجيسها ايضا (2) بل لا يجوز ادخال عين النجاسة فيها وان لم تكن منجسة إذا كانت موجبة لهتك حرمتها (3) بل مطلقا على الاحوط. ] ينحصر مدرك الحكمين بالاجماع والارتكاز والاخبار الواردة في اتخاذ الكنيف مسجدا بعد طمه وقد عرفت عدم دلالة شئ من ذلك على التعدي إلى خارج المسجد فالحكمان مختصان بداخله وان كانت الازالة عن خارجه وعدم تنجيسه هو الاحوط. (1) لشرافة المساجد وأهميتها لانها بيوت الله المعدة لعبادته ولا تناسبها النجاسة بوجه فترك المبادرة إلى تطهيرها خلاف الاحترام والتعظيم، ويدل عليه صحيحة علي بن جعفر المتقدمة - مع الغض عن المناقشة السابقة في دلالتها - حيث لم يرخص الامام عليه السلام تأخير إزالة بول الدابة عن المسجد إلى الفراغ عن الصلاة. (2) لان المساجد متى ثبت وجوب الازالة عنها بالاجماع والارتكاز وما أسلفناه من الروايات ثبتت حرمة تنجيسها للملازمة العرفية بينهما فان العرف يستفيد من وجوب إزالة النجاسة عن موضع حرمة تنجيسه وبالعكس. (3) لان المساجد بيوت الله فلابد من تعظيمها فهتكها وخلاف تعظيمها من المحرمات بلا فرق في ذلك بين أن يكون هتكها بسبب إدخال النجاسة فيها كما إذا جمع فيها العذرة ليحملها إلى مكان آخر وبين أن يكون بسبب أمر آخر كجمع الزبالة فيها لنقلها عنها بعد ذلك. فانه وأشباهه هتك للمساجد عرفا والهتك محرم كما مر وإنما الكلام فيما

[ 279 ]

إذا لم يستلزم ادخال النجاسة في المسجد هتكه ولا تنجسه كما إذا جعل مقدارا من الدم أو البول في قارورة وسد رأسها ووضعها في جيبه حتى دخل المسجد فهل يحكم بحرمة ادخال النجاسة حينئذ؟ نسب القول بذلك إلى المشهور واستدل عليها بوجهين: " أحدهما ": النبوي: جنبوا مساجدكم النجاسة (* 1) لان ادخال النجاسة فيها ينافي التجنب المأمور به ويرد عليه " أولا ": أن الرواية نبوية ضعيفة السند كما أشرنا إليه سابقا ولم يعمل المشهور بها حتى يتوهم انجبار ضعفها بذلك لان كثيرا ممن ذهب إلى حرمة ادخال النجاسة في المسجد حمل المساجد - في الرواية - على مسجد الجبهة. و " ثانيا ": أن الرواية قاصرة الدلالة علسى المدعى لان النجاسة لها معنيان: " أحدهما ": الاعيان النجسة لصحة اطلاقها عليها من باب قولنا: زيد عدل فيقال: النجاسات إثنتا عشرة البول والغائط وهكذا و " ثانيهما ": المعنى المصدري وهو الوصف القائم بالجسم والاستدلال بها إنما يتم فيما إذا كان للرواية ظهور في ارادة المعنى الاول ليكون معناها جنبوا مساجدكم البول والدم وغيرهما من الاعيان النجسة ودون اثبات ذلك خرط القتاد حيث لا نرى في الرواية ظهورا عرفيا في ذلك بوجه ومن المحتمل أن يكون النجاسة بمعناها المصدري ومعه تدل على حرمة تنجيس المساجد وقد مر انها مما لاتردد فيه بل هو أجنبي عما نحن بصدده أعني حرمة ادخال النجاسة في المسجد فيما إذا لم يستلزم هتكه ولا تنجيسه. و " ثانيهما ": قوله: تعالى: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام (* 2) لان الآية المباركة فرعت حرمة قرب المشركين من المسجد الحرام على نجاستهم فظاهرها أن النجس لا يجوز أن يقرب المسجد ويدخله فكأنه عز من قائل قال: المشركون نجس وكل نجس لايدخل المسجد الحرام وإذا ثبت حرمة ادخال


(* 1) قدمنا مصدرها في ص 264 (* 2) التوبة: 9: 28

[ 280 ]

النجاسة في المسجد الحرام ثبتت في جميع المساجد لعدم القول بالفصل. ويبتني الاستدلال بهذه الآية المباركة على أن يكون المراد بالنجس في زمان نزول الآية الشريفة النجاسة بالمعنى المصطلح عليه الذي له أحكام كحرمة الاكل والمانعية في الصلاة وغيرهما من الآثار المترتبة عليه في الشريعة المقدسة كما كانت تستعمل بهذا المعنى في عصرهم عليهم السلام وأنى للمدعي باثباته إذ لا علم لنا بثبوت النجاسة بالمعنى المصطلح عليه في ذلك الزمان ومن المحتمل أن لا يكون منها عين ولا أثر في زمان نزول الآية المباركة. بل الظاهر أن المراد فيها بالنجس هو القذر المعنوي أعني قذارة الشرك كما هو المستفاد من تعليق النهي عن دخولهم المسجد بوصف انهم مشركون فان فيه إشعارا بعلية الشرك في حرمة الدخول. على أن حمل النجس على ذلك هو الذي يساعده الاعتبار، لان المشرك عدو الله فلا يناسب أن يدخل المسجد الحرام لعظمته وشرافته ولانه قد أسس لتوحيد الله وعبادته فكيف يدخله من يعبد غيره فهل يدخل المشرك بيت الله سبحانه وهو يعبد غيره؟! فالآية المباركة أجنبية الدلالة على حرمة إدخال النجاسة في المساجد. ويوكد ذلك أن ظاهر الاية ان النجاسة هي العلة في النهى عن دخولهم المسجد الحرام فلو حملنا النجس فيها على معناه المصطلح عليه لزم الحكم بحرمة إدخال أي نجس في المساجد مع أن هناك جملة من النجاسات يجوز إدخالها في المساجد بضرورة الفقة والاخبار: " منها ": المستحاضة وإن كان دمها سائلا وموجبا لتلوت بدنها حيث يجوز لها أن تطوف بالبيت كما ورد في الاخبار المعتبرة (* 1) و " منها ": الحائض والجنب وإن كان بدنهما مصاحبا للنجاسة لان مقتضى الاخبار جواز دخولهما في المساجد


(* 1) رجع ب 91 من الطواف واقامة من الوسائل.

[ 281 ]

مجتازين (* 1) و " منها ": من كان على بدنه جرح أو قرح لان السيرة - خلفا عن سلف - قد استقرت على جواز دخوله المسجد مع اشتماله بدنه على الدم وكذلك الحال فيمن تنجس بدنه أو ثيابه بغير دم الجروح والقروح هذا، ثم لو سلمنا أن النجس في الآية المباركة بمعناه المصطلح عليه فلا مناص من تخصيص ذلك بالمشركين ولا يسعنا التعدي عنهم إلى بقية النجاسات وذلك لان قذارة الشرك أشد وآكد من سائر القذارات إذ الشرك يقذر الارواح والاجسام فهو من أعلى مصاديق النجس بحيث لو تجسمت النجاسة في الخارج لكانت هو الشرك بعينه فإذا حكمنا على تلك القذارة بحكم فكيف يسعنا التعدي عنها إلى غيرها مما هو أدون من الشرك بمراتب؟ و " توضيح ذلك ": أن النجس مصدر نجس فيقال: نجس ينجس نجسا وله إطلاقان: فقد يطلق ويراد منه معناه الاشتقاقي وهو بهذا المعنى يصح إطلاقه على الاعيان النجسة فيقال: البول نجس أي حامل لنجاسته فهو نجس أي قذر بمعنى الفاعل أو الصفة المشبهة والنجس في الآية المباركة لو كان بهذا المعنى الاشتقاقي أمكننا أن نتعدى من المشركين إلى سائر الاعيان النجسة وكذا المتنجسات كما هو ظاهر كلمات جماعة لصحة اطلاق النجس على المتنجس على ما يشهد له بعض الاخبار (* 2) وبما أن ظاهر الآية أن النهي عن دخولهم المسجد متفرع على نجاستهم فتدلنا على ان الحكم يعم كل ما صدق عليه انه نجس وقد يطلق ويراد منه معناه الحدثي المصدري وهو بهذا المعنى لا يصح اطلاقه على الاعيان النجسة فان العين لا معنى لكونها حدثا مصدريا اللهم إلا بضرب من العناية والمبالغة


(* 1) راجع ب 15 من ابواب الجنابة من الوسائل. (* 2) كمكاتبة سليمان بن رشيد المتقدمة في ص 246 حيث أطلق فيها النجس على الثوب المتنجس في قوله: إذا كان ثوبه نجسا. وكذا غيرها من الاخبار.

[ 282 ]

[ وأما ادخال المتنجس فلا بأس به (1) ما لم يستلزم الهتك. (مسألة 3) وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائي (2) ] كقولهم زيد عدل ولكنه يحتاج إلى مرخص في الاستعمال والآية المباركة لم يظهر إرادة المعنى الاشتقاقي فيها من النجس بل الظاهر انه إنما اطلق بالمعنى الحدثي المصدري - كما هو المناسب لكل مصدر - وإنما صح إطلاقه على المشركين لتوغلهم في القذارة وقوة خباثتهم ونجاستهم كاطلاق العدل على زيد في المثال. ولم يثبت أي مرخص في اطلاقه على بقية الاعيان النجسة فصح اختصاص الآية - على تقدير كون النجس فيها بمعناه المصطلح عليه - بالمشركين ولا يمكننا التعدي عنهم إلى غيرهم من النجاسات فضلا عن المتنجسات وان كان تعميم المنع إلى كل منهما ظاهر جماعة فالى هنا تحصل أن ادخال النجاسة في المساجد - بما هو كذلك - مما لم تقم على حرمته دليل اللهم إلا أن يستلزم هتكها أو تنجيسها. (1) قد اتضح الوجه فيه مما سردناه آنفا. (2) لعدم اختصاص أدلة وجوبها بشخص دون شخص وعدم قابلية الازالة للتكليف بها إذا قام بها بعض المكلفين. وعن الشهيد في الذكرى التفصيل بين ما إذا استند تنجيس المسجد إلى فاعل مشعر مختار فوجوب الازالة عيني في حقه وبين ما إذا كان مستندا إلى غيره فوجوب الازالة كفائي على الجميع وهذا كما إذا اقتتل في المسجد حيوانان فاقدان للشعور والاختيار فقتل أحدهما الآخر وتلوث المسجد بدمه أو افترست الهرة طيرا وتنجس المسجد بدمه وهكذا. وفيه انه إن أراد بذلك إن الازالة - عندما استند تتجيس المسجد إلى فاعل مختار - متعينة في حقه وإذا عصى واجبه وترك الازالة تجب على غيره من المسلمين كفاية - كما التزموا بذلك في مثل انفاق الوالد على ولده

[ 283 ]

[ ولا اختصاص له بمن نجسها أو صار سببا، فيجب على كل أحد. (مسألة 4) إذا رأى نجاسة في المسجد وقد دخل وقت الصلاة تجب المبادرة إلى إزالتها (1) مقدما على الصلاة مع سعة وقتها ومع الضيق قدمها (2) ولو ترك الازالة مع السعة واشتغل بالصلاة عصى، لترك الازالة. لكن في بطلان صلاته إشكال، والاقوى الصحة (3) ] الفقير - أو العكس - حيث انه واجب عيني في حقه إلا أنه إذا عصى وترك واجبه يجب على عامة الناس كفاية لوجوب حفظ النفس المحترمة. وفي صلاة الميت ودفنه وكفنه فانها أيضا واجبات عينية على وليه - على وجه - فيقوم بها بالمباشرة أو التسبيب فإذا خالفها تجب على غيره من المسلمين كفاية - فهو وإن كان دعوى معقولة - على ما حققناه في محله - إلا أن اثباتها يحتاج إلى دليل وهو مفقود في المقام لان نسبة أدلة وجوب الازالة إلى من نجس المسجد وغيره على حد سواء. وإن أراد به أن الامر بالازالة متوجه إلى الفاعل المختار ولا تكليف على غيره أزال أم لم يزل، وإنما تجب على المسلمين كفاية فيما إذا استند تنجيس المسجد إلى غير الفاعل المختار ففيه أن الفاعل المختار قد يعصي ولا يزيل فيبقى المسجد متنجسا لعدم وجوب الازالة على غيره من المكلفين لا كفاية ولاعينا وهو خلاف الاجماع والارتكاز وغيرهما من الادلة القائمة على وجوب إزالة النجاسة عن المسجد فالصحيح أن وجوب الازالة كفائي في كلتا الصورتين. (1) لانها من الواجبات المضيقة ووجوبها على الفور والصلاة موسعة والموسع لا يزاحم المضيق بوجه. (2) لان الصلاة أهم فانها عمود الدين كما في الخبر (* 1). (3) قالوا إن الوجه في صحتها منحصر بالترتب وذهب صاحب الكفاية


(* 1) راجع ب 6 و 8 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها.

[ 284 ]

[ هذا إذا أمكنه الازلة. وأما مع عدم قدرته مطلقا أو في ذلك الوقت فلا إشكال في صحة صلاته (1) ولا فرق في الاشكال في الصورة الاولى ] إلى إمكان تصحيح العبادة حينئذ بالملاك من غير حاجة إلى القول بالترتب. أما الملاك فقد أسلفنا في محله عدم صحة تصحيح العبادة به إذ لاعلم لنا بوجوده لوضوح أن الملاك إنما نستكشفه من الامر المتعلق بالعبادة ومع فرض سقوط الامر بالمزاحمة لاسبيل لنا إلى احرازه. وأما الترتب فهو وإن كان صحيحا في نفسه بل إن تصوره - بجميع ما هو عليه من خصوصياته ومزاياه - مساوق لتصديقه إلا أن مورده ما إذا كان كلا الواجبين مضيقا كحفظ النفس المحترمة والصلاة في آخر وقتها. وأما إذا كان أحدهما أو كلاهما موسعا فلا مجال فيه للترتب بوجه فالتحقيق في تصحيح الصلاة حينئذ أن يقال إن المضيق قد وجب على المكلف بعينه وأما الامر في الموسع فهو إنما تعلق بالطبيعي الجامع بين المبدء والمنتهي فالفرد المزاحم من أفراده مع المضيق لم يتعلق به أمر أو وجوب وإنما هو مصداق للمأمور به لا أنه مأمور به بنفسه حتى في غير موارد التزاحم ومن البين أنه لا تزاحم بين الواجب وهو المضيق وبين غير الواجب وهو الفرد المزاحم من الموسع مع الواجب المضيق فإذا أتى المكلف بالمضيق فهو وإلا فقد عصى للتكليف المتوجه إليه إلا أنه يتمكن من اتيان ذلك الفرد المزاحم من الموسع مع المضيق بداعي الامر المتعلق بالطبيعي الجامع الملغى عنه الخصوصيات وهذا كاف في صحة صلاته. نعم إذا بنينا على أن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده ولو نهبا غيريا فلا مناص من بطلان الصلاة في مفروض المسألة لانها من أضداد الازالة المأمور بها ولكنا لانقول به كما أسلفنا تفصيله في محله. (1) لوضوح أن النجاسة بوجودها غير مزاحمة لشئ وانما المزاحم

[ 285 ]

[ بين أن يصلي في ذلك المسجد أو في مسجد آخر (1) وإذا إشتغل غيره بالازالة لا مانع من مبادرته إلى الصلاة قبل تحقق الازالة (2). (مسألة 5) إذا صلى ثم تبين له كون المسجد نجسا كانت صلاته صحيحة (3) وكذا إذا كان عالما بالنجاسة، ثم غفل وصلى وأما إذا ] مع الصلاة هو الامر بازالتها وإذا سقط عن المكلف لعجزه فلا موجب لبطلان صلاته. (1) أو في مكان ثالث كما إذا صلى في بيته لان الميزان منافاة العمل للواجب المأمور به والمنافاة متحققة في جميع الصور كما هو واضح. (2) لانصراف الامر بالازالة عنه بفعل غيره فكما له حينئذ أن ينام أو يجلس أو يشاهد عمل المزيل كذا له أن يصلي لوحدة المناط. (3) إذا بنينا على أن عصيان الامر بالازالة مع العلم به - ولو مع التمكن منها وعدم اشتغال الغير بها - غير مستلزم لبطلان الصلاة وإن كان المكلف يستحق بذلك العقاب لتركه المأمور به المنجز في حقه فلا وقع للكلام على الصحة مع الغفلة أو الجهل. وأما إذا بنينا على بطلانها حينئذ فللنزاع في الصحة مع الغفلة أو الجهل مجال فنقول: أما الغافل فلا ينبغي الاشكال في صحة صلاته لان الغافل كالناسي لا تكليف في حقه إذ التكاليف بأسرها مشروطة بالقدرة على امتثالها والغافل لعدم التفاته غير متمكن من الامتثال ولا يمكن قياسه بالجاهل لانه متمكن من امتثال ما جهله بالاحتياط، ولا يتمكن الغافل من ذلك لعدم التفاته فحيث أن المكلف غير مأمور بالازالة فلا إشكال في صحة صلاته. وأما الجاهل كمن رأى رطوبة في المسجد ولم يدر انها بول أو مايع طاهر فبنى على عدم نجاسة المسجد باصالة الطهارة أو أصالة عدم كون الرطوبة بولا فصلى ثم

[ 286 ]

انكشف انها رطوبة بول - مثلا - فالحكم ببطلان صلاته وصحتها يبتنى على لحاظ أن الحكم ببطلانها عند العلم بوجود النجاسة هل هو من جهة مزاحمة الامر بالصلاة مع الامر بالازالة أو أنه من جهة تنافي الحكمين واستلزام ذلك التقييد في دليل الواجب؟ لان الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده والنهي في العبادة يقتضي الفساد سواء أكان النهي نفسيا أم كان غيريا، فان استندنا في الحكم ببطلان الصلاة إلى التزاحم - وعدم قدرة المكلف على امتثال كلا الحكمين وأن الامر بالازالة لمكان انها أهم يسلب القدرة عن الصلاة ومع عدم القدرة لا تكليف بها والعبادة من غير أمر تقع فاسدة كما نسب إلى البهائي " قده " حيث أن الامر بالشئ وإن لم يقتض النهي عن ضده إلا أنه يقتضي عدم الامر به فإذا كان الضد عبادة فلا محالة تقع فاسدة - فلا مناص من الحكم بصحة صلاة الجاهل بوجود النجاسة، لعدم فعلية الامر بالازالة لجهله ومع عدم فعلية وجوبها لاسالب لقدرة المكلف عن الصلاة فهي مقدورة له بحسب التكوين والتشريع فيشملها الاطلاقات وبه يحكم بصحتها، وعلى الجملة لا تكاذب بين المتزاحمين بحسب مقام الجعل وانما قيل ببطلان غير الاهم إذا كان عبادة من جهة أن الامر بالاهم يسلب القدرة عنه وهذا مختص بما إذا تنجز الامر بالاهم بالاضافة إلى المكلف وأما مع عدم تنجزه للجهل به فلا مانع من شمول الاطلاقات للمهم وبذلك صح الحكم بصحة الصلاة وتعين التفصيل في الحكم ببطلانها بين صورتي العلم بالنجاسة وجهلها. وأما إذا استندنا في الحكم ببطلانها إلى تنافي الحكمين فلابد من الحكم ببطلانها في كلتا صورتي العلم بالنجاسة وجهلها وذلك لانا إذا بنينا على أن الامر بالازالة يقتضي النهي عن ضدها فلا محالة يقع التعارض بين الحرمة والوجوب في الصلاة لانهما أمران لا يجتمعان ولا يعقل جعلهما في مورد واحد فلا مناص من الاخذ باحدهما ورفع

[ 287 ]

[ علمها أو التفت إليها في أثناء الصلاة (1) فهل يجب إتمامها ثم الازالة، ] اليد عن الآخر فإذا رجحنا الحرمة لاهمية الازالة فيستلزم ذلك تقييدا في دليل الواجب وهو تخصيص واقعي ولا مناص معه من الحكم ببطلان الصلاة في كلتا صورتي العلم بالنجاسة والجهل بها لان الحكم بوجوب الصلاة مع فرض وجوب الازالة - وان لم يتنجز لجهل المكلف - أمر مستحيل سواء أكان عالما بالنجاسة أم لم يكن. ومن هنا قلنا في بحث اجتماع الامر والنهي: إنا إذا بنينا على الامتناع وقدمنا جانب الحرمة فمقتضاه الالتزام بالتخصيص في دليل الواجب ومعه يحكم ببطلانه في كلتا صورتي العلم بالحرمة وجهلها ولاجله حكمنا ببطلان الوضوء بالماء المغصوب مطلقا سواء علم المتوضي بغصبيته أم جهلها وقلنا إن ما اشتهر من أن العبادة تقع صحيحة في باب الاجتماع عند الجهل بحرمتها كلام شعري لاأساس له على القول بالامتناع (فذلكة الكلام) انه على ما سلكناه آنفا من انه لا تزاحم ولا تعارض بين الواجبات المضيقة والموسعة فلا كلام في صحة الصلاة في كل من صورتي العلم بالنجاسة وجهلها. وأما إذا بنينا على أنهما متزاحمان فان قلنا بالترتب أو بامكان تصحيح العبادة بالملاك فلابد من الالتزام بصحة الصلاة في كلتا الصورتين غاية الامر أن الامر بالصلاة على القول بالترتب مشروط في فرض العلم بالعصيان الامر بالازالة. وأما إذا لم نقل بالترتب ولا بامكان تصحيح العبادة بالملاك فلا كلام في بطلان الصلاة عند العلم بوجود النجاسة ووجوب إزالتها. وأما عند الجهل بها فلابد من التفصيل بين ما إذا كان مستند الحكم ببطلان الصلاة عند العلم بالنجاسة هو التزاحم فنحكم بصحتها عند الجهل بالنجاسة وبين ما إذا كان المستند هو المعارضة وتنافي الحكمين فنلتزم ببطلانها في كلتا الصورتين. (1) للمسألة صور ثلاث: " الاولى ": ما إذا علم بوجود النجاسة

[ 288 ]

قبل الصلاة ثم غفل عنها فدخل في الصلاة والتفت إليها في أثنائها " الثانية ": ما إذا دخل في الصلاة من دون علمه بوجود النجاسة إلا أنه التفت إليها في أثناء الصلاة " الثالثة ": ما إذا طرءت النجاسة وهو في أثناء الصلاة. وفى جميع هذه الصور إن تمكن من إزالة النجاسة في أثناء صلاته من غير أن توجب الانحراف عن القبلة أو تعد من الفعل الكثير وجبت فيقطع صلاته ويزيل النجاسة ثم يتمها من حيث قطعها. وأما إذا استلزمت الانحراف أو عدت من الفعل الكثير ففي وجوب إتمام الصلاة ثم الازالة أو ابطالها والمبادرة إلى الازالة أو التفصيل بين الصورة الاولى فيجب قطع الصلاة لاستصحاب وجوب الازالة الثابت قبل الصلاة وبين الاخيرتين فيجب إتمام الصلاة ثم الازالة لاستصحاب وجوب إتمامها - المتحقق قبل وجوب الازالة - وجوه ذهب الماتن " قده " إلى وجوب إتمامها مطلقا ولعل وجهه أن دليل فورية الازالة لا يقتضي لزوم الزائد على الفورية العرفية وليس على نحو يشمل المقام كما لا يشمل ما إذا طرءت النجاسة على المسجد وهو في أثناء الطعام أو غيره مما يحتاج إليه. وتفصيل الكلام في المقام أن فورية الازالة ووجوب المبادرة نحوها إن كان مدركهما دليلا لفظيا - كما إذا قلنا بدلالة الآية المباركة والاخبار المتقدمة على وجوبها الفوري - وكان مدرك وجوب اتمام الفريضة وحرمة قطعها أيضا دليلا لفظيا - كما إذا إذا استدللنا عليهما بما ورد من أن الصلاة تحريمها التكبيرة وتحليلها التسليم (* 1) بحمل التحريم والتحليل على الحرمة والحلية التكليفيتين حيث يدل حينئذ على أن الامور القاطعة للصلاة من الاستدبار والقهقهة ونحوهما محرمة لان محلل الصلاة هو التسليم فيكون الاطلاقان متزاحمين فان كلا منهما يشمل صورة وجود الآخر وعدمه فيدل أحدهما على وجوب المبادرة إلى


(* 1) قدمنا مصدرها في ص 258

[ 289 ]

الازالة وفوريتها سواء كان المكلف في أثناء الفريضة أم لم يكن، ويدل الآخر على حرمة قطع الفريضة مع نجاسة المسجد وعدمها، وحيث أن المكلف لا يتمكن من امتثال كليهما - كما هو مفروض المسألة - فالاطلاقان متزاحمان ولابد من الرجوع إلى قواعد باب التزاحم وهي تقتضي وجوب تقدير الاهم أو ما يحتمل أهميته على غيره هذا إذا كان أحدهما كذلك وإلا فيتخير بينهما لتساويهما من جميع الجهات. ولما لم تثبت الاهمية في المقام ولا أنها محتملة في أحدهما دون الآخر تخير المكلف بين إتمام الصلاة ثم الازالة وبين قطعها والمبادرة إلى الازالة، والحكم بوجوب الاتمام حينئذ مبني على احتمال كونه أهم. ولا يفرق في ذلك بين القول بالترتب وعدمه لان القول بالترتب بين المتساويين أيضا ينتج التخيير. نعم القول بالترتب يلزمه القول بتعدد العقاب إذا تركهما معا لان كلا من الازالة واتمام الصلاة واجب مشروط بترك الآخر فهناك واجبان مشروطان تحقق شرط كل منهما بتركهما فيترتب عليه عقابان وهذا بخلاف ما إذا انكرنا الترتب حيث لا تكليف حينئذ إلا بأحدهما مخيرا فإذا تركهما فقد عصى تكليفا واحدا كما هو الحال في سائر الواجبات التخييرية. وأما إذا كان مدركهما دليلا لبيا أعني به الاجماع نظرا إلى أن ما دل على وجوب الازالة لا يدل على وجوبها الفوري الدقي غاية الامر أن يدل على وجوب الفور العرفي، حيث لا مجال لتوهم دلالته على جواز تأخير الازالة إلى مرور خمسين سنة - مثلا - فلابد في امتثال الامر بالازالة من المبادرة إليها عرفا والفورية العرفية لا ينافيها إتمام ما بيده من الصلاة أو انهاء ما اشتغل به من أكل أو شرب ونحوهما مما بقي منه شئ طفيف وعليه فلو وجبت الازالة فورا عقليا فهو مستند إلى الاجماع لا محالة كما أن وجوب إتمام الصلاة إنما يثبت بالاجماع المنعقد على وجوب وحرمة قطعها، لان المراد بالتحليل والتحريم في الاخبار

[ 290 ]

المتقدمة إنما هو الحرمة والحلية الوضعيتان أعني مانعية مثل القهقهة والاستدبار ونحوهما بعد تكبيرة الاحرام وعدم مانعيتها بعد التسليمة فانه لا موضوع حينئذ كي تمنع عنه تلك الامور فلا دلالة للروايات على حرمتها التكليفية ومن هنا ورد في بعضها: أن الصلاة مفتاحها التكبير أو انها يفتتح بالتكبير ويختم بالتسليم (* 1) ومعناه أن الاتيان بشئ من القواطع بعد الافتتاح يوجب انقطاع الصلاة وبطلانها، والذي يدلنا على أن المراد بالتحليل والتحريم هو الحرمة والحلية الوضعيتان أن المراد بهما لو كان هو الحرمة والحلية التكليفيتان لم يفرق في ذلك بين النافلة والفريضة لان اطلاق الروايات كما تشمل الثانية أيضا تشمل الاولى فالتكبيرة محرمة في النوافل والفرائض والتسليمة محللة مع أن النوافل غير محرم قطعها بلا اشكال فعلى ما ذكرنا لو قلنا بوجوب اتمام الصلاة وحرمة قطعها فلابد من الاستناد فيهما إلى الاجماع المدعى - اذن فالنتيجة أيضا التخيير لان الاجماع دليل لبي يقتصر فيه على المقدار المتيقن. والمتيقن من وجوب إتمام الصلاة ووجوب المبادرة إلى الازالة انما هو غير صورة المزاحمة فالمبادرة إلى الازالة انما نعلم بوجوبها فيما إذا لم يكن المكلف في أثناء الصلاة كما أن اتمام الفريضة انما يجب إذا لم تكن الازالة واجبة في حقه ومع فرض التزاحم لادليل على وجوب شئ من الاتمام والمبادرة إلى الازالة فله أن يقطع صلاته ويشرع في الازالة كما أن له أن يتمها ثم يزيل النجاسة. وإذا فرضنا أن فورية الازالة استندت إلى دليل لفظي وكان وجوب الاتمام مستندا إلى الاجماع فلا محالة تتعين عليه الازالة وتتقدم على وجوب اتمام الصلاة لان اطلاق دليلها يشمل ما إذا كان المكلف في أثناء الصلاة ولا يزاحمه وجوب الاتمام لان القدر المتيقن من وجوبه غير صورة الابتلاء بالمزاحم. وإذا عكسنا


(* 1) يراجع ب 1 من ابواب تكبيرة الاحرام و 1 من ابواب التسليم من الوسائل.

[ 291 ]

[ أو إبطالها والمبادرة إلى الازالة؟ وجهان أو وجوه، والاقوى وجوب الاتمام. ] الفرض - وكان وجوب الاتمام مستندا إلى دليل لفظي والفورية في الازالة ثبتت بدليل غير لفظي - فينعكس الحكم ويجب عليه الاتمام ثم الازالة لان دليله باطلاقه يشمل ما إذا تنجس المسجد في أثناء الصلاة ولا يزاحمه دليل فورية الازالة لاختصاصه بما إذا لم يبتل المكلف بتكلف آخر هذا. والتحقيق هو التخيير بين اتمام الصلاة ثم الازالة وبين قطعها والمبادرة إلى الازالة قبل اتمامها كما أشرنا إليه في تعليقتنا على المتن وذلك لعدم الدليل على وجوب اتمام الصلاة فان الاخبار المتقدمة لادلالة لها عليه والاجماع المدعى على وجوبه غير ثابت فلم يبق سوى الاجماع المنقول ولا اعتبار به عندنا وكذلك الحال في الفورية العقلية في الازالة حيث لم يقم دليل على وجوبها فان غاية ما يمكن استفادته من الاخبار الواردة في جواز جعل الكنيف مسجدا بعد طمه ومن صحيحة علي ابن جعفر المتقدمة - ان تمت دلالتها - هو الفورية العرفية غير المنافية مع اتمام ما بيده من الصلاة أو غيرها فالمكلف يتخير بين الامرين المتقدمين. ثم ان ما ذكرناه من التخيير بين الامرين السابقين أو تقديم أحدهما على الآخر يأتي في جميع الصور الثلاث ولا اختصاص له ببعض دون بعض وذلك لاجل الابتلاء بالمزاحم في الجميع هذا كله من جهة الحكم التكافي أعني وجوب اتمام ما بيده من الصلاة أو وجوب قطعها والمبادرة إلى الازالة. وأما من ناحية حكمها الوضعي أعني صحتها إذا أتمها ولم يبادر إلى الازالة فقد اتضح مما أسلفناه في المسألة المتقدمة حيث انها صحيحة تعينت عليه المبادرة إلى الازالة أم لم تتعين. نعم إذا قلنا بتعينها حينئذ ولكنه تركها واتم صلاته فقد ارتكب محرما وعصى بتأخيره الازالة إلا ان صلاته صحيحة على كل حال.

[ 292 ]

[ (مسألة 6) إذا كان موضع من المسجد نجسا، لا يجوز تنجيسه ثانيا (1) بما يوجب تلويثه، بل وكذا إذا كانت الثانية أشد واغلظ من الاولى، وإلا ففي تحريمه تأمل، بل منع، إذا لم يستلزم تنجيس ما يجاوره من الموضع الطاهر، لكنه أحوط. ] (1) للمسألة صور: " الاولى ": أن يكون تنجيس الموضع المتنجس من المسجد سببا لسراية النجاسة إلى غير الموضع المتنجس منه وموجبا لاتساعها. ولا ينبغي الاشكال حينئذ في حرمته لانه تنجيس للمسجد في المقدار الزائد ابتداء وهو حرام. " الثانية ": ما إذا لم يوجب اتساع النجاسة إلا أن النجاسة الثانية كانت أشد من النجاسة السابقة في المسجد كما إذا كان متنجسا بالدم - وهو يزول بالغسل مرة واحدة - ثم نجسة بالبول مع البناء على أنه لا يزول الا بالغسل مرتين وهذا أيضا محرم لاشتماله على ما هو الملاك في الحكم بحرمة تنجيس المسجد ابتداء فكما انه مبغوض عند الشارع كذلك الثاني لان الشارع يبغض تشديد النجاسة فيه فهو ايجاد لمبغوضه في المسجد من الابتداء. و " الثالثة ": ما إذا لم يكن التنجيس مستلزما لاتساع النجاسة ولا أن الثانية كانت أشد من السابقة الا أنه أوجب تلويث المسجد تلويثا ظاهريا مضافا إلى نجاسته الواقعية كما إذا أراد تنجيس الموضع المتنجس من المسجد بالبول - مثلا - بتلويثه بالعذرة الرطبة وهذا أيضا كالصورتين المتقدمتين محكوم بحرمته لمنافاته احترام المسجد وتعظيم حرمات الله فهو هتك محرم " الرابعة ": ما إذا كان تنجيس الموضع المتنجس غير موجب لاتساع النجاسة ولا لتشديدها ولا كان موجبا للتلويث الظاهري والصحيح عدم الحرمة في هذه الصورة لعدم كونه تنجيسا للمسجد حقيقة فان المتنجس لا يتنجس ثانيا كما

[ 293 ]

[ (مسألة 7) لو توقف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز بل وجب (1) وكذا لو توقف على تخريب شئ منه ولا يجب طم الحفر وتعمير الخراب. نعم لو كان مثل الآجر مما يمكن رده بعد التطهير وجب ] اشرنا إليه في محله وقلنا أن النجاسة والطهارة حكمان وضعيان وحقيقتهما الاعتبار ولا معنى للاعتبار بعد الاعتبار. (1) في المسألة جهات من الكلام: " الجهة الاولى ": في جواز حفر المسجد وتخريبه إذا توقفت الازالة الواجبة على شئ منهما، ولا ينبغي التأمل في جوازهما بل وجوبهما إذا كان حفره أو تخريبه بمقدار يسير ولم يعد إضرارا للمسجد ومانعا عن الصلاة والعبادة فيه وذلك للمقدمية وتوقف الازالة المأمور بها عليه بناء على وجوب المقدمة شرعا وأما إذا كان بمقدار غير يسير وأدى إلى الاضرار والمنع عن الصلوة في المسجد فالحكم بجوازه فضلا عن وجوبه محل اشكال ومنع، لتزاحم ما دل على وجوب الازالة مع الادلة الدالة على حرمة الاضرار بالمسجد. وحرمة الاضرار لو لم يكن اقوى وأهم من وجوب الازالة فعلى الاقل انها محتملة الاهمية دون الوجوب فلا مسوغ معه للحكم بجواز حفر المسجد أو تخريبه. هذا إذا كان الدليل على وجوب الازالة هو الاخبار المتقدمة. وأما إذا استندنا فيه إلى الاجماع فالخطب سهل لعدم شمول الاجماع للازالة المستلزمة للاضرار بالمسجد. " الجهة الثانية ": في أن حفر المسجد أو تخريبه إذا قلنا بجوازه فهل يجب طم الحفر وتعمير الخراب منه؟ نص الماتن بعدم وجوبهما وهو الحق الصريح وهذا لا لما قيل من أن الحفر والتخريب إنما صدرا لمصلحة المسجد وتطهيره، والتصرف فيما يرجع إلى الغير إذا كان لمصلحة الغير لا يستتبع الضمان فانه لم يثبت على كبرويته - مثلا - إذا توقف انجاء نفس محترمة من الحرق أو

[ 294 ]

الغرق على تخريب دارها فهو وإن كان صدر لمصلحة مالكها الغريب وانجائه الا انه انما لا يستتبع الضمان فيما إذا استند إلى اذن نفسه أو الحاكم أو العدول لانه من الامور الحسبية التي يرضى الشارع بامثالها. وأما إذا لم يستند إلى شئ من ذلك بل خربها احد من قبل نفسه بداعي انجاء مالكها فالحكم بعدم استلزامه الضمان في نهاية الاشكال. بل الوجه فيما ذكرناه أن المسجد يمتاز عن بقية الامور الموقوفة بانه تحرير وفك للارض عن علاقة المملوكية فكما أن المملوك من العبيد قد يحرر لوجه الله فلا يدخل بعد ذلك في ملك مالك كذلك المملوك من الاراضي قد يحرر ويفك عن الملكية لوجه الله فلا تثبت عليها علاقة مالك ابدا والدليل الدال على الضمان انما اثبته في التصرف في مال أحد واتلافه. وأما اتلاف ما ليس بمال لاحد فلم يدل دليل على ضمانه بالتصرف فيه ومن هنا نفرق بين المسجد وادواته والاته من الحصر والفرش وغيرهما لانها اما أن تكون ملكا للمسلمين حيث وقفت لهم حتى ينتفعوا بها في صلاتهم وعبادتهم واما انها ملك للمسجد وموقوفة له ولامانع من تمليك المسجد ونحوه من غير ذوي الشعور وان كان الاول اقرب إلى الاذهان فان المسجد لا يحتاج إلى شئ من الالات والادوات وانما يحتاج إليها المسلمون في عباداتهم وصلواتهم في المسجد وكيف كان فهي مملوكة للغير على كلا الفرضين فالتصرف فيها يستتبع الضمان " الجهة الثالثة " أن الآجر ونحوه مما يمكن رده إلى المسجد بعد تطهيره هل يجب رده إليه؟ حكم الماتن (قده) بوجوبه وهو الصحيح وهذا لا لما ورد في بعض الاخبار من الامر بوجوب رد الحصاة أو التراب المأخوذين من المسجد أو البيت إليه (* 1) حتى يقال بعدم وجوب الرد في المقام لان اخراج الآجر - مثلا - انما كان بامر الشارع وحكمه بوجوب تطهيره بخلاف اخراج الحصاة والتراب. بل الوجه في


(* 1) راجع به 26 من ابواب احكام المساجد من الوسائل.

[ 295 ]

[ (مسألة 8) إذا تنجس حصير المسجد وجب تطهيره (1) أو قطع موضع النجس منه إذا كان ذلك اصلح من اخراجه وتطهيره كما هو الغالب ] ذلك ان الآجر إما أنه جزء للمسجد كما إذا جعلت الارض وما فيها من الاجر مسجدا واما أنه وقف للمسجد كسائر الآته أو وقف للمسلمين وعلى أي حال فهو من الموقوف ويجب رد الوقف إلى محله ويحرم التصرف فيه في غير الجهة التي أوقف لاجلها فان الوقوف حسب ما يقفها اهلها ومن ثمة نحكم بعدم جواز التصرف في مثل الحجارة والآجر وغيرهما من ادوات المسجد بعد خرابه لعدم كونها من المباحاث الاصلية فيجب اما ان يصرف في نفس ذلك المسجد - ان أمكن - والا ففي مسجد آخر لانها وقف للمسجد فيلاحظ فيها الاقرب فالاقرب. (1) في المسألة جهتان من الكلام: " الجهة الاولى ": أن المسجد إذا تنجس حصيره أو فرشه أو غيرهما من آلاته فهل تجب ازالة النجاسة عنه كما تجب ازالتها عن نفس المسجد؟ حكى القول بذلك عن الكثير ولم ينقل فيه خلاف الا أن الصحيح عدم وجوب الازالة عن آلات المساجد وذلك لانا ان استندنا في الحكم بوجوب الازالة عن المسجد إلى الاجماع المنعقد على وجوبها - كما هو الصحيح - فمن الظاهر عدم شموله لآلاته وأدواته فان المتقين منه انما هو نفس المسجد كما هو ظاهر. وان اعتمدنا فيه على الاخبار الواردة في جواز اتخاذ الكنيف مسجدا بعد طمه أو إلى صحيحة علي بن جعفر المتقدمة فهما مختصتان أيضا بنفس المسجد ولا دلالة لهما على وجوب الازالة عن آلاته. نعم لو استندنا في ذلك إلى قوله عز من قائل: انما المشركون تجس... (* 1) أو إلى النبوي: جنبوا مساجدكم النجاسة (* 2) وحملنا


(* 1) و (* 2) قدمنا مصدرهما في ص 264 وص 279

[ 296 ]

النجس على الاعم من النجاسات والمتنجسات لدلا على وجوب ازالة النجاسة عن الحصر والفرش وغيرهما من آلات المساجد لوجوب تجنيب المساجد عنهما وعدم ادخالها فيها. الا أنك عرفت عدم تمامية الاستدلال بشئ من الآية والرواية لان النجس بمعناه الحدثي المصدري وقد اطلق على المشركين لشدة خباثتهم ونجاستهم الباطنية والظاهرية فلا يمكن التعدي عن مثلها إلى سائر النجاسات فضلا عن المتنجسات كما أن النبوي مخدوش بحسب الدلالة والسند فتحصل انه لا دليل على وجوب ازالة النجاسة عن آلات المساجد فللمكلف أن يفرش عباءه المتنجس في المسجد ويصلي عليه ولا يجب اخراجه عن المسجد. نعم يحرم تنجيس أدواته لان التصرف في الوقوف في غير الجهة التي أوقفت لاجلها محرم والحصير إنما أوقف لان يصلى فوقه ولم يوقف لتنجسيه. نعم في مثل أسلاك المسجد ومنابرها وغيرها من المواضع التي لم توقف للعبادة لادليل على حرمة تنجيسها بعدم منافاته لجهة الوقف. " الجهة الثانية " أن الحصر والفرش وغيرهما من آلات المسجد إذا دار أمرها بين إخراجها من المسجد لتطهيرها ثم إرجاعها إليه وبين قطع الموضع المتنجس منها من دون إخراجها وتطهيرها فهل الارجح هو القطع أو التطهير باخراجها أو أن الامرين متساويان؟ الصحيح أن ذلك لايدخل تحت ضابط كلي لان المصلحة قد تقتضي التطهير دون القطع كما إذا فرضنا الفرش المتنجس من فرش قاسان فان قطع مقدار من مثله يوجب سقوطه عن المالية فلا إشكال في مثله في تعين التطهير باخراجه من المسجد ثم ارجاعه إليه، وقد ينعكس الامر كما إذا كان الحصير المتنجس كبيرا غايته فان نقله من مكانه ثم ارجاعه إليه يذهب بقوته وينقص من عمره بخلاف ما إذا قطعنا مقدارا قليلا منه كمقدار حمصة ونحوها فالمتعين في مثله القطع لا محالة وعلى الجملة لابد من مراعاة ما هو الاصلح بحال المسجد وآلاته وهو

[ 297 ]

[ (مسألة 9) إذا وقف تطهير المسجد على تخريبه أجمع، كما إذا كان الجص الذي عمر به نجسا، أو كان المباشر للبناء كافرا، فان وجد متبرع بالتعمير بعد الخراب جاز، وإلا فمشكل (1). (مسألة 10) لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خرابا (2) وإن لم يصل فيه أحد، ويجب تطهيره إذا تنجس. ] يختلف باخلاف الموارد والحالات. (1) كأن استشكاله " قده " من جهة اختصاص الادلة القائمة على وجوب ازالة النجاسة بما إذا كان المسجد قائما بعينه حال تطهيره فان الادلة - على هذا - لا تشمل المقام إذ التطهير مساق لانعدام موضوع المسجد على الفرض. قلت: الامر وان كان كما أفاده حيث لا دليل على وجوب تطهير المسجد إذا كان مستلزما لانعدامه إلا أن ذلك لا اختصاص له بصورة عدم وجدان المتبرع فان المسجد لمكان وقفه وتحريره يحتاج تخريبه إلى مرخص شرعي، لحرمة التصرف في الوقوف في غير الجهة الموقوفة لاجلها ووجود المتبرع لا يكون مرخصا في تخريب المسجد وإلا جاز تخريبه مع وجود المتبرع بتعميره وإن لم يكن محتاجا إلى التطهير، لعدم نجاسته وكيف كان فلا مرخص في تخريب المسجد في كلتا الصورتين ومن هنا أشرنا في التعليقة إلى أن صورتي وجدان المتبرع وعدمه متساويتان في الاشكال. (2) لهذه المسألة صورتان: " احداهما ": ما تعرض له الماتن في هذه المسألة وهو ما إذا كان المسجد خرابا لا يصلى فيه لكثرة ما فيه من التراب والزبالات إلا انه معنون بعنوان المسجد بالفعل بحيث يقال إنه مسجد خراب ولا يقال إنه كان مسجدا سابقا، وليس كذلك بالفعل و " ثانيتهما ":

[ 298 ]

[ (مسألة 11) إذا توقف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة (1) لا مانع منه (2) إن امكن إزالته بعد ذلك، كما إذا أراد تطهيره بصب الماء واستلزم ما ذكر. ] ما يتعرض له في المسألة الثالثة عشرة وهي ما إذا خرب المسجد على وجه تغير عنوانه ولم يصدق انه مسجد بالفعل بل قيل انه كان مسجدا في زمان وأما الآن فهو حمام أو شارع أو حانوت أما الصورة الاولى: فلا ينبغي الاشكال فيها في أن المسجد يحرم تنجيسه كما تجب الازالة عنه لعين الادلة المتقدمة القائمة على وجوب الازالة عن المسجد وحرمة تنجسيه لعدم التفصيل فيها بين المساجد العامرة والخربة. وأما الصورة الثانية: فيأتي عليها الكلام عند تعرض الماتن لحكمها. (1) كما إذا قلنا بنجاسة غسالة الغسلة الاولى أو كان المسجد متنجسا بدم ونحوه مما يحتاج إزالته إلى دلكه فاوجب صب الماء عليه قبل ازالته نجاسة بعض المواضع الطاهرة من المسجد. (2) والوجه فيه عدم شمول الادلة القائمة على تنجيس المسجد للمقام لان تنجيس الموضع الطاهر منه مقدمة لتطهيره وتطهير غيره من المواضع النجسة فلا دليل على حرمة تنجيسه أصلا. على أنا لو قلنا بحرمة التنجيس في أمثال المقام فلا محالة يقع التزاحم بين ما دل على حرمة تنجيس المسجد وما دل على وجوب تطهيره والمتعين حينئذ هو الاخذ بالاخير لان الامر يدور بين تنجيس شئ من المسجد زائدا على نجاسة الموضع المتنجس منه حتى ترتفع نجاسة الجميع في مدة يسيرة وبين أن لا يزيد على نجاسة المسجد بشئ وتبقى نجاسة الموضع المتنجس منه إلى الابد، ولا كلام في أن الاول هو المتعين الارجح لانه أقل محذورا من الاخير.

[ 299 ]

[ (12) إذا توقف التطهير على بذل مال وجب (1) وهل يضمن من صار سببا للتنجس؟ وجهان لا يخلو ثانيهما من قوة. ] (1) الكلام في هذه المسألة يقع في موردين: " أحدهما ": أن الازالة إذا توقفت على بذل مال - كقيمة الماء وإجرة الآلات والاجير - هل يجب بذله؟ لانه مقدمة للازالة الواجبة ومقدمة الواجب واجبة عقلا وشرعا أو عقلا فقط و " ثانيهما ": أن تنجيس المسجد إذا حصل بفعل فاعل مختار فهل يكون ضامنا للمال الذي تتوقف الازالة على بذله؟ (أما المورد الاول): فتفصيل الكلام فيه أن المال الذي يتوقف الازالة على بذله إن كان من أموال نفس المسجد - كاجرة الدكاكين الموقوفة لمصالحه - أو كان ممن تصدى للازالة إلا أنه كان بمقدار يسير لا يعد صرفه ضررا ولم يكن حرجيا في حقه فلا ينبغي الاشكال في وجوب بذله لانه مقدمة للازالة المأمور بها وأما إذا كان ضرريا أو موجبا للحرج فالظاهر عدم وجوب بذله إذ الاجماع القائم على وجوب الازالة غير شامل لهذه الصورة فان المتيقن منه غيرها. وأما الاخبار المستدل بها على وجوب الازالة فهي وإن كانت مطلقة وتقتضي وجوبها حتى إذا كانت ضررية أو حرجية إلا أن قاعدة نفي الضرر أو الحرج تقضي بعدم وجوب الازالة لانها حاكمة على أدلة جميع الاحكام الشرعية التي منها وجوب الازالة ولا غرابة في ذلك فانهم ذهبوا إلى أن الميت إذا لم يكن له مال يشترى به الكفن - ولم يكن من تجب عليه نفقته موسرا - لا يجب عليه ولا غيره شراء الكفن له، وإنما يدفن عاريا، أو يكفن من سهم سبيل الله من الزكاة كما صرح به جماعة لان الواجب الكفائي هو التكفين لا بذل الكفن كما أن الواجب تفصيله دون شراء الماء وهذا الحكم لا دليل عليه سوى قاعدة نفي الضرر، ومن هنا قد يستشكل في ذلك بأن التكفين أو التغسيل إذا وجب وجب تحصيل ما هو مقدمة له من شراء الكفن أو الماء،

[ 300 ]

لعدم حصول الواجب إلا به. فإذا اقتضت القاعدة عدم وجوب شراء الكفن لميت الانسان الذي هو أعز مخلوقات الله سبحان فلا غرو أن تقتضي عدم وجوب بذل المال مقدمة للازالة الواجبة. و (أما المورد الثاني): فقد قوى الماتن فيه عدم الضمان والامر كما أفاده ولنتكلم أولا في حكم تنجيس مال الغير حتى يظهر منه حكم المقام فنقول: إذا نجس أحد مال غيره واحتاج تطهيره إلى بذل الاجرة عليه فالظاهر عدم ضمانه للاجرة وذلك لما ذكرناه في بحث الضمان من أن أدلة الضمان وان كانت تشمل العين وأوصافها فإذا غصب أحد دابة - مثلا - وكانت سمينة ثم عرضها الهزال وهي تحت يده فلا محالة يضمن النقص الحاصل في قيمتها كما هو مقتضى " على اليد ما أخذت " وغيره من أدلة الضمان بلا فرق في ذلك بين وصف الصحة وغيرها من أوصاف الكمال وعليه إذا صار تنجيس مال غيره سببا لنقصان في قيمته كما قد يوجبه بل قد يسقطه عن المالية رأسا - كما إذا نجس ماء غيره أو لبنه ونحوهما - فلا اشكال في ضمانه له حيث أتلفه على مالكه إلا أن أجرة تطهيره وارجاعه إلى حالته السابقة مما لا دليل على ضمانه، وقد يكون التفاوت بين أجرة التطهير ومقدار النقص الحاصل في قيمة المال مما لا يتسامح به وهذا كما إذا نجس فرو غيره فانه ينقص قيمته لا محالة بحيت لو كان يشترى طاهره بخمسة دنانير - مثلا - يشترى بعد تنجسه باربعة إلا أن أجرة تطهيره وإرجاعه إلى حالته الاولية لعلها تزيد على ثلاثة دنانير لاحتياجه إلى الدباغة وغيرها من الاعمال بعد غسله فالذي يضمنه من صار سببا لتنجسه دينار واحد في المثال دون أجرة التطهير التي هي ثلاثة دنانير - مثلا - ومن ذلك يظهر عدم ضمان أجرة التطهير في تنجيس المسجد لما عرفت من انه لادليل على ضمانها في تنجيس ملك الغير فضلا عن تنجيس مالا يدخل في ملك مالك، والفرق بين تنجيس المسجد وغيره من الاموال إنما هو في أن المنجس

[ 301 ]

[ (مسألة 13) إذا تغير عنوان المسجد بأن غصب وجعل دارا أو صار خرابا، بحيث لا يمكن تعميره ولا الصلاة فيه، وقلنا (1) بجواز ] يضمن النقص الحاصل في قيمتها إذا حصل بتنجيسها وهذا بخلاف المسجد فان من صار سببا لتنجسه لا يضمن النقص أيضا لما تقدم من أن المساجد موقوفة ومعنى وقفها تحريرها فلا تقاس بسائر الوقوف التي هي ملك غير طلق فإذا لم تكن المساجد مملوكة لمالك فلا تشملها أدلة الضمان لاختصاصها بمال الغير وقد قدمنا أن اتلاف أرض المسجد ونفسه غير موجب للضمان فما ظنك باتلاف صفاتها الكمالية؟! (1) هذا الكلام يعطي بظاهره أن القول بجواز تنجيس المسجد في مفروض المسألة وعدم وجوب تطهيره يبتنيان على القول بجواز جعل المسجد مكانا للزرع بحيث لو منعنا عن ذلك لم يمكن الحكم بجواز تنجيسه وعدم وجوب الازالة عنه. وفيه أن القول بجواز تنجيس المسجد وعدم وجوب تطهيره في مفروض المسألة إنما يبتنيان على جريان الاستصحابين: التنجيزي والتعليقى - كما يأتي تقريبهما في الحاشية الاتية - وعدمه سواء قلنا بجواز جعل المسجد مكانا للزرع أم لم نقل حيث أنه مسألة مستقله لاربط لها بالمقام وهي تبتني على جواز التصرفات غير المنافية للصلاة والعبادة في المسجد، قلنا أن نمنع عن بعض التصرفات في المسجد - كجعله مقهى أو ملهى - لمنفاتهما المسجدية ومع ذلك نلتزم بجواز تنجيسه وعدم وجوب الازالة عنه للمنع عن جريان الاستصحابين أو نلتزم بجواز جعله مكانا للزراعة ولا نقول بجواز تنجيسه ولا بعدم وجوب الازالة عنه لجريان الاستصحابين المذكورين فالمسألتان من واديين لاربط لاحدهما بالاخرى. وهل يجوز جعل المسجد مكانا للزرع ولو بالاجارة من الحاكم؟ قد عرفت أن هذا يبتنى على جواز التصرفات غير المنافية

[ 302 ]

[ جعله مكانا للزرع ففي جواز تنجيسه وعدم وجوب تطهيره - كما قيل - إشكال والاظهر (1) عدم جواز الاول، بل وجوب الثاني ايضا. ] للصلاة والعبادة في المسجد اعني جهة وقفه والظاهر جواز ذلك للسيرة المستمرة عند المتشرعة فتراهم يدخلون المسجد فيتكلمون فيه حول مالا يرجع إلى دينهم أو يدخلونه للاكل والمنام أو ينزل فيه المسافر إلى غير ذلك من الافعال التي لا تنافيها جهة وقف المسجد وقد مر أن المسجد محرر ومعه لا مانع من جعله مكانا للزراعة إذا لم تكن منافية لجهة الوقف كما إذا كان المسجد في طريق متروك التردد بحيث لا يصلون فيه. نعم لا يجوز جعله مكانا للافعال التي لا يناسبه عنوان المسجد كجعله ملعبا وملهى لمنافاتهما المسجدية كما لا يخفي. وأما استيجاره من الحاكم فهو مما لا مجوز له حيث أن المسجد ليس ملكا لاحد حتى يوجره الحاكم نيابة عن مالكه وانما هو محرر وغير داخل في ملك أحد ولا معني في مثله للاجارة واخذ الاجرة كما لعله ظاهر فلا يتوقف الافعال غير المنافية لعنوان المسجد إلى استيجاره من حاكم الشرع. (1) التحقيق جواز تنجيسه وعدم وجوب الازالة عنه وهذا لا لان الوقوف تخرج عن كونها وقفا بالخراب ويبطل بغصب الغاصب إذا غير عنوانها كما إذا جعل المسجد دارا أو حانوتا ونحوهما وذلك لوضوح ان المسجد قد خرج عن ملك مالكه بوقفه وتحريره فهو غير داخل في ملك أحد بارضه وباجزائه التي يشتمل عليها فلا ينقلب ملكا لمالك بخرابه أو بغصبه فان كونه كذلك يحتاج إلى مملك لا محالة ومن ملكه ثانيا بعد تحريره؟! وما هو الموجب لذلك؟ بل المسجد باق على تحريره حتى بعد تغييره وبنائه دارا أو حانوتا بحيث لو استرجع من يد الغاصب لكان مسجدا محررا فالغصب انما اوجب زوال عنوانه لا انه أبطل تحريره. بل الوجه فيما ذكرناه هو الشك في سعة الموضوع وضيقه، لانا لا ندري أن

[ 303 ]

حرمة تنجيس المسجد ووجوب الازالة عنه وغيرهما من احكامه هل تترتب على ما هو المسجد بحسب الواقع وإن لم يصدق عليه عنوان المسجد لصيرورته دارا أو حانوتا ونحوهما بحيث لا يقال إنه مسجد بالفعل بل يقال إنه طريق أو دار كان مسجدا في زمان أو انها مترتبة على ما يصدق عليه عنوان المسجد بالفعل فما لم يصدق عليه انه مسجد كذلك لم يحكم عليه بشئ من الاحكام المتقدمة وإن كان باقيا على مسجديته وتحريره؟ فان ظاهر صحيحة على بن جعفر المتقدمة والاخبار الواردة في جعل البالوعة مسجدا بعد طمها بالتراب وغيرهما مما استدل به على حرمة تنجيس المسجد ووجوب الازالة عنه اختصاص ذلك بما يصدق عليه المسجد بالفعل ومن هنا نشك في ترتبها على المسجد الذي جعل دارا أو طريقا، وحيث انه لا اطلاق في تلك الادلة حتى تشمل ما لا يصدق عليه المسجد بالفعل - لاجل كونها ظاهرة في الاختصاص بالمسجد الفعلى - فلا محالة تنتهي النوبة إلى الاصل العملي وهو الاستصحاب في المقام فمن يرى اعتباره في الاحكام الكلية بكلا قسميه - من التنجيزي والتعليقيي - كالماتن وغيره يستصحب حرمة التنجيس المترتبة على المكان الذي كان مسجدا سابقا وهو من استصحاب الحكم المنجز كما يستصحب وجوب الازالة عنه على نحو التعليق لانه كان لو تنجس وجب تطهيره والاصل أنه الان كما كان. وأما من انكر استصحاب الاحكام المعلقة كشيخنا الاستاذ وغيره فيلتزم بحرمة تنجيسه - لاستصحابها - وينكر وجوب الازالة عنه - لانه من استصحاب الحكم المعلق ومن هنا فصل في هامش المتن بين حرمة التنجيس ووجوب الازالة في المسألة. وأما من لا يعترف بجريان الاستصحاب في الاحكام الكلية المنجزة ولا المعلقة - كما بنينا عليه في محله - فلا يلتزم بشئ من الحكمين المتقدمين ومن هنا كتبنا في تعليقتنا أن الاظهر عدم وجوب الازالة والاحوط عدم جواز

[ 304 ]

[ (مسألة 14) إذا رأى الجنب نجاسة في المسجد فان أمكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها (1) وإلا فالظاهر وجوب التأخير (2) إلى ما بعد الغسل، لكن يجب المبادرة إليه حفظا للفورية بقدر الامكان، وان لم يمكن التطهير إلا بالمكث جنبا فلا يبعد جوازه، بل وجوبه، وكذا إذا استلزم التأخير - إلى أن يغتسل - هتك حرمته. ] تنجيسه. واردنا بذلك عدم المخالفة مع المشهور - حيث حكموا بحرمته - لانه حكم موافق للاحتياط. (1) لتمكنه من امتثال كلا الحكمين: اعني حرمة المكث في المساجد ووجوب الازالة فيزيلها في حالة المرور من غير مكث. (2) إذا لم يتمكن من ازالة النجاسة في حال المرور وتزاحمت حرمة المكث مع وجوب الازالة فهل تجب عليه الازالة حينئذ أو تتقدم حرمة المكث على وجوب الازالة أو لابد من التفصيل في المسألة؟ التحقيق هو الاخير بيان ذلك: أن للمسألة صورا ثلاثا: " إحداها ": ما إذا كانت حرمة المكث مزاحمة لفورية الازالة - لا لاصل وجوبها - كما إذا رأى نجاسة في المسجد وهو جنب يتمكن من الاغتسال فان الامر يدور في مثله بين المبادرة إلى الازالة وعصيان حرمة المكث بان يدخل المسجد ويزيل النجاسة وهو جنب وبين أن يترك المكث جنبا ويؤخر الازالة إلى ما بعد الغسل، والمتعين في هذه الصورة تأخير الازالة لان مادل على فوريتها لا تقتضي المبادرة إليها بتلك السرعة فان فورية الازالة كما لا تنافي التراخي لتهيئة الآتها كذلك لا تنافي تأخيرها بمقدار الاغتسال لانه - في الحقيقة - أيضا من مقدماتها فالمتعين حينئذ أن يبادر إلى

[ 305 ]

الاغتسال ثم يشتغل بالازالة ومعه لا يتمكن من التيمم بدلا عن الغسل ولو بداعي غايات أخر، لان مكث الجنب في المسجد بالتيمم إنما يسوغ إذا كان فاقدا للماء وعاجزا عن الاغتسال وأما في امثال المقام مما يتمكن فيه من الغسل فلا مسوغ لمكثه في المساجد بالتيمم. " ثانيتها ": ما إذا كانت حرمة المكث مزاحمة لاصل وجوب الازالة - لا لفوريتها فحسب - كما إذا لم يتمكن من الاغتسال كما إذا كان مسافرا - مثلا - وعلى طريقه مسجد فيه نجاسة - وهو جنب - ولا تقف القافلة حتى يغتسل فيزيل، فان الامر حينئذ يدور بين الازالة وهو جنب وبين تركها رأسا. والصحيح وقتئذ تقديم حرمة المكث على وجوب الازالة، وذلك لتوقفها على امر حرام - وهو المكث - وبذلك يدخل المقام في كبرى توقف الواجب على مقدمة محرمة والضابط الكلي حينئذ تقديم الاهم منهما على المهم، ولا إشكال في أن حرمة المكث - التى ثبتت بغير واحد من الاخبار (* 1) وقوله عز من قائل: ولاجنبا إلى عابري سبيل حتى تغتسلوا (* 2) بمعونة ما ورد في تفسيره (* 3) بارادة عدم التقرب من المسجد الذي هو مكان الصلاة جنبا - إما أنها اهم من وجوب الازالة أو أنها محتملة الاهمية بخلاف الازالة حيث لا نحتمل اهميتها ومعه لا مناص من تقديمها على وجوب الازالة فلا يسوغ له الدخول في المساجد مع الجنابة وإن استلزم ذلك ترك الازالة الواجبة وأما ما في المتن من عدم استبعاد جواز الازالة حينئذ بل وجوبها فهو مستند إلى تساوي الحكمين أو اهمية وجوب الازالة عند الماتن وقد عرفت خلافه. نعم إذا فرضنا في مورد كان وجوب الازالة اهم فلا محالة يتقدم على مزاحمه الحرام كما ياتي في الصورة الثالثة على ما هو الضابط في


(* 1) و (* 3) راجع ب 15 من ابواب الجنابة من الوسائل. (* 2) النساء 4: 43

[ 306 ]

[ (مسألة 15) في جواز تنجيس مساجد اليهود والنصارى اشكال (1) وأما مساجد المسلمين فلا فرق بين فرقهم ]. توقف أي واجب على مقدمة محرمة - مثلا - إذا توقف انجاء المؤمن على مكث الجنب في المسجد فلا محالة يتقدم الواجب - لاهميته - على الحرام وبه ترتفع الحرمة عن مقدمة الواجب. و " ثالثتها ": الصورة الثانية بعينها غير أن بقاء المسجد على النجاسة كان مستلزما لهتكه فالتزاحم حينئذ بين حرمة المكث ووجوب الازالة ولكن لا بما هي ازالة بل بما أن تركها مستلزم للهتك المحرم. ولا اشكال في أن الازالة بهذا العنوان الثانوي أهم من حرمة المكث في المسجد لان تركها هتك لحرمات الله سبحانه وهو هتك لله جلت عظمته وخلاف ما امرنا به من تعظيم حرماته فهى لمكان اهميتها متقدمة على حرمة المكث ومعه إن امكنه التيمم فيتيمم بداعي المكث في المسجد ومن مقدماته الطهارة من حدث الجنابة وبما أن التراب كالماء فيتيمم مقدمة للازالة الواجبة وإذا لم يمكنه التيمم ايضا فلابد من ان يمكث في المسجد ويزيل نجاسته وإن كان جنبا. (1) التحقيق أن تنجيس مساجد اليهود والنصارى وترك الازالة عنها مما لااشكال في جوازه وذلك فان وجوب الازالة وحرمة التنجيس من الاحكام المختصة بمساجد المسلمين ولا دليل على شئ منهما في مساجد غيرهم. أما الاجماع المستدل به عليهما فلوضوح عدم تحققه في الكنائس والبيع. وأما الاخبار - التي أهمها روايات جعل البالوعة مسجدا - فلاختصاصها بمساجد المسلمين ومعه لا مقتضى لاسراء أحكامها إلى معابد اليهود والنصارى وغيرهم. على أنا نقطع بنجاسة معابدهم حيث يشربون فيها الخمور ولعل بعضهم يتقرب بذلك إلى الله ولا أقل من أنهم يشربون فيها الماء أو غيره من المايعات فيصيب معابدهم - عادة - ولازم القول بوجوب الازالة عن معابدهم أن المسلمين في أمثال بغداد

[ 307 ]

[ (مسألة 16) إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزء من المسجد لا يلحقه الحكم (1) من وجوب التطهير وحرمة التنجيس، بل وكذا لو شك في ذلك (2) وإن كان الاحوط اللحوق (مسألة 17) إذا علم اجمالا بنجاسة أحد المسجدين أو احد المكانين من مسجد وجب تطهيرهما (3). ] وبيروت مكلفون بتطهير معابد هؤلاء وهو لا يخلو من الغرابة كما لا يخفى. نعم لااشكال في وجوب الازالة وحرمة التنجيس في المساجد التي كانت سابقا معابد للنصارى واليهود لا لانها معابدهم بل لانها مساجد المسلمين بالفعل. (1) إذ لا موضوع ليترتب عليه حكمه ولامانع من عدم جعل ساحة المسجد أو جدرانه أو سقفه أو تحته من المسجد إذ الوقوف حسبما يقفها أهلها فيختص المسجد بما جعله الواقف مسجدا وغاية الامر أن غير المسجد يتصل بالمسجد حينذاك والاتصال لا يقتضي سراية حكم أحدهما إلى الآخر. (2) إذ شك في أن الساحة من المسجد أو غيره لامانع من احراء البراءة عن وجوب تطهيرها وحرمة تنجيسها لانه من الشبهات الموضوعية لتحريمية أو الوجوبية وهي مما اتفق المحدثون والاصوليون على جريان البراءة فيه نعم لااشكال في حسن الاحتياط عقلا وشرعا. هذا إذا لم تكن هناك أمارة على أن المشكوك فيه من المسجد. وأما مع وجود الامارة عليه ولو كانت هي شاهد الحال وجريان يد المسلمين عليه بما أنه مسجد فلا محالة يحكم عليه بالمسجدية. ولولا كفاية أمثالهما من الامارات في ذلك لم يمكننا اثبات المسجدية في أكثر المساجد إذ من أين يعلم أنه مسجد مع عدم العلم بكيفية وقف الواقف. (3) للعلم الاجمالي بوجوب الازالة المردد تعلقه باحد المسجدين أو

[ 308 ]

[ (مسألة 18) لا فرق بين كون المسجد عاما أو خاصا (1) وأما المكان الذي أعده للصلاة في داره فلا يلحقه الحكم (2). ] المكانين ومعه لابد من الاحتياط وتطهير كليهما فان اشتشغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية. (1) ما أفاده الماتن " قده " من عدم التفرقة بين قسمي المسجد وان كان متينا - على تقدير صحة تقسيم المساجد إلى عام وخاص - وذلك لاطلاق الدليل وتحقق الموضوع في كليهما الا أن تقسيمه المساجد إلى ذينك القسمين مما لا يمكن المساعدة عليه، لانه انما يصح فيما إذا كانت المساجد ملكا للمسلمين فانه بناء على ذلك لامانع من تمليك المسجد لطائفة دون طائفة كمسجد الشيعة أو السنة أو الطلاب أو غير ذلك من الاصناف على ما هو الحال في الحسينيات. وأما بناء على ما هو الصحيح من أن وقف المساجد تحريرها وصيرورتها ملكا لله سبحانه - أعني رفع المالك العلقة المالكية عنها لوجه الله فلا معنى لاختصاصها بطائفة دون طائفة فان الجميع محررة ومملوكة لله والناس في ملكه سبحانه شرع سواء فتقسيم المساجد إلى عام وخاص محل إشكال وكلام. (2) لوضوح أن الادلة انما ثبتت الحكمين - وجوب الازالة وحرمة التنجيس - على بيوت الله المعدة للعبادة المحررة عن علاقة أي مالك من الملاك فلا تشمل المكان الذي يستحب اعداده للصلاة لعدم كونه محررا. على انه ورد في بعض الاخبار (* 1) أن المصلى ومكان الصلاة ويجوز أن يجعل كنيفا، فلو كان حكمه حكم المسجد لم يجز تبديله فضلا عن أن يجعل كنيفا.


(* 1) محمد بن ادريس في آخر السرائر نقلا من كتاب احمد بن محمد بن ابى نصر صاحب الرضا - ع - قال: سألته عن رجل كان له مسجد في بعض بيوته أو داره هل يصلح له أن يجعله كنيفا؟ قال: لا بأس. وغيرها من اخبار المروية في ب 10 من ابواب أحكام المساجد من الوسائل.

[ 309 ]

[ (مسألة 19) هل يجب إعلام الغير إذا لم يتمكن من الازالة؟ الظاهر العدم (3) إذا كان مما لا يوجب الهتك، وإلا فهو الاحوط. ] (1) لا ينبغي الاشكال في أن نجاسة المسجد إذا استلزمت هتكها لزم ازالتها على كل حال فان كان متمكنا من ازالتها بنفسه يتصدى لها بالمباشرة ومع العجز يعلم غيره بالحال حتى يزيلها، والوجه في وجوب اعلام الغير حينئذ هو العلم بعدم رضى الشارع بهتك المسجد كعلمنا بعدم رضاه بقتل النفس المحرمة أو غرقها ولذا وجب انقاذها بالمباشرة - ان امكنت - وبالتسبيب باعلام غيره إذا عجز عنه بالمباشرة وما ذكرناه أمر واضح لا خفاء فيه وعليه فلا وجه لتردد الماتن فيه وحكمه بوجوب الاعلام احتياطا وانما الاشكال فيما إذا لم تستلزم نجاسة المسجد هتكه ولاهتك غيره من حرمات الله سبحانه كما إذا مسح يده المتنجسة بالماء المتنجس على جانب من المسجد ولم يتمكن هو من ازالتها فهل يجب عليه اعلام غيره بالحال أو أن المقام كسائر الموارد التي لا يجب فيها الاعلام؟ وقد ورد في بعض الاخبار انه عليه السلام كان يغتسل من الجنابة فقيل له قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصيبها الماء فقال له ما عليك لو سكت؟.. (* 1) ذهب الماتن " قده " إلى عدم وجوب الاعلام ولكن الصحيح وجوب ذلك وبيانه يتوقف على التكلم فيما هو الضابط الكلي في نظائر المقام فنقول ان المحتمل في أمثال المقام بحسب مرحلة الثبوت أمران لان الغرض الداعي إلى ايجاب العلم لا يخلو اما أن يكون قائما بالعمل الصادر من نفس المكلف بالمباشرة، ولا فائدة حينئذ في اعلامه الغير لان العمل الصادر من غيره غير محصل للغرض حيث انه انما يقوم بالعمل الصادر منه بالمباشرة وهو مبائن مع العمل الصادر من غيره واما أن يكون الغرض قائما بالطبيعي الجامع بين العمل الصادر منه


(* 1) راجع ب 41 من ابواب الجنابة من الوسائل.

[ 310 ]

أو من غيره. وفي هذه الصورة إذا تمكن المكلف من تحصيل ذلك الغرض الملزم بمباشرة نفسه وجب - لان التكليف متوجه إليه - ومع العجز عنه يجب ان يحصل غرض المولى بتسبيبه واعلامه الغير لان الغرض الملزم لا يرضى المولى بفواته بحال. وأما بحسب مرحلة الاثبات فالاحتمالات ثلاثة لانه إما أن يعلم أن المورد من القسم الاول وإما أن يعلم انه من القسم الثاني وإما أن يشك في ذلك فان علم أنه من القسم الاول فلا يجب اعلام الغير به عند عجز المكلف عن إصداره بالمباشرة وإذا علم أنه من القسم الثاني يجب على الملكف اعلام غيره تحصيلا للغرض الذي لا يرضى المولى بفواته بحال. وأما إذا شك في أنه من القسم الاول أو الثاني بان لم تكن للكلام ظهور في أحدهما - وقد ذكرنا في محله أن ظهور الامر يقتضي المباشرة - فأصالة البراءة عن وجوب الاعلام محكمة هذا كله في كبرى المسألة وأما ما نحن فيه فهو من قبيل القسم الثاني وذلك لضرورة أن ازالة النجاسة عن المسجد كما تتحقق بالمباشرة كذلك تتحقق بالتسبيب بايكالها إلى الغير كما إذا أمر عبده بازالتها أو استأجر أحدا لذلك فان الغرض انما هو تطهير المسجد ولو كان ذلك بفعل مجنون أو صبي وليس الغرض الملزم قائما بالعمل المباشري وإنما يقول بطبيعي الازالة وقد عرفت أن المكلف في مثله إذا تمكن من اصدار العمل المأمور به بنفسه يجب أن يتصدى له بالمباشرة. وإذا عجز عن ذلك فلابد من اعلامه الغير تحصيلا للغرض الملزم ثم أن محتملات الاعلام أيضا ثلاثة وذلك لان المكلف " تارة " يعلم أن الغير لا يتحرك باعلامه ولا يحصل به غرض المولى إما لانه غير مبال بالدين أو لان أخبار الثقة غير معتبر عنده في الموضوع الخارجي أو لانه لا يعلم بوثاقة المخبر ولا يجب عليه الفحص في الشبهات الموضوعية و " أخرى " يعلم أن الغير يعتني باعلامه وبه يحصل غرض المولى يقينا و " ثالثة " يشك في ذلك ولا يدرى أن اعلامه هذا محصل

[ 311 ]

[ (مسألة 20) المشاهد المشرفة كالمساجد (1) في حرمة التنجيس، بل وجوب الازالة إذا كان تركها هتكا، بل مطلقا على الاحوط. لكن الاقوى عدم وجوبها مع عدمه. ] للغرض أو غير محصل له. وهذا محتملات ثلاثة فعلى الاول لا معنى لايجاب الاعلام بوجه لانه مما لا يترتب عليه غرض في نفسه وانما الاعلام طريق إلى تحصيل الغرض الداعي إلى ايجاب المأمور به فإذا علمنا أنه لا يوصل إلى ذلك فلا وجه لايجابه ومن هذا يظهر وجوبه على ثاني الاحتمالات إذ به يتوصل إلى تحصيل الغرض الذي لا يرضى المولى بفواته وأما على الاحتمال الثالث فهل يجب الاعلام لقاعدة الاشتغال أو لا يجب للبراءة عن وجوبه؟ الاول هو الصحيح لما حققناه في بحث البراءة من أن العقل كما يحكم بوجوب التحفظ على اطاعة أوامر المولى كذلك يحكم على وجوب التحفظ على أغراضه فإذا علم بوجود الغرض وشك في القدرة على تحصيله لزمه التصدي له حتى يحصله أو يظهر عجزه. ففي المقام حيث لعم المكلف بالغرض الملزم في الازالة وأن المولى لا يرضى بتركه على كل حال لزمه التصدي إلى تحصيله. وذلك لعلمه بفوات الغرض على تقدير تركه وإنما يشك فيما هو السبب للتفويت ولا يدري أنه مستند إلى فعله أعني تركه الاعلام أو أنه مستند إلى عدم اعتناء الغير باعلامه وحيث أنه لم يحرز استناد الفوت إلى غيره وجب المحافظة على غرض المولى بالاعلام وما ذكرناه جار في جميع موارد الشك من جهة الشك في القدرة. (1) ألحق جماعة من الاعلام بالمساجد المشاهد والضرائح المقدسة في وجوب ازالة النجاسة عنها وحرمة تنجيسها. والحقها بها الماتن (قده) في حرمة التنجيس دون وجوب الازالة عنها ومن ثمة وقع الكلام في أن حرمة التنجيس ووجوب الازالة حكمان متلازمان ولا ينفك احدهما عن الآخر أولا

[ 312 ]

تلازم بينهما وتوضيح الكلام في ذلك يقع في مسائل ثلاث " الاولى ": ما إذا كان تنجيس المشاهد وترك تطهيرها موجبين لهتكها ولا اشكال في هذه الصورة في أنها كالمساجد يحرم تنجيسها وتجب الازالة عنها لان المشاهد كالصفا والمروة من شعائر الله. ولا اشكال في أن هتك الشعائر حرام وهو مناف لتعظيم حرمات الله سبحانه " الثانية ": ما إذا لم يكن تنجيسها أو ترك الازلة عنها موجبا للهتك ويقع الكلام في هذه المسألة من جهتين: " احداهما " جهة تنجيسها وانه محرم أو لاحرمه فيه و " ثانيتهما ": جهة تطهيرها وأن ازالة النجاسة عن المشاهد المشرفة واجبة أو غير واجبة ليظهر ان الحكمين متلازمان أو لا تلازم بينهما (أما الجهه الاولى): فالتحقيق أن تنجيس المشاهد المشرفة محرم في الشريفة المقدسة من غير أن يكون ذلك من جهة تبعيتها للمساجد فانا لو لم نلتزم بحرمة تنجيس المسجد والاتها ايضا كنا نلتزم بحرمة تنجيس المشاهد المشرفة وذلك لانها بما تشتمل عليه من الآتها واسبابها إما أن يكون ملكا للامام عليه السلام قد وقفت لان يزار فيها وإما أن تكون ملكا للمسلمين قد وقفت لان يكون مزارا لهم ولو حظ في وقفها نظافتها وطهارتها والوقوف حسبما يقفها اهلها فالتصرف فيها في غير الجهة الموقوفة لاجلها محرم شرعا ومن الواضح أن المشاهد والآتها إنما وقفت لان يزار فيها الامام عليه السلام وتنجيسها ينافي جهة وقفها. نعم التنجيس فيما لا تنافي نجاسته جهة الوقف مما لا محذور فيه وذلك كالخانات الموقوفة للزوار والمسافرين في مسيرهم حيث لم تلاحظ في وقفها جهة الطهارة بوجه. ومن هذا ظهر أن حرمة التنجيس في المشاهد المشرفة على القاعدة ولا نحتاج في اثباتها إلى دليل وهذا بخلاف المساجد لانها محررة وغير داخلة في ملك مالك فهي مملوكة لله سبحانه فلابد في الحكم بحرمة التصرف والتنجيس فيها من اقامة الدليل عليها فان تمت أدلة حرمة تنجيسها فهو وأما

[ 313 ]

[ ولا فرق فيها (1) بين الضرائح وما عليها من الثياب وسائر مواضعها إلا في التاكد وعدمه. ] إذا لم يتم فمقتضى القاعدة أن يلتزم بجواز تنجيسها إذ التصرف فيما لامالك له غير الله سبحانه حلال (أما الجهة الثانية): اعني جهة تطهيرها - وهي المسألة الثالثة من المسائل الثلاث - فالظاهر عدم وجوب الازالة عن المشاهد المشرفة - إذا لم يكن بقائها على نجاستها مستلزما للهتك وذلك لعدم الدليل عليه ودعوى أن ترك الازالة ينافي تعظيم شعائر الله سبحانه وتعظيمها من الواجبات وقد قال عز من قائل: ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب (* 1) يدفعها " اولا " أن تعظيم الشعائر على اطلاقها لادليل على وجوبه كيف وقد جرت السيرة على خلاف ذلك بين المتشرعة نعم نلتزم بوجوبه فيما دل الدليل عليه ولا دليل عليه في المقام و " ثانيا ": أن التعظيم لا يمكن الالتزام بوجوبه بما له من المراتب كما إذا رأينا في الرواق الشريف شيئا من القذارات الصورية - كما في أيام الزيارات - فان إزالتها مرتبة من تعظيم الشعائر والالتزام بوجوبه كما ترى وعليه فالحكم بوجوب الازالة في المشاهد المشرفة قول من غير دليل فتحصل أنه لا تلازم بين حرمة التنجيس ووجوب الازالة وأن التفكيك بينهما امر ممكن يتبع فيه دلالة الدليل. (1) وذلك لانها وقوف ولا مسوغ للتصرف فيها في غير الجهة الموقوفة لاجلها. نعم تختلف الحرمة فيها من حيث التاكد وعدمه باختلاف مواردها فان التحريم في الرواق الشريف آكد منه في الطارمة وهو في الحرم المطهر آكد منه في الرواق كما أن الحرمة في الضريح المبارك آكد منها في الحرم وهي في نفس القبر الشريف آكد من الجميع.


(* 1) الحج 22: 32

[ 314 ]

[ (مسألة 21) تجب الارلة عن ورق المصحف الشريف (1) وخطه بل عن جلده وغلافه مع الهتك كما انه معه يحرم مس خطه أو ورقه بالعضو المتنجس، وإن كان متطهرا من الحدث، وأما إذا كان احد هذه بقصد الاهانة فلا إشكال في حرمته. ] (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين: " إحداهما " ما إذا كان تنجيس الورق أو ترك الازالة عنه موجبا للهتك ولا اشكال حينئذ في حرمتهما لان المصحف من اعظم الكتب السماوية وهو المتكفل لسعادة البشر في النشأتين وهتكه هتك لله جلت عظمته، ولا يختص هذا بتنجيسه فان هتك المصحف محرم باي وجه اتفق كما إذا بصق عليه ولاسيما إذا كان بالاخلاط الخارجة من الصدر أو النازلة من الرأس فانه محرم وازالته واجبة بل البصاق عليه أشد مهانة من تنجيسه بمثل اليد الرطبة المتنجسة بماء متنجس ونحوه وعلى الجملة إن هتك المصحف مبغوض وقد يستلزم الكفر والارتداد كما إذا هتكه بما أنه كتاب الله المنزل على الرسول صلى الله عليه وآله و " ثانيتهما ": ما إذا لم يكن تنجيس الورق وترك تطهيره موجبا للهتك كما إذا اراد قراءة الكتاب فاخذ الورق بيده وهي متنجسة فهل يحكم بحرمة ذلك ووجوب الازالة عنه؟ ظاهر الماتن العدم حيث خص الحكم بوجوب الازالة بصورة الهتك والوجه فيه، انه لادليل حينئذ على حرمة تنجيسه ووجوب الازالة عنه فان الكلام فيما إذا لم يكن المصحف ملكا لغيره أو وقفا والافتاء بحرمة التنجيس ووجوب الازالة حينئذ بلا دليل هذا ولكن الجزم بجواز التنجيس وترك الازالة ايضا مشكل فلا مناص من الاحتياط اللازم في المقام، هذا كله في ورق المصحف ومنه يظهر الحال في جلده وغلافه فان الكلام فيهما هو الكلام في ورقه لان الجلد والغلاف قد اكتسبا الشرافة والحرمة

[ 315 ]

باضافتهما إلى الكتاب نظير الخشبة والحديد والفضة والذهب حيث صارت متبركة باضافتها إلى أحد الائمة عليهم السلام. وأما خط المصحف فعن شيخنا الانصاري " قده " الاستدلال على وجوب إزالة النجاسة عنه بفحوى حرمة مس المحدث له وفيه أن الاحكام الشرعية مما لاسبيل إلى العلم بملاكاتها فمن المحتمل أن يكون لحرمة مس المحدث ملاكا يخصها ولايكون ذلك الملاك موجودا في مس غيره وإن كان موجبا لتنجيس الخط أو غيره فلا تلازم بينهما على أن الاولوية والفحوى في كلامه - بدعوى أنه إذا حرم مس المحدث الخطوط من دون أن تتأثر بذلك، فأن الحدث لا يسرى من المحدث إلى غيره فلا محالة يحرم تنجيسها بالاولوية القطعيه، حيث أنه يؤثر في الخطوط وينجسها - لو تمت فانما تتم بالاضافة إلى حرمة التنجيس فحسب. وأما وجوب الازالة فلا ربط له بحرمة مس المحدث بوجه، والاستدلال على وجوبها بفحوى حرمة مس المحدث الكتاب من غرائب الكلام. ثم إن قوله عز من قائل: لا يمسه إلا المطهرون (* 1) لا يستفاد منه حكم المسألة فضلا أن يدل عليه بالاولوية وذلك إما " أولا " فلان المطهر غير المتطهر حيث أن الثاني ظاهر فيمن تطهر من الحدث بالوضوء أو الغسل أو من الخبث بغسله. وأما المطهر فهو عبارة عمن طهره الله سبحانه من الزلل والخطأ وأذهب عنه كل رجس والمذكور في الآية المباركة هو المطهر دون المتطهر ففيها إشارة إلى قوله سبحانه: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (* 2) فمعنى الآية على هذا أن مس الكتاب - الذي هو كناية عن دركه بما له من البواطن - لا يتيسر لغير الائمة المطهرين، فان غير من طهره الله سبحانه لا يصل من الكتاب إلا إلى ظواهره. فالآية المباركة أجنبية


(* 1) الواقعة 56: 79 (* 2) الاحزاب 33: 33

[ 316 ]

[ (مسألة 22) يحرم كتابة القرآن بالمركب النجس (1) ولو كتب جهلا أو عمدا وجب محوه، كما انه إذا تنجس خطه، ولم يمكن تطهيره يجب محوه. (مسألة 23) لا يجوز إعطاؤه بيد الكافر (2) وإن كافي يده يجب اخذه منه. ] عما نحن بصدده وأما ما في بعض الروايات (* 1) من استشهاده عليه السلام بهذه الآية المباركة على حرمة مس المحدث كتابة المصحف ففيه - مضافا إلى ضعف الرواية - أنه خلاف ظاهر الآية المباركة فلا يمكن المصير إليه. إلا أنه عليه السلام لما طبقها على ذلك علمنا أنه أيضا من البواطن التي لا يعرفها غيرهم عليهم السلام، فلولا تطبيقه عليه السلام لما أمكن الاستدلال بها على حرمة مس المحدث الكتاب - على تقدير صحة سندها - لانها على خلاف ظاهر الآية كما مر، فلا مناص من الاقتصار على موردها ولا مسوغ للتعدي عنه إلى غيره. وأما " ثانيا " فلان الآية على تقدير تسليم دلالتها فانما تدل على حرمة تنجيس الخطوط ولا دلالة لها على وجوب الازالة لوضوح أنه لا يستفاد من حرمة المس بالاولوية. فتحصل أنه لادليل على حرمة تنجيس الكتاب ولا على وجوب الازالة عنه وبما أن الجزم بالجواز أيضا مشكل فلا مناص من الاحتياط اللازم ومقتضاه عدم جواز تنجيس جلد الكتاب ولا ورقه ولا خطوطه. (1) حكم هذه المسألة يظهر من سابقتها. (2) إن كان نظره " قده " من ذلك إلى أن اعطاء المصحف بيد الكافر معرض لتنجيسه، فان الكافر نجس فإذا أعطي بيده فلا محالة يمسه


(* 1) راجع في ب 12 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 317 ]

وينجسه ومس النجس كتابة المصحف حرام فاعطاؤه بيده اعانة على الحرام كما أن المصحف لو كان بيده يجب أخذه منه دفعا للمنكر ورفعا له. فيدفعه: أن الاعانة على الحرام لم تتحقق صغراها في المقام لامكان اعطاء المصحف بيد الكافر من غير أن يستلزم ذلك مسه وتنجيسه فلم يعلم أن اعطاؤه بيده اعانة على الحرام. على أنا لو سلمنا تحقق صغرى الاعانة وقلنا إن اعطاء المصحف بيده مستلزم لتنجيسه لم يمكننا الحكم بوجوب أخذه منه من جهة دفع المنكر أو رفعه لان كبرى وجوب النهي عن المنكر غير ثابتة بالاضافة إلى الكفار الموجودين في بلاد المسلمين حتى بناء على انهم مكلفون بالفروع وذلك لانهم يعيشون في بلاد المسلمين على حريتهم ويعامل معهم باحكامهم وقوانينهم ولا يعامل معهم معاملة المسلمين باحكامهم، فإذا علمنا أن أحدا منهم يشرب الخمر في داره لم يجز لنا ردعه دفعا له لعدم كونه منكرا في مذهبه وعليه فلا يجوز أخذ المصحف من يد الكافر دفعا لمسه وتنجيسه لان تنجيس المصحف ليس بمنكر على مذهبه و " ثالثا ": أن المصحف لو وجب أخذه من يد الكافر بهذا المناط لوجب أن يؤخذ منه غيره من الكتب السماوية كالتوراة وغيرها لاشتمالها على أسماء الله وأسماء الانبياء بل وعلى أحكامه سبحانه لعدم كونها مفتعلة بأسرها فلو بقيت عنده لمسها ونجسها وهو حرام. نعم لو كان نظره " قده " إلى صورة أخرى وهي ما إذا كان اعطاء المصحف بيد الكافر أو بقاءه عنده مستلزما لهتكه ومهانته فما أفاده صحيح لانه لا اشكال حينئذ في حرمة اعطاؤه بيد الكافر ولا كلام في وجوب أخذه منه لئلا يلزم هتك حرمات الله سبحانه التي من أعظمها الكتاب، إلا أن ذلك مما لا يختص بالكتاب كما لا يختص بتنجيسه فان هتك الكتاب غير منحصر بتنجيسه كما أن الحرام لا يختص بهتك الكتاب فان هتك أي حرمة من الحرمات كذلك نظير

[ 318 ]

[ (مسألة 24) يحرم وضع القرآن على العين النجسة (1) كما انه يجب رفعها عنه إذا وضعت عليه وإن كانت يابسة. (مسألة 25) يجب إزالة النجاسة عن التربة الحسينية (2) بل عن تربة الرسول وسائر الائمة - صلوات الله عليهم - المأخوذة من قبورهم، ويحرم تنجيسها. ولا فرق في التربة الحسينية بين المأخوذة من القبر ] التربة الحسينية على ما يأتي عليها الكلام انشاء الله. ثم إن كتب الاحاديث حكمها حكم الكتاب فيحرم اعطاؤها بيد الكافر ويجب أخذها منه إذا لزم منهما هتكها دون ما إذا لم لزم منهما ذلك، كيف وقد حكي أن أكثر اليهود والنصارى إنما أسلموا بمطالعة نهج البلاغة ومعه كيف يسوغ الحكم بحرمة اعطاؤها بيد الكافر أو بوجوب أخذه منه؟! (1) لعل ما أفاده " قده " من جهة أن وضع المصحف على الاعيان النجسة هتك لحرمته ومناف لتعظيمه المأمور به كما إذا وضع على العذرة - العياذ بالله - ولا اشكال في أن هتكه حرام. وأما إذا كان وضعه على العين النجسة غير موجب لانتهاك حرمته كما إذا وضعناه مع الالبسة في صندوق صنع من جلد الميتة فلا وجه لحرمته لانه لا يعد هتكا للكتاب وعلى الجملة أن غير تنجيس الكتاب لم تثبت حرمته إلا أن يستلزم هتكه. وأما إذا كان وضعه على النجس موجبا لتنجيسه فقد عرفت انه مورد للاحتياط الوجوبي فحرمته غير مستندة إلى استلزامه الهتك والاهانة. (2) هذا فيما إذا لزم من تنجيسها أو ترك الازالة هتك التربة الشريفة وإلا فيجري فيه الكلام المتقدم ولا فرق في ذلك بين أقسام الترب لوحدة الملاك.

[ 319 ]

[ الشريف، أو من الخارج إذا وضعت عليه بقصد التبرك، والاستشفاء وكذا السبحة والتربة المأخوذة بقصد التبرك لاجل الصلاة. (مسألة 26) إذا وقع ورق القرآن أو غيره من المحترمات في بيت الخلاء أو بالوعته وجب اخراجه ولو باجرة. وإن لم يمكن فالاحوط والاولى سد بابه، وترك التخلي فيه إلى ان يضمحل (1). (مسألة 27) تنجيس مصحف الغير موجب لضمان نقصه الحاصل بتطهيره (2). ] (1) التحقيق أن ذلك واجب لامحيد عنه لا أنه أولى وأحوط وذلك لان المناط في الحكم بوجوب الازالة وحرمة التنجيس ليس هو مجرد تنجيس التربة أو الكتاب أو غيرهما من المحترمات ليحكم بجواز القاء النجاسة عليها إذا كانت متنجسة قبل ذلك بدعوى أن المتنجس لا يتنجس ثانيا. بل هناك أمر آخر أيضا يقتضي الحكمين المتقدمين وهو لزوم الهتك والمهانة من تنجيسها ولا يفرق في ذلك بين طهارة المحترم ونجاسته فان التربة أو الورق بعدما تنجست بوقوعها في البالوعة إذا القيت عليها النجاسة يعد ذلك هتكا لحرمتها وكلما تكرر الالقاء تعدد الهتك والمهانة وكل فرد من الاهانة والهتك حرام في نفسه وعليه فلو أمكن اخراجها من البالوعة وجب ولو ببذل الاجرة عليه، إلا أن يكون عسرا أو ضروريا ومع عدم التمكن من اخراجها فلا محيد من سد البالوعة إلى أن تضمحل. (2) ان مقتضى قاعدة الضمان باليد أو الاتلاف ضمان الاوصاف التي لها دخل في مالية المال - نظير اتلاف العين بنفسها - فإذا اتلفه أو وضع يده على المال وتلف الوصف تحت يده فيضمنه لا محالة ولافرق في ذلك بين وصف

[ 320 ]

الصحة وغيره من اوصاف الكمال وبذلك يظهر أن تنجيس مصحف الغير موجب لضمان النقص الحاصل في قيمته بتنجيسه إلا أن عبارة الماتن " تنجيس مصحف الغير موجب لضمان نقصه الحاصل بتطهيره " غير وافية بما ذكرناه فأن بين النقص الحاصل بتطهير المصحف وبين النقص الحاصل في قيمته بتنجيسه عموم من وجه و " توضيحه ": أن مرادنا بالكتاب ليس هو خصوص تمامه لان بعض المصحف ايضا كتاب كما أنا لم نرد منه خصوص ما يكتب بالحبر على الاوراق الذي يزول بتطهيره. بل المراد بالكتاب ما يعم الكتابة على الورق، والنقش على الفرش والبساط ونحوها وعليه فقد يكون تطهير الكتاب متوقفا على بذل الاجرة عليه من دون أن تنقص قيمته بذلك بل قيمته قبل غسله وتطهيره وبعده على حد سواء وهذا كما إذا كان الكتاب منقوشا على فرش كبير فان تطهيره يتوقف على بذل الاجرة عليه إلا ان قيمة الفرش باقية بحالها ولا يطرء عليها نقص بتطهيره. و " اخرى " ينعكس الامر فلا يتوقف تطهير الكتاب على بذل الاجرة عليه الا أن قيمته تنقص بتطهيره كما إذا كان مكتوبا على الورق بالحبر المذهب أو المفضض على نحو يزول بوصول الماء إليه فان قيمة مثله تنقص عما كانت عليه قبل تطهيره ولكن غسل الورق - لسهولته - لا يحتاج إلى بذل الاجرة عليه ولاسيما إذا كان الماء قريبا. و " ثالثة ": يتوقف تطهيره على بذل الاجرة عليه كما أن قيمته تنقص بذلك. وهناك صورة اخرى وهي أن يلزم النقص في قيمة الكتاب بنفس تنجيسه مع قطع النظر عن غسله وتطهيره بأن يكون للكتاب الطاهر قيمة وللكتاب المتنجس قيمة اخرى إلا انها أقل من قيمة الطاهر في السوق لقلة الراغب في المصحف المتنجس - لاحتياجه إلى غسله وهو ينقص قيمة الكتاب - وإذا كان الامر كذلك فالمنجس بتنجيسه مصحف الغير قد أتلف وصفا من أوصافه الكمالية وهو كونه طاهرا

[ 321 ]

وبه نقصت قيمته الفعلية عما كان يبذل بازائه لولا نجاسته. أما الاجرة التي يتوقف عليها تطهير الكتاب فلا يحكم بضمانها على من نجسه فان الضمان في أمثال المقام اعني غير المعاملات والديون إنما يثبت باحد امرين: الاتلاف، والاستيلاء على مال الغير المعبر عنه بضمان اليد. ولم يتحقق في مقامنا هذا شي منهما لان المنجس لم يستول على مصحف الغير بتنجيسه كما انه لم يتلفه على مالكه وأما لزوم اعطاء الاجرة على التطهير فهو إنما يستند إلى حكم الشارع بوجوب ازالة النجاسة دون من نجس المصحف. نعم المتنجس قد اوجد الموضوع ولم يقم دليل على أن ايجاد الموضوع الذي يسبب حكم الشارع باتلاف المباشر ماله بالاختيار موجب للضمان. ومن هنا لو القى الظالم حرا في البالوعة أو حبسه في داره وقفلها عليه فوجد بذلك الموضوع لوجوب حفظ النفس المحترمة على المكلفين واحتاج انقاذها إلى صرف مقدار من المال في سبيله لم يكن ضمانه على حابسه لعدم استناد الاتلاف إلا إلى من باشر الانقاذ بالاختيار. ونظيره ما إذا تزوج المعسر وولد اولادا وهو عاجز عن نفقتها فانه اوجد بذلك موضوع وجوب الانفاق وحفظ النفس المحترمة على المكلفين ولا يحكم عليه بضمان ما ينفقه الناس على اولاده. وأما النقص الحاصل في قيمة الكتاب بتطهيره فضمانه ايضا غير متوجه إلى من نجسه لما عرف من أن للضمان سببين ولم يتحقق شئ منهما على الفرض نعم لو كان المنجس هو الذي باشر تطهيره لامكن الحكم بضمانه لاستناد النقص إلى عمله لانه إنما حصل بفعل المزيل لا بتنجيس الكتاب. وعلى الجملة المنجس إذا لم يباشر الازالة بنفسه لا يحكم بضمانه للنقص الحاصل بتطهيره وعليه فينحصر ضمان المنجس للنقص الطارى على الكتاب بما إذا استند نقصان القيمة إلى مجرد التنجيس مع قطع النظر عن تطهيره فان مقتضى قاعدة الضمان بالاتلاف ضمان المنجس حينئذ حيث انه اتلف وصفا من اوصاف الكتاب

[ 322 ]

[ (مسألة 28) وجوب تطهير المصحف كفائى (1) لا يختص بمن نجسه ] بتنجيسه اعني طهارته الدخيلة في ماليته وقد مر أن الضمان بالاتلاف أو اليد لا يفرق فيه بين وصف الصحة وغيره من الاوصاف الكمالية التي لها دخل في مالية المال. والنسبة بين النقص الحاصل في هذه الصورة والنقص في الصورتين المتقدمتين عموم وجه لان النقص الحاصل بتنجيس الكتاب قد يكون اكثر من النقص الحاصل بتطهيره أو الاجرة المبذولة لغسله. واخرى يكون أقل منهما. وثالثة يتساويان. هذا كله فيما إذا كان المصحف للغير. وأما إذا كان المصحف ملكا لمن نجسه إلا انه للعجز أو العصيان لم يباشر الازالة ووجب تطهيره على غيره وتوقف ذلك على صرف المال في سبيله فياتي عليه الكلام في الحاشية الاتية ونبين هناك أن المالك المنجس لا يضمن ما يصرفه المزبل في سبيل تطهير الكتاب. (1) نظير وجوب الازالة عن المسجد، لعدم اختصاص ادلته بشخص دون شخص فلا فرق في ذلك بين مالك المصحف وغيره. وقد يقال باختصاص وجوب الازالة بمن نجسه - كما قدمناه عن بعضهم في الازالة عن المسجد - ويدفعه ما اجبنا به هناك من أن القائل بالاختصاص إن اراد اختصاص وجوب الازالة بالمنجس بحيث لو عصى أو نسى سقط وجوبها عن بقية المكلفين ففيه أن ذلك لا يرجع إلى محصل ولا يمكن الالتزام بجواز بقاء المصحف على نجاسته وإن اراد من ذلك أن الامر بازالة النجاسة إنما يتوجه على من نجسه اولا ثم لو عصى ولم يزل وجبت ازالته على غيره فهو وإن كان امرا ممكنا ومعقولا بحسب مقام الثبوت إلا انه عادم الدليل بحسب مقام الاثبات فالصحيح عدم اختصاص الحكم بمنجس الكتاب بل هو واجب كفائي يعمه وغيره.

[ 323 ]

[ ولو استلزم صرف المال وجب، ولا يضمنه من نجسه (2) إذا لم يكن ] (1) إذا كان مزيل النجاسة عن المصحف غير من نجسه واستلزمت ازالتها صرف المال في سبيلها فهل يضمنه من نجسه لانه السبب في بذل المزيل أو أن ضمانه على المزيل؟ الصحيح عدم ضمان المنجس للمال وذلك لان التسبيب على قسمين: فان المباشر قد يصدر منه العمل لا بالارادة والاختيار أو لو كانت له ارادة فهي مغلوبة في جنب إرادة السبب وهذا كما إذا ارسل دابته واطلق عنانها حتى دخلت مزرعة شخص آخر فاتلفها أو أتلف شيئا آخر، أو اعطى سكينا بيد صبي فأمره بذبح نائم فذبحه الصبي فان الفعل في امثال ذلك وإن كان يصدر من فاعله بأرادته إلا انها مغلوبة في جنب ارادة السبب فان المباشر حينئذ يعد آلة للسبب فالسبب في هذه الصورة اقوى من المباشر ومن هنا يقتص من السبب دون مباشره فان الفعل يسند إليه على وجه الحقيقة لا إلى واسطته فحقيقة يقال: إنه قتل أو اتلف غاية الامر أن الفعل صدر منه لامن دون واسطة بل معها فكما انه ليس له أن يعتذر - عند قتله بالمباشرة - بانه لم يقتله وإنما قتله السكين - مثلا - فكذلك في هذه الصورة فان الدابة أو الصبي كالآلة لفعله. والضمان في الاتلاف بهذه الكيفية مما لا إشكال فيه. وقد يصدر الفعل من المباشر بالارادة التامة وبالاختيار وإنما السبب يامره بذلك العمل أو يشير إليه كصديق يشير إلى صديقه بقتل عدوله فيرتكبه الصديق المباشر بارادته واختياره. ولا يسند الفعل في هذه الصورة إلى الآمر والسبب إلا بنسبة تجوزية لاحقيقة ومن هنا لايقتض من آمره بل من مباشره. واوضح من ذلك ما إذا لم يأمره السبب ولا اشار إليه وإنما اوجد الداعي لفعل المباشر بارادته كما إذا كان للسبب انصارا وعشيرة بحيث لو خاصم أحدا ونازعه لقتلته عشيرته من دون حاجة إلى امره واشارته فمثله إذا نازع احدا مع الالتفات

[ 324 ]

[ لغيره (1) وإن صار هو السبب للتكليف بصرف المال، وكذا لو القاه في البالوعة، فان موؤنة الاخراج الواجب على كل احد ليس عليه، لان الضرر انما جاء من قبل التكليف الشرعي، ويحتمل ضمان المسبب - كما قيل - بل قيل باختصاص الوجوب به، ويجبره الحاكم عليه لو امتنع، أو يستأجر آخر. ولكن ياخذ الاجرة منه. ] إلى أن عشيرته لبالمرصاد فقتلته عشيرته لا يمكن اسناد القتل إلى ذلك المنازع إلا على وجه المجاز فان القاتل في الحقيقة هو العشيرة والاعوان. نعم ان منازعة مثله مع الالتفات إلى الحال محرم من جهة انها من ايجاد الداعي إلى الحرام وهو حرام. وعلى ذلك لاوجه للضمان في مفروض الكلام حيث أن الضمان له سببان فيما نحن فيه " احدهما ": الاستيلاء على مال الغير المعبر عنه باليد. و " ثانيهما " الاتلاف وكلاهما مفقود في المقام. أما اليد فانتفائها من الوضوح بمكان. وأما الاتلاف فلما مر من أن المزيل انما بذل المال في سبيل تطهير المصحف بارادة والاختيار ولا يسند الاتلاف معه إلا إلى المباشر لا إلى السبب الذي هو المنجس. نعم السبب اوجد الداعي للمزيل المسلم إلى الاتلاف حيث نجس المصحف وقد عرفت أن ايجاد الداعي للمباشر ليس من التسبيب الموجب للضمان. (1) ظاهر العبارة وإن كان يعطي في بدو النظر اختصاص عدم ضمان المال المصروف بما إذا كان المصحف ملكا للمنجس، وهذا لا يستقيم فانه بناء على أن السبب لا ضمان له كما هو الصحيح على ما عرفت لا يفرق بين ما إذا كان المصحف لمكا للمنجس وما إذا لم يكن، كما أنه بناء على ضمانه لا يفرق بينهما نعم إنما يفترق حكم المالك عن غيره بالنسبه إلى ضمان النقص الحاصل بالتطهير، فانه

[ 325 ]

[ (مسألة 29) إذا كان المصحف للغير ففي جواز تطهيره بغير اذنه إشكال، إلا إذا كان تركه هتكا، ولم يمكن الاستيذان منه، فان حينئذ لا يبعد وجوبه (1). ] لا موجب لثبوته في حق المالك، إذ لا معنى لضمانه مال نفسه. ولكن التأمل الصادق يعطي أن الماتن لانظر له إلى ذلك وإنما يريد نفي الضمان مطلقا فيما إذا كان المصحف ملكا للمنجس وذلك من جهة انه " قده " قد حكم في المسألة السابقة بضمان المنجس النقص الحاصل بالتطهير فيما إذا كان المصحف لغير من نجسه، وهذا الضمان لم يكن يحتمل ثبوته في حق المالك المنجس لما عرفت ولكن كان يتوهم في حقه ضمان آخر وهو ضمانه للمال المصروف في سبيل تطهيره فنفاه بقوله ولا يضمنه من نجسه إذا كان لغيره فهو لا يريد بذلك ثبوت هذا الضمان فيما إذا كان المصحف لغير المنجس. بل ان تخصيصه الحكم بما إذا لم يكن المصحف لغيره من جهة أن الضمان المتوهم في حق المالك المنجس ليس الا هذا القسم من الضمان. (1) بقاء المصحف على نجاسته إما أن يكون هتكا للمصحف وإما أن لا يكون، وعلى كلا التقديرين إما أن يكون الاستئذان من مالك المصحف ممكنا وإما أن لا يكون، وعلى تقدير إمكانه إما أن يكون المالك بحيث لو استأذن منه اذن أو أزال النجاسة بنفسه وإما أن لا يكون كذلك فلا يأذن لتطهيره - ولا انه يزيلها بنفسه - لعدم مبالاته بالدين أو عدم ثبوت النجاسة عنده باخبار المخبر -: فان كان بقاء المصحف على نجاسته هتكا لحرمته فان أمكن الاستيذان من مالكه وكان يأذن على تقدير الاستيذان منه أو أزالها بنفسه فلا إشكال في عدم جواز تطهيره قبل أن يأذن المالك وذلك لحرمة التصرف في مالك الغير من دون اذنه، ولا تزاحم بين وجوب الازالة وحرمة

[ 326 ]

التصرف في مال الغير فان امتثالهما أمر ممكن فيجب العمل بكليهما وهو إنما يتحقق بالاستيذان من المالك والازالة بعد اذنه هذا فيما إذا لم يتخلل بين الاستيذان واذن المالك مدة معتد بها بحيث يلزم من بقاء المصحف على نجاسته في تلك المدة مهانته وهتكه. وأما إذا كان الاستيذان غير ممكن أو أمكن إلا أن بقاء المصحف على النجاسة في المدة المتخللة بين الاذن والاستيذان كان موجبا لهتكه فلا محالة يقع التزاحم بين حرمة التصرف في مال الغير من غير اذنه وبين وجوب ازالة النجاسة عن الكتاب وحيث أن وجوب الازالة أهم - في هذه الصورة - لان المصحف أعظم الكتب السماوية ومتكفل لسعادة البشر وهو الاساس للدين الحنيف، ولا يرضى الشارع بانتهاكه فنستكشف بذلك اذنه في تطهيره ومع اذن المالك الحقيقي في التصرف في مال أحد لا يعبأ باذن المالك المجازي وعدمه. ونظيره ما إذا أذن المالك في تطهير المصحف ولم يرض بذلك مالك الماء. فلابد حينئذ من التصرف في الماء باستعماله في تطهير الكتاب لاستكشاف اذن المالك الحقيقي حيث ان تركه يستلزم انتهاك حرمة الكتاب. وأما إذا لم يكن بقاء الكتاب على النجاسة موجبا لهتكه - كما إذا كان متنجسا بمثل الماء المتنجس - مثلا - فان كان الاستيذان ممكنا حينئذ وكان المالك بحيث يأذن لو استأذن فلا كلام في حرمة الازالة قبل اذن المالك لامكان امتثال كلا الحكمين. وليست الازالة باولى في هذه الصورة منها في صورة استلزام تركها الهتك، وقد عرفت عدم جواز الازالة حينئذ من دون اذن المالك. وإذا لم يمكن الاستيذان من المالك أو أمكن إلا أن المالك بحيث لا يأذن لو أستأذن يقع التزاحم بين حرمة التصرف في مال الغير من دون اذنه ووجوب الازالة ولم يثبت أن الثاني أقوى بحسب الملاك بل الاولى هو الاقوى ولا أقل من انه محتمل الاهمية دون الآخر فيتقدم على وجوب الازالة وذلك

[ 327 ]

[ (مسألة 30) يجب إزلة النجاسة عن المأكول (1) وعن ظروف الاكل والشرب، إذا استلزم استعمالها تنجس المأكول والمشروب. ] لان التصرف في مال أحد يتوقف على اذنه أو على اذن المالك الحقيقي وكلاهما مفقود في المقام. نعم لا بأس بارشاد المالك وقتئذ من باب الامر بالمعروف أو النهى عن المنكر. بل ولامانع عن ضربه واجباره على تطهير المصحف - إذا أمكن - وأما التصرف في ماله من دون اذنه فلا. ثم ان ما ذكرناه آنفا من وجوب تطهير المصحف - ولو من غير اذن مالكه - إذا كان بقاؤه على نجاسته موجبا لانتهاك حرمات الله سبحانه انما يختص بجواز التصرف فحسب، فلزوم الهتك من بقاء المصحف على النجاسة انما يرفع الحرمة التكليفية عن التصرف في مصحف الغير من دون اذنه. وأما الاحكام الوضعية المترتبة على التصرف فيه - كضمان النقص الحاصل بتطهيره - فلا يرتفع بذلك حيث لا تزاحم بين الحكم بضمان المباشر للنقص وعدم جواز هتك الكتاب أعني ترك تطهيره. (1) وجوب الازالة عن المأكول والمشروب وإن لم يكن خلافيا عندهم إلا أن وجوبها شرطي وليست بواجب نفسي لوضوح أن غسل المأكول عند تنجسه إذا لم يرد أكله ليس بواجب في الشريعة المقدسة وانما يجب إذا أريد اكله وكذلك الحال في ظروف الاكل والشرب. وذلك لانه لادليل عليه عدا حرمة أكل المتنجس وشربه المستفادة مما ورد في مثل اللحم المتنجس (* 1) وانه يغسل ويؤكل وما ورد في مثل المياه وغيرها من المايعات المتنجسة (* 2) وانها يهراق ولا ينتفع بها فيما يشترط فيه الطهارة وما ورد في


(* 1) راجع ب 44 من ابواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 2) راجع ب 44 من ابواب الاطعمة المحرمة و 18 من ابواب الاشربة المحرمة و 3 و 8 و 13 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 328 ]

[ (مسألة 31) الاحوط ترك الانتفاع بالاعيان النجسة (1) خصوصا الميتة، بل والمتنجسة إذا لم تقبل التطهير إلا ما جرت السيرة عليه من ] السمن والزيت ونحوهما (* 1) من انها إذا تنجست لا يجوز استعمالها فيما يعتبر فيه الطهارة. وغير ذلك من المتنجسات. وعليه فيكون تطهير الاواني أو المأكول والمشروب واجبا شرطيا كما مر. (1) ذكرنا في بحث المكاسب المحرمة أن مقتضى القاعدة الاولية جواز الانتفاع بالاعيان النجسة - فيما لا يشترط فيه الطهارة - فضلا عن المتنجسات كبل الثوب أو الحناء وتنظيف البدن والالبسة عن القذارات حتى يتطهرا بعد ذلك بالماء الطاهر. وغيرهما وذلك لانه لم يرد دليل على المنع عن ذلك إلا في رواية تحف العقول (* 2) حيث دلت على المنع عن جميع التقلبات في النجس - الشامل للذاتى والعرضي - ولكنا ذكرنا هناك أن الرواية غير قابلة للاعتماد عليها فلا دليل على حرمة الانتفاع بالاعيان النجسة فضلا عن المتنجسة نعم ورد المنع عن الانتفاع ببعض الاعيان النجسة كما في الخمر والمسكر حيث نهى عن الانتفاع بهما في غير صورة الضرورة (* 3) وفي بعض الاخبار أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزل تحريم الخمر خرج وقعد في المسجد ثم دعا بآنيتهم التي كانوا ينبذون فيها


(* 1) راجع ب 43 من ابواب الاطعمة المحرمة و 6 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 2) حيث قال: أو شئ من وجوه النجس بهذا كله حرام ومحرم لان ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام. المروية في ب 2 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 3) راجع ب 21 و 34 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. والوجه في دلالتها على المدعى ان الانتفاع بالخمر والمسكر لو لم يكن محرما لم يكن للمنع عن الاكتحال بهما ولا لتحريم الخمر وحفظها وغرسها وعصرها ولا لغير ذلك مما ذكر في الروايات وجه صحيح لعدم حرمة جميع منافعها - على الفرض - فيستكشف بذلك ان الانتفاع بهما على اطلاقه محرم في الشريعة المقدسة.

[ 329 ]

[ الانتفاع بالعذرات وغيرها للتسيد والاستصباح بالدهن المتنجس. لكن الاقوى جواز الانتفاع بالجميع حتى الميتة مطلقا في غير ما يشترط فيه الطهارة. نعم لا يجوز بيعها للاستعمال المحرم (1) وفي بعضها لا يجوز بيعه مطلقا كالميتة والعذرات. ] فاكفاها كلها (* 1) إلا أن النهي عن ذلك غير مستند إلى نجاسة الخمر حيث لم ينه عنها بعنوان انها نجسة. بل لو كانت الخمر طاهرة أيضا كنا نلتزم بحرمة انتفاعاتها للنص فالمتحصل أن مقتضى القاعدة جواز الانتفاع بالاعيان النجسة والمتنجسة في غير موارد دلالة الدليل على حرمته. (1) ان مقتضى القاعدة جواز بيع النجاسات والمتنجسات وضعا وتكليفا على ما تقتضيه اطلاقات ادلة البيع وصحته ولم يثبت تقييدها بغير النجس أو المتنجس وأما الشهرة والاجماعات المنقولة ورواية تحف العقول المستدل بها على عدم جواز بيعهما بحسب الوضع أو التكليف فقد ذكرنا في محله انها ضعيفة ولا مسوغ للاعتماد عليها لعدم حجية الشهرة ولا الاجماعات المنقولة ولا رواية التحق. هذا كله بحسب القاعدة وأما بحسب الاخبار فلابد من النظر إلى أن الاعيان النجسة ايها ممنوع بيعها: فنقول دلت جملة من الاخبار (* 2) على أن الخمر قد الغى الشارع ماليتها ومنع عن بيعها وشرائها - لا بما انها نجسة - بل لاجل مبغوضيتها وفسادها بحيث لو أتلفها أحد لم يحكم بضمانه إلا إذا كانت الخمر لاهل الذمة. كما أن الاخبار وردت في النهي عن بيع الكلب بما له من الاقسام سوى الصيود وفي بعضها أن ثمنه


(* 1) رواها علي بن ابراهيم في تفسيره عن ابي الجارود كما في ب 1 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 2) يراجع ب 5 و 55 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 330 ]

سحت (* 1) وكذا ورد النهي عن بيع الخنزير والميتة في غير واحد من الاخبار (* 2) وهذه الموارد هي التي نلتزم بحرمة البيع فيها. وأما غيرها من الاعيان النجسة فلم يثبت المنع عن بيعها حتى العذرة لان الاخبار الواردة في حرمة بيعها وان ثمنها سحت ضعيفة السند على انها معارضة بما دل على عدم البأس بثمن العذرة (* 3) وعليه فلا وجه لما صنعه الماتن " قده " حيث عطف العذرة إلى الميتة. وأما بيع النجاسات أو المتنجسات بقصد استعمالها في الحرام فان اشترط استعمالها في الجهة المحرمة في ضمن المعاملة والبيع فلا اشكال في فساد الشرط لانه على خلاف الكتاب والسنة. وهل يبطل العقد ايضا بذلك؟ يبتني هذا على القول بافساد الشرط الفاسد وعدمه وقد قدمنا الكلام في تلك المسألة في محلها ولا نعيد وأما إذا لم يشترط في ضمن عقد البيع ولكنا علمنا من الخارج أن المشترى سوف يصرفه في الجهة المحرمة باختياره وارادته فلا يبطل بذلك البيع حيث لادليل عليه كما لادليل على حرمته التكليفية وان كان بيعها مقدمة لارتكاب المشتري الحرام وذلك لان البايع انما باعه امرا يمكن الانتفاع به في كلتا الجهتين اعني الجهة المحللة والمحرمة والمشترى انما صرفه في الجهة المحرمة بسوء اختياره وارادته. وهو نظير بيع السكين ممن نعلم انه يجرح به احدا أو يذبح به شاة غيره عدوانا أو يرتكب به امرا محرما آخر ما عدا قتل النفس المحترمة ومقدماته ولا اشكال في جوازه. هذا بل قد صرح ائمتنا عليهم افضل السلام في جملة من رواياتهم بجواز بيع التمر ممن يعلم انه يصنعه خمرا (* 4)


(* 1) راجع به 14 من ابواب ما يكتسب من الوسائل. (* 2) راجع ب 5 و 7 و 57 من ابواب ما يكتسب من من الوسائل. (* 3) راجع ب 40 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 4) راجع ب 59 من ابواب ما يكتسب بة من الوسائل.

[ 331 ]

[ (مسألة 32) كما يحرم الاكل والشرب للشئ النجس، كذا يحرم التسبيب لاكل الغير أو شربه (1) وكذا التسبيب لاستعماله فيما ] وقد اسندوا ذلك إلى انفسهم في بعضها (* 1) وبينا في محله أن ايجاد المقدمة المشتركه بين الجهة المحللة والمحرمة لو حرم في الشريعة المقدسة لحرمت جملة كثيرة من الامور التى نقطع بحليتها كاجارة الدار - مثلا - فان لازم ذلك الالتزام بحرمتها مطلقا للعلم العادي بان المستأجر يرتكب امرا محرما في الدار ولو بسب زوجته أو بكذبه أو بشربه الخمر إلى غير ذلك من المحرمات مع وضوح جواز اجارة الدار ممن يشرب الخمر وغيره. وكسوق السيارة أو السفينة ونحوهما للعلم الاجمالي بان بعض ركابها قصد الفعل الحرام من السعاية أو الظلم أو القمار أو غيرها من المحرمات ولاسيما في بعض البلاد كطهران وبغداد. (1) التسبيب إلى اكل النجس أو شربه قد يكون مع علم المباشر وارادته واختياره والتسبيب حينئذ مما لااشكال في جوازه إلا من جهة كونه إعانة على الاثم والحرام وفي حرمة الاعانة على الحرام وعدمها بحث طويل تعرضنا له في محله. وهذه الصورة خارجة عن محط كلام الماتن " قده " حيث أن ظاهره ارادة التسبيب الذي لا يتخلل بينه وبين فعل المباشر ارادة واختيار كما إذا أضاف أحدا وقدم له طعاما متنجسا فاكل الضيف النجس لا بارادته واختياره - لجهله بالحال - وعليه فيقع الكلام في التسبيب إلى اكل النجس أو شربه مع عدم صدور الفعل من المباشر بارادته وعدم تخلل الاختيار بين التسبيب والفعل الصادر من المباشر وهل هو حرام أو لاحرمة فيه؟ ثم إنه إذا لم يسبب لاكل النجس أو شربه إلا انه كان عالما بنجاسة شئ وحرمته ورأى الغير قد


(* 1) رجع رواية أنى كهمس وصحيحة رفاعة المرويتين ب 59 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 332 ]

عزم على اكله أو شربه جاهلا بالحال فهل يجب عليه إعلامه؟. إذا كان الحكم الواقعي مما لا يترتب عليه اثر بالاضافة إلى المباشر الجاهل وكان وجوده وعدمه على حد سواء فلا إشكال في عدم حرمة التسبيب حينئذ ولافي عدم وجوب الاعلام. وهذا كما إذا قدم لمن اراد الصلاة ثوبا متنجسا فلبسه وصلى فيه وهو جاهل بنجاسته أو رأى أحدا يصلي في الثوب المتنجس جاهلا بنجاسته فانه لا يجب عليه اعلام المصلي بنجاسته ثوبه ولا يحرم عليه أن يقدم الثوب المتنجس إلى من يريد الصلاة فيه، حيث لا يترتب على نجاسة ثوب المصلى وطهارته اثر إذا كان جاهلا بالحال وصلاته في الثوب المتنجس حينئذ لا تناقص عن الصلاة في الثوب الطاهر بل هما على حد سواء وهو نظير ما إذا رأى في ثوب المصلي دما اقل من الدرهم حيث لاريب في عدم وجوب الاعلام به لانه لا اثر لوجود الدم المذكور وعدمه حتى مع علم المصلي به فضلا عن جهله وكذا لااشكال في جواز التسبيب إلى الصلاة في مثله وعلى الجملة إن جواز التسبيب وعدم وجوب الاعلام في هذه الصورة على القاعدة مضافا إلى الموثقة الواردة فيمن أعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه (* 1) حيث دلت على أن الثوب المستعار لا يجب الاعلام بنجاسته للمستعير. والوجه فيه أن صلاة الجاهل في الثوب المتنجس مما لا منقصة له بل هي كصلاته في الثوب الطاهر من غير نقص ومن هنا جاز للمعير إن يؤم المستعير في صلاته في الثوب المتنجس. ولا يبتنى هذا على ما اشتهر من النزاع في أن المدار في الصحة على الصحة الواقعية أو الصحة عند الامام، لان ذلك إنما يختص بما إذا كان للواقع اثر مترتب عليه كما في الجنابة والحدث الاصغر ونحوهما فالمتحصل إلى هنا أن الحكم الواقعي إذا كان ذكريا ومشروطا بالعلم والالتفات لا يجب فيه الاعلام للجاهل كما لا يحرم


(* 1) موثقة ابن بكير المروية في ب 47 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 333 ]

التسبيب في مثله ولعل هذا مما لا ينبغى الاشكال فيه وانما الكلام فيما إذا كان للحكم الواقعي اثر يترتب عليه في نفسه من حيث صحة العمل وبطلانه ومحبوبيته ومبغوضيته وإن كان المباشر معذورا ظاهرا لجهله وهذا كشرب الخمر أو النجس أو اكل المتية ونحوها فان شرب الخمر - مثلا - مبغوض عند الله واقعا وأن كان شاربها معذورا لجهله فهل يحرم التسبيب في مثله ويجب فيه الاعلام فلا يجوز تقديم الخمر إلى الضيف ليشربها جاهلا بانها خمر أو لا يحرم التسبيب ولا يجب فيه الاعلام أو يفصل بينهما بالحكم بحرمة التسبيب وعدم وجوب الاعلام؟ وجوه صحيحها الاخير وذلك لعدم قيام الدليل على وجوب الاعلام في امثال المقام حيث لا تنطبق عليه كبرى وجوب النهي عن المنكر - لجهل المباشر وعدم صدور الفعل منه منكرا - ولا وجوب تبليغ الاحكام الشرعية وارشاد الجاهلين - لانه عالم بالحكم وإنما جهل مورده أو اعتقد طهارته ومعه لا يمكن الحكم بوجوب اعلامه. بل يمكن الحكم بحرمته فيما إذا لزم منه القاء الجاهل في العسر والحرج أو كان موجبا لايذائه. وأما التسبيب إلى اكل النجس أو شربه فالتحقيق حرمته وذلك لان المستفاد من اطلاقات ادلة المحرمات الموجهة إلى المكلفين حسب المتفاهم العرفي أن انتساب الافعال المحرمة إلى موجديها مبغوض مطلقا سواء كانت النسبة مباشرية ام تسبيبية - مثلا - إذا نهى المولى عن الدخول عليه بان قال لايدخل على احد لغرض له في ذلك فيستفاد منه أن انتساب الدخول إليه وايجاده مبغوض مطلقا سواء صدر ذلك على وجه الماشره أم على وجه التسبيب كما إذا أدخل عليه احدا بتغريره فالانتساب التسبيبي كالمباشري مفوت للغروض التفويت حرام هذا كله مضافا إلى ما ورد من الامر باعلام المشترى بنجاسة الزيوت المتنجسة حتى يستصبح بها ولا يستعملها فيما يشترط فيه الطهارة

[ 334 ]

حيث قال: " بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به " (* 1) فان الاستصباح بالزيت المتنجس ليس بواجب ولا راجح فالامر به في الاخبار المشار إليها ارشاد إلى انه لابد وان يصرف في الجهة المحللة لئلا ينتفع به في المنفعة المحرمة لان للدهن النجس فائدتان: محللة ومحرمة فإذا لم يبين نجاسته للمشتري فمن الجائز أن يصرفه في الجهة المحرمة أعني أكله وهو تسبيب من البايع إلى اصدار مبغوض الشارع من المشتري الجاهل بالحال فالامر باعلام نجاسة الدهن للمشتري يدلنا على حرمة التسبيب إلى الحرام و " دعوى ": اختصاص ذلك بالنجاسات فان الاخبار إنما دلت على وجوب الاعلام بنجاسة الزيوت فلا يستفاد منها حرمة التسبيب إلى مطلق المبغوض الواقعي - كما في التسبيب إلى أكل الميتة الطاهرة من الجري والمار ماهي ونحوهما حيث أن أكلها محرم من دون أن تكون نجسة " مدفوعة ": بان المستفاد من اطلاق حرمة الميتة وغيرها من المحرمات - حسب المتفاهم العرفي - أن مطلق انتساب فعلها لى المكلف مبغوض حرام سواء أكانت النسبة مباشرية أم تسبيبية كما عرفت وهذا لا يفرق فيه بين النجس والحرام. فتحصل أن التسبيب إلى الفعل الحرام فيما إذا كان للواقع أثر مترتب عليه في نفسه حرام. وبهذا يندفع مار بما يقال من أن وجود الامر المحرم إذا كان مبغوضا من الجميع فكما أنه يقتضي حرمة التسبيب إلى ايجاده كذلك يقتضي وجوب الاعلام به بل يقتضي وجوب الردع عنه لان تركه يؤدي إلى ايجاد المباشر للامر المبغوض الواقعي فهو مفوت للغرض والتفويت حرام ومعه لاوجه للحكم بحرمة التسبيب دون الحكم بوجوب الاعلام. والوجه في الاندفاع انا لم نستند في الحكم بحرمة التسبيب


(* 1) ورد ذلك فيما رواه معاوية بن وهب وبمضمونه روايات أخر مروية في ب 6 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 335 ]

إلى مبغوضية الفعل في نفسه حتى بورد عليه بتلك المناقشة وإنما استندنا فيه إلى ما يستفاد من اطلاق أدلة المحرمات حسب المتفاهم العرفي لما مر من أن العرف يستفيد منها مبغوضية انتساب العمل إلى فاعله بلا تفرقة في ذلك بين الانتساب التسبيبي والمباشري وهذا مما لا يقتضي الحكم بوجوب الاعلام لان العمل إذا صدر من موجده بالارادة والاختيار من دون استناده إلى تسبيب العالم بحرمته فلا انتساب له إلى العالم بوجه وقد مر أن المحرم هو الانتساب دون مطلق الوجود ومع انتفاء الانتساب المباشري والتسبيبي لا موجب لوجوب ردع الفاعل المباشر عن عمله نعم قد نلتزم بوجوب الاعلام أيضا وهذا كما في الموارد الخطيرة التي علمنا من الشارع الاهتمام بها وعدم رضاه بتحقق العمل فيها بوجه أعني موارد النفوس والاعراض - مثلا - إذا رأينا أحدا حمل بسيفه على مؤمن ليقتله بحسبان كفره وارتداده يجب علينا ردعه وإعلامه بالحال وان كان العمل على تقدير صدوره من مباشره غير موجب لاستحقاق العقاب لمعذورية الفاعل حسب عقيدته إلا أن الشارع لا يرضى بقتل المؤمن بوجه وكذا الحال إذا رأينا صبيا يقتل مسلما وجب ردعه لما مر إلا أن وجوب الردع في أمثال ذلك من باب انه بنفسه مصداق لحفظ النفس المحترمة لا من جهة وجوب الاعلام بالحرام وكذلك الحال فيما إذا عقد رجل على إمرأة نعلم انها اخته من الرضاعة حيث يجب علينا ردعه وان لم يكن العمل منه أو منهما صادرا على جهة التحريم لجهلهما واعتمادهما على أصالة عدم العلاقة المحرمة بينهما. بل ويترتب عليه جميع آثار النكاح الصحيح لانه من الوطئ بالشبهة ولكن العمل بنفسه بما انه مبغوض وغير مرضي عند الشارع وجب على العالم بذلك الاعلام والردع ومن ذلك أيضا منع الصبي عن اللواط أو الزنا وعن شرب المسكرات إلى غير ذلك من

[ 336 ]

[ يشترط فيه الطهارة، فلو باع أو أعار شيئا نجسا قابلا للتطهير يجب الاعلام بنجاسته، وأما إذا لم يكن هو السبب في استعماله بأن رأى أن ما يأكله شخص أو يشربه أو يصلي فيه نجس، فلا يجب إعلامه. (مسألة 33) لا يجوز سقي المسكرات للاطفال (1) بل يجب ردعهم، وكذا سائر الاعيان النجسة إذا كانت مضرة لهم (2) بل ] الموارد التي نعلم فيها باهتمام الشارع بشئ وعدم رضاه بوقوعه في الخارج بوجه. هذه هي الموارد التي نلتزم فيها بوجوب الاعلام. وأما في غيرها فلم يقم دليل على وجوب الردع والاعلام وإن كان التسبيب إليه محرما. هذا كله في التسبيب إلى المكلفين وهل التسبيب إلى المجانين والصبيان أيضا كذلك لاطلاق أدلة المحرمات كما مر تقريبه أو لامانع من التسبيب إلى غير المكلفين؟ الصحيح هو الثاني وذلك لان الشارع كما انه حرم المحرمات في حق المكلفين كذلك أباحها في حق جماعة آخرين من الصبيان والمجانين فالفعل إنما يصدر من غير المكلف على وجه مباح ومن الظاهر أن التسبيب إلى المباح مباح. نعم فيما إذا علم الاهتمام من الشارع وانه لا يرضى بوقوعه كيف ما اتفق يحرم التسبيب بلا اشكال ومن هنا ورد المنع عن سقي المسكر للاطفال (* 1) (1) قد ظهر الحال في هذه المسألة مما قدمناه في سابقتها وقد عرفت أن سقي المسكرات للاطفال حرام إلا أن ذلك مستند إلى الاخبار والعلم بعدم رضا الشارع بشربها كيفما اتفق وليس من أجل حرمة التسبيب بالاضافة إلى الصبيان. (2) وذلك لحرمة الاضرار بالمؤمنين ومن في حكمهم أعني أطفالهم فإذا فرضنا أن العين النجسة مضرة لهم كما في شرب الابوال لانها - على ما يقولون -


(* 1) راجع ب 10 من ابواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 337 ]

من السموم فلا محالة يكون التسبيب إلى شربها أو اكلها إضرارا بهم وهو حرام فالتسبيب حينئذ إلى شرب الاعيان النجسة أو أكلها مما لا ينبغي الاشكال في حرمته بلا فرق في ذلك بين الولي وغيره من المسلمين. وأما الردع والاعلام فايضا لا كلام في وجوبهما على الولي لانه مأمور بالتحفظ على الصبي مما يرجع إلى نفسه وماله فيجب عليه ردع من يتولى أمره عن شرب العين النجسة واكلها. وأما بالاضافة إلى غير الولي فان كان الضرر المستند إلى شرب النجس أو أكله بالغا إلى الموت والهلاك أو كان المورد مما اهتم الشارع بعدم تحققه في الخارج كما عرفته في شرب المسكرات فلا إشكال أيضا في وجوب الردع إلا أن ذلك وسابقه غير مختصين بالنجاسات لان الاضرار بالمؤمن ومن في حكمه حرام مطلقا كما أن الردع عما يوجب القتل والهلاك أو ما اهتم الشارع بعدم تحققه في الخارج من الوظائف الواجبة في جميع الموارد - مثلا - يجب ردع الصبي عن السباحة في المياه التي لو وردها غرق أو عن أكل الطعام المباح الذي لو أكله هلك وأما إذا لم يكن الضرر بتلك المرتبة كما إذا كان اكل النجس أو شربه مؤديا إلى وجع الرأس أو حمى يوم ونحوه ولم يكن العمل مما اهتم الشارع بعدم تحققه فلم يقم دليل على وجوب الردع والاعلام بالاضافة إلى غير الولي، لان مجرد علمه بترتب ضرر طفيف على شرب الصبي النجس أو أكله لا يوجب الردع في حقه وانما يدخل ذلك في عنوان الارشاد ولا دليل على وجوبه ومعه يكون الردع مجرد احسان ولا اشكال في حسنه عقلا وشرعا. وانما يجب على الولي - لا لاجل وجوب الردع والاعلام - بل لوجوب حفظ الاطفال على الاولياء. هذا كله فيما إذا كان شرب النجس أو أكله مضرا للاطفال وأما إذا لم يكن ضرر في أكله وشربه فلا موجب لحرمة التسبيب حينئذ لما عرفت من عدم دلالة الدليل على حرمته في غير المكلفين وانما

[ 338 ]

[ مطلقا. وأما المتنجسات فان كان التنجس من جهة كون ايديهم نجسة (1) فالظاهر عدم البأس به، وإن كان من جهة تنجس سابق، فالاقوى جواز التسبب لاكلهم، وإن كان الاحوط تركه. وأما ردعهم عن الاكل أو الشرب مع عدم التسبب فلا يجب من غير اشكال. (مسأله 34) إذا كان موضع من بيته أو فراشه نجسا، فورد عليه ضيف وباشره بالرطوبة المسرية ففي وجوب اعلامه اشكال (2) ] استفدنا حرمته بالاضافة إلى المكلفين من اطلاق أدلة المحرمات. وأما غير المكلفين من المجانين والصبيل فحيث لا تشمله المطلقات فلا محالة يعدر الفعل منه على الوجه المباح ولا يحرم التسبيب إلى المباح فضلا عن أن يجب فيه الردع والاعلام. (1) بان استندت النجاسة إلى أنفسهم - كما هو الغالب - والدليل على جواز التسبب وعدم وجوب الردع والاعلام حينئذ انما هو السيرة القطعية المستمرة بين المسلمين. وأما إذا لم تستند النجاسة إلى أنفسهم - كالماء المتنجس بسبب آخر فقد أفتى الماتن بعدم وجوب الردع حينئذ وهو الصحيح إذ لا دليل على حرمة التسبب بالاضافة إلى غير المكلفين لعدم صدور الفعل منهم على الوجه الحرام كما لادليل على وجوب الاعلام حينئذ. وان احتاط الماتن بترك التسبب استحبابا. (2) عدم وجوب الردع والاعلام في المسألة مما لااشكال فيه لعدم الدليل على وجوبهما وانما ثبتت حرمة التسبيب بالاضافة إلى المكلفين وعليه فيدور الحكم مدار صدق التسبب وعدمه وليس له ضابط كلي بل يختلف باختلاف الموراد - مثلا - إذا مد الضيف يده الرطبة لان يأخذ ثيابه فاصابت الحائط المتنجس

[ 339 ]

[ وان كان أحوط، بل لا يخلو عن قوة. وكذا إذا أحضر عنده طعاما ثم علم بنجاسته (1) بل وكذا إذا كان الطعام للغير وجماعة مشغولون بالاكل فرأى واحد منهم فيه نجاسة، وإن كان عدم الوجوب في هذه الصورة لا يخلو عن قوة (2) لعدم كونه سببا لاكل الغير بخلاف الصورة السابقة (مسأله 35) إذا استعار ظرفا أو فرشا أو غيرهما من جاره فتنجس عنده هل يجب عليه إعلامه عند الرد؟ فيه اشكال (3) والاحوط ] لا يصح اسناد تنجيس يده إلى المضيف بالتسبيب لانه إنما صدر من الضيف ولا تسبب في البين، والاعلام لا دليل على وجوبه. وأما إذا وضع المضيف المنديل المتنجس في الموضع المعد للتنشف ولما غسل الضيف يده تنشف بذلك المنديل النجس فلا محالة يستند تنجيس يده إلى المالك المضيف لانه الذي وضع المنديل في المحل المعد للاستعمال فيجب عليه الردع والاعلام لان سكوته تسببب إلى النجاسة. (1) لاشبهة في وجوب الردع حينئذ لان سكوته تسبيب إلى أكل النجس بحسب البقاء وإن لم يكن كذلك حدوثا إلا أن حرمة الانتساب التسببي - بعدما استفدناها من اطلاق الدليل - لا يفرق فيها العقل بين التسبيب بحسب الحدوث والتسبيب بحسب البقاء وبهذا تفترق هذه الصورة عن الصورة الآتية. (2) لعدم استناد أكل النجس إلى من علم منهم بنجاسة الطعام حيث أنه مستند إلى من قدمه أو إلى أنفسهم إذا لم يقدمه شخص آخر لهم فلا يترتب على سكوته التسبيب إلى أكل النجس. (3) قد ظهر الحال في هذه المسألة مما قدمه الماتن " قده " وقدمناه في

[ 340 ]

[ الاعلام بل لا يخلو عن قوة إذا كل مما يستعمله الملك فيما يشترط فيه الطهارة فصل إذا صلى في النجس فان كان عن علم وعمد بطلت صلاته (1) ] المسائل السالفة إلا انه أراد بالتعرض لها الاشارة إلى أن حرمة التسبيب إلى الحرام غير مختصة بمالك العين لانه يحرم عليه كذلك يحرم على مالك المنفعة - كما في الاجارة - أو الانتفاع - كما في العارية - أو على من أبيح له التصرف من دون أن يكون مالكا لشئ من العين والمنفعة والانتفاع، وعلى من استولى على المال غصبا وذلك لان المال إذا تنجس عند هؤلاء ثم أرادوا ارجاعه إلى مالكه أو غيره ولم بينوا نجاسته كان سكوتهم تسبيبا منهم إلى أكل النجس أو شربه وهو حرام. فصل إذا صلى في النجس (1) مر أن الصلاة يشترط فيها طهارة البدن والثياب إلا فيما استثنى من طريف النجاسات - كالدم الاقل من الدرهم - أو من طرف المتنجس - كا لا تتم فيه الصلاة - ويدل عليه - مضافا إلى أن المسألة ضرورية ومما لا خلاف فيه - الاخبار المتضافرة التي ستمر عليك في التكلم على جهات المسألة انشاء الله. وعليه فالكلام إنما يقع في خصوصيات المسألة وجهاتها ولانتكلم عن أصل اشتراط الصلاة بطهارة الثوب والبدن لعدم الخلاف فيه فنقول: الصلاة في النجس قد يكون عن علم وعمد وقد لا يكون كذلك وعلى الثاني قد يستند صلاته في النجس إلى جهله وقد يستند إلى نسيانه، وكل من الجهل والنسيان إما أن يتعلق بموضوع النجس - كما إذا لم يدر أن المايع الواقع على ثوبه

[ 341 ]

[ وكذا إذا كان عن جهل بالنجاسة من حيث الحكم (1) بأن لم يعلم أن الشئ الفلاني، مثل عرق الجنب من الحرام نجس، أو عن جهل بشرطية الطهارة للصلاة. ] أو بدنه بول - مثلا - أو علم به ثم نسيه - وإما أن يتعلق بحكمه بان لم يدر ان بول مالا يؤكل لحمه نجس أو تعلم حكمه ثم نسيه، وإما أن يتعلق بالاشتراط كما يأتي تمثيله، وهذه الصورة في الحقيقة ترجع إلى الجهل باصل الحكم أو نسيانه. أما إذا صلى في النجس عن علم وعمد فلا ينبغي الارتياب في بطلان صلاته لان هذه الصورة هي القدر المتيقن مما دل على بطلان الصلاة في النجس، ويمكن استفادته من منطوق بعض النصوص ومفهوم بعضها الآخر وهذا كما في حسنة عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم قال: إن كان قد علم أنه أصاب ثوبه جنابة أو دم قبل أن يصلي ثم صلى فيه ولم يغسله فعليه أن يعيد ما صلى.. (* 1) ومصححة عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذره من انسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد (* 2) على أنه يمكن أن يستدل عليه بفحوى ما ورد في بطلان صلاة الناسي في النجس كما تأتي عن قريب، حيث أن العلم بالنجس متقدما على الصلاة إذا كان مانعا عن صحتها فالعلم به مقارنا للصلاة يمنع عن صحتها بطريق أولى. (1) إذا صلى في النجس جاهلا بالحكم أو بالاشتراط فله صورتان: لان الجهل قد يكون عذرا - للمكلف حال جهله - كما في الجاهل القاصر - ومن أظهر مصاديقه المخطئ من المجتهدين حيث أن المجتهد إذا فحص عن الدليل على


(* 1) (* 2) المرويتان في ب 40 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 342 ]

نجاسة بول الخشاشيف - مثلا - ولم يظفر بما يدله على طهارته أو نجاسته فبنى على طهارته، لقاعدة الطهارة، وصلى في الثوب الذي أصابه بول الخشاف زمنا طويلا أو قصيرا ثم بعد ذلك ظفر على دليل نجاسته. أو أنه بنى على عدم اشتراط خلو البدن والثياب من الدم الاقل من مقدار الدرهم ولو كان مما لا يؤكل لحمه أو من الميتة أو بنى على عدم اشتراط الصلاة بطهارة المحمول فيها ولو كان مما يتم فيه الصلاة اعتمادا في ذلك على اصالة البراءة عن الاشتراط، ثم وقف على دليله فمنى على اشتراط الصلاة بطهارة المحمول المتنجس إذا كان ثوبا يتم فيه الصلاة، وعلى اشتراط خلو البدن والثياب عن الدم الاقل من مقدار الدرهم إذا كان من الميتة أو مما لا يؤكل لحمه نظرا إلى أن ما دل على استثناء الدم الاقل إنما استثناه عن مانعية النجاسة في الصلاة. وأما المانعية من سائر الجهات ولو من جهة أنه من أجزاء مالا يؤكل لحمه أو من الميتة - حيث أنهما مانعتان مستقلتان زائدا على مانعية النجاسة - فلم يقم دليل على استثنائه فهو جاهل بالحكم الواقعي أو بالاشتراط إلا أن جهله هذا معذر له لانه جهل قصوري فانه فحص وعجز عن الوصول إلى الواقع واعتمد على الاصول المقررة للجاهلين. وقد لا يكون الجهل عذرا للمكلف لاستناده إلى تقصيره عن السؤال أو عدم فحصه عن الدليل ويعبر عنه بالجاهل المقصر. أما إذا صلى في النجس عن جهل تقصيري غير عذر فالصحيح ان صلاته باطلة وتلزمه اعادتها في الوقت أو خارجه وذلك لانه مقتضى إطلاق ما دل على بطلان الصلاة مع النجس ولا يمنع عن ذلك حديث لا تعاد (* 1) بناء على اختصاصه بالطهارة الحدثية، لان الحديث


(* 1) وهو ما رواه الصدوق باسناده عن زرارة عن ابي جعفر - ع - أنه قال: لا تعاد الصلاة الا من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود، المروية في ب 3 من ابواب الوضوء و 1 من افعال الصلاة من الوسائل.

[ 343 ]

باطلاقه وان كان يشمل المقصر في نفسه لعدم كون النجاسة الخبثية من الخمسة المستثناة في الحديث إلا أن هناك مانع عن شموله له وهو لزوم تخصيص أدلة المانعية بمن صلى في النجس عن علم وعمد - لما يأتي من عدم شمولها الناسي والجاهل القاصر، لحديث لا تعاد - وهو من التخصيص بالفرد النادر بل غير المتحقق حيث أن المكلف إذا علم بنجاسة النجس والتفت إلى اشتراط الصلاة بعدمها في الثوب والبدن لم يعقل أن يقدم على الصلاة فيه إلا إذا أراد اللعب والعبث كيف ولا يتمشى منه قصد التقرب لعلمه بعدم تعلق الامر بالصلاة في النجس وعدم كفايتها في مقام الامتثال - إلا على نحو التشريع الحرام هذا. ويمكن أن يقال بعدم شمول الحديث للجاهل المقصر في نفسه - مع قطع النظر عن المحذور المتقدم آنفا، وذلك فان الجاهل المقصر على قسمين: لانه قد يحتمل بطلان عمله كما يحتمل صحته ومع ذلك لا يسأل عن حكمه وكيفياته بل يأتي بالعمل بداعي انه ان طابق المأمور به الواقعي فهو وإلا فهو غير قاصد للامتثال رأسا - لعدم مبالاته بالدين - وقد يكون الجاهل غافلا عن اعتبار الطهارة في ثوبه وبدنه فلا يشك في صحة عمله بل يأتي بالصلاة في النجس كما يصلي العالم بصحتها. أما الجاهل المردد في صحة عمله وفساده فلا شك في عدم شمول الحديث له لان الحديث - حسب المتفاهم العرفي - إنما ينظر إلى حكم العمل بعد وجوده وانه هل تجب اعادته اولا تجب؟ وهذا إنما يتصور فيما إذا كان المكلف غير متردد في صحة عمله حال الامتثال. وأما إذا كان عالما ببطلان عمله حال الاتيان به وجدانا أو بحكم العقل - كما في المقام - لاستقلاله على أن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية وانه ليس للمكلف ان يكتفي بما يشك في صحته، فهو خارج عن مدلول الحديث حسبما يستفيده العرف من مثله فمقتضى ادلة بطلان الصلاة في النجس هو الحكم ببطلان صلاة الجاهل المقصر إذا كان مترددا

[ 344 ]

في صحة عمله وفساده حال العمل هذا مضافا إلى ان المسألة لا خلاف فيها بل الحكم بالبطلان حينئذ من ضروريات الفقه. وأما الجاهل المقصر الذي لا يتردد في صحة عمله حال اشتغاله فهو وان كان يشمله الحديث في نفسه إلا أن قيام الاجماع اليقيني على بطلان عمل الجاهل المقصر في غير الموردين المشهورين في كلماتهم اعني التمام في موضع القصر، والاجهار في موضع الاخفات وعكسه يمنعنا عن الحكم بعدم وجوب الاعادة عليه ثم ان الحكم بوجوب الاعادة على الجاهل المقصر لا ينافي استحالة تكليف الغافل بشئ لان توجيه الخطاب إلى الغافل وان كان غير صحيح إلا ان مفروض المسألة أن غفلة الجاهل إنما هي ما دام اشتغاله بعمله لانه يشك في صحته وفساده بعد الفراغ وبما انه التفت إلى عمله في اثناء الوقت ولم يحرز فراغ ذمته عما وجب عليه لزمه الخروج عن عهدة ما اشتغلت به ذمته واستحالة تكليفه بالواقع حال غفلته لا تقتضى الحكم بكون ما اتى به مجزء لان الاجزاء يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه في المقام وحيث انه لم يأت بالواجب الواقعي وجبت عليه اعادته واما إذا انكشف الحال في خارج الوقت فهو وان لم يكن مكلفا بالصلاة مع الطهارة في الوقت لفرض غفلته في مجموع الوقت الا انه مع ذلك يجب القضاء عليه لانه يدور مدار صدق الفوت سواء كان هناك تكليف أو لم يكن كما في النائم ونحوه. والمتلخص ان الجاهل المقصر - بكلا قسميه - خارج عن مدلول الحديث. وأما إذا صلى في النجس عن جهل قصوري معذر فالتحقيق انه مشمول لحديث لا تعاد وبه يخرج عما تقتضيه أدلة بطلان الصلاة في النجس والذي يمكن أن يكون مانعا عن شموله الجاهل القاصر أو قيل؟؟؟ امور ثلاثة: " الاول ": ما عن شيخنا الاستاذ " قده " من أن حديث لا تعاد إنما تنفى الاعادة عن كل مورد قائل لها في نفسه بحيث لولا ذلك الحديث لحكم بوجوب الاعادة فيه إلا ان الشارع

[ 345 ]

رفع الالزام عنها امتنانا على المكلفين. ومن البديهي أن الامر بالاعادة إنما يتصور فيما إذا لم يكن هناك امر باتيان المركب نفسه كما في الناسي نحوه حيث لا يجب عليه الاتيان بما نسيه ففى مثله لامانع من الحكم بوجوب الاعادة عليه لولا ذلك الحديث وأما إذا بقى المكلف على حاله من تكليفه وامره بالمركب الواقعي فلا معنى في مثله للامر بالاعادة لانه مأمور باتيان نفس المأمور به وحيث أن الجاهل القاصر مكلف بنفس الواقع ولم يسقط عنه الامر بالعمل فلا معنى لامره بالاعادة فإذا لم يكن المورد قابلا لايجاب الاعادة لم يكن قابلا لنفيها عنه وعليه فالحديث إنما تختص بالناسي ونحوه دون العامد والجاهل مقصرا كان أم قاصرا ومعه لابد من الرجوع إلى المطلقات المانعة عن الصلاة في النجس وهي تقتضي وجوب الاعادة في حقهم. والجواب عن ذلك أن الجاهل وإن كان مكلفا بالاتيان بالمركب واقعا إلا انه محدود بما إذا امكنه التدارك ولم يتجاوز عن محله. وأما إذا تجاوز عن محله فاى مانع من الامر بالاعادة عليه - مثلا - إذا كان بانيا على عدم وجوب السورة في الصلاة الا انه علم بالوجوب وهو في أثناء الصلاة فبنى على وجوبها فانه إن كان لم يدخل في الركوع فهو مكلف باتيان نفس المأمور به اعني السورة في المثال ولا مجال معه لايجاب الاعادة في حقه. وأما إذا علم به بعد الركوع فلا يمكنه تداركها لتجاوزه عن محلها وحينئذ إما أن تبطل صلاته فتجب عليه إعادتها وأما أن تصح فلا تجب اعادتها وبهذا ظهر أن الجاهل بعد ما لم يتمكن من تدارك العمل قابل لايجاب الاعادة في حقه ونفيها كما هو الحال في الناسي بعينه " الثاني ": إنا وإن كنا نلتزم بحكومة الحديث على أدلة الاجزاء والشرائط لانه ناظر إليها ومبين لمقدار دلالتها حيث دل على أن الاخلال بشئ منهما إذا لم يكن عن علم أو جهل تقصيري لا يقتضي البطلان إلا أنه لا يمكن أن يكون

[ 346 ]

حاكما على حسنة عبد الله بن سنان المتقدمة التي دلت على وجوب الاعادة فيمن على باصابة الجنابة أو الدم ثوبه قبل الصلاة ثم صلى فيه وذلك لوحدة لسانهما لان لسان الحسنة اثبات الاعادة بقوله فعليه أن يعيد كما أن لسان الحديث نفى الاعادة بقوله لا تعاد فمورد النفي والاثبات واحد كما أن لسان يعيد ولا تعاد لسانان متنافيان فهما من المتعارضين والنسبة بينهما إما هي العموم المطلق نظرا إلى أن الحديث ينفي الاعادة مطلقا والحسنة تثبتها في خصوص العالم بموضوع النجاسة قبل الصلاة فتخصص الحديث ولاجلها يحكم بوجوب الاعادة على الجاهل القاصر لعلمه بموضوع النجاسة وإنما لا يعلم حكمها أولا يعلم الاشتراط وإما أن النسبة هي العموم من وجه لاختصاص الحديث بغير العالم المتعمد فالحديث يقتضي وجوب الاعادة فيمن علم بموضوع النجاسة وحكمها والحسنة لا تعارضه، كما أن الحسنة تنفي الاعادة - بمفهومها - ممن جهل بموضوع النجاسة وحكمها والحديث لا يعارضها وإنما يتعارضان فيمن علم بموضوع النجاسة وجهل بحكمها لان الحسنة تثبت الاعادة فيه والحديث تنفيها ومع المعارضة والتساقط لابد من الرجوع إلى اطلاقات ادلة المانعية وهي تقتضي بطلان الصلاة في النجس ووجوب الاعادة فيما نحن فيه والوجواب عن ذلك أن وزان الحسنة وزان غيرها من ادلة الاجزاء والشرائط والحديث كما انه حاكم على تلك الادلة كذلك له الحكومة على الحسنة والوجه فيه ما ذكرناه غير مرة من أن الامر بالاعادة ارشاد إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية كما أن نفيها ارشاد وحكاية عن عدم الجزئية والشرطية والمانعية، وليست الاوامر الواردة في بيان الاجزاء والشرائط ظاهرة في الامر المولوي وعليه فالامر بالاعادة في الحسنة ارشاد إلى شرطية طهارة الثوب والبدن أو إلى مانعية نجاستهما في الصلاة كما هو الحال في غيرها مما دل على جزئية شئ أو شرطيته إما بالامر بالاعادة بتركهما أو بالتصريح

[ 347 ]

باعتبارهما في المأمور به والحديث حاكم على ادلتهما وذلك لانه قد فرض أن للصلاة اجزاء وشرائط ثم بين أن ترك غير الخمسة المذكورة فيه غير موجب لبطلان الصلاة واعادتها - إذا لم يكن عن علم أو جهل تقصيري - ومن هنا يتقدم على ادلتهما ولا يفرق في ذلك بين دلالة الدليل على الجزئية أو الشرطية بالمطابقة وبين دلالته عليهما بالالتزام كما هو الحال في الحسنة لان اثباتها الاعادة عند وقوع الصلاة في النجس يدلنا بالالتزام على شرطية الطهارة في الثوب والبدن للصلاة فالحديث بذلك تنفي اعتبار الطهارة بالاضافة إلى الجاهل القاصر ومجرد وحدة لسان الحسنة والحديث لا تجعلهما من المتعارضين بعد عدم كون الامر بالاعادة مولويا وجوبيا والنسبة إنما تلاحظ بين المتنافيين ولاتنافي بين الحاكم ومحكومه. " الثالث ": أن الطهور الذى هو من الخمسة المعادة منها الصلاة إما أن يكون أعم من الطهارة الحدثية والخبثية. وأما أن يكون مجملا لا يدرى أنه يختص بالطهارة الحدثية أو يعم الخبثية ايضا وعلى كلا الفرضين لا يمكن التمسك به في الحكم بعدم وجوب الاعادة على الجاهل. أما بناء على انه اعم فلاجل أن صلاة الجاهل فاقدة لطهارة الثوب أو البدن والاخلال بالطهارة الخبثية مما يعاد منه الصلاة وأما بناء على اجماله فلاجل كفاية الاجمال في الحكم بوجوب الاعادة على الجاهل بالحكم أو بالاشتراط وذلك لان إجمال المخصص المتصل " كالطهور " يسرى إلى العام " كقوله لا تعاد) ويسقطه عن الحجية في مورد الاجمال. ومعه لادليل على عدم وجوب الاعادة في مفروض الكلام. ومقتضى اطلاقات مانعية النجاسة في الثوب والبدن بطلان صلاة الجاهل القاصر ووجوب الاعادة عليه. وهذا الوجه وإن كان امتن الوجوه التي قيل أو يمكن أن يقال في المقام إلا انه ايضا مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لان الطهور حسبما ذكرناه في اوائل الكتاب - من انه بمعنى ما يتطهر به نظير الوقود والفطور والسحور وغيرهما مما هو بمعنى ما يحصل به المبدء، وقد يستعمل بمعنى

[ 348 ]

اخر ايضا - وإن كان اعم حيث ان ما يحصل به الطهارة وهو الماء والتراب غير مقيد بطهارة دون طهارة وبالحدثية دون الخبثية إلا أن في الحديث قرينة تدلنا على أن المراد بالطهور خصوص ما يتطهر به من الحديث فلا تشمل الطهارة الخبثية بوجه. بيان تلك القرينة: أن ذيل الحديث دلنا على عدم ركنية غير الخمسة في الصلاة، حيث بين أن القراءة والتشهد والتكبير سنة (* 1) ثم أن الخمسة المذكورة في الحديث هي بعينها الخمسة التي ذكرها الله سبحانه في الكتاب وقد أشار إلى الركوع بقوله عز من قائل: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (* 2) وفى قوله: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (* 3) وفي غيرهما من الآيات، واشار إلى السجود بقوله فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (* 4) وفي قوله: يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا وأعبدوا ربكم (* 5) وفي قوله: يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي (* 6) وغيرها من الآيات. وإلى القبلة أشار بقوله: فلنو لينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام (* 7) وبقوله: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام (* 8) وغيرهما وأشار إلى الوقت بقوله: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (* 9) وإلى اعتبار الطهارة الحدثية - من الغسل والوضوء والتيمم - أشار بقوله: يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى


(* 1) راجع ب 1 من ابواب افعال الصلاة وب 29 من ابواب القراءة و 1 من ابواب القواطع من الوسائل. (* 2) البقرة 2: 43 (* 3) آل عمران 3: 43 (* 4) الشعراء 26: 219 (* 5) الحج 22: 77 (* 6) آل عمران 3: 43 (* 7) البقرة 2: 144 (* 8) البقرة 2: 149 (* 9) الاسراء 17: 78

[ 349 ]

[ واما إذا كان جاهلا بالموضوع (1) بأن لم يعلم أن ثوبه أو بدنه لاقى ] المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعدا طيبا.. (* 1) وبذلك يظهر ان الحديث إنما يشير إلى تلك الخمسة التي ذكرها الله سبحانه في الكتاب والذي ذكره سبحانه إنما هو خصوص الطهارة من الحدث - اعني الغسل والوضوء والتيمم - وليس من الطهارة الخبثية ذكر في الكتاب، فإذا ضممنا إلى ذلك ما استفدناه من ذيل الحديث فلا محالة ينتج أن الطهور في الحديث انما هو بمعنى ما يتطهر به من الحدث وأما الطهارة من الخبث فليست من الاركان التي تبطل الصلاة بالاخلال بها مطلقا كما هو الحال في الخمسة المذكورة في الحديث. ولعل ما ذكرناه هو الوجه فيما سلكه المشهور من اصحابنا حيث خصوا الحديث بالطهارة من الحدث مع عمومه في نفسه. ومما يدلنا على أن الطهارة من الخبث ليست كالطهارة الحدثية من مقومات الصلاة حتى تبطل بفواتها انه لااشكال في صحة الصلاة الواقعة في النجس في بعض الموارد ولو مع العلم به كموارد الاضطرار وعدم التمكن من استعمال الماء وكذلك الاخبار الواردة في صحة الصلاة في النجس في الشبهات الموضوعية كما توافيك عن قريب. حيث انها لو كانت مقومة للصلاة كالخمسة المذكورة في الحديث لم يكن للحكم بصحة الصلاة مع الاخلال بها وجه صحيح وكيف كان فما ذكرناه من القرينة مويدا بما فهمه المشهور من الحديث كاف في اثبات المدعى وعليه فالحديث يعم الجاهل القاصر والناسى كليهما وتخصيصه بالناسى تخصيص بلا وجه. (1) ما سردناه في الحاشية المتقدمة إنما هو في الجهل بالنجاسة من


(* 1) المائدة 5: 6

[ 350 ]

حيث الحكم والاشتراط. وأما إذا صلى في النجس جاهلا بموضوعه مع احتماله النجاسة أو الغفلة عنها ثم علم بالنجاسة بعد الصلاة فقد نسب إلى بعضهم القول بوجوب الاعادة حينئذ في الوقت وخارجه ولم يسم قائله وعن المشهور عدم وجوب الاعادة مطلقا وعن المبسوط والنهاية في باب المياه والنافع والقواعد وغيرها التفصيل بين الوقت وخارجه فيعيد في الوقت دون خارجه وهناك تفصيل آخر احتمله الشهيد في ذكراه بل مال إليه في الدروس وقواه في الحدائق وادعى انه ظاهر الشيخين والصدوق وهو التفصيل بين من شك في طهارة ثوبه أو بدنه ولم يتفحص عنها قبل الصلاة وبين غيره فيعيد في الاول دون غيره، والحصيح ما هو المشهور بينهم من صحة صلاته وعدم وجوب الاعادة لافي الوقت ولافي خارجه وذلك لا لما ذكره بعضهم من أن الشرطية والجزئية إنما تنشئان من الاوامر الواردة بغسل الثوب أو البدن أو النواهي الواردة عن الصلاة في النجس ومن الظاهر أن الاوامر والنواهي انما تتحققان في فرض العلم ولا يثبتان في حق الجاهل. والوجه في عدم اعتمادنا عليه أن منشأ الشرطية والجزئية وان كان هو الاوامر الغيرية المتعلقة بغسل الثوب والبدن أو النواهي الغيرية المتعلقة بالصلاة في النجس إلا انها أوامر أو نواهي ارشادية والارشاد كالحكاية والاخبار فكما انهما تعمل العالمين والجاهلين كذلك الارشاد الذي وزانه وزانهما - لاطلاقه - ولاوجه لمقايسة الاوامر الغيرية الارشادية بالاوامر النفسية التي لا تثبت في حق غير العالمين هذا. على أن هذا الكلام لو تم فانما يتم في موارد الخطاء والنسيان والجهل المركب ونحوها لا بالاضافة إلى الجاهل البسيط إذ لامانع من شمول الاوامر والنواهي للجاهل غاية الامر انها لا تكون منجزة في حقه وكم فرق بين الثبوت والتنجز هذا مضافا إلى دلالة الاخبار وقيام الاجماع والضرورة على أن الاحكام الشرعية مشتركة بين

[ 351 ]

العالمين والجاهلين. بل الوجه فيما ذكرناه دلالة حديث لا تعاد على عدم وجوب الاعادة لما عرفت من أن الطهور في الحديث بمعنى ما يتطهر به من الحدث فالطهارة من الخبث مما لا تعاد منه الصلاة - ويدل عليه أيضا جملة من الصحاح: " منها ": صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى في ثوب رجل أياما ثم إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلي فيه قال لا يعيد شيئا من صلاته (* 1) و " منها ": مصححة عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي وفى ثوبه عذرة من انسان أو سنور أو كلب، أيعيد صلاته؟ قال: إن كان لم يعلم فلا يعيد 2 و " منها " صحيحتا زرارة ومحمد بن مسلم الآتيتين و " منها " غير ذلك من الاخبار حيث تدل على نفي وجوب الاعادة فضلا عن القضا بل لعل الصحيحة صريحة في نفي وجوبه ومن هنا لم يستشكلوا في الحكم بعدم وجوب القضا. وأما من فصل بين الوقت وخارجه فقد اعتمد على روايتين: " احداهما ": صحيحة وهب بن عبد ربه عن أبي عبد الله عليه السلام في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم به صاحبه فيصلي فيه ثم يعلم بعد ذلك قال: يعيد إذا لم يكن علم (* 3) و " ثانيتهما ": موثقة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل صلى وفي ثوبه بول أو جنابة فقال: علم به أو لم يعلم فعليه إعادة الصلاة إذا علم (* 4) بدعوى أن هاتين الروايتين وإن دلتا على وجوب الاعادة مطلقا فالنسبة بينهما وبين الصحاح النافية للاعادة مطلقا نسبة التبائن إلا أن القاعدة تقتضي تخصيصهما أولا بما هو صريح في عدم وجوب الاعادة خارج الوقت لان النسبة بينهما وبينه بالاضافة إلى الاعادة في خارج الوقت نسبة النص أو الاظهر إلى الظاهر وبعد ذلك تنقلب النسبة بينهما وبين الطائفة النافية إلى العموم المطلق حيث انهما تقتضيان


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في ب 40 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 352 ]

وجوب الاعادة في الوقت، والطائفة النافية تنفي وجوبها في الوقت وخارجه فلا مناص من الجمع بينهما بحمل الطائفة النافية على ارادة الاعادة خارج الوقت وحمل الروايتين الآمرتين بالاعادة على الاعادة في الوقت هذا. ويرد على هذا الجمع " أولا ": أن صحيحة وهب وإن كانت تامة سندا إلا انها مشوشة المتن جدا وذلك لانها علقت وجوب الاعادة على ما إذا لم يكن علم ومقتضى مفهومها عدم وجوب الاعادة فيما إذا علم، ولا يمكن اسناد الحكم بوجوب الاعادة على الجاهل وعدم وجوبها على العالم بالنجاسة إلى الامام عليه السلام حيث أن العالم أولى بوجوب الاعادة من الجاهل بالارتكاز. نعم لو كانت العبارة: حتى إذا علم أو ولو إذا علم لكانت الصحيحة ظاهرة في المدعى إلا أن الامر ليس كذلك، وهذا مما يوجب الظن القوي بل الاطمينان على وجود سقط في الرواية ولعل الساقط كلمة " لا " قبل كلمة يعيد فيكون مدلولها عدم وجوب الاعادة إذا لم يكن علم أو يحمل قوله: يعيد على كونه استفهاما انكاريا وكأنه قال: هل يعيد إذا لم يكن علم؟! ومعناه أيضا يرجع إلى نفي وجوب الاعادة على الجاهل، وبهذا الاحتمال وذاك تصبح الصحيحة مجملة ولا يمكننا الاعتماد عليها أبدا. وكذلك الحال في الموثقة لاضطراب متنها فان قوله: فعليه إعادة الصلاة إذا علم يحتمل أمرين ومعنيين " أحدهما ": أن يكون معناه أن الاعادة يشترط فيها العلم بوقوع الصلاة في النجس وحيث أنه علم بذلك بعد الصلاة فلا محالة وجبت عليه إعادتها وعلى ذلك فهذه الجملة مسوقة لبيان حكم عقلي أعني اشتراط العلم في تنجز التكليف، والشرطية مسوقة لبيان التسوية والتعميم في الاعادة بين الصورتين المذكورتين في قوله علم به أو لم يعلم فتجب فيهما الاعادة لعلمه بوجود الخلل في صلاته و " ثانيهما ": أن يكون معناه أن الاعادة تختص بما إذا علم بالنجاسة دون ما إذا لم يعلم بها وعليه فهو

[ 353 ]

شارح للتفصيل المتقدم عليه في قوله: علم به أو لم يعلم. وقرينة على أن قوله ذلك تشقيق لا تفصيل وحاصله أن الامام عليه السلام لما شقق الموضوع وبين أنه قد يكون عالما بنجاسة ثوبه وقد لا يكون فرع عليه الحكم بالاعادة إذا علم مشعرا بعدم وجوبها إذا لم يعلم وأن الحكم بالاعادة لا يعم كلا الشقين. وحيث لاقرينة على تعيين احد المحتملين فلا محالة تصبح الموثقة - كالصحيحة - مجملة. و " ثانيا " إن حمل الاخبار النافية للاعادة على نفيها خارج الوقت مما لا يتحمله جميعها فدونك صحيحة زرارة حيث ورد فيها: فان ظننت انه قد اصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيئا ثم صليت فرأيت فيه قال: تغسله ولا تعيد الصلاة قلت: لم ذلك؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك ابدا (* 1) لانها كما ترى عللت عدم وجوب الاعادة بالاستصحاب فلو كان عدم وجوبها مستندا إلى خروج وقت الصلاة لكان المتعين أن يعلل بذلك لا بالاستصحاب المشترك بين الوقت وخارجه وذلك فان استصحاب طهارته انما يناسب أن يكون علة لجواز دخوله في الصلاة - وهو شاك في طهارة ثوبه - ولا يناسب أن تكون علة لعدم وجوب الاعادة في مفروض المسالة لما بيناه في محله من أن الاحكام الظاهرية لا تقتضى الاجزاء وبذلك نستفيد من الصحيحة أن الطهارة التى هي شرط الصلاة اعم من الظاهرية والواقعية فمع احرازها يحكم بصحة الصلاة ولا تجب اعادتها في الوقت ولا في خارجه لكونها واجدة لشرطها ومعه كيف يصح حملها على ارادة الاعادة في الوقت دون خارجه فالروايتان الآمرتان بالاعادة في الوقت على تقدير تماميتهما تعارضان الصحيحة كما تعارضان صحيحة محمد بن مسلم ورواية ابي بصير الآتيتين فالصحيح حمل الروايتين على استحباب الاعادة في الوقت والحكم بعدم وجوبها لافيه


(* 1) المروية في ب 41 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 354 ]

ولا في خارجه. ولعله لاجلهما إحتاط الماتن بالاعادة في الوقت. وأما التفصيل بين من شك في طهارة ثوبه أو بدنه ولم يتفحص عنها قبل الصلاة وبين غيره بالحكم بالاعادة في الاول دون غيره بلا فرق في ذلك بين أن يكون دخوله في الصلاة مستندا إلى أصالة عدم نجاسة ثوبه أو بدنه وبين أن يكون مستندا إلى غفلته فقد استدل له بجملة من الاخبار: " منها ": صحيحة زرارة المتقدمة حيث ورد فيها: فان ظننت أنه قد أصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيا ثم صليت فرأيت فيه قال: تغسله ولا تعيد الصلاة.. الحديث (* 1) حيث رتب الحكم بعدم الاعاة على ما إذا نظر المكلف وفحص عن نجاسة ثوبه ولم ير شيئا قبل الصلاة وفيه أن فرض النظر والفحص عن النجاسة قبلها إنما ورد في سؤال الراوي لافي جواب الامام عليه السلام ولم يعلق الحكم في كلامه على الفحص قبل الصلاة. على أن الصحيحة فيها جملتان صريحتان في عدم اعتبار الفحص والنظر في عدم وجوب الاعادة: " إحداهما ": قوله: ولا ولكنك انما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك. بعد ما سأله زرارة بقوله فهل علي ان شككت في أنه أصابه شئ ان انظر فيه؟ حيث انها تنفى وجوب الفحص والنظر وتدل على أن فائدتهما منصحرة بزوال الوسوسة والتردد الذي هو امر تكويني فلو كانت لهما فائدة شرعية كعدم وجوب الاعادة بعد الالتفات لم تكن الثمرة منحصرة بذهاب الوسوسة ولكان الاولى بل المتعين التعليل بتلك الفائدة الشرعية. و " ثانيتهما ": قوله: لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك ابدا. حيث علل عدم وجوب الاعادة بانه كان موردا للاستصحاب الذي مرجعه إلى أن شرط الصلاة اعم من الطهارة الواقعية والظاهرية وهو متحقق في مورد السؤال بلا فرق في ذلك بين الفحص والنظر قبل الصلاة وعدمهما. و " منها ": صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله


(* 1) المروية في ب 41 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 355 ]

عليه السلام قال: ذكر المنى فشدده فجعله أشد من البول، ثم قال: إن رأيت المنى قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة وإن انت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك فكذا البول (* 1) حيث رتبت الحكم بعدم الاعادة على نظره في الثوب قبل الصلاة وهي تقتضي بمفهومها وجوب الاعادة إذا رأى المنى أو البول في ثوبه بعد الصلاة ولم يكن نظر فيه قبلها. وفيه أن سوق العبارة وظاهرها أن المناط في الاعادة وعدمها إنما هو رؤية النجاسة - اي العلم بها - وعدمها قبل الصلاة أو بعد ما دخل فيها فإذا لم يعلم بها قبل الصلاة ولا في اثنائها صحت صلاته ولا تجب اعادتها وإن رأى النجاسة وعلم بها قبل الصلاة أو في اثنائها وجبت اعادتها فلا مدخلية للنظر في ذلك بوجه وإنما عبر عن العلم بالنجاسة ورؤيتها بالنظر في قوله: وأن انت نظرت. من جهة أنهما انما يحصلان بالنظر على الاغلب. و " منها ": رواية ميمون الصيقل عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل فلما أصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة، فقال: الحمد لله الذي لم يدع شيئا إلا وله حد، إن كان حين قام نظر فلم ير شيئا فلا إعادة عليه، وان كان حين قام لم ينظر فعليه الاعادة (* 2) وبمضمونها مرسلة الفقيه حيث قال: وقد روى في المنى انه ان كان الرجل حيث قام نظر وطلب فلم يجد شيئا فلا شئ عليه، فان كان لم ينظر ولم يطلب فعليه أن يغسله ويعيد صلاته (* 3) ومن المحتمل القوى أن تكون المرسلة اشارة إلى رواية الصيقل فهما رواية واحدة ودلالتها على المدعى غير قابلة للمناقشة الا انها ضعيفة السند لجهالة ميمون الصيقل. وفي هامش الوسائل عن الكافي المطبوع منصور الصيقل بدلا عن ميمون الصيقل وصرح في تنقيح المقال بان ابدال ميمون


(* 1) و (* 2) و (* 3) المروية في ب 41 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 356 ]

الصيقل بالمنصور اشتباه. ولعله من جهة أن الراوي عن ابن جبلة عن سيف تارة وعن سعد اخرى انما هو ميمون لا منصور. ولكن الخطب سهل لجهالة منصور الصقيل كميمون فلا يجدى تحقيق أن الراوي هذا أو ذاك. على أن الرواية لو اغمضنا عن سندها ايضا لا تنهض حجة في مقابل الاخبار الدالة على عدم الفرق بين الفحص والنظر قبل الصلاة وعدمه " منها ": صحيحة زرارة المتقدمة على التقريب الذي أسلفناه آنفا و " منها ": صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليه السلام قال: سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلي، قال: لا يؤذنه حتى ينصرف (* 1) لصراحتها في انه لا أثر للعلم الحاصل من اعلام المخبر بنجاسة الثوب بعد الصلاة، وانما الاثر وهو وجوب الاعادة يترتب على العلم بالنجاسة حال الصلاة - أو قبلها - بلا فرق في ذلك بين الفحص قبل الصلاة وعدمه ولابين كون العلم بالنجاسة في الوقت وبين كونه خارج الوقت لان المناط الوحيد في وجوب الاعادة هو العلم بنجاسة الثوب أو البدن قبل الصلاة و " منها ": موثقة (* 2) ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به قال: عليه أن يبتدي الصلاة، قال: وسألته عن رجل يصلي وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ من صلاته ثم علم، قال: مضت صلاته ولا شئ عليه (* 3) فان التقابل - بين العلم بالنجاسة في أثناء الصلاة والحكم بوجوب الاعادة حينئذ وبين العلم بالنجاسة بعد الفراغ والحكم بعدم وجوب الاعادة - صريح في أن المدار في وجوب الاعادة وعدمه إنما هو العلم بنجاسة الثوب أو البدن قبل الصلاة أو في اثنائها والعلم بها بعد الفراغ بلا فرق في ذلك بين الفحص قبل الصلاة وعدمه ولابين داخل الوقت وخارجه


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 40 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كذا عبر عنها في بعض الكلمات وفي سندها محمد بن عيسى عن يونس فراجع.

[ 357 ]

[ البول - مثلا - فان لم يلتفت اصلا، أو التفت بعد الفراغ من الصلاة، صحت صلاته، ولا يجب عليه القضاء، بل ولا الاعادة في الوقت، وإن كان احوط. وإن التفت في اثناء الصلاة (1) فان علم سبقها وأن وقع بعض صلاته مع النجاسة، بطلت مع سعة الوقت للاعادة، وإن كان الاحوط الاتمام ثم الاعادة، ومع ضيق الوقت إن امكن التطهير أو التبديل - وهو في الصلاة من غير لزوم المنافي - فليفعل ذلك ويم وكانت صحيحة، وإن لم يمكن أتمها وكانت صحيحة، وإن علم حدوثها في الاثناء مع عدم اتيان شئ من اجزائها مع النجاسة، أو علم بها وشك في أنها كانت سابقا أو حدثت فعلا، فمع سعه الوقت وإمكان التطهير أو التبديل يتمها بعدهما، ومع عدم الامكان يستأنف ومع ضيق الوقت يتمها مع النجاسة ولا شئ عليه. ] فالمتلخص أن المكلف إذا جهل نجاسة ثوبه أو بدنه وصلى والتفت إليها بعد الفراغ لا تجب عليه الاعادة في الوقت ولا في خارجه نظر وفحص قبلها ام لم يفحص. نعم إذا علم بنجاسته في الوقت فالاحوط الاعادة الصلاة ولاسيما إذا لم يفحص عن النجاسة قبل الصلاة. (1) لهذه المسألة صور: " الاولى ": ما إذا التفت إلى نجاسة ثوبه أو بدنه في أثناء الصلاة وعلم أو احتمل طروها في الآن الذي التفت إلى نجاسة ثوبه - مثلا - في ذلك الآن لاقبل الصلاة ولا فيما تقدمه من أجزائها " الثانية ": الصورة مع العلم بطرو النجاسة في الاجزاء السابقة على الآن الملتفت فيه إليها. " الثالثة ": الصورة مع العلم بطروها قبل شروعه في الصلاة: والمشهور بين أصحابنا في جميع ذلك - كما حكى - أنه إن تمكن

[ 358 ]

من إزالة النجاسة وتطهير بدنه أو ثوبه ولو بالقائه وتبديله من غير إخلال بشرائط الصلاة وجبت ازالتها فيتم صلاته ولا شئ عليه. وأما إذا لم يتمكن من ازالة النجاسة ولو بالقاء الثوب أو تبديله، لعدم ثوب طاهر عنده أو لان تحصيله يستلزم ابطال الصلاة فلا محالة يبطلها ويزيل النجاسة ثم يستأنف الصلاة (أما الصورة الاولى): فلا إشكال فيها في صحة الصلاة مع التمكن من ازالة النجاسة في أثنائها وذلك للنصوص المتضافرة - التي فيها الصحاح وغيرها - الواردة فيمن رعف في أثناء الصلاة حيث دلت على عدم بطلانها بذلك فيما إذا تمكن من ازالته من دون استلزامه التكلم كما في بعضها (* 1) أو استدبار القبلة كما في بعضها الآخر (* 2) والظاهر انهما من باب المثال والجامع أن لا تكون ازالة النجاسة مستلزمة لشئ من منافيات الصلاة وكيف كان فقد دلتنا هذه الاخبار على أن حدوث النجاسة في أثناء الصلاة لا يبطلها فيما إذا أمكنت إزالتها وذلك لان الاجزاء السابقة على الآن الذي طرءت فيه النجاسة وقعت مع الطهارة بالعلم أو باستصحاب عدم طروها إلى آن الالتفات، والاجزاء الآتية أيضا واجدة للطهارة لان المفروض أنه يزيل النجاسة الطارءة في أثنائها، وأما الآن الحادث فيه النجاسة فهو وإن كان قد وقع من غير طهارة إلا أن الاخبار الواردة في الرعاف صريحة في أن النجاسة في الآناث المتخللة بين أجزاء الصلاة غير مانعة عن صحتها ومن جملة تلك الاخبار صحيحة زرارة المتقدمة حيث ورد فيها: وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لانك لا تدري لعله شئ أوقع


(* 1) راجع صحيحة محمد بن مسلم وغيرها من الاخبار المروية في ب 2 من ابواب قواطع الصلاة من الوسائل. (* 2) راجع صحيحة عمر بن اذينة وما رواه الحميري عن علي بن جعفر المرويتين في ب 2 من ابواب قواطع الصلاة من الوسائل.

[ 359 ]

عليك فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك أبدا (* 1) إذ المراد برؤية الدم رطبا هو عدم العلم بطروه قبل الصلاة وإلا فالعادة تقضي بيبوسته. وقوله عليه السلام: لعله شئ أوقع عليك كالصريح في أن طرو النجاسة في أثناء الصلاة غير موجبة لبطلانها بلا فرق في ذلك بين العلم بحدوثها في أثناء الصلاة وبين الشك في ذلك لان مقتضى الصحيحة أن الطهارة المعتبرة في الصلاة أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية فإذا احتمل طروها قبل الصلاة فله أن يستصحب عدم حدوثها إلى أن الالتفات وبه تحرز الطهارة الظاهرية التي هي شرط الصلاة فما ذهب إليه المشهور في هذه الصورة هو الصحيح و (أما الصورة الثالثة): وهي ما إذا علم بالنجاسة في أثناء الصلاة مع العلم بطروها قبل الصلاة فقد عرفت أن المشهور صحة صلاته إذا تمكن من ازالة النجاسة في أثنائها وقد يستدل على ذلك بفحوى الاخبار الواردة في صحة الصلاة الواقعة مع النجاسة المجهولة لان الصلاة الواقعة في النجس بتمامها إذا كانت صحيحة فالصلاة الواقعة في النجس ببعضها صحيحة بالاولوية القطعية وأما الاجزاء المتأخرة عن آن الالتفات فهي واجدة لشرطها لان المفروض ان المكلف يزيل النجاسة في أثناء الصلاة وأما الآنات المتخللة فقد مر أن النجاسة فيها غير مانعة عن صحة الصلاة وبذلك تظهر الحال في الصورة الثانية لان الاولوية القطعية أيضا تقتضي فيها الحكم بصحة الصلاة كما عرفت تقريبها. وهذا الذي أفيد وإن كان صحيحا في نفسه إلا أن الاخبار الواردة في المسألة مطبقة على بطلان الصلاة في مفروض الكلام " منها ": صحيحة زرارة المتقدمة حيث قال: لانك لا تدري لعله شئ أوقع عليك. فانه يدل على أن الصلاة إنما يحكم بصحتها مع رؤية النجس فيما إذا احتمل طرو النجاسة في أثنائها. وأما مع العلم بطروها قبل الصلاة فلا.


(* 1) المروية في ب 44 من ابواب النجاسات من النجاسات.

[ 360 ]

و " منها ": صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الواردة في الرجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلي قال: لا يؤذنه حتى ينصرف (* 1) لدلالتها على أن العلم بالنجاسة الحاصل باعلام الغير في أثناء الصلاة يوجب البطلان و " منها ": صحيحته الاخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر المني فشدده فجعله أشد من البول، ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك، فكذلك البول (* 2) فقد دلت على بطلان الصلاة في النجاسة الواقعة قبلها لان ذكر المني قرينة على حدوثه قبل الصلاة لبعد ملاقاته الثوب في أثنائها و " منها ": ما عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل صلى في ثوب فيه جنابة ركعتين ثم علم به قال: عليه أن يبتدى الصلاة.. (* 3) وهذه الاخبار تقتضي الحكم ببطلان الصلاة في الصورة الثالثة ولا تبقى مجالا للاولوية القطعية بوجه. ثم أن الاخبار الواردة في الرعاف لا دلالة لها على صحة الصلاة في الصورة الثالثة وإنما يستفاد منها عدم بطلانها بحدوث النجاسة في أثنائها فالاستشهاد بها على صحة الصلاة في الصورة الثالثة في غير محله. وما ذكرناه في المقام من الحكم ببطلان الصلاة لا ينافي كون الطهارة الظاهرية مجزءة في احراز شرط الصلاة. لانه من الجائز أن تكون الطهارة الظاهرية مجزءة في خصوص ما إذا كانت الصلاة واقعة في النجس باجمعها دون ما إذا وقع شئ منها في النجس بان انكشف في اثناء الصلاة فان ذلك امر ممكن لا استحالة فيه. هذا كله في الاستدلال على ما ذهب إليه المشهور بالاولوية. وقد يستدل لهم بجملة من الاخبار: " منها ": موثقة داود بن سرحان عن


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 40 من النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 41 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 361 ]

أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يصلي فابصر في ثوبه دما، قال: يتم (* 1) ولا يحتاج تقريب الاستدلال بها إلى مزيد بيان. والصحيح عدم دلالتها على صحة الصلاة في مفروض الكلام وذلك فان الرواية إطلاقا من نواح ثلاث: " الاولى ": من جهة أمره عليه السلام باتمام الصلاة حيث انه مطلق يشمل صورة التمكن من إزالة الدم بغسله أو القاء ثوبه أو تبديله. وصورة العجز عن ذلك كما انه على الصورة الاولى يشمل ما إذا أزاله وما إذا لم يزله. " الثانية ": إطلاقها من جهة كون الدم بمقدار يعفى عنه في الصلاة وما إذا لم يكن. وكونه مما يعفى عنه في نفسه وما إذا لم يكن كما إذا كان من الدماء الثلاثة أو من دم غير المأكول " الثالثة ": إطلاقها من جهة وقوع الدم المرئي في ثوب المصلي قبل الصلاة وما إذا وقع فيه في أثنائها. أما اطلاقها من الناحية الاولى فهو مقطوع الخلاف ولا مناص من تقييده للاجماع القطعي وغيره من الادلة القائمة على بطلان الصلاة في النجس عن علم وعمد فكيف يمكن الحكم بصحة صلاته مع العلم بنجاسة ثوبه وعدم ازالته مع التمكن منها. وأما إطلاقها من الناحية الثانية فهو أيضا كسابقه قابل التقييد، حيث يمكن أن نحمله على خصوص ما يعفى عنه في الصلاة - كما حكى عن الشيح - ومع تقييد الرواية على ذلك لا نضائق عن ابقائها على اطلاقها من الناحية الاولى إذ لا مانع من الحكم بصحة الصلاة وإتمامها مع الدم المعفو عنه في الثوب أو البدن إلا أن الرواية على ذلك غير قابلة للاستدلال بها على مذهب المشهور كما لعله واضح وأما اطلاقها من الناحية الثالثة فهو كاطلاقها من الناحيتين السابقتين يقبل التقييد بما إذا حدث الدم المشاهد في أثناء الصلاة وذلك بقرينة ما تقدم من الاخبار الواردة في بطلان الصلاة الواقعة في النجس السابق عليها. وعلى الجملة ان الرواية غير


(* 1) المروية في ب 20 و 44 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 362 ]

واردة في خصوص النجاسة السابقة على الصلاة وإنما تشمله باطلاقها ومعه يقيد بالاخبار المتقدمة المصرحة ببطلان الصلاة الواقعة في النجس السابق عليها فلا معارضة بينهما و " منها ": ما عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رأيت في ثوبك دما وأنت تصلى ولم تكن رأيته قبل ذلك فأتم صلاتك، فإذا انصرفت فاغسله، قال: وإن كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف فاغسله وأعد صلاتك (* 1) لا إشكال في سندها لان ابن ادريس نقلها من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان. وإنما الكلام في دلالتها ولا اطلاق لها من ناحية الدم حتى يشمل ما يعفى وما لا يعفى عنه في الصلاة بل تختص بالاخير بقرينة أمره عليه السلام بالانصراف وإعادة الصلاة على تقدير رؤيته قبل الصلاة. ولاوجه لهما على تقدير كون الدم معفوا عنه في الصلاة، بل يحرم الانصراف عنها حينئذ على ما هو المشهور من حرمة ابطال الصلاة، إلا أنها مطلقة من ناحية شمولها الدم الحادث في أثناء الصلاة وما حدث منه قبلها فهذه الرواية كسابقتها إنما تشمل المقام بالاطلاق فنقيدها بما إذا حدث في أثناء الصلاة بالاخبار المتقدمة المصرحة ببطلانها في النجس السابق على الصلاة. كما انها مطلقة من ناحية شمولها صورة عدم ازالة النجاسة مع التمكن منها فلابد من تقييدها بما إذا أزالها أو بغير ذلك بقرينة الاجماع وسائر الادلة القائمة على بطلان الصلاة في النجس عن علم وعمد. و " منها ": حسنة محمد بن مسلم قال: قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة، قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره، وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم وما كان أقل من ذلك فليس بشئ،


(* 1) المروية في ب 44 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 363 ]

رأيته قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فاعد ما صليت فيه (* 2) ومورد الاستشهاد منها قوله عليه السلام إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره. لدلالته على عدم بطلان الصلاة بالعلم بالنجاسة في أثنائها ولو كانت النجاسة سابقة على الصلاة ولا يخفى أن محتملات الرواية ثلاثة: " الاول ": أن يكون الموضوع في الرواية وموردها الدم الذي يعفى عنه في الصلاة بأن يكون القيد وهو قوله: ما لم يزد على مقدار الدرهم. راجعا إلى كلتا الجملتين الشرطيتين أعني قوله " إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره " وقوله: " إن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك " فيقيد كل منهما بما إذا كان الدم أقل من الدرهم، كما هو أحد المحتملات في الاستثناء المتعقب لجملتين أو أكثر إذا المراد به مطلق القيود لا خصوص الاستثناء كما لعله ظاهر. فمورد الرواية خصوص الدم المعفو عنه في الصلاة ومعه لا بد من حمل الامر بطرح الثوب في الجملة الاولى على مجرد الاستحباب بقرينة ما ورد في عدم بطلان الصلاة في الدم الاقل من الدرهم وبه صرح في ذيل الرواية بقوله: " وما كان أقل من ذلك فليس بشئ " لانه كغيره من الادلة الواردة في عدم بطلان الصلاة في الدم الاقل من الدرهم. وعلى هذا الاحتمال الرواية أجنبية عن الدلالة على مسلك المشهور لان البحث إنما هو في العلم بالنجاسة المانعة عن الصلاة دون ما لا يضر بصحتها. " الثاني ": أن يكون موضوعها الدم الجامع بين ما يعفى وما لا يعفى عنه في الصلاة كما إذا أرجعنا القيد إلى خصوص الشرطية الاخيرة وهي قوله: وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك. كما هو الحال في سائر القيود على ما قدمناه في البحث


(* 1) المروية في ب 20 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 364 ]

عن الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة وعلى هذا الاحتمال الجملة الاولى تدل باطلاقها على لزوم ازالة النجاسة في أثناء الصلاة والمضي فيها لكنا علمنا بعدم وجوب ازالة الدم المعفو عنه فتختص الرواية بغيره فتدل على مسلك المشهور وأن الدم الكثير إذا علم به في أثناء الصلاة تجب ازالته حال الصلاة وإتمامها بلا فرق في ذلك بين وقوعه قبل الصلاة وبين وقوعه في أثناثها. والجواب عن ذلك أن الرواية مطلقة فوجب تقييدها بالاخبار المتقدمة الدالة على بطلان الصلاة في النجاسة السابقة عليها فبذلك يحتمل الدم على الدم الحادث في أثنائها، وبما ذكرناه يظهر الجواب عن الاستدلال بالرواية بناء على أن يكون المراد من كلمة الدم خصوص الدم الكثير وهو الاحتمال الثالث بل هو المتعين على رواية الشيخ " قده " حيث نقلها عن الكليني (قده) باضافة لفظة " واو " قبل قوله ما لم يزد على مقدار الدرهم. واسقاط قوله: وما كان أقل من ذلك فجاءت الرواية هكذا: ولا اعادة عليك وما لم يزد على مقدار الدرهم من ذلك فليس بشئ.. (* 1) هذا ولكن الظاهر عدم ثبوت رواية الشيخ " قده " وذلك لان الجملة الثانية " وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك " بناء على رواية الشيخ مطلقة ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في المضي على الصلاة بين صورة التمكن من إزالة النجاسة ولو بالقاء ثوبه وبين صورة العجز عن ازالتها وهو على خلاف الاجماع وغيره من الادلة القائمة على بطلان الصلاة في النجس متعمدا. وليس الامر كذلك على رواية الكليني (قده) حيث ان الجملة الثانية مقيدة بما إذا كان الدم أقل من الدرهم على كل حال سواء ارجعناه إلى الجملة السابقة أيضا أم خصصناه بالاخيرة. وهذا يدلنا على وقوع الاشتباه فيما نقله الشيخ (قده) فالصحيح ما نقله في الوسائل


(* 1) التهذيب ج 1 ص 254. طبعة النجف الحديثة.

[ 365 ]

عن الكليني، فالمتحصل أن مقتضى الاخبار المتقدمة أن الصلاة في الصورة الثالثة باطلة ويجب استينافها مع الطهارة بتدبيل الثوب أو بغسله. هذا كله في سعة الوقت وتمكن المكلف من ايقاع الصلاة واعادتها مع الطهارة في الوقت بلا فرق في ذلك بين تمكنه من اتيانها بتمامها في الوقت وبين عدم تمكنه إلا من ايقاع ركعة واحدة مع الطهارة قبل انقضائه واتيان الباقي خارج الوقت وذلك لما ورد من أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (* 1) وهذه الاخبار وإن كان أكثرها ضعيفة إلا أن اعتبار بعضها (* 2) كاف في اثبات المرام فبعموم التنزيل الذي نطقت به جملة من الاخبار نحكم بوقوع الصلاة في الوقت أداء وان لم يقع منها في الوقت سوى ركعة واحدة. وأما إذا لم يسع الوقت لاعادتها بتمامها ولا بركعة منها مع الطهارة في الوقت فان بنينا على مقالة المشهور من وجوب الاتيان بالصلاة عاريا فيما إذا لم يتمكن من الثوب الطاهر تجب اعادتها في الوقت عاريا بتمامها أو بركعة منها - لتمكنه منها عاريا - وانما الوقت لا يسع لاعادتها مع الثوب الطاهر. وأما إذا بنينا على ما بنى عليه جماعة وقويناه في محله من وجوب الصلاة في الثوب النجس عند عدم التمكن من الثوب الطاهر فلا موجب لاستيناف الصلاة بل يتمها في ثوبه المتنجس والسر في ذلك أن الاخبار المتقدمة كصحيحتي زرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما مما دل على بطلان الصلاة الواقعة في النجس السابق عليها واستينافها تنصرف إلى صورة التمكن من إعادتها في وقتها مع طهارة الثوب أو البدن. وأما مع العجز عن ذلك لضيق الوقت


(* 1) راجع ب 30 من ابواب المواقيت من الوسائل. (* 2) كموثقة عمار عن ابي عبد الله - ع - في حديث قال: فان صلى ركعة من الغداة ثم طلعت الشمس فليتم وقد جازت صلاته. المروية في الباب المقدم من الدر المذكور

[ 366 ]

فلا معنى للحكم ببطلانها واستينافها لانه لو استأنفها أيضا يصلي في الثوب النجس فالمستأنفة كالمبتدءة والاخبار المتقدمة غير شاملة لصورة العجز عن ايقاع الصلاة في وقتها مع الطهارة ومعه يرجع إلى ما تقتضيه القاعدة وقد بينا في أوائل المسألة أن مقتضى القاعدة صحة الصلاة في النجس مع الجهل. وعليه فالصلاة في الصورة الثالثة محكومة بالصحة فيما إذا لم يسع الوقت لاعادتها في الوقت مع الطهارة كما حكم به في المتن هذا كله في الصورة الثالثة. و (أما الصورة الثانية): وهي ما إذا انكشف وقوع النجاسة على ثوبه أو بدنه بعد دخوله في الصلاة وقبل الالتفات إليها بأن علم وقوع جملة من الاجزاء المتقدمة في النجس فهل يلتحق بالصورة الاولى فيحكم بصحة الصلاة ووجوب الازالة في أثنائها أو تلتحق بالصورة الثالثة فيحكم ببطلانها واستينافها مع الطهارة؟ ظاهر عبارة الماتن التحاقها بالثالثة حيث أن الصورتين مندمجتان في قوله: فان علم سبقها وان وقع بعض صلاته مع النجاسة. وحكم فيهما ببطلان الصلاة عند سعة الوقت للاعادة ولعل الوجه فيه أن العبرة في الحكم ببطلان الصلاة ووجوب الاعادة عن الماتن " قده " إنما هي بوقوع بعض الصلاة مع النجس بلا تفرقة بين كون الاجزاء المتقدمة - على زمان الالتفات - واقعة في النجس بتمامها وبين ما إذا كانت واقعة فيه ببعضها. إلا أن ظاهر الاصحاب التحاقها بما إذا علم بحدوث النجاسة في أثناء الصلاة من دون أن يقع شئ من الاجزاء السابقة مع النجس. وقد عرفت صحة الصلاة حينئذ وكيف كان المتبع هو الدليل والظاهر صحة الصلاة في هذه الصورة كما هو ظاهر الاصحاب وذلك لان حسنة محمد بن مسلم وموثقة داود بن سرحان وغيرهما من الاخبار المتقدمة تقتضي صحة الصلاة في النجس في جميع الصور الثلاث حيث دلت على أن من علم بنجاسة ثوبه في أثناء صلاته يتم ولم تفصل بين ما إذا كانت النجاسة واقعة في

[ 367 ]

[ وأما إذا كان ناسيا فالاقوى وجوب الاعادة أو القضاء (1) ] أثنائها أو حادثة بعد شروعه في الصلاة وقبل الالتفات وبين ما إذا كانت سابقة عليها. وإنما خرجنا عن اطلاقها في الصورة الثالثة - وهي ما إذا علم بوقوع الصلاة في النجاسة السابقة عليها - بالاخبار المصرحة ببطلانها. وأما الصورة الاولى والثانية أعني ما إذا كانت النجاسة حادثة في أثناء الصلاة وما إذا كانت طارئة بعد شروعه في الصلاة وقبل الانكشاف فهما باقيتان تحت اطلاقاتها هذا على أن التعليل الوارد في صحيحة زرارة المتقدمة " ولعله شئ أوقع عليك... " يشمل الصورة الثانية أيضا لان معناه أن النجاسة المرئية لعلها شئ أوقع عليك وأنت تصلي لا وأنت في زمان الانكشاف أعني الآنات المتخللة التي التفت فيها إلى النجس ولم تقيد الوقوع بما إذا كان في ذلك الزمان فان العبرة بعدم سبق النجاسة على الصلاة وقعت بعد الشروع فيها أم في زمان الالتفات. (1) إذا علم بنجاسة ثوبه أو بدنه قبل الصلاة وتساهل إلى أن نسيها وصلى والتفت إليها بعد الصلاة تجب عليه الاعادة في الوقت وخارجه على الاشهر بل المشهور، وعن الشيخ في استبصاره والفاضل في بعض كتبه وجوب الاعادة في الوقت دون خارجه بل نسب إلى المشهور بين المتأخرين وعن بعضهم القول بعدم وجوب الاعادة في الوقت ولا في خارجه الحاقا له بجاهل النجاسة ذهب الشيخ (قده) إلى ذلك في بعض أقواله واستحسنه المحقق في المعتبر وجزم به صاحب المدارك (قده) كما حكى وقد يتوهم أن هذا هو مقتضى القاعدة إما لاجل أن الناسي غير مكلف بما نسيه لاستحاله تكليف الغافل بشئ وحيث أنه لا يتمكن إلا من الصلاة في النجس فتركه الطهارة مستند إلى إضطراره، والاتيان بالمأمور به الاضطراري مجز عن التكليف الواقعي على ما حقق في محله.

[ 368 ]

وإما من جهة أن النسيان من التسعة المرفوعة عن أمة النبي صلى الله عليه وآله ومعنى رفعه أن الناسي غير مكلف بالصلاة المقيدة بالجزء أو الشرط المنسيين فمانعية النجاسة أو شرطية الطهارة مرتفعة عنه فلا بد من الحكم بصحة صلاته وعدم وجوب الاعادة عليه مطلقا. ولا يخفى فساده وذلك لان الاضطرار على ما أسلفناه في محله إنما يرفع الامر بالواجب المركب من الجزء أو الشرط المضطر إلى تركه وسائر الاجزاء والشرط فالصلاة مع الطهارة غير مأمور بها في حقه. وأما أن الامر تعلق بغير الجزء أو الشرط المضطر إلى تركه - وهو الصلاة الفاقدة للطهارة في المقام - فهو يحتاج إلى دليل وحديث الرفع لا يتكفل ذلك لانه إنما ينفي التكليف وليس من شأنه الاثبات هذا فيما إذا فرض أن النسيان قد استوعب الوقت. وأما إذا فرض الالتفات في الوقت بان كان المنسي الطهارة في خصوص ما أتى به فايضا لا مجال لتمسك بعموم الحديث وذلك مضافا إلى ما قدمناه من أن حديث الرفع لا يثبت الامر بغير الجزء أو الشرط المضطر إلى تركه أن حديث رفع الخطأ والنسيان غير جار في أمثال المقام فان النسيان انما تعلق بفرد من أفراد الواجب الكلي أو بجزئه وشرطه والامر انما يتعلق بالطبيعي الجامع بين أفراده ومصاديقه فلم يتعلق النسيان بما تعلق به الامر بل المنسي أمر والمأمور به أمر آخر فمتعلق الامر لم يتعلق النسيان به وما تعلق به الامر وهو الجامع لم يتعلق به النسيان فكيف يرتفع الامر عن الطبيعي الجامع بنسيان فرده أو نسيان جزء ذلك الفرد أو شرطه ففي المقام النسيان إنما تعلق بنجاسة الثوب أو البدن في فرد من أفراد الصلاة والامر متعلق بجامع الافراد الواقعة بين المبدء والمنتهى فلا يمكن التمسك بالحديث في رفع الامر عن الصلاة المشروطة بالطهارة. نعم لا مانع من التمسك بحديث لا تعاد في الحكم بعدم وجوب الاعادة والقضاء في المقام لما عرفت من أن الطهور في الحديث يختص

[ 369 ]

بالطهارة من الحدث فالطهارة من الخبث مما لا تعاد منه الصلاة. إلا أن النوبة لا تصل إلى التمسك بلا تعاد لوجود النصوص المتضافرة الواردة في أن ناسي النجاسة يعيد صلاته عقوبة لنسيانه وتساهله في غسلها، واليك بعضها: " منها ": حسنة محمد بن مسلم المتقدمة (* 1) حيث ورد فيها " وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه. " و " منها ": مصححة الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: في الدم يكون في الثوب إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة. وإن كان أكثر من قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسل حتى صلى فليعد صلاته، وإن لم يكن رآه حتى صلى فلا يعيد الصلاة (* 2) و " منها ": موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرى في ثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلي قال: يعيد صلاته كي يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه، عقوبة لنسيانه، قلت: فكيف يصنع من لم يعلم؟ أيعيد حين يرفعه؟ قال: لا ولكن يستأنف (* 3) و " منها ": صحيحة زرارة المتقدمة قال فيها " قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء فاصبت وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك قال: تعيد الصلاة وتغسله (* 4) و " منها ": صحيحة عبد الله بن أبي يعفور (في حديث) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به. ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي، ثم يذكر بعدما صلى أيعيد صلاته؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا


(* 1) في ص 362 - 363 (* 2) المروية في ب 20 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) (* 4) المرويتان في ب 42 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 370 ]

فيغسله ويعيد الصلاة (* 1) إلى غير ذلك من الاخبار وبازائها صحيحة العلا عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشئ ينجسه فينسى أن يغسله فيصلي فيه ثم يذكر أنه لم يكن غسله، أيعيد الصلاة؟ قال: لا يعيد قد مضت الصلاة وكتبت له (* 2) حيث يدل على صحة صلاة الناسي وعدم وجوب اعادتها فهما متعارضتان. وقد يتوهم أن الجمع بينهما وبين النصوص المثبتة للاعادة يقتضي حمل تلك النصوص على استحباب الاعادة بدعوى أنها ظاهرة في وجوب الاعادة والصحيحة صريحة في نفيها فبصراحتها يرفع اليد عن ظاهر النصوص المتقدمة وتحمل على استحباب الاعادة لناسي النجاسة و " فيه " أن رفع اليد عن ظهور احد الدليلين المتعارضين بصراحة لآخر إنما هو في الدليلين المتكفلين للتكليف المولوي كما إذا دل احدهما على وجوب الدعاء حين كذا ودل الاخر على النهى عن الدعاء في ذلك الوقت فبصراحة كل منهما يرفع اليد عن ظاهر الآخر. وأما في الدليلين الارشاديين فلا وجه لهذا الجمع بوجه حيث أنهما متعارضان لارشاد احدهما إلى فساد الصلاة عند نسيان النجاسة وارشاد الآخر إلى صحتها فحالهما حال الجملتين الخبريتين إذا اخبرت احداهما عن فساد شئ والاخرى عن صحته فالانصاف انهما متعارضتان هذا على أن قوله عليه السلام يعيد صلاته كى يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه. غير قابل الحمل على استحباب الاعادة فان العقوبة لا تناسب الاستحباب. بل التفصيل في بعض الاخبار المتقدمة بين الجاهل والناسي أظهر قرينة على وجوب الاعادة عليه إذا لو استحبت الاعادة في حقه لما كان هناك فرق بينه وبين الجاهل لان


(* 1) المروية في ب 20 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) رواها في الوسائل عن العلاء عن ابى العلاء في ب 42 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 371 ]

الجاهل ايضا تستحب الاعادة في حقه كما تقدم في صحيحة وهب بن عبد ربه وموثقة ابي بصير حيث حملناهما على استحباب الاعادة عليه، فالصحيح في علاج المعارضة أن يقال: إن النصوص الامرة بالاعادة من الروايات المشهورة المعروفة وصحيحة العلاء النافية لوجوب الاعادة رواية شاذة نادرة كما شهد بذلك الشيخ في تهذيبه (* 1) فبذلك تسقط الصحيحة عن الاعتبار لان الرواية النادرة لا تعارض المشهورة بوجه، وهذا لا لان الشهرة من المرجحات حتى يقال إنه لادليل على الترجيح بها فان المرفوعة ضعيفة غايته وكذلك المقبولة لان عمر بن حنظلة لم تثبت وثاقته وما دل على انه لا يكذب علينا ضعيف. بل من جهة أن الشهرة إذا بلغت تلك المرتبة في المقام كان معارض المشهور مما خالف السنة وقد امرنا بطرح ما خالف السنة أو الكتاب. وعلى تقدير التنزل عن ذلك ايضا لا يمكننا الاعتماد على الصحيحة لان العلامة في التذكرة نسب القول بعدم وجوب الاعادة في المسألة إلى احمد ونسبه الشيخ " قده " إلى جملة معظمة من علمائهم كالأوزاعي والشافعي في القديم وابي حنيفة وقال: روى ذلك عن ابن عمر فالصحيحة إذا موافقة للعامة (* 2) ومخالفة العامة من المرجحات وبذلك تحمل الصحيحة على


(* 1) الرواية أوردها الشيخ " قده " في تهذيبه في باب تطهير البدن والثياب " نارة " ج 1 ص 424 من الطبع الحديث و " اخرى " في باب ما يجوز الصلاة فيه من اللباس والمكان وما لا يجوز ج 2 ص 360 وعقبها هناك بقوله: " فانه خبر شاذ لا يعارض به الاخبار التي ذكرناها ها هنا وفيما مضى من كتاب الطهارة ". (* 2) المغني لابن قدامة الحنبلي ج 2 ص 65: الصحيح أن مسألة الجهل بالنجاسة ونسيانها واحدة فكما في الجهل يعذر ففي النسيان أولى لورود النص بالعفو. وفي شرح الزرقاني (في فقه مالك) ج 1 ص 165 الطهارة من الخبث شرط في الصحة في حال الذكر والقدرة على المشهور ابتداء ودواما. وفي الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 26 بعد نقله عن المالكية قولين في ازالة النجاسة قال: فان صلى بالنجاسة ناسيا أو عاجزا عن ازالتها فصلاته صحيحة على القولين.

[ 372 ]

التقية ويتعين العمل على طبق النصوص الآمرة باعادة الصلاة عند نسيان نجاسة الثوب أو البدن. وبما ذكرناه في الجواب عن صحيحة العلاء يظهر الحال في الاخبار المستفيضة النافية لوجوب الاعادة عمن نسى الاستنجاء وذلك كموثقة عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لو أن رجلا نسى ان يستنجي من الغائط حتى يصلي لم يعد الصلاة (* 1) وغيرها من الاخبار الواردة بمضمونها. وذلك لانا لانحتمل أن يكون للنجاسة الناشئة عن الاستنجاء خصوصية في الحكم بعدم وجوب الاعادة فحال هذه حال صحيحة العلاء. فلا يمكن أن يعارض بها الاخبار المتقدمة الدالة على وجوب الاعادة عند نسيان النجاسة لاشتهارها ومخالفتها للعامة كما مر هذا. على انها معارضة في خصوص موردها وهو ناسي الاستنجاء - بغير واحد من الاخبار: " منها ": صحيحة عمرو بن ابي نصر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أبول واتوضأ ونسى استنجائي ثم اذكر بعد ما صليت، قال: اغسل ذكرك وأعد صلاتك ولا تعد وضوئك (* 2) و " منها ": غير ذلك من الاخبار الآمرة باعادة الصلاة عند نسيان الاستنجاء فالمتحصل أن وجوب الاعادة في المسألة مما لااشكال فيه بل لعله المتسالم عليه عند الاقدمين. وإنما الخلاف بينهم في وجوب القضا وعدمه نعم نسب إلى الشيخ " قده " القول بعدم وجوب الاعادة إلا أن النسبة غير ثابتة وقد انكرها بعضهم حيث قال: " فما عن الشيخ في بعض اقواله من القول بعدم الاعادة مطلقا ضعيف جدا مع أنه غير ثابت عنه بل الثابت خلافه " هذا ومما يبعد تلك النسبة ما قدمنا نقله من تصريح الشيخ بشذوذ صحيحة العلاء ومعه كيف يعتمد عليها في الحكم بعدم


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب احكام الخلوة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 18 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 373 ]

وجوب الاعادة في المسألة. وأما الاخبار النافية للاعادة عمن نسى الاستنجاء فقد عرفت انها معارضة في نفس موردها مضافا إلى معارضتها مع الاخبار الآمرة بالاعادة على ناسي النجاسة فلا دليل بعتمد الشيخ عليه في الحكم بعدم وجوب الاعادة في المسألة. وأما القضاء فقد تقدم أن المشهور عدم الفرق في وجوب الاعادة بين الوقت وخارجه وعن جماعة عدم وجوبها في خارجه، ولعل الوجه فيه أن المتيقن مما دل على عدم وجوب الاعادة على ناسي النجاسة إنما هو عدم وجوبها خارج الوقت كما ان المتيقن مما دل على وجوبها إنما هو وجوبها في الوقت فترفع اليد عن ظاهر كل من الطائفتين بنص الطائفة الاخرى لانه مقتضى الجمع العرفي بين المتعارضين والنتيجة وجوب الاعادة في الوقت وعدم وجوبها في خارجه، كما جمع بعضهم بذلك بين الاخبار الواردة في بطلان بيع العذرة وأن ثمنها سحت وبين الاخبار الواردة في صحته وانه لا بأس بثمن العذرة (* 1) بدعوى ان المتيقن من العذرة في الاخبار المانعة عذرة مالا يوكل لحمه والمتيقن منها في الاخبار المجوزة عذرة ما يوكل لحمه والجمع العرفي بينهما تقتضي حمل الظاهر من كل منهما على نص الاخر ونتيجته جواز بيع العذرة مما يوكل لحمه وعدم جوازه مما لا يوكل لحمه. و " يدفعه ": أن الجمع بذلك جمع تبرعي صرف وليس من الجمع العرفي في شئ لانه إنما يصح فيما إذا كان هناك لفظان كان احدهما ظاهرا في شئ والآخر في شئ آخر فيكون النص من كل منهما قرينة على ارادة خلاف الظاهر من الآخر. وأما مع الاتحاد في اللفظ والدلالة في كلتا الطائفتين فلا مساغ لذلك، حيث أن المتبع هو الظهور والمفروض أنهما ظاهرتان في شئ واحد لوحدة اللفظ والدلالة وإنما يختلفان في الحكم فهما من المتعارضين ولا يأتي فيهما الجمع العرفي يحمل احدهما على شئ


(* 1) راجع ب 40 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 374 ]

والآخر على شئ آخر، وعليه فالصحيح ما سلكه المشهور من أن الاعادة لا فرق في وجوبها بين الوقت وخارجه لاطلاقات الاخبار المتقدمة هذا. على أن حسنة محمد بن مسلم المتقدمة (* 1) صرحية الدلالة على وجوب القضاء في المسألة حيث ورد في ذيلها " وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فاعدما صليت فيه " فان ظاهر " صلاة كثيرة " هي الفرائض الكثيرة دون النوافل المتعددة وقد دلت على وجوب اعادتها عند تذكر النجاسة بعد مضى وقتها، ونظيرها رواية علي بن جعفر عن اخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل احتجم فاصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع؟ قال: إن كان رآه فلم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلي ولا ينقص منه شئ وإن كان رآه وقد صلى فليعتد بتلك الصلاة ثم ليغسله (* 2) هذا. وربما يستدل على التفصيل بين الوقت وخارجه بما عن علي بن مهزيار قال: كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره أنه بال في ظلمة الليل وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنه أصابه ولم يره وأنه مصحه بخرقة ثم نسي أن يغسله وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى، فاجابه بجواب قرأته بخطه: أما ما توهمت مما أصاب يدك فليس بشئ إلا ما تحقق، فان حققت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلاة اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها: من قبل أن الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت، وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه اعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته، لان الثوب خلاف


(* 1) في ص 362 - 363 (* 2) المروية في ب 40 من النجاسات من الوسائل.

[ 375 ]

الجسد، فاعمل على ذلك إن شاء الله (* 1) فانها كما ترى صريحة في التفصيل بين الوقت وخارجه لقوله عليه السلام إن الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت. ومعناه أنه لا يعيد الصلاة في غير وقتها. وقد نوقش في الاستدلال بهذه الرواية باضطراب متنها وإجمال عبائرها وقد شهد باجمالها المحدث الكاشانى " قده " حيث حكي عنه: أن الرواية يشبه أن يكون قد وقع فيه غلط من النساخ. ومع اجمال الرواية لا يمكن أن تنهض حجة لاثبات حكم شرعى. ولا يخفى مافى هذه المناقشة أما " أولا ": فلاجل أن اجمال جملة من جملات الرواية واضطراب بعضها من حيث الدلالة لا يكاد يسرى إلى جملاتها الصريحة بوجه فالقاعدة أن يؤخذ بصريحها وتطرح مجملاتها ومتشابهاتها وقوله " لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت " لا نرى في اي اجمال أو اضطراب فلا إجمال في دلالته. وأما " ثانيا ": فلما قدمناه في بحث تنجيس المتنجس من أن الرواية غير مجملة ولا انها مضطربة المتن في شئ. نعم هي من جملة الادلة القائمة على عدم تنجيس المتنجس وبذلك يرتفع الاضطراب المتوهم عن الحدث فان الوجه في قوله " أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه " إنما هو نجاسة بدنه أعنى كفه، لا بطلان وضوئه فانه بناء على عدم تنجيس المتنجس محكوم بصحته، حيث أن كفه المتنجسة التي يبست بالتمسح بالخرقة لا تنجس ما يلاقيها من الماء أو غيره ومع طهارة الماء يحكم بصحة الوضوء وإن كان بعض اعضائه - وهو كفه - متنجسا، حيث لادليل على اعتبار طهارة الاعضاء في الوضوء إلا من جهة عدم سرايه النجاسة إلى الماء ومع البناء على عدم تنجيس المتنجس يبقى ماء الوضوء وسائر اعضائه على طهارته فنجاسة الكف لا تكون مانعة عن صحة الوضوء فبطلان الصلوات حينئذ مستند إلى


(* 1) المروية في ب 42 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 376 ]

[ مطلقا سواء تذكر بعد الصلاة أو في أثنائها (1) ] نجاسة بدنه وكفه. والمكلف حينما توضأ وإن كان غسلها لا محالة الا أن النجاسة المفروضة في الرواية لما كانت هي نجاسة البول وهي تحتاج إلى غسلها مرتين بالماء القليل لم يكف غسل كفه مرة واحدة في طهارتها فلو كان قد اكتفى بالوضوء مرة واحدة بطلت صلاته لنجاسة بدنه وهو المراد بقوله " تعيد الصلاة اللواتى كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه " نعم إذا توضأ مرة ثانية ولم يكتف بذلك الوضوء بعينه طهرت كفه المتنجسة لتعدد غسلها فلا تبطل صلواته اللواتى صلاهن بغير الوضوء الاول، وعلى الجملة لاتشويش في الرواية ولا اضطرب في متنها غير أنها مبتنية على عدم تنجيس المتنجس فلا مانع من الاستدلال بها من هذه الجهة. نعم الرواية مخدوشة السند بسليمان بن رشيد حيث لم يظهر أنه من هو ولم يعلم حاله ولعله قاض من قضاة الجمهور ومن احد حكامهم ومثله انما ينقل عن ائمة مذهبه لاعن ائمتنا - ع - فلم يثبت أن الرواية منقولة عنهم عليه السلام ومعه كيف يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال. نعم ادراج الرواية في اخبارنا المدرجة في الجوامع المعتبرة قد يؤثر الظن بصدورها عن المعصومين - ع - إلا انه مجرد ظن، والظن لا يغنى من الحق شيئا، فالحصيح ما سلكه المشهور في المقام من أن الناسي لافرق في وجوب الاعادة في حقه بين الوقت وخارجه. (1) بفحوى الاخبار المتقدمة الآمرة بالاعادة على الجاهل إذا التفت إلى نجاسة ثوبه أو بدنه في أثناء الصلاة حيث انها تدل على وجوب الاعادة عند نسيان النجاسة والالتفات إليها في اثناء الصلاة بالاولوية لان النسيان هو الجهل بعينه بزيادة السبق بالعلم، فالبطلان مع النسيان اولى منه مع الجهل

[ 377 ]

[ امكن التطهير أو التبديل أم لا (1) (مسألة 1) ناسي الحكم تكليفا أو وضعا كجاهله (2) في وجوب الاعادة والقضاء. (مسألة 2) لو غسل ثوبه النجس وعلم بطهارته، ثم صلى فيه، ] هذا. على أن المسألة منصوصة كما في صحيحة ابن سنان المتقدمة (* 1) المروية عن كتاب المشيخة لابن محبوب حيث ورد فيها " وان كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك فانصرف فاغسله وأعد صلاتك " وصحيحة علي بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل ذكر وهو في صلاته انه لم يستنج من الخلا قال: ينصرف ويستنجي من الخلا ويعيد الصلاة.. (* 2) (1) لاطلاقات الاخبار الدالة على ان ناسي النجاسة يعيد صلاته. (2) لااشكال في أن ناسي الحكم كجاهله فان الناسي هو الجاهل بعينه إذ لا واسطة بين العالم والجاهل حيث أن المكلف إما أن ينكشف لديه الشئ وإما أن لا ينكشف، الثاني هو الجاهل، والناسي ايضا كذلك لعدم انكشاف الحكم لديه إما لتقصيره وإما لقصوره فكون الناسي داخلا في موضوع الجاهل مما لاشبهة فيه وإنما الكلام في أن حكمه ايضا حكم الجاهل أو أن له حكما يخص به؟ وبما أنه ظهر مما تقدم أنه لامانع من شمول حديث " لا تعاد " للجاهل غير الناسي فضلا عن الجاهل الناسي فالاقرب صحة صلاته إلا أن الحكم بالصحة يختص بما إذا كان الناسي معذورا كما كان هذا هو الحال في الجاهل غير الناسي.


(* 1) في ص 362 (* 2) المروية في ب 9 و 10 من ابواب احكام الخلوة من الوسائل.

[ 378 ]

[ وبعد ذلك تبين له بقاء نجاسته (1) فالظاهر أنه من باب الجهل بالموضوع ] (1) فهل مثله يلحق بناسي موضوع النجس - لسبق علمه به - وإن كان جاهلا في حال الصلاة أو يلحق بجاهله؟ الثاني هو الصحيح وذلك لان المستفاد من صحيحة زرارة المتقدمة وما رواه ابو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه، وإن على قبل أن يصلي فنسي وصلى فيه فعليه الاعادة (* 1) أن المناط في صحة الصلاة إنما هو عدم تنجز النجاسة حالها كما هو مقتضى قوله: فصلى فيه وهو لا يعلم، ولم يقل: لم يعلم، فكل من صلى في النجس وهو غير عالم به ولم تتنجز النجاسة في حقه يحكم بصحة صلاته وإنما يستثنى من ذلك خصوص من نسي موضوع النجاسة وبما أن من غسل ثوبه واعتقد طهارته غير عالم بنجاسة ثوبه ولم تتنجز نجاسته عليه في حال الصلاة ولا يصدق عليه عنوان الناسي - قطعا - فلا محالة يحكم بصحة صلاته. هذا. على أن المسألة منصوصة لحسنة ميسر قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله فاصلي فيه فإذا هو يابس، قال: أعد صلاتك، أما انك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شئ (* 2) حيث صرحت بانك لو غسلت ثوبك وصليت فيه ثم ظهر عدم زوال النجاسة عنه لم تجب إعادتها، وحيث لا معارض لها فلا مناص من العمل على طبقها. وأما الامر بالاعادة على تقدير أن غسله غيره - كما في صدرها - فهو في الحقيقة تخصيص في الادلة المتقدمة النافية للاعادة عن الجاهل بموضوع النجس، ومرجعه إلى الردع عن العمل بأصالة الصحة الجارية في عمل الغير بحسب البقاء وبعد انكشاف الخلاف - لا بحسب الحدوث والابتداء -


(* 1) المروية في ب 40 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 18 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 379 ]

[ فلا يجب عليه الاعادة والقضاء. وكذا لو شك في نجاسته ثم تبين بعد الصلاة أنه كان نجسا (1) وكذا لو علم بنجاسته فأخبره الوكيل في تطهيره بطهارته أو شهدت البينة بتطهيره ثم تبين الخلاف (2). ] والا لم يجز له الشروع في الصلاة فيه ولا دلالة في الرواية على عدم جواز الشروع بل فيها دلالة على الجواز. وعلى الجملة إن صدر الحسنة إما أن يحمل على ما ذكرناه من عدم جواز الاعتماد على أصالة الصحة في عمل الغير بعد انكشاف الخلاف. وإما ان يحمل على استحباب إعادة الصلاة وغسل الثوب حينئذ. ما أفاده " قده " من الحكم بصحة الصلاة في مفروض المسألة والحاقه بصورة الجهل بموضوع النجس وإن كان كما أفاده لما تقدم من أن المناط في الحكم بصحة الصلاة في النجس عدم تجز النجاسة حال الصلاة. بل قدمنا سابقا أن الفحص غير لازم في مثلها فما ضنك بوجوب الاعادة حينئذ إلا انه لم يكن محتاجا إلى البيان لانه بعينه من الجهل بموضوع النجس ولم يقع اشكال في صحة الصلاة معه وهو بعينه مورد صحيحة زرارة المتقدمة " فان ظننت أنه قد أصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيا ثم صليت فرأيت فيه قال: تغسله ولا تعيد الصلاة " (* 1) (2) وذلك لما تقدم من أن المناط في عدم وجوب الاعادة جهل المصلي بنجاسة ثوبه أو بدنه حال الصلاة وعدم تنجزها عليه وهو متحقق في المقام لعدم تنجز النجاسة الواقعية بقيام البينة أو غيرها من الامارات على خلافها فلا كلام في صحة صلاته، وإنما المناقشة في ثبوت الطهارة باخبار الوكيل، فان الوكالة المعتبرة التي هي من العقود مختصة بالامور الاعتبارية التي منها العقود والايقاعات. وأما الامور التكوينية كالاكل والغسل والتطهير ونحوها فغير


(* 1) المروية في ب 41 من النجاسات من الوسائل.

[ 380 ]

[ وكذا (1) لو وقعت قطرة بول أو دم - مثلا - وشك في أنها وقعت على ثوبه أو على الارض ثم تبين أنها وقعت على ثوبه، وكذا لو رأى في بدنه أو ثوبه دما، وقطع بأنه دم البق أو دم القروح المعفو، أو انه اقل من الدرهم، أو نحو ذلك، ثم تبين أنه مما لا يجوز الصلاة فيه وكذا لو شك في شئ من ذلك ثم تبين أنه مما لا يجوز، فجميع هذه من الجهل بالنجاسة لا يجب فيها الاعادة أو القضاء. ] قابلة للوكالة لان أكل الوكيل - مثلا - لا يكون أكلا لموكله، كما يكون بيعه بيعا له حقيقة. نعم التوكيل بحسب اللغة تعم الامور التكوينية وغيرها فيقال: أوكل أمره إلى كذا. اللهم إنا نتوكل عليك في امورنا. فهو بمعنى الايكال والاحالة وخارجة عن الوكالة الشرعية ولا يترتب عليه أثارها وعليه فان كان الغاسل موثقا وقلنا باعتبار خبر الثقة في الموضوعات الخارجية فلا محالة يكون إخباره عن طهارة الثوب معتبرا فلا اشكال في ثبوتها باخباره ولكن ذلك لا يختص بالوكيل. وأما إذا انكرنا اعتباره في الموضوع الخارجي فلا يترتب على اخبار الوكيل اثر ولا تثبت به طهارة الثوب إلا من باب العمل باصالة الصحة في عمل الوكيل ولكنك عرفت أن أصالة الصحة في عمل الغير غير مجزءة ولا معتبرة بعد انكشاف الخلاف على ما استفدناه من حسنة ميسر المتقدمة فلا يترتب عليها سوى جوزا الدخول في الصلاة فيما علم بنجاسته سابقا وأخبر الوكيل بغسله وتطهيره. (1) مقتضى صحيحة زرارة - كما مر - أن المناط في بطلان الصلاة في النجس علم المصلي بنجاسة ثوبه أو بدنه وتنجزها عليه حال الصلاة فإذا لم يكن عالما بنجاستهما ولم تتنجز النجاسة في حقه فلا محالة يحكم بصحة صلاته وعدم وجوب الاعاة عليه وذلك لانها عللت الحكم بعدم وجوب الاعادة بقوله " لانك

[ 381 ]

كنت على يقين من طهارتهك فشككت.. " وهو كالصريح في أن المانع عن صحة الصلاة في النجس إنما هو تنجز النجاسة على المصلي حال الصلاة فمع عدم علمه. وعدم تنجزها عليه لا يحكم ببطلان صلاته ولا بوجوب الاعادة عليه وقد خرجنا عن هذا الضابط في خصوص ناسي النجس بالنصوص المتقدمة القائمة على بطلان صلاته مع عدم تنجز النجاسة عليه لنسيانه وعذره. وذلك عقوبة لتساهله ونسيانه حتى يحتفظ بطهارة ثوبه وبدنه. وعلى هذا الضابط تتفرع فروع منها ما تقدم ومنها ما إذا وقعت قطرة بول أو دم - مثلا - وشك في أنها هل وقعت على ثوبه أو على الارض، ثم تبينت انها واقعة على ثوبه. ومنها الفرعان المذكوران بعد ذلك فان النجاسة غير منجزة في جميعها ومعه يحكم بصحة صلاته وعدم وجوب الاعادة في حقه فان المفروض عدم انطباق عنوان الناسي عليه. ثم إن ما افاده الماتن في هذه المسألة من أن المصلي إذا شك في أن الدم من المعفو أو من غيره فصلى ثم تبين أنه مما لا يجوز لم تجب عليه الاعادة لا ينافى ما يأتي منه " قده " من البناء على عدم العفو فيما إذا شك في أن الدم من الجروح أو القروح أو من غيرهما أو شك في أنه بقدر الدرهم أو أقل حيث احتاط فيهما احتياطا لزوميا وبنى على عدم العفو في كلا الموردين. والوجه في عدم منافاتهما أن كلامه " قده " في المقام مبني على القول بجواز الدخول في الصلاة مع الشك في أن الدم من المعفو أو من غيره، وهذا لا يضره الحكم بعدم العفو فيما إذا لم نبن على جواز الدخول في الصلاة مع الشك في أن الدم من المعفو كما يأتي عن قريب وبعبارة واضحة إن البحث في المقام متمحض في لزوم الاعادة وعدمه من ناحية أن المقام داخل في صغرى الجهل بالنجاسة أو غير داخل فيها، والبحث في المسألتين المذكورتين إنما هو في جواز الدخول في الصلاة مع الشك في أن الدم من المعفو أو من غيره فعلى تقدير البناء على جوازه

[ 382 ]

[ (مسألة 3) لو علم بنجاسة شئ فنسي ولاقاه بالرطوبة، وصلى ثم تذكر أنه كان نجسا، وأن يده تنجست بملاقاته (1) فالظاهر. أنه ايضا من باب الجهل بالموضوع لا النسيان، لانه لم يعلم نجاسة يده سابقا والنسيان إنما هو في نجاسة شئ آخر غير ما صلى فيه. نعم لو توضأ أو اغتسل قبل تطهير يده، وصلى كانت باطلة من جهة بطلان وضوئه أو غسله. ] لا محذور في الحكم بعدم وجوب الاعادة في المقام لجهل المكلف بالنجاسة وعدم صدق عنوان الناسي عليه، (1) بان تكون النجاسة منسية من جهة ومجهولة من جهة فان نجاسة ثوبه أو بدنه - إذا كان هو الملاقي للنجس - مجهولة ولا يعلم بها المصلي من الابتداء. ونجاسة الملاقى - كالاناء - الذي لاقته يده أو ثوبه وهو السبب في نجاستهما منسية لعلمه بنجاسته سابقا. فهل يحكم ببطلان الصلاة في مثلها؟ الصحيح لا، لعدم تنجز النجاسة على المصلي حال الصلاة لجهله بنجاسة يده أو ثوبه. وأما نجاسة الاناء الذي هو السبب في نجاستهما فهي وإن كانت منسية إلا أن ما دل على ان نسيان النجاسة موجب لبطلان الصلاة الواقعة في النجس إنما دل على بطلانها فيما إذا نسي نجاسة بدنه أو ثوبه الذي صلى فيه وما صلى فيه المكلف في مفروض المسألة ليس بمنسي النجاسة - وهو يده أو ثوبه - وإنما هو مجهول النجاسة، وما نسيت نجاسته هو السبب ولا اعتبار بنسيان نجاسته، فما نسيت نجاسته لم تقع فيه الصلاة وما وقعت فيه الصلاة لم تنس نجاسته فصلاته صحيحة. نعم لو كان ملاقي الاناء النجس - مثلا - عضوا من اعضاء الغسل أو الوضوء فتوضأ أو اغتسل قبل تطهير ذلك العضو المتنجس يحكم ببطلان

[ 383 ]

[ (مسألة 4) إذا انحصر ثوبه في نجس فان لم يمكن نزعه حال الصلاة لبرد أو نحوه صلى فيه (1) ولا يجب عليه الاعادة أو القضاء (2) ] الصلاة حينئذ ولكنه لا من جهة مانعية النجاسة المجهولة عن الصلاة بل من جهة بطلان وضوئه أو غسله - بناء على اشتراط طهارة محل الغسل أو الوضوء في صحتهما - على خلاف في ذلك يأتي في محله إلا انه خارج عن مورد البحث والنزاع إذ الكلام إنما هو في مانعية نجاسة الثوب والبدن في الصلاة لافى بطلانها ببطلان الغسل أو الوضوء حيث أن بطلان الصلاة ببطلانهما مما لااشكال فيه حتى مع الجهل بنجاسة منشأ نجاسة اليد أو غيرها من اعضائهما كما إذا لم يعلم بنجاسة الاناء أصلا ولاقته يده فتوضأ وصلى وعلم بنجاسته بعد الصلاة. (1) لانه المقدار المتيقن من الاخبار الآمرة بالصلاة في الثوب المتنجس كما يأتي في المسألة الآتية فان اطلاقها وإن كان يشمل غير صورة الاضطرار إلى لبس المتنجس ونلتزم فيها أيضا بالجواز إلا أن المقدار المتيقن منها صورة الاضطرار إلى لبسه. مضافا إلى الضرورة والاجماع وغيرهما مما دل على ان الصلاة لا تسقط بحال، وأن المكلف معذور فيما هو خارج عن قدرته والله سبحانه أولى بالعذر في مثله وأنه بلاء ابتلي به كما في روايات السلس والبطن (* 1) وهذا هو الوجه في وجوب الصلاة في الثوب المتنجس عند الاضطرار وليس الوجه فيه عدم شمول أدلة مانعية النجس في الصلاة بصورة الاضطرار، حيث انها مطلقة تشمل صورة الاضطرار وغيرها في أنفسها. (2) أما القضاء فلا ينبغي الاشكال في عدم وجوبه في مفروض المسألة لان موضوعه فوات الواجب في وقته ولم يتحقق الفوت في المسألة لانه مأمور بالصلاة


(* 1) راجع حسنة منصور وموثقة جماعة المرويتين في ب 19 و 7 من ابواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 384 ]

في الثوب المتنجس وقد أتى بها في وقتها مشتملة على أجزائها وشرائطها حيث أن المانعية قد سقطت في حال الاضطرار إذ الامر بالصلاة في الثوب المتنجس ومانعية النجاسة عن الصلاة حتى في حال الاضطرار أمران لا يجتمعان وعليه فلم يفت عنه الواجب في ظرفه حتى يجب قضاؤه. وأما الاعادة في الوقت فالمعروف بينهم عدم وجوبها، وعن الشيخ " قده " في بعض كتبه وجوب الاعادة، ونقل عن ابن الجنيد " أن من ليس معه إلا ثوب واحد نجس يصلي فيه ويعيد في الوقت إذا وجد غيره، ولو اعاد إذا خرج الوقت كان أحب إلي " وعن المدارك والرياض نسبة القول بوجوب الاعادة إلى جماعة. وقد استدل لهم بموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب ولا تحل الصلاة فيه، وليس يجد ماء يغسله، كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلي فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة (* 1) وهي على طبق القاعدة لما قدمناه عند التكلم على الاجزاء من أن الاتيان بالمأمور به الاضطراري إنما يجزي إذا كان الاضطرار مستوعبا للوقت بتمامه. وأما إذا كان الاضطرار في بعض الوقت دون بعضه فلا يتحقق معه الاضطرار إلى ترك الواجب حيث أن الامر إنما يتعلق بالطبيعي الجامع بين أفراده العرضية والطولية، ومع التمكن من ايجاده في ضمن أي فرد مشتمل على شرائطه واجزائه لا يتحقق الاضطرار إلى ترك المأمور به فهو من الاضطرار إلى ترك فرد من أفراد الواجب لا إلى ترك امأمور به، والفرق بينهما من الوضوع بمكان. نعم إذا اعتقد بقاء اضطراره أو استصحب بقائه إلى آخر الوقت جاز له البدار إلا انه لا يجزي عن المأمور به الواقعي فيما إذا ارتفع عذره في أثناء وقت الواجب كما عرفت فما تضمنته الموثقة هو الذي تقتضيه القاعدة فسواء كانت هناك رواية أم لم تكن، لا مناص من


(* 1) المروية في ب 45 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 385 ]

الالتزام بمضمونها فوجود الموثقة وعدمها سيان، إلا انا مع ذلك لا نلتزم بوجوب الاعادة في المقام وذلك لحديث لا تعاد حيث دل على ان الطهارة الخبثية لا تعاد منها الصلاة وقد مر أن الحديث يشمل الناسي والجاهل كليهما، والمكلف في المقام حيث انه جاهل باشتراط الطهارة الخبثية في صلاته فانه بادر إلى الصلاة في ثوبه المتنجس بالاستصحاب أو باعتقاد بقاء عذره إلى آخر الوقت فهو لا يعلم باشتراط الطهارة في صلاته فلا تجب عليه إعادتها بالحديث. وأما الموثقة فهي أجنبية عما نحن فيه حيث أن موردها تيمم المكلف للصلاة بدلا عن الجنابة أو الوضوء مع عدم اضطراره إليه واقعا لفرض أنه وجد الماء قبل انقضاء وقت الصلاة، وقد عرفت ان مقتضى القاعدة فيه بطلان الصلاة ووجوب الاعادة بعد ارتفاع الاضطرار ولا دليل على أن ما أتى به مجزء عن المأمور به، وحديث لا تعاد لا ينفي الاعادة من الاخلال بالطهارة من الحدث، حيث أنها مما تعاد منه الصلاة وهذا بخلاف المقام لعدم الاخلال فيه إلا بالطهارة من الخبث وهي مما لا تعاد منه الصلاة، وعلى الجملة أن الفارق بين المقام وبين مورد الموثقة قيام الدليل على الاجزاء فيما نحن فيه - وهو حديث لا تعاد - بخلاف مورد الموثقة كما عرفت. " بقي شئ " وهو أن الموثقة إنما وردت فيمن تيمم ولم يكن فاقدا للماء في تمام وقت الصلاة، وإنما كان فاقدا له في بعضه وهذا هو الذي قلنا إن القاعدة يقضي فيه بوجوب الاعادة وبطلان الصلاة لان المدار في صحة التيمم على الفقدان في تمام الوقت دون بعضه. بل قلنا لا مسوغ فيه للبدار إلا ان يستند إلى ترخيص ظاهري أو تخيلي وهما غير مفيدين للاجزاء على تقدير ارتفاع الاضطرار قبل خروج وقت الصلاة ولاجل هذا كانت الاعادة فيه على طبق القاعدة. وهناك مسألة أخرى نلتزم فيها باستحباب الاعادة وعدم وجوبها ولعله المعروف بينهم وهي ما إذا تتيمم لصلاة سابقة وصلى ولم ينتقض تيممه حتى دخل وقت فريضة اخرى

[ 386 ]

[ وإن تمكن من نزعه ففى وجوب الصلاة فيه، أو عاريا، أو التخيير وجوه (1) الاقوى الاول، وألاحوط تكرار الصلاة. ] وأتى بها بتيممه السابق وبعد ذلك وجد الماء في أثناء وقت الفريضة الاخرى. إلا انها غير المسألة المبحوث عنها في المقام إذ المفروض في تلك المسألة أن المكلف على الطهارة حقيقة لفقدانه الماء في تمام وقت الفريضة المتقدمة وطهارته وإن كانت ترابية الا انها باقية بحالها حين اتيان الفريضة الاخيرة لوضوح أن دخول وقت الفريضة لا يكون ناقضا للطهارة بوجه ومع اتيانه الفريضة متطهرا حقيقة لا وجه لوجوب الاعادة عليه. نعم لا مانع من استحبابها كما يأتي في محله، وأين هذا من مفروض الرواية؟ فان المصلي في موردها لم يكن فاقدا للماء في مجموع وقت الصلاة فلم تنعقد له طهارة من الابتداء ومعه لا وجه لحمل الامر بالاعادة في الرواية على الاستحباب. (1) بل أقوال اشهرها وجوب الصلاة عاريا ودونه القول بالتخيير بينها وبين الصلاة في الثوب المتنجس ودونهما القول بوجوب الصلاة في الثوب المتنجس خاصة. ومنشأ اختلاف الاقوال هو اختلاف الاخبار الواردة في المسألة فقد ورد في جملة من الاخبار الصحاح الامر بالصلاة في الثوب المتنجس وهي وان لم تبلغ من الكثرة مرتبة التواتر إلا أن دعوى القطع بصدور بعضها عنهم - ع - غير بعيدة: " منها ": صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره " آخر " قال: يصلى فيه فإذا وجد الماء غسله (* 1) و " منها ": صحيحته الاخرى أنه: سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله، قال: يصلي فيه (* 2) و " منها ":


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 45 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 387 ]

صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب في ثوبه ليس معه غيره ولا يقدر على غسله قال: يصلي فيه (* 1) و " منها ": صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله دم، يصلي فيه أو يصلي عريانا؟ قال: إن وجد ماء غسله، وإن لم يجد ماء صلى فيه ولم يصل عريانا (* 2) ومنها غير ذلك من الاخبار. وبازائها جملة من الاخبار دلت على وجوب الصلاة عاريا: " منها ": مضمرة سماعة قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الارض وليس عليه إلا ثوب واحد وأجنب فيه وليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلي عريانا قاعدا يومئ ايماء (* 3) و " منها ": مضمرته الاخرى قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الارض فأجنب وليس عليه إلا ثوب فأجنب فيه وليس يجد الماء، قال: يتيمم ويصلي عريانا قائما يؤمي ايماء (* 4) و " منها ": رواية محمد بن علي الحلبي عن ابى عبد الله عليه السلام في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلا ثوب واحد وأصاب ثوبه مني، قال: يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا فيصلي ويؤمي ايماء (* 5) ومنها غير ذلك من الاخبار هذه هي الاخبار الواردة في المسألة فمن الاصحاب من رجح الطائفة السابقة على الثانية لاشتمالها على المرجح الداخلي أعني صحتها وكونها اكثر عددا من الثانية. ومنهم من عكس الامر لاشتمال الطائفة الثانية على المرجح الخارجي أعني عمل المشهور على طبقها ومنهم جمع ثالث قد أخذوأ بكل واحدة من الطائفتين لما فيهما من المرجحات ومن هنا ذهبوا إلى التخيير بين الصلاة عاريا وبين الاتيان بها في الثوب المتنجس. وذهب صاحب المدارك إلى عدم المعارضة بين الطائفتين لان


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 45 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) و (* 4) و (* 5) المرويات في ب 46 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 388 ]

الطائفة الاولى صحاح بخلاف الثانية ولا اعتبار بغير الصحيحة ولو كان موثقة. وما ذكره " قده " متين على ما سلكه من عدم حجية غير ما يرويه الامامي العدل أو الثقة. وأما بناء على ما هو الصحيح المعمول به من كون الموثقة كالصحيحة في الاعتبار فلا وجه لما أفاده لان الطائفتين حينئذ على حد سواء ولا يكون وصف الصحة مرجحا أبدا ومعه لامزية في البين والطائفتان متعارضتان. والذي يوهن الطائفة الثانية أن روايتي سماعة مضمرتان وليس السماعة في الجلالة والاعتبار كمحمد بن مسلم وزرارة وأضرابهما حتى لا يحتمل سؤاله عن غير الامام ولعله سأل غيره ولو ممن رآه أهلا للسؤال ومن المحتمل أن يكون قد سأل شخصين آخرين غير الامام عليه السلام ويوكده اختلاف الروايتين في الجواب حيث ورد في احداهما: انه يصلي قاعدا. ودلت الاخرى على انه يصلي قائما. ومعه كيف يمكن الجزم بأن المسئول في الروايتين هو الامام عليه السلام فالروايتان ساقطتان عن الاعتبار. وأما رواية الحلبي ففى سندها محمد بن عبد الحميد. وأبوه - عبد الحميد - وإن كان موثقا وقد ورد في صحيحة اسماعيل بن بزيع: " إذا كان القيم به مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس " (* 1) إلا أن ابنه الواقع في سلسلة الحديث وهو محمد لم تثبت وثاقته، فان كل من وثقه من علماء الرجال قد تبع النجاشي في توثيقه، ولكن العبارة المحكية عنه غير وافية في توثيق الرجل حيث قال في محكى كلامه: " محمد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر روى عبد المجيد عن أبي الحسن موسى عليه السلام وكان ثقة من أصحابنا الكوفيين " وهذه العبارة وإن صدرت منه عند ترجمة محمد بن الحميد إلا أن ظاهر الضمير في قوله كان ثقة أنه راجع إلى أبيه وهو عبد الحميد لا إلى أبنه. ولو لم يكن الضمير ظاهرا


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب عقد البيع وشروطه من لوسائل. وفي ج 2 من تنقيح المقال ص 135.

[ 389 ]

في ذلك فلا أقل من اجماله فلا يثبت بذلك وثاقة الرجل وبهذا تسقط الرواية عن الاعتيار وتبقى الصحاح المتقدمة الدالة على وجوب الصلاة في الثوب المتنجس من غير معارض هذا. ثم لو سلمنا المعارضة بين الطائفتين فقد يتوهم أن هناك شاهد جمع بين الطائفتين وهو رواية محمد الحلبي قال. سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره، قال: يصلي فيه إذا اضطر إليه (* 1) بدعوى انها تقتضي حمل الصحاح المتقدمة على صورة الاضطرار إلى لبس الثوب المتنجس وحمل الطائفة المانعة على صورة التمكن من نزعه. وهذا الجمع وإن كان لا بأس به صورة إلا أنه بحسب الواقع لا يرجع إلى محصل صحيح أما " أولا ": فلان الرواية ضعيفة من جهة القاسم بن محمد وأما " ثانيا ": فلانه لم يثبت أن الاضطرار في الرواية اريد به الاضطرار إلى لبس المتنجس، لاحتمال أن يراد به الاضطرار إلى الصلاة في الثوب لما قد ارتكز في اذهان المتشرعة من عدم جواز ايقاع الصلاة من دون ثوب فهو مضطر إلى الصلاة فيه لوجوبها كذلك بالارتكاز فاضطراره مستند إلى وجوب الصلاة لا انه مضطر إلى لبسه وبما أنه لم يفرض في الرواية عدم تمكن المكلف من الغسل فلا محالة يتمكن من الصلاة في الثوب الطاهر بغسله ولايكون مضطرا إلى ايقاع الصلاة في الثوب المتنجس. وإما " ثالثا ": فلان الاضطرار لو سلمنا انه بمعنى الاضطرار إلى لبس المتنجس لا يمكننا حمل الصحاح المتقدمة على صورة الاضطرار لان فيها روايتين صريحتين في عدم ارادتها " إحداهما " صحيحة علي ابن جعفر قال: سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة.. إلى أن قال يصلي عريانا. لانها صريحة في عدم اضطرار الرجل إلى لبس الثوب المتنجس و " ثانيتهما ": صحيحة الحلبي سأل أبا عبد الله عن الرجل يكون له الثوب


(* 1) المروية في ب 45 من ابواب النجاسات من النجاسات.

[ 390 ]

الواحد فيه بول لا يقدر على غسله لانها فرضت أن الرجل غير قادر على غسله فلابد من قدرته على نزعه وإلا لكان الاولى والانسب أن يقول: ولا يقدر على نزعه فهى ايضا صريحة في عدم الاضطرار إلى لبس المتنجس وإن كانت في الصراحة دون الصحيحة المتقدمة. ونظيرها صحيحة عبد الرحمن فليراجع. وأما ما عن الشيخ " قده " من الجمع بين الطائفتين بحمل الصلاة في الصحاح المتقدمة على صلاة الجنائز، وحل الدم في صحيحة علي بن جعفر على الدم المعفو عنه فيدفعه: أنه على خلاف ظواهر الصحاح فلا موجب للمصير إليه وعليه فالطائفتان متعارضتان. بل من اظهر موارد المعارضة فلا مناص من علاجها. وقد مر أن للطائفة الاولى مرجحا داخليا وهو صحتها وكونها اكثر عددا. وللثانية مرجحا خارجيا وهو عمل الاصحاب على طبقها الا انهما غير صالحين للمرجحية. أما عمل الاصحاب على طبق الرواية فلوضوح ان عملهم ليس من مرجحات المتعارضين على ما قررناه في محله ولاسيما في المقام حيث انهم كما عملوا بالطائفة الثانية كذلك عملوا بالطائفة المتقدمة. غاية الامر أن العامل بالثانية اكثر من العامل بالسابقة. وأما صحة الرواية واكثريتها عددا فلان الطائفة الثانية بعد البناء على اعتبارها حجة معتبرة فهي والطائفة السابقة متساويتان فلا اعتبار بوصف الصحة ولا بكثرة احدهما عددا فالصحيح في وجه المعالجة أن يقال: ان لكل من الطائفتين نصا وظهورا ومقتضى الجمع العرفي بينهما ان نرفع اليد عن ظاهر كل منهما بنص الاخرى على ما هو الضابط الكلى في علاج المعارضة بين الدليلين حيث يقدم ما هو اقوى دلالة على الاخر فالاظهر يتقدم على الظاهر والنص يتقدم على الاظهر وهذا جمع عرفي لا تصل معه النوبة إلى الترجيح. وحيث أن الطائفة الثانية صريحة في جواز الصلاة عاريا وظاهرة في تعينها، فان الاطلاق في صيع الامر والجملات الخبرية وسكوت المتكلم عن ذكر العدل

[ 391 ]

في مقام البيان يقتضي التعيين. والطائفة المتقدمة صريحة في جواز الصلاة في الثوب المتنجس وظاهرة في تعينها فنرفع اليد عن ظهور كل منهما بنص الاخرى لا محالة والنتيجة هي التخيير وان المكلف لابد من أن يأتي باحدهما فاما أن يصلي في الثوب المتنجس وإما أن يصلي عاريا كما ذهب إليه جمع من المحققين وربما يورد على الجمع بينهما بذلك بما ذكره شيخنا الاستاذ " قده " في مبحث الترتب والواجب التخييري من أن الضدين الذين لا ثالث لهما يستحيل أن يجعل التخيير بينهما، لانه بمعنى طلب احدهما الراجع إلى طلب الجامع بينهما وهذا في موارد المتناقضين والضدين لا ثالث لهما حاصل بطبعه إذ المكلف ياتي باحدهما في نفسه فلا حاجة إلى طلبه لانه من تحصيل الحاصل المحال، ولاجل ذلك منع عن الترتب في مثلها فان المكلف عند تركه لاحدهما ياتي بالآخر بطبعه فلا مجال للامر به حينئذ لانه من تحصيل الحاصل كما عرفت. ويطبق ذلك على ما نحن فيه بان الصلاة عاريا والصلاة في الثوب المتنجس ضدان لا ثالث لهما حيث أن الاخبار في المسألة - بعد الفراغ عن وجوب أصل الصلاة وأنه لابد أن يصلي لا محالة - اختلفت في قيدها فدلت طائفة على انها مقيدة بالاتيان بها عاريا ودلت الاخرى على انها مقيدة بالايتان بها متسترا بالثوب المتنجس ومن الظاهر أن المصلي في مفروض المسألة إما أن يصلي عاريا وإما أن يصلي متسترا بالنجس ولا ثالث لهما فالتخيير بينهما أمر غير معقول ولكن الصحيح أن التخيير بينهما معقول لا محذور فيه وذلك لان التخيير المدعى ليس هو التخيير بين اتيان الصلاة عاريا أو متسترا. بل المراد تخيير المكلف بين أن يصلي عاريا مع الايماء في ركوعه وسجوده قائما أو قاعدا وبين أن يصلي في الثوب المتنجس مع الركوع والسجود التامين الصحيحين. حيث أنه إذا صلى عاريا يتعين أن يؤمي في ركوعه وسجوده. وإذا صلى متسترا يتعين أن يركع ويسجد بحيث لو صلى

[ 392 ]

[ (مسألة 5) إذا كان عنده ثوبان يعلم بنجاسة أحدهما (1) يكرر الصلاة ] في الثوب المتنجس مع الايماء في ركوعه أو سجوده أو صلى عاريا مع الركوع والسجود بطلت صلاته. ومن الواضح أن الصلاة عاريا مؤميا في الركوع والسجود، والصلاة في الثوب المتنجس مع الركوع والسجود التامين ضدان لهما ثالث، حيث له أن يصلي عاريا من غير ايماء في ركوعه وسجوده أو في الثوب المتنجس مؤميا فيهما ومعه لا محذور في الحكم بالتخيير بوجه. نعم الاحوط الاولى أن يصلي في الثوب المتنجس لان الواجب وإن كان تخييريا حسبما قدمناه من الدليل - بناء على تعارض الطائفتين - إلا أن الامر بحسب الواقع دائر بين التعيين والتخيير إذ الصلاة في الثوب المتنجس تجزي - يقينا - لانها إما متعينة لرجحان إدلتها أو أنها عدل الواجب التخييري وهذا بخلاف الصلاة عاريا لاحتمال ان يكون المتعين وقتئذ هو الصلاة في الثوب المتنجس كما مر هذا. بل يستفاد من صحيحة على بن جعفر المتقدمة افضلية الصلاة في الثوب المتنجس، حيث ورد فيها " صلى فيه ولم يصل عريانا " وظاهره مرجوحية الصلاة عاريا ونفى مشروعيتها فإذا رفعنا اليد عن ظهورها في نفى المشروعية بما دل على مشروعيتها عاريا بقيت مرجوحيتها بحالها هذا كله فيما إذا كان له ثوب واحد متنجس. (1) إذا تمكن المكلف من غسل احدهما يغسله ويصلي فيه وبه يقطع بفراغ ذمته، لان ما غسله إما كان طاهرا من الابتداء وإما كان نجسا فطهره بغسله. وأما إذا لم يتمكن من غسل شئ منهما فهل يجب عليه أن يكرر الصلاة في المشتبهين كما هو المعروف بينهم أو يصلي عريانا كما عن أبني ادريس وسعيد؟ والكلام في ذلك " تارة " من جهة مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن الدليل. و " أخرى " من جهة النص الوارد في المسألة. " أما الجهة الاولى ": فلا ينبغى الاشكال في

[ 393 ]

أن مقتضى العلم الاجمالي بوجوب الصلاة في احدهما الاتيان بها في كل واحد من الثوبين تحصيلا لليقين بفراغ ذمته، والعلم بنجاسة احدهما غير المعين غير مانع عن الحكم بصحة الصلاة الواقعة في الثوب الطاهر منهما لعدم الاخلال حينئذ بشئ مما اعتبر في صحة الصلاة شرعا أو عقلا، حيث أن العبادة كما مر غير مرة لا يعتبر في صحتها إلا أن يوتى بها مضافة إلى الله سبحانه نحو اضافة ولا كلام في أن المكلف إذا صلى في احدهما برجاء أنها المأمور بها في حقه ثم صلى في الاخر كذلك قطع بانه اتى بصلاة مضافة إلى الله جل شأنه فان ما اتى به من الصلاتين إما طاعة أو انقياد، ولا يعتبر في صحتها القطع بطهارة ثوبه أو بدنه على سبيل الجزم واليقين حين اشتغاله بها بل الطهارة الواقعية والاتيان بها برجاء كونها واقعة في الثوب الطاهر تكفى في صحتها، فتحصل أن الاحتياط بتكرار الصلاة في الثوبين المشتبهين غير مخل بقصد التقرب المعتبر في العبادات زائدا على ذواتها. وأما قصد الوجه فلا اخلال به ايضا - بناء على اعتباره - وذلك لان المصلي متمكن من أن ياتي بالمأمور به المردد بينهما بقصد الوجه وصفا أو غاية بان يابي بالصلاة المأمور بها يوصف كونها واجبة في حقه أو لوجوبها. نعم التكرار إنما يخل بالتمييز إذ أنه مما لم يقم على وجوبه دليل عقلي ولا سمعي بل الدليل قائم على عدم وجوبه لانه مما يبتلي به الناس مرات متعددة في كل يوم فلو كان مثله واجبا لوجب عليهم عليه السلام البيان ولو كانوا بينوا وجوبه لوصل الينا متواترا أو شبهه فعدم الدليل في مثله دليل على عدم الوجوب هذا. ثم لو سلمنا وجوبه فلا اشكال في أنه ليس في عرض سائر الاجزاء والشرائط وانما اعتباره في طولها حيث يجب الاتيان بالاجزاء والشرائط متميزة عن غيرها فإذا دار الامر في مثله بين إلغائه وبين الاخلال بسائر الاجزاء والشرائط تعين الغائه فانه انما يجب إذا تمكن المكلف من اتيان العمل باجزائه وشرائطه فعند ذلك يجب أن

[ 394 ]

يوتى بها متميزة دون ما إذا لم يتمكن من اتيان العمل كذلك فانه لا معنى حينئذ للقول بوجوب الاتيان به متميزا فلا محالة يسقط اعتباره. فلا يدور الامر في شئ من الموارد بين ترك جزء أو شرط وبين الاتيان بالعمل متميزا والامر في المقام ايضا كذلك فلا يجب الاتيان بالصلاة عاريا لاجل التحفظ على اعتبار التمييز في اجزاء الصلاة وشرائطها فعلى ذلك لا مجال فيما نحن فيه لدعوى ابني ادريس وسعيد تعين الصلاة عاريا نظرا إلى أن تكرارها يوجب الاخلال ببعض القيود المعتبرة في المأمور به. هذا كله إذا قلنا إن حرمة الصلاة في المتنجس تشريعية - كما هو الصحيح - لان النهى الوارد عن الصلاة فيه ارشاد إلى مانعية النجس وليس نهيا مولويا وعليه فالصلاة في الثوب أو البدن المتنجسين انما يحرم إذا اتى بها المكلف بقصد امرها ومضيفا لها إلى الله لانه تشريع محرم، والتشريع لا يتحقق باتيانهما رجا ومن باب الاحتياط. وأما إذا بنينا على أن الصلاة في النجس محرمة بالذات نظير سائر المرحمات المولوية فهل يجب أن يكرر الصلاة تحصيلا لموافقة الامر بالصلاة في الثوب الطاهر - وإن استلزم المخالفة القطعية للنهى عن الصلاة في الثوب المتنجس أو تجب عليه الصلاة عريانا تحصيلا لموافقة النهى عن الصلاة في النجس - وإن استلزم العلم بمخالفة الامر بالصلاة في الثوب الطاهر - أو يصلي في احد المشتبهين مخيرا لانه موافقة احتمالية من جهة ومخالفة احتمالية من جهة؟ يمكن أن يقال: للمكلف علمان إجماليان في المقام: احدهما العلم بطهارة أحد الثوبين وثانيهما العلم بنجاسة احدهما، والموافقة القطعية للعلم الاجمالي بطهارة احدهما يتوقف على تكرار الصلاة فيهما، كما أن الموافقة القطعية للعلم الاجمالي بنجاسة احدهما تتوقف على أن لا يصلي في شئ من المشتبهين، وحيث أن المكلف غير متمكن من احراز الموافقة القطعية لكليهما فلا محالة تقع المزاحمة بين التكليفين في

[ 395 ]

مقام الامتثال وحينئذ لابد من العمل بما هو الاهم منهما - إن كان - والا يتخير بينهما لا محالة فإذا فرضنا ان حرمة الصلاة في النجس أهم بحيث لم يرض الشارع بمخالفتها ولو على نحو الاحتمال يتعين القول بوجوب الصلاة عاريا تحصيلا لموافقة النهي عن الصلاة في النجس وهو وان استلزم العلم بمخالفة الامر بالصلاة في الثوب الطاهر إلا أن اهمية الحرمة توجب سقوط اشتراط الصلاة بطهارة اللباس فتجب الصلاة عاريا ولايجوز تكرارها في المشتبهين لاستلزامه مخالفة النهي عن الصلاة في النجس ولا يصلي في احدهما مخيرا لئلا تلزم المخالفة الاحتمالية لعدم رضى الشارع بمخالفة الحرمة ولو على نحو الاحتمال. وإذا فرض أن وجوب الصلاة في الثوب الطاهر أهم فلا بد من تكرارها في المشتبهين تحصيلا للموافقة القطعية للامر بالصلاة في الثوب الطاهر وليس له أن يصلي عاريا لاستلزامه المخالفة للواجب الاهم ولا أن يصلي في احدهما دون الاخر للزوم المخالفة الاحتمالية ولا يرضى الشارع بمخالفة الواجب ولو على نحو الاحتمال وأما إذا لم تحرز أهمية احدهما عن الآخر وكان الحكمان متساويين من جميع الجهات فلا بد من الحكم بالتخيير بينهما هذا. ولكن الصحيح أن الواجب - لو قلنا بحرمة الصلاة في النجس ذاتا - هو الصلاة عاريا دون تكرارها ولا الصلاة في احد المشتبهين وذلك للعلم الخارجي بان الاجزاء والشرائط المعتبرة في الصلاة لا تزاحم شيأ من المحرمات والواجبات حيث أن لها مراتب متعددة ومع العجز عما هو الواجب في حق المكلف المختار يتنزل إلى ما دونه من المراتب النازلة وسره أن القدرة المعتبرة في الاجزاء والقيود قدرة شرعية فمع توقف احراز شئ منهما على ترك الواجب أو مخالفة الحرام يسقط عن الوجوب لعدم تمكن المكلف منه شرعا فيتنزل إلى الصلاة فاقدة الشرط أو الجزء فلا مساغ لارتكاب المحرم أو ترك الواجب مقدمة لاتيان شئ من القيود المعتبرة في الصلاة ومن هنا لو علمنا

[ 396 ]

بغصبية أحد الثوبين أو بكونه حريرا لا يمكن الحكم بوجوب الصلاة في كليهما لتحصيل الموافقة القطعية للامر بالصلاة كما لا يمكن الحكم بالتخيير بينهما وعليه ففى المقام لا مساغ للحكم بوجوب الصلاة في كلا المشتبهين تحصيلا لليقين باتيان الصلاة في الثوب الطاهر. بل تسقط شرطية التستر حينئذ وتصل النوبة إلى المرتبة الدانية وهي الصلاة فاقدة للتستر هذا. وإن شئت قلت: ان القدرة المعتبرة في الصلاة في الثوب الطاهر شرعية والقدرة المأخوذة في ترك المحرم - كالصلاة في النجس - عقلية وعند تزاحم التكليفين المشروط احدهما بالقدرة الشرعية يتقدم ما هو المشروط بالقدرة العقلية على غيره كما حررناه في محله هذا. والذي يسهل الخطب أن المبنى فاسد من أساسه ولا موجب للقول بحرمة الصلاة في النجس ذاتا. هذا كله في الجهة الاولى. وأما الجهة الثانية ففى حسنة صفوان بن يحيى عن ابي الحسن عليه السلام أنه كتب إليه يسأله عن الرجل معه ثوبان فاصلب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو، وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء كيف يصنع؟ قال: يصلي فيهما جميعا (* 1) وقد مر أن تكرار الصلاة في المشتبهين هو المطابق للقاعدة فما ذهبا إليه ابنا ادريس وسعيد من وجوب الصلاة عاريا عند اشتباه الثوب الطاهر بغيره اجتهاد في مقابل النص الصريح ولعل صاحب السرائر إنما ترك العمل على طبق الحصنة من جهة عدم اعتبار الخبر الواحد عنده كما هو اصله ومسلكه وأما مرسلة الشيخ " قده ": روى انه يتركهما ويصلي عريانا فهي ضعيفة بارسالها ولم يعمل المشهور على طبقها حتى يتوهم انجبار ضعفها بعلمهم فإذا لا يمكننا الاعتماد عليها بوجه هذا كله فيما إذا تمكن من تكرار الصلاة في المشتبهين.


(* 1) المروية في ب 45 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 397 ]

[ وإن لم يتمكن إلا من صلاة واحدة (1) يصلي في احدهما، لا عاريا ] (1) إذا لم يتمكن الا من صلاة واحدة لضيق الوقت أو لغيره من الاعذار فهل يصلي في احدهما أو يصلى عاريا أو يتخير بينهما؟ فان قلنا بوجوب الصلاة في الثوب النجس عند دوران الامر بين الصلاة فيه والصلاة عاريا كما قلنا به حسبما استفدناه من الاخبار الواردة في تلك المسألة من أن شرطية التستر اقوى من مانعيه النجاسة في الصلاة فلابد في المقام من الحكم بوجوب الصلاة في أحد المشتبهين لان شرطية التستر إذا كانت اهم من مانعية النجس ومتقدمة عليها عند العلم به فتتقدم عليها عند الشك في النجاسة بالاولوية القطعية لوضوح أن الصلاة إذا وجبت مع العلم بمقارنتها لوجود ما هو مانع في طبعه فلا محالة تكون واجبة عند احتمال مقارنتها له بطريق اولى وإن شئت قلت إن تقديم الصلاة في الثوب النجس على الصلاة عاريا إنما هو من جهة اهمية الركوع والسجود عند الشارع من شرطية طهارة الثوب في الصلاة - حسبما يستفاد من الاخبار - لما مر من انه إذا صلى عاريا يؤمي في ركوعه وسجوده. فإذا اقتضت اهمية الركوع والسجود تعين الصلاة في الثوب المعلوم نجاسته فتقتضي اهميتها وجوبها في الثوب المحتمل نجاسته بالاولوية القطعية كما مر. وأما ان قلنا في تلك المسألة بوجوب الصلاة عاريا فهل يجب القول به فيما نحن فيه أو لابد في المقام من الحكم بوجوب الصلاة في أحد المشتبهين؟ الظاهر أنه لا علاقة بين المسألتين لانا لو قلنا هناك بوجوب الصلاة عاريا فانما نلتزم به للنصوص وهي إنما وردت في مورد دوران الامر بين الصلاة عاريا والصلاة في الثوب المعلوم نجاسته، ولا مسوغ للتعدي عن موردها إلى ما إذا كان الثوب مشكوك النجاسة وذلك للفرق بين الصورتين حيث أن المكلف في مورد النصوص غير متمكن من الصلاة في الثوب الطاهر لانحصار ثوبه بما يعلم بنجاسته. وأما من كان عنده ثوبان يعلم

[ 398 ]

[ والاحوط القضاء خارج الوقت (1) في الآخر أيضا إن أمكن وإلا عاريا ] بنجاسة أحدهما فهو متمكن من الاتيان بالصلاة في الثوب الطاهر يقينا لطهارة أحد المشتبهين على الفرض وغاية الامر لا يتمكن من تمييزه وتشخيص أن الصلاة الواقعة في الثوب الطاهر أي منهما فالمتعين أن يصلي في أحد المشتبهين فيما نحن فيه ولا يمكنه الصلاة عاريا لانه يوجب القطع بكونها فاقدة لشرطها. وهذا بخلاف الصلاة في أحد المشتبهين لان غاية ما يترتب عليها احتمال اقترانها بالنجاسة ومع دوران الامر بين الموافقة الاحتمالية والمخالفة القطعية لا إشكال في أن الاولى أولى وهي متقدمة على المخالفة القطعية عند العقل لاستقلاله بعدم جواز المخالفة القطعية مع التمكن من الموافقة الاحتمالية ولا يرى المكلف مخيرا بينهما فالمتيقن هو الصلاة في أحد المشتبهين مع سعة الوقت وضيقه. نعم لو كنا اعتمدنا في تلك المسألة على أن مانعية النجاسة أهم من شرطية التستر في الصلاة لامكن التعدي إلى ما نحن فيه إلا أن الامر ليس كذلك كما عرفت. (1) ما سردناه في المسألة المتقدمة إنما هو بالاضافة إلى وظيفة المكلف في الوقت، وهل يجب عليه القضاء خارج الوقت، لعدم احراز امتثال الواجب في وقته، لجواز ان يكون ما اتى به من الصلاة واقعة في الثوب النجس - ومن هنا احتاط الماتن بالقضاء خارج الوقت في الثوب الآخر إن امكن والا فعاريا - أو لا يجب؟ التحقيق عدم وجوبه وذلك لان القضاء انما هو بامر جديد وموضوعه فوت الفريضة في وقتها، ولم يتحقق هذا في المقام، فان الواجب على المكلف في ظرفه لم يكن سوى الاتيان بالصلاة في أحد المشتبهين لاستقلال العقل بلزوم الموافقة الاحتمالية والتنزل إلى الامتثال الاجمالي عند عدم التمكن من الموافقة القطعية للمأمور به، وحيث أن المكلف أنى به في ظرفه فنقطع بعدم فوت الواجب عنه في وقته. نعم لو كان وجوب القضاء متفرعا على ترك الواجب

[ 399 ]

[ (مسألة 6) إذا كان عنده مع الثوبين المشتبهين ثوب طاهر لا يجوز أن يصلي فيهما (1) بالتكرار. بل يصلي فيه. نعم لو كان له غرض ] الواقعي ثبت ذلك بالاستصحاب أو بغيره من المنجزات ولا محالة لزم الحكم بوجوب القضاء في المسألة ولكن الامر ليس كذلك هذا ولو شككنا في ذلك ولم ندر - في النتيجة - أن الفوت يصدق مع الاتيان بما هو الواجب في وقته أولا يصدق نحكم بعدم وجوب القضاء أيضا لانه مورد للبراءة وهو ظاهر. ثم انه بناء على القول بوجوب القضاء في المسألة فلا إشكال في أن القضاء في الثوب الآخر يولد القطع باتيان الصلاة في الثوب الطاهر في الوقت أو في خارجه للقطع بطهارة أحدهما. وأما القضاء عاريا فلم نقف له على وجه صحيح، حيث أن وجوب القضاء ليس على الفور والمضايقة، وإنما هو واجب موسع ومعه كان الواجب على المكلف أن يصبر إلى أن يتمكن من الصلاة في الثوب الطاهر ولو بعد سنين متمادية فلا وجه للحكم حينئذ بوجوب الصلاة عليه عاريا. اللهم إلا أن نقول بالمضايقة والفور في وجوب القضاء حيث يتعين القضاء حينئذ عاريا ان لم يتمكن من الصلاة في الثوب الآخر. (1) تبتنى هذه المسألة على القول بعدم جواز الاحتياط - مع التمكن من الامتثال التفصيلي - عند استلزامه التكرار وعمدة الوجه في ذلك أن الاحتياط يوجب الاخلال بالجزم بالنية المعتبرة حال العمل لعدم علم المكلف عند الاحتياط بان ما يأتي به امتثال للتكليف المتوجه إليه وانه مما ينطبق عليه المأمور به ولكنا أسلفنا في محله أن العبادة لا تمتاز عن غيرها الا باعتبار اتيانها مضافة إلى المولى سبحانه نحو اضافة وأما الجزم بالنية فلم يقم على اعتباره في العبادات دليل. نعم الاحتياط انما يخل بالتمييز الا انه أيضا كسابقه مما لا دليل عليه، وبما أن المكلف يأتي بكلتا الصلاتين مضافة بهما إلى الله فلا مناص من الحكم بصحة

[ 400 ]

[ عقلائي في عدم الصلاة فيه لا بأس بها فيهما مكررا (1) (مسألة 7) إذا كان أطراف الشبهة ثلاثة يكفى تكرار الصلاة في اثنين سواء علم بنجاسة واحد وبطهارة الاثنين، أو علم بنجاسة واحد وشك في نجاسة الآخرين، أو في نجاسة أحدهما، لان الزائد على المعلوم محكوم بالطهارة، وإن لم يكن مميزا، وإن علم في الفرض بنجاسة الاثنين يجب التكرار باتيان الثلاث، وإن علم بنجاسة الاثنين في اربع يكفى الثلاث (2) والمعيار - كما تقدم سابقا - التكرار إلى حد يعلم وقوع أحدها في الطاهر. ] الصلاة والالتزام بأن الامتثال الاجمالي كالتفصيلي مطلقا. (1) العبادة إنما يعتبر في صحتها أن يؤتى بها بداع قربى إلهي. وأما خصوصياتها الفردية من حيث الزمان والمكان وغيرهما فهي موكولة إلى اختيار المكلفين وللمكلف ان يختار أية خصوصية يريدها بلا فرق في ذلك بين استناد اختياره الخصوصيات الفردية إلى داع عقلائي وعدمه - كما إذا اختار الصلاة في مكان مشمس بلاداع عقلائي في نظره فان صلاته محكومة بالصحة حيث أتى بها بقصد القربة والامتثال هذا بحسب خصوصيات الافراد العرضية أو الطولية وكذلك الحال في المقام فان العبادة بعد ما كانت صادرة بداع القربة فلا محالة يحكم بصحتها سواء أكان اختياره الامتثال الاجمالي أو التفصيلي بداع عقلائي ام لم يكن، وعلى الجملة لا يعتبر في صحة الصلاة في الثوبين المشتبهين أن يكون اختيار هذا النوع من الامتثال مستندا إلى داع عقلائي. بل اللازم أن يكون أصل العبادة بداع الهى والخصوصيات الفردية موكولة إلى اختيار المكلفين. (2) والضابط أن يزيد عدد المأنى به على عدد المعلوم بالاجمال بواحد فانه

[ 401 ]

[ (مسأله 8) إذا كان كل من بدنه وثوبه نجسا، ولم يكن له من الماء الا ما يكفى أحدهما فلا يبعد التخيير والاحوط تطهير البدن (1) ] بذلك يقطع باتيان الصلاة في الثوب الطاهر أو بغيره ما يعتبر في صحتها من اجزاء الصلاة وشرائطها. (1) لعل الوجه في احتياطه " قده " بتطهير البدن والصلاة في الثوب المتنجس أن الثوب خارج عن المصلي ومغائر معه وهذا بخلاف بدنه لانه عضوه بل هو هو بعينه لتركبه منه ومن غيره من اعضائه، ومع هذه الخصوصية يحتمل وجوب ازالة النجاسة عن البدن بخصوصه فالاحوط اختيارها. هذا من جهة الحكم التكليفي. وأما من جهة الحكم الوضعي فمع عدم التمكن من التكرار كان الاحوط أن يغسل الثوب إذ معه يقطع بصحة الصلاة. وأما إذا غسل البدن فمعه يحتمل الصلاة عاريا - بسحب الواقع وان كان الاقوى عدم وجوبها كما مر - فلا يحصل الجزم بصحة الصلاة في الثوب المتنجس. ثم إن هذه المسألة وغيرها مما يذكره الماتن في المقام وما يتعرض له في بحث الصلاة من دوران الامر بين الاتيان بجزء أو جزء آخر أو بين شرط وشرط آخر، أو عدم مانع وعدم مانع آخر، أو بين شرط وجزء وهكذا، كلها من واد واحد. وهي عند المشهور باجمعها من باب التزاحم لوجوب كل واحد من الامرين في نفسه وعدم تمكن المكلف من امتثالهما معا بحيث لو قدر عليهما وجبا في حقه وللعجز عن امتثالهما وقعت المزاحمة بينهما، ومن هنا رجعوا في تمييز ما هو المتعين منهما إلى مرجحات باب التزاحم كالترجيح بالاهمية واحتمالهما وبالاسبقية بالوجود، إلا أن الصحيح أن الموارد المذكورة خارجة عن كبرى التزاحم ومندرجة في التعارض. بيان ذلك: أن الميزان في تعارض الدليلين تكاذبهما وتنافيهما في مقام الجعل والتشريع مع قطع النظر عن مرحلة الفعلية والامتثال بان يستحيل جعلهما وتشريعهما لاستلزامه التعبد بالضدين أو

[ 402 ]

النقيضين في مورد واحد كما دل على وجوب القصر فيمن سافر اربعة فراسخ ولم يرد الرجوع ليومه وما دل على وجوب التمام فيه وذلك للقطع بعدم وجوب صلاة واحدة في يوم واحد قصرا واتماما وكما دل على اباحة شئ وما دل على وجوبه أو على عدم اباحته، فان تشريع مثلهما مستلزم للجمع بين الضدين أو النقيضين والتعبد بهما امر غير معقول - فصدق كل منهما يدل على كذب الاخر ولو بالالتزام وهذا هو الميزان الكلى في تعارض الدليلين بلا فرق في ذلك بين القول بتبعية الاحكام الشرعية للمصالح والمفاسد في متعلقاتها أو في جعلها - كما التزم به العدلية - والقول بعدم تبعيتها لهما، لانا قلنا بذلك أم لم نقل يستحيل الجمع بين الضدين أو النقيضين بحسب الجعل والتشريع، فما عن صاحب الكفاية " قده " من أن ميزان التعارض أن لا يكون لكلا الحكمين مقتض وملاك بل كان المقتضي لاحدهما فمما لاوجه له، لما مر من أن القول بوجود الملاك في الاحكام وعدمه اجنبيان عن بابي المعارضة والمزاحمة بل المدار في التعارض عدم امكان الجمع بين الحكمين في مرحلة الجعل والتشريع كما مر هذا. على أن العلم بالملاك وانه واحد أو متعدد يحتاج إلى علم الغيب المختص باهله وليس لنا إلى احرازه سبيل إلا أن يستكشف وجوده من الاحكام نفسها ومعه كيف يمكن احراز أنه واحد أو متعدد مع الكلام في تعدد الحكم ووحدته. أما المتزاحمان فلا مانع من جعل كل منهما على نحو القضية الحقيقة فان الاحكام الشرعية مشروطة بالقدرة عقلا أو من جهة اقتضاء نفس الخطاب ذلك من غير أن يكون للقضية نظر إلى ثبوت موضوعها - وهو القادر - وعدمه فاى مانع معه من ان يجعل على ذمة المكلف وجوب الصلاة في وقت معين إذا قدر عليها ويجعل على ذمته ايضا وجوب الازالة أو غيرها على تقدير القدرة عليها حيث لا تكاذب بين الجعلين بوجه ولا ينفي احدهما الاخر ابدا. بل لامانع من أن يتكفلهما

[ 403 ]

آيتان صريحتان من الكتاب أو غيره من الادلة مقطوعة الدلالة والسند ولايقال حينئذ إن الكتاب اشتمل على حكمين متكاذبين. نعم التنافي بين المتزاحمين إنما هو في مقام الفعلية والامتثال لعجز المكلف عن امتثال كلا التكليفين في زمان واحد حيث أن له قدرة واحد فاما ان يعملها في هذا أو يعملها في ذاك فالاخذ باحد الحكمين في المتزاحمين يقتضي ارتفاع موضوع الحكم الآخر وشرطه لانه إذا صرف قدرته في احدهما فلا قدرة له لامتثال التكليف الآخر وهذا بخلاف الاخذ باحد المتعارضين لان الاخذ باحدهما يقتضي عدم ثبوت الحكم الآخر حيث يدل على عدم صدوره لتكاذبهما بحسب مرحلة الجعل والتشريع مع بقاء موضوعه بحاله وإذا عرفت ما هو الميزان في كل من التعارض والتزاحم فنقول: التزاحم على ما بيناه في بحث الترتب وغيره انما يتحقق بين تكليفين استقلاليين لا يتمكن المكلف من الجمع بينهما في الامتثال، ومقتضى القاعدة حينئذ عدم وجوب امتثالهما معا وأما امتثال احدهما فحيث انه متمكن منه فيجب عليه إذ لا موجب لسقوط التكليف عن كليهما، نعم لابد في تشخيص أن ما يجب امتثاله اي من المتزاحمين من مراجعة المرجحات المقررة في محلها بلا فرق في ذلك بين كونهما وجوبيين أو تحريميين أو بالاختلاف. وأما إذا كان التكليف واحدا متعلقا بعمل ذى اجزاء وشروط وجودية أو عدمية ودار الامر فيه بين ترك جزء أو جزء آخر أو بين شرط وشرط آخر أو الاتيان بمانع أو بمانع آخر فلانأتى فيه كبرى التزاحم بل هو في مثله امر غير معقول وذلك فان المركب من جزء وشرط فعل واحد ارتباطي بمعنى أن ما دل على وجوب كل واحد من الاجزاء والشرائط ارشاد إلى جزئية الجزء أو شرطية الشرط ومعناهما أن الركوع - مثلا - واجب مقيدا بما إذا تعقبه السجود وهما واجبان مقيدان بتعقب الجزء الثالث وجميعها واجب مقيد بتعقبه بالجزء الرابع وهكذا إلى آخر الاجزاء والشرائط، ومعه إذا لم يتمكن

[ 404 ]

المكلف من جزئين أو شرطين منها معا سقط عنه الامر المتعلق بالمركب لتعذر جزئه أو شرطه فان التكليف ارتباطي ووجوب كل من الاجزاء والشرائط مقيد بوجود الاخر كما مر. نعم الدليل القطعي قام في خصوص الصلاة على وجوب الاتيان بما تمكن المكلف من اجزائها وشرائطها وانه إذا تعذرت منها مرتبة تعينت مرتبة اخرى من مراتبها وذلك للاجماع القطعي والقاعدة المتصيدة من أن الصلاة لا تسقط بحال المستفادة مما ورد في المستحاضة من انها لا تدع الصلاة على حال (* 1) للقطع بعدم خصوصية للمستحاضة في ذلك، إلا انه تكليف جديد وهذا الامر الجديد إما أنه تعلق بالاجزاء المقيدة بالاستقبال - مثلا - أو على المقيدة بالاستقرار والطمانينة، فيما إذا دار أمر المكلف بين الصلاة إلى القبلة فاقدة للاستقرار وبين الصلاة معه إلى غير القبلة للقطع بعدم وجوبهما معا فوجوب كل منهما يكذب وجوب الآخر وهذا هو التعارض كما عرفت فلا بد حينئذ من ملاحظة أدلة ذينك الجزئين أو الشرطين فان كان دليل احدهما لفطيا دون الآخر فيتقدم ما كان دليله كذلك على غيره باطلاقه فان الادلة اللبية يقتصر فيها على المقدار المتيقن. وإذا كان كلاهما لفظيا وكانت دلالة احدهما بالعموم ودلالة الاخر بالاطلاق فما كانت دلالته بالعموم يتقدم على ما دلالته بالاطلاق لان العموم يصلح أن يكون قرينة وبيانا للمطلق دون العكس. وإذا كانا متساويين من تلك الجهة فيتساقطان ويتخير المكلف بينهما بمقتضى العلم الاجمالي بوجوب احدهما واندفاع احتمال التعين في احدهما بالبراءة كما هو الحال في موارد دوران الامريين التعيين والتخيير، ولا مساغ حينئذ للترجيح بالاهمية إذا الشك فيما هو المجعول الواقعي سواء أكان هو الاهم أم غيره، ومن هنا ربما يتعارض الاباحة مع الوجوب مع انه اهم من الاباحة يقينا


(* 1) راجع ب 1 من ابواب الاستحاضة من الوسائل.

[ 405 ]

ثم إنا لو اغمضنا عن ذلك وبنينا على أن المدار في التعارض وحدة الملاك و والمقتضي وعدم اشتمال كلا المتعارضين عليهما ايضا لا تندرج المسألة في كبرى التزاحم وذلك لان لان الصور المحتملة في مقام الثبوت ثلاث لا رابع لها إذ الجزءان أو الشرطان الذان دار الامر بينهما إما أن لا يكون في شئ منهما الملاك. وأما ان يكون الملاك لكل منهما بحيث لو أتى بالصلاة فاقدة لشئ منهما بطلت. وإما أن يكون الملاك لاحدهما دون الاخر. أما الصورة الاولى فلازمها الحكم بصحة الصلاة الفاقدة لذينك الجزءين أو الشرطين معا إذ لا ملاك ولا مدخلية لهما في الصلاة وهذا خلاف علمنا الاجمالي بوجوبها مقيدة بهذا أو بذاك. وأما الصورة الثانية فلازمها سقوط الامر بالصلاة لمدخلية كل من الجزءين أو الشرطين في صحتها بحيث إذأ وقعت فاقدة لاحدهما بطلت وبما أن المكلف عاجز عن اتيانهما معا فيسقط عنه الامر بالصلاة. وهذا ايضا على خلاف العلم الاجمالي بوجوبها مقيدة باحدهما، ومع بطلان القسمين السابقين تتعين الصورة الثالثة وهي أن يكون المقتضي لاحدهما دون الاخر وهو الميزان في تعارض الدليلين عند صاحب الكفاية " قده " فعلى مسلكنا ومسلكه لا بد من اندراج المسألة تحت كبرى التعارض. وهذا انجلاف التزاحم بين التكليفين الاستقلاليين، إذ لا مانع من اشتمال كل منهما على الملاك وبما أن المكلف غير متمكن من امتثالهما فيسقط التكليف عن احدهما ويبقى الآخر بحاله، والمتحصل أن في تلك المسائل لا سبيل للرجوع إلى مرجحات باب التزاحم، والعجب كله عن شيخنا الاستاذ " قده " حيث ذهب في تلك المسائل إلى الترجيح بتلك المرجحات ولم يدرجها في كبرى التعارض مع انه قدس الله سره هو الذي أوضح الفرق بين الكبيريين معترضا على القول بان الاصل عند الشك في الدليلين المتنافين هو التعارض أو التزاحم؟ بانه يشبه القول بان الاصل في الاشياء هل هي الطهارة

[ 406 ]

[ وإن كانت نجاسة احدهما اكثر (1) ] أو البطلان في البيع الفضولي؟ فكما لا ربط ولا جامع بين أصالة الطهارة وبطلان البيع الفضولي كذلك لا جامع بين كبرى التعارض والتزاحم. وله " قده " حاشيتان في مسألة ما إذا دار أمر المكلف بين مكانين في احدهما قادر على القيام ولكن لا يتمكن من الركوع والسجود إلا مؤميا، وفي الآخر لا يتمكن من القيام إلا أنه يتمكن منهما جالسا ولم يسع الوقت للجمع بينهما بالتكرار. قدم في إحدى الحاشيتين الرجوع والسجود جالسا على القيام مؤميا فيهما وعكس الامر في الحاشية الثانية فقدم الصلاة مع القيام مؤميا في ركوعها وسجودها على الصلاة مع الركوع والسجود جالسا حيث قال: " الاحوط أن يختار الاول " وقد نظر في إحداهما إلى الترجيح بالاهمية لوضوح أهمية الركوع والسجود من القيام. ونظر في الثانية إلى الترجيح بالاسبقية في الزمان والوجود. ولم يكن شئ من ذلك مترقبا منه " قده " وتعرض الماتن " قده " للمسألة في بابي القيام والمكان من بحث الصلاة وذهب في كلا الموردين إلى التخيير بينهما، وعلى الجملة أن ادراج تلك المسائل تحت كبرى المتزاحمين إنحراف عن جادة الصواب بل الصحيح انها من كبرى التعارض ولا بد فيها من الترجيح بما مر وما ذكرناه في المقام باب تنفتح منه الابواب فاغتنمه. (1) النهي عن الطبيعة يتصور على وجهين: فان المفسدة قد تكون قائمة بصرف الوجود - كما أن المصلحة قد تكون كذلك - بحيث لو وجد فرد من الطبيعة عصيانا أو اضطرارا ونحوهما تحققت المفسدة في الخارج وفات الغرض الداعي إلى النهي، ويعبر عنه بارادة خلو صفحة الوجود عن المنهي عنه. وفى مثله إذا وجد فرد من افراد الطبيعة سقط عنها النهي، ولا يكون في الفرد الثاني والثالث وغيرهما أي مفسدة ولا يكون موردا للنهى كما إذا نهى السيد

[ 407 ]

عبيده عن أن يدخل عليه احد لغرض له في ذلك لا يتحصل إلا بخلو داره عن الغير فانه إذا ورد عليه احد عصيانا أو غفلة ونحوهما فات غرضه وحصلت المفسدة في الدخول فلا مانع من أن يدخل عليه شخص آخر بعد ذلك إذ لا نهى ولا مفسدة. وقد تكون المفسدة قائمة بمطلق الوجود فيكون النهي حينئذ انحلاليا لا محالة، وهو وإن كان في مقام الجعل والانشاء نهيا واحدا إلا أنه في الحقيقة ينحل إلى نواهي متعددة لقيام المفسدة بكل واحد واحد من الوجودات والافراد فإذا وجد فرد من الطبيعة لعصيان أو اضطرار فلا يترتب عليه الاسقوط نهيه وتحقق المفسدة القائمة بوجوده، ولا يحصل به الترخيص في بقية الافراد لانها باقية على مبغوضيتها واشتمالها على المفسدة الداعية إلى النهي عن ايجادها لان المفسدة القائمة بكل فرد من افراد الطبيعة تغائر المفسدة القائمة بالفرد الآخر، وهذا كما في الكذب فان المفسدة فيه قائمة بمطلق الوجود فإذا ارتكبه في مورد لا يرتفع به النهي عن بقية افراد الكذب وهذا ظاهر. وهذا القسم الاخير هو الذي يستفاد من النهي بحسب المتفاهم العرفي فحمله على القسم الاول يحتاج إلى قرينة تقتضيه، فإذا كان هذا حال النواهي النفسية الاستقلالية فلتكن النواهي الضمنية الارشادية ايضا كذلك: فقد يتعلق النهي فيها بالطبيعة على نحو صرف الوجود، وإذا وجد فرد من افرادها سقطت المانعية والحرمة عن الجميع فلا مانع من ايجاد غيره من الافراد وقد تتعلق بالطبيعة على نحو مطلق الوجود فيكون النهي انحلاليا ولا يسقط النهي والمانعية بايجاد فرد من افرادها بالعصيان أو الاضطرار، وقد مر أن الثاني هو الذي يقتضيه المتفاهم العرفي من النهي والقسم الاول يحتاج إلى دلالة الدليل عليه، فإذا اضطر المكلف إلى لبس الثوب المتنجس في صلاته فليس له لبس ثوب متنجس آخر بدعوى أن مانعية النجس سقطت بالاضطرار وذلك فان

[ 408 ]

[ أو أشد (1) لا يبعد ترجيحه ] المانعية قائمة بكل فرد من افراد النجس ولا تسقط عن بقية الافراد بسقوطها عن فرد للاضطرار إليه، فلو أتى بفرد آخر زائدا على ما اضطر إليه بطلت صلاته، وكذلك الحال فيما إذا كان كل من ثوبه وبدنه متنجسا فانه مع تمكنه من تطهير أحدهما لا يجوز له الصلاة فيهما بل تجب إزالة النجاسة عما يمكنه تطهيره وكذا إذا كانت نجاسة أحدهما أكثر من نجاسة الآخر يتعين عليه إزالة الاكثر، لان الاضطرار إنما هو إلى الصلاة في المتنجس الجامع بين ثوبه وبدنه ولا اضطرار له إلى الصلاة في خصوص ما كانت نجاسته اكثر فان له أن يكتفي بما كانت نجاسته أقل فلو اختار الصلاة فيما نجاسته اكثر بطلت لعدم ارتفاع المانعية عن النجاسة الكثيرة بالاضطرار إلى ما هو الجامع بين القليلة والكثيرة. نعم إذا تمكن من ازالة النجاسة بمقدار معين عن احدهما - كالدرهمين يتخير بين إزالة النجاسة بمقدارهما عن ثوبه أو بدنه أو بالاختلاف بان يزيل مقدار درهم من بدنه ومقدار درهم من ثوبه ولعله ظاهر. (1) كما إذا تنجس احدهما بالدم والاخر بشئ من المتنجسات، أو تنجس احدهما بالبول والاخر بالدم، والبول اشد نجاسة من الدم، وهل يتعين عليه إزالة الاشد والصلاة في غيره أو يتخير بينهما؟ الثاني هو الصحيح لانه لا اثر لاشدية النجاسة في المنع عن الصلاة لان المانعية مترتبة على طبيعي النجس فخفيفه كشد يده وهما في المانعية على حد سواء وإن كان أحدهما أشد وجودا من غيره، وهذا نظير ما إذا دار أمر المصلي بين أن يتكلم في صلاته قويا أو يتكلم ضعيفا حيث يتخير بينهما لان قوة الصوت وضعفه مما لا اثر له من حيث مانعية التكلم أو قاطعيته هذا بناء على أن المورد من باب التعارض - كما هو الصحيح - وأما بناء على انه من كبرى التزاحم فلا اشكال في أن الاشدية

[ 409 ]

[ (مسألة 9) إذا تنجس موضعان من بدنه أو لباسه، ولم يمكن إزالتهما فلا يسقط الوجوب (1) ويتخير إلا مع الدوران بين الاقل والاكثر (2) أو بين الاخف والاشد (3) أو بين متحد العنوان ومتعدده (4) فيتعين الثاني في الجميع. ] مرجحة حيث لا يمكننا دعوى الجزم بتساوي الشديد والخفيف في المانعية عن الصلاة بل نحتمل أن يكون الشديد متعين الازالة، واحتمال الاهمية من مرجحات باب التزاحم. (1) ظهر الوجه في ذلك مما بيناه آنفا وقلنا إن النهي إنحلالي والاضطرار إلى فرد من الطبيعة المنهي عنها لا يستتبع سقوط النهي عن بقية الافراد وعليه فيتخير بين ازالة هذا الفرد وازالة الفرد الآخر. (2) لما مر من أن الاضطرار إلى الصلاة في النجس الجامع بين القليل والكثير غير مسوغ لاختيار الفرد الكثير لعدم اضطراره إليه فلو صلى فيه مع الاختيار بطلت صلاته. (3) في تعين الاشد إشكال ومنع لان الاشد كالاخف من حيث المانعية في الصلاة وهما من تلك الجهة على حد سواء إلا بناء على ادراج المسألة في كبرى التزاحم، فان احتمال الاهمية في الاشد من المرجحات حينئذ. (4) لاتحاد العنوان وتعدده موردان: " أحدهما ": تعدد العنوان واتحاده من حيث المانعية في الصلاة، كما إذا أصاب موضعا من بدنه دم الآدمي أو دم الحيوان المحلل، وأصاب موضعا آخر دم الهرة أو غيرها مما لا يؤكل لحمه، فان في الاول عنوانا واحدا من المانعية وهو عنوان النجاسة، وفى الثاني عنوانين: أحدهما عنوان النجاسة، وثانيهما عنوان كونه من أجزاء ما لا يؤكل

[ 410 ]

[ بل إذا كان موضع النجس واحدا وامكن تطهير بعضه لا يسقط الميسور (1) بل إذا لم يمكن التطهير لكن أمكن إزالة العين وجبت (2) ] لحمه، فان كل واحد منهما عنوان مستقل في المنع عن الصلاة حتى لو فرضنا طهارة دم الهرة أو غيرها مما لا يؤكل لحمه كما إذا ذبحت وقلنا بطهارة الدم المتخلف فيما لا يؤكل لحمه على خلاف في ذلك مر في محله. و " ثانيهما ": تعدد العنوان واتحاده من حيث النجاسة فحسب كما إذا أصاب موضعا من بدنه دم وأصاب موضعا آخر دم وبول، فان الاول متنجس بعنوان واحد والثاني بعنوانين. فان كان نظر الماتن " قده " إلى الاتحاد والتعدد بالمعنى الاول فما أفاده متين لان الاضطرار إلى الصلاة في النجس الجامع بين ماله عنوان واحد وماله عنوانان لا يستلزمه سقوط النهي والمانعية عن الآخر لعدم الاضطرار إليه فلو صلى فيه مع الاختيار بطلت صلاته. وأما إذا كان نظره إلى الاتحاد والتعدد بالمعنى الاخير فالصحيح هو التخيير فيه بناء على ما قدمناه من أن المورد من صغريات باب التعارض لان المانعية لم تترتب على عنوان الدم أو البول ونحوهما وإنما ترتبت على عنوان النجس والنجس نجس استند إلى أمر واحد أو إلى امور متعددة فلا فرق بين متحد العنوان ومتعدده من هذه الجهة. نعم بناء على ان المقام من صغريات التزاحم كان متعدد العنوان متعين الازالة لاحتمال كونها أهم. (1) اتضح الوجه في ذلك مما بيناه في الحواشي المتقدمة فان المانعية انحلالية والمكلف غير مضطر إلى الصلاة فيما لم يطهر بعضه لتمكنه من غسل نصف الموضع النجس - مثلا - فيتعين غسل المقدار المتمكن منه بحيث لو صلى فيه من دون تطهير بعضه بطلت صلاته. (2) فان قلنا ان حمل النجس مانع مستقل في الصلاة كما أن نجاسة البدن

[ 411 ]

[ بل إذا كانت محتاجة إلى تعدد الغسل، وتمكن من غسلة واحدة، فالاحوط عدم تركها (1) لانها توجب خفة النجاسة إلا أن يستلزم خلاف الاحتياط من جهة اخرى، بأن استلزم وصول الغسالة إلى المحل الطاهر (2) ] والثوب مانعة فلا ينبغي الشك في وجوب إزالة العين حينئذ لانه مضطر إلى الصلاة في النجس وبه سقطت مانعية النجاسة في حقه ولا اضطرار له إلى حمل النجس حتى ترتفع مانعية الحمل أيضا. وأما إذا قلنا بعدم مانعية حمل النجس في الصلاة - كما هو غير بعيد - فعلى ما سلكناه من ادراج المورد تحت كبرى التعارض لا يفرق في الحكم بصحة الصلاة حينئذ بين إزالة العين وعدمها لانه مضطر إلى الصلاة في النجس، وحمل النجاسة لا أثر له على الفرض. وأما بناء على درج المسألة في كبرى التزاحم فيما أنا نحتمل أن تكون الصلاة في النجس من دون عين النجاسة أهم منها معها فلا محالة يتعين إزالة العين لاحتمال الاهمية. (1) فعلى ما سلكناه من أن هذه المسائل باجمعها من صغريات كبرى التعارض لا يفرق في الحكم بصحة الصلاة حينئذ بين غسل المتنجس مرة وعدمه لان المانعية مترتبة على عنوان النجس ولا فرق في المانعية بين الشديدة والخفية. وأما بناء على انها من باب التزاحم فحيث يحتمل أن تكون الصلاة في النجس الاخف أهم منها في الاشد فلا مناص من غسل المتنجس مرة واحدة ليحصل بذلك تخفيف في نجاسته. (2) لما ذكرناه في محله من أن غير الغسالة التي يتعقبها طهارة المحل ماء قليل محكوم بالنجاسة لملاقاته المحل كما انه منجس لكل ما لاقاه سواء انفصل عن المحل أم لم ينفصل فإذا استلزم الغسل مرة - في النجاسة المحتاجة إلى تعدد الغسل - وصول الغسالة إلى شئ من المواضع الطهارة لم يجز غسله لعدم جواز تكثير النجاسة واضافتها و " دعوى ": أن الغسالة إنما يحكم بنجاستها بعد

[ 412 ]

[ (مسألة 10) إذا كان عنده مقدار من الماء لا يكفي إلا لرفع الحدث أو لرفع الخبث من الثوب أو البدن تعين (3) رفع الخبث، ويتيمم بدلا عن الوضوء أو الغسل، والاولى أن يستعمل في إزالة الخبث أولا ثم التيمم ليتحقق عدم الوجدان حينه. ] الانفصال. وأما ما دامت في المحل فهي طاهرة ولا يوجب مرورها على المواضع الطاهرة ازدياد النجاسة وتكثيرها " مندفعة ": بان الغسالة لو كانت طاهرة ما دامت في المحل فما هو الموجب في نجاستها بعد الانفصال وهل الانفصال من المنجسات في الشريعة المقدسة؟! وقد أوضحنا الكلام في ذلك في محله بما لا مزيد عليه فليراجع. (1) لان الغسل والوضوء يشترط في وجوبهما التمكن من استعمال الماء شرعا فان المراد من عدم الوجدان في الآية المباركة ليس هو عدم الوجدان واقعا وانما المراد به عدم التمكن من استعماله ولو شرعا بقرينة ذكر المريض حيث أن الغالب فيه عدم التمكن من استعمال الماء لاعدم وجدانه حقيقة. نعم لو كان اكتفى في الآية المباركة بذكر المسافر أمكن حمل عدم الوجدان على حقيقته لان المسافر في الصحارى قد لا يجد الماء حقيقة. واطلاق ما دل على وجوب غسل الثوب أو البدن يقتضي وجوبه ولو مع عدم كفاية الماء للغسل والوضوء وهذا معجز مولوي ولا يتمكن المكلف معه من استعماله في الوضوء أو الغسل وبما أن الطهارة لها بدل فتنتقل وظيفته إلى التيمم وبذلك يتمكن من تحصيل الطهارة من الخبث والحدث، وهذا بخلاف ما إذا صرف الماء في الطهارة من الحدث فانه لابد أن يصلي حينئذ فاقدا للطهارة من الخبث حيث لابدل لها. وذكر شيخنا الاستاذ " قده " في بحث الترتب أن المشروط بالقدرة

[ 413 ]

العقلية يتقدم على ما اشترطت القدرة فيه شرعا وبما أن القدرة المأخوذة في الوضوء شرعية بخلاف الامر بغسل الثوب أو البدن لانه مشروط بالقدرة العقلية فلا محالة يتعين رفع الخبث في مفروض المسألة والتيمم بدلا عن الغسل أو الوضوء هذا. والصحيح أن المكلف مخير بينهما لان المسألة مندرجة في باب التعارض فلو كنا نحن والامر بالوضوء وغسل الثوب أو البدن المتنجسين لقلنا بسقوط الامر عن الصلاة لعجز المكلف من الصلاة بقيودها وشرائطها إلا أن الدليل قام على أن الصلاة لا تسقط بحال، وعلمنا أن لها مراتب فمع عدم التمكن من الصلاة مع الطهارة المائية ينتقل إلى الصلاة مع الطهارة الترابية، كما أن مع عدم التمكن من الصلاة مع طهارة الثوب أو البدن ينتقل الامر إلى الصلاة عاريا أو في البدن والثوب المتنجسين، وعليه فلنا علم اجمالي بوجوب الصلاة مع الوضوء في الثوب والبدن المتنجسين أو الصلاة مع التيمم في البدن والثوب الطاهرين فالامر دائر بينهما واحتمال التعين في كل منهما مندفع بالبراءة فيتخير المكلف بينهما. نعم إذا تمكن من الجمع بينهما بأن يجمع الماء المستعمل في الغسل أو الوضوء ثم يستعمله في رفع الخبث وجب إلا أن ذلك خارج عما نحن فيه لكفاية الماء حينئذ لكل من رفع الحدث والخبث هذا كله بناء على أن المقام من موارد المعارضة ولو تنزلنا عن ذلك وبنينا علي انه من موارد التزاحم فالامر أيضا كذلك لان الامر بالطهارة المائية وإن كان قد اشترطت فيها القدرة شرعا، والمشروط بالقدرة العقلية متقدم على ما اشترطت فيه القدرة شرعا إلا أن الامر بتطهير الثوب والبدن - كالامر بالطهارة من الخبث - اشترطت فيه القدرة شرعا، فان الامر بالطهارة من الحدث أو الخبث ليس من الاوامر النفسية، ولا أن الطهارتين من الواجبات الاستقلالية، وإنما الامر بهما ارشاد إلى اشتراطهما في الصلاة، وكما أن الصلاة المشروطة بالوضوء لها بدل وهو الصلاة

[ 414 ]

مع التيمم، كذلك الصلاة المشروطة بطهارة الثوب والبدن فان بدلها الصلاة عاريا أو في الثوب والبدن المتنجسين، والقدرة في كل منهما شرط شرعي. نعم لا بدل للشرط في نفسه أعني طهارة الثوب والبدن إلا أن الامر بالشرط لما لم يكن أمرا نفسيا وكان ارشادا إلى تقييد المشروط به كان المعتبر لحاظ نفس المشروط وأن له بدلا أو لابدل له لانه الواجب النفسي دون شرطه. واحتمال الاهمية في الصلاة متيمما مع الثوب أو البدن المتنجسين وان كان موجودا لا محالة إلا أنه لا يقتضي الترجيح في غير المتزاحمين المشروطين بالقدرة العقلية وذلك لان الخطاب فيهما لما كان مطلقا كان استكشاف اشتمالهما على الملاك حتى حال تزاحمهما من اطلاق الخطابين بمكان من الوضوح وحيث انهما واجبان فيكون احتمال الاهمية في أحدهما مرجحا له. وهذا بخلاف المشروطين بالقدرة الشرعية وذلك لانه لااطلاق في خطابهما حتى يشمل صورة تزاحمهما لتقييد كل منهما بالقدرة عليه فلا مجال فيهما لاستكشاف اشتمالهما على الملاك بل المقتضي والملاك إنما هو لاحدهما، إذ لا قدرة إلا لاحدهما ولا ندري أن ما يحتمل أهميته هو المشتمل على الملاك أو غيره فلم يثبت وجوب ما يحتمل أهميته وملاكه حتى يتقدم على غيره. نعم على تقدير وجوبه وملاكه نعلم باهميته ولكن من أخبرنا بوجوبه واشتماله على الملاك؟ والجائز أن يكون الواجب والمشتمل على الملاك هو مالا يحتمل أهميته. والنتيجة أن المكلف يتخير بين تحصيل الطهارة من الحدث وبين تحصيل الطهارة من الخبث. نعم الاحوط أن يستعمل الماء في تطهير بدنه أو ثوبه إذ به يحصل القطع بالفراغ إما لاجل أنه المتعين حينئذ - كما ذكروه - وأما لانه أحد عدلي الواجب التخييري، كما أن الاحوط أن يستعمله في ازالة الخبث أولا ثم يتيمم حتى يصدق عليه فاقد الماء حال تيممه.

[ 415 ]

[ (مسألة 11) إذا صلى مع النجاسة اضطرارا لا يجب عليه الاعادة (1) بعد التمكن من التطهير نعم لو حصل التمكن في أثناء الصلاة ] (1) للمسألة صور: " الاولى ": أن يعتقد تمكنه من الصلاة مع طهارة الثوب والبدن إلى آخر الوقت " الثانية ": أن يعتقد عدم تمكنه منها إلى آخر الوقت " الثالثة ": أن يشك في ارتفاع اضطراره إلى آخر الوقت وعدمه إلا انه شرع في صلاته باستصحاب بقاء اضطراره إلى آخر الوقت. (أما الصورة الاولى) فلا شبهة فيها في وجوب الاعادة لان الامر انما تعلق بالطبيعة الواقعة بين المبدء والمنتهى، والمكلف لم يضطر إلى ايقاع تلك الطبيعة في الثوب أو البدن المتنجسين، وإنما اضطر إلى اتيان فرد من افرادها مع النجس فلم يتعلق الاضطرار بترك المأمور به ومعه لا موجب لتوهم اجزاء ما اتى به عن الوظيفة الواقعية بوجه. بل لا مسوغ معه للبدار لاعتقاده التمكن من المأمور به إلى آخر الوقت وهذه الصورة خارجة عن محط كلام الماتن " قده ". و (أما الصورة الثانية والثالثة) فهما محل البحث في المقام وقد وقع الكلام فيهما في أنه إذا دخل في الصلاة باعتقاد عدم ارتفاع اضطراره إلى آخر الوقت أو باستصحاب بقائه ثم انكشف تمكنه من الصلاة المأمور بها في وقتها فهل تجب عليه الاعادة أو لا تجب؟ قد يكون الاضطرار إلى الصلاة مع النجاسة مستندا إلى التقية ولا ينبغي الاشكال حينئذ في عدم وجوب الاعادة بعد التمكن من التطهير، لان المأتي به تقية كالمأمور به الواقعي على ما يأتي في محله. وقد يستند الاضطرار إلى امر آخر كعدم وجدانه الماء - مثلا - والصحيح حينئذ ايضا عدم وجوب الاعادة لحديث لا تعاد، لما مر من أن مقتضاه عدم وجوب الاعادة على من صلى في النجس للاضطرار معتقدا عدم تمكنه من المأمور به إلى اخر الوقت حيث أنه من مصاديق الجاهل بالاشتراط، والمراد بالطهور في الحديث

[ 416 ]

[ أستأنف في سعة الوقت (1) والاحوط الاتمام والاعادة. (مسألة 12) إذا اضطر إلى السجود على محل نجس (2) لا يجب إعادتها بعد التمكن من الطاهر. ] هو الطهارة من الحدث فلا عموم فيها يشمل الطهارة من الخبث ولا انها مجملة للقرينة المتقدمة فراجع. نعم القاعدة تقتضي وجوب الاعادة في المسألة حيث أنها تقتضي عدم كفاية الاتيان بالمأمور به الظاهري فضلا عن المأمور به التخيلي عن المأمور به الواقعي وإلى ذلك نظرنا في الطبعة الاولى من تعليقاتنا حيث استظهرنا وجوب الاعادة في المسألة، ولكن مقتضى حديث لا تعاد عدم الاعادة كما مر. (1) لان الصلاة باسرها عمل واحد لم يقع في حال الاضطرار وإنما اتى ببعضه في النجس مع التمكن من تطهير ثوبه أو بدنه. (2) أو اضطر إلى السجدة على ما لا يصح السجود عليه أو على السجدة في موضع مرتفع عن موضع قدميه اربعة أصابع، والكلام في هذه المسألة بعينه الكلام في المسألة السابقة فان القاعدة تقتضي وجوب الاعادة ومقتضى حديث لا تعاد عدمها كما مر. وقد يقال أن مستند اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه انما هو الاجماع والمتيقن منه ما إذا تمكن المكلف من السجود على المحل الطاهر حال الصلاة - لانه الميزان في الاختيار والاضطرار - وحيث أن المكلف غير متمكن من السجدة على المحل الطاهر فلا يشمله ما دل على اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه. وحاصله أن مدرك اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه قاصر الشمول للمسألة فصحة الصلاة وعدم وجوب إعادتها حينئذ على طبق القاعدة بحيث لو قلنا بوجوب الاعادة في المسألة السابقة ايضا لا نلتزم بوجوبها في المقام. وهذا المدعى يتوقف على ثبوت امرين: " احدهما ": أن يكون مدرك اعتبار الطهارة في

[ 417 ]

محل السجود منحصرا بالاجماع المدعى و " ثانيهما " أن لا يكون لمعقد الاجماع اطذق يشمل كلتا حالتى الاضطرار والاختيار حال الصلاة ولم يثبت شئ منهما. أما عدم انحصار الدليل بالاجماع المدعى فلصحيحة حسن بن محبوب قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب إلى بخطه: إن الماء والنار قد طهراه (* 1) فانها كما اسلفناه في بعض المباحث المتقدمة يقتضي اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه لكشفها عن مفروغية اعتبار الطهارة فيه عند السائل وارتكازه في ذهنه، وقد قرره عليه السلام على هذا الاعتقاد والارتكاز حيث اجابه بأن النار والماء قد طهراه فمدرك اعتبار الطهارة فيما يسجد عليه غير منحصر بالاجماع. واما اطلاق معقد اجماعهم فلان وزان اشتراط الطهارة فيما يسجد عليه وزان اشتراطها في الثوب والبدن فكما أن الثاني مطلق يشمل كلتا حالتى الاختيار والاضطرار فكذلك الحال في سابقه فاطلاق اشتراطهم يعم كلتا الصورتين قطعا. والسر في دعوى القطع بالاطلاق أنا لانحتمل فقيها بل ولا متفقها يفتي بجواز السجدة علي المحل النجس بمجرد عدم تمكن المصلي من السجدة على المحل الطاهر حال الصلاة مع القطع بتمكنه منها بعد الصلاة. وليس هذا إلا لاجل أن اشتراط الطهارة فيما يسجد عليه يعم حالتي الاختيار والاضطرار حال الصلاة. وعلى الجملة حال هذه المسألة حال المسألة المتقدمة بعينها، على أن لنا أن نعكس الامر بان نلتزم بعدم وجوب الاعادة في المسألة المتقدمة لحديث لا تعاد، و نلتزم بوجوبها في هذه المسألة حيث أنه سجد على المحل النجس ولم يأت بالمأمور به ونمنع عن التمسك بالحديث بدعوى أنه يقتضى وجوب الاعادة إذا لاخلال بالسجود مما يعاد منه الصلاة وتفصيل الكلام في ذلك واندفاع هذه الشبهة يأتي في الحاشية الآتية.


(* 1) المروية في ب 81 من النجاسات و 10 من ابواب ما يسجد عليه من الوسائل.

[ 418 ]

[ (مسألة 13) إذا سجد على الموضع النجس جهلا أو نسيانا لا يجب عليه الاعادة (1) وإن كانت احوط ] (1) السجدة على المحل النجس أو على مالا تصح السجدة عليه - كالمأكول - أو على الموضع المرتفع عن موضع القدم باربعة اصابع قد تكون في سجدة واحدة دون كلتيهما سواء أكانت في ركعة واحدة أو في ركعتين أو في الجميع بان سجد في جميع ركعاته مرة على المحل الطاهر واخرى على النجس مثلا. وقد تكون في كلتا السجدتين. أما في السجدة الواحدة فلا يحتمل فيها وجوب الاعادة فان غاية ما يتوهم ان اعتبار الطهارة في المسجد يقتضي أن تكون السجدة على المحل النجس كعدمها فكأنه لم يأت بالسجدة الواحدة في ركعة أو في جميع الركعات ومع ذلك فهو غير موجب لبطلان الصلاة لانه ليس بازيد من عدم الاتيان بها نسيانا فان الصلاة لا تبطل بترك السجدة الواحدة إذا لم يكن عن عمد واختيار وذلك تخصيص في حديث لا تعاد حيث أنه يقتضي الاعادة بالاخلال بالسجدة الواحدة. وأما الصورة الثانية فالتحقيق ايضا عدم وجوب الاعادة فيها لحديث لا تعاد. بيان ذلك أن السجود والركوع وغيرهما من الالفاظ المستعملة في الاخبار مما لم يتصرف فيه الشارع بوجه وإنما هي على معناها اللغوي، نعم تصرف فيما أمر به باضافة شرط أو شرطين وهكذا ومن هنا لا يجوز للمكلف السجود في الصلاة على ما لا تصح السجدة عليه بدعوى أنه ليس من السجدة الزائدة في المكتوبة لعدم كونها مشتملة على قيودها وشرائطها وليس ذلك إلا من جهة أن المراد بالسجدة إنما هو معناها لغة كما هو المراد منها عند اطلاقها فإذا عرفت ذلك فنقول: إن ظاهر الحديث ارادة ذات السجدة من لفظة السجود - لانه معناها اللغوي - لا السجود المأمور به المشتمل على جميع قيوده واجزائه فمقتضى الحديث وجوب

[ 419 ]

[ فصل فيما يعفى عنه في الصلاة وهو امور: " الاول ": دم الجروح والقروح (1) ما لم تبرأ، في ] الاعادة بالاخلال بذات السجود بأن لم يأت به اصلا. وأما إذا اتى به فاقدا لبعض ما يعتبر في صحته فلا يشمله الحديث ولا يوجب الاعادة من جهته وحيث أنه اتي بذات السجدة واوجد معناها لغة وإنما اخل بالمأمور به من جهة الجهل أو النسيان في مفروض المسألة فاى مانع من الحكم بعدم وجوب الاعادة فيها بمقتضى الحديث فلا يكون وقوعه في النجس جهلا أو نسيانا موجبا لاعادتها و (قد يقال): إن لازم هذا الكلام عدم وجوب اعادة السجدة إذا علم بوقوعها على الموضع النجس بعد ما رفع رأسه من سجدته وان كان متمكنا من السجدة على المحل الطاهر و (يندفع): بانه يشترط في التمسك بحديث لا تعاد كون الفائت مما لا يمكن تداركه بان لم يتمكن من تصحيح الصلاة إلا باعادتها وفي مفروض المثال يمكن أن يتدارك السجدة لعدم فوت محلها، ونظيره ما لو علم بوقوع كلتا السجدتين على الموضع النجس أو على ما لا تصح السجدة عليه بعد ما رفع رأسه من السجدة الثانية مع التمكن من السجدة على المحل الطاهر إلا أنه تصحح السجدة الاولى بالحديث لمضي محلها وعدم كونها قابلة للتدارك ويأتي بالسجدة الاخيرة ثانيا لبقاء محلها، وعلى الجملة لامانع من نفى وجوب الاعادة في مفروض المسألة بحديث لا تعاد وبهذا ظهر أن نسيان النجاسة في الثوب أو البدن وان كان موجبا لبطلان الصلاة إلا أن حكم نسيان النجاسة في محل السجود حكم الجهل بالنجاسة هناك فصل فيما يعفى عنه في الصلاة (1) العفو في الصلاة عن دم القروح والجروح في الجملة مما لا خلاف

[ 420 ]

فيه وإنما اختلفت كلماتهم في اعتبار المشقة والسيلان - بان لا يكون فترة تتيسر فيها الصلاة من دونه - في موضوع حكمهم بالعفو، فعن ظاهر الصدوق وصريح جملة من المتأخرين عدم اعتبار شئ منهما، وفي كلمات جماعة منهم المحقق " قده " اعتبارهما معا، وعليه فالعفو عن الدمين في الصلاة لا يحتاج إلى رواية لانه مقتضى قاعدة نفى العسر والحرج نظير صاحب السلس والبطن، فكما أن القاعدة تقتضي عدم اعتبار الطهارة في حقهما من غير حاجة إلى رواية فكذلك الحال في المقام. وإن كان يمكن التفرقة بين المسألتين نظرا إلى أن مقتضى القاعدة الاولية سقوط الصلاة عن صاحب السلس والبطن لعدم تمكنهما من الطهارة ولا صلاة إلا بطهور، كما التزموا بذلك في فاقد الطهورين فلو لا الاخبار الواردة في المسألة لا لتزمنا بعدم تكليفهما بالصلاة. وهذا بخلاف ما نحن فيه لان المكلف واجد فيه للطهارة من الحدث فلا مقتضي لسقوط الصلاة في حقه وغاية الامر أن ثوبه أو بدنه متنجس وحيث أن في تطهيره مشقة وعسرا فنحكم بسقوط اشتراط الطهارة من الخبث في صلاته من غير حاجة إلى رواية كما مر بل ولا يختص ذلك بدم القروح والجروح لوضوح أن النجاسات باجمعها كذلك ويرتفع الامر بغسلها عند المشقة والحرج، فاية خصوصية لدم القروح والجروح وما المقتضى لتخصيصه بالذكر في المسألة؟ ومن هنا لا بد من التصرف في كلماتهم ولو بحمل المشقة الظاهرة في الفعلية على المشقة النوعية فان القاعدة تختص بالمشقة الشخصية ولا تعم النوعية وبهذا يحصل نوع خصوصية للدمين حيث أن المشقة النوعية توجب رفع ما نعيتهما في الصلاة. وهل الامر كذلك والمشقة النوعية توجب الحكم بالعفو عنهما؟ يأتي عليها الكلام بعد تحقيق المسألة إن شاء الله. فالمتبع هو الاخبار فلابد من ملاحظتها لنرى أنها هل تدل على اعتبار السيلان والمشقة الفعلية في العفو عن دم القروح والجروح

[ 421 ]

أو أنها إنما تدل على أنهما ما لم تبرءا يعفى عنهما في الصلاة سواء أسال دمهما أم لم يسل فالمعتبر أن لا ينقطع الدم لبرئهما؟ والاخبار في المسألة مستفيضة " منها ": موثقة أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وهو يصلي فقال لي قائدى: إن في ثوبه دما، فلما انصرف قلت له: إن قائدى أخبرني أن بثوبك دما فقال لي: إن بي دماميل ولست اغسل ثوبي حتى تبرء (* 1) وهي كما ترى مطلقة من ناحية السيلان وعدمه، فان الغاية في ارتفاع العفو فيها إنما هي البرء لا انقطاع السيلان. كما أن إطلاقها يقتضي عدم الفرق بين كون الازالة ذات مشقة وعدم كونها كذلك و " منها ": صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يخرج به القروح فلا تزال تدمي كيف يصلي؟ فقال: يصلي وإن كانت الدماء تسيل (* 2) فقد دلت على أن دم القروح إذا سال لا يمنع عن الصلاة فكيف بما إذا لم يسل، ومعناه أن السيلان وعدمه على حد سواء، كما أنها مطلقة من ناحية كون الازالة حرجية وما إذا لم تكن و " منها ": الصحيح عن ليث المرادى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوة دما وقيحا، وثيابه بمنزلة جلده فقال: يصلي في ثيابه ولا شئ عليه ولا يغسلها (* 3) واطلاقها من جهتي السيلان وعدمه ولزوم المشقة وعدم لزومها مما لا يكاد يخفى. و " منها ": موثقة (* 4) عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الدمل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة: يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالارض ولا يقطع الصلاة (* 5) وهي كسابقتها ظاهرة الاطلاق من الجهتين المذكورتين. بل الظاهر المستفاد منها


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 5) المرويات في ب 22 من ابواب النجاسات من الوسائل (* 4) كذا عبروا عنها في كلماتهم مع أن في سندها على بن خالد فراجع

[ 422 ]

أن الحكم بالعفو أمده البرء إذا ما لم يبرأ يصدق انه رجل به الدمل أو غيره من القروح والجروح فيكون العفو مغيى بانقطاع الدم وعدم سيلانه المستند إلى البرء، ولا مجرد عدم السيلان مع بقاء الجرح بحاله. وأما الاخبار المستدل بها على اعتبار المشقة والسيلان " فمنها ": مرسلة سماعة بن مهران عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم (* 1) حيث جعلت الغاية للعفو وعدم وجوب الازالة انقطاع الدم ووقوفه عن السيلان، كما أن مفهوم صدرها أن الجرح إذا لم يكن سائلا لا عفو عنه ويجب غسله. وفيه " أولا ": أن الرواية ضعيفة بارسالها، لان ابن أبي عمير نقلها عن بعض أصحابنا ولا ندري أنه ثقة ولعله من غير الثقة الذي علمنا برواية ابن أبي عمير عن مثله ولو في بعض الموارد، فما في بعض العبائر من التعبير عنها بالموثقة مما لا وجه له. و " ثانيا ": الرواية لا مفهوم لصدرها حيث لم يقل: الجرح إذا سال فلا يغسله، ليكون مفهومه انه إذا لم يسل يغسله ولا عفو عنه وإنما قال: إذا كان بالرجل جرح سائل. ومفهومه إذا لم يكن بالرجل جرح سائل فهو من السالبة بانتفاء موضوعها. نعم لو دل فانما يدل عليه مفهوم القيد، ونحن وإن قلنا بمفهوم الوصف في محله إلا أنه إذا لم يكن لاتيانه فائدة بحيث لولا دلالته على مدخلية الوصف في الحكم المترتب على موصوفه أصبح لغوا ظاهرا. وليس الامر في المقام كذلك لانه انما أتى لفائدة التمهيد والمقدمة لاصابة الدم الثوب التي هي المقصودة بالافادة في قوله: فاصاب ثوبه.. أي سال حتى أصاب ثوبه، فانه لو لم يسل لم يصب الثوب طبعا، ولا دلالة معه للمفهوم كما أسلفناه في محله. و " ثالثا ": المراد بالانقطاع في ذيلها هو


(* 1) المروية في ب 22 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 423 ]

الانقطاع المساوق للبرء فهو عطف توضيح وبيان لقوله حتى يبرء، ولم يرد منه الانقطاع الموقت بسد طريقه بشئ بحيث لو ارتفع لسال، فان الغاية إذا كانت هي انقطاعه مع بقاء الجرح بحاله لم يكن لذكر البرء قبل ذلك معنى صحيح فان المدار حينئذ على مجرد الانقطاع ولو من غير برء فما معنى ذكر البرء قبله فالرواية مطلقة من جهتي المشقة والسيلان ولا دلالة لها على اعتبارهما بوجه. و " منها ": مضمرة سماعة قال: سألته عن الرجل به الجرح والقرح فلا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه قال: يصلي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلا مرة، فانه لايستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة (* 1) فان الغسل كل ساعة إنما يكون مع السيلان وعدم الفترة في البين، إذ معها لا حاجة إلى الغسل كل ساعة. ويدفعه: " أولا ": أن الرواية مضمرة إذ لم يثبت أن سماعة لا يروي عن غير الامام عليه السلام و " ثانيا ": ليس عدم الاستطاعة من الغسل كل ساعة علة للعفو وإلا لوجب القول بعدم العفو عمن استطاع من غسل ثوبه كذلك وللزم حمل موثقة أبي بصير المتقدمة على عدم تمكن الامام من غسل ثوبه كل ساعة، ولا يمكن الالتزام بذلك. على أن غسل الثوب والبدن إنما هو مقدمة للصلاة ولا تجب الصلاة كل ساعة لتجب تحصيل مقدمتها كذلك فلا معنى له إلا أن يكون حكمة لما دلت عليه الرواية من عدم وجوب غسل الثوب في كل يوم إلا مرة واحدة، وقد أتى بها تقريبا للاذهان فمعناه أن المكلف لا يتمكن من غسل ثوبه في كل ساعة من ساعات وجوب الصلاة. فإذا كان الجرح أو القرح يدميان كل أربع ساعات - مثلا - مرة واحدة يصدق أن يقال انه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة من ساعات الصلاة أو أصابة الدم، وأين هذا من اعتبار استمرار السيلان في العفو كاعتباره في الحائض، فلا دلالة للرواية على


(* 1) المروية في ب 22 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 424 ]

اعتبار السيلان. نعم يمكن أن يستدل بها على اعتبار المشقة في العفو لقوله عليه السلام فانه لايستطيع أن يغسل... ويدفعه أن الامام عليه السلام إنما ذكر ذلك لاجل أنه مفروض السؤال فان سماعة إنما سأله عمن به جرح أو قرح لا يستطيع أن يغسله ويربطه. فكأنه سلام الله عليه قال: وحيث أن مفروض المسألة عدم تمكن الرجل من الغسل فلا يغسله إلا مرة في كل يوم، لا لاجل اعتباره في العفو. نعم ظاهرها وجوب الغسل مرة في كل يوم وهو أمر آخر يأتي عليه الكلام عن قريب، حيث وقع الكلام في أنه واجب أو مستحب فلو قوينا استحبابه يزداد ضعف ما توهم من دلالتها على اعتبار المشقة في العفو لدلالتها على عدم وجوب الغسل مطلقا مع التمكن وعدمه و " منها ": موثقة عبد الرحمان بن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي، فقال: دعه فلا يضرك أن لا تغسله (* 1) بدعوى دلالتها على اعتبار السيلان في العفو. وفيه: إن سيلان الدم إنما ورد في كلام السائل ولم يؤخذ في موضوع الحكم في كلامه عليه السلام و " منها ": صحيحة محمد بن مسلم المروية في السرائر عن كتاب البزنطي قال: قال: إن صاحب القرحة التي لايستطيع صاحبها ربطها ولا حبس دمها يصلي ولا يغسل ثوبه في اليوم اكثر من مرة (* 2) فان عدم التمكن من حبس الدم لا يكون إلا باستمرار سيلانه، ولا يضرها الاضمار لان محمد بن مسلم لا يروي عن غيرهم عليهم السلام. والجواب عنها: أن عدم التمكن من حبس الدم يصدق على من به جرح يدمي في كل أربع ساعات - مثلا - وهو لا يتمكن من حبسه، وأين هذا من اعتبار استمرار السيلان - كما في الحائض - فلا دلالة


(* 1) الرواية في ب 22 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) السرائر: نوادر البزنطى الحديث 14 وعنه في هامش الطبعة الاخيرة من الوسائل ج 2 ص 1029

[ 425 ]

[ في الثوب أو البدن قليلا كان أو كثيرا، أمكن الازالة أو التبديل بلا مشقة أم لا (1) ] للرواية على المدعى. وأما دلالتها على وجوب الغسل مرة في كل يوم فيأتي عليه الكلام بعيد ذلك. فالنتيجة ان دم القروح والجروح يمتاز عن بقية النجاسات بالعفو عنه في الصلاة سال أم لم يسل وكانت في ازالته أو في تبديل الثوب المتنجس به مشقة أم لم تكن، كثيرا كان أم قليلا. ثم إن مقتضى صحيحة محمد بن مسلم المروية عن المستطرفات ومضمرة سماعة المتقدمتين أن الجريح والقريح يغسلان ثوبهما مرة في كل يوم. ولم يلتزم بذلك الاصحاب. نعم مال إليه في الحدائق معترفا بعدم ذهابهم إليه، والحق معهم وذلك لا لان اعراضهم عن الرواية يسقطها عن الاعتبار، لما مر غير مرة من أن اعراضهم عن رواية لا يكون كاسرا لاعتبارها. بل من جهة أن المسألة كثيرة الابتلاء وقل موضع لم يكن هناك مبتلى بالقروح والجروح، والحكم في مثلها لو كان لذاع واشتهر ونفس عدم الاشتهار حينئذ يدل على عدمه، كما هو الحال في مسألة وجوب الاقامة في الصلاة لانها مما يبتلى به مرات في كل يوم فكيف لا يشتهر وجوبها - لو كانت واجبة - ومن هنا رفعنا اليد عما ظاهره وجوب الاقامة وحملناه على الاستحباب هذا " أولا ". و " ثانيا ": لو سلمنا أن المسألة ليست كثيرة الابتلاء فالامر في الروايتين يدور بين حملهما على الوجوب حتى نقيد بهما المطلقات، وبين حملهما على الندب ليسلم المطلقات عن القيد. والمتعين هو الاخير، لان بعض المطلقات يأبى عن التقييد بذلك كما في موثقة أبي بصير " ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ " وقوله في مرسلة سماعة " لا يغسله حتى برأ وينقطع الدم " وإبائهما عن التقييد بالغسل مرة في كل يوم غير خفي فلا مناص من أن تحملا على استحباب الغسل مرة في كل يوم. (1) كل ذلك للاطلاق كما شرحناه في الحاشية المتقدمة بعض الشرح.

[ 426 ]

[ نعم يعتبر أن يكون مما فيه مشقة نوعية (1) فان كان مما لا مشقة في تطهيره أو تبديله على نوع الناس فالاحوط إزالته أو تبديل الثوب وكذا يعتبر أن يكون الجرح مما يعتد به وله ثبات واستقرار (2) فالجروح الجزئية يجب تطهير دمها، ولا يجب فيما يعفى عنه منعه عن التنجيس (3) نعم يجب شده (4) إذا كان في موضع يتعارف شده، ولا يختص العفو ] (1) الوجه في ذلك وفيما تعرض له بقوله: وكذا يعتبر أن يكون الجرح مما يعتد به وله ثبات واستقرار. أن الروايات المتقدمة موردها ذلك فان موثقة أبي بصير انما وردت في دماميل كانت على بدنه عليه السلام والمشقة النوعية في تطهيرها أمر جلي وان لم تكن فيه مشقة شخصية، كما إذا تمكن الجريح من تطهير ثوبه بسهولة لحرارة الهواء أو تمكنه من تبديل ثوبه. كما أن الدماميل ليست من الجروح الطفيفة سريعة الزوال. وكذلك الحال في موثقة عبد الرحمان وروايتي سماعة وعمار فليلاحظ. ومع كون موردها مما فيه مشقة نوعية ودوام لا يمكننا التعدي عنه إلى غيره فالجروح الطفيفة التي لا ثبات لها ولا فيها مشقة نوعية تبقى مشمولة لاطلاق مادل على مانعية النجس في الصلاة. في غير المقدار الاقل من مقدار الدرهم. (2) لما قدمناه في الحاشية السابقة لا للانصراف. (3) لاطلاقات الاخبار وعدم اشتمالها على لزوم منعه عن التنجيس مع انها واردة في مقام البيان فلاحظ صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة حيث ترى انها مع كونها مسوقة لبيان وظيفة المصلى - الذي به قروح لا تزال تدمي - غير مشتملة على الامر بمنعها عن التنجيس وكذلك غيرها من الاخبار. (4) لم يظهر الفرق بين الشد والمنع، لان الشد من أحد طرق المنع

[ 427 ]

عن التنجيس فما استدل به على أن ما يعفى عنه في الصلاة لا يجب منعه عن التنجيس هو الدليل على عدم وجوب الشد أيضا فان الاخبار الواردة في المسألة - مع انها في مقام البيان - غير مشتملة على وجوبه. وأما ما في موثقة عبد الرحمان من سئواله عن الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم.. فلا دلالة له على وجوب ربط الجرح وشده، لانه إنما ورد في كلام السائل دون الامام عليه السلام وكذلك مضمرة سماعة " فلا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه " لانه قضية في واقعة وقعت في كلام السائل، فليست في شئ من الروايتين أية دلالة على وجوب الشد والربط. نعم ورد في صحيحة محمد بن مسلم المروية عن البزنطي: أن صاحب القرحة التي لا يستطيع صاحبها ربطها ولا حبس دمها يصلي ولا يغسل.. وقد أخذ في موضوع العفو عدم التمكن من ربط القرحة وشدها في كلامه عليه السلام وقد ذكرنا في محله أن الاصل في القيود أن تكون احترازية ولازمه أن تكون للقيود مدخلية في الحكم إذا لم يؤت بها لافادة أمر آخر وعليه فالصحيحة تدل على وجوب الازالة وعدم العفو عند القدرة على ربط الجرح وشده. ولكن الصحيح أن الصحيحة لا يمكن الاعتماد عليها كما لم يعتمد عليها الماتن " قده " وإلا للزم الحكم بوجوب منعه عن التنجيس أيضا، لانه الغاية المترتبة على الشد. والسر في ذلك ما تقدم من أن مسألة دم القروح والجروح كثيرة الابتلاء والحكم في مثلها لو كان لشاع ولم تنحصر روايته بواحدة أو اثنتين فنفس عدم اشتهاره يفيد القطع بعدمه. ولم ينقل وجوبه إلا عن بعضهم بل عن الشيخ " قده " الاجماع على عدم وجوب عصب الجرح ومنعه عن التنجيس وهذا يوجب سقوط الصحيحة عن الاعتبار فلا مناص من تأويلها ولو بحمل القيد على وروده تمهيدا لبيان اصابة الدم الثوب. وهذا غير مسألة سقوط الرواية عن

[ 428 ]

[ بما في محل الجرح، فلو تعدى عن البدن إلى اللباس أو إلى اطراف المحل كان معفوا (1) لكن بالمقدار المتعارف (2) في مثل ذلك الجرح ويختلف ذلك باختلافها من حيث الكبر والصغر، ومن حيث المحل، فقد يكون في محل لازمه بحسب المتعارف التعدي إلى الاطراف كثيرا أو في محل لا يمكن شده، فالمناط المتعارف بحسب ذلك الجرح. ] الاعتبار بالاعراض كما لعله ظاهر. (1) لاطلاقات الاخبار وصراحة بعضها كقوله في موثقة أبي بصير ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ. (2) فلو تعدى الدم من القرحة الواقعة في بدنه إلى رأسه - مثلا - فلا عفو عنه لعدم دلالة الاخبار عليه ففي موثقة أبي بصير " ولست أغسل ثوبي... " والثوب متعارف الاصابة في مثل الدماميل الكائنة في البدن ولا تعرض لها إلى أن الدم لو كان أصاب رأسه - مثلا - لم يكن يغسله. نعم ورد في رواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سأله عن الدمل يكون بالرجل فينفجر وهو في الصلاة. قال: يمسحه ويمسح يده بالحائط أو بالارض ولا تقطع الصلاة (* 1) واستدل بها في الحدائق على جواز تعدية دم القروح والجروح إلى سائر أجزاء البدن والثوب بالاختيار - حيث دلت على جواز مسح الدم بيده - فضلا عما إذا تعدى إليها بنفسه بلا فرق في ذلك بين متعارف الاصابة وغيره ويدفعه ان الرواية لا دلالة لها على جواز التنجيس بالاختيار ولا على العفو عما لم يتعارف اصابة الدم له. أما عدم دلالتها على جواز التنجيس بالاختيار فلانها إنما دلت على جواز تنجيس اليد في حال الصلاة وهو حال الاضطرار فان مسح الدم بثوبه ينجس الثوب فلا محيص


(* 1) المتقدمة في ص 421

[ 429 ]

[ (مسألة 1) كما يعفى عن دم الجروح، كذا يعفى عن القيح المتنجس الخارج معه (1) والدواء (2) المتنجس الموضوع عليه، والعرق المتصل به في المتعارف، أما الرطوبة الخارجية إذ وصلت إليه وتعدت ] من أن يمسحه بيده لانه المتعارف في مسح دم القروح والجروح، والتعدي عن موردها يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه. وأما عدم دلالتها على العفو عما لا تصيبه القروح عادة فلانها لم تدل إلا على مسح الدم بيده وهما مما يتعارف اصابته بدم القروح فالمتحصل أن دم القروح والجروح فيما لم يتعارف اصابته غير مشمول لادلة العفو إلا إذا كان أقل من مقدار الدرهم كما ستعرف. (1) كما في صحيحة ليث وموثقة عبد الرحمان المتقدمتين (* 1) بل نلتزم بذلك وان لم يكن هناك نص لان دم القروح والجروح يلازم القيح غالبا ولا تجد جرحا سال دمه من دون قيح إلا نادرا، ولا سيما في الدماميل فما دل على العفو عن دم الجروح والقروح دل على العفو عن القيح المتنجس بالالتزام ولا فرق بين الدم والقيح إلا في أن الدم نجس معفو عنه في الصلاة والقيح متنجس معفو عنه فلو خصصنا الاخبار المتقدمة بالدم غير المقترن بالقيح للزم حملها على المورد النادر وهو ركيك. (2) لعين ما قدمناه آنفا لتلازمه مع الجروح والقروح وحملهما على مالا دواء عليه حمل على مورد نادر، ومنه يظهر الحال في العرق المتصل بهما الجاري على المواضع الطاهرة لانه أيضا أمر غالب الوجود معهما ولا سيما في البلاد الحارة فما دل على العفو عن نجاستهما يقتضي العفو عن نجاسة العرق المتصل بهما أيضا بالملازمة.


(* 1) المتدمتان في ص 421 - 424

[ 430 ]

[ إلى الاطراف (1) فالعفو عنها مشكل فيجب غسلها إذا لم يكن فيه حرج. (مسألة 2) إذ تلوثت يده في مقام العلاج يجب غسلها ولا عفو (2) كما أنه كذلك إذا كان الجرح مما لا يتعدى، فتلوثت أطرافه بالمسح عليها بيده، أو الخرقة الملوثتين على خلاف المتعارف. (مسألة 3) يعفى عن دم البواسير (3) خارجة كانت أو داخلة، وكذا كل قرح أو جرح باطني خرج دمه إلى الظاهر. ] (1) كما إذا وقعت قطرة من الماء عند شربه على الجرح وسرت منه إلى المواضع الطهارة فهل يعفى عنها في الصلاة؟ فقد يتوهم أن الدم إذا كان بنفسه معفوا عنه في الصلاة فالرطوبة المتنجسة بسببه أيضا يعفى عنها في الصلاة لان الفرع لا يزيد على أصله. ويندفع بأن هذه القاعدة ونظائرها مما لا يمكن الاعتماد عليه في الاحكام الشرعية فانها قواعد استحسانية لا تنهض حجة في مقابل أدلة مانعية النجاسة فانها مطلقة ولابد في الخروج عنها من اقامة الدليل ولا دليل على العفو عن الرطوبة المتنجسة بدم القروح والجروح. (2) ظهر حكم هذه المسألة مما قدمناه في الحواشي المتقدمة. (3) لانها علة وقروح باطنية في أطراف المقعدة قد تنفجر وتسيل دمها في مقابل النواسير التي هي قروح خارجية حوالي المقعدة أو غيرها، ودم القروح والجروح معفو عنه في الصلاة بلا فرق في ذلك بين الداخلية والخارجية فان المدار على صدق أن الرجل به جرح أو قرح ولا اشكال في صدق ذلك في البواسير حقيقة لصحة أن يقال أن للمبسور قرحة فلا وجه لتخصيص الجرح بالخارجي. نعم يمكن أن يقال بعدم العفو في بعض القروح الداخلية كما في جرح الكبد والحلق والصدر - أعاذنا الله منه ومن نظائره - وذلك لان الدم

[ 431 ]

[ (مسألة 4) لا يعفى عن دم الرعاف (1) ولا يكون من الجروح (مسألة 5) يستحب لصاحب القروح والجروح أن يغسل ثوبه من دمهما كل يوم مرة (2) (مسألة 6) إذا شك في دم أنه من الجروح أو القروح أم لا، فالاحوط عدم العفو عنه (3) ] الخارج منه وان كان يصدق انه دم القرحة أو الجرح حقيقة إلا أن العفو انما ثبت لخصوص الدم الذي يصيب الثوب أو البدن عادة ولا يعفى عما لم تتعارف اصابته البدن والثوب والدم الخارج من الجروح المذكورة مما لا يصيبهما عادة. (1) لدلالة غير واحد من الاخبار على عدم جواز الصلاة معه (* 1) ولعل الوجه فيه أن دم الرعاف يستند إلى الحرارة الناشئة من الهواء أو أكل شئ وشربه ولاجلها تتفجر العروق وهو وان كان يصدق عليه الجرح حقيقة إلا أنه يندمل بساعته ولا استقرار له وقد مر اشتراطهما في العفو عن دم القروح والجروح. وأما إذا استند دم الرعاف إلى قرحة داخلية وكان لها ثبات ودوام فالامر أيضا كما عرفت وهو غير مشمول للاخبار المتقدمة لان العفو إنما ثبت في الدم الذي يصيب الثوب أو البدن عادة، والدم الخارج من الانف بسبب القرحة الداخلية ليس كذلك لمكان تقدم الانف على سائر أجزاء البدن فهو عند خروجه لا يصيب شيئا منهما بطبعه. (2) عرفت تفصيل الكلام في ذلك مما قدمناه فلا نعيد. (3) لاشبهة في أن الحكم بالمانعية وعدمها أي العفو موضوعهما الدم


(* 1) راجع ب 2 من ابواب قواطع الصلاة و 7 من ابواب نواقض الوضوء و 42 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 432 ]

[ (مسألة 7) إذا كانت القروح أو الجروح المتعددة متقاربة، بحيث تعد جرحا واحدا عرفا (1) جرى عليه حكم الواحد فلو برئ بعضها لم يجب غسله. بل معفو عنه حتى يبرأ الجميع وإن كانت متباعدة لا يصدق عليها الوحدة العرفية فلكل حكم نفسه، فلو برئ البعض وجب غسله ولا يعفى عنه إلى أن يبرأ الجميع (2) ] المتحقق خارجا فان غير الخارج لا يكون مانعا ولايقال انه من دم القروح والجروح أو من غيرهما ولو قلنا بنجاسته، فإذا رأينا في الخارج دما وشككنا في أنه من القروح والجروح حتى لا يكون مانعا أو من غيرهما ليكون مانعا لم يمكننا استصحاب كونه من غيرهما لعدم الحالة السابقة له وهو ظاهر. نعم بناء على مسلكنا من جريان الاصل في الاعدام الازلية لامانع من استصحاب عدم كونه من الجروح والقروح لانه قبل وجوده لم يكن منتسبا اليهما قطعا فإذا وجدت الذات وشككنا في أن الاتصاف والانتساب إلى القروح والجروح هل تحققا معها أم لم يتحققا فنستصحب عدم حدوث الاتصاف والانتساب فهو دم بالوجدان وليس بدم القروح والجروح بالاستصحاب فبضم أحدهما إلى الآخر يحرز دخوله تحت العموم أعني عموم ما دل على مانعية النجس أو اطلاقه، لوضوح أن الباقي تحت العموم غير معنون بشي سوى عنوان عدم كونه دم الجروح والقروح. ولعل الوجه في احتياط الماتن " قده " عدم جزمه بجريان الاصل في الاعدام الازلية. (1) وان كانت له شعب. (2) فإذا كان جرح في يده وآخر في رجله - مثلا - فبرأ أحدهما فلا محالة يرتفع عنه الفعو لبرئه ولا يحكم باستمراره إلى أن يبرأ الثاني لتعددهما

[ 433 ]

[ (الثاني): مما يعفى عنه في الصلاة الدم الاقل من الدرهم (1) ] فان كلا منهما جرح مستقل له حكمه. و " قد يقال ": باستمرار العفو إلى أن يبرأ الجميع لموثقة أبي بصير المتقدمة (* 1) حيث ورد فيها " إن بي دماميل ولست أغسل ثوبي حتى تبرأ " بدعوى دلالتها على العفو عن الجميع حتى يبرأ الجميع. وللمناقشة في ذلك مجال واسع وذلك أما " أولا " فلانها حكاية فعل من الامام عليه السلام في قضية شخصية، ولا إطلاق للافعال، ولعل عدم غسله الثوب من جهة أن دماميله كانت تعد بالنظر العرفي قرحة واحدة ذات شعب. نعم لو كان سأل عن رجل به دماميل وأجابه بانه لا يغسل ثوبه إلى أن يبرأ لامكن الاستدلال بترك تفصيلها ولكن الامر ليس كذلك كما مر لانها حكاية فعل في واقعة. وأما " ثانيا ": فلانها معارضة بمرسلة سماعة المتقدمة (* 2) إذا كان بالرجل جرح سائل فاصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ وينقطع الدم، بناء على ما هو المعروف عندهم من أن مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده، حيث تدل على أن العفو في كل جرح سائل مغيئ ببرئه فإذا حصل ارتفع سواء برأ الجرح الآخر أم لم يبرأ، والتعارض بين الروايتين بالاطلاق فيتساقطان ويرجع إلى عموم ما دل على مانعية النجس في الصلاة. (1) لا إشكال ولا خلاف في ثبوت العفو عما دون الدرهم من الدم، كما لا شبهة في وجوب إزالة ما زاد عنه وإنما الخلاف فيما إذا كان بقدره بلا زيادة ونقصان - وإن كان إحراز أن الدم بقدر الدرهم غير خال عن الصعوبة بل هو نادر التحقق جدا كما إذا القينا درهما على الدم ثم وضعناه على الثوب أو البدن فتنجس بقدره - فهل يعمه العفو أو يختص بما إذا كان أقل منه؟


(* 1) المتقدمة في ص 421 (* 2) المتقدمة في ص 422

[ 434 ]

قد اختلفت كلماتهم في ذلك كما أن الاخبار مختلفة فمنها ما هو مجمل من تلك الناحية، ومنها ما ظاهره العفو عنه كما ادعي، ومنها ما يقتضي وجوب إزالته ومانعيته. واليك بعضها: " منها ": مصححة الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: في الدم يكون في الثوب إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدرهم الدرهم وكان رآه فلم يغسل حتى صلى فليعد صلاته. وإن لم يكن رآه حتى صلى فلا يعيد الصلاة (* 1) وهي إما أن تكون مهملة لعدم تعرضها للمسألة أعني ما إذا كان الدم بقدر الدرهم لانها قليلة الاتفاق والتكلم فيها مجرد بحث علمي، وإنما تعرضت لما إذا كان أقل من قدر الدرهم أو زاد عليه ففيما إذا كان الدم بقدره يرجع إلى عموم ما دل على مانعية النجس في الصلاة. وإما أن تكون مجملة لان مفهوم الشرطية الاولى في الرواية أن الصلاة تجب إعادتها إذا لم يكن الدم أقل من مقدار الدرهم سواء أكان بقدره أم كان زائدا عليه، كما أن مفهوم الشرطية الثانية أعني قوله " وإن كان أكثر من قدر الدرهم.. " عدم وجوب الاعادة إذا لم يكن الدم باكثر من مقدار الدرهم سواء أكان أقل منه أم كان مساويا معه، فالجملتان متعارضتان في الدم بقدر الدرهم، وحيث أن تعارضهما بالاطلاق فيحكم بتساقطهما والرجوع إلى عموم مانعية النجس في الصلاة و " منها ": حسنة محمد بن مسلم قال: قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره، وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم وما كان أقل من ذلك فليس بشئ رأيته قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من مقدار الدرهم


(* 1) المروية في ب 20 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 435 ]

[ سواء كان في البدن أو اللباس (1) ] فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه (* 1) وقد قدم في هذه الرواية بيان مانعية ما زاد عن الدرهم على بيان الفعو على الاقل منه على عكس الرواية المتقدمة، ويأتي فيها أيضا الاحتمالان المتقدمان فانها إما أن تكون مهملة فيما هو بقدر الدرهم، وإما أن تكون مجملة لعين ما قدمناه في الرواية السابقة وبعد تساقطهما بالمعارضة يرجع إلى عموم مانعية النجس، فان ذكر أحد الامرين مقدما على الآخر لا تكون قرينة على المتأخر منهما. أللهم إلا أن يقال: المراد بالزائد على مقدار الدرهم في قوله: ما لم يزد على مقدار الدرهم.. هو مقدار الدرهم فما زاد كما احتمله صاحب الجواهر (قده) لمعهودية اطلاق الزائد على شئ من المقادير وارادة ذلك المقدار وما فوقه كما في قوله: عز من قائل فان كن نساء فوق اثنتين (* 2) هذا والذي يسهل الخطب أن في المقام رواية ثالثة تقتضي مانعية ما كان بقدر الدرهم من الدم وهى قرينة على الروايتين المتقدمتين ومعها لابد من الحكم بوجوب إزالة الدم بقدر الدرهم سواء أكانت الروايتان ظاهرتين أم مجملتين وهي صحيحة عبد الله بن أبي يعفور (في حديث) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به، ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي، ثم يذكر بعدما صلى، أيعيد صلاته؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة (* 3). (1) النجس في الصلاة إذا سلبت عنه مانعيته لا يكون مانعا عنها مطلقا سواء أكان في الثوب أم في البدن. وأما اشتمال الاخبار على الثوب دون البدن فلعل


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 20 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) النساء 4: 11

[ 436 ]

[ من نفسه أو غيره (1) ] السر فيه غلبة اصابة الدم للثوب لان البدن مستور به غالبا فما يصيب الانسان يصيب ثوبه دون بدنه، حيث لا يصيبه غير دم القروح والجروح إلا نادرا هذا. على أن الظاهر عدم الخلاف في مشاركة الثوب والبدن في العفو. وأما رواية مثنى ابن عبد السلام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إني حككت جلدي فخرج منه دم، فقال إن اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلا فلا (* 1) فهي وإن كانت تقتضي التفصيل بين الثوب والبدن بأن يكون العفو في الثوب محدودا بما دون الدرهم كما دلت عليه الاخبار المتقدمة. وفي البدن محدودا بما دون الحمصة حسبما يقتضيه هذا الخبر، إلا أن الصحيح عدم الفرق بين الثوب والبدن فان الرواية غير قابلة للاعتماد عليها سندا ودلالة. أما بحسب السند فلاجل مثنى بن عبد السلام حيث لم تثبت وثاقته. وأما بحسب الدلالة فلان ظاهرها طهارة ما دون الحمصة من الدم دون العفو عنه مع نجاسته إذ الامر بغسل شئ إرشاد إلى نجاسته كما أن نفي وجوبه ارشاد إلى طهارته كما مر غير مرة، فالرواية تدل على نجاسة ما زاد عن مقدار الحمصة وطهارة ما دونها وهذا مما لم ينسب إلى أحد من أصحابنا عدى الصدوق وقد تقدم نقله والجواب عنه في التكلم على نجاسة الدم. فالرواية متروكة فلا يبقى معه لتوهم انجبارها بعملهم مجال. (1) فصل صاحب الحدائق " قده " بين دم نفس المصلي وغيره فالحق دم الغير بدم الحيض في عدم العفو عن قليله وكثيره قائلا ولم أقف على من تنبه ونبه على هذا الكلام إلا الامين الاسترابادي فانه ذكره واختاره. واستند في ذلك إلى مرفوعة البرقى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: دمك أنظف من دم غيرك، إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس، وإن كان دم غيرك قليلا


(* 1) المروية في ب 20 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 437 ]

[ عد الدماء الثلاثة (1) من الحيض، والنفاس، والاستحاضة ] أو كثيرا فاغسله (* 1) ولكن الصحيح ما ذهب إليه الماتن وغيره من عدم الفرق في العفو عما دون الدرهم بين دم نفسه وغيره فان الرواية المستدل بها على التفصيل المدعى وان كانت لا بأس بدلالتها إلا أنها ضعيفة بحسب السند لكونها مرفوعة، ولم يعمل بها الاصحاب (قدهم) كما يظهر من كلام صاحب الحدائق (قده) حتى يتوهم انجبارها بعملهم. (1) لرواية أبي بصير " لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فان قليله وكثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء " (* 2) هذا بالاضافة إلى دم الحيض. وأما دم النفاس والاستحاضة فلاجل أن دم النفاس حيض محتبس يخرج بعد الولادة، والاستحاضة مشتقة من الحيض فحكمها حكمه. هذا والصحيح عدم الفرق في العفو عما دون الدرهم بين الدماء الثلاثة وغيرها، وذلك أما بالاضافة إلى دم النفاس فلانا لو سلمنا أنه حيض محتبس وكان ذلك واردا في رواية معتبرة لم يمكننا اسراء حكم الحيض إليه لان المانعية - على تقدير القول بها - إنما ثبتت على الحيض غير المحتبس والمحتبس موضوع آخر يحتاج إسراء الحكم إليه إلى دلالة الدليل ولا دليل عليه. وأما بالاضافة إلى دم الاستحاضة فلانه ودم الحيض وإن كانا مشتركين في بعض أحكامهما إلا أنهما دمان وموضوعان متغائران يخرجان من عرقين ومكانين مختلفين - كما في الخبر (* 3) - فلا وجه لاشتراكهما من جميع الجهات والاحكام، ومن هنا ذكر صاحب الحدائق " قده " أن استثناء دمي الاستحاضة والنفاس الحاقا لهما بدم الحيض


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 21 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) راجع ب 3 من ابواب الحيض من الوسائل.

[ 438 ]

للوجهين المتقدمين أو غيرهما مما ذكروه في وجهه لا يخرج عن القياس. وأما بالاضافة إلى دم الحيض فلان الرواية وإن كانت دلالتها غير قابلة للانكار إلا أن سندها مورد للمناقشة من جهتين " إحداهما ": أن الرواية مقطوعة وغير مسندة إلى الامام عليه السلام وإنما هو كلام من أبي بصير حيث قال: " لا تعاد.. " وقد أجيب عن ذلك بان ذكرها في الكتب المعتبرة - أعني التهذيب والكافي - يأبى عن ذلك لبعد أن ينقل الشيخ أو الكليني " قدهما " كلام غيره عليه السلام. و " يدفعه ": أن غاية ما يستفاد من نقلهما أن الرواية صادرة عنهم " ع " حسب اعتقادهما. وأما أن الامر كذلك في الواقع فلا. والصحيح في الجواب عن هذه المناقشة أن يقال إنها وإن رويت مقطوعة وغير مسندة إليه عليه السلام في بعض نسخ التهذيب (* 1) إلا انها مروية في الكافي (* 2) وفى بعض النسخ الاخر من التهذيب (* 3) مسندة إلى أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام ومن هنا نقلها في الوسائل كذلك فليراجع. و " ثانيتهما ": أن في سند الرواية أبا سعيد المكاري ولم يرد ثوثيق في حقه. بل له مكالمة مع الرضا عليه السلام لو صحت وثبتت لدلت على أنه كان مكاريا حقيقة، حيث لم يكن يعتقد بامامته وأساء معه الادب في كلامه، ودعا الرضا عليه السلام عليه بقوله: أطفئ الله نور قلبك وأدخل الله الفقر بيتك، وابتلي بالفقر والبلاء بعد خروجه من عنده (* 4) نعم ابنه الحسين أو الحسن ممن وثقه النجاشي وغيره، وعلى الجملة الرواية ضعيفة ولا يمكن الاعتماد عليها في شئ، إلا أن استثناء دم الحيض عما عفي عنه في الصلاة هو المشهور بينهم حيث ذهبوا إلى أن قليله وكثيره مانع عن الصلاة،


(* 1) و (* 3) راجع ج 1 من التهذيب ص 257 من الطبعة الحديثة (* 2) راجع ج 3 من الفروع ص 405 من الطبع الحديث (* 4) راجع ج 3 من تنقيح المقال ص 287

[ 439 ]

[ أو من نجس العين (1) ] وأنكروا نقل خلاف في المسألة. بل قالوا إنها إجماعية، وعليه فان قلنا بانجبار ضعف الرواية بعملهم فلا مانع من القول باعتبارها. وأما بناء على ما سلكناه من أن عمل المشهور أو اعراضهم لا يكون جابرا أو كاسرا فلا يمكننا استثناء دم الحيض لاجلها. وأما الاجماع المدعى فنحن لو لم نجزم بعدم تحقق اجماع تعبدي فلا أقل من أن لا نجزم بتحققه إذ من المحتمل أن لا يصل إليهم الحكم يدا بيد ويعتمدوا في ذلك على الرواية المتقدمة، ومعه يكون استثناء دم الحيض مبنيا على الاحتياط. (1) يمكن أن يعلل ذلك بوجهين: " أحدهما ": أن الادلة المتقدمة إنما دلت على العفو من حيث مانعية نجاسة الدم لا من حيث مانعية شئ آخر ككونه من أجزاء مالا يوكل لحمه. و " يدفعه ": أن نجس العين لا يلزم أن يكون دائما مما لا يؤكل لحمه فان من افراده المشرك. بل اليهود والنصارى - بناء على نجاسة اهل الكتاب - فانهم من افراد نجس العين حقيقة وليسوا مما لا يوكل لحمه لما يأتي في محله من أن ذلك العنوان غير شامل للادمي ومن هنا تصح الصلاة في شعره أو غيره من اجزائه الطاهرة ولا سيما إذا كان من نفس المصلي، فتعليل مانعية نجس العين بكونه مالا يؤكل لحمه عليل. و " ثانيهما ": أن ادلة العفو انما دلت على العفو عن النجاسة الدموية لا عن النجاسة الاخرى وحيث أن الدم من العين النجسة فنجاسته من جهتين من جهة أنه دم ومن جهة انه من نجس العين ولا تشمل ادلة العفو غير النجاسة الدموية. وهذا الوجه هو الصحيح وتوضيحه: أن محتملات الاخبار الواردة في العفو عما دون الدرهم من الدم ثلاثة: لانها إما أن تدل على العفو عن النجاسة الدموية فحسب، فلا تشمل حينئذ دم نجس العين كالمشرك واليهودي - بناء على نجاسة

[ 440 ]

أهل الكتاب - لان نجاسته من جهتين من جهة أنه دم ومن جهة أنه من نجس العين وقد فرضنا أن الادلة إنما دلت على العفو عن النجاسة الدموية لا عن النجاسة من جهة اخرى. وإما أن تدل على العفو عن نجاسة الدم وإن كانت نجاسته من جهتين فتشمل حينئذ دم نجس العين كالمشرك وغيره إلا انها غير شاملة لدم ما لا يؤكل لحمه لان فيه جهة اخرى من المانعية غير مانعية النجس كما لا يخفى. وإما أن تدل على العفو عن مانعية الدم الاقل من مقدار الدرهم مطلقا فتشمل الاخبار حينئذ كل دم أقل من الدرهم ولو كان مما لا يؤكل لحمه. والمقدار المتيقن من تلك المحتملات هو الاول وعليه لا دلالة لها على العفو عن دم نجس العين فضلا عما لا يؤكل لحمه. وإن شئت قلت إن نجاسة دم نجس العين وإن كانت نجاسة واحدة إلا أنها من جهتين كما مر ودليل العفو لم يدل على أزيد من العفو عن نجاسة الدم بما هو فلا يعم ما إذا كان الدم من نجس العين لان نجاسته من جهتين. ويؤكد ذلك أن أدلة العفو المتقدمة إنما يستفاد منها عدم مانعية الدم الاقل من الدرهم، ولم تدل على أن فيه اقتضاء للجواز فكيف يمكن معه أن يلتزم بمانعية بصاق المشرك أو اليهودي - مثلا - بناء على نجاسته، وإن كان قليلا ولا يلتزم بمانعية دمه؟! ثم لو أغمضنا عن ذلك كله وبنينا على أن أدلة العفو تشمل دم نجس العين كغيره فالنسبة بينها وبين ما دل على المنع عن الصلاة في ثوب اليهودي والنصراني (* 1) عموم من وجه، حيث أنها تدل على بطلان الصلاة فيما تنجس من ثيابهما ولو بدمهما وهذه الادلة تقتضي جواز الصلاة في الدم الاقل لو كان من اليهودي أو غيره من الاعيان النجسة فتتعارضان في الدم الاقل إذا كان من نجس العين وتتساقطان والمرجع حينئذ هو المطلقات وهي تقتضي بطلان الصلاة في دم نجس العين ولو كان اقل من الدرهم.


(* 1) راجع ب 14 من ابواب النجاسات من الوسائل

[ 441 ]

[ أو الميتة (1) بل أو غير المأكول (2) ] (1) قد ظهر الحال في دم الميتة مما قدمناه في دم نجس العين فلا نعيد. (2) لان أجزاء مالا يؤكل لحمه مانعة مستقلة بنفسها سواء أمكنت الصلاة فيها أم لم تمكن كما في لبنه وروثه لموثقة ابن بكير قال: سأل زرارة أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر، فاخرج كتابا زعم أنه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله أن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شئ منه فاسدة لاتقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله.. (* 1) وأدلة العفو كما عرفت إنما تدل على العفو عن مانعية الدم فحسب ولم تدل على العفو عن مانعية مالا يؤكل لحمه أو غيره فمقتضى الموثقة بطلان الصلاة في أجزاء مالا يؤكل لحمه ولو بحملها، وأدلة العفو لا تقتضي العفو عن غير النجاسة الدموية، ولا معارضة بين المقتضي واللا مقتضي. فان قلت: إن أدلة العفو كما مرت مطلقة تشمل دم المأكول وغيره فلا وجه لتخصيصها بما يؤكل لحمه. قلت على تقدير تسليم الاطلاق فيها انها معارضة بموثقة ابن بكير، والنسبة بينهما هي العموم من وجه فان الموثقة دلت على مانعية مالا يؤكل لحمه كان دما أم غيره، وأدلة العفو دلت على العفو عما دون الدرهم من الدم سواء أكان مما يؤكل لحمه أم مما لا يؤكل لحمه، وفي النتيجة لابد من الحكم ببطلان الصلاة في دم مالا يؤكل لحمه إما لتقديم الموثقة على أدلة العفو لقوة دلالتها حيث انها بالعموم ودلالة الادلة باطلاق. وإما للحكم بتساقطهما بالمعارضة، والرجوع إلى أدلة مانعية النجس في الصلاة هذا وللشيخ المحقق الهمداني " قده " كلام في المقام وحاصله عدم دلالة الموثقة على ارادة الدم من كل شئ، بدعوى أن سياق


(* 1) المروية في ب 2 من ابواب لباس المصلى من الوسائل.

[ 442 ]

الرواية يشهد بان المراد بعموم كل شئ هو الاشياء التي يكون المنع من الصلاة فيها ناشئا من حرمة الاكل بحيث لو كان حلال الاكل لكانت الصلاة فيها جائزة فمثل الدم والمني خارج عما أريد بهذا العام. لان الحيوان لو كان محلل الاكل أيضا لم تكن الصلاة في دمه أو منيه جائزة لنجاستهما. فإذا لم يكن الدم ونحوه مشمولا لعموم المنع من الابتداء بقيت أدلة العفو غير معارضة بشئ هذا. وما أفاده " قده " ينبغي أن يعد من غرائب الكلام، وذلك لان للدم جهتين مانعتين عن الصلاة: " إحداهما ": نجاسته ومنجسيته للثوب والبدن و " ثانيتهما ": كونه من أجزاء مالا يؤكل لحمه، ولا يفرق في المانعية من الجهة الاولى بين كون الدم مما يؤكل لحمه وكونه من غيره. وهذا بخلاف المانعية من الجهة الثانية لاختصاصها بما لا يؤكل لحمه، كما أن المانعية من الجهة الثانية لا تتوقف على تحقق المانعية من الجهة الاولى، ومن هنا لو فرضنا الدم من غير المأكول طاهرا كما إذا ذبح وقلنا بطهارة الدم المتخلف في الذبيحة مما لا يؤكل لحمه أيضا كان استصحابه في الصلاة مانعا عن صحتها وان لم يكن نجسا ولا مانع من الصلاة فيها من ناحية الطهارة، إذا استصحبناه في الصلاة على نحو لم يلاق الثوب أو البدن فانه أيضا يوجب البطلان وليس ذلك إلا من جهة أن مالا يؤكل لحمه مانع باستقلاله سواء أكان نجسا أم لم يكن، وهل يسوغ القول بمانعية الاجزاء الطاهرة مما لا يؤكل لحمه كالوبر والشعر - حيث تصح فيهما الصلاة على تقدير حلية حيوانهما - دون أجزائه النجسة؟! فانه أمر غير محتمل بالوجدان كيف وقد دلت الموثقة على مانعية مالا يؤكل لحمه بجميع أجزائه النجسة والطاهرة. بل قد صرحت ببطلان الصلاة في روثه مع أن حال الروث حال الدم بعينه، فمع شمول الموثقة له يقع التعارض بينها وبين أدلة العفو، والنتيجة عدم جواز الصلاة في دم غير المأكول كما مر، وكان

[ 443 ]

[ مما عدا الانسان (1) على الاحوط، بل لا يخلو عن قوة، وإذا كان متفرقا في البدن أو اللباس أو فيهما، وكان المجموع بقدر الدرهم، فالاحوط عدم العفو (2). ] الاولى على ما ذكرناه أن لا يعقب الماتن استثنائه الدم مما لا يؤكل لحمه بقوله " على الاحوط " لانه يوهم أن استثناء بقية المذكورات في كلامه أعني دم نجس العين والميتة مما لاشبهة فيه بخلاف استثنائه الدم مما لا يؤكل لحمه فانه أمر غير مسلم، مع أنك عرفت أن استثنائه ممالا تردد فيه بل إنه أولى بالاستثناء كما لا يخفى وجهه. (12) يأتي الوجه في استثناء ذلك في محله إن شاء الله. (2) ذكرنا أن الدم بقدر الدرهم فما زاد تجب إزالته ولاعفو عنه، وهذا إذا كان له وجود وأحد مما لا خلاف فيه. واما إذا كان مقدار الدرهم أو الزائد عليه متفرقا في وجودات متعددة فقد وقع الخلاف في وجوب إزالته وعدمه فذهب جماعة إلى أن العبرة بكل واحد من وجوداته فإذا بلغ مقدار الدرهم فما زاد باستقلاله تجب إزالته وتحكم بمانعيته وقال جماعة آخرون أن المانعية ووجوب الازالة حكمان مترتبان على ذات الدم وطبيعيه، والاجتماع والافتراق من حالاتها فإذا بلغ مجموع الوجودات المتفرقة مقدار الدرهم وما زاد وجبت ازالته وهو مانع عن الصلاة. ومنشأ الخلاف هو اختلاف الاستظهار والاستفادة من الاخبار. فقد يستظهر منها أن العبرة بالاجتماع الفعلي دون التقديري بمعنى أن الدم المجتمع بالفعل إذا كان بمقدار الدرهم وجبت ازالته. وأما الدم غير المجتمع كذلك فهو مما لا عبرة به ولا تجب ازالته ولو كان أكثر من مقدار الدرهم على تقدير الاجتماع وقد يستظهر أن العبرة بكون ذات

[ 444 ]

الدم بمقدار الدرهم فما زاد ولو على تقدير الاجتماع فالتقديري كالفعلي كاف في المانعية ووجوب الازالة. وكيف كان المتبع هو الاخبار فلابد من النظر إلى الروايات الواردة في المقام لنرى أن المستفاد منها أي شئ: " فمنها ": صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟ قال: لا، وان كثر فلا بأس أيضا بشبهه من الرعاف ينضحه ولا يغسله (* 1) لدلالتها على أن دم الرعاف إذا كان نقطا وشبيها بدم البراغيث لم يمنع من الصلاة سواء أكانت النقط على تقدير اجتماعها بمقدار الدرهم فما زاد أم لم يكن ومقتضاها أن العبرة بكون الدم بمقدار درهم فما زاد مجتمعا وأما المتفرق منه فهو ليس بمانع ولا تجب ازالته و لو كان على تقدير الاجتماع بقدر الدرهم فما زاد والجواب عن ذلك أن الرواية غير شاملة لما إذا كانت النقط بالغة بمقدار الدرهم على تقدير الاجتماع وذلك لان دم البرغوث في الثياب لا يكون - على الاغلب المتعارف - بمقدار الدرهم على تقدير اجتماعه، فالمشابه به - أعني دم الرعاف - أيضا لابد أن يكون كذلك، حيث دلت الصحيحة على العفو عما يشابه دم البراغيث فهي منصرفة عن صورة بلوغ دم البراغيث أو الرعاف إلى حد الدرهم ولو على تقدير الاجتماع هذا. ثم لو سلمنا عدم انصرافها وقلنا بشمولها لما إذا كانت النقط بمقدار الدرهم على تقدير الاجتماع فهى معارضة بحسنة محمد بن مسلم قال: قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة قال: ان رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل في غيره، وان لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك ولا اعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم وما كان أقل من ذلك فليس بشئ رأيته قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو اكثر من


(* 1) المروية في ب 20 من ابواب النجاسات من الوسائل

[ 445 ]

مقدار الدرهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فاعد ما صليت فيه (* 1) فان مقتضى إطلاقها وجوب الاعادة إذا كان الدم اكثر من مقدار الدرهم مجتمعا أم متفرقا، والتعارض بينهما بالاطلاق ومقتضى القاعدة سقوطهما والرجوع إلى عموم الفوق وهو عموم ما دل على مانعية النجس في الصلاة، إذ المقدار المتيقن الخروج منه هو الدم الاقل من الدرهم وأما الزائد على ذلك متفرقا فهو مشكوك الخروج فتشمله العمومات كما مر ثم إن في المقام روايتين استدل بهما علي كلا الطرفين: " إحداهما ": مرسلة جميل عن أبي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام إنهما قالا: لا بأس أن يصلي الرجل في الثوب وفيه الدم متفرقا شبه النضح، وإن كان قدر رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم (* 2) ولكنها لارسالها ضعيفة غير قابلة للاستدلال بها. و " ثانيتهما ": صحيحة ابن ابي بعفور في (حديث) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يكون في ثوبة نقط الدم لا يعلم به، ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي، ثم يذكر بعد ما صلى، أيعيد صلاته؟ قال: يغسله ولا يعيد صلاته، الا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة (* 3) فالدم الذي تجب ازالته هو ما كان قدر الدرهم مجتمعا أو ما كان مجتمعا قدر الدرهم كما في الروايتين والمحتملات في هذه الجملة الا أن يكون " مقدار الدرهم مجتمعا " اربعة: " الاول ": أن يكون قدر الدرهم اسما ليكون ومجتمعا خبره. " الثاني ": أن يكون مقدار الدرهم خبرا ليكون واسمها الدم المحذوف في الكلام ومجتمعا خبر بعد خبر، والمعنى حينئذ الا أن يكون الدم قدر الدرهم ويكون مجتمعا والنتيجة في هاتين الصورتين واحدة وهي دلالتها على أن المانع يعتبر فيه امران: أحدهما أن يكون الدم بقدر الدرهم. وثانيهما أن يكون مجتمعا، فالدم المشتمل على هاتين


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 20 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 446 ]

الصفتين تجب ازالته فلا تترتب المانعية على الدم الذي ليس بقدر الدرهم وان كان مجتمعا أو ما كان بقدره ولم يكن مجتمعا فالدم المتفرق لا عبرة به ولو كان بقدر الدرهم " الثالث ": أن يكون قدر الدرهم خبرا ليكون ومجتمعا حالا وهذا له صورتان: " إحداهما ": أن يكون مجتمعا حالا من الدم الذي هو اسم ليكون، والمعنى حينئذ إلا أن يكون الدم مقدار الدرهم حال كونه أي الدم مجتمعا ونتيجتها عدم العبرة بالدم المتفرق وإن كان بقدر الدرهم كما في الصورتين السابقتين. و " ثانيتهما ": أن يكون مجتمعا حالا من مقدار الدرهم الذي هو خبر ليكون، والمعنى حينئذ ولا يعيد صلاته إلا أن يكون الدم مقدار الدرهم حال كونه مجتمعا فتدل على أن بلوغ نقط الدم مقدار الدرهم على فرض اجتماعها مانع عن الصلاة وتجب ازالته، وعليه لا يعتبر الاجتماع الفعلى في المانعية، لان السائل قد فرض الدم نقطا وتوصيف قدر الدرهم حينئذ بالاجتماع إنما يكون بمعنى الفرض والتقدير ومعناه أن الدم إذا كان بمقدار الدرهم على تقدير اجتماع النقط المنتشرة منه وجبت ازالته وهو مانع عن الصلاة، وهذا الاحتمال هو المتعين الصحيح دون الاحتمالات الثلاثة المتقدمة، وذلك لانها تستلزم أن يكون الاستثناء الواقع في كلامه عليه السلام منقطعا لان الدم في مورد الصحيحة إنما هو النقط المنتشرة، ولا يتحقق فيها الاجتماع بالفعل فلابد أن نفرضه في غير مورد السؤال أي في غير الدم النقط وهو معنى كون الاستثناء منقطعا وحيث أنه خلاف ظاهر الاستثناء فلا يصار إليه ويتعين الاخذ بالمحتمل الاخير، وعليه فالصحيحة تدل على أن النقط المنتشرة في الثوب إذا كانت بمقدار الدرهم على تقدير اجتماعها وجبت ازالتها وأن المانع لا يعتبر فيه الاجتماع بالفعل، هذا. ثم لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بعدم ظهور الصحيحة فيما ذكرناه فلا أقل من أنه محتمل كغيره وهو يوجب اجمال الرواية ويسقطها عن الاعتبار، ولابد معه

[ 447 ]

من الرجوع إلى عموم مانعية النجس وذلك لما حررناه في محله من أن المخصص إذا دار أمره بين الاقل والاكثر فانما يتبع في المقدار المتيقن منه وهو الاقل ويرجع في الاكثر المشكوك فيه إلى العام، و " توضيحه ": أن الروايات الواردة في مانعية النجاسة بين ما ورد في النجاسة السابقة على الصلاة ودلت على وجوب غسلها واعادة الصلاة منها، وبين ما ورد في انكشاف النجاسة في أثنائها ودلت على اتمام الصلاة وعدم وجوب اعادتها كموثقة داود بن سرحان عن أبى عبد الله عليه السلام في الرجل يصلي فأبصر في ثوبه دما، قال: يتم (* 1) بحيث لو كنا نحن وهذه الموثقة لقلنا بعدم وجوب الاعادة مطلقا عند انكشاف النجاسة في أثناء الصلاة إلا أن صحيحة زرارة (* 2) دلتنا على أن من علم بنجاسة سابقة في أثناء الصلاة يقطع صلاته وهي باطلة إلا أن يحتمل طروها في أثنائها فانه يقطع صلاته ويغسله ثم يبني عليها، وحيث أن الصحيحة أخص من الموثقة فلا محالة تخصصها ومعه يحكم بوجوب ازالة النجاسة السابقة على الصلاة فانها مانعة عن صحتها. ثم أنه ورد على هذا المخصص مخصص آخر وهو أدلة العفو عما دون الدرهم من الدم لدلالتها على عدم بطلان الصلاة فيه ولو كان سابقا على الصلاة وصلى فيه متعمدا، وهذا هو القدر المتيقن من التخصيص في صحيحة زرارة وغيرها مما دل على مانعية النجاسة السابقة على الصلاة وبهذا المقدار نخرج عن عموم أدلة المانعية أو اطلاقها. وأما الدم الزائد على مقدار الدرهم أو ما هو بقدره متفرقا فخروجه عنها غير معلوم وعموم أدلة المانعية أو اطلاقها محكم فيه، فتحصل إلى هنا أنه لا فرق فيما هو بقدر الدرهم فما زاد بين كونه مجتمعا وكونه متفرقا هذا إذا كان الدم في الثوب وكذلك الحال فيما إذا كان في البدن لما مر من عدم الفرق بين الثوب والبدن


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 44 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 448 ]

[ والمناط سعة الدرهم (1) لا وزنه، وحده سعة أخمص الراحة، ولما ] وعدم ذكر البدن في الاخبار من جهة أن الغالب أصابة الدم الثوب لانه مستور به، وعليه لو فرضنا أن في ثوبه وبدنه دما لا يبلغ كل منهما مقدار الدرهم بنفسه إلا أنهما على تقدير اجتماعهما يبلغان مقدار الدرهم فما زاد فلا محالة تجب ازالته وهو مانع عن الصلاة. (بقي شئ) وهو أن للمصلي إذا كان أثواب متعددة كما هو المتعارف في الاعصار المتأخرة وكان الدم في كل واحد منها أقل من مقدار الدرهم الا أن مجموعه بقدره فما زاد فهل تجب ازالته وهو مانع من الصلاة؟ التحقيق لا وذلك لان الاخبار الواردة في في المسألة انما موردها الثوب وقد دلت على أن الدم الكائن فيه إذا كان بمقدار الدرهم فما زاد مجتمعا بالفعل أو بالتقدير وجبت ازالته، كما أنه إذا كان أقل من ذلك يعفى عنه في الصلاة فإذا فرضنا أن الدم في كل واحد من الاثواب أقل من مقدار الدرهم فهو موضوع مستقل للعفو وتشمله أدلته إذ يصدق أنه ثوب والدم الكائن فيه أقل من الدرهم، وكذلك الحال في الثوب الثاني والثالث وهكذا فان مقتضى اطلاق الروايات عدم الفرق في العفو بين تعدد الثوب ووحدته، ولا دليل على ان مجموع ما في الاثواب المتعددة إذا كان بقدر الدرهم يكون مانعا عن الصلاة ولا يقاس المقام بالمسألة المتقدمة، فان الثوب الواحد إذا كان فيه شبه النضح والنقط وكان مجموعها بقدر الدرهم يصح ان يقال انه ثوب والدم الكائن فيه بقدر الدرهم وهو مانع عن الصلاة، وكذا إذا كان مجموع ما في البدن والثوب بقدر الدرهم لان حكمهما واحد. وهذا بخلاف المقام لتعدد الثياب وكون كل واحد منها مشمولا لادلة العفو في نفسه، فافهم ذلك واغتنمه. (1) لانه الموافق للفهم العرفي من مثله ولا يكاد يستفاد من قوله: إلا

[ 449 ]

أن يكون بمقدار الدرهم.. أن يكون الدم بمقدار وزن الدرهم ليعتبر وزنه ووزن الدم الكائن في الثوب ليرى أنهما متساويان أو مختلفان، مع ما في وزن الدم - وهو في الثوب - من الصعوبة والاعضال. ثم أن الدراهم المتعارفة في زمان الصادقين عليهما السلام - وافيا كانت ام بغليا - كانت مختلفة من حيث السعة والضيق حيث انها كالقرانات العجمية الدارجة إلى قريب عصرنا إنما كانت تضرب بالآلات اليدوية لا بالمكائن والادوات الدقيقة، ومن الواضح أن الآلة اليدوية لا انضباط لها لتكون الدراهم على ميزان واحد ومن هنا كانت دئراتها تختلف بحسب الضيق والسعة وقد شاهدنا هذا الاختلاف في القرانات العجمية المضروبة - قبيل عصرنا - ببلدة همدان أو خراسان. وعليه فلا بد من تشخيص أن الميزان سعة اي درهم؟ فنقول: الدراهم إذا كانت مختلفة من حيث السعة والضيق فلا يمكن أن تكون العبرة باجمعها فان لازمه الحكم بالعفو عن مقدار خاص باعتبار أنه أقل من مقدار بعض الدراهم، والحكم بعدمه باعتبار أنه يزيد على مقدار بعضها الآخر فإذا لا بد من أن تكون العبرة ببعضها دون غيره وحيث أنه لم تقم قرينة على ارادة اكثرها سعة ولا على متوسطها فلا مناص من الاقتصار على أقلها سعة من الافراد المتعارفة الدارجة في عصر الصادقين عليهما السلام على ما تقتضيه القاعدة عند دوران المخصص المجمل بين الاقل والاكثر. وعليه فيقع الكلام في تحديد الدراهم المتعارفة وتميزها عن غيرها. ولم يرد تحديد الدرهم في شى من الروايات والمعروف بينهم ان المراد بالدرهم المعفو عما دونه هو البغلي وعن المتقدمين تفسيره بالوافي. ومن البعيد جدا أن يعبروا عن شى واحد بتعبيرين مختلفين. ثم إن كلماتهم قد اختلفت في تحديد سعة ذلك الدرهم المفسر بالبغلي أو الوافى. فقد نسب إلى اكثر العبائر تحديدها باخمص الراحة وهو اكثر التحديدات المذكورة في المقام،

[ 450 ]

وعن الاسكافي تحديدها بسعة العقد ألا على من الابهام من غير تعرض لكونه البغلي أو غيره، وعن بعضهم تحديدها بعقد الوسطى وعن رابع تحديدها بعقد السبابة وهو أقل التحديدات المتقدمة. أما تحديدها باخمص الراحة فلا مستند له في كلماتهم سوى ما عن ابن ادريس في سرائره من أنه شاهد درهما - من الدراهم التي كانت تجدها الحفرة في بلدة قديمة يقال لها بغل قريبة من بابل - تقرب سعته من سعة أخمص الراحة. وفيه " أولا ": أن ابن ادريس انما شهد على أن سعة الدرهم البغلي قريبة من سعة اخمص الراحة لا أن سعته بمقدار سعتها فهو في الحقيقة شهد على نقصان سعة الدرهم عن المقدار المدعى ولازم الاعتماد على شهادته تحديد الدرهم البغلي بما ينقص عن سعة اخمص الراحة بشئ لا تحديده بسعتها. و " ثانيا ": ان شهادته " قده " غير مسموعة فان الشهادة يعتبر فيها تعدد الشاهد ولا يكتفى فيها بالواحد وباب الشهادة غير باب النقل والرواية كما لا يخفي. على أن الدرهم البغلي مورد الخلاف من حيث نسبته فان ابن ادريس نسبه إلى المكان حيث قال: وهو - اي الدرهم البغلي - منسوب إلى مدينة قديمة يقال لها بغل. وعن آخر نسبته إلى ابن أبي البغل، وعن ثالث أنه منسوب إلى رأس البغل، ومع هذا الاختلاف كيف يعتمد على شهادته؟ فهذا التحديد لا مثبت له. وكذلك التحديدات الاخر لعدم قيام الدليل على شى منها. وتوهم أن المراد بالدرهم هو الدرهم على نحو القضية الحقيقية بان يكتفى بكل ما صدق عليه عنوان الدرهم في اي زمان كان ولو كانت سعته اكثر من سعة الدراهم الموجودة في زمانهم " ع " مندفع بانه محض احتمال لا مثبت له، فان الظاهر من الدرهم في رواياته هو الدرهم المتعارف في عصرهم وحيث لم يرد تحديد سعتها في شئ من رواياتهم فمقتضى القاعدة الاقتصار على أقل التحديدات المتقدمة وهو تحديد سعته بسعة عقد السبابة لانه المقدار المتيقن في البين،

[ 451 ]

[ حده بعضهم بسعة عقد الابهام من اليد وآخر بعقد الوسطى وآخر بعقد السبابة فالاحوط الاقتصار على الاقل وهو الاخير. (مسألة 1) إذا تفشى من أحد طرفي الثوب إلى الآخر فدم واحد (1) والمناط في ملاحظة الدرهم أوسع الطرفين (2). نعم لو كان الثوب طبقات فتفشى من طبقة إلى أخرى فالظاهر التعدد (3) وإن كانتا ] ويرجع فيما زاد على هذا المقدار إلى عموم ما دل على مانعية النجس في الصلاة كما هو الحال في غير المقام عند اجمال المخصص لدورانه بين الاقل والاكثر. ثم إنا لو ظفرنا بدرهم وأحرزنا أنه كان موجودا في زمانهم " ع " ايضا لم يمكننا الاعتماد على سعته، إذ من المحتمل القريب - لو لم ندع الجزم به كما مر - اختلاف الدراهم الموجودة في زمانهم بحسب الضيق والسعة، ومعه كيف يعلم أن ما ظفرنا به هو المراد بالدرهم الواقع في رواياتهم، ولعل سعته أقل أو اكثر من سعة الدراهم المقصودة في الروايات. كما أن تعيين اوزان الدراهم مما لا ثمرة له إذ المدار على سعة الدرهم لا على وزنه كما عرفت، وقد يكون الدرهم اوسع من غيره وهو اقل وزنا من ذلك، فلا اثر لتحقيق أن الدرهم ستة دوانيق أو أقل أو اكثر. (1) لا شبهة في وحدته حينئذ إذ الدم ليس من الاعراض الخارجية وإنما هو من الجواهر وله أبعاد ثلاثة من العمق والطول والعرض فدائما له سطح داخلي فقد يرى من الجانب الآخر وقد لا يرى. (2) لصدق أنه دم بقدر الدرهم فما زاد فتجب إزالته وإن كان في الطرف الاخر أقل منه. (3) لان التعدد في الوجود يمنع عن وحدة الدمين ولو كان الثوب واحدا كما إذا اصاب الدم الظهارة وتفشى إلى البطانة وكان مجموعهما بمقدار

[ 452 ]

[ من قبيل الظهارة والبطانة، كما انه لو وصل إلى الطرف الآخر دم آخر لا بالتفشي، يحكم عليه بالتعدد (1) وإن لم يكن طبقتين. (مسألة 2) الدم الاقل إذا وصل إليه رطوبة من الخارج، فصار المجموع بقدر الدرهم أو أزيد لا اشكال في عدم العفو عنه (2) وإن لم يبلغ الدرهم (3) فان لم يتنجس بها شئ من المحل - بان لم تتعد عن ] الدرهم فما زاد فانه مانع عن الصلاة وتجب ازالته لاجلها - بناء على عدم اعتبار الاجتماع الفعلى في الحكم بوجوب الازالة - كما هو الصحيح (1) لايتم الحكم بالتعدد في مثله على اطلاقه وذلك لان الدم في كل من الطرفين قد يتصل بالدم الكائن في الطرف الاخر وقد يبقى بينهما فاصل ولا يتصلان لثخانة الثوب أو لكونه مانعا من السرية والتفشي كما في ال‍ " نايلون " الدارج في زماننا. أما المتصلان فهما دم واحد يالنظر العرفي كالمتفشي من جانب إلى جانب آخر. بل هما متحدان بالنظر الدقيق الفلسفي لان الاتصال مساوق للوحدة فلا وجه في مثله لضم احدهما إلى الآخر وملاحظة بلوغ مجموعهما مقدار الدرهم فانه دم واحد فإذا كان في احد الجانبين بمقدار الدرهم فهو وإلا تشمله ادلة العفو لا محالة. وأما غير المتصلين فهما دمان متعددان فينضم احدهما إلى الآخر ويلاحظ بلوغ مجموعهما مقدار الدرهم وعدمه. (2) لان أدلة العفو إنما دلت على جواز الصلاة مع النجاسة الدموية الاقل من مقدار الدرهم وأما ما كانت بقدره فما زاد فهو خارج عن ادلة العفو ومقتضى عموم مانعية النجس وجوب ازالته للصلاة. (3) للمسألة صورتان: " إحداهما ": ما إذا وصلت الرطوبة إلى المحل المتنجس من الثوب بالدم وكانت باقية معه حال الصلاة و " ثانيتهما ": ما إذا

[ 453 ]

[ محل الدم - فالظاهر بقاء العفو، وإن تعدى عنه ولكن لم يكن المجموع بقدر الدرهم ففيه اشكال (1) والاحوط عدم العفو. (مسألة 3) إذا علم كون الدم أقل من الدرهم، وشك في أنه ] وصلت الرطوبة إليه الا انها إرتفعت حال الصلاة باشراق الشمس ونحوه. ولا مانع من الحكم بصحة الصلاة في كلتا الصورتين وذلك أما من ناحية الدم فلانه أقل من مقدار الدرهم ولم تزد نجاسته عما كانت عليه إذ المفروض أن الرطوبة انما وقعت على نفس الموضع المشتمل على الدم ولم يتفش إلى غيره نظير ما إذا وقع دم آخر على ذلك المورد المشتمل على الدم ولم يتجاوز عنه إلى غيره حيث لا يتنجس الموضع بذلك زائدا على نجاسته السابقة. وأما من قبل الرطوبة المتنجسة فلجواز حمل النجس في الصلاة كما يأتي في محله إن شاء الله، هذا فيما إذا كانت الرطوبة باقية حال الصلاة كما في الصورة الاولى على الفرض. وأما إذا ارتفعت باليبوسة كما في الصورة الثانية فالامر اوضح حيث لا تبقى حينئذ سوى نجاسة الدم لارتفاع الرطوبة المتنجسة بيبوستها. (1) ما ذكرناه في الحاشية السابقة إنما هو إذا لم تتعد الرطوبة عن المحل المتنجس بالدم. وأما إذا تجاوزت ولم يكن المجموع بقدر الدرهم فالصحيح وجوب ازالتها وعدم صحة الصلاة حينئذ، إذ لا تشمله ادلة العفو لانها كما مر انما تدل على العفو عما دون الدرهم من الدم. وأما النجاسة الاخرى غيره فلا دلالة لها على العفو عنها ابدا. ودعوى أن نجاسة الرطوبة ناشئة من الدم والفرع لا يزيد على اصله. مندفعة بان الاحكام الشرعية تعبدية ولا سبيل فيها للرجوع إلى القواعد الاستحسانية بوجه، ومن المحتمل أن تكون للمتنجس بالدم خصوصية تقتضي بطلان الصلاة فيه فكيف يمكن معه مقايسته بالدم

[ 454 ]

[ من المستثنيات أم لا يبني على العفو (1). وأما إذا شك في أنه بقدر ] (1) لا يبتني حكمه بالعفو في المسألة على جواز التمسك بعموم ما دل على العفو عما دون الدرهم من الدم. نظرا إلى أنه عام وقد خرج عنه دم الحيض وغيره من المستثنيات فإذا شككنا في مورد أنه من الافراد الخارجة أو بما بقي تحت العموم فنرجع إلى العام بل يمكن الحكم بالعفو علي القول بعدم الجواز أيضا كما هو الصحيح وذلك لما هو الاظهر من جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية، لان الدم قبل أن يتحقق في الخارج كنا عالمين من عدمه ومن عدم اتصافه بالحيض، فإذا علمنا تبدله بالوجود وشككنا في أن اتصافه أيضا وجد معه أم لم يوجد فنبني على عدم حققه بالاستصحاب لان الاتصاف أمر حادث مسبوق بالعدم والاصل بقاءه بحاله فهو دم أقل من مقدار الدرهم - بالوجدان - وليس بدم الحيض - مثلا - بالاستصحاب فبه يحرز دخوله تحت العموم ومقتضاه العفو عن كل دم أقل من مقدار الدرهم، هذا. ثم لو بنينا على عدم جريان الاصل في الاعدام الازلية فقد يقال - والقائل هو المحقق الهمداني " قده " - باستصحاب جواز الصلاة في الثوب لان الصلاة فيه قبل أن يطرء عليه الدم المردد بين كونه مما عفي عنه وما لم يعف عنه كانت جائزة يقينا والاصل أن الثوب كما كان عليه. وفيه أنه لا مجال للاصل في المقام سواء قلنا بجريان الاصل الموضوعي أم بعدمه. أما مع جريانه - وهو استصحاب العدم الازالي - فلوضوح انه لا مجال للاصل الحكمي معه لانه حاكم عليه. وأما مع عدم جريانه فلان جواز الصلاة في الثوب قبل ان يطرء عليه الدم المردد إنما كان مستندا إلى طهارته وهي قد ارتفعت لتنجس الثوب على الفرض ولاحالة سابقة لجواز الصلاة في الثوب المتنجس حتى نستصحبه. والعجب منه " قده " حيث لم يقتصر على ذلك وأضاف إليه:

[ 455 ]

[ الدرهم، أو أقل فالاحوط عدم العفو (1) ] أنه لو لم تكن له حالة سابقة معلومة أو منع من استصحابها مانع كما لو كان من اطراف الشبهة المحصورة وجبت ازالته لقاعدة الاشتغال. ويندفع بأن في أمثال المقام من الشبهات الموضوعية لا مجال للرجوع إلى قاعدة الاشتغال وانما يرجع فيها إلى البرائة باعتراف منه " قده " في البحث عن الصلاة في اللباس المشكوك فيه. والسر في ذلك أن المانعية كالمحرمات النفسية انحلالية فتنحل إلى موانع متعددة بتعدد أفراد موضوعها، والمانع هو ما يتقيد المأمور به بعدمه فإذا شككنا في أن الصلاة هل تقيد بأن لا تقع في الدم المردد بين كونه مما عفي عنه أو من دم الحيض ونحوه كان مقتضى البرائة عدم تقيدها بأن لا تقع في المشكوك فيه ومعه لابد من الحكم بصحة الصلاة فيه وبعبارة أخرى إن المورد قد جمع بين الشبهة الموضوعية ودوران الامر بين الاقل والاكثر. وفيه جهتان وذلك للعلم بتقييد الصلاة بعدة قيود عدمية كالعلم بتقييدها بأن لا تقع في البول والمني وغيرهما ونشك في أنها زائدة على ذلك هل تقيد بأن لا تقع في الدم المشكوك فيه؟ فيرجع إلى البرائة عن الزائد كما هو الحال في غيره من موارد دوران الامر بين الأقل والاكثر فالمتحصل ان المرجع في المسألة هو البرائة - إذا بنينا على عدم جريان الاصل في الاعدام الازلية - نعم لو كان المشكوك فيه من أطراف العلم الاجمالي لم تجر فيه اصالة البراءة للمعارضة. (2) وهذا لا لعموم ما دل على مانعية النجس في الصلاة لانه من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية للعلم بتخصيصه والتردد في أن المشكوك فيه هل ينطبق عليه عنوان المخصص أو لا ينطبق. بل العفو وعدمه في مورد الكلام يبتنيان على ملاحظة أن الدم الذى تجب إزالته وهو مانع عن الصلاة

[ 456 ]

مقيد بعنوان وجودي - أعني كونه بمقدار الدرهم وما زاد، أو أنه مقيد بعنوان عدمي - أعني عدم كونه أقل من مقدار الدرهم. فعلى الاول يجري استصحاب عدم كون الدم بقدر الدرهم فما زاد وذلك لاستصحاب العدم الازلي، حيث أن الدم قبل أن يتحقق في الخارج كنا قاطعين من عدمه وعدم اتصافه بمقدار الدرهم فما زاد فإذا علمنا بوجوده وشككنا في تحقق اتصافه معه فالاصل عدم تحقق الاتصاف فهو دم - بالوجدان - وليس بمقدار الدرهم بالاستصحاب فيدخل بذلك تحت العموم ويعفى عنه في الصلاة. وأما على الثاني فمقتضى الاستصحاب الجاري في العدم الازلي عدم اتصافه بالقلة حيث أنه قبل وجوده كنا عالمين من عدمه وعدم اتصافه بالقلة فإذا شككنا في تحققه بعد العلم بذاته نبني على عدمه بالاستصحاب وبضم الوجود ان إلى الاصل نحرز دخوله تحت العموم ومانعيته فتجب إزالته. والاخبار الواردة في المقام وإن كانت مختلفة - حيث يستفاد من بعضها أن المانع هو الدم بمقدار الدرهم فما زاد كما في رواية الجعفي " وإن كان اكثر من قدر الدرهم " وصحيحة ابن أبي يعفور " إلا أن تكون مقدار الدرهم ". ويستفاد من بعضها الآخر أن المانع هو الدم الذى لا يكون أقل من قدر الدرهم كما في حسنة محمد بن مسلم " وما كان أقل من ذلك فليس بشئ " ورواية الجعفي في قوله: " إن كان أقل من قدر الدرهم فلا يعيد الصلاة " فان ظاهرهما أن المانع مالا يكون أقل من قدر الدرهم - إلا أن مقتضى كلماتهم هو الاخير حيث ذكروا: ان ما دون الدرهم يعفى عنه.. فاستثنوا الدم الاقل من قدر الدرهم عن مانعية النجس وعليه فيكون المانع هو الدم المقيد بأن لا يكون أقل من ذلك. وهو وصف عدمي وهذا غير بعيد. بل يمكن استظهاره من الاخبار أيضا نظرا إلى أنها وردت تخصيصا لعموم مانعية النجاسة أو تقييدا لاطلاقها

[ 457 ]

[ إلا أن يكون مسبوقا بالاقلية وشك في زيادته (1) (مسألة 4) المتنجس بالدم ليس كالدم في العفو عنه، إذا كان اقل من الدرهم (2) ] بالدم الاقل من مقدار الدرهم فإذا كان الخارج هو الدم الاقل فلا محالة يكون المانع هو مالا يكون أقل من ذلك المقدار. والاستظهار موكول إلى نظر الفقيه فكلما استظهر أن الدم المانع عن الصلاة مقيد بقيد عدمي فلا محالة يمكن إحراز ذلك القيد باستصحاب العدم الازلي ويحكم على الدم المشكوك فيه بوجوب الازالة وعدم العفو كما في المتن. وإذا استظهر انه مقيد بقيد وجودي فلا يمكن إحرازه بالاستصحاب بل هو يجرى في عدمه ويحكم على الدم المشكوك فيه بالعفو وعدم وجوب ازالته. وأما إذا شك في ذلك ولم يستظهر انه مقيد بهذا أو بذاك فلا يبقى للاصل الموضوعي مجال وتصل النوبة إلى البرائة عن تقيد الصلاة بعدم وقوعها في الدم المشكوك فيه. وبها يثبت العفو وفي النتيجة لا يتحصل فرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدمة. (1) كما إذا كان الدم يطرء على الثوب بالتقطير فان القطرة الاولى حيننئذ أقل من مقدار الدرهم قطعا فإذا زيدت عليه قطرات وشككنا في أنها بلغت مقدار الدرهم أم لم يبلغه يجري استصحاب كونه أقل من الدرهم أو عدم زيادته. (2) لاختصاص الادلة بالدم. نعم قد يقال: المتنجس بالدم إنما تستند نجاسته إليه، فإذا لم يكن الدم مقتضيا لبطلان الصلاة فكيف يقتضيه المتنجس به فان الفرع لا يزيد على أصله. وفيه ان ذلك قاعدة استحسانية ولا سبيل للرجوع إليها في الاحكام التعبدية كما مر عن قريب.

[ 458 ]

[ (مسألة 5) الدم الاقل إذا ازيل عينه فالظاهر بقاء حكمه (1) ] (1) وهذا لا لاستصحاب العفو عنه ليرد أنه من الاستصحاب التعلبقي أو يقال إن المورد من موارد الرجوع إلى العام أعني ما نعية النجس في الصلاة لا الاستصحاب - مع أن المناقشة في الاستصحاب بأنه من الاستصحاب التعليقي ساقطة، لانا لا نريد به أن الثوب كان بحيث لو صلى فيه أحد - قبل زوال العين عنه - لوقعت صلاته صحيحة وانه الآن كما كان، وإنما المراد به استصحاب عدم مانعية النجاسة الكائنة في الثوب أو عدم مانعية الثوب حال كون العين موجودة عليه، فان الصلاة لم تكن مقيدة بعدم وقوعها في ذلك الثوب قبل زوال العين عنه والاصل انه الآن كما كان. ولا تعليق في المانعية أو عدمها - بل الحكم بالعفو لوجهين اخرين: " احدهما ": الاولوية القطعية لدى العرف فانه لا يكاد يشك في أن الدم مع بقاء عينه إذا لم يكن مانعا عن الصلاة فلا يكون مانعا عنها بعد زوال عينه بطريق اولى. والسر في ذلك أن ادلة العفو عما دون الدرهم من الدم مما لا دلالة لها - حسب المتفاهم العرفي - على شرطية وجود الدم في الحكم بصحة الصلاة، فانها وردت تخصيصا في ادلة المانعية فتدل على عدم مانعية الدم الاقل لا على شرطية وجوده فإذا فالاولوية القطعية ثابتة و " ثانيهما ": اطلاقات ادلة العفو، لانهما تقتضي صحة الصلاة في الدم الاقل مطلقا سواء أكانت العين باقية ام كانت زائلة وذلك فان روايات العفو على قسمين: فمنها ما فرض أن الثوب مشتمل على وجود الدم حال الصلاة وهذا القسم خارج عن مورد الاستدلال في المقام. ومنها ما فرض اشتمال الثوب على الدم بمدة قبل الصلاة حتى انه نسيه فصلى فيه كما في صحيحة ابن ابي يعفور " عن الرجل يكون في ثوبه نقط الدم فينسى أن يغسله فيصلي... " وهذا القسم هو الذي نستدل به في المسألة حيث أن الصحيحة فرضت وجود

[ 459 ]

[ (مسألة 6) الدم الاقل إذا وقع عليه دم آخر أقل، ولم يتعد عنه، أو تعدى وكان المجموع أقل، لم يزل حكم العفو عنه (1). (مسألة 7) الدم الغليظ الذي سعته أقل، عفو (2) وإن كان بحيث لو كان رقيقا صار بقدره أو اكثر. (مسألة 8) إذا وقعت نجاسة اخرى كقطرة من البول - مثلا - على الدم الاقل، بحيث لم تتعد عنه إلى المحل الطاهر، ولم يصل إلى الثوب أيضا، هل يبقى العفو أم لا؟ إشكال فلا يترك الاحتياط (3) ] النقط في الثوب قبل الصلاة، ولم يستفصل الامام عليه السلام في الجواب بقاء العين حال الصلاة وعدمه، وترك الاستفصال دليل العموم، على أن مقتضى الطبع زوال العين باستمرار الزمان ولو ببعضها. بل ظاهر الصحيحة زوالها باجمعها لظهورها في أن النقط انما كانت في ثوبه بمدة قبل الصلاة حتى نسيها ومع الاولوية والاطلاق لا يبقى مجال للاستصحاب. (1) لاطلاقات الاخبار حيث دلت على العفو عما دون الدرهم من الدم مطلقا سواء اصابه مرة أو مرتين. (2) لان المدار في كون الدم بقدر الدرهم زاد على كونه بهذا المقدار بالفعل وأما كونه كذلك بالتقدير وأنه لو كان رقيقا لكان بقدره أو اكثر فغير كاف في الحكم بالمانعية. (3) للمسألة صور: " الاولى ": ما إذا وقعت قطرة من البول - مثلا - على غير المحل المتنجس بالدم. ولا اشكال حينئذ في ارتفاع العفو عن الصلاة فيه لانه يختص بالنجاسة الدموية ولم يثبت في غيرها من النجاسات. " الثانية ": ما إذا وقعت على نفس الموضع المتنجس من الثوب بالدم ولم يتعد عنه فهل

[ 460 ]

[ " الثالث ": مما يعفى عنه ما لا تتم فيه الصلاة (1) من الملابس كالقلنسوة ] يثبت العفو حينئذ نظرا إلى أن الموضع المتنجس منه لا يتنجس بالبول ثانيا نعم يترتب عليه الزائد عن الاثار المترتبة على الدم كغسله مرتين بالماء القليل مثلا فهو متنجس بالدم فحسب أو لا عفو عنه؟ التحقيق عدم العفو عن مثله لاطلاق ما دل على وجوب ازالة النجس عن الثوب والبدن، حيث انها شاملة للبول في مفروض المسألة وإن لم يكن مؤثرا في تنجيس ما وقع عليه لتنجسه في نفسه. " الثالثة ": ما إذا وقعت على نفس الدم الاقل ولم يصل إلى الثوب ولها صورتان: " إحداهما ": ما إذا يبست القطرة الواقعة حال الصلاة. ولا مانع فيها من الحكم بصحة الصلاة لعدم تنجس الثوب بالبول لانه انما وقع على الدم والنجس لا يتنجس ثانيا، كما لا عين للبول الواقع لارتفاعه ويبوسته فليس الثوب حينئذ إلا متنجسا بالدم الاقل وهو معفو عنه في الصلاة و " ثانيتهما ": ما إذا كانت القطرة الواقعة باقية حال الصلاة. والحكم بصحة الصلاة أو بطلانها وقتئذ يبتنيان على جواز حمل النجس في الصلاة وعدمه وحيث أن التحقيق جوازه فلا بد من الحكم بصحة الصلاة في مفروض المسألة. هذا إذا قلنا بعدم تنجس الدم بالبول. وأما إذا قلنا بتنجسه فصحة الصلاة في كلتا الصورتين اعني صورتي يبوسة البول وعدمها تبتني على جواز حمل النجس لان النجاسة الدموية وإن كانت موردا للعفو، إلا أن نجاسة البول باقية بحالها ولم يعف عنها في الصلاة. (1) العفو في الصلاة عما لا تتم فيه الصلاة في الجملة مما لا خلاف فيه. بل ادعى عليه الاجماع في كلمات غير واحد من الاصحاب كما وردت في ذلك جملة من الاخبار عمدتها موثقة زرارة عن أحدهما " ع " قال: كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة

[ 461 ]

[ والعرقچين، والتكة، والجورب، والنعل، والخاتم، والخلخال ونحوها بشرط أن لا يكون من الميتة (1) ] وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشئ مثل القلنسوة و التكة والجورب (* 1) (1) لان موثقة زرارة - كما ترى - واردة فيما لا يتم فيه الصلاة إذا كان متنجسا بشئ من النجاسات أو المتنجسات كما لعله صريح قوله: لا بأس بأن يكون عليه الشئ وقد صرح بذلك ايضا في خبره قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إن قلنسوتي وقعت في بول فاخذتها فوضعتها على رأسي ثم صليت فقال: لا بأس (* 2) فالموثقة تختص بما إذا كان ما لا تتم فيه الصلاة نجسا بالعرض ولا تشمل ما إذا كان نجسا بالذات لكونه ميتة فلا محالة تشمله عموم المنع عن الصلاة في النجس. نعم هناك روايتان تدلان في نفسهما على عدم الفرق في العفو عما لا تتم الصلاة فيه بين النجس الذاتي والعرضي: " إحداهما ": رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الا بريسم والقلنسوة والخف والزنار يكون في السراويل ويصلى فيه (* 3) وذلك لاشتمالها على ما لم تشتمل عليه الموثقة المتقدمة كالتكة الابريسم والخف والزنار. وهي باطلاقها تعم ما إذا كانت الامور المذكورة فيها نجسة بالعرض وما إذا كانت نجسة بالذات بل هي - بامثلتها - ظاهرة في انه عليه السلام بصدد بيان أن الموانع المقررة للصلاة مختصة بما تتم فيه فلا تكون مانعة فيما لا تتم فيه الصلاة فلا عبرة بكونه من الابريسم أو الميتة أو غيرهما و " ثانيتهما ": موثقة اسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لباس الجلود والخفاف والنعال والصلاة فيها إذا لم تكن من ارض المصلين، فقال: أما النعال


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 31 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في ب 14 من ابواب لباس المصلى من الوسائل.

[ 462 ]

والخفاف فلا بأس بهما (* 1) لعدم استفصالها بين ما إذا كانت الخفاف والنعال نجسة بالعرض وما إذا كانت نجسة بالذات وترك الاستفصال دليل العموم بل ياتي انها صريحة في جواز الصلاة فيما لا تتم فيه الصلاة المأخوذ من ارض غير المصلين المحكوم بعدم تذكيته بمقتضى الاستصحاب فلا يختص الاستثناء بما إذا كان ما لايتم فيه الصلاة نجسا بالعرض. ولكن في قبالها صحيحة ابن ابي عمير عن غير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام في الميتة قال: لا تصل في شئ منه ولا في شمع (* 2) والذي يروي عنه ابن ابي عمير وإن كان غير مذكور في السند إلا انه ينقلها عن غير واحد، ومثله خارج عن المراسيل حيث أن ظاهره أن الرواية كانت مشهورة وثابتة عنده من غير خلاف ومن هنا ينقلها نقل المسلمات وصحيحة محمد بن ابي نصر عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخف، لا يدري أذكي هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه وهو لا يدري؟ أيصلي فيه؟ قال: نعم، أنا أشتري الخف من السوق ويصنع لي وأصلي فيه وليس عليكم المسألة (* 3) حيث تدل على أنه لو سأل عنه وظهر أنه من الميتة لم يجز له الصلاة فيه، إذ لو جازت الصلاة فيه حتى مع ظهور كونه من الميتة لم يكن لردعه عليه السلام عن المسألة وجه صحيح. والتعارض بين هاتين الروايتين مع الروايتين السابقتين وإن كان ظاهرا في بادى النظر إلا أنه لا تعارض بينهما حقيقة، وذلك أما بالاضافة إلى خبر الحلبي فلانه ضعيف السند باحمد بن هلال لانه مرمي بالغلو تارة وبالنصب اخرى ولا يمكن الاعتماد على رواياته كما اسلفناه في بعض المباحث المتقدمة. على أنا لو اغمضنا عن سنده


(* 1) المروية في ب 38 من ابواب لباس المصلى من الوسائل (* 2) المروية في ب 1 و 14 من ابواب لباس المصلى من الوسائل. (* 3) المروية في ب 50 من ابوب النجاسات من الوسائل.

[ 463 ]

فدلالته على جواز الصلاة فيما لا تتم فيه الصلاة من الميتة بالاطلاق ولا تعارض بينه وبين الروايتين بل مقتضى قانون الاطلاق والتقييد أن يقيد الخبر بصحيحة ابن ابي عمير الناهية عن الصلاة في الميتة ولا في شسع وغيرها مما هو بمضمونها وبهذا تختص الرواية بما لا تتم فيه الصلاة من غير الميتة. وأما بالاضافة إلى موثقة اسماعيل بن الفضل فلا كلام فيها بحسب السند وأما بحسب الدلالة فقد يقال: انها كالرواية السابقة انما دلت على جواز الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه من الميتة بترك استفصالها واطلاقها، ومقتضى قانون الاطلاق والتقييد أن نرفع اليد عن اطلاقها بصحيحتي ابن ابي عمير والبزنطي المتقدمتين ويبعده " أولا ": أن السائل قد خص سئواله بلباس الجلود والخفا والنعال فلو كان اراد منها النجس بالعرض لم يكن وجه لتخصيصه السؤال بها لوضوح عدم انحصار المتنجس بالمذكورات وهذه قرينة على أن سئواله انما كان من جهة نجاستها بالذات أو من جهة عدم تذكيتها لانها كانت في ارض غير المصلين - اي المسلمين - والاصل في الجلود عدم التذكية فلا تصح فيها الصلاة إلا أن تقوم امارة على التذكية من يد المسلمين وسوقهم أو غيرهما من الامارات. و " ثانيا ": ان الامام عليه السلام رخص الصلاة في النعال والخفاف ولم يرخصها في الجلود فلو كان الوجه في ترخيصه هو اشتمال النعال والخفاف على النجاسة العرضية لم يكن فرق بينهما وبين لباس الجلود وذلك لان السائل غير عالم بنجاستها العرضية على الفرض ومع الشك في نجاستها يبني على طهارتها بقاعدة الطهارة من دون تفصيل في ذلك بين لباس الجلود والنعال والخفاف فتفصيله عليه السلام بينهما اوضح قرينة على أن السؤال انما كان من جهة الحكم بعدم تذكية النعال والخفاف بمقتضى أصالة عدم التذكية فيستفاد من الموثقة أن الميتة انما تكون مانعة فيما تتم فيه الصلاة دون مالا تتم فيه وبما ذكرناه في المقام تكون الموثقة كالصريح ولا تكون دلالتها

[ 464 ]

بالاطلاق حتى يقيد بالصحيحة المتقدمة. فالصحيح أن يقال أن الصحيحة والموثقة يختلفان موردا ولا يرد النفى والاثبات فيهما على محل واحد ومعه لا تعارض بينهما حقيقة. بيان ذلك أن الميتة - كما مر غير مرة - هو ما استند موته إلى سبب غير شرعى فهو عنوان وجودي وما لم يذك عنوان عدمي وهما وإن كانا متلازمين في الخارج إلا أنها مختلفان بحسب المفهوم والعنوان ولاختلافهما كذلك فككنا بين اثارهما واحكامهما وقلنا إن النجاسة مترتبة على الميتة دون ما لم يذك فلا يثبت نجاسة اللحم أو الجلد أو غيرهما باستصحاب عدم تذكيته. نعم هما مشتركان في بعض احكامهما كحرمة الاكل وبطلان الصلاة. واختلاف الاحكام الشرعية باختلاف العناوين غير عزيز ولو كان مصداقها شيأ واحدا. وقد بينا في الكلام على العفو عما دون الدرهم من الدم أن الاثر يختلف باختلاف كون الدم المانع مقيدا بالقيد الوجودي وكونه مقيدا بالقيد العدمي، مع أن مصداقهما شئ واحد. فعلى ذلك لا معارضة بين الصحيحة والموثقة لان الموثقة إنما سيقت - بظاهرها - لبيان جواز الصلاة فيما شك في تذكيته إذا لم تتم فيه الصلاة فلا تنافي عدم جوازها فيما احرز أنه ميتة وغير مذكى وتوضيحه: أن غير المذكى وإن كان قد اخذ - بعنوانه في موضوع الحكم بعدم جواز الصلاة فيه إلا أن ذلك فيما تتم فيه الصلاة فمع الشك في التذكية يجرى استصحاب عدمها وبه يحكم ببطلان الصلاة فيه بلا حاجة إلى اثبات أنه ميتة وأما ما لا تتم فيه الصلاة فلم يؤخذ في موضوع الحكم بعدم جواز الصلاة فيه إلا كونه ميتة دون عنوان عدم التذكية، فان احرزنا في مورد أنه ميتة ولم تقع عليه التذكية فيحكم ببطلان الصلاة فيه بمقتضى هذه الصحيحة وأما مع الشك في ذلك فلا مانع من الحكم بصحة الصلاة فيه كما هو مفاد الموثقة لان استصحاب عدم التذكية لا يثبت به عنوان الميتة

[ 465 ]

[ ولا من اجزاء نجس العين (1) كالكلب واخويه ] وإن كان مصداقهما حقيقة شيئا واحدا. ثم لو أبيت إلا عن إطلاق الموثقة وشمولها لما علم كونه ميتة وما شك فيه فلا مناص من تقييدها بهذه الصحيحة الدالة على عدم جواز الصلاة فيما علم كونه ميتة فلا يبقى بذلك تعارض بين الروايتين هذا. فلو أبيت إلا عن اتحاد الميتة وغير المذكى وبنيت على تعارض الروايتين فان أمكن حمل الصحيحة المانعة عن الصلاة في الميتة على الكراهة فيما لا تتم فيه الصلاة من الميتة فهو، وأما إذا استبعدنا ذلك فالروايتان متعارضتان ومقتضى القاعدة هو التساقط والرجوع إلى عموم ما دل على المنع عن الصلاة في النجس إذ لم يرد عليه تخصيص أو تقييد والنتيجة إذا ما ذهب إليه الماتن " قده " من اختصاص العفو فيما لا تتم فيه الصلاة بالنجاسة العرضية وعدم شموله للنجس بالذات لا تقييد الموثقة بالصحيحة أو بغيرها مما هو بمضمونها لانه أمر لا موجب له كانت الروايتان متعارضتين أم لم تكن. (1) قد يقال باستثناء ما كان من نجس العين عن العفو عما لا تتم فيه الصلاة، معللا بأنه ميتة لان نجس العين غير قابل للتذكية. وقد مر أن الصلاة في الميتة باطلة بمقتضى صحيحة ابن أبي عمير المتقدمة. وهذا الاستدلال من الفساد بمكان، وذلك لعدم اختصاص الكلام باجزاء الميتة بل البحث في ما يعم الميتة وغيرها كما إذا صنع قلنسوة من شعر الكلب - وهو حي - أو من شعر خنزير أو مشرك كذلك فانه من أجزاء نجس العين وليس من الميتة في شئ لانه من الحي. بل لو فرضنا أن الحيوان قد مات أيضا لا يكون شعره من الميتة لما قدمناه سابقا من أن الموت إنما تعرض على ما تحله الحياة فإذا انقضت حياته يقال انه ميتة. وأما مالا تحله الحياة فهو لا يتصف بالموت بوجه فلا تعرضه نجاسته. وإن كان نجسا بالذات فكونه مانعا عن الصلاة إنما هو لكونه مما

[ 466 ]

لا يؤكل لحمه ومن النجاسات الذاتية لا لاجل كونه ميتة فتعليل عدم جواز الصلاة في أجزاء نجس العين بانه ميته تعليل عليل فلا مناص من مراجعة الاخبار لنرى انها تدل على العفو عما لا تتم فيه الصلاة ولو كان من أجزاء نجس العين أو لا تدل؟ وقد مر أن عمدة الاخبار الواردة في المسألة موثقة زارة وهى انما دلت على العفو عن النجاسة العرضية لقوله عليه السلام: " فلا بأس بأن تكون عليه الشئ " ولا دلالة لها على العفو عن النجاسة الذاتية فيما لا تتم فيه الصلاة فعموم مانعية النجس في الصلاة محكم وهو يقضي ببطلان الصلاة في أجزاء نجس العين ولو كان مما لا يتم فيه الصلاة هذا. على أن الكلب والخنزير مما لا يؤكل لحمه وهو بنفسه جهة مستقلة في المانعية عن الصلاة عن ما نطقت به موثقة ابن بكير المتقدمة (* 1) ومن هنا ظهر أن موثقة زرارة لو كانت شاملة لكل من النجاسة الذاتية والعرضية - كما كانت الرواية هكذا: كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون نجسا - أيضا لم يمكن الاعتماد عليها لمعارضتها بموثقة ابن بكير، وحيث أن دلالة الثانية بالعموم لاشتمالها على إداة العموم في قوله: " في كل شئ منه " فلا محالة تتقدم على موثقة زرارة لان دلالتها بالاطلاق أو لو كانت دلالتها أيضا بالعموم - كما هو كذلك - لاشتمالها على قوله " كل ما كان " فلا محالة يتساقطان فيرجع إلى عموم ما دل على المنع عن الصلاة في النجس ولا تصل النوبة معها إلى البرائة بوجه. " بقي شئ " وهو أن الموثقة كما أنها ناظرة إلى عموم مانعية النجس في الصلاة - حيث فرضت أن للصلاة مانعا وهو النجاسة ودلت على عدم البأس بها فيما لا تتم فيه الصلاة - فهل لها نظر إلى أدلة سائر الموانع أيضا؟ كما لا يؤكل لحمه والابريسم بأن تدل على أن الموانع المقررة للصلاة انما هي في غير مالا تتم فيه. الصحيح انه لا نظر


(* 1) المتقدمة في ص 441

[ 467 ]

[ والمناط عدم إمكان الستر بلا علاج، فان تعمم أو تحزم بمثل الدستمال مما لا يستر العورة بلا علاج، لكن يمكن الستر به بشده بحبل، أو بجعله خرقا لامانع من الصلاة فيه. وأما مثل العمامة الملفوفة التي تستر العورة إذا فلت فلا يكون معفوا (1) إلا إذا خيطت بعد اللف بحيث تصير مثل القلنسوة. ] لها إلى غير مانعية النجس لانها وان كانت مطلقة أو عامة إلا أن ذيلها وهو قوله فلا بأس بأن يكون عليه الشئ. يخصصها أو يقيدها بالمانعية من جهة النجاسة وذلك لانما يوجب بأسا في الثوب إنما هو نجاسته لانها توجب سقوطه عن قابلية الصلاة فيه. وهذا بخلاف أجزاء مالا يؤكل لحمه كما إذا كان على الثوب وبر منه - مثلا - فانه لا يقال ان الثوب مما لا يصح الصلاة فيه بل هو مما تصح فيه الصلاة حتى مع وجود الوبر عليه وإنما الوبر بنفسه مما لا تصح الصلاة فيه فإذا عرفت ذلك فنقول: الموثقة اشتملت على أن كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشئ وهذا التعبير واللسان لا يناسبهما سوى ارادة النجاسة من الشئ لان اشتمال الثوب على غير النجاسة من موانع الصلاة غير مولد للبأس فيه بخلاف النجاسة كما مر. (1) صرح الصدوق في محكي كلامه بجواز الصلاة في العمامة المتنجسة معللا بأنه مما لا تتم فيه الصلاة ونقله عن أبيه ومستنده في ذلك إما رواية الفقه الرضوي: إن أصاب قلنسوتك أو عمامتك أو التكة أو الجورب أو الخف مني أو بول أو دم أو غائط فلا بأس بالصلاة فيه وذلك أن الصلاة لا تتم في شئ من هذه وحده (* 1) وإما موثقة زرارة وغيرهما مما اشتمل على أن


(* 1) في ص 6

[ 468 ]

مالا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس أن يكون عليه الشئ مثل القلنسوة والتكة والجورب. أما رواية الفقه الرضوي فهي ضعيفة سندا ودلالة أما بحسب السند فواضح بل لم يثبت كونها رواية فضلا عن أن تكون حجة شرعية وأما بحسب الدلالة فلان العمامة مما تتم فيه الصلاة وحده، ولعل المراد بها في الرواية هو العمامة الصغيرة التي لا يمكن التستر بها لصغرها أو لخياطتها على نحو صارت كالقلنسوة. ويؤيده التعليل في ذيلها بقوله: " وذلك أن الصلاة لا تتم في شئ من هذه وحده " مع وضوح أن العمامة المتعارفة مما تتم فيه الصلاة. وأما موثقة زرارة وما هو بمضمونها فهي أيضا قاصرة الدلالة على المدعى لان موضوعها الثوب المتنجس وقد دلت على أن نجاسته إنما تكون مانعة فيما إذا تمت الصلاة فيه دون مالا تتم فيه، ومن الظاهر أن العمامة المتعارفة في حد ذاتها ثوب تجوز فيه الصلاة سواء لفت على الرأس ليصدق عليه العمامة أم لم تلف بل شد على الوسط ليصدق عليه اسم الازار والمئزر، وعلى الجملة ان الفل والفك لا تخرجان العمامة عن موضوع اللباس وبهذا تفترق عن التكة والجورب ونحوهما حيث لا تتم فيه الصلاة إلا بالعلاج بالخياطة أو غيرها مما يخرجهما عن عنوان التكة والجورب، إلا أن تخاط العمامة على وجه لو انفلت خرجت عما كانت عليه قبل فلها فانها حينئذ كالقلنسوة وغيرها مما لا تتم فيه الصلاة إلا بخروجه عن الموضوع. نعم العمامة الصغيرة التي لا يمكن التستر بها في الصلاة يعفى عن نجاستها العرضية لا محالة ثم إن الظاهر المنصرف إليه مما ورد في الروايات من جواز الصلاة فيما لا تتم فيه الصلاة انما هو مالا تتم فيه الصلاة لصغرها وعدم كونه قابلا للتستر به. وأما مالا تتم فيه الصلاة لاجل أمر آخر ككونه رقيقا حاكيا عما تحته فهو خارج عن منصرف الروايات ولا يشمله العفو بوجه. ثم ان هذا كله فيما إذا كان مالا تتم فيه الصلاة ملبوسا للمصلي

[ 469 ]

[ " الرابع ": المحمول المتنجس الذي لا تتم فيه الصلاة (1) مثل السكين والدرهم والدينار ونحوها ]. فانه مورد العفو كما مر. وأما إذا لم يكن ملبوسا له وانما حمله المصلي في صلاته فيأتي تحقيق الحال فيه في الحاشية الآتية فلاحظ. (1) والوجه في استثنائه أن المتسفاد من الاخبار الواردة في موارد مختلفة أن الصلاة في النجس غير جائزة - وإن كانت هذه الجملة غير واردة في الروايات - مؤيدا برواية موسى بن اكيل عن أبى عبد الله عليه السلام في الحديد أنه حلية أهل النار إلى أن قال: لا تجوز الصلاة في شئ من الحديد فانه نجس ممسوخ (* 1) فان النهي عن ذلك وإن كان محمولا على الكراهة لما يأتي في محله من جواز الصلاة في الحديد واختصاص المنع بما كان نجسا بالفعل إلا أن تعليلها المنع بأنه نجس يدل على أن عدم جواز الصلاة في النجس كبرى كلية غير مختصة بمورد دون مورد، وكيف كان فلا إشكال في أن الصلاة في النجس باطلة، وإنما الكلام فيما ينطبق عليه هذا العنوان أعني عنوان الصلاة في النجس فكل مورد صدق ذلك يحكم ببطلان الصلاة فيه، مع ان الصلاة في النجس لا معنى له بظاهره، إذ الصلاة نظير الاكل والشرب فعل من أفعال المكلفين وللافعال ظرفان: ظرف زمان وظرف مكان فيصح أن يقال: أكل زيد في يوم كذا أو في مكان كذا أو صلى في زمان أو مكان كذا، وليست النجاسة في الثوب والبدن ظرف مكان للصلاة ولاظرف زمان، كما أنها ليست ظرفا لسائر الافعال فكما لا يصح أن يقال زيد أكل في النجس أو شرب فيه - إذا كان ثوبه نجسا - فكذلك لا يصح أن يقال زيد صلى في النجس في تلك الحال فاسناد الظرفية إلى النجس في أمثال المقام غير صحيح على وجه الحقيقة. نعم


(* 1) المروية في ب 32 من ابواب لباس المصلى من الوسائل

[ 470 ]

لا بأس باسنادها إليه على وجه العناية والمجاز فيما إذا كان الفاعل لابسا للنجس بأن يكون الفاعل مظروفا والنجس ظرفا له فان مثله من العلاقات المصححة لاسناد الظرفية إلى النجس باعتبار أن النجس ظرف للفاعل وإن لم يكن ظرفا لفعله. نعم هو ظرف لفعله بواسطة الفاعل بالعناية والمجاز فيقال زيد صلى أو أكل في النجس مجازا بمعنى أنه صلى أو أكل وهو في النجس. وأما إذا لم يكن النجس ظرفا للمصلي - كما أنه ليس بظرف للصلاة - وإنما كان موجودا عنده ومعه كما إذا كان في جيبه فاسناد الظرفية إلى النجس لا يمكن أن يكون اسنادا حقيقيا - وهو ظاهر - ولا اسنادا مجازيا حيث لا علاقة مرخصة له فكما لا يصح أن يقال: زيد أكل في النجس إذا كان في جيبه كذلك لا يصح أن يقال زيد صلى في النجس والحال هذه. نعم قد ورد في بعض الاخبار (* 1) جواز الصلاة في السيف ما لم تر فيه دم، كما ورد في موثقة ابن بكير: أن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكل شئ منه فاسدة (* 2) مع أن السيف والبول والروث والالبان مما لا يؤكل لحمه امور مقارنة للصلاة لا انها ظرف لها ولا للفاعل وقد عرفت أن إسناد الظرفية حينئذ إلى النجس لا يمكن أن يكون حقيقيا ولا اسنادا مجازيا إذ لا علاقة مصححة للتجوز في الاسناد ودعوى أن العلاقة المصححة للاسناد في مثله هي أن الوبر والشعر ونحوهما من أجزاء مالا يؤكل لحمه انما يقع على ثوب المصلي فيكون ظرفا للوبر وكأنه جزء من الثوب مما لا يرجع إلى محصل وذلك أما " أولا ": فلان غاية ما هناك أن يكون الثوب ظرفا لمظروفين: الوبر والصلاة. وأية علاقة مصححة لاسناد الظرفية في أحد المظروفين إلى المظروف الآخر بأن


(* 1) راجع ب 57 من ابواب لباس المصلى من الوسائل. (* 2) المروية في ب 2 من ابواب لباس المصلى من الوسائل.

[ 471 ]

يكون أحدهما ظرفا للآخر مع أنهما مظروفان لثالث وأما " ثانيا ": فلان الوبر أو غيره من أجزاء مالا يؤكل لحمه لا يلزم أن يقع على الثوب دائما. بل قد يقع على البدن كما إذا قطرت عليه قطرة من لبنه أو بوله أو وقع عليه شئ من وبره أو صنع من عظمه فصا لخاتمه - وهو في يده - ومعه كيف تسند الظرفية إلى تلك الاجزاء مع عدم كونها ظرفا للفاعل ولا لفعله فلا محيد في أمثال ذلك من رفع اليد عن ظهور كلمة " في " في الظرفية وحملها على معنى " مع " والمقارنة، وهذا لقيام القرينة على ارادة خلاف ظاهرها وهي عدم امكان ابقائها على ظاهرها، كما في رواية السيف وموثقة ابن بكير. وأما إذا لم تقم قرينة على ذلك - لامكان ابقائها على ظاهرها وحملها على ما إذا كان ملبوسا للمصلي - فلا مقتضي لرفع اليد عن ظهور لفظة " في " في الظرفية، فيكون معنى الصلاة في النجس كون النجس ظرفا لها وهذا لا يتحقق إلا بلبسه. وأما إذا لم يلبسه المصلي وإنما كان المتنجس محمولا عليه في الصلاة فلا يصدق الصلاة في النجس عليه، ولا قرينة على إرادة المعية من كلمة " في " فالمقتضي لبطلان الصلاة مع المحمول المتنجس قاصر في نفسه، ولم يكن ذلك داخلا فيما دل على بطلان الصلاة في النجس لنحتاج إلى المخصص، هذا على انه يمكن أن يستدل على جواز حمل النجس في الصلاة بموثقة زرارة المتقدمة المشتملة على أن كل ما كان لا تجوز فيه الصلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشئ، فان موضوعها وان كان هو الملبوس وقد دلت على أنه قسمان: قسم تتم فيه الصلاة وقسم لا تتم فيه فلا تشمل لمثل السكين المتنجس وغيره مما لا يكون من الملبوس حقيقة إلا أنها نفت البأس عن الملبوس إذا كان مما لا تتم فيه الصلاة، ولم تقيد ذلك بلبسه بالفعل في الصلاة ولم يقل: لا بأس بلبسه وإطلاق نفيها البأس عن الصلاة في المتنجس الذي من شأنه اللبس يشمل ما إذا كان ما لا تتم

[ 472 ]

[ وأما إذا كان مما تتم فيه الصلاة كما إذا جعل ثوبه المتنجس في جيبه - مثلا - ففيه إشكال (1) والاحوط الاجتناب وكذا إذا كان من الاعيان ] فيه الصلاة، ملبوسا بالفعل في الصلاة وما إذا كان محمولا فيها، لانه ملبوس لبس أو حمل، فاطلاق الموثقة يدل على جواز حمل المتنجس - الذى من شأنه أن يكون ملبوسا - في الصلاة، وبالقطع بعدم الفرق بين مثل القلنسوة والتكة مما من شأنه اللبس وبين مثل السكين المتنجس نتعدي إلى المحمولات المتنجسة التي ليست من شأنها اللبس وذلك فان الملبوس المتنجس إذا لم يكن حمله مانعا عن الصلاة فحمل غير الملبوس لا يكون مانعا عنها بالاولوية. ويؤيده مرسلة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: كل ما كان على الانسان أو معه مما لا تجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلي فيه وإن كان فيه قذر مثل القلنسوة والتكة والكمرة والنعل والخفين وما أشبه ذلك (* 1) حيث نفت البأس عن كل متنجس كان مع المصلي مما لا تجوز فيه الصلاة وحده. (1) مقتضى ما سردناه في الحاشية المتقدمة - من قصور الادلة المانعة عن الصلاة في النجس عن حمله - هو الجواز. نعم لا يمكن الاستدلال عليه باطلاق الموثقة لاختصاصها بما لا تتم فيه الصلاة، ولكن العمدة قصور أدلة المانعة وعدم شمولها للمحمول المتنجس. فبهذا يظهر أنه لا مانع من حمل المتنجس في الصلاة مطلقا ملبوسا كان أم غيره، وعلى الاول كان مما يتم فيه الصلاة أم مما لا تتم هذا كله فيما إذا كان المحمول متنجسا ولم يكن فيه جهة المنع سوى نجاسته. وأما إذا كانت فيه جهة أخرى من المانعية كاشتماله على شئ من أجزاء مالا يؤكل لحمه من شعر كلب أو خنزير أو جلدهما وغيره فلا ينبغي الاشكال في بطلان الصلاة معه لعدم جواز الصلاة في شئ من أجزاء


(* 1) المروية في ب 31 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 473 ]

[ النجسة (1) كالميتة، والدم، وشعر الكلب والخنزير، فان الاحوط إجتناب حملها في الصلاة ] مالا يؤكل لحمه. (1) كما إذا جعل مقدارا من البول أو الغائط أو غيرهما من الاعيان النجسة في قارورة وحملها في الصلاة فهل يحكم ببطلان الصلاة حينئذ؟ الظاهر أن حمل العين النجسة كحمل المتنجس غير موجب لبطلان الصلاة إذ لا يصدق الصلاة في النجس بحملها إلا أن هناك عدة اخبار استدل بها على عدم جواز حمل العين النجسة في الصلاة: " منها ": ما في الصحيح عن علي بن جعفر عن اخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يمر بالمكان فيه العذرة فتهب الريح فنسفي عليه من العذرة فيصيب ثوبه ورأسه يصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال: نعم ينفضه ويصلي فلا بأس (* 1) بدعوى دلالتها على المنع عن الصلاة مع حمل اجزاء العذرة في الثوب الا ان ينفضه. وفيه أن الرواية اجنبية عما نحن فيه لان الكلام في حمل العين النجسة في الصلاة لا في الصلاة في النجس ومورد الرواية هو الثاني لان العذرة إذا وقعت على الثوب سواء نفذت في سطحه الداخل أم لم تنفذ فيه يعد جزء من الثوب ومعه تصدق الصلاة في النجس كما إذا كان متنجسا. و " منها ": ما رواه الصدوق في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه " في حديث " قال: سألته عن الرجل يصلي ومعه دبة من جلد الحمار أو بغل، قال: لا يصلح أن يصلي وهي معه إلا أن يتخوف عليها ذهابها فلا بأس أن يصلي وهي معه... (* 2) وروى الشيخ باسناده مثل ذلك باختلاف يسير، حيث ورد فيه " سألته عن الرجل صلى ومعه دبة من جلد حمار وعليه نعل من جلد حمار هل تجزيه صلاته؟ أو عليه


(* 1) المروية في ب 26 من ابواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في ب 60 من ابواب لباس المصلى من الوسائل.

[ 474 ]

إعادة؟ قال: لا يصلح له أن يصلي وهي معه... (* 1) وكيف كان فقد ادعي دلالة الرواية على عدم جواز الصلاة مع حمل الدبة المتخذة من الميتة. ويرد على الاستدلال بها وجوه " الاول ": أن كلمة لا يصلح غير ظاهرة في المنع التحريمي وانما ظاهرها الكراهة ومعه تدل على مرتبة من المرجوحية في حمل الدبة المذكورة في الصلاة " الثاني ": انها غير مشتملة على ذكر الميتة، وإنما سئل فيها عن الدبة المتخذة من جلد الحمار، ولعله لما كان اشتهر في تلك الازمنة من نجاسة ابوال الحمير والبغال وحرمة لحمهما حتى التزم بذلك معظم العامة على ما قدمنا نقله (* 2) وحرمة اكل لحمهما توجب المنع عن الصلاة في اجزائهما. فإذا ظهر أن ابوالهما طاهرة وانهما محلل الاكل فيلزمه جواز الصلاة في اجزائهما ومنها جلدهما. نعم وردت الرواية في طهارة شيخنا الانصاري " قده " مشتملة على كلمة ميت بعد لفظة حمار من دون ذكر الراوي والمروي عنه حيث ورد فيها " عن الرجل يصلي ومعه دبة من جلد حمار ميت قال: لا يصلح أن تصلي " إلا أن محمول على الاشتباه لان الرواية انما وردت بطريق ثلاثة: أحدها طريق الصدوق. وثانيها طريق الشيخ. وثالثها طريق الحميري ولم يرد لفظة " ميت " في شئ من تلك الطرق. " الثالث ": هب أن الرواية مشتملة على تلك اللفظه كما نقله شيخنا الانصاري " قده " إلا أن غاية ما تدل عليه أن حمل الميتة في الصلاة كحمل أجزاء مالا يؤكل لحمه مانع عن الصلاة وأين هذا من المدعى وهو عدم جواز حمل الاعيان النجسة مطلقا لان الرواية انما وردت في خصوص الميتة فنلتزم بها في موردها والتعدي عنها إلى سائر الاعيان النجسة يحتاج إلى دليل. ولعله لاجل اهتمام الشارع بالميتة ومن هنا ورد المنع عن الصلاة في الميتة ولو في شسع.


(* 1) المروية في ب 60 من ابواب لباس المصلى من الوسائل. (* 2) تقدم في ج 1 ص 67 و 414

[ 475 ]

[ (مسألة) الخيط المتنجس الذي خيط به الجرح بعد من المحمول (1) بخلاف ما خيط به الثوب والقياطين والزرور والسفائف، فانها تعد من اجزاء اللباس لا عفو عن نجاستها. ] و " منها ": ما في الحصيح عن عبد الله بن جعفر قال: كتبت إليه يعني أبا محمد عليه السلام يجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة المسك؟ فكتب: لا بأس به إذا كان ذكيا (* 1) وظاهره أن الضمير راجع إلى الفأرة لا إلى المسك لانها المسئول عنها فتدل بمفهومها على أن الفأرة إذا لم تكن ذكيا ففي الصلاة معها بأس. وفيه أن هذه الرواية كسابقتها لادلالة لها على المدعى وإنما تقتضي عدم جواز حمل الميتة أو غير المذكي في الصلاة ولا يستفاد منها عدم جواز حمل مطلق العين النجسة فالمتحصل ان حمل النجس والمتنجس في الصلاة جائز ولا تبطل به الصلاة. ويستثنى منه موردان " أحدهما ": ما إذا كان المحمول مضافا إلى نجاسته من أجزاء مالا يؤكل لحمه و " ثانيهما ": ما إذا كان ميتة وغير مذكى الافى خصوص الخف والنعل وأمثالهما إذا شك في تذكيته بمقتضى موثقة اسماعيل بن الفضل المتقدمة. (1) وذلك لان الخيط لا يعد جزء من البدن فانه مركب من عدة أجزاء مرددة بين ما تحله الحياة الحيوانية - كاللحم والجلد - وما تحله الحياة النباتية - كالشعر والعظم - وليس الخيط مندرجا في أحدهما فلا مناص من أن يكون من المحمول الخارجي وهذا بخلاف الخيط الذي يخاط به الثوب فانه يعد من أجزائه حيث أن له خيوطا أولية وخيوطا ثانوية تربط القطع بعضها ببعض. نعم ان هناك امورا أخر من المحمول حقيقة وبالتدقيق الفلسفي إلا أنها


(* 1) المروية في ب 41 من بواب لباس المصلى من الوسائل.

[ 476 ]

[ " الخامس ": ثوب المربية للصبي (1) ] لاتعد منه لدى العرف وهذا كما إذا أكل المصلي نجسا عصيانا أو نسيانا لانه في جوفه محمول حقيقة ولا يعد من أجزاء بدنه إلا أنه غير معدود من المحمول بالنظر العرفي، فلو قلنا بعدم جواز حمل النجس في الصلاة لم نقل ببطلان الصلاة في مفروض المثال كما لا نحكم ببطلانها إذا أكل المصلي شيئا مما لا يؤكل لحمه لعدم صدق عنوان الصلاة في النجس أو فيما لا يؤكل لحمه كما لا يقال أنه صلى مع النجس أو مع مالا يؤكل. لحمه فلا يجب عليه القيئ واخراج ما في جوفه من النجس أو مالا يؤكل لحمه مقدمة للصلاة. وان استشكل في ذلك بعض من عاصرناه عند ما أكل المصلي أو غيره مالا مغصوبا فأوجب عليه القيئ والاخراج نظرا إلى أن كونه في بطنه تصرف في مال الغير واستيلاء عليه والتصرف في مال الغير محرم فمقدمة لرده إلى مالكه لابد من القيئ والاخراج وفيه مالا يخفى لان المغصوب المأكول وإن لم يكن تالفا حقيقة إلا أنه تالف لدى العرف ومع التلف لا معنى للتصرف فيه حتى يحكم بحرمته ووجوب رده إلى مالكه فلا يكلف الغاصب على القيئ وإخراج مال الغير عن جوفه. (1) مدركهم في هذا الاستثناء إما هو الاجماع كما ربما يظهر من صاحب الحدائق " قده " حيث قال: المشهور بين الاصحاب من غير خلاف العفو... وإن توقف فيه الاردبيلي وصاحبي المعالم والمدارك والذخيرة - كما حكي - وإما رواية أبي حفص عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن إمرأة ليس لها إلا قميص واحد ولها مولود فيبول عليها كيف يصنع؟ قال: تغسل القميص في اليوم مرة (* 1) فان استندوا في ذلك إلى الاجماع المدعى ففيه أنه معلوم المدرك لانهم اعتمدوا في ذلك على الرواية المتقدمة على ما يظهر من كلماتهم ولا أقل من احتماله ومعه لا يكون الاجماع تعبديا كاشفا عن قوله عليه السلام. وأما


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 477 ]

الرواية فيرد على الاستدلال بها أنها ضعيفة السند من وجوه: وذلك أما " أولا " فلان في سندها محمد بن يحيى المعاذي الذى لم تثبت وثاقته بل ضعفه بعضهم فليراجع. وأما " ثانيا ": فلان في سندها محمد بن خالد وهو مردد بين الطيالسي والاصم وكلاهما لم يوثق في الرجال. وأما " ثالثا ": فلاشتمال طريقها على أبي حفص وهو إما مشترك بين الثقة وغيره أو أن المراد به أبو حفص الكلبي غير الثقة. ودعوى انجبارها بعملهم على طبقها مندفعة بأن عملهم بالرواية وإن كان غير قابل للمناقشة فلا كلام في صغرى ذلك إلا أن المناقشة في كبرى انجبار الرواية بعملهم - كما مر غير مرة - لا تبقي مجالا لدعوى الانجبار لان عملهم إنما يجبرها فيما إذا أوجد وثوقا شخصيا بالرواية وهذا مما لا يحصل من عملهم بوجه لانه مختلف الوجه والجهة فبعضهم يعمل على طبق الرواية لاجل دعوى القطع بصحة الاخبار المدونة في الكتب الاربعة فهو في الحقيقة عامل بقطعه لا بالرواية كما هو ظاهر. وبعضهم يعمل على طبقها لحسبان أن العدالة عبارة عن اظهار الاسلام وعدم ظهور الفسق، فكل من أظهر الاسلام ولم يظهر منه فسق فهو عادل. وثالث يفتي على طبق الرواية لان مضمونها مورد لاجماعهم أو للشهرة المحققة لعدم حجية الخبر الواحد عنده ومع اختلاف الجهة لا يحصل وثوق شخصي من عملهم. وقد أسلفنا في محله ان اعتبار أي رواية إما أن يكون من جهة كونها موثقة في نفسها. وإما أن يكون من جهة الوثوق الشخصي الحاصل بها خارجا ولم يتحقق شئ منهما في المقام. ومن ذلك ظهر أن تأمل الاردبيلي وتابعيه في المسألة هو الحقيق ومن ثمة كتبنا في التعليقة: أن الاحوط الاقتصار في العفو على موارد الحرج الشخصي. ثم لو بنينا على اعتبار الرواية ولو لانجبارها بعمل الاصحاب فحيث أنها تشتمل على قيود فلابد من التكلم على كل واحد منها بخصوصه حسبما يشير إليه الماتن " قده ".

[ 478 ]

[ أما كانت أو غيرها (1)، متبرعة أو مستأجرة ذكرا كان الصبي أو انثى (2) وإن كان الاحوط الاقتصار على الذكر، فنجاسته معفوة ] (1) التي وردت في الرواية هي كلمة " إمرأة " ولكنهم عبروا عنها بالمربية وجعلوا مدار العفو تربية المولود وكونه في حجرها بلا فرق في ذلك بين كون المربية هي الام وبين غيرها. ولكن في التعدي عن الام إلى غيرها إشكال ومنع لان الرواية قيدت المرأة بأن يكون لها الولد حيث قال: " ولها مولود " ودعوى أن اللام للاختصاص ويكفي في ثبوته كونها مربية للولد. مندفعة: بأن اللام في اللغة وإن صح استعمالها في مطلق الاختصاص ومنه اختصاص التربية كما ذكرنا إلا أنها في الرواية لم يظهر كونها لمطلق الاختصاص بل الظاهر أنها للاختصاص المطلق وهذا انما يختص بالام، لانها ولدت المولود فلا مناص من الاكتفاء بالمقدار المتيقن وهو الام المربية والتعدي عنها إلى مطلق المربية يحتاج إلى دليل بل لا يمكننا التعدي إلى جدة الولد، لان ظاهر قوله: " لها مولود " انه متولد منها ولا يصدق ذلك على الجدة. نعم لو كان عبر بالولد شملها، إذ يصح أن يقال: إن لها ولد باعتبار أن الولد لابنها أو بنتها ولكن الوارد هو المولود وكم فرق بين التعبيرين؟ فإذا لم تشمل الرواية للجدة فما ظنك بالاجنبية المربية؟!. (2) الذى اشتملت عليه الرواية هو المولود فان اريد منه طبيعيه فلا محالة تشمل الانثى والذكر إلا أن الظاهر أنه في مقابل المولودة فلا يعم الحكم لغير الذكر. ثم لو لم تكن الرواية ظاهرة في ذلك وشككنا في شمولها للانثى وعدمه لا بد من الاقتصار على المقدار المتيقن منها وهو المولود الذكر، لان العفو على خلاف القاعدة والعمومات.

[ 479 ]

[ بشرط غسله في كل يوم مرة (1) مخيرة بين ساعاته، وإن كان الاولى غسله آخر النهار، لتصلي الظهرين والعشاءين مع الطهارة، أو مع خفة النجاسة وإن لم يغسل كل يوم مرة ] (1) دلت الرواية على أن المرأة تغسل القميص في اليوم مرة، ولا كلام في أن غسل الثوب والقميص ليس بواجب نفسي على المربية وانما هو للارشاد إلى شرطية الطهارة في حقها. بل الكلام في أن الطهارة هل هي شرط لجميع صلواتها اليومية أو شرط لواحدة منها مخيرا، وعلى الاول هل يجب أن تغسله قبل صلاة صبحها لتكون من قبيل الشرط المتقدم على الجميع أو بعد جميع صلواتها لتكون من الشرط المتأخر عن الجميع أو أن لها أن يأتي به بين الصلوات ليكون شرطا متقدما على الصلوات الباقية ومن قبيل الشرط المتأخر بالاضافة إلى الصلوات السابقة عليه؟ مقتضى النظر إلى الرواية المتقدمة ولحاظ الادلة المانعة عن الصلاة في النجس أن الطهارة شرط لصلاة واحدة من صلواتها مخيرا وليست شرطا للجميع على نحو الشرط المتقدم ولا على نحو الشرط المتأخر، فان الرواية ناظره إلى أدلة اشتراط الطهارة في الصلاة وقد دلت على الغاء اشتراطها عن صلوات المربية إلا مرة في كل يوم ولا مقتضي لتقييد ذلك بما قبل صلاة الفجر لانه على خلاف اطلاق الرواية ولا مقيد لها، على أن الغسل لو كان مقيدا بذلك لكان المناسب أن يقول: تغسل قميصها عند طلوع الفجر أو قبل صلاته. كما أن الطهارة شرط مقارن للصلاة وليست من الشروط المتأخرة ولا من المتقدمة، ولا يحتمل أن تجب على المرأة غسل ثوبها أول الصبح تحصيلا لشرط صلاة ظهرها مع العلم بأنه يتنجس قبل أن يأتي بها بزمان

[ 480 ]

[ فالصلوات الواقعة فيه مع النجاسة باطلة (1) ] أو يجب عليها غسله أول الزوال تحصيلا لمقدمة صلاة الفجر مع العلم بأنها وقعت في الثوب المتنجس. وعليه فليست الطهارة شرطا للجميع على نحو الشرط المتقدم ولا على نحو الشرط المتأخر فان مجرد الغسل لا أثر له ولا أنه واجب باستقلاله وإنما الواجب تحصيل الطهارة للصلاة، فالرواية إنما تدل على أن الغسل - أي طهارة الثوب - شرط في صلاة واحدة مخيرا على نحو الشرط المقارن: ومن هنا لو تمكن من الجمع بين صلاتين أو أكثر من فرائضها بالطهارة وجب لان الرواية لا دلالة لها على ترخيص الصلاة في النجس مع الاختيار، فإذا علمت بأنها لو أخرت صلاتها الثانية تنجس ثوبها ولم يتمكن من ايقاعها مع الطهارة فلا مناص من أن يأتي بها بعدما بيدها من الصلاة، ولا يستفاد الترخيص من الرواية في تأخيرها بوجه، فان التفرقة بين الصلاتين ليست بواجبة يقينا ولا موجب لرفع اليد عن اشتراط طهارة الثوب في الصلاة لاجل أمر غير واجب. (1) بل الباطلة هي الاخيرة، لان الغسل إنما وجب في واحدة من صلواتها مخيرا فإذا تركته في صلواتها السابقة يتعين عليها في الاخيرة لا محالة كما هو الحال في جميع الواجبات التخييرية حيث يتعين في العدل الاخير عند تعذر غيره من الافراد أو تركه. وأما بطلان الصلوات الواقعة مع النجاسة - كما في المتن - فهو مبني على جعل الغسل والطهارة شرطا متاخرا للصلوات وقد عرفت بطلانه " بقي الكلام " فيما هو المراد باليوم الوارد في الرواية فهل المراد به أعم من ليلته أو المراد به خصوص النهار؟ لا يبعد الالتزام بانه اعم نظرا إلى أن الغسل شرط لواحدة من الصلوات الليلية والنهارية فان الغرض الاتيان باحداها مع الطهارة كان ذلك في اليوم أو الليل وانما قيدت الرواية باليوم من جهة غلبة وقوع الغسل فيه لا لاجل عدم ارادة الاعم منه هذا ولكن لقائل أن يقول:

[ 481 ]

[ ويشترط انحصار ثوبها في واحد (1) أو احتياجها إلى لبس جميع ما ] الرواية إنما اشتملت على اليوم وشموله لليل غير معلوم ولم يدلنا دليل على ارادة الاعم منه ولا مناص معه من الاقتصار على المقدار المتيقن من اليوم وهو خصوص النهار كما هو الحال في بقية القيود الواردة في الرواية هذا. والصحيح أن الغسل لا يجب أن يقع في النهار ولا اختصاص له في ذلك وهذا لاطلاق الرواية حيث أنها تشمل باطلاقها لما إذا غسلت المرأة قميصها في آخر ساعة من النهار، لانه من الغسل في اليوم حقيقة ولا شبهة في جواز ايقاع صلاة المغرب بذلك الغسل إذا لم تتفق اصابة البول لثوبها إلى زمان ايقاعها، فإذا جاز ذلك اطلاق الرواية جاز أن يصلي المغرب بغسل قميصها في الليل بطريق أولى، فالصحيح عدم اختصاص الغسل بالنهار، كما أن غسل القميص في اليوم الثاني وما بعده لا يعتبر وقوعه في الزمان الذى وقع فيه في اليوم السابق عليه بل لها أن تؤخره في اليوم الثاني عن ذلك الوقت أو تقدمه عليه لما مر من أن الغسل شرط لواحدة من صلواتها سواء أكان في الوقت السابق أم في غيره. (1) أما إذا كان متعددا فان احتاجت إلى لبس الجميع فهو في حكم قميص واحد، لان معنى قوله: ليس لها إلا قميص واحد - حسب المتفاهم العرفي - أنه ليس لها قميص آخر يتمكن من اتيان الصلاة فيه فإذا فرضنا عدم تمكنها من تبديل ثوبها لاحتياجها إلى لبس الجميع فكأنه ليس لها إلا قميص واحد. وكذلك الحال إذا كان لها ثوب آخر لا يحتاج إلى لبسه إلا أنه لا يتمكن من ايقاع الصلاة فيه لانه رقيق أو نجس أو من غير المأكول أو غير ذلك مما لا يتمكن من الصلاة فيه لانها حينئذ غير متمكنة من اتيان الصلاة في ثوب آخر. وأما إذا كان لها أثواب متعددة يتمكن من ايقاع الصلاة فيها فلا محالة يتعين عليها

[ 482 ]

[ عندها، وإن كان متعددا. ولا فرق في العفو (1) بين أن تكون متمكنة من تحصيل الثوب الطاهر بشراء أو استيجار أو استعارة أم لا وإن كان الاحوط الاقتصار على صورة عدم التمكن (مسألة 1) إلحاق بدنها بالثوب في العفو عن نجاسته محل ] تبديل ثوبها وهي خارجة عن موضوع العفو في الرواية، حيث أن لها قميص آخر يتمكن من الصلاة فيه. (1) مقتضى المناسبة بين الحكم وموضوعه اختصاص العفو بما إذا لم تتمكن المرأة من تحصيل قميص آخر بشراء أو استيجار أو غيرهما حيث انها تقتضي استناد العفو في الرواية إلى الحرج في غسل الثوب على المربية ولو نوعا، ومع فرض تمكنها من الاستيجار أو الشراء لا حرج عليها في ايقاع صلاتها في ثوب طاهر. ولكن الصحيح أن الرواية مطلقة تشمل صورة تمكن المربية من الاستيجار والشراء ونحوهما وصورة عجزها عن ذلك فانها تدل على أن العفو إنما ثبت للمرأة التي ليس لها إلا قميص واحد بالفعل سواء أكانت متمكنة من تحصيل ثوب آخر بشراء أو استيجار أم لم تكن متمكنة من ذلك فالمدار على وحدة القميص بالفعل. بل تقييد العفو في الرواية بصورة عدم تمكنها من تحصيل ثوب طاهر تقييد لها بمورد نادر، لان المربية لو سلمنا عدم تمكنها من شراء أو استيجار فباب الاستعارة مفتوح لكل شخص، وفرض امرأة غير متمكنة من تحصيل ثوب آخر ولو بالعارية فرض أمر نادر. كما أن تقييده بما إذا لم تتمكن المرأة من الصلاة في ساتر آخر ولو في غير القميص - بناء على كفاية مطلق الساتر في الصلاة - كذلك لان الغالب تمكنها من الساتر الطاهر غير القميص.

[ 483 ]

[ إشكال (1) وإن كان لا يخلو عن وجه (مسألة 2) قي إلحاق المربي بالمربية إشكال (2) ] (1) لان الرواية إنما دلت على العفو عن نجاسة القميص ولم تدل على عدم مانعية نجاسة البدن في المربية ومقتضى إطلاق أدلة المنع عن الصلاة في النجس وجوب ازالته عن بدنها فالحاقه بالثوب بلا وجه. (2) الوارد في الرواية - كما قدمناه - هو المرأة وقد تعدى بعضهم إلى الرجل إذا كان مربيا بدعوى أن العلة الموجبة للعفو في المرأة المشقة والحرج وهي بعينها متحققة في الرجل بلا نقص. ويدفعه أن ذلك لا يوجب سوى الظن بالاشتراك، ولا يعتمد على الظن في الاحكام. ودعوى أن الاحكام الشرعية مشتركة بين الجميع إنما تفيد فيما إذا لم نحتمل خصوصية في طائفة دون طائفة مع انا نحتملها في النساء بالوجدان، ولم تثبت كلية للاشتراك في الاحكام فكم من أحكام مختصة بالرجال دون النساء أو العكس. فليكن منها المقام وعليه فمقتضى اطلاق ما دل على مانعية النجس في الصلاة وجوب الازالة على الرجل في جميع صلواته إلا أن يستلزم حرجا شخصيا في حقه. " بقي الكلام " في جهتين: " إحداهما ": أن الحكم الوارد في الرواية هل يختص بمن له مولود واحد أو يعمه ومن له مولود متعدد؟ والمتعين هو الثاني لان كلمة " مولود " وإن كانت نكرة إلا أن المراد بها الطبيعي الشامل للواحد والمتعدد لوضوح أن السائل لا نظر له إلى صورة الوحدة والتعدد بحيث لو كان لها مولودان في حجرها لم يسأل عن حكمها. " ثانيتهما ": هل الحكم خاص بما إذا تنجس ثوب المرأة بالبول أو يعم ما إذا كان متنجسا بالغائط؟ الرواية انما نصت على خصوص البول ولا دليل على التعدي عنه إلى الغائط. ودعوى انهما متلازمان ومن هنا قد يكنى عنهما بالبول مندفعة بأن الامر بالعكس فان انفكاك البول على الغائط

[ 484 ]

[ وكذا من تواتر بوله (1) ] هو الغالب، ولا سيما في الاطفال فلعل كثرة ابتلاء المرأة ببول الصبي هي الموجبة للتخصيص العفو به دون الغائط. (1) ذهب جماعة - كما حكي - إلى الحاق من كثر بوله وتواتر بالمربية في العفو وعدم لزوم غسله الثوب إلا مرة في كل يوم مستندا في حكمهم هذا " تارة " إلى الحرج والمشقة. وهو استدلال صحيح ولكنه خاص بموارد تحقق العسر والحرج ولا يقتضي العفو مطلقا فالدليل اخص من المدعى. و " اخرى " إلى رواية عبد الرحيم القصير قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام في الخصي يبول فيلقى من ذلك شدة، ويرى البلل بعد البلل، قال: يتوضأ وينتضح في النهار مرة واحدة (* 1) ورواها الكليني باسناده عن سعدان بن عبد الرحمان قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام وذكر مثله. وكذلك الصدوق إلا أنه رواها مرسلا عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام وقال: ثم ينضح ثوبه ففي المسألة روايتان فان المرسلة ليست رواية مستقلة وانما هي اشارة إلى إحدى الروايتين المتقدمتين. وهذا الاستدلال أيضا غير تام لان الروايتين ضعيفتان بحسب الدلالة والسند أما بحسب الدلالة فلان وجوب الغسل مرة في كل يوم لا عين منه ولا أثر في الروايتين ومن المحتمل القريب ان تكون الروايتان ناظرتين إلى عدم وجوب الوضوء عليه وذلك بابداء المانع عن العلم بخروج البول منه حيث انه انما كان يلقى الشدة من أجل رؤيته البلل بعد البلل - فان قوله ويرى البلل بعد البلل - تفصيل للاجماع المتقدم عليه في قوله فيلقى من ذلك شدة. فإذا انتضح بدنه أو ثوبه فلا يحرز أن البلل الذي يراه بول أو غيره لاحتمال أنه من النضح كما ورد نظيره في بعض الروايات (* 2) فيمن بال ولم يقدر


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 13 من ابواب نوقض الوضوء من الوسائل.

[ 485 ]

[ " السادس " يعفى عن كل نجاسة في البدن أو الثوب في حال الاضطرار (1) ] على الماء واشتد ذلك عليه فقال عليه السلام: إذا بلت وتمسحت فامسح ذكرك بريقك، فان وجدت شيئا فقل هذا من ذاك هذا على أن المراد منهما لو كان نفي وجوب الغسل على الخصي إلا مرة في كل يوم لم يكن لذكر الوضوء فيهما وجه فقوله عليه السلام يتوضأ وينتضح قرينتان على أن المراد في الروايتين عدم ايجاب الوضوء عليه ثانيا بابداء المانع عن العلم بخروج سببه ومع الغض عن جميع ذلك ان النضح لم يقل أحد بكونه غسلا مطهرا عن البول أو غيره من النجاسات وحمله على الغسل بعيد. وأما بحسب السند فلجهالة سعدان بن عبد الرحمان الواقع في طريق الكليني لعدم ذكره في الرجال وعدم توثيق سعدان بن مسلم و عبد الرحيم القصير الواقعين في طريق الشيخ " قده " ودعوى استفادة توثيقهما من رواية صفوان وابن أبي عمير عن سعدان ورواية ابن أبي عمير وغيره عن عبد الرحيم في موارد أخر عهدتها على مدعيها، لان نقل ابن أبي عمير ونظرائه - كما ذكرناه غير مرة - لا يوجب وثاقة الضعيف. ولعله لاجل ما ذكرناه في تضعيف الروايتين ذكر المحقق الهمداني " قده " - بعد نقله الرواية - انها ضعيفة السند متروكة الظاهر منافية للقواعد الشرعية المقررة في باب النجاسات فيجب رد علمها إلى أهله، فتحصل ان الحاق من تواتر بوله بالمربية خال عن الوجه فلا عفو عنه إلا أن يكون الغسل حرجيا في حقه. (1) ظهر مجمل القول في ذلك مما بيناه في فروع الصلاة في النجس فليراجع. " والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين "

[ 486 ]

تذييلات 1 - نقلنا في ص 7 رواية عن أبي بصير وعبرنا عنها بالموثقة. ولكن الصحيح أن الرواية ضعيفة لان في سندها ابن سنان والظاهر أنه محمد بن سنان الزاهرى بقرينة رواية الحسين بن سعيد عنه والمظنون وإن كان وثاقة الرجل وقد كنا نعتمد على رواياته سابقا إلا أن الجزم بها في نهاية الاشكال ومن هنا بنينا أخيرا على عدم وثاقته فلا يمكن الركون على رواياته حينئذ. 2 - أوردنا في ص 13 رواية عن حفص بن غياث للاستدلال بها على طهارة الدم مما لانفس له كما استدللنا بها على طهارة بوله وميتته في المجلد 1 وعبرنا عنها بالموثقة - مع ان في سندها أحمد بن محمد عن أبيه والظاهر أنه أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، وهو وإن كان من مشايخ الشيخ المفيد إلا أنه لم تثبت وثاقته بدليل وكونه شيخ اجازة لا دلالة له على الوثاقة بوجه - فالوجه في كون الرواية موثقة أن في سندها محمد بن أحمد بن يحيى وللشيخ " قده " إليه طرق متعددة وهي وان لم تكن صحيحة بأسرها إلا أن في صحة بعضها غنى وكفاية، وذلك لان الرواية إما أن تكون من كتاب الراوي أو من نفسه وعلى كلا التقديرين يحكم بصحة رواية الشيخ عن محمد بن أحمد لتصريحه في الفهرست بأن له إلى جميع كتب محمد بن احمد ورواياته طرقا متعددة وقد عرفت صحة بعضها، وإذا صح السند إلى محمد بن احمد بن يحيى صح بأسره لوثاقة الرواة الواقعة بينه وبين الامام عليه السلام، وبهذا الطريق الذي أبديناه أخيرا يمكنك تصحيح جملة من الروايات التي تقدمت في تضاعيف الكتاب أو لم تتقدم. 3 - ذكرنا في ص 60 أن في محمد بن عيسى كلاما وفي خصوص رواياته

[ 487 ]

عن يونس كلاما آخر، وأشرنا أيضا إلى ضعفه في بعض المواضع من المجلد الاول وكونه محل الكلام والاشكال وان كان صحيحا كما لا يخفى على الخبير إلا أن الصحيح وثاقة الرجل واعتبار رواياته مطلقا ولو كانت عن يونس ويأتي تفصيل الاستدلال على وثاقته عند الكلام على الحيض انشاء الله تعالى. 4 - نقلنا صحيحة وهب بن عبد ربه في ص 351 فاقدة لكلمة " لا " قبل قوله: يعيد إذا لم يكن علم واستظهرنا سقوط تلك الكلمة عن الصحيحة ثم ظهر ان نسخ التهذيبين كانت مختلفة ففي بعضها جاءت الرواية مشتملة على كلمة " لا " كما في الطبعة الاخيرة من التهذيب ص 360 ج 2 والاستبصار ص 181 ج 1 وما نقلناه واستظهرناه موافق مع النسخة التي روى عنها صاحبا الوافي والوسائل " قدهما " حيث نقلا الرواية عن الشيخ كما نقلناه. 5 - جاء في ج 1 ص 49 أن المصعد من الاعيان النجسة محكوم بالطهارة إلا أن ينطبق عليه عنوان آخر نجس وهذا كما في المصعد من الخمر المعبر عنه عندهم ب‍ (العرق) فانه كأصله مسكر محكوم بالنجاسة شرعا. وهذا لا ينافي ما ذكرناه في هذا الجزء ص 100 من أن مقتضى القاعدة طهارة المادة المتخذة من الخمر المعبر عنها بجوهر الخمر " اسپرتو " التي تتحصل بتبخيرها. وذلك لان العرق الذي حكمنا بنجاسته هو الذي يعد من جملة الخمور وشربه أمر متعارف عند أهله، ولافرق بينه وبين غيره من الخمور إلا في أنه يشتمل على المادة الالكلية بنسبة الاربعين في المائة - في العرق العراقي - فما زاد واما بقيه الخمور فمنها ما يشتمل على المادة الالكلية بنسبة العشرة في المائة ومنها غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره. كما انها في الفقاع بنسبة الخمسة في المائة (كذا في بعض الكتب الكيماوية الحديثة وما قدمنا نقله في ص 137 في بيان مقدار المادة الالكلية الموجودة في المسكرات فهو انما كان مستندا إلى

[ 488 ]

قول بعض اهل الاطلاع) وأما (اسپرتو) وجوهر الخمر فهو عبارة عن نفس المادة الالكلية التي منها تتكون المسكرات على اختلاف اقسامها وهي غير قابلة للشرب بوجه، وهذا هو الذي حكمنا بطهارته على طبق القاعدة. فالعرق و (اسپرتو) موضوعان متغائران وإن اشتركا في بعض مقدمات صنعهما وتحصيلهما. 6 - جاء في ج 1 ص 248 ان بكر بن محمد - ان كانت له رواية فهو - إنما يروي عن الجواد عليه السلام. وغرضنا من هذه العبارة الاشارة إلى ان الرجل لا يمكنه الرواية عن الباقر عليه السلام لتأخره عن عصره بمدة طويلة. نعم يمكنه أن يروي عن الجواد عليه السلام لكونه في عصره. وان لم يرو عنهم عليهم السلام على ما في ترجمته وبما أن المراد من أبي جعفر الواقع في الرواية هو الباقر عليه السلام لان في سلسلة السند منصور بن حازم وهو من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام فيستكشف بذلك أن الراوي عنه عليه السلام في الرواية ليس هو بكر بن محمد بن حبيب. تنبيه جرت العادة في الكتاب على نقل اللباب المتحصل من كلمات الاصحاب " قدهم " عندما دعت الحاجة إلى نقلها - إلا في بعض الموارد - وربما نقلناها و (اسپرتو) موضوعان متغائران وإن اشتركا في بعض مقدمات صنعهما وتحصيلهما. 6 - جاء في ج 1 ص 248 ان بكر بن محمد - ان كانت له رواية فهو - إنما يروي عن الجواد عليه السلام. وغرضنا من هذه العبارة الاشارة إلى ان الرجل لا يمكنه الرواية عن الباقر عليه السلام لتأخره عن عصره بمدة طويلة. نعم يمكنه أن يروي عن الجواد عليه السلام لكونه في عصره. وان لم يرو عنهم عليهم السلام على ما في ترجمته وبما أن المراد من أبي جعفر الواقع في الرواية هو الباقر عليه السلام لان في سلسلة السند منصور بن حازم وهو من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام فيستكشف بذلك أن الراوي عنه عليه السلام في الرواية ليس هو بكر بن محمد بن حبيب. تنبيه جرت العادة في الكتاب على نقل اللباب المتحصل من كلمات الاصحاب " قدهم " عندما دعت الحاجة إلى نقلها - إلا في بعض الموارد - وربما نقلناها مشروحة موضحة أو ملخصة ولو بغير الفاظها أو زدنا عليها شيئا من لوازماتها روما لاتضاح صحتها أو سقمها.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية