الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب الاجتهاد والتقليد - السيد الخوئي

كتاب الاجتهاد والتقليد

السيد الخوئي


[ 1 ]

الاجتهاد والتقليد من التنقيح في شرح العروة الوثقى تقرير البحث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي تأليف الميرزا علي الغروي التبريزي

[ 2 ]

الكتاب: التنقيح في شرح العروة الوثقى تقرير البحث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي دام ظله. المؤلف: العلامة الميزرا علي الغروي التبريزي الناشر: دار الهادي للمطبوعات قم الطبعة: الثالثة ذي حجة 1410 هجري الكمية: 2000 نسخة المطبعة: صدر قم توزيع: دار الانصاريان قم

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد والمجد تاريخ الاجتهاد لقد كانت الامم تترامى بهم أمواج الضلال فلا ينقذون من هوة الهوان الا ويقذفون إلى أعمق منها سادت فيهم الفوضى وطنبتت عليهم العادات الخرافية وحكمتهم النواميس المخزية فمن دماء مهدورة وغارات متتابعة واخلاق وحشية ونظم مهتوكة وسبيل الامن شائك وسير الانسانية متقهقر يعبدون الحجارة ويشربون الرنق ويقتاتون القد، اذلة خاسئين، يخافون أن يتخطفهم الناس. فظهر بينهم الرسول الاقدس " محمد " صلى الله عليه وآله حاملا مصباح الهداية هاتفا بما فيه حياة البشر عامة من الطقوس الراقية والتعاليم الالهية والنظم المقدسة فابطل مسعى الالحاد وتفككت عرى الوثنية واندحرت عادات الجاهلية وكان دستوره المتكفل للعز الخالد. الكتاب المجيد فانه منبع المعارف والعلوم فاستعان به علماء العربية وفقهاء الشريعة واتخذه الفرق الاسلامية للتدليل على ما ذهبوا إليه وركن إليه الفلاسفة و اساتذة الطب في المهم من هذه المباحث. وقد جمع الصحابة كتاب الله بتمامه في اضبارة خاصة ايام صاحب الدعوة الالهية بامر منه صلوات الله عليه وآله (1) فان تركه هذا القانون الموحى به إليه في الجرائد والعظام كما عليه المزاعم معرض للتلف والزيادة


(1) مستدرك الحاكم ج 2 ص 611 ومسند الطيالسي ص 270 والمحبر لابن حبيب ص 286 وتاريخ الشام ج 7 ص 210 وفتح الباري ج 9 ص 440.

[ 4 ]

والنقصان مع انه متكفل لانظمة حياة الامم وسعادتها فرسول السماء المبعوث للاصلاح لا يستسيغ ترك القران متفرقا بين الصبيان والنساء. ولم يختلف اثنان في جمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لكتاب الله على حسب النزول (1) وقد رأى ابن النديم مصحفا بخط على (ع) عند أبي يعلى حمزة الحسينى يتوارثه بنو الحسن (2) كما ختم جماعة من الصحابة القران عدة مرات على النبي صلى الله عليه وآله (3) ويحدث محمد بن كعب القرظي ان علي بن ابي طالب وعثمان وابن مسعود ختموا القرآن ورسول الله صلى الله عليه وآله حي (4). وابن العربي المالكي الاندلسي لم يتأخر عما عليه صحيح الاحاديث من جمع القران بتمامه ايام النبي صلى الله عليه وآله وبامر منه فيقول كان تأليف القران ينزل من عند الله تعالى فيبينه النبي لكتابه ويميزه لاصحابه ويرتبه على ابوابه الا برائة فانه لم يذكر لهم شيئا ليتبين للخلق ان الله تعالى يفعل ما يشاء (5) وحديث انس بن مالك ينص على ان اربعة من الصحابة جمعوا القران على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وهم معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد احد عمومته واختلفت الرواية عنه في الرابع هل هو أو الدرداء أو أبي


(1) فتح الباري ج 9 ص 43 وارشاد الساري ج 7 ص 459 وعمدة القاري للعيني ج 9 ص 304. (2) الفهرست لابن النديم ص 42. (3) تفسير روح المعاني للالوسي ج 1 ص 24. (4) تفسير القرطبي ج 1 ص 58. (5) احكام القران ج 1 ص 366.

[ 5 ]

ابن كعب (1). ويستوضح الحاكم النيسابوري جمع القرآن على عهد الرسول صلى الله عليه وآله من قول زيد بن ثابت: كنا عند رسول الله نؤلف القران من الرقاع (2) ويؤكده مجاهرة ابن عمر في جمعه القران وقرائته كل ليلة غير ان النبي صلى الله عليه وآله امره بقرائته في كل شهر (3). السنة النبوية وهي عبارة عن أوامر النبي صلى الله عليه وآله ونواهيه واعماله بحضرة اصحابه قاصدا تعبيد الجادة الموصلة إلى الرضوان وتقريره الاعمال التي تاتي بها الصحابة بحضرته وهي كالكتاب المجيد في تلكم الاهمية الكبرى لان صاحبها لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى، واول من دون الحديث من الشيعة ابو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله أهداه له العباس بن عبد المطلب فاعتقه النبي صلى الله عليه وآله وسماه ابراهيم واسلم قديما وهاجر إلى المدينة ولازم امير المؤمنين عليا عليه السلام وكان قيمه على بيت ماله بالكوفة إلى ان توفي أول خلافته (4). ورأي السيوطي في نسبته إلى الزهري (5) فايل لتقدم أبي رافع عليه


(1) صحيح البخاري باب فضائل القران وفتح الباري لابن حجر ج 9 ص 44 باب من جمع القران. (2) مستدرك الحاكم ج 2 ص 611. (3) ارشاد الساري ج 7 ص 459. (4) تأسيس الشيعة ص 280 للصدر الكاظمي. (5) التدريب ص 24 والاوائل له ص 112.

[ 6 ]

إلا ان يقصد به اول التابعين، على ان الزرقاني يذهب إلى ان الصحابة والتابعين لم يكتبوا الحديث وانما كانوا يؤدون الاحاديث لفظا ويأخذونها حفظا الا كتاب الصدقات ولما خاف عمر بن عبد العزيز اندراسها أمر قاضيه على المدينة ابا بكر محمد بن عمرو بن حزم ان يجمع الاحاديث فتوفى ابن عبد العزيز وقد جمع ابن حزم كتابا قبل ان يبعث به إليه (1) وفي تخريج أبي نعيم الاصبهاني ان عمر بن عبد العزيز كتب إلى الافاق بجمع حديث رسول الله صيانة له عن التلف (2). لقد ظل الصحابة من بعد الرسول والتابعون من بعدهم يستقون مسائل الشريعة من الاحاديث النبوية ولما تكثرت الفروع بسبب اختلاط المسلمين بغيرهم ولم يكن من تلك الدراري اللامعة ما فيه النص عليها مال قسم من العلماء إلى الرأي والاستحسان مستندين إلى ان الشريعة معقولة المعنى ولها اصول محكمة فهمت من الكتاب والسنة فكانوا يبحثون عن علل الاحكام وربط المسائل بعضها ببعض ولم يحجموا عن الفتوى برأيهم فيما لا يجدون نصا فيه واشتهروا باصحاب " الرأي والقياس " كما قيل لمقابليهم الواقفين على النصوص فحسب " اهل الظاهر " وكان اكثر اهل العراق اهل قياس واكثر أهل الحجاز اهل حديث وعلى هذا كان سعيد بن المسيب يقول لربيعة بن عبد الرحمن المتوفى سنة 136 ه‍ لما سأله عن علة الحكم: أعراقي انت؟! (3). ولعل أول من غرس بذرة العمل بالقياس (عمر) فانه يقول في كتابه


(1) حاشية الزرقاني على موطأ مالك ج 1 ص 10. (2) تاريخ اصبهان ص 140. (3) تاريخ التشريع الاسلامي ص 143 وفجر الاسلام ج 1 ص 290.

[ 7 ]

إلى أبي موسى الاشعري: اعرف الاشباه والامثال وقس الامور عند ذلك بنظائرها واعمد إلى اقربها عند الله تعالى واشبهها بالحق (1). وممن اخذ بالقياس والاستحسان أبو حنيفة النعمان بن ثابت المتوفى سنة 150 ه‍ تلقاه من استاذه حماد بن سليمان المتوفى سنة 120 ه‍ تلميذ ابراهيم ابن يزيد النخعي المتوفى سنة 96 ه‍ (2) واعانه على تأسيسه تلميذاه أبو يوسف القاضي المتوفى سنة 182 ومحمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189 (3). وخامة القياس ولم يزل أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) يعرف أبا حنيفة وخامة القياس ورداءة عاقبته قال له يوما: أيهما اعظم عند الله تعالى قتل النفس التي حرم الله قتلها ام الزناء؟ قال أبو حنيفة: القتل فقال الصادق عليه السلام: فلماذا قبل الله تعالى في القتل شاهدين وفي الزنا اربعة شهود؟! فوجم أبو حنيفة ولم يدر ما يقول. ثم قال الصادق (ع) أيهما اعظم عند الله تعالى الصوم أم الصلاة؟ قال أبو حنيفة الصلاة فقال الصادق (ع) لماذا تقضى المرأة الصوم أيام الحيض ولا تقضى الصلاة؟! ثم قال: يا عبد الله اتق الله ولا تقس فانا نقف غدا بين يدي الله تعالى نحن وانت فنقول قال الله عزوجل وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وتقول انت وأصحابك قسنا ورأينا فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء ان اول من قاس ابليس


(1) صبح الاعشى ح 10 ص 194. (2) حجة الله البالغة ج 1 ص 118. (3) تاريخ الفلسفة الاسلامية لمصطفى عبد الرزاق ص 205.

[ 8 ]

إذا أمره الله بالسجود لآدم فقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (1). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: لو كان الدين بالرأي لكان اسفل القدم أولى بالمسح من اعلاه (2) وعن النبي صلى الله عليه وآله تفترق امتي على بضع وسبعين فرقة اعظم فتنة على امتي قوم يقيسون الامور بارائهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال (3) وقد انكرت الشريعة المقدسة القياس ومنعته بتاتا وفيه يقول أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) لابان بن تغلب المتوفى سنة 141 ه‍ " السنة إذا قيست محق الدين ". والقصة في ذلك انه سأل أبا عبد الله عن دية قطع اصبع من أصابع المرأة فقال عليه السلام عشرة من الابل قال ابان فان قطع اثنين قال أبو عبد الله عشرون من الابل قال ابان فان قطع ثلاثة قال أبو عبد الله: ثلاثون من الابل قال ابان فان قطع اربعة قال أبو عبد الله: عشرون من الابل. فاستغرب ابان هذا الحكم وتعجب كثيرا لانه عراقي وشايع عند اهل العراق القياس وهو قاض بان قطع الاربعة يوجب اربعين من الابل فقال يا سبحان الله ان هذا كان تبلغنا ونحن بالعراق فنقول ما جاء به الا شيطان فعندها رفع " امام الامة " بصيصا من القول الحق اهتدى به " ابان " إلى الطريق اللاحب وقال له: مهلا يا ابان هذا حكم الله وحكم


) (1) اعلام الموقعين ج 1 ص 222. (2) المحلى لابن حزم ج 1 ص 61. (3) جامع بيان العلم ج 2 ص 76.

[ 9 ]

رسوله ان المرأة تعاقل الرجل إلى ثلثى الدية فإذا بلغت رجعت إلى النصف يا ابان انك اخذتني بالقياس والسنة إذا قيست محق الدين (1). ولم يتباعد عن هذا الحكم سعيد بن المسيب ومالك وجمهور اهل المدينة (2) ففى الحديث ان ربيعة يسأل سعيد بن المسيب عن دية اصبع المرأة فيقول له عشرة من الابل قال كم في اثنتين قال عشرون من الابل قال كم في ثلاثة قال ثلاثون من الابل قال كم في اربع قال عشرون من الابل. فقال ربيعة: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها قال سعيد: أعراقي انت؟! قال ربيعة عالم متثبت أو جاهل متعلم قال يا ابن اخى انها السنة (2). وأبو حنيفة مع ما يرى لنفسه المكانة العلمية لم يعدم الانتفاع من الامام الصادق (ع) والاقتباس من اثاره اللامعة (4) كما حظى من قبل بابيه أبي جعفر الباقر عليه السلام (5). وكان مالك بن انس امام المالكية يكثر من اطراء أبي عبد الله جعفر ابن محمد (ع) فيقول: كنت اختلف زمانا إلى جعفر بن محمد الصادق (ع)


(1) التهذيب للشيخ الطوسي ج 2 ص 441 طبعة ايران والمحاسن للبرقي ج 1 ص 214 ورواه مالك في موطأ ج 3 ص 65. (2) نيل الاوطار ج 7 ص 56. (3) السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 96. (4) تهذيب التهذيب ج 2 ص 103 واسعاف المبطأ برجال الموطأ ص 176 للسيوطي.

[ 10 ]

فما رأيته إلا صائما أو مصليا أو قارئا للقران وما رأيته الا على طهارة (1) ولا يتكلم فيما لا يعينه وهو من العلماء الزهاد الذين يخشون الله ويتقونه حق تقاته (2) ومن هنا كان يرجع إليه في مشكلات الشريعة (3) وانكار الذهبي رواية مالك عنه (4) محكوم بشهادة الاعلام. عصر الامؤيين لقد بقى علماء الحديث ردحا من الزمن بين حفظه اولا وتدوينه ثانيا حتى ايام الحكم الاموى الذي يصفه احمد امين بقوله: لم يكن الحكم الاموي حكما اسلاميا يسوى فيه بين الناس ويكافئ فيه المحسن عربيا كان ام مولى ولم يكن الحكام خدمة للرعية على السواد وانما كان الحكم عربيا والحكام خدمة للعرب على حساب غيرهم وكان تسود العرب فيه النزعة الجاهلية لا النزعة الاسلامية (5). ويقول جرجي زيدان: يعد انتقال الدولة الاسلامية إلى بني امية انقلابا عظيما في تاريخ الامة الاسلامية لانها كانت في زمن الخلفاء الراشدين خلافة دينية فصارت في ايامهم ملكا عضوضا وكانت شورية فصارت ارثية ويعتقد


(1) شرح الزرقاني على موطأ مالك ج 1 ص 232 وتهذيب التهذيب ج 2 ص 103. (2) شرح الزرقاني على الموطأ ج 1 ص 232. (3) تاريخ القضاء في الاسلام ص 62. (4) ميزان الاعتدال ج 1 ص 192 طبعة مصر.

[ 11 ]

المسلمون عدم احقية معاوية للخلافة لانه طليق لا تحل له ولم يعتنق الاسلام إلا كرها (1). لم يهتم الخلفاء في عهد الدولة الاموية بشي من شؤون التشريع الا قليلا كعمر بن عبد العزيز فالتشريع لم يرق تحت حمايتهم ورعايتهم كالذي كان في عهد الدولة العباسية ولم يبذل الامويون محاولة في صبغ تشريعهم صبغة رسمية فلا ترى في الدولة الاموية مثل أبي يوسف في الدولة العباسية يحميه الخلفاء ويؤيدونه في التشريع ويوثقون الصلة بينه وبينهم وبينه وبين قضاة الامصار ولا ترى من المشرعين من اتصل بالامويين الا قليلا كالزهري (2) وفي العصر الاموي كان المرجع في الفتيا اهل المدينة ولم يقطع الخلفاء امرا دونهم كما ان فقهاء هذا العصر لم يخلفوا آثارا في الفقه مكتوبة فانها ظهرت في العصر العباسي (3) العصر العباسي الاول لما جاء عصر العباسي الاول سنة 132 وقد اكتسح حكومة الامويين شجع الخلفاء الحركة العلمية ومدوا اربابها بسلطانهم فانتعشت العلوم الدينية في ظلهم وترجمت الكتب من اللغات الاجنبية إلى العربية وكانت حركة النهوض اسرع إلى العلوم الشرعية من غيرها لانهم فرضوا أحقيتهم بالامر من غيرهم لانتسابهم إلى البيت الاموي وانهم سيشيدون على اطلال الحكومة الموسومة بالزندقة عند اهل الصلاح نظاما منطقيا على سنة الرسول الاعظم


(1) اداب اللغة العربية ج 1 ص 192. (2) فجر الاسلام ج 1 ص 299. (3) اداب اللغة العربية ج 1 ص 208.

[ 12 ]

صلى الله عليه وآله وأحكام الدين الالهي (1). لما انتظم أمر الدولة العباسية ظهر الجدل والخلاف واتسع المجال للعقول خاف المنصور الدوانيقي من جراء ذلك تشتيت امر الشريعة ودخول الفوضى في الاحكام فامر انس بن مالك ان يكتب له كتابا يتجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر فكتب (الموطأ) واراد المنصور ان يحمل الناس على العمل به كما حمل عثمان الناس على العمل بالمصحف وفتر مالك من عزمه بدعوى ان الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله على هدى فتبطأ المنصور عن امضاء فكرته (2) وتحكى هذه القصة عن الرشيد معه وانه اراد تعليق الموطأ على الكعبة فلم يوافقه مالك (3). وكل منهما يجهل ما عند " الصادق (ع) " من فقه الشريعة المستقى من اللوح المحفوظ وفنون المعارف وتأويل القران المجيد واسرار الطبايع وجوامع التاريخ سجلت اعترافهما بذلك. في هذا العصر تمكن استنباط الاحكام واستقرت اصوله وسمى اهله بالفقهاء ويرتئي الموفق احمد المكى الحنفي ان أبا حنيفة أول من دون الفقه ورتب ابوابه (4). لكن شافعية الرازي لم تهضم هذه الدعوى فاخذ يناقشه الحساب بانه ان اراد من التدوين التصنيف فلم يثبت له شئ وانما اصحابه الذين صنفوا وان أراد التفريع فقد سبقه إليه الصحابة والتابعون (5).


(1) تاريخ الفلسفة الاسلامية ص 203. (2) تاريخ القضاء في الاسلام ص 39 (3) طبقات المالكية ص 30 (4) مناقب أبي حنيفة ج 1 ص 136 طبعة حيدر آباد. (5) مناقب الشافعي ص 440.

[ 13 ]

العصر العباسي الثاني في العصر العباسي الثاني سنة 332 ه‍ ظهر المجتهدون من فقهاء الاسلام وكونوا له مذاهب نسبة إليهم غير انها لم تستمر تجاه المذاهب الاربعة التي اوقفت الاجتهاد عند حدها كما قصر التقليد على اربابها واندرس اثر المقلدين لسواهم وسد الناس باب الاجتهاد (1) بالرغم من عدم خضوع جملة من محققي علماء السنة لذلك مدعين فتح باب الاجتهاد (2) وادعى بعضهم ان من الجرأة على الله عزوجل وعلى رسوله وشريعته حصر فضل الله تعالى على بعض خلقه وقصر فهم احكام الشريعة على طائفة خاصة (3) ويذهب محمد فريد وجدى إلى ان باب الاجتهاد والاستنباط من الكتاب والسنة مفتوح إلى يوم القيامة ولكن قصور افهام جملة من البارزين اضطرهم إلى ستر هذا القصور بدعوى الانسداد (4). حصر المذاهب في الاربعة اختلف في الاسباب التي اوجبت حصر المذاهب في الاربعة فالذي عليه ياقوت الحموي ان القادر العباسي المتخلف سنة 381 ه‍ امر اربعة من علماء الاسلام ان يصنف كل واحد منهم مختصرا على مذهبه فصنف الماوردي الشافعي الاقناع وصنف أبو الحسين القدوري مختصرا على مذهب أبي حنيفة وصنف أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن نصر المالكي مختصرا ولم يعرف


(1) تاريخ الاسلام السياسي ج 3 ص 338. (2) تحفة المحتاج ج 4 ص 376. (3) حصول المأمول من علم الاصول ص 186. (4) دائرة المعارف مادة جهد.

[ 14 ]

من صنف له على مذهب احمد بن حنبل ولما عرضت على القادر قبلها وامضى العمل عليها (1). ويحدث ملا عبد الله المعروف بالافندي تلميذ المجلسي في رياض العلماء اتفاق رؤساء الامة في زمن علم الهدى الشريف المرتضى المتوفى سنة 436 ه‍ على تقليل الاراء في الاحكام الشرعية لئلا يوجب كثرة الخلاف قلة الوثوق بالشريعة المقدسة فتلحق بالاناجيل المبتدعة ولحصر ذلك عينوا مبلغا من المال فكل طائفة تدفعه يقرر مذهبها رسميا فاستطاع ارباب المذاهب الاربعة ان يدفعوا ذلك المقدار من المال لوفور عدتهم وعددهم وتأخر غيرهم ولم يوافق الشيعة الامامية على هذا وعجز الشريف المرتضى عن اقناعهم فتقررت المذاهب الاربعة عند الدولة رسميا ودرس غيرها (2). وهذه الحكاية لا تتباعد عما حكاه الحموي لان الشريف المرتضى عاصر القادر بالله في كثير من السنين فيمكن أن ترتئي الدولة مالا خطيرا لقطع المعاذير وتقليل الاراء كما ان من المحتمل ان القادر بالله غرس هذه البذرة وتم نتاجها وتحكمت اصولها في زمن الملك " بيبرس " الذي يحدث المقريزي عنه بقوله: لما كانت سلطنة الملك الظاهر " بيبرس البند قداري " ولى بمصر القاهرة اربعة قضاة شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي واستمر ذلك في سنة 665 ه‍ حتى لم يبق من مجموع امصار الاسلام مذهب يعرف من مذاهب اهل الاسلام سوى هذه المذاهب الاربعة وعقيدة الاشعري ابي الحسن علي ابن اسماعيل وعملت لاهل المدارس والربط في سائر ممالك الاسلام وعودي من تذهب بغيرها وانكر عليه ولم يول قاض ولا قبلت شهادة احد ولا


(1) معجم الادباء ج 15 ص 54 الطبعة الثانية.

[ 15 ]

قدم للخطابة والامامة والتدريس ما لم يكن مقلدا لاحد هذه المذاهب وافتى فقهاء الاسلام طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها والعمل على هذا إلى اليوم (1) هذه لمعة مختصرة من نشوء اجتهاد المسلمين في الفقه وارتقائه. الاجتهاد عند الامامية ان اصحابنا الامامية قد اذعنوا لقانون الخلافة الالهية الكبرى التى لم يزل صاحب الدعوة (ص) طيلة حياته يجاهر بالتنويه بها واوقف اصحابه في مواطن عديدة على اسماء من يلي امر الامة من بعده من ابنائه الاقدسين بعد سيد الاوصياء امير المؤمنين (ع) واوضح ما منحهم الباري عزوجل به من العلم باسرار الطبايع وحوادث الكون من خير وشر وكان الاصحاب يتحفظون بما تحملوه عن ائمتهم عليهم السلام من الاحاديث في فقه الشريعة واثارها حتى ان ابان بن تغلب وهو راو واحد حدث عن أبي عبد الله عليه السلام بثلاثين الف حديث (2) وتضافر النقل ان اربعة الاف رجل من المشتهرين بالعلم جمعوا من اجوبة مسائله اربعمائة كتاب عرفت بالاصول الاربعمائة (3) كلهم من اهل العراق والحجاز والشام وخراسان (4). وهذا غير ما دون عن السجاد والباقر والائمة بعد الصادق عليه السلام


(1) الخطط المقريزية ج 4 ص 141. (2) الوجيزة للبهائي. (3) المعتبر للمحقق ص 5. (4) مقدمة الذكرى للشهيد الاول.

[ 16 ]

فقد جمع اصحابهم فيما تحملوه من أحاديثهم ما يزيد على الاصول الاربعمائة بكثير (1) ولم تزل تلكم الاحاديث محتفظا بها في موسوعات هامة كالاصول الاربعة: " الاول من الاصول ": الكافي، لمحمد بن يعقوب الكليني المتوفى ببغداد سنة 329 ه‍ الفه في حياة السفراء عن الامام المنتظر عجل الله فرجه ويحكى ملا خليل القزويني في شرح الكافي انه عرض على " ولي العصر " عليه السلام فاستحسنه وفي نص الشهيد الاول محمد بن مكي المستشهد سنة 786 ه‍ زيادة احاديثه على الصحاح الستة فقد احصيت احاديثه إلى ستة عشر الف ومائة وتسعة وتسعين حديثا مع ان احاديث البخاري بحذف المكرر اربعة الاف ومثله صحيح مسلم بحذف المكرر واحاديث الموطأ وسنن الترمذي والنسائي لا تبلغ عدد صحيح مسلم. على ان الشيخ الكليني كما يقول عنه الوحيد البهبهاني المتوفى سنة 1208 ه‍ عانى في جمعه المشاق بمسافرته إلى البلدان والاقطار واجتماعه بشيوخ الاجازات وقرب عصره من ارباب الاصول الاربعمائة والكتب المعول عليها ومضى له على تأليفه عشرون سنة (2). " الثاني من الاصول ": من لا يحضره الفقيه، لابي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه المتوفى بالري سنة 381 ه‍ " الثالث والرابع من الاصول ": التهذيب والاستبصار، لابي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي المتوفى والمدفون بداره في النجف الاشرف سنة 460 ه‍ وقد جمع هذه الاصول الاربعة مع زيادة بعض الشرح عليها من


(1) نهاية الدراية للسيد الصدر ص 213 والدراية ص 40. (2) نهاية الدراية ص 220 للسيد الصدر.

[ 17 ]

بعض الاخبار ملا محسن الكاشي المعروف بالفيض المتوفي في كاشان سنة 1091 ه‍ في كتاب أسماه " الوافي " كما جمع تلك الاصول الاربعة مع الزيادة عليها من كتب اخرى محمد بن الحسن الحر العاملي المتوفى بمشهد أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام سنة 104 ه‍ في كتاب أسماه الوسائل واستدرك عليه ما فاته محمد الحسين النوري المتوفى في النجف الاشرف سنة 1320 ه‍ في كتاب أسماه المستدرك. وأما المجلسي الثاني محمد باقر بن المجلسي الاول محمد تقي المتوفي باصفهان سنة 1110 ه‍ فقد توفرت لديه جوامع الاخبار مع ما كتبه علماء السنة في الحديث والفقه والرجال والسيرة والفلسفة بمساعدة الملوك الصفوية فاودعها في دائرة المعارف المحمدية المسماة ب‍ (البحار) في ست وعشرين مجلدا وهذه الكتب التي المعنا إليها كلها مطبوعة ومنتشرة في الافاق. اول من فتح باب الاستنباط لقد استمر الحال بحفظ الحديث وتدوينه منذ عصر المعصومين عليهم السلام إلى أن وقعت الغيبة الكبرى بوفاة أبي الحسن علي بن محمد السمري في النصف من شعبان سنة 329 ه‍ في بغداد وفي هذا العصر دونت فروع الفقه الجعفري وأول من فتح باب استنباط الفروع من أدلتها وهذبها الشيخ الجليل محمد بن احمد بن الجنيد أبو علي الكاتب الاسكافي (1) المعاصر لابي


(1) في اجازة السيد حسن الصدر للشيخ اغا بزرك الطهراني: توفى ابن الجنيد سنة 381 ه‍ وفي قصص العلماء ص 325 كان من مشائخ المفيد ومعاصر العماني والمعز البويهي وله اجوبة مسائل المعز البويهي وذكر ملا عبد الله التوني في الوافية انه رجع

[ 18 ]

جعفر محمد بن يعقوب الكليني والشيخ الصدوق علي بن بابويه المتوفى سنة 329 والمدفون " بقم ". الاجتهاد في القرون السابقة فابن الجنيد هو الذي كتب الفروع الفقهية وعقد لها الابواب في كتابه (تهذيب الشيعة) وكتاب (الاحمدي) في الفقه المحمدي ونبه على اصول المسائل وبين ما يقتضيه مذهب الامامية بعد ان ذكر اصول جميع المسائل فان كانت المسألة ظاهرة اقتنع فيها بمجرد ذكر الفتوى وان كانت مشكلة أومأ إلى تعليلها ووجه دليلها وان اختلفت اقوال العلماء فيها ذكرها: عليلها والصحيح منها والاصح والاقوى والظاهر والاظهر. واقتفى اثره الحسن بن علي بن أبي عقيل المعروف بالعماني الحذاء (1) كان وجها من وجوه الامامية وشيخ فقهائهم والمتكلم المناظر في الفقه والمحقق في العلوم الشرعية عاصر الشيخ محمد بن يعقوب الكليني والصدوق علي بن بابويه (2) وكان الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان يكثر الثناء عليه (3) ويقول أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي هو من فضلاء الامامية المتكلمين (4) واستجازه بالكتابة أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن


(1) في رياض العلماء: العماني بضم العين المهملة وتشديد الميم بعدها الف وفي آخره نون نسبة إلى عمان ناحية معروفة يسكنها الخوارج واقعة بين اليمن وفارس وكرمان وعمان بالقرب من (صحار) والحذاء بالحاء المهملة وتشديد الذال المعجمة ثم الالف الممدودة نسبة إلى عمل الحذاء وبيعه. (2) تأسيس الشيعة ص 302 والفوائد المدنية ص 30. (3) رجال النجاشي ص 36 طبعة الهند. (4)؟؟

[ 19 ]

موسى بن قولويه صاحب كامل الزيارة المتوفى سنة 369 ه‍ والمدفون في رواق مشهد الامام موسى بن جعفر (1) فكتب إليه ابن عقيل باجازة كتابه (المتمسك بحبل آل الرسول) وبساير كتبه (2). وتابعهما (3) في استخراج المسائل الفقيه شيخ الطائفة والمناضل عن مذهبهم مع مهارة في الجدل وبصيرة في مناظرة اهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة (4) وحسن البيان والصبر مع الخصم (5) المخاطب من صاحب العصر عجل الله فرجه بالاخ الولي المخلص في ودنا الشيخ المفيد (6) وهو محمد بن محمد ابن النعمان العكبرى المتوفى ببغداد سنة 413 ه‍ المدفون في داره سنين ثم نقل إلى مشهد الامام موسى بن جعفر عليه السلام (7). وكان كتابه " المقنعة " مدار الدراسة بين العلماء. يحدث الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد الحلي عن السيد محي الدين ابن الزهرة انه قرأ المجلد الاول من المقنعة للشيخ المفيد ومعظم المجلد الثاني في سنة 584 ه‍ ولم يبلغ عشرين سنة على عمه الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني وقد نيف على السبعين واخبره انه قرأه بتمامه ولم يبلغ العشرين سنة على الشيخ المكين ابي منصور محمد بن الحسن بن منصور النقاش الموصلي وهو طاعن في السن واخبره انه قرأه على الشريف النقيب ابي الوفاء المحمدي


(1) قصص العلماء ص 324 للتنكابني. (2) روضات الجنات ص 168 الطبع الاول. (3) الفوائد المدنية ص 30. (4) مرآة الجنان لليافعي الحنبلى ج 3 ص 28. (5) الامتاع والمؤانسة لابي حيان التوحيدي ج 1 ص 141. (6) نسختي التوقيع من الحجة (ع) إليه.

[ 20 ]

الموصلي في أول عمره والنقيب طاعن في السن واخبره انه قرأه في أول عمره على المؤلف رضي الله عنه (1). وبمثل هذه القرائة صدرت من نجم الدين ابن نما عن والده عن محمد ابن جعفر المشهدي عن الشيخ المكين أبي منصور محمد بن الحسن بن منصور النقاش الموصلي عن النقيب المحمدي الموصلي عن الشيخ المفيد (2). وعلى هذا الضوء ألف علم الهدى الشريف المرتضى المتوفى سنة 436 ه‍ الناصريات والانتصار في الفقه المقارن والف الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460 ه‍ " المبسوط " وكان حافلا بالفروع الفقهية وناظر أهل السنة في كتابه " الخلاف " مع بسط في الادلة وكتابه " النهاية " محل انظار العلماء في التدريس كالشرايع للمحقق الحلي في العصر الحاضر وبهذه المناسبة كان لها شروح متعددة (3). و ألف محمد بن احمد بن ادريس الحلي المتوفى سنة 598 السرائر والمحقق نجم الدين جعفر بن يحيى الحلي المتوفى سنة 676 ه‍ الشرايع ومختصر النافع والمعتبر في الفقه المقارن والعلامة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي المتوفى سنة 726 ه‍ القواعد والتحرير والارشاد والتذكرة والمنتهى كلاهما في الفقه المقارن والشهيد الاول محمد بن مكي بن محمد العاملي المتوفى قتلا سنة 786 ه‍ الذكرى والقواعد وغيرها والشهيد الثاني علي بن احمد العاملي المتوفى قتلا سنة 966 ه‍ المسالك وروض الجنان وغيرها. واقتفى العلماء من اصحابنا الامامية هذا الاثر من تدوين مسائل الفقه حسبما ادى إليه اجتهادهم مع تحقيق عميق ومهارة في استنباط الفروع مائلين


(1) اجازة صاحب المعالم البحار ج 26 ص 107. (2) مستدرك الوسائل ج 3 ص 369.

[ 21 ]

عن جادة القياس المكدسة باشواك الخطأ والتضليل مستضيئين في ذلك باحاديث أئمتهم الذين لا ينطقون عن الهوى وانما هو تعليم من (عزيز عليم) بما اودعه فيهم من القوة القدسية النورية التي بها تمكنوا من استعلام ما يحدث في الكائنات وهي المعبر عنها بروح القدس في بعض الاخبار. الجامعة الكبرى للشيعة كانت مدينة النجف الاشرف الجامعة الوحيدة بين البلدان لدرس الفنون والمعارف الالهية منذ هبط إليها الشيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي بعد أن لاقى ببغداد من الحنابلة غصصا وكابد مالا يغض الطرف عنه يوم هجموا على داره بالكرخ سنة 448 واحرقوا كتبه واثاره ونهبوا داره (1) وجرى لهم مع شيخه المفيد محمد بن محمد بن النعمان ما هو أفضع واشنع حتى اخرجه عميد الجيوش إلى خارج بغداد في سنة 393 وسنة 398 غير ان شفاعة علي بن مزيد ارجعته إلى مقره ببغداد (2) كما نهبوا دار الشريف المرتضى في سنة 422 وقتلوا جماعة من الشيعة (3). في سنة 448 ه‍ حل الشيخ الطوسي هذه البقعة المغمورة بالفيوضات الالهية ببركات باب مدينة علم الرسول فانضوى إليه أهل الفضيلة ممن قطنها قبلها للاقتباس من اثاره والاستضائة من معارفه التي حباه المهيمن سبحانه بها وتزاحمت العلماء على الانتهال من بحره المتموج باسرار اهل البيت (ع) وكانت حلقات مجالس الدراسة ورواية الحديث في ايامه وثيقة الاطرف واصبحت " النجف " مركزا للزعامة العلمية وجامعة كبرى لنشر الفقه


(1) كامل ابن الاثير ج 9 ص 61 وص 71 وص 222. (2) كامل ابن الاثير ج 9 ص 69 وص 71 والمنتظم ج 7 ص 238.

[ 22 ]

والاصول والحديث والتفسير والفلسفة العالية والرجال والادب ولم تكن الدراسة فيها على نهج ترتيب الصفوف والتدرج من صف لآخر يتلقى التلميذ دروسه من استاذه على حسب المنهج المقرر له لا يتخطاه. وانما هناك حلقات تضم الفاضل والافضل وغيرهما يلقى عليهم الاستاذ نتيجة بحثه عن ادلة الاحكام وتضارب الاقوال فيوفق بين الجيمع بثاقب فكره والملكة المرتكزة فيه ويجزم بما ينتج عنده فيفيضه على الطلاب وبهذا تتجلى مقدرة الاستاذ العلمية كما يعرف مبلغ التلميذ من الفضيلة وحتى إذا تمكنت فيه ملكة استنباط الفروع من اصولها يمنحه الاستاذ الشهادة بالاجتهاد فيؤب إلى بلاده حاملا من تلك الجامعة الكبرى " النجف الاشرف " ما هو أعز عنده من كل نفيس للتبشير والدعوة إلى دين التوحيد دين السلام والامن دين التضامن والعطف دين الاخاء والحرية وبن يسترشد الضال ويتفقه الجاهل ويقام الامت وإلاود ويكون هو الفرد الاكمل لقوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (1). ولقد تخرج من هذه الجامعة مئات العلماء الاعلام الذين حازوا بفضل جدهم وسعيهم اقصى مراتب الاجتهاد وآثارهم في الفقه والاصول والعقائد والتفسير والفلسفة والرجال كلها موجودة احتفظت بها رجال العلم والادب وقد سدت فراغا كبيرا في المكتبة العربية. والفضل في نشرها وتسهيل الوصول إليها يعود إلى الامة الفارسية المركزة على التشيع الصحيح فانها التي اخرجت من المطابع الآفا منها في مختلف الفنون ولولا هذه الامة الساهرة لما فيه حياة المذهب لانهار التشيع من اصله لا زالت مكلوأة بنظرات رحيمة من (حجة العصر) عجل الله فرجه ولما اجاب شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي داعي السماء في سنة

[ 23 ]

460 ه‍ بعد ان اقام في النجف اثنى عشر سنة قام ولده أبو علي الحسن ابن محمد مكانه فانعكف عليه العلماء للاقتباس من معارفه فاستجازه ذووا الفضل في رواية الحديث واستشهدوه على ما تحلوا به من ملكة الاجتهاد الصحيح واماليه المطبوع مع امالي ابيه يصور الحقيقة باجلى مظاهرها. الاجتهاد المعاصر واستمرت الهجرة إلى " النجف " من ذلك العهد إلى العصر الحاضر وان تحلت باعلام الامامية " الحلة والحاير وسامراء " في فتراة من الزمن لكن حلقات الدراسة في هذه (الجامعة) متواصلة ولا يتحمل المقام وصف الثقافة في تلكم العصور متسلسلا إلى ايام السيد بحر العلوم فالشيخ الاكبر كاشف الغطاء إلى مجدد المذهب في كتابه الحاوي لما حرر من مسائل الشريعة مع تحقيق عميق " صاحب الجواهر " فاذعن اولوا النهي بفضله وتسابقوا إلى اختزان جواهره والاقتباس من ارائه الثاقبة. وحيث ان المولى تعالت اياديه لم يخل الارض من مصلح مجاهر بالدعوة الالهية يزيح الاوهام ويدعوا إلى سبيل ربه بالحكمة ويرشد إلى الطريقة المثلى غمر الفيض الربوبي شخصية شيخنا " الانصاري " ومنحته المشيئة القدسية مواهب ميزته على من تقدمه من الاعلام فكان مرموقا في الفضائل جمعاء. لذلك اتخذ رواد المعارف كتابيه " الرسائل " في اصول الفقه و " المتاجر " في الفقه الجعفري اساس التعليم والدراسة العالية واكثر المحققون من تلامذته وغيرهم من التعليق عليهما والتنبيه على ما فيهما من دقايق العلم. وكان للدراسة فيهما أيام شيخ المحققين المولى محمد كاظم الخراساني نور الله ضريحه سوق رابح فلقد هبط هذه المدينة (النجف) في أيامه الجم الغفير من العلماء للاستضائة من ارائه وتحقيقاته وقام من بعده اساتذة الفن من الاعلام المحققين يفيضون على الطلاب ما انتهلوه من بحر علم آل

[ 24 ]

حتى انتهى الدور إلى فخر المحققين وعمدة الفقهاء المبرزين " السيد أبو القاسم الخوئي " المميز من المولى الجليل تعالت نعماؤه بالذكاء المتوقد واصابة الرأي ولا اغالي إذا قلت: باحث ارباب المعقول ففاقهم ودارس الاصوليين فاذعنوا له وجرى مع المفسرين فحاز قصب السبق وناظر المتكلمين ففلجهم وكتابه في مقدمة التفسير " البيان " حافل بما لم تصل إليه افكار النابهين ولم يسبقه المتقدمون في كثير مما كشف الغطاء عنه. فلقد غاص بحر الشريعة واستخرج لئالئه الناصعة ولمس الحقايق الراهنة واماط الستار عن كثير مما اشكل على الفحول والاكابر واوصح السبيل إلى تفاريع المسائل وانار المنهج إلى درس كليات الفنون فلذلك كان مقصد المهاجرين من العلماء لدرس اصول الشريعة وفقهها. ومحاضراته في حل " فروع العروة الوثقى " تشهد له بفقاهة عالية واستنباط دقيق. وقد أحكم اسرار فصولها ونظم دراريها ببيان سهل وعبارة انيقة. العلم الفرد والمجتهد الاوحد حجة الله الواضحة وبينته اللامعة المحقق " الميرزا علي الغروي التبريزي " لا زال مغمورا باللطف الربوبي فجدير بمتنجع الحقائق المسابقة إلى الاحتفاظ بتقريراته لدرس الاستاذ الاكبر " السيد الخوئي " المسماة " بالتنقيح " ولابدع ممن منحه المولى سبحانه ذكاء وقادا وفطنة مصيبة وحافظة قوية الحقته بالحفاظ المعدودين فكان موئل رواد العلم بين من يستوضح منه ما لم تصل إليه فاكرته وبين من ينسخ ما جمعه من ثمرات بحوث اساتذته فالى الباري عزوجل ابتهل بادامة عنايته بهذه الشخصية اللامعة ليرتوي طلاب المعارف من غير ارآئه ويستضئ رواد الحقايق بثاقب افكاره، مد الله تبارك وتعالى في ايامه الزاهية وافاض عليه لطفه الذي يلحقه بالعلماء المحققين " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين ".

[ 9 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين وبعد قدم لى العلامة المحقق حجة الاسلام غرة الاسلام غرة عينى الاعز الشيخ الميرزا على الغروى التبريزي دامت تأييداته هذا الجزء من كتابه (التنقيح في شرح العروة الوثقى) في مسائل تتعلق بالاجتهاد والتقليد والاحتياط من تقرير ابحاثنا وقد اجاد كعادته في استيعاب ما القيتر من محاضرات في الفقه الاسلامي على طلاب الحوزة العلمية والاحاطة بتفاصيلها ورقائقها فاسبغ عليها حلة زاهية من اسلوبه الرصين وبيانه المتين فجمع خير بين دفتر الضبط وحلاوة البيان بانى ابارك له هذه المواهب واقدر فيه هذه القابليات يسرنى ان بلغ من العلم هذا المبلغ الذى صار يغيط عليه ومن نعم الله والآلة ان تصبح الحوزة العلمية متعطشة لجهوده في نشر العلم جعله الله قدوة العلماء العاملين واخذ بيده إلى ما فيع المزيد من الرقى وقد استجازني نى طبع هذا الجزء وسائر اجزاء كتابه من كتاب افعله بارى فاجزت له بذلك داعيا له بدوام التوفيق واطراد التأييد والتسديد انه نعم الوهاب في 22 شهر جمادى الثانية أبو القاسم الموسوي الخوئى (1385).

[ 10 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الاولين والآخرين محمد، وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على اعدائهم إلى يوم الدين. وبعد فقد سبق أن وعدنا رواد العلم الشريف المعاودة إلى تحرير مسائل الاجتهاد والتقليد من كتاب " العروة الوثقى " للامام الفقيه السيد محمد كاظم الطباطبائى طاب رمسه. وبعد أن فرغنا من تنسيقها واعدادها - منذ عهد غير بعيد - عزمنا على طبعها اجابة للطلب المتواصل من جم غفير من رجال العلم وحملة الفقه دامت - تأييداتهم - غير أن الاهتمام والانصراف إلى نشر كتابنا " التنقيح " اجزاء متتالية حال دون ذلك. ولما أن تكرر الطلب من شتى الجهات الذي ظل يحفزنا على اخراجها آونة بعد اخرى بادرنا إلى نشرها قبل اصدار الجزء الرابع متكلين في ذلك على الله سبحانه ومستمدين من تأييداته، إنه نعم الوهاب. المؤلف

[ 11 ]

الاجتهاد والتقليد

[ 12 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خير خلقه وآله الطاهرين. وبعد فيقول المعترف بذنبه المفتقر إلى رحمة ربه محمد كاظم الطباطبائى: هذه جملة مسائل مما تعم به البلوى وعليها الفتوى، جمعت شتاتها وأحصيت متفرقاتها عسى أن ينتفع بها إخواننا المؤمنون وتكون ذخرا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، والله ولي التوفيق. (مسألة 1) يجب على كل مكلف (1). ] (1) وهل هذا الوجوب شرعي: نفسي أو طريقي أو غيرى أو أنه عقلي؟ الصحيح أنه عقلي ومعنى ذلك أن العقل يدرك أن في ارتكاب المحرم وترك الواجب من دون استناد إلى الحجة استحقاقا للعقاب كما أن في ارتكاب المشتبهات احتمال العقاب لتنجز الاحكام الواقعية على المكلفين بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال كما يأتي تفصيله فلا مناص لدى العقل من تحصيل ما هو المؤمن من العقاب وهذا يحصل باحد الامور الثلاثة: فان المجتهد إما أن يعمل على طبق ما قطع به بالوجدان كما في القطعيات والضروريات وهو قليل واما أن يعمل على طبق ما قطع بحجيته من الامارات والاصول كما أن المقلد يستند إلى فتوى المجتهد وهو حجة عليه على ما يأتي في مورده وأما العامل بالاحتياط فهو يأتي بعمل يسبب القطع بعدم استحقاقه العقاب إذا وجوب الامور الثلاثة عقلي بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب. ويترتب عليه بطلان عمل المكلف التارك للاجتهاد والتقليد والاحتياط على ما نبينه في الفرع السابع إن شاء الله وليس هذا الوجوب غيريا ولا طريقيا ولانفسيا.

[ 13 ]

أما عدم كونه غيريا فلان مقدمة الواجب - على ما بيناه في محله - ليست بواجبة شرعا وليس أمرها مولويا بوجه وإنما هي واجبة عقلا لعدم حصول الواجب إلا بها. على أنا لو سلمنا وجوب المقدمة فليس الاحتياط مقدمة لاي واجب فان ما اتى به المكلف إما انه نفس الواجب أو أنه أمر مباح وهو اجنبي عن الواجب رأسا لا أنه مقدمة لوجود الواجب وتحققه بلا فرق في ذلك بين أن يكون اصل الوجوب معلوما وكان التردد في متعلقه كما في موارد الاحتياط المستلزم للتكرار وبين أن يكون اصل الوجوب محتملا كما في موارد الاحتياط غير المستلزم للتكرار ومعه كيف يكون الاحتياط مقدمة لوجود الواجب؟! نعم ضم أحد الفعلين إلى الآخر مقدمة علمية للامتثال لان به يحرز الخروج عن عهدة التكليف المحتمل وكذلك الحال في الاحتياط غير المستلزم للتكرار، لا أنه مقدمة وجودية للواجب ليجب أو لا يجب هذا كله في الاحتياط. وكذلك الاجتهاد والتقليد لانهما في الحقيقة عبارتان عن العلم بالاحكام ومعرفتها، ولايكون معرفة حكم اي موضوع مقوما لوجود ذلك الموضوع ومقدمة لتحققه بحيث لا يتيسر صدوره ممن لا يعلم بحكمه فهذا كرد السلام فانه ممكن الصدور ممن لا يعلم بحكمه وكذلك الحال في غيره من الواجبات إذا يمكن أن يأتي بها المكلف ولو على سبيل الاحتياط من دون أن يكون عالما بحكمها فلا يتوقف وجود الواجب على معرفته بالاجتهاد أو التقليد. نعم لا يتمكن المكلف في بعض الموارد من الاتيان بالعمل الا إذا علم بما اعتبر فيه من القيود والشروط كما في الموضوعات المركبة مثل الصلاة والحج فان الجاهل باحكامهما غير متمكن على اصدارهما الا أنه من الندرة بمكان. وأما عدم كونه وجوبا طريقيا فلان المراد به ما وجب لتنجيز الواجب

[ 14 ]

أو التعذير عنه وليس الاحتياط منجزا للواقع بوجه لما سيأتي من أن الاحكام الواقعية انما تنجزت بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال لمكان الشبهة قبل الفحص أو لوجود الامارات القائمة عليها في مظانها كما تأتي الاشارة إليه فالاحكام متنجزة قبل وجوب الاحتياط لا انها تنجزت بسببه فلا معنى للوجوب الطريقي بمعنى المنجزية فيه، كما لا معنى له بمعنى المعذرية لانه لا يتصور في الاحتياط مخالفة للواقع ليكون وجوبه معذرا عنها لانه عبارة عن اتيان الواقع على وجه القطع والبت فلا تتحقق فيه مخالفة الواقع أبدا إذا، لا معنى محصل للوجوب الطريقي في الاحتياط. وأما الاجتهاد والتقليد فقد يبدو للنظر انهما كالاحتياط لا معنى للوجوب الطريقي فيهما بالاضافة إلى التنجيز لان الاحكام الشرعية - كما اشرنا إليه - تنجزت قبل الامر بهما من جهة العلم الاجمالي أو الاحتمال لا انها تنجزت بسببهما. ثم على فرض عدم العلم الاجمالي من الابتداء أو انحلاله بالظفر بجملة معتد بها يستند التنجيز إلى الامارات القائمة على الاحكام في مظانها لان بها يستحق المكلف العقاب على مخالفة الواقع لا انها تتنجز بالاجتهاد ومن هنا لو ترك الاجتهاد رأسا كانت الاحكام متنجزة في حقه واستحق بذلك العقاب على تقدير مخالفة عمله الواقع هذا في الاجتهاد ومنه يظهر الحال في التقليد لتنجز الاحكام الواقعية بوجود فتوى من وجب على العامي تقليده وان ترك تقليده لا أنها تتنجز بالتقليد فالوجوب الطريقي بمعنى التنجيز لا محصل له بالاضافة إلى الاجتهاد والتقليد. نعم الوجوب الطريقي بمعنى المعذرية فيهما صحيح كما إذا افتى المجتهد بما أدى إليه رأيه وعمل به مقلدوه ولكنه كان مخالفا للواقع فان اجتهاده حينئذ كتقليد مقلديه معذران عن مخالفة عملهما للواقع إلا أن ذلك لا يصحح القول بالوجوب الطريقي في الاجتهاد وعدليه وهو ظاهر هذا. ولكن الصحيح أن يقال: إن الكلام قد يفرض في موارد العلم الاجمالي

[ 15 ]

بالاحكام. وقد يفرض في موارد عدمه من الابتداء أو وجوده وانحلاله بالظفر بمقدار معتد به من الاحكام. أما الصورة الاولى: فالحال فيها كما بيناه لانه لا معنى للوجوب الطريقي حينئذ فان مفروض الكلام تنجز الاحكام الواقعية بالعلم الاجمالي فلا مجال لتنجزها ثانيا بالامر بالاحتياط أو التقليد أو الاجتهاد. وأما الصورة الثانية: فلا مانع فيها من الالتزام بكون وجوب الاحتياط وعدليه طريقيا اي منجزا للواقع وذلك: لان أدلة الاصول الشرعية كما بيناه في محله غير قاصرة الشمول لموارد الشبهات الحكمية قبل الفحص ومقتضى ذلك أن الاحكام الواقعية لاتتنجز على المكلفين في ظرف عدم وصولها إذا يكون التنجز مستندا إلى وجوب الاحتياط أو إلى تحصيل الحجة بالتقليد أو الاجتهاد بحيث لولا الامر بها لم يكن اي موجب لتنجز الواقع على المكلفين. ومن ثمة قلنا في محله أن ايجاب الاحتياط طريقي لا محالة لما أشرنا من أن ادلة الاصول الشرعية شاملة لموارد الاحتياط وهو يقتضى عدم تنجز الاحكام قبل الوصول فلو وجب معه الاحتياط فمعناه أن الواقع منجز على المكلف بحيث لو ترك الواقع بتركه العمل بالاحتياط لاستحق العقاب على مخالفته وهو معنى الوجوب الطريقي ثم ان بما حققناه ينكشف أن مجرد وجوب الحجة الواقعية لا يترتب عليه التنجيز بوجه لولا ادلة وجوب الاحتياط أو تحصيل الحجة بالتقليد أو الاجتهاد فان الحجة الواقعية لا تزيد على الاحكام الواقعية في انها لا تصحح العقاب ما لم تصل إلى المكلف ثم ان كون التقليد في موارد عدم العلم الاجمالي واجبا طريقيا يبتني على أن يكون معناه تعلم فتوى المجتهد أو اخذها. وأما بناء على ما هو الصحيح عندنا من انه العمل استنادا إلى فتوى المجتهد فالتقليد نفس العمل ولا معنى لكونه منجزا للواقع فالمنجز على هذا هو الامر بالتعلم بالتقليد أو الاجتهاد.

[ 16 ]

وأما عدم كونه وجوبا نفسيا فلعله أوضح من سابقيه وذلك لانه لاوجه له سوى توهم أن تعلم الاحكام الشرعية واجب بدعوى استفادته من مثل ما ورد: من أن طلب العلم فريضة (1) وقوله عز من قائل: فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (2) وغيرهما مما يمكن الاستدلال به على هذا المدعى كما ذهب إليه الاردبيلى " قده " وتبعه بعض المتأخرين إلا أنا بينا في محله أن تعلم الاحكام ليس بواجب نفسي وانما التعلم طريق إلى العمل ومن هنا ورد في بعض الاخبار أن العبد يؤتى به يوم القيامة فيقال له: هلا عملت؟ فيقول ما علمت فيقال له هلا تعلمت؟ (3) فترى أن السؤال أولا انما هو عن العمل لا عن التعلم ومنه يستكشف عدم وجوبه النفسي وانه طريق إلى العمل وإلا لكان اللازم سؤال العبد اولا عن التعلم بان يقال له ابتداء: هلا تعلمت. وتفصيل الكلام في عدم وجوب التعلم موكول إلى محله على أنا لو سلمنا وجوب التعلم فالحكم بالوجوب النفسي في تلك الطرق وجعل الاحتياط عدلا للاجتهاد والتقليد مما لا محصل له وذلك لان الاحتياط انما


(1) راجع ب 4 من ابواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضى به من الوسائل. (2) النحل: 16، 43، الانبياء: 21، 7. (3) هذه مضمون ما رواه الشيخ في أماليه قال: حدثنا محمد بن محمد يعني المفيد قال اخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد قال حدثنى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن زياد قال سمعت جعفر بن محمد (ع) وقد سئل عن قوله تعالى " فلله الحجة البالغة " فقال: ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي كنت عالما؟ فان قال: نعم قال له: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلا قال: أفلا تعلمت حتى تعمل فيخصمه فتلك الحجة البالغة. راجع تفسير برهان ج 1 ص 560 من الطبع الحديث وكذا في البحار ج 2 ص 29 و 180 من الطبعة الثانية عن أمالى المفيد.

[ 17 ]

[ في عباداته، ومعاملاته (1) أن يكون مجتهدا أو مقلدا أو محتاطا (2) ] هو الاتيان بالمأمور به فهو امتثال للحكم حقيقة لا أن الاحتياط تعلم له لضرورة أن المحتاط جاهل بالحكم أو بالمأمور به إلا أنه قاطع بالامتثال وجازم باتيانه المأمور به على ما هو عليه فلا وجه للوجوب النفسي في الاحتياط. نعم لا بأس به في التقليد والاجتهاد نظرا إلى انهما تعلم للاحكام هذا إذا فسرنا التقليد بما يرجع إلى تعلم فتوى المجتهد. وأما إذا فسرناه بما يأتي في محله من أنه الاستناد في العمل إلى فتوى الغير وأن تعلم الفتوى ليس من التقليد في شئ فلا يمكن أن يقال ان التقليد تعلم للاحكام بل التقليد هو الاستناد إلى فتوى المجتهد والتعلم طريق إليه. وأما احتمال أن يكون الوجوب النفسي في تلك الطرق مستندا إلى المصلحة الواقعية الباعثة على الايجاب الواقعي فيدفعه: أنه انما يتم فيما إذا اثبتنا وجوبها شرعا فانه في مقام التعليل حينئذ يمكن أن يقال ان وجوبها منبعث عن نفس المصلحة الواقعية إلا أنه اول الكلام لعدم قيام الدليل على وجوب الاجتهاد والاحتياط. نعم لا بأس بذلك في التقليد بناء على دلالة الادلة على وجوبه الشرعي كما بنى عليه بعض مشايخنا المحققين " قده ". فالمتحصل إلى هنا أن الاجتهاد وعدليه لا يحتمل فيها الوجوب الشرعي الاعم من النفسي والغيري والطريقى وانما وجوبها متمحض في الوجوب العقلي بالمعنى الذي قررناه آنفا. (1) بل وفى عادياته بل في كل فعل يصدر منه على ما يأتي من الماتن " قده " في المسألة التاسعة والعشرين فلاحظ. (2) لان الاحكام الواقعية متنجزة على كل مكلف بوجوداتها فلا يمكن معه الرجوع إلى البرائة العقلية أو النقلية أو استصحاب عدم التكليف في موارد الاحتمال وذلك للعلم الاجمالي بوجود احكام الزامية في الشريعة المقدسة إذ لا معنى

[ 18 ]

للشريعة العارية عن أي حكم. ولا تجرى الاصول النافية في أطراف العلم الاجمالي أصلا في نفسها، أو أنها تتساقط بالمعارضة. ثم لو فرضنا أن المكلف ليس له علم اجمالي بوجود أي حكم الزامي من الابتداء أو أنه كان إلا انه قد انحل بالظفر بجملة متعد بها من الاحكام أيضا لم يجز له الرجوع إلى الاصول النافية في موارد احتمالها وذلك لانه من الشبهة قبل الفحص وقد بينا في محله أنه لا مورد للاصل في الشبهات الحكمية قبل الفحص فان الحكم الواقعي يتنجز حينئذ بالاحتمال، والنتيجة أن الاحكام الواقعية متنجزة على كل مكلف إما للعلم الاجمالي واما بالاحتمال. وإذا لم تجر البرائة في الاحكام الواقعية عقلا ولانقلا ولا استصحاب العدم لم يكن بد من الخروج عن عهدة امتثالها حيث أن في مخالفتها استحقاق العقاب وطريقه منحصر بالاجتهاد والتقليد والاحتياط وذلك: لان المكلف إما أن يستند في عمله إلى ما علم بحجيته وجدانا أو تعبدا فهو الاجتهاد وبالعمل به يقطع بانه قد ترك الحرام واتى بالواجب ويجزم بخروجه عن عهدة ما توجه إليه من الاحكام. وإما أن يستند في أعماله إلى قول الغير وهو المعبر عنه بالتقليد الا أن القطع بفراغ الذمة بسببه انما هو فيما إذا كان قول الغير ثابت الحجية عنده بالاجتهاد - ولو بالارتكاز - لارتكاز رجوع الجاهل إلى العالم عند العقلا وذلك لان قول الغير ليس بحجة عليه في نفسه ولا يمكن أن تثبت حجية قول الغير بالتقليد وقول الغير لان هذا القول كالقول الاول يتوقف حجيته على دليل فلو توقفت حجية قول الغير على التقليد وقول الغير لدار أو تسلسل. لانا ننقل الكلام إلى القول الثاني ونقول إن حجيته إما أن تستند إلى الاجتهاد أو إلى التقليد وقول الغير فعلى الاول نلتزم به في القول الاول من دون تبعيد المسافة واثبات حجيته بالقول الثاني. وعلى الثاني ينقل الكلام إلى القول الثالث فان

[ 19 ]

حجيته إما أن تثبت بالاجتهاد أو بالتقليد وقول الغير فعلى الاول نلتزم به في القول الاول من دون تبعيد المسافة. وعلى الثاني ننقل الكلام إلى القول الرابع وهكذا إلى مالا نهاية له فالمتحصل أن التقليد لا يمكن أن يكون تقليديا بوجه. نعم لا بأس بالتقليد في فروعه كجواز تقليد غير الاعلم أو البقاء على تقليد الميت كما يأتي في محله إلا أن اصل مشروعية التقليد لابد أن يكون بالاجتهاد فالمقلد - باجتهاده - يعمل على فتوى المجتهد وهو يعمل على ما قطع بحجيته من الامارات والاصول وإما أن يعمل بالاحتياط بأن يأتي بما يحتمل وجوبه ويترك ما يحتمل حرمته إلا أن الاحتياط لا يتمشى في جميع المقامات إما لعدم امكانه كما في موارد دوران الامر بين المحذورين، وموارد كثرة أطراف الاحتياط بحيث لا يتمكن المكلف من اتيانها وإما لاحتمال عدم مشروعيته كما إذا كان محتمل الوجوب عبادة واحتمل المكلف عدم جواز الامتثال الاجمالي في العبادات عند التمكن من امتثالها تفصيلا - اجتهادا أو تقليدا - وحيث انها عبادة يعتبر فيها قصد القربة ولا يتمشى ذلك مع احتمال الحرمة فلا يسوغ للمكلف الاحتياط في مثلها، أللهم إلا أن يبنى على جوازه بالاجتهاد أو يقلد من يفتى بجوازه في تلك المقامات فالاحتياط لا يكون طريقا إلى القطع بالفراغ في جميع الموارد. وبما سردناه ظهر أن طريق الخروج عن عهدة الاحكام الواقعية المنجزة على المكلفين وان كان منحصرا بالاجتهاد والتقليد والاحتياط إلا أن الاخير ليس في عرض الاولين بحسب المرتبة بل في طولهما نعم يصح عده في عرضهما من حيث العمل لان العمل إما أن يكون بالاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط، كما ظهر أن التقليد ايضا كذلك لانه في طول الاجتهاد بحسب المرتبة لا في عرضه فالاجتهاد هو الاصل الوحيد وهو التصدى لتحصيل القطع بالحجة على العمل لان به يقطع بعدم العقاب على مخالفة الواقع.

[ 20 ]

مباحث الاجتهاد ويقع الكلام فيه من جهات: 1 - تعريف الاجتهاد الاجتهاد مأخوذ من الجهد بالضم وهو لغة: الطاقة، أو أنه من الجهد بالفتح ومعناه: المشقة ويأتي بمعنى الطاقة ايضا، وعليه فالاجتهاد بمعنى بذل الوسع والطاقة سواء أخذناه من الجهد - بالفتح - أو الجهد - بالضم - وذلك لان بذل الطاقة لا يخلو عن مشقة وهما أمران متلازمان. هذا بحسب اللغة. وأما في الاصطلاح فقد عرفوه ب‍ " استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي " وتعريف الاجتهاد بذلك وإن وقع في كلمات أصحابنا " قدس الله أسرارهم " إلا أن الاصل في ذلك هم العامة، حيث عرفوه بذلك لذهابهم إلى اعتبار الظن في الاحكام الشرعية. ومن هنا أخذوه في تعريف الاجتهاد ووافقهم عليه اصحابنا مع عدم ملائمته لما هو المقرر عندهم من عدم الاعتبار بالظن في شى وأن العبرة انما هي بما جعلت له الحجية شرعا سواءأ كان هو الظن أو غيره، فتفسير الاجتهاد بذلك مما لا تلتزم به الامامية بتاتا. بل يمكن المناقشة فيه حتى على مسلك العامة لان الدليل في الاحكام الشرعية عندهم غير منحصر بالظن فهو تفسير بالاخص وعليه فهذا التعريف ساقط عند كلتا الطائفتين. ومن هنا فسره المتأخرون - من أصحابنا - بانه ملكة يقتدر بها على استنباط الاحكام الشرعية. وتعريف الاجتهاد بذلك وان لم ترد عليه المناقشة المتقدمة إلا أن الاجتهاد - بهذا المعنى - ليس من اطراف الوجوب التخييري الثابت للاجتهاد والتقليد والاحتياط. وذلك لان الاحكام الواقعية - على ما بيناه سابقا - قد تنجزت

[ 21 ]

بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال ولاجله قد استقل العقل بلزوم تحصيل العلم بالفراغ وهو لا يتحصل إلا بالاحتياط أو بتحصيل العلم بالاحكام من دون متابعة الغير - كما في الاجتهاد - أو بمتابعته - كما في التقليد - حيث أن المكلف بتركه تلك الطرق يحتمل العقاب في كل ما يفعله ويتركه لاحتمال حرمته أو وجوبه والعقل مستقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب. ومن البديهى أن المجتهد أعنى من له ملكة الاستنباط من غير أن يستنبط ويتصدى لتحصيل الحجة ولا في حكم واحد كغيره يحتمل العقاب في كل من أفعاله وتروكه ومعه لابد له ايضا إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا أو يحتاط. وبهذا ينكشف أن الاجتهاد الذي يعد عدلا للتقليد والاحتياط ليس هو بمعنى الملكة، وانما معناه تحصيل الحجة على الحكم الشرعي بالفعل اعني العمل والاستنباط الخارجيين لانه المؤمن من العقاب ولا اثر في ذلك للملكة وتوضيحه: أن ملكة الاجتهاد غير ملكة السخاوة والشجاعة ونحوهما من الملكات إذ الملكة في مثلهما انما يتحقق بالعمل وبالمزاولة كدخول المخاوف والتصدي للمهالك فان بذلك يضعف الخوف متدرجا ويزول شيئا فشيئا حتى لا يخاف صاحبه من الحروب العظيمة وغيرها من الامور المهام فترى انه يدخل الامر الخطير كما يدخل داره. وكذلك الحال في ملكة السخاوة فان بالاعطاء متدرجا قد يصل الانسان مرتبة يقدم غيره على نفسه فيبقى جائعا ويطعم ما بيده لغيره والمتحصل أن العمل في امثال تلك الملكات متقدم على الملكة. وهذا بخلاف ملكة الاجتهاد لانها إنما يتوقف على جملة من المبادى والعلوم كالنحو والصرف وغيرهما والعمدة علم الاصول فبعد ما تعلمها الانسان تحصل له ملكة الاستنباط وان لم يتصد للاستنباط ولا في حكم واحد، إذا العمل أي الاستنباط متأخر عن الملكة فلا وجه لما قد يتوهم من أنها كسائر الملكات غير منفكة عن العمل والاستنباط فمن حصلت له الملكة

[ 22 ]

فلا محالة اشتغل بالاستنباط وعليه فبمجرد حصول الملكة له يحصل له الامن عن العقاب. بل الاستنباط كما عرفت متأخر عن الملكة من غير ان يكون له دخل في حصولها. نعم تتقوى الملكة بالممارسة والاستنباط - بعد تحققها في نفسها - لا أنها تتوقف عليه في الوجود. إذا الاجتهاد بمعنى الملكة لا يترتب عليه الامن من العقاب ولا يكون عدلا للتقليد والاحتياط فالصحيح أن يعرف الاجتهاد: بتحصيل الحجة على الحكم الشرعي وهو بهذا المعنى سليم عن كلتا المناقشتين المتقدمتين. بقي شي وهو أن المجتهد بمعنى من له الملكة قبل أن يستنبط شيئا من الاحكام هل يجوز تقليده؟ وهل يحرم عليه تقليد الغير؟ وهل يترتب عليه غير ذلك من الاحكام المترتبة على الاجتهاد أو أنها مختصة بالمجتهد الذي تصدى لتحصيل الحجة على الاحكام اعني المستنبط بالفعل ولا يعم من له الملكة إذا لم يتصد للاستنباط خارجا؟ ولكنه بحث خارج عن محل الكلام، لان البحث انما هو في الاجتهاد الذي هو عديل التقليد والاحتياط وهو من أطراف الواجب التخييري. وأما أن الاحكام المتقدمة تترتب على من له ملكة الاستنباط أو لاتترتب فيأتي عليه الكلام في البحث عن شرائط المقلد إن شاء الله. ثم إن التعريف الذي قدمناه للاجتهاد مضافا إلى أنه سليم عن المناقشتين المتقدمتين يمكن أن تقع به المصالحة بين الاخباريين والاصوليين وذلك لان الفريقين يعترفان بلزوم تحصيل الحجة على الاحكام الشرعية ولا استيحاش للاخباريين عن الاجتهاد بهذا المعنى وإنما أنكروا جواز العمل بالاجتهاد المفسر باستفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي والحق معهم لان الاجتهاد بذلك المعنى بدعة ولايجوز

[ 23 ]

العمل على طبقه، إذ لا عبرة بالظن في الشريعة المقدسة، بل قد نهى الله سبحانه عن اتباعه في الكتاب العزيز وقال عز من قائل: وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيئا (1) وقال: يا ايها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن.. (2) إلى غير ذلك من الايآت. وأما تحصيل الحجة على الاحكام فهو مما لابد منه عند كل من اعترف بالشرع والشريعة لبداهة أن الاحكام الشرعية ليست من الامور البديهية التي لا يحتاج اثباتها إلى دليل. نعم قد يقع الخلاف في بعض المصاديق والصغريات - مثلا - لا يرى الاصولي شيئا حجة وهو حجة عند المحدثين، أو بالعكس إلا انه غير مضر بالاتفاق على كبرى لزوم تحصيل الحجة على الحكم، كيف فانه قد وقع نظيره بين كل من الطائفتين فترى أن المحدث الآسترابادى يرى عدم حجية الاستصحاب في الاحكام الكلية إلا في استصحاب عدم النسخ ويرى غيره خلافه هذا كله في الاجتهاد، وكذلك الحال في التقليد، إذ لا موقع لاستيحاش المحدثين منه لانه على ما فسرنا الاجتهاد به من الامور الضرورية والمرتكزة عند العقلاء حيث أن من لا يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم الشرعي أو انه تمكن ولكنه لم يتصد لتحصيلها جاهل به، كما أن من حصلها عالم بالحكم، وجواز رجوع الجاهل إلى العالم من الضروريات التي لم يختلف فيها اثنان وهو أمر مرتكز في الاذهان وثابت ببناء العقلاء في جميع الاعصار والازمان. والمتحصل إلى هنا أن الاجتهاد بمعنى تحصيل الظن بالحكم الشرعي كما يراه المحدثون بدعة وضلال إلا أن الاصوليين لا يريدون اثباته وتجويزه ولا يدعون وجوبه ولا جوازه بوجه بناء على عدم تمامية مقدمات الانسداد - كما هو صحيح -


(1) يونس 10: 36. (2) الحجرات 49: 12.

[ 24 ]

وأما الاجتهاد بمعنى تحصيل الحجة على الحكم الشرعي فهو أمر لا يسع المحدث انكاره وهو الذي يرى الاصولي وجوبه فما انكره المحدثون لا يثبته الاصوليون كما أن ما يريد الاصولي اثباته لا ينكره المحدثون إذا يظهر ان النزاع بين الفريقين لفظي وهو راجع إلى التسمية فان المحدث لا يرضى بتسمية تحصيل الحجة اجتهادا وأما واقعه فكلتا الطائفتين تعترف به كما مر. 2 - مبادى الاجتهاد يتوقف الاجتهاد على معرفة اللغة العربية لوضوح أن جملة من الاحكام الشرعية وان لم يتوقف معرفتها على معرفة اللغة كوجوب مقدمة الواجب وغيره من موارد الاحكام العقلية الاستلزامية إلا أنه لا شبهة في أن اكثر الاحكام يستفاد من الكتاب والسنة وهما عربيان فلا مناص من معرفة اللغة العربية في استنباطها منهما حتى إذا كان المستنبط عربي اللسان، لان العربي لا يحيط بجميع اللغة العربية وإنما يعرف شطرا منها فلا بد في معرفة البقية من مراجعة اللغة. ولا نقصد بذلك أن اللغوي يعتبر قوله في الشريعة المقدسة، كيف ولم يقم دليل على حجيته، وانما نريد أن نقول ان الرجوع إلى اللغة من الاسباب المشرفة للفقيه على القطع بالمعنى الظاهر فيه اللفظ ولا أقل من حصول الاطمئنان بالظهور وان لم يثبت انه معناه الحقيقي بقوله، وذلك لان الفقيه انما يدور مدار الظهور ولا يهمه كون المعنى حقيقة أو مجازا. ثم إن بهذا الملاك الذي أحوجنا إلى معرفة اللغة العربية نحتاج إلى معرفة قواعدها لانها أيضا مما يتوقف عليه الاجتهاد وذلك كمعرفة احكام الفاعل والمفعول لضرورة أن فهم المعنى يتوقف على معرفتها. نعم لا يتوقف الاجتهاد على معرفة ما لا دخالة له في استفادة الاحكام من أدلتها وذلك كمعرفة الفارق بين البدل وعطف البيان وغير ذلك مما يحتوى عليه الكتب المؤلفة في الادب.

[ 25 ]

وأما علم المنطق فلا توقف للاجتهاد عليه أصلا، لان المهم في المنطق انما هو بيان ماله دخالة في الاستنتاج من الاقيسة والاشكال كاعتبار كلية الكبرى، وكون الصغرى موجبة، في الشكل الاول مع أن الشروط التي لها دخل في الاستنتاج مما يعرفه كل عاقل حتى الصبيان، لانك إذا عرضت - على اي عاقل - قولك: هذا حيوان، وبعض الحيوان موذ، لم يتردد في أنه لا ينتج أن هذا الحيوان موذ، وعلى الجملة المنطق إنما يحتوى على مجرد اصطلاحات علمية لا تمسها حاجة المجتهد بوجه، إذ ليس العلم به مما له دخل في الاجتهاد بعد معرفة الامور المعتبرة في الاستنتاج بالطبع. والذي يوقفك على هذا ملاحظة أحوال الرواة وأصحاب الائمة عليهم أفضل الصلاة لانهم كانوا يستنبطون الاحكام الشرعية من الكتاب والسنة من غير أن يتعلموا علم المنطق ويطلعوا على مصطلحاته الحديثة. والعمدة فيما يتوقف عليه الاجتهاد بعد معرفة اللغة العربية وقواعدها علمان: " أحدهما ": علم الاصول، ومساس الحاجة إليه في الاجتهاد مما لا يكاد يخفى لان الاحكام الشرعية ليست من الامور الضرورية التي لا يحتاج اثباتها إلى دليل، وإنما هي أمور نظرية يتوقف على الدليل والبرهان، والمتكفل لادلة الاحكام وبراهينها من الحجج والامارات وغيرهما مما يؤدى إلى معرفة الاحكام الشرعية علم الاصول، وما من حكم نظري إلا ويستنبط من تلك الادلة فعلى المستنبط أن يتقنها ويحصلها بالنظر والاجتهاد لانها لو كانت تقليدية لادى إلى التقليد في الاحكام لان النتيجة تتبع أخس المتقدمتين كما تأتي الاشارة إليه في محله. و " ثانيهما ": علم الرجال وذلك لان جملة من الاحكام الشرعية وإن كانت تستفاد من الكتاب إلا أنه أقل قليل وغالبها يستفاد من الاخبار المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، وعلى ذلك إن قلنا بأن الاخبار المدونة في الكتب الاربعة

[ 26 ]

مقطوعة الصدور أو أنها مما نطمئن بصدورها لان الاصحاب عملوا على طبقها ولم يناقشوا في اسنادها وهذا يفيد الاطمئنان بالصدور فقد استرحنا من علم الرجال لعدم مساس الحاجة إلى معرفة احوال الرواة كما سلك ذلك المحقق الهمداني " قده " حيث قال: ليس المدار عندنا في جواز العمل بالرواية على اتصافها بالصحة المطلوبة والا فلا يكاد يوجد خبر يمكننا إثبات عدالة رواتها على سبيل التحقيق لولا البناء على المسامحة في طريقها والعمل بظنون غير ثابتة الحجية. بل المدار على وثاقة الراوى أو الوثوق بصدور الرواية وان كان بواسطة القرائن الخارجية التي عمدتها كونها مدونة في الكتب الاربعة أو مأخوذة من الاصول المعتبرة مع اعتناء الاصحاب بها وعدم إعراضهم عنها.. إلى أن قال: ولاجل ما تقدمت الاشارة إليه جرت سيرتي على ترك الفحص عن حالهم. انتهى. وإنما اللازم حينئذ مراجعة أن الرواية هل هي معمول بها عندهم لتكون حجة أو أنها معرض عنها لتسقط عن الاعتبار ومعه لا تمس الحاجة إلى علم الرجال إلا في بعض الموارد كما إذا لم يظهر لنا عمل الاصحاب على طبق الرواية أو أعراضهم عنها. وأما إذا بنينا على ما هو الصحيح عندنا من أن عمل الاصحاب والمشايخ (قدس الله أسرارهم) على طبق رواية لا يكون جابرا لضعف دلالتها، إذ المتبع حسب سيرة العقلاء هو الظهور ومن الظاهر أن عملهم على طبق الرواية لا يجعلها ظاهرة في المعنى المراد، كما لا ينجبر بعملهم ضعف سندها، فان السيرة العقلائية التي هي العمدة في حجية الخبر وكذا الاخبار التي إدعينا تواترها إجمالا، وبعض الآيات المذكورة في محلها إنما تدل على اعتبار الخبر الموثوق أو الممدوح رواته، أو الرواية التي يطمئن بصدورها عنهم - لو اتفق في مورد - وأما الخبر الضعيف

[ 27 ]

فلم يدلنا دليل على اعتباره إذا عمل المشهور على طبقه. فلا محالة تزداد الحاجة إلى علم الرجال، فان به يعرف الثقة عن الضعيف وبه يتميز الغث عن السمين ومعه لا مناص من الرجوع إليه للتفتيش عن أحوال الرواة الواقعين في سلسلة السند واحدا بعد واحد ليظهر أنه موثوق به ليؤخذ بخبره أو أنه ضعيف لئلا يعتمد على إخباره حتى الرواة الواقعين في السند بعد ابن أبي عمير وزرارة وأضرابهما ممن إدعوا الاجماع على تصحيح ما يصح عنهم في الرجال، وذلك لان هذا الاجماع ليس بازيد من الاجماعات المنقولة التي لا نعتمد عليها في الاحكام. على أنه غير معلوم المراد وهل اريد به أن السند إذا كان معتبرا إلى تلك الجماعة لم ينظر إلى من وقع بعدهم في سلسلة السند من الرواة، بل يحكم باعتبارها ولو كان الراوى الواقع بعدهم غير معلوم الحال عندنا ليكون ذلك توثيقا إجماليا لهولاء الرواة أو أن المراد به توثيق اصحاب الاجماع في انفسهم ليكون معناه أن الجماعة المذكورين ثقات أو عدول وإن كان بعضهم واقفيا أو فطحيا أو غيرهما من الفرق، ولم يرد توثيق لبعضهم مع قطع النظر عن هذا إلاجماع فالسند إذا تم من غير ناحيتهم فهو تام من جهتهم أيضا لانهم ثقات أو عدول. وأما من وقع في السند بعدهم فلا يكاد يستفاد توثيقه من الاجماع بوجه؟ وبما أن كلا من الامرين محتمل الارادة في نفسه فيصبح معقد الاجماع مجملا ولا يمكننا الاعتماد عليه إلا في المقدار المتيقن منه وهو الاخير، والمتحصل أن علم الرجال من أهم ما يتوقف عليه رحى الاستنباط والاجتهاد. وأما غير ما ذكرناه من العلوم فهو فضل لاتوقف للاجتهاد عليه.

[ 28 ]

3 - أقسام الاجتهاد للاجتهاد تقسيمان: " أحدهما ": تقسيمه إلى الاجتهاد الفعلى والاجتهاد بالقوة والملكة، وذلك لان الانسان قد يكون له ملكة يقتدر بها على استنباط الاحكام الشرعية إلا أنه لم يعمل بعد قدرته في الاستنباط أو أنه استنبط شيئا قليلا من الاحكام. وقد يكون ذا ملكة الاجتهاد و يعمل قدرته أيضا في الاستنباط ويكون عالما للاحكام الشرعية بالفعل وإن لم يكن علمه علما وجدانيا. بل مستندا إلى الادلة والحجج. " ثانيهما ": تقسيمه إلى مطلق وتجزى. وذلك لان الملكة قد لا تختص بباب دون باب - على ما تأتى الاشارة إليه - ويسمى صاحبها مجتهدا مطلقا. وقد تختص ببعض الابواب دون بعض فلا يتمكن إلا من استنباط جملة من الاحكام لاجميعها ويسمى صاحبها بالمتجزى في الاجتهاد. وحيث أن الاجتهاد موضوع لجملة من الاحكام فيقع الكلام في أنها هل تترتب على جميع الاقسام المتقدمة أو تختص ببعضها دون بعض وذلك لان للاجتهاد أحكاما ثلاثة: " الاول ": حرمة رجوع المجتهد إلى الغير في الفتوى بالاستناد إليها في مقام الامتثال لوجوب اتباع نظره على نفسه. " الثاني ": جواز رجوع الغير إليه أعنى تقليده والاستناد إلى آرائه في مقام العمل. " الثالث ": نفوذ قضائه وتصرفاته في أموال القصر والتصدي لغير ذلك مما هو من مناصب الفقيه الجامع للشرائط.

[ 29 ]

ثم إن المناسب للبحث في المقام إنما هو خصوص الحكم الاول دون الثاني والاخير لانهما يناسبان بحثي التقليد والقضاء حيث يقع فيهما الكلام في أن القاضى ومن يرجع إليه في التقليد هل يعتبر أن يكونا مجتهدين بالفعل أو يكفى كونهما ذا ملكة الاجتهاد وإن لم يستنبطا ولو حكما واحدا. وكذا نتكلم في أن المتجزي في الاجتهاد هل ينفذ قضائه ويجوز أن يتصدى للامور الحسبية وأنه هل يجوز تقليده أو أن القاضي ومن يرجع إليه في التقليد يعتبر أن يكونا مجتهدين مطلقين؟ إلا أنا في المقام نشير إلى هذين البحثين أيضا على نحو الاختصار فنقول: لاريب ولا إشكال في أن المجتهد المطلق الذي قد استنبط جملة وافية من الاحكام يحرم عليه الرجوع إلى فتوى غيره ويجوز أن يراجع إليه في التقليد ويتصدى للقضاء ويتصرف في اموال القصر ونحوه وهذا القسم من الاجتهاد هو القدر المتيقن في ترتب الاحكام المذكورة عليه. وإنما الكلام في من له الملكة المطلقة إلا أنه لم يتصد للاستنباط أصلا أو استنبط شيئا قليلا من الاحكام وفي المتجزى الذي يتمكن من استنباط بعض الاحكام دون بعض إذا استنبط جملة منها بالفعل فالبحث يقع في مرحلتين: 1 - الاجتهاد بالقوة والملكة والكلام فيه من جهات: " الاولى ": في جواز رجوعه إلى الغير. " الثانية ": في جواز الرجوع إليه. " الثالثة ": في نفوذ قضائه وجواز تصديه للامور الحسبية. " أما الجهة الاولى ": فلا يترتب على البحث عنها أية ثمرة إلا بالاضافة إلى نفس من له الملكة ليفتى في تلك المسألة بالحرمة أو الجواز وذلك لان صاحب

[ 30 ]

الملكة ليس له أن يقلد في مسألة جواز رجوع من له الملكة إلى الغير وعدمه فان مشروعية التقليد بالاضافة إليه أول الكلام فلا مناص من أن يرجع إلى الادلة حتى ينتهى نظره إلى جواز رجوع مثله إلى الغير أو حرمته فتكلمنا عليه واثباتنا جواز تقليده أو حرمته لا يكاد أن تترتب عليه ثمرة سوى أن تترجح عنده أدلة الجواز أو التحريم ليفتى على طبق الاولى أو الثانية هذا. وقد يقال: بجواز رجوعه إلى الغير نظرا إلى أن الاجتهاد بالقوة والملكة ليس بعلم فعلى للاحكام بل صاحبها جاهل بها بالفعل وإن كان له ملكة الاستنباط والاجتهاد ولا مانع من رجوع الجاهل إلى العالم. وهذا القول منسوب إلى صاحب المناهل " قده " وعن شيخنا الانصاري " قده " - في رسالته الموضوعة في الاجتهاد والتقليد - دعوى الاتفاق على عدم الجواز لانصراف الاطلاقات الدالة على جواز التقليد عمن له ملكة الاجتهاد، واختصاصها بمن لا يتمكن من تحصيل العلم بها. وما أفاده " قده " هو الصحيح وذلك لان الاحكام الواقعية قد تنجزت على من له ملكة الاجتهاد بالعلم الاجمالي أو بقيام الحجج والامارات عليها في محالها وهو يتمكن من تحصيل تلك الطرق، إذا لابد له من الخروج عن عهدة التكاليف المتنجزة في حقه ولا يكفى في ذلك أن يقلد الغير، إذ لا يترتب عليه الجزم بالامتثال فانه من المحتمل أن لا تكون فتوى الغير حجة في حقه لوجوب العمل بفتيا نفسه ونظره فلا يدري أنها مؤمنة من العقاب المترتب على مخالفة ما تنجز عليه من الاحكام الواقعية والعقل قد استقل بلزوم تحصيل المؤمن من العقاب ومع الشك في الحجية يبنى على عدمها فان الشك في الحجية يساوق القطع بعدمها على ما بيناه في محله. ولا يقاس صاحب الملكة بمن ليست له ملكة الاجتهاد بالفعل إلا أنه يتمكن من تحصيلها لاستعداده وقابليته ولو بالاشتغال بالدراسة سنين متمادية. وذلك لانه غير متمكن - حقيقة - من تحصيل العلم التعبدي بالاحكام ولا يحتمل

[ 31 ]

حرمة التقليد عليه، بأن يحتمل وجوب الاجتهاد في حقه، كيف فان الاجتهاد واجب كفائي وليس من الواجبات العينية كما هو مقتضى قوله عز من قائل: فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (* 1). لدلالته على أن الاجتهاد وتحصيل العلم بالاحكام إنما يجب على طائفة من كل فرقة لا على الجميع. وهذا بخلاف صاحب الملكة إذ من المحتمل أن يجب عليه الاجتهاد وجوبا تعيينيا لتمكنه من تحصيل العلم بالاحكام ويحرم عليه التقليد لانصراف أدلة الجواز عنه، حيث أن ظاهرها أن جواز التقليد يختص بمن لا يتمكن من تحصيل العلم بالاحكام فمثل قوله عز من قائل: فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (* 2) يختص بمن لا يكون من اهل الذكر ولو بالقوة لوضوح أنه لو كان خطابا للمتمكن من تحصيل العلم بالاحكام لم يناسبه الامر بالسؤال بل ناسب أن يأمره بتحصيل العلم بها فان مثله لا يخاطب بذلك الخطاب وهكذا الكلام في بقية أدلته لوضوح اختصاصها بمن لا يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم حتى السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم. و " دعوى ": أن السيرة شاملة للمقام لان صاحب الملكة ليس بعالم بالفعل. مما لا يمكن التفوه به أصلا لانه كيف يسوغ دعوى أن العقلاء يلزمون صاحب الملكة بالرجوع إلى من يحتمل انكشاف خطأه إذا راجع الادلة. بل قد يكون قاطعا بانه لو راجع الادلة لخطأه في كثير من استدلالاته ومثله لا يكون مشمولا للسيرة العقلائية يقينا ولا أقل من احتمال اختصاصها بمن لا يتمكن من الرجوع إلى الادلة.


(* 1) التوبة 9: 122. (* 2) تقدم في ص 16.

[ 32 ]

والمتحصل أن من له ملكة الاجتهاد - سواء لم يتصد للاستنباط أصلا أو استنبط شيئا قليلا من الاحكام - لابد له من أن يتبع نظره ويرجع إلى فتيا نفسه ولايجوز أن يقلد غيره، والاجماع المدعى في كلام شيخنا الانصاري " قده " أيضا مؤيد لما ذكرناه، لعدم كونه اجماعا تعبديا. " أما الجهة الثانية ": فالصحيح عدم جواز الرجوع إليه لان الادلة اللفظية المستدل بها على جواز التقليد من الايآت والروايات اخذت في موضوعها عنوان العالم والفقيه وغيرهما من العناوين غير المنطبقة على صاحب الملكة، إذ لا يصدق عليه العالم أو الفقيه لعدم كونه كذلك بالفعل. نعم له قدرة المعرفة والعلم بالاحكام وكذلك الحال في السيرة العقلائية لانها إنما جرت على رجوع الجاهل إلى العالم. وقد عرفت أن صاحب الملكة ليس بعالم فعلا فرجوع الجاهل إليه من رجوع الجاهل إلى مثله. هذا إذا لم يتصد للاستنباط بوجه. وأما لو استنبط من الاحكام شيئا طفيفا فمقتضى السيرة العقلائية جواز الرجوع إليه فيما استنبطه من أدلته فان الرجوع إليه من رجوع الجاهل إلى العالم حيث أن استنباطه بقية الاحكام وعدمه اجنبيان عما استنبطه بالفعل. نعم قد يقال إن الادلة اللفظية رادعة عن السيرة وأنها تقتضي عدم جواز الرجوع إليه إذ لا يصدق عليه عنوان الفقيه أو العالم بالاحكام أللهم إلا أن يستنبط جملة معتدا بها بحيث يصح أن يقال إنه عالم أو فقيه. ولكنه يأتي أن الادلة اللفظية لا مفهوم لها وأنها غير رادعة عن السيرة فانتظره " وأما الجهة الثالثة ": فالصحيح عدم نفوذ قضائه وتصرفاته في أموال القصر وعدم جواز تصديه لما هو من مناصب الفقيه وذلك لان الاصل عدمه لانه يقتضي أن لا يكون قول أحد أو فعله، نافذا في حق الآخرين إلا فيما قام عليه الدليل وهو إنما دل على نفوذ قضاء العالم أو الفقيه أو العارف بالاحكام أو غيرها

[ 33 ]

من العناوين الواردة في الاخبار، ولا يصدق شئ من ذلك على صاحب الملكة كما يأتي تفصيل هذه الجهة وسابقتها عند التعرض لاحكام التقليد والقضاء إن شاء الله هذا كله في احدى مرحلتي البحث في المقام. 2 - التجزي في الاجتهاد أعني من استنبط بعض الاحكام بالفعل ولا يتمكن من استنباط بعضها الآخر. والكلام فيه ايضا من جهات: " الاولى ": في امكان التجزى و استحالته. قد: يقال باستحالة التجزى في الاجتهاد نظرا إلى أنه ملكة كملكة الشجاعة أو السخاوة وغيرهما من الملكات. والملكة كيف نفساني بسيط غير قابل للتجزئة والتقسيم من التنصيف أو التثليث أو غيرهما وإنما القابل لذلك هو الكم فدائما يدور أمر الملكة بين الوجود والعدم ولا يعقل أن تتحقق متبعضة بان يقال إن لفلان نصف ملكة الشجاعة أو نصف ملكة الاجتهاد، إذا المتصدي للاستنباط إما أن يكون مجتهدا مطلقا وإما أن لا يتصف بالاجتهاد أصلا فالتجزي في الاجتهاد أمر غير معقول هذا. لكن المغالطة في هذه الدعوى بينة، لوضوح أن مدعي إمكان التجزي لا يريد بذلك أن ملكة الاجتهاد قابلة للتجزية وأن للمتجزى نصف الملكة أو ثلثها فانه كما مر غير معقول نظير دعوى أن زيدا له نصف ملكة الشجاعة - مثلا - بل مراده أن متعلق القدرة في المتجزى أضيق دائرة من متعلقها في المجتهد المطلق لانها فيه أوسع وتوضيحه: أن القدرة تتعدد بتعدد متعلقاتها فان القدرة على استنباط حكم مغائرة للقدرة على استنباط حكم آخر وهما تغائران القدرة على استنباط حكم ثالث نظير القدرة

[ 34 ]

على بقية الافعال الخارجية فان القدرة على الاكل غير القدرة على القيام وهما غير القدرة على التكلم وهكذا. كما أن من الواضح أن الاحكام تختلف بحسب سهولة المدرك والاستنباط وصعوبتهما فرب حكم اختلفت فيه الاقوال وتضاربت أدلته وأخباره، وحكم مدركه رواية واحدة ظاهرة الدلالة وتامة السند، ومن البديهي أن الاستنباط في الاول أصعب وفي الثاني أسهل. إذا يمكن أن يحصل للانسان ملكة وقدرة على الاستنباط في مسألة لسهولة مقدماتها ومداركها ولا يحصل له ذلك في مسألة اخرى لصعوبة مباديها ومأخذها، فالفرق بين الاجتهاد المطلق والتجزي انما هو في أن أفراد القدرة ومتعلقاتها في المتجزى أقل منها في المجتهد المطلق. فلا وجه للمناقشة في امكان التجزى بل في وقوعه فترى أن الرجل لقوة استعداده وكثرة ممارسته في الامور العقلية ومبادئها يتمكن من استنباط الاحكام الراجعة إلى مقدمة الواجب أو اقتضاء الامر بالشى النهى عن ضده أو اجتماع الامر والنهى أو غيرها من الاحكام الراجعة إلى المباحث العقلية. ولا يتمكن من ذلك فيما يرجع إلى الروايات ومباحث الالفاظ - مثلا - لعدم تبحره في تلك الابحاث وعدم مؤانسته معها. وربما يكون الامر بالعكس، كما أنه قد يتمكن من استنباط الاحكام المربوطة بالمعاملات لقلة رواياتها وعدم توقفه إلا على جملة من القواعد العامة وهي واضحة لديه ويعجز على الاستنباط في أبواب العبادات لكثرة ما فيها من الاحاديث المتعارضة هذا. بل لا يبعد أن يقال إن المطلق من الاجتهاد مسبوق بالتجزي - دائما - وأن أي مجتهد مطلق كان متجزيا في زمان ثم قوى وترقى شيئا فشيئا حتى تمكن من استنباط أكثر الاحكام أو كلها وذلك لان دعوى أن الرجل قد اصبح مجتهدا مطلقا من ساعته أو ليلته من غير أن يكون مسبوقا بالتجزي في زمان مما لا شاهد

[ 35 ]

له بل هي أمر غير عادي، ولا نستعهد وقوعه بوجه ولعله إلى ذلك أشار صاحب الكفاية " قده " بقوله: بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزي. نعم ليس ذلك من المستحيلات العقلية نظير اجتماع الضدين أو النقيضين. وذلك لان المسائل الفقهية في عرض واحد ولا تقدم لبعضها على بعض آخر زمانا أو رتبة بأن يكون التمكن من استنباط بعضها مقدمة للقدرة على استنباط بعضها الآخر حتى يتوهم أن المتأخر يستحيل أن يتحقق قبل حصول المتقدم حيث أن تحقق ذى المقدمة من دون مقدمته في المقام يستلزم الطفرة المحال فاي مانع - لدى العقل - من أن تحصل ملكة الاجتهاد المطلق دفعة واحدة؟ ولو بالاعجاز والافاضة من الله - جلت عظمته - هذا كله في امكان التجزي ووقوعه. " الجهة الثانية ": جواز رجوعه إلى الغير فيما استنبطه وعدمه. قد اتضح الحال في ذلك مما سردناه في الاجتهاد بالقوة والملكة بل الامر في المتجزى أوضح بحيث لو قلنا بجواز رجوع من له ملكة الاجتهاد إلى الغير - فرضا - لم نتمكن من الالتزام به في المقام، لان المتجزي عالم بما استنبطه من الاحكام بل قد يكون أعلم من غيره ورجوعه إلى الغير وقتئذ من رجوع العالم إلى العالم أو إلى الجاهل باعتقاده لانه قد يرى خطأه وهل يسوغ أن يرجع إلى من يعتقد خطأه في استنباطاته واجتهاده؟!. فيبنى - مثلا - على صحة الصلاة التي يعتقد فسادها لرجوعه إلى فتوى من يرى صحتها وهذا مما لا سبيل إلى الالتزام به وكذلك الحال بالاضافة إلى الادلة اللفظية لما تقدم من أنها مختصة بمن لا يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم فلا يشمل من يتمكن من تحصيلها فضلا عمن تصدى لذلك واستنبط جملة من المسائل و الاحكام. " الجهة الثالثة ": جواز الرجوع إليه وتقليده في ما استنبطه من الاحكام.

[ 36 ]

قد أسلفنا أن الموضوع للحكم بجواز الرجوع والتقليد انما هو عنوان العالم أو الفقيه أو غيرهما من العناوين التي لا تنطبق على من استنبط مسألة أو مسألتين ونحوهما فيشترط في جواز الرجوع إلى المتجزى أن يستنبط جملة معتدا بها من المسائل على نحو يصدق عليه عنوان الفقيه والعالم هذا كله حسبما تقتضيه الادلة اللفظية في المقام. وأما السيرة العقلائية فهي تقتضي جواز الرجوع إليه فيما استنبطه وإن كان قليلا غايته لانه من رجوع الجاهل إلى العالم حيث أن استنباطه واطلاعه على بقية المسائل وعدمهما اجنبيان عما علم به واستنبطه. وهذه السيرة هي المتبعة في المقام ويأتي عند التكلم على شرائط المجتهد أن الادلة اللفظية غير رادعة عنها بوجه. " الجهة الرابعة ": نفوذ قضائه وجواز أن يتصدى للامور الحسبية وعدمهما والصحيح عدم نفوذ قضاء المتجزى وعدم جواز أن يتصدى للامور الحسبية لان الموضوع في لسان الادلة المثبتة لهذه الاحكام إنما هو عنوان العالم والفقيه والعارف وغيرها من العناوين التي لا يصدق على من استنبط حكما أو حكمين ونحوهما فلا ينفذ قضاء المتجزى حتى يستنبط جملة معتدا بها من الاحكام ويصدق عليه العناوين المأخوذة في لسان الاخبار كما يأتي تفصيله في محله إن شاء الله. 4 - التخطئة والتصويب لاشبهة ولا خلاف في الامور النفس الامرية والواقعية التي لا يتوقف تحققها على اعتبار أي معتبر وفرض فارض وقد اطبقت كلماتهم (* 1) على أن العقل قد يصيبها في ادراكه وقد يخطى بلا فرق في ذلك بين أن يكون الامر الواقعي من


(1) نعم ذهب عبد الله بن الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع. كذا في المستصفى ج 2 ص 358 وكتاب الاحكام في اصول الاحكام للآمدي ج 4 ص 239.

[ 37 ]

قبيل الجواهر والاعراض كاكثر الموجودات الخارجية وأن يكون من غيرهما، لانا بينا في محله أن الامور الواقعية قد تكون موجودة في الخارج كالذوات الجوهرية والعرضية وقد تكون ثابتة - لا موجودة - وهذا كما في الاستحالة والامكان وغيرهما من الامور العقلية، حيث أن استحالة اجتماع الضدين أو النقيضين ثابتة في الواقع ونفس الامر من غير أن يتوقف على الاعتبار، إلا أنها ليست موجودة في الخارج كالجواهر والاعراض. وكيف كان لاسبيل إلى القول بالتصويب في تلك الامور، لانه يستلزم اجتماع الضدين أو النقيضين فانه إذا بنى أحد على امكان إعادة المعدوم - مثلا - وبنى آخر على استحالتها لا مناص من أن يكون أحد هذين النظرين خطاء وغير مطابق للواقع، إذ لازم اصابتهما في كلتا النظرتين أن يكون إعادة المعدوم ممكنة ومستحيلة وهذا ما ذكرناه من لزوم اجتماع الضدين أو النقيضين المحال فالتخطئة في تلك الامور مما لا كلام فيه. وإنما الكلام في الامور الاعتبارية والشرعيات وانها كالامور الواقعية مورد للتخطئة أو لابد فيها من الالتزام بالتصويب؟ نسب القول بالتصويب إلى جماعة من الاشاعرة والمعتزلة (* 1) وانهم ذهبوا


(* 1) ففي كتاب الاحكام في اصول الاحكام لابن حزم الاندلسي الظاهري ج 5 ص 70: ذهبت طائفة إلى أن كل مجتهد مصيب وأن كل مفت محق في فتياه على تضاده. وفي الاحكام في اصول الاحكام للآمدي ج 4 ص 246: المسألة الظنية من الفقيهات إما أن يكون فيها نص أو لا يكون فان لم يكن فيها نص فقد اختلفوا فيها فقال قول: كل مجتهد فيها مصيب وان حكم الله فيها لا يكون واحدا بل هو تابع لظن المجتهد فحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده وغلب على ظنه

[ 38 ]

إلى أن كل مجتهد مصيب وتبدل الرأى في الاحكام من باب التبدل في الموضوع كتبدل المسافر حاضرا أو العكس. والصحيح ان يقال: قد يطلق التصويب ويراد به أن قيام الطرق والامارات سبب لحدوث المصلحة فيما أدتا إليه وان تلك المصلحة تستتبع جعل الحكم على طبقها فلاحكم واقعى وراء ما أدت إليه الامارة عند المجتهد، والنتيجة ان الاحكام


هو قول القاضي أبي بكر وأبي الهذيل والجبائي وابنه. وقال آخرون: المصيب فيها واحد ومن عداه مخطئ، لان الحكم في كل واقعة لا يكون الا معينا لان الطالب يستدعي مطلوبا وذلك المطلوب هو الاشبه عند الله في نفس الامر وفي فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت المطبوع بهامش المستصفى للغزالي ج 2 ص 380: كل مجتهد في المسألة الاجتهادية اي فيما يسوغ فيه الاجتهاد مصيب عند القاضى ابى بكر والشيخ الاشعري كما قال أهل العراق وقال أهل خراسان لم يثبت عن الاشعري ونسب إلى الامام حجة الاسلام الغزالي قدس سره والمزنى من كبار اصحاب الشافعي رضى الله عنه وغيرهما. ولا يذهب عليك ما في هذا القول من الاشارة إلى ضعف هذه النسبة فلا تغفل. وهولاء ظنوا أن لاحكم لله تعالى في تلك الواقعات إلا أنه إذا وصل رأى المجتهد إلى امر فهو الحكم عند الله تعالى.. إلى أن قال وبعض منهم قالوا الحكم من الازل هو ما أدى إليه رأى المجتهد وعليه الجبائي من المعتزلة ونسبته إلى جميع المعتزلة لم تصح كيف والحسن أو القبح عندهم وفي مرتبة الذات فما فيه حسن واقعى هو الواجب لا يمكن أن يكون محرما وما فيه القبح الواقعي فهو محرم لا غير ولا ينقلب الحسن والقبح الذاتيان وإذا كان كل مجتهد مصيبا فالحق عندهم متعدد فعلى كل من ادى اجتهاده إلى حكم فهو الحكم وإذا ادى رأى آخر إلى آخر فهو الحكم عليه..

[ 39 ]

الواقعية تابعة لآراء المجتهدين وجعل الحكم متأخر عن قيام الامارة عليه وهذا هو المعبر عنه بالتصويب الاشعري. إلا أنه أمر غير معقول وذلك لانه لو لم يكن هناك حكم مجعول واقعا قبل قيام الامارة فالامارة تحكى عن أي شي؟ وأنها تودي إلى أي حكم وهل يعقل الكشف من دون مكشوف والحكاية من غير محكي؟! فلو توقف ثبوته على قيام الامارة عليه لدار، على ان لازمه اختصاص الاحكام الشرعية بمن قامت عنده الامارة وهو خلاف التسالم والاخبار الدالة على ان لله سبحانه في كل واقعة حكم يشترك فيه العالم والجاهل ومن قامت عنده الامارة ومن لم تقم. وقد يراد به ان في الواقع احكاما مجعولة حسبما فيها من المصالح المقتضية لجعلها وهى التي تحكى عنها الامارات إلا ان قيام الامارة سبب لحدوث مصلحة فيما أدت إليه أقوى مما فيه من المصلحة الواقعية ولذا يكون الحكم الفعلى المجعول على طبق الامارة ومؤداها دون الواقع، لان الاحكام الواقعية ليست بفعلية بل هي صورية وانشائية ولا تتصف بالفعلية الا فيما إذا ادت الامارة إليها فمن لم يقم عنده امارة على الحكم لم يكن حكم فعلى في حقه. وهذا هو المعبر عنه بالتصويب المعتزلي وهو وإن كان أمرا معقولا في نفسه فانه لامانع من ان تكون الاحكام الواقعية انشائية تتوقف فعليتها على قيام الامارة على طبقها وان تكون مختصة بالعالمين بها دون الجاهلين نظير اختصاص بعض الاحكام ببعض المكلفين دون بعض كاحكام النساء المختصة بهن دون الرجال. إلا ان الاجماع قد انعقد على أن الامارة لا تكون مغيرة للواقع ولا تمس كرامته بوجه بل ادعى شيخنا الانصاري " قده " أن وجود الحكم المشترك بين الجاهل والعالم مما تواترت عليه الاخبار والآثار (* 1) ومعه لا يبقى لتوهم اختصاص


(* 1) لعله " قده " ينظر بذلك إلى الاخبار الآمرة بالتوقف أو الاحتياط -

[ 40 ]

الاحكام بالعالمين بها بل هي تعمهم والجاهلين فحالها حال بقية الامور الواقعية التي قد تصاب وقد تخطأ. على أن ذلك هو الذي تقتضيه اطلاقات الادلة في نفسها كما دل على حرمة الخمر ونجاستها أو على مملكية شى أو سببيته للضمان أو غير ذلك من الاحكام لان مقتضى اطلاقها عدم اختصاص مد اليلها بالعالمين وأن الخمر محرمة وموت المورث سبب لملكية الوارث علم بهما أم لم يعلم قام هناك طريق على الخلاف أم لم يقم هذا. وقد يتوهم أن تعميم الاحكام للجاهلين لازمه اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد وهو مستحيل وذلك لان مقتضى اطلاق الدليل لو كان ثبوت الحكم الواقعي حتى على الجاهلين فالجاهل محكوم بذلك الحكم الواقعي لامحاله، كما أنه محكوم بحكم آخر يخالفه أو يماثله وهو الحكم الظاهرى المدلول عليه بالامارات أو الاصول الجارية في حق الجاهل بالحكم الواقعي إذا يكون المكلف موردا لحكمين متنافيين أو متماثلين. إلا أن هذه الشبهة قد أجبنا عنها في أوائل بحث الظن مفصلا وبينا أن الاحكام الواقعية غير متنافية مع الاحكام الظاهرية فليراجع هذا كله بالاضافة إلى الاحكام الواقعية. أما الاحكام الظاهرية فلها مرحلتان: مرحلة الجعل: أعنى جعل الحكم على موضوعه المقدر الوجود كما هو شأن القضايا الحقيقية


أو غيرها مما يدلنا بالدلالة الالتزامية على أن الاحكام الواقعية مشتركة بين العالمين والجاهلين وإلا فلم ترد على ذلك رواية واحدة فيما عثرنا عليه فضلا عن أن تكون متواترة.

[ 41 ]

سواءأ كان موضوعها أمرا متحققا وموجودا في الخارج أم لم يكن له وجود أصلا، لان الحكم إنما جعل عليه على تقدير وجوده وتحققه ومن هنا قلنا إن القضية الحملية مرجعها إلى القضية الشرطية وبالعكس. ومرحلة الفعلية: التي نعبر عنها بمرتبة المجعول ونريد بها ما إذا وجد موضوع الحكم وتحقق خارجا. أما مرحلة الجعل فلا ينبغى الاشكال في أن الاحكام الظاهرية كالاحكام الواقعية في تلك المرحلة فقد تخطأ وقد تصاب وذلك لان القول فيها بالتصويب ايضا يستلزم اجتماع الضدين أو النقيضين فترى أن مثل الاستصحاب مورد للاراء المتخالفة فمنهم من ذهب إلى حجيته مطلقا كصاحب الكفاية وغيره ومنهم من ذهب إلى عدم اعتباره في الشبهات الحكمية كما اخترناه. ومنهم من فصل بين الشك في المقتضى والشك في الرافع ومنهم من ذهب إلى غير ذلك من التفاصيل المذكورة في محلها. ومن البديهى عدم امكان مطابقة الاقوال المذكورة للواقع باجمعها لانه يستلزم جعل الحجية على الاستصحاب وعدم جعلها وهو ما قدمناه من المحذور فلا مناص من أن يكون أحدها مطابقا للواقع دون غيره فالاحكام الظاهرية في مرحلة جعلها مما لا يمكن فيه الالتزام بالتصويب. وأما بحسب مرحلة الفعلية فالاحكام الظاهرية فيها مما لا يتصور فيه التردد والخطاء ولابد فيها من الالتزام بالتصويب لان الاختلاف فيها في تلك المرحلة يستند - دائما - إلى التبدل في الموضوع ولعله لاجل ذلك أخذوا العلم في تعريفهم للفقه وقالوا: الفقه هو العلم بالاحكام الشرعية... وتوضيح ما ذكرناه:

[ 42 ]

أن أحدا إذا بنى على وجوب الاحتياط - مثلا - عند دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين لمكان العلم الاجمالي بوجوب أحدهما وعدم انحلاله وبنى آخر على جريان البرائة عن الاكثر لانحلال العلم الاجمالي باليقين بوجوب الاقل والشك في وجوب الزائد عليه، أو اختلفا في جريان البرائة عن حرمة وطئ الزوجة بعد انقطاع دمها وقبل الاغتسال فقال أحدهما بجريانها لعدم جريان استصحاب الحرمة عنده وقال الآخر بعدم جريانها لانه مورد لاستصحاب الحرمة المتيقنة قبل انقطاع حيضها، أو اختلفا في غير ذلك من الاحكام الظاهرية فلا ينبغى التأمل في عدم امكان مطابقة كلتا النظريتين للواقع لاستلزامه كون الاستصحاب أو البرائة - مثلا - حجة في مورد وعدم كونه حجة فيه فاحداهما خطأ بحسب مرحلة الجعل والثبوت فلا مجال للتصويب في تلك المرحلة كما مر. وأما بحسب مرحلة المجعول والوظيفة الفعلية أعنى ظرف تحقق الموضوع في الخارج وهو الشك - في الاصول - فليس ما بنى عليه كل منهما قابلا للتردد والشبهة عنده لان المجتهد إذا بنى على عدم انحلال العلم الاجمالي في المثال فوظيفته الاحتياط لمكان العلم الاجمالي وكونه منجزا للتكليف ولا يتصور في ذلك الخطاء، كما أن وظيفة من يرى انحلال العلم الاجمالي حينئذ هو البرائة للشك في وجوب الزائد على الاقل - بالوجدان - وكذا الحال في المثال الثاني وغيره من الموارد فكل مجتهد عالم بالاضافة إلى الاحكام الظاهرية الفعلية لعلمه بتحقق موضوعاتها وهو مصيب فيما هو الوظيفة الفعلية وإن كان يحتمل الخطأ في عقيدته ومسلكه بحسب مرحلة الجعل كما مر إذا صح أن يقال إن كل مجتهد مصيب في الاحكام الظاهرية حسب مرحلة الفعلية والمجعول. وعلى الجملة ان الحكم الظاهرى قد اخذ في موضوعه الشك فمن لم يتم عنده انحلال العلم الاجمالي فهو يحتمل العقاب على ترك الاكثر فوظيفته الاحتياط، ومن

[ 43 ]

أحرز الانحلال فيشمله حديث الرفع وجدانا فهو لا يحتمل العقاب. وكذلك مسألة الحائض فان من تم عنده الاستصحاب لا يمكنه الرجوع إلى البراءة، لانه غير شاك في الحكم، ومن لم يتم عنده فهو لم يصله الحكم وتجرى في حقه البرائة، إذا لاخطأ في الاحكام الظاهرية في مرحلة المجعول، وانما الاختلاف فيها من جهة الاختلاف والتبدل في الموضوع. هذا كله في الشبهات الحكمية. وبذلك ظهر الحال في الشبهات الموضوعية لان من قامت البينة عنده على نجاسة شي فوظيفته الاجتناب عنه لقيام البينة على نجاسته كما أن من لم تقم عنده البينة على نجاسته وظيفته الحكم بطهارته حسب قاعدة الطهارة لتحقق موضوعها بالوجدان أعنى الشك في طهارته وهو أمر غير قابل للخطأ كما تقدم. فالاختلاف في الاحكام الظاهرية من باب التبدل في الموضوع وليس من الاختلاف على موضوع واحد كما في الاحكام الواقعية والامور النفس الامرية. 5 - الاجزاء إذا تبين أن المجتهد قد يصيب في استنباطاته فيطابق رأيه الواقع وقد يخطى وهو معذور تحققت مسألة اخرى في المقام وهي إجزاء الاحكام الظاهرية عن الاحكام الواقعية على تقدير خطائها وعدمه. وذلك لانا لو التزمنا بالتصويب في الاحكام الشرعية لم يبق مجال لمسألة الاجزاء عند انكشاف خطأ الاحكام الظاهرية لانه لا موضوع معه لانكشاف الخلاف فان كل مجتهد مصيب كما يأتي تفصيله والتبدل في الرأى من باب تبدل الحكم الواقعي بتبدل موضوعه وليس من باب انكشاف الخلاف فلا موقع للتكلم في الاجزاء حينئذ. نعم إذا بنينا على التخطئة - كما هو الصحيح تحقق الموضوع

[ 44 ]

لتلك المسألة وأمكن التكلم على أن الحكم الظاهري عند انكشاف خطائه وخلافه هل يجزى عن الواقع فلا تجب إعادته أو قضائه أولا؟ فنقول: إن انكشاف الخلاف في الاحكام الظاهرية قد يكون بالعلم وعدم مطابقتها مع الواقع وجدانا بان يقطع المجتهد - مثلا - على أن فتواه السابقة مخالفة للواقع. وقد ادعي الاجماع على عدم الاجزاء في تلك الصورة وذلك لعدم امتثال الحكم الواقعي وبقائه بحاله. وقد يكون بقيام حجة معتبرة على الخلاف وهل يجزى الاتيان بالمأمور به الظاهري عن الواجب واقعا إعادة أو قضاء أو لا يجزي؟ فيه خلاف فقد يقال بالاجزاء مطلقا واخرى يلتزم بعدمه كذلك وفصل الماتن " قده " بين العبادات والمعاملات بالمعنى الاخص أعني العقود والايقاعات وبين غيرهما من الاحكام الوضعية والتكليفية. حيث ذكر في المسألة الثالثة والخمسين: إذا قلد من يكتفى بالمرة - مثلا - في التسبيحات الاربع واكتفى بها أو قلد من يكتفى في التيمم بضربة واحدة ثم مات ذلك المجتهد فقلد من يقول بوجوب التعدد لا يجب عليه إعادة الاعمال السابقة وكذا لو أوقع عقدا أو ايقاعا بتقليد مجتهد يحكم بالصحة، ثم مات وقلد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة. نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضي فتوى المجتهد الثاني. وأما إذا قلد من يقول بطهارة شى كالغسالة ثم مات وقلد من يقول بنجاسته فالصلوات والاعمال السابقة محكومة بالصحة وإن كانت مع استعمال ذلك الشى وأما نفس ذلك الشي إذا كان باقيا فلا يحكم بعد ذلك بطهارته. وكذا في الحلية والحرمة فإذا افتى المجتهد الاول بجواز الذبح بغير الحديد - مثلا - فذبح حيوانا كذلك فمات المجتهد وقلد من يقول بحرمته، فان باعه أو أكله حكم بصحة البيع واباحة الاكل. وأما إذا كان الحيوان المذبوح موجودا فلا يجوز بيعه ولا أكله وهكذا.

[ 45 ]

وحاصله أن في العقود والايقاعات وكذلك العبادات يجوز للمقلد أن يرتب آثار الصحة عليهما ولو بحسب البقاء بأن يعمل فيهما على فتوى المجتهد السابق وإن علم مخالفتهما للواقع بحسب فتوى المجتهد الذي قلده ثانيا وهذا بخلاف الاحكام الوضعية أو التكليفية فان العمل فيهما على فتوى المجتهد السابق يختص بصورة انعدام موضوعهما وأما مع بقائه فلابد من العمل على فتوى المجتهد الذي قلده ثانيا هذا. إلا أنه لا يرجع إلى محصل معقول فان فتوى المجتهد السابق إن كانت حجة على مقلديه وجاز تطبيق العمل عليها بحسب البقاء فهى كذلك في كلا الموردين وإن لم تكن كذلك ولم يجز تطبيق العمل عليها بقاء فهى أيضا كذلك في كليهما. أللهم إلا أن يدعى أن الاجزاء على خلاف القاعدة ولا يمكن الالتزام به إلا بدليل وقد قام الدليل عليه - وهو الاجماع - في العبادات والمعاملات بالمعنى الاخص دون غيرهما. وسيأتى الجواب عن ذلك قريبا إن شاء الله فهذا التفصيل لاأساس له إذا لابد من الالتزام اما باجزاء الاحكام الظاهرية مطلقا وإما بعدمه كذلك. وتفصيل الكلام في المسألة: أن حجية الطرق والامارات لو قلنا إنها من باب السببية دون الطريقية بان يكون قيام الامارة سببا لحدوث مصلحة في المودى ففى المعاملات بالمعنى الاخص أعنى العقود والايقاعات وكذا المعاملات بالمعنى الاعم كما في الطهارة والنجاسة والجامع الاحكام الوضعية باجمعها لا يتحقق انكشاف خلاف قط ووجهه: أن الاحكام الوضعية ليست متعلقة بافعال المكلفين لتكون كالاحكام التكليفية تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها بل الاحكام الوضعية تتعلق بالموضوعات الخارجية غالبا كما في الملكية والزوجية ونحوهما فلا معنى لكون متعلقاتهما ذات مصلحة أو مفسدة بل الاحكام الوضعية تتبع المصالح والمفاسد في جعلها وانشائها.

[ 46 ]

فإذا أدى اجتهاده - مثلا - إلى أن المعاطاة مفيدة للملكية اللازمة ثم قامت عنده الامارة على أنها لا تفيد إلا الاباحة لاشتراط الصيغة في البيع كانت الامارة القائمة على كون المعاطاة مفيدة للملك موجبة لحدوث مصلحة في الحكم بالملكية اللازمة في المعاطاة كما أنها إذا قامت على الاباحة أوجبت حدوث مصلحة في الحكم بالاباحة بسببها ومعه لا معنى لانكشاف الخلاف في الاحكام الوضعية إذ المصلحة في الحكم بالملكية انما تحققت بقيام الحجة على أن المعاطاة تفيد الملكية، كما أن المصلحة في الحكم بالاباحة كذلك إذا ما معنى انكشاف الخلاف في مثلها؟ فان ذلك من باب التبدل في الموضوع كتبدل الحاضر مسافرا أو العكس. إذ المجتهد قبل أن تقوم عنده الامارة على الاباحة - مثلا - كان ممن قامت عنده الحجة على حصول الملكية بالمعاطاة وهو موضوع لاتصاف الحكم بالملكية بالصلاح، وليس هذا من انكشاف الخلاف في شئ وعلى ذلك لا مناص من الالتزام فيها بالاجزاء. وأما الاحكام التكليفية فان كانت السببية فيها بمعنى أن قيام الامارة من الاسباب الموجبة لحدوث المصلحة في الفعل الذي أدت الامارة إلى وجوبه - مثلا - من غير أن تكون موجبة لانسلاخ الواقع عن مصلحته وانصراف المصلحة إلى المودى. بل مع بقاء الواقع على مصلحته تتولد مصلحة اخرى فيما دلت الامارة على وجوبه فالالتزام بها - بهذا المعنى - لا ينافي الطريقية بوجه وغاية الامر أن الامارة تدل على أن مصلحة اخرى متحققة في شئ آخر أيضا. إذا يتحقق فيها انكشاف الخلاف لان الامارة المؤدية إلى وجوب القصر على المكلف في مورد وإن كانت موجبة لحدوث مصلحة فيه حقيقة إلا أن مصلحة الواقع أعنى وجوب التمام باقية بحالها فلو قامت الحجة عند المكلف بعد ذلك على وجوب التمام انكشف أن المكلف العامل بالامارة إنما استوفى مصلحة اخرى غير

[ 47 ]

المصلحة القائمة بالواجب الواقعي، وحيث أنها باقية بحالها ولم تستوف على الفرض فلابد من الاتيان بالواجب الواقعي بعد ذلك أعادة أو قضاء ومن هنا قلنا إن السببية - بهذا المعنى - غير منافية للطريقية ولا مستلزمة للقول بالاجزاء. وأما إذا كانت السببية في الاحكام التكليفية بمعنى كون الامارة سببا لسلب المصلحة عن التمام وانصرافها إلى ما أدت الامارة إلى وجوبه بان تكون الامارة القائمة على وجوب القصر - في المثال - موجبة لسلب المصلحة عن التمام وصرفها إلى القصر. أو كانت السببية بمعنى كون الامارة موجبة لحدوث مصلحة في المودى بها يتدارك مصلحة الواجب الواقعي الفائتة عن المكلف على الفرض. فلم يتصور فيها انكشاف الخلاف بل لابد من الالتزام فيها بالاجزاء، فان قيام الامارة على الخلاف حينئذ من باب التبدل في الموضوع كما عرفته في الاحكام الوضعية، إذ المصلحة في القصر انما هي بالاضافة إلى من قامت الحجة عنده على وجوبه كما أن الموضوع لتحقق المصلحة في الاتمام إنما هو من قامت الحجة عنده على وجوب التمام وقد كان المكلف قبل قيام الامارة عنده على وجوب التمام مندرجا في الموضوع الاول واندرج في الثاني بعد قيام الامارة على وجوبه. هذا بناء على الصرف. وأما على التدارك فالامر ايضا كذلك لان المكلف لم يفته شى من المصلحة - على ذلك - سواء انكشف الخلاف في الوقت أو في خارجه هذا كله بناء على السببية في الطرق والامارات. وأما على القول الآخر وهو كون الحجج والامارات معتبرة من باب الطريقية - كما هو الصحيح - حيث أن حجية الطرق والامارات في الشريعة المقدسة ليست تأسيسية وجعلية وإنما هي امضائية - في الجميع - بمعنى أن أية أمارة كانت معتبرة عند العقلاء على ما استكشفنا من سيرتهم قد أبقاها الشارع على حجيتها وامضى اعتبارها. والعقلاء انما كانوا يعاملون مع بعض الاشياء معاملة العلم والقطع من

[ 48 ]

حيث كونهما منجزين على تقدير الاصابة ومعذرين على تقدير الخطاء وهو معنى الطريقية والكاشفية، وليس عند العقلاء طريق اعتبروه من باب السببية أي لكونه سببا لايجاد مصلحة في المودى ليمضيها الشارع كذلك ويبقيها بحالها، كما أن الشارع لم يعتبر حجية الحجج والامارات تأسيسا ليتوهم أنها صارت حجة من باب السببية عند الشارع، إذا ليست من السببية عين ولا أثر في شئ من الطرق، واعتبارها إنما هو من باب المنجزية والمعذرية - إى الطريقية - فحسب. فهل مقتضى القاعدة في موارد تبدل الرأى أو العدول من مجتهد إلى مجتهد آخر متخالفين في الفتوى أو غير ذلك من الموارد التي يجمعها انكشاف الخلاف في الاحكام الظاهرية هو الاجزاء إلا فيما دل الدليل على عدمه، أو أن القاعدة تقتضي وجوب الاعادة أو القضاء وعدم الاجزاء في الاحكام الظاهرية إلا أن يدل عليه دليل؟ فنقول: قبل الشروع في تحقيق المسألة أن كلامنا في أن العمل على طبق الاجتهاد السابق أو فتوى المجتهد الاول مجزء عن الواقع عند انكشاف الخلاف إنما هو في الموارد التي لو علمنا فيها بمخالفة العمل المأتي به على طبق الحجة السابقة مع الواقع لوجبت إعادته أو قضائه. وأما الموارد التي لا يجب فيها الاعادة ولا القضاء حتى مع العلم بالمخالفة فهي خارجة عن محل الكلام. وذلك كما إذا صلى من دون سورة معتقدا أن فتوى مجتهده ذلك ثم على أن فتواه وجوب السورة في الصلاة فانه لا تجب عليه إعادة صلاته أو قضائها لحديث لا تعاد (* 1) حتى فيما إذا كان عمله على خلاف فتوى كل من المجتهد السابق والمجتهد


(* 1) وهو صحيحة زرارة عن ابي جعفر ع قال: لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود. المروية في ب 3 من ابواب الوضوء و 1 من ابواب افعال الصلاة وغيرهما من الابواب المتعددة من الوسائل.

[ 49 ]

الذي يجب أن يقلده - بالفعل - كما إذا افتى كلاهما بوجوب السورة مثلا، وعلى الجملة أن محل النزاع هو ما إذا كان النقص الواقع في العمل مستلزما للبطلان كما إذا كان في الاركان. وأما موارد فقد ان العمل لجزء أو شرط غير ركني لا يبطل العمل بتركه إذا كان مستندا إلى الحجة فهى أجنبية عن محل الخلاف. نعم خروج تلك الموارد إنما هو على مسلكنا من أن حديث لا تعاد لا يختص الناسي فحسب. بل يعم الجاهل القاصر إذا كان عمله مستندا إلى حجة شرعية مخالفة للواقع. وأما بناء على عدم شموله الجاهل كما ذهب إليه شيخنا الاستاذ " قده " واصر على اختصاص الحديث بالناسى (* 1) فحسب فهى أيضا مندرجة في محل الكلام فيتكلم في أن العمل على طبق الحجة السابقة هل يجزي عن الواقع؟ لان الترك حينئذ لا يستند إلى النسيان حتى يجرى فيه الحديث. كما أن محل الكلام إنما هو فيما إذا كان بطلان العمل مستندا إلى استكشاف المجتهد أو استنباط المجتهد الثاني من الادلة بطلان الاعمال الصادرة على طبق الحجة السابقة بان يفتى ببطلانها. لا ما إذا كان مستندا إلى الاحتياط وأصالة الاشتغال إذ الحكم ببطلان الاعمال المتقدمة لو إستند إلى الاحتياط وقاعدة الاشتغال لم يكن عدم وجوب القضاء في خارج الوقت موردا للكلام والاشكال.


(* 1) وذكر في وجه ذلك ما حاصله: أن مورد النفي والاثبات في الصحيحة إنما هو الاعادة. كما ترى فهي انما تدل على نفي وجوب الاعادة عمن هو مأمور بالاعادة امتنانا وهو الناسي لاغيره لعدم امكان تكليفه بالواقع نفسه، فناسى السورة مثلا لا يكلف باتيانها ولا يمكن أن يوجه عليه الامر بقراءتها لفرض نسيانها وانما يكلف بالاعادة فيقال له: أعد صلاتك أو لا تعدها. ففي هذه الموارد ينفي وجوب الاعادة عن الناسي في الصلاة للحديث. -

[ 50 ]

وذلك لانه بامر جديد، وموضوعه الفوت ومع اتيان العمل في الوقت على طبق الحجة الشرعية لا يمكن احراز الفوت بوجه لاحتمال أن يكون ما اتى به مطابقا للواقع، ومع عدم احرازه يرجع إلى أصالة البرائة عن وجوب القضاء فهذه الصورة ايضا ينبغي أن تكون خارجة عن محل النزاع. فتلخص أن مورد الكلام هو ما إذا كان العمل المأتي به على طبق الحجة السابقة فاقدا لجز أو شرط ركني يبطل العمل بالاخلال به وكان بطلانه مستندا إلى الافتاء به لا إلى أصالة الاشتغال والاحتياط.


- وأما الجاهل القاصر فهو قد أخل بما أخل به وتركه متعمدا لاجتهاده أو فتوى مقلده. ومن الواضح أن تارك السورة متعمدا - لجهله بوجوبها انما يكلف باتيان الواقع نفسه. لا أنه يكلف باعادته فيقال له إقرء السورة، لما هو الصحيح المقرر عندنا من أن الاحكام الواقعية مشتركة بين العالمين والجاهلين ولايقال له أعد صلاتك. ومع كونه مكلفا بالاتيان بنفس الواجب والواقع لا يكلف بالاعادة لينفى عنه وجوبها اذلا يختص الحديث بالناسى فحسب، ولا يمكن التمسك به في الجاهل القاصر هذا. وما افاده " قده " لا يمكننا المساعدة عليه وذلك لان كون الجاهل مكلفا بنفس الواقع وان كان صحيحا كما افيد إلا أن ذلك انما هو فيما امكن التدارك في حقه، لا فيما لم يتمكن من تداركه مثلا إذا ترك السورة في صلاته لعدم وجوبها عنده فدخل في الركوع وقامت الحجة وقتئذ على وجوب السورة في الصلاة لم يكلف باتيان الواقع نفسه لعدم تمكنه من التدارك لانه قد دخل الركن ومضى محل السورة. بل لابد من ايجاب الاعادة عليه فيقال له: أعد أولا تعد ولا يكلف بقرائة السورة بوجه. وعلى هذا لا مانع من شمول الحديث للجاهل كالناسي لانه ايضا مكلف بالاعادة لدى العقل، والشارع قد لغى وجوبها للامتنان.

[ 51 ]

فهل مقتضى القاعدة حينئذ هو الحكم ببطلان الاعمال الصادرة على طبق الحجة السابقة وعدم كونها مجزئة عن المأمور به الواقعي أو أن الامر بالعكس؟ الصحيح هو الاول لان الصحة إنما تنتزع عن مطابقة العمل للمأمور به فإذا فرضنا عدم مطابقتهما حكم ببطلانه، والحكم بان غير الواقع مجزء عن الواقع يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه. وقد يقال: إن الاجزاء هو المطابق للقاعدة ويستدل عليه بوجوه: " منها ": أن انكشاف الخلاف إذا كان بقيام حجة معتبرة على الخلاف لا علم بكون الاجتهاد السابق على خلاف الواقع كما هو الحال فيما إذا كان الانكشاف بالعلم الوجداني بالخلاف. بل الاجتهاد السابق كاللاحق فكما يحتمل أن يكون الاجتهاد الثاني مطابقا للواقع كذلك يحتمل أن يكون الاجتهاد الاول كذلك فهما متساويان، وإن كان يجب عليه وعلى مقلديه أن يطبقوا أعمالهم على


والمتحصل انه لو أخل بشي من أجزاء الصلاة أو شرائطها استنادا إلى حجة معتبرة عنده ثم عدل عن اجتهاده وبنى على اعتبار ما تركه في الصلاة لم تجب اعادتها فالحديث يشمل الجاهل القاصر ايضا الا في موارد دل النص على وجوبها كما إذا كبر قائما وكانت وظيفته الجلوس أو العكس لما في موثقة عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل وجبت عليه صلاة من قعود فنسى حتى قام وافتتح الصلاة وهو قائم ثم ذكر. قال: يقعد ويفتتح الصلاة وهو قاعد، ولا يعتد بافتتاحه الصلاة وهو قائم وكذلك إن وجبت عليه الصلاة من قيام فنسى حتى افتتح الصلاة وهو قاعد فعليه ان يقطع صلاته ويقوم فيفتتح الصلاة وهو قائم ولا يقتدى (ولا يعتدي) بافتتاحه وهو قاعد، المروية في ب 13 من ابواب القيام من الوسائل.

[ 52 ]

الاجتهاد اللاحق دون السابق. وهذا لاجل أن الاجتهاد اللاحق لا يكشف عن عدم حجية الاجتهاد السابق في ظرفه، لان انكشاف الخلاف في الحجية أمر غير معقول كما يأتي بيانه بل بمعنى أن السابق يسقط عن الحجية في ظرف الاجتهاد الثاني مع بقائه على حجيته في ظرفه، وعليه فالتبدل في الحجية من التبدل في الموضوع ومعه لا وجه لبطلان الاعمال المتقدمة المطابقة مع الاجتهاد السابق لفرض أنه متصف بالحجية في ظرف الاجتهاد اللاحق. وتوضيحه: أن الاحكام الظاهرية وإن كانت كالاحكام الواقعية بحسب الجعل والانشاء فتجعل الحجية على الحجج والامارات كما تجعل الحرمة - مثلا - على موضوعاتها على نهج القضايا الحقيقية فلا يفرق الحال بينهما في تلك المرحلة إلا أن الاحكام الظاهرية تغائر الاحكام الواقعية في شئ: وهو أنه لا يترتب على الاحكام الظاهرية في مرحلة جعلها وانشائها أثر بوجه. بل انشائها كعدمه، لان النتيجة المطلوبة من جعلها إنما هي المنجزية والمعذرية وهاتان إنما تترتبان على الحجية الفعلية ولا تتصف الحجية بها - أي بالفعلية - إلا بعد وصولها إلى المكلف صغرى وكبرى بحيث لو وصلته الكبرى دون الصغرى أو العكس لم يكد يترتب على الحجية شى من التنجيز والتعذير - مثلا - إذا علم المجتهد أن البينة حجة في الشريعة المقدسة، ولم يعلم قيامها على نجاسة موضوع خارجي أو علم بانها قامت على نجاسته إلا أنه لم تصل إليه حجية البينة لم تكن نجاسة الموضوع الخارجي متنجزة في حقه وإنما هو أمر مشكوك الطهارة والنجاسة فيحكم بطهارته حقيقة. وعلى الجملة أن التنجيز والتعذير يترتبان على الحجية الواصلة لا على مجرد الحجية الانشائية ومن هنا ذكرنا في بعض أبحاثنا أن الاصول العملية والاحكام

[ 53 ]

الظاهرية مما لا يتحقق له شبهة مصداقية، حيث أن موضوعها الشك وهو أمر وجداني إما أن يوجد وإما أن لا يوجد في الخارج. وبعبارة اخرى ان الحجية إن وصلت إلى المكلف بكبراها وصغراها فلا موضوع للاصل العملي وإن لم تصله باحدى مقدمتيها فموضوع الاصل العملي وهو الشك موجود حقيقة - مثلا - إن البينة في المثال إن كانت وصلت حجيتها إلى المكلف بكلتا المقدمتين فلا يبقى للاستصحاب مجال، إذ لا شك في نجاسة الموضوع الخارجي حينئذ، وإذا لم تصل جرى فيه الاستصحاب للشك في طهارته ونجاسته وإذا عرفت أن الحجية متقومة بالوصول ولا أثر لغير الواصلة ظهر أنه لا موجب لاستكشاف عدم حجية الاجتهاد السابق عند تبدل الرأى والاجتهاد بل الاجتهاد الاول متصف بالحجية في ظرفه ولا يمكن رفع اليد عنه إلا بعد وصول الحجة الثانية فان بوصولها تسقط الحجة السابقة عن الاعتبار مع بقائها على وصف الحجية في ظرفها، لا أن الثانية تكشف عن عدم حجية السابقة في ظرفها. وكذلك الحال فيما إذا ظفرنا بما يدلنا على خلاف الاستصحاب الجارى - في المثال - لانه لا يكشف عن عدم حجية الاستصحاب في ظرفه فانه متصف بها في وقته وإنما يسقط عنها بالظفر بما دل على الخلاف. ومن هنا قلنا إن انكشاف الخلاف في الحجية أمر غير معقول والتبدل في الحجية - دائما - من التبدل في الموضوع وعلى ذلك لا موجب لاعادة الاعمال الصادرة على طبق الاجتهاد الاول أو قضائها لكونها صادرة على طبق الحجة الفعلية في زمانها هذا. ولا يخفى أن هذه الدعوى وإن كانت صحيحة في نفسها، لان الحجية متقومة بالوصول وهذا لا بمعنى استحالة انشائها فان امكان انشاء الحجية كانشاء غيرها من الاحكام الشرعية على نهج القضايا الحقيقية بمكان من الوضوح. بل بمعنى أن الاثر المرغوب منها وهو التنجيز والتعذير لا يترتب عليها إلا بعد وصولها وفعليتها

[ 54 ]

ولا معنى لانكشاف الخلاف في الحجية وإنما التبدل في الموضوع كما عرفت. إلا أن الاجزاء - في محل الكلام - لا يكاد يترتب على الدعوى المذكورة بوجه وذلك لان قيام الحجة الثانية وإن كان لا يستكشف به عن عدم حجية الاجتهاد الاول - مثلا - في ظرفه إلا أن مقتضاها ثبوت مدلولها في الشريعة المقدسة من الابتداء لعدم اختصاصه بعصر دون عصر إذا العمل المأتى به على طبق الحجة السابقة باطل لانه مقتضى الحجة الثانية ومعه لابد من اعادته أو قضائه. واحتمال المخالفة مع الواقع وإن كان تشترك فيه الحجتان إلا أن هذا الاحتمال يلغى في الحجة الثانية حسب أدلة اعتبارها ولا يلغى في الاولية لسقوطها عن الاعتبار ومجرد احتمال المخالفة يكفى في الحكم بالاعادة أو القضاء لانه لا مؤمن معه من العقاب وحيث أن العقل مستقل بلزوم تحصيل المؤمن فلا مناص من الحكم بوجوب الاعادة على طبق الحجة الثانية لان بها يندفع احتمال الضرر بمعنى العقاب هذا كله في الاعادة. وأما القضا فهو أيضا كذلك لان مقتضى الحجة الثانية أن ما اتى به المكلف على طبق الحجة السابقة غير مطابق للواقع فلابد من الحكم ببطلانه ومعه يصدق فوت الفريضة وهو يقتضى وجوب القضاء وعلى ذلك لابد من الحكم بعدم الاجزاء في موارد التبدل في الرأى أو موت المجتهد والرجوع إلى مجتهد آخر بلا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات بالمعنى الاخص أو المعاملات بالمعنى الاعم ولا بين الاحكام التكليفية والاحكام الوضعية. و " منها " ما استدل به بعض مشايخنا المحققين " قدهم " حيث ذهب إلى الاجزاء وعدم انتقاض الاثار السابقة في أمثال المقام واستدل على ذلك في كل من الاحكام التكليفية والوضعية بوجه وحاصل ما ذكره في رسالة الاجتهاد والتقليد وفي تعليقته على المكاسب في مسألة ما إذا اختلف المتعاقدان اجتهادا أو تقليدا في شروط الصيغة:

[ 55 ]

أن الاحكام الوضعية - الاعم مما في موارد المعاملات بالمعنى الاعم والمعاملات بالمعنى الاخص - إنما تتعلق بحسب الغالب على الاجسام والموضوعات الخارجية - كما مر - ومن الظاهر أن الجسم الخارجي لا معنى لقيام المصلحة به حتى يكون الاحكام الوضعية تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها فلا مناص من أن تكون تابعة للمصالح في جعلها واعتبارها، فإذا أدت الحجة إلى أن المعاطاة مملكة أو أن الصيغة الفارسية كافية في العقود فقد وجدت المصلحة في جعل الملكية في المعاطاة أو الزوجية في العقد غير العربي وهكذا. فإذا قامت الحجة الثانية على أن المعاطاة مفيدة للاباحة أو أن العربية معتبرة في الصيغة لم يستكشف بذلك أن الملكية في المعاطاة أو الزوجية في العقد الفارسى غير متطابقين للواقع وذلك لان الاحكام الوضعية لاواقع لها سوى أنفسها والمفروض أنها تتحق بقيام الحجة الاولية فلا يستكشف بسببها أن جعل الملكية في المعاطاة - مثلا - لم يكن على وفق المصلحة إذ لو لم تكن هناك مصلحة تدعوا إلى جعلها واعتبارها لم يمكن للشارع أن يعتبرها بوجه. نعم يستكشف بالحجة الثانية أن المصلحة من لدن قيامها إنما هي في جعل الاباحة في المعاطاة لا في جعل الملكية أو أنها في جعل الزوجية في العقد العربي لا الفارسى فقيام الحجة الثانية على الخلاف إنما هو من باب التبدل في الموضوع وليس من باب انكشاف الخلاف في السابقة باللاحقة ومع كون الثانية موجبة للتبدل في الموضوع لا مناص من الالتزام بالاجزاء في الاحكام الوضعية. أللهم إلا أن نقول: إن الاحكام الوضعية منتزعة من الاحكام التكليفية وغير مجعولة في نفسها كما عليه شيخنا الانصاري " قده " فان حال الوضعية حينئذ حال التكليفية فيتصور فيها انكشاف الخلاف كما كان يتصور في التكليفية إلا أنه مما لا يسعنا الالتزام به لما ذكرناه في محله.

[ 56 ]

وأما الاحكام التكليفية فهي وإن كانت تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها ويتصور فيها كشف الخلاف إلا أن الحجة الثانية إنما يتصف بالحجية بعد انسلاخ الحجية عن السابقة بموت المجتهد أو بغيره من الاسباب فالحجة الثانية لم تكن بحجة في ظرف الحجة السابقة وانما حجيتها تحدث بعد سلب الحجية عن سابقتها وإذا كان الامر كذلك استحال أن يكون الحجة المتأخرة والحادثة موجبة لانقلاب الاعمال المتقدمة عليها بزمان وهى الافعال الصادرة على طبق الحجة السابقة حتى بناء على الطريقية. نعم هي إنما تكون مؤثرة بالاضافة إلى الافعال التي يصدرها المكلف بعد اتصاف الثانية بالاعتبار، لانها لو لم تكن مطابقة معها بطلت أما الاعمال الصادرة قبل اتصافها بالحجية فلا يعقل أن تكون مؤثرة فيها بوجه لان حجيتها حادثة وليست منها عين ولا أثر في ظرف صدور الاعمال المتقدمة كما مر بل قد يكون الموضوع للحجة المتأخرة - وهو المجتهد المفتى ببطلان الاعمال المتقدمة - غير - متولد في تلك الازمنة أو لو كان لم يكن مجتهدا أو كان ولم يكن باعلم ومعه كيف تكون فتواه المتأخرة وجودا وحجية موجبة لقلب الاعمال السابقة عليها بزمان لتجب إعادتها أو قضائها. لان الاعادة أو القضاء وإن كانا من الامور المتأخرة عن الحجة الثانية إلا أنهما من لوازم بطلان الاعمال المتقدمة ولا يعقل أن يكون الملاك المؤثر في بطلانها - إى الاعمال السابقة - مخالفتها للحجة المتأخرة، إذ قد عرفت عدم امكان تأثير المتأخر في المتقدم بل الملاك مخالفتها للحجة السابقة والمفروض عدمها. وعليه لا مناص من الالتزام في الاحكام التكليفية أيضا بالاجزاء. ثم إن هذا البيان الذي حررناه في تقريب الاجزاء في الاحكام التكليفية يأتي في الاحكام الوضعية بعينه الا انها تمتاز عن التكليفية بالوجه السابق الذي قربناه

[ 57 ]

بما لا مزيد عليه لانه لا يأتي في التكليفية وهو ظاهر. هذه خلاصة ما أفاده " قده " في الموضعين بتوضيح منا في تقريبه. والجواب عن ذلك أما في الاحكام الوضعية فلانها وإن كانت تابعة للمصالح في جعلها ولا واقع لها إلا انفسها كما حققه " قده " ولا يتصور فيها انكشاف الخلاف بعد تحققها إلا أن الكلام في أنها هل تحققت من الابتداء أم لم تتحقق وأن المعاطاة الصادرة في الزمان المتقدم هل أفادت الملكية أم لا، حيث أن المكلف بعد سقوط الحجة السابقة عن الحجية واتصاف الثانية بها - وهي التى تدل على أن المعاطاة مفيدة للاباحة - يشك في أن الملكية هل حصلت بالمعاطاة الصادرة منه أم لم تحصل. والحجة الثانية تكشف عن أن الملكية لم تحصل من الابتداء لانها تخبر عن أن الملكية بسبب المعاطاة غير مجعولة في الشريعة المقدسة لعدم الفرق في مدلولها بين الزمان السابق واللاحق. وعليه فحال الاحكام الوضعية حال الاحكام التكليفية بعينها ولا تختص الاحكام الوضعية بوجه. وأما الاحكام التكليفية فلان المكلف بعد ما سقطت الحجة السابقة عن حجيتها واتصفت الثانية بالاعتبار يشك في وجوب اعادة الاعمال التى اتى بها على طبق الحجة السابقة أو قضائها إذ لا علم له بمطابقتها للواقع، وحيث أن الاعادة أو القضاء في ظرف الحجة المتأخرة عمل من أعمال المكلف وهو لا يدري حكمه فلا مناص من أن يحرز ذلك باحراز أن أعماله السابقة كانت مطابقة للواقع أم لم تكن، وحيث لم يحرز مطابقتهما احرازا وجدانيا فلا بدمن أن يحرزها بالحجة التعبدية وليست الحجة عليه هي السابقة لسقوطها عن الاعتبار وليس له أن يعتمد عليها بعد قيام الحجة الثانية فيتعين أن تكون هي الحجة المتأخرة لاعتبارها في حقه وبما أنها تدل على بطلانها وعدم كونها مطابقة مع الواقع فتجب إعادتها أو قضائها.

[ 58 ]

وأما ما أفاده من أن الحجة المتأخرة لا يعقل أن تكون مؤثرة في الاعمال المتقدمة عليها فيرد عليه: " أولا النقض ": بما إذا فرضنا رجلين فاسقين تابا واتصفا بالعدالة فشهدا على ملكية شئ لشخص منذ اسبوع أو بنجاسته من أول الشهر الماضي أو بزوجية امرئة من السنة الماضية فهل ترد شهادتهما؟ نظرا إلى أن الشهادة المتصفة بالحجية المتأخرة عن تلك الامور لا يعقل أن تؤثر في الامور السابقة عليها وكذا إذا صلى فشك في أنه ركع أم لم يركع فبنى على أنه قد ركع بقاعدة التجاوز أو بصحة صلاته بقاعدة الفراغ وبعد هذا شهد العادلان اللذان كانا فاسقين حال الصلاة وقد تابا بعد ذلك بانه قد نقص ركوعا أو ركعة أفلا يحكم ببطلان الصلاة نظرا إلى أن حجية الشهادة متأخرة عن الصلاة فلا تؤثر في الامر المتقدم عليها؟! " وثانيا الحل ": وحاصله أن المراد بأن الحجة المتأخرة لا يمكن أو تؤثر في الاعمال المتقدمة إن كان هو أن الحجة المتأخرة لا تؤثر في بطلانها ولا يقلب الصحيح باطلا فلا ينبغى التأمل في صحته بل الامر كذلك حتى في الحجة المقارنة فضلا عن المتأخرة وذلك لان المدار في الصحة والبطلان إنما هو مطابقة المأتي به مع الواقع وعدمها دون الحجة المقارنة أو المتأخرة - مثلا - إذا كان المكلف جنبا وتيمم لعذر ثم أحدث بالاصغر وتوضأ فصلى لفتوى مقلده على أن الوظيفة هو الوضوء حينئذ إلا أنه تيمم فصلى - لغفلته عن فتوى مقلده - ثم بلغ مرتبة الاجتهاد فجزم من الادلة بأن الوظيفة هو التيمم حالئذ دون الوضوء أفلا يحكم بصحة صلاته بدعوى كونها غير مطابقة للحجة المقارنة مع جزم المكلف واستكشافه أن الواجب الواقعي هو الصلاة مع التيمم؟! فلا ريب في أن المراد في الصحة والبطلان على مطابقة الواقع وعدمها دون الحجة المقارنة أو المتأخرة فان شيئا منهما غير مؤثر في البطلان كما افيد. وإن اريد به أن الحجة المتأخرة غير مؤثرة في الاعمال المتقدمة ولو بالكشف

[ 59 ]

عن مطابقتها مع الواقع وعدمها فهو أمر مخالف للوجدان، لان مدلول الحجة المتأخرة غير مختص بعصر فانها تكشف عن أن الحكم الواقعي هو وجوب الصلاة مع التيمم في المثال دون الصلاة مع الوضوء وهذا لا يختص بعصر دون عصر فالحجة المتأخرة تكشف عن بطلان الاعمال السابقة ووجوب اعادتها أو قضائها، ودعوى أن الحجة المتأخرة غير مؤثرة في الاعمال السابقة عليها أول النزاع وليست كبرى مسلمة بل قد عرفت أنها على خلاف الوجدان فإذا امكن أن تكون الحجة الثانية كاشفة عن مطابقة الاعمال المتقدمة مع الواقع أتى ما قدمناه من أن العامي يشك حينئذ في وجوب الاعادة أو القضاء وإحراز وظيفته يتوقف على استكشاف كون الاعمال السابقة مطابقة للواقع وعدمها إلى آخر ما قدمناه فلا نعيد. وبما سردناه يندفع ما ربما يتوهم من أن الحكم بعدم الاجزاء عملا بالحجة الثانية ترجيح بلا مرجح، لان الحجة السابقة كانت حجة في ظرفها كما أن الثانية حجة في ظرفها فلا موجب لتقديم احداهما على الاخرى. والوجه في الاندفاع: أن الحجة السابقة قد سقطت عن الحجية في ظرف الرجوع بخلاف الحجة الثانية وهذا هو المرجح لها على سابقتها. والمتحصل إلى هنا أن القاعدة تقتضي وجوب الاعادة أو القضاء فيما إذا كان العمل المأتى به على طبق الحجة السابقة فاقدا لجزء ركني حسبما تدل عليه الحجة الثانية، وكان بطلان العمل عند المجتهد الثاني من جهة الافتاء به لا من جهة الاحتياط وقاعدة الاشتغال. و " منها ": أن قضاء العبادات السابقة - على كثرتها - أمر عسر وموجب للحرج على المكلفين وهما منفيان في الشريعة المقدسة وذلك لان العمل على طبق الحجة السابقة قد يطول وقد يقرب طيلة الحياة كما إذا عدل عن فتوى مقلده بموت أو بغيره من الاسباب المسوغة في أواخر عمره وقلد مجتهدا يرى بطلان اعماله المتقدمة

[ 60 ]

ولا شبهة في أن قضاء تلك الاعمال امر حرجى. وفيه: أن هذا الدليل لو تم فانما يتم في القضاء ولا يأتي في الاعادة لانه في مثل الصلاة إذا عدل إلى فتوى المجتهد الذي يرى بطلانها - ولم يفت بعد وقت الصلاة - لم يكن في اعادتها حرج بوجه. نعم قد يتحقق الحرج في الحج لو قلنا بوجوب اعادته والاتيان به مطابقا لفتوى المجتهد الثاني. وكيف كان فقد بينا في محله أن الحرج كالضرر المنفيين في الشريعة المقدسة والمدار فيهما إنما هو على الحرج والضرر الشخصيين لا النوعيين، والحرج الشخصي أمر يختلف باختلاف الموارد و الاشخاص فكل مورد لزم فيه من الحكم بوجوب الاعادة أو القضاء حرج على المكلف فلا مناص من أن يلتزم بعدم وجوبهما كما إذا لزم منه وجوب قضاء العبادة خمسين سنة - مثلا - وكان ذلك حرجيا على المكلف. وأما الموارد التي لا يلزم فيها من الحكم بوجوبهما حرج عليه فلا مقتضى للحكم بعدم وجوب الاعادة أو القضاء كما إذا بنى على أن التيمم ضربة واحدة فتيمم وصلى ثم عدل عن ذلك - غدا - فبنى على أنه ضربتان. ومن الواضح أن قضاء عبادة اليوم الواحد مما لاعسر فيه ولا حرج ومعه لا موجب لنفى وجوب الاعادة أو القضاء لانه لازم كون المدار على الحرج الشخصي دون النوعي هذا. على أن الاستدلال بقاعدة نفى الحرج ليس من الاستدلال في محل الكلام، لان البحث انما هو في موارد قيام الحجة التعبدية على الخلاف ولا كلام في أن الحرج اللازم من الاعادة أو القضاء لا يختص به، إذ قد يلزم الحرج في موارد انكشاف الخلاف بالعلم الوجداني فالنسبة بين موردى الكلام والقاعدة عموم من وجه لان انكشاف الخلاف قد يكون بالحجة التعبدية ولا تكون الاعادة أو القضاء حرجيا بوجه. وقد يكونان حرجيين ولايكون الانكشاف بالحجة التعبدية بل بالعلم الوجداني كما عرفت. وقد يكون الانكشاف بالحجة التعبدية وتكون الاعادة أو القضاء أيضا

[ 61 ]

حرجيا والمتحصل أن الاستدلال بالقاعدة على عدم وجوب الاعادة أو القضاء في مطلق موارد انكشاف الخلاف غير وجيه. و " منها ": دعوى الاجماع على أن العمل المأتى به على طبق الحجة الشرعية لا تجب اعادته ولا قضائه إذا قامت حجة اخرى على خلافها. نعم لا اجماع على الاجزاء في الاحكام الوضعية عند بقاء موضوعها إلى ظرف الحجة المتأخرة كما إذا ذبح حيوانا بغير الحديد - لجوازه على رأى مقلده - ثم عدل إلى فتوى من لا يرى جوازه - والذبيحة بحالها - أو أنه اشترى دارا بالمعاطاة ولا يرى المجتهد الثاني انعقاد البيع بها لاشتراطه الصيغة في صحته إلى غير ذلك من الموارد. والجواب عن ذلك أن الاجماع المدعى لو كان محصلا لم نكن نعتمد عليه لما يأتي بيانه فما ظنك بما إذا كان اجماعا منقولا بالخبر الواحد و " سره " أن تحصيل الاجماع في المسألة دونه خرط القتاد، إذ كيف يمكن استكشاف قوله - ع - في المقام ولم يتعرض اكثر الاصحاب للمسألة ولم يعنونوها في كلماتهم؟! هذا على أنا لو سلمنا اتفاقهم أيضا لم يمكننا الاعتماد عليه لانا نعلم أو نظن ولا أقل من أنا نحتمل استنادهم في ذلك إلى بعض الوجوه المستدل بها في المقام ومعه لا يكون الاجماع تعبديا كاشفا عن قوله - ع - و " منها ": السيرة المتشرعية بدعوى أنها جرت على عدم لزوم الاعادة أو القضاء في موارد العدول والتبدل في الاجتهاد حيث لا نستعهد أحدا يعيد أو يقضى ما اتى به من العبادات طيلة حياته إذا عدل عن رأيه أو عن فتوى مقلده وحيث لم يردع عنها في الشريعة المقدسة فلا مناص من الالتزام بالاجزاء وعدم وجوب الاعادة أو القضاء عند قيام حجة على الخلاف. وفيه: أن موارد قيام الحجة على الخلاف وبطلان الاعمال الصادرة على طبق الحجة الاولية - كما إذا كانت فاقدة لركن من الاركان - من القلة بمكان وليست

[ 62 ]

من المسائل عامة البلوى ليستكشف فيها سيرة المتشرعة وأنهم بنوا على الاجزاء في تلك الموارد أو على عدمه. على أنا لو سلمنا استكشاف السيرة بوجه فمن أين يمكننا احراز اتصالها بزمان المعصومين - ع - إذ لا علم لنا بأن شخصا واحدا فضلا عن جماعة اتفق له العدول في عصرهم - ع - وبنى على عدم اعادة الاعمال المتقدمة ولم يردع عنه الامام - ع - حتى نستكشف اتصال السيرة بزمانهم وكونها ممضاة عندهم عليهم السلام ومن الممكن أن تكون السيرة مستندة إلى فتوى جماعة من الفقهاء " قدس الله أسرارهم " والذي يوقفك على ذلك أن المسألة لو كانت عامة البلوى في عصرهم - ع - لسئل عن حكمها ولو في رواية واحدة وحيث لم ترد اشارة إلى المسألة في شئ من النصوص فنستكشف بذلك أن كثرة الابتلا بها إنما حدثت في الاعصار المتأخرة ولم يكن منها في عصرهم - ع - عين ولا أثر فالسيرة على تقدير تحققها غير محرزة الاتصال بعصرهم ولا سبيل معه إلى احراز أنها ممضاة عندهم - ع - أو غير ممضاة. والخلاصة أن مقتضى القاعدة وجوب الاعادة أو القضاء عند قيام الحجة على الخلاف أللهم إلا في الصلاة إذا كان الاخلال بغير الوقت والقبلة والركوع والسجود والطهور وذلك لحديث لا تعاد على ما هو الصحيح من شموله للجاهل القاصر ايضا كما تقدم. 6 - هل الامور الثلاثة في عرض واحد؟ هل الاجتهاد والتقليد والاحتياط في عرض واحد وأن المتمكن من أحدها يتمكن من الامتثال بالآخرين أو أنها أمور مترتبة ولا تصل النوبة إلى واحد منها إلا بعد تعذر الامر السابق عليه؟ الكلام في ذلك يقع في جهات:

[ 63 ]

" الاولى ": أن المتمكن من الاجتهاد والتقليد هل له أن يمتثل بالاحتياط فهو في عرض الاولين أو أنه في طولهما؟ يأتي تحقيق ذلك عند التكلم على مشروعية الاحتياط ونبين هناك أن الاحتياط والامتثال الاجمالي في عرض الامتثال التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد والمكلف مخير بينهما في مقام الامتثال فلا تقدم لهما على الاحتياط. " الثانية ": أن المتمكن من الاحتياط هل له الامتثال بالتقليد أو الاجتهاد وأنهما في عرضه أو أن الامتثال بهما إنما هو في فرض العجز عن الاحتياط بمعنى انهما في طول الامتثال به؟ قد يحتمل في المقام أن الاحتياط أعنى الاتيان بجميع المحتملات الموجب للقطع بالامتثال مقدم على الاجتهاد والتقليد لعدم كونهما موجبين للجزم بامتثال الحكم الواقعي وغاية الامر أنهما يوجبان الظن به، ولا شبهة في أن الامتثال القطعي مقدم على الظنى لدى العقل وان كان القطعي اجماليا والظنى تفصيليا. ويدفعه: أن الشارع بعد ما نزل الامارات الظنية منزلة العلم بأدلة اعتبارها لم ير العقل أي فرق بين الامتثال الموجب للقطع الوجداني بالفراغ بالاتيان بجميع المحتملات وبين الامتثال القطعي التعبدى بالاتيان بما قامت الحجة على وجوبه هذا إذا كان الاحتياط امرا سائغا ومأمورا به شرعا. وأما إذا كان مبغوضا لاستلزامه الاخلال بالنظام أو لم يكن مأمورا به لكونه عسرا أو حرجيا فلا اشكال في عدم كفايته للامتثال أو عدم وجوب اختياره ومعه لابد من الاجتهاد أو التقليد.

[ 64 ]

" الثالثة ": أن الاجتهاد هل هو مقدم على التقليد أو أنهما في عرض واحد؟ لا شبهة في عدم وجوب التصدى لتحصيل ملكة الاجتهاد لما يأتي - قريبا - من أن الاجتهاد ليس بواجب عينى على المكلفين بل المكلف له أن يرجع إلى فتوى من يجوز تقليده - لانه مقتضى اطلاق ادلة التقليد، وللسيرة العقلائية - الممضاة بعدم الردع عنها في الشريعة المقدسة - الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم وإن كان متمكنا من تحصيل العلم بالمسألة فالتقليد وتحصيل الاجتهاد في عرض واحد. هذا في غير الواجد للملكة. وأما من له ملكة الاستنباط إذا لم يتصد للاجتهاد بالفعل فهل له التقليد من غيره أو يتعين عليه الاجتهاد؟ تقدم تفصيل الكلام في ذلك عند التكلم على اقسام الاجتهاد وقلنا ان من له الملكة لا يجوز له الرجوع إلى فتوى غيره وذلك: لان مقتضى العلم الاجمالي تنجز الاحكام الواقعية على من له ملكة الاجتهاد فلابد عليه من الخروج عن عهدة التكاليف المنجزة في حقه وتحصيل المؤمن من العقاب ولا ندرى أن فتوى الغير حجة في حقه وان عمله على طبقه مؤمن العقاب لانا نحتمل أن يجب عليه العمل على فتوى نفسه ونظره ومع الشك في الحجية يرجع إلى أصالة عدم الحجية كما برهنا عليه في محله وهذا بخلاف الفاقد للملكة لعدم احتمال وجوب الاجتهاد في حقه لما مر من أن الاجتهاد واجب كفائى وليس بواجب عيني على المكلفين. 7 - حكم الاجتهاد في نفسه قد ظهر مما سردناه أن الاجتهاد الذي هو عديل الاحتياط والتقليد واجب

[ 65 ]

عقلي وانه لا يتصف بالوجوب الشرعي: النفسي أو الغيرى أو الطريقي. أللهم إلا بمعنى المعذرية على تقدير الخطاء. هذا في موارد وجود العلم الاجمالي المنجز للاحكام نعم الاجتهاد في غير موارد العلم الاجمالي والامارات واجب طريقي لانه منجز للواقع حيث لامنجز سواه، وكذلك الحال في التقليد والاحتياط. وأما الاجتهاد في نفسه فهو واجب نفسي كفائى لوجوب التحفظ على الاحكام الشرعية وصيانتها عن الاندراس وان شئت قلت إن الاجتهاد بالنظر إلى أعمال نفس المجتهد واجب عقلي والامر به ارشادى لا محالة. فإذا فرضنا أن المكلف يتمكن من التقليد والاحتياط تخير بين الامور الثلاثة كما إذا فرضنا عدم تمكنه منهما بأن لم يكن هناك مجتهد حي يجوز تقليده، ولم يجز تقليد الميت ابتداء، وكان الاحتياط مخلا للنظام أو المكلف لم يعلم كيفيته تعين عليه الاجتهاد وأما بالنظر إلى رجوع الغير إليه فهو واجب على المكلفين وجوبا نفسيا كفائيا لبداهة وجوب حفظ الشريعة المقدسة عن الانطماس والاندراس. ومن الظاهر أن إهمال الاحكام الشرعية وترك التصدى لاستنباطها في كل عصر يؤدى إلى انحلالها واضمحلالها لانه لا سبيل إلى تحصيلها وامتثالها حينئذ غير التقليد من العلماء الاموات ويأتي في محله أن تقليد الميت ابتداء أمر غير مشروع. أو الاحتياط ولكنه ايضا لا سبيل إليه: لان الاحتياط لا يمكن الالزام به في بعض الموارد لعدم امكانه كموارد دوران الامر بين المحذورين، أو لعدم معرفة العامي كيفيته وطريقه، أو لاستلزامه العسر والحرج بل اخلال النظام، أو لاحتمال عدم مشروعيته كما إذا كان محتمل الوجوب عبادة واحتمل المكلف عدم جواز امتثالها بالاحتياط عند التمكن من امتثالها التفصيلي بالاجتهاد أو التقليد فان المكلف لا يتمكن معه من الاحتياط الا أن يحرز مشروعيته

[ 66 ]

بالتقليد أو الاجتهاد. نعم لا اثر للاجتهاد في خصوص تلك المسألة بالاضافة إلى الحكم بجواز الرجوع إليه، لانه وإن كان من رجوع الجاهل إلى العالم فتشمله السيرة لا محالة، إلا أن مقتضى الادلة اللفظية عدم جواز الرجوع إليه لعدم صدق عنوان الفقيه أو العالم بالاحكام بمجرد الاجتهاد في مسألة واحدة كما قدمناه في الكلام على اقسام الاجتهاد نعم له اثر بالاضافة إلى عمل نفسه، لان للمكلف ان يعمل على طبق نظره واجتهاده فيما استنبطه من الاحكام. إذا الاجتهاد صيانة للاحكام عن الاندراس واحتفاظ على الشريعة المقدسة عن الاضمحلال وهو واجب كفائى وإلى ذلك اشار سبحانه بقوله عز من قائل: وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (* 1) حيث دل على أن كل طائفة من كل فرقة مأمور بالتفقه وتحصيل الاحكام الشرعية وتبليغها للجاهلين فهى ظاهرة الدلالة على وجوب تحصيل الاحكام الشرعية كفائيا، ويؤيد ما ذكرناه ما ورد من الاخبار في تفسير الاية المباركة فليراجع (* 2) وكيف كان فقد دلتنا الآية المباركة على عدم كون الاجتهاد واجبا عينيا على المكلفين كما هو المنسوب إلى جمع من الاقدمين وفقهاء حلب قدس الله أسرارهم، على انه عسر عن المكلفين بل دونه خرط القتاد مضافا إلى قيام السيرة على الرجوع إلى فتوى الرواة وغيرهم من العالمين بالاحكام حتى في عصرهم - ع - من غير ردع عنها بوجه هذا تمام الكلام في الاجتهاد ويقع الكلام بعد ذلك في الاحتياط والتقليد


(* 1) التوبة 9: 122. (* 2) راجع ب 11 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 67 ]

[ (مسألة 2) الأقوى جواز العمل بالاحتياط (1) مجتهدا كان أولا. ] مباحث الاحتياط (1) يقع الكلام في ذلك تارة في المعاملات واخرى في العبادات: أما المعاملات فلا شبهة ولا خلاف في جواز الاحتياط بل في حسنه في المعاملات بالمعنى الاعم كما إذا احتاط في تطهير المتنجس بالغسل مرتين لشكه في أنه هل يطهر بالغسل مرة واحدة أو يعتبر فيه التعدد؟ ولا نعهد مخالفا في الاحتياط في مثله سواء أكان المكلف متمكنا من الامتثال التفصيلي وتحصيل العلم بالحال أم لم يكن. وسواء كان الاحتياط فيها مستلزما للتكرار أم لم يكن. وأما المعاملات بالمعنى الاخص أعنى العقود والايقاعات فالظاهر أن الاحتياط فيها كالاحتياط في المعاملات بالمعنى الاعم وانه أمر حسن لاشبهة في مشروعيته - مثلا - إذا شك المكلف في أن الطلاق هل يجوز أن يكون بالجملة الفعلية كبقية الصيغ بان يقول: طلقتك، أو أنه لابد أن تكون بالجملة الاسمية بان يقول: انت طالق أو زوجتي طالق فلا مانع من أن يجمع بين الصيغتين ويحتاط بالتكرار. نعم قد يستشكل في الاحتياط في المقام اعني المعاملات بالمعنى الاخص بان الانشاء يعتبر فيه الجزم به ولا يتحقق هذا بالاحتياط لانه لا يدرى حين قوله: طلقتك - مثلا - أن ما أراده من الطلاق هل يحصل به أولا يحصل فلا يمكن أن يكون جازما بانشاء الطلاق بالاحتياط. ويندفع: بان الانشاء على ما حققناه في محله عبارة عن ابراز الاعتبار النفساني بمبرز، ولا شبهة في أن المتكلم بقوله: طلقتك قد قصد ابراز ما اعتبره في نفسه من بينونة زوجته واطلاقها من جهته فهو جازم بالانشاء حينئذ ولا تردد له في نيته وانما يشك في امر آخر خارج عن انشائه وهو امضاء الشارع وحكمه بصحة

[ 68 ]

طلاقه ومن البديهي انه أمر آخر غير راجع إلى انشائه الطلاق. نعم لو كان مترددا في انشائه كما إذا قال: بعتك هذا المال إن كان اليوم جمعة لقلنا ببطلانه وان تحقق شرطه بان كان اليوم جمعة واقعا وذلك لان الشك في أن اليوم جمعة يسبب الشك في أنه هل باع ماله أم لم يبع ومع عدم علمه ببيعه لا معنى لان يكون جازما بما قصده في نفسه من البيع والتمليك. فالمتلخص أن الاحتياط في كل من المعاملات بالمعنى الاعم والمعاملات بالمعنى الاخص مما لا تأمل في جوازه وحسنه وأما العبادات أعنى الامور المعتبر فيها قصد القربة والامتثال فيقع الكلام فيها في مقامين: " أحدهما ": في جواز الاحتياط غير المستلزم للتكرار. و " ثانيهما ": في جواز الاحتياط المستلزم للتكرار. " أما المقام الاول ": فالصحيح أن العبادات كالمعاملات يجوز فيها الاحتياط ولو مع التمكن من الامتثال التفصيلي وتحصيل العلم بالمأمور به كما إذا شك في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو في وجوب السورة في الصلاة فانه يجوز أن يحتاط بالاتيان بما يحتمل وجوبه إذ الامتثال الاجمالي كالتفصيلي على ما يأتي تحقيقه ان شاء الله هذا. وقد يقال: بعدم جواز الاحتياط مع التمكن من الامتثال التفصيلي في العبادات نظرا إلى احتمال وجوب قصد الوجه والتمييز، ولا يمكن اتيان العبادة بقصد الوجه متميزة عن غيرها بالاحتياط. وعمدة القائلين باعتبارهما هم المتكلمون بدعوى أن العقل مستقل بحسن الاتيان بالمأمور به بقصد الوجه متميزا عن غيره وأنه لا حسن في العمل الفاقد للامرين. ويدفعه: أن اعتبار الامرين في الواجبات يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه إذ لو كانا معتبرين في الواجبات لاشاروا عليهم السلام إلى اعتبارهما في شى من رواياتهم

[ 69 ]

لكثرة الابتلاء بهما، فمن عدم ورود الامر بهما في الاخبار يستكشف عدم وجوبهما واقعا هذا. ولو شككنا في وجوبهما فاصالة البرائة تقضى بعدم اعتبارهما في الواجبات. على أن الدعوى المتقدمة لو تمت فانما يتم في الواجبات النفسية. وأما الواجبات الضمنية فلا تأتى فيها بوجه لان الحسن المدعى إنما هو في الاتيان بمجموع الاجزاء والشرائط بقصد الوجه والتمييز لافي كل واحد واحد من الاجزاء إذا لامانع من الاتيان بشئ مما يحتمل أن يكون واجبا ضمنيا بالاحتياط وإن كان فاقدا لقصد الوجه والتمييز ثم إن لشيخنا الاستاذ " قده " تفصيلا في المقام ذكره في دورته الاخيرة وتوضيحه أن العمل العبادي قد نعلم بتعلق الامر به ونشك في وجوبه واستحبابه وهذا لااشكال في جواز الاحتياط في لامكان الاتيان فيها بالعمل بداعي امر المولى للعلم بوجوده وتعلقه بالعمل وان لم نعلم انه وجوبي أو ندبي. نعم لا يمكننا الاتيان به بقصد الوجه إلا أنه غير معتبر في العبادات. وقد نعلم أن العمل عبادي بمعنى أنه على تقدير تعلق الامر به يعتبر أن يوتى به بقصد القربة من غير أن نعلم بكونه متعلقا للامر كما في الفرض السابق بان نشك في أنه هل تعلق به الامر الوجوبى أن الندبى أم لم يتعلق. وهذا كما في الوضوء بعد الغسل في غير غسل الجنابة حيث أن الوضوء فعل عبادي يعتبر فيه قصد القربة قطعا الا أنا نشك في انه هل تعلق به امر في المقام ام لم يتعلق وأفاد أن في أمثال ذلك لا مجال للاحتياط بأن يوتى به رجاء مع التمكن من الامتثال التفصيلي والعلم بالمأمور به. وهذا لا لاعتبار قصد الوجه والتمييز لما تقدم من عدم اعتبارهما في الواجبات بل لما افاده من أن الامتثال الاجمالي والاحتياط انما هو في طول الامتثال التفصيلي لاعتبار أن يكون التحرك والانبعاث في الواجبات العبادية مستندا إلى تحريك المولي وبعثه ولا يتحقق هذا مع الاحتياط لان الداعي للمكلف نحو العمل والاتيان به حينئذ

[ 70 ]

ليس إلا احتمال تعلق الامر به فالانبعاث مستند إلى احتمال البعث لا إلى البعث نفسه فمع التمكن من الامتثال التفصيلي والعلم بالواجب لا تصل النوبة إلى الاحتياط. ثم لو شككنا في ذلك ولم ندر أن الامتثال الاجمالي والاحتياط في عرض الامتثال التفصيلي أو في طوله بمعنى أن الانبعاث يعتبر أن يكون مستندا إلى الامر جزما أو أن الانبعاث إذا استند إلى احتمال الامر ايضا يكفى في الامتثال فلا مناص من أن يرجع إلى قاعدة الاشتغال لانه من الشك في كيفية الاطاعة والامتثال وأنه لابد أن يكون تفصيليا أو يكفى فيه الاحتياط فان العمل عبادي - على تقدير وجوبه - فإذا شك في كيفية طاعته لابد من الاحتياط. وقصد القربة والتعبد وان كان مأخوذا في المتعلق شرعا عنده وعندنا والشك في اعتباره من الشك في الاقل والاكثر إلا أن اعتبار قصد القربة إذا كان معلوما في مورد وشك في كيفية طاعته فهو يرجع إلى الشك في التعيين والتخيير وهو مورد لقاعدة الاشتغال وبذلك منع جواز الاحتياط فيما إذا استلزم التكرار وزاد ان العلم بالتكليف موجود في مورده فلابد من الخروج عن عهدته بما يراه العقل طاعة. والجواب عنه انا لا نشك في أن الامتثال الاجمالي في طول الامتثال التفصيلي أو في عرضه بل نجزم بانهما في عرض واحد و " سره " أن الفارق بين العبادة وغيرها أن العمل العبادي لابد أن يؤتى به مضافا إلى المولى سبحانه بخلاف التوصلى لان الغرض منه إنما هو ذات العمل من غير لزوم الاضافة إلى الله. والاضافة إلى الله سبحانه قد تتحقق بالاتيان بالمأمور به على وجه التفصيل وقد يتحقق بالاتيان به على وجه الاجمال لانه ايضا نحو اضافة إلى الله، ومن هنا لا يشترط العقلاء في العمل بالاحتياط أن لا يتمكن المكلف من العلم بالواجب والاتيان به على وجه التفصيل وذلك لانهم ببابك فلو سئلتهم عن أن العبد إذا اتى بالعمل رجاء لاحتماله انه مطلوب لسيده فهل يعد ممتثلا أو انه لم يمتثل لفرض كونه متمكنا من الاتيان

[ 71 ]

[ لكن يجب أن يكون عارفا بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو التقليد (1). ] به على وجه التفصيل؟ ترى انهم متفقون على أنه اطاعة وانقياد للسيد. إذا الامتثال الاجمالي في عرض الامتثال التفصيلي لافي طوله هذا. على أنا لو شككنا في ذلك فالمرجع هو البرائة دون الاشتغال، إذ لاشك لنا في مفهوم العبادة، وإنما الشك في واقعها وما يتصف به العمل بالعبادة فمرجع الشك حينئذ إلى أن الشارع هل اعتبر في متعلق الامر التحرك عن تحريكه مع التمكن من العلم بالواجب أو أنه اعتبر الاعم من التحرك عن تحريكة والتحرك عن احتمال الامر والتحريك فالجامع بين الاحتمالين وهو لزوم الاتيان بالعمل بقصد الامتثال معلوم واعتبار كونه على وجه التفصيل اعني اعتبار كون التحرك مستندا إلى تحريك المولى مشكوك فيه ومعه يرجع إلى البرائة عن اعتبار ما يشك فيه بناء على ما هو الصحيح عندنا من جريان البرائة في موارد دوران الامر بين التعيين والتخيير. والنتيجة أن الاحتياط امر جائز في العبادات بلا فرق في ذلك بين الاستقلالية والضمنية، ولا بين ما إذا كان أصل المحبوبية معلوما وما إذا لم تكن هذا كله في المقام الاول. " وأما المقام الثاني ": أعنى ما إذا كان الاحتياط في العبادة مستلزما للتكرار فيأتي عليه الكلام عند تعرض الماتن له في المسألة الرابعة إن شاء الله. (1) يشترط في العمل بالاحتياط العلم بموارده وكيفياته بالاجتهاد أو التقليد لانه لولاه لم يتحقق الاحتياط المؤمن من العقاب فان الاحتياط في انفعال الماء القليل بالمتنجسات يقتضى التجنب عن الماء القليل الذي لاقاه المتنجس وعدم استعماله في رفع الخبث أو الحدث. فلو اصاب هذا الماء ثوب المكلف - مثلا - فمقتضى الاحتياط عند انحصار

[ 72 ]

[ (مسألة 3) قد يكون الاحتياط في الفعل كما إذا احتمل كون الفعل واجبا وكان قاطعا بعدم حرمته (1) وقد يكون في الترك، كما إذا احتمل حرمة فعل وكان قاطعا بعدم وجوبه (2) وقد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار، كما إذا لم يعلم أن وظيفته القصر أو التمام (3). ] الثوب به - بناء على وجوب الصلاة عاريا عند انحصار الثوب بالنجس - أن يكرر الصلاة بان يصلى عاريا تارة وفي ذلك الثوب اخرى وليس مقتضى الاحتياط أن يوتى بالصلاة عاريا فحسب من جهة الاجتناب عن الماء الملاقى للمتنجس وما أصابه ذلك الماء. وإذا فرضنا في المثال أن الوقت لم يسع لتكرار الصلاة كشف ذلك عن عدم قابلية المحل للاحتياط ووجب الامتثال تفصيلا بتحصيل العلم بالمسألة. ولو انحصر الماء بالماء القليل الذي لاقاه المتنجس فظاهر الحال يقتضى الاحتياط بالجمع بين التيمم والوضوء بذلك الماء المشكوك في طهارته. إلا أن هذا الاحتياط على خلاف الاحتياط لان الماء على تقدير نجاسته تستبتع تنجس اعضاء الوضوء ونجاسة البدن مانعة عن صحة الصلاة فلا مناص في مثله من الامتثال التفصيلي بتحصيل العلم بالمسألة وجدانا أو تعبدا لعدم امكان الاحتياط فيه فمعرفة موارد الاحتياط وكيفياته مما لابد عنه عند الاحتياط. (1) كما في الدعاء عند رؤية الهلال، لاحتمال وجوبه مع القطع بعدم حرمته. (2) كما في شرب التتن لاحتمال حرمته مع القطع بعدم وجوبه، لانه لم يكن موجودا في عصرهم - ع - أو لو كان فلا يحتمل وجوبه جزما. (3) أو ان وظيفته الظهر أو الجمعة وهكذا. ثم إن ذلك قد يكون في عملين مستقلين كما مثل وقد يكون في عمل واحد

[ 73 ]

[ (مسألة 4) الاقوى جواز الاحتياط ولو كان مستلزما للتكرار (1) وأمكن الاجتهاد أو التقليد. ] كما إذا دار الامر بين وجوب الجهر والاخفات كما في صلاة الظهر يوم الجمعة للامر بالاجهار فيها في جملة من الاخبار. ومقتضى الاحتياط حينئذ أن يكرر القرائة فيها مرتين فيقرأها اخفاتا - تارة - واجهارا - اخرى - ناويا في احداهما القرائة المأمور بها وفي ثانيتهما عنوان القرآنية لجواز قرائة القرآن في الصلاة هذا. وقد يكون الاحتياط في الجمع في الترك كما إذا علم بحرمة أحد فعلين فان الاحتياط يقتضى تركهما معا وقد يكون في الجمع بين الاتيان باحد الفعلين وترك الآخر كما إذا علم اجمالا بوجوب الاول أو حرمة الثاني وهذان لم يتعرض لهما الماتن " قده ". (1) كما إذا تردد الواجب بين القصر والتمام أو الظهر والعصر أو غيرهما من الامثلة فهل يجوز فيه الاحتياط بالتكرار مع التمكن من الامتثال التفصيلي بتحصيل العلم بالواجب أو لا يجوز؟ قد يقال: بعدم الجواز نظرا إلى أن مخل بقصد الوجه والتمييز ومناف للجزم بالنية ولان التحرك عن الامر الجزمى وامتثال الامر تفصيلا في مرتبة سابقة على التحرك عن احتماله كما يراه شيخنا الاستاذ " قده " ومع الشك في انهما عرضيان أو أن الثاني في طول الاول يرجع إلى قاعدة الاشتغال ومقتضاها عدم جواز الاكتفاء بالاحتياط مع التمكن من الامتثال التفصيلي. وهذه الوجوه قد قدمنا عنها الجواب ولا حاجة إلى إعادته. بل لو سلمناها في الاحتياط غير المستلزم للتكرار لم نتمكن من تتمتمها في الاحتياط المستلزم للتكرار بوجه والوجه فيه: أن الجزم بالنية لو قلنا باعتباره وان كان لا يفرق في ذلك بين الاحتياط

[ 74 ]

المستلزم للتكرار وغير المستلزم له لعدم تمكن المكلف من الجزم بها مع الاحتياط إلا أن الوجهين الباقيين لا يجريان في الاحتياط المستلزم للتكرار وذلك لان المكلف إنما يأتي بالواجب المردد بين الفعلين لوجوبه بحيث لولا كونه واجبا لم يأت بشئ من المحتملين فقصد الوجه أمر ممكن في المقام لان معناه أن يوتى بالعمل لوجوبه أو استحبابه وقد عرفت أن المكلف انما يأتي بالعمل لوجوبه. نعم الاحتياط المستلزم للتكرار فاقد للتمييز، إذ لا يمكن معه تمييز أن أيا منهما واجب وأيهما مستحب أو مباح. كما أن المكلف انما ينبعث إلى الاتيان بالواجب المردد بين الفعلين عن الامر الجزمي المتعلق به وغاية الامر أنه لا يتمكن من تطبيق الواجب على المأتي به، لا أنه ينبعث إليه عن احتمال الامر وذلك للعلم بوجوب احدهما على الفرض فهذان الوجهان لا يأتيان في المقام. نعم قد يستشكل في الاحتياط في العبادات إذا كان مستلزما للتكرار بان الاحتياط بالتكرار يعد عند العقلاء لعبا وعبثا بامر السيد إذ المكلف مع قدرته على تحصيل العلم بواجبه - وجدانا أو تعبدا - وتمكنه من الاتيان به من غير ضم ضميمة يأتي به مع الضمائم في ضمن أفعال متعددة وما كان عبثا ولعبا كيف يمكن أن يقع مصداقا للامتثال لان اللعب والعبث مذمومان والمذموم لا يقع مصداقا للمأمور به والمحبوب. ويندفع: بان الاحتياط مع التكرار ليس من اللغو والعبث عند تعلق الغرض العقلائي به كما إذا توقف تحصيل العلم بالواجب والامتثال التفصيلي على معونة زائدة كالمشى إلى مكان بعيد للمطالعة أو السؤال عمن قلده ولاجل الفرار عن تحمل المشقة يحتاط ويمتثل بالاجمال ومعه كيف يكون تكراره لغوا وعبثا لدى العقلاء؟! على أنه إذا عد في مورد لعبا وعبثا كما إذا فرضنا أن القبلة اشتبهت بين أربع جهات والمكلف يتمكن من تحصيل العلم بالقبلة من غير صعوبة إلا أنه أراد

[ 75 ]

[ (مسألة 5) في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهدا أو مقلدا (1) لان المسألة خلافية. ] العمل بالاحتياط فاتى بالصلاة إلى اربع جهات أي كررها اربع مرات، ولا سيما إذا ترددت صلاته بين القصر والتمام لان الاحتياط حينئذ انما يتحقق بالاتيان بثمان صلوات، وإذا فرضنا أن ثوبه الطاهر ايضا مردد بين ثوبين بلغ عدد الصلوات المأتي بها ستة عشر، كما أنا لو فرضنا تردد المسجد أيضا بين شيئين لا يصح السجود على أحدهما أو كان نجسا - مثلا - بلغ عدد الصلوات المأتي بها احتياطا اثنين وثلاثين. وقلنا ان تكرار صلاة واحدة اثنين وثلاثين مرة مع التمكن من الامتثال التفصيلي والاتيان بالواجب منها عبث ولعب. لم يمنع ذلك من الحكم بصحة الامتثال لان الواجب من الامتثال إنما يتحقق بواحدة من تلك الصلوات وهي الصلاة الواقعة إلى القبلة في الثوب والمسجد الطاهرين وهي صلاة صحيحة لا لعب فيها ولا عبث وانما هما في طريق احراز الامتثال لا أنهما في نفس الامتثال فالصحيح جواز الاحتياط في العبادات وإن كان مستلزما للتكرار وعليه فيجوز ترك طريقي الاجتهاد والتقليد والاخذ بالاحتياط استلزم التكرار أم لم يستلزم. (1) لان جواز الاحتياط ليس من المسائل القطعية التي لا تحتاج إلى الاجتهاد والتقليد وانما هو مورد الخلاف فلا مناص في الاستناد إلى الاحتياط من تحصيل العلم بجوازه ومشروعيته اجتهادا أو تقليدا و (سره) انه لو لم يقلد من يجوز الاحتياط ولم يجتهد في جوازه بل احتاط مع احتماله عدم الجواز لم يطمئن بعدم العقاب لفرض احتمال الحرمة وكونه مستحقا للعقاب بارتكابه، وحيث أن العقل يرى وجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ويجب أن يكون المكلف مأمونا من جهته فلا مناص من أن يستند في جوازه إلى التقليد أو الاجتهاد، إذ لا مؤمن غيرهما.

[ 76 ]

[ (مسألة 6) في الضروريات لا حاجة إلى التقليد كوجوب الصلاة والصوم ونحوهما، وكذا في اليقينيات إذا حصل له اليقين، وفي غيرهما يجب التقليد إن لم يكن مجتهدا إذا لم يمكن الاحتياط، وإن أمكن تخير بينه وبين التقليد. ] وبما ذكرناه يظهر أن طرق الامتثال وان مر أنها ثلاثة إلا أنها في الحقيقة منحصرة بالتقليد والاجتهاد بل بخصوص الاجتهاد كما تقدم في محله فتارك طريقي الاجتهاد والتقليد أيضا لابد أن يكون مجتهدا أو مقلدا في جواز العمل بالاحتياط. (1) قد أسبقنا في أوائل الكتاب أن لزوم كون المكلف في جميع أفعاله وتروكه مقلدا أو محتاطا أو مجتهدا إنما هو بحكم العقل نظرا إلى استقلاله بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب لتنجز الاحكام الواقعية في حقه بالعلم الاجمالي أو بالاحتمال لان الشبهة حكمية وقبل الفحص. فالمكلف إذا خالف الحكم المنجز في حقه استحق عليه العقاب، وبما أن ما يأتى به مما يحتمل حرمته كما أن ما يتركه محتمل الوجوب في الواقع فهو يحتمل العقاب في افعاله وتروكه، وبهذا يستقل عقله بلزوم دفع هذا الاحتمال وتحصيل المؤمن من العقاب على تقدير مخالفة عمله الواقع، والمؤمن كما مر منحصر بالطرق الثلاثة المتقدمة وإن كان مرجع الاولين أيضا إلى الاجتهاد. ومن هذا يتضح أن مورد التقليد وأخويه إنما هو ما يحتمل المكلف فيه العقاب. وأما ما علم باباحته أو بوجوبه أو حرمته فلا لعدم كونها موردا لاحتمال العقاب كى يجب دفعه لدى العقل بالتقليد أو بغيره لجزمه بعدم العقاب أو بوجوده فعلى ذلك لا حاجة إلى التقليد في اليقينيات فضلا عن الضروريات. هذا تمام الكلام في الاحتياط ويقع الكلام بعد ذلك في التقليد.

[ 77 ]

[ (مسألة 7) عمل العامي بلا تقليد ولا احتياط باطل (1). (مسألة 8) التقليد هو الالتزام. (2) ] مباحث التقليد (1) لم يرد بذلك البطلان الواقعي بان تكون أعمال العامي من غير تقليد ولا احتياط فاسدة وان انكشفت صحتها بعد ذلك، كما إذا بلغ رتبة الاجتهاد وأدى نظره إلى صحتها. بل المراد به البطلان عقلا، وعدم جواز الاقتصار على ما اتى به من دون تقليد ولا احتياط وذلك لان قاعدة الاشتغال تقضى حينئذ ببطلانه. - مثلا - إذا عقد على امرئة بالفارسية من دون أن يعلم بصحته أو يقلد من يفتى بها لم يجزله أن يرتب على المرئة اثار الزوجية. وكذا إذا غسل المتنجس مرة واحدة وهو لا يعلم كفايتها لانه ليس له أن يرتب عليه آثار الطهارة لاحتمال بطلان العقد واقعا وعدم صيرورة المرئة بذلك زوجة له أو عدم طهارة المغسول وبقائه على تنجسه فحيث أنه لم يحرز صحة العقد أو كفاية المرة الواحدة فقاعدة الاشتغال تقتضي بطلانه وعدم كفاية الغسل مرة - مع قطع النظر عن الاستصحاب الجارى فيهما - وعلى الجملة إذا لم يحرز المكلف صحة عمله واحتمل معه الفساد فمقتضى قاعدة الاشتغال أعنى حكم العقل بان الاشتغال اليقيني يستدعى البرائة اليقينية عدم ترتيب اثار الصحة عليه. معنى التقليد (2) قد عرف التقليد بوجوه: " منها ": أن التقليد اخذ فتوى الغير للعمل به.

[ 78 ]

و " منها ": أنه الالتزام بالعمل بفتوى الغير وان لم يعمل به بعد ولا اخذ فتواه. و " منها ": غير ذلك من التفاسير. والتحقيق أن التقليد عنوان من عناوين العمل وطور من أطواره وهو الاستناد إلى قول الغير في مقام العمل بأن يكون قول الغير هو الذي نشأ منه العمل وأنه السبب في صدوره فان المقلد في أعماله يتكي ويستند إلى قول الغير فهو المسئول عن وجهه دون العامل المقلد. معنى التقليد بحسب اللغة ويرشدك إلى ذلك ملاحظة اللغة، حيث أن التقليد بمعنى جعل الشخص أو غيره ذا قلادة فيقال: تقلد السيف أي القى حمالته في عنقه، ومنه تقليد البدنة في الحج لان معناه انه علق بعنقها النعل ليعلم أنها هدى فيكف عنها، وفي حديث الخلافة (1) قلدها رسول الله عليا. أي جعلها قلادة له فمعنى أن العامي قلد المجتهد أنه جعل أعماله على رقبة المجتهد وعاتقه وأتى بها استنادا إلى فتواه، لا أن معناه الاخذ أو الالتزام أو غير ذلك من الوجوه، لعدم توافق شئ من ذلك معنى التقليد لغة. - مثلا - إذا فسرناه بالالتزام رجع معنى تقليد المجتهد إلى أن العامي جعل فتوى المجتهد وأقواله قلادة لنفسه لا انه جعل أعماله قلادة على رقبة المجتهد. وقد عرفت أن المناسب لمعنى التقليد هو الثاني دون الاول فان لازمه صحة اطلاق المقلد على المجتهد دون العامي. معنى التقليد بحسب الاخبار ثم إن ما ذكرناه في معنى التقليد مضافا إلى انه المناسب للمعنى اللغوى قد


(* 1) كذا في مجمع البحرين في مادة (قلد).

[ 79 ]

اشير إليه في جملة من الروايات كمعتبرة عبد الرحمان بن الحجاج قال: كان أبو عبد الله - ع - قاعدا في حلقة ربيعة الرأى فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأى عن مسألة فاجابه، فلما سكت قال له الاعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يرد عليه شيئا، فاعاد المسألة عليه فاجابه بمثل ذلك فقال له الاعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة فقال أبو عبد الله - ع -: هو في عنقه قال أو لم يقل وكل مفت ضامن (* 1). وكالاخبار المستفيضة الدالة على أن من افتى بغير علم فعليه وزر من عمل به (* 2) ويؤيد ذلك ما ورد في الحج من أن كفارة تقليم الاظافر على من افتى به (* 3) لا على المباشر. ومن ذلك يستكشف بوضوح أن ما ذكرناه في معنى التقليد هو المعنى المتفاهم العرفي من لفظة التقليد عند اطلاقها بل عليه جرت اللغة الدارجة في عصرنا حيث ترى يقولون: قلدتك الدعاء والزيارة. إذا الاصطلاح الدارج واللغة والعرف متطابقة على أن التقليد هو الاستناد إلى قول الغير في مقام العمل هذا. إلا أن صاحب الكفاية " قده " لم يرتض بذلك وذهب إلى أن التقليد هو الاخذ والالتزام ومنع عن تفسيره بالعمل استنادا إلى رأى الغير، نظرا إلى أن التقليد إذا كان نفس العمل على طبق فتوى الغير فأول عمل يصدر من المكلف يصدر من غير تقليد، لان ذلك العمل غير مسبوق بالتقليد الذي هو العمل، مع أن العمل لابد أن يكون مسبوقا بالتقليد، لان المكلف لابد أن يستند في أعماله إلى حجة


(* 1) المروية في ب 7 من ابواب اداب القاضى من الوسائل. (* 2) راجع ب 4 من ابواب صفات القاضي و 7 من ابواب آداب القاضي من الوسائل. (* 3) راجع ب 13 من ابواب بقية كفارات الاحرام من الوسائل.

[ 80 ]

فكما أن المجتهد يستند إلى اجتهاده وهو امر سابق على عمله كذلك العامي لابد أن يستند إلى التقليد ويلزم أن يكون تقليده سابقا على عمله. ويرد عليه أن التقليد كما مر لون وعنوان للعمل فهو أمر مقارن معه ولا يعتبر فيه السبق زمانا، فإذا عمل المكلف عملا مستندا إلى فتوى الغير كان ذلك العمل مقرونا بالتقليد لا محالة وهو كاف في صحته ولا دليل على اعتبار سبق التقليد على العمل وقد يورد على تفسير التقليد بما ذكرناه بان ذلك مستلزم للدور فان مشروعية العبادة وصحتها من المقلد تتوقف على تقليده، إذ لو لم يقلد لم يتمكن من الاتيان بها بما أنا مأمور بها حتى تقع عبادة، فلو كان تقليده متوقفا على اتيانه بالعبادة - لعدم تحقق التقليد إلا بالعمل - لدار. ويندفع: بأن المتوقف عليه غير المتوقف عليه وذلك لان مشروعية أي عمل عبادي أو غيره لا يمكن أن تكون ثابتة بالتقليد لعدم كونه مشرعا في الدين. بل انما تتوقف المشروعية على الدليل ولو كان هو فتوى مقلده. نعم إذا أتى المكلف بالعمل بعد العلم بمشروعيته مستندا فيه إلى فتوى المجتهد انطبق عليه التقليد لا محالة فالتقليد وان كان متوقفا على العمل إلا أنه لا يتوقف على التقليد بوجه فلا توقف في البين، وعلى الجملة ان التقليد انما يتحقق بالعمل على قول الغير ولا توقف له على الالتزام. معنى التقليد عند اختلاف الفتاوى وقد يقال: إنه إذا تعدد المجتهدون واختلفوا في الفتوى توقف التقليد على الالتزام بالعمل على إحدى الفتويين أو الفتاوى، أو أن التقليد حينئذ ينتزع عن نفس الالتزام. والدليل على وجوبه حكم العقل بلزوم تحصيل الحجة على امتثال الاحكام الشرعية.

[ 81 ]

بل عن بعضهم أن الخلاف في أن التقليد هو العمل أو الالتزام إنما هو فيما إذا اتحد المجتهد أو تعددوا واتفقوا في الفتوى وأما مع التعدد والتعارض بين الفتويين أو الفتاوى فلا ينبغي التردد في أنه يجب الالتزام باحدى الفتويين أو الفتاوى لان موضوع الحجية لا يتحقق حينئذ إلا بالالتزام وهو مقدمة لتطبيق العمل على طبقها والوجه فيه: أن الحجة يمتنع أن يكون هو الجميع لاستلزامه الجمع بين المتناقضين، ولا واحد معين لانه بلا مرجح، كما يمتنع الحكم بالتساقط والرجوع إلى غير الفتوى، لانه خلاف السيرة والاجماع إذا يتعين أن تكون الحجة ما يختاره المكلف ويلتزم به وحاصله: أن الحجة في مفروض الكلام هي احدى الفتويين أو الفتاوى تخييرا والتمييز حينئذ بالاختيار والالتزام. هذا ويأتي منا إن شاء الله في المسألة الثالثة عشرة عند تعرض الماتن " قد " لمسألة ما إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة وحكمه فيها بالتخيير: أن الحجية التخييرية - باى معنى فسرت - أمر لا محصل له في المقام وأن الوظيفة حينئذ هو الاحتياط لسقوط الفتويين أو الفتاوى عن الحجية بالتعارض إذا لاتوقف للتقليد على الالتزام فضلا عن أن يكون التقليد نفس الالتزام عند تعدد المجتهد واختلافهم في الفتوى. ثم ان التكلم في مفهوم التقليد لا يكاد أن يترتب عليه ثمرة فقهية أللهم إلا في النذر. وذلك لعدم وروده في شى من الروايات. نعم ورد في رواية الاحتجاج فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه مخالفا على هواه. مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه (* 1) إلا أنها رواية مرسلة غير قابلة للاعتماد عليها إذا فلم يؤخذ عنوان التقليد في موضوع أي حكم لنتكلم عن مفهومه ومعناه. وأما أخذه في مسألتي البقاء على تقليد الميت، والعدول من الحي إلى غيره


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 82 ]

فهو انما يتراءى في كلمات الاصحاب قدس الله اسرارهم، حيث عنونوا المسألتين كما نقلناه، ومن المعلوم أنهما بهذين العنوانين غير واردتين في الاخبار. نعم سبق إلى بعض الاذهان أن حكم المسألتين مبنى على معنى التقليد فيختلف الحال فيهما باختلافه، لانا لو فسرناه بالالتزام، وفرضنا أن المكلف التزم بالعمل بفتوى مجتهد ثم مات ذلك المجتهد فله أن يعمل على فتاواه لانه من البقاء على تقليد الميت، وليس تقليدا ابتدائيا له، وهذا بخلاف ما إذا فسرناه بالاستناد إلى فتوى المجتهد في مقام العمل، لانه حينئذ من تقليد الميت ابتداء لعدم استناد المكلف إلى شى من فتاوى المجتهد الميت حال حياته، وإنما التزم بأن يعمل على طبقها، فلا يجوز أن يرجع إلى الميت حينئذ وكذلك الكلام في المسألة الثانية، لانه إذا التزم بالعمل بفتيا مجتهد - وفسرنا التقليد بالالتزام - حرم عليه العدول عن تقليده لانه قد قلده تقليده صحيحا ولا مرخص له للعدول. وهذا بخلاف ما إذا قلنا إن التقليد هو الاستناد إلى فتوى المجتهد في مقام العمل لانه حينئذ لم يتحقق منه تقليد المجتهد ليحرم عليه العدول بل لا يكون رجوعه لغيره عدولا من مجتهد إلى مجتهد آخر هذا ولكنا سنبين - قريبا - أن المسألتين لا يختلف حكمهما بالاختلاف في معنى التقليد لعدم ابتنائهما عليه حيث أن لكل من المسألتين مبنى لا يفرق فيه الحال بين أن يكون التقليد بمعنى الالتزام أو بمعنى آخر كما يأتي في محله، إذا صح ما ذكرناه من أن عنوان التقليد لم يرد في شى من الادلة حتى نبحث عن مفهومه. بقى شئ وهو ان مسألة التقليد ليست تقليدية وتوضيحه: أنا قد اسبقنا أن كل مكلف يعلم - علما اجماليا - بثبوت احكام الزامية في الشريعة المقدسة من وجوب أو تحريم وبه تنجزت الاحكام الواقعية عليه وهو يقتضى

[ 83 ]

الخروج عن عهدتها لاستقلال العقل بوجوب الخروج عن عهدة التكاليف المتوجهة إلى العبد من سيده. والمكلف لدى الامتثال إما أن يأتي بنفس الواجبات الواقعية ويترك المحرمات وإما أن يعتمد على ما يعذره على تقدير الخطاء - وهو ما قطع بحجيته، إذ لا يجوز - لدى العقل - الاعتماد على غير ما علم بحجيته حيث يحتمل معه العقاب. وعلى هذا يترتب أن العامي لابد في استناده إلى فتوى المجتهد أن يكون قاطعا بحجيتها في حقه أو يعتمد في ذلك على ما يقطع بحجيته، ولا يسوغ له أن يستند في تقليده على مالا يعلم بحجيته، إذ معه يحتمل العقاب على افعاله وتروكه وعليه لا يمكن أن تكون مسألة التقليد تقليدية بل لابد أن تكون ثابتة بالاجتهاد. نعم لا مانع من التقليد في خصوصياته كما يأتي عليها الكلام، إلا أن أصل جوازه لابد أن يستند إلى الاجتهاد. ما يمكن أنه يعتمد عليه العامي الذي يمكن أن يعتمد عليه العامي في حجية فتوى المجتهد في حقه أمران: " أحدهما ": الارتكاز الثابت ببناء العقلاء، حيث جرى بنائهم في كل حرفة وصنعة بل في كل امر راجع إلى المعاش والمعاد على رجوع الجاهل إلى العالم لانه اهل الخبرة والاطلاع ولم يرد من هذه السيرة ردع في الشريعة المقدسة. وهذه السيرة والبناء وإن جاز أن لا يلتفت اليهما العامي مفصلا إلا أنهما مرتكزان في ذهنه بحيث يلتفت اليهما ويعلم بهما تفصيلا بادنى اشارة وتنبيه. و " ثانيهما ": دليل الانسداد وتقريبه أن كل أحد يعلم بثبوت احكام الزامية في حقه، كما يعلم أنه غير مفوض في افعاله بحيث له أن يفعل ما يشاء ويترك ما يريد وهذان العلمان ينتجان استقلال العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكاليف الواقعية

[ 84 ]

المنجزة بعلمه. وطريق الخروج عنها منحصر في الاجتهاد والاحتياط والتقليد. أما الاجتهاد فهو غير متيسر على الكثير بل على الجميع لان كل مجتهد كان برهة من الزمان مقلدا أو محتاطا لا محالة وكونه مجتهدا منذ بلوغه وإن كان قد يتفق إلا أنه أمر نادر جدا فلا يمكن أن يكون الاجتهاد واجبا عينيا على كل أحد. بل لعله خلاف الضرورة بين المسلمين. وأما الاحتياط فهو كالاجتهاد غير ميسور له لعدم تمكنه من تشخيص موارده على أنا لا نحتمل أن تكون الشريعة المقدسة مبتنية على الاحتياط إذا يتعين على العامي التقليد لا نحصار الطريق به. وبهذا الطريق يستكشف العقل أن الشارع قد نصف في الشريعة طريق آخر إلى الاحكام الواقعية بالاضافة إلى العامي فلا يسوغ له أن يأخذ بالعمل بمظنوناته ويترك مشكوكاته وموهوماته وذلك لانه ليس للمقلد ظن بالاحكام فانه ليس من أهل النظر والاجتهاد. على أن ظنه كشكه ووهمه لا أقربية له إلى الواقع بالنسبة إلى شقيقيه لعدم ابتنائه على النظر في أدلة الاحكام فليس له طريق اقرب إلى الواقع من فتوى مقلده. وعلى الجملة ان دليل الانسداد وإن لم يتم بالاضافة إلى المجتهد فان من يرى انسداد باب العلم - الذي من مقدماته عدم التمكن من الاجتهاد - كيف يرخص الرجوع إلى فتوى من يرى انفتاحه ويدعى التمكن من الاجتهاد وذلك لعلمه بخطائه ومع تخطئته لا يتمكن العامي من الرجوع إليه. إلا أنه تام بالاضافة إلى العامي كما عرفت. هذا كله فيما يمكن أن يعتمد عليه العامي في المقام.

[ 85 ]

ما دل على جواز التقليد وأما ما يمكن أن يستدل به المجتهد على جواز التقليد في الشريعة المقدسة فهو أمور: " منها ": السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع عنها وقد تقدمت. وهي تقضى جواز التقليد والافتاء كليهما. و " منها ": قوله عز من قائل: فلو لانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (* 1) فانها تدلنا على وجوب النفر حسبما تقتضيه لولا التحضيضية كما تدلنا على وجوب التفقه والانذار لانهما الغاية الداعية إلى الامر بالنفر وتدلنا ايضا على أن مطلوبية التفقه والانذار ليست لاجل نفسيهما. بل من جهة احتمال التحذر بواسطتهما، فالغاية من ذينك الواجبين هو التحذر عند الانذار وحيث أن الآية مطلقة فيستفاد منها أن التحذر عقيب الانذار واجب مطلقا سواء حصل العلم من انذار المنذرين أم لم يحصل. وتوضيحه: ان الحذر على ما يستفاد من مشتقاته وموارد استعمالاته عنوان للعمل وليس عبارة عن الخوف النفساني فحسب ومعناه التحفظ عن الوقوع فيما لا يراد من المخاوف والمهالك - مثلا - إذا حمل المسافر سلاحه في الطريق المحتمل فيه اللص أو السبع للمدافعة عن نفسه أو ماله يقال: إنه تحذر فهو فعل اختياري وليس بمعنى الخوف كما مر وقد دلت الآية المباركة على وجوبه وبما أن التحذر غير مقيد فيها بصورة حصول العلم من انذار المنذرين لكي يجب التحذر بالعلم المستند إلى الانذار فلا مناص من الالتزام بوجوب التحذر عقيب الانذار مطلقا حصل للمتحذر علم من انذار المنذرين أم لم يحصل.


(* 1) التوبة 9: 122.

[ 86 ]

وعلى الجملة أن للآية المباركة دلالات: " منها ": دلالتها على وجوب التقليد في الاحكام لدلالتها على وجوب التحذر بانذار الفقيه وهو انما يتحقق بالعمل على انذاره وفتواه. و " منها ": دلالتها على وجوب الافتاء وذلك لدلالتها على وجوب الانذار فان الانذار قد يكون بالدلالة المطابقية. وقد يكون ضمنيا أو بالالتزام، وافتاء المجتهد بالحرمة أو الوجوب يتضمن الانذار باستحقاق العقاب عند تركه الواجب أو اتيانه الحرام. و " منها ": دلالتها على حجية انذار الفقيه وافتائه وذلك لانه لو لم يكن انذاره حجة شرعا لم يكن أي مقتض لوجوب التحذر بالانذار لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فوجوب التحذر عند انذار الفقيه يستلزم حجية الانذار لا محالة هذا. وقد يقال: إن الفقاهة والاجتهاد في الصدر الاول غير الفقاهة والاجتهاد في العصور المتأخرة، لان التفقه في الاعصار السابقة انما كان بسؤال الاحكام وسماعها عن المعصومين عليهم السلام، ولم يكن وقتئذ من الاجتهاد بالمعنى المصطلح عليه عين ولا أثر، إذا لا دلالة للآية المباركة على حجية انذار الفقيه بالمعنى المصطلح لتدل على حجية فتواه وانما تدل على حجية النقل والرواية لان انذار الفقيه بالمعنى المتقدم انما هو بنقله الحكم الذي سمعه من مصادره أو باخباره عن أن الفعل يترتب على ارتكابه أو على عدم ارتكابه العقاب واين هذا من التفقه بالمعنى المصطلح عليه لانه امر آخر يتوقف على اعمال الدقة والنظر وهذه المناقشة وان اوردها بعض مشايخنا المحققين قدس الله اسرارهم إلا انها مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك: (أما أولا): فلان الآية المباركة لمكان اخذها عنوان الفقاهة في موضوع وجوب التحذر ليست لها أية دلالة على حجية الخبر والرواية من جهتين:

[ 87 ]

" إحداهما ": أن حجية الرواية لا يعتبر فيها أن يكون الناقل ملتفتا إلى معناها فضلا عن أن يكون فقيها لكفاية الوثاقة في حجية نقل الالفاظ المسموعة عن المعصوم - ع - من غير أن يتوقف على فهم المعنى بوجه. و " ثانيتهما ": أن الراوي لا يعتبر في حجية رواياته أن يصدق عليه عنوان الفقيه، لانه إذا روى رواية أو روايتين أو اكثر لم يصدق عليه الفقيه وان كان ملتفتا إلى معناها لضرورة أن العلم بحكم أو بحكمين لا يكفي في صدق الفقيه مع حجية رواياته شرعا. أللهم إلا أن يقال ان الآية المباركة إذا دلت على حجية الخبر عند صدق الفقيه عليه ناقله دلت على حجيته عند عدم كون الراوى فقيها لعدم القول بالفصل، إلا أن ذلك استدلال آخر غير مستند إلى الآية كيف وقد عرفت أن الآية قد اخذ في موضوعها التفقه في الدين فظهر بما سردناه أن دلالة الآية المباركة على حجية فتوى المجتهد وجواز التقليد أقرب وأظهر من دلالتها على حجية الخبر. (وأما ثانيا): فلعدم كون التفقه والاجتهاد في الاعصار السابقة مغايرا لهما في العصور المتأخرة. بل الاجتهاد أمر واحد في الاعصار السابقة والآتية والحاضرة. حيث أن معناه معرفة الاحكام بالدليل ولا اختلاف في ذلك بين العصور. نعم يتفاوت الاجتهاد في تلك العصور مع الاجتهاد في مثل زماننا هذا في السهولة والصعوبة حيث أن التفقه في الصدر الاول إنما كان بسماع الحديث ولم تكن معرفتهم للاحكام متوقفة على تعلم اللغة لكونهم من أهل اللسان أو لو كانوا من غيرهم ولم يكونوا عارفين باللغة كانوا يسألونها عن الامام - ع - فلم يكن اجتهادهم متوقفا على مقدمات أما اللغة فلما عرفت، وأما حجية الظهور واعتبار الخبر الواحد - وهما للركنان الركينان في الاجتهاد - فلاجل أنهما كانتا عندهم من المسلمات.

[ 88 ]

وهذا بخلاف الاعصار المتأخرة لتوقف الاجتهاد فيها على مقدمات كثيرة إلا أن مجرد ذلك لا يوجب التغيير في معنى الاجتهاد، فان المهم مما يتوقف عليه التفقه في العصور المتأخرة إنما هو مسألة تعارض الروايات، الا أن التعارض بين الاخبار كان يتحقق في تلك العصور ايضا ومن هنا كانوا يسألونهم - ع - عما إذا ورد عنهم خبران متعارضان إذا التفقه والاجتهاد بمعنى إعمال النظر متساويان في الاعصار السابقة واللاحقة وقد كانا متحققين في الصدر الاول. ايضا ومن هنا ورد في مقبولة عمر بن حنظلة: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا... (* 1) وفي بعض الاخبار ورد الامر بالافتاء صريحا (* 2) فدعوى أن الفقاهة والاجتهاد - بالمعنى المصطلح عليه - لا عين ولا أثر له في الاعصار السالفة مما لاوجه له ومعه لا موجب لاختصاص الآية المباركة بالحكاية والاخبار لشمولها الافتاء أيضا كما عرفت فدلالة الآية على حجية الفتوى وجواز التقليد مما لا مناقشة فيه. و " منها ": قوله عز من قائل: فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون (* 3) حيث دلت على وجوب السؤال عند الجهل ومن الظاهر أن السؤال مقدمة للعمل فمعنى الآية المباركة: فسألوا أهل الذكر لاجل أن تعلموا على طبق الجواب لا أن المقصود الاصلى هو السؤال في نفسه، لوضوح انه لغو لا اثر له فلا مصحح للامر به لو لم يكن مقدمة للعمل. فتدلنا الآية المباركة على جواز رجوع الجاهل إلى العالم وهو المعبر عنه


(* 1) المروية في ب 11 من ابواب صفات القاضى من الوسائل. (* 2) كأمره - ع - لابان بن تغلب حيث قال: اجلس في مسجد المدينة وافت الناس... راجع النجاشي ص 7. (* 3) الانبياء 21: 7.

[ 89 ]

بالتقليد وعلى حجية فتوى العالم على الجاهل لانه لو لم يكن قول العالم حجة على السائل لاصبح الامر بالسؤال عنه لغوا ظاهرا. ودعوى أن المراد بها وجوب السؤال عنهم حتى يحصل العلم للسائل من أجوبتهم ويعمل على طبق علمه وأن معنى الآية: فاسألوا لكى تعلموا فتعملوا بعلمكم من البعد بمكان وذلك: لان مثل هذا الخطاب انما هو لبيان الوظيفة عند عدم العلم والمعرفة فهو في قبال العلم بالحال لا أنه مقدمة لتحصيل العلم - مثلا - يقال: إذا لست بطبيب فراجع الطبيب في العلاج. فان المتفاهم العرفي من مثله أن الغاية من الامر بالمراجعة انما هو العمل على طبق قول الطبيب لا أن الغاية صيرورة المريض طبيبا وعالما بالعلاج حتى يعمل على طبق علمه ونظره فقوله: راجع الطبيب، معناه راجعه لتعمل على نظره لا لتكون طبيبا وتعمل بعلمك. إذا معنى الآية المباركة: أنه إذا لستم بعالمين فسألوا أهل الذكر للعمل على طبق قولهم وجوابهم، فلا مناقشة في دلالة الآية المباركة من هذه الجهة. وقد يتوهم: أن تفسير أهل الذكر في الاخبار باهل الكتاب أو الائمة عليهم السلام ينافي الاستدلال بها على جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم والفقيه في الاحكام. ويندفع: بأن ورود آية في مورد لا يقتضى اختصاصها بذلك المورد. والآية المباركة قد تضمنت كبرى كلية قد تنطبق على أهل الكتاب وقد تنطبق على الائمة عليهم السلام وقد تنطبق على العالم والفقيه وذلك حسبما تقتضيه المناسبات على اختلافها باختلاف المقامات فان المورد إذا كان من الاعتقاديات كالنبوة وما يرجع إلى صفات النبي ص فالمناسب السؤال عن علماء اهل الكتاب لعلمهم باثارها وعلاماتها، كما أن المورد لو كان من الاحكام الفرعية فالمناسب الرجوع

[ 90 ]

فيه إلى النبي - ص - أو الائمة عليهم السلام، وعلى تقدير عدم التمكن من الوصول إليهم فالمناسب الرجوع إلى الفقهاء. وعلى الجملة تضمنت الآية المباركة كبرى رجوع الجاهل إلى العالم المنطبقة على كل من اهل الكتاب وغيرهم فالاستدلال بها من تلك الناحية أيضا مما لا خدشة فيه هذا. ولكن الصحيح أن الآية المباركة لا يمكن الاستدلال بها على جواز التقليد وذلك لان موردها ينافي القبول التعبدى حيث أن موردها من الاصول الاعتقادية بقرينة الآية السابقة عليها وهي: وما أرسلنا قبلك الا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وهو رد لا ستغرابهم تخصيصه سبحانه رجلا بالنبوة من بينهم فموردها النبوة ويعتبر فيها العلم والمعرفة ولا يكفى فيها مجرد السؤال من دون أن يحصل به الاذعان فلا مجال للاستدلال بها على قبول فتوى الفقيه تعبدا من دون أن يحصل منها العلم بالمسألة. الايات الناهية عن التقليد ثم إن هناك آيات وردت في النهى عن التقليد وذمه كقوله عزمن قائل: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما انزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (* 1) وقوله: وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما الفينا عليه آباءنآ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (* 2) وغير ذلك من الآيات. إلا أنها اجنبية عما نحن بصدده فان محل الكلام انما هو التقليد في الاحكام


(* 1) المائدة 5: 104. (* 2) البقرة 2: 170.

[ 91 ]

الفرعية بالاضافة إلى العوام غير المتمكن من تحصيل العلم بالمسألة، والآيات المباركة انما وردت في ذم التقليد في الاصول حيث كانوا يتبعون آبائهم في اديانهم مع أن الفطرة قاضية بعدم جواز التقليد من مثلهم ولو في غير الاصول وذلك لانه من رجوع الجاهل إلى جاهل مثله ومن قيادة الاعمى لمثله فالذم فيها راجع إلى ذلك مضافا إلى أن الامور الاعتقادية يعتبر فيها العلم والمعرفة ولا يسوغ فيها الاكتفاء بالتقليد وليس في شى من الآيات المتقدمة ما يدل على النهى عن التقليد في الفروع عن العالمين بها لمن لا يتمكن من العلم بالاحكام. وأما الايات الناهية عن الظن فهى أيضا كسابقتها في عدم الدلالة على حرمة التقليد لما بيناه في محله من أن النهى في تلك الآيات ليس نهيا مولويا، وانما هو ارشاد إلى ما استقل به العقل إذ الظن يقترن دائما باحتمال الخلاف فالعمل به مقرون باحتمال العقاب لا محالة ودفع العقاب المحتمل مما استقل به العقل، والنهى في الآيات المباركة ارشاد إليه. ومن ثمة قلنا في محله ان حجية أي حجة لابد من أن تنتهى إلى العلم، إذ لو لم تكن كذلك لاحتمل معها العقاب والعقل مستقل بلزوم دفعه. وعلى الجملة ان دلالة آية النفر على حجية الفتوى وجواز التقليد مما لااشكال فيه ولا يعارضها شئ من الآيات المباركة. و " منها ": الروايات الدالة على جواز العمل بالتقليد وحجية الفتوى في الفروع وهي كثيرة بالغة حد التواتر الاجمالي وان لم تكن متواترة مضمونا وبها يظهر أن الادلة اللفظية والسيرة والعقل مطبقة على جواز التقليد وحجية فتوى الفقيه. وتلك الاخبار على طوائف: " الاولى ": الاخبار المشتملة على ارجاع الناس إلى اشخاص معينين أو إلى عنوان من العناوين المنطبقة عليهم كالارجاع إلى العمرى وابنه، ويونس بن

[ 92 ]

عبد الرحمن، وزكريا بن آدم، ويونس مولى آل يقطين، والارجاع إلى رواة حديثهم إلى غير ذلك من الروايات (* 1). وحيث أن دلالتها على الارجاع إلى هولاء مطلقة فتشمل ما إذا كان ما يؤدونه في مقام الجواب ما وصل إليه نظرهم من الجمع بين الروايتين المتعارضتين أو حمل


(* 1) احمد بن اسحق عن أبي الحسن ع قال: سألته وقلت: من اعامل؟ وعمن آخذ؟ وقول من اقبل؟ فقال: العمرى ثقتى فما أدى اليك عنى فعنى يؤدى وما قال لك عنى فعنى يقول. فاسمع له واطع فانه الثقة المأمون. قال: وسألت أبا محمد عن مثل ذلك فقال: العمرى وابنه ثقتان فما أديا اليك عنى فعني يؤديان وما قالا لك فعنى يقولان فاسمع لهما واطعهما فانهما الثقتان المأمونان. عبد العزيز ابن المهتدى والحسن بن على بن يقطين جميعا عن الرضا ع قال: قلت لا اكاد اصل اليك أسالك عن كل ما احتاج إليه من معالم ديني أفيونس بن عبد الرحمان ثقة آخذ منه ما احتاج إليه من معالم دينى؟ فقال: نعم. عبد العزيز بن المهتدى قال: قلت للرضا ع إن شقتي بعيد فلست أصل إليك في كل وقت فاخذ معالم دينى عن يونس مولى آل يقطين؟ قال: نعم. علي بن المسيب الهمداني قال: قلت للرضا ع شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كل وقت فممن آخذ معالم دينى؟ قال: من زكريا بن آدم القمى المأمون على الدين والدنيا. اسحق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمرى ان يوصل لى كتابا قد سألت فيه عن مسائل اشكلت على فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان - ع اما ما سألت عنه ارشدك الله وثبتك.. إلى أن قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا. المرويات في ب 11 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 93 ]

المطلق على المقيد أو التمسك بالعام عند الشك في التخصيص أو غير ذلك من أنحاء الاجتهاد والاستنباط. وما إذا كان جوابهم بنقل الالفاظ التي سمعوها عنهم عليهم السلام. وأظهر منها قوله - ع - في رواية اسحاق بن يعقوب: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا (* 1) وذلك لان الحوادث الواقعة قد لا تكون منصوصة فلا يمكن أن يجاب فيها إلا بالاجتهاد وإعمال النظر. وأما التعبير فيها برواة الحديث دون العلماء أو الفقهاء فلعل السر فيه أن علماء الشيعة ليس لهم رأى من عند انفسهم في قبال الائمة عليهم السلام، فانهم لا يستندون إلى القياس والاستحسان والاستقراء الناقص وغير ذلك مما يعتمد عليه المخالفون، وانما يفتون بالروايات المأثورة عنهم عليهم السلام فهم - في الحقيقة - ليسوا إلا رواة حديثهم. " الثانية ": الاخبار المشتملة على الامر الصريح بافتاء بعض اصحابهم - ع - كقوله لابان بن تغلب: اجلس في (مسجد) المجلس المدينة وافت الناس فانى احب أن يرى في شيعتي مثلك (* 2) وقوله لمعاذ بن مسلم النحوي: بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس قلت: نعم وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج: إنى أقعد في المسجد فيجيئ الرجل فيسألني عن الشئ فإذا عرفته بالخلاف لكم اخبرته بما يفعلون، ويجئ الرجل أعرفه بمودتكم وحبكم فاخبره بما جاء عنكم، ويجيئ الرجال لا أعرفه ولا أدرى من هو فاقول جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا فادخل قولكم فيما بين ذلك فقال لى: اصنع كذا فانى كذا اصنع (* 3). وهذه الطائفة لا إشكال في دلالتها على جواز الافتاء في الاحكام، كما


(* 1) و (* 3) المرويتان في ب 11 من ابواب صفات القاضي من الوسائل. (* 2) المروية في رجال النجاشي ص 8 7.

[ 94 ]

[ بالعمل بقول مجتهد معين (1) وإن لم يعمل بعد، بل ولو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته والتزم بما فيها كفى في تحقق التقليد. ] أنها تدلنا على جواز التقليد والرجوع إلى مثل أبان أو معاذ، إذ لو لم يجز تقليده بان لم يكن فتوائه حجة على السائل لم يكن فائدة في أمرهم - ع - بافتائه لانه حينئذ لغو ومما لا أثر له. " الثالثة ": الاخبار الناهية عن الافتاء بغير علم وعن القضاء بالرأى والاستحسان والمقاييس وهى كثيرة عنون لها بابا في الوسائل وأسماه باب عدم جواز القضاء والحكم بالرأى والاجتهاد والمقاييس ونحوها من الاستنباطات الظنية في نفس الاحكام الشرعية. وهي تدل على حرمة الافتاء بمثل القياس والاستحسان وغيرهما مما هو متداول عند المخالفين لانه من الافتاء بغير علم، كما أنها تدل على جواز الافتاء عن مدرك صحيح كالاخبار المأثورة عنهم - ع - على ما هو المتعارف عند علماء الشيعة (قدس الله أسرارهم). (1) إن من يجوز تقليده إما أن يتحد وإما أن يتعدد، وعلى الثاني إما أن يتفقوا في الفتوى وأما أن يختلفوا، وعلى جميع هذه التقادير لا يرجع التقييد بالتعيين في كلامه " قده " إلى محصل وذلك: أما في صورة الاتحاد فلوضوح أنه لا تعدد لمن يجوز تقليده ليجب تعيينه أو لا يجب. وأما عند التعدد مع الاتفاق في الفتوى فلما تأتي الاشارة إليه في المسألة الثامنة عشرة من أن الحجية. انما ترتبت على طبيعي فتوى الفقيه - على نحو صرف الوجود - وهذا ينطبق على القليل والكثير إذا الحجة هو الجامع بين الفتويين أو الفتاوى سواء

[ 95 ]

[ (مسألة 9) الاقوى جواز البقاء على تقليد الميت، ولايجوز تقليد الميت ابتداء (1). ] تساووا في الفضيلة أم اختلفوا، فان حال المقام حال الخبرين إذا دل كلاهما على حكم واحد. حيث أن المجتهد إذا افتى مستندا إلى الجامع بينهما فقد استند إلى الحجة وإن لم يعين أحدهما، إذ لا دليل على لزوم تعيين المستند بوجه، بل التعيين أمر غير ممكن لانه بلا مرجح فالحجة هو الجامع بين الروايتين. وأما عند التعدد مع الاختلاف في الفتوى فلما يوافيك في المسألة الثالثة عشرة من أن الوظيفة حينئذ هو الاحتياط لسقوط الفتويين أو الفتاوى عن الحجية بالتعارض فلا حجة ليجب تعيينها أو لا يجب. هذا كله إذا أريد بالمعين ما يقابل المتعدد. وأما لو اريد به ما يقابل المردد فالتقييد صحيح إلا أنه امر لا حاجة إليه لان المردد لا ماهية ولا وجود له ليكون قابلا للحكم عليه بالحجية أو بغيرها. اشتراط الحياة في المقلد (1) قد إختلفوا في اعتبار الحياة في من يرجع إليه في التقليد وعدمه على اقوال ثلاثة: " أحدها ": جواز تقليد الميت مطلقا ابتداء واستدامة. ونسب ذلك إلى الاخباريين ووافقهم من الاصوليين المحقق القمى " قده " في جامع الشتات في موردين حيث سئل في أحدهما عن جواز الرجوع إلى فتوى ابن ابى عقيل " قده " فأجاب بما حاصله: ان الاقوى عندنا جواز تقليد الميت بحسب الابتداء فلا مانع من الرجوع إليه. وقال في ثانيهما: أن الاحوط الرجوع إلى الحي، والاحتياط في كلامه من

[ 96 ]

الاحتياط المستحب لافتائه بجواز تقليد الميت ابتداء. و " ثانيها ": عدم جواز تقليد الميت مطلقا. و " ثالثها ": التفصيل بالمنع عن جواز تقليد الميت ابتداء، والقول بجوازه بحسب البقاء. وتحقيق الكلام في هذه المسألة يستدعى التكلم في مقامين: 1 - تقليد الميت ابتداء ذهبت العامة إلى جوازه ومن ثمة قلدوا اشخاصا معينين من اموات علمائهم ووقع ذلك عند اصحابنا " قدهم " مورد الكلام، والمشهور بل المتسالم عليه عندهم عدم الجواز، ونسب القول بالجواز إلى المحدثين وإلى الميرزا القمى " قده " كما مر والصحيح أن خلافه كمخالفة المحدثين غير مانعين عن دعوى التسالم على عدم مشروعية تقليد الميت ابتداء. وسره أن المحقق القمى إنما جوز تقليد الميت بحسب الابتداء تطبيقا للمسألة على مسلكه وجريا على ما هو الصحيح عنده من انسداد باب العلم بالاحكام، وأن الامتثال الجزمى وهو الاحتياط متعذر على المكلفين، وأن العقل يتنزل معه إلى امتثالها ظنا، لانه المقدور في حقهم فالمتعين على المكلفين إنما هو العمل بالظن بلا فرق في ذلك بين الظن الحاصل من فتاوى العلماء الاحياء وبين الظن الحاصل من فتاوى أمواتهم. وهذا فاسد مبنى وبناء: أما بحسب المبنى فلما ذكرناه في بحث الانسداد من أن دعوى انسداد باب العلم بالاحكام فاسدة من أساسها، حيث أنها تبتنى على أحد امرين على سبيل منع الخلو: " أحدهما ": دعوى عدم حجية الظواهر بالنسبة إلى غير المقصودين بالافهام. و " ثانيهما ": البناء على عدم حجية الخبر الموثوق به.

[ 97 ]

وقد اثبتنا في محله حجية كل من الظواهر والخبر الموثوق به وقلنا إن حجية الظواهر غير مختصة بمن قصد افهامه، والخبر الموثوق به كالمقطوع صحته، فدعوى الانسداد فاسدة مبنى. وأما بحسب البناء فلاءنا لو سلمنا انسداد باب العلم كما يراه فهذا إنما يقتضى اعتبار الظن على خصوص المجتهد، لانه حينئذ يجب أن يعمل بظنه الحاصل من الادلة. وأما العامي فلا، لانه كيف يحصل له الظن بالحكم الواقعي من فتوى الميت عند مخالفة الاحياء بل الاموات ايضا معه في المسألة، وبالاخص إذا كان الاحياء باجمعهم أو بعضهم اعلم من الميت، والاختلاف في الفتوى بين العلماء مما لا يكاد يخفى على احد، ومعه لا يحصل للعامي أي ظن بان ما افتى به الميت مطابق للواقع، وأن فتوى غيره من الاموات والاحياء مخالف له كيف فانه يحتمل خطائه حينئذ. فالصحيح - بناء على هذا المبنى الفاسد - أن يقال إن العامي يجب عليه العمل على فتوى المشهور في المسألة، لان فتوائهم مفيدة للظن في حقه. هذا كله بالنسبة إلى خلاف المحقق القمى. وأما مخالفة المحدثين فهى ايضا كذلك. وذلك لانهم إنما رخصوا في تقليد الميت بحسب الابتداء بناء على مسلكهم من انكار مشروعية التقليد بالكلية وأن رجوع العامي إلى المجتهد انما هو من باب الرجوع إلى رواة الحديث كما في رواية اسحق بن يعقوب وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا (* 1). فالمفتي ينقل الرواية لا أنه يفتى حقيقة حسب رأيه ونظره ومن الظاهر أن حجية الرواية وجواز العمل بها يتوقفان على حياة الراوى بوجه، لانها حجة ويجوز العمل بها كان المحدث حيا أو ميتا.


(* 1) المروية في ب 11 من ابواب صفات القاضى من الوسائل

[ 98 ]

وهذه الدعوى أيضا فاسدة مبنى وبناء: أما بحسب المبنى فلما أسلفناه من أن المستفاد من الآيات والروايات أن الرجوع إلى المجتهد انما هو من أجل أنه أهل الخبرة والاطلاع وأن لنظره دخلا في جواز الرجوع إليه لا أنه من جهة كونه راوي الحديث وقد دلت آية النفر على أن انذار الفقيه حجة، ومعناه أن الفقيه بما أنه فقيه وناظر في الاخبار وقد جمع بين متعارضاتها وخصص عموماتها وقيد مطلقاتها يجوز الرجوع إليه، فانه لا يعتبر الفقاهة في الراوى كما مر فهو من رجوع الجاهل إلى العالم والفقيه لامن رجوع العامي إلى رواة الحديث. فهذه الدعوى غير تامة مبنى. وأما بحسب البناء فلانا لو سلمنا أن الرجوع إلى المجتهد من باب الرجوع إلى راوي الحديث فلا يمكننا ارجاع العامي إلى فتوى الميت بعنوان راوي الحديث وذلك لان كل شخص عامى أو غيره على علم من أن المسائل الشرعية مورد الخلاف بين العلماء (قدس الله اسرارهم) للاختلاف في مداركها واخبارها وبالاخص إذا كان ممن له حظ من العلم وان لم يبلغ مرتبة الاجتهاد، لانه إذا رجع إلى الكتب الفقهية رأى أن للشهيد قولا وللشيخ قولا آخر وهكذا. ومع فرض التعارض في الاخبار لا يجوز للعامي كالمجتهد أن يرجع إلى شي من المتعارضات. بل لابد من ملاحظة المرجحات والاخذ بماله مرجح من المتعارضين وعلى تقدير تكافئهما يلاحظ أن مقتضى القاعدة هو التساقط أو التخيير. فعلى القول بان الرجوع إلى المجتهد من الرجوع إلى راوي الحديث وفرض عدم المرجح في البين، والقول بأن القاعدة تقتضي التخيير في المتكافئين لا بأس برجوعه إلى فتوى الميت فلا مجوز للحكم بجواز رجوعه إلى الميت على نحو الاطلاق. وملخص الكلام أن مخالفة المحدثين والمحقق القمى " قده " ليست مخالفة في المسألة ومحل الكلام، إذ لعلها مبتنية على مسلكهما كما مر، وأما أن المحقق لو كان

[ 99 ]

بانيا على الانفتاح، والمحدثين لو كانوا بانين على ان الرجوع إلى المجتهد من باب الرجوع إلى العالم وأهل الاطلاع كانا يجوزان تقليد الميت ابتداء فلا علم لنا به، وكيف كان فلابد من التكلم فيما استدل به على جواز تقليد الميت ابتداء. أدلة المثبتين وقد استدلوا عليه بوجوه: " منها ": دعوى أن الآيات والروايات الواردة في حجية فتوى الفقيه غير مقيدة بحال الحياة فمقتضى اطلاق الادلة عدم الفرق في حجيتها بين الحياة والممات لانها كما تشمل فتوى المجتهد الحى كذلك تشمل فتوى المجتهد الميت فالنتيجة هو التخيير لا محالة. ويدفعه: أن الآيات والروايات على تقدير اطلاقهما وشمولهما فتوى الميت في نفسها لا يمكن التمسك بهما في المقام وذلك لما مر من أن العلماء أحيائهم وأمواتهم مختلفون في المسائل الشرعية ومع مخالفة فتوى الميت لفتوى الاحياء. بل مخالفتها لفتوى الاموات بانفسهم لا تشملها الاطلاقات بوجه لعدم شمول الاطلاق للمتعارضين هذا. على أن الادلة القائمة على حجية فتوى الفقيه وجواز الرجوع إليه لا اطلاق لها - من تلك الناحية - ليشمل فتوى الميت في نفسها وذلك لانها انما دلت على وجوب الحذر عند انذار المنذر والفقيه، أو على السؤال من اهل الذكر، أو على الرجوع إلى راوي الحديث أو الناظر في الحلال والحرام أو غير ذلك من العناوين الواردة في الاخبار. ولا شبهة في أن القضايا ظاهرة في الفعلية، بمعنى أن قولنا - مثلا - العالم يجب اكرامه ظاهره أن من كان متصفا بالعلم بالفعل هو الذي يجب اكرامه.

[ 100 ]

لا الاعم من المتلبس بالفعل، ومن انقضى عنه التلبس إذا مقتضى الادلة المتقدمة أن من كان متصفا بالانذار - فعلا - أو بالفقاهة أو العلم أو غيرهما من العناوين بالفعل هو الذي يجوز تقليده. ولا اشكال في أن الميت لا يتصف بالانذار أو اهل الذكر أو بغيرهما من العناوين المتقدمة بالفعل وانما كان منذرا أو فقيها سابقا إذ لا انذار للميت ولا انه من اهل الذكر إلى غير ذلك من العناوين المتقدمة وقد عرفت أن الادلة غير شاملة لمن لم يكن متصفا بالعناوين المأخوذة في الموضوع بالفعل. وعلى الجملة أن الميت لما لم يكن منذرا أو متصفا بغيره من العناوين المتقدمة بالفعل لم تشمله الادلة القائمة على حجية فتوى المنذر ففتوى الميت خارجة عن مداليل الادلة رأسا. ولا نريد بذلك دعوى أن الحذر يعتبر أن يكون مقارنا للانذار، وحيث أن هذا لا يعقل في فتوى الميت فان الحذر متأخر عن انذاره لا محالة فلا تشمله المطلقات بل نلتزم بعدم اعتبار التقارن بينهما قضاء لحق المطلقات لعدم تقييدها بكون أحدهما مقارنا للآخر. وإنما ندعى أن فعلية العناوين المذكورة وصدقها بالفعل هي المأخوذة في موضوع الحجية بحيث لو صدق أن الميت منذر بالفعل أو فقيه أو من اهل الذكر كذلك وجب الحذر من انذاره وحكمنا بحجية فتواه وان لم يكن الحذر مقارنا لانذاره كما إذا لم يعمل المكلف على طبقه بان فرضنا أن المجتهد افتى وانذر وشمل ذلك زيدا - مثلا - ثم مات المجتهد قبل ان يعمل المكلف على طبق فتواه فانه حجة حينئذ، لان انذاره المكلف انما صدر في زمان كان المجتهد فيه منذرا بالفعل اي كان منذرا حدوثا وان لم يكن كذلك بحسب البقاء، ويأتي في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت ان هذا كاف في حجية الفتوى، ومن هنا قلنا ان المقارنة بين الانذار والحذر غير معتبر

[ 101 ]

لاطلاق الادلة من تلك الجهة. وأما إذا لم يصدق المنذر أو الفقيه أو بقية العناوين المتقدمة على الميت ولو بحسب الحدوث كما في التقليد الابتدائي نظير فتوى ابن ابي عقيل بالاضافة إلى امثالنا فلا تشمله المطلقات لان انذاره ليس من انذار المنذر أو الفقيه بالفعل. ثم إن بما سردناه ظهر الجواب عن الاخبار الآمرة بالرجوع إلى اشخاص معينين كزكريا بن آدم ومحمد بن مسلم وزرارة واضرابهم حيث أن ظهورها في ارادة الارجاع إلى الحى غير قابل المناقشة، لانه لا معنى للارجاع إلى الميت والامر بالسؤال أو الاخذ منه، وذلك لوضوح أن الارجاع فيها انما هو إلى هولاء الاشخاص بانفسهم، لا أن الارجاع إلى فتاواهم ليقاس ذلك بالاخبار ويدعى أن الفتوى كالرواية لا يفرق الحال في حجيتها بين أن يكون المفتى حيا أو ميتا كما هو الحال في راوي الحديث إذا لا موضوع للارجاع بعد موتهم فهذا الوجه غير تام. و " منها ": السيرة بتقريب أن العقلاء قد جرت سيرتهم على رجوع الجاهل إلى العالم ولا يفرقون في ذلك بين العالم الحي والميت ومن هنا لو مرض أحدهم وشخص مرضه لرجعوا في علاجه إلى القانون وغيره من مؤلفات الاطباء الاموات من غير نكير، وحيث لم يردع عن هذه السيرة في الشريعة المقدسة فنستكشف أنها حجة وممضاة شرعا. ويرد على هذا الوجه: أن جريان السيرة على رجوع الجاهل إلى العالم مطلقا وان كان غير قابل للمناقشة إلا أنها - لو لم تكن مردوعة بما يأتي من ان الادلة الواردة في حجية فتوى الفقيه ظاهرة في فتوى احيائهم - لا تقتضي جواز تقليد الميت في نفسها وذلك لما مر من أن العامي فضلا عن غيره لا تخفى عليه المخالفة بين العلماء الاموات والاحياء في المسائل الشرعية بل بين الاموات انفسهم، ومع العلم بالمخالفة لا تشمل السيرة فتوى الميت بوجه، لان الادلة ومنها السيرة غير شاملة للمتعارضين.

[ 102 ]

و " منها ": الاستصحاب وذلك للقطع بحجية فتوى الميت قبل موته فإذا شككنا في بقائها على حجيتها وعدمه استصحبنا حجيتها وبه يثبت أن العمل على فتوى الميت مؤمن من العقاب. نعم لولا هذا الاستصحاب تعين الرجوع إلى فتوى الحى بمقتضى قاعدة الاشتغال لانها المتيقنة من حيث الحجية، وهذا بخلاف فتوى الميت للشك في حجيتها بموته. والجواب عن ذلك: أنا لو اغمضنا عن أنه من الاستصحابات الجارية في الاحكام لوضوح أن الشك انما هو في سعة الحجية المجعولة وضيقها، وقد بينا في محله عدم جريان الاستصحاب في الاحكام. وفرضنا أن لنا يقينا سابقا بحجية فتوى الميت بالاضافة إلى الجاهل المعدوم في عصره بان بنينا على أن حجية فتوى الميت انما جعلت في الشريعة المقدسة على نحو القضايا الحقيقية وموضوعها الجاهل المقدر الوجود لتشمل الجاهل الموجود في عصر المجتهد الميت والجاهل المعدوم الذي سيوجد بعد موته، ولم ندع أن اليقين بالحجية انما هو بالاضافة إلى الجاهل الموجود في زمانه وإلا فلا يقين بحجية فتواه على من يريد تقليده ابتداء بعد موته. ولم نناقش بان الحجية انما ترتبت على الرأى والنظر، ولا رأى بعد الممات كما ذكره صاحب الكفاية " قده " بان قلنا إن الرأى حدوثه يكفى في حجيته بحسب البقاء ولا يعتبر استمراره في حجيته بعد الممات. واغمضنا عما هو الظاهر من الاخبار والآيات المتقدمتين من أن الحجة انما هو انذار المنذر - بالفعل - لا من كان منذرا سابقا وليس بمنذر بالفعل، كما إذا قلنا ان الرجوع انما يجب إلى فتوى المجتهد واقواله ولا يجب الرجوع إلى ذات المجتهد ونفسه حتى تنتفي حجيته بموته كما هو الحال في الرواية إذ الحجية انما تثبت للرواية

[ 103 ]

ولم تثبت للراوى في ذاته ومن هنا لا تسقط عن الحجية بموته. لم يمكننا المساعدة على جريان الاستصحاب في المقام وذلك لان المراد بالحجية المستصحبة إن كان هو الحجية الفعلية فلا يقين بحدوثها لان المتيقن عدم الحجية الفعلية بالاضافة إلى العامي المتأخر عن عصر المجتهد الميت، لوضوح أن الفعلية انما تتحقق بوجود المكلف العامي في عصر المجتهد، والمفروض عدم تحققه فليست فتاوى الميت حجة فعلية على العامي غير الموجود في عصره لتستصحب حجيتها الفعلية. وإن اريد بها الحجية التعليقية أعنى الحجية الانشائية فهي وإن كانت متيقنة على الفرض الا انها ليست بمورد للاستصحاب وذلك للشك في سعة دائرة الحجية المنشائة وضيقها وعدم العلم بانها هي الحجية على خصوص من ادرك المجتهد وهو حي أو أنها تعم من لم يدركه كذلك، وبعبارة اخرى انا نشك في أن حجية رأى المجتهد وفتواه مقيدة بحالة حياته أو أنها غير مقيدة بها فلا علم لنا بثبوت الحجية الانشائية بعد الممات ليمكن استصحابها حتى على القول بجريان الاستصحاب في الاحكام. وذلك لان الاستصحاب في المقام أسوء حالا من الاستصحابات الجارية في الاحكام لان تلك الاستصحابات انما تدعى جريانها في الاحكام بعد تحقق موضوعاتها وفعليتها كحرمة وطى الحائض بعد نقائها وقبل الاغتسال لان الحرمة في المثال فعلية بوجود الحائض فعلى القول بجريان الاستصحاب في الاحكام لامانع من استصحابها للقطع بثبوتها وهذا بخلاف المقام لان الشك فيه انما هو في سعة الحكم المنشاء وضيقه من دون أن يكون فعليا في زمان ومعه لا يمكن استصحابه لعدم العلم بثبوت الجعل في زمان الشك فيه. ومن هنا منعنا جريان الاستصحاب في احكام الشرائع السابقة وعدم النسخ في الشريعة المقدسة - ولو على القول بجريانه في الاحكام - لرجوع الشك حينئذ إلى سعة جعل الحكم وضيقه، وما عن المحدث الاسترابادي من أن استصحاب عدم

[ 104 ]

النسخ من الضروريات أمر لا اساس له، فلو وصلت النوبة إلى الشك في النسخ لمنعنا عن جريانه كما عرفت، إلا انه انما لا يعتنى باحتماله لاطلاق الادلة المثبتة للاحكام أو لما دل على استمرار احكام محمد - ص - إلى يوم القيامة والمتحصل أن ما استدل به على جواز تقليد الميت من الابتداء لا يمكن تتميمه بوجه. أدلة المانعين وقد استدلوا على عدم جواز تقليد الميت ابتداء بوجوه: " الأول ": ما عن جملة من الاعاظم من دعوى الاجماع على عدم الجواز وأن ذلك مما امتازت به الشيعة عن أهل الخلاف لانهم ذهبوا إلى جواز تقليد الاموات ومن هنا قلدوا جماعة منهم في احكامهم، ولم تقبل الشيعة ذلك لاشتراطهم الحياة فيمن بجوز تقليده. وقد بينا أن مخالفة المحقق القمى والمحدثين ليست من المخالفة في محل الكلام، وانما هي مبتنية على مسلكهما الفاسدين، ولم يظهر ذهابهما إلى جواز تقليد الميت على القول بالانفتاح وكون الرجوع إلى المجتهد من الرجوع إلى أهل الخبرة والاطلاع. وفيه: أن الاجماع المدعى على تقدير تحققه ليس اجماعا تعبديا قابلا لاستكشاف قول المعصوم - ع - به كما إذا وصل إليهم الحكم يدا بيد عنهم - ع - لاحتمال أن يستندوا في ذلك إلى أصالة الاشتغال أو إلى ظهور الادلة في اشتراط الحياة فيمن يجوز تقليده أو غير ذلك من الوجوه، ومعه لا يمكن الاعتماد على اجماعهم، لوضوح أن الاتفاق بما هو كذلك مما لا اعتبار به، وانما نعتبره إذا استكشف به قول المعصوم - ع -. " الثاني ": أن الادلة الدالة على حجية فتوى الفقيه ظاهرة الدلالة على اعتبار الحياة في جواز الرجوع إليه لظهور قوله عز من قائل: ولينذورا قومهم إذا رجعوا

[ 105 ]

إليهم، في ارادة انذار المنذر الحى إذ لا معنى لانذار الميت بوجه، وأما صحة حمل المنذر على الكتاب أو النبي - ص - فانما هي بلحاظ أنهما انما ينذران باحكام الله سبحانه وهو حى، ولما ورد من أن الكتاب حي وانه يجرى مجرى الشمس والقمر (* 1) وكذا قوله: واسئلوا اهل الذكر.. لو تمت دلالته على حجية فتوى الفقيه - وذلك لان الميت لا يطلق عليه اهل الذكر بالفعل. وقوله: أما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه.. إذ الميت غير متصف بشى مما ذكر في الحديث فان لفظة " كان " ظاهرة في الاتصاف بالاوصاف المذكورة بالفعل لا الاتصاف بها في الازمنة السابقة. وأما الاخبار الآمرة بالرجوع إلى اشخاص معينين فقد تقدم ان ظهورها في ارادة الحى مما لا خدشة فيه، لان الميت لا معنى للارجاع إليه. وبما ذكرناه يظهر أن السيرة العقلائية المستدل بها على جواز الرجوع إلى الميت بحسب الابتداء مردوعة في الشريعة المقدسة لظهور الادلة في اعتبار الحياة فيمن يرجع إليه في الاحكام وعدم جواز تقليد الميت ابتداء. ويرد عليه: أن ظهور الادلة في اشتراط الحياء فيمن يجوز تقليده وان كان غير قابل للانكار لما بينا من أن كل قضية ظاهرة في الفعلية بالمعنى المتقدم إلا أنها ليست بذات مفهوم لتدلنا على حصر الحجية في فتوى الحى من المجتهدين وعدم حجية فتوى أمواتهم، ومعه يمكن أن تكون فتوى الميت حجة كفتوى الحى، وغاية الامر أن الادلة المتقدمة غير دالة على الجواز، لا انها تدل على عدم الجواز، وبين الامرين بون بعيد. وأما رواية الاحتجاج " من كان من الفقهاء.. " فهى وان لم يبعد دلالتها


(* 1) راجع الوافى باب متى نزل القرآن وفيم نزل من ابواب القرآن وفضائله ومرآة الانوار ص 5 من الطبعة الحديثة.

[ 106 ]

على حصر الحجية في فتوى الفقيه المتصف بالاوصاف الواردة فيها، إلا أنها لضعفها غير صالحة للاستدلال بها كما مر، إذا يستفاد من شى من الكتاب والسنة عدم جواز التقليد من الاموات. نعم لو كان الدليل منحصرا بهما لم يمكننا الحكم بجواز تقليد الميت لعدم الدليل عليه إلا أن الدليل غير منحصر بهما كما لا يخفى. ثم إن الادلة وان لم تكن لها دلالة على عدم الحجية إلا أنه ظهر بما قدمناه أنه لا مجال للاستدلال باطلاقها على حجية فتوى الميت إذ لا اطلاق لها. بل الامر كذلك حتى على تقدير اطلاق لما عرفت من انه غير شامل للمتعارضين على ما قدمنا تقريبه. " الثالث ": أن فتوى الميت لو قلنا بحجيتها لا يخلو إما أن نقول باعتبارها حتى إذا كان الميت مساويا - في الفضيلة - مع الاموات والاحياء ولم يكن اعلم من كلتا الطائفتين وإما أن نقول بحجيتها فيما إذا كان الميت اعلم. أما الصورة الاولى: فالقول فيها بحجية فتوى الميت وجواز الرجوع إليه وان كان أمرا ممكنا بحسب مرحلة الثبوت على ما التزمت به العامة وقلدوا اشخاصا معينين من الاموات إلا أنه لا يمكن الالتزام به بحسب مرحلة الاثبات لقصور الدليل وذلك لما تقدم من العلم بالاختلاف بين الاموات انفسهم فضلا عن الاختلاف بين الميت والاحياء. وقد تقدم أن الادلة غير شاملة للمتعارضين. وأما دعوى أن المكلف عند تساوى المجتهدين في الفضيلة يتخير بينهما للاجماع الذي ادعاه شيخنا الانصاري " قده " على ما يأتي في محله. فيدفعها: أن الاجماع على تقدير تسليمه ايضا غير شامل لفتوى الميت لاختصاصه بالمتساويين من الاحياء فان الاموات قد ادعوا الاجماع على عدم جواز تقليدهم كما مر ومعه كيف يمكن دعوى الاجماع على التخيير بينهم في انفسهم أو بينهم وبين الاحياء. على أنا لا نلتزم بالتخيير بوجه حتى إذا كان كلا المجتهدين حيا

[ 107 ]

فضلا عما إذا كان أحدهما ميتا كما يأتي عن قريب إن شاء الله. وأما الصورة الثانية: اعني ما إذا كان الميت اعلم من الكل فالحكم فيها بجواز الرجوع إليه وان كان ممكنا بحسب مرحلتي الثبوت والاثبات للسيرة العقلائية الجارية على الرجوع إلى قول الاعلم من المتخالفين بلا فرق في ذلك بين الحي والميت ومن هنا قلنا إنهم إذا شخصوا المرض في المريض لراجعوا في العلاج إلى مثل القانون من الكتب الطبية للاطباء الاقدمين وقدموه على قول غيره من الاطباء الاحياء إذا كان مؤلفه اعلم ولا يراجعون إلى الحي حينئذ. إلا أن السيرة مما لا يمكن الاستدلال بها في المقام وذلك لاستلزامها حصر المجتهد المقلد في شخص واحد في الاعصار باجمعها لان اعلم علمائنا من الاموات والاحياء شخص واحد لا محالة فإذا فرضنا انه الشيخ أو غيره تعين على الجميع الرجوع إليه حسبما تقتضيه السيرة العقلائية وذلك للعلم الاجمالي بوجود الخلاف بين المجتهدين في الفتيا ويأتي أن مع العلم بالمخالفة يجب تقليد الاعلم فحسب من دون فرق في ذلك بين عصر وعصر، وهو مما لا يمكن الالتزام به لانه خلاف الضرورة من مذهب الشيعة ولا يسوغ هذا عندهم بوجه لتكون الائمة ثلاثة عشر! وبهذا تكون السيرة العقلائية مردوعة فلا يبقى اي دليل يدل على جواز تقليد الميت إذا كان اعلم من كلتا الطائفتين هذا كله في المقام الاول وهو تقليد الميت ابتداء 2 - البقاء على تقليد الميت والكلام فيه ايضا يقع في صورتين: " إحداهما ": ما إذا احتمل موافقة الميت مع المجتهد الحي في الفتوى ولم يعلم المخالفة بينهما. و " ثانيتهما ": ما إذا علمت المخالفة بينهما:

[ 108 ]

أما الصورة الاولى: فيمكن أن يستدل فيها على جواز البقاء على تقليد الميت بجميع الوجوه المتقدمة في الاستدلال على جواز تقليده بحسب الابتداء: ادلة المثبتين: " الاول ": الاستصحاب اعني استصحاب حجية فتوى الميت قبل موته، ولا يرد عليه ما أوردناه على استصحابها في تقليده ابتداء من أن الحجية الفعلية مقطوعة الخلاف إذ لا وجود للمكلف في عصر المجتهد فضلا عن عقله وغيره من الشروط وقد مر أن الفعلية متوقفة على وجود المكلف في عصر المجتهد. والحجية الانشائية على نحو القضية الحقيقية مرددة بين الطويل والقصير والقدر المتيقن منها هي الحجية مادام الحياة. وأما جعلها لفتوى الميت حتى بعد الممات فهو مشكوك فيه من الابتداء، والاصل عدم جعلها زائدا على القدر المتيقن. والوجه في عدم وروده على استصحاب الحجية في المقام: أن الحجية المستصحبة إنما هي الحجية الفعلية في محل الكلام لان العامي قد كان موجودا في عصر المجتهد الميت واجدا لجميع الشرائط. بل قد كان قلده برهة من الزمان ولكنا نشك في أن الحجية الفعلية هل كانت مطلقة وثابتة حتى بعد الممات أو أنها مقيدة بالحياة فلا مانع من استصحاب حجية فتواه بعد الممات. وبهذا يتضح أن المستصحب هو الحكم الظاهرى أعنى حجية فتوى الميت قبل موته ومعه ليس هناك أي خلل في اركان الاستصحاب لليقين بالحجية الفعلية والشك في بقائها، وليس المستصحب هو الحكم الواقعي الذي افتى به المجتهد حال الحياة ليرد عليه: أن الاستصحاب يعتبر في جريانه اليقين بتحقق المستصحب وحدوثه لدى الشك في البقاء وهذا في موارد ثبوت المستصحب باليقين الوجداني من الظهور

[ 109 ]

بمكان لان المكلف حين ما يشك في بقاء المستصحب يتيقن من حدوثه بالوجدان، وكذا في موارد ثبوته بالعلم التعبدى، كما إذا ثبتت نجاسة شى بالبينة أو ثبتت نجاسة العصير المغلى بالرواية وشككنا - بوجه - في بقائها فان لنا حينئذ يقينا في ظرف الشك بحدوث المستصحب وتحققه وإن كان يقينا تعبديا لوضوح أنه لا فرق في جريان الاستصحاب بين كون اليقين السابق وجدانيا أو تعبديا، كما لا فرق - من هذه الناحية - بين الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية. وأما في موارد استصحاب الحكم الواقعي الثابت بفتوى المجتهد - بعد موته - فلا يقين من حدوث المستصحب حين ما يشك في بقائه وارتفاعه، فلو افتى المجتهد بنجاسة العصير العنبى بالغليان وشككنا فيها بعد موته للشك في حجية فتواه بعد الممات لم يكن لنا يقين وجداني لدى الشك من ثبوت النجاسة للعصير بالغليان حال حياة المجتهد وهذا أمر ظاهر لا تحتاج إلى البيان والاستدلال، كما لا يقين تعبدي بنجاسته للشك في حجية فتوى الميت بعد موته، وحيث انه شك سار لاحتمال انقطاع حجية فتواه وطريقيتها بالممات فلا طريق لنا بالفعل إلى استكشاف نجاسة العصير بالغليان حتى نستصحبها إذا شككنا في بقائها وارتفاعها، والمتلخص أن استصحاب الحجية على مسلك المشهور مما لا شبهة فيه. نعم على ما سلكناه من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية لا يمكننا التمسك بالاستصحاب في المقام لان الشبهة حكمية، إذ الشك في أن الشارع هل جعل الحجية الفعلية مطلقة أو جعلها مقيدة بالحياة فيكون استصحاب بقاء الحجية الفعلية معارضا باستصحاب عدم جعل الحجية لفتوى الميت زائدا على القدر المتيقن وهو حال الحياة إذا لا مجال للاستصحاب ولابد من التماس دليل آخر على جواز البقاء. " الثاني ": المطلقات لان آية النفر تقتضي وجوب العمل على طبق انذار

[ 110 ]

المنذر إذا انذر وهو حى ولم تدل على اختصاصه بما إذا كان المنذر باقيا على الحياة حال العمل بفتواه وانذاره. وعلى الجملة انها تدلنا باطلاقها على أن انذار الفقية حجة مطلقا سواء كان حيا عند العمل به أم لم يكن، وكذلك آية السؤال والاخبار الآمرة بالاخذ من محمد بن مسلم أو زكريا بن آدم أو غيرهما لانهما انما دلتا على وجوب السؤال من أهل الذكر أو الاخذ من الاشخاص المعينين ولم يدلا على تقييد ذلك بما إذا كان اهل الذكر أو هولاء الاشخاص حيا عند العمل بقوله. نعم يعتبر أن يكون الاخذ والسؤال - كالانذار - حال الحياة وهو متحقق على الفرض فالمتحصل أن المطلقات شاملة للميت والحى كليهما لعدم العلم بمخالفتهما في الفتوى على الفرض وأن مقتضاها جواز البقاء على تقليد الميت. " الثالث ": السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم فيما جهله من الحرف والعلوم والموضوعات وغيرها بلا فرق في ذلك بين أن يكون العالم باقيا على حياته عند العمل بقوله وعدمه لوضوح أن المريض لو رجع إلى الطبيب وأخذ منه العلاج ثم مات الطبيب قبل أن يعمل المريض بقوله لم يترك العقلاء العمل على طبق علاجه وهذه السيرة لم يردع عنها في الشريعة المقدسة لان ما قدمناه من الردع يختص بسيرتهم الجارية على الرجوع إلى العالم الميت من الابتداء، لانها وإن كانت محرزة كما مر إلا أن قيام الضرورة على بطلان انحصار المقلد في شخص واحد رادع عنها كما عرفت وهذا لا يأتي في المقام كما ترى. إذ لا يلزم من البقاء على تقليد الميت محذور الانحصار فالادلة مقتضية لجواز البقاء ولا مانع عنه سوى الاجماع المدعى في كلام شيخنا الانصاري " قده " حيث استظهر من كلمات المجمعين واطلاقها عدم جواز تقليد الميت مطلقا ولو بحسب البقاء إلا أنه غير صالح للمانعية:

[ 111 ]

وذلك لما عرفت من أنا لم نعتمد على اجماعهم هذا في تقليد الميت الابتدائي فضلا عن أن نستدل به على عدم جواز التقليد البقائي حيث أن جما غفيرا ممن منعوا عن تقليد الميت ذهبوا إلى جوازه إذا الصحيح في تقليد الميت هو التفصيل بين الابتداء والبقاء فلا يجوز في الاول ويجوز في الثاني بل يجب في بعض الصور كما يأتي تفصيله ان شاء الله. بقى امران " أحدهما ": أنه هل يشترط في جواز البقاء على تقليد الميت أو وجوبه العمل بفتواه قبل موته أو لا يشترط فيه العمل؟ قد يتوهم - والمتوهم كثير - أن الحكم في المسألة يختلف بالاختلاف في معنى التقليد وتفسيره: فان قلنا ان التقليد هو الاستناد إلى قول الغير في مقام العمل وانه لون من الوانه فلابد من اشتراط العمل في الحكم بجواز البقاء فان تقليد الميت من دون العمل بفتواه قبل موته من التقليد الابتدائي لا محالة وقد عرفت عدم جوازه. وأما إذا فسرناه بالاخذ أو الالتزام بالعمل بفتوى الغير فلا وجه لاشتراط العمل في الحكم بجواز البقاء بل يكفي فيه مجرد الالتزام بالعمل قبل موت المجتهد. وهذا التوهم لا يبتنى على اساس صحيح فأن مسألتنا هذه مبتنية على ملاحظة معنى التقليد بوجه حيث أن البقاء على تقليد الميت - بهذا العنوان - لم يرد في آية أو رواية ليختلف بالاختلاف في معنى التقليد، وانما نلتزم بجوازه أو بعدمه من جهة الادلة المتقدمة المثبتة لاحدهما إذا لابد من الرجوع إلى ما دل على جواز البقاء لنرى أنه هل يدلنا على شرطية العمل أو لا يدل؟ فنقول: ان استندنا في الحكم بجواز البقاء على استصحاب الحجية فلا يشترط العمل في جواز البقاء، لوضوح أن الاستصحاب لا يقتضى هذا الاشتراط حيث

[ 112 ]

أن حجية فتوى المجتهد قبل موته غير مشروطة بالعمل لانها تتصف بالفعلية بمجرد تحقق موضوعها وهو المكلف بما له من الشروط من العقل والبلوغ وغيرهما سواء عمل بها المكلف ام لم يعمل، ومع الشك في أن تلك الحجية مطلقة أو مقيدة بالحياة نستصحب حجيتها الفعلية بعد الممات. وكذلك إذا كان المستند هو الاطلاقات أو السيرة العقلائية لان مقتضى اطلاق الادلة أن انذار المنذر الحى أو قول اهل الذكر أو غيرهما من العناوين حجة على المكلف عمل به ما دام المنذر حيا أم لم يعمل به، كما أن مقتضى السيرة أن الجاهل يجوز أن يرجع إلى العالم ويعمل على طبق قوله ونظره سواء سبق منه العمل بقوله في حياته أم لم يسبق إذا التحقيق أن جواز البقاء على تقليد الميت أو وجوبه لا يشترط فيه العمل برأيه في حياته. و " ثانيهما ": أن البقاء على تقليد الميت هل يشترط في جوازه أو وجوبه أن يكون المقلد ذاكرا لفتواه بعد موته بحيث لو نسيها حينئذ بعد ما اخذها وتعلمها لم يجب أو لم يجز له البقاء أو أن الذكر كالعمل غير معتبر في جواز البقاء أو وجوبه؟ الصحيح اعتبار الذكر في البقاء وذلك لان بالنسيان ينعدم اخذه السابق ورجوعه إلى الميت قبل موته، لانه لا يترتب معه اثر عليهما: فان المقلد حينئذ انما يعلم أن الميت افتى في مسألة العصير - مثلا - إما بنجاسته - على تقدير غليانه - أو بطهارته وهو كالعلم الاجمالي بان الحكم الواقعي اما هو الحرمة أو الاباحة ليس بمورد للاثر. بل يحتاج إلى رجوع جديد وجواز الرجوع إلى الميت حينئذ يحتاج إلى دليل لانه تقليد ابتدائى من الميت ولا فرق بين الرجوع إليه وبين الرجوع إلى غيره من المجتهدين الاموات من الابتداء، حيث أن كليهما رجوع إلى المجتهد بعد الموت وهو المعبر عنه بالتقليد الابتدائي، وقد تقدم عدم جوازه ومعه يشترط في جواز البقاء على تقليد الميت أو وجوبه أن لا يكون المقلد

[ 113 ]

ناسيا لفتوى الميت هذا كله في الصورة الاولى. وأما الصورة الثانية: أعنى ما إذا علمنا بالمخالفة بين المجتهد الميت والحى الذي يسوغ الرجوع إليه في الفتوى فلا شبهة في أن العمل بما هو الموافق منهما للاحتياط مؤمن من العقاب سواء أكان فتوى الميت أم الحى كما إذا افتى أحدهما بالوجوب والآخر بالاباحة. وأما إذا فرضنا أن كلتا الفتويين على خلاف الاحتياط أو أن كلتيهما على وفق الاحتياط من جهة وعلى خلافه من جهة اخرى فلا يخلو إما أن لا يعلم أعلمية أحدهما - علم تساويهما أيضا ام لم يعلم - وإما أن يعلم اعلمية الميت من الحى أو العكس: أما الصورة الاولى: أعنى ما إذا لم يعلم أعلمية أحدهما مع العلم بمخالفتهما في الفتوى فلا يكاد أن يشك في أن الفتويين ساقطتان حينئذ عن الاعتبار لان الاطلاقات كما مر غير شاملة للمتعارضين فلا حجية للفتوى الميت ولا الحى ومعه يتعين على المكلف الاحتياط لان الاحكام الواقعية متنجزة في حقه ولا يمكنه الخروج عن عهدتها إلا بالاحتياط هذا إذا تمكن من الاحتياط. وأما إذا لم يتمكن من الاحتياط إما لدوران الامر بين المحذورين وإما لعدم سعة الوقت للاحتياط كما إذا افتى احد المجتهدين بوجوب القصر في مورد وافتى الآخر بوجوب التمام فيه ولم يسع الوقت للجمع بين القصر والتمام فهل حينئذ يجب الرجوع إلى أحدهما المعين لحجية نظره في حقه أو أن كلتا الفتويين ساقطتان عن الحجية كما في الصورة المتقدمة والوظيفة هو الامتثال الاحتمالى وهو العمل على طبق إحداهما مخيرا لان المكلف إذا لم يتمكن من الامتثال الجزمى في مورد تنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالى؟ الاخير هو الصحيح لعدم دلالة الدليل على حجية إحداهما المعينة بعد سقوط

[ 114 ]

الاطلاقات عن الحجية بالمعارضة ومعه يتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالى لانه الميسور للمكلف وهذا هو التخيير في مقام الامتثال لا انه من التخيير في المسألة الاصولية لمكان حجية إحداهما شرعا. وأما الصورة الثانية: أعنى ما إذا علمنا أعلمية احدهما فالمتعين هو الرجوع إلى أعلمهما سواء كان هو الميت أم الحى وذلك لان الاطلاقات وان لم تشمل شيئا من فتوائيهما للمعارضة إلا أن السيرة العقلائية قد جرت على الرجوع إلى الاعلم من المتعارضين بلا فرق في ذلك بين الاعلم الحى والميت ولم يردع عنها في الشريعة المقدسة إذا لا مناص في المقام من التفصيل بين ما إذا كان الميت أعلم من الحى فيجب البقاء على تقليده وما إذا كان الاعلم هو الحى فلا يجوز البقاء على تقليد الميت. هذا إذا لم تجر سيرة العقلاء على العمل بالاحتياط عند العلم باعلمية احد المجتهدين المتخالفين في التفوى، أو لم نحرز سيرتهم وإلا فالمتعين هو العمل على طبق الاحتياط هذا إذا علمت المخالفة بينهما أو لم تعلم. وأما لو علمنا بموافقة المجتهد الميت مع الحى فلا يترتب أثر عملي على البحث عن جواز البقاء على تقليد الميت لوضوح أن العمل الصادر على طبق الفتويين محكوم بالصحة مطلقا قلنا بجواز البقاء على تقليد الميت أم لم نقل أللهم إلا على القول بوجوب الاستناد إلى الحجة في مقام الامتثال كما ذهب إليه شيخنا الاستاذ " قده "، حيث ذكر أن الحجج لا يكاد تتصف بالحجية بوجودها الخارجي وانما تكون الحجة حجة فيما إذا استند إليها المكلف في عمله. وعليه لو قلنا بجواز البقاء على تقليد الميت جاز الاستناد إلى فتواه لا محالة، بحيث لو استندنا إليها وكان الحكم الواقعي على خلافها لم نستحق العقاب على مخالفته لاستنادنا إلى الحجة على الفرض، كما إذا لم نقل بجواز البقاء لم يجز الاستناد إلى فتوى الميت لعدم كونها معذرة وحجة على الفرض وعلى ذلك ينبغى التكلم في موردين:

[ 115 ]

1 - جواز البقاء على تقليد الميت عند العلم بموافقته مع الحى. 2 - أن الاستناد إلى الحجة أمر لازم أو لا دليل على لزومه. أما المورد الاول: فقد اتضح مما سردناه في المقام جواز البقاء على تقليد الميت عند العلم بموافقته مع الحى، لان الاطلاقات تشمل حينئذ فتوى كل من الحى والميت كما أنها تشمل كل حجتين متوافقتين كالبينتين الموافقتين في المفاد أو الروايتين المتحدتين في المدلول، وإنما منعنا عن شمولها لهما عند العلم بمخالفتهما في الفتوى للتعارض المفروض عدمه في المقام، ومع شمول أدلة الاعتبار فتوى كليهما لا موجب للمنع عن جواز البقاء على تقليد الميت بوجه. وأما المورد الثاني: فالتحقيق أن الحجة لادليل على لزوم الاستناد إليها في مقام الامتثال والوجه فيه: أن الاثر المترتب على الحجية أمران: " أحدهما ": تنجيز الواقع. " ثانيهما ": التعذير عن مخالفته. أما المنجزية: فلم يناقش شيخنا الاستاذ " قده " ولاغيره في أن الواقع إنما يتنجز بوجود الحجة، وكونها في معرض الوصول بحيث لو فحص عنها المكلف لظفر بها، ولا يتوقف كونها منجزة بعلم المكلف بها فضلا عن استناده إليها فانها منجزة للواقع علم بها المكلف أم لم يعلم، بحيث لو لم يعمل على طبقها استحق العقاب على مخالفة التكليف المنجز في حقه بقيام الحجة عليه، ومن ثمة قلنا بوجوب الفحص في الشبهات الحكمية لان احتمال وجود الحجة في الواقع - على نحو لو فحص عنها ظفر بها - كاف في تنجز الواقع واستحقاق العقاب على مخالفته، لوضوح أن العقاب مع كون الحجة في معرض الوصول ليس عقابا بلا بيان، وانما هو من العقاب مع البيان.

[ 116 ]

وأما التعذير: فالامر فيه أيضا كسابقه، لانا إذا منعنا عن البقاء على تقليد الميت ووجب على العامي أن يراجع الحى وكان فتوائهما على اباحة فعل وهو واجب واقعا وتركه المكلف لا عن استناد إلى فتوى الحى بالاباحة بل لاشتهاء نفسه ورغبته مع العلم بقيام الحجة على الاباحة فهل يصح عقابه على مخالفته الواقع أو ان العلم بقيام الحجة على الاباحة يكفى في جواز الارتكاب وان لم يستند إليها في مقام العمل؟ لا ينبغى التردد في عدم صحة عقابه لانه بلا بيان بل هو من العقاب مع بيان العدم وهو أقبح من العقاب من دون بيان نعم إذا لم يعلم بافتائهما على الاباحة وتركه المكلف لاشتهاء نفسه استحق العقاب على مخالفة الواقع لمكان أنه منجز في حقه ولم يستند في مخالفته إلى مؤمن فان الامن من العقاب انما يحصل بالاستناد إلى الحجة أو العلم بقيامها على الاباحة. هذا كله فيما إذا كانت فتوائهما أو فتاوى المجتهدين المتعددين على خلاف الاحتياط. وأما إذا كانت على وفق الاحتياط كما إذا افتيا بوجوب السورة في الصلاة واتى بها المكلف من باب الاحتياط لا الاستناد إلى فتوائهما فلا إشكال في صحة عمله لانه عمل بالاحتياط و موجب للقطع بالامتثال وان لم يستند في عمله إلى شى من الحجتين أو الحجج إلا أنه خارج عن محل الكلام إذ البحث انما هو في لزوم الاستناد عند اتفاق فتوى الميت والحى أو الفتاوى فالعمل بالاحتياط اجنبي عما نحن بصدده. والمتحصل أن الاستناد إلى الحجة لا دليل على لزومه سواء علمنا بالموافقة بين الحى والميت أو المجتهدين المتعددين ام لم نعلم بالوفاق أو علمنا بالخلاف. إذا لا أثر للبحث عن جواز البقاء على تقليد الميت عند العلم بموافقتهما. نعم لو قلنا بعدم جواز البقاء على تقليد الميت واستند المكلف في عمله إلى فتواه كان هذا تشريعا محرما لانه اسناد للحجية إلى ما لم يعتبره الشارع حجة وقابلا للاستناد إليه وهذا

[ 117 ]

[ (مسألة 10) إذا عدل عن الميت إلى الحى لا يجوز له العدول إلى الميت (1). ] بخلاف ما إذا جوزنا البقاء إلا أنه امر آخر غير راجع إلى التقليد في محل الكلام. ثم إن بما سردناه في تقليد الميت بحسب البقاء يظهر الحال في تقليده بحسب الابتداء عند العلم بموافقته مع الحى، لانه ايضا لا يترتب عليه ثمرة إلا على القول بلزوم الاستناد إلى الحجة في مقام الامتثال وقد تقدم فساده. احكام العدول (1) والوجه في ذلك: أن التقليد عند الماتن " قده " هو الالتزام فإذا عدل المكلف عن الميت إلى الحى فقد رفع يده عن التزامه وابطل تقليده من الميت فكأنه لم يراجع إليه من الابتداء، ومعه لو عدل من الحى إلى الميت كان هذا تقليدا ابتدائيا من الميت، وهو ممنوع كما مر وفيه: أن مسألة البقاء على تقليد الميت ليست واردة في آية أو رواية حتى يلاحظ أن معناه الالتزام كي يترتب عليه عدم جواز العدول إلى الميت في المقام أو أنه بمعنى العمل حتى يجوز فلا يختلف حكم المسألة بالاختلاف في معنى التقليد هذا. وقد يقال: إن الوجه في عدم جواز العدول إلى الميت قاعدة الاشتغال لان الامر في المقام يدور بين التعيين والتخيير إذ الشك في أن فتوى الحى حجة تعيينية أو تخييرية لاحتمال أن تكون فتوى الميت ايضا حجة، والعقل يستقل حينئذ بلزوم الاخذ بما يحتمل تعينه لانه مقطوع الحجية والآخر مشكوك الاعتبار، والشك في الحجية يساوق القطع بعدمها. ويرد عليه: أن هذا إنما يتم فيما إذا كان المجتهد الحى اعلم من الميت. وأما لو فرضنا أن الميت أعلم من الحى - مع العلم بالمخالفة بينهما - فلا يحتمل تعين فتوى

[ 118 ]

[ (مسألة 11) لا يجوز العدول عن الحى إلى الحى إلا إذا كان الثاني أعلم (1). ] الحى عليه بل الامر بالعكس لاحتمال تعين البقاء على تقليد الميت الاعلم ولا أقل من تساويهما في الاحتمال. فاين هناك دوران الامر بين التعيين والتخيير؟! ولو فرضنا تساوى الميت والحى - مع العلم بالمخالفة بينهما - فمقتضى القاعدة سقوط فتوائيهما عن الاعتبار للمعارضة ولا يبقى معه ايضا لدوران الامر بين التعيين والتخيير مجال. فالصحيح أن يلاحظ حال العدول فان كان عدول المكلف إلى الحى عدولا صحيحا شرعيا لم يكن أي مسوغ للعدول عنه إلى الميت حالئذ فان صحة العدول إنما تكون في موردين: " أحدهما ": فيما إذا كان الحى أعلم من الميت. و " ثانيهما ": فيما إذا كان الميت اعلم إلا أن المكلف نسى فتواه. إذ معه لا مسوغ للبقاء على تقليد الميت والمفروض ان عدوله إلى الحى صحيح، ومع فرض صحة العدول لا مجوز - بوجه - للعدول عنه إلى تقليد الميت. نعم إذا لم يصح عدوله إلى الحى لان الميت اعلم أو لان المكلف ذاكر لفتواه فلا مناص من أن يعدل إلى الميت، ولا يضره الرجوع إلى الحى حينئذ، لانه كالعدم لبطلانه شرعا. (1) إذا قلد المكلف مجتهدا ثم أراد العدول عن تقليده إلى مجتهد آخر فان كان ذلك المجتهد الذي يريد العدول إلى تقليده اعلم ممن كان يقلده أولا جاز له البقاء على تقليد المجتهد الاول كما جاز له العدول إلى من هو اعلم منه وذلك لعدم العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى، ويأتى أنه إذا لم يعلم المخالفة بين فتوى الاعلم وغيره الاعلم جاز تقليد غير الاعلم ولا يجب الفحص عن المخالفة بينهما، على ما يأتي بيانه إن شاء الله نعم إذا عدل ثم علم بالمخالفة بينهما لم يجز له أن يرجع إلى الاول، لانه يشترط في

[ 119 ]

جواز تقليد غير الاعلم عدم العلم بالمخالفة بينه وبين الاعلم في الفتوى. وأما إذا كان المجتهد الثاني مساويا في الفضيلة مع المجتهد الاول فايضا يتخير المكلف بين البقاء على تقليد الاول وبين الرجوع إلى الثاني لعدم العلم بالمخالفة بينهما وأما لو عدل ثم التفت إلى المخالفة بينهما، أو علم بالمخالفة قبل العدول فبناء على ما يأتي من أن القاعدة تقتضي التساقط حينئذ لم يجز البقاء على تقليد المجتهد الاول ولا الرجوع إلى المجتهد الآخر لسقوط فتوائيهما عن الحجية بالمعارضة، وأما على المسلك المشهور من أن القاعدة تقتضي التخيير عند تعارض الحجتين فيقع الكلام في المقام في أن التخيير هل هو استمراري وقتئذ بمعنى أن المكلف يتخير بين البقاء على تقليد المجتهد الاول والرجوع إلى المجتهد الآخر كما كان مخيرا بينهما حدوثا فلا مانع من العدول عن الحى إلى الحى أو أن التخيير ابتدائي فحسب فلا يجوز العدول من الحى إلى الحى؟ والتكلم على ذلك وأن التخيير استمراري أو ابتدائي وإن كان لا يناسبه ما اخترناه من التساقط إلا أنا نتعرض له تتميما للفائدة. حكم التخيير عند تساوى المجتهدين ذهب جماعة إلى عدم جواز العدول عن الحى إلى الحى. بل عن غير واحد حكاية الاجماع عليه واختاره شيخنا الانصاري " قده " في رسالة الاجتهاد والتقليد وعن المحقق والشهيد الثانيين التصريح بجوازه تبعا للمحكى عن النهاية وعليه بنى بعض مشايخنا المحققين " قدس الله اسرارهم ". واستدل للجواز بوجهين أدلة القول بجواز العدول " أحدهما ": الاطلاقات لان ما دل على حجية فتوى المجتهد وجواز الاخذ

[ 120 ]

بها غير مقيد بما إذا لم يرجع إلى غيره فمقتضى الاطلاق حجية فتوى المجتهد وإن اخذ العامي بفتوى غيره هذا. وفيه أنا قد تعرضنا لحال التمسك بالاطلاق في التكلم على التعادل والترجيح وبينا أن الاطلاق غير شامل للمتعارضين لانه يستلزم الجمع بين المتنافيين، ولا انه يشمل أحدهما المعين دون الآخر لانه بلا مرجح، ولا لاحدهما غير المعين لما سيأتي من أن الحجية التخييرية مما لا يمكن المساعدة عليه. و " ثانيهما ": الاستصحاب وذلك لان المكلف قبل الاخذ بفتوى أحدهما كان مخيرا بين الاخذ بهذا أو بذاك لفرض أن المجتهدين متساويان وفتوى كل منهما واجدة لشرائط الحجية فإذا رجع إلى احدهما وشككنا - لاجله - في أن فتوى الآخر باقية على حجيتها التخييرية أو أنها ساقطة عن الاعتبار حكمنا ببقاء حجيتها التخييرية بالاستصحاب، ومقتضى ذلك أن المكلف مخير بين البقاء على تقليد المجتهد الاول والعدولى إلى المجتهد الذي يريد العدول إليه وهذا الاستدلال يمكن المناقشة فيه من جهات: الجهة الاولى: أن الاستصحاب - على ما بيناه في محله - يعتبر في جريانه اتحاد القضية المتيقنة والمشكوك فيها ولا يتحقق هذا إلا ببقاء الموضوع فيه، ولم يحرز بقائه في المقام، وذلك لان الحكم بالتخيير إن قلنا إن موضوعه من لم يقم عنده حجة فعلية فلا شبهة في أن ذلك يرتفع بالاخذ باحدى الفتويين لانها صارت حجة فعلية باخذها فلا موضوع لاستصحاب التخيير وهو ظاهر. وإن قلنا إن موضوعه من تعارض عنده الفتويان، نظير من تعارض عنده الخبران أو جائه حديثان متعارضان الذى هو الموضوع للحكم بالتخيير في تعارض الروايتين - على القول به - فهو أمر يرتفع بالرجوع إلى احدى الفتويين.

[ 121 ]

فلو شككنا بعد ذلك في بقاء الحكم بالتخيير وارتفاعه لم يكن مانع من استصحابه بوجه، ولكنا لم نحرز أن الموضوع أيهما حيث أن مدعى التخيير في المسألة انما يروم اثباته بالاجماع أو السيرة وهما دليلان لبيان، وليسا من الادلة اللفظية لنستظهر أن موضوع الحكم فيها من تعارض عنده الفتويان كما استظهروا ذلك في تعارض الروايتين وقالوا إن مقتضى الروايات أن موضوع الحكم بالتخيير من جائه حديثان متعارضان، أو تعارض عنده الخبران وهذا باق بحاله قبل الاخذ باحدهما وبعده، بحيث لو لم يكن لتلك الروايات عموم أو اطلاق مثبت للتخيير بعد الاخذ باحدهما امكننا استصحابه لبقاء موضوعه. وهذا بخلاف المقام لدوران الموضوع فيه بين ما هو مقطوع البقاء وما هو مقطوع الارتفاع. وقد ذكرنا غير مرة أن في مثله لا مجال للاستصحاب بالكلية لانه لا يجرى في الموضوع ولا في حكمه. أما عدم جريانه في الحكم فلاجل الشك في بقاء موضوعه. وأما عدم جريانه في الموضوع فلاجل أن استصحابه بوصف أنه كذلك عبارة اخرى عن استصحاب الحكم نفسه وأما ذاته لا بوصف انه موضوع فهو ليس بمورد للاستصحاب فانه لاشك فيه، حيث أنه مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع. الجهة الثانية: أن الاستصحاب إن تم فانما يتم فيما إذا كانت الحالة السابقة هو التخيير ولا يتم فيما إذا كان المجتهد الاول أعنى من يريد العدول عنه اعلم ممن يريد العدول إليه إلا أنه ترقى متدرجا حتى بلغ مرتبة المجتهد الاول وساوى معه في الفضيلة لانا إذا شككنا حينئذ في تعين البقاء على تقليد الاول وجواز الرجوع إلى المجتهد الثاني لم يمكننا استصحاب التخيير بوجه إذ ليست له حالة سابقة لتستصحب. بل

[ 122 ]

الحالة السابقة هو التعيين لما فرضناه من أنه اعلم من المعدول إليه إذا الاستدلال بالاستصحاب أخص من المدعى. الجهة الثالثة: أن الاستصحاب غير تام في نفسه لانه من الاستصحابات الجارية في الاحكام وقد بينا غير مرة أن الاحكام الكلية ليست موردا للاستصحاب لابتلائه بالمعارض دائما على ما قررناه في محله. الجهة الرابعة: أنا لو أغمضنا عن ذلك وبنينا على جريان الاستصحاب في الاحكام أيضا لم يكن مجال لاستصحاب التخيير في المقام لانه مبتلى بالمعارض وهو استصحاب الحجية الفعلية للفتوى المأخوذ بها وتوضيحه: أن الحجية التخييرية لا معنى محصل لها حيث أن الحجة بمعنى الطريقية والوسطية في الاثبات أعنى جعل ما ليس بعلم علما تعبدا إذا ما معنى كون الحجة تخييرية؟! فان أريد بها أن الجامع بين ما أدى من الامارات إلى حرمة شى وما أدى إلى وجوبه قد جعل علما تعبدا وطريقا مستكشفا عن الواقع على ما ذكرناه في الواجبات التخييرية وقلنا إن الواجب التخييري هو الجامع بين الفعلين والخصوصيات الفردية أو النوعية كلها خارجة عن حيز الطلب إلا أن المكلف له أن يطبقه على هذا وذاك فهو وإن كان امرا معقولا في نفسه إلا أنه في الحجية مما لا محصل له فان اعتبار الطبيعي الجامع - بين ما دل على وجوب شي وما دل على حرمته - علما تعبدا وحجة كاشفة عن الواقع معناه أن الجامع بين المتنافيين قد جعل طريقا إلى الواقع، ولا معنى لجعل الجامع بين الضدين - مثلا - طريقا وكاشفا عن الواقع فلا معنى للحجية

[ 123 ]

التخييرية أللهم إلا أن يرجع إلى ايكال أمر الحجية إلى اختيار المكلف بان يتمكن من أن يجعل ما ليس بحجة حجة باخذه فتوى أحد المتساويين لانه حينئذ قد جعل الفتوى المأخوذ بها حجة فعلية وطريقا إلى الواقع بعد ما لم يكن كذلك والحجية التخييرية - بهذا المعنى - صحيحة إلا أنها ليست موردا للاستصحاب لابتلائه بالمعارض. وذلك لان فتوى أحد المتساويين إذا اتصفت بالحجية الفعلية لاخذ المكلف بها وشككنا في أن فتوى المجتهد الآخر هل يجوز الاخذ بها أو لا يجوز جرى هناك استصحابان متعارضان: " أحدهما ": استصحاب جواز الاخذ بفتوى المجتهد الآخر الذي نشك في جواز الاخذ بها بقاء لانه مسبوق بالجواز على الفرض. و " ثانيهما ": استصحاب حجية ما اتصف بالحجية الفعلية بالاخذ به، لان الاصل عدم سقوطه عن الحجية بالرجوع إلى المجتهد الآخر، فاستصحاب بقاء التخيير بالنسبة إلى ما لم يأخذ به قبل ذلك معارض باستصحاب بقاء الحجية الفعلية فيما اخذ به. وأما ما عن شيخنا الانصاري " قده " من أن استصحاب الحجية التخييرية حاكم على استصحاب بقاء الحجية في أحدهما المعين فمما لا يمكن المساعدة عليه. لما عرفت من أن الحجية التخييرية لا معنى لها سوى ايكال أمر الحجية إلى اختيار المكلف بان تتصف الفتوى بالحجية الفعلية باخذها، ومن الظاهر أن عدم الحجية الفعلية - بهذا المعنى - ليس من الاثار الشرعية المترتبة على بقاء الحجية التخييرية ليكون استصحابها حاكما على استصحاب بقاء الحجية التعيينية. وانما هو من الاثار العقلية التى لا يترتب على الاستصحاب بوجه. هذا والصحيح أن استصحاب الحجية التخييرية غير جار في نفسه، لانه بمعنى استصحاب الحجية الشأنية اعني الحجية على تقدير الاخذ بها وهو من الاستصحاب

[ 124 ]

التعليقي ولا نقول به حتى إذا قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية في موارد الاحكام التخييرية ومع عدم جريان الاستصحاب إذا شككنا في حجية فتوى المجتهد الذي يريد العدول إليه لا مناص من الحكم بعدم حجيتها لان الشك في الحجية يساوق القطع بعدمها هذا. ثم إن لشيخنا المحقق " قده " كلاما في المقام و حاصله: أن مقتضى حجية الطرق والامارات - على الطريقية - كما هي الاصح أن تكون فتوى المجتهد منجزة للواقع على تقدير الاصابة ومعذرة عنه على تقدير الخطاء وإذا فرضنا أن الفتويين متعارضتان لم يكن معنى لكونهما منجزتين لعدم احتمال الاصابة في كلتيهما وانما هي تحتمل في احداهما. نعم لا مانع من أن تكونا معذرتين ومبرئتين للذمة معا، لان التعارض انما يمنع عن تصديق دليل الحجية من حيث منجزيتهما للواقع، إذ لا واقع فيهما. ولا يمنع عن تصديقه من حيث معذريتهما بوجه ومعنى ذلك أن الشارع جعلهما معذرتين تخييرا أي اقتنع عن الواقع بموافقة أحدهما مع دوران عقاب الواقع على مخالفتهما معا، وهذا المعنى من الحجية مما لابد من الالتزام به في المقام للاجماع والعلم بعدم خروج وظيفة المكلف عن إحدى الفتويين وعدم تساقطهما والرجوع إلى غير فتوى المجتهد، والمفروض أن الطريق للمقلد منحصر في اتباع فتوى المجتهد. بل يمكن استفادة ذلك من نفس دليل الحجية لما عرفت من أن التعارض لا يمنع إلا عن تصديقه من حيث المنجزية، ولا يمنع عن تصديق دليل الحجية من حيث معذرتيهما معا. فعلى ما ذكرناه من أن الفتويين قد جعلهما الشارع حجتين تخييرا بالمعنى المتقدم إذا شك المكلف بعد العمل باحدى الفتويين في أن ما اخذ به هل تعين في حقه أم أن كلا منهما باقية على ما كانت عليه من المنجزية والمعذرية كان مقتضى الاستصحاب بقائهما على تلك الصفة المجعولة وهي الحجية التخييرية بالمعنى الذى عرفت.

[ 125 ]

ومن هذا يتضح أن استصحاب الحكم الذي اخذه المكلف قبل ذلك لا يوجب تعينه عليه، لوضوح انه كان ثابتا من الابتداء ولم يكن ثبوته مانعا عن ثبوت الآخر فكيف يمنع عن ثبوته بقاء؟! فاستصحاب الحجية الفعلية لقول المجتهد الاول لا ينافى استصحاب الحجية التخييرية لفتوى المجتهد الآخر فان حال الحكمين بحسب البقاء حالهما بحسب الحدوث، ومعه لا حاجة إلى ما أفاده الشيخ الاجل " قده " من أن استصحاب الحجية التخييرية حاكم على استصحاب الحكم المختار. بل بناء على الطريقية ليس هناك حاكم ولا محكوم، ولا حكم شرعى، وإنما الموجود منجزية الفتويين ومعذريتهما. ومن الظاهر أن حجية الفتوى المأخوذ بها - بالمعنى المتقدم - غير مانعة عن حجية الاخرى بوجه وكلتاهما في عرض واحد. نعم لو قلنا بلزوم الالتزام بالحكم فيتحقق هناك حاكم ومحكوم، لان الحكم بالالتزام بهذا أو بذاك امر ووجوب القصر أو وجوب الاتمام امر آخر، إلا أن وجوب الالتزام لو ثبت فانما يخص التقليد ولا يأتي في العمل بالخبرين بل لا يمكن تصديقه في التقليد ايضا، لانه يبتنى على أن يكون التقليد هو الالتزام وقد مر أنه العمل دون الالتزام. أضف على ذلك أن الالتزام لا معنى محصل له إلا أن يتعلق بالحكم الفعلي لان الالتزام مقدمة للعمل بمتعلقه فلا مناص من أن يكون متعلقه امرا صالحا للبعث نحو العمل، ولا يعقل أن يكون كلا الحكمين فعليا تعيينيا، لانهما متعارضان إذا لا مناص من أن يكون الحكمان فعليين تخييريين تحقيقا للالتزام بهذا أو بذاك ومعه لا يكون استصحاب الحكم المختار موجبا للتعين وانما يقتضى الاستصحاب بقاء كل من الحكمين على ما كان عليه أولا... انتهى ما اردنا نقله ملخصا موضحا. ويرد عليه: أنا بينا فيما سبق وسنبين قريبا ايضا أن الحجية التخييرية لا معنى محصل لها سوى ايكال أمر الحجية إلى اختيار المكلف بحيث يتمكن من أن يجعل

[ 126 ]

ما ليس بحجة حجة باختياره واخذه ومرجعه إلى حجية كل من الفتويين مشروطة بالاخذ بها. ومعنى الحجية بناء على ما هو الصحيح من الطريقية هو الكاشفية والوسطية في الاثبات أعني جعل ما ليس بعلم علما تعبدا ونتيجة ذلك أن المجعول شرعا انما هو احراز الواقع تعبدا لا المنجزية والمعذرية لانهما من الاحكام العقلية المترتبة على الحجية بالمعنى الذي ذكرناه لا ان الحجية هي المنجزية والمعذرية. ويترتب على هذا أن المكلف إذا اخذ باحدى الفتويين كانت الفتوى المأخوذة حجة فعلية عليه، ولازمها ان يكون الحكم الذي ادت إليه الفتوى المأخوذة متنجزا عليه، ومع صيرورة الفتوى الاولى حجة فعلية لا تبقى الفتوى الثانية على الحجية التخييرية بوجه، كما ان الحكم الفرعي قد تنجز على المكلف باخذه الفتوى المؤدية إليه وهو حكم تعيينى منجز عليه ولا معنى معه لبقاء الفتوى الثانية على الحجية التخييرية فبهذا يتضح أن الفتوى الثانية - بعد ما اتصفت الفتوى الاولى بالحجية الفعلية من جهة اخذ المكلف بها - لا يعقل اتصافها بالحجية التخييرية حدوثا كما لا يعقل بقائها عليها سواء أكان المستصحب حجية الفتوى المأخوذ بها سابقا أو كان هو الحكم الفرعي الذي ادت إليه الفتوى المأخوذ بها. بل ذلك في الحكم الفرعز أوضح لانه حكم تعيينى منجز على المكلف باخذه الفتوى المؤدية إليه فان التخيير انما هو في الحجية والمسألة الاصولية دون الحكم الفرعز لتعينه بالاخذ بما أدت إليه إذا كان استصحاب الحجية الفعلية أو الحكم الفرعي المتنجز معارضا لاستصحاب الحجية التخييرية الثابتة على الفتوى الثانية كما ذكرناه. وبهذا يظهر ان هناك حكما فعليا شرعيا وهو الحكم الفرعي الذي أدت إليه الفتوى المأخوذ بها وتعبدنا به الشارع بمقتضى حجيتها فان حال المقام حال بقية الاحكام الثابتة بالحجج والامارات الشرعية. ثم إن الموافقة الالتزامية وان لم تقم دليل على وجوبها إلا أن لتعارض الحجتين

[ 127 ]

خصوصية مستتبعة للالتزام بناء على القول بالتخيير، وذلك لما قدمناه من أن الحجية التخييرية لا معنى لها سوى ايكال امر الحجية إلى المكلف بحيث يتمكن من جعل ما ليس بحجة حجة وذكرنا أن معنى ذلك أن الحجية الفعلية متوقفة على اخذ المكلف واختياره، ولا معنى للاخذ والاختيار سوى الالتزام بتطبيق العمل على طبق احدى الفتويين أو غيرهما من الامارات المتعارضة فوجه الحاجة إلى الالتزام في تلك الموارد أن موضوع الحجية التخييرية لا يتحقق من دونه وليس ذلك مستندا إلى أن التقليد هو الالتزام أو إلى القول بوجوب الموافقة الالتزامية في الاحكام ثم إن كون الحجية منوطة بالاختيار انما يخص القول بالتخيير عند تعارض الحجتين لوضوح أن حجية الحجة إذا لم تكن معارضة غير منوطة بالاختيار بل يتوقف فعليتها على العلم بها فحسب وبما سردناه يظهر أن متعلق الالتزام إنما هو الاستناد إلى الفتوى المأخوذ بها في مقام الامتثال ولا يلزم أن يكون متعلقة حكما تخييريا كما افاده " قده " حتى بناء على وجوب الموافقة الالتزامية أو تفسير التقليد بالالتزام. وذلك أما بناء على وجوب الموافقة الالتزامية فلان متعلق الالتزام انما هو الحكم الواقعي فان كان معلوما تفصيليا للمكلف فهو وأما إذا كان معلوما اجماليا له فلا مناص من أن يلتزم بالحكم الواقعي على اجماله وتردده. وأما بناء على أن التقليد هو الالتزام فمن الظاهر أن الالتزام إنما يتعلق بالعمل على طبق الفتوى المأخوذ بها والاستناد إليها في مقام الامتثال والمتلخص أن الالتزام لا يلزم أن يتعلق بالحكم الفعلى أو التخييري ليدعى أن استصحاب الحكم المختار لا يكون موجبا للتعين وأن مقتضى الاستصحاب بقاء كل من الحكمين على ما كان عليه أولا. فعلى ما بيناه يكون استصحاب الحكم الذي افتى به المجتهد الاول وكذا

[ 128 ]

استصحاب الحجية التعينية لفتواه معارضا باستصحاب الحجية التخييرية لفتوى المجتهد الآخر. تتميم. قد أسلفنا أن المعنى المتحصل للتخيير عند تعارض الطرق والامارات - على القول به - هو تفويض أمر الحجية إلى المكلف وجعلها تابعة لاختياره بحيث يتمكن من جعل ما ليس بحجة بالالتزام بالعمل على طبقه فهو تخيير في المسألة الاصولية أعنى الحجية كما تقدم وغير راجع إلى التخيير الواقعي أو الظاهرى في الاحكام. أما أنه ليس من التخيير الواقعي في المسألة الفرعية بان يكون المكلف مخيرا واقعا بين الاتيان بفعل وتركه أو الاتيان بفعل آخر نظير التخيير في الاماكن الاربعة بين القصر والتمام فلان مفروض الكلام أن الفتويين متعارضتان وقد ذكرنا في محله أن معنى التعارض تنافى مدلولي الدليلين بحسب الجعل لعدم امكان جعلهما معا فيكون كل منهما مكذبا للآخر إذا لا يحتمل مطابقة كلتيهما للواقع لا ستلزامه الجمع بين الضدين أو النقيضين بل احداهما غير مطابقة للواقع قطعا وثانيتهما يحتمل ان تكون مطابقة للواقع كما يحتمل ان تكون موافقة له وهذا بخلاف التخيير الواقعي في المثال فان كلا من الفعلين واجب تخييري واقعا. وأما عدم كونه من التخيير الظاهرى فللعلم بأن المكلف مأمور بالعمل بفتوى هذا المجتهد معينا أو فتوى المجتهد الآخر ولا نحتمل أن يكون مخيرا واقعا بين العمل بهذا أو بذاك، ومع انتفاء الشك الذي هو الموضوع للاحكام الظاهرية لا مجال للتخيير الظاهرى بوجه. وكيف كان فالتخيير في المقام من التخيير في الحجية بالمعنى المتقدم. والمتعارضان حجتان شأنيتان فإذا اختار المكلف إحداهما پفصارت فعلية وشككنا في أن الفتوى الثانية هل سقطت عن الحجية الشأنية ليزول بذلك التخيير أو انها

[ 129 ]

باقية بحالها فلنا أن نستصحب بقائها على الحجية التخييرية إلا انها معارضة باستصحاب الحجية الفعلية للفتوى المأخوذ بها. بل باستصحاب الحكم الفرعي الذي أدت إليه الفتوى المذكورة فالاستصحابان متعارضان كما بيناه على انه قد تقدم أن استصحاب الحجية الشأنية من الاستصحاب التعليقي ولا نقول به. أدلة القول بعدم جواز العدول. واستدل للقول بعدم جواز العدول ايضا بوجوه: " الاول ": الاستصحاب وتقريبه: أن الفتوى المأخوذ بها قد صارت حجة فعلية في حق المقلد باخذها، أو أن الحكم الذي أدت إليه الفتوى المأخوذ بها قد تعين عليه، وحيث لا ندرى أن الاخذ أو الالتزام علة محدثة ومبقية أو انه محدثة فحسب فنشك في بقاء الفتوى المأخوذ بها على حجيتها الفعلية وسقوطها عنها برجوع المقلد إلى فتوى المجتهد الآخر أو نشك في بقاء الحكم الفرعي على تعينه فنستصحب حجيتها الفعلية أو بقاء الحكم على تعينه، ومقتضى هذا عدم جواز العدول. وقد ظهر مما بيناه آنفا عدم تمامية هذا الاستصحاب لانه من الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية وقد بنينا على عدم جريانها فلاحظ. ونزيده أن استصحاب الحكم الفرعي مضافا إلى ما يرد عليه من المناقشة المتقدمة غير جار في نفسه، لانه يعتبر في الاستصحاب أن يكون المكلف حينما يشك في البقاء متيقنا من المستصحب بحسب الحدوث وهذا غير متحقق في المقام لان المكلف بعد ما عدل عن فتوى المجتهد الاول لا علم له بحجية فتواه في حقه لان اليقين بالحجية انما هو ما دام باقيا على تقليده. " الثاني ": أن جواز العدول يستلزم العلم بالمخالفة القطعية - في بعض المواضع - وذلك كما إذا افتى أحد المجتهدين بوجوب القصر على من سافر أربعة فراسخ غير

[ 130 ]

مريد للرجوع ليومه وأفتى الآخر بوجوب التمام فيه، وقلد المكلف أحدهما فقصر في صلواته ثم عدل إلى فتوى ثانيهما فاتم فيها لانه يستلزم العلم ببطلان صلواته المقصورة أو صلواته غير المقصورة لعدم مطابقتها للواقع. بل لو وقع ذلك في الصلاتين المترتبتين كما في الظهرين - مثلا - على ما مثل به بعضهم لعلمنا ببطلان الثانية علما تفصيليا إما لبطلان الصلاة الاولى فالثانية أيضا باطلة واما لبطلان الثانية في نفسها. والجواب عن ذلك أن هذه المناقشة لا يختص المقام بل تأتي بعينها في موارد العدول الواجب ايضا كما إذا فرضنا - في المثال - أن المجتهد الثاني، أعلم من الاول أو أن الاول مات أو جن أو أنه عدل عن فتواه بعد ما عمل المكلف على طبقها فان العدول في تلك الموارد واجب ولا اشكال فيه. والذي ينبغى أن يقال في حل الشبهة في مطلق العدول أن المكلف إذا عدل إلى الفتوى المتأخرة فمقتضى القاعدة الاولية أن يعيد اعماله التي اتى بها على طبق الفتوى المتقدمة لان بالفتوى الثانية يستكشف عدم كونها مطابقة للواقع من الابتداء. نعم لو قام هناك دليل دل على صحة ما اتى به على طبق الحجة السابقة إى دل على اجزائها عن الواقع - كما ذهب إليه بعضهم - لم تجب عليه الاعادة لصحتها وصحة الاعمال اللاحقة المترتبة على صحتها وهذا من غير فرق بين أن يكون العدول سببا للعلم بالمخالفة التفصيلية أو الاجمالية وبين أن لا يكون. وأما لو لم يقم دليل على صحة الاعمال السابقة وإجزائها عن الواقع فلا مناص من الاعادة حتى لا يحصل العلم بالمخالفة من غير معذر، والاجزاء وان لم يقم دليل عليه على نحو الكلية إلا أن حديث لا تعاد - على ما قدمناه في أوائل الكتاب - يقتضى عدم وجوب الاعادة فيما إذا كان الخلل الواقع في الصلاة في غير الخمسة المستثناة في الحديث لانه على ما حققناه هناك لا يختص الناسي كما ذهب إليه شيخنا

[ 131 ]

الاستاذ " قده " بل يعم الجاهل القاصر أيضا ومن اظهر موارده المقام هذا كله في وجوب الاعادة وعدمه. وأما القضاء فحيث أنه بامر جديد وموضوعه الفوت فلا مناص في وجوبه من إحراز الفوت وجدانا أو تعبدا فإذا فرضنا أن المجتهد المعدول إليه قد استند فيما افتى به على خلاف فتوى المجتهد المعدول عنه إلى دليل حجة في مدلوله المطابقى والالتزامي فلا محالة يثبت به لوازمه ويحرز به الفوت ويجب على المكلف القضاء. وأما لو شككنا في ذلك فمقتضى البرائة عدم وجوب القضاء فان استصحاب عدم الاتيان بالواجب في وقته لا يثبت به الفوت. وقد اتضح بما سردناه أن هذا الدليل انما يقتضى وجوب الاعادة أو هي مع القضاء إذا لم يقم دليل على عدمه ولا دلالة له على عدم جواز العدول. " الثالث ": أن العدول يستلزم أحد أمرين على سبيل منع الخلو ولا يمكن المساعدة على شى منهما: " أحدهما ": التبعيض في المسألة الكلية. و " ثانيهما ": نقض اثار الوقايع السابقة. وتوضيحه: أن أحد المجتهدين إذا افتى بوجوب القصر على من سافر اربعة فراسخ غير قاصد للرجوع في يومه وأفتى الآخر بوجوب التمام فيه فإذا قلد المكلف أحدهما فقصر في صلاته ثم عدل إلى الآخر وأتم فيها فلا يخلو إما أن نلتزم بصحة كلتا صلاتيه فمعنى ذلك أنه قلد أحد المجتهدين في واقعة من تلك المسألة وقلد الآخر في الوقائع المستقبلة منها وهو معنى التبعيض في المسألة الكلية ولا دليل على صحة التقليد في مثله. وإما أن نلتزم ببطلان صلاته التى اتى بها أولا لانه قد عدل إلى المجتهد الآخر في كلي المسألة ومعنى ذلك الالتزام بانتقاض آثار الاعمال الصادرة على طبق

[ 132 ]

الفتوى السابقة ومعه يجب على المكلف إعادة الصلوات التى صلاها قصرا لعدم مطابقتها للحجة الفعلية. وفيه: أن مورد التقليد والفتوى انما هو المسألة الكلية دون كل جزئي من جزئياتها فلا يلزم من العدول التبعيض في المسألة الكلية، وانما يلزم منه نقض اثار الوقائع المتقدمة وهو أمر لا مناص من الالتزام به لمخالفتها لما هو الحجة الفعلية على المكلف أللهم إلا أن يقوم دليل على إجزائها، وهذا لا يقتضي عدم جواز العدول وليس في الالتزام به أي محذور كما هو الحال في موارد العدول الواجب على ما بيناه في الوجه السابق فلا حظ. " الرابع ": ما عن المحقق القمى " قده " من دعوى الاجماع على عدم الجواز ويدفعه: أن الاجماع لو كان محصلا لم يكن قابلا للاستدلال به فضلا عما إذا كان من الاجماعات المنقولة التى لانلتزم باعتبارها، وذلك للقطع ولا أقل من احتمال أن المجمعين استندوا في ذلك إلى أحد الوجوه المستدل بها في المسألة ومعه لا يكون الاجماع تعبديا يستكشف به قول المعصوم - ع -. على أن المسألة من المسائل المستحدثة التى لاسبيل فيها إلى استكشاف الاتفاق بل يمكن الجزم بعدم حصوله لذهاب جمح من المحققين إلى الجواز. " الخامس ": قاعدة الاشتغال وذلك لان الامر في المقام يدور بين التعيين والتخيير في الحجية والعقل قد استقل بلزوم الاخذ بما يحتمل تعينه وذلك للقطع بأن الفتوى المأخوذ بها حجة معتبرة في حق المكلف وإنما التردد في أنها حجة تعيينية أو تخييرية وذلك للشك في جواز العدول إلى فتوى المجتهد الآخر. إذا حجية فتوى المجتهد الاول مقطوع بها فيؤخذ بها وفتوى المجتهد الآخر مشكوكة الحجية والشك في الحجية يساوق القطع بعدمها. والسر في ذلك أن الواقع منجز على المكلفين من جهة العلم الاجمالي بالاحكام ومعه يستقل العقل بلزوم امتثالها واتيانها

[ 133 ]

أو اتيان ما جعله الشارع مبرءا للذمة تعبدا حتى يحصل به الامن من العقاب، فلو اقتصر المكلف حينئذ على ما لم يقطع بحجيته لم يكن مأمونا من العقاب لعدم علمه بامتثال الحكم الواقعي أو الاتيان بما هو مسقط له ومبرء لذمته. و " دعوى ": أن استصحاب التخيير يثبت أن العمل على طبق الفتوى الثانية ايضا مؤمن ومبرء للذمة فتكون معلوم الحجية كالفتوى السابقة كما عن شيخنا الانصاري وغيره. " مندفعة ": بالمنع عن استصحاب الحجية التخييرية للوجوه المتقدمة ولا نعيد هذا كله بناء على ما هو الصحيح من أن حجية الحجج والامارات انما هي من باب الطريقية. وأما بناء على حجيتها من باب السببية والموضوعية فالامر ايضا كما ذكرناه لان الفتويين المتعارضتين تدخلان في باب التزاحم حينئذ وبما أن الفتوى المأخوذ بها محتملة الاهمية تتقدم على الفتوى الثانية ويتعين الاخذ بها لان الاهمية واحتمالها من المرجحات في باب التزاحم. وبعبارة اخرى المكلف في الحكمين المتزاحمين لما لم يتمكن من امتثالهما معا لم يمكن التحفظ على اطلاق خطابيهما الا انه لا موجب لسقوطهما على نحو الاطلاق لانه متمكن من أحدهما إذا لا مناص من تقييد اطلاق كل منهما بعدم الاتيان بالآخر ونتيجته التخيير بينهما في مقام الامتثال، وإذا فرضنا أن أحدهما أهم أو محتمل الاهمية لزم التحفظ على اطلاق الخطاب فيه وتقييد الاطلاق في الآخر المهم بصورة عدم الاتيان بالاهم أو محتمل الاهمية. وهذا الوجه متين وعليه لا مسوغ للعدول في مفروض الكلام بناء على التخيير في الدليلين المتعارضين. أللهم إلا أن يكون المجتهد الثاني أعلم لان المكلف ان علم بالمخالفة بينهما وجب عليه العدول وان لم يعلم بها جاز له البقاء على تقليد الاول كما جاز له العدول إلى المجتهد الاعلم كما مر.

[ 134 ]

[ (مسألة 12) يجب تقليد الاعلم مع الامكان (1) على الاحوط. ] وأما بناء على ما هو الصحيح من التساقط عند التعارض فالفتويان تتساقطان ويجب على المكلف الاحتياط إن امكن وإلا تخير بين العمل بهذا أو بذاك لتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالى عند العجز عن الامتثال الجزمى كما تقدم وهذا تخيير في مقام الامتثال وليس من التخيير في المسألة الاصولية لمكان حجية إحداهما شرعا. وجوب تقليد الاعلم (1) هذا هو المعروف بين أصحابنا " قدهم " وعن ظاهر السيد في ذريعته انه من المسلمات عند الشيعة. بل عن المحقق الثاني دعوى الاجماع عليه، ونسب إلى جمع ممن تأخر عن الشهيد الثاني " قده " عدم الوجوب وجواز الرجوع إلى غير الاعلم، وتفصيل الكلام في ذلك يقع في موردين: " أحدهما ": فيما يستقل به عقل العامي في نفسه - أي من غير تقليد في المسألة - وأن وظيفته هل هي الرجوع إلى تقليد الاعلم أو التخيير بينه وبين تقليد غير الاعلم؟ و " ثانيهما ": فيما تقتضيه وظيفة المجتهد حسبما يستظهره من الادلة الاجتهادية وأنه هل يمكنه الافتاء بجواز الرجوع إلى غير الاعلم أو ليس له سوى الحكم بوجوب تقليد الاعلم؟ أما المورد الاول: فلا ينبغى التوقف في أن العامي يستقل عقله بلزوم الرجوع إلى الاعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الاعلم في الفتوى، وذلك لدوران الامر بين أن تكون فتوى كل من الاعلم وغيره حجة تخييرية وبين أن تكون فتوى الاعلم حجة تعيينية للعلم بجواز تقليد الاعلم على كل حال سواء استند في اصل مشروعيته إلى الارتكاز وبناء العقلاء أم استند إلى دليل الانسداد، ففتوى الاعلم اما أنها في

[ 135 ]

عرض فتوى غير الاعلم فالمكلف يتخير في الرجوع إلى هذا وذاك أو أنها متقدمة على غيرها وحيث أن فتواه متيقنة الحجية وفتوى غير الاعلم مشكوكة الاعتبار فيستقل عقل العامي بوجوب تقليد الاعلم وعدم جواز الرجوع إلى غيره للشك في حجية فتواه وهو يساوق القطع بعدمها. فان غير ما علم حجيته يقترن دائما باحتمال العقاب، والعقل يستقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب إذا النتيجة وجوب تقليد الاعلم حسب ما يدركه عقل العامي واجتهاده، وقد قدمنا أن مسألة جواز التقليد ليست تقليدية. وأما المورد الثاني فتفصيل الكلام فيه أن للمسألة صورا ثلاثا: " الاولى ": ما إذا علمت موافقة الاعلم وغير الاعلم في الفتوى بجميع خصوصياتها " الثانية ": ما إذا علمت مخالفتهما في الفتوى كما إذا افتى الاعلم بوجوب شئ وأفتى غير الاعلم بحرمته أو باباحته. " الثالثة ": ما إذا شككنا في ذلك ولم يعلم موافقتهما أو مخالفتهما. " أما الصورة الاولى ": أعني صورة العلم بالموافقة فهى وإن كانت من الندرة بمكان إلا أنها لو اتفقت في مورد لم يجب فيها تقليد الاعلم بوجه، وذلك لان الحجية على ما تقدم من أدلتها انما ثبتت لطبيعي فتوى العالم أو الفقيه - على نحو صرف الوجود - والعامي إذا عمل بفتياهما فقد عمل على طبق فتوى الفقيه، وهذا يكفى في الامتثال، إذ لم يقم دليل على وجوب تعيين المجتهد المقلد له وتمييزه فان حال المقام حال ما إذا قام خبران على وجوب شئ فان المجتهد إذا افتى بالوجوب مستندا إلى الجامع بين الخبرين فقد استند إلى الحجة وعمل على طبقها من دون أن يجب عليه تعيين ما عمل به وانه أيهما. و " أما الصورة الثانية ": أعنى ما إذا علمت المخالفة بينهما ولو على سبيل الاجمال، كما إذا علم بمخالفتهما في المسائل التي هي محل الابتلاء، وكان فتوى غير

[ 136 ]

الاعلم على خلاف الاحتياط، أو كان كل منهما موافقا للاحتياط من جهة ومخالفا له من جهة فقد قدمنا أن المعروف بين أصحابنا وجوب تقليد الاعلم، وعن شيخنا الانصاري " قده " أنه لم ينقل فيه خلاف عن معروف. بل ادعى بعضهم عليه الاجماع. وذهب جماعة ومنهم صاحب الفصول إلى جواز الرجوع إلى غير الاعلم ادلة عدم وجوب تقليد الاعلم واستدل عليه بوجوه: عمدتها التمسك باطلاق الادلة الواردة في جواز الرجوع إلى الفقيه وحجية رأيه وفتواه فان قوله عزمن قائل: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين.. والاخبار الآمرة بالرجوع إلى يونس بن عبد الرحمن، أو زكريا بن آدم وأمثالهما. وكذا سائر الادلة الدالة على جواز تقليد الفقيه لم يتقيد بما إذا كان العالم أو الفقيه اعلم من غيره. بل مقتضى اطلاقها جواز الرجوع إلى كل من الاعلم وغيره إذا صدق عليه عنوان العالم أو الفقيه أو غيرهما من العناوين الواردة في الروايات علمت مخالفتهما أو موافقتهما في الفتوى أم لم تعلم هذا. بل ربما يقال إن الغالب بين اصحابهم - ع - الذين ارجعوا الناس إلى السؤال عنهم في الاخبار المتقدمة هو المخالفة في الفتوى لندرة التوافق بين جمع كثير، ومع غلبة الخلاف لم يقيدوا - ع - الرجوع إليهم بما إذا لم تكن فتوى من ارجع إليه مخالفة لفتوى غيره من الفقهاء مع العلم العادى باختلافهم ايضا في الفضيلة، لعدم احتمال تساوى الجميع في العلمية والفقاهة وهذه قرينة قطعية على أن الادلة المتقدمة مطلقة، وأن فتوى غير الاعلم كفتوى الاعلم في الحجية والاعتبار وإن كانت بينهما مخالفة. وفيه: أن الغلبة المذكورة لا تمكن أن تكون قرينة على المدعى، والوجه

[ 137 ]

فيه: أن المخالفة في الفتوى وإن كانت كثيرة. بل هي الغالب كما ذكر وكذلك اختلافهم في الفضيلة والعلم. إلا أن العلم بالمخالفة أمر قد يكون وقد لا يكون ولم يفرض في شى من الاخبار الآمرة بالرجوع إلى الرواة المعينين علم السائل بالخلاف وكلامنا في الصورة الثانية إنما هو في فرض العلم بالمخالفة بين الاعلم وغيره، فالاخبار المذكورة - لو دلت - فانما تدل على المدعى باطلاق لا أنها واردة في مورد العلم بالمخالفة لتكون كالنص في الدلالة على حجية فتوى غير الاعلم في محل الكلام فليس في البين إلا الاطلاق. ويرد على التمسك باطلاق انا ذكرنا غير مرة في البحث عن حجية الخبر، والتعادل والترجيح وغيرهما أن اطلاق أدلة الحجية لا يشمل المتعارضين ولا مجال فيهما للتمسك بالاطلاق بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية كما إذا ورد خبران دل أحدهما على وجوب شى والآخر على حرمته أو قامت بينة على طهارة شى والاخرى على نجاسته، فانه لا يشمل أدلة اعتبار الخبر أو البينة أو غيرهما من الحجج والامارات شيئا منهما. و " سره " أن شمولها لكلا المتعارضين يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين وشمولها لاحدهما المعين دون الآخر بلا مرجح، ولاحدهما المخير أعني أحدهما لا بعينه لادليل عليه، لان مفاد أدله الاعتبار انما هو الحجية التعيينية لا حجية هذا أو ذاك. إذا مقتضى القاعدة هو التساقط في كل دليلين متعارضين، أللهم إلا أن يقوم دليل على ترجيح أحدهما أو على التخيير كالاخبار العلاجية وهو مختص بالخبرين المتعارضين، ولا دليل عليه في سائر الدليلين المتعارضين والمقام من هذا القبيل فاطلاقات أدلة التقليد غير شاملة لفتوى الاعلم وغيره مع المعارضة. بل لابد من الحكم بتساقطهما كما في غير المقام هذا. وقد يقال - كما تعرضنا له في محله - أن القاعدة يقتضى التخيير بين المتعارضين وذلك لان الامر يدور بين رفع اليد عن أصل الدليلين وبين رفع اليد عن اطلاقيهما

[ 138 ]

مع التحفظ على اصلهما ومتى دار الامر بينهما يتعين الثاني لا محالة لانه لا موجب لرفع اليد عن الدليلين بالكلية. فإذا ورد خبران دل أحدهما على وجوب القصر في مورد - مثلا - ودل الآخر على وجوب التمام فيه لم يمكننا العمل بهما معا للعلم الخارجي بعدم وجوب صلاة واحدة في يوم واحد مرتين فيدور الامر - لا محالة - بين رفع اليد عن أصل الدليلين والحكم بتساقطهما وبين التحفظ على أصليهما ورفع اليد عن اطلاقيهما المقتضى للتعيين وقد مر أن الثاني هو المتعين حينئذ فان الاول بلا موجب. ونتيجة الاخذ بالوجوب في كليهما ورفع اليد عن اطلاقه هو الحكم بوجوب كل منهما مخيرا. بل الامر كذلك حتى في الدليل الواحد بالاضافة إلى افراد موضوعه كما إذا ورد أكرم العلماء، وعلمنا خارجا أن زيدا وصديقه - مثلا - لا يشملهما حكم واحد أبدا فدار الامر بين الحكم بعدم وجوب إكرامهما للتساقط وبين التحفظ على الوجوب في كليهما ورفع اليد عن اطلاقهما في التعيين. فانه يتعين حينئذ الاخيرو هو يقتضى الحكم بوجوب كل منهما تخييرا. ومعه لا مقتضى في المقام لرفع اليد عن حجية فتوى الاعلم وغيره أعنى الحكم بتساقطهما. بل لابد من الاخذ بالحجية في كلتا الفتويين ورفع اليد عن اطلاقهما المقتضى للتعيين وهذا ينتج حجية كل منهما على وجه التخيير. ويرده: أن موارد التعارض بين الدليلين التى منها المقام لا يمكن قياسها بما إذا كان لكل من الدليلين نصا وظاهرا وأمكن الجمع بينهما بجمل الظاهر من كل منهما على نص الآخر. فان القياس مع الفارق، إذ في تلك الموارد لا مقتضى لرفع اليد عن كلا الوجوبين. بل يؤخذ بنص كل من الدليلين في الوجوب ويطرح ظاهرهما في التعيين وتكون النتيجة هو الوجوب التخييري كما مر. وأما في امثال المقام التى ليس للدليلين فيها نص وظاهر. بل دلالتهما بالظهور والاطلاق فلا مناص من الحكم بتساقطهما فان الحجية في المتعارضين إذا كانت

[ 139 ]

بالاطلاق أعنى اطلاق أدلة الحجية لشمولها لهذا وذاك وهذه الفتيا وتلك فحيث أن لكل منهما اطلاقا من جهة اخرى ايضا وهي حجية كل منهما اخذ بالاخر أم لم يؤخذ به ولا يمكن الاخذ باطلاقهما من كلتا الجهتين لاستلزامه الجمع بين الضدين أو النقيضين كان رفع المعارضة بينهما منحصرا برفع اليد عن اطلاق احدهما أو كليهما وهذا يتصور بوجوه: " أحدها ": أن يرفع اليد عن اطلاق الادلة الدالة على الحجية في أحدهما دون الآخر بان نلتزم بحجية احد المتعارضين دون الآخر رأسا. و " ثانيها ": أن يتحفظ باطلاق الادلة الدالة على الحجية في كلا المتعارضين فيلتزم بحجية فتوى غير الاعلم مطلقا سواء اخذ بفتوى الاعلم أم لم يؤخذ بها. وبحجية فتوى الاعلم مقيدة بما إذا لم يؤخذ بفتوى غير الاعلم بان تكون حجية إحداهما مطلقة وحجية الاخرى مقيدة. " ثالثها ": عكس الصورة الثانية بأن تكون حجية فتوى الاعلم مطلقة اخذ بفتوى غير الاعلم أم لم يؤخذ بها. وحجية فتوى غير الاعلم مقيدة بما إذا لم يؤخذ بفتوى الاعلم. " رابعها ": أن يتحفظ على اطلاق الادلة في كليهما فيلتزم بحجية كل منهما مقيدة بما إذا لم يؤخذ بالآخر. وحيث أن شيئا من ذلك لا مرجح له فلا يمكننا التمسك بالاطلاق في شي من المتعارضين لافي اصل الحجية ولافي اطلاقها وتقييدها وهو معنى التساقط كما قدمناه. " الوجه الثاني ": أن وجوب تقليد الاعلم عسر على المكلفين وذلك للحرج في تشخيص مفهوم الاعلم، وفي تمييز مصاديقه، وفي وجوب تعلم آرائه وفتاويه وهذا لانه لو وجب تقليد الاعلم وجب على كل مكلف أن يتعلم فتاواه ويحصل آرائه من مظانها وهذا فيه حرج على اهل البلاد فضلا عن سكنة القرى والبوادى

[ 140 ]

فالاقتصار على تقليد الاعلم فيه حرج عظيم وهو مرفوع في الشريعة المقدسة. والجواب عنه: أن شيئا من تلك المراحل لا يستلزم الحرج: أما تشخيص مفهوم الاعلم فلما يأتي من أن المراد به هو من كان أقوى استنباطا للاحكام وأمتن استنتاجا لها من أدلتها وهذا يتوقف على معرفته بالقواعد والكبريات وعلى حسن سليقته في تطبيقها على صغرياتها، ولا يكفى أحدهما ما لم ينضم إليه الآخر، فالاعلم في الاحكام الشرعية كالاعلم في بقية الصنايع والعلوم كالهندسة والطب وغيرهما فكما أنه لا حرج في تشخيص مفهوم الاعلم في تلك الموارد فان الاعلم فيها هو من علم بقواعدها وكبرياتها وكان له حسن سليقة في تطبيقها على مواردها وصغرياتها ولا يكفى فيه مجرد القوة على الكبريات أو الاحاطة بالفروع بل يتوقف على أن يكون الطبيب - مثلا - مع ماله من الاحاطة بجميع أقسام المرض وادويتها وطرق معالجتها متمكنا من تطبيق تلك القواعد على مواردها. فكذلك الحال في علم الفقه كما بيناه إذا لا حرج في تشخيص مفهوم الاعلم بوجه. وأما تمييز مصاديقه وأفراده فهو ايضا مما لا حرج فيه وذلك فان الاعلمية نظير غيرها من الامور تثبت بالعلم الوجداني، وبالشياع المفيد له، وبالبينة وهذا لا يمسه أي حرج. وأما تعلم فتاواه فلانه يتيسر باخذ رسالته، ونشرها من السهولة بمكان وبالاخص في زماننا هذا وما يقاربه وهذا لا نرى فيه حرجا بوجه. على أنا لانلتزم بوجوب الرجوع إلى الاعلم مطلقا بل في صورة العلم بالمخالفة بينه وبين غير الاعلم في الفتوى التي هي محل الكلام والعلم بالمخالفة انما يتحقق فيما إذا علم فتوى كليهما، وهذا كما ترى ليست فيه شائبة أي حرج. " الوجه الثالث ": سيرة المتشرعة، حيث جرت على رجوعهم فيما يبتلون به من المسائل إلى أي شخص عالم بحكمها من غير أن يفحصوا عن الاعلم بتلك

[ 141 ]

المسألة فلو كان تقليد الاعلم واجبا عندهم لزم عليهم الفحص عن وجوده. وفيه: أنه إن اريد بذلك صورة عدم العلم بالمخالفة بين فتوى الاعلم وفتوى غير الاعلم فلا يبعد دعوى قيام السيرة فيها على عدم الفحص عن الاعلم. وأما لو اريد بذلك صورة العلم بالمخالفة بينهما كما هي محل الكلام فلا مجال فيها لدعوى السيرة بوجه. بل هي دعوى ظاهرة الفساد فان الامر بالعكس والسيرة جارية على الرجوع إلى الاعلم عند العلم بالمخالفة كما هو المشاهد في غير الاحكام - مثلا - إذا عين الطبيب دواء وخالفه في ذاك من هو اعلم منه لم يعتمدوا على معالجته هذه بوجه وانما يتبعون رأي الاعلم فلاحظ. " الوجه الرابع ": أن الائمة - ع - قد ارجعوا جماعة من العوام إلى اشخاص معينيين من اصحابهم كيونس بن عبد الرحمان، ومحمد بن مسلم وغيرهما مع انهم - ع - موجودون بين الناس، فإذا كانت فتاوى هؤلاء حجة معتبرة مع وجوب نفس الامام - ع - كانت فتاواهم حجة عند وجود الاعلم بطريق اولى، فان الاعلم لا يزيد عن نفس الامام - ع -. والجواب عنه: أن الاستدلال بذلك إنما يتم فيما إذا قلنا بوجوب تقليد الاعلم مطلقا، و أما لو خصصنا وجوبه بصورة العلم بالمخالفة بين الاعلم وغيره كما هو الصحيح على ما يأتي بيانه فلا وقع لهذا الاستدلال بوجه، إذ الامام - ع - انما ارجع إليهم السائل لعدم العلم بمخالفتهم معه - ع - فيما يفتون به، ولا يحتمل أن يرجعه إليهم مع العلم بمخالفتهم مع الامام - ع - فالاستدلال بالاولوية ساقط هذا تمام الكلام في الوجوه المستدل بها على حجية فتوى غير الاعلم وقد عرفت ضعفها، ولابد بعد ذلك من التكلم فيما استدل به على وجوب تقليد الاعلم فان تم فهو وإلا فلا مناص من المراجعة إلى ما يقتضيه الاصل العملي في المسألة.

[ 142 ]

أدلة وجوب تقليد الاعلم وقد استدل على وجوب تقليد الاعلم بوجوه: " الاول ": أن مشروعية التقليد في الاحكام الشرعية انما اثبتناها بالكتاب والسنة أو بدليل الانسداد أو السيره كما مر وقد أشرنا أن المطلقات الواردة في الكتاب والاخبار غير شاملة للمتعارضين فإذا سقطت فتوى غير الاعلم عن الحجية بالمعارضة يتعين الرجوع إلى الاعلم، وذلك للعلم بعدم وجوب الاحتياط. وأما دليل الانسداد فلا يمكن أن يستنتج منه جواز تقليد غير الاعلم فان النتيجة ليست كلية، وانما يستنتج منه حجية فتوى عالم ما. فان العقل - بعد المقدمات - قد استقل أن الشارع نصب طريقا للعامي لا محالة، وليس ذلك هو الاحتياط، لانه غير ميسور في حقه، ولا أنه الظن لانه لاظن للمقلد، أو لا أثر له فيتعين أن يكون الطريق فتوى عالم ما، والقدر المتيقن فتوى الاعلم فيحتاج حجية فتوى غير الاعلم إلى دليل. وأما السيرة العقلائية فهى غير جارية على الرجوع إلى غير الاعلم بل. قد جرت على الرجوع إلى الاعلم عند العلم بالمخالفة كما هو المشاهد في غير الاحكام من الحرف والعلوم، وحيث أن تلك السيرة لم يردع عنها في الشريعة المقدسة فنستكشف بذلك أنها ممضاة عند الشارع. ويستثنى من ذلك ما إذا كانت فتوى الاعلم على خلاف الاحتياط وكانت فتوى غير الاعلم موافقة له كما إذا أفتى الاعلم بالاباحة في مورد، وأفتى غير الاعلم بالوجوب، فان العقلاء في مثل ذلك وان كانوا يرجعون إلى غير الاعلم احيانا، إلا أنه لا لان فتواه حجة عندهم بل لانه عمل بالاحتياط فيأتون به برجاء درك الواقع إذا لا يمكن اسناد ما افتى به غير الاعلم إلى الله، والاتيان به بقصد الامر والوجوب. وهذا الوجه هو الذي نعتمد عليه في الحكم بوجوب تقليد الاعلم في محل الكلام

[ 143 ]

" الثاني " ما عن المحقق الثاني " قده " من دعوى الاجماع على عدم جواز الرجوع إلى غير الاعلم. ويدفعه: أن ذلك من الاجماعات المنقولة وقد بينا في محله أن الاجماعات المنقولة لا اعتبار بها. على أن المسألة لا يحتمل أن تكون اجماعية كيف وقد ذهب جمع إلى جواز تقليد المفضول كما مر. بل لو سلمنا أن المسألة اتفاقية ايضا لا يمكننا الاعتماد عليه، لاحتمال استنادهم في ذلك إلى بعض الوجوه المستدل بها ومعه لا يكون الاجماع تعبديا يستكشف به رأى المعصوم - ع -. " الثالث ": الروايات: " منها ": مقبولة عمر بن حنظلة التي رواها المشايخ الثلاثة " قدهم " قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما... إلى أن قال: فان كان كل واحد اختار رجلا من اصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلف فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم فقال: الحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث (* 1) حيث دلت على وجوب تقديم الافقه على غيره. ويرد على الاستدلال بهذه الرواية وجوه: " الاول ": أن الرواية ضعيفة السند بعمر بن حنظلة، إذ لم يرد في حقه توثيق ولا مدح وان سميت روايته هذه بالمقبولة وكانها مما تلقته الاصحاب بالقبول وان لم يثبت هذا أيضا. نعم ورد في المواقيت عن يزيد بن خليفة انه قال: قلت لابي عبد الله - ع - إن عمر بن حنظلة اتانا عنك بوقت فقال: أبو عبد الله - ع - إذا لا يكذب علينا.. (* 2) فلو كانت هذه الرواية معتبرة لدلتنا على أن الرجل موثق غايته كيف وموثقه الامام - ع - إلا أن تلك الرواية أيضا ضعيفة فان يزيد


(* 1) المروية في ب 9 من ابواب صفات القاضى من المسائل. (* 2) المروية في ب 5 من ابواب المواقيت من المسائل.

[ 144 ]

هذا كعمر لم تثبت وثاقته. " الثاني ": أن الرواية اجنبية عن المقام لان ترجيحه - ع - بالافقهية وغيرها من الصفات الواردة في الرواية انما هو في الحكمين ومن الظاهر أن المرافعات والخصومات لا مناص من فصلها ولا معنى فيهما للحكم بالتخيير لاستلزامه بقاء الترافع بحاله ومعه كيف يصح التعدي عن فصل الخصومات الذي لا مناص عنه في موارد الترافع إلى أمثال المقام التي لا مانع فيها من الحكم بالتخيير، فالرواية كما لا يتعدى عن موردها إلى الروايتين المتعارضين كذلك لا يمكن التعدي عنه إلى الفتويين المتعارضتين لجواز كون المكلف مخيرا في الموردين. ويوكد ما ذكرناه أن الامام - ع - قد رجح أحدهما بالاورعية والاصدقية أيضا وهذا كما ترى لا يجرى في المقام للقطع بان الاصدقية أو الاورعية لا تكون مرجحة في الروايتين أو الفتويين المتعارضتين، إذ لا اثر للاصدقية في حجية الفتوى بوجه نعم ذهب بعضهم إلى تقديم الاورع في المجتهدين المتساويين في الفضيلة ويأتي عليه الكلام في محله ان شاء الله. والمتحصل أن الافقهية وبقية الاوصاف الواردة في الرواية من مرجحات الحكمين فهي راجعة إلى القضاء واجنبية عن باب الفتوى بالكلية. " الثالث ": أن الاعلمية المبحوث عنها في المقام انما هي الاعلمية المطلقة لبداهة أن الاعلمية النسبية والاضافية غير كافية في تعين الرجوع إليه فان كون شخص اعلم من غيره مع وجود من هو اعلم من كليهما لا يترتب عليه أي اثر في المقام والافقهية التي ذكرت مرجحة في الرواية انما هي الافقهية الاضافية لقوله - ع - الحكم ما حكم به أعدلهما وافقههما. ومعناه أن كون أحد الحاكمين أفقه من غيره مرجح في باب القضاء إذ لا يعتبر في الحاكم الاعلمية المطلقة وأين هذا من الاعلمية في ما نحن فيه فالاعلمية

[ 145 ]

المرجحة في باب القضاء وتعارض الحاكمين غير الاعلمية المعتبرة في المقام. و " منها ": ما عن - ع - في عهده إلى مالك الاشتر: إختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك (* 1) وهذا على فرض العمل به في مورده أجنبي عن اعتبار الاعلمية في محل الكلام لانه انما دل على اعتبار الافضلية الاضافية في باب القضاء وأن القاضى يعتبر أن يكون أفضل بالاضافة إلى رعية الوالى المعين له، ولا يعتبر فيه الافضلية المطلقة. وهذا ايضا يختص بباب القضاء، ولا يأتي في باب الافتاء لان المعتبر فيه هو الاعلمية المطلقة على ما اتضح مما بيناه في الجواب عن الاستدلال بالمقبولة المتقدمة. و " منها ": ما رواه في البحار عن كتاب الاختصاص قال: قال رسول الله - ص - من تعلم علما ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو يصرف به الناس إلى نفسه يقول: أنا رئيسكم فليتبوء مقعده من النار، إن الرئاسة لا تصلح إلا لاهلها فمن دعى الناس إلى نفسه وفيهم من هو اعلم منه لم ينظر الله إليه يوم القيامة (* 2). وهذه الرواية لو لم نناقش في دلالتها بانها راجعة إلى دعوى الخلافة فانها الرئاسة التى لا تصلح إلا لاهلها، وإلا فالرئاسة المجردة عن دعوى الخلافة والامامة لا يشترط فيها الاعلمية بوجه فهى من الاحاديث النبوية الواصلة إلينا مرسلة والمراسيل غير صالحة للاعتماد عليها أبدا. و (منها): ما رواه ايضا في البحار عن الجواد - ع - أنه قال مخاطبا عمه: يا عم إنه عظيم عند الله أن تقف غدا بين يديه فيقول لك: لم تفتى عبادي بما لم تعلم وفي الامة من هو أعلم منك (* 3).


(* 1) نهج البلاغة ص 30 ج 4 من طبعة لبنان: بيروت (* 2) البحار ج 2 ص 110 من الطبع الحديث. (* 3) عيون المعجزات ص 109 من طبعة النجف وعنه في البحار ج 12 ص 124 من طبع الگميانى.

[ 146 ]

وهذه الرواية وان كانت تدل على اعتبار الاعلمية المطلقة في المفتى إلا أنها ضعيفة سندا لارسالها. إذا لا يمكن الاستدلال بها بوجه فالاستدلال بالاخبار ايضا ساقط. " الرابع ": أن فتوى الفقيه إنما اعتبرت للطريقية إلى الاحكام الواقعية، وحيث أن فتوى الاعلم أقرب إلى الواقع من فتوى غير الاعلم لسعة احاطته واطلاعه على ما لا يطلع به غيره من المزايا والخصوصيات فلا مناص من الاخذ بها دون فتوى غير الاعلم. بل ذكر بعض مشايخنا المحققين: أن نسبة العالم إلى الاعلم نسبة الجاهل إلى العالم، إذ المراد بالاعلمية ليس هو قوة العلم وشدته نظير بعض العوارض النفسية والخارجية فيقال زيد أبيض من عمرو أو أنه أشجع أو أسخى من فلان ويريدون به شدة بياضه وقوة شجاعته بالاضافة إلى عمرو وهذا بخلاف المقام، وذلك لان علم الاعلم وغير الاعلم بالنسبة إلى الوظائف الظاهرية على حد سواء وليس ذلك أقوى في أحدهما من الآخر. نعم يتصور هذا في المعارف فيقال إن معرفة زيد بالله أو يوم المعاد أشد واقوى من معرفة عمرو - مثلا - لوصول أحدهما مرتبة عين اليقين والآخر مرتبة علم اليقين وأما الاحكام الشرعية فلا يتصور فيها ذلك لان علم كل منهما على حد سواء وليس العلم في أحدهما أشد واقوى منه في الآخر بحيث لا يزول بتشكيك المشكك لقوة مبنى عرفانه. بل المراد بالاعلمية أن يكون أحد المجتهدين أقوى وأدق نظرا في تحصيل الحكم عن مداركه وامتن استنباطا لها عن مبادئ تحصيله بان يكون أعرف بالقواعد والكبريات وكيفية تطبيقها على صغرياتها لحسن سليقته إذا فالاعلم مطلع على جملة من المزايا والخصوصيات الدخيلة في عرفانه لكيفية تطبيق الكبريات على صغرياتها وفي حسن سليقته بخلاف غير الاعلم فنسبة الاعلم إلى غير الاعلم كنسبة العالم إلى

[ 147 ]

الجاهل، ولا مسوغ لتقليد الجاهل بوجه. ويرد على ذلك: أن المراد بالاقربية إن كان هو الاقربية الطبعية والاقتضائية بمعنى أن الاعلم من شأنه أن تكون فتواه أقرب إلى الواقع من فتوى غيره فالصغرى صحيحة والامر كما ادعى إلا أنه لا كبرى تنطبق على تلك الصغرى، حيث أن الاقربية الطبعية لم تجعل ملاكا للتقليد ولا لوجوبه. وإن اريد بالاقربية الاقربية الفعلية بان تكون الفتيا الصادرة عن الاعلم اقرب إلى الواقع - بالفعل - بالاضافة إلى فتوى غير الاعلم فالصغرى غير مسلمة، ولا مثبت لدعوى الاقربية، إذ لا يمكن أن يقال ان فتيا الاعلم أقرب إلى الواقع مطلقا كيف وقد يكون فتوى غير الاعلم موافقة للمشهور ولفتيا الاساطين والمحققين كشيخنا الانصاري وصاحب الجواهر وغيرهما ممن هو اعلم من الحى بمراتب. ومع كون فتوى الاعلم على خلاف المشهور كيف تكون أقرب إلى الواقع من فتوى غير الاعلم؟! هذا ثم لو تنزلنا عن ذلك وبنينا على أن فتوى الاعلم اقرب من فتوى غيره إلا أنا نطالب الدليل على أن الاقربية مرجحة ولم يقم أي دليل على أن الملاك في التقليد ووجوبه هو الاقربية إلى الواقع، إذ العناوين المأخوذة في لسان الادلة كعنوان العالم والفقيه وغيرهما صادقة على كل من الاعلم وغير الاعلم وهما في ذلك سواء لا يختلفان وهذا يكفي في الحكم بجواز تقليدهما. وعلى الجملة ان الاقربية كما أنها ليست مرجحة في الروايتين المتعارضتين ومن هنا قد تعارض الصحيحة مع الموثقة، ولا في البينتين المتنافيتين لوضوح أن إحداهما لا تتقدم على الاخرى بمجرد كونها أقرب إلى الواقع كما إذا كانت اوثق من الاخرى مع أن حجية الطرق والامارات من باب الطريقية إلى الواقع فكذلك الحال في الفتويين المتعارضتين كما عرفت وأما ما أفاده شيخنا المحقق " قده " من أن نسبة العالم إلى الاعلم نسبة الجاهل إلى العالم فهو وإن كان صحيحا على ما أوضحناه

[ 148 ]

آنفا إلا أنه بالاضافة إلى المزايا والخصوصيات الدخيلة في حسن السليقة والاستدلال وأما بالاضافة إلى الاستنباط اصله ورد الاصل إلى الفرع فهما على حد سواء كيف وكلاهما مجتهد ومن ثمة لا يسوغ له الرجوع إلى الاعلم. بل قد تخطئه، وجاز تقليده على تقدير فقد الاعلم، والمتحصل ان العالم والاعلم بالاضافة إلى العناوين الواردة في ادلة التقليد متساويان ولا موجب لتقديم احدهما على الآخر. فالصحيح في الحكم بوجوب تقليد الاعلم هو السيرة العقلائية التي استكشفنا امضائها من عدم الردع عنها في الشريعة المقدسة. الشك في حجية فتوى غير الاعلم إذا أثبتنا حجية فتوى غير الاعلم - عند العلم بالمخالفة بينه وبين الاعلم في الفتوى - أو أثبتنا عدم حجيتها فلا كلام وأما لو شككنا في حجيتها وعدمها فهل الاصل يقتضى التخيير بينهما أو انه يقتضى الاخذ بما يحتمل تعينه وهو فتوى الاعلم؟ وهذا بعد الفراغ عن أن العامي غير مكلف بالاحتياط لعدم قدرته عليه أو لاستلزامه سد باب التقليد بالكلية فالكلام انما هو بعد العلم بعدم وجوب الاحتياط على العامي فقد يقال: إن الاصل عند دوران الامر بين الحجية التعيينية والتخييرية يقتضى التخيير فان حاله حال دوران الامر بينهما في الاحكام فكما أن الامر لودار بين كون صلاة الجمعة - مثلا - واجبة تعيينية وبين أن تكون واجبة تخييرية بان يكون المكلف مخيرا بين صلاتي الجمعة والظهر دفعنا احتمال التعيين في الجمعة بالبرائة إذ الالزام بالجامع معلوم والشك في اعتبار الخصوصية الزائدة عليه اعني خصوصية الجمعة وحيث انه تقييد وكلفة زائدة فيدفع وجوبها بالبرائه فكذلك الحال في المقام فان اصل الحجية الجامعة بين التعيينية والتخييرية معلوم وخصوصية احداهما مشكوك فيها والبرائة تقتضي عدمها إذا النتيجة أن الحجية تخييرية وللمكلف أن يرجع إلى

[ 149 ]

فتوى الاعلم أو يرجع إلى فتوى غير الاعلم. والصحيح أن الاصل عند دوران الامر بين الحجية التعيينية والحجية التخييرية يقتضى الاخذ بما يحتمل تعينه، ولاوجه لقياسه بما لودار الامر بين التعيين والتخيير في الاحكام لانه مع الفارق وتوضيح ذلك أن الحجية قد يراد بها تنجز الواقع فحسب كما إذا لم يكن الواقع منجزا على المكلف لولا الحجة الواصلة إليه فان المورد لو لا تلك الحجة مورد لاصالة الاباحة أو الطهارة أو غيرهما ولم يتنجز الواقع على المكلف إلا بما قامت عنده من الحجة فلم يترتب عليها سوى تنجز الواقع فحسب. وقد يراد بها التعذير فقط كما إذا كان الواقع منجزا على المكلف مع قطع النظر عن قيام الحجة عنده إما بالعلم الاجمالي الكبير لانه يعلم أن في الشريعة المقدسة احكاما الزامية يجب الخروج عن عهدتها، وإما بالعلم الاجمالي الصغير المتحقق في بعض الموارد كالعلم الاجمالي بوجوب صلاة الجمعة أو الظهر يوم الجمعة فان الواقع منجز عليه قبل الحجة الواصلة إليه فلا يراد منها إلا التعذير على تقدير الخلاف. فهناك مقامان للكلام: " المقام الاول ": ما إذا كان الواقع غير منجز على المكلف لان المورد تجرى فيه الاصول النافية للتكليف وانما يتنجز بالحجة الواصلة إليه وقد دار الامر فيه بين الحجية التعيينية والتخييرية، والتحقيق أن الاصل يقتضى التخيير حينئذ وذلك لان حال المقام حال الدوران بين التعيين والتخيير في الاحكام. وقد ذكرنا في محله أنه مورد للتخيير وذلك للعلم بالالزام بالجامع بين الشيئين أو الاشياء والشك في مدخلية الخصوصية في الواجب وعدمها، وهو على ما ذكرناه في محله من الشك في الاطلاق والاشتراط ومعه تجرى البرائة عن التقييد لانه كلفة زائدة وضيق، وحيث ان التقييد بالخصوصية مشكوك فيه للمكلف فيدفع بالبرائة فان العقاب على

[ 150 ]

المجهول حينئذ عقاب بلا بيان. وفي المقام التكليف بالجامع بينهما اعني احدهما لا بعينه معلوم لا شك فيه وانما الشك في أن خصوصية هذا أو ذاك هل لها مدخلية في متعلق الوجوب أو لا مدخلية لها، ولا شبهة في أن اعتبار الخصوصية كلفة زائدة وموجب للضيق على المكلف فمقتضى أصالة البرائة أن الخصوصية غير معتبرة في متعلق الوجوب وعلى الجملة ان دوران الامر بين التعيين والتخيير من الشك في الاطلاق والتقييد بعينه إذا عرفت هذا فنقول: ان الحجية في مفروض الكلام لما كانت بمعنى التنجيز فقط ودار امرها بين التعيينية والتخييرية كان ما ادت إليه احدى الفتويين - لاعلى التعيين - منجزا على المكلف بحيث لو تركهما معا استحق العقاب عليه، لانه ترك للواجب المنجز على الفرض وأما ما ادت إليه احداهما المعينة فلا علم بتنجزه بحيث لو تركه المكلف يستحق العقاب عليه ولو مع الاتيان بما ادت إليه فتوى الآخر فحيث أن المكلف يعلم بتنجز ما ادت إليه احدى الفتويين - غير المعينة - ويشك في تنجز ما ادت إليه احداهما المعنية وهو تكليف زائد مشكوك فيه فمقتضى أصالة البرائة عدم توجه التكليف بالخصوصية الزائدة المشكوك فيها فان العقاب عليها عقاب بلا بيان. ومعه يتخير المكلف بين أن يأخذ بهذا أو بذاك، ولا يمكنه ترك العمل على طبقهما معا. وأما ترك العمل بهذا بخصوصه أو ذاك كذلك فهو مرخص فيه حسبما تقتضيه أصالة البرائة عن التقييد فالاصل في دوران الامر بين التعيين والتخيير في الحجية - بمعنى المنجز - يقتضى التخيير كما هو الحال في التكاليف الشرعية. " المقام الثاني ": ما إذا كان الواقع منجزا على المكلف بالعلم الاجمالي الكبير أو العلم الاجمالي المتحقق في بعض الموارد ولم يترتب على حجية الحجة سوى التعذير على تقدير الخلاف ودار الامر بين الحجية التعيينية والتخييرية والاصل حينئذ يقتضى

[ 151 ]

الاخذ بما يحتمل تعينه وذلك لان الواقع منجز على المكلف ولا مناص من أن يخرج عن عهدته، ولا اشكال في أن العمل على طبق ما يحتمل تعينه في الحجية معذر قطعا لانه إما حجة معينة أو انه احد فردي الحجة التخييرية. وأما العمل بما يحتمل أن يكون حجه تخييرية فلم يحرز كونه معذرا، إذ نحتمل أن لا تكون حجة اصلا فلا يؤمن من العقاب بالاعتماد عليه، والعقل قد استقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب وهذا هو الذي يقال: الشك في الحجية يساوق القطع بعدمها. وحيث أنا بينا في اوائل الكتاب أن الاحكام الواقعية متنجزة على كل مكلف بالعلم الاجمالي الكبير للعلم بان في الشريعة احكاما الزامية وجوبية أو تحريمية فتكون حجية الحجج التي منها فتوى الفقيه معذرة فحسب وقد عرفت أن دوران الامر بين الحجة التعيينية والتخييرية - بهذا المعنى - مورد لقاعدة الاشتغال والاصل فيه يقتضى التعيين. ومن هنا يتضح أن وجوب تقليد الاعلم - على هذا التقدير - انما هو من باب الاحتياط لا انه مستند إلى الادلة الاجتهادية فان مفروضنا أن الادلة لم يستفد منها وجوب تقليد الاعلم وعدمه وانتهت النوبة إلى الشك وانما اخذنا بفتوى الاعلم لان العمل على طبقها معذر على كل حال فهو اخذ احتياطي تحصيلا للقطع بالفراغ لا أن فتواه حجة واقعية. هذا. وربما يقال: الاستصحاب قد يقتضى جواز الرجوع إلى فتوى غير الاعلم فيكون الاستصحاب هو المعذر على تقدير المخالفة وذلك كما في المجتهدين المتساويين في الفضيلة، فان المكلف مخير بينهما فلو قلد أحدهما تخييرا ثم تجددت الاعلمية للآخر فانه إذا شك في جواز تقليد غير الاعلم فمقتضى الاستصحاب هو الجواز وبقاء فتوى غير الاعلم على حجيتها وبذلك نلتزم بجواز تقليده مطلقا لانه لو ثبت جواز تقليد غير الاعلم وحجية فتواه في مورد ثبتت في بقية الموارد لعدم القول

[ 152 ]

بالفصل، إذ لا يحتمل أن تكون فتوى غير الاعلم حجة في بعض الموارد وغير حجة في بعضها حيث أنها لو كانت قابلة للحجية فهى كذلك في جميع الموارد ولو لم تكن كذلك فليست بحجة في الجميع. والجواب عن ذلك بوجوه: " أما أولا ": فلان استصحاب الحجية لفتوى غير الاعلم أو جواز تقليده من الاستصحابات الجارية في الاحكام وقد بينا غير مرة أن الشبهات الحكمية والاحكام الكلية الالهية ليست موردا للاستصحاب. و " أما ثانيا ": فلان الاستصحاب على تقدير جريانه في الشبهات الحكمية ليست له حالة سابقة في المقام فان التخيير بين المجتهدين المتساويين لم يثبت بدليل. بل مقتضى القاعدة في المتعارضين هو التساقط على ما مر غير مرة. فالحجية التخييرية غير ثابتة من الابتداء. و " أما ثالثا ": فلانا لو بنينا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية وعلى ثبوت التخيير في المجتهدين المتساويين ايضا لم يمكننا استصحاب التخيير بوجه، وذلك لانه من اسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر. و " سره " أن موضوع الحكم بالتخيير انما هو تساوى المجتهدين في الفضيلة، ومع تجدد الاعلمية لاحدهما لا موضوع للتخيير لنستصحبه لان التخيير لم يثبت لفتوى المجتهدين في ذاتها، وانما ثبت لفتوائيهما بما انهما متساويان، ومع التبدل وزوال موضوعه لا معنى لاستصحاب التخيير بوجه. و " أما رابعا ": فلان استصحاب التخيير - مع الغض عن جميع المناقشات المتقدمة - معارض باستصحاب وجوب تقليد الاعلم تعيينا في بعض الموارد كما إذا فرضنا شخصين أحدهما متمكن من الاستنباط ومجتهد في الاحكام دون الآخر فقلد العامي المجتهد منهما لوجوبه عليه تعيينا ثم بعد ذلك تجدد للآخر الاجتهاد، الا أن

[ 153 ]

الاول أعلم منه فانه إذا شك حينئذ في جواز الرجوع إلى من تجدد له الاجتهاد أو تعين البقاء على تقليد الاول لاعلميته كان مقتضى الاستصحاب تعين البقاء على فتوى الاعلم لا محالة، لانه الحالة السابقة على الفرض فإذا وجب تقليد الاعلم في مورد واحد وجب في جميع الموارد لعدم القول بالفصل فالاستصحابان متعارضان ومعه لا يمكن الاعتماد على شى من الاستصحابين، ومقتضى قاعدة الاشتغال تعين تقليد الاعلم وقتئذ. و (أما خامسا): فلان استصحاب الحجية في بعض الموارد غير صالح لان تثبت به حجية فتوى غير الاعلم مطلقا. والوجه في ذلك أن المثبت لحجية فتوى غير الاعلم في بعض الموارد انما يمكن أن يثبت به حجيتها مطلقا وفي جميع الموارد فيما إذا كان من الادلة الاجتهادية كالخبر الواحد - مثلا - للملازمة الواقعية بين كونها حجة في بعض الموارد وكونها حجة مطلقا المستكشفة بعدم القول بالفصل فان الادلة الاجتهادية كما أنها معتبرة في مداليلها المطابقية كذلك تعتبر في مداليلها الالتزامية على ما بيناه في محله. وأما إذا كان المثبت لحجيتها هو الاصل العملي كالاستصحاب فلا يترتب عليه سوى حجية فتوى غير الاعلم في مورد جريانه فحسب، وذلك لتقومه باليقين السابق والشك اللاحق، ولا معنى للتمسك به فيما ليس هناك يقين سابق وشك لاحق أللهم إلا أن نقول بالاصل المثبت فانه باستصحاب حجية فتوى غير الاعلم في بعض الموارد يثبت حجيتها مطلقا للملازمة الثابتة بينهما بعدم القول بالفصل. وقد يفصل في المقام بين ما إذا كانت الامارات الشرعية التى منها فتوى الفقيه حجة من باب الكاشفية والطريقية فيلتزم بالاخذ بما يحتمل تعينه عند دوران الامر بين التعيين والتخيير كما قررنا تقريبه، وبين ما إذا قلنا باعتبارها من باب السببية والموضوعية فيقال ان القاعدة تقتضي التخيير وقتئذ.

[ 154 ]

وذلك لان الحجية الثابتة لفتوى غير الاعلم كالحجية الثابتة لفتوى الاعلم - بناء على السببية - وان كانت مشتملة على المصلحة والملاك إذ الحجية حسبما يستفاد من الآيات والاخبار مترتبة على فتوى الفقيه وهو ينطبق على كلا المجتهدين إلا أن الحجية لفتوى غير الاعلم ليست بفعلية بالوجدان، فان فتوى الاعلم مانعة عن الحجية الفعلية لغيرها. وسره أن الحجية الفعلية في كلتا الفتويين أمر غير معقول، ولا نحتمل أن تكون الاعلمية مانعة عن الفعلية في فتوى الاعلم إذا يتعين أن تكون الاعلمية مانعة على الفعلية في فتوى غير الاعلم، وعلى الجملة ان فتوى غير الاعلم ليست بفعلية بالوجدان وأما الحجية بالاضافة إلى فتوى الاعلم فيحتمل أن تكون فتوى غير الاعلم مانعة عن فعليتها كما يحتمل فعليتها إذا تكون فعلية الحجية في فتوى الاعلم مشكوكة ومقتضى قاعدة قبح العقاب بلا بيان عدم وجوب اتباعها والنتيجة أن الحجية بالاضافة إلى كلتا الفتويين ليست بفعلية وغاية الامر أن عدم الفعلية في احداهما بالوجدان وفى الاخرى بالاصل فلا يجب اتباع هذه ولا تلك. وحيث أن العقل مستقل بعدم جواز ترك العمل على كلتيهما لان المتعذر انما هو استيفاء كلتا المصلحتين، وأما استيفاء إحداهما فهو ميسور للمكلف فلا يرخص العقل في تركهما معا لانه تفويت اختياري بلا سبب فلا مناص من اتباع احدى الفتويين تخييرا. والكلام في الجواب عن ذلك يقع في جهات: " الاولى ": أن السببية هل يمكن الالتزام بها في حجية الطرق والامارات أو أنها باطلة باقسامها؟ وقد قررنا في محله أن السببية بجميع اقسامها حتى السببية المنسوبة إلى بعض العدلية اعني بها الالتزام بالمصلحة في السلوك باطلة ولا نطيل الكلام باعادته.

[ 155 ]

" الثانية ": أن القاعدة في موارد دوران الامر بين التعيين والتخيير على القول بالسببية هل تقتضي التساقط أو أنها تقتضي التخيير؟ وقد قدمنا الكلام في ذلك ايضا في محله وقلنا إن القاعدة تقتضي التساقط في المتعارضين حتى على القول بالسببية وحيث أن حجية فتوى الاعلم وغير الاعلم من باب التعارض لعدم امكان جعل الحجية لكلتا الفتويين لاستلزامه الجمع بين الضدين أو النقيضين فدليل الحجية في كل منهما ينفى الحجية عن الاخرى بالالتزام فهما متعارضان ولا مناص من الحكم بتساقطهما. وليس المقام من باب التزاحم وعدم قدرة المكلف على امتثالهما معا بل هما متنافيان بحسب الجعل فإذا سقطت الفتويان عن الحجية لم تبق هناك أية مصلحة حتى يستقل العقل بلزوم استيفاء احدى المصلحتين ووجوب اتباع احدى الفتويين تخييرا ومن الظاهر أن الامر بالاتباع انما هو فيما ثبتت حجيته من الطرق ولا يمكن التفوه بان المصلحة قائمة بذواتها وان لم تكن حجة شرعا، لانه أي مصلحة في اتباع فتوى من لم يحكم بحجيتها لكفره أو فسقه أو لغيرهما من الجهات. " الثالثة ": أنا لو بنينا على أن المقام من صغريات باب التزاحم فهل تقتضي القاعدة التخيير في المتزاحمين أو أنها تقتضي الاخذ بما يحتمل أهميته، وحيث أن المصلحة القائمة بالعمل على فتوى الاعلم تحتمل اهميتها فيتعين الرجوع إليه عند دوران الامر بين تقليده وتقليد غير الاعلم؟ ذكرنا في محله أن المتزاحمين إذا علمنا أهمية أحدهما لم يكن أي مسوغ لرفع اليد عن الآخر المهم بالكلية. بل اللازم ان يرفع اليد عن اطلاقه فحسب فان الضرورات تتقدر بقدرها، والتنافى بينهما يرتفع بتقييد اطلاق المهم بما إذا ترك الاتيان بالاهم فلا مقتضى لرفع اليد عن المهم رأسا، ومن هنا ذكرنا أن الترتب امر ممكن وانه على طبق القاعدة، إذ لا منافاة بين الامر بالاهم على نحو الاطلاق

[ 156 ]

وبين الامر بالمهم على تقدير ترك الاهم هذا إذا علمنا اهمية أحدهما معينا. وأما إذا كانا متساويين فلا مناص من رفع اليد عن الاطلاق في كليهما وتقييده بما إذا لم يأت بالاخر، إذ بذلك يرتفع التنافي بينهما وهو الترتب من الجانبين وتكون النتيجة أن المكلف مخير بينهما. وأما إذا احتملنا الاهمية في أحدهما المعين دون الآخر فاطلاق مالا يحتمل اهميته مقيد لا محالة. وأما إطلاق ما نحتمل أهميته فلا علم لنا بتقييده، لانه على تقدير كونه اهم يبقى اطلاقه بحاله، كما أنه يقيد إذا كان مساويا مع الآخر فإذا شككنا في ذلك فلا مانع من التمسك باطلاقه لعدم العلم بورود التقييد عليه. هذا كله في كبرى المسألة. وأما تطبيقها على محل الكلام فلا شبهة في أن الاهمية غير محرزة في فتوى الاعلم وإلا لتعين الرجوع إليه، إذ الكلام فيما إذا لم نعلم بذلك وشككنا في تعينه إلا أن احتمال الاهمية موجود بالوجدان وهذا بخلاف فتوى غير الاعلم، إذ لا يحتمل فيها الاهمية بوجه، إذا لا مانع من التمسك باطلاق الادلة المتقدمة القائمة على حجية فتوى الفقيه لعدم العلم بتقييدها بالاضافة إلى فتوى الاعلم، كما علمنا بتقييدها بالاضافة إلى فتوى غير الاعلم، ومع وجود الدليل الاجتهادي والاطلاق لا تصل النوبة إلى الاصل العملي حتى يقال ان احتمال فعلية الامر باتباع فتوى الاعلم مندفع بالبرائة لقبح العقاب من دون بيان. مضافا إلى أن البرائة غير جارية في نفسها، وذلك لان العقل كما انه يستقل بقبح مخالفة التكليف وعصيانه كذلك يستقل بقبح تفويت الملاك، وقد فرضنا أن اتباع كل من الفتويين يشتمل على المصلحة الملزمة، إلا أن المكلف لو عمل بفتوى الاعلم فهو معذور في تركه التصدي لاستيفاء المصلحة القائمة بفتوى غير الاعلم وذلك لاستناده إلى العجز فان المصلحة في اتباع فتوى الاعلم أما انها مساوية

[ 157 ]

للمصلحة في اتباع فتوى غير الاعلم أو أنها راجحة عليها. وأما لو عكس ذلك وأتبع فتوى غير الاعلم فلا معذر له عن عدم اتباعه لفتوى الاعلم لان المصلحة في كلتا الفتويين وان كان يحتمل تساويهما فلا يكون اتباعه لاحدهما مفوتا لشئ، إلا أن من المحتمل أن تكون مصلحة الاتباع لفتوى الاعلم أزيد من المصلحة القائمة باتباع فتوى غيره، فيكون اختياره لغير الاعلم مفوتا للمصلحة الزائدة من غير عجز، أو معذر آخر لدى العقل وهو قبيح فحيث انه يحتمل العقاب في اتباعه لفتوى غير الاعلم فالعقل مستقل بلزوم دفعه وحينئذ يتعين العمل على طبق فتوى الاعلم كما ذكرناه، فالمقام ليس من موارد التمسك بالبرائة. ومن هنا قلنا إن احتمال العجز عن امتثال أي تكليف غير مسوغ لتركه وسره: ما ذكرناه من استقلال العقل بلزوم تحصيل الملاكات الملزمة على كل حال. ومع الشك في القدرة يحتمل العقاب لاحتمال أنه قادر على الامتثال واقعا، وأنه مكلف بالتحصيل ومعه لابد له من أن يتصدى للامتثال ليقطع بتمكنه أو عجزه. وعلى الجملة لا مجال للبرائة في تلك المقامات لان فيها احتمال العقاب والعقل مستقل بلزوم دفعه فلا يكتفى بالشك في القدرة وعدمها فتلخص أن تقليد الاعلم عند العلم بمخالفته لغير الاعلم في الفتوى هو المتعين. هذا إذا كانت فتواه موافقة للاحتياط أو كان كل من الفتويين موافقا للاحتياط من جهة ومخالفا له من جهة. وأما إذا كانت فتوى غير الاعلم موافقة للاحتياط دون فتوى الاعلم فالعقل وإن كان يرخص في اتباعها وقتئذ، إلا انه من جهة كونه محصلا للعلم بالامتثال لانه معنى الاحتياط، والاتيان بالعمل رجاء، لا أنه مستند إلى حجية فتوى غير الاعلم بحيث يجوز اسنادها إلى الله سبحانه وذلك لما قد عرفت من تعين الرجوع إلى فتوى الاعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الاعلم في الفتوى هذا كله في الصورة الثانية

[ 158 ]

و " أما الصورة الثالثة ": وهى ما إذا لم تحرز المخالفة بين فتوى الاعلم وفتوى غير الاعلم فهل يجوز الرجوع إلى فتوى غير الاعلم أو يجب تقليد الاعلم حتى في هذه الصورة؟ كما في صورة العلم بالمخالفة بينهما، الكلام في هذه الصورة يقع من جهتين: " الاولى ": فيما يقتضيه الاصل العملي في المسألة. " الثانية ": فيما تقتضيه الادلة الاجتهادية. " أما الجهة الاولى ": فلا ينبغى الاشكال في أن الاصل يقتضى تعين الرجوع إلى فتوى الاعلم لما مر من أن الاحكام الواقعية منجزة على المكلفين بالعلم الاجمالي بوجودها، والعمل بفتوى المجتهد إنما هو للتعذير عن المخالفة للواقع، والعمل بفتوى الاعلم معذر قطعا ومعذرية العمل بفتوى غير الاعلم مشكوك فيها. ومع دوران الامر بين التعيين والتخيير الاصل يقتضى التعيين كما مر في الصورة الثانية، إلا أن الاصل لا يعارض الدليل فلا مناص من ملاحظة الادلة الاجتهادية لنرى أنها تدلنا على جواز الرجوع إلى غير الاعلم أو لاتدل؟ " أما الجهة الثانية ": فيقع الكلام فيها (اولا) فيما يستدل به على عدم جواز الرجوع إلى فتوى غير الاعلم عند الشك في مخالفتها لفتوى الاعلم وتعين الرجوع إلى تقليد الاعلم و " ثانيا " فيما استدل به على جواز تقليده. وقد استدلوا على عدم الجواز في هذه الصورة بما استدلوا به على عدم جوازه في صورة العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى من أن الادلة غير شاملة لفتوى غير الاعلم والاجماع، والاقربية، ومقبولة عمر بن حنظلة، وعهد أمير المؤمنين - ع - إلى مالك الاشتر وغيرها. ويرد على الجميع: أن شيئا من ذلك لم تتم دلالته على وجوب تقليد الاعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الاعلم فضلا عن أن تدل على تعينه عند عدم العلم بالمخالفة

[ 159 ]

بينهما. ونزيده: أن الاستدلال بعدم شمول الادلة لفتوى غير الاعلم، والاقربية، والمقبولة لو تم فانما يختص بصورة العلم بالمخالفة، وأما مع الشك في المخالفة واحتمال موافقتهما فلا تعارض لئلا تشملها الادلة كما لا معنى للاقربية وقتئذ وكذا المقبولة موردها فرض العلم بالمخالفة فالاستدلال بها على تعين الرجوع إلى الاعلم في صورة عدم العلم بالمخالفة مما لا وجه له هذا. وأما ما استدل به على جواز الرجوع إلى فتوى غير الاعلم، إذا لم يعلم المخالفة بينه وبين الاعلم فهو أمور: " الاول ": اطلاقات الادلة القائمة على حجية فتوى الفقيه من الآية والاخبار المتقدمتين وقد خرجنا عنها في صورة العلم بالمخالفة وبقيت صورة العلم بالموافقة بينهما وكذا صورة الشك في المخالفة مشمولة لاطلاقها، حيث دلت على جواز تقليد الفقيه من غير تقييده بما إذا كان اعلم. وقد يناقش في الاستدلال بالمطلقات بان صورة العلم بالمخالفة قد خرجت عنها كما عرفت ومع الشك في الموافقة والمخالفة لا مجال للتمسك باطلاقها لانه من التمسك بالعموم والاطلاق في الشبهات المصداقية، وذلك لاحتمال مخالفتهما في الفتوى واقعا. واجيب عن ذلك بان التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية وإن لم يجز إذا كان المخصص لفظيا، الا انه في المخصصات اللبية مما لا مانع عن التمسك به، والامر في المقام كذلك فان صورة العلم بالمخالفة انما خرجت عن المطلقات من جهة ان شمول أدلة الحجية للمتعارضين يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين، ومع كون المخصص لبيا لا مانع من التمسك بالعموم. ويرد على هذا الجواب: ما قررناه في محله من أنه لا فرق في عدم جواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية بين أن يكون المخصص لفظيا أو لبيا، فان

[ 160 ]

التقييد والتخصيص يعنونان العام بعنوان مالا محالة، لاستحالة الاهمال في مقام الثبوت كاستحالة الاطلاق بعد العلم بالتقييد إذا يتعين أن يكون المطلق أو العام مقيدا بغير عنوان المخصص. ولم يحرز أن العنوان المقيد صادق على المورد المشكوك فيه، ومع عدم احرازه لا مجال للتمسك بالاطلاق أو العموم. والصحيح في الجواب أن يقال: أن المناقشة غير واردة في نفسها وذلك لان الشبهة وان كانت مصداقية كما مر إلا أن هناك إصلا موضوعيا يحرز به أن المورد المشتبه من الافراد الباقية تحت العموم وذلك لان احراز فردية الفرد قد يكون وجدانيا. وقد يكون بالتعبد ومن هنا قلنا في محله ان المرئة المشكوكة قرشيتها - ببركة اصالة عدم القرشية - داخلة تحت الادلة الدالة على أن المرئة تحيض إلى خمسين وفي المقام أيضا نقول ان المخالفة بين المجتهدين أمر حادث مسبوق بالعدم، ومع الشك في تحققها يبنى على عدمها بمقتضى استصحاب العدم الازلي، لان الاصل عدم تحقق المخالفة بينهما فببركة هذا الاصل يمكننا احراز أن المشتبه من الافراد الباقية تحت العموم. بل احراز ذلك بالاستصحاب النعتي ايضا ممكن في المقام لان المجتهدين كانا في زمان ولم يكونا مخالفين - في الفتوى - ولو من جهة عدم بلوغهما مرتبة الاجتهاد ومقتضى الاصل أنهما الآن كما كانا سابقا. وربما يورد على هذا الاستدلال بان التمسك بالمطلقات يشترط فيها الفحص عن المقيد والمعارض والجامع مطلق ما ينافي اطلاق الدليل، ولا يجوز التمسك بها من دون فحص، وحيث أن فتوى الاعلم يحتمل أن تكون مخالفة لفتوى غير الاعلم فلا مناص من أن يفحص ليظهر أنهما متخالفتان حتى لا تشملهما المطلقات أو انهما متوافقتان فعلى الاول لا يجوز الرجوع إلى غير الاعلم وعلى الثاني يجوز. ويدفعه: ان التمسك بالاطلاق وإن كان يعتبر فيه الفحص عن مقيداته

[ 161 ]

ومعارضاته بل عن مطلق ما ينافي الدليل بحكومة ونحوها، الا انه خاص بالشبهات الحكمية فلا يسوغ التمسك بعموم الدليل قبل الفحص عن مخصصه، ولا يعتبر ذلك في الشبهات الموضوعية بوجه - مثلا - إذا قامت بينة على ملكية دار لزيد لم يعتبر في حجيتها الفحص عما يعارضها من البينات ولو مع العلم بوجود عدول يحتمل شهادتهم بأن الدار ليست لزيد. ومقامنا هذا من هذا القبيل، لانه من الشبهات الموضوعية لان مفروض الكلام العلم بعدم اعتبار فتوى غير الاعلم في فرض المخالفة وانما نشك في أنهما متخالفان أو متوافقان فالشبهة موضوعية. والوجه في عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية هو أن ما يقتضى لزوم الفحص في الشبهات الحكمية - عن المنافيات - أحد امرين على سبيل منع الخلو: " أحدهما ": أن ديدن الائمة عليهم السلام جرى على التدرج في بيان الاحكام الشرعية وما اعتبر فيها من القيود والشروط ولم يبينوها - بقيودها وخصوصياتها - في مجلس واحد مراعاة للتقية ومحافظة على انفسهم وتابعيهم عن القتل أو غيره من الاذى أو لغير ذلك من المصالح، ومن هنا ترى أن العام يصدر من امام والمخصص من امام آخر أو أن حكما يصدر من أحدهم - ع - فيصدر منه نفسه أو من امام آخر خلافه. ومع العلم بحال المتكلم وديدنه لا تجرى في كلامه أصالة عدم القرينة قبل الفحص، أو انها لو جرت وانعقد لكلامه ظهور في نفسه لم تجر فيه أصالة حجية الظهور التي هي اصل عقلائي لاختصاصها بما إذا لم تجر عادة المتكلم على التدرج في بيان مراداته ومقاصده، ومع عدم جريانها لا يعتمد على ظواهر كلامه لعدم حجيتها حينئذ. " ثانيهما ": العلم الاجمالي بان العمومات والمطلقات الواردتين في الكتاب والسنة قد ورد عليهما مقيدات ومخصصات كثيرة، حتى ادعى أن الكتاب لا يوجد فيه عام لم يرد عليه تخصيص، فلاجل ذلك وجب الفحص عن المنافيات حتى يخرج

[ 162 ]

المورد عن الطرفية للعلم الاجمالي بالتخصيص والتقييد. وهاذان الوجهان - كما ترى - لا يأتي شى منهما في المقام: أما مسألة جريان عادة المتكلم على عدم بيان القيود والخصوصيات - الدخيلة في حكمه - في مجلس واحد فلاجل أنه لا موضوع لها في المقام، حيث أن فتوى أحد المجتهدين ليست مبينة ومقيدة أو حاكمة على فتوى المجتهد الآخر بل فتوى كل منهما تصدر عن اجتهاده ونظره ولا ربط لاحداهما إلى الاخرى بوجه. وأما العلم الاجمالي بالتقييد فلانه ليس هناك اي علم اجمالي بالمخالفة - في الفتوى - بين المجتهدين لاحتمال موافقتهما بل قد يقطع بها كما في اكثر العوام لاعتقادهم أن الشريعة واحدة فلا اختلاف في احكامها وفتاوى المجتهدين، أو لو فرضنا أن الخواص قد علموا بينهما بالمخالفة ولو على سبيل الاجمال وفي بعض الموارد فليس لهم علم بالمخالفة في المسائل التي هي مورد الابتلاء، والمراد بالمخالفة ما قدمناه وهو أن يكون فتوائهما متنافيتين مع كون فتوى غير الاعلم مخالفة للاحتياط وهي مما لا علم به ولو اجمالا ومع عدم جريان شى من الوجهين في المقام لا مقتضى لوجوب الفحص بوجه فلا مانع من التمسك بالاطلاق من غير فحص عما يخالفه. " الثاني ": أن الائمة عليهم السلام قد ارجعوا عوام الشيعة إلى أصحابهم كزكريا بن آدم، ويونس بن عبد الرحمان وأضرابهما وهم على تقدير كونهم متساويين في الفضيلة فلا أقل من أن بينهم الامام - ع - الذي لا يحتمل فيه الخطأ فإذا جاز تقليد غير الاعلم مع وجود من لا يحتمل فيه الخطاء والاشتباه عند عدم العلم بالمخالفة بينهما جاز تقليد غير الاعلم مع وجود الاعلم المحتمل فيه الخطاء والاشتباه - لانه لاسبيل له إلا إلى الاحكام الظاهرية المحتملة المخالفة للواقع - بطريق اولى. " الثالث ": السيرة العقلائية الجارية على الرجوع إلى غير الاعلم في جميع الحرف والصنايع عند عدم العلم بمخالفته لمن هو اعلم منه لعدم التزامهم بالرجوع إلى الاعلم مطلقا

[ 163 ]

[ ويجب الفحص عنه. (1) ] حتى يبقى غير الاعلم عاطلا. وهذا أمر نشاهده في مراجعاتهم إلى الاطباء والمهندسين وغيرهم من ارباب العلوم والفنون، وحيث لم يردع عنها في الشريعة المقدسة فنستكشف أنها ممضاة عند الشارع. نعم عند العلم بالمخالفة لابد من الرجوع إلى الاعلم كما مر هذا كله في وجوب تقليد الاعلم، والمتحصل أنه لادليل على وجوب تقليده في هذه الصورة وإن كان ظاهر عبارة الماتن وجوب تقليد الاعلم مطلقا ولو في صورة عدم العلم بالمخالفة. وجوب الفحص عن الاعلم (1) المكلف إذا ميز الاعلم من المجتهدين فلا كلام. وأما إذا لم يشخصه بعينه، فان أراد أن يحتاط في عمله بالجمع بين الفتويين لم يجب عليه الفحص عن اعلمهما، لعدم وجوب تعين المجتهد المقلد حينئذ. وأما إذا لم يرد العمل بالاحتياط وجب عليه الفحص عنه لوجوب تقليد الاعلم - على الفرض - فإذا عمل بفتوى أحدهما من غير فحص عن اعلميته لم يقطع بفراغ ذمته، لاحتمال أن يكون الاعلم غيره ومعه يحتمل العقاب لعدم إحراز أن ما عمل على طبقه معذر واقعا، إذا وجوب الفحص عن الاعلم وجوب إرشادي إلى عدم وقوع المكلف في معرض احتمال المخالفة والعقاب. ثم إنه إذا فحص عن الاعلم وظفر به فهو وأما إذا لم يميز الاعلم من المجتهدين المتعددين فان كان متمكنا من الاحتياط وجب لما تقدم من أن الاحكام الواقعية متنجزة على المكلفين بالعلم الاجمالي بوجود احكام الزامية في الشريعة المقدسة ولا طريق إلى امتثالها سوى العمل على طبق فتوى الاعلم، والمفروض أنه مردد بينهما

[ 164 ]

أو بينهم، وبما أنه متمكن من الاحتياط يتعين عليه الاحتياط تحصيلا للعلم بالموافقة لاستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب على ما هو الحال في موارد العلم الاجمالي باجمعها. ولا أثر - في هذه الصورة - للظن بالاعلمية أو احتمالها في أحدهما أو أحدهم وذلك لما تقدم من أن أدلة الاعتبار قاصرة الشمول للمتعارضين ومعه لادليل على حجية شي من الفتويين ليكون الظن بها أو أحتمالها موجبا للاخذ به. بل اللازم وقتئذ هو الاحتياط حتى يقطع بفراغ ذمته عما اشتغلت به من الاحكام الالزامية المعلومة بالاجمال. وأما إذا لم يتمكن من الاحتياط إما لان أحدهما افتى بوجوب شئ والآخر بحرمته أو أنه أفتى بوجوب القصر والآخر بوجوب التمام إلا أن الوقت لم يسع للجمع بين الصلاتين فيتخير بينهما، للعلم بوجوب تقليد الاعلم وهو مردد بين شخصين أو اشخاص من غير ترجيح لبعضهم على بعض وفي هذه الصورة إذا ظن بالاعلمية أو احتملها في أحدهما أو احدهم تعين الاخذ بفتوى من ظن أو احتمل اعلميته. ولا يقاس هذه الصورة بالصورة المتقدمة أعنى ما إذا تمكن من الاحتياط، لان التعارض هناك قد اوجب تساقط الفتويين عن الحجية فلم يجعل شى منهما حجة على المكلف حتى يميز بالظن أو الاحتمال. وهذا بخلاف المقام لانه لا مناص للمكلف من أن يتبع احدى الفتويين، إذ لا يكلف بالاحتياط لفرض أنه متعذر في حقه، ولا ترتفع عنه الاحكام المتنجزة لتمكنه من العمل باحداهما إذا لابد له من اتباع احدى الفتويين، وحيث أنه يحتمل الاعلمية أو يظنها في أحدهما أو احدهم فيدور أمره بين أن يكون كل من الفتويين حجة تخييرية في حقه، وبين أن تكون فتوى من يظن اعلميته أو يحتملها حجة تعيينية. وقد عرفت أن العقل مستقل بلزوم الاخذ بما يحتمل تعينه للعلم بانه معذر على كل حال، ولا علم بمعذرية الآخر. هذا كله فيما إذا علم المكلف

[ 165 ]

باختلافهما أو اختلافهم في الفتوى علما تفصيليا أو اجماليا مع العلم باختلافهما في الفضيلة. وأما لو علم بالاختلاف، ولم يعلم اختلافهما في الفضيلة فلابد ايضا من الفحص لعين ما مر في الصورة المتقدمة. وإذا لم يميز الاعلم إما لعدم تمكنه من الفحص أو لانه فحص ولم يظفر به فان كان متمكنا من الاحتياط وجب كما عرفت، وإلا تخير. اللهم إلا ان يظن بالاعلمية أو احتملها في احدهما المعين أو احدهم، لان المتعين حينئذ هو الاخذ بفتوى من ظن أو احتمل اعلميته لما مر ولا نعيده. ولا يصح - في هذه الصورة - التمسك باستصحاب عدم اعلمية احدهما عن الآخر نظرا إلى القطع بعدمها قبل ان يصل مرتبة الاجتهاد فإذا شككنا في انقلابه واتصافه بالاعلمية بعد الاجتهاد استصحبنا عدمها وبه نثبت التخيير حتى مع الظن بالاعلمية أو احتمالها في احدهما. وذلك لان معنى هذا الاستصحاب أن من ظن أو احتمل اعلميته لم يحصل قوة زائدة على قوة الآخر. وهذا كما ترى معارض باستصحاب عدم تحصيل الآخر قوة تساوى قوة من ظنت أو احتملت اعلميته. على انه لا يثبت به التساوى، ومعه لا يمكن الحكم بالتخيير بينهما لان موضوعه التساوى الغير المحرز في المقام. واما لو علم باختلافهما في الفضيلة على نحو الاجمال، ولم يعلم اختلافهما في الفتوى، أو لم يعلم اختلافهما اصلا لا في الفضيلة ولا في الفتوى فلا يجب الفحص فيهما عن الاعلم لعدم وجوب تقليده. بل يتخير المكلف بينهما، فان مقتضى اطلاق الادلة حجية فتوى كل من الاعلم وغير الاعلم. ودعوى ان ذلك من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية قد قدمنا الجواب عنها عند التكلم على وجوب تقليد الاعلم فراجع

[ 166 ]

[ (مسألة 13) إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخير بينهما (1). ] التخيير عند تساوى المجتهدين. (1) إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة أو احتملنا الاعلمية في كل منهما فالكلام قد يقع في صورة عدم العلم بالمخالفة بينهما فيما هو محل الابتلاء، واخرى في صورة العلم بمخالفتهما. " أما الصورة الاولى ": كما هي الغالبة في العوام فلا ينبغى التأمل في أن المكلف يجوز له أن يقلد هذا وذاك وانه يتخير بينهما لان غير الاعلم إذا جاز تقليده عند عدم العلم بالمخالفة بينه وبين الاعلم جاز أن يقلد كلا من المجتهدين المتساويين في تلك الصورة بطريق اولى ولا مانع من أن تشمل اطلاقات ادلة الحجية فتوى كل من المجتهدين المتساويين ونتيجته ان المكلف له ان يقلد هذا وذاك. ومعنى الحجية على ما حققناه في محله هو جعل ما ليس بعلم علما تعبدا أعنى جعل الطريقية إلى الواقع. واثرها تنجيز الواقع على تقدير المصادفة والتعذير عنه على تقدير الخطاء وحيث ان التخيير في المقام مستند إلى العلم الاجمالي وعلى تقدير انحلاله فهو مستند إلى الاحتمال فالواقع متنجز على المكلف من غير ناحية فتوى المجتهدين ومعه يكون اثر الحجية هنا هو المعذرية عن مخالفة الواقع على تقدير مخالفة الفتوى للواقع إذا لا مانع من اتصاف كل من فتوى المجتهدين المتساويين بالحجية - بمعنى المعذرية - لاطلاق ادلتها ونتيجته ان المكلف مخير بينهما وله ان يرجع إلى هذا وذاك. بل الامر كذلك حتى إذا كان احدهما اعلم، إذ لاعلم بالمخالفة بينهما ومجرد احتمال المخالفة غير مانع عن الحجية فان الاصل عدمها. ثم إن معنى جواز الرجوع إلى هذا أو إلى ذاك ان المكلف مخير في الاخذ وان

[ 167 ]

له ان يأخذ بهذا أو بذاك، لا ان الحجية تخييرية. بل الحجية بمعنى الطريقية إلى الواقع والمعذرية عنه على تقدير الخلاف ثابتة لكلتا الفتويين فهما حجتان تعيينيتان في نفسيهما وإن كان تنجز الحكم والمنع عن جريان البرائة مستندا إلى امر آخر كالعلم الاجمالي أو الاحتمال قبل الفحص هذا كله عند عدم العلم بالمخالفة بينهما. و " أما الصورة الثانية " أعنى ما إذا علمنا بالمخالفة بينهما فالمعروف فيها بين الاصحاب " قدهم " هو التخيير وما يمكن ان يستدل به على ذلك وجوه: " الأول ": اطلاقات الادلة القائمة على حجية فتوى الفقيه فانها كما تشمل فتوى هذا المجتهد كذلك تشمل فتوى المجتهد الآخر والنتيجة هو التخيير بينهما. وفساد هذا الوجه مستغن عن البيان، لما مر غير مرة من ان اطلاق ادلة الاعتبار لا يمكن ان يشمل المتعارضين، لان شمولها لاحدهما من غير مرجح وشمولها لهما معا يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين. " الثاني ": السيرة العقلائية بدعوى أنها جرت على التخيير في أمثال المقام ومن هنا لم يسمع توقفهم في العمل برأي واحد من اهل الخبرة والاطلاع إذا خالفه منهم آخر. بل السيرة المتشرعية ايضا جارية على ذلك لانهم يعتمدون على فتوى أحد المجتهدين المتساويين ولا يتوقفون في ذلك بوجه. ويدفعه: أنه إن اريد بالسيرة جريان سيرة العقلاء على التخيير عند العلم بالمخالفة بين المجتهدين المتساويين في الفضيلة فهي دعوى باطلة فانها خلاف ما هو المشاهد منهم خارجا لانهم لا يعتمدون على قول مثل الطبيب عند العلم بمخالفته لقول طبيب آخر عند المعالجة بل يحتاطون في أمثالها ان أمكنهم الاحتياط. وإن اريد بالسيرة سيرة المتشرعة فهى على تقدير ثبوتها - ولم تثبت - لم يحرز كونها متصلة بزمان المعصومين عليهم السلام، إذ من أخبرنا أن مجتهدين كانا في الفضيلة على حد سواء وعملت المتشرعة على فتوى كليهما مخيرا، ولم يردع الائمة - عليهم السلام -

[ 168 ]

عن فعلهم ذلك لنستكشف بذلك أن السيرة ممضاة من قبلهم وهي التي وصلت الينا يدا بيد بل من الجائز أن تكون السيرة على تقدير كونها كذلك ناشئة من فتوى المفتين من أصحابنا بالتخيير. " الثالث ": دعوى الاجماع على التخيير في المسألة. وفيه: أنه اجماع منقول بالخبر الواحد، ولا يمكننا الاعتماد عليه، على أن الاتفاق غير مسلم في المسألة، لانها من المسائل المستحدثة ولم يتعرض لها الفقهاء في كلماتهم فكيف يمكن معه دعوى الاجماع على التخيير بين المجتهدين المتساويين. بل لو فرضنا العلم باتفاقهم ايضا لم يمكننا الاعتماد عليه، إذ لا يحتمل أن يكون اتفاقهم هذا اجماعا تعبديا يستكشف به قول المعصوم - ع - وانما هو امر مستند إلى أحد الوجوه المذكورة في المسألة فالمتحصل إلى هنا أن التخيير بين المجتهدين المتساويين لم يقم عليه دليل. بل الحجية التخييرية امر غير معقول في مقام الثبوت: الحجية التخييرية غير معقولة لانها بمعنى جعل الحجية على هذا وذاك يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين لان مرجعه إلى أن الشارع قد اعتبر المكلف عالما بالحرمة وعالما بعدمها، أو عالما بحرمة شئ وعالما بوجوبه، ومن هنا قلنا إن اطلاق أدلة الحجية غير شاملة لكلتا الفتويين لاستلزام حجيتهما معا الجمع بين الضدين أو النقيضين. وأما الحجية التخييرية بمعنى جعل الحجية على الجامع بين الفتويين اعني عنوان أحدهما الذي هو عنوان انتزاعي فهى ايضا غير متصورة في المقام لان التكليف بل الصفات الحقيقية كلها كالشوق والعلم وإن كان امرا قابل التعلق للعناوين الانتزاعية كعنوان أحدهما الجامع بين فردين، لان الشوق يمكن أن يتعلق باحد فعلين أو شيئين آخرين، وكذلك العلم الاجمالي لانه يتعلق بأحدهما. بل قد التزمنا بذلك في الواجبات

[ 169 ]

التخييرية، وقلنا ان التكليف فيها انما تعلق بعنوان أحدهما وأن الفعل المأتى به في الخارج فرد للواجب، لا أنه الواجب بنفسه. إلا أن ذلك في الحجية امر غير معقول، لانه لا معنى لاعتبار المكلف عالما بالحرمة أو عالما بعدمها، واعتباره عالما بوجوب شى أو عالما بحرمته، لانه معنى جعل الحجية على أحدهما. على أنا ذكرنا في محله أن كلا من المتعارضين ينفى معارضه بالالتزام إذا يكون معنى الافتاء بحرمة شى أنه ليس بواجب كما أن معنى الافتاء بوجوبه أنه ليس بحرام فالفتويان المتعارضتان بين نفي وإثبات. وجعل الحجية على الجامع بين النفى والاثبات امر غير ممكن فالحجية التخييرية بهذا المعنى ايضا غير معقولة. مضافا إلى أنا لو سلمنا أنها أمر ممكن بحسب الثبوت فلا ينبغى التردد في عدم امكانها بحسب الاثبات فان الادلة لا تساعدها بوجه والوجه فيه: أن أدلة الحجية انما تدل على حجية فتوى كل فقيه متعينة ومعناها أن إنذار هذا المنذر وفتوى ذلك الفقيه حجة معينة ولا دلالة لها بوجه على أن الحجة فتوى هذا أو فتوى ذاك على نحو التخيير. وأما جعل الحجية على كل منهما مشروطا بعدم الاخذ بالآخر ليكون كل منهما حجة تعيينية مشروطة بعدم الاخذ بالآخر فهو ايضا كسابقه والوجه فيه: أن التكليف بكل واحد من الضدين مشروطا بعدم الاخذ بالآخر اي تركه وإن كان امرا ممكنا في نفسه فانه الترتب من الجانبين وقد بينا في محله أن الترتب من الجانب الواحد إذا اثبتنا امكانه فهو من الجانبين ايضا ممكن فيكون كل من الضدين واجبا مشروطا بترك الآخر، ولا يلزمه طلب الجمع بين الضدين على ما حققناه في موضعه كما لا يتوجه عليه أن لازمه الالتزام باستحقاق عقابين عند تركهما معا للتحقق الشرط في وجوبهما. وهو من العقاب على مالا يكون بالاختيار لعدم تمكن المكلف

[ 170 ]

من الجمع بين الفعلين، وذلك لما بيناه هناك من أن العقابين ليسا مستندين إلى ترك الجمع بين الفعلين فلا يقال له لماذا لم تجمع بينهما حتى يرد أنه غير مقدور للمكلف بل مستند إلى الجمع في الترك فيقال له لماذا تركت هذا عند ترك ذاك وبالعكس ولا شبهة في ان كلا من ترك الآخر وفعله عند ترك الاول مقدور. إلا أن ذلك في الحجية ايضا غير معقول وذلك لان لازمه أن يتصف كل منهما بالحجية الفعلية إذا ترك المكلف الاخذ بهما معا لحصول شرط الحجية في كليهما وهو عدم الاخذ بالآخر. وقد مر أن جعل الحجية على كل من الفتويين امر غير معقول إذ لا معنى لاعتبار المكلف عالما بالحرمة وعالما بالوجوب فالحجية التخييرية بهذا المعنى ايضا غير معقولة. معنى آخر للحجية التخييرية بقى الكلام في الحجية التخييرية بمعنى آخر وهو جعل الحجية على كل من الفتويين - مثلا - مشروطا بالاخذ بها - لا مشروطا بعدم الاخذ بالآخر كما في سابقه - وهذا المعنى من الحجية التخييرية أمر معقول بحسب الثبوت والحجية في كل منهما تعيينية حينئذ مقيدة بالاخذ بها من دون أن يترتب عليها المحذور المتقدم لانه إذا لم يأخذ بهذا ولا بذاك لم يتصف شى منهما بالحجية لانها مشروطة بالاخذ كما عرفت إلا أنه لادليل عليه في مرحلة الاثبات لوضوح أن مادل على حجية فتوى الفقيه غير مقيد بالاخذ بها ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في حجيتها بين الاخذ بها وعدمه ومعه يكون شمول ادلة الحجية لاحداهما عند الاخذ بها معارضا بشمولها للاخرى حال عدم الاخذ بها. وقد مر أن الادلة غير شاملة للمتعارضين. نعم لو قام هناك دليل على الحجية مقيدة بالاخذ بها كما إذا كانت الاخبار الدالة على التوسعة عند التعارض وأن المكلف له أن ياخذ بايهما شاء من باب التسليم معتبرة سندا وعممنا

[ 171 ]

الحكم لغير الروايتين من المتعارضين لم يكن مانع ثبوتى عن الالتزام بالحجية التخيرية بهذا المعنى، الا انها لم يقم عليها دليل كما عرفت. بقى الكلام فيما ربما يظهر من كلام بعضهم من الاجماع على أن العامي ليس له العمل بالاحتياط. بل - دائما - يجب أن يستند في أعماله إلى فتوى من يجوز تقليده من المجتهدين. وهو ايضا لا يمكن الاستدلال به على التخيير في محل الكلام وذلك لانه من الاجماع المنقول بالخبر الواحد وهو مما لااعتبار به. على أن الاجماع المدعى لا يقتضى الالتزام بالتخيير ولو مع الجزم بانعقاده لان عدم العمل بالاحتياط كما أنه يجتمع مع الحجية التخييرية كذلك يجتمع مع الالتزام بسقوط الفتويين عن الحجية واختيار العمل على احداهما من جهة تنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالى عند عجز المكلف من الامتثال جزما ولعل الشارع قد اكتفى بالعمل على طبق احداهما المحتملة المطابقة للواقع. والمتحصل إلى هنا أن الحجية التخييرية لا يمكن تتميمها بدليل إذا يجب على العامي الاحتياط للعلم بتنجز الاحكام الواقعية في حقه. ووجوب الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي على طبق القاعدة هذا إن تمكن من الاحتياط. وأما لو لم يتمكن من العمل بالاحتياط اما لان احدهما افتى بوجوب القصر - مثلا - والآخر بوجوب التمام والوقت لا يسعهما واما لان احدهما افتى بوجوب شى والآخر بحرمته. واما للاجماع على عدم جواز الاحتياط فلا مناص من الحكم بوجوب العمل على طبق احدى الفتويين مخيرا وهو من التخيير العقلي في مقام الامتثال لتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالى عند العجز عن الامتثال الجزمي.

[ 172 ]

[ إلا إذا كان أحدهما أورع فيختار الاورع (1). ] الاورعية ليست مرجحة (1) قد اسلفنا أن المجتهدين إذا كان أحدهما اعلم من الآخر ولم يعلم المخالفة بينهما في الفتوى جاز الرجوع إلى كل منهما، لانه لا مانع من شمول أدلة الحجية لهما حينئذ، وكذا إذا علمنا بموافقتهما في الفتوى الا أن تعيين المجتهد المقلد - عند العلم بتوافقهما - لا يترتب عليه أي أثر، لعدم دلالة الدليل على لزوم الاستناد إلى أحدهما المعين وقتئذ. ولا شبهة في أن الاورعية ليست مرجحة في هاتين الصورتين سواء اريد منها الاورعية في مقام العمل بان يكون أحدهما مجتنبا عن المشتبهات دون الآخر. أم اريد بها الاورعية في الاستنباط إما بمعنى أن فحص أحدهما عن الدليل في استنباطاته اكثر من المقدار المعتبر في الفحص عنه. واما بمعنى عدم افتاء أحدهما في المسائل الخلافية واحتياطه فيها دون الآخر. وذلك لانه بعد حجية كلتا الفتويين وشمول الادلة لفتوى الاورع وغير الاورع لاشتمالهما على شرائط الحجية لا يفرق بينهما بوجه وذلك لان الدليل على حجية الفتوى إذا كان قيام السيرة على رجوع الجاهل إلى العالم فمن المعلوم ان العقلاء لا يقدمون أحدا من أهل الخبرة على الآخر بمجرد كونه اورع لاشتمال كل منهما على ما هو الملاك المعتبر في رجوع الجاهل إلى العالم عندهم. وهذه السيرة لم يردع عنها في الشريعة المقدسة وان كان الدليل هو الادلة اللفظية من الآيات والروايات فلا كلام في انها مطلقة ولا موجب لتقييدها بالاورعية ابدا إذا لا أثر للاورعية في الصورتين. وأما ما ربما يتوهم من أن مقبولة عمر بن حنظلة دلت على لزوم الترجيح

[ 173 ]

بالاورعية لقوله - ع - الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث واورعهما.. فمندفع: " أما أولا ": فلانها ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها كما مر. و " أما ثانيا ": فلان مفروض الرواية هو العلم بالمخالفة بين الحاكمين وصورة التعارض بينهما وأين هذا مما نحن فيه أعنى ما إذا لم يعلم المخالفة بين المجتهدين. و " أما ثالثا ": فلانها واردة في باب القضاء ولم يقم دليل على أن ما كان مرجحا هناك فهو مرجح هنا أعنى باب التقليد والفتوى والسر فيه ظاهر، حيث أن الخصومة لابد من فصلها، ولا سبيل إلى التوقف والاحتياط في القضاء والمرافعات. وأما التقليد فهو أمر قابل للاحتياط فيه، إذا لا تكون الاورعية مرجحة كيف والاعلمية ليست مرجحة في تلك الصورة على ما قد مناه في التكلم على وجوب تقليد الاعلم، مع أن العلم هو الملاك في حجية فتوى العالم فما ظنك بالاورعية؟! ثم إن مما ذكرناه في الجواب عن الاستدلال بالمقبولة يظهر الجواب عن الاستدلال بغيرها من الاخبار الواردة في القضاء المشتملة على الترجيح بالاورعية (* 1) ولا نعيد. وأما إذا كانا متساويين في الفضيلة فهل تكون الاورعية مرجحة؟ فيه خلاف وتفصيل الكلام في ذلك أن للمسألة صورا ثلاثا: " الاولى ": ما إذا علمنا بموافقتهما في الفتوى. وفي هذه الصورة لا أثر لتعيين المجتهد المقلد، إذ لا دليل على لزوم الاستناد إلى أحدهما المعين عند الموافقة ومعه لا تكون الاورعية مرجحة بوجه.


(* 1) وهي رواية داود بن الحصين المروية في ب 9 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 174 ]

" الثانية ": ما إذا لم يعلم المخالفة بينهما. وهل تكون الاورعية مرجحة حينئذ؟ ذكر الماتن " قده " أن المجتهدين المتساويين إذا كان أحدهما أورع وجب اختيار الاورع منهما. إلا أن الصحيح أن الاورعية ليست مرجحة في هذه الصورة أيضا وقد ظهر وجهه مما قدمناه فيما إذا لم يعلم المخالفة بين الاعلم وغير الاعلم. " الثالثة ": ما إذا علمنا بالمخالفة بينهما. مقتضى اطلاق كلام الماتن أن الاورعية ايضا مرجحة حينئذ. والذي يمكن أن يستدل به على أن الاورعية مرجحة في هذه الصورة امران: " أحدهما ": مقبولة عمر بن حنظلة وغيرها من الاخبار المشتملة على الترجيح بالاورعية في باب القضاء بدعوى دلالتها على أن اللازم عند المعارضة هو الاخذ بما يقوله اورعهما. " ثانيهما ": الاجماع على أن العامي ليس له العمل بالاحتياط بل دائما لابد أن يستند في أعماله إلى فتوى من يجوز تقليده من المجتهدين كما لعله ظاهر كلام بعضهم. وهذا يقتضى الترجيح بالاورعية على ما يأتي تقريبه وكلا الوجهين غير قابل للمساعدة عليه: أما الاستدلال بالمقبولة ونحوها فلانها واردة في القضاء وقد ذكرت الاورعية مرجحة فيها للحكمين وأين هذا مما نحن فيه أعنى ما إذا تعارضت فتوى الاورع لفتوى غير الاورع مع تساويهما في الفضيلة وقد قدمنا أن المرجح في باب الحكومة لا يلزم أن يكون مرجحا في باب التقليد ايضا لانه قياس ولا نلتزم بالقياس. ويقرب ما ذكرناه أن المقبولة ونحوها قد اشتملت على الترجيح بالاعدلية والافقهية والاصدقية والاورعية. وظاهرها أن كلا من تلك الصفات مرجح بالاستقلال، لا أن المرجح مجموعها وان كانت قد جمعت في البيان. وعليه لو قلنا بشمولها للفتويين المتعارضتين فلا مناص من الحكم بتساقطهما فيما إذا كان احد

[ 175 ]

المجتهدين أفقه - مثلا - والاخر اورع لاشتمال كل منهما على مرجح فيتساقطان. وهذا لا يلتزم به الخصم فان الاعلم هو المتعين عند التعارض وان كان غير الاعلم اورع. وهذه قرينة كاشفة عن أن المقبولة ونحوها غير شاملة للفتويين المتعارضتين هذا مضافا إلى ما تقدم من أن المقبولة ضعيفة السند. وأما الاجماع المدعى فان قلنا انه تام في نفسه فلا مناص من أن تكون الاورعية مرجحة في المقام لان العامي مكلف حينئذ بالرجوع إلى احد المجتهدين المتساويين في الفضيلة فإذا كان احدهما اورع كما هو الفرض دار الامر بين ان تكون فتوى كل منهما حجة تخييرية، وان تكون فتوى الاورع حجة تعيينية. وقد قدمنا سابقا ان الامر في الحجية إذا دار بين التعيين والتخيير وجب الاخذ بما يحتمل تعينه للقطع بحجيته والشك في حجية الآخر وقد مر غير مرة ان الشك في الحجية يساوق القطع بعدمها فالاورعية مرجحة لا محالة. وأما لو قلنا إن الاجماع المدعى غير تام - كما ان الامر كذلك - لان غاية ما هناك ان يقوم الاجماع على ان الشارع بالاضافة إلى جميع المكلفين لا يرضى بالعمل بالاحتياط لانه يستلزم العسر والحرج أو اختلال النظام أو غير ذلك من الوجوه. وأما العمل بالاحتياط في مورد واحد اعني الاخذ بما هو الموافق للاحتياط من الفتويين المتعارضتين. أو بالاضافة إلى شخص واحد فلا نحتمل قيام اجماع تعبدي على حرمته. وعليه لو افتى احدهما في مسألة بالوجوب وافتى فيها الآخر بالجواز وجب تطبيق العمل على الفتوى بالوجوب، كما ان المجتهد الثاني إذا افتى في مسألة اخرى بالوجوب وافتى فيها المجتهد الاول بالجواز وجب تطبيق العمل على الفتوى بالوجوب. وهذا في الحقيقة تقليد من كلا المجتهدين إذا كانت فتواه مطابقة للاحتياط إذا فهذان الوجهان ساقطان.

[ 176 ]

والذي ينبغى ان يقال في المقام: ان الاورعية ليست مرجحة في الفتويين المتعارضتين وذلك اما مع التمكن من الاحتياط فلان الادلة كما تقدم لا تشمل شيئا من المتعارضين فالفتويان ساقطتان عن الحجية ووظيفة العامي حينئذ هو الاحتياط إذ مع عدم حجية المتعارضين لا معنى للترجيح بالاورعية لانه لاحجة حتى ترجح احداهما على الاخرى، وإنما وجب الاحتياط لانه مما يستقل به العقل في اطراف العلم الاجمالي المنجز للواقع. واما مع عدم التمكن من الاحتياط فقد يقال: إن المتعين هو العمل بفتوى الاورع من المجتهدين المتساويين في الفضيلة وذلك لدوران الامر في الحجية بين التعيين والتخيير فان فتوى كل منهما اما حجة تخييرية اوان فتوى الاورع حجة تعيينية ومقتضى القاعدة هو الاخذ بما يحتمل تعينه وهو فتوى الاورع في محل الكلام، لان العمل بها معذر يقينا. وأما العمل بفتوى غير الاورع فلم يعلم كونه معذرا على تقدير الخلاف لاجل الشك في حجيتها وهو يساوق القطع بعدم الحجية كما مر. وناقش في ذلك بعض مشايخنا المحققين " قدهم " بما حاصله ان القاعدة انما تقتضي الاخذ بما يحتمل تعينه فيما إذا استند احتمال التعيين إلى اقوائية الملاك في احدهما عن الملاك في الآخر كما في الاعلمية إذ الملاك في حجية الفتوى والنظر هو العلم والفقاهة وهما في الاعلم اقوى منهما في غير الاعلم والاصل يقتضى التعيين في مثله وأما إذا كان احتمال التعيين مستندا إلى امر خارج عن الملاك ولم يستند إلى اقوائيته في احدهما فلا يقتضى الاصل فيه التعيين لتساويهما فيما هو ملاك الحجية على الفرض والامر في المقام كذلك، إذ الملاك في حجية الفتوى هو العلم وهو امر مشترك فيه بين الاورع وغيره، وكون احدهما آتيا بصلاة الليل - مثلا - أو متورعا في الشبهات لاربط له بما هو الملاك في الحكم بحجية نظره وفتواه فمثله لا يمكن ان يكون مرجحا في مقام الحجية ابدا.

[ 177 ]

وفيه: أن الاورعية قد يفرض القطع بعدم كونها ذات دخالة في حكم الشارع بحجية الفتوى بوجه وهى خارجة حينئذ عن محل الكلام فان حالها - على هذا - حال الهاشمية والاسنية وصباحة الوجه وغيرها فكما أن تلك الصفات ليست مرجحة لاحدى الفتويين من غير ريب كذلك الحال في الاورعية على الفرض. وقد يحتمل أن تكون مرجحة لاحداهما وهذا لا لانها ذات دخالة فيما هو الملاك للحجية. بل من جهة ان الشارع جعلها مرجحة لاحداهما كما جزم بها شيخنا الانصاري " قده " فان جزمه بها وان لم يكن حجة على غيره، الا أنه يكفى في اثارة الاحتمال بالوجدان إذا يحتمل أن تكون الاورعية مرجحة لاحداهما ومعه لا مناص من اختيار الاورع وذلك لان الملاك فيما استقل به العقل من الاخذ بما يحتمل تعينه انما هو حصول اليقين بفراغ الذمة عن التكليف المنجز على تقدير العمل به والامر في المقام كذلك لان العمل على فتوى الاورع معذر يقينا ومعذرية فتوى غير الاورع غير معلومة للشك في حجيتها وهو يساوق القطع بعدم الحجية كما مر، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون المرجح امرا خارجيا - كما في المقام - وبين أن يكون امرا راجعا إلى اقوائية الملاك إذا الصحيح في الجواب أن يقال. إن مقامنا هذا ليس من موارد دوران الامر بين التعيين والتخيير. وسره أن ما سردناه من أن المكلف يتخير بينهما لا يستند إلى أن فتوائهما حجتان تخييريتان لما تقدم من انهما ساقطتان عن الحجية بالتعارض فليست هناك حجة لتكون الاورعية مرجحة لاحداهما على الاخرى. بل يستند إلى ما بيناه من أن العقل يتنزل إلى الامتثال الاحتمالى عند عدم تمكن المكلف من الامتثال الجزمى فالتخيير عقلي ومن الظاهر أن العمل على طبق فتوى الاورع والعمل بفتوى غير الاورع كلاهما امتثال احتمالي فلا موجب لتقدم أحدهما على الآخر بوجه.

[ 178 ]

[ (مسألة 14) إذا لم يكن للاعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الاخذ من غير الاعلم وإن امكن الاحتياط (1) ] (1) ما اسبقناه من وجوب تقليد الاعلم انما هو فيما إذا كانت له فتوى في المسألة وكانت مخالفة لفتوى غير الاعلم. وأما إذا لم تكن له فتوى بالفعل لاحتياجها إلى فحص زائد - مثلا - كما قد يجاب بذلك في الاستفتاءات ويقال إن المسألة تحتاج إلى مزيد تأمل. بحيث لو سئلناه عن الحكم في تلك المسألة اجاب بقوله: لاأدري، فلا مانع من الرجوع إلى فتوى غير الاعلم، لانه ايضا يصدق عليه الفقيه والعالم، وإنما المانع عن حجيتها فتوى الاعلم بخلافها، ومع فرض أن الاعلم ليست له فتوى في المسألة تشملها اطلاقات الادلة من الكتاب والسنة، كما أنه لا مانع من الرجوع إلى غير الاعلم حسب السيرة العقلائية، لانه من رجوع الجاهل إلى العالم. ثم لا يخفى إن الاعلم إذا لم يكن له فتوى بالحكم الواقعي في المسألة إلا أنه افتى فيها بالحكم الظاهرى كما إذا افتى بوجوب الاحتياط لم يجز للمكلف ان يرجع في ذلك المورد إلى فتوى غير الاعلم لوجود فتوى الاعلم بالاحتياط، إذ لا يشترط في وجوب تقليده أن تكون له فتوى بالحكم الواقعي. بل افتائه بالحكم الظاهرى ايضا يمنع عن حجية فتوى غير الاعلم. نعم حكم الاعلم بالاحتياط قد يستند إلى عدم علمه بالحكم الواقعي في المسألة كما في الشبهات قبل الفحص عن الدليل من دون أن يرى فتوى غير الاعلم خطأ بل كان بحيث يحتمل مطابقتها للواقع وأنه ايضا لو فحص عن الدليل افتى بما افتى به غير الاعلم وانما لم يفت في المسألة لعدم جزمه بالحكم الواقعي وكون الشبهة قبل الفحص وهو مورد للاحتياط. وفي مثله لا مانع من أن يرجع العامي إلى فتوى غير الاعلم، لانه ليست للاعلم فتوى في المسألة مخالفة لفتوى غير الاعلم ولا أنه

[ 179 ]

[ (مسألة 15) إذا قلد مجتهدا كان يجوز البقاء على تقليد الميت فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة (1) بل يجب الرجوع إلى الحى الاعلم في جواز البقاء وعدمه. ] يخطئه في نظره. وما ذكرناه من عدم جواز الرجوع إلى فتوى غير الاعلم انما هو فيما إذا حكم الاعلم بوجوب الاحتياط جزما منه بانسداد الطرق الموصلة إلى الحكم الواقعي وتخطئة لفتوى غير الاعلم وعدم ايجابه للاحتياط كما في موارد العلم الاجمالي وتعارض الادلة، كما إذا سافر اربعة فراسخ غير قاصد للرجوع في يومه، أو خرج إلى ما دون المسافة من محل اقامته أو غير ذلك من الموارد لتعارض الادلة ووجود العلم الاجمالي بوجوب القصر أو التمام وهذه الموارد هي التي قلنا بعدم جواز الرجوع فيها إلى فتوى غير الاعلم، والجامع ما إذا خطاء الاعلم غير الاعلم في فتياه. ثم انه إذا جاز الرجوع إلى غير الاعلم فلا مناص من أن يراعى الاعلم فالاعلم ولا يجوز أن يرجع إلى غير الاعلم مطلقا بل إلى غير الاعلم بالاضافة إلى الاعلم الذي قد قلده مع اشتراط أن يكون اعلم بالاضافة إلى غيره من المجتهدين وذلك لعين الادلة المتقدمة في وجوب تقليد الاعلم مطلقا ويأتي فيه جميع ما ذكرناه هناك. وإذا فرضنا أن الاعلم الاضافي ايضا لا فتوى له في المسألة رجع إلى غير الاعلم بالاضافة إليه مع اشتراط أن يكون اعلم بالاضافة إلى غيره من المجتهدين وعلى الجملة لابد من مراعاة الاعلم فالاعلم. مسألة البقاء يجب فيها تقليد الاعلم الحى. (1) لسقوط فتوى الميت عن الحجية بموته، ولا يجوز للمقلد أن يعتمد على فتاواه بفتوى نفسه بجواز البقاء لانه دور ظاهر. بل اللازم أن يرجع إلى الحى الاعلم

[ 180 ]

في جواز رجوعه إلى الميت وعدمه. ثم إن الحى الاعلم إذا بنى على جواز البقاء أو على وجوبه جاز للمقلد أو وجب عليه العمل بارآء الميت فيما قد تعلمه منه حال الحياة وكان متذكرا له بعد موته، سواء أكان ذلك حكما تكليفيا من وجوب شيى أو حرمته ونحوهما أم حكما وضعيا كالصحة والحجية وأمثالهما من الاحكام الوضعية، مثلا إذا كان الميت بانيا على حجية الخبر الواحد الثقة جاز للمقلد ايضا أن يبنى على حجيته تبعا لمن قلده، وهذا لعله مما لا كلام فيه. وإنما الكلام في أن الميت لو كان بانيا على جواز البقاء، وافتى الحى الاعلم ايضا بجوازه فهل يجوز للمقلد أن يبقى على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء أو أن لها خصوصية بها تمتاز عن بقية المسائل والاحكام الوضعية ولا يجوز فيها البقاء على تقليد الميت؟ وتفصيل الكلام في هذه المسألة: أن الحى الاعلم إما أن يفتى بجواز البقاء على تقليد الميت أو بوجوبه أو بحرمته، كما أن الميت إما أنه كان يفتى بجواز البقاء أو بوجوبه أو بحرمته فهذه تسع صور: ولا ينبغى التوقف في أن الحى الاعلم بعد ما بنى على عدم جواز البقاء على تقليد الميت لم يترتب أي أثر على فتوى الميت سواء أفتى بجواز البقاء أو بوجوبه أو بحرمته لسقوط فتواه عن الحجية بموته، ومعه يجب على المقلد أن يتبع فتوى الحى في تلك المسألة ولا مانع من ان يرجع إلى الميت إذا افتى الحى بجوازه، وليس له أن يعتمد على فتوى الميت بنفس فتواه بجواز البقاء لانه دور ظاهر. وبذلك اتضح حكم الصور الثلاث أعنى ما إذا كان الميت بانيا على جواز البقاء أو وجوبه أو حرمته، وفرضنا أن الحى بنى على حرمته، وعلى الجملة ان مع حكم الحى بحرمة البقاء لا يبقى مجال لملاحظة أن الميت يفتى باى شيئ وهذه المسألة نظير ما يأتي من أن غير الاعلم إذا افتى بحرمة العدول حتى إلى الاعلم، وبنى الاعلم على الجواز

[ 181 ]

لم يصغ إلى فتوى غير الاعلم بوجه فحكم تلك الصور ظاهر لا اشكال فيه. إذا يقع الكلام في الصور الباقية وهى ست، ثنتان منها أعني ما إذا افتى الميت بحرمة البقاء وبنى الحى على جوازه أو وجوبه يأتي عليهما الكلام بعد الفراغ عن التكلم في الصور الاربع الآتية إن شاء الله، فالكلام متمحض فيما إذا افتى كل من الميت والحى بجواز البقاء أو بوجوبه وهي اربع صور: فتوى الحى والميت بجواز البقاء " الصورة الاولى ": ما إذا افتى الحى الاعلم بجواز البقاء على تقليد الميت وذهب الميت ايضا إلى جوازه فهل يجوز - في هذه الصورة - البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء أو لا يجوز؟ فقد يقال: بعدم جواز البقاء في مسألة جواز البقاء نظرا إلى اللغوية واستلزام ذلك اخذ الحكم في موضوع نفسه، حيث أن جواز البقاء حكم فلا يصح أن يقال: يجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء. وهذه المسألة قد تفرض فيما إذا اتحد نظر الميت والحى فيما هو الموضوع للحكم بجواز البقاء بأن رأى كل منهما أن تعلم فتاوى الميت أو الالتزام بالعمل بها - حال حياته - يكفي في جواز البقاء على تقليده، أو أنهما اتفقا على أن التعلم أو الالتزام لا يجدي في جواز البقاء بل يعتبر فيه العمل بها حال حياته. وفي هذه الصورة لا يجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء، وذلك لان فتوى الحى بجواز البقاء قد جعلت فتاوى الميت حجة معتبرة في جميع المسائل الفرعية - غير مسألة البقاء - إذا يكون جعل الحجية لفتوى الميت - بجواز البقاء لاثبات حجية فتاواه في المسائل الفرعية لغوا ومن تحصيل الحاصل، لوضوح أنه لا معنى للتنجيز بعد التنجيز، ولا للمعذرية بعد المعذرية، وقد فرضنا أن فتاواه صارت حجة شرعية أي معذرة ومنجزة بفتوى الحى بجواز البقاء، فلا حاجة معه

[ 182 ]

إلى جعل الحجية عليها مرة ثانية بتوسيط حجية فتوى الميت بجواز البقاء، لفتوى الحى بجوازه، فانه من اللغو الظاهر وتحصيل الحاصل المحال. واخرى تفرض المسألة فيما إذا اختلف نظر الميت والحى فيما هو الموضوع للحكم بجواز البقاء إلا أن دائرة موضوعه كانت بنظر الحى اوسع منها عند الميت كما إذا كان العمل بفتوى المجتهد حال حياته معتبرا عند الميت في جواز البقاء على تقليده، وأما الحى فهو رأى أن الالتزام أو التعلم ايضا يكفى في جوازه. وفي هذه الصورة ايضا لا مجال لتوسيط حجية فتوى الميت بجواز البقاء لاثبات حجية فتاواه في بقية المسائل، وذلك لان حجية فتاوى الميت فيما عمل به المقلد حال حياته مستندة إلى فتوى الحى بجواز البقاء فانها بذلك تتصف بالاعتبار ويكون جعل الحجية لفتوى الميت بجواز البقاء لاجل اثبات حجية فتاواه في بقية المسائل لغوا وتحصيلا للحاصل المحال لانه من التنجيز بعد التنجيز، والتعذير بعد التعذير. وثالثة تفرض المسألة فيما إذا اختلف نظر الميت والحى كما في الصورة المتقدمة إلا أن دائرة الموضوع للحكم بجواز البقا كانت عند الميت أوسع منها لدى الحى، كما إذا رأى الميت كفاية التعلم أو الالتزام في تلك المسألة، والحى اعتبر فيها العمل فهل - في هذه الصورة - يجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء فيما إذا عمل بتلك المسألة حال حياته - كما إذا بقى على تقليد ميت آخر لفتواه بجواز البقاء - أو أن هذه الصورة كالصورتين المتقدمتين لا يجوز فيها البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء؟ قد يقال: بعدم الجواز للزوم اللغوية ولاستحالة أخذ الحكم في موضوع نفسه فلا يمكن أن يقال: بجواز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء. والتحقيق أن في هذه الصورة لا مانع من البقاء في مسألة البقاء والسر فيه

[ 183 ]

ما قدمناه من أن فتاوى الميت قد جعلت حجة شرعية بفتوى الحى بجواز البقاء فكأنه حى لم يمت، وقد مر أن الحى إذا افتى بجواز البقاء على تقليد الميت جاز للمقلد أن يتبع ارآء المجتهد الميت في جميع ما افتى به من الاحكام التكليفية أو الوضعية ومنها حجية فتوى الميت بجواز البقاء بالاضافة إلى من تعلم فتاواه أو التزم بالعمل على طبقها وان لم يعمل بها بوجه. نعم لابد من أن يكون المكلف واجدا لشرطية العمل بفتوى الميت في تلك المسألة أعنى مسألة جواز البقاء بان يكون قد عمل بها حال حياة الميت كما إذا قلده في تلك المسألة وبقى على تقليد مجتهد ثالث من الاموات في المسائل التي لم يعمل بها وانما تعلمها أو التزم بها، وذلك لانه لو لم يكن واجدا لهذا الاشتراط أي لم يكن قد عمل بتلك المسألة لم تكن فتوى الميت بجواز البقاء على من تعلم المسألة أو التزم بها شاملة له وحجة في حقه - بفتوى الحى بجواز البقاء - لفرض انه اشترط فيه العمل، والمقلد لم يعمل بفتوى الميت في تلك المسألة، وهذا بخلاف ما إذا عمل بها فان فتوى الميت تتصف بالحجية في حقه، وثمرتها جواز البقاء على تقليد الميت حتى فيما لم يعمل به من المسائل وانما تعلمها أو التزم بالعمل بها. وهذا نظير ما ذكرناه في التكلم على حجية الخبر من أنا إذا بنينا على حجية خبر العدل الواحد، وعثرنا على خبر عدل دل على حجية مطلق خبر الثقة وان لم يكن عادلا التزمنا بحجية الخبر الصادر عن مطلق الثقة لدلالة الحجة على حجيته. والحال في المقام ايضا كذلك، فان البقاء على تقليد الميت فيما لم يعمل به بل تعلمه أو التزم به وإن لم يقم دليل على جوازه لدى الحى لما فرضناه من أنه إنما يرى جوازه فيما عمل به المقلد حال حياة الميت، إلا أنه قامت عنده الحجة على جوازه فيما لم يعمل به ايضا وهى فتوى الميت بجواز البقاء فيما لم يعمل به فان المقلد قد عمل بتلك المسألة قبل موت الميت إذا كانت حجية فتوى الميت فيما لم يعمل به مستندة

[ 184 ]

إلى فتوى الحى بجواز البقاء فيما عمل به من المسائل. ثم إن ما ذكرناه فيما إذا استند عدم فتوى الحى بجواز البقاء فيما لم يعمل به إلى الاحتياط والاخذ بالقدر المتيقن مما دل على جواز البقاء أمر ظاهر لااشكال فيه، لوضوح أن حجية الحجج لا مناص من أن تكون قطعية بان تكون ثابتة بالادلة المفيدة للعلم واليقين، ولا حجية مع الشك، وحيث أن الحى لم يتم عنده دليل على حجية فتوى الميت فيما لم يعمل به المقلد ويشك في حجيتها مع التعلم أو الالتزام فلا يمكنه الحكم باعتبارها الا مع العمل على طبقها، لا أنه حكم بحرمة البقاء مع التعلم أو الالتزام ليقال: إن الحى إذا حرم البقاء على تقليد الميت عند عدم العمل بفتواه كيف يسوغ للمقلد البقاء على تقليده مع التعلم أو الالتزام؟! وأما إذا استند في ذلك إلى الدليل على عدم جواز البقاء إلا مع العمل بفتوى الميت قبل موته فقد يقال بعدم جواز البقاء - في هذه الصورة - على تقليد الميت فيما تعلمه أو التزم بها من المسائل وذلك لحرمة البقاء على تقليد الميت لدى الحى، لان مفروض الكلام أن الدليل قام عنده على المنع، ومع أن الحى منع المقلد عن البقاء لا معنى لجواز البقاء على تقليد الميت بفتواه. وفيه: أن البقاء على تقليد الميت وإن كان محرما لدى الحى إلا أنه انما يمنع عن البقاء فيما لم يعمل به من المسائل بما أنه بقاء في طبعه ونفسه، وأما البقاء على تقليد الميت فيما لم يعمل به - لا بما انه بقاء - بل بتوسيط حجية فتوى الميت فلا حرمة له لدى الحى، وذلك لان المحرم هو الذي يصدق عليه البقاء في طبعه وأما لا بما هو كذلك، بل بعنوان ما قامت الحجة على جوازه أعني فتوى الميت به فمما لاحرمة له. وهذا كما إذا بنى الميت على وجوب السورة في الصلاة وبنى الحى على عدم وجوبها فان الحى بتوسيط أن فتوى الميت حجة في نظره ايضا يرى وجوب السورة ولكن لا في نفسها وطبعها بل بعنوان ثانوى وهو فتوى الميت بالوجوب أو قيام

[ 185 ]

الحجة به، وكما إذا رأى الميت كفاية التوضوء مع الجبيرة وبني الحى على تعين التيمم وعدم كفاية الوضوء مع الجبائر، فان الوضوء وإن كان غير مجزء عند الحى بالعنوان الاولى إلا أنه بعنوان ان الحجة قامت بصحته مجزء لا محالة. ولهذا نظائر كثيرة يطول بذكرها الكلام. بل هذا قد يقع بين مجتهدين معاصرين فيسئل أحدهما عن وجوب السورة عند معاصره ويجيب بانه يرى عدم وجوبها وأما عنده فهى واجبة فانه حينئذ بعنوان أن المعاصر افتى بعدم وجوب السورة يلتزم بعدم وجوبها فضلا عن الميت والحى. والمتحصل أنه لامانع من القول بجواز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء ولا يرد عليه محذور اللغوية، ولا اخذ الحكم في موضوع نفسه: أما اللغوية فلما تقدم من أن حجية فتوى الميت بفتوى الحى بجواز البقاء نتيجتها جواز البقاء على تقليده حتى فيما لم يعمل به من المسائل، ومع ترتب مثل هذه الثمرة على حجية فتوى الميت لا معنى لدعوى اللغوية بوجه. وأما أخذ الحكم في موضوع نفسه فالوجه في عدم وروده أن ما ادعيناه في المقام هو أن فتوى الحى بجواز البقاء قد جعلت فتاوى الميت حجة شرعية بلا فرق في ذلك بين الاحكام التكليفية والوضعية، وأن أثر تلك الحجية جواز البقاء على تقليده حتى فيما لم يعمل به من المسائل إذا هناك احكام ثلاثة مترتبة على موضوعاتها الثلاثة: " أحدها ": وجوب السورة في الصلاة. " ثانيها ": حجية فتوى الميت بجواز البقاء. " ثالثها ": حجية فتوى الحى بجواز البقاء. وهذه الاحكام مترتبة في الثبوت فانه بثبوت حجية فتوى الحى بجواز البقاء تتثبت حجية فتوى الميت كما مر، وإذا ثبتت حجية فتاواه فقد ثبت وجوب السورة

[ 186 ]

في الصلاة أو غير ذلك من الاحكام، ومعنى ذلك أنا أخذنا حجية فتوى الميت بالجواز في موضوع الحكم بحجية فتوى الحى به حيث قلنا: يجوز البقاء على تقليد الميت في مسألة جواز البقاء. ودعوى: أن ذلك من أخذ الحكم في موضوع نفسه مغالطة ظاهرة ومجرد لفظ لا معنى تحته، فان المستحيل إنما هو أن يؤخذ حكم في موضوع شخصه، فان مرجعه إلى كون الحكم مفروض التحقق حين جعله وانشائه. وليس في المقام من ذلك عين ولا أثر. فان المتحقق فيما نحن فيه أن حجية فتوى الميت بجواز البقاء مترتبة على حجية فتوى الحى به كما أن ثبوت وجوب السورة في الصلاة أو غيره مترتب على حجية فتوى الميت بالجواز ومعه قد اخذ حكم في موضوع حكم آخر فان حجية فتوى الميت غير حجية فتوى الحى وإحداهما مأخوذة في موضوع الاخرى كما لا يخفى هذا كله في الصورة الاولى. فتوى الحى والميت بوجوب البقاء " الصورة الثانية ": وهي ما إذا افتى كل من الميت والحى بوجوب البقاء على تقليد الميت. وحكمها حكم الصورة المتقدمة ويأتي فيها التفصيل المتقدم هناك فإذا فرضنا أن الميت والحى متحدان فيما هو الموضوع للحكم بوجوب البقاء، أو أنهما اختلفا في ذلك وكانت دائرة الموضوع عند الحى أوسع منها لدى الميت لم يجب البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء لا ستلزام ذلك اللغوية وجعل التنجيز بعد التنجيز والتعذير بعد التعذير، وأما إذا اختلفا وكانت دائرة الموضوع عند الميت اوسع منها لدى الحى فلا مانع من البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء ولا يرد عليه محذور اللغوية أو اخذ الحكم في موضوع نفسه.

[ 187 ]

فتوى الحى بوجوب البقاء والميت بجوازه " الصورة الثالثة ": وهي ما إذا افتى الحى بوجوب البقاء وبنى الميت على جوازه فهل يجوز للعامي أن يرجع إلى الحى في تلك المسألة ليجب عليه البقاء على تقليد الميت، وحيث أن الميت يجوز البقاء والعدول فيعدل إلى الحى بفتوى الميت بالجواز؟ فقد يقال بالمنع عنه نظرا إلى أن معنى حكم الحى بوجوب البقاء أن فتوى الميت حجة تعيينية وأن المقلد ليس له أن يعدل إلى غيره، كما أن معنى حكم الميت بجواز البقاء أن فتوى الميت حجة تخييرية وأن للمقلد أن يبقى على تقليده أو يعدل إلى الحي ومن الظاهر أن الحجة التعيينية والتخييرية غير قابلتين للاجتماع ولا يمكن أن يقال إن فتوى الميت حجة تعيينية وتخييرية، لانه يشبه الجمع بين المتناقضين إذا لا يعقل أن تشمل فتوى الحى بوجوب البقاء على تقليد الميت لفتوى الميت بجواز البقاء وجواز العدول عنه. بل تختص بسائر المسائل غير تلك المسألة من فتاواه فلا يجوز للعامي العدول من البقاء على تقليد الميت إلى الحى هذا. والصحيح أن المقلد له أن يعدل اإلى الحى بفتوى الميت بالجواز. ودعوى: أن ذلك يستلزم الجمع بين الحجية التعيينية والتخييرية. مندفعة: بانه إنما يلزم فيما إذا اتحد نظر الميت والحى فيما هو الموضوع للحكم في مسالة البقاء، أو أنهما اختلفا في ذلك وكانت دائرة موضوعه عند الحى أوسع منها لدى الميت. وأما إذا اختلفا في ذلك وكانت دائرة موضوع الحكم عند الميت اوسع منها لدى الحى كما إذا افتى الميت بجواز البقاء مع تعلم الفتوى وان لم يعمل بها وافتى الحى بوجوب البقاء مع العمل فلا يلزم محذور الجمع بين الحجيتين وذلك.

[ 188 ]

لان فتوى الحى بوجوب البقاء قد جعلت فتاوى الميت متصفة بالحجية فيما عمل به المقلد وقد فرضنا أنه عمل بفتوى الميت بالجواز في مسألة البقاء وإذا اتصفت فتوى الميت بالحجية في تلك المسألة جاز للمقلد كل من العدول والبقاء فيما افتى به المجتهد الميت حتى فيما لم يعمل به وتعلم حكمه من المسائل. ومن الظاهر أنه ليس في المسائل التى لم يعمل بها المقلد حال حياة الميت اجتماع الحجيتين، لان كون فتوى الميت حجة تعيينية انما هو في المسائل التي عمل بها المقلد دون ما لم يعمل به فليس فيها سوى فتوى الميت بجواز البقاء وهي حجة تخييرية فحسب فاين يلزم في تلك المسائل اجتماع الحجيتين؟! على أنه لا مانع من اجتماع الحجية التعيينية والتخييرية في مورد واحد، فان الحجية التعيينية انما ثبتت لفتوى الميت ببركة فتوى الحى بوجوب البقاء بما هي فتوى الميت، بمعنى أن الجهات التي ساقت الحى إلى الحكم بوجوب البقاء - ككون الميت اعلم أو حرمة العدول عنه نظرا إلى أن الموت كمال فلا يوجب سقوط فتواه عن الاعتبار على ما ترشدنا إليه السيرة وغيرها أو غيرهما من الجهات - إنما دلت على أن فتوى الميت بما هي كذلك حجة تعيينية، ولا ينافي ذلك كونها حجة تخييرية بلحاظ أن الحجة قامت على جواز العدول وتوسيط فتوى الميت بالجواز. ونظيره ما إذا افتى غير الاعلم بوجوب تقليد الاعلم والاعلم افتى بجواز تقليد غير الاعلم، فان فتوى غير الاعلم في نفسها وبعنوان أنها فتواه وإن لم تكن بحجة حتى لو سئلناه نفسه عن جواز تقليده لاجاب بعدم الجواز لوجوب تقليد الاعلم عنده إلا أنها بعنوان أن الحجة قامت على حجيتها، والاعلم افتى بجواز الرجوع إليه متصفة بالحجية من غير أن يكون بين الحكمين أي تهافت لانهما بعنوانين مختلفين وهو من اجتماع عدم الحجية بالعنوان الاولى والحجية بالعنوان الثانوي. وما إذا ذهب الميت إلى أن خبر الثقة حجة في الموضوعات الخارجية كما

[ 189 ]

انه حجة في الاحكام الشرعية وبنى الحى على عدم اعتباره في الموضوعات وأن الحجة فيها هي البينة، فان خبر الثقة بما انه كذلك لا يتصف بالحجية لدى الحى، إلا أنه بعنوان ان الحجة قامت على حجيته وأن الميت افتى باعتباره حجة شرعية لا محالة لان الحجة قامت على حجيته. والمتلخص أنه لا مانع من اجتماع الحجية وعدم الحجية بعنوانين فإذا امكن هذا في تلك الموارد امكن في محل الكلام ايضا، إذا لا مانع من أن تكون فتوى الحى بعنوانها الاولى غير متصفة بالحجية وتكون متصفة بالحجية التخييرية بعنوان أن الحجة قامت على حجيتها، وكذلك الحال في فتوى الميت بان تتصف بالحجية التعيينية والتخييرية في مورد واحد، ومعه لا بأس أن يحكم بوجوب البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء لفتوى الحى بوجوبه على تقدير العمل أو التعلم - مثلا - والمفروض أن المقلد قد عمل بفتواه هذه أو تعلمها منه حال الحياة فتتصف فتوى الميت بالحجية حتى في مسألة البقاء ويجب عليه أن يبقى على تقليده وحيث أنه افتى بجواز البقاء والعدول إلى الحى فله أن يعدل إلى الحى كما مر. ودعوى: أن المجعول في الواقع اما هو الحجية التعيينية أو التخييرية فلا يمكن القول بحجية فتوى الميت تعيينا ليترتب عليه الحجية التخييرية مما لا يصغى إليه: وذلك أما في المسائل التى لم يعمل بها المقلد أو لم يتعلم حكمها فلوضوح أن الحى إنما يرى وجوب البقاء على تقليد الميت فيما عمل به المقلد أو تعلم حكمه دون ما لم يعمل به أو لم يتعلم حكمه، فلا مانع في تلك المسائل من الالتزام بجواز البقاء استنادا إلى فتوى الميت الثابتة حجيتها بفتوى الحى كما عرفت. وأما في المسائل التي عمل بها المقلد أو تعلم حكمها فلان الحجية الواقعية بما انها واقعية مما لا أثر له، إذ الغرض من جعلها إنما هو تنجيز الواقع أو التعذير عنه، وهذا لا يتحقق إلا مع الوصول، وعليه فمنجز الواقع أو المعذر عن مخالفته ليس

[ 190 ]

الا فتوى الحي الواصلة إلى المكلف على الفرض، وبما أنه يرى وجوب البقاء على تقليد الميت وجب على المقلد أن يرجع إلى فتاواه وحيث انه افتى بجواز العدول والبقاء فجاز للمكلف أن يعدل إلى الحى بفتوى الميت به، وإذا عدل إلى الحي فان كانت الحجية التخييرية هي المجعولة واقعا فهو، وأما لو كانت الحجية المجعولة هي التعيينية فهي غير واصلة إلى المكلف بل الواصل خلافها لقيام فتوى الميت بجواز البقاء. وفي ظرف عدم وصول الحجية التعيينية لا مانع من جعل الحجية التخييرية بان تكون الحجة هو ما يختاره المكلف من الفتويين، لما تقدم من أن الحجية التخييرية غير معقولة الا أن يرجع إلى جعل الحجية على ما يختاره المكلف من الامرين أو الامور. فتوى الحى بجواز البقاء والميت بوجوبه " الصورة الرابعة ": وهي ما إذا بنى الحي على جواز البقاء وافتى الميت بوجوبه فهل يجوز للمقلد أن يرجع إلى فتوى الميت في مسالة البقاء حتى يجب عليه البقاء على تقليد الميت في بقية المسائل الفرعية، أو أن المقلد لو رجع إلى تقليد الميت لم يجب عليه البقاء في بقية المسائل؟ الصحيح أن يقال: إن فتوى الحي بجواز البقاء على تقليد الميت وجواز العدول عنه إن كان بمعنى أن فتوى الميت حجة تخييرية وعدلها فتوى الحي والمكلف مخير بينهما بالمعنى المتقدم في التكلم على الحجية التخييرية بين المجتهدين المتساويين بان يكون الاختيار في الاخذ بهذا أو بذاك بيد المكلف ويكون كل منهما حجة تعيينية بعد الاخذ به والتعبير عنها بالحجية التخييرية انما هو بمناسبة أن الاختيار بيد الملكف وله أن يأخذ بهذا أو بذاك وإذا اخذ باحدهما كانت حجة تعيينية في حقه فليس للمقلد بعد أن اخذ بفتوى الميت في مسألة البقاء - لكونه قد عمل بها في حياته أو تعلم

[ 191 ]

حكمها - أن يعدل إلى الحي، لان فتوى الميت قد اتصفت بالحجية التعيينية باخذها ومعها يجب البقاء في بقية المسائل ايضا. وإذا كان فتوى الحي بجواز البقاء بمعنى أن المكلف يتخير - حدوثا وبقاء - بين البقاء على تقليد الميت والعدول عنه فكما يجوز له أن يعدل إلى الحي بعد موت المجتهد المقلد، أو يبقى على تقليده كذلك يجوز له ذلك بعد الاخذ باحدهما والعمل على طبقه مدة من الزمان جاز للمقلد العدول إلى الحي وان رجع إلى الميت في مسألة البقاء لانه معنى كونه مخيرا بحسب الحدوث والبقاء. وهذا المعنى هو الصحيح. وذلك لان الاخذ بفتوى المجتهد بعد موته وسقوطها عن الحجية بسببه لا يزيد على الاخذ بها في حياته وقبل سقوطها عن الحجية بموته فكما أن الاخذ السابق لا يوجب بقاء فتاوى الميت على حجيتها التعيينية بعد موته ومن هنا جاز للمقلد بعد موت المجتهد بل وجب عليه العدول إلى الحي فليكن الاخذ المتأخر عن سقوط فتاواه عن الحجية وموته ايضا كذلك فليس الاخذ بعد موته موجبا لان يتصف فتاواه بالحجية التعيينية فالمقلد يتخير بين العدول والبقاء حدوثا وبقاء ومعه إذا رجع إلى الميت في مسألة البقاء لم يجب عليه أن يبقى على تقليده في بقية المسائل الفرعية بل له أن يعرض عن البقاء في تلك المسألة ويعدل إلى الحي سواء في ذلك بين أن يكون نظر الميت والحي متحدين فيما هو الموضوع للحكم في مسألة البقاء وبين أن يكون مختلفا فلا حظ هذا كله في هذه الصور. اختلاف الحى والميت في مسألة البقاء وأما الصورتان اللتان وعدنا التعرض لهما بعد الفراغ عن الصور الاربعة المتقدمة فهما ما إذا افتى الحى بجواز البقاء أو بوجوبه وافتى الميت بحرمته فهل للمقلد أن يبقى على تقليد الميت في مسألة البقاء لحجية فتاواه بفتوى الحي بجواز

[ 192 ]

البقاء أو بوجوبه، والمفروض أنه قد عمل بها حال حياة المجتهد الميت أو أنه تعلم حكمها ليلزم من بقائه على تقليده في تلك المسألة حرمة البقاء على تقليده أو أن المقلد ليس له البقاء على تقليده في مسألة البقاء ويجوز له أو يجب عليه البقاء على تقليده في بقية المسائل الفرعية. وبعبارة اخرى تجويز الحي أو ايجابه البقاء على تقليد الميت هل يشمل مسألة البقاء ايضا حتى يلزم منه حرمة البقاء في بقية المسائل أو لا يشملها فله أن يبقى على تقليد الميت في بقية المسائل؟ الثاني هو الصحيح لانه لا مانع من البقاء على تقليد الميت في المسائل الفرعية غير مسألة البقاء والوجه فيه: ان فتاوى الميت قد سقطت عن الحجية بموته فلا تتصف بالاعتبار الا إذا افتى الحى بحجيتها التخييرية كما إذا جوز البقاء على تقليده أو التعيينية كما إذا اوجبه. وفتوى الميت بحرمة البقاء لا يمكن أن تتصف بالحجية في مسألة البقاء بفتوى الحى بجواز البقاء أو بوجوبه، لان شمول تجويز الحي أو ايجابه لفتوى الميت بحرمة البقاء يستلزم عدم شموله لها ويلزم من حجية فتوى الميت عدم حجيتها وما استلزم فرض وجوده عدمه فهو محال. والوجه في هذا الاستلزام أن الميت يفتى بحرمة البقاء فلو كانت فتواه هذه حجة شرعية - بان شملتها فتوى الحي بجواز البقاء - لزم منها عدم حجية فتاواه التي منها فتواه بحرمة البقاء إذا لا يمكن أن تشمل فتوى الحي بالجواز أو الوجوب لفتوى الميت بحرمة البقاء. وهذا بخلاف سائر فتاواه فانه لا محذور في حجيتها بشمول فتوى الحي لها هذا. على أنا لا نحتمل شمول فتوى الحي بجواز البقاء أو بوجوبه لفتوى الميت بحرمته وذلك لان في الواقع ومقام الثبوت لا يخلو إما أن يكون البقاء على تقليد الميت محرما لارتفاع حجية فتاواه بموته، وإما أن يكون جائزا - بالمعنى الاعم - ولا تكون حجية فتاواه ساقطة بموته ولا ثالث. فان كان البقاء محرما واقعا كانت فتوى الحي بجواز البقاء مخالفة للواقع

[ 193 ]

ومعه لا تتصف بالحجية الشرعية لمخالفتها للواقع على الفرض وإذا سقطت فتوى الحي عن الحجية لم تكن فتوى الميت بحرمة البقاء حجة بوجه لسقوط فتاواه عن الحجية بموته، وانما تتصف بالاعتبار إذا افتى الحي بحجيتها وقد فرضنا انها ساقطة عن الحجية لمخالفتها للواقع فهي غير معتبرة في نفسها فما ظنك بان تكون موجبة لحجية فتوى الميت بحرمة البقاء. وأما إذا كان جائزا بحسب الواقع ففتوى الحي بجواز البقاء مطابقة للواقع إلا أن فتوى الميت بحرمة البقاء مخالفة له فلا تكون حجة بوجه. إذا لنا علم تفصيلي بعدم حجية فتوى الميت بحرمة البقاء سواء اكانت مطابقة للواقع أم مخالفة له وفتوى الحي بجواز البقاء - بالمعنى الاعم - غير محتملة الشمول لفتوى الميت بحرمة البقاء، ومع عدم احتمال حجيتها بحسب الواقع ومقام الثبوت كيف يعقل ان يشملها دليل الحجية وهو فتوى الحي في مقام الاثبات. ونظير ذلك ما ذكرناه في التكلم على حجية الخبر من أن الخبر الواحد إذا دل على عدم حجية الخبر الواحد لم تشمله الادلة القائمة على حجية الخبر، لانه يلزم من شمولها له وحجيته عدم شمولها له وعدم حجيته، على انا لانحتمل حجيته بحسب الثبوت، لانه لا يخلو إما أن لا يكون الخبر الواحد حجة شرعا وإما أن يكون حجة ولا ثالث، فعلى الاول لا حجية للخبر النافي لحجية الخبر لما فرضناه من عدم حجية الخبر واقعا وهو ايضا خبر واحد فلا يثبت به مدلوله. وعلى الثاني أيضا لا يتصف النافي بالحجية لانه على خلاف الواقع لما فرضناه من حجية الخبر واقعا فعلى كلا التقديرين لاحجية للخبر النافي لحجيته والادلة غير شاملة له في مرحلة الاثبات بعد عدم احتمال حجيته في مرحلة الثبوت. وببيان أوضح واحسن إن معنى فتوى الحي بجواز البقاء - بالمعنى الاعم - أن المقلد له أن يبقى على تقليد الميت في المسائل الفرعية، كما أن معناها عدم جواز

[ 194 ]

البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء، ولا يعقل أن تشمل فتوى الحي بالجواز كلتا المسألتين أعنى مسألة البقاء وسائر المسائل، لوضوح أنها ان شملت لمسألة حرمة البقاء فمعناها عدم جواز البقاء على تقليد الميت في بقية المسائل فان الميت افتى بحرمة البقاء. وإن شملت بقية المسائل الفرعية فمعناها عدم جواز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء والا حرم عليه البقاء في بقية المسائل. ففتوى الحي بالجواز إما أن تشمل مسألة البقاء فحسب. وإما ان تشمل سائر المسائل الفرعية ولا يمكن الجمع بينهما في الشمول إلا أن فتوى الحي بحجية فتوى الميت لا يمكن أن تشمل مسألة البقاء وذلك لاستحالته في نفسه وذلك لان احتمال المطابقة للواقع معتبر في حجية الحجج لوضوح أن حجيتها لا تجامع القطع بمخالفتها للواقع، ولا يحتمل أن تكون فتوى الميت بحرمة البقاء مطابقة للواقع وتكون فتوى الحي بحجية فتوى الميت شاملة لمسألة البقاء. لان البقاء على تقليد الميت إما أن يكون محرما في الواقع، وإما أن يكون جائزا، فعلى الاول لا يمكن البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء لانه أمر محرم واقعا وفتوى الحي بجوازه ساقطة عن الحجية لمخالفتها للواقع على الفرض وعلى الثاني تسقط فتوى الميت بحرمة البقاء عن الحجية لمخالفتها للواقع، وإذا لنا علم تفصيلي بسقوط فتوى الميت بحرمة البقاء عن الحجية - على كلا التقديرين - وان فتوى الحي بالجواز غير شاملة لمسألة البقاء. وإذا فرضنا أن فتوى الحي لم تشمل مسألة البقاء فلا مانع من أن تشمل البقاء على تقليد الميت في سائر المسائل كما لعله ظاهر. ثم إن بما ذكرناه اتضح الفرق بين هذه المسألة ومسألة ما إذا افتى الميت بوجوب البقاء والحي بجوازه وحاصل الفرق أنه لا يمكن الجمع بين حرمة البقاء على فتوى الميت وجواز البقاء عليها فإذا افتى الميت بحرمة البقاء وافتى الحي بجوازه لم يمكن البقاء على تقليد الميت في هذه المسألة من جهة فتوى الحي بالجواز، وهذا

[ 195 ]

[ (مسألة 16) عمل الجاهل المقصر الملتفت باطل (1) وإن كان مطابقا للواقع. ] بخلاف ما إذا افتى الميت بوجوب البقاء، وافتى الحي بجوازه، فانه لا مانع من الجمع بينهما. ونتيجة ذلك أن يتخير المكلف بين العدول من الميت إلى الحي، لان فتوى الميت بالوجوب كسائر فتاواه قد سقطت عن الحجية بموته، وأن يبقى على تقليد الميت حتى في فتواه بوجوب البقاء ونتيجته أن تكون فتوى الميت حجة تعيينية من جهة اختيار المقلد والتزامه. نعم إذا قلنا بان فتوى الحي بجواز البقاء مرجعها إلى التخيير الاستمراري، وأن المقلد متى ما أراد الرجوع إلى الحي جاز له ذلك لم يمكن البقاء على تقليد الميت في حكمه بوجوب البقاء، فان معنى الحكم بوجوبه عدم جواز الرجوع عنه إلى الحي وهذا لا تجتمع مع فتوى الحي بجواز البقاء والرجوع مستمرا. حكم عمل الجاهل المقصر والقاصر (1) الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: " أحدهما ": أن الجاهل يستحق العقاب على أعماله إذا لم تكن مطابقة للواقع، بل مطلقا أو لا يستحق عليها العقاب؟ و " ثانيهما ": أن أعمال الجاهل القاصر أو المقصر صحيحة أو باطلة؟ (أما المقام الاول): فلا ينبغى التردد في أن الجاهل القاصر لا يستحق العقاب على شيى من أعماله سواء أكانت مطابقة للواقع أم مخالفة له، كما إذا استند إلى امارة شرعية أو فتوى من يجوز تقليده وكانتا مخالفتين للواقع وذلك لقصوره وقتئذ لاستناده في أعماله إلى الحجة الشرعية - على الفرض -. وأما الجاهل المقصر فهو على عكس الجاهل القاصر يستحق العقاب على

[ 196 ]

أعماله إذا كانت مخالفة للواقع وذلك لانه قد قصر في الفحص والسؤال وخالف الواقع من غير أن يستند فيه إلى حجة شرعية. بل الامر كذلك حتى إذا كان عمله المخالف للواقع مطابقا لفتوى من يجب عليه تقليده - في ظرف العمل أو في زمان الرجوع إليه - فان الحجة بوجودها الواقعي غير كافية في المعذورية وعدم استحقاق العقاب على مخالفة الواقع بل انما تكون معذرة فيما إذا استند إليها المكلف في عمله، والاستناد إلى الحجة مفروض العدم في محل الكلام. بل يمكن الالتزام باستحقاق المقصر العقاب حتى إذا كان عمله مطابقا للواقع إلا أنه يختص بما إذا كان ملتفتا حال العمل، وذلك لانه مع الالتفات واحتمال صحة العمل وفساده إذا اتى به غير مبال بمخالفته للواقع لكان ذلك مصداقا بارزا للتجري القبيح وبذلك يستحق العقاب على عمله وإن كان مطابقا للواقع. و (أما المقام الثاني): فحاصل الكلام فيه أن التكلم على أعمال الجاهل المقصر من عباداته ومعاملاته وأنها تقع صحيحة أو فاسدة إنما يخص أفعاله التي يترتب على صحتها أو فسادها أثر عملي بالاضافة إلى زماني الحال أو الاستقبال كما إذا أتى بالعبادة جاهلا بحكمها في اول وقتها والتفت إلى حكمها في اثنائه أو في خارجه، فانه إذا قلنا ببطلانها ترتب عليه الحكم بوجوب إعادتها أو قضائها كما يترتب على القول بصحتها عدم وجوب الاعادة أو القضاء. وكما إذا عامل معاملة معاطاتية غير عالم بحكمها، ثم فسخ البايع المعاملة فانا لو قلنا بفساد المعاملة وجب على كل من البايع والمشتري رد ما اخذه إلى مالكه ومع تلفه ترد عليه بدله ولو قلنا بجواز المعاملة لاجل أن المعاطاة مفيدة للملكية الجائزة القابلة للانفساخ بفسخها وجب على كل منهما رد ما اخذه إلى بايعه. وان قلنا إن إن المعاملة لازمة وأن المعاطاة مفيدة للملك اللازم لم يجب على المشترى ولا على البايع رد العين أو عوضها بوجه.

[ 197 ]

وكذلك الحال في المعاملات بالمعنى الاعم، كما إذا غسل المتنجس بالبول مرة واحدة في الكثير، ثم التفت وتردد في اعتبار التعدد فيه لانا لو قلنا باعتبار التعدد حتى في الغسل بالماء الكثير وجب غسل المتنجس مرة ثانية في مفروض الكلام كما يجب غسل ما لاقاه ذلك المتنجس مع الرطوبة قبل الغسلة الثانية، وهذا بخلاف مالو قلنا بكفاية المرة في الماء الكثير. وكذا إذا ذبح ذبيحة بغير الحديد بالاختيار، ثم التفت إلى شرطية الحديد - وهي باقية بحالها - لانا لو قلنا بكونها ميتة حرم اكلها وبطلت الصلاة في اجزائها، كما أنه لو لم نقل بكونها كذلك حل اكلها و جازت الصلاة في اجزائها. وأما افعاله التى لا يترتب أثر عملي على صحتها و فسادها بالاضافة إلى زماني الحال أو الاستقبال فهى خارجة عن محل الكلام لانه لا أثر للبحث عن صحتها وعدمها وهذا كما إذا شرب العصير العنبي بعد غليانه وقبل تثليثه ثم التفت وتردد في جوازه وحرمته، فانه لا أثر للحكم بحرمته وحليته، لوضوح أنه لو كان محرما فقد مضى ويعاقب على فعله ذلك لحرمته، وإن كان حلالا فلا يعاقب بشى فلا أثر لهما بالاضافة إلى زماني الحال أو الاستقبال. إذا عرفت ذلك فنقول: إن الماتن ذهب إلى بطلان عمل لجاهل المقصر الملتفت وان كان مطابقا للواقع، والظاهر أنه استند في ذلك إلى أن المقصر الملتفت لا يتمشى منه قصد التقرب في عباداته وذلك بقرينة قوله عند الحكم بصحة عمل الجاهل القاصر أو المقصر الغافل: وحصل منه قصد القربة. والصحيح أن عمل الجاهل المقصر كالقاصر محكوم بالصحة ملتفتا كان أم لم يكن إذا كان مطابقا للواقع و ذلك أما في التوصليات فلاجل أن الامور التوصلية لا يعتبر فيها غير الاتيان بها مطابقة للواقع، والمفروض أن المقصر أو غيره اتى بما اتى به مطابقا للواقع.

[ 198 ]

وأما في العبادات فلان العبادة كالواجب التوصلي وانما تفترقان في أن العبادة زائدا على لزوم اتيانها بذاتها يعتبر اضافتها إلى المولى جل شأنه نحو اضافة، وهذا أمر ممكن الصدور من الجاهل أما غير الملتفت فظاهر، وأما الملتفت فلانه إذا اتى بها برجاء أنها مما أمر به الله سبحانه تحققت به الاضافة نحوه، فإذا كانت مطابقة للواقع كما هو مفروض الكلام وقعت صحيحة لا محالة. نعم الذي لا يتمكن منه الجاهل الملتفت انما هو الجزم بان ما يأتي به مأمور به من الله لتردده وعدم علمه بذلك بحيث لو اتى به جازما بانه مأمور به في الشريعة المقدسة فقد شرع. إلا أنا قد اسبقنا عند التكلم على مشروعية الاحتياط أن الجزم بالنية غير معتبر في صحة العبادات وأن الاتيان بها برجاء أن لا يكون تاركا للعبادة على تقدير وجوبها في الواقع يكفي في صحتها وسقوط امرها و امتثاله إذا كانت مطابقة للواقع، وهذا يبتنى علي مسألة جواز الامتثال الاجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي وتحصيل العلم بالمأمور به وقد اسمعناك جوازه فراجع. إذا لا موجب للحكم ببطلان عمل الجاهل المقصر الملتفت إذا انكشفت مطابقته للواقع. نعم ذكر شيخنا الانصاري (قده) أن ظاهر كلام السيد الرضي (قده) في مسألة الجاهل بوجوب القصر وظاهر تقرير اخيه السيد المرتضى (قده) ثبوت الاجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها. إلا أنه غير صالح للاستدلال به وذلك لانه من الاجماع المنقول الذى لا نقول باعتباره فالاجماع غير متحقق في نفسه، وعلى تقدير تحققه لم يحرز أنه اجماع تعبدي كاشف عن قول المعصوم - ع - لاحتمال استناد المجمعين إلى عدم تمشى قصد القربة من الجاهل الملتفت، أو إلى اعتبار الجزم بالنية في العبادات أو غير ذلك من الوجوه. نعم لا ينبغى التأمل في أن عمل الجاهل محكوم بالبطلان في مرحلة الظاهر

[ 199 ]

لدى العقل ما لم ينكشف مطابقته للواقع لان العقل لا يكتفي بما اتى به الجاهل مع التردد في صحته ومطابقته للواقع، لان العلم بالاشتغال اليقيني يستدعى البرائة اليقينية إلا أنه حكم عقلي في مرحلة الظاهر ويرتفع إذا انكشفت مطابقة ما اتى به الجاهل للواقع والمتلخص أن عمل الجاهل القاصر والمقصر الملتفت وغير الملتفت في الحكم سواء ثم إن انكشاف المطابقة للواقع قد يكون وجدانيا وهذا من القلة بمكان، لانه لا يتفق للعامي العلم الوجداني بمطابقة عمله للواقع إلا في الضروريات والقطعيات والمسائل الواضحة وهي قليلة في الغاية. وقد يكون بالتعبد وهو الاكثر وذلك لانه إذا لم يكن للعامي علم وجداني بالمطابقة فلا مناص من أن يستكشف مطابقة عمله للواقع بالرجوع إلى فتوى المجتهد فان بالمطابقة أو المخالفة معها يستكشف تعبدا مطابقة عمله للواقع أو مخالفته له وهذا هو الذي يتمكن منه المقلد غالبا. وعليه فان كان المجتهد الذي كان يجب عليه أن يقلده في زمان العمل والمجتهد الذي يجب عليه تقليده في زمان الرجوع شخصا واحدا فهو، وأما إذا تعددا وكان المجتهد الذي يجب الرجوع إليه في ظرف العمل غير المجتهد الواجب تقليده في زمان الرجوع فان كان عمله موافقا لكلتا الفتويين فلا كلام في صحته، كما انه إذا كان مخالفا لكلتيهما لم تكن شبهة في فساده ووجوب إعادته. وإنما الكلام فيما إذا كان مطابقا لفتوى أحدهما ومخالفا لفتوى الآخر فهل اللازم تطبيق عمل الجاهل لفتوى المجتهد الذي كان يجب تقليده في ظرف العمل أو أن اللازم تطبيقه لفتوى المجتهد الذي يجب تقليده في زمان الرجوع، أو المدار على مطابقته لكلتا الفتويين ومع فرض المخالفة لاحداهما يحكم ببطلانه؟ الصحيح أن المدار في ذلك على مطابقة العمل لفتوى المجتهد الواجب تقليده في زمان الرجوع، ولا عبرة بفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده في زمان

[ 200 ]

العمل، وسره ما قدمناه في مباحث الاجزاء وغيرها من هذا الكتاب وفي بحث الاصول من أن الاحكام الواقعية لا تتغير عما هي عليه بفتوى المجتهد، أو بقيام الامارة على خلافها أللهم على القول بالسببية ولا نقول بها، وحيث أن الاعادة وعدمها فعل من أفعال المكلف وهو لا يدري حكمها عند الالتفات إلى عمله السابق الصادر عن الجهل فلا مناص له من ان يرجع في حكمها إلى من يجب تقليده في زمان الابتلاء بالشك في وجوب الاعادة وهو المجتهد الذي يجب تقليده في زمان الرجوع، وذلك لاطلاق ادلة التقليد، فانه إذا افتى بصحة ما اتى به المكلف جاهلا بحكمه فمعناه أن اعادته التي يشك المكلف في وجوبها بالفعل غير واجبة في حقه كما انه إذا افتى بفساده كان معناه وجوب الاعادة عليه. وأما فتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده - في ظرف العمل - فلا يترتب على فتوائه بصحة ذلك العمل أو فساده أثر بالاضافة إلى المكلف عند الشك في وجوب إعادته، لانها قد سقطت عن الحجية بموت المجتهد أو بنسيانه أو بغيرهما من اسباب السقوط والفتوى غير المتصفة بالحجية لا يترتب عليها أثر بوجه. إذا فالمتعين الرجوع إلى من يجب عليه تقليده في ظرف الرجوع لشكه في وجوب اعادة الفعل الذى اتى به سابقا وهو مما يجب أن يسأل حكمه عن الفقيه الذي تتصف فتواه بالحجية في حقه لدى السؤال وهو المجتهد الفعلي لا السابق الذي سقطت فتواه عن الحجية على الفرض، وقد مر أن فتواه بالصحة تلازم الحكم بعدم وجوب الاعادة كما أن فتواه بالفساد ملازمة للحكم بوجوبها وتوضيح ذلك: أن المجتهد الذي تجب المراجعة إليه في ظرف الرجوع وان لم تكن فتواه متصفة بالحجية من الابتداء، وإنما حدثت حجيتها بعد ذلك إما لانه لم يكن لها موضوع سابقا، لعدم كونه مجتهدا في ظرف العمل، واما لعدم كونه واجدا لبعض الشروط كالاعلمية أو العدالة ونحوهما، إلا ان ما تتضمنه تلك الفتوى بعدما اتصفت بالحجية

[ 201 ]

حكم كلي الهي لا يختص بوقت دون وقت بل يعم الازمنة المتقدمة والمتأخرة - مثلا - إذا افتى بوجوب التيمم على المتيمم بدلا عن غسل الجنابة إذا احدث بالاصغر، ولم يجوز الوضوء في حقه شملت فتواه هذه الازمنة السابقة واللاحقة لان مضمونها حكم عام قد استكشفه المجتهد من ادلته، ولا اختصاص له بعصر دون عصر. فان مقتضى تلك الفتوى أن حكم الله المجعول في حق المتيمم بدلا عن غسل الجنابة إذا احدث بالاصغر هو التيمم دون الوضوء ولازمه بطلان الصلوات التي اتى بها المكلف - سابقا - مع التوضؤ بعد التيمم بدلا عن غسل الجنابة، فبالفتوى المتأخرة الحادثة حجيتها يستكشف بطلان الاعمال السابقة في ظرف الصدور. والحكم ببطلانها وان لم يترتب أثر عليه بالاضافة إلى الازمنة المتقدمة، إلا أن له أثرا بالاضافة إلى زمان الحال والازمنة الآتية، لان لازمه وجوب الاعادة أو القضاء وملخص الكلام أن وجوب اعادة الاعمال السابقة وعدمه من المسائل التى يجب الرجوع فيها إلى الفقيه الذى تتصف فتاواه بالحجية وليس ذلك إلا المجتهد الفعلي لسقوط فتوى المجتهد السابق في ظرف العمل عن الحجية بالموت أو نحوه، لوضوح أنه لو لم تسقط فتاواه عن الحجية لم يجز له تقليد المجتهد الحاضر، وقد فرضنا أن فتوى المجتهد الفعلي بطلان الصلاة مع الوضوء في تلك المسألة، ومضمونها أن ذلك هو حكم الله الواقعي العام غير المختص بوقت دون وقت. نعم لا مناص من الالتزام بعدم وجوب الاعادة أو القضاء في الموارد التي قام الدليل فيها على عدم الوجوب وذلك كما إذا أخل في الصلاة بغير الاركان من اجزائها أو شرائطها بان صلى بلا سورة أو أتى بالتسبيحات الاربع مرة واحدة وكانت فتوى المجتهد الفعلي وجوب السورة أو وجوب التسبيحات ثلاث مرات وذلك لحديث لا تعاد لدلالته على عدم وجوب الاعادة الا من الخمسة المذكورة في الحديث وليست منها السورة أو التثليث في التسبيحات الاربع. بل لا تجب اعادة

[ 202 ]

الصلاة في امثال المقام وإن كان عمله مخالفا لكلتا الفتويين كما إذا افتى كل من المجتهد السابق واللاحق بوجوب السورة أو التثليث في التسبيحات الابع. إذا الاخلال بغير الخمسة الواردة في الحديث غير موجب لبطلان الصلاة ولا لاعادتها إلا فيما دل الدليل على وجوب الاعادة فيه كما إذا كبر جالسا وكانت وظيفته الصلاة قائما، أو كبر قائما وكانت وظيفته الصلاة جالسا وذلك للنص (* 1) هذا بالاضافة إلى الجاهل القاصر. وأما المقصر فان كان ملتفتا حال العمل ومترددا في وجوب السورة - مثلا - في الصلاة فلا يشمله حديث لا تعاد لاختصاصه بما إذا حدث الشك في صحة العمل بعد الاتيان به بحيث لولا انكشاف الخلاف بعد ذلك لم تجب اعادته أو قضائه وليس الامر كذلك في الجاهل المقصر الملتفت حال العمل، لانه شاك في صحة عمله من حينه وقبل أن يأتي به، ومقتضى أن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية اعني قاعدة الاشتغال وجوب الاعادة في امثال المقام انكشف له الخلاف أم لم ينكشف كما أنه لو لم يات به حتى خرج وقته وجب عليه القضاء لعدم اتيانه بما هو المأمور به الظاهرى في حقه بقاعدة الاشتغال فقد فاتت عنه الصلاة ووجب عليه قضائها ظاهرا. وأما المقصر فقد ادعوا الاجماع على بطلان عمله وانه كالعالم والمتعمد في ترك الواجب ومعه لا يفرق بين قسمي الجاهل المقصر أعنى الملتفت وغير الملتفت في بطلان عملهما وعدم كونهما مشمولين للحديث. هذا إذا تم الاجماع كما ادعى. وأما لو لم يتم أو قلنا إن القدر المتيقن منه أن المقصر كالمتعمد من حيث استحقاقه العقاب وتنجز التكليف عليه لا من حيث صحة العمل وبطلانه فلا مانع من شمول الحديث للمقصر غير الملتفت في نفسه وبه يحكم بصحة عمله وان كان مخالفا


(* 1) وهو موثقة عمار المروية في ب 13 من ابواب القيام من الوسائل.

[ 203 ]

[ وأما الجاهل القاصر أو المقصر الذي كان غافلا حين العمل وحصل منه قصد القربة، فان كان مطابقا لفتوى المجتهد الذى قلده بعد ذلك كان صحيحا (1) والاحوط مع ذلك مطابقته لفتوى المجتهد الذى كان يجب عليه تقليده حين العمل. (مسالة 17) المراد من الاعلم (2) من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة وأكثر اطلاعا لنظائرها وللاخبار، واجود فهما للاخبار، والحاصل أن يكون أجود استنباطا والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط. ] لفتوى كلا المجتهدين. (1) فقد اتضح تفصيل ذلك مما سردناه في التعليقة المتقدمة فلاحظ. ما يراد من الاعلم: (2) ليس المراد بالاعلمية - في المقام - أن يكون المجتهد أشد اقتدارا في القواعد والكبريات أعني المبادئ التي بها تستنتج الاحكام كما إذا كان المجتهد في المطالب الاصولية أقوى من غيره، ولا أن المراد بها اكثرية الاحاطة بالفروع والتضلع في الكلمات والاقوال، كما إذا تمكن من الجواب عن أية مسألة ترد عليه ولو من الفروع التي لا يبتلى بها إلا نادرا، أولا يتحقق في الخارج أصلا مع التطلع على اقوالها وموارد التعرض للمسألة في كلماتهم. بل المراد بالاعلمية كون المجتهد أشد مهارة عن غيره في تطبيق الكبريات على صغرياتها، وأقوى استنباطا وامتن استنتاجا للاحكام عن مبادئها وأدلتها وهو يتوقف على علمه بالقواعد والكبريات، وحسن سليقته في تطبيقها على صغرياتها، ولا يكفي أحدهما ما لم ينضم إليه الاخر.

[ 204 ]

والوجه في هذا التفسير: أن حال الاعلم في علم الفقه حال الاعلم في بقية الحرف والعلوم، فكما أن الاعلم في الطب والهندسة والتجارة وغيرها هو الذي يكون أعرف من غيره بتطبيق الكبريات على صغرياتها، وأقوى استنباطا لها عن قواعدها وهو موقوف على المعرفة بالكبريات وحسن السليقة في تطبيقها على مصاديقها، ولا يكفي في الاعلمية مجرد كون الطبيب أقوى من الكبريات أو اكثر اطلاعا على الامثال والفروع. بل لابد مضافا إلى احاطته باقسام المرض وطرق معالجتها وأدويتها أن يكون أعرف بتطبيق كبرياتها على مصاديقها فكذلك الحال في المقام. فلا إعتبار فيما نحن فيه باكثرية الاحاطة بالفروع والاقوال والكلمات لانها غير راجعة إلى الاعرفية في التطبيق، لوضوح أنها ليست الاحفظ الفتاوى والفروع واجنبية عن الاستنباط بالكلية، كما أن شدة الاقتدار العلمي بالكبريات غير راجعة إلى الاعرفية في الاستنباط، فان رب شخص له اليد الطولى في الاصول، إلا أنه ضعيف في التطبيق والاستنباط هذا. بل الامر كما ذكرناه وإن فرضنا أن الاعلم بحسب الهيئة أعني هيئة " افعل " يشمل الاقوائية في القواعد والكبريات أو الاكثرية من حيث الاحاطة بالفروع والكلمات. وذلك لان الحكم بوجوب تقليد الاعلم لم يرد في شي من الادلة اللفظية ليلاحظ ان الاعلم هل هو ظاهر لدى العرف فيما يشمل الاعلمية من حيث القواعد والكبريات أو الاحاطة بالفروع والاقوال أو غير ظاهر في ذلك، وإنما الحكم بوجوب تقليده مستند إلى بناء العقلاء أو العقل من باب قاعدة الاشتغال على ما قدمنا تفصيله، ولا شبهة في أن الاعلم الذي يجب تقليده لدى العقلاء أو العقل إنما هو بالمعنى الذي ذكرناه أعني الاعرف بتطبيق الكبريات على مصاديقها، لان الطبيب الاعلم - عندهم - من يكون أعرف بتطبيق الكبريات الطبية على صغرياتها كما مر.

[ 205 ]

[ (مسألة 18) الاحوط عدم تقليد المفضول (1) حتى في المسألة التى توافق فتواه فتوى الافضل. ] وبما ذكرناه يظهر أن كثرة العلم بالمسائل والفروع بحيث يكون معلومه بحسب العدد أكثر من غيره غير راجعة إلى الاعلمية فانها أمر خارج عن الاعرفية في التطبيق مضافا إلى أن العالمية والاعلمية إنما تلاحظان بالاضافة إلى شى واحد فيقال: زيد عالم بمسألة كذا وعمرو اعلم بها منه. وأما إذا كان هناك شيئان يعلمهما أحد المجتهدين ولم يعلم الآخر إلا باحدهما فلا يصح أن يقال إن الاول اعلم من الآخر بل هما متساويان في العلم باحدهما وفى الآخر احدهما عالم والآخر لا علم له به اصلا لا أن الاول اعلم. وأما الاشدية في المراتب العلمية بان يقال إن من انكشف له حكم المسألة انكشافا جزميا فهو مقدم على من انكشف له حكمها انكشافا ظنيا - مثلا - أو ان من انكشف له حكمها من ادلتها ظنا يتقدم على من لم يحصل له الظن بحكمها من ادلتها أو الاقوائية بحسب المبنى كما إذا كان احد المجتهدين قويا في مبانيه العلمية بحيث لا يشك فيها بتشكيك المشككين، ولا يرفع اليد عنها بالمناقشة في ادلتها بخلاف الآخر. فلا يمكن حمل الاعلم على شيى منهما: وذلك لانهما غير راجعين إلى الاعرفية في التطبيق. على أن الاجتهاد إنما يدور مدار قيام الحجة على الحكم وعدمه سواء انكشف بها الحكم الشرعي جزميا أو ظنيا أم لم ينكشف، وسواء أمكن التشكيك في مباني المجتهد أم لم يمكن، فلا توقف للاجتهاد على شدة الانكشاف وضعفه، ولا على قوة المباني وعدمها فلاحظ. (1) ذكرنا في المسألة الثانية عشرة أن الاعلم إنما يجب تقليده فيما إذا علمت المخالفة بينه وبين غير الاعلم في الفتوى. وأما مع العلم بالموافقة بينهما أو احتمالها فلا يجب تقليد الاعلم بوجه، لان الحجية انما ثبتت لطبيعي فتوى العالم أو الفقيه - على نحو صرف الوجود - فإذا عمل المقلد بفتياهما فقد عمل على طبق الحجة أعنى

[ 206 ]

فتوى الفقيه، ولم يقم دليل على وجوب تعيين المجتهد المقلد وتمييزه حينئذ وهو نظير ما إذا ورد روايتان ودلتا على وجوب شئ معين وافتى المجتهد بوجوبه استنادا إلى الجامع بين الروايتين، فانه حينئذ قد عمل على طبق الحجة الشرعية، ولا يجب عليه أن يعين ما عمل به منهما فما يظهر من الماتن من لزوم تعيين المجتهد المقلد في مفروض الكلام مما لامستند له، وتوضيح ذلك: أن المجتهدين المتعددين إذا اتفقوا في الاجتهاد لم يقم أي دليل على أن العامي يجب أن يستند إلى فتاواهم في مقام العمل تساووا في الفضيلة أم اختلفوا وقد تكلمنا على ذلك في محله فلا نعيد إلا أنا لو قلنا بوجوب الاستناد فهل الواجب أن يستند إلى خصوص فتوى احدهم المعين، أو يكفى الاستناد إلى الجامع أو المجموع؟ الصحيح أن الاستناد إلى فتوى اي واحد من المجتهدين المتفقين في الاجتهاد يجزى في مقام الامتثال وذلك لشمول أدلة الحجية لفتوى كل واحد منهم في محل الكلام و " سره " أن الحجية نظير غيرها من الاحكام الوضعية أو التكليفية قد جعلت لطبيعي الدليل وهو قابل الصدق على الواحد والكثير إذا فموضوع الحجية في المقام إنما هو طبيعي فتوى العالم أو الفقيه وهو قابل الانطباق على فتوى كل من المجتهدين وبهذا تتصف كل واحدة من الفتاوى المتفقة بالمنجزية والمعذرية، ويسوغ للمكلف أن يستند إلى فتوى هذا بخصوصها والى فتوى ذاك كذلك. كما أن له أن يستند إلى الطبيعي الملغى عنه الخصوصيات والمشخصات والكثرات والمميزات لانه الموضوع للحجية، كما هو الحال في بقية الحجج المتفقة في المضمون، وبهذا يظهر أن الاستناد إلى مجموع الفتاوى غير صحيح، لان المجموع بما هو مجموع اعني اعتبار ضم كل واحدة منها إلى الاخرى في مقام الاستناد ينافى حجية كل من الفتاوى في نفسها لما ذكرناه من أن كل واحدة من الفتاوى حجة على استقلالها، فلا معنى لانضمام بعضها إلى بعضها الآخر في مقام الاستناد، وبعبارة

[ 207 ]

[ (مسألة 19) لا يجوز تقليد غير المجتهد (1) وإن كان من أهل العلم، كما انه يجب (2) على غير المجتهد التقليد وإن كان من أهل العلم. ] اخرى أن كل واحدة منها معذرة ومنجزة لا انها جزئهما. وأما الاستناد إلى المجموع لا بما هو كذلك، بل بمعنى الجميع بان يستند إلى هذا في نفسه والى ذاك كذلك وهو المعبر عنه بالعموم الاستغراقي فلا يرد عليه المحذور المتقدم لعدم كون الاستناد إلى الفتوى الثانية منافيا لحجية الاولى باستقلالها إلا أنه لغو لا اثر له فانه بعد حجية كل واحدة من الفتاوى في نفسها وجواز الاستناد إليها باستقلالها لا حاجة إلى الاستناد إلى الاخرى بوجه. ودعوى: أن ذلك يستلزم توارد العلل المتعددة على معلول واحد. مندفعة: بان الداعي على الاتيان بالعمل أو تركه انما هو ثبوت التكليف به أو بتركه، فالامتثال مستند إلى التكليف الواحد وإن قامت عليه حجج متعددة. (1) لان الادلة المتقدمة المسوغة للتقليد غير شاملة للتقليد من غير المجتهد لاختصاصها بالعالم أو الفقيه أو غيرهما من العناوين الواردة في لسان الدليل غير الصادقة على غير المجتهد. (2) على ما فصلنا الكلام فيه في أول الكتاب وقلنا إن كل مكلف لابد أن يكون في أعماله أو تروكه مجتهدا أو مقلدا أو محتاطا، كما أن المجتهد ليس له أن يقلد الغير، إذ لا تشمله الادلة المسوغة للتقليد. وأما الواجد لملكة الاجتهاد إذا لم يتصد للاستنباط أصلا أو أنه استنبط جملة قليلة من الاحكام فقد بينا في التكلم على اقسام الاجتهاد أن الصحيح عدم مشروعية التقليد في حقه كما أنه لا يجوز التقليد منه إذا لم يتصد للاستنباط اصلا فليراجع.

[ 208 ]

[ (مسألة 20) يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني (1) كما إذا كان المقلد من أهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص وكذا يعرف بشهادة عدلين (2) من أهل الخبرة. ] طرق معرفة الاجتهاد (1) لانه حجة بذاته، كما يثبت بالاطمئنان لانه علم عادى وهو حجة عقلائية ولم يردع عنها في الشريعة المقدسة. (2) قد استدل على حجية البينة بوجوه: " منها ": دعوى الاجماع على اعتبارها في الشريعة المقدسة. وفيه: أن هذا الاجماع على تقدير ثبوته ليس من الاجماعات التعبدية، لا حتمال استناده إلى أحد الوجوه المذكورة في المقام فلا يستكشف به قول المعصوم - ع - بوجه. و " منها ": أن الشارع قد جعل البينة حجة في موارد الترافع والخصومات وقدمها على غير الاقرار من معارضاتها، وإذا ثبتت حجية شى في موارد القضاء مع ما فيها من المعارضات ثبتت حجيته في سائر الموارد مما ليس لها معارض فيه بطريق اولى. ويرد عليه أن الدعوى والخصومة مما لا مناص من حله بشى، لان بقاء الترافع بحاله ينجر إلى اختلال النظام فما به ترتفع المخاصمات لا يلزم أن يكون حجة حتى في غير المرافعات، ومن هنا أن اليمين تفصل بها الخصومة شرعا ولا تعتبر في غير المرافعات فالاولوية لاتبتنى على أساس صحيح. و " منها ": موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله - ع - قال: سمعته يقول: كل شيى هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه

[ 209 ]

أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة (* 1). لدلالتها على أن اليد في مثل الثوب والمملوك واصالة عدم تحقق النسب أو الرضاع في المرأة، حجة معتبرة لابد من العمل على طبقها إلا أن يعلم أو تقوم البينة على الخلاف، إذا يستفاد منها أن البينة حجة شرعية في اثبات الموضوعات المذكورة في الموثقة وبما أن كلمة " الاشياء " من الجمع المحلى باللام وهو من أداة العموم، ولا سيما مع التأكيد بكلمة " كلها " فنتعدى عنها إلى بقية الموضوعات التي يترتب لها احكام ومنها الاجتهاد والاعلمية. وحيث أن مورد الموثقة هو الموضوعات الخارجية لا يصغى إلى دعوى أن الموثقة انما دلت على اعتبار البينة في الاحكام فلا يثبت بها حجيتها في الموضوعات فالموثقة يدلنا على حجية البينة في الموضوعات مطلقا، ويؤيدها رواية عبد الله ابن سليمان عن أبي عبد الله - ع - في الجبن قال: كل شي لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة (* 2) وحيث أن سندها غير قابل للاعتماد عليه جعلناها مؤيدة للموثقة هذا. وقد تعرضنا للاستدلال بهذه الموثقة في كتاب الطهارة عند التكلم على طرق ثبوت النجاسة (* 3) وذكرنا أن الرواية وإن عبر عنها في كلام شيخنا الانصاري " قده " بالموثقة، إلا أنا راجعنا حالها فوجدناها ضعيفة حيث لم يوثق مسعدة في الرجال. بل قد ضعفه المجلسي والعلامة وغيرهما. نعم ذكروا في مدحه أن رواياته غير مضطربة المتن وأن مضامينها موجودة في سائر الموثقات ولكن شيئا من ذلك


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 2) المروية في ب 61 من ابواب الاطعمة المباحة من الوسائل. (* 3) ج 1 ص 384 - 385.

[ 210 ]

لا يدل على وثاقة الرجل فهو ضعيف على كل حال. والامر وإن كان كما ذكرناه إلا أن التحقيق أن الرواية موثقة وذلك لان مسعدة بن صدقة من الرواة الواقعة في طريق كامل الزيارات وقد بنى - أخيرا - سيدنا الاستاذ ادام الله اظلاله على وثاقة رجاله وذلك لتصريح ابن قولويه في ديباجته بانه روى في ذلك الكتاب الاخبار غير المتصفة بالشذوذ والتي رواها الثقات من اصحابنا. ولا يضره ما حكى عن المجلسي والعلامة وغيرهما من تضعيف الرجل، وذلك لان العلامة والمجلسي وغيرهما من المضعفين على جلالتهم وتدقيقاتهم لا يعتنى بتضعيفاتهم ولا بتوثيقاتهم المبتنيتان - من المتأخرين - على اجتهاداتهم، ولا يحتمل ان يكون توثيق العلامة أو تضعيفه من باب الشهادة والاخبار فضلا عن المجلسي أو غيره لبعد عصرهم عن الرواة. نعم لو علمنا أن توثيقه أو تضعيفه مستند إلى الحس والاخبار أو احتملنا ذلك في حقهم لم يكن توثيقاته أو تضعيفاته قاصرة عن توثيق أو تضعيف مثل الشيخ والنجاشى وغيرهما من المتقدمين فالرواية لااشكال فيها من تلك الجهة. نعم يمكن المناقشة في الاستدلال بها من جهة الدلالة وذلك لان " البينة " لم تثبت لها حقيقة شرعية ولا متشرعية وانما استعملت في الكتاب والاخبار بمعناها اللغوى وهو ما به البيان والظهور على ما فصلناه في كتاب الطهارة فلاحظ ومعه لا يمكن أن يستدل على حجية البينة المصطلح عليها بالموثقة لعدم كونها مستعملة فيها بمعنى شهادة العدلين. فالصحيح أن يستدل على حجية البينة - بالمعنى المصطلح عليه - بما بيناه في البحث عن طرق ثبوت النجاسة وحاصله: أنا علمنا من الخارج أن النبي - ص - كان يعتمد على اخبار العدلين في موارد الترافع من غير شك واعتماده - ص - عليها يدلنا على أن شهادة العدلين ايضا من مصاديق الحجة وما به البيان، فانه لولا كونها

[ 211 ]

كذلك لم يجز له أن يعتمد عليها ابدا فبهذا نستكشف انها حجة مطلقا من دون أن يختص اعتبارها بموارد الخصومة والقضاء، لان اعتماد الشارع عليها يدلنا على أن خبر العدلين حجة معتبرة في مرتبة سابقة على القضاء لا أنه اتصف بالحجية بنفس القضاء هذا. ثم إن الاجتهاد والاعلمية كما أنهما يثبتان بالبينة كذلك يثبتان بالخبر الواحد وذلك لما بيناه في محله من أن خبر العدل الواحد كما أنه حجة معتبرة في الاحكام الشرعية كذلك يعتمد عليه في الموضوعات الخارجية وهذا للسيرة الجارية على الاعتماد عليه عند العقلاء مطلقا ولم يردع عنها في الشريعة المقدسة. بل لا تتوقف حجيته على عدالة المخبر لكفاية الوثاقة في حجية الخبر وإن استشكل الماتن في حجية الخبر الواحد في الموضوعات في جملة من الموارد. وقد يتخيل أن الموثقة المتقدمة كافية في الردع عن العمل بالخبر الواحد في الموضوعات الخارجية حيث ورد في ذيلها: والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة. نظرا إلى أنه دل على حصر المثبت بالاستبانة وقيام البينة فلو كان الخبر الواحد ايضا حجة مثبتة للموضوعات الخارجية كالبينة لبينه - ع - ويدفعه: " أولا ": أن الموثقة ليست بصدد الحصر أبدا وذلك لوضوح أن الاشياء كما أنها تثبت بالاستبانة والبينة كذلك تثبت بالاستصحاب والاقرار وحكم الحكم وغيرها فلو كانت بصدد حصر المثبت فيهما لاستلزم ذلك تخصيص الاكثر المستهجن و " ثانيا ": أن البينة في الموثقة كما قدمناه بمعنى الحجية وما به البيان وهذا هو الذي دلت الموثقة على حجيته في قبال العلم الوجداني والاستبانة، وأما تطبيق ذلك على مصاديقه وان ما به البيان أي شي فالموثقة غير ناظرة إلى بيانه فلا مناص من أن يحرز مصاديقه من الخارج فإذا اقمنا الدليل على اعتبار الخبر في الموضوعات

[ 212 ]

[ إذا لم تكن معارضة (1) بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد، وكذا يعرف بالشياع المفيد للعلم، وكذا الاعلمية تعرف بالعلم، أو البينة غير المعارضة، أو الشياع المفيد للعلم. ] الخارجية استكشفنا بذلك أنه ايضا مصداق لكبري الحجية وما به البيان، كما استكشفنا حجية البينة المصطلح عليها من الخارج على التقريب المتقدم فلاحظ. و " ثالثا ": لو سلمنا أن البينة في الموثقة بمعناها المصطلح عليه فعدم ذكر الخبر الواحد في قبال العلم والبينة انما هو من جهة خصوصية في موردها وهي أن الحلية في مفروضها كانت مستندة إلى قاعدة اليد - في مسألة الثوب - ومن الواضح أن الخبر الواحد غير معتبر مع اليد فكأنه عليه السلام كان بصدد بيان ما يعتبر في جميع الموارد على وجه الاطلاق وعلى الجملة ان الموثقة غير رادعة عن السيرة العقلائية وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محله. ودعوى: أن الاجتهاد ليس من الامور الحسية، وأن القوة والملكة إنما يستكشفان بالحدس والاختبار، والشهادة، والاخبار إنما تقبلان في المحسوسات ولا اعتبار بهما في الحدسيات ابدا. مندفعة: بان الاجتهاد كالعدالة وغيرها من الامور التى تقبل فيها الشهادة والاخبار، والوجه فيه مع أن الملكة غير قابلة للحس ان تلك الامور من الامور الحدسية القريبة من الحس، لانها مما يقل فيه الخطاء وتكون مقدماته موجبة للحدس غالبا، والاخبار عن مثلها كالاخبار عن الامور المحسوسة في الاعتبار عند العقلاء. (1) لان أدلة الاعتبار غير شاملة للمتعارضين فان شمولها لهما معا يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين، وشمولها لاحدهما دون الآخر بلا مرجح، وهذا معنى ما يقال: إذا تعارضا تساقطا. فلا يتصف شى منهما بالحجية والاعتبار.

[ 213 ]

[ (مسألة 21) إذا كان مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم باعلمية أحدهما ولا البينة (1) فان حصل الظن باعلمية أحدهما تعين تقليده بل لو كان في أحدهما احتمال الاعلمية يقدم كما إذا علم أنهما إما متساويان أو هذا المعين أعلم، ولا يحتمل أعلمية الآخر فالاحوط تقديم من يحتمل أعلميته. ] (1) ذكرنا عند التكلم على مسألة وجوب الفحص عن الاعلم أنه إذا لم يشخص الاعلم من المجتهدين. ولم يتمكن من تحصيل العلم باعلمية أحدهما - مع العلم بمخالفتهما في الفتوى - فان تمكن من الاحتياط وجب لما مر غيره مرة من أن الاحكام الواقعية قد تنجزت على المكلفين بالعلم الاجمالي بوجود احكام الزامية في الشريعة المقدسة، ولا طريق للعامي إلى امتثالها سوى العمل على طبق فتوى الاعلم وهو مردد بين شخصين ومعه لا مناص من الاحتياط تحصيلا للعلم بالموافقة لاستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب كما هو الحال في بقية موارد العلم الاجمالي. ولا أثر للظن بالاعلمية أو احتمالها في أحدهما حينئذ، لان أدلة الحجية غير شاملة للمتعارضين ومعه لم يجعل شى من الفتويين المتعارضتين حجة على المكلف ليجب الاخذ بما ظن أو احتمل حجيته. بل الوظيفة وقتئذ هو الاحتياط حتى يقطع بخروجه عن عهدة ما علم به من التكاليف الالزامية. وأما إذا لم يتمكن من الاحتياط إما لعدم سعة الوقت للجمع بين الفتويين، واما لان احدهما افتى بوجوب شى والآخر بحرمته فلا محالة يتخير بينهما للعلم بوجوب تقليد الاعلم وهو مردد بين شخصين ولا مرجح لاحدهما على الآخر وفى هذه الصورة إذا ظن باعلمية احدهما أو احتملها وجب الاخذ به. ولا يقاس هذه الصورة بالصورة المتقدمة فان في تلك الصورة اوجب التعارض سقوط فتوى كلا المجتهدين عن الحجية فلم يجعل شئ منهما حجة

[ 214 ]

[ (مسألة 22) يشترط في المجتهد أمور: البلوغ (1). ] على المكلف ليتميز بالظن أو الاحتمال. واما في هذه الصورة فيما انه غير متمكن من الاحتياط لم يجب عليه إلا العمل بفتوى احدهما لعدم تكليفه بالاحتياط - لتعذره - ولا ترتفع عنه الاحكام - لتنجزها عليه بالعلم الاجمالي - فلا مناص إلا من اتباع إحدى الفتويين فإذا احتمل أو ظن باعلمية احدهما دار امر المكلف بين التعيين والتخيير، وقد تقدم ان العقل يستقل بلزوم الاخذ بما يحتمل تعينه، للعلم بانه معذر على كل حال ومعذرية الآخر غير محرزة. وبما سردناه اتضح ان الظن بالاعلمية أو احتمالها إنما يكون معينا لتقليد من ظن باعلميته أو احتمل إذا لم يتمكن من الاحتياط دون ما إذا كان متمكنا منه فما افاده الماتن في المقام لا يمكن المساعدة على اطلاقه. كما ان ما افاده في المسألة الثامنة والثلاثين من ان المكلف في تلك المسألة، إذا لم يتمكن من الاحتياط تخير بينهما وإذا امكنه فالاحوط هو الاحتياط لا يمكن المساعدة على اطلاقه ايضا لما عرفته من ان المكلف انما يتخير بينهما عند عدم التمكن من الاحتياط إذا لم يظن أو لم يحتمل اعلمية احدهما، وإلا فالمتعين تقليد المظنون أو المحتمل اعلميته. هذا كله مع العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى. واما إذا لم يعلم المخالفة بينهما فقد مر انه لا يجب تقليد معلوم الاعلمية وقتئذ فضلا عن المظنون أو المحتمل اعلميته. شرائط المرجعية للتقليد قد اشترطوا فيمن يرجع إليه في التقليد امورا: 1 - البلوغ: (1) لم يقم أي دليل على ان المفتى يعتبر فيه البلوغ. بل مقتضى السيرة العقلائية

[ 215 ]

الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم عدمه لعدم اختصاصها بما إذا كان العالم بالغا بوجه فإذا كان غير البالغ صبيا ماهرا في الطبابة لراجعه العقلاء في معالجاتهم من غير شك كما ان الاطلاقات يقتضى الجواز لصدق العالم والفقيه واهل الذكر ونحوها على غير البالغ كصدقها على البالغين. واستبعاد ان يكون المقلد للمسلمين صبيا مراهقا إذا كان واجدا لسائر الشرائط مما لا وقع له كيف ومن الانبياء والاوصياء عليهم افضل السلام من بلغ مرتبة النبوة أو الامامة وهو صبى، فإذا لم تكن الصباوة منافية للنبوة والامامة فلا تكون منافية للمرجعية ابدا. ولم نستفد من مذاق الشارع ان تصدى غير البالغ للافتاء والمرجعية امر مرغوب عنه في الشريعة المقدسة. وأما ما ورد من ان عمد الصبي وخطأه واحد (* 1) وانه رفع القلم عن الصبى حتي يحتلم (* 2) فهما اجنبيان عن محل الكلام، إذ المراد من ان عمد الصبي خطاء على ما ورد في ذيل الرواية الاخرى (* 3) بهذا المضمون: ان ديته في القتل خطاء على عاقلته، وليس معناه ان كل ما صدر عن الصبي فهو بحكم الخطاء في الشريعة المقدسة، بحيث لو تكلم الصبي في اثناء صلاته متعمدا لم تبطل صلاته - بناء على شرعية عباداته - لانه بحكم الخطاء إذا الرواية اجنبية عن جواز التقليد من الصبي. كما ان الرواية الثانية كذلك، لان كون الصبي مرفوعا عنه القلم أي عدم كونه


(* 1) محمد بن مسلم عن ابى عبد الله - ع - قال: عمد الصبى وخطأه واحد المروية في ب 11 من ابواب العاقلة من الوسائل. (* 2) المروية في ب 4 من ابواب العبادات من الوسائل بتغيير يسير وبمضمونها روايات كثيرة في ابواب مختلفة. (* 3) اسحاق بن عمار عن جعفر عن ابيه أن عليا - ع - كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة. المروية في ب 11 من ابواب العاقلة من الوسائل.

[ 216 ]

مؤاخذا بافعاله وتروكه لا يقتضى عدم جواز تقليده والحكم ببطلان اقواله وعدم اعتبار فتاواه، على ما تعرضنا للروايتين في التكلم على شرائط المتعاقدين، وذكرنا أن كون عمد الصبي خطأ وكونه مرفوعا عنه القلم لا يقتضيان بطلان اقواله وأفعاله حتى يحكم ببطلان ما أوجده من العقود والايقاعات. إذا لم يثبت عندنا ما يمنع عن السيرة العقلائية بوجه، فان كان عدم جواز التقليد من الصبي موردا للتسالم والاجماع القطعي فهو وإلا فلا مانع من الرجوع إليه في التقليد إذا كان واجدا لبقية الشرائط المعتبرة في المقلد، وحيث لاسبيل لنا إلى احراز التسالم على عدم الجواز فلا مانع من تقليد غير البالغ بوجه. بقى هناك امران: " أحدهما ": أن محل الكلام في المقام أن البلوغ هل يعتبر في زمن العمل بفتوى المجتهد أو لا يعتبر؟ وأما إذا كان المجتهد بالغا في زمان العمل بفتواه إلا أنه انما تصدى للاستنباط قبل البلوغ فلا شبهة في جواز الرجوع إليه وهو خارج عن مورد النزاع بالكلية. و " ثانيهما ": أنا لو قلنا باشتراط البلوغ في المقلد، وأخذ العامي الفتوى منه قبل بلوغه، ثم بلغ فمات فله أن يبقى على تقليده فيما أخذه أو تعلمه وذلك لما قدمناه في التكلم على مسألة جواز البقاء أن عنوان البقاء على تقليد الميت غير وارد في شى من الادلة حتى يتوقف جوازه على ملاحظة معنى التقليد وتفسيره. بل يكفى في جوازه اخذ الفتوى وتعلمها حال الحياة. وذلك لان المقلد يصدق عليه الفقيه أو غيره من العناوين الواردة في لسان الدليل، ومقتضى السيرة والاطلاقات حجية فتاواه، وجواز الرجوع إليه في الاحكام وغاية الامر أنا اعتبرنا فيه البلوغ ايضا وقيدنا حجية فتاواه بالبلوغ،

[ 217 ]

[ والعقل (1) ] والمفروض أنه قد بلغ قبل أن يعمل العامي بفتواه، وبما أن الاخذ والتعلم قد تحققا حال حياة المجتهد فلا يكون تقليده من تقليد الميت الابتدائي. 2 - العقل: (1) وعن شيخنا الانصاري " قده " ما ظاهره أن اعتبار العقل في المجتهد المقلد أمر لا خلاف فيه وأنه مورد للاتفاق. ويدل على اعتباره جميع الادلة المتقدمة المستدل بها على حجية فتوى الفقيه من الآيات والاخبار والسيرة العقلائية. وذلك لوضوح ان الموضوع في الادلة اللفظية هو الفقيه والعالم والعارف ونحوها، ولا ينبغى الارتياب في عدم صدق شى منها على غير العاقل، فانه لا ميزان لفهمه ولا لشى من اعماله واقواله. وكذلك السيرة العقلائية لانها جرت على رجوع الجاهل إلى عالم مثلهم في العقل والدراية ولم نتحقق جريان سيرتهم على رجوع الجاهل إلى من يفعل ما يفعله ويتكلم بما يتكلم به من غير دراية ولا ميزان ويهرول في العقود والاسواق ويضرب هذا ويهتك ذاك، ويأكل ما تمكن من اكله، إذا لا شبهة في ان المقلد يعتبر فيه العقل بحسب الحدوث. وانما الكلام في اشتراط العقل فيه بحسب البقاء وانه هل يشترط في حجية فتاواه بقائه على العقل والدراية بحيث لو اخذ العامي منه الفتوى حال درايته وعقله إلا انه جن بعد ذلك أو انه كان مجنونا ادواريا قد يعقل وقد يجن واخذ منه الفتوى حال إفاقته لم يجز له البقاء على تقليده، والعمل بفتياه، أو ان العقل غير معتبر في حجية الفتوى بحسب البقاء وللمكلف العمل بفتواه وإن طرأ عليه الجنون بعد الاخذ منه؟ لا مجال لاستفادة اعتبار العقل بقاء من الادلة اللفظية، والسيرة العقلائية. بل

[ 218 ]

[ الايمان (1) ] مقتضى الاطلاقات عدم اشتراطه بقاء، والسيرة ايضا غير مخالفة لذلك نظير ما مر من عدم اشتراط الحياة في حجية الفتوى بحسب البقاء ومعه يحتاج اعتبار العقل في المقلد بحسب البقاء إلى دليل ويأتى تمام الكلام في ذلك عند التكلم على شرطية الاجتهاد والايمان وغيرهما من الشرائط المتقدمة والآتية بحسب البقاء فانتظره. 3 - الايمان: (1) استدلوا على اعتباره بامور: " منها ": دعوى اجماع السلف والخلف على شرطية الايمان في المقلد ويدفعه: ان الاجماع المدعى ليس من الاجماعات التعبدية حتى يستكشف به قول المعصوم - ع - لاحتمال ان يكون مستندا إلى احد الوجوه الآتية في الاستدلال، ومعه لا مجال للاعتماد عليه. " منها ": مقبولة عمر بن حنظلة حيث ورد فيها: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا.. (* 1) وحسنة إبى خديجة بقوله - ع - فيها: ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا.. (* 2) وفيه: أن الروايتين إنما وردتا في الترافع والقضاء. وقد مر في التكلم على اعتبار الاعلمية انه لا ملازمة بين بابى القضاء والفتوى حتى يعتبر في كل منهما ما اعتبر في الآخر من الشروط، على انهما دلتا على اعتبار كون القاضى من الشيعة نظرا إلى ان غير الشيعة لا يروى عنهم عليهم السلام وانما يروى عن المفتين في مذهبه وعمن اعتنق به في عقيدته أو لو روى عنهم لم يكن يحكم بحكمهم، ولا انه عارف باحكامهم


(* 1) المروية في ب 11 من ابواب صفات القاضى من الوسائل. (* 2) المروية في ب 1 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 219 ]

وقضاياهم - عادة - لا ان ذلك حكم تعبدي صدر عنهم - ع - وعلى الجملة إن اعتبار الايمان في الروايتين من جهة ان الموضوع للحكم بالحجية فيهما هو ما إذا حكم الحاكم بحكمهم لانه الذي جعله - ع - حاكما على الناس، وغير الاثنى عشرى انما يحكمون باحكام انفسهم لا بحكمهم - ع - فإذا فرضنا في مورد ان المفتى من غير الشيعة إلا انه يحكم بحكمهم لعرفانه باحكامهم وقضاياهم - كما هو مفروض الكلام - لم يكن وجه لان تشمله الروايتان هذا. على ان مقبولة عمربن حنظلة ضعيفة السند على ما بيناه في التكلم على اعتبار الاعلمية فلاحظ. و " منها ": روايتا على بن سويد واحمد بن حاتم بن ماهويه فقد ورد في أولهما: كتب إلى أبو الحسن - ع - وفي السجن: لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا فانك إن تعديتهم اخذت دينك عن الخائنين.. (* 1) وفي ثانيتهما جوابا عما كتبه احمد بن حاتم وأخوه إلى أبي الحسن الثالث - ع - فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا، وكل كثير القدم في أمرنا، فانهما كافوكما إن شاء الله.. (* 2) وذلك للنهى في الرواية الاولى عن الرجوع إلى غير الشيعة، والامر في الثانية بالاعتماد على المسن في حبهم وكثير القدم في أمرهم - ع -. ويدفعه: أن الروايتين ضعيفتا السند فان في سند اولاهما محمد بن اسماعيل الرازي، وعلي بن حبيب المدائني وكلاهما لم يوثق في الرجال كما ان في سند الثانية جملة من الضعاف منهم احمد بن حاتم بن ماهويه. مضافا إلى ان الظاهر ان النهي في الرواية الاولى عن الاخذ من غير الشيعة انما هو من جهة عدم الوثوق والاطمئنان بهم لانهم خونة حيث خانوا الله ورسوله - ص - وخانوا اماناتهم كما في الرواية، واين هذا مما هو محل الكلام،


(1) و (2) المرويتان في ب 11 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 220 ]

لان البحث انما هو في جواز الرجوع إلى من كان واجدا لجميع الشرائط وتصدى لاستنباط الاحكام عن ادلتها على الترتيب المقرر عندنا ولم يكن فيه اي نقص غير انه لم يكن شيعيا ومعتقدا بالائمة عليهم السلام. واما الرواية الثانية فهي غير معمول بها قطعا، للجزم بأن من يرجع إليه في الاحكام الشرعية لا يشترط ان يكون شديد الحب لهم أو يكون ممن له ثبات تام في امرهم - ع - فان غاية ما هناك ان يعتبر فيه الايمان على الوجه المتعارف بين المؤمنين، إذا لابد من حملها على بيان افضل الافراد - على تقدير تماميتها بحسب السند -. ويوكد ما ذكرناه ان اخذ معالم الدين كما انه قد يتحقق بالرجوع إلى فتوى الفقيه كذلك يتحقق بالرجوع إلى رواة الحديث ومن الظاهر ان حجية الرواية لا تتوقف على الايمان في رواتها، لما قررناه في محله من حجية خبر الثقة ولو كان غير الاثنى عشرى من سائر الفرق إذا فليكن الاخذ بالرجوع إلى فتوى الفقيه ايضا كذلك. على انا لو سلمنا جميع ذلك وبنينا على شرطية الايمان والاسلام في حجية الفتوى بحسب الحدوث فلا ملازمة بينها وبين اعتبارهما في حجيتها بقاء، ايضا بحيث لو اخذ العامي فتوى المجتهد حال استقامته وايمانه ثم انحرف عن الحق لم يجز له ان يبقى على تقليده لسقوط فتواه عن الاعتبار، فانه يحتاج إلى دليل آخر غير ما دل على اعتبارهما في الحدوث. فالمتحصل إلى هنا انه لم يدلنا دليل لفظي معتبر على شرطية الايمان في المقلد. بل مقتضى اطلاق الادلة والسيرة العقلائية عدم الاعتبار لان حجية الفتوى في الادلة اللفظية غير مقيدة بالايمان ولا بالاسلام كما ان السيرة جارية على الرجوع إلى العالم مطلقا سواء اكان واجدا للايمان والاسلام ام لم يكن وهذا يتراءى من سيرتهم بوضوح لانهم يراجعون الاطباء والمهندسين أو غيرهم من اهل

[ 221 ]

[ والعدالة (1). ] الخبرة والاطلاع ولو مع العلم بكفرهم، ومع هذا كله لا ينبغى التردد في اعتبار الايمان في المقلد حدوثا وبقاء كما يأتي وجهه عن قريب فانتظره. 4 - العدالة (1) اشتراط العدالة كاشتراط البلوغ والايمان لا يكاد يستفاد من شئ من السيرة والادلة اللفظية المتقدمتين، وذلك لان مقتضى اطلاق الآية والاخبار عدم الفرق في حجية انذار الفقيه أو قول العالم أو رأى العارف بالاحكام بين عدالته وفسقه، كما ان السيرة الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم غير مقيدة بما إذا كان العالم عادلا بوجه. نعم مقتضى السيرة وغيرها من الادلة القائمة على حجية الخبر الواحد اشتراط الوثاقة في المقلد وذلك حتى يجوز الاعتماد على إخباره عن رأيه ونظره، ولا يشترط فيه زائدا على الوثوق شي. نعم قد يستدل على اعتبار العدالة بالاجماع. وفيه أنه ليس من الاجماع التعبدى في شيى، ولا يمكن أن يستكشف به قول الامام - ع - لاحتمال استنادهم في ذلك إلى امر آخر كما ستعرف. وقد يستدل عليه برواية الاحتجاج المروية عن التفسير المنسوب إلى العسكري - عليه السلام - حيث ورد فيها: فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه.. (* 1). ويدفعه " أولا ": أن الرواية ضعيفة السند لان التفسير المنسوب إلى العسكري - عليه السلام - لم يثبت بطريق قابل للاعتماد عليه فان في طريقه جملة من المجاهيل


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 222 ]

كمحمد بن القاسم الاسترابادي، ويوسف بن محمد بن زياد، وعلي بن محمد بن سيار فليلاحظ. هذا إذا اريد بالتفسير المنسوب إلى العسكري - ع - هو الذي ذكره الصدوق " قده " باسناده عن محمد بن القاسم الاسترابادي، والظاهر أنه مجلد واحد كما لا يخفى على من لاحظ التفسير الموجود بايدينا اليوم. وأما لو اريد به هو الذي ذكره محمد بن علي بن شهر آشوب على ما نقله في المستدرك فالسند إليه صحيح لانه ذكر: الحسن بن خالد البرقى اخو محمد بن خالد من كتبه تفسير العسكري من املاء الامام - ع - والحسن بن خالد ممن وثقه النجاشي وللمشايخ إليه طرق صحيحة. إلا أن الظاهر أنه غير التفسير الذي ذكره الصدوق باسناده عن محمد بن القاسم الاسترابادي، لانه نقل أن التفسير الذي عد من كتب البرقى مأة وعشرون مجلدا، وهذا لم يصل الينا ابدا وانما الموجود بايدينا مجلد واحد يتطابق لما نقله الصدوق " قده ". و " ثانيا ": إن الرواية انما وردت لبيان ما هو الفارق بين عوامنا وعوام اليهود في تقليدهم علمائهم، نظرا إلى أن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علمائهم بالكذب الصراح، وأكل الحرام والرشاء، وتغيير الاحكام، والتفتوا إلى أن من فعل ذلك فهو فاسق لا يجوز أن يصدق على الله، ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله، ومع هذا قلدوا علمائهم واتبعوا ارآئهم فلذلك ذمهم الله سبحانه بقوله عز من قائل: فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله حيث فسر في نفس الرواية بقوم من اليهود. ثم بين - ع - أن عوامنا أيضا كذلك إذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر والعصبية الشديدة، والتكالب على الدنيا وحرامها فمن قلد مثل هولاء فهو مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة علمائهم فاما من كان من الفقهاء صائنا

[ 223 ]

لنفسه حافظا لدينه. إلى أن قال وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لاكلهم وحاصل كلامه - ع - لو صحت الرواية أن التقليد انما يجوز ممن هو مورد الوثوق ومأمون عن الخيانة والكذب والاعتماد على قوله واتباع آرائه غير مذموم عند العقلاء وذلك كما إذا لم يعلموا منه الكذب الصراح، واكل الحرام. وهذا كما ترى لادلالة له على اعتبار العدالة في المقلد، لان الوثاقة كافية في صحة الاعتماد على قوله فان بالوثوق يكون الرجوع إليه صحيحا عند العقلاء، وعلى الجملة ان الرواية لا دلالة لها على اعتبار العدالة في المقلد. على أنا لو سلمنا دلالة الرواية على اعتبار العدالة في المفتى بحسب الحدوث فلا دلالة لها على اعتبارها فيه بقاء، كما إذا قلده حال عدالته ثم طرء عليه الفسق والانحراف، هذا. إلا أن مقتضى دقيق النظر اعتبار العقل والايمان والعدالة في المقلد بحسب الحدوث والبقاء. والوجه في ذلك أن المرتكز في أذهان المتشرعة الواصل ذلك إليهم يدا بيد عدم رضى الشارع بزعامة من لا عقل له، أو لا ايمان اولا عدالة له. بل لا يرضى بزعامة كل من له منقصة مسقطة له عن المكانة والوقار، لان المرجعية في التقليد من اعظم المناصب الالهية بعد الولاية، وكيف يرضى الشارع الحكيم أن يتصدى لمثلها من لا قيمة له لدى العقلاء والشيعة المراجعين إليه. وهل يحتمل أن يرجعهم إلى رجل يرقص في المقاهي والاسواق أو يضرب بالطنبور في المجامع والمعاهد ويرتكب ما يرتكبه من الافعال المنكرة والقبائح. أو من لا يتدين بدين الائمة الكرام ويذهب إلى مذاهب باطلة عند الشيعة المراجعين إليه؟! فان المستفاد من مذاق الشرع الانور عدم رضى الشارع بامامة من هو كذلك في الجماعة، حيث اشترط في امام الجماعة العدالة فما ظنك بالزعامة العظمى التي هي من اعظم المناصب بعد الولاية. إذا احتمال جواز الرجوع إلى غير العاقل

[ 224 ]

[ والرجولية (1). ] أو غير العادل مقطوع العدم، فالعقل، والايمان، والعدالة معتبر في المقلد حدوثا، كما أنها معتبرة فيه بحسب البقاء لعين ما قدمناه في اعتبارها حدوثا. ولعل ما ذكرناه من الارتكاز المتشرعى هو المراد مما وقع في كلام شيخنا الانصاري " قده " من الاجماع على اعتبار الايمان والعقل والعدالة في المقلد، إذلا نحتمل قيام اجماع تعبدي بينهم على اشتراط تلك الامور. 5 - الرجولية (1) استدلوا على عدم جواز الرجوع إلى المرأة في التقليد بحسنة (* 1) ابى


(* 1) ان أبا خديجة سالم بن مكرم الجمال ممن وثقه النجاشي، وضعفه الشيخ ولكنه وثقه في موضع آخر، على ما نقله العلامة (قده) وقد وقع في اسانيد كامل الزيارات ايضا. وتضعيف الشيخ (قده) غير مضر بوثاقته، لان تضعيفه هذا ان كان مقارنا لتوثيقه - زمانا - كما لو فرضنا انه وثقه وضعفه في وقت واحد فلا يمكن أن يشمل دليل الحجية شيئا من تضعيفه وتوثيقه لتعارضهما، ودليل الاعتبار لا يشمل المتعارضين. إذا يبقى توثيق النجاشي وابن قولويه في كامل الزيارات سليما عن المعارض وإذا فرضنا أن تضعيفه كان صادرا قبل توثيقه ايضا لم يكن موردا للاعتبار، لان توثيقه بعد التضعيف عدول عن تضعيفه السابق لا محالة لعدم احتمال ان الرجل عند الشيخ (قده) ثقة وضعيف، لوضوح أن الثابت عنده احدهما فالتوثيق المتأخر منه عدول عن تضعيفه. كما أن تضعيفه لو كان صادرا بعد توثيقه لكان ذلك عدولا عن توثيقه السابق ومعارضا لتوثيق النجاشي وغيره. وحيث لم يعلم تاريخهما وأن المتأخر ايهما اندرج ذلك في الشبهات المصداقية للتضعيف، لعدم ثبوت تضعيف الشيخ وعدوله عن توثيقه، كما لم يثبت عدوله

[ 225 ]

خديجة سالم بن مكرم الجمال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق - ع - اياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم.. (* 3) لدلالتها على اعتبار الرجولية في باب القضاء، ومن المعلوم أن منصب الافتاء لو لم يكن بارقى من القضاء فلا أقل من أنهما متساويان، إذ القضاء ايضا حكم وإن كان شخصيا وبين اثنين أو جماعة رفعا للتخاصم، والفتوى حكم كلي يبتلى به عامة المسلمين فإذا كانت الرجولية معتبرة في باب القضاء كانت معتبرة في باب الافتاء بالاولوية ويرد على هذا الوجه أن أخذ عنوان الرجل في موضوع الحكم بالرجوع انما هو من جهة التقابل باهل الجور وحكامهم حيث منع - ع - عن التحاكم إليهم، والغالب المتعارف في القضاء هو الرجولية، ولا نستعهد قضاوة النساء ولو في مورد واحد فاخذ عنوان الرجولية من باب الغلبة لامن جهة التعبد وحصر القضاوة بالرجال، فلا دلالة للحسنة على أن الرجولية معتبرة في باب القضاء فضلا عن الدلالة عليها في الافتاء لو سلمنا أن القضاء والفتوى من باب واحد. على أنه لم يقم أي دليل على التلازم بينهما ليعتبر في كل منها ما اعتبر في الآخر بوجه.


عن تضعيفه فلا يعتمد معه على شي من قولى الشيخ فيرجع إلى توثيق النجاشي وغيره من دون معارض في البين. ثم ان في طريق الصدوق إلى احمد بن عائذ الراوى عن ابى خديجة حسن بن على الوشاء وهو ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات ومقتضى ما بنى عليه سيدنا الاستاذ - ادام الله اظلاله - من أن الرجال الواقعين في اسانيده موثقون بتوثيق ابن قولويه هو الحكم بصحة الرواية وتوصيفها بها وانما عبرنا عنها بالحسنة نظرا إلى عدم توثيق حسن بن علي الوشاء في كتب الرجال وانما ذكروا أنه خير ومن وجوه هذه الطائفة فلا تذهل. (* 1) المتقدمة في ص 218

[ 226 ]

[ والحرية - على قول - (1) ] وايضا استدلوا عليه بمقبولة عمر بن حنظلة المتقدمة (* 1) حيث ورد فيها: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا. وقد ظهر الجواب عنها بما بيناه في الحسنة المتقدمة مضافا إلى انها ضعيفة السند كما مر، على أن قوله - ع - من كان. مطلق ولا اختصاص له بالرجال إذا لم يقم دليل على أن الرجولية معتبرة في المقلد. بل مقتضى الاطلاقات والسيرة العقلائية عدم الفرق بين الاناث والرجال هذا. والصحيح أن المقلد يعتبر فيه الرجولية، ولا يسوغ تقليد المرأة بوجه وذلك لانا قد استفدنا من مذاق الشارع أن الوظيفة المرغوبة من النساء انما هي التحجب والتستر، وتصدى الامور البيتية. دون التدخل فيما ينافي تلك الامور. ومن الظاهر أن التصدى للافتاء - بحسب العادة - جعل للنفس في معرض الرجوع والسؤال لانهما مقتضى الرئاسة المسلمين، ولا يرضى الشارع بجعل المرأة نفسها معرضا لذلك ابدا، كيف ولم يرض بامامتها للرجال في صلاة الجماعة فما ظنك بكونها قائمة بامورهم ومديرة لشئون المجتمع ومتصدية للزعامة الكبرى للمسلمين. وبهذا الامر المرتكز القطعي في اذهان المتشرعة يقيد الاطلاق، ويردع عن السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم مطلقا رجل كان أو امرأة. 6 - الحرية (1) لا يمكننا المساعدة على هذا الاشتراط سواء استندنا في مسألة جواز التقليد إلى السيرة العقلائية أم إلى الادلة اللفظية، أما إذا استندنا إلى السيرة فلاجل أن العقلاء يراجعون فيما يجهلونه إلى العالم به، ولا يفرقون في ذلك بين العبيد والاحرار وهذا


(* 1) في ص 218.

[ 227 ]

[ وكونه مجتهدا مطلقا فلا يجوز تقليد المتجزي (1) ] أمر غير قابل للتردد فيه، لانه المشاهد من سيرتهم بوضوح. وأما إذا اعتمدنا على الادلة اللفظية فلان قوله عزمن قائل: فلو لا نفر.. (* 1) يدلنا على وجوب التحذر عند انذار الفقيه ولم يقيد ذلك بما إذا كان المنذر حرا. وكذا الحال في غيرها من الادلة اللفظية، ومقتضى اطلاقها عدم اعتبار الحرية في المقلد. ولا يأتي في المقام ما اشرنا إليه في شرطية العدالة ويأتي تفصيله عند التكلم على طهارة المولد من أن المرتكز في أذهان المتشرعة أن من كان به منقصة دينية أو دنيوية مسقطة له عن الوقار والانظار لا يجوز أن يتصدى للمرجعية والافتاء، لانه من اعظم المناصب الالهية بعد الولاية، ولا يرضى الشارع أن يتصداها من له منقصة كما مر. وذلك لان العبودية ليست منقصة بوجه، فان العبد قد يكون ارقى مرتبة من غيره. بل قد يكون وليا من أولياء الله سبحانه كما كان بعض العبيد كذلك. وقد يبلغ العبد مرتبة النبوة كلقمان. فإذا لم تكن العبودية منافية لشى من مراتبتي الولاية والنبوة فهل تكون منافية لمنصب الافتاء الذى هو دونهما كما لا يخفى؟ 7 - الاجتهاد المطلق (1) قد قدمنا الكلام في ذلك عند التكلم على الاجتهاد، وذكرنا أن المتجزى ليس له أن يرجع إلى الغير في اعمال نفسه، لانه عالم فيما استنبطه ورجوعه إلى غيره من رجوع العالم إلى العالم، لا من رجوع الجاهل إليه، ولا مسوغ للتقليد في مثله وكيف يمكن دعوى جواز رجوعه إلى من يرى خطأه واشتباهه، لان مرجعه إلى أنه مع علمه ببطلان صلاته - مثلا - يجب أن يبنى على صحتها لرجوعه إلى فتوى


(* 1) التوبة 9: 122

[ 228 ]

من يراها صحيحة، وهذا ممالا يمكن الالتزام به. هذا بحسب السيرة. وأما الادلة اللفظية فقد اسبقنا هناك أن أدلة جواز التقليد واتباع فتوى الغير مختصة بمن لم يتمكن من تحصيل الحجة على الحكم الشرعي فما ظنك بالمتجزى الذي قد حصلها بالفعل في مورد أو موردين أو اكثر. وأما جواز الرجوع إليه فقد منع عنه الماتن بقوله: وكونه مجتهدا مطلقا فلا يجوز تقلدي المتجزى. وما أفاده " قده " بناء على الاستدلال على وجوب التقليد بدليل الانسداد هو الصحيح، وذلك لان بطلان غير التقليد من الطرق وانسدادها على العامي المقلد يقتضى وجوب رجوعه إلى عالم ما، إذا النتيجة جزئية، والمقدار المتيقن منها هو الرجوع إلى المجتهد المطلق دون المتجزى كما أفاده. كما أن الحال كذلك فيما لو استدللنا على وجوبه بالادلة اللفظية من الكتاب والسنة، لان قوله عز من قال: فلو لا نفر.. دل على أن الحذر انما يجب عند انذار المنذر الفقيه، ولا دلالة لها بوجه على وجوبه عند انذار كل منذر وإن لم يصدق أنه فقيه. كما أن الاخبار الآمرة بالرجوع إلى اشخاص معينين دلتنا على الرجوع إلى يونس بن عبد الرحمان وامثاله من اكابر الفقهاء والرواة، ولم تدلنا على جواز الرجوع إلى من عرف مسألة أو مسألتين، ولم يكن من أضراب هؤلاء الاكابر من الرواة. نعم مقتضى السيرة العقلائية عدم الفرق في رجوع الجاهل إلى العالم بين أن يكون مجتهدا مطلقا أو متجزءا، لوضوح أن جاهلهم بشى يرجع إلى العالم به وان لم يكن له معرفة بغيره من الامور، فتراهم يراجعون الطبيب الاخصائى بالعيون - مثلا - وان لم يكن له خبرة بغيرها من الجهات، وكذلك من له معرفة ببعض المسائل دون بعض وان كان قليلا. بل قد يقدمون نظر المجتهد المتجزي على قول المجتهد المطلق عند المعارضة،

[ 229 ]

كما إذا كان المتجزى أعلم من المجتهد المطلق لممارسته ودقته في العلوم العقلية وكونه اقوى استنباطا منه فيما يرجع إلى تلك المباحث من المسائل كوجوب مقدمة الواجب وبحثى الضد والترتب وغيرها، وان لم يكن له قوة بتلك المثابة في المسائل الراجعة إلى مباحث الالفاظ كغيرها. وعلى الجملة لافرق بحسب السيرة العقلائية بين المجتهد المطلق والمتجزي بوجه ومقتضى ذلك جواز تقليده فيما استنبطه من الاحكام وإن كانت قليلة غير مصححة لاطلاق الفقيه عليه وهذا لعله مما لا كلام فيه. وانما الكلام في أن السيرة هل ردع عنها في الشريعة المقدسة أو لا رادع عنها بوجه. وما يمكن أن يكون رادعا عنها انما هو الكتاب والسنة، لوضوح أن غيرهما مما يمكن الاستدلال به على جواز التقليد غير صالح للرادعية ابدا. أما الكتاب فقوله عزمن قائل: فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (* 1) وإن كان صالحا للرادعية وذلك لان ظاهر الامر بالسؤال أن السؤال عن أهل الذكر واجب تعييني وأن الواجب على غير العالم أن يسئل اهل الذكر متعينا، لا انه واجب مخير بان يكون غير العالم مأمورا بالسؤال من اهل الذكر أو غيرهم مخيرا بينهما، ومن الواضح أن اهل الذكر غير صادق على من علم مسألة أو مسألتين. إذا الآية المباركة قد اوجبت الرجوع إلى المجتهد المطلق متعينا وهذا ينافي جواز الرجوع إلى المتجزى لان مرجعه إلى التخيير بينهما وقد فرضنا أن الآية دلت على تعين الرجوع إلى المجتهد المطلق. إلا أنا قد اسبقنا في محله أن الآية المباركة لا دلالة لها على وجوب التقليد وان السؤال مقدمة للعمل بقول اهل الذكر تعبدا. وبينا أن ظاهرها أن السؤال مقدمة لحصول العلم ومعنى الآية: فاسئلوا لكى تعلموا. فان سياقها يقتضى أن


(* 1) الانبياء 21: 7.

[ 230 ]

يكون المراد من اهل الذكر علماء اليهود، وأن الله سبحانه قد أمر الجهلاء بالسؤال عنهم لكونهم عالمين بكتبهم. ومن هنا ورد في اية اخرى: فاسئلوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر (* 1) أي إذا لم يكن لكم علم بالبراهين والكتب فاسئلوا علماء اليهود. ولا يحتمل أن يكون السؤال عنهم لاجل التعبد بقولهم، إذ لاحجية لاقوالهم فيتعين أن يكون من باب المقدمة لحصول العلم. نعم ورد تفسير أهل الذكر بالائمة - ع - إلا أنه كما بيناه سابقا لا ينافي تفسيره بعلماء اليهود، لانهم - ع - ايضا من مصاديق أهل الذكر فراجع. هذا على أن الاية المباركة انما وردت الزاما لاهل الكتاب بالرجوع إلى علمائهم فيما يرجع إلى النبي - ص - ومن البين أنه لا معنى للتعبد في أمر النبوة وغيرها مما يرجع إلى الاصول فان المطلوب فيها هو الاذعان والاعتقاد ولا يكفى فيها التعبد بوجه وأما آية النفر فدلالتها على وجوب التقليد وإن كانت ظاهرة كما مر، إلا أنها ليست بظاهرة في الحصر لتدل على أن وجوب الحذر يترتب على انذار الفقيه، ولا يترتب على انذار العالم الذي لا يصدق عليه الفقيه ومعه لا تكون الآية المباركة صالحة للرادعية. وأما الروايات فهي ايضا كذلك، حتى إذا فرضنا أن الرواة المذكورين فيها من اجلاء الفقهاء وكبرائهم، إلا أنها غير ظاهرة في الانحصار لتدل على عدم جواز الرجوع إلى غيرهم من العلماء. نعم هناك روايتان ظاهرتان في الانحصار. " إحداهما ": رواية الاحتجاج المروية عن العسكري - ع - وأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه.. (* 2) لان ظاهرها حصر المقلد في الفقهاء.


(* 1) النحل 16: 43. (* 2) المتقدمة في ص 221.

[ 231 ]

المتصفين بالاوصاف الواردة في الحديث فلا يجوز تقليد غير الفقيه. إلا أنها كما قدمنا ضعيفة سندا. على ان دلالتها على الحصر ايضا مورد المناقشة، لان الرواية ليست بصدد بيان أن المقلد يعتبر أن يكون فقيها، وإنما هي بصدد بيان الفارق بين علماء اليهود وعلمائنا وعوامهم وعوامنا، حيث قيل له - ع - إذا كان هولاء العوام من اليهود لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم فكيف ذمهم الله سبحانه بتقليدهم والقبول من علمائهم بقوله عزمن قائل: فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله وهل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلدون علمائهم.. فقال - ع - بين عوامنا وعوام اليهود فرق من جهة وتسوية من جهة وبين أن الفرق بينهما في أن عوام اليهود قد عرفوا علمائهم بالكذب الصراح و.. والتفتوا أن من فعل ذلك فهو فاسق لا يجوز تقليده ومع هذا اتبعوا آرائهم فلذلك ذمهم الله سبحانه وبين أن عوامنا أيضا كذلك إذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر فمن قلد مثل هولاء فهو مثل اليهود الذى ذمهم الله بتقليدهم لفسقة علمائهم وأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه.. فللعوام أن يقلدوه (* 1). فالرواية بصدد بيان الفارق بين الفاسق والعادل، وليست بصدد بيان ان الفقاهة معتبرة في المقلد. و " ثانيتهما ": مقبولة عمر بن حنظلة المتقدمة (* 2) حيث ورد فيها: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكما. حيث دلت على أن القاضي يعتبر أن يكون عارفا باحكامهم وناظرا في حلالهم وحرامهم ومن الظاهر أن من عرف مسألة أو مسألتين لا يصدق عليه العارف باحكامهم لان ظاهره العموم والرواية ظاهرة في حصر القضاوة بمن عرف احكامهم


(* 1) في ص 221. (* 2) في ص 218.

[ 232 ]

وبما أن منصب القضاء منصب الفتوى بعينه فلا مناص من أن يعتبر فيه ما اعتبر في باب القضاء والنتيجة عدم جواز المراجعة إلى المجتهد المتجزى لعدم كونه عارفا باحكامهم ويرد على الاستدلال بالمقبولة امور: " الاول ": أن الرواية ضعيفة السند لعدم توثيق عمر بن حنظلة. وما ورد في توثيقه ايضا ضعيف فلاحظ. " الثاني ": أن الاستدلال بها يتوقف على العلم بان الامور المعتبرة في باب القضاء معتبرة في باب الفتوى ايضا لاتحادهما. ولاعلم لنا بذلك لان القضاوة ترتبط بابواب كثيرة من الفقه فيمكن أن يعتبر في المتصدي لها العلم بجملة وافية من احكامهم وأين هذا من محل الكلام، لوضوح أن العلم بمسألة لا يتوقف على العلم بسائر المسائل الفقهية. " الثالث ": أنها معارضة في نفس موردها بحسنة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال المتقدمة (* 1) قال: أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق: إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى اهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه. لدلالتها على ان العلم ببعض احكامهم وقضاياهم كاف في باب القضاء، وهذا متحقق في المتجزى كالمجتهد المطلق. وهي معارضة للمقبولة. وقد يقال: - كما قيل - إن الظاهر من كلمة " من " وإن كان هو التبعيض بل لا يصح ان تكون بيانية في الرواية، لان المتعين حينئذ ان يقال: اشياء من قضايانا. للزوم التطابق بين المبين والبيان، إلا ان مدخولها وهو قضايانا بمعنى احكامهم وعلومهم بما انه امر كثير بل امور غير متناهية بالاضافة إلى البشر، فلا مناص من ان يكون الشئ من تلك الامور ايضا كثيرا في نفسه، وإن كان


(* 1) في ص 218.

[ 233 ]

قليلا بالاضافة إلى احكامهم، ومن هنا لا يصح أن يقال: القطرة شئ من البحر أو أن من ملك فلسا واحدا أن عنده شيئا من المال. والمعروف عن صاحب الجواهر " قده " أنه قيل له - عند احتضاره وانكشاف الغطاء عنه -: عنده شيئ من علم جعفر - ع - مع أنه " قده " من اكابر الفقهاء واعلامهم إذا الحسنة والمقبولة متطابقتان في الدلالة على أن القاضي لابد أن يكون عارفا بجملة معتد بها من الاحكام، وهذا غير متحقق في المجتهد المتجزى الذي استنبط مسألة أو مسألتين ونحوهما. ويرد عليه: أن الشيى من الامر الكثير وإن كان ظاهرا فيما هو كثير في نفسه إلا أن الوارد في الرواية على طريق الكليني (* 1) والصدوق (* 2) قدس سرهما " من قضائنا "، وعلى طريق الشيخ في التهذيب (* 3) " من قضايانا " فمن المحتمل أن يكون الصحيح المطابق للواقع نسختي الكافي والفقيه اعني " من قضائنا " ومعه لا دلالة للرواية على ارادة معرفة الكثير من احكامهم. فان القضاء بمعنى الحكم في مقام الترافع. وأحكامهم الواصلة الينا في الترافع والخصومات ليست بكثيرة في نفسها ليقال إن الشيئ من الكثير ايضا كثير في نفسه بل هي احكام قليلة، إذا تدلنا الرواية على أن معرفة حكم أو حكمين في موارد الترافع ايضا تكفى في صحة القضاء، لانه ايضا شيئ من احكامهم. على أن الرواية على طريق الشيخ ضعيفة لوقوع معلى بن محمد في سندها وهو ضعيف وكذا على طريق الكليني " قده " نعم هي على طريق الصدوق حسنة لانه رواها باسناده عن احمد بن عائذ عن أبي خديجة. وفي طريقه إلى ابن عائذ


(* 1) الكافي ج 7 ص 412. (* 2) الفقيه ج 3 ص 2. (* 3) التهذيب ج 6 ص 219.

[ 234 ]

الحسن بن على الرشاء وهو ممدوح وقد عرفت أنها مشتملة على " قضائنا " فلم يثبت اشتمال الرواية على " قضايانا " في نفسه. ولا شبهة في أن " شيئا من قضائنا " يصدق على القليل ايضا كما تقدم هذا كله مع قطع النظر عن وقوع معلى بن محمد والحسن ابن علي الوشاء في اسانيد كامل الزيارات والا فهما موثقان بتوثيق ابن قولويه فطريق الشيخ والكليني ايضا صحيح كما ان الرواية صحيحة لا انها حسنة كما مر. فالحسنة معارضة للمقبولة، وهي غير معتبرة في موردها فضلا عن أن تدل على عدم جواز الرجوع إلى المتجزى في الاجتهاد، إذا السيرة العقلائية ثابتة ولم يرد ردع عنها في الشريعة المقدسة. فان ثم هناك اجماع على عدم جواز الرجوع إلى المتجزى فهو وإلا فلا مانع من تقليده فيما استنبطه من الاحكام وان كان قليلا غايته هذا. على أنا لو سلمنا دلالة الكتاب و السنة على عدم جواز الرجوع إلى من لم يتصف بالفقاهة ايضا لم يمكننا الحكم بعدم جواز تقليد المتجزى مطلقا، وذلك لان النسبة بين المجتهد المطلق وعنوان الفقيه، وكذا بينه وبين المتجزى عموم من وجه، فان عنوان الفقيه انما يصدق باستنباط جملة معتدا بها من الاحكام، ومعه قد يجوز التقليد من المجتهد المتجزى، كما أنه قد لا يجوز التقليد من المجتهد المطلق، فان المجتهد إذا استنبط جملة معتدا بها من الاحكام، ولم يتمكن من الاستباط في غيرها لقصور باعه وملكته فهو متجز لا محالة، إذ ليست له ملكة استنباط الاحكام على اطلاقها، إلا أنه ممن يجوز تقليده لصدق عنوان الفقيه عليه، لما فرضناه من انه استنبط جملة معتدا بها من الاحكام، وهي موجبة لصدق الفقيه عليه، ومقتضى الكتاب والسنة جواز تقليد الفقيه كما مر. وإذا فرضنا أن المجتهد متمكن من استنباط الاحكام على اطلاقها من دون أن تختص قدرته بباب دون باب إلا أنه لم يتصد للاستنباط ولا في مورد واحد فلا

[ 235 ]

[ والحياة (1) فلا يجوز تقليد الميت ابتداء. نعم يجوز البقاء كما مر وأن يكون اعلم (2) فلا يجوز - على الاحوط - تقليد المفضول مع التمكن من الافضل، وأن لا يكون متولدا من الزنا (3) وأن لا يكون ] شبهة في أنه مجتهد مطلق لقدرته عليه في جميع الابواب والموارد، ومع ذلك لا مسوغ للرجوع إليه، إذ لا يطلق عليه الفقيه لعدم كونه عالما بالاحكام الشرعية بالفعل وعلى الجملة إذا كان المدار في جواز التقليد وعدمه هو صدق عنوان الفقيه فهو قد يصدق على المتجزى، وقد لا يصدق على المجتهد المطلق، ومعه لا مسوغ للحكم بعدم جواز الرجوع إلى المتجزى مطلقا. 8 - الحياة (1) كما تقدم في المسألة التاسعة، فلاحظ. 9 - الاعلمية (2) على ما اسلفنا تفصيله في المسألة الثانية والعشرة فليراجع. 10 - ان لا يكون متولدا من الزنا (3) وهذا لا للاجماع المدعى في المقام، لانه على تقدير ثبوته ليس من الاجماع التعبدي ولا لدوران الامر بين التعيين والتخيير في الحجية، لان المتولد من الزنا كغيره مشمول للادلة اللفظية، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بينهما كما لا يخفى. وكذلك الحال بالنسبة إلى السيرة العقلائية، لعدم اشتراطهم طهارة المولد فيمن يرجع إليه الجاهل. بل لان كون المجتهد متولدا من الزنا منقصة، وقد تقدم أن الشارع لا يرضى

[ 236 ]

[ مقبلا على الدنيا (1) وطالبا لها مكبا عليها مجدا في تحصيلها ففي الخبر: من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه. ] بزعامة من له منقصة بوجه كيف ولم يرض بامامة مثله للجماعة فما ظنك بتصديه للزعامة الكبرى للمسلمين، لان منصب الفتوى من اعظم المناصب الالهية بعد الولاية وان لم يكن المتولد من الزنا مقصرا في ذاته، كما إذا كان عادلا بل في غاية التقى والورع، إلا أن نقصه من تلك الناحية موجب لحرمانه عن التصدي للزعامة العظمى كما عرفت. وبذلك يتضح الفرق بين أمثال هذه الشروط مما يعد منقصة وشينا وبين الموت الذي قلنا بعدم كونه موجبا لسقوط فتوى الميت عن الحجية في بعض الصور وذلك لان الموت لا يعد نقصا بوجه لانه كمال وترقي للنفس وانتقال من النشأة الزائلة إلى النشأة الآخرة، ولذا اتصف به الانبياء والاوصياء. ومن هنا قلنا بجواز تقليد الميت إذا اخذ منه الفتوى حال حياته ثم طرئه الموت. 11 - أن لا يكون مقبلا على الدنيا (1) الظاهر أنه " قده " يريد بذلك اعتبار أمر آخر زائدا على شرطية العدالة لان اشتراط تلك الامور لو كان راجعا إلى شرطية العدالة لم يكن وجه لتكرارها وكان ذكرها مستدركا لا محالة وقد استند في ذلك على رواية الاحتجاج المتقدمة (* 1) ويدفعه: ما تقدم من أن الرواية ضعيفة السند مضافا إلى أنها قاصرة الدلالة على المدعى فأنه لا مساغ للاخذ بظاهرها واطلاقها، حيث أن لازمه عدم جواز الرجوع إلى من ارتكب امرا مباحا شرعيا لهواه، إذ لا يصدق معه أنه مخالف لهواه


(* 1) في ص 221.

[ 237 ]

لانه لم يخالف هواءه في المباح، وعليه لابد في المقلد من اعتبار كونه مخالفا لهواه حتى في المباحات ومن المتصف بذلك غير المعصومين - ع -؟ فأنه امر لا يحتمل أن يتصف به غيرهم، أو لو وجد فهو في غاية الشذوذ، ومن ذلك ما قد ينسب إلى بعض العلماء من أنه لم يرتكب مباحا طيلة حياته، وإنما كان يأتي به مقدمة لامر واجب أو مستحب، إلا أنه ملحق بالمعدوم لندرته وعلى الجملة إن اريد بالرواية ظاهرها واطلاقها لم يوجد لها مصداق كما مر. وان اريد بها المخالفة للهوى فيما نهى عنه الشارع دون المباحات فهو عبارة اخرى عن العدالة وليس امرا زائدا عليها، وقد ورد أن ورع الناس من يتورع عن محارم الله (* 1) ومع التأمل في الرواية يظهر أن المتعين هو الاخير فلا يشترط في المقلد زائدا على العدالة شى آخر. نعم لابد أن تكون العدالة في المرجع واقعية ويلزم أن يكون مستقيما في جادة الشرع مع المحافظة التامة والمراقبة عليه مراقبة شديدة، لانه مخطرة عظيمة، ومزلة الاقدام ومن الله سبحانه الاعتصام. تنبيهات التنبيه الاول: أن الشرائط المعتبرة في المرجع للتقليد من الاجتهاد والاعلمية والايمان وغيرها


(* 1) فضل بن عياض عن ابى عبد الله - ع - قال: قلت له: من الورع من الناس؟ قال: الذى يتورع عن محارم الله.. وفي مرفوعة ابى شعيب عن ابى عبد الله - ع - قال: اورع الناس من وقف عند الشبهة.. المرويتان في ب 12 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 238 ]

هل تعتبر في حجية فتاواه حدوثا فحسب ولا تعتبر فيها بحسب البقاء فلو تبدلت - بعد تحققها - إلى ما يضادها أو يناقضها لم يكن مانع من البقاء على تقليده كما هو الحال في شرطية الحياة لانها انما تعتبر في المجتهد حدوثا، ومن هنا لو مات جاز بل وجب البقاء على تقليده في بعض الصور أو أنها معتبرة حدوثا وبقاء بحيث لو تبدل علمه بالجهل، أو عدالته بالفسق وهكذا لم يجز البقاء على تقليده؟. والوجه في هذا التردد انا نحتمل أن تكون الفتوى كالرواية فكما أن الراوي إذا كان عادلا أو موردا للوثوق حين روايته كفى ذلك في حجية رواياته ولا يضرها صيرورته فاسقا أو مرتدا بعد ذلك نحتمل أن تكون حجية الفتوى ايضا كذلك وقد سبق أن تكلمنا على ذلك في بعض الشروط ولم نتكلم عليه في بعضها الآخر. وتفصيل الكلام في هذه المسألة يقع في جهات: " الاولى ": فيما يقتضيه الاصل العملي في المسألة، وأنه هل يقتضى اعتبار الشروط المذكورة بحسب الحدوث والبقاء أو يقتضي اعتبارها حدوثا فقط؟ " الثانية ": فيما تقتضيه الادلة الاجتهادية في نفسها. " الثالثة ": فيما تقتضيه الادلة بلحاظ القرينة الخارجية. (أما الجهة الاولى): فقد يقال: ان مقتضى استصحاب الحجية الثابتة لفتوى المجتهد بحسب الحدوث جواز البقاء على تقليده بعد تبدل الشرائط المذكورة إلى ما يضادها أو يناقضها، للقطع بحجيتها حال استجماعه الشرائط، فإذا ارتفعت وزالت وشككنا في بقائها على حجيتها وعدمه استصحبنا بقائها على حجيتها. وفيه: أن هذا الاستصحاب وإن كان جاريا في نفسه لتمامية اركانه لما تقدم من أنا نحتمل أن تكون الشرائط المذكورة مما يكفي حدوثه في اتصاف الفتوى بالحجية بقاء كما هو الحال في شرطية الحياة، فلنا في المقام يقين بالحجية سابقا ونشك فيها بحسب البقاء فلا مانع من استصحابها بعد زوال الشرائط وارتفاعها وهذا يقتضي

[ 239 ]

عدم اعتبار الشرائط بقاء. إلا أنا لا نلتزم بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية. ومعه لا مناص من الحكم باعتبار الشرائط بحسب الحدوث والبقاء وذلك للشك في حجية الفتوى بعد زوال الشرائط، والشك في الحجية يساوق القطع بعدمها، إذ مع الشك فيها ييقطع بعدم كون الفتوى معذرة ولا منجزة لتقوم الحجية بالوصول، ومع عدم وصولها نقطع بعدمها. (أما الجهة الثانية): فالانصاف أن الادلة الاجتهادية المستدل بها على حجية فتوى الفقيه غير قاصرة الشمول لصورة زوال الشرائط وارتفاعها وذلك لاطلاقها كما تقدم في شرطية الحياة. فان مقتضى اطلاق قوله عز من قائل: فلولا نفر.. أن انذار الفقيه - بعد استجماعه الشرائط - يتصف بالحجية سواء أكان باقيا على تلك الشرائط بعد الانذار أم لم يكن، وكذا غيره من الادلة اللفظية فلاحظ. وأما السيرة العقلائية فهى ايضا كذلك لانها جرت على رجوع الجاهل إلى العالم سواء في ذلك أن يكون العالم باقيا على علمه وخبرويته بعد الرجوع ام لم يكن - مثلا - إذا راجعوا الطبيب واخذوا منه العلاج والدواء وقد جن بعد ذلك لم يترددوا في جواز العمل على طبق معالجته، ومعه لابد من الحكم بان الشرائط انما تعتبر حدوثا ولا تعتبر بحسب البقاء. نعم ادعى شيخنا الانصاري " قده " الاجماع على أن الشرائط المذكورة كما انها معتبرة بحسب الحدوث كذلك تعتبر في حجية الفتوى بقاء. وفيه: انه اجماع منقول لا ينبغي الاعتماد عليه، ولا سيما مع ذهاب جمع إلى عدم اعتبارها بحسب البقاء، لوضوح أن مع مخالفة الجماعة لا يبقى أي مجال لدعوى الاجماع على الشرطية بقاء. (أما الجهة الثالثة): فالذي ينبغي أن يقال: ان الشرائط المذكورة معتبرة في المقلد حدوثا وبقاء وذلك لانه مقتضى ما ارتكز في أذهان المتشرعة حسبما

[ 240 ]

استكشفته من مذاق الشارع من عدم رضائه أن يكون المتصدي للزعامة الكبرى للمسلمين من به منقصة دينية أو دنيوية يعاب بها عليه وتسقطه عن انظار العقلاء المراجعين إليه فلا يحتمل ان يترضى بكونه جاهلا أو منحرفا عن الشريعة التي يدعوا الناس إلى سلوكها، فضلا عن أن يكون راضيا بكونه مجنونا، أو كافرا أو غير ذلك من الاوصاف الرذيلة. فلا وجه لمقايسة هذه الشرائط لشرطية الحياة، لان ضدها أعنى الموت ليس بمنقصة دينية ولا دنيوية، وانما هو كمال للنفس وتجرد من هذه النشاة وانتقال إلى نشأة اخرى أرقي من تلك النشأة بكثير، ومن هنا اتصف به الانبياء والاوصياء. وأين هذا من انقلاب العالم جاهلا أو صيرورة العادل فاسقا أو مرتدا، لان ذلك منقصة غير لائقة بالزعامة الدينية الكبرى كما مر. إذا فالادلة الدالة على اعتبار تلك الشرائط حدوثا هي الادلة - بنفسها - على اعتبارها بقاء. التنبيه الثاني أن المجتهد قد يستنبط الاحكام الشرعية عن المدارك المتعارفة المتداولة بين المجتهدين أعنى الكتاب والسنة - ويدخل فيها الاجماع لرجوعه إليها إذ لا يعتمد عليه إلا إذا استكشفنا به رأى المعصوم - ع - وكذلك العقل ايضا في بعض الموارد ولا اشكال حينئذ في جواز تقليده إذا استجمع بقية الشروط. وقد يتصدى لتحصيلها بالطرق غير المتعارفة كالعلوم الغريبة من الجفر والرمل أو الاستخارة والقرعة وغيرها مما لم يقم دليل على حجيته في الشريعة المقدسة. ولا ينبغى التأمل في عدم جواز تقليده. وذلك أما بحسب الادلة اللفظية فلانه لا يصدق عليه الفقيه، ولا يقال انه فقيه في الدين، أو ناظر في حلالهم وحرامهم، وعارف باحكامهم.

[ 241 ]

كما أن العقلاء ليست لهم سيرة في الرجوع إلى مثله وهذا لعله مما لا اشكال فيه وإنما الكلام فيما إذا استنبطها بطريق ثالث غير الطرق المتعارفة والغريبة، كما إذا بنى على انسداد باب العلم والعلمي ووجوب العمل بالظن على الكشف - اي أن العقل يستكشف حينئذ أن الشارع قد اعتبر الظن حجة وطريقا إلى احكامه - أو على الحكومة - بكلا معنييها أعني استقلال العقل بوجوب العمل بالظن حال الانسداد كاستقلاله بوجوب العمل بالقطع حال الانفتاح، أو تنزله من لزوم الامتثال الجزمي إلى كفاية الامتثال الاحتمالي - فهل يسوغ تقليده في تلك الصورة أولا؟ قد يقال: كما عن صاحب الكفاية " قده " بعدم الجواز، وذلك أما على الحكومة فلاجل أن المجتهد - على هذا المسلك - جاهل بالاحكام وهو معترف بجهله وهل يرجع الجاهل إلى جاهل مثله؟ ومقدمات الانسداد انما تتم عند المجتهد، لا العامي، لان من احدى مقدماته انحصار الطريق بالظن، ولا ينحصر طريق الامتثال للعامي به، إذ له أن يرجع إلى فتوى المجتهد الباني على الانفتاح. وكذلك الحال على تقدير انحصار المجتهد بمن يرى الانسداد لتمكن العامي من الاحتياط وان بلغ العسر والحرج، فان العامي لا قدرة له على ابطال الاحتياط المستلزم لهما فلا ينحصر الطريق في حقه بالظن، أللهم إلا أن يتمكن العامي من ابطال الاحتياط إذا كان مستلزما للحرج، وهذا دون خرط القتاد، أو يكون الاحتياط موجبا لاختلال النظام فان العقل يستقل معه بعدم الجواز، وهذا بخلاف المجتهد، إذ لا يجوز له أن يرجع إلى الغير الذي يرى خطائه وجهله بالاحكام، وهو متمكن من ابطال وجوب العمل بالاحتياط أو جوازه. هذا كله على الحكومة. وكذلك الامر على الكشف فان المجتهد وان كان يرى نفسه عالما بالاحكام الشرعية إلا أن حجية الظن المستكشفة بمقدمات الانسداد انما تختص بمن تمت عنده المقدمات ولا تتم إلا عند المجتهد دون العامي، لما عرفت من أن الطريق في حقه غير

[ 242 ]

منحصر بالظن لتمكنه من تقليد المجتهد الباني على الانفتاح كتمكنه من العمل بالاحتياط والصحيح عدم الفرق في جواز التقليد بين المجتهد القائل بالانسداد والقائل بالانفتاح وذلك لان القائل بالانسداد قد يكون اعلم من المجتهد الباني على الانفتاح وقد يكون القائل بالانفتاح اعلم من الباني على الانسداد: أما الصورة الثانية: فلا ينبغي التردد في عدم جواز تقليد المجتهد الباني على الانسداد، وهذا لا لان القائل بالانسداد لا مسوغ لتقليده. بل لما مر من أن مقتضى السيرة العقلائية لزوم الاخذ بقول الاعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الاعلم فان المقام من هذا القبيل، حيث أن الاعلم يدعى الانفتاح وحجية خبر الثقة، وظواهر الكتاب والسنة حتى بالاضافة إلى من لم يقصد افهامه. ويدعى غير الاعلم الانسداد ومع العلم بالمخالفة يتعين الرجوع إلى قول الاعلم وهو يرى الانفتاح، فلا يجوز تقليد غير الاعلم حينئذ حتى لو بني على الانفتاح. وأما الصورة الاولى: اعني ما إذا كان الاعلم هو المجتهد القائل بالانسداد نظير المحقق القمي " قده " بالاضافة إلى بعض معاصريه فلا ينبغي التأمل في وجوب تقليده وذلك لانه الاعلم على الفرض، وعند العلم بالمخالفة يتعين الرجوع إلى الاعلم و " دعوى ": أن مقدمات الانسداد انما تتم عند المجتهد دون العامي " مندفعة " بانها كما تتم عند المجتهد تتم عند العامي المقلد ايضا لاجل انحصار طريقه بالعمل بالظن إذ ليس له أن يقلد المجتهد الباني على الانفتاح، لان المجتهد الاعلم يرى خطائه وجهله ومع ذهاب المجتهد الواجب تقليده ومتابعته إلى خطاء القائل بالانفتاح وحكمه بجهله كيف يسوغ للمقلد الرجوع إليه. فان المجتهد الاعلم وإن كان يعترف بجهله إلا انه يدعى جهل القائل بالانفتاح فانه اشد جهالة من الباني على الانسداد لانه بسيط لالتفاته إلى جهله بخلاف القائل بالانفتاح لانه غير ملتفت إلى جهله فهو جاهل مركب، كما أنه غير متمكن من

[ 243 ]

الاحتياط، وذلك لان العامي وان لم يتمكن من ابطاله إلا أنه يرجع في جوازه وعدمه إلى الاعلم وهو يدعى عدم جوازه أو عدم وجوبه، أو أنا نفرض العامي متمكنا من ابطال وجوب الاحتياط عند استلزامه العسر والحرج إذا ينحصر طريقه بالعمل بالظن. ونتيجة ذلك انه لافرق بين المجتهد القائل بالانفتاح والمجتهد الباني على الانسداد بناء على الحكومة فضلا عن القول بالكشف. التنبيه الثالث لاشبهة في جواز الرجوع إلى المجتهد فيما إذا علم بالاحكام الشرعية علما وجدانيا، لانه يصدق عليه الفقيه لعلمه بالاحكام الشرعية حقيقة، والرجوع إليه من رجوع الجاهل إلى العالم والفقيه وكذلك الحال فيما إذا لم يكن عالما بها بالوجدان إلا أنه استنبطها من الامارات المعتبرة شرعا، فانه ايضا لا اشكال في الرجوع إليه بناء على ما هو الصحيح من أن اعتبار الحجج والامارات من باب الطريقية والكاشفية، وجعل ما ليس بعلم علما بلا فرق في ذلك بين الحجج التأسيسية والامضائية وان لم نعثر - إلى الآن - على ما يكون حجة تأسيسية لانها امضائية باجمعها والشارع يتصرف فيها باضافة قيد أو حذفه. فأن المجتهد وقتئذ عالم بالاحكام الشرعية كما أنه فقيه وإن كان علمه بها علما تعبديا لا وجدانيا، ولا فرق بين العلم الوجداني والتعبدي بعد شمول الادلة القائمة على جواز التقليد لمن استنبط الاحكام من الامارات الشرعية لصدق أنه فقيه وعالم بالاحكام تعبدا. وأما بناء على ما نسب إلى المشهور من الالتزام بجعل الحكم المماثل على طبق مؤدي الامارات فايضا لا كلام في جواز الرجوع إليه، لان المجتهد - على هذا المسلك - عالم بالاحكام الظاهرية وان لم يكن عالما بالحكم الواقعي، ومن هنا قالوا

[ 244 ]

إن ظنية الطريق لا تنافى قطعية الحكم، وبهذا دفعوا المناقشة المعروفة - في اخذ العلم بالاحكام الشرعية في تعريف الفقه - بان الاحكام الشرعية باكثرها ظنية. نعم ذكرنا في محله أن جعل الحكم المماثل في موارد الطرق والامارات مما لا اساس له، لما اشرنا إليه من أن الحجية امضائية ولا يعتبر العقلاء جعل الحكم الممائل في شئ من الحجج، وانما يعاملون معها معاملة العلم فحسب. ثم لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا أن الحجية في السند بمعنى جعل الحكم المماثل فلا مجال للالتزام به في حجية الدلالة لانها تستند إلى حجية الظهور، ولا شبهة في أنها عقلائية، وقد عرفت أن العقلاء لا يعتبرون في الحجية جعل المماثل بوجه، والاستنباط وإن كان يتوقف على كل من حجية السند والدلالة، إلا أن الحجية في الدلالة ليست بمعنى جعل المماثل قطعا، فالقول بذلك لا يبتنى على دليل، إلا أنا لو قلنا بذلك جاز تقليد المجتهد لصدق انه فقيه وعالم بالاحكام كما عرفت، و لعل هذا مما لا اشكال فيه. وانما الكلام فيما لو سلكنا مسلك صاحب الكفاية " قده " وقلنا ان المجعول في باب الحجج والامارات هو المعذرية أو المنجزية دون الطريقية ولا الحكم المماثل فان المجتهد حينئذ ليس بعالم بالاحكام الواقعية ولا الظاهرية، كما انه ليس بفقيه ومعه كيف يسوغ تقليده وهل هذا الا من رجوع الجاهل إلى جاهل مثله؟! واجاب عن ذلك صاحب الكفاية بان المجتهد وقتئذ وان لم يكن عالما بالاحكام الواقعية ولا الظاهرية، إلا انه عالم بموارد قيام الدليل والحجة على الحكم الشرعي ومتمكن من تشخيصها، وبهذا الوجه يصح تقليده ويجوز الرجوع إليه هذا. ولا يخفى أن الالتزام بما سلكه صاحب الكفاية " قده " من أن المجعول هو التنجيز والتعذير وإن كان لا يمكن المساعدة عليه لما بيناه في محله من أن المجعول في باب الامارات هو الكاشفية والطريقية دون المعذرية والمنجزية، لان قبح العقاب من

[ 245 ]

دون البيان ووجوب دفع الضرر المحتمل قاعدتان عقليتان وغير قابلتين للتخصيص بوجه. فإذا قام الخبر الواحد - مثلا - على وجوب شى أو حرمته فلا مناص من أن نلتزم بتنجز الواقع واستحقاق العقاب على تقدير المخالفة، ولا يتم ذلك إلا بناء على حجية الخبر حتى ينقلب به موضوع عدم البيان إلى البيان، ولا يقبح العقاب على مخالفته إذا التنجيز أمر مترتب على الحجية لا انه بمعنى الحجية. وسره أنه مع قطع النظر عن حجية الخبر - مثلا - لا موجب للالتزام بتنجز الواقع على المكلف. بل مقتضى قاعدة قبح العقاب من دون بيان عدم التنجز، وعدم استحقاق العقاب على مخالفته لانه بلا بيان. وقد عرفت أن قبح العقاب حينئذ حكم عقلي غير قابل للتخصيص بوجه. وكذلك الحال فيما إذا قام الخبر - مثلا - على اباحة شي في مورد واحتملنا فيه الضرر بمعنى العقاب، فانه لا شبهة في معذورية المكلف وعدم استحقاقه العقاب على تقدير مخالفة الواقع. ولا تتم هذا إلا بعد حجية الخبر فانه لولا كونه حجة لم يكن بد من الاحتياط لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب وهو ايضا حكم عقلي غير قابل للتخصيص إذا المعذرية كالمنجزية مترتبة على الحجية لا انها بمعنى الحجية ومعه لا مناص من أن تكون الحجية امرا موجبا للقلب والتصرف فيما هو الموضوع للقاعدتين وليس ذلك إلا الطريقية والكاشفية فان بهما ينقلب موضوع عدم البيان إلى البيان ويتبدل احتمال الضرر إلى العلم بعدمه ولولا ذلك كان الالتزام بالتنجيز في الصورة الاولى والتعذير في الثانية تخصيصا في الحكمين العقليين وهما غير قابلين للتخصيص كما مر، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله. فتحصل أن الالتزام بما سلكه " قده " مما لا مسوغ له إلا أنه على تقدير القول به لا وجه للمناقشة في جواز تقليد المجتهد بما قدمنا تقريبه.

[ 246 ]

وهذا لا لما أفاده صاحب الكفاية " قده " من تسليم عدم صدق العالم أو الفقيه على المجتهد عندئذ وأنه انما يجوز تقليده لكونه عالما بموارد قيام الحجة. وذلك لانه تمهل في الجواب، حيث أن الدليل انما دل على جواز تقليد الفقيه أو العالم بالاحكام أو غيرهما من العناوين الواردة في لسان الدليل فإذا سلمنا أن المجتهد لا يصدق عليه شي من تلك العناوين المسوغة للتقليد لم يمكننا الحكم بجواز تقليده وان فرضناه عالما بغير الاحكام الشرعية من الامور. بل من أجل أن المجتهد - على هذا المسلك - ايضا يصدق عليه الفقيه والعالم وسره أن مفهوم الفقيه غير مقيد بخصوص العلم بالاحكام الواقعية أو الظاهرية، بل إنما هو اعم منهما والعلم بقيام الحجة على الاحكام وان فسرنا الحجية بمعنى المنجزية والمعذرية، ويدلنا على ذلك أن الاخبار المتقدمة في محلها قد دلتنا على ارجاع الائمة - ع - شيعتهم إلى آحاد الرواة وكبراء اصحابهم كيونس بن عبد الرحمان وزكريا بن آدم وغيرهما، ولا شبهة في أنه بناء على هذا المسلك وتخصيص الفقيه بخصوص العلم بالاحكام لا يصدق عليهم الفقيه ولا العالم لعدم علمهم بالاحكام الواقعية ولا الظاهرية وانما كانوا يعلمون موارد قيام الحجة على الاحكام الشرعية فان اصحابهم - ع - لو سلمنا علمهم بصدور الاخبار عنهم - ع - بان كان السند قطعيا في حقهم، لاستماعهم الرواية من نفس الامام - ع - فلا نسلم كون دلالتها ايضا قطعية لهم لانها تستند إلى حجية الظهور وهي بمعنى المنجزية والمعذرية - على الفرض - وحيث أن النتيجة تتبع اخس المقدمتين فنستنتج من ذلك عدم كون الرواة عالمين بالاحكام الواقعية ولا الظاهرية. على أن السند ايضا لا يكون قطعيا - دائما - بالاضافة إلى الرواة فان الرواة من اصحابهم قد ينقل الرواية عن راو مثله، فلا فرق بين المجتهد من اصحابهم - ع - والمجتهد المتأخر عن عصرهم إلا في أن الواسطة في روايات اصحاب الائمة - ع -

[ 247 ]

أقل منها في روايات غيرهم من الرواة. وبما بيناه ظهر أن العلم بالاحكام الواقعية أو الاحكام الظاهرية غير معتبر في مفهوم الفقاهة وانما هو اعم من ذلك ومن العلم بقيام الحجة على الحكم، إذ لولا ذلك لم يوجد في العالم مصداق للفقيه، ولم يصح اطلاقه على أحد من اصحابهم - ع - ولا غيرهم فلا يتحقق معه موضوع لما دل على جواز الرجوع إلى من تفقه في الدين أو عرف شيئا من احكامهم وعلى الجملة لا فرق في جواز الرجوع إلى المجتهد بين القول بان المجعول في الحجج والامارات هو الطريقية والكاشفية، والقول بانه الحكم المماثل والقول بانه المنجزية والمعذرية، لما ظهر من أن الرجوع إلى المجتهد على جميع هذه المسالك من رجوع الجاهل إلى الفقيه هذا كله في الرجوع إلى المجتهد في موارد الطرق والامارات. أما الرجوع إليه في موارد الاصول العملية فقد يتوهم أن ذلك من رجوع الجاهل إلى مثله لان المجتهد في تلك الموارد كالعامي لا علم له بالاحكام الواقعية ولا الظاهرية. وهو توهم فاسد فان الاصول العملية قسمان: قسم منها تعبدي شرعي كما في الاستصحاب واصالتي البرائة والاباحة وقسم منها عقلي: أما الاصول العملية التعبدية فلا ينبغي التأمل في أن الرجوع فيها إلى المجتهد من رجوع الجاهل إلى الفقيه و " الوجه فيه ": أن الفقاهة ليست الا معرفة الاحكام المترتبة على الموضوعات الخارجية، والشك موضوع خارجي ويصدق الفقاهة على معرفة حكمه، لوضوح عدم الفرق في صدقها بين العلم بالاحكام المترتبة على موضوعاتها بعناوينها الاولية وبين العلم بالاحكام المترتبة على موضوعاتها بعناوينها الثانوية. وبعبارة اخرى ان الدين عبارة عن مجموع احكام الصادرة من الشارع

[ 248 ]

وهي قد تترتب على الشى بعنوانه الاولى ويعبر عنها بالاحكام الواقعية. وقد تترتب على الشى بعنوانه الثانوي، ويعبر عنها بالاحكام الظاهرية. إذا قوله عز من قائل: وليتفقهوا في الدين.. يشمل تحصيل العلم بحكم الشك كما يشمل العلم باحكام سائر الموضوعات الخارجية. وقد يقال: ان ما ذكرتموه انما يتم في مثل اصالتي الاباحة والبرائة وغيرهما مما يكون فيه الموضوع هو الشك، لان العامي حيث أنه جاهل وشاك في حرمة شى واباحته فله أن يرجع في حكم شكه هذا إلى المجتهد لانه عالم بحكم ذلك الموضوع الذي هو الشك من حرمة أو جواز. ولا يتم في الاستصحاب لان موضوعه ليس هو الشك الساذج بل اليقين السابق والشك اللاحق، وليس للعامي يقين سابق وشك لاحق وانما ذلك للمجتهد فحسب، ومع أن العامي ليس بمورد للاستصحاب لعدم تحقق موضوعه في حقه ما معنى رجوعه إلى المجتهد في حكمه - مثلا - إذا شك العامي في حرمة وطئ زوجته - بعد انقطاع دمها وقبل الاغتسال - لم يكن له يقين سابق بحكم كما ليس له شك لاحق بوجه وانما هو للمجتهد كما عرفت. وهذه المناقشة قد تعرضنا لها في محلها واجبنا عنها بما حاصله: أن الاستصحاب هو الجري على طبق الحالة السابقة والجري اعم من الافتاء والعمل لعدم اختصاصه بالجري العملي، فإذا كان للمجتهد يقين سابق بحرمة الوطئ في المثال وشك في زوالها بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال فله الجري على طبق الحالة السابقة بحسب الحكم والفتوى بان يفتى بحرمة الوطئ في المقام - بناء على جريانه في الشبهات الحكمية وإلا فلا استصحاب كي يناقش في جريانه - وان فرضنا أن العامي لغفلته وعدم التفاته لم يكن له يقين سابق ولا شك لا حق فان الفتوى إذا صدرت من اهلها فللعامي أن يرجع إليها في اعماله، لانه من رجوع الجاهل إلى الفقيه، فالاستصحاب محقق للافتاء الذي هو المورد لرجوع العامي إلى الفقيه، لا أن العامي يرجع إلى المجتهد في حكم الاستصحاب ليرد أن موضوعه

[ 249 ]

غير متحقق في حق العامي كما مر. وأما القسم العقلي من الاصول فهو أمران: فان العقل إما أن يستقل بقبح العقاب وعدم تنجز الواقع وهذا له موردان: " أحدهما ": الشبهات البدوية. و " ثانيهما ": موارد العلم الاجمالي إذا لم يمكن فيها الاحتياط، كما في دوران الامر بين المحذورين. وإما أن يستقل بصحة العقاب وتنجز الواقع وهو المعبر عنه بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب، وهذا كما في موارد العلم الاجمالي مع التمكن من الاحتياط ثم ان العامي ان استقل عقله بشى منهما كما إذا استقل بقبح العقاب من دون البيان أو بصحة العقاب كما في موارد احتمال الضرر بمعنى العقاب فلا مسوغ لتقليده لانه انما يجوز فيما لم يستقل عقل العامي بشي إذ مع معرفته وعلمه بالحكم في مورد لا مناص من أن يتبع علمه ونظره ولا يجوز أن يرجع إلى الغير. وبما أن موارد القاعدتين مما لا يتمكن العامي من تشخيصها لعدم قدرته من تشخيص موارد عدم البيان من موارد البيان وتشخيص موارد احتمال العقاب عن موارد عدم احتماله فلا مناص من أن يرجع في تشخيصها إلى المجتهد العالم بمواردهما فأذا بين له أن الرواية المعتبرة دلت على وجوب القصر ورواية اخرى كذلك دلت على وجوب التمام وهو متمكن من الاحتياط استقل عقله بتنجز الحكم الواقعي في حقه وصحة العقاب على مخالفته، كما انه إذا بين له أن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو حرمة شرب التتن لم يرد فيه البيان استقل عقل العامي بعدم تنجزهما في حقه وقبح العقاب على مخالفتهما، وعلى الجملة أن المقلد بعدما احرز صغرى القاعدتين بالتقليد يطبق عليها كبراهما في نفسه من غير أن يحتاج فيه إلى التقليد هذا إن استقل عقله بشي وأما إذا لم يستقل عقله بشئ من القاعدتين فلا مناص من أن يرجع المجتهد

[ 250 ]

في كبراهما كما كان يرجع إليه في صغراهما الا أن رجوعه إليه في كبرى القاعدتين أو صغراهما ليس من باب رجوع الجاهل إلى الفقيه، لان تشخيص صغريات القاعدتين أو كبراهما ليس من الاحكام الشرعية ليكون العلم بها تفقها في الدين، وانما هو من باب رجوع الجاهل إلى العالم واهل الاطلاع فانه الذي جرت عليه السيرة العقلائية التنبيه الرابع: أن العامي إذا لم يتمكن من الرجوع إلى المجتهد الجامع للشرائط، اما لعدم وجود مجتهد أصلا، وإما لعدم كونه جامعا للشرائط، وإما لتعسر الوصول إليه كما في ايام التقية ونحوها فماذا وظيفته حينئذ؟ لا شبهة في أن لكل مكلف علما اجماليا بثبوت احكام الزامية وجوبية أو تحريمية في الشريعة المقدسة، وأنها مما لابد من الخروج عن عهدتها بوجه إما بالعلم الوجداني بامتثالها، واما بالعلم التعبدي به كما إذا عمل بفتوى من قلده وبما أنه لا يتمكن من تقليد المجتهد الجامع للشرائط من الاحياء وجب أن يراجع الاموات فإذا كان أحدهم اعلم من غيره تعين عليه تقليده من الابتداء لا أنه يجب عليه الاحتياط وعلى تقدير عدم تمكنه منه يرجع إلى اعلم الاموات. والوجه فيما ذكرناه أن السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم غير مقيدة بما إذا كان العالم حيا، فلا فرق بحسبها بين تقليد الاحياء والاموات، ولا بين التقليد الابتدائي والاستمراري. وأما الادلة اللفظية فهى وان كانت ظاهرة في ارادة الحي، ومن هنا قلنا باختصاصها به، إلا أنها ليست بذات مفهوم لتدلنا على الحصر وعدم جواز تقليد الميت، وانما منعنا عن تقليد الاعلم من الاموات بحسب الابتداء لمانع خارجي وهو استلزام القول بوجوب تقليد الاعلم من الاموات انحصار المرجعية في شخص واحد

[ 251 ]

وهو مما قامت على خلافه الضرورة من مذهبنا، كيف وقد امتاز مذهب الشيعة عن مذهب اهل السنة والجماعة بعدم حصر المرجعية في شخص واحد أو اشخاص معينين على ما بيناه عند التكلم على تقليد الميت الابتدائي. وهذا المحذور بما أنه عقلي لااطلاق له فلا مناص من أن يقتصر فيه على المورد المتيقن وهو ما إذا تمكن المكلف من تقليد المجتهد الحي الجامع للشرائط فمع عدم التمكن من ذلك وجب أن يراجع اعلم الاموات، ولا محذور في استلزام ذلك حصر المرجعية في شخص واحد، لان ما قامت الضرورة على خلافه انما هو حصر المرجعية مطلقا، وأما حصرها في بعض الحالات والطواري وعند اقتضاء الضرورة ذلك فمما لا ترى فيه اي محذور، وعلى الجملة المكلف في مفروض الكلام إذا شخص الاعلم من الاموات وجب أن يقلده، ولا يجب عليه الاحتياط. وإذا لم يشخص اعلمهم كما إذا احتملنا الاعلمية في كل واحد من الاموات أو احرزنا تساوي الجميع في الفضيلة سقطت فتاواهم عن الاعتبار، لانها متعارضة في نفسها وقد مر غير مرة أن أدلة الاعتبار غير شاملة للمتعارضين، ومعه يجب على المكلف الاحتياط، والاتيان بكل ما يحتمل وجوبه وترك ما يحتمل حرمته. وإذا فرضنا ان العامي غير متمكن من ذلك ولو لاستلزامه العسر والحرج فيتنزل إلى مرتبة اخرى من الاحتياط وهو الاحتياط في كل ماله اهمية عند الشارع وهو مورد لاهتمامه كما في النفوس والاعراض والاموال الخطيرة - مثلا - إذا احتمل حرمة امرأة معينة في حقه من جهة الشبهة الحكمية كما إذا شك في أن الحرمة تنتشر بعشر رضعات أو أن الناشر خمسة عشر رضعة احتاط بترك تزويجها. وأما في غير ما علمنا باهتمام الشارع به أو علمنا باهتمامه إلا أن المكلف لم يتمكن فيه من الاحتياط لانه عسر في حقه فلا مناص من أن يخرج عن عهدة التكاليف المتنجزة عليه بالعلم الاجمالي بوجه آخر للعلم بعدم كونه مهملا في الشريعة المقدسة بحيث له أن يفعل ما اراده،

[ 252 ]

[ (مسألة 23) العدالة عبارة عن ملكة اتيان الواجبات وترك المحرمات (1). ] ويترك ما أراده، وبما انه لا يتمكن من الاحتياط الكلي في المسألة، ولا من التبعيض فيه تخير في الرجوع إلى أحد العلماء الاموات تخييرا عمليا، كما هو الحال فيما إذا لم يحرز اعلمية أحد العلماء الاحياء أو احرز تساويهم في الفضيلة فان المكلف يحتاط إن امكنه، وإلا يتخير بينهم عملا على ما قدمنا تفصيله في محله، وعلى الجملة لافرق وقتئذ بين الاحياء و الاموات من تلك الجهة. تعريف العدالة (1) وقع الكلام في أن العدالة المعتبرة في جملة من الموارد كالتقليد، والشهادة والقضاء، والطلاق، وامام الجماعة وغيرها ما حقيقتها؟ واختلفت كلماتهم في بيانها إلى أقوال: " منها ": ما نسب إلى المشهور بين المتأخرين من أن العدالة ملكة، أو هيئة راسخة، أو حالة، أو كيفية باعثة نحو الاطاعة بالاتيان بالواجبات وترك المعاصي والمحرمات. و " منها ": أن العدالة هي الاتيان بالاعمال الخارجية من الواجبات واجتناب المحرمات الناشي عن الملكة النفسانية فهى - على ذلك - أمر عملي، وليست من الصفات النفسانية، وإن كان ذلك العمل مسببا عن الصفة النفسانية وباقتضائها، فهذا التعريف ناظر إلى المسبب والمقتضى، كما أن التعريف السابق ناظر إلى السبب والمقتضي، بمعنى أن العدالة - على التعريف المتقدم - هو السبب والمقتضي للعمل، وعلى هذا التعريف هو العمل المسبب والمقتضى للملكة النفسانية التي هي السبب هذا ويمكن أن يقال: التعريفان راجعان إلى شي واحد لان الملكة بما هي ليست هي

[ 253 ]

العدالة التي تعتبر في جملة من الموارد في الشريعة المقدسة. بل المعتبرة هي الملكة المتلبسة بالعمل اي المقترنة بالاتيان بالواجبات وترك المحرمات وذلك لان ارتكاب المعصية في الخارج - لغلبة الهوى على الملكة - يستتبع الفسق من غير نكير، وبناء على أن العدالة هي الملكة بما هي يلزم اجتماع العدالة والفسق في شخص واحد في زمان واحد. ومن هنا يصح أن يقال: العدالة هي الاعمال الخارجية الناشئة عن الملكة النفسانية فالمراد بالتعريفين شئ واحد وان كان احدهما ناظرا إلى بيان اعتبار التلبس بالعمل دون الآخر. و " منها ": أن العدالة نفس الاعمال الخارجية من فعل الواجبات وترك المحرمات من دون اعتبار اقترانها بالملكة أو صدورها عنها فالعدالة هي الاستقامة - عملا - في جادة الشرع وعدم الجور والانحراف عنها يمينا ولا شمالا. و " منها ": أن العدالة هي الاسلام وعدم ظهور الفسق في الخارج، وعلى ذلك لابد من الحكم بعدالة اكثر المسلمين، وان لم نعاشرهم بوجه، وذلك لاسلامهم وعدم ظهور الفسق منهم عندنا. و " منها ": أن العدالة هي حسن الظاهر فحسب، وعلى ذلك لا يمكننا الحكم بعدالة اكثر المسلمين كما على التعريف المتقدم لتوقفه على احراز حسن الظاهر المتوقف على المعاشرة في الجملة ولو برؤيته آتيا بالواجبات وغير مرتكب للمعاصي مرتين أو ثلاثا أو اكثر هذا. والصحيح أن حسن الظاهر، والاسلام مع عدم ظهور الفسق معرفان للعدالة، لا أنهما العدالة نفسها، لامكان أن يكون الفاسق - في اعلى مراتب الفسق باطنا - متحفظا على جاهه ومقامه لدى الناس فهو مع أنه حسن الظاهر محكوم بالفسق - في الواقع - لارتكابه المعاصي، ولا مساغ للحكم بعدالة مثله بوجه لقوله عز من قائل: أولئك هم الفاسقون (* 1) مشيرا إلى مرتكبي


(* 1) النور: 24: 4 والحشر: 59: 19

[ 254 ]

المعاصي ولو في الباطن. وكذلك الحال في الاسلام، وعدم ظهور الفسق، فان هذا العنوان بنفسه يدلنا على أن الفسق امر واقعى قد يظهر وقد لا يظهر، فمع أن المكلف فاسق في الواقع لارتكابه المعصية في الباطن كيف يمكن أن يكون عادلا من جهة عدم ظهور الفسق منه؟! إذا هما طريقان ومعرفان للعدالة، لا أنهما العدالة نفسها، ويأتي الكلام على معرف العدالة وطريق استكشافها قريبا ان شاء الله. وعلى الجملة القولان الاخيران ساقطان، ومعه لابد من التكلم في أن العدالة هي الاعمال الخارجية من دون اعتبار صدورها عن الملكية النفسانية، أو أنه يعتبر في العدالة أن تكون الاعمال صادرة عن الملكة؟ فنقول: لم تثبت للعدالة حقيقة شرعية، ولا متشرعية، وانما هي بمعناها اللغوي اعني الاستقامة وعدم الجور والانحراف وهي قد تستند إلى الامور المحسوسة فيقال هذا الجدار عدل أو مستقيم، أو أن العصا مستقيم، فتكون العدالة والاستقامة من الامور المحسوسة. وقد تسند إلى الامور غير المحسوسة فيراد منها الاستقامة المعنوية وذلك كالعقيدة والفهم، والاخلاق فيقال: عقيدة فلان مستقيمة اي غير مشوشة أو أن فهمه مستقيم في قبال اعوجاجه، أو اخلاقه مستقيم اي لا افراط فيه ولا تفريط. وقد تسند إلى الذوات فيقال زيد عادل ومعناه أن مستقيم في الخروج عن عهدة التكاليف المتوجهة إليه، وحيث أن الشارع يراه مستقيما في جادة الشرع فهو عادل شرعا وغير منحرف عن جادته. فالعدالة المطلقة - وهي المنسوبة إلى الذوات - هي الاستقامة العملية كما يقتضيه معناها اللغوى، مع قطع النظر عن الروايات والمتحصل أن العدالة ليست لها حقيقة شرعية وانما استعملت في الكتاب والاخبار بمعناها اللغوى اعني الاستقامة وعدم الاعوجاج والانحراف وغاية الامر أن موارد استعمالها مختلفة.

[ 255 ]

كما ظهر أن العدالة ليست من الاوصاف النفسانية، وانما هي صفة عملية لانها في اللغة - كما عرفت - هي الاستقامة وعدم الجور، وفي الشرع هي الاستقامة في جادته والى ذلك اشير في جملة من الآيات المباركة كما في قوله عزمن قائل: فان خفتم أن لاتعدلوا (* 1) وقوله: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء (* 2) لاضافة العدالة فيهما إلى الذات بلحاظ استقامتها في جادة الشرع وتطابق اعمالها لاحكامه. وتوضيح ما ذكرناه: أن ترك المحرمات والاتيان بالواجبات قد يستند إلى عدم المقتضى لفعل الحرام أو ترك الواجب كما إذا لم تكن له قوة شهوية أو غضبية باعثة إلى فعل الحرام أو ترك الواجب ولم تكن له رغبة - في طبعه - إلى ايجاده كما في اكل القاذورات ونحوها من المحرمات، فانه امر قد يتفق فلا تكون للمكلف رغبة إلى فعل الحرام. وهذا لابد من أن يفرض في المحرمات أو في الواجبات غير العبادية، لعدم كفاية الاتيان بالواجب لا عن مقتض وداع الهى يدعوا إليه في العبادات والوجه فيه غير خفى. ثم إن ذلك مجرد فرض لا وقوع له أو لو كان متحققا فهو من الندرة بمكان وذلك لان البشر لا يخلو عن القوة الغضبية والشهوية وهما داعيتان له نحو الحرام لا محالة على الاختلاف في مراتبهما. وكيف كان إذا فرضنا أن ترك الحرام مستند إلى عدم المقتضى لفعله لم يتحقق بذلك العدالة بوجه، لان المكلف وان لم ينحرف حينئذ عن جادة الشرع، إلا أنه لم يسلك جادته برادع عن المحرمات، وانما سلكها لا عن مقتض لارتكابها وعدم موافقة المحرم شيئا من قواه، بحيث لو كان له مقتض لفعلها لارتكبها فمثله ليس بسالك لجادة الشرع وان لم يكن منحرفا عنها


(* 1) النساء 4: 3 (* 2) النساء 4: 129

[ 256 ]

ايضا فهو في الحقيقة خارج عن موضوع العدالة والفسق: أما أنه ليس بعادل فلانه لم يسلك جادة الشرع برادع عن المحرمات والانحرافات. وأما أنه ليس بفاسق فلانه لم يخرج عن جادة الشرع بفعل المحرمات. وقد يكون ترك المحرمات وفعل الواجبات مستندا إلى الرداع عن المعصية مع وجود المقتضى لارتكابها، والرادع عن ارتكاب المعصية مع وجود المقتضى لفعلها قد يكون تسلط القوة العاقلة على العقل العملي، بمعنى أن العقل قد يكون مسيطرا على النفس سيطرة تامة فيلاحظ الاعمال التي يريد المكلف اصدارها، فيصدر ما هو محبوب منها لله سبحانه فلا يصدر من المكلف غيره ابدا، كما حكى ذلك عن السيد الرضى (قده) وأنه لم يرتكب مباحا طيلة حياته فضلا عن الحرام والمكروه. والمكلف في هذه الصورة وإن كان سالكا لجادة الشرع أتم سلوك، إلا أن سلوكه هذا لم يستند إلى خوفه من العقاب وإلا لم يكن له أي مانع من أن يرتكب المباح، والمفروض انه لا يرتكبه وانما يرتكب ما هو محبوب لدى الله عزوجل ومثل ذلك من السلوك لا يعتبر في موضوع الاحكام الشرعية قطعا، لا ستلزامه تعطيل الاحكام الشرعية في جملة من المقامات فانه يختص بالاوحدى لوضوح أن العدالة بهذا المعنى تلو مرتبة العصمة، فلايراد بالعدالة المعتبرة في امام الجماعة أو الشاهد أو الفتوى أو غيرها مما يعتبر فيه العدالة هذا المعنى بتاتا. وقد يكون الرادع عن ارتكاب المعصية مع وجود المقتضى لها رجاء الثواب أو الخوف من العقاب، كما لعله الغالب في آحاد المكلفين لانهم انما يجتنبون المعاصي خوفا من عذابه سبحانه، وهذا المعنى من العدالة هو المراد منها في موضوع جملة من الاحكام الشرعية فمن سلك جادة الشرع برادع الخوف من العذاب أو رجاء الثواب مع فرض وجود المقتضى له للانحراف فهو مستقيم في الجادة ومصداق للعادل شرعا ولغة هذا.

[ 257 ]

ثم إن الرادع عن ارتكاب المحرم إذا لم يكن هو الخوف أو الرجاء فلا يخلو إما أن يكون أمرا محرما في نفسه كالرياء، لانه إذا اتى بالواجب التعبدي بداعي الرياء وارائة عمله للناس لكلى يحتسب من العاملين بالوظائف الشرعية والمنقادين لاوامر الله سبحانه ونهيه فقد عمل محرما لان الرياء شرك عملي مبغوض لدى الله سبحانه، ومن البديهى أن ذلك لا يكون من العدالة في شي فانه انما اتى بما اتى به أو ترك ما تركه برادع الرياء، ولولاه لترك الواجب. وقد فرضنا أن الرياء محرم ومرتكبه محكوم بالفسق والانحراف عن جادة الشرع. وإما أن يكون أمرا مباحا، كما إذا ردعته عن ارتكاب المحرم شرافته وجاهه لانه لو ارتكبه سقط عن اعين الناس. والمكلف وقتئذ وإن لم ينحرف عن جادة الشرع، ولم يرتكب الحرام، إلا أنه لم يسلكها بداع الخوف وسلوك مسلك العبودية، وانما سلكها تحفظا على شئونه وجاهه فهذه الصورة ايضا خارجة عن موضوعي الفسق والعدالة والمكلف حينئذ ليس بعادل ولا بفاسق. فالمتحصل أن العدالة هي الاستقامة في جادة الشرع بداعي الخوف من الله أو رجاء الثواب وهى كما ترى صفة عملية وليست من الاوصاف النفسانية بوجه، لوضوح أنها هي الاستقامة في الجادة بداعي الخوف أو رجاء الثواب، وليس هناك ما يكون ملكة وصفة نفسانية بعد ظهور أن الخوف ليس هو العدالة يقينا حتى يتوهم أنها من الصفات النفسانية. بقى في المقام أمران " أحدهما ": أن الاستقامة بالمعنى المتقدم تعتبر أن تكون مستمرة بان تصير كالطبيعة الثانوية للمكلف، فالاستقامة في حين كما في شهر رمضان أو المحرم أو غيرهما دون بقية الشهور ليست من العدالة في شي فان المكلف لا يكون

[ 258 ]

مستقيما بذلك في الجادة ولا سالكا لها بداع الخوف أو رجاء الثواب. وبعبارة اخرى أن المكلف - وقتئذ - لا يمكن الوثوق باستقامته، لانه قد يستقيم وقد لا يستقيم، مع أن المعتبر في العادل أن يؤثق بدينه، ولا يتحقق ذلك إلا بالاستمرار في الاستقامة، وكذلك الحال فيما إذا استقام بالاضافة إلى بعض المحرمات دون بعض، ولعل ما ذكرناه من اعتبار الاستمرار في فعل الواجبات وترك المحرمات هو الذي اراده القائل بالملكة ولم يرد انها ملكة كسائر الملكات والله العالم بحقيقة الحال. " ثانيهما ": أن الاستقامة مع الاستمرار عليها التي فسرنا بها العدالة المعتبرة في جملة من الموارد لا يضرها ارتكاب المعصية في بعض الاحيان لغلبة الشهوة أو الغضب فيما إذا ندم بعد الارتكاب، لانه حال المعصية وان كان منحرفا عن الجادة، إلا أنه إذا تاب رجع إلى الاستقامة، وقد قال عز من قائل في توصيف المتقين: إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا (* 1) فالشيطان قد يمس العادل، كما يمس غيره. وقد قيل: ان الجواد قد يكبو. إلا أنه إذا تذكر ندم ورجع إلى الاستقامة والعدل والمتحصل أن الاستقامة الدائمية بمعنى عدم صدور الحرام من المكلف منذ بلوغه إلى آخر عمره غير معتبرة في العدالة. كما لا تعتبر فيها الاستقامة الخارقة للعادة، كما إذا فرضنا أن الكذبة الواحدة تترتب عليها جملة كثيرة من المنافع الدنيوية والاخروية، وفرضنا أيضا أن النبي أو الوصي - ع - اخبرنا أن الله لا يعاقب المكلف بتلك الكذبة إذ يشفع له الشفعاء يوم القيامة فانه لا يعتبر ترك مثل ذلك في العدالة لاختصاصه كسابقه بقليل من المكلفين بل لا يتحققان إلا في الاوحدي، ولا يحتمل أن تكون العدالة بهذا المعنى معتبرة في موضوعات الاحكام الشرعية لاستلزامه التعطيل كما مر هذا.


(* 1) الاعراف: 7: 201

[ 259 ]

وقد ذهب شيخنا الانصاري " قده " وجمع ممن تقدمه وتأخر عنه إلى أن العدالة زائدا على ما بيناه من العمل والاستقامة في سلوك جادة الشرع يعتبر فيها أن يستند العمل إلى الملكة النفسانية تدعو المكلف إليه وتبعثه على ملازمة الطاعة وترك المعصية فالعمل المجرد من الملكة لا يكون من العدالة في شى، وحيث أن الملكة من الصفات النفسانية والامور غير المحسوسة فلا مناص من أن نستكشفها بما جعله الشارع معرفا إلى وجودها وكاشفا عنها من حسن الظاهر أو غيره وهذا قد استدل عليه بوجوه: " الاول ": أن الشك في أن الملكة معتبرة في العدالة أو ليست كذلك من الشك في سعة مفهوم العدالة وضيقه وتردده بين السعة والضيق ولا مناص معه من الاخذ بالمقدار المتيقن منه في ترتب الاثار عليه وهو المضيق. وأما الزائد على ذلك أعني الموسع فلا وذلك للشك في أن الاثار المرغوبة من العدالة هل يترتب عليه في الشريعة المقدسة أولا، ومقتضى الاصل عدم ترتبها عليه إذا فجواز الايتمام في صلاة الجماعة ونفوذ القضاء والشهادة وغيرها من اثار العدالة انما تترتب على ترك المحرمات والاتيان بالواجبات إذا كان الباعث إليهما هو الملكة النفسانية. وأما مجرد ترك الحرام أو الاتيان بالواجب من دون ملكة تدعو اليهما فمقتضى الاصل عدم ترتب الاثار عليه. ويرد على هذا الوجه: " أولا ": أن العدالة ليست من المفاهيم المجملة المرددة بين السعة والضيق حتى يجب الاخذ بالمقدار المتيقن منها كما ذكر، وانما هي مفهوم مبين لما تقدم ويأتي ايضا من انها بحسب اللغة والاخبار هي الاستقامة العملية في جادة الشرع وأن هذا هو الذي اخذ في موضوع الاحكام الشرعية وهو مفهوم موسع، فإذا شككنا في تقييده بالملكة فلا محالة ندفع احتمال التقييد بالاصل.

[ 260 ]

و " ثانيا ": ان ما افاده " قده " من الاخذ بالمضيق والقدر المتيقن وعدم ترتب الاثر على الموسع بالاصل انما يتم في الاثار التي اخذت العدالة في موضوعها بالقرينة المتصلة كما في الشاهد بقوله عزمن قائل: واشهدوا ذوى عدل منكم (* 1) وذلك لان العدالة إذا قلنا باجمالها فالمقدار المتيقن من الموضوع المقيد بذلك القيد المجمل هو الشاهد الذي يستقيم في اعماله عن الملكة النفسانية الداعية إلى الطاعة لانه الذي نقطع بترتب الاثر عليه. وأما الشاهد الذي يستقيم في اعماله لا عن ملكة فنشك في ترتب الاثر عليه والاصل عدمه إى عدم نفوذ شهادته. ولا يتم فيما اخذت العدالة في موضوع الحكم بالقرينة المنفصلة كما في بابى الفتوى والقضاء فان الادلة القائمة على حجية فتوى الفقيه من السيرة وغيرها مطلقة ولم يقيد فيها اعتبارها بما إذا كان المنذر أو العالم عادلا، وانما استفدنا اعتبار العدالة بدليل منفصل كالضرورة أو رواية الاحتجاج أو غيرهما مما استدل به على اعتبارها فإذا فرضنا أن مفهوم العدالة مجمل مردد بين الموسع والمضيق فلا مناص من أن يقتصر في تقييد المطلقات بالمقدار المتيقن من المقيد فان المخصص المنفصل إذا كان مجملا اقتصر في تخصيص العموم به على المقدار المتيقن منه، وهو المنذر الذي لا يستقيم في أعماله للقطع بعدم جواز تقليده، لانه مقتضى دليل المقيد والمخصص. وأما إذا كان مستقيما في اعماله ولم ينحرف عن جادة الشرع يمينا ولا شمالا غير أن استقامته لم تكن عن ملكة نفسانية فنشك في تقييد المطلقات به، ومع الشك في التخصيص والتقييد الزائدين يتمسك بعموم العام أو اطلاق المطلق وبه يحكم بجواز التقليد ممن له الاستقامة العملية وان لم يكن واجدا للملكة النفسانية بوجه. " الثاني ": الاخبار الواردة في أن امام الجماعة يشترط فيه الوثوق بدينه (* 2)


(* 1) الطلاق: 65: 2 (* 2) أبو على بن راشد قال: قلت لابي جعفر - ع -: ان مواليك قد

[ 261 ]

فان المستفاد من تلك الاخبار أن العدالة المعتبرة في مثل امام الجماعة يعتبر فيها الوثوق بالديانة ولا يحصل الوثوق بها بالاستقامة العملية المجردة عن الملكة، فان من ترك المحرمات واتى بالواجبات لاعن ملكة لا يمكننا الوثوق بدينه، لانه من الجائز أن يرتكب مثله المعصية في المستقبل، ويخالف امر الله ونهيه، وهذا بخلاف ما إذا عمل عن ملكة نفسانية، إذ معها يمكننا الوثوق بدينه. والجواب عن ذلك: المنع عن عدم حصول الوثوق بدين من نرى أن يأتي بواجباته ويترك المحرمات، لانا إذا عاشرناه مدة ورأينا انه يخاف حيوانا من الحيوانات الموذية، أو أنه يخاف الجن - مثلا - ولا يتمكن من الدخول في موضع فيه ذلك الحيوان ولا يسكن مكانا خاليا من الانس، وقد مرت على ذلك برهة من الزمان علمنا علما جزميا أن الرجل يخاف من ذلك الحيوان أو الجن في الازمنة المستقبلة، ويحصل لنا الوثوق بذلك في حقه. وكذلك الحال فيما إذا عاشرناه مدة ورأينا أنه يخاف الله سبحانه، ولا يرتكب محرما، ويواظب وظائفه وواجباته تيقنا من دينه لا محالة وحصل لنا الوثوق بديانته، بلا فرق في ذلك بين القول باعتبار الملكة في العدالة وعدمه، لانهما اجنبيان عن حصول الوثاقة بدين المتصف بالعدالة. " الثالث ": الروايات الواردة في العدالة لانها قد اخذت في موضوعها أوصافا وعناوين خاصة لا تنطبق إلا على صاحب الملكة وذلك كالعفاف، والستر،


اختلفوا فأصلى خلفهم جميعا فقال: لا تصل الا خلف من تثق بدينه. وفى رواية الشيخ زاد: وامانته. المروية في ب 10 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل. يزيد بن حماد عن أبى الحسن - ع - قال: قلت له: أصلى خلف من لا اعرف؟ فقال: لا تصل الا خلف من تثق بدينه الحديث. المروية في ب 12 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل. وغيرهما من الروايات.

[ 262 ]

والصلاح، والمأمونية، والمرضي، والخير، والصائن (* 1) مع الاجماع على عدم اعتبارها زائدة على العدالة. وفيه: أن العناوين المذكورة غير منطبقة على الافعال النفسانية فضلا عن أن تنطبق على الصفات النفسانية. وتفصيل ذلك: أن كون الرجل مرضيا بمعني أن يكون افعاله مما يرضى به الناس، كما إذا لم يظلمهم، ولم يكذبهم، ولا أنه عمل


(* 1) يونس بن عبد الرحمان عن بعض رجاله عن ابي عبد الله - ع - قال: سألته عن البينة إذا اقيمت على الحق أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة؟ فقال: خمسة اشياء يجب على الناس الاخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات، والمناكح والذبائح والشهادات، والانساب، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسال عن باطنه. المروية في ب 41 من ابواب الشهادات من الوسائل. عبد الله بن المغيرة قال: قلت للرضا - ع -: رجل طلق امرأته، واشهد شاهدين ناصبيين قال: كل من ولد على الفطرة، وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته. نفس المصدر المذكور. عمار بن مروان عن ابي عبد الله - ع - في الرجل يشهد لابنه، والابن لابيه والرجل لامرأته فقال: لا بأس بذلك إذا كان خيرا الحديث. نفس المصدر. ابو بصير عن ابي عبد الله - ع - قال: لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا الحديث. نفس المصدر. اسماعيل بن ابي زياد السكوني عن جعفر عن ابيه - ع - أن شهادة الاخ لاخيه تجوز إذا كان مرضيا ومعه شاهد آخر نفس المصدر. عبد الله بن ابي يعفور قال: قلت لابي عبد الله - ع - بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم فقال: أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد.. الحديث. راجع نفس المصدر. إلى غير ذلك من الاخبار.

[ 263 ]

عملا ينافي لرضاهم فهو من صفات الاعمال الخارجية وليس من الصفات النفسانية في شئ. نعم الرضا صفة نفسانية، إلا أنه اجنبي عن المتصف بالعدالة لانه أمر قائم بالغير، إذ العادل هو المرضي، والراضي عن افعاله هو الغير. ومعنى كونه صالحا أن لا يكون فاسد العمل ولا مفسدا به فهو ايضا من صفات الاعمال الخارجية. وكذلك كونه مأمونا فان الامن وان كان بمعنى اطمئنان النفس وسكونها في مقابل اضطرابها وتشويشها، إلا أنه أمر قائم بالغير دون المتصف بالعدالة، لانه المأمون وهو انما يتحقق بكونه مستقيما في اعماله ووظائفه بعدم اكله اموال الناس وترك الخيانة في اعراضهم ونفوسهم حتى يطمئنوا به. وأما الستر فهو بمعنى التغطئة. وكون المكلف ساترا إما بمعنى أنه ساتر لعيوبه عن الله سبحانه فهو بهذا المعنى عبارة اخرى عن اجتنابه المعاصي لئلا ينهتك سره وتظهر عيوبه لدى الله، وإما بمعنى كونه مستورا لدى الناس ومعناه أنه لا يتجاسر بالمعاصي ولا يتجاهر بها لدى الناس فهذا ايضا من عناوين الاعمال الخارجية وليس من الصفة النفسانية في شئ. كما أن الخير هو الذي كانت أعماله خيرا. والصائن من ترك المعاصي مع وجود المقتضى لارتكابها. والعفة بمعنى الامتناع عما لا يحل ففلان عفيف أي ممتنع عما لا يحل كاذى الناس وغيره من المحرمات الالهية، ويأتي للعفاف بيان زائد على ذلك عند التكلم على الوجه الرابع. والمتحصل أن العناوين المذكورة غير منطبقة على الصفات النفسانية بوجه " الرابع ": صحيحة (* 1) عبد الله بن ابي يعفور قال: قلت لابي عبد الله - ع -:


(* 1) هكذا عبروا عنها في كلماتهم الا أن الامر ليس كذلك لانها قد رويت بطريقي الصدوق والشيخ " قدهما " وكلا الطريقين ضعيف. أما طريق الصدوق " قده " فلان فيه احمد بن محمد بن يحيى العطار وقد مر غير مرة عدم ثبوت وثاقته. وأما طريق

[ 264 ]

بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر والعفاف، وكف البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التى أو عد الله عليها النار من شرب الخمر، والزنا، والرياء، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وغير ذلك، والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته، وعيوبه، وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته في الناس، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن، وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علة.. (* 1) وتقريب الاستدلال بها يتوقف على مقدمتين: " أحداهما ": أن يكون قوله - ع - أن تعرفوه بالستر والعفاف معرفا منطقيا بان تكون الجملة المذكورة حدا أو رسما للعدالة وبيانا لماهيتها نظير قولنا: حيوان ناطق في الجواب عن أن الانسان ما هو؟ إذا العدالة عين الاشتهار والمعروفية بالستر والعفاف وغيرهما مما ذكر في الحديث.


الشيخ " قده " فلان فيه محمد بن موسى الهمداني وهو ان كان ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات ومقتضى ذلك وثاقته الا أنه معارض بتضعيفه، وهذا لا لانه مستثنى من كتاب نوادر الحكمة، لانه مستند إلى توهم أن الرجل قد وضع اصلى زيد النرسي والزراد وهذا خطاء لان اصلهما مما رواه عنهما ابن ابي عمير وقد عثروا على طريق معتبر اليهما من دون أن ينتهي إلى الرجل على ما نبه عليه السيد الطباطبائي والسيد الصدر كما لا يخفى على من راجع ترجمة زيد الزراد. بل لما ذكره ابن الوليد من ان الرجل كان يضع الحديث. فانه مما لا يمكن حمله على وضعه خصوص اصلى الزيدين. لاطلاقه إذا لا يمكن الاعتماد على روايات الرجل بوجه. (* 1) المروية في ب 41 من ابواب الشهادات من الوسائل.

[ 265 ]

" ثانيتهما ": أن يكون العفاف والستر من الصفات النفسانية. فانه إذا ضممنا إحدى المقدمتين المذكورتين إلى الاخرى انتجت أن العدالة ملكة ومن الصفات النفسانية كما ادعوه. وكلتا المتقدمتين ممنوعتان: أما المقدمة الاولى: فلان الجملة المذكورة معرف اصولي لغوي اعني ما ينكشف به الشئ. وليست معرفا منطقيا بمعنى الحد أو الرسم وكون المعرف عين المعرف وذلك " أما أولا ": فلان ظاهر قوله - ع - أن تعرفوه بعد قول السائل: بم تعرف عدالة الرجل؟ أنه انما سأل عما يعرف ويستكشف به العدالة لا انه - ع - سأل عن حقيقتها وماهيتها، فان المعرف المنطقي اصطلاح حديث بين المنطقيين، ومن البعيد أن يكون مراد السائل بقوله: بم تعرف. هو السؤال عن حقيقة العدالة وأن معرفها على اصطلاح المنطقيين أي شي؟ فان وزانه وزان قولنا: بم يعرف الشئ الكذائي أو الشخص المعين، فان المراد بمثله في المحاورات العرفية الدارجة هو السؤال عما ينكشف به الشئ وما يدل عليه، لا السؤال عن حده ورسمه إذا حمل الجملة المذكورة على المعرف المنطقي بعيد. و " أما ثانيا ": فلانه لم يذكر في الجواب أن العدالة هي الستر والعفاف، وانما قال - ع - أن تعرفوه بالستر والعفاف فقد جعل المعرف اشتهار الرجل ومعروفيته بهما لا نفس الستر والعفاف ومن البديهي أن الاشتهار والمعروفية بهما ليسا بحقيقة العدالة وانما حقيقتها - لو كانت الجملة معرفا منطقيا - هو الستر والعفاف لا المعروفية بهما كما لا يخفى وعلى الجملة ان ما ادعيناه من أن المعرف ظاهر في المعرف الاصولي ليس لان السؤال راجع إلى المعرف بظاهره فحسب ليتوهم أن ذلك غير مانع من أن يجيب - ع - أولا ببيان حقيقة العدالة - تفضلا - لمكان جهل السائل بحقيقتها وثانيا ببيان الطريق إلى معرفتها بقوله: والدلالة على ذلك.. بل هو مستند إليه وإلى ظهور نفس الجواب في ذلك بالتقريب المتقدم فلاحظ فان

[ 266 ]

المعروفية والاشتهار بالستر والعفاف ليسا بحقيقة العدالة كما مر. كما أن ما ادعوه من أنه من الصفات النفسانية إنما هو نفس العفاف والستر وأما المعروفية بهما فلم يتوهم احد كونها من الصفات النفسانية ابدا. وعلى الجملة أن الجملة المذكورة معرف اصولي لغوي وليست معرفا منطقيا بوجه، كما أنه المراد بقوله - ع - والدلالة على ذلك.. بمعنى أنه من المعرف اللغوي - لا المنطقي - فان المراد بالدلالة هو ما ينكشف به اجتناب الكبائر، ولا يحتمل أن يراد بها المعرف المنطقي بان يكون اجتناب الكبائر عين كونه ساترا لجميع عيوبه لوضوح المغائرة والاثنينية بين الدال والمدلول. وأما المقدمة الثانية: فلما بيناه في الوجه السابق من أن العفاف هو الامتناع عما لا يحل وهو من الافعال الخارجية لا النفسانية فضلا عن أن تكون من الصفات النفسانية، فان العفيف من لم يرتكب الحرام في الخارج. نعم ذكر علماء الاخلاق أن العفة من صفات النفس إلا أنه اصطلاح مستحدث بينهم، ولا يمكننا حمل العفاف الوارد في كلمات الائمة - ع - عليه. نعم العفاف اعني ترك مالا يحل فعل من الافعال الاختيارية، ومن الظاهر أن الفعل الاختياري له مباد من الامور النفسانية حتى مثل الاكل والشرب وغيرهما من الافعال المتعارفة، إلا أن ذلك غير مسوغ للقول بان تلك الافعال التى منها الاكل ونحوه من الصفات النفسانية كما هو ظاهر. وأما الستر فهو ايضا كما مر بمعنى التغطئة وهي كناية عن عدم ارتكاب المحرمات فكان بينه وبينها حاجزا وغطاء فمعنى كونه ساترا أنه مغطى ومجتنب عن المحرمات، ولعله بهذا الاعتبار يدعى الله سبحانه بالستار لدفع البلية والهلكة. فان معناه: يا من يكون حاجزا بيننا وبين البلية ادفع عنا البلاء بسترك وحجزك. وكيف كان فهو ايضا من الافعال الخارجية.

[ 267 ]

وأما كف البطن واليد والفرج وغيرها من الافعال المذكورة في الرواية فكونها من الافعال الخارجية دون الافعال النفسية فضلا عن صفاتها امر ظاهر لاخفاء فيه. ثم ان بما بيناه في المقام اندفع ما ذكره شيخنا الانصاري " قده " من أن قوله - ع - أن يعرفوه بالستر والعفاف معرف منطقى للعدالة، وبيان لماهيتها وحقيقها وذكر في وجهه: أن الستر والعفاف والكف قد وقع مجموعها المشتمل على الصفة النفسانية معرفا للعدالة، فلا يجوز أن يكون أخص منها بل لابد من مساواته. وقد يكون أعم إذا كان من المعرفات الجعلية كما جعل - ع - في هذه الصحيحة الدليل على هذه الامور كون الشخص ساترا لعيوبه. ودعوى: أن ظاهر السؤال وقوعه من الامارة المعرفة للعدالة بعد معرفة مفهومها تفصيلا، والصفات المذكورة ليست أمارة. بل هي على هذا القول عينها فيدور الامر بين حمل السؤال على وقوعه عن المعرف المنطقي لمفهومها بعد العلم اجمالا وهو خلاف ظاهر السؤال. وبين خلاف ظاهر آخر وهو حمل الصفات المذكورة على مجرد ملكاتها فتكون ملكاتها معرفة وطريقا للعدالة وحينئذ فلا يصلح أن يراد بها إلا نفس اجتناب الكبائر المسبب عن ملكة العفاف والكف وهو القول الثاني. مدفوعة: ببعد ارادة مجرد الملكة من الصفات المذكورة بخلاف ارادة المعرف المنطقي الشارح لمفهوم العدالة فانه غير بعيد خصوصا بملاحظة أن طريقية ملكة ترك المعاصي لتركها ليست امرا مجهولا عند العقلاء محتاجا إلى السؤال، وخصوصا بملاحظة قوله فيما بعد: والدليل على ذلك كله أن يكون ساترا لعيوبه، فانه على ما ذكر يكون أمارة على أمارة، فيكون ذكر الامارة الاولى اعني الملكة خالية عن الفائدة مستغنى عنها بذكر امارتها، إذ لا حاجة غالبا إلى ذكر امارة تذكر لها امارة اخرى بخلاف ما لو جعل الصفات المذكورة عين العدالة فان المناسب بل اللازم أن يذكر لها طريق أظهر وأوضح للناظر في احوال الناس. انتهى ما أردنا نقله.

[ 268 ]

والوجه في الاندفاع يتلخص في أمور: " الاول ": ما قدمناه من أن ظاهر الرواية أن المعرف معرف اصولي لغوي وليس معرفا منطقيا بوجه. " الثاني ": أن الستر والعفاف وغيرهما مما ورد في الرواية ليس من الافعال النفسية فضلا عن أن يكون من صفاتها. " الثالث ": أن ما أفاده لو تم فانما يتم فيما إذا جعل المعرف نفس الستر والعفاف أو غيرهما مما ورد في الرواية. وقد عرفت أن المعرف هو الاشتهار والمعروفية بتلك الاوصاف لانفسها، والاشتهار والمعروفية لم يتوهم أحد كونها من الصفات النفسانية وبهذا يظهر أن المعرف في الرواية لا مناص من أن يكون معرفا اصوليا ولا مجال لتوهم كونه معرفا منطقيا، لان العدالة ليست هي المعروفية والاشتهار بتلك الصفات. كما أنها ليسا من التعريف باللازم المساوي وإن ذهب إليه بعض مشايخنا المحققين " قده " مدعيا أن الاستقامة العملية في جادة الشرع تلازم الكف والاجتناب عن المعاصي، وأن السرفي التعريف باللازم أن اللازم أقرب إلى الفهم عن ملزومه غالبا، فالكف والاجتناب معرفان منطقيان للعدالة. والوجه فيما ذكرناه أن الاشتهار والمعروفية بالستر والعفاف ليسا من لوازم الاستقامة العملية بوجه وانما هما معرفان وكاشفان تعبديان عن العدالة فحسب إذا الصحيح أن الرواية ليست لها أية دلالة على اعتبار الملكة في العدالة. بل لانظر لها إلى بيان حقيقة العدالة بنفسها أو بلازمها وانما أوكلته إلى الراوي نفسه، لوضوح معناها عند كل من يفهم اللغة العربية أعني الاستقامة وعدم الانحراف كما مر، ولعله لذلك لم يسأله الراوى ايضا عن حقيقة العدالة فهي ساكتة عن بيانها بنفسها أو بلازمها وإنما سيقت لبيان كاشفها ومعرفها، لانه مورد السؤال

[ 269 ]

عن الامام - ع - وقد جعلت الكاشف عنها هو الاشتهار والمعروفية والستر وغيرهما مما ورد في الحديث إذا هي كواشف تعبدية عن العدالة، وأما أن العدالة اي شي فالرواية ساكتة عن بيانها، إذ لا يكاد أن يستفاد منها غير انها كواشف عن العدالة وأن الارتباط بينها وبين العدالة من ارتباط المعرف والمعرف والكاشف والمنكشف. وحيث أن معرفة كون المكلف معروفا بالعفاف يتوقف على الصحبة وطول المعاشرة فقد جعل - ع - الاجتناب عن الكبائر التي اوعد الله عليها النار طريقا وكاشفا عن المعروفية بترك المحرمات والاتيان بالواجبات وذلك بداعي التسهيل للمكلفين. ثم إن كونه مجتنبا عن الكبائر لما لم يكن امرا ظاهرا في نفسه وكان محتاجا إلى طول المعاشرة، لان المكلف قد يجتنب عن المفطرات - مثلا - وبذلك يحسبه الناس صائما وغير مرتكب للمحرم، إلا أنه يمكن أن لا ينوى الصوم أصلا أو يأتي به رياء ليكون تاركا للواجب واتيا بالمحرم من دون أن يلتفت الناس إليه احتاج ذلك ايضا إلى طريق كاشف عنه بالسهولة ولو بالتعبد. وقد جعل - ع - الكاشف عن ذلك كون الرجل ساترا لجميع عيوبه وهذا هو المعبر عنه بحسن الظاهر في كلماتهم بان لا يكذب عندهم، ولا يغتاب، ولا يعامل معاملة ربوية، ويتحفظ على جميع عيوبه، ولا يرتكب المحرمات في مجامع المسلمين ومنظرهم. وأما الواجبات فلم تعتبر الرواية الاتيان بها لدى الناس طريقا معرفا إلى ذلك إلا الصلاة، حيث دلت على أن الاتيان بالفرائض في المجامع علنا وبمرئي ومنظر من المسلمين أمر لابد منه، وأنه كاشف تعبدي عن أن فاعلها مجتنب عن المحرمات بحيث لو لم يتعاهد الفرائض في المجامع لم يحكم بعدالته، لاحتمال انه لم يصل أصلا،

[ 270 ]

ومقتضى الرواية أن حمل فعل المسلم على الصحة لا يأتي في مثلها لانها عمود الدين، ولاخير فيمن لاصلاة له أو لغير ذلك من الوجوه ولعظمتها وأهميتها أعتبر في العدالة أن يكون الرجل متعاهدا بالحضور في جماعة المسلمين. نعم لا بأس في غير الفرائض من الصلوات المسنونات بالاتيان بها خفاء بل هو الارجح فيها كما لا يخفى. وعلى الجملة دلتنا الرواية على أن الرجل متى ما تعاهد الاتيان بالفرائض في المجامع العامة، وكان ساترا لجميع عيوبه المعبر عنه بحسن الظاهر في كلماتهم حكم بعدالته. ولا دلالة فيها على اعتبار الملكة فيها بوجه إذا العدالة كما قدمناه بمعنى الاستقامة العملية في جادة الشرع. نعم لابد أن تكون الاستقامة مستمرة وكالطبيعة الثانوية للانسان حتى يصدق أنه مستقيم، فان الاستقامة في بعض الاوقات دون بعض لا يوجب صدق الاستقامة كما اشرنا إليه آنفا واحتملنا أن يكون هذا هو المراد بالملكة في كلام من اعتبرها في العدالة فان بذلك ترتفع المخاصمة من البين وتقع المصالحة بين الطرفين. والذي يسهل الخطب أن الرواية ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها على شئ. بقى في المقام امران " أحدهما ": لاكلام ولا شبهة في أن الكبائر - وهي التي أو عد الله عليها النار في كتابه - كما في الرواية المتقدمة هادمة للعدالة ومانعة عن تحققها. وأما الصغائر فهل هي كالكبائر أولا؟ فيه كلام بين الاعلام. العدالة والصغائر المعروف أن الصغائر غير قادحة في العدالة إلا بالاصرار على ارتكابها، فان الاصرار على الصغيرة بنفسه من الكبائر ولا صغيرة مع الاصرار. ومقتضى اطلاق كلام الماتن في المقام أن العدالة يعتبر فيها التجنب عن كل من الصغائر والكبائر وأن ارتكاب اي منهما قادح في تحققها. وذكر في المسألة الثانية عشرة من شرائط امام

[ 271 ]

الجماعة أن المعتبر في العدالة عدم الاصرار على الصغائر - لاعدم ارتكابها اصلا - وهما كلامان متنافيان وما أفاده في المقام هو الصحيح ولا فرق بين المعاصي الكبيرة والصغيرة وأن ارتكاب اية معصية ينافي العدالة والاستقامة في جادة الشرع. ويدلنا على ذلك ملاحظة نفس العدالة بمفهومها، حيث ان ارتكاب المعصية على اطلاقها انحراف عن الجادة وتعد وطغيان وخروج عن ذي العبودية، ومانع عن كون مرتكبها خيرا أو مأمونا أو عفيفا أو غير ذلك من العناوين المتقدمة بلا فرق في ذلك بين الصغائر والكبائر، وكذلك الحال بالاضافة إلى ستر العيوب - لو تمت الرواية المتقدمة - فان ارتكاب الصغائر ينافى ستر العيوب ولا يتصف مرتكبها بانه ساتر لعيوبه فان المعصية من العيوب وكيف لا يكون معصية الله سبحانه عيبا؟! وهي خروج عن وظيفة العبودية. فإذا فرضنا - مثلا - أن احدا يتطلع دار جاره وينظر إلى من يحرم عليه النظر إليه سلب ذلك عنه العفة والمأمونية والخير والصلاح فلا يقال انه عفيف أو مأمون أو خير، مع انه من الصغاير التي لم يتوعد عليها بالنار في الكتاب إذا نفس العدالة بمفهومها يقتضى عدم الفرق بين الكبائر والصغائر. ومن هنا ذهب جمع إلى أن المعاصي كلها كبيرة في نفسها فان معصية الكبير كبيرة على كل حال وانما تقسم المعاصي إلى الصغائر والكبائر من جهة مقايستها بما هو اعظم منها، وذلك لوضوح أن معصية الزنا اكبر واعظم من معصية الغيبة، كما أن معصية قتل النفس المحترمة اعظم من معصية الزنا وهكذا وعلى الجملة المعاصي منافية للعدالة باطلاقها هذا. واستدل لما ذهب إليه المشهور من أن الصغائر غير قادحة في العدالة بوجوه: " الاول ": وهو العمدة رواية عبد الله ابن ابى يعفور المتقدمة (* 1) لما ورد


(* 1) في ص 264

[ 272 ]

فيها من قوله: وتعرف باجتناب الكبائر التى اوعد الله عليها النار. بتقريب أن الاجتناب عن الصغائر ايضا لو كان معتبرا في العدالة لم يكن للحصر باجتناب الكبائر وجه. ويرد على ذلك: أن الاستدلال بها انما يتم فيما لو حملنا فيها المعرف على المعرف المنطقي وقلنا إن حقيقة العدالة وماهيتها هو اجتناب الكبائر، فان الاجتناب عن الصغائر ايضا لو كان مقوما للعدالة لم يكن للحصر باجتناب الكبائر وجه، إلا أنا ذكرنا أن المعرف اصولي لغوي فالاجتناب عن الكبائر والمعروفية بالفقه والستر وغير ذلك مما ورد في الرواية دوال وكواشف عن العدالة، وعليه فلا مانع من أن يكون الاجتناب عن الكبائر معرفا وكاشفا عن العدالة ويكون الاجتناب عن الصغائر ايضا معتبرا في العدالة. وذلك لان المعرف انما يعتبر عند الشك والتردد، وإلا فمع العلم - مثلا - بأن الرجل يشرب الخمر - خفاء - أو أنه كافر بالله - حقيقة - وانما غش المسلمين باظهاره الاسلام عندهم لا معنى لجعل حسن الظاهر والمعروفية بما ورد في الرواية معرفا وكاشفا عن العدالة، فعلى ذلك إذا علمنا أنه يرتكب الصغائر جزمنا بفسقه وانحرافه عن جادة الشرع ولم يترتب اثر على المعرف بوجه. وإذا لم نعلم بارتكابه لها، وشككنا في عدالته وفسقه كانت المعروفية بالستر والعفاف واجتنابه الكبائر معرفان وكاشفان عن عدالته هذا. على أن الرواية قد ورد في ذيلها: والدلالة على ذلك كله أن يكون ساترا لجميع عيوبه. ومعنى ذلك أن الستر لجميع العيوب معتبر في استكشاف العدالة. ومن البديهي أن النظر إلى الاجنبية ولا سيما في مجامع الناس من العيوب، وكيف لا فانه معصية لله وان لم يتوعد عليه بالنار في الكتاب، فإذا لم يكن ساترا لعيبه لم تشمله الرواية في نفسها، وعلى الجملة الرواية بنفسها تدلنا على الاجتناب عن الصغائر

[ 273 ]

معتبر في العدالة. لعدم صدق الساتر للعيوب مع ارتكاب الصغاير ومع عدمه لا طريق لنا إلى استكشاف اجتنابه عن الكبائر، لانه مع الاتيان بالصغيرة يحتمل أن يأتي بالكبيرة ايضا إذا استكشاف أن الرجل مجتنب عن الكبائر منحصر بما إذا ستر جميع عيوبه، فالرواية بنفسها يقتضى اعتبار الاجتناب عن كل من الصغيرة والكبيرة (* 1) " الثاني ": أن الصغائر مورد لعفو الله سبحانه وقد وعد العفو عنها على تقدير التجنب عن الكبائر وقال عزمن قائل: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم.. (* 2) ومع الوعد بالعفو عن الصغيرة على التقدير المذكور كان ترك الكبائر كالتوبة مانعا عن العقاب، فلا يمكن أن يكون ارتكابها موجبا للفسق ومنافيا للعدالة. وذلك لان التوبة - وهي رافعة للمعصية وعقابها فان التائب من ذنب كمن لاذنب له - لا تجتمع مع الفسق أي لا يضر معها المعصية بالعدالة، فما ظنك بالاجتناب عن الكبائر الذي دافع للمعصية والعقاب، لانه يوجب العفو من الابتداء فهو لا يجتمع مع الفسق، ولا تضر معه المعصية بالعدالة بطريق اولى، فان ارتفاع الفسق بالدفع اولى من ارتفاعه بالرفع، والعدالة تزول بالكبيرة وتعود بالتوبة، ولكنها لا تزول بالصغيرة من الابتداء. وفيه: " أولا ": منع التلازم بين العفو عن المعصية وعدم الفسق، فان الفسق كما اتضح في تفسير العدالة هو الخروج عن وظيفة العبودية والانحراف عن الجادة، والعفو عنه أمر آخر غير مانع عن كونه فسقا وانحرافا، فان لله سبحانه أن يعفو عن اعظم المعاصي تفضلا أو لشفاعة نبى أو وصى أو مؤمن أو لصدقة تصدق بها أو احسان صنعه أو لغير ذلك من اسباب العفو والغفران، إلا أن العفو عن أي


(* 1) وقد قدمنا انها ضعيفة السند وغير صالحة للاستدلال بها على شي. (* 2) النساء 4: 31.

[ 274 ]

معصية لا يمنع عن حصول الفسق بارتكابها. ويتصح ما ذكرناه بملاحظة الموالى العرفية وعبيدهم، أفلا يعدون مخالفة العبد وعصيانه لسيده عصيانا وتمردا إذا كان السيد ممن لا يعاقب عبده بوجه؟! فان العفو شئ والفسق والانحراف بارتكاب الصغيرة شئ آخر فلا تلازم بين العفو وعدم الفسق ابدا. و " ثانيا ": هب أن الفعو مانع عن الفسق، إلا أنه لا سبيل لنا إلى احراز ذلك فيمن يرتكب الصغائر، فان العفو عنها قد علق في الكتاب العزيز على اجتناب الكبائر، ومن اين لنا احراز أن مرتكب الصغيرة لا يرتكب الكبائر طيلة حياته. وذلك فان المراد بقوله عز من قائل: ان تجتنبوا كبائر الاثم.. ليس هو الاجتناب عنها آناما، لانه أمر حاصل لكل شخص حتى لافسق الفسقة بل المراد به الاجتناب عنها ابدا. نعم لا يضر ارتكابها إذا ندم وتاب، وهذا مما لاسبيل لنا إلى احرازه، ومن المحتمل أن يرتكب فاعل الصغيرة الكبيرة ايضا بعد ذلك، ومعه لا عفو عن الصغيرة إذا تكون الصغائر كالكبائر مانعة عن العدالة. لا يقال: ان استصحاب عدم ارتكابه الكبائر طيلة حياته هو المحقق لشرط العفو عن الصغائر وهو المثبت لعدالته. فانه يقال: ان استصحاب عدم الارتكاب إنما يفيد في احراز عدم ارتكابه المحرمات. وأما الواجبات إذا شككنا - مثلا - أنه يخمس أو لا يخمس أو يصلى أو يحج أو غير ذلك من الواجبات فاستصحاب العدم ينتج العكس لاقتضائه عدم الاتيان بالواجبات، إذا لا سبيل لنا إلى احراز أن الرجل لا يرتكب الكبائر، ومع عدم احرازه لا يمكن التمسك بالعموم، لانه من الشبهات المصداقية حينئذ. " الثالث ": ما ذكره المحقق الهمداني " قده " حيث أنه بعد ما ذهب إلى أن العدالة هي الاستقامة في جادة الشرع، وأن ارتكاب المعصية خروج عن جادته،

[ 275 ]

ولم يفرق في ذلك بين الكبائر والصغائر فصل في الصغائر بين ما كان صدورها عن عمد والتفات تفصيلي إلى حرمتها، فانها حينئذ كالكبائر فادحة في العدالة، وبين ما إذا صدرت لا عن التفات إلى حرمتها كما إذا صدرت غفلة أو لعذر من الاعذار العرفية، وذكر أنها غير قادحة في العدالة وقتئذ وحاصل ما ذكره في تقريبه - موضحا - أن ارتكاب الصغائر قد يكون مع العمد والالتفات إلى حرمتها وكونها معصية من دون أن يكون هناك اي عذر من الاعذار العرفية من خجل اوحياء ونحوهما، ولا شبهة أنه حينئذ يوجب الفسق والانحراف عن جادة الشرع فهو مناف للاستقامة فيها. وقد يكون ارتكابها مستندا إلى عدم الالتفات إلى حرمتها حال الارتكاب، لان الذنوب التي ليست في انظار الشرع كبيرة قد يتسامحون في أمرها فكثيرا مالا يلتفتون إلى حرمتها، أو يلتفتون إليها، إلا أنهم يكتفون في ارتكابها باعذار عرفية مسامحة كترك الامر بالمعروف، والخروج عن مجلس الغيبة ونحوها حياء، أو لاستدعاء صديق ونحوها مع كونهم كارهين لذلك في نفوسهم، والظاهر عدم كون مثل ذلك منافيا لاتصافه بالفعل - عرفا - بكونه من أهل الستر والعفاف والخير والصلاح وغير ذلك من العناوين المعلق عليها قبول شهادته في اخبار الباب. وأما الكبائر مثل الزنا، واللواط، وشرب الخمر، وقتل النفس، ونظائرها مما يرونها كبيرة، فانها غير قابلة عندهم للمسامحة، ولا يقبلون فيها الاعتذار بالاعذار العرفية من خجل واستدعاء صديق ونحوهما، فالذي يعتبر في تحقق وصف العدالة أن يكون الشخص مجتنبا عن كل ما هو كبيرة شرعا أو في انظار أهل العرف، وكذا الصغائر التي يؤتى بها مع الالتفات إلى حرمتها من غير استناده إلى شى من الاعذار العرفية - دون الصغائر التي لا يلتفت إلى حرمتها أو يستند ارتكابها إلى معذر عرفي، فان تلك المعصية - كلا معصية بالنظر العرفي وتسامحاتهم.

[ 276 ]

حيث أن مفهوم العدالة والفسق كسائر المفاهيم التي يغتفر فيها التسامحات العرفية، كما في اطلاق الصاع من الحنطة على الحنطة المدفوعة فطرة المشتملة على شيى يسير من ترب أو تبن ونحوه مما يتسامح فيه، واطلاق الماء على ما ليس بماء خالص حقيقة لاختلاطه بشيى من الملح أو التراب أو غيرهما، والذهب على ما امتزج بغيره من الصفر ونحوه مما يخرجه عن الخلوص إلى غير ذلك مما يراه العرف مصداقا لشيى - توسعة في المفهوم - مع أنه ليس بمصداق له عقلا وحقيقة. وعلى الجملة ان حكمهم متبع في تشخيص موضوعات الاحكام، وإن كان مبنيا على هذا النحو من المسامحات الغير الموجبة لكون الاطلاق مجازيا في عرفهم. أللهم إلا أن يدل دليل شرعى على خطائهم في مسامحتهم، كما في الكبائر التي يستصغرها العرف ويتسامحون في أمرها أي يرونها صغيرة كالكذبة في مقام المزاح أو الغيبة أو غيرهما مما يعدونه صغيرة لدى العرف وهو من الكبائر واقعا، فان ارتكاب مثلها موجب للفسق والانحراف، وتلك الموارد من باب تخطئة الشرع للعرف، وهذا بخلاف الصغائر، لما عرفت من انه من باب التوسعة في المفهوم، والانظار المسامحية العرفية متبعة فيها كما مر. ولا يخفى أن ما أفاده " قده " لا يرجع إلى محصل وذلك لان العدالة بمفهومها أمر يعرفه كل عارف باللسان، وانها كما بيناه عبارة عن الاستقامة العملية في جادة الشرع، والانظار العرفية وتسامحاتهم انما تتبع في مفاهيم الالفاظ، فان التوسعة والتضييق في استفادة المفاهيم من الفاظها راجعان إلى العرف، ومن هنا نرتب آثار الماء على المياه الممتزجة بالزاج والجص وغيرهما مما لا يخلو منه الماء عادة، وكذا آثار الذهب على ما هو ذهب وغيره، وذلك لان مفهوم الماء والذهب عند اطلاقهما أعم من الخالص والخليط بغيرهما بمقدار يسير. وأما تطبيق المفاهيم العرفية على مصاديقها ومواردها فلم يقم فيه أي دليل

[ 277 ]

على اعتبار النظر العرفي وفهمه. وقد ذكرنا أن مفهوم العدالة أمر يعرفه أهل اللسان، ومع وضوح المفهوم المستفاد من اللفظ لا يعبأ بالتسامحات العرفية في تطبيقه على مصاديقه ومن هنا لا يعتنى بتسامحاتهم في المفاهيم المحددة كثمانية فراسخ في السفر الموضوع لوجوب القصر في الصلاة، وسبعة وعشرين شبرا في الكر ونحوهما، حيث يعتبر في القصر أن لا يكون المسافة أقل من ثمانية فراسخ ولو بمقدار يسير لا يضر في اطلاق الثمانية لدى العرف، وكذا يعتبر في الكر أن لا يكون أقل من سبعة وعشرين شبرا ولو باصبع وهكذا. وحيث أن مفهوم العدالة امر غير خفي فلا مناص من أن ينطبق ذلك على مصاديقه انطباقا حقيقيا عقليا، ولا يكفى فيه التطبيق المسامحى العرفي بوجه. وعلى هذا نقول إذا كان ارتكاب الصغيرة لاعن عذر وغفلة فلا شبهة في انه يوجب الفسق والانحراف، ويمنع عن صدق الخير والعفيف، والكاف بطنه وغيرها من العناوين الواردة في الاخبار. وأما إذا كان عن غفلة فلا كلام في أن ارتكابها غير مضر للعدالة، لانه من الخطاء المرفوع في الشريعة المقدسة من دون فرق في ذلك بين الكبائر والصغائر. وأما إذا كان عن عذر عرفي فان بلغ ذلك مرتبة يراه الشارع أيضا عذرا في الارتكاب كما إذا بلغ مرتبة العسر والحرج، نظير مالو قدم له الظالم ماء متنجسا وحدده بضربه أو هتكه أو اخراجه عن البلد على تقدير مخالفته جاز له ارتكابه، ولم يكن ذلك موجبا للفسق والانحراف أيضا بلا فرق في ذلك بين الكبيرة والصغيرة. وأما لو لم يبلغ العذر العرفي مرتبة يراه الشارع معذرا فلا مناص من الحكم بحرمة ارتكابه وعصيانه واستلزامه الفسق والانحراف، وعد العرف ذلك معذرا وتسامحهم في عد ارتكابه معصية لا يترتب عليهما أثر شرعي ابدا. إذا الصحيح أن ارتكاب المعصية كبيرة كانت أم صغيرة تستبع الفسق

[ 278 ]

والانحراف، وينافى العدالة سواء استند إلى عذر عرفي أم لم يستند. هذا كله في عدم الفرق بين المعاصي في استلزامها الانحراف الذى هو ضد العدالة. وأما تقسيمها إلى الكبيرة والصغيرة وبيان الفارق بينهما فيأتي الكلام فيه عند تعرض الماتن له في التكلم على صلاة الجماعة واعتبار العدالة في الامام ان شاء الله. " الامر الثاني " في اشتراط المروة في العدالة وعدمه. العدالة والمروة المعروف - على ما نسب إليهم - أن ارتكاب خلاف المروة مما يقدح في العدالة فيعتبر فيها أن لا يرتكب المكلف شيئا ينافى مروته بأن لا يرتكب ما يخالف العادة المتعارفة وما يعد عيبا لدى الناس، وان لم يكن محرما شرعيا في نفسه كما إذا خرج أحد الاعلام حافيا إلى الاسواق أو جلس في الطرقات أو ارتكب غير ذلك مما ينافي عادة الناس. ويختلف هذا باختلاف الاماكن والبلدان، فقد يكون الخروج إلى السوق - مثلا - من دون عمامة عيبا في بلد، ولايكون عيبا في بلد آخر، فمع ارتكاب ما يعد عيبا في ذلك المحل لابد من الحكم بزوال العدالة. نعم لا يتصف الرجل بذلك بالفسق لانه لم يرتكب شيئا من المحرمات، ولم ينحرف عن جادة الشرع، فلا يترتب عليه الآثار المترتبة على الفسق كما لا يترتب عليه الآثار المترتبة على العدالة. والصحيح ان ارتكاب خلاف المروة غير مضر بالعدالة، لان ما استدل به على اعتبارها في العدالة أمران كلاهما ضعيف، ولاسيما ان القائلين باعتبارها ممن ذهبوا إلى أن الصغائر غير قادحة في العدالة، ولعمري أنه من العجائب حيث أن ذهاب العدالة بارتكاب أمر مباح قد رخص الشارع في الاتيان به، وعدم ذهابها بارتكاب ما منع عن ارتكابه عجيب، وكيف كان فقد استدل على اعتبار المروة بأمرين:

[ 279 ]

" أحدهما ": ما ورد في رواية ابن أبي يعفور المتقدمة (* 1) من قوله - ع - والدليل على ذلك أن يكون ساترا لجميع عيوبه.. وذلك بتقريب أن العيوب فيها مطلقة فتعم العيوب العرفية والشرعية، فإذا ارتكب المكلف ما هو عيب لدى العرف فلا يصدق انه ساتر لجميع عيوبه، فلا يمكن الحكم بعدالته. ويدفعه: أنها وإن كان مطلقة في نفسها إلا أن مقتضي مناسبة الحكم والموضوع، وكون الامام - ع - هو الملقي للكلام قرينة متصلة ظاهرة في صرفها إلى العيوب والنقائص الشرعية، لان كونه صادرا من الامام - ع - يقتضي أن يراد بها ما هو العيب لدى الشارع لا ما هو كذلك لدى الغير، إذا لا يكون ارتكاب ما هو خلاف المروة منافيا للعدالة بوجه. و " ثانيهما ": أن من لم يخجل من الناس ولم يستحي عن غير الله سبحانه بأن لم يبال بالنقائص العرفية لم يخجل ولم يستحي من الله وذلك لان عدم مبالاته بتلك الامور يكشف عن أنه ممن لاحياء له. وفيه: أن عدم مبالات الانسان بالامور الدارجة لدى الناس وعدم استحيائه وخجله عن غير الله سبحانه لا كاشفية له عن عدم استحيائه من الله. وذلك لانه قد يكون ذلك مستندا إلى كونه متفانيا في الله وفي الامور الاخروية ومتمحضا فيما يرجع إلى النشأة الباقية ولاجله لا يعتنى بغير الله جلت عظمته، ولا يهمه الامور الدنيوية، ولا يبالى بما هو ممدوح أو مذموم لدى الناس، ومعه كيف يكون عدم مبالاته بالامور المتعارفة والدنيوية كاشفا عن عدم خجله واستحيائه من الله سبحانه إذا لا تلازم بن الامرين، والانصاف أن هذا الوجه أضعف من سابقة، وعلى الجملة ان ارتكاب ما ينافي المروة غير قادح للعدالة نعم ارتكاب ما يعد خلاف المروة قد يكون امرا غير مناسب للمرتكب


(* 1) في ص 264.

[ 280 ]

[ وتعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علما أو ظنا (1). ] بل هتكا في حقه، كما إذا خرج أحد المراجع العظام إلى الاسواق بلا عباء أو جلس في الطرقات، أو دخل المقاهي وبالاخص إذا اقترنه بعض الامور غير المناسبة، فانه لا شبهة في انه هتك في حقه وموجب لسقوطه عن الانظار، ومثله ينافي العدالة لا محالة إلا أنه لا لانه خلاف المروة والتعارف. بل من جهة أنه محرم شرعا، إذ كما يحرم على المكلف ان يهتك غيره كذلك يحرم عليه ان يهتك نفسه، لانه أيضا مؤمن محترم. وأما إذا كانت العيوب العرفية غير مستلزمة للهتك فلا دليل على أن عدم ارتكابها معتبر في العدالة. كاشفية حسن الظاهر (1) الكلام في ذلك يقع في موضعين: " أحدهما ": أن حسن الظاهر هل يكشف عن العدالة في الجملة أولا؟ و " ثانيهما ": أن كاشفية حسن الظاهر مقيدة بما إذا اوجبت العلم أو الظن بالملكة ولو بمعنى الخوف النفساني من الله كما في كلام جملة من الاعلام ومنهم الماتن " قده " حيث قال: حسن الظاهر يكشف عن الملكة علما أو ظنا. أو أن كاشفيته غير مقيدة بشيى، وأنه كاشف عن العدالة مطلقا افادت العلم أو الظن بالملكة أم لم تفد، بل ومع الظن بعدم الملكة ايضا. (أما الموضع الاول): فالصحيح كما هو المعروف بينهم أن حسن الظاهر كاشف عن العدالة، وهذا مضافا الى أنه المتسالم عليه بين الاصحاب وأنه لولاه لم يمكن كشف العدالة ولو بالمعاشرة لاحتمال أن يكون الآتى بالواجبات غير قاصد للقربة بل وغيرنا وللواجب فلا يمكن الحكم بان المكلف اتى بالواجب إلا من جهة

[ 281 ]

حسن الظاهر يمكن أن يستدل عليه بجملة من الاخبار: " منها ": صحيحة عبد الله بن المغيرة قال: قلت لابي الحسن الرضا - ع -: رجل طلق امرأته، وأشهد شاهدين ناصبيين قال: كل من ولد على الفطرة، وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته (* 1). و " منها ": موثقة أبي بصير عن ابي عبد الله - ع - قال: لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا (* 2). و " منها ": صحيحة حريز عن ابي عبد الله - ع - في اربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان، ولم يعدل الآخران. فقال: إذا كانوا اربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور اجيزت شهادتهم جميعا.. (* 3) إلى غير ذلك من الروايات. فانها دلتنا على أن من حسن ظاهره ولم يكن معروفا بشهادة الزور ونحوهما من المحرمات حكم بعدالته، ورتب عليها آثارها، وإن لم يتحقق لنا حاله بازيد من ذلك، بحيث احتملنا ارتكابه المعاصي واقعا. ثم إن هناك جملة اخرى من الروايات استدل بها على أن حسن الظاهر كاشف عن العدالة، إلا انها لمكان ضعفها سندا أو كونها ظاهرة في اصالة العدالة لا كاشفية حسن الظاهر عن العدالة غير صالحة للاستدلال بها في المقام ومن هنا نجعلها مؤيدة للمدعى واليك بعضها: " منها ": ما رواه يونس بن عبد الرحمان عن بعض رجاله عن ابي عبد الله - ع - قال: سألته عن البينة إذا اقيمت على الحق أيحل للقاضى أن يقضى بقول البينة؟ فقال: خمسة اشياء يجب على الناس الاخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات، والمناكح والذبائح والشهادات، والانساب، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهرا مأمونا جازت شهادته،


(* 1) و (* 2) و (* 3) المرويات في ب 1 من ابواب الشادات من الوسائل.

[ 282 ]

ولا يسأل عن باطنه (* 1) وهى ضعيفة بارسالها. و " منها: ما رواه ابراهيم بن زياد الكرخي عن الصادق جعفر بن محمد - ع - قال: من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنوا به خيرا واجيزوا شهادته (* 2) وهى ضعيفة بجعفر بن محمد بن مسرور (* 3) وغيره من المجاهيل. و " منها ": رواية علقمة قال: قال الصادق - ع - وقد قلت له: يابن رسول الله اخبرني عمن تقبل شهادته ومن لا تقبل؟ فقال: يا علقمة كل من كان على فطرة الاسلام جازت شهادته. قال: قلت له: تقبل شهادة مقترف بالذنوب؟ فقال: يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الانبياء والاوصياء، لانهم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من اهل العدالة والستر وشهادته مقبولة.. (* 4) وهى ضعيفة بعلي بن محمد بن قتيبة، على انها تناسب اصالة العدالة لا


(* 1) و (* 2) و (* 4) المرويات في ب 41 من ابواب الشهادات من الوسائل. (* 3) نعم احتمل الوحيد (قده) في التعليقة انه جعفر بن محمد بن قولويه لان قولويه اسمه مسرور، فان النجاشي ذكر في ترجمة علي بن محمد بن جعفر بن موسى بن مسرور انه روى عنه اخوه جعفر بن محمد بن قولويه. ولكن هذا الاحتمال بعيد جدا، فان علي بن محمد بن جعفر بن موسى بن مسرور لم يسمع منه، على ما ذكره النجاشي، وجعفر بن محمد بن قولويه لم يرو عن علي بن محمد بن جعفر بن موسى بن مسرور، وانما روى كتابه عن اخيه علي كما روى عن اخيه في كامل الزيارات كثيرا، وليس في كلام النجاشي أن جعفر بن محمد بن قولويه روى عن اخيه علي بن محمد بن جعفر بن موسى بن مسرور وعليه لم يثبت أن قولويه اسمه مسرور، بل الثابت خلافه.

[ 283 ]

كاشفية حسن الظاهر عن العدالة كما لا يخفى. إلى غير ذلك من الروايات. اعتبار المعاشرة وعدمه: هل تعتبر المعاشرة في كاشفية حسن الظاهر عن العدالة؟ أو أن مجرد كون الرجل ساترا لعيوبه، متعاهدا للحضور في جماعة المسلمين ونحو ذلك مما يجمعه حسن الظاهر كاف في استكشاف عدالته، وان لم نعاشره بوجه؟ قد يقال باعتبار المعاشرة في كاشفيته ويستدل عليه بوجهين: " أحدهما ": أن ستر العيوب انما يتحقق في موارد كانت معرضا للظهور، إي في مورد قابل للظهور، نظير الاعدام والملكات لوضوح أنها لو لم تكن قابلة للظهور فهى متسترة في نفسها، لا أن المكلف قد سترها، فعدم ظهورها لاجل فقدان المقتضى لا من جهة المانع وهو الستر، وإحراز أن المكلف قد سترها في مورد كانت معرضا للظهور لا يتحقق إلا بالمعاشرة، فانه لولاها لم يعلم كونها في مورد قابل للظهور، إذا لابد من المعاشرة، والمصاحبة بمقدار لو كان في المكلف نقص دينى لظهر، فهى معتبرة في كاشفية حسن الظاهر عن العدالة. و " ثانيهما ": موثقة سماعة عن ابي عبد الله - ع - قال: قال: من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم كان ممن حرمت غيبته وكملت مروته، وظهر عدله، ووجبت اخوته (* 1) وبهذا المضمون روايتا الخصال، عن عبد الله بن احمد الطائى عن ابيه (* 2) وعيون الاخبار (* 3) تركنا


(* 1) المروية في ب 152 من ابواب كتاب العشرة من الوسائل. (* 2) و (* 3) المرويتان في ب 41 من ابواب الشهادات من الوسائل.

[ 284 ]

نقلهما لضعف اسنادهما، لدلالتها على أن العدالة تتوقف على عدم ارتكاب الامور: المذكورة فيها بعد المعاملة، والتحديث، والمواعدة. وهي كما ترى تتوقف على المعاشرة: ويرد على الوجه الاول: أن ستر العيوب يكفى في صدقه وتحققه أن يسترها المكلف في حضوره لجماعة المسلمين - مثلا - وعدم ارتكابه ما ينافي ذلك قبل اقامة الجماعة وبعدها وهو بمرئى من المسلمين، لانه قد يبتلى قبلها أو بعدها بما هو مورد للظهور فإذا ستر عيوبه ولم يرتكب امرا ينافي عدالته صدق انه حسن الظاهر وانه ساتر لجميع عيوبه فلا يحتاج كاشفية الستر إلى أزيد من ذلك بوجه. وأما الوجه الثاني: فيرد عليه: " أولا ": أن الموثقة اجنبية عن المدعى، حيث أنها لم تدل على أن العادل لابد له من أن يعامل الناس فلا يظلمهم، ويحدثهم فلا يكذبهم، ويواعدهم، فلا يخلفهم لان عدم ارتكاب الظلم، والكذب، وخلف الوعد متفرع على الافعال المذكورة في الموثقة تفرع النتيجة على الشرط، بان يعاملهم ويكون نتيجة معاملته عدم ظلمهم، ويحدثهم وتكون نتيجته أن لا يكذبهم وهكذا نظير القضايا الشرطية ولم تدل على أن ارتكاب الافعال المذكورة معتبر في حصول العدالة. وبعبارة واضحة أن قوله - ع - من عامل الناس... في قوة قوله: من ترك ظلم الناس على فرض معاملتهم. ولم يرتكب الكذب على تقدير تحدثهم وهكذا، فالمعاملة والتحدث والمواعدة كالمقدمة والتوطئة لترك الظلم والكذب وخلف الوعد، لا انها أمور مطلوبة في نفسها ومعتبرة في تحقق العدالة، إذ من البين عدم توقفها على شئ من الافعال المذكورة، ولم يقل أحد أن العدالة لا يتحقق إلا بالتحديث للناس أو مواعدتهم ومعاملتهم، بحيث لو لم تصدر منه لم يحكم بعدالته، فلا دلالة للموثقة على أن المعاشرة معتبرة في العدالة، وإنما تدلنا على أن من صدر منه تلك الافعال

[ 285 ]

ولم يرتكب الظلم والكذب وخلف الوعد فهو محكوم بالعدالة، ومعه لا تنافي بين الموثقة والروايات المتقدمة الدالة على أن حسن الظاهر يكشف عن العدالة، وإن لم تكن هناك أية معاشرة في البين، كما إذا كان منزويا لا يشاهد إلا في اوقات الصلاة و " ثانيا ": أن الموثقة لا دلالة لها - بوجه - على حصر العدالة فيمن عامل الناس ولم يظلمهم... فانها انما تدل على أن من لم يظلم الناس إذا عاملهم... فهو ممن كملت عدالته وتمت مروته، ولا تنفى العدالة عن غيره إذا وجد سبب من اسبابها، كما إذا تعاهد حضور الجماعة وستر عيوبه، فان مقتضى رواية ابن ابي يعفور المتقدمة أنهما كاشفان عن العدالة كما مر، فلا تنافي بين الموثقة والاخبار المتقدمة ورواية ابن ابي يعفور. فمقتضى الجمع بين الاخبار الثلاث - على تقدير صحة الاخيرة - أن يقال: العدالة انما يستكشف باحد امرين: اما حضور الجماعة، وتعاهد الصلوات في اوقاتها وستر العيوب. واما عدم الظلم والكذب وخلف الوعد عند الابتلاء بالمعاشرة بالمعاملة والتحدث والمواعدة. إذا لم يدلنا دليل على أن المعاشرة معتبرة في استكشاف العدالة بحسن الظاهر هذا كله في الموضع الاول. (اما الموضع الثاني): فالصحيح أن كاشفية حسن الظاهر عن العدالة لا يعتبر فيها أفادته العلم أو الظن بالملكة ولو بمعنى الخوف النفساني من الله بحيث لو ظننا أن حسن الظاهر في مورد مستند إلى الرياء أو غيره من الدواعي غير القربية ايضا قلنا باعتباره وكشفه عن العدالة، وذلك لعدم الدليل على أن كاشفية حسن الظاهر مقيدة بما إذا افادت العلم أو الظن بالملكة فهو تقييد للروايات المتقدمة من غير مقيد. وما استدل به على ذلك روايتان:

[ 286 ]

" إحداهما ": مرسلة يونس بن عبد الرحمان المتقدمة (* 1) إذا كان ظاهره مأمونا جازت شهادته. نظرا إلى أن كون الظاهر مأمونا بمعنى كونه مطابقا للواقع فحسن الظاهر إنما يكشف عن العدالة إذا حصل لنا الوثوق بكونه مطابقا للواقع وهذا معنى كشف الظاهر عن الملكة علما أو ظنا. و " ثانيتهما " ما رواه الكليني باسناده عن ابى علي بن راشد قال: قلت لابي جعفر - ع - إن مواليك قد اختلفوا فاصلي خلفهم جميعا؟ فقال: لا تصل الا خلف من تثق بدينه (* 2) وفي رواية الشيخ إلا خلف من تثق بدينه وامانته. لدلالتها على عدم جواز الصلاة إلا خلف من يؤثق بدينه، ومعه لا يكون حسن الظاهر كاشفا عن العدالة إلا إذا علمنا أو ظننا كونه مطابقا للواقع والاكيف يحصل الوثوق بدينه. ولا يمكن المساعدة على شئ من الروايتين. أما الرواية الاولى فلانها ضعيفة السند بارسالها، وقاصرة الدلالة على المدعى حيث أن المأمونية جعلت وصفا لظاهر الرجل، ومعنى ذلك أن يكون ظاهره ظاهرا موثوقا به بان يرى عاملا بالوظائف الشرعية مرتين أو ثلاثا أو اكثر ليظهر حسن ظاهره، وعدم ارتكابه المعاصي والمحرمات، فان ذلك لا يظهر برؤيته كذلك مرة واحدة. وليست المأمونية صفة لواقعه كى نطمئن أن ظاهره مطابق للواقع وغير متخلف عنه. وأما الرواية الثانية فلانها ايضا ضعيفة السند بسهل بن زياد الواقع في كلا طريقي الكليني والشيخ وما ذكره بعضهم من أن الامر في سهل سهل ليس بشئ بل الامر في سهل ليس بسهل على مرمنا غير مرة فلاحظ وبمضمون هذه الرواية


(* 1) في ص 281. (* 2) المروية في ب 10 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل.

[ 287 ]

[ وتثبت بشهادة العدلين (1). ] روايتان تركنا التعرض لهما لضعفهما من حيث السند. كما أنها قاصرة الدلالة على المدعى، إذ المراد بالوثوق بدين الرجل هو أن يكون الامام اماميا اثنى عشريا للروايات المانعة عن الصلاة خلف المخالفين، وفي بعضها أنهم عنده - ع - بمنزلة الجدر (* 1) ولم يرد منه أن يكون ظاهره مطابقا للواقع. وأما الوثوق بالامانة كما في رواية الشيخ فلانه لم يؤخذ في موضوع جواز الاقتداء بما أنه صفة نفسانية خاصة للقطع بجواز الصلاة خلف من ثبتت عدالته بالبينة أو بالاستصحاب مع عدم اطمئنان النفس بعدالة الامام. إذا المراد بالوثوق بالامانة هو الطريق الكاشف عن امانته وان كان غير الوثوق ومعه تكون الاخبار المتقدمة الدالة على أن حسن الظاهر طريق تعبدي في استكشاف العدالة حاكمة على هذه الرواية، لدلالتها على أن الامانة والعدالة لا ينحصر استكشافهما بالوثوق، فالمتحصل أن حسن الظاهر كاشف عن العدالة في نفسه. وان لم يكن فيه أي كشف عن الملكة علما أو ظنا. طرق ثبوت العدالة (1) لما تقدم من أن البينة بمعنى شهادة العدلين، وان لم يرد ما يدل على اعتبارها بالخصوص، إلا أنها حجة عقلائية امضاها الشارع بعمله، لما بيناه في البحث عما يثبت به الاجتهاد والنجاسة من أن البينة بمعنى ما يتبين به الشئ، وقد استعملت بهذا المعنى في غير واحد من الآيات المباركة، وورد عن النبي - ص - أنه إنما يقتضى بالايمان والبينات، أي بمطلق ما يتبين به الشئ لانه - ص - قد طبق البينة عليها في المرافعات وعمله - ص - هذا يكشف عن حجية البينة بالمعنى المصطلح


(* 1) المروية في ب 10 من ابواب صلاة الجماعة من الوسائل.

[ 288 ]

عليه، إلا في موارد دل الدليل فيها على عدم اعتبارها، كما في الزنا، والدعوى على الميت، إذ البينة انما تعتبر فيهما بضميمة شئ آخر، ولا يكفى فيهما من دون ضميمة، فالمتحصل أن البينة المصطلح عليها حجة ببناء العقلاء الذى امضاه الشارع كما مر. من دون فرق في ذلك بين الشهادة القولية والفعلية، لاستقرار سيرتهم على العمل بالشهادة الفعلية كالقولية فإذا رأينا عدلين قد ائتما رجلا في الصلاة مع العلم بكون ذلك منهما صادرا بالاختيار وبداعي انعقاد الجماعة كشف ذلك عن عدالته. بل ذكرنا في محله أن الموضوعات الخارجية كما تكفى فيها البينة الاصطلاحية تكفى فيها شهادة العدل الواحد إلا فيما خرج بالدليل، كما في موارد الترافع ونحوه بل لا تعتبر العدالة ايضا لكفاية الوثوق في الاعتبار. فأن عمدة الدليل على حجية خبر الثقة في الاحكام الشرعية هو السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع عنها في الشريعة المقدسة، وهى بعينها قائمة على اعتباره في الموضوعات من غير أن يردع عنها الشارع كما بيناه في البحث عما تثبت به النجاسة، وما يثبت به الاجتهاد والاعلمية نعم في كفاية شهادة العدلين، في العدالة والاجتهاد ونظائرهما اشكال أخر وحاصله أن الشهادة انما تعتبر في الامور المحسوسة باحدى الحواس. والعدالة والاجتهاد ونظائرهما امور مختفية عن الحواس، ولا اعتبار بالشهادة في الحدسيات لان المشهود به يعتبر أن يكون أمرا قابلا للاحساس. ويندفع: بما أشرنا إليه من أن الشهادة انما لا تعتبر في الامور المتمحضة في الحدسية. وأما الامور الحدسية القريبة من الاحساس فلا مانع من اعتبار الشهادة فيها بوجه، لامكان استكشافها بآثارها، كما هو الحال في الملكات، والصفات النفسانية بأجمعها كالجبن والشجاعة والسخاوة، فكما إذا شاهدنا احدا يقدم على المخاوف، والامور الخطيرة مرارا متعددة استكشفنا شجاعته كاستكشاف جبنه

[ 289 ]

[ وبالشياع المفيد للعلم (1). (مسألة 24) إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب (1) على المقلد العدول إلى غيره. ] من عكسه كذلك الحال في العدالة، والاجتهاد، وما شابههما فإذا رأينا أحدا يتمكن من الجمع بين الروايتين وله التصرف والتحقيق في غير مورد من المسائل أو أنه ساتر لعيوبه، ومتعاهد للصلوات في أوقاتها، وظاهره حسن في جملة من الموارد استكشفنا أنه واجد للاجتهاد والعدالة أو لملكتهما - على القول بالملكة -. ثم ان العدالة تمتاز عن الاجتهاد وغيره في أن لها طريقا آخر لاستكشافها دون الاجتهاد ونظائره وهو حسن الظاهر كما مر. (1) لان العدالة كالاجتهاد، والاعلمية وغيرهما مما لا ينبغي التوقف في ثبوته بالعلم الوجداني، لانه حجة ذاتية من غير جعل كما لا اشكال في ثبوتها بالاطمئنان البالغ مرتبة العلم العادى الذي لا يعتني العقلاء باحتمال الخلاف فيه، لكونه موهوما غايته لجريان السيرة العقلائية على الاعتماد عليه في امورهم من غير أن يردع عنها في الشريعة المقدسة، ولا تشمله الادلة الناهية عن العمل بالظن لخروجه عن موضوعها في نظرهم، لانه علم عندهم، ومن هنا يعاملون معه معاملة العلم الوجداني ثم أنه لا فرق في حجية العلم الوجداني أو الاطمئناني العادي بين اسبابه فلا فرق بين حصوله من الشياع أو من غيره لانه متى ما حصل للمكلف علم عادى أو وجداني بالعدالة أو غيرها جاز له ان يرتب عليه اثار العدالة أو غيرها مما تعلق به علمه. (1) نسب إلى بعضهم القول بكفاية استجماع المجتهد للشرائط حدوثا في جواز البقاء على تقليده وإن عرضه ما يوجب فقده للشرائط - عدى الحياة - فلا يعتبر كونه واجدا لها بقاء في جواز تقليده بحسب البقاء.

[ 290 ]

[ (مسألة 25) إذا قلد من لم يكن جامعا، ومضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلد أصلا (1) فحاله حال الجاهل القاصر (2) أو المقصر (3). ] والصحيح كما هو المعروف بين اصحابنا أن جواز تقليد المجتهد متوقف على استجماعه للشرائط حدوثا وبقاء، ومتى زالت عنه باجمعها أو ببعضها سقط عن قابلية الرجوع إليه في الفتوى ووجب العدول عنه إلى غيره بلا فرق في ذلك بين أن يكون فقد الشرط مستلزما لزوال الرأى كزوال العقل والاجتهاد الموجب لزوال عنوان الفقيه، وبين أن يكون مستلزما لزوال الوصف مع بقاء الرأى كزوال الاعلمية والعدالة ونحوهما. وقد بينا الوجه في ذلك في التنبيه الاول من تنبيهات الشرائط المعتبرة في المجتهد (* 1) ولا نعيد، ويأتي ايضا في المسألة الثانية والاربعين ان شاء الله فلاحظ. (1) لبطلان تقليده على الفرض. (2) هذا إن كان معذورا في تقليده، كما إذا قلده بشهادة البينة - مثلا - على عدالته أو أعلميته ثم علم خطائها. (3) كما إذا لم يكن له معذر في تقليده، وحيث أنا بينا سابقا أن الجاهل القاصر والمقصر في صحة عملهما - عند مطابقته للواقع - على حد سواء. كما مر أن الاحكام الظاهرية غير مجزئة عن الواقع عند انكشاف الخلاف فلا مناص من أن نلتزم - على كلا التقديرين - بصحة عمل المقلد في مفروض المسألة إذا كان مطابقا للواقع، وبطلانه فيما إذا خالفه إلا في موارد يجرى فيها حديث لا تعاد. وقد مر أن طريق استكشاف المطابقة للواقع انما هو مطابقة العمل لفتوى من يجب الرجوع إليه بالفعل.


(* 1) في ص 237.

[ 291 ]

[ (مسألة 26) إذا قلد من يحرم البقاء على تقليد الميت فمات، وقلد من يجوز البقاء، له أن يبقى على تقليد الاول في جميع المسائل إلا مسألة حرمة البقاء (1). ] (1) قد اسلفنا عند الكلام على مسألة جواز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء أن المجتهد الحي إذا أفتى بجواز البقاء على تقليد الميت، وافتى الميت بحرمته جاز للمقلد البقاء على تقليد الميت - بفتوى المجتهد الحي بالجواز - في جميع المسائل غير مسألة البقاء، وذلك لسقوط فتوى الميت عن الحجية بموته، وانما يتصف بالاعتبار من جهة فتوى الحي بجواز البقاء - بالمعنى الاعم الشامل للوجوب -. ولا يمكن أن تشمل فتوى الحي بالجواز مسألة البقاء التي افتى فيها الميت بالحرمة، والوجه فيه: أن معنى فتوى الحي بجواز البقاء أن العامي يجوز أن يبقى على تقليد الميت في المسائل الفرعية، ويلزمه عدم جواز البقاء على تقليد الميت في مسألة البقاء، اذلا يعقل أن يشمل فتوى الحي بجواز البقاء لكتا المسألتين أعنى مسالة البقاء وسائر المسائل الفرعية. لانها ان شملت مسألة حرمة البقاء فمعناه عدم جواز البقاء في بقية المسائل، لان الميت افتى بحرمة البقاء، كما انها ان شملت سائر المسائل فمعناه عدم جواز البقاء في مسألة حرمة البقاء، والا لحرم البقاء على تقليد الميت في سائر المسائل. إذا فتوى المجتهد الحى بجواز البقاء إما أن تكون شاملة لمسألة حرمة البقاء فحسب، وإما أن تكون شاملة لسائر المسائل الفرعية لعدم امكان الجمع بينهما في الشمول. إلا أن فتوى الحي بالجواز يستحيل أن تشمل مسألة حرمة البقاء، وذلك لانا لا نحتمل حجية فتوى الميت بحرمة البقاء ومطابقتها للواقع بوجه مع أن الحجية يعتبر فيها احتمال المطابقة للواقع، إذ لا تجتمع الحجية مع القطع بكونها مخالفة للواقع.

[ 292 ]

[ (مسألة 27) يجب على المكلف العلم بأجزاء العبادات وشرائطها وموانعها ومقدماتها (1) ولو لم يعلمها لكن علم اجمالا أن عمله واجد لجميع الاجزاء والشرائط وفاقد للموانع صح وإن لم يعلمها تفصيلا ] والوجه في ذلك أن البقاء على تقليد الميت لا يخلو إما أن يكون محرما في الواقع، وإما أن يكون جائزا ولا ثالث، فان كان محرما بحسب البقاء، فكيف يمكن البقاء على تقليد الميت في مسألة حرمة البقاء لانه محرم على الفرض، وإن كان البقاء جائزا في الواقع ففتوى الميت بحرمة البقاء ليست مطابقة للواقع فلا يعقل أن تكون حجة حينئذ. إذا فلنا علم تفصيلي بان فتوى الحي بالجواز غير شاملة لمسألة حرمة البقاء، وأن فتوى الميت بحرمته ليست بحجة على كل حال ومع عدم شمول فتوى الحي بالجواز لمسألة حرمة البقاء يتعين أن تكون شاملة لسائر المسائل الفرعية من دون مزاحم. وجوب التعلم وموارده (1) سبق أن ذكرنا في التكلم على جواز الاحتياط أن المكلف يجوز أن يمتثل الاحكام المتوجهة إليه امتثالا اجماليا بالاحتياط ولو مع التمكن من الامتثال التفصيلي بتحصيل العلم بما هو الواجب أو المستحب، ولا سيما إذا لم يستلزم الاحتياط تكرار العمل. وذلك إذ لا يعتبر في العبادة سوى الاتيان بالعمل مضافا به إلى الله سبحانه، وهذا متحقق في موارد العمل بالاحتياط، فإذا فرضنا أن المكلف لو لم يحصل العلم باجزاء العبادة وشرائطها يتمكن من الاحتياط والاتيان بالعمل واجدا لجميع أجزائه وشرائطه وفاقدا لموانعه على نحو يقطع بحصول الامتثال لم يجب عليه تعلم

[ 293 ]

الاجزاء والشرائط بوجه. واليه اشار الماتن بقوله: ولو لم يعلمها لكن علم اجمالا.. وأما إذا لم يتمكن من الاتيان بالمأمور به على نحو يقطع بحصول الفراغ لعدم علمه بما هو الجزء أو الشرط أو المانع واحتمل أن يكون العمل المأتي به واجدا لمانعه أو فاقدا لشئ من اجزائه وشرائطه وجب أن يتعلم أجزاء العبادة وشرائطها وموانعها لا محالة. وذلك لما قدمناه في أوائل الكتاب من أن الاحكام الواقعية متنجزة على المكلفين بالعلم الاجمالي بوجود احكام الزامية في الشريعة المقدسة، ومعه يجب تحصيل العلم بالفراغ اقتضاء لقاعدة الاشتغال، ولا يتحقق هذا إلا بتحصيل العلم باجزاء العبادة وغيرها من الامور المعتبرة فيها، فانه لولاه لم يحصل له الامن من احتمال العقاب، والعقل يلزمه بذلك لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب هذا إلا أن وجوب التعلم - بقاعدة الاشتغال - لا يستتبعه سوى الاتيان بالواجب مع العلم بما اعتبر فيه من جزء أو شرط أو مانع. وأما لزوم التعلم قبل تحقق الشرط - في الواجبات المشروطة - أو قبل دخول الوقت - في الواجبات الموقتة - فلا لكفاية التعلم بعدهما، ومن هنا لا يتعلم الحجاج واجباتهم في الحج قبل استطاعتهم بل قبل اشتغالهم بالمناسك وانما يتعلمونها حال الذبح أو الوقوف أو غيرهما من واجباتهم، إذ بذلك يحصل العلم بالامتثال ويأمنون به عن احتمال العقاب، ومعه لا حاجة إلى التعلم قبلهما هذا إذا كان متمكنا من التعلم بعد دخول الوقت في الموقتات أو بعد تحقق الشرط في الواجبات المشروطة. وأما إذا لم يتمكن من التعلم بعدهما بحيث لو ترك التعلم قبل دخول الوقت أو قبل تحقق الشرط لم يتمكن من التعلم بعدهما فهو على قسمين: لان التعلم حينئذ قد يكون مقدمة احرازية للامتثال: ولا يترتب على تركه الا عدم احرازه فحسب مع تمكنه من الاتيان بنفس الواجب في وقته، بحيث لو علم

[ 294 ]

به لامتثله امتثالا جزميا، وحيث لا يعلم به فيمتثله امتثالا احتماليا. وقد يكون مقدمة وجودية للواجب - لا احرازية كما في الصورة المتقدمة - بمعنى أنه لو لم يتعلم الواجب قبل دخول وقته أو قبل تحقق شرطه لم تكن له اي قدرة على الاتيان بالمكلف به بعد فعلية أمره بدخول وقته أو بتحقق شرطه، وهذا كما إذا فرضنا جاهلا لا يتمكن من الصلاة بعد دخول وقتها إلا أن يتعلمها قبل دخوله لاشتمالها على القراءة وغيرها مما لا مناص من أن يتعلمه الجاهل باللغة قبل حصول شرط الواجب أو دخول وقته. أما القسم الاول: فلا ينبغى التأمل في أن من علم أو احتمل ابتلائه بالواجب بعد دخول وقته أو حصول شرطه في الازمنة المستقبلة وجب ان يتعلمه قبلهما لوجوب امتثاله عليه في ظرفه، ولا يمكنه احراز ذلك إلا بالتعلم قبلهما، إذا فالعقل يستقل بلزوم التعلم قبل مجيئ وقت الواجب أو فعلية شرطه لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ولا يحصل الامن إلا بالتعلم قبلهما فوجوب التعلم قبل وقت الواجب أو حصول شرطه مما لا اشكال فيه في هذا القسم. وانما الاشكال في وجوب التعلم قبلهما في القسم الاخير وذلك لان المكلف بعد دخول وقت الواجب أو حصول شرطه غير مكلف بالعمل لعجزه، ولا شبهة في أن القدرة من شرائط الخطاب والتكليف، كما انه غير مكلف به قبل مجيئ وقت الواجب أو حصول شرطه ومع عدم وجوب ذى المقدمة لا معنى للحكم بوجوب التعلم من باب المقدمة. وتوضيحه: أن القدرة المعتبرة في التكاليف قد تكون دخيلة في الملاك، كما أنها دخيلة في الخطاب، بحيث لا يبقى أي ملاك عند عدمها. وقد تكون دخيلة في الخطاب من غير أن تكون دخيلة في الملاك بحيث يبقى العمل مشتملا على الملاك والغرض الملزم في كلتا حالتي العجز والتمكن وان كان

[ 295 ]

الخطاب ساقطا مع العجز. ولا ينبغي التأمل في وجوب التعلم قبل مجيئ وقت الواجب أو حصول شرطه في الصورة الثانية وذلك لان تركه حينئذ مفوت للملاك الملزم في ظرفه وتفويت الملاك كتفويت الواجب والخطاب قبيح لدى العقل وموجب لاستحقاق العقاب عليه. فان الملاك روح التكليف وما به قوامه وهو الداعي إلى جعله وانشائه. ولا مسوغ معه لترك التعلم قبل الوقت أو قبل تحقق الشرط. وأما الصورة الاولى: فهى التى وقع الكلام عنها في المقام نظرا إلى أن الملاك والتكليف إذا كان كلاهما مشروطا بالقدرة بحيث لا يبقى أي ملاك ولا خطاب. عند فقدها، وفرضنا أن المكلف لو لم يتعلم الواجب قبل مجيئ وقته أو فعلية شرطه لم يتمكن منه بعدهما فلماذا يجب تعلمه قبلهما؟! لوضوح أنه لا تكليف بالعمل قبلهما حتى تجب مقدمته وهو التعلم - على الفرض - كما انه لا مقتضى لوجوبه بعدهما، إذ لا قدرة للمكلف بعد مجيئ الوقت أو فعلية الشرط، ومع العجز لاخطاب ولا ملاك، ومن الظاهر أن مع عدم وجوب ذى المقدمة لا معنى لوجوب مقدمته. نعم المكلف لو تعلم الواجب قبلهما كان متمكنا من العمل في ظرفه إلا انه مما لا ملزم له فان الواجب على المكلف إنما هو امتثال التكاليف الثابتة في ذمته ولا تكليف عليه بايجاد موضوعاتها بجعل نفسه متمكنا من المأمور به حتى تتوجه عليه الخطاب ولاجل هذه المناقشة التجاء المحقق الاردبيلي ومن تبعه إلى الالتزام بالوجوب النفسي في المقام وذهبوا إلى أن التعلم واجب نفسي والعقاب انما هو على ترك التعلم نفسه لا انه على ترك الواجب الواقعي. وفيه أن الادلة المستدل بها على وجوب التفقه والتعلم ظاهرة في أن التعلم واجب طريقي وأنه مقدمة لامتثال الاحكام الواقعية ولا يكاد يستفاد منها انه واجب نفسي

[ 296 ]

أبدا (* 1). وعليه فلا دليل في شى من المقدمات المفوتة على وجوب تحصيلها قبل مجيئ وقت الواجب أو حصول شرطه حتى يتمكن من الواجب بعدهما وذلك لما مر من انه قبل الوقت لا تكليف بذى المقدمة حتى تجب مقدماته وبعده ايضا الامر كذلك لعدم القدرة على الواجب وانتفاء كل من الملاك والخطاب، ووجوب حفظ القدرة قبل مجيئ الوقت أو حصول الشرط للفعل الواجب بعدهما لم يقم عليه دليل فللمكلف أن يهريق ما بيده من الماء قبل الوقت، ولو مع العلم بعدم تمكنه منه للغسل أو الوضوء بعد فعلية الواجب بمجيئ وقته أو تحقق شرطه. والصحيح أن التعلم - خاصة - ليس كسائر المقدمات المفوتة، وأنه امر واجب قبل الوقت في الموقتات وقبل حصول الشرط في الواجبات المشروطة، وذلك لاطلاق الادلة القائمة على وجوبه، ولدلالتها على أن ترك الواجب إذا استند إلى ترك التعلم استحق المكلف العقاب عليه سواء أكان تركه قبل دخول الوقت أو حصول الشرط أم بعدهما فدلنا ذلك على أن التعلم مأمور به مطلقا، وإن لم يدخل وقت الواجب ولا تحقق شرطه، وحيث أن مفروضنا أن فوات الواجب في ظرفه مستند إلى ترك التعلم قبلهما فمقتضى اطلاق الادلة وجوبه وأن المكلف معاقب بتركه الواجب فلا مسوغ لترك التعلم، وان لم يكن هناك اي تكليف متوجه إلى ذى المقدمة.


(* 1) لاحظ الرواية الواردة في تفسير قوله عز من قائل: قل فلله الحجة البالغة. حيث ورد فيها: ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالما؟ فان قال: نعم، قال الله: أفلا عملت بما علمت؟ وإن قال: كنت جاهلا قال له: أفلا تعلمت حتي تعمل؟ فيخصم فتلك الحجة البالغة. المروية في البحار ج 2 ص 29 وص 180 من الطبع الحديث. وفي تفسير البرهان في ج 1 ص 560 بادنى اختلاف في اللفظ فانها ظاهرة في ان التعلم انما يجب من باب الطريقة إلى العمل.

[ 297 ]

ومعنى ذلك أن وجوب التعلم طريقي وأنه انما وجب للاتيان بالواجبات لا لانه مطلوب نفسي كسائر الواجبات فإذا تركه المكلف عوقب بمخالفته للمكلف به الواقعي، ولا يعاقب بتركه التعلم ابدا. وتظهر الثمرة فيما إذا استند ترك الواجب إلى أمر آخر ولم يستند إلى ترك التعلم، فان المكلف حينئذ لا يعاقب بشئ، وانما يعاقب بتركه إذا استند إلى ترك التعلم كما مر، هذا كله فيما إذا علم المكلف بانه سيبتلي بالواجب بعد مجيئ وقته أو علم أن شرطه ستتصف بالفعلية في المستقبل. وأما إذا لم يعلم بذلك وانما احتمل الابتلاء به في ظرفه فالامر ايضا كذلك لما قررناه في بحث البرائة، من أن التكليف المحتمل إذا كان في معرض الوقوف عليه لم تجر البرائة العقلية عنه، وذلك لان وظيفة المولى ليست سوى التصدى لبيان احكامه وجعلها في مورد لو فحص عنها المكلف لظفر بها، فإذا جعل تكاليفه في مورد العثور عليها تمت الوظيفة من قبله وانتهت النوبة إلى وظيفة العبد اعني لزوم الخروج عن عهدة التكاليف المتوجهة إليه من سيده، ومعه لا مؤمن له من العقاب على مخالفة التكليف الصادر عنه إلا أن يفحص عنه في مظانه فلا مجال للبرائة العقلية مع الاحتمال. وأما البرائة الشرعية فمقتضى اطلاق ادلتها وان كان جريانها في أمثال المقام لقوله - ع - رفع مالا يعلمون.. (* 1) ومنه ما نحن بصدده إلا أن الادلة القائمة على وجوب التعلم واستحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعي فيما إذا استند تركه إلى ترك التعلم مانعة عن جريان البرائة - في تلك الموارد - لدلالتها على وجوب الفحص والتعلم حينئذ، لاستناد ترك الواجب إلى ترك الفحص والتعلم على


(* 1) المروية في ب 16 من ابواب كتاب الايمان من الوسائل وقد بينا ما يرجع إلى الاستدلال بها في الجزء الثالث ص 344 فليراجع.

[ 298 ]

[ (مسألة 28) يجب تعلم مسائل الشك والسهو (1). ] الفرض فلا سبيل إلى شئ من البرائتين، فمقتضى اطلاق الادلة وجوب التعلم قبل دخول الوقت أو تحقق الشرط مطلقا سواء علم بابتلائه بالواجب في المستقبل ام احتمله. (1) قد اتضح الحال في هذه المسألة مما سردناه في المسألة المتقدمة، وحاصل الكلام فيها أن المكلف إذا تمكن من الامتثال الاجمالي والاحتياط بان احرز امتثاله للتكليف المتوجه إليه بالاحتياط كما إذا اتم صلاته - مثلا - بالبناء على أحد طرفي الشك ثم اتى بها ثانيا، أو قطع صلاته فاستأنفها من الابتداء. لم يجب عليه تحصيل العلم بمسائل الشك والسهو، لجواز الامتثال الاجمالي ولو مع التمكن من الامتثال التفصيلي على ما اسلفناه في الاحتياط. وإذا لم يتمكن من احراز الامتثال بالاحتياط وجب تعلم المسائل المذكورة بعد دخول وقت الصلاة أو قبله على التفصيل المتقدم في المسألة السابقة، وذلك لعلمه بالابتلاء، أو احتماله على الاقل، فعلى ذلك يبتنى وجوب تعلم مسائل الشك والسهو وعدمه على جواز ابطال الصلاة وقطعها عمدا وحرمته، إذ لو جاز قطعها وابطالها كذلك يتمكن المكلف من احراز امتثال الامر بها على سبيل الاحتياط فلا يجب معه تعلم المسائل عليه كما عرفت. وهذا بخلاف ما لو قلنا بعدم جواز قطعها وابطالها، لان إحراز الامتثال حينئذ يتوقف على تعلم المسائل الراجعة إلى الشك لعدم تمكنه من قطع الصلاة واستينافها، وعدم جواز البناء على أحد طرفي الشك واتمامها مع الاعادة، لاحتمال أن يكون المتيقن في حقه هو البناء على الطرف الآخر، وقد قطعها بالبناء على عكس ذلك، وهذا لاحتمال أن يكون ما اتى به ناقصا عن الواجب أو زائدا عليه، ويكون مع الاتيان به قد نقص عن صلاته أو زاد فيها متعمدا وهو موجب لبطلانها فعلى ما سلكه المشهور في تلك المسألة من حرمة قطع الصلاة وابطالها يجب

[ 299 ]

على كل مكلف ان يتعلم المسائل الراجعة إلى الشك والسهو، لانه لا سبيل إلى احراز امتثال الامر بالصلاة سوى التعلم كما مر. هذا إذا علم بابتلائه بمسائل الشك والسهو. وأما لو احتمل الابتلاء بها يجب تعلم مسائلهما ايضا أولا؟ لمكان استصحاب عدم الابتلاء بها في الازمنة المستقبلة ونتيجته عدم وجوب تعلم المسائل المذكورة عليه الصحيح أنه لا مانع من جريان الاستصحاب في نفسه، لانه على ما بيناه في محله كما يجرى في الامور الحالية يجرى في الامور الاستقبالية، ومع حكم الشارع بعدم ابتلاء المكلف بتلك المسائل، وكونه كالعالم بعدم الابتلاء لا وجه لوجوب تعلمها وتحصيلها فان المجعول في الاستصحاب انما هو الطريقية والوسطية في الاحراز أعني جعل ما ليس بعلم علما تعبدا كما هو الحال في جميع الطرق والامارات لا الحكم المماثل ليرد أن عدم الابتلاء بتلك المسائل ليس أثرا شرعيا في نفسه، ولا أنه ذا أثر شرعي كى يتعبد به لدى الشك، فالاستصحاب تام في نفسه ولا مانع عن جريانه سوى الادلة القائمة على وجوب التفقه والتعلم لانها باطلاقها يقتضى عدم جريانه في المقام. لدلالتها على وجوب التعلم - وجوبا طريقيا - في كل مورد استند ترك الواجب في أوانه إلى ترك التعلم لدلالتها على أن المكلف يستحق العقاب بذلك على ترك الواجب، وحيث أن المقام كذلك، وان ترك الواجب مستند إلى ترك التعلم فلا مناص من الحكم بوجوب تعلم مسائل الشك والسهو حتى مع الاحتمال. هذا إذا لم يكن هناك علم اجمالي بالابتلاء ببعض تلك المسائل. واما معه فلا مجال للاستصحاب ابدا، لعدم جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي بالمعارضة إذا لابد من تعلم مسائل الشك والسهو لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب.

[ 300 ]

[ بالمقدار الذي هو محل الابتلاء غالبا (1) نعم لو اطمأن من نفسه أنه لا يبتلى بالشك والسهو صح عمله (2) وان لم يحصل العلم باحكامهما. ] (1) لا وجه لاعتبار الغلبة في الابتلاء، فان المدار في وجوب التعلم هو العلم بالابتلاء أو احتماله بلا فرق في ذلك بين كون المسألة موردا لابتلاء الناس غالبا وعدمه، فالتقييد بذلك في غير محله. نعم لا يختص وجوب التعلم بموارد العلم بالابتلاء لوجوبه مع الاحتمال ايضا كما عرفت. (2) قد اتضح مما ذكرناه في التعليقة المتقدمة أن تعلم المسائل التي يبتلي بها المكلف علما أو احتمالا امر واجب بالوجوب الطريقي اما لوجوب دفع الضرر المحتمل أو لاطلاقات الاخبار كما مر إلا أن ذلك من حيث الوجوب وكون ترك التعلم موجبا لاستحقاق العقاب على مخالفة الواقع. وأما من حيث الصحة والبطلان فالمدار فيهما على مطابقة الواقع ومخالفته - مثلا - إذا فرضنا أن المكلف ترك التعلم قبل الوقت، ولم يكن متمكنا منه بعد دخوله، ولا من الامتثال الاجمالي والاحتياط، وبالاخص إذا كان مطمئنا بعدم الابتلاء بالمسائل التى لم يتعلم حكمها، إلا أنه ابتلى بها في وقت العمل وبنى على أحد طرفي الشك والاحتمال وأتم صلاته رجاء، وكان عمله هذا مطابقا للواقع حكمنا بصحة صلاته، فانه لا يعتبر في العبادة إلا الاتيان بها مضافا إلى الله والمفروض أنها قد اتيت كذلك فلا مجال لتوهم بطلانها من جهة ترك التعلم فلو ظن أنه قد ركع ولم يعلم أن الظن حجة في افعال الصلاة كالركعات إلا أنه بنى على عدم الاعتبار واتى بالرجوع رجاء وأتم صلاته، وانكشف بعد هذا أن فتوى مقلده ايضا عدم الاعتناء بالظن في الافعال صحت صلاته كما مر.

[ 301 ]

بقى شيئ: وهو أن المنسوب إلى شيخنا الانصاري " قده " في رسالته العملية الحكم بفسق من ترك تعلم مسائل الشك والسهو، وهذه الفتيا منه " قده " يحتمل أن يستند إلى أحد امور: " الاول ": أن يقال: إن الوجه في ذلك أن ترك تعلم المسائل المذكورة مع العلم بالابتلاء أو احتماله من اظهر مصاديق التجرى على المولى سبحانه لكشفه عن أنه غير معتنن باحكام الله وتكاليفه ولا مبال بأوامره ونواهيه، والتجرى مضافا إلى أنه موجب لاستحقاق العقاب عليه من المحرمات في الشريعة المقدسة، ولا شبهة في أن ارتكاب المحرم موجب للفسق والانحراف. وفيه: أن هذا الوجه مما لا يلتزم به الشيخ " قده " ولا ينبغى الالتزام به لعدم قيام الدليل على حرمة التجرى. وإن كان موجبا لاستحقاق العقاب عليه، والفسق انما يتحقق بارتكاب المعاصي والمحرمات، وقد عرفت أنه مفقود في المقام. " والثاني ": أن التجرى وان لم يكن محرما في نفسه إلا أنه يكشف عن عدم ملكة العدالة لا محالة، لانه مع وجودها لا يقدم المكلف على ما فيه احتمال المخالفة والمعصية فبالتجرى يستكشف أن المتجرى على نحو يقدم على معصية الله، ومخالفته ولا رادع نفساني له عن ارتكابها، وقد اعتبر هو " قده " وجماعة كثيرين وجود الملكة النفسانية في العدالة كما مر وقالوا إن من لا ملكة له لا عدالة له ومن لم يكن بعادل فهو فاسق لا محالة. وهذا الاحتمال يبعده أمران: " أحدهما ": ما قدمناه من أن العدالة ليست الا الاستقامة العملية في جادة الشرع، وأنه لم يدلنا دليل على اعتبار شئ آخر في العدالة وراء الاتيان بالواجبات

[ 302 ]

وترك المحرمات ليسمى بالملكة النفسانية. و " ثانيهما ": أن القول باعتبار الملكة لا يستلزم انكار الواسطة بين الفسق والعدالة ولا يستتبع الحكم بان من ليس بعادل فهو فاسق وذلك لوضوح أن من لم يرتكب بعد بلوغه شيئا من المعاصي والمحرمات، ولم يحصل له ايضا ملكة العدالة فهو ليس بعادل ولا بفاسق. أما أنه ليس بعادل فلاجل عدم تحصيله الملكة على الفرض. وأما عدم كونه فاسقا فلان الفسق يتوقف على ارتكاب المعصية. بل اشترط بعضهم أن تكون المعصية من الكبائر ولو كانت هي الاصرار على الصغائر ومع عدم ارتكاب شئ من المعاصي لا موجب للفسق ابدا، وعليه فهب أن المتجرى ليست له ملكة العدالة، وأنه ليس بعادل - فرضنا - إلا أنه لا مقتضى للحكم بفسقه مع عدم صدور فسق منه على الفرض. " الثالث ": أن الوجه في ذلك أن التعلم واجب نفسي فتركه يستلزم الفسق وان لم يبتل المكلف بمسائل الشك والسهو اصلا ويندفع: بان الشيخ " قده " لا يلتزم بالوجوب النفسي في التعلم، وانما يراه واجبا بالوجوب الطريقي الذي لا يترتب على مخالفته إلا التجرى لا الفسق. " الرابع ": وهو أنسب الوجوه المذكورة في المقام أن يقال: ان التجرى وان لم يكن محرما في الشريعة المقدسة إلا أن المتجرى لا يمكن الحكم بعدالته، لان العدالة كما تقدمت هي الاستقامة في جادة الشرع، وكون الحركة باذن الشارع وترخيصه فالعادل هو الذي لا يقدم على عمل لم يرخص فيه الشارع. ومن الظاهر أن التجرى بترك التعلم وان لم يكن محرما لعدم وجوبه النفسي على الفرض إلا أنه غير مرخص فيه من قبله فالاقدام عليه اقدام على ما لم يرخص فيه الشارع، ولا يطلق على المتجرى والمرتكب لما لم يأذن به الله عنوان الصالح أو الخير ولا يعد من الموثوقين بدينه وكيف يؤثق بدينه وهو لا يبالي بالدين ولا يعتني

[ 303 ]

[ (مسألة 29) كما يجب التقليد في الواجبات والمحرمات يجب (1) في المستحبات، والمكروهات، والمباحات، بل يجب تعلم حكم كل فعل يصدر منه سواء كان من العبادات، أو المعاملات، أو العاديات. ] باحتمال مخالفة الله وعصيانه؟! كما لا يصدق عليه غير ذلك من العناوين الواردة في الروايات. وكذا الحال في غير المقام من موارد التجرى وعدم كون الفعل مرخصا فيه من الله، كما إذا ارتكب أحد الفعلين المعلومة حرمة احدهما، فان شرب ما في احد الانائين مع العلم الاجمالي بحرمته وان لم يكن محرما شرعيا، لاحتمال اباحته وكون المحرم هو الآخر، إلا أنه غير مرخص فيه من قبل الشارع، وكذا إذا علم بنجاسة أحد ثوبيه علما اجماليا، وصلى في احدهما، فانه وإن لم يمكن الحكم بانه لم يأت بالصلاة وانه تارك لها لاحتمال أن يكون النجس هو الثوب الآخر، إلا أنه مما لم يأذن به الله فمثله لا يطلق عليه شئ من العناوين المتقدمة ولابد من الحكم بفسقه، فهذا الوجه هو الصحيح وما أفاده " قده " في غاية المتانة. (1) إذا احتمل معهما حكما الزاميا ايضا، كما إذا احتمل أن يكون ما هو المستحب واجبا واقعا، أو يكون المكروه أو المباح حراما كذلك فانه عند احتمال حكم الزامي معهما لابد من تحصيل المؤمن على ترك ما يحتمل وجوبه أو ارتكاب ما يحتمل حرمته، ولا مؤمن سوى الاجتهاد والتقليد والاحتياط. وأما لو جزم بالجواز وان لم يعلم بانه مباح أو مستحب أو مكروه فلا حاجة فيه إلى التقليد ولا إلى قرينيه، أللهم إلا أن يريد الاتيان بالعمل بعنوان الاستحباب - مثلا - فانه يحتاج معه إلى أحد الطرق الثلاثة، إذ لو لم يستند في عمله إلى احدها لكان الاتيان به بذلك العنوان من التشريع المحرم، هذا بالاضافة إلى غير العامي من المكلفين.

[ 304 ]

[ (مسألة 30) إذا علم أن الفعل الفلاني ليس حراما، ولم يعلم أنه واجب أو مباح أو مستحب أو مكروه يجوز (1) له أن يأتي به لاحتمال كونه مطلوبا وبرجاء الثواب، وإذا علم أنه ليس بواجب، ولم يعلم أنه حرام أو مكروه أو مباح له أن يتركه لاحتمال كونه مبغوضا. ] وأما بالاضافة إلى العامي فان احتمل الوجوب وشيئا من الاحكام غير الالزامية، كما إذا احتمل استحبابه أو أباحته أو كراهته مع القطع بعدم حرمته فلا حاجة فيه إلى التقليد لتمكن العامي حينئذ من الاحتياط، فله أن يأتي بالعمل برجاء الوجوب فانه يكفى في التوصليات من غير نكير، وكذلك الحال في العبادات، لما مر من أن العبادة لا يعتبر فيها إلا الاتيان بالعمل مضافا به إلى الله وهو امر يتحقق عند الاتيان به رجاء، وقد قدمنا جواز الامتثال الاجمالي ولو مع التمكن من الامتثال التفصيلي فلاحظ. كما أنه لو احتمل الحرمة وشيئا من الاحكام الثلاثة مع القطع بعدم الوجوب ايضا يتمكن العامي من الاحتياط من غير حاجة إلى التقليد فيه. نعم إذا احتمل وجوب شئ وحرمته واباحته، أو هما وكراهته أو استحبابه تعين التقليد في حقه لعدم قابلية المورد للاحتياط وعدم تمكن المكلف منه مجتهدا كان أم مقلدا. ومما سردناه ظهر أن الادعية والاوراد المنقولة في كتب الادعية المتداولة بين الناس لا يسوغ أن يؤتى بها باسناد محبوبيتها إلى الله سبحانه أي بعنوان انها مستحبة، الا مع القطع بكونها مستحبة أو التقليد فيها ممن يفتى بذلك وإلا كان الاتيان بها كذلك من التشريع المحرم. نعم لا بأس بالاتيان بها رجاء فأنه لا يحتاج معه إلى التقليد كما مر. (1) قد اتضح الحال في تلك المسألة مما بيناه في التعليقة المتقدمة، وقلنا إن مع احتمال الوجوب وشئ من الاحكام الثلاثة مع القطع بعدم الحرمة. أو احتمال

[ 305 ]

[ (مسألة 31) إذا تبدل رأي المجتهد لا يجوز للمقلد البقاء على رأيه الاول (1). (مسألة 32) إذا عدل المجتهد عن الفتوى إلى التوقف والتردد يجب على المقلد الاحتياط أو العدول إلى الاعلم بعد ذلك المجتهد (2). (مسألة 33) إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد أيهما شاء (3) ويجوز التبعيض في المسائل (4). ] الحرمة وأحدها مع القطع بعدم الوجوب يتمكن العامي من الاحتياط والاتيان بالعمل رجاء أو تركه باحتمال مبغوضيته من غير حاجة إلى التقليد فيه. (1) لعدم بقاء الرأي السابق على الحجية بعد تبدله وانكشاف كونه مخالفا للواقع من الابتداء بالفتوى الثانية على الخلاف ومن هنا ذكرنا في التكلم على إجزاء الاحكام الظاهرية عن الواقع أن حجية الفتوى الثانية وإن كانت حادثة إلا أن مدلولها غير مختص بعصر دون عصر وبها يستكشف عدم كون الفتوى السابقة مطابقة للواقع من الابتداء. (2) لعدم حجية الفتوى مع العدول عنها وعدم احراز كونها مطابقة للواقع وحيث لا فتوى للمجتهد المقلد بالفعل فيجب على مقلديه الاحتياط أو الرجوع إلى مجتهد آخر جامع لشرائط الحجية حتى يقطع بفراغ ذمته عما اشتغلت به من الاحكام المتنجزة عليه بالعلم الاجمالي. (3) وقد مر تفصيل الكلام في التخيير بين المجتهدين المتساويين في المسألة الثالثة عشرة ولا نعيد. (4) قد اتضح مما ذكرناه في المسألة الثالثة عشرة من أن المكلف مخير بين المجتهدين المتساويين عند عدم العلم بالمخالفة بينهما جواز التبعيض في المسائل فان للمقلد أن يقلد أحدهما في مسألة، ويقلد الاخر في مسألة اخرى لعدم العلم بالمخالفة بينهما

[ 306 ]

في الفتوى، بل يجوز له التبعيض في الرجوع بالاضافة إلى أجزاء عمل واحد وشرائطه بان يقلد أحدهما في الاكتفاء بالمرة الواحدة في غسل الثياب ويقلد الآخر في جواز المسح منكوسا - مثلا - أو يقلد أحدهما في عدم وجوب السورة ويقلد الآخر في الاكتفاء بالتسبيحات الاربعة مرة واحدة وهكذا. وذلك لان فتوى كلا المجتهدين حجة معتبرة وله ان يستند في اعماله إلى ايهما شاءه هذا إذا اخصصنا جواز التخيير بين المجتهدين المتساويين بما إذا لم يعلم المخالفة بينهما في الفتوى كما مر. وأما لو عممنا القول بالتخيير إلى صورة العلم بالمخالفة بينهما فالمقلد وإن جاز أن يبعض في التقليد ويقلد أحدهما في عمل أو باب ويقلد الآخر في باب أو عمل آخرين كما لو رجع في عباداته إلى مجتهد وفي معاملاته إلى مجتهد آخر. إلا أنه لا يتمكن من التبعيض في التقليد بالاضافة إلى مركب واحد بان يقلد في بعض اجزائه أو شرائطه من احدهما ويقلد في بعضها الآخر من المجتهد الآخر كما لو قلد أحدهما في عدم وجوب السورة في الصلاة فلم يأت بها في صلاته ورجع إلى احدهما الآخر في الاكتفاء بالتسبيحات الاربعة مرة واحدة مع العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى. والوجه في ذلك: أن صحة كل جزء من الاجزاء الارتباطية مقيدة بما إذ اتى بالجزء الاخر صحيحا فمع بطلان جزء من الاجزاء الارتباطية تبطل الاجزاء بأسرها. وإن شئت قلت إن صحة الاجزاء الارتباطية ارتباطية فإذا اتى بالصلاة فاقدة للسورة مع الاكتفاء بالمرة الواحدة في التسبيحات الاربع واحتمل بعد ذلك بطلان ما اتى به لعلمه بانه خالف أحد المجتهدين في عدم اتيانه بالسورة كما خالف احدهما الآخر في اكتفائه بالمرة الواحدة في التسبيحات الاربع فلا محالة يشك في صحة صلاته وفسادها فلا مناص من أن يحرز صحتها ويستند في عدم اعادتها إلى الحجة المعتبرة، لان مقتضى

[ 307 ]

[ وإذا كان أحدهما أرجح من الآخر في العدالة أو الورع (1) أو نحو ذلك فالاولى بل الاحوط اختياره. (مسألة 34) إذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى إلى الاعلم ثم وجد أعلم من ذلك المجتهد فالاحوط العدول إلى ذلك الاعلم، وإن قال الاول بعدم جوازه (2). ] قاعدة الاشتغال لزوم الاعادة وبقاء ذمته مشتغلة بالمأمور به. ولا مجتهد يفتي بصحتها لبطلانها عند كليهما وان كانا مختلفين في مستند الحكم بالبطلان لاستناده عند احدهما إلى ترك السورة متعمدا. ويراه الآخر مستندا إلى تركه التسبيحات الاربعة ثلاثا، ومع بطلانها عند كلا المجتهدين وعدم افتائهما بصحة الصلاة لابد للمكلف من اعادتها وهو معنى بطلانها. (1) مر في المسألة الثالثة عشرة أن الاورعية ونحوهما ليست من المرجحات في المقام. (2) لا أثر لفتوى المجتهد بحرمة العدول عند وجود من هو أعلم منه، والوجه فيه: أن المقلد انما جاز له تقليد المجتهد المفتى بحرمة العدول من جهة فتوى الاعلم بجواز تقليد غير الاعلم إذا لم يعلم المخالفة بينهما في الفتوى، لوضوح أنه لا معنى لجواز تقليده بفتوى نفسه لاستلزامه الدور الظاهر. ومعه لابد من ملاحظة أن المقلد عالم بالمخالفة بينهما أولا؟ فعلى تقدير علمه بالمخالفة يجب عليه العدول إلى فتوى الاعلم، لعدم جواز تقليد غير الاعلم عند العلم بالمخالفة بينهما، وإذا لم يكن له علم بالمخالفة يجوز أن يبقى على تقليد المجتهد غير الاعلم كما يجوز أن يعدل إلى الاعلم فعلى كلا التقديرين لا أثر لفتوى غير الاعلم بحرمة العدول.

[ 308 ]

[ (مسألة 35) إذا قلد شخصا بتخيل أنه زيد فبان عمرا فان كانا متساويين في الفضيلة، ولم يكن على وجه التقييد صح والا فمشكل (1). ] الفارق بين الداعي والتقييد (1) فصل الماتن " قده " عند تساوى المجتهدين في الفضيلة بين ما قلد أحدهما على وجه التقييد، كما إذا كان بحيث لو علم أن من قلده زيد - مثلا - لم يكن يقلده بوجه لانه انما يريد أن يقلد عمروا بخصوصه، وما إذا قلد أحدهما على وجه الداعي، كما إذا كان بحيث لو علم أن من قلده زيد ايضا كان يقلده. بالاستشكال في صحة التقليد في الصورة الاولى والحكم بصحته في الثانية. ويرد على ما ذكره أن التقليد من الامور غير القابلة للتقييد وتوضيحه: أن مورد الخطاء قد يكون من الامور المتقومة بالقصد، بحيث ينتفى بانتفائه فانها ليست شيئا آخر وراء القصد، ويعبر عنها بالعناوين القصدية، وهذا كما في التأديب والهتك ونحوهما. وقد يكون من العناوين غير القصدية، بحيث قد يتعلق بها القصد ويصيب، وقد يتعلق بها القصد ويخطى، وهي قد تتحقق في الامور الاعتبارية، وقد تتحقق في الامور التكوينية الخارجية، وهذه اقسام ثلاثة: " أما القسم الاول ": وهي العناوين القصدية فلا شبهة في أنها ليست من الموارد القابلة للتفصيل بين الداعي والتقييد بل المتعين فيها هو الحكم بالبطلان على كل حال لتقوم العمل فيها بالقصد، وهو منتف على الفرض، سواء أتى بالعمل على وجه الداعي أو التقييد - مثلا - إذا اشتغل بالصلوات القضائية فاعتقد زوال الشمس ودخول وقت الفريضة فاتى بالصلاة قاصدا بها الاداء، ثم انكشف خلافه

[ 309 ]

لعدم دخول وقتها بطلت صلاته ولا يمكن أن تقع قضاء لانه لم يقصد بها القضاء، كما لا يمكن أن تقع اداء، لان الوقت لم يدخل على الفرض. ولا مجال لتصحيحها بأن المكلف لما كان بصدد الاتيان بالقضاء كان بحيث لو علم بعدم دخول وقت الصلاة اتى بها قضاء فقصده الاداء من باب الداعي لا التقييد، وان ما اتى به محكوم بالصحة فيحسب قضاء. ومثله ما لو صلى ركعتين ناويا بهما الفرض والوجوب لاعتقاد دخول وقت الفريضة ثم ظهر خلافه أو نوى بهما التنفل معتقدا عدم طلوع الفجر ثم ظهر طلوعه فانهما حينئذ لاتقعان نافلة في الصورة الاولى، ولا فريضة في الثانية، لعدم قصدهما فلابد من الحكم ببطلانهما. كما أنه لو انشاء الهبة لم يقع به البيع تعلق القصد به فان عناوين المعاملات من العناوين القصدية وانما يقع به الهبة لو كان قصدها لتمامية شرائطها، والمتحصل أن في العناوين القصدية انما يقع ما قصد منها من الامور فيما إذا كان واجدا لشرائطه، وإذا لم يكن كذلك حكم ببطلانها، وعلى الجملة أن العناوين القصدية لا مجال فيها للتفصيل بين ان يكون قصد العنوان من باب الداعي والتقييد، بل هي أظهر موارد ما يقال: ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع. " أما القسم الثاني ": وهى الامور غير القصدية المتحققة في الامور الاعتبارية كالمعاملات فهو على اقسام ثلاثة، وذلك لان التخلف والخطاء قد يقعان فيما هو خارج عن المعاملة والالتزام، كما لو اشترى مالا بقصد الربح فيه، أو ينزل عنده ضيف وهكذا، والخطاء والتخلف غير موجبين للبطلان في هذا القسم بالاتفاق، ويعبر عنه بتخلف الداعي في كلماتهم وهو ايضا ليس بمور للتفصيل بين الداعي والتقييد. وقد يقع التخلف في متعلق الالتزام المعاملي، والمتعلق قد يكون أمرا كليا، وقد يكون شخصيا.

[ 310 ]

أما الصورة الاولى: كما لو اشترى دورة كتاب كالتهذيب على انه طبعة النجف - مثلا - ودفعه إليه عند تسليمه من غير تلك الطبعة فلا كلام في انه من التخلف في مقام الاداء ولا يستتبع ذلك بطلان المعاملة ولا الخيار للمشتري وإنما له أن يطالب البايع بما تعلقت به المعاملة، لان ما دفعه إليه غير ما اشتراه منه المشتري. والاشتراط في هذه الصورة من باب التقييد دائما، ولا يعقل أن يكون من باب الداعي بوجه، لانه يوجب التقييد في متعلق الالتزام ويحصصه بحصة خاصة غير منطبقة على الحصة الفاقدة لها، إلا أن تخلفه غير موجب للبطلان ولا الخيار. نعم للمشترى مطالبة البايع بالمبيع، كما أن له ان يرضى بالتبديل وهو أمر آخر وراء المعاملة. أما الصورة الثانية: كما إذا اشترى كتابا معينا في الخارج على انه طبعة كذا وانكشف انه ليس من تلك الطبعة، فالاشتراط فيها يستحيل أن يكون من باب التقييد ابدا، وذلك لان متعلق المعاملة جزئي خارجي لا اطلاق له، ولا معنى للتقييد فيما هو مقيد في نفسه، إذ التقييد إنما يتصور فيما كان موسعا في نفسه وقابلا للانقسام إلى قسمين أو اكثر وهذا غير معقول في الجزئي الخارجي، فان الكتاب المعين اما أن يكون من طبعة كذا من الابتداء واما أن لا يكون، ويستحيل أن يكون من تلك الطبعة تارة ومن طبعة غيرها تارة اخرى فارجاع الاشتراط في الجزئيات الخارجية إلى التقييد غير معقول. نعم يمكن أن يرجع الاشتراط في مثلها إلى أصل الالتزام بان يقال إن اصل الالتزام المعاملي معلق على أن يكون الكتاب المعين من طبعة كذا، إلا أن ارجاعه إلى ذلك يقتضى بطلان المعاملة لان التعليق مبطل في العقود حتى إذا كان المعلق عليه حاصلا في الواقع.

[ 311 ]

معنى الاشتراط إذا يقع الكلام في معنى الاشتراط فنقول: إن معناه في الامور الجزئية حسبما يقتضيه الاستقراء والارتكاز أحد أمرين على سبيل منع الخلو: " أحدهما ": تعليق الالتزام بالمعاملة، وعدم الرجوع فيها على تحقق الشرط في الخارج، وهذا كما في اشتراط كون الفرس من جياد الخيل أو الكتاب المعين من طبعة كذا، وغير ذلك من الاوصاف والقيود الخارجة عن الاختيار، فان معنى اشتراطها حسبما يفهمه العرف بارتكازهم أن التزامي بالبيع معلق على كون الفرس كذا أو الكتاب من طبعة كذا فعند التخلف يثبت للمشروط له الخيار في الالتزام بالمعاملة وفسخها. " ثانيهما ": تعليق أصل الالتزام المعاملي على التزام الطرف الآخر بتحقق الشرط في الخارج - لا على وجوده خارجا - وهذا كما في الموارد التي لا يجرى فيها الخيار، كما إذا اشترطت الزوجة على زوجها أن يكون اختيار المسكن بيدها فان النكاح لا يجرى فيه الخيار، فمعنى الاشتراط فيه أن التزام الزوجة بالنكاح والزوجية معلق على التزام الزوج بان يكون اختيار المسكن بيدها، فالزوج بقوله: قبلت يبرز أمرين احدهما التزامه باصل الزواج، وثانيهما التزامه بالعمل في الخارج، وليست نتيجته الخيار عند تخلف الزوج عما التزم به في المعاملة، فان النكاح كما مر مما لا يجرى فيه جعل الخيار عند العقلاء ولا في الشريعة المقدسة، بل ولا في الاديان السابقة، فالاشتراط في مثله ليس بمعنى التعليق في الالتزام بالمعاملة، وإنما هو من التعليق في أصل الالتزام المعاملي. ومثل هذا التعليق غير مضر بصحة العقد، لانه تعليق على التزام الطرف الآخر - لا على وجود الشرط في الخارج - نظير التعليق في الايجاب، لانه من

[ 312 ]

التعليق على قبول المشترى للالتزام المعاملى. وهذا بخلاف الصورة المتقدمة، لان كون الفرس أو الكتاب من جياد الخيل أو من طبعة النجف أمر خارج عن الاختيار ولا معنى للالتزام بما هو غير مقدور للملتزم، فما قدمناه لا يأتي إلا فيما هو داخل تحت الاختيار. وهذان قسمان ولا يخلو أمر الاشتراط من أحدهما. نعم الامران قد يجتمعان في بعض الموارد، كما في اشتراط الامر الاختياري للمشروط عليه في العقود الجارى فيها جعل الخيار كالبيع والاجارة، نظير بيع الدار على أن يخيط المشترى ثوب البايع، وذلك لانه من تعليق اصل البيع على التزام المشترى بالخياطة وتحققها في الخارج، ونتيجته وجوب الخياطة على المشترى بعد المعاملة، وثبوت الخيار للبايع على تقدير التخلف وعدم تحقق الخياطة خارجا. وقد ظهر مما سردناه في معنى الاشتراط أن ما ذكره بعضهم من أن الاشتراط بمعنى الالتزام في الالتزام مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك لان الالتزام المستقل الذي ليس له أي ارتباط بالمعاملة لا معنى لان يكون شرطا لها أبدا حسبما عرفته من الارتكاز والاستقراء، فان الشرط يعتبر أن يكون مرتبطا بالالتزام المعاملى، والربط إنما هو باحد الامرين المتقدمين، ولا ثالث لهما كما مر، هذا كله في الامور الاعتبارية غير القصدية. أما القسم الثالث: وهي الامور غير القصدية المتحققة في الامور الخارجية كشرب المايع على أنه ماء، أو ضرب أحد على أنه كافر وهكذا فقد ظهر الحال فيه مما بيناه في القسم المتقدم. وحاصله: أن الامور الخارجية ايضا ليست موردا للتقييد، فان الموجود الشخصي والامر الخارجي لا اطلاق له ليكون قابلا لتقييده، والشرب والضرب الخارجيان لا يعقل أن يقعا على أزيد من شي واحد إما الماء وإما المايع الآخر،

[ 313 ]

أو الكافر أو غير الكافر، فلا معنى في مثله للداعى والتقييد بان يقال: ان شرب المايع إن كان على نحو التقييد بأن كان بحيث لو علم أنه غير الماء لم يشربه، أو لو علم أن المضروب غير كافر لم يضربه، فلم يصدر منه شرب، ولا ضرب، وذلك لان الشرب والضرب قد وقعا في الخارج على الفرض، فالترديد بين الداعي والتقييد غير جار في الامور الخارجية أبدا. نعم اعتقاد أن المايع ماء أو أن المضروب كافر من الدواعى الباعثة إلى الفعل إذا فالمقام من قبيل تخلف الداعي والخطاء في مبادى الارادة فحسب. إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: التقليد والاقتداء ليسا من العناوين القصدية، ولا أنهما من الامور الاعتبارية وانما هما من الامور الخارجية، لوضوح أن الاقتداء بمعنى تبعية شخص لآخر، والتقليد هو العمل استنادا إلى فتوى الغير فإذا اقتدى إماما في صلاته، أو قلد مجتهدا في أعماله لم يجر فيهما الترديد بين الداعي والتقليد، لانهما أمران خارجيان لا اطلاق لهما ليقيد أو لا يقيد، فان العمل عن استناد إلى فتوى الغير، وكذلك الاقتداء إما أن يكونا مضافين إلى زيد، واما أن يضافا إلى عمرو، ولا يعقل أن يكون العمل الخارجي تقليدا من شخصين أو اقتداء لامامين، ومعه لا يصح أن يقال إن تقليده أو اقتدائه لو كان على وجه التقييد أي بحيث لو علم أن المجتهد أو المقتدى ليس بعمرو لم يقلده أو لم يأتم به لم يصدر منه تقليد ولا اقتداء، وذلك لضرورة أنهما متحققان في الخارج سواء أكان على وجه التقييد أم على وجه الداعي. نعم اعتقاد أنه زيد من الدواعى الباعثة إلى تقليده أو الاقتداء به فهو من باب تخلف الداعي والخطاء في مقدمات الارادة وليس من التقييد بوجه، وهو نظير مالو توضأ بالماء معتقدا أنه حلو ثم انكشف أنه مر فهل يسوغ أنه يقال إن وضوئه في المثال لو كان على وجه التقييد - أي بحيث لو علم أنه مر لم يتوضأ - لم يصدر

[ 314 ]

[ (مسألة 36) فتوى المجتهد تعلم باحد أمور: " الاول ": أن يسمع منه شفاها (1). ] منه الوضوء؟! فانه لو علم بالحال وإن كان لم يتوضاء، إلا أنه قد توضأ على الفرض ولو لجهله بالحال، إذا التفصيل في المقام بين ما إذا كان التقليد على وجه التقييد، وما إذا كان على وجه الداعي كما صنعه الماتن مما لا محصل له. بل الصحيح في امثال المقام والاقتداء أن يفصل على وجه آخر وهو أن يقال: إن من قلده أو ائتم به باعتقاد انه زيد - مثلا - إما أن يكون ممن يجوز تقليده والاقتداء به لمكان علمه وعدالته من غير أن يعلم بالمخالفة بينه و بين زيد في الفتوى - وهو اعلم منه - ولو اجمالا. وإما أن لا يكون كذلك لفسقه أو لعدم عدالته أو للعلم بينهما بالمخالفة. فعلى الاول يصح تقليده واقتدائه لقابلية من ائتم به أو قلده للامامة والتقليد وعلى الثاني يحكم ببطلانهما، لعدم اهلية من قلده أو ائتم به لهما، ومعه يندرج المقام في كبرى المسألة الآتية اعني مالو قلد من ليس له اهلية الفتوى ويأتى فيه ما سنذكره في تلك المسألة إن شاء الله. نعم إذا لم تكن في صلاة المأموم زيادة ركنية ولم تكن صلاته فاقدة الا لمثل القرائة ونحوها كانت صلاته محكومة بالصحة لحديث لا تعاد فما ذكرناه من التفصيل يختص بما إذا اشتملت صلاته على زيادة ركنية ونحوها مما تبطل به الصلاة كما إذا شك بين الواحدة والثنتين ورجع فيه إلى الامام فانه يندرج في محل الكلام ويأتي فيه التفصيل المتقدم فلاحظ. طرق تعلم الفتوى (1) لا شبهة في حجية إخبار المجتهد عما أدى إليه فكره وتعلق به رأيه، لانه

[ 315 ]

[ " الثاني ": أن يخبر بها عدلان (1). " الثالث ": إخبار عدل واحد بل يكفي إخبار شخص موثق (2) ] مقتضى قوله عز من قائل: فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (* 1) لدلالته على حجية الانذار من المنذرين المتفقهين، وليس الانذار إلا الاخبار عن حرمة شي أو وجوبه حسبما أدى إليه رأى المنذر، وقوله: فاسئلوا أهل الذكران كنتم لا تعلمون (* 2) حيث دل على حجيته جوابهم - على تقدير تمامية الاستدلال به -. وكذا يدل عليه الاخبار الواردة في موارد خاصة تقدمت في أوائل الكتاب المشتملة على الارجاع إلى آحاد الروات لا قتضائها حجية الاجوبة الصادرة منهم لا محالة. وكذلك تقتضيه السيرة العقلائية الجارية على حجية اخبار أهل الخبرة عن رأيهم ونظرهم من غير أن يطالبوا بالدليل على تطابق أخبارهم لانظارهم، لوضوح أن الطبيب - مثلا - لا يسئل عن الدليل على أن ما اخبر به هو المطابق لتشخيصه، إذا اخبار المجتهد عن آرائه وفتاواه مما تطابقت على حجيته السيرة والآيات والروايات. (1) لما قدمناه في محله من حجية اخبار البينة إلا في موارد قام فيها الدليل على عدم اعتبارها، كما في الشهادة بالزنا وغيره من الموارد المعتبرة فيها شهادة الزائد عن البينة المصطلح عليها. (2) على ما بيناه في محله من أن الخبر الواحد، كما أنه حجة معتبرة في الاحكام كذلك معتبر في الموضوعات الخارجية، بل لا ينبغى التأمل في حجية اخبار الثقة في محل الكلام، وان لم نقل باعتباره في الموضوعات الخارجية، وذلك


(* 1) التوبة: 9: 122. (* 2) النحل: 16: 43 والانبياء: 21: 7.

[ 316 ]

[ يوجب قوله الاطمئنان (1) وإن لم يكن عادلا. " الرابع ": الوجدان في رسالته (2) ولابد أن تكون مأمونة من الغلط. (مسألة 37) إذا قلد من ليس له أهلية الفتوى، ثم التفت وجب عليه العدول (3) وحال الاعمال السابقة حال عمل الجاهل غير ] لان الاخبار عن الفتوى اخبار عما هو من شئون الاحكام الشرعية، لانه في الحقيقة اخبار عن قول الامام مع الواسطة، ولا فرق في حجية نقل الثقة واخباره بين أن يتضمن نقل قول المعصوم - ع - ابتداء وبين ان يتضمن نقل الفتوى التي هي الاخبار عن قوله - ع - لان مادل على حجية اخبار الثقة عن الامام - ع - غير قاصر الشمول للاخبار عنهم مع الواسطة. (1) لا يعتبر في حجية اخبار الثقة أن تفيد الاطمئنان الشخصي بوجه على ما بيناه في محله. اللهم إلا ان يكون القيد تفسيرا للموثق ويراد به الاطمئنان النوعي فلاحظ. (2) أما إذا كانت الرسالة بخطه، أو جمعها غيره وهو امضاها ولاحظها فللادلة المتقدمة الدالة على حجية اخبار المجتهد عما أدى إليه فكره، لانه لافرق في اخباره عما تعلق به رأيه بين التلفظ والكتابة. وأما إذا لم تكن بخطه، كما إذا كتبها غيره، لانه أمر قد يتفق فيجمع الثقة فتاوى المجتهد ويدونها في موضع، فلاجل أنها من أخبار الثقة الذي قدمنا حجيته. (3) لبطلان تقليده، سواء استند فيه إلى معذر شرعى أم لم يستند. ودعوى: أن المورد على التقدير الاول من كبرى مسألة اجزاء الاحكام الظاهرية إذا انكشفت عدم مطابقتها للواقع. مندفعة: بما قدمناه في الكلام على تلك المسألة من عدم كون الحكم الظاهرى

[ 317 ]

[ المقلد (1) وكذا إذا قلد غير الاعلم وجب على الاحوط (2) العدول إلى الاعلم، وإذا قلد الاعلم ثم صار بعد ذلك غيره اعلم وجب العدول إلى الثاني على الاحوط. ] مجزء عن الواقع، إذا لا أثر يترتب على تقليده السابق في كلتا الصورتين، وإن كان تقليده في الصورة الاولى محكوما بالصحة ظاهرا. ولعل تعبير الماتن بالعدول ايضا ناظر إلى ذلك. نعم التقليد في الصورة الثانية باطل واقعا وظاهرا فهو من التقليد الابتدائي دون العدول، وكذلك الحال في الفرعين المذكورين بعد ذلك فلاحظ. (1) كما مر في المسألة السادسة عشرة والخامسة والعشرين، ويوافيك تفصيله في المسألة الاربعين ان شاء الله. (2) بل على الاظهر كما قدمناه في التكلم على وجوب تقليد الاعلم عند العلم بالمخالفة في الفتوى بينه وبين غير الاعلم، فتقليده من غير الاعلم محكوم بالبطلان، ورجوعه إلى الاعلم تقليد ابتدائى - حقيقة - لا أنه عدول. نعم إذا لم يعلم باعلمية الاعلم أو بالمعارضة في الفتوى بينه وبين غير الاعلم كان تقليده من غيره محكوما بالصحة ظاهرا، ولكنه يجب عليه العدول إلى الاعلم عند العلم بالامرين المتقدمين هذا. ثم إن وجوب تقليد الاعلم وإن كان عند الماتن من باب الاحتياط لعدم جزمه بالوجوب في التكلم على تلك المسألة إلا أنه انما يتم في تقليد الاعلم ابتداء، وأما العدول إلى الاعلم فلا يمكن الحكم فيه بالوجوب من باب الاحتياط، لانه مخالف للاحتياط لمكان القول بحرمة العدول حتى إلى الاعلم، فمقتضى الاحتياط هو الاخذ بأحوط القولين في المسألة.

[ 318 ]

[ (مسألة 38) إن كان الاعلم منحصرا في شخصين، ولم يمكن التعيين فان أمكن الاحتياط بين القولين فهو الاحوط، وإلا كان مخيرا بينهما (1). ] (1) ذكرنا في ذيل التكلم على مسألة وجوب تقليد الاعلم، وفي المسألة الاحدى والعشرين أن الاعلم إذا لم يشخص من بين شخصين أو اشخاص متعددين فان تمكن المكلف من الاحتياط وجب لتنجز الاحكام الواقعية بالعلم الاجمالي بوجود احكام الزامية في الشريعة المقدسة ولا طريق إلى امتثالها غير العمل بفتوى الاعلم وهو مردد بين شخصين أو اشخاص، وحيث أنه متمكن من الاحتياط فلابد أن يحتاط تحصيلا للعلم بالموافقة ودفعا للضرر المحتمل بمعنى العقاب لاستقلال العقل بوجوبه، على ما هو الحال في جميع موارد العلم الاجمالي. ولا أثر - في هذه الصورة - للظن بالاعلمية في أحدهما أو احدهم لانه من موارد العلم الاجمالي واشتباه الحجة باللاحجة وليس الظن مرجحا في اطراف العلم الاجمالي بوجه وانما وظيفة المكلف أن يحتاط حتى يقطع بخروجه عن عهدة ما علم به من التكاليف الالزامية، وأما إذا لم يتمكن من الاحتياط، لان احدهما افتى بوجوب شئ والآخر بحرمته، أو افتى أحدهما بوجوب القصر والآخر بوجوب التمام، ولم يسع الوقت للجمع بينهما فلا مناص من التخيير حينئذ للعلم بوجوب تقليد الاعلم وهو مردد بين المجتهدين من غير ترجيح لاحدهما على الآخر. وأما إذا كان هناك مرجح لاحدهما للظن باعلميته دون الآخر فالمتعين في حقه الاخذ بفتوى من يظن اعلميته. ولا يقاس هذه الصورة بالصورة المتقدمة أعنى صورة التمكن من الاحتياط لانها من موارد العلم الاجمالي ولا اثر للظن فيها كما مر وهذا بخلاف هذه الصورة،

[ 319 ]

[ (مسألة 39) إذا شك في موت المجتهد، أو في تبدل رأيه، أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده، يجوز له البقاء (1) إلى أن يتبين الحال (2). (مسألة 40) إذا علم أنه كان في عباداته بلا تقليد مدة من الزمان ولم يعلم مقداره (3) فان علم بكيفيتها وموافقتها للواقع، أو لفتوى المجتهد الذي يكون مكلفا بالرجوع إليه فهو. ] لان المكلف لا يتمكن فيها من الاحتياط فلا يمكن أن يؤمر به، وانما يجب عليه العمل باحداهما، بمعنى أن وظيفته هو الامتثال الاحتمالى وقتئذ فإذا ظن باعلمية احدهما دار امره بين الامتثال الظنى والاحتمالي ولا شبهة في أن الامتثال الظنى مقدم على الاحتمالى. وبهذا ظهر أن ما افاده الماتن من التخيير عند عدم التمكن من الاحتياط إنما يتم إذا لم يظن اعلمية احدهما، وأما معه فلا مجال للتخيير بل المتعين هو الاخذ بفتوى من يظن اعلميته. (1) للاستصحاب. (2) ولا يجب عليه التبين لعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية. العلم باتيان العبادات من غير تقليد والشك في مقدارها (3) أو اتى باعماله عن التقليد غير الصحيح وجرى عليه برهة من الزمان فهل تجب إعادة أعماله السابقة أولا؟ للمسألة صور: " الاولى ": ما إذا انكشفت مخالفة ما اتى به للواقع. " الثانية ": ما إذا انكشفت مطابقة ما اتى به للواقع. " الثالثة ": مالو لم ينكشف له الخلاف ولا الوفاق.

[ 320 ]

(أما الصورة الاولى): فحاصل الكلام فيها أن المدار في الحكم بصحة العمل وفساده انما هو مطابقته للواقع ومخالفته له، والطريق إلى استكشاف ذلك انما هو فتوى المجتهد الذي يجب عليه تقليده عند الالتفات دون المجتهد الذي كان يجب تقليده في زمان العمل لسقوط فتاواه عن الحجية بالموت أو بغيره من الاسباب، فمع مطابقة عمله لما افتى به المجتهد الفعلى عند الالتفات يحكم بصحته، كما إنه يحكم ببطلانه إذا خالفه وهذا لعله مما لا كلام فيه. وإنما الكلام في أن الاعادة هل يختص وجوبها بما إذا كان عمل المكلف فاقدا للاركان فحسب، ولا تجب إذا كان فاقدا لغيرها من الامور المعتبرة في المأمور به، كما كان هذا هو الحال فيما إذا اتى باعماله عن التقليد الصحيح ثم انكشفت مخالفته للواقع كما في موارد العدول وتبدل الرأى، أو أن الاعمال السابقة تجب اعادتها مطلقا سواء استند قصورها إلى فقدها لاركانها أو إلى فقدها لغيرها من الامور المعتبرة في المأمور به؟ لا شبهة في أن عمل العامي في محل الكلام إذا كان مخالفا للواقع لفقده شيئا من الاركان المقومة للمأمور به ليس له أن يجتزء به في مقام الامتثال لانه محكوم بالفساد والبطلان وتجب عليه اعادته أو قضائه، لانه لم يأت بما هو الواجب في حقه وإن كان عمله مطابقا لفتوى المجتهد الذي كان يجب تقليده في زمان العمل، لما أشرنا إليه من أن المدار في استكشاف مطابقة العمل أو مخالفته للواقع مطابقة العمل المأتى به لفتوى المجتهد الذي يجب أن يقلده بالفعل، لسقوط فتوى المجتهد السابق عن الحجية على الفرض. فإذا أفتى بأن الواجب - على من أحدث بالاكبر وتيمم لعدم تمكنه من الاغتسال، ثم أحدث بالاصغر - هو الوضوء دون التيمم والمفروض أن المكلف تيمم لصلاته كشف ذلك عن أن عمله كان مخالفا للواقع لفقده الطهور الذي هو

[ 321 ]

ركن الصلاة فوجوب الاعادة أو القضاء في هذه الصورة مما لا ينبغى التوقف فيه، حتى على القول بعدم وجوب الاعادة في موارد تبدل الاجتهاد والعدول لما ادعى من الاجماع والسيرة فيهما على عدم وجوبهما. وذلك لانا لو سلمناهما والتزمنا في تلك الموارد بالاجزاء فهو امر قلنا به على خلاف القاعدة، لانها يقتضى وجوب الاعادة وعدم الاجتزاء بما اتى به، ومعه لابد من الاقتصار فيهما على موردهما، وهو ما لو صدر العمل عن الاستناد إلى فتوى من يعتبر قوله في حقه، أو على الاقل صدر عن العلم بفتواه بأن كانت وصلت الحجة إليه. وأما من لم يستند في عمله إلى حجة شرعية ولا أن فتوى المجتهد السائغ تقليده وصلت بيده فلا تشمله السيرة ولا الاجماع بوجه. وأما إذا كان عمل العامي مخالفا للواقع لفقده شيئا من الاجزاء والشرائط غير الركنيين، كما إذا اتى بالتسبيحات الاربع مرة واحدة، أو صلى من دون سورة وقد افتى المجتهد الفعلى بوجوب التسبيحات ثلاث مرات أو بوجوب السورة في الصلاة فالصحيح عدم وجوب الاعادة والقضاء إذا لم يكن ملتفتا حال عمله ومترددا في صحته حين اشتغاله به، وذلك لحديث لا تعاد، لانه يشمل الناسي والجاهل القاصر والمقصر كليهما. والذي يمكن أن يكون مانعا عن شموله للجاهل المقصر أمران قد قدمنا الكلام فيهما عند التكلم على الاجزاء (* 1) والمسألة السادسة عشرة إلا أن الاعادة لما لم تكن خالية عن الفائدة تكلمنا عليهما ايضا في المقام، والامران: " أحدهما ": الاجماع المدعى على أن الجاهل المقصر كالعامد. نظرا إلى أن ذلك غير مختص بالعقاب وكون الحكم متنجزا في حق المقصر وعدم معذرية جهله بل يعمه والبطلان كليهما ومقتضاه الحكم ببطلان عمل الجاهل المقصر كالمتعمد كما


(* 1) في ص 43.

[ 322 ]

يحكم باستحقاقه العقاب ويشهد لذلك أن الجاهل المقصر لو لم يكن كالمتعمد لم تكن حاجة إلى اشتثنائه في الموضعين، وهما ما لو أجهر في موضع الاخفات، أو أخفت في موضع الجهر. وما لو اتم في موضع القصر. حيث حكموا بصحة عمله في الموضعين مدعيا الاجماع على صحته. وذلك لانه لو كان عمله محكوما بالصحة في نفسه لم تكن حاجة إلى التشبث بالاجماع على صحته في الموردين. ويمكن المناقشة في هذا الوجه بان القدر المتيقن من الاجماع المدعى أن الجاهل المقصر كالمتعمد من حيث استحقاقه العقاب وهو أمر وافق للقاعدة، نلتزم به وإن لم يكن هناك اجماع بوجه، وذلك لاستقلال العقل به فان الحكم قدتنجزت عليه بالعلم الاجمالي على الفرض، فإذا لم يخرج عن عهدته استحق العقاب على مخالفته. وأما الاجماع على بطلان عمله وأنه كالمتعمد في مخالفة الواقع فلم يثبت بوجه فان الاجماع المدعى ليس باجماع تعبدي ليتمسك باطلاق معقده، وانما يستند إلى حكم العقل أو ما يستفاد من ادلة الشرعية من أن الجاهل المقصر يعاقب بمخالفته للواقع وهما انما يقتضيان كونه كالمتعمد من حيث العقاب لا البطلان، فان المدار في الصحة والفساد كما تقدم موافقة العمل أو مخالفته للواقع. فإذا فرضنا أن عمله مطابق للواقع إلا من ناحية بعض الاجزاء والشرائط غير الركنيتين، والاخلال به لم يكن موجبا للاعادة والبطلان لم يكن وجه لوجوب الاعادة أو القضاء عليه. على أن فقهائنا " قدهم " لم يلتزموا بذلك ولم يجروا احكام المتعمد على الجاهل المقصر في جملة من الموارد: " منها ": مالو اعتقد زوجية امرأة فوطئها، فان المتولد من ذلك الوطئ يلحق بابيه، مع أنه - على ذلك - زنا في الواقع والمتولد منه ولد زنا. إلا أنهم لا يلتزمون باجراء احكام الزنا عليه، ولا يرتبون على الولد أحكام المتولد من الزنا.

[ 323 ]

و " منها ": مالو عقد على إمرأة ذات بعل أو معتدة معتقدا عدم كونها كذلك فانهم لم يحكموا بحرمتها عليه، مع انه على ذلك من العقد على المعتدة أو ذات بعل متعمدا. و " منها ": مالو أفطر في نهار شهر رمضان عن جهل تقصيري، فانا لانلتزم فيه بالكفارة، مع أن الجاهل المقصر لو كان كالمتعمد وجبت عليه الكفارة لا محالة. فمن هذا يستكشف عدم تحقق الاجماع على بطلان عمل الجاهل المقصر بوجه. و " ثانيهما ": أن الظاهر المستفاد من قوله - ع - لا تعاد الصلاة.. (* 1) أن المكلف الذي تترقب منه الاعادة وهو قابل في نفسه ومورد لايجابها لا تجب عليه الاعادة تفضلا - من الشارع - فيما إذا كان عمله فاقدا لغير الخمسة المذكورة في الحديث فان المكلف الذي تترقب منه الاعادة بمعنى أن من شأنه أن تجب في حقه هو الذي ينفي عنه وجوبها ولا يكلف بالاتيان بنفس المأمور به. وأما من لا تترقب منه الاعادة ولا أن من شأنه أن يكلف بها، لانه مكلف باتيان الواقع نفسه فلا معنى للامر عليه بالاعادة أو ينفى عنه وجوبها بالحديث. لانه مأمور بالاتيان بنفس الواجب الواقعي وهذا بخلاف مالو لم يكن مكلفا بالواقع والاتيان بنفس المأمور به. ولا يتحقق هذا في غير الناسي بوجه، لانه لنسيانه وعدم قدرته على الاتيان بالواجب نفسه قابل للامر بالاعادة ومعه يصح أن ينفى عنه وجوبها عند التفاته إلى عمله فيصح أن يقال أيها الناسي للسورة في صلاتك أعدها أو لا تعدها تفضلا. وأما الجاهل فهو مكلف بالواجب نفسه فان الاحكام الواقعية غير مختصة بالعالمين بها، وغاية الامر أن الجهل معذر من حيث العقاب إذا كان مستندا إلى القصور، ومع أنه مكلف بالواقع وهو ايضا متمكن من الاتيان به لا معنى للامر باعادته ومع عدم قابلية المورد للامر بالاعادة لا يمكن أن ينفى عنه وجوبها بالحديث

[ 324 ]

فانه حينئذ من توضيح الواضح لانه غير مكلف بالاعادة في نفسه فما معنى نفى وجوبها عنه بالحديث. إذا الحديث غير شامل للجاهل باقسامه. وهذا الوجه هو الذي ذكره شيخنا الاستاد " قده " واصر عليه. إلا أنه كالوجه السابق مما لا يمكن المساعدة عليه وذلك: إما " أولا ": فلانه لو تم فانما يختص بالجاهل الملتفت الذي يتردد في صحة عمله وبطلانه، لانه متمكن من الاتيان بالواجب الواقعي ولو بالاحتياط. وأما الجاهل المعتقد صحة عمله من جهة التقليد أو غيره فهو والناسى سواء لعدم قابليته للتكليف بالواجب نفسه لعدم قدرته على الاتيان به ولو بالاحتياط، فانه يعتقد صحته، ومن الظاهر أن التمكن من الامتثال شرط لازم لكل تكليف وخطاب، فإذا لم يكن المكلف مأمورا بالواقع فلا مانع من الامر بالاعادة في حقه كما مر فإذا صح تكليفه بالاعادة صح أن ينفى عنه وجوبها بالحديث. و " أما ثانيا ": فلان الجاهل إذا صلى من دون سوره حتى دخل في الركوع واحتمل أن تكون السورة واجبة في الصلاة فهل يكلف باتيان الواقع نفسه مع عدم امكان تداركه لتجاوزه عن محله؟! لا ينبغى الشبهة في عدم كونه مكلفا بنفس المأمور به لعدم امكان تداركه ومعه يدور الامر بين الحكم بوجوب المضى في صلاته والحكم بوجوب الاعادة عليه، إذا وجوب الاعادة لا ينحصر بالناسى والجاهل المعتقد صحة عمله بل يجرى في حق الجاهل الملتفت ايضا إذا تجاوز عن محل الواجب المقرر له ولم يتمكن من تداركه، ومع امكان ايجاب الاعادة في حقه لا مانع من أن تنفى عنه وجوب الاعادة بالحديث. نعم الجاهل الملتفت الذي يشك في صحة عمله حال اشتغاله به من دون أن يتجاوز عن محله يكلف بالاتيان بنفس الواجب لقدرته عليه، ومعه لا معنى لايجاب الاعادة في حقه أو ينفى عنه وجوبها بالحديث. وهذا هو معنى قولنا فيما تقدم من

[ 325 ]

أن الحديث انما يشمل الموارد التي لولا فيها انكشاف الخلاف لم تجب الاعادة على المكلف، وذلك كما في الموارد التي اتى فيها الجاهل بالعمل معتقدا صحته، لا الموارد التي تجب فيها الاعادة وان لم ينكشف الخلاف لاستناد وجوبها إلى امر آخر كما في الموارد التي اتى فيها الجاهل بالعمل مترددا في صحته من الابتداء، فانه حينئذ مكلف بالاتيان بالواجب على نحو يقطع بالامتثال فمع الشك في حصوله لابد له من الاعادة وان لم ينكشف له الخلاف فان الاشتغال اليقيني يستدعى البرائة اليقينية. والمتحصل إلى هنا أنه لا مانع من الحكم بصحة عمل الجاهل من غير تقليد صحيح أو من غير تقليد بوجه إذا كان مخالفا للواقع من جهة غير الاركان من الامور المعتبرة في المأمور به لحديث لا تعاد، فانه كما يشمل الناسي يشمل الجاهل القاصر والمقصر كليهما، اللهم إلا أن يكون مترددا في صحة عمله مع التمكن من التدارك. هذا كله فيما يقتضيه الحديث في نفسه. واما بالنظر إلى القرينة الخارجية فلا مناص من أن نلتزم بعدم شمول الحديث للجاهل المقصر. بيان ذلك أن الاجزاء والشرايط على الغالب انما يستفاد جزئيتها أو شرطيتها من الاوامر الواردة بالاعادة عند الاخلال بها، كما دل على أنه إذا تقهقه أو تكلم في صلاته اعادها. وقد مر غير مرة أن الامر بالاعادة في تلك الموارد حسب المتفاهم العرفي من مثله امر ارشادى إلى بطلان العمل لفقده جزءا أو شرطا مما اعتبر في المأمور به، وإن شئت قلت انه أمر ارشادي إلى جزئية شيئ أو شرطيته أو مانعيته، وليس امرا مولويا بوجه. فإذا كان الامر كذلك واخرجنا الناسي وكلا من الجاهل القاصر والمقصر عن تلك الادلة الآمرة بالاعادة الدالة على الجزئية أو الشرطية أو المانعية لم يندرج تحتها غير العالم المتعمد في ترك الاجزاء والشرائط أو الاتيان بالموانع، ومعنى ذلك أن لزوم الاعادة والجزئية والشرطية خاصان بالعالم، والعمل الفاقد لشئ مما اعتبر

[ 326 ]

فيه من الاجزاء والشرائط انما يحكم بفساده فيما لو صدر من العالم المتعمد دون الناسي والجاهل بكلا قسميه المتقدمين فان عملهم صحيح من غير حاجة إلى الاعادة. ومن البين أن تخصيص أدلة الشرطية والجزئية والمانعية أعنى ما دل على الاعادة عند الاخلال بشئ مما اعتبر في المأمور به بالعالم المتعمد حمل للمطلق على المورد النادر، إذ الاخلال بالمأمور به على الاغلب يستند إلى الجهل القصورى أو التقصيرى أو يستند إلى النسيان، وأما الاخلال متعمدا فهو امر نادر بل لعله مما لا تحقق له في الخارج، وذلك فان المسلم ليس له أي غرض في الاتيان بالعمل فاقدا لبعض اجزائه وشرائطه عن عمد والتفات. نعم يمكن أن يعصى ولا يأتي بواجباته أصلا وأما أنه يأتي بواجبه متعمدا في ابطاله ونقصه فهو امر لاتحقق له اولو كان فهو من الندرة بمكان. ولا ينبغى الشك في أن حمل المطلق على المورد النادر كذلك الغاء له كلية، وحيث إن الحديث لا يحتمل شموله للجاهل المقصر دون الناسي والجاهل القاصر، فلا مناص من أن يلتزم باختصاصه بالناسى والجاهل القاصر وعدم شموله للجاهل المقصر حتى لا يلزم حمل المطلق على المورد النادر. فبهذه القرينة لابد من أن نلتزم في المقام بوجوب الاعادة والقضاء، فان الكلام انما هو في الجاهل المقصر لتركه التقليد أو تقليده على غير الموازين المقررة شرعا ثم إن بما سردناه في المقام اتضح أن العامد ايضا غير مشمول للحديث وهذا لا لانه لو شمل التارك عن عمد والتفات لم يكن للجزئية أو الشرطية معنى صحيح، لما فرضناه من عدم بطلان العمل بترك شى من الامور المعتبرة فيه مع العمد والالتفات. فان هذا يمكن الجواز عنه بأن المكلف لما أتى بالعمل فاقدا للجزء أو الشرط غير الركنيين فقد استوفى جملة من المصلحة الداعية إلى الامر به وان كان فاتته المصلحة الباقية في المأمور به من دون أن يتمكن من تداركها وبهذا المقدار من

[ 327 ]

المصلحة يحكم بصحة عمله وإن كان يستحق العقاب لتفويته الواجب المشتمل على المصلحة التامة من دون أن يتمكن من تداركها. بل لما مر من أن ظاهر الحديث أن وجوب الاعادة المستند إلى انكشاف الخلاف هو المرتفع عن المكلفين لا وجوب الاعادة المستند إلى أمر آخر، ومعنى ذلك اختصاص الحديث بما إذا كان المكلف بانيا على صحة ما اتى به ومعتقدا عدم فساده فلا يشمل ما إذا كان مترددا في صحته حين اشتغاله فضلا عما إذا كان عالما ببطلانه من الابتداء لتعمده في ترك جزئه أو شرطه فهو حين ما يأتي بالعمل مكلف بالاتيان بنفس المأمور به لا باعادته كما تقدم، إذا لا مجال لتوهم شمول الحديث للاخلال العمدي بوجه هذا كله في هذه الصورة. و (أما الصورة الثانية): وهي ما إذا انكشفت مطابقة عمله للواقع لتوافق فتوى المجتهد الذي يجب ان يقلده - بالفعل - لما أتى به من دون تقليده من احد أو عن التقليد غير الصحيح فلا مناص من الحكم بصحته، لانه اتى بالواجب الواقعي من دون نقص وتمشى منه قصد القربة على الفرض، وقد مر أن العبادة لا يعتبر في صحتها سوى الاتيان بالعمل مضافا به إلى الله فالعمل في هذه الصورة لا تجب اعادته ولا قضائه. و (أما الصورة الثالثة): وهي ما إذا لم ينكشف له الحال وتردد في أن أعماله هل كانت مطابقة للواقع حتى لا تجب اعادتها أو كانت مخالفة له حتى تجب اعادتها أو قضائها؟ فهل تجرى قاعدة الفراغ بالاضافة إلى أعماله المتقدمة ليحكم بصحتها أولا؟ ذكرنا عند التكلم على قاعدة الفراغ أن جملة من الروايات الواردة في القاعدة وان كانت مطلقة كقوله - ع - في موثقة محمد بن مسلم عن ابي جعفر - ع - كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (* 1) وقوله فيما رواه عن الصادق - ع -


(* 1) المروية في ب 23 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من الوسائل.

[ 328 ]

كلما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكرا فامضه ولا اعادة عليك فيه (* 1) لعدم تقييدهما بما إذا التفت المكلف إلى الامور المعتبرة في عمله حال الاشتغال به وإن كان يشك في صحته بعد العمل فانه امر غالب الاتفاق، إذ العامل يأتي بالعمل وهو ملتفت إلى الامور المعتبرة فيه من الاجزاء والشرائط إلا أنه إذا مضت عليه برهة من الزمان انسى كيفية عمله ولم يتذكر أنه كيف أتى به بل قد ينسى الانسان في اليوم ما اكله في اليوم السابق عليه، مع الجزم بالتفاته إليه حين اشتغاله باكله. إلا أن في روايتين من رواياتها اعتبرت الالتفات والاذكرية حال العمل في جريان القاعدة: " إحداهما ": حسنة بكير بن أعين قال: قلت: له الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك (* 2). و " ثانيتهما ": رواية محمد بن مسلم عن ابي عبد الله - ع - انه قال: إذا شك الرجل بعد ما صلى فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا، وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم لم يعد الصلاد، وكان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك (* 3) ورواها الحلى في آخر السرائر عن كتاب محمد بن علي ابن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن ابي عمير عن محمد بن مسلم. وهاتان الروايتان تدلان على أن قاعدة الفراغ يعتبر في جريانها الاذكرية والالتفات إلى الامور المعتبرة في العمل حين الاشتغال به ليكون احتمال المطابقة للواقع على القاعدة وموافقا للطبع والعادة، فلا تجرى في موارد احتمال الصحة من باب المصادفة الاتفاقية وال‍ " يا نصيب " أو " الحظ والبخت ". وعلى ذلك لا يمكن التمسك بالقاعدة في المقام وذلك لفرض غفلة المكلف


(* 1) و (2) المرويتان في ب 42 من ابواب الوضوء من الوسائل. (* 3) المروية في ب 27 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة من الوسائل.

[ 329 ]

عن الامور المعتبرة في الواجب لانه اتى به من دون تقليد من أحد أو عن التقليد غير الصحيح، واحتمال صحة عمله انما هو من باب الصدفة والاتفاق لامن جهة كون الصحة مطابقة للطبع والعادة. وأما ما عن شيخنا الاستاذ " قده " من أن الاذكرية المستفادة من قوله - ع - هو حين يتوضاء أذكر منه حين يشك. انما ذكرت حكمة للتشريع لاعلة للحكم بالمضي فقد اجبنا عنه في محله بانه خلاف ظاهر الروايتين. ولا يمكن استفادته منهما لدى العرف لظهورهما في التعليل، ولاجل ذلك بينا هناك أن القاعدة ليست تعبدية محضة، وانما هي من جهة الا مارية وما تقتضيه العادة والطبع فان المتذكر والملتفت إلى ما يعتبر في عمله يأتي به صحيحا مطابقا لما يتذكره - عادة -. وعلى الجملة ان القاعدة تعتبر فيها الاذكرية وهي مفقودة في المقام، فإذا لم تجر القاعدة في محل الكلام فلا مناص من أن يرجع إلى الاصول العملية فنقول: أما بحسب الاعادة فمقتضى قاعدة الاشتغال هو الوجوب لتنجز التكليف في حقه بالعلم الاجمالي أو الاحتمال وهو يقتضى الخروج عن عهدة امتثاله لا محالة، وحيث أنه لم يحرز فراغ ذمته فمقتضى علمه بالاشتغال وجوب الاعادة حتى يقطع بالفراغ. وأما بحسب القضاء فمقتضى ما ذكرناه في محله من أن القضاء بامر جديد وأن موضوعه الفوت الذي هو من الامور الوجودية دون العدمية المحضة وإن كان ينتزع من عدم الاتيان بالمأمور به في وقته ويعبر عنه بالذهاب عن الكيس عدم وجوبه في المقام، لعدم احراز موضوعه الذي هو الفوت، فانه من المحتمل أن يكون أعماله مطابقة للواقع ولو من باب الصدفة والاتفاق. وأما بناء على أن القضاء بالامر الاول وأن الاتيان بالعمل في وقته من باب تعدد المطلوب، وأن اتيانه في الوقت مطلوب والاتيان باصله مطلوب آخر، أو

[ 330 ]

[ وإلا فيقضى المقدار الذي يعلم معه بالبراءة على الاحوط، وإن كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالقدر المتيقن (1). ] بناء على أن الفوت امر عدمي وهو نفس عدم الاتيان بالمأمور به في وقته فلا مناص من الالتزام بوجوب القضاء وذلك أما بناء على أن الفوت امر عدمي فلوضوح أن استصحاب عدم الاتيان بالمأمور به في وقته يقتضى وجوب القضاء، إذ به يثبت أن المكلف لم يأت بالمأمور به في وقته. وأما بناء على أن القضاء بالامر الاول فلان المأمور به حينئذ ليس من الموقتات وإنما هو موسع طيلة الحياة، وإن كان الاتيان به في الوقت مطلوبا ايضا على الفرض ومع الشك في الاتيان بالمأمور به وعدمه مقتضى قاعدة الاشتغال وجوب الاعادة حتى يقطع بالفراغ، فما ذكرناه من عدم وجوب القضاء يتوقف على أن يكون القضاء بالامر الجديد، ويكون موضوعه الذي هو الفوت امرا لازما لعدم الاتيان بالمأمور به لا امرا عدميا كما مر. دوران الفائت بين الاقل والاكثر: (1) إذا علم المكلف أن أعماله التي اتى بها من دون تقليد أو عن التقليد غير الصحيح مخالفة للواقع حسب فتوى المجتهد الذي يجب أن يقلده - بالفعل - ووجبت عليه اعادتها أو قضائها حتى إذا كانت المخالفة في غير الاركان لما تقدم من أن حديث لا تعاد غير شامل للجاهل المقصر وان اعتقد صحة عمله، فان علم بالمقدار الذي تجب اعادته أو قضائه فهو وأما إذا شك في مقداره وترددت الفائتة واعماله المحكومة بالبطلان بين الاقل والاكثر فهل يجوز أن يقتصر في قضائها بالمقدار المتيقن ويدع قضاء ما يشك في فوته وبطلانه أو لابد من أن يأتي بمقدار يظن معه بالبرائة أو بمقدار يتيقن معه بالفراغ؟ فيه وجوه واقوال ذهب إلى كل فريق.

[ 331 ]

والظاهر أن محل الكلام في كل مورد تردد فيه امر الواجب بين الاقل والاكثر هو ما إذا علم بتنجز التكليف على المكلف في زمان وتردد بين الاقل والاكثر لا ما إذا شك في اصل ثبوته، كما إذا علم أنه لم يصل من حين بلوغه إلى اليوم، ولم يدر أنه مضى من بلوغه شهر واحد ليجب عليه قضاء صلوات شهر واحد أو أنه مضى شهران ليجب قضاء صلوات شهرين، فان الشك في مثله انما يرجع إلى اصل توجه التكليف بالزائد على قضاء صلوات شهر واحد، ومثله ما لو نام - مدة - فاتته فيها صلوات ثم انتبه ولم يدر مقدارها. والوجه في خروج امثال ذلك مما هو محل الكلام مع أن الواجب فيها مردد بين الاقل والاكثر هو أن الظاهر أن عدم وجوب القضاء زائدا عن المقدار المتيقن - في تلك الموارد - مما لا خلاف فيه فان الشك فيه من الشك في التكليف بقضاء الزائد عن المقدار المتيقن وهو مورد للبرائة سواء قلنا إن القضاء بامر جديد أم قلنا انه مستند إلى الامر الاول، وسواء كان موضوعه الفوت أو عدم الاتيان بالمأمور به في وقته. ومع رفع احتمال الزيادة بالبرائة لا يبقى للقول بوجوب القضاء حتى يظن بالفراغ أو يتيقن به مجال. وإذا جرت البرائة عن القدر المتيقن في المثال مع العلم بفوات جملة من الفرائض فيه بالوجدان جرت عن الزائد على القدر المتيقن في المقام - الذى لا علم وجداني لنا بالفوات فيه وانما هو محتمل واقعا بحسب فتوى المجتهد - بطريق اولى. والظاهر أن القائلين بوجوب القضاء حتى يظن أو يقطع بالفراغ ايضا غير قاصدين لتلك الصورة وانما النزاع في المقام فيما إذا كان التكليف متنجزا وذلك كما إذا علم أنه مضت من بلوغه سنة واحدة - مثلا - وانه كان مكلفا فيها بالصلاة ولكنه فاتت عنه جملة من صلواتها وهي مرددة بين الاقل والاكثر. أو علم أنه مدة معينة كان يأتي باعماله من دون تقليد أو عن التقليد غير الصحيح، ولا يدري أن

[ 332 ]

أعماله التي اتي بها وهي مخالفة لفتوى المجتهد الفعلي أي مقدار، للجزم بانه لم يأت بتمام اعماله مطابقا للتقليد غير الصحيح. وهذه الصورة هي محط الكلام، والصحيح أنه يقتصر بقضاء المقدار الذى تيقن فواته وبطلانه وأما الزائد المشكوك فيه فيدفع وجوب القضاء فيه بالبرائة، وذلك لان القضاء بالامر الجديد، وموضوعه الفوت وهو مشكوك التحقق في المقدار الزائد عن القدر المتيقن، والاصل عدم توجه التكليف بالقضاء زائدا على ما على بفوته وتوضيحه: أن المكلف في محل الكلام وان علم بتنجز التكليف عليه سنة واحدة وكان يجب ان يصلي في تلك المدة مع التيمم - مثلا - لامع الوضوء. إلا أنه عالم بسقوط هذا التكليف في كل يوم للقطع بامتثاله أو عصيانه، فسقوط التكليف المنجز معلوم لا محالة وإنما الشك في سببه، وأنه الامتثال أو العصيان لانه جاهل مقصر على الفرض، وحيث أن القضاء بامر جديد، وموضوعه الفوت وهو معلوم التحقق في مقدار معين، والزائد عليه مشكوك، فالشك في وجوب قضائه شك في توجه التكليف الزائد فيدفع بالبرائة. واستصحاب عدم الاتيان بالمأمور به في المدة الزائدة لا يترتب عليه اثبات عنوان الفوت كما مر غير مرة. نعم لو قلنا ان الفوت أمر عدمي وهو عين عدم الاتيان بالمأمور به، أو قلنا ان القضاء بالامر الاول وجب قضاء اعماله بمقدار يتيقن معه بالبرائة وذلك لاستصحاب عدم الاتيان في المقدار الزائد المشكوك فيه، أو لقاعدة الاشتغال. ولكن الصحيح أن الفوت امر وجودي ولا اقل من الشك في ذلك وهو كاف فيما ذكرناه. كما أن القضاء بالامر الجديد هذا كله في الدليل على ما اخترناه من جواز الاقتصار على المقدار المتيقن وعدم وجوب الاتيان بالزائد المشكوك فيه.

[ 333 ]

وأما الوجه في الحكم بلزوم القضاء بمقدار يقطع معه بالفراغ فهو ما نسب إلى المحقق صاحب الحاشية " قده " وحاصله: أن في موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر الاستقلاليين مقتضى القاعدة وان كان هو الاقتصار بالمقدار المتيقن ودفع احتمال الزائد بالبرائة، لان التكليف انحلالي ففى غير المقدار المتيقن يرجع إلى الاصل فلا موجب معه للاحتياط إلا أن ذلك فيما إذا تعلق الشك بثبوت تكليف واقعى زائدا على المقدار المتيقن. وأما إذا شك في وجود تكليف منجز واصل للمكلف زائدا على القدر المتيقن فهو مورد للاحتياط. وذلك لان احتمال التكليف المنجز منجز، لانه مساوق لاحتمال الضرر، ودفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب مما استقل العقل بوجوبه، وهذا كما في غالب الفسقة فترى انه يوما يترك الصلاة ويعلم بفوات فرائضه ووجوب قضائها لا محالة ثم يتركها في اليوم الثاني كذلك فيعلم ايضا انه فوت فرائضه كما يعلم بوجوب قضائها وهكذا في اليوم الثالث، والرابع إلى مدة، ثم بعد ذلك يشك في أن القضاء المتنجز وجوبه عليه في كل يوم - بعلمه والتفاته - هو المقدار الاقل أو الاكثر فانه مورد للاحتياط، لاحتماله زائدا على القدر المتيقن وجود تكليف منجز آخر وقد عرفت أن احتماله مساوق لاحتمال العقاب، ووجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب مما لا شبهة فيه لدى العقل. ولا يقاس ذلك بمثل ما إذا تردد الدين بين الاقل والاكثر، لان الشك في مثله انما هو في اصل توجه التكليف بالمقدار الزائد، لعدم علمه أن ما اخذه من الدائن مرة واحدة خمسة دراهم أو ستة - مثلا - وهذا بخلاف المقام، لاحتمال أن يكون هناك تكليف منجز واصل في وقته، إذا التكليف بقضاء الصلوات المتعددة تدريجي لا محالة، لان موضوعه وهو الفوت اي فوت الصلوات المتعددة من الامور التدريجية فان المكلف يأتي بصلاته في هذا اليوم لاعن التقليد الصحيح اومن دون

[ 334 ]

تقليد فيعلم بفواتها فيكلف بقضاء ما فاتته في ذلك اليوم، ثم إذا اتى اليوم الثاني ايضا يفوت صلاته فيكلف بقضاء ما فاته في ذلك اليوم وهكذا في اليوم الثالث والرابع وبعد برهة مضت كذلك يتردد في أن القضاء المتنجز وجوبه في حقه هو المقدار الاقل أو الاكثر فهو من الشك في وجود تكليف زائد متنجز واصل ومعه يكون المورد موردا للاشتغال فان الاشتغال اليقيني يستدعى البرائة اليقينية فلابد حينئذ من القضاء بمقدار يتيقن معه بالفراغ. ويتوجه عليه: " أولا ": أن ما أفاده لو تم فانما يتم فيما إذا كان التنجز سابقا على زمان الشك والتردد بين الاقل والاكثر كما في المثال لتنجز الامر بقضاء الصلوات الفائتة في الزمان السابق على الشك في أن الفائت هو الاكثر أو الاقل. وأما إذا كان زمان التنجز متحدا مع زمان الشك والتردد كما إذا نام وحينما استيقظ شك في أن نومه هل استمر يوما واحدا ليجب عليه قضاء صلوات يوم واحد، أو أنه طال يومين ليجب عليه قضاء صلوات يومين، فان وجوب القضاء لم تتجز عليه حينئذ إلا في زمان الشك والتردد، ولا يكون الاحتمال معه الا احتمال تكليف واقعى لم يصل إلى المكلف، وليس من احتمال التكليف المتنجز بوجه، إذ لم يتنجز عليه شئ قبل هذا الزمان. ومقامنا ايضا من هذا القبيل، لان مفروضنا أن المكلف اعتقد صحة ما اتى به لا عن تقليد أو عن التقليد غير الصحيح، ولم يعلم أن أعماله مخالفة للواقع ليتنجز عليه قضائها، وإنما علم بالمخالفة بعد صدورها، وفي الوقت نفسه يتنجز عليه وجوب القضاء مرددا بين الاقل والاكثر، ومعه كيف يكون ذلك من احتمال التكليف المنجز، إذ في أي وقت تنجز عليه وجوب القضاء ليكون احتماله في زمان الشك والتردد بين الاقل والاكثر احتمالا للتكليف المنجز، وإنما هو من احتمال وجود تكليف واقعي وهو مندفع بالبرائة، وعلى الجملة لم يتنجز عليه وجوب القضاء شيئا

[ 335 ]

فشيئا وعلى نحو التدريج في كل يوم كما هو الحال في المثال وانما تنجز عند العلم بالمخالفة وهو زمان الشك والتردد في أن ما فاته هو الاقل أو الاكثر فهو حين توجه التكليف مردد بينهما فيدفع احتمال التكليف الزائد بالبرائة فما أفاده " قده " غير منطبق على المقام. " ثانيا ": أن ما افاده لا يرجع إلى محصل، لان التنجز يدور مدار المنجز حدوثا وبقاء فيحدث بحدوثه كما أنه يرتفع بارتفاعه، ومن هنا قلنا بجريان الاصول في موارد قاعدة اليقين، لزوال اليقين بالشك السارى لا محالة، ومع زواله يرتفع التنجز، إذ لا معنى للتنجز من غير منجز، فلا يكون مانع من جريان الاصول في موردها، فإذا علم بنجاسة شئ، ثم شك في مطابقة علمه ومخالفته للواقع جرت فيه قاعدة الطهارة، ولا يعامل معه معاملة النجاسة بوجه، إذ لا منجز لها بقاء، وعلى ذلك فالمكلف فيما مثل به وان كان علم بوجوب قضاء الصلوات في اليوم الاول، ولاجله تنجز عليه وجوب القضاء إلا أنه عند الشك والتردد بين الاقل والاكثر لاعلم له بما فاتته من الصلوات وإذا زال العلم زال التنجز لا محالة. ولا يكفى العلم السابق بحدوثه في التنجز بحسب البقاء، ومن ثمة إذا استدان من زيد متعددا وتردد في أنه الاقل أو الاكثر جرت البرائة عن وجوب رد الاكثر مع العلم بتنجز وجوب رد الدين حين استلامه من الدائن، وإنما تردد بعد وصوله وتنجز الامر بالاداء، ولا وجه له سوى ما قدمناه من أن التنجز يرتفع بارتفاع المنجز الذي هو العلم، فان وجوب دفع ما اخذه انما كان متنجزا مادام عالما بالحال فإذا زال زال التنجز لا محالة، وجرى الاصل بالاضافة إلى المقدار الزائد المشكوك فيه. وعلى الجملة الشك في المقام من الشك في اصل ثبوت التكليف الزائد فتجرى فيه البرائة الشرعية والعقلية، وليس من احتمال التكليف المنجز، فان التنجز إما

[ 336 ]

أن يستند إلى العلم الوجداني أو التعبدى أو إلى العلم الاجمالي أو إلى كون الشبهة قبل الفحص ومع وجود شئ من ذلك يكون الاحتمال من احتمال التكليف المنجز، ومع عدم تحقق شئ منها أو زواله لا معنى للتنجز وكون احتمال التكليف من احتمال التكليف المنجز. بقى الكلام فيما سلكه المشهور في المسألة من وجوب القضاء بمقدار يظن منه بالفراغ. ولم يظهر لنا مستندهم في ذلك بوجه لانا ان الحقنا أمثال المقام بموارد قاعدة الاشتغال على ما قدمنا تقريبه آنفا فاللازم هو الحكم بوجوب القضاء بمقدار يقطع معه بالفراغ ولا مرخص للاكتفاء معه بالظن به، وإن قلنا انها ملحقة بموارد البرائة كما هو الصحيح فلا يجب سوى القضاء بالمقدار المتيقن دون الاكثر ولو ظنا فما سلكه المشهور في المسألة لا وجه موجه له. نعم يمكن أن يوجه كلامهم بان أمثال المقام وإن كانت موردا للبرائة في نفسها إلا أنهم التزموا فيها بالاشتغال نظرا إلى أن اجراء البرائة عن المقدار الزائد في تلك المقامات يستلزم - كثيرا - العلم بالوقوع في مخالفة التكليف الواقعي. وقد صرحوا بذلك في جملة من الموارد، كما إذا شك في استطاعته أو في بلوغ المال حد النصاب، أو شك في ربحه أو في الزيادة على المؤنة. وقالوا انها وان كانت موردا للبرائة في نفسها، إلا أن اجرائها يستلزم العلم بالمخالفة، لان كل من شك في الاستطاعة أو الربح أو في الزيادة على المؤنة أو البلوغ حد النصاب لو اجرى البرائة عن التكاليف المحتملة في تلك الموارد كوجوب الحج أو الخمس أو الزكاة لفاتت التكاليف الواقعية عن جملة من المكلفين بها واقعا. والسر في ذلك أن امتثال التكاليف المذكورة غالبا يتوقف على الفحص فان موضوعاتها مما لا يحصل العلم بها بغيره إذا اجراء البرائة في أمثال ذلك قبل الفحص يستلزم الوقوع في مخالفة الواقع كثيرا. ولعلهم قد الحقوا المقام ايضا

[ 337 ]

بتلك الموارد نظرا إلى أن الرجوع فيه إلى البرائة عن الزائد يستتبع فوات القضاء عن جملة ممن هو مكلف به واقعا ومن هنا التزموا بالاشتغال في امثال المقام وإن كانت في نفسها موردا للبرائة كما ذكرناه. ثم إن مقتضى ذلك وان كان هو القضاء بمقدار يتيقن معه بالفراغ إلا أن ايجابه يستلزم العسر والحرج، لان احتمال التكليف باب موسع وأمر خفيف المؤنة فلو اوجبنا معه الاحتياط لوجب عندكل محتمل وهو امر عسر، ومن هنا لم يوجبوا الاحتياط بمقدار يوجب اليقين بالفراغ، ولم يرخصوا الاكتفاء بالاحتمال بالرجوع إلى البرائة عن الزائد، لاستلزامه تفويت الواجب عمن هو مكلف به واقعا، واعتبروا الظن بالفراغ لانه اوسط الامور وخير الامور اوسطها! فان هذا هو الحال في كل مورد تعذر فيه الامتثال اليقيني على المكلف، فان العقل يتنزل وقتئذ إلى كفاية الامتثال الاطمئناني ثم الامتثال الظنى بل يكتفى بالامتثال الاحتمالى عند تعذر المراتب المتقدمة عليه ولا يتنزل العقل إلى الامتثال الاحتمالى من الامتثال اليقيني ابتداء على ما ذكروه في التكلم على دليل الانسداد. إذا يلتئم مدرك المشهور من ضم أمر بامر أعنى قاعدة الاشتغال المنضمة إلى قاعدة نفى الحرج. ويرد على ذلك: " أولا ": أن جريان البرائة في تلك الموارد وان كان يستلزم العلم بالوقوع في مخالفة الواقع. إلا أن الكلام في أن هذا العلم يحصل لاى شخص؟ أفيحصل العلم به للعامي المتردد أو يحصل للمفتي باجراء البرائة في تلك المقامات. أما المقلد فلا علم له بالوقوع في مخالفة الواقع عند اجراء البرائة عن وجوب الحج أو الخمس أو الزكاة، وانما يحتمل المخالفة كما يحتمل الموافقة، وأما المفتى بالجواز فهو وإن كان يحصل له العلم بذلك لانه يعلم علما اجماليا أن جملة ممن يتمسك بالبرائة في تلك الموارد يقعون في مخالفة الواقع ويفوتون بها التكاليف المتوجهة

[ 338 ]

إليهم واقعا. إلا أن علم المجتهد - اجمالا - بمخالفة عمل العامي للواقع لا يترتب عليه أي اثر، لانه انما يفتى بلحاظ وظيفة المقلد وما يقتضيه وظيفته في نفسه، وحيث أنه شاك لا علم له بالمخالفة فله أن يتمسك بالبرائة عن التكليف المشكوك فيه. بل لو علم المجتهد علما تفصيليا بوقوع المقلد في مخالفة الواقع بتجويز المجتهد للرجوع إلى البرائة عند الشك في الموضوعات الخارجية ايضا لم يترتب اثر عليه، كما إذا علم أن زيدا مستطيع أو أنه مديون أو يده متنجسة، غير أن المقلد لم يكن عالما بذلك فان له أن يتمسك بالبرائة أو قاعدة الطهارة حتى لو سئلنا المفتى عن وظيفة العامي حينئذ لاجاب بانه يتمكن من الرجوع إلى الاصول العملية، والسر فيه ما بيناه من أن المدار في جواز الرجوع إلى الاصل انما هو شك المكلف في نفسه. " ثانيا ": أنا لو سلمنا أن المقام من موارد الاشتغال دون البرائة لم يكن للاكتفاء بالظن وجه صحيح. ودعوى أن وجوب الاحتياط بالمقدار الموجب لليقين بالفراغ عسر حرجى. مندفعة: بما مر غيره مرة من أن المدار في تلك القاعدة انما هو الحرج الشخصي دون النوعى. والاحتياط أعنى الاتيان بالاكثر قد لا يكون حرجيا على المقلد بوجه، كما إذا دار أمر الفائت بين صلاتين أو ثلاث، فانه لا حرج على المكلف في الاتيان بالمحتمل الاكثر، ومع أنه لا حرج شخصي على المكلف لا وجه للتنزل من الواجب أعنى الامتثال اليقيني إلى الامتثال الظنى أبدا. وإذا فرضنا أن الاحتياط حرجى على المكلف وجب أن يحتاط وياتي بالاكثر إلى أن يكون الزائد حرجيا في حقه لا أنه يتنزل إلى الامتثال الظنى كما افيد. فالصحيح ما ذكرناه من جواز الاقتصار في تلك الموارد بالمقدار الاقل واجراء البرائة عن الاكثر.

[ 339 ]

[ (مسألة 41) إذا علم أن أعماله السابقة كانت مع التقليد، لكن لا يعلم أنها كانت عن تقليد صحيح (1) أم لا بنى على الصحة. ] الشك في أن العمل هل صدر عن تقليد صحيح؟ (1) كما إذا علم أنه قد استند - في أعماله التى اتى بها سابقا - إلى تقليد مجتهد يقينا غير أنه يشك في أن تقليده ذلك صحيح وأنه موافق للموازين المقررة في الشريعة المقدسة أو غير مطابق لها؟ والشك في صحة التقليد السابق وفساده قد يتصور بالاضافة إلى التقليد نفسه وأنه مطابق للموازين أو غير مطابق لها. وقد يتصور بالاضافة إلى أعماله التي اتى بها عن التقليد المشكوك صحته وفساده ولاجله يشك في وجوب اعادتها أو قضائها وعدمه فالكلام يقع من جهتين: " الجهة الاولى ": ما إذا شك المكلف في أن تقليده السابق هل كان مطابق للموازين الشرعية أو لم يكن؟ ان التقليد السابق بما انه عمل قد صدر وتصرم فلا أثر يترتب على صحته وفساده - في نفسه - سوى مشروعية العدول إلى المجتهد الآخر وعدمها - على تقدير حياة المجتهد السابق - أو مشروعية البقاء على تقليده وعدمها - على تقدير موته -. والتحقيق ان الشك من هذه الجهة مما لا أثر له، وذلك لان المجتهد - في مفروض المقام - قد يكون مستجمعا للشرائط المعتبرة في المرجعية لدى الشك إلا أنه يشك في أن استناده إلى فتاواه هل كان موافقا للقواعد الشرعية أو أنه استند في ذلك إلى هوى نفسه أو غيره من الدواعى غير المسوغة للاستناد. وقد لا يكون بل يشك في استجماعه لها وعدمه. أما الصورة الاولى: فالشك فيها في أن الاستناد إلى فتوى ذلك المجتهد هل كان موافقا للموازين ام لم يكن أمر لا أثر له وذلك لان المدار في الحكم بصحة

[ 340 ]

التقليد وجواز العمل على طبقه إنما هو بكون المجتهد ممن يجوز تقليده في نفسه بأن يكون الرجوع إليه موافقا للموازين الشرعية واقعا. وأما أن الاستناد ايضا إلى فتوى ذلك المجتهد لابد أن يكون مطابقا للموازين الشرعية فلم يقم عليه أي دليل. فلو فرضنا أن المكلف استند إلى فتوى مجتهد جامع للشرائط لا لمدرك شرعى يسوقه إليه بل لاتباع هوى نفسه ورغبته التزمنا بصحة عمله وتقليده، مع العلم بأن استناده إلى فتوى المجتهد لم يكن مطابقا للموازين، وذلك لانه من التقليد المطابق للقواعد واقعا، فلو قلنا بحرمة العدول عن تقليد المجتهد الجامع للشرائط، أو قلنا بجواز البقاء على تقليده - إذا مات - مشروطا بتعلم فتاواه أو بالعمل بها حال حياته لم يجز - في المثال - العدول عن تقليد ذلك المجتهد، كما جاز للمكلف البقاء على تقليده، لان الادلة المستدل بها على عدم جواز العدول عن تقليد المجتهد، أو على جواز البقاء على تقليده غير قاصرة الشمول للمقام، لانه تقليد صحيح واقعا، وان لم يكن استناده إلى فتاواه مطابقا للموازين. فالشك - في هذه الصورة - في أن الاستناد مطابق للقواعد أو غير مطابق لها لا يترتب عليه شيئ من الاثرين المتقدمين اعني جواز العدول وعدم جواز البقاء على تقليده، لما عرفت من حرمة العدول وجواز البقاء ولو مع العلم بعدم كون الاستناد مطابقا للموازين فضلا عما إذا شك في ذلك، ففى هذه الصورة لا اثر للشك في كيفية الاستناد وكونه غير مطابق للموازين ككونه مطابقا لها. واما الصورة الثانية: اعني ما إذا شك في صحة تقليده وفساده مع الشك في أن المجتهد الذي قلده مستجمع للشرائط أو غير مستجمع لها لاجل الشك في اجتهاده أو ورعه وعدالته أو غيرهما من الشرائط فلا مناص فيها من الفحص عن استجماعه للشرائط، ولا يجوز فيها البقاء على تقليده حتى فيما إذا قلده على طبق الموازين الشرعية، كما إذا قطع باجتهاده أو شهد عليه عدلان، إلا أنه بعد ذلك شك

[ 341 ]

- شكا ساريا - في اجتهاده واحتمل أن يكون علمه السابق جهلا مركبا، أو ظهر له فسق الشاهدين واقعا. والوجه في وجوب الفحص على المكلف وعدم جواز البقاء له على تقليده هو انه يشك في حجية نظره وفتواه، ولا مسوغ معه للبقاء على تقليده، كما لا مسوغ لتقليده بحسب الحدوث، لعدم الفرق في ذلك بين الحدوث والبقاء. ففى هذه الصورة أيضا لا أثر للشك في صحة التقليد وفساده بالاضافة إلى الاثرين المتقدمين أعنى حرمة العدول وجواز البقاء لما قد عرفت من انه لو كان عالما من صحة تقليده لاستناده إلى علمه الوجداني أو التعبدى لم يجز له البقاء على تقليده، كما لا يجوز تقليده حدوثا فضلا عما إذا شك فيها، كما يجب عليه العدول عن تقليده، فبالاضافة إلى التقليد في نفسه، وجوز العدول والبقاء لا اثر للشك بوجه. " الجهة الثانية ": ما إذا شك في صحة تقليده وفساده بالاضافة إلى أعماله التي اتى بها على طبقه فيشك في وجوب اعادتها أو قضائها، وقد مر غير مرة أن المدار في صحة العمل وفساده انما هو بكونه مطابقا للواقع أو مخالفا له، فإذا احرز المكلف أن اعماله التى اتى بها مطابقة للواقع لانه عمل فيها بالاحتياط، أو اتى بالسورة أو التسبيحات الاربع ثلاثا من باب الرجاء بحيث لم يكن أي نقص في عمله لم تجب عليه اعادته أو قضائه، كما أنه إذا علم بمخالفتها للواقع فيما يرجع إلى الاركان من الطهور والركوع أو غيرهما مما ورد في حديث لا تعاد وجبت اعادتها أو قضائها، لعدم اتيانه بما هو المأمور به على الفرض، ومقتضى حديث لا تعاد وجوب الاعادة إذا اخل بالاركان في صلاته. وأما لو علم بمخالفتها للواقع في غير الاركان من الاجزاء والشرائط المعتبرة في المأمور به، كما إذا اخل بالسورة أو اكتفى بالتسبيحات الاربع مرة واحدة فان كان جهله قصوريا عذريا، كما إذا اعتمد على علمه الوجداني أو التعبدى كالبينة

[ 342 ]

ثم شك - شكا ساريا - في مطابقته للواقع، أو ظهر له فسق البينة فمقتضى حديث لا تعاد عدم وجوب الاعادة لشموله للجاهل القاصر على ما بيناه عند التكلم على حكم الجاهل القاصر والمقصر. وأما إذا كان جاهلا مقصرا، كما لو قلد باشتهاء من نفسه أو لغير ذلك من الدواعى غير المسوغة للتقليد فلا يشمله حديث لا تعاد، وحيث أن اعماله غير مطابقة للواقع فلا مناص من اعادتها أو قضائها، ولعل هذا مما لا كلام فيه. وانما الكلام فيما إذا كانت المخالفة في غير الاركان، إلا انه شك في انه جاهل قاصر أو مقصر للشك في أن استناده إلى فتوى ذلك المجتهد هل كان استنادا صحيحا شرعيا فهو جاهل قاصر ويشمله الحديث ومقتضاه عدم وجوب الاعادة في حقه، أو أنه استناد غير شرعي فهو مقصر والحديث لا يشمله فلابد من الحكم بوجوب الاعادة أو القضاء فهل تجب الاعادة أو القضاء في مفروض الصورة أو لا تجب؟ الصحيح ان يفصل في هذه الصورة بما فصلنا به في الجهة الاولى المتقدمة بان يقال: ان منشاء الشك في المقام إن كان هو الشك في أن استناده كان مطابقا للموازين الشرعية أم لم يكن مع العلم بأن من قلده مستجمع للشرائط المعتبرة في المرجعية بحيث يجوز للمكلف أن يقلد ذلك المجتهد بالفعل حكم بصحة عمله ولم تجب عليه الاعادة ولا القضاء لفرض انه مطابق لفتوى من يجوز تقليده واقعا ولو مع العلم بان استناده إلى فتاواه لم يكن مطابقا للموازين الشرعية. وأما إذا نشاء الشك في صحة تقليده وفساده من الشك في أن من قلده سابقا مستجمع للشرائط أو غير مستجمع لها فلا مناص من الالتزام بوجوب الاعادة أو القضاء في حقه لما مر من أن حديث لا تعاد غير شامل للجاهل المقصر هذا. ويمكن أن يقال: ان حديث لا تعاد وان كان لا يشمل المقصر في نفسه إلا أن ذلك مستند إلى القرينة الخارجية أعنى استلزام شموله له حمل الاخبار الواردة

[ 343 ]

في الاجزاء والشرائط بلسان الامر بالاعادة - عند الاخلال بها - على المورد النادر وهو العالم المتعمد في تركهما، وحيث لا يمكن الالتزام به خصصنا الحديث بالجاهل المقصر. وبما أن المخصص وهو المقصر عنوان وجودي فمع الشك في تحققه وان كانت الشبهة مصداقية، ولايجوز التمسك فيها بالعموم. الا انا ذكرنا في محله أن المخصص المنفصل أو المتصل إذا كان من العناوين الوجودية وشككنا في حصوله وتحققه امكننا احراز عدمه بالاستصحاب، وحيث أن الباقي تحت العموم هو من لم يتصف بذلك العنوان الوجودى كالمقصر والقرشية ونحوهما فنحرز باستصحاب عدم حدوث الاتصاف بالمقصرية والقرشية أن المشكوك فيه من الافراد الباقية تحت العموم وانه مشمول له، ومع ثبوت أن الجاهل غير مقصر بالاستصحاب يشمله حديث لا تعاد وبه نحكم بعدم وجوب الاعادة أو القضاء في مفروض الكلام. بقيت صورة واحدة وهي ما إذا كان هناك مجتهدان أحدهما المعين مستجمع للشرائط المعتبرة في المرجعية دون الآخر، والمكلف بعد ما اتى باعماله شك في أن تقليده كان مطابقا للموازين الشرعية أم لم يكن إى انه قلد من هو مستجمع للشرائط وقابل للتقليد منه، أو أنه قلد الآخر غير المستجمع للشرائط من جهة تقصيره في ذلك واتباعه هوى نفسه؟ وفي هذه الصورة ايضا يحكم بصحة اعماله ولا تجب عليه الاعادة والقضاء لحديث لا تعاد، لما تقدم من أن الخارج عن الحديث انما هو عنوان المقصر وهو عنوان وجودي، ومع الشك في تحققه لامانع من الرجوع إلى استصحاب عدمه،

[ 344 ]

فان به يحرز أن المورد مندرج تحت العموم ومقتضاه عدم وجوب الاعادة أو القضاء هذا. بل لامانع - في هذه الصورة - من الحكم بصحة اعماله السابقة بقاعدة الفراغ وذلك لان صورة العمل غير محفوظة حيث أن ذات العمل وان كانت محرزة إلا انه يشك في كيفيته وانه اتى به عن الاستناد إلى التقليد الصحيح اعني تقليد من يجوز تقليده أو عن الاستناد إلى التقليد غير الصحيح، ومعه يشمله قوله - ع - كلما مضى من صلاتك وطهورك فامضه.. (* 1) وغيرها من الروايات الواردة في القاعدة. نعم إذا كانت صورة العمل محفوظة، كما إذا قلد شخصا معينا ثم شك في أنه كان زيدا الجامع للشرائط أو أنه كان عمرا الفاقد لها لم تجر قاعدة الفراغ في شئ من اعماله، للعلم بانه اتى بها مطابقة لفتوى شخص معين، إلا أنه يحتمل صحتها ومطابقتها للواقع من باب الصدفة والاتفاق، لاحتمال أن يكون من قلده زيدا المستجمع للشرائط. وعليه إذا كان شكه هذا في الوقت وجبت عليه الاعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال. هذا ما تقتضيه القاعدة في نفسها الا أن مقتضى حديث لا تعاد عدم وجوب الاعادة في هذه الصورة ايضا. وإذا شك في صحتها وفسادها خارج الوقت لم تجب عليه القضاء، لانه كما مر بامر جديد، وموضوعه فوت الفريضة في وقتها، ولم يحرز هذا في المقام، ولو من جهة احتمال المطابقة صدفة ومن باب الاتفاق، ومع الشك يرجع إلى البرائة عن وجوبه. ومما ذكرناه في المقام يظهر الحال في المسألة الخامسة والاربعين فلاحظ.


(* 1) المروية في ب 42 من ابواب الوضوء من الوسائل.

[ 345 ]

[ (مسألة 42) إذا قلد مجتهدا، ثم شك في أنه جامع للشرائط، أم لا، وجب عليه الفحص (1). ] الشك في أن المجتهد جامع للشرائط أولا؟ (1) قد يحرز المكلف أن من قلده جامع للشرائط المعتبرة في المرجعية لعلمه بذلك أو لقيام البينة عليه إلا أنه بعد ما قلده في اعماله يشك في استجماعه للشرائط بقاء لاحتمال زوال عدالته أو اجتهاده أو غيرهما من الشرائط. وقد يحرز استجماعه للشرائط حدوثا إلا أنه يقطع بارتفاعها وعدم استجماعه لها بقاء، لزوال عدالته أو اجتهاده أو غيرهما من الامور المعتبرة في المقلد. وثالثة يحرز المكلف أن من قلده واجد للشرائط حدوثا غير انه يشك بعد تقليده في أنه هل كان واجدا لها من الابتداء أو لم يكن، لاحتمال خطائه في العلم بعدالته أو لانكشاف فسق البينة التي قامت على عدالته - مثلا - ولاجل ذلك يشك في أنه هل كان واجدا لها من الابتداء أم لم يكن؟ وهذه صور ثلاث: (أما الصورة الاولى): فلا ينبغى التأمل في جواز البقاء على تقليد من قلده من الابتداء لاستصحاب بقائه على الشرائط المعتبرة وعدم طرو ما يوجب زوالها عنه فيبقى على تقليده إلى أن يعلم بارتفاعها وزوالها. (أما الصورة الثانية): فهل يسوغ للمكلف البقاء على تقليد من قلده من الابتداء في المسائل التي عمل بها حال استجماعه للشرائط المعتبرة أو المسائل التي تعلمها حينئذاك أو لا يجوز؟ مقتضى القاعدة هو الجواز وذلك لما ذكرناه في مسألة جواز البقاء على تقليد الميت من أن المعتبر أن يكون المجتهد المقلد - حال الاخذ منه - ممن تنطبق عليه العناوين الواردة في لسان الدليل، فإذا كان واجدا للشرائط عند الاخذ منه صدق أن الفقيه انذره، كما يصح أن يقال: انه سأله عن العالم وهكذا، وافتقادها بعد

[ 346 ]

الاخذ منه غير مضر، ومن هنا قلنا بجواز البقاء على تقليد الميت فيما عمل به أو تعلمه من المسائل قبل موته، فإذا بنينا على أن الاخذ من المجتهد حال استجماعه الشرائط يكفى في جواز البقاء على تقليده إذا مات، ولا يضره افتقادها بعد الاخذ والتعلم كان البقاء على تقليد المجتهد في المسائل التي عمل بها أو تعلمها حال استجماعه الشرائط المعتبرة موافقا للقاعدة مطلقا وان افتقد شيئا منها أو كلها بعد ذلك. إذا فلا فرق بين المقام وبين البقاء على تقليد الميت بوجه فكما جوزنا البقاء على تقليد المجتهد إذا مات، وبينا انه مقتضى الادلة المتقدمة من السيرة والاية والروايات. بل قلنا ان البقاء قد يكون محكوما بالوجوب فكذلك لابد من أن نلتزم به في المقام ونحكم بجواز البقاء على تقليد الميت إذا افتقد شيئا من الشرائط المعتبرة غير الحياة كالاجتهاد والعدالة وغيرهما لانه أيضا في الحقيقة من الموت غير أن ذلك موت معنوى وذاك موت ظاهري. وعلى الجملة أن الفتوى كالرواية والبينة فكما أن الراوى أو الشاهد إذا زالت عدالته أو وثاقته بل واسلامه لم يضر ذلك بحجية رواياته أو شهاداته الصادرة عنه حال استجماعه للشرائط، كيف وقد ورد في بنى فضال: خذوا ما رووا وذروا ما رءوا (* 1) كذلك الحال في المجتهد إذا افتقد شيئا من الشرائط بعد ما اخذ عنه الفتوى حين وجدانه لها لم يضر ذلك بحجية فتاواه ابدا. هذا ما تقتضيه القاعدة في المقام. إلا أنه لا يسعنا الالتزام به وذلك لوجود الفارق بين مسألة البقاء على تقليد الميت ومسألة البقاء على تقليد المجتهد الحى إذا افتقد شيئا من الشرائط المعتبرة في المرجعية وهو ما استكشفناه من مذاق الشارع من عدم ارتضائه باعطاء الزعامة الدينية لمن ليس له عقل أو لاعدالة أو لاعلم له، لانه قد اعتبر تلك الامور في القاضى


(* 1) راجع ب 11 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 347 ]

والشاهد فكيف لا يعتبرها في الزعامة الدينية، مع أن منصب الافتاء من أعظم المناصب الشرعية بعد الولاية. والسر في ذلك أن الاتصاف بنقيض الشرائط المعتبرة أو ضدها - غير الحياة - منقصة دينية أو دنيوية، ولا يرضى الشارع الحكيم أن تكون القيادة الاسلامية لمن اتصف بمنقصة يعير بها لدى المسلمين، على أن ذلك هو الذي يساعده الاعتبار فان المتصدي للزعامة الدينية إذا لم يكن سالكا لجادة الشرع لم يتمكن من قيادة المسلمين ليسلك بهم مالا يسلكه بنفسه، أترى ان من يشرب الخمور أو يلعب بالطنبور أو يرتكب ما يرتكبه من المحرمات يردع غيره عن ارتكاب تلك الامور؟ وهذا مما لا يفرق فيه بين الحدوث والبقاء فان العدالة والعقل وغيرهما من الامور المتقدمة في محلها كما تعتبر في المقلد حدوثا كذلك يعتبر فيه بقاء، فان مادل على اعتبارها حدوثا هو الذي دل على اعتبارها بحسب البقاء وهو عدم رضى الشارع بزعامة من لم يستجمع الشرائط على ما استكشفناه من مذاقه فالدليل على اعتبار تلك الشروط في كل من الحدوث والبقاء شئ واحد. إذا لا يمكننا الالتزام بجواز البقاء على تقليد من عرضه الفسق أو الجنون أو غيرهما من الموانع، ولا يقاس افتقاد تلك الشرائط بزوال الحياة المعتبرة أيضا في المقلد بحسب الحدوث، فان الموت لا يعد نقصا دينيا أو دينويا ابدا بل هو انتقال من نشأه إلى نشأة فهو في الحقيقة ترقى من هذا العالم إلى عالم ارقى منه بكثير ومن هنا اتصف به الانبياء والاوصياء عليهم السلام، ومعه لا مانع من البقاء على تقليد المجتهد الميت واين هذا مما نحن فيه؟! فلابد في تلك الموارد من العدول إلى مجتهد آخر مستجمع للشرائط المعتبرة في المقلد كما اشرنا إليه في المسألة الرابعة والعشرين فليلاحظ. (أما الصورة الثالثة): وهي ما إذا قلد مجتهدا مع العلم بكونه واجدا

[ 348 ]

للشرائط المعتبرة - وجدانا أو تعبدا - وبعد ذلك شك في استجماعه لها من الابتداء، لاحتماله الخطاء في علمه أو لعلمه بفسق الشاهدين، وكيف كان فقد شك في انه واجد للشرائط بقاء ساريا إلى كونه كذلك بحسب الحدوث ايضا. ففى هذه الصورة ليس للمقلد البقاء على تقليد المجتهد، لانه وان كانت فتاواه حجة حدوثا لمكان العلم الوجداني أو التعبدى بتوفر الشروط فيه، إلا انها قد سقطت عن الحجية بقاء لزوال العلم أو لسقوط البينة عن الاعتبار، والمكلف كما انه يحتاج إلى وجود الحجة والمؤمن له من العقاب المحتمل حدوثا كذلك يحتاج إليها بحسب البقاء، فان مقتضى تنجز التكاليف الواقعية بالعلم الاجمالي بها استحقاق المكلف العقاب على تقدير المخالفة وهو يحتمل - بالوجدان - العقاب فيما يرتكبه أو يتركه وقد استقل العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب، ولا مناص معه من أن يستند إلى حجة مؤمنة من العقاب دائما، وحيث أن فتوى مقلده ساقطة عن الحجية بقاء فليس له أن يعتمد عليها بحسب البقاء. نعم لو قلنا ان قاعدة اليقين كالاستصحاب حجة معتبرة، وأن النهى عن نقض اليقين بالشك شامل لكلتا القاعدتين جاز للمكلف البقاء على تقليد من قلده في مفروض الكلام، لان حجية فتاواه مسبوقة باليقين ولا اعتداد بالشك بعده لانه ملغى عند الشارع بقاعدة اليقين، إلا أنا اسبقنا في محله أن الاخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك لا يعم كلتا القاعدتين، فلا مناص من أن يختص بقاعدة اليقين أو الاستصحاب، وحيث أن بعضها قد طبق كبرى عدم نقض اليقين بالشك على مورد الاستصحاب فلا يمكننا دعوى اختصاصها بالقاعدة فيكون الاخبار مختصة بالاستصحاب، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله.

[ 349 ]

[ (مسألة 43) من ليس أهلا للفتوى يحرم عليه الافتاء (1). ] فتوى من لا أهلية له للفتوى: (1) قد يراد ممن لا اهلية له من ليست له ملكة الاجتهاد، وقد يراد به من لا اهلية له للفتوى من سائر الجهات ككونه فاسقا أو غير اعلم ونحوهما. أما من ليست له ملكة الاجتهاد ولكنه يفتى الناس بالقياس والاستحسان ونحوهما فلا ينبغى التردد في أن افتائه حرام، لانه اسناد للحكم إلى الله سبحانه من غير حجة ودليل، حيث انه لم يأذن له بذلك فلا محالة يكون افتائه افتراء على الله لانه عز من قائل قد حصر الامر في شيئين: ما اذن به، وما هو افتراء. وقال: قل ء الله اذن لكم أم على الله تفترون (* 1). هذا مضافا إلى الروايات المصرحة بحرمته وهى من الكثرة بمكان عقد لها بابا في الوسائل وأسماه باب عدم جواز القضاء والافتاء بغير علم بورود الحكم من المعصومين - ع - (* 2) بل لو قال مثله: ان نظرى كذا أو فتواي هكذا ارتكب معصية ثانية لكذبه، فان مفروضنا انه لا نظر ولا رأي له وبذلك يندرج فيمن قضى - ولو بالحق - وهو لا يعلم (* 3).


(* 1) يونس 10: 59. (* 2) لاحظ الباب 4 من ابواب صفات القاضي من الوسائل. (* 3) عن احمد عن ابيه رفعه عن ابي عبد الله ع قال: القضاة اربعة: ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجوز وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجوز وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة. المروية في ب 4 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 350 ]

واما من كان له ملكة الاجتهاد ولم تكن له الاهلية من سائر الجهات فلا كلام في جواز اخباره عن نظره وفتواه، لعدم كونه كذبا على الفرض، فان مفروضنا انه واجد للملكة الاجتهاد وأن له نظرا وفتوى، كما لا شبهة في أن افتائه مما اذن به الله، فان ما افتى به حسب نظره واجتهاده حكم الله سبحانه في حقه فهو ممن قضى بالحق وهو يعلم فلا افتراء في اسناده الحكم إلى الله، وانما الكلام في أن افتائه ذلك تمويه واغراء للجاهل واضلال للسائل ليحرم من تلك الجهة أو انه لا اغراء ولا اضلال في افتائه بوجه؟ التحقيق أن السائل إذا كان جاهلا بالحكم فحسب، كما إذا علم بعدم عدالة المجتهد - مثلا - الا انه لم يعلم ان فتوى المجتهد انما تعتبر فيما إذا استجمع العدالة وغيرها من الشرائط وجب على المفتى ارشاده، وذلك لوجوب تبليغ الاحكام للجاهلين بان يبين للسائل أن الحجة في حقه هي فتوى المجتهد الجامع للشرائط التى منها العدالة إذ لولا ذلك لكان افتائه اغراء للجاهل واضلالا له وهو حرام. واما إذا كان جاهلا بالموضوع دون حكمه بان علم ان العدالة معتبرة في فتوى المجتهد وحجيتها إلا انه لم يعلم أن المجتهد فاقد للعدالة وان كان المجتهد عالما بفسقه عند نفسه فافتائه ذلك أمر جائز وليس فيه أي اغراء واضلال كما انه ليس بافتراء ولا كذب وذلك كله لانه الحكم الواقعي في حقه فلا مانع من ان يخبر عن نظره وفتواه ومفروضنا ان السائل غير جاهل بالحكم ليجب ارشاده وتبليغه فليس في البين الا أن افتائه ذلك واخباره عن الحكم ليس بحجة على السائل واقعا وان كان يعتقد حجيته وليس هذا من الاغراء بوجه. ولا يقتضي ذلك عدم جواز الافتاء للمجتهد فانه في الموضوعات الخارجية نظير ما إذا اعتقد عدالة شخصين فاسقين في الواقع وقد اخبراه بنجاسة شئ - مثلا - فان اخبارهما وان لم يكن بحجة عليه واقعا وانما يعتقد حجيته بتوهم أنهما عادلان

[ 351 ]

[ وكذا من ليس أهلا للقضاء يحرم عليه القضاء (2) بين الناس ] إلا أن اخبارهما عن النجاسة مما لا حرمة له لفرض صدقهما في اخبارهما، ومقامنا من هذا القبيل. نعم لا يجوز للفاسقين أن يشهدا الطلاق وان اعتقد المجرى للطلاق أو الزوجان عدالتهما، وذلك لان المرئة بحضورهما يرتب على نفسها اثار الطلاق الصحيح وانها مخلاة عن الزوج فيزوج نفسها من غيره إذا انقضت عدتها مع أنها امرئة ذات بعل وهذا بخلاف أمثال المقام فانه لا يتصور أي محذور في افتاء غير العادل وان اعتقد الجاهل عدالته، ولا يجب عليه أن ينبه السائل بفسقه ابدا، أللهم إلا أن يكون التصدى للافتاء ظاهرا في الانباء عن عدالته كما قد يتفق في بعض المقامات بحيث لو افتى المجتهد بعد السؤال لكان ظاهره الاخبار عن عدالته واستجماعه الشرائط فانه من قبيل اظهار العدالة ممن لا عدالة له وهو كذب حرام. قضاوة من لا اهلية له للقضا: (1) ان من ليس له اهلية القضا يحرم أن يتصدى للقضاوة لانه ليس بمنصوب لها ولو على نحو العموم، ومعه لو تصدى لذلك تعين أن يكون من الشق الثالث من الشقوق الثلاثة الواردة في قوله - ع - مخاطبا لشريح: قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبى، أو وصى نبى، أو شقى (* 1) لوضوح انه ليس بنبى ولا انه من اوصيائه فان مفروضنا عدم اهليته للقضاء. نعم لا بأس بابداء نظره في أمر المترافعين بان يقول: قولك هذا هو الصحيح بنظري أو ليس بصحيح عندي. وأما القضاء الذي هو الاخبار عن الحكم المشخص


(* 1) المروية في ب 3 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 352 ]

الثابت في الشريعة المقدسة في مورد الترافع فلا، فان الفرق بين القضاء والفتوى انما هو في أن المفتى بفتوائه يخبر عن الاحكام الالهية الكلية الثابتة لموضوعاتها وذلك كنجاسة الخمر وصحة البيع بغير العربية ونحوهما، والقضاء ايضا هو الاخبار عن الحكم الهى الثابت في الشريعة المقدسة إلا أنه حكم مشخص وليس حكما كليا بوجه فالقاضي يخبر عن أن هذا ملك زيد وذاك ملك عمرو. ولا يتيسر ذلك لمن ليس له اهلية القضاء فانه ليس اخباره اخبارا عن الحكم الالهى الثابت في الشريعة المقدسة. بل لو اخبر بقصد ان ما اخبره به هو الحكم الالهى المشخص في الواقعة فقد شرع وهو حرام، وعلى الجملة من ليس له اهلية القضاء يحرم أن يتصدى للقضاوة بقصدان يرتب عليها الاثر. ويدل على ما ذكرناه صحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد لله - ع - قال: اتقوا الحكومة فان الحكومة انما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبى أو وصى نبى (* 1) لدلالتها على أن القضاء من المناصب المختصة بالنبي - ص - والوصى - ع - فلا يشرع لغيرهما إلا بالاذن من قبلهما على نحو الخصوص أو العموم فان المأذون من قبلهما يشمله عنوان الوصي بناء على أن المراد به مطلق من عهد إليه أو انه مندرج في عنوانه إلا أن القضاء المأذون فيه من قبلهما في طول قضائهما ومتفرع على ولايتهما في القضاء. وظاهر الصحيحة أن ولاية القضاء لم تثبت لغيرهما في عرضهما لا أنها لم تثبت لغيرهما حتى إذا اذنا في القضاء، والقدر المتيقن ممن اذن له في القضاء هو المجتهد الجامع للشرائط أعنى من له اهلية القضاء إذا فغيره ممن لا اهلية له يبقى مشمولا للصحيحة النافية لمشروعية القضاء عن غير النبي والوصي - ع -. وايضا يدل عليه صحيحة ابي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال: قال أبو عبد الله


(* 1) المروية في ب 3 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 353 ]

جعفر بن محمد الصادق - ع -: اياكم ان يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فانى قد جعلته قاضيا فتحاكمو إليه (* 1) لدلالتها على أن جواز القضاوة ومشروعيتها تحتاج إلى جعلهم


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب صفات القاضي من الوسائل. ثم انا قد اسبقنا شطرا مما يرجع إلى وثاقة ابي خديجة سالم بن مكرم الجمال في ذيل ص 224 وذكرنا ان الشيخ قد ضعفه في فهرسته، ووثقه في موضع آخر على ما نقله عنه العلامة (قده) الا أن شيئا من تضعيفه وتوثيقه غير قابل للاعتماد عليه وذلك لان المتأخر منهما عدول عن المتقدم عليه، وحيث انا لا نعلم ان الصادر متأخرا ايهما فيكون كل من قولى الشيخ شبهة مصداقية للتضعيف والتوثيق، وبذلك يسقطان عن الاعتبار، ويبقى توثيق النجاشي وابن قولويه للرجل سليما عن المعارض. وهذا الذي ذكرناه وان كان صحيحا في نفسه إلا أنه انما يتم فيما إذا لم يصدر المتأخر منهما حال غفلته عما ذكره اولا فان مع التوجه والالتفات إليه لم يعقل صدور ضده أو نقيضه إلا عدولا عما ذكره أولا. واما مع احتمال كونه غافلا عما ذكره أولا فلا يمكننا الحكم بأن المتأخر عدول عن سابقه لمكان غفلته، كما لا يمكننا رفع هذا الاحتمال باصالة عدم الغفلة المتسالم عليها عند العقلاء، وذلك، لان التشبث باصالة عدم الغفلة انما يصح فيما إذا شككنا في أن كلا من تضعيفه وتوثيقه هل صدر عنه مع الغفلة أو الالتفات؟ وبها نبنى على أنه ضعفه مع الالتفات إليه: ووثقه كذلك واما انه عند ما اخذ بتضعيفه مثلا مع الالتفات لم يكن غافلا عن الامر المتقدم عليه فهو مما لا يمكن اثباته باصالة عدم الغفلة عند العقلاء. ومن هنا تصدى سيدنا الاستاذ دام الله اظلاله لاثبات وثاقة الرجل ودفع ما قد يتوهم من معارضة توثيق النجاشي وابن قولويه بتضعيف الشيخ له في فهرسته بطريق آخر وافاد في الامر الثالث من الامور التي تعرض لها في ترجمة الرجل

[ 354 ]

واذنهم - ع - وقد مر أن المتيقن هو الاذن لمن له اهلية القضاء. ويؤيده ما تقدم من رواية اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله - ع - قال: قال: أمير المؤمنين لشريح: يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه الا نبي أو وصي نبي أو شقي (* 1) لدلالتها على الاختصاص، وانما جعلناها مؤيدة لضعفها بيحيى بن المبارك الواقع في سندها. إذا لا دليل على مشروعية القضاء لمن لا اهلية له، ومقتضى الاصل عدم


من رجاله ما اليك نصه: والصحيح ان يقال: ان تضعيف الشيخ لا يمكن الاخذ به في نفسه في المقام فشهادة النجاشي وابن قولويه، وعلي بن الحسن بلا معارض بيان ذلك: ان سالم بن ابي سلمة المتقدم قد عرفت قول النجاشي فيه: ان حديثه ليس بالنفي وان ابن الغضائري ضعفه. وقد ذكر النجاشي ان له كتابا اخبر بها عدة من اصحابنا بالسند المتقدم في ترجمته، ومع ذلك لم يتعرض له الشيخ حتى في رجاله، مع أن موضوعه أعم مما في الفهرست، أفهل يمكن ان العدة المخبرين للنجاشي بكتاب سالم بن أبي سلمة لم يخبر والشيخ فلم يعلم الشيخ لا بنفسه ليذكره في رجاله، ولا بكتابه ليذكره في فهرسته؟ فينحصر سر عدم تعرضه له تخيلة انه هو سالم بن مكرم، فانه اعتقد أن مكرما كنيته ابو سلمة على ما صرح به في عبارته المتقدمة، وقد تعرض له في الفهرست والرجال، وعليه فيكون تضعيفه لسالم بن مكرم مبنيا على أنه متحد مع سالم ابن ابي سلمة الذي مر كلام النجاشي وابن الغضائري فيه، وحيث أنه قدس سره اخطأ في ذلك فان سالم بن ابي سلمة رجل آخر غير سالم بن مكرم فالتضعيف لا يكون راجعا إلى سالم بن مكرم الذي ليس هو بابن ابي سلمة بل هو نفسه مكنى بابي سلمة على زعمه فتوثيق النجاشي وابن قولويه، ومدح ابن فضال تبقى بلا معارض... (* 1) المروية في ب 2 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 355 ]

نفوذ حكم شخص على شخص آخر، كما أن مقتضى الروايات المتقدمة حرمة صدور القضاء ممن لا اهلية له وهو اصل ثانوي وان كان الاصل الاولى يقتضى جوازه واباحته، فعلى هذا الاصل الثانوي يكون القضاء والحكم بعنوان الاهلية من التشريع المحرم لانه عنوان للفعل الخارجي. وهل يعتبر الاجتهاد في الاهلية للقضاء أو أن المستفاد من الادلة الواردة في المقام ثبوت الاذن لمطلق العالم بالقضاء وان كان علمه مستندا إلى التقليد دون الاجتهاد؟ الأول هو المشهور بين الاصحاب (قدهم) بل ادعى عليه الاجماع في كلام جماعة منهم الشهيد الثاني في مسالكه، والى الثاني ذهب صاحب الجواهر " قده " مدعيا أن المستفاد من الكتاب والسنة صحة الحكم بالحق والعدل والقسط من كل مؤمن وان لم يكن له مرتبة الاجتهاد، واستدل عليه بجملة من الآيات والروايات: أما الآيات فكقوله عز من قائل: ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل (* 1) وقوله: يا ايها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجر منكم شنأن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا (* 2) ومفهوم قوله: ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الفاسقون (* 3)... هم الظالمون (* 4)... هم الكافرون (* 5) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة فان اطلاقها يقتضى عدم الفرق بين المجتهد ومن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد. وأما الروايات: " فمنها ": قوله - ع - القضاة اربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم


(* 1) النساء 4: 58. (* 2) المائدة 5: 8. (* 3) و (* 4) و (* 5) المائدة: 47، 45، 44.

[ 356 ]

فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة (* 1). و " منها ": صحيحة ابي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله - ع - إلى أصحابنا فقال: قل لهم اياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شئ من الاخذ والعطا أن تحاكموا إلى أحد من هولاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا فانى قد جعلته عليكم قاضيا، واياكم ان يخاصم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر (* 2) و " منها ": صحيحته المتقدمة آنفا (* 3) عن الصادق - ع - اياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى اهل الجور.. و " منها ": صحيحة الحلبي قال: قلت لابي عبد الله: - ع - ربما كان بين الرجلين من اصحابنا المنازعة في الشي فيتراضيان برجل منا فقال: ليس هو ذاك انما هو الذى يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط (* 4) إلى غير ذلك من النصوص التي ادعى (قده) بلوغها بالتعاضد أعلى مراتب القطع ودلالتها على أن المدار في الحكم والقضاء بالحق الذي هو عند النبي واهل بيته عليهم السلام بلا فرق في ذلك بين أن يكون المتصدي للقضاء مجتهدا أو من لم يبلغ مرتبة الاجتهاد لانهم ايضا عالمون بالقضاء والاحكام بالتقليد، فان المراد بالعلم في صحيحة ابي خديجة المتقدمة اعم من الوجداني والتعبدي، وإلا لم تشمل الصحيحة حتى للمجتهد لعدم علمه الوجداني بالاحكام ومن الظاهر أن المقلد ايضا عالم بالاحكام تعبدا لحجية فتوى المجتهد في حقه.


(* 1) المروية في ب 4 من ابواب صفات القاضي من الوسائل. (* 2) المروية في ب 11 من ابواب صفات القاضي من الوسائل. (* 3) في ص 353 (* 4) المروية في ب 1 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 357 ]

بل ذكر " قده " أن ذلك لعله أولى من الاحكام الاجتهادية الظنية، ثم أيد ما ذكره بقوله: بل قد يدعى أن الموجودين في زمن النبي - ص - ممن امر بالترافع إليهم قاصرون عن مرتبة الاجتهاد وانما كانوا يقضون بما سمعوه من النبي - ص - فدعوى قصور من علم جملة من الاحكام مشافهة أو بالتقليد عن منصب القضاء بما علمه خالية عن الدليل. ورد الاجماع المدعى في كلماتهم بقوله، وأما دعوى الاجماع التي قد سمعتها فلم اتحققها بل لعل المحقق عندنا خلافها. انتهى ما اردنا نقله وقد يجاب عن ذلك بان استدلاله " قده " هذا ليس إلا تمسكا بالاطلاق ويكفى في تقييده ورفع اليد عن المطلقات الواردة في المقام مقبولة عمر بن حنظلة الصريحة في اعتبار النظر والاجتهاد في الحاكم، حيث ورد فيها: ينظر ان من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف احكامنا فليرضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما... (* 1) والتوقيع الشريف بخط مولانا صاحب الزمان - ع -..، وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله... (* 2). لدلالتهما على لزوم الرجوع إلى رواة الحديث وهم المطلعون بالاحكام الشرعية بواسطة الروايات المأثورة عنهم - ع - والنظر في مداليلها ورفع معارضاتها أو الجمع بينهما وهو المعبر عنه في الاصطلاح بالاجتهاد، ومن هنا يظهر أن المقبولة قد دلت على اعتبار النظر والاجتهاد في القاضي بجميع جملاتها الثلاث اعني قوله - ع - روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف احكامنا. فالاستدلال بها غير مختص بالجملة الوسطانية فحسب فان رواية الحديث والمعرفة بالاحكام مستتبعان ايضا للاجتهاد بالتقريب المتقدم، ثم انه وان كانت المطلقات والمقيد كلاهما مثبتين إلا أن المقيد لما ورد في مقام البيان اقتضى ذلك تقديمه على المطلقات وتقييدها به لا محالة.


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 11 من ابواب صفات القاصي من الوسائل

[ 358 ]

ويرد عليه: أن رواية عمربن حنظلة ضعيفة السند كما مر غير مرة وان كانت الرواية متلقاة عند الاصحاب بالقبول، ومن ثمة سميت بالمقبولة، وكذلك الحال في التوقيع الشريف فان في سنده اسحاق بن يعقوب ومحمد بن محمد بن عصام ولم تثبت وثاقتهما. نعم محمد بن محمد شيخ الصدوق (قده) إلا أن مجرد الشيخوخة لمثله لا يقتضى التوثيق أبدا. هذا مضافا إلى امكان المناقشة في دلالته، فان الارجاع إلى رواة الحديث ظاهره الارجاع إليهم بما هم رواة لا بما أنهم مجتهدون، والنسبة بين الراوى والمجتهد عموم من وجه، وان كان يمكن اطلاق الرواة على المجتهدين بعناية انهم في الحقيقة رواة الائمة عليهم السلام ومستفيدين من اثارهم وعلومهم وليسوا في عرضهم بوجه إلا انه اطلاق مسامحي، ولا يقاس هذا بالارجاع إلى آحاد الرواة كالارجاع إلى محمد بن مسلم أو يونس بن عبد الرحمان أو زكريا بن آدم وغيرهم ممن ارجعوا إليهم باشخاصهم على ما بيناه في اوائل الكتاب، والفرق واضح لا يخفى على الفطن فهذا الجواب مما لا يمكن المساعدة عليه. فالصحيح في الجواب أن يقال: ان الآيات المباركة ليست بصدد تعيين الحاكم وانما هي بصدد بيان أن القضاوة لابد أن تكون بالعدل والقسط فلا مجال للتمسك باطلاقها. وأما الروايات فهي ايضا كذلك، لانها انما وردت في قبال المخالفين للدلالة على عدم جواز الترافع إلى اهل الجور والفسوق، وأن الايمان معتبر في القضاة. وأما أن القاضى يعتبر أن يكون مجتهدا أو يكفي كونه عالما بالقضاء بالتقليد الصحيح أو ان القاضى يعتبر أن يكون رجلا فلا يجوز الترافع إلى النساء أو غير ذلك من الامور فليست الروايات بصدد بيانها بوجه فصح ما ذكرناه من أن القدر المتيقن من المنصوبين للقضاء من قبلهم - ع - هو المجتهد دون المقلد وهو المتيقن الخروج عن

[ 359 ]

[ وحكمه ليس بنافذ (1) ولا يجوز الترافع إليه (2) ولا الشهادة عنده (3) ] الاصل. مضافا إلى امكان المناقشة في صحة اطلاق العالم بالقضاء والاحكام على من تعلمها بالتقليد فلاحظ، وعلى الاقل انه منصرف عن مثله. (1) لفرض عدم اهليته للقضاء كي ينفذ حكمه. (2) لانه من اظهر مصاديق الركون إلى الظلمة وهو حرام بل هو من التشريع المحرم، لانه امضاء عملي لقضاوة من تصدى لها ممن لا اهلية له للقضاء. هذا إذا كان عدم اهليته من جهة عدم استجماعه الشرائط المعتبرة في القضاء غير الايمان. وأما إذا كان عدم الاهلية من جهة عدم كونه مؤمنا كقضاة العامة وحكامهم فيدل على عدم جواز الترافع إليه مضافا إلى ما قدمناه الاخبار الناهية عن التحاكم إلى حكام الجور وقضاة العامة. وقد عقد لها بابا في الوسائل (* 1) فليراجع هذا إذا كان الترافع إلى من ليس له اهلية القضاء لغاية فصل الخصومة ولزوم التبعية بحكمه في الشريعة المقدسة. وأما إذا ترافعا إليه لا لغاية الفصل شرعا بل من جهة تراضى المتحاكمين بقوله بحيث لو صدق المدعى تنازل المنكر فيما انكره، كما انه لو صدق المنكر تنازل المدعى عما ادعاه مع بقاء حق الدعوى للمدعى لعدم تحقق الفيصلة شرعا على الفرض فهو مما لا ينبغي التأمل في جوازه، لانه خارج عن القضاء، ومندرج تحت المصالحة كما لعله ظاهر. (3) لعين ما عرفته في التعليقة المتقدمة، لانه نوع ركون إلى الظلمة وانه امضاء عملي لقضاوته، والمفروض عدم اهليته للقضاء فالشهادة عنده تشريع عملي محرم.


(* 1) راجع ب 1 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 360 ]

[ والمال الذي يؤخذ بحكمه حرام (1) وان كان الآخذ محقا. ] (* 1) المال الذي يؤخذ بحكمه ان كان كليا ولم يكن للمحكوم له ولا لغيره تشخيصه واختيار تطبيقه على ما في الخارج فلا شبهة في حرمته وعدم جواز التصرف فيه كما لو تنازعا في دين مؤجل قبل حلول اجله فادعاه احدهما وانكره الآخر وتحاكما عند من لا اهلية له للقضاء وحكم بلزوم أدائه إلى المدعى وانه صاحب الدين ومستحقه، وكان الامر كذلك واقعا، فان المال الذي اشتغلت به ذمة المنكر بالاستدانة كلي لا يتشخص إلا بتشخيص المالك نفسه اعني المديون فإذا شخصه الحاكم الجائر أو الدائن قبل حلول الاجل فهو تشخيص غير شرعي وليس للدائن أن يتصرف فيه لوضوح انه مال المديون ولم يطرء عليه ما يوجب دخوله في ملك الدائن. وأما إذا كان المال عينا شخصية، كما إذا غصبها احد أو اخذها بعنوان الاجارة أو العارية ثم انكرها، أو كان دينا معجلا أو مؤجلا حل أجله وحكم الحاكم الذي ليس له اهلية القضاء برده إلى صاحب المال فلا مانع من اخذه بوجه لانه بعينه وخصوصياته مال لمالكه، أو أن له أن يأخذه ويحسبه من دينه لحلول أجله. بل له أن يأخذه ممن هو عنده قهرا وقوة أو بحيلة ووسيلة، وعلى الجملة لا مانع في هذه الصورة من أن يأخذ مالك المال بماله مستندا إلى حكم من ليست له اهلية، لجواز استنقاذه منه ولو باسباب اخر غير حكم الحاكم فانه ماله ويجوز أن يتصرف فيه، وغاية الامر انه رده إليه باكراه الحاكم الجائر، ولا يشمله حديث رفع الاكراه لانه على خلاف الامتنان لاستلزامه الضرر على صاحب المال. نعم ترافعهما عند من لا اهلية له وحكام الجور محرم كما مر والحاصل أن الترافع إلى حكام الجور وان كان محرما مطلقا بلا فرق في ذلك بين الدين والعين إلا أن المال المأخوذ بحكمهم انما يحرم إذا كان دينا مؤجلا لا عينا كما عرفت هذا.

[ 361 ]

وقد يقال بالحرمة في جميع الصور المتقدمة من الدين والعين الشخصية ويستدل عليه بمقبولة عمر بن حنظلة: وما يحكم به فانما يأخذه سحتا أو فحكم له فانما يأخذه سحتا. فان اطلاقها يقتضى عدم الفرق بين الكلي والشخصي بل الاطلاق هو ظاهر صدرها حيث سئل فيها عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فان الميراث في مقابل الدين ظاهره العين. وحمل الميراث على الدين بعيد جدا. ثم إن المقبولة وان كان موردها التحاكم إلى السلطان أو القضاة إلا أن عموم تعليلها: لانه اخذ بحكم الطاغوت. يقتضى عدم الفرق بينهما وبين ما إذا كان الحاكم من المؤمنين الفاقدين لشرائط القضاء لانه يشمل كل طاغ والمتصدي للقضاء المحرم طاغ. ولا يعارضها ما رواه الحسن بن علي بن فضال قال: قرأت في كتاب أبي الاسد إلى أبي الحسن الثاني - ع - وقرأته بخطه سأله: ما تفسير قوله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام؟ فكتب بخطه: الحكام القضاة ثم كتب تحته: هو أن يعلم الرجل أنه ظالم فيحكم له القاضي فهو غير معذور في اخذه ذلك الذي قد حكم له إذا كان قد علم انه ظالم (* 1) وذلك لانه انما ورد في تفسير الآية الشريفة لا في بيان موضوح الحرمة مطلقا، ولامانع من اعتبار الظلم في صدق الباطل دون صدق الحرمة ولو بعنوان آخر. ويرد عليه: " أولا ": أن المقبولة ضعيفة السند كما مر وغير صالحة للاستدلال بها بوجه. و " ثانيا ": انها ضعيفة الدلالة على المدعى، لان المستفاد من كلمات اهل اللغة أن للسحت اطلاقين فانها قد تطلق على ما لا يحل كسبه، وقد يطلق على ما هو خبيث الذات من المحرمات، ولا يصدق شئ منهما في المقام، لان المال بعينه


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 362 ]

للمحكوم له وكونه موردا لحكم الجائر بالرد إليه لا يحتمل أن يكون مستلزما لخروجه عن ملكه فلا يكون اخذه من الانتقال المحرم والسحت هو الانتقال من الغير على الوجه المحرم فانه معنى ما لا يحل كسبه. كما انه ليس محرما خبيث الذات. وما لم يكن كذلك لا يطلق عليه السحت وإن حرم بعنوان آخر طار عليه فمن افطر بطعام مملوك له في نهار شهر رمضان لم يصح أن يقال: انه آكل السحت أو أنه اكل سحتا. وان كان افطاره هذا محرما. و " ثالثا ": ان الميراث غير مختص بالعين الشخصية بل انما هو مطلق يشملها كما يشمل العين المشتركة التي تتوقف فيها الحلية على رضى الطرفين بتقسيمها إذا لامانع من حمل الميراث على العين المشتركة وهي لا تتقسم بتقسيم الحاكم الجائر فإذا كان هو المباشر أو الآمر بتقسيم الميراث بين المتنازعين لم يجز للمحكوم له التصرف في قسمته، لعدم خروج العين عن الاشتراك بتقسيمه فيكون المأخوذ بحكمه - كما في الدين - سحتا. على أن مورد المقبولة هي الشبهة الحكمية فلا اثر لدعوى أن مورد المنازعة عين شخصية ثم انا لو اغمضنا عن ذلك وبنينا على تمامية المقبولة بحسب السند والدلالة فالوجه في عدم كونها معارضة برواية ابن فضال المتقدمة - بناء على عدم المناقشة في سندها لان في سندها محمد بن احمد بن يحيى عن محمد بن عيسى وهو مما استثناه ابن الوليد عن رواياته - كما تقدم ان الرواية انما وردت تقسيرا للاية المباركة وقد دلت على أن المراد فيها بالحكام هو القضاة فعلى تقدير تمامية الرواية لابد من الاخذ بها في مورد الآية وهو حرمة اكل المال بالباطل ولا يستفاد منها بوجه أن المراد بالحاكم في جميع الموارد التي منها حرمة الاخذ بحكمه هو قضاة الجور. وأما دعوى أن المراد بالقضاة في الرواية قضاة العدل ولو من جهة الجمع العرفي بينها وبين المقبولة.

[ 363 ]

[ إلا إذا انحصر استنقاذ حقه بالترافع عنده (1). ] فيدفعها: تفسيرها بقضاة الجور في رواية أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام قول الله عزوجل في كتابه: ولا تأكلوا أموالكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام فقال: يا ابا بصير ان الله عزوجل قد علم أن في الامة حكاما يجورون أما أنه لم يعن حكام اهل العدل ولكنه عنى حكام اهل الجور يا ابا محمد انه لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكام العدل فابى عليك إلا أن يرافعك إلى حكام اهل الجور ليقضوا له لكان ممن حاكم إلى الطاغوت وهو قول الله عزوجل: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت (* 1). وهذه الرواية وان كان في سندها عبد الله بن بحر فهى ضعيفة لاجله ووقوعه في سند كامل الزيارات - على نسخة - غير مفيد لان مع اختلاف النسخة لا يثبت التوثيق. ويؤيده أن ابن الغضائري قد ضعف الرجل صريحا إلا أن الرواية المتقدمة ايضا ضعيفة لما مر فالكلام فيهما انما هو مع الغض عن الضعف في سنديهما. فالى هنا تحصل ان الترافع إلى الحكام الجائرين وان كان محرما مطلقا إلا أن حرمة الترافع غير مستلزمة لحرمة المال المأخوذ بحكمهم في الاعيان الشخصية كما تقدم. (1) لان حكم الحاكم الشرعي لا يعتنى به في المحاكمات ولا يرتب الاثر عليه اما مطلقا كما في زماننا هذا وما شابهه أو عند احد المترافعين كما إذا لم يرض الا بالتحاكم إلى القضاة أو لم يوجد حاكم مستجمع للشرائط أو وجد وتعسر الوصول إليه أو غير ذلك من الموارد التي لو لم يترافع عند من لا اهلية له لذهب حقه أو ماله ومعه يجوز الترافع عنده كما يجوز أن يتصرف في المال المأخوذ بحكمه. وذلك للضرورة فان الضرورات تبيح المحذورات وللضرر بترك المرافعة عند


(* 1) المروية في باب من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 364 ]

[ (مسألة 44) يجب في المفتى (1) والقاضى (2) العدالة ] من ليس له اهلية القضاء وحديث نفي الضرر حاكم على جميع ادلة الاحكام التي منها ما دل على عدم جواز الترافع عند من لا اهلية له وعدم جواز التصرف في المال المأخوذ بحكمه فان حرمتهما إذا كانت مستلزمة للضرر على المكلف ارتفعت بمقتضى الحديث. وبذلك يظهر انه لاوجه لما عن الاكثر من المنع والاستدلال عليه باطلاقات الادلة وان الترافع إليه امر منكر وهو حرام أو انه اعانة على الاثم، لانها على تقدير تماميتها في نفسها - ولا تتم - محكومة بما دل على نفي الضرر في الشريعة المقدسة فلاحظ (1) كما مر ومر الوجه فيه. اعتبار العدالة في القاضى: (2) وذلك لان القضاء من المناصب التي لها اهميتها في الشريعة المقدسة بعد الولاية بل هو من المناصب المختصة بالنبي واوصيائه عليهم السلام وهم قد ينصبون شخصا معينا للقضاء وقد ينصبون على نحو العموم ولا يحتمل ان يجعل الشارع الحكيم هذا المنصب العظيم لمن هو خارج عن طريقته كيف وقد اعتبرنا العدالة في امام الجماعة والشاهد فكيف بالقضاء الذي هو اهم منهما هذا وقد ورد فيما رواه الصدوق باسناده الصحيح عن سليمان بن خالد عن ابي عبد الله - ع - اتقوا الحكومة فان الحكومة انما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبى (* 1) ومن الظاهر أن الفاسق لا يسمح أن يكون وصي نبى. بل يمكن الاستدلال عليه بما ورد في صحيحة ابى خديجة قال: بعثني أبو عبد الله إلى اصحابنا فقال: قل لهم: اياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شئ من


(* 1) المروية في ب 3 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 365 ]

[ وتثبت العدالة (1) بشهادة عدلين، وبالمعاشرة المفيدة للعلم بالملكة، أو الاطمئنان بها، وبالشياع المفيد للعلم (مسألة 45) إذا مضت مدة من بلوغة وشك بعد ذلك في أن أعماله كانت عن تقليد صحيح أم لا، يجوز له البناء على الصحة في أعماله السابقة (2) ] الاخذ والعطا أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا فاني قد جعلته عليكم قاضيا واياكم أن تخاصموا بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر (* 1) لانها وان وردت في قضاة العامة وحكامهم إلا أن في تعليق الحكم على صفة الفسق إشعارا قويا على أن الفاسق ليس له اهلية القضاء. بل يمكن ان يقال إن التحاكم إلى الفاسق من اظهر انحاء الركون إلى الظلمة وقد نهى عنه في الشريعة المقدسة. وبهذا كله نقيد اطلاق صحيحة أبي خديجة: ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا (* 2) ثم ان بما ذكرناه يظهر أن القاضي يعتبر أن يكون محرز العدالة فالمجهول حاله من حيث العدالة كالمعلوم فسفه غير صالح للقضاء لعدم العلم باهليته. (1) تقدم الكلام فيما تثبت به العدالة في المسألة الثالثة والعشرين فليراجع. (2) كما إذا صام أو صلى مدة من الزمان ثم شك في انه هل اتى بها عن التقليد الصحيح أو عن تقليد غير صحيح أو لم تقلد فيها أصلا، فانه مضافا إلى جريان حديث لا تعاد - في الصلاة - باحراز موضوعه وعدم كون الجاهل مقصرا بالاستصحاب على ما قدمنا تقريبه في المسألة الواحدة والاربعين يمكن الحكم بصحة اعماله السابقة بقاعدة الفراغ لاجل أن صورة العمل غير محفوظة وذلك فان ذات العمل وإن وكانت معلومة إلا أن الشك في كيفيته وأنه اتى به مستندا إلى فتوى من يجب تقليده أولا عن استناد إليها ومعه يحكم بصحته بالقاعدة، وعلى الجملة انه


(* 1) المروية في ب 11 من ابواب صفات القاضي من الوسائل. (* 2) المروية في ب 1 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 366 ]

[ وفي اللاحقة يجب عليه التصحيح فعلا (1) ] كلما احتمل أن يكون المكلف به واقعا منطبقا على ما اتى به المكلف من العمل وشك في صحته وفساده حكم بصحته بالقاعدة. نعم إذا كانت صورة العمل محفوظة بان علم - مثلا - انه كان يصلي من غير سورة أو من دون وضوء بل مع التيمم وشك في صحته وفساده من جهة احتمال مطابقته للواقع اي فتوى من يجب تقليده من باب الصدفة والاتفاق لم تجر فيه قاعدة الفراغ لا في هذه المسألة ولا في المسألة الواحدة والاربعين على ما بيناه في التكلم على قاعدة الفراغ ومعه إذا كان شكه هذا في الوقت وجبت اعادة اعماله. وأما لو كان خارج الوقت فلادليل على وجوب قضائها لان القضاء بالامر الجديد وموضوعه فوت الفريضة في وقتها وهو غير محرز في المقام لاحتمال ان تكون أعماله مطابقة للواقع ولو صدفة. (1) إذ لا سبيل إلى تصحيحها باجراء قاعدة الفراغ في الاعمال المتقدمة لما اسلفنا في محله من أن القاعدة لا تثبت لوازماتها العقلية، ولا الاثار الشرعية المترتبة على تلك اللوازم ومن الظاهر أن كون الاعمال الآتية واجدة لشرطها من اللوازم العقلية لكون الاعمال الماضية واجدة له حتى إذا بنينا على أن القاعدة من الامارات - كما هو الصحيح - وذلك لما قدمناه في موضعه من أن الامارات كالاصول في عدم حجية مثبتاتها اللهم إلا أن تكون الامارة من مقولة الحكاية كالخبر ونحوه. وعليه يجب على المكلف التصحيح بالاضافة إلى الاعمال اللاحقة بالرجوع إلى مجتهد جامع للشرائط بالفعل.

[ 367 ]

[ (مسألة 46) يجب على العامي أن يقلد الاعلم في مسألة وجوب تقليد الاعلم أو عدم وجوبه (1) ولا يجوز أن يقلد غير الاعلم إذا افتى بعدم وجوب تقليد الاعلم. بل لو افتى الاعلم بعدم وجوب تقليد الاعلم يشكل جواز الاعتماد عليه (1) فالقدر المتيقن للعامي تقليد الاعلم في الفرعيات. ] التقليد في مسألة تقليد الاعلم: (1) لانها كغيرها من المسائل الفرعية التى يجب فيها الرجوع إلى الاعلم لاستقلال العقل به من باب الاحتياط والاخذ بالمقدار المتيقن للشك في حجية فتوى غير الاعلم وهو يساوق القطع بعدمها. ولا ينافي ذلك ما قدمناه من أن مسألة التقليد ليست بتقليدية فانه راجع إلى اصل وجوب التقليد الذي استقل به العقل على ما قدمناه في اوائل الكتاب. وأما وجوب تقليد الاعلم وعدمه فهما من المسائل التقليدية لا محالة لعدم كون العامي متمكنا من استنباط وجوبه وعدمه. نعم قدمنا ويأتي أن العامي يستقل عقله بوجوب تقليد الاعلم إلا انه من باب الاحتياط والاخذ بالقدر المتيقن عند دوران الامر في الحجية بين التعيينية والتخييرية لامن باب قيام الدليل عنده على حجية فتاواه، فإذا فرضنا أن الحجة - كفتوى الاعلم - قامت على عدم وجوب تقليد الاعلم في المسائل الفرعية وان فتوى غير الاعلم كفتوى الأعلم لم يبق أي مجال للاحتياط وجاز الرجوع إلى غير الاعلم فانه في الحقيقة تقليد من الاعلم الذي افتى بالجواز. (2) لا يمكن المساعدة على ما افاده الماتن في المقام بل الصحيح أن فتاوى غير الاعلم تتصف بالحجية بفتوى الاعلم بجواز الرجوع إليه وهذا مما لا مانع من الالتزام به فان العامي في رجوعه إلى فتوى غير الاعلم استند إلى ما قطع بحجيته

[ 368 ]

وهو فتوى الاعلم ولا يجب على المكلف غير العمل على طبق ما قطع باعتباره، وقد فرضنا أن فتوى غير الاعلم مما قامت على حجيته فتوى الاعلم المعلومة حجيتها. وحيث أن العامي كما اشرنا إليه في التعليقة المتقدمة لم يقم عنده دليل على عدم حجية فتوى غير الاعلم، وانما قلنا بوجوب تقليد الاعلم في حقه من باب الاحتياط والاخذ بالمقدار المتيقن عند دوران الامر في الحجية بين التعيينية والتخييرية ومع الفتوى المقطوعة حجيتها لا يبقى مجال للاحتياط، ولا مانع معها من الرجوع إلى فتوى غير الاعلم. نعم إذا فرضنا أن العامي يتمكن من الاستنباط في تلك المسألة وأدى نظره إلى عدم جواز تقليد غير الاعلم وان افتى الاعلم بجوازه لم يجز له الرجوع إلى غير الاعلم بفتوى الاعلم بالجواز. وأما العامي غير المتمكن من استنباط ذلك فلابد من أن يرجع إلى الاعلم في تلك المسألة فإذا افتى بجواز الرجوع إلى غير الاعلم اتصفت فتاوى غير الاعلم بالحجية بفتواه نظير حجية خبر الثقة فيما إذا اثبتنا حجية الخبر الواحد بالاخبار المتواترة - اجمالا - واخذنا بما هو القدر المتيقن من مداليلها وهو خبر العدل الامامي وبعد هذا اخبر الثقة العدل بحجية خبر الثقة وان لم يكن عدلا اماميا فانه يثبت بذلك حجية خبر الثقة بعد ما لم يكن حجة على ما بيناه في التكلم على حجية الخبر، وعلى الجملة لا مانع من أن يقلد غير الاعلم بعد تقليده من الاعلم وافتائه بجواز الرجوع إليه هذا. على أن الاستشكال في حجية فتوى غير الاعلم لاتترتب عليه ثمرة في محل الكلام وذلك لان الشبهة في ذلك ان كانت من الاعلم فالمفروض أن الاعلم أفتى بجواز تقليد غير الاعلم ولم يستشكل في جوازه. وان كانت من غير الاعلم فالمفروض عدم حجية فتاواه إذ الحجة على العامي انما هي فتوى الاعلم فحسب فإذا افتى الاعلم بجواز تقليده غير الاعلم لم يكن أي مانع من تقليده وكان هذا في الحقيقة تقليدا من الاعلم.

[ 369 ]

[ (مسألة 47) إذا كان مجتهدان أحدهما أعلم في أحكام العبادات والآخر أعلم في المعاملات فالاحوط تبعيض التقليد (1) وكذا إذا كان أحدهما أعلم في بعض العبادات - مثلا - والآخر في البعض الآخر ] التبعيض في التقليد: (1) قد اتضح مما ذكرناه في مسألة وجوب تقليد الاعلم وجوب التبعيض في التقليد فيما إذا كان هناك مجتهدان أحدهما اعلم في العبادات - مثلا - والآخر في المعاملات لكثرة اطلاع احدهما بالمصادر والاخبار وتضلعه في الفروغ والنظائر وقدرته على الجمع بين متعارضات الروايات، والآخر كان اكثر اطلاعا على القواعد الاصولية والكبريات، ومن هنا كان الاول أعلم في العبادات والآخر في المعاملات فانه يجب على المقلد ان يبعض في تقليده بان يقلد الاعلم في العبادات في العبادات، ويقلد الاعلم في المعاملات في المعاملات، والوجه فيه هو الادلة الدالة على وجوب تقليد الاعلم كما قدمناها في محلها هذا كله عند العلم بالمخالفة بينهما. وأما مع عدم العلم بالمخالفة فمقتضى ما قدمناه من جواز تقليد غير الاعلم أو المتساويين حينئذ جواز التبعيض في تقليدهما دون وجوبه لجواز أن يقلد العامي احدهما في مورد ويقلد الآخر في مورد آخر لعدم العلم بالمخالفة بينهما بل الحال كذلك بالنسبة إلى أجزاء عمل واحد وشرائطه، فللمكلف أن يقلد من احدهما في الاكتفاء بالمرة الواحدة في غسل الثياب أو في عدم وجوب السورة في الصلاة ويقلد الاخر في جواز المسح منكوسا - مثلا - أو الاكتفاء في التسبيحات الاربع بالمرة الواحدة وذلك لانه استند في عمله وقتئذ إلى ما هو حجة في حقه. نعم لو قلنا بالتخيير بين الاعلم وغير الاعلم أو المتساويين حتى مع العلم بالمخالفة في الفتوى بينهما فالعامي وان جاز أن يبعض في تقليده بان يقلد احدهما في باب

[ 370 ]

[ (مسألة 48) إذا نقل شخص فتوى المجتهد خطأ يجب عليه إعلام من تعلم منه (1) وكذا إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الاعلام. ] أو عمل ويقلد الآخر في باب أو عمل آخر كما في فعلين أو بابين مستقلين كالعبادات والمعاملات إلا انه لا يتمكن من التبعيض في تقليدهما بالاضافة إلى اجزاء عمل واحد وشرائطه وذلك لان صحة الاجزاء في المركبات الارتباطية ارتباطية لا محالة وصحة كل جزء من اجزائها مقيدة بصحة الجزء الآخر فمع بطلان احد اجزاء المركب تبطل بقية اجزائه. وعليه لو اتى بالصلاة فاقدة للسورة مع الاكتفاء في التسبيحات الاربع بالمرة الواحدة واحتمل بعد ذلك فساد صلاته لعلمه في كل من السورة والتسبيحات بمخالفة المجتهد الآخر وجب أن يستند في تركه الاعادة أو القضاء إلى ما هو حجة في حقه كفتوى المجتهد، لان مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم الاعادة أو القضاء وعدم فراغ الذمة بما اتى به من الصلاة للشك في صحتها وليس في البين من يفتى بصحة عمله وعدم وجوب الاعادة، لان ما اتى به غير صحيح عند كل من المجتهدين وان كان الوجه في فساده مختلفا عندهما فان احدهما يرى بطلانها مستندا إلى الاخلال بالسورة ويراه الآخر مستندا إلى الاخلال بالتسبيحات الاربع ثلاثا، ومع بطلان العمل عند كليهما وعدم الفتوى بالصحة لابد من اعادته أو قضائه كما عرفت. حكم الخطأ في ببان الفتوى: (1) يقع الكلام في هذه المسألة تارة فيما إذا نقل فتوى المجتهد بالاباحة ثم ظهر أن فتواه هو الحرمة أو الوجوب أو أن المجتهد اخطاء في بيان فتواه فافتى بالاباحة مع أن فتواه الحرمة أو الوجوب كما إذا سئل عن العصير العنبي إذا غلى فافتى بعدم

[ 371 ]

حرمته وظهر بعد ذلك أن فتواه حرمته وانما الجائز عنده هو العصير الزبيبى واشتبه احدهما بالآخر. واخرى فيما إذا نقل فتوى المجتهد بالحرمة أو الوجوب ثم ظهر أن فتواه هي الاباحة أو أنه افتى السائل بهما ثم التفت أن فتواه الجواز كما لو سئل عن الانتفاع بالميتة فافتى بحرمته ثم انكشف انه يفتى بجوازه وانما يرى حرمة بيع الميتة واشتبه عليه الانتفاع بالبيع. ويقع الكلام في هاتين الصورتين في أن الناقل أو المجتهد هل يجب عليهما اعلام الجاهل بالحال وبيان أن الامر قد اشتبه عليهما أو لا يجب؟ (أما الصورة الاولى): فلا ينبغي التوقف في وجوب الاعلام في تلك الصورة لانه بفتواه بالاباحة أو بنقله الفتوى بها قد سبب إلى الوقوع في الحرام اعني ترك الواجب أو فعل الحرام. وقد ذكرنا في محله أن المستفاد حسب المتفاهم العرفي من دليل الحرمة في جميع الموارد انما هو مبغوضية انتساب العمل المحرم إلى المكلفين بلا فرق في ذلك بين الانتساب بالمباشرة والانتساب بالتسبيب ومن هنا قلنا ان تقديم الطعام النجس إلى الجاهل ليأكله أمر حرام لان النهي والتحريم وان كانا قد تعلقا باكل النجس إلا أن العرف يفهم من ذلك أن اكل النجس مبغوض مطلقا سواء صدر ذلك عن المكلف بالمباشرة ام صدر بالتسبيب كتقديمه الطعام النجس إلى من يحرم عليه اكل النجس واقعا وان كان بالفعل معذورا لجهله وكذلك الحال فيما إذا نهى عن الدخول عليه فان العرف يفهم من مثله عدم الفرق في مبغوضية الدخول عليه بين صدوره بالمباشرة كما إذا دخل عليه بنفسه وبين صدوره بالتسبيب كما إذا ادخل الغير عليه. إذا مقتضى أدلة المحرمات عدم جواز التسبيب إلى الحرام. بل العقل ايضا مستقل بذلك لان ما هو الملاك في المنع عن العمل بالمباشرة موجود في العمل بالتسبيب وبما أن المجتهد افتى باباحة الحرام أو الواجب أو أن الناقل نقل الفتوى بالاباحة

[ 372 ]

فيهما فقد سببا إلى وقوع المكلف في ترك الواجب أن فعل الحرام، وغاية الامر انهما ماداما غافلين ومستمرين في اشتباههما معذوران في التسبيب إلى الحرام فإذا ارتفعت غفلتهما والتفتا إلى الحال وجب عليهما إعلام الجاهل وبيان أن الفعل واجب أو حرام وأن الافتاء بالاباحة أو نقلها انما صدرا غفلة ونحوها. ويؤيد ذلك بل يدل عليه ما ورد من أن المفتي ضامن كما في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: كان أبو عبد الله - ع - قاعدا في حلقة ربيعة الرأي فجاء اعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فاجابه فلما سكت قال له الاعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة، ولم يرد عليه شيئا فاعاد المسألة عليه فاجابه بمثل ذلك فقال له الاعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال أبو عبد الله - ع - هو في عنقه قال: أم لم يقل، وكل مفت ضامن (* 1) والمراد بالمفتي مطلق من ينقل الحكم فيشمل المجتهد والناقل كليهما. بل ورد في بعض الاخبار أن كفارة تقليم المحرم اظفاره على من افتى بجوازه (* 2) وتدل عليه ايضا صحيحة ابي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر - ع - من افتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه (* 3) وكذلك غيرها من الاخبار الدالة على حرمة الفتوى بغير علم وذلك لان الفتوى بالاباحة في المقام ايضا من غير علم وإن كان المجتهد أو الناقل معذورين ما داما مشتبهين أو غافلين إلا انه إذا ارتفعت الغفلة وجب عليهما اعلام الجاهل بالحال كما مر هذا.


(* 1) المروية في ب 7 من ابواب آداب القاضي من الوسائل. (* 2) المروية في ب 13 من ابواب بقية كفارات الاحرام من الوسائل. (* 3) المروية في ب 4 من ابواب صفات القاضى وب 7 من ابواب آداب القاضى من الوسائل.

[ 373 ]

وقد اسبقنا عند التكلم على معنى التقليد أن كون المفتى ضامنا هو الموافق لمعنى التقليد ومفهومه، لانه بمعنى جعل الشخص ذا قلادة فكأن العامي جعل أعماله التي استند فيها إلى فتوى ذلك الشخص قلادة ووضعها على رقبته، وإذا كان الامر كذلك فلا مناص من الحكم بوجوب الاعلام في المقام، لانه لو تركه بعدما زالت غفلته ضمن ما اتى به الجاهل من المحرمات أو ما تركه من الواجبات وكان وزر ذلك عليه. نعم لا مجال للاستدلال في المقام بما دل على وجوب تبليغ الاحكام الشرعية وحفظها عن الاندراس، وذلك لانها انما دلت على وجوب تبليغها فحسب ويتحقق ذلك ببيان الاحكام الشرعية على نحو يتمكن العامي من الوصول إليه حتى لا يندرس الدين بلا فرق في ذلك بين المجتهد وغيره من المكلفين. وأما ايصالها إلى كل فرد فرد من آحاد المكلفين ولو بدق ابوابهم فلم يقم على وجوبه دليل ولم يلتزم به الائمة عليهم السلام فما ظنك بغيرهم، وانما التبليغ كذلك كان لازما على النبي - ص - بالمقدار الممكن منه دون بقية المكلفين، ويتحقق بيان الاحكام الشرعية على النحو المزبور - في حق المجتهد - بطبع رسالته العملية وجعلها موردا يتمكن من الوصول إليه، أو بجلوسه في بيته وتهيؤه للجواب عند السؤال عن الاحكام الشرعية. وهذا بخلاف المقام لان المطلوب فيه ليس هو التحفظ على الاحكام الشرعية عن الاندراس ببيانها على نحو يتمكن المكلف من الوصول إليها. بل المراد ايصال الحكم إلى العامي الجاهل بشخصه، وهذا مما لا تقتضيه الادلة الواردة في وجوب تبليغ الاحكام الشرعية فالاستدلال بتلك الادلة مما لاوجه له في المقام. هذا كله في الصورة الاولى. (أما الصورة الثانية): فالصحيح أن الاعلام غير واجب حينئذ، إذ لا دليل على وجوبه، فإذا سئل المجتهد عن الصوت المرجع - مثلا - فافتى بحرمته وانه غناء

[ 374 ]

وظهر بعد ذلك أن فتواه فيه الاباحة وأن المحرم هو الصوت المرجع المطرب. لم يحب عليه اعلام السائل بالحال، لانه أو الناقل وان سبب ترك العمل للمكلف الا انه تسبيب إلى التزام المكلف بترك امر مباح أو باتيان عمل غير واجب ولا حرام وهو مما لا محذور فيه بل هو امر مستحسن لانه موافق للاحتياط فما استدللنا به على حرمة التسبيب غير جار في المقام. وأما الاستدلال على وجوب الاعلام في هذه الصورة بما دل على وجوب تبليغ الاحكام وحفظها عن الاندراس فيرد عليه: (أولا): ما قدمناه من ان تلك الادلة انما تقتضي وجوب تبليغ الاحكام بمعنى بيانها على نحو يتمكن من الوصول إليها ولا دلالة لها على وجوب ايصالها إلى آحاد المكلفين الذي هو المطلوب في المقام. و (ثانيا): ان الآيات والاخبار المستدل بهما على وجوب تبليغ الاحكام مختصة بالاحكام الالزامية، ولا تعم الاحكام الترخيصية إما لاقترانها بالقرينة في نفسها كقوله عز من قائل: إن الذين يكتمون ما انزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله... (* 1) فانه يدل على أن كتمان ما هو سبب للهداية هو المبغوض المحرم لدى الله وما به الهداية هو الاحكام الالزامية فحسب، وقوله: ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (* 2) لوضوح أن الانذار لا يتحقق الا ببيان الاحكام الالزامية، إذ لا انذار في الاحكام الترخيصية. وإما لما اسلفناه من أن التعلم واجب طريقي وليس بواجب نفسي، والوجه في هذا الوجوب الطريقي هو التحفظ على المصالح لئلا تفوت، والتجنب عن الوقوع في المفاسد، ومن الظاهر عدم وجوب التعليم الا فيما وجب فيه التعلم، لانه لا معنى


(* 1) البقرة 2: 159. (* 2) التوبة 9: 122.

[ 375 ]

[ (مسألة 49) إذا اتفق في اثناء الصلاة مسألة لا يعلم حكمها (1) يجوز له أن يبنى على أحد الطرفين بقصد أن يسأل عن الحكم بعد الصلاة، وأنه إذا كان ما اتى به على خلاف الواقع يعيد صلاته، فلو فعل ذلك، وكان ما فعله مطابقا للواقع، لا يجب عليه الاعادة. ] لوجوبه من دون وجوب التعلم ثم إن التعليم إنما يجب - وجوبا طريقيا - في خصوص الاحكام الالزامية لما مر من أن الاحكام الترخيصية من المباحات والمستحبات والمكروهات لا يجب فيها التعلم والتقليد، لانه لا مفسدة في ارتكابها أو تركها، ومع عدم وجوب التعلم لا معنى لوجوب التعليم. والمتلخص أن الادلة المستدل بها على وجوب تبليغ الاحكام وتعليمها مختصة بالاحكام الالزامية ولا تعم الترخيصية بوجه، ومن هنا لا يجب على المجتهد الافتاء بالاباحة في المباحات بل له الافتاء فيها بالاحتياط لمكان انها خلاف المشهور أو لغير ذلك من الوجوه المناسبة للاحتياط. إذا ابتلى في اثناء الصلاة بما لا يعلم حكمه: (1) ذكرنا فيما تقدم أن المسائل التي تبتلي بها المكلف يجب ان يتعلمها كما مر فإذا تعلمها قبل الابتلاء بها فهو. وأما إذا لم يتعلم مسائل الشك والسهو - مثلا - وابتلى بها وهو في اثناء الصلاة فان امكنه الاحتياط في عمله كما إذا شك في قراءة الفاتحة بعدما دخل في قرائة السورة ولم يعلم أن بذلك تحقق التجاوز عن الفاتحة لتعددهما أو لم يتحقق لانهما شئ واحد - مثلا - أو شك في قراءة آية بعدما دخل في آية اخرى فان الاحتياط بالاتيان بالقراءة أو الآية المشكوكة ثانيا أمر ممكن إذا اتى بها رجاء لعدم كونها مخلة بصحة الصلاة لانها ليست من الاركان الموجبة لبطلان الصلاة بزيادتها ونقيصتها.

[ 376 ]

وأما لو لم يتمكن من الاحتياط كما إذا اهوى إلى السجود فيشك في أنه ركع أم لم يركع، ولم يعلم أن الدخول في مقدمة الجزء المترتب على المشكوك فيه محقق للتجاوز أو لابد في صدقه من الدخول في الجزء المترتب نفسه فان الاحتياط بالاتيان بالركوع ثانيا غير ممكن ولو رجاء لانه من المحتمل أن يكون المكلف آتيا بالركوع واقعا أو بالتعبد لقاعدة التجاوز وكفاية الدخول في مقدمة الجزء المترتب، ومعه يكون الاتيان بالركوع ثانيا زيادة ركنية مبطلة للصلاة، كما لا يتمكن من قطع الصلاة واستينافها من الابتداء، لاحتمال أن تكون صلاته صحيحة واقعا والمشهور حرمة قطع الفريضة فللمسألة صورتان: وذلك لان المكلف قد يكون مأمورا بالتعلم قبل ذلك لتمكنه منه واطمئنانه أو احتماله الابتلاء بالمسألة ويتركه بالاختيار. وقد لا يكون مكلفا بتعلمها لغفلته أو لعلمه واطمئنانه بعدم ابتلائه بالمسألة. (أما الصورة الاولى): فلا شبهة في تنجز التكليف الواقعي في تلك الصورة لتمكن المكلف من التعلم، واطمئنانه، أو احتماله الابتلاء وانما تركه بالاختيار فلا مناص له من أن يخرج عن عهدة التكليف المتوجه إليه لقدرته على الاتيان بالمأمور به وغاية الامر انه غير متمكن من احراز الامتثال. وحيث أن المسألة اتفقت في اثناء الصلاة وأن مفروضنا عدم جواز قطعها واستينافها من الابتداء الموجب لحصول القطع بالامتثال، كما هو المشهور بينهم (قدس الله اسرارهم) فلا مناص من أن يبني على أحد طرفي الشك حال الصلاة ويتمها رجاء بقصد أن يسأل المسألة بعد الصلاة. فان افتى مقلده بصحتها فهو لا تجب عليه اعادتها لانه اتى بها رجاء اي مضيفا بها إلى الله وهو كاف في صحة عمله وعباديته. وإذا افتى بالفساد يعيدها أو يقضيها خارج الوقت. بمعنى انه يرتكب قطع الفريضة - احتمالا - وان قلنا بعدم

[ 377 ]

جواز قطعها جزما برفعه اليد عن صلاته. (وأما الصورة الثانية): فليس فيها الحكم متنجزا على المكلف وله أن يبني على احد طرفي الشك حال الصلاة اتمامها رجاء على الكيفية المتقدمة في الصورة السابقة، كما أن له قطع الصلاة واستينافها من الابتداء، وذلك لان حرمة قطع الصلاة غير مستفادة من الادلة اللفظية حتى يتمسك باطلاقها وانما مدركها الاجماع والقدر المتيقن منه ما إذا تمكن المكلف من اتمام الصلاة جازما بصحتها ولو من جهة كونها متمكنا من التعلم قبل العمل ولا سبيل للمكلف إلى ذلك في المقام لانه من المحتمل بطلانها في الواقع باختياره احد طرفي الشك في مقام العمل ومعه كيف يمكنه احراز انه اتمها صحيحة والمفروض انه لم يكن مكلفا بالتعلم قبل العمل وهذا بخلاف الصورة المتقدمة لانها مشمولة للاجماع بلا كلام ومن ثمة ذهب بعضهم إلى وجوب تعلم مسائل الشك والسهو. بل ادعى شيخنا الانصاري (قده) فسق تارك تعلمها فان هاتين الدعويين لا وجه لهما سوى عدم جواز قطع الصلاة على من وجب عليه تعلم مسائل الشك والسهو، لانه لو جاز له قطع الصلاة تمكن المكلف - حينما عرضه الشك في صلاته - من أن يقطع ما بيده ويستأنفها ابتداء، ومعه لماذا يجب عليه تعلم المسائل الراجعة إلى الشك والسهو، ولماذا يتصف المكلف بالفسق بترك تعلمها. ثم انه على كلتا الصورتين إذا رجع المكلف إلى مقلده وهو افتى ببطلان ما أتى به من الصلاة وجبت اعادته كما مر وهل يختص وجوب الاعادة بما إذا كان العمل المأتي به فاقدا لشئ من الاجزاء والشرائط الركنيتين أو أن الاعادة واجبة مطلقا سواء أكان العمل المأتي به فاقدا لشئ من الامور الركنية أو كان فاقدا لغيرها من الاجزاء والشرائط؟ الثاني هو الصحيح وذلك لان العمل المأتي به ناقص حينئذ وغير مشتمل على

[ 378 ]

[ (مسألة 50) يجب على العامي في زمان الفحص عن المجتهد، أو عن الاعلم أن يحتاط في أعماله (1) ] الامور المعتبرة فيه، ولا يجري في المقام حديث لا تعاد، لما مر من أن مورده ما إذا كان العمل صحيحا عند الفاعل بالتقليد أو الاجتهاد بحيث لو لم ينكشف له الخلاف لم تجب اعادته، وليس الامر كذلك في المقام لان المكلف تجب عليه الاعادة انكشف له الخلاف ام لم ينكشف لقاعدة الاشتغال القاضية بوجوب الاعادة والاتيان بالمأمور به من الابتداء لمكان الشك في صحة ما اتى به من الصلاة. (1) للعلم الاجمالي بوجود احكام الزامية في الشريعة المقدسة فانه يقتضى تنجزها على المكلفين وبه يستقل العقل بلزوم الخروج عن عهدتها خروجا قطعيا ولا يمكن ذلك إلا بالاحتياط ففى كل مورد احتمل فيه المكلف حكما الزاميا وجب عليه الاحتياط تحصيلا للمؤمن ودفعا للضرر المحتمل بمعنى العقاب على ما بيناه في اوائل الكتاب عند قول الماتن: يجب على كل مكلف أن يكون... مجتهدا أو مقلدا أو محتاطا. ثم إن اطراف الاحتياط في زمان الفصح عن المجتهد أو الاعلم هي أقوال من يحتمل اجتهاده أو اعلميته دون الوجوه المحتملة في المسألة، فإذا علم اجتهاد احد شخصين أو اعلميته كفى في الاحتياط الاخذ باحوط قوليهما، ولم يجب عليه الاخذ باحوط الوجوه المحتملة في المسألة، وذلك لعلمه بحجية احد ذينك القولين في حقه، ومعه يكون العمل باحوطهما مؤمنا من العقاب.

[ 379 ]

[ (مسألة 51) المأذون، والوكيل عن المجتهد في التصرف في الاوقاف، أو في أموال القصر، ينعزل بموت المجتهد (1) بخلاف المنصوب من قبله كما إذا نصبه متوليا للوقف أو قيما على القصر فانه لا تبطل توليته وقيمومته على الاظهر (2) ] المأذون والوكيل عن المجتهد: (1) فانه لا معنى لبقاء الاذن بعد موت المجتهد الآذن في التصرفات كما ان الوكالة تبطل بموت الموكل لخروجه عن اهلية التصرف بالموت، ومع عدم اهلية الموكل للتصرف لا معنى للاستنابة والوكالة عنه، إذ الوكيل هو الوجود التنزيلي للموكل ومن هنا تنسب تصرفاته إلى موكله واليه يتوجه الامر بالوفاء بتلك التصرفات من بيع أو شراء أو اجارة ونحوها. (2) يأتي في المسألة الثامنة والستين أن الفقيه لم تثبت له الولاية المطلقة في زمان الغيبة ليتمكن من نصب المتولي والقيم ونحوهما، إذا جعله المتولي أو القيم في الحقيقة من التوكيل دون جعل التولية أو القيمومة. وقد تقدم أن بموت الموكل تبطل وكالة الوكيل. ودعوى: أن جعل القيمومة أو التولية ليس من جهة عموم الولاية الفقيه حتى يدفع بعدم الدليل عليه. بل من جهة أن اعطاء هذه المناصب من الوظائف الراجعة إلى القضاة. مندفعة: بأن الفقيه إذا انكرنا ثبوت الولاية المطلقة له فانى له اعطاء هذه المناصب لغيره فانه يحتاج إلى دليل ولم يدلنا اي دليل على أن القاضي يتمكن من اعطائها. وقوله في مقبولة عمر بن حنظلة: فاني قد جعلته عليكم حاكما (* 1)


(* 1) المروية في ب 11 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 380 ]

اجنبي عن هذا المدعى، لانه بمعنى جعلته عليكم قاضيا كما ورد في صحيحة ابي خديجة حيث قال - ع - فاني قد جعلته قاضيا (* 1) ويأتي أن جعل القضاوة لا دلالة له بوجه على تمكن القاضي من اعطاء تلك المناصب لمن أراد. بل اثباته يحتاج إلى دليل على أن المقبولة ضعيفة السند - كما مر - وغيره صالحة للاستدلال بها على شئ. ونظيره دعوى: أن جعل القيم أو المتولي من الحاكم كجعلهما من الله فليست القيمومة أو التولية راجعة إلى ولاية الفقيه أو أن المنصب من الله والحاكم واسطة في الثبوت فلا موجب لانعدامه بموت المجتهد الحاكم. فان كلا من الدعويين بلا دليل، لوضوح ان كلامنا ليس في أن الحاكم هل يمكن أن ينصب قيما أو متوليا ولا ينعدم بموته؟ فان امكانه امر لا مناقشة فيه وانما الكلام في ثبوته وهو يحتاج إلى دليل، ولم يدلنا اي دليل على أن للمجتهد نصب القيم أو المتولي اللهم الا بناء على ثبوت الولاية المطلقة له في عصر الغيبة ويأتي منا انها أيضا مما لادليل عليه. بل لو سلمنا أن الفقيه له الولاية على النصب لا مناص من أن نلتزم بارتفاع القيمومة أو التولية التي جعلها المجتهد للقيم والمتولي بموته، فان القدر المتيقن من ثبوت الولاية انما هو ولايته على النصب وهو حي. وأما ولايته على نصب القيم - مثلا - مادام كون القيم حيا، وإن مات المجتهد فهي مشكوكة الثبوت، وحيث لا اطلاق يتمسك به لاثباتها فمقتضى الاصل عدم ولايته كذلك بعد موته. ودعوي: أن السيرة جارية على اعطاء هذه المناصب من القضاة وبقاء المنصوبين من قبلهم على القيمومة أو التولية حتى بعد موت القاضي الجاعل لهما وخروجه عن الاهلية وأن هذا هو المرسوم في القضاة بالفعل ايضا. مندفعة: بان السيرة على ذلك غير ثابتة، وأن المقدار الثابت - على تقدير


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 381 ]

[ (مسألة 52) إذا بقى على تقليد الميت من دون أن يقلد الحي في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد (1) (مسألة 53) إذا قلد من يكتفي بالمرة - مثلا - في التسبيحات الاربع، واكتفى بها أو قلد من يكتفي في التيمم بضربة واحدة ثم مات ذلك المجتهد فقلد من يقول بوجوب التعدد لا يجب عليه اعادة الاعمال السابقة (2) ] القول بالولاية - أن القضاء لهم نصب القيم والمتولي - حال حياتهم - وارتفاعهما بموتهم. وأما أن لهم أن ينصبوا تلك المناصب إلى الابد ليبقي بعد مماتهم فلم يحرز سيرتهم عليه. ولا يمكن استصحاب بقاء القيمومة أو التولية للقيم والمتولي بعد موت المجتهد الجاعل لهما، لانه من الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكمية وقد مر غير مرة عدم جريانها لابتلائها بالمعارض - دائما - بل الاستصحاب لا مجال له في المقام وإن قلنا بجريانه في الشبهات الحكمية، لانه من المحتمل أن تكون ولاية القيم أو المتولي من آثار ولاية القاضى الجاعل وشئونها، ومعه إذا مات الجاعل ارتفعت ولاية القيم والمتولي لا محالة. إذا الموضوع غير محرز البقاء، ومع عدم احراز بقائه لا معنى للاستصحاب. (1) نظير من عمل بارآء غير الاعلم من دون ان يقلد الاعلم فيه، لوضوح أنه ليس من التقليد الصحيح، وليس للعامي أن يكتفي بما اتى به كذلك فان فتوى الميت أو غير الاعلم مشكوكة الاعتبار، والعمل بما يشك في حجيته غير مؤمن من احتمال العقاب ولا يجتزى به العقل في امتثال التكاليف المنجزة بالعلم الاجمالي بوجه. أللهم إلا أن يرجع فيهما إلى الاعلم أو الحي المجوزين تقليد غير الاعلم أو الميت بقاء، فان بذلك يستكشف أن أعماله كانت مطابقة للحجة فيحكم بصحتها. (2) قد اسلفنا تفصيل الكلام في هذه المسألة في أوائل الكتاب عند الكلام

[ 382 ]

[ وكذا لو أوقع عقدا أو ايقاعا بتقليد مجتهد يحكم بالصحة ثم مات وقلد من يقول بالبطلان يجوز له البناء على الصحة. نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني. وأما إذا قلد من يقول بطهارة شيئ كالغسالة ثم مات وقلد من يقول بنجاسته فالصلوات والاعمال السابقة محكومة بالصحة وإن كانت مع استعمال ذلك الشئ. وأما نفس ذلك الشئ إذا كان باقيا فلا يحكم بعد ذلك بطهارته، وكذا في الحلية والحرمة، فإذ أفتى المجتهد الاول بجواز الذبح بغير الحديد - مثلا - فذبح حيوانا كذلك فمات المجتهد وقلد من يقول بحرمته فان باعه أو أكله حكم بصحة البيع وإباحة الاكل. وأما إذا كان الحيوان المذبوح موجودا فلا يجوز بيعه ولا أكله وهكذا. (مسألة 54) الوكيل في عمل عن الغير كاجراء عقد أو ايقاع أو إعطاء خمس أو زكاة أو نحو ذلك يجب أن يعمل بمقتضى تقليد الموكل لا تقليد نفسه (2) إذا كانا مختلفين، وكذلك الوصي في مثل ما لو كان وصيا في استيجار الصلاة عنه يجب أن يكون وفق فتوى مجتهد الميت. ] على الاجزاء فلا نعيد. الوكيل في عمل عن الغير: (1) المكلف إذا اراد تفريغ ذمة الغير عما اشتغلت به من التكاليف أو الوكيل في اجراء عقد أو ايقاع ونحوهما فهل يعتبر أن يراعي وظيفة نفسه الثابتة بالتقليد أو الاجتهاد، أو أن الواجب أن يراعي وظيفة الغير؟ يختلف حكم المسألة باختلاف الموارد، فان تفريغ ذمة الغير قد يصدر من المتبرع، واخرى من الولى، وثالثة من

[ 383 ]

الوصي، ورابعة من الوكيل. فان كان المتصدي للتفريغ هو المتبرع أو الولى كالولد الاكبر إذا اراد تفريغ ذمة والده الميت عن الصلاة والصيام فلا مناص من أن يفرغا ذمة الميت بما هو الصحيح عندهما حتى يسوغ لهما الاجتزاء به في تفريغ ذمته - وجوبا أو استحبابا -. فإذا كان الميت بانيا على وجوب التسبيحات الاربع ثلاثا أو على وجوب السورة في الصلاة دون المتبرع أو الولي جاز لهما الاقتصار في التسبيحات الاربع بالمرة الواحدة أو بالصلاة من دون سورة لانهما محكومان بالصحة ومفرغان ذمة الميت عندهما، وكذلك الحال فيما إذا اختلفا في الاركان كما إذا بنى الميت - اجتهادا أو تقليدا - على وجوب التوضوء في بعض الموارد مع الجبيرة، وبنى الولي أو المتبرع على وجوب التيمم فيه فان اللازم أن يراعيا الصحيح عندهما، لا الصحيح عند الميت وأما لو كان المتصدي للتفريغ هو الوكيل أو الوصي فلا مناص من أن يراعيا الصحيح عند الموصي أو الموكل، فان الوكالة من ايكال الامر إلى الغير فالموكل أو كل العمل إلى وكيله ليقوم مقامه فيه ويعمل عمله، فالوكيل وجود تنزيلي لموكله وعمله عمله ومن هنا يصح اسناد عمله إلى الموكل في العقود والايقاعات، ويكون قبضه قبض الموكل، ومعه لابد للوكيل من أن يراعى الصحة عند الموكل، وإلا فلم يأت بالعمل الموكول إليه. وإن شئت قلت عمل الوكيل عمل للموكل بالتسبيب فلا مناص من أن يراعى فيه نظره، كما هو الحال في فعله المباشري، لانه لا فرق في العمل بين المباشرة والتسبيب فلو وكل أحدا في استيجار من يصلي عن أبيه - مثلا - وكان ممن يرى الترتيب في القضاء دون الوكيل لم يجز للوكيل استيجار أجير للقضاء إلا أن يراعى الترتيب فيه. ومن ذلك يظهر الحال في الوصي، لانه ايضا نائب عن الموصى في تصرفاته

[ 384 ]

فليس له أن يأتي باعماله حسب نظره واعتقاده، إذ ليس العمل عمله، فإذا أوصاه أن يستأجر أحدا للقضاء عنه لم يجز للوصي استيجاره للصلاة من دون سورة، وإن كانت الصلاة من دونها صحيحة عنده. بل يجب استيجاره لها مع السورة، لانها الواجبة عند الموصى بالاجتهاد أو التقليد، فالمنصرف إليه من الوكالة والوصاية لدى العرف - ما لم تقم قرينة على الخلاف - إنما هو استنابة الموكل أو الموصى للوكيل والوصى في عملهما الموجب لتفريغ ذمتهما على نظرهما. فلا يمكن قياسهما بالمتبرع والولي، فان التكليف من الابتداء متوجه إليهما - وجوبا أو استحبابا - فلا مناص من مراعاة نظرهما، وهذا بخلاف الوصي والوكيل فان التكليف غير متوجه إليهما ابتداء وانما هو توجه إلى الموصى والموكل وهما يعطيان السلطة في أعمالهما إلى الوكيل أو الوصي فهما نائبان عن الموكل والموصى فيجب أن يراعيا نظرهما. نعم يمكن المناقشة بالاضافة إلى الاجير، بأن العمل العبادي الذي يقع مورد الاجارة انما هو العمل الصحيح الموجب لتفريغ ذمة المنوب عنه، فإذا فرضنا أن العمل الذي اتى به الاجير عن المستأجر باطل بنظره فكيف يتمشى منه قصد التقرب به؟! وان كان صحيحا عند المستأجر والمنوب عنه، ومع عدم تمشى قصد القربة ووقوع العمل باطلا وغير موجب لتفريغ ذمة المستأجر لم تصح اجارته لعدم قدرته على العمل الذي وقع موردا للاجارة، ومع كون العمل باطلا عند الاجير لا يصح اجارته. نعم لا مانع من صحة الاجارة فيما إذا كان الاجير محتملا لصحة العمل، لانه يتمكن حينئذ من اتيانه رجاء وبما انه صحيح عند المنوب عنه، ومعه يحكم بصحة العمل ويكون موجبا لتفريغ ذمته فعلى ذلك ايضا لا يعتبر في موارد الاجارة أن يكون العمل صحيحا عند الاجير. بل اللازم أن لا يكون باطلا عنده فلاحظ.

[ 385 ]

[ (مسألة 55) إذا كان البائع مقلدا لمن يقول بصحة المعاطاة - مثلا - أو العقد بالفارسي، والمشتري مقلدا لمن يقول بالبطلان، لا يصح البيع بالنسبة إلى البائع ايضا (1) لانه متقوم بطرفين فاللازم أن يكون صحيحا من الطرفين وكذا في كل عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه، ومذهب الآخر صحته. ] اختلاف المتعاملين تقليدا أو اجتهادا: (1) قد يقال ببطلان المعاملة بالاضافة إلى كل من المتعاملين نظرا إلى أن المعاملة هي المعاقدة بين الالتزامين ولا اشكال في أنها قائمة بالطرفين، فان حكم ببطلانها بالاضافة إلى المشتري - مثلا - لم يكن مناص من الحكم ببطلانها بالاضافة إلى البايع ايضا، إذ لا معنى لصحتها بالاضافة إلى أحدهما وبطلانها بالاضافة إلى الآخر، لانها قائمة بالطرفين، فلا يقاس ابواب العقود والمعاملات بالاحكام التكليفية، لانها يمكن أن تثبت في حق أحد دون آخر كالغسالة التي يرى بعضهم طهارتها وهي محكومة بالنجاسة عند غيره. وقد يقال: بصحتها بالاضافة إلى كليهما، لان المعاقدة والمعاملة أمران قائمان بطرفي المعاملة فإذا صححناها في طرف دل ذلك بالدلالة الالتزامية على صحتها في الطرف الآخر ايضا. ولا يمكن المساعدة على شئ منهما، وذلك لان الحكم بالصحة في كلا الطرفين - عند صحتها بالاضافة إلى أحدهما - كما أصر عليه شيخنا المحقق في حاشيته على المكاسب أو الحكم بالفساد عند الحكم بفسادها بالاضافة إلى أحدهما، كما بنى عليه الماتن انما هو بحسب الحكم الواقعي لوضوح أن مع فساد المعاملة واقعا من طرف المشترى - مثلا - لا معنى لصحتها من طرف البايع كما لا معنى لفسادها من احد الطرفين مع

[ 386 ]

صحتها من احدهما. إلا أن كلامنا إنما هو فيما إذا رأى احدهما بطلان المعاملة بحسب الحكم الظاهرى الثابت عنده بالتقليد أو الاجتهاد، ورأى الآخر صحتها ظاهرا كذلك، وليس محل الكلام ما إذا صحت المعاملة أو فسدت عند احدهما واقعا، ولا تلازم بين الفساد من طرف - ظاهرا - وبين الفساد من الجانب الآخر. فالصحيح - بناء على الطريقية - في باب الامارات دون السببية والموضوعية أن يلتزم بصحة المعاملة عند القائل بالصحة وفسادها عند القائل بالفساد في مرحلة الظاهر، لقيام الطريق على الصحة عند أحدهما وعلى الفساد عند الآخر، فلا مناص من أن يعمل كل منهما حسبما تقتضيه الوظيفة الظاهرية وما أدت إليه الامارة القائمة عنده والتفكيك و الاختلاف - بين المتلازمين - في مرحلة الظاهر امر لا محذور فيه فنلتزم بان المبيع - مثلا - خرج عن ملك البايع - ظاهرا - وأنه المالك للثمن، كما نلتزم بان الثمن باق على ملك المشترى وان المثمن غير داخل في ملكه بحسب الظاهر. نعم هذا يؤدى إلى الاختلاف والنزاع بين المتعاملين فيرجع فيه إلى حكم الحاكم ويعمل على طبق الموازين المقررة في باب القضاء، وإلا فالبايع مالك للثمن ويجوز له اخذه من المشتري ولو حيلة، ولا وجه معه للحكم بالصحة ولا للحكم بالفساد من كلا الجانبين. نعم ما ذهب إليه الماتن " قده " من الحكم بالفساد في كلا الطرفين إنما يتم بناء على ما لا يلتزم به هو " قده " ولا غيره من المحققين من القول بالسببية والموضوعية في باب الطرق، وذلك لانا إذا التزمنا بانقلاب الواقع عند قيام الامارة على الخلاف كانت الصحة عند القائل بها والفساد عند الاخر حكما واقعيا حسبما أدت إليه الامارة القائمة عندهما فليس هناك حينئذ حكم ظاهري ليجوز التفكيك بين المتعاملين بحسب الصحة والفساد. فإذا فرضنا أن الحكم الواقعي هو الفساد وكانت الامارة القائمة عند احدهما

[ 387 ]

[ (مسألة 56) في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدعى (1) ] على صحة المعاملة مستلزمة لقلب الواقع وتبدل الفساد بالصحة واقعا، والحكم بالصحة في أحد الطرفين واقعا لا يجتمع مع الحكم بالفساد - واقعا - في الطرف الآخر، وكذا الحال فيما إذا كان الحكم الواقعي هو الصحة فان الامارة القائمة عند احدهما على الفساد تستلزم قلب الواقع إلى موداها لا محالة وبها تتبدل المعاملة الصحيحة فاسدة واقعا والحكم بالفساد في أحد الطرفين لا يجتمع مع الحكم بالصحة واقعا في الطرف الآخر ومع عدم ثبوت صحتها وفسادها كانت النتيجة هو الفساد، فلا يمكن الحكم بانتقال الثمن إلى البايع ولا بانتقال المثمن إلى المشتري كما افاده الماتن " قده ". وأما بناء على ما هو الصحيح عند محققي الاصحاب من القول بالطريقية، فاللازم هو الحكم بالصحة عند أحدهما حسبما أدت إليه الامارة القائمة عنده والحكم بالفساد عند الآخر حسبما أداه الطريق القائم عنده كما عرفت. (1) الوجه فيه: أن اثبات القضية المدعاة إنما هو على المدعى وهو الذي يحتاج في ذلك إلى اقامة الحجة والدليل، وله أن يحتج عليها بما شاء، ويستدل بأي دليل أراده، فالاختيار في ذلك إليه، وليس للمنكر أن يقترح له الدليل ويعين له الحجة في استدلاله بان يقول: إني لا اقبل قولك، إلا أن تستدل عليه بدليل كذا. فانه أمر غير مسموع لدى العقلاء ولا يعتنون به بوجه، فان المنكر لا يروم من المدعى سوى اثبات مدعاه، سواء في ذلك أن يحتج المدعى بهذا أو بذاك، كما أن الامر كذلك في الاستدلالات العلمية، فان المخالف في المسألة لا يطالب من المخالف في المسألة الا الدليل ومطلق ما به البيان وليس له أن يطالبه بدليل يقترح له. بل الاختيار في ذلك إلى المستدل. إذا للمدعى أن يختار أحد الحاكمين، ويستدل بحكمه، ويحتج به على مدعاه.

[ 388 ]

[ إلا إذا كان مختار المدعى عليه أعلم (1) بل مع وجود الاعلم وامكان الترافع إليه الاحوط الرجوع إليه مطلقا. (مسألة 57) حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقضه (2) ولو لمجتهد آخر. ] ومن هنا ذكرنا في بحث التفسير أن أمر المعجزة انما هو بيد مدعى النبوة وانه ليس للناس أن يقترحوا المعجزة على مدعيها وقد ورد في بعض الروايات عن النبي - ص - ما مضمونه أن اقتراح المعجزة غير راجع إلى الناس، وليس أمر تعيينها بيدهم وإنما ذلك إلى الله فهو الذي يعين معجزة للنبى (* 1). (1) يأتي في المسألة الثامنة والستين أن الاعلمية غير معتبرة في حجية القضاء ونفوذ حكم الحاكم في المترافعين. بل الاعلم وغيره سيان، إذا اختيار تعيين الحاكم بيد المدعى مطلقا سواء أكان مختار المنكر أعلم أم لم يكن. حكم الحاكم لا يجوز نقضه: (2) قد يستدل عليه بالاجماع واخرى بما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة من قوله عليه السلام: فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله، وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله (* 2). ويرد عليهما: أن الاجماع ليس من الاجماع التعبدي الكاشف عن قوله - ع - لاحتمال استناد المجمعين إلى المقبولة أو غيرها من الوجوه المذكورة في المقام فلا يمكن الاستدلال به بوجه. وأما المقبولة فهى على ما اشرنا إليه غير مرة ضعيفة السند لعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة فلاحظ.


(* 1) راجع البرهان: تفسير سورة إلاسراء الآية 90. (* 2) المروية في ب 11 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 389 ]

فالصحيح أن يستدل على ذلك بما علمنا بالضرورة من تشريع القضاء في الشريعة المقدسة وقد دل عليه قوله عز من قائل: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل (* 1) ويستفاد أيضا من الروايات المأثورة عنهم - ع - بوضوح. كصحيحة أبي خديجة قال: قال لي أبو عبد الله - ع -... ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه (* 2) وصحيحته الاخرى قال: بعثني أبو عبد الله - ع - إلى اصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شئ من الاخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا فاني قد جعلته عليكم قاضيا... (* 3) إلى غير ذلك من الروايات. بل لولا مشروعية القضاء في الخصومات للزم اختلال النظام والهرج والمرج. فمشروعية القضاء في الشريعة المقدسة من المسلمات. والقضاء بمعنى فصل الخصومة وحلها. وقد قيل: انما سمي ذلك بالقضاء، لان القاضي يقضى على الخصومة بفصلها، فلا يجوز وصلها بعد فصلها فان جوازه يستلزم لغوية القضاء. وحيث أن المستفاد من الروايات أن حكم الحاكم إذا صدر عن الميزان الصحيح معتبر مطلقا وأن اعتباره ليس من جهة الا مارية إلى الواقع بل انما هو لاجل أن له الموضوعية التامة في فصل الخصومات وحل المرافعات فلا مناص من الالتزام بعدم جواز نقضه مطلقا سواء علمنا بعدم مطابقته للواقع أو بالخطاء في طريقه - وجدانا أو تعبدا - أم لم نعلم به بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية فلا يجوز للمتخاصمين إعادة الدعوى عند ذلك الحاكم مرة ثانية أو عند حاكم آخر


(* 1) النساء 4: 58. (* 2) المروية في ب 1 من ابواب صفات القاضي من الوسائل. (* 3) المروية في ب 11 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 390 ]

[ إلا إذا تبين خطاؤه (1) ] رضيا بها أم لم يرضيا، كما لا يجوز للحاكم سماعها. ويدلنا على ذلك مضافا إلى ما قدمناه من الاطلاق وأن اعتبار الحكم من باب الموضوعية أن حكم الحاكم لو جاز نقضه عند العلم بمخالفته للواقع أو الخطاء في طريقه للزم عدم نفوذه - غالبا - في الترافع في الشبهات الموضوعية وبقاء التخاصم فيها إلى الابد لعلم كل من المترافعين - غالبا - بعدم صدق الآخر أو عدم مطابقة بينته للواقع، مع أنه لا مجال للتأمل في شمول الاطلاقات للشبهات الموضوعية، ونفوذ حكم الحاكم فيها - جزما - ومنه يظهر أن الاطلاقات شاملة للشبهات الحكمية ايضا كذلك وأن حكم الحاكم نافذ فيها ولو مع العلم بالمخالفة للواقع أو الخطاء في طريقه هذا كله إذا صدر الحكم على الميزان الصحيح. وأما لو حكم من دون أن يراعى الموازين الشرعية - قصورا أو تقصيرا - كما إذا استند في حكمه إلى شهادة النساء في غير ما تصح فيه شهادتهن، أو استند إلى بينة المنكر دون المدعى، أو حكم بما هو ضروري الخلاف الكاشف عن قصوره في الاستنباط وعدم قابليته للقضاء فلا مانع من الترافع بعده، إلا أن هذا ليس بنقض للحكم - حقيقة - لان الخصومة لم تنفصل واقعا حتى يجوز وصلها أو لا يجوز فان الحكم غير الصادر على الموازين المقررة كالعدم فلا حكم لينقض. (1) مقتضى الروايات الواردة في المقام وإن كان أن حكم الحاكم له الموضوعية التامة في فصل الخصومة والنزاع إلا أن مع التأمل فيها لا يكاد يشك في أن حكم الحاكم غير مغير للواقع عما هو عليه. بل الواقع باق بحاله وحكم الحاكم قد يطابقه وقد يخالفه كيف وقد صرح بذلك في صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله - ع - قال: قال رسول الله - ص: إنما اقضي بينكم بالبينات والايمان، وبعضكم الحن بحجته من بعض فايما رجل قطعت له من مال اخيه شيئا فانما قطعت له به قطعة

[ 391 ]

من النار (* 1) فانها صريحة - كما ترى - في أن القضاء غير مبدل للواقع وأن من حكم له الحاكم بشئ إذا علم أن الواقع خلافه لم يجز له اخذه. إذا لا يمكننا ان نرتب اثار الواقع بحكم الحاكم عند العلم بعدم مطابقته للواقع بلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية وسواء علمنا بالخلاف بالوجدان أم بالتعبد، فإذا ترافعا في صحة بيع وفساده، وادعى أحدهما أنه مايع متنجس - لملاقاته العصير قبل ذهاب ثلثيه - أو لاقى عرق الجنب عن الحرام، والحجة قامت عنده على نجاستهما. وبنى الآخر على صحة البيع لطهارتهما عنده، وحكم الحاكم بصحة المعاملة لبنائه على طهارة الملاقى في الصورتين وجب على مدعى البطلان أن يرتب على المعاملة اثار الصحة تنفيذا لحكم الحاكم، إلا أنه ليس له أن يرتب آثار الطهارة على المبيع لعلمه بنجاسته - تعبدا -. كما أن الحاكم إذا حكم بالمال لاحد المتخاصمين في ملكية شئ وجب على كليهما أن يرتبا على المال آثار ملكية المحكوم له - ظاهرا - فيجب على المحكوم عليه دفع المال إلى المحكوم له لعدم جواز نقض الحكم كما مر، إلا أنه - اي المحكوم له - لا يتمكن من أن يتصرف فيه سائر التصرفات إذا علم أن الحكم على خلاف الواقع كما أن المحكوم عليه يجوز أن يسرقه من المحكوم له إذا علم أن المال له وان حكم الحاكم غير مطابق للواقع. بل لا يبعد الحكم بجواز التقاص له من مال المحكوم عليه - إذا توفرت الشروط - كما إذا علم أن المحكوم له قد ظلمه وادعى المال مع علمه بانه ليس له. هذا. وقد يقال: بالتقصيل في الشبهات الموضوعية بين ما إذا استند الحاكم إلى اليمين فلا يجوز للمحكوم عليه السرقة والتقاص وإن علم أن حكمه ذلك مخالف للواقع وبين ما إذا استند إلى البينة فيجوز وذلك للاخبار الواردة في أن من كان له على غيره مال


(* 1) المروية في ب 2 من ابواب كيفية الحكم من الوسائل.

[ 392 ]

فانكره فاستحلفه لم يجز له الاقتصاص من ماله بعد اليمين فان اليمين تذهب بالحق وهي عدة روايات (* 1). " منها ": ما رواه خضر النخعي في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده قال: فان استحلفه فليس له أن يأخذ شيئا وان تركه ولم يستحلفه فهو على حقه (* 2) و " منها ": رواية عبد الله بن وضاح وفيها: ولولا انك رضيت بيمينه فحلفته لامرتك أن تأخذ من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه وقد ذهبت اليمين بما فيها... (* 3) " ومنها " غير ذلك من الروايات. والصحيح عدم الفرق في جواز الاقتصاص بين اليمين والبينة، وذلك فان الاخبار الدالة على أن اليمين تذهب بالحق على طائفتين: " إحداهما ": واردة في الاستحلاف وأن من له المال لو استحلف المنكر لم يجز له الاقتصاص من ماله بعد اليمين. و " ثانيتهما ": ما ورد في أن المنكر لو حلف لم يجز لمن له المال الاقتصاص من ماله. أما الطائفة الاولى: فهى وإن كانت تامة دلالة، ولا يمكن حملها على أن الحق الذي يذهب به اليمين هو حق الدعوى لا الحق المدعى، لانه خلاف ما ورد في بعضها كما في الرواية المتقدمة " وقد ذهبت اليمين بما فيها ": اي بما في يدك. وقوله في رواية موسى بن اكيل النميري " ذهبت اليمين بحق المدعى " (* 4) كما


(* 1) فليراجع ب 9 و 10 من أبواب كيفية الحكم واحكام الدعوى وب 46 من كتاب الايمان وب 83 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل. (* 2) المروية في ب 46 من الايمان و 10 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى من الوسائل. (* 3) المروية في ب 10 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى من الوسائل (* 4) المروية في ب 9 من ابواب كيفية الحكم واحكام الدعوى من الوسائل.

[ 393 ]

أنها غير معارضة في مداليلها، إلا أنها ضعيفة السند وغير قابلة للاستدلال بها بوجه أما الطائفة الثانية: " فمنها ": صحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله - ع - عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه وحلف ثم وقع له عندي مال. آخذه؟ " فاخذه " لمكان مالى الذي اخذه، واجحده، وأحلف عليه؟ كما صنع قال: ان خانك فلا تخنه، ولا تدخل فيما عتبه عليه (* 1) إلا أنها معارضة بصحيحة أبي بكر الحضرمي قال: قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها أيجوز لي إن وقع له قبلى دراهم أن آخذه منه بقدر حقي؟ قال: فقال: نعم... (* 2) إذا لا مجال للتفصيل في الشبهات الموضوعية بين اليمين والبينة. والمتحصل أن بحكم الحاكم لا يجوز ترتيب آثار الواقع إذا علمنا مخالفته للواقع نعم إذا لم يعلم أنه على خلافه أو مطابق له جاز ترتيب آثار الواقع بحكم الحاكم فلا مانع من ترتيب اثر الطهارة على المبيع، أو مالية المال للمحكوم له في المثالين عند عدم العلم بمخالفة الحكم للواقع، لانه مقتضى السيرة القطعية فلاحظ. ثم إن ما ذكرناه بناء على ما استدللنا به من صحيحتي أبي خديجة المتقدمتين ظاهر لا اشكال فيه. وأما لو اعتمدنا على مقبولة عمر بن حنظلة فقد يتوهم دلالتها على أن حكم الحاكم أمارة على الواقع ومعه لا مانع من ترتيب آثار الواقع بالحكم فيجوز لمدعى البطلان في المثال أن يرتب آثار الطهارة على المبيع، وكذلك المحكوم له يجوز أن يتصرف في المال وإن علم بعدم مطابقة الحكم للواقع، فالامارة القائمة على نجاسة الملاقا أو عدم كونه المال للمحكوم له وان كانت معارضة لحكم الحاكم وانهما أمارتان متعارضتان، إلا أن الحكم مقدم على الامارة المخالفة لورود المقبولة في مورد تعارض الحجتين، فان موردها هو التنازع في الدين أو الميراث الظاهر في التنازع في الحكم الكلي، والاختلاف في الحكم الشرعي إنما يتصور مع الحجة


(* 1) و (* 2) المرويتان في ب 83 من ابواب ما يكتسب به من الوسائل.

[ 394 ]

[ (مسألة 58) إذا نقل ناقل فتوى المجتهد لغيره (1) ثم تبدل رأي المجتهد في تلك المسألة لا يجب على الناقل اعلام من سمع منه الفتوى الاولى وإن كان أحوط، بخلاف ما إذا تبين له خطاؤه في النقل فانه يجب عليه الاعلام. ] والدليل، ومعه لو قدمنا العمل بالحجة على الحكم استلزم ذلك تخصيص المورد وهو أمر غير جائز. ويدفعه: مضافا إلى أن المقبولة ضعيفة سندا ولا دلالة لها على الا مارية وترتيب أثر الواقع لانها إنما تدل على تقدم حكم الحاكم قضاء للتخاصم أن جعل الامارة والطريق مع العلم بالخلاف أمر لا معنى له وما معنى كون الحكم حجة وطريقا مع القطع بكونه مخالفا للواقع؟! وكيف يمكن الالتزام بوجوب قبوله وحرمة رده مع العلم بانه خلاف ما انزله الله سبحانه!! ثم إن هذا كله في موارد الترافع والخصومات الاعم من الشبهات الحكمية والموضوعية. وهل ينفذ حكم الحاكم ويحرم نقضه في غير موارد الترافع ايضا كثبوت الهلال ونصب القيم والمتولي ونحوها؟ يأتي عليه الكلام في المسألة الثامنة والستين ان شاء الله ونبين هناك أنه لا دليل على نفوذ حكم الحاكم في غير موارد الترافع فليلاحظ تبدل الرأي بعد نقل الفتوى: (1) أو أن المجتهد افتى بشئ ثم تبدل رأيه - كما تعرض له في المسألة التاسعة والستين - فهل يجب على الناقل أو المجتهد نفسه إعلام المقلدين ومن سمع منه الفتوى الاولى أو لا يجب؟ وذلك فان المجتهد قد يفحص عن أدلة المسألة ومداركها - بالمقدار اللازم في الاجتهاد - كما لو فحص عنها في مظانها والابواب المناسبة لتلك المسألة ولا

[ 395 ]

يظفر بما يدله على الحرمة أو الوجوب ومن هنا يفتى في المسألة بالجواز، ويقف بعد ذلك في غير الباب المناسب لها على ما يدله على الحرمة والوجوب فيضطر بذلك إلى العدول عن فتواه الاول بالجواز. وأحسن مثال لتلك الكبرى مسألة حرمة تمكين الزوجة الحائض زوجها من نفسها فان قوله عز من قائل: فاعتزلوا النساء في المحيض (* 1) خطاب للازواج والاخبار الدالة على حرمة وطئ الحائض - في الابواب المناسبة لها - كلها يختص بهم فمن فحص عن حرمة وطئ الحائض لا يعثر في الابواب المناسبة لها على دليل يدل على الحرمة بالاضافة إلى الزوجة لاختصاص الادلة بالزوج، ومن هنا وقع الكلام في أن الحائض هل يجوز أن تمكن زوجها من نفسها كما إذا اراد الوقاع عصيانا - من غير ناحية الاعانة على الاثم - أو كان زوجها مجنونا أو غير بالغ حتى يخرج عن شبهة الاعانة على الاثم. لعدم حرمة الوطئ بالاضافة إليها أو لا يجوز؟ فالمجتهد الفاحص عنها في مظانها لا يكاد تصله الحرمة بالاضافة إلى الزوجة ومعه يفتى بجواز تمكينها. إلا انه إذا عثر في أبواب العدد على باب أن المعتدة بالاقراء إذا رأت الدم في أول الحيضة الثالثة جاز لها أن تزوج، ولم يجز لها أن تمكن من نفسها حتى تطهر (* 2) ورأى الاخبار الدالة على حرمة التمكين على الحائض من نفسها اضطر إلى العدول والافتاء بالحرمة في المسألة فهل في تلك الموارد المذكورة يجب على المجتهد أو ناقل الفتوى السابقة اعلام من سمع منه الفتوى الاولى بعد العدول أو لا يجب؟ والصحيح عدم وجوب الاعلام لعدم دلالة الدليل عليه والوجه فيه: أن المقلد السامع للفتوى الاولى وان كان يقع في مخالفة الواقع من جهة اخبار المجتهد


(* 1) البقرة 2: 222. (* 2) راجع ب 16 من ابواب العدد من الوسائل.

[ 396 ]

أو الناقل إلا أن التسبيب إلى وقوعه في المحرم انما هو من الله سبحانه دون الناقل أو المجتهد، فان الفتوى الاولى للمجتهد حجة شرعية في ظرفها، والمجتهد أو الناقل كان كلاهما مرخصين في بيانها، فان المقدار المعتبر في الفحص انما هو الفحص عن المسألة في مظانها والابواب المناسبة لها كما مر، ولا يجب الفحص عنها في جميع الابواب الفقهية بوجه. ومن الظاهر أن حجية الفتوى السابقة مستندة إلى الشارع، لانه الذي اعتبر الفتوى الاولى حجة، فالالقاء في مخالفة الواقع مستند إلى الله نظير ما ذكره ابن قبة في شبهته المعروفة، وان اجبنا عنها في محلها ومع أن التسبيب من الشارع دون المجتهد أو الناقل لا مقتضى لوجوب الاعلام عليهما من ناحيته. وأما وجوب تبليغ الاحكام الشرعية فهو إنما يقتضى وجوب الفتوى الثانية بجعلها في معرض الوصول إليها ولا يقتضى وجوب ايصالها إلى المقلد الذي سمع منه الفتوى الاولى من احدهما وعليه فالاعلام في هذه الصورة لادليل على وجوبه. أللهم إلا أن يكون وقوع المكلف في الحرام أو ترك الواجب مستندا إلى المجتهد أو الناقل - بحسب البقاء - وذلك كما إذا صلى المقلد من دون سورة - بمرئى منهما - استنادا إلى فتوى المجتهد أو النقل، لانهما حينئذ لو لم يبينا له وجوبها ولم ينبهاه بالعدول استند الحكم بوجوب الصلاة من دون سورة إليهما - بقاء - وهو من التسبيب إلى الوقوع في مخالفة الواقع وهو حرام ولا مناص معه من الالتزام بوجوب الاعلام عليهما، وهذا بخلاف ما إذا لم يستند ذلك إليهما بحسب البقاء. ولا يقاس هذه المسألة بما لو افتى المجتهد خطاء أو نقل الناقل فتواه كذلك، لان التسبيب حينئذ من المجتهد أو الناقل. وأما في المقام أعني مسألة العدول وتبدل الرأي فالتسبيب مستند فيها إلى الشارع كما مر.

[ 397 ]

[ (مسألة 59) إذا تعارض الناقلان في نقل الفتوى تساقطا (1) وكذا البينتان، وإذا تعارض النقل مع السماع من المجتهد شفاها قدم السماع، وكذا إذا تعارض ما في الرسالة مع السماع، وفي تعارض النقل مع ما في الرسالة قدم ما في الرسالة مع الأمن من الغلط. ] تعارض الناقلين في نقل الفتوي: (1) وتفصيل الكلام في هذه المسألة أن فتوى المجتهد قد تثبت بالسماع إما من نفسه شفاها أو بالنقل عنه، وقد تثبت بالبينة، وثالثة بوجدانها في رسالته إذا كانت مأمونة من الغلط، ولا كلام في ثبوتها بتلك الامور وانما الكلام فيما إذا وقعت المعارضة بينها. والتعارض قد يتحقق بين فردين من سنخ واحد، كما إذا سمع منه الفتوى بالجواز مرة والفتوى بالحرمة اخرى، أو أن الناقل نقل عنه الفتوي بالجواز ونقل آخر عنه الفتوى بالحرمة أو أن بينة اخبرت عن فتواه بالحرمة وبينة اخرى اخبرت عن فتواه بالجواز، أو وجد في احدى رسالتيه الفتوى بشئ وفي الاخرى الفتوى بشئ آخر. وفي هذه الصورة إذا كان أحدهما ناظرا إلى زمان، والاخر إلى زمان آخر، كما إذا حكي أحدهما عن فتوى المجتهد السابقة وحكي الآخر عن فتواه الفعلية واحتمل العدول في حقه وجب العمل علي طبق المتأخر منهما، لعدم المعارضة بينهما إذ لا معارض للمتأخر منهما - زمانا - سوى استصحاب عدم عدول المجتهد عن عن الفتوى السابقة وهو لا يعارض الدليل. وإذا كان كلاهما نظرا إلى زمان واحد كما لو وجد في إحدى رسالتيه المطبوعة في تاريخ معين فتواه في المسألة بالجواز وفى رسالته الاخرى المطبوعة في

[ 398 ]

ذلك التاريخ بعينه - في مطبعة اخرى - افتى فيها بالحرمة، أو بينة اخبرت عن أن فتواه الفعلية هي الجواز، واخبرت اخرى عن أن فتواه الفعلية هي الحرمة، أو أن احد الناقلين نقل افتائه الفعلية بالجواز والآخر نقل افتائه الفعلية بالحرمة. نعم هذا لا يتصور في السماع بالمشافهة لعدم امكان فتويين متنافيتين في زمان واحد. أو كان أحدهما ناظرا إلى زمان والآخر إلى زمان آخر، كما إذا حكى أحدهما عن فتواه السابقة وحكى الآخر عن فتواه الفعلية إلا انا لم نحتمل في حقه العدول عن فتواه السابقة فلا مناص من تساقطهما بالمعارضة كما هو مقتضى القاعدة في المتعارضين هذا إذا وقع التعارض بين فردين من سنخ واحد كما عرفت. وقد تتحقق المعارضة بين سنخين من الامور المتقدمة وهذا له صور ثلاث: " الاولى ": أن يعارض السماع - بالمشافهة - مع الرسالة المأمونة من الغلط. " الثانية ": أن يعارض الرسالة مع النقل بالخبر أو البينة. " الثالثة " أن يعارض السماع - بالمشافهة - مع النقل بالخبر أو البينة. ذكر الماتن " قده " أن السماع من المجتهد - شفاها - مقدم على النقل والرسالة كما أن الرسالة مقدمة على النقل. والصحيح أن يقال: ان المتعارضين من تلك الامور إن كانا ناظرين إلى زمانين متعددين فلا تعارض بينهما - حقيقة - فيما إذا احتمل العدول في حقه بل اللازم وقتئذ هو الاخذ بالمتأخر منهما - زمانا - واستصحاب عدم العدول عن الفتوى السابقة لا يعارض الامارة كما تقدم. وإذا فرضناهما ناظرين إلى زمان واحد أو زمانين مع العلم ايضا بعدم العدول كانت الامارتان متعارضتين لا محالة وحينئذ إذا كانت المعارضة بين السماع من المجتهد - شفاها - وبين نقل الثقة أو البينة فان لم يحتمل الخطاء فيما سمعناه من المجتهد كما لو اتحد المجلس وسئل فيه المجتهد عن المسألة واختلف فيما اجاب به السؤال

[ 399 ]

فاخبر الثقة أو البينة عن أنه افتى في المجلس بالجواز، والمقلد سمع منه الفتوى بالحرمة - مثلا - فهما من الدليلين المتعارضين أحدهما قطعي والاخر ظني، للقطع بعدم الخطاء في الفتوى المسموعة من المجتهد وأن ما سمعناه منه بالمشافهة من الحكم بالحرمة هو فتواه في المسألة، ومعه يسقط النقل عن الحجية للعلم بعدم مطابقته للواقع، لانه إما كاذب أو مشتبه في نقله هذا إذا كانا ناظرين إلى زمان واحد. وأما إذا كان كل منهما ناظرا إلى زمان، وعلمنا عدم عدول المجتهد عن الفتوى السابقة فالامر ايضا كذلك لاستلزام العلم بفتواه الفعلية - بالسماع - العلم بان فتواه السابقة ايضا كذلك، لان مفروضنا العلم بعدم عدول المجتهد عن فتواه السابقة، إذا يقع التعارض بين السماع والنقل في الزمان السابق فيتقدم السماع لانه قطعي، والنقل معلوم الخلاف كما مر. وأما لو احتملنا الخطأ في فتواه التي سمعناها منه - شفها - كما إذا تعدد المجلس فسمعنا منه الفتوى بالجواز في مجلس ونقل عنه الثقة أو البينة الفتوى بعدم الجواز في مجلس آخر، مع العلم بعدم عدوله عن فتواه السابقة، فلا علم لنا حينئذ بكذب الناقل أو خطائه، لانه من المحتمل أن يكون الخطاء في فتوى المجتهد التي سمعناها عنه - شفاها - ومع هذا الاحتمال لامانع من شمول أدلة الاعتبار لنقل الثقة أو البينة. وحيث أنا نحتمل الخطأ في كل من الناقل والمجتهد تجري أصالة عدم الغفلة والخطأ في كل منهما ومقتضاها القطع التعبدي بصدور كلتا الفتويين لولا المعارضة لكنا علمنا بالخطاء في احداهما فلا مناص من الحكم بتساقطهما بالمعارضة. ولا يقاس المقام بما إذا تعارض السماع من الامام عليه السلام مع النقل فانا إذا سمعنا الحكم من الامام عليه السلام شفاها جزمنا بعدم مطابقة النقل للواقع لعدم احتمال الخطاء في الامام - ع - وهذا بخلاف المقام، لاحتمال صدور كلتا الفتويين عن المجتهد حتى مع السماع عنه مع العلم بالخطاء في احداهما، ولاجل هذا العلم الاجمالي

[ 400 ]

تقع المعارضة بين الفتويين ويتساقطان فلا يمكن الاخذ بشئ منهما، فتقدم السماع على النقل انما هو في صورة العلم بعدم خطاء المجتهد في الفتوى المسموعة عنه شفاها هذا كله فيما إذا كانت المعارضة بين السماع والنقل. وأما إذا وقع التعارض بين السماع والرسالة فان كانت الرسالة من غيره - كما يتفق كثيرا - فترى أن الثقة جمع فتاوى المجتهد في كتاب فالتعارض وقتئذ من تعارض النقل والسماع فيأتي فيه جميع ما قدمناه في تعارضهما آنفا. وأما لو كانت الرسالة بخطه وكتابته أو بخط غيره ولكنها مما لاحظه المجتهد كما إذا جمعها غير المجتهد وهو قد راجعها ونظر فيها فالمعارضة من تعارض الفتويين الصادرتين من المجتهد إحداها شفاها والاخرى كتابة، وأصالة عدم الخطاء وإن جرت في كل منهما في نفسه، إلا أنه عند تعارضهما لا يبعد دعوى جريان السيرة العقلائية على عدم اجرائها في الفتوى المسموعة عنه - شفاها - وذلك لان الخطاء فيها مظنون ولكنه في فتواه بالكتابة موهوم، فان الانسان - بالطبع - يهتم ويحتفظ بخصوصيات المطلب عند الكتابة بما لا يحتفظ به في مكالماته - شفاها - ومن هنا يشتبه فيها كثيرا بخلاف الكتابة ولا سيما في مقام الاستدلال والاستنباط فيما أن الكتابة أضبط وأوثق - إذا كانت مأمونة من الغلط - لم تجر أصالة عدم الخطاء في معارضها وهي الفتوى - بالمشافهة - عند العقلاء. ومن ذلك يظهر حكم ما إذا وقع التعارض بين النقل والرسالة، فان الكتابة كما تقدم أضبط من الفتوى - بالمشافهة - فضلا عن نقلها فلا تجرى فيها أصالة عدم الخطاء، وعلى الجملة إذا قدمنا الرسالة على سماع الفتوى من المجتهد بالمشافهة تقدمت على النقل الحاكي عن تلك الفتوى الشفهية بطريق أولى فيحكم بخطاء الناقل ويعمل على طبق الرسالة.

[ 401 ]

[ (مسألة 60) إذا عرضت مسألة لا يعلم حكمها (1) ولم يكن الاعلم حاضرا فان امكن تأخير الواقعة إلى السؤال، وجب ذلك وإلا فان أمكن الاحتياط تعين، وإن لم يمكن يجوز الرجوع إلى مجتهد آخر الاعلم فالاعلم، وإن لم يكن هناك مجتهد آخر ولا رسالته يجوز العمل بقول المشهور بين العلماء إذا كان هناك من يقدر على تعيين قول المشهور، وإذا عمل بقول المشهور ثم تبين له بعد ذلك مخالفته لفتوى مجتهده فعليه الاعادة أو القضاء، وإذا لم يقدر على تعيين قول المشهور يرجع إلى أوثق الاموات، وان لم يمكن ذلك ايضا، يعمل بظنه وان لم يكن له ظن باحد الطرفين، يبنى على أحدهما، وعلى التقادير بعد الاطلاع على فتوى المجتهد إن كان عمله مخالفا لفتواه فعليه الاعادة أو القضاء. ] (1) بناء على ما قدمناه من جواز الرجوع إلى غير الاعلم فيما إذا لم يعلم المخالفة بينه وبين الاعلم جاز الرجوع إلى غير الاعلم في مفروض الكلام، وإذا لم يتمكن من الرجوع إليه من جهة العلم الاجمالي بمخالفة فتاواه مع فتاوى الاعلم في المسائل المبتلى بها يلزمه تأخير الواقعة أو الاحتياط، وإذا لم يمكن ذلك رجع إلى غير الاعلم حتى مع العلم بالمخالفة اجمالا. وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى غير الاعلم ايضا أخر الواقعة إلى السؤال عن حكمها، فان التكاليف الواقعية قد تنجزت في حقه ومعه يحتاج المكلف في موارد التكليف إلى المؤمن من العقاب لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب، ولا يتحقق ذلك إلا بتأخير الواقعة. وإذا لم يتمكن من تأخيرها احتاط - ان امكنه - لانه امر سائغ محصل للجزم بالامتثال وفراغ الذمة حتى مع التمكن من الرجوع إلى الاعلم فضلا عما إذا لم يتمكن من الرجوع إليه، وإذا لم يتمكن من الاحتياط لدوران الامر بين جزئية

[ 402 ]

شئ ومانعيته - مثلا - رجع إلى فتوى غير الاعلم بالمخالفة بينه وبين الاعلم في المسألة - اجمالا - وذلك لحجية فتوى غير الاعلم وقتئذ للسيرة العقلائية الجارية على الرجوع إلى غير الاعلم عند تعذر الرجوع إلى الاعلم وانسداد بقية الطرق، وتشهد له ملاحظتهم في مثل معالجة المريض المبتلى بمرض خطير غير الممكن تأخير علاجه، فانهم إذا لم يتمكنوا من الرجوع إلى الطبيب الاعلم لراجعوا غير الاعلم من دون كلام، وهذه الصورة مستثناة عن عدم حجية فتوى غير الاعلم عند العلم بالمخالفة بينه وبين الاعلم اجمالا. وإذا لم يتمكن من الرجوع إلى غير الاعلم ايضا اندرج مفروض الكلام تحت كبرى الانسداد، وذلك لان مفروضنا تنجز التكليف على المكلف وأنه غير مهمل كالبهائم فلا تجرى البرائة في حقه، ولا طريق له إليه، كما ان الاحتياط غير متيسر له ومعه ينحصر طريق الامتثال للمكلف بالامتثال الاحتمالي لا محالة، فان العقل المستقل بلزوم امتثال التكليف المتوجه إلى العبد من سيده يتنزل إلى كفاية الامتثال الاحتمالي عند تعذر الامتثال التفصيلي. ثم إن للامتثال الاحتمالي مراتب بحسب قوة الاحتمال وضعفه ومع التمكن من المرتبة الاقوى منه لا يجوز الاقتصار بالقوى، وهكذا، فأول تلك المراتب العمل بقول المشهور بين الاصحاب لقوة احتمال مطابقته للواقع في مقابل القول النادر فمع عدم التمكن من العمل به رجع إلى فتاوى الاموات مقدما للاعلم منهم على غيره، ولو بالاضافة إلى المحصورين لتعذر تشخيص الاعلم من الاموات جمعا. وإذا تعذر ذلك ايضا عمل بظنه، ومع عدم التمكن منه ايضا ولو لعدم ظنه بشئ عمل باحد طرفي الاحتمال، لانه الميسور في حقه، والتكليف بغير الميسور غير ميسور. وهذا كله من الامتثال الاحتمالي والتنزل إليه لتعذر الامتثال التفصيلي على الفرض.

[ 403 ]

[ (مسألة 61) إذا قلد مجتهدا ثم مات، فقلد غيره ثم مات فقلد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميت أو جوازه فهل يبقى على تقليد المجتهد الاول أو الثاني؟ الاظهر الثاني والاحوط مراعاة الاحتياط (1). ] ثم إن العامي بعدما عمل بفتوى غير الاعلم أو قول المشهور أو غيرهما من المراتب المتقدمة يرجع إلى فتوى من يجب عليه تقليده فان كان ما اتى به مطابقا للواقع حسبما افتى به مقلده فهو وإلا وجب قضاء أعماله أو اعادتها بلا فرق في ذلك بين أن يكون بطلانها مستندا إلى فقدها لجزء أو شرط ركنيين وأن يكون مستندا إلى فقدها لشئ من الاجزاء والشرائط غير الركنيين. وذلك لما فرضناه من عدم مطابقة عمله للواقع، وعدم قيام الدليل على كونه مجزء عن الواجب الواقعي، وحديث لا تعاد وإن كان يدل على عدم وجوب الاعادة من غير الاركان إلا انه يختص بما إذا كان العامل معتقدا صحة عمله بحيث لو لم ينكشف له الخلاف لم تجب عليه الاعادة، وليس العامل في المقام كذلك لعدم اعتقاد صحة عمله للشك في مطابقته للواقع، ووجوب الاعادة - في مثله - غير مقيدة بما بعد الانكشاف، لانه لو لم ينكشف الخلاف ايضا وجبت اعادته لتردده في مطابقة عمله للواقع وعدمها، وبهذا يظهر الفرق بين المقام وبين ما إذا عمل عن تقليد صحيح ثم عدل أو تبدل رأي مجتهده حيث قلنا بعدم وجوب الاعادة حينئذ إذا كان العمل فاقدا لغير الاركان من الامور المعتبرة فيه. (1) ما ذكره الماتن (قده) من أن الاظهر أن يبقى على تقليد المجتهد الثاني يبتنى على أن المكلف بتقليده المجتهد الثاني وعدوله عن المجتهد الميت قد انتهى أمد تقليده الاول فيكون رجوعه إلى المجتهد الاول بعد ذلك من التقليد الابتدائي غير الجائز، وعليه فيتعين البقاء على تقليد الثاني جوازا أو وجوبا.

[ 404 ]

ولا فرق في ذلك بين القول بان التقليد هو الالتزام أو نفس العمل غاية الامر أنه على الثاني لابد من فرض العمل بفتوى المجتهد الثاني ايضا. أقول: قد تقدم انه لا أثر لتفسير التقليد بالعمل أو الالتزام في الحكم بجواز البقاء وعدمه وفي سعة موضوعه وضيقه، والصحيح أن يقال أنه لا مناص من الحكم بوجوب البقاء على تقليد الميت الاول إذا افتى المجتهد الثالث وهو الحي بوجوب البقاء فان وجوب البقاء على تقليد الميت انما هو في فرض اعلمية الميت ومعه إذا علم المكلف بالمخالفة بين الميت الاول والثاني في الفتوى وجب عليه البقاء على تقليد الميت الاول، لما قدمناه من أن فتوى الاعلم هي الحجة عند العلم بالمخالفة بينه وبين غير الاعلم. وأما عدوله إلى الثاني فقد كان مستندا إلى عدم تجويز المجتهد الثاني للبقاء على تقليد الميت حتى إذا كان اعلم، إذا فهو كان معذورا في عدوله، ولا يمنع هذا العدول المستند إلى فتوى الميت الثاني عن عدوله إلى الميت الاول لانه كلا عدول عند المجتهد الثالث الذي هو الحي لافتائه بوجوب البقاء على تقليد الميت الاول لاعلميته، وعدم جواز العدول إلى الثاني، ومع ذلك كيف يجوز البقاء على تقليد الثاني، وإن شئت قلت المفروض أن المجتهد الثالث يرى وجوب البقاء على تقليد المجتهد الاول لانه كان اعلم من المجتهد الثاني ففتوى المجتهد الثاني لم تكن حجة في حق العامي بنظر المجتهد الثالث حدوثا ومع عدم حجيته حدوثا في حال الحياة كيف يعقل أن تكون حجة بقاء اي بعد موته، لوضوح تبعية البقاء للحدوث. لانا انما نتشبث في الاستدلال على حجية فتوى الميت باطلاق الادلة الدالة على حجية فتواه حال الحياة من جهة السيرة العقلائية الجارية على عدم الفرق بين صورتي موته وحياته، فإذا لم تكن فتوى المجتهد حجة حدوثا لم يمكن أن تتصف بالحجية بقاء اي بعد موته، هذا بالاضافة إلى الميت الثاني.

[ 405 ]

وأما بالاضافة إلى الحي فان كان الميت الاول كما أنه أعلم من الميت الثاني اعلم من الحي فلا ينبغي التردد في تعين البقاء على تقليده إذا علم المكلف بالمخالفة في الفتوى بينهما، وإذا لم يعلم بينهما بالمخالفة جاز له كل من البقاء على تقليد الميت الاول والعدول إلى الحي، ولا يجب عليه الفحص عن مخالفتهما. نعم إذا اختار العدول إلى الحي ثم علم بالمخالفة بينه وبين الميت الاول وجب عليه العدول إلى الميت الاول لانه أعلم على الفرض. وأما إذا كان الحي أعلم من الميت الاول فان لم يعلم المخالفة بينهما جاز للمكلف كل من البقاء على تقليد الميت الاول والعدول إلى الحي، وان علم بينهما بالمخالفة تعين عليه العدول إلى تقليد المجتهد الحي، لانه اعلم - على الفرض - إلا أن محط كلام الماتن هو البقاء على تقليد الميت الاول بالاضافة إلى الميت الثاني لا بالاضافة إلى الحي هذا كله فيما إذا كان الميت الاول اعلم من الميت الثاني. وإذا انعكس الامر وكان المجتهد الثاني اعلم من الاول فان كان المكلف عالما بالمخالفة بينهما في الفتوى كان المتعين في حقه الرجوع إلى الثاني فلم تكن فتوى المجتهد الاول حجة حتى فيما إذا كان حيا فضلا عن موته ففى مثله لا يجوز البقاء على تقليده لاقبل موت المجتهد الثاني ولا بعد موته. وأما إذا لم يكن المكلف عالما بالمخالفة بين المجتهد الاول والثاني فكان يجوز له أن يبقى على تقليد الاول ولا يفحص عن فتوى المجتهد الثاني لكنه إذا رجع إليه وتعلم فتواه المخالفة لفتوى المجتهد الاول على الفرض فقد سقطت فتوى المجتهد الاول عن الحجية فلا يجوز الرجوع إلى تقليده بعد موت المجتهد الثاني، والنتيجة أن في موارد جواز البقاء على تقليد الميت إذا رجع المقلد إلى الحي لم يكن له الرجوع إلى الميت بعد ذلك.

[ 406 ]

ثم إن المجتهد الثاني الميت إذا كان اعلم من الحي ايضا تعين البقاء على تقليده وأما إذا كان الاعلم هو الحي دون الميت الثاني فلا محالة يجوز للمكلف أن يبقى على تقليد الميت الثاني - لعدم العلم بالمخالفة بينه وبين الاعلم منه وهو المجتهد الحي - وأن يعدل إلى الحي، لفرض أنه اعلم من الميت، ومع عدم العلم بالمخالفة بينهما تتصف فتوائهما بالاعتبار، ولا يجب على المكلف الفحص عن مخالفتهما كما تقدم. نعم إذا اختار المكلف العدول إلى الميت الثاني ثم علم بالمخالفة بينهما تعين عليه العمل بفتوى الحي لانه الاعلم - على الفرض -. وهناك صورة ثالثة: وهي ما إذا كان الميت الاول والثاني متساويين في الفضيلة أو احتملنا الاعلمية في كل منهما والمكلف علم بينهما بالمخالفة، ففي هذه الصورة لا يجوز البقاء على تقليد كل منهما، لان العلم بالمخالفة يسقط الفتوائين عن الاعتبار فان كان المجتهد الثالث اعلم منهما تعين الرجوع إليه. وإذا كان مساويا معهما في الفضيلة فحاله حالهما لسقوط فتواه عن الحجية عند العلم بالمخالفة، فان ادلة الاعتبار غير شاملة للمتعارضين فيجب على المكلف الاحتياط - ان امكنه - والا فيتخير بحسب العمل. ثم انك عرفت أن مسألة جواز التقليد لا يمكن أن تكون تقليدية. بل لابد أن تستند إلى قطع المكلف واطمئنانه. نعم لا مانع من التقليد في خصوصياته وفى المقام ان استقل عقل العامي بشئ من جواز البقاء على تقليد الميت أو عدمه فهو وأما إذا لم يستقل كما هو الغالب، لعدم تمكنه من استقلال عقله بشئ فلا يمكنه الرجوع في ذلك إلى فتوى الميت لانها مشكوكة الحجية، لعدم استقلال عقله بحجيتها أو عدمها. ولا يمكن أن تثبت حجية قوله بقول نفسه، لانه دور واضح فلا يمكن اثبات جواز البقاء على تقليد الميت بالرجوع إلى تقليد الميت، ومعه لو عمل بفتوى الميت وقلده فهو كالعمل من دون تقليد وقد مر أن العمل من دون

[ 407 ]

[ (مسألة 62) يكفى في تحقق التقليد أخذ الرسالة والالتزام (1) بالعمل بما فيها، وإن لم يعلم ما فيها ولم يعمل، فلو مات مجتهده يجوز له البقاء (2) وإن كان الاحوط مع عدم العلم (3) بل مع عدم العمل ولو كان بعد العلم عدم البقاء، والعدول إلى الحي. ] تقليد أو عدليه باطل - ظاهرا - بمعنى انه مما لا يمكن الاقتصار عليه لدى العقل، لعدم ثبوت أن فتوى الميت مؤمنة من العقاب، فالمتعين أن يرجع في ذلك إلى الحى. ما هو المحقق للتقليد: (1) قد عرفت أن التقليد هو العمل استنادا إلى قول الغير، ولا يكفي في تحققه الالتزام واخذ الرسالة بوجه. (2) مر أن البقاء على تقليد الميت واجب أو جائز من دون أن يشترط فيه العمل سواء قلنا إن التقليد هو الالتزام أو فسرناه بغيره من المعاني المتقدمة في محلها فلا يتوقف جواز البقاء على أن يكون التقليد بمعنى الالتزام كما هو المتراءي من المتن. نعم يشترط في البقاء أن يكون المقلد ذاكرا لفتوى الميت فلاحظ. (3) لاحتمال عدم تحقق التقليد بالالتزام لان معناه محل الخلاف كما مر، الا أن العدول إلى الحي وعدم البقاء على تقليد الميت عند عدم العمل بفتواه ولو كان بعد العلم بها انما يكون موافقا للاحتياط فيما إذا قلنا بجواز البقاء على تقليد الميت. وأما لو قلنا بوجوبه، كما إذا كان الميت اعلم من الحي مع العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى فلا يكون العدول إلى الحي وعدم البقاء على تقليد الميت عند عدم العمل بفتواه احتياطا أبدا. نعم إذا لم يكن ذاكرا لفتواه لم يجز له البقاء لانه مشروط بالذكر وعدم نسيان فتوى الميت كما مر.

[ 408 ]

[ بل الاحوط استحبابا على وجه عدم البقاء مطلقا (1) ولو كان بعد العلم والعمل. (مسألة 63) في احتياطات الاعلم إذا لم يكن له فتوى يتخير المقلد (2) بين العمل بها وبين الرجوع إلى غيره الاعلم فالاعلم (3) (مسألة 64) الاحتياط المذكور في الرسالة إما استحبابي، وهو ما إذا كان مسبوقا أو ملحوقا بالفتوى، وإما وجوبي، وهو ما لم يكن معه فتوى، ويسمى بالاحتياط المطلق، وفيه يتخير المقلد بين العمل به، والرجوع إلى مجتهد آخر (4) ] (1) لاحتمال عدم جواز البقاء على تقليد الميت مطلقا فان المسألة خلافية كما تقدم وهذا ايضا فيما إذا لم يكن الميت اعلم. (2) أما جواز العمل بالاحتياط فلما اسلفنا عند التكلم على الاحتياط من جواز الامتثال الاجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي فلاحظ. وأما جواز الرجوع إلى غيره فلان الاعلم غير عالم بالحكم في مورد الاحتياط فلابد معه من أن يرجع فيه إلى العالم بالمسألة. هذا إذا كان احتياط الاعلم مستندا إلى عدم علمه بالحكم الواقعي وكون الشبهة قبل الفحص بحيث لا يخطي غير الاعلم فيما افتى به. وأما لو كان احتياطه مستندا إلى جزمه بانسداد الطريق إلى الحكم الواقعي بحيث يخطي غيره فيما افتى به فلا مسوغ معه للرجوع إلى غيره أبدا. بل لابد من الاحتياط، لوجود فتوى الاعلم في الحكم الظاهري اعني وجوب الاحتياط، إذ لا يشترط في وجوب الرجوع إليه أن يكون للاعلم فتوى في الحكم الواقعي. (3) هذا فيما إذا علم المكلف بالمخالفة بين الاعلم فالاعلم في الفتوى. وأما إذا لم يعلم بها فلا يجب مراعاة الاعلم فالاعلم لحجية فتوى كل منهما في نفسه على ما اسلفناه في محله فلاحظ.

[ 409 ]

[ وأما القسم الاول فلا يجب العمل به، ولا يجوز الرجوع إلى الغير (1) بل يتخير بين العمل بمقتضى الفتوى، وبين العمل به. (مسألة 65) في صورة تساوي المجتهدين يتخير بين تقليد أيهما شاء، كما يجوز له التبعيض حتى في احكام العمل الواحد (2) حتى أنه لو كان - مثلا - فتوى أحدهما وجوب جلسة الاستراحة، واستحباب التثليث في التسبيحات الاربع، وفتوى الآخر بالعكس يجوز أن يقلد الاول في استحباب التثليث، والثاني في استحباب الجلسة ] (1) لانه في الحقيقة عدول عن تقليد الاعلم إلى تقليد غير الاعلم من غير مسوغ، لان مفروضنا وجود الفتوى للاعلم في المسألة وهي حجة متعينة - على الفرض - واحتمال الخلاف في المسألة وعدم مطابقة الفتوى للواقع وان كان موجودا بالوجدان إلا أنه ملغى بادلة اعتبار فتوى الاعلم تعبدا، إذ لا مسوغ للاخذ بخلاف فتوى الاعلم - وهو الذي افتى به غيره - وإن كان موافقا للاحتياط، لانه مما قامت الحجة على خلافه، ومن الظاهر أن تطبيق العمل على ما لا يجوز الاستناد إليه في مقام الامتثال تشريع محرم، فإذا افتى الاعلم بعدم الوجوب في مورد وافتى غير الاعلم فيه بالوجوب لم يجز للمقلد أن يأتي بالعمل بعنوان الوجوب استنادا إلى فتوى غير الاعلم به لقيام الحجة - وهي فتوى الاعلم - بعدم جواز الاستناد إليه فيكون الاتيان به بعنوان الوجوب تشريعا محرما وان كان موافقا للاحتياط. نعم العمل بالاحتياط أمر حسن بل هو مستحب كما افتى به الاعلم إلا أنه غير الرجوع في المسألة إلى غير الاعلم فلاحظ. (2) قد اسلفنا في المسألة الثالثة والثلاثين وكذا في السابعة والاربعين اختصاص جواز التبعيض في التقليد - في عملين - وكذا في احكام العمل الواحد بما إذا لم يعلم المخالفة في الفتوى بين المجتهدين. وأما على القول بجواز التقليد لكل من المتساويين

[ 410 ]

[ (مسألة 66) لا يخفى أن تشخيص موارد الاحتياط عسر على العامي، إذ لابد فيه من الاطلاع التام (1) ومع ذلك قد يتعارض الاحتياطان فلابد من الترجيح، وقد لا يلتفت إلى إشكال المسألة حتى يحتاط، وقد يكون الاحتياط في ترك الاحتياط - مثلا - الاحوط ترك الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث الاكبر، لكن إذا فرض انحصار الماء فيه الاحوط التوضوء به بل يجب ذلك بناء على كون احتياط الترك استحبابيا، والاحوط الجمع بين التوضوء به والتيمم. وايضا الاحوط التثليث في التسبيحات الاربع، لكن إذا كان في ضيق الوقت، ويلزم من التثليث وقوع بعض الصلاة خارج الوقت، فالاحوط ترك هذا الاحتياط، أو يلزم تركه، وكذا التيمم بالجص خلاف الاحتياط لكن إذا لم يكن معه إلا هذا فالاحوط التيمم به، وإذا كان عنده الطين - مثلا - فالاحوط الجمع، وهكذا. (مسألة 67) محل التقليد ومورده (2) هو الاحكام الفرعية العملية فلا يجرى في اصول الدين. ] أو للاعلم وغير الاعلم حتى مع العلم بالمخالفة بينهما فالمقلد انما يجوز أن يقلد كلا منهما في بابين أو عملين متعددين، وليس له التبعيض في تقليدهما في احكام العمل الواحد وقد ذكرنا الوجه في ذلك في المسألتين المذكورتين فليراجع. (1) على ما بينا تفصيله في المسألة الثانية عند التكلم على الاحتياط فراجع. محل التقليد ومورده: (2) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات:

[ 411 ]

1 - التقليد في اصول الدين: قد عرفت أن التقليد هو الاستناد إلى فتوى الغير في مقام العمل، والوجه في وجوبه على ما قدمناه استقلال العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ولا يتاتى هذا فيما اعتبر فيه اليقين والاعتقاد كما في الاصول كالتوحيد والنبوة والمعاد، لوضوح أنه لاعمل في تلك الامور حتى يستند فيها إلى قول الغير أو لا يستند، فان المطلوب فيها هو اليقين والاعتقاد ونحوهما مما لا يمكن أن يحصل بالتقليد فلا معنى له في مثلها. بل لو عقد القلب - في تلك الامور - على ما يقوله الغير لم يكتف به بوجه، إذ المعتبر في الاصول انما هو اليقين والعرفان والاعتقاد، وشيئ من ذلك لا يتحقق بعقد القلب على ما يقوله الغير. بل هذا هو القدر المتيقن مما دل على ذم التقليد واتباع قول الغير في الاصول كقوله عزمن قائل: إنا وجدنا آباءنا على امة وانا على اثارهم مقتدون (* 1). نعم هناك كلام آخر في انه إذا حصل له اليقين من قول الغير يكتفى به في الاصول أو يعتبر أن يكون اليقين فيها مستندا إلى الدليل والبرهان؟ إلا أنه أمر آخر اجنبي عما نحن بصدده، وان كان الصحيح جواز الاكتفاء به، إذ المطلوب في الاعتقاديات هو العلم واليقين بلا فرق في ذلك بين اسبابهما وطرقهما. بل حصول اليقين من قول الغير يرجع في الحقيقة إلى اليقين بالبرهان لانه يتشكل عند المكلف حينئذ صغرى وكبرى فيقول: هذا ما اخبر به أو اعتقده جماعة، وما اخبر به جماعة فهو حق ونتيجتهما أن ذلك الامر حق فيحصل فيه اليقين باخبارهم.


(* 1) الزخرف 43: 23.

[ 412 ]

2 - التقليد في الموضوعات الصرفة: إذا رأى المجتهد أن المايع المعين خمر - مثلا - أو أنه مما اصابته نجاسة فهل يجب على من قلده متابعته في ذلك ويعامل مع المايع المعين معاملة الخمر أو ملاقي النجاسة؟ لا ينبغى التوقف في عدم جواز التقليد في الموضوعات الصرفة، لان تطبيق الكبريات على صغرياتها خارج عن وظائف المجتهد حتى يتبع فيها رأيه ونظره فان التطبيقات امور حسية والمجتهد والمقلد فيها سواء بل قد يكون العامي أعرف في التطبيقات من المجتهد فلا يجب على المقلد ان يتابع المجتهد في مثلها. نعم إذا أخبر المجتهد عن كون المايع المعين خمرا أو عن اصابة النجس له وكان اخباره اخبارا حسيا جاز الاعتماد على إخباره إلا أنه لامن باب التقليد بل لما هو الصحيح من حجية خبر الثقة في الموضوعات الخارجية، ومن ثمة وجب قبول خبره على جميع المكلفين وان لم يكونوا مقلدين له كسائر المجتهدين. 3 - التقليد في الموضوعات المستنبطة: كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها مما وقع الكلام في أنها اسام للصحيحة أو الاعلم، أو الموضوعات العرفية واللغوية كما في الغناء ونحوه فإذا بنى المجتهد على أن السورة لا يعتبر في مسمى الصلاة وانها اسم للاجزاء والشرائط غير السورة، أو أن الغناء هو الصوت المطرب لا ما اشتمل على الترجيع من غير طرب فهل يجب على العامي أن يقلده فيهما أو أن الموضوعات المستنبطة من الشرعية والعرفية وغيرهما خارجة عن الاحكام الشرعية ولا يجرى فيها التقليد بوجه؟ الصحيح وجوب التقليد في الموضوعات المستنبطة الاعم من الشرعية وغيرها

[ 413 ]

وذلك لان الشك فيها بعينه الشك في الاحكام، ومن الظاهر أن المرجع في الاحكام الشرعية المترتبة على تلك الموضوعات المستنبطة هو المجتهد، فالرجوع فيها إليه عبارة اخرى عن الرجوع إليه في الاحكام المترتبة عليها. - مثلا - إذا بنى المجتهد على عدم صحة صلاة الرجل إذا كانت بحياله أمرئة تصلى أو العكس، إلا أن يكون الفاصل بينهما عشرة اذرع فمعنى ذلك أن الصلاة اسم للاجزاء والشرائط التي منها عدم كونها واقعة بحذاء امرئة تصلى، كما أن المجتهد إذا كتب في رسالته أن الغناء هو الصوت المشتمل على الترجيع سواء أكان مطربا أم لم يكن فمعناه أن الحرمة الشرعية انما ترتبت على الاعم من الصوت المطرب وغيره مشروطا بان يشتمل على الترجيع، والمتحصل أن الرجوع في الموضوعات المستنبطة إلى المجتهد رجوع إليه في احكامها والتقليد فيها من التقليد في الفروع. 4 - التقليد في مبادئ الاستنباط: وهي العلوم الادبية واللغة وعلم الرجال وهل يجوز للمجتهد أن يقلد عالما من علماء الادب أو الرجال في شئ من القواعد الادبية أو في تفسير كلمة أو فيما يرجع إلى الرجال حتى يرتب على ذلك حكما من الاحكام الشرعية عند التصدى لاستنباطها عن مداركها؟ الصحيح عدم جريان التقليد في تلك الامور وذلك لان مشروعية التقليد انما ثبتت بالسيرة والكتاب والسنة ولا يشمل شئ منها للمقام. أما الكتاب فلان قوله عزمن قائل: فلو لانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين.. (* 1) انما يدل على مشروعية التقليد في الاحكام الشرعية الراجعة إلى الدين، ومن الظاهر أن القاعدة الادبية أو وثاقة راو وعدمها ليست من الدين بوجه. وأما السنة فلان


(* 1) التوبة 9: 122.

[ 414 ]

[ وفي مسائل أصول الفقه، ولا في مبادئ الاستنباط من النحو والصرف ونحوهما، ولا في الموضوعات المستنبطة العرفية أو اللغوية ولا في الموضوعات الصرفة، فلو شك المقلد في مائع أنه خمر أو خل - مثلا - وقال المجتهد أنه خمر، لا يجوز له تقليده. نعم من حيث أنه مخبر عادل يقبل قوله، كما في اخبار العامي العادل، وهكذا. وأما الموضوعات المستنبطة الشرعية كالصلاة والصوم ونحوهما فيجرى التقليد فيها كالاحكام العملية. ] المستفاد من الروايات انما هو مشروعية التقليد فيما يرجع إلى الحلال والحرام أو معالم الدين ونحوها ولا ينطبق شئ من ذلك على القواعد الادبية أو الرجالية لوضوح عدم كونها من الحلال والحرام ولا أنها من المعالم كما لا يخفى. وأما السيرة العقلائية فلانها وان جرت على رجوع الجاهل إلى العالم، ورجوع المجتهد إلى العالم بتلك القواعد ايضا من رجوع الجاهل إلى العالم، إلا أن ذلك - على اطلاقه - ليس موردا للسيرة أبدا، لاختصاصها بالمسائل النظرية المحتاجة إلى التدقيق والاستدلال كما في الطبابة والهندسة وغيرهما. وأما الامور الحسية التي لا يحتاج فيها إلى الدقة والاستنباط فلم تقم فيها السيرة على رجوع الجاهل إلى العالم، وهذا كموت زيد وولادة ابنه ونحوهما فانه إذا علم بها أحد باجتهاده وحدسه لم يكن أي مجوز لتقليده، لانهما أمران حسيان لا يحتاجان إلى الاستنباط والاجتهاد، ولا سيرة على رجوع الجاهل إلى العالم في مثلهما. ومبادئ الاستنباط من هذا القبيل، لان القواعد الادبية راجعة إلى اثبات الظهور، وهو من الامور الحسية فإذا بنى اللغوي أو غيره على أن اللفظية المعينة ظاهرة في معنى كذا بحدسه واجتهاده لم يجز اتباعه فيه لانه لا دليل على مشروعية التقليد في الامور الحسية، ومن هنا قلنا - في محله - أن اللغوى لا دليل على حجية

[ 415 ]

قوله ونظره، وكذلك الحال بالنسبة إلى علم الرجال، لان العدالة والوثاقة من الامور المحسوسة والاخبار عنها حدسا ليس بمورد للتقليد أبدا. 5 - التقليد في اصول الفقه: المجتهد الواجد لملكة الاستنباط في الاحكام إذا لم يتمكن من الاستنباط في المسائل الاصولية باجمعها أو ببعضها كمسألة حجية الاستصحاب أو الخبر الواحد أو التخيير في تعارض الروايتين أو غيرها فهل يجوز أن يقلد في تلك المسائل ويستنبط الفروع الفقهية بذلك بان يكون هذا متوسطا بين المقلد والمجتهد أو أن المسائل الاصولية كالموضوعات الصرفة وغيرها مما لا مجال فيه للتقليد؟ الذي ينبغي أن يقال: أن المجتهد إذا تمكن من الاستنباط في الاحكام الفرعية ولم يتمكن منه في المسائل الاصولية جاز له التقليد في تلك المسائل وهو مما لا محذور فيه فان الادلة المتقدمة الدالة على مشروعية التقليد وجوازه كما انها شاملة للتقليد في الفروع كذلك شاملة للتقليد في الاصول. أما الكتاب فلما مر من انه انما دل على مشروعية التقليد في الامور الراجعة إلى الدين، ومن البديهي أن حجية الاستصحاب أو الخبر الواحد ايضا راجعة إلى الدين فتعلمها تفقه في الدين فالانذار بها حجة بمقتضى الآية المباركة فانها مطلقة من ناحية كون الحكم الشرعي - المنذر به - حكما للعمل من دون واسطة - كما في الاحكام الفقهية - أو حكما للعمل مع الواسطة - كما في المسائل الاصولية -. وأما السنة فلانها كما مر انما دلت على مشروعية التقليد فيما يرجع إلى معالم الدين المنطبقة على المسائل الاصولية ايضا لوضوح أن حجية الخبر - مثلا - من معالم الدين فلا مانع من الرجوع فيها إلى العالمين بها. وأما السيرة فلاجل أنها جرت على رجوع الجاهل إلى العالم في الامور النظرية

[ 416 ]

المبتنية على الاستدلال واعمال الدقة، والمسائل الاصولية كذلك وبهذا نستنتج أن المسائل الاصولية كالمسائل الفرعية قابلة للتقليد. نعم لا يجوز للغير أن يقلده فيما استنبطه كذلك، لانه في الحقيقة مقلد في الحكم لوضوح أن النتيجة تتبع اخس المقدمتين فهو وإن كان مجتهدا في الفروع ومتمكنا من استنباطها، إلا أنه مقلد في الاصول ومعه ينتهي الحكم الفرعي المستنبط إلى التقليد ولم يقم دليل على حجية النظر - من مثله - لغيره فلا يجوز للعامي أن يقلده فيما استنبطه كذلك، هذا كله في كبرى المسألة. وأما بحسب الصغرى وأنه هل يتحقق في الخارج شخص يتمكن من الاستنباط في الفروع الفقهية من دون أن يكون قادرا على الاستنباط في المسائل الاصولية حتى يقلد في تلك المسائل وبها يستنبط حكما فرعيا بالاجتهاد أو لا يوجد لتلك الكبرى صغرى في الخارج؟ فالتحقيق أن مسالتنا هذه لاصغري لها بوجه وتوضيحه: أنا وإن ذكرنا في محله أن التجزي في الاجتهاد أمر ممكن بل لاكلام في وقوعه فلا مانع من أن يتمكن أحد من الاستنباط في باب أو مسألة لسهولة مأخذها دون مسألة اخرى لصعوبتها بل قلنا إن التجزي مما لابد منه في الاجتهاد المطلق - عادة - إلا أن ذلك فيما إذا كان المتجزي مجتهدا في مسألة - حقيقة - حتى فيما يتوقف عليه من المسائل الاصولية و إن لم يكن كذلك في مسألة اخرى لعجزه عن الاجتهاد فيها أو فيما يتوقف عليه. و أما أن المجتهد يتمكن من الاجتهاد في المسألة الفقهية وغير واجد لملكة الاجتهاد في المسالة الاصولية التي تتوقف عليها تلك المسألة الفقهية فهو مما لا وقوع له وذلك لان الاجتهاد في الاحكام الشرعية ليس باهون من الاجتهاد في المسائل الاصولية، فإذا فرضنا أن المجتهد يتمكن من الاستنباط في الفروع وتطبيق الكبريات على صغرياتها فلا مناص من أن يكون متمكنا من الاجتهاد في المسائل الاصولية ايضا

[ 417 ]

[ (مسألة 68) لا يعتبر الاعلمية في ما أمره راجع إلى المجتهد إلا في التقليد (1) ] وإن لم يتصد لاستنباطها، وقد اسلفنا عند التكلم على الاجتهاد أن واجد الملكة لا يجوز له التقليد بوجه لعدم شمول الادلة له. أما آية النفر فلانها دلت على حجية انذار المنذر بالاضافة إلى من لا يتمكن من التفقه في الدين دون من هو مثل المنذر في القدرة على التفقه والانذار. وأما آية السؤال فلانها - على تقدير دلالتها - انما تدل على حجية جواب العالم لمن ليس له سبيل إلى التعلم غير السؤال، ولم تدل على حجيته بالاضافة إلى من يتمكن من التعلم بالاجتهاد. وأما الروايات فلان القدر المتيقن من مداليلها حجية فتوى الفقيه على من لا يتمكن من تحصيل العلم بالواقع، وكذلك السيرة لعدم جريانها فيمن يتمكن من تحصيل العلم بنفسه، فان الطبيب المتمكن من الطبابة والعلاج لنفسه أو لاولاده - مثلا - لا نستعهد رجوعه أو ارجاعه المريض إلى طبيب آخر، فصاحب الملكة لا مسوغ لتقليده. وقد مر أن شيخنا الانصاري (قده) ادعى الاجماع على عدم جواز التقليد له فلا مناص من أن يجتهد أو يحتاط. والمتحصل عدم جواز التقليد في المسائل الاصولية مطلقا أما مع التمكن من الاجتهاد في الاحكام الفرعية فلاجل عدم انفكاكه عن التمكن من الاجتهاد في المسائل الاصولية وقد عرفت أن واجد الملكة ليس له التقليد فيما يتمكن من الاجتهاد فيه. وأما مع العجز عن الاجتهاد في الاحكام الفرعية فلانه لا يترتب أي فائدة على التقليد في المسائل الاصولية حينئذ. ما لا يعتبر فيه الاعلمية: (1) قد اسلفنا أن من جملة الشرائط المعتبرة فيمن يرجع إليه في التقليد هو

[ 418 ]

[ وأما الولاية على الايتام والمجانين والاوقاف التي لامتولى لها والوصايا التي لا وصى لها ونحو ذلك فلا يعتبر فيها الاعلمية. نعم الاحوط في القاضى أن يكون أعلم من في ذلك البلد أو في غيره مما لا حرج في الترافع إليه. ] الاعلمية إما مطلقا وإما فيما إذا علمت المخالفة بينه وبين غير الاعلم في الفتوى على الخلاف، إلا أن ذلك انما هو بالاضافة إلى التقليد في الفروع. وهل تعتبر الاعلمية في غيره من الامور الراجعة إلى المجتهد كالولاية على القصر من الصغار والمجانين، وعلى الاوقاف التي لامتولى لها، والوصايا التي لاوصى لها وغيرها من الامور التي لا مناص من تحققها في الخارج وهي المعبر عنها بالامور الحسبية، كبيع مال اليتيم عند اقتضاء الضرورة له، أو تزويج الصغير أو الصغيرة مع اقتضاء المصلحة في حقهما، وصرف سهم الامام - ع - في موارده ونحوها أو لا تعتبر؟ يقع الكلام في ذلك تارة في غير القضاء من الامور الراجعة إلى المجتهد، واخرى في القضاء. أما المقام الاول: فالمشهور بين الاصحاب (قدهم) عدم اعتبار الاعلمية فيمن يرجع إليه في تلك الامور، فلا مانع من الرجوع فيها إلى غير الاعلم وهو الذي اختاره الماتن (قده) إلا أن ذلك يبتنى على أن يكون للفقيه في زمان الغيبة ولاية مطلقة قد ثبتت له بدليل لفظي قابل للتمسك باطلاقه عند الشك في اعتبار الاعلمية في المجتهد الذي يرجع إليه في تلك الامور فيقال حينئذ أن الادلة المثبتة للولاية غير مقيدة بالاعلمية فلا مانع من أن ندفع باطلاقها احتمال اعتبار الاعلمية في تلك الامور. إلا انا ذكرنا في التكلم على ولاية الفقيه أن ما استدل به على الولاية المطلقة

[ 419 ]

في عصر الغيبة غير قابل للاعتماد عليه ومن هنا قلنا بعدم ثبوث الولاية له إلا في موردين وهما الفتوى والقضاء. الولاية المطلقة للفقيه: وتفصيل الكلام في ذلك: أن ما يمكن الاستدلال به على الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة أمور: " الاول ": الروايات كالتوقيع المروى عن كمال الدين وتمام النعمة، والشيخ في كتاب الغيبة والطبرسي في الاحتجاج: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتى عليكم وأنا حجة الله.. (* 1) نظرا إلى أن المراد برواة حديثنا هو الفقها، دون من ينقل الحديث فحسب. وقوله - ع - مجارى الامور والاحكام بيد العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه.. (* 2). وقوله - ص - الفقهاء امناء الرسل.. (* 3) وقوله - ص أللهم ارحم خلفائي - ثلاثا - قيل يا رسول الله ومن خلفائك؟ قال: الذين يأتون بعدي يروون حديثى وسنتى (* 4) وغيرها من الروايات. وقد ذكرنا في الكلام على ولاية الفقيه من كتاب المكاسب أن الاخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند أو الدلالة وتفصيل ذلك موكول إلى


(* 1) و (* 4) المرويتان في ب 11 من ابواب صفات القاضى من الوسائل. (* 2) رواه عن تحف العقول في الوافي المجلد الثاني ص 30 م 9 والمستدرك ج 3 ب 11 من ابواب صفات القاضى. (* 3) رواه عن الراوندي في نوادره في المستدرك ج 3 ب 11 من ابواب صفات القاضى.

[ 420 ]

محله. نعم يستفاد من الاخبار المعتبرة أن للفقيه ولاية في موردين وهما الفتوى والقضاء. وأما ولايته في سائر الموارد فلم يدلنا عليها رواية تامة الدلالة والسند. " الثاني ": أن الولاية المطلقة للفقهاء في عصر الغيبة إنما يستفاد من عموم التنزيل وإطلاقه، حيث لا كلام من أحد في أن الشارع قد جعل الفقيه الجامع للشرائط قاضيا وحاكما وقد نطقت به مقبولة عمر بن حنظلة: حيث ورد فيها قوله عليه السلام: فاني قد جعلته عليكم حاكما.. (* 1). وصحيحة أبي خديجة: ففيها فاني قد جعلته عليكم قاضيا.. (* 2) فان مقتضى الاطلاق فيهما أن يترتب الاثار المرغوبة من القضاة والحكام باجمعها على الرواة والفقهاء ومن تلك الآثار تصديهم لنصب القيم والولى على القصر والمتولي على الاوقاف التى لا متولى لها والحكم بالهلال وغيرها. وذلك لانه لا شبهة ولا كلام في أن القضاة المنصوبين من قبل العامة والخلفاء كانوا يتصدون لتلك الوظائف والمناصب كما لا يخفى على من لاحظ احوالهم وسبر سيرهم وسلوكهم، ويشكف عن ذلك كشفا قطعيا صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع قال: مات رجل من اصحابنا، ولم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله، وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري، فباع عبد الحميد المتاع. فلما أراد بيع الجوارى ضعف قلبه عن بيعهن، إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته، وكان قيامه فيها بامر القاضي، لانهن فروج قال: فذكرت ذلك لابيجعفر (ع) وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا ولا يوصى إلى أحد ويخلف جواري فيقيم القاضى رجلا منا فيبيعهن أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لانهن فروج فما ترى في ذلك؟ قال: فقال: إذا كان القيم


(* 1) المروية في ب 11 من ابواب صفات القاضى من الوسائل. (* 2) المروية في ب 1 و 11 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 421 ]

به مثلك (أو) مثل عبد الحميد فلا بأس (1). لانها صريحة في أن القضاة كانوا يتصدون لنصب القيم ونحوه من المناصب فإذا دلت الرواية على أن المجتهد الجامع للشرائط قد جعل قاضيا في الشريعة المقدسة دلتنا باطلاقها على أن الآثار الثابتة للقضاة والحكام باجمعها مترتبة على الفقيه كيف فان ذلك مقتضى جعل المجتهد قاضيا في مقابل قضاتهم وحكامهم. لان الغرض من نصبه كذلك ليس إلا عدم مراجعتهم إلى قضاة الجور، ورفع احتياجاتهم عن قضائهم، فلو لم تجعل له الولاية المطلقة ولم يكن متمكنا من اعطاء تلك المناصب لم يكن جعل القضاوة له موجبا لرفع احتياجاتهم، ومع احتياجهم واضطرارهم إلى الرجوع في تلك الامور إلى قضاة الجور لا معنى لنهيهم عن ذلك وعلى الجملة ان الولاية من شئون القضاء، ومع الالتزام بأن المجتهد مخول للقضاء لابد من الالتزام بثبوت الولاية المطلقة له وبجواز أن يتصدى لما يرجع إليها في عصر الغيبة. والجواب عن ذلك: أن القضاء بمعنى إنهاء الخصومة، ومن هنا سمي القاضي قاضيا لانه - بحكمه - ينهى الخصومة ويتم أمرها ويفصله. وأما كونه متمكنا من نصب القيم والمتولي وغيرهما أعني ثبوت الولاية له فهو امر خارج عن مفهوم القضاء كلية. فقد دلتنا الصحيحة على أن الشارع نصب الفقيه قاضيا أي جعله بحيث ينفذ حكمه في المرافعات وبه يتحقق الفصل في الخصومات ويتم أمر المرافعات، ولا دلالة لها بوجه على أن له الولاية على نصب القيم والحكم بثبوت الهلال ونحوه. لما تقدم من أن القاضي إنما ينصب قاضيا لان يترافع عنده المترافعان وينظر هو إلى شكواهما ويفصل الخصومة بحكمه وأما ان له اعطاء تلك المناصب فهو امر يحتاج إلى دليل آخر ولا دليل عليه. فدعوى أن الولاية من شئون القضاء عرفا


(* 1) المروية ب 16 من ابواب عقد البيع وشروطه من الوسائل.

[ 422 ]

ممنوعة بتاتا. بل الصحيح أنهما أمران ويتعلق الجعل بكل منهما مستقلا. وأما تصدي قضاة العامة لكل من القضاء وما يرجع إلى الولاية فهو ايضا من هذا القبيل بمعنى انهما منصبان مستقلان والخليفة ربما كان يعطى منصب القضاء لاحد ويعطى منصب الولاية لاشخاص آخرين، وربما كان من باب الاتفاق يعطى ذلك المنصب ايضا للقاضي فيصير القاضي بذلك ذا منصبين مجعولين بجعلين لا ان أحدهما من شئون الآخر، بحيث يغنى جعل أحدهما عن جعل الآخر، وفي عصر الحكومة العثمانية - التي هي قريبة العهد من عصرنا - ايضا كان الامر كما ذكر، ولم يكن الولاية فيه من شئون القضاء لئلا تحتاج إلى الجعل بعد جعل القضاء. وأما عدم ارتفاع الحاجة عن اصحابهم (ع) فيما إذا كان الفقيه قاضيا فحسب ولم يكن له الولاية على بقية الجهات ففيه: أن هذه المناقشة انما تتم فيما إذا لم يتمكن الفقيه المنصوب قاضيا شرعا من التصرف في تلك الجهات ابدا. وأما لو جاز له ان يتصدى لها - لا من باب الولاية - بل من باب الحسبة على ما سيتضح - قريبا - ان شاء الله فلا تبقى لاصحابهم أية حاجة في الترافع أو الرجوع إلى قضاة الجور ومعه يصح النهي عن رجوعهم إلى القضاة. " الثالث ": أن الامور الراجعة إلى الولاية مما لا مناص من أن تتحق في الخارج - مثلا - إذا مات أحد ولم ينصب قيما على صغاره ولم يوص إلى وصي ليقوم بامورهم واحتيج إلى بيع مال من أمواله أو تزويج صغيرة من ولده، لان في تركه مفاسد كثيرة، أو أن مالا من أموال الغائب وقع مورد التصرف، فان بيع ماله أو تزويج الصغيرة أمر لابد من وقوعه في الخارج ومن المتصدي لتلك الامور؟ فان الائمة - ع - منعوا عن الرجوع إلى القضاة. وايقاف تلك الامور أو تأخيرها غير ممكن لاستلزامه تفويت مال الصغار أو الغائب أو انتهاك عرضهم. ومعه لا مناص من أن ترجع الامور إلى الفقيه الجامع للشرائط، لانه القدر المتيقن ممن يحتمل

[ 423 ]

أن يكون له الولاية في تلك الامور، لعدم احتمال أن يرخص الشارع فيها لغير الفقيه كما لا يحتمل ان يهملها لانها لابد من أن تقع في الخارج فمع التمكن من الفقيه لا يحتمل الرجوع فيها إلى الغير. نعم إذا لم يمكن الرجوع إليه في مورد تثبت الولاية لعدول المؤمنين، والمتحصل أن الفقيه له الولاية المطلقة في عصر الغيبة، لانه القدر المتيقن كما عرفت. والجواب عن ذلك: أن الامور المذكورة وإن كانت حتمية التحقق في الخارج وهي المعبر عنها بالامور الحسبية، لانها بمعنى الامور القربية التي لا مناص من تحققها خارجا، كما أن الفقيه هو القدر المتيقن كما مر إلا أنه لا يستكشف بذلك أن الفقيه له الولاية المطلقة في عصر الغيبة، كالولاية الثابتة للنبي - ص - والائمة عليهم السلام. حتى يتمكن من التصرف في غير مورد الضرورة وعدم مساس الحاجة إلى وقوعها أو ينصب قيما أو متوليا من دون أن ينعزل عن القيمومة أو التولية بموت الفقيه، أو يحكم بثبوت الهلال أو غير ذلك من التصرفات المترتبة على الولاية المطلقة. بل إنما يستكشف بذلك نفوذ التصرفات المذكورة الصادرة عن الفقيه بنفسه أو بوكيله كما هو مفاد قوله - ع - في الصحيحة المتقدمة: إذا كان القيم مثلك (أو) مثل عبد الحميد فلا بأس. فان تلك الامور لا يمكن للشارع اهمالها كما لا يحتمل أن يرخص فيها لغير الفقيه دون الفقيه فيستنتج بذلك أن الفقيه هو القدر المتيقن في تلك التصرفات وأما الولاية فلا. أو لو عبرنا بالولاية فهي ولاية جزئية تثبت في مورد خاص اعني الامور الحسبية التي لابد من تحققها في الخارج ومعناها نفوذ تصرفاته فيها بنفسه أو بوكيله ومن هنا يظهر أن الفقيه ليس له الحكم بثبوت الهلال ولا نصب القيم أو المتولي من دون انعزالهما بموته، لان هذا كله من شئون الولاية المطلقة وقد عرفت عدم ثبوتها بدليل، وانما الثابت أن له التصرف في الامور التي لابد من تحققها في الخارج

[ 424 ]

بنفسه أو بوكيله ومعه إذا نصب متوليا على الوقف أو قيما على الصغير فمرجعه إلى التصرف فيهما بالوكالة ولا كلام في أن الوكيل ينعزل بموت موكله وهو الفقيه في محل الكلام. فذلكة الكلام: أن الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل وانما هي مختصة بالنبي والائمة عليهم السلام، بل الثابت حسبما تستفاد من الروايات أمران: نفوذ قضائه وحجية فتواه، وليس له التصرف في مال القصر أو غيره مما هو من شئون الولاية إلا في الامر الحسبي فان الفقيه له الولاية في ذلك لا بالمعنى المدعى. بل بمعنى نفوذ تصرفاته بنفسه أو بوكيله وانعزال وكيله بموته وذلك من باب الاخذ بالقدر المتيقن لعدم جواز التصرف في مال احد إلا باذنه، كما أن الاصل عدم نفوذ بيعه لمال القصر أو الغيب أو تزويجه في حق الصغير أو الصغيرة، إلا أنه لما كان من الامور الحسبية ولم يكن بد من وقوعها في الخارج كشف ذلك كشفا قطعيا عن رضى المالك الحقيقي وهو الله - جلت عظمته - وأنه جعل ذلك التصرف نافذا حقيقة. والقدر المتيقن ممن رضى بتصرفاته المالك الحقيقي هو الفقيه الجامع للشرائط فالثابت للفقيه جواز التصرف دون الولاية. وبما بيناه يظهر أن مورد الحاجة إلى إذن الفقيه في تلك الامور الحسبية ما إذا كان الاصل الجاري فيها اصالة الاشتغال وذلك كما في التصرف في الاموال والانفس والاعراض، إذ الاصل عدم نفوذ تصرف أحد في حق غيره ومن جملة الموارد التي تجري فيها أصالة الاشتغال ويتوقف التصرف فيها على اذن الفقيه هو التصرف في سهم الامام - ع - لانه مال الغير ولا يسوغ التصرف فيه إلا باذنه. فإذا علمنا برضاه بالتصرف فيه، وعدم وجوب دفنه أو القائه في البحر أو

[ 425 ]

توديعه عند الامين ليودعه عند امين آخر وهكذا إلى أن يصل إلى الامام - ع - عند ظهوره وذلك لانه ملازم - عادى - لتفويته ولا يرضى - ع - به يقينا وقع الكلام في أن المتصرف في سهمه - ع - بصرفه في موارد العلم برضاه هل هو الفقيه الجامع للشرائط أو غيره، ومقتضى القاعدة عدم جواز التصرف فيه إلا باذنه، والمتيقن ممن نعلم برضاه - ع - واذنه له في التصرف فيه هو الفقيه الجامع للشرائط، لعدم احتمال اذن الشارع لغير الفقيه دون الفقيه. وأما إذا كان الاصل الجارى في تلك الامور أصالة البراءة، كما في الصلاة على الميت الذي لا ولي له ولو بالنصب من قبل الامام - ع - فان الصلاة على الميت المسلم من الواجبات الكفائية على كل مكلف، ومع الشك في اشتراطها باذن الفقيه نتمسك بالبرائة، لانها تقتضي عدم اشتراطها بشئ، ومع جريان اصالة البرائة لا نحتاج إلى الاستيذان من الفقيه. وعلى الجملة الولاية بعد ما لم تثبت بدليل وجب الرجوع في كل تصرف إلى الاصل الجارى في ذلك التصرف وهو يختلف باختلاف الموارد، والاحتياج إلى إذن الفقيه انما هو في موارد تجرى فيها اصالة الاشتغال. وبعد ما عرفت ذلك لابد من التكلم في أن الولاية بالمعنى المتقدم أعني جواز تصرفات الفقيه ونفوذها، وتوقف تصرف الغير على اذنه هل يشترط فيها الاعلمية أو انها ثابتة لمطلق الفقيه؟ فنقول: أما الاعلمية المطلقة التي هي المعتبرة في باب التقليد فلا يحتمل اعتبارها في المقام فان لازم ذلك أن تكون الولاية على مجهول المالك ومال الغيب والقصر من المجانين والايتام والاوقاف التى لا متولى لها والوصايا التي لا وصي لها وغيرها من الامور الحسبية في ارجاء العالم كله راجعة إلى شخص واحد. ومن المستحيل - عادة - قيام شخص واحد عادى للتصدى بجميع تلك الامور

[ 426 ]

- على كثرتها - في الاماكن المختلفة من الربع المسكون، فان الولاية كالخلافة فلابد فيها من الرجوع إلى الاعلم من جميع النقاط والقيام بها أمر خارج عن طوقه. كما أن المراجعة من ارجاء العالم في الامور الحسبية إلى شخص واحد في مكان معين من البلدان غير ميسورة للجميع. على أن الاعلمية المطلقة لو كانت معتبرة في الولاية - بالمعنى المتقدم - لكان من اللازم أن يشار إلى اعتبارها في الاخبار الواردة عنهم عليهم السلام، ولوصل الينا يدا بيد، واشتهر وذاع، ولم يرد أدنى اشارة إلى اعتبارها في الروايات ولم يلتزم به الاصحاب (قدهم) فاعتبار الاعلمية المطلقة غير محتمل بتاتا. وأما الاعلمية الاضافية كاعلم البلد وما حوله من النقاط التي يمكن الرجوع منها إلى ذلك البلد في تلك الامور فالمشهور بين الاعلام ايضا عدم اعتبارها في الولاية. بل ادعى ظهور الاجماع عليه في بعض الكلمات. إلا ان الصحيح هو القول بالاعتبار وذلك لعين ما قدمناه في اشتراط اذن الفقيه في التصدى للامور الحسبية، وحاصل ما ذكرنا في وجهه أن مقتضى القاعدة عدم نفوذ تصرف أحد في حق غيره للاستصحاب أو اصالة الاشتغال كما مر. إلا أن الامور المذكورة لما لم يكن بد من تحققها في الخارج وكان من الضروري أن يتصرف فيها متصرف لا محالة دار الامر بين أن يكون المتصرف النافذ تصرفه فيها أعلم البلد وأن يكون غيره من الفقهاء، والاعلم الاضافي هو القدر المتيقن ممن يحتمل جواز تصرفه في تلك الامور. وكذلك الحال في التصرف في سهم الامام - ع - لانه وإن كان معلوم المالك وهو الامام - ع - الا انه من جهة عدم التمكن من الوصول إليه ملحق بمجهول المالك نظير سائر الاموال المعلوم مالكها فيما إذا لم يمكن الوصول إليه وقد تقدم أن القدر المتيقن ممن يجوز تصرفاته في تلك الموارد هو الاعلم اما مطلقا - كما في

[ 427 ]

سهم الامام - ع - وغيره مما لا مانع من الرجوع فيه إلى الاعلم مطلقا وإما بالاضافة إلى البلد كما في الولاية، لعدم التمكن فيها من الرجوع إلى الاعلم المطلق كما مر. فعلى ما بيناه اعتبار الاعلمية الاضافية لو لم يكن أقوى في المسألة فلا ريب أنه احوط. هذا كله في اعتبار الاعلمية في غير القضاء من الولايات. أما المقام الثاني وهو اعتبار الاعلمية في القضاء فيقع الكلام فيه في الشبهات الموضوعية - تارة - وفي الشبهات الحكمية - اخرى -. أما الشبهات الموضوعية، كما إذا كان الترافع في اداء الدين وعدمه أو في زوجية امرأة وعدمها أو نحوه فاعتبار الاعلمية المطلقة في باب القضاء مقطوع العدم لاستحالة الرجوع في المرافعات الواقعة في ارجاء العالم ونقاطه - على كثرتها وتباعدها - إلى شخص واحد وهو الاعلم، كما أن التصدى للقضاء في تلك المرافعات الكثيرة امر خارج عن طوق البشر - عادة - فمورد الكلام والنزاع انما هو اعتبار الاعلمية الاضافية كاعتبار ان يكون القاضي اعلم من في البلد وما حوله. وهل تعتبر الاعلمية - بهذا المعنى - في القاضي أو لا تعتبر؟ المنسوب إلى الاشهر أو المشهور هو الاعتبار، والتحقيق عدم اعتبار الاعلمية في باب القضاء وذلك لصحيحة ابي خديجة قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق - ع - اياكم ان يحاكم بعضكم بعضا إلى اهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم.. (1) فان قوله - ع - يعلم شيئا من قضايانا كما انه يصدق على الاعلم كذلك ينطبق على غير الاعلم من الفقهاء. نعم لا مجال للاستدلال على ذلك بان " شيئا " نكرة يصدق على العلم ببعض المسائل ايضا. وذلك لما قدمناه (2) من أن تنكير تلك اللفظة انما هو من جهة عدم تمكن


(* 1) المروية في ب 1 من ابواب صفات القاضي من الوسائل. (* 2) في ص 232 - 233.

[ 428 ]

البشر من الاحاطة بجميع علومهم وقضاياهم - ع - فان الانسان مهما بلغ من العلم والفقاهة لم يعرف إلا شيئا من علومهم، لا انه من جهة أن العلم ولو بالمسألة الواحدة كاف في جواز الترافع عنده. ودعوى: أن الرواية ليست بصدد البيان من تلك الجهة وإلا جاز التمسك باطلاقها بالاضافة إلى العامي الذي علم مقدارا من المسائل الدينية بالتقليد، مع أن الرواية غير شاملة له يقينا. وهذا يدلنا على انها ليست بصدد البيان من تلك الناحية مندفعة: " أولا ": بان الظاهر من قوله - ع - يعلم شيئا من قضايانا هو العلم بها من دون واسطة بوجه فلا يصدق على من علم بقضاياهم بتوسط العلم بفتوى مجتهده، كيف فان العامي قد يكون اكثر استحضارا للفتوى من نفس المجتهد، ومع ذلك لا يطلق عليه الفقيه والعالم باحكامهم - ع - وقضاياهم لدى العرف. و " ثانيا ": هب أن الرواية مطلقة وأنها تشمل العلم بها ولو مع الواسطة، فانه لامانع من أن نقيد اطلاقها بالعلم الخارجي، لان منصب القضاء لا يرضى الشارع بتصدي العامي له يقينا فدعوى أن الرواية لا اطلاق لها مما لاوجه له. وقد يقال: ان الرواية وإن كانت مطلقة في نفسها كما ذكر إلا انها تقيد بما دل على اعتبار أن يكون القاضي اعلم، وما يمكن أن يستدل به على التقييد روايات: " منها ": مقبولة عمر بن حنظلة، حيث ورد فيها: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما.. (* 1) لتصريحها بأن المعتبر هو ما حكم به افقههما وبها نقيد اطلاق الرواية المتقدمة. ويرد عليه: " أولا ": أن المقبولة ضعيفة السند، لعدم ثبوت وثاقة عمر بن حنظلة على ما مر غير مرة.


(* 1) المروية في ب 9 من ابواب صفات القاضى من الوسائل.

[ 429 ]

و " ثانيا ": أنها انما وردت في الشبهات الحكمية، لان كلا منهما قد اعتمد في حكمه على رواية من رواياتهم كما هو المصرح به في متنها وكلامنا إنما هو في الشبهات الموضوعية دون الحكمية فالرواية على تقدير تماميتها في نفسها اجنبية عن محل الكلام. و " ثالثا ": ان الرواية انما دلت على الترجيح بالافقهية فيما إذا ترافع المترافعان إلى حاكمين متعارضين في حكمهما وهب أنا التزمنا حينئذ بالترجيح بالاعلمية، واين هذا من محل الكلام وهو أن الرجوع - ابتداء - هل يجوز إلى غير الاعلم أو لا يجوز؟ من دون فرض تعارض في البين. ولا الرجوع بعد الرجوع فالمقبولة غير صالحة للتقييد. و " منها ": معتبرة داود بن الحصين عن ابي عبد الله - ع - في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف فرضيا بالعدلين فاختلف العدلان بينهما عن قول أيهما يمضى الحكم؟ قال: ينظر إلى افقههما وأعلمهما باحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الآخر (* 1). وهذه الرواية وان كانت سليمة عن المناقشة من حيث السند على كلا طريقي الشيخ والصدوق وإن اشتمل كل منهما على من لم يوثق في الرجال، فان في الاول حسن بن موسى الخشاب، وفي الثاني حكم بن مسكين. وذلك لانهما ممن وقع في اسانيد كامل الزيارات على أن حسن بن موسى ممن مدحه النجاشي (قده) بقوله: من وجوه أصحابنا مشهور كثير العلم والحديث، والحسنة كالصحيحة والموثقة في الاعتبار فلا مناقشة فيها من حيث السند. إلا أنها قاصرة الدلالة على المدعى وذلك للوجه الثاني والثالث من الوجوه التي اوردناها على الاستدلال بالمقبولة لان المظنون بل المطمئن به أن موردها الشبهة


(* 1) المروية في ب 9 من ابواب صفات القاضي من الوسائل.

[ 430 ]

الحكمية وأن اختلاف العدلين غير مستند إلى عدالة البينة عند احدهما دون الآخر بل انما هو مستند إلى اعتماد كل منهما في حكمه إلى رواية من رواياتهم - ع - كما انها وردت في الترافع إلى حكمين بينهما معارضة في حكمهما، وأين هذا مما نحن فيه أعنى الرجوع - من الابتداء - إلى القاضى غير الاعلم من دون تعارض. و " منها ": رواية موسى بن اكيل عن ابي عبد الله - ع - قال: سئل عن رجل يكون بينه وبين أخ له منازعة في حق فيتفقان على رجلين يكونان بينهما فحكما فاختلفا فيما حكما قال: وكيف يختلفان؟ قال: حكم كل واحد منهما للذى اختاره الحضمان فقال: ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين الله فيمضى حكمه (* 1) ويرد على الاستدلال بها: " أولا ": أنها ضعيفة السند، لان فيه ذبيان بن حكيم وهو غير موثق بوجه و " ثانيا ": أنها إنما وردت في الرجوع إلى الحكمين المتعارضين في حكمهما وهو اجنبي عن المقام، كما أن موردها لعله الشبهة الحكمية واستناد كل منهما في حكمه إلى رواية. إذا فهذه الروايات باجمعها غير صالحة لتقييد الصحيحة مضافا إلى أن جميعها تشتمل على الترجيح بالاورعية، والاعدلية. ولا شبهة في أن الاورعية غير معينة للرجوع إلى الاورع عند وجود من هو اعلم منه. وبهذا يظهر أن مواردها صورة المعارضة دون الرجوع ابتداء. ومما استدل به على التقييد ما في عهد أمير المؤمنين - ع - إلى مالك الاشتر من قوله: إختر للحكم بين الناس افضل رعيتك (* 2) ويرد عليه: " أولا ": أن العهد غير ثابت السند بدليل قابل للاستدلال به في الاحكام الفقهية وان كانت عباراته ظاهرة الصدور عنه - ع - إلا أن مثل هذا الظهور غير


(* 1) المروية في ب 9 من ابواب صفات القاضى من الوسائل. (* 2) قدمنا مصدره في ص 145.

[ 431 ]

صالح للاعتماد عليه في الفتاوى الفقهية أبدا. و " ثانيا ": انه انما يدل على لزوم اختيار افضل الرعية للقضاء، واين هذا من اعتبار الاعلمية في محل الكلام، لان بين الافضل والاعلم عموما من وجه فان الظاهر أن المراد بالافضل هو المتقدم فيما يرجع إلى الصفات النفسانية من الكرم وحسن الخلق وسعة الصدر ونحوها مما له دخل في ترافع الخصمين وسماع دعواهما وفهمها دون الاعلمية في الفقاهة والاستنباط بالمعنى المتقدم في معنى الاعلم. و " ثالثا ": ان ما ادعى من دلالة العهد على اعتبار الاعلمية لو تم فانما يختص بالقاضي المنصوب نصبا خاصا من قبل الامام - ع - أو الوالي من قبله ومحل الكلام انما هو القاضي المنصوب بالنصب العام من باب الولاية واين احدهما من الآخر؟! والمتحصل أنه ليس هناك دليل يدلنا على تقييد الصحيحة المتقدمة، فاطلاقها هو المحكم كما ذكرناه. وقد يتوهم أن في الاخبار الواردة عنهم عليهم السلام ما دل على اشتراط الاعلمية في باب القضاء كما ذكره صاحب الوسائل (قده) حيث عقد بابا وعنونه بباب أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم عند الشك في المسألة، ولا في حضور من هو أعلم منه. ويرده: أن صاحب الوسائل وإن عنون الباب كذلك إلا أنه لم ينقل في ذلك الباب رواية تدلنا على اشتراط الاعلمية في القاضي فلاحظ (* 1) نعم ورد في بعض الروايات ذم من دعى الناس إلى نفسه وفي الامة من هو اعلم منه، كما ورد ذم من يفتى عباد الله وفي الامة من هو اعلم منه (* 2) إلا أن هاتين الروايتين مضافا إلى ضعفهما من حيث السند اجنبيتان عن محل الكلام، لان


(* 1) راجع ب 4 من ابواب اداب القاضي من الوسائل. (* 2) قدمنا مصدره في ص 145.

[ 432 ]

أولاهما راجعة إلى ذم من ادعى الخلافة، وفي الناس من هو اعلم منه، وهو أمر لا شبهة فيه، والثانية راجعة إلى اشتراط الاعلمية في باب التقليد، فلا ربط لهما بالمقام هذا مضافا إلى السيرة القطعية الجارية بين المتدينين على الرجوع في المرافعات إلى كل من الاعلم وغير الاعلم، لعدم التزامهم بالرجوع إلى خصوص الاعلم. ودعوى: أن المتشرعة لم يعلم جريان سيرتهم على الرجوع في المرافعات إلى غير الاعلم، لانه من المحتمل أن يكون كل من أرجع إليه الامام - ع - في موارد الترافع هو الاعلم - ولو في بلده - مندفعة: بان هذه الدعوى لو تمت فانما تتم في القضاة المنصوبين من قبله - ع - نصبا خاصا. وأما المنصوبون بالنصب العام المدلول عليه بقوله: انظروا إلى رجل روى حديثنا. ونحوه فليس الامر فيهم كما ادعى يقينا للعلم الخارجي بانهم في الرجوع إلى تلك القضاة لا يفرقون بين الاعلم وغيره. بل كما انهم يراجعون الاعلم يراجعون غير الاعلم، إذا لم يدلنا - في الشبهات الموضوعية - أي دليل على اشتراط الاعلمية في باب القضاء. وأما الشبهات الحكمية، كما إذا كان منشاء النزاع هو الاختلاف في الحكم الشرعي كالخلاف في أن الحبوة للولد الاكبر أو أنها مشتركة بين الوراث باجمعهم أو اختلفا في ملكية ما يشترى بالمعاطاة نظرا إلى أنها مفيدة للملكية أو للاباحة أو أنها مفيدة للملك اللازم أو الجائز فيما إذا رجع عن بيعه فالنزاع في امثال ذلك قد ينشاء عن الجهل بالحكم لعدم علمهما بما أفتى به مقلدهما - وهو شخص واحد - ومن هنا ادعى كل منهما ما يرجع إليه نفعه. وقد ينشاء عن جزمهما بالحكم والفتوى غير أن احدهما يدعى أن فتوى المجتهد هو اختصاص الحبوة بالولد الاكبر - مثلا - ويدعى الآخر أن فتواه على خلاف ذلك: ففي هاتين الصورتين كلتيهما يجب على المتخاصمين الرجوع إلى مقلدهما في

[ 433 ]

[ (مسألة 69) إذا تبدل رأي المجتهد هل يجب عليه إعلام المقلدين أم لا؟ فيه تفصيل (1) فان كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط، فالظاهر عدم الوجوب، وإن كانت مخالفة فالاحوط الاعلام، بل لا يخلو عن قوة. (مسألة 70) لا يجوز للمقلد اجراء أصالة البراءة أو الطهارة أو الاستصحاب في الشبهات الحكمية (2) وأما الشبهات الموضوعية ] المسألة، لانه حكم شرعي يجب التقليد فيه، فإذا حكم بأن الحبوة مشتركة بين الوراث - مثلا - لم يجز له التحاكم عند حاكم آخر يرى اختصاصها به، وذلك لبطلان ما ادعاه بفتوى مقلده فهاتان الصورتان ليستا من موارد الرجوع إلى الحاكم بوجه اذأ يتعين أن يكون مورد الرجوع إليه ما إذا كان كل من المترافعين مجتهدا في المسألة، كما إذا افتى احدهما في مسألة الحبوة بالاختصاص وكانت فتوى الآخر فيها الاشتراك كبقية اموال المورث، فان النزاع حينئذ لا يمكن فصله إلا بالرجوع إلى حاكم آخر، ولا نرى أي مانع وقتئذ من الرجوع إلى غير الاعلم، لاطلاق صحيحة ابي خديجة المتقدمة لصدق أنه ممن يعلم شيئا من قضاياهم - ع -. أو كان أحدهما مجتهدا ورأى أن الحبوة للولد الاكبر، والآخر قد قلد مجتهدا يرى أنها مشتركة، أو كانا مقلدين وقد قلد أحدهما من يفتى بالاختصاص والآخر قلد من يفتى باشتراكها ففي جميع هذه الموارد لا تنحل الخصومة إلا بالرجوع إلى حاكم آخر ومقتضى اطلاق الصحيحة عدم اشتراط الاعلمية فيه كما مر (1) قد ذكرنا تفصيل الكلام في هذه المسألة في المسألة الثامنة والخمسين فليلاحظ. (2) لما قدمناه في المسألة السابعة والستين من عدم جواز التقليد في المسائل الاصولية سواء أكان متمكنا من الاستنباط في المسائل الفرعية أم لم يكن هذا إذا

[ 434 ]

[ فيجوز (1) بعد أن قلد مجتهده في حجيتها. مثلا إذا شك في أن عرق الجنب من الحرام نجس أم لا؟ ليس له اجراء أصل الطهارة، لكن في أن هذا الماء أو غيره لاقته النجاسة أم لا؟ يجوز له اجراؤها بعد أن قلد المجتهد في جواز الاجراء. (مسألة 71) المجتهد غير العادل، أو مجهول الحال، لا يجوز تقليده (2) وإن كان موثوقا به في فتواه ولكن فتاواه معتبرة لعمل نفسه (3) وكذا لا ينفذ حكمه (4) ولا تصرفاته في الامور العامة. ولا ولاية له في الاوقاف والوصايا وأموال القصر والغيب. (مسألة 72) الظن بكون فتوى المجتهد كذا لا يكفى (5) في جواز العمل إلا إذا كان حاصلا من ظاهر لفظه شفاها أو لفظ الناقل أو من الفاظه في رسالته، والحاصل أن الظن ليس حجة إلا إذا كان حاصلا من ظواهر الالفاظ منه أو من الناقل (6). ] كان متمكنا من تشخيص موارد الاصول والفحص المعتبر في جريانها. وأما إذا لم يتمكن منهما فلا شبهة في عدم كونها موردا للتقليد بوجه. أو من الفاظه في رسالته، والحاصل أن الظن ليس حجة إلا إذا كان حاصلا من ظواهر الالفاظ منه أو من الناقل (6). ] كان متمكنا من تشخيص موارد الاصول والفحص المعتبر في جريانها. وأما إذا لم يتمكن منهما فلا شبهة في عدم كونها موردا للتقليد بوجه. (1) وذلك لانها مورد للتقليد وهو من التقليد في الاحكام الفرعية حقيقة. (2) لاشتراط جواز التقليد بالعدالة، فمع العلم بانتفائها أو الشك فيها لا يجوز تقليده للعلم بانتفاء الشرط أو عدم احرازه. (3) لما تقدم في التكلم على أقسام الاجتهاد من أن نظر المجتهد معتبر في اعمال نفسه، وان لم يجز تقليده لعدم توفر الشرائط فيه. (4) لاشتراط العدالة في الامور المذكورة كما يعتبر في التقليد، فمع احراز عدمها أو عدم إحرازها لا يترتب عليها احكامها. (5) لعدم حجية الظن شرعا وعقلا. (6) لحجية ظواهر الالفاظ على ما بيناه في محله. والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية