الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الطهارة - السيد الخوئي ج 1

كتاب الطهارة

السيد الخوئي ج 1


[ 1 ]

التنقيح في شرح العروة الوثقى تقرير البحث آية الله العظمى مرجع المسلمين زعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي تأليف الحجة الميرزا علي الغروي التبريزي دامت بركاته الجزء الاول

[ 2 ]

الكتاب: التنقيح في شرح العروة الوثقى تقريرا لبحث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئى دام ظله. المؤلف: العلامه الميرزا على الغروى التبريزي الناشر: دار الهادى للمطبوعات قم الطبعة: الثالثة ذي حجة 1410 هجري الكمية: 2000 نسخه المطبعة: صدر قم توزيع: دار الانصاريان قم

[ 3 ]

كلمة الناشر بين يدي القارئ هذه الموسوعة الفقهية القيمة، الفها مؤلفها تقريرا لبحث آية الله العظمى، المرجع الديني الاعلى زعيم الحوزة العلمية الامام (الخوئي) ادام الله ظله الوارف. وقد كانت عند مؤلفها الحجة وريقات مخطوطة ولم يكن من قصده اخراجها إلى عالم الطبع والنشر غير ان ارادة الله جل وعلا شاءت ان ينتفع بهذا التراث النفيس وتلكم التحقيقات الواسعة اكبر عدد من حملة الفقه ورواده. فقد الح على مؤلفها دامت بركاته لفيف من اهل العلم والفضيلة ممن لا يرغب الا في الثمين ان يخرج ماطواه الخط وضمه الواقع إلى عالم النور وصعيد الاختبار العلمي في ميادين الحوزات العلمية ومشتبك الآراء التحقيقية. فأجاب دام فضله مسئولهم تحت وطأة الرجاء فشمر عن ساعد الجد والاجتهاد فنظم المنثور وابرز المستور، وبوب ورتب واضاف وشذب فانتشرت لاول مرة في النجف الاشرف في سنة 1378 ه‍ مع انشغال البال وتشتت الاحوال فكان نصيبها الازدهار والاقبال العظيمين وجعلها الاعلام وارباب الفضيلة دامت بركاتهم محور ابحاثهم ومنطلق محاضراتهم في الحوزات العلمية، واكبوا على دراستها والاستضاءة بدقائقها واسلوبها الرصين وكانت تحفة الزمن ومثار المدح والثناء من رواد الحقيقة.

[ 4 ]

وسرعان ما نفدت وعزت وتزايد الطلب وتفاقم الالحاح من الافاق العلمية لاعادة طبعه ولم يكن امام المؤلف اخذ الله بيده الا ان يحقق رغبة الطالبين كما عودهم قبل ذلك. ورأت مكتبتنا ان تشارك في هذه الخدمة الجلى فنهضت باعادة طبعها اداء لبعض الحقوق وخدمة للعلم والعلماء، ومساهمة في سبيل النهضة العلمية المقدسة متوكلة في ذلك على الله فانه خير معين. وتمتاز هذه الطبعة بمزيد من الملاحظات وتلافي الاخطاء المطبعية الواقعة في الطبعة الاولى ومن الله نسأل أن يوفقنا للاستمرار في خدمة الدين والمواصلة في سبيل شعائر سيد المرسلين انه سميع مجيب. مدير دار المعارف الاسلامية. لطفي بسم الله الرحمن الرحيم

[ 6 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 9 ]

مقدمة الكتاب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف بريته محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة اعدائهم إلى يوم الدين. وبعد: فهذا هو الجزء الاول من كتابنا (التنقيح) في شرح العروة الوثقى، وهو دراسات في الفقه الجعفري وفقت لاستيعابها، وتحريرها من أبحاث سيدنا الاستاذ، فقيه الامة في جامعة الشريعة، المفسر الكبير، قبلة الفضلاء المشتغلين. آية الله العظمى في العالمين، من القت إليه زعامة الدراسة ازمتها. ونقح مسائل العلوم، وأبان غوامضها، واحاط بكنهها: اصولها وفروعها، المولى المعظم والمحقق الاعظم، الورع التقي (السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي) متع الله المسلمين عامة والمحصلين خاصة بشريف وجوده. وقد جعل أدام الله اظلاله محور بحثه الشريف كتاب (العروة الوثقى) للفقيه الاعظم والنيقد المقدم السيد محمد كاظم الطباطبائي (قدس سره) لاشتماله على فروع مهمة، ومسائل كثيرة تعم بها البلوى ربما لا تجدها في غيره، ولا يزال هو المدار الوحيد في عصرنا هذا في البحث والتعليق والافتاء عند فقهائنا الاعلام كثر الله امثالهم. وبدأ من كتاب الطهارة لان مباحث الاجتهاد والتقليد وفروعهما قد تكررت منه دام ظله في المباحث الاصولية. ولعلنا نعود إلى تحرير فروعهما في زمن أخر عير بعيد ان شاء الله. وقد جاءت محاضراته القيمة شرحا تفصيليا للكتاب وهي تقع في أجزاء متسلسلة يلقيها سيدنا الاستاذ فتكتب ثم تنشر.

[ 10 ]

ثم إني راعيت في ضبطها جهد الامكان التحفظ على نكات البحث ودقائقه من غير زيادة ولا نقصان، واتبعت سلاسة البيان لئلا يستعصى فهمها فيستشكل، أو يؤخذ على غير وجهها فيستغرب، وربما بالغت في البسط والتوضيح حذرا من الاغلاق، وأفردت ما خطر ببالي القاصر في صحائف مستقلة لعل التوفيق يساعدني على نشرها في مستقبل الايام. وقد جرى ديدن المؤلفين على أن يهدوا مجهودهم إلى عظيم من عظماء عصرهم، أو زعيم نحلتهم، وإذ نحن لانجد أعظم من ولي أمرنا المغيب (عجل الله فرجه الشريف) فمن الجدير جدا أن نرفع إلى ساحته المقدسة هذا المجهود الضئيل مترنما بقوله سبحانه: (يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا بقبولها ان الله يجزي المتصدقين). وأسأله تعالى بحق من نحن في جواره صلوات الله وسلامه عليه أن يمدني بتوفيقاته لاتمام هذا المجهود خدمة للعلم وأهله، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وذخرا ليوم فقري (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) وينفعني به وزملائي الافاضل المثقفين، فانه خير موفق ومعين، وهو حسبي ونعم الوكيل. المؤلف

[ 11 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم فصل في المياه الماء اما مطلق (1) أو مضاف كالمعتصر من الاجسام، أو الممتزج بغيره مما يخرجه عن صدق اسم الماء. ] كتاب الطهارة (1): ينقسم المايع إلى قسمين: قسم يصح سلب عنوان الماء عنه بما له من المعنى، ولا يطلق عليه الماء بوجه لا على نحو الحقيقة ولا على نحو المجاز، وهذا كما في اللبن والدهن والنفط والدبس وغيرها. والقسم الاخر ما يصح إطلاق الماء عليه، وهو ايضا قسمان: (أحدهما): ما لا يصح إطلاق لفظ الماء عليه، بما له من المعنى على نحو الحقيقة من غير إضافته إلى شئ. نعم يصح أن يطلق عليه باضافته إلى شئ ما، كماء الرمان. فان الماء من غير إضافته إلى الرمان لا يطلق عليه حقيقة. فلا يقال إنه ماء إلا على سبيل العناية والمجاز. وهذا القسم يسمى بالماء المضاف. (ثانيهما): ما يصح اطلاق لفظ الماء عليه على وجه الحقيقة، ولو من غير اضافته إلى شئ، وان كان ربما يستعمل مضافا إلى شئ ايضا. إلا ان استعماله من غير اضافة ايضا صحيح وعلى وجه الحقيقة، وهكذا كماء البحر والبئر ونحوهما، فان اطلاق الماء عليه من غير اضافته إلى البحر أو البئر اطلاق حقيقي فانه ماء، ويصح ايضا ان يستعمل مضافا إلى البحر.

[ 12 ]

[ والمطلق أقسام (1): الجاري، والنابع غير الجاري، والبئر، والمطر، والكر، والقليل ] فيقال: هذا ماء بحر أو ماء بئر، وهذا بخلاف القسم السابق فانه لا يستعمل مجردا، ولا يصح اطلاقه عليه إلا باضافته إلى شئ، ويسمى هذا القسم بالماء المطلق. ومن هنا يظهر أن تقسيم الماء إلى مطلق ومضاف من قبيل تقسيم الصلاة إلى الصحيحة والفاسدة، بناء على ان الفاظ العبادات أسام للصحيحة منها دون الاعم، فهو تقسيم لما يستعمل فيه الماء والصلاة ولو مجازا، وليس تقسيما حقيقيا ليدل على ان اطلاق الماء على المضاف اطلاق حقيقي. وبما ذكرناه تعرف أن اقسام المايع ثلاثة: (أحدها): هو مالا يمكن اطلاق الماء عليه لا على وجه الحقيقة، ولا على وجه المجاز، ولم ينقل عن احد دعوى كونه مطهرا أو غيره من الآثار المترتبة على المياه شرعا، فهو خارج عن محل الكلام رأسا. و (ثانيهما): المضاف وتأتي احكامه عن قريب ان شاء الله تعالى. و (ثالثها): الماء المطلق وهو المقصود بالكلام هنا. اقسام الماء المطلق (1): المعروف بين الاصحاب تقسيم الماء المطلق إلى اقسام ثلاثة: الجاري، وماء البئر، والمحقون بكلا قسميه من الكر والقليل، وكأنهم (قدهم) نظروا في تقسيمهم هذا إلى مياه الارض، ولذا لم يعدوا منها ماء المطر وعنونوه بعنوان آخر مستقل. وقد قسمه في المتن إلى الجاري، والنابع غير الجاري، والبئر، والكر، والقليل. وهذا هو الصحيح، لان النابع غير الجاري مما لا يصدق عليه شئ

[ 13 ]

من عنواني الجاري والبئر. فهو قسم آخر مستقل، ولا وجه لا دراجه تحت أحدهما كما صنعوه. ومن هنا لا تجري الاحكام الخاصة المترتبة على الجاري والبئر في النابع المذكور، ككفاية الغسل مرة من البول في الجاري، ووجوب نزح الجميع، أو سائر المقدرات في البئر. فانه على القول به يختص بالبئر، ولا يأتي في النابع بوجه. وعلى الجملة إن كان نظر المشهور في تقسيمهم هذا إلى الاحكام الخاصة المترتبة على كل واحد من الاقسام فلابد من إضافة النابع غير الجاري إلى تقسيمهم. فلا يصح الاقتصار على تثليث الاقسام كما عرفت. وان كان نظرهم في ذلك إلى خصوص الانفعال، وعدمه من الآثار، وتقسيم الماء بهذا اللحاظ فحينئذ لابد من تثليث الاقسام. ولكن لا كما ذكروه، بل بأن يقسم الماء إلى كر وغير كر، وغير الكر إلى ماله مادة وما ليس له مادة والكر والقليل الذي له مادة لا ينفعلان بملاقاة النجس، والقليل الذي ليس له مادة ينفعل لا محالة. وعلى كل تقدير فلابد من اضافة ماء الحمام ايضا في كل من تقسيمي المعروف والمتن، إذ لماء الحمام مباحث خاصة كما تأتي في محله. فان عدم انفعال الاحواض الصغيرة في الحمامات إنما هو من جهة اتصالها بالمادة الجعلية فيها، وهي عالية عن سطح الحياض، مع ان اعتصام السافل بالعالي كاعتصام العالي بالسافل على خلاف المرتكز عند العقلاء. ويحتاج إلى دليل لاعتبار التساوي بين المائين في الاعتصام بنظرهم. وعليه فلابد من تربيع الاقسام بأن يقال: الماء اما كر أو غير كر والثاني اما أن يكون له مادة أو لا يكون، وما له المادة إما أن تكون مادته أصلية، وإما أن تكون جعلية.

[ 14 ]

[ وكل واحد منهما مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر مطهر من الحدث والخبث (1) ] طهورية الماء المطلق (1): قد تسالم المسلمون كافة على طهارة الماء المطلق في نفسه ومطهريته لغيره من الحدث والخبث بجميع أقسامه من ماء البحر، والمطر، والبئر وغيرها. ولم ينقل من أحد منهم الخلاف في ذلك، إلا عن جماعة: منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص، و عبد الله بن عمر حيث نسب إليهم الخلاف في مطهرية ماء البحر عن الحدث، وصحة النسبة وعدمها موكولة إلى غير المقام. وهذا - مضافا إلى التسالم المتقدم ذكره وان الضرورة قاضية بطهارة الماء في نفسه ومطهريته لغيره - يمكن أن يستدل عليه ببعض الايات وجملة من الروايات الواردة في المقام. فمنها قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (* 1) حيث انه سبحانه في مقام الامتنان، وبيان نعمائه على البشر. وقد عد منها الماء، ووصفه بالطهور، وظاهر صيغة الطهور هو ما يكون طاهرا في نفسه، ومطهرا لغيره على ما اعترف به جمع كثير. المناقشات في الاستدلال هذا وقد نوقش في الاستدلال بالآية المباركة من جهات: (الجهة الاولى) هي ما نقل عن بعض أهل اللغة من ان الطهور بمعنى الطاهر، وعليه فلا تدل الآية على مطهرية الماء لغيره. وعن بعض آخر ان الطهور فعول


(* 1) الفرقان 25: 48.

[ 15 ]

وهو من احدى صيغ المبالغة كالاكول ومعناه ان طهارة الماء اشد من طهارة غيره من الاجسام فهو طاهر بطهارة شديدة بخلاف غيره من الاجسام، فالآية لا دلالة لها على مطهرية الماء. وهذان الايرادان فاسدان. (أما الاول) فلاجل ان الطهر غير ظاهر في الطاهر من دون أن يكون مطهرا لغيره، وإلا فلو صح إطلاق الطهور على ما هو طاهر في نفسه خاصة لصح استعماله في غير الماء من الاجسام أيضا. فيقال: الشجر، أو الخشب طهور، أو يقال: البواطن طهور، وظاهر الحيوانات طهور، مع ان الاطلاق المذكور من الاغلاط الفاحشة. (وأما الثاني) فلان الطهور وان كان فعولا، وهو من صيغ المبالغة بمعنى أنها ربما يستعمل في المبالغة، كما في مثل الاكول، إلا أنه في المقام ليس بهذا المعنى جزما. وتوضيح ذلك: ان استعمال الطهور بمعنى أشد طهارة. وكونه انظف من غيره وان كان صحيحا، وربما يستعمل - بدله - لفظ اطهر. فيقال: إن هذا الشئ اطهر لك. كما في قوله تعالى: (هؤلاء بناتي هن اطهر لكم) (* 1) أي اوقع في الجهات الشهوية من غيرها. وقوله تعالى: (شرابا طهورا) (* 2) أي أشد نظافة. إلا ان ذلك كله في الامور الخارجية التي لها واقع، كما في الطهارة الخارجية بمعنى النظافة. فيقال: هذا الثوب اطهر من ثوبك أي أشد نظافة من ثوبك. واما في الامور الاعتبارية التي لا واقع لها إلا حكم الشارع واعتباره، كما في الطهارة - المبحوث عنها في المقام - والملكية، والزوجية. وغيرها


(* 1) هود 11: 78. (* 2) الانسان 76: 21)

[ 16 ]

من الاحكام الوضعية التي اعتبرها، وجعلها في حق المكلفين فهي مما لا يعقل اتصافه بالاشدية والاقوائية كما ذكرناه في بحث الاحكام الوضعية. فلا يصح ان يقال ان ملكك بالدار أشد من ملكك بالكتاب، أو ان حكم الشارع بالطهارة في هذا الشئ أشد من حكمه بها في الشئ الآخر: فان الشارع إن حكم فيها بالطهارة، أو بالملكية فهما على حد سواء، وإلا فلا طهارة ولا ملكية في البين اصلا. ففي الامور الاعتبارية لا معنى للاتصاف بالشدة والضعف، بل الامر فيها يدور دائما بين الوجود والعدم، والنفي والاثبات وعليه فلا يعقل استعمال الطهور في الآية بمعنى المبالغة. وتوهم ان شدة الطهارة في الماء باعتبار أنه لا ينفعل بملاقاة النجس ما لم يتغير: يدفعه. (أولا): ان هذا مما يختص ببعض افراد المياه، ولا يعم جميعها، مع ان الطهور وصف لطبيعي الماء اين ما سرى و (ثانيا) ان استعمال لفظ الطهور لو كان بلحاظ عدم الانفعال بملاقاة النجس لصح حمله على البواطن، بل على ظاهر الحيوان ايضا، على قول مع أنه من الاغلاط. ومما يدلنا على ما ذكرناه: ما ورد في الاخبار من ان التراب أحد الطهورين (* 1) فانه لو اريد من الطهور فيها ما هو طاهر في نفسه لما صح هذا الاستعمال قطعا، فان سائر الاجسام ايضا من أحد الطاهرات كالخشب والمدر فما وجه تخصيصه التراب والماء بذلك؟ كما هو الحال أي لا يصح الاستعمال المذكور فيما لو اريد منه المبالغة، لان التراب نظير غيره من الاجسام، وليس فيها أشدية في الطهارة كما لا يخفى. اضف إلى ذلك كله ما في بعض الروايات (* 2) من ان التيمم طهور


(* 1) كما ورد مضمونه في صحيحة محمد بن حمران، وجميل بن دراج جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام المروية في الباب 23 من أبواب التيمم من الوسائل. (* 2) ورد مضمون ذلك في صحيحتي زرارة المروية في الباب 21 من أبواب التيمم ومحمد بن مسلم المروية في الباب 14 من أبواب التيمم من الوسائل.

[ 17 ]

فانه صريح فيما ادعيناه في المقام من عدم كون هيئة الطهور موضوعة للطاهر أو للمبالعة، فان التيمم ليس إلا ضربة ومسحة وما معنى كونهما طاهرين أو كونهما أشد طهارة؟ وعليه فلا مجال لهذين الايرادين بوجه. وإذا بطل هذان المعنيان تتعين ارادة المعنى الثالث، وهو كونه بمعنى ما يتطهر به نظير السحور، والفطور، والحنوط والوضوء والوقود بمعنى ما يتسحر به، أو ما يفطر به، وهكذا غيرهما. وبعبارة اخرى ما يكون منشأ للطهارة، أو التسحر والجامع ما يحصل به المبدأ. وبهذا المعنى استعمل في الخبرين المتقدمين. وعليه فالطهور يدل - بالدلالة المطابقية - على ان الماء مطهر لغيره، ومنشأ لطهارة كل شئ. وبالدلالة الالتزامية تدل على طهارة نفسه، فان النجس لا يعقل ان يكون منشأ للطهارة في غيره. ولعل من فسره من الفقهاء ومنهم صاحب الجواهر (قده) بما يكون طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره، اراد ما ذكرناه من دلالته على المطهرية بالمطابقة وعلى طهارته بالالتزام، وإلا فلم توضع هيئة الطهور (فعول) للمعنى الجامع بين الطاهر والمطهر. ودعوى ان الروايتين وردتا في الطهارة الحدثية، وهي المراد من مادة الطهور فيهما - والكلام في الاعم من الطهارة الحدثية، والخبثية - مندفعة بانهما وان وردتا في الحدثية من الطهارة، إلا ان الكلام في المقام انما هو في هيئة صيغة الطهور لا في مادتها، سواء أكانت مادتها بمعنى الخبثية ام كانت بمعنى الحدثية، فالتكلم في مادتها اجنبي عما هو محط البحث في المقام. وقد عرفت ان الهيئة في الطهور بمعنى ما تنشأ منه الطهارة، وما يحصل به المبدأ. الجهة الثانية من المناقشات: ان الآية على تقدير دلالتها فانما تدل على طهورية

[ 18 ]

الماء المنزل من السماء وهو المطر، فلا دلالة فيها على طهورية مياه الارض من ماء البحر والبئر ونحوهما. وهذه المناقشة لا ترجع إلى محصل. وذلك لما ورد في جملة من الآيات وبعض الروايات (* 1) من ان المياه باجمعها نازلة من السماء: إما بمعنى ان الله خلق الماء في السماء فهناك بحار، وشطوط، ثم انزله إلى الارض فتشكل منه البحار، والانهار، والشطوط، والآبار. أو بمعنى ان الله خلق الماء في الارض إلا أنه بعدما صار أبخرة باشراق الشمس ونحوه صعد إلى السماء فاجتمع وصار ماء، ثم نزل إلى الارض كما هو مذهب الحكماء والفلاسفة وهذا المعنى لا ينافي نزول الماء من السماء لانه بمعنى نزول أمره من السماء. ويدل عليه قوله تعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس) (* 2) فانه لم يتوهم أحد، ولا ينبغي أن يتوهم نزول نفس الحديد من السماء. ومن جملة الآيات الدالة على ما ادعيناه من نزول المياه باجمعها من السماء: قوله تعالى: (وان من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) (* 3) وقوله تعالى:) (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض) (* 4) وقوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الارض وإنا على ذهاب به لقادرون) (* 5) إلى غيرذلك من


(* 1) ففي البرهان المجلد 3 ص 112 عن تفسير علي بن ابراهيم ما هذا نصه: (ثم قال: وعنه وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض. فهي الانهار والعيون والآبار) ولا يرد عدم اشتمال الرواية على ماء البحر، فانه انما يتشكل من الانهار، فلا يكون قسما آخر في مقابلها. (* 2) الحديد 57: 25. (* 3) الحجر 15: 21. (* 4) الزمر 39: 21. (* 5) المؤمنون 23: 18)

[ 19 ]

الآيات. فهذه المناقشة ساقطة. الجهة الثالثة من المناقشات: ان الماء في الآية المباركة نكرة في سياق الاثبات وهي لا تقيد إلا ان فردا من افراد المياه طهور، ولا دلالة فيها على العموم. ويدفعها: ان الله سبحانه في مقام الامتنان على جميع طوائف البشر، لا على طائفة دون طائفة، وهذا يقتضي طهارة جميع المياه. على ان طهورية فرد من أفراد المياه من دون بيانه وتعريفه للناس مما لا نتعقل فيه الامتنان أصلا، بل لا يرجع إلى معنى محصل، فالآية تدل على طهورية كل فرد من أفراد المياه. ومن جملة الآيات التي يمكن أن يستدل بها على طهورية الماء، قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) (* 1) وهذه الآية سليمة عن بعض المناقشات التي أوردوها على الآية المتقدمة، كاحتمال كون الطهور بمعنى الطاهر. أو بمعنى المبالغة. نعم يرد عليها أيضا مناقشة الاختصاص بماء السماء ومناقشة عدم دلالتها على العموم، لكون الماء نكرة في الآية المباركة، والجواب عنهما هو الجواب فلا نعيد. ثم إنه ربما تورد على استدلال بهذه الآية مناقشة اخرى، كما تعرض لها في الحدائق وغيره. وملخصها عدم دلالة الآية على التعميم، لا لاجل أن الماء نكرة، بل لانها وردت في طائفة خاصة، وهم المسلمون الذين كانوا يحاربون الكفار في وقعة بدر، ومع اختصاص المورد لا يمكن التعدي عنه. والجواب عن ذلك: ان هناك روايات دلتنا على أن ورود آية من


(* 1) الانفال 8: 11.

[ 20 ]

آيات الكتاب في مورد، أو تفسيرها بمورد خاص لا يوجب اختصاص الآية بذلك المورد، لان القرآن يجري مجرى الشمس والقمر، ويشمل جميع الاطوار والاعصار من دون أن يختص بقوم دون قوم، بل وفي بعض الاخبار (* 1) ان الآية لو اختصت بقوم تموت بموت ذلك القوم، وفي رواية (* 2) ان الامام - ع - طبق قوله تعالى: (الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) (* 3) على أنفسهم. وقال: انها وردت في رحم آل محمد - ص - وقد تكون في قرابتك ثم بين - ع - ان مرادنا من ورود الآية في مورد: أنه مصداق ومما ينطبق عليه تلك الآية، لا أن الآية مختصه به. فهذه الشبهة أيضا مندفعة فلا مانع من الاستدلال بها من تلك الجهات. تزييف الاستدلال ولكن الانصاف أن الآيتين مما لا دلالة له على المطلوب. والوجه


(* 1) فروى العياشي في تفسيره باسناده عن أبي جعفر (ع) انه قال: القرآن نزل أثلاثا ثلث فينا وفي أحيائنا، وثلث في أعدائنا وعدو من كان قبلنا، وثلث سنة ومثل، ولو ان الآية إذا نزلت في قوم ثم مات اولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شئ، ولكن القرآن يجري أوله على آخره، الحديث. رواه في الوافي في باب متى نزل القرآن وفيم نزل. من أبواب القرآن وفضائله. ونقل في مرآة الانوار ص 5 من الطبعة الحديثة مضمونه عن تفسير العياشي تارة وعن تفسير فرات بن ابراهيم اخرى. ونقل غيرذلك من الاخبار التي تدل على ما ذكرناه فليراجع. (* 2) وهي ما رواه في الكافي في باب صلة الرحم ص 156 من الجزء الثاني الطبعة الاخيرة عن عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله (ع) الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل قال: نزلت في رحم آل محمد صلى الله عليه وآله وقد تكون في قرابتك (ثم قال) فلا تكونن ممن يقول للشئ انه في شئ واحد. (* 3) الرعد 13: 21.

[ 21 ]

في ذلك: أن الطهور والطهارة مما لم تثبت له حقيقة شرعية ولا متشرعية في زمان نزول الآيتين، ولم يعلم أن المراد من الطهور هو المطهر من النجاسات ولم يظهر أنه بمعنى الطهارة المبحوث عنها في المقام. ولعل المراد منها ان الله من عليكم بخلق الماء وجعله طاهرا عن الكثافات المنفرة، ومطهرا من الاقذار العرفية، فان الانسان ليس كالحيوان بحيث لو لم ير الماء شهرا أو شهورا متمادية لا يكون موردا للتنفر عرفا، ولا يستقذره العقلاء بل هو يحتاج في تنظيف بدنه، ولباسه، وأوانيه، وغيرها إلى استعمال ماء طهور، فهو طاهر في نفسه ومطهر عن الاقذار. وقد جعله الله تعالى كذلك من باب الامتنان، إذ لولاه لوقع الانسان موقع التنفر والاستقذار. فالآية ناظرة إلى بيان هذا المعنى، لا بمعنى أن الماء مطهر من النجاسات المصطلحة - المبحوث عنها في المقام - لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، والمتشرعية في شئ من الطهارة والطهور. بل ولعل أحكام النجاسات لم تكن ثابتة في الشريعة المقدسة حين نزول الآيتين أصلا، حيث أن تشريع الاحكام كان على نحو التدريج لا محالة. ويؤيد ذلك أن الآيات القرآنية لم تشتمل على شئ من عناوين النجاسات وقذارتها إلا في خصوص المشركين، لقوله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام) (* 1) على أن فيه أيضا كلاما في أن المراد بالنجس هل هو النجاسة الضاهرية المصطلحة، أو انه بمعنى النجاسة المعنوية وقذارة الشرك؟ كما يناسبها تفريعه تعالى بقوله فلا يقربوا المسجد الحرام فان النجس الظاهري لامانع من دخوله وادخاله المسجد على المعروف كما يأتي في محله. وكيف كان فلا دلالة في الآيتين على المطلوب. أجل لا نضايق من الحاق النجاسة الحدثية. أعني الجنابة بالاقذار العرفية في دلالة الآية على


(* 1) التوبة 9: 28.

[ 22 ]

طهورية الماء بالاضافة إليها. والوجه في ذلك ان الصلاة كانت مشروعة من ابتداء الشريعة المقدسة قطعا ولا صلاة إلا بطهور. وقد استعمل الطهور في الاغتسال عن الجنابة في قوله تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) (* 1) فانه في مقابل التيمم عن الجنابة عند عدم وجدان الماء في قوله تعالى: (وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيا). وبهذا نلحق الاغتسال عن الجنابة إلى مفاد الآيتين، كما يناسبه مورد الآية الثانية، فمعناها ان الله انزل عليكم الماء ليزيل عنكم اقذاركم من الدماء، والكثافات الطارئة في الجدال، واحداثكم إذا ابتليتم بالجنابة. وقد يقال: ان المراد بالطهور في الآية الاولى هو المطهر من الاحداث والاخباث، كما ان المراد بالتطهير في الآية الثانية هو التطهير منهما، ويستدل على ذلك بما ورد في جملة من الروايات النبويات: من ان الله خلق الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير ريحه أو طعمه، وفي بعضها أو لونه ايضا (* 2). ولا يخفى ما فيه إما (أولا): فلان هذه الاخبار لم ترد تفسيرا


(* 1) المائدة 5: 6. (* 2) المروية في الوسائل في الباب 1 من ابواب الماء المطلق عن المحقق في المعتبر، والحلي في أول سر أثره. ونقلها في المجلد الاول من المستدرك ص 28 عن غوالي اللئالي عن الفاضل المقداد قال: النبي صلى الله عليه وآله وقد سئل عن بئر بضاعة خلق الله. وفي سنن البيهقي المجلد الاول ص 259 عن رسول الله صلى الله عليه وآله الماء لا ينجسه شئ إلا ما غلب عليه طعمه أو ريحه وفي ص 260 عن أبي امامة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ان الماء طاهرالا أن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيها. وفي كنز العمال المجلد الخامس ص 94 الماء لا ينجسه شئ الا ما غلب على ريحه أو طعمه وهي كما ترى غير مشتملة على جملة (خلق الله الماء طهورا).

[ 23 ]

للآيتين فلا وجه لحملهما عليها. وأما (ثانيا): فلضعف سندها. فانها بأجمعها مروية من طرق العامة، ولم يرد شئ منها من طرقنا. وعلى الجملة لا دلالة للآية الاولى على مطهرية الماء بالمعنى المبحوث عنه في المقام، وإنما هي في مقام الامتنان بتكوين الماء لازالة الاقذار والكثافات. ومن هذا يظهر عدم دلالة الآية الثانية ايضا على مطهرية الماء بعين الاشكال المتقدم، وتزيد الآية الثانية على الاولى بمناقشة اخرى وهي: اختصاصها بماء المطر، لانها على ما قدمناه نزلت في وقعة بدر، حيث لم يكن عند المسلمين ماء فأنزل الله الماء عليهم من السماء، ليتطهروا به، فتختص الآية بماء المطر. ولا تقاس بالآية المتقدمة، لانها كما عرفت وردت في مقام الامتنان على جميع طوائف البشر، وهو يقتضي طهارة كل فرد من أفراد المياه، فانها بأجمعها نازلة من السماء على ما أسمعناك آنفا. هذا. ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بوجهين: (أحدهما): ان الغالب في استعمال ماء المطر في ازالة الحدث، أو الخبث هو استعماله بعد نزوله، ووقوعه على الارض، واجتماعه في الغدران أو الاواني، واما استعماله حين نزوله في شئ‌من رفع الحدث أو الخبث فهو نادر جدا، ومن الظاهر ان حكم ماء المطر بعد نزوله حكم سائر مياه الارض، ولا يختلف حكمه عن حكمها. و (ثانيهما): ان الضمير في قوله تعالى: (ليطهركم به) إنما يرجع إلى الماء، لا إلى الماء بقيد نزوله من السماء، وهو نظير قولنا: قد أرسلت اليكم ماء لتشربوه، أي لتشربوا، نفس الماء، لا الماء بقيد الارسال. فالآية تدل على مطهرية جميع أفراد المياه، لولا ما ذكرناه من المناقشة المتقدمة. نعم لا بأس بدلالة هذه الآية ايضا على مطهرية الماء عن الاحداث، كدلالة الآية المتقدمة، لما ورد من ان بعض المسلمين في وقعة بدر اصيب بالجنابة

[ 24 ]

فأنزل الله الماء ليتطهروا به عن الجنابة. فذلكة الكلام ان الآيتين تدلان على طهارة الماء في نفسه، لما مر من أنهما في مقام الامتنان بتكوين الماء، وجعله مزيلا للاقذار والكثافات. ومن البين انه لا امتنان في ازالة الكثافات بالنجس، فانه يوجب تنجس البدن أو الثياب أو غيرهما، زائدا على ما فيهما من الاقذار. فلا محيص من دلالتهما على طهارة الماء في نفسه، كما دلتا على مطهرية الماء من حدث الجنابة، بل لولاهما أيضا لامكننا استفادة مطهرية الماء عن الاحداث مطلقا من قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم. وان كنتم جنبا فاطهروا) (* 1) أي بالماء لقوله تعالى في ذيل الآية المباركة: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) فالماء مطهر من الاحداث صغيرة كانت أم كبيرة وأما انه مطهر على نحو الاطلاق حتى من الاخباث فلا يمكن استفادته من الآيات، فلابد فيه من مراجعة الروايات الواردة في المقام. الروايات الدالة على طهارة الماء أما ما يستفاد منه طهارة الماء في نفسه فهو طوائف من الاخبار، يمكن دعوى تواترها اجمالا، واليك بعضها. (منها): ما دل على ان الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر


(* 1) المائدة 5: 6. (* 2) المروية في الباب 1 و 4 من أبواب المطلق من الوسائل.)

[ 25 ]

فانه يدل على طهارة الماء في نفسه، سواء قلنا بدلالته على حكم واحد - وهو الطهارة الواقعية الثابتة على الماء في نفسه، أو الطهارة الظاهرية الثابتة عليه حال الشك في طهارته - أم قلنا بدلالته على كلا الحكمين، وان الطهارة ثابتة على الماء واقعا، وهي محكومة بالاستمرار ظاهرا إلى زمان العلم بقذارته بالاستصحاب أو بقاعدة الطهارة على الخلاف في مفاده، وعلى كل يدل على أن الماء طاهر. وغاية ما هناك انه على تقدير كونه ناظرا إلى اثبات الطهارة الواقعية على الماء يدل على طهارته بالمطابقة، وعلى تقدير انه متكفل لبيان الطهارة الظاهرية في الماء يدل على طهارته بالالتزام. و (منها): ما دل على أن الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شئ (* 1) والوجه في دلالته على طهارة الماء انه لولا طهارة الماء في نفسه لم يبق معنى لقوله (ع) لا ينجسه شئ، على تقدير بلوغه قدر كر. فان النجس لا يتنجس ثانيا، والتنجس من طوارى الاشياء الطاهرة. و (منها): ما دل على ان الماء يطهر ولا يطهر (* 2). و (منها): كل رواية دلت على تطهير الاواني، والالبسة، وغيرهما من المتنجسات بالماء، لدلالتها على طهارة الماء في نفسه. إذ لا يمكن تطهير المتنجس بالنجس (* 3). و (منها): ما دل على أن ماء البئر واسع لا يفسده شئ (* 4) والوجه في دلالته واضح، إذ مع نجاسة الماء في نفسه لا معنى لقوله (ع) لا يفسده


(* 1) المروية في الباب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 1 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 3) كصحيحة محمد بن مسلم الآمرة بغسل الثوب من البول في المركن مرتين، وفي الماء الجاري مرة، وهي مروية في الباب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 4) المروية في الباب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 26 ]

شئ، لما عرفت من أن النجس لا يتنجس ثانيا. و (منها): مادل على أن بني اسرائيل كانوا إذا اصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض وقد وسع الله تعالى عليكم باوسع ما بين السماء والارض، وجعل لكم الماء طهورا (* 1) ودلالته على طهارة الماء ظاهرة و (منها): غير ذلك من الاخبار، كما لا نخفى على المتتبع الخبير. الروايات الدالة على مطهرية الماء وأما مادل من الاخبار على مطهرية الماء من الحدث والخبث فهي أيضا كثيرة، قد وردت في موارد متعددة، وأبواب مختلفة، كالروايات الآمرة بالغسل، والوضوء بالماء (* 2) وما دل على مطهرية الماء عن نجاسة البول (* 3) وولوغ الكلب (* 4) وغيرهما من النجاسات، وبعض الاخبار المتقدمة عند الاستدلال على طهارة الماء في نفسه (* 5) وسنتعرض إلى تفاصيل هذه الاخبار عند التكلم في آحاد النجاسات، وتطهيرها بالماء فلا نطيل. نعم لا دلالة لها باجمعها على حصول الطهارة بمجرد الغسل بالماء، وان لم تنفصل غسالته، أو لم يتعدد الغسل لعدم كونها في مقام البيان من تلك الجهات، فلا اطلاق لها بالاضافة إليها، والمتبع فيها دلالة الدليل الموجود في كل مسألة بخصوصها.


(* 1) المروية في الباب 1 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) كما رواه عبد الله بن المغيره المروية في الباب 1 من أبواب المضاف والمستعمل من الوسائل. (* 3) كصحيحة محمد بن مسلم المروية في الباب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 4) كصحيحة البقباق المروية في الباب 1 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 5) كما دل على ان الماء يطهر ولا يطهر المروية في الباب 1 من أبواب المطلق من الوسائل.

[ 27 ]

تنبيه هل الطهورية الثابثة للمياه بالروايات، والآيات تختص بخصوص الماء النازل من السماء - ولو بحسب اصله - أو انها ثابتة لمطلق المياه، ولو كانت مخلوقة لنا باعجاز، أو بتركيب بضم احد جزئيه إلى الاخر؟ الصحيح هو الثاني، لان المفروض انه ماء بالنظر العرفي، وهو صادق عليه صدقا حقيقيا، ومعه لا وجه للتردد والشك. والذي يحتمل ان يكون مانعا عن ذلك هو ما تقدم من قوله تعالى: (وانزلنا من السماء ماء طهورا) بتوهم اختصاصها بالماء النازل من السماء ولكنك عرفت ان الطهور فيها ليس بمعناه المصطلح عليه في المقام، ونحن انما اثبتنا الطهورية للماء بواسطة الاخبار المتقدمة. هذا. ثم لو سلمنا دلالتها على طهورية الماء، فهي حكم ثبت بالآية لطبيعي المياه، والطبيعة صادقة على ذلك الفرد كما تقدم. وانما خص الماء النازل من السماء بالذكر، لاجل غلبته، وكثرة وجوده. ونحن قد ذكرنا في محله ان المطلق لا يختص بالافراد الغالبة لاجل كثرة وجودها، بل يشملها كما يشمل الافراد النادرة وبالجملة إذا ثبت انه ماء، وشملته الاطلاقات فلا محالة يكون طهورا كغيره. فإذا فرضنا ان الهواء احدث بخارا، وانجمد ذلك البخار على زجاجة لمكان حرارة احد طرفيها وبرودة الاخر - وهذا كثيرا ما يتفق في البلاد الباردة - ثم أثرت فيه الحرارة وتبدل البخار المنجمد ماء وأخذ بالتقاطر فلا محالة يكون الماء المجتمع منه طهورا، مع انه لم ينزل من السماء. ولا نظن فقيها، بل ولا متفقها يفتي وجوب التيمم عند انحصار الماء بذلك.

[ 28 ]

[ (مسألة 1) الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة طاهر (1) لكنه غير مطهر (2) لا من الحدث، ولا من الخبث، ولو في حال الاضطرار. ] وعلى هذا إذا حصلنا الماء من أي مايع مضاف، كماء الرمان، أو البرتقال أو غيرهما بالتصعيد بحيث صار ما فيه من الماء بخارا، وتصاعد إلى الفوق دون شئ من أجزاء الرمان، أو البرتقال، أو مادة حلاوتهما فانهما لا يتصاعدان وأخذنا البخار بالتقطير فهو ماء مطلق طهور كغيره. واحتفظ بهذا فانه ينفعك في بحث المضاف ان شاء الله. الماء المضاف واحكامه (1) لا ينبغي الاشكال كما لم يستشكل أحد في أن المضاف في نفسه طاهر، فيما إذا كان ما أضيف إليه طاهرا، بخلاف ما إذا كان المضاف إليه نجسا أو متنجسا كما إذا عصرنا لحم كلب واستخرجنا ماءه، أو عصرنا فاكهة متنجسة، فان الماء الحاصل منهما محكوم بالنجاسة حينئذ. عدم مطهرية المضاف من الحدث (2) الكلام في ذلك يقع في مسألتين: (المسألة الاولى): في أن المضاف يرفع الحدث أو لا يرفعه حتى في حالة الاضطرار؟ المشهور عدم كفاية المضاف في رفع الحدث ولو اضطرارا، خلافا لما حكي عن الصدوق (ره) من جواز الوضوء والغسل بماء الورد. وقد استدلوا على ذلك بوجوه: (الاول): دعوى الاجماع على عدم كفاية المضاف في الوضوء والغسل. وأما ما ذهب إليه الصدوق (قده) فقد ردوه بانه مسبوق وملحوق

[ 29 ]

بالاجماع على خلافه. ويدفعها ما ذكرناه - غير مرة - من أن الاجماع في أمثال المقام مما لا يمكن الاعتماد عليه، لانا نعلم أو نظن، ولا أقل من انا نحتمل استناد المجمعين في ذلك إلى أحد الادلة المذكورة في المقام، ومعه كيف يكون اجماعهم تعبديا وكاشفا عن قول المعصوم (ع)؟! (الثاني): ما صرح به في الفقه الرضوي (* 1) من عدم جواز رفع الحدث بالمضاف. وفيه: ان كتاب الفقه الرضوي على ما ذكرناه - غير مرة - أشبه بكتب الفتوى. ولم يثبت كونه رواية فضلا عن اعتباره. (الثالث): ان المضاف أيضا لو كان كالمطلق من مصاديق الطهور للزم على الله سبحانه ان يأتي في الآية المتقدمة بما هو اعم، من الماء ليشمله ويشمل المضاف، لانه في مقام الامتنان. وحيث انه تعالى خص الطهور بالماء، فمنه يعلم أن المضاف ليس بطهور، وإلا لم يكن لتركه في مقام الامتنان وجه. والجواب عن ذلك (أولا): ان الطهور في الآية لم يثبت كونه طهورا شرعيا كما هو المطلوب، وانما هو طهور تكويني، مزيل للقذارات والكثافات كما تقدم، والمضاف ليس له هذا المعنى، بل هو بنفسه من الكثافات، كمائي الرمان والبطيخ ونحوهما، ولذا لابد من ازالتهما عن الثياب، وغيرها إذا تلوثت بامثالهما من المياه المضافة. و (ثانيا): هب انه بمعنى الطهور شرعا، ولكنه لا يستكشف من عدم ذكر المضاف في الآية المباركة انه ليس مصاديق الطهور، إذ لعل عدم ذكره في الآية من أجل قلة وجود المضاف. كيف وهو لا يتحصل لاغلب الناس ليشربوه، فضلا عن أن يزيلوا به الاحداث، فانه يحتاج إلى مؤنة زائدة ويسار. فالصحيح: أن يستدل على عدم طهورية المضاف بقوله تعالى:


(* 1) في ص 5 س 25 قال: وكل ماء مضاف أو مضاف إليه فلا يجوز التطهير به ويجوز شربه.

[ 30 ]

(إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم. فان لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (* 1) حيث حصر سبحانه الطهور في الماء والتراب، فلا طهور غيرهما. بل ولا حاجة إلى الا ستدلال بالآية المباركة في المقام، لكفاية ما ورد في الروايات الدالة على تعين الوضوء والغسل بالماء، ووجوب التيمم على تقدير فقدانه في اثبات المرام. ففي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يكون معه اللبن، أيتوضأ منها للصلاة؟ قال: لا. انما هو الماء والصعيد (* 2) ونظيرها ما نقله عبد الله بن المغيرة عن بعض الصادقين قال: إذا كان الرجل لا يقدر على الماء وهو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن انما هو الماء أو التيمم (* 3). فان اللبن وان كان من المايعات التى لا يطلق عليها الماء، ولو على وجه المضاف، وهو خارج عن محل الكلام إلا أن تعليله (ع) بقوله انما هو الماء والصعيد أو انما هو الماء أو التيمم يقتضي انحصار الطهور بهما، كما لا يخفى. كشف اشتباه في كلمات الاصحاب لا يخفى ان الا صحاب (قدس الله اسرارهم) نقلوا الآية المتقدمة في مؤلفاتهم بلفظة: ان لم يجدوا. فان لم تجدوا، وهو على خلاف لفظة الآية الموجودة في الكتاب. بل لا توجد هاتان اللفظتان في شئ من آيات الكتاب العزيز. فان ما وفقنا عليه في سورتي النساء (* 4) والمائدة (* 5)


(* 1) المائدة 5: 6. (* 2 و 3) المرويتان في الباب 1 من أبواب الماء المضاف من الوسائل. (* 4) الآية: 43. (* 5) الآية: 6.

[ 31 ]

فلم تجدوا، كما ان الموجود في سورة البقرة (ولم تجدوا كاتبا.) (* 1) فراجع. وظني ان الاشتباه صدر من صاحب الحدائق (قده) وتبعه المتأخرون عنه في مؤلفاتهم اشتباها ولا غرو فان العصمة لا هلها، وكيف كان فما ذهب إليه المشهور هو الصحيح. وخالفهم في ذلك الصدوق (قده) وذهب إلى جواز الوضوء، والغسل بماء الورد، ووافقه على ذلك الكاشاني (قده) ونسب إلى ظاهر ابن أبي عقيل جواز التوضوء بالماء الذي سقط فيه شئ غير محرم ولا نجس وغيره في احد اوصافه الثلاثة حتى اضيف إليه مثل ماء الورد وماء الزعفران وغيرهما مما ورد في محكي كلامه، إلا انه قيده بصورة الا ضطرار ولعله يرى مطهرية المضاف مطلقا، وانما ذكر الامور المشار إليها في كلامه من باب المثال. فاما الصدوق (قده) فقد استدل على ما ذهب إليه بما رواه (* 2) محمد بن يعقوب عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد ابن عيسى، عن يونس، عن أبي الحسن (ع) قال: قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضأ به للصلاة. قال لا بأس بذلك. المناقشة في سند الرواية وقد نوقش في هذه الرواية سندا ودلالة بوجوه: فاما في سندها فبوجهين: فتارة باشتماله على سهل بن زياد، لعدم ثبوت وثاقته. نعم قال بعضهم: ان الامر في سهل سهل، ولكنك عرفت عدم ثبوت وثاقته واخرى باشتماله على محمد بن عيسى عن يونس. وقد قالوا بعدم الاعتبار


(* 1) الآية: 283. (* 2) المروية في الباب 3 من أبواب الماء المضاف من الوسائل.

[ 32 ]

بما يرويه محمد بن عيسى عن يونس، فالسند ضعيف. وعن الشيخ (قده). انه خبرشاذ شديد الشذوذ وان تكرر في الكتب والاصول فانما اصله يونس عن أبي الحسن (ع) ولم يروه غيره وقد اجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره. المناقشة في دلالتها وأما في دلالتها فايضا نوقش بوجهين: (أحدهما): وهو من الشيخ (قده) على ما ببالي أن الوضوء والغسل في الرواية لم يظهر كونهما بالمعنى المصطلح عليه ولعلهما بمعناهما اللغوي، أعني الغسل المعبر عنه في الفارسية (بشست وشوكردن) ولو لاجل التطيب بماء الورد للصلاة، كما قد استعملا بهذا المعنى في كثير من الموارد، ولا مانع من الاغتسال والتوضوء بالمعنى المذكور بماء الورد. وهذه المناقشة كما ترى خلاف ظاهر الوضوء والغسل، لاسيما مع تقييدهما في الرواية بقوله: للصلاة، فان ظاهره هو الوضوء الواجب لاجل الصلاة، أو الغسل اللازم لاجلها، دون معناهما اللغوي. اقسام ماء الورد و (ثانيهما): ان ماء الورد على ثلاثة أقسام: (أحدها): ما اعتصر من الورد كما يعتصر من الرمان وغيره، ولم يشاهد هذا في الاعصار المتأخرة، ولعله كان موجودا في الازمنة السالفة. و (ثانيها): الماء المقارن للورد، كالماء الذي القي عليه شئ من

[ 33 ]

الورد. وأدنى المجاورة يكفي في صحة الاضافة والاسناد، فيصح أن يطلق عليه ماء الورد، فانه لاجل المجاورة يكتسب رائحة الورد ويتعطر بذلك لا محالة ولكن هذا لا يخرج الماء المقترن بالورد عن الاطلاق، كما كان يخرجه في القسم السابق، وهذا لوضوح ان مجرد التعطر بالورد باكتساب رائحته لا يكون مانعا عن اطلاق الماء عليه حقيقة، وهو نظير ما إذا القيت عليه ميتة طاهرة كميتة السمك. واكتسب منها رائحه نتنة. فان ذلك لا يخرجه عن الاطلاق ويصح استعماله في الوضوء والغسل قطعا. نعم يدخل الماء بذلك تحت عنوان المتغير، وهو موضوع آخر له أحكام خاصة، والمتغير غير المضاف، إذ المضاف على ما أسمعناك سابقا هو الذي خلطه أمر آخر على نحو لا يصح أن يطلق عليه الماء حقيقة بلا اضافته إلى شئ كما في ماء الرمان، وفي القسم المتقدم من ماء الورد إلا على سبيل العناية والمجاز. وأما إذا كان الماء اكثر مما اضيف إليه، بحيث صح ان يطلق عليه الماء بلا اضافته، كما صحت اضافته إلى الورد أيضا، فهو مطلق - كما عرفت في نظائره من ماء البحر أو البئر ونحوهما. (وثالثها): ماء الورد المتعارف في زماننا هذا، وهو الماء الذي يلقى عليه مقدار من الورد ثم يغلي فيتقطر بسبب البخار، وما يؤخذ من التقطير يسمى بماء الورد. وهذا القسم أيضا خارج عن المضاف، لما قدمناه من أن مجرد الاكتساب، وصيرورة الماء متعطرا بالورد لا يخرجه عن الاطلاق، فانه انما يصير مضافا فيما إذا خلطه الورد بمقدار اكثر من الماء، حتى يسلب عنه الاطلاق، كما في ماء الرمان. وليس الامر كذلك في ماء الورد، فان أكثره ماء، والورد المخلوط به أقل منه بمراتب، وهو نظير ما إذا صببنا قطرة من عطور كاشان على قارورة مملوءة من الماء، فانها توجب تعطر

[ 34 ]

الماء باجمعه، مع ان القطرة المصبوبة بالاضافة إلى ماء القارورة في غاية القلة. فامثال ذلك لا يخرج الماء عن الاطلاق، وانما يتوهم اضافته من يتوهمها من أجل قلته، فلو كان المضاف كثير الدوران والوجود خارجا لما حسبناه إلا ماء متغيرا بريح طيب. ومن هنا لو فرضنا بحرا خلقه الله تعالى بتلك الرائحة لما أمكننا الحكم باضافته بوجه. فالى هنا ظهر ان لماء الورد أقسام ثلاثة: الاول منها مضاف، والقسمان الاخيران باقيان على اطلاقهما. وعليه فلا محيص من حمل الرواية على القسمين الاخيرين، فان القسم المضاف منها لا يوجد في الاعصار المتأخرة ولعله لم يكن موجودا في زمان الائمة (ع) أيضا، فلا تشمله الرواية. وجواز الوضوء والغسل في القسمين الاخيرين على طبق القاعدة. هذا. ثم لو شككنا في ذلك ولم ندر أن المراد بماء الورد في الرواية هل هو القسمين المطلقين، أو الاعم منهما ومن قسم المضاف؟ فنقول: إن مقتضى اطلاق الرواية جواز الغسل والوضوء بجميع الاقسام الثلاثة المتقدمة مطلقها ومضافها. ومقتضى اطلاق الآية المباركة (إذا قمتم إلى الصلاة) وغيرها مما دل على انحصار الطهور بالماء والتراب وجوب الوضوء والغسل بالماء، وبالتيمم على تقدير فقدانه مطلقا سواء أكان متمكنا من القسم المضاف أم لم يكن، فلا يكون وجوده مانعا عن التيمم بحسب اطلاق الآية المباركة. والنسبة بينهما عموم من وجه، فيتعارضان في مادة اجتماعهما، وهي ما إذا لم يكن هناك ماء وكان متمكنا من القسم المضاف، فانها مورد للتيمم بحسب اطلاق الآية المباركة، ومورد للوضوء حسب ما يقتضيه اطلاق الرواية. وبذلك تسقط الرواية عن الاعتبار ويحكم بوجوب التيمم مع وجود القسم المضاف، وذلك لما بيناه في محله من ان الرواية إذا كانت

[ 35 ]

معارضة للكتاب بالعموم من وجه فمقتضى القاعدة سقوطها عن الاعتبار، لمخالفتها للكتاب في مادة الاجتماع وهذه المناقشة هي الصحيحة. وربما يجاب عن الاستدلال بالرواية بوجه آخر. وهو أن لفظة (ورد) يحتمل أن تكون بكسر الواو وسكون الراء، وماء الورد بمعنى الماء الذي ترد عليه الدواب وغيرها للشراب، ولعل السائل كان في ذهنه ان مثله مما تبول فيه الدواب، ولاجله سأله عن حكم الوضوء والغسل به. وعليه فالرواية مجملة لا يمكن الا ستدلال بها على شئ. ويدفعه ان هذا الاحتمال ساقط لا يعتنى به: لانه انما يتجه فيما لو كانت الاخبار الواجب اتباعها مكتوبة في كتاب، وواصلة إلى أرباب الحديث بالكتابة، فبما أنها ليست معربة ومشكلة يمكن ان يتطرق عليها احتمال الكسر والفتح، وغيرهما من الاحتمالات. ولكن الامر ليس كذلك فانهم أخذوا الا خبار عن رواتها الموثوق بهم بالقراءة، ووصلت إليهم سماعا عن سماع وقراءة بعد قراءة، على الكيفية التي وصلت إليهم، وحيث ان راوي هذه الرواية وهو الصدوق (قده) قد نقلها بفتح الواو، حيث استدل بها على جواز الوضوء بالجلاب فيجب اتباعه في نقله، ولا يصغى معه إلى احتمال كسر الواو، فانه يستلزم فتح باب جديد للاستنباط لتطرق هذه الاحتمالات في اكثر الاخبار، وهو يسقطها عن الاعتبار. هذا كله فيما ذهب إليه الصدوق (ره). واما ابن أبي عقيل، وهو الذي ذهب إلى جواز الوضوء بالمضاف فقد يستدل عليه بما رواه عبد الله بن المغيرة عن بعض الصادقين. قال: إذا كان الرجل لا يقدر على الماء، وهو يقدر على اللبن فلا يتوضأ باللبن انما هو الماء أو التيمم فان لم يقدر على الماء وكان نبيذ، فاني سمعت حريزا يذكر في حديث: أن النبي ص قد توضأ بنبيذ، ولم يقدر على

[ 36 ]

الماء (* 1) وأجيب عنها بأن المراد بالنبيذ فيها ليس هو النبيذ المعروف، لانه نجس فكيف يصح الوضوء بمثله! حتى ان ابن أبي عقيل أيضا لا يرضى بذلك، بل المراد به على ما في بعض الاخبار (* 2) هو الماء المطلق الذي تلقى عليه تمرة أو تمرتان، أو كف من التمر حتى يكتسب بها ما يمنع عن تسرع الفساد إليه، من دون أن يخرج بذلك عن الاطلاق، فضلا عن ان يتصف بالاسكار أو يحكم عليه بالنجاسة. ولا يخفى ما في هذا التأويل والجواب من المناقشة: فان ما يسمى بالنبيذ لو كان كما ذكره المجيب ماء مطلقا لوضوح ان القاء كف من التمر على الماء لا يخرجه عن الاطلاق لما كان معنى محصل لقوله - ع في الرواية: فان لم يقدر على الماء وكان نبيذ. فان النبيذ على هذا ماء مطلق، فما معنى عدم القدرة على الماء كما هو واضح؟ فهذا الجواب على خلاف مفروض الرواية، حيث فرض فيها عدم القدرة على الماء، ففرض النبيذ من الماء المطلق، والقدرة عليه خلاف مفروضها. فالصحيح في الجواب عن الرواية أن يقال: إنه لم يعلم ان عبد الله


(* 1) المروية في الباب 2 من ابواب المضاف من الوسائل. (* 2) وهو رواية الكليني النسابة، انه سأل أبا عبد الله (ع) عن النبيذ، فقال: حلال فقال انا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك. فقال: شه شه تلك الخمرة المنتنة. قلت: جعلت فداك فأي نبيذ تعني؟ فقال: ان أهل المدينة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تغير الماء وفساد طبائعهم، فأمرهم أن ينبذوا فكان الرجل يأمر خادمه ان ينبذ له، فيعمد إلى كف من تمر فيقذف (فيلقيه) به في الشن فمنه شربه ومنه طهوره. فقلت: وكم كان عدد التمر الذي في الكف؟ قال: ما حمل الكف؟ فقلت: واحدة أو اثنتين، فقال: ربما كانت واحدة. وربما كانت اثنتين. فقلت: وكم كان يسع الشن ماء فقال: مابين الاربعين إلى الثمانين إلى ما فوق ذلك. فقلت: بأي الارطال؟ فقال: أرطال مكيال العراق. رواها في الوسائل في الباب 2 من أبواب المضاف والمستعمل.

[ 37 ]

ابن المغيرة رواها عن أحد المعصومين (ع) فانه نقلها عن بعض الصادقين والمراد به بعض العدول، لان صيغة الصادقين التي هي صيغة جمع في الرواية لمكان البعض لم ير استعمالها، وارادة الائمة منها في شئ من الموارد نعم الصادقين بصيغة التثنية يطلق على الباقر والصادق (ع) من باب التغليب كالشمسين والقمرين. وقد عرفت ان الصادقين في المقام ليس بتثنية. وبالجملة ان تعبيره ببعض الصادقين مشعر بعدم ارادته المعصوم (ع) هذا أولا. وثانيا: لو سلمنا انه رواها عن الامام (ع) فلم يظهر ان ذيلها وهو ما اشتمل على حكم الوضوء بالنبيذ منه (ع) ولعله مما أضافه عبد الله ابن المغيرة من عنده، نقلا عن حريز، ولم يعلم ان الواسطة بين النبي صلى الله عليه وآله وحريز من هو؟ وهذا الاحتمال يسقط الرواية عن الاعتبار، ومعه لا يمكن اثبات حكم مخالف للقواعد بمثلها. وثالثا: هب ان ذيل الرواية من الامام (ع) لكنه لم يظهر منها امضاؤه لما نقله عن حريز، فانه لو كان موردا لا مضائه لما كان وجه لاسناده إلى حريز، بل كان يحكم بعدم البأس من قبله، فاسناده ذلك إلى حريز مشعر بعدم رضائه وانه نقله تقية، حيث ظهر من حكمه بعدم جواز الوضوء باللبن، انه لا يرضي بالوضوء بالنبيذ النجس بطريق أولى، وكأنه تصدى لدفع هذا الاستظهار باظهاره الموافقة مع العامة، بنقل ما حكاه حريز عن النبي صلى الله عليه وآله وهذا بناء على صحة ما نسبه بعض أصحابنا إلى العامة، من ذهابهم إلى جواز الوضوء بالنبيذ (* 1).


(1) ففي الخلاف الجزء 1 ص 4 من الطبعة الاخيرة بعد حكمه بعدم جواز الوضوء بشئ من الانبذة المسكرة ماهذا نصه: وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجوز التوضئ بنبيذ التمر، إذا كان مطبوخا عند عدم الماء، =

[ 38 ]

ولكنا لم نقف عليه في (الفقه على المذاهب الاربعة) ولا نكتفي بذلك في الجزم بعدم صحة النسبة، فلابد في تحقيق ذلك من مراجعة كتبهم المفصلة (* 1). وعلى الجملة فلا يثبت بهذه الرواية على علاتها حكم مخالف


= وهو قول أبي يوسف وقال محمد يتوضأ به ويتيمم. وقال الاوزاعي: يجوز التوضئ بسائر الانبذة. (* 1) المسألة خلافية بينهم، نص على ذلك الترمذي في صحيحه ص 19 حيث قال: وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ، منهم سفيان وغيره وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي، واحمد واسحاق. وفي المحلى لابن حزم المجلد الاول ص 202 بعد أن حكم بعدم جواز الوضوء بغير الماء كالنبيذ ما نص عبارته: وهذا قول مالك، والشافعي واحمد وداود، وقال به الحسن، وعطاء بن أبي رياح، وسفيان الثوري وأبو يوسف، واسحاق وأبو ثور، وغيرهم. وعن عكرمة ان النبيذ وضوء إذا لم يوجد الماء، ولا يتيمم مع وجوده. وقال الاوزاعي لا يتيمم إذا عدم الماء مادام يوجد نبيذ غير مسكر، فان كان مسكرا فلا يتوضأ به. وقال: حميد صاحب الحسن بن حي: نبيذ التمر خاصة يجوز التوضؤ به والغسل المفترض في الحضر والسفر. وجد الماء أو لم يوجد ولا يجوز ذلك بغير نبيذ التمر، وجد الماء أو لم يوجد. وقال أبو حنيفة في أشهر قوليه ان نبيذ التمر خاصة، إذا لم يسكر فانه يتوضأ به، ويغتسل فيما كان خارج الامصار والقرى خاصة، عند عدم الماء، فان أسكر فان كان مطبوخا جاز الوضوء به والغسل كذلك، فان كان نيئا لم يجز استعماله أصلا في ذلك ولا يجوز الوضوء بشئ من ذلك، لا عند عدم الماء، ولا في الامصار، ولا في القرى أصلا، وان عدم الماء ولا بشئ من الانبذة، غير نبيذ التمر، لا في القرى ولا في غير القرى، ولا عند عدم الماء والرواية الاخرى =

[ 39 ]

لما كاد أن يكون ضروريا من مذهب الشعية. هذا كله في المسألة الاولى. عدم مطهرية المضاف من الخبث (المسألة الثانية): في أن المضاف يرفع الخبث أولا يرفعه: المعروف بين الاصحاب ان المضاف لا يكتفي به في ازالة الاخباث، والقذارات الشرعية ويمكن اسناد المخالفة في هذه المسألة إلى المحدث الكاشاني (قده) حيث ذهب إلى عدم سراية النجاسة إلى ملاقيها، وان غسل ملاقي النجاسة غير واجب إلا في بعض الموارد، كما في الثوب والبدن للدليل وأما في الاجسام الصيقلية كالزجاج ونحوه فيكفي في طهارتها مجرد ازالة عين النجاسة، ولو بخرقة، أو بدلك، وأمثالهما، بلا حاجة معها إلى غسلها. فالاجسام نظير بواطن الانسان وظاهر الحيوان لا يتنجس بشئ. وذهب السيد المرتضى والشيخ المفيد (قدهما) إلى ان غسل ملاقي النجاسات وان كان واجبا شرعا، إلا أن الغسل لا يلزم أن يكون بالماء، بل الغسل بالمضاف بل بكل ما يكفي في ازالة العين. وصدق عنوان الغسل وان كان خارجا عن المضاف أيضا كاف في طهارته كالغسل بالنفط أو ب‍ (اسپرتو) إذا قلنا بعدم نجاسته في نفسه، فانهما مايعان وليسا بماء ولا مضاف. فهناك مقامان للكلام: ما ذهب إليه الكاشاني (قده) (احدهما): فيما سلكه الكاشاني (قده) وان ملاقاة النجاسة بشئ


= عنه: ان جميع الانبذة يتوضأ بها ويغتسل، كما قال في نبيذ التمر سواء سواء وقال محمد بن الحسن يتوضأ بنبيذ التمر عند عدم الماء، ويتيمم معا.

[ 40 ]

هل توجب سراية النجاسة إليه، بحيث يجب غسل ذلك الشئ بعد ازالة العين عنه أو انها لا توجب السراية، ولا دليل على وجوب غسله بعد ازالة العين عنه، فاللازم هو الازالة دون غسل المحل، إلا فيما دل دليل على وجوب غسله كالبدن والثوب؟ وينبغي أن تضاف الاواني أيضا إلى البدن والثوب، لقياء الدليل على لزوم غسل الآنية التي يشرب فيها الخمر أو يأكل فيها الكفار أطعمة نجسة (* 1) كاللحم النجس ولعله (قده) إنما ذكر البدن والثوب من باب المثال، وان كان ظاهر كلامه الاختصاص، وكيف كان فقد ادعى عدم دلالة دليل على وجوب الغسل في ملاقي النجاسات بعد ازالة العين عنه. ويدفعه ان العرف يستفيد من الاوامر الواردة في موارد خاصة بغسل ملاقي النجاسات بعد ازالة عينها عدم اختصاص ذلك بمورد دون مورد، فإذا لا حظوا الامر بغسل الثوب والبدن والفرش والاواني وغيرها، بعد ازالة العين عنها بشئ ئفهموا منه عمومية ذلك الحكم وجريانه في كل شئ لا قاه نجس. واما ان الغسل الواجب لابد وأن يكون بالماء، أو يكفي فيه الغسل بالمضاف، أو بشئ آخر أيضا فهو مطلب آخر يأتي بعد هذه المسألة. (وثانيا) قد ورد في موثقة عمار بن موسى الساباطي: أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل يجد في انائه فأرة، وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا، أو اغتسل منه، أو غسل ثيابه، وقد كانت الفارة متسلخة، فقال ان كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل، أو يتوضأ، أو يغسل ثيابه، ثم يفعل ذلك بعدما رآها في الاناء، فعليه أن يغسل ثيابه، ويغسل كل ما أصابه


(* 1) كما في صحيحة محمد بن مسلم وغيرها من الاخبار المروية في الباب 14 و 72 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 41 ]

ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة. (* 1) وهي تدلنا على وجوب الغسل في ملاقي النجس بلا فرق في ذلك بين أفراده وموارده، لعموم الرواية. حيث اشتملت على لفظة (كل) في قوله: ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء. ثم ان الفرق بين هذا الوجه والوجه المتقدم لا يكاد يخفى، فان الاستدلال هناك انما كان بفهم العرف، واستفادته عموم الحكم من ملاحظة الامر بالغسل في الموارد المخصوصة. وأما هنا فانما نستدل على عمومية الحكم بدلالة الموثقة عليها، وان لم يكن هناك استفادة العموم عرفا من ملاحظة خصوصيات الموارد. وكم فرق بين الاستدلال بالخبر، والاستدل بالفهم العرفي من ملاحظة الموارد الخاصة! فما ذهب إليه المحدث الكاشاني (ره) مما لا يمكن المساعدة عليه، وهو متفرد فيما سلكه في المقام، ولا نعلم موافقا له من الاصحاب، ومن هنا طعن عليه كاشف الغطاء (قده) على ما ببالي في شرحه للقواعد بأنه يأتي بفتيا غريبة، ومسائل لم يقل بها الاصحاب. وأما ما أشار إليه في ضمن كلامه من عدم تنجس باطن الانسان، وظاهر الحيوان، وكفاية زوال العين فيهما بلا حاجة إلى غسلهما: فهو وان كان كما أفاده، على خلاف في الاخير، لتردده بين عدم التنجس رأسا، وتنجسه مع طهارته بمجرد زوال العين عنه، إلا أن الحكم بعدم وجوب الغسل شرعا لا يثبت بهذين الموردين. وقياس غيرهما اليهما مما لا اعتبار به عندنا.


(* 1) المروية في الباب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 42 ]

ما ذهب إليه السيد والمفيد (قدهما) (وثانيهما): فيما ذهب إليه السيد والمفيد (قدهما) من أن ملاقاة النجاسة وان كانت موجبة للسراية، ولوجوب غسل ما لا قاها، إلا ان الغسل باطلاقه يكفي في تطهير المتنجسات، بلا حاجة إلى غسلها بالماء. وقد استدل على ذلك بوجوه: (الوجه الاول): ما ورد من اطلاقات الامر بالغسل في المتنجسات (* 1) من غير تقييده بالماء، فمنها يظهر كفاية مطلق الغسل في تطهير المتنجسات. وقد يجاب عن ذلك بأن المطلقات الآمرة بغسل المتنجسات تنصرف إلى الغسل بالماء، لمكان قلة الغسل بغير الماء وندرته، وكثرة الغسل بالماء وأغلبيته. (وفيه): ان كثرة الافراد وقلتها لا تمنع عن صدق الاسم على الافراد النادرة والقليلة. وبعبارة أخرى الغسل ليس من المفاهيم المشككة حتى يدعى ان صدقه على بعض أفراده أجلى من بعضها الآخر، بل الغسل كما يصدق على الغسل بالماء كذلك يصدق على الغسل بغيره حقيقة، كالغسل بماء الورد، بناء على أنه مضاف، إذ الغسل ليس إلا بمعنى ازالة النجاسة والكثافة، وهي صادقة على كل من الغسلين، وبعد صدق الحقيقة على كليهما فلا تكون قلة وجود أحدهما خارجا موجبة للانصراف كما هو ظاهر. فالصحيح في الجواب أن يقال: المستفاد من ملاحظة الموارد التي


(* 1) كما في صحيحتي محمد عن احدهما (ع) وابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) لاشتمالهما على الامر بالغسل مرتين. وهو مطلق وهما مرويتان في الباب 1 من أبواب النجساسات من الوسائل وأيضا ورد ذلك في موثقة عمار المتقدمة فراجع.

[ 43 ]

ورد فيها الامر بالغسل بالماء، وتتبع الاخبار الواردة في مقامات مختلفة: ان الغسل لا بد وأن يكون بالماء، ولا يكتفى بغيره في تطهير المتنجسات وبها تقيد المطلقات، أعني ما دل على لزوم الغسل مطلقا، فنحملها على ارأدة الغسل بالماء، ولنذكر جملة من تلك الموارد. (ومنها): ما ورد في الاستنجاء بالاحجار (* 1) حيث حكم (ع) بكفاية الاحجار في التطهير من الغائط، ومنع عن كفايته في البول، وأمر بغسل مخرج البول بالماء، فلو كان غير الماء أيضا كافيا في تطهير المخرج لما كان وجه لحصره بالماء. و (منها): الموارد التي سئل فيها عن كيفة غسل الكوز والاناء إذا كان قذرا، حيث أمر (ع) بغسله ثلاث مرات (* 2) يصب فيه الماء فيحرك فيه، ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ منه، وهكذا ثلاث مرات. و (منها): أمره (ع) يغسل الثوب بالماء في المركن مرتين، وفي الماء الجاري مرة واحدة (* 3). و (منها): أمره (ع) بتعفير الاناء أولا، ثم غسله بالماء (* 4).


(* 1) راجع رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر (ع) المروية في الباب 9 و 30 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل. (* 2) ورد ذلك في موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) المروية في الباب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) كما في صحيحة محمد بن مسلم المروية في الباب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 4) كما في صحيحة الفضل أبي العباس عن أبي عبد الله (ع) المروية في الباب 12 و 70 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 44 ]

و (منها): أمره بغسل الاواني المتنجسة بالماء (* 1) و (منها): أمره بصب الماء في مثل البدن إذا تنجس بالبول ونحوه (* 2). وبهذه المقيدات نرفع اليد عن المطلقات المقتضية، لكفاية الغسل مطلقا. وبيان آخر إذا ثبت وجوب الغسل بالماء في الموارد المنصوصة المتقدمة فيثبت في جميعها، لعدم القول بالفصل حتى من السيد (قده) لان من قال باعتبار الغسل بالماء في الموارد المتقدمة قال به في جميع الموارد، وكيف كان فلا نعتمد على شئ من المطلقات الواردة في المقام. (الوجه الثاني): الاجماع، حيث استدل به السيد المرتضى (قده) على كفاية الغسل بالمضاف في تطهير المتنجسات، وهذا اجماع مضافا إلى انه مما لا يوافقه فيه أحد من الاصحاب غير الشيخ المفيد (قده) اجماع على أمر كبروي وهو ان الاصل في كل ما لم يدل دليل على حرمته أو نجاسته هو الحلية والطهارة، وقد طبقها هو (قده) على المقام بدعوى انه لم يرد دليل على المنع من تطهير المتنجس بالمضاف، فهو أمر جائز وحلال والمغسول محكوم بالطهارة. وصدور أمثال ذلك منه (ره) في المسائل الفقهية غير عزيز. ثم ان الاجماع الذي ادعاه على الكبرى المتقدمة، وان كان كما أفاده تاما إلا ان الاشكال كله في تطبيقها على المقام، وذلك لانا ان قلنا بما سلكه المشهور من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية فان المورد من موارد استصحاب النجاسة بعد غسله بالمضاف، ومعه لا تصل النوبة إلى


(* 1) كما في موثقة عمار بن موسى المروية في الباب 51 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كما في صحيحة الحسين بن أبي العلا، وغيرها من الاخبار المروية في الباب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 45 ]

قاعدة الطهارة والحلية وهو ظاهر. نعم إذا بنينا على ما سلكناه من عدم جريان الا ستصحاب في الشبهات الحكمية، لمعارضته دائما باستصحاب عدم الجعل على ما حققناه في محله فلا مانع من تطبيق الكبرى الاجماعية على المقام من تلك الناحية، إذ لا استصحاب هناك حتى يمنع عن جريان قاعده الطهارة بعد غسل المتنجس بالمضاف، أو عن جريان البراءة عن حرمة أكله أو شربه، كما ان مقتضى البراءة جواز الصلاة فيه، بناء على ما حققناه في محله من جريان البراءة عند دوران الامر بين الاقل والاكثر، وبها ندفع اشتراط الغسل بالماء. إلا انا ندعي قيام الدليل الا جتهادي على بقاء النجاسة بعد الغسل بالمضاف، وهو الاخبار المتقدمة الواردة في مقامات مختلفة، لانها دلت على تقييد اطلاقات الغسل بالماء، وكيف كان فلا تنطبق الكبرى الا جماعية على المقام. (الوجه الثالث): ان الغرض من وجوب الغسل في المتنجسات ليس إلا إزالة النجاسة عن المحل، والازالة كما تتحقق بالغسل بالماء كذلك تحصل بالغسل بالمضاف، أو بغيره من المايعات. والجواب عن ذلك: ان هذه الدعوى مصادرة لانها عين المدعى فمن أخبرنا ان الغرض من وجوب الغسل مجرد ازالة العين كيفما اتفقت، كيف ولو صحت هذه الدعوى لتم ما ذهب إليه الكاشاني (قده) من عدم وجوب الغسل رأسا! فان الا زالة كما تحصل بالغسل تحصل بالدلك والمسح أيضا، فاذافما الموجب لاصل وجوب الغسل؟ فهذا الوجه استحساني صرف، والسيد أيضا لا يرتضي بذلك، لانه يرى اصل الغسل واجبا كما مر، ولا يكتفي بمجرد إزالة العين في حصول الطهارة. (الوجه الرابع): قوله تعالى (وثيابك فطهر) (* 1) بتقريب


(* 1) المدثر 74: 4.

[ 46 ]

انه سبحانه أمر نبيه الاكرم صلى الله عليه وآله بتطهير ثيابه، ولم يقيد التطهير بالماء. فمنها يظهر ان المطلوب مجرد التطهير سواءا كان بالماء. أو بشئ آخر. وفيه: ان الآية لا دلالة لها على المدعي بوجه، لانا ان حملنا التطهير في الآية المباركة على معناه اللغوي، وهو ازالة الكثافات والقذارات كما هو المناسب لمقام النبوة، فانه لا تناسبها الكثافة والقذارة في البدن والثياب، المسببتان لا ثارة التنفر والانزعاج، وهو خلاف غرض النبي صلى الله عليه وآله بل خلاف قوله أيضا فانه الذي أمر الناس بالنظافة، وعدها من الايمان بقوله: النظافة من الايمان (* 1)، ويؤيده ان أحكام النجاسات لعلها لم تكن ثابتة في الشريعة المقدسة حين نزول الآية المباركة، فان السور القصار انما نزلت حين البعثة، ولم يكن كثير من الاحكام وقتئذ ثابتة على المكلفين، فلا تكون الآية مربوطة بالمقام، لان البحث انما هو في الطهارة الا عتبارية، لا في ازالة القذارة والكثافة التي هي معنى التطهير لغة. وكذا الحال فيما إذا حملنا التطهير في الآية على ما نطقت به الاخبار الواردة في تفسيرها (* 2) حيث دلت على ان المراد منها عدم التسبب لتنجس


(* 1) نهج الفصاحة ص 636. (* 2) رواها في الكافي في باب تشمير الثياب ص 207، ونقلها عنه في البرهان في المجلد الرابع ص 399 - ص 400 كما نقل غيرها فاليك شطر منها: (منها) ما عن علي بن ابراهيم ثيابك فطهر قال تطهيرها تشميرها، أي قصرها، ويقال شيعتنا مطهرون. (منها): ما عن معلى بن خميس، عن أبي عبد الله في رواية، والله تعالى يقول: وثيابك فطهر قال: وثيابك ارفعها ولا تجرها (منها): ما عن رجل من أهل اليمامة كان مع أبي الحسن (ع) أيام حبس ببغداد. قال قال لي أبو الحسن: إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وآله وثيابك فطهر وكانت ثيابه طاهرة، وانما أمره بالتسنيم.

[ 47 ]

الثياب باطالتها. وترك تشميرها كي تحتاج إلى تطهيرها. فمعنى الآية قصر ثيابك لئلا تطول وتتلوث بما على الارض من النجاسات، وتحتاج إلى تطهيرها، وليس المراد بها تطهير ثيابه صلى الله عليه وآله بعد تنجسها نظير قوله تعالى: (يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (* 1) فان معناه ليس هو تطهيرهم بعد صيرورتهم غير طاهرين، فالآية أجنبية عن المقام. وان حملنا التطهير فيها على التطهير شرعا، الذي هو مورد الكلام، فلا يمكن الاستدلال بها في المقام أيضا. فان الآية على هذا إنما دلت على لزوم تطهير الثياب، وأما أن التطهير يحصل بأي شئ فهي ساكتة عن بيانه ولا دلالة لها على كيفية التطهير، وانه لابد وان يكون بالماء، أو بالاعم منه ومن المضاف، أو بكل ما يزيل العين وان لم يكن من المضاف أيضا فلا يستفاد منها شئ من هذه الخصوصيات، فلو دلت فانما تدل على مسلك الكاشاني (قده) من عدم اعتبار الغسل رأسا، ولا يرضى بها المستدل. (الوجه الخامس): الروايات الواردة في جواز التطهير بالمضاف وهي أربعة: (إحداها): مرسلة المفيد (قده) حيث قال بعد حكمه بجواز الغسل بالمضاف: ان ذلك مروي عن الائمة عليهم السلام (* 2) (ثانيتها): رواية غياث، عن أبي عبد الله (ع) عن أبيه عن علي (ع) قال: لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق (* 3). (ثالثتها): صحيحة حكم بن حكيم بن اخي خلاد الصيرفي قال:


(* 1) الاحزاب 33: 33. (* 2) كما في الجزء الاول من الحدائق نقلا عن المحقق ص 2. 4 من الطبعة الاخيرة. (* 3) المروية في الباب 4 من أبواب المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 48 ]

قلت لابي عبد الله (ع): ابول فلا أصيب الماء وقد أصاب يدي شئ من. البول فامسحه بالحائط وبالتراب، ثم تعرق يدي فامسح به وجهي، أو بعض جسدي، أو يصيب ثوبي، قال: لا بأس به (* 1). (رابعتها (مرسلة الكليني (قده) حيث قال: روي انه لا يغسل بالريق شئ إلا الدم (* 2) وهذه جملة الاخبار التي استدل بها على جواز غسل المتنجس بالمضاف ولا يتم شئ من ذلك. أما مرسلة الكليني فقد نطمئن بعدم كونها رواية أخرى، غير ما ورد من أن الدم يغسل بالبصاق كما في رواية غياث، بل هي هي بعينها. وأما مرسلة المفيد فهي التي طالبه بها المحقق (قده) إذ لا أثر منها في شئ من كتب الروايات، ولعلها صدرت منه اشتباها وهو غير بعيد، كما نشاهده من أنفسنا حيث قد نطمئن بوجود رواية في مسألة وليس منها عين ولا أثر. وأما رواية حكم بن حكيم فهي وان كانت صحيحة بحسب السند الا انها أجنبية عما نحن فيه رأسا، إذ الكلام في مطهرية المضاف دون المسح على الحائط والتراب، بل لا قائل بمطهرية المسح من الفريقين في غير المخرجين لان العامة انما يرون (* 3) المسح على الحائط مطهرا في خصوص المخرجين


(* 1) المروية في الباب 6 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 4 من أبواب المضاف والمستعمل من الوسائل. (* 3) كما جرت على ذلك سيرتهم عملا، فان الحائط عندهم كالاحجار عندنا في الاستنجاء بلا فرق في ذلك عندهم بين مخرج الغائط والبول، كما في مغنى المحتاج ص 45 - 46 والفقه على المذاهب الاربعة ص 48 - 49 من الجزء الاول. نعم حكى فيه عن المالكية القول بكراهة الاستنجاء على جدار مملوك له. بل سووا بين المخرجين في الاستنجاء بالاحجار أو بغيرها في جميع الاحكام والمستحبات. فهذا هو الشوكاني قال في نيل الاوطار المجلد 1 ص 108 قال أصحابنا: ويستحب أن لا يستعين باليد =

[ 49 ]

دون غيرهما، فالرواية مخالفة لجميع المذاهب، فلا محيص من طرحها. لو تأويلها. نعم هي على تقدير تماميتها سندا كماهي كذلك ودلالة من جملة الادلة الدالة على عدم منجسية المتنجس. ويأتي الكلام عليها في محله انشاء الله تعالى. وأما الرواية الثانية: فهي ضعيفة السند بغياث بن ابراهيم، إذ لا يعمل على ما يتفرد به من رواياته (* 1). هذا على انها مختصة بالبصاق والدم. ولو فرض انها عامة شاملة لغير الدم ايضا عارضها ما نقله نفس غياث في رواية اخرى له من ان البصاق لا يغسل به غير الدم (* 2) وعليه فتكون الرواية اخص من المدعى فان السيد يرى جواز الغسل بمطلق المضاف دون خصوص البصاق، كما أنه يرى المضاف مطهرا من جميع النجاسات لا في خصوص الدم. فعلى تقدير تمامية الرواية لا بدمن الاقتصار على موردها، وهو مطهرية البصاق في خصوص إزالة الدم، وهو ما ذكرناه من اخصية


= اليمني في شئ من أحوال الاستنجاء إلا لعذر، فإذا استنجى بماء صبه باليمنى ومسح باليسرى، وإذا استنجى بحجر فان كان في الدبر مسح بيساره، وإن كان في القبل وأمكنه وضع الحجر على الارض، أو بين قدميه بحيث يتأتى مسحه أمسك الذكر بيساره ومسحه على الحجر، وإن لم يمكنه واضطر إلى حمل الحجر حمله بيمينه وأمسك الذكر بيساره ومسح بها، ولا يحرك اليمنى. (* 1) هكذا ذكره المحقق (قده) في المعتبر كما في الجزء الاول من الحدائق من الطبعة الاخيرة ص 406 ولكن الحق ان الرجل موثق قد وثقه النجاشي (قده) وكونه يثري المذهب لا ينافي وثاقته كما ان الظاهر أن موسى بن الحسن الواقع في سند الرواية هو موسى بن الحسن بن عامر الثقة لانه المعروف والمشهور وقد روى سعد عنه في عدة مواضيع إذا فالرواية موثقة. (* 2) المروية في الباب 4 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 50 ]

[ وان لاقى نجسا تنجس (1) وان كان كثيرا، بل وان كان مقدار ألف كر، فانه بمجرد ملاقاة النجاسة ولو بمقدار رأس ابرة في أحد أطرافه فينجس كله. ] الدليل عن المدعى. والمتحصل ان ما ذهب إليه المشهور من عدم رافعية المضاف في شئ من الحدث والخبث هو الصحيح وأما ما ذهب إليه ابن ابي عقيل من جواز الغسل بالمضاف عند الاضرارا فلعله اعتمد في ذلك على الرواية المتقدمة (* 1) الدالة على ان المضاف يرفع الحدث عند عدم الماء، فان النبي صلى الله عليه وآله توضأ بالنبيذ عند عدمه، حيث يستفاد منها كفاية المضاف في رفع الخبث عند عدم الماء بطريق اولى. ولكنا قدمنا أن المضاف لا يكفي في شئ من رفع الحدث والخبث، بلا فرق في ذلك بين وجود الماء وعدمه، وان الرواية مؤولة ولم يثبت أنها من الامام (ع) وقد ورد في بعض الاخبار المعتبرة التي قدمنا نقلها في أوائل الكتاب: ان بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله عليكم باوسع ما بين السماء والارض وجعل لكم الماء طهورا، فانظروا كيف تكونون (* 2) وهي قد دلت على حصرالطهور في الماء بقرينة اقتصاره (ع) عليه في مقام الامتنان، فلا طهور غيره من المايعات بلا فرق في ذلك بين صورتي الاختيار والاضطرار. (1) والكلام في ذلك يقع في مقامين: (أحدهما): في أصل انفعال المضاف بملاقاة النجاسة (وثانيهما): في انه على تقدير انفعاله هل يفرق فيه بين كثيره وقليله؟ فإذا كان بمقدار الكر فحكمه حكم الماء المطلق أو انه لا فرق بين قلته وكثرته.


(* 1) وهي رواية عبد الله بن المغيرة المروية في الباب 2 من أبواب الماء المضاف من الوسائل. (* 2) وهي صحيحة داود بن فرقد المروية في الباب 1 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 51 ]

المضاف ينفعل بالملاقاة (أما المقام الاول): فقد تسالموا على ان المضاف ينفعل بملاقاة النجاسة، ولم يستشكل في ذلك أحد الاصحاب. ويدل عليه جميع ما دل على عدم جواز استعمال سؤر الكلب، والخنزير، والكافر، والكتابي على تقدير نجاسته، بل الناصب على ما في بعض الروايات (* 1) ولولا نجاستة تلك الا سئار بمباشرة أحد هذه المذكورات لم يكن وجه للمنع من استعمالها واطلاق تلك الاخبار يشمل ما إذا كان السؤر من المايعات المضافة، إذ المراد بالسؤر مطلق ما باشره جسم حيوان، ولو بغير الشرب، فلا اختصاص له بالماء، ولا بالمباشرة بالشرب. فالذي تحصل إلى هنا ان ملاقاة النجاسة تقتضي نجاسة ملاقيها مطلقا. والحكم بعدم الانفعال في بعض الملاقيات يحتاج إلى دليل، وهو مفقود في المقام. (أما المقام الثاني): فالصحيح انه لا فرق في انفعال المضاف بين قلته وكثرته. والوجه في ذلك ان المستفاد من روايات الاسئار: ان نجاسة الملاقي من آثار نجاسة الملاقى كما يستفاد هذا من موثقة عمار المقدمة (* 2) حيث دلت بعمومها على وجوب غسل كل ما لاقاه متنجس فنجاسة الملاقى


(* 1) وهي موثقة ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (ع) في الحديث قال. واياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها يجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت فهو شرهم، فان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وان الناصب لنا أهل البيت لانجس منه. المروية في الباب 11 من أبواب الماء المضاف من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 52 ]

بنفسها تقتضي نجاسة كل ما لاقاه كثيرا كان الملاقي أم قليلا، ماء كان أو مضافا، والخروج عن ذلك يحتاج إلى دليل. ومن يدعي عدم انفعال الملاقي للنجس في مورد فعليه إثبات عدم تأثره وانفعاله بالملاقاة. وقد أثبتنا ذلك في الكر من الماء بما يأني في محله وأما غيره كالماء القليل أو المضاف قليله وكثيره فلم يقم دليل على عدم انفعاله بملاقاة النجس، فمقتضى ما ذكرناه من القاعدة عدم الفرق في انفعال المضاف بالملاقاة بين قليله وكثيره. ومما يوضح ما ذكرناه ويؤكده: الاستثناء الواقع في بعض روايات الاسئار (* 1) حيث انه بعد ما منع عن استعمال سؤر الكلب في الشرب استثنى منه ما إذا كان السؤر حوضا كبيرا يستقى منه. فان الا ستفاء قرينة على ان المراد بالحوض الكبير هو الحوض المحتوي على الماء، لانه الذي يستقى منه للحيوان أو لغيره والحوض الكبير يشمل الكر بل الاكرار، فالرواية دلت على نجاسة السؤر في غير ما إذا كان كرا من الماء، بلا فرق في ذلك بين ما كان ماء ولم يكن كرا وما إذا لم يكن ماء أصلا، كما إذا كان مضافا قليلا كان أم كثيرا، فالخارج عن الحكم بنجاسة الملاقي للنجس ليس إلا الكر من الماء. ويدل على ذلك أيضا أمران: (أحدهما) ما ورد في بعض الاخبار من أن الفأرة إذا وقعت في السمن فماتت فيه، فان كان جامدا فالقها وما يليها وكل ما بقي، وان كان ذائبا فلا تأكله، واستصبح به والزيت مثل ذلك (* 2) حيث اننا نقطع من قوله (ع) والزيت مثل ذلك ان الحكم المذكور أعني نجاسة ملاقي النجس ليس مما يختص بالسمن أو الزيت


(* 1) وهي موثقة أبي بصير المروية في الباب 1 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 2) وهي صحيحة زرارة عن ابي جعفر (ع) المروية في الباب 6 من أبواب ما يكتسب به 5 من أبواب المضاف من الوسائل.

[ 53 ]

وإنما هو مستند إلى ميعانهما وذوبانهما، فكل مايع له ذوبان يحكم بنجاسته إذا لاقى نجسا، بلا فرق في ذلك بين كثرته وقلته. وبعبارة أخرى السمن والزيت وان كانا خارجين من المضاف، إلا انا نقطع بعدم خصوصية لهما في الحكم، وانه مستنند إلى ذوبان الملاقي وميعانه مضافا كان أم لم يكن، وعلى الاول قليلا كان أم كثيرا. (وثانيهما): موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) قال: سئل عن الخنفساء والذباب والجراد، والنملة، وما أشبه ذلك يموت في البئر، والزيت، والسمن، وشبهه، قال: كل ما ليس له دم فلا بأس (* 1) حيث يظهر من قوله (ع) وشبهه انه لا خصوصية للزيت والسمن المذكورين في الرواية. بل المراد منهما مطلق المايع. والرواية دلت على ان المايع إذا وقعت فيه ميتة ما لا نفس له لم يحكم بانفعاله، وأقرت السائل زيا هو عليه من أن وقوع الميتة مما له نفس سائلة في شئ من المايعات يقتضي نجاسته، وقد دلت باطلاقها على عدم الفرق في المايع بين المضاف والمطلق، وبين كثرته وقلته. ومما يؤيد به المدعى روايتان (إحدهما): ما عن السكوني (* 2) و (ثانيتهما): رواية زكريا بن آدم (* 3) وقد اشتملتا على السؤال عن حكم المرق الكثير الذي وجدت فيه ميتة فأرة كما في اولهما، أو قطرت فيه قطرة خمر أو نبيذ مسكر كما في ثانيتهما وقد حكم (ع) في كلتيهما بان المرق يهراق، وأما اللحم فيغسل ويؤكل. حيث دلتا على انفعال المضاف اعني المرق وهو ماء اللحم مع فرض كثرته عند ملاقاته النجس، ولا استبعاد في كون المرق بمقدار كر لما حكاه سيدنا الاستاذ (أدام الله اظلاله) من


(* 1) المروية في الباب 35 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 5 من أبواب الماء المضاف من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 38 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 54 ]

[ نعم إذا كان جاريا من العالي إلى السافل (1) ولاقى سافله النجاسة لا ينجس العالي منه، كما إذا صب الجلاب من ابريق على يد كافر فلا ] أن العرب في مضايفهم ربما يطبخون بعيرا في القدور، والقدر الذي يطبخ فيه البعير يشمل على مرق يزيد عن الكر قطعا، ولا سيما على ما يأتي منا في محله من تحديد الكر بسبعة وعشرين شبرا. ودعوى انصرف الاخبار عن المضاف الكثير لقلة وجوده لو سلمت فانما تتم في البلدان والامصار دون القرى والبوادي، لانهم كثيرا ما يجمعون الالبان (* 1) في القدور، أو غيرها بما يزيد عن الكر بكثير. فإذا دلت الاخبار على انفعال المضاف بقليله وكثيره بالملاقاة. فلا يفرق فيه الحال بين أن يكون كرا أو أزيد منه فانه ينفعل بملاقة النجس مطلقا حسب الادلة المتقدمة. ثم إن قلنا بعدم انفعال المضاف الكثير: فان قلنا بعدم انفعاله أصللا فهو كما مر مخالف للادلة المتقدمة، وان قلنا بانفعاله لا في تمامه بل في حوالي النجاسة الواقعة فيه وأطرافها فيقع الكلام في تحديد ذلك، وانه يتنجس يأي مقدار. مثلا إذا وقعت قطرة دم في مرق كثير فهل نقول بتنجس المرق بمقدار شبر أو نصف شبر من حوالي تلك القطرة فيه أو بازيد من ذلك أو أقل؟. لا سبيل إلى تعيين شئ من ذلك، إذ لو قدرنا الانفعال بمقدار شبر مثلا فلنا أن نسأل عن أنه لماذا لم يقدر شبر ومقدار اصبع، وهكذا فيتعين ان يحكم بنجاسة جميعه، وهذا أيضا من أحد الادلة على انفعال المضاف الكثير بملاقاة النجس. (1) ان ما ذكرناه آنفا من انفعال المضاف بملاقاة النجس يختص بما


(* 1) المراد بها هو الذي يصنع منه الزبد المعبر عنه في الفارسية ب‍ (دوغ) لا الحليب فلا تستبعد.

[ 55 ]

[ ينجس ما في الابريق، وإن كان متصلا بما في يده. ] إذا عد المضاف باسفله وأعلاه شيئا واحدا عرفا، كما إذا كان واقفا، وقد لاقي أحد طرفيه نجسا، فيحكم بنجاسة الجميع لانه شئ واحد عرفا. وأما إذا كان متعددا بالنظر العرفي، كما إذا جرى المضاف من طرف إلى طرف بقوة ودفع ولا قى أسفله نجسا، فلا نحكم بنجاسة الطرف الاعلى منه، لان السافل منه حينئذ مغاير لعاليه عرفا، وأحدهما غير الآخر في نظره. ومن هنا لو فرضنا ابريق ماء يصب منه الماء على ماء سافل، وقد وقعت قطرة دم أو نجس آخر في ذلك الماء السافل لا نحكم بنجاسة العالي، لاجل اتصاله بما وقع فيه نجس، أو إذا فرضنا ان الماء يندفع من أسفله إلى أعلاه، وتنجس أعلاه بنجس فلا نحكم بنجاسة أسفله لتعددهما ومغايرتهما عرفا كما في (الفوارات) والانابيب المستعملة فعلا. وعليه فلا وقع لكون الماء عاليا أو سافلا أو مساويا، لما يأتي في محله من ان الميزان في عدم سراية النجاسة والطهارة من أحد طرفي الماء إلى الآخر إنما هو جريان الماء بالدفع سواء أكان من الاعلى إلى الاسفل، أو من الاسفل إلى الاعلى. فان السيلان والاندفاع يجعلان الماء متعددا بالنظر العرفي، فسافله غير عاليه، وهما ماءان فلا تسري النجاسة من أحدهما إلى الآخر، كما لا تسري الطهارة من أحدهما إلى الثاني على ما يأتي في مورده، فلا يتقوى ولا يعتصم بسافله. ومن هنا إذا صببنا ماء ابريق على ماء سافل منه وهو كر، ثم وقعت نجاسة على الابريق فلا نحكم بطهارة ما فيها. لتقويه بالماء السافل واتصاله به، لانهما ماءان، بل لو لم يكن دليل على تقوى السافل بالعالي كما في ماء الحمام إذ الماء في الحياض في الحمامات يجري إليها من المادة الجعلية، وهي أعلى سطحا من الحياض لم نلتزم بالتقوي فيه أيضا، إذ قد عرفت أن الدفع والجريان يجعلان الماء

[ 56 ]

[ (مسألة 2) الماء المطلق لا يخرج بالتصعيد (1) عن اطلاقه. ] متعددا، ويمنعان عن تقوي عاليه بسافله وسافله باعلاه. إلا أنهم عليهم السلام حكموا بالتقوي في الاحواض الصغيرة، وان ماءها يعتصم بالخزانة، وبالمادة الجعلية وان كانت أعلى سطحا من الحياض، الحاقا لماء الحمام بالجاري، ولاجل ذلك نلتزم بالتقوي فيه تعبدا. عدم زوال الاطلاق بالتصعيد (1) كما إذا صيرناه بخارا وانقلب البخار ماء. ولا اشكال في ذلك غير ما اسلفناه من أن الماء الحاصل بالتصعيد ماء جديد، قد وجد بعد انعدام الماء الاول، إذ المفروض انه انقلب بخارا والبخار غير الماء عرفا، فان الماء أخذ فيه السيلان، ولا سيلان في البخار. فالحاصل منه ماء مغاير للماء السابق، وعليه فلا يحكم عليه بالطهور، لا ختصاص الطهورية بالماء النازل من السماء وهو المطر. ودعوى ان الاستحالة غير مؤثرة في مثله، لانه قبل استحالته كان ماء، وكذا بعد استحالته فهو عين الماء السابق، ولم تحدث الاستحالة فيه شيئا. مندفعة: بأن الامر لو كان كما ادعيت، فلماذا أفتى (قده) في المسالة الرابعة بطهارة المطلق أو المضاف النجس بالتصعيد، إذ المفروض ان الاستحالة لم تحدث فيه شيئا، لانه كان ماء قبل تصعيده، وكذا بعد تصعيده. لا يقال: ان البخار كالغبار، فكما انه لم يفت فقيه، بل ولم يتوهم متفقه. ولا عاقل بطهارة التراب الحاصل من الغبار، إذا اثير من تراب متنجس، بدعوى ان التراب المتنجس قد استحال غبارا، وانقلب الغبار

[ 57 ]

[ (مسألة 3) المضاف المصعد مصاف (1). ] ترابا، فهو موضوع جديد غير التراب السابق، فليكن الحال كذلك في البخار. لانه يقال: القياس مع الفارق، لان الغبار عين التراب عرفا، ولا فرق بينهما إلا في الاجتماع والا فتراق إذ التراب هو الغبار المجتمع، والغبار هو التراب المتشتت في أجزاء دقيقة صغار، واين هذا من البخار؟! لانه أمر مغاير للماء عندهم لما قدمناه من ان السيلان مأخوذ في مفهوم الماء عرفا ولاسيلان في البخار، والظاهر أنه لا مدفع لهذا الاشكال إلا ما أسلفناه من عدم اختصاص الطهورية بالماء النازل من السماء، وانما هي حكم مترتب على طبيعي المياه اينما سرى، والمفروض ان الماء الحاصل بالتصعيد مما تصدق عليه الطبيعة. فإذا لا وجه للتوقف في الحكم بطهوريته. ومن هنا أشرنا سابقا إلى أن الماء المصعد من المضاف ماء مطلق طهور وكذا نفتي بذلك في المصعد من النجس. فانتظره. المضاف المصعد (1) لا يمكن المساعدة على ما أفاده (قده) في هذه المسألة بوجه، لعدم صدق المضاف على المصعد من المضاف. أما في بعض الموارد فبالقطع واليقين، كما إذا امتزج الطين بالماء حتى أخرجه عن الاطلاق فصار وحلا، ثم صعدناه وحصلنا ماءه، فانه ماء مطلق قطعا، لعدم تصاعد شئ من الاجزاء الترابية بالتصعيد. وأما في بعض الموارد الاخر، كما في تصعيد ماء الورد فلما قدمناه سابقا من أن مجرد تعطر الماء واكتسابه رائحة من روائح الورد أو غيره

[ 58 ]

[ (مسألة 4) المطلق أو المضاف النجس يطهر بالتصعيد (1) لاستحالته بخارا ثم ماء. (مسألة 5) إذا شك في مايع انه مضاف أو مطلق (2) فان علم ] لا يخرجه عن الاطلاق، فلا وجه لعدم طهورية المصعد منه، وان كان تعطر بالورد. طهارة المايع المتنجس بالتصعيد (1) قد عرفت ان هذا هو الحق الصراح الذي يدعمه البرهان، فان الحاصل بالتصعيد موجود مغاير للموجود السابق وهو ماء مطلق، فلا وجه للتوقف في الحكم بطهوريته، إذ لا تختص ذلك بالماء النازل من السماء كما مر إلا ان له لازما لا ندري ان السيد (قده) هل يلتزم به أولا. وهو الحكم بطهارة الماء المصعد من الاعيان النجسة، كالمصعد من الخمر والبول والميتة النجسة، كالكلب. وان كان مقتضى ما ذكره (قده) في الكلام على الاستحالة من طهارة بخار البول هو الالتزام بذلك مطلقا. والحق انه لا مانع من الحكم بطهارته في جميع الموارد، اللهم إلا أن ينطبق على المصعد عنوان آخر نجس، وهذا كما في المصعد من الخمر المعبر عنه عندهم ب‍ (العرق) فانه كأصله مسكر محكوم بالنجاسة شرعا. صور الشك في الاضافة والاطلاق (2) للمسألة صور عديدة: (الصورة الاولى): الشك في اطلاق المايع واضافته من جهة الشبهة

[ 59 ]

[ حالته السابقة اخذ بها، وإلا فلا يحكم عليه بالاطلاق ولا بالاضافة. لكن لا يرفع الحدث والخبث، وينجس بملاقاة النجاسة ان كان قليلا. وان كان بقدر الكر لا ينجس، لاحتمال كونه مطلقا، والاصل الطهارة. ] الموضوعية. وهو قسمان: (أحدهما): ما إذا علم اطلاق الماء سابقا، ثم القي عليه مقدار ملح أو غيره، وشك في أن الخليط هل كان بمقدار من - مثلا - كي يخرجه عن الاطلاق، أو أنه أقل من ذلك فالماء باق على اطلاقه؟ ففي هذه الصورة لا اشكال في جواز الرجوع إلى استصحاب بقاء الاطلاق السابق. (ثانيهما): عكس ذلك، بأن علم اضافة الماء سابقا، ثم صب عليه مقدار من الماء فشك في أن الماء هل كان بمقدار كر مثلا حتى يخرجه من الاضافة إلى الاطلاق، أو أنه كان أقل من ذلك فهو باق على اضافته؟ وفي هذه الصورة يرجع إلى استصحاب بقاء الاضافة السابقة. ويترتب عليه جميع أحكام المضاف، كما كان يترتب عليه أحكام الماء المطلق في الصورة المتقدمة. (الصورة الثانية): ما إذا كان الشك في الاطلاق والاضافة من جهة الشبهة الحكمية، كما إذا القينا منا من الحليب على من من الماء، وشككنا في أن المركب منهما هل هو من مصاديق الماء عرفا، أو لا ينطبق عليه هذا المفهوم وان لم يطلق عليه الحليب أيضا فالشبهة مفهومية حكمية، وقد تعرضنا لتفصيلها في محله ولا نعيد. وحاصله ان الاستصحاب لا يجري في الشبهات المفهومية في شئ أما الاستصحاب الحكمي فلاجل الشك في بقاء موضوعه وارتفاعه، وأما الاستصحاب الموضوعي فلانه أيضا ممنوع، إذ لاشك لنا في الحقيقة في شئ، لان الاعدام المنقلبة إلى الوجود كلها، والوجودات الصائرة إلى العدم باجمعها معلومة محرزة عندنا، ولا نشك في شئ منهما، ومعه ينغلق باب الاستصحاب لا محالة، لانه متقوم بالشك في البقاء.

[ 60 ]

وقد مثلنا له في محله بالشك في الغروب، كما إذا لم ندر أنه هو استتار قرص الشمس أو ذهاب الحمرة عن قمة الرأس، فاستصحاب وجوب الصوم أو الصلاة لا يجري لا جل الشك في بقاء موضوعه. والموضوع أيضا غير قابل للاستصحاب، إذ لا شك لنا في شئ. فان غيبوبة القرص مقطوعة الوجود، وذهاب الحمرة مقطوع العدم، فلا شك في أمثال المقام إلا في مجرد الوضع والتسمية، وان اللفظ هل وضع على مفهوم يعم استتار القرص أولا؟ هذا وان شئت قلنا: ان استصحاب الحكم يجري في الشبهات المفهومية، لانه من الشبهة المصداقية لدليل حرمة نقض اليقين بالشك، وذلك لاجل الشك في بقاء موضوع الحكم وارتفاعه، فلا ندري ان رفع اليد عن الحكم في ظرف الشك نقض لليقين بالشك، كما إذا كان الموضوع باقيا بحاله أو أنه ليس من نقض اليقين بالشك، كما إذا كان الموضوع مرتفعا، وكان الموجود موضوعا آخر غير الموضوع المحكوم بذلك الحكم، فلم يحرز اتحاد القضيتين المتيقنة والمشكوكة، وهو معتبر في جريان الاستصحاب. واستصحاب الموضوع أيضا لا يجري في تلك الشبهات، لعدم اشتماله على بعض أركانه وهو الشك، فلا شك إلا في مجرد التسمية. وعليه فلا بد من مراجعة سائر الاصول، وهي تقتضي في المقام بقاء الحدث والخبث وعدم ارتفاعهما بما يشك في كونه ماء. وأما انه هل ينفعل بملاقاة النجاسة أو لا ينفعل، وتجري فيه قاعدة الطهارة أولا تجري؟ ففيه تفصيل وذلك لانا ان قلنا بما بنى عليه شيخنا الاستاذ (قده) من أن الاستثناء إذا علق على عنوان وجودي، وكان المستثنى منه حكما الزاميا، أو ملزوما له كما في المقام فلابد من احراز ذلك العنوان الوجودي في الخروج عن الا لزام، أو ملزومه. مثلا إذا نهى

[ 61 ]

السيد عبده عن أن يأذن لاحد في الدخول عليه إلا لاصدقائه فلا يجوز له الاذن لاحد في الدخول إلا بعد احراز صداقته. فلا محالة نلتزم بعدم جريان قاعدة الطهارة في المقام، لان المستثنى من الحكم بالانفعال عنوان وجودي أعني الكرمن الماء وهو غير محرز على الفرض، واحرازه معتبر في الحكم بعدم الانفعال. وأما إذا لم يتم ما أفاده، كما لايتم ذلك لما بيناه في الاصول. ويأتي تفصيله في محله، فلا مانع من جريان قاعده الطهارة فيه للشك في طهارته هذا فيما إذا كان الخليط بمقدار كر، وأما إذا كان أقل منه فهو محكوم بالانفعال بالملاقاة، مطلقا كان أم مضافا، ولا شك في نجاسته. (الصورة الثالثة): ما إذا توارد على المايع الملاقي للنجس حالتان متضادتان، كما إذا علمنا باطلاقه في زمان واضافته في زمان آخر، وشككنا في المتقدم والمتأخر منهما. وقد عرفت ان الاستصحاب الحكمي غير جار في المقام، لاجل الشك في بقاء موضوعه وارتفاعه ومعه لا يجري الا ستصحاب في الاحكام، لانه من الشبهة المصداقية. وأما الا ستصحاب الموضوعي فهو ايضا لا يجري في المقام، لانه بناء على ما ذهب إليه صاحب الكفاية (قده) لا مجرى له اصلا، لعدم احراز اتصال زمان اليقين بالشك، واحرازه معتبر عنده. وأما بناء على المختار فهو وان كان يجرى في نفسه، إلا انه يسقط من جهة المعارضة باستصحاب مقابله. والنتيجة على كلا المسلكين: عدم جريان الاستصحاب على كل تقدير وأما قاعدة الطهارة في نفس الماء عند الشك في انفعاله فالكلام فيها هو الكلام المتقدم في الصورة الثانية: إذ لا مجرى لها على مسلك شيخنا الاستاذ (قده) كما لا مانع من جريانها على مسلكنا. وكذا الحال في

[ 62 ]

الرجوع إلى سائر الاصول من استصحاب الحدث والخبث، فان حاله حال الصورة المتقدمة من هذه الجهات. (الصورة الرابعة): ما إذا شك في اطلاق المايع، واضافته من غير علم بحالته السابقة، أو من غير وجود الحالة السابقة اصلا. وجريان الاستصحاب في هذه الصورة لاثبات النجاسة مبني على القول بجريان الاصل في الاعدام الازلية كما بنينا عليه في محله، وفاقا لصاحب الكفاية (قده) وعليه فلا بد من الحكم بنجاسة المايع المشكوك بالملاقاة. وذلك لان مقتضى الادلة المتقدمة: أن المايعات كلها يتنجس بالملاقاة وانما خرج عنها عنوان الكر من الماء، فهناك عام قد خصص بعنوان وجودي والمفروض انا احرزنا وجود الكر خارجا، ولا ندري هل وجد معه الاتصاف بصفة المائية أيضا أم لم يوجد معه ذاك الاتصاف؟ والاصل انه لم يتصف به ولم يوجد معه الاتصاف، لانه قبل أن يوجد لم يكن متصفا بالماء، والاتصاف انما هو بعد خلقته لا قبلها. فان الاتصاف بالماء ليس من القدماء بل هو أمر حادث مسبوق بالعدم بالضرورة فيستصحب عدم اتصافه به، وانه الآن كما كان لا اتصافه بعدمه كما لا يخفى. فإذا ثبت عدم اتصافه بعنوان المخصص وهو الماء الكر، فيبقى المايع تحت عموم مادل على انفعال المايعات بالملاقاة، كما ذكرنا نظيره في الشك في قرشية المرأة وعدمها. وأما إذا منعنا عن جريان الاصل في الاعدام الازلية، كما عليه شيخنا الاستاذ (قده) خلافا لصاحب الكفاية وما اخترناه، فلا مانع من الحكم بطهارة المايع المشكوك بقاعدة الطهارة أو استصحابها، فان المانع عنهما ليس إلا استصحاب عدم المائية المقتضي لا حراز موضوع النجاسة، وقد فرضنا عدم جريانه، وكم لجريان الاصل في الاعدام الازلية من فوائد

[ 63 ]

[ (مسألة 6) المضاف النجس يطهر بالتصعيد (1) كما مر، وبالاستهلاك في الكر أو الجاري (2). ] وثمرات في باب الطهارة، وتأتي الاشارة إليها في مواردها ان شاء الله. هذا كله إذا كان المايع المشكوك بمقدار الكر، وهو الذي أفتى فيه السيد (قده) بالطهارة بقاعدة الطهارة، أو باستصحابها. وذكرنا نحن انها تبتني على القول بعدم جريان الاصل في الاعدام الازلية. وأما إذا كان قليلا فلا ينبغي الاشكال في الحكم بانفعاله بالملاقاة ماء كان أم مضافا. ثم انه إذا حكمنا بطهارة المايع المشكوك فيه باصالة الطهارة، أو باستصحابها فلا يثبت بها انه ماء ليرتفع به الحدث أو الخبث وعليه فلا مانع من استصحاب بقائهما، والحكم بعدم كفاية المايع المشكوك فيه في رفعهما. (1) قد قدمنا الكلام في ذلك، وذكرنا ان هذا هو الصحيح، لاجل استحالة المضاف بخارا، وانقلاب البخار ماء بتأثير الهواء، وهو عند العرف ماء جديد حصل من البخار وليس عين الماء السابق كما لا يخفى. طهارة المضاف بالاستهلاك (2) غرضه منهما هو لتمثيل، ومراده مطلق العاصم، ولو كان ماء بئر أو مطر، ونظره في ذلك إلى حصر طريق التطهير في المايعات المضافة المتنجسة بالتصعيد والاستهلاك في ماء معتصم. وقد حكي عن العلامة (قده) انها كما تطهر بهما تطهر بامر ثالث ايضا، وهو اتصالها بما له الاعصام من كر أو مطر ونحوهما. ولم نعثر على من يوافقه في ذلك من الاصحاب، كما لم يقم دليل على مدعاه

[ 64 ]

فان الآيات المتتقدمة قد عرفت عدم دلالتها على مطهرية الماء من الاخباث شرعا، وعلى تقدير دلالتها على ذلك لا تعرض لها على كيفية التطهير كما مر. وأما الروايات فلا دلالة فيها أيضا على مدعاه. أما ما ورد من أن الله وسع عليكم بجعل الماء طهورا فان بني اسرائيل. (* 1) فلانها لو دلت على ان الماء مطهر من الاخباث فلا تدل على كيفية التطهير بالماء، إذ لا نعرض فيها لذلك بوجه. وأما قوله (ع) الماء يطهر ولا يطهر (* 2) فلانه إنما يدل على أن الماء طهور. واما انه مطهر لاي شئ أو باية كيفية فلا، وهو نظير ان يقال: (ان الله سبحانه يرزق ولا يرزق) فانه يدل على استناد الرزق إلى الله تعالى. واما انه يرزق أي شئ؟ بنتا أو ابنا أو مالا، وان رزقه على نسق واحد فلا يمكن استفادته منه بوجه، لا مكان اختلافه حسب اختلاف الموارد كما هو الواقع. نعم يمكن الاستدلال على ما ذهب إليه العلامة بمارواه هو (قده) في مختلفه مرسلا عن بعض علماء الشيعة عن أبي جعفر (ع) من انه أشار إلى غدير ماء. وقال: إن هذا لا يصيب شيئا إلا وطهره (* 3) كما استدل بها على كفاية مجرد الاتصال بالكر في تطهير القليل كما يأتي في محله. وبمرسلة الكاهلي عن أبي عبد الله عليه السلام (في حديث).:


(* 1) وهي صحيحة داود بن فرقد المروية في الباب 1 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) نفس المصدر والباب المذكور (* 3) المختلف ص 3. ذكر بعض علماء الشيعة: انه كان بالمدينة رجل يدخل إلى أبي جعفر محمد بن علي (ع) وكان في طريقه ماء فيه العذرة والجيف، كان يأمر الغلام يحمل كوزا من ماء يغسل رجله إذا أصابه فابصره يوما أبو جعفر (ع) فقال: ان هذا لا يصيب شيئا الا طهره فلا تعد منه غسلا.

[ 65 ]

أن كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر (* 1) والاستدلال بهما مع ما فيهما من الارسال يتوقف على حمل الا صابة والرؤية فيهما على مفهومهما العرفي، ولا نحملهما على معنى آخر بقرينة حالية أو مقالية حتى ولو كانت هي المناسبة بين الحكم وموضوعه. وحينئذ يمكن أن يقال: المضاف المتصل بالكر أو المطر مما أصابه الكر أو رآه المطر. إلا ان ابقاءهما على معناهما العرفي غير ممكن لا ستلزامه القول بطهارة مثل الخشب، فيما إذا كان كلا طرفيه نجسا، واتصل أحدهما بالكر أو المطر دون الآخر، أو كان المتنجس أحد طرفيه خاصة، واتصل طرفه الطاهر بالكر أو المطر دون الطرف المتنجس، حيث يصح أن يقال عرفا أنه مما أصابه الماء أو رآه المطر، مع انه لا وجه لطهارة الطرف الآخر الذي لم يلاقه الماء أو المطر وهل يطهر المتنجس من دون أن يلاقي شيئا من المطهرات، فدعوى أن الماء أو المطر إذا أصابا السطح العالي من المضاف يحكم بطهارة السطح السافل منه أمر لا وجه له. وعليه فلا بد بملاحظة المناسبة بين الحكم وموضوعه من حمل الاصابة والرؤية في المرسلتين على معناهما التحقيقي، دون العرفي المسامحي، وان اصابة كل موضوع من الاجسام المتنجسة للماء أو رؤية المطر له انما توجب طهارة ذلك الموضع بخصوصه، دون الموضع الذي لم يصبه الماء أو لم يره المطر هذا كله في المضاف. واما الماء المتنجس فهو وإن التزمنا بطهارته بمجرد الاتصال بالعاصم كرا كان أو مطرا، ولا نعتبر في تطهيره ملاقاة العاصم بجميع أجزائه، إلا انه إما من جهة الاجماع، ولا اجماع، في المضاف لا ختصاصه بالماء وإما من جهة صحيحة ابن بزيع (* 2) الدالة على طهارة ماء البئر بعد ذهاب تغيره


(* 1) المروية في الباب 6 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 3 و 14 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 66 ]

معللا: بان مادة، لان العلة متحققة في غير البئر أيضا، كما يأتي تفصيله في محله، واختصاصها بالماء ظاهر. وقد تبين ان ما ادعاه العلامة في المقام مما لم يقم عليه دليل، فطريق تطهير المضاف منحصر بالتصعيد واستهلاكه في ماء معتصم. ثم إن في المقام عنوانين (أحدهما): المضاف و (ثانيهما): التغير. واحكام التغير وان كانت تأتي في محلها على وجه البسط ان شاء الله إلا انا نشير إلى بعضها في المقام على وجه الاختصار. فنقول: تارة يمتزج المضاف النجس بالمطلق المعتصم ويستهلك فيه، بمعنى انه ينعدم في المطلق بنفسه ووصفه، من غير أن يؤثر فيه شيئا، بل هو باق على اطلاقه، غير انه كان منا مثلا قبل الامتزاج، وقد زاد على وزنه بذلك فصار منا وزيادة، ومثل هذا الماء لا اشكال في طهارته، لا من جهة طهارة المضاف النجس بالامتزاج، بل من جهة ارتفاع الموضوع، إذ لا وجود للمضاف النجس أصلا، والماء مطلق معتصم تشمله الا طلاقات. ومن هنا يظهر أن قولنا: يطهر المضاف النجس بالاستهلاك مبني على المسامحة فانه لا مضاف حتى يطهر. وأخرى: يمتزج المضاف بالمطلق ويستهلك فيه ايضا، ولكنه بنفسه لا بوصفه، فيحدث أثرا في لون المطلق أو طعمه أو غير ذلك من التغيرات. وهل هذا يوجب تنجس المطلق بتغيره باوصاف المتنجس أو لا يوجبه؟ فيه وجهان مبنيان على ما يأتي في محله من أن التغير يقتضي نجاسة الماء مطلقا أو انها تختص بالتغير باوصاف النجس. وأما التغير بالمتنجس فلا دليل على كونه موجبا للنجاسة، ويأتي منافي محله ان شاء الله تعالى أن الثاني هو الصحيح، وعليه فلا يكون تأثير المضاف في تغير المطلق موجبا لا نفعاله، بعد وضوح ان التغير غير الاضافة. وهي لا تحصل بالتغير، وانما حدث

[ 67 ]

[ (مسألة 7) إذا القي المضاف النجس في الكر (1) فخرج عن الاطلاق إلى الاضافة تنجس ان صار مضافا قبل الاستهلاك، وان حصل الاستهلاك والاضافة دفعه لا يخلو الحكم بعدم تنجسه عن وجه، لكنه مشكل. ] التغير أثرا في وصف المطلق، لا أنه يسبب الاضافة كما نشاهده في ماء الشط فان لونه متغير بالوحل مع انه مطلق، ولا يعد من المضاف. وستعرف ان التغير بأوصاف غير النجس لا يوجب التنجيس. وثالثة يمتزج المضاف بالمطق، ويستهلك الماء في المضاف على عكس الصورتين المتقدمتين، ولا كلام في انفعال الماء في هذه الصورة، لانه مضاف وقد لا قي نجسا فيتنجس لا محالة. القاء المضاف النجس في الكر (1) قد خص الكلام بالكر وهو المعتصم بنفسه، ولم يعممه إلى المعتصم بمادته، كالجاري وان عممه إليه في الفرع المتقدم، حيث قال: وبالاستهلاك في الكر والجاري. وسيتضح وجه تخصيصه هذا في طي تفاصيل الصور ان شاء الله تعالى. ثم ان للمسألة صورا ثلاثا لم يتعرض الماتن لاحداها: (الصورة الا ولى): ما إذا حصل الاستهلاك قبل الاضافة، بأن يستهلك المضاف الكر أولا، ثم يوجب اضافته ثانيا بعد مدة وزمان. وتصوير ذلك من الوضوح بمكان، كما إذا مزجنا نصف مثقال من (النشاء) في مقدار قليل من الماء، فانه يستهلك في الماء حين امتزاجهما، ثم إذا اوصلنا إليه حرارة يتثخن بذلك وينقلب الماء مضافا. وهذه الصورة هي التي لم يتعرض السيد (قده) لحكمها، ولعله من أجل وضوح المسالة،

[ 68 ]

حيث لا موجب للحكم بالنجاسة في مفروض الكلام، فان المضاف النجس بعد ملاقاته الكر وقبل انقلاب الكر مضافا قد حكم عليه بالطهارة، لاستهلاكه في الكر. فإذا انقلب الكر إلى الاضافة فهو ماء مضاف لم يلاق نجسا، فلا وجه للحكم بنجاسته. (الصورة الثانية): ما إذا حصلت الاضافة قبل الاستهلاك على عكس الصورة المتقدمة، وقد حكم في المتن بنجاسة الكر في هذه الصورة، لانه خرج عن الاطلاق إلى الاضافة حين ملاقاته للمضاف النجس، وغير المطلق ينفعل بملاقاة النجاسة ولو كان بمقدار كر وهو ظاهر. ولا ينفع استهلاك المضاف بعد ذلك، إذ لم يرد عليه مطهر شرعي بعد نجاسته. وخروج الماء من الاضافة إلى الاطلاق ليس من أحد المطهرات شرعا، فهو ماء مطلق محكوم بالنجاسة على كل حال. (الصورة الثالثة): ما إذا حصلت الاضافة والاستهلاك في زمان واحد معا وذكر في المتن ان الحكم بطهارة الماء حينئذ لا يخلو عن وجه ولكنه مشكل والوجه الذي أشار إليه هو أن الماء في حال الملاقاة، وقبل استهلاك المضاف فيه ماء مطق معتصم، فلا وجه لا نفعاله. وأما بعد استهلاك المضاف فيه المساوق لانقلاب المطلق مضافا فلا مضاف نجس حتى يلاقي الماء وينجسه، لاستهلاكه في المطلق على الفرض. هذا. وقد أورد عليه شيخنا الاستاد (قده) في هامش العروة: بأن المضاف في كلا الشقين يستحيل ان يستهلك في الماء الملقى عليه وذكرنا نحن ايضا في تعليقتنا على الكتاب أن الصورة الثانية كالثالثة غير معقولة، ثم على تقدير امكان الصورتين فالماء محكوم بالنجاسة دون الطهارة. قلنا في المقام دعويان (احداهما): أن الصورتين مستحيلتان و (ثانيتهما): أن الحكم فيهما على تقدير امكانهما هو النجاسة دون الطهارة.

[ 69 ]

وقبل الشروع في اثبات الدعويين ينبغي أن يعلم أن مفروص كلام السيد (قده) هو صورة ملاقاة المضاف النجس للماء الذي هو بمقدار الكر خاصة، لا ما يزيد عليه، ولا الجاري، ولا غيرهما مما له مادة. أو ما في حكمها مما يعتصم به على تقدير انفعاله وذلك لان الماء إذا كان أكثر من كر واحد، وحصلت الاضافة في مقدار منه، بحيث كان غير المتغير كرا فلا يبقى وجه للحكم بالانفعال في الجميع. فان غير المقدار المضاف منه باق على طهارته، وهذا ظاهر. نعم المقدار المتغير منه محكوم بالنجاسة ما دام متغيرا، فإذا زال عنه تغيره بنفسه نحكم عليه بالطهارة لا تصاله بالكر. وقد دلتنا على ذلك صحيحة ابن بزيع (* 1) الواردة في البئر، لدلالتها على ان ماء الئر إذا تغير ينزح حتى يذهب ريحه، ويطيبب طعمه. وانه يطهر بذلك: معللا بان له مادة. والعلة المذكورة متحققة في المقام أيضا ولاجل هذا لم يضف (قده) الجاري على الكر في عنوان المسألة. كما أضافه عليه في الفرع المتقدم على هذا الفرع. وإذا عرفت ذلك فلنرجع إلى ماكنا بصدده فنقول: أما (الصورة الاولى): وهي ما إذا استهلك المضاف في الماء ولم يوجب اضافته بالفعل، وانما صار سببا لصيرورته مضافا بعد زمان، فلا اشكال في معقوليتها وامكانها، وأن حكمها هو الطهرة وسيأتي نظيره في أحكام التغير، فيما إذا لاقت النجاسة ماء ولم يغيره حين ملاقاته، وانما أوجبت تغيره بعد مضي زمان. وأما (الصورة الثالثة): فهي كما أشرنا إليه غير معقولة. بيان ذلك: أن المراد بالاستهلاك هو انعدام المستهلك إنعداما عرفيا، على نحو يعد المركب من المضاف والماء شيئا واحدا عرفا فكأن المضاف لا وجود


(* 1) المروية في الباب 3 و 14 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 70 ]

له أصلا، لاندكاكه في ضمن المطلق إذا كان قليلا بالاضافة إلى الماء، بحيث لا يقال: إن المركب منهما شيئان. ومن هنا لو باع حليبا مزجه بشئ من الماء فليس للمشتري دعوى بطلان المعاملة، وان المبيع ليس بحليب بل حليب وغير حليب والوجه فيه: ان الماء بعد استهلاكه. واندماجه في الحليب يعد المركب منهما شيئا واحدا نعم يثبت للمشتري في المثال خيار تخلف الشرط وهو أمر آخر. ولولا ما ذكرناه لبطل أغلب البيوع. فان المبيع كالخبز والسمن وأمثالهما يختلط بشئ آخر غالبا، ولو بمثقال من تراب، أو مقدار من الدردي. والمفروض انه يوجب تعدد المركب وبه تفسد البيوع، مع ان صحة المعاملة في مثلهما ليست موردا للخلاف، ولا وجه له إلا أن المركب من الدقيق والتراب أو السمن والدردي شئ واحد عرفا من جهة الاستهلاك والاندماج، وان كان لا يخرج بذلك عن التعدد عقلا، والتركب من جزئين واقعا، ولكنهما شئ واحد عرفا كما مر. وليس ذلك من جهة التسامحات العرفية في التطبيق وانما هو كما ذكرناه في محله من جهة سعة المفهوم عندهم على نحو يعم الماء المختلط بمقدار يسير من التراب، أو السمن الممتزج بشى، قليل من الدردي. وهكذا. فإذا تبينت ذلك فنقول: إن ملاقاة المضاف للمطلق لا يخلو عن احدى صور ثلاث لا رابع لها: الاولى: ان يستهلك المضاف في المطلق لكثرته، وقلة المضاف على وجه يراهما العرف ماء واحدا، ولا يكون بنظرهم مركبا من ماء ومضاف ولا تأمل في مثله في الحكم بطهارة الماء إذ لا وجود للمضاف. والمفروض ان الماء عاصم لا ينفعل بشئ. الثانية: أن يستهلك المطلق في المضاف لكثرته، وقلة المطلق. وفي هذه الصورة ايضا لا اشكال في الحكم بنجاسة الماء وانفعاله، لانه مضاف

[ 71 ]

ولو كان ذلك بضرب من المسامحة، إذ لا وجود حينئذ للمطلق حتى ينفعل، فانه انعدم في المضاف عرفا. الثالثه: أن لا يستهلك شئ منهما في الآخر لتوازنهما في الكثرة والقلة وعدم غلبة أحدهما على الآخر، بحيث يراهما العرف شيئين. وربما يولد اجتماعهما أمرا ثالثا، نظير اجتماع الخل والسكر في (السكنجبين) والماء في هذه الصورة أيضا محكوم بالنجاسة، إذ لا يطلق عليه الماء، لان الفرض عدم استهلاك المضاف في الماء، وتعددهما بالنظر العرفي، فإذا لم يكن مطلقا فهو مضاف لا محالة. غاية الامر لا بمرتبة عالية منه تستهلك المطلق، بل بمرتبة نازلة من ذلك وملاقاة مثله للنجس توجب الانفعال. وهذه الصور هي التي نتعقلها في المقام، ولا نتعقل صورة رابعة لها. بأن يفرض حصول كل من الاستهلاك والاضافة في زمان واحد معا. والوجه في استحالتها ان فرض استهلاك المضاف في المطلق: فرض أن المضاف لا وجود له مع المطلق عرفا، كما عرفت في معنى الاستهلاك. وفرض حصول الاضافة: أن العرف لا يرى للمطلق وجودا وانه عندهم مضاف، وهما أمران لا يجتمعان ففرض الاستهلاك والاضافة معا خلف ظاهر. فإذا عرفت استحالة هذه الصورة، وأن فرض الاستهلاك فرض عدم حصول الاضافة. وفرض الاضافة فرض عدم حصول الاستهلاك تظهر لك استحالة الصورة الثانية أيضا. وذلك لانا إذا فرضنا خروج المطلق إلى الاضافة لغلبة المضاف، فكيف يتصور انقلابه إلى الاطلاق بعد ذلك بالاستهلاك إذ المطلق قد استهلك في المضاف، ولا وجود له كما تقدم في معنى الاستهلاك وما لا وجود له كيف يتغلب على المضاف، ويقلبه إلى الاطلاق بالاستهلاك نعم لا مانع من انقلاب المضاف مطلقا على غير وجه الاستهلاك، كما إذا اختلط الوحل بالماء وأوجب اضافته، فانه إذا مضى عليه زمان تترسب

[ 72 ]

الاجزاء الترابية. وتنفك عن الماء لا محالة، وبه ينقلب إلى الاطلاق، ولكنه لا بالاستهلاك كما لا يخفى. هذا كله في الدعوى الاولى واستحالة الصورتين (وأما الدعوى الثانية): وهي انه على تقدير امكان حصول الاضافة والاستهلاك معا لاوجه لحكمه (قده) بالطهارة، فالوجه فيها أن مستند حكم الماتن بطهارة الماء حينذاك ان المطلق قبل ملاقاته للمضاف باق على اطلاقه واعتصامه. وأما بعد ملاقاتهما، وانقلاب المطلق مضافا، فلانه وإن انقلب إلى الاضافة على الفرض إلا انه بعد كونه كذلك لم يلاق مضافا آخر نجسا، حتى يحكم بنجاسته، فالماء محكوم بالطهارة لا محالة. وهذا الذي اعتمد عليه الماتن في المقام لا يتم إلا بالالتزام بامكان أمر مستحيل ووقوعه، وهو فرض ملاقاة المضاف النجس للمطلق بجميع أجزائه دفعة واحدة حقيقية، بان يلاقي كل جزء من المضاف لكل جزء من المطلق دفعة واحدة، ويستهلك كل جزء منه في جزء من المضاف في آن واحد عقلي. وهذا كما ترى أمر مستحيل، إذ لا يمكن تلافي كل واحد من أجزاء أحدهما لجزء من أجزاء الآخر دفعة، وانما يلاقي بعض أجزاء المضاف لبعض أجزاء المطلق أولا. ثم تلاقي الاجزاء الباقية منه لاجزاء المطلق ثانيا وهكذا فالدفعة العقلية غير ممكنة، إلا في مثل تكهرب الماء، وسراية القوة الكهربائية إلى جميع الاجزاء المائية، فان الدفعة فيه أوضح. ولكنها فيه أيضا غير عقلية، لان للقوة الكهربائية أيضا سيرا لا محالة، لا ستحالة الطفرة إلا انه سريع. نعم الدفعة العرفية معقولة كما ذكروها في الغسل ارتماسا، لتعذر وصول الماء إلى جميع البدن دفعة حقيقية. فإذا استحالت ملاقاة أجزاء كل منهما مع الآخر دفعة حقيقية فلا محيص من الحكم بنجاسة الماء. وذلك لان الجزء الاول من المطلق إذا لاقاه

[ 73 ]

[ (مسألة 8) إذا انحصر الماء في مضاف (1) مخلوط بالطين، ففي سعة الوقت يجب عليه ان يصبر حتى يصفو ويصير الطين إلى الاسفل، ثم يتوضأ على الاحوط. وفي ضيق الوقت يتيمم لصدق الوجدان مع السعة دون الضيق. ] جزء من المضاف النجس وصيره مضافا يتنجس لا محالة وإذا تنجس جزء منه تنجست الاجزاء الباقية منه أيضا، لانها أقل من كر، فتنفعل بملاقاة النجاسة، لما مر من أن مفروض كلام الماتن (ره) هو الماء البالغ كرا خاصة. فان الباقي إذا كان بمقدار كر أيضا لما كان لنجاسة الجزء الملاقي للمضاف وجه بعد زوال تغيره، لاتصاله بالعاصم، وهو مانع من انفعال الجزء المضاف. وعلى الجملة الماء في الصورة المفروضة محكوم بالنجاسة، والذي يسهل الخطب ان الفرض فرض أمر مستحيل. (1) لا تبتني هذه المسألة على تفسير الوجدان بوجود الماء خارجا، أو بالقدرة عليه، ليكون عدم الوجدان بمعنى عدم الماء في الخارج أو عدم القدرة عليه. بل تبتني بكلا هذين المعنين على أن الاعتبار في وجوب الوضوء على الواجد (بالمعنيين) ووجوب التيمم على الفاقد (بالمعنيين) بمجموع الوقت أو بخصوص زمان العمل والامتثال، فان جعلنا المناط بالوجدان والفقدان في تمام الوقت فلا اشكال في وجوب الوضوء على المكلف في المقام، فلا بد له من أن يصبر حتى يصفو الماء، فان المفروض انه يصير واجدا إلى آخر الوقت بكلا معنيى الوجدان. كما انه إذا جعلنا المناط بالوجدان والفقدان في خصوص وقت العمل فلا تأمل في وجوب التيمم عليه في المسألة، لانه حين قيامه إلى الصلاة ليس بواجد بكلا المعنيين، لفرض اضافة الماء حينذاك، فلا قدرة له على

[ 74 ]

الماء كما ان الماء ليس بموجود خارجا. ومقتضى ظهور الآية المباركة: (إذا قمتم إلى الصلاة. فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) (* 1) هو الثاني، وان الاعتبار في الوجدان والفقدان بزمان القيام إلى العمل، نظير وجوب القصر على المسافر والتمام على الحاضر، فان المدار فيهما على كون المكلف حاضرا أو مسافرا في زمان العمل، فعلى الاول يتم، وعلى الثاني يقصر وان صار مسافرا أو حاضرا بعد ذلك. هذا كله حسبما تقتضيه القاعدة. وأما ما يستفاد من الاخبار: ورد في بعضها (* 2) الامر بالانتضار فيما إذا احتمل الوجدان إلى آخر الوقت ومعه لا يجوز البدار، وقد افتى السيد (قده) بجوازه - في مبحث التيمم - عند احتمال الوجدان إلى آخر الوقت. وعدمه فيما إذا علم بحصوله على تقدير الانتظار إلى آخر الوقت كما في ما نحن فيه الا انه لم يجر على هذا في المقام، حيث لم يفت بوجوب الانتضار للوضوء جزما، وانما أوجبه احتياطا. ولعل الوجه في ذلك ظهور الآية المتقدمة في أن الاعتبار في وجوب التيمم بفقدان الماء حين القيام إلى العمل وقد استظهرنا نحن من روايات هذا الباب: أن المدار في وجوب التيمم على الفقدان في تمام الوقت. ومن هنا نحكم في المقام بوجوب الانتظار للوضوء هذا كله مع سعة الوقت وأما مع الضيق: فلا ينبغي التأمل في وجوب التيمم لانه فاقد للماء بكلا معنيى الفقدان. ثم لا يخفى ان ذكر هذه المسألة في المقام في غير محله، لانها من فروع مسألة التيمم. ولا ربط لها بمسألة المضاف، فكان الاولى تأخيرها إلى بحث التيمم.


(* 1) المائدة: 5: 6. (* 2) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول إذا لم تجد ماء وأردت التيمم فأخر التيمم إلى آخر الوقت، فان فاتك الماء لم تفتك الارض وغيرها المروية في الباب 22 من أبواب التيمم من الوسائل.

[ 75 ]

[ (مسألة 9) الماء المطلق بأقسامه (1) ] احكام الماء المتغير (1) قد قسمنا الماء بلحاظ الانفعال وعدمه إلى أقسام ثلاثة: (أحدها): ما لا ينفعل لاعتصامه بمادته كما في البئر، والجاري، والحمام. (وثانيها): مالا ينفعل لا عتصامه بنفسه وكثرته كما في الكر. (وثالثها): مالا مادة له ولا كثرة فيه، وهو قابل للانفعال. وهذه الاقسام باجمعها ينفعل إذا تغير باحد أوصاف النجس من الطعم والرائحة، واللون، بملاقاته. والمستند في ذلك هو الروايات المستفيضة الواردة من طرقنا، وهي من الكثرة بمكان ربما يدعى تواترها، ومعها لا حاجة إلى الاستدلال بالنبويات المروية (* 1) بطرق العامة من قوله صلى الله عليه وآله خلق الله الماء طهورا، لا ينجسه شي إلا ما غير طعمه أو ريحه. ولا يحتمل فيها الانجبار لوجود ما يعتمد عليه من طرقنا كما لا نحتاج إلى التمسك بما رواه (* 2) في دعائم الاسلام عن علي (ع) في الماء الجاري يمر بالجيف، والعذرة، والدم يتوضأ منه ويشرب وليس ينجسه شئ ما لم تتغير أوصافه: (طعمه، ولونه، وريحه) لارسال رواياته، وان كان مصنفه وهو قاضي نعمان المصري فاضلا ومن أجلاء عصره. والاخبار الواردة من طرقنا على طوائف ثلاث: (الطائفة الاولى): ما دل على انفعال طبيعي الماء بالتغير باحد أوصاف


(* 1) المروية في الباب 1 من ابواب الماء المطلق. وقد قدمنا نقلها عن كنز العمال وموضعين من سنن البيهقي. (* 2) المروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من المستدرك.

[ 76 ]

النجس، كصحيحة حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب (* 1) وموثقة سماعة عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن الرجل يمر بالماء وفيه دابة ميتة قد انتنت قال: إذا كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضأ ولا تشرب (* 2) والمذكور فيهما كما ترى طبيعي الماء على وجه الاطلاق. (الطائفة الثانية): مادل على انفعال ما لا مادة له، وهو الكر بالتغير باوصاف النجس، كحيحة عبد الله بن سنان قال: سأل الرجل أبا عبد الله (ع) وانا حاضر عن غدير أتوه وفيه جيفة فقال: ان كان الماء قاهرا ولا توجد منه الريح فتوضأ (* 3) وما رواه زرارة قال. قال ابو جعفر (ع) إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ إلا ان يجئ له ريح تغلب على ريح الماء (* 4) ورواية حريز عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) انه سأل عن الماء النقيع تبول فيه الدواب فقال: ان تغير الماء فلا تتوضأ منه، وان لم تغيره أبوالها فتوضأ منه وكذلك الدم إذا سال في الماء وأشباهه (* 5). ومحل الا ستشهاد فيها هو قوله (ع) وكذلك الدم إلى قوله وأشباهه. وأما صدرها وهو الذي دل على نجاسة أبوال الدواب فلعله محمول على التقية لان العامة ذهبوا إلى نجاسة ابوال البغال والحمير ونحوهما (* 6) وهذه الروايات


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) و (* 5) المرويات في الباب 3 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 6) قال ابن حزم في المحل المجلد 1 ص 168 البول كله من كل حيوان: إنسان أو غير انسان مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه نحو ما ذكرنا كذلك، أو من طائر يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه فكل ذلك حرام اكله وشربه إلى ان قال وفرض اجتنابه في الطهارة والصلاة، إلا ما لا يمكن التحفظ منه إلا بمحرج فهو معفو عنه كونيم الذباب، ونجو البراغيث وقال أبو حنيفة: اما البول فكله نجس -

[ 77 ]

قد اشتملت على الماء النقيع، وهو الماء النازح المجتمع في الغدران، وماء العذير وغير ذلك من المياه البالغة كرا من دون أن تكون لها مادة. (الطائفة الثالثة): ما دل على انفعال ماله مادة كالبئر إذا تغير باحد أوصاف النجس، وهي كصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا (ع) قال: ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه، أو طعمه، فينزح سواء كان مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه، إلا ان بعضه أغلظ نجاسة من بعض. فبول كل ما يؤكل لحمه من فرس، أو شاة أو بعير، أو بقرة. أو غير ذلك لا ينجس الثوب، ولا تعاد منه الصلاة إلا ان يكون كثيرا فاحشا فينجس وتعاد منه الصلاة أبدا. ولم يحد أبو حنيفة في المشهور عنه في الكثير حدا، وحده أبو يوسف بان يكون شبرا في شبر. قال: فلو بالت شاة في بئر تنجست وتنزح كلها. قالوا: وأما بول الا نسان وما لا يؤكل لحمه فلا تعاد منه الصلاة، ولا ينجس الثوب إلا أن يكون اكثر من قدر الدرهم البغلى، فان كان كذلك نجس الثوب، وأعيدت منه الصلاة أبدا، فان كان قدر الدرهم البغلى فاقل لم ينجس الثوب ولم تعد منه الصلاة واما الروث فانه سواء كله كان مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه من بقر كان أو من فرس أو من حمار أو غير ذلك. وان كان في الثوب منه أو النعل، أو الخف، أو الجسد أكثر من قدر الدرهم البغلى بطلت الصلاة واعادها أبدا وان كان قدر الدرهم البغلى فاقل لم يضر شيئا إلى أن قال: وأما بول ما لا يؤكل لحمه ونجوه، ونجو ما يؤكل لحمه فكل ذلك نجس وقال مالك: بول مالا يؤكل لحمه ونجوه نجس وبول ما يؤكل لحمه ونجوه طاهران. وقال داود: بول كل حيوان ونجوه أكل لحمه أو لم يؤكل فهو طاهر، حاشا بول الانسان ونجوه فقط، فهما نجسان. وقال الشافعي: مثل قولنا الذي صدرناه به. راجع المجلد 1 ص 16 الفقه على المذاهب الاربعة.

[ 78 ]

[ حتى الجاري منه ينجس إذا تغير بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة من الطعم، والرائحة، واللون (1) ] حتى يذهب الريح ويطيب طعمه لان له مادة (* 1) وهي واردة في ماله مادة، وهو ظاهره وبهذه الطوائف الثلاث نبني على انفعال مطلق الماء إذا تغير بأحد أوصاف النجس. التغير باللون (1) وقد وقع النزاع في أن سبب النجاسة بالتغير هل هو التغير بالطعم والرائحة خاصة كما هو المصرح بهما في اكثر روايات الباب، أو أن التغير باللون أيضا سبب للانفعال؟ وقد يدعى عدم ذكر اللون في شئ من الاخبار الواردة في المقام، ولاجله يستشكل في الحاقه بالطعم والريح. والتحقيق أن الامر ليس كما ادعي، فان اللون كأخويه مذكور في جملة من الاخبار، فدونك رواية ابي بصير المتقدمة المشتملة على قوله (ع) وكذلك الدم (* 2) فان التغير بالدم على ما يستفاد منه عرفا ليس إلا التغير باللون دون الطعم أو الريح ورواية العلا بن الفضيل. قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض يبال فيها، قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول (* 3) لانها نصت على ان التغير باللون أيضا سبب للانفعال. ثم على تقدير المناقشة في الروايتين بضعفهما فحسبك صحيحة محمد بن


(* 1) المروية في الباب 3 و 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 79 ]

الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات، عن محمد بن اسماعيل يعني البرمكي عن علي بن الحكم، عن شهاب بن عبد ربه. قال: أتيت أبا عبد الله (ع) اسأله، فابتدأني، فقال: ان شئت فاسأل يا شهاب، وان شئت أخبرناك بما جئت له، فقلت: أخبرني. قال: جئت تسألني عن الغدير يكون في جانبه الجيفة، أتوضأ منه أو لا؟ قال: نعم، قال: توضأ من الجانب الآخر، إلا أن يغلب الماء الريح فينتن. وجئت تسأل عن الماء الراكد من الكر (* 1) مما (* 2) لم يكن فيه تغير أو ريح غالبة، قلت: فما التغير؟ قال: الصفرة فتوضأ منه، وكلما غلب كثرة الماء، فهو طاهر (* 3) وهي أيضا صريحة: في أن التغير باللون وهو الصفرة يوجب الانفعال. هذا على ان التغير باللون في النجاسات يلازم التغير بالطعم أو الريح ولا يوجد التغير باللون إلا والتغير بالطعم أو الريح موجود معه، ولا تقاس النجاسات الخارجية بالاصباغ. فان التغير بسببها يمكن أن يكون باللون خاصة، وهدا بخلاف التغير بالنجاسات، كما في الميتة واللحم، لانها إذا أثرت في تغير لون الماء با لصفرة أو بغيرها فلا ينفك عن التغير بالطعم والريح ولعله لا جل هذا التلازم لم يتعرض (ع) فيما تقدم من صحيحة ابن بزيع للتغير باللون.


(* 1) وفي طهارة المحقق الهمداني (ره) وبعض نسخ الكتاب من البئر. (* 2) كذا في النسخة المطبوعة أخيرا من الوسائل والصحيح (ما). (* 3) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 80 ]

[ بشرط أن يكون بملاقاة النجاسة، فلا يتنجس إذا كان بالمجاورة (1) كما إذا وقعت ميتة قريبا من الماء فصار جائفا. ] التغير بالمجاورة (1) اشترط الفقهاء (قدس الله اسراهم) في انفعال الماء بالتغير أن يكون التغير مستندا إلى ملاقاة الماء للنجس، وأما إذا نشأ بغير الملاقاة من المجاورة والسراية فهو لا يؤثر في الا نفعال، كما إذا كانت الميتة قريبة من الماء فانتنت وسرى النتن إلى الماء، وهذا هو الصحيح فان الروايات الداله على نجاسة الماء بالتغير بين ما وردت في خصوص ملاقاة الماء المتغير للنجس بوقوع الميتة أو البول في الماء، كما في بعض الاخبار (* 1). أو تفسخ الميتة فيه كما في بعضها الآخر (* 2). وصراحتها في ملاقاة الماء للنجس غير محتاجة إلى البيان وبين ما لم ترد في ذلك المورد، إلا انها دلت على ارادة الملاقاة بواسطة القرائن الخارجية، كصحيحة، ابن بزيع، فانها وان لم ترد في ملاقاة النجس للماء وقوله (ع) فيها (ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير.) مطلق يشمل التغير بالملاقاة والمجاورة، إلا ان القرينة قامت على ارادة التغير بالملاقاة خاصة. وبيان تلك القرينة هو أن الشئ في قوله (ع) لا يفسده شئ لم يرد به مطلق ما يصدق عليه مفهوم الشئ بل المراد به هو الذي من شأنه ان


(* 1) كما في روايتي أبي خالد القماط والعلا بن الفضيل وصحيحة عبد الله بن سنان وموثقة سماعة المرويات في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) كما في روايتي زرارة عن ابي جعفر (ع) المرويتين في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 81 ]

ينجس الماء، إلا انه لا ينجس ماء البئر لانه واسع. كما هو الحال في قوله (ع) الماء طاهر لا ينجسه شئ، وقوله إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ، لوضوح عدم ارادة الاشياء الاجنبية عن التنجيس من لفظة الشئ فيهما. ومن البين ان تقرب الماء من الميتة مثلا ليس مما شأنه التنجيس، ولم يثبت كونه موجبا للانفعال ما لم تتصل الميتة بالماء لبعدها أو لوجود مانع في البين. فمن ذلك يظهر ان المراد من قوله (ع) ماء البئر واسع لا يفسده شئ: أنه لا تفسده ملاقاة النجاسة، الا ان توجب تغيره، وبذلك تظهر صحة ما ذهب إليه الاصحاب من أن الموجب للانفعال هو التغير الحاصل بالملاقاة لا بالمجاورة ونحوها. فرع إذا لاقي الماء جزء من النجس، ولم يكن ذلك الجزء موجبا للتغير في الماء، وكان له جزء آخر يوجب التغير، إلا انه لم يلاق الماء، كما إذا لا قى الماء شعر الميتة أو عظمها ولم يلاق لحمها. والشعر والعظم لا ينتنان بمرور الايام ولا يحدثان التغير في شئ بخلاف اللحم لتسرع الفساد إليه فهل مثل هذه الملاقاة توجب الانفعال؟. الظاهر: انه لا، لان ما لاقى الماء لا يوجب التغير، وما يوجب التغير لم يلاق الماء وقد اشترطنا في نجاسة الماء ان يستند تغيره إلى ملاقاة النجس الذي يوجب التغير، لا إلى مقارنة نجس آخر، كما هو المستفاد من الاخبار ومثل ذلك ما إذا وقع نصف النجس في الماء، وكان نصفه الآخر خارجا عنه والنصف الداخل لم يكن سببا للتغير، بل كان سببه

[ 82 ]

[ وأن يكون التغير بأوصاف النجاسة (1) دون أوصاف المتنجس ] المجموع من النصف الداخل في الماء والنصف الخارج عنه، فان الظاهر عدم انفعال الماء بذلك، لان الملاقي لم يوجب التغير وما اوجبه لم يلاق الماء ويعتبر في انفعال الماء استناد التغير إلى ملاقاة النجس الذي يوجب التغير. فما عن المحقق الهمداني من ان التغير سبب للانفعال في هذه الصورة إذ يصدق عرفا ان يقال: ان الماء لاقى نجسا يوجب التغير - لا يمكن المساعدة عليه، لان ما يصدق عرفا هو ان الماء لاقى ميتة ولكن النجاسة انما ترتبت على عنوان ملاقاة النجس الذي يوجب التغير، وهذا العنوان لم يحصل في المقام، وهو نظير ما إذا لم يكن الملاقي للماء سببا للتغير بنفسه، وانما اوجبه بانضمام شئ آخر إليه، كما إذا القي مقدار من دم وصبغ احمر على ماء، واستند تغيره اليهما، بحيث لو كان الدم وحده لما تأثر به الماء فانه لا يوجب الانفعال كما ياتي في كلام الماتن (ره) والوجه فيه أن ما لاقاه الماء من النجس لا يوجب التغير، وما يوجبه وهو مجموعهما ليس بنجس كما هو ظاهر. التغير باوصاف المتنجس (1) وقع الخلاف في أن التغير هل يعتبر أن يكون باحد أوصاف النجس، أو أن التغير باوصاف المتنجس أيضا كاف في الانفعال؟. والظاهر: أن صورة انتشار أجزاء النجس في المتنجس الذي يوجب انتشار تلك الاجزاء في الماء على تقدير ملاقاته اياه خارجة عن محل الكلام. والوجه في خروجها ظاهر، لان التغير فيها مستند إلى أوصاف النجس دون المتنجس، كما إذا صببنا مقدارا من الدم في ماء وحللناه فيه، ثم

[ 83 ]

القينا ذلك الماء على ماء آخر، فتغير الماء الثاني بعين الاجزاء الدموية المنتشرة في الماء الاول بالتحليل، كما أن صورة خروج الماء عن الاطلاق بملاقاة المتنجس خارجة عن محل النزاع قطعا. فالذي وقع فيه الكلام له صورتان: (إحداهما): ما إذا تغير شئ بالنجاسة من غير أن تنتشر فيه أجزاء النجس، ثم لا قى هذا المتغير بالنجس ماء، وغيره بالوصف الحاصل فيه بالتغير، كما إذا وقعت ميتة في الماء ولم تنفسخ فيه وتغير الماء بريحها، ثم القينا ذلك الماء في ماء آخر كر، وتغير بما في الماء من نتن الميتة من دون انتشار أجزاء الميتة في شئ من الماءين. و (ثانيتهما) ما إذا لاقت نجاسة شيئا ونجسته، ثم لاقى المتنجس كرا من الماء فغيره باحد أوصاف نفسه، دون أوصاف النجس، كما هو الحال في العطور إذا لا قتها يد كافر مثلا، ثم القيناها في حوض من الماء فانها تغير الماء بريحها لا محالة. ولنقدم الكلام في الصورة الثانيه، لان التغير فيها إذا صار موجبا للانفعال فهو يوجب الانفعال في الصورة الاولى بطريق أولى. فنقول: إنه نسب القول بالنجاسة في صورة التغير باوصاف المتنجس إلى الشيخ الطوسي (قده) واستدل عليه بالنبوي المعروف: خلق الله الماء طهروا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه. فان قوله صلى الله عليه وآله إلا ما غير يشمل النجس والمتنجس كليهما. وفيه: إن الحديث نبوي قد ورد بغير طرقنا، كما صرح به صاحب المدارك وأمضاه صاحب الحدائق (قدس سرهما) فلا يعتد به، وانما نقول بالنجاسة في مفروض الكلام لو قلنا بها من جهة الروايات الواردة من طرقنا، كما في صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع: ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا ان يتغير ريحه أو طعمه،. بدعوى أن قوله (ع) لا يفسده شئ إلا

[ 84 ]

ان يتغير ايضا شامل لكل من النجس والمتنجس. بل الصحيح عدم تمامية هذا الاستدلال أيضا، لاختصاص الرواية بالتغير بالنجس دون المتنجس ويدل عليه استثناؤه (ع) في الصحيحة بقوله: إلا أن يتغير ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه. فان هذا الاطلاق والاستعمال: (حتى يذهب الريح ويطيب طعمه) انما يصح إذا كان التغير الحاصل بالطعم أو الريح تغيرا بريح كريهة أو طعم خبيث، إذ مع فرض طيب الطعم أو الريح لا معنى لطيبه ثانيا. وكراهة الريح والطعم تختص بالتغير الحاصل بالنجاسات. وأما المتنجسات فربما يكون ريحها في أعلى مرتبة اللطافة والطيب، كما في العطور المتنجسة، أو طعمها كما في السكر والدبس المتنجسين. ولا يصح في مثلهما أن يقال: ينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه وبالجملة فالمقدار المتيقن منها هو الحكم بالا نفعال في التغير بالنجس، فلا بد من الا قتصار عليه. هذا كله في هذه الرواية. وأما سائر الروايات فهي باجمعها كما عرفت واردة في التغير باعيان النجاسات من الميتة والبول ونحوهما، ولا يستفاد من شئ منها انفعال الماء بالتغير بالمتنجسات فراجع. وحيث قلنا بعدم الا نفعال في الصورة الثانية فلا بد من التكلم في الصورة الاولى أيضا، ليرى أن التغير فيها يوجب الانفعال أو لا يوجبه. وهي ما إذا تغير الماء بملاقاة المتنجس، ولكن لا بأوصاف نفسه، بل بأوصاف النجس. وقد أشار إليه في المتن بقوله: نعم لا يعتبر أن يكون. والمعروف انه يوجب الانفعال وقد استدل عليه بوجوه: (أحدها): أن تغير الماء باعيان النجسة قليل، ولا يوجد إلا نادرا ولا يصح حمل اطلاقات التغير على الفرد النادر، فلا محيص من تعميمه إلى التغير بالمتنجسات أيضا فيما إذا أوجبت تغير الماء باوصاف النجس.

[ 85 ]

والوجه في ذلك ان الميتة أو غيرها من النجاسات إذا وقعت في كر أو اكثر منه فهي انما تغير جوانبها الملاصقة لها في شئ من أو صافها الثلاثة أولا، ثم تغير حوالي ما يتصل بها وما جاورها ثانيا، ثم تلك المجاورات تغير مجاوراتها الملاصقة، وهكذا. إلى أن ينتهي إلى آخر الماء. فالميتة مثلا تغير الماء بواسطة المجاورات المتنجسة لا بنفسها وبلا واسطة، فلا محيص من تعميم التغير الموجب للانفعال إلى التغير باوصاف النجس، إذا حصل بملاقاة المتنجس. وهذا الوجه: وإن ذكر في كلمات الاكثرين، ولكنه لا يخلو عن مناقشة، لان سراية التغير إلى مجموع الماء وان كانت بواسطة المتنجسات لا بعين النجاسة كما ذكر، إلا ان الدليل لم يدلنا على نجاسة الماء المتغير بملاقاة المتنجس، وإن كان التغير بأوصاف النجس، فان الدليل إنما قام على انفعال الماء المتغير بملاقاة نفس النجس، فلابد من الاقتصار عليه. ثانيها): صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع المتقدمة. فان اطلاق قوله (ع) فيها لا يفسده شئ إلا ان يتغير. يشمل كل ما هو صالح للتنجيس، ومن الظاهر ان المتنجس الحامل لاوصاف النجس، كالماء المتغير بأوصاف النجاسة صالح لان يكون منجسا. ومن هنا ينجس ملاقيه من الماء القليل واليد وغير هما، فاطلاق الرواية يشمل النجس والمتنجس إذا لا قى ماء البئر وغيره بأحد أوصاف النجاسة، وانما خرجنا من اطلاقها فيما إذا غيره باوصاف نفسه، من أجل ما استفدناه من القرينة الداخلية كما مر وهذا الوجه هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه في المقام. (ثالثها): وهو وجه عقلي حاصله أن الماء المتنجس الحامل لاوصاف النجس، إذا لا قى كرا وغيره بأحد أوصاف النجس فهو لا يخلو عن أحد أوجه ثلاثة:

[ 86 ]

فاما أن نقول ببقاء كل من الملاقي والملاقى على حكمهما، فالماء المتنجس نجس، والكر المتغير طاهر، وهو مما نقطع ببطلانه، فان الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين. أو نقول بطهارة الجميع، وهو أيضا مقطوع الخلاف لما ثبت بغير واحد من الادلة الآتية في محلها من ان الماء المتغير لا يطهر من دون زوال تغيره. والقول بطهارة الجميع في المقام قول بطهارة الماء المتغير وهو الذي لا قي كرا مع بقاء تغيره، وهو خلاف ما ثبت بالادلة التي أشرنا إليها آنفا. أو نقول بنجاسة الجميع وهو المطلوب. والجواب عن ذلك أن هذا الوجه ينحل إلى صور ثلاث. (الاولى): أن يكون الماء المتغير موجبا لتغير الكر بأحد أوصاف النجاسة مع استهلاكه في الكر لكثرته وقلة المتغر. (الثانية): الصورة مع استهلاك الكر في المتغير لكثرته بالاضافة إلى الكر، كما هو الحال في ماء الاحواض الصغيرة في الحمامات، فانه إذا تغير بنجس ولا قاه الكر الواصل إليه بالانابيب فلا محالة يوجب تغير الواصل واستهلاكه، لقلته بالاضافة إلى ماء الحياض، فانه يصل إليه تدريجا لا دفعة. (الثالثة): الصورة من دون أن يستهلك أحدهما في الآخر لتساويهما في المقدار. وهذا صور ثلاث: أما (الصورة الاولى): فنلتزم فيها بطهارة الجميع ولا منافاة في ذلك للادلة الدالة على عدم طهارة المتغير إلا بارتفاع تغيره، وذلك لانها انما تقتضي نجاسته مع بقاء التغير على تقدير بقاء موضوعه، وهو الماء المتغير لا على تقدير الارتفاع، وانعدام موضوعه بالاستهلاك في كر طاهر. وأما (للصورة الثانية): فنلتزم فيها بنجاسة الجميع، ولا ينافيه مادل على اعتصام الكر وحصر انفعاله بالتغير بملاقاة الاعيان النجسة، والكر لم يلاق عين النجس في المقام، وذلك لان ما دل على اعتصام الكر انما

[ 87 ]

يقتضي طهارته مع بقاء موضوعه، وهو الكر الملاقي لغير العين النجسة، لا مع انعدامه باستهلاكه في المتغير. وأما (الصورة الثالثة): فيتعارض فيها ما دل على انفعال الكر المتغير بملاقاة العين النجسة، واعتصامه في غير تلك الصورة، مع ما دل على أن المتغير لا يطهر إلا بارتفاع تغيره، فان مقتضى الاول طهارة الماء في مفروض الكلام، لانه لم يتغير بملاقاة عين النجس. ومقتضى الثاني نجاسته لبقاء تغيره على الفرض وبما أن الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين متضادين فيدور الامر بين أن نحكم عليه بالنجاسة لنجاسة المتنجس، أو نحكم عليه بالطهارة لطهارة الكر وإذ لا ترجيح في البين فيتساقطان، ويرجع إلى قاعدة الطهارة في الماء، بلا فرق في ذلك بين القول بجريان الا ستصحاب في الشبهات الحكمية وعدمه، إذ بناء على القول بجريانه أيضا كان الاستصحابان متعارضين، فيرجع بالنتيجة إلى قاعدة الطهارة. وبذلك يظهر أن الوجه الصحيح في الحكم بالنجاسة في المقام منحصر باطلاق صحيحة ابن بزيع. نعم ان هناك وجها رابعا يمكن أن يستدل به على نجاسة الكر المتغير بأوصاف النجس بملاقاة المتنجس، وهو الاستدلال بصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع من ناحية اخرى غير اطلاقها. وحاصله ان الامام (ع) قد أمر فيها بنزح ماء البئر حتى يطيب طعمه وتذهب رائحته. ومن الظاهر البين ان تقليل الماء المتغير بأخذ مقدار منه لا يوجب ارتفاع التغير عن الباقي من الرائحة أو الطعم، وهو من البداهة بمكان لا يحتاج إلى زيادة التوضيح، فالنزح لا يكون رافعا لتغير الماء الباقي في البئر. وعليه يتعين أن يكون الوجه في قوله (ع) ينزح حتى. شيئا آخر، وهو ان البئر لما كانت ذات مادة نابعة كان نزح المتغير منها وتقليله موجبا لان ينبع الماء الصافي من مادتها، ويزيد على المقدار الباقي من المتغير

[ 88 ]

[ نجس فصار أحمر أو أصفر لا ينجس، إلا إذا صيره مضافا. نعم لا يعتبر أن يكون بوقوع عين النجس فيه. بل لو وقع فيه المتنجس للحامل لاوصاف ] في البئر، وباضافته تقل الرائحة والطعم من الباقي. وكلما نزح منه مقدار أخذ مكانه الماء الصافي النابع من مادتها حتى إذا كثر النابع بتقليل المتغير غلب على الباقي، وأوجب استهلاكه في ضمنه، وبذلك صح أن يقال ينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه. ومن هذا يظهر ان النابع من المادة لا يحكم بطهارته عند ملاقاته للباقي من المتغير فيما إذا تغير بملاقاته، وانما يطهر إذا غلب النابع على الباقي، وأوجب زوال رائحته، وتبدل طعمه لقوله (ع) ينزح حتى يذهب. فقوله هذا يدلنا على ما قدمناه من ان الماء النابع الملاقي للمتنجس المتغير غير محكوم بالطهارة، لتغيره بأوصاف النجس من الريح والطعم بملاقاة المتنجس الحامل لتلك الاوصاف. وإنما يطهر حتى يذهب. فالرواية دلت على ان أي ماء لاقى متنجسا حاملا لاوصاف النجس، وتغير بها فهو محكوم بالانفعال للقطع بعدم خصوصية في ذلك لماء البئر. ثم لا يخفى ان مورد هذه الصحيحة من قبيل الصورة الثانية من الصور المتقدمة في الوجه العقلي، وهي مااذا لا قى متنجس حامل لاوصاف النجس ماء وغيره بأوصاف النجس مع استهلاك الماء في المتغير. وقد ذكرنا انا نلتزم فيها بنجاسة الجميع من غير أن ينافي هذا الادلة الدالة على اعتصام الكر إلا بالتغير بملاقاة عين النجس، لانه فرع بقاء موضوع الكر، ولا يتم مع استهلاكه وانعدامه. ويستفاد هذا من الصحيحة المتقدمة. حيث دلت على ان النابع محكوم بالنجاسة لملاقاتة المتغير الباقي في البئر، واستهلاكه فيه، إلا أن يكثر ويغلب عليه.

[ 89 ]

[ النجس فغيره بوصف النجس تنجس أيضا. وأن يكون التغير حسيا (1). ] اعتبار التغير الحسي (1) لا ينبغي الاشكال في ان التغير الدقي الفلسفي الذي لا يدرك بشئ من الحواس لا يوجب الانفعال شرعا، كما إذا وقع مقدار قليل من السكر أو غيره في الماء، لانه عقلا يحدث تغيرا فيه لا محالة، إلا انه غير قابل للادراك بالحواس، فمثله إذا حصل من النجس لا يستلزم النجاسة قطعا، ولا كلام في ذلك. وإنما المهم بيان ان التغير المأخوذ في لسان الدليل هل هو طريق إلى كم خاص من النجس، ليكون هذا الكم هو الموجب للانفعال، وان التغير بأحد الاوصاف طريق إليه ولا موضوعية له في الحكم بالانفعال. حتى لا يدور الحكم مدار فعلية التغير وهو القول بكفاية التغير التقديري. أو أن التغير بنفسه موضوع للحكم بالانفعال، لا انه طريق. وهذا لاختلاف النجاسات في التأثير، فيمكن أن يكون مقدار خاص من دم مؤثرا في تغير الماء، ولا يكون دم آخر بذلك المقدار مؤثرا فيه لشدة الاول وضعف الثاني، وغلظة أحدهما ورقة الآخر. هذا في اللون، وكذلك الحال في غيره من الاوصاف، فأن اللحوم مختلفة فبعضها يتسرع إليه النتن في زمان لا ينتن فيه بعضها الآخر مع تساويهما بحسب الكم والمقدار، فيدور الحكم مدار فعلية التغير؟ الصحيح هو الثاني: لان جعل التغير طريقا إلى كم خاص من النجس وهو الموضع للحكم بالانفعال احالة إلى أمر مجهول، إذ لا علم لنا بذلك الكم. على انه خلاف ظاهر الادلة، لظهورها في ان التغير بنفسه

[ 90 ]

موضوع، لا انه طريق إلى أمر آخر هو الموضوع للحكم بالانفعال، إذ القضايا ظاهرة في الفعلية طرا. ومع هذا كله ربما ينسب إلى بعض الاصحاب القول بكفاية التغير التقديري في الحكم بالانفعال. وتفصيل الكلام في المقام: ان التقدير الذى نعبر عنه بكلمة (لو) إما أن يكون في المقتضي كما إذا وقع في الكر مقدار من الدم الاصفر بحيث لو كان أحمر لاوجد التغير في الماء، ففي هذه الصورة المقتضي للتغير قاصر في نفسه. وإما أن يكون في الشرط، كما إذا وقعت ميتة في الماء في أيام الشتاء بحيث لو كانت الملاقاة معه في الصيف تغير بها الماء، فان الحرارة توجب انفتاح خلل الميتة وفرجها، فيخرج عنهما النتن وبه يفسد الماء، كما ان البرودة توجب الانقباض وتسد الخلل فيمنع عن انتشار نتنها، فالحرارة شرط في تغير الماء بالنتن وهو مفقود، فالقصور في الشرط. واما أن يكون التقدير في المانع، كما إذا صب مقدار من الصبغ الاحمر في الماء، ثم وقع فيه الدم، فان الدم يقتضي تغير لون الماء لولا ذلك المانع وهو انصباغ الماء بالحمرة قبل ذلك، أو جعلت الميتة قريبة من الماء حتى نتن بالسراية وبعدما صار جائفا وقعت عليه ميتة، فانها تغير الماء بالنتن لولا اكتسابه النتن بالسراية قبل ذلك، فعدم التغير مستند إلى وجود المانع في هذه الصورة. هذه هي صور التقدير ولا يتعقل له صورة غيرها. أما (الصورتان: الاولى والثانية): فلا ينبغي الاشكال في عدم كفاية التقدير فيهما، لان الانفعال قد علق على حصول التغير في الماء، والمفروض انه غير حاصل، لا واقعا، ولا ضاهرا، إما لقصور المقتضي، وإما لفقدان شرطه. ومثله لا يوجب الانفعال وان نسب إلى العلامة قده القول بكفاية ذلك، حيث جعل التغير طريقا إلى كم خاص من النجس.

[ 91 ]

وأما (الصورة الثالثة): فالتحقيق أن التقدير بهذا المعنى كاف في الحكم بالانفعال، إذ الفرض ان التغير حاصل واقعا لتمامية المقتضى والشرط غاية الامر أن الحمرة أو النتن يمنع عن ادراكه وإلا فالاجزاء الدموية موجودة في الماء وان لم يشاهدها الناظر لحمرته، وهو نظير ما إذا جعل أحد على عينيه نظارة حمراء، أو جعل الماء في آنية حمراء، فانه لا يرى تغير الماء إلى الحمرة بالدم حيث انه يرى الماء أحمر لاجل النظارة أو الآنية. و الاحمر لا ينقلب إلى الحمرة بالقاء الدم عليه، مع انه متغير واقعا. وأظهر من جميع ذلك ما إذا فرضنا حوضين متساويين كلاهما كر، وقد صبغنا أحدهما بصبغ أحمر، وفرضنا أيضا مقدارا معينا من الدم فنصفناه، وألقينا كل نصف منه على كل واحد من الحوضين، وتغير بذلك الحوض غير المنصبغ بالصبغ. أفسلنا نحكم حينئذ بتغير المنصبغ أيضا بالدم؟ لان الماءين متساويان، وما القي على أحدهما إنما هو بمقدار الملقى على الآخر وان لم نشاهد تغير الثاني لا حمراره بالصبغ (* 1) وكيف كان فالصحيح في الصورة الثالثة كفاية التقدير كما بنى عليه سيدنا الاستاذ مد ظله في تعليقته المباركة على الكتاب فان الصورتين اللتين اشاره اليهما دام ظله من قبيل


(* 1) فان الماء كما ادعوه لا لون له غير لون الماء، كما ان الشعر لا لون له غير البياض وانما يرى الماء أو الشعر أحمر أو أصفر أو بغيرهما من الالوان لاجل ما يدخلهما من الاجزاء المتلونة، فهما كالزجاجة التي تتلون بما في جوفها من المواد. فهي حمراء إذا كان في جوفها شي ء أحمر أو سوداء إذا كان في جوفها شئ أسود. وهكذا مع ان لون الزجاجة هو البياض، فالشعر انما يرى أسود لما جعل فيه من مادة سوداء، ولذا يرى بلونه الطبيعي في الشيبة لانتهاء مادة السوداء في الشيبوبة، وكذا الحال في الماء.

[ 92 ]

[ فالتقديري لا يضر، فلو كان لون الماء أحمر، أو أصفر، فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيره لو لم يكن كذلك لم ينجس. وكذا إذا صب فيه بول كثير لا لون له، بحيث لو كان له لون غيره. وكذا لو كان جائفا فوقع فيه ميتة كانت تغيره له لم يكن جائفا، وهكذا ففي هذه الصور ] الصورة الثالثة فراجع. ثم انا كما نلتزم بالنجاسة في التغير التقديري إذا كان موجودا واقعا وقد منع مانع عن ادراكه باحدى الحواس الظاهرية كذلك نلتزم بالطهارة في عدم التغير التقديري، مع وجود التغير ظاهرا. وتوضيح ذلك: انا أسمعناك سابقا ان التغير إنما يوجب النجاسة، فيما إذا استند آلى ملاقاة نفس النجس على نحو الاستقلال، واما إذا استند إليه والى شئ آخر فهو غير مؤثر في الانفعال، ونعبر عنه بعدم التغير التقديري وان كان متغيرا ظاهرا، كما إذا تغير الماء بمجموع الدم والصبغ الاحمر بوقوعهما عليه معا، أو وقع أحدهما فيه أولا وأثر بما لا يدرك بالحواس، ثم وقع فيه الآخر واستند تغيره إلى مجموعهما من دون ان يستند إلى كل واحد منهما في نفسه، فصورة عدم التغير تقديرا، وصورة التغير متعاكستان. وان كان الحكم في كلتا الصورتين هو الطهارة. اللهم إلا أن يستند عدم ادراك التغير في صورة التغير التقديري إلى وجود مانع عن الادراك كما قدمنا، أو يستند عدم التغير التقديري في هذه الصورة (صورة عدم التغير التقديري) إلى قصور الشرط، فانه لا محيص حينئذ من الالتزام بالنجاسة. وهذا كما إذا لاقى الماء ميتة في أيام الصيف وتغير بها، إلا ان ملاقاتهما لو كانت في الشتاء لما كانت مؤثرة في تغيره. إذ لا يمكن أن يقال بعدم التغير التقديري في مثله، بدعوى ان التغير غير مستند إلى الميتة وحدها، بل إليها وإلى حرارة الهواء، ويشترط في الانفعال استناد التغير

[ 93 ]

[ ما لم يخرج عن صدق الاطلاق محكوم بالطهارة على الاقوى. (مسالة 10) لو تغير الماء بما عدا الاوصاف المذكورة (1) من اوصاف النجاسة، مثل الحرارة والبرودة، والرقة، والغلظة، والخفة، والثقل، لم ينجس ما لم يصر مضافا. ] إلى ملاقاة النجس باستقلاله. وذلك لان العرف لا يرى حرارة الهواء مقتضية للتغير، وإنما المقتضي له عندهم هو الميتة، فالتغير مستند إليها مستقلا نعم الحرارة شرط في تسرع النتن إلى الماء، وإنما نلتزم بعدم التغير التقديري فيما إذا استند عدمه إلى قصور المقتضي كما قدمناه بأمثلته. ولا يخفى ان ما ذكرناه في هذه الصورة المعبر عنها بعدم التغير التقديري مع تغير الماء ظاهرا مما لم نقف على تعرض له في كلمات الاصحاب (قدهم) فافهم ذلك واغتنمه. التغير بما عدا الاوصاف الثلاثة (1) كما إذا وقع مقدار بول صاف في كر من الماء وأحدث فيه البرودة لبرودة البول جدا أو الحرارة إذا كان حارا شديدا. والصحيح أنه لا يقتضي الانفعال لان التغير الموجب للانفعال منحصر في الاوصاف الثلاثة (الرائحة والطعم واللون) على خلاف في الاخير، ولم يذكر في روايات الباب سائر الاوصاف. فالروايات تقتضي عدم انفعال الماء بسائر الاوصاف، ولا سيما صحيحة ابن بزيع لدلالتها على حصر سبب النجاسة في أمرين: التغير بالرائحة، والتغير بالطعم، وقد ألحقنا اللون بهما لدلالة سائر الاخبار، ولا دليل على رفع اليد عن اطلاق الصحيحة المذكورة (ماء البئر واسع لا يفسده شي)

[ 94 ]

[ (مسألة 11) لا يعتبر في تنجسه أن يكون التغير بوصف النجس بعينه (1)، فلو حدث فيه لون أو طعم، أو ريح غير ما بالنجس كما لو اصفر الماء مثلا بوقوع الدم تنجس. وكذا لو حدث فيه بوقوع البول، أو العذرة رائحة اخرى غير رائحتهما، فالمناط تغير أحد الاوصاف المذكورة بسبب النجاسة وان كان من غير سنخ وصف النجس. ] في غير الاوصاف الثلاثة كالبرودة، والحرارة، والخفة، والثقل، ونحوها بل اطلاق هذه الصحيحة يقيد اطلاق قوله (ع) في بعض الاخبار (ان يتغير) أو ما هو بمضمونه (* 1). ومن ذلك يظهر أن ما نسب إلى صاحب المدارك (قده): من استدلاله باطلاقات التغير في الحكم بنجاسة الماء المتغير بما عدى الاوصاف الثلاثة مع ذهابه إلى عدم دلاته الاخبار على انفعال الماء بالتغير في اللون مما لا يمكن المساعدة عليه، لما عرفت من أن اطلاقات التغير مقيدة باطلاقات الاخبار الدالة على عدم انفعال الماء بغير التغير باحد الاوصاف الثلاثه كما مر هذا. ثم لو أغمضنا عن ذلك، وتمسكنا باطلاقات الاخبار، فاخراج التغير باللون مما لا موجب له، فان الا طلاق كما يشمل سائر الاوصاف كذلك يشمل اللون وهذا ظاهر. التغير بالنجس في غير اوصافه (1) لان التغير قسمان: تغير يحصل بانتشار النجس في الماء بريحه،


(* 1) كما في رواية أبي بصير، وصحيحة اخرى لابن بزيع المرويتين في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 95 ]

أو طعمه، أو لونه ويسمى ذلك بالتغير بالانتشار، وبالتركب المزجى، وهو يوجب اتصاف الماء باوصاف النجس بلا نقص، أو بمرتبة نازلة من أوصافه، لا نتشارها وتوسعها في الماء، فوقوع الدم في الماء يوجب تلونه إما بالحمرة التي هي لون الدم بعينه. وإما بالصفرة التي هي مرتبة نازلة من الحمرة، لاجل كثرة الماء: وتغير يحصل بالتأثير، بأن تحدث عند ملاقاة النجس للماء صفة لم لم تكن ثابتة في الماء، ولا فيما لاقاه قبل ملاقاتهما، وانما يحصل بتأثير أحدهما في الآخر، كما في ملاقاة النورة للماء، فان كلا منهما فاقد للحرارة في نفسه، ولكن إذا لاقى أحدهما الآخر تحدث منهما الحرارة، ويسمى ذلك بالتغير بالتأثير من دون انتشار النجس في الماء، والكلام في أن التغير بالتأثير هل هو كالتغير بالانتشار؟ تبتنى هذه المسألة على دعوى انصراف الاخبار إلى التغير بالانتشار كما ذكره صاحب الجواهر (قده) وادعى عدم شمول الاخبار للتغير بالتأثير. ويدفعها: انه لا منشأ لهذا الانصراف لاطلاق الاخبار، ولا سيما صحيحة ابن يزيع، لان قوله (ع) فيها (إلا ان يتغير) يعم التغير بالانتشار والتغير بالتأثير. وأما ما في ذيلها من قوله (ع) حتى يذهب. فهو انما يقتضي أن يكون الاعتبار بالتغير بأوصاف نفس النجس كما قدمناه. ولا دلالة له على اعتبار خصوص التغير بالانتشار حيث أن قوله (ع) حتى يذهب. بلحاظ ان الغالب في الآبار هو التغير بالانتشار لوقوع الميتة فيها أو غيرها من النجاسات ويعبر عما تغير بالميتة بما فيه النتن، والرائحة. وأما غير الآبار فالتغير فيه لا يختص بالانتشار. وحيث لا دليل على التقييد، فمقتضى اطلاقات الاخبار ان التغير بالتأثير كالتغير بالانتشار، بل مقتضى رواية العلا بن الفضيل: لا بأس إذا غلب

[ 96 ]

[ (مسألة 12) لا فرق بين زوال الوصف الاصلي للماء أو العارضي (1) فلو كان الماء أحمر أو أسود لعارض فوقع فيه البول حتى صار ابيض تنجس. وكذا إذا زال طعمه العرضي أو ريحه العرضي. ] لون الماء لون البول (* 1). ان المناط في عدم انفعال الماء غلبته على النجس، كما ان الميزان في الانفعال عدم غلبة الماء على النجس، سواء أكانا متساويين أم كان النجس غالبا على الماء، بلا فرق في ذلك بين حدوث التغير بالانتشار، وحدوثه بالتأثير والرواية وان كانت ضعيفة السند بمحمد ابن سنان وغير صالحة للاعتماد عليها إلا انها مؤيدة للمطلقات. نعم التغير بالتأثير في النجاسات من حيث الطعم، والرائحة لعله مما لم يشاهد إلى الآن، فالغالب منه هو التغير باللون، وهو أمر كثير التحقق والوقوع. وعلى الجملة لا بد لمدعى الانصراف ان يقيم الدليل على مدعاه، ولا دليل عليه بل الدليل على خلافه موجود، كما في الاطلاقات المؤيدة برواية العلا المتقدمة. كفاية زوال الوصف العارضى (1) هذه المسألة تبتني على دعوى انصراف الادلة إلى صورة حدوث التغير في أوصاف الماء بما هو ماء. وهذه الدعوى فاسدة لا يعتنى بها لمكان اطلاقات الاخبار، حيث انها تقتضي نجاسة الماء المتغير في شئ من أوصافه الثلاثة بملاقاة النجس، بلا فرق في ذلك بين كون الاوصاف المذكورة أصلية، وكونها عرضية، ففي صحيحة ابن بزيع: ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه، أو


(* 1) المروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 97 ]

[ (مسألة 13) لو تغير طرف من الحوض مثلا تنجس، فان كان الباقي أقل من الكر تنجس الجميع وإن كان بقدر الكر، بقي على الطهارة ] طعه. وهي تقتضي نجاسة البئر بتغير شئ من ريحه، أو طعمه واطلاقها يشمل جميع الآبار. مع ماهي عليه من الاختلاف باختلاف الاماكن بالبداهة قرب بئر يشرب من مائها، وهو حلو صاف بل يتعيش به في بعض البلاد، وبئر لا يستفاد من مائها في الشرب، لانه مالح، أو أميل إلى المرارة، لمروره على أرض مالحة، أو ذات زاج، وكبريت، وماء بعضها مر كما في بعض البلاد ومن البين ان هذه الاوصاف خارجة عن ذات المياه، وعارضة عليها باعتبار أراضي الآبار، إلا أن مقتضى اطلاق الصحيحة: ان تغير شئ من الاوصاف المذكورة يوجب انفعال البئر إذ يصدق أن يقال: انها بئر تغير ريحها أو طعمها فتنجس. ثم لا يخفى ان هذه المسألة، والمسألة المتقدمة غير مرتبطتين، ولا تبتنيان على مبنى واحد كما عرفت، وان كلا منهما تبتني على دعوى غير ما تبتني عليه الاخرى كما ان الكلام في المسألة السابقة كان راجعا الى ما هو المنجس للماء، وانه هو الذي ينتشر في الماء أو أعم منه ومن المؤثر من غير انتثار؟ والبحث في هذه المسألة بحث عن الماء، وانه إذا زال عنه وصفه العرضي هل يحكم عليه بالنجاسة كما هو الحال فيما إذا زال عنه وصفه الذاتي؟ فالمسألتان من واديين فلا تغفل.

[ 98 ]

[ وإذا زال تغير ذلك البعض (1)، طهر الجميع ولو لم يحصل الامتزاج على الاقوى. ] تغير بعض الماء (1) فهل يحكم بطهارة لاجل اتصاله بالكر وهو عاصم ولا يشترط فيه الامتزاج أولا يحكم بطهارته حتى يمتزج مع الكر المتصل به؟ لعدم كفاية مجرد الاتصال في طهارة ما زال عنه تغيره. ربما يستدل على طهارته من دون مزج: بأن الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين متضادين بالاجماع فاما أن يقال بنجاسة الجميع، أو يقال بطهارته لا سبيل إلى الاول لمكان الادلة الدالة على اعتصام الكر غير المتغير بشئ لان الباقي على الفرض كر لم يتغر في أحد أوصافه، فيتعين الثاني أعني القول بطهارة الجميع وهو المطلوب. وفيه ان هذه الدعوى (الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين) لم تثبت بلديل، وعهدتها على مدعيها، ولا يقين لنا بصدورها من المعصوم (ع) فأي مانع من الالتزام بنجاسة الجانب المتغير من الماء وطهارة الباقي؟ فالقول بطهارة الجميع كالقول بنجاسة الجميع يحتاج إلى اقامة الدليل عليه. ويمكن أن يستدل على طهارة الجميع بالاخبار الواردة في ماء الحمام لدلالتها على طهارة ماء الاحواض الصغيرة بمجرد اتصاله بمادته، واطلاقاتها تشمل الدفع، والرفع، والحدوث، والبقاء، و لتوضيح ذلك نقول: الروايات الواردة في ماء الحمام على طائفتين. (إحداهما): ما دل على أن سبيله سبيل الجاري (* 1) وهذه الطائفة خارجة عن محل الكلام.


(* 1) وفي صحيحة داود بن سرحان: قال قلت لابي عبد الله (ع) -

[ 99 ]

و (ثانيتهما): ما دل عى اعتصام ماء الحمام لا تصاله بالمادة، وهي موثقة حنان قال: سمعت رجلا يقول لابي عبد الله (ع): إني أدخل الحمام في السحر، وفيه الجنب وغير ذلك، فاقوم فاغتسل، فينتضح علي بعدما افرغ من مائهم، قال: اليس هو جار، قلت: بلى، قال: لا بأس (* 1). حيث نفت البأس في صورة جريانه واتصاله بمادته فان جريانه انما هو باعتبار اتصاله بالمادة بانبوب ونحوه. وهي لاجل ترك الاستفصال مطلقة فتعم الدفع، والرفع بمعنى انه إذا اتصل بالمادة يطهر سواء أكان الماء متنجسا قبله أم لم يكن وسواء وردت عليه النجاسة بعد اتصاله أم لم ترد، فهو محكوم بالطهارة على كل حال. وهي كما ترى تقتضي عدم اعتبار الامتزاج فان المادة بمجرد اتصالها بماء الحياض لا تمتزج به بل يتوفق على مرور زمان لا محالة وبالجملة انها تدل على كفاية الاتصال. وبتلك الطائفة الثانية نتعدى إلى أمثال المقام، ونحكم بطهارة الماء باجمعه عند زوال التغير عن الجانب المتغير: (اما) للقطع بعدم الفرق بين ماء الحمام وغيره في أن مجرد الاتصال بالعاصم يكفي في طهارة الجميع إذ لا خصوصية لكون المادة أعلى سطحا من الحياض. و (إما) من جهة تنصيص الاخبار بعلة الحكم بقولها لان لها


- ما تقول في ماء الحمام قال: هو بمنزلة الماء الجاري وورد في رواية ابن أبي يعفور (ان ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا) المرويتان في الباب 7 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 1) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 100 ]

مادة والعلة متحققة في المقام أيضا، إذ المفروض ان للجانب المتغير جانب آخر كر، وهو بمنزلة المادة له. و (إما) من جهة دلالة الاخبار المذكورة على ان عدم انفعال ما الحياض مستند إلى اتصالها بالمادة المعتصمة فهي لا تنفعل بطريق أولى، وبما ان الجانب الآخر كر معتصم في مفروض الكلام، فالاتصال به أيضا يوجب الطهارة لا محالة. وهذا الاستدلال هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه دون الاجماع المدعى، للعلم بمدرك المجمعين، ولا الروايات النبويات لعدم ورودها من طرقنا بل ولم توجد من طرقهم أيضا. ومن جملة ما يمكن أن يستدل به في المقام: صحيحة محمد بن اسماعيل ابن بزيع ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغر ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه، لان له مادة (* 1). والمراد بان ماء البئر واسع. انه ليس بمضيق كالقليل حتى ينفعل بالملاقاة فيكون مرادفا لعدم فساده في قوله (ع) لا يفسده شئ. وكيف كان فقد دلت على طهارة ماء البئر إذا زال عنه تغيره، لاجل اتصاله بالمادة، وبتعليها يتعدى عن البئر إلى غيرها من الموارد. وعن شيخنا البهائي (قده) ان الرواية مجملة، إذ لم يظهر ان قوله (ع) لان له مادة. علة لاي شئ فان المتقدم عليه أمور ثلاثة: ماء البئر واسع لا يفسده شئ، فينزح حتى يذهب، ومجموع الجملتين، فان ارجعنا العلة إلى صدرها فمعناه: ان ماء البئر واسع لا يفسده شئ لان له مادة، فتدل على أن ماله مادة لا ينفعل بشئ، وأما انه إذا تنجس ترتفع نجاسته بأي شئ فلا تعرض له في الرواية، فتختص بالدفع ولا تشمل الرفع.


(* 1) المروية في الباب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 101 ]

وإذا أرجعناها إلى ذيلها فيكون حاصل معناه: ان البئر ليست كالحياض بحيث إذا نزح منها شئ بقي غير المنزوج منها على ما كان عليه من الاوصاف بل البئر لا تصالها بالمادة إذا نزح منها مقدار تقل رائحة مائها ويتبدل طعمه لا متزاجه بالماء النابع من المادة. فالعلة تعليل لزوال الرائحة والطعم بالنزح وعليه فهي أجنبية عن الحكم الشرعي، وانما وردت لبيان أمر عادي يعرفه كل من ابتلى بالبئر غالبا، وهو تقليل رائحة المتغير وطعمه في الآبار بالنزح ويحتمل أن يرجع التعليل إلى طهارة ماء البئر، ومطهر يتها بعد زوال تغيرها بالنزح، إذ لولا ذلك لما كان للامر بنزح البئر وجه، فان زوال تغيرها ان لم يكن مجديا في رفع نجاستها فلا غرض لنا في نزح مائها وأي مانع من بقائها على تغيرها، وحيث أمروا (ع) بنزحها فمنه نستكشف ان الغرض اذهاب رائحة مائها وطعمه حتى يطهر لاجل اتصاله بالمادة، وعلى هذا تعم الرواية لكل من الدفع، والرفع، وتكون مبينة لعلة ارتفاع النجاسة عنها بعد انفعالها وهي اتصالها بالمادة المعتصمة التي لا تنفعل بملاقاة النجس. ويحتمل أن تكون العلة راجعة إلى أمر رابع، وهو مجموع الصدر والذيل بالمعنى المتقدم ومعناه: ان ماء البئر واسع لا يفسده شئ. وترتفع نجاسته بالنزح، وكلاهما من أجل اتصاله بالمادة. وهذه جملة الاحتمالات التي نحتملها في الرواية بدوا، وبها تتصف بالاجمال لا محالة. والصحيح منها ما ذكرناه من أن الرواية تدل على كفاية مجرد الاتصال بالمادة في طهارة الماء بعد زوال تغيره (بيان ذلك): ان ارجاع التعليل إلى صدر الرواية خلاف الظاهر وان كان لا بأس به على تقدير اتصاله بالصدر لما ذكرناه في تعقب الاستثناء جملا متعددة، من أن رجوعه إلى خصوص الجملة الاولى خلاف الظاهر حيث لا خصوصية للاستثناء في

[ 102 ]

[ مسألة 14) إذا وقع النجس في الماء فلم يتغير، ثم تغير بعد مدة، ] ذلك وحال سائر القيود المتعقبة للجمل هو حال الاستثناء بعينه، فإذا ورد صم، وسافر، يوم الخميس، فرجوع يوم الخميس إلى الجملة المتقدمة خاصة خلاف الظاهر على ما فصلناه في محله. كما ان رجوع التعليل إلى ذيل الصحيحة بالمعنى المتقدم، حتى يكون تعليلا لامر عادي يعرفه كل أحد مستبعد عن منصب الامام (ع) جدا. فان ماهذا شأنه غير جديد بالتعليل، حيث أن وظيفة الامام (ع) انما هي بيان الاحكام، وأما بيان علاج المتغير. وازالة خاصيتها، فهو غير مناسب لمقام الامامة، ولا تناسبه وظيفته. فيدور الامر بين احتمال رجوعها إلى الذيل بالمعنى الثاني الشامل لكل من الدفع. والرفع، واحتمال رجوعها إلى مجموع الصدر، والذيل، وعلى كل تدل الرواية على كفاية الاتصال بالمادة في طهارة المتغير بعد زوال تغيره وذلك لان الامام (ع) بصدد بيان طهارة ماء البئر بعد زوال تغيره لاجل اتصاله بالمادة، فان ماء البئر إذا نزح منه شئ وان امتزج بما نبع من المادة لا محالة إلا انه (ع) لم يعلل طهارته بامتزاجهما، بل عللها بان له مادة بمعنى انها متصلة بها ونستفيد من ذلك أن مجرد الاتصال بالعاصم يكفي في طهارة أي ماء من دون أن يعتبر فيها الامتزاج وان كان هو يحصل بنفسه في البئر لا محالة. والنزح حتى يذهب. مقدمة لزوال تغيره واتصاله بالمادة ومن هنا لو زال عنه تغيره بنفسه، أو بعلاج آخر غير النزح نلتزم بطهارته أيضا لاتصاله بالمادة، وهو ماء لا تغير فيه وعليه فيتعدى من البئر إلى كل ماء متغير زال عنه التغير، وهو متصل بالمادة.

[ 103 ]

[ فان علم استناده إلى ذلك النجس تنجس، وإلا فلا (1) ] التغير بعد الملاقاة بزمان (1) ما أفاده (قده) هو الصحيح، لان الكر لا ينفعل بملاقاة النجس إلا إذا تغير به في أحد أوصافه بالمباشرة، فإذا لا قى نجسا وتغير به فلا اشكال في نجاسته، وإذا لاقاه ولم يحدث فيه تغير بسبب النجس أصلا فلا كلام في طهارته كما لا اشكال في نجاسته فيما إذا وقع فيه نجس ولم يتغير به حين وقوعه وانما تغير لاجله، ولو كان بعد اخراجه من الماء كما قد يتفق ذلك في بعض الادوية فإذا اتفق نظيره في النجاسات، فلا محالة نحكم بانفعال الماء، لا طلاق الاخبار وعدم تفصيلها بين الملاقاة المؤثرة بالفعل، والملاقاة المؤثرة بعد مدة، هذا كله فيما إذا علمنا استناد التغير المتأخر إلى النجس. وأما إذا لم نذر أن التغير المحسوس مستند إلى وقوع النجس، أو أنه من جهة وقوع جيفة طاهرة في الماء مثلا، فالحكم فيه هو الطهارة لاجل الاستصحاب الموضوعي أعني استصحاب عدم تغيره المستند إلى النجس، ومعه لا تصل النوبة إلى الاستصحاب الحكمي. والموضوع في الاصل الموضوعي ليس هو التغير ليقال ان عدم استناد التغير إلى ملاقاة النجس ليس له حالة سابقة إذ الماء بعد تغيره لم يمر عليه زمان لم يستند تغيره فيه إلى ملاقاة النجس حتى يستصحب بقائه على ما كان عليه. وذلك لان الموضوع للاحكام انما هو نفس الماء لانه الذي إذا تغير بالنجاسة ينجس فالاستصحاب يجري في الماء على نحو الاستصحاب النعتي. فيقال ان الماء قد كان ولم يكن متغيرا بالنجس والآن كما كان.

[ 104 ]

[ (مسألة 15) إذا وقعت الميتة (1) خارج الماء، ووقع جزء منها في الماء وتغير بسبب المجموع من الداخل، والخارج تنجس بخلاف ما إذا كان تمامها خارج الماء. ] هذا على انا أثبتنا في محله جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية قلنا أن نستصحب عدم استناد التغير إلى ملاقاة النجس على نحو استصحاب العدم الازلي بناء على ان الموضوع في الاستصحاب هو التغير دون الماء. فان التغير وان كان وجدانيا لا محالة، إلا ان استناده إلى ملاقاة النجاسة مشكوك فيه، والاصل انه لم يستند إلى ملاقاة الماء للنجس. ولا يعارضه استصحاب عدم استناد التغير إلى غير ملاقاة النجس إذ لا اثر له شرعا، والموضوع للاثر هو التغير المستند إلى ملاقاة النجس فانه موضوع للحكم بالنجاسة. كما ان عدم التغير بملاقاة النجس موضوع للحكم بالطهارة، وأما التغير بسبب آخر غير ملاقاة النجس فلا أثر يترتب عليه شرعا. وعلى الجملة الماء محكوم بالطهارة بمقتضى الاستصحاب النعتي، أو المحمولي، وانما تنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة فيما إذا قلنا بعدم جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية. وبنينا على عنوان التغير هو الموضوع في الاستصحاب، فانه لا سبيل إلى الاستصحاب حينئذ. ولابد من التمسك بذيل قاعدة الطهارة. التغير بالداخل والخارج (1) قد قدمنا في بعض الابحاث المتقدمة ان التغير إذا علم استنادة إلى الجزء الخارج خاصة، فلا ينبغي الاشكال في عدم تنجس الماء به،

[ 105 ]

[ مسألة 16) إذا شك في التغير (1) وعدمه أو في كونه للمجاورة أو بالملاقاة أو كونه بالنجاسة أو بطاهر لم يحكم بالنجاسة. ] لما تقدم من أن التغير لابد من أن يستند إلى ملاقاة النجاسة بالمباشرة لا بالمجاورة، كما لا كلام في تنجس الماء به إذا علمنا استناده إلى الجزء الداخل فقط. وأما إذا استند إلى مجموع الداخل والخارج، فالظاهر انه لا يوجب الانفعال، لعدم استناد التغير إلى ملاقاة النجاسة بالمباشرة، فان للجزء الخارج المجاور أيضا دخالة في التأثير، وقد أشرنا إليه سابقا، وقلنا ان القول بالنجاسة في هذه الصورة يلزمه القول بالنجاسة فيما إذا استند التأثير إلى خصوص الجزء الخارج أيضا، إذ يصح أن يقال ان الماء لاقى الميتة وتغير وهو مما لا يمكن الالتزام به. الشك في التغير (1) كما إذا شككنا في أصل حدوث الحمرة، أو علمنا به قطعا، ولم ندر انه بالمجاورة أو بالملاقاة، أو علمنا انه بالملاقاة وشككنا في انه مستند إلى غسل الدم الطاهر فيه أو إلى غسل الدم النجس. ففي جميع هذه الصور يحكم بطهارة الماء لعين ما قدمناه فيما إذا وقع النجس في الماء واوجب تغيره بعد مدة، وشككنا في انه مستند إلى ملاقاة النجاسة أو إلى شئ آخر، وحاصله: ان الا ستصحاب يقتضي البناء على عدم حصول التغير في الماء إذا شك في أصل حدوثه، وكذلك إذا شك في حصول التغير بملاقاة النجس، وهو أصل موضوعي لا مجال معه للاستصحاب الحكمي. هذا بناء على أن الموضوع في الاستصحاب هو الماء.

[ 106 ]

[ (مسألة 17) إذا وقع في الماء دم، وشئ طاهر أحمر، فاحمر بالمجموع لم يحكم بنجاسته (1). ] وأما بناء على أن الموضوع هو التغير، وعلم بوجود أصل التغير، فمقتضى الاستصحاب الجاري في العدم الازلي عدم حصول انتساب التغير إلى ملاقاة النجاسة، ومقتضاه عدم نجاسة الماء وعلى تقدير المنع من جريان الاصل في الاعدام الازلية تنتهي النوبة إلى قاعدة الطهارة في الماء. هذه خلاصة ما قدمناه سابقا وعليك بتطبيقه على محل الكلام. استناد التغير إلى الطاهر والنجس (1) ما أفاده في المتن هو الصحيح والوجه فيه: ان الطاهر والنجس الواقعين في الماء تارة: يكون كل واحد منهما قابلا لان يؤثر بمجرده في الماء، ويحدث فيه التغير في شئ من أوصافه الثلاثة ولو ببعض مراتبها النازلة كاحداث الصفرة فيه. وأخرى: لا يكون كل واحد منهما قابلا لا حداث التغير في الماء بل يستند تغيره إلى مجموعهما. (أما الاول): فكما إذا صببنا مقدارا من الدم الطاهر ومقدارا من الدم النجس على ماء، واحمر الماء بذلك، وكان كل واحد من الدمين قابلا لان يؤثر في لون الماء بوحدته ولو ببعض مراتبه، إلا انهما اجتمعا في مورد من باب الاتفاق وأثرا في احمرار الماء معا، فاستندت الحمرة إلى كليهما، ولا اشكال في نجاسة الماء في هذه الصورة قطعا، لان المفروض ان كل واحد منهما قد أثر في تغير الماء بالدم فالحمرة مستندة إلى كل واحد منهما عرفا. كما ان النور قد يستند إلى كلا السراجين عرفا، إذا أسرجناهما في مكان واحد فالتغير الحسي مستند إلى كل من الطاهر والنجس فيتنجس

[ 107 ]

[ (مسألة 18) الماء المتغير إذا زال تغيره بنفسه (1) من غير اتصاله بالكر أو الجاري لم يطهر. نعم الجاري أو النابع إذا زال تغيره بنفسه طهر لاتصاله بالمادة وكذا البعض من الحوض إذا كان الباقي بمقدار الكر كما مر. ] به الماء. والظاهر ان هذه الصورة خارجة عن محط نظر الماتن (قده). و (أما الثاني): فكما إذا القي على الماء شيئان أحدهما طاهر، والآخر نجس واستند تغير الماء إلى مجموعهما من دون أن يكون كل منهما موثرا فيه بالاستقلال، ولو ببعض المراتب النازلة ففي هذه الصورة لا يحكم بنجاسة الماء لعدم استناد التغير إلى خصوص ملاقاة النجس بل إليها والى غيرها، وهو لا يكفي في الحكم بالانفعال، ولعل هذه الصورة هي مراد السيد (ره) أو أن نظره إلى الصورة المتقدمة، إلا انه حكم فيها بعدم النجاسة من أجل التدقيق الفلسفي لاستحالة استناد البسيط إلى شيئين، وهذا يجعل تأثير كل واحد من الطاهر والنجس تقديريا لا ستحالة تأثيرهما فعلا. والله العالم بحقائق الامور. زوال تغير الماء بنفسه (1) اي من غير القاء كر عليه، أو من غير اتصاله بالجاري، ونحوهما. والكلام فيه في مقامين: (أحدهما): فيما إذا كان الماء قليلا، و (ثانيهما): فيما إذا كان معتصما. (أما المقام الاول): فالكلام في تارة من حيث الادلة الاجتهادية وأخرى من حيث الاصول العملية. أما من حيث الدليل الاجتهادي، فقد ادعي الاجماع على أن الماء المتغير القليل إذا زال عنه تغيره بنفسه يبقى

[ 108 ]

على نجاسته. وهذا الاجماع المدعى ان تم فهو. وعلى تقديران لا يتم الاجماع التعبدي، فيتمسك في الحكم بالنجاسة بالاطلاقات على ما ستعرف، ومع الغض عنها فتنتهي النوبة إلى الاصول العملية ويأتي تفصيلها في البحث عن المتغير الكثير ان شاء الله. و (أما المقام الثاني): فالكلام فيه أيضا تارة من ناحية الاصل العملي، واخرى من جهة الدليل الاجتهادي. أما من ناحية الاصول العملية، فقد استدل على نجاسة الماء المذكور بعد زوال تغيره بالاستصحاب للعلم بنجاسته حال تغيره، فإذا شككنا في بقائها وارتفاعها بزوال تغيره بنفسه فمقتضى الاستصحاب بقائها. وجريان الاستصحاب في المقام يبتني على القول بجريانه في الاحكام الكلية الالهية وعدم تعارضه باستصحاب عدم الجعل في أزيد من المقدار المتيقن. وأما بناء على ما سلكناه من المنع عن جريان الاستصحاب في الاحكام، فالاستصحاب ساقط لا محالة ونأخذ بالمقدار المتيقن من الحكم بالنجاسة، وهو زمان بقاء التغير بحاله. ونرجع فيما زاد عليه إلى قاعدة الطهارة في كل من الكر والقليل. وأما من جهة الادلة الاجتهادية فقد استدل على طهارة المتغير الكثير بعد زوال تغيره من قبل نفسه بوجوه: (منها): ما ورد من ان الماء إذا بلغ كرا لم يحمل خبثا (* 1).


(* 1) في المستدرك ص 27 عن غوالي اللئالي عن النبي صلى الله عليه وآله ونسبه المحقق (قده) في المعتبر ص 12 إلى السيد والشيخ وقال: انا لم نروه مسندا والذي رواه مرسلا، المرتضى والشيخ أبو جعفر، وآحاد ممن جاء بعده والخبر المرسل لا يعمل به. وكتب الحديث عن الائمة عليهم السلام خالية منه أصلا. وفي سنن البيهقي ص 260 المجلد 1 إذا كان الماء قلتين -

[ 109 ]

فانه بعمومه يشمل الدفع والرفع كليهما فكما انه لا يحمل الخبث ويدفعه كذلك يرفعه إذا كان عليه خبث، وإنما خرجنا عن عمومه في زمان التغير خاصة للادلة الدالة على نجاسة الماء المتغير، فإذا زال عنه تغيره فلابد من الحكم بطهارته لان المرجع في غير زمان التخصيص إلى عموم العام دون الاستصحاب إذ العموم والاطلاق يمنعان عن الاستصحاب بالبداهة، كما بيناه في بحث الاصول وفي بحث الخيارات من كتاب المكاسب. والجواب عن ذلك بوجهين: فتارة بضعف سند الرواية، واخرى بضعف دلالتها لان ظاهر قوله (ع) لم يحمل انه يدفع الخبث، ولا يتحمله إذا القي عليه، لا انه يرفعه بعد تحميل الخبث عليه بوجه. ثم لو تنزلنا فلا أقل من اجمال الرواية لتساوي احتمالي شمولها للرفع وعدمه. كذا قيل ولكنه قابل للمناقشة لان (لم يحمل) بمعنى لا يتصف وهو اعم من الرفع والدفع كما سيظهر وجهه عند التعرض لحكم الماء القليل المتنجس المتمم كرا ان شاء الله. و (منها): ان الحكم بالنجاسة إنما انيط على عنوان المتغير شرعا بحسب الحدوث والبقاء كما في غيرها من الاحكام وموضوعاتها. مثلا حرمة شرب الخمر انيطت على عنوان الخمر حدوثا وبقاء، فكما ان الحرمة تدور مدار وجود موضوعها وترتفع بار تفاعه، فلتكن النجاسة أيضا مرتفعة عند ارتفاع موضوعها وهو التغير. وهذا الاستدلال مجرد دعوى لا برهان لها، لان الدليل إنما دل على ان الماء إذا تغير يحكم عليه بالنجاسة، وأما ان التغير إذا ارتفع ترتفع نجاسته فهو مما لم يقم عليه دليل، ولا يستفاد من شئ من الاخبار،


- لم يحمل الخبث (لم يحمل خبثا) وكذا في سنن أبي داود كما قدمنا في محله فراجع.

[ 110 ]

فهي ساكتة عن حكم صورة ارتفاع التغير عن الماء، بل يمكن أن يقال ان مقتضى اطلاقاتها نجاسة الماء المتغير مطلقا زال عنه تغيره أم لم يزل. و (منها): صحيحة ابن بزيع لقوله (ع) فيها: (حتى يذهب الريح ويطيب طعمه) حيث انه (ع) بين ان العلة في طهارة ماء البئر هي زوال التغير عن طعمه ورائحته فيستفاد منها ان كل متغير يطهر بزوال تغيره. وهذا الاستدلال يبتني على أمرين: (أحدهما): أن تكون حتى تعليلية لاغائية فكأنه (ع) قال بنزح ماء البئر ويطهر بذلك لعلة زوال ريحه وطعمه. و (ثانيهما) أن يتعدى من موردها وهو ماء البئر إلى جميع المياه وان لم يكن لها مادة وهذان الامران فاسدان. (اما الامر الاول): فلان المنع فيه ظاهر، لان ظاهر حتى في الرواية انه غاية للنزح بمعنى انه ينزح إلى مقدار تذهب به رائحته ويطيب طعمه، كما هو ظاهر غيرها من الاخبار. نعم احتمل شيخنا البهائي (قده) كونها تعليلية كما تقدم نقله، وربما يستعمل بهذا المعنى أيضا في بعض المراد فيقال: أسلم حتى تسلم، إلا ان حملها على التعليلية في المقام خلاف الظاهر من جهة سائر الاخبار، وظهور نفس كلمة حتى في ارادة الغاية دون التعليل. و (أما الامر الثاني): فلانا لو سلمنا ان كلمة حتى تعليلية فلا يمكننا التعدي عما له مادة وهو البئر إلى غيره مما لا مادة له، فان التعليل ربما يكون بأمر عام كما ورد (* 1) في الخمر من ان الله لم يحرم الخمر


(* 1) في صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي قال: ان الله عزوجل لم يحرم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبتها. وفي رواية اخرى: حرمها لفعلها وفسادها راجع الباب 19 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 111 ]

لاسمه بل لخاصيته التي هي الاسكار، وفي مثله لا مانع من التعدي إلى كل مورد وجد فيه ذلك الامر، لانه العلة للحكم فيدور مداره لا محالة. واخرى يكون التعليل بأمر خاص، فلا مجال للتعدي في مثله أصلا كما هو الحال في المقام، فانه (ع) علل حكمه هذا بذهاب الريح وطيب طعمه، والمراد بالريح هو ريح ماء البئر خاصة لقوله قبل ذلك: إلا ان يتغير ريحه. فان الضمير فيه كالضمير في قوله: ويطيب طعمه. يرجعان إلى ماء البئر لا إلى مطلق الماء ومع اختصاص التعليل لا وجه للتعدي عن مورده. بل مقتضى اطلاق قوله (ع) لا يفسده شئ إلا ان يتغير. ان تغير ريح الماء أو طعمه يوجب التنجيس مطلقا سواء أزال عنه بعد ذلك أم لم يزل، نظير اطلاق ما دل على نجاسة ملاقي النجس، فانه يقتضي نجاسة الملاقي مطلقا سواء أشرق عليه الشمس مثلا أم لم تشرق وسواء أكانت الملاقاة باقية ام لم تكن، وكذا اطلاق ما دل على عدم جواز التوضؤ بما تغير ريحه أو طعمه (* 1)، فانه باطلاقه يشمل ما إذا زال عنه التغير أيضا، ومن هنا لا نحكم بجواز التوضوء من مثله. وعلى الجملة لا يمكن التعدي من الصحيحة إلى غير موردها، لا ختصاص تعليلها، ولا أقل من احتمال التساوي والاجمال، فلا يبقى حينئذ في البين ما يقتضي طهارة المتغير بعد زوال تغيره بنفسه، حتى يعارض التمسك بالاطلاقين المقتضيين لنجاسته، فالترجيح إذا مع الادلة الدالة على نجاسته.


(* 1) كما في صحيحة حريز، وروايتي ابي بصير، وأبي خالد القماط وغيرها من الاخبار المروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 112 ]

[ فصل الماء الجاري، وهو النابع السائل (1) على وجه الارض، فوقها، أو تحتها، كالقنوات. ] فصل في حكم الماء الجارى (1) قد اعتبر المشهور في موضوع الجاري أمرين: النبع والسيلان على وجه الارض فوقها أم تحتها، كما في بعض القنوات، والنسبة بين العنوانين عموم من وجه، لتصادقهما في الماء الجاري الفعلي الذي له مادة، وافتراقهما في العيون، لانها نابعة ولا سيلان فيها، وفيما يجري من الجبال من ذوبان ما عليها من الثلوج فانه سائل لانبع فيه. وعلى هذا التعريف لا يكفي مجرد النبع من غير السيلان في تحقق موضوع الجاري عندهم كما في العيون، وان كانت معتصمة لاجل مادتها، فلا يترتب عليها الا حكام الخاصة المترتبة على عنوان الجاري، ككفاية غسل الثوب المتنجس بالبول فيه مرة واحدة وكذا السائل من غير نبع لا يكون داخلا في موضوع الجاري كما مر. هذا ما التزم به المشهور. وقد يقال بكفاية النبع، ومجرد الاستعداد والا قتضاء للجريان لولا المانع كارتفاع أطرافه ونحوه، وعدم اعتبار الجريان الفعلى في مفهوم الجاري وعليه فالعيون أيضا داخلة في موضوع الجاري، لانها نابعة، ومستعدة للجريان لولا ارتفاع أطرافها. وعن ثالث كفاية مجرد السيلان الفعلي، وان لم يكن له نبع، ولا مادة أصلا

[ 113 ]

والصحيح ما التزم به المعروف من اعتبار كلا الامرين في موضوع الجاري اما اعتبار الجريان فعلا: فلانه الظاهر المتبادر من اطلاقه دون ما فيه استعداد الجريان وقابليته لولا المانع، فالروايات المشتملة على عنوان الجاري منصرفة إلى ما يكون جاريا بالفعل، فلا تشمل ما هو كذلك شأنا واقتضاء، ولعل من يرى دخول العيون في الجاري ينظر إلى اعتصامها بمادتها، وهو حق، إلا ان الكلام فيما هو موضوع الجارية لترتب عليه عليه أحكامه الخاصة لا في الماء المعتصم. وأما اعتبار النبع فقد ذكروا ان الجاري لا يطلق إلا على ما يكون نابعا عن الارض، ويكون له مادة، وأما مجرد السيلان فهو لا يكفي في إطلاق الجاري عليه، نعم الجاري لغة أعم من أن يكون له مادة ونبع أم لم يكن حتى انه يشمل الجاري من (المزملة والانابيب)، وما يراق من الحب على وجه الارض إلا انه عرفا يختص بما له مادة ونبع، وهو الذي يقابل سائر المياه. وقد ادعى الاجماع في جامع المقاصد وغيره على اعتبار النبع في الجاري وذكر ان الاصحاب لم يخالفوا فيه غير ابن أبي عقيل، حيث اكتفى بمجرد السيلان، والجريان، وان لم يكن له مادة ونبع. والتحقيق في المقام أن يقال: ان أراد ابن أبي عقيل بهذا الكلام، كفاية مطلق الجريان في صدق الجاري، وان لم يكن لجريانه استمرار ودوام، كجريان الماء على وجه الارض باراقة الكوز والابريق ونحوهما، فالانصاف انه مخالف لمفهوم الماء الجاري عرفا. وان أراد ان الماء إذا كان له جريان على وجه الدوام فهو يكفي في صدق عنوان الجاري عليه، وان لم يكن له مادة ونبع، فالظاهر ان ما أفاده هو الحق الصريح ولا مناص من الالتزام به. (والوجه في ذلك): ان توصيف ماء بالجريان مع انه لا ماء في

[ 114 ]

[ لا ينجس بملاقاة النجس (1) ما لم يتغير، سواء كان كرا أو أقل. ] العالم إلا وهو جار فعلا أو كان جاريا سابقا لا معنى له إلا أن يكون الجريان ملا زما له دائما ليصح بذلك توصيفه بالجاري، وجعله قسما مستقلا مع ان الجريان ربما يتحقق في غيره أيضا، وهو كتوصيف زيد بكثرة الاكل، أو السفر، لانه إنما يصح فيما إذا كان زيد كذلك غالبا، أو دائما لا فيما إذا اتصف به في مورد، وكذا الحال في توصيفه بغيرهما من العناوين. وعليه فلا يصح توصيف الماء بالجريان إلا فيما كان الجريان وصفا لازما له، ولا يفرق في هذا بين أن يكون له مادة ونبع، كما في القنوات وأن لا يكون له شئ منهما كما في الانهار المنهدرة عن الجبال، المستندة إلى ذوبان ثلوجها شيئا فشيئا باشراق الشمس وحرارة الهواء، فهو جار مستمر من دون أن يكون له مادة ولا نبع. ومنع صدق الجاري على مثله مخالف للبداهة والوجدان، كما في شطي الدجلة والفرات حيث لا مادة لهما على ما ذكره أهله، وإنما ينشآن من ذوبان ثلوج الجبال، ونظائرهما كثيرة غير نادرة، نعم الجريان ساعة أو يوما لا يصحح صدق عنوان الجاري على الماء. فالنبع والمادة بالمعنى المصطلح عليه غير معتبرين في مفهوم الجاري بوجه، نعم يعتبر فيه النبع بمعنى الدوام والاستمرار هذا كله في موضوع الجاري. بقي الكلام في اعتبار أمر آخر في موضوعه وهو أن الجريان هل يلزم أن يكون بالدفع والفوران أو انه إذا كان على نحو الرشح أيضا يكفي في صدق موضوعه؟ ويأتي الكلام على ذلك بعد بيان أحكام الجاري ان شاء الله. (1) قد ذكروا ان الجاري لا ينفعل بملاقاة النجاسة ما لم يتغير بأحد أو صاف النجس، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الجاري بمقدار كر أو أقل وذهب العلامة في أكثر كتبه والشهيد الثاني (قدهما) إلى انفعاله فيما إذا كان أقل من كر.

[ 115 ]

أما تنجسه فيما إذا تغير بأحد أوصاف النجس، فقد تكلمنا فيه على وجه التفصيل فراجع، وأما عدم انفعاله بملاقاة النجس إذا لم يتغير به وكان يقدر كر، فالوجه فيه ظاهر إذ الكر لا ينفعل بالملاقاة مطلقا، كان جاريا أم كان واقفا، وإنما الكلام في عدم انفعاله بالملاقاة عند كونه قليلا ويقع الكلام فيه في مقامين. (أحدهما): فما دل على ان الجاري لا ينفعل بملاقاة النجس وان كان قليلا. و (ثانيهما): في معارضة ذلك لما دل على انفعال الجاري بالملاقاة فيما إذا كان قليلا. ادلة اعتصام الجارى القليل (اما الكلام في المقام الاول): فقد استدل المحقق الهمداني (قده) على اعتصام الجاري القليل بما ورد في عدة من الاخبار من انه لا بأس ببول الرجل في الجاري لان ظاهرها السؤال عن حكم الماء الذي يبال فيه لا عن حكم البول في الماء وقد دلت على نفي البأس عنه وهذا بظاهره يقتضي عدم انفعال الجاري بالبول مطلقا، وان كان قليلا. ويدفعه: ان هذه الاخبار أجنبية عن الدلالة على المدعى غير رواية واحدة منها وتوضيحه: ان الروايات المذكورة على طائفتين. (إحداهما): وهي الاكثر ناظرة إلى بيان حكم البول في الجاري من حيث حرمته وكراهته، ولا نظر لها إلى بيان حكم الجاري من حيث الانفعال وعدمه، لان السائل فيها إنما سأل عن البول في الجاري، لا عن

[ 116 ]

الماء بعد البول فيه، فمن هذه الطائفة صحيحة الفضيل عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري. (* 1). ورواية ابن مصعب قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يبول في الماء الجاري؟ قال: لا بأس به إذا كان الماء جاريا (* 2) ونظيرهما غيرهما فراجع. فانهما ناظرتان إلى بيان حكم البول في الجاري من حيث الحرمة والكراهة ولا نظر فيهما إلى طهارة الماء ونجاسته بالبول، اللهم إلا أن يقال بدلالتها على طهارة الجاري بالالتزام، لان بنيان انفعال الجاري بوقوع البول فيه إنما هو وظيفة الامام (ع) وبيانه عليه فلو كان الجاري ينفعل بذلك لكان على الامام (ع) أن يبين نجاسته، وحيث انه سكت عن بيانها، فيعلم منه عدم انفعال الجاري بملاقاة النجس. كما يدعى ذلك في الاخبار الدالة على كفاية الغسل في الجاري مرة (* 3) ويقال ان غسل النجس في الجاري لو كان سببا لا نفعاله لبينه (ع) لانه من وظائف الامام، فمن عدم بيانه يظهر ان الجاري لا ينفعل بملاقاة النجس ويدفعه: ان بيان حكم الماء من حيث نجاسته وطهارته، وان كان وظيفة الامام (ع) إلا انه ليس بصدد بيانهما في هذه الاخبار، ولا في روايات كفاية الغسل مرة في الجارى ومع انه (ع) ليس في مقام البيان كيف يسند إليه الحكم بطهارة الجارى! ومما يدلنا على ذلك انه عليه السلام في تلك الاخبار قد أمر بغسل الثياب في المركن مرتين ولم يبين نجاسة الماء الموجود في المركن، مع انه


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 5 من ابواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) وهي صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة. المروية في الباب 2 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 117 ]

ماء قليل، ولا اشكال في انفعاله بالملاقاة، فهل يصح الاستدلال على طهارة الماء الموجود في المركن بعدم بيانه (ع) نجاسة الماء؟ و (ثانيتهما): ما تضمن السؤال عن حكم الماء الجاري الذي يبال فيه ولا بأس بدلالتها على عدم انفعال الجاري بملاقاة النجس مطلقا، ولو كان قليلا وهي موثقة سماعة، قال: سألته عن الماء الجاري يبال فيه؟ قال: لا بأس به (* 1) ودلالتها على طهارة الجارى القليل ظاهرة لا طلاقها ودعوى: ان الجارى القليل في غاية الندرة، وقليل الوجود وهو بحكم المعدوم، والاخبار ناظرة إلى الجاري كثير الدوران والوجود، وهو الجاري الكثير، فلا تشمل الجاري القليل مدفوعة: بأنها إنما تتم في بعض الامكنة ولا تتم في جميعها وقد شاهدنا الجارى القليل في بلادنا وغيرها كثيرا فالروايات تشمل لكل من الجاري الكثير والقليل. هذا ويمكن أن يقال: لا دلالة على اعتصام الجاري في الطائفة الثانية أيضا، لان السؤال في مثلها، كما يمكن أن يكون عن الموضوع، والمسند إليه، كذلك يمكن أن يكون عن المحمول والمسند فكما يصح ارجاع لا بأس به إلى الماء الجاري الذي هو المسند إليه، كذلك يمكن ارجاعه إلى البول المستفاد من جملة يبال فيه الذي هو المسند، وبذلك تصير الرواية مجملة ونظير هذا في الاخبار كثير. (منها): ما في صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يغتسل بغير ازار حيث لا يراه أحد، قال: لا بأس (* 2). فان قوله (ع) لا بأس يرجع إلى الاغتسال لا إلى الرجل الذي هو المسند إليه: و (منها): ما ورد في صلاة النافلة: من ان الرجل يصلي النافلة


(* 1) المروية في الباب 5 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 11 من أبواب آداب الحمام من الوسائل.

[ 118 ]

قاعدا وليست به علة في سفر أو حضر فقال: لا بأس به (* 1) فانه يرجع إلى صلاة النافلة حال الجلوس لا إلى الرجل كما هو ظاهر، وكيف كان فيحتمل أن يكون الضمير في المقام أيضا راجعا إلى البول في الماء الجارى لا إلى الماء الجارى نفسه. بل مغروسية كراهة البول في الماء في الاذهان تؤكد رجوع قوله لا بأس به إلى البول في الماء الجاري. واستدل على اعتصام الجارى القليل ثانيا بمرسلة الراوندي عن علي (ع) الماء الجارى لا ينجسه شئ (* 2). ورواية الفقه الرضوي كل ماء جار لا ينجسه شئ (* 3). وخبر دعائم الاسلام عن علي (ع) في الماء الجاري، يمر بالجيف والعذرة، والدم، يتوضأ منه ويشرب، وليس ينجسه شئ. (* 4) ولا فرق بين الاوليبن إلا في ان دلالة احداهما بالعموم، ودلالة الاخرى بالاطلاق، ولا اشكال في دلالة الروايات المذكورة على المدعى إلا ان مرسلة الراوندي ضعيفة بارسالها ورواية الدعائم أيضا مما لا يصح الاعتماد عليه، وهذا لا لاجل ضعف مصنفه وهو القاضي نعمان المصري فانه فاضل جليل القدر، بل من جهة إرسال رواياته عى ما قدمناه في بحث المكاسب مفصلا (* 5)، واما الفقه الرضوي، فهو لم يثبت حجيته بل لم


(* 1) كما في رواية سهل بن اليسع المروية في الباب 4 من أبواب القيام من الوسائل. (* 2) و (* 4) المرويتان في المجلد الاول من المستدرك ص 36. (* 3) نفس المصدر والصفحة المذكورة. (* 5) مضمون رواية الدعائم وان ورد في كتاب الجعفريات أيضا وكنا نعتمد على ذلك الكتاب في سالف الزمان إلا انا رجعنا عنه أخيرا لان =

[ 119 ]

تثبت انه رواية ليدعي انجبارها بعمل المشهور على ما أشرنا إليه غير مرة. واستدل على اعتصام الماء الجاري ثالثا والمستدل هو المحقق الهمداني بما ورد في تطهير الثوب المتنجس بالبول من الامر بغسله في المركن مرتين وفي الماء لجاري مرة واحدة (* 1)، وقد استدل بها بوجهين: (أحدهما): ان الجاري لو كان ينفعل بملاقاة النجس، لبينه عليه السلام حيث ان بيان نجاسة الاشياء وطهارتها وظيفة الامام، وبما انه في مقام البيان، وقد سكت عن بيانه، فنستفيد منه عدم انفعال الجاري بالملاقاة. و (ثانيهما): ان من شرائط التطهيير بالماء القليل، أن يكون الماء واردا على النجس، ولا يكفي ورد النجس على الماء، لانه ينفعل بملاقاة النجس ومع الانفعال لا يمكن أن يطهر به المتنجس بوجه، وهذا كما إذا وضع أحديده المتنجسة على ماء قليل، فانه ينجس القليل لا محالة فلا يطهر به المتنجس بوجه وهذا ظاهر وقد استفدنا ذلك من الاخبار الآمرة بصب الماء على المتنجس مرة أو مرتين (* 2). وهذه الرواية قد فرضت ورود النجاسة على الجاري لقوله (ع) اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة. فلولا الحاقه (ع) الجارى مطقا إلى الكر الذى لا ينفعل بوقوع النجس عليه لم يكن وجه لحكمه (ع) بطهارة الثوب المتنجس بالبول، فيما إذا غسلناه في الجاري،


= في سند الكتاب موسى بن اسماعيل ولم يتعرضوا لوثاقته في الرجال فلا يمكن الاعتماد عليه. (* 1) وهي صحيحة محمد بن مسلم المروية في الباب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كما في رواية أبي اسحاق النحوي المروية في الباب 1، ورواية الحلبي المروية في الباب 3 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 120 ]

بل اللازم أن يحكم حينئذ بانفعال الجاري القليل لو قوع النجس عليه، فالرواية دلت بالدلالة المطابقية على عدم انفعال الجاري بملاقاة النجس تنزيلا له منزلة الكر في الاعتصام. سواء أوقع الجاري على النجس أم وقع النجس عليه أما الجواب: عن أول الوجهين فيما تقدم من ان بيان طهارة الاشياء ونجاستها وان كان وظيفة الامام، إلا أن استفادة الطهارة، من عدم حكمه (ع) بالنجاسة إنما يتم فيما إذا كان (ع) في مقام البيان من تلك الناحية، وليس الامام في الرواية بصدد بيان ان الجارى لا ينفعل بالملاقاة، وإنما هو بصدد بيان ان المتنجس بالبول لا بد من أن يغسل في المركن مرتين وفي الجاري مرة واحدة، ومع عدم كونه في مقام البيان كيف يمكن أن يتمسك باطلاق كلامه. وأما الجواب عن ثاني الوجهين: فهو ان ما أفاده من اعتبار ورود الماء القليل على النجس في التطهير به أول الكلام، وهي مسألة خلافية لا يمكن أن يستدل بها على شئ وسيأتي منا في محله عدم اعتبار ذلك في غير الغسلة التي يتعقبها طهارة المحل وفي غسل الثوب المتنجس بالبول في المركن لا طلاق صحيحة محمد بن مسلم فانتظره، هذا أولا. وثانيا: هب انا اعتبرنا ورود الماء على النجس في التطهير به، إلا انه لا مانع من الا لتزام بتخصيص ما دل على اعتبار ذلك باطلاق تلك الصحيحة فيها نخرج عما يقتضيه دليل اعتبار الورود في خصوص الجاري القليل، فان اعتباره على تقدير القول به لم يثبت بدليل لفظي مطلق حتى تقع بينهما المعارضة، وسيتضح ذلك في محله زائدا على ذلك أن شاء الله، ثم انه ليس فيما ذكرناه أي تناف للالتزام بنجاسة الغاسلة، ولا مانع من أن نكتفي بورود النجس على الماء في التطهير به، ونلتزم بنجاسة غسالته بعد غسله فلا تغفل.

[ 121 ]

واستدل على اعتصام الجارى القليل رابعا، بصحيحة داود بن سرحان قال: قلت لابي عبد الله (ع) ما تقول في ماء الحمام؟ قال هو بمنزلة الماء الجاري (* 1) وقد شبه ماء الحمام بالماء الجارى مطلقا، فيستفاد منها ان الجاري باطلاقه معتصم سواء أكان قليلا أم كان كثيرا. وقد يناقش في دلالتها: بأن وجه الشبه فيها غير معلوم، ولم يعلم ان الامام (ع) شبه ماء الحمام بالجاري في أي شئ، فالرواية مجملة. وهذه المناقشة لا ترجع إلى محصل: لان تشبيه ماء الحمام بالجاري موجود في غيرها من الاخبار أيضا والمستفاد منها ان التشبيه إنما هو من حيث الاعتصام، وذلك دفعا لما ربما يتوهم من ان ماء الحمام قليل في حد نفسه. فينفعل بالملاقاة لا محالة. ومعه كيف يتطهر به بمجرد اتصاله بمادته بالانبوب أو بغيره، فان للحمامات المتعارفة مادة جعلية بمقدار الكر بل باضعافه وتتصل بما في الاحواض الصغيرة بالانابيب أو بغيرها، وفي مثلها قد يتوهم الا نفعال نظرا إلى أن المادة الجعلية أجنبية ومنفصلة عما في الحياض، ومجرد الاتصال بالانبوب لا يكفي عند العرف في الاعتصام. لا ختلاف سطحي الماءين فتصدى (ع) لدفع ذلك بأن ماء الحمام كالجاري بعينه، فكما انه عاصم لا تصاله بمادته كذلك ماء الحمام، غاية الامر ان المادة في أحدهما أصلية وفي الآخر جعلية. فالصحيح في الجواب أن يقال: ان نظرهم عليه السلام في تلك الروايات إلى دفع توهم الانفعال بتنزيل ماء الحمام منزلة الماء الجاري، ومن الظاهر ان المياه الجارية في أراضي العرب والحجاز منحصرة بالجاري الكثير، ولا يوجد فيها جار قليل وان كان يوجد في أراضي العجم كثيرا، فالتنظير والتشبيه، بلحاظ ان الجاري الكثير كما انه معتصم لكثرته، ويتقوى بعضه


(* 1) المروية في الباب 7 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 122 ]

ببعض (لا بمادته فانها ليست بماء كما يأتي) كذلك ماء الحمام يتقوى بعضه ببعض، ولو لاجل مجرد الاتصال بانبوب أو بغيره، فوزان هذه الرواية وزان ما ورد من ان ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا (* 1)، بمعنى انه يمنع عن عروض النجاسة عليه لكثرته في نفسه لا لاجل مادته. فإذا لا نظر في الرواية إلى اعتصام الجاري بالماده مطلقا قليلا كان أم كثيرا، وتشبيه ماء الحمام به من هذه الجهة. فالى هنا لو كنا نحن وهذه الادلة لحكمنا بانفعال الجاري القليل كما ذهب إليه العلامة واختاره الشهيد الثاني في بعض كتبه. إلا انا لا نسلك مسلكهما، لا لاجل تلك الادلة المزيفة، بل لاجل ما أراحنا، وأراح العالم كله، وهو صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع. حيث دلت على عدم انفعال ماء البئر معللا بأن له مادة، ولولا تلك الصحيحة، لما كان مناص من الالتزام بما ذهب إليه المشهور من انفعال ماء البئر ولو كان الف كر. (والوجه) في الاستدلال بها في المقام: ان من الظاهر الجلي ان اضافة الاعتصام إلى ماء، وتعليله بأن له مادة، إنما تصح فيما إذا كان قليلا في نفسه، فانه لو كان كثيرا، فهو معتصم بنفسه لا محالة من غير حاجة إلى اسناد اعتصامه إلى شئ آخر وهو المادة، وبهذا دلتنا الصحيحة على ان القليل إذا كان له مادة فهو محكوم بالاعتصام، فإذا فرضنا القليل متنجسا واتصل به المادة فنحكم بطهارته وعصمته لا محالة. هذا إجمال الاستدلال


(* 1) كما في رواية ابن أبي يعفور عن ابي عبد الله (ع) قال: قلت اخبرني عن ماء الحمام يغتسل منه الجنب، والصبي، واليهودي، والنصراني والمجوسي؟ فقال: ان ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا. المروية في الباب 7 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 123 ]

بالصحيحة وإن شئت توضيحه فنقول ان الاستدلال بالصحيحة من جهتن: (إحداهما): ان الصحيحة دلت على ان ماله مادة ترتفع النجاسة الطارءة عليه بالتغير فيما إذا زال عنه تغيره، فماء البئر يرفع النجاسة العارضة عليه، لقوله (ع): (فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه لان له مادة)،، بلا فرق في ذلك بين كثرته، وقلته، لاطلاقها. وإذا ثبت بالصحيحة ان ماء البئر يرفع النجاسة الطارءة عليه، فيسفاد منها انه دافع للنجاسة أيضا بالاولوية القطية عرفا، من دون فرق في ذلك بين كثرته وقلته، لان ما يصلح للرفع فهو صالح للدفع أيضا بالاولوية القطعية، وبعد هذا كله نتعدى من مورد الصحيحة وهو ماء البئر إلى كل ماله مادة كالجاري، والعيون، لعموم تعليلها. و (ثانيهما): انا قدمنا ان ماء البئر إذا زال عنه تغيره، يحكم بطهارته لاتصاله بالمادة، وعليه فلا يترتب على الحكم بنجاسة ماء البئر عند ملاقاته النجس ثمرة، فيصبح لغوا ظاهرا. فانه أي أثر للحكم بنجاسة ماء البئر في آن واحد عقلي، وما فائدة ذلك الحكم؟ حيث انه حين الحكم بنجاسته يحكم بطهارته أيضا، لاتصاله بالمادة، وما هذا شأنه كيف يصدر عن الحكيم؟! وبهذه القرينة القطعية تدلنا الصحيحة على اعتصام ماء البئر مطلقا كثيرا كان أم قليلا وبعد ذلك نتعدى منها إلى كل ماله مادة لعموم تعليلها كما مر. هذا كله في المقام الاول. و (أما الكلام في المقام الثاني): فملخصه. ان ما يحتمل أن يكون معارضا لادلة اعتصام الجاري، هو مفهوم قوله (ع): الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شئ (* 1)، فانه دل بمفهومه على ان الماء إذا لم يبلغ قدر


(* 1) وهو مضمون عدة روايات منقولة في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 124 ]

كر ينفعل بالملاقاة مطلقا سواء أكان جاريا أم لم يكن، وقوله (ع): كر (* 1) في جواب السؤال عن الماء الذي لا ينجسه شئ من النجاسات، لانه صريح في ان غير الكر من المياه ينفعل بملاقاة البول وأمثاله من النجاسات ولو كان جاريا. ولكن لا تعارض بينهما في الحقيقة وذلك لان الوجهين المتقدمين في تقريب الاستدلال بالصحيحة يجعلان الصحيحة كالنص فتصير قرينة وبيانا بالاضافة إلى الروايتين المذكورتين حيث انهما حصرا علة الا عتصام في الكر، والصحيحة دلت على عدم انحصارها فيه وبينت أن هناك علة اخرى للاعتصام، وهي الاستمداد من المادة. وبهذا تتقدم الصحيحة على الروايتين، ولا يبقى بينهما معارضة بالعموم من وجه حتى يحكم بتساقطهما، والرجوع إلى عموم الفوق كالنبويات التي بينا ضعف سندها، أو إلى قاعدة الطهارة أو يحكم بعدم تساقطهما والرجوع إلى المرجحات السندية على تفصيل في ذلك موكل إلى محله. ثم لو تنزلنا، وبنينا على انهما متعارضان، بأن قطعنا النظر عن ذيل الصحيحة و اقتصرنا على صدرها وهو قوله (ع): ماء البئر واسع لا يفسده شئ يمكننا الاستدلال أيضا بصدرها على طهارة ماء البئر على وجه الاطلاق فان النسبة بينه وبين ما دل على انفعال القليل عموم من وجه لان أدلة انفعال القليل تقتضي نجاسة القليل بالملاقاة جاريا كان أم غير جار، وصدر الصحيحة يقتضي عدم نجاسة ماء البئر ونحوه مما له مادة قليلا كان أم كثيرا فيتعارضان في مادة الاجتماع، وهي ماء البئر القليل. والترجيح أيضا مع الصحيحة لما بينا في محله من ان تقديم أحد العامين


(* 1) وهي صحيحة اسماعيل بن جابر المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 125 ]

من وجه على الآخر أذا استلزم الغاء ما اعتبر من العنوان في الآخر كان ذلك مرجحا للآخر ويجعله كالنص فيتقدم على معارضه. والمقام من هذا القبيل لانا إذا قدمنا الصحيحة على أدلة انفعال الماء القليل فلا يلزم منه إلا تضييق دائرة أدلة الانفعال، وتقييدها بغير البئر ونحوه مما له مادة، وهو مما لا محذور فيه، لان التخصيص والتقييد أمران دارجان. وأما إذا عكسنا الامر، وقدمنا أدلة انفعال القليل على الصحيحة فهو يستلزم الحكم بنجاسة القليل حتى لو كان ماء بئر فينحصر طهارة البئر بما إذا كان كرا، وهو معنى الغاء عنوان ماء البئر عن الموضوعية، فان الكر هو الموجب للاعتصام كان في البئر أم في غيره فاعتصام البئر مستند إلى كونه كرا، لا إلى انه ماء بئر، فيصبح أخذ عنوان ماء البئر في الصحيحة لغوا ومما لا أثر له. وحيث ان حمل كلام الحكيم على اللغو غير ممكن، فيكون هذا موجبا لصيرورة الصحيحة كالنص، وبه يتقدم على معارضاتها. ونظير هذا في الاخبار كثير (منها): ما ورد من ان كل شئ يطير فلا بأس بخرثه وبوله (* 1)، وهو عام يشمل الطير المأكول لحمه، وما لا يؤكل لحمه كاللقلق والخفافيش، بناء على ان لها نفسا سائلة، وورد أيضا ان البول والخرء من كل مالا يؤكل لحمه محكومان بالنجاسة (* 2)،


(* 1) كما في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: كل شئ يطير فلا بأس ببوله وخرئه. المروية ففي الباب 10 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) اما نجاسة بول مالا يؤكل لحمه فلصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: اغسل ثوبك من بول كل مالا يؤكل لحمه. وغيرها من الاخبار المروية في الباب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل وأما -

[ 126 ]

وهو أيضا عام يشمل الطير غير المأكول لحمه، وغير الطير كالهرة، والنسبة بينهما عموم من وجه فيتعارضان في مادة اجتماعهما، وهو الطير غير المأكول لحمه. فان قدمنا الاول على الثاني فلا يلزم منه إلا تضيق الدليل الثاني، وتخصيصه بغير الطير ولا محذور في التخصيص، وأما إذا عكسنا الامر، وقدمنا الثاني على الاول فيلزم منه تقييد الطير الذي لا بأس بخرئه وبوله بما يؤكل لحمه، وأما مالا يؤكل لحمه من الطير فهو محكوم بنجاسة كلا مدفوعيه. وعليه يصبح الطير المأخوذ في لسان الدليل لغوا، فان الحكم وهو الطهارة مترتبة على عنوان ما يؤكل لحمه طيرا كان أو غير طير فأية خصوصية للطير؟ وكلام الحكيم يأبى عن اللغو، وهذا يصير قرينة على كون الاول كالنص، وبه يتقدم على الثاني ويخصصه بغير الطائر. ثم انك عرفت ان التعدي من البئر إلى كل ماله مادة إنما هو بتعليل الصحيحة، إلا ان مقتضاه اختاص الحكم بالا عتصام في الجاري بما إذا كان له مادة على نحو الفوران أو على نحو الرشح. واما الجاري الذي ينشأ من المواد الثلجية كما هو الا كثر في الا نهار على ما قيل فهو غير داخل في تعليل الرواية إذ لا مادة له، ولكنا لما قدمناه له، ولكنا لما قدمناه من صدق عنوان الجاري على مثله فلا نرى مانعا من ترتيب آثار الجاري عليه ككفاية الغسل فيه مرة.


خرءه فلاجل عدم الفرق بينه وبين بوله بحسب الارتكاز المتشرعي، على انه يمكن استفادة ذلك من عدة روايات اخر تأتي في محلها ان شاء الله تعالى كما يأتي ما يدل على نجاسة الخرء في بعض الموارد الخاصة كالكلب والانسان فانتظره

[ 127 ]

[ وسواء كان بالفوران (1)، أو بنحو الرشح. ومثله كل نابع، وإن كان واقفا. (مسألة 1) الجاري على الارض من غير مادة نابعة أو راشحة إذا لم يكن كرا ينجس بالملاقاة. نعم إذا كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس أعلاه (2) بملاقاة الاسفل للنجاسة، وان كان قليلا. ] عدم اعتبار الدفع والفوران (1) هل يعتبر في الجريان أن يكون بالدفع والفوران أو انه إذا كان بنحو الرشح أيضا يكفي في تحقق موضوع الجاري؟ مقتضي إطلاق صحيحة ابن بزيع عدم الفرق بين الفوران والرشح بعد اشتمال كل واحد منهما على المادة المعتبرة، بل الغلب هو الرشح في أكثر البلاد، إذ الغالب ان الماء يجتمع في الامكنة المنخفضة، ويترشح من عروق الارض شيئا فشيئا، ويترائى ذلك في الاراضي المنخفضة في أطراف الشطوط والانهار على وجه الوضوح. نعم نقل صاحب الحدائق عن والده (قدهما) الاستشكال في الآبار الموجودة في بلاده (أعنى البحرين) لاجل انها رشحية، فانه كان يطهر تلك الآبار بالقاء الكر عليها لا بالنزح ثم أورد على ولده بانه يرى كفايه الا لقاء ولو على وجه الافتراق، كما إذا أخذ كل واحد من جماعة مقدار ماء يبلغ مجموعة الكر والقوه في البئر مع ان المطهر وهو القاء الكر يعتبر أن يقع على البئر مرة واحدة على وجه الاجتماع. وما ذهب إليه واده (قده) مما لا يسعنا الا لتزام به، لا طلاق الصحيحة المتقدمة. الجارى من غير مادة (2) قد أسلفنا أن الميزان في الانفعال وعدمه هو الاتصال بالمادة وعدم

[ 128 ]

[ (مسألة 2) إذا شك في ان له مادة أم لا، وكان قليلا ينجس بالملاقاة (1). ] الاتصال بها، كما هو مقتضى الصحيحة المتقدمة بلا خصوصية للجاري من غيره، فان كل ماله مادة من العيون والانهار والآبار محكوم بعدم الانفعال لا ستمداد من المادة دائما. فغير المستمد محكوم بالانفعال. ويستثنى من ذلك ما إذا كان القليل غير المستمد من المادة جاريا من الاعلى إلى الاسفل، فان أعلاه لا يتنجس بملاقاة الاسفل للنجاسة. هذا هو المعروف بينهم. وقد قدمنا نحن ان الميزان في ذلك ليس هو العلم أو السفل وانما المدار على خروج الماء بالقوة والدفع بلا فرق بين العالي وغيره، فانه يمنع عن سراية النجاسة إلى العالي من سافله أو العكس وذكرنا أن الوجه فيه هو ان العرف بحسب ارتكازاتهم يرون الماء متعددا حينئذ فلا تسري النجاسة من أحد هما إلى الآخر قلو صب ماء من الابريق على يد كافر مثلا لا يحكم بتنجس ما في الابريق بملاقاة الماء لليد القذرة، وكذا في الفوارات إذا تنجس أعلاه بشئ لا نحكم بنجاسة أسفله. هذا كله فيما إذا علمنا باتصال الجاري بالمادة أو عدم اتصاله. الشك في المادة (1) يمكن أن يقال بطهارة الماء حينئذ مع قطع النظر عن استصحاب العدم الازلي الآتي تفصيله. وذلك لان الشك في أن للماء مادة أو أنه لا مادة له يساوق الشك في نجاسته وطهارته، على تقدير ملاقاة النجس. ومقتضي

[ 129 ]

قاعدة الطهارة طهارته لقوله (ع) كل شئ نظيف (* 1) أو الماء كله طاهر (* 2) حتى تعلم انه قذر. هذا وقد استدل على نجاسة الماء المذكور بوجوه: (الاول): التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. بناء على جوازه، كما ربما يظهر من الماتن في بعض (* 3) الفروع، وان صرح في بعضها (* 4) الآخر بعدم ابتنائه على التمسك بالعام في الشبهات المصداقية: بان يقال في المقام إن مقتضى عموم ما دل على انفعال القليل بملاقاة النجس نجاسة كل ماء قليل لاقته النجاسة، وقد خرج عنه القليل الذي له مادة، ولا ندري أن القليل في المقام من أفراد المخصص، وأن له مادة حتى لا ينفعل، أو انه باق تحت العموم ولا مادة له فينفعل بالملاقاة فنتمسك بعموم الدليل وبه نحكم بانفعاله. هذا. ولكنا قد قررنا في الاصول بطلان التمسك بالعام في الشبهات


(* 1) كما في موثقة عمار المروية في الباب 37 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كما في صحيحة حماد بن عثمان المروية في الباب 1 من أبواب الماء المطلق من الوسائل (* 3) منشأ الظهور ملاحظة الفروع التي تبتني بظاهر ها على التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية، أو يحتمل فيها ذلك، كما يجدها المتتبع في تضاعيف الكتاب ومنها مسألتنا هذه كما هو ظاهر. (* 4) كما في مسألة 50 من مسائل النكاح فيما إذا شك في امراة في انها من المحارم أو من غيرها، حيث قال: فمع الشك يعمل بمقتضى العموم لامن باب التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية، بل لاستفادة شرطية الجواز أو المحرمية أو نحو ذلك.

[ 130 ]

المصداقية، وذكرنا أنه مما لا أساس له بلا فرق في ذلك بين العموم والاطلاق، لتساويهما من هذه الجهة، فالتمسك باطلاق قوله (ع) الماء إذا بلغ. المقتضي لانفعال القليل بالملاقاة غير سائغ في الشبهات المصداقية (الثاني): قاعدة المقتضي والمانع، كما ذهب إليها بعض المتقدمين على ما نسب إليه وبعض المتأخرين ممن قارب عصرنا، حيث ذهب إلى أنها المستند لاعتبار الاستصحاب. وتقريبها في المقام أن يقال: إن ملاقاة النجاسة للماء القليل مقتضية للانفعال، واتصاله بالمادة مانع عن الانفعال. وكلما عمنا بوجود المقتضي، وشككنا في ما يمنع عن تأثير نبني على عدم المانع وعلى وجود المعلول. وقد ذكرنا في بحثي العموم والاستصحاب: ان هذه القاعدة أيضا لا ترجع إلى أساس متين، والعقلاء لا يبنون على وجود المعلول. عند احراز المقتضي والشك في وجود مانعه، بل المتبع هو الاستصحاب، والا خذ بالمتيقن السابق عند الشك في بقائه. (الثالث): ما أسسه شيخنا الاستاذ (قده) ورتب عليه فروعا كثيرة في الابواب الفقهية، منها المقام. وحاصله: أن الاستثناء من الحكم الالزامي، أو ما يلازمه كالنجاسة الملازمه لحرمة الشرب والوضوء والغسل وغيرها من أحكام النجاسات إذا تعلق بعنوان وجودي فهو عند العرف بمثابة اشتراط احراز ذلك العنوان الوجودي في ارتفاع احكم الالزامي أو ما يلازمه ولا يكفي في ارتفاعها مجرد وجوده الواقعي. وكان (قده) بمثل له بما إذا نهى المولى عبده من أن يأذن لاحد في الدخول عليه إلا لاصدقائه. فشك العبد في صداقة زيد وعداوته لمولاه فانه ليس له أن يتمسك بالبراءة عن حرمة الترخيص لزيد في الدخول، بلحاظ أن الشبهة تحريمية موضوعية، وهي مورد للبراءة باتفاق من الا خباريين

[ 131 ]

والاصوليين. وذلك لان العرف في مثله يرى لزوم احراز عنوان الصداقة في جواز الاذن والترخيص، فالمشكوك محرم الاذن وان كان في الواقع صديقا له. وقد طبقها (قده) على المقام: بان الاستثناء عن ملزوم الحكم الا لزامي وهو النجاسة قد تعلق بأمر وجودي (أعني اتصاله بالمادة) فهو بمنزلة اشتراط احراز الاتصال في الحكم بعدم النجاسة والانفعال. وحيث ان الاتصال غير محرز في المقام فهو محكوم بالنجاسة لا محالة، وإن كان متصلا بها واقعا. وانما نحكم بالطهارة في خصوص القليل الذي احرزنا اتصاله بالمادة. هذا. ولا يخفى انا ذكرنا في محله ان هذه القاعدة كالقاعدتين السابقتين لا أساس لها. نعم الامر في خصوص ما مثل به للمقام كما أفاده فانه لا يمكن فيه اجراء البراءة، وهذا لا لما اسسه (قده) بل لاجل استصحاب عدم حدوث الصدقة بين زيد ومولاه، لان الصداقة حادثة قطعا، وليست من الامور الازلية غير المسبوقة بالعدم، ومعه لا يبقى للبراءة مجال، لاشتراط جريانها بعدم أصل حاكم عليها في البين. وتفصيل الكلام في الجواب عما بنى عليه موكول إلى محله. (الرابع): استصحاب عدم اتصاف القليل بالاتصال بالمادة باستصحاب العدم الازلي. وتوضيح ذلك: ان الصور المتصورة للمسألة أربع. (الاولى): ان نعلم ان القليل الذي نشك في اتصاله وعدمه مسبوق بالاتصال بالمادة، ونشك في بقاء اتصاله حين ملاقاته النجس كما يتفق ذلك غالبا في المياه الجارية والانابيب المعمولة في زماننا هذا، وفي هذه الصورة لا اشكال في جريان استصحاب اتصاله بالمادة وعدم انقطاعها عنه.

[ 132 ]

(الثانية): أن نعلم أنه مسبوق بالانقطاع، كما إذا القي مقدار من الماء لم يبلغ الكر على حفيرة، وقد وقعت فيها نجاسة أيضا، فشككنا في أن الحفيرة بئر ولها مادة لئلا ينفعل الماء الملقى عليها بوقوع النجاسة عليه أو أنها صورة بئر لا مادة لها فالماء غير متصل بها ومحكوم بالا نفعال. وفي هذه الصورة أيضا لا اشكال في جريان استصحاب عدم الاتصال بالمادة. (الثالثة): مااذا لم تحرز حالته السابقة من الاتصال والانقطاع، وهذه الصورة هي مورد الوجوه الثلاثه المتقدمة، دون الصورتين الاوليين، كما ان هذه الصورة هي التي ندعي جريان استصحاب العدم الازلي فيها، على ما ذهب إليه صاحب الكفاية (قده) ومثل له بما إذا شك في قرشية المرأة وذكر ان المرأة حينما وجدت لا ندري انها هل اتصفت بالقرشية أم لم تتصف بها؟ ولم تكن متصفة بها قبل وجودها قطعا، والاصل عدم اتصافها بتلك الصفة حين وجودها أيضا. وعلى هذا التقريب يقال في المقام: إن هذا القليل لم يكن متصفا بالاتصال قبل خلقته، ونشك في اتصافه به حين خلقته ووجوده، فالاصل انه لم يتصف بالاتصال حين خلقته أيضا، فهو ماء قليل بالوجدان، وغير متصل بالمادة بالاصل، فبضم الوجدان إلى الاصل يتم كلا حزئي الموضوع للحكم بالانفعال. هذا. وقد أورد عيه شيخنا الاستاذ (قده) بالمنع من جريان الاستصحاب في الاعدم الازلية، وبنى منعه هذا على مقدمات: (الاولى): أن تخصيص العام بالمتصل أو بالمنفصل يوجب تعنون العام بعنوان غير عنوان الخاص لا محالة، فإذا كان العنوان المأخوذ في الخاص وجوديا كان العام مقيدا بعنوان عدمي، وإذا كان عدميا كان العام مقيدا بعنوان وجودي، وذلك لان الحاكم الملتفت إلى ان موضوع حكمه كالعالم

[ 133 ]

مثلا له قسمان: (العادل، والفاسق) والاهمال في الواقع أمر غير معقول فهو إما أن يرى عدم دخل شئ من الخوصيتين في موضوع حكمه وإما لا، وعلى الثاني إما أن يكون ماله دخل من الخوصية في موضوع الحكم أمرا وجوديا أو عدميا وهذه أقسام ثلاثة لا رابع له، لدورانها بين النفي والاثبات فالحصر فيها عقلي. أما القسم الاول: وهو مااذا كان موضوع الحكم مطلقا، وغير مقيد بشئ من الخصوصية: الوجودية والعدمية فهو أمر لا يجتع مع التخصيص، لانه يرجع إلى الجمع بين النقيضين، فان الموجبة الكلية تناقضها السالبة الجزئية لا محالة، فإذا ثبت التخصيص في وجوب إكرام العالم، وأن العالم الفاسق لا يجب إكرامه امتنع معه أن يجب إكرام مطلق العالم، سواء أكان عادلا أم كان فاسقا، كما انه يمتنع أن يختص وجوب الاكرام بالفاسق، فلا مناص من تقييد موضوع وجوب الاكرام بعدم كونه فاسقا. وهذا معنى ما ذكرناه من ان تخصيص العام بعنوان وجودي يستلزم تقييده بأمر عدمي. (الثانية): ان الموضوع إذا كان مركبا، فاما أن يتركب من غير العوض ومحله، واما أن يكون مركبا من العوض ومحله. اما على الاول: كما إذا كان الموضوع مركبا من جوهرين، أو من جوهر وعوض في موضوعه، أو من عرضين في موضوع واحد، أو في موضوعين فلا موجب لاخذ أحد الحزءين نعتا للجزء الآخر، بل اللازم هو اجتماع الجزءين في الخارج بلا دخل خصوصية اخرى. وأما على الثاني: كأخذ الكرية والماء في موضوع الاعتصام، وعدم الانفعال بمجرد ملاقاة النجاسة فلا مناص من أن يؤخذ العرض في الموضوع على نحو وجوده النعتي، فانه لا سبيل إلى أخذه على نحو وجود المحمولي،

[ 134 ]

فان انقسام الشئ باعتبار أوصافه ونعوته في مرتبة سابقة على انقسامه باعتبار مقارناته. فإذا كان التخصيص موجبا لتقييد موضوع العام، ورافعا لا طلاقه فاما أن يرجع التقييد إلى التقييد بلحاظ الانقسام الاولى، فيكون الموضوع مقيدا بالوجود النعتي، أو العدم النعتي المعبر عنهما بمفاد كان وليس الناقصتين وإما أن يرجع إلى التقييد بلحاظ الانقسام الثانوي، ليكون المأخوذ في الموضوع الوجود أو العدم المحمولي المعبر عنهما بمفاد كان وليس التامتين. لا سبيل إلى الثاني، فانه مع تقييده بهذا الاعتبار إما أن يبقى الموضوع على إطلاقه بالاعتبار الاول، أو يكون مقيدا به أيضا. اما الاول فهو مستحيل، إذ كيف يمكن أن يقيد الماء في موضوع المثال بأن يكون معه كرية ومع ذلك يبقى على إطلاقه من جهة الاتصاف بالكرية وعدمه. وهل هذا إلا تهافت وتناقض؟! واما الثاني: فهو أيضا لا يمكن من الحكيم لا ستلزامه اللغو، فان التقييد بالاعتبار الاول يغني عن التقييد بالا عتبار الثاني. ويترتب على ما ذكرناه ان موضوع الحكم إذا كان مركبا من وجود العرض ومحله، كما في المثال، أو مركبا من عدم العرض ومحله، كما فيما كان الاستثناء من العام عنوانا وجوديا، ففي جميع ذلك لا مناص من أن يكون الدخيل في الموضوع الوجود أو العدم النعتيين، دون الوجود أو العدم المحموليين. (الثالثة): ان العدم الازلي وان كان ثابتا وحقا فان كل ممكن مسبوق بالعدم لا محالة، فزيد لم يكن في وقت وعلمه وعدالته لم تكونا. وهكذا. إلا ان هذا العدم عدم محمولي لا نعتي، فيصح أن يقال علم زيد لم يكن، ولا يصح أن نقول زيد كان غير عالم ومتصفا بعدم العلم، فانه لم يكن موجودا ليتصف بالوصف الوجودي أو العدمي، فالعدم الازلي

[ 135 ]

محمولي دائما، ولا يصح فيه النعتي بوجه. وذلك من جهة ان العدم النعتي كالوجود النعتي يحتاح إلى وجود الموضوع لا محالة. ويترتب على هذه المقدمات: أن التخصيص بعنوان وجودي يقتضي تعنون العام بعنوان عدمي لا محالة، بمقتضى المقدمة الاولى، وان العدم المأخوذ في الموضوع عدم نعتي بمقتضى المقدمة الثانية، وان العدم النعتي كالوجود النعتي يحتاج إلى وجود الموضوع لا محالة، والتقابل بينهما تقابل العدم والملكة. وعلى ذلك فلا يمكن استصحاب العدم النعتي إذ المفروض عدم العلم به سابقا، بل هو مشكوك فيه من أول الامر. وأما العدم المحمولي فهو وان كان متيقنا إلا انه لا يثبت العدم النعتي. فاشكال جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية هو الاثبات خاصة. لا ان العدم قبل وجود موضوعه مغاير للعدم بعد وجود موضوعه، فان العدم عدم، وبقاؤه غير مغاير لحدوثه بل بقاء له. ولا يخفى ان المقدمة الاولى والثالثة من هذه المقدمات مما لا ينبغي الشك في صحته، وكذلك المقدمة الثانية فيما إذا كان المأخوذ في موضوع الحكم وجود العرض، وذلك لا لما ذكره (قدس سره) فانه يندفع بأن التقييد بكل من الا عتبارين يغني عن التقييد بالاعتبار الآخر، كما هو الحال في كل أمرين متلازمين. فان التقييد بأحدهما لا يبقي مجالا للاطلاق بالاضافة إلى الثاني منهما. بل لاجل ان وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، إذ ليس للعرض وجودان: أحدهما لنفسه، وثانيهما لموضوعه، بل له وجود واحد وهو عين وجوده لموضوعه، وكونه وصفا ونعتا لمعروضه، فإذا كان المأخوذ وجود العرض في موضوع خاص، كالكرية المأخوذة للماء في موضوع الاعتصام وعدم الانفعال بملاقاة النجس، فلا محالة يكون الدخيل في

[ 136 ]

الموضوع هو اتصاف الماء بالكرية عى نحو مفاد كان الناقصة. فان وجود الكرية في الماء هو بعينه اتصاف الماء بالكرية، لما عرفت من أن وجود العرض في نفسه عن وجوده لموضوعه. وأما إذا كان الدخيل في الموضوع. هو عدم العوض. كما هو الحال فيما إذا كان الخارج من العموم عنوانا وجوديا فان العام يتعنون حينئذ بوصف عدمي لا محالة، فلا موجب للالتزام بكون الدخيل في الموضوع هو العدم النعتي. وبيان ذلك ان ما أفاده من أن تركب الموضوع من العرض ومحله يستلزم أخذ الاتصاف بالعرض في موضوع الحكم، وان كان متينا لما قدمناه من أن وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، إلا انه يختص بوجود العرض أعني العرض الوجدي واما العدمي فلا يأتي فيه ما ذكرناه. لان العدم لا وجود له حتى يقال ان وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه فإذ تركب الموضوع من عدم العرض ومحله، فلا يستفاد منه في نفسه أن الاتصاف بالعدم ماخوذ في موضوع الحكم فانه أعم ويحتاج اعتباز الاتصاف به إلى مؤنة زائدة، فان قامت قرينة على اعتباره فهو، وإلا لما اعتبرنا في موضوع الحكم غير المحل وعدم العرض، ولو على نحو العدم المحمولي. فإذا ورد لا تكرم فساق العلماء، وضممناه إلى العام فيستفاد منهما ان موضوع وجوب الاكرام هو العالم الذي لا يكون فاسقا، لا العالم المتصف بعدم الفسق، لانه يحتاج إلى دليل وهو مفقود، وعليه فلا مانع من استصحاب عدم الاتصاف بالفسق الثابت قبل وجود زيد، إذ لم يكن الاتصاف قبل وجوده والآن كما كان. نعم لا يثبت بذلك الاتصاف بعدم الفسق، إلا انا في غنى عنه. فانه ليس بموضوع للاثر، وانما الاثر مترتب على العالم الذي

[ 137 ]

لا يكون متصفا بالفسق على نحو العدم المحمولي، والمفروض ان له حالة سابقة كما مر، وكم فرق بين الموجبة معدولة المحمول وبين السالبة المحصلة لان الا تصاف معتبر في الاولى دون الثانية. وإلى ما ذكرنا أشار صاحب الكفاية فيما ذكره من ان العام لا يتعنون بعد التخصيص بعنوان خاص، بل هو بكل عنوان غير عنوان المخصص يشمله الحكم بمعنى ان العالم في مفروض المثال لا بد وان لا يكون فاسقا، ولم يوخذ فيه أي عنوان غير هذا العنوان، وان كان ذلك العنوان هو الاتصاف بالعدم على نحو مفاد ليس الناقصة. فالخارج هو الذي اعتبر فيه الاتصاف بالفسق على وجه النعت دون الباقي تحت العموم. والامر في المقام كذلك: حيث أن أدلة انفعال الماء القليل قد خصصت بالقليل الذي له مادة، وهو يوجب تعنون الباقي بالماء القليل الذي لا يكون له مادة. لا القليل المتصف بعدم المادة. وعليه فلنا أن نستصحب عدم المادة في ظرف الشك إذ لم تكن له مادة قبل وجوده والآن كما كان، وهو استصحاب العدم المحمولي، لانه الذي يترتب عليه الاثر عند تركب الموضوع من المحل، وعدم العرض ما دام لم تقم قرينة خارجية على اعتبار الاتصاف بالعدم هذا تمام كلامنا في هذه الصورة. (الرابعة): ما إذا كان القليل مسبوقا بحالتين متضادتين أعني الاتصال بالمادة في زمان وعدم الاتصال بها في زمان آخر، واشتبه المتقدم منهما بالمتأخر، ولم يجر فيه شئ من استصحابي الاتصال وعدمه للتعارض أو لعدم المقتضي. فهل هناك أصل آخر يحكم به على طهارة الماء؟. قد يقال: إن مقتضى الاستصحاب في الماء طهارته، لانه قبل أن يغسل به المتنجس كان طاهرا، قطعا، فهو الآن كما كان وان كنا نشك في اتصاله بالمادة وعدمه. كما ان مقتضى الاستصحاب في المتنجس المغسول

[ 138 ]

به نجاسة المغسول، وعدم ارتفاع نجاسته بالغسل به. ولا معارضة بين الاستصحابين كما ذكرناه غير مرة لانا وان علمنا بالملازمة الواقعية بين طهارة الماء وطهارة المتنجس المغسول به، إلا ان التفكيك بينهما في مقام الظاهر بالاصل مما لا مانع عنه بوجه (* 1) وهذا نظير ما ذكره السيد (قده) في ماء يشك في كريته، مع عدم العلم بحالته السابقة. ثم إن التفكيلك بين طهارة الماء وطهارة المغسول به في محل الكلام انما يتم إذا كان الحكم بنجاسة القليل المحتمل اتصاله بالمادة في الصورة السابقة مستندا إلى جريان الاستصحاب في العدم الازلي. وأما بناء على استناده إلى صحة التمسك بالعام في الشبهات المصداقية أو تمامية قاعدة المقتضي والمانع أو صحة ما أسسه شيخنا الاستاذ (قده) من أخذ الا حراز فيما علق عليه الترخيص فلابد من الحكم في المقام بنجاسة الماء أيضا لانه قليل، ولا ندري ان له مادة ومقتضى عموم انفعال القليل، أو قاعدة المقتضي والمانع أو عدم احراز اتصاله بالمادة هو الحكم بنجاسته. ولا يبقى بعد ذلك للحكم بطهارته بالاستصحاب أو بغيره مجال، ولا يلزم حينئذ التفكيك بين الماء والمغسول به، بل كلاهما محكومان بالنجاسة وهذا بخلاف ما إذا اعتمدنا في الحكم بنجاسة الماء، عند الشك في أن له مادة على استصحاب عدم اتصاله بالمادة على نحو العدم الازلي. فان التفكيك بناء عليه تام لا اشكال فيه. والوجه فيه: أن الاستصحاب المذكور لا يجرى في المقام لسبقه بحالتين متضادتين، ومعه لا يجرى شئ من استصحابي الاتصال وعدمه، إما للتعارض


(* 1) لا يخفى ان المراد بغسل المتنجس به انما هو القاؤه على الماء لا ايراد الماء على المتنجس، والا فلا اشكال في كفايته في طهارة الثوب بعدما حكمنا بطهارة الماء.

[ 139 ]

وإما لعدم المقتضي على خلاف في ذلك بيننا وبين صاحب الكفاية (قده) وعليه فلا مانع من استصحاب الطهارة في الماء كما لا مانع من استصحاب بقاء النجاسة في المغسول به، فيلزم التفكيك بين طهارة الماء وطهارة المغسول به. ثم ان الحكم بنجاسة المغسول به بالاستصحاب في المقام يبتني على اعتبار ورود الماء على المتنجس في التطهير بالقليل، وأما إذا قلنا بعدم اعتباره، وكفاية ورود المتنجس عى الماء فلا ينبغي التأمل في طهارة المغسول به، إذ المفروض كفاية الغسل به حتى لو لم تكن له مادة في الواقع، فلا يبقى مجال للتفكيك. ثم انا إذا اعتبرنا ورود الماء على النجس في التطهير بالقليل فلابد من أن نلاحظ دليل اعتبار ذلك، فان كان دليله ما اعتمد عليه بعضهم من أن القليل ينفعل بمجرد اتصاله بالنجس فلا يمكن تطهير المتنجس به، فيما إذا ورد على الماء، فلابد من اعتبار ورود الماء عليه، لئلا ينفعل بمجرد الاتصال. فنحكم في المقام أيضا بطهارة المغسول به، وان ورد على الماء، لان الماء لا ينفعل في المقام بمجرد اتصاله بالنجس وملاقاته معه، كما لا ينفعل بعده، وذلك بحكم الاستصحاب القاضي بطهارة الماء عند الشك في انفعاله، فهو طاهر حين الاتصال وبعده فلا مانع من تطهير المغسول به مطلقا. نعم إذا اعتمدنا في الحكم باعتبار ورود الماء على النجس على الروايات الناطقة بذلك لقوله (ع): (صب عليه الماء مرتين) ونحوه فلا محيص من الالتزام بعدم طهارة المتنجس إذا ورد على الماء للشك في حصول شرط طهارة المغسول به. لان الماء ان كان له مادة حين الغسل فهو طاهر يطهر المتنجس المغسول به لا محالة. وإن لم تكن له مادة فالمغسول به محكوم بالنجاسة، لعدم حصول شرط التطهير به، وهو ورود القليل على النجس

[ 140 ]

[ (مسألة 3) يعتبر في عدم تنجس الجاري اتصاله بالمادة (1) فلو كانت المادة من فوق تترشح وتتقاطر، فان كان الكر ينجس. نعم إذا لاقى محل الرشح للنجاسة لا ينجس، (مسألة 4) يعتبر في المادة الدوام (2) فلو اجتمع الماء من المطر أو غيره تحت الارض، ويترشح إذا حفرت لا يلحقه حكم الجاري. ] وبما أنا نشك في بقاء نجاسته وارتفاعها فمقتضى استصحابها بحاسة المغسول به، كما ان مقتضى استصحاب الطهارة في الماء طهارته، فالتفكيك حينئذ صحيح. اعتبار الاتصال في الاعتصام (1) بأن ينفصل الخارج عن المادة، كما مثل به بقوله: فلو كانت المادة. فانه إذا انفصل عنها فالمياه المجتمعة المنفصلة عن مادتها غير البالغة حد الكر ماء قليل ينفعل بملاقاة النجاسة لا محالة. نعم القطرة المتصلة بالمادة محكومة بالاعتصام، ما لم تنفصل عنها، كما أشار إليه بقوله: نعم إذا لاقى. والوجه فيما ذكرناه أن ظاهر قوله (ع) في صحيحة ابن بزيع لان له مادة أن يكون للماء مادة بالفعل، بأن يتصل بها فعلا، وأما ما كان متصلا بها في وقت مع انفصاله عنها بالفعل فهو خارج عن مدلول الرواية كما عرفت. هذا في الانفصال بالطبع، وكذلك الحال في الانفصال بالعرض كانسداد المنبع من اجتماع الوحل والطين، لانه لا نفصاله عن المادة محكوم بعدم الا عتصام، وقد أشار إليه الماتن في المسألة الخامسة كما يأتي. (2) الظاهر ان مراده بالدوام على ما يساعد عليه تفريعه بقوله فلو اجتمع. كون المادة طبيعية موجبة لجريان الماء على وجه الارض بطبعها

[ 141 ]

وأما المادة الجعلية الموجبة لجريان الماء ورشحه بالجعل دون الطبع فهي غير كافية في الاعتصام، كما إذا جعلنا مقدارا من الماء في أرض منخفضة الاطراف، أو اجتمع فيها ماء المطر، فانه يوجب الرشح في جوانبها وجريان الماء لا محالة إلا انها غير عاصمة، وذلك لان ظاهر قوله في صحيحة ابن بزيع: لان له مادة. ان يكون للماء مادة متصلة فعلا يجري الماء عنها بطبعها. فالجعلية أو غير المتصلة منها لا تصدق عليها المادة الفعلية كما هو ظاهر. اعتبار دوام النبع عند الشهيد (قده) ذكر الشهيد (قده) في الدروس ان الجاري لا يشترط فيه الكرية على الاصح نعم يشترط فيه دوام النبع. وقد وقع هذا موردا للاشكال والكلام عند الاصحاب، فنقول في شرح مراده (قده) ان الدوام في كلامه هذا يحتمل امورا: (الاول): ما عن الشهيد الثاني (قده) في روض الجنان من حمل الدوام على الاستمرار في النبع، وأن ما ينبع في بعض فصول السنة دون بعضها الآخر لا يحكم عليه بالاعتصام. ويضعف هذا الاحتمال أمران. (أحدهما): ما أورده عليه صاحب الحدائق (قده) من ان اشتراط دوام النبع في المادة على خلاف إطلاق صحيحة ابن بزيع، لان المادة فيها غير مقيدة بداوم النبع فهو مضافا إلى انه مما لا شاهد له من الاخبار ولا يساعد عليه الاعتبار قد دل الدليل على خلافه. (وثانيهما): أن استمرار النبع ان اريد به الاستمرار إلى الابد فهو مما لا يوجد في أنهار العالم إلا نادرا، على إن إحراز ذلك أمر غير ميسور،

[ 142 ]

فبأي شئ يحرز دوام نبعه إلى الابد؟! وان اريد به الاستمرار المقيد بوقت خاص فيقع الكلام في تعيين ذلك الوقت، وان الزمان الذي لابد من أن يستمر الجاري إلى ذلك الزمان أي زمان؟ فهذا الاحتمال في غاية السقوط. ومن هنا طعن عليه المحقق الثاني (قده) بقوله: (ان أكثر المتأخرين عن الشهيد (ره) ممن لا تحصيل لهم فهموا هدا المعنى من كلامه.) (الثاني): ان يراد بالدوام استمرار النبع حين ملاقاة النجس، لا على وجه الا طلاق. ولعل هذا هو الظاهر من اعتبار الدوام، ولا بأس به في نفسه. إلا انه ليس أمرا زائدا على ما اعتبرناه في الجاري من الاتصال بالمادة، حيث قلنا: إن الماء إذا انقطع عنها يحكم بانفعاله على تقدير قلته وعليه فيصبح اعتبار الدوام في كلامه قيدا توضيحيا، وإن كان أمرا صحيحا في نفسه. (الثالث): ما نسب احتماله إلى بعضهم من إرادة الاحتراز عما ينبع آنا وينقطع آنا، لفتور مادته وضعفها، وان مثله ينفعل إذا لا قى نجسا لعدم إحراز اتصاله بالمادة حال ملاقاة النجس، ولعلها لا قته حين انقطاع نبعها. هذا. ولا يخفى ان ذلك أيضا ليس بشرط جديد وراء شرط الاتصال وأما الحكم عيله بالانفعال على تقدير ملاقاته النجس فيدفعه ما أشرنا إليه سابقا من ان الجاري إذا كان مسبوقا بحالتين متضادتين أعني الاتصال وعدمه فهو وان كان لا يجري فيه استصحاب الاتصال وعدمه، إلا أن استصحاب الطهارة في الماء مما لا مانع عنه بوجه، فبه يحكم بطهارته، بل ولا أقل من قاعدة الطهارة، فالماء لا يحكم به بالانفعال. (الرابع): ما حكاه صاحب الحدائق (قده) عن بعض الافاضل من المحدثين: من أن يراد به نبع المادة دائما، أو بعد أخذ مقدار من مائها وقد ذكر في توضيح ذلك ان المواد على أنحاء ثلاثة:

[ 143 ]

(إحداها) ما تكون نابعة على وجه الاستمرا بالفعل: بأن تنبع ويجرى ماؤها على وجه الارض، كما في العيون الجازية. (وثانيتها): ما تكون نابعة على نحو الاستمرار أيضا، ولكنه لا بالفعل بل بالاقتضاء، بمعنى أن تكون نابعة إلى أن يبلغ الماء حدا معينا، وهو تساوي الماء الخارج المجتمع منها في البئر للماء الموجود في مادتها وفي عروق الارض، وحينئذ تقف ولا تنبع إلا أن يوخذ مقدار من مائها لينزل به سطح الماء، فتنبع ثانيا بدل المتحلل مما اخذ منه من الماء إلى أن يتصاعد الماء إلى السطح السابق، وهكذا. فللمادة اقتضاء النبع دائما، وهذا هو الغالب في المواد فان نبعها لو كان دائميا وغير منقطع في زمان لاوجب غرق العالم بالماء. و (ثالثتها): ما تكون نابعة، إلا انه إذا أخذنا منها ماؤها ينقطع نبعها وتقف ولا تنبع ثانيا إلا بعد حفر جديد، ثم تنبع بمقدار، وإذا أخذنا منها ذلك المقدار تقف ولا تنبع إلا بعد حفر آخر وهكذا. كما يتفق ذلك في بعض الاراضي والبلدان، فالنبع في القسمين الاولين دائمي فعلا أو بحسب الاقتضاء، وأما في الثالث فلا دوام للنبع فيه بوجه بل ولا تصدق على مثله المادة أصلا لان المادة من المدد والامداد، والمفروض انهما لا تمد الماء بعد أخذه فلا يستمد منها في شئ والماء الحاصل منها غير مستند إلى المادة فينفعل بالملاقاة لا محالة ومن هنا ذكر ان شمول الاخبار المستفاد منها حكم الجاري لهذه الصورة غير واضح. وعلى هذا الاحتمال كان اعتبار دوام النبع عبارة اخرى عن اعتبار اتصال الماء بالمادة لان المادة إذا لم تمد الماء فلا محالة تكون منقطعة وغير متصلة بالماء. (الخامس): أن يراد بالدوام نبع المادة وجريانها فعلا، واما إذا لم تنبع بالفعل ولو لاجل مانع لا لاجل ضعفها وفتورها بل لحصر

[ 144 ]

أطرافها على ما هو الغالب في الآبار، إذ المادة إنما تنبع إلى أن يساوي المقدار الخارج منها المجتمع في البئر للماء الموجود في المادة وفي عروق الارض، وينقطع النبع بعد ذلك فيحكم عليه بالانفعال، وعلى الجملة لا يكفي اقتضاء النبع في الحكم بالاعتصام بل يعتبر فيه فعلية النبع. وفساد هذا الاحتمال من الظهور بمكان: لان احتمال اعتبار الجريان الفعلي إنما يصح فيما إذا كان الحكم متترتبا في لسان الدليل على عنوان الجاري ويقال وقتئذ إن حكمه لا يأتي في مثل الآبار مسدودة الاطراف لعدم الجريان الفعلي فيها. ولكن الحكم في الدليل إنما رتب على عنوان ماله المادة، ومن الظاهر ان الابار المذكورة مما له مادة قطعا، وهذا العنوان صادق عليها بلا ريب وليس اعتصام الآبار متفرعا عى اعتصام الجاري حتى يحتمل فيها اعتبار الجريان الفعلي أيضا بل الامر بالعكس، وإنما استفدنا حكم الجاري من قوله (ع) لان له مادة في صحيحة ابن بزيع الواردة في البئر حيث تعدينا من موردها إلى كل ماله مادة. وأما اعتبار فعلية النبع، وعدم كفاية الاقتضاء بالمعنى المتقدم، وهو كون المادة بحيث يخرج منها بدل المتحلل من الماء ويستمد منه، فلم يقم عليه دليل، بل الغالب في الآبار أن مادتها تقتضي النبع بمقدار المتحلل من مائها، ولا تنبع فيها دائما فانه يؤدي إلى غرق العالم كله. (السادس): أن يراد بالدوام ما ذكره الماتن (قده) في الكتاب وهو أن تكون المادة طبيعية موجبة للجريان بطبعها في مقابل المواد الجعلية كما إذا جعلنا مقدارا من الماء على مكان منخفضة الاطراف أو فاض البحر أو النهر واجتمع الماء من فيضانهما في الغدران واوجب النبع في الامكنة المنخفضة عنها، فانها أيضا مواد فعلية تنفطع بعد مدة كيوم أو أسبوع ونحوهما وهذا

[ 145 ]

[ (مسألة 5) لو انقطع الاتصال بالمادة (1) كما لو اجتمع الطين فمنع من النبع كان حكمه حكم الراكد، فان ازيل الطين لحقه حكم الجاري، وان لم يخرج من المادة شئ فاللازم مجرد الاتصال. (مسألة 6) الراكد المتصل بالجاري كالجاري (2) فالحوض المتصل بالنهر بساقية يلحقه حكمه، وكذا أطراف النهر، وان كان ماؤها واقفا. (مسألة 7) العيون التي تنبع في الشتاء مثلا، وتنقطع في الصيف يلحقها الحكم في زمان نبعها (3). (مسألة 8) إذا تغير بعض الجاري دون بعضه الآخر فالطرف ] بخلاف المواد الطبيعية في الآبار والانهار وهي التي تنصرف إليها لفظة المادة في صحيحة ابن بزيع كما قدمناه. وهذه احتمالات ستة في كلام الشهيد (ره) وقد ظهر ما هو الصحيح منها من سقيمها وأما أن أيا منها قد أراده الشهيد (قده) فهو أعلم بمراده والله سبحانه هو العالم بحقيقة الحال. (1) هذا هو انقطاع النبع بالعرض، وقد قدمنا حكمه في المسألة الثالثة من هذا الفصل فراجع. (2) وحكمه حكم الجاري في الاعتصام بلا خلاف لاتصاله به قليلا كان أم كثيرا، وأما الاحكام الخاصة المترتبة على عنوان الجاري ككفاية الغسل به مرة في المتنجس بالبول فهي لا تترتب عليه، وذلك لعدم صدق الجاري على الراكد وهو ظاهر، اللهم إلا أن نقول بكفاية المرة في الكر أيضا وهو أمر آخر. (3) قد عرفت ان احتمال عدم اعتصام تلك العيون في زمان نبعها مدفوع بوجيهن عمدتهما اطلاق صحيحة ابن بزيع فما أفاده في المتن هو الصحيح

[ 146 ]

[ المتصل بالمادة لا ينجس بالملاقاة (1) وان كان قليلا، والطرف الآخر حكمه حكم الراكد ان تغير تمام قطر ذلك البعض المتغير، وإلا فالمتنجس هو المقدار المتغير فقط لاتصال ما عداه بالمادة. ] تغير بعض الجاري (1) قد أسلفنا ان الجاري وغيره إذا تغير في شئ من أحد أوصافه بتمامه يحكم عليه بالنجاسة. وطريق تطهيره كما أشرنا إليه هو أن يتصل بالمادة بعد زوال تغيره. واما إذا تغير بعضه فلا يخلو إما أن يتغير بعض الجاري في تمام قطر الماء أعني به عرضه وعمقه، وإما أن يتغير في بعض قطره. (أما على الاول): فلا ينبغي الاشكال في أن الماء المتصل بالمادة المتقدم على المقدار المتغير معتصم بتمامه قليلا كان أم كثيرا لا تصاله بالمادة وهو ظاهر، وأما الماء المتأخر عن المتغير بعرضه وعمقه فان كان كرا فلا كلام أيضا في اعتصامه وطهارته، وعليه فالمتقدم والاخير طاهران والمتنجس هو الوسط. واما إذا كان قليلا فهو محكوم بالانفعال لاتصاله بالنجس وهو البعض المتغير بعرضه وعمقه، وعليه فالوسط والاخير محكومان بالنجاسة والمتقدم هو الطاهر. وقد تأمل صاحب الجواهر (قده) في الحكم بنجاسة الماء المتأخر في هذه الصورة بعدما ضعف الحكم بالطهارة فيه فانه يصدق عليه عنوان الجاري واقعا، فلا وجه للحكم بانفعاله لانه جار غير متغير. على انا لو احتملنا عدم دخوله في عنوان الجاري فهو معارض باحتمال دخوله فيه، فالاحتمالان يتعارضان فيتساقطان، ويرجع معه إلى قاعدة الطهارة فيه هذا ما ذكره (قده) في المقام.

[ 147 ]

والذي ينبغي أن يقال: ان الموضوع للحكم بالاعتصام ليس هو عنوان الجاري كما عرفته سابقا وإنما حكم عليه بعدم الانفعال لان له مادة على ما استفدناه من صحيحة ابن بزيع، وقد أسلفنا ان المادة بمعنى ما يمد الماء، وما منه يستمد بخروج المقدار المتجلل من الماء، والمادة بهذا المعنى غير متحققة في الماء المتأخر فانه لا يستمد من المادة بوجه لانفصاله عنها فلا يصدق انه ماء له مادة فحكمه حكم الراكد فينفعل إذا كان قليلا. وهذا بخلاف الماء المتصل بالمادة المتقدم على البعض المتغير لانه يستمد من المادة دائما ويصدق حقيقة ان له مادة فالحكم بطهارة الماء المتأخر بلا وجه. ثم لو فرضنا إجمال الدليل، ولم نستفد من مجموع صدر الصحيحة، وذيلها دوران الاعتصام مدار الاتصال بالمادة بالمعنى المتتقدم، واحتملنا كفاية صدق الجاري على الماء في الحكم بالاعتصام فالمقام من أحد موارد إجمال المخصص الذي يتردد الامر فيه في غير المقدار المتيقن بين استصحاب حكم المخصص وبين الرجوع إلى حكم العام، وهو نزاع معروف. وذلك لان الدليل قد دل بعمومه على انفعال كل ماء قليل بملاقاة النجس وقد خرج عنه القليل الذي له مادة، وحيث انا فرضنا إجمال المخصص المذكور. وكان المتيقن منه هو القليل الذي يستمد من مادته فلا محيص من الاقتصار عليه في الحكم بالاعتصام. واما مالا استمداد فيه من المادة فيدور الامر فيه بين استصحاب حكم المخصص، والحكم بعدم الانفعال لانه قبل أن يتغير المتوسط منه بالنجس كان متصلا بمادته، وكان مشمولا للمخصص قطعا، وبين الرجوع إلى عمومات انفعال القليل. فان رجحنا أحدهما على الآخر فهو، واما إذا توقفنا عن ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر فيرجع إلى قاعدة الطهارة لا محالة. ولعل صاحب الجواهر (قده) يرجح استصحاب حكم المخصص في

[ 148 ]

أمثال المقام الذي لا يكون الزمان مأخوذا فيه على وجه التقييد كما ذهب إليه جملة من الاعلام كشيخنا الانصاري وصاحب الكفاية وغيرهما (قدهم) بدعوى ان الشك إنما هو في حكمه بعد التخصيص لا في مقدار ما وقع عليه التخصيص أو انه يتوقف عن الترجيح ويرجع إلى قاعدة الطهارة. وحيث انا اخترنا في محله الرجوع إلى العام مطلقا سواء اخذ الزمان فيه ظرفا أم على وجه التقييد فالمتعين هو الحكم بانفعال الماء المتأخر أيضا بمقتضى عمومات انفعال القليل. والذي يسهل الخطب عدم إجمال المخصص بوجه لان الصحيحة بصدرها وذيلها دلت على ان المناط في الاعتصام هو اتصال الماء بالمادة، وهذا غير صادق على الماء المتأخر عن المتغير كما عرفت هذا كله على الاول. (وأما على الثاني): وهو تغير بعض الجاري في بعض قطره، فالمتقدم والمتأخر كلاهما طاهران كان المتأخر بمقدار كرأم لم يكن، وذلك لاجل اتصاله بالمادة بالمعنى المتقدم فان المفروض عدم تغير المتوسط بتمامه، وإنما تغير ببعضه دون بعضه. كما إذا غسلنا شاة مذبوحة في الشط وتغير بذلك بعض جوانب الماء، لان المتنجس حينئذ هو خصوص البعض المتغير، دون سابقه ولا حقه. هذا تمام الكلام في الجاري.

[ 149 ]

[ فصل الراكد بلا مادة ان كان دون الكر ينجس بالملاقاة (1) من غير فرق بين النجاسات. ] فصل في الراكد بلا مادة (1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات: الراكد بمقدار الكر (الجهة الاولى): ان الراكد إذا كان بمقدار كر فلا خلاف في اعتصامه وعدم انفعاله بملاقاة النجس، ويأتي الكلام فيه مفصلا بعد بيان حكم القليل ان شاء الله تعالى. ما هو الغرض في المقام (الجهة الثانية): ان الغرض من البحث عن انفعال القليل في المقام إنما هو إثبات انفعاله على نحو الموجبة الجزئية في قبال ابن أبي عقيل القائل بعدم انفعاله رأسا. وأما انه هل ينفعل بالنجس والمتنجس كليهما أو لا ينفعل بالمتنجس؟. وانه هل ينفعل بالدم الذي لا يدركه الطرف؟ وغير ذلك من التفاصيل فهي مباحث اخر يأتي الكلام عليها في طي مسائل مستقلة ان شاء الله.

[ 150 ]

انفعال الماء القليل (الجهة الثالثة): فيما دل على انفعال القليل بالملاقاة، ويقع الكلام فيها في مقامين (أحدهما) في بيان ما يدل على انفعاله. و (ثانيهما) في معارضته لما دل على عدم الانفعال. (أما المقام الاول): فالمعروف بين الاصحاب المتقدمين منهم والمتأخرين ان القليل ينفعل بملاقاة النجس، وخالفهم في ذلك ابن أبي عقيل فذهب إلى عدم انفعاله بشئ، ووافقه على ذلك المحدث الكاشاني (قده). والذي يقتضي الحكم بانفعال القليل عدة روايات ربما يدعى بلوغها ثلاثمائة رواية كما حكاه شيخنا الانصاري (قده) في طهارته عن بعضهم. وهي وان لم تبلغ تلك المرتبة من الكثرة إلا ان دعوى تواترها إجمالا قريبة جدا لان المنصف يرى من نفسه انه لا يحتمل الكذب في جميع هذه الروايات، على ان فيها صحاحا وموثقات، ومعهما لا يهمنا إثبات تواترها الاجمالي فانهما كافيتان في إثبات الحكم شرعا. الاخبار الدالة على انفعال القليل ومن تلك الاخبار صحيحة محمد بن مسلم وغيرها الواردة بمضمون ان الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شئ (* 1). وهذا المضمون قد ورد ابتداء في بعضها (* 2) وبعد السؤال عن الماء الذي تبول فيه الدواب، وتلغ فيه


(* 1) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) كما في صحيحة معاوية بن عمار وغيرها المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل،

[ 151 ]

الكلاب، ويغتسل فيه الجنب في بعضها الآخر (* 1) وفي ثالث بعد السؤال عن الوضوء من الماء الذي تدخله الدجاجة والحمامة وأشباههما، وقد وطأت عذرة (* 2). وصحيحة اسماعيل بن جابر قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الماء الذي لا ينجسه شئ فقال: كر. (* 3). وصحيحته الاخرى عن الماء الذي لا ينجسه شئ قال: ذراعان عمقة في ذراع وشبر سعته (* 4) وقد أسندها في الحدائق إلى عبد الله بن سنان ولعله من سهو القلم. وصحيحة محمد بن مسلم قال: سألته عن الكلب يشرب من الاناء قال: اغسل الاناء (* 5) ومن الظاهر ان الكلب إنما يشرب من وسط الاناء ولا يمسه فلا وجه للحكم بغسله إلا نجاسة الماء الموجود فيه فان الكلب نجس الماء باصابته، وهو قد لاقى الاناء، وأوجب نجاسته وبهذا تدلنا هذه الرواية وغيرها من الاخبار الآمرة بغسل الآنية التي شرب منها الحيوان النجس على انفعال القليل بملاقاة النجس إلى غير ذلك من الاخبار، وستأتي جملة اخرى منها في مطاوي هذا البحث، وفي البحث عن تنجس الماء القليل بالمتنجس. هذا كله في المقام الاول.


(* 1) كما في صحيحة محمد بن مسلم المروية في الباب المتقدم من المصدر المذكور. (* 2) كما في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه المروية في الباب المتقدم من المصدر المذكور. (* 3) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 4) المروية في الباب 10 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 5) المروية في الباب 1 من أبواب الاسئار من الوسائل.

[ 152 ]

و (أما المقام الثاني) فقد عرفت ان ابن أبي عقيل ذهب إلى عدم انفعال القليل كالماء الكثير، ووافقه على ذلك المحدث الكاشاني (ره) واستدل عليه بوجوه من الاخبار وغيرها. الاخبار الدالة على عدم انفعال القليل (فمنها): ما استدل به الكاشاني (قده) من قوله صلى الله عليه وآله خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ الاما غير لونه أو طعمه أو ريحه (* 1) وادعى انها مستفيضة وقد دلت على حصر موجب الانفعال بالتغير في أحد الاوصاف الثلاثة وان مالا تغير فيه لا انفعال فيه قليلا كان أم كثيرا. وهذا الاستدال من عجائب ما صدر عن الكاشاني (ره) لانه من أحد المتضلعين في الاخبار وقد ادعى مع ذلك استفاضة الروايات المتقدمة عن النبي صلى الله عليه وآله ولم يرد شئ منها من طرقنا وانما رواها العامة بطرقهم فلا رواية حتى تستفيض فهذه الدعوى سالبة بانتفاء موضوعها على انها لم تبلغ مرتبة الاستفاضة من طرق العامة أيضا وانما رووها بطريق الآحاد ومثل هذا لا يكاد يخفى على المحدث المذكور فهو من غرائب الكلام. و (منها): ما ورد من طرقنا بمضمون ان الماء لا ينجسه شئ إلا ان يتغير طعمه أو ريحه أو لونه حيث حصر علية الانفعال بالتغير في أحد الاوصاف الثلاثة وهو كما في رواية القماط انه سمع أبا عبد الله (ع) يقول في الماء يمر به الرجل وهو نقيع فيه الميتة والجيفة فقال أبو عبد الله (ع) ان كان الماء قد تغير ريحه أو طعمه فلا تشرب ولا تتوضأ منه وان لم يتغير


(* 1) قد قدمنا نقلها عن المستدرك والمحقق وابن ادريس ونقلنا مضمونها عن كتب العامة أيضا فراجع.

[ 153 ]

ريحه وطعمه فاشرب وتوضأ (* 1) وصحيحة حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب (* 2) وصحيحة عبد الله بن سنان قال: سأل رجل أبا عبد الله (ع) وأنا حاضر عن غدير أتوه وفيه جيفة؟ فقال: ان كان الماء قاهرا ولا توجد منه الريح فتوضأ (* 3) إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الدالة عى انحصار المناط في الانفعال بالتغير قليلا كان الماء أم كثيرا، فالقلة لا تكون علة للانفعال بالملاقاة ما دام لم يتغير في أحد أوصافه. ويدفعه عدم ورود شئ من هذه الاخبار في خصوص القليل حتى تعارض الاخبار المتقدمه الدالة على انفعال القليل بالملاقاة فان الموضوع فيها هو النقيع والغدير وأشباههما مما هو أعم من القليل والكثير، بل ظاهر هذه العناوين هو خصوص الكثير فان النقيع وأمثاله انما يطلق على الماء الذي يبقى مدة في الفلوات، والقليل ليس له بقاء كذلك. وغاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بهذه الاخبار انها مطلقة لعدم استفصالها بين القليل والكثير وترك الاستفصال دليل العموم. والجواب عن ذلك انها وان كانت مطلقة لما ذكر، إلا انه لابد من رفع اليد عن اطلاقها بالاخبار المتقدمة التي ادعينا تواترها اجمالا لدلالتها على انفعال القليل بمجرد ملاقاة النجس، وان لم يتغير شئ من أوصافه، وهذا كما دل على نجاسة ماء الاناء إذا أصابته قطرة من الدم (* 4) أو


(* 1) المروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في الباب المتقدم من المصدر المذكور. (* 3) المروية في الباب المتقدم من المصدر المذكور. (* 4) كما في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه المروية في الباب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 154 ]

أصابته يده وهي قذرة (* 1) أو شرب منه الكلب والخنزير (* 2) ومن الظاهر ان ملاقاة هذه الامور للماء القليل لا يوجب تغيره في شئ مع أنه ينفعل بملاقاتها وهذه الاخبار تكفي في تقييد اطلاق الروايات المتقدمة. ومما يدلنا على هذا ما ورد في صحيحة صفوان بن مهران الجمال من سؤاله (ع) عن مقدار الماء وحكمه بعدم الانفعال على تقدير بلوغ الماء نصف الساق. والوجه في دلالتها انه لو لم يكن هناك فرق بين القليل والكثير لما كان وجه لسؤاله عليه السلام عن مقدار الماء. قال: صفوان الجمال سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب. وتشرب منها الحمير ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها قال وكم قدر الماء؟ قال: إلى نصف الساق وإلى الركبة فقال: توضأ منه (* 3). وقد دلت هذه الرواية على عدم انفعال الكر بورود السباع، وولوغ الكلاب ونحوهما فان الماء في الصحاري إذا بلغ نصف الساق يشتمل على اضعاف الكر غالبا، إذ الصحارى مسطحة، وليست مرتفعة الاطراف كالحياض الموجودة في البيوت فإذا بلغ فيها الماء نصف الساق فهو يزيد عن الكر بكثير. ويدل على تقييد المطلقات المتقدمة أيضا ما ورد من الاخبار في تحديد الماء العاصم بالكر كما في صحيحة اسماعيل بن جابر قال: سألت أبا عبد الله (ع)


(* 1) كما في صحيحة احمد بن محمد بن أبي نصر وغيرها المروية في الباب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) كما في صحيحتي علي بن جعفر ومحمد بن مسلم المرويتين في الباب 1 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 155 ]

عن الماء الذي لا ينجسه شئ فقال كر. (* 1) وغيرها مما هو بهذا المضمون لانها تدل على أن القليل ينفعل بملاقاة النجس وان لم يحصل فيه تغير، وهذه الاخبار وان كانت معارضة للمطلقات المتقدمة بالعموم من وجه. إلا انها تتقدم على المطلقات وتوجب تقيدها لا محالة. والوجه في ذلك هو أن هذه الاخبار دلتنا على أن هناك شيئا يوجب انفعال القليل دون الكثير وليس هذا هو التغير قطعا لانه كما ينجس القليل كذلك يوجب انفعال الكثير لما دل على تنجس ماء البئر ونحوه بالتغير في أحد أوصافه كما عرفته سابقا، ولا سيما ان أغلب الآبار كر، وعليه فلابد من تقييد ما دل على اعتصام البئر والكر ونحوهما كاطلاق قوله لان له مادة (* 2) وقوله كر (* 3) بما إذا لم يتغير بشئ من أوصاف النجس. وقد صرح بما ذكرناه في صحيحة شهاب بن عبد ربه المروية عن بصائر الدرجات حيث قال (ع) في ذيلها وجئت تسئل عن الماء الراكد من الكر (* 4) مما لم يكن فيه تغير أو ريح غالبة قلت فما التغير؟ قال:


(* 1) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) كما في صحيحة ابن بزيع المروية في الباب 3 و 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 3) كما في صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدمة آنفا. (* 4) قد اعتمدنا في نقل الصحيحة مشتملة على كلمة (من الكر) والاستدلال بها على نجاسة الكر المتغير باوصاف النجس على نقل صاحب الوسائل (قده) ولما راجعنا البحار ونفس بصائر الدرجات ظهر أن نسخ الكتاب مختلفة وفي بعضها (من البئر) وبذلك تصبح الرواية مجملة وتسقط عن الاعتبار والذي يسهل الخطب ان مدرك الحكم بنجاسة الكر المتغير غير منحصر بهذه الصحيحة وذلك لقيام الضرورة والتسالم القطعي حتى -

[ 156 ]

الصفرة فتوضأ منه وكلما غلب كثرة الماء فهو طاهر (* 1). وإذا قيدنا أدلة اعتصام الكر وشبهه بما لا تغير فيه فتنقلب النسبة بين المطلقات وأخبار اعتصام الكر إلى العموم المطلق وتكون أخبار اعتصام الكر غير المتغير أخص مطلقا من المطلقات. لانها باطلاقها دلت على عدم انفعال غير المتغير كرا كان أم قليلا والروايات الوارة في الكر تدل على عدم انفعال خصوص الكر الذي لا تغير فيه، وبما أنها أخص مطلقا عن المطلقات فلا محالة نقيدها بالكر والنتيجة أن مالا يكون كرا ينفعل بملاقاة النجاسة فالذي يوجب انفعال خصوص القليل دون الكثير هو ملاقاة النجس في غير


- من الكاشاني (قده) على نجاسة الماء المتغير ولو كان كرا. مضافا إلى الاخبار المتقدمة التي استدللنا بها على ذلك في ص 75 - ص 78 فان فيها غنى وكفاية في الحكم بنجاسة الماء المتغير. اضف إلى ذلك موثقة ابي بصير قال: سألته عن كر من ماء مررت به - وانا في سفر - قد بال فيه حمار أو بغل أو انسان قال: لا توضاء منه ولا تشرب (الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل) لانها بعد ما قيدناها بالاخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة على عدم نجاسة الكر بملاقاة النجس من غير تغير كالصريحة في ارادة تغير الكر ببول الانسان فيه وأما نهيه (ع) عن شربه أو التوضوء منه إذا بال فيه بغل أو حمار فهو محمول على الكراهة أو التقية. ويؤيدها ما ورد في غير واحد من الاخبار من النهي عن التوضوء أو الشرب من الغدير والنقيع فيما إذا تغيرا بوقوع الجيفة فيهما إذ النقيع، والغدير في الصحاري يشملان - عادة - على ازيد من الكر بكثير ولاسيما على المختار من تحديده بسبعة وعشرين شبرا فليلاحظ. (* 1) المروية في الباب 9 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 157 ]

صورة التغير. وإلى هنا تلخص ان الروايات العامة لا تنفع المحدث المزبور في المقام. وأما الاخبار الخاصة فمها يستدل به على مسلك المحدث الكاشاني (قده) عدة روايات. (منها): ما رواه محمد بن ميسر قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، ويريد أن يغتسل منه وليس معه اناء يغرف به ويداه قذرتان قال: يضع يده ثم يتوضأ ثم يغتسل. هذا مما قال الله عزوجل: ما جعل عليكم في الدين من حرج (* 1) وقد دلت على عدم انفعال القليل بملاقاة المتنجس اعني يدي الرجل القذرتين ولذا صح منه الوضوء والغسل وهي كما ترى واردة في خصوص القليل كما هو ظاهر. وقد يناقش فيها كما في طهارة المحقق الهمداني (قده) بانها وردت تقية لموافقتها لمذهب العامة، حيث جمعت بين الوضوء وغسل الجناية. وهما مما لا يجتمعان في مذهب الشيعة. ولا يخفى ضعف هذه المناقشة كما تنبه عليه هو (قده) أيضا إذ المراد بالوضوء في الرواية ليس هو الوضوء بالمعنى المصطلح عليه بل هو بمعناه اللغوي، وهو المعبر عنه في الفارسية (بشست وشو كردن) فاين اجتماع الوضوء مع الغسل؟! (فالصحيح في الجواب أن يقال): ان القليل في الرواية ليس بمعناه المصطلح عليه عند الفقهاء فانه اصطلاح منهم (قدهم)، ولم يثبت ان القليل كان بهذا المعنى في زمانهم عليهم السلام بل هو بمعناه اللغوي الذي هو في مقابل الكثير، ومن البين ان القليل يصدق حقيقة على الكر والكرين بل وعلى أزيد من ذلك في الصحارى بالاضافة إلى ما في البحار


(* 1) المروية في الباب 8 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 158 ]

والبركان، وعليه فالرواية غير واردة في خصوص القليل. نعم ان اطلاقها يشمل ما دون الكر أيضا، ولكنك عرفت ان الاخبار الواردة في انفعال القليل بالملاقاة البالغة حد التواتر تقتضي تقييد المطلقات وتخصيصها بغير ذلك لا محالة. ولعل السؤال في الرواية من أجل ان جماعة من العامة ذهبوا إلى نجاسة الغسالة في الجنابة، ولو مع طهارة البدن (* 1) بل ذهب أبو حنيفة وغيره


(* 1) وفي عمدة القاري (شرح البخاري، للعيني الحنفي ج 1 ص 822 باب استعمال فضل وضوء الناس) اختلف الفقهاء فيه: فعن أبي حنيفة ثلاث روايات (الاولى): ما رواه عنه أبو يوسف انه نجس مخفف (الثانية) رواية الحسن ابن زياد عنه انه نجس مغلظ (الثالثة): رواية محمد بن الحسن عنه انه طاهر غير طهور، وهو اختيار المحققين من مشائخ ما وراء النهر، وعليه الفتوى عندنا. وفي المجلد 1 من بدايع الصنايع للكاشاني الحنفي ص 68 ان أبا يوسف جعل نجاسة المستعل في الوضوء والغسل خفيفة لعموم البلوى فيه لتعذر صيانة الثياب عنه. ولكونه محل الاجتهاد فأوجب ذلك خفة في حكمه والحسن جعل نجاسته غليظة لانها نجاسة حكمية، وانها أغلظ من الحقيقة ألا ترى انه عفي عن القليل من الحقيقة دون الحكمية كما إذا بقي على جسده لمعة يسيرة. وقال ابن حزم في المجلد 1 من المحلى ص 185 ان أبا حنيفة ذهب إلى عدم جواز الغسل والوضوء بالماء المستعمل في الوضوء والغسل وان شربه مكروه، وقال روي عنه - يعني أبا حنيفة - انه طاهر والاظهر عنه انه نجس وهو الذي روي عنه نصا وانه لا ينجس الثوب إذا أصابه الماء المستعمل إلا أن يكون كثيرا فاحشا. ونقل عن أبي يوسف انه فصل بين ما إذا -

[ 159 ]

إلى نجاسة غسالة الوضوء أيضا فانهم يشترطون في الطهارة أن يكون الماء


- كان المقدار الذي أصاب الثوب من الماء المستعمل شبرا في شبر فقد نجسه وما إذا كان أقل من ذلك فلم ينجسه، ثم نقل عن أبي حنيفة وأبي يوسف كليهما ان الرجل الطاهر إذا توضأ في بئر فقد نجس ماءها كله فيجب نزحها ولا يجزيه ذلك الوضوء بلا فرق في ذلك بين أن يتوضأ للصلاة قبل ذلك وما إذا لم يتوضأ لها، فان اغتسل فيها أيضا أنجسها كلها سواء اكان جنبا قبل ذلك أم لم يكن، وإنما اغتسل فيها من غير جنابة بل ولو اغتسل في سبعة آبار نجسها كلها. وعن أبي يوسف انه ينجسها كلها ولو اغتسل في عشرين بئرا، وفي ص 147 مشيرا إلى أبي حنيفة وأصحابه ماهذا نصه: ومن عجيب ما أوردنا عنهم قولهم في بعض أقوالهم ان ماء وضوء المسلم الطاهر النظيف أنجس من الفأرة الميتة. ولم. يتعرض في (الفقه على المذاهب الاربعة) لهذا القول بل عد الماء المستعمل من قسم الطاهر غير الطهور قولا واحدا. نعم ذهب جماعة إلى ذلك. ففي المغني لابن قدامة الحنبلي ج 1 ص 18 الماء المنفصل عن أعضاء المتوضي والمغتسل في ظاهر المذهب طاهر غير مطهر لا يرفع حدثا ولا يزيل نجسا وفي ص 20 قال: جميع الاحداث سواء فيما ذكرنا. وفي كتاب الام للشافعي ج 1 ص 25 إذا توضأ به رجل لا نجاسة على أعضائه لم يجزه لانه ماء قد توضي به، وكذا لو توضأ بماء قد اغتسل فيه رجل، والماء أقل من قلتين لم يجزه. ثم قال: لو أصاب هذا الماء الذي توضأ به من غير نجاسة على البدن ثوب الذي توضأ به أو غيره أو صب على الارض لم يغسل منه الثوب، وصلى على الارض لانه ليس -

[ 160 ]

عشرة في عشرة (* 1) وهو يبلغ مائة شبر في سعته، ومن هنا لا يغتسلون في الغدران والنقيع لعدم بلوغهما الحد المذكور اللهم إلا أن يكون نهرا أو بحرا، ولاجل هذا سأله الراوي عن الاغتسال في مياه الغدران والنقيع بتخيل انفعالهما بالاغتسال وأجابه (ع) بأنها معتصمة وأزيد من الكر. وعدم اعتصام الكر حرجي ولو في بعض الموارد وما جعل عليكم في الدين من حرج. و (منها): صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضأ من


- بنجس. وتابعه الغزالي في الوجيز ج 1 ص 3 قال: الماء المستعمل في الحدث طاهر غير طهور على القول الجديد. وفي المدونة لمالك ج 1 ص 4 قال: مالك لا يتوضأ بماء قد توضي به مرة ولا خير فيه، فإذا لم يجد رجل إلا ماء قد توضي به مرة فأحب إلي انه توضأ به إذا كان طاهرا ولا يتيمم، وإذا أصاب الماء الذي توضي به مرة ثوب رجل فلا يفسد عليه ثوبه إذا كان الماء طاهرا. وقد نسب ذلك أيضا إلى مالك في بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج ص 25 (* 1) عثرنا على ذلك في المجلد السادس من التفسير الكبير للفخر الرازي ص 487 سطر 2 من طبعة استانبول حيث قال: وأما تقدير أبي حنيفة بعشر في عشر فمعلوم انه مجرد تحكم. ويطابقه ما في المجلد 1 من الفقه على المذاهب الاربعة ص 4 من قوله: الحنفية قالوا ان الماء ينقسم إلى قسمين كثير وقليل فالاول كماء البحر، والانهار، والترع، والمجاري الزراعية ومنه الماء الراكد في الاحواض المربعة البالغة مساحتها عشرة أذرع في عشرة بذراع العامة. هذا ولكن المعروف من أبي حنيفة وأصحابه في كتبهم المعدة للافتاء والاستدلال تقدير الكثير بأمر آخر، وهو كون الماء بحيث إذا حرك أحد -

[ 161 ]

ذلك الماء؟ قال: لا بأس (* 1). وتقريب الاستدلال بها ان شعر الخنزير نجس، والغالب ان الماء


- طرفيه لا يتحرك الآخر. وقد نص بذلك في بداية المجتهد لابن رشد ص 18، وفي التذكرة ص 2 عن أبي حنيفة وأصحابه انه كلما تيقن أو يظن وصول النجاسة إليه لم يجز استعماله وقدره أصحابه ببلوغ الحركة. ثم ضعفه بعدم الضبط فلا يناط به ما يعم به البلوى، وفي المجلد 1 من المحلى ص 153 عن أبي حنيفة ان الماء ببركة إذا حرك أحد طرفيها لم يتحرك طرفها الآخر فانه لو بال فيها ما شاء أن يبول فله أن يتوضأ منها ويغتسل فان كانت أقل من ذلك لم يكن له ولا لغيره أن يتوضا منها ولا أن يغتسل. وأيضا في المجلد 1 من المحلى ص 143 عن أبي حنيفة ما حاصله ان وقوع شئ من النجاسات في الماء الراكد ينجس كله قلت النجاسة أو كثرت ويجب إهراقه ولا تجوز الصلاة بالوضوء أو بالاغسال منه كما لا يجوز شربه كثر ذلك الماء أو قل اللهم إلا أن يكون بحيث إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الآخر فانه طاهر حينئذ ويجوز شربه كما يجوز التطهير به. وقال في بدايع الصنايع المجلد 1 ص 72 انهم اختلفوا في تفسير الخلوص فاتفقت الروايات عن أصحابنا انه يعتبر الخلوص بالتحريك وهو انه ان كان بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص وان كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص. وقد أورد في المحلي ص 143 على أبي حنيفة وأصحابه بأن الحركة في قولهم ان حرك طرفه لم يتحرك. بماذا تكون فليت شعري هل تكون باصبع طفل، أم بتبنة، أو بعود مغزل، أو بعوم عائم، أو بوقوع فيل، أو بحصاة صغيرة، أو بانهدام جرف؟! نحمد الله على السلامة من هذه التخاليط. (* 1) المروية في باب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 162 ]

يتقاطر من الحبل على الماء الموجود في الدلو، فلو كان القليل ينفعل بملاقاة النجس لتنجس ماء الدلو بما يتقاطر عليه من الماء الملاقي لشعر الخنزير، مع ان الامام (ع) نفى البأس عن التوضوء به، وهذا يدل على عدم انفعال القليل. ويدقع هذا الاستدلال: (أولا): ان الرواية شاذة، فهي لو تمت وصحت، فلا يعارض بها الاخبار المشهورة التي دلت على عدم اعتصام القليل، والشهرة في الرواية من مرجحات المتعارضين، بل ذكرنا في الاصول انها تلغي ما يقابلها عن الحجية رأسا. و (ثانيا): ان من الجائز أن يكون الحبل المفروض اتخاذه من شعر الخنزير غير متصل بالدلو على نحو يصل إليه الماء، ويتقاطر منه على الدلو ولعل وجه السؤال عن حكم ذلك حينئذ هو احتمال بطلان الوضوء، لاجل أن الخنزير وشعره مبغوضان في الشرع. وقد أفتى جمع من الفقهاء (قدهم) بحرمة استعمال نجس العين حتى في غير ما يشترط فيه الطهارة كلبسه في غير حال الصلاة، فإذا حرم استعمال شعر الخنزير مطلقا، كان من المتحمل بطلان الوضوء الذى هو أمر عبادي بالاستقاء له بما هو مبغوض، ولاجل هذا الاحتمال سأله (ع) عن حكم الوضوء بذلك الماء، وأجابه (ع) بعدم البأس به. و (ثالثا): ان دلالة الرواية على اعتصام القليل لو تمت فانما هي بالاطلاق، ولا مانع من تقييده بما دل على انفعال القليل بالملاقاة، ولا بعد في بلوغ ما في بعض الدلاء المستعمل في سقي المزارع كرا، ولا سيما إذا بنينا على أن مكعبه ما يكون سبعة وعشرين شبرا. و (رابعا): لو أغمضنا عن جميع ذلك، وفرضنا الصحيحة صريحة في ملاقاة شعر الخنزير لماء الدلو مع فرض قلته، فايضا لا دلالة لها على عدم

[ 163 ]

انفعال القليل بملاقاه النجس، وذلك لجواز ان تكون الصحيحة ناظرة إلى عدم نجاسة شعر الخنزير، كما ذهب إليه السيد المرتضى (قده) وغيره، واستدل عليه بهذه الصحيحة، وعليه فيتعين حملها على التقية لذهاب جماعة من العامة إلى عدم نجاسة شعر الخنزير والكب (* 1). وكيف كان فلا يمكن الاستدلال بها على تساوي الماء القليل والكثير في الاعتصام، وقد قدمنا ان ما في صحيحة صفوان الجمال (* 2) من سؤاله (ع) عن مقدار الماء، وحكمه بعدم الانفعال على تقدير بلوغ الماء نصف الساق أوضح شاهد على الفرق بين الماء القليل والكثير. و (منها): رواية أبي مريم الانصاري قال: كنت مع أبي عبد الله (ع) في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركي له فخرج عليه قطعة من عذرة يابسة فاكفأ رأسه وتوضأ بالباقي (* 3) حيث دلت على عدم انفعال القليل بملاقاة النجس، ولذا توضأ (ع) بباقي الماء في الدلو. وقد حملها الشيخ (تارة) على أن الدلو كان بمقدار كر. وهو لا


(* 1) ففي (الفقه على المذاهب الاربعة) المجلد 1 ص 13 ان المالكية قالوا بطهارة جميع الاشياء المذكورة (الشعر والوبر والصوف والريش) من أي حيوان سواء أكان حيا أم ميتا مأكولا أم غير مأكول ولو كلبا أو خنزيرا وسواء أكانت متصلة أم منفصلة. وفي ص 16 ان المالكية ذهبوا إلى طهارة كل حي ولو كان كلبا أو خنزيرا ووافقهم الحنفية على طهارة عين الكلب مادام حيا على الراجح الا ان الحنفية قالوا بنجاسة لعابه تبعا لنجاسة لحمه بعد موته. (* 2) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 164 ]

يخلو عن غرابة. و (اخرى) على أن العذرة عذرة غير الانسان من سائر الحيوانات المأكول لحمها. (ويبعده ان العذرة قد اخذت فيها الرائحة الكريهة، كما في مدفوع الانسان والهرة والكلب. ولا تطلق العذرة على مدفوع سائر الحيوانات المحللة لعدم اشتماله على الرائحة الكريهة، وانما يعبر عنها بالروث. و (ثالثة) على أن المراد بالباقي هو الباقي في البئر دون الماء الباقي في الدلو. ويدفعه أن ظاهر الرواية انه اكفأ رأس الدلو حتي يتوضأ بالماء الباقي في الدلو، لا انه أراق جميع ماء الدلو. على أن هذا الاحتمال بعيد في نفسه. و (رابعة) حملها على التقية. ولا يخفى أن غرضه (قده) بهذه الوجوه. هو التحفظ على الرواية، وعدم طرحها مهما أمكن العمل بها ولو بحملها على وجوه بعيدة. لا انه (ره) لم يلتفت إلى بعد تلك الوجوه على ما هو عليه من الدقة والجلالة. فالصحيح في الجواب أن يقال: ان الرواية ضعيفة السند من جهة (بشير) الراوي عن أبي مريم لتردده بين الثقة وغيره، وان كان أبو مريم موثقا في نفسه، فلا اعتبار بالرواية. و (منها): ما عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو سعوة ميتة قال: إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها ولا تتوضأ وصبها وان كان غير متفسخ فاشرب منه وتوضأ واطرح المية إذا اخرجتها طرية وكذلك الجرة وحب الماء والقربة وأشباه ذلك من أوعية الماء وقال: وقال أبو جعفر (ع): إذا كان الماء اكثر من روايه لم ينجسه شئ تفسخ فيه أو لم يتفسخ فيه إلا أن

[ 165 ]

يجيئ له ريح تغلب على ريح الماء (* 1). و (الجواب عنها) انها ضعيفة سندا ومتنا فاما ضفعها سندا. فلوقوع علي بن حديد في طريقها. وأما بحسب متنها فلاشتمالها على مالا يقول به أحد، حتى ابن عقيل وهو تنجس الماء بتفسخ الميتة، وعدمه بعدم تفسخها. فان من يرى انفعال القليل بالملاقاة، ومن لا يرى انفعاله بها لا يفرق بين مااذا تفسخ فيه النجس وما إذا لم يتفسخ هذا أولا. وأما ثانيا: فلاشتمالها على الفرق بين مقدار الرواية، والزائد عليه مع انه لا فرق بينهما، فان الفرق انما هو بين الكر والقليل، والرواية أقل من الكر فطرح الرواية متعين هذا (* 2). على ان هاتين الروايتين، وأشباههما على تقدير صحتها في نفسها لا يمكن أن تقابل بها الاخبار المتواترة الدالة على انفعال الماء القليل بالملاقاة، لان الشهرة تستدعي الغاء ما يقابلها عن الاعتبار رأسا، وعليه فالمقتضي لانفعال القليل موجود وهو تام والمانع عنه مفقود. الوجوه الاخر مما استدل به الكاشاني (قده) ثم ان المحدث الكاشاني على ما نقله في الحدائق استدل على ما ذهب إليه بوجوه اخر لا يخلو بعضها عن دقة وان كان ضعيفا. (منها): ان القليل لو قلنا بانفعاله بالملاقاة، لما أمكن تطهير


(* 1) المروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) يأتي ان بعض افراد الراوية يسع مقدار الكر اعني ما يبلغ مقدار سبعة وعشرين شبرا.

[ 166 ]

شئ من المتنجسات به، وهو مقطوع الفساد، وذلك لان الجزء المتصل من القليل بالمتنجس ينفعل بملاقاته على الفرض، فلا تحصل به الطهارة. وأما غير الجزء المتصل بالمتنجس فلا ربط بينه وبين المتنجس حتى يطهر به ويمكن تقريب ما أفاده بوجهين: (أحدهما): أن يقال ان الجزء المتصل من القليل بالمتنجس ينفعل بمجرد الملاقاة على الفرض، ومع انفعاله لا يحصل به التطهير، إذ يشرط في المطهر ان يكون طاهرا في نفسه، وهكذا تقول في الجزء الثاني منه إذا اتصل بالمتنجس وكذا في الجزء الثالث وهكذا. و (ثانيهما): ان الجزء المتصل بالمتنجس إذا انفعل بالملاقاة فهو يوجب تنجس المغسول به ثانيا، لانه نجس وهو يوجب التنجيس لا محالة وهكذا كلما غسلناه به فلا تحصل به الطهارة، والقول بتنجسه بالملاقات وطهارته بالانفصال عنه مستبعد جدا، لان الانفصال ليس من أحد المطهرات. والجواب عن التقريب الاول: ان ما ذكره من الصغرى والكبرى ممنوعتان. (أما الصغرى) وهي انفعال الماء القليل بمجرد اتصاله بالمتنجس فلان المقصود بالكلام في المقام كما أشرنا إليه في أوائل البحث إنما هو اثبات انفعال القليل في الجملة، وعلى نحو الموجبة الجزئية، لا في كل مورد وكل حال ويكفي في ثبوت ذلك انفعال القليل بملاقاة المتنجس فيما إذا ورد عليه النجس، وأما إذا كان الماء وارادا على النجس، فهب انا التزمنا بما أفاده من عدم انفعاله بالملاقاة، لما أشار عليه من عدم امكان تطهير المتنجس بالقليل على تقدير انفعاله فهذا المحذور انما يلزم فيما إذا قلنا بانفعال القليل مطلقا، دون ما إذا خصصناه بصورة ورود النجس عليه، ويأتي تفصيل ذلك في محله إن شاء الله. وعلى الجملة ان الالتزام بعدم انفعال القليل عند وروده على النجس

[ 167 ]

تخصيصا لادلة انفعال القليل في تلك الصورة بما دل على حصول الطهارة بالغسل بالقليل لا ينافي ما نحن بصدد اثباته في المقام من انفعال الماء القليل بملاقاة النجس في الجملة، وعلى نحو الموجبة الجزئية، إذ يكفي في ثبوته انفعال القليل في صورة ورود النجس عليه هذا كله أولا. وثانيا انه يشترط في التطهير ازالة عن النجاسة عن المتنجس، وإذا زالت عين النجس عن المغسول فلا محالة يبقى متنجسا، ولنا أن نمنع عن انفعال القليل بملاقاة المتنجس، بدعوى اختصاص الاجماع والادلة الدالة على انفعال القليل بما إذا لا قته عين النجس، ولم يدلنا دليل على انفعاله بملاقاة المتنجس كما ذهب إليه المحقق الخراساني (قده) وهذا غير القول بعدم منجسية المتنجس، لانا وان قلنا بمنجسية المتنجسات كالنجاسات، إلا أن لنا أن نلتزم بعدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجسات، لاختصاص ما دل على انفعاله بملاقاة الاعيان النجسة، وعليه فلا يتنجس القليل عند اتصاله بالمتنجس حتى يلزم محذور عدم امكان تطهير المتنجس بالماء القليل. وهذان الوجهان وان كان لا يلتزم بشئ منهما على ما ستعرف، إلا ان الغرض من ذكرهما هو أن حصول الطهارة عند الغسل بالماء القليل لا ينافي الالتزام بانفعال القليل، فان المقصود اثبات انفعاله في الجملة لا في كل مورد. وأما (منع الكبرى) على تقدير تمامية الصغرى فلان الدليل إنما أثبت اشتراط عدم نجاسة الماء قبل غسل المتنجس، وأما عدم تنجسه حتى بغسله فلا، ولم يستفد ذلك من أي دليل إذ الماء لابد وأن لا يحتمل القذارة قبل الغسل به حتى يتحمل قذارة المتنجس المغسول به. وأما عدم تحمله القذارة حتى بغسله فيه فلم يقم على اعتباره دليل.

[ 168 ]

بل الامر في القذارات العرفية كما ذكرناه قطعا فان الماء إذا لم يكن متقذرا بالقذارة العرفية، وغسل به شئ متقذر عرفا فلا محالة يتحمل الماء تلك القذارة، ويرفعها عن المغسول به، والقذارة تنتقل منه إلى الماء بالغسل فإذا كان هذا حال القذارة العرفية فلتكن القذارة الشرعية أيضا كذلك. بل الحال كما وصفناه في أحجار الاستنجاء أيضا إذ يشترط فيها أن لا تكون متنجسة قبل الاستنجاء بها، مع انها تتنجس بالاستنجاء فتقلع النجاسة عن المحل ويتصف بها كما يتصف المحل بالطهارة، والماء في المقام أيضا كذلك فانه ينفعل بنجاسة المغسول به، ويتحملها بعد ما لم يكن كذلك قبل غسله فيطهر الثوب ويتنجس الماء وهو (قده) سلم ذلك في الاحجار وإنما استشكل في خصوص المقام. وأما الجواب عن التقريب الثاني: فهو انا ان استثنينا الغسالة عما دل على انفعال الماء القليل، فلا يبقى مجال لانفعال القليل باتصاله بالمتنجس وتنجس المغسول به ثانيا. وهذا ظاهر وأما إذا لم نستشن ذلك، وقلنا بنجاستها فايضا نلتزم بعدم تنجس المغسول بالماء القليل ثانيا، وذلك بتخصيص ما دل على تنجيس المتنجس بما دل على جواز التطهير بالقليل. و (منها): اي من جملة ما استدل به الكاشاني (ره) ان دلالة الاخبار على انفعال الماء القليل بالمفهوم، ودلالة الاخبار الخاصة أو العامة على عدم انفعاله بالمنطوق والدلالة المنطوقية تتقدم على الدلالة المفهومية، كما أن النص يتقدم على الظاهر كذا أفاده (قده). ولا يخفى عدم تمامية شئ من الصغرى والكبرى في كلامه. (أما عدم تمامية الصغرى): فلاجل أن الدليل على انفعال الماء القليل غير منحصر في مفهوم قوله (ع) الماء إذا بلغ. فان هناك روايات خاصة قد دلت على انفعال القليل بمنطوقها.

[ 169 ]

و (أما منع الكبرى): فلما بينا في محله من أن كون الدلالة بالمنطوق لا يكون مرجحا لاحد المتعارضين على الآخر، بل قد تتقدم الدلالة المفهومية على المنطوق، كما إذا كان المفهوم أخص مطلقا من المنطوق وبذلك نقدم الاخبار الدالة على انفعال القليل وإن كانت الدلالة بالمفهوم على ما دل على عدم انفعاله بالمنطوق من العموم أو الاطلاق لان الاولى أخص مطلقا من الثانية. على أن المعارضة للدلالة المفهومية ترجع إلى معارضة الدلالة المنطوقية لاستحالة التصرف في المفهوم بما هو فانه معلول وملازم للخصوصية المذكورة في المنطوق، وعليه فالمعارضة بين المنطوقين دائما كما ذكرناه. وتفصيل ذلك موكول إلى علم الاصول. و (منها): ان اختلاف الروايات الواردة في تحديد الكر يكشف كشفا قطعيا عن عدم اهتمام الشارع بالكر حيث حد في بعضها بسبعة وعشرين شبرا، وفي بعضها الآخر بستة وثلاثين، وفي ثالث باثنين وأربعين شبرا وسبعة أثمان شبر، وعليه فلا مناص من حملها على بيان استحباب التنزه عما لم يبلغ حد كر لما بينها من الاختلاف الكثير. ويدفعه: ان اختلاف الاخبار الوارة في التحديد لا يكشف عن عدم اهتمام الشارع بوجه، بل المتعين حينئد أن يؤخذ بالمقدار المتيقن، ويحمل الزائد المشكوك فيه على الاسحباب. و (منها): ان الماء القليل لو كان ينفعل بالملاقاه لبين الشارع كيفية التحفظ عليه وأمر بحفظه عن ملاقاة النجاسات، والمتنجسات كايدي المجانين والصبيان المتقذرة غالبا ولم يرد من الشارع رواية في ذلك. وأيضا استلزم ذلك نجاسة جميع مياه البلدتين المعظمتين (مكه والمدينة) لا نحصار مائهما في القليل غالبا وتصل إليه أيدي الاطفال، ونظائرها مما هو متنجس على الاغلب، ومعه كيف يصنع أهل البلدتين؟ بل بذلك يصبح جعل أحكام

[ 170 ]

الماء في حقهم من الطهارة وغيرها لغوا ظاهرا. أما ما ذكره أولا: فالجواب عنه أن بيان كيفية التحفظ على الماء القليل غير لازم على الشارع بوجه، فان التحفظ عليه كالتحفظ على الاموال والذي يلزم على الشارع هو بيان حكم القليل، وبعد ما صرح باعلى صوته على ان الماء القليل ينفعل بملاقاة النجس والمتنجس - على ما نطقت به الاخبار المتقدمة في محلها فعلى المكلف أن يجنبه عن ملاقاة ما يوجب تنجسه من أيدي المجانين، والاطفال وغيرهما من تغلب النجاسة في شفتيه أو يديه. وأما ما ذكره ثانيا فيرده أن الشارع قد حكم بطهارة كل ما يشك في نجاسته، ومن الظاهر انه لا علم وجداني لاحد بنجاسة مياه البلدتين، وانما يحتمل نجاستها كما يحتمل طهارتها، فان دعوى العلم بنجاسة الجميع. جزافية محضة. (لا يقال): لا استبعاد في دعوى العلم الوجداني بنجاسة مياه البلدتين نظرا إلى أن النجاسة من الامور السارية كما نشاهده بالعيان عندما نسي احد نجاسة يده مثلا، فانه إلى أن يلتفت إليها قد نجس أشياء كثيرة من ثيابه وبدنه، وأوانيه وغيرها. هذا بضميمة ملاحظة الاماكن التي جرت عادتهم على جعل المياه القليلة عليها في البلدتين، حيث ان المياه فيهما تجعل على ظروف وأوان مثبتة في بيت الخلاء، وقد جعل عندها آنية اخرى يأخذ بها المتخلي من مياه الاواني المثبتة فيستنجي ويطهر بدنه، وليست أواني المياه في البلدتين كالحباب المتعارفة عندنا مما يمكن تطهيره بالمطر أو الشمس أو بالقاء كر عليه، فانها كما بيناه مثبتة في بيت الخلاء، وهي مسقفة لا تصيبها شمس ولا مطر ولا يلقى عليها كر. وملاحظة كثرة الواردين عليهما من حجاج وزوار، وهي على طوائف

[ 171 ]

مختلفة من فرق السنة والشيعة وفيهم أهل البوادي والقرى وغيرهم ممن لا يبالي بالنجاسة وربما يعتقد بكفاية مطلق ازالة العين في التطهير فإذا قلنا مع ذلك كله بانفعال الماء القليل، وتنجس ما في تلك الاواني المثبتة بنجاسة يد أحد الواردين، أو الاطفال والمجانين، فلا محالة تسري النجاسة منها إلى جميع الاشياء الموجودة في البلدتين، ومن البين أن دعوى العلم القطعي بنجاسة يد أحد الواردين والمتخلين من هؤلاء الجماعات قريبة لا سبيل إلى انكارها، وقد عرفت أن ذلك يستلزم العلم بنجاسة جميع المياه وغيرها مما يوجد في البلدتين. لانه يقال هذه الدعوى وان كانت صحيحة كما ذكرت، إلا أنها تتوقف على القول بانفعال القليل بكل من النجس والمتنجس، إذ لو اقتصرنا في انفعاله بملاقاة الاعيان النجسة كما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قده) أو منعنا عن كون المتنجس منجسا مطلقا، ولو مع الواسطة كما يأتي تفصيل ذلك في محله إن شاء الله لم يبق في البين إلا إحتمال النجاسة، وهو مورد لقاعدة الطهارة. نعم لو قلنا بانفعال القليل بكل من النجاسات والمتنجسات، وقلنا ايضا بتأثير المتنجس في التنجيس على الاطلاق مع الواسطة، وبدونها لكانت الشبهة المذكورة وهي دعوى العلم الوجداني بنجاسة المياه القليلة، بل جميع الاشياء في العالم مما لا مدفع له. وإنكار العلم الوجداني حينئذ مكابرة بينة، بل ذكر المحقق الهمداني (قده) إن من أنكر حصول العلم الوجداني له بنجاسة كل شئ، وهو يلتزم بمنجسية المتنجسات، فلا حق له في دعوى الاجتهاد والاستنباط فانه لا يقوى على استنتاج المطالب من المبادئ المحسوسة فضلا عن أن يكون من أهل الاستدلال والاجتهاد، والامر كما أفاده لما مر من أن النجاسة

[ 172 ]

مسرية فان العلم بنجاسة يد أحد الواردين على أماكن الاجتماع كالمقاهي والمطاعم والبلدتين المعظمتين أو شفتيه حاصل لكل أحد، وهو يستلزم العلم بنجاسة كل شئ (* 1) والجواب عن هذه الشبهة منحصر بما ذكرناه انفعال القليل بالمتنجسات (الحهة الرابعة): ان ما ذكرناه من انفعال القليل بالملاقاة هل يختص بملاقاة الاعيان النجسة أو يعم ملاقاة المتنجسات أيضا؟. ذهب المحقق صاحب الكفاية (قده) إلى أن المتنجس القليل ووافقه على ذلك شيخنا المحقق الكبير الشيخ محمد حسين الاصفهاني (قده) في بحثه الشريف. مستدلا بان مدرك انفعال القليل بالملاقاة إما هو الاجماع وهو غير متحقق في ملاقاة المتنجسات على نحو يفيد القطع بالحكم، كما هو المطلوب في الادلة اللبية، والمقدار المتيقن منه هو خصوص ملاقاة الاعيان النجسة. وإما الروايات الواردة في تحديد الكر، وهي وان دلت على انفعال القليل بما لا ينفعل به الكثير، إلا ان مدلولها: تعليق العموم لا السلب العام فمفهومها ان القليل ينجسه شئ ما، فان السالبة الكلية تناقضها الموجبة الجزئية وليس هذا الشئ هو التغير قطعا، لانه ينجس الكثير أيضا،


(* 1) وينقل عن بعض الافاضل في النجف انه كان يتيمم بدلا عن الوضوء دائما قبل مد أنابيب الماء بدعوى العلم بنجاسة جميع المياه فان السقائين كانوا يضعون القربة على الارض وهي متنجسة بالبول والعذرة وبذلك كانت تتنجس القربة وما عليها من القطرات التي تصيب ماء القربة عند قلبها لتفريغها.

[ 173 ]

ولا اختصاص له بالقليل، فتعين أن يكون هو ملاقاة النجاسات كما هي المتيقن، واذ اثبت منجسية شئ منها ثبت منجسية غيره من الاعيان النجسة أيضا لعدم القول بالفصل، أو لما دل من الاخبار الخاصة على منجسية الاعيان النجسة. وأما المتنجسات فلا يستفاد منها أنها كالنجاسات كما أسلفناه في الاصول. وإما هو الاخبار الخاصة. وهي انما تختص بعين النجاسات من الكلب والدم والبول وغيرها من الاعيان النجسة كما انها المنسبق من الشئ في الاخبار العامة ولا أقل انها القدر المتيقن منه كما أشرنا إليه آنفا، وعلى الجملة لا دليل على انفعال القليل بالمتنجسات. ولا يخفى انه وان لم ترد رواية في خصوص انفعال القليل بملاقاة المتنجسات إلا ان مقتضى اطلاق غير واحد من الاخبار ان القليل ينفعل بملاقاة المتنجسات كما ينفعل بملاقاة الاعيان النجسة، واليك جملة منها. (منها): ما رواه أبو بصير عنهم عليهم السلام قال: إذا أدخلت يدك في الاناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلا ان يكون أصابها قذر بول أو جنابة فان ادخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فاهرق ذلك الماء (* 1) حيث دلت على أن ملاقاة اليد المصابة ببول أو مني تنجس الماء القليل مطلقا سواء أكان فيها عين البول أو المني موجودة أم لم تكن. و (منها): صحيحة احمد بن محمد بن أبي نصر قال سألت أبا الحسن (ع) عن الرجل يدخل يده في الاناء وهي قذرة قال يكفئ الاناء (* 2) ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين صورتي وجود عين النجاسة في اليد، وزوالها عنها. و (منها): موثقة سماعة عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا أصاب الرجل جنابة فادخل يده في الاناء فلا بأس إذا لم يكن أصاب يده شئ من المني (* 3)


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في الباب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 174 ]

ومفهومها ان اليد إذا أصابها شئ من المني، وأدخلها في الاناء ففيه بأس واطلاق مفهومها يشمل ما إذا كانت عين المني موجودة في اليد، وما إذا زالت عينها. و (منها): موثقة اخرى لسماعة قال: سألته عن رجل يمس الطست أو الركوة ثم يدخل يده في الاناء قبل أن يفرغ على كفيه قال: يهريق. وان كانت أصابه جنابة فادخل يده في الماء فلا بأس به ان لم يكن أصاب يده شئ من المني. (* 1) ومفهومها انه إذا أصابها شئ من المني ففيه بأس، واطلاق مفهومها يعم صورتي وجود عين المني في يده وزوالها عنها. وقد صرح (ع) بهذا المفهوم بعد ذلك بقوله: وان كان أصاب يده في الماء قبل أن يفرغ على كفيه فليهرق الماء كله. و (منها): ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الجنب يحمل (يجعل) الركوة أو التور فيدخل اصبعه فيه قال: ان كانت يده قذرة فاهرقه. (* 2) وهي أيضا مطلقة تشمل صورتي وجود عين النجس، وزوالها عن اليد. وعلى الجملة ان الاخبار مطلقة، والاطلاق يكفي في الحكم بانفعال الماء القليل بالمتنجسات، ومعه لا تسعنا المساعدة لما ذهب إليه صاحب الكفاية (قده) من التفصيل بين ملاقاة النجاسات والمتنجسات كما لا وجه لما ادعاه من عدم دلالة دليل على منجسية المتنجس للقليل، فان اطلاقات الاخبار يكفي دليلا على المدعى، ومجرد ان انفعال القليل بملاقاة الاعيان النجسة هو المقدار المتيقن من المطلقات لا يمنع عن التمسك باطلاقاتها لما قررناه في الاصول من أن وجود القدر المتيقن في البين غير مضر بالاطلاق. وقد يتوهم تقييد تلك المطلقات بما ورد في رواية أبي بصير المتقدمة


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 175 ]

من قوله (ع) إلا أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة فان أدخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك فاهرق ذلك الماء. حيث قيد (ع) الحكم بانفعال الماء بما إذا أدخل يده في الماء، وفيها شئ من قذر بول أو جنابة، ووجود القذر في اليد إنما يكون بوجود عين البول والجنابة فيها دون ما إذا زالت عينهما عن اليد، فمقتضى الرواية عدم انفعال الماء القليل بملاقاه مثل اليد المتنجسة فيما إذا زالت عنها عين القذر من البول والمني فالمتنجس لا يوجب التنجيس، وبها نقيد اطلاق سائر الاخبار. ولا يخفى عدم امكان المساعدة عليه، وذلك لان للقذر اطلاقان: فربما يطلق ويراد منه المعنى الاشتقاقي بمعنى الحامل للقذارة، وعليه فاضافته إلى البول والجنابة اضافة بيانية كخاتم فضة أي قذر من بول أو جنابة ولا بأس بالاستدلال المتقدم حينئذ، فان مفهوم الرواية انه إذا لم يكن في اليد بول أو جنابة فلا بأس بادخالها الاناء. واخرى يطلق ويراد منه المعنى المصدري أي القذارة، وبهذا تكون اضافته إلى البول والجنابة اضافة نشوية ومعناه ان في اليد قذارة ناشئة من بول أو جنابة، وعليه لا يتم الاستدلال المذكور بوجه لان اليد حينئذ وان كانت خالية عن البول والجنابة، إلا انها محكومة بالقذارة الناشئة من ملاقاة البول أو الجنابة، فصح أن يقال فيها شئ من القذر، وبما انه لا قرينة على تعيين ارادة أحد المعنيين فتصبح الرواية بذلك مجملة، ولا يصح الاستدلال بها على التقييد. هذا كله على ان الرواية غير خالية عن المناقشة في سندها حيث ان في طريقها عبد الله بن المغيرة، ولم يظهرانه البجلي الثقة، فالرواية ساقطة عن الاعتبار.

[ 176 ]

ونظيرها في توهم التقييد رواية علي بن جعفر (* 1) الا ان شذوذها، واشتمالها على ما لا يلتزم به الاصحاب، وهو تفصيلها في الحكم بالانفعال وعدمه بين صورتي وجدان ماء آخر وعدم وجدانه يمنع عن رفع اليد بها من المطلقات. والمتحصل أن التفصيل في انفعال الماء القليل بين ملاقاة النجاسات والمتنجسات غير وجيه. تفصيل حديث نعم يمكن أن نفصل في المقام تفصيلا آخر ان لم يقم اجماع على خلافه وهو التفصيل بين ملاقاه القليل للنجاسات والمتنجسات التي تستند نجاستها إلى ملاقاة عين النجس، وهي التي نعبر عنها بالمتنجس بلا واسطة وبين ملاقاة المتنجسات التي تستند نجاستها إلى ملاقاة متنجس آخر اعني المتنجس مع الواسطة بالا لتزام بالانفعال في الاول دون الثاني، إذ لم يقم دليل على انفعال القليل بملاقاة المتنجس مع الواسطة، حتى انه لا دلالة عليه في رواية ابي بصير المتقدمة بناء على ارادة المعنى الثاني من القذر فيها وذلك لان القذر لم ير اطلاقه على المتنجسات غير الملاقية لعين النجس اعني المتنجس بملاقاة متنجس آخر، فانه نجس ولكنه ليس بقذر. والذي يمكن أن يستدل به على انفعال القليل بملاقاة مطلق المتنجس، ولو كان مع الواسطة امران.


(* 1) وهي ماعن علي بن جعفر (ع) عن جنب اصابت يده جنابة من جنابته فمسحها بخرقة ثم أدخل يده في غسله هل يجزيه أن يغتسل من ذلك الماء؟ قال (ع): ان وجد ماء غيره فلا يجزيه ان يغتسل وان لم يجد غيره أجزاه. المروية في قرب الاسناد ص 84 المطبوع بايران.)

[ 177 ]

(أحدهما): التعليل الوارد في ذيل بعض الاخبار الواردة في نجاسة سؤر الكلب، وقد ورد ذلك في روايتين. (إحداهما): صحيحة البقباق قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل والحمار والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئا الا سألت عنه فقال: لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب. فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله فاصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء (* 1). (وثانيتهما): ما عن معاوية بن شريح قال سأل عذافر أبا عبد الله (ع) وانا عنده عن سؤر السنور والشاة والبقرة والبعير والحمار والفرس والبغل والسباع يشرب منه أو يتوضأ منه؟ فقال نعم اشرب منه وتوضأ منه قال: قلت له الكلب؟ قال: لا قلت اليس هو سبع؟! قال: لا والله انه نجس، لا والله انه نجس (* 2) وتقريب الاستتدلال بهاتين الرواتيين انه (ع) علل الحكم بعدم جواز التوضؤ والشرب من سؤر الكلب بانه رجس نجس. فيعلم من ذلك أن المناط في التنجس، وعدم جواز الشرب والوضوء، هو ملاقاة الماء للنجس فنتعدى من الكلب الذي هو مورد الرواية إلى غيره من أفراد النجاسات، ومن الظاهر أن النجس كما يصح اطلاقه على الاعيان النجسة كذلك يصح اطلاقه على المتنجسات حيث لم يؤخذ في مادة النجس ولا في هيئته ما يخصه بالنجاسة الذاتية، بل يعمها والنجاسة العرضية فالمتنجس نجس حقيقة، فإذا لا قاه شئ من القليل فقد لاقى نجسا، ويحكم عليه بالنجاسة وعدم جواز الشرب والوضوء منه، فالروايتان تدلان على منجسية المتنجسات للقليل سواء أكانت مع الواسطة أم بلا واسطة.


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 1 من أبواب الاسئار من الوسائل.

[ 178 ]

ولكن للمناقشة في الاستدلال بهما مجال واسع (أما في الرواية الاولى): فلانها وان كانت صحيحة سندا الا أن دلالتها ضعيفة. والوجه فيه أن الرجس إنما يطلق على الاشياء خبيثة الذوات، وهي التي يعبر عنها في الفارسية ب‍ (پليد) كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) (* 1) ولا يصح اطلاقه على المتنجسات فهل ترى صحة اطلاقه على عالم هاشمي ورع لتنجس بدنه؟! وكيف كان فان اطلاق الرجس على المتنجس من الاغلاط، وعليه فالرواية مختصة بالاعيان النجسة ولا تعم المتنجسات. على أن الرواية غير مشتملة على التعليل حتي يتعدى منها إلى غيرها، بل هي مختصة بالكلب، ولا تعم سائر الاعيان النجسة فما ظنك بالمتنجسات ومن هنا عقبه (ع) بقوله (اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء) فانه يختص بالكلب وهو ظاهر. ولازم التعدي عن مورد الصحيحة إلى غيره هو الحكم بوجوب التعفير في ملاقي سائر الاعيان النجسة أيضا، وهو ضروري الفساد، ومع عدم امكان التعدي عن موردها إلى سائر الاعيان النجسة كيف يتعدى إلى المتنجسات وعلى الجملة لو كنا نحن وهذه الصحيحة لما قلنا بانفعال القليل بملاقاة غير الكلب من أعيان النجاسات فضلا عن انفعاله بملاقاة المتنجسات. و (أما في الرواية الثانية): فلانها ضعيفة سندا بمعاوية بن شريح بل يمكن المناقشة في دلالتها ايضا، وذلك لان النجس وان صح اطلاقه على المتنجس على ما أسلفناه آنفا، إلا أنه عليه السلام ليس في الرواية بصدد بيان أن النجس منجس وانما كان بصدد دفع ما توهمه السائل حيث توهم أن الكلب من السباع، وقد دفعه (ع) بان الكلب ليس من تلك السباع


(1) المائدة 5: 90

[ 179 ]

التي حكم بطهارة سؤرها. الامر الثاني: صحيحة زرارة التى رواها علي بن إبراهيم بطريقه الصحيح. وقد حكى فيها الامام (ع) عن وضوء النبي صلى الله عليه وآله فدعا بوعاء فيه ماء فادخل يده فيه بعد أن شمر ساعده، وقال: هكذا ان كانت الكف طاهرة. (* 1) فانها دلت بمفهومها على أن الكف إذا لم تكن طاهرة فلا يسوغ ادخالها الماء، ولا يصح منه الوضوء، ولا وجه له إلا انفعال القليل بالكف المتنجسة، وباطلاقها تعم مااذا كانت نجسة بعين النجاسة. وما إذا كانت نجسة بالمتنجس الذي نعبر عنه بالمتنجس مع الواسطة. وهذه الرواية أحسن ما يستدل به في المقام لصحة سندها، وتمامية دلالتها على عدم الفرق بين المتنجس بلا واسطة، والمتنجس مع الواسطة. ولكن الصحيح ان الرواية مجملة لا يعمد عليها في اثبات المدعى، وذلك لاحتمال ان يكون الوجه في اشتراطه (ع) طهارة الكف في ادخالها الاناء عدم صحة الوضوء بالماء المستعمل في رفع الخبث حتى على القول بطهارته ذلك: لان العامة ذهبوا إلى نجاسة الماء المستعل في رفع الحدث الاكبر، بل والمستعمل في رفع الحدث الاصغر أيضا عند أبي حنيفة، وقد ذهب إلى أن نجاسته مغلظة (* 2). وأما عند الامامية فالماء القليل المستعمل في رفع الحدث مطلقا محكوم بالطهارة سواء استعمل في الا كبر منه أم في الاصغر. نعم في جواز رفع الحدث الاكبر ثانيا بالماء المستعمل في رفع الحدث الا كبر خلاف عندهم، فذهب بعضهم


(* 1) المروية في الباب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) قد قدمنا نقل أقوالهم في الماء المستعمل في الغسل والوضوء سابقا ونقلنا ذهاب أبي حنيفة إلى النجاسة المغلظة عن ابن حزم في المجلد 1 من المحلى وان لم يتعرض له في (الفقه على المذاهب الاربعة) فراجع.

[ 180 ]

إلى جوازه، ومنعه آخرون، ويأتي ما هو الصحيح في محله ان شاء الله تعالى. وأما الماء المستعمل في رفع الحدث الاصغر، وهو الماء المستعمل في الوضوء فلم يقع خلاف بين الاصحاب في طهارته، وفي جواز استعماله في الوضوء ثانيا وثالثا وهكذا. هذا كله في المستعمل في رفع الحدث. وأما الماء القليل المستعمل في رفع الاخباث أعني به الغسالة فقد وقع الخلاف في طهارته ونجاسته بين الاعلام، إلا انه لا يجوز استعماله في رفع شئ من حدثي الاكبر والاصغر حتى على القول بطهارته، وقد تعرض له الماتن عند تعرضه لما يعتبر في الماء المستعمل في الوضوء. والماء الموجود في الاناء في مورد الرواية ماء مستعمل في رفع الخبث على تقدير نجاسة الكف فانه بمجرد ادخالها الاناء يصير الماء مستعملا في الخبث. فان صدق هذا العنوان واقعا غير مشروط بقصد الاستعمال لكفاية مجرد وضع المتنجس في الماء في صدق المستعمل عليه كما هو ظاهر، وبهذا تصبح الرواية مجملة لعدم العلم بوجه اشتراطه (ع) الطهارة في الكف، وانه مستند إلى أن المتنجس ولو مع الواسطة ينجس القليل، أو أنه مستند إلى إلى عدم كفاية المستعمل في رفع الخبث في الوضوء، وان كان طاهرا في نفسه. فالرواية مجملة لا يمكن الاستدلال بها على منجسية المتنجس للقليل مطلقا، فإذا لا دليل على انفعال القليل بالمتنجس مع الواسطة، فيختص الانفعال بما إذا لا قي القليل عين النجس، أو المتنجس بعين النجس والتفصيل بين المتنجس بلا واسطة والمتنجس مع الواسطة متعين إذا لم يقم اجماع على خلافه كما ادعاه السيد بحر العلوم (قده) فان ثم هذا الاجماع فهو، وإلا فالتفصيل هو المتعين وعلى الاقل لا يسعنا الافتاء بانفعال القليل بملاقاة المتنجس مع الواسطة، والاحتياط مما لا ينبغي تركه.

[ 181 ]

[ حتى برأس إبرة من الدم الذي لا يدركه الطرف (1) ] انفعال القليل بالدم الذي لا يدركه الطرف (1) هذه هي الجهة الخامسة من الكلام في هذه المسالة، والكلام فيها في انفعال القليل بمقدار من الدم الذي لا يدر كه الطرف كانفعاله بالدم الزائد على هذا المقدار وعدم انفعاله به. وقد ذهب الشيخ الطوسي (قده) إلى عدم انفعاله بالمقدار المذكور من الدم، ومستنده في ذلك ما رواه هو (قده) في مبسوطه واستبصاره والكليني في الكافي في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صفارا فاصاب إناء ه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال (ع): ان لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس وان كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه. (* 1) والرواية صحيحة لا اشكال في سندها وإنما الكلام في دلالتها ومفادها. وقد احتمل فيها وجوه: (الاول): ما عن شيخنا الانصاري (قده) من حمله الرواية على الشبهة المحصورة وموارد العلم الاجمالي بوقوع قطرة من الدم في شئ، ولا يدري انه داخل الاناء أعني الماء أو أنه خارجه، وبما أن أحد طرفي العلم وهو خارج الاناء خارج عن محل الابتلاء، فالعلم المذكور كلا علم، ومن هنا حكم عليه السلام بعدم نجاسة ماء الاناء. (الثاني): ما ذكره الشيخ الطوسي (قده) من حمله الرواية على الماء الموجود في الاناء والتفصيل في نجاسته بين ما إذا كان ما وقع فيه من الدم بمقدار يستبين


(* 1) المروية في الباب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 182 ]

في الماء فينفعل وما إذا لم يكن بمقدار يستبين فلا ينفعل. (الثالث): ما احتمله صاحب الوسائل وقواه شيخنا شيخ الشريعة الاصفهاني (قدهما) في بحثه الشريف من حمل الرواية على الشبهات البدوية وان المراد بالاناء هو نفسه دون مائه ولا الاعم من نفسه ومائه وقد فرض الراوي العلم باصابة قطرة من الدم لنفس الاناء، وتنجسه بذلك قطعا، إلا أنه شك في أنها هل أصابت الماء أيضا أو أصابت الاناء فحسبت؟ ففصل الامام عليه السلام بين صورتي العلم باصابة القطرة لماء الاناء فحكم فيها بالانفعال وجهله باصابتها فحكم بطهارته، فالمراد بالاستبانه هو العلم بوقوع القطرة في الماء، فإذا لم يكن معلوما فهو مشكوك فيه فليحكم عليه بالطهارة. وهذا الاحتمال الذي قواه شيخنا شيخ الشريعة (قده) هو المتعين بناء على النسخة المطبوعة سابقا المعروفة بالطبع البهادري المشتملة على زيادة قوله (ع) ولم يستبن في الماء بعد قوله فاصاب انائه. فان تقابل قوله (ع) ولم يستبن في الماء بقول (أصاب انائه) يوجب ظهور الاناء في نفس الظرف دون المظروف، والماء. ومعناها حينئذ ان القطرة أصابت الاناء قطعا، ولكنه يشك في انها أصابت الماء أيضا، أم لم تصبه فيرجع في الماء إلى قاعدة الطهارة. ولكن النسخة مغلوطة قطعا، والزيادة ليست من الرواية كما في الطبعة الاخيرة من الواسائل وعليه ففي الرواية احتمالات ثلاثة أبعدها ما ذكره شيخنا الانصاري (قده) فيدور الامر بين الاحتمالين الباقيين أعني ما احتمله الشيخ الطوسي (قده) وما قواه شيخنا شيخ الشريعة (ره) وحيث لا معين لا حدهما في البين فتصبح الرواية مجملة لا يمكن الاعتماد عليها شئ. بل يمكن أن يقال: ان ما احتمله شيخنا شيخ الشريع (قده) هو الاظهر من سابقه، فان اطلاق الاناء على الماء وان كان صحيحا باحدى العلاقات

[ 183 ]

المسوغة للتجوز كالحالية والمحلية والمحلية، إلا انه بالنتيجة معنى مجازي للاناء لا مقتضى للمصير إليه بعد امكان حمله على معناه الحقيقي، فنحمله على ذلك المعنى، وهو الظرف كما حمله عليه شيخنا المتقدم، ويلزمه التفصيل بين صورتي العلم بالنجاسة كما في الاناء والجهل بها كما في الماء، فهو شبهة موضوعية بدوية يحكم فيها بالطهارة كما هو واضح، وهذا الاحتمال هو المتعين. (وأما ما ربما يقال) من ان قاعدة الطهارة أو استصحابها كادت أن تكون من الامور البديهية، ومثلها لا يخفى عى مثل علي بن جعفر (ع) فحمل الرواية على الشبهات الموضوعية بعيد، ولا محيص من حملها على اردة معنى آخر. (فهو مما لا يصغى إليه) فان قاعدة الطهارة أو استصحابها انما صارت من الواضحات في زماننا لا في زمانهم، حيث انها مما ثبت بتلك الروايات لا بشي ء آخر قبلها هذا. على أن المورد قد احتف بما يوجب الظن بالاصابة، ولعله الذي دعى علي بن جعفر إلى السؤال فانه إذا رعف وامتخط وأصاب الدم الاناء، فهو يورث الظن باصابته للماء أيضا ولمكان هذا لظن سأله (ع) عن حكمه. وقد وقع نظير ذلك في بعض روايات الاستصحاب أيضا حيث سأله زرارة عن ان الخفقة والخفقتين توجب الوضوء أولا؟ وانه إذا حرك في جنبه شئ وهو لا يعلم. فان استصحاب الطهارة في الشبهات الموضوعية والحكمية مما لا يكاد يخفى على زرارة وأضرابه. ولكنه انما صار واضحا بتلك الاخبار، ولعل الذي دعاه للسؤال عن الشبهتين ملاحظة ما يثير الظن بالمنام في مورد السؤال أعني تحريك شئ في جنبه وهو لا يعلم فالاشكال مندفع بحذافيره والرواية إما مجملة وإما ظاهرة فيما قدمناه، فلا دلالة فيها على التفصيل المذكور

[ 184 ]

[ سواء كان مجتمعا أم متفرقا مع اتصالها بالسواقي (1) فلو كان هناك حفر متعددة، فيها الماء واتصلت بالسواقي، ولم يكن المجموع كرا إذا لاقى النجس واحدة منها تنجس الجميع، وإن كان بقدر الكر لا ينجس، وإن كان متفرقا على الوجه المذكور، ] بوجه، ومقتضى الاطلاقات والعمومات الدالة على انفعال القليل بالملاقاه انفعاله بملاقاة الدم الذي لا يدركه الطرف أيضا. نعم ان في المقام شيئا. ولعله مراد الشيخ الطوسي (قده) وان كان بعيدا، وهو أن النجس دما كان أو غيره كالعذرة إذا لم يطلق عليه عنوانه عند العرف لدقته وصغارته، فلا نلتزم في مثله بانفعال القليل إذا لاقى مثله، وهذا كما في الكنيف، والامكنة التي فيها عذرة فان كنسها أو هبوب الرياح إذا أثار منها الغبار، ووقع ذلك الغبار على موضع رطب من البدن كالجبين المتعرق أو من غيره، فلا يوجب تنجس الموضع المذكور مع أن فيه أجزاء دقيقة من العذرة أو من غيرها من النجاسات. ولكن هذا لا يحتاج فيه إلى الاستدلال بالرواية فان المدرك فيه انصراف اطلاقات ما دل على نجاسة العذرة ونحوها عن مثله، وعدم دخوله تحتها لان المفروض عدم كونه عذرة لدى العرف لدقته وصغارته. (1) وذلك لان الاتصال مساوق للوحدة، وهي المعيار في عدم انفعال الماء إذا بلغ قدر كر وانفعاله فيما إذا لم يبلغه، فما عن صاحب المعالم (قده) من عدم اعتصام الكر فيما إذا كان متفرقا، ولو مع اتصالها بالسواقي والانابيب فيما لم نقف له على وجه محصل. إذ لا مجال لدعوى انصراف الاطلاقات عن مثله، وهذا من الوضوح بمكان إلا فيما إذا اختلف سطح المائين لما أسلفناه من أن العالي منهما إذا اندفع بقوة ودفع وتنجس بشئ لا ينجس سافلهما كا عرفت تفصيله.

[ 185 ]

[ فلو كان ما في كل حفرة دون الكر وكان المجموع كرا ولاقى واحدة منها النجس لم تنجس لا تصالها بالبقية. (مسألة 1) لا فرق في تنجس القليل بين أن يكون واردا على النجاسة أو مورودا (1) ] التفصيل بين الوارد والمورود (1) هذه هي الجهة السادسة من الكلام في المقام وتفصيل ذلك ان السيد المرتضى (قده) فصل في انفعال القليل بملاقاة النجس بين ورود الماء على النجس أو المتنجس فلا ينفعل، وبين ورودهما عليه فينفعل. وهذا التفصيل مبني على أن أدلة انفعال القليل بالملاقاة لا يفهم منها عرفا إلا سراية النجاسة من الملاقي إلى الماء القليل في خصوص ما إذا وردت النجاسة عليه، دون ما إذا ورد الماء على النجس وذلك لان روايات اشتراط اعتصام الماء ببلوغه كرا لا تدل على انفعال القليل بكل فرد من أفراد النجاسات والمتنجسات كما مر، فضلا عن أن يكون لها اطلاق أحوالي يقتضي انفعال القليل بالملاقاة باي كيفية كانت. بل لو سلمنا دلالتها على الانفعال بكل فرد فرد من النجاسات والمتنجسات لم يكن لها اطلاق أحوالي كي تدل على نجاسة القليل حالة وروده على النجس. واما الاخبار الخاصة الدالة على انفعال القليل بمجرد الملاقاة فهي كلها واردة في موارد ورود النجاسة على الماء فلا دلالة لها على انفعال القليل فيما إذا ورد الماء على النجس هذا. ولكن الانصاف ان العرف يستفيد من أدلة انفعال القليل بملاقاة

[ 186 ]

مثل الكلب والعذرة وغيرهما من المنجسات أن الحكم بالنجاسة والانفعال مستند إلى ملاقاة النجس للماء، بلا خصوصية في ذلك لوروده على النجس، أو لورود النجس عليه فلا خصوصية للورود بحسب المتفاهم العرفي في التنجيس، لانه يرى الانفعال معلولا للملاقاة خاصة، كما هو الحال فيما إذا كان ملاقي النجس غير الماء كالثوب واليد ونحوهما، فانه إذا دل دليل على ان الدم إذا لاقى ثوبا ينجس الثوب مثلا فالعرف لا يفهم منه إلا أن ملاقاة الدم للثوب هي العلة في تنجسه، فهل ترى من نفسك أن العرف يستفيد من مثله خصوصية لورود الدم على الثوب؟! ويؤيد ما ذكرناه اعتراف السيد المرتضى (قده) بوجود المقتضي لتنجس الماء في كلتا الصورتين، إلا انه تشبث بابداء المانع من تنجسه في ما إذا كان الماء واردا على النجس، بتقريب ان الماء القليل لو كان منفعلا بملاقاة النجس مطلقا لما أمكننا تطهير شئ من المتنجسات به، وهذا باطل بالضرورة. والجواب عنه ما أشرنا إليه سابقا من أن الالتزام بالتخصيص، أو دعوى حصول الطهارة به حينئذ وان اتصف الماء بالنجاسة في نفسه يدفع المحذور برمته. ويؤيد ما ذكرناه أيضا، ويستأنس له بجملة من الروايات. (منها): ما قدمناه من صحيحة البقباق (* 1) حيث علل فيها الامام (ع) نجاسة سؤر الكلب بانه رجس نجس دفعا لما تخيله السائل من أنه من السباع فلو كان لورود النجاسة خصوصية في الانفعال لذكره الامام عليه السلام لانه في مقام البيان. و (منها): تعليله عليه السلام في رواية الاحوال (* 2) طهارة ماء


(* 1) المروية في الباب 1 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 13 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 187 ]

الاستنجاء بان الماء اكثر بعد قوله (ع) أو تدري لم صار لا بأس به، ولم يعللها بورود الماء على النجس، فلو كان بين الوارد والمورود فرق لكان التعليل بما هو العلة منهما أولى. هذا كله مع وجود الاطلاق في بعض الروايات، وفي ذلك كفاية فقد دلت راوية أبي بصير (* 1) على نجاسة الماء الملاقي لما يبل ميلا من الخمر من غير تفصيل بين ورود الخمر على الماء وعكسه. التفصيل بين استقرار النجس وعدمه (الجهة السابعة): فيما ذهب إليه بعض المحققين من المتأخرين من التفصيل في انفعال القليل بين صورتي ملاقاة الماء لشئ من النجاسات والمتنجسات، واستقراره معه وملاقاته لا حدهما وعدم استقراره معها كما إذا وقعت قطرة ماء على أرض نجسة فطفرت عنها إلى مكان آخر بلا فصل فالتزم بعدم انفعال القليل في صورة عدم استقراره مع النجس. واستدل عليه بروايه عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله (ع) اغتسل في مغتسل يبال فيه ويغتسل من الجنابة، فيقع في الاناء ما ينزو من الارض، فقال: لا بأس به (* 2). فانها دلت على أن الماء الذي لا قي أرضا متنجسة، أو النجس الموجود فيها، ولم يستقر معه بل انفصل عنه بمجرد الاتصال لا ينفعل بملاقاتهما حيث أن ظاهرها ان ما ينزو إنما ينزو من الارض النجسة التي يغتسل فيها وهو المكان الذي يبال فيه، ويغتسل فيه من الجنابة ودلالتها على هذا ظاهرة.


(* 1) كما في رواية أبي بصير المروية في الباب 38 من أبواب النجاسات (* 2) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 188 ]

وقد تحمل الرواية على ان السؤال فيها عن حكم الملاقي لاطراف العلم الاجمالي فان البوال والغسالة انما وقعا على قطعة من الارض لا على جميعها ولا يدري ان ما نزى على انائه هل نزى من القطعة النجسة أو من القطعة الطاهرة من الارض؟ وعليه فمدلول الرواية أجنبي عن محل الكلام بل انها تدل على ان الماء الملاقي لاحد طرفي العلم الاجمالي غير محكوم بالنجاسة. ولكن هذا الحمل بعيد غايته. فان ظاهر الرواية ان النزو انما هو من المكان النجس، لا انه يشك في انه نزى من النجس أو الطاهر فان ارادته تتوقف على مؤنة زائدة واضافة انه نزى من مكان لا يعلم أنه نجس أو طاهر. واطلاق السؤال والجواب وعدم اشتمالهما على الزيادة المذكورة يدفع هذا الاحتمال وكيف كان فالمناقشة في دلالة الرواية مما لا وجه له. وانما الاشكال كله في سندها لانها ضعيفة بمعلى بن محمد (* 1) لعدم ثبوت وثاقته فالاستدلال بها على التفصيل المذكور غير تام. وربما يستدل بها على عدم منجسية المتنجس مطلقا ولعلنا نتعرض لها عند التكلم على منجسية المتنجس ان شاء الله تعالى.


(* 1) هكذا افاده مد ظله ولكنه عدل عن ذلك أخيرا وبنى على ان الرجل موثق لوقوعه في اسانيد كامل الزيارات ولا يقدح في ذلك ما ذكره النجاشي في ترجمته من انه مضطرب الحديث والمذهب لان معنى الاضطراب في الحديث ان رواياته مختلفة فمنها مالا يمكن الاخذ بمدلوله ومنها ما لا مانع من الاعتماد عليه، لا أن اضطرابه في نقله وحكايته إذا لا ينافي الاضطراب في الحديث وثاقته ولا يعارض به توثيق ابن قولويه.

[ 189 ]

[ (مسألة 2) الكربحسب الوزن (1) ألف ومائتا رطل بالعراقي وبالمساحة ثلاثة وأربعون شبرا، إلا ثمن شبر، فبالمن الشاهي - وهو ألف ومائتان وثمانون مثقالا - يصير أربعة وستين منا إلا عشرين مثقالا. (مسألة 3) الكر بحقة الاسلامبول - وهي مائتان وثمانون مثقالا - مائتا حقة، واثنتان وتسعون حقة، ونصف حقة. (مسألة 4) إذا كان الماء أقل من الكر ولو بنصف مثقال، يجري عليه حكم القليل. ] تحديد الكر بالوزن (1) لا خلاف بين أصحابنا في أن الماء البالغ قدر كرلا يتنجس بملاقاة شئ من النجاسات والمتنجسات ما دام لم يطرأ عليه التغير في أحد أوصافه الثلاثة كما عرفت احكامه مفصلا وانما الكلام في تحديد الكر. وقد حدد في الروايات بنحوين بالوزن وبالمساحة. (فاما بحسب الوزن): فقد حددته الرواية (* 1) الصحيحة إلى ابن أبي عمير والمرسلة بعده بالف ومائتي رطل، وفي صحيحة (* 2) محمد بن مسلم ان الكر ستمائة رطل، وذهب المشهور إلى تحديده بالوزن بالف ومائتي رطل عراقي، وعن السيد المرتضى والصدوق في الفقيه تحديده بالف وثمانمائة رطل بالعراقي بحمل الرطل في رواية ابن أبي عمير على الرطل المدني فانه يوازي بالرطل العراقي رطلا ونصف رطل فيكون الالف ومأتا رطل بالارطال المدنية الفا وثمانمائة رطل بالعراقي.


(* 1) المروية في الباب 11 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في باب 11 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 190 ]

والكلام في المقام يقع. (تارة) على مسلك المشهور من معاملتهم مع مراسيل ابن أبي عمير معاملة المسانيد لانه لا يروي إلا عن ثقة فاعتماده على رواية أحد ونقلها عنه توثيق لذلك الراوي، وهو لا يقصر عن توثيق مثل الكشي والنجاشي من أرباب الرجال. و (اخرى) على مسلك غير المشهور ر كما هو المنصور من عدم الاعتماد على المراسيل مطلقا كان مرسلها ابن أبي عمير أو غيره، لا لاجل أن توثيقه بنقل الرواية عن أحد يقصر عن توثيق أرباب الرجال، بل لاجل العلم الخارجي بانه قد روى عن غير الثقة أيضا ولو من باب الاشتباه والخطأ في الاعتقاد، وهذا مما نعلم به جزما، وإذا يحتمل أن يكون البعض في قوله عن بعض أصحابنا هو البعض غير الموثق الذي روى عنه ابن أبي عمير في موضع آخر مسندا ومع الشبهة في المصداق لا يبقى مجال للاعتماد على مراسيله. (فاما على مسلك المعروف): فالصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من حمل الارطال في الروايات على الارطال العراقية، وتحديد الكر بألف ومائتي رطل بالعراقي، دون ما ذهب إليه السيد والصدوقان من تحديدهم الكر بالف وثمانمائة رطل بالعراقي بحمل الف ومائتي رطل في الروايات على الارطال المدنية. والوجه في ذلك هو أن ما ذهبوا إليه في المقام هو الذي يقتضيه الجمع بين مرسلة ابن أبي عمير، وصحيحة محمد بن مسلم، وهذا لا لما قالوا من أن الجمع بين الروايات مهما أمكن أولى من طرحها. أو ان الاخذ باحد احتمالاتها وتعينه أولى من طرحها باجمعها للاجمال كما عن جملة من الاصحاب، لما قلنا في محله من أن هذه القاعدة لا ترجع إلى أساس صحيح وان العبرة بظهور الرواية لا بالجمع بين الروايات.

[ 191 ]

بل الوجه فيما ذكرناه ان كل واحدة من المرسلة والصحيحة قرينة لتعيين المراد من الاخرى. بيان ذلك: ان الرطل بكسر الراء وفتحه لغة بمعنى الوزن: رطله كذا أي وزنه بكذا ثم جعل اسماء لمكيال معين يكال به طريقا إلى وزن خاص، كما هو الحال في زماننا هذا في كيل الجص حيث انه موزون ولكنهم يكيلونه بمكيال خاص بجعله طريقا إلى وزن معين تسهيلا لامرهم وكذا في اللبن على ما نشاهده في النجف فعلا. وكيف كان فهذا المكيال الخاص كالمن في زماننا هذا له معان. فكما ان المن يطلق على الشاهي تارة وعلى التبريزي اخرى، وعلى الاستامبولي ثالثة، وعلى العراقي رابعة. كذلك الرطل في زمانهم (ع) كان يطلق على العراقي مرة وهو الف وثلاثمائة درهم، واخرى على المدني وهو الف وتسعمائة وخمسون درهما، وثالثه على المكي وهو ضعف العراقي أعني الفين وستمائة درهم. وقد استعمل في كل من هذه المعاني في الاخبار على ما يستفاد من بعض الروايات. وعليه فهو مجمل مردد في الروايتين بين محتملاث ثلاثة ولا وجه لحمله على المكي في صحيحة محمد بن مسلم بدعوى انه من أهل الطائف والامام (ع) تكلم بلغة السامع. إذ لا عبرة بعرف السامع في المحاورات والمتكلم انما يلقي كلامه بلغته وحسب اصطلاحه، ولاسيما إذا لم يكن مسبوقا بالسؤال وهم عليهم السلام كانوا يتكلمون بلغة المدينة. هذا على ان محمد بن مسلم على ما ذكره بعض آخر كوفي قد سكن بها، وكيف كان فالرطل في الروايتين مجمل في نفسه. إلا أن كل واحدة منهما معينة لما اريد منه في الاخرى حيث ان لكل منهما دلالتين ايجابية وسلبية، وهي مجملة بالاضافة إلى احدى الدلالتين،

[ 192 ]

وصريحة بالاضافة إلى الاخرى وصراحة كل منهما ترفع الاجمال عن الاخرى وتكون مبينة لها لا محالة. فصحيحة محمد بن مسلم لها دلالة على عقد ايجابي، وهو ان الكر ستمائة رطل، وعلى عقد سلبي وهو عدم كون الكر زائدا على ذلك المقدار وهي بالاضافة إلى عقدها السلبي ناصة لصراحتها في عدم زيادة الكر عن ستمائة رطل ولو باكثر محتملاته الذي هو الرطل المكي فهو لا يزيد على الف ومائتي رطل بالارطال العراقية. إلا انها بالنسبة إلى عقدها الايجابي مجملة إذ لم يظهر المراد بالرطل بعد. هذا حال الصحيحة. وأما المرسلة فلها أيضا عقدان ايجابي، وهو ان الكر الف ومائتا رطل وسلبي وهو عدم كون الكر أقل من ذلك المقدار، وهي صريحة في عقدها السلبي لدلالتها على أن الكر ليس باقل من الف ومائتي رطل قطعا ولو باقل محتملاته الذي هو الرطل العراقي، ومجملة بالاضافة إلى عقدها الايجابي لاجمال المراد من الرطل، ولم يظهر انه بمعنى العراقي أو المدني أو المكي. وحيث ان الصحيحة صريحة في عقدها السلبي لدلالتها على عدم زيادة الكر على الف ومائتي رطل بالعراقي، فتكون مبينة لا جمال المرسلة في عقدها الايجابي. وتدل على ان الرطل في المرسلة ليس بمعنى المدني أو المكي، وإلا لزاد الكر عن ستمائة رطل حتى بناء على ارادة المكي منه. لوضوح ان الفا ومائتي رطل مدنيا كان أم مكيا يزيد عن ستمائة رطل ولو كان مكيا. فهذا يدلنا على ان المراد من الف ومائتي رطل في المرسلة هو الارطال العراقية لئلا يزيد الكر عن ستمائة رطل كما هو صريح الصحيحة بل قد استعمل الرطل بهذا المعنى في بعض (* 1) الاخبار من دون تقييده بشئ


(* 1) وهي رواية الكلبي النسابة المروية في الباب 2 من أبواب -

[ 193 ]

ولما سئل عما قصده بين (ع) ان مراده منه هو الرطل العراقي. بل ربما يظهر منها ان الشايع في استعمالات العرب هو الرطل العراقي حتى في غير العراق من دون أن يتوقف ذلك على نصب قرينة عليه. كما ان المرسلة لما كانت صريحة في عدم كون الكر أقل من الف ومائتي رطل على جميع محتملاته كانت مبينة لاجمال الصحيحة في عقدها الايجابي، وبيانا على ان المراد بالرطل فيها خصوص الارطال المكية. إذ لو حملناه على المدني أو العراقى لنقص الكر عن الف ومائتي رطل بالارطال العراقية وهذا من الوضوح بمكان وبالجملة ان النص من كل منهما يفسر الاجمال من الاخرى وهذا جمع عرفي مقدم على الطرح بالضرورة. على ان محمد بن مسلم على ما ذكره بعضهم طائفي، ولعله عليه السلام تكلم بعرفه واصطلاحه. فما ذهب إليه المشهور في تحديد الكر بالوزن هو الحق الصراح بناء على المسلك المعروف من معاملة الصحيحة مع مراسيل مثل ابن أبي عمير دون ما اختاره السيد والصدوقان (قدهم). وأما بناء على مسلك غير المشهور كما هو الصحيح عندنا من عدم الاعتماد على المراسيل مطلقا فالصحيح أيضا ما ذهب إليه المشهور (بيان ذلك): ان المرسلة ساقطة عن الاعتبار على الفرض فلا رواية في البين غير الصحيحة المتقدمة الدالة على تحديد الكر بستمائة رطل وقد مران للرطل اطلاقات فهو في نفسه من المجملات ولكنا ندعي ان الصحيحة دالة على مسلك المشهور والرطل فيها محمول على المكي فيكون الكر الفا ومائتي رطل بالعراقي. واثبات هذا المدعي من وجوه: (الاول): أن الرطل فيها لو حمل على غير المكي لكانت الصحيحة على خلاف الاجماع القطعي من الشيعة فلابد من طرحها فانه لا قائل من


- الماء المضاف المستعمل من الوسائل.

[ 194 ]

الاصحاب بأن الكر ستمائة رطل بالارطال العراقية أو المدنية نعم نسب إلى الراوندي (قده) تحديد الكر بما بلغ مجموع ابعاده الثلاثة عشرة أشبار ونصف ولو صحت النسبة فهو أقل من ستمائة رطل بكثير. (الثاني): ان الاخبار الواردة في تحديد الكر بالمساحة تدل على ان الكر لا يقل عن سبعة وعشرين شبرا لانه أقل التقديرات الواردة في الاخبار كستة وثلاثين وثلاثة وأربعين إلا ثمن شبر. وهو لا يوافق ستمائة رطل غير مكي. حيث انا وزناه غير مرة ووجدنا سبعة وعشرين شبرا مطابقا لالف ومائتي رطل عراقي المعادلة لستمائة رطل مكي. ويؤيد ما ذكرناه صحيحة علي بن جعفر (* 1) الدالة على ان الماء البالغ الف رطل لا يجوز الوضوء به ولا شربه إذا وقع فيه بول. فانا لو حملنا الرطل في الصحيحة على غير المكي لكان مقدار الف رطل كراعاصما وهو خلاف ما نطقت به الرواية المتقدمة. (الثالث): انا بينا في الاصول ان المخصص المنفصل إذا كان مجملا لدورانه بين الاقل والاكثر لا يسري اجماله إلى العام بل لابد من تخصيص العام بالمقدار المتيقن منه، ويرجع إلى عمومه في المقدار المشكوك فيه، ومقامنا هذا من هذا القبيل لا جمال كلمة الرطل في الصحيحة لدورانه بين الاقل والاكثر والعام دلنا على أن الماء إذا لاقى نجسا ينجس كما هو مقتضى الاخبار الخاصة المتقدمة من غير تقييد الماء بالقليل. وقد علمنا بتخصيص ذلك العام بالكر وهو مجمل والمقدار المتيقن منه الف ومائتا رطل عراقي وهو مساوق لستمائة رطل مكي ونلتزم فيه بعدم الانفعال، وأما فيما لم يبلغ هذا المقدار فهو مشكوك الخروج لا جمال المخصص على الفرض، فلا بد فيه من الرجوع إلى مقتضى العام أعني انفعال مطلق الماء بملاقاة النجس.


(* 1) المروية في الباب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 195 ]

وإن شئت توضيح ما ذكرناه قلنا: ان الاخبار الواردة في الماء على طوائف. (فمنها): ما جعل الاعتبار في انفعال الماء بالتغير وانه لا ينفعل بملاقاة شئ من المنجسات ما دام لم يطرأ عليه تغيير وهذا كما في صحيحة حريز كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب (* 1) ودلالتها على حصر العلة للانفعال في التغير ظاهرة. و (منها): ما دل على ان الماء ينفعل بملاقاة النجس. وان لم يحصل فيه تغير لان مفروض هذه الطائفة هو الماء الذي لا تغير فيه في شئ وهذا كصحيحة شهاب بن عبد ربه قال: أتيت أبا عبد الله (ع) أسأله فابتدأني فقال: إن شئت فاسأل يا شهاب! وإن شئت أخبرناك بما جئت له، قال: قلت له: اخبرني جعلت فداك قال: جئت تسألتي عن الجنب يسهو فيغمز (فيغمس) يده في الماء قبل أن يغسلها؟ قلت: نعم قال: إذا لم يكن أصاب يده شئ فلا بأس. (* 2) حيث دلت على انفعال الماء باصابة اليد المتنجسة. وموثقة عمار بن موسى عن أبي عبد الله (ع) قال (بعد قوله سئل عما تشرب منه الحمامة) وعن ماء شرب منه باز، أو صقر أو عقاب، فقال: كل شئ من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا ان ترى في منقاره دما فان رأيت في منقاره دما فلا توضأ منه ولا تشرب (* 3) وقد دلت على انفعال الماء باصابة منقار الطيور إذا كان فيه دم كما دلت على انفعاله باصابة منقار


(* 1) المروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 45 من أبواب الجنابة من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 4 من أبواب الاسئار من الوسائل.

[ 196 ]

الدجاجة الذي فيه قذر بناء على رواية الشيخ حيث زاد على الموثقة (وسئل عن ماء شربت منه الدجاجة قال: إن كان في منقارها قذر لم يتوضأ منه ولم يشرب.). إلى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع في تضاعيف الابواب ومن البديهي ان اصابة هذه الاشياء للماء لا توجب تغيرا فيه وهو ظاهر. والنسبة بين هاتين الطائفتين هي التباين لدلالة احداهما على ان المدار في الانفعال على التغير فحسب وثانيتهما دلت على ان المناط فيه هو ملاقاة النجس دون غيرها إذ لا يتصور في مواردها التغير بوجه فهما متعارضتان. ثم ان هناك طائفتين أخريين مخصصتين للطائفة الثانية احداهما غير مجملة وثانيتهما مجملة. (أما مالا اجمال فيه) فهو صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (* 1) المخصصة للطائفة الثانية بما لا مادة له وان ماله مادة لا ينفعل بالملاقاة وانما ينفعل بالتغير ومنها يظهر ان المراد بالماء في تلك الطائفة هو الماء الذي لا مادة له وهو كما ترى مما لا اجمال فيه. فإذا خصصنا الطائفة الثانية بتلك الصحيحة انقلبت النسبة بين الطائفتين المتعارضتين من التبائن إلى العموم المطلق لدلالة أولهما على حصر الانفعال في التغير مطلقا كان للماء مادة أم لم يكن ودلت ثانيتهما على حصره في الملاقاة في خصوص مالا مادة له وهي أخص مطلقا من الاولى فيخصصها وتدل على ان الماء الذي لا مادة له ينفعل بالملاقاة. (وأما المخصص المجمل: فهو الروايات الواردة في الكر لدلالتها على عدم انفعال الكر بالملاقاة ولكنها مجملة فان للكر اطلاقات كما تقدم. وبما ان اجمال المخصص والمنفصل لا يسري إلى العام فنخصصه بالمقدار المتيقن


(* 1) المروية في الباب 3 و 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 197 ]

من الكر وهو الف ومائتا رطل عراقي، وأما ما ينقص عن هذا المقدار فلا محالة يبقى تحت العموم المقتضي لانفعال مالا مادة له بالملاقاة. تحديد الكر بالمساحة و (أما تحديده بالمساحة) فقد اختلفت فيه الاقوال فمن الاصحاب من حدده بما يبلغ مائة شبر وحكي ذلك عن ابن الجنيد. ومنهم من ذهب إلى تحديده بما بلغ مكعبه ثلاثة وأربعين شبرا إلا ثمن شبر وهذا هو المشهور بين الاصحاب. وثالث اعتبر بلوغ مكعب الماء ستة وثلاثين شبرا وهو الذي ذهب إليه المحقق وصاحب المدارك (قدهما). ورابع اكتفى ببلوغ المكعب سبعة وعشرين شبرا. وهذا هو المعروف بقول القميين وقد اختاره العلامة والشهيد والمحقق الثانيان والمحقق الاردبيلي ونسب إلى البهائي أيضا، وهو الاقوى من أقوال المسألة. وهناك قول خامس وهو الذي نسب إلى الراوندي (قده) من اعتبار بلوغ مجموع ابعاد الماء عشرة أشبار ونصف. هذه هي أقوال المسالة (* 1)


(* 1) ويظهر من السيد (اسماعيل الطبرسي) شارح نجاة العباد ان هناك قولا سادسا: وهو بلوغ مكعب الماء ثلاثة وثلاثين شبرا وخمسة أثمان ونصف ثمن حيث نسبه إلى المجلسي والوحيد البهبهاني (قدهما) أخذا برواية حسن بن صالح الثوري بحملها على المدور. بتقريب ان القطر فيها ثلاثة ونصف فيكون المحيط إحد عشر شبرا فان نسبة القطر إلى المحيط نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين، فنصف القطر شبر وثلاثة أرباعه، ونصف المحيط خمسة أشبار ونصف، فإذا ضربنا أحدهما في الآخر كان الحاصل تسعة أشبار -

[ 198 ]

أما ما حكي عن ابن الجنيد، فهو مما لا ينبغي أن يصغى إليه إذ لم نجد ما يمكن أن يستند إليه في ذلك ولو رواية ضعيفة، وكم له (قده) من الفتيا الشبيهة بآراء العامة، ولعل الروايات الواردة من طرقنا لم تصل إليه. كما ان ما نسب إلى الراوندي قول ضعيف مطرود لا قائل به سواه بل هو غلط قطعا. لان بلوغ مجموع الابعاد إلى عشرة ونصف (قد ينطبق) على مسلك المشهور كما إذا كان كل واحد من الابعاد الثلاثة ثلاثة أشبار ونصف، فان مجموعها عشرة ونصف ومكسرها ثلاثة وأربعون شبرا إلا ثمن شبر، وهو في هذه الصورة كلام صحيح. و (قد لا ينطبق) عليه ولا على غيره من الاقوال كما إذا فرضنا طول الماء تسعة أشبار وعرضه شبرا وحدا وعمقه نصف شبر، فان مجموعها عشرة أشبار ونصف، إلا انه بمقدار تسع ما هو المعتبر عند المشهور


- ونصف ثمن، وإذا ضربنا ذلك الحاصل في ثلاثة ونصف صار المتحصل ثلاثة وثلاثين شبرا وخمسة أثمان ونصف ثمن تحقيقا. إلا االمصرح به في حواشي المدارك للوحيد البهبهاني (قده) انه لا قائل بهذا الوجه بخصوصه فهذا يدلنا على انه احتمال احتمله المجلسي والوحيد (قدهما) في الرواية فلا ينبغي عده من الاقوال مع ان الرواية ضعيفة لان الرجل زيدي بترى لم يوثق في الرجال بل عن التهذيب انه متروك العمل بما يختص بروايته إذا يشكل الاعتماد على روايته مضافا إلى ما أورده الشيخ في استبصاره على دلالتها من المناقشة باحتمال أن يكون المراد بالركي فيها هو المصنع الذي كان يعمل في الطرق والشوارع لان يجتمع فيها ماء المطر وينتفع بها المارة ولم يعلم ان المصانع مدورة لان من الجائز أن يكون بعضها أو الكثير منها مربعا ولا سيما في المصانع البنائية التي يعمل على شكل الحياض المتعارفة في البيوت.

[ 199 ]

تقريبا لان مكسره حينئذ أربعة أشبار ونصف، بل لو فرضنا طول الماء عشرة أشبار، وكلا من عرضه وعمقه ربع شبر لبلغ مجموعها عشرة أشبار ونصف، ومكسره نصف شبر وثمن شبر، إلا ان هذه المقادير مما لم يقل أحد باعتصامه فما ذهب إليه الراوندي غلط جزما. فيبقى من الاقوال ما ذهب إليه القميون، وقول المشهور، وما ذهب إليه المحقق وصاحب المدارك (قدهم). والصحيح من هذه الاقوال هو قول القميين أعني ما بلغ مكسره سبعة وعشرين شبرا، والدليل على ذلك صحيحة اسماعيل بن جابر قال: قلت لابي عبد الله (ع) الماء الذي لا ينجسه شئ؟ قال: ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته (* 1). والاستدلال بها يتوقف على تقديم امور: (الاول): ان المراد بالسعة فيها ليس هو الطول والعرض بل ما يسعه سطح ذلك الشئ على ما يتفاهم منه عرفا. (الثاني): ان كل ذراع من أي شخص عادي شبران متعارفان على ما جربناه غير مرة، ووجدناه بوجداننا، وبهذا المعنى أيضا اطلق الذراع في الاخبار الواردة في المواقيت (* 2). فما ادعاه المحقق الهمداني (قده) من ان الذراع أكثر من شبرين مخالف لما نجده بوجداننا، فانه يشهد على ان الذراع شبران، ولعله (قده) وجد ذلك من ذراع نفسه، وادعى عليه الوجدان، وعلى هذا فمعنى الرواية ان الكر عبارة عن أربعة أشبار عمقه وثلاثه أشبار سعته.


(* 1) المروية في الباب 10 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) وقد روى زرارة عن أبي جعفر (ع) قال سألته عن وقت الظهر فقال: ذراع من زوال الشمس ووقت العصر ذراعان. المروية في الباب 8 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 200 ]

(الثالث): ان ظاهر قوله (ع) ذراعان عمقه في ذراع وشبر سعته هو ان مفروض كلامه (ع) هو المدور حيث فرض ان سعته ذراع وشبر مطلقا أي من جميع الجوانب والاطراف، وكون السعة بمقدار معين من جميع النواحي والاطراف لا يتصور إلا في الدائرة، لانها التي تكون نسبة أحد أطرافها إلى الآخر بمقدار معين مطلقا لا تزيد عنه ولا تنقص. وهذا بخلاف سائر الاشكال من المربع والمستطيل وغيرهما حتي في متساوي الاضلاع، فان نسبة أحد أطرافها إلى الآخر لا تكون بمقدار معين في جميعها، إذ البعد المفروض بين زاويتين من المربع وأمثاله أزيد من البعد الكائن بين نفس الضليعن من أضلاعه، وعلى الجملة ان ما تكون نسبة أحد جوانبه إلى الآخر بمقدار معين في جميع أطرافه ليس إلا الدائرة. على ان مقتضى طبع الماء هو ذلك، وإنما يتشكل بسائر الاشكال بقسر قاسر كوضعه في الاواني المختلفة أشكالها. و (بعبارة اخرى): إن ظاهر الرواية إن ما يحويه خط واحد، ولا يختلف مقدار البعد بين طرفين من أطرافه أبدا لابد أن يبلغ الماء في مثله ذراعين في عمقه وذراع وشبر سعته، وهذا لا ينطبق على غير الدائرة فان البيضي وان كان بخط واحد أيضا، إلا ان البعد فيه يختلف باختلاف أطرافه والمربع والمستطيل وغيرهما مما يحويه أكثر من خط واحد، وبهذا كله يتعين أن يكون مفروض كلامه (ع) هو المدور لا غيره. فإذا عرفت هذه الامور وعرفت ان مفروض كلامه (ع) هو المدور وقد فرضنا ان عمقه أربعة أشبار وسعته ثلاثة أشبار. فلا بد في تحصيل مساحته من مراجعة ما هو الطريق المتعارف عند أوساط الناس في كشف مساحة الدائرة. وقد جرت طريقهتم خلفا عن سلف كما في البنائين وغيرهم على تحصيل مساحة الدئرة بضرب نصف القطر في نصف المحيط، وقطر الدائرة

[ 201 ]

في المقام ثلاثة أشبار. فنصفه واحد ونصف، وأما المحيط فقد ذكروا ان نسبة قطر الدائرة إلى محيطها مما لم يظهر على وجه دقيق ونسب إلى بعض الدراويش انه قال: (يا من لا يعلم نسبة القطر إلى المحيط إلا هو). إلا أنهم على وجه التقريب والتسامح ذكروا ان نسبة القطر إلى المحيط نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين ثم انهم لما رأوا صعوبة فهم هذا البيان على أوساط الناس فعبروا عنه ببيان آخر، وقالوا ان المحيط ثلاثة أضعاف القطر. وهذا وان كان ينقص عن نسبة السبعة إلى اثنين وعشرين بقليل إلا ان المسامحة بهذا المقدار لابد منها كما نشير إليه عن قريب. فعلى هذه القاعدة يبلغ محيط الداثرة في المقام تسعة أشبار، لان قطرها ثلاثة أشبار، ونصف المحيط أربعة أشبار ونصف، ونصف القطر شبر ونصف، فيضرب أحدهما في الآخر فيكون الحاصل سبعة أشبار إلا ربع شبر وإذا ضرب الحاصل من ذلك في العمق وهو أربعة أشبار يبلغ الحاصل سبعة وعشرين شبرا بلا زيادة ولا نقصان إلا في مقدار يسير كما عرفت، وهو مما لا محيص من المسامحة فيه، لان النسبة بين القطر والمحيط مما لم تظهر حقيقتها لمهرة الفن والهندسة فكيف يعرفها العوام غير المطلعين من الهندسة بشئ إلا بهذا الوجه المسامحي التقريبي. وهذه الزيادة نظير الزيادة والنقيصة الحاصلتين من اختلاف أشبار الاشخاص، فانها لا تتفق غالبا. ولكنها لابد من التسامح فيها، ولعلنا نتعرض إلى ذلك عند بيان اختلاف أوزان المياه خفة وثقلا ان شاء الله. ثم لو أبيت عن صراحة الصحيحة في تحديد الكر بسبعة وعشرين شبرا فصحيحة اسماعيل بن جابر الثانية صريحة الدلالة على المدعى وهو ما رواه عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الماء الذي لا ينجسه شئ

[ 202 ]

فقال كر قلت: وما الكر؟. قال: ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار (* 1). والوجه في صراحتها انها وإن لم تشتمل على ذكر شئ من الطول والعرض والعمق إلا ان السائل كغيره يعلم ان الماء من الاجسام، وكل جسم مكعب يشتمل على ابعاد ثلاثة لا محالة ولا معنى لكونه ذا بعدين من غير أن يشتمل على البعد الثالث. فإذا قيل ثلاثة في ثلاثة مع عدم ذكر البعد الثالث علم انه أيضا ثلاثة كما يظهر هذا بمراجعة أمثال هذه الاستعمالات عند العرف. فانهم يكتفون بذكر مقدار بعدين من ابعاد الجسم إذا كانت ابعاده الثلاثة متساوية فتراهم يقولون خمسة في خمسة أو أربعة في أربعة إذا كان ثالثها أيضا بهذا المقدار وعليه إذا ضربنا الثلاثة في الثلاثة فتبلغ تسعة، فإذا ضربناها في ثلاثة فتبلغ سبعة وعشرين شبرا. ويؤيد ما ذكرناه انا وزنا الكر ثلاث مرات ووجدناه موافقا لسبعة وعشرين، فالوزن مطابق للمساحة التي اخترناها. هذا كله في الاستدلال على القول المختار. ويقع الكلام بعد ذلك في معارضاته، وما اورد عليه من المناقشات. فربما يناقش في سند الصحيحة الاخيرة بانها قد نقلت في موضع من التهذيب عن عبد الله بن سنان، وكذا في الاستبصار على ما حكي عنه. وفي موضع آخر من التهذيب عن محمد بن سنان، وفي الكافي عن ابن سنان فالرواية مرددة النقل عن محمد بن سنان أو عن عبد الله بن سنان وحيث لا يعتمد على رواية محمد بن سنان لضعفه وعدم وثاقته فالرواية لا تكون موثقة وموردا للاعتماد. ويدفعه: ان المحدث الكاشاني (قده) قد صرح في أول كتابه الوافي


(* 1) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 203 ]

بان ابن سنان قد يطلق على محمد بن سنان وظاهره ان ابن سنان إذا ذكر مطلقا فالمراد منه عبد الله بن سنان إلا انه في بعض الموارد يطلق على محمد ابن سنان أيضا، وذكر انه لاجل ذلك لا يطلق هو (قده) ابن سنان على عبد الله بن سنان إلا مع التقييد لئلا يقع الاشتباه في فهم المراد من اللفظ وهذه شهادة من المحدث المزبور على ان المراد من ابن سنان مهما اطلق هو عبد الله بن سنان، بل قد أسندها نفس الشيخ في استبصاره، وموضع من التهذيب إلى عبد الله بن سنان فالمتعين حينئذ حمل ابن سنان على عبد الله بن سنان، وأما ما في موضع آخر من التهذيب من اسنادها إلى محمد ابن سنان فهو محمول على اشتباه الكتاب، أو على سهو القلم، فان التهذيب كثير الاغلاط والاشتباه أو يحمل على انها رواية اخرى مستقلة غير ما نقله عبد الله بن سنان فهناك روايتان (* 1).


(* 1) هذا وقد يدعى ان ملاحظة طبقات الرواة تقتضي الحكم بتعين ارادة محمد بن سنان من ابن سنان الواقع في سند الصحيحة، لان الراوي عنه هو البرقي وهومع الرجل من اصحاب الرضا (ع) ومن أهل طبقة واحدة و عبد الله بن سنان من أصحاب الصادق (ع) وطبقته متقدمة على طبقتهما فكيف يصح ان يروي البرقي عمن هو من أصحاب الصادق (ع) من دون واسطة؟! كما ان من المستبعد ان لا يروي عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) من دون واسطة فان المناسبة تقتضي ان يروي عنه (ع) مشافهة لا عن اصحابه ومع الواسطة. وقد تصدى شيخنا البهائي (قده) للجواب عن هذه المناقشة بما لا مزيد عليه ولم يتعرض لها سيدنا الاستاذ مد ظله في بحثه ولاجل هذا وذاك لم نتعرض لها ولدفعها في المقام فمن اراد تفصيل الجواب عنها فليراجع كتاب -

[ 204 ]

هذا كله على انه لم يقم دليل على ضعف محمد بن سنان أعني أبا جعفر الزاهري لانه المراد به في المقام دون ابن سنان الذى هو اخو عبد الله بن سنان الضعيف وعدم توثيقه كيف وهو من أحد أصحاب السر، وقد وثقه الشيخ المفيد وجماعة وقورن في المدح (* 1) بزكريا بن آدم وصفوان في بعض الاخبار وهو كاف في الاعتماد على رواياته، وأما ما يترائى من القدح في حقه فليس قدحا مضرا بوثاقته ولعله مستند إلى افشائه لبعض أسرارهم (ع) (* 2) وأما ما توهم معارضته للصحيحتين المتقدمتين فهو روايتان. (احداهما): ما عن الحسن بن صالح الثوري (* 3) عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا كان الماء في الركي كرا لم ينجسه شئ قلت: كم الكر؟ قال: ثلاثة أشبار ونصف طولها في ثلاثة أشبار ونصف عمقها في ثلاثة اشبار ونصف عرضها. فالرواية دلت على أن الكر ثلاثة وأربعون


- مشرق الشمسين للبهائي (قده) (* 1) وقد روى الكشي عن أبي طالب عبد الله بن الصلت القمي قال: دخلت على أبي جعفر الثاني (ع) في أواخر عمره يقول: جزى الله صفوان بن يحيى ومحمد بن سنان وزكريا بن آدم عني خيرا فقد وفوا لي. نقله في المجلد الثالث من تنقيح المقال ص 136. (* 2) الرجل وان وثقه الشيخ المفيد (قده) وجماعة وروى الكشي له مدحا جليلا بل قد وثقه ابن قولويه لوقوعه في اسانيد كامل الزيارات وله روايات كثيرة في الابواب المختلفة ولكن سيدنا الاستاذ - مد ظله عدل عن توثيقه وبنى على ضعفه لان الشيخ (قده) ذكر انه قد طعن عليه وضعف وضعفه النجاشي (قده) صريحا ومع التعارض لا يمكن الحكم بوثاقته إذا فالرجل ضعيف. (* 3) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 205 ]

شبرا إلا ثمن شبر كما هو مذهب المشهور فتعارض الصحيحتين المتقدمتين. ولا يخفى ان الرواية نقلت عن الكافي والتهذيب بلا زيادة البعد الثالث ونقلت عن الاستبصار بتلك الزيادة، فلابد من حمل الزيادة على سهو القلم فان الكافي الذي هو أضبط الكتب الاربعة. والتهذيب الذي ألفه نفس الشيخ (قده) غير مشتملين على الزيادة المذكورة. بل عن ابن المشهدي في هامش الاستبصار ان الرواية غير مشتملة على تلك الزيادة في النسخة المخطوطة من الاستبصار بيد والد الشيخ محمد بن المشهدي صاحب المزار المصححة على نسخة المصنف فالزيادة ساقطة. وفي الطبعة الاخيرة من الوسائل نقل الرواية بتلك الزيادة وأسندها إلى الكافي والتهذيب واستدرك الزيادة في الجزء الثالث فراجع. فإذا أسقطنا الزيادة عن الرواية فتبقى مشتملة على بعدين فقط وإذا لابد من حملها على المدور بعين ما قدمناه في الصحيحة المتقدمة. لانه مقتضى طبع الماء في نفسه على ان الركي بمعنى البئر وهو على ما شاهدناه مدور غالبا لانه أتقن وأقوى من سائر الاشكال الهندسية. مضافا إلى ان المراد بالعرض فيها ليس هو ما يقابل الطول فانه اصطلاح حديث للمهندسين، وإنما اريد منه السعة بمعنى ما يسعه سطح الشئ كما في قوله تعالى: (عرضها السموات والارض) (* 1) فان الامام (ع) قد تعرض للسعة والعمق. وكون السعة بمقدار معين من جميع الجوانب والاطراف لا يوجد في غير الدائرة كما قدمناه في الصحيحة المتقدمة. فإذا أخذنا مساحتها بضرب نصف قطرها في نصف محيطها بالتقريب المتقدم يبلغ سبعة وعشرين بزيادة ما يقرب من ستة أشبار، والكر بهذا المقدار مما لا قائل به من الشيعة ولا من السنة وهذه قرينة قطعية على عدم


(* 1) آل عمران 3: 133.

[ 206 ]

إرادة ظاهر الرواية، فلا محيص من رفع اليد عنها وحملها عى احد أمرين: (أحدهما): أن يحمل على ان الامام (ع) أراد الاحتياط ببيان مقدار شامل على الكر قطعا. و (ثانيهما): أن يحمل على أمر آخر أدق من سابقه. وهوان الركي الذي هو بمعنى البئر لا يكون مسطح السطح غالبا بل يحفر علي شكل وسطه أعمق من جوانبه ولا سيما في الآبار التي ينزح منها الماء كثيرا فان ادخال الدلو وإخراجه يجعل وسط البئر أعمق، وهو يوجب إحالة ما فيه من التراب إلى الاطراف والجوانب وعليه فالماء الموجود في وسط الركي اكثر عن الماء في أطرافه إلا ان الزائد بدل التراب لا انه معتبر في الكرية والا عتصام إذ المقدار المعتبر فيه سبعة وعشرون شبرا. فالزيادة مستندة إلى ما ذكرناه. ويمكن حمل الرواية على أمر ثالث وهو حملها على بيان مرتبة أكيدة من الاعتصام والكرية نظير الحمل على بيان مرتبة أكيدة من الاستحباب في العبادات، هذا كله مضافا إلى ضعف الرواية لعدم وثاقة الرجل. و (ثانيتهما): رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الارض فذلك الكر من الماء (* 1) وهي أيضا تقتضي اعتبار بلوغ مكعب الماء ثلاثة وأربعين شبرا إلا ثمن شبر، وهو الذي التزم به المشهور، فيعارض بها الصحيحة المتقدمة التي اعتمدنا عليها في بيان الوجه المختار. وقد أجاب صاحب المدارك وشيخنا البهائي (قدهما) عن هذه الرواية بضعف سندها لا شتماله على أحمد بن محمد بن يحيي وهو مجهول في الرجال وأورد عليه في الحدائق بأن الرواية وان كانت ضعيفة لما ذكر إلا انه على


(* 1) المروية في الباب 10 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 207 ]

طريق الشيخ في التهذيب، واما على طريق الكليني (قده) في الكافي فالسند صحيح، لانه رواها عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان عن أبي بصير، ومن الظاهر أنه أحمد بن محمد ابن عيسى لرواية محمد بن يحيى العطار عنه وروايته عن عثمان بن عيسى. وأحمد بن محمد بن عيسى ثقة جليل وممن يعتمد على روايته، وإنما الضعيف هو أحمد بن محمد بن يحيى الواقع في طريق الشيخ (قده) ورواها في الوسائل بطريق الكليني (قده) فراجع. فلا إشكال في الرواية من هذه الجهة. ثم إن صاحب المدارك وشيخنا البهائي (قدهما) ناقشا في سند الرواية من ناحية اخرى وهى أن الراوي عن ابن مسكان وهو عثمان بن عيسى واقفي لا يعتمد على نقله فالسند ضعيف. ويرده أنه وإن كان واقفيا كما افيد إلا انه موثق في النقل عندهم، ويعتمدون على رواياته بلا كلام على ما يستفاد من كلام الشيخ (قده) في العدة بل نقل الكشي قولا بانه ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم. اضف إلى ذلك انه ممن وثقه ابن قولويه لوقوعه في اسانيد كامل الزيارات. ومع الوثوق لا يقدح كون واقفيا أو غيره، نعم بناء على مسلك صاحب المدارك (قده) من اعتبار كون الرواي عدلا إماميا لا يعتمد على رواية الرجل لعدم كونه إماميا. وقد ناقشا في الرواية ثالثا: بأن أبا بصير مردد بين الموثق والضعيف فالسند ضعيف لا محالة. والانصاف ان هذه المناقشة مما لا مدفع له إذ يكفي فيها مجرد الاحتمال وعلى مدعي الصحة إثبات ان أبا بصير هو أبو بصير الموثق، ولا ينبغي الا عتماد والوثوق على شي مما ذكروه في إثبات كونه الموثق في المقام.

[ 208 ]

وقد اعترف بذلك صاحب الحدائق ايضا إلا انه ميزه بقرينة ان أكثر روايات ابن مسكان إنما هو من أبي بصير الموثق، والكثرة والغلبة مرجحة لا حد الاحتمالين على الآخر لان الظن يلحق الشئ بالاعم الاغلب. ولا يخفى ان هذه القرينة كغيرها مما ذكروه في المقام مما لا يفيد الاطمئنان والوثوق، والاعتماد عليه غير صحيح، وبذلك تكون الرواية ضعيفة لا محالة (* 1). ثم لو أغمضنا عن سندها فهي قاصرة الدلالة على مسلك المشهور لان الرواية غير مشتملة على ذكر الطول والعرض والعمق، وانما ذكر فيها كون الماء ثلاثة أشبار ونصف في مثله أي مثل الماء ثلاثة أشبار ونصف في عمقه وظاهرها هو الدائرة كما بيناه في صحيحتي اسماعيل بن جابر فيستفاد منها أن الكر ما يقرب من ثلاثة وثلاثين شبرا وهو مما لا قائل به كما مر. فلابد من حملها على اختلاف سطح الماء الراكد. إذ الماء في الصحاري لا يتمركز في الموارد المسطحة بل في الاراضي منخفض الوسط، فوسطه أعمق من جوانبه، ولعل الزائد عن سبعة وعشرين انما هو بهذا اللحاظ فالرواية غير معارضة للصحيحتين المتقدمتين. وأما ما عن شيخنا البهائي (قده) في الحبل المتين من ارجاع الضمير في (مثله) إلى ثلاثة اشبار ونصف باعتبار المقدار ودعوى أن الموثقة مشتملة على ذكر الابعاد الثلاثة وهي حينئذ صريحة الدلالة على مسلك المشهور فيدفعه: انه تكلف محض لاستلزامه التقدير في الرواية في موضعين: (أحدهما): في مرجع الضمير بتقدير المقدار. و (ثانيهما): بعد كلمة (مثله) بتقدير لفظة (في) لعدم استقامة


(* 1) وقد عدل سيدنا الاستاذ - مد ظله عن ذلك اخيرا وبنى على ان المكنين بابي بصير كلهم ثقاة ومورد للاعتبار.

[ 209 ]

المعنى بدونهما وهو كما ترى تكلف والتزام من غير ملزم فالصحيح ما ذكرناه من ارجاع الضمير في (مثله) إلى الماء وعدم اشتمال الموثقة على الابعاد الثلاثة إذا لابد من حملها على اختلاف سطح الماء الراكد كما مر. بقي الكلام في ما رواه زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له: راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ، أو صعوة ميتة، قال: إذا تفسخ فيها فلا تشرب من مائها ولا تتوضأ وصبها، وإذا كان غير متفسخ فاشرب منه وتوضأ. (* 1). وهي أيضا تدل على ما اخترناه لان أكثر الرواية بحسب المقدار هو ما يسع سبعة وعشرين شبرا من الماء، وهي وان شملت باطلاقها لما يسع أقل من مقدار سبعة وعشرين شبرا. لان الرواية تختلف بحسب الصغر والكبر، وهي تطلق على جميعها اطلاقا حقيقيا إلا انه لا بد من رفع اليد عن اطلاقها بمجموع الروايات المتقدمة الدالة على ان الكر ليس باقل من سبعة وعشرين شبرا، وبها نقيد اطلاقها ونخصصها بما تسع مقدار سبعة وعشرين شبرا من الماء. وايضا يمكن تقييدها بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة الدالة على تحديد الكر بستمائة رطل، لما عرفت من تعيين حملها على الارطال المكية، فمفاد الصحيحة حينئذ اعتبار بلوغ الماء الفا ومائتي رطل عراقي، وقد اسلفنا انا وزنا الكر غير مره، ووجدناه موافقا لسبعة وعشرين شبرا فهي تنفي الاعتصام عما هو أقل من ذلك المقدار هذا ولكن الرواية ضعيفة السند بعلي بن حديد نعم ان لزرارة رواية اخرى متحدة المضمون مع هذه الرواية وهي صحيحة السند إلا انها غير مسندة إلى الامام (ع) وكان مضمونها حكم من زراره نفسه وقد نقلها


(* 1) المروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 210 ]

في الوسائل عن الكليني (قده) فليلاحظ إذا فما اسنده إلى الامام (ع) غير صحيح وما هو صحيح غير مسند إلى الامام (ع) فتحصل ان الصحيح في تحديد الكر هو تحديده بسبعة وعشرين شبرا وهو الذي ذهب إليه القميون (قدهم). وتؤكده مرسلة عبد الله بن المغيرة عن أبي عبد الله (ع): الكر من الماء نحو حبي هذا، وأشار إلى حب من تلك الحباب التي تكون بالمدينة (* 1). والوجه في تأكيدها ان فرض حب يسع بمقدار ثلاثة وأربعين شبرا أو ستة وثلاثين شبرا من الماء فرض أمر غير معهود خارجا بخلاف ما يسع بمقدار سبعة وعشرين شبرا لانه أمر موجود متعارف شاهدناه وهو موجود بالفعل أيضا عند بعض طباخي العصير وهذه الرواية مؤكدة لما اخترناه من مذهب القميين وغير قابلة لان يستدل بها في شئ لا لنا ولا علينا. لضعفها بالارسال كما لا يخفى. الكلام في بيان النسبة بين التحديدين أعني التحديد بالوزن وبالمساحة وقد حد بحسب الوزن بالف ومائتي رطل بالعراقي كما مر وبحسب المساحة بثلاثة وأربعين شبرا إلا ثمن شبر تارة كما هو المشهور وبستة وثلاثين أخرى وبسبعة وعشرين ثالثة وهو الذي ذهب إليه القميون واخترناه آنفا. والف ومائتا رطل عراقي يقرب من سبعة وعشرين شبرا لما قدمناه من انا وزنا الكر من الماء الحلو والمر غير مرة فوجدناها بالغين سبعة وعشرين شبرا. فمسلك المشهور في تحديد الكر بالمساحة لا يوافق لتحديده بالوزن


(* 1) المروية في الباب 10 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 211 ]

والاختلاف بينهما غير قليل بل بينهما بون بعيد. ومنه يظهر عدم امكان جعل التحديد بالمساحة معرفا لتحديده بالوزن على مسلك المشهور، فان التفاوت بينهما ما لا يتسامح به لكثرته، ومعه كيف يجعل أحدهما طريقا ومعرفا لما هو ناقص عنه بكثير. وان ذهب إلى ذلك جماعة نظرا منهم إلى ان الوزن غير متيسر لا كثر الناس ولاسيما في الصحاري والاسفار إذ لا ميزان فيها ليوزن به الماء، كما لا يتيسر سائر أدواته وهذا بخلاف التحديد بالمساحة فان شبر كل أحد معه وله أن يمسح الماء بشبره، ولاجل سهولته جعله الشارع طريقا معرفا إلى ما هو الحد الواقعي من الوزن، وقد عرفت ان هذا على مسلك المشهور غير ميسور لكثرة الفرق وبعد الفاصلة بينهما. وأما على ما اخترناه في التحديد بالمساحة أعني سبعة وعشرين شبرا فلا يخلو: اما ان يتطابق كل من التحديدين مع الآخر تطابقا تحقيقيا أبدا. وإما أن يزيد التحديد بالمساحة على التحديد بالوزن كذلك أي دائما. وإما أن ينعكس ويزيد التحديد بالوزن على التحديد بالمساحة في جميع الموارد. وإما أن يزيد الوزن على المساحة تارة وتزيد المساحة على الوزن أخرى فهذه وجوه أربعة. ومنشأها أمران: (أحدهما): ان الكر ليس من قبيل الاحكام الشخصية ليختلف باختلاف الاشخاص بأن يكون الماء كرا في حق أحد وغير كر في حق آخر لوضوح أنه من الاحكام العامة. فلو كان كرا فهو كر في حق الجميع كما إذا لم يكن كرا فهو كذلك في حق الجميع. وهذا إنما يتحقق فيما إذا جعلنا المدار في سبعة وعشرين شبرا على

[ 212 ]

أشبار أقصر الاشخاص المتعارفين بأن لا يعد عرفا أقصر عن المعتاد، فالمدار على أقل شبر من أشبار مستوى الخلقة وهو يتحقق في حق جميع الاشخاص مستوين الخلقة فإذا بلغ الماء سبعة وعشرين شبرا بأقل شبر من أشبار مستوى الخلقة فهو بالغ حد الكر أعني سبعة وعشرين في حق جميع المستوين خلقه كما أنه إذا لم يبلغ هذا المقدار بالاشبار المذكورة فهو غير كر في حق الجميع. وهذا بخلاف مالو جعلنا المدار على شبر كل شخص في حق نفسه فانه يختلف الكر حينئذ باختلاف الاشبار قصرا وطولا فربما يكون الماء الواحد بالغا سبعة وعشرين شبر بشبر واحد، ولا يبلغه بشبر غيره فيكون الماء الواحد كرا في حق أحد وغير كر في حق آخرين. وقد ذكرنا نظير ذلك في القدم والخطوة المعتبرين في المسافة المسوغة للقصر حيث حددوا الفرسخ بالاميال والميل بالاقدام وقلنا في بحث صلاة المسافر ان المراد بهما أقصر قدم وخطوة من أشخاص مستوين الخلقة. والسر في ذلك ما أشرنا إليه من أن الكر والقصر ليسا من الاحكام الشخصية ليختلفا باختلاف الاشخاص، وإنما هما من الاحكام العامة غير المختصة بشخص دون شخص، فلو جعلنا المدار على شبر كل شخص أو قدمه في حق نفسه للزم ما ذكرناه من كون الماء كرا في حق أحد وغير كر في حق آخر، وكذا الحال في القدم. نعم إنما يصح ذلك في الاحكام الشخصية كما إذا أمر المولى عبيده بالمشي عشرين قدما، أو بغسل وجوهم، فان اللازم على كل واحد منهم في المثال ان يمشي كذا مقدارا بأقدامه لا بأقدام غيره، أو يغسل وجه نفسه وان كان اقل سعة من وجه غيره. وهذا من الوضوح بمكان. و (ثانيهما): ان المياه مختلفة وزنا فان الماء المقطر أو النازل من السماء اخف وزنا من المياه الممتزجة بالمواد الارضية من الجص والنشاذر

[ 213 ]

والزاج والملح والكبريت ونحوها لانه يتثاقل باضافة المواد الخارجية الارضية بحيث لو قطرناه بالتبخير لخف عما كان عليه أولا. لان لطبيعي المياه وزنا واحدا وإنما يختلف باختلاف المواد الممتزجة معه. و (ما يقال) من ان بعض المياه اخف وزنا في طبعه عن بعضها الآخر (مجرد دعوى) لا مثبت لها. فإذا تمهد هذان الامران فلا محالة ترتقي الوجوه إلى الاربعة كما قدمناه. فان الوزن والمساحة اما ان يتطابقا تطابقا حقيقيا بأن يساوي ما يبلغ سبعة وعشرين شبرا بأشبار شخص مستوى الخلقة ألفا ومائتي رطل عراقي بلا زيادة ونقصان. وإما أن يزيد الوزن على المساحة. واما أن ينعكس ويزيد المساحة على الوزن. واما أن يختلفا فيزيد الوزن على المساحة في بعض الموارد وتزيد المساحة على الوزن في بعض الموارد الاخر لا ختلاف المياه خفة وثقلا، فرب ماء صاف خفيف فتيد المساحة عليه ورب ماء ثقيل يزيد على المساحة بكثير. أما (الصورة الاولى): فلا ينبغي الاشكال فيها إذ لا مانع من تحديد شئ واحد بأمرين متحدين لتلازمهما واتحادهما بلا زيادة لاحدهما على الآخر ولا نقصان وهو ظاهر. و (أما الصورة الثانية): فلا محيص فيها من جعل المناط بالمساحة فالوزن يكون معرفا لها وطريقا إليها، ولا بأس بالمقدار الزائد إذا لم يكن بكثير لان جعل معرف يطابق المعرف تطابقا تحقيقيا غير ممكن فلابد من جعل المعرف أمرا يزيد على المعرف بشئ من باب الاحتياط. و (أما الصورة الثالثة) فهي مع الصورة المتقدمة متعاكستان فلابد فيها من جعل المدار على الوزن وبما ان الوزن لا طريق إلى معرفته غالبا،

[ 214 ]

ولا سيما في البراري والصحار جعلت المساحة طريقا ومعرفا إليه، وذلك لان المساحة وان كانت لا يتيسر معرفتها للجميع على وجه دقيق لاستلزامه معرفة شئ من الهندسة ولا سيما في المسدس والمخمس والاهليلجي والمخروط أو مختلفة الاضلاع وبالاخص فيما إذا كان السطح الذي وقف عليه الماء مختلفا في الشكل، فان معرفة المساحة في المثال ذلك مما لا يتيسر لاكثر أهل العلم إلا بمراجعة قواعد الهندسة والمحاسبة الدقيقة فضلا عن العوام إلا انه مع ذلك معرفة المساحة أيسر من معرفة الوزن، ولا سيما في المربعات والمدورات والمستطيلات ولاجل هذا جعلت المساحة معرفة للوزن و الزيادة اليسيرة لا تضر في المعرف كما مر. و (أما الصورة الرابعة): التي هي الصحيحة المطابقة للواقع. لا ختلاف المياه في الثقل حسب اختلاطها بالمواد الارضية، فربما يزيد الوزن على المساحة، واخرى ينعكس، ولا بد في مثلها من جعل المدار على حصول كل واحد من التحديدين وان أيهما حصل كفى في الاعتصام، ولا مانع من تحديد شئ واحد بأمرين بينهما عموم من وجه ليكتفي بأيهما حصل في الاعتصام. و (دعوى) عدم معقولية التحديد بأمرين بينهما عموم من وجه (أمر لا أساس له). وعلى هذا نكتفي بأيهما حصل في المقام: ففي المياه الخفيفة الصافية تحصل المساحة قبل الوزن، كما ان المياه الثقيلة على عكس الخفيفة يحصل فيها الوزن قبل المساحة. ولعل السر في ذلك ان المياه الصافية غير المختلطة بالمواد الخارجية للطافتها يتسرع إليها التغير والفساد في زمان لا يتغير فيه المياه المختلطة بمثل الملح ونحوه كما يشاهد ذلك في ماء الحلو وماء البئر لان الاول يفسد قبل

[ 215 ]

[ (مسألة 5) إذا لم يتساو سطوح القليل ينجس العالي بملاقاة السافل، كالعكس (1) نعم لو كان جاريا من الاعلى إلى الاسفل لا ينجس العالي بملاقاة السافل، من غير فرق بين العلو التسنيمي والتسريحي. ] فساد الثاني بزمان ولاجل ذلك اعتبر الشارع في المياه الخفيفة أن يكون أكثر من غيره حتى لا يتغير لاجل كثرته قبل ان يتغير غيره. عدم تساوى سطح القليل (1) قد عرفت ان الماء على أقسام ثلاثة: لانه إما متصل بالمادة فهو معتصم بمادته إلا أن يتغير في أحد أوصافه الثلاثة. واما غير متصل بها، وهو إما أن لا يكون كرا فهو معتصم بكثرته لا ينفعل إلا أن يطرء عليه التغير وإما أن لا يكون كرا فهو غير معتصم بمادته ولا بكثرته، وينفعل بمجرد بملاقاة النجس. وإطلاق ما دل على الانفعال في هذا القسم بمجرد الملاقاة يعم ما إذا كان سطح بعضه أعلى من الآخر لانه ماء واحد قليل إذا لا قى أحد أطرافه نجسا يحكم بنجاسة الجميع دون خصوص الجزء الملاقي منه للنجس لان الدليل دلنا على انفعال الماء الواحد بأجمعه إذا لاقى أحد أطرافه نجسا على تقدير قلته، وعلى عدم انفعاله على تتقدير كثرته، فالماء الواحد اما أن يكون نجسا بأجمعه أو يكون طاهرا كذلك ولا يمكن أن يكون بعضه نجسا وبعضه الآخر طاهرا. نعم إنما يخرج عن هذا الاطلاق فيما إذا جرى الماء بدفع وقوة بالارتكاز العرفي. ونظرهم، حيث ان الماء الخارج بالدفع وان كان ماء واحدا حقيقة إلا ان العرف يراه مائين متعددين، ومع التعدد لا وجه لسرايه النجاسة من أحدهما إلى الآخر، فالمضاف الذي يصب على يد الكافر من

[ 216 ]

[ (مسألة 6) إذا جمد بعض ماء الحوض والباقي لا يبلغ كرا، ينجس بالملاقاة (1) ولا يعصمه ما جمد. بل إذا ذاب شيئا فشيئا ينجس أيضا، وكذا إذا كان هناك ثلج كثير فذاب منه أقل من الكر فانه ينجس بالملاقاة ] ابريق ونحوه لا يتنجس منه إلا المقدار الملاقي مع اليد واما ما في الابريق فلا وان كان متصلا بالسافل النجس لانه عرفا ماء آخر غير ما لا قي يد الكافر لمكان دفعه وقوته، وكذا الماء الخارج من الفوارات، فان العالي منه إذا تنجس بشئ لا تسري نجاسته إلى سافله لا جل خروجه بالدفع. وبما ذكرناه يظهر ان المدار في عدم انفعال الجزء غير الملاقي على خروج الماء بقوة ودفع لا على العلو والسفل، فلو جرى الماء بطبعه على الارض ولم يكن جريانه بقوة ودفع ولا قى شئ منه نجسا حكم بنجاسة جميعه لوحدة الماء عرفا فالميزان في عدم سراية النجاسة من أحد الاطراف إلى الآخر هو جريان الماء بالقوة والدفع كما مر. انجماد بعض الماء (1) والوجه في ذلك ان المستفاد من أدلة اعتصام الكر هو ان الكر من الماء هو الذي لا ينفعل بشئ، وهذا العنوان لا يصدق على الجامد، لان الماء هو ما فيه اقتضاء السيلان فهو يسيل لو لم يمنع عنه مانع وساد كما في مياه الاحواض، لانها تسيل لولا ارتفاع أطرافها، وهذا بخلاف الجامد، لانه بطبعه وان كان ماء إلا انه ليس بسائل فعلي بحسب الاقتضاء فلا يشمله دليل اعتصام الماء الكر، فإذا جمد نصف الكر ولا قى الباقي نجسا فيحكم بنجاسته، كما يحكم بنجاسة ما يذوب من الجامد شيئا فشيئا إلا على القول بكفاية التتميم كرا وسيأتي الكلام عليه في محله ان شاء الله.

[ 217 ]

[ ولا يعتصم بما بقي من الثلج. (مسألة 7) الماء المشكوك كريته (1) مع عدم العلم بحالته السابقة في حكم القليل على الاحوط، وإن كان الاقوى عدم تنجسه بالملاقاة. نعم لا يجري عليه حكم الكر، فلا يطهر ما يحتاج تطهيره إلى إلقاء الكر عليه ولا يحكم بطهارة متنجس غسل فيه. وإن علم حالته السابقة يجري عليه حكم تلك الحالة. ] الماء المشكوك كريته (1) الماء الذي يشك في كريته إذا علم حالته السابقة من القلة أو الكثرة، فلا كلام في استصحاب حالته السابقة فعلا، ويترتب عليه آثار هما. وأما إذا لم يعلم حالته السابقة فقد حكم في المتن بطهارته إذا لاقى نجسا إما باستصحابها أو بقاعدة الطهارة إلا أنه منع عن ترتيب آثار الكرية عليه، فلم يحكم بطهارة ما غسل به من المتنجسات، واستصحب نجاسة المغسول به كما لم يحكم بكفاية القائه على ما يتوقف تطهيره بالقاء كر عليه والتفكيك بين المتلازمين في الاحكام الظاهرية غير عزيز، فطهارة الماء وإن استلزمت طهارة ما يغسل به واقعا إلا ان المفكك بينهما في مقام الظاهر هو الاستصحابان المتقدمان. نعم احتاط (قده) بالتجنب عنه، والحاقه بالقليل، وقد خالفه في ذلك جماعة من الاصحاب وذهبوا إلى نجاسة الماء المشكوك كريته الذي لم تعلم حالته السابقة من الكرية والقلة بوجوه قدمناها كما قدمنا ما هو الصحيح منها. (منها): التمسك بعموم ما دل على انفعال الماء بالملاقاة، وقد خرج عنه الكر وكرية الماء في المقام مشكوكة.

[ 218 ]

وفيه: أن العام وان دل على انفعال الماء بالملاقاة إلا ان التمسك بالعموم في المقام غير صحيح لانه تمسك بالعموم في الشبهات المصداقية وهو غير سائغ إذ قد خرج عنه عنوان الكر، وكرية الماء مشكوكة في مفروض الكلام فهو شبهة مصداقية للعام لا محالة. و (منها): التمسك بقاعدة المقتضي والمانع. وقد أسلفنا أن تلك القاعدة لا ترجع إلى أساس صحيح إلا أن يراد منها استصحاب عدم المانع. و (منها): ما أفاده شيخنا الاستاذ (قده) من أن الاستثناء في المقام قد تعلق على عنوان الكر وهو عنوان وجودي، وكلما تعلق الاستثناء على عنوان وجودي وكان المستثنى منه حكما الزاميا أو ملزوما له، فهو بمثابة اشتراط احراز ذلك العنوان الوجودي في الخارج عن الالزام أو ملزومه لدى العرف هذا. ولكنا أشرنا إلى ان العرف لا يستفيد من أمثاله دخالة احراز العنوان الوجودي في الخروج عن المستثنى منه بوجه. و (منها): الاستصحاب وهو يجري في الموضوع تارة، وفي وصفه أخرى. أما الاول: فهو بأن يقال إن هذا المكان لم يكن فيه كر في زمان باليقين والآن كما كان، لكن هذا الاستصحاب إنما يترتب عليه آثار عدم وجود الكر في ذلك المكان، ولا يثبت به عدم كرية الماء الموجود فيه بالفعل الاعلى القول بالاصول المثبتة. ونظير ذلك ما ذكره شيخنا الانصاري (قده) من أن استصحاب وجود الكر في مكان يثبت به أن الماء الموجود فيه بالفعل كر لانه مثبت بالا ضافة إليه، فان كرية الماء الموجود فيه من الآثار المترتبة على بقاء الكر في المكان المذكور عقلا.

[ 219 ]

وأما الثاني: فتقريبه أن يقال أن هذا الماء الذي نراه بالفعل لم يكن متصفا بالكرية قبل خلقته ووجوده لضرورة أن الكرية من الاوصاف الحادثة المسبوقة بالعدم، فإذا وجدت ذات الماء وشككنا في أن الاتصاف بالكرية أيضا وجد معها أم لم توجد، فالاصل عدم حدوث الاتصات بالكرية مع الذات. وهذا الاستصحاب خال عن المناقشة والايراد غير أنه مبني على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية، وحيث أنا أثبتنا جريان الاستصحاب فيها في محله فنلتزم في المقام بالاستصحاب المزبور وبه نحكم على عدم كرية الماء الذي نشك في كريته وعدمها. وأما ما ذكره شيخنا الاستاذ (قده) من أن العدم قبل وجود الموضوع والذات محمولي وهو بعد تحقق الذات والموضوع نعتي فقد عرفت عدم تماميته لان المأخوذ في موضوع الاثر هو عدم الاتصاف لا الاتصاف بالعدم فراجع ثم ان في المقام كلاما وهو التفصيل في جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية بين عوارض الماهية وعوارض الوجود بالالتزام بجريان الاستصحاب في الثاني دون الاول. وحاصل هذا التفصيل: ان المستصحب إذا كان من عوارض الوجود كالبياض والسواد ونحوهما، فلا ينبغي الاشكال في جريان الاستصحاب في عدمه الازلي، لوضوح ان عدم مثل ذلك العارض قبل وجود موضوعه ومعروضه يقيني لا محالة، فلا مانع من استصحاب عدمه المتيقن، والبناء على انه لم ينقلب إلى الوجود بوجود موضوعه. وأما إذا كان من عوارض الماهية، فلا مجال فيه لاستصحاب عدمه الازلي بوجه، فانه لا يقين سابق بعدم العارض المذكور حتى قبل وجود موضوعه ومعروضه إذ المفروض أنه من عوارض الماهية وطوارئها، فهو على تقدير ثبوته عارض ولازم له ولو قبل وجوده في الخارج.

[ 220 ]

وهذه الكبرى المدعاة قد طبقت على مثل العشرة كالعشرة من الرجال لانها من عوارض الماهية دون الوجود، وعلى الكرية المبحوث عنها في المقام، لانها أيضا من عوارض ماهية الماء لا من عوارض وجوده حيث ان الكرية مرتبة وسيعة من مراتب طبيعة الماء فلا يصدق أن يقال ان كرية هذا الماء لم تكن قبل وجوده لانه كر قبل وجوده وبعده لا انه يتصف بالكرية بعد وجوده فلا مجال لاستصحاب العدم الازلي في مثله، فهنا مقامان للكلام. (أحدهما): في أصل الكبرى المدعاة. و (ثانيهما) في تطبيقها على محل الكلام. أما المقام الاول: فحاصل الكلام فيه انه لا معنى لعروض شئ على الماهية لنعبر عنه وعن أمثاله بعوارض الماهية لانها في نفسها ليست إلا هي فهي في نفسها معدومة وثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له ومع معدومية المعروض كيف يصح أن يقال ان له عرضا موجودا في الخارج. الهم إلا أن يراد من عوارضها ما ينتزعه العقل عنها في نفسها لو خليت وطبعها، كالامكان في الانسان لان العقل إذا لا حظه في نفسه يرى انه عادم بكلتا جهتي الوجوب والامتناع، فيدرك امكانه لا محالة ويعبر عنه بعارض الماهية نظرا إلى أن الامكان لا يعرض على الانسان بعد وجوده، لانه محكوم بالا مكان مطلقا وجد في الخارج أم لم يوجد ويعبر عنه أيضا بالخارج المحمول بمعنى انه خارج عن ذاتيات الماهية وليس من مقوماتها إلا انه محمول عليها من غير حاجة في حمله إلى ضم ضميمة خارجية، كما يحتاج إلى ضمها في حمل مثل العالم على الذات، إذ لا يصح ذلك إلا بعد ضم العلم إليها، ويعبر عنه بالمحمول بالضميمة. وكيف كان فان اريد من عوارض الماهية ما يتزعه العقل منها في نفسها، فلا ينبغي التأمل في عدم جريان الاستصحاب في أمثال ذلك إلا

[ 221 ]

انه غير مستند إلى مغائرة الموجود للمعدوم والفرق بين عوارض الوجود وعوارض الماهية. بل الوجه فيه عدم العلم بالحالة السابقة في مثله، فان عوارض الماهية بهذا المعنى أزلية غير مسبوقة بالعدم فإذا شككنا في ثبوت الامكان للعنقاء مثلا، فلا نتمكن من استصحاب عدمه أزلا إذ لايقين لنا بعدم ثبوته له في زمان حتى نستصحبه، لانه لو كان ممكنا فهو كذلك من الازل وان لم يكن ممكنا فهو غير ممكن من الازل وهي كالملازمات العقلية نظير ملازمة وجوب المقدمة لوجوب ذيها حيث انها على تقدير ثبوتها ازلية غير مسبوقة بالعدم كما أشرنا إليه في أواخر بحث مقدمة الواجب. وعلى الجملة عدم جريان استصحاب العدم الازلي في هذه الصورة من أجل عدم العلم بالحالة السابقة، ومن الظاهر أن جريانه في الاعدام الازلية لا يزيد بشئ على جريانه في العدم أو الوجود النعتيين وجريانه فيهما مشروط بالعلم بالحالة السابقة، فهذا ليس تفصيلا في جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية بوجه. وان اريد من عوارض الماهية ما يعرض الشئ في مطلق وجوده ذهنا كان أم خارجا، كما هو أحد الاصطلاحين في عوارض الماهية، كالزوجية العارضة للاربعة أينما وجدت فانها ان وجدت في الذهن فهي زوج ذهنا، وان وجدت في الخارج فهي زوج خارجا فهي لا تنفك عن الاربعة في الوجود، في مقابل ما يعرض الشئ في وجوده الخارجي خاصة كالحرارة العارضة للماء في الخارج، لبداهة عدم عروضها عليه في الذهن فهو اصطلاح محض، وإلا فهو من عوارض الوجود الاعم من الذهني والخارجي، لا من عوارض الماهية. لان عارض الوجود على أقسام منها ما يعرض وجود الشئ ذهنا فقط

[ 222 ]

كما في قولنا نوع، لانه نوع في وجوده الذهني دون الخارجي، ومن هنا يعبر عنه بالمحمولات الثانوية. بمعنى ان النوع انما يحمل على الانسان بعد تصوره وتلبسه بالوجود ذهنا فاولا يتصور الانسان وثانيا يحمل عليه النوع، ومنها ما يعرض الشئ في وجود الخارجي خاصة كما في عروض الحرارة على النار، ومنها ما يعرض الشئ في مطلق وجوده ان ذهنا فذهنا وان كان خارجا فخارجا. وكيف كان فعد مثل ذلك من عوارض الماهية مع انه من عوارض الوجود اصطلاح محض لا واقعية له. وعليه فان صح جريان استصحاب العدم الازلي في عوارض الوجود صح جريانه فيما يعرض الاعم من الوجود الخارجي والذهني أيضا، هذا كله في الكلام على أصل الكبرى. وأما الكلام في تطبيقها على الكرية فبيانه: ان الكرية من مقولة الكم المتصل، فانها عبارة عن كثرة الماء الواحد بحد تبلغ مساحته سبعة وعشرين شبرا، أو يبلغ وزنه الفا ومائتي رطل عراقي، والكم من إحدى المقولات العرضية التسعة التي هي من عوارض الوجود، وبهذا يتضح ان الكرية من عوارض وجود الماء خارجا وليست من عوارض الماهية ولا من عوارض الاعم من الوجود الخارجي والذهني وذلك لان الماء في نفسه وماهيته لم يؤخذ فيه كما خاص، إذ كما ان القليل تصدق عليه ماهية الماء كذلك الكر وأضعافه كالبحار، كما ان تصور الماء لا يلازم وجود الكرية في الذهن. نعم القلة والكرية من عوارض وجوده الخارجي فسح أن يقال: ان هذا الماء لم يكن كرا قبل وجوده، كما انه لم يكن متصفا بغير الكرية من الاوصاف الخارجية فان الاوصاف إذا لم تكن من عوارض مهية الشئ فهي حادثة مسبوقة بالعدم لا محالة، وقد عرفت أن الكرية ليست من عوارض ماهية الماء. فإذا علمنا بوجود الماء وتحققه وشككنا في تحقق الكرية معه فنستصحب عدمها الازلي، فالانصاف أنه لا

[ 223 ]

مانع من جريان الاستصحاب في العدم الازلي فيما نحن فيه بل إن جريان الاستصحاب في عدم الكرية أولى من جريانه في عدم القرشية فليلاحظ. هذا كله على انا نقول: ان الحكم بقلة الماء المشكوك كريته وعدم اعتصامه لا يتوقف على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية، فان الاصل يجري في عدم كرية المشكوك حتى على القول بعدم جريانه فيها أي في الاعدام الازلية، والسر في ذلك ان الاصل في عدم كرية المشكوك يجرى في العدم النعتي دون المحمولي. وتوضيح ذلك: ان جملة من الآيات المباركة كما عرفت قد نطقت بأن المياه كلها نازلة من السماء وذكر المستكشفون العصريون ان أصل مياه الارض هو المطر، وبعدما نزلت المياه من السماء وهي قطرات تشكلت منها البحار والانهار والكر وغيرها بضم بعضها إلى بعض، وعلى هذا نقطع بأن المياه الموجودة في الارض كلها مسبوقة بالقلة لا محالة، لوضوح ان الكر والبحار لم تنزل من السماء كرا وبحارا وإنما تنزل منه القطرات وتتشكل الانهار والكر وغير هما من تلك القطرات الواقعة على وجه الارض فالمياه بأجمعها مسبوقة بعدم الكرية. فحينئذ نشير إلى الماء المشكوك ونقول: انه كان في زمان ولم يكن كرا ونشك في اتصافه بالكر وعدمه فالاصل انه باق على اتصافه بعدم الكرية، ومجرى هذا الاصل كما ترى هو عدم الكرية على وجه النعت، ومعه لا يتوقف الحكم بعدم كرية المشكوك في المقام على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية. و (دعوى): ان لازم هذا البيان القطع بأن المياه الكائنة في الارض بأجمعها مسبوقة بالاعتصام، لان أصلها المطر وهو معتصم كما يأتي عن قريب، فعند الشك في عصمة ماء وعدمها نستصحب اعتصامه.

[ 224 ]

(مدفوعة): بأنها تبتني على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من. الكلي لان العصمة عند نزول المياه تتحقق في ضمن فرد وهو المطر، وهي قد انعدمت قطعا لنزولها على الارض، ونشك في تبدلها إلى العصمة في ضمن فرد آخر وهو الكر فالاستصحاب فيه من القسم الثالث من الكلي ولا نقول بجريانه. ثم لو تنزلنا وبنينا على عدم جريان الاستصحاب في عدم الكرية على وجه النعت بدعوى انه من التدقيقات العقلية والاخبار لا تشمل مثلها، ولا في عدمها المحمولي بدعوى ان الكرية من عوارض الماهية فهل نلتزم بما أفتى به في المتن من الحكم بطهارة الماء ونجاسة المغسول به كل بحسب الاصل الجاري فيه بخصوصه؟ الالتزام بما أفاده في المتن هو المتعين. وتحقيق هذا الكلام وتأسيس الاصل فيه إنما ينفع على غير مسلكنا من عدم جريان الاصل في العدم الازلي، وينفع على مسلكنا أيضا في غير هذه المسألة لان الشك في كرية الماء قد، يفرض فيما إذا كان الماء مسبوقا بحالتين متضادتين بأن علمنا بكريته في زمان وقلته في زمان آخر واشتبه المتقدم منهما بالمتأخر، إذ لا مجال في مثله لا ستصحاب العدم الازلي للقطع بانقطاع العدم وانقلابه إلى الوجود، ولا لاستصحاب العدم النعتي. لان القلة السابقة فيه تبدلت بالكرية قطعا. ومعه لا مجال لشئ من استصحابي القلة والكرية، اما للمعارضة أو لعدم المقتضي لجريانهما رأسا لعدم احراز اتصال زمن الشك بزمان اليقين على الخلاف، وعليه فلابد من تأسيس أصل آخر يرجع إليه في المسألة وهو قاعدة الطهارة في الماء أو استصحابها لانه مسبوق بالطهارة وبهما نحكم بطهارته. وهو ظاهر ويبقى الكلام بعد هذا في موردين: (أحدهما): مااذا غسلنا متنجسا بالماء المشكوك كريته من غير.

[ 225 ]

مراعاة شرائط الغسل بالقليل من الصب أو الغسل مرتين بأن غمسناه في الماء أو غسلناه فيه مرة واحدة. فهل يحكم بطهارة كل من الماء والمغسول به معا أو بنجاستهما كذلك أو يفصل بينهما بالحكم بطهارة الماء ونجاسة المغسول به؟ الاخير هو الصحيح، أما طهارة الماء فلما مر من أنه مشكوك الطهارة والنجاسة، ومقتضى قاعدة الطهارة طهارته، بل الاستصحاب أيضا يقتضي طهارته لجريانه في الاحكام الجزئية، والشبهات الموضوعية على ما دلت عليه صحيحة زرارة الواردة في الاستصحاب فراجع، وأما نجاسة المغسول بالماء المذكور فلاجل انا أي مطهر فرضناه شرعا فوقوعه على المغسول المتنجس أمر حادث مسبوق بالعدم لا محالة، فإذا شككنا في وقوع المطهر على المغسول به وعدمه فنستصحب عدم وقوعه عليه وبه يحكم ببقائه على نجاسته، وان كانت الملازمة الواقعية بينهما من حيث الطهارة والنجاسة تمنع التفكيك المزبور بالحكم بطهارة أحدهما ونجاسة الآخر. ولكن التفكيك بين المتلازمين ظاهرا لا قتضاء أصليهما ذلك مما ليس بعزيز، ولا مانع من العمل بكل واحد من الاصلين المخالف أحدهما للواقع ما لم يستلزم العمل بهما مخالفتة عملية قطعية لحكم، ولا تلزم المخالفة العملية في المقام من العمل بكل واحد من الاستصحابين فيجوز شرب الماء المذكور والتوضؤ به شرعا وتبطل الصلاة في المغسول به لنجاسته. و (ثانيتهما): ما إذا القينا الماء المشكوك كريته على ماء نجس لتطهيره فهل يحكم بطهارة كليهما أو بنجاستهما أو فيه تفصيل؟ ذهب في المتن إلى عدم تطهيره للنجس، والصحيح أن يفصل في المسألة. فان المائين في مفروض المقام إما أن يتصل أحدهما بالآخر فحسب، وإما أن يمتزجا ويتداخل أجزائهما. وعلي الاول إما أن نلتزم بعدم كفاية مجرد الاتصال في تطهير الماء

[ 226 ]

المتنجس، وإما أن نلتزم بكفايته. فان قلنا بعدم كفاية الاتصال فالماء المتنجس باق على نجاسته، حيث لا مقتضي لزوالها كما ان الماء المشكوك كريته باق على طهارته باستصحابها. وأما إذا قلنا بكفاية مجرد الاتصال فالظاهر انه لا مانع من جريان كل واحد من استصحابي الطهارة والنجاسة فنحكم بطهارة أحد طرفي الماء وبنجاسة الآخر كما التزمنا بذلك في الماء، والثوب المتنجس المغسول به، اللهم إلا أن يدعى الاجماع على ان الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين متضادين ولو كانا ظاهريين، فان الاستصحابين يتعارضان حينئذ، فيرجع إلى قاعدة الطهارة. وعلى الثاني أعني صورة امتزاجهما وتداخل أجزائهما: فاما أن يندك الماء المتنجس في الماء المشكوك كريته لقلة الاول وكثرة الثاني، واما أن يندك الماء المشكوك كريته في الماء المتنجس لكثرته وقلة الاول، واما أن لا يندك أحدهما في الآخر لتساويهما أو زيادة أحدهما على الآخر على وجه لا يوجب الاندكاك وهذه صور ثلاث: (أما الصورة الاولى): فلا ينبغي الاشكال في الحكم بطهارة كلا المائين فانه لا وجود استقلالي للماء المتنجس في قبال المشكوك كريته لفرض اندكاكه فيه وانعدامه عرفا، والماء المشكوك كريته محكوم بالطهارة باستصحابها. و (أما الصورة الثانية): فهي مع صورة المتقدمة متعاكسان فلا بد من الحكم فيها بنجاسة الجميع لاندكا ك الطاهر وهو الماء المشكوك كريته في ضمن المتنجس وهو محكوم بالنجاسة. و (أما الصورة الثالثة): فالاستصحابان فيها متعارضان وبعد تساقطهما يرجع إلى قاعدة الطهارة، وهذا لا لاجل الاجماع على ان الماء الواحد لا يحكم عليه بحكمين متضادين كما ادعوه في الماء المتمم كرا، فانه إنما لا يتصف بهما واقعا لتلازمهما من حيث الطهارة والنجاسة، واما بحسب

[ 227 ]

[ (مسألة 8) الكر المسبوق بالقلة (1) إذا علم ملاقاته للنجاسة ولم يعلم السابق من الملاقاة والكرية ان جهل تاريخها أو علم تاريخ الكرية حكم بطهارته، وإن كان الاحوط التجنب. وان علم تاريخ الملاقاة حكم بنجاسته. وأما القليل المسبوق بالكرية الملاقي لها، فان جهل التاريخان، أو علم تاريخ الملاقاة حكم فيه بالطهارة مع الاحتياط المذكور، وإن علم تاريخ القلة حكم بنجاسته. ] الحكم الظاهري فلا مانع من الحكم بنجاسة بعضه وطهارة بعضه الآخر كل بحسب الاصل الجاري فيه. وإنما لا نحكم بهما في المقام للقطع بأن الاجزاء المتداخلة لا يختلف حكمها طهارة ونجاسة ولو ظاهرا، وعليه فيتعارض الاستصحابان فيرجع إلى قاعدة الطهارة. ويمكن أن يقال بعدم جريان استصحاب الطهارة في نفسه، لان الاستصحاب أصل عملي والاصول العملية إنما تجري فيما ترتب عليها أثر عملي، ومن هنا سميت بالاصول العملية، ومن الظاهر ان الحكم بالطهارة في جملة من الاجزاء المتداخلة في الماء المجتمع مما لا تترتب عليه ثمرة عملية، لوضوح ان أثر الطهارة في الماء إما هو شربه أو التوضؤ به أو غيرهما من الآثار، ومن البين انه لا يترتب شئ منها على الاجزاء المتداخلة في مفروض الكلام لنجاسة الاجزاء الاخر واتحادهما وجودا وعليه فاستصحاب النجاسة يبقى بلا معارض، فلا مناص حينئذ من الحكم بنجاسة الجميع. الشك في السابق من الكرية والملاقاة (1) للمسألة صورتان: إحداهما: مما إذا كان الماء مسبوقا بالقلة في زمان، وطرأ عليه بعد

[ 228 ]

ذلك أمران: أحدهما الكرية، وثانيهما الملاقاة، وشككنا في المتقدم والمتأخر منهما وفيها مسائل ثلاث، (الاولى): ما إذا كان الحادثان كلاهما مجهولي التاريخ. (الثانية): ما إذا علمنا تاريخ الكرية دون الملاقاة. (الثالثه): ما إذا علمنا تاريخ الملاقاة دون الكرية. وثانيتهما: ما إذا كان الماء مسبوقا بالكرية ثم عرضه أمران: أحدهما القلة، وثانيهما الملاقاة. وشككنا في السبق واللحوق، وفيها أيضا مسائل ثلاث: (الاولى): ما إذا كان تاريخ كل من الملاقاة والقلة مجهولا. (الثانية): ما إذا علم تاريخ الملاقاة دون القلة. (الثالثة): ما إذا علم تاريخ القلة دون الملاقاة. ولنقدم الصورة الثانية لاختصارها على خلاف ترتيب المتن فنقول: أما المسألة الاولى: أعني ما إذا كان الحادثان كلاهما مجهولي التأريخ فقد حكم فيها بطهارة الماء في المتن، وذكر ان الاحوط التجنب. والوجه فيما ذهب إليه هو أنه قدس الله نفسه بنى تبعا لشيخنا الانصاري (قده) على جريان الاستصحاب في كل من الحادثين مجهولي التاريخ في نفسه وسقوطه بالمعارضة فيتعارض استصحاب عدم حدوث كل واحد منهما إلى زمان حدوث الآخر باستصحاب عدم حدوث الآخر فيرجع إلى قاعدة الطهارة لا محالة فعدم اعتبار الاستصحابين عنده مستند إلى المعارضة لا إلى قصور المقتضي. وما بنى عليه في هذه المسألة وان كان متينا بحسب الكبرى لما حققناه في الاصول بما لا مزيد عليه إلا أنها غير منطبقة على المقام وذلك: لان اصالة عدم تحقق القلة ((الكرية) إلى زمان الملاقاة هي المحكمة مطلقا سواء

[ 229 ]

جهل تاريخهما أم جهل تاريخ أحدهما. أما إذا جهل تاريخ كلا الحادثين فلانه لا مانع من جريان استصحاب عدم القلة إلى زمان الملاقاة. ولا معارض له في البين، فان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة غير جار في نفسه إذ لا تترتب عليه ثمرة عملية حيث ان الملاقاة أو عدمها في زمان الكرية مما لا أثر له شرعا والاصول العملية انما تجري لا ثبات أثر أو نفيه ولا تجري من دونهما هذا كله مع الاغماض عما يأتي من المناقشة في جريان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة فانتظرها. على أنا سواء قلنا بجريان إستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة أم لم نقل به لا وجه للاحتياط في المقام فتوى حيث لا أساس علمي له إلا على نحو الاحتياط المطلق الجاري في جميع موارد الاحتمال حتى مع وجود الدليل الاجتهادي على خلافه، إذ لا مجال له بحسب الاصل الجاري في المسالة حتى بناء على تعارض استصحابي عدم حدوث كل من الملاقاة والقلة إلى زمان حدوث الآخر، لان المرجع بعد تعارض الاصلين إنما هو قاعدة الطهارة ومعها لا وجه للاحتياط. وأما إذا علم تاريخ الملاقاة دون القلة فلاجل المحذور المتقدم بعينه كما يأتي في المسألة الآتية. وأما المسألة الثانية: وهي ما إذا كان تاريخ الملاقاة معلوما دون تاريخ القلة فقد الحقها في المتن بالمسألة المتقدمة وحكم فيها أيضا بالطهارة مستندا في ذلك إلى ما بنى عليه تبعا للشيخ (قده) من عدم جريان الاصل فيما علم تاريخه من الحادثين، فانه إذا لم يجر استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان حدوث القلة للعلم بتاريخ الملاقاة فلا محالة تبقى أصالة عدم حدوث القلة إلى زمان الملاقاة سليمة عن المعارض ومقتضاها الحكم بطهارة الماء. ويدفعه: ان التفصيل بين مجهولي التاريخ، وما علم تاريخ أحدهما على

[ 230 ]

خلاف التحقيق لما بيناه في محله من انه لا فرق في جريان الاصلين بين الصورتين، نعم في صورة العلم بتاريخ أحدهما كما إذا علمنا بحدوث القلة يوم الجمعة مثلا إنما لا يجري الاستصحاب فيه بالاضافة إلى عمود الزمان للعلم بزمانها. وأما بالاضافة إلى الحادث الآخر المجهول تاريخه فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه، والقلة بالاضافة إلى الملاقاة هي التي يترتب عليها الاثر شرعا بالاضافة إلى قطعات الزمان إذ الفرض ان الحكم مترتب على القلة في زمان الملاقاة فلا فرق في جريان الاصل في الحادثين بين الجهل بتاريخ كليهما، وبين العلم بتاريخ أحدهما. هذا بحسب كبرى المسألة. وأما في خصوص المقام فقد عرفت أن الاصل لا يجري في عدم الملاقاة إلى زمان القلة لا للعلم بتاريخ الملاقاة بل لعدم ترتب أثر عملي عليه فتبقى أصالة عدم حدوث القلة إلى زمان الملاقاة سليمة عن المعارض. ويأتي في الاحتياط في هذه المسألة ما قدمناه في المسألة المتقدمة فراجع. وأما المسألة الثالثة: وهي ما إذا كان تاريخ القلة معلوما دون الملاقاة فقد ذهب الماتن إلى نجاسة الماء جريا على مسلكه من عدم جريان الاصل فيما علم تاريخه من الحادثين فلا تجري اصالة عدم حدوث القلة إلى زمان الملاقاة، للعلم بتاريخ القلة وتبقى اصالة عدم حدوث الملاقاة إلى زمان حدوث القلة بلا معارض ومقتضاها الحكم بنجاسة الماء. وفيه مضافا إلى المناقشة المتقدمة في كبرى ما أفاده من التفصيل ان اصالة عدم حدوث الملاقاة إلى زمان القلة غير جارية في نفسها سواء قلنا بجريان الاصل فيما علم تاريخه أيضا أم لم نقل لعدم ترتب ثمرة عملية عليها فعلى مسلكه (قده) لابد من التمسك بقاعدة الطهارة وأما على مسلكنا من جريان الاصل فيما علم تاريخه فلا مناص من استصحاب عدم حدوث القلة إلى زمان حدوث الملاقاة ومقتضاه كما عرفت هو الحكم بطهارة الماء. نعم قد يتوهم الحكم بنجاسة الماء في هذه الصورة بوجهين:

[ 231 ]

(أحدهما): أن نلتزم باعتبار الاصول المثبتة، فان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة يثبت حينئذ تحقق الملاقاة بعد عروض القلة وهو يقتضي نجاسة الماء. و (ثانيهما): أن تكون اصالة تأخر الحادث أصلا عقلائيا برأسها بأن يكون بنائهم على تأخر الحادث عند الشك في تقدمه وتأخره عن الحادث الآخر وهو أيضا يقتضي الحكم بحدوث الملاقاة متأخرة عن القلة الموجب لنجاسة الماء. ولكنه (قده) لا يلتزم بالاصول المثبتة، كما ان اصالة تأخر الحادث لا أساس لها وهو كلام لا يبتني على دليل، والمقدار الثابت منها انه إذا علم وجود شئ في زمان وشك في انه حدث قبل ذلك الزمان أو في ذلك الزمان بعينه فيبتني على عدم حدوثه قبل الزمان الذي علمنا بوجوده فيه قطعا، واما انه متأخر عن الحادث الآخر أيضا فلم يثبت بناء من العقلاء على ذلك. على انه لو سلمنا حجية الاصل المثبت، وبنينا على جريان استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان القلة واثباته تأخر الملاقاة فلنا ان ندعي انها معارضة باستصحاب عدم الملاقاة بعد زمان القلة، فكما ان الاول يثبت حدوث الملاقاة بعد عرض القلة، وكذلك الثاني يثبت حدوثها قبل عروض القلة فيتعارضان ويتساقطان. أما الصورة الاولى: وهي ما إذا كان الماء قليلا ثم طرأ عليه أمران: الكرية، والملاقاة واشتبه السبق واللحوق فقد عرفت ان فيها مسائل ثلاث: (الاولى): مااذا جهلنا تاريخ كل واحد من الحادثين (الثانية): ما إذا علم تاريخ الكرية فحسبب (الثالثة): ما إذا علم تاريخ الملاقاة دون الكرية. أما المسألة الاولى: فقد ذهب الماتن فيها إلى طهارة الماء، وقال

[ 232 ]

ان الاحوط التجنب. والوجه فيما ذهب إليه اما هو ما سلكه شيخنا الانصاري (قده) من جريان الاصل فيهما في نفسه وسقوطه بالمعارضة فيرجع إلى قاعدة الطهارة في المقام. واما ما سلكه بعضهم من عدم جريان الاصل في مجهولي التاريخ رأسا كما ذهب إليه صاحب الكفاية (قده) فانه على هذا لابد من الرجوع إلى قاعدة الطهارة من الابتداء. وأما المسألة الثانية: فقد ألحقها الماتن بالمسألة المتقدمة وحكم فيها بالطهارة أيضا، وهو يبتني على التفصيل بين مجهولي التاريخ، وما علم تاريخ أحد الحادثين بالمنع عن جريان الاصل فيما علم تاريخه، فان الاستصحاب على هذا المسلك غير جار في عدم حدوث الكرية إلى زمان حدوث الملاقاة فيبقى استصحاب عدم حدوث الملاقاة إلى زمان الكرية بلا معارض ويحكم على الماء بالطهارة أو يبتني على ما سلكه صاحب الكفاية (قده) من عدم جريان الاستصحاب في أمثال المقام رأسا فيرجع إلى قاعدة الطهارة لا محالة. وأما المسألة الثانية: فقد حكم فيها الماتن بالنجاسة. والوجه فيه منحصر بما ذهب إليه شيخنا الانصاري (قده) من التفصيل في جريان الاصل بين مجهولي التاريخ وما علم تاريخ أحد الحادثين بالمنع عن جريان الاصل فيما علم تاريخه. وحيث انا علمنا تاريخ الملاقاة في المقام فلا يجري الاستصحاب في عدمها إلى زمان الكرية، فإذا يبقى استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة بلا معارض وبذلك يحكم على نجاسة الماء هذا كله فيما اعتمد عليه السيد (قده) في المقام. وقد ألحق شيخنا الاستاذ (قده) في تعليقته المباركة صورة الجهل بتاريخ كليهما. بصورة العلم بتاريخ الملاقاة فحكم في كلتا الصورتين بالنجاسة كما حكم بالطهارة في خصوص صورة العلم بتاريخ الكرية. والوجه في الحاقه ذلك هو ما ذكره (قده) في مباحثه الاصولية من ان الاستصحاب وإن كان

[ 233 ]

يجري في مجهولي التاريخ كما عرفت إلا ان أحد الاصلين مما لا يترتب عليه أثر شرعي في خصوص المقام. وتوضيحه: أن استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة يترتب عليه شرعا نجاسة الماء كما هو واضح. وأما استصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية فهو مما لا أثر يترتب عليه في نفسه إلا أن يضم إليه ان الملاقاة حصلت بعد الكرية، وبدونه لا يترتب أثر على عدم الملاقاة إلى زمان الكرية فهذا الاصل غير جار في نفسه، وبه تصبح اصالة عدم الكرية إلى زمان الملاقاة بلا معارض، وهي تقتضي النجاسة كما مر، وهذا هو المنشأ لعدوله (قده) إلى الاحتياط في المقام حين تصحيح تعليقته حيث علق على قول الماتن (وان كان الاحوط التجنب) ما نصه: هذا الاحتياط في صورة العلم بتاريخ الكرية ضعيف جدا، وكذا في المسالة الآتية إذا عليم تاريخ الملاقاة ثم عدل عنه وكتب (لا يترك هذا الاحتياط). هذا ويمكن ان يكون لالحاقه وجه آخر وان لم يتعرض له في كلامه وهوانا لو قلنا بجريان كل من الاصلين في المقام، وسقوطهما بالمعارضة أيضا لا يمكننا الرجوع إلى قاعدة الطهارة على مسلكه (قده) من اعتبار احراز الكرية في الحكم بالاعتصام، بدعوى ان الاستثناء إذا تعلق على عنوان وجودي، وكان المستثنى منه حكما الزاميا أو ملزوما له فهو عند العرف بمثابة اعتبار احراز ذلك العنوان الوجودي في الخروج عن المستثنى منه فكأنه (ع) صرح بانفعال مطلق الماء بالملاقاة إلا ما أحرز كريته، وقاعدة الطهارة لا يحرز الكرية بوجه. ولكن ما أفاده (قده) لا يمكن المساعدة عليه لعدم تمامية الوجه الاخير لما قدمناه في محله، من أن احراز العنوان الوجودي غير معتبر في الخروج عن الالزام، والمستثنى منه، وأما الوجه الاول فيرده كفاية نفي الاثر وهو عدم نجاسة الماء في جريان الاصل. والصحيح في المقام انه لا أساس لما ذهب إليه الماتن (قده) من

[ 234 ]

التفصيل بين مجهولي التاريخ، أوما علم تاريخ الكرية، وبين ما علم بتاريخ الملاقاة كما لا وقع لما صنعه شيخنا الاستاذ (قده) من التفصيل بين مجهولي التاريخ اوما علم بتاريخ الملاقاة. وبين ما علم بتاريخ الكرية. وتوضيح ذلك: انا ان منعنا من جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ من الابتداء، بدعوى عدم احراز اتصال زمان الشك باليقين، وان المورد شبهة مصداقية لدليل اعتبار الاستصحاب، كما عليه صاحب الكفاية (قده) أو بنينا على عدم جريانه من جهة المعارضة كما هو الصحيح فيحكم بطهارة الماء لانه مشكوك النجاسة ومثله محكوم بالطهارة بالخصوص وبعموم قوله (ع) كل شئ نظيف. (* 1)، وكذا فيما علم بتاريخ الكرية دون الملاقاة أو العكس إذا قلنا بجريان الاصل في كل من معلوم التاريخ ومجهوله لما بيناه في محله من أن الاصل في ما علم تاريخه انما لا يجري بالاضافة إلى عمود الزمان للعلم بزمانه، وأما بالاضافة إلى الحادث الآخر كما هو الموضوع للاثر شرعا فهو مشكوك فيه لا محالة، ولا مانع من جريان اصالة العدم فيه أيضا فالاصلان يتعارضان فيسقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة، كما في مجهولي التاريخ. وأما بناء على عدم جريان الاصل فيما علم تاريخه، فان علمنا بتاريخ الكرية دون الملاقاة فاستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكرية بلا معارض وهو يقتضي طهارة الماء أيضا. وان علم بتاريخ الملاقاة دون الكرية فينعكس الامر، ويبقى استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة بلا معارض ومقتضاه نجاسة الماء كما اعتمد عليه السيد (قده). والحكم بالطهارة في هذه الصورة كما في بعض تعاليق الكتاب يبتني على عدم التفرقة في جريان الاستصحاب بين مجهولي التاريخ، وما علم تاريخ أحدهما كما هوالحق.


(* 1) المروية في الباب 37 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 235 ]

وعلى الجملة الحكم في جميع الصور المتقدمة هو الطهارة ان لم نفصل في جريان الاصل وعدمه بين مجهولي التاريخ وما علم تاريخ أحدهما. هذا كله مع قطع النظر عما ذكرناه في بحث خيار العيب وحاصل ما ذكرنا هناك: ان الموضوع المتركب من جزئين أو أكثر ان اخذ فيه عنوان انتزاعي زائد على ذوات الاجزاء من الاجتماع والمقارنة والسبق ونحوها فلا يمكن في مثله احراز أحد الجزئين بالاصل والاخر بالوجدان كما لا يبعد ذلك في الحكم بصحة الجماعة فان ما ورد في الروايات (* 1) من انه إذا جاء الرجل مبادرا والامام راكع أو وهو راكع وغيرهما مما هو بهذا المظنون ظاهر في اعتبار عنوان المعية والاقتران لان الواو للمعية والحالية فيعتبر في صحة الجماعة أن يكون ركوع المأموم مقارنا لركوع الامام. فإذا ركع المأموم وشك في بقاء الامام راكعا، وأحرزنا أحدهما وهو ركوع المأموم بالوجدان فلا يمكننا اثبات المقارنة باجراء الاصل في ركوع الامام، والحكم بصحة الجماعة من جهة ضميمته إلى الوجدان، وذلك لان الاصل لا يحرز به إلا ذات الركوع دون وصف المقارنة المعتبر في صحة الجماعة، إلا على القول بالاصول المثبتة. وعليه فاستصحاب ركوع الامام غير جار في نفسه، فلا تصل النوبة إلى معارضة ذلك باستصحاب عدم وصول المأموم إلى حد الركوع في زمان ركوع الامام. واما إذا لم يؤخذ في الموضوع المركب شئ زائد على ذوات الاجزاء من العناوين البسيطة الانتزاعية، بل اعتبر ان يكون هذا الجزء موجودا في زمان كان الجزء الآخر موجودا فيه ففي مثله يمكن احراز أحد جزئي


(* 1) كما في صحاح سليمان بن خالد والحلبي وزيد الشحام ومعاوية بن ميسرة المرويات في الباب 45 من أبواب صلاة الجماعة من الوسائل.

[ 236 ]

الموضوع بالوجدان والجزء الآخر بالاصل، فلا مانع في المثال من استصحاب بقاء ركوع الامام إذ به يجرز أحد جزئي الموضوع، وقد أحرزنا جزءه الآخر وهو ركوع المأموم بالوجدان فبضم الاصل إلى الوجدان يلتثم كلا جزئي الموضوع، لان الاثر انما يترتب على وجود الجزئين، وقد أحرزنا هما بالاصل والوجدان. وهل يمكن أن يتمسك في مثله باستصحاب عدم تحقق ركوع المأموم في زمان ركوع الامام بدعوى: ان المحرز بالوجدان ليس إلا ذات ركوع المأموم، وأما ركوعه في زمان الامام فهو بعد مشكوك فيه، والاصل عدم تحققه في ذلك الزمان، وهو يعارض استصحاب ركوع الامام فيتساقطان؟ لا ينبغي الشك في أنه لا يمكن ذلك والوجه فيه أمران: أحدهما نقضي والآخر حلي: أما النقضي: فهو ان لازم ذلك الغاء الاصل عن الاعتبار في جميع الموضوعات المركبة حتى ما نص على جريان الاصل فيه من تلك الموضوعات مثلا الموضوع في صحة الصلاة يتركب من ذات الصلاة، ومن اتصاف المصلي بالطهارة، وقد نصت صحيحة زرارة (* 1) على أن الرجل إذا شك في وضوئه لاجل الشك في أنه نام يستصحب وضوئه، ويصلي بهذا الوضوء مع ان مقتضى ما تقدم بطلان الصلاة في مفروض الصحيحة لان استصحاب بقاء الوضوء إلى زمان تحقق الصلاة، والحكم بصحة الصلاة معارض باستصحاب عدم تحقق الصلاة في زمان الطهارة لان ما أحرزناه بالوجدان إنما هو وجود أصل الصلاة لا الصلاة في زمان الجزء الآخر، فانها في ذلك الزمان مشكوك فيها، والاصل عدمها فالاصلان يتعارضان فلا يمكن الحكم بصحة الصلاة. مع أن استصحاب الطهارة لان يترتب عليها آثارها ومنها


(* 1) المروية في الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 237 ]

صحة الصلاة بها مما لا اشكال فيه، إذ به يجرز وجود أحد الجزئين تعبدا بعد احراز الآخر بالوجدان، وهو مورد للنص الصحيح. أما الحلي: فهو ان الاصالة المدعاة مما لا أصل له وهي من الاغلاط وسره ان مفروض الكلام عدم اعتبار أي شئ زائد على ذوات الاجزاء في الموضوعات المركبة وإنما اعتبر فيها وجود هذا وجود ذاك فحسب وهو مما لا اشكال في حصوله عند تحقق أحدهما بالوجدان، واحراز الآخر بالاصل إذ بهما يلتئم كلا جزئي الموضوع، ومعه لا مجرى لا صالة عدم تحقق ركوع المأموم في زمان ركوع الامام أو عدم تحقق الصلاة في زمان الطهارة، إذ لا أثر عملي لاستصحابهما، فان الاثر يترتب على وجود الركوعين أو وجود الصلاة والطهارة بان يكون هذا موجودا والآخر أيضا موجودا ولا أثر لتحقق الصلاة في زمان الطهارة أو ركوع المأموم في زمان ركوع الامام، وعليه إذا وجد أحدهما بالوجدان والآخر بالاستصحاب فقد وجد كلا جزئي الموضوع وبه نقطع بترتب الاثر، فلا شك لنا بعد ذلك في ترتبه حتى نجري الاصل في عدم تحقق الصلاة في زمان الطهارة، ومنه يتضح ان استصحاب ركوع الامام أو الطهارة بلا معارض هذا كله بحسب الكبرى. وأما تطبيقها على المقام فهو ان موضوع الحكم بالانفعال مركب من الملاقاة، وعدم الكرية. ولا ينبغي الاشكال في عدم اعتبار عنوان الاجتماع فيه قطعا بأن يعتبر في الانفعال مضافا إلى ذات القلة والملاقات عنوان اجتماع أحدهما مع الآخر الذي هو من أحد العناوين الانتزاعية فان ظاهر قوله (ع) إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ (1) ان ما ليس بكر تنجسه ملاقاة


(* 1) كما في ورد مضمونه في صحيحة معاوية بن عمار وغيرها من الاخبار المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 238 ]

شئ من النجاسات، فالموضوع للانفعال هو نفس القلة والملاقاة، ولا دلالة فيه على اعتبار عنوان الاجتماع بوجه. بل لو قلنا باعتباره لما جرى استصحاب عدم الكرية في غير الماء المسبوق بالحالتين أيضا، لوضوح ان استصحاب عدمها لا يثبت عنوان اجتماع الملاقاة معا لقلة (عدم الكرية). وعليه إذا أحرزنا الملاقاة بالوجدان فلا مانع من احراز الجزء الآخر أعني عدم الكرية بالاصل، إذ به يتحقق كلا جزئي الموضوع للانفعال. ودعوى: أنه معارض بأصالة عدم تحقق الملاقاة في زمان عدم الكرية قد عرفت اندفاعها بأن الاصالة المذكورة مما لا أساس له، إذ لا أثر شرعي ليترتب على عدم الملاقاة في زمان القلة، بل الاثر مترتب على وجود القلة والملاقاة، وقد أحرزناهما بالاصل والوجدان ومعهما نقطع بترتب الاثر ولا يبقى عندئذ شك في ترتبه حتى يرجع إلى استصحابب عدم الملاقاة في زمان القلة. ثم ان لازم جريان استصحاب عدم الكرية عند إحراز الملاقاة بالوجدان هو الحكم بالنجاسة في جميع الصور الثلاث المتقدمة وهذا هو المنشأ لحكم سيدنا الاستاذ أدام الله اظلاله بالاحتياط الوجوبي في تعليقته المباركة في جميع الصور الثلاث، فان ما قدمناه آنفا وإن اقتضى الحكم بالنجاسة جزما ولكن جرت عادته مد ظله على عدم الافتاء في بعض الموارد إلا على سبيل الحكم بالاحتياط فافهم ذلك واغتنمه.

[ 239 ]

[ (مسألة 9) إذا وجد نجاسة في الكر (1) ولم يعلم انها وقعت فيه قبل الكرية أو بعدها يحكم بطهارته، إلا إذا علم تاريخ الوقوع. ] الشك في تقدم الملاقاة على الكرية (1) لولا قوله (قده) إلا إذا علم تاريخ الوقوع لحملنا المسألة على مسألة اخرى مغايرة للمسألة المتقدمة، فان مفروضها أي المسألة المتقدمة هو العلم بالحالة السابقة في الماء من الكرية والقلة، وعليه فيمكن حمل هذه المسألة التي بأيدينا على ما إذا لم نعلم الحالة السابقة في الماء، وإنما علمنا بطرو أمرين عليه: الكرية والملاقاة أو القلة والملاقاة، وبهذا تتغاير المسألتان. إلا ان قوله (قده) إلا إذا علم تاريخ الوقوع لا يلائم حمل المسألة على ما ذكرناه، إذ لا فرق فيما لم يعلم حالته السابقة بين العلم بتاريخ أحد الحادثين كالوقوع وعدمه، نعم يختلف الحال بذلك فيما علم حالته السابقة على ما ذهب إليه الماتن تبعا لشيخنا الانصاري (قده) من التفصيل في جريان الاصل بين مجهولي التأريخ، وما علم تاريخ أحدهما، إذ مع العلم بتاريخ الوقوع في المسألة لا يجري فيه الاستصحاب للعلم بتاريخه، ويبقى استصحاب قلة الماء إلى زمان الوقوع بلا معارض، وهو يقتضي النجاسة، هذا في الماء المسبوق بالقلة وكذا الحال في المسبوق بالكرية إلا ان استصحابها يقتضي الحكم بطهارة الماء كما هو ظاهر، فهذه المسألة مستدركة لانها عين المسألة المتقدمة، فلا وجه لا عادتها، ولعلها من سهو القلم.

[ 240 ]

[ (مسألة 10) إذا حدثت الكرية والملاقاة في آن واحد (1) حكم بطهارته وإن كان الاحوط الاجتناب. ] حدوث الكرية والملاقاة معا (1) صور المسألة ثلاث (فتارة) تحدث الملاقاة بعد الكرية، ولو بآن فلسفي، ولا إشكال في عدم انفعال الماء بذلك، لكرية الماء حين ملاقاة النجس و (اخرى) تحدث قبل الكرية ولو بآن عقلي، ولا كلام في انفعال الماء بذلك لقلة الماء حين ملاقاة النجس بناء على ما يأتي في محله من عدم كفاية تتميم القليل بالكر النجس و (ثالثة) تحدث الملاقاة والكرية معا وهو مورد الكلام في المقام، كما إذا فرضنا انبوبين في أحدهما بول وفي الآخر ماء كر، وقد أوصلناهما للماء في آن واحد فحصلت الملاقاة والكرية معا بلا تقدم من أحد هما على الآخر ولو بآن، فهل يحكم بطهارة الماء حينئذ. أو بنجاسته؟ فيه قولان مبنيان على ان أدلة اعتصام الكر كقوله (ع) كر. في جواب السؤال عن الماء الذي لا ينجسه شي (* 1) وقوله إذا بلغ الماء قدر كر. (* 2) وغير هما من الاخبار. هل تدل على اعتبار سبق الكرية على الملاقاة في الاعتصام أو لا يستفاد منها ذلك بوجه. بل الكرية عاصمة عن الانفعال ولو حصلت مقارنة للملاقاة؟


(* 1) كما في صحيحة اسماعيل بن جابر المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) وهو مضمون عدة روايات مرويات في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 241 ]

صريح كلام السيد (قده) هو الثاني حيث حكم بطهارة الماء المذكور، وإن احتاط بالاجتناب، ومنشأ احتياطه هو احتمال اعتبار سبق الكرية في الاعتصام. وذهب شيخنا الاستاذ (قده) إلى نجاسة الماء في مفروض المسألة ولكن ما ذهب إليه السيد هو الصحيح. وأما ما ذكره شيخنا الاستاذ (ره). فان اعتمد في ذلك على الوجه العقلي: من لزوم تقدم الموضوع على حكمه عقلا، حيث ان ثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له، فبما ان الكر موضوع للحكم بعدم الانفعال بالملاقاة، فلابد أن يتحقق الكرية خارجا في زمان متقدم على الملاقاة حتى يحكم عليها بعدم الانفعال بالملاقاة، وبما ان التقدم غير متحقق في المسألة فيحكم على الماء بالانفعال. (ففيه): ان الموضوع لابد من أن يتقدم على حكمه رتبة لا بحسب الزمان، بل الموضوع وحكمه متقارنان زمانا، ونظيرهما العلة ومعلولها، لتقارنهما زمانا وان كانت العلة متقدمة على معلولها رتبة، فالتقدم الزماني في الموضوع والعلة غير معتبر بل مستحيل، وقد صرح هو (قدس سره) بعدم اعتبار التقدم الزماني في بحث الترتب، وعلى هذا بنى أساسه في محله، وذكر ان الامر بالمهم وإن كان مترتبا على عصيان الامر بالاهم، إلا انه لا يستلزم تقدم عصيان الامر بالاهم على الامر بالمهم زمانا، لان الموضوع متقدم على حكمه رتبة لا زمانا، فعصيان الامر بالاهم، ونفس الامر بالمهم، وامتثاله يتحقق في زمان واحد معا، وإن كان بعضها متقدما على بعض آخر رتبة. وإن اعتمد في ذلك على مقام الاثبات، ودلالة الاخبار بدعوى: استفادة لزوم السبق من الروايات، فهو مناف لا طلاقات الاخبار، فانها دلت على اعتصام الكر مطلقا سواء أكان متقدما على الملاقاة أم مقارنا

[ 242 ]

[ (مسألة 11) إذا كان هناك ماءان (1) أحدهما كر والآخر قليل، ولم يعلم ان أيهما كر، فوقعت نجاسة في أحدهما معينا أو غير معين لم يحكم بالنجاسة وإن كان الاحوط في صورة التعين الاجتناب. ] معها (* 1). العلم الاجمالي بالكرية (1) قد حكم في المتن بطهارة ملاقي النجاسة في المسألة مطلقا، واحتاط بالاجتناب في صورة تعين الملاقي للنجاسة، وحكم شيخنا الاستاذ (قده) في تعليقته بنجاسة ملاقي النجاسة إذا كان معينا، ووافق الماتن في الحكم بطهارة ملاقي النجاسة على تقدير عدم تعينه. والوجه فيما أفاده في صورة عدم تعين ملاقي النجاسة من الحكم بالطهارة هو أن ملاقي النجاسة إن كان هو الكثير، فلا يترتب على ملاقاتها أثر قطعا، وملاقاتها مع القليل المتعين عند الله غير معلومة عندنا من الابتداء، فهو أي القليل مشكوك الملاقاة معها، فيحكم بطهارته تعبدا كما يحكم بطهارة الكثير وجدانا. واما إذا لاقت النجاسة أحد الماءين معينا، فالوجه في حكم السيد (قده) بطهارته هو ما اعتمد عليه في الحكم بطهارة الماء المردد بين الكر والقليل فيما إذا لاقى نجسا، ولم يعلم حالته السابقة، وقد اعتمد فيها على قاعدة الطهارة أو استصحابها لعدم صحة التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية، وان منع


(* 1) هذا كله فيما إذا حصلت الكرية من أمر آخر غير الملاقاة كما في مثال الانبوبين، واما إذا حصلت بنفس الملاقاة فنتكلم فيه عن قريب فلا تشتبه.

[ 243 ]

عن ترتيب آثار الكرية عليه من كفاية الغسل فيه مرة أو من دون عصر أو إلقائه على النجس. وأما الوجه في ما حكم به شيخنا الاستاذ من النجاسة في هذه الصورة فهو ما أسسه هو (قده) من الاستثناء إذا تعلق على عنوان وجودي وكان المستثنى منه حكما إلزاميا أو ملزما له فهو بمثابة اعتبار إحراز ذلك العنوان الوجودي في الخروج عن المستثنى منه عرفا، ففي المقام لابد من إحراز الكرية في الحكم بعدم الانفعال لان الاستثناء عن انفعال الماء بالملاقاة انما تعلق بعنوان الكرية، وهو عنوان وجودي، وبما انه غير محرز في مفروض المسألة فيحكم على الماء بالانفعال وحكمهما (قدس الله اسرارهما) على مسلكهما في محله. والصحيح أن يفصل في المقام بالحكم بالنجاسة فيما إذا كان ملاقي النجاسة معينا إلا مع سبق العلم بكريته، والحكم بالطهارة فيما إذا لم يكن معينا. وتفصيل ذلك: ان النجاسة إذا لاقت أحدهما المعين فلا يخلو إما ان يعلم كريته وكرية الماء الآخر غير الملاقي للنجاسة سابقا وإما ان يعلم بقلتهما كذلك أي سابقا. واما ان لا يعلم حالتهما السابقة وهذه صور ثلاث، وهناك صور أخرى يظهر حكمها مما نبينه في حكم الصور المتقدمة ان شاء الله. فان علمنا بكريتهما سابقا فلا اشكال في استصحاب كرية الملاقي المعين للنجاسة ونتيجته الحكم بطهارته مع الملاقاة. والعلم الاجمالي بعروض القلة على أحد المائين لا يترتب عليه سوى الاحتمال انقلاب المعين عن الكرية السابقة إلى القلة، ومع الاحتمال يجرى استصحاب كريته، ولا يعارضه استصحاب الكرية في الماء الآخر، لانه غير جار في نفسه لعدم ترتب أثر شرعي عليه، فانه لم يلاق نجسا حتى يجري فيه استصحاب الكرية. فهذا

[ 244 ]

العلم الاجمالي لا يزيد على احتمال تبدل المعين، وانقلابه من الكرية السابقة إلى القلة احتمالا بدويا. ودعوى: ان الاصل عدم تحقق الملاقاة في زمان كرية الماء. مندفعة: بما أسلفناه في المسألة المتقدمة من انه لا أساس للاصالة المذكورة بوجه، ولا أثر لها في الموضوعات المركبة بعد إحراز أحد جزئيها وجدانا كالملاقاة في المقام والجزء الآخر بالاصل، لارتفاع الشك بذلك. وأما إذا علمنا بقلة الماءين سابقا فينعكس الحال، ونستصحب قلة الملاقي المعين وأثره الحكم بنجاسته، لانه قليل لاقى نجسا ولا يجري استصحاب القلة في الماء الآخر حتى يعارض استصحاب القلة في الملاقي المعين لانه لم يلاق نجسا حتى يستصحب قلته كما عرفت. وأما إذا جهلنا حالتهما السابقة فقد عرفت ان (السيد) حكم بطهارة الملاقي في مثله بقاعدة الطهارة، أو استصحابها، وإن منع عن ترتيب آثار الكرية عليه. ولكن الماء محكوم بالنجاسة في هذه الصورة على ما سلكناه من جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية، لان اتصاف الملاقي بالكرية. أمر مسبوق بالعدم. وبما انا نشك فيه فالاصل عدمه، فهو ماء لم يتصف بالكرية فيتنجس بملاقاة النجاسة لا محالة. هذا، بل لا مانع من استصحاب عدم كريته على وجه النعت، لما قدمناه من أن المياه باجمعها مسبوقة بالقلة لا محالة، فان أصلها المطر وهو انما ينزل قطرات ثم يتشكل منها الكر وغيره فإذا شككنا في بقائه على حاله جري استصحاب قلته، وهو استصحاب نعتي. فتلخص ان احتياط الماتن على مسلكه غير لزومي، وأما على مسلكنا فالاحتياط بالاجتناب هو الاظهر. هذا كله فيما إذا كان ملاقي النجاسة معينا. واما إذا لاقت النجاسة احدهما غير المعين فكلا المائين محكوم بالطهارة وذلك لان مالا قته النجاسة واقعا إن كان هو الكر فلا أثر لتلك الملاقاة،

[ 245 ]

لان الكر عاصم. وان كان هو القليل فهي على تقدير تحققها وإن كانت مؤثرة في الانفعال إلا انها مشكوكة من الابتداء، والاصل عدمها. وليس هذا من موارد الشك في التقدم والتأخر في شئ، بل الشك فيه في تحقق أحد الجزئين أعني الملاقاة بعد إحراز الجزء الآخر، والاصل يقتضي عدمه فيحكم بطهارة كلا المائين أحدهما وهو الكر بالوجدان والآخر أعني القليل غير المعين بالتعبد. ولا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم بلوغ الملاقي للنجس غير المعين عندنا حد الكر. إذ لا أثر لهذا الاستصحاب في نفسه بعد العلم بطهارة الكر وجدانا وبطهارة القليل تعبدا، ولا يثبت بذلك ملاقاة النجاسة للقليل الموجود في البين ليحكم بانفعاله. وتزيد المسألة وضوحا بملاحظة ان حالها حال ما إذا كان عندنا ماء آن أحدهما المعين كر، والآخر المعين قليل، فانه إذا طفرت قطرة بول على أحدهما اجمالا فلا كلام في الحكم بطهارة القليل حينئذ، وعدم وقعوع القطرة عليه، لان ملاقاة القطرة للكر لا أثر لها وملاقاتها للقليل مشكوكة من الابتداء، والاصل عدم ملاقاتها للقليل، ولا مجال في مثله لاستصحاب عدم بلوغ ما وقعت عليه القطرة كرا، لانه لا يثبت وقوع القطرة على القليل هذا على انا لو سلمنا جريان الاصل في ذلك فلا محالة تقع المعارضة بينه وبين استصحاب عدم وقوع القطرة على القليل فيتساقطان ونرجع إلى قاعدة الطهارة في القليل، فإذا كان هذا حال المائين مع العلم بكرية أحدهما بعينه فليكن الماءآن مع العلم بكرية احدهما لا بعينه أيضا كذلك، فما أفاده السيد في هذه الصورة من الحكم بالطهارة هو الصحيح.

[ 246 ]

[ (مسألة 12) إذا كان ماءان أحدهما المعين نجس، فوقعت نجاسة لم يعلم وقوعها في النجس، أو الطاهر. لم يحكم بنجاسة الطاهر (1). (مسألة 13) إذا كان كر لم يعلم انه مطلق أو مضاف، فوقعت فيه نجاسة لم يحكم بنجاسته (2) وإذا كان كران أحدهما مطلق والآخر ] العلم الاجمالي بوقوع النجاسة في الطاهر أو النجس (1) ما أفاده في المتن من عدم نجاسة الطاهر منهما متين، والوجه فيه: ان العلم الاجمالي إنما ينجز المعلوم فيما إذا جرت في أطرافه الاصول في نفسها وتساقطت بالمعارضة، وإلا فهو ليس علة تامة للتنجز بنفسه كما ذكرناه في الاصول، وليس الامر كذلك في المقام لان الاصل لا يجري في طرف النجس فيبقى استصحاب عدم ملاقاة الماء الطاهر للنجس بلا معارض، ومعه لا يترتب على العلم الاجمالي بملاقاة أحدهما للنجس أثر. (2) حكم الماتن (قدس سره) بطهارته من دون أن يرتب عليه آثار الماء المطلق وقد حكم في نظير المقام أعني الماء المشكوك كريته بالطهارة، ولم يترتب عليه آثار الكرية، وهو نظير ما ذكره شيخنا الانصاري (قده) في مبحث القطع من ان المايع إذا تردد بين البول والماء حكم بطهارته، ولا يترتب عليه آثار الماء كجواز التوضي منه، وهذا كله على مسلكه متين. وأما على مسلكنا من جريان الاصل في الاعدام الازلية فلا محيص من الحكم بنجاسة المايع في المقام كما قلنا بها في نظائره، لان ما خرج عن الحكم

[ 247 ]

[ مضاف، وعلم وقوع النجاسة في أحدهما، ولم يعلم على التعيين يحكم بطهارتهما (1) (مسألة 14) القليل النجس المتمم كرا بطاهر أو نجس: نجس على الاقوى (2). ] بالانفعال بملاقاة النجاسة إنما هو عنوان الكر من الماء، وعنوان الماء أمر حادث مسبوق بالعدم، والاصل عدم تحققه في المايع الموجود، فيحكم بانفعاله إلا أن يكون مسبوقا بالاطلاق. (1) هذه المسألة كالمسألة المتقدمة بعينها وهي ما إذا كان هناك ماء آن أحدهما كر والاخر قليل واشتبه أحدهما بالآخر ولاقت أحدهما نجاسة. وما قدمناه في تلك المسألة من التفصيل يأتي فيها حرفا بحرف فراجع. القليل المتمم كرا (2) قد اختلفوا في تطهير الماء النجس القليل على أقوال ثلاثة: (أحدها): ما ذهب إليه المشهور من أن تتميم القليل النجس كرا سواء كان بالماء الطاهر أو النجس لا يوجب طهارته، بل ينحصر طريق تطهيره باتصاله بالكر أو الجارى أو ما الحق بهما وهو المطر. و (ثانيهما): ما ذهب إليه السيد وابن حمزة (قدهما) من كفاية تتميمه كرا بالماء الطاهر. وعدم كفاية التتميم بالماء النجس. و (ثالثها): ما ذهب إليه ابن ادريس (قده) من كفاية التتميم كرا مطلقا كان بالماء الطاهر أو النجس. وهذه هي أقوال المسألة. والذي ينبغي أن يتكلم فيه في المقام إنما هو ما ذهب إليه المشهور، وما اختاره صاحب السرائر (قده) لانا إما أن نقول بعدم كفاية التتميم كرا مطلقا كما التزم به المشهور، وإما أن نقول بكفاية التتميم كذلك أي

[ 248 ]

مطلقا كما اختاره ابن ادريس وأما التفصيل بين التتميم بالطاهر والتتميم بالنجس كما هو قول السيد وابن حمزة (قدهما) فهو مما لا وجه له لانا على تقدير القول بكفاية التتميم كرا لا نفرق فيه بين الماء الطاهر والنجس، ولا بين التتميم بالمطلق والمضاف إذا لم يوجب زوال الاطلاق عن الماء بل نتعدى إلى كفاية التتميم بالاعيان النجسة أيضا كالبول فيما إذا لم يوجب التغير في الماء. فان صفة الكرية على هذا القول هي العاصمة عن الانفعال وهي التي تقتضي الطهارة مطلقا سواء حصلت بالماء أو بغيره، وسواء حصلت بالطاهر أو بالنجس. بل ملازمة القول بكفاية التتميم بالاعيان النجسة، ووضوح بطلان هذا الالتزام هي التي تدلنا عى صحة ما ذهب إليه المشهور من عدم كفاية التتميم كرا مطلقا كما تأتي الاشارة إليه ان شاء الله. وكيف كان فلابد من النظر إلى أدلة الاقوال. فقد استدل المرتضى (قده) على ما ذهب إليه من كفاية التتميم بالماء الطاهر بوجهين: (أحدهما):: ان بلوغ الماء كرا يوجب استهلاك النجاسة الطارئة عليه. وانعدامها بلا فرق في ذلك بين سبق الكرية على طرو النجاسة و لحوقها. وهذا الوجه كما ترى مصادرة ظاهرة، إذ أي تلازم عقلي بين كون الكرية السابقة على طرو النجاسة موجبة لا ستهلاكها وارتفاعها، وبين كون الكرية اللاحقة كذلك؟ لتجويز العقل ان لا تكون الكرية اللاحقة رافعة للنجاسة، وموجبة لا ستهلاكها. على ان المسألة ليست بعقلية، فالمتبع فيها ظواهر الادلة الشرعية كما لا يخفى. و (ثانيهما): ان العلماء أجمعوا على طهارة الكر الذي فيه شئ من الاعيان النجسة بالفعل مع احتمال أن تكون النجاسة طارئة عليه قبل كريته، فلولا كفاية بلوغ الماء كرا مطلقا في الحكم بطهارته لما أمكن الحكم بطهارة

[ 249 ]

الماء المذكور. وهذا منه (قده) عجيب، فان طهارة الكر الذي وجد فيه نجاسة مسألة ذات شقوق وصور، وقد حكمنا في بعضها بالطهارة وناقشنا في بعضها وانما حكمنا بالطهارة في البعض لاجل استصحاب الطهارة أو قاعدتها، وهو حكم ظاهري فكيف يمكن بذلك اثبات الطهارة الواقعية في المقام، والقول بأن تتميم النجس كرا موجب لطهارة الماء واقعا. فهذا الوجه كالوجه السابق مصادرة. واستدل صاحب السرائر (قده) على مذهبه من كفاية التتميم كرا مطلقا ولو بالماء النجس بما ورد عنهم (ع) من قولهم (إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا) وذكر ان كلمة (خبثا) نكرة واقعة في سياق النفي وهي تفيد العموم فتشمل الخبث المتقدم والمتأخر، ومعنى لم يحمل: انه لا يتصف بالخبث فان العرض محمول على معروضه وصفة له والكر لا يتصف بالخبث مطلقا كما هو معنى الاعتصام. والوجه في عدم استدلال ابن ادريس وغيره من الاصحاب في المقام بما هو المعروف في الاستدلال به على اعتصام الكر من قولهم (ع) (إذا بلغ الماء قدر كر أو قدر راويتين لا ينجسه شئ) ظاهر. وهو ان نجس من باب التفعيل، وهو بمعنى الاحداث والايجاد. نجسه بمعنى أوجد النجاسة وأحدثها. ولا ينجسه أي لا يوجد النجاسة ولا يحدثها في الكر، فتختص هذه الاخبار بالنجاسة الطارءة بعد كرية الماء، ولا تشمل النجاسة السابقة على الكرية، وهذا بخلاف الرواية المتقدمة، لانها تقتضي عدم اتصاف الكر بالخبث مطلقا فان كان في الماء نجاسة سابقة فمعنى عدم اتصافه بها كرا أنه يلقي النجاسة عن نفسه، كما أنها إذا كانت متأخرة معناه أن الكر يدفع النجاسة، ولا يقبلها.

[ 250 ]

وربما يتوهم أن الرواية لا تشمل الرفع والدفع، لان معنى الدفع أن الكر طاهر في نفسه لا يقبل عروض النجاسة عليه، كما أن معنى الرفع أن الكر نجس إلا انه يرفع النجاسة عن نفسه، وهذان المعنيان لا يتحققان في شئ واحد، ولا يمكن ارادتهما في استعمال فارد، لان إطلاق أن الكر لا يحمل الخبث وإرادة الرفع والدفع منه معا يؤل إلى أن الماء الكر الواحد طاهر ونجس في زمان واحد، وهو أمر مستحيل. إلا أن المعنى الذي فسرنا به الرواية عند تقريب الاستدلال بها يدفع هذه المناقشة، لان (لا يحمل) بمعنى لا يتصف أعم من أن يكون في الماء نجاسة قبل كريته أو بعده، نعم إذا كانت عليه نجاسة قبل كريته فمعنى عدم اتصافه بالخبث: أنه يلقيه عن نفسه، كما ان معناه بالاضافة إلى النجاسة الطارءة بعد كريته: انه يدفعها ولا يقبلها كما مر. ويظهر صدق ما ادعيناه بالمراجعة إلى موارد الاستعمالات عرفا، فتراهم يقولون فرس جموح إذا ركب رأسه، وأبى من الركوب عليه ولو ركبه أحد القاه من على ظهره. فهو كما يصدق فيما إذا استعصى من الركوب عليه ابتداء كذلك يصدق فيما إذا استعصى والقى الراكب من على ظهره بعد الركوب عليه. وذكر المحقق الهمداني (قده) أن الرواية إذا عرضناها على العرف يستفيدون منها أن الخبث لا يتجدد في الكر لا أنه يرفع الخبث السابق على كريته. ولكنه أيضا مما لا يمكن المساعدة عليه، لما عرفت من أن (لم يحمل) بمعنى لا يتصف وهو أعم، فالرواية بحسب الدلالة غير قابلة للمناقشة. وإنما الاشكال كله في سندها لانها مرسلة، ولم توجد في شئ من جوامعنا المعتبرة، ولا في الكتب الضعيفة على ما صرح به المحقق (قده) في المعتبر. بل وكتب العامة أيضا خالية منها. نعم مضمونها يوجد في رواياتهم

[ 251 ]

كما رووا أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل خبثا (* 1) إذ لابد من حمل القلتين على الكر حتى لا تنافيها روايات الكر. ونظيرها من طرقنا ما ورد من أن الماء إذا كان أكثر من رواية لا ينجسه شئ (* 2) هذا على أنهالو كانت موجودة في جوامعنا أيضا لم نكن نعتمد عليها لارسالها. نعم ذكروا في تأييد الرواية وتقويتها: أنها وان كانت مرسلة إلا أن صاحب السرائر ادعى الاجماع على نقلها، وانها مما رواه الموافق والمخالف وهذه شهادة منه على صحة الرواية سندا. ولا يخفى عليك أن هذه النسبة قد كذبها المحقق (قده) بقوله: إن كتب الحديث خالية عنه أصلا، حتى ان المخالفين لم يعلموا بها إلا ما يحكى عن ابن حي وهو زيدي منقطع المذهب وما رأيت شيئا أعجب من دعوى ابن ادريس اجماع المخالف والمؤالف على نقلها وصحتها. ولم يعمل على طبقها ولم ينقلها أحد من الموافق والمخالف. ومن هذا ظهر انا لو قلنا باعتبار الاجماعات المنقولة أيضا لا نقول باعتبار هذا الاجماع الذي نقله ابن ادريس فضلا عما إذا لم نقل باعتبارها كمالا نقول، لانها اخبارات حدسية، وعلى الجملة الرواية غير تامة من حيث السند. ثم لو تنزلنا وبنينا على صحة سندها أيضا لم يمكن الركون إليها، لانها معارضة بما دل على التجنب عن غسالة الحمام معللا بأن فيها غسالة


(1) قد قدمنا نقلها عن المجلد الاول من سنن البيهقي ص 260: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (خبثا). (2) رواها زرارة عن أبي جعفر (ع) في حديث قال: وقال أبو جعفر (ع) إذا كان الماء اكثر من راوية لم ينجسه شئ. الحديث. وهي مروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.)

[ 252 ]

اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لاهل البيت وهو شرهم (* 1) فان اطلاقها يشمل ما إذا بلغت الغسالة كرابما يرد عليها من المياه المتنجسة، كما لا يبعد ذلك في الحمامات القديمة، والنسبة بينها وبين المرسلة عموم من وجه فيتعارضان في الغسالة المتممة كرا فيتساقطان. وكذلك معارضة بما دل على انفعال الماء القليل بملاقاة النجس، والنسبة بينها وبين المرسلة أيضا عموم من وجه، وتفصيل ذلك: ان لا دلة انفعال القليل اطلاقا من جهتين. (إحداهما): ان القليل إذا تنجس تبقى نجاسته إلى الابد ما لم يطرأ عليه مزيل شرعي بلا فرق في ذلك بين المتمم كرا وغيره من أفراد القليل، لوضوح ان التتميم كرا لم يثبت كونه مزيلا للنجاسة شرعا. و (ثانيهما): أن القليل ينفعل بملاقاة النجس مطلقا سواء بلغ كرابتلك الملاقاة أم لم يبلغه. وروابة ابن ادريس على تقدير تمامية سندها ودلالتها معارضة بتلك الادلة المطلقة من جهتين، إذ المرسلة كما عرفت تقتضي طهارة المتمم كرا لما قدمناه من تصوير الجامع بين رفع النجاسة ودفعها، ولا معارضة بينها وبين أدلة الانفعال بالاضافة إلى دفع النجاسة اللاحقة بوجه، وأما بالنسبة إلى رفع النجاسة السابقة على الكرية فبينها وبين أدلة انفعال القليل معارضة، والنسبة بينهما عموم من وجه. أما فيما إذا كان المتتمم بالكسر نجسا فلان أدلة الانفعال تقتضي


(* 1) كما في موثقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: واياك أن تغتسل من غسالة الحمام، ففيها تجتمع غسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب لنا أهل البيت فهو شرهم، فان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وان الناصب لنا أهل البيت لانجس منه. المروية في الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 253 ]

باطلاقها من الجهة الاولى بقاء نجاسه القليل مطلقا إلى أن ترتفع برافع شرعي سواء تمم كرا بالنجس أم كان باقيا على قلته. ومقتضى المرسلة أن بلوغ الماء كرا يوجب الاعتصام والطهارة مطلقا سواء أكانت الكرية سابقة على ملاقاة النجس أم كانت لاحقة عليها. فيتعارضان في القليل المتمم كرا. وأما إذا كان المتمم بالكسر طاهرا فلاجل أن أدلة الانفعال تقتضي باطلاقها من الجهة الثانية نجاسة القليل بالملاقاة سواء بلغ كرا بتلك الملاقاة ايضا أم لم يبلغه. كما أن المرسلة تقتضي طهارة الماء البالغ كرا واعتصامه سواء أكانت الكرية لا حقة على ملاقاة النجس أم سابقة عليها فيتعارضان في المتمم كرا بطاهر فيتساقطان، فلا يمكن الاستناد إلى المرسلة في الحكم بطهارة المتمم كرا، ولا إلى ما يعارضها في الحكم بنجاسته. نعم بناء على ذلك يحكم بطهارة المتمم كرا وذلك: من جهة الرجوع إلى عمومات الفوق وهو ما دل على عدم انفعال الماء مطلقا إلا بالتغير في أحد أوصافه الثلاثة كما دل على عدم جواز الشرب والوضوء من الماء إذا غلب عليه ريح الجيفة وتغير طعمه وعلى جوازهما فيما إذا غلب الماء على ريح الجيفة (* 1) وما نفى البأس عن ماء الحياض إذا غلب لون الماء لون البول (* 2). وهذه العمومات تقتضي طهارة الماء مطلقا، وقد خرجنا عنها في القليل غير البالغ كرا بملاقاة النجس، لما دل على انفعال القليل بالملاقاة، وأما


(* 1) كما في صحيحة حريز عن أبي عبد الله (ع) قال: كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب، فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب المروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) كما في رواية العلا بن الفضيل قال، سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض يبال فيها قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول. المروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 254 ]

غيره من الافراد فيبقى تحت العمومات لا محالة ومنها الماء المتمم كرا بطاهر أو نجس إذ لا تشمله أدلة انفعال القليل، لا بتلائها بالمعارض وهو المرسلة المتقدمة، وبعد تساقطهما لا وجه لرفع اليد عما تقتضيه العمومات المتقدمة وقد عرفت انها تقتضي طهارة الماء المتمم كرامطلقا كان المتمم طاهرا ام كان نجسا هذا إذا تمت مرسلة السرائر سندا ودلالة. وأما إذا لم تتم دلالتها كما عليه بعضهم أو سندها كما قدمناه فوصلت النوبة إلى الاصول العملية فهل يحكم بطهارة المتمم كرا مطلقا أو فيما إذا تمم بطاهر أو بنجاسته كذلك؟. يختلف هذا باختلاف المباني في المسألة فعلى مسلك المشهور من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية لا مانع من استصحاب نجاسة كلا المائين إذا كان المتمم أيضا نجسا، ولا معارض للاستصحاب في شئ منهما، ولعل هذا هو الوجه فيما أفاده الشيخ (قده) من عدم الاشكال في نجاسة المتمم كرا فيما إذا تمم بنجس. واما إذا كان المتمم بالكسر طاهرا سواء امتزج بالمتمم بالفتح ام لم يمتزج فلا محالة يكون استصحاب النجاسة في المتمم بالفتح معارضا لاستصحاب الطهارة في المتمم بالكسر اما في صورة امتزاجهما فالمعارضة ظاهرة لانهما حينئذ ماء واحد وموضوع فارد لدى العرف واما في صورة عدم الامتزاج فللاجماع القطعي على ان الماء الواحد لا يكون محكوما بحكمين واقعا ولا ظاهرا فيسقط الاستصحابان، ويرجع إلى قاعدة الطهارة. وأما على مسلكنا من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فلا يبقى لجريان استصحابي النجاسة والطهارة مجال في شئ من الصورتين بل يرجع إلى قاعدة الطهارة مطلقا سواء تممناه بالماء الطاهر أو النجس، وسواء حصل بينهما الامتزاج ام يحصل كما ذهب إليه ابن ادريس (قده). ثم انه ربما يستدل على طهارة المتمم كرا بالاخبار الواردة في اعتصام

[ 255 ]

الكر بمضون ان الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شئ. فان (لا ينجسه) على ما شرحناه سابقا وان كان بمعنى عدم احداث النجاسة في الكر، فلا دلالة لها على أن الكرية ترفع النجاسة المتقدمة عليها، إلا انا أشرنا سابقا إلى ان الكرية موضوعة للكم بالاعتصام مطلقا تحققت مقارنة للملاقاة بحسب الزمان أم تقدمت عليها كذلك، وذكرنا ان الموضوع يعتبر ان يتقدم على حكمه رتبة وطبعا، ولا يعتبر فيه ان يتقدم على حكمه زمانا، وعليه بنينا الحكم بالطهارة في الماء الذي طرئت عليه الكرية والملاقاة في زمان واحد معا. وكيف كان فمقتضى الاخبار المتقدمة اعتصام الكر مطلقا وحيث ان الكرية حاصلة في المقام فلابد من الحكم بطهارة المتمم بالكر لبلوغه حد الكر ولو بالملاقاة، وكذا في المتمم بالفتح، للاجماع القطعي على ان الماء الواحد لا يتصف بحكمين ولا سيما بعد الامتزاج وانتشار الاجزاء الصغار من كل واحد منهما في الآخر، وهي غير قابلة للتجزى خارجا وان كانت قابله له عقلا، فلا محيص من الحكم بطهارة كل جزء من الماء المتمم بالفتح الذي لا قاه جزء من الماء المحكوم بالطهارة لانه ماء واحد. هذا غاية تقريب الاستدلال بالاخبار المتقدمة. ومع ذلك كله لا يمكن المساعدة عليه بوجه. وذلك: لان التقدم الرتبي وان كان مصححا لموضوعية الموضوع وتقدم الكرية أيضا رتبي، إلا أن هذا إنما يقتضي الطهارة في الماء إذا لم يستند حصول الكرية إلى نفس ملاقاة النجس كما في أنبوبين في أحدهما ماء كر وفي الآخر بول، وأو صلناهما إلى ماء قليل في زمان واحد معا، فاستندت كريته إلى أمر آخر غير ملاقاة النجس وهو الماء الموجود في أحد الانبوبين. واما إذا استندت كريته إلى ملاقاة النجس، فلا وجه للحكم بطهارته، لان المستفاد من روايات الباب أن يكون الماء بالغا حد الكر مع قطع النظر

[ 256 ]

[ فصل ماء المطر (1) حال تقاطره من السماء. ] عن ملاقاة النجس، إذ لو حصلت الكرية بالملاقاة كما في المقام لصدق صدقا حقيقيا ان النجس لاقى القليل، لقلة الماء حين ملاقاة النجس، وهو موضوع للحكم بالانفعال، وهذا بخلاف ما إذا حصلت بامر آخر غير الملاقاة كما في الانبوبين فان الماء كر حينئذ مع قطع النظر عن الملاقاة، لا تصاله بالكر حين ملاقاة النجس، فلا يصدق أن النجس لا قى ماء قليلا، ولاجل صدق الملاقاة مع القليل بحكم بنجاسة المتمم كرا، وان ترتبت الكرية على ملاقاتهما، فهو كر محكوم بالانفعال، وظاهر الاخبار ان العاصم هو الكر غير المحكوم بالنجاسة. فصل في ماء المطر (1) قد ادعوا الاجماع على اعتصام ماء المطر حال تقاطره من السماء، وعدم انفعاله بملاقاة شئ من النجاسات والمتنجسات ما لم يتغير في أحد أوصافه الثلاثة على تفصيل قدمناه سابقا، بل هو اتفاقي بين المسلمين كافة ولم يقع في ذلك خلاف إلا في بعض خصوصياته من اعتبار الجريان التقديري أو الفعلى مطلقا أو من الميزاب إلى غير ذلك من الخصوصيات، كما لا اشكال في أن المطر يطهر المتنجسات القابلة للتطهير، وبالجملة حال ماء المطر حال الكر في الاعتصام والتطهير. وأما الكلام في كيفية التطهير بالمطر وشرائطه من التعدد أو التعفير فيما يعتبر في تطهيره أحدهما أو عدمهما، وكفاية مجرد

[ 257 ]

رؤية المطر لمثله فتفصيلها موكول إلى بحث كيفية تطهير المتنجسات، وانما نتعرض في المقام لبعضها على نحو الاختصار حسبما يتعرض له السيد (قده) فالكلام في المقام في اعتصام ماء المطر، ومطهريته للمتنجسات القابلة للتطهير. فنقول قد ذهب المشهور إلى اعتصام ماء المطر ومطهريته، واستدلوا عليه بمرسلة الكاهلي الدالة على أن كل شئ يراه المطر فقد طهر (* 1). ويدفعه: ما ذكرناه غير مرة من أن المراسيل غير قابلة للاعتماد عليها. ودعوى: انجبارها بعمل الاصحاب ساقطة صغرى وكبرى أما الاولى: فلعدم إحراز اعتمادهم على المراسيل، ولا سيما في المقام لوجود غيرها من الاخبار المعتبرة التي يمكن أن يعتمد عليها في المسألة. وأما الثانية فلاجل المناقشة التي ذكرناها في محلها فراجع. فالصحيح أن يستدل على ذلك بروايات ثلاث: الاولى: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع) في ميزابين سالا: أحدهما بول والآخر ماء المطر فاختلطا فاصاب ثوب رجل لم يضره ذلك (* 2) فانها دلت على عدم انفعال المطر باصابة البول. نعم لابد من رفع اليد عن اطلاقها حيث تشمل صورة تساوي الماء والبول وهو يستلزم خروج ماء المطر عن الاطلاق بل وتغيره بالبول فضلا عما إذا كان الماء أقل من البول فانه يوجب استهلاك الماء في البول، والوجه في ذلك هو ما دل على نجاسة المتغير بالنجس، وما دل على نجاسة البول. بل لا محيص من حمل الصحيحة على صورة كثرة الماء مع قطع النظر عن نجاسة المتغير بالبول وذلك لاجل القرينة الداخلية الموجودة في نفس الصحيحة. وبيانها أن فرض جريان ماء المطر من الميزاب انما يصح مع فرض


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 258 ]

كثرة المطر إذ لاسيلان له مع القلة ولا سيما في السطوح القديمة المبناة من اللبنة والطين، فان المطر القليل يرسب في مثلهما، ومعه لا يمكن أن يسيل كما ان سيلان البول من الميزاب يستند غالبا إلى بول رجل أو صبي على السطح، لا إلى أبوال جماعة لان السطح لم يعد للبول فيه، فهذا الفرض في نفسه يقتضي غلبة المطر على البول لكثرته وقلة البول وعليه فلا تشمل الصحيحة صورة تساوي الماء والبول أو صورة غلبة البول على الماء حتى يلزم التخصيص في أدلة نجاسة المتغير بالبول أو نجاسة البول. الثانية: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) انه سأل عن السطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فيصيب الثوب؟ فقال: لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر منه (* 1). وقد دلت هذه الصحيحة على عدم نجاسة المطر المتقاطر على داخل البيت مع العلم بملاقاته البول في ظهره وقد علله (ع) بان ما أصابه من الماء اكثر بمعنى أن الماء غالب على نجاسة السطح. والمراد بالسطح في الرواية هو الكنيف وهو الموضع المتخذ للبول فان قوله (ع) يبال عليه وصف للسطح. أي المكان المعد للبول كما ربما يوجد في بعض البلاد. لا بمعنى السطح الذي يبول عليه شخص واحد بالفعل، فالمتحصل منها أن ماء المطر إذا غلب على الكنيف، ولم يتغير بما فيه من البول وغيره كما في صورة عدم غلبته فهو محكوم بالطهارة والاعتصام. الثالثة: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال: سألته عن البيت يبال على ظهره، ويغتسل من الجنابة ثم يصيبه المطر أيوخذ من مائه فيتوضأ به للصلاة؟ فقال: إذا جرى فلا بأس به قال وسأله عن الرجل يمر في ماء المطر وقد صب فيه خمر فاصاب ثوبه هل يصلي فيه قبل أن


(* 1) المروية في الباب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 259 ]

[ كالجاري (1) فلا ينجس ما لم يتغير، وان كان قليلا سواء جرى من الميزاب (2) أو على وجه الارض أم لا. ] يغسله؟ فقال: لا يغسل ثوبه ولا رجله ويصلي فيه ولا بأس (* 1) وقد دلت هذه الصحيحة أيضا على عدم انفعال ماء المطر بملاقاة النجس كالخمر فيما إذا تقاطر عليه، بل الامر كذلك حتى في الماء المتصل بما يتقاطر عليه المطر كالماء المتصل بالجاري والكر ونحوهما وبهذه الصحاح الثلاث يحكم باعتصام ماء المطر وعدم انفعاله بالملاقاة. (1) هذه العبارة كعبائر سائر الاعاظم (قدهم) غير واقعة في محلها لان كون ماء المطر كالجاري ليس مدلول آية ولا رواية، وغاية ما هناك انه ماء عاصم كالكر ونحوه، وأما انه كالجاري من جميع الجهات، ولو في الاحكام الخاصة المترتبة على عنوان الجاري فلم يقم عليه دليل. عدم اعتبار الجريان من الميزاب (2) نسب إلى الشيخ الطوسي (قده) اعتبار الجريان من الميزاب في عدم انفعال ماء المطر كما نسب إلى ابن حمزة اعتبار الجريان الفعلي في اعتصامه فلا اعتصام في المطر غير الجاري مطلقا أو غير الجاري من الميزاب. ولا يمكن المساعدة على شئ منهما فانه ان اريد بذلك اعتبار الجريان الفعلي من الميزاب وان مالا يجري من الميزاب بالفعل لا يحكم عليه بالاعتصام. ففيه: انه أمر لا يحتمل اعتباره بل ولا يناسب ان يحتمله متفقه فضلا عن الفقيه، فان لازمه عدم اعتصام المطر في سطح لا ميزاب له، أو له ميزاب إلا انه مرتفع الاطراف، وهو يسع مقدارا كثيرا من الماء فان المطر في


(* 1) المروية في الباب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 260 ]

مثله أيضا لا يجري من الميزاب ولو مع كثرته وغزارته، وكذا إذا نزل المطر على الارض فانه على هذا محكوم بعدم الاعتصام لعدم جريانه من الميزاب وان كان كثيرا. وهذه الامور كما ترى لا يمكن التزامها. وأما الروايتان المشتملتان على لفظة الميزاب فلا دلالة لهما على اعتبار الجريان الفعلي من الميزاب بوجه، لانه انما ذكر فيهما في كلام الامام (ع) تبعا لذكرهما في كلام السائل لا لاجل مدخلية ذلك في الحكم بالاعتصام. وكذا احتمال اعتبار الجريان الفعلي ولو من غير الميزاب فانه مما لا محصل له إذ لازمه عدم اعتصام المطر إذا وقع على أرض رملية فان المطر لا يجري في مثلها وان دام يوما وليلة بغزارة. لعدم تماسك اجزائها، ويختص اعتصامه بما إذا وقع على أرض صلبة يجري فيها المطر. وهذا مما نقطع بفساده فكيف يمكن الالتزام باعتصام المطر في السطوح الصلبة وبعدمه في ما يتصل بها من السطوح الرخوة؟! فهذان الاحتمالان باطلان. نعم اعتبار الجريان الشأني والتقديري كما نسب إلى المحقق الاردبيلي (قده) أمر محتمل في نفسه بأن يكون المطر بمقدار لو نزل على سطح صلب جرى عليه، وان لم يتصف بالجريان فعلا لعدم تماسك أجزاء الارض التي وقع عليها المطر، فان هذا الاحتمال من الامكان بمكان لا استبعاد فيه، وان كان اثباته يتوقف على اقامة الدليل عليه. نعم إذا قلنا إن صدق عنوان المطر يتوقف على الجريان خارجا فلا نحتاج في اعتبار الجريان في اعتصامه إلى دليل، لانه على الفرض مقوم لصدقه وعنوانه. وأما إذا منعنا هذا التوقف بصدق المطر ولو مع عدم الجريان كما إذا نزل بالرشح فلا محالة يتوقف إعتبار الجريان في اعتصام المطر على اقامة دليل، ولابد حينئذ من ملاحظة روايات الباب كصحيحة علي بن جعفر المتقدمة المشتملة على قوله (ع) إذا جرى فلا بأس به.

[ 261 ]

فيقع الكلام في دلالتها على اشتراط الجريان ولو بالقوة والشأن في اعتصام المطر وعدمها. والصحيح عدم دلالتها على ذلك: لان معنى الجريان المذكور في الصحيحة أحد أمرين: (أحدهما): ما ذكره شيخنا الهمداني (قده) من أن المراد بالجريان جريان الماء من السماء، وعدم انقطاع المطر فالصحيحة تدل على أن اعتصام ماء المطر مختص بما إذا تقاطر من السماء وما أفاده (قده) لا يخلو عن بعد. فان الجريان لا يطلق على نزول المطر من السماء. و (ثانيهما): أن يكون بمعنى الجريان الفعلي ولكنه في خصوص موردها وهو الكنيف لا على وجه الاطلاق. بيان ذلك: أن مورد السؤال في الصحيحة هو البيت الذي يبال على ظهره. وظاهرها أن ظهره اتخذ مبالا كما جرت عليه عادتهم في القرون المتقدمة ومن البديهي أن مثله مما يرسب فيه البول، وينفذ في أعماقه لكثرة البول عليه قاذا نزل عليه مقدار من الماء ولم يجر عليه يتأثر بآثار البول في السطح ويتغير بها لا محالة، ولاجل هذا اعتبرت الكثرة وجريان ماء المطر عليه لئلا يقف فيتغير بآثار الابوال، فانه يوجب الانفعال ولاسيما أن السطح المتخذ مبالا لا يخلو عادة من عين العذرة وغيرها من أعيان النجاسات، وبالجملة الماء الذي يرد على مثله يتغير بسببها، إلا أن يجري ولا يقف عليه. فهذه الصحيحة من جملة أدلة القول المختار من أن التغير بالمتنجس الحامل لاوصاف النجس كالسطح في الرواية يوجب الانفعال، ولم ترد الصحيحة لبيان كبرى كلية حتى يقال إن المورد لا يكون مخصصا، وإنما وردت في خصوص الكنيف فلا يستفاد منها اعتبار الجريان الفعلي في المطر بوجه. بل المدار في الصحيحة على صدق عنوانه عرفا. بأن لا تكون قطرة

[ 262 ]

أو قطرتين ونحوهما، فإذا صدق عليه عنوان المطر فمجرد اصابته يكفي في الحكم بطهارة المتنجس ان لم يكن حاملا لعين النجاسة، وأما مع وجود العين فيه فيشرط في اعتصام المطر ومطهريته لمثله أن يكون قاهرا على النجس لئلا يتغير به كما دلت عليه صحيحة هشام حيث ورد فيها (لان الماء أكثر) وأما غير الصحيحة المتقدمة من الاخبار المشتملة على لفظة الجريان فدلالتها على اعتبار الجريان أضعف مضافا إلى ما في سند بعضها من الضعف. (منها): ما رواه الحميري عن عبد الله بن الحسن عن جده علي إبن جعفر عن الكنيف يكون فوق البيت فيصيبه المطر فيكف فيصيب الثياب أيصلي فيها قبل أن تغسل؟ قال: إذا جرى من ماء المطر فلا بأس (* 1) وهي كما أشرنا إليه ضعيفة سندا ودلالة. أما سندا فلاجل عدم توثيق عبد الله إبن الحسن في الرجال. وأما دلالة فلان السائل قد فرض أن في الكنيف مايعا يجري عليه، فاجابه عليه السلام بأن ما فرض جريانه ان كان من ماء المطر فهو محكوم بالطهارة وان كان من البول فلا فالجريان مفروض في مورد السؤال والحكم بالطهارة معلق على كونه من ماء المطر لا من غيره فلا دلالة في الرواية على اعتبار الجريان في الحكم باعتصام المطر. و (منها): صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى (ع) قال: سألته عن المطر يجري في المكان فيه العذرة فيصيب الثوب أيصلي فيه قبل أن يغسل؟ قال: إذا جرى به المطر فلا بأس (* 2). والوجه في ضعف دلالتها أن الراوي فرض وجود العذرة في المكان، ومن الظاهر أن الماء الذي يرد على العذرة يتغير بها في أقل زمان فينفعل بملاقاتها. اللهم إلا أن يجري ولا يقف عليها ولا سيما إذا كانت العذرة رطبة، فان تأثيرها في تغير


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 263 ]

[ بل وان كان قطرات بشرط صدق المطر عليه. وإذا اجتمع في مكان وغسل فيه النجس طهر وان كان قليلا (1) لكن ما دام يتقاطر عليه من السماء. ] الماء الوارد عليها أسرع من يابسها، فمفاد الرواية على هذا أن ماء المطر ينفعل إذا تغير بالعذرة، وإذا لم يتغير بها كما إذا جرى عليها فهو ما معتصم، فلا دلالة في شئ من الاخبار على اعتبار الجريان في المطر، بل الميزان في الاعتصام هو صدق عنوان المطر عرفا. الماء المجتمع بعد انقطاع المطر (1) لا ينبغي الاشكال في صدق عنوان المطر على الماء المتقاطر من السماء إذا لم يكن قطرات يسيرة كما مر، وذكرنا أنه معتصم بلا خلاف، ولا إشكال أيضا في ان الماء الموجود في الارض أو السطح المجتمع من المطر كالمطر في الاعتصام مادام يتقاطر عليه من السماء، ويدل عليه صحيحة هشام المتقدمة الواردة في عدم انفعال الماء السائل من الميزاب حال تقاطر المطر عليه فان السائل ليس إلا المجتمع في السطح من المطر، وكذا صحيحة علي إبن جعفر لدلالتها على جواز الوضوء مما يجتمع من المطر في الكنيف. هذا كله فيما إذا تقاطر المطر على الماء المجتمع من السماء. وأما إذا انقطع عنه المطر، ولم يتقاطر عليه فهل يحكم باعتصامه أيضا بدعوى أنه ماء مطر، أو أن حكمه حكم الماء الراكد، فلا ينفعل إذا كان بمقدار كر وينفعل على تقدير قلته؟ الثاني هو الصحيح لان اضافة الماء إلى المطر بيانية لا نشوية، ومعناه الماء الذي هو المطر لا الماء الذي كان مطرا في زمان، وقد عرفت أن المطر اسم للماء النازل من السماء دون الماء المستقر في الارض. وإنما الحقنا بالمطر

[ 264 ]

[ (مسألة 1) الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر ونفذ في جميعه طهر (1) ] حال تقاطره بالروايات. وعليه فلا دليل على اعتصامه فيما إذا انقطع عنه تقاطر المطر، فان مجرد كون الماء ماء مطر في زمان لو كافيا في الاعتصام للزم الحكم باعتصام جميع المياه الموجودة في العالم، لان أصلها المطر على ما نطقت به جملة من الآيات وبعض الروايات وحققه الاستكشاف الجديد، فهل يرضى فقيه ان يفتي باعتصام ماء الحب مثلا بدعوى أنه كان ماء مطر في زمان؟! وما ذكرناه هو الوجه فيما أفتى به في المتن من طهارة الماء المجتمع في الارض ما دام يتقاطر عليه من السماء دون ما إذا انقطع عنه التقاطر هذا كله في اعتصام ماء المطر. كيفية التطهير بالمطر (1) وتوضيح الكلام في المقام أن المتنجس (تارة) غير الماء من الاجسام كالثوب والفرش ونحوهما و (أخري) هو الماء. وأما الاجسام المتنجسة فيمكن الاستتدلال على زوال نجاستها بماء المطر بصحيحة هشام بن سالم الواردة في سطح يبال عليه فتصيبه السماء فيكف فتصيب الثوب قال (ع) لا بأس به ما أصابه من الماء أكثر (* 1) منه فان الوكوف هو التقاطر من سقف أو إناء ونحوهما، ووكوف السطح على الغالب انما يكون بعد نزول المطر ورسوبه فيه، ومن هنا يكف مع انقطاع المطر عنه، وليس هذا إلا من جهة رسوب المطر فيه. ووكوفه بعد الانقطاع لو لم يكن أغلب فعلى الاقل ليس من الفرد النادر، ولعله ظاهر، والصحيحة دلت باطلاقها على


(* 1) المروية في الباب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 265 ]

[ ولا يحتاج إلى العصر أو التعدد (1) وإذا وصل إلى بعضه دون بعض طهر ما وصل إليه. هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة، وإلا فلا يطهر ] عدم البأس بالقطرات النازلة من السطح المتنجس بالبول سواء كان بعد انقطاع المطر آم قبله. وهذا يدلنا على طهارة السطح باصابة المطر. فانه لو كان باقيا على نجاسته كان الماء الراسب فيه متنجسا بعد انقطاع المطر عنه. لانه ماء قليل لاقى سطحا متنجسا. وحيث حكم (ع) بطهارته بعد الانقطاع فيستفاد منه طهارة السطح بوقوع المطر عليه. وعلى الجملة ان القطرات النازلة من السطح لا يطلق عليها المطر حقيقة لانه عبارة عن الماء النازل من السماء بالفعل، وأما بعد الانقطاع فلا يقال انه ماء مطر كذلك بل ماء كان مطرا في زمان كما ان ماء البئر انما يسمى بماء المطر ما دام موجودا فيها وأما إذا خرج منها فلا يقال انه ماء بئر بالفعل بل يقال انه كان ماء بئر في زمان. ومع هذا كله حكم (ع) بطهارتها، وهو لا يستقيم إلا بطهارة السطح باصابة المطر فهذه الصحيحة تدل على أن المطر يطهر الاجسام المتنجسة باصابتها. هذا فيما إذا لم نعتمد على المراسيل كما هو الصحيح وإلا كفتنا مرسلة الكاهلي الدالة على ان كل شئ يراه ماء المطر فقد طهر (* 1) هذا تمام الكلام في تطهير الاجسام المتنجسة بالمطهر وأما الماء المتنجس فيأتي الكلام على تطهيره بالمطر في المسألة الآتية عند تعرض الماتن انشاء الله. عدم اعتبار العصر والتعدد (1) إذا كان المتنجس مما يعتبر في غسله العصر كالثياب أو التعدد كما


(* 1) المروية في الباب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 266 ]

[ إلا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها. ] في أواني الخمر حيث ورد الامر بغسلها ثلاث مرات. فهل يعتبر ذلك في غسله بالمطر أيضا؟ فان قلنا بصحة المراسيل واعتبارها ولو بدعوى انجبارها بعمل الاصحاب فلا نعتبر في الغسل بالمطر شيئا من العصر والتعدد وذلك لان النسبة بين مرسلة الكاهلي وما دل على اعتبار التعدد أو العصر عموم من وجه، إذ المرسلة بعمومها دلت على ان كل شئ رآه المطر فقد طهر سواء أكان ذلك الشئ مما يعتبر فيه العصر أو التعدد أم لم يكن، كما ان مقتضى اطلاق ما دل على اعتبار العصر أو التعدد عدم الفرق في ذلك بين أن يصيبه المطر وان يغسل بماء آخر فيتعارضان في مثل غسل آنية الخمر بالمطر. والترجيح مع المرسلة لما قررناه في محله من أن العموم مقدم على الاطلاق في المتعارضين. فان دلالة المرسلة بالوضع والعموم لمكان لفظة (كل) فلا يعتبر في اصابة المطر شئ من التعدد والعصر بل نكتفي في تطهيره بمجرد رؤية المطر. وأما إذا لم نعتمد على المراسيل فربما يستدل على عدم اعتبار العصر في التطهير بالمطهر بان الدليل على اعتبار العصر في الغسل انما هو أدلة انفعال القليل، فان الماء الداخل في جوف المتنجس قليل لاقى متنجسا فيتنجس لا محالة مع بقائه في جوف المتنجس المغسول به لا يمكن تطهيره بوجه. فلابد من اخراجه عنه بالعصر ومن هنا قلنا بنجاسة الغسالة. وهذا الوجه كما ترى يختص بالمطر القليل الذي رسب في المتنجس المغسول به. وأما إذا كان عاصما كالمطر فلا ينفعل بملاقاة المتنجس ليجب اخراجه عنه بالعصر في تطهير المتنجسات بل الماء يطهرها بالملاقاة، فدليل اعتبار العصر في الغسل قاصر الشمو للغسل بالمطر. ولا يخفى أن مدرك اعتبار العصر ليس هو ما ذكره المستدل ليختص

[ 267 ]

[ (مسألة 2) الاناء المتروس بماء نجس كالحب والشربة ونحوهما إذا تقاطر عليه طهر (1) ماؤ ه واناؤه بالمقدار الذي فيه ماء. وكذا ظهره وأطرافه ان وصل إليه المطر حال التقاطر. ] بالماء القليل. بل الوجه في اعتباره كما يأتي في محله أن الغسل لا يصدق بدون العصر، ومجرد ادخال المتنجس في الماء واخراجه عنه أعني ترطيبه لا يسمى غسلا في لغة العرب ولا في غيرها من اللغات حتى يعصر أو يدلك ونحوهما، فالغسل المعتبر لا يتحقق بغير العصر، ولا يفرق في ذلك بين الغسل في الكر والجاري والمطر وبين الغسل بالقليل. فالصحيح في وجه عدم اعتبار العصر والتعدد في الغسل بالمطر أن يتمسك بصحيحة هشام بن سالم الدالة على كفاية مجرد اصابة المطر للمتنجس في تطهيره معللا بأن الماء أكثر. حيث دلت على طهارة السطح الذي يبال عليه إذا رسب فيه المطر، فيستفاد منها أن للمطر خصوصية من بين سائر المياه تقتضي كفاية اصابته. وقاهريته في تطهيره المتنجسات بلا حاجة فيه إلى تعدد أو عصر. تطهير الماء المتنجس بالمطر (1) قد عرفت أن المطر يطهر الاجسام المتنجسة باصابته إياها، وأما الماء المتنجس فهل يطهره المطر إذا نزل عليه؟. فربما يقال بعدم مطهريته للماء نظرا إلى عدم ورود تطهير الماء بالمطر في شئ من الاخبار، ودعوى: أن المطر إذا أصاب السطح الفوقاني من الماء يصدق أنه شئ رآه المطر وكل شئ رآه المطر فقد طهر كما في المرسلة مندفعة: بأن لازم ذلك أن يقال بطهارة المضاف أيضا إذا أصابها المطر، كما نسب إلى العلامة (قده) في بعض كتبه، ولا يلتزمون بطهارة المضاف

[ 268 ]

بذلك، لان المطر انما يصيب السطح الفوقاني من المضاف دون غيره من السطوح، والاجزاء الداخلية منه فلا يصدق ان المطر رأى المضاف بتمامه وهذا بعينه يجري في الماء المتنجس أيضا. والتحقيق أن الماء المتنجس كسائر الاجسام المتنجسة يطهر باصابة المطر. ويمكن أن يستدل عليه بصحيحة هشام بن الحكم الواردة في ميزابين سالا في أحدهما بول وفي الآخر ماء المطر، وتقريب الاستدلال بها أن البول الملاقي للمطر أو غيره من المياه لا يستهلك فيه دفعة بأن يعدمه الماء بمجرد اختلاطهما، وانما يستهلكه بعد مرحلتين، وتوضيحه: أن الماء إذا وصل إلى البول، وزاد حتى صار بقدره على نحو تساويا في المقدار فهو يخرجه عن البولية، كما أن الماء يخرج بذلك عن الاطلاق، ويصيران مايعا مركبا من البول والماء، فلا يصدق عليه أنه ماء، كما لا يقال أنه بول وهذه مرحلة. ثم إذا زاد الماء عن البول فتزول عنه الاضافة، وبه يصير ماء متغيرا متنجسا بالبول. وهذه مرحلة ثانية فهو ماء نجس لا ترتفع نجاسته إلا بزوال تغيره وبالاتصال بماء عاصم، فإذا نزل عليه المطر بعد ذلك، وبه زاد الماء عن سابقه فهو يوجب استهلاك البول في الماء، فالاستهلاك في مرتبة متأخرة عن الاختلاط بمرحلتين، وقد ذكرنا ان الماء يتنجس بالبول في المرحلة الثانية، والامام حكم بطهارته لنزول المطر عليه، فالصحيحة تدل على ان الماء المتنجس يطهر بنزول المطر عليه. ومعها لا حاجة الي التمسك بالمرسلة أو الاجماعات المنقولة. هذا فيما إذا لم نقل باعتبار المراسيل كما اسلفناه، وأما إذا اعتمدنا عليها فالامر سهل لدلالة مرسلة الكاهلي على طهارة كل شئ رآه المطر سواء أكان ماء ام كان موجودا آخر.

[ 269 ]

[ ولا يعتبر فيه الامتزاج (1) بل ولا وصوله إلى تمام سطحه الظاهر، وإن كان الاحوط ذلك. ] عدم اعتبار الامتزاج بالمطر (1) الوجه في ذلك أمران: أحدهما: عموم التعليل الوارد في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع حيث علل الحكم بطهارة ماء البئر بعد زوال تغيره بقوله (لان له مادة) أي متصل بها والمراد بالمادة على ما يقتضية الفهم العرفي مطلق العاصم، فلا خصوصية للمادة في الحكم بطهارة الماء المتصل بها، وبما ان المطر من أحد أفراد العاصم كفى اتصاله بالماء. في الحكم بطهارته من غير حاجة فيه إلى الامتزاج كما هو الحال في البئر. وثانيهما: اطلاق صحيحة هشام المتقدمة فان اطلاقها يسمل المطر المختلط بالبول بعد زوال تغيره سواء امتزج معه أيضا أم لم يمتزج لعدم تقييدها الطهارة بالامتزاج (* 1).


(* 1) وقد قدمنا ان الماء المختلط بمايع آخر إذا كان بقدره يخرج في المرحلة الاولى عن الاطلاق فإذا زاد عليه تزول اضافته ويكون ماء متغيرا في المرحلة الثانية ومن المعلوم ان الصحيحة لا تشمل ماء المطر المختلط بالبول في المرحلة الاولى كما لا تشمله في المرحلة الثانية ما دام متغيرا ولكنها تشمله فيما إذا زال عنه تغيره واتصل بالمطر سواء امتزج بعد ذلك بالمطر أم لم يمتزج لعدم تقييدها الطهارة بالامتزاج.

[ 270 ]

[ (مسألة 3) الارض النجسة تطهر بوصول المطر إليها بشرط أن يكون من السماء (1) ولو باعانة الريح. واما لو وصل إليها بعد الوقوع على محل آخر كما إذا ترشح بعد الوقوع على مكان فوصل مكانا آخر لا يطهر. نعم لو جرى على وجه الارض فوصل إلى مكان مسقف بالجريان إليه طهر. ] تطهير الارض بالمطر (1) تعرض (قده) لعدة فروع في هذه المسالة وتفصيلها: أن المطر (ربما): ينزل من السماء على وجه مستقيم ويصيب المتنجس بلا وساطة شئ وهو مطهر للمتنجس بلا إشكال و (آخرى): ينزل على وجه غير مستقيم كالمنحني ويصيب المتنجس أيضا بلا واسطة شئ كما إذا اطارته الريح وأدخلته مكانا مسقفا، فأصاب الارض المتنجسة أو غيرها بلا توسط شئ في البين وهذا أيضا لا كلام في أنه مطهر لما أصابه من المكان المسقف وغيره. و (ثالثة): ينزل على وجه مستقيم أو غير مستقيم ويصيب المتنجس أيضا ولكنه مع الواسطة وهذا على قسمين: لان المطر إذا وقع على شئ ثم بواسطته وصل إلى محل آخر (فتارة): ينفضل عما أصابه أولا ويصل إلى المحل الثاني وهو متصل بالمطر، وهذا كالمطر الجاري من الميزاب لانه أصاب السطح أولا، وانفصل عنه بجريانه مع اتصاله بالمطر لتقاطره من السماء، وعدم انقطاعه وهذا أيضا لا كلام في أنه مطهر لما أصابه لاجل اتصاله بالمطر، وهو مورد صحيحة هشام المتقدمة و (اخرى): يصل إلى الموضع الثاني من غير أن يكون متصلا بالمطر لانقطاعه كما إذا وقع المطر على سطح ثم طفرت منه قطرة وأصابت محلا آخر فهل

[ 271 ]

[ (مسألة 4) الحوض النجس تحت السماء يطهر بالمطر (1) وكذا إذا كان تحت السقف وكان هناك ثقبة ينزل منها على الحوض، بل وكذا لو ] هذا أيضا يوجب طهارة ما أصابه ثانيا؟ الصحيح أنه لا يقتضي الطهارة بوجه: لان القطرة بعد انفصالها ليست بماء مطر بالفعل. نعم كان مطرا سابقا، ولا دلالة في شئ من الصحاح الثلاث المتقدمة على اعتصام الماء الذي كان مطرا في زمان، كما لا دلالة لها على مطهريته، وما ذكرناه بحسب الكبرى مما لا اشكال فيه، وانما الكلام في بعض صغرياتها، وهو ما إذا وقع المطر على شئ، وتقاطر منه على موضع آخر حين نزول المطر من السماء، كما إذا وقع المطر على اوراق الاشجار اولا، ثم تقاطر منها على ارض أو تنجس آخر حين تقاطر المطر فهل هذا يوجب طهارة مثل الارض ونحوه مما وصل إليه المطر بعد مروره على شئ آخر؟ الصحيح انه ايضا يقتضي الطهارة، وذلك: لاجل صدق المطر على القطرات الواقعة على الارض حقيقة، وبلا عناية. ولا مسامحة بعد مرورها على الاوراق في حال تقاطر المطر، إذ يصح ان يقال ان المطر أصاب من كان قاعدا تحت الشجرة واوراقها حقيقة من غير مسامحة اصلا (ومن هنا ذكر سيدنا الاستاذ مد ظله في تعليقته المباركة على المسألة الخامسة ان عدم الحكم بالطهارة في مفروض المسألة مبني على الاحتياط. المقدار المعبر في التطهير (1) قد اسلفنا ان المطر كما يطهر الاجسام كذلك يطهر المياه، وانما الكلام في تعيين المقدار الذي يكفي منه في تطهيرها فهل تكفي القطرة

[ 272 ]

[ أطارته الريح حال تقاطره فوقع في الحوض، وكذا إذا جرى من ميزاب فوقع فيه. ] الواحدة من المطر في تطهير مثل الحياض، أو لابد في تطهيرها من نزول المطهر بمقدار يمتزج به جميع اجزاء الماء المتنجس، أو ان هناك قولا وسطا؟. قد يقال بكفاية القطرة الواحدة من المطر في تطهير المياه المتنجسة مستندا إلى اطلاق المرسلة المتقدمة الدالة على طهارة كل شئ رآه المطر، وقد فرضنا ان المطر رأى الحوض المتنجس فيطهر، لان الكلام انما هو في كفاية القطرة الواحدة فيما إذا صدق المطر على ما هو النازل من السماء حقيقة، كما إذا نزل من السماء بمقدار يطلق عليه المطر عرفا ووقعت قطرة منه على الحوض بنفسه أو باطارة الريح. ويدفعه: ان المرسلة مضافا إلى ضعف سندها قاصرة الدلالة على المدعى، لان المطر في مفروض الكلام انما رأى الحوض بمقدار قطرة ولم ير جميعه، فان حال المياه من تلك الجهة حال بقية الاجسام فإذا وقعت قطرة منه على جسم كالخشب فهل يصدق ان المطر رأى الخشب بتمامه؟! أو يقال ان المطر رآه بمقدار قطرة، ومن هنا لا تجد من نفسك الحكم بطهارة الخشب بذلك كما لم يلتزم به الاصحاب لعدم اصابة المطر بتمام الخشب. فالقول بكفاية القطرة الواحدة في تطهير المياه في جانب الافراط كما ان القول باعتبار الامتزاج في جانب التفريط، وقد اسلفنا دلالة صحيحتي هشام ومحمد بن إسماعيل بن بزيع على عدم اعتبار الامتزاج، فاوسط الاقوال ان يقال ان ماء المطر إذا اصاب السطح الظاهر من الحوض بتمامه أو بمعظمه على وجه يصح عرفا ان يقال: ماء المطر موجود على سطح الحوض كفى هذا في الحكم بطهارة الجميع، لان السطح الفوقاني من الماء قد طهر بما فيه من المطر، وإذا طهر السطح الفوقاني منه طهرت الطبقات المتأخرة

[ 273 ]

[ (مسألة 5) إذا تقاطر من السقف لا يكون مطهرا (1)، بل وكذا إذا وقع على الشجر ثم وقع على الارض. نعم لو لاقى في الهواء شيئا كورق الشجر أو نحوه حال نزوله لا يضر، إذا لم يقع عليه ثم منه على الارض. فبمجرد المرور على الشئ لا يضر. (مسألة 6) إذا تقاطر على عين النجس، فترشح منها على شئ آخر لم ينجس (2) إذا لم يكن معه عين النجاسة، ولم يكن متغيرا. (مسألة 7) إذا كان السطح نجسا فوقع عليه المطر، ونفذ، وتقاطر من السقف، لا تكون تلك القطرات نجسة (3) وإن كان عين النجاسة موجودة على السطح ووقع عليها، لكن بشرط أن يكون ذلك حال تقاطره من السماء. واما إذا انقطع ثم تقاطر من السقف مع فرض مروره على ] ايضا، لان لها مادة، وقد عرفت ان المراد بالمادة مطلق الماء العاصم، ومنه ماء المطر. نعم مجرد وقوع قطرة أو قطرات على الحوض لا يكفي في طهارة الجميع، لاستهلاكها في ماء الحوض عرفا، ومن هنا اشترطنا نزول المطر بمقدار لا يستهلك في الماء المتنجس ليصح ان يقال لدى العرف ماء المطر موجود على السطح الظاهر من الحوض. (1) يظهر حكم هذه المسألة مما بيناه في المسألة الثالثة فلا نعيد. (2) لعدم انفعال ماء المطر بملاقاة العين النجسة واعتصامه ما دام لم يطرء عيله التغير. (3) لا عتصام ماء المطر كما مر.

[ 274 ]

[ عين النجس فيكون نجسا (1) وكذا الحال إذا جرى من الميزاب بعد وقوعه على السطح النجس. (مسألة 8) إذا تقاطر من السقف النجس يكون طاهرا (2) إذا كان التقاطر حال نزوله من السماء، سواء كان السطح أيضا نجسا أم طاهرا. (مسألة 9) التراب النجس يطهر بنزول المطر عليه إذا وصل إلى أعماقه حتى صار طينا. ] التقاطر من السقف النجس (1) إذا انقطع المطر ولم ينقطع الوكوف كما هو الغالب، لرسوب المطر في السطح فهل يحكم بنجاسة قطرات الوكوف؟. الظاهر أنها غير محكومة بالنجاسة، لان القطرات وان كانت متصلة بالسقف وهو رطب متصل بالعذرة أو بغيرها من النجاسات الكائنة في السطح إلا أنه لا دليل على تنجس تمام الجسم الرطب كالسطح في المقام بملاقاة أحد أطرافه نجسا في غير المايعات من المضاف والادهان ونحوهما. فان ملاقاة النجاسة لجزء من أجزائها تقتضي نجاسة الجميع بالتعبد. وأما في غيرها فلم يقم على ذلك دليل، فإذا لا قي أحد أطراف الثوب نجسا وهو رطب لا موجب للحكم بنجاسة تمام الثوب، وكذلك في غيره من الاجسام وإلا لزم الحكم بنجاسة جميع شوارع البلد فيما إذا رطبت بنزول المطر ونحوه وتنجس بعضها بعذرة أو بمشي كلب أو بغيرهما، لاتصال الشوارع والاراضي وهي رطبة وهذا كما ترى لا يلتزم به أحد. نعم إذا مرت القطرة على العذرة بعد انقطاع المطر ثم وكفت يحكم بنجاستها، لملاقاتها مع النجس. (2) إذا كان السطح والسقف أو خاصة نجسا فنزل المطر على السطح

[ 275 ]

[ (مسألة 10) الحصير النجس يطهر بالمطهر، وكذا الفراش والمفروش على الارض، وإذا كانت الارض التي تحتها أيضا نجسة تطهر إذا وصل إليها. نعم إذا كان الحصير منفصلا عن الارض، يشكل طهارتها بنزول المطر عليه أذا تقاطر منه عليها. نظير ما مر من الاشكال فيما وقع على ورق الشجر وتقاطر منه على الارض. (مسألة 11) الاناء النجس يطهر إذا أصاب المطر جميع مواضع النجس منه. نعم إذا كان نجسا بولوغ الكلب يشكل طهارته بدون التعفير لكن بعده إذا نزل عليه يطهر من غير حاجة إلى التعدد. ] حتى رسب فيه ثم أخذ بالتقاطر على داخل البيت. فان كان ذلك حال تقاطر المطر من السماء فهي محكومة بالطهارة كما استفدناها من صحيحة هشام المتقدمة لان القطرات ماء واحد وهو معتصم. وأما إذا رسب المطر في السطح لا إلى تمام بل إلى نصف قطره، وانقطع بعد ذلك ثم رسب في النصف الآخر ثم وكف فهو محكوم بالنجاسة لا محالة، لان القطرة الملاقية للسقف بعد انقطاع المطر عنها ماء قليل فيكحم عليها بالانفعال اما لنجاسة السقف أو لنجاسته ونجاسة السطح معا. وبما تلوناه في المقام يظهر الحال في باقي الفروع المذكورة في المتن فليلاحظ.

[ 276 ]

[ فصل ماء الحمام بمنزلة الجاري بشرط اتصاله بالخزانة (1). ] فصل في ماء الحمام (1) قد وقع الخلاف في اعتصام ماء الحمام مطلقا أو بشرط بلوغ مادته كرا أو غير ذلك على أقوال أربعة: الاول: ما ذهب إليه المشهور من اشتراط اعتصام ماء الحمام ببلوغ مادته كرا في نفسها. الثاني: عدم اشتراطه بشئ وانه ماء معتصم بلغت مادته كرا أم لم، تبلغه، وهذان القولان متقابلان بالسلب والايجاب الكليين. الثالث: التفصيل بين ما إذا بلغ مجموع مادته، وما في الحياض الصغار كرا فيعتصم. وما إذا لم يبلغه مجموعهما فيبقى على عدم الاعتصام الرابع: التفصيل بين الدفع والرفع، وان ماء الحياض إذا كان طاهرا في نفسه، وبلغ المجموع منه ومن مادته كرا فيحكم عليه بالاعتصام، ولا ينفعل بما ترد عليه من النجاسات فلا يعتبر بلوغ المادة كرا في نفسها بالاضافة إلى الدفع. وأما إذا كان ماء الحياض نجسا فيشرط في ارتفاع نجاسته باتصال المادة إليه ان تكون المادة بنفسها كرا، فلا ترتفع بها نجاسة ماء الحياض فيما إذا لم تبلغ الكر بنفسها وان بلغ مجموعهما كرا. هذه هي أقوال المسألة. ومنشأ اختلافها هو اختلاف الانظار فيما يستفاد من روايات الباب،

[ 277 ]

وان مثل قوله (ع) ماء الحمام بمنزلة الجاري كما في صحيحة داود بن سرحان (* 1) ناظر إلى تنزيل ماء الحمام منزلة الجاري من جميع الجهات حتى من جهة عدم الحاجة في اعتصامه إلى بلوغ مادته كرا، أو انه ناظر إلى تنزيله منزلة الجاري من بعض الجهات؟ وحاصل التنزيل ان الاتصال بالمادة الجعلية كالاتصال بالمادة الاصلية يكفي في الاعتصام، ولا يقح فيه علو سطح المادة عن سطح الحياض كما يأتي تفصيله عن قريب ان شاء الله. وليعلم قبل الخوض في تحقيق المسألة ان ما ينبغي أن يعتمد عليه من روايات المقام هو صحيحة داود بن سرحان المتقدمة، فان غيرها ضعاف، ولا يمكن الاستدلال بها على شئ. إلا أن شيخنا الانصاري (قده) ذهب إلى تصحيح رواية بكر إبن حبيب (* 2) مدعيا أنه بكر بن محمد بن حبيب (* 1) وقد عبر عن الابن باسم أبيه فاطلق عليه بكر بن حبيب وهو ممن وثقه الكشي في رجاله وهو غير بكر بن حبيب الضعيف. ولا يخفى عدم امكان المساعدة عليه، لان بكر بن محمد بن حبيب على تقدير أن تكون له رواية عنهم عليهم السلام وليس الامر كذلك لعده ممن لم يرو عنهم إنما يروي عن الجواد عليه السلام لمعاصرته إباه ولا يمكنه الرواية عن الباقر (ع) الذي هو المراد من أبي جعفر الواقع في الحديث لان من جملة من وقع في السند منصور بن حازم وهو ممن روى عن الصادق


(* 1) قال: قلت لابي عبد الله (ع) ما تقول في ماء الحمام؟ قال: هو بمنزلة الجاري. المروية في الباب 7 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) وهي ما عن صفوان بن يحيى عن منصور بن حازم عن بكر ابن حبيب عن ابي جعفر (ع) قال: ماء الحمام لا بأس به إذا كان له مادة. المروية في الباب 7 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 278 ]

والكاظم عليهما السلام وهذه قرينة على أن الرواي عنه عليه السلام هو بكر إبن حبيب الضعيف هذا. وقد يصحح الحديث بطريق آخر، وهو أن في سند الرواية صفوان وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه فلا ينظر إلى من وقع بعده في سلسلة السند لقيام الاجماع على أنه لا يروي إلا عن ثقة. ويدفعه: ما أشرنا إليه غير مرة في نظائر المقام من أن صفوان أو غيره من أصحاب الاجماع (ربما) ينقل عن رجل كالبكر في الحديث، ويصرح على أن روايتي عنه مستند إلى وثاقته، فيكون هذا توثيقا للرجل، وبه نحكم عى اعتبار رواياته كتوثيق غيره من أهل الرجال. و (أخرى) لا يصرح بذلك، وانما يقوم الاجماع على أنه لا يروي إلا عن ثقة، ومثله لا يكون دليلا على وثاقة الرجل، وهذا للعلم القطعي بأن صفوان أو غيره من أضرابه روى عن غير الثقة ولو في مورد واحد، ولو لاجل الغفلة والاشتباه ويحتمل أن يكون الرجل في الحديث مثلا من جملة ما روى صفوان فيه عن غير الثقة فمجرد رواية مثله عن رجل لا يقتضي وثاقة الرجل عندنا. على أنا في غنى عن رواية بكر حيث لا تنفعنا صحتها كما لا يضرنا ضعفها، وذلك: لان المستفاد من صحيحة داود بن سرحان المتقدمة حسب المتفاهم العرفي ان تنزيل ماء الحمام منزلة الجاري إنما هو من جهة اتصال ماء الحمام بالمادة، وقد شبهه (ع) بالجاري بجامع اتصالهما بالمادة، إذا لاشباهه لاحدهما بالآخر من غير هذه الجهة، فاعتبار المادة في الحمام يستفاد من نفس الصحيحة المذكورة من دون حاجة في ذلك إلى رواية بكر. وإذا عرفت ذلك فنقول: استدل من انكر اعتبار بلوغ المادة كرا في نفسها، أو بضميمتها إلى ماء الحياض بعموم المنزلة المستفادة من الصحيحة المتقدمة، لانها دلت على

[ 279 ]

أن ماء الحمام كالجاري من جميع الجهات والكيفيات. ولا تعتبر الكثرة في اعتصام المادة بوجه كما أسلفناه سابقا، بل قد تكون رشحية كما في بعض الآبار ولا يكون فيها فوران أصلا، لانها رطوبات أرضية تجتمع وتكون ماء. والجواب عن ذلك أن الصحيحة المتقدمة، أو رواية بكر، على تقدير اعتبارها غير ناظرتين إلى تنزيل ماء الحمام منزلة الجاري من جميع الجهات، بل نظرهما إلى دفع ما ربما يقع في ذهن السائل من عدم اعتصام ماء الحياض باتصالها بمادتها، لما ارتكز عندهم من عدم تقوى السافل بالعالي لتعددهما وتغايرهما عرفا، ومعه لا يبقى وجه لا ععتصام ماء الحياض وتوضيح ذلك: أنا قدمنا في بعض المباحث المتقدمة أن العالي لا ينفعل بانفعال الماء السافل، لان العالي والسافل وان كانا متحدين عقلا لا تصالهما وهو مساوق للوحدة بالنظر الدقي العقلي، حيث أن المتصل جسم واحد عقلا إلا أن الاحكام الشرعية غير منوطة بالنظر الدقي الفلسفي، بل المتبع فيها هو الانظار العرفية، والعرف يرى العالي غير السافل وهما ماءان متعددان عنده، ومن هنا لا يحكم بنجاسة العالي فيما إذا لاقي السافل نجسا حتى في المضاف كماء الورد إذا صب من ابريق على يد الكافر مثلا، فانه لا يحكم بنجاسة ما في الابريق لاجل اتصاله بالسافل المتنجس بملاقاة يد الكافر، وأدلة انفعال القليل منصرفة عن مثله، لعدم ملاقاة العالي للنجاسة عرفا، وبالجملة انهما ماءآن، فكما لا تسري قذارة السافل إلى العالي منهما كذلك نظافة العالي لا تسري إلى السافل لتعددهما بالارتكاز. وعلى وهذا كان للسائل أن يتوهم عدم طهارة المياه الموجودة في الحياض الصغار بمجرد اتصالها بموادها الجعلية التي هي أعلى سطحا من الحياض فانهما ماءآن، ولا سيما عند جريان الماء من الاعلى إلى الاسفل، ولعل هذا هو المنشأ لسؤالهم عن حكم ماء الحياض.

[ 280 ]

وقد تصدى عليه السلام لدفع هذه الشبهة المرتكزة بان ماء الحياض متصل بالمادة الجعلية كاتصال المياه بموادها الاصلية، فماء الحمام بمثابة الجاري من حيث اتصاله بالمادة المعتصمة فيتقوى ما في الحياض بالآخر بالتعبد. ولولا هذه الاخبار لحكمنا بانفعال ماء الحياض الصغار، فانه لا خصوصية للماء الموجود في الحياض من سائر المياه، وبلوغ مادتها كرا لا يقتضي اعتصام ماء الحياض لتعدد هما كما عرفت، وعلى الجملة الاخبار الواردة في اعتصام ماء الحمام ناظرة باجمعها إلى دفع الشبهة المتقدمة، وليست بصدد تنزيله منزلة الجاري من جميع الجهات، وبيان ان لماء الحمام خصوصية تمنع عن انفعاله بالملاقاة بلغت مادته كرا أم لم تبلغه. هذا على أن الحمامات المصنوعة في البلاد انما اعدت لا ستحمام أهل البلد وعامة الواردين والمسافرين ومثلها يشمل على اضعاف الكر، بحيث لو اضيف عليها مثلها من الماء البارد لم تنسلب عنها حرارتها لكي تكفي في رفع حاجة الواردين على كثرتهم، وفرض حمام عمومي تشمل مادته على مقدار كر خاصة أو أقل منه حتى يسئل عن حكمه فرض أمر لا تحقق له خارجا. فمنشأ السؤال عن حكمه ليس هو قلة الماء في مادته أو كثرته، كما أنه ليس هو احتمال خصوصية ثابتة لماء الحياض تمنع عن انفعاله بملاقاة النجس مع فرض قلته. وعليه فلا يبقى وجه للسؤال إلا ما أشرنا إليه آنفا وعلى الجملة ان غاية ما يستفاد من الاخبار المتقدمة ان المادة الجعلية العالية سطحا عن الماء القليل كالمادة الاصلية المتساوية سطحا معه فلا دلالة لها على على سائر الجهات، فلابد في استفادة سائر الاحكام والخصوصيات من مراجعة القواعد العامة التي قدمناها سابقا، وهي تقتضي التفصيل بين الرفع والدفع.

[ 281 ]

[ فالحياض الصغار فيه إذا اتصلت بالخزانة لا تنجس بالملاقاة إذا كان ما في الخزانة وحده أو مع ما في الحياض بقدر الكر من غير فرق (1) بين تساوي سطحها معع الخزانة، أو عدمه، وإذا تنجس ما فيها يطهر بالاتصال بالخزانة بشرط كونها كرا، وان كانت أعلى وكان الاتصال بمثل (المزملة) ويجري هذا الحكم (2) في غير الحمام أيضا، فإذا كان في المنبع الاعلى مقدار الكر أو ازيد، وكان تحته حوض صغير نجس، واتصل بالمنبع ] بيان ذلك: ان ماء الحياض إذا كان طاهرا في نفسه، وكان المجموع منه ومن الموجود في مادته بالغا حد الكر فهو ماء معتصم يكفي في دفع النجاسة عن نفسه فلا ينفعل بطروها عليه. وأما إذا كان ماء الحياض متنجسا فبلوغ المجموع منه ومن مادته كرا لا يكفي في الحكم بالاعتصام، فان بلوغ المجموع من النجس والطاهر كرا المعبر عنه بالمتمم كرا بنجس لا يكفي في تطهير النجس كما أسلفناه في محله، فيشترط في طهارة ماء الحياض لاجل اتصاله بمادته أن تكون المادة بالغة كرابنفسها، لما قدمناه من أن تطهير الماء النجس منحصر باتصاله بالكر الطاهر على الاظهر، أو بامتزاجه معه أيضا كما قيل، أو بنزول المطر عليه ونحوهما من أفراد الماء العاصم فيشرط بحسب الرفع ان تكون المادة بالغة حد الكر بنفسها. فما في المتن من الحكم بكفاية بلوغ المجموع من ماء الحياض والمادة حد الكر في الدفع، واعتبار بلوغ المادة إليه بنفسها في الرفع هو الصحيح. (1) قد اتضح مما تلوناه عليك في المقام انه لا فرق في الحكم باعتصام ماء الحمام بين تساوي سطحي المادة وماء الحياض واختلافهما، وغاية الامر أن الحكم المذكور في صورة تساوى السطحين على طبق القاعدة، وفي صورة اختلافهما على خلافها، وانما التزمنا به لاجل الصحيحة المتقدمة. (2) وهل يختص الحكم المذكور أعني كفاية الاتصال بماء آخر مع

[ 282 ]

[ بمثل (المزملة) يطهر، وكذا لو غسل فيه شئ نجس، فانه يطهر مع الاتصال المذكور. ] اختلاف سطحي المائين بماء الحمام ولا يتعدى عنه إلى غيره؟ ليس في شئ من الصحيحة المتقدمة، ولا في رواية بكر بن حبيب على تقدير اعتبارها ما يمكن به التعدي إلى سائر الموارد، فان الصحيحة دلت على أن ماء الحمام بمنزلة الجارى، واشتملت رواية بكر على أنه لا بأس بماء الحمام إذا كان له مادة، وهما كما ترى مختصتان بماء الحمام. وأما ما في شذرات المحقق الخراساني (قده) من الاستدلال في التعدي عن ماء الحمام إلى سائر الموارد بما ورد في بعض روايات الباب من تعليل الحكم بطهارة ماء الحمام بقوله (لان له مادة) (* 1) فيتعدى بعمومه إلى كل ماء قليل متصل بمادته بمثل المزملة ونحوها. فهو من عجائب ما صدر منه (قده)، لان التعليل المدعى مما لم نقف على عين منه ولا أثر في شئ من رواياتنا: صحيحها وضعيفها، ولم ندر من أين جاء به (قدس سره). نعم يمكن أن يستدل عليه أي على التعدي بأن الحكم إذا ورد على موضوع معين مخصوص فهو وإن كان يمنع عن اسرائه إلى غيره من الموضوعات لانه قياس. إلا أن الاسئلة والاجوبة ربما تدلان على عدم اختصاص الحكم بمورد دون مورد ومقامنا هذا من هذا القبيل، لما أسلفناه من ان الوجه في السؤال عن ماء الحمام ليس هو احتمال خصوصية لاستقرار الماء في الحمام أعني الخزانة والحياض الصغار الواقعتين تحت القباب بشكل خاص المشتملين


(* 1) نقله أدام الله أظلاله عن بعض مشايخه المحققين قدس الله أسرارهم وهذا وأن لم نعثر عليه في الشذرات المطبوعة ألا أن مقتضى ما نقله المحقق المتقدم ذكره أنه كان موجودا في النسخة المخطوطة الاصلية وقد اسقط عنها لدى الطبع أو انه نقله عن مجلس بحثه والله العالم بحقيقة الحال.

[ 283 ]

[ فصل ماء البئر النابع بمنزلة الجاري (1) لا ينجس إلا بالتغير، سواء كان بقدر الكر أو أقل، وأذا تغير ثم رال تغيره من قبل نفسه طهر، لان له مادة. ] على سائر خصوصيات الحمام. وانما الوجه في السؤال هو ما ارتكز في أذهان العرف من عدم تقوى السافل بالعالي، وقد دفعه عليه السلام بأن اتصال السافل بالعالي يكفي في الاعتصام، ولا مانع من تقوى أحدهما بالآخر ولو مع اختلاف سطحي الماءين ولا يضره التعدد العرفي. وهو كما ترى لا يختص بمورد دون مورد وهل ترى من نفسك الحكم بعدم اعتصام ماء الحياض المتصلة بالمادة الجعلية فيما إذا خرب الحمام بحيث لم يصدق عليه أنه حمام؟! وحيث أنا لا نحتمل ذلك بالوجدان فنتعدى منه إلى كل ماء قليل متصل بشئ من المواد ولو في غير الحمام كماء الآنية إذا اتصل بالمادة أو بمزملة أو بانبوب ونحوهما. فصل في ماء البئر (1) الكلام في ذلك يقع في مقامين: أحدهما: في أن ماء البئر هل ينفعل بملاقاة النجاسة أو أنه معتصم ولا ينفعل إلا بالتغير؟ إذ لا خلاف في نجاسته بالتغير كما لا إشكال في أنه يطهر بزواله، وثانيهما: أنه إذا قلنا باعتصامه فهل يحكم بوجوب نزح المقدرات تعبدا فيما إذا وقع فيه شئ من النجاسات أو غيرها مما حكم فيه بالنزح كما ذهب إليه الشيخ (قده) وإن

[ 284 ]

بنى على عدم اعتصام ماء البئر أيضا، أو نحملها على الاستحباب؟. أما الكلام في المقام الاول فحاصله أن في المسألة أقوالا. أحدها: انفعال ماء البئر مطلقا وهو الذي التزم به مشهور المتقدمين. ثانيها: عدم انفعاله مطلقا وهو كالمتسالم عليه بين المتأخرين. ثالثها: التفصيل بين بلوغ ماء البئر حد الكر فيعتصم وبين عدم بلوغه كرا فلا يعتصم، وقد نسب هذا التفصيل إلى الشيخ حسن البصروي، وهو من أحد علمائنا الاقدمين، وكأنه (قده) لم ير خصوصية لماء البئر، وحاله عنده حال سائر المياه، وقد قدمنا في محله انها لا تنفعل بملاقاة النجاسة إذا كانت بمقدار كر، ومن هنا أورد بعض المتأخرين على المتقدمين القائلين بانفعال ماء البئر مطلقا بأن الكر على تقدير كونه خارج البئر محكوم عندكم بالطهارة والاعتصام، فلماذا بنيتم على نجاسته وانفعاله فيما إذا كان في البئر فهل لبعض الامكنة خصوصية تقتضي الحكم بعدم اعتصام الماء الكثير؟! وهذا عجيب غايتة. ثم إن هناك تفصيلا آخر نقل عن الجعفي (ره) وهو أيضا من أحد أصحابنا الامامية، وقد فصل بين ما إذا كان ماء البئر بمقدار ذراعين في ذراعين وحكم فيه بعدم الانفعال، وما إذا كان أقل من ذلك وحكم فيه بالانفعال وعدم الاعتصام. والظاهر بل الواقع انه عين التفصيل المنسوب إلى البصروى، وغاية الامر أنه يرى الكر أربعة أشبار في أربعة، وليس هذا تفصيلا مغايرا للتفصيل المتقدم بوجه. وهذه هي أقوال المسألة عند أصحابنا الامامية. وأما العامة فقد اتفق أرباب المذاهب الاربعة منهم على نجاسة ماء البئر بالملاقاة، وانما اختلفوا في بعض خصوصياته، فالمالكية والحنفية التزما بنجاسته مطلقا، واختلفا في مقدار الواجب من النزح باختلاف النجاسات كميتة الانسان وغيرها. والشافعية والحنابلة ذهبا إلى نجاسته فيما إذا كان أقل

[ 285 ]

من قلتين، وطهارته فيما إذا كان بقدرهما، ومرجع ذلك إلى التفصيل بين بلوغ ماء البئر حد الكر وعدمه، لانهم حدوا الكر بقلتين، واختلفا في أن الشافعية فصل في نجاسة ماء البئر على تقدير كونه أقل من قلتين بين ما إذا استند وقوع النجاسة في البئر إلى اختبار المكلف، فحكم فيه بالنجاسة وما إذا لم يتسند إليه كما إذا أطارتها الريح في البئر، فذهب فيه إلى عدم انفعاله (* 1) هذه أقوال ذوي المذاهب المعروفة عندهم وأما غيرهم من علمائهم فلابد في الوقوف على أقوالهم من مراجعه كتبهم. وكيف كان فالمتبع عندنا دلالة الاخبار. وقد استدل المتأخرون على طهارة ماء البئر واعتصامه فيما إذا لم يتغير بالنجاسة بعدة روايات. (منها): صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع المروية بعدة طرق عن الرضا (ع) قال: ماء البئر واسع لا يفسده شئ إلا أن يتغير ريحه. أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح، ويطيب طعمه لان له مادة (* 2) حيث دلت على أن ماء البئر واسع الحكم والاعتصام وغير مضيق بما إذا بلغ كرا كما في سائر المياه فلا ينفعل مطلقا وهذا معنى قوله (لا يفسده شئ) وأما قوله (ع) لان له مادة. فهو إما علة لقوله واسع فيدل على أن اعتصام البئر مستند إلى أن له مادة. وإما علة لقوله (فيطهر) المستفاد من قوله (فينزح) أي ينزح حتي يذهب الريح ويطيب طعمه فيطهر لان له مادة. فتدل على أن ماء البئر يرفع النجاسة الطارئة عليه بعد زوال تغيره لا تصاله بالمادة، ومنه يظهر أنه يدفع


(* 1) راجع المجلد 1 ص 42 و 43 و 44 من كتاب الفقه على المذاهب الاربعة تأليف عبد الرحمن الجزيري. (* 2) المروية في الباب 3 و 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 286 ]

النجاسة أيضا بطريق أولى، لان الدفع أهون من الرفع. وعلى الجملة يستفاد من تلك الصحيحة أن ماء البئر معتصم لا ينفعل بملاقاة النجاسة لمكان مادته. ودعوى: أن ماء البئر واسع بمعنى أنه كثير وهو واسع الماء لا بمعنى أنه معتصم وواسع الحكم. تندفع: بأنه على خلاف الفهم العرفي من مثلها فان العرف يستفيد منه أنه واسع الحكم على خلاف غيره من المياه ولا ينسبق إلى أذهانهم أنه واسع الماء. وأما ما ذكره الشيخ الطوسي (قده) من أن معنى قوله (لا يفسده شئ) انه لا يفسده شئ افسادا غير قابل للاصلاح والزوال، فان البئر تقبل الاصلاح بنزح المقدرات. فيدفعه: ما أفاده المحقق الهمداني (قده) بتفسير منا من أن هذا الكلام لو كان صدر من متكلم عادي لاجل تفهيم المعنى المدعى كان مضحكا عند ابناء المحاورة فكيف يصدر مثله عن الامام الذي هو أفصح المتحاورين وقال: ولعمري ان طرح الرواية ورد علمها على اهلها اولى من ابداء هذا النحو من الاحتمالات العقلية التي لا يكاد يحتمل المخاطب ارادتها من الرواية خصوصا في جواب المكاتبة. وعليه فمعناه ما قدمناه من انه واسع لا ينفعل لشئ من النجاسات فالمناقشة في دلالتها ساقطة. وأما المناقشة في سندها بدعوى: ان دلالتها وان كانت تامة كما مر إلا أنها كانت بمرأى من المتقدمين، ومع ذلك لم يفتوا على طبقها واعرضوا عنها، وإعراض المشهور يسقط الرواية عن الاعتبار إذ قد اشترطنا في حجية الاخبار أن لا تكون معرضا عنها عند الاصحاب. فيمكن المناقشة فيه كبرى وصغرى. أما بحسب الكبرى: فلما قدمنا في بحث الاصول من أن حجية الرواية غير مشروطة بذلك، واعراض الاصحاب عن رواية صحيحة لا يكون كاسرا لا عتبارها، كما أن عملهم

[ 287 ]

على طبق رواية ضعيفة لا يكون جابرا لضعفها. وأما صغرى: فلاجل أن المتقدمين لم يعرضوا عن الصحيحة بوجه بل اعتنوا بها كمال الاعتناء، فاولها بعضهم كما عن الشيخ الطوسى (قده) وربما يظهر من استبصاره أيضا وبعضهم رأى المعارضة بينها وبين ما دل على نجاسة البئر، ورجح معارضها عليها، لانه اكثر بحسب العدد، ويعتبر في تحقق الاعراض أن لا تكون الرواية معارضة بشئ. وهذا كما في صحيحة زرارة الواردة فيمن صلى العصر ثم التفت إلى انه لم يأت بالظهر. حيث دلت على انه يجعلها ظهرا، فانها أربع مكان أربع (* 1) وهي مع عدم ابتلائها بالمعارض غير معمول بها عند الاصحاب، فبناء على ان اعراض المشهور عن رواية يسقطها عن الاعتبار لا يمكن العمل على الصحيحة المتقدمة كما انه بناء على مسلكنا لا مانع من العمل على طبقها. وأما إذا كانت الرواية معارضة بشئ فالعمل بمعارضها لا يوجب تحقق الاعراض عن الرواية، إذ لعلهم لم يعملوا بها لرجحان معارضها عندهم، فالرواية في المقام مما لا مناقشة في شئ من سنده ولا في دلالته. وعلى الجملة الصحيحة حصرت موجب النجاسة في البئر بالتغير فملاقاة النجاسة لا توجب انفعالها، كما دلت على أن وجود المادة ترفع نجاستها بعد زوال تغيرها، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في ذلك كله بين كثرة الماء في البئر وقلته. ومن جملة الروايات الدالة على عدم انفعال البئر بالملاقاة صحيحة علي


(* 1) روى زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (ع) في حديث قال: إذا نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها وانت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الاولى ثم صل العصر، فانما هي أربع مكان أربع. الحديث المروية في الباب 63 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 288 ]

اين جعفر عن أخيه (ع) قال: سألته عن بئر ماء وقع فيها زبيل (زنبيل) من عذرة رطبة، أو يابسة، أو زبيل من سرقين أيصلح الوضوء منها؟ قال: لا بأس. (* 1). حيث دلت على عدم انفعال ماء البئر بملاقاة العذرة. لعدم جواز الوضوء من الماء المتنجس بالضرورة، وتوضيح دلالتها: ان السائل فرض أن العذرة كانت بمقدار زنبيل فان الزنبيل ينسج من أوراق الاشجار وأمثالها ولا معنى لكونه من العذرة ليكون السؤال عن وقوع زنبيل معمول من العذرة في البئر، بل السؤال انما هو عن وقوع عذرة فيها هي بقدر زنبيل وانه يقتضي انفعالها أو لا يقتضيه، وأجابه عليه السلام بقوله لا بأس. أي لا بأس بالوضوء من الماء الذي لا قته عذرة بقدر الزنبيل، فدلالتها على عدم انفعال البئر بملاقاة العذرة واضحة. والمناقشة فيها بان ما لاقى الماء قطعا هو الزنبيل، ولم يعلم ان العذرة أيضا لاقت الماء، فلا دلالة لها عى اعتصام ماء البئر عن الانفعال. ساقطة أساسا لما عرفت من أن المفروض هو ملاقاة العذرة للماء، وهي بقدر الزنبيل لا أن الملاقي له هو الزنبيل الذي فيه عذرة حتى يناقش في ملاقاة العذرة للماء، وإلا لكان الانسب أن يسأل عن زنبيل فيه عذرة لا عن زنبيل من العذرة كما في الصحيحة هذا أولا: وثانيا لو سلمنا أن السؤال عن زنبيل فيه عذرة فكيف لا تلاقي العذرة للماء بعد فرض ملاقاة الزنبيل له. فهل ينسج الزنبيل من حديد وشبهه كي يمنع عن اصابة الماء للعذرة؟! فانه يصنع من الاوراق، وهي لا تكون مانعة عن سراية الماء إلى جوفه. وثالثا: لو أغمضنا عن ذلك أيضا، فكيف يسئل علي بن جعفر عن


(* 1) المروية في الباب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 289 ]

ملاقاة الزنبيل لماء البئر مع وضوح أن الزنبيل ليس من الاعيان النجسة، ولم يفرض تنجسه حتى يوجب انفعال ماء البئر، ولا يكاد يخفى مثل ذلك عليه، فهذه المناقشة ساقطة. وتوهم أن المراد بالعذرة عذرة ما يؤكل لحمه من الشاة والبقر ونحوهما دون عذرة الانسان أو غيره مما لا يؤكل لحمه. مندفع: (أولا): بان العذرة مرادفة للخرء وهو الذي يعبر عنه في الفارسية بلفظة مخصوصة ويختص استعمالها بمدفوع الانسان أو ما يشابه في النجاسة والريح الكريهة من مدفوع سائر الحيوانات كمدفوعي الكلب والهرة ونحوهما، وقد اطلقت عليه في بعض الروايات (* 1) أيضا فراجع، ولا يطلق على مدفوع ما يؤكل لحمه، وانما يطلق عليه السرقين الذي هو معرب سركين. و (ثانيا): ان سؤال الراوي عن حكم زنبيل من سرقين بعد سؤاله عن الزنبيل من العذرة ينادي باعلى صوته على أن المراد بالعذرة ليس هو عذرة ما يؤكل لحمه وهي التي يعبر عنها في لغة العرب بالسرقين، وإلا لم يكن وجه لسؤاله عنه ثانيا، فهذا التوهم أيضا لا أساس له. ودعوى ان المراد نفي البأس بعد النزح المقدر لانه مقتضى الجمع العرفي بين المطلق والمقيد فان الصحيحة قد دلت على نفي البأس بالتوضوء بماء البئر بعد ملاقاة النجس مطلقا فلا مناص من تقييدها بالاخبار الدالة على لزوم النزح بملاقاة النجس.


(* 1) ففي صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من انسان أو سنور أو كلب. الحديث حيث اطلقت العذرة على مدفوعي السنور والكلب لما فيهما من الرائحة الكريهة. المروية في الباب 40 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 290 ]

فيدفعها، ان الاخبار الامرة بالنزح لا دلالة لها عى النجاسة إذا فلا وقع لهذا الاحتمال ولعمري أن مثل هذه الاحتمالات يوجب سد باب الاستنباط من الاخبار. و (منها): صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) في الفأرة تقع في البئر فيتوضأ الرجل منها، ويصلي وهو لا يعلم، أيعيد الصلاة ويغسل ثوبه؟ فقال: لا يعيد الصلاة، ولا يغسل ثوبه (* 1). وقد دلت على عدم انفعال ماء البئر بوقوع الفأرة فيه، فان الظاهر من وقوع الفارة في البئر انما هو موتها فيها، كما يقال وقع فلان في البئر أي مات فيها، حيث لا موجب لتوهم انفال ماء البئر بخروج الفأرة منها حيا. ثم ان لفظة فاء: في قوله (ع) فيتوضأ. تدل على أن مفروض كلام السائل هو التوضوء بعد وقوع الفأرة فيه، وهو الذي حكم (ع) فيه بطهارة البئر، وعدم اعادة الصلاة، وعدم وجوب الغسل. وأما إذا لم يدر ان وضوئه كان قبل وقوع الفأرة في البئر أم كان بعده فهو خارج عن كلامه، فدلالتها على عدم انفعال البئر ظاهرة. نعم لا اطلاق لها حتى تشمل صورة تغير البئر بوقوع الفأرة فيها أيضا، لان عدم تعرضه (ع) لنجاسة ماء البئر على تقدير تغيره، لعله مستند إلى أن وقوع مثل الفأرة في البئر لا يوجب تغير مائها بوجه. و (منها): رواية أخرى لمعاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: سمعته يقول: لا يغسل الثوب، ولا تعاد الصلاة مما وقع في البئر إلا أن ينتن فان انتن غسل الثوب، وأعاد الصلاة، ونزحت البئر (* 2). وقد دلت أيضا على عدم انفعال ماء البئر بملاقاة النجاسة في غير صورة التغير بها، وهو المراد من قوله إلا أن ينتن ولعله إنما عبر به ولم يعبر.


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 291 ]

بالتغير من أجل أن الغالب في ما يقع في البئر هو الميتة من آدمي أو فأرة ونحوهما، والميتة تغير الماء بالنتن. و (منها): موثقة أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله (ع) بئر يستقى منها، ويتوضئ به، وغسل منه الثياب، وعجن به، ثم علم أنه كان فيها ميت، قال: لا بأس، ولا يغسل منه الثوب، ولا تعاد منه الصلاة (* 1). والوجه في دلالتها ظاهر، والمراد بالميت فيها إما ميت الانسان كما هو الظاهر منه في الاطلاقات. وإما مطلق الميت في مقابل الحي. وإنما لم تتعرض لنجاسة البئر على تقدير تغيرها بالميت من جهة أن مفروض كلام السائل هو صورة عدم تغيرها بها حيث قال: ثم علم انه كان. فان الماء لو كان تغير بالميت لا لتفت عادة إلى وجود الميت فيه حال الاشتغال والاستعمال بشئ من طعمه أو ريحه أو لونه كما لا يخفى فلا اطلاق لها بالاضافة إلى صورة التغير بالنجس. وهذه جملة الاخبار الواردة في عدم انفعال البئر بملاقاة النجاسة. ولمكان اطلاقها لا يفرق في الحكم بالاعتصام بين قلة مائها وكثرته: نعم ورد في موثقة عمار تقييد الحكم باعتصام البئر بما إذا كان فيها ماء كثير. حيث قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن البئر يقع فيها زبيل عذرة يابسة، أو رطبة، فقال: لا بأس إذا كان فيها ماء كثير وبها (* 2) يقيد اطلاقات سائر الاخبار، ويفصل بين ما إذا كان ماء البئر كثيرا فيعتصم وما إذا كان قليلا فيحكم بانفعاله، وفي الحدائق اسند الرواية إلى أبي بصير إلا أنه من اشتباه القلم والجواب عن ذلك بوجهين: (أحدهما): ان لفظة الكثير لم تثبت لها حقيقة شرعية، ولا متشرعية بمعنى الكر، وانما هي باقية على معناها اللغوي. ولعل الوجه في تقييده (ع)


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 292 ]

بذلك ان ماء البئر لو كان في مورد الرواية بقدر كر أو أقل، لتغير بوقوع زبيل العذرة عليه لكثرتها. ومن هنا قيده بما إذا كان مائها غريزا، وأكثر من الكر فهي في الحقيقة مفصلة بين صورتي تغير ماء البئر وعدمه لا أنها تفصل بين الكر والقليل. و (ثانيهما): ان صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع قد حصرت سبب الانفعال في ماء البئر بالتغير، ودلت على طهارته بزوال تغيره مطلقا بلغ حد الكر أم لم يبلغه، ولصراحتها نرفع اليد عن مادل على اشتراط الكرية في البئر، ونحمل الرواية المتقدمة على ما ذكرناه آنفا. وأما رواية الحسن بن صالح الثوري (* 1) التي دلت على عدم انفعال الماء في الركي إذا بلغ كرا فقد عرفت انها ضعيفة لا نعمل بها في مورها فضلا عن أن نقيد بها الروايات المتقدمة. هذا كله في مادل على عدم انفعال ماء البئر مطلقا، وقد عرفت أنها تامة سندا ودلالة، فلا بد بعد ذلك من صرف عنان الكلام إلى بيان ما يعرضها من الاخبار الواردة في انفعاله ليرى أن الترجيح معها أو مع معارضتها. أدلة انفعال ماء البئر بالملاقاة فنقول: قد استدلوا على نجاسة ماء البئر بملاقاة النجاسة باربع طوائف من الاخبار: (الطائفة الاولى): الروايات المتضافرة البالغة حد التواتر إجمالا التي دلت على وجوب نزح المقدرات المختلفة باختلاف النجاسات الواقعة في البئر لانها ظاهرة في أن الامر بالنزح ارشاد إلى نجاسه البئر، والنزح مقدمة لتطهيرها لا أن النزح واجب شرطي للوضوء والغسل والشرب من ماء البئر عند وقوع


(* 1) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 293 ]

النجاسة عليه مع بقائه على الطهارة في نفسه. هذا على ان في الروايات قرائن دلتنا على ان النزح انما وجب لازالة النجاسة عن البئر. (فمنها): تفصيله عليه السلام في غير واحد من الروايات المذكورة بين تغير ماء البئر بالنجاسة فاوجب فيه النزح إلى أن يزول عنه تغيره، وبين عدم تغيره فامر فيه بنزح أربعين دلوا أو سبعة دلاء أو غير ذلك على حسب اختلاف النجاسات. وهذه قرينة قطعية على ان الغرض من ايجاب النزح انما هو التطهير، لان البئر إذا تغيرت بالنجاسة لا تطهر إلا بزواله كما تتطهر في غير صورة التغير بنزح المقدرات. فمن تلك الاخبار موثقة سماعة، قال: سألته عن الفأرة تقع في البئر أو الطير؟ قال: ان أدركته قبل أن ينتن نزحت منها سبع دلاء (* 1). وما عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله (ع) قال: سئل عن الفأرة تقع في البئر قال: إذا ماتت ولم تنتن فأربعين دلوا، وإذا انتفخت فيه أو نتنت نزح الماء كله (* 2). و (منها): أي من جملة القرائن ترخيصه (ع) في التوضؤ عن البئر التي وقع فيها حيوان مذبوح بعد نزح دلاء يسيرة منها وهذا كما في صحيحة علي من جعفر قال: وسألته عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقعت في بئر، هل يصلح أن يتوضأ منها؟ قال: ينزح منها دلاء يسيرة ثم يتوضأ منها. (* 3) لان قوله (ع) ثم يتوضأ منها قرينة على ان نزح االدلاء المذكورة انما كان مقدمة لتطير البئر ومن هنا جاز التوضوء منها بعده ولم يجز قبل نزحها.


(* 1) المروية في الباب 7 و 18 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 19 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 21 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 294 ]

و (منها): ما اشتملت عليه بعض الاخبار من كلمة (يطهرها) كما في صحيحة علي ابن يقطين، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن البئر تقع فيها الحمامة، والدجاجة، أو الكلب، أو الهرة، فقال: يجزيك ان تنزح منها دلاء، فان ذلك يطهرها انشاء الله تعالى (* 1) وصحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع قال. كتبت إلى رجل أسأله أن يسئل أبا الحسن الرضا (ع) عن البئر تكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول، أو دم، أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها، ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟ فوقع (ع) بخطه: في كتابي ينزح دلاء منها (* 2). فان قوله (ع) في الرواية الاولى (يطهرها) صريح في نجاسة البئر بوقوع شئ من النجاسات المذكورة فيها وان النزح يطهرها، كما ان قول السائل في الرواية الثانية (ما الذي يطهرها) يكشف عن ان نجاسة البئر بملاقاة النجاسة كانت مفروغا عنها عنده، وقرره الامام (ع) على اعتقاده حيث بين مطهرها، وهو نزح دلاء يسيرة، ولم يردع عن اعتقاده ذلك وعلى الجملة ان هذه الاخبار بضميمة القرائن المتقدمة صريحة الدلالة على ان البئر تنفعل بملاقاة النجس، وان النزح لا زالة النجاسة عنها. (الطائفة الثانية): ما دل على منع الجنب من أن يقع في البئر ويفسد مائها، كما في صحيحة عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) المروية بطريقين قال: إذا أتيت البئر وأنت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا تغرف به، فتيمم بالصعيد فان رب الماء رب الصعيد، ولا تقع في البئر، ولا تفسد


(* 1) المروية في الباب 17 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 295 ]

على القوم مائهم (* 1) وقد مر أن الافساد بمعنى التنجيس على ما بيناه في شرح قوله (ع) ماء البئر واسع لا يفسده شئ في صحيحة محمد بن اسماعيل إبن بزيع، فالرواية دلت على أن البئر تنفعل بوقوع الجنب فيها، لنجاسة بدنه. (الطائفة الثالثة): ما دل على لزوم التباعد بين البئر والبالوعة (* 2) بخمسة أذرع أو بسبعة على اختلاف الاراضي من كونها سهلة أو جبلا، واختلاف البئر والبالوعة من حيث كون البئر أعلى من البالوعة أو العكس، ولا وجه لهذا الاعتبار إلا انفعال البئر بالملاقاة إذ لو كانت معتصمة لم يفرق في ذلك بين تقارب البالوعة منها، وتباعدها عنها. على أن في بعضها تصريحا بالانفعال إذا كان البعد بينهما أقل من الحد المعتبر. (الطائفة الرابعة): ما دل بمفهومه على انفعال البئر إذا وقع فيها ماله نفس سائلة، كصحيحه أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عما يقع في الآباء، فقال: أما الفأرة وأشباهها فينزح منها سبع دلاء إلى أن قال: وكل شئ وقع في البئر ليس له دم مثل العقرب، والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس (* 3). ومفهومها أن الشئ الواقع في البئر إذا كان له دم ففيه بأس. وهذه جملة ما استدل به على عدم اعتصام ماء البئر. (أما الطائفة الاولى): فاورد عليها (تارة): بأن اختلاف الاخبار الواردة في النزح يشهد على أن النزح مستحب، ومن هنا لم يهتموا عليهم السلام بتقديره على وجه دقيق، وقد حدد في بعض الاخبار (* 4) بمقدار معين


(* 1) المروية في الباب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) راجع الباب 24 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 17 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 4) كما في رواية ابن أبي عمير عن كردويه وصحيحة حريز عن زرارة فان الاولى دلت على وجوب نزح ثلاثين دلوا والثانية على وجوب =

[ 296 ]

في نجاسة، وحدد في بعض آخر بمقدار آخر في تلك النجاسة بعينها، وبهذا تحمل الروايات المذكورة على الاستحباب هذا. ولا يخفى أن اختلاف الاخبار في بيان الضابطة والمقادير على ما ذكرناه غير مره لا يكون قرينة على حملها على الاستحباب بوجه، بل الصناعة العلمية تقتضي الاخذ بالاقل وحمله على الوجوب إذ لا معارض له في شئ. ويحمل المقدار الاكثر على الاستحباب فهذا الجمع غير وجيه. و (أخرى): بأن مقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين هو حمل أخبار الطهارة على طبيعيها في مقابل النجاسة، وحمل أخبار النجاسة على مرتبة ضعيفة منها لا تمنع عن شربه ولا عن الوضوء والغسل به، ولا ترتفع بغير النزح، ولا نحملها على مرتبة قوية من النجاسة كي تمنع عن استعمال الماء مطلقا، وتقع المعارضة بين الطائفتين. وفيه (أولا): ان الجمع على هذا الوجه ليس بجمع عرفي يفهمه أهل اللسان إذا عرضنا عليهم المتعارضين ولا يكادون يفهمون من الطهارة طبيعيها ولا من النجاسة مرتبة ضعيفة منها. و (ثانيها): ان الجمع بذلك جمع غير معقول، لا ستحالة اجتماع الطهارة مع النجاسة ولو بمرتبة ضعيفة منها لانهما ضدان واجتماعهما مستحيل، وهل يجتمع البياض مع مرتبة ضعيفة من السواد!؟. فالصحيح في المقام ان يقال: ان الطائفتين من أظهر أنحاء المتعارضين فان كل واحدة منهما تنفي ما تثبته الاخرى فلا محيص فيهما من الترجيح بمرجحات باب المعارضة المقررة في بحث التعادل والترجيح:


= نزح عشرين دلوا في نجاسة واحدة كالدم والخمر ونظيرهما غيرهما. المرويتان في الباب 15 من أبواب الماء المطلق من الوسائل فراجع.

[ 297 ]

فان قلنا بدلاله الآيه المباركة. وأنزلنا من السماء ماء طهروا (* 1) وقوله تعالى: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به (* 2). على طهارة جميع أقسام المياه فالترجيح مع الطائفة الدالة على طهارة ماء البئر لانها موافقة للكتاب والطائفة الاخرى مخالفة له وموافقة الكتاب أول مرجح في باب المعارضة. وأما إذا لم نقل بذلك وناقشنا في دلالتهما على الطهارة بالمعنى المصطلح عليه كما قدمناه سابقا فلا محالة تصل النوبة إلى المرجح الثاني وهو مخالفة العامة. وقد مر (* 3) ان المذاهب الاربعة مطبقة على انفعال ماء البئر بالملاقاة وكذا غيرها من المذاهب على ما وقفنا عليه من أقوالهم، فالترجيح أيضا مع ما دل على طهارة البئر لانها مخالفة للعامة فلا مناص حينئذ من حمل أخبار النجاسة على التقية. هذا على أن في الاخبار المذكورة قرينة على أنهم (ع) لم يكونوا بصدد بيان الحكم الواقعي وانما كانوا في مقام الاجمال والتقية وهذا كما في صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزبع (* 4) حيث سئل عما يطهر البئر فأجاب (ع) بقوله: ينزح دلاء منها، فان الدلاء جمع يصدق على الثلاثة لا محالة. ولا قائل من الفريقين بمطهرية الدلاء الثلاثة للبئر والزائد عنها غير مبين في كلامه (ع). فمن ذلك يظهر انه (ع) لم يكن في مقام بيان الحكم الواقعي لان الاجمال غير مناسب لمقام الامامة ولمقام البيان بل ولا يناسب لمقام


(* 1) الفرقان 25: 48. (* 2) الانفال 8: 11. (* 3) قد قدمنا تفاصيل أقوال العامة في أوائل المبحث فراجع. (* 4) المروية في الباب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 298 ]

الافتاء ايضا فان فقيها إذا سئل عن الغسل الذي يطهر به الثوب لم يناسبه ان يجيب بان الثوب إذا غسل يطهر مع انه يعتبر التعدد في غسله، فانه مجمل وهو في مقام الافتاء وبصدد البيان وكيف كان فهذه الاخبار محمولة على التقية. وبهذا يشكل الافتاء باستحباب النزح أيضا، إذ بعدما سقطت أخبار وجوب النزح عن الاعتبار، وحملناها على التقية لم يبق هناك شئ يدل على الاستحباب، وبعبارة اخرى الاخبار الآمرة بالنزح ظاهرة في الارشاد إلى نجاسة البئر بالملاقاة، وقد رفعنا اليد عن ظاهرها بما دل على طهارة البئر وعدم انفعالها بشئ، وعليه فحمل تلك الاخبار على خلاف ظاهرها من الاستحباب أو الوجوب التعبديين مع بقاء البئر على طهارتها يتوقف على دليل. نعم لو كانت ظاهرة في وجوب النزح تعبدا لحملناها على الاستحباب بعد رفع اليد عن ظواهرها بما دل على طهارة البئر، وعدم وجوب النزح تعبدا. ونظير المقام. الاخبار الواردة من طرقنا في أن القئ، والرعاف (* 1) ومس الذكر، والفرج والقبلة (* 2) يوجب الوضوء كما هي كذلك عند


(* 1) الوسائل - الباب 6 من أبواب نواقض الوضوء - موثقة زرعة عن سماعة، قال: سألته عما ينقض الوضوء قال: الحدث تسمع صوته، أو تجد ريحه، والقرقرة في البطن إلا شيئا تصبر عليه، والضحك في الصلاة والقئ موثقة أبي عبيدة الحذاء عن أبي عبد الله (ع) قال: الرعاف والقئ والتخليل يسل الدم إذا استكرهت شيئا ينقض الوضوء. وفي الباب 7 من الابواب المذكورة صحيحة الحسن بن علي بن بنت الياس قال: سمعته يقول: رأيت أبى صلوات الله عليه وقد رعف بعدما توضأ دما سائلا فتوضأ (* 2) الوسائل الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: إذا قبل الرجل مرأة من شهوة أو مس فرجها =

[ 299 ]

العامة (* 1). فانها ظاهرة في الارشار إلى ناقضية الامور المذكورة للوضوء، فإذا رفعنا اليد عن ظواهرها بالاخبار الدلالة على حصر النواقض في ست (* 2) وليس منها تلك الامور، وبنينا على أن الرعاف وإخواته لا تنقض الوضوء، فلا يمكن حمل الاخبار المذكورة على إستحباب الوضوء بعد الرعاف واخواته، فانه انما يمكن فيما إذا كانت الاخبار ظاهرة في وجوب الوضوء بتلك الامور، وإذا لم نتمكن من العمل بظاهرها لاجل معارضها فلنحملها على الاستحباب وأما بعد تسليم أنها ظاهرة في الارشاد إلى الناقضية فلا يبقى في البين ما يدل على استحباب الوضوء إذا رفعنا اليد عنها بمعارضها، وحيث أنه خلاف ظاهر الاخبار فلا يصار إليه إلا بدليل. و (توهم) أن أخبار الطهارة معرض عنها عند أصحابنا الاقدمين (يندفع) بما قدمناه في الاستدلال على طهارة البئر من المناقشة فيه كبرى وصغرى فراجع. وأما الطائفة الثانية: وهي ما دل على منع الجنب من الوقوع في البئر فالجواب عنها ان صحيحة إبن أبي يعفور لم تفرض نجاسة بدن الجنب، والغالب طهارته، ولا سيما في الاعصار المتقدمة، حيث كانوا يغتسلون بعد تطهير مواضع النجاسة من أبدانهم، إذ لم يكن عندهم خزانة ولا كر آخر وإنما كانوا يغتسلون بالماء القليل، ومعه لا محيص من تطهير مواضع النجاسة


= أعاد الوضوء. وفي الموثق عن عمار بن موسى، عن أبي عبد الله (ع) قال عن الرجل يتوضأ ثم يمس باطن دبره قال: نقض وضوئه، وان مس باطن احليله فعليه ان يعيد الوضوء، وان كان في الصلاة قطع الصلاة ويتوضأ ويعيد الصلاة، وان فتح احليله أعاد الوضوء وأعاد الصلاة. (* 1) راجع المجلد 1 من الفقه على المذاهب الاربعة ص 66 و 67 و 75 (* 2) راجع الباب 2 و 3 و 4 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 300 ]

قبل الاغتسال حتى لا يتنجس به الماء ولا يبطل غسله. ومع عدم نجاسة بدن الجنب لا وجه لا نفعال البئر بوقوعه فيها. إلا أن نلتزم بما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض أصحابه من نجاسة الماء المستعمل في غسل الجنابة ولو مع طهارة بدن الجنب (* 1) إلا انه كما سنوقفك عليه في محله مما لا يمكن التفوه به، فان اغتسال الجنب ليس من أحد المنجسات شرعا. ثم لو سلمنا نجاسة بدن الجنب فلماذا لم يعلل (ع) منعه من الاغتسال في الآبار ببطلان الغسل حينئذ، إذ لو كان بدن الجنب متنجسا فلا محالة يتنجس به الماء والغسل بالماء المتنجس باطل، وانما علله بقوله (ولا تفسد عل القوم مائهم) مع أن الغسل قد يتحقق في مورد لا قوم فيه، أو نفرضه في بئر داره وهي ملكه وبهذا وذاك يظهران المراد بالافساد في الرواية ليس هو التنجيس، بل المراد به أحد أمرين: (أحدهما): ان الطباع البشرية تنزعج عن الماء الذي اغتسل فيه أحد، وتتنفر عن شربه واستعماله في الاغذية، ولا سيما بملاحظة أن البدن لا يخلو عن العرق والدسومة والكثافة، وعليه فالمراد بالافساد الغاء الماء عن قابلية الانتفاع به فغرضه (ع) نهي الجنب عن الوقوع في البئر كي لا يستلزم ذلك تنفر القوم وعدم رغبتهم في استعمال مائها وبقاء الماء بذلك بلا منفعة و (ثانيهما): ان الآبار كالاحواض تشتمل على مقدار من الوحل والكثافة المجتمعة في قعرها فلو ورد عليها أحد لا وجب ذلك اثارة الوحل وبه يتلوث الماء ويسقط عن الانتفاع به، وهو معنى الافساد. وأما الطائفة الثالثة: وهي الاخبار الواردة في لزوم التباعد بين البئر والبالوعة فهي أيضا على طائفتين فمنها مالا تعرض فيه لنجاسة ماء البئر بعد كون البالوعة قريبة منها، وانما اشتمل على لزوم التباعد بينهما بمقدار ثلاثة


(* 1) قدمنا نقل اقوالهم في هذه المسألة في ص 140 و 141 فراجع.

[ 301 ]

أذرع أو اكثر. ومنها ما اشتمل على نجاسة البئر أيضا بتقاربها من البالوعة. أما الطائفة الاولى: فهي لا تدل على نجاسة ماء البئر بالملاقاة وانما اعتبر التباعد بينه وبين البالوعة تحفظا على نظافة مائها وذلك بقرينية طائفتين من الاخبار. (احداهما) ما دل على عدم انفعال البئر بالملاقاة. و (ثانيهما): ما دل على أن تقارب البالوعة من البئر لا يوجب كراهة الوضوء ولا الشرب من مائها وهي صحيحة محمد بن القاسم عن أبي الحسن (ع) في البئر يكون بينها وبين الكنيف خمسة أذرع، وأقل، وأكثر، يتوضأ منها: قال: ليس يكره من قرب ولا بعد يتوضأ منها ويغتسل ما لم يتغير الماء (* 1) فهاتان الطائفتان قرينتان على حمل هذه الطائفة من اخبار تباعد البئر والبالوعة على التنزه من الاقذار، والتحفظ على النظافة التي ندب إليها في الشرع واهتم بها الشارع المقدس، ولاجل هذا الاهتمام حكم بلزوم التباعد بينهما بمقدار ثلاثة أذرع أو سبعة حيث أن عروق الارض متصلة والقذارة تسري من بعضها إلى بعض فالاستدل بهذه الطائفة على انفعال البئر ساقط. وأما الطائفة الثانية: فهي صحيحة زرارة. (ومحمد بن مسلم، وأبي بصير كلهم قالوا: قلنا لهه: بئر يتوضأ منها يجري البول قريبا منها أينجسها؟ قال: فقال: ان كانت البئر في أعلى الوادي والوادي يجري فيه البول من تحتها فكان بينهما قدر ثلاث أذرع، أو أربعة، لم ينجس ذلك شئ وان كان أقل من ذلك نجسها (* 2). وهي كما ترى صريحة في نجاسة البئر بتقاربها من البالوعة فيما إذا لم يكن بينهما قدر ثلاث أذرع أو اربعة.


) (* 1) المروية في الباب 14 و 24 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 24 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 302 ]

ويدفعها: ان الرواية مخالفة لضرورة المذهب وللاجماع القطعي بين المسلمين لبداهة ان التقارب من البئر بما هو تقارب ليس من أحد المنجسات شرعا فان المناط في التنجيس إنما هو سراية النجاسة إلى ملاقيها، وعليه فان علمنا بالسراية في المقام فنحكم بنجاسة البئر لا محالة وإلا فلا موجب للحكم بنجاستها وهذا كما إذا وقعت النجاسة في البالوعة في زمان قريب بحيث لا تسري منها إلى البئر في تلك المدة اليسيرة. ودعوى ان الامام (ع) بصدد بيان الضابط للعلم بسراية النجاسة على غالب الناس. فان كون التباعد اقل من ثلاثة اذرع أو اربعة يوجب العلم بالسراية في الاغلب، كما ان كونه اكثر منهما يوجب عدم حصول العلم بالسراية مندفعة: (أولا): بأن تحديد حصول العلم بالسراية بذلك جزاف لان العلم بالسراية قد يحصل في ثلاثة أذرع، وقد يحصل العلم بعدم السراية في أقل منها، فدعوى أن العلم بعدم السراية يحصل في الثلاثة ولا يحصل في أقل منها ولو بنصف ذراع مما لا أساس له. و (ثانيا): ان حمل تحديده عليه السلام على ذلك ليس باولى من حمله على ما ذكرناه آنفا من ارادة التحفظ على نظافة الماء لانها مورد لاهتمام الشارع حتى لا يستقذره الناس فيحمل التنجيس على القذارة العرفية دون الشرعية ومن هنا ورد الامر بسكب الماء فيما إذا وقع فيه فأرة أو عقرب وهي صحيحة هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الفأرة والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيا هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ منه؟ قال: يسكب منه ثلاث مرات، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة. (* 1).


(* 1) المروية في الباب 19 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 303 ]

فان من الضروري الذي لم يختلف فيه اثنان - في الاونة الاخيرة - عدم نجاسة العقرب، ولاسيما إذا خرج عن الماء حيا وكذلك الفأرة إذا خرجت حية فلا وجه لحكمه (ع) بالسكب ثلاث مرات إلا دفع الاستقذار عن السطح الظاهر من الماء فان الطباع البشرية مجبولة على التنفر عن السطح الظاهر من الماء عند وقوع شئ عليه - كالذباب إذا وقع في الماء - ولا يستقذرون جميعه على ما يدعون وحيث ان الامر كما سمعت والنظافة مورد لاهتمام الشارع، فلا مانع من حمل الطائفة الثانية ايضا من روايات تباعد البئر والبالوعة على التحفظ على نظافة الماء وعدم قذارته، فلو ابيت إلا عن صراحة الرواية في نجاسة البئر فلا محيص من حملها على التقية، لانها موافقة للعامة إذ الرواية حينئذ نظير غيرها من الاخبار الدالة على نجاسة البئر بالملاقاة وقد مر انها محمولة على التقية. فالضابط الكلي في جميع الطوائف المتقدمة المدعى دلالتها على نجاسة البئر انها ان لم تكن صريحة في نجاسة البئر، وكانت قابلة لضرب من التأويل فنحملها على تحصيل النظافة ودفع الاستقذار الطبعي عن الماء. وإذا كانت صريحة الدلالة على النجاسة أو كالصريح بحيث لم يمكن رفع اليد عن ظهورها فلا بد من حملها على التقية، فامر الاخبار المذكورة يدور بين التقية والتأويل، وكل ذلك لتمامية الروايات الدالة على طهارة البئر، ولا محيص من الالتزام بذلك ما لم تتغير البئر بالنجاسة. وتوهم ان طهارة البئر على خلاف اجماع المتقدمين من الاصحاب، والالتزام بها خرق للاتفاق القطعي بينهم يندفع: بان اجماعهم على نجاسة البئر ليس اجماعا تعبديا كاشفا عن قول المعصوم (ع) لان مستند حكمهم هو الروايات المتقدمة ومع وضوح المستند أو احتماله لا وقع للاجماع بوجه

[ 304 ]

ولا بد من مراجعة ذلك المستند، وقد اسمعناك بما لا مزيد عليه عدم دلالة شئ من الاخبار المتقدمة على المدعى لحملها على التقية أو على التحفظ على نظافة الماء. وأما الطائفة الرابعة: وهي صحيحة ابي بصير المتقدمه فقد يجاب عنها بان البأس ليس بمعنى النجاسة، ولا يدل عليها بوجه، وانما معناه ان وقوع ماله نفس سائلة ليس كوقوع مالا نفس سائلة له، بل فيه بأس وشئ، وليكن هذا هو استحباب النزح في مثله، فان وقوع مالا نفس له لا يوجب استحباب النزح ولا شيئا آخر، و (فيه): ان الرواية بقرينة سائر الاخبار الدالة على نجاسة البئر بوقوع الميتة فيها ظاهرة في ان ما وقع في البئر إذا كان له نفس سائلة يوجب نجاستها. فالصحيح في الجواب ان يقال: ان الجمع بينها وبين ما دل على عدم انفعال ماء البئر يقتضي حمل الرواية على ما إذا اثر وقوع ماله نفس سائلة في تغير، ماء البئر، لان ما دل على عدم انفعالها قد استثنى صورة التغير كما مر، فالمعنى حينئذ ان ما وقع في البئر إذا لم يكن له نفس سائلة كمية السمك ونحوها فلا يتنجس به البئر مطلقا أوجب تغيرها ام لم يوجبه، إذا التغير بغير النجس لا يقتضي النجاسة وهو ظاهر. واما إذا وقع فيها ماله نفس سائلة فان اوجب تغيرها فيحكم بنجاستها وإلا فهي باقية على طهارتها. ثم ان ابيت إلا عن ان ظاهر الرواية نجاسة البئر بوقوع ما له نفس سائلة مطلقا تغير به ماء البئر ام لم يتغير، وان الجمع بالوجه المتقدم على خلاف ظاهرها فلا محيص من حمل الرواية على التقية، كما صنعناه في بعض الطوئف المتقدمة وبما ذكرناه يمكن الحكم باستحباب النزح شرعا لان النظافة امر مرغوب فيه وقد ندب إليها في الشريعة المقدسة، وعلى الجملة لا دلالة في شئ من الطوائف المتقدمة على انفعال البئر بالملاقاة فما ذهب إليه

[ 305 ]

المتأخرون من اعتصامها مطلقا هو الصحيح. هذا كله في المقام الاول ومنه يظهر الحال في المقام الثاني ايضا كما يأتي تفصيله. بقى في المقام فروع (الاول): انه إذا قلنا بانفعال البئر، ووجوب نزح المقدرات فهل تطهر الآلات من الدلو والحبل بل واطراف البئر ولباس النازح ويداه وغيرها مما يلاقي الماء بنزحه عادة تبعا لطهارة البئر؟ نعم لا وجه لتوهم الطهارة بالتبع في ما يلاقى الماء على خلاف الغالب والعادة، كما إذا طفرت قطرة من ماء البئر ووقعت على ثوب غير النازح. الحق كما ذهب إليه المشهور طهارة الآلات، وكل ما يلاقي ماء البئر عادة تبعا لطهارة البئر بالنزح والوجه في ذلك ان الآلات وملحقاتها مورد للابتلاء غالبا، كما ان نجاستها مما يغفل عنه عامة الناس، ومثلها لو كان نجسا لنبه عليه في الروايات، فالسكوت وعدم البيان آيتا طهارة الآلات واخواتها بتبع طهارة البئر. وفي الحدائق استدل على ذلك بالبرائة عن وجوب الاجتناب عن الآلات بعد نزح المقدرات. إلا ان فساده غني عن البيان، لان النجاسة بعدما ثبتت يحتاج رفعها إلى مزيل، ومع الشك في بقائها لا مجال لا جراء البرائة عنها كما لا يخفى. واستدل المحقق (قده) على طهارة الآلات على ما حكي عنه وهو من جملة القائلين بانفعال البئر من المتأخرين بان الآلات ونظائرها لو لم تطهر بتبع طهارة البئر لم يبق لاستحباب نزح الزائد مجال، وتوضيح ذلك: ان الاخبار كما مر قد اختلف في بيان نزح المقدرات ففي نجاسة واحدة

[ 306 ]

ورد تقديران مختلفان احدهما اكثر من الآخر، وقد جمعوا بينهما بحمل الاقل على الوجوب وحمل الاكثر على الاستحباب، فإذا بنينا على انفعال ماء البئر بالملاقاة، وعلى عدم طهارة الدلو وغيره من الآلات بالتبع ونزحنا المقدار الواجب كثلاثين دلوا مثلا فبمجرد ملاقاة الدلو للماء يتنجس ماء البئر ثانيا فيجب تطهيرها بنزح مقدرها ومعه لا يبقى مجال للعمل بالاستحباب بنزح الزائد عن المقدار الواجب كاربعين دلوا ونحوها! وما افاده (قده) في غاية المتانة. فما ذهب إليه الاصحاب من طهارة الآلات واخواتها بالتبع هو المتعين. (الثاني): إذا تغير ماء البئر فلا اشكال في كفاية اخراج الجميع أو المقدار الذي يزول به التغير ولو بغير النزح المتعارف من الاسباب كما إذا نزحنا مائها بالمكائن الجديدة أو غار مائها ثم ترشح منها ماء جديد لا تغير فيه أو الغينا فيها دواء أوجب فيها التبخير فنفذ مائها بذلك إلى غير ذلك من الاسباب والوجه في كفاية مطلق الاخراج، وعدم لزوم النزح شيئا فشيئا هو ان المستفاد من صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع ان البئر إذا تغير لا بد من اعدام مائها الى ان يطيب طعمه ويزول عنه الريح، وهذا هو المحصل للغرض سواء اكان بسبب النزح ام بالدواء أو بغير هما من الاسباب، وكذا الحال في ما وجب نزح الجميع، وذلك للعلم بان الغرض منه عدم بقاء شئ من الماء النجس في البئر بلا فرق في ذلك من الاسباب. وأما إذا وقع فيها ما يوجب نزح أربعين أو خمسين أو غيرهما من المقدرات غير نزح الجميع فهل يكفي في تطهيرها نزح المقدر مرة واحدة بمثل دلو كبير يسع الاربعين أو غيره من المقدرات أو بالمكائن الجديدة ونحوها أو لابد فيه من نزح المقدر دلوا فدلوا إلى أن ينتهي ويتم؟

[ 307 ]

التحقيق هو الثاني، لانه مقتضى الجمود على ظواهر الاخبار حيث دلت على نزح أربعين دلوا ونحوه، ولا يستفاد منها كفاية مطلق الاخراج والاعدام، ولا سيما انا نحتمل بالوجدان أن يكون للنزح التدريجي خصوصية دخيلة في حصول الغرض واقعا، فان المادة يمكن أن تدفع بدل المتحلل من الماء إذا نزح شيئا فشيئا، وليس الامر كذلك فيما إذا نزح منها مقدار ثلاثين أو أربعين دلوا مرة واحدة، فان المادة لا تدفع الماء بهذا المقدار دفعة، ومن المحتمل أن يكون لخروج الماء من المادة بمقدار المتحلل بالنزح مدخلية في حصول الغرض شرعا. ثم ان صريح رواية الفقه الرضوي (* 1) ان المراد بالدلو في مقدرات البئر هو ما يسع أربعين رطلا من الماء. ولكن المشهور لم يعملوا على طبقها، بل افتوا بكفاية الدلو المتعارف، على ان الرواية كما نبهنا عليه غير مرة ضعيفة في نفسها بل لم يثبت كونها رواية أصلا، فالصحيح كفاية أقل الدلاء المتعارفة، وذلك: لما أشرنا إليه مرارا من أن المقادير المختلفة بحسب القلة والكثرة أو الزائد والناقص لا بد من أن يكتفى فيها بالمتعارف الاقل نظر إلى أنه تقدير في حق عامة الناس، وغير مختص بطائفة دون طائفة. (الثالث) ان اتصال الماء النجس بالكر أو الجاري وغيرهما من المياه العاصمة يطهره كما عرفت فهل يكفي ذلك في تطهير الآبار المتنجسة أيضا على القول بانفعالها أوان طريق تطهيرها يختص بالنزح؟. الثاني هو الظاهر، لان العمدة في كفاية الاتصال بالكر والجاري


(* 1) الفقه الرضوي ص 5 سطر 21 - 22 (وإذا سقط في البئر فأرة أو طائر أو سنور وما أشبه ذلك فمات فيها ولم يتفسخ نزح منه سبعة أدل من دلاء هجر والدلو أربعون رطلا).

[ 308 ]

[ ونزح المقدرات في صورة عدم التغير مستحب (1) واما إذا لم يكن له ] وأمثالهما انما هو التعليل الوارد في صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع (لان له مادة) حيث تعدينا بعمومه إلى كل ماء عاصم، فإذا بنينا على نجاسة البئر ورفعنا اليد عن هذه الصحيحة باعراض المشهور عنها أو بتأويلها لم يبق هناك دليل على كفاية الاتصال بالعاصم وينحصر طريق تطهير البئر بالنزح الهم إلا أن يرد عليها عاصم على وجه يستهلك فيه مائها كما إذا كانت البئر مشتملة على مقدار كر والقي عليها كران أو أكثر، فانه يستهلك ماء البئر حينئذ وبه يحكم بطهارته. وقد بقي في المقام فروع اخر كلها مبتنية على نجاسة البئر بالملاقاة، وحيث انا أنكرنا انفعالها لم نحتج إلى التعرض لما يبتني عليه من الفروع. استحباب النزح عند عدم التغير (1) لا منشأ للحكم باستحباب النزح بعد حمل النصوص الواردة في ذلك على التقية، وذلك: لما قدمناه من ان الاخبار الآمرة بالنزح ظاهرة في الارشاد إلى انفعال البئر بالملاقاة، وقد رفعنا اليد عن هذا الظهور بما دل على عدم انفعالها، وعليه فحملها على خلاف ظاهرها من الوجوب التعبدي أو الاستحباب يحتاح إلى دليل وهو مفقود، فلا مناص من حملها على التقية لموافقتها للعامة، ومعه لا وجه للحكم باستحباب النزح. اللهم إلا ان نحمل الاخبار على التحفظ على نظافة المياه ودفع الاستقذار العرفي بنزح شئ من ماء البئر كما أسلفناه في الجواب عن الطائفة الرابعة مما استدلوا به على انفعال البئر بالملاقاة، بقرينة بعص الاخبار، فانه لا مانع حينئذ من الحكم باستحباب النزح لان النظافة أمر مرغوب فيه شرعا بل هي

[ 309 ]

[ مادة نابعة فيعتبر (1) في عدم تنجسه الكرية، وإن سمي بئرا، كالآبار التي يجتمع فيها ماء المطر ولا نبع لها. (مسألة 1) ماء البئر المتصل بالمادة إذا تنجس بالتغير فطهره بزواله ولو من قبل نفسه (2) فضلا عن نزول المطر عليه أو نزحه حتى يزول. ولا يعتبر خروج ماء من المادة في ذلك. ] مورد لاهتمام الشارع كما مر. (1) لانه ماء محقون حينئذ، ومقتضى أدلة انفعال القليل نجاسته بالملاقاة، إلا أن يكون كرا، ومجرد تسميته بئرا لا يكاد ينفع في الحكم باعتصامه ما لم تكن له مادة. الطهر بزوال التغير (2) لما ذكرناه في الفرع الثاني من الفروع المتقدمة من انه لا خصوصية للنزح في تطهير ماء البئر فيما إذا تغير، أو وقع فيها ما يقتضي وجوب نزح الجميع على تقدير القول بانفعالها - فان المستفاد من صحيحة بن محمد بن اسماعيل بن بزيع ان الغرض من النزح إنما هو إعدام ماء البئر وإذهاب تغيره سواء استند ذلك إلى النزح أم إلى سبب غيره، كما لا فرق في طهارته بعد زوال تغيره بين خروج الماء من مادته وعدمه، لان مقتضى إطلاق الصحيحة المتقدمة كفاية مجرد الاتصال في طهارته سواء خرج شئ من مادته أم لم يخرج.

[ 310 ]

[ (مسألة 2) الماء الراكد النجس كرا كان أو قليلا يطهر بالاتصال (1) بكر طاهر، أو بالجاري، أو النابع غير الجاري، وإن لم يحصل الامتزاج على الاقوى، وكذا بنزول المطر. (مسألة 3) لا فرق بين انحاء الاتصال في حصول التطهير، فيطهر بمجرده، وإن كان الكر المطهر مثلا أعلى (2) والنجس اسفل. وعلى هذا فإذا القي الكر لا يلزم نزول جميعه، فلو اتصل ثم انقطع كفى. نعم إذا كان الكر الطاهر اسفل، والماء النجس يجري عليه من فوق لا يطهر الفوقاني (3) بهذا الاتصال. ] الطهر بالاتصال بالعاصم (1) قد قدمنا في بحث تطهير الماء المتنجس بالمطر ان مقتضى عموم التعليل الوارد في صحيحة محمد بن اسماعيل بزيع كفاية الاتصال بمطلق العاصم، فان خصوصية المادة ملغاة بمقتضى الفهم العرفي، كما ان مقتضى إطلاقهأ عدم اعتبار الامتزاج، واستدللنا على عدم اعتباره أيضا باطلاق صحيحة هشام المتقدمة فراجع. ويمكن الاستدلال على كفاية الاتصال بمطلق العاصم أيضا بأخبار ماء الحمام حيث قوينا أخيرا عدم اختصاصها بمائه، وبنينا على شمولها لكل ماء متصل بالماء المعتصم. (2) وبدل على ذلك أمران: أحدهما: صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع. وثانيهما: اخبار ماء الحمام لدلالتهما على ان مجرد الاتصال بالمادة كاف في طهارة الماء المتنجس مطلقا اتحد سطحاهما أم اختلف وكان الكر المطهر مثلا أعلى (3) لعدم تقوي العالي بالسافل على ما قدمناه في بحثي المضاف والجاري

[ 311 ]

[ (مسألة 4) الكوز المملوء من الماء النجس إذا غمس في الحوض يطهر (1) ولا يلزم صب مائه وغسله. (مسألة 5) الماء المتغير إذا القي عليه الكر فزال تغيره به يطهر ولا حاجة (2) إلى القاء كر آخر بعد زواله، لكن بشرط ان يبقى الكر (3) الملقى على حاله من اتصال اجزائه، وعدم تغيره فلو تغير بعضه قبل زوال تغير النجس أو تفرق بحيث لم يبق مقدار الكر متصلا باقيا على حاله تنجس، ] (1) الظاهر ان نظر الماتن (ره) إلى تطهير الكوز نفسه بالماء الكثير، لا إلى تطهير مائه، لانه كغيره من المياه المتنجسة وقد تقدم منه (قده) طهارتها بمجرد الاتصال بالكر أو بغيره من المياه العاصمة من غير اعتبار الامتزاج فلا وجه لا عادته ثانيا. وما أفاده من طهارة الكوز إذ غمس في الكثير هو الصحيح فلا يلزم تعدد غسله وذلك لما يأتي في محله من اختصاص موثقة عمار الآمرة بغسل الاواني والكوز ثلاث مرات بالماء القليل ومعه يبقى التطهير بالكثير تحت إطلاقات غسل المتنجسات بالماء وهي تقتضي كفاية الغسل مرة واحدة. وحيث ان الكوز مملو من الماء النجس فبمجرد غمسه في الكر يصدق انه انغسل بالكثير وبه بحكم على طهارته. (2) لحصول شرط طهارته وهو زوال تغيره واتصاله بالماء المعتصم وإن استند زوال تغيره إلى القاء العاصم عليه، ولا دليل على اعتبار كون الاتصال بعد زوال التغير. (3) بأن يكون المطهر زائدا على مقدار الكر بشئ حتي لا ينفعل بتغير بعضه قبل زوال تيغر النجس، لوضوح أن تغير بعض أجزائه يقتضي انفعال الجميع على تقدير عدم زيادة المطهر على الكر لانه ماء قليل لا قى ماء متنجسا بالتغير فينجس.

[ 312 ]

[ ولم يكف في التطهير. والاولى ازالة التغير أولا ثم القاء الكر أو وصله به. (مسألة 6) تثبت نجاسة الماء (1) كغيره بالعلم. ] طرق ثبوت النجاسة (1) قد وقع الخلاف بين الاعلام فيما تثبت به نجاسة الاشياء: فمنهم من اكتفى بمطلق الظن بالنجاسة، ونسب ذلك إلى الحلبي، ومنهم من ذهب إلى انها لا تثبت إلا بالعلم الوجداني، ونسب ذلك إلى ابن البراج، وهذان القولان في طرفي النقيض، حيث لم يعتمد ابن البراج على البينة وخبر العادل، فضلا عن مطلق الظن بالنجاسة. والمشهور بين الاصحاب عدم ثبوت النجاسة بمطلق الظن وانه لا ينحصر ثبوته بالعلم الوجداني، ولعل القائل باعتبار العلم في ثبوت النجاسة يرى اعتبار العلم في حدوثها وتحققها لا في بقائها، فان استصحاب النجاسة مما لا اشكال فيه بينهم، وقد ادعى المحدث الامين الاسترابادي (ره) الاجماع على حجية الاستصحاب في الموضوعات. وتحقيق الحال ان الاكتفاء بمطلق الظن لا دليل عليه إلا ما توهمه القائل باعتباره من أن أكثر الاحكام الشرعية ظني، والنجاسة من جملتها فيكتفى فيها بالظن. وفيه: أنه ان أريد بذلك ان الاحكام الشرعية لا يعتبر في ثبوتها العلم الوجداني فهو صحيح إلا انه لا يثبت حجية مطلق الظن في الاحكام. وان أريد به ان مطلق الظن حجة في ثبوت الاحكام الشريعة ففساده أظهر من أن يخفى فانه لا عبرة بالظن إلا فيما ثبت اعتباره فيه بالخصوص كالقبلة والصلاة، اللهم إلا أن نقول بتمامية مقدمات الانسداد، فيكون الظن حجة

[ 313 ]

حينئذ، إلا أنها لو تمت فانما تقتضي حجية الظن في الاحكام دون الموضوعات فهذا القول ساقط. كما أن اعتبار خصوص العلم الوجداني في ثبوتها لا دليل عليه، ولعل الوجه في اعتباره تعليق الحكم بالنجاسة في بعض الاخبار على العلم بها كما في قوله (ع): كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد قذر. (* 1). وقوله (ع): ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم (* 2). وفيه: أنه لا يقتضي اعتبار العلم الوجداني في ثبوت النجاسة، فان العلم بالنجاسة غاية للحكم بالطهارة كأخذ العلم بالحرمة غاية للحكم بالحيلة في قوله (ع): كل شئ لك حلال حتى تعلم انه حرام. (* 3) ومن الظاهر ان المراد به ليس هو العلم الوجداني فحسب، وإلا لانسد باب الاحكام الشرعية لعدم العلم الوجداني في أكثرها، بل المراد بالعلم فيها أعم من الوجداني والتعبدي. و (توضيحه): ان العلم المأخوذ غاية في تلك الاخبار طريقي محض، وغير مأخوذ في الموضوع بوجه، والعلم الطريقي يقول مقامه ما ثبت اعتباره شرعا كالبينة وخبر العادل واليد وغيرها، فان أدلة اعتبارها حاكمة على ما دل على اعتبار العلم في ثبوت النجاسة أو غيرها، فهذا القول أيضا


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 37 من أبواب النجاسات من الوسائل (* 3) ورد ذلك في روايات أربع: الاولى والثانية صحيحة عبد الله ابن سليمان ومرسلة معاوية بن عمار المرويتان في الباب 61 من أبواب الاطعمة المباحة من الوسائل. والثالثة والرابعة موثقة مسعدة بن صدقة وصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (ع) المرويتان في الباب 4 من أبواب ما يكسب به من الوسائل كما ان الرابعة مروية أيضا في الباب 65 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 314 ]

[ وبالبينة (1) ] ساقط، فلابد من ملاحظة الامور التي قيل بثبوت النجاسة بها. فان كان في أدلة اعتبارها ما دل بعمومه على حجيتها حتى في مثل النجاسة فنأخذ بها، وإلا فنرجع إلى استصحاب الطهارة أو قاعدتها فمن جملة تلك الامور البينة: ثبوت النجاسة بالبينة: (1) فهل يعتمد على اخبار البينة بنجاسة شئ مسبوق بالطهارة أو جهلت حالته السابقة بحيت لولا تلك البينة لحكمنا بطهارته؟ لا ينبغي الاشكال في اعتبارها، وان النجاسة تثبت بها شرعا، وإنما الكلام في مدرك ذلك: فقد استدلوا على اعتبار البينة بوجوه: (الوجه الاول): الاجماع على اعتبارها بين الاصحاب. و (يدفعه): ان الاجماع على تقدير تحققه ليس إجماعا تعبديا قطعا حتى يكشف عن قول المعصوم (ع) لاحتمال استناد المجمعين إلى أحد الوجهين الآتيين. (الوجه الثاني): الاولوية القطعية بتقريب: أن الشارع جعل البينة حجة في موارد الترافع والمخاصمة، وقد قدمها على ما في قبالها من الحجج كاليد ونحوها غير الاقرار، لانه متقدم على البينة، وما ثبتت حجيته في موارد القضاء مع ما فيها من المعارضات فهو حجة في غيرها من الموارد التي لا معارض له بطريق أولى، وبالجملة اعتبار البينة شرعا أمر غير قابل للانكار. نعم ربما قيد اعتبارها في الشريعة المقدسة ببعض القيود حسب اختلاف المقامات، وأهميتها عند الشارع وعدمها، فاعتبر في ثبوت الزنا بالبينة أن يكون الشهود أربعة كما اعتبر أن تكون الشهادة من الرجال في ثبوت الهلال واسقط شهادة النساء في ذلك.

[ 315 ]

و (للمناقشة في هذه الاولية مجال واسع)، لان الخصومة والمرافعة لابد من حلها، وفصلها بشئ حيث ان في بقائها بحالها ينجر الامر إلى اختلال النظام، فما به ترتفع المخاصمات لا يلزم أن يكون حجة على الاطلاق حتى في غير موارد المرافعة، ومن هنا ترى ان الايمان مما تفصل به الخصومات شرعا مع انها لا تعتبر في غير موارد المرافعة، وعلى الجملة لا تقاس الخصومة بغيرها فالاولوية لا أساس لها. (الثالث): رواية مسعدة بن صدقة: كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البينة (* 1). فانها اشتملت على امور ثلاثة، ودلت على ان اليد في الثوب، واصالة عدم تحقق النسب أو الرضاع في المرأة، والاقرار على العبودية في العبد حجة معتبرة لا بد من العمل على طبقها إلا أن يعلم أو تقوم البينة على خلافها، فمنها يستفاد ان البينة حجة شرعا ومعتبرة في إثبات الموضوعات المذكورة في الحديث من الملكية والاختية والحريه، فيترتب عليها أحكامها وحيث ان كلمة (الاشياء) جمع محلى باللام وهو من الفاظ العموم، ولا سيما مع تأكيده بكلمة (كلها) فنتعدى عنها إلى سائر الموضوعات التي لها أحكام ومنها النجاسة، لانها يترتب عليها جملة من الاحكام كحرمة الشرب والاكل وعدم جواز الوضوء والغسل به، وإذا قامت البينة على نجاسة شئ فلا مانع من ان نرتب عليها أحكامها. و (دعوى): ان الرواية إنما دلت على اعتبار البينة في الاحكام


(* 1) المروية في الباب 4 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 316 ]

فلا يثبت بها اعتبارها في غيرها. (مدفوعة): بأن موردها خصوص الموضوعات التي لها أحكام حيث وردت في ثوب يشك في كونه ملكا للبايع أو مغصوبا، وفي عبد لا يدرى انه حر أو رق وفي امرأة يشك في انها أجنبية أو من المحارم، وكل ذلك من الموضوعات التي يترتب عليها أحكام، وعلى الجملة ان الرواية تقتضي حجية البينة في الموضوعات ويؤيدها رواية عبد الله بن سليمان الواردة في الجبن: كل شئ حلال حتى بجيئك شاهدان يشهدان عندك ان فيه ميتة (* 1) وموردها الجبن الذي يشك في حرمة أكله إلا انها ضعيفة السند ومن هنا جعلناها مؤيدة للمدعى. ولا يخفى عليك ضعف هذا الاستدلال وذلك: لان الرواية وان عبر عنها في كلام شيخنا الانصاري (قده) بالموثقة إلا انا راجعنا إلى حالها فوجدناها ضعيفة (* 2) حيث لم يوثق مسعدة في الرجال، بل قد ضعفه المجلسي والعلامة وغيرهما. نعم ذكروا في مدحه ان رواياته غير مضطرب المتن، وان مضامينها موجودة في سائر الموثقات ولكن شيئا من ذلك لا يدل على وثاقه الرجل، فهو ضعيف على كل حال ولا يعتمد على مثلها في استنباط الحكم الشرعي، وعليه فلا دليل على اعتبار البينة


(* 1) المروية في الباب 61 من أبواب الاطعمة المباحة من الوسائل (* 2) الامر وان كان كما قررناه إلا ان الرجل ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات وقد بنى اخيرا سيدنا الاستاذ - دام ظله - على وثاقة الرواة الواقعين في اسانيد الكتاب المذكور ومن هنا عدل عن تضعيف الرجل وبنى على وثاقته إذا فالرواية موثقة.

[ 317 ]

في الموضعات. والذي يمكن أن يقال: ان لفظة (البينة) لم تثبت لها حقيقة شرعية ولا متشرعيه، وإنما استعملت في الكتاب والاخبار بمعناها اللغوي وهوما به البيان وما به يثبت الشئ، ومنه قوله تعال: (بالبينات والزبر) (* 1)، وقوله: (حتى تأتيهم البينة) (* 2) وقوله (ان كنت على بينة من ربي) (* 3) وغيرها من الموارد ومن الظاهر انها ليست في تلك الموارد إلا بمعنى الحجة وما به البيان، وكذا فيما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: إنما أقضي بينكم بالبينات والايمان (* 4) أي بالايمان والحجج، وما به يبين الشئ، ولم يثبت في شئ من هذه الموارد ان البينة بمعنى عدلين وغرضه صلى الله عليه وآله من قوله: إنما أقضي. على ما نطقت به جملة من الاخبار (* 5) بيان ان النبي صلى الله عليه وآله وسائر الائمة (ع) سوى خاتم الاوصياء عجل الله في فرجه لا يعتمدون في المخاصمات والمرافعات على علمهم الوجداني المستند إلى النبوة أو الامامة، وإنما يقضون بين الناس باليمين والحجة سواء أطابقت للواقع أم خالفته كما هو صريح ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله في مخاصمة امرؤ القيس (* 6) نعم يقضي قائمهم (ع) على طبق الواقع من


(* 1) الفاطر 35: 25. (* 2) البينة: 98: 1. (* 3) هود: 11: 28. (* 4) كما في صحيحة هشام عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: انما أقضي بينكم بالبينات والايمان. الوسائل الباب 2 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى. (* 5) راجع الباب 2 و 3 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى من الوسائل. (* 6) عن عدي عن أبيه قال: اختصم امرؤ القيس ورجل من حضرموت =

[ 318 ]

دون أن يعتمد على شئ (* 1). وعلى الجملة لم يثبت ان البينة بمعنى عدلين في شئ من تلك الاستعمالات وانما هي بمعناها اللغوي كما مر، والبينة بهدا المعنى اصطلاح بين العلماء، ولعله أيضا كان ثابتا في الدور الاخير من زمانهم (ع) وعلى ما ذكرناه فالرواية المتقدمة لا دلالة لها على اعتبار البينة بمعنى شهادة عدلين بل لابد من احراز حجيتها من الخارج. نعم لما علمنا خارجا أن الشارع كان يعتمد على اخبار العدلين في المخاصمات وفي موارد القضابين الناس استكشفنا من ذلك أن أخبار العدلين أيضامن مصاديق الحجة، وما به البيان، وبهذا نحرز أنه حجة على نحو الاطلاق من غير أن يختص اعتباره بموارد الخصومة والقضاء لان اعتماد الشارع عليه يدلنا عى ان اخبار العدلين حجة معتبرة في مرتبة سابقة على القضاء، لا أنه صار حجة بنفس القضاء. ويؤيده مقابلة الايمان بالبينات في الرواية المتقدمة، فان الايمان تختص بموارد القضاء، وقد وقعت في مقابلة البينات: أي أقضي بينكم بما يعتبر في خصوص القضاء، وبما هو معتبر في نفسه على نحو الاطلاق، وهذا غاية ما أمكننا من اقامة الدليل على حجية البينة في الموضوعات، وما ذكرناه ان تم فهو وإلا فلا دليل على ثبوت النجاسة بالبينة كما عرفت.


= إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في أرض. فقال: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فيمينه قال: اذن والله يذهب بأرضي. قال: ان ذهب بأرضك بيمينه كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكيه وله عذاب أليم قال: ففزع الرجل وردها إليه. الوسائل الباب 3 من أبواب كيفية الحكم. (* 1) صحيحة أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر (ع) في حديث قال: إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله حكم بحكم داود (ع) لا يسأل بينة. المروية في الباب 1 من أبواب كيفية الحكم من الوسائل.

[ 319 ]

[ وبالعدل الواحد (1) على اشكال لا يترك فيه الاحتياط ] ثم ان هذا كله فيما إذا لم نقل باعتبار خبر العدل الواحد في الموضوعات وإلا فلا حاجة إلى اثبات حجية البينة فيها كما هو ظاهر، نعم تظهر ثمرة حجية البينة في نفسها فيما إذا قامت على نجاسة ما اخبر ذو اليد عن طهارته وسيجئ بيان ذلك عن قريب. ثبوت النجاسة باخبار العدل (1) المعروف ان خبر الواحد لا يكون حجة في الموضوعات، وذهب جماعة إلى حجيته فيها كما هو حجة في الاحكام وهذا هو الصحيح، والدليل على اعتباره في الموضوعات هو الدليل على حجيته في الاحكام، والعمدة في ذلك هو السيرة العقلائية القطعية، لانهم لا يزالون يعتمدون على أخبار الآحاد فيما يرجع إلى معاشهم ومعادهم، وحيث لم يردع عنها في الشريعة المقدسة فتكون حجة ممضاة من قبل الشارع بلا فرق في ذلك بين الموضوعات والاحكام. وقد يتوهم كما عن غير واحد منهم ان السيرة مردوعة بما ورد في ذيل رواية مسعدة المتقدمة من قوله (ع) والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غيرذلك أو تقوم بالبينة، حيث حصر ما يثبت به الشئ في الاستبانة، وقيام البينة عليه فلو كان خبر العادل كالبينة معتبرا شرعا لبينه (ع) لا محالة: ويدفعه: (أولا): ان الرواية ليست بصدد حصر المثبت فيهما لوضوح ان النجاسة وغيرها كما تثبت بهما كذلك تثبت بالاستصحاب وبأخبار ذي اليد كما يأتي عن قريب.

[ 320 ]

و (ثانيا): ان الرواية غير صالحة للرادعية، لضعفها. و (ثالثا): ان عدم ذكر اخبار العادل في قبال البينة والعلم انما هو لاجل خصوصية في مورد الرواية، وهي ان الحلية في مفروض الرواية كانت مستندة إلى قاعدة اليد في مسألة الثوب ومن المعلوم انه لا اعتبار لاخبار العادل مع اليد، وكأنه (ع) بصدد بيان ما هو معتبر في جميع الموارد على وجه الاطلاق. و (رابعا): البينة في الرواية كما تقدم بمعنى الحجة وما به البيان، وهو الذي دلت الرواية على اعتباره في قبال العلم الوجداني، واما ان الحجة اي شئ فلا دلالة للرواية عليه، ولابد من احراز مصاديقها من الخارج، وقد استكشفنا حجية اخبار العدلين من اعتمادهم (ع) عليه في المخاصمات، فإذا اقمنا الدليل من السيرة أو غيرها على اعتبار خبر العدل ايضا فلا محالة يدخل تحت كبرى الحجة وما به البيان، ويكون معتبرا في جميع الموارد على نحو الاطلاق بلا فرق في ذلك بين الموضوعات والاحكام. بل يمكن ان يستدل على حجية اخبار العادل في الموضعات بمفهوم آية النبأ على تقدير ان يكون لها مفهوم. نعم الاستدلال على حجية الخبر في الموضوعات الخارجية بالاخبار الواردة في موارد خاصة في غاية الاشكال فلا يمكن ان يستدل عليه بما دل على اعتبار خبر الثقة في دعوى ان المرأة امرأته (* 1)، وما ورد في جواز الاعتماد على أذان المؤذن الثقة (* 2) وغير


(* 1) موثقة زرعة عن سماعة قال: سألته عن رجل تزوج أمة (جارية) أو تمتع بها فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال ان هذه امرأتي وليست لي بينة فقال: ان كان ثقة فلا يقربها وان كان غير ثقة فلا يقبل منه. المروية في الباب 23 من ابواب عقد النكاح واولياء العقد من الوسائل. (* 2) كما ورد في جملة من الاخبار وقد عقد لها في الوسائل بابا =

[ 321 ]

[ وبقول ذي اليد (1) وان لم يكن عادلا. ] ذلك مما ورد في موارد معينة. فان غاية ما يثبت بذلك هو اعتبار خبر الثقة في تلك الموارد خاصة، ولا يمكن التعدي عنها إلى غيرها والعمدة في اعتباره هو السيرة العقلائية وهي كما مر غير مختصة بمورد دون مورد. بل وعليها لا نعتبر العدالة ايضا في حجية الخبر لا ن العقلاء لا يخصصون اعتباره بما إذا كان المخبر متجنبا عن المعاصي، وغير تارك للواجبات إذ المدار عندهم على كون المخبر موثوقا به وان كان فاسقا أو خارجا عن المذهب، بل ولا نعتبر الوثوق الفعلي ايضا في اخباره، فان اللازم ان يكون المخبر موثوقا به في نفسه سواء أفاد اخباره الوثوق للسامع فعلا أم لم يفده، وكيف كان فلا ينبغي الاشكال في اعتبار خبر العدل في الموضوعات ومع ذلك فالاولى رعاية الاحتياط. ثبوت النجاسة بقول ذي اليد (1) اعتبار قول ذي اليد في طهارة ما بيده ونجاسته على ما ذكره صاحب الحدائق (قده) أمر اتفاقي بين الاصحاب، ولا خلاف فيه عندهم، وإنما الكلام في مدركه، والمستند في ذلك هو السيرة العقلائية القطعية،


= وهو باب 3 من ابواب الاذان والاقامة وفي بعضها: المؤذن مؤتمن وفي آخر: المؤذنون امناء المؤمنين على صلاتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم. ويستفاد اعتبار أذان الثقة أيضا عما ورد في عيون الاخبار عن أحمد بن عبد الله القزويني (القروي) عن ابيه المروية في الباب 59 من أبواب المواقيت وما رواه الفضل بن شاذان في العلل عن الرضا (ع) الحديث 14 من الباب 19 من أبواب الاذان والاقامة من الوسائل.

[ 322 ]

ولعل منشأها ان ذا اليد أعرف بطهارة ما في يده وأدرى بنجاسته هذا. على انه يمكن أن يستدل على اعتبار اخباره بالطهارة بما علل به جواز الشهادة استنادا إلى اليد: من انه لولا ذلك لما بقي للمسلمين سوق (* 1) وتقريب ذلك: انا نعلم بنجاسة جملة من الاشياء بالوجدان كنجاسة يد زيد ولباسه، ولا سيما في الذبايج، للعلم القطعي بنجاستها بالدم الذي يخرج عنها بعد ذبحها، فلو لم نعتمد على اخبار ذي اليد بطهارة تلك الاشياء بعد تنجسها للزم الحكم بنجاسة أكثر الاشياء وهو يوجب اختلال النظام، ومعه لا يبقى للمسلمين سوق. وأما اخباره بالنجاسة فيمكن أن يستدل على اعتباره بالاخبار الناهية عن بيع الدهن المتنجس للمشتري إلا مع الاعلام بنجاسته ليستصبح به تحت السماء (* 2) لانها دلت دلالة تامة على ان اخبار البايع وهو ذواليد


(* 1) وهو رواية حفص بن غياث عن أبي عبد الله (ع) قال: قال له رجل إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي ان أشهد انه له؟ قال: نعم، قال الرجل: أشهد انه في يده ولا أشهد انه له فلعله لغيره فقال أبو عبد الله (ع) أفيحل الشراء منه؟ قال: نعم، فقال أبو عبد الله: فلعله لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه ولا يجوز ان تنسبه إلى من صار ملكه من قبله اليك؟! ثم قال أبو عبد الله (ع) لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق. المروية في باب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى. (* 2) ففي صحيحة معاوية بن وهب: (والزيت يستصبح به). وفي موثقته (وبينه لمن اشتراه ليستصبح به). وفي بعض الروايات: (فاسرج به) وفي بعضها الآخر: (فيبتاع للسراج). المرويات في الباب 6 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 323 ]

بنجاسة المبيع حجة على المشتري ومعتبر في حقه، ومعه لا يجوز للمشتري أكل الدهن المتنجس، ولا غيره من التصرفات المتوفقة على طهارته التي كانت جائزة في حقه لولا اعلام البايع بنجاسته، فلو لم يكن اخباره حجة على المشتري لكان اخباره بها كعدمه ولم يكن لحرمة استعماله فيما يشترط فيه الطهارة وجه، ولم أر من استدل بهذه الاخبار على اعتبار قول ذي اليد، مع انها هي التي ينبغي أن يعتمد عليها في المقام وأما غيرها من الاخبار التي استدل بها على على اعتباره فلا يخلو عن قصور في سندها أو في دلالتها. (منها): ما رواه عبد الله بن بكير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه قال: لا يعلمه، قال: قلت: فان اعلمه؟ قال: يعيد (* 1) حيث دلت على أن اخبار المعير أعني من بيده الثوب بأنه مما لا يصلي فيه حجة في حق المستعير، وانه يوجب الاعادة في حقه. إلا أنها قاصرة الدلالة على اعتبار قول ذي اليد، إذ لا تجب إعادة الصلاة على من صلى في النجس جاهلا ثم علم بوقوعها فيه، فضلا عنما إذا لم يعلم بذلك بل أخبر به ذو اليد. و (منها): غير ذلك من الروايات فليلاحظ وعلى الجملة ان السيرة العقلائية، ولزوم الاختلال، والاخبار الواردة في وجوب إعلام المشتري بنجاسة الدهن تقتضي اعتبار قول ذي اليد مطلقا. وقد استثني من ذلك مورد واحد وهو اخبار ذي اليد بذهاب ثلثي العصير بعد غليانه فيما إذا كان ممن يرى حلية شربه قبل ذهاب الثلثين أو كان يرتكبه لفسقه، وذلك لاجل النص (* 2)


(* 1) المروية في الباب 47 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج ويقول قد طبخ على الثلث وأنا أعرف =

[ 324 ]

[ ولا تثبت بالظن المطلق على الاقوى (1). (مسالة 7) إذا اخبر ذو اليد بنجاسته وقامت البينة على الطهارة قدمت البينة (2) ] بل وفي بعض الاخبار (* 1) اشتراط الايمان والورع أيضا في اعتبار الاخبار عن ذهاب ثلثي العصير الذي هو اخبار عن حليته وعن طهارته أيضا إذا قلنا بنجاسة العصير العنبي بالغليان وهذه مسألة أخرى سنتكلم عليها في محلها ان شاء الله، والكلام فعلا في اعتبار قول ذى اليد في غير ما قام الدليل فيه على عدم اعتباره. (1) قد تقدم الكلام في وجه ذلك فراجع. (2) فان قلنا ان الينة بما هي لا اعتبار بها والمعتبر هو اخبار العادل والثقة، وبهذا صارت البينة أيضا حجة، لانها اخبار عادل انضم إليه اخبار عادل آخر، فاخبار ذى اليد متقدم على البينة، وذلك: لان مدرك اعتبار الخبر الواحد هو السيرة وبناء العقلاء، ومن الظاهر انه لا بناء منهم على اعتباره عند معارضة اخبار ذى اليد، ومن هنا لا يعتنى باخبار العادل إذا اخبر بغصبية ما في يد احد أو بوقفيته.


= أنه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال: لا تشربه قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحله على النصف يخبرنا ان عنده بختجا على الثلث وقد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه؟ قال: نعم. المروية في الباب 7 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل. (* 1) ففي موثقة عمار: ان كان مسلما ورعا فلا بأس. وفي رواية علي بن جعفر عن أخيه (ع) لا يصدق إلا أن يكون مسلما عارفا. المرويتين في الباب 7 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 325 ]

[ وإذا تعارض البينتان (1) تساقطتا إذا كانت بينة الطهارة مستندة إلى العلم وان كانت مستندة إلى الاصل تقدم بينة النجاسة ] واما إذا قلنا باعتبار البينة بما هي بينة، لان النبي صلى الله عليه وآله كان يقضي بالحج وقد طبقها على شهادة عدلين فالبينة تقدم على اخبار ذى اليد، لا طلاق دليل اعتبارها، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله يقدمها على قول ذى اليد في موارد المخاصمة وكان يقضي فيها بالبينات، مع ان الغالب فيها قيام البينة على خلاف قول ذى اليد. وهذه ثمرة مهمة بين القول باعتبار البينة بما هي، والقول باعتبارها من أجل حجية خبر العادل. تعارض البينتين إذا قامت بينة على نجاسة شئ وبينة اخرى على طهارته فلا يخلو: ما ان تستند احدى البينتين إلى العلم الوجداني وثانيتهما إلى الاصل بناء على جواز الشهادة استنادا إلى الاصل. واما ان يستند كل منهما إلى الاصل. واما أن يستندا إلى العلم الوجداني فالصور ثلاث: (أما الصورة الاولى): فلا كلام في ان البينة المستندة إلى العلم متقدمه على البينة الاخرى المستندة إلى الاصل، لان الاصل إنما يجري مع الشك، ولا شك مع قيام البينة على طهارة شئ أو نجاسته، فلا مستند للشهادة في البينة المستندة إلى الاصل. و (أما الصورة الثانية): وهي صورة استناد البينتين إلى الاصل. فان استندت بينة الطهارة إلى اصالة الطهارة، واستندت بينة النجاسة إلى الاستصحاب قدمت بينة النجاسة، فانه تثبت بها النجاسة، السابقة فيجرى في مورده الاستصحاب، وهو حاكم على اصالة

[ 326 ]

[ (مسألة 8) إذا شهد اثنان بأحد الامرين وشهد اربعة بالاخر (1) يمكن بل لا يبعد تساقط الاثنين بالاثنين، وبقاء الاخرين ] الطهارة. وان استند كل منهما إلى الاستصحاب فلا محالة يقع التعارض بينهما بالاضافة إلى الحالة السابقة، فان احدى البينتين تخبر بالدلالة الالتزامية عن نجاسة الشئ سابقا كما ان البينة الاخرى تخبر عن طهارته السابقة بدلالته الالتزامية، ومن الظاهر ان الشئ الواحد يستحيل أن يتصف بحالتين منضادتين في زمان واحد فتتعارض البينتان وتتساقطان بالمعارضة، ويرجع إلى قول ذى اليد ان كان، أو إلى غيره من مثبتات الطهارة أو النجاسة. وكذلك الحال في (الصورة الثالثة) أعني صورة استناد البينتين إلى العلم الوجداني، لان الشئ الواحد لا يمكن أن يكون ظاهرا ونجسا في زمان واحد فيتعارض البينتان وتتساقطان، لما قدمناه في محله من ان دليل الاعتبار لا يشمل كلا المتعارضين، لاستحالة اجتماع الضدين أو النقيضين ولا احدهما المعين لانه بلا مرجح ولا احدهما لا بعينه، لانه ليس فردا ثالثا غيرهما سواء أكانت الشبهة موضوعية أم كانت حكمية فلا بد من الرجوع إلى غير البينة من المثبتات. اكثرية احدي البينتين عددا (1) بان كان عدد احدى البينتين أكثر من عدد الاخرى، وقد احتمل في المتن بل لم يستبعد تقديم بينة الاكثر بدعوى: ان الاثنين يعارض الاثنين من الاربعة فيبقى الاثنان الآخران منها سليما عن المعارض. إلا أن هذه الدعوى لا يمكن تتميمها بدليل، وذلك لان دليل اعتبار البينة إنما دل على اعتبار الشهادات والبينات الخارجية، ومن الظاهر أنه

[ 327 ]

يستحيل أن يشمل كل بينة خارجية حتى ما كان منها متعارضا، لان شموله لا حدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، وشموله لهما مستلزم للجمع بين المتناقضين أو الضدين فلا محيص من سقوط المتعارضين عن الاعتبار، ونسبة دليل الاعتبار إلى كل من الاكثر والاقل على حد سواء، فان كل اثنين من الاربعة تعارض شهادتهما شهادة البينة الاخرى، فمقتضى المعارضة سقوط المتعارضين عن الاعتبار كانا متساويين في العدد أم كانا مختلفين. وعلى الجملة حال البينتين المتعارضتين حال الخبرين المتعارضين، فكما ان رواية إذا عارضها روايتان لا يمكن أن يقال: أن واحدة منهما تعارض الرواية الواحدة، وتبقى الثانية سليمة عن المعارض، لان نسبة دليل الاعتبار إلى كل من المتعارضين على حد سواء، والرواية الواحدة معارضة لكل من الروايتين فيسقط المتعارضان معا عن الاعتبار، فكذلك الحال في البينتين المتعارضتين، ومن الغريب أنه (قده) لم يلتزم بذلك في الخبرين والتزم به في المقام. نعم ذكرنا في محله أن احدى الروايتين المتعارضتين إذا كانت مشهورة أي واضحة وظاهرة عند الجميع سقطت النادرة من الاعتبار إلا أن هذا أجنبي عن الترجيح بالاكثرية، حيث أنها لا توجب سقوط معارضها عن الاعتبار فالشهرة الموجبة للترجيح أو السقوط بمعنى الظهور والوضوح لا بمعنى الكثرة العددية. أجل ورد في بعض فروع القضا وهو ما إذا ادعى أحد مالا على آخر، وأقام بينة وأقام من عليه المال أيضا بينة على خلاف المدعي، ووصلت النوبة إلى الاستحلاف. ولم يكن ترجيح لاحدهما على الآخر ان الحلف يتوجه إلى من كانت بينته اكثر (* 1) ولكن ذلك ليس من جهة ان الكثرة العددية


(* 1) صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يأتي القوم فيدعى دارا في ايديهم ويقيم البينة ويقيم الذي في يده الدار =

[ 328 ]

[ (مسألة 9) الكرية تثبت بالعلم والبينة (1) وفي ثبوتها بقول صاحب اليد وجه (2) وان كان لا يخلو عن اشكال. ] توجب سقوط معارضتها عن الاعتبار وإلا لم تصل النوبة إلى الاستحلاف بل هو من جهة الترجيح في الاستحلاف مع فرض بقاء البينتين على اعتبارهما في ذاتهما، وفي بعض الروايات ان الاستحلاف يستخرج بالقرعة (* 2) وكيف كان الترجيح بالكثرة العددية لا يرجع إلى محصل. ما تثبت به الكرية (1) إذ لا امتياز للكرية من بين سائر الموضوعات الخارجية فلا اشكال في انها تثبت بالبينة كما تثبت بالعلم الوجداني. (2) التحقيق ان الكرية لا تثبت باخبار ذى اليد، ولا تقاس الكرية بالطهارة والنجاسة، حيث انا اثبتنا اعتبار قوله فيهما بالسيرة المستمرة إلى زمانهم (ع) وببعض الاخبار المتقدمة وأما في المقام فلم ترد فيه رواية، وأما السيرة فهي ايضا غير متحققة، فان السيرة العملية مقطوع العدم إذ الكرية بالكيفية المتعارفة في زماننا لم تكن ثابتة في زمانهم (ع) حتى يقال بأن السيرة العملية جرت على قبول قول ذي اليد في الكرية، فلو أخبر


= البينة أنه ورثها عن أبيه ولا يدري كيف كان أمرها، قال: أكثرهم بينة يستحلف وتدفع إليه. المروية في الباب 12 من أبواب كيفية الحكم من الوسائل. (* 1) كما يستفاد من صحيحتي عبد الرحمن بن أبي عبد الله وداود بن سرحان عن أبي عبد الله (ع) وغيرهما مما نقله في الوسائل في الباب 12 من كيفية الحكم واحكام الدعوى.

[ 329 ]

مالك الدار عن ان الماء الموجود في الحوض كر لا دليل على اعتبا قوله. واما دعوى السيرة الارتكازية يتقريب ان المتشرعة بارتكازهم لا يفرقون في قبول قول ذى اليد بين الطهارة والكرية، وان الكرية أيضا لو كانت متحققة في زمانهم (ع) لكانوا يعتمدون على اخباره عن الطهارة والنجاسة، نظير الاجماع التقديري الذي ادعاه شيخنا الانصاري (قده) في دليل الانسداد. فهي أيضا لا ترجع إلى ركن وثيق وذلك: لان الارتكاز ان رجع إلى المكلفين بأنفسهم كان حكمه حكم الامور الموجودة خارجا نظير اشتراط التساوي في المالية في باب المعاملات، لان المعاملة مبادلة في أشخاص العوضين مع التحفظ على مقدار ماليتهما حيث ان البشر يحتاج إلى تبديل الاعيان بالضرورة، لاحتياج بعضهم إلى اللباس وآخر إلى الفراش، وثالث إلى المأكول فيتبادلون لرفع احتياجاتهم مع التحفظ على مالية الاموال، فاشتراط التساوي بين العوضين أمر ارتكازي للعقلاء بأنفسهم، فلو باع ما يسوى فلسا بدرهم يثبت للمشتري خيار تخلف الشرط الارتكازي، وهو كالشرط المصرح به حقيقة وبهذا أثبتنا خيار الغبن في محله حيث لم نجد دليلا آخر عليه هذا فيما إذا كان الارتكاز راجعا إلى نفس المكلفين. واما إذا لم يرجع إلى المكلفين بأنفسهم فلا اعتبار به وهذا كالا رتكاز عى قبول قول ذي اليد في الاخبار عن الكرية، إذ السيرة بما هي لا تكون حجة بل يتوقف اعتبارها على أمر آخر أجنبي عن المكلفين، وهو تقريرهم وعدم ردعهم (ع) عنها، واستكشاف ذلك إنما يمكن فيما إذا كان العمل بمرأى ومسمع منهم (ع) فان في مثله إذا لم يرد عوا عنها استكشف عنه إمضائهم بذلك العمل، وهذا غير متحقق في السيرة الارتكازية، لانا لو سلمنا ان المتشرعة في عصرهم عليهم السلام لو أخبرهم ذو اليد بكرية

[ 330 ]

[ كما ان في اخبار العدل الواحد أيضا اشكالا (1). (مسألة 10) يحرم شرب الماء النجس (2) إلا في الضرورة ] ماء لعملوا به لم يترتب على ذلك أثر شرعي فان السيرة بما هي لا حجية فيها كما مر بل تتوقف على الامضاء وعدم الردع عنها، ولا علم لنا بأن الائمة لم يكونوا يردعون عن عملهم بأخبار ذى اليد عن الكرية على تقدير تحققها في زمانهم، فالانصاف ان السيرة في الكرية غير تامة. ويزيد هذا الاشكال ويقوى في اخبار ذى اليد عنما هو خارج عن تحت اختياره بالقبلة في داره أو في غيرها، لان الدار وإن كانت تحت يده إلا أن كون الكعبة في هذا الطرف أو في الجانب الآخز أمر أجنبي عنه بالمرة فلا تثبت القبلة باخباره إللهم إلا أن يوجب الوثوق أو كان المخبر بنفسه موثوقا به (1) قد عرفت عدم الاشكال في اعتبار خبر العدل الواحد في الموضوعات الخارجيه كالاحكام، وأسلفنا ان الكرية لا امتياز لها عن بقية الموضوعات وعليه فخبر العدل الواحد مما لا اشكال في اعتباره في الكرية كغيرها. حرمة شرب الماء النجس (2) للروايات المتضافرة (* 1) وان لم ينقل صاحب الوسائل في هذا


(* 1) كصحيحة حريز ورواية ابي خالد القماط الناهيتين عن شرب الماء الذي تغير بريح الجيفة أو تغيرها من النجاسات المرويتين في الباب 3 من ابواب الماء المطلق من الوسائل ونظيرهما موثقة سماعة المروية في الباب المذكور وصحيحة علي بن جعفر وموثقة سعيد الاعرج الناهيتين عن شرب ماء الجرة التي فيها الف رطل وقع فيه أوقية بول أو التي تسع مائة رطل يقع فيها =

[ 331 ]

[ ويجوز سقيه (1) للحيوانات بل والاطفال أيضا (2) ] في هذا الباب غير رواية واحدة (* 1) على ان حرمة شرب الماء النجس مما لم يقع فيه خلاف بين الاصحاب بل كادت أن تلحق بالواضحات. (1) وهذا للاتفاق على جواز سقي الماء النجس للحيوانات، لانها خارجة عن سنخ البشر ولم يدلنا دليل على حرمة سقيه للحيوان، نعم لا تبعد كراهته كما تستفاد من بعض الاخبار (* 2). (2) قد وقع الاشكال في جواز سقي الماء النجس للاطفال بعد الاتفاق على جواز سقيه للحيوان، وعلى حرمة سقيه للمكلفين. وربما قيل بعدم الجواز نظرا إلى ان الاحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيتين، وحرمة شرب النجس على المكلفين تكشف عن وجود مفسدة في شربه،


= أوقية من دم، المرويتين في الباب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. وموثقتا سماعة وعمار الساباطي الآمرتين باهراق المائين الذين وقع في احدهما قذر لا يدري أيهما هو والتيمم بعد ذلك المرويتين ايضا في الباب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. وموثقة أبي بصير حيث ورد في ذيلها: فان ادخلت يدك في الماء وفيها شئ من ذلك (قذر بول أو جنابة) فاهرق ذلك الماء ونظيرها صحيحة أبي نصر وموثقة سماعة المرويات ايضا في الباب المذكور فان الماء النجس لو جاز شربه لم يكن لامره (ع) بالاهراق في تلك الروايات وجه إلى غير ذلك من الاخبار. (* 1) وهي موثقة سعيد الاعرج التي قدمنا نقلها وقد رواها في الوسائل في الباب المتقدم وفي الباب 13 من أبواب الماء المطلق. (* 2) هو ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن البهيمة تسقى أو تطعم ما لا يحل للمسلم أكله أو شربه أيكره ذلك؟ قال نعم يكره ذلك المروية في الباب 10 من أبواب الاشربة المحرمة من الوسائل.

[ 332 ]

وعليه فلا يجوز سقيه للاطفال لانهم وان لم يكلفوا بالاجتناب عن شربه، لعدم قابليتهم للتكليف إلا ان مفسدة شربه باقية بحالها، ولا يرضى الشارع بالقاء الاطفال في المفسدة وللمناقشة في ذلك مجال واسع: أما (أولا): فلان المفاسد والمصالح إنما نعترف بهما في الاحكام أو في متعلقاتها، ومع عدم الحكم لا طريق إلى كشف المفسدة والمصلحة، ولعل المفسدة مختصة بالشرب الصادر عن المكلفين فلا مفسدة في شرب الاطفال أصلا، فحكمه حكم شرب الماء الطاهر بالاضافة إليهم. وأما (ثانيا): فلانا لو سلمنا وجود المفسدة في شرب غير المكلفين فلا نسلم انها بمرتبة تقتضي حرمة التسبيب إليها، فلا يحرم على المكلفين ايجادها بواسطة الاطفال والمجانين. وذلك لان المفسدة الكائنة في الافعال على نحوين: (فتارة): تبلغ مفسدتها من الشدة والقوة مرتبة لا يرضى الشارع بتحققها خارجا، ولو يفعل غير المكلفين، وهذا نظير شرب الخمر حيث يحرم سقيه الصبيان، وفي مثله يحب الردع والزجر فضلا عن جواز التسبيب إليه، وكذا في مثل اللواط والزنا ونظائرهما، وقد لا يرضى بمطلق وجوده وصدوره ولو من غير الانسان فضلا عن الاطفال كما في القتل فانه مبغوض مطلقا ولا يرضى بصدوره ولو كان بفعل حيوان أو جماد فيجب على المكلفين ردع الحيوان ومنع الجماد عن مثله. و (اخرى): لا تبلغ المفسدة تلك الدرجة من الشدة، وفي مثلها لم يدل دليل على حرمة إيجادها بفعل غير المكلفين، لان المبغوض إنما هو صدورها عن المكلفين، ولا دلبل على مبغوضية مطلق وجودها عند الشارع، وما نحن فيه من هذا القبيل حيث لم يقم دليل على مبغوضية شرب النجس على الاطلاق، فلا مانع من سقيه للاطفال، ولا سيما إذا

[ 333 ]

كانت النجاسة مستندة إلى نفس الاطفال، لتنجس ايديهم أو أفواهم الموجب لتنجس الماء بملاقاتهما هذا كله في السقي. وهل يجب الاعلام بنجاسته إذا شربه أحد المكلفين جهلا أو نسيانا؟ الظاهر عدم وجوبه، وذلك لعدم الدليل عليه، لان أدلة وجوب النهي عن المنكر مختصة بما إذا كان الفاعل عالما ملتفتا إلى حرمة عمله، بل قد تجب مدافعته حينئذ وردعه مع تحقق شرائطه، وأما إذا صدر عن الجاهل بحرمته فلم يدل دليل على وجوب إعلامه وردعه، ولو مع العلم بفعلية المفسدة في حقه، لانه لا يصدر عى وجه مبغوض لجهل فاعله وهو غير محرم عليه ظاهرا فلا يدخل اعلامه تحت عنوان النهي عن المنكر لعدم كون الفعل منكرا في حقه ولا تحت عنوان تبليغ الاحكام الكلية الالهية وهو ظاهر. هذا كله في موارد إباحة الفعل ظاهرا وأظهر منه الحال في موارد الاباحة الواقعية، كما إذا صدر الفعل عن نسيان أو غفلة، فان الناسي والغافل غير مكلفين واقعا، ولا يصدر الفعل عنهما على وجه حرام. وهل يحرم التسبيب إلى شرب الماء النجس وإصداره عن المكلفين؟ كما إذا قدم الماء النجس إلى غيره ليشربه وهو جاهل. الاول هو الصحيح، لان التسبيب إلى الحرام حرام وإن قلنا بعدم وجوب الاعلام، وذلك: لان النهي المتعلق بشئ يدلنا بحسب الارتكاز العرفي ان مبغوض الشارع مطلق وجوده سواء أكان مستندا إلى المباشرة أم إلى التسبيب، فإذا نهى السيد عبده عن الدخول عليه فيستفاد منه بالارتكاز العرفي أن المبغوض عنده مطلق الدخول سواء أكان بماشرة العبد كما إذا دخل عليه بنفسه أم كان بتسبيبه، كما إذا غر غيره وأدخله على مولاه، وقد ذكرنا في محله ان الاخبار الناهية عن بيع الدهن المتنجس إلا مع الاعلام للمشتري (* 1) شاهده


(* 1) قد قدمنا الاخبار الواردة في ذلك في ذيل الصفحة 322 فراجع.

[ 334 ]

[ ويجوز بيعه (1) مع الاعلام. فصل الماء المستعمل في الوضوء طاهر، مطهر من الحدث والخبث (2) ] على أن النهي عن عمل يكشف عن مبغوضية إيجاده على الاطلاق من دون فرق في ذلك بين صدوره عنه بالمباشرة وصدوره بالتسبيب. (1) وهو كما أفاده في المتن، وتفصيل الكلام فيه موكول إلى محله. ويأتي إجمال القول فيه عند تعرض الماتن لحكم بيع الميتة ان شاء الله. فصل في الماء المستعمل (2) قد يستعمل الماء في تنظيف البدن أو الباس أو غير ذلك من القذارات العرفية من دون أن يحكم بنجاسته، وقد يستعمل في ازالة الخبث مع الحكم بنجاسته، وهذان القسمان لا خلاف في حكمهما، فان الاول طاهر ومطهر بخلاف الثاني، وفي غير ذلك قد يستعمل الماء في رفع الحدث الاصغر، وقد يستعمل في مالا يرتفع به الحدث أو الخبث، وهذا كالغسل المندوب دون أن يكون المغتسل محدثا بالاكبر، أو كان محدثا به ولكنه بنينا على عدم ارتفاعه به، وكالوضوء التجديدي. وقد يستعمل في رفع الحدث الاكبر. وقد يستعمل في رفع الخبث من دون أن يحكم بنجاسته كماء الاستنجاء فهذه أقسام أربعة، ويقع الكلام هنا في القسم الاول، وهو الماء المستعمل في الوضوء وسيجي الكلام على الاقسام الآخر ان شاء الله. فنقول.

[ 335 ]

القسم الاول من الماء المستعمل لا ينبغي الاشكال في طهارة الماء المستعمل في رفع الحدث الاصغر، وجواز استعماله في الوضوء والغسل ثانيا، لاطلاقات طهارة الماء، ومطهريته، ولما ورد في ذيل رواية أحمد بن هلال الآتية حيث قال: وأما الماء الذي يتوضأ الرجل به فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به (* 1) ولما ورد في بعض الاخبار من أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا توضأ أخذ ما يسقط من وضوئه فيتوضؤن به (* 2) إلى غيره ذلك من الاخبار، وعلى الجملة أن طهارة المستعمل في الوضوء من ضروريات الفقه بل قيل انها من ضروريات المذهب. نعم نسب إلى أبي حنيفة (* 3) القول بنجاسته نجاسة مغلظة (تارة) ومخففة (اخرى) وان حكي عنه القول بطهارته أيضا، إلا ان الحكاية ضعيفة، والذي نقله ابن حزم وغيره عنه (* 4) هو القول بنجاسته نجاسة مغلظة أو مخففة، وهو عجيب غايته، فانه لا مسوغ للقول بنجاسته فضلا عن الحكم بغلظتها أو بخفتها. وربما فصل بين ما إذا كان الماء المستعمل


(* 1) المروية في الباب 8 و 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 8 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل. (* 3) نقله عنه في المحلى جلد 1 ص 185 وص 147 على ما قدمنا حكايته وحكاية غيره من أقوال العامة في تعليقة ص 158 - 159. (* 4) قدمنا نقله عن ابن حزم في المحلى جلد 1 ص 185 و 141 كما نقلناه عن عمدة القاري جلد 1 ص 822 في تعليقة ص 158 فراجع.

[ 336 ]

[ وكذا المستعمل في الاغتسال المندوبة (1) ] بمقدار كثير فحكم بنجاسته، وما إذا كان بمقدار يسير كالقطرات المترشحة منه على الثوب أو البدن فحكم بطهارته منة على الناس! فان نجاسته حرجية. المقسم الثاني من الماء المستعمل (1) هذا هو القسم الثاني من أقسام الماء المستعمل، وهو الماء الذي يستعمل على وجه الندب أو الوجوب من غير أن يرتقع به حدث أو خبث وهذا كالمستعمل في الغسل الواجب بنذر وشبهه، والمستعمل في الاغسال المستحبة، وفي الوضوء ندبا كالوضوء التجديدي، فان الماء لم يستعمل في شئ من هذه الموارد في رفع الحدث أو الخبث اما بالنسبة إلى الوضوء التجديدي فالامر ظاهر. واما بالنسبة إلى الاغسال المستحبة سواء وجبت بالعارض ام لم تجب فعدم ارتفاع الحدث بها إما لفرض ان المغتسل لم يكن محدثا، أو من جهة البناء على انها لا تؤثر في رفع الحدث، وسيأتي الكلام على هذا في محله. وحكم هذا القسم حكم الماء غير المستعمل، فيصح استعماله في رفع الحدث بكلا قسميه، كما يكتفى به في ازالة الاخباث، وبالجملة ان حاله بعد الاستعمال كحاله قبله، فلا مانع من استعماله ثانيا فيما قد استعمل فيه أولا من الغسل المستحب، والوضوء التجديدي وهكذا ثالثا ورابعا. والاوجه في ذلك هو اطلاقات مطهرية الماء هذه. وقد نسب إلى المفيد (ره) استحباب التنزه عن المستعمل في الطهارة المندوبة من الغسل والوضوء، بل المستعمل في الغسل المستحب كغسل

[ 337 ]

اليد للاكل وأورد عليه الاصحاب بانه لا دليل من الاخبار، ولا من غيرها على استحباب التنزه عن الماء المستعمل، وأجاب عن ذلك شيخنا البهائي (قده) في الحبل المتين بان المستند فيما ذكره المفيد هو ما رواه محمد بن علي بن جعفر عن الرضا (ع) في حديث قال: من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه. (* 1) فان اطلاق الغسل في قوله (من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه.) يعم الغسل الواجب والمندوب، وتعجب عن ان الاصحاب كيف لم يلتفتو إلى هذا الحديث قائلا ب‍ (ان أكثرهم لم يتنبهوا له). وأورد عليه في الحدائق بأن صدر الرواية وإن كان مطلقا كما عرفت إلا ان ذيلها قرينة على ان مورد الرواية إنما هو ماء الحمام، حيث ورد في ذيلها: (فقلت: ان أهل المدينة يقولان: ان فيه شفاء من العين فقال: كذبوا، يغتسل فيه الجنب من الحرام والزاني والناصب الذي هو شرهما وكل من خلق الله ثم يكون فيه شفاء من العين؟!) وعليه فظاهر الرواية كراهة الاغتسال من ماء الحمام الذي يغتسل فيه الجنب وغيره من المعدودين في الحديث، ولا دلالة لها على كراهة الاغتسال في مطلق الماء المستعمل في الغسل. هذا على ان الرواية على تقدير تمامية الاستدلال بها مختصة بكراهة الاغتسال من المستعمل في الغسل، ولا دلالة لها على كراهة الغسل من المستعمل في الوضوء، وقال ان الاستدلال بصدر الرواية من دون ملاحظة ان ذيلها قرينة على صدرها من أحد المفاسد المترتبة عى تقطيع الحديث، وفصل بعضه عن بعض، فما ذكره المفيد (ره) مما لادليل عليه. ولكن الانصاف ان ذيل الرواية أجنبي عن صدرها، وهما أمران


(* 1) المروية في الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 338 ]

لا قرينية في أحدهما على الآخر، وبما ان صدرها مطلق فلا مانع من أن يعتمد عليه، ويكون هو المدرك لقول المفيد (قده) كما ذكره البهائي (ره). نعم يمكن المناقشة في دلالة الرواية على استحباب التنزه من الماء المستعمل بوجه آخر، وهو ان هذه الرواية ونظائرها إنما وردت لا رشاد الناس إلى الاخذ بمصالحهم، والتجنب عما يضرهم، ومن جملته الاحتفاظ على صحة أبدانهم بالاجتناب عن استعمال ما اجتمعت فيه الآوساخ التي قد تؤدي إلى سراية الامراض، والقرآن كما انه متكفل بارشاد البشر إلى المصالح الاخروية والدنيوية، ومكمل لنظامهما على وجه أتم كذلك الائمة (ع) فانهم أقران الكتاب ينظرون إلى جهات المصالح والمفاسد كلها، ومن أهمها جهة التحفظ على الصحة، ونظير هذه الرواية ما ورد: من أن شرب الماء في الليل قاعدا كذا وقائما كذا (* 1). ولكنه لا دلالة في شئ منها على استحباب تلك الامور، ولا على كراهة خلافها، لانها كما عرفت في مقام الارشاد ولم ترد لبيان الحكم المولوي، ومن هنا نتعدى من مورد الحديث الرضوي إلى كل مورد فيه احتمال سراية المرض من الجذام أو غيره، كالتوضوء مما اغتسل فيه غيره كما نتعدى إلى مطلق الماء المستعمل ولو في غير الاغسال الشرعية، كالمستعمل في الغسل العرفي، وعلى الجملة ان التجنب عن مطلق الماء المستعمل أولى لانه يمنع عن سراية الامراض، وعليه يتم ما أورده الاصحاب في المقام من


(* 1) ففي المحاسن عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال أمير المؤمنين (ع): لا تشربوا الماء قائما. وفي رواية السكوني عن أبي عبد الله (ع): شرب الماء من قيام بالنهار أقوى وأصح للبدن. وفي مرسلة الصدوق: انه أدر للعروق وأقوى للبدن. راجع الباب 7 من أبواب الاشربة المباحة من الوسائل.

[ 339 ]

[ واما المستعمل في الحدث الاكبر (1) فمع طهارة البدن لا إشكال في طهارته ورفعه للخبث والاقوى جواز استعماله في رفع الحدث أيضا (2) وإن كان الاحوط مع وجود غيره التجنب عنه. ] أنه لا مدرك لما ذهب إليه المفيد (ره). القسم الثالث من الماء المستعمل (1) هذا هو القسم الثالث من أقسام الماء المستعمل ولا اشكال ولا كلام في طهارته وفي كفايته في رفع الخبث، لا طلاقات طهورية الماء، ولم يخالف في ذلك أحد من الاصحاب غير ابن حمزة في الوسيلة حيث نسب إليه القول بنجاسته وهو من الغرابة بمكان. (2) وقع الكلام في أن الماء المستعمل في الحدث الاكبر هل يرتفع به الحدث ثانياو ثالثا وهكذا؟ فقد يقال بعدمه بدعوى: أن الوضوء والغسل يشترط فيهما ان لا يكون الماء مستعملا في الحدث الاكبر قبل ذلك وهذه الدعوى على تقدير تماميتها تختص بما إذا كان المستعمل قليلا، وأما إذا كان عاصما كالكر والجاري ونحوهما فالظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في جواز رفع الحدث به ثانيا وثالثا وهكذا، ويدل عيله السيرة المستمرة المتصلة بزمان المعصومين عليهم السلام إذ الخزانات في الحمامات المتعارفة في زماننا هذا المشتملة على اضعاف الكر من الماء، وإن لم تكن موجودة في زمانهم (ع) فان المتعارف في الحمامات في تلك الازمنة انما كان هو الاحواض الصغيرة المتصلة بموادها الجعلية بالانابيب أو بغيرها، إلا أن المياه المجتمعة في الغدران في الطرق والفلوات المشتملة على أزيد من الكر بكثير مما لا سبيل إلى انكار وجودها في زمانهم. وقد تكاثرت الاسئلة عن

[ 340 ]

حكم اغتسال الجنب في تلك المياه وأجابوا (ع) بصحة الغسل فيها (على نحو الاطلاق اغتسل فيها جنب قبل ذلك أم لم يغتسل) وهي تكشف عن أن الاغتسال فيها كان متعارفا عندهم. ففي صحيحة صفوان بن مهران الجمال قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب وتشرب منها الحمير، ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها، قال: وكم قدر الماء؟ قال: إلى نصف الساق، وإلى الركبة، فقال: توضأ منه (* 1). ومن الظاهر ان الماء في الغدران إذا بلغ نصف الساق أو الركبة فلا محالة يزيد عن الكر بكثير، وكيف كان فلا اشكال في صحة الغسل والوضوء في المياه المعتصمة وان اغتسل فيها من الجنابة. وانما الكلام في صحة الغسل أو الوضوء ثانيا من الماء القليل المستعمل في رفع المحدث الاكبر وانه هل يتحمل القذارة المعنوية بحيث لا يصلح لرفع الحدث. ثانيا أو انه باق على نظافته؟ وقد وقع هذا محلا للخلاف بين الاعلام والمشهور جواز استعماله في رفع الحدث ثانيا وثالثا، وعن الصدوقين والمفيد والشيخ الطوسي وغيرهم (قدهم) عدم الجواز، وقد استدل عليه بعدة روايات أظهرها رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل، فقال: الماء الذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به الرجل عن الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه، وأما الذي يتوضأ الرجل به فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به (* 1). وهي قد دلت على عدم جواز الوضوء والغسل بالماء المستعمل في رفع


(* 1) راجع الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 341 ]

الحدث مطلقا كان الحدث جنابة أو حيضا أو غيرهما بناء على أن قوله (و أشباهه) معطوف إلى الضمير المجرور، ولذا ذكرنا أنها أظهر من غيرها فان سائر الروايات على تقدير تماميتها تختص بالمستعمل في غسل الجنابة، والكلام في هذه الرواية يقع في موضعين: (أحدهما) في سندها. (ثانيهما): في دلالتها. (وأما الموضع الاول): فقد نوقش فيه بضعف الرواية لان في سندها أحمد بن هلال العبرتائي وقد طعن فيه من ليس من دأبه الخدشة في السند حيث أن الرجل نسب إلى الغلو تارة والى النصب اخرى وقال شيخنا الانصاري: (وبعدما بين المذهبين لعله يشهد بانه لم يكن له مذهب رأسا) وقد صدر عن العسكري (ع) اللعن في حقه (* 1) فهو ملعون زنديق فالرواية ساقطة عن الاعتبار هذا وقد تصدى شيخنا الانصاري (قده) لا بداء القرائن على ان الرواية موثقة وإن كان أحمد بن هلال ملعونا لا مذهب له.


(* 1) عن الكشي في ما نقله عن القسم بن العلا انه خرج إليه: (قد كان أمرنا نفذ اليك في المتصنع بن هلال، لا رحمه الله بما قد علمت لم يزل لا غفر الله له ذنبه، ولا أقاله عثرته، يداخل في أمرنا بلا اذن منا ولا رضي، يستبد برأيه فيتحامى من ذنوب، لا يمضي من أمرنا اياه الا بما يهواه ويريد، أراده الله بذلك في نار جهنم فصبرنا عليه حتى بتر الله بدعوتنا عمره، وكنا قد عرفنا خبره قوما من موالينا في أيامه لا رحمة الله وأمرناهم بلقاء ذلك إلى الخاص من موالينا، ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال، لا رحمه الله، ومن لا يبرأ منه، وأعلم الاسحاقي سلمه الله واهل بيته بما أعلمناك من حال هذا الفاجر). المجلد 1 من تنقيح المقال ص 99.

[ 342 ]

القرينة الاولى: ان الرواي عن أحمد بن هلال هو الحسن بن علي وهو من بني فضال، وقد ورد عن العسكري (ع) الامر بأخذ رواياتهم فيجب الاخذ برواية حسن بن علي، وقد ذكر (قده) نظير ذلك في رواية داود بن الفرقد (* 1) الواردة في باب توقيت الصلاة الدالة على اختصاص أول الوقت بالظهر وآخره بالعصر، حيث وثقها بأن الرواية وإن كانت ضعيفة في نفسها إلا أن أحد رواتها من بني فضال وقد أمرنا بالاخذ برواياتهم. هذا ثم أضاف على ما ذكره في المقام أنه يمكن أن يوثق الرواية بوجه آخر، وهو أن حسين بن روح قد استدل على اعتبار كتب الشلمغاني بما ورد عن العسكري (ع) في حق بني فضال فقال: أقول في حق الشلمغاني ما قاله العسكري (ع) في بني فضال من قوله: (خذوا مارووه وذروا ما رأوه) فكما أنه طبق كلامه عليه السلام على الشلمغاني مع أنه خارج عن مورد النص فكذلك نحن لا بأس بأن نطبق كلامه (ع) على أحمد بن هلال فان تعدى حسين بن روح عن مورد النص يكشف عن عدم خصوصية في ذلك لبني فضال، وعلى الجملة ان الرجل ممن ينطبق عليه كلام العسكري (ع) كما كان ينبطق على الشلمغاني. وللمناقشة في ما أفاده مجال واسع وذلك: أما (أولا): فلان الحسن بن علي الواقع في سند الرواية لم يعلم انه من بني فضال، بل ربما يستظهر عدم كونه منهم لاختلاف الطبقة فراجع. وأما (ثانيا): فلاجل ان المستفاد مما ذكره (ع) في بني فضال


(* 1) المروية في الباب 4 من أبواب المواقيت من الوسائل.

[ 343 ]

ان الخروج عن الاستقامة إلى الاعوجاج غير قادح في صحة الرواية إذا كانت روايته حال الاستقامة، فحالهم فيما رووه حال سائر الرواة الموثقين كزرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهما ممن تقبل رواياتهم إذا فلا تدل ذلك الا على وثاقتهم في انفسهم لا انهم لا يروون إلا عن الثقات، فكما ان زرارة ومحمد ابن مسلم وامثالهما إذا رووا عن غير الثقة لا يعتمد على رواياتهم فكذلك بنو فضال. وليس معنى ما صدر عنه (ع) ان الخروج عن الاستقامة والدين إلى الانحراف والزندقة يزيدان في الاهمية والاعتبار، ويستلزمان قبول روايته، ولو كانت عن ضعيف ليكون بنو فضال وأضرابهم أشرف وأو ثق من زرارة ومحمد بن مسلم واضرابهما. وحيث ان الحسن بن علي روى هذه الرواية عن أحمد بن هلال وهو فاسد العقيدة كما مر فلا يعتمد على روايته ولا تتصف بالحجية والاعتبار. وأما (ثالثا): فلان أحمد بن هلال لم تثبت وثاقته في زمان حتى يكون انحرافه بعد استقامته، ومعه كيف يحكم بقبول رواياته بملاك قبول روايات بني فضال فهذه القرينة ساقطة. القرينة الثانية: ان سعد بن عبد الله الاشعري روى هذه الرواية عن الحسن بن علي عن أحمد بن هلال وهو الذي طعن في الرجل بالنصب قائلا اني لم أر من رجع من التشيع إلى النصب إلا هذا الرجل، وهو لا يروي عن غير الشيعة حسب تعهده.، ومن هنا لم يرو عن من لقى الامام ولم يرو عنه كما حكي وعلى هذا فروايته عن الرجل في المقام يكشف عن ان الرواية انما كانت في كتاب معتبر مقطوع الانتساب إلى مصنفه بحيث لا يحتاج إلى

[ 344 ]

ملاحظة حال الواسطة أو انها كانت محفوفة بقرائن موجبة للوثوق بها إذا فتكون معتبرة لا محالة. ويدفعه أمران: (أحدهما): ان عدم روايته عن غير الشيعة ولو مرة طيلة حياته أمر لم يثبت، فان غاية ما هناك انا لم نجدها ولم نقف عليها فلا سبيل لنا إلى نفي وجودها رأسا. و (ثانيهما): هب انه لا يروي عن غير الشيعة لشدة تعصبه في حقهم (ع) إلا ان غاية ذلك ان يثبت ان احمد بن هلال كان شيعيا حينذاك، ومن الظاهر ان مجرد كون الرجل شيعيا لا يلازم وثاقته ليعتمد على روايته، فرواية سعد عن الرجل لا تكون قرينة على اعتبار روايته. القرينة الثالثة: ان أحمد بن هلال إنما نقل الرواية عن إبن محبوب والظاهر أنه نقلها قراءة عليه عن كتابه الموسوم بالمشيخة، وهو كتاب معتبر عند الاصحاب وقد ذكر الغضائري وهو الذي يقدح في السند كثيرا ان روايات أحمد إبن هلال ساقطة عن الاعتبار إلا ما رواه عن كتاب الميشخة لابن محبوب ونوادر ابن أبي عمير، فانه معتمد عليه عندهم، وعن السيد الداماد (ره) ان ما نقله أحمد عن المشيخة وابن أبي عمير معتمد عليه عند الاصحاب. وملحق بالصحاح. والجواب عن ذلك: أنا لو سلمنا ان اعتماد الاصحاب على رواية ضعيفة يوجب الانجبار، وإن ما رواه أحمد عن كتاب المشيخة معتمد عليه عندهم فاثبات صغرى ذلك في المقام في نهاية الاعضال، إذ لا علم لنا أن أحمد روى هذه الرواية بالقراءة عن كتاب المشيخة، ولعله رواها عنه بنفسه لا من كتابه المسمى بالمشيخة إذا يتوقف اعتبارها على وثاقة الرواة وقد فرضنا

[ 345 ]

عدمها، واستظهار أنه رواها عن كتاب المشيخة بالقراءة كما في كلام شيخنا الانصاري (قده) مما لم يظهر وجهه. القرينة الرابعة: إن المشايخ الثلاثة اعتمدوا على رواية أحمد، ونقلوها في الكافي والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه، وكذا القميون كالصدوقين وإبن الوليد، وسعد إبن عبد الله الاشعري وغيرهم يعتمدون على روايته، ومن الظاهر أن اعتماد هؤلاء على نقل أحد لا يقصر عن توثيق أهل الرجال، ومن هنا عدوا عمل هؤلاء الا كابر واعتمادهم على أية رواية من امارات الصحة حسب اصطلاح الاقدمين. وبذلك تكون الرواية معتبرة. والجواب عن ذلك أما (أولا): فبان المراد باعتماد المشايخ والقميين إن كان هو نقلهم للرواية في كتبهم فمن الظاهر أن مجرد نقل رواية لا يوجب الاعتماد عليها، ومن هنا لا نعتمد على جميع ما نقلوه في كتبهم من الاخبار، لانها ليست بأجمعها صحاحا وموثقات، بل فيها من الضعاف مالا يحصى، فلا يستكشف من مجرد نقل هؤلاء اعتماد هم على الرواية. وان أريد بالاعتماد عمل القميين والمشايخ على طبقها، فالمقدار الثابت إنما هو عمل الصدوقين والشيخين بها، ولم يثبت عمل غيرهم بالرواية حتى أن سعد إبن عبد الله راوي هذا الحديث لم يظهر منه العمل بها، وإنما اكتفى بنقلها، وعمل هؤلاء الاربعة لا يوجب الانجبار في قبال غيرهم من الاصحاب من قدمائهم ومتأخريهم حيث انهم ذهبوا إلى خلافها ونسب العلامة (ره) إلى مشهور المتقدمين والمتأخرين القول بجواز الاغتسال من الماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر، وفيهم السيد المرتضى

[ 346 ]

والشهيدان والمحقق ونفس العلامة وغيرهم من أجلاء الاصحاب ومحققيهم فماذا يفيد عمل أربعة من الاصحاب في مقابل عمل هؤلاء الاكابر؟! وعلى الجملة ان المقام ليس من صغريات كبرى انجبار ضعف الرواية بعمل المشهور على تقدير صحة الكبرى في نفسها. و (أما ثانيا): فلانه لم يعلم ان عمل الصدوقين بالرواية لا جل توثيقهما لاحمد بن هلال، لانا نحتمل لو لم نظن أن يكون ذلك ناشئا عن بنائهما على حجية كل رواية رواها إمامي لم يظهر منه فسق، أعني العمل باصالة العدالة في كل مسلم إمامي، وقد اعتقدا ان الرجل إمامي لان سعد بن عبد الله لا يروي عن غير الامامي، وهذا هو الذي احتملناه فيما ذكره الصدوق (ره) في صدر كتابه (من لا يحضره الفقيه) من أني إنما أورد في هذا الكتاب ما هو حجة بيني وبين ربي، وفسرناه بأنه التزم أن يورد في كتابه ما رواه كل إمامي لم يظهر منه فسق، لانه الحجة على عقيدته، والمتحصل أن الرواية ضعيفة جدا ولا يمكن أن يعتمد عليها بوجه (* 1) هذا كله في الموضع الاول. وأما الموضع الثاني أعني به البحث عن دلالة الرواية فملخص الكلام فيه ان دلالة الرواية كسندها قاصرة. وذلك لان قوله (ع) الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة. وإن كان مطلقا في نفسه من جهة طهارة الثوب ونجاسته، ومن طهارة بدن الرجل ونجاسته


(* 1) وقد عدل عن ذلك - أخيرا - سيدنا الاستاذ أدام الله أضلاله وبنى على وثاقة الرجل لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات ولبعض الوجوه الاخر التي تعرض لها في محلها وعدم منافاة رميه بالنصب والغلو واستظهار كونه ممن لا دين له وكذا الذم واللعن الواردين في حقه مع الوثاقة في النقل كما لعله ظاهر. فان الوثاقة هي المدار في الحجية والاعتبار دون العدالة والايمان ولم يرد في حقه ما ينافي الوثاقة فلاحظ.

[ 347 ]

وأما ما ذكره بعضهم من أن المراد بالثوب هو الثوب الوسخ فالنهي عن التوضؤ بالماء المستعمل في غسله محمول على التنزه فيدفعه: أنه تقييد على خلاف الاطلاق فلا يصار إليه فالاطلاق محكم من هذه الجهة. إلا أنه لا مناص من الخروج عن كلا الاطلاقين بالقرينة الداخلية والخارجية فنقول: المراد بالثوب هو خصوص الثوب المتنجس، كما ان المراد بالرجل هو خصوص الجنب الذي في بدنه نجاسة دون مطلق الثوب والجنب وذلك للقرينة الخارجية والداخلية. (أما القرينة الخارجية) فهي الاخبار الكثيرة الواردة لبيان كيفية غسل الجنابة الآمرة بأخذ كف من الماء، وغسل الفرج به ثم غسل أطراف البدن (* 1) حيث أنها دلت على أن غسل الفرج وازالة نجاسته معتبر في صحة غسل الجنب فالمراد بالجنب في الرواية هو الذي في بدنه نجاسة. واحتمال أنه يغسل فرجه في مكان، ويغتسل في مكان آخر فلا تبقى نجاسة على بدنه حين الاغتسال بعيد غايته. وكذلك الاخبار المفصلة بين الكر والقليل في نجاسة الماء الذي اغتسل فيه الجنب (* 2) إذ لو لم تكن في بدنه نجاسة


(* 1) ورد ذلك في عدة روايات منها صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: سألته عن غسل الجنابة. قال: تبدأ بكفيك فتغسلهما ثم تغسل فرجك. ومنها صحيحة زرارة قال: قلت كيف يغتسل الجنب؟ فقال إن لم يكن اصاب كفه شئ غمسها في الماء ثم بدأ بفرجه فانقاه بثلاث غرف. ومنها غير ذلك من الاخبار المروية في الباب 26 من أبواب الجنابة من الوسائل. (* 2) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) وسئل عن الماء تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب، قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ. وصحيحة صفوان بن مهران الجمال =

[ 348 ]

لم يكن وجه لنجاسة الماء باغتساله فيه مطلقا، فالتفصيل بين القليل والكثير يدل على أن المراد بالجنب خصوص الجنب الذي كانت في بدنه نجاسة، ولذا فصل في نجاسة الماء بين صورتي قلة الماء وكثرته. و (أما القرينة الداخلية) فهي قوله (ع) في ذيل الرواية (وأما الذي يتوضأ به الرجل فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف فلا بأس.) حيث دل على ان المناط في جواز الوضوء والغسل بالماء المستعمل نظافته ونجاسته، وان حكمه بعدم الجواز فيما غسل به الثوب أو اغتسل به من الجنابة انما هو في صورة نجاسة الثوب وبدن الجنب الموجبة لنجاسة الماء الملاقي لشئ منهما. واما إذا كان الماء طاهرا، لعدم نجاسة الثوب وبدن الجنب فلا مانع من الاغتسال والتوضؤ به، فلا اطلاق في الرواية حتى يدل على عدم جواز استعمال الماء المستعمل في غسل الجنابة أو غسل الثياب في رفع الحدث مطلقا حتى فيما إذا لم يكن الثوب أو بدن الجنب متنجسا. نعم هذه الرواية على تقدير تماميتها سندا ودلالة تقتضي عدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل مطلقا سواء استعمل في رفع الجنابة أم في رفع غيرها من الاحداث، وهذا بخلاف سائر الاخبار، لانها على تقدير تماميتها لا تدل إلا على عدم جواز رفع الحدث بخصوص الماء المستعمل في الجنابة دون غيرها. والتعدي إلى المستعمل في غير الجنابة من الاحداث يحتاج إلى ثبوت الملازمة بين الامرين واثباتها مشكل جدا، ودعوى الاجماع على ذلك أشكل


= قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض التي مابين مكة إلى المدينة تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، وتشرب منها الحمير، ويغتسل فيها الجنب، ويتوضأ منها، قال: وكم قدر الماء؟ قال: إلى نصف الساق، والى الركبة فقال: توضأ منه. وغير ذلك من الاخبار المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 349 ]

على ان سائر الروايات لا دلالة لها على المنع من استعمال الماء المستعمل. في رفع الجنابة ايضا. كما نبينه عن قريب ان شاء الله. ومن جملة الاخبار صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال: سألته عن ماء الحمام، فقال: ادخله بأزار، ولا تغتسل من ماء آخر إلا ان يكون فيهم جنب أو يكثر اهله فلا يدرى فبهم جنب أم لا (* 1) وقد دلت على ان اغتسال الجنب في ماء الحمام يمنع عن الاغتسال به ثانيا. وسندها صحيح وأما دلالتها فقد نوقش فيها من وجوه: الاول: ما عن صاحب المعالم (قده) من أن الاستثناء من النهي انما يوجب ارتفاع الحرمة فحسب، ولا يثبت به الوجوب أو غيره، فمعنى الرواية حينئذ ان الاغتسال من ماء آخر غير منهي عنه إذا كان في الحمام جنب لا انه يجب ذلك فلا تدل على عدم جواز الاغتسال بماء الحمام إذا كان فيه جنب. ولكن هذه المناقشة ساقطة لان الاغتسال من ماء آخر غير ماء الحمام ممالا وجه لحرمته مع العلم بعدم الجنب فيه فضلا عن صورة الشك في ان فيه جنبا، فالمراد بالنهي ليس هو النهي المولوي التحريمي أو التنزيهي، بل اريد به دفع ما قد يتوهم من وجوب الغسل من ماء آخر لتقذر ماء الحمام، فمعنى الرواية: لا يلزمك اتعاب النفس والاغتسال من ماء آخر غير ماء الحمام إلا مع العلم بوجود الجنب فيه أو مع مظنة وجوده لكثرة من يغتسل فيه فان الغسل من ماء آخر حينئذ لازم ومتعين إذ الاستثناء من عدم اللزوم يثبت اللزوم. واستعمال النهي بهذا المعنى عند العرف كثير، فتراهم ينهون أحدا من فعل، ويريدون به عدم لزومه عليه نعم لو كان النهي مولويا تكليفيا لما كان الاستثناء منه دالا على الوجوب كما عرفت هذا.


(* 1) المروية في الباب 7 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 350 ]

وقد أجاب في الحداثق عما أورده صاحب المعالم (ره) بان الاستثناء من الوجوب يدل على حرمة الشئ عرفا واستشهد بكلام نجم الائمة (ره) من ان الاستثناء من النفي اثبات ومن الاثبات نفي، ومثل له بقوله: اقتلوا المشركين إلا اهل الذمة، وقولهم لا تضرب احدا إلا زيدا، فان الاستثناء في الاول يدل على حرمة قتل الذي كما يدل على وجوب ضرب زيد في الثاني. وفيما أجاب به منع ظاهر، فان الاستثناء من التحريم لا يثبت إلا ارتفاعه واما ثبوث غيره من الوجوب والاباحة ونحوهما فلا، ولا دلالة في كلام نجم الائمة الا على ان الاستثناء من الاثبات نفي وبالعكس، ونحن نعترف بذلك، ونقول ان الحرمة منتفية في صورة وجود الجنب في الحمام وأما ثبوت الوجوب فلا لانه اعم منه، اللهم إلا ان تقوم قرينة خارجية على ثبوته كما هو الحال في المثال المتقدم، فان قتل النفس المحترمة محرم فإذا لم يكن واجبا فهو باق على حرمته، وبالجملة استفادة الحرمة في المثال انما هي بالقرينة الخارجية، لا لاجل ان الاستثناء من الوجوب يدل على التحريم. والصحيح ان الرواية في نفسها لا تدل عل عدم جواز استعمال الماء المستعمل في رفع الحدث به ثانيا، والوجه في ذلك: انه عليه السلام بعدما فرض ان الرجل دخل الحمام ورتب عليه وجوب الائتزار، لحرمة كشف العورة نهى عن الاغتسال من ماء آخر فعلم منه انه كان في الحمام ماء آن فلابد من تعيين الماء الآخر الذي نهى عن الاغتسال فيه فنقول: المياه الموجودة في الحمامات على ثلاثة اقسام: (أحدها): ماء الخزانة. و (ثانيها): ماء الاحواض الصغيرة المتصل بالخزانة التي هي المادة الجعلية له. و (ثالثها): ما يجمع من الغسالات في مكان منخفض أو في بئر

[ 351 ]

معدة للغسالة في نفس الحمامات، والماء الآخر الذي نهى عن الاغتسال فيه لا يمكن ان يكون ماء الخزانة، وذلك لوجهين: (أحدهما): ان الاغتسال في نفس الخزانة لم يكن مرسوما في زمانهم كما انه غير متعارف في زماننا في الحمامات ذات الاحواض الصغيرة فانهم كانوا يغتسلون حول الحياض حسب ما كان متعارفا عندهم. و (ثانيهما): ان ماء الخزانة اكثر من الكر بمراتب، وأي مانع من الاغتسال في مثله؟ وان اغتسل فيه جنب، فان النزاع كما قدمناه يختص بالماء المستعمل القليل، وأما المياه المعتصمة فلا مانع من رفع الحدث بها وان اغتسل فيها من الجنابة. كما انه لم يرد به ماء الاحواض الصغيرة، لعدم تعارف الاغتسال في الحياض، بل ولا يتيسر الدخول فيها لصغرها وانما كانوا ياخذون الماء منها بالاكف والظروف ويغتسلون حولها. نعم قد يتوهم ارادة ماء الحياض لا حد وجهين: (أحدهما): نجاسة ماء الحياض لانه قليل ينفعل بملاقاة الاواني أو الا كف المتنجسة. و (ثانيهما): ان ماء الحياض من احد مصاديق الماء المستعمل في رفع الحدث، وذلك لترشح قطرات الماء المستعمل في رفع الحدث إليه، فانهم كما مر كانوا يغتسلون حول الاحواض، وبذلك يصير مائها مستعملا في رفع الحدث وهو لا يكفي في رفع الحدث ثانيا. و (يندفع): ذلك بان مقتضى غير واحد من الاخبار عدم انفعال ماء الحياض لا تصاله بالخزانة، وهي كالمادة الاصلية له. كما ان الاغتسال لا يقع في نفس الحياض والقطرات المنتضحة فيها تستهلك في مائها لقلتها ولا يصدق الماء المستعمل على ماء الحياض، ولا يصح ان يقال انه ماء

[ 352 ]

استعمل في رفع الحدث، ولا يلتزم القائل بالمنع بعدم جواز رفع الحدث بامثال ذلك من المياه التي تنتضح فيها قطرات الماء المستعمل في الجنابة، كيف وقد ورد في غير واحد من الاخبار عدم البأس بما ينتضح من قطرات ماء الغسل في الاناء (* 1). أضف إلى ذلك كله ان ماء الحياض الصغار هو بعينه ماء الخزانة التي يعبر عنها بالمادة وهو متصل بها، فلا يصح أن يطلق عليه (ماء آخر) بمعنى غير ماء الخزانة، فارادة ماء الحياض أيضا غير ممكنة، وان أصر شيخنا الهمداني (ره) على تعينه. فإذا سقط احتمال إرادة القسمين المتقدمين يتعين أن يراد به المياه المجتمعة من الغسالة فهو الذي نهى (ع) عن الاغتسال فيه بقوله: ولا تغتسل من ماء آخر. ويدل على ذلك مضافا إلى بطلان إرادة القسمين المتقدمين عدة روايات: (منها): ما عن حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الاول (ع) قال: سألته أو سأله غيري عن الحمام، قال: أدخله بميزر، وغض بصرك، ولا تغتسل من البئر التي يجتمع فيها ماء الحمام، فانه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، وولد الزنا، والناصب لنا أهل البيت، وهو شرهم (* 2). و (منها): موثقة ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (ع) قال:


(* 1) ففي صحيحة الفضيل قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن الجنب يغتسل فينتضح من الارض في الاناء، فقال: لا بأس هذا مما قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج). وفي موثقة سماعة (فما انتضح من مائه في انائه بعدما صنع وما وصفت لك فلا بأس ونظيرهما صحيحة شهاب بن عبد ربه وغيرهما من الاخبار المروية في الباب 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 353 ]

واياك أن تغتسل من غسالة الحمام ففيها تجتمع غسالة اليهودي. وروايته عنه (ع) قال: لا تغتسل من البئر التي بجتمع فيها غسالة الحمام، فان فيها غسالة ولد الزنا. (* 1). ومنها غير ذلك من الاخبار الواردة بمضمون صحيحة محمد بن مسلم الصريحة في النهي عن الغسل في غسالة الحمام ويظهر منها عى كثرتها ان الاغتسال من مجتمع الغسالة كان أمرا متعارفا ومرسوما في تلك الازمنة، وان ذكر شيخنا الهمداني (ره) عدم معهودية الاغتسال من غسالة الحمام فالمتحصل إلى هنا ان النهي في الصحيحة المتقدمة إنما تعلق على الاغتسال من ماء الغسالة. ثم ان هذا النهي تنزيهي لا محالة، إذ الغسالة معرض لا حتمال وجود النجاسة وذلك: لان الغسالة وإن ذهب جماعة إلى نجاستها بدعوى: ان الظاهر مقدم فيها على الاصل كما قدمه الشارع على أصالة الطهارة في البلل المشتبه الخارج بعد البول وقد أفتى بها جماعة منهم العلامة (قده) في القواعد على ما ببالي إلا أن التحقيق طهارتها، وذلك لدلالة غير واحد من الاخبار. (منها): صحيحة محمد بن مسلم، قال: قلت لابي عبد الله (ع) الحمام يغتسل فيه الجنب وغيره، اغتسل من مائه؟ قال: نعم لا بأس أن يغتسل منه الجنب، ولقد اغسلت فيه وجئت فغسلت رجلي وما غسلتهما إلا بما لزق بهما من التراب (* 2) إذ لو كانت الغسالة نجسة لم تكن رجله (ع) محكومة بالطهارة لبعد عدم ملاقاتها للغسالة النجسة الموجودة في الحمام فهي تدل على طهارة الغسالة ما دام لم يعلم نجاستها وإنما منع (ع) عن الاغتسال فيها في الصحيحة المتقدمة تنزيها فان الغسالة مورد لا حتمال النجاسة. و (توهم): ان المنع من الاغتسال فيها مستند إلى كونها ماء مستعملا


(* 1) المروية في الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 9 من أبواب المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 354 ]

في رفع الحدث الاكبر. (مندفع): بأن الغسالة تجتمع من مجموع المياه المستعملة في الحمام كالمستعمل في ازالة الاوساخ، وفي تطهير الثياب كما كان هو المتداول إلى قرب عصرنا في الحمامات، ومن الظاهر ان المستعمل في رفع الجنابة يندك في ضمنها ويستهلك فيها فلا يصدق عليها أنها ماء مستعمل في رفع الحدث. والذي يدل على ما ذكرناه من استناد المنع إلى احتمال النجاسة لا إلى أن الماء مستعمل في رفع الحدث ان الامام (ع) لم يفرض في الرواية اغسال الجنب في الحمام بل استثنى صورة وجود الجنب فيه أو احتماله وان لم يغتسل أصلا، كما إذا أراد تنظيف بدنه عن الاوساخ من دون أن يغتسل من الجنابة فمن ذلك يظهر أن المنع مستند إلى احتمال النجاسة، لعدم خلو بدن الجنب عن النجاسة غالبا وهي توجب نجاسة الغسلة لا محالة. ومن جملة الاخبار ما دل على التفصيل في انفعال الماء باغتسال الجنب بين الكثير والقليل كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) وسئل عن الماء تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب، قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ (* 1). ولا اشكال في سندها كما أن دلالتها على عدم ارتفاع الحدث بالماء القليل المستعمل في غسل الجنابة ظاهرة، ولكنه لا دلالة فيها على أن الماء المستعمل في غسل الجنابة بما هو هولا يكفي في رفع الحدث به ثانيا حيث أنها إنما دلت على عدم كفايته من أجل انفعال الماء وهو لا يكون إلا مع فرض تنجس بدن الجنب حين ما يريد أن يغتسل للجنابة كما هو الغالب فينفعل الماء القليل بملاقاه بدن الجنب ومن هنا فصل (ع) بين الكر والقليل وعلله بأن الكر لا ينجسه شئ أي بخلاف القليل فانه ينفعل بملاقاة النجس أعني


(* 1) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 355 ]

بدن الجنب. أو أنه لاجل ما ذهب إليه بعض العامة من تنجس الماء باغسال الجنب فيه، فأراد سلام الله عليه بيان ان الكر لا ينفعل بشئ من ملاقاة النجاسة أو اغتسال الجنب فيه، وعلى كل حال فلا دلالة فبها على أن الماء القليل إذا استعمل في غسل الجنابة لا يرتفع به الحدث ثانيا، مع فرض أنه طاهر غير متنجس. ومن جملتها صحيحة إبن مسكان، قال: حدثني، صاحب لي ثقة أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، فيريد أن يغسل وليس معه إناء والماء في وهدة (وهادة) فان هو اغتسل رجع غسله في الماء كيف يصنع؟ قال: ينضح بكف بين يديه، وكفا من خلفه، وكفا عن شماله، ثم يغتسل (* 1) وبهذا المضمون رواية أخرى مروية عن جامع البزنطي (* 2) فليراجع. وتقريب الاستدلال بهما ان السائل إنما سأله (ع) عن كيفية الغسل في مفروض المسألة، لما ارتكز في ذهنه من عدم صحة رفع الجنابة بالماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر، وإلا لم يكن وجه لسؤاله، وهو (ع) قد أقر السائل على هذا الارتكاز حيث لم يردعه عنه وصار بصدد العلاج، وبيان طريق يمنع عن رجوع الماء المستعمل إلى مركزه، فالروايتان تدلان بالتقرير على عدم ارتفاع الحدث بالماء المستعمل في غسل الجنابة. وفيه ان الاستدلال بالروايتين يتوقف على اثبات أمور: (الاول): أن المراد بالاغتسال فيهما هو الغسل عن الجنابة دون الاغتسال العرفي بمعنى ازالة الاوساخ ولا الاغسال المستحبة شرعا.


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 10 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 356 ]

(الثاني): ان السائل قد ارتكز في ذهنه عدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل رفع الحدث الاكبر. (الثالث): ان الامام (ع) أقر السائل على ما ارتكز في ذهنه ولم يردعه عنه. وجميع ذلك غير مسلم. ونحن لو سلمنا ثبوت الامرين الاولين بدعوى ان ظاهر الاغتسال هو الاغتسال المعدود من وظائف المسلمين دون غيره وأنه لو لم يرتكز في ذهنه عدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل في غسل الجنابة لم يكن وجه لسؤاله لم نتمكن من المساعده على ثبوت الامر الثالث بوجه لانه (ع) لم يقر السائل على ارتكازه ولا أنه تصدى لبيان العلاج وذلك: لوضوح أن نضح الماء إلى الجوانب المذكورة في الروايتين لو لم يكن معدا لسرعة جريان الغسالة، ورجوعها إلى مركز الماء فعلى الاقل لا يكون مانعا عن رجوعها، فان الارض إذا كانت رطبة تقتضي ذلك سرعة جريان الماء عليها إلا في بعض الاراضي، كما إذا كانت رخوة، إلا أن كون النضح في بعض الموارد النادرة كذلك لا يصحح الاطلاق في جواب الامام (ع) مع كثرة الاراضي الصلبة والنضح والرشح فيها توجبان سرعة رجوع الغسالة كما عرفت. فما أفاده (ع) لم يكن تعليما لطريق يمنع رجوع الغسالة إلى الماء. بل لو كان (ع) بهذا الصدد لم يكن محتاجا إلى الامر بالنضح أصلا، فانه في مندوحة من ذلك بامره بان يجعل الرمل أو التراب بين موضع غسله ومركز الماء. أو بامره بالاكتفاء باقل ما يجتزء به في الغسل، وهو صب الماء على بدنه قليلا وايصاله إلى جميع أطرافه بالمسح من دون أن تجري غسالته على الماء. فمن هذا كله يظهر انه (ع) لم يكن بصدد العلاج، وانما أمر

[ 357 ]

بالنضح لان ترتفع الكراهة به، أو لان لا تتقذر الماء عرفا، وقد ورد الامر بالنضح في الوضوء أيضا، ولعله من أحد آداب الوضوء والغسل بالماء القليل، وعليه فلا دلالة في الرواية على التقرير، بل تدل على ردع السائل عن ارتكازه، وكأنه (ع) نبه على أن رجوع الغسالة إلى الماء لا يمنع عن الاغتسال به، نعم يستحب مراعاة النضح وغيره من الآداب المستحبة في الوضوء والغسل. ويؤكد ما ذكرناه بل تدل عليه صريحا صحيحة علي بن جعفر عن أبي الحسن الاول (ع) قال: سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية، أو مستنقع ايغتسل منه للجنابة، أو يتوضأ منه للصلاة؟ إذا كان لا يجد غيره والماء لا يبلغ صاعا للجنابة، ولا مدا للوضوء، وهو متفرق فكيف يصنع، وهو يتخوف أن يكون السباع قد شربت منه؟ فقال: ان كانت يده نظيفة فليأخذ كفا من الماء بيد واحدة، فلينضحه خلفه، وكفا أمامه وكفا عن يمينه، وكفا عن شماله، فان خشي أن لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات، ثم مسح جلده بيده، فان ذلك يجز به، وان كان الوضوء غسل وجهه، ومسح يده على ذراعيه، ورأسه، وان كان الماء متفرقا فقدر ان يجمعه وإلا اغتسل من هذا، ومن هذا وان كان في مكان واحد وهو قليل لا يكفيه لغسله فلا عليه ان يغتسل ويرجع الماء فيه فان ذلك يجزيه (* 1). والوجه في دلالتها قوله (ع) فلا عليه أن يغتسل ويرجع الماء فيه. فانه صريح في جواز رجوع الغسالة إلى الماء وجواز رفع الحدث ثانيا بالماء المستعمل في غسل الجنابة. هذا وقد يبدو للنظر شبه مناقضة في الحديث، حيث انه (ع) فرض


(* 1) المروية في الباب 10 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 358 ]

الماء قليلا لا يكفيه لغسل ثم ذكرانه لا عليه ان يغتسل ويرجع الماء فيه. و (يدفعه): ان المراد من عدم كفاية الماء لغسله هو عدم كفايته للغسل المتعارف، وهو صب الماء على البدن واستيعابه لتمام البدن بنفسه، والمراد بالاغتسال في قوله، لا عليه ان يغتسل. هو الاغتسال على نحو آخر بان يصب الماء على بدنه قليلا ويوصله إلى تمام بدنه بالمسح (* 1). وقد يقال باختصاص الصحيحة بصورة الاضطرار، لقول السائل في صدرها (إذا كان لا يجد غيره) وعليه فلا يجوز الاغتسال بالماء المستعمل في رفع الحدث في غير صورة الاضطرار ووجدان ماء آخر غيره، ويندفع ذلك (أولا): بان الصحيحة ان اختصت بصورة الاضطرار فصحيحة ابن مسكان المتقدمة ايضا تختص بها، وهي التي عارضناها بصحيحة علي ابن جعفر المتقدمة، والوجه في ذلك: ان المفروض في تلك الصحيحة عدم تمكن الرجل من الاغتسال بماء آخر، ولا من ذلك الماء بوجه، وليس معه اناء ليأخذ به الماء ويغتسل في مكان بعيد كي لا ترجع غسالته إلى مركز الماء، فهو مضطر من الاغتسال بالماء في موضع قريب ترجع غسالته إليه فهما متعارضتان، وواردتان في صورة الاضطرار، وقد دلت احداهما على الجواز كما دلت الاخرى على المنع. و (ثانيا): ان فرض ورود الصحيحة في مورد الاضطرار بمعنى


(* 1) كما انه لا تنافي بين قوله (ع): فان خشي أن لا يكفيه وقوله غسل رأسه ثلاث مرات، لان المراد من خوف عدم كفايته هو خوف عدم كفايته مشتملا على بقية مندوبات الغسل أعني غسل رأسه ثلاثا وبدنه مرتين ومعناه انه إذا خشي عدم كفاية الماء لذلك فيكتفي بغسل رأسه ثلاثا فلا يغسل بدنه مرتين.

[ 359 ]

عدم وجدان ماء آخر في البين لا يكون فارقا فيما نحن بصدده، لان الفارق إنما هو تمكن المكلف من الاغتسال بالماء وعدمه، دون وجود ماء آخر وعدمه، وقد فرضنا تمكنه من الاغتسال بالماء على نحو لا ترجع غسالته إلى مركز الماء، بان يصب الماء على بدنه ويوصله إلى جميع أطرافه بالمسح، ومع تمكنه من الغسل بهذه الكيفية لو كان رجوع الغسالة إلى مركز الماء مخلا بصحة غسله فكيف رخص (ع) في اغتساله منه؟ لا ستلزامه رجوع الغسالة إلى الماء هذا كله في جواز الغسل ثانيا بالماء المستعمل في غسل الجنابة وقد عرفت طهارته وجواز استعماله في كل ما يشترط فيه الطهارة من شربه والتوضؤ والاغتسال به وغيرها. وأما القطرات المنتضحة في الاناء حين الاغتسال فهي غير مانعة عن الغسل من ماء الاناء حتى على القول بعدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل في غسل الجنابة. والوجه في ذلك: ان القطرات الناضحة لقلتها تندك في ماء الاناء وتستهلك فيه، فلا تجعله من الماء المستعمل في رفع الحدث. على أن المسأله منصوصة، وقد ورد في غير واحد من الاخبار عدم البأس بذلك (منها): صحيحة الفضيل (* 1) قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن الجنب يغتسل فينتضح من الارض في الاناء فقال: لا بأس، هذا مما قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج).


(* 1) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 360 ]

[ وأما الماء المستعمل في الاستنجاء (1) ولو من البول (2) فمع الشروط الآتية طاهر (3). ] الماء المستعمل في الاستنجاء القسم الرابع من الماء السمتعمل: (1) هدا هو القسم الرابع من أقسام الماء المستعمل، فهل هو كالمستعمل في رفع الحدث الاكبر والاصغر من حيث طهارته، وجواز استعماله في كل ما يشترط فيه الطهارة من شربه واستعماله في رفع الحدث والخبث؟ فيه خلاف بين الاعلام. ويقع الكلام في طهارته ونجاسته أولا، وبعد اثبات طهارته نتكلم ثانيا في كفايته في رفع الحدث والخبث وعدمها. وبناء على القول بطهارته لا بد في منع كفايته في رفعهما من إقامة الدليل عليه، فان مقتضى القاعدة كفاية الماء الطاهر في رفع كل من الحدث والخبث، وينعكس الامر إذا قلنا بنجاسته، فان جواز استعماله في رفع الحدث والخبت وعدم تنجيسه لما لا قاه يتوقف على إقامة الدليل عليه، فان القاعدة تقتضي عدم كفاية الماء المتنجس في رفع شئ من الحدث والخبث. (2) سنشير إلى الوجه في إلحاق الماء المستعمل في الاستنجاء من البول بالماء المستعمل في الاستنجاء من الغائط، مع عدم صدق الاستنجاء في البول فانتظره. (3) لا ينبغي الاشكال في أن القاعدة تقتضي نجاسة الماء المستعمل في الاستنجاء، لانه ماء قليل لاقي نجسا. وهو ينفعل بالملاقاة، كما أن مقتضى القاعدة منجسية كل من النجس والمتنجس لما لاقاه، ولا سيما إذا كان المتنجس

[ 361 ]

من المايعات فان تنجيس المتنجس وان كان مورد الخلاف بين الاصحاب، إلا أن منجسية الماء المتنجس أو غيره من المايعات مما لا خلاف فيه بينهم، وذلك لموثقة عمار الآمرة بغسل كل شئ أصابه ذلك (* 1) الماء وعليه فالماء المتسعمل في الاستنجاء نجس ومنجس لكل ما لا قاه هذا كله حسب بما تقتضيه القاعدة. وأما بالنظر إلى الاخبار: فقد دل غير واحد منها على عدم نجاسة الملاقي لماء الاستنجاء، أو على عدم البأس به على اختلاف السنتها، وهذه الاخبار وان وردت في خصوص الثوب إلا أن الظاهر أنه لا خصوصية له، ولا فرق بينه وبين سائر الملاقيات، وكيف كان لا إشكال في طهارة الملاقي لماء الاستنجاء ولا خلاف فيها بينهم. وإنما الكلام في وجه ذلك، وإن طهارته هل هي مستندة إلى طهارة الماء المستعمل في الاستنجاء وإلى ان عدم نجاسته من جهة عدم المقتضي لها فالسالبة سالبة بانتقاء موضوعها وخروج الملاقي لماء الاستنجاء عما دل على تنجس الملاقي للمايع المتنجس خروج موضوعي، أو أنها مستندة إلى مادل عليها تخصيصا لما دل على منجسية النجاسات والمتنجسات فماء الاستنجاء وان كان في نفسه محكوما بالنجاسة إلا أنه أنه لا ينجس ملاقيه؟ ولا بد في استكشاف ذلك من مراجعة روايات الباب. (فمنها): ما عن يونس بن عبد الرحمن، عن رجل، عن الغير،


(* 1) عمار بن موسى الساباطي، أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن رجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا، أو أغتسل منه. أو غسل ثيابه، وقد كانت الفأرة متسلخة، فقال: إن كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه، ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الاناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء. المروية في الباب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 362 ]

أو عن الاحول أنه قال ألبي عبد الله (ع) في حديث: الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به؟ فقال: لا بأس، فسكت فقال: أو تدري لم صار لا بأس به؟ قال: قلت: لا والله، فقال: إن الماء أكثر من القذر (* 1). وهذه الرواية لولا ما في ذيلها من التعليل لامكن أن يرجع نفي البأس في كلامه عليه السلام إلى الثوب ومعنى نفي البأس عن الثوب طهارته وعليه كانت الرواية ساكتة عن بيان طهارة الماء المستعمل ونجاسته، إلا أن التعليل المذكور يدلنا على أن نفي البأس راجع إلى الماء المستعمل في الاستنجاء، لانه أكثر من القذر فلا يتغير به، ولاجل طهارته لا ينجس الثوب فالسالبة سالبة بانتفاء موضوعها وان عدم نجاسة الملاقي، من جهة أنه لا مقتضي له. ولكن الرواية مع ذلك مخدوشة سندا ودلالة: أما بحسب السند، فلجهالة الرجل الذي روى عنه يونس فهي في حكم المرسلة، و (دعوى): أن يونس من أصحاب الاجماع فمراسيله كمسانيده (ساقطة): بما مر مرارا من عدم إمكان الاعتماد على المراسيل كان مرسلها أحد أصحاب الاجماع أم كان غيره. وأما بحسب الدلالة، فلانها في حكم المجمل حيث أن التعليل الوارد في ذيلها كبرى لا مصداق لها غير المقام، فان معناه أن القليل لا ينفعل بملاقاة النجس إلا أن يتغير به، وتقدم بطلان ذلك بأخبار الكر وغيرها مما دل على انفعال القليل بمجرد ملاقاة النجس وان لم يتغير به، والتغير إنما يعتبر في الكر فهذه الرواية ساقطة. و (منها): حسنة محمد بن النعمان الاحول بل صحيحته قال: قلت لابي عبد الله (ع) أخرج من الخلاء فأستنجي بالماء فيقع ثوبي في ذلك الماء


(* 1) المروية في الباب 13 من أبواب المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 363 ]

الذي استنجيت به؟ فقال: لا بأس به (* 1) وهذه الرواية وإن كانت تامة بحسب السند إلا ان دلالتها كالسابقة في الضعف، ذلك لان قوله (لا بأس به) يحتمل أن يكون راجعا إلى وقوع ثوبه في الماء، ويحتمل أن يرجع إلى نفس الثوب، فلا دلالة لها على طهارة الماء المستعمل في الاستنجاء. و (منها): موثقة محمد بن النعمان عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت له: أستنجي ثم يقع ثوبي فيه وأنا جنب؟ فقال: لا بأس به (* 2). وهذه الرواية ان قلنا أنها ناظرة إلى نفي البأس عما لاقته غسالة المني بقرينة قوله (وأنا جنب) فتخرج عما نحن بصدده، وهي حينئذ من أحد أدلة عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة. وأما إذا قلنا إنها ناظرة إلى نفي البأس عما لا قاه ماء الاستنجاء كما هو الاظهر لان اضافة قوله (وأنا جنب) مستندة إلى ما كان يتوهم في تلك الازمنة من نجاسة الماء الملاقي لبدن الجنب فحال هذه الرواية حال سابقتها من حيث عدم تعرضها لطهارة الماء المستعمل في الاستنجاء ونجاسته. و (منها): صحيحة عبد الكريم عتبة الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به أينجس ذلك ثوبه؟ قال: لا (* 3) وهي صريحة الدلالة على طهارة الملاقي لماء الاستنجاء، ولكنها غير متعرضة لطهارة نفس ذلك الماء ونجاسته، ولم تدل على ان عدم نجاسة الثوب مستند إلى طهارة الماء، أو مستند إلى تخصيص ما دل على منجسية المتنجسات فتحصل إلى هنا ان الاخبار الواردة في المقام كلها ساكتة عن بيان طهارة ماء الاستنجاء وإنماء دلت على طهارة ملاقية فحسب. وعليه فيقع الكلام في الحكم بطهارة الماء المستعمل في الاستنجاء من جهة


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في الباب 13 من أبواب المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 364 ]

استلزام الحكم بطهارة الملاقي الحكم بطهارة نفس الماء، أو من جهة الملازمة العرفية بين طهارة الملاقي وطهارة الملاقى: أما من ناحية استلزام الحكم بطهارة الملاقي طهارة نفس الماء فلا ينبغي الاشكال في أنه لا ملازمة بينهما عقلا، لاحتمال أن يكون الماء نجسا، وإنما لم ينجس الملاقي تخصيصا لعموم مادل على منجسية المتنجسات فلا مناص من التمسك بعموم مادل على انفعال الماء القليل بالملاقاه، ولا مجال للتمسك لعموم مادل على منجسية النجس والمتنجس كي تثبت باصالة عدم تخصيصه طهارة ماء الاستنجاء ويستكشف بذلك أن خروجه عن ذلك العموم تخصصي لا تخصيصي، فانه أو كان نجسا لكان الحكم بطهارة ملاقيه موجبا لتخصيص العموم. والوجه في عدم امكانه ما أشرنا إليه في محله من أن التمسك بالعموم إنما يسوغ فيما إذا شك في حكم فرد بعد احراز فرديته، والعلم بدخوله في موضوع العموم، كما إذا شككنا في وجوب اكرام زيد العالم، فانه لامانع في مثله من التمسك بعموم اكرام العلماء مثلا بمقتضى بناء العقلاء، وبه يثبت وجوب اكرامه، وأما إذا انعكس الحال، وعلمنا بالحكم في مورد وشككنا في أنه من أفراد العام، كما إذا علمنا بحرمة اكرام زيد، وترددنا أنه عالم أو جاهل فلم يثبت بناء من العقلاء على التمسك باصالة العموم لاثبات أنه ليس بعالم. ومقامنا هذا من هذا القبيل، لانا علمنا بعدم منجسية ماء الاستنجاء بمقتضي الاخبار المتقدمة وإنما نشك في أنه من أفراد الماء المتنجس ليكون عدم منحسيته تخصيصا في عموم مادل على منجسية الماء المتنجس، أو أنه طاهر حتى يكون خروجه عن ذلك العموم تخصصا، فلا يمكننا التمسك باصابة العموم، لاثبات طهارة ماء الاستنجاء. بل لا مناص من الرجوع إلى عموم مادل على انفعال القليل بالملاقاة وبه يحكم بنجاسته ونلتزم بتخصيص

[ 365 ]

[ ويرفع الخبث أيضا لكن لا يجوز استعماله في رفع الحدث (1) ولا في الوضوء ] ما دل على منجسية الماء المتنجس في خصوص ماء الاستنجاء، فان عمومه ليس من الاحكام العقلية غير القابلة للتخصيص، وعليه فالمتعين هو ما ذهب إليه الشهيد (قده) كما يأتي عن قريب من أن ماء الاستنجاء نجس لا يجوز استعماله في رفع شئ من الحدث والخبث. نعم ثبت العفو عن الاجتناب عن ملاقيه حسب الاخبار المتقدمة. وأما من جهة الفهم العرفي فلا ينبغي التأمل في أن العرف يستفيد من حكمه (ع) بعدم نجاسة الثوب الملاقي لماء الاستنجاء عدم نجاسته بأتم استفادة حيث لم يعهد عندهم وجود نجس غير منجس، ويزيد ذلك وضوحا ملاحظة حال المفتي والمستفتي، فانه إذا سأل العامي مقلده عما أصابه ماء الاستنجاء وأجابه بانه لا بأس به فهل يشك السائل في طهارة ماء الاستنجاء حينئذ؟! فكما ان الحكم بنجاسة ملاقي شئ يدل بالملازمة العرفية على نجاسة ذلك الشي نفسه كذلك الحكم بطهارة الملاقي يدل بالملازمة العرفية على طهارة ما لاقاه، فلا سبيل إلى انكار الملازمة العرفية بين الملاقي والملاقى من حيث الطهارة والنجاسة، فإذا ورد أن ملاقي بول الخفاش مثلا طاهر يستفاد منه عرفا طهارة بول الخفاش أيضا. وبهذا الفهم العرفي نحكم بطهارة ماء الاستنجاء شرعا، فيجوز شربه كما نجوز استعماله في كل ما يشترط فيه الطهارة من الغسل والوضوء ورفع الخبث على ما هو شأن المياه الطاهرة، إلا ان يقوم دليل خارحي على عدم كفايته في رفع الحدث أو الخبث. فإذا عرفت طهارة ماء الاستنجاء فيقع الكلام في انه مع الحكم بطهارته شرعا هل يكفي في رفع الخبث والحدث أولا يكفي في رفعهما أو أن فيه تفصيلا؟ (1) الاقوال في المسألة ثلاثة:

[ 366 ]

[ والغسل المندوبين ] (الاول) نجاسة ماء الاستنجاء وعدم جواز استعماله في رفع شئ من الخبث والحدث. نعم ثبت العفو عن الاجتناب عن ملاقيه بالروايات ذهب إليه الشهيد (قده) وكل من رأى نجاستة. (الثاني): طهارتة وجواز استعماله في رفع كل من الحدث والخبث اخباره صاحب الحدائق (قده) وقواه ونسبه إلى المحقق الاردبيلي (ره). في شرح الارشاد مستندا إلى انه ماء محكوم بالطهارة شرعا فيترتب عليه جميع الآثار المترتبة على المياه الطاهرة. (الثالث): الحكم بطهارتة وكفايته في رفع الخبث دون الحدث، ذهب إليه الماتن (ره) وجملة من محققي المتأخرين للاجماعات المنقولة على ان الماء المستعمل في ازالة الخبث لا يرفع الحدث. وقد ظهر بطلان القول الاول بما ذكرناه في المسألة المتقدمة لان الالتزام بنجاسة ماء الاستنجاء على خلاف ما تقتضيه الاخبار المتقدمة عرفا فلا مناص من الحكم بطهارته. وأما القولان الآخران فالاشبه بالقواعد منهما هو الذي اختاره صاحب الحدائق (ره) وذلك لعدم ثبوت ما يمنع عن استعمال ماء الاستنجاء في رفع الحدث بعد الحكم بطهارته شرعا، سوى الاجماعات المدعى قيامها على ان الماء المستعمل في ازالة الخبث لا يرفع الحدث كما ادعاه العلامة (قده) وتبعه جملة من الاعلام كصاحب الذخيرة وغيره. وهذه الاجماعات مختلفة فقد اشتمل بعضها على كبرى كلية طبقوها على ماء الاستنجاء، كالاجماع المدعى على أن الماء المزيل للنجاسة لا يرفع الحدث، حيث طبقوه على ماء الاستنجاء لانه أيضا ماء مزيل للنجاسة. واشتمل بعضها الآخر على دعوى الاجماع على عدم رافعية خصوص ماء الاستنجاء.

[ 367 ]

ولا يمكن الاعتماد على شئ من تلك الاجماعات، وذلك. (أما أولا): فلما أثبتناه في محله من عدم حجية الاجماعات المنقولة والاجماعات المدعاة في المقام من هذا القبيل، فان المراد بالاجماع المنقول هو الاجماع الذي لم يبلغ نقله حد التواتر كي يفيد القطع بقول المعصوم (ع) الاجماع غير واحد منهم، ومن الظاهر ان ما ادعاه العلامة وغيره من الاجماع غير مفيد للقطع بحكم الامام بعدم جواز استعمال ماء الاستنجاء في رفع الحدث، بل ولا يفيد الظن الشخصي أيضا بالحكم، وغاية ما هناك أن يفيد الظن نوعا، وهو مما لا يمكن الاعتماد عليه. (وأما ثانيا): فلان بعض مدعي الاجماع في المسألة في حكمه ذلك إلى رواية عبد الله بن سنان ومع العلم بمدرك المجمعين أو احتماله كيف يكون الاجماع تعبديا كاشفا عن قول الامام (ع) بل يكون الاجماع مدركيا ولا بد من مراجهة مدركه، فإذا ناقشنا فيه سندا أو دلالة يسقط الاجماع عن الاعتبار، ومن ذلك يظهر انا لو علمنا باتفاقهم أيضا لم يمكن ان نعتمد عليه، لانه معلوم المدرك أو محتمله فلا يحصل العلم من مثله بقول الامام (ع) (وأما ثالثا): فلان من المحتمل ان دعواهم الاجماع انما هي من جهة ذهابهم إلى نجاسة الغسالة مطلقا، وعلى ذلك فحكمهم بعدم ارتفاع الحدث بماء الاستنجاء على القاعدة، فان النجس لا يكفي في رفع الحدث فليس هذا من الاجماع التعبدي في شئ. وأما رواية عبد الله بن سنان (* 1) التي استند إليها بعض المانعين فهي التي قدمنا نقلها عن أحمد بن هلال حيث ورد فيها (الماء الذي يغسل بة الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابه لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه) وتقريب الاستدلال بها ان ذكر الوضوء في الرواية انما هو من باب المثال


(* 1) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 368 ]

والغرض مطلق رفع الحدث به فيعم الغسل أيضا كما ان الثوب ذكر فيها من باب المثال فان المستعمل في غسل غير الثوب أيضا محكوم بهذا الحكم، ويدل عليه ذبل الحديث (وأما الذي يتوضأ الرجل بة فيغسل وجهه ويده في شئ نظيف فلا بأس.) أو نلحق الغسل بالوضوء من جهة قولة (ع) وأشباهه أي لا يجوز الوضوء وأشباه الوضوء كالغسل، فالروايه تدل على ان الماء إذا غسل فيه شئ طاهر نظيف فلا بأس باستعماله في الوضوء والغسل. واما إذا غسل فيه شئ غير نظيف فلا يصح استعماله في رفع الحدث مطلقا، ومن ذلك يظهر حكم ماء الاستنجاء أيضا فان مقتضى الرواية عدم كفايته في رفع شئ من الغسل والوضوء حيث غسل بة شئ قذر. و (يدفعه): ان الرواية كما قدمناها ضعيفة سندا ودلالة: أما بحسب السند، فلاجل أحمد بن هلال الواقع في طريقها فانه مرمي بالنصب (تارة) وبالغلو (أخرى) وبما ان البعد بين المذهبين كبعد المشرقين استظهر شيخنا الانصاري (قده) ان الرجل لم يكن له دين أصلا (* 1). وأما بحسب الدلالة، فلان الاستدلال بها انما يتم فيما إذا قلنا بطهارة الغسالة مطلقا، أو بطهارة بعضها ونجاسة بعضها الآخر، حيث يصح أن يقال حينئذ ان الرواية دلت باطلاقها على أن الحدث لا يرتفع بالغسالة مطلقا ولو كانت محكومة بالطهارة كماء الاستنجاء. وأما إذا بنينا على نجاسة الغسالة فلا يمكن الاستدلال بها على عدم كفاية ماء الاستنجاء في رفع الحدث، حيث لابد حينئذ من الاقتصار على ورد الرواية، وهو الغسالة النجسة، ولا يمكن التعدي عنه إلى ماء الاستنجاء لانه محكوم بالطهارة ولعله (ع) انما منع عن استعمال الغسالة في رفع الحدث من جهة نجاستها، فالرواية لا تشمل ماء الاستنجاء كما ان اكثر المانعين لولا جهلم ذهبوا إلى نجاسة الغسالة


(* 1) تقدم ان الرجل موثق ولا ينافيه رميه بالنصب أو الغلو كما مر.

[ 369 ]

[ وأما المستعمل في رفع الخبث غير الاستنجاء (1) فلا يجوز استعماله في الوضوء والغسل. وفي طهارته ونجاسته خلاف والاقوى ان ماء الغسلة المزيلة للعين نجس، وفي الغسلة غير المزيلة الاحوط الاجتناب. ] مطلقا، ومن هنا ناقشنا في تماميه الاجماع المدعى على المنع فان اتفاقهم هذا مستند إلى نجاسة الغسالة عندهم وليس اجماعا تعبديا. فالمتحصل ان ما ذهب إليه صاحب الحدائق ونسبه إلى الاردبيلي (قده) من كفاية ماء الاستنجاء في رفع الحدث والخبث هو الاوفق بالقواعد، وإن كان الاحوط مع التمكن من ماء آخر عدم التوضؤ والاغتسال منه، كما أن الاحتياط يقتضي الجمع بينهما وبين التيمم في سعة الوقت لهما، ويقتصي تقديمهما على التيمم مع الضيق، فان الاكتفاء بالتيمم حينئذ خلاف الاحتياط. (1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: (أحدهما): في جواز استعماله في رفع الخبث والحدث. و (ثانيهما): في طهارتة ونجاستة. (وأما المقام الاول): فالكلام فيه هو الكلام في ماء الاستنجاء بعينه. فان قلنا بنجاسته فلا يجوز شربه، ولا استعماله في رفع الخبث والحدث، كما أنه إذا قلنا بطهارتة تصح ازالة الخبث به ويجوز استعماله في رفع الحدث، كما يجوز شربه، لانه ماء طاهر. ولا دليل على عدم جواز استعماله في رفع الحدث غير الاجماعات المنقولة، ورواية ابن هلال، وقد تقدم الكلام عليهما. و (أما المقام الثاني): فملخص الكلام فيه ان الغسالة ان كانت متغيرة بالنجاسة في أحد أوصافها فلا ينبغي الاشكال في نجاستها وهو خارج عن محل النزاع، وأما إذا لم تتغير بأوصاف النجس فقد وقع الخلاف في طهارتها بين الاعلام: فذهب في المتن إلى التفصيل بين غساله الغسلة المزيلة للعين فحكم بنحاستها، وبين غسالة الغسلة غير المزيلة أما لازالة العين قبلها بشئ أو لاجل عدم العين للنجاسة فاحتاط فيها بالاجتناب. وذهب جماعة

[ 370 ]

إلى نجاستها مطلقا، والتزم جماعة أخرى بطهارتها كذلك ومنهم صاحب الجواهر (قده) حيث استدل على طهارتها بوجوه، وأصر عليها غايته، بل جعل طهارتها من الواضحات، وهناك قول رابع وهو التفصيل بين غسالة الغسلة التي تتعقبها طهارة المحل فهي طاهرة سواء أكانت مزيلة للعين أم لم تكن، وبين غيرها مما لا تتعقبه طهارة المحل فهي نجسة: فإذا كان المتنجس مما يكفي في تطهيرة الغسل مرة واحدة فغسالة الغسلة الاولى طاهرة، لتعقبها بطهارة المحل، وأما إذا احتاج تطهيره إلى تعدد الغسالات فغسالة الغسلة الاخيرة هي المحكومة بالطهارة، لتعقبها بالطهارة دون غيرها من الغسلات ولعل هذا التفصيل هو الصحيح. ولا يخفى أن القول بطهارة الغسالة لا يحتاج إلى إقامة الدليل إذ الاصل في المياه هو الطهارة ونجاستها تحتاح إلى دليل. فان قام دليل على نجاسة الغسالة فهو، وإلا فلا مناص من الالتزام بطهارتها، ولابد في ذلك من النظر إلى أدلة القائلين بالنجاسة، وقد استدلوا على ذلك بوجوه: (أحدها): ما ادعاه العلامة (ره) من الاجماع على نجاسة الماء القليل المستعمل في غسل الجنابة والحيض إذا كان على بدن المغتسل نجاسة كما نقله في الحدائق. و (ثانيها): عموم مادل على انفعال الماء القليل بملاقاة النجس. و (ثالثها): الاخبار الدالة على نجاسة الغسالة بخصوصها كما يأتي عن قريب. (أما الوجه الاول): فيدفعه: أن الاجماع المدعى من الاجماع المنقول بخبر الواحد. وهو ممالا يمكن الاعتماد عليه، ولاسيما في أمثال المقام فان مورد كلام العلامة (قده) هو الماء، الذي يستعمله الجنب والحائض وعلى بدنهما نجاسة من دم أو مني، وهما لا يزولان بمجرد صب الماء على البدن ومعه يحكم

[ 371 ]

بنحاسة الماء، لملاقاته لعين النجس، وليس في هذا أي تناف للقول بطهارة الغسالة التي لم تكن معها عين، فللقائل بالطهارة أن يلتزم بنجاستها فيما إذا كانت معها عين النجس. و (أما الوجه الثايي): فيرده أن منطوق ما دل على أن الماء إذا بلغ كرا لا ينجسه شئ سالبة كليد، وهي عام افرادي ولها اطلاق بحسب الاحوال أيضا، ومفادها أن كل شئ صدق عليه عنوان الماء عرفا إذا بلغ قدر كر لا ينفعل بشئ في جميع حالاته كوروده على النجس وبالعكس وغير ذلك وأما مفهومه فهو كما بيناه في بحث انفعال القليل، ولبعض المباحث الاصولية موجبة جزئية، ومفادها ان الماء غير البالغ قدر كرينفعل بشئ، وليس لها عموم افرادي، ولا إطلاق أحوالي، فلا يستفاد منها في نفسها انفعال الماء القليل بملاقاة كل واحد من أفراد النجاسات نعم أثبتنا عمومها بمعونة القرينة الخارجية، وهي الاستقراء التام في أفراد النجاسات، والاجماع القطعي على عدم الفرق بين احادها من الكلب والميتة وغيرهما، وأيضا الحقنا المتنجسات بالاعيان النجسة بما دل على أن المتنجس منجس اما مطلقا أو فيما إذا لم يكن مع الواسطة كما قربناه في محله وبهذا كله نحكم بثبوت العموم، وإن الماء القليل ينفعل بملاقاة كل واحد من أفراد النجاسات والمتنجسات. وأما الاطلاق الاحوالي أعني انفعال الماء القليل بملاقاة النجس في جميع حالاتة فلا يستفاد من المفهوم. لانه موجبة حزئية، ولا دليل على العموم من القرائن الخارجية، فإذا لا دليل لنا على انفعال الماء القليل حال كونه غسالة. و (توضيح ذلك): ان المتنجس إذا كان ما يعتبر في تطهيره تعدد الغسل كالثوب المتنجس بالبول والاواني ونحو ذلك مما فيه عين النجس كما إذا كان في المتنجس عين النجاسة ولم تكن تزول تصب الماء عليه مرة واحدة والجامع أن لا تكون الغسلة الاولى متعقبة بطهارة المحل نلتزم فيه

[ 372 ]

بنجاسة الغسالة، لانه ماء قليل لاقى نجسا، ولا يفرق في ذلك بين حالاته بحسب الذوق العرفي كما بياة في رد تفصيل السيد المرتصى (ره) بين ورود القليل وكونه مورودا، فان العرف لا يرى فرقا بينهما بارتكازه، وإنما يرى انفعاله معلولا لمطلق الملاقاة ولو حال كونه غسالة واردا أو مورودا. وأما إذا كان المتنجس مما لا يعتبر في تطهيره تعدد الغسل كالمتنجس بغير البول فيما إذا كانت نجاسة حكمية، وكذا فيما إذا كانت عينية ولكن زالت عينها قبل غسلة، والجامع ان تكون الغسلة الاولى متعقبة بطهارة المحل فلا يمكن الحكم فيه بنجاسة الغسالة، والوجه فيه: أن القول بنجاسة الغسالة حينئذ يستلزم الالتزام باحد محذورين: فاما ان نلتزم بطهارة الماء القليل حين ملاقاته للمتنجس وما دام في المحل، ويحكم بنجاستة عند انفصالة عنه بالعصر أو بغيرة؟ وأما ان نقول بانفعاله من حين وصوله للمتنجس، ونجاسته مطلقا قبل انفصاله عنه وبعده، إلا أن خروجه من المتنجس يوجب الحكم بطهارة المتنجس كما هو صريح بعضهم. ولا يمكن الالتزام بشئ منهما: (أما أولهما): فلان القليل لو كان محكوما بالطهارة حال اتصالة بالمتنجس لم يكن وجه لنجاسته بعد الانفصال فلنا أن نسأل عن أنه لماذا تنجس بعد خروجه عن المحل مع فرض طهارته قبل الانفصال؟ و (دعوى): ان السبب في تنجسه إنما هي ملاقاته للمتنجس، وهي تقتصي انفعال الماء القليل على مادل عليه مفهوم روايات الكر (مندفعة): بأن أخبار الكر أنما تدل بمفهومها على نجاسة القليل من حين ملاقاتة للنجس أو المتنجس، ولا دلالة لها على انفعالها بعد ملاقاة النجس بزمان من دون أو يتنجس به حين ملاقاته، فهذا الالتزام بعيد عن الفهم العرفي. و (أما ثانيهما) فلان طهارة المحل مع فرض نجاسة الماء المستعمل

[ 373 ]

في تطهيره أمر بعيد وكيف يطهر بغسلة بالماء النجس! وذلك لانا إذا إذا بنينا على نجساسه الماء حال اتصاله بالمتنجس لزم الحكم بنحاسة المقدار المتخلف منه في الثوب بعد عصره وانفصال غسالتة، فان الماء لا ينفصل عن الثوب بتمامه، ومع نجاسته كيف يحكم بطهارة المحل! فلا مناص من الحكم بنجاسته، وكذا الحال فيما إذا كان المتنجس بعص الثوب، فان غسله يستلزم عادة سراية الماء إلى غير الموضع المتنجس منه، ولو بمقدار يسير، وإذا حكمنا بنجاسة الماء فلا محالة يوجب نجاسة غير الموضع المتنجس أيضا، فهذا الوجه كالوجه السايق بعيد عن الانظار العرفية، وإن كانا غير مستحيلين عقلا بحيت لو قام دليل على طهارة الثوب بذلك لم يكن مانع من الالتزام بطهارة المحل ونجاسة غسالتة كيف وقد عد الماتن (ره) خروج الغسالة من شرائط التطهير بالماء والتزم كغيره من الاعلام بانفعال الماء القليل حين اتصاله بالثوب وقد عرفت بعده، وان لم يكن في الاستبعاد بمثابة الوجه الاول فلا مناص حينئذ من الالتزام بطهارة الغسالة ولا يمكن الاستدلال على نجاستها في هذه الصورة بعموم أدلة انفعال القليل بالملاقاة، وذلك لانا وان بنينا على عدم التفرقة عرفا في انفعال الماء القليل بين حالاته، إلا أنه إنما يتم في الغسالة غير المتعقبة بطهارة المحل دون ما تتعقبه الطهاره، لاستلزام القول بانفعالة حال كونه غسالة الالتزام بأحد المحذورين المتقدمين، وقد عرفت استبعادهما حسب الفهم العرفي، ونحتمل وجدانا ان تكون للماء القليل حال كونه غسالة خصوصية تقتضي الحكم بعدم الانفعال، ومقتضى القاعدة طهارة الغسالة، لانها الاصل الاولى في المياه حتى يقوم دليل على نجاستها، وليس للمفهوم اطلاق أحوالى حتى يتشبث به في الحكم بنجاسة القليل في جميع حالاته. و (أما الوحه الثالث): فقد استدلوا على نجاسة الغسالة بعدة روايات:

[ 374 ]

(منها: رواية عبد الله بن سنان المتقدمة (* 1) حيث دلت على أن الماء الذي غسل به الثوب أو اغتسل فيه من الجنابة لا يصح استعماله في الوضوء وأشباهه، فلو كانت الغسالة طاهرة لم يكن وجه لمنع استعمالها في الوضوء. وترد هذا الاستدلال جهتان: (احداهما): ضعف سندها كما تقدم، و (ثانيتهما): المناقشة في دلالتها: وذلك لان المنع فيها من استعمال الغسالة في رفع الحدث حكم تعبدي وغير مستند إلى نجاستها. ومن هنا التزم جمع بطهارة ماء الاستنجاء ومنعوا عن استعماله في رفع الحدث فلا دلالة للرواية على نجاسة الغسالة بوجه. هذا غاية ما يمكن ان يقال في المنع عن دلالة الرواية على نجاسة الغسالة إلا ان الصحيح ان دلالة الرواية غير قابلة للمناقشة فيما نحن فيه كما اتضح في التكلم على الماء المستعمل في الاستنجاء في رفع الحدث الاكبر أو الخبث فالصحيح في المنع عن الاستدلال بالرواية هي الجهة الاولى فقط اعني ضعفها بحسب السند. و (منها): ما عن العيص بن القاسم، قال سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء، فقال: ان كان من بول، أو قذر، فيغسل ما أصابه (* 2) وقد رواها في الوسائل عن الشهيد في الذكرى وعن المحقق في المعتبر، ونقلها صاحب الحدائق عن الشيخ في الخلاف، وكأنه الاصل فيها ومع هذا لم يسندها في الوسائل إلى الشيخ. ثم ان للرواية ذيلا وهو (وان كان وضوء الصلاة فلا يضره) ولكن لم يثبت كونه من الرواية ومن هنا لم ينقله صاحب الوسائل (قده) وأسنده في الحدائق إلى بعضهم قائلا (وزاد بعضهم في آخر هذه الرواية. الخ)


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 375 ]

وكيف كان فقد دلت الرواية على نجاسة الغسالة ولاجلها حكم (ع) بغسل ما أصابه من الطشت. ويدفعه أيضا أمران: (أحدهما): المناقشة في سندها، حيث لم يعلم ان الشيخ نقلها من كتاب العيص، وهو الذي يعبر عنه بالوجادة، لاحتمال أن ينقلها عن شخص آخر نقلها عن العيص، وذلك الشخص المتوسط مجهول عندنا. فالرواية مقطوعة لا يعتمد عليها في شئ. نعم لو ثبت ان الشيخ نقلها عن كتاب العيص لم يكن مناص من الحكم بصحتها لان طريق الشيخ إلى كتاب العيص حسن على ما صرح به في الحدائق وغيره (* 1) إلا انه لم يثبت كما عرفت، ولم يظهر ان الرواية كانت موردا لاعتماده (قده) فانها لو كانت كذلك عنده لاوردها في كتابيه في الاخبار، ولم يوردها إلا في الخلاف، وكأنه نقلها على وجه التأييد، فان الفقيه قد يتوسع في الكتب الاستدلالية بما لا يتوسع في كتب الاخبار. و (ثانيهما): المناقشة في دلالتها بامر الامر بالغسل فيها مستند إلى نجاسة ما في الطست لا إلى نجاسة الغسالة، و (توضيحه): انه قد علق الحكم بغسل ما أصابه في الرواية بما إذا كان الوضوء من بول أو قذر، والبول من الاعيان النجسة يبس أم لم يبس، و (أما ما عن المحقق الهمداني) من أن البول قد يغسل بعد جفافه ولا تبقى له عين حينئذ (فظاهر الفساد) لوضوح ان البول من الاعيان النجسة سواء أكان رطبا


(* 1) بل طريقه إليه صحيح ثم ان الطريق وان وقع فيه ابن ابي جيد وهو ممن لم يذكر بمدح ولا قدح إلا انه لما كان من مشايخ النجاشي (قده) وهو قد التزم بان لا يروى عمن فيه غمز أو ضعف إلا مع واسطة بينه وبينه فيستفاد منه توثيق جميع مشايخه الذين روى عنهم من دون واسطة ومنهم ابن ابي جيد فلاحظ.

[ 376 ]

حال غسله أم كان يابسا. وكذا الحال في القذر، لانه أيضا بمعنى عين النجاسة من عذرة أو دم ونحوهما على ما تساعد عليه المقابلة بالبول، إذ القذر بفتح الذال غير القذر بكسره، فان االثاني بمعني المتنجس وما يتحمل القذارة وعلى هذا لابد في غسلهما من ازالة عينهما، وبذلك يتنجس الماء المزال به عين النجاسة لملاقاته لعين النجس، وأما ما يصب على المتنجس مستمرا أو ثانيا أو ثالثا فهو ماء طاهر كما مر إلا انه يتنجس بعد وقوعه في الطست بما فيه من الغسالة الملاقيه لعين النجس، فنجاسة ما في الطست مستندة إلى امتزاج الغسالة الثانية أو الثالثة مع القليل الملاقي النحس قبل زوالها وغير مستندة إلى نجاسة الغسالة كما لا يخفي فنجاسة الماء في الطست في مفروض الرواية مما لا خلاف فيه حتى من القائلين بطهارة الغسالة فلا يمكن الاستدلال بها على نجاسة الغسالة في محل الكلام. و (منها): موثقة عمار عن أبي عبد لله (ع) قال: سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات، يصب فيه الماء فيحرك فيه. ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرع ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه وقد طهر. الحديث (* 1) فلو كانت الغسالة طاهرة لم يكن وجه لوجوب افراغ الماء عن الاناء في المرتبة الثالثة. والجواب عن هذا أن مجرد حعل الماء في الاناء لا يوجب صدق عنوان الغسل بالماء القليل، ولا يتحقق بذلك مفهومه، مثلا إذا أخذ ماء بكفه أو جعل الماء في اناء ليشربه لا يقال أنه غسل كفه أو انائه بالماء، بل يتوقف صدق عنوان الغسل على افراغهما منه، فالامر بالافراغ من جهة


(* 1) المروية في الباب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 377 ]

تحقق عنوان الغسل الواجب ثلاث مرات في تطهير الاناء بالماء القليل، وغير مستند إلى نجاسة الغسالة. و (منها): الاخبار الناهية عن غسالة الحمام (* 1) فان الغسالة لو كانت طاهرة لم يكن وجه للنهي عن غسالة الحمام، وهذه الاخبار وإن كانت معارضة بما دل على طهارة غسالته (* 2) إلا أنها عللت طهارتها باتصال الغسالة بالمادة أو بماء الحياض الصغار المتصلة بالمادة بالانابيب، ومنها يظهر أن الغسالة محكومة بالنجاسة لولا اتصالها بمادتها. ولكن الاستدلال بهذه الاخبار إنما ينفع في مقابل القائلين بطهارة الغسالة مطلقا كما التزم بها صاحب الجواهر (ره) لان تلك الاخبار كما بيناها تدل على نجاسة الغسالة في نفسها، ولا ينفع على مسلكنا من التفصيل بين الغسلة المتعقبة بطهارة المحل وسائر الغسالات، وذلك لان غسالة الحمام مجمع غسالات متعددة كغسالة المني والدم والكافر والناصب وغيرها من الاعيان النجسة، والماء القليل إذا صب على عين النجاسة ينفعل بملاقاتها، وأما الغسالات الاخر المتعقبة بطهارة المحل فهي وإن كانت طاهرة في نفسها إلا أنها تتنجس في خصوص المقام من جهة اجتماعها مع الغسالة الملاقية لعين


(* 1) كما في موثقة ابن أبي يعفور عن عبد الله (ع) في حديث قال: وإياك أن تغتسل من غسالة الحمام. وفي روايته الاخرى: لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمام، وغيرهما من الاخبار المروية في الباب 11 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل. (* 2) كصحيحة محمد بن مسلم وغيرها من الاخبار الدالة على طهارة ماء الحمام المعللة في بعضها بأن ماء الحمام كماء النهر يطهر بعضه بعضا، وأنه بمنزلة الجاري وفي بعضها: إذا كانت له مادة وغيرها من الاخبار المروية في الباب 7 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 378 ]

الدم أو المني وغيرهما، وبذلك ينفعل مجمع الغسالة في الحمامات. ولا إطلاق في هذه الروايات كي يتمسك به في الحكم بنجاسة الغسالة مطلقا لا ختصاص الاخبار بغسالة الحمام، وهي تلاقي الاعيان المختلفة، فلا تشمل الغسالة غير الملاقية لعين النجس من الغسلة المتعقبة بطهارة المحل، فالمتحصل من جميع ذلك أنه لا دلالة في شئ من الاخبار المتقدمة على نجاسة الغسالة على الاطلاق فالغسالة من الغسلة المتعقبة بطهارة المحل باقية على طهارتها من غير حاجة إلى إقامة الدليل على طهارتها. بقي هنا شئ وهو ان شيخنا الهمداني (ره) ذكر في ضمن كلام في المقام أن استثناء الاصحاب خصوص ماء الاستنجاء عن عموم انفعال القليل بالملاقاة يشعر باختصاصه بالخروج، وعدم طهارة غيره من الغسالات، فانها أيضا لو كانت طاهرة لم يبق وجه لا ستثناء خصوص ماء الاستنجاء، لانه من أحد أفرادها. فتخصيصهم له بالذكر يدلنا على مسلمية نجاسة الغسالة عندهم. وهذا الذي أفاده متين إلا أن غاية ما يترتب على ذلك هو استكشاف نجاسة خصوص ما كان كنفس ماء الاستنجاء من الغسالات الملاقية لعين النجس دون الغسالة غير الملاقية له، لان ماء الاستنجاء غسالة لاقت لعين البول والعذرة بل ويتغير بهما كثيرا ولو في قطراته الاولية ومقتضى القاعدة نجاسته ولكنهم حكموا بطهارته تخصيصا لما دل على نجاسة الغسالة الملاقية للعين النجس فكأنهم ذكروا أن الغسالة الملاقية لا عيان النجاسات نجسة غير غسالة الاستنجاء، لما دل على طهارتها مع ملاقاتها للبول والعذرة، وليس في هذا أدنى دلالة على نجاسة الغسالة غير الملاقية للنجس.

[ 379 ]

[ (مسألة 1) لا إشكال في القطرات (1) التي تقع في الاناء عند الغسل، ولو قلنا بعدم جواز استعمال غسالة الحدث الاكبر. ] القطرات المتنضحة في الاناء (1) لا إشكال في أن القطرات الواقعة في الاناء من الماء المستعمل في رفع الجنابة غير مانعة عن الاغتسال بالماء الموجود في الاناء. وهذا على القول بجواز رفع الحدث بالماء المستعمل في الجنابة ظاهر، وأما على القول بالمنع فالامر أيضا كذلك، لعدم شمول أدلة المنع لماء الاناء. (بيان ذلك): ان ما دل على عدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل في الجنابة أحد أمرين: (أحدهما): الاجماع على أن الماء المستعمل في رفع الجنابة لا يرفع الحدث كما ادعاه بعضهم، وهو مضافا إلى عدم تماميته في نفسه، لوجود المخالف في المسألة لا يقتضي المنع عن استعمل ماء الاناء، لان الاجماع لم ينعقد على عدم جواز رفع الحدث بما وقعت عليه قطرات من الماء المستعمل، لذهاب أكثر الاصحاب إلى الجواز فالاجماع على المنع غير متحقق قطعا. و (ثانيهما): رواية عبد الله بن سنان التي دلت على عدم جواز الوضوء وأشباهه من الماء المستعمل في رفع الجنابة أو في رفع الخبث. وهي أيضا على تقدير صحتها سندا لا تشمل المقام، وذلك لان الموضوع للمنع فيها هو عنوان الماء المستعمل في إزالة الخبث أو رفع الحدث، ومن البديهي ان نضح قطرات يسيرة في ماء الاناء لا يوجب صدق عنوان الماء المستعمل عليه، لاستهلاك القطرات في ضمنه، وهذا لا بمعنى استهلاك الماء في الماء فان الشئ لا يستهلك في جنسه بل يوجب ازدياده، بل بمعنى أنه

[ 380 ]

يوجب ارتفاع عنوانه، فلا يصدق على ماء الاناء أنه ماء مستعمل في إزالة الخبث أو في رفع الحدث، فأدلة المنع لا تشمله. ثم على تقدير تسليم شمولها لماء الاناء ففيما ورد في المسألة من الاخبار غنى وكفاية (* 1) لدلالتها على عدم البأس بما ينتضح من قطرات ماء الغسل في الاناء. وما ذكرناه في المقام إذا كان المنتضح قطرة أو قطرات يسيرة مما لا إشكال فيه، وإنما الاشكال فيما إذا كانت كثيرة، كما إذا جمع غساله وألقاها على ماء آخر، وهو بمقدار ثلثه أو نصفه بحيث لم يستهلك أحدهما في الآخر فهل يصح الوضوء والغسل من مثله؟ ذهب شيخنا الانصاري (قده) إلى الجواز وهو الصحيح، والسر في ذلك: ان عدم ارتفاع الحدث بالماء المستعمل في رفع الجنابة على خلاف القاعدة، ومناف لطهوريته، فان الماء المستعمل طاهر ومقتضى إطلاق طهوريته جواز الا كتفاء به في رفع الحدث فهب أنا خرجنا عن مقتضى القاعدة برواية عبد الله بن سنان، وقد عرفت أن موضوع المنع فيها هو عنوان الماء المستعمل، ومن الظاهر ان الماء إذا تركب من المستعمل وغير المستعمل لم يصدق عليه عنوان المستعمل بوجه، لان المستعمل جزئه لا جميعه كما هو الحال في غيره من المركبات، فان الذهب مثلا لا يصدق على المركب من الفضة والذهب كما لا يصدق عليه الفضة أيضا، وكذا في غيره فان المركب من شئ لا يصدق عليه عنوان ذلك الشئ، ومع عدم صدق عنوان الماء المستعمل على المركب من المائين يبقى تحت إطلاقات طهورية الماء لا محالة


(* 1) ففي صحيحة الفضيل قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن الجنب يغتسل فينتضح من الارض في الاناء فقال: لا بأس هذا مما قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وكذا في غيرها من الاخبار المروية في الباب 9 من أبواب الماء المضاف والمستعمل من الوسائل.

[ 381 ]

[ (مسألة 2) يشترط في طهارة ماء الاستنجاء أمور: (الاول): عدم تغيره (1) في أحد الاوصاف الثلاثة. ] ومقتضاها جواز الاكتفاء به في رفع الحدث. وعلى الجملة الماء المستعمل إما أن يستهلك في ضمن ماء الاناء لقلته. وإما أن يندك ماء الاناء في المستعمل لكثرته. وأما ان يتركب الماء من كل منهما من دون استهلاك أحدهما في الآخر فعلى الاول لا إشكال في الجواز، لعدم صدق عنوان المستعمل عليه قطعا. وعلى الثاني لا إشكال في المنع، لصدق أنه ماء مستعمل جزما. وأما على الثالث فلا مانع فيه أيضا من الجواز، لفرض عدم صدق المستعمل على المركب منه ومن غيره إذ المركب من الداخل والخارج خارج. شرائط طهارة ماء الاستنجاء (1) وإلا فهو محكوم بالنجاسة، لعموم ما دل على نجاسة الماء المتغير بأوصاف النجس، والسر في هذا الاشتراط هو أن السؤال والجواب في روايات الباب ناظران إلى ناحية ملاقاة الماء القليل للعذرة فحسب، ولا نظر لهما إلى سائر الجهات، لان انفعال القليل بالملاقاة كان مرتكزا في أذهان الرواة ولاجله سألوهم عن حكم الماء القليل في الاستنجاء الملاقي لعين النجس وأجابوا بعدم انفعاله، فلا يستفاد منها طهارته فيما إذا تغير بأوصاف النجس أيضا، فان التغير ليس أمرا غالبيا في ماء الاستنجاء بل هو نادر جدا فيخرج عن إطلاقات الاخبار لا محالة. ثم إن أبيت عن ذلك وجمدت على ظواهر الاخبار بدعوى: أنها مطلقة، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في طهارة ماء الاستنجاء بين صورتي

[ 382 ]

[ (الثاني) عدم: وصول (1) نجاسة إليه من خارج. (الثالث) عدم التعدي الفاحش (2) على وجه لا يصدق معه الاستنجاء. ] تغيره وعدمه، واغمضت عن عموم ما دل على نجاسة الماء المتغير، وعدم معهودية ماء متغير لم يحكم عليه بالنجاسة شرعا من القليل والكثير وماء الانهار والآبار والامطار، ولم تلتفت إلى ان السؤال والجواب في الاخبار ناظر ان إلى عدم سببية ملاقاة النجاسة للانفعال في ماء الاستنجاء. (قلنا): ان النسبة على هذا بين أخبار ماء الاستنجاء، وما دل على نجاسة الماء المتغير عموم من وجه، لان الطائفة الاولى تقتضي طهارة ماء الاستنجاء مطلقا تغير بالنجس أم لم يتغير به، كما ان الطائفة الثانية دلت على نجاسة الماء المتغير كذلك سواء استعمل في الاستنجاء أم لم يستعمل فتتعارضان بالاطلاق في مادة الاجتماع، والترجيح مع الطائفة الثانية، لان فيها ما هو عام وهو صحيحة حريز: كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب. (* 1) وبما ان دلالته بالوضع فيتقدم على إطلاق الطائفة الاولى لا محالة، وبذلك يحكم بنجاسة ماء الاستنجاء عند تغيره بأوصاف النجس. (1) بان كانت يده متنجسة قبل الاستنجاء أو كان المحل كذلك أو تنجس بشئ أصابه حال الاستنجاء، والوجه في هذا الاشتراط هو ان أدلة طهاره ماء الاستنجاء إنما تقتضي عدم انفعاله بملاقاة عين الغائط أو البول حال الاستنجاء، واما عدم انفعاله بوصول النجاسة إليه خارجا فلم يقم عليه دليل، فيشمله عموم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس. (2) هذا في الحقيقة مقوم لصدق عنوان الاستنجاء وليس من أحد الشروط، وإنما ذكروه تنبيها، وحاصله اعتبار أن يكون الماء المستعمل


(* 1) المروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 383 ]

[ (الرابع): أن لا يخرج مع البول أو الغائط نجاسة أخرى (1) مثل الدم. نعم الدم الذي يعد (2) جزءا من البول أو الغائط لا بأس به. ] مما يصدق عليه انه ماء مستعمل في الاستنجاء الذي هو بمعنى غسل موضع الغائط المعبر عنه بالنجو وهذا إنما يصدق فيما إذا لم يتجاوز الغائط عن الموضع المعتاد واما إذا تجاوز عنه كما إذا كان مبتلى بالاسهال فأصاب الغائط فخذه أيضا فلا يصدق على غسل الفخذ عنوان الاستنجاء بوجه فيبقى الماء تحت عموم ما دل على انفعال الماء القليل، ولعل هذا مما لا خلاف فيه. (1) بمعنى انه كما يشترط في طهارة ماء الاستنجاء ان لا تصل إليه نجاسة من الخارج كذلك يشترط فيها عدم وصول النجاسة إليه من الداخل كالدم الخارج مع الغائط أو البول وهذا كما أفادوه، لما مر من ان الاستنجاء بمعنى غسل موضع النجو وهو الغائط، واما غسل الدم فهو ليس من الاستنجاء في شئ. (2) لا وجه لهذا الاستثناء، لان الدم الخارج من الغائط مثلا إن كان منعدما في ضمنه بالاستهلاك فلا كلام في طهارة الماء حينئذ إلا انه خارج عن اختلاط الدم بالغائط حيث لا دم ليعد جزء من الغائط. واما إذا لم يستهلك فيه وكان موجودا معه فتعود المناقشة المتقدمة ويقال: الاستنجاء. بمعنى غسل موضع النجو، ولا يصدق على غسل الدم وموضعه، فلا مناص من الحكم بنجاسته فهذا الاستثناء مشكل. وأشكل منه ما إذا خرج الدم مع البول، وذلك لانه لم يدل دليل لفظي على الماء المستعمل في إزالته، إذ الاستنجاء كما مر بمعنى غسل موضع النجو أو مسحه بالاحجار، والنجو هو مايخرج من الموضع المعتاد من غائط أو ريح، وهو لا يشمل البول. وغسله ليس من الاستنجاء في شئ

[ 384 ]

[ (الخامس): أن لا يكون فيه الاجزاء من الغائط (1) بحيث يتميز. وأما إذا كان معه دود أو جزء غير منهضم من الغذاء، أو شئ آخر لا يصدق عليه الغائط فلا بأس به (مسألة 3) لا يشترط في طهارة ماء الاستنجاء سبق الماء على اليد (2) وإن كان أحوط. ] إلا انا ألحقنا البول بالغائط من جهة الملازمة العرفية. لعدم معهودية الاستنجاء من الغائظ في مكان، ومن البول في مكان آخر إذ العادة جرت على الاستنجاء منهما في مكان واحد، وقد حكم على الماء المستعمل في ازالتهما بالطهارة، فيستفاد من ذلك طهارة الماء المستعمل في ازالة البول أيضا، والمقدار المسلم من هذه الملازمة هو طهارة الماء المستعمل في ازالة نفس البول. واما المستعمل في البول مع الدم فلم تتحقق فيه ملازمة، فان خروج الدم معه أمر قد يتفق، وليس أمرا دائميا أو غالبيا، فلا يمكن الحكم بطهارته. (1) والوجه في هذا هو ان المتعارف في الاستنجاء ما إذا بقى من النجاسة في الموضع شئ يسير بحيث لا يوجد شئ من أجزائها المتمايزة في الماء، وهو الذي حكمنا فيه بالطهارة. واما إذا كان الباقي في الموضع كثيرا خارجا عن العادة على نحو وجد بعض أجزائها في الماء متميزا حين الاستنجاء، أو بعد الفراغ عنه، فلا يمكن الحكم فيه بطهارة الماء، وذلك لان الاجزاء الموجودة في الماء نجاسة خارجية، وملاقاتها توجب الانفعال فلا مناص من الحكم بنجاسته. وأما ما دل على طهارة ماء الاستنجاء فهو إنما دل على ان ملاقاة الماء القليل لعين النجاسة في موضعها لا توجب الانفعال، دون ما إذا كانت الملاقاة في غير موضع النجس. (2) هذا هو الشرط السادس الذي اشترطه بعضهم في طهارة ماء

[ 385 ]

[ (مسألة 4) إذا سبق بيده بقصد الاستنجاء، ثم أعرض، ثم عاد لا بأس، إلا إذا عاد بعد مدة ينتفي معها صدق التنجس بالاستنجاء، فينتفي حينئذ حكمه (1). (مسألة 5) لا فرق في ماء الاستنجاء بين الغسلة الاولى والثانية في البول الذي يعتبر فيه التعدد (2). (مسألة 6) إذا خرج الغائط من غير المخرج الطبيعي، فمع الاعتياد (3) كالطبيعي، ومع عدمه حكمه حكم سائر النجاسات، في وجوب الاحتياط من غسالته. ] الاستنجاء إلا ان جملة من المحققين (قدس الله أسرارهم) لم يرتضوا باشتراطه، وهو الصحيح فان كلا من سبق اليد. وسبق اليد على الماء أمر متعارف في الاستنجاء، والاطلاق يشملهما وهو المحكم في كلتا الصورتين. نعم لو أصابت يده الغائط لا لاجل الاستنجاء بل بداعي أمر آخر لم يحكم عليها بالطهارة، لعدم صدق الاستنجاء عليه. (1) لاجل عدم صدق الاستنجاء في حقه. (2) ليس الوجه في ذلك هو الاطلاق كما في بعض الكلمات، حيث لا دليل لفظي على طهارة الماء المستعمل في إزالة البول حتى يتمسك باطلاقه بل مستنده هو الملازمة العرفية التي قدمنا تقريبها آنفا، فان العادة جرت على الاستنجاء من البول و الغائط في مكان واحد مرة أو مرتين، وقد حكم على المستعمل في ازالتهما بالطهارة. (3) قد فصل الماتن (ره) بين ما إذا كان خرو ج الغائط من غير الموضع المعتاد اعتياديا، كما إذا انسد مخرجه لمرض أو علاج، وجعلت له ثقبة أخرى ليخرج منها غائطه فحكم فيه بطهارة الغسالة، وما كان خروجه عنه اتفاقيا، كما إذا أصاب بطنه سكين فخرج من موضع اصابته غائط

[ 386 ]

[ (مسألة 7) إذا شك في ماء أنه غسالة الاستنجاء أو غير غسالة ساير النجاسات يحكم عليه بالطهارة (1) وإن كان الاحوط الاجتناب. ] فحكم في غسالته بالنجاسة، لانه أمر اتفاقي لا يطلق عليه الاستتجاء. ولكن ما أفاده في نهاية الاشكال، لان الاستنجاء لا يصدق على غسل موضع الغائط أو مسحه في ما إذا خرج من غير موضعه، إذ النجو هو ما خرج من الموضع المعتاد من ربح أو غائط، وليس معناه مطلق ما خرج من البطن، فالغائط الخارج من غير موضعه ليس بنجو، وغسله أو مسحه لا يسمى استنجاء، من دون فرق في ذلك بين كون الموضع العرضي اعتياديا وعدمه. هذا ولا أقل من انصراف الاخبار إلى الاستنجاء المتعارف. ما شك في كونه ماء الاستنجاء: (1) لقاعدة الطهارة، لاجل الشك في تأثر الماء وانفعاله، أو لاستصحابها لعلمه بطهارة الماء قبل استعماله وما ذكره (قده) يتوقف على القول بأن التخصيص ولو كان بمنفصل يوجب تعنون الباقي تحت العام بعنوان وجودي أو ما هو كالوجودي، وعليه فان عموم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس قد خصص بماء الاستنجاء، فلا محالة يتعنون الباقي بعنوان المستعمل في سائر النجاسات، أو بغير المستعمل في الاستنجاء، لان عنوان الغير نظير العنوان الوجودي، فيقال القليل المستعمل في سائر النجاسات أو غير المستعمل في الاستنجاء ينفعل بملاقاة النجس، ومن الظاهر أن صدق هذا العنوان على الغسالة المفروضة غير محرز، لاحتمال انه من المستعمل في الاستنجاء، ومع الشك في الانطباق لا يمكن التمسك بالعام، فيرجع فيه إلى قاعدة

[ 387 ]

[ (مسألة 8) إذا اغتسل في كر كخزانة الحمام، أو استنجى فيه لا يصدق (1) عليه غسالة الحدث الاكبر، أو غسالة الاستنجاء، أو الخبث. ] الطهارة كما مر. واما بناه على ما سلكناه من ان التخصيص بعنوان وجودي إنما يوجب تعنون العام بالعنوان العدمي فإذا ورد أكرم العلما ثم خصص بلا تكرم فساقهم يكون الباقي تحت العموم معنونا بالعالم الذي ليس بفاسق على نحو سلب الوصف، لان الظاهر من مثله عرفا أن صفة الفسق مانعة من الاكرام، فالعالم الذي لا تكون معه تلك الصفة هو الباقي تحت العموم لا العالم المقيد بالعدالة أو بغير الفسق، وعليه فالماء القليل في المقام المحكوم بالانفعال على تقدير ملاقاة النجس إنما يتقيد بأن لا يكون مستعملا في الاستنجاء وهو عنوان عدمي ولاوجه لتقييده بما يكون مستعملا في سائر النجاسات أو بغير المستعمل في الاستنجاء. وحينئذ لا مانع من إحراز ان المشكوك من افراد العموم بالاستصحاب لان الماء المشكوك فيه لم يكن متصفا بصفة ماء الاستنجاء في زمان وهو الآن كما كان، فهو ماء قليل لا قى نجسا بالوجدان وليس بماء الاستنجاء بحكم الاستصحاب فبضم الوجدان إلى الاصل نحرز انه من الافراد الباقية تحت العام ويحكم عليه بالانفعال، ومعه لا يبقى لقاعدة الطهارة أو لاستصحابها مجال. الماء المستعمل الكثير: (1) إذا بنينا على أن الماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر أو في الاستنجاء أو في سائر الاخباث على تقدير طهارته كما في الغسلة المتعقبة

[ 388 ]

بطهارة المحل لا يرفع الحدث فهل يختص هذا بالماء القليل أو يعم الكثير أيضا؟ الصحيح أن المنع يختص بالقليل، والمسألة اتفاقية بين الاصحاب. وقد ذكر المحقق (قده) في المعتبر أن هذا (المنع عن الاستعمال حتى في الكثير) لو تم لمنع من الاغتسال في البحر أيضا فيما اغتسل فيه جنب، أو استنجى به أحد، فانه على هذا لا يفرق بين كر وأكرار، وهو مما لا يمكن الالتزام به فالمنع مختص بالقليل. بل ان رواية عبد الله بن سنان التي هي سند القول بالمنع إنما دلت على تقدير تسليم دلالتها على عدم جواز رفع الحدث بالماء الذي اغتسل به الجنب أو أزيل به الخبث ومن الظاهر أن هذا كما ذكره شيخنا الانصاري (قدة) يختص بالماء الذي مس بدن الجنب وأصابه، إذ لولا مماسته وإصابته للبدن إما بوروده على الماء أو بورود الماء عليه لم يصدق عليه أنه ماء اغتسل به الجنب ومن الظاهر ان ذلك لا يصدق في مثل البحر والنهر والخرانة ونحوها إلا على خصوص الناحية التي اغتسل فيها الجنب، ولا يصدق على الناحية الاخرى التي لم يمس بدنه ولا أصابه فهل ترى صدق عنوان (الاغتسال به) على كأس منه إذا أخذناه من غير الناحية التي اغتسل فيها الجنب؟! وكذا الحال فيما إذا صب الكر على بدنه، لان ما ارتفع به حدثه، واغتسل به هو المقدار الذي مس بدنه دون غيره. نعم لو كانت العبارة المذكورة في الرواية (اغتسل فيه) بدل جملة فعلى هذا فالمقتضي للمنع في غير الطرف الذي اغتسل فيه الجنب قاصر في نفسه بل نقول إذا كان الماء القليل في ساقية طولها عشرون ذراعا مثلا، واغتسل الجنب في طرف منه لا يصدق على الطرف الآخر عنوان الماء الذي اغتسل به جنب، وكذا فيما إذا استنجى أو غسل ثوبه في ناحية منه،

[ 389 ]

وعليه فالمنع يختص بالا جزاء التي مست بدن الجنب عرفا دون غيره. ثم لو تنزلنا عن ذلك فهناك صحيحتان قد دلتا على عدم المنع من استعمال الماء الكثير في غسل الجنابة وان اغتسل به الجنب. (إحدهما): صحيحة صفوان بن مهران الجمال قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحياض التي ما بين مكة إلى المدينة تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، وتشرب منها الحمير، ويغتسل فيها الجنب ويتوضأ منها، قال: وكم قدر الماء؟ قال: إلى نصف الساق، وإلى الركبة فقال: توضأ منه (* 1) وذلك لوضوح أنه لا موضوعية لبلوغ الماء نصف الساق أو الركبة بل المراد بذلك بلوغه حد الكر، فان الماء الذي يرده الجنب في الصحاري ويغتسل فيه يبلغ حد الكر لا محالة، وقد رخص (ع) في رفع الحدث به، وان إغتسل فيه الجنب. و (ثانيتهما): صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: كتبت إلى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء، ويستقى فيه من بئر فيستنجي فيه الانسان من بول أو يغتسل فيه الجنب ما حده الذي لا يجوز؟ فكتب لا توضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه (* 1) والوجه في الاستدلال بها أن النهي فيها محمول على الكراهة، لعدم الفرق عند القائلين بالمنع بين حالتي التمكن والاضطرار. وقد ورد في رواية علي بن جعفر المتقدمة (من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومن إلا نفسه.) وهي أيضا قرينة على إرادة الكراهة من النهي في الصحيحة المتقدمة، لانها في مقام الارشاد إلى التحفظ من سراية الجذام. ثم إنه إذا بنينا على أن الماء الذي رفع به الحدث الاكبر أو استعمل في إزالة الخبث لا يجوز استعماله في رفع الحدث ثانيا وقلنا باختصاص هذا


(* 1) المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 390 ]

[ (مسألة 9) إذا شك في وصول نجاسة من الخارج أو من الغائط يبنى على العدم (1). (مسألة 10) سلب الطهارة أو الطهورية عن الماء في رفع الحدث الاكبر، أو الخبث استنجاء أو غيره، إنما يجري في الماء القليل دون الكر فما زاد (2) كخزانة الحمام ونحوها. ] الحكم بغير الكر من جهة الصحيحتين فلا موجب للتعدي من الكر إلى غيره من المعتصمات، لان الدليل قد دل باطلاقه على المنع من رفع الحدث بكل ماء استعمل في غسل الجنابة أو في رفع الخبث، وإنما خرجنا عن هذا العموم بهاتين الصحيحتين في خصوص الكر، وأما بقية المعتصمات فلم يقم على عدم المنع منها دليل، فان اعتصام ماء وعدم انفعاله لا ينافي عدم جواز استعماله في رفع الحدث، فالمطر وذو المادة وان كانا لا ينفعلان بشئ إلا ان ذلك لا يوجب ارتفاع الحدث بهما فيما إذا صدق عليهما عنوان الماء في غسل الجنابة، أو في رفع الخبث اللهم إلا أن يقوم إجماع قطعي على عدم الفرق في ذلك بين الكر وغيره من المياه المعتصمة. (1) قد عرفت أن طهارة ماء الاستنجاء مشروطة بعدم وصول نجاسة خارجية إليه فان أحرزنا ذلك فهو وإما إذا شككنا في إصابتها فالاصل أنه لم يلاق نجاسة أخرى وانها لم تصل إليه، وبالجملة النجاسة التي قد استنجى منها غير مؤثرة في نجاسة الماء، وغيرها مدفوع بالاصل. (2) هذا على سبيل منع الخلو، يريد بذلك سلب الطهارة والطهورية عن بعض أقسامه وسلب الطهورية عن بعضها الآخر، ولكنه تكرار للمسألة المتقدمة.

[ 391 ]

[ (مسألة 11) المتخلف في الثوب بعد العصر من الماء طاهر (1) فلو أخرج بعد ذلك لا يلحقه حكم الغسالة. وكذا ما يبقى في الاناء بعد اهراق ماء غسالته. ] الماء المتخلف بعد العصر (1) هناك أمران: (أحدهما): طهارة المتخلف في الثوب بعد عصره بالمقدار المتعارف. و ((ثانيهما: أن المتخلف فيه إذا أخرج بعد ذلك لا يكون غسالة فلا يلحقه حكمها، وليس الامر الثاني متفرعا على الاول بأن يكون عدم كونه غسالة مستندا إلى طهارته، لانه ليس كل غسالة نجسا حتى يتوهم أن الماء إذا حكم عليه بالطهارة فهو ليس بغسالة، وهذا كغسالة الاستنجاء وغسالة الغسلة المتعقبة بطهارة المحل على ما اخترناه. وعليه فتفريعه (قده) بقوله فلو اخرج. الخ في غير محله، فلو انه كان عكس الامر وقال ان المتخلف في الثوب ليس بغسالة فهو طاهر كان أولى، وكيف كان فلا اشكال في حكم المسألة، فانه لا اشكال في ان المختلف في الثوب بعد عصره ماء آخر وليس من الغسالة في شئ، فان الغسالة هي ما يغسل به الشئ، والذي غسل به الثوب مثلا هو الماء المنفصل عنه بالعصر المتعارف، ولم يغسل بالماء الذي لم ينفصل عنه، لما تقدم من ان مفهوم الغسل متقوم باصابة الماء للمغسول به وانفصاله عنه، فلا يتحقق الغسل من دون انفصال الماء، فالغسالة هي الماء المنفصل عنه بالعصر، وبخروجها يتصف المحل، بالطهارة وان كان رطبا، لوضوح عدم اشتراط صدق الغسل بيبوسة المحل، ومع صدقه لا مناص من الحكم بطهارة المحل، ومعه تتصف الاجزاء المتخلفة فيه بالطهارة، ولا يصدق

[ 392 ]

[ (مسألة 12) تطهر اليد تبعا بعد التطهير، فلا حاجة إلى غسلها (1) وكذا الظرف الذي يغسل فيه الثوب ونحوه. ] عليها عنوان الغسالة إذا انفصلت عن الثوب بعد ذلك. وكذا الحال في غسل الاواني إذ الماء بعد اصابتها وانفصاله عنها وهما المحققان لمفهوم الغسل يبقى فيها شئ من أجزائه وهو طاهر ولا يعد من الغسالة كما مر فلو كثرت الاواني أو الثياب واجتمع من مياهها المتخلفة فيها مقدار أمكن به الوضوء أو الغسل لم يكن مانع من استعماله فيهما بعد الحكم بطهارته، وعدم صدق الغسالة عليه. طهارة اليد ونحوها بالتبع (1) وقد استدل على طهارة اليد والظرف بالملازمة، واستبعاد الحكم بنجاستهما مع طهارة المغسول من دون أن يتنجس بهما، فبالسكوت في مقام الحكم بطهارة المغسول، وعدم التعرض لحكم اليد والظرف يستكشف طهارتهما بتبع طهارة المغسول، وقد ذكروا نظير ذلك في يد الغاسل وفي السدة والخرقة في غسل الميت، وحكموا بطهارتها بالتبعية هذا. ولكن الصحيح انه لا دليل على طهارة اليد والظرف بتبع طهارة المتنجس المغسول. نعم الغالب غسلهما حتى غسل المتنجس، وعليه فطهارتهما مستندة إلى غسلهما كما ان طهارة المغسول مستندة إلى غسله، حيث لا يعتبر غسلهما عليحدة، ولا مانع من تطهير هما معه فيحكم بطهارة الجميع مرة واحدة. نعم لو أصاب الماء أعالي اليد والظرف في الغسله الاولى فيما يحتاج فيه إلى تعدد غسله، ولم يبلغه الماء في الغسلة المطهرة لم يكن الحكم بطهارتهما بالتبعية، لعدم الدليل عليه و (بعبارة

[ 393 ]

اخرى) إنما نحكم بطهارة اليد والمركن عند تطهير الثياب مثلا، لا نغسالهما بغسل الثوب، لا لاجل تبعيتهما للثوب في الطهارة إذ لا شاهد على الطهارة التبعية في المقام هذا كله في اليد والظرف. وأما طهرة يد الغاسل أو السدة والخرقة فسيأتي الكلام عليها في محله ان شاء الله. بقيت هناك شبهة وهي ان مقتضى صحيحة محمد بن مسلم (* 1) كفاية غسل المتنجس بالبول في الركن مرتين في تطهيره، ومقتضى ما قدمناه هو الحكم بطهارة المركن أيضا، لا نغساله بغسل الثوب فيه مرتين، مع ان الحكم بطهارة مثله لا يستقيم إلا على القول بالتبعية، فان الوجه في طهارته لو كان هو انغساله يغسل الثوب فيه لم يمكن الحكم بطهارته بمجرد غسله مرتين. لان المركن من قبيل الاواني، وهي لا تطهر إلا بغسلها ثلاث مرات على ما نطقت به موثقة عمار (* 2) فالحكم بطهارته بغسل الثوب فيه مرتين لا وجه له غير القول بطهارته بتبع طهارة الثوب. و (يدفعها): ان الآنية في لغة العرب عبارة عن الظروف المستعملة في خصوص الاكل والشرب أو فيما هو مقدمة لهما كالقدر، ولم يظهر لنا مرادفها في الفارسية وليس معناها مطلق الظروف، وعليه فلا يعتبر في تطهير المركن غسله ثلاث مرات، لا ختصاص ذلك بالآنية. بل وكذلك الحال في ما ورد من النهي عن استعمال أواني الذهب والفضة، فان الحرمة مختصة بما هو معد للا كل والشرب أو لما هو مقدمة لهما، ولا تعم مطلق


(* 1) المروية في الباب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 394 ]

[ (مسألة 13) لو أجري الماء على المحل النجس زائدا على مقدار يكفي في طهارته فالمقدار الزائد بعد حصول الطهارة طاهر (1) وان عد تمامه غسله واحدة ولو كان بمقدار ساعة، ولكن مراعاة الاحتياط أولى: (مسألة 14) غسالة ما يحتاج إلى تعدد الغسل كالبول - مثلا - إذا لاقت شيئا لا يعتبر فيها التعدد (2) وإن كان أحوط. ] الظروف وان لم تكن آنية، وعلى الجملة ينحصر الوجه في طهارة المركن واليد بما أشرنا إليه أنفا من انغسالهما بغسل الثوب ونحوه. (1) فان الماء الجاري عليه زائدا على المقدار المعتبر في غسله وطهارته لا يعد من الغسالة في شئ فلا يحكم بنجاسته على تقدير القول بنجاستها كما لا نمنع عن جواز استعماله في رفع الحدث إذا قلنا بالمنع في الغسالات، والوجه فيه: ان المعتبر في تطهير المتنجس هو اجراء الماء عليه على نحو يعد غسلا عرفا، وقد أسلفنا ان الغسل يتحقق بخروج الغسالة وانفصال الماء عن المغسول به، وعليه إذا أجرينا الماء على متنجس، وأزلنا به عين النجس ثم انفصلت عنه غسالته فقد طهر بحكم الشرع، فالماء الجاري عليه بعد المقدار الكافي في طهارته ماء ملاق للجسم الطاهر، ولا يعد من الغسالة كي لا يرتفع بها الحدث على القول به، بل الغسالة هي الماء الخارج بعد اجراء الماء عليه بمقدار يكفي في غسله، وأما ما ذكره الماتن من الاحتياط باحتمال عد مجموع ما يخرج منه غسالة، لا تصاله فهو ضعيف غايته. عدم اعتبار التعدد في ملاقي الغسالة (2) إنما تعرض (ره) لهذه المسألة في المقام لمناسبة طفيفة، وحقها أن تؤخر إلى محبث المطهرات، ويتكلم هناك في ان التعدد في الغسل يعتبر

[ 395 ]

في أي غسالة، ولا يعتبر في أيها، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله وإنما نتكلم عنها بمقدار يناسب المقام، فنقول: الكلام في هذه المسألة يقع من جهتين: (إحداهما): من جهة الاصل العملي، وانه إذا شككنا في طهارة شئ ونجاسته بعد غسله مرة واحدة لاختلاف النجاسات في ذلك حيث يعتبر في بعضها الغسل مرتين كما في البول، وتكفي المرة الواحدة في بعضها الآخر كما يعتبر في بعضها الغسل سبع مرات فهل يرجع فيه إلى استصحاب النجاسة للعلم بتحققها سابقا والشك في زوالها بالغسل مرة، أو ان المرجع حينئذ هي قاعدة الطهارة؟ وهذه المسألة تبتني على جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية وعدمه، فعلى الاول يرجع في المقام إلى استصحاب النجاسة حتى نتيقن بزوالها كما انه على الثاني يرجع إلى قاعدة الطهارة. و (ثانيتهما): من جهة الدليل الا جتهادي وانه إذا بنينا على جريان استصحاب النجاسة في أمثال المقام فهل هناك دليل اجتهادي من عموم أو اطلاق يقتضي كفاية الغسل مرة كي يمنع عن جريان الاصل العملي حينئذ؟ هذه الجهة هي التي يقع الكلام فيها في المقام، واما الجهة الاولى فتحقيقها موكول إلى محله وقد ذكرنا فيه ان الصحيح عدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية فنقول: الصحيح ان في المقام اطلاقات تقتضي الاكتفاء في تطهير المتنجسات بالغسل مرة واحدة وهي مانعة عن جريان استصحاب النجاسة، وبها نحكم بكفاية الغسل مرة فيما لا قته غسالة متنجسة، ولا تجري أحكام المتنجس إلى غسالته فلا نعتبر التعدد في غسالة ما يعتبر فيه التعدد. ومن هنا اتفق الاصحاب (قدهم) على عدم وجوب التعفير فيما لا قاه الماء المستعمل في تطهير ما ولغ فيه الكلب وعلى كفاية غسله مره واحدة، وعلى الجملة ان

[ 396 ]

مقتضى تلك الاطلاقات الاكتفاء بالغسل مرة واحدة في تطهير أي متنجس من أي نجس. ويستفاد هذه الاطلاقات من الاوامر الواردة في غسل المتنجسات من دون تقييده بمرتين أو أكثر، واليك بعضها: (منها): صحيحة زرارة قال: قلت له أصاب ثوبي دم عارف أو غيره أو شي من مني فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت ثم أني ذكرت بعد ذلك قال: تعيد الصلاة وتغسله. قلت: فاني لم أكن رايت موضعه وعلمت أنه أصابه فطلبته فلم أقدر عليه، فلما صلت وجدته، قال: تغسله وتعيد. الحديث (* 1) حيث اشتملت عى الامر بغسل الثوب المتنجس من دون أن يقيده بمرتين أو أكثر. و (منها): موثقة عمار السابطي، عن أبي عبد الله (ع) أنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب ولا تحل الصلاة فيه، وليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلي فإذا أصاب ماء غسله وأعاد الصلاة (* 2) وقد دلت على أن الثوب إذا لم تحل فيه الصلاة لنجاسته لا لاجل مانع آخر ككونه مما لا يؤكل لحمه بقرينة قوله بعد ذلك: وليس يجد ماء يغسله يطهر بمطلق غسله من دون تقييده بمرتين أو أكثر. و (منها): ما عن أبي الحسن (ع) في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام إلا أن يعلم أنه قد نجسه شي بعد المطر، فان أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله وإن كان الطريق نظيفا لم تغسله (* 3) ومنها غير ذلك من الاخبار الواردة في أبواب النجاسات الآمرة بمطلق الغسل في تطهير المتنجسات يقف عليها المتتبع في تلك الابواب. هذا كله على أن القذارة


(* 1) المروية في الباب 42 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 45 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 75 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 397 ]

[ مسألة 15) غسالة الغسلة الاحتياطية استحبابا يستحب (1) الاجتناب عنها. فصل الماء المشكوك نجاسته طاهر (2) إلا مع العلم بنجاسته سابقا، والمشكوك ] الشرعية كالقذارات العرفية، فكما يكتفى في الثانية بازالتها بالغسل فلتكن الاولى أيضا كذلك من دون أن يتوقف على تعدد الغسل. (1) وذلك لان حال ماء الغسلة حينئذ حال المغسول به بعينه فكما ان استحباب الاجتناب عنه بملاك احتمال نجاسته، لان قاعدة الطهارة أو استصحابها تقتضي طهارته، فكذلك غسالته بناء على نجاسة الغسالة أو عدم جواز استعمالها في رفع الحدث، فان قاعدة الطهارة وإن كانت تقتضي طهارتها إلا أن ملاك استحباب الاجتناب وهو احتمال نجاسة الغسالة أو عدم كفايتها في رفع الحدث يرجح الاجتناب عنها، كما كان يقتضي ذلك في نفس المغسول به. فصل في الماء المشكوك (2) حتى يعلم نجاسته ولو بالاستصحاب كما إذا كان مسبوقا بالنجاسة ويدل على ذلك قوله (ع) في موثقة عمار: كل شي ء نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد قذر. (* 1) وقوله (ع) الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر (* 2) ويدل عليه أيضا جميع ما دل على حجية الاستصحاب بضميمة


(* 1) المروية في الباب 37 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كما في رواية حماد بن عثمان المروية في الباب 1 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 398 ]

[ إطلاقه لا يجري عليه حكم المطلق (1) إلا مع سبق إطلاقه والمشكوك إباحته محكوم بالاباحة (2) إلا مع سبق ملكية الغير أو كونه في يد الغير المحتمل كونه له. ] ما دل على طهارة الماء في نفسه. (1) لان الشك في إطلاق مايع واضافته بعينه هو الشك في أنه ماء أو ليس بما فلابد في ترتيب الآثار المرغوبة من الماء عليه من رفع الحدث أو الخبث من اثبات أنه ماء، فان أحرزنا ذلك ولو بالاستصحاب فهو، وإلا فلا يمكننا ترتيب شئ من آثار الماء عليه. (2) للبحث في ذلك جهتان: (إحداهما): حلية التصرفات فيه من أكله وشربه وصبه وغيرها من الانتفاعات المترقبة منه. و (ثانيتهما): صحة بيعه وغيرها من الآثار المتوقفة على الملك. (أما الجهة الاولى): فلا ينبغي الاشكال في جواز الانتفاعات والتصرفات الواقعة فيه، لقوله (ع): كل شي لك حلال حتى تعلم انه حرام (* 1) وقد يقال كما أشار إليه شيخنا الانصاري (قده) في ذيل تنبيهات البراءة بأن الاموال خارجة عن اصالة الحلية والاصل فيها حرمة التصرف حتى يعلم حليته للاجماع، ولرواية محمد بن زيد الطبري: لا يحل مال إلا من وجه أحله الله (* 2) حيث دلت على ان الاموال محكومة


(* 1) قدمنا ان هذه الجملة وردت في عدة روايات وبينا مواضعها في تعليقة ص 313 فراجع. (* 2) الوسائل الباب 3 من أبواب الانفال وما يختص بالامام عن محمد بن الحسن وعن علي بن محمد جميعا عن سهل عن أحمد بن المثنى عن محمد ابن زيد الطبري قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي =

[ 399 ]

بالحرمة حتى يتحقق سبب حليتها، ومع الشك في وجود السبب المحلل يجري الاصل في عدمه. ولكن الصحيح ان الاموال كغيرها فتجري فيها إصالة الحل ما لم يعلم حرمتها، بدلالة دليل أو قيام أصل مثبت لحرمتها، وذلك: لان الاجماع المدعى لا نطمئن بكونه تعبديا كاشفا عن رأي الامام، وأما الرواية فيدفعها: (أولا): ضعف سندها حيث ان جملة ممن وقع في طريقها مجاهيل والمجلسي (ره) وان قوى وثاقة سهل بن زياد، إلا انها لم تثبت كما لم تثبت وثاقة غيره من رجال السند. و (ثانيا): ان الرواية قاصرة الدلالة على المدعى، لان المراد من قوله (ع) لا يحل مال. الخ لو كان هو ما ادعاه المستدل من ان كل مال محكوم بحرمة التصرف فيه حتى يتحقق سبب حليته لم تكن فيه جهة ارتباط بالسؤال، حيث ان السائل إنما سأله عن الاذن في التصرف في الخمس، وهل له ربط بحرمة التصرف في الاموال حتى يتحقق سبب حليته؟! فالظاهر ان مراده (ع) بذلك الاشارة إلى قوله (* 1) عز من قائل: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض، فان الخمس ملكهم عليهم السلام. فلو أرادوا الاذن لاحد في التصرف


= أبي الحسن الرضا (ع) يسأله الاذن في الخمس فكتب إليه (بسم الله الرحمن الرحيم) ان الله واسع كريم ضمن على العمل الثواب، وعلى الضيق الهم، ولا يحل مال الا من وجه أحله الله، ان الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالنا، وعلى موالينا (أموالنا) وما نبذله، ونشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته. الحديث. (* 1) النساء 4: 29.

[ 400 ]

فيه لم يجز ذلك إلا في ضمن معاملة عن تراض من هبة أو بيع أو غيرهما من الاسباب المحللة للتصرف وإلا كان من أكل المال بالباطل. ثم اعتذر (ع) عن إيقاع المعاملة على الخمس بأن الخمس عوننا على ديننا ودنيانا فلا نتمكن من هبته، ولا من غيرها من المعاملات، وهذا لا لاجل عدم جوازها شرعا، بل لان الخمس عونهم على معيشتهم وبذلهم فلو خرج من أيديهم لم يتمكنوا من المعيشة والبذل، وعليه فالرواية أجنبية عن المقام رأسا. و (ثالثا): لو أغمضنا عن سندها ودلالتها فاصالة الاباحة والحلية من أحد الاسباب بالمحللة للتصرف في المال المشكوك إباحته هذا كله في الجهة الاولى. و (أما الجهة الثانية): أعني جواز ترتيب الآثار المتوقفة على الملك فالتردد في أن المال ملكه أو ملك غيره يتصور على وجوه: (الاول): ما إذا كان المال مسبوقا بالاباحة والحلية الاضليتين، وقد علم بسبق أحد إليه بالحيازة ولا يعلم أنه هو نفسه أو غيره، ولا مانع في هذه الصورة من استصحاب بقاء المال على إباحته السابقة إلى زمان الشك، وهو يقتضي الحكم بحلية المال له فعلا، ومعناه عدم تسلط الغير عليه بالحيازة وإلا لم يكن مباحا في حقه، وبعد ذلك يتملكه بالحيازة، فيثبت بالاستصحاب انه مال لم يتملكه غيره وهو الموضوع للتملك شرعا، وبضمه إلى الوجدان أعني تملكه يثبت أنه ملكه، ويترتب عليه جميع آثار الملكية من الانتفاعات والمعاملات. (الثاني): ما إذا كان المال حينما وجد وجد مملوكا له أو لغيره من غير أن تكون له حالة سابقة متيقنة ولا يجوز في هذه الصورة ترتيب آثار الملك عليه، وهذا كما في البيضة لا يدري أنها لدجاجته أو لدجاجة غيره

[ 401 ]

أو الثمرة لشجرته أو لشجرة غيره أو الصوف لغنمه أو لغنم غيره، إلى غير ذلك من الامثلة. وفي هذه الصورة يجري استصحاب عدم دخوله في ملكه بسبب من الاسباب، فان الملكية إنما يتحقق بأسبابها وهي مشكوك التحقق في المقام، والاصل عدم تحققها، ولا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم دخوله في ملك الغير بأسبابه، فانه لا يثبت به دخوله في ملك نفسه. هذا ثم لو سلمنا جريان كلا الاصلين وتساقطهما بالمعارضة، فلنا أن نجري الاصل في النتيجة المترتبة عليهما، لانه إذا شككنا في صحة بيعه حينئذ من جهة تعارض الاصلين نستصحب عدم انتقاله إلى المشتري، وهو معنى فساد البيع، وعلى الجملة لا يجوز في هذه الصورة شئ من التصرفات المتوقفة على الملك. وأما سائر التصرفات من أكله وشربه وأمثالهما فلا إشكال في جريان أصالة الحال، والحكم بجوازها. لانها مشكوك الحرمة حينئذ. وكل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام. (الثالث): ما إذا كان المال ملكا لاحد سابقا ثم علم بانتقاله اما إليه أو إلى غيره وفي هذه الصورة أيضا لا يمكن ترتيبب شئ من الآثار المتوقفة على الملك، لاستصحاب عدم دخول المال في ملكه بأسبابه، لان الملك يتوقف على سبب لا محالة، وهو أمر حادث مشكوك والاصل عدمه، ولا يعارضه استصحاب عدم دخوله في ملك الغير، لانه لا يثبت دخوله في ملك نفسه، ثم على تقدير جريانهما وتساقطهما بالمعارضة لا مانع من الرجوع إلى الاصل الجارى في النتيجة أعني اصالة عدم انتقاله إلى المشتري إذا شككنا في صحة بيعه كما ذكرناه في الصورة المتقدمة. هذا على أنا لو قلنا يجريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي

[ 402 ]

لم يكن مانع من استصحاب ملكية الغير في المقام. لان ذلك الكلي كان متحققا في ضمن فرد أعني المالك السابق وهو قد ارتفع قطعا، ونشك في قيام غيره مقامه فنستصحب كلي ملك الغير، وبهذا يثبت عدم كونه ملكا له، إلا أنا لا نقول بالاستصحاب في القسم الثالث من الكلي. وأما بالاضافة إلى سائر التصرفات فهل تجري فيها أصالة الحل؟ قد يقال بجريانها، لانها مشكوك الحرمة والحلية، ومقتضى عموم كل شئ لك حلال إباحتها كما في الصورتين المتقدمتين، إلا أن الصحيح عدم جريانها في هذه الصورة، وذلك لان المال كان ملكا لغيره على الفرض، ومقتضى قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض (* 1) وقوله عليه السلام لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه (* 2) عدم حليته له إلا بالتجارة عن تراض أو بطيب نفسه، والاصل عدم انتقاله بهما، وبه نحكم بعدم حلية التصرفات في المال ولا يبقى معه مجال لا صالة الحلية كما هو


(* 1) النساء 4: 29. (* 2) قد ورد مضمونه في موثقة زرعة عن سماعة عن أبي عبد الله (ع) ان رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفس منه ورواه في الكافي بسند صحيح وفيما عن الحسن بن علي بن شعبة في تحف العقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال في خطبة الوداع (أيها الناس انما المؤمنون اخوة ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه) المرويتان في الباب 3 من أبواب مكان المصلي من الوسائل. وفي الباب 3 من أبواب الانفال في حديث زيد الطبري (ولا يحل مال إلا من وجه أحله الله) كما قدمنا نقلها في تعليقة ص 361. وغيره من الاخبار المروية في الباب المذكور.

[ 403 ]

[ (مسألة 1) إذا اشتبه نجس أو مغصوب في محصور - كأناء في عشرة - يجب الاجتناب (1) عن الجميع، ] ظاهر، ولا تقاس هذه الصورة بالصورتين المتقدمتين، لعدم العلم فيهما يكون المال ملك‍ لغيره سابقا حتى يجري استصحاب عدم انتقاله بالتجارة أو بطيب نفسه (الرابع): ما إذا كان المال مسبوقا بملكيتين بان علم انه كان ملكه في زمان، وكان ملك غيره في زمان آخر، واشتبه المتقدم منهما بالمتأخر، ففي هذه الصورة يجري استصحاب كل واحد من الملكيتين ويتساقطان بالمعارضة على مسلكنا، ولا يجري شئ منهما على مسلك صاحب الكفاية (ره) لعدم إحراز اتصال زمان الشكل بزمان اليقين، فلا أصل بالاضافة إلى الملكية، ولا سبيل لا ثباتها، فلا يجوز في هذه الصورة شئ من التصرفات المتوقفة على الملك. وأما سائر التصرفات فتجري اصالة الحل بالاضافة إليها كما مر، للشك في حرمتها، وليس في البين أصل يحرز به بقاء ملك الغير حتى يوجب حرمتها كما في الصورة المتقدمة. الشبهة المحصورة (1) أما في المشتبه بالنجس فلاحتمال نجاسة كل واحد من المشتبهين والوضوء بالنجس غير سائغ، وهل يتمكن من التوضوء بكل منهما بان يتوضأ من أحدهما ثم يغسل مواضع الوضوء بالماء الثاني. ويتوضأ منه حتى يقطع بالتوضوء من ماء طاهر؟ فهي مسألة اخرى يأتي عليها الكلام في محلها ان شاء الله. وأما في المشتبه بالمغصوب فلا حتمال حرمة التصرف في كل واحد من المشتبهين فضلا عن التوضوء به.

[ 404 ]

[ وان اشتبه في غير المحصور - كواحد في ألف مثلا - لا يجب الاجتناب (1) عن شئ منه. ] الشبهة غير المحصورة (1) ما أفاده (قده) يتوقف على مقدمتين: (إحداهما): اثبات التفرقة بين الشبهة المحصورة وغير المحصورة بوجوب الاجتناب في الاولى دون الثانية، وهي ممنوعة، لما حققناه في محله من أن العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي منجز لمتعلقه مطلقا كانت أطرافه كثيرة أم لم تكن، فيما إذا أمكنت الموافقة والمخالفة القطعيتين أو إحداهما ولم يكن في البين مانع من ضرر أو حرج، فلا اعتبار بكثرة الاطراف ولا بقلتها. بل لا مفهوم محصل للشبهة غير المحصورة في نفسها أصلا فضلا عن الحكم بعدم وجوب الاجتناب فيها، وتحقيق الحال في ذلك موكول إلى علم الاصول. و (ثانيتهما): اثباب أن الالف دائما من الشبهة غير المحصورة بعد تسليم سقوط العلم الاجمالي عن التنجيز في مثلها، ودون اثبات ذلك خرط القتاد، لان الالف في مثل العلم بنجاسة اناء واحد من الف إناء ليس من غير المحصورة في شئ. بل قد يكون أكثر من الالف أيضا كذلك، كما إذا علم بنجاسة حبة من حبات الارز في طعامه، وهو مشتمل على آلاف حبة، ولا نظن أحدا يفتي بعدم وجوب الاجتناب حينئذ بدعوى أنه من الشبهة غير المحصورة نعم لا مانع من عد العلم بحرمة امرأة من الف نساء من الشبهة غير المحصورة، إلا انك عرفت عدم الفرق في تنجيز العلم الاجمالي بين المحصورة

[ 405 ]

[ (مسألة 2) لو اشتبه مضاف في محصور يجوز أن يكرر الوضوء أو الغسل (1) إلى عدد يعلم استعمال مطلق في ضمنه، فإذا كانا اثنين يتوضأ بهما، وإن كانت ثلاثة أو أزيد يكفي التوضوء باثنين، إذا كان المضاف واحدا، وإن كان المضاف اثنين في الثلاثة يجب استعمال الكل، وإن كان اثنين في أربعة تكفي الثلاثة. والمعيار: أن يزداد على عدد المضاف المعلوم بواحد. وإن اشتبه في غير المحصور جاز (2) استعمال كل منها، كما إذا كان المضاف واحدا في ألف، والمعيار: أن لا يعد العلم الاجمالي علما، ويجعل المضاف المشتبه بحكم العدم، فلا يجري عليه حكم الشبهة البدوية أيضا، ولكن الاحتياط أولى. ] وغيرها فعلى ما ذكرناه لا يجوز التوضؤ من شئ من الاواني في ما مثل به في المتن. (1) وذلك لانه يوجب القطع بالتوضوء من المطلق. ثم ان الوجه في جواز الوضوء منها بتلك الكيفية هو ان التوضوء من المضاف ليس كالوضوء من المغصوب محرما شرعا، فلا مانع من التوضوء به مقدمة للعلم بالتوضوء من المطلق، وهذا بخلاف المشتبه بالمغصوب، لان التوضوء منه حرام فلا يجوز جعله مقدمة للعلم بالامتثال. (2) هذه المسألة تبتني على ما هو محل الخلاف بين الاعلام من أن الشبهة غير المحصورة بناء على عدم وجوب الاجتناب عن أطرافها هل يكون العلم فيها كلا علم، أو أن الشبهة فيها كلا شبهة؟ مثلا إذا علمنا بحرمة أحد أمور غير محصورة يفرض العلم بحرمته كعدمه، فكأنه لا علم بحرمتها من الابتداء فحالها حال الشبهات البدوية فلا مناص من الرجوع إلى الاصول العملية المختلفة حسب اختلاف مواردها ففي المثال يرجع إلى اصالة الحال، لاجل الشكل في حرمتها، أو أن الشبهة

[ 406 ]

يفرض كلا شبهة، فكان الفرد المحرم غير متحقق واقعا، فلا محرم في البين، ولابد من الحكم بحلية الجميع، إذ المحرم محكوم بالعدم على الفرض، وغيره حلال. وعلى هذا فان قلنا في المقام أن العلم باضافة ما في أحد الاواني كلام علم فلا يمكننا الحكم بصحة التوضؤ من شئ منها لان العلم باضافة واحد منها وان كان كالعدم إلا ان الاصل الجاري في المقام إنما هو اصالة الاشتغال، وذلك لا حتمال إضافة كل واحد من الاطراف، ومعه لا يمكن الحكم بصحة الوضوء، فلابد من الاحتياط بمقتضى قاعدة الاشتغال حتى يقطع بطهارته وفراغ ذمته. وأما إذا قلنا ان الشبهة كلا شبهة، وان المضاف الموجود في البين كالعدم فنحكم بصحة التوضؤ من كل واحد من الاواني، وذلك للعلم باطلاق الجميع، فان المضاف منها معدوم والباقي كله ماء مطلق، فلا تدخل الاطراف في الشبهات البدوية ولا نحتاج فيها إلى اجراء الاصول. هذا ولا يخفى أنه ان كان ولابد من تعيين أحد هذين الاحتمالين فالمتعين منهما هو الاول، وذلك لان احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل واحد من الاطراف أمر وجداني فلابد معه من وجود المؤمن، ولا مومن إلا الاصل الجاري فيه، وقد فرضنا أن الاصل في المقام هو اصالة الاشتغال دون البراءة. نعم لو تم ما ذكروه في وجه عدم وجوب الاجتناب عن اطراف العلم الاجمالي من أن العقلاء لا يعتنون بالاحتمال إذا كان ضعيفا من جهة كثرة الاطراف صح ما ذكر من أن الشبهة في أطراف الشبهة غير المحصورة كلا شبهة إلا أنه لا يتم لما ذكرناه في محله، من أن ضعف الاحتمال إنما يوجب عدم الاعتناء به فيما إذا تعلق بمضرة دنيوية. وأما إذا تعلق بأمر أخروي أعني به العقاب فلا يفرق في لزم الحاجة معه إلى المؤمن بين ضعفه وقوته،

[ 407 ]

[ (مسألة 3) إذا لم يكن عنده إلا ماء مشكوك إطلاقه وإضافته. ولم يتيقن (1) انه كان في السابق مطلقا يتيمم للصلاة (2) ونحوها. والاولى الجمع بين التيمم والوضوء به. ] فان احتمال العقاب ولو كان ضعيفا يجب دفعه عقلا وتمام الكلام في محله. والذي يهون الامر أن العلم الاجمالي منجز للتكليف مطلقا كانت الشبهة محصورة أم غير محصورة، فلا تصل النوبة إلى تعيين أحد الاحتمالين المتقدمين: (1) وإلا يجب التوضوء به لاستصحاب اطلاقه. (2) لان مقتضى استصحاب العدم الازلي عدم اتصاف المايع بالاطلاق لانه صفة وجودية كنا على يقين من عدمها ومن عدم اتصاف المايع بها قبل وجوده ونشك في اتصافه بها حين حدوثه، والاصل عدم حدوثها وعدم اتصاف المايع بها، ومع عدم تمكن المكلف من الطهارة المائية ينتهي الامر إلى الطهارة الترابية وهذا مما لا إشكال فيه على ما اخترناه من جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية. واما إذا قلنا بعدم جريانه أو فرض الكلام فيما إذا كانت للمايع حالتان مختلفتان فكان متصفا بالاطلاق في زمان وبالاضافة في زمان آخر واشتبه المتقدم منهما بالمتأخر ففيه اشكال حيث لا مجرى لاستصحاب العدم الازلي في هذه الصورة، للقطع بتبدله إلى الوجود واتصاف المايع به جزما، وانما لا ندري زمانه، ويتولد من ذلك علم اجمالي بوجوب الوضوء في حقه كما إذا كان المايع مطلقا أو بوجوب التيمم لاحتمال كونه مضافا، ولا اصل يحرز به أحدهما فهل مثل هذا العلم الاجمالي. أعني ما كانت أطرافه طولية كالوضوء والتيمم يقتضي التنجيز ويترتب عليه وجوب الاحتياط؟ يأتي حكمه في المسألة الخامسة ان شاء الله.

[ 408 ]

[ (مسألة 4) إذا علم إجمالا ان الماء إما نجس أو مضاف، يجوز شربه (1) ولكن لا يجوز (2) التوضؤ به، وكذا إذا علم انه إما مضاف أو مغصوب (3). وإذا علم انه إما نجس أو مغصوب، فلا يجوز شربه أيضا، كما لا يجوز التوضؤ به (4) والقول (5) بأنه يجوز التوضؤ به ضعيف جدا. ] العلم الاجمالي بانجاسة والاضافة: (1) إذ لا علم تفصيلي ولا اجمالي بحرمته، لان العلم الاجمالي بانه نجس أو مضاف لا أثر له بالاضافة إلى جواز شربه لعدم فعلية متعلقه على كل تقدير فان المضاف مما يجوز شربه نعم نحتمل حرمته بدوا، وهو مدفوع باصالة الاباحة. (2) للعلم التفصيلي ببطلانه، فانه كما لا يجوز الوضوء بالماء النجس كذلك يبطل بالماء المضاف. (3) فيجوز شربه إذ لا علم بحرمته تفصيلا ولا على نحو الاجمال، ويدور أمره بين الاباحة والحرمة ابتداء ومقتضى اصالة الحل اباحته، ولكن لا يجوز الوضوء به، للعلم ببطلانه على كل تقدير، إذ الوضوء بكل من المضاف والمغصوب باطل. العلم الاجمالي بتنجس الماء أو غصبيته: (4) للعلم بحرمة شربه وبعدم جواز الوضوء به إما من جهة كونه نجسا وإما لكونه غصبا. (5) ذهب إلى ذلك بعض المحققين و (هو الشيخ محمد طه نجف) وتبعه

[ 409 ]

المحقق الشيخ على آل صاحب الجواهر (قدهما) في هامش المتن، وقد جوزا التوضوء بالماء في مفروض المسألة، ومنعا عن شربه، وقد بنيا هذه المسألة على ما ذكره المشهور في مبحث اجتماع الامر والنهي، وادعى عليه الاجماع في مفتاح الكرامة من ان الغصب لايمنع عن صحة العبادة بوجوده الواقعي، وانما يمنع عنها بوجوده العلمي المحرز للمكلف، وبما ان الغصب غير محرز في المقام لا على نحو التفصيل وهو ظاهر. ولا على نحو الاجمال لان العلم الاجمالي انما يتعلق بالجامع بين الاطراف أعني الجماع بين الغصب والنجس، ولم يتعلق بخصوص الغصب ولا بخصوص النحس. وعليه فلا يترتب أثر على أحد طرفي العلم الاجمالي في المقام، لعدم بطلان الوضوء على تقدير كون الماء مغصوبا. نعم يبطل على تقدير كونه نجسا، إلا أن نجاسته مشكوك فيها، ومقتضى اصالة الطهارة طهارته من جهة التوضوء به. وبتقريب آخر تنجيز العلم الاجمالي يتوقف على تعارض الاصول في آطرافه وتساقطها ومع عدم جريانها لا يكون مومن في البين، واحتمال التكليف من دون مومن يقتضي تنجز الواقع، فلا محيص من الاحتياط، وليس الامر كذلك في المقام فان حرمة شربه لا شك فيها، واصالة الاباحة لصحة الوضوء به لا مجرى لها في نفسها، لما مر من أن الغصب بوجوده الواقعي غير مانع من صحة العبادة فلا تجري فيه أصالة الاباحة للقطع بصحة العبادة معه، فتبقى أصالة الطهارة بالنسبه إلى الوضوء بلا معارض، ومقتضاها جواز الوضوء به. وبما ذكرناه في تقريب ما ذهبا إليه يندفع ما قد يورد عليهما من النقض بما إذا علم اجمالا بغصبية أحد الماءين فانه لا خلاف عندهم في عدم جواز التوضوء من الماءين حينئذ والمقام أيضا كذلك.

[ 410 ]

والوجه في الاندفاع ان الغصبية في المثال محرزة وواصلة إلى المكلف بالعلم الاجمالي، وبه تتنجز في حقه. ويجب الاجتناب عن المغصوب من الماءين. وقد عرفت أن الغصب المحرز بشئ من علمي التفصيلي والاجمالي مانع عن صحة العبادة. فالصحيح في دفع ذلك أن يقال: (أولا): أن ما ذهبا إليه فاسد مبنى، ولا يمكن المساعدة عليه بوجه، لما بيناه في بحث اجتماع الامر والنهي من انا إذا قلنا بالامتناع، وتقديم جانب الحرمة وكانت المبغوضية ناشئة عن مثل الماء في الوضوء، والمكان في المسجد فلا محالة تكون المبغوضية مانعة عن صحة العبادة بوجودها الواقعي، وإن لم يعلم بها المكلف، وذلك لعدم المكان التقرب بما هو مبغوض واقعا. و (ثانيا): ان تطبيق المبى المتقدم لوتم في نفسه على محل الكلام غير صحيح، وذلك لان الغصب بوجوده الواقعي وان لم يمنع عن صحة العبادة كما هو المفروض، إلا أنه مانع لا محالة عن جواز سائر التصرفات من رشه واستعماله في ازالة القذارة وسقيه للحيوان أو للمزارع وغيرها من الانتفاعات، لحرمة التصرف في مال الغير من دون اذنه، كما ان النجاسة الواقعية مانعة عن صحة العبادة بلا خلاف. ومن هذا يتولد علم اجمالي بان الماء في مفروض المسألة إما لا يجوز التوضوء به كما إذا كان نجسا واما لا يجوز التصرف فيه كما إذا كان مغصوبا واجراء اصالة الطهارة حينئذ لاثبات طهارته من جهة الوضوء معارضة باصالة الاباحة الجارية لا ثبات حلية التصرف فيه، ومع تعارض الاصول وتساقطها لا مناص من الاحتياط لعدم المؤمن في البين.

[ 411 ]

[ (مسألة 5) لو أريق أحد الانائين المشتبهين من حيث النجاسة أو الغصبية لا يجوز التوضؤ (1) بالآخر وإن زال العلم الاجمالي. ولو اريق أحد المشتبهين من حيث الاضافة لا يكفي الوضوء بالآخر. بل الاحوط الجمع (2) بينه وبين التيمم. ] زوال أحد طرفي العلم: (1) والوجه في ذلك هو ما ذكرناه في الاصول من أن تنجيز الواقع لا ينفك عن العلم الاجمالي ما دام باقيا، وإراقة أحد الماءين لا توجب زوال العلم وارتفاعه، لان العلم بحدوث نجاسة مرددة بين الماء المراق وغيره موجود بعد الاراقة أيضا. نعم ليس له علم فعلي بوجود النجاسة في البين لا حتمال أن يكون النجس هو المراق إلا أنه لا ينافي بقاء العلم الاجمالي بالحدث وبعبارة أخصر اصالة الطهارة في أحد الاناءين حدوثا معارضة باصالة الطهارة في الآخر حدوثا وبقاء. (2) ما أفاده (قده) من أحد المحتملات في المسألة، وهناك احتمالان آخران: (أحدهما): جواز الاكتفاء بالتوضوء بالباقي منهما من غير حاجة إلى ضم التيمم إليه. و (ثانيهما): وجوب التيمم فحسبب. وهذه هي الوجوه المحتملة في المسألة. والوجه فيما ذهب إليه في المتن من ايجاب الجمع بين الطهارتين هو دعوى ان العلم الاجمالي كما يقتضي التنجيز فيما إذا كانت أطرافه عرضية كذلك يقتضي تنجيز متعلقه فيما إذا كانت طولية كالوضوء والتيمم في

[ 412 ]

هذه المسألة وهي المسألة الثالثة وذلك، للعلم بوجوب الوضوء ان كان الباقي مطلقا وبوجوب التيمم ان كان مضافا، ومقتضاه الجمع بين الطهارتين. وأما مبنى جواز الاكتفاء بخصوص التوضوء من الباقي فالظاهر انحصاره في الاستصحاب، حيث ان التوضوء به كان واجبا قبل فقدان أحدهما للاحتياط واشتباه المطلق بالمضاف، والاصل انه باق على وجوبه بعد فقدان أحد الطرفين. (ويدفعه): ان الوضوء لا بد من أن يكون بالماء المطلق شرعا، واستصحاب وجوب التوضوء بالباقي لا يثبت انه ماء مطلق فلا يحرز بهذا الاستصحاب انه توضأ بالماء المطلق. وأما مبنى الاحتمال الاخير وهو الذي نفينا عنه البعد في تعليقتنا فهو ان العلم الاجمالي لا ينجز متعلقه فيما إذا كانت أطرافه طولية. بيان ذلك: ان وجوب الوضوء انما هو مترتب على عنوان واجد الماء، كما ان وجوب التيمم مترتب على عنوان فاقد الماء، لانه مقتضى التفصيل في قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم إلى قوله وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا (* 1). ثم ان المراد بالفقدان ليس هو الفقدان الحقيقي، وانما اريد به عدم التمكن من استعمال الماء وان كان حاضرا عنده، وذلك للقرينة الداخلية والخارجية. (أما القرينة الداخلية): فهى ذكر المرضى في سياق المسافر والجنب فان الغالب وجود الماء عند المريض، إلا انه لا يتمكن من استعماله لا انه لا يجده حقيقة. نعم لو كان اقتصر في الآية المباركة بذكر المسافر فقط


(* 1) المائدة 5: 6.

[ 413 ]

- دون المرضى لكان حمل عدم الوجدان على الفقدان الحقيقي بمكان من الامكان فان المسافر في البراري والفلوات كثيرا مالايجد الماء حقيقة. و (أما القرينة الخارجية): فهي الاخبار الواردة في وجوب التيمم على من عجز عن استعمال الماء لمرض أو ضرر ونحوهما. والمراد بالتمكن من استعمال الماء ليس هو التمكن من غسل بدنه. بل المراد به أن يتمكن المكلف من استعماله في خصوص الغسل أو الوضوء، لوضوح ان الماء إذا انحصر بماء الغير وقد اذن مالكه في جميع التصرفات في مائه ولو في غسل بدنه، ولكنه منعه عن استعماله في خصوص الغسل والوضوء يتعين عليه التيمم لصدق عدم تمكنه من استعمال الماء وان كان متمكنا من غسل بدنه فإذا تمهد ذلك فنقول: المكلف في مفروض المسألة يشك في ارتفاع حدثه على تقدير التوضوء بالمايع الآخر، لاحتمال أن يكون مضافا، ومعه لا مناص من استصحاب حدثه، لما بنينا عليه في محله من جريان الاستصحاب في الامور المستقبلة، ومقتضى هذا الاستصحاب ان التوضوء من الباقي كعدمه، وان الشارع يرى ان المكلف فاقد الماء حيث انه لو كان واجدا بتمكنه من استعمال المايع الباقي لم يبطل غسله أو وضوؤه ولم يحكم الشارع ببقاء حدثه، فبذلك يظهر انه فاقد الماء ووظيفته التيمم فحسب سواء توضأ بالبافي أم لم يتوضأ بة، ولا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب بقاء حدثه على تقدير التيمم. إذ لا يثبت به ان المكلف واجد للماء وان المايع الباقي مطلق، وعلى الجملة وجوب التيمم مترتب على عدم تمكن المكلف من رفع حدثه بالماء، فإذا حكم الشارع ببقاء حدثه وعدم ارتفاعه بالتوضوء من المايع الباقي يترتب عليه وجوب التيمم لا محالة.

[ 414 ]

[ (مسألة 6) ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم (1) عليه بالنجاسة، لكن الاحوط الاجتناب. ] حكم ملاقي الشبهة المحصورة (1) لا يمكن الحكم بنجاسة كل واحد من الاطراف في موارد العلم بنجاسة أحد شيئين أو أشياء، لعدم احراز نجاسته واقعا لفرض الجهل به ولا بحسب الظاهر لعدم ثبوتها بامارة ولا أصل فالحكم بنجاسة كل واحد منهما تشريع محرم. نعم انما نحتمل نجاسته، لاحتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل واحد من الاطراف، إلا انه محض احتمال، فإذا كان هذا حال كل واحد من الاطراف فما ظنك بما يلاقى أحدها، فان الحكم بنحاسته من التشريع المحرم. فإذا وقع في كلام فقيه كالمتن ان ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة فليس معناه أن اطراف الشبهة محكومة بالنحاسة دون ملاقي بعضها كماقد يوهمه ظاهر العبارة في بدء النظر. بل معناه ان الملاقي لا يجب الاجتناب عنه ويجوز استعماله فيما هو مشروط بالطهارة بخلاف نفس الاطراف وإن شئت قلت ان ملاقي الشبهة يحكم بطهارته دون أطرافها، وفي الاستدراك بكلمة (لكن) أيضا اشعار، بما بيناه من المراد وإلا فلا معنى لكون الاجتناب أحوط. ثم ان صور المسألة خمس:

[ 415 ]

الصورة الاولى: ما إذا حصلت الملاقاة بعد حدوث العلم الاجمالي بالنجاسة، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الاناءين مثلا، وبعدما تنجز الحكم وسقطت الاصول فيهما بالمعارضة لاقي أحدهما شئ ثالث فهل يحكم بطهارة الملاقي حينئذ للشك في نجاستة أو يجب الاجتناب عنه كالملاقي؟ الصحيح أن يفصل في هذه الصورة بين ما إذا لم يختص أحد الاطراف بأصل غير معارض فنلتزم فيه بطهارة الملاقي وبين ما إذا كان لبعض الاطراف أصل كذلك فنلتزم فيه بوجوب الاجتناب عنه. وتوضيحه: ان لهذه الصورة شقين لان الاصول في أطراف العلم الاجمالي قد تكون متعارضة بأجمعها سببية كانت أم مسببية، موضوعية أم حكمية، عرضية أم طولية كما إذا علمنا بنجاسة أحد الماءين، لان استصحاب عدم ملاقاة النجس في كل واحد منهما وهو أصل موضوعي وفي مرتبة سابقة على غيرها من الاصول معارض باستصحاب عدم الملاقاة في الآخر وهما أصلان عرضيان، وكذا الحال في استصحاب الطهاره في كل واحد منهما - وهمها أصلان حكميان ثم في المرتبة الثانية قاعدة الطهارة في كل منهما تعارضهما قاعدة الطهارة في الآخر وهي أصل سببي، وفي المرتبة الثالثة يتعارض اصالة الاباحة قي احدهما باصالة الاباحة في الآخر، وعلى الجملة لا يمكن الرجوع في هذه الصورة إلى شئ من تلك الاصول. وقد يختص احد اطرافه بأصل غير معارض بشئ. وهذا كما إذا علمنا بنجاسة هذا الماء أو ذاك الثوب، فان استصحاب عدم ملاقاة النجاسة في أحدهما معارض باستصحاب عدمها في الآخر، كما أن قاعدة الطهارة

[ 416 ]

كذلك، إلا أن الماء يختص بأصل آخر لا معارض لة في طرف الثوب، وهو اصالة الاباحة المقتضية لحلية شربه، وحيث أنها غير معارضة بأصل آخر فلا مانع من جريانها. وذلك لما ذكرناه في محله من أن تنجز الحكم في أطراف العلم الاجمالي غير مستند إلى نفسة وإنما هو مستند إلى تعارض الاصول في أطرافة وتساقطها فان احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل واحد من الاطراف حينئذ من غير مؤمن عبارة اخرى عن تنجز الواقع بحيث يترتب العقاب على مخالفتة، وأما إذا جرى في أحد أطرافه أصل غير معرض فلا يكون العلم الاجمالي منجزا فان الاصل مؤمن من احتمال العقاب على تقدير مصادفتة الواقع وبما أنه غير معرض فلا مانع من جريانه لعدم العلم التفصيلي ولا العلم الاجمالي في مورده. وقد ذكرنا في محله أن الاصل الجاري في كل من الطرفين إذا كان مسانخا للاصل الجاري في الآخر واختص أحدهما بأصل طولي غير معارض بشئ لامانع من شمول دليل ذلك الاصل الطولي للطرف المختص به بعد تساقط الاصلين العرضيين بالمعارضة فنقول: (أما الشق الاول): فملاقي أحد أطراف الشبهة محكوم بالطهارة فيه وذلك: لقاعدة الطهارة، واستصحاب عدم ملاقاتة النجس، فانهما في الملاقي غير متعارضين بشئ، لانه على تقدير نجاسته يكون فردا آخر من النجس غير الملاقي، واستناد نجاسته إليه لا يقتضي أن تكون نجاسته هي بعينها نجاسة الملاقي الذي هو طرف للعلم الاجمالي، لان النجاسة كالطهارة، فكما إذا طهرنا متنجسا بالماء نحكم بطهارتة كما كنا نحكم بطهارة الماء فكل واحد من الماء والمغسول

[ 417 ]

به فرد من الطاهر باستقلاله، إذ ليست طهاره الثوب بعينها طهارة الماء، وإن كانت ناشئة منها فكذلك الحال في نجاسة الملاقي الناشئة من نجاسة الملاقي، وحيث أنا نشك في حدوث فرد آخر من النجس ولا علم بحدوثه لاحتمال طهارة الملاقي واقعا فالاصل يقتضي عدمه. و (دعوى): أن هناك علما إجماليا آخر، وهو العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر، ومقتضاه الحكم بوجوب الاجتناب عن الملاقي كالملاقي ((مدفوعة): بأن العلم الاجمالي وإن كان ثابتا كما ذكر إلا أن العلم الاجمالي بنفسه قاصر عن تنجيز الحكم في جميع أطرافه، بل التنجيز مستند إلى تساقط الاصول في أطراف العلم الاجمالي بالمعارضة، وعليه فلا يترتب أثر على هذا العلم الاجمالي الاخير، لان الحكم قد تنجز في الطرف الآخر بالعلم الاجمالي السابق ونحتمل انطباق النجاسسة المعلومة بالاجمال عليه، والمتنجز لا يتنجز ثانيا، فيبقي الاصل في الملاقي غير مبتلي بالمعارض فلا مانع من جريان قاعدة الطهارة أو استصحاب عدم ملاقاة النجس فيه. (وأما الشق الثاني): فلا مناص فيه من الاجتناب عن الملاقي كالملاقي، وذلك لان استصحاب عدم الملاقاة في الماء أو قاعدة الطهارة فيه وأن كان معارضا بمثلة في الثوب فيتساقطان بالمعارضة وتبقى اصالة الحلية في الماء لجواز شربه سليمة عن المعارض، إلا أن الثوب إذا لاقاه شئ ثالث يتشكل من ذلك علم اجمالي آخر، وهو العلم بنجاسة الملاقي للثوب أو بحرمة شرب الماء، فالاصل الجاري في الماء يعارضه الاصل الجاري في ملاقي الثوب، للعلم بمخالفة أحدهما للواقع، وبذلك يتنجز الحكم في الاطراف فيجب الاجتناب عن ملاقي

[ 418 ]

الثوب كما يجب الاجتناب عن الماء. (الصورة الثانية): ما إذا حصلت الملاقاة والعلم بها قبل حدوث العلم الاجمالي، كما إذا علمنا بملاقاة شئ لاحد الماءين في زمان وبعد ذلك علنا بنجاسة أحدهما إجمالا فهل يجب الاجتناب عن الملاقي في هذه الصورة؟ قد اختلفت كلمات الاعلام في المقام فذهب صاحب الكفاية (قده) إلى وجوب الاجتناب عن الملاقي حينئذ من جهة أن العلم الاجمالي قد تعلق بنجاسة هذا الطرف أو بنجاسة الملاقى والملاقي معا، فأحد طرفي العلم واحد والطرف الآخر اثنان، لتقدم الملاقاة والعلم بهما على حدوث العلم الاجمالي. وهو نظير العلم الاجمالي بنجاسة هذا الاناء الكبير أوذينك الاناءين الصغيرين أو العلم بفوات صلاة الفجر أو بفوات صلاتي الظهرين بعد خروج وقتها، فان قاعدة الحيلولة كما لا تجري بالاضافة إلى صلاة الظهر، لمعارضتها بمثلها بالاضافة إلى صلاة الفجر كذلك لا تجري بالنسبة إلى صلاة العصر، لتعارضها بمثلها بالاضافة إلى صلاة الفجر، وعلى الجملة: وحدة أحد طرفي العلم الاجمالي ووتعدد الآخر لايمنع عن تنجز الحكم في الجميع. وقد تنظر في ذلك شيخنا الاستاذ بتعا لشيخنا الانصاري (قدهما) وذهبا إلى عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي في هذه الصورة أيضا. وذلك من جهة ان العلم الاجمالي وان كان حاصلا بوحوب الاجتناب عن هذا الماء أو الماء الآخر وملاقيه إلا ان الشك في نجاسة الملاقي مسبب عن الشك في نجاسة الملاقي، والاصل الجاري في السبب متقدم بحسب المرتبة على الاصل الجاري في المسبب. وبما ان الاصل السببي الجاري في الملاقي في المرتبة

[ 419 ]

السابقة مبتلى بالمعارض أعني الاصل الجاري في الطرف الآخر فيتساقطان ويبقي الاصل في المسبب سليما عن المعارض. وأما العلم الاجمالي الآخر المتعلق بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر فقد عرفت الجواب عنه في الصورة الاولى فلا نعيد. ومما ذكرناه يظهر فساد قياس المقام بالعلم الاجمالي بفوات صلاة الفجر أو الظهرين أو بنجاسة الاناء الكبير أو الاناءين الصغيرين، فان الشك في احدى صلاتي الظهرين أو الاناءين الصغيرين غير مسبب عن الشك في الآخر بل كلاهما في عرض واحد، وطرف للعلم الاجمالي في مربتة واحدة، وهذا بخلاف المقام، لان الشك في الملاقي مسبب عن الشك في الملاقي والاصلان الجاريان فيهما طوليان فإذا سقط الاصل المتقدم بالمعارضة فلا محالة يبقي الاصل المسببي سليما عن المعارض. هذا ولكن الظاهر انه لا يمكن تتميم شئ من هذين القولين على اطلاقهما، لان لهذه الصورة أيضا شقين. (أحدهما): ما إذا كان المنكشف بالعلم الاجمالي المتأخر عن الملاقاة وعن العلم بها متقدما عليهما، كما إذا علمنا بحدوث الملاقاة يوم الخميس وفي يوم الجمعة حصل العلم الاجمالي بنجاسة أحد الاناءين يوم الاربعاء فالكاشف وهو العلم الاجمالي وان كان متأخرا عن الملاقاة والعلم بها إلا أن المنكشف متقدم عليهما. و (ثانيهما): ما إذا كان المنكشف بالعلم الاجمالي المتأخر عن الملاقاة وعن العلم بها مقارنا معهما، وهذا كما إذا علمنا بوقوع ثوب في أحد الاناءين يوم الخميس وفي يوم الجمعة حصل العلم الاجمالي بوقوع قطرة دم على أحد الاناءين حين وقوع الثوب في أحدهما.

[ 420 ]

(أما الشق الاول): فالحق فيه هو ما ذهب إليه شيخنا الانصاري (قده) من عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي، وهذا لا من جهة تقدم الاصل الجاري في الملاقى على الاصل في الملاقي رتبة، فان ذلك لا يستقيم من جهة ان ادلة اعتبار الاصول انما هي ناظرة إلى الاعمال الخارجية، ومتكلفة لبيان أحكامها، ومن هنا سميت بالاصول العملية، وغير ناظرة إلى احكام الرتبة بوجه، ومع فعلية الشك في كل واحد من الملاقي والملاقى لا وجه لا ختصاص المعارضة بالاصل السببي بعد تساوي نسبة العلم الاجمالي إليه وإلى الاصل المسببي. نعم التقدم الرتبي انما يجدي على تقدير جريان الاصل في السبب بمعنى ان الاصل السببي على تقدير جريانه لا يبقي مجالا لجريان الاصل المسببي. وأما على تقدير عدم جريانه فهو والاصل المسببي على حد سواء. (بيان ذلك): ان الاصل السببي انما يرفع موضوع الاصل الجاري في المسبب فيما إذا كانت بينهما معارضة، والمعارضة في المقام غير واقعة بين الاصل السببي والمسببي، وانما المعارضة بين كل من الاصل الجاري في السبب والمسبب وبين الاصل الجاري في الطرف الآخر، ومن الظاهر أن نسبة العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي والملاقى أو الطرف الآخر على حد سواء بالاضافة إلى الجميع ليست فيها سببية ولا مسببية. نعم الشك في الملاقي مسبب عن الشك في الملاقى. و (بعبارة اخرى) أحد طرفي العلم مركب من أمرين يكون الشك في أحدهما مسببا عن الشك في الآخر، والاصل الجاري فيه متأخر عن الاصل الجاري في الاخر. وأما بالاضافة إلى الاصل الجاري في الطرف

[ 421 ]

الآخر للعلم الاجمالي، فلا تأخر ولا تقدم في البين، وعليه فمقتضى العلم الاجمالي وجوب الاجتناب عن الجميع. و (دعوى): ان الاصل الجاري في الملاقي كما انه متأخر عن الاصل في الملاقى كذلك متأخر عن الاصل في الطرف الآخر، وذلك لتساوي الملاقى مع الطرف الآخر رتبة والمتأخر عن أحد المتساويين متأخر عن الآخر أيضا. (تندفع): بأنها دعوى جزافية. إذ لابد في التقدم والتأخر من ملاك يوجبه كأن يكون أحدهما علة والآخر معلولا له وهذا إنما هو بين الملاقي والملاقى لا بين الملاقي والطرف الآخر، حيث لا عليه ولا معلولية بينهما. بل الوجه في عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي حينئذ إنما هو تقدم المنكشف بالعلم الاجمالي على الملاقاة، والعلم بها وإن كان الكاشف وهو العلم متأخرا عنهما فان الاعتبار بالمنكشف لا بالكاشف لوجوب ترتيب آثار المنكشف وهو نجاسة أحد الاناءين من زمان حدوثه، فيجب في المثال ترتيب آثار النجاسة المعلومة بالاجمال من يوم الاربعاء لا من زمان الكاشف كما لا يخفى، وعلى هذا فقد تنجزت النجاسة بين الاناء ين والشك في طهارة كل منهما يوم الاربعاء قد سقط الاصل الجاري فيه بالمعارضة في الآخر، وبقي الشك في حدوث نجاسة أخرى في الملاقي، والاصل عدم حدوثها، ولا معارض لهذا الاصل لما عرفت من أن العلم الاجمالي الثاني المتولد من الملاقاة بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر مما لا اثر له. نعم التفصيل الذي قدمناه هناك بين ما إذا اختص أحد الاطراف بأصل غير معارض، وما إذا لم يختص به يأتي في هذه الصورة أيضا حرفا بحرف.

[ 422 ]

(وأما الشق الثاني): فالحق فيه هو ما ذهب إليه صاحب الكفاية (قده) من وجوب الاجتناب عن الملاقي أيضا، وذلك لاتحاد زمان حدوث النجاسة بين الاناءين والملاقاة، فإذا علمنا بطرو نجاسة يوم الخميس إما على الملاقي والملاقى. وإما على الطرف الآخر فهو علم إجمالي أحد طرفيه مركب من أمرين، وطرفه الآخر متحد نظير العلم الاجمالي بنجاسة الاناء الكبير أو الاناءين الصغيرين، أو العلم بفوات صلاة الفجر أو صلاتي الظهرين. وأما اختلاف مرتبة الاصل في الملاقى والاصل الجاري في الملاقى فقد عرفت عدم الاعتبار به. (الصورة الثالثة): ما إذا حصلت الملاقاة قبل حدوث العلم الاجمالي، وكان العلم بها متأخرا عن حدوثه، كما إذا لا قى الثوب أحد الماءين يوم الاربعاء ولكنه لم يعلم بها، وحصل العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما إجمالا يوم الخميس، وحصل العلم بالملاقاة يوم الجمعة فهل يحكم بطهارة الملاقي في هذه الصورة؟ فيه خلاف بين الاصحاب ولها أيضا شقان. ((أحدهما): ما إذا كان المنكشف بالعلم الاجمالي متقدما على الملاقاة بحسب الزمان، وان كان الكاشف أعني العلم الاجمالي متأخرا عنهما، كما إذا لا قى الثوب أحد الماءين يوم الاربعاء، وعلمنا يوم الخميس بطرو نجاسة على أحدهما يوم الثلاثاء، وحصل العلم بالملاقاة يوم الجمعة. و (ثانيهما): ما إذا كان المنكشف بالعلم الاجمالي متحدا مع الملاقاة

[ 423 ]

زمانا بأن لا قى الثوب أحد الاناءين يوم الخميس، وعلمنا يوم الجمعة بطرو نجاسة على أحد الاناءين يوم الخميس، وحصل العلم بالملاقاة حال طرو النجاسة يوم السبت. (أما الشق الاول): فلا يجب فيه الاجتناب عن الملاقي، فان النجاسة المرددة قد تنجزت بالعلم الاجمالي المتأخر من حين حدوثها، وبه تساقطت الاصول في كل واحد من الاناءين، فالعلم بالملاقاة بعد ذلك لا يولد إلا احتمال حدوث نجاسة جديدة في الملاقي، والاصل عدم حدوثها. و (بعبارة اخرى) لم يتعلق العلم الاجمالي إلا بنجاسة أحد الاناءين ولم يتعلق بالملاقي بوجه. بل في زمان حدثه قد يكون الملاقي مقطوع الطهارة، أو لو كان مشكوك النجاسة كان يجري فيه الاستصحاب، فالعلم بالملاقاة بعد ذلك لا يترتب عليه غير احتمال حدوث فرد آخر من النجس والاصل عدمه. والتفصيل الذي قدمناه في الصورة الاولى بين عدم اختصاص بعض الاطراف بأصل غير معارض، واختصاصه به جار في المقام أيضا. (وأما الشق الثاني): فقد يقال بطهارة الملاقي فيه أيضا، ويظهر ذلك من بعض كلمات صاحب الكفاية (قده) حيث ذكران العبرة بالكاشف دون المنكشف وبما ان العلم الاجمالي كان متقدما على حصول العلم بالملاقاة فقد تنجزت النجاسة بذلك في الطرفين وتساقطت الاصول قبل حدوث العلم بالملاقاة، وعليه فلا يترتب على العلم بها إلا احتمال حدوث نجاسة جديدة، والاصل عدمها

[ 424 ]

وبذلك يفرق بين صورتي تقدم العلم بالملاقاة على العلم الاجمالي وتأخره عنه. إلا ان هذا الكلام بمعزل عن التحقيق، والسر في ذلك ان أي منجز عقلي أو شرعي إنما يترتب عليه التنجيز ما دام باقيا ففي زمان حدوثه يترتب عليه التنجيز بحسب الحدوث فقط. ولا يبقي أثره وهو التنجز بعد زواله وانعدامه، وعلى هذا بنينا انحلال العلم الاجمالي بوجود واجبات ومحرمات في الشريعة المقدسة بالظفر بواسطة الامارات على جملة من الاحكام لا يقصر عددها عن المقدار المعلوم بالاجمال، حيث قلنا ان التكليف فيما ظفرنا به من الاحكام متيقن الثبوت، وفيما عده مشكوك بالشك البدوي يرجع فيه إلى البراءة، لارتفاع أثر العلم الاجمالي وهو التنجز بانعدامه. وعلى الجملة ان العلم الاجمالي لا يزيد عن العلم التفصيلي بشئ، فكما إذا علمنا بنجاسة شئ تفصيلا ثم تبدل إلى الشك الساري يرجع إلى مقتضيات الاصول، ولا يمكن أن يقال ان النجاسة متنجزة بحدوث العلم التفصيلي ولا يرتفع أثره بعد ارتفاعه لوضوح انه إنما يمنع عن جريان الاصول ما دام باقيا لا مع زواله وانعدامه، فكذلك العلم الا جمالي لا يترتب عليه أثر بعد انعدامه، وفي المقام وان حصل العلم الاجمالي بنجاسة أحد الاناءين ابتداء إلا انه يرتفع بعد العلم بالملاقاة المقارنة لحدوث النجاسة، ويوجد علم إجمالي آخر متعلق بنجاسة الملاقي والملاقى أو الطرف الآخر ومقتضى ذلك وجوب الاجتناب عن كل واحد من الملاقي والملاقى. هذا تمام الكلام في صور ملاقي الشبهة المحصورة والغالب منها هو الصورة الاولى، وقد مر ان الملاقي فيها محكوم بالطهارة.

[ 425 ]

[ (مسألة 7) إذا انحصر الماء في المشتبهين تعين التيمم (1). ] انحصار الماء في المشتبهين (1) الكلام هنا في مقامين: (الاول): في مشروعية التيمم وجوازه وهو مما لا إشكال فيه، وقد ثبت ذلك بالنص ففي موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل معه إناء ان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره قال: يهريقهما جميعا ويتيمم وبمضمونها موثقة عمار (* 1) وهل الحكم المذكور على طبق القاعدة أو أنه تعبدي؟. تظهر ثمرة الخلاف في إمكان التعدي عن موردهما وهو الماءان القليلان بمقتضى قوله: وقع في أحدهما قذر، لان الذي ينفعل بوقوع القذر فيه ليس إلا القليل فيصح على الاول دون الثاني، ولابد لتحقيق الحال في المقام من بيان صور التوضؤ والاغتسال بالماءين المشتبهين فنقول: إن لاستعمالهما صورا ثلاثا: (الاولى): ان يتوضا بأحدهما ويصلي أولا، ثم يغسل مواضع اصابة الماء الاول بالماء الثاني، ويتوضأ منه ويصلي ثانيا. (الثانية): أن يتوضأ بكل واحد من المشتبهين، ويصلي بعد كل واحد من الوضوءين من غير تخلل غسل مواضع إصابة الماء الاول بالثاني بين الوضوءين، أو يصلي بعدهما مرة واحدة. (الثالثة): أن يتوضأ بأحدهما من غير أن يصلي بعده، ثم يغسل مواضع إصابة الماء الاول بالماء الثاني، ويتوضأ منه ويصلي بعد الوضوءين


(* 1) المروية في الباب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 426 ]

مرة واحدة. (أما الصورة الاولى): فلا إشكال في أنها توجب القطع بفراغ الذمة وإتيان الصلاة متطهرا بالطهارة الحدثية والخبثية حيث أنه طهر مواضع إصابة الماء الاول بالثاني وهي نظير اشتباه المطلق بالمضاف، فان الوضوء منهما يوجب القطع بحصول الطهارة لا محالة، ومعه لا ينبغي التأمل في إجزاء ذلك. بل لولا جواز التيمم حينئذ بمقتضى الروايتين المتقدمتين لقلنا بوجوب التوضوء من المشتبهين على الكيفية المتقدمة لتمكن المكلف من الماء، وعدم كونه فاقدا له. إلا أن ملاحظة المشقة النوعية على المكلفين في التوضوء بتلك الكيفية المتقدمة من الماءين المشتبهين دعت الشارع إلى عدم الحكم بتعين الوضوء حينئذ بتجويز التيمم في حقهم وما ذكرناه في هذه الصورة لا يختص بالماءين القليلين ويأتي في الكثيرين أيضا كما هو ظاهر. (أما الصورة الثانية): فهي غير موجبة للقطع باتيان الصلاة متطهرا، لا حتمال أن يكون الماء الاول هو النجس، ومعه يحتمل بطلان كلا وضوئيه أما وضوؤه الاول فمن جهة احتمال نجاسة الماء، وأما وضوؤه الثاني فلاجل إحتمال نجاسة مواضع الوضوء. وهذا أيضا غير مختص بالقليلين كما هو ظاهر، فالمتعين حينئذ أن يتيمم أو يتوضأ على كيفية أخرى، ولا يمكنه الاكتفاء بالتوضوء من الماءين بهذه الكيفية، وهذا أيضا لا كلام فيه، وإنما الاشكال في (الصورة الثالثة): وأنه هل يمكن الاكتفاء بصلاة واحدة بعد التوضوء من كلا الماءين المشتبهين وتخلل الغسل بينهما مع قطع النظر عن النص؟ ذكر صاحب الكفاية (قده) أن الماءين ان كانا قليلين فوجوب التيمم حينئذ على طبق القاعدة من غير حاجة فيه إلى النص، وذلك للعلم التفصيلي بنجاسة بدن المتوضى ء أو المغتسل عند إصابة الماء الثاني إما لنجاسته أو لنجاسة الماء الاول، وبما أن الثاني ماء قليل لا يكفي مجرد اصابته في طهارة بدنه

[ 427 ]

فبعد غسل مواضع الوضوء أو الغسل بالماء الثاني يشكل في طهارة بدنه فيستصحب نجاسته المتيقنة حال إصابة الماء الثاني. ولا يعارضه استصحاب طهارته المعلومة إجمالا إما قبل الغسل بالماء الثاني أو بعده، وذلك للجهل بتاريخها، وعدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين فيها وهذا بخلاف النجاسة فان تاريخها معلوم، وهو أول آن اصابة الماء الثاني بدنه، ولاجل أن التوضوء من المشتبهين يوجب ابتلاء بدن المتوضئ بالنجاسة والخبث، أمره الشارع بالتيمم حينئذ، لان الطهارة المائية لها بدل وهو التيمم، ولا بدل للطهارة الخبثية فهي متقدمة على الطهارة المائية في نظر الشارع. وأما إذا كانا كرين فوجوب التيمم على خلاف القاعدة، ولا نلتزم به مع قطع النظر عن النص، وذلك لان ثاني الماءين إذا كان كرا، ولم يشترط في التطهير به تعدد الغسل كان مجرد وصوله على تقدير طهارته إلى أعضاء المتوضئ موجبا لطهارتها، ومعه يقطع بصحة الوضوء، إما لطهارة الماء الاول فالتوضوء به تام وإما لطهارة الماء الثاني وقد فرضنا أنه غسل به أعضاء الوضوء ثم توضأ فوضوءه صحيح على كل تقدير. نعم له علم إجمالي بنجاسة بدنه في أحد الزمانين إما عند وصول الماء الاول إلى بدنه أوحال وصول الماء الثاني إليه إلا أن هذا العلم الاجمالي لا أثر له، للعلم الاجمالي بطهارة بدنه أيضا، ومع العلم بالحادثين والشك في المتقدم والمتأخر منهما لا يجري الاستصحاب في شئ منهما ومع عدم جريان الاستصحاب يرجع إلى قاعدة الطهارة، وهي تقتضي الحكم بطهارة بدنه. هذا كله على مسلكه (قده) من عدم جريان الاصل في ما جهل تاريخه. وأما على ما سلكناه في محله من عدم التفرقة في جريان الاستصحاب

[ 428 ]

بين ما علم تأريخه وما جهل فالنص على خلاف القاعدة في كلتا صورتي قلة الماءين وكثرتهما، وذلك لتعارض استصحاب الطهارة مع استصحاب النجاسة في صورة قلة الماءين، فان المكلف كما يعلم بنجاسة بدنه في زمان كذلك يعلم بطهارة بدنه في زمان آخر لان المفروض أنه غسل مواضع اصابة الماء الاول بالماء الثاني. وبعد تساقط الاستصحابين يرجع إلى قاعدة الطهاره في كل من القليلين والكثيرين أو القليل والكثير. ولكن التحقيق عدم جريان قاعدة الطهارة في شئ من الصورتين وان النص فيهما على طبق القاعدة، وذلك لمكان العلم الاجمالي بنجاسة بعض اعضاء المتوضئ، ومقتضى ذلك جواز الرجوع إلى إصالة الطهارة. وبيان ذلك: إن الماء الثاني كرا كان أم قليلا إنما يرد على بدن المتوضئ متدرجا، لاستحالة وروده على جميع أعضائه دفعة واحدة حقيقة حتى في حالة الارتماس، لان الماء حينئذ إنما يصيب رجليه مثلا أولا ثم يصل إلى غيرهما من أعضائه شيئا فشيئا فيعلم المكلف بمجرد إصابة الماء الثاني لا حد أعضائه بنجاسة هذا العضو على تقدير ان يكون النجس هو الماء الثاني أو بنجاسة غيره، كما إذا كان النجس هو الماء الاول، ومقتضى هذا العلم الاجمالي وجوب غسل كل ما أصابه من الماءين، ومعه لا مجال لقاعدة الطهارة في صورتي قلة الماءين وكثرتهما، فالرواية في الصورة الثالثة كالثانية على طبق القاعدة، ولا مانع من التعدي عن موردذها إلى غيرة. و (المقام الثاني): في أنه هل يجوز التوضؤ من الماءين المشتبهين على الكيفية المتقدمة في الصورة الاولى أو أن المتعين هو التيمم؟ والاول هو الصحيح، لان الامر وإن كان يقتضي التعيين في نفسه إلا أنه في المقام لما كان واردا في مقام توهم الحظر أوجب ذلك صرف ظهوره من التعيين إلى التخيير وذلك لان المكلف حينئذ واجد للماء حقيقة

[ 429 ]

كما قدمناه، ومقتضى القاعدة تعين الوضوء، ولكن الشارع نظرا إلى أن في التوضؤ من المشتبهين على الكيفية السابقة حرجا نوعيا على المكلفين قد رخص في إتيان بدله وهو التيمم، فالامر به إنما ورد في مقام توهم المنع عنه، وهو قرينة صارفة لظهور الامر في التعيين إلى التخيير. وقد ذكر شيخنا الاستاذ (قده) في بعض تعليقاته على المتن عند حكم السيد (ره) بجواز التوضؤ في موارد الحرج وتخييره المكلف بين الوضوء والتيمم ان هذا يشبه الجمع بين المتناقضيين لان موضوع وجوب التيمم إنما هو عنوان فاقد الماء كما أن موضوع وجوب الوضوء عنوان واجد الماء، وكيف يعقل اجتماع عنواني الفاقد والواجد في حق شخص واحد؟! فالتخيير بين الوضوء والتيمم غير معقول. وقد أجبنا عنه في محله بأن موضوع وجوب التيمم وإن كان فاقد الماء إلا أن باب التخصيص واسع ولا مانع من تجويز التيمم للواجد في مورد، ولو لاجل التسهيل تخصيصا في أدلة وجوب التوضؤ على الواجد، فإذا كان الجمع بينهما ممكنا فالمتبع في وقوعه دلالة الدليل، وقد دل على جواز الاقتصار بالتيمم مع كون المكلف واجدا للماء ومقامنا هذا من هذا القبيل. ثم انه إذا كان عند المكلف ماء معلوم الطهارة فهل له أن يتوضأ من المشتبهين على الكيفية المتقدمه أو يجب التوضؤ مما علم طهارته؟ لا مانع من التوضؤ منهما وإن كان متمكنا من التوضؤ بما علم طهارته وذلك لما بنينا عليه في محله من ان الامتثال الاجمالي في عرض الامتثال التفصيلي، ولا يتوقف على عدم التمكن من الامتثال تفصيلا، ومقامنا هذا من صغريات تلك الكبرى وان احناط الماتن (ره) بترك التوضؤ من المشتبهين كما يأتي في المسالة العاشرة إلا أنه غير لازم كما عرفت.

[ 430 ]

[ وهل يجب إرقاتهما أولا؟ الاحوط ذلك (1) وإن الاقوى العدم. (مسألة 8) إذا كان إناءان أحدهما المعين نجس، والآخر طاهر، فاريق أحدهما، ولم. يعلم أنه أيهما، فالباقي محكوم بالطهارة (2) وهذا بخلاف مالو كانا مشتبهين، وأريق أحدهما، فانه يجب (3) الاجتناب عن الباقي. والفرق أن الشبهة في هذه الصورة بالنسبة إلى الباقي بدوية، بخلاف الصورة الثانية، فان الماء الباقي كان طرفا للشبهة من الاول، وقد حكم عليه بوجوب الاجتناب. ] (1) والوجه في هذا الاحتياط احتمال أن تكون الاراقة واجبة مقدمة لحصول شرط وجوب التيمم، وهو كون المكلف فاقدا للماء، ولكن لما كان يحتمل قويا أن يكون الامر بالاراقة في الموثقة إرشادا إلى عدم ترتب فائدة على المشتبهين فان منفعة الماء غالببا إما هو شربه أو إستعماله في الطهارة وكلاهما منتفيان في مفروض المسألة لمكان العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما كان ذلك مانعا عن حمل الرواية على الوجوب، ومن هنا حكم (قده) بعدم الوجوب. تردد الزائل بين الاناء الطاهر والنجس (2) للشك في نجاسته شكا بدويا، وهو مورد لقاعدة الطهارة حيث لا علم بنجاسته إجمالا حتى يكون الاصل فيها معارضا بالاصل في الطرف الآخر. اللهم إلا أن يكون للمراق ملاق. لانه يولد علما إجماليا بنجاسة الملاقى للمراق أو الاناء الباقي، والاصلان فيهما متعارضان فلا مناص من تساقطهما، وبذلك تتنجز النجاسة في كل واحد من الطرفين. (3) لان العلم الاجمالي قد نجز متعلقه في كل واحد من الطرفين وتساقطت

[ 431 ]

[ (مسألة 9) إذا كان هناك إناء لا يعلم أنه لزيد أو لعمرو، والمفروض أنه مأذون من قبل زيد فقط في التصرف في ماله، لا يجوز له (1) استعماله، وكذا (2) إذا علم أنه لزيد - مثلا - لكن لا يعلم أنه مأذون من قبله أو من قبل عمرو. (مسألة 10) في الماءين المشتبهين إذا توضنأ بأحدهما أو اغتسل، وغسل بدنه من الآخر، ثم توضأ به، أو اغتسل صح وضوؤه أو غسله ] الاصول فيهما بالمعارضة، وقد مر ان التنجز لا ينفك عن العلم الاجمالي مادام باقيا وهو باق بعد إهراق أحدهما كما كان قبله ولا يرتفع باراقته. التردد في متعلق الاذن (1) ذلك لعموم أدلة حرمة التصرف في مال الغير، وإنما خرجنا عنه في صوره إذن المالك في التصرفات، وإذن مالك هذا المال المعين الشخصي مشكوك فيه، والاصل عدمه ولا ينافيه العلم خارجا بأذن زيد في التصرف في ماله، لان الاعتبار في جريان الاصل في مورد إنما هو بالشك فيما يترتب عليه الاثر، وهو إذن المالك في مفروض المسألة بما هو مالك دون إذنه بما هو زيد، وإذن المالك مشكوك فيه والاصلي يقتضي عدمه، وهو نظير ما إذا رأينا أحدا قد مات وشككنا في حياة زيد وهو مقلدنا فان العلم بموت من لا ندري أنه زيد لا يمنع عن جريان الاستصحاب في حياة زيد لا ثبات جواز تقليده وحرمة تزويج زوجته وغيرهما من الاحكام. (2) للشك في إذن مالكه وهو زيد، والاصل عدمه، وإصالة عدم إذن غيره وهو عمرو مما لا أثر له، واستصحابه لاثبات ان الآذن هو زيد يتوقف على القول بالاصول المثبتة.

[ 432 ]

[ على الاقوى (1)، لكن الاحوط ترك هذا النحو مع وجدان ماء معلوم الطهارة، ومع الانحصار الاحوط ضم التيمم أيضا. (مسألة 11) إذا كان هناك ماءان توضأ بأحدهما أو اغتسل، وبعد الفراغ حصل له العلم بأن أحدهما كان نجسا، ولا يدري انه هو الذي توضأ به أو غيره، ففي صحة وضوئه أو غسله إشكال، إذ جريان قاعدة الفراغ هنا محل إشكال. ] (1) قدمناه وجه ذلك في المسألة المتقدمة. العلم بالنجاسة اجمالا بعد العمل (2) الاشكال في جريان قاعدة الفراغ في وضوءه وغسله يبتني على اعتبار الالتفات حال العمل في جريانها، و حيث ان مفروض المسألة عدم التفات المكلف إلى نجاسة أحد الماءين حال العمل فلا تجري فيها قاعدة الفراغ. وأما إذا لم نعتبر الالتفات في جريانها فلا إشكال في صحة وضوئه وغسله بمقتضى تلك القاعدة، ولتحقيق الحال في اعتبار الالتفات وعدمه في جريان القاعدة محل آخر يطول بذكره الكلام إلا أنه لا بأس بالاشارة إلى القول المختار على وجه الاختصار. فنقول: الصحيح عدم جريان القاعدة في غير ما إذا كان العامل ملتفتا حال عمله، لان منصرف الاطلاقات الواردة في جريانها ان تلك القاعدة أمر ارتكازي طبعي. وليست قاعده تعبدية محضة، لان كل من عمل عملا ثم التفت إليه بعد إتيانه ولو بعد مدة يشك في كيفية عمله، وأنه اتى به بأي وجه إلا أنه لو كان ملتفتا حال عمله، وكان غرضه هو الامتثال وافراغ ذمته عن التكليف لم يحتمل في حقه النقص عمدا، لانه خلاف فرض التفاته، ونقض لغرضه أعني افراغ ذمته

[ 433 ]

[ وأما إذا علم بنجاسة أحدهما المعين، وطهارة الآخر فتوضأ، وبعد الفراغ شك في أنه توضأ من الطاهر أو من النجس، فالظاهر صحة وضوئه، لقاعدة الفراغ (1). نعم لو علم انه كان حين التوضؤ غافلا عن نجاسة أحدهما يشكل جريانها. ] واحتمال نقصه غفلة مندفع باصالة عدم الغفلة، وبهذا يحكم بصحة عمله إلا ان ذلك يختص بصورة التفات الفاعل حال عمله. وكذلك الحال فيما إذا احتمل الالتفات حال عمله. واما إذا كان عالما بغفلته حين عمله، فاحتمال عدم النقيصة في عمله لا يستند إلا إلى احتمال الصدفة غير الاختيارية، وليس إتيانه العمل صحيحا مطابقا للارتكاز، وعلى هذا لا بد من اعتبار احتمال الالتفات حال العمل في جريان القاعدة. هذا على ان هناك روايتين: (إحداهما)): موثقة بكير بن اعين قال: قلت له: الرجل يشك بعدما يتوضأ، قال: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك (* 1). و (ثانيتهما): صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: إذا شك الرجل بعدما صلى فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم لم يعد الصلاة، وكان حين انصرف أقرب إلى الحق بعد ذلك (* 2). وهما تدلان على اعتبار الاذكرية والاقربية حال العمل أعني الالتفات إلى ما يأتي به من العمل في مقام الامتثال في جريان قاعدة الفراغ، فلو تم إطلاق بقية الاخبار ولم تكن منصرفة إلى ما ذكرناه ففي هاتين الروايتين كفاية لتقييد إطلاقاتها بصورة الالتفات. (1) لالتفات المكلف إلى نجاسة أحدهما المعين وطهارة الآخر، وإنما


(* 1) المروية في الباب 42 من أبواب الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 27 من أبواب الخلل في الصلاة من الوسائل

[ 434 ]

[ (مسألة 13 إذا استعمل أحد المشتبهين بالغصبية، لا يحكم (1) ] يشك في صحة وضوئه بعد الفراغ، للشك في أنه هل توضأ من الطاهر أو من النجس؟ وهو مورد لقاعدة الفراغ كغيره من مواردها، اللهم إلا أن يعلم بغفلته عن نجاسة أحدهما المعين حال العمل. إستعمال أحد المشتبهين بالغصبية (1) وذلك لان العلم الاجمالي إنما يكون منجزا فيما إذا تعلق بحكم فعلي على كل تقدير أو بغيره مما هو تمام الموضوع للحكم الفعلي. وأما إذا لم يكن المعلوم بالاجمال حكما فعليا ولا تمام الموضوع للحكم الفعلي فلا يترتب عليه التنجز بوجه، وهذا كما إذا علم ان احدى الميتين ميت آدمي فان الميت الآدمي وان كان تمام الموضوع لوجوب الدفن والكفن إلا أنه ليس بتمام الموضوع لوجوب غسل مس الميت، لان موضوعه هو مس الميت الانساني، ومن الظاهر أنه إذا مس احدى الميتين لا يحرز بذلك انه مس بدن الميت الآدمي، لاحتمال أن يكون الميت ميتا غير آدمي. فالعلم الاجمالي المذكور لا يترتب عليه أثر بالاضافة إلى وجوب غسل الميت. ولهذه الكبرى أمثله كثيرة ومنها ما مثل به في المتن، لان العلم بغصبية أحد المائين مثلا وان كان يترتب عليه التنجيز بالاضافة إلى حرمة التصرف في المشتبهين، لان الغصب بما هو تمام الموضوع للحكم بحرمة التصرفات إلا أنه لا يترتب عليه أثر بالاضافة إلى الضمان، لان موضوع الحكم بالضمان مركب من أمرين: مال الغير، واتلافه أو الاستيلاء عليه، واتلاف أحد المشتبهين في المثال لا يوجب العلم بتحقق كلا جزئي الموضوع للحكم بالضمان لاحتمال أنه اتلاف لملك نفسه فلا يحرز به الاستيلاء على مال الغير، وحيث

[ 435 ]

ان الضمان مشكوك الحدوث فالاصل يقتضي عدمه. ثم إن وجوب الموافقة القطعية في موارد العلم الاجمالي غير مستند إلى نفسه كما ذكرناه غير مرة، وانما يستند إلى تسقط الاصول في أطرافه، وهذا انما يتحقق فيما إذا كانت الاصول الجارية في أطراف العلم الاجمالي نافية للتكليف. وأما إذا كانت مثبتة وموافقة للعلم الاجمالي أو اختلفت وكان بعضها مثبتا له، فلا مانع من جريان المثبت منها في أطراف العلم الاجمالي، حيث لا يترتب عليه محذور على ما ذكرناه في محله، وبذلك يبقى الاصل النافي سليما عن المعارض، ويسقط العلم الاجمالي عن التأثير. ومثاله ما إذا علمنا بنجاسة أحد الانائين إذا كان كلاهما أو أحدهما مسبوقا بالنجاسة، حيث لا مانع حينئذ من استصحاب النجاسة فيما هو مسبوق بها، وبعد ذلك لا مانع من الرجوع إلى اصالة الطهارة في الاناء الآخر، لانها غير معارضة بشي ء، ومن هذا تعرف أنه لافرق فيما أفاده الماتن (قده) من عدم الحكم بالضمان بين صورتي سبق العلم الاجمالي بالغصبية عن التصرف في أحدهما وتأخره عنه. وأما (ما قد يقال): من التفصيل في الضمان بين الصورتين بالحكم بعدم الضمان في صورة تقدم العلم الاجمالي عن التصرف في أحدهما، لاستصحاب عدم حدوث الحكم بالضمان بعد تساقط اصالة الاباحة في كل واحد من الطرفين بالمعارضة، والحكم بالضمان عند تقدم التصرف على العلم الاجمالي نظرا إلى أن العلم بغصبية الطرف المتلف أو الباقي يولد العلم بالضمان على تقدير أن يكون ما أتلفه هو المغصوب أو بحرمة التصرف في الطرف الباقي إذا كان هو المغصوب وهذا العلم الاجمالي يقتضي التنجيز، لمعارضة اصالة عدم حدوث الضمان لاصالة الاباحة في الطرف الآخر.

[ 436 ]

(فمما لا يمكن المساعدة عليه) لان العلم بغصبية أحد الطرفين إذا كان متأخرا عن الاتلاف فهناك أصلان: (أحدهما): اصالة عدم حدوث الحكم بالضمان وهو اصل ناف مخالف للعلم الاجمالي. و (ثانيهما): اصالة عدم كون الباقي ملكا له أو لمن أذن له في التصرف فيه لو كان هناك مجيز حيث ان جواز التصرف في الاموال المتعارفة التي بايدينا يحتاج إلى سبب محلل له من اشترائها وهبتها واجازة مالكها وغيرها من الاسباب، والاصل عدم تحقق السبب المحلل عند الشك فيه، وهو أصل مثبت على وفق العلم الاجمالي بالتكليف، فلا مانع من جريانه كما مر، وبهذا تبقى اصالة عدم حدوث الضمان في الطرف المتلف سليمة عن المعارض فلا يترتب على العلم الاجمالي بالضمان أو بحرمة التصرف في الطرف الآخر اثر. و (قياس) المقام بالملاقي لاحد أطراف الشبهة المحصورة، فان الملاقاة إذا كانت متأخرة عن العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى أو الطرف الآخر يحكم بطهارة الملاقي لتساقط الاصول في الطرفين، فيبقى الاصل في الملاقي سليما عن المعارض. وإذا كانت متقدمة على العلم الاجمالي يحكم بنجاسته فيما إذا فقد الملاقى أو خرج عن محل الابتلاء، لتعارض الاصل في الملاقي مع الاصل الجاري في الطرف الآخر. (قياس مع الفارق) فان الاصلين في المقيس عليه نافيان للتكليف وهما على خلاف المعلوم بالاجمال، وأين هذا من المقام؟ الذي عرفت أن الاصل فيه مثبت للتكليف في أحد الطرفين، ومعه تتساقط الاصول، وقد مر أن وجوب الموافقة القطعية مستند إلى تساقط الاصول في أطراف العلم الاجمالي وغير مستند إلى نفسه.

[ 437 ]

[ عليه بالضمان، إلا بعد تبين أن المستعمل هو المغصوب. فصل سؤر (1) نجس العين كالكلب والخنزير والكافر نجس (2) وسؤر ] فصل في الاسئار (1) المراد بالسؤر في الاصطلاح (* 1) هو مطلق ما باشره جسم حيوان كان ذلك ماء أم غيره وسواء أكانت المباشرة بالفم أم بغيره من أعضائه. (2) لانه لاقى نجسا، وقد قدمنا في بحث انفعال الماء القليل، ويأتي في محله أيضا أن ملاقاة النجس إذا كانت برطوبة مسرية تقتضي الحكم بنجاسة ملاقيه بلا فرق في ذلك بين الماء القليل وغيره من الاجسام الرطبة فإذا كان الحيوان المباشر من الاعيان النجسة كالكلب والخنزير فلا محالة ينجس الماء كما ينجس غيره من الاجسام الرطبة وكذا الحال في ملاقاة الكافر، والمقدار المتيقن منه هو المشرك ومنكري الصانع، وأما الكتابي فهو وإن كان مورد الخلاف من حيث طهارته ونجاسته على ما يأتي تفصيله في محله إن شاء الله إلا أنه أيضا على تقدير الحكم بنجاسته كبقية الحيوانات النجسة بالذات يوجب نجاسة ما باشره من الماء القليل، وسائر الاجسام الرطبة.


(* 1) وفي اللغة (البقية) من كل شئ والفضلة. كذا في تاج العروس المجلد 3 ص 251 وفي لسان العرب المجلد 4 ص 339 السؤر بقية الشئ.

[ 438 ]

[ طاهر العين طاهر (1) وإن كان حرام اللحم (2) ] (1) لطهارة الحيوان في ذاته، ومعه لا مقتضي لنجاسة سؤره. (2) ذهب بعضهم إلى وجوب الاجتناب عن سؤر الحيوانات الطاهرة التي لا يؤكل لحمها فيما عدا الانسان والطيور وما لا يمكن التحرز عنه كالفأرة والهرة والحية من دون أن يحكم بنجاسة اسئارها وقد نسب ذلك إلى الشيخ في المبسوط وغيره. وعن الحلي (قده) القول بنجاسة اسئارها (بدعوى): انها وان كانت طاهرة إلا أنه لا ملازمة بين طهارتها وطهارة اسئارها، واي مانع من ان تكون ملاقاة الحيوان الطاهر موجبة لنجاسة ملاقيه؟ ويمكن ان يستدل على هذا بروايتين: (إحداهما): موثقة عمار عن ابي عبد الله (ع) قال: سئل عما تشرب منه الحمامة، فقال: كل ما اكل لحمه فتوضأ من سؤره واشرب. (* 1) و (ثانيتهما): صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال: لا بأس ان تتوضأ مما شرب منه ما يؤكل لحمه (* 2) حيث قد علق جواز استعمال السؤر فيهما على كون الحيوان مأكول اللحم. ولا إشكال في سندهما وكذلك دلالتهما أما على القول بمفهوم الوصف ودلالته على الانتفاء عند الانتفاء على ما قربناه أخيرا في بحث الاصول فظاهر وأما بناء على القول بعدم المفهوم للوصف فلان الروايتين واردتان في مقام التحديد، ولا مناص من الالتزام بالمفهوم في موارد التحديد، ومقتضاه ثبوت البأس في سؤر الحيوانات الطاهرة التي لا يوكل لحمها وعدم جواز استعماله في شي هذا.


(* 1) المروية في الباب 4 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 5 من أبواب الاسئار من الوسائل.

[ 439 ]

[ أو كان المسوخ (1) أو كان جلالا (2). ] إلا أن هناك روايات كثيرة قد دلت على عدم البأس بسؤر مالا يوكل لحمه، ومعها لابد من حمل الروايتين على الكراهة، ومن تلك الاخبار صحيحة البقباق قال: سالت أبا عبد الله (ع) عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئا إلا سألته عنه فقال: لا بأس به. (* 1) وهي صريحه الدلالة على طهارة سؤر السباع وإن لم يؤكل لحمها. سؤر المسوخ (1) قد وقع الكلام في طهارة سؤره ونجاسته، ومنشأ الخلاف في ذلك هو الخلاف في طهارة نفس المسوخ، وعلى القول بنجاسته لا إشكال في نجاسة سؤره كبقية الحيوانات النجسة، وتحقيق الكلام في طهارته ونجاسته يأتي في بحث النجاسات ان شاء الله. سؤر الجلال (2) وسؤره أيضا من جملة موارد الخلاف، ومنشأه الخلاف في طهارة نفسه. فان قلنا بنجاسته فهو وإلا فلا مقتضي للحكم بنجاسة سؤره، وإن كان محرم الاكل. (وقد يقال): بنجاسة سؤره حتى على القول بطهارة نفسه نظرا إلى أن ريق فمه قد تنجس باصابة عين النجس فإذا اصاب شيئا آخر ينجسه


(* 1) المروية في الباب 1 من أبواب الاسئار من الوسائل.

[ 440 ]

[ نعم يكره سؤر (1) حرام اللحم، ما عدا المؤمن (2) ] لا محالة إلا ان هذا الكلام مما لا ينبغي التفوه به. (أولا): فلان هذا لوتم لما اختص بالجلال وأتي في كل حيوان أصاب فمه نجسا من الجيف أو غيرها من النجاسات، ولو مرة واحدة، لانها تكفي في نجاسة ريقه. و (ثانيا): أنه انما يقتضي نجاسة سؤر الجلال فيما إذا باشر الماء أو غيره من الاجسام الرطبة بفمه ولسانه دون ما إذا باشره بسائر اعضائه وقد عرفت ان السؤر بحسب الاصطلاح مطلق ما باشره جسم حيوان ولو بغير فمه. و (ثالثا): لم يدل دليل على نجاسة داخل الفم وريقه بعد زوال العين عنه، فلا يوجب مباشرة الجلال نجاسة الماء ولا نجاسة غيره من الاجسام، ولو كانت مباشرته بفمه ولسانه. (1) لمفهوم صحيحة عبد الله بن سنان وموثقة عمار المتقدمتين في المسألة السابقة ومرسلة الوشاء (* 1) عمن ذكره عن ابي عبد الله (ع) أنه كان يكره سؤر كل شئ لا يؤكل لحمه. سؤر المؤمن (2) للنصوص الواردة في استحباب التبرك بسؤر المؤمن وشربه وقد عقد له في الوسائل بابا، ففي صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) ان في سؤر المومن شفاء من سبعين داء (* 2).


(* 1) المروية في الباب 5 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 18 من أبواب الاشربة المباحة من الوسائل.

[ 441 ]

[ والهرة (1) على قول وكذا يكره (2) سؤر مكروه اللحم كالخيل، والحمير. ] سؤر الهرة (1) لما ورد في صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال في كتاب علي (ع) أن الهر سبع ولا بأس بسؤره، واني لاستحي من أن أدع طعاما، لان الهر أكل منه (* 1). سؤر مكروه اللحم (2) لم ترد كراهة سؤر المذكورات في شي من الاخبار. نعم يمكن أن يستدل عليه بما ورد في موثقة سماعة قال: سألته هل يشرب سؤر شئ من الدواب ويتوضأ منه؟ قال: أما الابل والبقرة والغنم فلا بأس (* 2) حيث أنها في مقام البيان فيستفاد من إقتصاره على ذكر الاغنام الثلاثة أن في سؤر غيرها بأسا، وبما أن صحيحة البقباق المتقدمة صريحة الدلالة على طهارة سؤر الحيوانات الطاهرة محرم الاكل ومحلله، فيكون هذا قرينة على ان المراد بالبأس في غير الاغنام الثلاثة هو الكراهة، وبهذا يمكن الحكم بكراهة سؤر ما يكره أكل لحمه من الفرس والبغال والحمير لانها غير الاغنام الثلاثة.


(* 1) المروية في الباب 2 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 5 من أبواب الاسئار من الوسائل.

[ 442 ]

[ وكذا سؤر الحائض المتهمة (1) ] سؤر الحائض (1) لم ترد كراهة سؤر الحائض في شئ من رواياتنا، وإنما دلت الاخبار على النهي عن التوضؤ بسؤرها، وهو أجنبي عن المقام كيف وقد ورد التصريح بجواز شربه في جملة من الروايات (* 1). ثم إن تقييد الحائض بالمتهمة لا دليل عليه نعم ورد في موثقة علي إبن يقطين (* 2) تقييد الحائض بما إذا كانت مأمونة، ومقابلها ما إذا لم تكن بمأمونة لا ما إذا كانت متهمة، فانها أخص من الاولى، فإذا وردتك إمرأة ضيفا وأنت لا تعرفها فهي غير مأمونة عندك لجهلك بحالها ولكنها ليست بمتهمة. فالصحيح أن الكراهة إنما تختص بالتوضؤ بسؤرها إذا لم تكن بمأمونة، وذلك لان الاخبار الواردة في المقام على طوائف: (منها): ما دل على كراهة التوضؤ من سؤر الحائض مطلقا كرواية


(* 1) كما في رواية عنبسة عن أبي عبد الله (ع) قال: اشرب من سؤر الحائض ولا تتوضأ منه. وفي صحيحة الحسين بن أبي العلا ((عن الحائض يشرب من سؤرها؟ قال. نعم ولا تتوضأ منه) إلى غير ذلك من الاخبار المروية في الباب 8 من أبواب الاسئار من الوسائل فليراجعها. (* 2) علي بن يقطين عن أبي الحسن (ع) في الرجل يتوضأ بفضل الحائض؟: إذا كانت مأمونة فلا بأس. المروية في الباب 8 من أبواب الاسئار من الوسائل. ثم ان الرواية وان كانت موثقة من إبن فضال إلى آخر السند كما وصفناها إلى أن طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال ضعيف بعلي بن محمد بن الزبير فليلاحظ.

[ 443 ]

أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته هل يتوضأ من فضل وضوء الحائض قال: لا (* 1). و (منها): ما دل على كراهته إذا لم تكن بمأمونة كما في موثقه علي بن يقطين المتقدمة وبها نقيد اطلاق الطائفة الاولى فتختص الكراهة بما إذا كانت الحائض غير مأمونة. وهناك طائفة اخرى وهي صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت ابي عبد الله (ع) عن سؤر الحائض، فقال: لا توضأ منه وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة. (* 2) والمستفاد منها أن التوضؤ من سؤر الحائض مكروه مطلقا، ولو كانت مأمونة وذلك لان التفصيل قاطع للشركة وقد فصلت الرواية بين الحائض والجنب، وقيدت جواز التوضؤ من سؤر الجنب بما إذا كانت مأمونة ولم تقيد الحائض بذلك، فدلالة هذه الرواية على الكراهة مطلقا أقوى من دلالة سائر المطلقات. إلا ان الشيخ (ره) نقل الرواية في كتابيه (الاستبصار والتهذيب) باسقاط كلمة (لا) الواقعة في صدر الحديث، وعليه فتدل الرواية على تقييد جواز الوضوء من سؤر كل من الحائض والجنب بما إذا كانت مأمونة ومعه ان قلنا بسقوط الرواية عن الاعتبار وعدم امكان الاعتماد عليها من أجل اضطراب متنها حسب نقلي الشيخ والكليني (قدهما) فهو. وأما إذا احتفظنا باعتبارها وقدمنا رواية الكافي المشتملة على كلمة (لا) على رواية التهذيب والاستبصار، لانه اضبط من كليهما، فلا مناص من الالتزام بتعدد مرتبي الكراهة، وذلك لان دلالة الرواية على الكراهة مطلقا اقوى من غيرها كما مر، لاشتمالها على التفصيل القاطع للشركة


(* 1) المروية في الباب 8 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 7 من أبواب الاسئار من الوسائل.

[ 444 ]

[ بل مطلق المتهم (1) ] فنلتزم بمرتبة من الكراهة في سؤر مطلق الحائض كما نلتزم بمرتبة اشد منها في سور الحائض غير المأمونة جمعا بين الطائفتين. ولا يخفى ان الرواية وان كانت صحيحة على طريق الكليني (قده) فان تردد محمد بن اسماعيل بين النيسابوري البندقي والبرمكي المعروف بصاحب صومعة غير مضر لصحة السند على ما نبهنا عليه في محله لوقوع هذا الطريق اعني محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان بعينه في اسانيد كامل الزيارات فلا مناص من الحكم باعتباره سواء أكان محمد بن اسماعيل الواقع فيه هو النيسابوري أو البرمكي أو غيرهما. إلا أنها قابلة للمناقشة على طريق الشيخ (قده) فان في طريقه إلى علي ابن الحسن بن فضال، علي بن محمد بن الزبير وهو لم يوثق. (1) قد عرفت ان الاتهام ليس بموضوع للحكم بالكراهة في الحائض فضلا عن أن يتعدي عنها إلى غيرها. وأما غير المأمون من مباشرة النجاسات فالتعدي عن الحائض إلى غيرها مشكل، اللهم إلا أن يستفاد من تعليق الحكم بالكراهة على وصف غير المأمونة أنه العلة في الحكم بالكراهة حتى تدور مدار وصف الائتمان من مباشرة النجاسات.

[ 445 ]

[ فصل النجاسات اثنتا عشرة: (الاول والثاني): البول والغائط من الحيوان الذي لا يؤكل لحمه (1) ] فصل في النجاسات البول والغائط مما لا يؤكل لحمه (1) لا كلام ولا خلاف في نجاسة البول والغائط من كل حيوان لا يؤكل لحمه بل كادت أن تكون ضرورية عند المسلمين في الجملة، ومعها لا حاجة في اثبات نجاستهما إلى إقامة دليل عليها. إلا أنه مع هذا يمكن ان يستدل على نجاسة البول بما عن عبد الله بن سنان قال: أبو عبد الله (ع) اغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه (* 1) وهي حسنة (* 2) وان عبر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات، وفي روايته الاخرى اغسل ثوبك من بول كل مالا يؤكل لحمه (* 3) وقد اكتفى في الحدائق بنقل الرواية الاولى ولم يتعرض للثانية، ولعله للمناقشة في سندها. وتقريب الاستدلال بهما ان الامر بغسل الثوب من البول يدل على


(* 1) و (* 3) المرويتان في الباب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) وهذا من جهة ابراهيم بن هاشم والبناء على حسنه ولكنه - مد ظله - قد عدل عن ذلك وبنى على وثاقته إذا فالرواية صحيحة.

[ 446 ]

نجاسة البول بالملازمة العرفية، لان وجوب غسله لو كان مستندا إلى شئ آخر غير نجاسة البول لوجب أن ينبه عليه. وحيث لم يبينه (ع) في كلامه فيستفاد منه عرفا أن وجوب غسل الثوب مستند إلى نجاسة البول. وبصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما ع قال: سألته عن البول يصيب الثوب قال: اغسله (* 1) مرتين وغيرها من الاخبار الدالة على وجوب غسل الثوب أو البدن من البول. وأما الخرء المعبر عنه بالعذرة والغائط فلم ترد نجاسته في رواية عامة إلا أن عدم الفرق بين الغائط والبول بحسب الارتكاز المتشرعي كاف في الحكم بنجاسته هذا. على أنه يمكن أن يستدل على نجاسته بالروايات الواردة في موارد خاصة (* 2) من عذرة الانسان والكلب ونحوهما بضميمة عدم القول بالفصل


(* 1) المروية في الباب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كصحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن رجل يصلي وفي ثوبه عذرة من أنسان أو سنور أو كلب أيعيد صلاته؟ قال: ان كان لم يعلم فلا يعيد. المروية في الباب 40 من أبواب النجاسات من الوسائل وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال: سألته عن الدجاجة والحمامة واشباههما تطأ العذرة ثم تدخل في الماء يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا إلا أن يكون الماء كثيرا قدر كر من ماء. المروية في الباب 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل وصحيحة موسى بن القاسم عن علي بن محمد (ع) في حديث قال: سألته عن الفأرة والدجاجة والحمام وأشباهها يطأ العذرة ثم تطأ الثوب أيغسل؟ قال: ان كان استبان من أثره شئ فاغسله وإلا فلا بأس. المروية في الباب 37 من أبواب النجاسات من الوسائل إلى غير ذلك من الاخبار الواردة في موارد خاصة.

[ 447 ]

[ إنسانا أو غيره، بريا أو بحريا، صغيرا أو كبيرا (1) بشرط أن يكون له دم سائل حين الذبح (2) نعم في الطيور المحرمة الاقوى عدم ] بين أفراده ويمكن أن يستانس على ذلك بعدة روايات أخر. (منها): ما دل على أنه لا بأس بمدفوع ما يؤكل لحمه (* 1) لانه يشعر بوجود البأس في مدفوع غيره. و (منها): ما ورد من أنه لا بأس بمدفوع الطيور (* 2) فأن فيه أيضا إشعار بوجود البأس في مدفوع غير الطير مما لا يؤكل لحمه من الحيوانات. (1) وذلك لا طلاق حسنة عبد الله بن سنان وعموم روايته الاخرى، فان مقتضاهما نجاسة البول من كل ما يصدق عليه عنوان مالا يؤكل لحمه بريا كان أم بحريا صغيرا كان أم كبيرا انسانا أو غيره. وهذا بحسب الكبرى مما لا إشكال فيه. نعم يمكن المناقشة صغرويا في خصوص الحيوانات البحرية نظرا إلى أنه لم يوجد من الحيوانات البحرية ما يكون له نفس سائلة نعم ذكر الشهيد (قده) أن التمساح كذلك إلا أنه على تقدير صحته يختص بالتمساح. وأما ما ذهب إليه ابن الجنيد من عدم نجاسة بول الصبي قبل أن يأكل اللحم أو الطعام فسيأتي بطلان مستنده في محله إن شاء الله. (2) لما دل على طهارة البول والغائط مما لا نفس له كما يأتي عن قريب إن شاء الله.


(* 1) كما في موثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه. المروية في الباب 9 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كما في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله - ع - قال: كل شئ يطير فلا بأس ببوله وخرءه. المروية في الباب 10 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 448 ]

[ النجاسة (1) لكن الاحوط فيها أيضا الاجتناب. ] (1) هل الطيور المحرمة كغيرها محكومة بنجاسة خرؤها وبولها؟ فيه أقوال ثلاثة: (أحدها): ما ذهب إليه المشهور من نجاسة بولها وخرؤها. و (ثانيها): طهارة مدفوعها مطلقا ذهب إليه العماني والجعفي والصدوق وجملة من المتأخرين كالعلامة وصاحب الحدائق وغير هما (قدهم) و (ثالثها): التفصيل بالحكم بطهارة خرؤها والتردد في نجاسة بولها ذهب إليه المجلسي وصاحب المدارك (قدهما) ومنشأ الخلاف في ذلك هو اختلاف الاخبار فان جملة منها دلت على نجاسة البول مطلقا كصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله ع عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة (* 1) فانها باطلاقها تشمل بول المأكول لحمه وغيره كما يشمل بول الطيور وسائر الحيوانات، إذا لم نقل بانصرافها إلى بول الآدمي وجملة اخرى دلت على نجاسة البول في خصوص ما لا يؤكل لحمه كحسنة عبد الله بن سنان المتقدمة، وقد ألحقنا الخرء بالبول بعدم القول بالفصل. وهناك طائفة ثالثة دلت على طهارة خرء الطائر وبوله مطلقا سواء أكان محرم الاكل أم محلله كموثقة أبي بصير (* 2) المتقدمة عن أبي عبد الله (ع) قال: كل شئ يطير فلا بأس ببوله وخرئه (* 3). والنسبة بين الطائفة الثانية والثالثة عموم من وجه، لان الحسنة أخص


(* 1) المروية في الباب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) تقدم ان الرواية صحيحة وأن المكنين بابي بصير كلهم ثقاة. (* 3) المروية في الباب 10 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 449 ]

من الموثقة من أجل اختصاصها بما لا يؤكل لحمه. وأعم منها من جهة شمولها الطائر وغيره، والموثقة أخص من الاولى لتقيد موضوعها بالطيران وأعم منها لشمولها الطائر بكلا قسميه المحلل والمحرم أكله فتتعارضان في الطائر الذي لا يؤكل لحمه، فقد ذهب القائلون بعدم الفرق بين الطيور والحيوانات إلى ترجيح الحسنة على الموثقة بدعوى انها أشهر وأصح سندا واستدل عليه شيخنا الانصاري (قده) بوجه آخر حيث اعتمد على ما نقله العلامة في مختلفه من كتاب عمار من أن الصادق (ع) قال: خرء الخطاف لا بأس به هو مما يؤكل لحمه، لكن كره أكله لانه استجار بك وآوى إلى منزلك، وكل طير يستجير بك فأجره (* 1) بتقريب انه علل عدم البأس بخرء الخطاف بانه مما يؤكل لحمه، وظاهره ان الخطاف لو لم يكن محلل الاكل كان في خرئه بأس، فالمناط في الحكم بطهارة الخرء هو حلية الاكل من دون فرق في ذلك بين الطيور والحيوانات. وأما المجلسي وصاحب المدارك (قدهما) فقد استندا فيما ذهبا إليه إلى أن نجاسة الخرء في الحيوان إنما ثبتت بعدم القول بالفصل، وهو غير متحقق في الطيور، لوجود القول بالفصل فيها، وعليه فلا مدرك لنجاسة خرء الطيور. وأما بولها فقد ترددا فيه، للتردد في تقديم الحسنة على الموثقة هذا ولكن الصحيح من هذا الاقوال هو ما ذهب إليه العماني والصدوق وجملة من المتأخرين من طهارة بول الطيور وخرئها مطلقا بيان ذلك: أن الرواية التي استدل بها شيخنا الانصاري (قده) مما لا يمكن الاعتماد عليه. (أما أولا): فلان الشيخ نقلها باسقاط كلمة (خرء) فمدلولها حينئذ ان الخطاف لا بأس به فهي أجنبية عن الدلالة على طهارة البول والخرء أو نجاستهما.


(* 1) المروية في الباب 9 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 450 ]

و (أما ثانيا)): فلانها على تقدير ان تكون مشتملة على كلمة (خرء) لا تقتضي ما ذهب إليه، لانه لم يثبت أن قوله (هو مما يؤكل لحمه) علة للحكم المتقدم عليه أعني عدم البأس بخرء الخطاف، ومن المحتمل أن يكون قوله هذا، وما تقدمه حكمان بينهما الامام (ع) من غير صلة بينهما بل الظاهر أنه علة للحكم المتأخر عنه أعني كراهة أكله أي الخطاف يكره أكله، لانه وإن كان مما يؤكل لحمه إلا أنه يكره أكله لانه استجار بك، وفي جملة (ولكن كره أكله.) شهادة على أن قوله ذذذذذذذهو مما يؤكل لحمه مقدمة لبيان الحكم الثاني كما عرفت فهذا الاستدلال ساقط. وأما ما ذكروه وجها لتقديم الحسنة على الموثقة فهو أيضا لا يرجع إلى محصل: أما الترجيح بانها أشهر فقد ذكرنا في محله أن الشهرة بمعنى الوضوح والظهور ليست من المرجحات، وإنما هي تلغي الرواية الشاذة عن الاعتبار رأسا، وهي بهذا المعنى غير متحققة في المقام لان الشهرة في أخبار النجاسة ليست بمثابة تلغي أخبار الطهارة عن الاعتبار، لانها أخبار آحاد لا تتجاوز ثلاث أو أربع روايات. وأما الترجيح بموافقة الكتاب والسنة بدعوى: أن ما دل على نجاسة بول الطير موافق للسنة أعني المطلقات الدالة على نجاسة البول مطلقا ففيه، (أولا): أن المطلقات منصرفة إلى بول الآدمي، ومعه لا يبقى لها عموم حتى يوافقه ما دل على نجاسة بول الطير. و (ثانيا) لو لم نبن على الانصراف فأيضا لا تكون موافقة السنة مرجحة في أمثال المقام، لان موافقة الكتاب والسنة إنما توجب الترجيح فيما إذا كان عمومها لفظيا. وأما إذا كان بالاطلاق ومقدمات الحكمة فلا فلا أثر لموافقتهما، لان الاطلاق ليس من الكتاب والسنة فالموافقة معه ليست موافقة لهما.

[ 451 ]

وأما الترجيح بالاصحية، وان الحسنة أصح سندا من الموثقة فيدفعه: ما ذكرناه في بحث التعادل والترجيح من أن صفات الراوي لا تكون مرجحة في الرواية، وإنما هي مرجحة في باب القضاء. على أنا لو قلنا بترجيح الصحيحة على الموثقة فلا نقول بتقديم الحسنة عليها بوجه. وبعد هذا لم يبق في البين سوى دعوى ان الروايتين تتساقطان بالمعارضة، ويرجع إلى العموم الفوق إلا أن هذه الدعوى أيضا ساقطة، لان الرجوع إلى العموم الفوق في المقام بعد الغض عن دعوى الانصراف مبني على القول بعدم انقلاب النسبة بعروض المخصص عليه، وإلا فهو أيضا طرف للمعارضة كالحسنة، وذلك للعلم بتخصيص المطلقات بما دل على طهارة بول ما يؤكل لحمه من البقر والغنم ونحوهما، فيكون حالها بعد هذا المخصص المنفصل حال الحسنة وغيرها مما دل على نجاسة بول مالا يؤكل لحمه. وقد عرفت أن النسبة بينهما وبين الموثقة عموم من وجه وبعد تساقطهما في مادة الاجماع بالمعارضة يرجع إلى قاعدة الطهارة، هذا كله على تقدير معارضة الحسنة والموثقة. والذي يسهل الخطب ويقتضي الحكم بطهارة بول الطيور انه لا تعارض بين الطائفتين، وذلك لامرين: (أحدهما): ان الموثقة وان كانت معارضة للحسنة بالعموم من وجه إلا أنها تتقدم على الحسنة، لانه لا محذور في تقديمها عليها ولكن في تقديم الحسنة على الموثقة محذور. (بيان ذلك): ان تقديم الحسنة على الموثقة يوجب تخصيصها بما يؤكل لحمه من الطيور، وبها يحكم بطهارة بوله مع أن الطيور المحللة لم يرلها بول حتى يحكم بطهارته، أو إذا كان طير محلل الاكل وله بول فهو في غاية الندرة، وعليه فيكون تقديم الحسنة موجبا لا لغاء الموثقة رأسا

[ 452 ]

أو حملها على موارد نادرة وهو ركيك، فان الرواية لا بد من أن يكون لها موارد ظاهرة، وهذا يجعل الموثقة كالنص فتتقدم على معارضها. لكن الانصاف انه يمكن المناقشة في هذا الوجه. بان الطير المحلل أكله انما لم ير له بول على حدة ومستقلا عن ذرقه. واما توأما معه فهو مشاهد محسوس كذرقه ومما لا سبيل إلى انكاره، ولك أن تختبر ذلك في الطيور الاهلية كالدجاجة فكان الطير ليس له مخرج بول على حدة، وانما يدفعه توأما لذرقه. ومن هنا يرى فيه مايع يشبه الماء وعليه فلا يوجب تقديم الحسنة جعل الموثقة بلا مورد ولا محذور في تقديمها. (ثانيهما): أن تقديم الحسنة على الموثقة يقتضي الغاء عنوان الطير عن كونه موضوعا للحكم بالطهارة، حيث تدل على تقييد الحكم بطهارة البول والخرء بما إذا كان الطير محلل الاكل، وهو في الحقيقة إلغاء لعنوان الطير عن الموضوعية، فان الطهارة على هذا مترتبة على عنوان ما يؤكل لحمه سواء كان ذلك هو الطير أم غيره. وهذا بخلاف تقديم الموثقة على الحسنة، فانه يوجب تقييد الحكم بنجاسة البول بغير الطير، وهذا لا محذور فيه فان عنوان ما لا يؤكل لحمه لا يسقط بذلك عن الموضوعية للحكم بنجاسة البول في غير الطير، وبما أن الموثقة صريحة في أن لعنوان الطير موضوعية وخصوصية في الحكم بطهارة البول، فتصير بذلك كالنص وتتقدم على الحسنة. وهذا الوجه هو الصحيح، وبذلك يحكم بطهارة بول الطيور وخرئها وإن كانت محرمة، ولا يفرق في ذلك بين كون الحسنة عاما وبين كونها مطلقة، وهو ظاهر، ومن هنا لم يستدل شيخنا الانصاري (قده) على نجاسة بول الطيور المحرمة بتقديم الحسنة، وانما استدل برواية أخرى وقد

[ 453 ]

[ خصوصا الخفاش (1) وخصوصا بوله. ] قدمنا نقلها كما قدمنا جوابها. ومن هذا يظهر أن ما. ربما يقال. في المقام من أن الموثقة معرض عنها عند الاصحابب، وهو موهن للموثقة كلام شعري لا أساس له فان المشهور إنما لم يعلموا بها لتقديم الحسنة باحد الوجوه المتقدمة من الاشهرية والاصحية وموافقة السنة كما مر، لا لاعراضهم عن الموثقة حتى تسقط بذلك عن الاعتبار. هذا على إنا لو سلمنا اعراضهم عن الموثقة فقد بينا في محله ان اعراض الاصحاب عن رواية معتبرة لا يكون كاسرا لا عتبارها كما أن عملهم على طبق رواية ضعيغة لا يكون جابرا لضعفها هذا كله في غير الخفاش. (1) لا خصوصية زائدة في خرء الخفاش على خرء غيره من الطيور، ولا وجه للاحتياط فيه بل الامر بالعكس حتى لوبنينا على نجاسة خرء غيره من الطيور المحرمة كما إذا تمت دلالة الحسنة المتقدمة على نجاسته لا نقول بنجاسة خرء الخفافيش، والوجه في ذلك أن ما لا نفس له خارج عما دل على نجاسة خرء الطيور وبولها، ونحن قد اختبرنا الخفافيش زائدا على شهادة جماعة ولم نرلها نفسا سائلة فخرؤها غير محكوم بالنجاسة. وأما بوله فقد التزم الشيخ (قده) بنجاسته في المبسوط، ولكن الصحيح أنه ايضا كخرئه مما لا خصوصية له، لعدم نجاسة البول مما لا نفس له حتى على القول بنجاسة بول سائر الطيور المحرمة. هذا فيما إذا ثبت انه مما لا نفس له، وكذا الحال فيما إذا شككنا في أنه من هذا القبيل أو من غيره، لان ما دل على نجاسة بول الطيور مخصص بما لا نفس له، ومع الشك في أن الخفاش مما له نفس سائلة لا يمكن التمسك بعموم ذلك الدليل، لانه من التمسك بالعام في الشبهات المصداقية

[ 454 ]

[ ولا فرق في غير المأكول بين أن يكون أصليا كالسباع ونحوها أو عارضيا (1) كالجلال، وموطوء الانسان والغنم الذي شرب لبن خنزيرة. ] نعم ورد في رواية داود الرقي (* 1) أن بول الخفاش نجس إلا أنها غير قابلة للاعتماد. (أما أولا): فلضعف سندها. و (أما ثانيا): فلمعارضتها برواية غياث: لا بأس بدم البراغيث والبق وبول الخشاشيف (* 2) وهي إما أرجح من رواية الرقي أو مساوية لها. و (أما ثالثا): فلان الخفاش ليست له نفس سائلة كما مر، وقد قام الاجماع على طهارة بول ما لا نفس له، ولا نحتمل تخصيصه بمثل هذه الرواية الضعيفة المتعارضة، ومن ذهب إلى نجاسته فانما استند إلى أن له نفسا سائلة، ولم يعلم استناده إلى تلك الرواية، وبعدما بينا انه مما لا نفس له لا يبقى وجه لنجاسة شئ من بوله وخرئه. فان اطلاق حسنة عبد الله بن سنان وعموم روايته الاخرى كما يشمل غير المأكول باذات كالسباع والمسوخ كذلك يشمل ما لا يؤكل لحمه بالعرض كما إذا كان جلالا أو موطوء انسان أو أرتضع من لبن خنزيرة إلى أن يشد عظمه لان موضوع الحكم بنجاسة البول في الروايتين انما هو عنوان ما لا يؤكل لحمه، ومتى ما صدق على شئ من الحيوانات الخارجية فلا محالة يحكم بنجاسة بوله.


(* 1) عن داود الرقي قال سألت أبا عبد الله (ع) عن بول الخشاشيف يصيب ثوبي فأطلبه فلا أجد، فقال أغسل ثوبك. المروية في الباب 10 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في الباب المتقدم من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 455 ]

[ وأما البول والغائط من حلال اللحم فطاهر (1) حتى الحمار والبغل والخيل (2) ] ونظير هذا البحث يأتي في الصلاة أيضا حيث أن موئقة ابن بكير (* 1) دلت على بطلان الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه، وقد وقع الكلام هناك في أن عنوان ما لا يؤكل لحمه عنوان مشير إلى الذوات الخارجية مما لا يؤكل لحمه بالذات. أو أنه أعم مما لا يؤكل لحمه ولو بالعرض وقد ذكرنا هناك أنه عام يشمل الجميع، ولا وجه لا ختصاصه بما هو كذلك بالذات. البول والغائط مما يؤكل لحمه: (1) للاجماع القطعي بين الاصحاب، ولموثقة عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه (* 2) وصحيحة زرارة انهما (ع) قالا: لا تغسل ثوبك من بول شئ يؤكل لحمه (* 3)، وما عن قرب الاسناد عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه (ع) ان النبي صلى الله عليه وآله قال: لا بأس ببول ما أكل لحمه (* 4)، وما ورد في ذيل صحيحة عبد الرحمن ابن أبي عبد الله من قوله (وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله) (* 5). (2) قد وقع الخلاف في طهارة أبوالها وأرواثها قذهب المشهور إلى


(1 *) قال سأل زرارة أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر، فأخرج كتابا زعم أنه املاء رسول الله صلى الله عليه وآله ان الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وجلده وبوله وروثه ولك شئ منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلي في غيره مما أحل الله أكله. المروية في الباب 2 من أبواب لباس المصلي من الوسائل. (* 2) و (* 3) و (* 4) و (* 5) المرويات في الباب 9 من ابواب النجاسات من الوسائل

[ 456 ]

طهارتهما، وخالفهم في ذلك من المتقدمين ابن الجنيد والشيخ في بعض كتبه، ومن المتأخرين الاردبيلي وغيره فذهبوا إلى نجاستهما، وأصر صاحب الحدائق (قده) على نجاسة أبوالها. وتردد فيها بعض آخر. ومنشأ الخلاف في ذلك هو اختلاف الاخبار، حيث ورد في جملة منها وفيها صحاح وموثقات الامر بغسل ابوال الخيل والحمار والبغل (* 1) وقد قدمنا في محله ان الامر بالغسل ارشاد إلى النجاسة حسبما يقتضيه الفهم العرفي، وورد في صحيحة الحلبي التفصيل بين أبوالها ومدفوعاتها، حيث نفت البأس عن روث الحمير وأمرت بغسل ابوالها (* 2) وهي صريحة في عدم الملازمة بين نجاسة ابوال الحيوانات المذكورة، ونجاسة مدفوعاتها كما توهمها بعضهم، وقد تقدم ان الحكم بنجاسة المدفوع لم يقم عليه دليل غير عدم القول بالفصل بينه وبين البول، والقول بالفصل موجود في المقام، وعليه فلا نزاع في طهارة أرواثها، وينحصر الكلام بابوالها، وقد عرفت ان مقتضى الاخبار المتقدمة نجاستها. وفي قبال تلك الاخبار روايتان (* 3) تدلان على طهارتها إلا انهما


(* 1) كموثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل يمس بعض أبوال البهائم أيغسله أم لا؟ قال: يغسل بول الحمار والفرس والبغل فاما الشاة وكل ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله. وصحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (ع) من أبوال الخيل والبغال، قال: اغسل ما أصابك منه. المرويتان في الباب 9 من أبواب النجاسات من الوسائل. وموثقة سماعة قال: سألته عن بول السنور والكلب والحمار والفرس قال: كابوال الانسان. المروية في الباب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 9 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) إحداهما: رواية أبي الاغر النحاس قال: قلت لابي عبد الله (ع) =

[ 457 ]

ضعيفتان فان صح اعتماد المشهور فيما ذهبوا إليه على هاتين الروايتين، وتمت كبرى ان اعتماد المشهور على رواية ضعيفة يخرجها من الضعف إلى القوة وينجبر به ضعفها فلا مناص من الحكم بطهارة أبوال الحيوانات المذكورة، ولا يعارضهما ما دل على نجاسة أبوالها كما توهمه صاحب الحدائق (قده) لانهما صريحتان في الطهارة وأخبار النجاسة ظاهرة في نجاستها. إلا أن الكلام في ثبوت الامرين المتقدمين، ودون إثباتهما خرط القتاد، فان القدماء ليس لهم كتب استدلالية، ليرى انهم اعتمدوا على أي شئ، ولعلهم استندوا في ذلك على شي آخر. كما أن عملهم على طبق رواية ضعيفة لا يكون جابرا لضعفها على ما مر منا غير مرة. وعلى هذا لا مناص من الحكم بنجاسة أبوالها، وإن كان يلزمه التفصيل بين أرواثها وأبوالها ولا محذور فيه بعد دلالة الدليل، وقد عرفت ما يقتضي طهارة أرواثها، ولا ينافي ذلك ما دل باطلاقه على طهاره بول كل ما يؤكل لحمه حيث لا مانع من تخصيصه بما دل على نجاسة أبوال الحيوانات الثلاثة. بل يمكن أن يقال أنه لا دلالة في تلك المطلقات على طهارة أبوال الحيوانات الثلاثة، لقوة احتمال أن يراد مما يؤكل لحمه في تلك الروايات ما كان مستعدا للاكل بطبعه كالشاة والبقرة ونحوهما، ومن البديهي أن الحيوانات المذكورة غير مستعدة للاكل، وإنما هي معدة للحمل، وإن كانت


= اني أعالج الدواب فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت فيضرب أحدها برجله أو يده فينضح على ثيابي فاصبح فارى أثره فيه، فقال: ليس عليك شئ - وثانيتهما رواية معلى بن خنيس و عبد الله بن أبي يعفور قالا: كنا في جنازة وقدامنا حمار فبال فجاءت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا وثيابنا ودخلنا على أبي عبد الله (ع) فاخبرناه، فقال ليس عليكم بأس. المرويتان في الباب 9 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 458 ]

محللة شرعا كما أشير إلى هذا في بعض الروايات (* 1) هذا. واستتدل شيخنا الهمداني (قده) على طهارة أبوال الحيوانات الثلاثة بما ورد في ذيل موثقة ابن بكير المتقدمة (* 2) حيث قال (ع) يا زرارة هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فاحفظ ذلك يا زرارة، فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شئ منه جائز إذا علمت أنه ذكى وقد ذكاه الذبح، وإن كان غير ذلك مما قد نهيت عن أكله وحرم عليك أكله فالصلاه في كل شئ‌ي منه فاسد، ذكاه الذبح أو لم يذكه: بتقريب أن المراد بالحلية في هذه الموثقة هي الحلية المجردة، ولم يرد منها ما اعد للاكل، وقد دلت بصراحتها على جواز الصلاة في بول كل ما كان كذلك من الحيوانات، ومنها الحمير والبغل والفرس، ويستفاد منها طهارة أبوالها، لضرورة بطلان الصلاة في النجس. ويظهر الجواب عن ذلك بما نبهنا عليه آنفا، وحاصله ان دلالة الموثقة على طهارة أبوال الدواب الثلاث انما هي بالظهور والالتزام، ولم تدل على هذا بصراحتها، وإذا فلا مانع من تخصيصها بالاخبار المتقدمة الصريحة في نجاسة ابوالها و (بعبارة اخرى): ان الموثقة انما دلت على جواز الصلاة في أبوال الدواب الثلاث من حيث انها محلل الاكل في طبعها وبالالتزام دلت على طهارتها، والاخبار المتقدمة قد دلت بالمطابقة على نجاسة أبوالها فلا محالة تخصص الموثقة بما إذا كانت الحلية مستندة إلى استعدادها للاكل، وعلى الجملة لا محذور في الحكم بنجاسة أبوال الحيوانات الثلاثة.


(* 1) روى زرارة عن أحدهما (ع) في أبواب الدواب يصيب الثوب فكرهه، فقلت: أليس لحومها حلالا؟ فقال: بلى، ولكن ليس مما جعله الله للاكل. المروية في الباب 9 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) في ص 455.

[ 459 ]

إلا أن ما يمنعنا عن ذلك، ويقتضي الحكم بطهارة أبوالها ملاحظة سيرة الاصحاب من لدن زمانهم (ع) الواصلة الينا يدا بيد، حيث انها جرت على معاملتهم معها معالمة الطهارة، لكثرة الابتلاء بها، وبالاخص في الازمنة المتقدمة فانهم كانوا يقطعون المسافاة بمثل الحمير والبغال والفرس فلو كانت أبوالها نجسة لا شتهر حكمها وذاع، ولم ينحصر المخالف في طهارتها بابن الجنيد والشيخ (قدهما) ولم ينقل الخلاف فيها من غيرهما من أصحاب الائمة والعلماء المتقدمين، وهذه السيرة القطعية تكشف عن طهارتها، وبها تحمل الاخبار المتقدمة الصريحة في نجاسة الابوال المذكورة على التقية، فان العامة ولا سيما الحنفية منهم ملتزمون بنجاستها (* 1) وقد اعترف بما ذكرناه


(* 1) قدمنا شطرا من أقوالهم في هذه المسألة في تعليقة ص 67 - 77 عن ابن حزم في المحلى وننقل جمله اخرى من كلماتهم في المقام لمزيد الاطلاع: قال في بدايع الصنايع للكاشاني الحنفي ج 1 ص 161 بول مالا يؤكل لحمه نجس وأما ما يؤكل لحمه فعند أبي حنيفة وأبي يوسف نجس وعند محمد طاهر. وبهذا المنوال نسج في المبسوط ج 1 ص 54. وفي عمدة القارئ للعيني الحنفي (شرح البخاري) ج 1 ص 99 اختلف في الابوال فعند أبي حنيفة والشافعي وأبي يوسف وأبي ثور وآخرون كثيرون الابوال كلها نجسة إلا ما عفي عنه وقال أبو داود بن علية الابوال كلها طاهرة من كل حيوان ولو غير مأكول اللحم عدا ابوال الانسان. وفي ارشاد الساري للقسطلاني شرح البخاري ج 1 ص 300 ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى ان الابوال كلها نجسة إلا ما عفي عنه وفي فتح الباري لابن حجر شرح البخاري ج 1 ص 232 باب أبوال الابل والدواب والغنم ذهب الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الابوال والارواث كلها من مأكول اللحم وغيره وفي البداية لابن رشد المالكي ج 1 ص 73 اختلفوا في =

[ 460 ]

في الحدائق إلا أنه منع عن حمل أخبار النجاسة على التقية نظرا إلى أن الرواية ما لم تبتل بمعارض أقوى لم يجز حملها على التقية، ولا معارض لا خبار النجاسة في المقام. وما أفاده وان كان صحيحا في نفسه إلا أنه غير منطبق على المقام، لقيام سيرة الاصحاب وعلمائنا الاقدمين على طهارتها، وهي التي دعتنا إلى حمل أخبار النجاسة على التقية، وبهذا اعتمدنا في الحكم بعدم وجوب الاقامة في الصلاة، لان الاخبار وان كانت تقتضي وجوبها إلا أن سيرته أصحاب الائمة عليهم السلام وعلمائنا المتقدمين تكشف عن عدم وجوبها في الصلاة حيث انها لو كانت واجبة لظهر، ولعد من الواضحات والضروريات، لكثرة الابتلاء بها في كل يوم، ونفس عدم ظهوالحكم في أمثالها يكشف كشفا قطعيا عن عدمه.


= نجاسة بول غير الآدمي من الحيوان فذهب ابو حنيفة والشافعي إلى انها كلها نجسة وقال قوم بطهارتها وقال آخرون بتبعية الابوال والارواث للحوم فما كان منها محرم الاكل كانت أبواله وأرواثه نجسه وما كان مأكول اللحم فابوالها وأرواثها طاهرة وبه قال مالك وفي البدايع ج 5 ص 37 في كتاب الذبائح لا تحل البغال والحمير عند عامة العلماء ويكره لحم الخيل عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يكره وبه أخذ الشافعي وفي مجمع الانهر لشيخ زاده الحنفي ج 3 ص 513 في الذبائح يحرم أكل لحوم الحمر الاهلية والبغال لانه متولد من الحمار فان كانت امه بقرة فلا يؤكل بلا خلاف وان كانت امه فرسا فعلى الخلاف في أكل لحم الفرس: فعلى هذا بول الحمير والبغال والفرس نجس لحرمة أكل لحمها والاخير وان كان مكروها عند أبي حنيفة إلا أنه يرى نجاسة الابوال كلها حسب كلماتهم المتقدمة.

[ 461 ]

[ وكذا (1) من حرام اللحم الذي ليس له دم سائل كالسمك المحرم ونحوه ] فضلة ما لا نفس له (1) قد اختلفوا في نجاسة أبوال مالا يؤكل لحمه ممالا نفس له كالاسماك المحرمة والسلحفاة ولها بول كثير فذهب المشهور إلى طهارة بوله وخرئه، وتردد المحقق في طهارتهما في بعض كتبه، والكلام في مدرك ما ذهب إليه المشهور، لان مقتضى اطلاق ما دل على نجاسة أبوال مالا يؤكل لحمه أو عمومه أعني روايتي عبد الله بن سنان عدم الفرق في نجاستها بين كونها مما له نفس سائلة وعدمه، فلابد في اخراج مالا نفس له من ذلك الاطلاق أو العموم من اقامة الدليل عليه. فقد يتمسك في ذلك بالانصراف بدعوى: ان لفظتا البول والخرء منصرفتان عن بول مالا نفس له وخرئه، لانهما منه بمنزلة عصارة النبات. وفساد هذا الوجه بمكان من الوضوح، فانه لا مدخلية لكون الحيوان مما له نفس أو مما لا نفس له في صدق عنوان البول على بوله أو الخرء على مدفوعه، فهذا الوجه مما لا يعتنى به. والذي ينبغي أن يقال أنه لا اشكال في طهارة الخرء مما لا نفس له لقصور ما يقتضي نجاسته، لما مر من أن نجاسته في الحيوانات المحرمة التي لها نفس سائلة مستندة إلى عدم الفرق بين بولها وخرئها بالارتكاز، والارتكاز مختص بما له نفس سائلة، وعليه فالخرء من الحيوانات التي لا نفس لها خارج عن محل الكلام، والنزاع مختص ببوله. وإذا قد عرفت ذلك فنقول: ان الحيوانات المحرمة التي لا نفس لها إذا كان لها لحم معتد به كالاسماك المحرمة والحيات ونحوهما فلا محالة يشملها عموم ما دل على نجاسة

[ 462 ]

أبوال ما لا يؤكل لحمه واطلاقه، لانها من أفراده، وإذا لم يكن لها لحم كذلك كالخنفساء والذباب وأمثالهما لم يحكم بنجاسة بولها، لانها خارجة عما دل على نجاسة بول الحيوانات المحرمة، فان في مورد هذه الادلة قد فرض حيوان وله لحم محرم أكله فحكم بنجاسة بوله، وهذا كما ترى يختص بما له لحم، وعليه فهذه الادلة قاصرة الشمول لما لا لحم له من الابتداء، حيث لا لحم له ليحرم اكله، فابوال ما لا نفس له إذا كان من هذا القبيل مما لا دليل على نجاسته. إلا أن هذا انما يتم فيما إذا قلنا بانصراف ما دل على نجاسة مطلق البول إلى بول الآدمي كصحيحتي محمد بن مسلم المتقدمتين وغيرهما ولا أقل من انصرافه عن بول الحيوانات التي لا لحم لها. وأما إذا لم يتم الانصراف فمقتضى تلك المطلقات نجاسة البول مطلقا حتى مما لا لحم له فيما إذا كان محرم الاكل. نعم يمكن أن يستدل على طهارة أبوال ما لا نفس له مطلقا كان له لحم أم لم يكن بموثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) قال: لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة (* 1) فقد دلت باطلاقها على عدم تنجس الماء ببول مالا نفس له ولا بدمه ولا بميتته ولا بغيرها مما يوجب نجاسة الماء إذا كانت له نفس سائلة بلا فرق في ذلك بين أن يكون له لحم أم لم يكن. وأصحابنا (قدس الله اسراهم) وإن ذكروا هذه الرواية في باب عدم نجاسة الميتة مما لا نفس له إلا أنه لا يوجب اختصاصها بها، فانها مطلقة ومقتضى إطلاقها عدم تنجس الماء بشئ من أجزاء مالا نفس له، والنسبة


(* 1) المروية في الباب 35 من أبواب النجاسات من الوسائل. ثم إن في سند الرواية احمد بن محمد عن ابيه والظاهر انه احمد ابن =

[ 463 ]

بينها وبين ما دل على نجاسة بول مالا يؤكل لحمه وإن كانت عموما من وجه إلا أنها كذلك بالا ضافة إلى غير بوله أيضا من دمه وميتته ومع ذلك فهي مقدمة على معارضتها مما دل على نجاسة الدم أو الميتة. والوجه فيه أن الموثقة حاكمة على غيرها مما دل على نجاسة البول أو الدم أو الميتة على وجه الاطلاق فانها فرضت شيئا مفسدا للماء من أجزاء الحيوان. وحكمت عليه بعدم إفساده للماء فيما إذا لم يكن له نفس سائلة، هذا. وأيضا يمكن الاستدلال على طهارته بالروايات الواردة في عدم نجاسة الميتة مما لا نفس له كموثقة عمار الساباطي، عن أبي عبد الله (ع) قال: سئل عن الخفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه، قال: كل ما ليس له دم فلا بأس (* 1) والمراد بما ليس له دم هو مالا نفس سائلة له، وإلا فلمثل الذباب دم قطعا. وتقريب الاستدلال بها إنها دلت باطلاقها على عدم انفعال الماء وغيره من المايعات


= محمد بن الحسن بن الوليد وهو وان كان من مشايخ المفيد (قده) إلا أنه لم تثبت وثاقته بدليل، وكونه شيخ اجازة لا دلالة له على وثاقته فالوجه في كون الرواية موثقة ان في سندها محمد بن احمد بن يحيى وللشيخ إليه طرق متعددة وهي وان لم تكن صحيحة بأسرها إلا ان في صحة بعضها غنى وكفاية وذلك لان الرواية إما ان تكون من كتاب الراوي أو من نفسه، وعلى كلا التقديرين يحكم بصحة رواية الشيخ عن محمد بن احمد لتصريحه في الفهرست بأن له إلى جميع كتب محمد بن احمد ورواياته طرقا متعددة وقد عرفت صحة بعضها، وإذا صح السند إلى محمد بن احمد بن يحيى صح باسره لوثاقة الرواة الواقعة بينه وبين الامام (ع) وبهذا الطريق الذي ابديناه اخيرا يمكنك تصحيح جملة من الروايات كذا افاده دام ظله. (* 1) المروية في الباب 35 من ابواب النجاسات من الوسائل.

[ 464 ]

[ (مسألة 1) ملاقاة الغائط في الباطن لا توجب النجاسة (1) كالنوى الخارج من الانسان أو الدود الخارج منه، إذا لم يكن معه شئ من الغائط وإن كان ملاقيا له في الباطن. نعم لو أدخل من الخارج شيئا فلاقى الغائط في الباطن كشيشة الاحتقان، إن علم ملاقاتها له فالاحوط الاجتناب عنه. وأما إذا شك في ملاقاته فلا يحكم عليه بالنجاسة، فلو خرج ماء الاحتقان ولم يعلم خلطه بالغائط ولا ملاقاته له لا يحكم بنجاسته. ] بموت ما لا نفس له فيه سواء تفسخ أم لم يتفسخ، ومن الظاهر أنه على تقدير تفسخه تنتشر أجزاؤه في الماء ومنها ما في جوفه من البول والخرء مع أنه (ع) حكم بطهارة المايع مطلقا، هذا وفي الرواية الاولى غنى وكفاية. ملاقاة الغائط في الباطن (1) هذا الذي أفاده (قده) لا يوافق ذيل كلامه، لانه لا فرق فيما لاقاه الغائط في الباطن بين ما دخل من طريق الحلق كما في النوى، وبين ما دخل الجوف من طريق آخر كشيشة الاحتقان. نعم يمكن أن يقال في الدود الخارج من الانسان أنه كسائر الحيوانات إما لا يتنجس أصلا أو إذا قلنا بتنجسه يطهر بزوال العين عنه كما في الدود الخارج من الخلاء إذا لم يكن عليه أثر من النجاسات وأما النوى وشيشة الاحتقان فلم يظهر لنا الفرق بينهما، وتفصيل الكلام في المقام ان لملاقاة النجاسة في الباطن صورا أربع: (الصورة الاولى): أن يكون الملاقي والملاقى من الداخل بأن تلاقي النجاسة المتكونة في

[ 465 ]

الباطن احد الاجزاء الداخلية للانسان أو الحيوان نظير الدم الملاقي لمحله والغائط المماس لمكانه. وملاقي النجاسة في هذه الصورة محكوم بالطهارة، وذلك مضافا إلى قصور ما دل على نجاسة الملاقي عن الشمول لهذه الصورة كما سيظهر وجهه يمكن أن يستدل عليها بما دل طهارة البلل الخارج من فرج المرأة (* 1) فانه يلاقي مجرى البول والدم والمني، فلو كانت ملاقاة شئ من ذلك موجبة لنجاسة مواضعها الداخلية لكان البلل الملاقي لتلك المواضع محكوما بالنجاسة لا محالة. وبما دل على طهارة المذي وأخواته (* 2) فانه أيضا يلاقي مواضع البول والمني. وبما دل على وجوب غسل الظاهر في الاستنجاء وفي غيره دون البواطن (* 3)


(* 1) كما في الصحيح عن إبراهيم بن أبي محمود قال: سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن المرأة وليها قميصها أو إزارها من بلل الفرج وهي جنب أتصلي فيه؟ قال: إذا إغتسلت صلت فيهما. وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن رجل مس فرج إمرأته، قال: ليس عليه شئ وان شاء غسل يده. وغيرهما من الاخبار المروية في الباب 55 من أبواب النجاسات وفي الباب 9 من أبواب النواقض من الوسائل (* 2) كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال: سألته عن المذي يصيب الثوب قال: ينضحه بالماء إن شاء. وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المذي يصيب الثوب قال: ليس به بأس وغيرهما من الاخبار المروية في الباب 17 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) ففي الصحيح عن إبراهيم بن أبي محمود، قال: سمعت الرضا (ع) يقول: يستنجي ويغسل ما ظهر منه على الشرج ولا يدخل فيه الانملة. وعن عمار الساباطي قال: سئل أبو عبد الله (ع) عن رجل يسيل من أنفه الدم، هل عليه أن يغسل باطنه؟ يعني جوف الانف فقال: إنما عليه ان =

[ 466 ]

مع ملاقاتها للغائط وغيره من النجاسات ولم تثببت ملازمة ولا ارتكاز عرفي بين نجاسة الدم والبول والغائط في الخارج ونجاستها في الجوف، وحيث أن النجاسة تستفاد من الامر بغسلها، ولم يرد أمر بغسل البواطن فيستكشف من ذلك طهارتها. وعلى الجملة لا دليل على نجاسة البواطن بوجه، أو إذا قلنا بنجاستها فلا مناص من الالتزام بطهارتها بمجرد زوال عين النجس. (الصورة الثانية): أن تكون النجاسة خارجية وملاقيها من الاجزاء الداخلية كما إذا شرب مايعا متنجسا أو نجسا كالخمر فانه يلاقي الفم والحلق وغيرهما من الاجزاء الداخلية، وملاقي النجاسة في هذه الصورة أيضا محكوم بالطهارة، فان الاجزاء الداخلية لا تتنجس بملاقاه النجس الخارجي، وهذا من غير فرق بين أن تكون الاجزاء الداخلية محسوسة كداخل الفم والانف والاذن وغيرها أم لم تكن، والسر في ذلك ما تقدم في الصورة الاولى من أنه لا دليل على نجاسة الاعضاء الداخلية بملاقاة النجس، وعلى تقدير تسليمها لا مناص من من الالتزام بطهارتها بمجرد زوال العين عنها هذا مضافا إلى ما ورد من عدم نجاسة بصاق شارب الخمر (* 1) لان الفم لو كان يتنجس بالخمر كان


= يغسل ما ظهر منه وغيرهما من الاخبار المروية في الباب 24 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 1) كما رواه عبد الحميد بن أبي الديلم قال قلت لابي عبد الله (ع) رجل يشرب الخمر فيبصق فاصاب ثوبي من بصاقه، قال ليس بشئ ونظيرها رواية الحسن بن موسى الحناط. المرويتان في الباب 39 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 467 ]

بصاق شارب الخمر نجسا لا محالة (الصورة الثالثة): ان يكون الملاقي خارجا والنجاسة باطنية كما في الاسنان الصناعية الملاقية للدم المتكون في الفم أو الابرة النافذة في الجوف وشيشة الاحتقان والنوى الداخل فيه إلى غير ذلك من الاجسام الخارجية الملاقية لشئ من النجاسات المتكونة في الباطن، وهذه الصورة على قسمين: (أحدهما): ما إذا كان الملاقى أعني النجاسة الداخلية كائنة في الجوف، وغير محسوسة باحدى الحواس كالنجاسة التي لا قاها النوى أو شيشة الاحتقان أو الابرة وغيرها. و (ثانيهما): ما إذا كان قابلا للحسن باحدى الحواس كالدم المتكون في الفم أو في داخل الانف وغيرهما. (أما القسم الاول): فلا إشكال في أن الجسم الخارجي الملاقى لشئ من النجاسات الداخلية طاهر، لانه لا دليل على نجاسة الدم في العروق أو البول والغائط في محلهما فضلا عن أن يكون منجسا لملاقيه، والادلة الواردة في نجاسة الدم والبول والغائط مختصة بالدم الخارجي أو البول والغائط الخارجين، لان أمره (ع) بغسل ما يصيبه البول من البدن والثياب (* 1) لا يشمل لغير البول الخارجي، فان البول في الداخل لا يصيب الثياب أو البدن


(* 1) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال سألته عن البول يصيب الثوب قال: أغسله مرتين. ورواية البزنطي، قال: سألته عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين. وغيرهما من الاخبار المروية في الباب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 468 ]

وكذلك ما دل عى نجاسة الدم (* 1) وكذا أمره (ع) بالغسل في الغائط الذي يطأه الرجل برجله (* 2) أو المني الذي (* 3) أصابه يختص بالغائط والمني الخارجيين، ولا يحتمل


(* 1) كما في صحيحة زرارة، قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت ثم إني ذكرت بعد ذلك قال: تعيد الصلاة وتغسله. المروية في الباب 42 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كما في رواية الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في الرجل يطأ في العذرة أو البول أيعيد الوضوء؟ قال لا ولكن يغسل ما أصابه. المروية في الباب 10 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. - وصحيحة زرارة بن أعين قال: قلت لابي جعفر (ع) رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها، أينقض ذلك وضوؤه؟ وهل يجب عليه غسلها؟ فقال: لا يغسلها إلا أن يقذرها، ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلي. وصحيحة محمد بن مسلم قال: كنت مع أبي جعفر (ع) إذ مر على عذرة يابسه فوطأ عليها فأصابت ثوبه. فقلت: جعلت فداك قد وطأت على عذرة فأصابت ثوبك! فقال: أليس هي يابسة؟ فقلت: بلى، قال لا بأس ان الارض يطهر بعضها بعضا. إلى غير ذلك من الاخبار المروية في الباب 32 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) صحيحة محمد بن مسلم في حديث (في المني يصيب الثوب قال: ان عرفت مكانه فاغسله وإن خفي عليك فاغسله كله) وعن عنبسة بن مصعب قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن المني يصيب الثوب فلا يدري أين مكانه قال: يغسله كله (وإن علم مكانه فليغسله) وغيرهما من الاخبار المرورية في الباب 16 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 469 ]

إرداة الغائط في الجوف لانه لا معنى لوطئه بالرجل، وكذا الحال في المني وكيف كان فلم يقم دليل على وجوب الغسل بملاقاه النجاسة في الجوف. ويدل على ما ذكرناه الاخبار الواردة في طهارة القئ (* 1) فان ملاقاة النجس الداخلي لو كانت موجبة للنجاسة لم يكن وجه للحكم بطهارة القئ، لاتصاله في المعدة بشئ من النجاسات لا محالة. (وأما القسم الثاني): فهو على عكس القسم الاول والملاقي فيه محكوم بالنجاسة، لان ما دل عى نجاسة ملاقي الدم مثلا يشمله لا محالة فيصح أن يقال إن اصبعه لا قى الدم في فمه أو الطعام لا قى الدم في حلقه، (الصورة الرابعة): أن يكون الملاقي والملاقى من الخارج بأن يكون الباطن ظرفا لملاقاتهما كما إذا ابتلع درهما وشرب مايعا متنجسا فتلاقيا في جوفه ثم خرج الدرهم نقيا، وفي هذه الصورة لا يمكن الحكم بطهارة الملاقي بوجه، لان ما دل على وجوب غسل ما اصابه الدم أو الخمر مثلا يشمل الدرهم حقيقة لانه جسم خارجي لا قى نجسا فينجس. ولا يصغى إلى دعوى ان الملاقاة في الباطن غير مؤثرة، لان مواضع الملاقاة داخلة كانت أم خارجة مما لا مدخلية له في حصول النجاسة، ولا في عدمه، وإلا لا نتقض بما إذا كانت إحدى أصابعه متنجسة، وكانت الاخرى طاهرة فادخلهما في فمه وتلاقيا هناك ثم اخرجهما بعد ذهاب عين


(* 1) في موثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يتقيأ في ثوبه أيجوز أن يصلي فيه ولا يغسله؟ قال: لا بأس به ونظيرهما روايته الاخرى. المرويتان في الباب 48 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 470 ]

[ (مسألة 2) لا مانع من بيع البول والغائط (1) من مأكول اللحم. ] النجس عن الاصبع المتنجس في فمه، فان لازم عدم تأثير الملاقاة في البواطن عدم نجاسة الاصبع الملاقي للاصبع النجس في المثال، وهو أمر لا يتفوه به أحد فالحكم بطهارة الملاقي في هذه الصورة غلط ظاهر. ومما يدلنا على ذلك مضافا إلى ما تقدم موثقة عمار الآمرة بغسل كل ما اصابه الماء المتنجس (* 1) لانها بعمومها تشمل الدرهم في مفروض الكلام لانه مما لا قاه المايع المتنجس ولو في الجوف، فلا مناص من الحكم بنجاسته. بيع البول والغائط (1) في المقام مسائل ثلاث: (الاولى): جواز بيع البول والغائط مما يؤكل لحمه. (الثانية): عدم جواز بيعهما إذا كانا من محرم الاكل. (الثالثة): جواز الانتفاع بهما ولو كانا مما لا يؤكل لحمه، لعدم الملازمة بين حرمه بيعهما وضعا وبين عدم جواز الانتفاع بهما. (أما المسألة الاولى). فالمعروف بينهم جواز بيع البول والروث من كل حيوان محلل شرعا بل ولا ينبغي الاشكال في صحة بيع الارواث مما يؤكل لحمه. للسيرة القطعية المتصلة بزمان المعصومين (ع) الجارية على بذل المال بازائها، وعلى جواز


(* 1) المروية في الباب 4 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 471 ]

الانتفاع بها في الاحراق والتسميد وغير ذلك، فالاشكال ينحصر ببوله وقد عرفت ان المشهور جواز بيعه، وربما يستشكل في ذلك بوجهين. (احدهما): ان البيع زائدا على ما اعتبروه في صحته يشترط فيه ان يكون العوضان مالا بان يكونا مما يرغب إليه الناس نوعا، ويبذلون المال بازائه ومن هنا عرفه في المصباح المنير بمبادلة مال بمال، وحيث أن الابوال مستقذرة لدى العرف، وان كانت طاهرة شرعا فلا يرغب فيها العقلاء بنوعهم، ولا يبذلون المال بازائها والتداوي بها لبعض الامراض لا يقتضي ماليتها، إذ لا يبتلى به إلا القليل، ومثله لا يقتضي المالية في المال. ويرد على هذا الوجه امور: (الاول): ان صحة المعاملات لا تتوقف على مالية العوضين نوعا والعقلاء والعرف شاهدان على هذا المدعى، لصحة بيع مالا مالية له نوعا كما إذا اراد شراء خط والده مع فرض انه ردي ولا يساوى عند العقلاء بشئ إلا أنه يبذل بازائه المال بداعي أنه خط والده، فالمالية النوعية غير معتبرة في صحة البيع بوجه، وأما تعريف المصباح المنير فلا اعتبار له لانه في مقام شرح الاسم وليس بصدد بيان ما يعتبر في ماهية البيع وحيقته. (الثاني): هب ان المالية معتبرة في العوضين إلا ان ذلك لا يمنع عن جواز بيع الابوال، لغرض التداوي بها لبعض الامراض فحكم الابوال حكم سائر الادوية التي لا يبتلى بها إلا في بعض الاوقات، ومعه يبذل بازائها الاموال للاتجار بها لا لاجل الحاجة إليها فهل ترى بطلان بيع الادوية ممن لا يحتاج إليها بالفعل؟ فالمنع عن بيع الابوال من جهة ان الحاجة إلى التداوي بها قليلة مما لا يصغى إليه. (الثالث): هب انا سلمنا كلا الامرين، وقلنا بعدم صحة بيع الابوال المذكورة إلا ان في صدق عنوان التجارة عن تراض على معاملة

[ 472 ]

الابوال غنى وكفاية، وبذلك يحكم بصحتها، والتجارة اعم من البيع وغير مقيدة بالمالية في العوضين. و (ثانيهما): ما ربما يوجد في بعض الكتب من قوله صلى الله عليه وآله: ان الله إذا حرم اكل شئ حرم ثمنه (* 1) وابوال الحيوانات مما يحرم اكله وعليه فبيع الابوال باطل وهذه الرواية على تقدير ثبوتها كما تدل على بطلان بيع ابوال الحيوانات المحللة كذلك تدل على بطلان بيع ارواثها بملاك


(* 1) المستدرك، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به ص 427 عن غوالي اللئالي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها وان الله إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ثمنه، ونقله عن دعائم الاسلام أيضا باختلاف يسير. وفي السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 13 باب تحريم بيع ما يكون نجسا لا يحل اكله عن خالد الحذاء عن بركة أبي الوليد عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا عند الركن فرفع بصره إلى السماء فضحك وقال لعن الله اليهود (ثلاثا) ان الله تعالى حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وان الله إذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليه ثمنه. ورواه أبو داود في السنن ج 3 ص 38 من الطبعة الحديثة عن ابن عباس. وفي المسند لاحمد بن حنبل ج 1 ص 293 عن خالد الحذاء عن بركة بن العريان المجاشيعي قال: سمعت ابن عباس يحدث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعن الله اليهود. الخ وليست فيها كلمة (ثلاثا) وفي ص 247 بهذا السند عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله قاعدا في المسجد مستقبلا الحجر فنظر إلى السماء فضحك ثم قال لعن الله. الخ من دون لفظة (ثلاثا).

[ 473 ]

[ وأما بيعهما من غير المأكول فلا يجوز (1). ] حرمة اكلها. والذي يسهل الخطب ان هذه الرواية لم تصل الينا بطرقنا وانما نقلت من طرق العامة فهي ساقطة عن الاعتبار بل وفي جوهر النقي في حاشية سنن البيهقي (* 1) ان عموم هذه الرواية متروك اتفاقا. فإذا كان هذا حال الرواية عندهم فكيف يسوغ لنا العمل على طبقها. المسألة الثانية: هذه هي المسألة الثانية من المسائل الثلاث، والكلام فيها يقع في مقامين: (أحدهما): في جواز بيع الابوال مما لا يؤكل لحمه. و (ثانيهما): في جواز بيع خرئه وانما جعلناه مستقلا في البحث، لورود نصوص في خصوص بيع العذرة. (أما المقام الاول): وهو البحث عن بيع أبوال ما لا يؤكل لحمه فالمشهور المعروف بين الاصحاب عدم جوازه، وقد يدعي عليه الاجماع أيضا إلا أن الصحيح هو الجواز كما ذكرناه في بيع أبوال ما يؤكل لحمه، وذلك لضعف مستند المانعين. فانهم استدلوا على حرمة بيعها بوجوه: (الاول): الاجماع كما مر ويدفعه: ان المحصل منه غير حاصل والمنقول منه ليس بحجة. على انا نحتمل أن يكون مدرك المجمعين أحد الوجوه الآيتة، ومعه لا يكون الاجماع تعبديا فيسقط عن الاعتبار، حيث


(* 1) سنن البيهقي ج 6 ص 13 في الهامش. قلت عموم هذا الحديث (مشيرا به إلى الحديث المتقدم نقله عن البيهقي) متروك اتفاقا بجواز بيع الآدمي والحمار والسنور.

[ 474 ]

ان اعتباره ليس لاجل دلالة الدليل على حجيته بل انما يعتمد لكشفه عن رأي المعصوم (ع) ومع احتمال استنادهم إلى مدرك آخر لا يبقى له كشف عن رأية (ع). (الثاني): ما تقدم في المسألة الاولى من حيث اعتبار المالية في العوضين، والابوال مما لا مالية له، وقد تقدم الجواب عن ذلك مفصلا وناقشنا فيه صغرى وكبرى فلا نعيد. (الثالث): رواية تحف العقول (* 1) الناهية عن بيع النجس في قوله: (أو شئ من وجوه النجس فهذا كله حرام محرم.) ويدفعها. (أولا): ان مؤلف كتاب تحف العقول وهو حسن بن علي بن شعبة وإن كان فاضلا ورعا ممدوحا غايته إلا أنه لم يسند رواياته في ذلك الكتاب فرواياته ساقطة عن الاعتبار لارسالها. و (ثانيا): إن الرواية إنما دلت على عدم جواز بيع النجس معللة بحرمة الانتفاع منه حيث قال: (لان ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه.) ومقتضى هذا التعليل دوران حرمة بيع النجس مدار حرمة الانتفاع منه،، وبما أن الابوال مما يجوز الانتفاع به في التسميد والتداوي واستخراج الغازات منها كما قيل وغير ذلك كما يأتي تحقيقه في المسألة الثالثة فلا مناص من الالتزام بجواز بيعها. (الرابع): ما رواه الشيخ في خلافه والعلامة في بعض كتبه من قوله صلى الله عليه وآله إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. وحيث أن الابوال محرمة من جميع الجهات أو في أكثر منافعها بحيث يصح أن يقال إن الله حرمها على وجه الاطلاق فيكون ثمنها أيضا محرما. وهذه الرواية وإن كانت موجودة في بعض كتب الشيخ والعلامة (قدهما)


(* 1) المروية في الباب 2 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 475 ]

إلا انا لم نقف على مأخذها بعد التتبع الكثير في كتب أحاديثنا، ولا في كتب العامة. نعم عثرنا عليها في مسند أحمد حيث نقلها في موضع من كتابه عن ابن عباس في ذيل رواية الشحوم (* 1). ولكن الظاهر أن الرواية غير ما نحن بصدده لا شتمالها على كلمة (أكل) إلا أنها سقطت فيما نقله أحمد في ذلك المورد، لانه بنفسه نقلها في مواضع أخرى (* 1) من كتابه باضافة لفظة (أكل) وإن الله إذا حرم أكل شئ حرم ثمنه. كما نقلها غيره كذلك (* 2) مع أن الرواي عن إبن عباس في جميعها بركة المكنى بابى الوليد والراوي عنه واحد وهو خالد. نعم نقل الرواية الدميري في حياه الحيوان (* 3) باسقاط كلمة (أكل) وأسندها إلى أبي داود ولكنه أيضا خطأ فان الموجود منها في نفس سنن أبي داود (* 4) مشتمل على كلمة (أكل) وعلى هذا فالروايه المستدل بها


(1) مسند أحمد ج 1 ص 322 عن خالد عن بركة أبي الوليد عن إبن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لعن الله اليهود حرم عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه. (* 1) كما قدمنا نقله في تعليقة ص 472. (* 2) كما قدمنا نقله عن سنن البيهقي وعن سنن أبي داود سليمان ابن أشعت السجستاني. (* 3) قال عند نقل استدلالهم على بطلان بيع ذرق الحمام وسرجين البهائم المأكولة وغيرها وحرمت ثمنه ما هذا نصه: واحتج اصحابنا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وآله قال: ان الله تعالى إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه وهو حديث صحيح رواه ابو داود باسناد صحيح وهو عام إلا ما خرج بدليل كالحمار. راجع ص 220 - 221. (* 4) كما قدمنا نقله في ص 472.

[ 476 ]

في المقام مما لا مأخذ له فلا مانع من بيع أبوال مالا يؤكل لحمه. و (أما المفام الثاني): وهو البحث عن بيع الخرء من حيوان لا يؤكل لحمه فقد ظهر الحال فيه من مطاوي ما ذكرناه في المقام الاول فانه لا ملازمة بين النجاسة وبين عدم جواز بيعها بل مقتضى القاعدة صحة بيع النجاسات لانها مشمولة للاطلاقات. وأما دعوى الاجماع على بطلان بيع الغائط أو غيره من النجاسات فقد عرفت ضعفها هذا كله حسبما تقتضيه القاعدة. وأما بالنظر إلى الاخبار الواردة في المقام فقد وردت في بيع الغائط عدة روايات. (منها): رواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (ع) قال: ثمن العذرة من السحت (* 1). و (منها): ما عن دعائم الاسلام من أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهي عن بيع (* 2) العذرة وظاهر النهي في باب المعاملات هو الارشاد إلى بطلانها فمقتضى هاتين الروايتين بطلان بيع العذرة وفي قبالهما روايتان: (إحداهما): عن محمد بن محمد بن مضارب عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس ببيع العذرة (* 3) وفي بعض نسخ المكاسب وتعليقاته محمد بن مصادف بدل مضارب وهو غلط. و (ثانيتهما) عن سماعة قال: سأل رجل أبا عبد الله (ع) وانا حاضر فقال: اني رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: حرام بيعها وثمنها وقال: لا بأس بيع العذرة (* 4). واختلفت الانظار في الجمع بينهما، وقد ذكروا في ذلك وجوها


(* 1) و (* 3) و (* 4) المرويات في الباب 40 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 2) المروية في ج 2 ص 427 من المستدرك.

[ 477 ]

لا طائل تحتها، ولا ترجع إلى محصل سوى ما ذكره الفاضل السبزواري (قده). من حمل أخبار المنع على الكراهة. وتفصيل الكلام في ذلك: ان رواية يعقوب بن شعيب ضعيفة بعلي بن مسكين أو سكن، لانه مجهول ورواية الدعائم لا اعتبار بها، لا رسالها و (دعوى): انجبارها بعمل الاصحاب (مندفعة): بان المشهور لم يعملوا بهاتين الروايتتين، لانهم ذهبوا إلى بطلان بيع مطق النجاسات بل المتنجسات أيضا إلا في موارد معينة فلا محالة اعتمدوا في ذلك على مدرك آخر دونهما لان مدلول الروايتين بطلان البيع في خصوص العذرة دون مطلق النجس. هذا مضافا إلى أن عمل المشهور على طبق رواية ضعيفة لا يكون جابرا لضعفها على ما مر منا غير مرة، فروايتا المنع ساقطتان. وأما رواية محمد بن مضارب فهي من حيث السند تامة (* 1) ودلالتها على جواز بيع العذرة ظاهرة. وأما رواية سماعة فان قلنا انها رواية واحدة فلا محالة تسقط عن الاعتبار لتنافي صدرها لذيلها، فتكون مجملة. وأما إذا قلنا بانها روايتان وقد جمعهما الراوي في الرواية فتكون الجملتان من قبيل الخبرين المتعارضين ويؤيد تعددها قوله: وقال لا بأس. لانها لو كانت رواية واحدة لم يكن وجه لقوله وقال بل الصحيح أن يقول حينئذ حرام بيعها وثمنها ولا بأس ببيع العذرة، ويؤكده أيضا الاتيان بالاسم الظاهر في قوله: لا بأس ببيع العذرة فانها لو كانت رواية واحدة لكان الانسب أن


(* 1) وهذا لا لما قد يتوهم من انها حسنة نظرا إلى الرواية بعض الثقات عنه أو ما روي من لطف الصادق (ع) في حقه وكونه موردا لعنايته. لان شيئا من ذلك لا يدرجه في الحسان بل لوقوعه في اسانيد كامل الزيارات فانه يكفي في الحكم بوثاقته عند سيدنا الاستاذ - مد ظله -.

[ 478 ]

يأتي بالمضمر بدلا عن الاسم الظاهر بأن يقول لا بأس ببيعها، وكيف كان فالظاهر انها روايتان متعارضتان. ومقتضى الجمع العرفي بينهما حمل المنع على الكزاهة بارادة المكروه من كلمة الحرام بقرينة قوله لا بأس ببيع العذرة كما هو الحال في كل مورد تعارض فيه كلمة الحرام ونفي البأس، فانهم يجعلون الثاني قرينة على ارادة الكراهة من الحرام، كما ذهب إليه السبزواري (قده) هذا كله مع قطع النظر عن رواية يعقوب بن شعيب. وأما إذا اعتمدنا عليها فالامر أيضا كما عرفت فنحمل كلمة السحت أو الحرام على الكراهة بقرينة نفي رواية الجواز. إلا أن شيخنا الانصاري (قده) استبعد حمل السحت على الكراهة ولعله من جهة أن السحت بمعنى الحرام الشديد، ولكن الامر ليس كما افيد، لان السحت قد استعمل بمعنى الكراهة في عدة روايات: (منها): ما ورد من أن ثمن جلود السباع سحت (* 1). و (منها): ما دل على أن اخذ الاجرة على تعليم القرآن من السحت (* 2).


(* 1) المستدرك ج 2 الباب 31 ص 436 عن دعائم الاسلام عن علي (ع) أنه قال: من السحت ثمن جلود السباع. وفي ص 426 عن الجعفريات عن علي (ع) قال: من السحت ثمن الميتة إلى أن قال: ثمن القرد وجلود السباع (* 2) المستدرك ج 2 الباب 26 ص 435 عن ابن عباس في قوله تعالى: أكالون للسحت قال اجرة المعلمين الذين يشارطون في تعليم القرآن وفي ص 426 عن الجعفريات عن علي (ع) قال من السحت ثمن الميتة إلى ان قال وأجر القارئ الذي لا يقرأ القرآن إلا بأجر.

[ 479 ]

و (منها): ما ورد من أن ما يأخذه الحجام مع المشارطة سحت (* 3) وقد حملوه على الكراهة الشديدة لمعارضتها بما دل على الجواز (* 4) بل وفي لسان العرب ان السحت يستعمل في الحرام تارة ويستعمل في المكروه اخرى، ومع ورود استعمال السحت بمعنى الكراهة في الاخبار، وتصريح أهل اللغة بصحته لا محذور في حمله على الكراهة الشديدة في المقام. هذا ثم لو سلمنا عدم إمكان الجمع العرفي بينهما فلابد من الرجوع إلى المرجحات. والترجيح مع الروايات الدالة على الجواز. لانها مخالفة للعامة كما أن ما دل على عدم جوازه موافق، معهم لذهابهم قاطبة إلى بطلان بيع النجس (* 1)، وما نسبه العلامة (قده) إلى أبي حنيفة من ذهابه إلى


(* 3) المستدرك ج 2 الباب 7 ص 427 عن الجعفريات عن علي (ع) انه قال من السحت كسب الحجام وعن العياشي عن الصادق والكاظم (ع) انهما قالا ان السحت انواع كثيرة منها كسب الحجام. (* 4) راجع الباب 9 و 29 و 38 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 1) ففي الوجيز للغزالي ج 1 ص 80 لا يجوز بيع الاعيان النجسة. وفي تحفة المحتاج لابن حجر الشافعي ج 2 ص 8 يشترط في المبيع طهارة عينه فلا يجوز بيع سائر نجس العين كالخمر والميتة والخنزير ولا يجوز بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره بالغسل كالخل واللبن والدهن في الاصح. وفي بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 2 ص 118 الاصل في تحريم بيع النجاسات حديث جابر عنه صلى الله عليه وآله إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام. وفي المغنى لابن قدامة الحنبلي ج 4 ص 256 أنه لا يحوز بيع السرجين النجس وعليه مالك والشافعي وجوزه أبو حنيفة، ولنا أنه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة. ونقل في حياة الحيوان للدميري ص 220 - 221 عن أبي حنيفة القول بجواز بيع السرجين ثم أورد عليه بأنه نجس العين فلم يجز بيعه كالعذرة فانهم وافقونا على بطلان بيعها.

[ 480 ]

[ نعم يجوز الانتفاع بهما في التسميد ونحوه (1). ] جواز بيع الغائط على خلاف الواقع، لان بطلان بيع النجاسات إجماعي بينهم. بل يمكن ترجيح المجوزه من جهة موافقتها للكتاب، لانها موافقة لعمومات حل البيع والتجارة عن تراض، ومع التنزل عن ذلك أيضا فلا مناص من تساقطهما ومعه يرجع إلى العموم الفوق أعني إطلاقات حل البيع والتجارة وهي مقتضية لجواز بيع العذرة، فالمتحصل إن الابوال والغائط مما لا يؤكل لحمه كالابوال والغائط من الحيوانات المحللة فلا إشكال في جواز بيعهما. الانتفاع بالبول والغائط: (1) هذه هي المسألة الثالثة، والمعرف فيها بين الاصحاب حرمة الانتفاع بالاعيان النجسة إلا في موارد استثنوها في كلماتهم، ويظهر من ملاحظتها أن منعهم عن الانتفاع يشمل المتنجسات أيضا كما في الدهن المتنجس حيث رخصوا في الانتفاع به بالاستصباح مطلقا أو مقيدا بكونه تحت السماء كما اعتبره بعضهم. ولكن الاظهر وفاقا لشيخنا الانصاري (قده) عدم حرمة الانتفاع بالمتنجسات، ولا بالاعيان النجسة، ولا ملازمة بين نجاسة الشئ وحرمة الانتفاع به. (أما في المتنجسات): فلانه لم يدل دليل على حرمة الانتفاع بها، وما استدل به على حرمة الانتفاع بالاعيان النجسة على تقدير تماميته يختص بها كقوله (* 1) عزمن قائل (والرجز فاهجر) بدعوى: أن المراد بالرجز هو الرجس وهو يشمل المتنجس أيضا، وإطلاق الامر بهجره يقتضي الاجتناب عن مطلق الانتفاع به، والوجه في اختصاصه بالعين النجسة


(* 1) المدثر 74: 5.

[ 481 ]

إن الرجس بمعنى الدني (پليد) وهو لا يطلق على النجس بالعرض كالفاكهة المتنجسة هذا والصحيح أن الآية أجنبية عن الدلالة على حرمة الانتفاع بشئ من الاعيان النجسة أو المتنجسة، وذلك لان المراد بالرجز في الآية المباركة إنما هو الغفل القبيح أو أنه بمعنى العذاب لان إسناد الامر بالهجر إليه بأحد هذين المعنيين إسناد إلى ما هو له من غير حاجة فيه إلى إضمار وتقدير، وهذا بخلاف ما إذا أريد به الاعيان القذرة، لانه إسناد إلى غير ما هو له ويحتاج فيه إلى الاضمار هذا على ان هجر الشئ عبارة عن اجتناب ما يناسبه من الآثار الظاهرة فلا يعم مطلق الانتفاع به وتفصيل الكلام في الجواب عن الاستدلال بالآية المباركة موكول إلى محله. (وأما النجاسات) فهي أيضا كالمتنجسات لم يقم دليل على حرمة الانتفاع بها إلا في موارد خاصة كما في الانتفاع بالميتة باكلها، وفي الخمر بشربه أو بغيره من الانتفاعات، وأما حرمة الانتفاع من النجس بعنوان أنه نجس فلم تثبت بدليل، ومعه يبقى تحت إصالة الحال لا محالة. وأحسن ما يستدل به على حرمة الانتفاع بالاعيان النجسة رواية تحف العقول (* 1) لا شتمالها على النهي عن بيع وجوه النجس معللا بعدم جواز الانتفاع به و (يدفعه): انها ضعيفة وغيره قابلة للاعتماد. وقد يستدل على ذلك بغير ما ذكرناه من الوجوه إلا أنها ضعيفة لا ينبغي تضييع الوقت الثمين بالتصدي لنقلها ودفعها.


(* 1) حيث قال (ع) أو شئ من وجوه النجس فهذا كله حرام ومحرم لان ذلك كله منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه. رواها في الوسائل في الباب 2 من ابواب ما يكتسب به.

[ 482 ]

[ (مسألة 3) إذا لم يعلم كون حيوان معين انه مأكول اللحم أو لا، لا يحكم بنجاسة (1) بوله وروثه. ] الشك في حلية حيوان وحرمته: (1) الشك في ذلك (تارة): من جهة الشبهة الحكمية كما إذا ولد حيوان مما يؤكل لحمه وما لا يؤكل ولم يشبه أحدهما وكما إذا شككنا في الارنب مثلا أنه يحل أكل لحمه أو يحرم. (اخرى): من جهة الشبهة الموضوعية كما إذا شككنا في أن الموجود في الخارج غنم أو قرد ولم يعلم حاله لظلمة ونحوها. (اما الشبهات الحكمية): فالمرجع فيها انما هو قاعدة الطهارة في كل من البول والخرء، لان النجاسة انما علقت على كون الحيوان محرم الاكل شرعا، ولم نحرزه في المقام ولذا نشك في طهارة بوله ونجاسته. ومقتضى قاعدة الطهارة طهارة كل من بوله وخرئه. نعم إنما يحكم بذلك بعد الفحص عن تشخيص حال الحيوان من حيث حرمة أكل لحمه واباحته كما هو الحال في جريان الاصل في جميع الشبهات الحكمية. و (أما الشبهات الموضوعية): فحالها حال الشبهات الحكمية، فيرجع فيها أيضا إلى قاعدة الطهارة من غير اشتراط ذلك بالفحص نظير غيرها من الشبهات الموضوعية. وقد خالف في ذلك صاحب الجواهر (قده) حيث احتمل عدم جواز الرجوع إلى اصالة الطهارة قبل الفحص والاختبار بدعوى: ان الاجتناب عن بول مالا يؤكل لحمه يتوقف على الاحتراز عن بول ما يشك في حلية أكله، وذكر ان حال المقام حال الشك في القبلة أو الوقت أو غيرهما مما علق الشارع عليه أحكاما، فكما أن الرجوع

[ 483 ]

فيهما إلى الاصل غير سائغ قبل الفحص فكذلك الحال في المقام. نعم لا مانع من الحكم بطهارة ملاقيه، لا ستصحاب طهارته، وقال ان المسألة غير منقحة في كلماتهم. ولكن الصحيح عدم اعتبار الفحص في المقام نظير غيره من الشبهات الموضوعية، لاطلاق الدليل أعني قوله (ع) كل شئ نظيف. (* 1) وأما القبلة والوقت وأمثالهما فقياس المقام بها قياس مع الفارق، لانها من قيود المأمور به والتكليف فيها معلوم، والتردد في متعلقه فلابد فيها من الاحتياط، وأما النجاسة في مدفوعي ما لا يؤكل لحمه فهي حكم انحلالي، ولكل فرد من أفرادهما حكم مستقل، وهي كغيرها من الاحكام الشرعية مجعولة على نحو القضايا الحقيقة التي مرجعها إلى قضايا شرطية مقدمها وجود موضوعاتها كالبول والخرء في المقام وتاليها ثبوت محمولاتها، وعليه فإذا وجد في الخارج شئ وصدق عليه انه بول مالا يؤكل لحمه فيترتب عليه حكمه. وأما إذا شككنا في ذلك ولم ندر انه بول مالا يؤكل لحمه، فلا محالة نشك في نجاسته وهو من الشك في أصل توجه التكليف بالا جتناب عنه، وغير راجع إلى الشك في المكلف به مع العلم بالتكليف لان العلم بالحكم في بقية الموارد لا ربط له بالحكم في مورد الشك، فلا وجه معه للزوم الاحتياط قبل الفحص. هذا وقد يورد على الحكم بطهارة مدفوعي الحيوان المشكوك حرمته بوجهين: (أحدهما): ان ذلك انما يتم فيما إذا قيل بحلية أكل لحمه باصالة الحلية، لانه حينئذ محلل الاكل، ومدفوع الحيوانات المحللة طاهر، ولا يوافق القول بحرمة أكله كما في المتن لاصالة عدم التذكية أو استصحاب


(* 1) كما في موثقة عمار المروية في الباب 37 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 484 ]

حرمته حال الحياة، لنجاسة مدفوع الحيوانات المحرمة فكيف يحكم بطهارة بوله وخرئه؟. والجواب عن ذلك ان نجاسة البول والخرء انما تترتب على الحرمة الثابتة على الحيوان في نفسه لا من جهة عدم وقوع التذكية عليه أو من جهة حرمة أكل الحيوان حال حياته. والحرمة الثابتة بالاصل ليست من هذا القبيل، لانها انما ثبتت للحيوان بلحاظ الشك في حليته وحرمته من جهة الشك في التذكية أو من جهة استصحاب الحرمة الثابتة حال حياة الحيوان وعلى كل حال فهي أجنبية عن الحرمة الثابتة للحيوان في ذاته ونفسه. و (ثانيهما): ان الحكم بطهارة البول والخرء مما يشك في حليته انما يتم فيما إذا لم يكن هناك ما يقتضي نجاسة مطلق البول، وأما معه كقوله (ع) في السؤال عن بول أصاب بدنه أو ثيابه: صب عليه الماء أو اغسله مرتين (* 1) وغيره مما دل على نجاسة البول مطلقا فلا يمكن الحكم بطهارتهما. وهذه المطلقات وان كانت مخصصة ببول ما يؤكل لحمه بلا خلاف، والحيوان المشكوك اباحته من الشبهات المصداقية حينئذ إلا أن مقتضى استصحاب عدم كونه محلل الاكل على نحو العدم الازلي انه من الافراد الباقية تحت العام، لان الخارج وهو الحيوان المحلل أكله عنوان وجودي وهو قابل لا حراز عدمه بالاستصحاب الجاري في الاعدام الازلية، وبه يحكم بدخوله تحت العمومات ومقتضاها نجاسة بوله وخرئه كما مر. و (يرده): ان جريان الاستصحاب بلحاظ مقام الجعل يختص بما إذا كان المشكوك فيه من الاحكام الالزامية أو ما يرجع إليها لانها هي


(* 1) كما في صحيحة محمد بن مسلم ورواية أبي نصر البزنطي المرويتين في الباب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 485 ]

[ وان كان لا يجوز أكل لحمه بمقتضى الاصل (1). ] التي يتعلق عليها الجعل المولوي، وأما الاحكام الترخيصية كالاباحة والحلية فهي غير محتاجة إلى الجعل بل يكفي في ثبوتها عدم جعل الالزام من الوجوب أو التحريم، وعليه فاستصحاب العدم الازلي لاثبات عدم حلية الحيوان غير جار في نفسه، ولا يمكن معه احراز كون الفرد المشتبه من الافراد الباقية تحت العام، ولا يجوز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية ولا مناص حينئذ من الرجوع إلى قاعدة الطهارة، للشك في طهارة البول. وعلى الجملة لا ملازمة بين القول بحرمة أكل الحيوان وبين القول بنجاسة بوله فيمكن الحكم بطهارة بوله مع الحكم بحرمة لحمه كما يمكن الحكم بحلية لحمه لاصالة الحلية ونحوها مع الحكم بنجاسة بوله بمقتضى العمومات المتقدمة مع قطع النظر عما ذكرناه في الجواب. الشك في الحلية مع العلم بالقابلية (1) الشك في حرمة الحيوان على تقدير ذبحه قد يكون من جهة الشبهة الحكمية، وقد يكون من جهة الشبهة الموضوعية، وعلى كلا التقديرين فقد يعلم قبوله للتذكية وقد يشك في ذلك. اما إذا كان الشك من جهة الشبهة الحكمية أو الموضوعية مع العلم بقبول الحيوان للتذكية كما إذا شككنا في حرمة لحم الارنب أو شككنا في أن الحيوان شاة أو ذئب لظلمة ونحوها، وكثيرا ما يتفق ذلك في الطيور لانها قابلة للتذكية إلا أن بعضها محرم الاكل فقد ذهب جماعة من المحققين (قدهم) إلى حرمة كل لحم يشك في حلية حيوانه، وذلك للاصل الثانوي.

[ 486 ]

إلا انا لم نقف على وجهه مع ان مقتضى اصالة الاباحة حليته كغيره مما يشك في حرمته، غاية الامر ان يقال ان الحرمة بعد ذبحه هي التي تقتضيه استصحاب الحرمة الثابتة عليه قبل ذبحه إلا انه مما لا يمكن المساعدة عليه. (اما أولا): فلتوقفه على حرمة لحم الحيوان حال حياته، ولم نعثر على دليل يدل عليها، فان قوله تعالى إلا ما ذكيتم (* 1) ناظر إلى الحيوان الذي طرأ عليه الموت، فانه على قسمين: قسم تقع عليه التذكية وهو حلال وقسم لا تقع عليه وهو حرام وأما أكله من دون ان يطرأ عليه الموت قبل ذلك كابتلاع السمكة الصغيرة أو غيرها حية مما يحل الكل لحمه فلا دلالة للآية المباركة على حرمته. وأما حرمة القطعة المبانة من الحي فهي مستندة إلى كون القطعة المبانة ميتة. وكلامنا في حرمة أكل الحيوان دون الميتة، وعلى الجملة لم تثبت حرمة أكل الحيوان قبل ذبحه حتى نستصحبها عند الشك بعد ذبحه هذا كله على مسلك القوم. وأما على مسلكنا من عدم جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية فعدم امكان اثبات حرمة الاكل بالاستصحاب بعد ذبح الحيوان أظهر. (وأما ثانيا): فلان الحرمة على تقدير تسليمها حال الحياة انما تثبت على الحيوان بعنوان عدم التذكية، وبعد فرض وقوع التذكية عليه خارجا وقابليته لها يتبدل عدم التذكية إلى التذكية، ومع زوال عنوان عدم التذكية تنتفي حرمته لا محالة. (وأما ثالثا): فلان استصحاب حرمة الاكل على تقدير جريانه في نفسه محكوم بالعمومات الواردة في حلية كل حيوان وقعت عليه التذكية


(* 1) المدثر 5: 3.

[ 487 ]

إلا ما خرج بالدليل كما دل على حلية ما يتصيد من الحيوانات البرية والبحرية (* 1) وكقوله تعالى: قل لا أجد فيما اوحى إلي محرما. (* 2) فان مقتضاهما حلية جميع الحيوانات بالتذكية إلا ما خرج بالدليل وبما ان الشبهة حكمية فلابد فيها من التمسك بالعام ما لم يقم دليل على خلافه. وعليه فالاصل العملي واللفظي يقتضيان حلية الحيوان المشكوك فيه عند العلم بقابليته للتذكية وهذا من غير فرق بين الشبهات الحكمية والشبهات الموضوعية. نعم تمتاز الثانية عن الاولى في ان التمسك بالعمومات فيها انما هو ببر كة الاستصحاب الجاري في العدم الازلي لان اصالة العدم الازلي تقتضي عدم كونه من الحيوانات الخارجة عن تحتها كالكلب والخنزير وأشباهما. الشك في الحلية مع عدم العلم بالقابلية وأما إذا شككنا في حرمته وحليته مع الشك في قابليته للتذكية كما في المسوخ فهل تجري حينئذ اصالة عدم التذكية؟


(* 1) كصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال: من جرح صيدا بسلاح وذكر اسم الله عليه ثم بقي ليلة أو ليلتين لم يأكل منه سبع وقد علم ان سلاحه هو الذي قتله فليأكل منه ان شاء. الحديث، وما عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: كل من الصيد ما قتل السيف والرمح والسهم. الحديث المرويتان في الباب 16 من أبواب الصيد من الوسائل، وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال، سألته عن صيد الحيتان وان لم يسم عليه قال، لا بأس به ان كان حيا ان تأخذه. المروية في الباب 33 من أبواب الصيد من الوسائل. (* 2) الانعام 6: 145.

[ 488 ]

التحقيق عدم جريانها من دون فرق في ذلك بين كون الشبهة حكمية وكونها موضوعية، وذلك لان التذكية ان قلنا بكونها عبارة عن الافعال الخارجية الصادرة من الذابح من فري الاوداج الاربعة بالحديد كما هو المستفاد من قوله (ع) بلى في رواية علي بن أبي حمزة قال سألت أبا عبد الله (ع) عن لباس الفراء والصلاة فيها فقال: لا تصل فيها إلا ما كان منه ذكيا قال قلت: أو ليس الذكي مما ذكي بالحديد؟ قال: بلى إذا كان مما يؤكل لحمه (* 1) وقوله (ع) ذكاه الذابح أو لم يذكه في موثقة ابن بكير (* 2) حيث أسند التذكية إلى الذابح فلا شك لنا في التذكية للعلم بوقوعها على الحيوان، وانما نشك في حليته فنرجع فيه إلى اصالة الحل. وإن قلنا ان التذكية أمر بسيط أو أنها مركبة من الامور الخارجية ومن قابلية المحل فاصالة عدم تحقق التذكية وإن كانت جارية في نفسها إلا أنها محكومة بالعمومات الدالة على قابلية كل حيوان للتذكية ففي صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (ع) عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود قال: لا بأس بذلك (* 3) ومعنى نفي البأس في جميع الجلود أنه لا مانع من لبسها مطلقا ولو في حال الصلاة فتدل بالدلالة الالتزامية على تذكيتها إذ لو لم تكن كذلك لم يجز لبسها إما مطلقا لو قلنا بعام جواز الانتفاع بالميتة كما يأتي عن قريب أو في خصوص حال الصلاة. وعلى الجملة الجلود على قسمين فمنها ما نقطع بعدم قبول حيوانه للتذكية


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 2 من ابواب لباس المصلي من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 5 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

[ 489 ]

[ وكذا (1) أذا لم يعلم ان له دما سائلا أم لا، كما أنه إذا شك في شئ أنه من فضلة حلال اللحم أو حرامه، أو شك في انه من الحيوان الفلاني - حتى يكون نجسا - أو من الفلاني - حتى يكون طاهرا - كما إذا رأى شيئا لا يدري أنه بعرة فأر أو بعرة خنفساء، ففي جميع هذه الصورة يبني على طهارته. ] وإن وقع عليه الذبح بجميع ما يعتبر فيه شرعا كما في جلد الكلب والخنزير أو نقطع بعدم تذكيته وإن كان قابلا لها. ومنه ما يقطع من الحي، ولا إشكال في خروج جميع ذلك عن عموم نفي البأس في الجلود، وقسم نقطع بوقوع التذكية عليه مع الشك في قابليته لها وعموم نفي البأس في جميع الجلود يشمله، وبه نحكم بقبول كل حيوان للتذكية إلا ما خرج بالدليل، ومع هذا العموم لا مجال لا ستصحاب عدم التذكية. ثم على تقدير جريانه فهل يترتب عليه النجاسة أيضا أولا يترتب عليه غير آثار عدم التذكية؟ فيه بحث طويل تعرضنا له في المباحث الاصولية، وحاصله أن النجاسة لم تترتب في شئ من الادلة على عنوان غير المذكى وإنما هي مترتبة على عنوان الميتة وهي كما نص عليه في المصباح عنوان وجودي وهو غير عنوان عدم التذكية. نعم هما متلازمان إلا أن عنوان الميتة لا يثبت باستصحاب عدم التذكية فلا يترتب على استصحاب عدمها الحكم بالنجاسة بوجه. نعم يترتب عليه الآثار المترتبة على عنوان عدم التذكية من حرمة أكله وبطلان الصلاة فيه، ومن ثمة حكمنا بطهارة الجلود المجلوبة من بلاد الكفر وكذا اللحوم المشكوكة من حيت التذكية. (1) قد يفرض هذا فيما إذا دار أمر الفضلة بين حيوان له نفس سائلة كالفأرة وبين مالا نفس له كالخنفساء، وقد يفرض مع العلم بأنه من الحيوان المعين كالحلية ولكن يشك في أن لها نفسا سائلة حيث ادعى بعضهم أن لها نفسا سائلة، وأنكره بعض آخر والمرجع في كلا الفرضين هو قاعدة الطهارة.

[ 490 ]

[ (مسألة 4) لا يحكم بنجاسة فضلة الحية (1) لعدم العلم بأن دمها سائل. نعم حكي عن بعض السادة: إن دمها سائل. ويمكن اختلاف الحيات في ذلك، وكذا لا يحكم بنجاسة فضلة التمساح، للشك المذكور وإن حكي عن الشهيد: إن الحيوانات البحرية ليس لها دم سائل إلا التمساح. لكنه غير معلوم، والكلية المذكورة أيضا غير معلومة، (الثالث): المني (2) من كل حيوان له دم سائل، حراما كان أو حلالا، بريا أو بحريا. ] وقد يتخيل أنه بناء على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية لابد من الحكم بالنجاسة مع الشك، لان ما دل بعمومه على نجاسة بول مالا يؤكل لحمه وخرئه إن خصص بما لا نفس له إلا أن استصحاب العدم الازلي يقتضي بقاء الحيوان المشكوك فيه تحت العام وبذلك يحكم بنجاسة بوله وخرئه. ولكن هذا الكلام بمعزل عن التحقيق، لان حال الموضوع وإن صح تنقيحه باجراء الاستصحاب في العدم الازلي، وكبرى ذلك مما لا إشكال فيه إلا أن التمسك به في المقام ينتج إحراز خروج الفرد المشكوك فيه عن العام لا بقائه تحته، وذلك لان الخارج عنوان عدمي أعني مالا نفس له، فإذا شككنا في أنه مما له نفس سائلة فمقتضى الاصل أنه مما لا نفس له، ويحرز بذلك دخوله تحت الخاص ويحكم عليه بطهارة بوله وخرئه، والتمسك باستصحاب العدم الازلي إنما ينتج في جواز التمسك بالعام فيما إذا كان الخارج عن عمومه عنوانا وجوديا حتى يحرز عدمه بالاستصحاب. (1) قد ظهر حكم هذه المسألة مما أسلفناه في المسألة المتقدمة فلا نعيد. نجاسة المني: (2) يقع الكلام في هذه المسألة في مسائل أربع:

[ 491 ]

(الاولى): في نجاسة المني من الانسان. و (الثانية): في نجاسة المني من الحيوانات التي لا يؤكل لحمها مما له نفس سائلة كالسباع. و (الثالثة): في نجاسة المني من الحيوانات المحللة التي لها نفس سائله. و (الرابعة): في مني مالا نفس له محلا كان أم محرما. (أما المسألة الاولى): فلا ينبغي الاشكال في نجاسة المني من الانسان رجلا كان أو إمراه بل نجاسته مما قامت عليه ضرورة الاسلام، ولم يخالف فيه أحد من أصحابنا، وتدل على ذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال: سألته عن المذي يصيب الثوب فقال: ينضحه بالماء إن شاء وقال: في المني يصيب الثوب قال: إن عرفت مكانه فاغسله وإن خفي عليك فاغسله كله (* 1) وبهذا المضمون غيرها من الروايات، وفي قبالها جملة من الاخبار تقتضي طهارة المني: (منها): صحيحة زرارة (* 2) قال: سألته عن الرجل يجنب في ثوبه أيتجفف فيه من غسله؟ فقال: نعم لا بأس به إلا أن تكون النطفة فيه رطبة، فان كانت جافة فلا بأس و (منها): موثقة زيد الشحام قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الثوب يكون فيه الجنابة فتصيبني السماء حتى يبتل، فقال: لا بأس. (* 3) ومنها غير ذلك من الاخبار التي ظاهرها طهارة المني، ويمكن تأويلها على نحو لا تنافي الاخبار الدالة على نجاسته ولو على وجه بعيد فتحمل الرواية الاولى على تجففه بالموضع الطاهر من الثوب، والثانية على صورة زوال عين المني فيطهر الثوب باصابته المطر.


(* 1) المروية في الباب 16 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في الباب 27 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 492 ]

هذا على أنه يمكن حملهما على التقية، لذهاب جماعة من العامة إلى طهارة المني إما مطلقا كما ذهب إليه الشافعي (* 1). واستدل عليه بوجهين: (أحدهما): ما رواه البيهقي عن النبي صلى الله عليه وآله من أنه قال: لا بأس بالمني فانه من الانسان بمنزلة البصاق والمخط و (ثانيهما): إن الحيوان من المني (ولا إشكال في طهارته فكيف يزيد الفرع على أصله). وإما في خصوص المني من الانسان ومن سائر الحيوانات المحللة دون مالا يؤكل لحمه كما التزم به الحنابلة واستدلوا عليها بما رووه عن عائشة من أنها كانت تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يذهب فيصلي فيه (* 2). والشافعي وقرينه وإن كانا متأخرين عن عصر الصادق (ع) إلا أن مستندهما لعله كان شايعا في ذلك العصر وكان العامل به كثيرا، وبذلك صح حمل أخبار الطهارة على التقية، وكيف كان فهذه الاخبار مضافا إلى معارضتها مع الاخبار الكثيرة الواردة في نجاسة المني مخالفة لضرورة الاسلام، ومعها لا يمكن الاعتماد عليها بوجه. (أما المسألة الثانية): فقد ادعي الاجماع على نجاسة المني من الحيوانات المحرمة التي لها نفس سائلة، ويمكن ان يستدل عليها بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: ذكر المني وشدده وجعله أشد من البول. (* 3). فان الظاهر ان اللام في كل من المني والبول للجنس لبعد أن يكون للعهد الخارجي فتدل حينئذ على أن طبيعي المني اشد من طبيعي البول سواء أكانا من الانسان أم من الحيوان، وحيث ان بول الحيوانات المحرمة التي لها نفس سائلة


(* 1) و (* 2) راجع المجلد الاول من الفقه على المذاهب الاربعة ص 13 من الطبعة الاولى. (* 3) المروية في الباب 16 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 493 ]

نجس فلا محالة يحكم بنجاسة منيها، لانه أشد من بولها. وملاحظة ذيل الصحيحة وان كانت موجبة لصرفها إلى مني الانسان حيث قال: (ان رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك اعادة الصلاة وان أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت فيه ثم رأيته بعد فلا اعادة عليك وكذلك البول) لان ما يصيب ثوب المصلي من المني يبعد أن يكون من غيره من الحيوانات المحرمة إلا أن ذيلها مشتمل على حكم آخر غير الحكم الذي تكلفه صدر الرواية فهو باق على عمومه ولا موجب لحمله على مني الانسان. ومن ذلك يظهر انه لا وجه للاستدلال على نجاسة المني في هذه المسألة بالاخبار المتقدمة في المسألة الاولى، وذلك لا نصرافها إلى مني الانسان، وبعد أن يصيب ثوب المصلي مني غيره من الحيوانات المحرمة، بل نقل في الجواهر عن بعضهم ان الانصراف كالعيان، وعليه ينحصر مدرك القول بنجاسة المني في هذه المسألة بما قدمناه من صحيحة محمد بن مسلم. و (أما المسألة الثالثة): أعني نجاسة المني من الحيوانات المحللة التي لها نفس سائلة فلا دلالة في شئ من الاخبار على نجاسة المني في هذه المسألة أما الاخبار المتقدمة في المسألة الاولى، فلانصرافها إلى مني الانسان كما مر، وأما صحيحة محمد بن مسلم التي اعتمدنا عليها في المسألة الثانية، فلا ختصاصها بما إذا كان البول نجسا، لان معنى الاشدية أن المني يشترك مع البول في نجاسته إلا أن هذا أشد من ذاك وأبوال الحيوانات المحللة طاهرة فلا يكون المني منها نجسا. و (قد يتوهم): أن الاشدية بلحاظ نجاسة المني منها مع طهارة أبوالها و (يندفع): بأن الاشدية لو كان هو ذلك لوجب أن يقول: نجاسة المني أوسع من نجاسة البول لاختصاصها بما لا يؤكل لحمه بخلاف

[ 494 ]

نجاسة المني، ولا يناسبه التعبير بالاشدية، فان معناها كما عرفت هو اشتراك المني مع البول في نجاسته وكون أحدهما أشد من الثاني. هذا. ثم لو قلنا بشمول إطلاق الصحيحة للمقام أعني مني الحيوانات المحللة فتعارضها موثقتان: (إحداهما): موثقة عمار كل ما أكل لحمه لا بأس بما يخرج منه (* 1) لان إطلاقها يشمل المني أيضا. و (ثانيتهما): موثقة إبن بكير حيث ورد في ذيلها فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكل شئ منه جائز. (* 2) وعموم كل شئ يشمل المني أيضا وبعد تساقطهما يرجع إلى قاعدة الطهارة. نعم قد استشكلنا سابقا في الموثقة الاخيرة بانها ناظرة إلى بيان صحة الصلاة في أجزاء ما يؤكل لحمه من ناحية عدم كونها مما لا يؤكل لحمه لا من سائر الجهات، وإلا فعموم كل شئ شامل للدم أيضا مع أن الصلاة فيه باطلة لنجاسته. نعم تصح فيه أيضا من حيث عدم كونه من أجزاء مالا يؤكل، ولكن في الموثقة الاولى غنى وكفاية، فلو كنا نحن وهذه الاخبار لحكمنا بطهارة المني في هذه المسألة إلا أن الاجماع القطعي قام على نجاسة المني من كل ماله نفس سائلة وان كان محلل الاكل، وهذا الاجماع يصير قرينة على التصرف في الموثقة بحملها على غير المني من البول والروث ونحوهما. و (أما المسألة الرابعة): فلم يقم على نجاسة المني مما لا نفس له دليل سواء كان محللا أم محرما، وقد عرفت قصور الادلة عن اثبات النجاسة


(* 1) المروية في الباب 9 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 2 من أبواب لباس المصلي وفي الباب 9 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 495 ]

[ وأما المذي، والوذي، والودي فطاهر (1) من كل حيوان إلا نجس العين ] في مني ما يؤكل لحمه إذا كان له نفس سائلة فضلا عما لا نفس له، مضافا إلى ما ورد من انه لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة (* 1) لانها شاملة للمني منه كما تشمل البول وغيره من أجزائه، وبذلك نحكم بعدم نجاسة المني في الاسماك والحيات ونظائرهما تتميم ان الفيومي في المصباح فسر المني بماء الرجل، وفي القاموس فسره بماء كل من الرجل والمرأة، ومن هنا توهم بعضهم عدم شمول ما دل على نجاسة المني لمني غير الانسان بدعوى قصور الادلة عن اثبات نجاسته في نفسها إلا ان الظاهر ان تعريفهما من باب بيان أظهر الافراد للقطع بعدم الفرق بين أفراده، لانه عبارة عن ماء دافق يخرج عند الشهوة على الاغلب وهذا لا فرق فيه بين الانسان وغيره من الحيوانات فلا اجمال للفظ حتى يرجع فيه إلى تفسير اللغوي. (1) أما المذي فقد ذهب العامة إلى نجاسته (* 2) حتى من يقول منهم بطهارة المني كالشافعية والحنابلة، ولعمري انه من عجائب الكلام فكيف


(* 1) وهو ما رواه حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه. المروية في الباب 35 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) افتى فقهاء المذاهب الاربعة بنجاسة المذي الخارج من الانسان كما في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 47 وبدايع الصنايع للكاساني الحنفي ج 1 ص 90 والمغنى لابن قدامة الحنبلي ج 2 ص 86، وشرح صحيح الترمذي للقاضي ابن العربي المالكي ج 1 ص 176.

[ 496 ]

يفتى بنجاسة المذي وطهارة المني؟! بل عن بعضهم نجاسة كل ما يخرج من الانسان (* 1) حتى الدمعة إذا استندت إلى مرض لا ما استند إلى البكاء. وأما عندنا فلم ينسب إلى أحد اخلاف في طهارته غير ابن الجنيد، حيث ذهب إلى نجاسة المذي الخارج عقيب شهوة على ما حكي ولعله استند في ذلك إلى الاخبار إلا ان ما دل منها على نجاسة المذي مشتمل على قرائن تقتضي حملها على الاستحباب أو التقية. (فمنها): صحيحة محمد بن مسلم عن المذي يصيب الثوب فقال: (ع) ينضحه بالماء ان شاء. (* 2) وقرينة الاستحباب فيها ظاهرة. و (منها) صحيحة الحسين بن أبي العلا سألت أبا عبد الله (ع) عن المذي يصيب الثوب قال: لا بأس به فلما رددنا عليه فقال: ينضحه بالماء (* 3) وهي ظاهرة في طهارة المذي بحسب الحكم الواقعي إلا انه أمره بالنضح لا صرار السائل مماشاة مع المخالفين. و (منها): صحيحة اخرى لحسين بن أبي العلاء قال سألت أبا عبد الله (ع) عن المذي يصيب الثوب قال (ع) ان عرفت مكانه فاغسله وان خفي عليك مكانه فاغسل الثوب كله (* 4) وهي محمولة على الاستحباب


(* 1) الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 12 من الطبعة الاولى الحنفية قالوا: ان ما يسيل من البدن غير القيح والصديد ان كان لعلة ولو بلا ألم فنجس وإلا فطاهر وهذا يشمل النفط وهي القرحة التي امتلات وحان قشرها وماء السرة وماء الاذن وما العين، فالماء الذي يخرج من العين المريضة نجس ولو خرج من غير ألم كالماء الذي يسيل بسبب الغرب وهو عرق في العين يوجب سيلان الدمع بلا ألم. (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في الباب 17 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 497 ]

بقرينة روايته المتقدمة. هذا مضافا إلى الاخبار الصريحة الواردة في طهارة المذي (* 1) وما ورد (* 2) في طهارة البلل المشتبه الخارج بعد الاستبراء من البول أو المني فان المذي وأخواته أيضا لو كانت نجسة لم يكن لطهارة البلل المشتبه وجه للعلم حينئذ بنجاستها على كل حال كان بولا أو منيا أم كان مذيا أو شيئا آخر من أخواته. وأما الوذي والودي فلم يدل دليل على نجساتهما والاصل طهارته. بل ويمكن أن يستدل عليها بغير واحد من الاخبار (منها): صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: إن سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي (وذي) وأنت في الصلاة فلا تغسله، ولا تقطع له الصلاة ولا تنقض له الوضوء وإن بلغ عقبيك، فانما ذلك بمنزله النخامة، وكل شئ خرج منك بعد الوضوء، فانه من الحبائل، أو


(* 1) ففي صحيحة بريد بن معاوية قال: سألت أحدهما (ع) عن المذي فقال: لا ينقض الوضوء ولا يغسل منه ثوب ولا جسد إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق. وفي صحيحة محمد بن مسلم، قال سألت أبا جعفر (ع) عن المذي يسيل حتى يصيب الفخذ، قال: لا يقطع صلاته ولا يغسله من فخذه، أنه لم يخرج من مخرج المني، إنما هو بمنزلة النخامة وغيرهما من الاخبار المروية في الوسائل في الباب 9 و 12 من أبواب نواقض الوضوء. ومنها: صحيحة زرارة المتقدمة. (* 2) منها ما رواه حفص بن البختري. عن ابي عبد الله (ع) في الرجل يبول، قال: ينتره ثلاثا ثم إن سأل حتى يبلغ السوق فلا يبالي. ومنها غير ذلك من الاخبار المروية في الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

[ 498 ]

[ وكذا رطوبات الفرج (1) والدبر (2) ما عدا البول والغائط. (الرابع): الميتة (3) من كل ماله دم سائل، حلالا كان أو حراما. ] من البواسير، وليس بشئ فلا تغسله من ثوبك إلا أن تقذره (* 1). نعم نسب إلى بعض العامة وإن لم نقف عليه في كلماتهم نجاستهما كما التزموا بها في المذي بدعوى خروجها من مجرى النجاسة و (يدفعه): ان البواطن لا دليل على تنجسها كما عرفته في محله. (1) لصحيحة ابراهيم بن أبي محمود قال: سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن المرأة وليها (عليها) قميصها أو إزارها يصيبه من بلل الفرج وهي جنب، أتصلي فيه؟ قال: إذا اغتسلت صلت فيهما (* 2). (2) وتدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة. نجاسة الميتة: (3) وهو مما لا اشكال فيه، وقد وردت نجاستها في عدة روايات يمكن دعوى تواترها اجمالا واليك بعضها: (منها): ما ورد في السمن أو الزيت أو غيرهما تقع فيه الميتة أو تموت فيه الفأرة أو غيرها من الامر باهراقه أو الاستصباح به إذا كان مايعا والقائه وما يليه إذا كان جامدا (* 3).


(* 1) المروية في الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 55 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) ورد ذلك في عدة كثيرة من الاخبار منها صحيحة زرارة أو حسنته عن الباقر (ع) قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فان كان جامدا فالقها وما يليها وكل ما بقي وان كان ذائبا فلا تأكله واستصبح =

[ 499 ]

و (منها): ما ورد من الامر باعادة الوضوء وغسل الثوب فيما إذا توضأ من الماء القليل ثم وجد فيه ميتة (* 1). و (منها): ما ورد في البئر من الاخبار الآمرة بنزحها لموت الفأرة أو الدجاجة ونحوهما أو لوقوع المتية فيها (* 2) فان النزح وإن لم يكن واجبا حينئذ لعدم نجاسة البئر بملاقاة النجس إلا أن نزح مائها ولو للاستحباب مستند إلى نجاسة ما وقع فيها من الميتة، ومنها غير ذلك من الاخبار الكثيرة، والانصاف أنه لم ترد في شئ من أعيان النجاسات بمقدار ما ورد في نجاسة الميتة من الاخبار كما اعترف بذلك المحقق الهمداني (قده) ومن العجيب ما نسب إلى صاحب المعالم (قده) من أن العمدة في نجاسة الميتة هو الاجماع،


= به، والزيت مثل ذلك. ومنها غير ذلك من الاخبار المروية في الباب 6 من أبواب ما يكتسب به و 43 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 1) كموثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) عن رجل يجد في إنائه فأرة وقد توضأ من ذلك الاناء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه وقد كانت الفأرة متسلخة، فقال: إن كان رآها في الاناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعدما رآها في الاناء فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة. المروية في الباب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل (* 2) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) عن البئر تقع فيها الميتة فقال: إن كان لها ريح نزح منها عشرون دلوا. المروية في الباب 22 من أبواب الماء المطلق. وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عما يقع في الآبار، فقال أما الفأرة وأشباهها فينزح منها سبع دلاء إلا أن يتغير الماء فينزح حتى يطيب. إلى غير ذلك من الاخبار المروية في الباب 17 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 500 ]

وقصور الاخبار عن اثبات نجاستها، وأعجب من ذلك ما حكي عن صاحب المدارك (قده) من المناقشة في نجاسة الميتة بدعوى: انحصار مدرك القول بنجاستها في الاجماع، واستظهر عدم تمامية الاجماع في المسألة، وخروجا عن وحشة التفرد فيما ذهب إليه نسب القول بطهارة الميتة إلى الصدوق (قدس سره). لانه روى مرسلا عن الصادق (ع) أنه سئل عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والماء والسمن ما ترى فيه؟ فقال: لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو سمن وتتوضأ منه وتشرب، ولكن لا تصلي فيها (* 1) وقد التزم في أوائل كتابه أن لا يورد فيه إلا ما يفتي ويحكم بصحته ويعتقد أنه حجة فيما بينه وبين الله تعالت قدرته، وبذلك صح إسناد القول بطهارة الميتة إليه وفيه: (أولا) أن الدليل على نجاسة المتية غير منحصر في الاجماع فان الاخبار في نجاستها كثيرة بل متواترة. و (ثانيا) إن نجاسة البول مما لا مناقشة فيه عنده (قده) وهي إنما استفيدت من الامر بغسل ما أصابه، ومعه فلماذا لا يلتزم بنجاسة الميتة في المقام؟ وقد ورد في غير واحد من الاخبار الامر يغسل ما أصابته الميتة برطوبة. وأما ما نسبه إلى الصدوق (قده) فالكلام فيه يقع في مقامين: (أحدهما): في صحة اسناد القول بالطهارة إلى الصدوق بمجرد نقله ما يقتضي بظاهره طهارة الميتة. و (ثانيهما): في حجية تلك الرواية في حقنا ولو على تقدير عمله (قده) بطبقها. (أما المقام الاول): فالصحيح عدم تمامية الاسناد، لان الصدوق


(* 1) المروية في الباب 34 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 501 ]

[ وكذا أجزاؤها المبانة (1) منها وان كانت صغارا ] وإن التزم بما نقلناه عنه في أوائل كتابه، ويبعد عدوله عما بنى عليه إلا مقتضى ذلك أن تكون الرواية وغيرها مما نقله في كتابه رواية عدل معتبر عنده، وأما الافتاء على طبقها فلا، لانه يعتبر في الافتاء ملاحظة معارضات الرواية ودفع المناقشات الواردة عليها، وما رواه (قده) معارض بغير واحد من الاخبار وكيف يفتي بكل ما رواه من الاخبار المتعارضة؟ فهل يفتي بالمتناقضين؟ ولعله يرى طهارة الجلود بالدباغة كما هو أحد الاقوال فيها، كما يحتمل ان تكون الجلود المسؤل عنها في الرواية جلود مالا نفس له وقد نقل انها يستعمل في صنع ظروف السمن والماء ونحوهما ومع هذه الاحتمالات لا يمكن استكشاف عمله بالرواية وحكمه بطهارة الميتة. و (أما المقام الثاني) فحاصل الكلام فيه ان الرواية ضعيفة لارسالها فلا يمكن ان يعتمد عليها بوجه وان كانت معتبرة عند الصدوق (قده) ولعل وجهه ان العدالة عنده (قده) عبارة عن عدم ظهور الفسق ونحن لا نكتفي بذلك في حجية الاخبار بل نرى اعتبار توثيق الرواة. هذا مضافا إلى ان الرواية شاذة في نفسها فلا يمكن العمل بها في مقابل الروايات المشهورة، وعلى الجملة ان نجاسة الميتة مما لا يعتريه شك. اجزاء الميتة المبانة: (1) ان الميتة بعدما أثبتنا نجاستها فتثبت النجاسة بالفهم العرفي على كل واحد من أجزائها وان لم تصدق عليها عنوان الميتة عرفا فيد الغنم وان لم تكن غنما وكذا غيرها من أجزائها إلا ان الدليل بعدما دل على نجاسة

[ 502 ]

[ عدا ما لا تحله الحياة منها (1) كالصوف، والشعر، والوبر، والعظم، والقرن، ] الميتة فمعناه بحسب الفهم العرفي ان ما في ذلك الجسم محكوم بالنجاسة، ولا دخالة للهيئة التركبية في نجاستها. كما ان الامر كذلك في غير الميتة أيضا فإذا حكم الشارع بنجاسة الكلب وهو حي فلا يشك العرف في نجاسة كل ماله من الاجزاء، فبنفس ذلك الدليل الذي دل على نجاسة الكلب تثبت نجاسة أجزائه أيضا، ولذا لا مناص من الحكم بنجاسة أجزاء الميتة كنفسها فإذا قطعنا حيوانا نصفين أو أربعة اجزاء مثلا دفعة واحدة يحكم بنجاسة كلا النصفين أو الاجزاء لانها ميتة. ومن هنا يظهر انه لا وجه لا ستصحاب النجاسة في أجزاء الميتة (أما أولا): فلمكان الدليل الاجتهادي، فان نفس ذلك الدليل الذي دل على نجاسة الميتة يقتضي نجاسة أجزائها أيضا من غير حاجة إلى استصحابها. (وأما ثانيا): فلانه أخص من المدعى، لا ختصاصه بما إذا حصل الانفصال بعد الموت وأما إذا طرأ كل من الموت والانفصال دفعة واحدة كما إذا قطعنا الحيوان نصفين فاين هناك نجاسة سابقة ليمكن استصحابها؟ هذا على ان الاستصحاب في الاحكام الكلية الالهية غير جار لمعارضته باستصحاب عدم الجعل كما حققناه في محله. وكيف كان فما حكي عن صاحب المدارك (قده) من المناقشة في نجاسة أجزاء الميتة مما لا وجه له. مالا تحله الحياة من الميتة: (1) ما قدمناه آنفا من الوجه في نجاسة أجزاء الميتة وان كان يقتضي

[ 503 ]

[ والمنقار، والظفر والمخلب، والريش، والظلف، والسن، والبيضة، إذا اكتست (1) القشر الاعلى. ] نجاسة جميع أجزائها إلا ان النصوص الواردة في المقام قد دلت على استثناء مالا تحله الحياة من أجزاء الميتة فلا يحكم عليه بالنجاسة ولا بغيرها من أحكام الميتة فيجوز الانتفاع بها على تقدير حرمة الانتفاع بالميتة. ففي الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: لا بأس بالصلاة فيما كان من صوف الميتة، ان الصوف ليس فيه روح (* 1). وفي رواية حسين بن زرارة قال: كنت عند أبي عبد الله (ع) وأبي يسأله عن اللبن من الميتة. والبيضة من الميتة، وانفحة الميتة، فقال: كل هذا ذكي، وقال: (يعني الكليني) وزاد فيه علي بن عقبة وعلي بن الحسن ابن رباط قال: والشعر والصوف كله ذكى (* 2) وفي رواية صفوان عن الحسين بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: الشعر والصوف والريش وكل نابت لا يكون ميتا، قال: وسألته عن البيضة تخرج من بطن الدجاجة الميتة، فقال: يأكلها (* 3). وفي صحيحة حريز قال: قال: أبو عبد الله (ع) لزرارة ومحمد بن مسلم اللبن واللبا والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر وكل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكى وان أخذته منه بعد ان يموت فاغسله وصل فيه (* 4) إلى غير ذلك من الاخبار. ما يعتبر في طهارة البيضه: (1) اشترط الاصحاب (قدس الله أسرارهم) في الحكم بطهارة البيضة


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في الباب 68 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 4) المروية في الباب 33 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 504 ]

الخارجة عن الميتة أن تكون مكتسية بالقشر الغليظ والكلام في ذلك يقع في مقامين: (أحدهما): فيما تقتضيه القاعدة. و (ثانيهما): فيما تقتضيه الرواية الواردة في المقام. (اما المقام الاول): فالصحيح انه لا فرق في طهارة البيضة بين صورتي اكتسائها القشر الاعلى وعدمه، وذلك لقصور ما دل على نجاسة الميتة عن شمول بيضتها لان أجزاء الميتة وان كانت نجسة كنفسها إلا ان أدلة نجاستها غير شاملة لما هو خارج عن الميته وان كانت ظرفا لوجوده من غير ان تتصل بشئ من اجزاء الميتة فالحكم بطهارة البيضة على وفق القاعدة في كلتا الصورتين. هذا مضافا إلى اطلاق نصوص الاستثناء لانها دلت على استثناء البيضة من غير تقييدها بما إذا كانت مكتسية للقشر الغليظ. و (أما المقام الثاني) ففي موثقة غياث بن ابراهيم عن أبي عبد الله (ع) في بيضة خرجت من است دجاجة ميتة قال (ع) ان كانت اكتست اليضة الجلد الغليظ فلا بأس بها (* 1) وقد ضعفها صاحبا المدارك والمعالم وتبعهما غيرهما نظرا إلى ان غياث بن ابراهيم بترى ولم يذك بعدلين، وهذه المناقشة انما تتم على مسلكهما من عدم حجية غير الصحاح واعتبار تذكية الرواة بعدلين. وأما بناء على اعتبار خبر الثقة كما هو الصحيح فلا مجال للمناقشة في سندها لانها موثقة وغياث بن ابراهيم وان كان بتريا وهم طائفة من الزيدية إلا أن من المحتمل قويا ان يكون ذلك غير الغياث بن ابراهيم التميمي الواقع في سلسلة السند في المقام بل لو كان هو هذا بعينه أيضا لم يكن يقدح في وثاقته. وأما محمد بن يحيى وهو الراوي عن غياث فهو أيضا موثق وان


(* 1) المروية في الباب 33 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 505 ]

[ سواء كانت من الحيوان الحلال أو الحرام (1) ] كان مرددا بين محمد بن يحيى الخزاز ومحمد بن يحيى الخثعمي إلا انهما موثقان وأحمد بن محمد يروي عن كليهما. وكيف كان فلا اشكال في سند الرواية، وعلى هذا لا مناص من الالتزام بتقييد البيضة بما إذا اكتست القشر الاعلى إلا أن هذا بالاضافة إلى جواز أكلها لان الرواية ناظرة إليه ومن هنا ذكروها في كتاب الاطعمه والاشربة وغير ناظرة إلى طهارتها فقد عرفت ان مقتضى القاعدة الاولية واطلاقات الاخبار المتقدمة طهارة البيضة مطلقا من غير تقييدها بشئ وحيث لا دليل على خلافها فلا يمكن تقييد البيضة باكتساء القشر الغليظ في الحكم بطهارتها. نعم لابد من تقييدها بذلك في ذلك في الحكم بجواز أكلها، وقد مر أن البيضة خارجة عن الميتة وأجزائها تخصصا فهي محكومة بالطهارة بالذات ولا ينافي ذلك وجوب غسل ظاهرها لنجاستها العارضة بملاقاة الميتة مع الرطوبة. (1) ذهب العلامة (قده) إلى اشتراط حلية الحيوان في الحكم بطهارة بيضته مستندا في ذلك إلى ورود جملة من الروايات في الدجاجة وهي ما يؤكل لحمه، وإلى أن غيرها من المطلقات منصرفة إلى الحيوانات المحللة، فان ظاهرها هو السؤال عن جواز أكل البيضة، ولا يجوز أكل شئ من أجزاء ما لا يؤكل لحمه. هذا ولكن الصحيح انه لا فرق في ذلك بين الحيوانات المحللة وغيرها لان الاخبار المدعى انصرافها إلى الحيوانات المحللة أو التي وردت في مثل الدجاجة انما وردت في جواز أكل البيضة، ونحن لا نضائق القول باشتراط حلية الاكل في الحكم بجواز أكلها إلا أن هذا أجنبي عما نحن بصدده،

[ 506 ]

[ وسواء أخذ ذلك بجز أو نتف أو غيرهما (1) نعم يجب غسل المنتوف من ] إذ الكلام في طهارة البيضة، وقد عرفت ان الحكم بطهارتها لا يتوقف على ورود رواية أصلا، لانه على طبق القاعدة، وليس مدركه هو الاخبار حتى يدعي أن ورودها في محلل الاكل يوجب تقييد الحكم بطهارة البيضة بما إذا كان من الحيوان الحلال. عدم اعتبار الجز (1) نسب إلى الشيخ الطوسي (ره) اعتبار الانفصال بالجز في الصوف والشعر والوبر والريش ونحوها، وإنها إذا إنفصلت بالنتف يحكم بنجاستها والوجه في ذلك أحد أمرين:. (أحدهما): إن الشعر والصوف وأمثالهما يستصحب عند انفصاله بالنتف جزء من أجزاء الميتة مما تحله الحياة، وهو غير مستئنى علي نجاسة الميتة. و (ثانيهما): رواية الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن (ع) قال: كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكيا فكتب (ع) لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عصب، وكلما كان من السخال الصوف إن جز والشعر والوبر والانفحة والقرن ولا يتعدى إلى غيرها ان شاء الله (* 1) فانها قيدت الحكم في الصوف بما إذا انفصل بالجز. وفي كلا الوجهين مالا يخفى. (أما الوجه الاول): فلان استثناء الشعر والصوف ونحوهما يقتضي استثناء أصولهما المتصلة بهما أيضا عند نتفهما إما لانها كفروعها مما لا تحله الحياة، وقد دلت صحيحة الحلبي المتقدمة على استثناء مالا روح فيه،


(* 1) المروية في الباب 33 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 507 ]

[ رطوبات الميتة ويلحق بالمذكورات الانفحة (1). ] وأصول الشعر والصوف واخواتهما كذلك، والتأذي بنتفها من جهة اتصالها بماله الحياة لا من جهة انها مما تحله الحياة. وإما لاجل الشك في حلول الحياة لها والشك في ذلك يكفي في الحكم بطهارتها. و (أما الوجه الثاني): فلان غاية ما تقتضيه الرواية المذكورة إنما هو إشترط الجز في خصوص الصوف في السخال ولا يمكن التعدي عنهما بوجه فالحكم بالاشتراط على وجه الاطلاق لا شاهد له هذا. على أنها غير خالية عن القلق والاضطراب، ومع ذلك كله اشترطت الجز في صوف السخال وهو بحيث إذا نتف ينفصل عما فوق الجلد لدقته ولطافته، ولم تشترط ذلك في الشعر الذي يستصحب شيئا من أجزاء الحيوان عند انفصاله بالنتف مضافا إلى ضعف سندها فهي غير قابلة للاعتماد. نعم يجب غسل ما ينفصل عن الميتة بالنتف، لنجاسته العارضة باتصالها إلا أن النجاسة العرضية غير منافية لطهارته بالذات، وإلى هذا أشير في صحيحة حريز المتقدمة في قوله (ع) وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه. الانفحة وحكمها: (1) بكسر الهمزة وفتح الفاء وقد تكسر وتشديد الحاء وتخفيفها وهي المعروف عند العامة بالمجبنة ويقال لها في الفارسية (پنير مايه) ولا إشكال في طهارتها على ما دل عليه غير واحد من الاخبار وإنما الكلام في موضوعها ومعناها فهل هي عبارة عن المظروف فحسب وهو المائع المتمايل إلى الصفرة يخرج من بطن الجدي حال ارتضاعه كما هو ظاهر جماعة أو أنها اسم لخصوص الظرف وهو الذي يتكون في الجدي حال ارتضاعه ويصير

[ 508 ]

كرشا بعد أكله العلف أو انها أسم لمجموع الظرف والمظروف؟ تظهر ثمرة الخلاف في الحكم بطهارتة كله من الظرف والمظروف على الاحتمالين الاخيرين. أما إذا كانت عبارة عن المجموع فلدلالة الاخبار الواردة في طهارة الانفحة. وأما إذا كانت عبارة عن الظرف فقط فلان المتكون في جوفها ليس من أجزاء الميتة ولا هو لاقى شيئا نجسا فلماذا يحكم بنجاسته؟ وهذا بخلاف ما إذا كانت عبارة عن المظروف فقط فانه لا يحكم حينئذ بطهارة ظرفها وجلدها. نعم الاخبار الواردة في طهارة الانفحة تدل بالدلالة الالتزامية على طهارة السطح الداخل من الجلد أيضا، لاتصاله بالانفحة، كما يمكن أن نلتزم بنجاسة داخل الجلد أيضا ولا نقول بنجاسة ملاقيه بمقتضى ما دل على طهارة المظروف. و (دعوى): انا لا نحتاج في اثبات طهارة المايع المظروف إلى التشبث بالاخبار، لانه أمر خارج عن الميتة وحاله حال البيضة فيحكم بطهارته حيث لا موجب لنجاسته. (مدفوعة): بان الامر وان كان كما ذكر إلا أن قياس المقام بالبيضة قياس مع الفارق فان المظروف من قبيل المايعات ولولا دلالة الروايات على طهارة ما يلاصقه من الجلد بالالتزام لتنجس بملاقاة الظرف لا محالة، لانه من أجزاء الميتة وهي نجسة بالذات ومع نجاستة المظروف لا يمكن الانتفاع به في شئ. مع أن الروايات الواردة في المقام بظاهرها بل بصراحة بعضها (* 1) دلت على ان الحكم بطهارة الانفحة انما هو لاجل أن ينتفع بها في الجبن هذا والصحيح في المقام ان يقال: أنه لا يسعنا تحقيق مفهوم اللفظة


(* 1) وهي روابة أبي حمزة الثمالي المروية في الباب 33 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 509 ]

[ وكذا اللبن في الضرع (1) ولا ينجس بملاقاة الضرع النجس، لكن الاحوك في اللبن الاجتناب، ] المذكورة إلا على سبيل الظن والتخمين، ونظن انها اسم لمجموع الظرف والمظروف، لانها لو لم تكن موضوعة بازائهما وقلنا باختصاصها للمظروف فحسب فما هو اللفظ الذي وضع لغة العرب بازاء ظرفه؟ ومن البعيد جدا ان لا يكون للظرف في لغة العرب اسم موضوع عليه. وكيف كان إذا لم ندر بما وضعت عليه لفظة الانفحة وشككنا في حكمها فلا مناص من الاخذ بالمقدار المتيقن منها وهو المظروف وما يلاصقه من داخل الجلدة فحسب دون خارجها وهو مشمول لادلة نجاسة الميتة وأجزائها. والاستدلال على طهارة الجلد بقاعدة الطهارة من غرائب الكلام لانه مع دلالة الدليل الاجتهادي على نجاسة الجلد لا يبقى مجال للتشبث بالاصل العملي. ومما ذكرناه في المقام يظهر اختصاص هذا الحكم بانفحة الحيوانات المحللة الاكل. لان الروايات بين ما ورد في خصوص ذلك وبين ما هو منصرف إليه، وأما ما لا يؤكل لحمه كانفحة الذئب ونحوه فلا دليل على طهارتها فلا محالة تبقى تحت عمومات نجاسة الميتة، وبذلك يحكم بنجاسة مظروفها لانه وان كان خارجا عن الميتة وأجزائها إلا أنه مايع قد لاقى الميتة فلا محالة يتنجس بها. اللبن في الضرع: (1) لدلالة جملة من الاخبار المعتبرة على ذلك كما دلت بدلالتها الالتزامية على طهارة داخل الضرع أيضا لملاصقته اللبن أو أنه نجس ولكنه

[ 510 ]

غير منجس لملاقيه، وقد ذهب إلى طهارة اللبن الشيخ والشهيد وصاحب الغينة والصدوق وغيرهم من الاعلام (قدس الله أسرارهم) بل ادعى الشهيد (قده) ندرة القول بالنجاسة وعن الخلاف الاجماع على طهارته، وذهب جماعة آخرون ومنهم العلامة والمحقق وابن ادريس (قدهم) إلى نجاسته. والذي يمكن أن يستدل لهم به وجوه ثلاثة: (أحدها): ان نجاسة اللبن هي التي تقتضيه القاعدة أعني منجسية النجس لملاقيه، وحيث ان اللبن لاقى الضرع وهو من أجزاء الميتة فيتنجس لا محالة. و (ثانيها): رواية وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه (ع) ان عليا سئل عن شاة ماتت فحلب منها لبن فقال: علي (ع) ذلك الحرام محضا (* 1). و (ثالثها): رواية الجرجاني المتقدمة التي دلت على حصر المستثنيات في خمسة وهي الصوف من السخال ان جز والشعر والوبر والانفحة والقرن وقال في ذيلها ولا يتعدى إلى غيرها ان شاء الله. ومن الظاهر ان ان اللبن غير الخمسة المذكورة في الرواية وهذه الوجوه باجمعها ضعيفة. (أما الوجه الاول): فلان قاعدة منجسية النجس ليست من القواعد العقلية غير القابلة للتخصيص، وانما هي من القواعد التعبدية وهي غير آبية عن التخصيص كما خصصناها في غير اللبن، فإذا وردت رواية صحيحة على طهارة اللبن فلا محالة تكون موجبة لتخصيصها وليس في ذلك أي محذور. و (أما الوجه الثاني): فلان الرواية ضعيفة جدا فان وهب بن وهب عامي وآية في الكذب بل قيل أنه أكذب البرية فلا يعتمد على روايته أو تحمل على التقيه على تقدير صدورها لذهاب أكثر العامة إلى نجاسة اللبن والانفحة


(* 1) المروية في الباب 33 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 511 ]

وغيرهما مما يخرج من الميتة (* 1) و (أما الوجه الثالت): فلانها ليست إلا رواية. مطلقة فنقيدها بغير اللبن كما قيدناها بما دل على طهارة بقية المستثنيات. هذا على أنها أيضا غير منقحة سندا بل ومضطربة متنا، وعليه فالقول بطهارة اللبن هو الاقوى. والعحب من شيخنا الانصاري (قده) حيث أنه بعدما استدل على طهارة اللبن بما يقرب مما قدمناه آنفا استقرب القول بنجاسة اللبن وقواه وحاصل ما أفاده في وجهه أن رواية وهب وإن كانت ضعيفة إلا أنها منجبرة بمطابقتها للقاعده المتسالم عليها أعني منجسية النجس وموافقة القاعدة جابرة لضعفها. وأما الروايات في طهاره اللبن وإن كانت بين صحيحة وموثقة إلا انها مخالفة للقاعدة، وطرح الاخبار الصحيحة المخالفة لاصول المذهب وقواعده غير عزيز إلا أن تعضذ بفتوى الاصحاب كما في الانفحة أو بشهرة عظمية توجب شذوذ المخالف وليس شئ من ذلك متحققا في المقام فالعمل على رواية وهب هو المتعين. وهذا من غرائب ما صدر منه (قده) لان الرواية الضعيفة وإن قيل بانجبارها بعمل الاصحاب نظرا إلى أنهم أهل الخبرة والاطلاع فعلملهم برواية يكشف عن وجود قرينة معها لم تصل الينا وهي التي دلتهم على صحتها إلا أن انجبار ضعف الرواية بمطابقتها للقواعد التي ليست إلا عبارة عن العموم أو الاطلاق مما لم يقل به أحد ولم يعده هو (قده) من موجبات الانجبار


(* 1) كالحنابلة والشافعية والمالكية حيث ذهبوا إلى نجاسة كل مايخرج من الميتة سوى البيض فان الاولين ذهبا إلى طهارته على تفصيل في ذلك، وأما الحنفية فقد ذهبوا إلى طهارة كل ما يخرج من الميتة من لبن وانفحة وغيرهما مما كان طاهرا حال الحياة راجع ج 1 من الفقه على المذاهب الاربعة ص 14 - 15.

[ 512 ]

[ خصوصا إذا كان من غير مأكول اللحم (1) ] في محله. نعم العموم أو الاطلاق في نفسه أمر معتبر إلا أن الاعتبار أمر وانجبار ضعف الرواية به أمر آخر. كما أن دعوى عدم العمل بالروايات الصحيحة المخالفة للقواعد ما لم تعتضد بعمل الاصحاب مما لا يمكن المساعدة عليه، فان كسر الرواية الصحيحة باعراض الاصحاب وإن كان مورد الخلاف بينهم إلا أن كسرها بمخالفة القاعدة مما لا نرى له وجها، وليست الروايات الواردة في المقام معرضا عنها عندهم كيف وقد اعتمد عليها جماعة من الاصحاب حيث ذهب أكثرهم إلى طهارة اللبن حتى اعترض الآبي في كشف الرموز على دعوى ابن ادريس (أن النجاسة مذهب المحصلين) بان الشيخين مخالفان والمرتضى واتباعه غير ناطقين فما أعرف من بقي معه من المحصلين. وعلى الجملة الرواية إذا كانت معتبرة في نفسها ولم تكن معرضا عنها عندهم فلا يضرها مخالفتها العموم أو الاطلاق بل القاعدة تقتضي أن تكون الرواية مخصصة للعموم أو مقيدة للاطلاق وتخصيص العمومات بالروايات غير عزيز فالانصاف ان روايات الطهارة مما لا غبار عليه ولا وجه للقول بنجاسته. اختصاص الحكم بالحيوان المحلل: (1) وهل تختص طهارة اللبن بما إذا كان من الحيوانات المحللة؟ قد يقال أن اللبن كالبيضة فكما أن طهارتها غير مختصة بما إذا كانت من الحيوانات المحللة فكذلك الحال في اللبن. ولكن الظاهر أن اللبن كالانفحة وتنحصر طهارته بما إذا كان من الحيوانات المحللة، ولا يمكن قياسه بالبيضة لانها كما مر خارجه من أجراء

[ 513 ]

[ ولا بد من غسل ظاهر الانفحة الملاقي للميتة (1) هذا في ميتة غير نجس العين وأما فيها فلا يستثنى شئ (2). ] الميتة وأدلة نجاستها لا تشمل البيضة من الابتداء. وهذا بخلاف اللبن لانه وإن كان أيضا خارجا من الميتة إلا أنه لا محالة يتنجس بملاقاة أجزائها لميعانه كالانفحة إلا فيما دلت الرواية على طهارة اللبن، فانها بالدلالة الالتزامية تدل على عدم منجسية ما يلاقيه من النجس أو على عدم نجاسته والرواية إنما دلت على طهارته فيما يؤكل لحمه كالشاة. وأما إطلاق بعض الاخبار فهو منصرف إلى الحيوانات المحللة، لانها ناظرة إلى الانتفاع بمثل اللبن والانفحة مطلقا كما هو قوله (ع) لا بأس به ولو من حيث أكله لانه المنفعة الظاهرة منهما دون بقية الانتفاعات وهو إنما يسوغ في الحيوان الحلال. (1) ظاهره أن الانفحة عنده (قده) اسم لمجموع الظرف والمظروف وقد عرفت أنه المظنون وعليه لا بد من غسل ظاهرها لنجاستها العرضية الحاصلة من ملاقاة الميتة. عدم الاستثناء في ميتة نجس العين. (2) وذلك لان الادلة الدالة على نجاسة أي حيوان كالكب والخنزير قد دلت على نجاسة جميع أجزائه فان شعر الكلب مثلا وإن لم يصدق عليه عنوان الكلب إلا أن معروض النجاسة ليس هو الهيئة التركيبية وإنما معروضها كل واحد واحد من أجزائه، ولم يدل دليل على استثناء شئ من أجزاء الحيوانات النجسة. وقد خالف في ذلك السيد المرتضى (قده) وذهب إلى طهارة شعر

[ 514 ]

الكلب والخنزير بل التزم بطهارة كل مالا تحله الحياة كالعظم والوبر والقرن وغيرها. و (فيه): ان الموت لو لم يكن موجبا للنجاسة فعلى الاقل ليس من مقتضيات الطهارة، ونحن انما التزمنا بطهارة مالا تحله الحياة من أجزاء الحيوانات الطاهرة بعد موتها من جهة طهارته حال حياتها، والموت انما يعرض على ماله الحياة وأما مالا روح فيه كالجماد فلا معنى لموته فما لا تحله الحياة من أجزاء الحيوانات الطاهرة باق على طهارته وحاله بعد طرو الموت على الحيوان كحاله قبله وقد ورد (* 1) ان النابت لا يكون ميتا. وأما الحيوانات النجسة فاجزائها محكومة بالنجاسة من الابتداء وحالها قبل عروض الموت وبعده سيان لما عرفت من أن الموت ليس من أحد أسباب الطهارة. وأما صحيحة زرارة عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال لا بأس (* 2) فلا دلالة لها على عدم نجاسة شعر الخنزير بوجه بل ظاهرها مفروغية نجاسة الحبل عند السائل ولذا كان يسأله (ع) عن حكم التوضوء بما يستقى به من البئر فعدم البأس إما من جهة عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس أو من جهة عدم اصابة الحبل أو الماء المتنجس به لماء الدلو وقد تقدم تفصيل الجواب عن هذه الرواية في بحث انفعال الماء القليل (* 3).


(* 1) روى الحسين بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) أنه قال الشعر والصوف والريش وكل نابت لا يكون ميتا كما تقدم في ص 503. (* 2) المروية في الباب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 3) تقدم في ص 162.

[ 515 ]

[ (مسألة 1) الاجزاء المبانة من الحي مما تحله الحياة كالمبانة من الميتة (1). ] الاجزاء المبانة من الحي (1) قد عرفت ان الميتة نجسة في الشريعة المقدسة بمختلف أدلتها من غير فرق في ذلك بين اتصال أجزائها وانفصالها كما أنها محرمة بمقتضى الآيات والروايات، وعلى. الجملة للميتة حكمان ضروريان في الفقه وعليه فإذا فرضنا أن الشارع نزل شيئا منزلة الميتة يترتب عليه كلا الحكمين المتقدمين، لانهما من الآثار الظاهرة للميتة وليسا من الآثار النادرة أو الاحكام الخفية في الشرع. هذا وقد يقال ان الميتة عبارة عن كل ما ذهب عنه روحه من دون فرق في ذلك بين نفس الحيوان وأجزائه فكما يقال هذا حيوان ميت كذلك يصح أن يقال: هذه يد ميته أو رجل كذلك. فلو تمت هذه الدعوى شملت أحكام الميتة للاجزاء المبانة من الحي لصدق انها ميتة. ولكنها بعيدة عن الانظار العرفية وان كانت موافقة للذوق وصحيحة بالنظر العقلي أيضا إلا ان أجزاء الميتة ليست عند العرف كنفسها بل الميتة بنظرهم هو الحيوان الذي ذهب عنه روحه فشمول الميتة في مثل قوله سألته عن البئر يقع فيها الميتة فقال. (* 1) وقوله (ع) لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة (* 2) للاجزاء المبانة من الحي في غاية الاشكال


(* 1) كما في صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) عن البئر يقع فيها الميتة فقال: ان كان لها ريح نزح منها عشرون دلوا وإذا دخل الجنب البئر ينزح منها سبع دلاء. المروية في الباب 22 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) قال: سألته عن آنية =

[ 516 ]

فهذا الوجه غير تام. والصحيح أن يقال ان الاخبار الواردة في الصيد (* 1) وفي قطع اليات الغنم (* 2) قد دلت على تنزيل الاجزاء المبانة من الحي منزلة الميتة، ولا سيما بملاحظة تعليل الحكم بنجاستها بانها ميتة كما ورد في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (ع) قال: قال: أمير المؤمنين عليه السلام ما أخذت الحبالة من صيد فقطعت منه يدا أو رجلا قذروه فانه ميت. (* 3) بل وفي نفس اسناد الحكم إلى علي (ع) تلويح إلى ذلك لان الاجزاء المبانة لو كانت ميتة حقيقة وبالنظر العرفي كميتة الحيوان لم يكن وجه لاسناد كونها كذلك إلى علي (ع) إذ الميتة ميتة عند الجميع فمن ذلك يظهر انها ليست ميتة بنظر العرف وانما نزلها علي (ع) منزلتها، وبهذا يحكم بنجاستها وحرمتها لانهما من الآثار الظاهرة للمنزل عليه. بل الاخبار الورادة في قطع اليات الغنم كالصريحة في نجاستها كقوله (ع)


= أهل الكتاب فقال: لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيها الميتة والدم ولحم الخنزير. المروية في الباب 54 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 1) كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: ما أخذت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت. وغيرها من الاخبار المروية في الباب 24 من أبواب الصيد من الوسائل. (* 2) كما رواه الصدوق باسناده الصحيح عن عبد الله (ع) بن يحيى الكاهلي قال: سأل رجل ابا عبد الله (ع) وانا عنده عن قطع اليات الغنم فقال لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك ثم قال: ان في كتاب علي (ع) ان ما قطع منها ميت لا ينتفع به وغيرها من الاخبار المروية في الباب 30 من أبواب الذبائح من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 24 من أبواب الصيد من الوسائل.

[ 517 ]

[ إلا الاجزاء الصغار (1) كالثالول والبثور، وكالجلدة التي تنفصل من الشفة أو من بدن الاجرب عند الحك ونحو ذلك. ] أما تعلم أنها تصيب الثوب واليد وهو حرام (* 1) لوضوح أن المراد بالحرمة فيها هي النجاسة للقطع بعدم حرمة اصابة النجس للثوب واليد. (بقي الكلام في شئ) وهوان الجزء إذا انقطع عنه روحه وانتن إلا أنه لم ينفصل عن البدن فهل يحكم بنجاسته؟ الصحيح عدم نجاسته، لعدم الدليل على ذلك ما لم ينفصل من البدن. أما الادلة الواردة في نجاسة الميتة فقد عرفت عدم شمولها للاجزاء المبانة فضلا عن الاجزاء المتصلة وأما روايات الصيد وقطع اليات الغنم فعدم شمولها للاجزاء المتصلة أوضح لاختصاصها بالاجزاء المنفصلة من الحيوان بآلة الصيد أو بالقطع. استثناء الاجزاء الصغار: (1) لعدم صدق الميتة على الاجزاء الكبيرة فضلا عن الاجزاء الصغار كما لا تشملها روايات الصيد وقطع اليات الغنم لاختصاصها بالجزء الكبير فلا دليل على نجاستها. وقد يستدل على ذلك بصحيحة علي بن جعفر عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له أن يقطع الثالول وهو في صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه؟ قال: (ع) ان لم يتخوف


(* 1) المروية عن حسن بن علي الوشاء في الباب 30 من أبواب الذبائح والباب 32 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 518 ]

ان يسيل الدم فلا بأس، وان تخوف ان يسيل الدم فلا يفعله (* 1) بتقريب انه (ع) بصدد بيان عدم مانعية الفعل المذكور في الصلاة من جميع الجهات لانه (ع) لو كان بصدد بيان عدم قادحية الفعل المذكور بما هو فعل يسير في الصلاة لم يكن وجه لا شتراطه بعدم سيلان الدم حينئذ، لان الفعل اليسير في الصلاة غير قادح لها سواء أسال منه الدم أم لم يسل وهذه قرينة على أنه (ع) كان بصدد نفي مانعية الفعل المذكور من جميع الجهات، وعليه فالرواية تدل على طهارة الثالول لانه قد يقطعه بيده وهو في الصلاة ثم يطرحه فلو كان الثالول ميتة كان حمله في الصلاة باخذه بيده ولو آنا قليلا مبطلا للصلاة كما ان يده قد تلاقي الثالول وهي رطبة فلو كان ميتة لا وجب نجاسة يده، ونجاسة البدن تبطل الصلاة مع أنه (ع) نفى البأس عنه مطلقا من غير استفصال. هذا ولا يخفى ان الرواية وان لم تكن خالية عن الاشعار بالمدعى إلا أنها عرية عن الدلالة عليه وأن أصر شيخنا الانصاري (قده) على دلالتها والوجه فيما ذكرناه ان الرواية ناظرة إلى عدم قادحية الفعل المذكور في الصلاة لانه فعل يسير، وليست ناظرة إلى عدم قادحيته من جميع الجهات واشتراط عدم سيلان الدم: مستند إلى ان نتف الثالول يستلزم سيلانه غالبا وكأنها دلت على أن الفعل المذكور غير مانع عن الصلاة في نفسه إلا أن له لازما تبطل به الصلاة فلا بأس به إذا لم يكن مقارنا معه. وأما نتف الثالول فلا يلازم ملاقاته اليد رطبة لامكان ازالته بخرقة أو بقرطاس أو باخذه باليد مع يبوستها ولو صدق عليه حمل الميتة ولو آنا ما أمكن أن يقال بعدم قدحه في الصلاة، لان بطلانها بحمل الميتة


(* 1) المروية في الباب 63 من أبواب النجاسات وفي الباب 2 و 27 من أبواب قواطع الصلاة من الوسائل.

[ 519 ]

[ (مسألة 2) فأرة المسك (1) المبانة من الحي طاهرة على الاقوى، وان كان الاحوط الاجتناب عنها. ] ليس من المسلمات، وإنما المتيقن منه قدح لبس الميتة ولو في شسع. وأما حمل الميتة بما لا يتستر به فقدحه غير متسالم عليه فالصحيح أن يستدل على طهارة الثالول وأشباهه بما ذكرناه وتجعل الصحيحة مؤيدة للمدعى. فأرة المسك: (1) أعني الجلدة وهي قد تكون من المذكى واخرى من الميتة وثالثة من الحي. (أما فأرة المذكى): فلا اشكال في طهارتها لانها كبقية أجزاء الظبي عند تذكيته. و (أما فأرة الحي): فقد وقع الخلاف في طهارتها بين الاصحاب ولعل الوجه في نجاستها ان الفأرة من الاجزاء المبانة من الحي وهي كالميتة نجسة. ويدفعه: ان مدرك الحكم بنجاسة الجزء المبان منحصر في روايات إليات الغنم وما أخذته الحبالة من الصيد كما مر وهي مختصة بموردها. وشمولها لمثل الفأرة مما ينفصل عن الحي بنفسه ويعد من ثمرته كما في الاشجار بعيد غايته بل الظاهر ان الغالب أخذ المسك من الفأرة المنفصلة من الحي وهو الذي تلتقطه سكنة البوادي في البادية. وأما غيره من الاقسام كما يؤخذ من دم الظبي حين ذبحه ويختلط بروثه فهو قليل غايته، فالصحيح في هذه الصورة أيضا طهارة الفأرة كما ذهب إليه العلامة والشهيد (قدهما) لما عرفت من انه لا اطلاق ولا عموم في الروايات المتقدمة حتى يتمسك به في المقام.

[ 520 ]

و (أما الفأرة المأخوذة من الميتة): فالصحيح انها نجسة، لانها كبقية أجزاء الميتة وهي نجسة كما أن الدم المتكون فيها كذلك، لانه من أجزاء الميتة اللهم إلا أن يقال ان الدم المتكون فيها كان محكوما بالطهارة حال حياة الحيوان، وكل جزء حكم عليه بالطهارة حال حياته مما لا تحله الحياة فهو محكوم بطهارته بعد موته أيضا، وعليه فالدم المذكور طاهر دون جلدته. و (دعوى): انها مما لا تحله الحياة فحالها حال الصوف وأشباهه. (ظاهرة الفساد): لانها كبقية جلود الحيوانات مما تحله الحياة فلا وجه لطهارتها. إلا أن يقال أن الفأرة بالاضافة إلى الظبي نظير البيضة بالنسبة إلى الدجاجة فكما انها تتكون في جوف الدجاجة من دون ان تعد من أجزائها كذلك الحال في الفأرة بعينها فلا تكون من أجزاء الميتة. ثم انه إذا قلنا بنجاسة فأرة الميتة ولم يكن المسك المتكون فيها منجمدا حال حياة الظبي فلا محالة يتنجس مسكها إلا انها نجاسة عرضية وانما نشأت من ملاقاة الميتة وان لم يمكن تطهيره. وهذا بخلاف ما إذا كان مسكها منجمدا حال حياته لانه طاهر في ذاته وتزول نجاسته العرضية الناشئة من ملاقاة الفأرة الرطبة النجسة بتطهيره. هذا كله فيما تقتضيه القاعدة. وأما بالنظر إلى النص الوارد في المقام ففي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال: سألته عن فأرة المسك تكون مع من يصلي وهو في جيبه أو ثيابه فقال: لا بأس بذلك (* 1) واستدل بها في المدارك على طهارة مطلق الفأرة سواء انفصلت من الظبي في حياته أم اخذ من المذكى أو من الميتة لا طلاق قوله (ع) لا بأس به وهو ملازم لطهارة الفأرة. والاستدلال بها يتوقف على عدم جواز حمل النجس أو خصوص الميتة


(* 1) المروية في الباب 41 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

[ 521 ]

في الصلاة، وهو في حيز المنع لجواز حمل النجس بل وحمل الميتة في الصلاة كما يأتي في محله فعدم البأس بحمل الفأرة في الصلاة لازم أعم لطهارتها. هذا مع الاغماض عن انصراف الفأرة إلى ما هو المتداول الكثير منها خارجا وهو الفأرة التي تلقيها الظبية في حياتها كما مر، فإذا لا تشمل الصحيحة لما يؤخذ من الميتة. وذهب كاشف اللثام إلى نجاسة مطلق الفأرة إلا الفأرة المأخوذة من المذكى فانها طاهرة كغيرها من اجزائه بخلاف ما اخذ من الميتة أو اسقطه الظبي حال حياته، واستدل على ذلك بصحيحة عبد الله بن جعفر قال: كتبت إليه يعني أبا محمد (ع) بجوز للرجل أن يصلي ومعه فأرة المسك؟ فكتب لا بأس به إذا كان ذكيا (* 1) حيث دلت على ان الظبي إذا لم يكن ذكيا سواء أكان حيا أم ميتا ففي الصلاة في فأرة مسكه بأس، وليس هذا إلا لكون الفأرة ميتة نجسة. و (دعوى): أن المنع عن الصلاة في شئ أعم من نجاسته (وان كانت صحيحة) كما في الحرير وبععض أجزاء مالا يؤكل لحمه من الحيوان إلا ان المنع في المقام لا يحتمل استناده إلى غير النجاسة. والاستدلال بهذه الصحيحة على مدعى كاشف اللثام يبتني على أمرين: (أحدهما): ان يكون ضمير كان راجعا إلى الظبي. و (ثانيهما): ان يكون المذكى في قبال كل من الحي والميت لافي مقابل خصوص الميتة وكلاهما ممنوع. (أما الاول): فلانه لم يسبق ذكر من الظبي في الرواية فيحتمل رجوع الضمير إلى الفأره باعتبار انها مما مع المصلي فيصح تذكير الضمير بهذا الاعتبار والرواية على هذا تدل على ان الفأره قسمان: قسم طاهر


(* 1) المروية في الباب 41 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

[ 522 ]

[ نعم لا اشكال في طهارة (1) ما فيها من المسك. ] بالذات وهو المذكى وقسم نجس كذلك وهو غير المذكى. وقد عرفت نجاسة فأرة الميتة. و (أما الثاني): فلان الظاهر ان الذكي في مقابل الميتة فحسب لان المذكى والميتة قسمان للحيوان الذي زهق روحه وأما الحي فهو خارج عن المقسم لا أنه داخل في قسم غير المذكى فلا دلالة للرواية على نجاسة فأرة الحي وغاية ما يستفاد منها نجاستة فأرة الميتة وقد بينا ان نجاستها على على طبق القاعدة من غير حاجة في ذلك إلى النص. أقسام المسك: (1) نقل شيخنا الانصاري (قده) عن التحفة ان للمسك أقساما أربعة: (أحدها): المسك التركي وهو دم يقذفه الظبي بطريق الحيض أو البواسير فينجمد على الاحجار ولم يتأمل (قده) في الحكم بنجاسة هذا القسم لانه دم منجمد وغاية الامر أنه ذو ريح طيبة و (دعوى): ان الدم قد استحال بالانجماد (مدفوعة): بان الجمود فيه كانجماد سائر الدماء مما لا يوجب الاستحالة كما ان التعطر لا يوجبها. و (ثانيها): المسك الهندي وهو دم يؤخذ بعد ذبح الظبي ويختلط مع روثه فيصير أصفر اللون أو اشقر وقد الحق (قده) هذا القسم بالقسم السابق وحكم بنجاسته أيضا، لانه دم مختلط بشئ آخر، ودعوى الاستحالة في هذا القسم اضعف من سابقه لان مجرد خلط شئ بشئ لا يقتضي الاستحالة بوجه. و (ثالثها): دم يجتمع في سرة الظبي بعد صيده يحصل بشق

[ 523 ]

[ وأما المبانة من الميت ففيها إشكال (1) ] موضع الفأرة وتغميز اطراف السرة حتى يجتمع فيها الدم ويجمد وقال (قده) أنه طاهر مع تذكية الظبي ونجس لامعها. و (رابعها). دم يتكون في فأرة الظبي بنفسه ثم تعرض للموضع حكة ينفصل بسببها الدم مع جلده وقد حكم بطهارته، والامر كما افاده وذلك للاجماع والسيرة القطعية المستمرة، ولصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله ممسكة إذا هو توضأ اخذها بيده وهي رطبة، فكان إذا خرج عرفوا أنه رسول الله صلى الله عليه وآله برائحته (* 1). والمتيقن من المسك هو القسم الاخير والحكم بطهارته إما لتخصيص ما دل على نجاسة الدم مما له نفس سائلة كما إذا كان المسك عبارة عن الدم المنجمد وإما من باب التخصص بناء على ما ذكره بعضهم من ان اجزاء المسك عند تحليله غير الاجزاء الدموية وان كانت الاجزاء المسكية متحققة في دم الظبي إلا انها إذا وصلت إلى الفأرة افرزت عن الاجزاء الدموية لاشتمال الفأرة على آلة الافراز، إلا ان تحقيق ذلك مما لا يترتب عليه ثمرة عملية، لانه محكوم بالطهارة على كل حال. كما ان القسم الثالث أيضا كذلك فيما إذا كان اجتماع الدم في الفأرة حال حياة الظبي ثم ذبح، لانه حينئذ من الدم المتخلف وهو طاهر. ولا اطلاق لما دل على طهارته حتى يتمسك به في الحكم بطهارة سائر الاقسام نعم لو ثبت دعوى الاستحالة حكمنا بطهارة الجميع ولكن عرفت فسادها فسائر الاقسام من المسك محكوم بالنجاسة لانه دم فتشمله أدلة نجاسته. (1) عرفت الوجه في ذلك آنفا.


المروية في الباب 58 من النجاسات وفي الباب 43 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

[ 524 ]

[ وكذا في مسكها (1). نعم إذا أخذت من يد المسلم يحكم بطهارتها (2) ولو لم يعلم أنها مبانة من الحي أو الميت. ] (1) فيما إذا لم ينجمد مسكها حال حياة الظبي لنجاسته العرضية الحاصلة حينئذ بملاقاة الميتة وهذا بخلاف ما إذا كان جامدا كما عرفت تفصيله. صور الشك في طهارة الفأرة (2) لابد من التعرض إلى صور الشك في طهارة الفأرة ونجاستها لتتميز موارد الحاجة إلى يد المسلم أو غيرها من امارات التذكية عما لا حاجة فيه إلى أمارتها فنقول: صور الشك في ذلك ثلاث: (الاولى): ان يشك في أن الفأرة من الحي أو المذكى أو أنها من المتية مع الشك في حياه الظبي الذي أخذت منه الفأرة. (الثانية): الصورة مع العلم بموت الظبي في زمان الشك. (الثالثة): ان يعلم باخذ الفأرة بعد موت الظبي ويشك في أن موته هل كان مستندا إلى التذكية أم إلى غيرها؟. فعلى مسلك كاشف اللثام أعني القول بنجاسة فأرة غير المذكى يحكم بنجاستها في جميع الصور الثلاث للشك في وقوع التذكية على الظبي ومقتضى اصالة عدم التذكية نجاسة الفأرة إلا فيما إذا كانت هناك امارة على التذكية من يد المسلم أو غيرها، لانها حاكمة على استصحاب عدمها فعلى مسلكه (قده) تمس الحاجة إلى امارات التذكية في جميع الصور الثلاث. وأما على ما سلكناه وهو التفرقة بين فأرة الحي والمذكى وبين فأرة الميتة فيختلف الحكم والحاجة إلى امارات التذكية باختلاف صور المسألة. (أما الصورة الاولى): فحيث لا نعلم فيها إلا بحدوث أمر واحد

[ 525 ]

[ (مسألة 3) ميتة ما لا نفس له طاهرة (1) كالوزغ، والعقرب، ] وهو انفصال الفأرة عن الظبي ولا علم لنا بموته لا حتمال بقائه على الفرض فاستصحاب حياة الظبي إلى زمان انفصال الفأرة بلا معارض ولا حاجة في اثبات طهارتها في هذه الصورة إلى يد المسلم أو غيرها من امارات التذكية فانها كانت أم لم تكن يحكم بطهارة الفأرة بالاستصحاب. (وأما الصورة الثانية): وهي التي علمنا فيها بموت الظبي وشككنا في أن الفأرة هل أخذت منه بعد موته أو قبله فلا حاجة فيها أيضا إلى اثباب الطهارة بقيام امارة على التذكية، لان في هذه الصورة حادثين أحدهما موت الظبى وثانيهما انفصال الفأرة منه وهما مسبوقان بالحياة والاتصال واستصحاب كل من الحياة والاتصال إلى زمان ارتفاع الآخر معارض بمثله فيتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة مطلقا سواء علمنا بتأريخ أحدهما أم جهل كلا التاريخين. و (أما الصورة الثالثة): التي علمنا فيها باخذ الفأرة بعد موت الظبي وترددنا في استناد موته إلى التذكية فيحكم فيها بعدم كون الفارة من المذكى لاصالة عدم وقوع التذكية على الظيي المأخوذة منها الفأرة، فيترتب عليها جميع آثار غير المذكى ومنها النجاسة على المشهور إلا إذا أخذت من يد المسلم فانها امارة شرعية على التذكية في الجلود وهي حاكمة على اصالة عدمها، فعلى ما سلكناه في المقام لا نحتاج في الحكم بطهارة الفأرة إلى امارات التذكية إلا في الصورة الاخيرة. ميتة ما لا نفس له: (1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين:

[ 526 ]

[ والخنفساء. والسمك، وكذا الحية، والتمساح، وإن قيل بكونهما ذا نفس لعدم معلومية ذلك. مع أنه إذا كان بعض الحيات كذلك لا يلزم الاجتناب عن المشكوك كونه كذلك. ] (أحدهما): في كبرى طهارة الميتة مما لا نفس له. و (وثانيهما): في بعض صغرياتها مما وقع الكلام في أن له نفسا سائلة أولا نفس له. (أما المقام الاول): فلم يستشكل أحد فيما نعلمه من الاصحاب في طهارة الميتة من كل حيوان محكوم بالطهارة حال حياته إذا لم تكن له نفس سائلة، وتدل عليها جملة كثيرة من الاخبار. (منها): موثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) قال: لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة (* 1) لان الميتة هي القدر المتيقن منها، لانها إما مختصة بالميتة نظرا إلى ان الافساد وعدمه مضافان فيها إلى الذات، أعني ذات الحيوان الذي له نفس أو لا نفس له أوانها أعم فتشمل الميتة وكل ما يضاف إليها من دمها وبولها وغيرهما كمال استظهرناه سابقا. و (منها): موثقة عمار الساباطي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما اشبه ذلك يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه قال: كل ما ليس له دم فلا بأس (* 2). و (منها): ما عن ابي بصير في حديث: وكل شئ وقع في البئر ليس له دم مثل العقرب والخنافس واشبه ذلك فلا بأس (* 3) ومنها


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 35 من النجاسات وفي الباب 10 من أبواب الاسئار من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 17 من ابواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 527 ]

غير ذلك من الاخبار. إلا أنهم أختلفوا في الوزغ بعد تسليم انه مما لا نفس له، ولكن هذا الخلاف غير راجع إلى ما قدمناه من كبرى طهارة الميتة مما لا نفس له وانما هو مستند إلى الخلاف في طهارة الوزغ حال حياته ونجاسته والكبرى المسلمة تختص بحيوان محكوم بالطهارة حال حياته دون الحيوانات النجسة وان لم يكن لها نفس سائلة، وهذا نظير ما قدمناه في الشعر والصوف وغيرهما مما لا تحله الحياة وذكرنا انها طاهرة من كل حيوان ميت كان محكوما بالطهارة في حياته دون ما كان نجسا. وكيف كان فقد ذهب جماعة إلى نجاسة الوزغ وزادوا بذلك نجاسة على الاعيان النجسة. بل عن بعضهم نجاسة الثعلب والارنب والفأرة أيضا إلا انا نتكلم في خصوص الوزغ هنا بمناسبة عدم كونه ذا نفس سائلة فنقول: نسب القول بنجاسة الوزغ إلى الشيخ والصدوق وابن زهرة وسلار وغيرهم (قدهم) واعتمدوا في ذلك على روايات ثلاث: (الاولى): ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية ابن عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الفأرة، والوزغة تقع في البئر قال: ينزح منها ثلاث دلاء (* 1) بتقريب أن الامر بالنزح ظاهر في وجوبه ووجوب النزح ظاهره الارشار إلى نجاسة الوزغ والفأرة. لبعد كونه تعبدا صرفا. (الثانية): رواية هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن الفأرة والعقرب وأشباه ذلك يقع في الماء فيخرج حيا هل يشرب من ذلك الماء ويتوضأ منه؟ قال: يسكب منه ثلاث مرات، وقليله وكثيره بمنزلة واحدة، ثم يشرب منه ويتوضأ منه، غير الوزغ فانه


(* 1) المروية في الباب 19 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 528 ]

لا ينتفع بما يقع فيه (* 1) وظاهرها ان عدم جواز الانتفاع به مستند إلى نجاسة الوزغ. (الثالثه): رواية الفقه الرضوي: فان وقع في الماء وزغ اهريق ذلك الماء. (* 2) لانها كسابقتها ظاهرة في أن الامر بالاهراق ارشاد إلى نجاسة الوزغ الموجبة لنجاسة الماء. ولكن الصحيح طهارة الوزغة ولا يمكن المساعدة على شئ مما استدل به على نجاستها. أما الروايتان الاخيرتان فلضعفهما (* 3). وأما صحيحة معاوية فلان ظهورها في نجاسة الوزغة وان كان غير قابل للانكار إلا أنه لا مناص من رفع اليد عن ظاهرها بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه (ع) قال سألته عن الغطاية والحية والوزع يقع في الماء فلا يموت أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا بأس به. (* 4) وبها تحمل الصحيحة المتقدمة على التنزه لا شمئزاز النفس عن الماء الذي وقع الوزع فيه وكذا الحال في الروايتين الاخيرتين على تقدير صحة سندهما. هذا ومع الاغماض عن ذلك وفرض التعارض بين ما دل على نجاسة


(* 1) المروية في الباب 9 من الاسئار و 19 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) ص 5 سطر 28. (* 3) الوجه في تضعيف الرواية الثانية هو عدم توثيق يزيد بن اسحاق الواقع في سندها في الرجال ولكن الرجل ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات ومقتضى ذلك هو الحكم بوثاقته ومعه تصبح الرواية صحيحة لا محالة. (* 4) المروية في الباب 33 من النجاسات و 9 من أبواب الاسئار من الوسائل.

[ 529 ]

الوزغ وطهارته فالمرجع هو صحيحة الفضل أبي العباس الدالة على طهارة كل حيوان ما عدا الكلب قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن فضل الهرة والشاة والبقرة والابل والحمار والخيل والبغال والوحش والسباع فلم أترك شيئا إلا سألته عنه عنه فقال: لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب فقال رجس نجس لا تتوضأ بفضله وأصبب ذلك الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء (* 1) هذا كله في المقام الاول. و (أما المقام الثاني): فقد قالوا ان الحية والتمساح مما لا نفس له كبقية الحيوانات البحرية وحشرات الارض وأنكره بعضهم وأدعى انهما مطلقا أو بعض أقسام الحية ذو نفس سائلة فان ثبت شئ من الدعويين فهو، وإلا فعلى ما سلكناه في محله من جريان الاصل في الاعدام الازلية يحكم بطهارة ميتتها، لان جملة من الاخبار المعتبرة دلت على طهارة ميتة ما لا نفس له كما قدمناها وهي مخصصة لعموم مادل على نجاسة الميتة فالخارج عن العام عنوان عدمي وهو ما لا نفس له والباقي تحته معنون بعنوان وجودي أعنى ما له نفس سائلة ومقتضى اصالة عدم كون المصداق المشتبه مما له نفس سائلة طهارة ميتته بعدما ثبت في محله من عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية. والفارق بين ما نحن فيه وغيره مما يتمسك فيه باصالة العدم الازلي في المصداق المشتبه لا دراجه تحت العموم هو أن الخارج عن العام في المقام عنوان عدمي والباقي معنون وجودي ومعه ينتج الاصل الجاري في العدم الازلي ادراج الفرد المشتبه تحت الخاص، وهذا بخلاف ما إذا كان الخارج عنوانا وجوديا والباقي معنونا بعنوان عدمي فان معه تنعكس الحال،


(* 1) المروية في الباب 1 من الاسئار و 11 من أبواب النجاسات من الوسائل

[ 530 ]

[ (مسألة 4) إذا شك في شئ انه من أجزاء الحيوان أم لا فهو محكوم بالطهارة (1) وكذا إذا علم أنه من الحيوان، لكن شك في أنه مما له دم سائل أم لا. (مسألة 5) المراد من الميتة (2) أعم مما مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح على غير الوجه الشرعي. ] فالاصل الجاري في العدم الازلي يثبت أن الفرد المشتبه داخل في حكم العام، وأما على مسلك من لا يرى جريان الاصل في الاعدام الازلية فالامر في الموارد المشكوكة أيضا كما عرفت لقاعدة الطهارة بعد عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية وهكذا الكلام في كل مورد شككنا في انه مما له نفس أو لا نفس له ولو من أجل تردده بين حيوانين أحدهما ذو نفس سائلة أو تردده بين كونه من الحيوان أو من غيره كما إذا لم ندر أن المطروح في الطريق جلد أو غير جلد. (1) لاصالة عدم كونه من أجزاء الحيوان أو عدم كونه من أجزاء ماله نفس سائلة أو لا صالة الطهارة كما مر. المراد من الميتة: (2) لا يراد بالميتة فيما يترتب عليها من الاحكام ما زهق روحه وانتهت حياته، لان ما زهق روحه بالاسباب الشرعية غير محكوم بحرمة الاكل والنجاسة وغيرهما من أحكام الميتة كما لا يراد بها ما مات حتف أنفه بانقضاء قواه الموجبه، لعدم اختصاص أحكام الميتة بذلك وشمولها لما مات بمثل الخنق وأكل السم ونحوهما من أسباب الموت. بل المراد بها أمر آخر متوسط بين الامرين السابقين وهو ما مات بسبب غير شرعي ويعبر عنه بغير

[ 531 ]

المذكى سواء مات حتف أنفه أم بسبب آخر غير التذكية ولعل هذا مما لا خلاف فيه. وقد استشهد شيخنا الانصاري (قده) على ذلك بامور: (منها): موثقة سماعة إذا رميت وسميت فانتفع بجلده وأما الميتة فلا (* 1) حيث جعلت الميتة في مقابل المذكى أعني ما رمي وسمي. ويمكن أن يستشهد عليه أيضا بما تقدم (* 2) من الاخبار الناهية عن أكل ما تقطعه الحبال وعن الانتفاع بما تقطع من اليات الغنم معللا بانها ميتة. حيث اطلقت الميتة فيها على ما لم تقع عليه الذكاة شرعا وهذا كله واضح. وانما الكلام في ان النجاسة وحرمة الاكل وغيرهما من الاحكام هل هي مترتبة على عنوان الميتة أو ان موضوعها هو ما لم يذك شرعا؟ لان الميتة وغير المذكى وان كانا متلازمين واقعا ولا ينفك أحدهما من الآخر في مقام الثبوت لان الميتة والمذكى من الضدين لا ثالث لهما فان ما زهق روحه إما أن يستند موته إلى سبب شرعي فهو المذكى وإما أن يستند إلى سبب غير شرعي فهو الميتة إلا ان ما لم يذك عنوان عدمي والميتة عنوان وجودي وهما مختلفان في الاعتبار وفيما يترتب عليهما من الاحكام. وتظهر الثمرة فيما إذا شككنا في لحم أو جلد انه ميتة أو مذكى فانه على تقدير ان الاحكام المتقدمة مترتبة على عنوان ما لم يذك يحكم بنجاسته وحرمة أكله وغيرهما من الاحكام باستصحاب عدم تذكيته وهذا بخلاف ما إذا كانت مترتبة على عنوان الميتة لانها عنوان وجودي لا يمكن احرازه


(* 1) المروية في الباب 49 من النجاسات و 34 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 2) في ص 516 - 515.

[ 532 ]

بالاستصحابب إذ لا حالة سابقة له. وخالف في ذلك صاحب المدارك (قده) فانه بنى على ان الاحكام المتقدمة مترتبة على عنوان ما لم يذك ومع هذا أنكر جريان استصحاب عدم التذكية لاثبات النجاسة وغيرها من الاحكام عند الشك في التذكية، وذكر في وجه منعه أمرين: (أحدهما): ان الاستصحاب غير معتبر رأسا وعلى تقدير اعتباره فهو انما يفيد الظن، ولا تثبت النجاسة إلا بالعلم أو بالبينة لو سلم عموم أدلتها، فانه مورد الكلام عنده (قده). و (ثانيهما): ما ورد في بعض الروايات من قوله (ع) ما علمت انه ميتة فلا تصل فيه (* 1) وقوله (ع) وصل فيها حتى تعلم انه ميتة بعينه (* 2) لدلالته على ان النجاسة وسائر الاحكام المتقدمة انما تترتب على ما عليم انه ميتة. و (يدفعه): ان الاستصحاب وان لم يكن معتبرا في الاحكام الكلية الالهية على ما اخترناه في محله إلا أن أدلة أعتباره غير قاصرة الشمول للشبهات الموضوعية بوجه. ودعوى: انه لا يفيد غير الظن من غرائب الكلام لان اعتباره غير منوط بافادة الظن فتثبت به النجاسة وغيرها من الاحكام، فان المدار في ثبوت حكم بشئ على العلم بحجية ذلك الشئ لا على العلم بالحكم. وأما الروايتان المتقدمتان فلا دلالة لهما على ما يرومه، لان غاية ما يستفاد منهما أن العلم بالميتة قد اخذ في موضوع الحكم بالنجاسة وحرمة الاكل وغيرهما من الاحكام فحالها حال سائر المحرمات التي اخذ العلم في


(* 1) و (* 2) وهما خبر علي بن أبي حمزة وصحيحة الحلبي المرويتان في الباب 50 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 533 ]

موضوعها كما في قوله (ع) كل شئ لك حلال حتى تعلم أنه حرام (* 1) إلا أنه علم طريقي قد اخذ في موضوع الاحكام المتقدمة منجزا للواقع لا موضوعا لها نظير أخذ التبين في موضوع وجوب الصوم في قوله عزمن قائل: كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر (* 2). وقد أسلفنا في محله ان الاستصحاب بادلة اعتباره صالح لان يقوم مقام العلم الطريقي كما تقوم مقامه البينة والامارات، ولولا ذلك لم يمكن اثبات شئ من المحرمات الشرعية بالاستصحاب ولا بالبينة لفرض أخذ العلم بها في موضوعها. ويمكن أن يقال: ان الروايتين ولا سيما صحيحة الحلبي انما وردتا في مورد وجود الامارة على التذكية ولا اشكال معه في الحكم بالطهارة والتذكية حتى يعلم خلافها، وابن هذا من اعتبار العلم في موضوع الحرمة والنجاسة وغيرهما من أحكام الميتة * فالمتحصل انه لا اشكال في جريان استحصاب عدم التذكية على تقدير كون الاحكام المتقدمة مترتبة على عنوان غير المذكى عند الشك في التذكية إذا عرفت ذلك فنقول: ان حرمة الاكل وعدم جواز الصلاة حكمان مترتبان على عنوان غير المذكى وذلك لقوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم. وما أكل السبع إلا ما ذكيتم (* 3). وموثقة ابن بكير حيث ورد في ذيلها فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وكل شئ منه جايز إذا علمت انه ذكى وقد


(* 1) بينا مواضعه في ص 313 فليراجع. (* 2) البقرة 2: 187. (* 3) المائدة 5: 3.

[ 534 ]

ذكاه الذبح (* 1). وموثقة سماعة المتقدمة: إذا رميت وسميت فانتفع بها أي إذا ذكيتها وعليه إذا شككنا في تذكية لحم أو جلد ونحوهما نستصحب عدم تذكيته ونحكم بحرمة أكله وعدم جواز الصلاة فيه. وأما النجاسة وحرمة الانتفاع على تقدير القول بها فهما من الآثار المترتبة على عنوان الميتة حيث لم يقم دليل على ترتبهما على عنوان غير المذكى ومعه لا يمكن اثباتها عند الشك في التذكية، ويكفينا في ذلك. (أولا): الشك في أن موضوعهما هل هو الميتة أو ما لم يذك فلا يمكن اثباتهما باستصحاب عدم التذكية فيرجع حينئذ إلى قاعدة الطهارة. و (ثانيا): تصريح بعض أهل اللغة كالفيومي في مصباحه على أن الميتة ما مات بسبب غير شرعي ومعه إذا شككنا في تذكية لحم مثلا لا يمكن اثبات نجاسته وحرمة الانتفاع به باصالة عدم التذكية لعدم كونهما من آثار ما لم يذك، فلا أثر لها في نفسها واجرائها لا ثبات عنوان الميتة أعنى ما مات بسبب غير شرعي من أوضح أنحاء الاصول المثبتة، لانه من اثبات أحد الضدين بنفي الاخر. بل لو فرضنا جريان اصالة عدم التذكية لا ثبات الميتة عارضها استصحاب عدم موته بسبب غير شرعي لا ثبات تذكيته هذا. وقد ذهب شيخنا الهمداني (ره) إلى أن النجاسة من آثار عدم التذكية واستدل عليه بمكاتبة الصيقل قال: كتبت إلى الرضا (ع) إني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي، فاصلي فيها؟ فكتب (ع) إلى: إتخذ ثوبا لصلاتك. وكتبت إلى أبي جعفر الثاني (ع) إني كنت كتبت إلى أبيك عليه السلام بكذا وكذا، فصعب علي ذلك، فصرت أعملها من جلود


(* 1) المروية في الباب 2 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

[ 535 ]

الحمر الوحشية الذكية، فكتب (ع) إلي: كل أعمال البر بالصبر يرحمك الله، فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس (* 1). فان المراد بنفي البأس نفي نجاسة الجلود بقرينة قوله في صدرها (فتصيب ثيابي) أي ينجسها ومن هنا أمره الرضا (ع) باتخاذ ثوب لصلاته ومقتضى تعليق الطهارة على كونها ذكية ان موضوع النجاسة هو ما لم يذك، ومعه لا حاجة إلى تجشم دعوى ان الميتة هي غير المذكى. ويردها أمران: (أحدهما): أن الرواية غير قابلة للاعتماد لجهالة أبي القاسم الصيقل. و (ثانيهما): عدم تمامية دلالتها لان الحصر فيها اضافي بمعى ان المذكى انما هو بالاضافة إلى ما كان يبتلى به في مورد عمله وهذا لا ينافي ترتب النجاسة على عنوان الميتة دون غير المذكى. ومما يدلنا على هذا دلالة قطعية انه (ع) اخذ الوحشية في موضوع الحكم بطهارة الجلود وقال: فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس، ومن الضروري انه لا دخالة للوحشية في طهارة المذكى بوجه وهذه قرينة قطعية على أن حكمه هذا انما هو بلحاظ مورد عمل السائل، فانه كان يدور بين جلود الميتة وبين جلود الوحشي الذكي فلا دلالة في ذلك على ترتب النجاسة على عنوان غير المذكى والمتحصل انه لابد من التفكيك بين حرمة الاكل وعدم جواز الصلاة وبين النجاسة وحرمه الانتفاع، فان الاولين يترتبان على اصالة عدم التذكية بخلاف الثانيين. وممن وافقنا على هذا صاحب الحدائق (قده) حيث ذهب إلى طهارة ما يشك في تذكيته من اللحوم والجلود وغيرهما نظرا إلى اصالتي


(* 1) المروية في الباب 49 و 34 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 536 ]

[ مسألة 6) ما يؤخذ من يد المسلم من اللحم أو الشحم أو الجلد محكوم بالطهارة (1) وان لم يعلم تذكيته. ] الطهارة والحلية وهو (قده) وان أصاب المرمي في النتيجة اعني الحكم بالطهارة إلا أنه أخطأ في طريقها لان استصحاب عدم التذكية لا يبقى مجالا لقاعدتي الطهارة والحلية على مسلك القوم كما لا يبقى مجالا لاصالة الحلية على مسلكنا كما لا يخفى. وعلى ما ذكرناه لا تمس الحاجة إلى شئ من امارات التذكية من يد المسلم وسوقه واخيار البايع وغيرها عند الشك في تذكية شئ إلا بالاضافة إلى حلية أكله وجواز الصلاة فيه لا بالسنبة إلى طهارته وجواز الانتفاع به. امارات التذكية: يد المسلم: (1) لا ينبغي الاشكال في أن يد المسلم من الامارات الحاكمة على أصالة عدم التذكية وتدل على اعتبارها جميع ما ورد في اعتبار سوق المسلمين لانه وان كان امارة على التذكية إلا أن أماريته ليست في عرض امارية يد المسلم وانما هي في طولها بمعنى ان السوق جعلت امارة كاشفة عن يد المسلم وهي الامارة على التذكية حقيقة والسوق امارة على الامارة. وذلك لان الغالب في أسواق المسلمين انما هم المسلمون وقد جعل الشارع الغلبة معتبرة في خصوص المقام وألحق من يشك في اسلامه بالمسلمين للغلبة بل ولا اختصاص لذلك بالسوق فان كل أرض غلب عليها المسلمون تكون فيها الغلبة امارة على اسلام من يشك في اسلامه كما في صحيحة اسحاق ابن عمار عن العبد الصالح (ع) انه قال: لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في أرض الاسلام، قلت فان كان فيها غير أهل الاسلام؟ قال:

[ 537 ]

إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس. (* 1) والذى يدل على ما ذكرناه مضافا إلى ان بعض الروايات الواردة في المقام مقيد بسوق المسلمين (* 2) وهو يقتضي تقييد ما دل على اعتبار مطلقا السوق بأسواق المسلمين ان أدلة اعتباره ليست على نحو القضية الحقيقة بأن تدل على اعتبار كل ما وجد وصدق عليه انه سوق ولو كان لغير المسلمين حتى يتوهم ان سوقهم امارة على وقوع التذكية على المشكوك دون شوارعهم وجادتهم لدخالة السقف وخصوصيته في الاعتبار، وذلك لانه مقطوع الفساد. واما الادلة دلت على اعتباره على نحو القضية الخارجية لان السوق في رواياته قد يراد به سوق الجبل وأخرى سوق آخر خارجي وتلك الاسواق الخارجية باجمعها سوق المسلمين ولا اطلاق في القضايا الخارجية حتى يتمسك بها في اسراء حكمها إلى سوق غير المسلمين فما توهمه بعضهم من اعتبار السوق مطلقا ولو كان لغير المسلمين تمسكا في ذلك باطلاق رواياته مما لا مساغ له. فتحصل ان الا مارية تختص باسواق المسلمين وهي امارة على يد المسلم، ومعنى كونها امارة على ذلك عدم لزوم الفحص عن حال البايعين فيها وعدم وجوب السؤال عن انهم مسلمون أو كفار، إذ لو وجب ذلك للغي اعتبار عنوان السوق وسقط عن كونه امارة، لان بالفحص يظهر أن


(* 1) المروية في الباب 50 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) كما عن فضيل وزرارة ومحمد بن مسلم انهم سألوا أبا جعفر (ع) عن شراء اللحوم من الاسواق ولا يدري ما صنع القصابون فقال: كل إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه. المروية في الباب 29 من أبواب الذبائح من الوسائل.

[ 538 ]

البايع مسلم أو غير مسلم ويد الاول امارة على التذكية بلا خلاف دون يد الثاني فما معنى اعتبار السوق حينئذ؟ مع كثرة الاخبار الواردة في اعتباره. ففي صحيحة الجلبي قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الخفاف التي تباع في السوق، فقال: اشتر وصل فيها حتى تعلم انه ميتة بعينه (* 1). وفي صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية، أيصلي فيها؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسألة، ان أبا جعفر (ع) كان يقول: ان الخوارج ضيقوا على انفسهم بجهالتهم، ان الدين أوسع من ذلك (* 2) وفي صحيحته الاخرى عن الرضا (ع) قال: سألته عن الخفاف ياتي السوق فيشتري الخف، لا يدري أذكي هو أم لا، ما تقول في الصلاه فيه وهو لا يدري؟ أيصلي فيه؟ قال: نعم، أنا أشترى الخف من السوق ويصنع لي واصلي فيه وليس عليكم المسألة (* 3). بل وفي بعض الاخبار الحث و الترغيب على معاملة الطهارة والذكاة مع ما يؤخذ من أسواق المسلمين فعن الحسن بن الجهم قال: قلت لابي الحسن (ع): أعترض السوق فأشتري خفا لا أدري أذكي هو أم لا، قال: صل فيه قلت: فالنعل، قال: مثل ذلك، قلت إنى أضيق من هذا، قال: أترغب عما كان أبو الحسن (ع) يفعله؟! (* 4). وما ذكرناه مضافا إلى أنه من لوازم اعتبار السوق كما عرفت هو هو الذي جرت عليه سيرة المسلمين لانه لم يعهد منهم السؤال عن كفر البايع واسلامه في شئ من أسواقهم وعليه فلاوجه للمناقشة في إعتبارها كما عن بعضهم.


(* 1) و (* 2) و (* 3) و (* 4) المرويات في الباب 50 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 539 ]

[ وكذا (1) ما يوجد في أرض المسلمين مطروحا إذا كان عليه أثر الاستعمال لكن الاحوط الاجتناب. (مسألة 7) ما يؤخذ من يد الكافر أو يوجد في أرضهم محكوم بالنجاسة (2) إلا إذا علم سبق يد المسلم عليه. ] ثم ان أمارية السوق لا يعتبر فيها الايمان لان الاسواق في تلك الازمنة كان أهلها من العامة الذين يرون طهارة الميتة بالدبغ لقله الشيعة وتخفيهم في زمانهم (ع) ومع هذا حكموا باعتبارها. هذه خلاصة إمارات التذكية وسوف نستوفي البحث عنها في مبحث الصلاه إن شاء الله. ما يوجد في أرض المسلمين: (1) وتدل عليه صحيحة إسحاق بن عمار المتقدمة كما عرفت وجهها آنفا. (2) المنع عن ترتيب آثار الطهارة فيما هو مفروض المسألة وإن كان بالاضافة إلى حرمة أكله وعدم جواز الصلاه فيه مما لا غبار عليه لانه مقتضى أصالة عدم التذكية فان يد الكافر كلا يد. إلا أنه بالاضافة إلى نجاسته وحرمة الانتفاع مما لا يمكن المساعدة عليه إذ ليست يد الكافر أمارة على أن ما فيها ميتة. نعم هي ليست بامارة على التذكية فحسب واستصحاب عدمها لا يثبت أنه ميتة وهي الموضوع للحكم بالنجاسة وحرمة الانتفاع، ومن هذا يظهر الحال في مثل الخف والجلد واللحم نظائرها مما يجلب من بلاد الكفار فانه إذا احتملنا سبقها بيد المسلم أو بسوقه يحكم بطهارتها وجواز الانتفاع بها، إذ لا يترتب على أصالة عدمه التذكية إلا حرمة أكلها وعدمه جواز الصلاه فيها.

[ 540 ]

[ (مسألة 8) جلد الميتة لا يطهر بالدبغ (1). ] عدم مطهرية الدبغ: (1) لم يستشكل أحد من الاصحاب في طهارة ميت المسلم بعد غسله كما لا خلاف في أن ميتة غير الآدمي غير قابلة للطهارة بشئ في غير جلدها فهذان حكمان اتفاقيان بينهم، وإنما النزاع والخلاف في جلد ميتة غير الآدمي وانه هل يقبل الطهارة بالدبغ؟ ذهب أكثر العامة (* 1) إلى أن ذكاه الجلد دباغته ولم ينقل ذلك أن أحد من أصحابنا سوى إبن الجنيد وعن المحدث الكاشاني الميل إليه وأيضا نسب ذلك إلى الصدوق (قده) نظرا إلى أن فتاواه تتحد غالبا مع الفقه الرضوي وقد ورد التصريح فيه بطهارة الجلد بالدبغ كما يأتي عن قريب، ولاجل أنه (قده) أفتى في مقنعه بجواز التوضوء من الماء إذا كان في زق من جلد الميتة، فانه لم يرد بذلك مطلق الميتة لان القول بطهارتها مخالف للاجماع القطعي بينهم فيتعين إرادة الميتة المدبوغة لا محالة هذا. وقد استدل على ذلك بأمور: (منها): مرسلة الصدوق سئل الصادق (ع) عن جلود الميتة يجعل فيها اللبن والماء والسمن ما ترى فيه فقال: لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من


(* 1) ذهبت الحنفية إلى أن الدباغ يطهر جلود الميتة إذا كانت تحتمل الدبغ ووافقتهم الشافعية على ذلك إلا أنهم خصوا الدبغ المطهر بما له خرافة ولذع في اللسان وأيضا نسب القول بمطهرية الدبغ إلى المحققين من المالكية كما في المجلد الاول من الفقه على المذاهب الاربعة ج 1 ص 26 - 27.

[ 541 ]

ماء أو لبن أو سمن وتتوضأ منه وتشرب ولكن لا تصلي فيها (* 1). فان إطلاقها وإن كان يشمل الميتات كلها سواء دبغت أم لم تدبغ إلا أن قيام الاجماع القطعي ودلالة الاخبار المتقدمة على نجاسة الميتة يجعلان الرواية صريحة في إرادة خصوص الميتة المدبوغة. هذا على أن الجلود تفسد وتنتن بمرور الزمان ولا يمكن ابقائها من غير دباغة فجعل الماء أو غيرهما في الجلد يكشف عن أنه كان مدبوغا في مورد السؤال. و (منها): رواية الفقه الرضوي: دباغة الجلد طهارته (* 2). و (منها): خبر الحسين بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في جلد شاة ميتة يدبغ فيصب فيه اللبن أو الماء فاشرب منه واتوضأ؟ قال: نعم وقال: يدبغ فينتفع به ولا يصلى فيه الحديث (* 3). ولا يخفى أن هذه الاخبار مضافا إلى ضعف أسنادها بل وعدم ثبوت كون بعضها رواية فلا يمكن الاعتماد عليها في الخروج عن عمومات نجاسة الميتة معارضة بعدة روايات مستفيضة وفيها ما هو صريح الدلالة على عدم طهارة الجلد بالدباغة فتتقدم على تلك الاخبار ومعها لا مناص من حملها على التقية واليك بعضها: (منها): صحيحة محمد بن مسلم قال: سألته عن جلد الميتة أيلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال: لا وان دبغ سبعين مرة (* 4). و (منها) ما رواه علي بن أبي المغيره قال: قلت لابي عبد الله (ع) الميتة ينتفع منها بشئ؟ فقال: بلغنا ان رسول الله صلى الله عليه وآله مر بشاة


(* 1) المروية في الباب 34 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 2) في ص 41. (* 3) المروية في الباب 34 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 4) المروية في الباب 61 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 542 ]

ميتة فقال: ما كان على أهل هذه الشاة إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا باهابها؟ فقال: تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان على أهلها إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا باهابها أي تذكى (* 1) فقد دلت على حرمة الانتفاع باهاب الميتة سواء دبغ أم لم يدبغ. و (منها): خبر عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله (ع) إني أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدعون الاسلام فاشتري منهم الفراء للتجارة، فاقول لصاحبها: أليس هي ذكية؟ فيقول: بلى فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟ فقال لا، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول: قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنها ذكية،: قلت وما أفسد ذلك؟ قال استحلال أهل العراق للميتة، وزعموا أن دباغ جلد الميتة ذكاته، ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله (* 2). و (منها): ما عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في الفراء فقال: كان علي بن الحسين (ع) رجلا صردا لا يدفئه فراء الحجاز لان دباغها بالقرظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاه القاه والقى القميص الذي يليه فكان يسئل عن ذلك فقال: ان أهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة ويزعمون ان دباغه ذكاته (* 3).


(* 1) المروية في الباب 61 من النجاسات و 34 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 2) المروية في باب 61 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 61 من النجاسات و 61 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

[ 543 ]

[ ولا يقبل الطهارة شئ من الميتات سوى ميت المسلم، فانه يطهر بالغسل (1) (مسألة 9) السقط قبل ولوج الروح (2)، ] و (منها) صحيحة أو موثقة أبى مريم قال: قلت لابي عبد الله (ع) السخلة التى مربها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي ميتة فقال رسول الله ما ضر أهلها لو انتفعوا باهابها؟ قال: فقال أبو عبد الله (ع) لم تكن ميتة يا أبا مريم ولكنها كانت مهزولة فذبحها اهلها فرموا بها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان على اهلها لو انتفعوا باهابها (* 1). و (منها): موثقة سماعة قال: سألته عن جلود السباع اينتفع بها؟ فقال: إذا رميت وسميت فانتفع بجلده واما الميتة فلا (* 2) هذا على انا لو سلمنا مكافئتها مع الاخبار المتقدمه فتتعارضان والترجيح مع الطائفة الدالة على نجاسة الجلد ولو كان مدبوغا، لموافقتها السنة اعني عمومات نجاسة الميتة مطلقا، ومخالفتها للعامة كما مر. (1) قد عرفت ان المسألة اتفاقية وتشهد لها جملة من النصوص (منها): رواية ابراهيم بن ميمون قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل يقع ثوبه على جسده الميت، قال: ان كان غسل الميت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، وان كان لم يغسل فاغسل ما أصاب ثوبك منه يعني إذا برد الميت (* 3) ومنها غير ذلك من الاخبار. (2) وأما بعده أي بعدما تجاوز أربعة أشهر فلا اشكال في نجاسته لانه ميتة.


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 34 من أبواب الاطعمة المحرمة كما أن الثانية أيضا مروية في الباب 49 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 34 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 544 ]

[ نجس (1) وكذا الفرخ في البيض. ] نجاسة الجنين: (1) قد استدل على نجاسة الجنين إذا سقط قبل ولوج الروح فيه بوجوه: (الاول): ان الجنين حينئذ قطعة مبانة من الحي، وقد تقدم أن حكمها حكم الميتة. وأجيب عنه: (أولا): بان الجنين مخلوق مستقل نظير البيض في الدجاجة فلا يعد جزءا من الحيوان أو الانسان. و (ثانيا): بان الجنين على تقدير كونه جزءا من أمه فهو من الاجزاء التي لاتحلها الحياة، وقد عرفت طهارتها. و (ثالثا): بانه لا اطلاق فيما دل على نجاسة القطعة المبانة من الحي حتى يتمسك به، لان أدلتها منحصرة بالاخبار الواردة فيما تقطعه الحبال وما ورد في قطع اليات الغنم ولا يشمل شئ منهما للمقام أعني ما لم يسبق بالحياة وكان ميتة من الابتداء. (الثاني): ما استدل به المحقق الهمداني (قده) من قوله (ع) ذكاة الجنين ذكاة أمه (* 1) بدعوى ان الرواية تدل على أن للجنين قسمين: أحدهما مذكى والآخر ميتة والاول هو ما ذكى امه والميتة منه هو ما لم تقع على امه ذكاة، وحيث ان المفروض في اسقاط الجنين عدم تذكية امه فلا محالة يحكم بنجاسته، لانه ميتة.


(* 1) كما صحيحة محمد بن مسلم وموثقة سماعة وغيرها من الاخبار المروية في الباب 18 من أبواب الذبائح من الوسائل.

[ 545 ]

وهذا الاستدلال منه قدس سره غريب، لان غاية ما يمكن استفادته من الحديث ان الآثار المترتبة على تذكية الام تترتب على جنينها الخارج من بطهنا ميتا، وكذا آثار عدم التذكية مترتبة على الجنين الميت بموت امه إذا لم تقع عليها التذكية، فالرواية انما تعرضت لحكم الحيوان الميت في بطن امه. وأما الجنين الخارج عن موضوع الحيوان لعدم ولوج الروح فيه وغير القابل للتذكية في نفسه فهو خارج عن مدلول الرواية رأسا. (الثالث): ان الجنين من مصاديق الميته حقيقة، لان التقابل بين الموت والحياة تقابل العدم والملكة فلا يتوقف صدق الموت على سبق الحياة كما ان صدق الموات في الاراضي لا تتوقف على سبق عمرانها وصدق العمى لا يتوقف على سبق البصر، وانما يعتبر فيه قابلية المحل فحسب، وعليه فتصدق الميتة على الجنين لانه من شأنه أن يكون ذا حياة. و (رد) بانه ليس في شئ من أدلة نجاسة الميتة ما يشمل المقام، حيث انها انما وردت في مثل الفأرة تقع في ماء أو زيت أو بئر أو الدابة الميتة ونحوهما مما كان مسبوقا بالحياة، فلا تشمل غير المسبوق بها كما في المقام: و (فيه): ان هذا الجواب انما يتم بالاضافة إلى بعض الاخبار الواردة في نجاسه الميت ولا يتم بالنسبة إلى الجميع، فان الجيفة في مثل صحيحة حريز عن الصادق (ع) كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء واشرب فإذا تغير الماء وتغير الطعم فلا توضأ منه ولا تشرب (* 1) مطلقة تشمل الجنين، لاشتماله على النتن بل ويشمل المذكى أيضا إذا أنتن إلا انا خرجنا عن اطلاقها في المذكى بما دل على طهارته مطلقا. واما غيره فيبقى تحت اطلاقها ومنه الجنين.


(* 1) المروية في الباب 3 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

[ 546 ]

[ (مسألة 10) ملاقاة الميتة بلا رطوبة مسرية لا توجب النجاسة (1) على الاقوى وإن كان الاحوط غسل الملاقي، خصوصا في ميتة الانسان قبل الغسل. ] و (ظني): ان هذا أحسن استدلال على نجاسه الجنين، ومن ذلك يظهر حكم الفرخ في البيض، لانها ايضا من الجيفة فلا مناص من الحكم بنجاسته هذا مضافا إلى ان المسألة اجماعية كما ادعي. ملاقاة الميتة بلا رطوبة: (1) في المسألة أقوال عديدة * (أحدها): ما ذهب إليه الكاشاني (قده) من عدم نجاسه ميت الآدمي وانما وجب غسله تعبدا أو انه لجنابته الحاصلة بالموت. و (ثانيها): ما نسب إليه أيضا واختاره ابن ادريس في سرائره من أن الميت الآدمي وان كان نجسا إلا أنه غير منجس لملاقيه سواء أكانت الملاقاة قبل غسله وبرده أم بعدهما وان لم يكن ظاهر كلامه المحكى مساعدا على هذه النسبة حيث قال: إذا لاقى جسد الميت اناءا وجب غسله ولو لاقى ذلك الاناء مايعا لم ينجس المايع لانه لم يلاق جسد الميت انتهى. وظاهره ان ملاقي النجس غير منجس لا ان الميت ليس بنجس. نعم ذكر ذلك في طي استدلاله فراجع. و (ثالثها): ما ذهب إليه المشهور من نجاسة الميتة مطلقا آدميا كان أم غيره ومنجسيتها فيما إذا كانت الملاقاة حال رطوبتها دون ما إذا كانت في حالة الجفاف. و (رابعها): ان الميتة وان كانت نجسة مطلقا إلا انها تمتاز عن

[ 547 ]

بقية النجاسات في كونها منجسة سواء أكانت الملاقاة معها في حال الرطوبة أم مع الجفاف ذهب إليه العلامة والشهيدان وغيرهم. و (خامسها): ان ميت الآدمي نجس ومنجس لملاقيه مطلقا كانت الملاقاة معه مع الرطوبة أم مع الجفاف. وهذا بخلاف سائر الميتات فانها انما تنجس الملاقي فيما إذا كانت الملاقاة معها في حال الرطوبة كغيرها من النجاسات وهذا القول أيضا نسب إلى العلامة وجماعة. هذه هي أقوال المسألة والصحيح منها ما ذهب إليه المشهور وأفتى به في المتن كما سيظهر وجهه. (أما القول الاول): فيندفع بما ورد من الامر بغسل ما لاقاه ميت الآدمي من الثوب واليد وغيرهما، لان ظاهره الارشاد إلى نجاسة الميت الموجبة لنجاسة ملاقيه، ومن ذلك صححية الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميت فقال: يغسل ما أصاب الثوب (* 1) ورواية ابراهيم بن ميمون المتقدمة (* 2) وغيرهما من الاخبار. و (دعوى): ان الامر بغسل ما لاقاه الميت أمر تعبدي لا يستكشف به نجاسته (غير مسموعة) لان لازمها عدم امكان القول بنجاسة أكثر النجاسات لانا إنما استفدناها من الاوامر الواردة بغلسها أو بغسل ما يلاقيها إلا في موارد نادرة ومنها الكلب حيث صرح بنجاسته في بعض أخبارها (* 3) بقوله: رجس نجس. فلا بد حينئذ من التزام طهارة غير الميت أيضا من الاعيان النجسة من غير اختصاصها بميت الآدمي. و (أما القول الثاني) فيتوجه عليه ما قدمناه من الروايات، لانها


(* 1) و (* 2) المرويتان في الباب 34 من أبواب النجاسات من الوسائل. (* 3) وهو صحيح الفضل أبي العباس المروية في الباب 1 من الاسئار و 11 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 548 ]

ظاهرة في نجاسة الميت ومنجسيته للملاقي وانكار دلالتها على ذلك مكابرة واضحة. و (أما القول الرابع): وهو دعوى منجسية الميته لملاقيها مطلقا ولو مع الجفاف قد استدل عليه باطلاق الاخبار الواردة في وجوب غسل ما يلاقى الميتة لعدم تقيدها بحالة الرطوبة. والجواب عن ذلك بوجوه: (الاول): ان اطلاقات الروايات منصرفة إلى صورة الملاقاة مع الرطوبة، لان هذا هو المرتكز في الاذهان والارتكاز العرفي مانع عن انعقاد الظهور في روايات الباب في الاطلاق. (الثاني): ان الاخبار لو قلنا باطلاقها معارضة بمارواه ابن بكير: كل شئ يابس زكي (* 1) والنسبة بينهما عموم من وجه، لظهور ان المطلقات تقتضي نجاسة ملاقي الميتة مطلقا كانت الملاقاة في حال رطوبتها أم في حال جفافها. ولكنها مختصة بالميتة فحسب. والرواية تعم الميتة وغيرها وتختص باليابس فقط فتتعارضان في مادة اجتماعها وهي صورة ملاقاة الميتة مع الجفاف وتتقدم الرواية على المطلقات، لما ذكرناه في محله من أن ما كانت دلالته بالعموم لقوته تتقدم على ما كانت دلالته بالا طلاق ومعه لا تصل النوبة إلى تساقطهما حتى يرجع إلى قاعدة الطاهرة. (الثالث): صحية علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) قال: سألته عن الرجل يقع ثوبه على حمار ميت، هل يصلح له الصلاة فيه قبل أن يغسله؟ قال: ليس عليه غسله وليصل فيه ولا بأس (* 2) فانها دلت باطلاقها على عدم منجسية الميتة لملاقيها كانت الملاقاة في حال الرطوبة أم في حالة الجفاف، والنسبة بينها وبين مادلت على نجاسة الميتة مطلقا هي التبائن.


(* 1) المروية في الباب 31 من أبواب احكام الخلوة من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 26 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[ 549 ]

إلا أن الاخبار الآمرة بغسل ما يلاقي الماء أو السمن الذي تقع فيه الفأرة وتموت (* 1) الدالة على نجاسة ملاقي الميتة الرطبة قد قيدت اطلاق الصحيحة بما إذا كانت ميتة الحمار يابسة، وبهذا انقلبت النسبة بينها وبين المطلقات من التبائن إلى العموم المطلق، لان الصحيحة بعد تقييدها بالميتة الجافة تكون أخص مطلقا عن المطلقات، فتقيد دلالتها على نجاسة الميتة بما إذا كانت رطبة، وهذا هو انقلاب النسبة الذي صححناه في محله. وبما ذكرناه في جواب هذا القول يظهر الجواب عن (القول الخامس) أيضا، وهو دعوى نجاسة ملاقي الميت الآدمي مطلقا مستندا في ذلك إلى التوقيعين (* 2) وغيرهما (* 3) من الاخبار الآمرة بغسل ملاقي الميت مطلقا فانه يندفع: (أولا): بانصراف المطلقات إلى صورة رطوبة الميت بالارتكاز. و (ثانيا): انها على تقدير تسليمها معارضه برواية ابن بكير المتقدمة والترجيح مع الرواية، لان دلالتها بالعموم.


(* 1) كموثقة عمار المروية في الباب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. (* 2) ففي أحدهما: ليس على من مسه الا غسل اليد. وفي الآخر: إذا مسه على (في) هذه الحال لم يكن عليه الا غسل يده. المرويان عن احتجاج الطبرسي في الباب 3 من أبواب غسل المس من الوسائل. (* 3) كصحيحة الحلبي المتقدمة في ص 547.

[ 550 ]

[ (مسألة 11) يشترط في نجاسة الميتة خروج الروح من جميع جسده فلو مات بعض الجسد ولم تخرج الروح من تمامه لم ينجس (1) (مسألة 12) مجرد خروج الروح يوجب النجاسة وإن كان قبل البرد (2) من غير فرق بين الانسان وغيره. ] اشتراط خروج الروح عن تمام الجسد (1) والوجه في ذلك ان أدلة نجاسة الميتة الما تقتضي نجاستها فيما إذا صدق ان الحيوان أو الانسان قد مات وهذا لا يكون إلا بخروج الروح عن تمام بدنه كما هو ظاهر ما ورد في نجاسه مثل الفأرة إذا وقعت في ماء أو بئر وماتت، وعليه فلو كنا نحن وهذه الاخباز التزمنا بطهارة الاجزاء المبانة من الحي، لانها ليست بحيوان خرج روحه عن تمام جسده، إلا أن الادله اقتضت نجاستها، حيث نزلتها منزلة الميتة كما قدمناها في محلها، واما إذا خرج الروح من بعض أعضاء الانسان أو الحيوان وهو متصل بهما فلا يحكم بنجاسته، لعدم كونه ميتة ولم يقم دليل على نجاسته. نجاسة الميتة قبل البرد: لا طلاقات أدلة نجاسة الميته من الحيوان والانسان منها صحيحة الحلبي المتقدمة (* 1) وقد دلت على وجوب غسل الثوب الذي لاقى جسد الميت من غير تقييده بما إذا كان بعد البرد وذهب الشيخ (قده) وجماعة إلى عدم نجاسة ميت الآدمي قبل برده. بل نسب ذلك إلى الاكثر، واستدل


(* 1) في ص 547

[ 551 ]

عليه بوجوه: (الاول) دعوى عدم صدق الميت مع حرارة البدن، لعدم انقطاع علقة الروح ما دامت الحرارة باقية، و (يندفع): بأن لازم ذلك عدم ترتب شئ من أحكام الموت على الميت قبل برده من دفنه وغسله والصلاه عليه، ولا نعرف في جواز ترتبها عليه حينئذ مخالفا من الاصحاب، كما يلزمه الالتزام بالطهارة وعدم الموت في ميتة سائر الحيوانات أيضا قبل بردها ولم يلتزم بذلك أحد. (الثاني): دعوى الملازمة بين الغسل بالفتح والغسل بالضم فكما لا يجب الثاني قبل برد الميت فكذلك الاول. و (يتوجه عليه): أن الملازمة لم تثبت بينهما بل لانشك في عدمها لان مقتضى إطلاقات الاخبار وجوب الغسل بالفتح من حين طرو الموت كما أن مقتضى صريح الروايات اختصاص وجوب الغسل بالضم بما بعد برده، فأين الملازمة بينهما؟ (الثالث): ما ورد في ذيل رواية ابراهيم بن ميمون المتقدمة (* 1) من قوله (ع) يعني إذا برد الميت. فانه صريح في عدم وجوب غسل ملا قي الميت قبل برده. و (فيه): أن من البعيد أن تكون هذه الجملة من كلام الامام (ع) والمظنون بل المطمئن به انها من كلام الراوي، فانها لو كانت من كلامه (ع) لم يكن يحتاج إلى ضم كلمة التفسير وهي قوله: يعني. بل كان اللازم حينئذ أن يقول: إذا برد ويويد ذلك أن الرواية نقلها الكليني في موضعين من كتابه بطريقين


(* 1) في ص 543.

[ 552 ]

وهي وإن كانت مذيلة بالجملة المتقدمة في أحدهما (* 1) وهي التي نقلها عنه صاحب الوسائل (قده) إلا أنها غير مذيلة بها في الموضع الآخر (* 2) فراجع فهذا الوجه ساقط. (الرابع): صحيحة إسماعيل بن جابر قال: دخلت على أبي عبد الله (ع) حين مات إبنه إسماعيل الاكبر فجعل يقبله وهو ميت فقلت: جعلت فداك أليس لا ينبغي أن يمس الميت بعد ما يموت، ومن مسه فعليه الغسل؟ فقال: أما بحرارته فلا بأس إنما ذاك إذا برد (* 3) بتقريب أن ظاهر نفي البأس عن مس الميت قبل برده عدم ترتب أثر عليه من النجاسة ووجوب الغسل لعدم احتمال حرمة تقبيل الميت كحرمة الغيبة وقتل النفس قبل برده و (يرد عليه): أن الرواية ناظرة إلى نفي الباس من ناحية لزوم الغسل بالضم وهو الذي وقع مورد السئول في كلام السائل، ودلت على عدم وجوب الغسل بالضم قبل برده، ولا نظر لها إلى نفي نجاستة وعدم وجوب الغسل بالفتح بملاقاته وحالها حال غيرها من الاخبار الواردة في نفي وجوب الغسل بالضم بتقبيل الميت قبل برده كما في رواية عبد الله بن سنان (* 4) عن أبي عبد الله (ع) قال في حديث وإن قبل الميت انسان بعد موته وهو حار فليس عليه غسل.


(* 1) وهي التي أوردها في باب: الكلب يصيب الثوب والجسد وغيره مما يكره أن يمس شئ منه ص 19 عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن إبن محبوب عن إبن رئاب عن إبراهيم بن ميمون. (* 2) أوردها في باب غسل من غسل الميت ومن مسه وهو حار ومن مسه وهو بارد ص 44 - 45 من عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن ابراهيم. (* 3) و (* 4) المرويتان في الباب من أبواب غسل المس من الوسائل.

[ 553 ]

على أنه لم تفرض في الرواية رطوبة الميت حال تقبيله وانما نفت البأس عن مسه فحسب ولا ينافي هذا نجاسته منجسيته على تقدير رطوبته. (الخامس): صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: مس الميت عند موته وبعد غسله والقبلة ليس بها بأس حيث (* 1) دلت على عدم نجاسة الميت قبل برده بعين التقريب المتقدم في الرواية السابقة. وترد على هذا الاستدلال امور: (الاول): ان الامام (ع) انما نفى البأس عن للس والقبلة عند الموت أي في حالة النزع أعذنا الله لديه لا بعد الموت ومن الظاهر ان الآدمي غير محكوم بالنجاسة حينئذ فالرواية خارجة عن محل الكلام، وهو مس الميت قبل برده. (الثاني): ان الرواية انما نفت البأس عن المس والقبلة بلحاظ ذاتهما، وقد دلت على انهما غير موجبين لشئ، وهو لا ينافي اقتضاؤهما للنجاسة بلحاظ رطوبة الميت. (الثالث): وهو الاولى في الجواب ان الصحيحة على تقدير تسليم دلالتها انما تدل على عدم نجاسة الميت حينئذ باطلاقها من حيث رطوبته وجفافه، لعدم صراحتها في ذلك وقد قدمنا ان صحيحة الحلبي الواردة في لزوم غسل الثوب الذي أصاب الميت مختصة بصورة رطوبته، وذلك إما للقرينة الداخلية والانصراف أو للقرينه الخارجيه أعني رواية ابن بكير المتقدمة (* 2) وعليه فصحيحة الحلبي تقيد الصححية بما إذا كانت القبلة أو المس قبل البرد مع الجفاف دون ما إذا كانت مع الرطوبة، فالصحيح ان نجاسة الميت غير مختصة بما بعد برده.


(* 1) المروية في الباب 3 من أبواب غسل المس من الوسائل. (* 2) في ص 548.

[ 554 ]

[ نعم وجوب غسل المس للميت الانساني مخصوص بما بعد برده (1). (مسألة 13) المضغة نجسة (2) وكذا المشيمة، وقطعة اللحم التي تخرج حين الوضع مع الطفل. ] ثم ان هذا الحكم مطرد في جميع افراد الآدميين إلا الائمة عليهم السلام الدالة على طهارة أبدانهم مطلقا. وأما الشهيد فلم يقم دليل على طهارة بدنه بعد موته واطلاق ما دل على نجاسة الميت تقضي بنجاسته وذهب صاحب الجواهر (قده) إلى طهارة الشهيد وعدم نجاسته بالموت وما ذهب إليه وان كان يساعد الذوق إلا أن مقتضى القواعد الشرعية عدم الفرق بينه وبين غيره. وعدم وجوب تغسيله ليدفن بدمائه وثيابه ويحشر يوم القيامة على الحالة التى دفن بها لا ينافي الحكم بنجاسة بدنه بالموت كالحكم بنجاسته بملاقاة الدم بناء على طهارة بدنه في نفسه، أجل نلتزم بعدم نجاسه المرجوم أو المقتص منه بالموت، لانه مغسل حقيقة فان الشارع قدم غسله على موته. (1) كما يأتي في محله. نجاسة المضغة والمشيمة: (2) ليس الوجه في نجاستها كونها من الاجزاء المبانة من الحي، وذلك لانها مخلوقة مستقلة وغير معدودة من أجزاء الحيوان أو الانسان كما مر في الجنين والبيضة بل الوجه الصحيح في ذلك عموم ما دل على نجاسة الجيفة وقد خرجنا عنه في المذكى وميتة مالا نفس له بالنص، وما عداهما باق تحت العموم وهذه المسألة عين المسألة المتقدمة أعني نجاسة السقط والفرخ في البيض.

[ 555 ]

[ (مسألة 14) إذا قطع (1) عضو من الحي وبقي معلقا متصلا به فهو طاهر مادام الاتصال، وينجس بعد الانفصال. نعم لو قطعت يده - مثلا - وكانت معلقة بجلدة رقيقة فالاحوط الاجتناب. (مسألة 15) الجند المعروف كونه خصية كلب الماء (2) ان لم يعلم ذلك واحتمل عدم كونه من أجزاء الحيوان فطاهر وحلال، وإن علم كونه كذلك فلا اشكال في حرمته، لكنه محكوم بالطهارة، لعدم العلم بأن ذلك الحيوان مما له نفس. ] العضو المقطوع المقلق بالبدن: (1) توضيحه: ان العضو (تارة) تخرج عنه روحه إلا انه عرفا يعد من توابع أو الحيوان، ويقال أنه من أجزائه كما مثلنا له سابقا بالعضو المشلول والمفلوج أو ما قطع منه شئ وبقي مقدار آخر وهو متصل بالبدن فانه معدود من توابع ذي العضو عرفا ويقال أنه يده أو عضوه الآخر وهو حينئذ محكوم بالطهارة، لفرض طهارة الحيوان. و (اخرى) تنقطع عنه علاقة الروح إلا انه على نحو لا يعد من توابع ذي العضو عرفا كاليد المنقطعة المعلقة بالبدن بجلد رقيق وهو حينئذ محكوم بالنجاسة وينجس كلما باشره مع الرطوبة فالميزان في طهارة العضو المنقطع عنه روحه هو ان يعد من أجزاء ذي العضو عرفا. حكم الجند: (2) ويقال: إنه مادة تستعمل في طبخ بعض الحلويات وعلى أي

[ 556 ]

[ (مسألة 16) إذا قلع سنه أو قص ظفره فانقطع منه شئ من اللحم، فان كان قليلا جدا فهو طاهر (1) وإلا فنجس. (مسألة 17) إذا وجد عظما مجردا وشك في انه من نجس العين أو من غيره يحكم عليه بالطهارة (2) حتى لو علم انه من الانسان ولم يعلم انه من كافر أو مسلم ] حال فان لم يعلم أنه خصية الكلب حقيقة وان سمي بهذا الاسم كما في ورد لسان الثور فلا اشكال في حليته وطهارته، واما إذا علمنا أنه خصية كلب الماء حقيقة فيحكم بطهارته أيضا، لما تقدم من أن ميتة الحيوانات البحرية طاهرة، لانها مما لا نفس له ولا اقل من الشك في ان لكلب الماء نفسا سائلة ولا مناص معه من الحكم بطهارة ميتته نعم يحرم اكلها حينئذ، لان كلب الماء محرم الاكل ولا سيما الخصية منه فانها محرمة وان كانت مما يؤكل لحمه. (1) والوجه في ذلك ما تقدم في مثل الثالول والبثور من أن أدلة نجاسة الاجزاء المبانة من الحي مختصة بما يعد جزءا من الحي عرفا فلا يشمل الثالول والقليل من اللحم جدا، لانه لا يعد من أجزائه عرفا، فطهارته لقصور ما يقتضي نجاسته. وهذا بخلاف ما إذا لم يكن اللحم قليلا جدا. العظم المشكوك طهارته (2) لقاعدة الطهاره وبها يحكم بطهارة المشكوك في كلا الموردين. وقد يستشكل في الحكم بالطهارة في المورد الثاني بأن التقابل بين الكفر والاسلام انما هو تقابل العدم والملكة فان كل من لم يعترف باصول الاسلام من التوحيد والنبوة والمعاد فهو كافر فالكفر أمر عدمي وعليه فيما ان

[ 557 ]

الاسلام أمر وجودي مسبوق بالعدم فاستصحاب عدمه في موارد الشك يقتضي الحكم بالكفر، لانه ليس إلا عبارة عن مجرد عدم الاسلام في محل قابل له وقد أحرزنا قابلية المحل بالوجدان وإذا حكمنا بكفر من يشك في اسلامه فلا محالة يحكم بنجاسة عظمه. إلا ان هذه المناقشة ساقطة. (أما أولا): فبالنقض بما إذا شك في اسلام أحد وكفر وهو حي، فان الاصحاب قد حكموا بطهارته من غير خلاف نجده. بل المتسالم عليه الحكم باسلامه أيضا في بعض الفروض كاللقيط في دار الاسلام أو في دار الكفر مع وجود مسلم فيها يحتمل تولده منه ومعه كيف يحكم بنجاسة عظمه بعد موته للشك في انه اعظم كافر أو مسلم؟! و (أما ثانيا): فبالحل: وحاصله ان الكفر وإن كان أمرا عدميا والتقابل بينه بين الاسلام تقابل لعدم والملكة إلا أنه كنظائره مثل العمى ليس من قبيل الموضوعات المركبة بان يكون الكفر مركبا من قابليه المحل وعدم الاسلام والعمى عبارة عن قابلية المحل وعدم البصر ليحكم بكفر من يشك في اسلامه وبعمي من نشك في ابصاره بضم الوجدان إلى الاصل كما هو الحال في الموضوعات المركبة فإذا غسلنا المتنجس بماء يشك في طهارته حكمنا بطهارته لانه غسل بماء حكم بطهارته بالتعبد. والسر فيما ذكرناه ان الكفر من قبيل البسائط وكذلك العمى ومن الظاهر ان استصحاب عدم الاسلام أو عدم البصر لا يثبت العنوان البسيط بل الامر بالعكس فانه إذا شككنا في حدوث ذلك الامر البسيط أعني الكفر والعمى ونظائر هما نستصحب عدم حدوثه فيحكم بعدم ترتب أثار ذلك الامر البسيط من النجاسة أو غيرها، ولا يعارضه اصالة عدم اسلامه، إذ الاسلام ليس بموضوع للحكم بالطهارة وانما الكفر موضوع للحكم بالنجاسة

[ 558 ]

[ (مسألة 18) الجلد المطروح إن لم يعلم أنه من الحيوان الذي له نفس أو من غيره كالسمك - مثلا - محكوم بالطهارة (1). (مسألة 19) يحرم بيع الميتة (2). ] فان كل انسان محكوم بالطهارة غير الكافر فما أفتى به في المتن هو المتين. (1) لا صالة عدم كون حيوانه مما له نفس سائله وبها يحكم بطهارة جلده ولحمه. بيع الميتة: (2) هذا هو المشهور المعروف بين الاصحاب وقد ذهب بعضهم إلى الجواز كما استشكل فيه بعض آخر ومنشأ الخلاف في ذلك إنما هو اختلاف الاخبار فقد ورد في بعضها (* 1) ثمن الميتة سحت وفي بعضها الآخر (* 2) من السحت ثمن الميته (* 3) وفي ثالث السحت ثمن الميتة (* 3) على اختلاف تعابيرها وفي رواية البزنطي الواردة في اليات الغنم المقطوعة: يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها (* 4) إلى غير ذلك من الاخبار المانعة عن بيع الميتة. ولا معارض لتلك الاخبار غير رواية أبي القاسم الصيقل وولده قال: كتبوا إلى الرجل (ع) جعلنا الله فداك إنا قوم نعمل السيوف ليست لنا


(* 1) كما في مرسلة الصدوق المروية في الباب 5 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 2) كما في وصية النبي لعلي (ع) المروية في الباب 5 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 3) كما في موثقة السكوني المروية في الباب 5 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 4) المروية في الباب 6 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 559 ]

معيشة ولا تجارة غيرها ونحن مضطرون إليها وإنما علاجنا من جلود الميتة من البغال والحمر الاهليه لا يجوز في أعمالنا غيرها فيجل لنا عملها وشرائها وبيعها ومسها بايدينا وثيابنا ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا فكتب (ع) إجعلوا ثوبا للصلاة (* 1) فانها تدل على جواز بيع جلود الميتة المعمولة في اغماد السيوف. وقد أجاب عنها شيخنا الانصاري (قده) بانها محمولة على التقية لانها الغالبه في المكاتبات ولا يمكن المساعدة عليه بوجه. (أما أولا): فلان العامة ذهبوا إلى حرمة بيع الميتة الثجسة (* 2) نعم يرون طهارتها بالدبغ (* 3) ومعه كيف تكون الرواية محمولة على التقية و (أما ثانيا): فلانه لا كليه في التقية في المكاتبات، ولا موجب لحملها على التقية بعد امكان الجمع بينها وبين الاخبار المانعة. وقد يجمع بينهما كما اشير إليه في كلام شيخنا الانصاري (قده) بحمل المجوزة على ما إذا كانت الميتة تابعة للمبيع في المعاملة ولا مانع عن بيعها تبعا إذ المحرم انما هو بيعها مستقلة. ويبعد هذا الجمع أمران: (أحدهما): ان نسبة الغمد إلى السيف ليست نسبة التابع إلى متبوعه بل هو أمر مستقل في المعاملات وقد تكون قيمته أغلى وأزيد من قيمه السيف. و (ثانيهما): انا لو سلمنا ان الاغماد تابعة في مقام بيع السيوف فالمفروض في الرواية انهم كانوا يشترون جلود الميتة ليجعلوها أغمادا ولم يردع (ع) عن شرائهم هذا مع ان شراءها لم يكن على وجه التبعية بوجه فالانصاف ان الرواية تامة الدالة على جواز بيع الميتة وشرائها.


(* 1) المروية في الباب 38 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 2) راجع ج 3 ص 231 - من الفقه على المذاهب الاربعة. (* 3) كما قدمناه في ص 540.

[ 560 ]

[ ولكن الاقوى جواز (1) الانتفاع بها فيما لا يشترط فيه الطهارة. ] وعليه فلا مناص من حمل المانعة على الكراهة جمعا بينها وبين الطائفة المجوزة ولولا ضعف سند الرواية لحكمنا بكراهة بيع الميتة إلا أن ضعفها هو الذي يمنعنا عن الحكم بذلك نعم ورد في بعض الروايات (* 1) جواز بيع الميتة المختلطة بالمذكى ممن يستحلها إلا أنها أجنبية عما نحن بصدده وإن التزمنا بمفادها في خصوص موردها وهو بيع الميتة المختلطة بالمذكى ممن يستحلها وعليه فلا مناص من الحكم بحرمة بيع الميتة كما في المتن. الانتفاع بالميتة: (1) المعروف بينهم هو حرمه الانتفاع بالميتة ومنشأ اختلافهم هو الاخبار الواردة في المسألة فقد ورد المنع عن ذلك في عدة روايات. (منها): ما رواه علي بن أبي المغيره قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشئ؟ فقال: لا. (* 2) و (منها): موثقة سماعة قال سألته عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال إذا رميت وسميت فانتفع بجلده وأما الميتة فلا (* 3).


(* 1) صحيحة الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: إذا اختلط الذكي والميتة باعه ممن يستحل الميتة وأكل ثمنه ونظيرها صحيحته الاخرى. المروية في الباب 7 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 61 من النجاسات و 34 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. (* 3) المروية في الباب 49 من النجاسات و 34 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل.

[ 561 ]

وفي قبال هذه الطائفة طائفه أخرى صريحة الدلاله على جوازه منها ما رواه إبن ادريس نقلا من جامع البزنطي عن الرضا (ع) قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من إلياتها وهي أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع قال: نعم يذبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها (* 1) لانها صريحة في جواز الانتفاع بالميتة بالاستصباح وهاتان الطائفتان متعارضتان ومقتضى الجمع بينهما أحد أمرين: (أحدهما): حمل المانعة على الكراهة لانها ظاهرة في الحرمة، والطائفة المجوزة صريحة في الجواز ومقتضى حمل الظاهر منهما على النص أن يلتزم بكراهة الانتفاع بالميتة، وإلى هذا يشير ما ورد في صحيحة الوشاء قال: سألت أبا الحسن (ع) فقلت جعلت فداك إن أهل الجبل تثقل عندهم إليات الغنم فتقطعونها فقال: حرام هي فقلت جعلت فداك فيستصبح بها؟ فقال: أما علمت أنه يصيب اليد والثوب وهو حرام (* 2) لانه من الضروري عدم حرمة تنجيس اليد والثوب في الشريعة المتقدسة وبهذا تكون الرواية ظاهرة في أنه (ع) في مقام التنزه عن الانتفاع بالميتة. و (ثانيهما): حمل المانعة على إرادة الانتفاع بالميتة كما ينتفع من المذكى باستعمالها في الاكل وغيره مما يشترط فيه الطهارة لانه الظاهر من قول السائل ينتفع بها اي هل ينتفع بها كالانتفاع بالمذكى؟ وهذا الجمع أقرب إلى الذوق، وعليه فالمحرم خصوص الانتفاع بها فيما يشترط فيه الطهارة والتذكية، وأما مالا يشترط فيه شئ منهما فالانتفاع فيه بالميتة محكوم بالجواز هذا. ثم ان الماتن وإن أفتى بجواز الانتفاع بالميتة في المقام إلا أنه يأتي منه (قده) في حكم الاواني ما يناقض ذلك فانتظره. (هذا تمام الكلام في نجاسة المتية والحمد لله رب العالمين)


(* 1) المروية في الباب 6 من أبواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 2) المروية في الباب 30 من أبواب الذبائح و 32 من أبواب الاطعمة المحرمة من الوسائل. .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية