الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب البيع - السيد الخميني ج 5

كتاب البيع

السيد الخميني ج 5


[ 1 ]

كتاب البيع 5 تأليف العلامة الاكبر والاستاذ الاعظم آية الله العظمى مولانا الامام الحاج آقا روح الله الموسوي الخميني قدس سره مؤسسه مطبوعاتي اسماعيليان قم - تلفن 25212

[ 2 ]

الكتاب: البيع المؤلف: الامام الخميني قدس سره الشريف الناشر: موسسة اسماعيليان: قم، تليفون 25212 الطبعة: الرابعة عدد المطبوع: 1000 دورة (1 - 5) الطباعة والتجليد: موسسة اسماعيليان تاريخ النشر: 1410 هجري قمري - هجري شمسي 1368 القطع وعدد الصفحات: وزيري - 400

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين. القول في خيار العيب وهو سابع الخيارات، ولا إشكال في ثبوته نصا (1) وفتوى، لكن قد يستشكل في ثبوته فيما إذا جهل المشتري مثلا صفة السلامة والصحة جهلا بسيطا، فانه موجب للغرر المبطل للبيع، فلا وجه لثبوت الخيار فيه. فأجاب عنه الشيخ الاعظم (قده) بأن إطلاق العقد يقتضي وقوعه مبنيا على السلامة وترك الاشتراط صريحا اعتمادا على أصالة السلامة، والظاهر منه أن الاشتراط الضمني الارتكازي سبب لرفع الغرر فضلا عن الاشتراط صريحا.


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الخيار.

[ 4 ]

(أقول): الاشتراط الصريح لا يوجب رفع الغرر فضلا عن الضمني الارتكازي، فان ما يوجب رفعه هو العلم بالصفة، أو إخبار البائع بها أو توصيفه في ضمن العقد بالصحة، فانه يرجع إلى الاخبار بها، إذ الاوصاف والقيود التي هي الجمل الناقصة تصير تامة ومحتملة للصدق والكذب في ضمن الجمل التامة، إخبارية كانت كقوله: " رأيت زيدا العالم " فانه إخبار عن كونه عالما في ضمن الاخبار عن رؤيته، أو إنشائية كقوله: " اضرب زيدا العالم " ونحوه " بعت السلعة الصحيحة " لانه إخبار بصحتها، فبناء على رفع الغرر باخبار البائع يوجب ذلك رفعه. وأما الاشتراط ولو صريحا فلا يستلزم الاخبار فضلا عن قبول الاشتراط، كما لو شرط المشتري كون العين سليمة وقبل البائع، وفضلا عما إذا كان ضمنيا، ضرورة أن الاشتراط أو قبوله ليس إخبارا عن الصحة، ولهذا لا يقبل الصدق والكذب، فلا وجه لرفع الغرر به بناء على كون الغرر هو الجهالة، كما هو المعهود منهم. بل التحقيق أن الاخبار صريحا أو ضمنا في المقام أيضا لا يوجب رفعه إلا مع إحراز كونه غير مستند إلى أصالة الصحة، فانه مع الاستناد إليها لا يوجب إخباره للمشتري أمرا زائدا عما هو عنده، بل لو أخبر ألف شاهد مستندين إليها بأنه صحيح لم يوجب للمشتري شيئا زائدا عما هو عنده. هذا إذا قلنا بأن نفس أصالة الصحة لا توجب رفع الغرر، بل الموجب له هو بناء المتعاملين على الصحة وابتناء المعاملة عليها " (وأما لو قلنا) بأن أصالة الصحة من الاصول العقلائية بل من الامارات العقلائية التي يعتمد عليها العقلاء كما هو الحق - إما للغلبه التامة التي لا ينبغي إنكارها أو لغير ذلك - فهي رافعة للغرر من غير حاجة إلى التشبث بالشرط، أو بالاخبار

[ 5 ]

ضمنا أو صريحا، فأصالة الصحة كاخبار البائع قبل المعاملة كافية في رفعه. ولا يراد بالعلم والجهل المستعملين في أبواب العبادات والمعاملات العلم الوجداني الرافع للجهل الوجداني، بل المراد من العلم بالاوصاف هو إحرازها بالطريق العقلي أو العقلائي، فاخبار البائع طريق عقلائي، كأصالة الصحة التي هي أصل محرز عقلائي، أو أمارة كذلك، ولعل هذا مراد العلامة في محكي التذكرة " الاصل في المبيع من الاعيان والاشخاص السلامة من العيوب والصحة، فإذا أقدم المشتري على بذل ماله في مقابلة تلك العين فانما بنى إقدامه على غالب ظنه المستند إلى أصالة السلامة " انتهى ومن ذلك يظهر أن لا أصل للاشتراط أو الوصف الضمنيين في البيع. فكما أن إخبار البائع بالوصف الموجب لرفع الغرر لا يوجب أن يكون البيع مبنيا عليه ومشروطا به كذلك مع الاحراز بالاصل، بل الوجدان أصدق شاهد على أن لا تواطؤ بين المتعاملين على وصف الصحة في نوع المعاملات. كما يظهر أنه لو اتفق في مورد - لاجل بعض الجهات أو لاجل عدم جريان أصالة الصحة في نوع خاص أو صنف كذلك أو عند المتعاملين - اشتراطها في ضمن المعاملة يثبت للمشروط له خيار التخلف مضافا إلى خيار العيب. (وأما) ما يترائى منهم من أن أصالة الاطلاق تقتضي أن يكون المتعلق هو الصحيح، وقيل في وجهه: إن الصحة والعيب وإن كانا قيدين عقلا لكن الصحة ليست قيدا بحسب نظر العرف، فلا تحتاج إلى نصب الدال عليه في إفادة المقيد به، فان وصف الصحة في نظر العرف لا يزيد على الماهية بشئ، فعدم نصب القرينة كاف في الحمل على الصحيح. (ففيه) مالا يخفى، ضرورة أن تردد الشئ الخارجي بين الصحيح والفاسد عرفي لا عقلي دقيق، ومورد الترديد هو نفس الشئ، ولا إشكال في

[ 6 ]

أنه لا يرجع ذلك إلى أن هذا الشئ إما نفسه أو معيب، فوصف الصحة كوصف العيب أمر عارض على الشئ عرفا، والاطلاق يقتضي أن لا يكون المأخوذ في موضوع العقد إلا نفس السلعة (وليس) معنى الاطلاق هو الشئ - سواء كان صحيحا أو معيبا - حتى يلزم التبري من العيب وعدم ثبوت خياره، بل معناه عدم الاخذ في متعلق العقد إلا نفس الشئ من غير تقييد وتوصيف، فمقتضاه هو كون المتعلق نفس السلعة، وهو على خلاف ما أفادوا. وقد يقال: إن الغلبة موجبة للانصراف، ولما رأوا أن الانصراف لا يجري في مثل النذر والعهد قالوا بالفرق بين المعاملات وغيرها. وقد استجود الشيخ الاعظم كلام صاحب الكفاية (قدهما) حيث يظهر منه أن ظاهر الاقدام يوجب الانصراف، فان المتعامل لا يقدم إلا على إعطاء الشئ في مقابل الصحيح. (وأنت خبير) بأن ذلك أسوأ حالا مما تقدم، ضرورة أن البائع المنشئ للمعاملة لا يكون قصده إلا بيع متاعه وأخذ ثمنه، لا بيع متاعه الصحيح، بل بيع الفاسد بقيمة الصحيح أقرب بقصده، وإنما القاصد للصحيح هو المشتري، وهو غير منشئ للعقد، فلو أراد المشتري الاشتراط على البائع لا بد من تحميله عليه قبل المعاملة، حتى تقع المعاملة على طبق قصده. (وبالجملة) إن البائع تمام همه بيع ماله كائنا ما كان لا بيع الصحيح وإن كان المشتري طالبا للصحيح، وفي الثمن بالعكس، مع أن البائع العالم بالعيب كغيره في الانشاء، ولا يصح أن يقال: إنه في الصحيح عنده يلزم بالصحة وكذا في مجهوله دون ما إذا كان معيبا عنده، فتأمل. فالحق أن الاشتراط أو التوصيف الضمنيين لا وجه لهما. ومما ذكرنا يعلم أن الاشتراط الصريح لا يرجع إلى التأكيد، بل هو

[ 7 ]

اشتراط مستقل يوجب تخلفه خياره، كما يظهر أن إرجاع خيار العيب إلى تخلف الشرط - بدعوى أن الشرط الضمني ملازم للمعاملة أو أغلبي فيها - غير وجيه، مع أنه لا إشعار في روايات الباب (1) على كثرتها بذلك، مضافا إلى أن خيار العيب عقلائي لا تعبدي، والاخبار محمولة على ذلك، وإن كان ثبوت بعض الاحكام تعبديا، وليس في محيط العقلاء إلا ثبوت خيار العيب، ولو كان راجعا إلى تخلف الشرط لكان أولى بالاحتجاج، لانه تخلف ما هو القرار بينهما، مع أنه لا اسم ولا رسم لخيار الشرط في محيطهم كما هو كذلك في الشرع. وأما رواية يونس (2) - " في رجل اشترى جارية على أنها عذراء، فلم يجدها عذراء، قال: يرد عليه فضل القيمة إذا علم أنه صادق " - فغير منسوبة إلى الامام عليه السلام وإن حكى عن المجلسي في شرح التهذيب رجوع ضمير " قال " إلى الرضا عليه السلام، لكنه غير ثابت، ولعله اجتهاد من يونس، وهو غير بعيد، بأن يقال: إن المستفاد من روايات خيار الحيوان (3) أن إحداث الحدث يوجب سقوط الخيار، وقد مثل فيها بالتقبيل واللمس والنظر إلى ما لا يحل له، وعليه فالوطئ أولى منها في ذلك، ويظهر من قوله: " فلم يجدها عذراء " وقوعه، ولو فرض أن عدم الوجدان كان بالاصبع كان داخلا في اللمس، أن كان أولى منه في السقوط، وأما حصول العلم بالاستخبار أو بقول النساء فهو خلاف ظاهر الوجدان، وعليه فيكون سقوط خيار الشرط لاجل التصرف الذي هو إحداث الحدث وسقوط الرد من خيار العيب أيضا لذلك، ويكون حق الارش على حاله،


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار. (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب احكام العيوب - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الخيار.

[ 8 ]

ولو صح صدورها من الرضا عليه السلام فيحتمل فيها أن يكون الحكم كذلك، هذا مضافا إلى ما أورد عليها الاعلام من الاشكالات، وإن كان بعضها لا يخلو من إشكال. مسألة: قد تقدم أن الخيار مع العيب في المبيع عقلائي لا يختص بمحيط الشرع والمسلمين، وليس لبناء المتعاملين ولا للاشتراط الضمني، بل كما أن الخيار ثابت في الغبن مع اعتقاد البائع أو المشتري بأن القيمة كذا فاتضح خلافه كذلك لو أقدم المشتري بتوهم صحة المبيع اتكالا على أصالة الصحة أو أمر آخر ثم ظهر خلافه يثبت له الخيار من غير التزام من البائع أو اشتراط من المشتري. وهل تخير المشتري بين الفسخ وأخذ الارش - بحيث إن له الزام البائع به - أيضا عقلائي، فيكون ما هو المشهور المدعى عليه الاجماع هو مما عليه العقلاء ام لا؟ الظاهر أن ما هو عقلائي هو خيار الفسخ ابتداء وأما الارش فهو ثابت لدى العقلاء عند تعذر الرد، كما لو تصرف في المبيع تصرفا معتدا به مخرجا له عن الصورة الاولية، كالقطع والخياطة، ويلحق به نظير وطئ الجارية، فان له خصوصية عند العقلاء، ولهذا عد في الاخبار (1) الاخف منه - كالتقبيل واللمس والنظر إلى ما لا يحل له - من الاحداث الموجبة لسقوط الخيار. فالسر في ثبوت الارش هو أن وصف الصحة وان لم يكن جزء للمبيع، ولم يقع جزء من الثمن في قباله، لكنه لدخله في زيادة القيمة


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الخيار.

[ 9 ]

يكون كالعلة لاعطاء مقدار من الثمن بازاء المثمن، فإذا ظهر العيب فيه ظهر أن إعطاء ذلك المقدار كان بلا وجه عقلائي، ولا إشكال في أنهم لا يرونه بعد تغير العين ملزما بترك الفسخ لخروج العين عما كانت عليه وترك المطالبة بالارش، بل له أخذ الارش، فالرجوع ليس بجزء الثمن، بل لاجل كون الاعطاء بلحاظ الوصف المفقود، هذا بحسب القواعد العقلائية، والنقض ببعض المراد كخيار الغبن غير وارد، لان القاعدة هناك أيضا كذلك، وعدم الالزام للتسالم بين الاصحاب، وما ذكرناه هو المتفاهم من روايات خيار العيب أيضا، كصريح مرسلة جميل (1) عن أحدهما عليهما السلام " في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا، فقال: إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب " بل المتبادر من سائر الروايات التي أثبتت الارش مشروطا بالتصرف هو ثبوت الارش عند تعذر الرد كصحيحة ابن سنان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: " قال علي عليه السلام: لا ترد التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها، ويوضع عنها من ثمنها بقدر عيب إن كان فيها " وغيرها، فان المتفاهم من مثلها - سيما مع كون الحكم عقلائيا كما مر - أن الثابت هو الرد فقط ما لم يتصرف، ومعه يثبت الارش. واحتمال أن المراد منها هو التخيير بين الرد والارش ساقط مخالف لفهم العرف كما لا يخفى، بل ما ذكرناه هو مقتضى الجمع بين الروايات أيضا، لان الظاهر من رواية ميسر (3) عن أبي عبد الله عليه السلام - قال:


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب احكام العيوب الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب احكام العيوب - الحديث 1.

[ 10 ]

" قلت له: رجل اشترى زق زيت فوجد فيه درديا، قال: فقال: إن كان يعلم أن ذلك يكون في الزيت لم يرده، وإن لم يعلم أن ذلك يكون في الزيت رده على صاحبه " - أن الحكم هو الرد لا التخيير بينه وبين الارش، فانه خلاف الظاهر، وبعد تقييد إطلاقها وكذا إطلاق بعض روايات اخر بالروايات المفصلة بين قيام العين بعينها وعدم التصرف فيها يثبت أن الحكم أولا هو الرد، ومع عروض ما ذكر هو الارش. (وأما توهم) إطلاق بعض الروايات (1) الدالة على الارش ووقوع التعارض بين الطائفتين والحكم بالتخيير العملي المنتج لما عليه الاصحاب (ففي غير محله) لعدم وجدان رواية مطلقة في باب الارش، فان رواية يونس (2) المتقدمة يكون الظاهر منها أنه حينما وطأها لم يجدها عذراء، ورواية عمر بن يزيد (3) لا يظهر منها أن المراد من قوله عليه السلام: " يلزمه ذلك " هو الارش، بل الظاهر خلافه، فراجعها. وكذا رواية السكوني (4) فان الحمل على الارش فيها يحتاج إلى التكلف، كما لا يخفى. وأما الفقه الرضوي (5) فلا ينبغي الاشكال في أنه ليس من تصنيفات الرضا عليه السلام، كما لا يخفى على من راجعه وتدبر في تعبيراته، بل هو على ما يظهر منه تصنيف عالم ذي القريحة المستقيمة، وهو مشتمل على روايات مرسلة وفتاوى من صاحبه، وما حكي عنه في المقام بلفظ (روي) يكون مضمونه قريبا من سائر الرويات، سيما مرسلة جميل (6) وما حكي


(1) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار الحديث 0 - 1. (2) راجع التعليقة (2) من ص 7. (4) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب احكام العيوب - الحديث 3. (5) المستدرك - الباب - 12 - من ابواب الخيار - الحديث 3. (6) راجع التعليقة (1) من ص 9

[ 11 ]

عنه بلا لفظة " روي " يكون على الظاهر من فتوى صاحبه موافقا للمشهور وليس رواية، فراجع. والانصاف: ان الظاهر من الاخبار هو ما عليه العرف والعقلاء، إلا ان قيام الشهرة المحققة من زمن الصدوق والمفيد (قدهما) إلى الاعصار المتأخرة وكون المتون الفقهية مشحونة بالفتوى بالتخيير مع كون الحكم مخالفا للقواعد والاخبار المتظافرة يوجب رفض القاعدة وترك الاخذ بظاهر الاخبار فان الشهرة في مثل ذلك معتبرة، والاخذ بها بين رشده، وليس على حجية الخبر الواحد دليل إلا بناء العقلاء، كما يظهر بالرجوع إلى الباب (1) الذي ذكرت فيه الاخبار الموهمة لذلك، ولا بناء لهم على العمل بأخبار نقلها الناقلون وخالفوها عملا، وهذا مما لا ينبغي الاشكال فيه. نعم هنا إشكال آخر، وهو أنه بناء على ما يستفاد من بناء العقلاء الموافق لمضمون الروايات (2) من ثبوت الخيار تعيينا وسقوطه بالتصرف والرجوع إلى الارش لا يكون خيار العيب إلا مثل سائر الخيارات، في أنه حق متعلق بالعقد أو العين كما هو المتسالم بينهم في الخيار، وهذا الحق ثابت لدى العقلاء، كثبوته في خيار الغبن، ويمكن دعوى ثبوته بالابخار وإن كان الوارد فيها على كثرتها عنوان الرد، لكن يمكن أن يكون ذلك كناية عن حق الفسخ. وأما بناء على ما هو المشهور من التخيير بين الرد والارش فان كان المراد أن المشتري مخير عملا بينهما من غير ثبوت حق متعلق بالعقد أو العين فهو وإن لم يكن يرد عليه إشكال عقلي لكن لابد من الالتزام بالفرق بين


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب صفات القاضي - من كتاب القضاء. (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار.

[ 12 ]

خيار العيب وغيره وأنه لا يورث ولا يسقط بالاسقاط، وهو واضح الخلاف وواضح المخالفة لكلماتهم وفتاواهم. وإن كان المراد أن له حق الرد أو حق الارش متعلقا بالعقد أو الارش ففيه إشكال عقلي وهو ان الحق أمر وضعي اعتباري ثبوتي، ولا يعقل الثبوت الترديدي ترديدا واقعيا أي ثبوت الفرد المردد. وأولى بالامتناع أو نحوه ما لو قيل بثبوت الحق مرددا بين الثبوت للعقد اي حق الخيار وبين الثبوت المتعلق بالارش على عهدة البائع، فلابد على مبنى المشهور من التوجيه بوجه لا ينافي ثبوت حق الخيار بقاء التخيير. (والقول) بثبوت الجامع بينهما، وهو نفس الحق المنتزع منهما، والتقييد بنحو ينحصر بهما، نظير ما قال بعضهم في الواجب التخييري من أن المتعلق هو الجامع بين الاطراف والامر به تعييني وإنما التخيير عقلي (فاسد) في المقام وإن أغمضنا عن بطلانه هناك، وذلك لان المفروض ان الخيار حق متعلق بالعقد، ولا يعقل تعلق الكلي بما هو بالموجود الخارجي وإن كان العارض والمعروض من الاعتباريات، فالعقد الخارجي بما أنه جزئي حقيقي فما يعرضه لا يعقل ان يكون كليا قابلا للصدق على كثيرين، وفرض التعلق بعنوان كلي يكون العقد والارش، مصداقا له خروج عما هو المتسالم بينهم من كون حق الفسخ قائما بالعقد، بل عروض الكلي على الكلي ايضا باطل، فلا مجال لفرض كون المعروض كليا آخر جامعا بين الموضوعين، واوضح فسادا من ذلك هو الالتزام بأن التخيير ها هنا يرجع إلى الحق المشروط بعدم الاخذ بالطرف الآخر، نظير ما قيل في الواجب التخييري، فانه مع الغض عن الاشكال في المقيس عليه فساد في المقام، فان الشرط إن كان عدم الاخذ في الجملة وبنحو صرف الوجود يكون في الآن الثاني مع عدم الاخذ بواحد منهما صاحب الحقين في عرض واحد، لتحقق شرطهما، وهو

[ 13 ]

كما ترى، وان كان هو عدم الاخذ إلى قبيل موته فلازمه انتقال الحقين إلى الورثة في عرض واحد، وإن كان الشرط عدم الاخذ مطلقا فهو مع فساده في نفسه يوجب عدم التوريث وعدم سقوطه بالاسقاط، إلى غير ذلك من المفاسد. والذي يمكن ان يقال: إن ما هو مضمون الروايات (1) هو رد العين أو اخذ التفاوت، وكذا الفتاوى يكون الظاهر منها التعرض للتخيير بين الرد والارش أو الفسخ والارش والاحكام المتعلقة بالحق، حيث يظهر منهم عدم الفارق في الاحكام بين الخيارات، من غير تعرض للحق وكيفية تعلقه فيحنئذ يمكن أن يقال: إن حق الفسخ متعلق بالعقد في العيب كسائر الخيارات وحق آخر له متعلق بالارش في خيار العيب، فهاهنا حقان فعليان بلا تقييد لكن لا يعقل الجمع بينهما في مقام الاستيفاء، فان الفسخ إذا تحقق رجعت العين الناقصة إلى البائع، فارتفع الارش موضوعا، ضرورة ان الارش إنما يأخذه المشتري للنقص الموجود فيما انتقل إليه بالعقد، كما ان اخذ الارش لا يجتمع مع الفسخ، لعين ما ذكر، ومع عدم امكان الجمع بين الحقين في مقام الاستيفاء تصير النتيجة هي التخيير بينهما، والحقان إذا اتنقلا إلى الوارث يكون الحكم فيهما كذلك، وبهذا يجمع بين الفتاي، ولا ينافيه الاخبار ايضا، وتندفع بذلك المحاذير المتقدمة. ثم إن مقتضى الجمود على ظاهر الاخبار بل الفتاوى هو ثبوت التخيير لخصوص المتشري في خصوص المبيع فيما إذا بيع السلعة بالثمن، واما الثمن المنتقل إلى البائع إذا ظهر معيبا فهو خارج عن مصبهما، وكذا المبادلة بين السلعتين إذا ظهر العيب في إحداهما، ولازمه عدم التخيير بينهما في المبادلة بين


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار.

[ 14 ]

السلعتين، بل عدم الخيار لو قلنا بأنه تعبدي مستفاد من الاخبار (1). لكن الانصاف ان ثبوت أصل الخيار للمتبايعين - فيما إذا كان البيع بالمبادلة بين السلعتين - لا ينبغي الاشكال فيه، ضرورة عدم الفرق في نظر العرف بين السلعتين في ذلك إذا انشئ البيع بصيغة التبادل، بل يمكن دعوى ثبوته بالاخبار (2) ايضا، فان البائع والمشتري صادق على الطرفين في مثل ذلك ايضا وتوهم كون المبادلة غير البيع فاسد جدا، فان البيع هو مبادلة مال بمال أو تمليك عين بالعوض، وهما صادقان على المبادلة بين السلعتين، ومع صدق البيع يكون هنا بائع ومشتري، ودعوى الانصراف في غير محلها، فانه بدوي، بل دعوى إلقاء الخصوصية اولى، ومن ذلك يمكن دعوى عدم الفرق في معاقد الاجماع وكذا في متون الفقه، فيثبت التخيير المذكور. نعم فيما إذا باع بثمن فظهر فيه عيب فاستفادة التخيير الذي هو تعبدي محض مشكلة، لكن اصل ثبوت الخيار ومع التصرف أو التعذر الارش عقلائي، من غير فرق بين الثمن والمثمن، وهذا الحكم العقلائي غير المردوع معتمد. وأما إثبات التخيير بينهما في الثمن بدعوى الاجماع أو الشهرة ففيه أنه لم يثبت الاجماع ولا الشهرة في المقام، بل لا تعرض في الفتاوى غالبا للعيب في الثمن، ومقتضى القواعد التفصيل بين الثمن والثمن بما عرفت، وعدم معلومية القائل بالفصل لا يوجب شيئا، إلا ان يقال: إنه بعد ثبوت الاجماع أو الشهرة المعتمدة في المثمن يلقي العرف - بسبب المناسبات والارتكازات المغروسة في ذهنهم - الخصوصية، ويرى ان ثبوت الحكم انما هو لاجل العيب وملاحظة حال من انتقل إليه المعيب لئلا يقع في الضرر، ولا فرق بينهما، تأمل.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار.

[ 15 ]

هذا كله حال الثمن والمثمن إذا كانا من الاعيان الخارجية واما إذا كان احدهما أو كلاهما كليا، كما هو كذلك غالبا في طرف الثمن، فهل يثبت فيه خيار العيب ام لا؟ وعلى الاول هل يثبت الارش ام لا؟ وجوه، والتفصيل فيه ان يقال: أنه بحسب التصور يمكن ان يكون الكلي المتعلق للعقد موصوفا لفظا بوصف الصحة أو منصرفا إلى ذلك، بحيث يكون المتعلق هو الموصوف كذلك، ويمكن ان يكون وصف الصحة شرطا لفظا أو شرطا ضمنيا يعد كشرط لفظي، ويمكن ان يكون المتعلق نفس الكلي بلا وصف ولا شرط، ويكون رفع غرر المشتري باعتقاد الصحة في جيمع أفراد الكلي أو بالاتكال على اصالة الصحة بناء على جريانها في الكليات باعتبار افرادها. فعلى فرض التوصيف انصرافا أو لفظا، لا ينبغي الاشكال في ان تسليم الفرد المعيب لا يكون وفاء بالعقد، ضرورة ان المتعلق هو الكلي الموصوف، وهو لا ينطبق على المجرد عن الصفة فضلا عن المتصف بضدها. وقد يقال: إن الموصوف يكون من قبيل تعدد المطلوب، فلو رضي المشتري بالمعيب لم يكن خارجا عن المبيع. وفيه انه لا يعقل تعلق الانشاء الواحد بالصحيح الذي هو المطلوب الاعلى وعلى فرض فقدان الوصف بالعيب أو نفس الطبيعة، ضرورة ان الانشاء الوحداني لا يعقل ان يكون معلقا وغير معلق، كما هو الشأن في باب تعدد المطلوب فإن المطلوب الداني لا يكون في عرض العالي، بل الانحلال في المقام محال لذلك، وغير صحيح على فرض العرضية، لعدم صحة الانحلال إلى بيع الطبيعة ووصفها، فلا بد من القول بالانحلال إلى الموصوف بالصفة، ونفس الطبيعة فيكون البيع متعلقا بالطبيعة مرتين، مرة استقلالا ومرة ضمنا.

[ 16 ]

مضافا إلى ان الانحلال لا يصح إلا في بعض الموارد الذي ليس المورد منها، مع ان لازم تعدد البيع بهذا المعنى حصول الوفاء بالنسبة إلى احدهما وعدم صحة الرد ونقض الوفاء بالنسبة إليه ولزوم الوفاء بالعقد الثاني وهو واضح الفساد في المقام. (وبالجملة) إن كان الانشاء واحدا غير منحل عرضا كما هو مراد القائل من تعدد المطلوب فلابد ان يكون التعلق طوليا حتى لا يلزم تعدد البيع والمبيع ولوازمهما، ولا يعقل ذلك لما تقدم، بل تعدد المطلوب بهذا المعنى غير معقول في الاوامر أيضا، فلو قال: " أعتق الرقبة المؤمنة " لا يعقل ان يكون وجوب العتق متعلقا بالمؤمنة وعلى فرض التعذر أو العصيان بغيرها، بل لا يعقل الانحلال الطولي لا في المقام ولا في الاوامر. نعم إذا علم من حال الآمر ان نفس الطبيعة مطلوبة والموصوفة مطلوبة اخرى اعلى وإنما أمر بالاعلى لذلك يجب عليه الاتيان بالاعلى، وعلى فرض التعذر فبالادنى، لا لتعلق الامر بهما مترتبا فانه غير معقول، بل لان العلم بمطلوب المولى موجب لوجوب تحصيله عقلا ولو لم يأمر به. وقد يقال: ان وصف الصحة غير مقوم لذات المبيع فينطبق كلي المبيع بذاته عليه، فالوصف وإن كان مضيقا لدائرة الكلي وموجبا لصيرورة المبيع حصة خاصة إلا ان ذات المبيع حيث كانت محفوظة فالانطباق من حيث الذات محقق. وفيه ما لا يخفى من المغالطة، ضرورة أن ما ينطبق على الواجد والفاقد إنما هو نفس الطبيعة لا بشرط، دون الطبيعة الموصوفة أو الملحوظة موصوفة، فانها غير قابلة للانطباق على المجرد، وعقد البيع تعلق بالطبيعة الموصوفة أو بتعبيره بحصة خاصة، لا بالطبيعة بلا قيد وشرط، فما هو متعلق العقد غير ممكن الانطباق على المجرد، وما هو ممكن الانطباق غير

[ 17 ]

متعلق له، وهو واضح، فتحصل مما مر ان المقبوض ليس مصداقا للمبيع فتوهم إجراء خيار العيب فيه فاسد، هذا حال المبيع الموصوف. وأما لو كان الوصف شرطا ضمنيا أو صريحا، فلا محالة يكون المبيع نفس الطبيعة لا الموصوفة، وإنما يكون الوصف شرطا في ضمن العقد، وحيث إن الطبيعة الكلية لا تتصف بالصحة والعيب قبل وجودها، فانهما من عوارض وجودها أو من عوارضها في ظرف الوجود فلا يكون البيع معيوبا، وما هو المعيوب هو مصداق الطبيعة الذي لم يتعلق به العقد، ومعه لا مجال لخيار العيب، لانه انما يثبت في العقد الذي يكون متعلقه معبيا. (وما قيل) من أن المصداق إذا وجد في الخارج يصدق انه مبيع (واضح الضعف) ضرورة ان المصداق لم يتعلق به العقد وإنما يقال إنه مبيع مسامحة باعتبار كون الطبيعة موجودة به وهي متعلقة للعقد، فالمبيع في الفرض مقبوض وللمشتري خيار تخلف الشرط لو تعذر العمل به، وإلا فيجب عليه العمل به، فللمشتري رد الفاقد للشرط ومطالبة واجده، بل له إلزامه بذلك، لوجوب وفائه بالشرط، فتحصل أن في هذا الفرض أيضا لا معنى لخيار العيب. بقي فرض آخر وهو ما إذا لم يكن توصيف ولا اشتراط بل أقدم المشتري على شراء نفس الطبيعة لا عتقاد صحة مصاديقها أو للاتكال على أصالة الصحة في مصاديقها، وهذا أيضا لا معنى ليخار العيب فيه، لان الصحة والعيب من صفات الموجد الخارجي وهو المصداق، والطبيعة الكلية لا تتصف بشئ من الصفات مطلقا، والتوصيفات كلها ترجع إلى التقييدات في الكلي، فما هو متعلق العقد لم يكن معيبا جهل به المشتري، ولم يكن مصب اصالة الصحة ولا متعلق اعتقاد المشتري بالصحة، وما هو معيب لم يتعلق به العقد، وعليه فلا معنى لخيار العيب في الكليات ولا لخيار تخلف الوصف أو القيد لما تقدم، فالاوفق بالقواعد عدم ثبوت خيار له ولزوم

[ 18 ]

قبول الفرد المعيب، لان مجرد تخيله الصحة في المصاديق لا يوجب شيئا. ولو فرض كون بناء العرف على رد المعيب وعدم قبوله فلابد من الالتزام بتعارف التقييد الضمني، حتى لا يصدق المتقيد على المصداق، و على فرض كون بنائهم على الخيار، فلا بد من الالتزام بالاشتراط الضمني ومعهودية ذلك، وثبوته محل إشكال وترديد، والكلام ها هنا في خيار العيب وهو منفي بلا ريب. ثم إنه لا ينبغي الاشكال في أن ظهور العيب كاشف لا مثبت، وان العناوين المأخوذة في الروايات (1) - كالعلم والوجدان والظهور - هي من العناوين الطريقية وليست قيودا في الموضوع، وهذا في نفسه مع قطع النظر عن خصوصية المورد واضح، فضلا عن ان الخيار بل والارش في المقام عقلائي، ولا ينقدح في ذهن العرف إلا ما هو المعهود بينهم، ومضافا إلى مناسبة الحكم والموضوع، من غير فرق بين حق الفسح وحق الارش. وأما ما أفاد الشيخ الاعظم (قده) - بقوله: " ويؤيد ثبوت الخيار هنا بنفس العيب ان استحقاق المطالبة بالارش الذي هو أحد طرفي الخيار لا معنى لثبوته بظهور العيب، بل هو ثابت بنفس انتفاء وصفه " انتهى - فغير ظاهر، لان تلك العناوين المأخوذة في الروايات (2) لو احتمل كونها جزء موضوع لكان الارش أولى في ذلك من الخيار، لان الروايات (3) إلا ما شذ منها متعرضة للارش لا لخيار الفسخ، فلقائل أن يقول إن ثبوت الارش عند ظهور العيب مؤيد لكون خيار الفسخ أيضا عند ظهوره. (ويمكن) أن يقال: إن بعض الروايات دال على ثبوت خيار الفسخ بنفس العيب كرواية داود بن فرقد (4) وهو مؤيد لكون الارش


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الخيار - الحديث 1

[ 19 ]

المفروض فيه الوجدان أو الظهور أيضا لنفس العيب، والامر سهل. ثم على فرض ثبوت خيار العيب للكلي لا بد من البحث في انه ثابت عند ظهور العيب في المصداق أو عند تسليمه، وأما الثبوت من حال العقد فلا معنى له. القول في المسقطات مسألة: قد عرفت ان في خيار العيب حقين معينين، أحدهما متعلق بالعقد، وهو حق الفسخ، وثانيهما بعنوان الارش أو اخذه، وإنما التخيير في الاخذ بواحد منهما اي الفسخ أو الارش لعدم إمكان اجتماعهما في الخارج، اما ثبوت الحق الواحد المتعلق بواحد منهما - كما يظهر من السيد الطباطبائي (قده) في تعليقته، وصرح بعض آخر به، وهو محتمل كلام الشيخ (قده) ها هنا أو ظاهره - فهو محال، وقد عرفت ان كلمات الاصحاب لا تنافي ما ذكرناه فانها متعرضة للتخيير بين الرد والارش، أو الفسخ والارش، من غير تعرض للحق وموضوعه، فعليه لكل منهما مسقطات ولهما أيضا كذلك. فنقول: يسقط خيار الفسخ خاصة بأمور: الاول: إسقاطه صريحا بمثل قوله: " أسقطت خيار الفسخ " ولا يحتاج إلى ضم قوله: " واخترت الارش " لانه لا يعقل إسقاط حق الارش باسقاط

[ 20 ]

خيار الفسخ فانه حق مستقل متعلق بموضوع آخر، ولا يكون خيارا، ولو قال: " إلتزمت بالعقد " يكون كناية عن إسقاط خيار الفسخ ولا يناسب مع إسقاط حق الارش، لانه غير متعلق بالعقد كما هو معلوم، كما ان إسقاط الخيار ايضا إسقاط حق الفسخ لا الارش، لانه ليس بخيار ولا طرفا له. وبما ذكرناه يظهر ان تعبير الشيخ الاعظم (قده) في المقام بقوله: " في مسقطات هذا الخيار بطرفيه أو احدهما " مسامحة أو مستلزم للالتزام بأمر محال، وهو ثبوت حق واحد متعلق بشيئين على سبيل التخيير والتردد كما ان في قوله: " إسقاط الرد " مسامحة أو إشكال واضح، فان الرد الذي هو فعل المشتري غير قابل للاسقاط، والتزام حق زائد عن حق الخيار متعلق بالرد فيه ما لا يخفى. (ولو اراد) منه إسقاط حق الفسخ اي الخيار بأحد طرفيه، بناء على ظاهره من كون الخيار ذا طرفين، وبناء على ظاهر قوله: " لو أسقط الخيار لا يبعد سقوط الارش " باعتبار كون الارش أحد طرفي الخيار (ففيه) أنه محال في محال، فان أصل ثبوت مثل هذا الحق محال كما عرفت، ومع الغض عنه لا يعقل إسقاط أحد طرفي التخيير وإن قلنا بجواز إثبات الحق التخييري، فان ما يمكن إسقاطه على ذلك هو إسقاط هذا الواحد المبهم، بمعنى تعلق الاسقاط بعنوان الحق المردد بالحمل الاولي عنوانا للواقع، وإلا فالمردد والمخير بالحمل الشائع لا يعقل تصوره ولا تعلق العلم به ولا الارادة ولا الانشاء، والاسقاط المتعلق بالواحد العنواني أي ما تعلق بهذا أو هذا مستلزم لسقوط الحق في البين، فلا يبقى حق الارش. (وبالجملة) تعلق الاسقاط بأحد طرفي الترديد والتخيير لا يعقل، وليس لصاحب الخيار إلا إسقاط حقه، وأما إخراج أحد الطرفين عن

[ 21 ]

الطرفية بلا تحقق الاسقاط منه فليس له، فتوهم كون المقام مثل الواجب التخييري حيث إن للآمر رفع اليد عن أحد الطرفين بترخيص تركه أو نهيه عنه - ولا زمه اختصاص الامر بطرف آخر وصيرورته تعيينيا بالنتيجة - غير صحيح لو سلم في المقيس عليه، للفرق الواضح بينهما، مع أن باب المناقشة فيه ايضا - إلا على ما ذهبنا إليه في الواجب التخييري من وجوبين وإنشاءين على موضوعين - مفتوح، هذا مع الغض عن أن الحق الواحد البسيط غير ممكن الاسقاط بأحد طرفيه، وصحة إسقاط الطرف عن الطرفية - كما هو محتمل كلام الشيخ (قده) غير مرضية وبلا دليل. فالتحقيق ما تقدم من ثبوت حق الفسخ متعلقا بالعقد كسائر الخيارات وثبوت حق آخر متعلق بالارش وهو غير الخيار، وللمشتري إسقاط خياره وإسقاط حق الارش وإسقاط كليهما، فالبحث عن المسقطات إنما يصح على هذا المبنى السديد لا على ما أفادوا. ومن ذلك يظهر أنه لو قال: " أسقطت الخيار " لم يسقط إلا خيار فسخ العقد، إذ هو الخيار، وأما حق الارش فليس خيارا، وكون المشتري مخيرا بين أخذه وتركه لا يجعله الخيار الذي يمكن إسقاطه، ضرورة أن اختيار المشتري ليس أمرا اعتباريا قائما بشئ، وبخلاف الخيار في باب الخيارات، وبخلاف حق الارش في المقام. ثم إن المستفاد من الروايات (1) بعد التأمل والتدبر فيها هو ما ذكرناه من ثبوت الحقين، وإن لا يستفاد منها ما عليه المشهور من العرضية، فان سقوط حق الرد وبقاء حق الارش من أقوى الشواهد على ثبوت الحقين بعد امتناع الحق التخييري كما أن المستفاد منها ثبوت حق الفسخ، لان المراد من الرد هو الفسخ كناية أو الفسخ بالرد، فانه - مضافا إلى أن


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الخيار.

[ 22 ]

رد المبيع مع بقاء العقد وبقاء العين على ملك المشتري مما لا معنى له، واحتمال كون الجواز حكميا ترده معهودية حق الفسخ عند العقلاء في المقام وفي سائر الخيارات، فلا ينقدح في الاذهان غير الحق في باب الخيار - هو الظاهر من صحيحة رفاعة النخاس (1) عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيها قال: " قلت: أرأيت إن وجدت بها عيبا بعد ما مسستها؟ قال: ليس لك أن تردها، ولك أن تأخذ قيمة ما بين الصحة والعيب " فانه يظهر منها أن ليس له حق الرد لمكان المس، ولو لا ذلك كان له حقه. بل يظهر منها ان الارش ليس ملكا على الذمة كما قد يتوهم، بل له حق الارش، لوضوح دلالة قوله عليه السلام: " ولك أن تأخذ قيمة ما بين الصحة والعيب " على أن له حق أخذه. (فتوهم) استفادة الملكية من صحيحة حماد بن عيسى - (2) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال: علي بن الحسين عليه السلام: كان القضاء الاول في الرجل إذا اشترى الامة فوطأها ثم ظهر على عيب أن البيع لا زم وله أرش العيب " بتخيل أن اللام موضوعة للملك. (في غير محله) فانه - مضافا إلى منع ذلك، بل اللام لا يستفاد منها إلا نحو اختصاص، وأكثر استعمالها في الكتاب في غير الملك، بل استعمالها في الملك لم يثبت بعد كونها بمعنى الاختصاص، كما هو مقتضى استعمالها فيه بلا تأول، وللملك أيضا نحو اختصاص، ولعلها لذلك استعملت فيه، تأمل - مع كثرة الاستعمال في غير الملك لا يبقى لها ظهور فيه، مع أن قوله عليه السلام: " له ارش العيب " لا يظهر منه كون الارش على الذمة، فالامر دائر بين كون المراد منه ثبوت حق الارش كما هو ظاهر


(1) الوسائل - الباب - 5 - من بواب أحكام العيوب - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب أحكام العيوب - الحديث 7.

[ 23 ]

الصحيحة (1) المتقدمة، أو كون مقدار من مال البائع بنحو الكلي في المعين أو الاشاعة ملكا للمشتري، وهذا مما يأبى عنه الذهن السليم. والانصاف أن الاخذ بظاهر الصحيحة (2) المتقدمة في ثبوت الحق متعين، مع أنه يناسب مع بعض تعبيرات أخر في الروايات كقوله عليه السلام (3): " يوضع عنه ثمنها بقدر العيب " وقوله عليه السلام (4): " تقوم ما بين العيب والصحة، فيرد على المبتاع " إلى غير ذلك. ثم إنه كما يصح الاسقاط بلفظ صريح، يصح بالمجاز المقبول عرفا أو الكناية كذلك، كما هو الحال في مطلق العقود والايقاعات، ويصح بالفعل أيضا بشرط كونه آلة عقلائية للانشاء، كالاعطاء أو الاخذ في المعاطاة قاصدا بهما إيقاع المعاملة، ومثل ما ورد في النص (5) في طلاق الاخرس من أخذ مقنعتها ووضعها على رأسها واعتزالها، فان ذلك فعل مناسب لا يقاع الطلاق، بل لولا الدليل على اشتراط الطلاق بلفظ خاص لصح إيقاعه بمثل هذا الفعل من غير الاخرس أيضا وأما الانشاء الالفاظ غير الدالة وبالمجازات والكنايات غير المقبولة كايقاع البيع بلفظ النكاح أو الاجارة فلا يصح وإن أقام القرينة على إرادته كما لا يقع البيع بفعل غير دال، كايقاعه بالعطسة والضحك. الثاني: التصرف، وهل يسقط به مطلقا - كان قبل العلم بالعيب والخيار،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب أحكام العيوب - الحديث 2. (3) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من بواب حكام العيوب - الحديث 1 - 4. (5) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب مقدمات الطلاق - الحديث 3 من كتاب الطلاق.

[ 24 ]

أو بعده، دالا على الرضا أم لا، كان مغيرا للمبيع أم لا - أو أنه غير مسقط مطلقا، أو مسقط مع دلالته على الرضا، أو مسقط مع كونه مغيرا أو مسقط في حالتين أي عند كون مغيرا للعين أو دالا على الرضا؟ قد يقال: إن التصرف بما هو ليس مسقطا في المقام، وإن قلنا به في خيار الحيوان، بل المسقط تغير العين من غير دخالة للتصرف فيه. كما لو وقع بغير فعله، وأما مع عدم التغير فان قصد به إنشاء الاسقاط فهو مسقط فعلي، ولا دخل لعنوان التصرف فيه، بل هو مندرج في الامر الاول، لان الاسقاط أعم من القولي، وأما التصرف بما هو تصرف فلا دليل على كونه مسقطا على حدة، بل الدليل على خلافه، وهو إطلاقات الرد، بل لا دليل على أن التصرف الدال على الرضا مسقط لو لا إنشاء الاسقاط به. إذ لا يمكن التعدي من روايات خيار الحيوان. انتهى ملخصا. أقول: يمكن أن يقال: إن لبعض العناوين مصداقا حقيقيا ومصداقا اعتباريا قابلا للايجاد بالانشاء والجعل كالقبول والرضا، فان قبول قول المخبر الراجع إلى تصديقه والرضا بقضاء الله هما من الصفات النفسانية والموجودات الحقيقية، في مقابل قبول الايجاب بقوله: " قبلت " و " رضيت " فانه أمر إيجادي اعتباري كالايجاب، ومن ذلك الالتزام، فان له مصداقا موجدوا في النفس وليس من الاعتباريات، كالتزامه بقراءة القرآن في كل صباح، فانه من التعهدات النفسانية الحاصلة بالارادة الموجودة خارج الاعتبار وبازائه الالتزام في باب الايقاعات، فقوله: " التزمت بالبيع " مريدا به إسقاط الخيار أو لزوم العقد إنشاء لامر يترتب عليه الآثار العقلائية، لا إخبار عن صفه نفسانية. ولا ينبغي الاشكال في أن مثل قوله: " التزمت بالبيع " ليس لفظا صريحا لا سقاط حق الخيار، بل اللفظ الصريح هو قوله: " أسقطت خيار

[ 25 ]

العيب " فحينئذ كما قد يكون لفظ " التزمت " كناية عن إسقاط الخيار إذا أريد به ذلك، بملاحظة أن سقوط الخيار لازم عرفي للالتزام بالبيع بلا قيد، فيناسب المعنى الكنائي، وقد يراد به معناه من غير جعله كناية، فيترتب عليه السقوط قهرا بنظر العرف، فترتب سقوط الخيار عليه قد يكون بانشاء الاسقاط وقد يكون قهرا، وكذلك الحال في الالتزام العملي، فان بعض التصرفات الدالة على التزامه بالعقد يمكن أن يقصد به الاسقاط نظير الكنايات في باب الالفاظ، بل قد يكون بعض الافعال - ولو لم يكن تصرفا - كذلك، كما لو اشترى للدابة السرج أو بنى له الاصطبل قاصدا بذلك إسقاط خياره، وقد لا يقصد ذلك، لكن هذا الالتزام الفعلي كالقولي يترتب عليه السقوط عرفا للتلازم بينهما أو للتنافي بينه وبين بقاء الخيار عرفا فما أفيد - من أن التصرف لا يكون مسقطا في المقام بوجه، فانه مع إرادة الاسقاط كان مسقطا فعليا، ومع عدمها ليس بمسقط - غير مرضي فيصح جعل التصرف من المسقطات كما هو المشهور. ثم إنه ليس كل تصرف قابلا لان يراد به الاسقاط ولا ملازما للسقوط، بل التصرفات الملازمة له أمور خاصة ممتازة عند العرف، فمثل سقي الدابة وتعليفها وأمر الجارية ببعض الامور الجزئية ليس منها، كما هو واضح، هذا حال المقام بحسب نظر العقلاء. وأما الروايات المناسبة للمقام (فمنها) مرسلة جميل (1) عن أحدهما عليهما السلام " في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عبيا، فقال: إن كان الشئ قائما بعينه رده عليه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب ". و (منها) رواية زرارة (2) التي لم يثبت صحتها - فما في كتاب


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الخيار - الحديث 3 - 2.

[ 26 ]

الشيخ الاعظم (قده) وتبعه المحشون من التعبير عنها بالصحيحة في غير محله إلا على بعض المباني - عن ابي جعفر عليه السلام " قال: أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب أو عوار ولم يتبرأ إليه ولم يبين له، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا ثم علم بذلك العوار أو بذلك الداء، أنه يمضي عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به ". وقد يقال: إن مقتضى رواية زرارة أن التصرف مطلقا موجب لسقوط الخيار، إما لاجل صدق إحداث شئ على كل تصرف، وإما لاجل أن إحداث الحدث في بعض روايات خيار الحيوان فسر بمثل اللمس والتقبيل والنظر إلى مالا يحل النظر إليه، فيسري الحكم إلى كل تصرف في المقام، فيقع التعارض بينها وبين المرسلة، لان النسبة بين قوله عليه السلام: " قائما بعينه " وقوله عليه السلام: " أحدث شيئا " العموم من وجه. وفيه منع صدق إحداث شي ء فيه على التصرف غير المغير، ومنع صحة التعدي من خيار الحيوان إلى المقام وإن قلنا بالتعدي إلى سائر الخيارات وذلك لان وجه التعدي هو مارود في صحيحة على بن رئاب (1) من التمثيل المذكور، مع أن مقتضى روايات كثيرة في المقام عدم الرد بوطئ الجارية، ويظهر منها بوضوح أن اللمس والتقبيل والنظر ليست موجبة للسقوط وإلا فلا ريب في أن الوطئ مسبوق باللمس ونحوه، فلو كان السبب مطلق التصرف كان الاستناد إلى السبب السابق متعينا، فالاسناد إلى الوطئ دليل على عدم السقوط في المقام بمثل ما ذكر في الصحيحة. مضافا إلى رواية داود بن فرقد (2) التي لا يبعد أن تكون صحيحة


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الخيار - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب أحكام العيوب - الحديث 1.

[ 27 ]

قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضى لها ستة أشهر وليس بها حمل، فقال: إن كان مثلها تحيض ولم يكن ذلك من كبر فهذا عيب ترد منه " فان عدم التصرفات الجزئية في تلك المدة مقطوع الخلاف. (وقد يقال): إن الاطلاق في الرواية مسوق لبيان أن عدم الحيض عيب ترد به لا لبيان الرد به، كي تدل باطلاقها على الرد به ولو أحدث بها في هذه المدة ما أحدث (وفيه مالا يخفى) فان لازم ما ذكر أن الرواية ساكتة عن مورد السؤال، مع أن القدر المتيقن جواز الرد في مورد السؤال فالعدول عن مورده إلى أمر خارج عن سؤاله في غاية البعد، بل لا ينبغى احتماله، بل لو لا الروايات (1) الدالة على أن الوطئ موجب لسقوط الخيار لقلنا - بملاحظة بعد عدم تحققه في تلك المده وترك التنبه به في الرواية -: إنه أيضا لا يوجب سقوطه، وكيفما كان فليس التصرف بنحو الاطلاق موجبا للسقوط، بل الموجب هو التصرف المغير. ثم إن التغير هل هو مستقل بعنوانه في إيجاب السقوط أو أن التصرف جزء الموضوع؟ ربما يتوهم أن مقتضى الادلة هو الثاني، فان قوله عليه السلام في رواية زرارة (2) " فأحدث فيه شيئا " ظاهر في دخالة الصدور، بل المفهوم منه أنه لو لم يحدث بفعله فيه شيئا كان له الرد، ومقتضى إطلاقه أن له الرد ولو أحدث غيره أو حدث التغير بالعوامل الطبيعية، وبه يقيد إطلاق مفهوم المرسلة (3) الدال على سقوطه مع عدم قيامه بعينه الشامل لما إذا كان عدم القيام بفعل الغير أو بالعوامل الاخر، فتكون النتيجة أن


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب أحكام العيوب. (2) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الخيار - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الخيار - الحديث 3.

[ 28 ]

الموجب هو التصرف المغير، مع إمكان إنكار إطلاق المفهوم في المرسلة، بأن المفاهيم مداليل تبعية، فإذا كان للمنطوق مدلول بنحو الاطلاق كان المفهوم سلب الاطلاق، لا إطلاق السلب، هذا مضافا إلى احتمال أن يكون قوله عليه السلام (1): خيط أو قطع أو صبغ منصرفا إلى فعل المشترى ولو بالتسبيب، لندرة وقوعها من غير المالك. وفيه وجوه من الخلط: (منها) أن قوله عليه السلام: " أحدث فيه شيئا " لا يفهم منه دخالة الايجاد سيما في المورد الذي يكون التغير فيه بنفسه موجبا لسقوط الخيار عند العقلاء، فيكون الارتكاز العقلائي مانعا عن فهم الدخالة سيما في مثل تلك العناوين الآلية المحتاجة إلى قيام القرينة بدخلتها. و (منها) ان دعوى المفهوم لهذا الكلام غريب، لان قوله عليه السلام " أيما رجل " لو فرض كونه في معنى الشرطية على إشكال فيه يكون المفهوم منه أنه لو لم يشتر، وهو ليس مفهوما اصطلاحيا، لكون الشرط محققا للموضوع، فعليه لا يصلح هذا الكلام لتقييد إطلاق المرسلة واحتمال المفهوم للقيد فاسد. وإنكار إطلاق مفهوم الشرط في المرسلة غير وجيه، فان غاية ما يمكن ان يقال: إنه لا إطلاق فيه فيما إذا كان بصدد بيان المنطوق مطلقا، سيما فيما إذا تعرض لمفهومه بوجه كما في المرسلة (2) فان من الواضح انه بصدد بيان مقابل القيام بعينه، وان ما لا يكون كذلك لا يرد، وإنما ذكر بعض المصاديق بنحو المثال، ولو نوقش في ذلك بأن الشرطية الثانية بصدد بيان حكم غير المفهوم فلا ينبغي الشك في ان المرسلة (3) بصدد


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الخيار - الحديث 3.

[ 29 ]

بيان طرفي القضية، يفهم منها ان عدم القيام بعينه سبب لسقوط حق الخيار ولا دافع لاطلاقه، ضرورة عدم المفهوم لرواية زرارة (1) ولو سلم دلالتها على الدخالة لكن لا وجه لفهم الانحصار حتى يقيد به المطلق (والانصاف) ان المتأمل في الروايتين (2) لا يفهم منهما إلا ان التغير موجب للسقوط سيما مع مناسبات الحكم والموضوع وارتكاز العقلاء. ثم إنه لا فرق في التصرف الموجب للتغير بين كونه قبل العلم بالعيب أو بعده، أو قبل العلم بالخيار أو بعده، وكذا التصرف غير المغير إذا فرض كونه كاشفا عن التزامه بالبيع مطلقا، نعم يمكن المناقشة في كشفه عن ذلك إذا كان قبل العلم، لكن لا بنحو الاطلاق، فان بعض التصرفات ظاهر في ذلك ولو قبل العلم سيما مع احتماله للعيب. ثم إن إتلاف المشتري عن عمد من التصرفات الكاشفة عن التزامه ويسقط به خياره، بل يمكن ان يقال: يسقط به الارش ايضا على تأمل. هذا حال التصرفات المغيرة للعين، وهل يلحق بها التصرفات الاعتبارية كالبيع والوقف وغيرهما من النواقل اللازمة أو الجائزة؟ الظاهر ذلك، إما للدلالة على التزامه به سيما مع كونها بعد العلم، وإما لصدق إحداث الشئ عليها، بل صدق عدم كونه قائما بعينه، وتوهم الانصراف إلى التغيرات التكوينية في غير محله. " وربما يقال ": إن العناونين صادقة على تلك التصرفات، فيسقط الخيار بعرضها له، لكن لو نقل بعقد خياري بل بعقد لازم وفسخ بالخيار أو الاقاله أو اشترى ثانيا أو انتقل إليه بارث ونحوه يعود خياره، لان الظاهر ان وجه سقوط الخيار لزوم الضرر على البائع في الانتقال إلى البدل


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الخيار - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3 و 2.

[ 30 ]

والمفروض عدمه، فيصدق ان العين قائمة بعينها، انتهى. (وفيه) أنه مع تسليم صدق العناوين وتسليم سقوط الخيار لا وجه لما افيد، فإن الدليل على ثبوت خيار العيب، وسقوطه هو الادلة الخاصة، وكون الحكم لنكتة تضرر البائع بالانتقال إلى البدل لا يوجب العود بعد السقوط، لعدم الدليل على كونه علة يدور وجود الخيار مداره. (واما) دليل لا ضرر فهو - مضافا إلى ما تقدم منا في بعض المباحث السابقة من عدم كونه صالحا لا ثبات الخيار بل ولا لاثبات حكم أو نفيه - لا يثبت به إلا الارش، فان الضرر يرتفع به، بل لو لا تسالمهم في خيار الغبن على ثبوت الخيار كان مقتضى التمسك بقاعدة نفي الضرر أو التمسك بذيل بناء العقلاء هو جبران الغبن لا الخيار، فاطلاق الادلة في المقام كاف لعدم ثبوته بعدم سقوطه، مع انه مقتضى الاصل ايضا لو فرض الشك فيه. ثم إن عد التصرف أو التغير أو غيرهما من المسقطات إنما يصح على ما تقدم منا من ثبوت حق متعلق بالعقد وحق آخر هو حق المطالبة بالارش، وما على المشهور فغير صحيح بل غيرم معقول كما اشرنا إليه، ولو سلم صحة جعل تخييري فلا بد من عد التغير ونحوه موجبا لتعين الطرف الآخر عقلا نظير التعين العقلي في الواجبات التخييرية مع تعذر بعض الافراد، وتعين آخر الوقت عقلا في الواجب الموسع، واحتمال انقلاب المخير حقا كان أو تكليفا بالمعين فاسد جدا، لاستحالته، كما ان احتمال سقوط الواجب التخييري أو الحق كذلك وحدوث حكم تعييني للطرف المقدور مقطوع الخلاف، وهذا واشباهه شاهد على صحة ما ذهبنا إليه في المقام وغيره.

[ 31 ]

الثالث: التلف، واستند فيه إلى المرسلة (1) والاستدلال بها مبني على دلالة مفهومها على ذلك، وإلا فالمنطوق اجنبي عنه، ودلالة المفهوم مبنية على انه قضيه سالبة بسيطة محصلة بتقديم السلب على الموضوع، حتى يستفاد منه التعميم، بالنسبة إلى السلب بسلب الموضوع، فيكون المفهوم " إن لم يكن الشئ قائما بعينه " واما إذا كان المفهوم قضية معدولة أو سالبة مع حفظ الموضوع، فلا يدل على المقصود، واحتمال كونه سالبة محصلة عقلي مخالف لفهم العرف في الاشباه، والنظائر، والموافق للعرف في الشرطيات ونحوها وقوع الشرط في عقد الاثبات والنفي على موضوع ملحوظ مفروض التحقق، فيخرج مثل التلف الحقيقي - الذي لا بقاء معه للمبيع ولو عرفا - عن مفاد الدليل. وفي إلحاق التلف بالتغير بالاولوية نظر، لان سقوط الرد مع العيب الحادث إنما هو لمراعاة حال البائع لئلا يرد إليه المعيب، وهنا يكون رد القيمة إليه عند الفسخ أهون من رد المعيب، إلا أن يقال: إن ما ذكر لو صح فانما هو في التغيير بالنقيصة، واما مع سقوط الخيار حتى في التغيير بالزيادة كما قيل فيمكن دعوى الاولوية، لكن المبنى محل إشكال بل منع. وقد يقال: إن الحق في هذا الخيار بحسب مفاد الادله تعلق بالرد لا بالعقد، وعلى فرض القول بتعلقه بالعقد فهو مقيد بحسب اخبار الباب بفسخ العقد برد العين، فسقوط الحق بالتلف ونحوه ليس لكونه مسقطا شرعيا، بل هو الاجل انه لا يمكن الرد معه، فان وجود العين موضوع له.


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 32 ]

ثم عطف على التلف الحقيقي التلف الشرعي والانتقال بعقد لازم أو جائز والخروج عن السلطان كالرهن والاجارة، ثم قال: ولقد أجاد العلامة حيث قال: إذا ظهر المشتري على عيب في العبد بعد موته فلا رد، إذ لا مرود، وكذا لو قتل أو تلف الثوب. وفيه ما لا يخفى (أما) ما اختاره أولا، فلان تعلق الحق بالرد الخارجي قبل تحققه لا يعقل، لكونه معدوما، وبعد تحققه كذلك لانه حاصل لا يعقل تعلق حق الرد به كما هو واضح، وتعلقه بالرد العنواني كتعلق الحل بالبيع والتكليف بالمتعلق لا يصح في المقام، لان ذلك الحق المتعلق بالعنوان فرضا لا يعقل وجوده في الخارج، فان الرد إذا وجد خارجا وإن انطبق عليه العنوان لكن لا يعقل انطباقه عليه بما له من الحكم الوضعي، فما تعلق به لا يكون منشأ للاثر، وما هو منشأ الاثر لا يعقل تعلقه به، ولا ينبغي الخلط بينه وبين التكاليف المتعلقة بالطبائع الباعثة لا خراجها إلى العين. (وأما) ما احتمله ثانيا من أن الحق متعلق بالعقد لكنه مقيد بتلك الادلة، ففيه ان الجمع بين المعنى الكنائي والمعنى الحقيقي غير ممكن، سيما مع بنائهم على عدم جواز استعمال اللفظ في اكثر من معنى، بل مع تسليم الجواز كما هو المختار يشكل فيما إذا كان بين المعنيين ترتب واختلاف في الرتبة كالمقام، فان اسباب الفسخ مقدمة رتبة عليه، ومع الغض عنه لا وجه للتقييد المدعى، فانه موقوف على استفادة حصر الفسخ بالرد من الادلة، وإلا فمجرد الدلالة على ثبوت الفسخ بالرد لا يوجب التقييد، ولا ينافي وجود سبب آخر، هذا كله بحسب الثبوت. واما الناظر في الادلة فلا ينبغي له الريب في ان الرد المأخوذ فيها ومقابله كناية عن ان له الفسخ أو ليس له، ويشهد له - وإن لا يحتاج

[ 33 ]

إلى الاستشهاد - صحيحة حماد بن عيسى (1) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال علي بن الحسين عليهما السلام: كان القضاء الاول في الرجل إذا اشترى الامة فوطأها ثم ظهر على عيب أن البيع لازم وله أرش العيب، " وعن الحميري بسنده الصحيح عن حماد (2) كذلك إلا أنه قال: " إن البيع لازم لا يردها ويأخذ أرش العيب " فان الظاهر كالصريح منهما أن الحق متعلق بالبيع لا بالرد، وأن البيع مع عدم التصرف ليس بلازم ويرد، وهذا شاهد على أن الرد في سائر الروايات (3) كناية عن الفسخ، ويظهر ذلك أيضا من رواية زرارة (4) المتقدمة. كما تشهد بوضوح لما ذكر - من أن الرد كان كناية معروفة عن الفسخ من دون أن يكون هو المتعلق للحق مستقلا أو دخيلا في حصول الفسخ - الروايات الكثيرة الواردة في أبواب العيوب والتدليس من كتاب النكاح ففي بعضها (5) " المرأة ترد من أربعة أشياء " وفي بعضها (6) ترد على أهلها " وفي بعضها (7) " يرد النكاح من كذا وكذا " وفي بعضها (8) " إن شاء بعد أمسكها وإن شاء سرحها إلى أهلها " إلى غير ذلك مما لا يشك أحد في أن الرد فيه كناية عن الفسخ. وأما استشهاده بقول العلامة فغير وجيه، لان الظاهر منه ان الحق تعلق بالعين لا بالرد، وهو امر معقول وإن كان خلاف ظواهر الادلة.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب احكام العيوب - الحديث 7 (3) الوسائل - الباب - 3 و 4 و 5 و 6 و 7 - من ابواب احكام العيوب. (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2. (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العيوب والتدليس الحديث 1 - 3 - 6 من كتاب النكاح. (8) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب العيوب والتدليس - الحديث 3.

[ 34 ]

والذي يسهل الخطب - في باب التلف كالموت والقتل والحرق وغيرها - انه ليس في الخارج تلف إلا وهو مسبوق بتغير العين وحدوث حدث وشئ فيه، وليس في الطبيعة سبب يوجب التلف بلا حدوث شئ في التالف، حتى في مثل استهلاك شئ في شئ، وفي مثل إراقة اللبن ونحوه، بل في كثير من المتلفات العرفية تخرج العين عن كونها قائمة بعينها قبل عروض التلف بزمان غير يسير، فسبب السقوط في التلف مطلقا متقدم عليه، بل لو فرض ان سببا يعدم الشئ دفعه كان ذلك لا محالة بحدوث شئ فيه يوجب عدمه، وليس الايجاد والاعدام في الطبيعة نحوهما فيما ورائها الذي هو خارج عن الحوادث، بل في التلف العرفي كثيرا ما يكون المبيع موجودا، وإن عد تالفا، حتى في مثل انكسار الظروف، وليس التلف كذلك موجبا لانعدام المبيع، تدبر. وعلى ذلك فعد التلف من اسباب سقوط الحق في مقابل كون الشئ غير قائم بعينه أو حدث شئ فيه إشكال. (ولو قيل): إن قوله عليه السلام: " لا يرد " الذي ورد في الروايات (1) سلب عن موضوع قابل للرد خارجا، والمتلف ونحوه خارج منه (يقال): إن ما ذكر ليس في روايتي جميل (2) وزرارة (3) اللتين هما الاصل في الباب، مضافا إلى أن القول المذكور كناية عن ثبوت الخيار، ولا يلحظ فيه بحسب الجد عنوان الرد وعدمه كما في سائر الكنايات. ثم إن ها هنا وجها آخر لسقوط الرد بالتلف ونحوه وثبوت الارش - وهو الفارق بين هذا الخيار وسائر الخيارات، حيث لم يثبت فيه الفسخ بعد التلف ونحوه - وهو انه قد تقدم ان الشهرة المعتبرة قائمة على التخيير بين


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار. (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار الحديث 3 و 2.

[ 35 ]

الفسخ والارش، ومقتضى ذلك ان يكونا في عرض واحد، ومن المعلوم ان الخيار أو حق الفسخ ليس شئ منهما ملحوظا ومطلوبا بنفسه، بل المنظور منهما هو رجوع كل عوض إلى صاحبه الاول، كما ان من المعلوم ان الرجوع إلى بدل التالف ليس في عرض المبدل، فيحينئذ مع عروض التلف ونحوه مما يوجب تعذر رد العين يتعين عديل حق الخيار، وهو حق الارش الذي في عرضه، ولا تصل النوبة إلى البدل الذي هو بعض مراتب اداء العين عند عدم امكان ردها. ثم إنه لا إشكال نصا (1) وفتوى في أن وطئ الجارية يمنع عن ردها بالعيب، ويصير البيع به لازما، إنما الكلام في أنه تخصيص في مثل مرسلة جميل (2) وانه يصدق معه ان العين قائمة بعينها ومع ذلك لا ترد، أو ليس بتخصيص بل كاشف عن أن التصرف مطلقا موجب لسقوطه، كما قالوا به في خيار الحيوان استنادا إلى عد مثل التقبيل واللمس من الاحداث الموجبة لسقوط الخيار، إذ إنه موجب لخروج العين عن كونها قائمة بعينها ويصدق على ذلك أنه إحداث شئ فيها. وقد تقدم منا ما يرجح الاخير، وضرورة أن الوطئ ليس مثل ركوب الدابة وعلفها وسقيها وسائر التصرفات التي لا توجب صدق حدوث شئ فيه، بل هو من أوضح ما يصدق عليه أنه أحدث فيها شيئا وما بقيت قائمة بعينها وبلا حادثة، فالروايات متوافقة غير متخالفة، ولعل ذلك هو مراد الاسكافي حيث حكي عنه أن الوطئ مما لا يمكن معه رد المبيع إلى ما كان عليه قبله، ولا يرد عليه النقض بسائر التصرفات كما توهم. وأما عده جناية فغير مرضي كما عن التذكرة وما ورد في بعض


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب احكام العيوب. (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 36 ]

الروايات (1) من قوله عليه السلام: " معاذ الله أن يجعل لها أجرا " لا يكون المراد منه أن هذا جناية لو ردت لزم أن يرد معها شئ تداركا لها فتكون كأجرة للفروج، بل الظاهر منها أن الوطئ يوجب نقيصة عقلائية في الجارية، فمع ردها لابد من ان تجبر تلك النقيصة، ولو حكم بالجبران فلا بد من عرض الجارية على السوق ليحكم أهل الخبرة بأن مثلها إذا وطئت فبأي مقدار تكون قيمة وطئها، حتى ينقص من القيمة، وهذا عين اجرة المثل أو نظريها، وأبي الله تعالى أن يجعل لها أجرا. ولا ينقضي تعجبي من الشيخ الاعظم (قده) وغيره، حيث اغتروا بظاهر بعض الروايات (2) التي ورد فيها (إنهن مستأجرات)، فحملوها على الحقيقة، فأتعبوا نفوسهم الكريمة في توجيه قوله عليه السلام: (معاذ الله ان يجعل لها أجرا). والحق الذي لا ينبغي الريب فيه هو ان المتعة نكاح وزواج حقيقي لا فرق بينه وبين النكاح الدائم إلا في بعض الخصوصيات والاحكام، ومن الواضح أن ماهية النكاح تباين ماهية الاجارة عقلا وعرفا، والمهر فيها كالمهر في الدائم ينافي الاجرة عرفا وعقلا، ولهذا لا يقع النكاح مطلقا بلفظ الاجارة ولا الاجارة بلفظ النكاح، فالجمع بين كونه زواجا ونكاحا يترتب عليه آثاره مثل عدم جواز متعة أختها أو امها أو بنتها وكونه إجارة كاجارة بيت وطاحونة مما لا يعقل، فلابد إما من حمل ما دلت على أنه زواج ونكاح وزوجة من النصوص (3) الكثيرة الموافقة للعرف


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب أحكام العيوب - الحديث 4 و 8. (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب المتعة - الحديث 2 من كتاب النكاح. (3) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب مقدمات النكاح - الحديث 1 و 3 والباب 19 و 24 و 25 و 26 وغيرها من ابواب المتعة

[ 37 ]

وارتكاز أهل الحق على غير معانيها، أو حمل مثل قوله عليه السلام: " إنهن مستأجرات " على التشبيه والمجاز، والمتعين هو الثاني، بل عليه الشواهد الكثيره نذكر بعضها. ففي بعض الروايات عن عبيد بن زرارة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ذكرت له المتعة أهي من الاربع؟ فقال: تزوج منهن ألفا، فانهن مستأجرات " فهل يخطر ببال أحد من قوله عليه السلام: " تزوج منهن " أنه ليس زوجا بل استئجار؟!، ويظهر منه بأعلى ظهور أنه تزويج بمنزلة الاستئجار في بعض الخصوصيات، لكونه ذا أمد وانقطاعها بمضيه، وعدم كونه محدودا بالكثرة والقلة، فيصح تزويج ألف منهن، كما يصح إجارة ألف بيت، كما يعلم منه بوضوح أن كون المتعة تزويجا لا إجارة مفروض ومسلم بين السائل والمجيب وإنما السؤال عن كونها من الاربع، فقوله عليه السلام: " إنهن مستأجرات " مجاز بلا ريب وشبهة. كما تشهد به رواية (2) أخرى قال عليه السلام فيها: " هن بمنزلة الاماء " والتنزيل إنما هو من جهة جواز التزويج أكثر من أربع، كما كان هو المقصود من مثل الرواية الاولى، وتشهد بذلك وضوحا صيرورة المتعة دائمة مع عدم ذكر المدة كما في النص (3) والفتوى. وأما ما في روايات (4) الباب من رد نصف العشر مع كونها حبلى فليس ذلك شاهدا على كونها مستأجرة، بل شاهد على خلافه، فانها لو كانت كذلك لابد من تقويم كري بضعها لا تعيين مقدار معين، وهذا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 من ابواب المتتعة - الحديث 2 و 6 من كتاب النكاح. (3) الوسائل - الباب - 20 من ابواب المتعة - من كتاب النكاح. (4) الوسائل - الباب - 5 من أبواب أحكام العيوب.

[ 38 ]

نظير ثبوت مهر المثل بالدخول بالحرة في بعض الموارد، بل ثبوت مهر المثل أقرب بالاجارة من ذلك. وتوهم دلالة الآية (1) الكريمة على ذلك وهي قوله تعالى: " فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة " - حيث استدل الائمة عليهم السلام بها على تشريع المتعة، فتدل على انه استمتاع بالاجر، وهو عين الاجارة - في غاية السقوط لان استدلالهم عليهم السلام إنما هو بقوله: " استمتعتم " أي نكحتم متعة، كما في غير واحد من الروايات (2) " استمتعتم إلى أجل مسمى " فا لاستدلال بهذه الكلمة لا بكلمة " أجورهن " واستعمال الاجر في المهر توسع بالضرورة، لمشابهته له في بعض الامور، وقد ورد بلفظ الاجر في نساء النبي صلى الله عليه وآله، وهو قوله تعالى (3): " يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن " والمراد بها مهورهن، كما هو واضح، وقد ذكر المهر بلفظ " أجورهن " في بعض الآيات الاخر ولم يستدل الائمة عليهم السلام بها، فراجعها. فما في قول أمير المؤمنين عليه السلام " معاذ الله ان يجعل لها اجرا " مراده الاجر بمعناه المعهود في إجارة البيت والطاحونة، وإلا فالاجر بمعناه المجازي لا إشكال فيه. ثم إنه لا إشكال في أن وطئ الجارية لا يمنع عن ردها بعيب الحمل ويمنع عن ردها بسائر العيوب ولا كلام فيه، وإنما الكلام والاشكال في الاخبار (4) الواردة فيها من جهتين نتعرض لهما بوجه إجمالي وإن كان


(1) سورة النساء: 4 - الآية 24. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب المتعة - الحديث 3 و 13 و 19 و 20 والباب - 4 - منها الحديث 14. (3) سورة الاحزاب: 33 - الآية 50. (4) الوسائل - الباب - 4 و 5 - من ابواب أحكام العيوب.

[ 39 ]

الصفح عن مثل هذه المسألة غير المبتلى بها اولى. (إحداهما): ان المنقول عن المشهور استثناء هذا العيب - اي الحمل - عن سائر العيوب، بأنه ترد الجارية به مع الوطئ، وهو الظاهر من الروايات (1) والظاهر ان الحبل في الاماء عيب وإن لم يكن في الحيوان كذلك، وقد ادعي الاجماع عليه، وهو وإن لم يفد امرا شرعيا لكن يظهر منه ان المرتكز في اذهان هل العلم واللسان انه عيب. ويظهر من ذلك ان مورد كلام الفقهاء وما فهموا من الاخبار هو الحبل من غير المولى، وخالف في ذلك بعض، منهم الشيخ الاعظم (قده) فقال: إن ظاهر لاخبار في بادئ النظر وإن كان ما ذكره المشهور، إلا أن العمل على هذا الظهور يستلزم مخالفة الظاهر من وجوه، ثم عد وجوها عمدتها الوجه الاول في كلامه، وهو لزوم مخالفة ظهورها في وجوب رد الجارية أو تقييد الحمل بكونه من غير المولى حتى تكون الجملة الخبرية ورادة في مقام دفع توهم الحظر الناشئ من الاخبار (2) المتقدمة. وفيه مالا يخفى، لما أشرنا إليه فيما سبق، من أن تلك الجملة الورادة في كثير من الموارد - منها المقام ومنها المسألة السابقة ومنها الرد بأحداث السنة ومنها رد المرأة المزوجة بالعيوب والمنصوصة إلى غير ذلك - كناية عن الخيار وعدمه، وحق الفسخ وعدمه، ولم تستعمل في شئ من الموارد في معناها الحقيقي، ولا في الحكم التكليفي، فمعنى " ترد الجارية من أربع خصال: من الجنون " (3) إلى آخره ليس وجوب ردها بالضرورة والجملة المذكورة في جميع الروايات في الابواب المتفرقة على نهج واحد بلا ريب، فالحكم التكليفي وجوبا وحرمة أجنبي عن مفاد تلك الروايات


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب أحكام العيوب. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب احكام العيوب - الحديث 1.

[ 40 ]

كما أن القول بوقوعها في مقام دفع توهم الحظر أيضا في غير محله. والانصاف أن تلك الروايات سؤالا وجوابا ناظرة إلى ثبوت الخيار وعدمه بعد الفراغ عن صحة المعاملة، فالصحة مفروضة فيها، وتظهر بوضوح من الاجوبة، وقد جمع في بعض الروايات بين عدم رد التي ليست بحبلى ورد الحبلى مما يظهر منه بوضوح أن الموضوع واحد، وهو البيع الصحيح كرواية عبد الملك (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا ترد التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها وله أرش العيب، وترد الحبلى، ويرد معها نصف عشر قيمتها ". فهل ينقدح في ذهن أحد أن قوله عليه السلام: " لا ترد " ورد في البيع الصحيح و " ترد الحبلى " في البيع الفاسد، أو أن المتفاهم هو بيان ثبوت الخيار وعدم ثبوته بعد الفراغ عن الصحة؟ بل المراد من قوله عليه السلام في ذيلها: " يرد معها نصف عشر قيمتها " هو ثبوت نصف العشر لا وجوب الاداء، كما هو واضح للمتأمل، وأما سائر إشكالاته فمدفوعة بأدني تأمل، بل لعلها غير مسلمة عنده أيضا. . (الجهة الثانية) أن الوارد في الاخبار (2) - من العشر في بعضها ونصفه في آخر و " شئ " في ثالث و " يكسوها " في رابع - يوهم الاختلاف فيها، ولكن التحقيق أن المستفاد منها هو نصف العشر، ولم يرد العشر إلا في رواية واحدة هي رواية عبد الملك (3) مع أنها منقولة بلفظ آخر فيها نصف العشر والظاهر أن لفظ " نصف " سقط منها، كما احتمله الشيخ (قده)، ولا أقل من وقوع الاجمال فيها بعد نقلها مختلفة مع وحدة


(1) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العيوب - الحديث 3 - 7. (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العيوب.

[ 41 ]

الراوي والمروي عنه، فتكون سائر الروايات (1) المشتملة على نصف العشر حجة بلا معارض. وأما ما في رواية عبد الرحمان (2) من قوله عليه السلام: " يرد معها شئ " فهو في مقام الاهمال، وإلا فالشئ يصدق على حبة وخردل، فلا يعول عليها. وأما ما في وراية محمد بن مسلم (3) " في الرجل يشتري الحبلى فينكحها وهو لا يعلم، قال: يردها ويكسوها " فلا يبعد أن يكون إكساؤها محمولا على الاستحباب زائدا على نصف العشر الذي يرد إلى البائع، ولو قيل: إن السكوت عن نصف العشر دليل على كفاية إكسائها يقال: إن السكوت لا يقاوم التصريح في غيرها، وليس فيها أن يرد معها الكسوة حتى يخالف سائر الروايات (4) فتدبر، والامر سهل بعد عدم العامل بها ظاهرا. الرابع: حدوث عيب عند المشتري، وهو أيضا داخل في عنوان تغير العين وعدم كونها قائمة بعينها مما يصدق على أكثر العناوين، وكيف كان فالعيب الحادث بعد العقد إما حادث قبل القبض أو في زمان خيار يكون المبيع فيه، مضمونا على البائع، كخيار الشرط والحيوان وخيار المجلس على احتمال دون سائر الخيارات على ما يأتي الكلام فيها في محله، أو بعد مضي زمان الخيار، فلا بد من التعرض لتلك الموارد، على ما يناسب المقام. اما الحادث قبل القبض فهل هو كالحادث قبل العقد - يترتب عليه احكامه


(1) و (2) و 3) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العيوب - الحديث 0 - 5 - 6 - 0.

[ 42 ]

من ثبوت الخيار به والارش وعدم كونه مانعا عن الرد بالعيب السابق - ام لا مطلقا أو فيه تفصيل؟ يمكن الاستدلال للاول بمرسلة جميل (1) المتقدمة، بأن يقال: إن قوله عليه السلام: " الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا " لا يختص باشترائهما، بل هما مذكوران من باب المثال، فيكون السؤال عن مطلق ما يشترى، ولا ريب في ان المبيع في كثير من الموارد على نحو يحتاج في تسليمه إلى مضي زمان غير يسير يمكن ان يعرض عليه في تلك المدة تغييرات أو تلف، فبعد التسليم إذا وجد فيه عيبا يحتمل ان يكون العيب مما حدث قبل العقد أو بعده قبل القبض، نعم يخرج منه بعد القبض ومع هذا الاحتمال وترك التفصيل في الرواية وصدق العنوان على الموردين يستكشف الاطلاق، فكأنه قال: إذا قبضت السلعة ووجدتها معيبة سواء كان العيب قبل العقد أو بعده قبل القبض فلك الخيار مع بقائها بعينها، ولك الارش مع تغيرها، فالعيب الحادث قبل القبض كالعيب قبل العقد في جميع الآثار المتقدمة. ولا فرق فيما ذكر بين الدلالة على أن وجدانه معيبا كان بعد القبض كما هو المنسبق منه إلى الذهن أو لا، ولا بين كون الوجدان مأخوذا بنحو الطريقية كما هو كذلك أولا، فانه قوله: " اشترى فوجد " أو " علم أن فيه العيب " غير قوله: " اشترى وفيه عيب " كما هو واضح، فالاطلاق محكم، وترك الاستفصال دليل على ثبوته في الحالين، وحيث لا يبعد أن يكون ما ذكر موافقا لارتكاز العقلاء أو غير مخالف له - بل ضمان التلف قبل القبض لا يبعد ان يكون عقلائيا، ولا أقل من عدم مخالفته لارتكازهم - لا يصح دعوى الانصراف إلى العيب الحادث قبل العقد.


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 43 ]

ولعل إطلاق المرسلة (1) كان دليلا عند أصحابنا أو عند كثير ممن قال بثبوت الخيار والارش، وإلا فلا دليل عليها بوجه، فان قاعدة " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه " - مضافا إلى أنها لا تشمل رفع وصف الصحة وعروض العيب - على فرض تسليم شمولها لتلف البيع أو جزء منه أو وصف الصحة فيها إشكال ثبوتي على بعض الاحتمالات، وإشكال من جهة عدم صلاحيتها لا ثبات المقصود مطلقا. فانه يحتمل أن يراد من قوله: 2 من مال بائعه " على نحو الحقيقة فمع تلف الكل لا بد وان يلتزم بفسخ العقد آنا ما قبل التلف حتى يصح الكلام، وفي تلف الجزء ايضا يمكن التكلف بأن العقد ينفسخ قبله بالنسبه إليه. أما في وصف الصحة فلا يعقل إلا بالالتزام بفسخ العقد ليترتب عليه رد الوصف تبعا، وتلفه من مال البائع، ولم يلتزم أحد بذلك، مع أنه مناف لما أراد الاصحاب، أو يقال بأن الوصف منزل منزلة ماله، فتكون القاعدة بالنسبة إلى الكل والجزء استعملت على نحو الحقيقة وبالنسبة إلى الوصف على نحو التنزيل، وهو غير ممكن في استعمال واحد حتى على القول بجواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، فان التنزيل اعتبار مترتب على الواقع، فيكون المعنيان طوليين. وأما القول بأن العقد لا يتم إلا بالقبض - فيصير ضمان التالف وثبوت الخيار بالعيب قبل القبض على القاعدة فهو مزيف مخالف للنص والفتوى، والقول به لو صح النقل نادر مردود على صاحبه. (وأما القول) بأن المراد من القاعدة تنزيل التالف منزلة ملك البائع فالنقص - سواء كان بالتلف أو بتلف الجزء أو الوصف - كأنه وقع في ملكه، فيستفاد من تلف الكل أو الجزء الضمان، ومن تلف الوصف الخيار


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 44 ]

(ففيه مالا يخفى) فان تنزيل المبيع منزلة ملكه في حال تلفه لا يفيد شيئا، فلا بد من التنزيل حال وجوده، فحينئذ إن كان التنزيل مطلقا وفي جميع الآثار يلزم ما لا يلتزمه أحد، وإن كان بنحو التقييد وفي بعض الآثار، بأن يكون في التلف في خصوص الضمان، في العيب في ثبوت الخيار، فيلزم منه إرادة شيئين مختلفين متباينين من لفظ واحد بلا قرينة، مع أن التنزيل منزلة ملكه لا يفيد إلا الضمان، والتنزيل منزلة كون التلف قبل العقد لا يثبت وقوعه على المعيب أو التالف. فلا بد من دعاوي كلها باطلة، دعوى كون المراد بالمبيع الاعم منه ومن بعضه ومن وصفه، ولما لا يفيد ذلك إلا الضمان تضم إليها دعوى كون ذلك بمنزلة التلف والعيب قبل العقد، ولما لا يفيد ذلك في المقصود تضم إليها دعوى كون العقد بمنزلة الواقع على التالف والمعيب، ولما كانت هذه الدعوى مستلزمة لما لا يقولون به من البناء على بطلان العقد من رأس في التلف تضم إليها دعوى التنزيل في بعض الآثار. والانصاف ان تلك التكلفات بعيدة عن مثل القائل وغير موافقة للواقع فلا داعي إلى التزامها. ثم إنه بعد ما عرفت من أن رواية جميل (1) دالة باطلاقها على ثبوت الخيار والارش يقع الكلام في أن العيب الموجب للخيار هل يوجب سلب الخيار الثابت بالعيب السابق؟ فيكون الخيار ثابتا باللاحق لا بالسابق، بدعوى ان العين خرجت عن القيام بعينها. والتحقيق أن ذلك لا يستفاد من المرسلة في خصوص العيب الحادث قبل القبض، لان مقتضى إطلاق السؤال وجدان العيب الذي كان قبل العقد أو القبض، ومقتضى الجواب أن ذلك العيب مفروض في الموضوع


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 45 ]

وحكمه أن المعيب سواء كان بعيب حادث قبل العقد أو بعده إن كان قائما بعينه حكمه كذا وإلا فحكمه كذا، فما هو المأخوذ في الموضوع لا يعقل أن يدخل في الشرطية وهذا واضح، مع أن سقوط الخيار السابق وثبوت الخيار الجديد كاللغو، وهو المنشأ لعدم فهمه من الرواية وانصرافها عنه. وهل يثبت هنا خياران؟ أحدهما بالعيب السابق على العقد وثانيهما بالحادث قبل القبض، بأن يقال: إن العيوب المتعددة وإن لم توجب إلا خيارا واحدا، وليس في كل عيب خيار إلا أن العيب السابق أو العيوب السابقة إذا صارت موجبة للخيار بمجرد تحقق العقد كانت العيوب اللاحقة المتجددة موجبة لخيار جديد، وبعبارة أخرى إن العيوب إذا كانت في عرض واحد ورتبة واحدة ولو في التأثير لا تؤثر إلا خيارا واحدا، وأما إذا أثر ما كان قبل العقد فوجد الخيار به ثم وجد السبب الآخر المتأخر عنه رتبه فلا محالة يؤثر أثرا جديدا. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب تعدد الخيار ولو مع فرض كون السبب صرف الوجود، لكنه لا يفيد إلا تقريب التعدد تصورا لا إثباته تصديقا ودلالة ولا إشكال في أن الميزان في الدلالات فهم العرف والعقلاء ومن راجع مرسلة جميل سؤالا وجوابا لا يشك في أنه لا يستفاد منها إلا الخيار الواحد في صورتي وحدة العيب وتعدده مطلقا، سواء كان ثابتا قبل العقد أم حادثا بعده قبل القبض، أم كان بعضها قبل العقد وبعضها حادثا بعده قبل القبض، كما سنشير إليه. ثم على فرض إثبات الخيارين بالمرسلة، فهل يوجب العيب الحادث بعد العقد سقوط الخيار بالعيب السابق؟ بأن يقال: إن مقتضى إطلاقها أن التغير بعد العقد قبل القبض مسقط، ولا يعقل أن يكون مسقطا للخيار الآتي من قبله، لان العيب سبب لثبوته لا لسقوطه، وأما سقوط الخيار

[ 46 ]

الناشئ من السبب السابق فلا مانع منه، بل هو مقتضى دلالتها إطلاقا، غاية ما يمكن أن يقال: إنصراف الدليل عن العيب الموجب للخيار، ولعل هذا مراد من قال: إن العيب مضمون على البائع، فلا يوجب الاسقاط، وله وجه. وأما ما أفاده المحقق الخراساني (قده) من عدم إمكان اقتضاء ما يقتضي الخيار لعدمه، فلا بد من تقييد الاطلاق عقلا، ولو قيل: إن الممتنع اقتضاء عدم ما يقتضي وجوده، والمقام ليس من هذا القبيل، فانه يقتضي عدم ما لا يقتضي وجوده، يقال: إن الخيار طبيعة واحدة، فلا بد وأن يكون مقتضاه واحدا بدليل عدم تأثير الكثير في الواحد. ففيه ما لا يخفى من خلط التكوين بالاعتبار أو خلط موضوعية شئ للحكم بالتأثير العلي، فأي جامع بين سبب خيار الحيوان والعيب وسائر الخيارات، فلو صح ما ذكره، فلا بد من امتناع سقوط خيار العيب بالعيب الحاصل بعد القبض، ضرورة وحدة الحقيقة، ولو قيل: إن الاختلاف في التأثير بواسطة اختلاف الاضافة يأتي ذلك بعينه في المقام، مع أنه لو كان العيب مقتضيا للخيار واقعا كان اللازم ثبوته بلا جعل، إلا أن يقال: إن الجعل كاشف عن ثبوته، وهو كما ترى. وإن كان مقتضيا للجعل فمع لزوم كونه مؤثرا في نفس الجاعل إن كان علة تامة لازمه جعله فيما إذا حصل العيب بيد المشتري وفي يده، والاولى تنزيه الفقه من الدقائق الفلسفية، بل ومن الدقائق الاصولية أيضا، فانهما يضران بفهم الاخبار واعتبارات العقلاء، وهما ملاك الفقه والفقاهة. ثم إنه قد يختلج بالبال الاشكال على ثبوت خيار الفسخ والارش على مبنى من يقول بأن العيب سبب لحق واحد قائم بالعقد أو الارش، بل على ما ذهبنا إليه من ثبوت حقين متعلقين أحدهما بالعقد والآخر بالارش

[ 47 ]

وأن التخيير إنما هو في مقام الاستيفاء، وهو وأنه يحتمل بحسب الثبوت أن يكون السبب صرف وجود العيب، أو وجوده الساري، أو طبيعيه، فعلى الاول يلزم ثبوت خيار واحد وارش واحد بصرف وجود العيب وإن كان متكثرا، مترتبا، وعلى الاخيرين يلزم كثرة الخيار والارش بكثرة العيب فيشكل الامر على القائل بكون الحق واحدا بأن سببه لا يعقل ان يكون متكثرا، فان كان صرف الوجود يشكل إثبات الارش بالعيوب المتعددة إذا حصل بعضها حال العقد وبعضها بعده قبل القبض مترتبا، وإن قلنا باعتبار صرفين بالنسبة إلى الحالين يشكل الامر في العيوب المترتبة بعد العقد، لان الصرف لا يتكرر، والسبب الواحد موجب لمسبب واحد، وعلى الاخيرين لا إشكال في ثبوت الارش بالعيوب، ويشكل من جهة ثبوت الخيار بكل عيب ولم يلتزم أحد به. نعم على ما ذهبنا إليه لا إشكال ثبوتا في وحدة الخيار وتكثر الارش عند كثرة العيوب، لان الحق المتعدد له سبب كذلك، فيمكن ان يكون في جانب الخيار صرف الوجود، وفي الارش الوجود الساري أو نفس الطبيعة المتكثرة بتكثر الافردا. لكن يشكل في مقام الاثبات من أجل لزوم التفكيك في مثل مرسلة جميل (1) الدالة على المقصود على ما مر، مع أن الظاهر منها أن ما أخذ في موضع الخيار هو المأخوذ في الارش، والظاهر منها ان المأخوذ هو الطبيعة القابلة للتكثر، فان التنوين في قوله عليه السلام: " فوجد عيبا " هو للتمكن لا للتنكير، فكأنه قال: " فوجد فيه العيب " فدلت على ان السبب ما ذكر. ويمكن دفع الاشكال على مذهبنا بأن خيار العيب وكذا ثبوت الارش


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 48 ]

عقلائي وإن كان بعض أحكامهما تعبديا، وما رود من الاخبار ليس لاثبات أصل الخيار، بل لبيان جهات أخر ككون العين قائمة بعينها وعدمه، وكاحداث الحدث وعدمه، فأصل الخيار موكول إلى العرف والعقلاء، ولا إشكال في أن حكمهم في حق خيار الفسخ هو أنه واحد ولو مع كثرة العيب، وفي الارش جميع مراتبه وفي كل عيب، ولا ينافي ذلك لما ذكرنا من إطلاق المرسلة بالنسبة إلى العيب الحادث بعد العقد، لان الاطلاق من الجهة التي تعرضت لها كاف لاثبات المدعى، فتدبر جيدا. ولو قلنا: إنها بصدد بيان أصل الخيار، فيمكن أن يقال: إن ارتكاز العرف بأن الخيارات المتعددة للعيوب كذلك يعد لغوا، وإسقاط أحدها وبقاء غيره لا يعد الاثر العقلائي قرينة على التفكيك من غير ورود إشكال، لان منشأه عدم قابلية الخيار للتعدد، فلا يوجب الاسباب المتعددة تعدده بخلاف الارش، ولا يتوهم ان الارش معنى واحد، فان الوحدة عنوانية، وهي لا تنافي التعدد خارجا، مع أن ما ذكر مؤيد بفتوى الاصحاب قديما وحديثا، هذا كله في العيب الحادث قبل القبض. وأما الحادث في زمان الخيار المضمون على البائع، فيقع الكلام أيضا في ثبوت الخيار به وفي كونه مستقلا، فيتعدد الخيار فيما إذا كان عيب قبل العقد وحدث عيب بعد القبض في زمان الخيار، وفي أن العيب في زمان الخيار مسقط للخيار بالعيب السابق. فنقول: إن مبنى هذا الفرع مختلف مع الفرع المتقدم وإن كانا مشتركين في كثير من المطالب المتقدمة إيرادا ودفعا، وأما المبنى فيه فهو الروايات الخاصة التي عمدتها صحيحة عبد الله بن سنان (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الدابة أو العبد ويشترط إلى يوم أو يومين،


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الخيار - الحديث 2.

[ 49 ]

فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك؟ فقال عليه السلام: على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثه أيام، ويصير المبيع للمشتري " وفي مرسلة الصدوق (1) قريب منها إلا أنه قال: " لا ضمان على المبتاع حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع له " وأما سائر الروايات (2) فمع ضعفها سندا متعرضة للتلف حتى مرسلة ابن رباط (3) على أظهر الاحتمالين. والمحتمل في الصحيحة أمور: (منها) أن يكون المراد بالضمان هو المعاوضي، والمراد بصيرورة المبيع للمشتري عدم تمامية المعاملة إلا بعد مضي الخيار أخذا بظاهر اللفظ، يؤيده مرسلة الصدوق النافية للضمان عن المبتاع وكذا سائر الروايات المشتملة عليه، لقرب احتمال كون المراد بضمانه هو المعاملي أي الثمن، ويؤيد هذا التأييد رواية عقبة بن خالد (4) عن أبي عبد الله عليه السلام في التلف قبل القبض، حيث قال: " سرقة المتاع من مال صاحبه حتى يقبضه ويخرجه من بيته فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه " وعلى هذا الاحتمال يثبت الضمان والخيار، لان العيب في زمن الخيار حادث قبل تمام البيع، كما لو حدث بين الايجاب والقبول أو في الفضولي قبل الاجازة، ولا شبهة في ثبوت الخيار بهذا العيب، لكن الاخذ بهذا الظهور مخالف لما عليه الاصحاب إلا نادرا، وللسيرة العقلائية بل للنصوص، فلا بد من رفع اليد عنه. و (منها) أن يكون المراد بالضمان نظير ضمان اليد تعبدا، بأن يكون المبيع في ضمان البائع في زمان الخيار، وكان تلفه من كيسه لا من كيس


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الخيار - الحديث 2. (2) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الخيار - الحديث 0 - 5. (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 50 ]

المشتري صاحب السلعة، ويؤيده قوله عليه السلام: " على البائع " إذ فرق بينه وبين قوله: " من ماله " فيراد بقوله عليه السلام: " حتى يصير المبيع للمتشري " استقراره في ملكه بانقضاء زمن الخيار، وعليه فلا يثبت بها الخيار. و (منها) احتمال انحلال العقد بحدوث التلف والعيب، والضمان ضمان المعاوضة، فلا يثبت به أيضا. و (منها) أن يكون المراد بصيرورة المبيع له المعنى الكنائي، وهو التنزيل منزلة وقوع التلف أو العيب قبل العقد، وهذه الاحتمالات بعيدة أو غير مثبتة لما يراد. وهنا احتمال آخر اقرب بظاهر اللفظ والمعنى الحقيقي بعد تعذره، وهو ان المستفاد من قوله عليه السلام: " حتى يصير المبيع له " أنه قبل المضى لم يصر له، فمع تعذر الحقيقة يحمل على التنزيل منزلة عدم كونه ملكا مع فرض وقوع العقد عليه وتحقق البيع، فنزل النقص منزلة الحاصل قبل تمام البيع كالحاصل بين العقد والاجازة في الفضولي، فيثبت به الضمان لو تلف والخيار لو عيب، ولعل هذا الاحتمال كان مبنى القول بثبوت الخيار نحو ثبوته للعيب قبل العقد، فيكون مخيرا بين الرد والارش. ولو قيل: هنا احتمال آخر لعله أقرب إلى ظاهر الصحيحة - وهو التنزيل منزلة عدم ملكه في الضمان لا في غيره - فانه موافق لقوله عليه السلام: " على البائع " وللتنزيل المذكور على فرض كونه أقرب إلى الحقيقة، فتكون النتيجة ثبوت الضمان في العيب نظير ضمان اليد، يقال: هذا الاحتمال أيضا بعيد، لان التنزيل بلحاظ خصوص الضمان يرجع إلى أن يقال: إن البائع عليه الضمان، لان المبيع منزل منزلة عدم ملكه في الضمان، وهو كما ترى تعبير مزيف مستهجن، بخلاف ان يقال: انه بمنزلة عدم ملكه خرج منه

[ 51 ]

سائر الآثار وبقي الضمان المعاوضي والخيار. ويؤيده ما اشارنا إليه آنفا من ظهور مارود فيها ضمان المشتري في انه ضمان معاوضي، ومرسلة ابن رباط (1) حيث قال: " إن حدث بالحيوان حدث فهو من مال البائع " بعد الجزم بأن الحكم فيها موافق للصحيحة وعدم إمكان الالتزام بانحلال العقد بالعيب، ولعل هذا الحكم مناسب للسؤال والجواب، ولعل نظر السائلين إلى احتمال عدم تمامية الملك أن العقد والمسألة بعد لا تخلو من إشكال. ثم على فرض ثبوت الخيار به فالظاهر على الاحتمال المذكور ثبوت خيار واحد بالعيوب الموجودة حال العقد والحادثة قبل مضي الخيار، لانه مقتضى التنزيل المذكور، واما عدم سقوط الخيار بالعيب السابق بهذا العيب فلا ينبغي الاشكال فيه على فرض ثبوت الخيار به ووحدته، لما أشرنا إليه في الفرع السابق، بل الظاهر كذلك على جميع المباني، لا لانصراف مرسلة جميل (2) عن ذلك كما يظهر بالتأمل. (وأما) العيب الحادث بعد القبض، ومضي الخيار، فلا ينبغي الاشكال في انه مانع عن الرد بالعيب السابق، لا لكون العيب بما هو مانعا وموضوعا للحكم، ضرورة انه بعنوانه لم يرد في رواية حتى يبحث عن حدوده وعنوانه بل لانه موجب لخروج المبيع عن كونه قائما بنفسه. فما ينبغي ان يكون مورد البحث هو مقدار دلالة رواية زرارة (3) ومرسلة جميل (4) واما سائر الوجوه المحكية، فلا صحة لها، وقد اشرنا سابقا إلى مفاد الروايتين، وقلنا: إن إحداث شئ في المبيع يشمل التغييرات


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الخيار - الحديث 5. (2) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3. (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2.

[ 52 ]

مطلقا من غير فرق بين الحسية وغيرها، فلو صاح به فذهب حفظه أو نسى الصنعة فقد احدث فيه شيئا، وكذا الحال في التصرفات الناقلة كالبيع والوقف ونحوهما، ومن غير فرق ما يوجب الارش وغيره، ومن غير فرق بين ان يصدق عليه العيب أو لا، بل مع حدوث شئ منها يصدق ان المبيع ليس قائما بعينه، فان معناه العرفي انه ليس على حال كان عليها وقت العقد، فخرج منه التصرفات التي لا توجب تغييرا حسيا أو غير حسي ولا اعتباريا كالركوب والتعليف والسقي ونحوها، ولا إشكال في خروج التغيير بالصفات الكمالية كتعلم الصنعة والسمن فيما يراد منه ذلك. والظاهر خروج تنزل القيمة السوقية منه، لانها اعتبار خارج عن الشئ، وليس مثل النقل الذي هو صفة اعتبارية، فإذا قيل: إن الدابة قيمتها كذا أو مقومة بكذا لا يراد منه ان القيمة صفتها، بل يراد منه انها مع تلك الصفات مثلا تشترى بكذا وتجعل تلك القيمة لها، فالقيمة اعتبار خارج عن الشئ بخلاف النقل ومثله. ثم إنه قد وقع الكلام بين الاعلام في سقوط الخيار وعدمه مع زوال العيب والتغير، والتحقيق ان مقتضى روايتي زرارة (1) وجميل (2) هو سقوطه بمجرد الغير وحدوث العيب، وعدم رجوعه بزواله. اما رواية زرارة، فلان ظاهرها الذي لا ينبغي الريب فيه ان إحداث شئ في المبيع يوجب مضي البيع عليه ونفوذه، وليس ذلك إلا سقوط خياره، والمضي عليه عبارة اخرى عن لزومه، كما عبر به في بعض الروايات (3) المتقدمة الواردة في وطئ الجارية، وان قوله عليه السلام: " يرد عليه بقدر ما نقص " إلى آخره كناية عن تعين الارش عليه، فالقول


(1) و (2) الوسائل - باب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2 - 3. (3) الوسائل - باب - 4 - من ابواب أحكام العيوب - الحديث 7.

[ 53 ]

بعدم سقوط الخيار ساقط، كما ان الظاهر ترتب اللزوم على إحداث الشئ فبمجرده يمضي عليه البيع ويتعين الارش، ومقتضى إطلاق المضي وكذا ثبوت الارش هو عدم الفرق بين زواله وبقائه. واما المرسلة، فلا شبهة في أن مفادها لا يخالف مفاد الرواية، بل هي ايضا ظاهرة فيما هو ظاهرها، فان قوله عليه السلام: " إن كان قائما بعينه رده على صاحبه وأخذ الثمن " كناية عن حق الفسخ وبقاء الخيار، كما مر مرارا، وليس للرد موضوعية اصلا، وفي مقابله ما لا يكون قائما بعينه، فانه يوجب سقوط الخيار والرجوع بنقصان العيب اي تعين حق الارش ففيها التعرض للثبوت والسقوط والبقاء وعدمه، ويظهر منها ان التغير بمجرده سبب له، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين زوال التغير وعدمه، بل الظاهر منها ان عدم القيام بعينه غاية للخيار الشخصي الثابت للمشتري، وهي متعرضة لبقاء الخيار الشخصي ببقاء القيام بعينه ولغايته وهو التغير، نظير عدم التفرق ومقابله في خيار المجلس. (وبعبارة اخرى) الخيار حق قائم بالعقد وسببه هو العيب، وغايته التغير، والخيار الشخصي ساقط به، ومقتضى الاطلاق المشار إليه عدم رجوعه، وعدم ثبوت شخص آخر بزوال العيب. ومن ذلك يظهر النظر فيما في كلمات المحققين من دعوى عدم سقوطه بالطارئ، بل غايه الامر عدم إمكان الرد في تلك العين، وذلك لان مثلها ناشئة عن توهم كون الرد بعنوانه مرادا في الرواية وهو باطل، ومن ان الرد مقتض والطارئ مانع ما دام موجودا، ومن صدق كونه قائما بعينه ومن ان الخيار لمراعاة البائع ولا فرق بين عدم العيب رأسا وزواله، ومن ان الظاهر من الخبر اعتبار القيام وعدمه حين ارادة الرد فان وهن تلك الدعاوى يظهر من التأمل فيما ذكرناه

[ 54 ]

ثم إنه على فرض الشك لاجل الشك في مفاد الروايتين، فالمرجع إطلاق " أو فوا بالعقود " (1) أو استصحاب الخيار. واما ما قيل من انه مع الشك فالمتيقن من تقييد اطلاقات ادلة الخيار هو العيب الباقي إلى حال الرد ففيه مالا يخفى، فانه إن كان المراد من الروايات روايتي جميل (2) وزرارة (3) فلا يمكن التمسك باطلاقهما مع إجمال القيد المتصل، مع ان في كونهما بصدد جعل اصل الخيار كلاما، وإن كان المراد غيرهما فلا اصل له، لانه لا يوجد دليل له إطلاق في خيار العيب، فان ما وردت (4) فيه إنما وردت في موارد جزئيه وبصدد بيان حكم آخر، ككون عدم الحيض ستة اشهر عيبا، وإن كان نظره إلى الروايات الورادة (5) في أحداث السنة فهي دليل على مسألة اخرى غير ما نحن بصدده، وإن كان المنظور دليل نفي الضرر، فهو افحش. ومما ذكرناه يظهر انه لو رضى البائع برد المعيوب بالعيب الحادث عند المشتري مع الجبر بالارش أو بدونه ليس له الرد بالخيار، لانه سقط بمجرد حدوث العيب وتحقق التغير، ولا مانع منه إقالة أو صلحا (وتوهم) ان سقوط الخيار مراعى بعدم تعقب العيب بالرضا أو ان رضاه سبب لحدوث الخيار (ساقط) مقطوع الخلاف ومخالف لظهور الروايتين. ثم لو بنينا على بقاء الخيار وان حدوث العيب مانع عن الرد فقد يقال: إن المنع لما كان لرعاية البائع، فمع رضاه يرتفع المانع، ويؤثر المقتضي، أو ان عدم الجواز لحق البائع، وإلا فمقتضى قاعدة خيار الفسخ


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 23. (4) الوسائل - الباب - 3 و 5 - من ابواب احكام العيوب. (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب احكام العيوب.

[ 55 ]

عدم سقوطه بحدوث العيب، فإذا رضي سقط حقه، ويدفع الاول إطلاق الروايتين مع الغض عما سبق والبناء على أخذ عنوان الرد، فان مقتضى قوله عليه السلام: " إذا أحدث فيه شيئا يمضي عليه البيع، ويرد عليه بقدر ما نقص " أن العيب مانع مطلقا وخرج الاختيار عن يد المشتري لذلك مطلقا وتعين الارش، وكذا الحال في المرسلة، ودعوى الانصراف عما إذا رضي البائع عهدتها على المدعي، إذ كون الحكم لمراعاة حال البائع لا يوجب الانصراف لدى العرف بعرض الرواية عليهم، ولا تقييد الدليل لانه نكتة التشريع لا علة الحكم. (وأما) ما قيل في بيان الاطلاق من أن منطوق قوله عليه السلام (1): " إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه " لا معنى لتقييده برضا البائع بل هو مطلق ومفهومه تابع له، كما في كل مفهوم ومنطوق، فانهما متوافقان في العموم والخصوص (فغير وجيه) لمنع لزوم موافقتهما إطلاقا وتقييدا وعموما وخصوصا، كما أن في قوله عليه السلام (2): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " عموما أو إطلاقا بخلاف مفهومه، فانه لنفي العموم على ما حقق في محله، وفي المقام لما كان المنطوق لرعاية حال المشتري والمفهوم لمراعاة حال البائع يمكن التفرقة بينهما بالاطلاق في الاول، والانصراف أو التقييد في الثاني. وأما الوجه الآخر للمدعى - وهو ثبوت حق للبائع، كما هو ظاهر الشيخ الاعظم (قده) - فلا دليل عليه، فان الظاهر من الروايتين ليس إلا ممنوعيته عن الرد وتعين الارش دون ثبوت حق للطرف. (وأما) ما قيل من أن المطلقات دلت على حق الرد، سواء تغير المردود أم لا، والمرسلة ضيقت دائرة الحق، لا أنها متكفلة لاثبات الحق


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الخيار - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الماء المطلق - الحديث 1.

[ 56 ]

(ففيه) أنا قد اشرنا إلى أنه ليس في الباب مطلقات حتى تكون المرسلة مقيدة لها، نعم عدم تكفل المرسلة لا ثبات الحق وجيه لا ريب فيه. ثم إنه قد عد من العيب المانع عن الرد بالعيب القديم تبعض الصفقة على البائع، قالوا: لو ابتاع شيئين صفقة واحدة، ووجد بأحدهما عيبا سابقا، تخير في رد الجميع أو اخذ الارش، وليس له تخصيص الرد بالمعيب، لاجماع الفرقة وأخبارهم كما عن الخلاف، واجماع الطائفة كما عن الغنية، وقد وسع الشيخ الاعظم (قده) نطاق البحث، فقال: " كما إذا اشترى شيئا واحدا أو شيئين بثمن واحد من بائع واحد فظهر بعضه معيبا أو ظهر بعض الثمن معيبا "، ثم تصدى للاستدلال عليه بما لا يخلو من إشكال والذي ينبغي أن يقال - بعد خروج صورتين من البحث، أولاهما ما إذا باع المشتري نصفه وأرد دفع نصفه الآخر، فان خياره ساقط بلا إشكال بمجرد إحداث البيع، ثانيهما ما إذا انحل البيع عرفا إلى بيعين أو بيوع كثيرة، كما لو باع كل نصف بثمن خاص أو كل ثوب كذلك، فان لكل بيع حكمه -: إن مبنى المسألة هو ان العقد الواقع على شئ واحد حقيقي كالعبد والحيوان أو اعتباري كباب ذي مصراعين وكالخفين وكالثوبين المجتمعين في البيع - مع وحدة الثمن والبائع والمشتري هل ينحل إلى عقود كثيرة حسب الكسر المشاع كالنصف والثلث، وحسب الابعاض الفرضية كهذا الجزء وذاك، وفى الواحد الاعتباري ينحل إلى عقد بالنسبة إلى مصراع وآخر بالنسبة إلى آخر، أو يكون العقد والمعقود عليه ثمنا ومثمنا واحدا غير منحل، والاجزاء الخارجية للواحد الاعتباري كالاجزاء المفروضة في الحقيقي لم يقع عليها عقد؟ فعلى الاول يجوز الرد وفسخ العقد المتعلق به، وليس للبائع خيار

[ 57 ]

التبعض كما لا يكون في بيوع كثيرة، من غير فرق بين خيار العيب وغيره فلو كان له خيار الغبن يجوز له الفسخ في النصف مشاعا ومفروزا. وعلى الثاني - الذي هو الصحيح وهو الموافق للعرف والعقل والشرع ولا محيص عنه - لا يصح رد البعض من غير فرق بين القول بأن الخيار حق قائم بالعقد، كما هو التحقيق حتى في خيار العيب أو بالعين، فان معنى تعلقه بها ليس جواز ردها مع حفظ العقد، فانه غير معقول إلا أن يراد بالرد الرد الخارجي، وهو كما ترى، أو الرد بمعاملة مستقلة وهو خارج عن البحث، فالرد الاعتباري بحيث يرجع العوضان إلى محلهما لا يعقل إلا بفسخ العقد، والمفروض ان العقد واحد، وكذا الثمن والمثمن، وليس في اعتبار الوحدة والواحد الاعتباري كثرة في ذلك الاعتبار جزما، فبعض الثمن ليس ثمنا، وبعض المبيع ليس بمبيع، ولا خيار إلا خيار واحد له فسخ واحد، فعدم جواز الرد لفقد المقتضي لا للمانع. (وما يقال): من ان العقد واحد، ولاجله يكون تبعض الصفقة ولانحلاله لبا يصح الفسخ في الابعاض (فاسد) فان الميزان هو وحدة البيع حقيقة ثمنا ومثمنا لا وحدة اللفظ والانشاء، وإلا لزم القول بخيار التبعض إذا باع اشياء بأثمان مختلفة بانشاء واحد. ويتلوه في الضعف ما قيل من ان خيار التبعض ثابت حتى مع تعدد الثمن والمثمن، فلو باع الكتاب نصفه بخمسة دراهم ونصفه الآخر بعشرة كان البيع متعددا لتعدد العوضين فيه، فيتعدد فيه الخيار، لكن بالنسبة إلى تبعض الصفقة يمكن ان يقال: إنه في حكم الواحد، فان غرض البائع تعلق بيع المجموع، فيمكن دعوى كون الغرض شرطا ضمنيا (وبالجملة) خيار التبعض إنما يجئ من قبل الشرط الضمني أو قاعدة الضرر، فيمكن دعواهما في مثل المقام.

[ 58 ]

فانه مع تعدد البيع والثمن والمثمن كيف يصح دعوى تبعض الصفقة، وأين هنا صفقة واحدة حتى يقال إنها تبعضت؟ ودعوى الشرط الضمني وقاعدة الضرر مما لا يصغى إليهما، إذ لا دليل على الشرط، وعلى فرضه يرجع إلى خيار تخلفه لا التبعيض، وقاعدة الضرر لا تثبت الخيار كما مر مرارا. والذي يمكن ان يقال في دفع الاشكال الثبوتي هو ان الشئ الواحد في التكوين والتشريع يمكن ان يختلف حكمه باختلاف الاضافات، فالفوقية وعدمها متناقضتان، وهي التحتية متضادتان، ومع الاضافة يرتفع التضاد والتناقض، وكذا السرعة والبطء وغيرهما من العناوين المختلفة الاضافات وفي الاعتباريات ايضا كذلك، فان اللزوم والجواز متنافيان، ويرتفع التنافي باختلاف الاضافة، فالعقد الواحد جائز بالنسبة إلى المشتري ولازم بالنسبة إلى البائع، ولازم بالنسبة إلى الاصيل جائز بالنسبة إلى الفضولي كما قيل. وفي انحلال العقد ايضا يجري ذلك، فيمكن ان ينحل العقد الواحد بالنسبة إلى بعض اجزاء المبيع الواحد، ولا ينحل بالنسبة إلى بعض، فان الانحلال امر اعتباري عقلائي لا انعدام تكويني، ومعه لا مانع مما ذكر، والدليل عليه في محيط العقلاء صحة شرط الخيار في بعض المبيع، فلو قال: بعتك هذا الفرس وشرطت عليك الخيار في نصفه جاز عند العقلاء ونفذ عند الشارع بدليل الشرط، فيصح الفسخ بالنسبة إلى ما شرطاه، وكذا صحة الاقالة بالنسبة إلى البعض. وبالجملة لهذا العقد الذي هو من الامور الاعتبارية العقلائية إمكان الانحلال بالنسبة إلى الكل، وكذا بالنسبة إلى البعض، فلو دل دليل على الخيار في بعض المبيع لا يصح رده بتوهم مخالفته للعقل، فالانحلال النسبي لا يكون مخالفا للعقل ولا لحكم العقلاء، فيثبت الخيار مع ثبوت خيار

[ 59 ]

التبعض، وعلى ما ذكرناه من الانحلال النسبي يدل كثير من الموارد التي وردت بها الاخبار وفتوى الاخيار. ثم إن ثبوت الحكم في المقام - وهو بيع شيئين صفقة واحدة، مع ظهور العيب في احدهما مع الغض عن الشهرة يتوقف على اطلاق دليل الخيار بالنسبة إلى حالتي الانفراد والانضمام، وغاية ما يمكن ان يقال: إن قوله عليه السلام في المرسلة (1) " في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا " يشمل باطلاقه للثوب الذى بيع مع غيره صفقة واحدة، ويصح ان يقال: انه اشترى الثوب، وإن كان الاشتراء في ضمن المجموع، فينطبق عليه حكمه من جواز رده إلى صاحبه، ولما كان الرد إلى صاحبه كناية عن ثبوت الخيار يستفاد منه ان الخيار بالنسبة إلى الثوب المعيب، فيثبت به الخيار النسبي كما مر. (واما) البحث عن ان الخيار هل هو ثابت في مجموع الثمن أو في أبعاضه؟ (ففي غير محله) لما تقدم من ان ما يشتمل على لفظ الرد وعدمه كناية عن حق الفسخ أو الخيار، فالحكم برد بعض ما تعلق به العقد المستفاد من الاطلاق دليل على ثبوت الخيار النسبي. ولكن يمكن الخدشة فيما ذكر مضافا إلى إمكان إنكار صدق الاشتراء في ابعاض الصفقة الواحدة إلا بالتسامح والتأول، ولا يصار اليهما انه لما كان حكم العقلاء في الصفقة الواحدة عدم الخيار بالنسبة إلى المعيب فقط بل الحكم إما رد الجميع أو قبوله فلا ينقدح في الاذهان من الرواية إلا فسخ المعاملة، لا الفسخ النسبي، فانه بعيد عن الاذهان. بل الاظهر من بين الاحتمالات في المرسلة بعد التأمل وملاحظة الارتكاز


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 60 ]

العرفي هو ذلك، فان الظاهر من قوله عليه السلام: " الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا " هو الصدق على الاثواب المشتراة مجتمعة إذا كانت الصفقة واحدة، بحيث لم يكن في مقام الاشتراء نظره هذا وذاك كالخف والجورب ونحوهما مما لا يكون النظر فيها إلى احد الزوجين مفردا، إذ مع التكثر في مقام الاشتراء يخرج عن وحدة الصفقة. فيصح ان يقال: فيما إذا اشترى الثوبين انه اشترى الثوب، كما يصح ان يقال: اشترى الخف والجورب، فان الصدق فيهما ليس إلا لكون الزوجين صفقة واحدة، والفرق بينهما وبين الثوبين بعدم تعارف التفريق فيهما وتعارفه في الثوبين، وهو ليس بفارق مع فرض وحدة الصفقة، إذ مع وحدة المشترى الذي في بعضه عيب يصح ان يقال: فيه عيب إذا وجد في بعضه، كما يصح ان يقال: في الخف عيب مع كون العيب في احد الزوجين، فقوله عليه السلام: " إن كان الشئ قائما بعينه " اي إذا كان المشترى كذلك كان له رده، فالابعاض خارج عن السؤال والجواب، وهذا واضح في مثل الخف والجورب لاجل التعارف، وظاهر بعد التأمل فيما لا يتعارف مع وحدة الصفقة. والمذكور في السؤال وجوابه وإن كان الثوب والمتاع، لكن من المعلوم انه ليس لاختصاص الحكم بهما، كما لا يختص الحكم بالرجل المذكور فيه، فكأنه قال: " الرجل يشتري الشئ فيجد فيه عيبا ". (واما) احتمال ان يكون المراد الثوب الواحد حتى يخرج المتعدد من مفاد الرواية، ويكون التعرض لخصوص الشئ المنفرد عن غيره، ويلحق به مثل الخف والجورب للتعارف، دون غيره وإن كانت الصفقة واحدة ولازمه عدم الدليل اللفظي على خيار العيب في المتعدد وان كان جميع اجزائه معيوبا (أو احتمال) شموله للمتعدد، ولكن الحكم مختص بمورد

[ 61 ]

العيب فلا يكون خيار في الصحيح، ولا يسقط الخيار مع التصرف فيه (فبعيد) عن الذهن العرفي سيما مع الارتكاز المشار إليه. ثم إنه مع الشك في مفاد الروايات أو الجزم بعدم شمولها للواحد الاعتباري يرجع إلى بناء العقلاء في مثل تلك المسألة العقلائية، ولا ينبغي الريب في أن الحكم العقلائي هو ثبوت خيار العيب للمجموع المشترى صفقة واحدة، إذا كان بعض أجزائها معيبا، فالحكم العقلائي هو إما رد الجميع أو قبوله، وهذا البناء العقلائي متعمد ما لم يردع عنه رادع، ومعه لا يحتاج إلى الاصل، كما أن المسألة لا تحتاج إلى التكلفات التي ارتكبها الشيخ الاعظم (قده) ثم إن ما ذكرناه مع عدم رضا البائع برد البعض، وإلا فيصح ويكون إقالة نسبية، وهي عقلائية مع وحدة العقد والمعقود عليه. ولو تعدد المشتري فقط فالمنسوب إلى المشهور عدم جواز انفراد أحدهما، والمحكي عن جمع جواز مطلقا أو مع تعدد القبول أو مع علم البائع بالتعدد. والتحقيق عدم الجواز إن كان المتعدد اعتبر واحدا، بأن يقال: كما يجوز اعتبار المتعدد واحدا في المبيع فيكون الصفقة واحدة كما تقدم يجوز اعتبار المشتريين واحدا ويكون البيع منهما ملحوظا بنحو الاجتماع والوحدة فينقل المبيع إلى الواحد الاعتباري، ولا يكون واحد منهما مالكا لا تماما ولا جزءا معينا أو مشاعا، وإنما احتيج إلى قبولهما لانهما محققان للواحد، ففي هذه الصورة يكون البيع واحدا بوحدة الاطراف، والخيار واحد غير متعدد، وهذا نظير مالكية الجهة، وهذه الصورة وإن لم تكن مشمولة لظاهر أدلة الخيار، لكنها بنظر العرف وبمناسبة الحكم والموضوع تلقى عنها الخصوصية كما تلقى عن الرجل والمتاع والثوب ووحدة المشتري والبائع (وبعبارة اخرى)

[ 62 ]

يرى العرف أن الحكم ثابت للبيع الواقع على المعيب ثمنا كان أو مثمنا من غير دخالة خصوصية الاطراف في ثبوت الحكم فهذه الصورة لا إشكال فيها. كما لا إشكال في جوازه إذا باع من كل منهما النصف المشاع مثلا بعقد واحد، لصدق العنوان المأخوذ في الروايتين على كل منهما بلا ريب، وعدم مانعية شئ إلا ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من انصراف الدليل، وأن رد الجزء منفردا نقص حدث فيه، وأنه ليس قائما بعينه، ولو بفعل الممسك لحصته، وان المقصود حصوله بيد البائع كما كان قبل الخروج، وأن التشقيص ضرر عليه، وليس شئ منها صالحا للمنع كما تقدم منا. وتصدى لدفعها الاعاظم (قدهم) وكذا الحال لو باع منهما بلا ذكر النصف، ضرورة أن البيع كذلك عين بيع كل نصف بنحو الاشاعة، إذا البيع منهما بنحو الصورة الاولى غير مقصود، وبيع الكل من كل غير مقصود أيضا، مع أنه باطل في نفسه، لا ستحالة تحقق مضمونه، وبنحو الجزء المعين مفروض العدم، فلا يبقى إلا بيع كل نصف بنحو الاشاعة، ومعه يكون البيع متكثرا، وكذا المبيع والثمن والخيار لصدق العنوان وعدم المانع. ولو اشترى الوكيل المطلق عنهما من غير ذكر الموكلين مع جهل البائع فهل يثبت الخيار للوكيل أو للموكلين أو للجميع؟ وجوه مر نظيرها في خيار المجلس، إذ لا يفرق بين المقام وهناك، إلا من جهة ذكر البيعين هناك وخصوص المشتري هاهنا، وذكر غاية الخيار هناك ولا غاية له هاهنا وهما ليسا بفارقين. فان قلنا إن المشتري ومن اشترى لا يصدق إلا على الوكيل، فانه أوجد الشراء بقبوله فلا خيار إلا له ولم يتعدد الخيار ولا البيع، ولا دليل على جواز الفسخ النسبي، فله الفسخ في الجميع، وكون النقل بحسب الواقع

[ 63 ]

متعددا لا يوجب كثرة البيع والشراء الواقعين على الواحد مع وحدة الطرفين وكذا الحال في ولي القاصرين الوصي. إلا أن يقال: إن الاشتراء للشخصين يوجب صدق العنوان عليه بجهتين، فانه اشترى لهذا، فيكون له خيار واشترى لذاك فكذلك، فيكون للوكيل خياران مستقلان وله الاخذ بأي منهما. وهذا غير بعيد إذا نوى الاشتراء لهما وقلنا بأن نظر البائعين ليس البيع من خصوص المخاطب، بل يبيع سلعته بثمنها، ولهذا لا يكون البائعان ركنا في البيع (وأما) مع عدم النية كما هو دأب الدلالين فلا وجه لما ذكر. وإن قلنا بأن الخيار ثابت لمن انتقل إليه المال، وإن لم يصدق عليه المتشري إلا بالتأول، فان المنصرف إليه بحسب المناسبات هو المالك، فهنا انتقالان مستقلان ومشتريان مستقلان ولو بالتأول، فيثبت لكل منهما الخيار في حصته. ومما ذكر ظهر الحال لو قلنا بصدق المشتري على الوكيل والموكل، كما قيل في خيار المجلس وأغمضنا عن الاشكال فيه، كما يظهر الحال في تعدد البائع مع وحدة المشتري، فان الكلام فيه هو الكلام في المقام (وربما يتوهم) أن المشتري إذا كان واحدا يكون له خيار واحد وإن تعدد البائع، فلا يجوز له التفرد، وقضية عدم تضرر البائع ليست بشئ، لان دليل الضرر أجنبي عن إثبات الخيار (وفيه ما لا يخفى) فان الاشتراء من هذا غير الاشتراء من ذاك، فعنوان الاشتراء صدق عليه بجهتين، فله في كل شراء خيار. ومما مر يظهر الحال في تعدد البائع والمشتري، بل التفرد ها هنا أوضح. مسألة: يسقط الارش فقط باسقاطه حال العقد وبعده على ما مر في مسقطات

[ 64 ]

سائر الخيارات، وفيما إذا اشترى ربويا بجنسه فظهر عيب في أحدهما، فانه لا أرش فيه، لا للزوم الربا، فان ظاهر أدلة حرمته هو أن تكون الزيادة بجعل المتعاملين، ولا دليل على جريان حكمه فيما إذا ترتبت الزيادة بعد المعاملة على نحو الغرامة للعيب، ولا لما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أن المستفاد من أدلة تحريم الربا ان وصف الصحة في أحد الجنسين كالمعدوم لا يترتب على فقده استحقاق العوض، فانه مضافا إلى عدم: دلالتها على ذلك التنزيل، يرد عليه أنه إن كان التنزيل في جميع الآثار، فيلزم عدم خيار الفسخ أيضا بفقده، وإن كان من حيث استحقاق الغرامة مطلقا، فيلزم عدم الضمان بالاتلاف أو بالاستيلاء، وإن كان في خصوص استحقاق الارش لزم التنزيل المستهجن، إلا أن يرجع كلامه إلى ما نذكره وهو أن المستفاد من أدلته عدم استحقاق الارش والغرامة. ويظهر ذلك بمقدمة، وهي أنه لا إشكال في ان شرط الغرامة في ضمن العقد - بأن يشترط على تأدية التفاوت بين الصحيح والمعيب - باطل فانه شرط الزيادة العينية التي لا اشكال في بطلانه، بل الظاهر حرمته، بل بطلان البيع به على قول وإن شرطها عند تعذر الرد أو عند ظهور العيب فان كل ذلك باطل، يظهر من ذلك ان الالزام بالزيادة مرغوب عنه، ولهذا بطل شرطها. إذا عرفت ذلك نقول: ان العرف يرى المنافاة بين هذا المحكم وإلزام الشارع بتأدية الغرامة والزيادة، فلو كان الحكم الشرعي إلزام البائع بتأدية الغرامة وكان مرغوبا فيه فيكف يصح الحكم ببطلان شرطها، واحتمال كون المفسدة لنفس إيقاع الشرط لفظا كما ترى، (وبالجملة) بعد كون مفاد الشرط عين ما ألزمه الشارع من أداء الغرامة يكون البطلان مناقضا لهذا الحكم عرفا، فلا بد من رفع اليد إما عن إطلاق أدلة الربا والحكم بصحة

[ 65 ]

شرط الزيادة وإما عن إطلاق دليل الارش، ولعل الثاني أهون لشدة الاهتمام بالربا، ولو تعارض الدليلان بالعموم من وجه فالترجيح لدليل الربا سندا ولاجل الموافقة للكتاب والسنة، ولو تساقطا فالاصل موافق لعدم ثبوت الارش، إلا ان يقال: إنه مع التساقط يرجع إلى حكم العقلاء بثبوت الارش. ويمكن دعوى قصور الدليل عن إثبات الارش في المورد، فلا يرجع الامر إلى تعارض الدليلين، وذلك لعدم إطلاق معتمد عليه في دليله (أما) رواية زرارة (1) فانها في مقام بيان مضي البيع عند إحداث شئ في المقبوض، فلا إطلاق فيها (واما) المرسلة (2) فان قوله عليه السلام: " إن كان الثوب قد قطع " إلى آخر يثبت الحكم للثوب، وبالقاء الخصوصية يثبت الحكم لسائر الموارد، ومع احتمال خصوصية في مورد لا يصح إلقاؤها فضلا عن معلومية الخصوصية، كما في المقام. (وأما) مفهوم قوله عليه السلام: " إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه " فهو انه إن لم يكن كذلك فلا رد، ولا دلاله له على ثبوت الارش بوجه، و إنما يكون ثبوته بالمنطوق في الشرطية الثانية التي قد عرفت حالها. (واما) المتاع المذكور فيها الذي هو شامل للاجناس الربوية فهو في السؤال، فلا يفهم حكمها من الجواب إلا بالقاء الخصوصية التي قد ظهر حالها، فلم تبق غير ادلة تحريم الربا المستفاد منها عدم الغرامة بلا معارض، ومعها لا يصح الروجوع إلى حكم العقلاء في ثبوت الارش. ولا يثبت الارش ايضا فيما لا يوجب العيب نقصا في القيمة، وكذا فيما إذا لم يكن خروج المبيع عن خلقته الاصلية موجبا لنقصه، وهو واضح.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2 - 3.

[ 66 ]

مسألة: يسقط الارش والرد بأمور، وإن كان في إطلاق السقوط في بعضها توسع: (الاول) العلم بالعيب قبل العقد بلا إشكال، لقصور الادلة عن إثباتهما للعالم به، كما يظهر بالمراجعة إلى الادلة، ولكون الخيار والارش من الاحكام العقلائية، ولا ريب في عدمهما عند العرف والعقلاء مع العلم به. (واما) التمسك بمفهوم رواية زرارة (1) المتقدمة ففي غير محله، لعدم المفهوم للقيد وإن قال بعض الاكابر (رحمهم الله) بأن النكتة الوحيدة في جميع القضايا التي ادعي فيها المفهوم أن إتيان القيد دليل على دخالته في الحكم، وينتفي ذلك عند انتفائه، فان المتكلم إذا كان في مقام بيان موضوع حكمه فلا بد وان يأتي بكل ما هو دخيل فيه، ويحترز عما لا دخالة له، ولما كان الحكم المترتب على الموضوع وضعيا كان ام تكليفيا هو طبيعة الحكم وماهيته، فلازمه رفع الطبيعة برفع القيد، ومن غير فرق بين الشرط واللقب وغيرهما، ولو كان الموضوع للحكم أو المقوم له احد الامرين لما كان له ذكر احدهما دون الآخر. وفيه ان المسلم هو ان تعلق الحكم بالموضوع مع القيد دليل على دخالته وعدم شريك له في الدخالة، وإلا لزم اللغوية أو نقض الغرض، واما الدلالة على عدم العديل وأن قيدا آخر لا ينوب عن القيد المأخوذ فلا دليل عليه، ولا على لزوم ذكره، إذ لا يلزم من عدم ذكره نقض للغرض


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2

[ 67 ]

ولا محذور آخر، فقوله عليه السلام (1): " إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ " دليل على ان الكرية دخيلة والماء الكر تمام الموضوع للاعتصام ولا شريك له، واما الدلالة على عدم البديل الذي هو الاساس في اثبات المطلوب فلا. (وبعبارة اخرى) تعلق الحكم بالموضوع المقيد دليل على انه تمام الموضوع، لا على حصره، والمفهوم تابع للدلالة على الحصر لا على كون الشئ تمام الموضوع، ولا ينافي ذلك اثبات طبيعي الحكم أو ماهيته للموضوع، لان الطبيعي قابل للتكثر ويتكثر بتكثر العلة والجعل، فقوله صلى الله عليه وآله (2): " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " كقوله صلى الله عليه وآله (3): " صاحب الحيوان بالخيار " وكسائر مثبتات الخيار تثبت طبيعي الخيار للموضوعات من غير تناف، والكر سبب لطبيعي الاعتصام كالجاري، والتفصيل يطلب من مظانه. (وربما يقال:) ان للمقام خصوصية بها يدل القيد على المفهوم، وهي ان الرواية في مقام ضبط مورد الخيار مقدمة لبيان سقوطه باحداث الحدث. (وفيه) ان مادلت عليه هو ان الخيار الثابت بهذه القيود ساقط باحداث الشئ وهو لا يفيد، لعدم الدلالة على الحصر، وهذا نظير ان يقال: " إذا بلغ الماء قدر كر يتنجس بالتغير " حيث لا دلالة فيه على الحصر والمفهوم، هذا كله مع الغض عن اختلاف النقل في الرواية، فان الكافي نقلها بلفظ " لم يتبين له " وفي التهذيب المطبوع في النجف " لم يبرأ به " وفي الوافي والوسائل " لم يبن له " وان لا يبعد وقوع الخطأ في نسخة التهذيب.


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 1 و 2 من كتاب الطهارة. (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 68 ]

ولو شرط العالم بالعيب في ضمن العقد خيار العيب مريدا به الخيار الخاص الذي له احكام خاصة ففي صحته أو فساده فقط أو مع افساده وجوه: والتفصيل انه بحسب التصور يمكن ان يكون خيار العيب ثابتا للعيب المجهول، بحيث يكون عدم العلم به قيدا للموضوع أو قيدا لمقتضى الخيار أو يكون المقتضى له وموضوعه هو العيب لا غير، لكن العلم به مانع عن فعليته أو سبب لسقوطه. فعلى الاول لا مجال لاثباته لموضوع آخر بدليل الشرط، لعدم كونه صالحا لذلك، بل الشرط لا يكون إلا محققا لموضوع الوفاء به، سواء تعلق بفعل أو كان من قبيل شرط النتيجة، ومعنى الوفاء به هو العمل على طبق ما شرط، واما صلاحيته لاثبات حكم شرعي لموضوع كاثبات خيار العيب للعالم بالعيب فلا، وهذا نظير الالتزام بامكان شرط خيار الحيوان بعنوانه في غير الحيوان أو خيار العيب بعنوانه فيما لا عيب فيه. وان شئت قلت: لا يصلح الشرط بدليل ان يجعل غير المقتضى مقتضيا، ولا غير السبب سببا، ولا غير الموضع موضوعا، (نعم) لا مانع من شرط التخيير بين الرد والارش، والخيار اذن يكون خيار الشرط لا العيب، بل قلنا في غير المقام: ان العناوين الثانوية كالشرط والنذر والعهد إذا تعلقت بشئ لا تغير حكمه، فإذا نذر صلاة الليل أو شرط فعلها على غيره لا تصير الصلاة واجبة، بل هي مستحبة كما كانت قبل التعلق، وانما الواجب هو الوفاء بالشرط، ومعنى وجوبه لزوم الاتيان بها بعنوان الاستحباب، فالوجوب متعلق بعنوان والاستحباب بعنوان آخر، ولا يعقل سراية الحكم من احد العنوانين إلى الآخر، والمصداق المتحقق في الخارج اي مجمع العنوانين هو مصداق ذاتي للصلاة وعرضى للنذر

[ 69 ]

ولا يجعلها النذر متعلقة لحكم آخر، وكذا الحال في الشرط. وعلى الاخيرين فان كان لدليل مانعية العلم عن الخيار أو مسقطيته له إطلاق يشمل حال عروض الطوارئ فلا يصح شرط الخيار، لكونه مخالفا للشرع، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، إذ الشرط حينئذ يوجب انقلاب موضوع المانعية والمسقطية، فيرجع شرط الخيار إلى دفع المانعية لا رفعها، نظير شرط سقوط الخيار في ضمن العقد، حيث يرجع إلى الدفع لا الرفع (وبعبارة أخرى) إن المانع قاصر عن الشمول لحال الطارئ، فيترتب على الموضوع حكمه اي خيار العيب بعنوانه، لتحققه أو تحقق المقتضى وعدم المانع، فيصير الخيار فعليا، هذا بحسب التصور. وأما بحسب مقام الاثبات فلا يبعد القول بأن العلم مانع أو مسقط كما عده الفقهاء من المسقطات وإن كان بعض الكلمات يشعر بتعلق الخيار بالعيب المجهول، وذلك لاشكال ثبوتي في قيدية عدم العلم، فان العدم حتى المضاف منه لا يعقل أن يشار إليه أو يتعلق به حكم ثبوتي، ولا يعقل دخالته في شئ حكما كان أو غيره، وما اشتهر من أن للعدم المضاف حظا من الوجود لا يرجع إلى محصل، ولعل ذلك من باب اشتباه العدم بالعنوان الموجود في الذهن أي الحمل الشائع بالاولي على وجه. والتحقيق أن كل ما يترائى منه أن العدم فيه قيد للموضوع يرجع إلى أن الوجود مانع، عكس ما هو المعروف من أن مانعية الوجود ترجع إلى شرطية العدم بتوهم عدم إمكان المانعية، وهو مزيف على ما هو المحقق في محله (وتوهم) أن العرف لما رأى للاعدام المضافة نحو تحقق ولا يتحاشى عن صيرورته قيدا للموضوع، فلا محالة يكون نظره متبعا، كما هو كذلك في أمثال المقام (فاسد) لان لازمه أن يكون القيد هو الوجود الذهني المحقق لعنوان العدم بالحمل الاولي، وهو مقطوع الفساد، مع إن إرجاع القوم

[ 70 ]

مانعية الوجود إلى شرطية العدم أيضا مخالف لنظر العرف، نعم لو كان الخيار ثابتا للشخص الجاهل بالعيب أو في العقد الذي كان العوض المعيب فيه مجهولا بحيث لا يرجع إلى قيدية العدم، كان لامكانه وجه وإن كان باب المناقشة فيه واسعا لا مجال لفتحه، لكن المفروض أن الخيار ثابت للعقد بقيد عدم العلم بالعيب. ثم إن التحقيق أن الادلة في المقام قاصرة عن إثبات شرطية الجهل مع أنه لو كانت دالة عليها لارجعناها إلى مانعية الوجود، كما أشرنا إليه، وكذا قاصرة عن إثبات المانعية المطلقة، لان ما يتوهم فيه الامران هو رواية زرارة (1) وهي مع الغض عن اختلاف النسخ فيها كما أشرنا إليه، تكون بصدد بيان حكم إحداث الشئ وثبوت الارش وسقوط الخيار لا ثبوته ومعه لا يمكن استفادة الشرطية منها ولا المانعية المطلقة. لكن بعد اللتيا والتي يشكل الالتزام بصحة الشرط المذكور بعد الاشكال في دلالة الادلة واحتمال المانعية أو المسقطية المطلقتين، ومعه يحتمل مخالفة الشرط للشرع، فلا يصح التمسك بأدلة الشرط المتقيدة بعدم كونه مخالفا للكتاب مع اتصال القيد، ولا أصل لاحراز عدم المخالفة على ما هو المحقق في محله. ثم إن الشرط على فرض فساده لا يوجب فساد العقد، وما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من الافساد مخالف للتحقيق ولما اختاره من عدمه في باب الشروط، ويمكن توجيه كلامه بوجه بعيد، وهو أن يكون لدفع توهم أن شرط خيار العيب ينحل إلى شرطين أحدهما أصل الخيار وثانيهما كونه خيار العيب، أو أن الشرط يرجع إلى شرط الخيار وقيد هو كونه للعيب، وأنه يمكن أن يصح أصل الشرط - أي شرط الخيار ويكون خيار


(1) الوسائل - الباب - 16 من ابواب الخيار - الحديث 2.

[ 71 ]

الشرط - مع بطلان الشرط الثاني أو القيد، فأجاب بأن مثله يوجب إفساد أصل الشرط أيضا، لان المقيد الخاص إذا بطل قيده بطل. الثاني: تبري البائع عن العيوب، وهذا مما لا اشكال فيه على ما ذكرناه من أن ثبوت الخيار عقلائي، فان السقوط أو عدم الثبوت مع التبرى أيضا عقلائي بلا ريب، ويدل على ذلك تعارف التبري عنها عند العرف حتى في عصر صدور الروايات، ومن المعلوم أن ذلك لاجل سقوط حق المشتري خيارا وأرشا، كما أنه لا إشكال فيه على مبنى كون الثبوت للالتزام الضمني أو للاجماع. ولو كان الدليل عليه الاخبار فكذلك، لانه ليس فيها ما يوهم الاطلاق الا مرسلة جميل (1) وهي مع الاشكال في اطلاقها كما أشرنا إليه سالفا لا ينبغى الاشكال في انصرافها عن مورد العلم بالعيب اوتبري البائع منه، سيما مع كون السقوط به معهودا معروفا عند العرف، ومعه لا ينقدح في الاذهان منها الثبوت معه، فالمرجع حينئذ عموم " أوفوا بالعقود " (2) وسائر أدلة اللزوم، وأما سائر الروايات (3) فلا اطلاق فيها كما يظهر بالمراجعة إليها. (نعم) لو سلمنا الاطلاق في المرسلة وثبوت الخيار باطلاقها في مورد التبري ففي الخروج عنها بمفهوم رواية زرارة (4) ومكاتبة جعفر بن عيسى (5)


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3 - 0 - 2. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (5) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب أحكام العيوب - الحديث 1.

[ 72 ]

إشكال، أما الثانية فللاشكال في سندها، مضافا إلى أن متنها أيضا لا يخلو من كلام، كما سيأتي التعرض له، وأما الاول فللاشكال في ثبوت المفهوم للقيد كما تقدم نظيره في الامر الاول. والشيخ الاعظم (قده) مع التنظر في مفهوم الرواية في الامر الاول تمسك به ها هنا، بل جزم باطلاقه لاثبات عدم الفرق بين التبري التفصيلي والاجمالي وبين العيوب الظاهرة والباطنة. وقد عرفت أنه لا وجه للمفهوم ها هنا كما في سائر القيود، وعلى فرضه لا إشكال في عدم إطلاقه بعدما كانت الرواية بصدد بيان حكم آخر وهو ثبوت الارش عند إحداث الشئ، ولعل إشكاله هناك لاجل اختلاف نسخ الرواية، وان في التهذيب بدل " لم يتبين " " لم يبرأ به " ومعه لاحجية لها، أو أنه اخذ الرواية من الوسائل أو الوافي وفيهما بدل " لم يتبين له " كما في الكافي ومرآة العقول " لم يبين له " وقرأه بالبناء للفاعل حتى يكون المفهوم بيان البائع لوجود العيب وهو غير العلم به، ودعوى أن البيان طريق إلى المعرفة غير مسموعة، لخصوصية في بيان البائع وذكره في المورد، لكن الظاهر أن الكلمة مبنية للمفعول، لعدم ذكر في الرواية من البائع، ومعه لا يكون البناء للفاعل متعارفا لو لم يكن غلطا. (نعم) لو اغمض عن الاشكال في رواية جعفر فلا إشكال في دلالتها، ومقتضى عمومها عدم الفرق بين التبري الاجمالي والتفصيلي وبين العيوب الظاهرة والباطنة، كما أنه لا فرق بين المذكورات عند العقلاء، فلو قال: " بعتك بكل عيب " كما هو المتعارف يسقط الرد والارش عندهم مطلقا. ثم إن التبري إنما يوجب الغرر لو قلنا بأن الرافع له هو التزام البائع بالصحة، أو قلنا بأن الرافع إصالة السلامة وهي لا تجري مع التبري

[ 73 ]

ومع انحصار سبب الرفع بأحدهما يقع التنافي ببن النهي عن الغرر ورواية جعفر بن عيسى (1) ورواية زرارة (2) على احتمال، وكذا بينه وبين الاجماعات والشهرة المحكية، فلابد من رفع اليد عن إطلاق دليل النهي عن الغرر ولا بأس به، وتوهم إبائه عن التخصيص فاسد كما لا يخفى. وأما لو قلنا بأن طريق رفع الغرر ليس منحصرا بما ذكر كما هو الواقع فانه يرفع بأمور كالمشاهدة والعلم وإخبار غير البائع والقرائن والشواهد وغيرها فلا وجه للتنافي ولا لرفع اليد عن النهي عن الغرر، لان مجرد الدليل على أن التبري عن العيوب يوجب سقوط الخيار والارش لا يوجب رفع اليد عن شرط صحة البيع، بل يمكن القول بأن الحكم بأن التبري يسقط الخيار إنما هو بعد الفراغ عن صحة البيع بشرائطه المذكورة في محله، وليس لسان الروايتين لسان التقييد أو التخصيص حتى يقال: إنه لا محيص منه، فمع عدم التنافي لا بد من الاخذ بمقتضى الدليلين، وهو اعتبار رفع الغرر بسائر الروافع وسقوط الخيار والارش بالتبري. والذي يسهل الخطب ان التبري المذكور لا ينافي أصالة السلامة التي قلنا في محله: إنها أصل عقلائي معتمد عليه بل أمارة عقلائية موجبة لرفع الغرر، فانه يؤتى به كناية عن عدم ثبوت تبعات العيب، فهو بمنزلة اشتراط سقوط الرد والارش، ومن الواضح أنه لا ينافي أصالة السلامة المجتمعة مع احتمال العيب احتمالا مرجوحا، كما في سائر الامارات المعتبرة، فنداء المنادي بالتبري ليس إخبارا بوجود العيب ولا ملازما لذلك، بل إنما ينادي للاحتياط ولرفع الغائلة الاحتمالية، فجريان الاصل ورفع الغرر به مما لا إشكال فيهما.


(1) الوسائل - الباب - 8 من ابواب أحكام العيوب - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2.

[ 74 ]

ثم إن إطلاق التبري من العيوب أو عمومه إنما يشمل خصوص العيوب الموجودة حال العقد دون المتجددة إلا مع قيام قرينة عليها، فان الاذهان العرفية غافلة عن العيوب الحادثة بعد العقد قبل القبض أو بعده في زمان الخيار، كما أنها غافلة عن حكمها الشرعي، ومعها لا وجه للشمول، بل المعهود من النداء هو خصوص العيوب الموجودة، نعم لا مضايقة فيه مع قيام القرينة، كما لاإشكال في صحة التبري عن المتجددة (ودعوى) رجوعه إلى إسقاط ما لم يثبت، وهو محال (في غير محلها) مع ان الاشكال يرد على التبري من العيوب الموجودة أيضا، فان الخيار لا يكون متحققا حال العقد، والجواب عنه ما مر في محله من أن الاشتراط المذكور أو التبري في المقام دافع للخيار لا رافع له، كما هو كذلك عند العقلاء. ثم لو فرضا رجوع ذلك إلى إسقاطه فلا مانع منه بانشاء الاسقاط فعلا على نحو التعليق وحصول السقوط في محله (وتوهم) أن الاسقاط بنحو الانشاء التعليقي لا يصح، لان دليل نفوذه هو قولهم: لكل ذي حق إسقاط حقه، وهذه الامور كلها ظاهرة في الفعلية، وليس هو في المفروض ذا حق فعلي ولا الانشاء المزبور إسقاطا بالحمل الشائع ولا متعلقا بالحق بالحمل الشائع (في غير محله) لان الحكم المذكور عقلائي، وليس في نظر العقلاء فرق بين انشاء اسقاط الحق الفعلى فعلا وبين انشاء الاسقاط المتعلق بالحق الفعلى في محله، وقد أشرنا سابقا إلى ان الانشاء المذكور عقلائي إذا وقع في ضمن العقد، دون ما إذا وقع قبل حصول الاقتضاء للخيار، كما لو اشترط التبري عن العيوب في العقد الذي يتحقق في الغد مثلا فانه لا مانع منه عقلا لكنه غير عقلائي. وبالجملة إن الانشاء التعليقي متعلق بالحق الذي هو فعلى في محله، والمنشئ ذو حق فيه، وإنما الاشكال في التعليق، وهو ليس بشئ إذا كان

[ 75 ]

عقلائيا، ولا دليل على بطلانه شرعا، ولو لا ذلك لجرى الاشكال في التبري عن العيوب الموجودة لعين ما ذكر، ومجرد حصول المقتضي لا يصحح الاسقاط الفعلي، فالتبري من العيوب المتجددة لا إشكال فيه سواء رجع الشرط إلى اشترط الاسقاط في محله الذي أنشأه البائع وقبله المشتري أو إلى شرط السقوط كذلك، أو شرط عدم الثبوت. (نعم هنا كلام) وهو أن التبري من العيوب هل هو من قبيل الشرط في ضمن العقد ويعتبر فيه شروط الشرط، أو أمر مستقل عقلائي يترتب عليه سقوط الخيار والارش كالعلم بالعيب وأن مجرد الاعلام بذلك قبل العقد ولو لم يكن شرطا فيه موجب له، فعليه يكون التبري من العيوب الموجودة حال العقد متعارفا لدى العقلاء من الاعصار القديمة ونافذا لدى الشرع، وأما العيوب المتجددة فحيث لم يعهد من العقلاء التبري منها ولم يكن متعارفا لدى العرف يشكل ترتب الاثر عليه، لعدم الدليل عليه وعدم ثبوت تنفيذه، فلابد فيه من الاشتراط في العقد حتى يترتب عليه الاثر بدليل الشرط، ولا يبعد أن يكون من قبيل الشرط ويكون النداء المذكور موجبا لوقوع العقد مبنيا عليه بحيث يعد من قيوده، والامر سهل. ثم إن الاحتمالات التي ذكرها الشيخ (قده) في التبري مبنية على الاخذ بظاهر اللفظ، وأن البراءة لابد من متعلق لها ثابت في الذمة، ولهذا التجأ إلى التوجيه فيه، ضرورة ان العيب لم يكن ثابتا على عهدة البائع، فاحتمل أن يكون المراد بها البراءة عن تعهد السلامة، أو البراءة عن ضمان المعيب مما هو بعيد عن ظاهر اللفظ وعما يريده العرف. (والظاهر) أن هذا النداء كناية عن سقوط الخيار والارش، وقد مر أنهما عقلائي، ويدل عليه هذا التبري المتعارف في البلاد، وليس في الاذهان العرفية عند البيع التزام بالصحة أو اشتغال بالضمان حتى يحمل الكلام

[ 76 ]

عليه، بل ما هو المعهود هو ثبوت الخيار والارش ويراد بهذا التبري التخلص منهما بسقوط حق المشتري، فالكلام المذكور يرجع إلى اشتراط سقوطهما، لا إلى البراءة عن شئ في الذمة، ولهذا يقع بغير لفظ البراءة، كقوله: " بعتك بكل عيب " بل المتعارف في الغالب بل مطلقا في بلادنا عدم ذكر التبري بلفظه، ومن الواضح أن النداء بأي نحو وقع إنما هو لمقصد واحد. ومما ذكرناه من أن ذلك يرجع إلى شرط سقوط حق المشتري خيارا وأرشا يتضح أنه لا وقع للنزاع في أن التبري عن العيوب أو عن عيب خاص هل يسقط تأثيره من حيث الخيار أو يشمل سائر أحكامه؟ كعهدة التلف قبل القبض أو في زمان خيار المشتري المضمون على البائع بناء على القول بأن التلف موجب للضمان لا لانفساخ العقد، ضرورة أن إسقاط خيار العيب أو سقوطه لا مساس له بما ذكر. (وبالجملة) إن الاحتمال المذكور من متفرعات إرادة التبري من اللفظ المذكور، وعلى فرض تسلميه لا مجال للاحتمال المذكور إلا دعوى انصراف قاعدة " كل مبيع تلف قبل قبضه " أو قاعدة " التلف في زمن الخيار " عن التلف المسبب عن العيب الذي برئ منه، أو دعوى إطلاق التبري بالنسبة إلى العهدة المتأخرة، وفيهما منع. ثم إنه قد وقع الكلام في سقوط الرد والارش في موارد أخر: (منها) زوال العيب قبل العلم به بل وبعده قبل الرد، بدعوى أنه لا موجب لهما معه، وأن سبق العيب لا يوجب خيارا كما لو سبق على العقد ثم زال قبله، بل مهما زال العيب قبل العلم أو بعده قبل الرد سقط حق الرد كما عن العلامة، بل الظاهر من قوله: لعدم موجبه، وتنظيره بما لو زال قبل العقد هو سقوط الارش ايضا.

[ 77 ]

وفصل الشيخ الاعظم (قده) بين الرد والارش بالسقوط في الاول لظهور الادلة في رد المعيوب فعلا، خصوصا بملاحظة أن الصبر على العيب ضرر، فعليه لا يجري الاستصحاب أيضا، وأما الارش فلا مانع من استصحابه بعد تعلقه بالذمة حال العقد، هذا. والاقوى عدم سقوطهما مطلقا لمنع ظهور أدلة الخيار فيما ذكر، بل مقتضى الاطلاق ثبوتهما، لان الظاهر من رواية زرارة (1) هو أن من اشترى شيئا وبه عيب حال الاشتراء فأحدث فيه شيئا ثم علم بذلك العيب الذي كان حال الاشتراء يمضي عليه البيع وله الارش، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين زوال العيب بعده وعدمه، وليس فيها من أخذ عنوان المعيوب في المردود عين ولا أثر، بل الظاهر من صدرها عدم دخالة بقاء العيب في ثبوت الخيار، وإلا كان اللازم التقييد به وعدم الاقتصار على عدم التبري وعدم التبين، فان الظاهر منه أنه أراد ذكر تحقق الموضوع وأن بعد تحقق الخيار لو أحدث شيئا سقط، فالاقتصار على القيدين دليل على عدم دخالة غيرهما، فتدبر حتى لا تتوهم منافاة ذلك لما تقدم منا من عدم المفهوم له بل عدم الاطلاق للصدر. (وبالجملة) إن الرواية (2) ظاهرة في أن العيب حال الاشتراء موضوع للحكم بالقيود المذكورة فيها، ومقتضى الاطلاق ثبوت الحكم ردا وأرشا مع زوال العيب بعده، فلو منع إطلاق صدرها فلا ريب في اطلاق ذيلها الدال على ثبوت الارش ومقتضى إطلاق رواية جميل (3) أيضا ثبوتهما، فان قوله: " يشتري الثوب فيجد فيه عيبا " سؤال عن العيب حال الاشتراء، فكأنه قال: " يجد


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 78 ]

عيبا كان ذلك العيب حال الاشتراء " فأجاب بالتفصيل بين القيام بعينه وعدمه، ومقتضى اطلاقه عدم الفرق بين زوال ما كان ثابتا حاله وعدمه سيما مع كون الوجدان طريقيا، فكأنه قال: كان فيه عيب حاله، بل الاطلاق ثابت حتى مع الجمود على ظاهرها من أنه وجد فيه عيبا فعلا، فان مقتضى الاطلاق أن من وجد في المبيع عيبا سابقا كان له الخيار سواء زال بعد ذلك أم لا، وبالجملة مقتضى الروايتين (1) ثبوتهما مطلقا. ثم مع الغض عن ذلك، فالتفصيل غير وجيه، فان قوله عليه السلام، " رده على صاحبه " كناية عن ثبوت خيار الفسخ كما مر مرارا، وعليه يكون الموضوع هو العقد، فمع زوال العيب يشك في بقاء الخيار المتعلق بالعقد فيستصحب، بل مع تعلق حق الرد بالمعيب بعنوانه لا مانع من الاستصحاب، لان القضية المتيقنة موضوعها في الخارج محفوظ، ضرورة ثبوت الحكم للعين الموجدة والشك في زواله، ولا يعتبر بقاء موضوع الدليل كما هو واضح، ولو قيل: إنه يشك في أصل ثبوت الخيار من الاول لاحتمال ثبوته للمعيوب الذي لا يتعقبه الزوال يقال: إنه على فرض تسليمه يجري في الارش أيضا، للشك في ثبوته من أول الامر، مع ان المبنى فاسد. وأما دعوى الانصراف أو دعوى كون النكتة الضرر ومع ارتفاعه لا موجب لهما ففي غير محلهما، والعهدة على المدعي، ولم يحرز بناء العقلاء المتصل بعصر المعصوم عليه السلام في المورد، لندرة الاتفاق، مع أن بناءهم على عدمهما مع الزوال في ملك المشتري لم يثبت، بل الظاهر هو ملاحظة حال العقد كما في خيار الغبن إذا تغير السعر في ملك المغبون. ومما ذكر يظهر ضعف المحكي عن العلامة من نفي الموجب لهما مع زواله فان الموجب هو العيب حال العقد وهو مما لا يعقل زواله، وما هو زائل


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الخيار - الحديث 2 و 3.

[ 79 ]

هو الوجود البقائي ولم يكن موجبا، ولو اغمض عن ذلك فلا دليل على أن علة الحدوث هي علة البقاء، وأن الخيار والارش دائران مدار العيب ومعه لا مانع من استصحابهما، وأضعف من ذلك قياس الزوال بعد العقد بالزوال قبله مع وضوح الفرق. وعلى فرض الاستناد فيهما إلى دليل نفي الضرر فالحكم كما ذكر من ثبوتهما مع الزوال، لان مقتضى دليله هو نفي اللزوم وإثبات الارش بالعيب الموجود حال تحقق العقد، والزوال بعد ذلك لا دخل له فيه، إلا أن يقال: إن المرفوع هو الضرر الذي لم يتعقبه الجبر ولو في ملك المشتري، وهو كما ترى، وكيف ما كان فالتحقيق ثبوتهما مطلقا. و (منها) التصرف بعد العلم بالعيب، فقد حكي عن ابن حمزة أنه مسقط للامرين، وفيه ما لا يخفى، فانه إن أراد أنه مطلقا مسقط فهو مخالف لكافة الروايات (1) الواردة في خيار العيب، الظاهرة في أن التصرف الخاص أي الموجب لتغير العين هو الموجب لسقوط الخيار وثبوت الارش كما في بعضها، أو إحداث شئ في المبيع كما في بعضها، أو الوطئ الذي هو مسبوق بلا شبهة ببعض التصرفات كاللمس والتقبيل وغيرهما كما في كثير منها، وعليه فلا ريب في أن مطلق التصرف ليس موجبا لسقوط أحدهما فضلا عن سقوط كليهما. ومنه يظهر ضعف ذلك إن كان المراد التشبث بما ورد (2) في خيار الحيوان معللا بأنه رضى بالبيع، فانه مضافا إلى ما ذكر يرد عليه أن ما ورد (3) في خيار الحيوان أيضا إحداث الحدث لا التصرف مطلقا، وقد تقدم وجه


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار والباب - 5 - من أبواب أحكام العيوب. (2) و (3) الوسائل الباب 4 - من أبواب الخيار - الحديث 1.

[ 80 ]

عد لمس الجارية وتقبيلها منه، فراجع. (وإن كان) المراد أن التصرف الدال على الرضا بالبيع موجب لذلك (ففيه) أن ذلك لا يوجب سقوط الارش، بل الرضا بالمعيب أيضا لا يوجبه. (وإن كان) المراد أن التصرف الدال على إسقاطهما كذلك (فهو حق) لو كان في الخارج مصداق للتصرف الدال على سقوطهما عند العقلاء فان المسقط العرفي لابد فيه من دلالة عرفية عقلائية، وعليه فلا ينبغي أن يعد ذلك مقابل المسقطات، فان الاسقاط الفعلي مع وجدانه لما ذكر من الشرط يكون كالقولي. (وإن كان المراد) أن إحداث الحدث والتصرف المغير للعين إذا كان قبل العلم يوجب سقوط الرد فقط، وأما إذا كان بعده فيوجب سقوطهما (أما) سقوط الرد فبظاهر الاخبار (وأما) سقوط الارش فلعدم دليل على ثبوته، فان ما دل عليه مختص بما قبل العلم، فالاصل البراءة منه (ففيه) أن مقتضى إطلاق مرسلة جميل (1) عدم الفرق في سقوط الرد وثبوت الارش بين كون التصرف الخاص قبل العلم أو بعده لو لم نقل بظهورها في التصرف بعد وجدان العيب، وإلا كانت دالة بلفظها على خلاف ما اريد، وكيف كان لا إشكال في إطلاقها لو منع الاحتمال المذكور فلا بد من مقيد له وهو مفقود. وأما رواية زرارة (2) فللاختلاف في نقلها لا يصح الاحتجاج بها، إذ في رواية الكافي " أيما رجل اشترى إلى أن قال - فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا، ثم علم بذلك العوار " وفي رواية التهذيب " وعلم بذلك


(1) و (2) الوسائل - الباب‍ - 16 - من أبواب الخيار - الحديث 3 - 2.

[ 81 ]

العوار " بالواو، فعلى ما في التهذيب تكون دالة على أن الاحداث كان بعد العلم، فان الظاهر حينئذ أنه إذا أحدث بعد علمه إذا كان عطفا على " ما قبضه " بل وعلى فرض عطفه على " فأحدث " فان الظاهر حينئذ أنه احدث مع علمه بالعوار، وعلى نسخة الكافي يكون الظاهر منها التصرف قبل العلم، مع احتمال عطفه على ما قبضه وإن كان بعيدا، فيكون المراد إذا قبضه ثم علم بالعيب، فأحدث فيه شيئا، فيكون مخالفا لما اريد. ثم إن الاستدلال مبني على ثبوت المفهوم للقيد، وقد تقدم تزييفه، مضافا إلى أنه مع فرض ثبوت المفهوم للقيد ليس في القيد المذكور مفهوم فان ذكر العلم بالعيب جار مجرى العادة كما في أشباه المقام، فلو قال: " إذا علم بالغبن كان له الخيار " لا يفهم منه أن العلم جزء الموضوع ودخيل في الحكم، وهذا لا يفهم من تعبير بعض الفقهاء بأن ظهور الغبن أو ظهور العيب موجب للخيار أن لذلك دخالة فيه (وبالجملة) إنه تعبير عادي، لاجل أن الجاهل بالعيب لا يرد المعيب، أي لا يعمل الخيار ولا يطالب الارش، فظرف الرد ومطالبة الارش هو بعد العلم، لا أن ظرف ثبوت الحق ذلك. ثم إنه على فرض المفهوم للقيد يكون مفهوم قوله عليه السلام: " ثم علم بذلك " لم يعلم به، ومع عدم العلم لو أحدث فيه شيئا لم يثبت مضي البيع عليه ورد الارش إليه، ونفيهما يصدق بنفي واحد منهما كما يصدق بنفي المجموع، كما أنه لو كان للفظة " ثم " مفهوم - ولم نقل بأن القيود إذا كانت من سنخ الحروف ليس لها مفهوم على فرض تسليم المفهوم للقيد - يكون مفهومها سلب ما ثبت في المنطوق، أي أحدهما أو كلاهما، ألا ترى مفهوم قوله: " إن طلعت الشمس اكرم زيدا وعمرا " أنه مع عدم طلوعها لا يجب إكرام هذا وهذا، وهو لا ينافي وجوب إكرام هذا بالخصوص

[ 82 ]

أو هذا بالخصوص، وبالجملة لا يثبت برواية زرارة (1) ما أفيد، ولا تصلح لتقييد المرسلة (2). ومما ذكر يظهر الكلام في الروايات (3) الورادة في وطئ الجارية، فانها باطلاقها تدل على انه مانع عن الرد، وإنما له الارش كان مع العلم أو قبله وما ورد فيها من فرض المواقعة قبل العلم إنما هو في لسان السائل، ولا يصلح للتقييد، بل لو كان في لسان المجيب لم يكن صالحا ايضا لذلك كما مر، فتدبر جيدا. و (منها) التصرف في المعيب الذي لم ينقص قيمته بالعيب كالعبد الخصي، فقيل: إن الارش ساقط فرضا والرد بالتصرف (وفيه) - مع أن عد ما ذكر من موجبات سقوط الامرين واضح الاشكال - أن التصرف المطلق لا يوجب سقوط الرد كما تقدم، واما التصرف المغير فانما يوجبه لا لكونه تصرفا. بل لكون المبيع غير قائم بعينه ولو لم يكن ذلك بالتصرف أو كان بفعل الغير. (وقد يقال): إن سقوط الرد بالتصرف مختص بموارد ثبوت الارش، وإلا فمقتضى القاعدة عدم سقوطه به إلا مع الدلالة على الرضا أو على اسقاطه. (وفيه) ان مقتضى إطلاق مفهوم مرسلة جميل (4) هو سقوطه بالتغير كان من قبل التصرف أو غيره. وقد تقدم ان المرسلة متعرضة لحكمين مستقلين (احدهما) حكم سقوط الرد وثبوته بدلالة قوله عليه السلام: " إن كان الشئ قائما بعينه رد على صاحبه " منطوقا ومفهوما، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق المتقدم، وعدم


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2 - 3 - 3. (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العيوب.

[ 83 ]

الفرق بين مورد ثبوت الارش وعدمه، (ثانيهما) حكم الارش بدلالة قوله عليه السلام: " إن كان الثوب قد قطع " إلى آخره، وهذه الجملة متعرضة لحكم الارش لا الرد وعدمه، وليست مفهوما للاولى كما هو واضح فالجملتان متعرضتان لحكمين مستقلين، وليست الاولى مختصة بمورد ثبوت الارش، وليس شئ من الروايات صالحا لتقييدها كما هو واضح (والتحقيق) سقوطه بالتغير مطلقا، ولا وجه للتمسك بدليل نفي الضرر مع ما في التمسك به من إشكال أو اشكالات. (ومن ذلك) يظهر الكلام في المورد الآخر، وهو حدوث العيب في المعيب الذي لم تنقص قيمته، فان الكلام فيه هو الكلام في شقيقه، والاشكال في عده من مسقطاتهما كالاشكال فيه، فلا نطيل. وكذا الحال في الفرعين الاخيرين أي ثبوت احد مانعي الرد في المعيب الذي لا أرش له من جهة حصول الربا كما قيل، أو من جهة القاء الشارع الغرامة عنه كما تقدم، فان الكلام فيهما هو الكلام في سابقهما. (والتحقيق) فيهما هو سقوط الرد للتغير بالتصرف أو بالتعيب، وسقوط الارش للحكم الشرعي. واما ما عن التذكرة وجها لامتناع الرد من انه لو رد مع أرش العيب الحادث لزم الربا، ولو رد بلا أرش لزم الضرر على البائع ففيه - مضافا إلى أن الرد بلا ارش لا مانع منه، فان الاضرار إنما هو من قبل الحكم الشرعي ولا دليل على نفيه، لما تكرر من ان مفاد دليل نفي الضرر هو النهي المولوي عن الاضرار، فلا مساس له بالاحكام الالهية تحكيما وتقييدا - ان ماهية الفسخ هو حل العقد، ولازمه رجوع كل من العوضين إلى صاحبه بالسبب السابق لا بالسبب الذي هو الفسخ، فانه لم يتعلق بتمليك العين بالعوض، بل في اعتبار العرف الموافق له اعتبار الشرع يوجب فسخ

[ 84 ]

العقد وحله، ولازم الحل اعادة الملكية السابقة نحو إعادة المعدوم العرفية ولا مانع منها. كما أن الاقالة أيضا كذلك فالقول بحصول المعاوضة الجديدة أو تعاوض جديد أو ملكية جديدة غير وجيه، فان الحل أجنبي عن الاولين، والملكية الجديدة بلا سبب غير معقول، والاقالة سبب للحل لا لانشاء المكلية، ولازم الحل عود ما سبق لا حصول أمر جديد، والاشكال الفلسفي في المقام لا مقام له. وكيف كان دليل الربا لا يجري في الاقالة، فضلا عن الفسخ الذي لامساس له بالمعاملة والمعاوضة، مع ان أرش العيب الجديد غرامة عقلائية فان الفسخ موجب لرد العين على ما كانت عليه، فلو نقصت عما كانت عليه لابد من جبرانه بالغرامة، وهي غير مربوطة بباب الربا، وما ذكرنا من إلقاء الشارع الغرامة إنما هي الغرامة في خصوص البيع ونحوه الذي ورد فيه لزوم كون المثل بالمثل، ولهذا لا يرفع به غرامة اليد وضمانها. ومما ذكرناه يظهر النظر فيما حكاه الشيخ الاعظم (قده) عن جماعة من الاصحاب من عدم الحكم على المشتري بالصبر على المعيب مجانا، وما ذكروا في تدارك ضرره من الوجهين: أحدهما جواز رده مع تدارك ضرر العيب الحادث، وهذا مبني على عدم جريان الربا في الفسخ كما تقدم، وثانيهما الذي هو مبني على جريانه فيه هو فسخ البيع واعطاء بدل المعيب معيبا بالعيب القديم وسليما عن الجديد، فانه في حكم التالف، لامتناع رده بلا أرش، ومعه بالحكم الشرعي، نظير بيع العين المشتراة بالغبن، ولما كان المعيب مثليا يحفظ على مثليته، والوجهان مزيفان لما تقدم، ووجيهان على فرض الغض عنه. و (منها) تأخير الاخذ بمقتضى الخيار، فانه قد يقال: بسقوط

[ 85 ]

الرد و الارش معه، وقد يقال: بسقوط الرد فقط (والاقوى) عدم سقوطهما، لاطلاق مرسلة جميل (1) والقول بأنها في مقام بيان أصل الخيار غير مرضي، بل هي في مقام بيان الحالات الطارئة وثبوت الخيار مع بعضها وسقوطه مع بعض وثبوت الارش مع بعض، ومقتضى إطلاقها أن كون الشئ قائما بعينه هو تمام الموضوع لثبوت حق الفسخ، ولو كان قيد آخر دخيلا لكان عليه البيان، ومقتضى ذيلها ثبوت الارش مع التغير مطلقا إذ هو تمام الموضوع له، فلا مجال للتمسك بدليل وجوب الوفاء بالعقد ولا بالاستصحاب. (نعم) بناء على عدم ثبوت الاطلاق ودعوى الاهمال في الادلة فعلى المبنى المنصور المتقدم من أن حق الفسخ حق تعييني متعلق بالعقد، و حق الارش حق تعييني مستقل في قباله، والتخيير انما هو في مقام الاخذ، لا محيص عن التفصيل بالاخذ باطلاق دليل اللزوم في الزائد على القدر المتيقن والقول بفورية خيار الفسخ، والاخذ باستصحاب بقاء حق الارش، ضرورة ان دليل لزوم العقد وكذا دلالة التأخير على الرضا بالبيع لو سلم لا يوجبان سقوط الارش. وأما على مبنى القائل بأن الحق في المقام واحد متعلق بالرد والارش على سبيل التخيير والترديد فمع سقوط حق الرد أو عدم تحققه في الزمان الثاني بدليل وجوب الوفاء بالعقد لا يبقى الحكم التخييري، والمفروض عدم ثبوت حق الارش تعيينا، فلا يجري استصحاب حق الارش تعيينا مع الشك فيه، وأما استصحاب جامع الحق على نعت استصحاب القسم الثالث من الكلي فلا يجري ولو سلمنا جريانه في غير المقام، لان ما هو المتيقن هو الجامع بن الحكم المردد والمعين، اي نفس الحق، واستصحابه لاثبات


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 86 ]

حق الارش مثبت، نظير استصحاب الكلي لاثبات فرده. مضافا إلى ما قلنا في غير المقام من ان الجامع بين الحكمين الشرعيين ليس مجعولا ولا حكما شرعيا حتى يستصحب، بل هو أمر انتزاعي عقلي من الجعلين، والتفصيل في محله، وعلى ذلك لا وجه للتفصيل المذكور، بل لابد من القول بسقوط الرد باطلاق دليل اللزوم وسقوط الارش بأصل البراءة وإن كان في التسمية بالسقوط مسامحة، والامر سهل، والتحقيق ما عرف. مسألة: إذا باع شيئا فيه عيب هل يجب عليه إعلامه بالعيب، أو يحرم عليه تركه مطلقا، أو لا كذلك، أو يفصل بين العيوب الظاهرة والخفية أو بين تبري العيب وعدمه؟ وجوه أوجهها عدمه مطلقا، لعدم الدليل عليه إلا دعوى كونه غشا وهو حرام (وفيه) أن الغش امر وجودي عرفا ولغة وبحسب الموارد التي وردت في الاخبار الكثيرة الدالة على حرمته، وهو ضد النصيحة، ففي اللغة غشه: أظهر له خلاف ما اضمره، زين له غير المصلحة، خدعه، ضد النصيحة، فهو متقوم بايجاد عمل أو قول يوقعه في خلاف مصلحته أو يصلح ان يوقعه فيه، فلا يصدق على مجرد ترك النصح. (ودعوى) أن التزام البائع بصحة المتاع يوجب صدقه، فانه بمنزلة الاخبار بصحته (قد مر بطلانها) في أوائل البحث عن خيار العيب، وحاصله منع التزامه أولا، كما هو المعلوم عند الرجوع إلى السوق، ومنع كونه بمنزلة الاخبار إن رجع إلى تعهد وصف الصحة بمعنى الالتزام بلوازم

[ 87 ]

تخلفها، نعم لو رجع إلى الالتزام بكونه صحيحا فهو كذلك، لكنه غير ظاهر، فالعمدة ممنوعية الالتزام المذكور. ثم لو قلنا بأن الالتزام الضمني يوجب الغش فلا اشكال في أنه لا يصدق مع التبري عن العيب، وكيف كان لا وجه لبطلان البيع على فرض كون ترك الاعلام غشا، ضرورة انه محرم نفسي لا ينطبق على البيع حتى خارجا، مع انه لو كان منطبقا عليه أيضا لم يوجب بطلانه ولا حرمته. مسائل في اختلاف المتبايعين وهو تارة في نفس الخيار واخرى في موجبه وثالثة في مسقطه ورابعة في الفسخ، وليعلم ان المهم في مسائل الخلاف تشخيص المدعي من المنكر وقد ذكروا له وجوها، والظاهر انه موكول إلى العرف، فان الموضوع في قوله صلى الله عليه وآله (1): " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " كسائر الموضوعات عرفي لادخالة للشرع الانور فيه. والموازين الاخر التي ذكرها الفقهاء ليست على الظاهر لبيان ما يقابل التشخيص العرفي بل هي امور لبيان ذلك، كقولهم: ان المدعى من لو ترك ترك، أو لو سكت يسكت عنه، أو من يكون في مقام إثبات قضية، أو من يدعي خلاف الاصل، ولا يبعد انطباق غير الاخير على الموضوع العرفي واما الاخير فالظاهر عدم التطابق بينهما، فان مرادهم بالاصل هي الاصول العملية والامارات الشرعية، والامارات والاصول العقلائية غير المردوعة، والاصل الشرعي ربما يتخلف عن الموضوع العرفي كما لو ادعى


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5 من كتاب القضاء.

[ 88 ]

المشتري مثلا العيب وانكر البائع وكان المبيع مسبوقا بالعيب، فانه قد يقال: إن المشتري منكر، لان قوله موافق للاصل الشرعي مع أنه بحسب العرف مدع. ولو نوقش في المثال لاجل مثبتية الاصل فلا إشكال في ان موافقة الاصول الشرعية مثل الاستصحاب ومخالفتها لا ربط لهما بالموضوع العرفي (وإن شئت قلت): إن الاصل لا يحرز موضوع قوله صلى الله عليه وآله (1): " البينة على المدعي " إلى آخره حتى على القول بالاصل المثبت ولا يكون موافقا للموضوع موردا للتخلف في كثير من الموارد. ولو قيل: إن في مورد الموافقة للاصل لابد من ترتيب الآثار عليه إلى ان يثبت خلافه، وفلو كانت عين مسبوقة بملكية زيد فادعاها عمرو يحكم بملكية زيد حتى يثبت خلافه. يقال: إنه فرق بين لزوم أو جواز ترتيب الاثر على ملكية زيد وبين القضاء له في مقام التخاصم، فان الفاصل للخصومة ليس إلا حكم القاضي بعد قيام البينة أو الحلف، فلا يجوز للقاضي الحكم قبلهما وإن كانت العين مسبوقة بملكية أحدهما أو كانت تحت يد احدهما، فجواز ترتيب آثار ملكيتها لذي اليد امر والحكم له على موازين القضاء امر آخر، فر بما يكون الشئ محكوما بملكية المدعي العرفي ويطلب منه البينة للقضاء له والتفصيل موكول إلى محله. (نعم) مخالفة الامارات العقلائية كاليد ونحوهما منطبقة ظاهرا مع المدعي عرفا، وقد يستفاد من بعض الروايات ان ذا اليد منكر، فراجع باب تعارض البينة.


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 5 من كتاب القضاء.

[ 89 ]

ثم إنه لو اختلف الميزان العرفي مع الاصل الشرعي بناء على كونه ميزانا ايضا فالظاهر هو الاخذ بالتشخيص العرفي كما اشرنا إليه. ثم إنه لا إشكال في ان المراد بالاصل هو الاصل المعتبر شرعا، فلا وقع للاصول المثبتة، وكذا الاستصحاب مع الشك في المقتضي عند القائل بعدم اعتباره، ومن هنا قد يقع اختلاف النظر بين الفقهاء في التشخيص. ثم إن الميزان في تشخيصهما هو مصب الدعوى لا مرجعها وغايتها، فلو ادعى العيب لا يصح الارجاع إلى ثبوت الخيار وعدمه، كما ان الميزان في قبول الدعوى هو كونها ذا اثر شرعي أو عقلائي غير مردوع، ولهذا يمكن ان تقع الدعاوى المتعددة على عناوين كذلك كلها ترجع إلى غاية واحدة، فلو ادعى العيب فأنكر البائع ففصلت الخصومة بالبينة ثم ادعى البائع علمه بالعيب أو تبريه منه تقبل دعواه. نعم لو ادعى الخيار واقام البينة على ثبوته فعلا لا يقبل سائر الدعاوى المستلزمة لنفيه، كدعوى كونه عالما به أو دعوى إسقاطه، لانها منافية للبينة التي هي حجة في لوازمها فلنرجع إلى تعرض موارد اختلافهما الاول: لو اختلفا في ثبوت الخيار، فالقول قول المنكر بيمينه، لا لاستصحاب عدم الخيار، فانه لا حالة سابقة له إن اريد به استصحاب عدمه في البيع ومثبت إن اريد به استصحاب عدم الخيار بعدم الموضوع إلى زمان تحققه لاثبات عدم الخيار فيه، بل لكون المدعي عرفا هو الذي ادعى ثبوته.

[ 90 ]

الثاني لو اختلفا في تعيب المبيع فكالاول لما ذكر، من غير فرق بين كونه قبل البيع صحيحا أو معيبا أو مجهول الحال (وقد يتوهم) هنا ان المشتري هو المنكر فيما إذا كان المبيع مسبوقا بالعيب، لاستصحاب بقائه إلى زمان تحقق العقد، فقوله موافق للاصل (وفيه) مالا يخفى، فانه - مضافا إلى ما أشرنا إليه من ان تشخيص العرف مقدم على الاصل - مثبت، لان اصالة بقائه إلى زمان العقد لا يثبت وقوعه على المعيب، نعم لو ادعى البائع زوال العيب لصار مدعيا والمشتري منكرا، وهي دعوى اخرى، وكثيرا ما ينقلب المدعي منكرا في خلاف الدعاوى. ولو اختلفا في كون شئ عيبا فكالسابق، لكون المشتري مدعيا عرفا وأما أصالة عدم كونه عيبا فلا تجري، لانها غير مسبوقة باليقين على وجه ومثبتة على وجه آخر، كما أن أصالة عدم كون الحيوان مثلا معيوبا لا يثبت عدم كون ذلك الشئ عيبا، وأصالة السلامة لا تجري في مورد الشك في كون الشئ عيبا، كأصالة عدم القرينة في الشك في قرينية الموجود، وأصالة عدم المانع في الشك في مانعيته، فان تلك الاصول غير جارية في تلك الموارد، نعم قد يكون الشئ مسبوقا بعدم كونه عيبا، ثم بعد الرشد والنمو يشك في صيرورته عيبا فيجري الاصل فيه. ولو اتفقا في كون شئ نقصا عن الخلقة الاصلية واختلفا في كونه عيبا كالختان والثيوبة فكالسابق. ولو اتفقا في كونه عيبا واختلفا في كونه موجبا للارش كان له الخيار، وأما الارش فالقول قول منكره، هذا بناء على ان العيب غير

[ 91 ]

الموجب لنقص القيمة موجب للخيار فقط، وأما بناء على عدمه والملازمة بينهما فلا وقع للنزاع. الثالث: لو اختلفا في زمان حدوث العيب بعد الاتفاق على أصله فهو على أنحاء، منها الاختلاف في وجود العيب عند تعلق العقد وعدمه، ومنها الاختلاف في حدوثه قبل القبض وعدمه، ومنها في حدوثه في زمان الخيار المضمون على البائع وعدمه، وفي جميع الصور يكون المدعي هو المشتري فالقول قول البائع بيمينه، للصدق العرفي لا للاصل، لان أصالة عدم كون الشئ معيبا إلى ما بعد زمان العقد لا يثبت تعلقه بغير المعيب، وسلب التعلق بنحو الاطلاق ليس موضوعا لحكم شرعي، فانه يصدق مع عدم العقد والعاقد، وما هو موضوع الاثر هو العقد المتعلق بغير المعيب أو المتعلق بالصحيح، فان أثره لزوم البيع وسلب الخيار. (وما قد يقال): من أن وصف الصحة أو عدم كونه معيبا لا دخل له شرعا في اللزوم، لان موضوعه هو العقد الصحيح لا العقد على الصحيح بل المأخوذ شرعا في موضوع دليل الجواز والخيار هو ان المبيع به عيب وعوار (لا ينبغي) أن يصغى إليه، ضرورة ان دليل لزوم العقد كقوله تعالى (1): " أوفوا بالعقود " خصص أو قيد بأدلة الخيارات، منها خيار العيب، فيكون موضوع اللزوم بحسب الشرع بعد التقييد هو العقد على غير المعيب، مقابل العقد على المعيب، ولا يعقل بعد التقييد بقاء الموضوع على إطلاقه حسب الارادة الجدية وإن لم يعنون به بحسب الارادة الاستعمالية.


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 92 ]

فها هنا موضوعان لكل منهما أثر شرعي، العقد على المعيب وأثره الخيار والارش، والعقد على الصحيح واثره اللزوم من غير أرش، فلا بد في إجراء الاصل الذي يراد به تشخيص المدعي من ان يكون جاريا في محط الدعوى ويكون له اثر مطلوب كاللزوم وسلب الخيار والارش في المقام، ومحط الدعوى هنا هو وقوع العقد على غير المعيب، واستصحاب عدم كون الشئ معيبا إلى زمان العقد لا يثبت وقوعه على غير المعيب. (وتوهم) كون العقد على العين وجدانيا، وعدم كونها معيبة يحرز بالاصل فيثبت الموضوع (فاسد) لان الموضوع كون العقد متعلقا بالمعيب وهو غير وجداني ولا محرز بالاصل، وليس من قبيل الموضوعات المركبة كما يظهر بالتأمل، هذا حال الصورة الاولى. واما الاختلاف في حدوث العيب قبل القبض أو قبل مضي الخيار وعدمه فيمكن التفصيل فيهما بين ما إذا علم بعدم العيب بعد العقد برهة من الزمان وشك في حدوثه في قطعه اخرى قبل القبض أو قبل مضي الخيار وما إذا لم يتيقن ذلك، فعلى الاول يجري استصحاب عدم حدوثه في المبيع قبل قبضه أو في زمن الخيار، فيحرز به الموضوع ذو الاثر، ويحكم بلزوم البيع، وان القول قول المنكر بيمينه، وعلى الثاني يكون الحال كالصورة الاولى المتقدمة، لان الموضوع للاثر هو كون المبيع المفروض متعلقا للعقد تالفا ولو وصفا قبل القبض أو في زمان الخيار، وهذا العنوان ليس مسبوقا باليقين وما هو مسبوق لا يصلح لاثبات تلك العناوين. ومما ذكر يظهر حال الدعوى إذا اقيمت على وجه آخر، وهو دعوى المشتري تقدم العيب على العقد أو على القبض أو على مضي الخيار وانكره البائع، فانه مدع عرفا، ولا يمكن الاتكال على الاصل لعدم الحالة السابقة له على وجه، وكونه مثبتا على وجه آخر.

[ 93 ]

ولو ادعى المشتري حدوثه في أحد الازمنة المتقدمة وادعى البائع حدوثه بعدها، كان كل منهما مدعيا ومنكرا فيعمل على طبق قاعدة التداعي لان كلا منهما يدعي موضوعا ذا أثر شرعي، لما عرفت من أن كلا من اللزوم والخيار أثر متعلق بموضوع خاص، فلو أقام البائع البينة على حدوثه في يد المشتري أو بعد مضي الخيار يحكم بلزوم العقد وسلب الخيار والارش. وما عن ابن الجنيد - من أنه إذا ادعى البائع أن العيب حدث عند المشتري حلف المشتري إن كان منكرا - لعله لان البائع مدع عرفا، وتكون دعواه أمرا ذا أثر والمشتري منكر كذلك. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) - من احتمال استناده إلى أصالة عدم تسليم البائع العين إلى المشتري على الوجه المقصود وعدم استحقاقه الثمن كلا وعدم لزوم العقد - ففيه - مضافا إلى غاية البعد في تمسك مثل ابن الجنيد ونظائره بتلك الاصول المتداولة في ألسنة المتأخرين على هذا المنهج البعيد - أن الاصول المذكورة لا أصل لها، وفيها إشكال من وجوه. أما في الاولى فلان العدم المذكور ليس له حالة سابقة إلا بنحو العدم المحمولي الصادق حتى قبل وجود العقد والعاقد، فهو بهذا الوجه لا أثر له لان الاثر لو كان فهو مترتب على التسليم لا على الوجه المقصود، لا على عدم التسليم كذلك، مع أن الاصل المذكور لا يثبت عدم حدوث العيب عند المشتري إلا بالاصل المثبت، ومع الغض عنهما فهو معارض بأصالة عدم تسليمه على الوجه الآخر، أي مع وصف العيب. وأما في الثانية فلان الثمن لا يصير معنونا بالثمنية إلا بعد العقد، وعليه فيرد عليها ما يرد على الاولى، من أن العدم المحمولي لا أثر له، ولا يثبت باستصحابه عدم الاستحقاق بعد وصف الثمنية، ومع انه مثبت أيضا، لان عدم حدوث العيب عند المشتري لازم عقلي لعدم استحقاق المثمن كلا

[ 94 ]

مضافا إلى منع عدم استحقاقه كلا، فان الارش لا يتعين أن يكون من الثمن وإن يتوهم من تعبير بعض الروايات (1)، لكن القيد عادي أكثري لا يصلح لتقييد المطلقات الدالة على لزوم تفاوت القيمة أو لزوم الارش، وتوهم تقسيط الثمن على السلعة والعيب فاسد جدا، كما أن القول بأن الارش على الذمة - فلو كان الثمن على ذمة المشتري يتهاتر، فيصح الاصل المذكور ضعيف لما مر في محله من أن الارش ليس على ذمة البائع، وإنما للمشتري حق مطالبته به. وأما الثالثة فقد يقال في تقريبها: إن موضوع اللزوم هو العقد على الصحيح، ووقوعه عليه مسبوق بالعدم، فبأصالة عدمه يحكم بعدم اللزوم. ويرد عليها ما يرد على السابقتين، فان عدم وقوع العقد على الصحيح ليس موضوعا لاثر شرعي، بل الموضوع للاثر وقوعه على المعيب، والاصل لا يثبته، مع أنه مثبت بالنسبة إلى مورد الدعوى ونفيها، مع الغض عن ذلك كله فهو معارض بالمثل. وأما ما قيل في جوابه من أن وصف الصحة لا دخل له شرعا في اللزوم، لان موضوع اللزوم العقد الصحيح لا العقد على الصحيح، فقد مر دفعه وكما لا وقع للاصل المذكور لا وقع لاصالة عدم وقوع العقد على ما به عيب لنفي موضوع الخيار، لان ما يثبت به عدم الخيار في البيع الكذائي هو وقوعه على غير المعيب، لا عدم وقوعه على المعيب بالعدم المطلق الصادق مع عدم العاقد والعقد، ولا يصح إثبات المقيد باستصحاب المطلق فالاصول المذكورة كلها مخدوشة. وعن العلامة في التذكرة " لو أقام أحدهما بينة عمل بها ولو أقاما عمل ببينة المشتري، لان القول قول البائع، لانه ينكر، فالبينة على المشتري "


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار.

[ 95 ]

أقول: قبول بينة المنكر وكذا ترجيح بينته على بينة المدعي مسألتان مشكلتان وقد اختلفت فيهما الاخبار والآراء سيما في الثانية، ولا يمكن تنقيحهما في المقام، فانه خروج عن وضع الرسالة. ثم إنه لا إشكال في أن مقتضى قوله صلى الله عليه وآله (1): " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " أو " على من أنكر " هو لزوم التطابق بين الدعوى وردها، وبين الحلف والبينة، ولزوم كون مصبهما أمرا واحدا، لان منشأ صدق العنوانين هو الدعوى وهما متضائفان، والظاهر من المستفيضة ان في الدعوى التي صار لاجلها المدعي والمدعى عليه معنونا بهما تكون البينة على الاول واليمين على الثاني. نعم يكفي في الصدق العرفي أن يكون المدعي مدعيا للثبوت والمنكر نافيا لما يدعيه ولو باللزوم العرفي لا العقلي، فلو ادعى عليه أنى أقرضتك كذا يكفي أن يقول: ما كانت ذمتي مشغولة لك في حال من الاحوال، فان لازمه نفي الاقراض، فيصدق الانكار ورد الدعوى بخلاف ما لو قال: ليست ذمتي مشغولة لك، فان عدم الاشتغال الفعلي ليس ملزوما لعدم الاقراض، فلا تطابق، ففي المقام لو ادعى ان المبيع كان معيبا لابد من الحلف على نفيه، وأما الحلف على نفي استحقاق الرد والارش فلا يكفي، لعدم التطابق بينهما، إلا أن يقال برجوع دعوى العيب عرفا إلى دعوى استحقاقهم أو تضمنهما لها كذلك، فان تلك الدعوى لاجل إثبات الاستحقاق، فعليه يكون الحلف على نفيه مطابقا للدعوى بنحو الالتزام العرفي، وفيه كلام. ومما ذكر يعلم أنه لو ادعى العيب، فقال: لا ادري لم يتطابق الاثبات والنفي لا مطابقة ولا التزاما، ولم يتوجه اليمين المذكور إليه، فلو حلف كذلك لم يكن فاصلا للخصومة ولا موجبا لتوقف الدعوى موقتا،


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 3.

[ 96 ]

بل لابد من رد الحلف على المدعي أو الحكم على المدعى عليه بمجرد النكول وكذا الحال في كل مورد من الدعاوى المتعلقة بالواقع، نعم قد يكون مدعيا لعلمه كما لو ادعى البائع علم المشتري بالعيب فلا بد من الحلف على عدمه أو على عنوان يلزم منه عدمه. ثم إنه لابد في الحلف أن يكون بنحو الجزم أي متعلقا بقضية تصديقيه جازمة، فلو كان مرددا فحلف جازما لم يكن مثله فاصلا بحسب الواقع ولو حكم الحاكم أخذا بالظاهر، كما لو حلف كاذبا أو موريا أو أقام المدعي بينة كاذبة مع غفلة القاضي عنها لم يكن الحكم في تلك الموارد فاصلا واقعا فلو اطلع القاضي على الواقعة يحكم بعدم الفصل. وهل اللازم في الجزم أن يكون ناشئا من اليقين بالواقع، فلا يكفى الحلف المستند إلى الامارات العقلائية أو الشرعية، إلا أن تفيد الاطمئنان، أو يكفي الاستناد إلى الامارات مطلقا، أو يكفي الاستناد إلى الاصول أيضا كالاستصحاب وأصلي الطاهرة والحل؟ لا إشكال في عدم اعتبار اليقين والقطع، بل ولا حصول الاطمئنان بل يصح الحلف مع الاستناد إلى الامارات العقلائية والشرعية، وإلا لتوقف جل الدعاوي، فانه قلما يتفق العلم القطعي، بل الاطمئنان، سيما في موارد الدعاوى والاختلافات ويدل على الجواز والكفاية بعض الروايات بل السيرة القطعية من العلماء الاخيار على ذلك. وأما الاستناد إلى الاصول ففيه إشكال، لعدم جواز الحلف جزما على طبقها، فان حكم الشارع الاقدس بكونه طاهرا أو حلالا يجوز الحلف على نحو ما ورد، بل لاجل عدم التطابق بين الدعوى والحلف إذا كانت الدعوى متعلقه بثبوت الواقع. (وأما) ما افاده الشيخ الاعظم (قده) من الفرق بين الطهارة وبين

[ 97 ]

ما نحن فيه، بأن المراد بالطهارة في استعمال المتشرعة ما يعم غير معلوم النجاسة لا الطاهر الواقعي، كما ان المراد بالملكية والزوجية ما استند إلى سبب شرعي ظاهري، وقربه بعض المحشين بأن الطهارة والنجاسة من الموضوعات المجعولة شرعا، فيكون ما هو مشكوك الطهارة طاهرا فعلا شرعا. (ففيهما) إشكال سيما الثاني، فانه إن كان المراد انه ليس في استعمالهم الطهارة الظاهرية والواقعية ولا فرق بينهما عندهم فهو ممنوع، وان اريد ان المشكوك فيه طاهر حقيقة لدى الشارع الاقدس - كما هو مفاد قول المحشي - فهو افحش إلا عند من قال: بأن النجس هو خصوص معلوم النجاسة والعلم جزء الموضوع، وإن كان المراد صحة الجزم بها فان الطاهر الظاهري ايضا طاهر بحسب الاحكام وهو كاف في الحلف على ثبوتها ففيه انه لا يفي بالجواب عن عدم التطابق بين الدعوى ونفيها، مضافا إلى ان استصحاب عدم العيب ايضا مجوز للحلف عليه كأصالة الطاهرة، فالتفصيل غير وجيه. فرع: لو باع الوكيل في خصوص البيع فوجد به المشتري عيبا يوجب الرد رده على الموكل دون الوكيل، فلو رده عليه صار ضامنا كالوكيل، ولو اختلف المشتري والموكل في العيب ونحوه يحلف الموكل مع فقد البينة، ولا يقبل إقرار الوكيل، لانه صار اجنبيا. (وتوهم) نفوذ إقراره لقاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به (فاسد) فانه - مضافا إلى عدم دليل على القاعدة وعدم ثبوت قيام إجماع

[ 98 ]

متعمد أو شهرة متعمدة عليها، لاحتمال استناد جملة من المجمعين على قواعد أخر، كقاعدة الاقرار، أو توهم ثبوت قاعدة عقلائية في نفوذه ممن كان المال تحت يده، كقبول قول ذي اليد في الطهارة والنجاسة - على فرض صدورها بهذه اللفظة من المعصوم عليه السلام لا تشمل مثل المقام، فان الظاهر منها أن ظرف الاقرار هو عين ظرف الملك، فالاقرار بعد مضي السلطنة والملك غير مشمول لها، فلو أقر الولي بما يتعلق بملك الصغير بعد قطع ولايته لم ينفذ بالضرورة، وكذا لو باع ملك الصغير ثم انقطعت ولايته فأقر بشئ بالنسبة إلى بيعه أو إلى ما باعه لم ينفذ اتكالا على القاعدة، لعدم وحدة ظرف الاقرار والسلطنة. فما قيل من انه لا شبهة في نفوذ إقرار الوكيل بالبيع إذا أنكر الموكل وقوعه على فرض صحته لا بد وأن يكون له مستند غير تلك القاعدة، ولم يثبت كون التسالم بينهم في ذلك على فرض لاجل تلك القاعدة، ففي المقام حيث إن الوكيل انقطعت وكالته وسلطنته على المال بالبيع وليس الاستيلاء الخارجي قبل إقباض المشتري سلطنة، فان السلطنة من قبل البائع الموكل انقطعت وليس سلطانا من قبل المشتري أيضا، فلا سلطنة له بعد البيع قبل الاقباض فضلا عما بعده، فلا ينفذ إقراره. هذا كله بناء على أن المراد بالشئ المأخوذ في القاعدة هو الاعيان المسلط عليها، وأما لو كان المراد منه هو التصرفات الواردة على الاشياء كالبيع والاجارة ونحوها وكان المراد أن من ملك تصرفا ملك الاقرار به، نفذ إقراره بالبيع لانه كان سلطانا عليه، وأما الاقرار بالعيب ونحوه فلا لخروجه عنها موضوعا، والتفصيل موكول إلى محله، وكيف كان لا دليل على نفوذ إقراره ذلك. وإذا كان المشتري منكرا لوكالته ولم يكن له بينة على إثباتها، فادعى

[ 99 ]

على الوكيل تقدم العيب مثلا، فان اعترف الوكيل لم يملك رده على موكله لو كان منكرا له، لان ذلك دعوى على الموكل لابد من فصله بالبينة، أو إحلاف الموكل على عدمه، وهذه الدعوى مقبولة لها أثر بحسب ظاهر الشرع، كما أن الحلف كذلك، لانه يدفع عنه الضمان في الظاهر، كما انه لو أنكر الوكيل التقدم حلف ليدفع عن نفسه ما يتوجه إليه من الضمان، ولو نكل فحلف المشتري اليمين المردودة رد العين على الوكيل، وليس للوكيل ردها على موكله إلا مع إقامة البينة. وأما ما عن القواعد من ابتناء المسألة على كون اليمين المردودة كالبينة فينفذ في حق الموكل أو كاقرار المنكر فلا ينفذ ففيه انه لا دليل على كونه بمنزلة واحد منهما، مع انه على فرض التسليم لا يصح في المقام إلا على بعض الوجوه، وتنقيح تلك المسائل موكول إلى محالها. الرابع: لو اختلفا في السلعة فتارة يكون مع الخلاف في الخيار واخرى مع الاتفاق عليه، وعلى الاول لو ادعى المشتري أن هذه السلعة هي التي وقع عليها العقد وكان غرضه إثبات الخيار فأنكر البائع فالقول قول البائع، لانه منكر عرفا وطرفه مدع كذلك. وأما أصالة عدم كونها سلعته وأصالة عدم تعلق العقد بها وأصالة عدم وقوع هذه السلعة الشخصية موقع البيع وأصالة عدم حق للمشتري على البائع إلى غير ذلك فكلها مما لا أصل لها. أما ما عدا الاولى فلان تلك الاصول على فرض جريانها لا تثبت عدم كونها سلعته إلا بالاصل المثبت، وقد تقدم منا ان المشخص للمدعي

[ 100 ]

والمنكر على فرض كون الميزان فيه هو الاصل، إنما هو الاصل الجاري في مصب الدعوى، ومصب الدعوى على الفرض هو كون السلعة له وعدمه وهذه دعوى مقبولة ذات أثر، ولا يجوز إرجاعها إلى أمر آخر. مضافا إلى الاشكال في أصل جريانها، فان ما هو المسبوق باليقين هو عدم وقوع العقد عليها بعدم العقد أو العدم الصادق مع عدمه، أي المطلق القابل للانطباق عليه وعلى شق آخر، وهذا مما لا أثر شرعي له، وما هو موضوع الحكم هو وقوع العقد على غير المعيب، على نحو معدولة المحمول أو وقوعه على الذي ليس بمعيب على نحو الموجبة السالبة المحمول، أو كون العقد لم يقع على المعيب على نعت السالبة مع فرض تحقق الموضوع، ومن الواضح أن استصحاب العديل لاثبات عديله أو استصحاب المطلق لاثبات قسم منه مثبت. وبهذا ظهر الكلام في أصالة عدم كون هذه السلعة واقعة موقع البيع إن رجعت إلى غير الاصل الاول، فان عدم الوقوع موقعه لا سابقة يقينية له إلا على نحو السلب المطلق أو النحو الآخر المشار إليه آنفا، ولا أثر له واستصحابه لاثبات قسم منه مثبت. وأما أصالة عدم حق له عليه فان اريد بها اصالة عدم حق الخيار له على البائع، ففيه أن الخيار لا يتعلق إلا بالعقد، وإن اريد عدم تعلق حق الخيار بالعقد فيرد عليها ما تقدم ذكره، وإن كان المراد به حق الارش نظير إصل البراءة عنه، فيمكن دعوى ورود الاشكال المتقدم عليه أيضا، لان الارش هو التفاوت بين الصحيح والمعيب في المبيع الذي تعلق به العقد لا التفاوت مطلقا، مع أنه مثبت بالنسبة إلى مصب الدعوى، كما تقدم. وأما أصالة عدم كون هذه السلعة سلعته على فرض جريانها فهى وان كانت في مصب الدعوى لكن الاشكال في جريانها، لان الاثر مترتب

[ 101 ]

على كونه السلعة - أي ما تعلق بها البيع وصارت سلعة باعتباره - معيبة أو غير معيبة، وهذا ليس مسبوقا باليقين، واستصحاب ما له حالة سابقة يقينة مثبت (والانصاف) أنه ان بنينا على ان الميزان في التشخيص هو الاصل فلا يمكن الاحراز، بتلك الاصول ونحوها. ومما ذكرنا يظهر الكلام في أصل آخر، وهو أصل حكمي، أي أصالة عدم الخيار، بدعوى أن الخيار حق حادث مسبوق بالعدم (إذ فيه) أنه وإن كان حقا حادثا مسبوقا بالعدم، لكن مسبوقيته باليقين إنما هي بعدم العقد، وأما عدم الخيار في العقد فغير مسبوق باليقين، وعليه فيرد عليه ما تقدم، مع انه على فرض جريانه مثبت. ولو ادعى في هذا الفرض كل منهما غير ما يدعيه الآخر، فادعى المشتري أن هذه السلعة سلعة البائع وادعى البائع أن سلعته غير ذلك، أي السلعة الصحيحة، فكل منهما مدع ومنكر بحسب العرف، والاصول المتقدمة و نظائرها قد عرفت ما فيها، هذا حال ما لو اختلفا في ثبوت الخيار. وأما لو اختلفا في السلعة بعد الاتفاق على الخيار، فهنا صورتان (الاوالى) أن يريد المشتري برد السلعة المعيوبة الفسخ، أي يريد الفسخ العملي برد المعيوب، فأنكر البائع كونها سلعتة، فالقول قول البائع بيمينه، وقد يقال بالفرق بين ذلك وبين الفرض المتقدم، ففي هذا الفرض يكون المشتري منكرا. وعن الايضاح انه بعد الاتفاق على الخيار يكون الاختلاف في موضعين أحدهما في خيانة المشتري فيدعيها البائع والمشتري ينكرها، والاصل عدمها والثاني سقوط حق الخيار الثابت، فالبائع يدعيه والمشتري ينكره، والاصل بقاؤه. ويرد عليه قبل كل شئ أن إنكار كون السلعة سلعته لا يرجع إلى

[ 102 ]

- دعوى الخيانة ولا إلى دعوى سقوط الخيار، بل ولا يلازمهما كما لا يخفى مع ان أصالة عدم الخيانة لا تثبت كون السعلة سلعته، وهذا هو مصب الدعوى، كما أن أصل بقاء الخيار لا يثبت كونها سلعته. وناقش الشيخ الاعظم (قده) في كلام الفخر (قده) بأن أصالة عدم الخيانة لو جرت مع وجود أصالة عدم كون المال الخاص هو المبيع لكانت جارية في الفرض الاول، أي في صورة عدم الاتفاق على الخيار، وكانت حاكمة على سائر الاصول التى تمسك بها الفخر (قده) فلا فرق بين المسألتين، ولم يظهر منه تصديق الفخر في الاصل المذكور، بل نظره الاشكال عليه وسؤال الفرق، ولهذا لم يتسمك بالاصل المذكور في شئ من الصور. وقد يقال في تأييد الفخر (قده) وبيان الفرق بين هذا الفرض والفرض المتقدم الذي لم يتفقا فيه على ثبوت الخيار، بأنه في صورة معلومية الخيار للعيب أو لغيره، يكون دفع العين من البائع إلى المشتري مع كونها في معرض العود إليه شبيها بالامانة، فكأن البائع جعل المشتري أمينا في ذلك فعليه أن يقبل قوله في دعوى التعيين. وفيه مالا يخفى، ضرورة انه على فرض كونه شبيها بالامانة، لا يوجب ذلك لزوم قبول قوله، إذ لا دليل على كون الشبيه بالامانة في حكمها، مع انه لا شباهة لذلك بالامانة، فان رد مال الغير إلى صاحبه منافر للامانة لا شبيه بها، ومجرد احتمال الفسخ لا يجعله شبيها بها. ويتلوه في الضعف ما قيل: " إن المشتري بمقتضى ثبوت حق الخيار وحق رد العين له يكون له الولاية شرعا على العين، فيجب تصديقه فيما له الولاية عليه، لانه أمين من قبل الشارع، فلا يجوز اتهامه وتخوينه، للنصوص الخاصة " انتهى.

[ 103 ]

وفيه - مضافا إلى أن الحق إنما يتعلق بالعقد لا بالعين، والكلام إنما هو في قبول قوله فيها - أن الخيار ليس من قبيل الولاية على العين المشتراة ولا مستلزم لها، بل الخيار حق عقلائي متعلق بالعقد، لا ولاية مجعولة من قبل العقلاء في الخيارات العقلائية، كخيار الغبن والعيب، أو من قبل الشارع، كبعض الخيارات الاخر، وقياس المقام بولاية الحاكم أو الاب والجد مع الفارق بلا ريب. والحاصل أن مجرد جعل الحق له لا يوجب الولاية الشرعية، سيما مع كون العين قبل الفسخ ملكا للمشتري، ولا معني لجعل ولايته على ملكه وبعد الفسخ ملك للبائع يجب الرد إليه من غير احتمال ولاية شرعية في الحالين وعلى فرض صحة كلام الفخر (قده) بأن البائع مدع للخيانة والمشتري منكر لها لا يحتاج كلامه إلى توجيه بعيد لعله لا يرضى به، بل الظاهر انه اتكل إلى العرف في تشخيص المدعي من المنكر، وهو أمر صحيح وإن كان إرجاع إنكار البائع بعدم كون السلعة له إلى دعوى الخيانة غير مرضي. وأما الموضع الثاني الذى أشار إليه الفخر (قده) وهو دعوى سقوط الخيار، فان مراده ان إنكار البائع راجع إلى دعوى السقوط، فقد تقدم ما فيه، وإن كان مراده انه مع الاتفاق في الخيار يمكن ان يختلفا في سقوط الخيار وعدمه، وهذا مختص بهذه الصورة، فلا بأس به، ولم يحضرني كلامه، والامر سهل. ثم إن الاصول المحكية عن الفخر كسائر الاصول المتقدمة مما لا أصل لها، ويرد على أصالة بقاء الخيار لاثبات كونها سلعته ما يرد على تلك الاصول، والشيخ الاعظم (قده) اشار إلى مثبتيتها هاهنا، مع ورود ذلك على بعض الاصول التي تشبث بها في الصورة السابقة. (الثانية) في اختلافهما في السلعة في مقام الدفع بعد الاتفاق على

[ 104 ]

الخيار وتحقق الفسخ، فادعى المشتري انها سلعة البائع فأنكر، فالقول قول البائع لما تقدم، وليس في المقام أصل أصيل كسائر الصور (واحتمال) كون يد المشتري يد أمانة على المبيع بعد الفسخ أقرب مما تقدم من القائل بأن يقال: إنه بعد الفسخ رجعت العين إلى المالك وهي في يد المشتري، فان لم تكن يدها يد أمانة لا بد من تضمينه لو تلف بتلف سماوي، ومن البعيد التزامهم بذلك، فلابد وان تكون يد أمانة شرعية، والامين يقبل قوله في مورد الامانة (وفيه) بعد تسليم عدم الضمان انه لا دليل على الملازمة بين ذلك وكون اليد يد أمانة، إذ لا دليل على ثبوت الضمان باليد مطقا إلا فيما إذا كانت يد أمانة، فقوله صلى الله عليه وآله (1): " على اليد " مطلق قابل للتخصيص أو الانصراف عن بعض الصور، فيمكن ان يكون عدم التزامهم بالضمان لاجل ثبوت تخصيص عندهم للقاعدة، أو دعوى انصرافها عن مثله، مع ان القول بالضمان اخذا باطلاق القاعدة مما لا بأس به، ولم يثبت تسالمهم على عدمه الخامس: هو الاختلاف في المسقط بالمعنى الاعم، فان في عد بعضها من الاختلاف فيه مسامحة، وفيه صور: (منها) ما لو اختلفا في علم المشتري بالعيب، فادعى البائع علمه فأنكره، فالقول قول المنكر بيمينه، للصدق العرفي. وربما يقال: " ان العلم مانع وبأصالة عدمه يعمل المقتضي عمله، فكما لو شك في المسقط بعد ثبوت الخيار يبنى على عدمه، فكذا لو شك


(1) سنن البيهقي - ج 6 ص 95.

[ 105 ]

فيه في حال العقد، فهو نظير ما إذا شك في الحدث حال الاشتغال بالوضوء فانه يبنى على عدمه، ويحكم بصحته، هذا إذا كان مسبوقا بالجهل، واما إذا كان عالما بالعيب سابقا، وكان الشك في زوال علمه حين العقد حتى يثبت له الخيار وعدمه حتى يكون ساقطا، فالاصل بقاؤه ولا خيار " انتهى. وفيه انه لو كان المقام من قبيل المانع والمقتضى فلا ينبغي الاشكال في ان اصالة عدمه على فرض جريانها للحكم بعلم المقتضي مثبتة، فان ترتب المقتضى على مقتضيه على فرض عدم المانع عقلي، وإن كان المقتضي والمانع شرعيين، وهذا نظير ما قلنا في محله من أنه لو جعل الشارع الملازمة بين الشيئين أو جعل العلية لشئ بالنسبة إلى آخر، فاستصحاب وجود الملازمة لاثبات ملازمه كاستصحاب وجود العلة لاثبات معلوله مثبت، لان ثبوت أحد المتلازمين بثبوت الآخر كثبوت المعلول بثبوت علته عقلي لا شرعي (نعم) لو جعل حكما عقيب شئ كوجوب الاكرام عقيب كون الشخص عالما كان الترتب بحكم الشرع، فلا تكون شبهة إثبات. ومما ذكرنا يظهر حال سائر الامثلة المذكورة، فأصالة عدم المسقط لا تثبت الخيار، لان ثبوته مع عدم علة زواله عقلي، وكذا أصالة عدم الحدث لاثبات صحة الوضوء وقد مرحال استصحاب بقاء العيب لاثبات الخيار، وقررنا أنه مثبت. ويتلوه في الضعف ما يقال: " إن المشتري منكر نظرا إلى أخذ عدم العلم في المقتضي للخيار في قوله عليه السلام (1): " أيما رجل اشترى شيئا وبه عيب وعوار ولم يتبرأ إليه ولم ينبه " بتقريب أنه لم ينبه حتى يتنبه، فعدم العلم مقوم للمقتضي للخيار وجزء موضوع الاثر، فقول المشتري موافق للاصل الذي له أثر شرعي " انتهى.


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب - الخيار - الحديث 2.

[ 106 ]

إذا فيه - بعد الغض عن الاشكال في إمكان كون العدم ولو كان مضافا جزء للمقتضي، وصحة نسبة الاقتضاء إلى ما لا تحقق له بوجه من الوجوه، والغض عن أن في رواية التهذيب " ولم يبرأ به " بدل " لم يتبين " والغض عن انه لم يكن في مقام البيان حتى يستفاد ما ذكر، والغض عن الاشكال في دلالتها على الاقتضاء - أن في بعض النسخ كالوسائل والتهذيب " وبه عورلم يتبرأ إليه ولم يبين " على نقل الوسائل بدون ذكر الواو، فعليه تكون الجملتان وصفين للعور والعيب، فيكون حاصل المضمون إذا اشترى شيئا والحال أن به عور موصوف بعدم المعلومية، فحينئذ لابد من إحراز هذا المضون بالاصل وهو غير ممكن، لان ذللك ليس له حالة سابقة إلا بالعدم المحمولي الازلي، واستصحابه لاثبات الموصوف بالوصف مثبت كما يظهر بالتأمل، وعلى بعض النسخ الاخرة المذكور فيها الواو يحتمل أن تكون الجملة حالية كالجملة السابقة، فيأتي فيها ما يأتي في الجملة الموصوفة من الاشكال، وعلى أي حال لا يمكن إثبات كون الموضوع من المركبات التي يصح إثبات جزء منها بالاصل والآخر بالوجدان. و (منها) مالو اختلف في زواله قبل علم المشتري، ومحط البحث ها هنا بعد تسليم ان زوال العيب قبل علمه مسقط للخيار، كما نقل الشيخ الاعظم (قده) التصريح به عن التذكرة والمسالك، وعن جامع المقاصد الميل إليه، وقد خلط بعضهم بين هذه المسألة والمسألة الاخرى التي تقدم الكلام فيها، وهي ان العيب بوجوده الواقعي سبب للخيار أو ظهوره دخيل ويكون العلم جزء الموضوع لثبوته، فحمل كلام الشيخ (قده) ومورد البحث هاهنا على المسألة الثانية، فقال في بيان تقديم قول المشتري: إن العيب علة للخيار لا ظهوره، وظهوره، وقال آخر بعد كلام منه أجنبي عن محط البحث: ومنه يعلم ان النزاع في اصل الخيار لا في سقوطه بعد ثبوته حملا

[ 107 ]

للكلام على المسالة الاولى من المسألتين المشار اليهما، وقد وقع في كلام الشيخ الاعظم (قده) أيضا خلط صدرا وذيلا. والاولى أن يقال: إنه - بعد البناء على ان العيب بوجوده الواقعي سبب والعلم كاشف عنه، كما هو التحقيق، والبناء على ان زواله قبل علم المشتري من المسقطات، كما ذهب إليه جماعة - لو وقع الاختلاف في زواله قبل علم المشتري حتى يتحقق المسقط أو لا حتى لا يتحقق، فالقول قول المنكر للصدق العرفي. وأما أصالة عدم زواله قبل علمه فلا تجري، لان عدم زواله قبل علمه بهذا العنوان غير مسبوق بالعلم، وإلا لما وقع التنازع فيه، واصالة عدم زوال العيب إلى زمان العلم به لا تثبت القبلية إلا بالاصل المثبت، وكذا اصالة بقائه، وكذا الحال في اصالة عدم علم المشتري بالعيب قبل زواله لانها بين ما ليس مسبوقا باليقين وبين ما هو مثبت، نعم لو كان الاثر مترتبا على عدم زوال العيب إلى زمان العلم به، وعلى عدم علمه إلى زمان زواله لجرى الاصلان وتعارضا. ومما ذكر يظهر الحال فيما لو ادعى المشتري تأخر زواله عن علمه أو بقاؤه إلى زمان علمه وانكر البائع، كما يظهر الحال فيما لو ادعى كل منهما عنوانا، فادعى البائع زواله قبل علم المشتري وادعى المشتري زواله بعد علمه، فان المورد من التداعي، وقد عرفت حال الاصل. وكذا الحال لو اختلفا في زواله قبل الرد أو بعده، بناء على قول آخر، وهو ان زوال العيب قبل الرد مسقط للخيار والارش، فيأتي فيه الفروض المتقدمة والكلام فيها هو الكلام فيما تقدم. والايكال في التشخيص إلى العرف يحسم مادة الاشكال. ولو اختلفا بعد حدوث عيب جديد وزوال أحد العيبين في كون

[ 108 ]

الزائل هو القديم أولا (فتارة) ترجع دعوى كونه هو القديم إلى عدم ثبوت الخيار رأسا، كما لو تردد الامر بين زواله قبل العقد أو بعد دفعه إلى المشتري (واخرى) ترجع إلى سقوطه بعد ثبوته بأن تسالما على وجود العيب حال العقد وثبوت الخيار به، واختلفا في كون الزائل هو ذلك قبل دفعه، أو الحادث في يد المشتري. والصورة الاخيرة هي مورد البحث لا الاولى، لان المفروض الاختلاف في المسقط، فقد يدعي البائع أن الزائل هو القديم وينكر المشتري، وقد يدعي المشتري انه هو الحادث وينكر البائع، وقد يتداعيان، فيدعي البائع بأنه هو القديم والمشتري بأنه هو الحادث. ثم إن المفروض فيما إذا كان للدعوى أثر، فلو ادعى البائع بأن الزائل هو القديم، وقلنا في المسألة الفرعية بأن زوال العيب الموجود حال العقد لا يوجب سقوط الرد ولا الارش، وان زواله وعدمه على السواء لم تكن دعواه مسموعة، بخلاف مالو قلنا بأن زواله قبل علم المشتري أو قبل الرد إليه موجب لسقوط الرد والارش أو الرد فقط كما قد يقال، فان دعواه مسموعة ذات أثر، وكذا الحال في دعوى المشتري، فلو قلنا بأن حدوث العيب مسقط للرد سواء زال أم لا، فلا أثر لدعواه بخلاف ما لو قلنا بأن لازم زواله ثبوت الرد وان الميزان قيام العين بنفسها حال الرد، فتصير دعواه ذات أثر، وأما إرجاع دعواهما إلى دعوى أخرى ذات أثر فلا وجه له، إلا ان يكون اللازم العرفي من تلك الدعوى هي دعوى أخرى ذات أثر، فيكون المسموع هو الدعوى المذكورة. وكيف كان، فلو ادعى البائع زوال القديم، وانكر المشتري كان القول قول المشتري، للصدق العرفي، ولاصالة بقاء العيب، أو عدم زواله إلى زمان التسليم إلى المشتري، ولا يكون الاصل المذكور مثبتا، لان المفروض

[ 109 ]

تحقق العيب حال العقد والشك في بقائه إلى زمان الدفع، وليس الدفع من القيود التي نحتاج إلى إثباتها، واما بقاء الحادث وزواله فليسا مورد الدعوى حتى يجري الاصل فيه. ولو ادعى المشتري زوال العيب الحادث ليستفيد منه حق الرد وانكر البائع فالقول قول البائع لانه منكر عرفا، ولاصالة بقائه أو عدم زواله إن كان جواز الرد مترتبا على ذلك، وكان قوله عليه السلام في المرسلة (1): " إن كان قائما بعينه " كناية عن عدم وجود العيب في مقابل وجوده، كما هو الظاهر. ولو ادعى البائع زوال القديم والمشتري زوال الجديد فيتداعيان ويتحالفان فان قلنا بأن زوال العيب القديم لا يوجب سقوط الارش، فحينئد مع التحالف يرجع المشتري إلى الارش لتسالمهما على ثبوته، واما على القول بأنه يوجب سقوط الارش أيضا، ففي الحكم بثبوت الارش بعد التحالف تأمل واشكال، وإن كان الظاهر ان هذا الفرض هو المحكي عن الشافعي " بأنه مع التحالف استفاد البائع بيمينه دفع الرد، واستفاد المشتري بيميه أخذ الارش " انتهى، ولا يبعد الرجوع إلى القرعة بعد التحالف أو إلزامهم بالتصالح. و (منها) ما لو اختلفا في زمان حدوث عيب مشاهد غير ما اتفقا على وجوده، فلو ادعى المشتري حدوثه عند البائع فأنكره، فالقول قول البائع للصدق العرفي، واما اصالة عدم حدوثه سواء كان المراد به عدم وجوده حال البيع أو عدم حدوثه قبل القبض على اختلاف في المدعى فلا تجري لما مر مرارا من عدم الحالة السابقة المتيقنة على وجه، وكون الاصل مثبتا على آخر، هذا إذا كان الاختلاف في وجوده حال العقد.


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب - الخيار - الحديث 3.

[ 110 ]

وأما لو اختلفا في انه حدث بعد القبض أو انه حدث قبل القبض الذي هو مورد قاعدة التلف فالحكم كذلك، فانه بهذا العنوان غير مسبوق باليقين، والعدم المطلق المسبوق لا يثبت به ذلك (نعم) لو كان بعد العقد وقبل القبض زمان علم عدم تلفه فيه يصح إجراء الاصل، وليس بمثبت. ولو ادعى البائع حدوثه عند المشتري ليسقط الرد، فالقول قول المشتري لا لاصالة عدم حدوثه عند المشتري، لان فيها ما تقدم في الاصول المتقدمة كما يظهر بالتأمل، بل لما مر من الصدق العرفي، واما أصالة عدم حدوثه عند البائع فلا تصلح لاثبات حدوثه عند المشتري، مضافا إلى أنها على فرض الجريان يكون الصدق العرفي مقدما على الاصل كما أشرنا إليه سالفا ومنه يظهر الحال فيما إذا ادعى كل منهما حدوثه عند صاحبه، كما يظهر الكلام في الاختلاف في الزيادة، فلا طائل في الاطالة. و (منها) مالو اختلفا في البراءة فادعى البائع البراءة فأنكرها المشتري فالقول قول المنكر، للصدق العرفي، لا لاصالة عدمها، فان ما هو الموضوع للاثر على ما هو المستفاد من رواية زرارة (1) اشتراء شئ به عيب لم يتبرأ منه، وهذا العنوان لا يمكن إثباته إلا بالاصل المثبت، ولو انكر المشتري سماع البراءة، فالقول قوله ايضا. (وقد يقال): إن مكاتبة جعفر بن عيسى (2) يظهر منها خلاف ذلك، قال: " كتب إلى أبي الحسن عليه السلام جعلت فداك المتاع يباع فيمن يزيد فينادي عليه المنادي، فإذا نادى عليه برئ من كل عيب فيه، فإذا اشتراه المشتري ورضيه ولم يبق إلا نقد الثمن فربما زهد، فإذا زهد فيه ادعى عيوبا وانه لم يعلم بها، فيقول المنادي: قد برئت منها، فيقول


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب احكام العيوب - الحديث 1.

[ 111 ]

المشتري: لم اسمع البراءة منها، أيصدق فلا يجب عليه الثمن أم لا يصدق فيجب عليه الثمن؟ فكتب: عليه الثمن ". وعن الحدائق أن المفهوم من مساق الخبر ان إنكار المشتري إنما وقع مدالسة لعدم رغبته في المبيع، وهو غير بعيد عن ظاهر الخبر، ولعل السائل نقل صورة القضية على ما هي عليه. ليطلع على تكليفه أو تكليف غيره إذا كان الثمن المأخوذ منه مورد ابتلائه. وقد حمل الخبر الشيخ الاعظم (قده) على ما يوافق قاعدة كون البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، بأن قول المنكر مخالف للظاهر بحسب جريان العادة على سماع النداء على ما هو المتعارف من الدلالين، وهو جيد. واستشكل بعضهم فيه - مع قوله: ولعمري إنه توجيه وجيه " بأنه يتوقف على ان موافقة الظاهر ومخالفته الموجبة لتشخيص المدعي والمنكر مجرد المخالفة للظاهر العرفي وإن لم يقم دليل على حجيته، وإلا فكل ظهور حال لا دليل على حجيته ولو من العقلاء، وظهور مقام النداء في سماع كل من حضر للشراء من هذا القبيل " انتهى (وفيه) - مضافا إلى قوة احتمال عدم اعتناء العقلاء بمثل دعوى عدم السماع - انه مع التصديق بأن محط مفاد الرواية هو ما أفاده الشيخ (قده) تكون نفس تلك الرواية دليلا على حجية مثل هذا الظهور. ويمكن توجيه الرواية بوجه آخر، وهو ان المقصود من السؤال العلم بتكليفه من المعاملة مع الثمن معالمة ملك البائع أو المشتري على فرض أخذ الدلال من المشتري لا بتكليف المشتري، فانه عالم بتكليفه لعلمه بالسماع أو عدمه، ولا تكليف القاضي في مقام تشخيص المدعى، فانه أمر بعيد من مثل السائل الذي هو من أصحاب الكتب نظير محمد بن مسلم وأشباهه من

[ 112 ]

الفقهاء مع عدم كونه ولا غيره من اصحابنا في معرض القضاء، ويؤيده أن دعوى النداء لا تقابل إنكار السماع، وصورة القضية أن البائع قال إني برئت وقال المشتري: لم أسمع، فلم ينكر ما ادعاه كما لم يدع البائع سماعه. (وأما) الاشكال الآخر في الرواية (1) من أن النداء ما لم يقع في ضمن العقد لا يوجب سقوط الخيار، والظاهر منها أن النداء كان قبل العقد كما هو المتعارف في البيع بالمزاد (فمبني) على أن البراءة من العيوب من المسقطات، ولا بد في إسقاط الخيار من الانشاء وهو بمكان من الضعف، لما تكرر من أن خيار العيب عقلائي ولم يكن لجعل الشارع فيه دخالة إلا نادرا، ومن المعلوم أن النداء بالبراءة على النحو المعهود المتعارف موجب لعدم سببية العيب على فرض وجوده للخيار وأن ذلك دافع لا مسقط ولا من قبيل شرط السقوط أو شرط عدم الخيار، فإذا نادى بالبراءة وسمع المشتري واشتراه وقع العقد لازما بلا خيار عند العقلاء، والرواية شاهدة لذلك، فالقول باعتبار شرط السقوط في ضمن العقد أو انشاء البراءة أو شرط عدم الخيار بعيد عن الصواب وهذا نظير العلم بالعيب حيث يكون موجبا لعدم ثبوت الخيار لا لسقوطه. فالتفصي عنه بما أفاده الشيخ (قده) غير محتاج إليه بل غير مرضي، كما لا وقع للتفصي عنه بأن مدرك الخيار التزام البائع بالصحة، ومع التبري لا يكون التزام حتى يثبت الخيار، وذلك لما مر سالفا من عدم الاساس لهذه الدعوى. ثم إن اليمين لا بد وأن تكون على إنكار مصب الدعوى وهو مختلف فان ادعى البائع النداء بالبراءة وأنكر المشتري نداءه، فاليمين على عدم


(1) المتقدمة في ص 110.

[ 113 ]

النداء، وإن توافقا في النداء واختلفا في سماع المشتري وعدمه، فالبائع ادعى سماعه وهو أنكره، فاليمين على عدم السماع وهو يمين على البت، والاثر مترتب على سماعه وعدمه. و (منها) ما لو ادعى البائع رضا المشتري بالعيب بعد العلم به بناء على كونه مسقطا أو ادعى إسقاط الخيار بعد العقد أو تصرفه بما يوجب السقوط أو حدوث عيب عنده بعد ماكان غير موجود عند التسليم، وفي جميع تلك الصور يكون القول قول المشتري، للصدق العرفي وللاصول الجارية، نعم لو كان الاختلاف في اشتراط السقوط في ضمن العقد يرد على أصالة عدم الاشتراط ما يرد على الاصول المتقدمة، فالاتكال في التشخيص على الصدق العرفي. السادس: في الاختلاف في الفسخ، وفيه مسائل: الاولى: لو اختلفا في الفسخ فان كان سبب الخيار باقيا بمعنى انه لو كان كاذبا في دعواه كان له الخيار، فحينئذ لو فسخ فعلا يعلم بالانحلال إما سابقا لو كان صادقا أو فعلا لو كان كاذبا، وإنما تسمع دعوى فسخه سابقا إذا كان لدعواه أثر. ثم إنه حكي عن الشهيد أنه يمكن جعل إقراره إنشاء، ولم يتضح مراده، فان كان المقصود منه أن إخباره بالفسخ يمكن أن يكون على نحو الكناية، كالاخبار بكثرة الرماد للانتقال إلى السخاوة، وكالجمل الاخبارية التي يؤتى بها في مقام الانشاء، نظير " أنكحت " و " بعت " فهو خروج

[ 114 ]

عن محل البحث، لان المفروض أنه ادعى الفسخ السابق وأخبر به، لا أنه أنشأه بالجملة الاخبارية. ومنه يظهر الاشكال فيه لو كان مراده إمكان الجمع بين الاخبار والانشاء، لجواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، فانه أيضا خروج عن محط البحث، مع انه لو كان صادقا في دعواه لم يعقل له تمشي الجد في إنشائه، لان إنشاء حل ما هو منحل محال جدا. وإن كان المراد ان الاخبار عن الفسخ إظهار لعدم الرضا بالبيع، ولا يعتبر في الفسخ إلا نيته ووجود مظهر ففيه على فرض تسلميه أنه فيما إذا أراد الفسخ ونواه وأظهرها بوجه، دون ما إذا أخبر بأمر سابق، بداهة أنه مع صحة دعواه لا يعقل أن ينوي الفسخ، فلا يمكن حمل اخباره على نيته له، مع ان في كفاية ما ذكر في الفسخ وانحلال العقد به منع، مضافا إلى أن ذلك مخالف لظاهر محكي كلام الشهيد (قده) كما ان ما حمله الشيخ (قده) عليه احتمل كون ما ذكر للقاعدة المشهورة من ان " من ملك شيئا ملك الاقرار به " - بعيد بل غير صحيح جدا. نعم هنا كلام آخر وهو ان دعواه الفسخ مشمولة للقاعدة، بل تكون القدر المتيقن منها، لانه ملك الفسخ، أو الخيار فملك الاقرار به، فيكون منكرا، لموافقة قوله للقاعدة الشرعية، وإن كان مدعيا بحسب العرف (وفيه) - مضافا إلى تطرق الاحتمالات في متن القاعدة بحيث يمكن منع انطباقها على المورد فضلا عن كونه متيقنا، ومضافا إلى منع ثبوتها بالمعنى الوسيع الذي أرادو إثباته - ان الاتكال عليها في تشخيص المنكر محل اشكال بل منع، لما تقدم من ان الميزان هو التشخيص عرفا، ومع التعارض هو المتقدم على غيره. ثم إنه على فرض انطباق القاعدة على المورد لا وجه لعدم انطباقها

[ 115 ]

على الفرض الآخر، وهو ما لو اختلفا في الفسخ بعد انقضاء زمان الخيار فانه لو اعتبر في الانطباق وحدة زمان الاقرار والملك الفعلي لم يصح التمسك بها في شئ من الموردين، وذلك للخروج عنها في الفرض الثاني، وكونه من قبيل الشبهة المصداقية لها في الاول، ضرورة عدم إحراز فعلية الخيار في حال إقراره، بل إقراره مضاد للخيار الفعلي وإن لم نعتبر ذلك واكتفينا بالاقرار بلحاظ حال الملك، فالفرض الثاني ايضا كذلك مع انهم لم يحتملوا انطباقها عليه، بل الظاهر منهم عدم الانطباق، وكيف كان، ففي هذا الفرض ايضا يكون المشتري مدعيا وعليه البينة، وعلى البائع الحلف على عدم الفسخ بتا وهو ممكن، ولو ادعى علمه بذلك كان عليه الحلف على نفيه لكنه لا يكون قاطعا للخلاف وفاصلا للخصومة. ثم إنه إذا لم يثبت الفسخ، فهل للمشتري الارش أم لا؟ لاقراره بالفسخ اللازم من عدم الارش، وعن الشهيد " أنه يحتمل ان يأخذ أقل الامرين من الارش، وما زاد على القيمة من الثمن إن اتفق لانه بزعمه يستحق استرداد الثمن ورد القيمة، فيقع التقاص في القيمة، ويبقى قدر الارش مستحقا على التقديرين " انتهى، وهو جيد في بعض الفروض. الثانية: لو اختلفا في تأخر الفسخ عن أول الوقت بناء على فورية الخيار (فتارة) يكون مصب الدعوى تقدم الفسخ على وقت مضي الخيار وعدمه، أو تقدمه على اخر الوقت وعدمه، أو تأخره عن اول الوقت وعدمه، وفي شئ منها لا تجري الاصول ولا تصلح لاثبات تلك العناوين واما المدعي والمنكر عرفا فظاهر: فمع الاثر للدعوى تسمع وتكون البينة على المدعي. (واخرى) يكون المصب وقوع الفسخ في حال الخيار، فيدعيه المشتري، فالقول قول البائع للصدق العرفي، ولاصالة عدم الفسخ حال

[ 116 ]

وجود الخيار، فانه بهذا العنوان مسبوق باليقين بعد العقد وفي زمان الخيار آنا ما، والفسخ حاله موضوع ذو أثر، وهو حل العقد به شرعا، وجريان الاصل لنفيه لا مانع منه كما هو المتسالم بينهم، واما أصالة بقاء الخيار إلى حال الفسخ فلا وقع لها، لان بقاءه إلى حاله لا أثر له، وإنما الاثر للازمه العقلي وهو الفسخ حال الخيار، ولا تصلح لاثباته إلا على القول بالاصل المثبت. ومن التأمل فيما ذكرنا يظهر النظر في كلام السيد الطباطبائي وغيره في تعليقهما. (وأما) أصالة صحة الفسخ ففيها إشكالات تعرض لبعضها الاعلام. ولو علم تاريخ الفسخ وشك في وقوع العقد قبله بزمان طويل أو قبيله بحيث لا يضر بالفورية فلا أصل لاحرازه، وهو واضح. الثالثة: لو ادعى البائع علم المشتري بالخيار أو بفوريته وانكره المشتري فالقول قول المشتري (وقد يقال): إنه كذلك إلا ان يكون قوله مخالفا للظاهر المعتمد (وفيه) إشكال تقدم الكلام فيه. (وقد يقال): إن ثبوت الخيار للعالم به أو ثبوت الفورية للعالم بها غير معقول، إما للدور أو للخلف، نظير ما يقوله المصوبة (وفيه) أن قول المصوبة لا يستلزم المحال، وان كان خلاف الواقع، وقد ذكرنا في محله انه لا مانع من جعل الاحكام القانونية الصورية ليجتهد فيها المجتهدون فإذا ادى اجتهاد بعضهم إلى حكم والآخر إلى حكم آخر مخالفه تبع الحكم الفعلي لاجتهادهم، ويمكن تصور ذلك في المقام ايضا، ويمكن القول فيه زائدا على ذلك بناء على كون الدليل على الخيار حديث نفي الضرر (1) بأنه حاكم على دليل اللزوم بمقدار لا ينسب الضرر إلى تقصير صاحب الخيار


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الخيار. والباب - 12 - من كتاب احياء الموات.

[ 117 ]

فيدعى ان عدم إعماله مع علمه بالخيار إهمال موجب لسلب الخيار لقصور دليله، والامر سهل. القول في ماهية العيب المأخوذ في ما سوى رواية زرارة (1) من روايات الباب (2) هو عنوان العيب، وأما فيها فقد ذكر العوار ايضا بعد العيب بلفظة " أو " كما في الكافي وجل الكتب التي تنقل عنه سوى الوسائل، فان الموجود في النسخة التي عندنا العطف بالواو، وفي التهذيب بدل " العوار " " العور " اما على ما في نسخة الكافي المعروفة، فلا يبعد ان يكون المراد به الخرق والشق كما هو احد معانية، بل لم يذكر الراغب في مفرداته من معانيه العيب، وعليه فيكون العطف من قبيل عطف الخاص على العام، وقد ذكر خصوص الخرق في بعض روايات الباب (3)، وأما على ما في نسخة التهذيب فكونه من قبيل عطف الخاص على العام واضح، فان العور ضعف حاسة إحدى العينين أو ذهابها، ولعل ذكره بالخصوص لاجل التنبيه على هذا القبيل من النقص الذي لا أثر له في الظاهر وإن كان عيبا حقيقة. وكيف كان فالمأخوذ في النص (4) والفتوى هو عنوان العيب،


(1) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2 - 4. (2) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار والباب - 4 - من ابواب أحكام العيوب.

[ 118 ]

والمعول في تشخيصه مفهوما ومصداقا هو العرف، كما هو الحال في جميع العناوين العقلائية المأخوذة في الادلة، إلا ان يقوم دليل على الخلاف، وسيأتي الكلام فيه. ثم إن العيب من العناوين التي تختلف الانظار فيها بحسب الامكنة والازمنة و الاعتبارات والعقائد، فربما يكون شئ في بعض الازمنة عيبا ولا يعد عيبا في زمان آخر، بل قد يعد كمالا، وكذا مع اختلاف الامكنة كما في قصر شعر المرأة من الاصل حسب اختلاف الامكنة والازمنة، وسواد اللون وبياضه في النساء حسب اختلاف البلاد، وكما في كون المرأة قليلة الولادة فانه عيب في بعض النواحي وكمال في الآخر، وكذلك الختان كمال في محيط المسلمين واليهود، وعيب في محيط النصاري، فلابد من الايكال إلى العرف، مع رعاية محيط المتعاملين بحسب الازمنة والامكنة والعادات. والتعاريف التي وردت في كلام الفقهاء كالامثلة المذكورة في لسانهم لعلها وردت بملاحظة محيطهم وعاداتهم وعقائدهم، ومن الواضح ان المسائل الفقهية لا تختص بمحيط دون محيط ولا بزمان دون زمان. مع ان تلك التعاريف قاصرة عن إفادة مطلق العيب الذي نحن بصدد بيان ماهيته، كقولهم: هو الخروج عن المجرى الطبيعي، وقد ادعى في مفتاح الكرامة ان هذا الضابط مجمع عليه في الجملة، وعن مجمع البرهان الاتفاق عليه، مع ان المحكي عنه تفسيره بأصل الخلقة. وأنت خبير بأن ذلك الضابط لا ينطبق إلا على الخارج عن مقتضيات الطبيعة، من الماهيات الاصيلة دون المصنوعات بيد البشر، كالمنسوجات ونحوها، سيما مع تفسيره بأصل الخلقة كما هو الظاهر منه، وتفسيره بما جرت به العادة موجب لخروج المخلوقات الطبيعية، فانها ليست على مجاري

[ 119 ]

العادة، إذ لا دخل لها في وجودها. والاولى إيكاله إلى العرف، فانه أمر واضح، ولعل التفاسير توجب الابهام، ولعل ما في المنجد من تفسيره بالنقيصة احسن ما ذكر في الباب فان الزيادات لو لم ترجع إلى نقيصة في الشئ لا تعد عيبا، والنقيصة تشمل النقص في الخلقة الاصلية كنقص الاصبع وزيادته وما في المصنوعات من العيوب في الاوصاف ونحوها. وأما ما افاده الشيخ الاعظم (قده) - من انه النقص عن مرتبة الصحة المتوسطة بينه وبين الكمال، فالصحة ما يقتضيه أصل الماهية المشتركة بين افراد الشئ لو خلي وطبعه - فيرد عليه ما تقدم من ان الكلام لا يختص بالعيوب التي تفرض في افراد الماهيات الاصيلة، حتى يقال إن مقتضى الماهية كذا، والامر سهل بعد وضوح المطلوب. ثم إنه لا إشكال في ثبوت خيار العيب عند العقلاء في غير المخلوقات الالهية والماهيات الاصيلة، ولا دليل على الانحصار بموارد العيب بحسب اصل الخلقة إلا توهم دلالة رواية السياري (1) عليه، وفيها بعد ذكر قضية ابن أبي ليلى " فأتى محمد بن مسلم الثقفي، فقال له: أي شئ تروون عن ابي جعفر عليه السلام في المرأة لا يكون على ركبها شعر يكون ذلك عيبا؟ فقال محمد بن مسلم: اما هذا نصا فلا اعرفه، ولكني حدثنى أبو جعفر عن ابيه عن آبائه عن النبي صلوات الله وسلامه عليهم انه قال: كل ما كان في اصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب " إلى آخرها (بدعوى) ان الكلية بصدد تحديد العيب الذي هو موضوع للحكم الشرعي، فما هو خارج عنها لا حكم له وإن كان عيبا. وفيه - مضافا إلى ضعف السند وإرسالها، وتوهم عمل الاصحاب بها


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب احكام العيوب - الحديث 1.

[ 120 ]

بملاحظة ان عباراتهم على طبق مضمونها فاسد، لانها ليست كتعبيرها، ولعل التعبير بما ذكر فيها تفسير بالمعنى الارتكازي العرفي، تأمل، بل الظاهر عدم عمل احد منهم بها، ضرورة عدم حصرهم خيار العيب بما هو ناقص في الخلقة الاصلية، فهي على فرض دلالتها على الحصر معرض عنها لا معمول بها - أن دلالتها على الحصر ممنوعة، ضرورة ان سؤال ابن ابي ليلى وجواب ابن مسلم يختصان بالجارية وتلك الكلية يحتمل ان تكون واردة فيها اوفي مطلق الحيوان أو في المخلوقات الاصيلة مطلقا ومع الاحتمالات لا يمكن استفادة الردع منها. وعلى فرض ورودها في المخلوقات الاصيلة فلا دلاله لها على التحديد والحصر، فان غاية دلالتها ان النقص والزيادة المذكورين عيب لا ان العيب منحصر بهما، ويشهد له إثبات الخيار في الروايات (1) بجملة من الاشياء التي لا تكون من المخلوقات بالمعنى المذكور، كالثوب ونحوه وكذا في الحيوان مما لا يكون العيب من قبيل النقص في الخلقة، فلا إشكال في عدم صلوح الرواية للردع عن بناء العقلاء، أو لتقييد الاطلاق لو كان في الباب اطلاق. ولو كانت الزيادة أو النقيصة موجبة لزيادة القيمة أو عدم النقص فان لم تعد عرفا عيبا كالختان - بناء على ان الغلفة زائدة خلقت لاجل تربية حشفة الطفل في الباطن، كالغلاف المخلوق لبعض الحبوب لتربيته وعليه فعند الاستغناء عنها لا يكون قطعها عيبا - فلا إشكال في عدم ثبوت الخيار لانه مترتب على عنوانه لا على النقص، وقد عرفت حال رواية السياري (2).


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار. (2) راجع ص 119.

[ 121 ]

وإن كانت تعد عيبا عرفا وإن أوجبت زيادة القيمة - كالخصاء في الحيوان الذي لا يصير خاضعا للعمل المطلوب منه إلا باخصائه - فهل يثبت بمثل ذلك العيب خياره أم يختص بالعيوب الموجبة للنقص؟ الظاهر عدم الاختصاص وثبوت الخيار مطلقا، لبناء العقلاء على ثبوته للعيب من غير نظر إلى القيم، كما أن خيار الغبن ثابت للشئ بلحاظ القيمة، من غير نظر إلى أوصاف الشئ وأجزائه إلا لتشخيص قيمته، فلو اشترى عبدا أعرجا يوجب عرجه زيادة قيمة لاجل منعه عن الاباق فلا ينبغي الاشكال في ثبوت الخيار له، فالعيب بعنوانه الذاتي محط نظر العقلاء لا ثبات الخيار. كما أن مقتضى إطلاق السؤال والشرطية الاولى في مرسلة جميل (1) هو ذلك وقد تقدم في محله ان المرسلة مشتملة على شرطيتين لاثبات حكمين مستقلين، وليس الشرطية الثانية مفهوم الاولى، فان إحداهما متكفلة لاثبات الرد والثانية لاثبات الارش، فلا وجه لتوهم عدم الاطلاق في الاولى. فتحصل ان مقتضى بناء العرف واطلاق الدليل ثبوته، ولا دليل على الردع عن البناء ولا على تقييد الاطلاق لان تعرض الروايات (2) للعيوب الموجبة للارش لا يفهم منه الاختصاص، وإنما ذلك لكون غالب العيوب كذلك، فلا تصلح تلك الروايات للتقييد والردع، وعدم اخذ ذي الخيار بخياره إذا كان غرضه المالية غير عدم حق الخيار، كما لو اشترى شيئا بقيمة رابحة جدا فوجد فيه عيبا، وكانت السلعة مع ذلك رابحة جدا، ولاجله ترك الاخذ بالخيار، ومن المعلوم ان ذلك لا ينافي ثبوته له. وبما ذكرنا يظهر النظر في كلام الشيخ الاعظم (قده) من تقوية


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الخيار والباب - 4 - من ابواب احكام العيوب.

[ 122 ]

احتمال كون المناط في العيب هو النقص المالي، و (أما) ما في تعليقة السيد الطباطبائي (قده) من ان هذا هو المتعين، قائلا بأن المراد من العيب في المقام بحكم الانصراف هو العيب من حيث المالية لا في حد نفسه، وإلا فكثير من الاوصاف والزيادات والنقائص عيب في الشئ في حد نفسه خصوصا في مثل الحيوانات، ولا يكون متعلقا للحكم بلا إشكال انتهى، (ففيه) انه خلط بين العيوب التي لا يعتنى بها العقلاء والتي هي مورد الاعتناء وإن زادت بها القيمة. وتوضيحه: انه كما يختلف تفاوت القيمة باختلاف المعاملات المتعلقة بالامتعة والسلعة في ثبوت خيار الغبن وعدمه، فقد يكون النقص عن القيمة بمقدار ربع الدينار أو أقل في معامله غبنا، ولا يكون كذلك في معاملة اخرى، بل لا تعد عشرات منه في بعض المعاملات غبنا وإن كان نقصا بحسب الواقع، فلا يقال عرفا في من باع عمارة أو سفينة كبيرة قيمتها مليون دينارا بأقل منه بمقدار مائة دينار ونحوها: إنه مغبون وله الخيار، كذلك العيوب في خيار العيب يختلف حكمها بحسب اختلاف المعاملات، فلو اشتري عمارة ذات طوابق كان أحد أبواب بعض الطوابق معيوبا لا يقال إن المبيع معيوب وله خيار العيب، بخلاف ما لو اشترى نفس الباب فان نقصه عيب يوجب الخيار، وعلى هذا القياس لو اشترى قرية كانت فيها دور وعمارات وكان بعض غرفها خربا لا يعتني به العقلاء بالنسبة إلى تلك المعاملة، فتختلف المعاملات في ثبوت خيار العيب وعدمه فيها، فقد يعتني العقلاء بأقل مراتب العيب ويثبت عندهم خياره، وقد لا يعتنون به. فما أفاده - من أن كثيرا ما يكون في الاشياء عيب ولا خيار فيه بلا إشكال - حق، لكنه ليس لاجل دخالة المالية في ثبوت الخيار، بل لاجل لزوم كون العيب مما يعتني به العقلاء في المعاملة، وعليه فالعرج

[ 123 ]

عيب يوجب الخيار وإن زادت القيمة به أحيانا، وكذا الخصاء عيب موجب له وإن زادت بها. ثم إنه لو كان النقص شائعا في أفراد طبيعة كالخصاء في العوامل وكالختان في المسلمين فان كان ذلك موجبا لعدم صدق العيب عليه فلا إشكال في عدم ثبوت خياره، وأما مع صدق العنوان فيختلف الحكم حسب اختلاف المباني في ملاك ثبوت الخيار. فعلى القول بأن الملاك هو التزام البائع ضمنا بالسلامة من العيوب، لابد من التفصيل بين علم البائع بالشيوع وعدمه، وضرورة أنه مع جهله يكون الالتزام بها متحققا على فرض صحة المبنى، بل الامر كذلك لو قلنا بأن بيع مثل ذلك ملازم للتبري من العيب، بداهة أنه مع جهل البائع لا وجه له، ومن هنا ظهر ما في اطلاق الشيخ (قده) وغيره. وإن قلنا بأن الخيار ثابت إلا مع إقدام المشتري على اشتراء المعيب فلا بد من التفصيل بين علمه بالواقع وعدمه، إذ مع جهله لا إقدام كما لا يخفى، وهكذا لو قلنا بأن اعتماد المشتري على أصالة الصحة موجب له، لوضوح ثبوت ذلك مع الجهل (نعم) لو قلنا بأن ثبوت الخيار لاجل كون الاصل والقاعدة في الاشياء السلامة، والمناط هو ثبوت القاعدة واقعا فلا يثبت مطلقا فيما إذا كان الاصل فيه العيب، أو لم يكن الاصل فيه السلامة. ثم إنه مع عدم كون النقص عن الخلقة الاصلية عيبا، فعلى مبنى القوم يثبت للمشتري مع جهل المتبايعين بشيوعه خيار تخلف الشرط الضمني، بدعوى ان الاصل هو السلامة عن مطلق النقص الخلقي، سواء كان عيبا أم لا، ولازم ذلك أن الشرط الضمني يوجب خيار العيب فيما إذا كان النقص عيبا وخيار تخلف الشرط فيما إذا لم يكن كذلك.

[ 124 ]

وفيه ما لا يخفى، فان الشرط المذكور لو كان موجبا للخيار بما هو شرط، لا وجه لعدم إيجابه في مورد العيب، بل لابد إذن من إثبات خيارين أحدهما خيار الشرط بدليله والآخر خيار العيب بالادلة الخاصة. ويجري هذا الكلام فيما إذا اشترط صريحا عدم عيب خاص مثل الخصاء ففي مثله يمكن أن يقال بثبوت خيارين لتحقق سببهما، وان يقال بثبوت خيار العيب فقط بناء على ثبوته بسبب الشرط الضمني في غير المقام، بدعوى ان الشرط المذكور لم يكن غير الشرط الضمني المصرح به، بل هو تأكيد له لا شرط زائد، فلو لم يثبت بالشرط الضمنى في مرود العيب إلا خيار العيب فلا وجه لثبوت خيار غيره، أو يقال بثبوت خيار الشرط فقط، لان ثبوت خيار العيب إنما هو لاجل الاتكال على أصل السلامة، والشرط الصريح كاشف عن عدمه. والاولى أن يقال: إن الشرط الضمني لا أصل له، وأما لو شرط صريح فيثبت به خيار تخلف الشرط لدى العقلاء، وأما خيار العيب، فبناء على ثبوته لدى العقلاء بتحقق عنوانه مع عدم التبري عنه وعدم إقدام المشتري لابد من القول به أيضا وإن كان العيب شائعا في أفراد الطبيعة مع فرض جهلهما به. وأما إن قلنا بأنه إنما يثبت عندهم فيما إذا كان الاصل فيه هو السلامة فمع شيوع العيب - حيث لا أصل بل الاصل خلافه - لا يثبت خياره لدى العقلاء، لكن مقتضى إطلاق دليل الخيار كمرسلة جميل (1) ثبوته، فلو قلنا بثبوت الخيارين كان المشتري مخيرا شرعا قبل تغير العين بين أخذ الارش والفسخ لخيار العيب وخيار آخر هو خيار تخلف الشرط، ومع


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 125 ]

التغير يكون مخيرا بين الارش للعيب والفسخ لتخلف الشرط والتخيير بينهما عقلي بعد بطلان الجمع. ثم إن الثمرة في ان الثابت هل هو خيار تخلف الشرط فقط أو خيار العيب كذلك تظهر فيما إذا كان للعيب أرش، فمع ثبوت خيار العيب يتخير بين الرد والارش، بخلاف خيار تخلف الشرط، فان له الفسخ فقط كما أنها تظهر مع تغير العين، فليس له الرد في خيار العيب دون تخلف الشرط. (وقد يقال): إن سقوط الرد فيما إذا كان للعيب أرش لا مطلقا فلا ثمرة بينهما من هذه الجهة. (وفيه منع) لما تقدم منا من إطلاق مرسلة جميل (1) وتوهم الاختصاص ناش عن توهم كون الجملة الثانية فيها مفهوما للاولى، وقد تقدم تزييفه. وأما الثمرة الاخرى التي أشار إليها الشيخ الاعظم (قده) في صورة حصول هذا النقص قبل القبض أو في زمان الخيار، ففيها كلام طويل الذيل، ذكرنا جملة وافية منه في مسقطات خيار العيب، وسيأتي إن شاء الله ايضا في محله، فلا مجال ها هنا لتعرضه، وإن كان الاقوى ان النقص الحاصل قبل القبض يثبت به الرد والارش في خيار العيب، ولا يثبت به شئ في خيار الشرط، وأما الحاصل في زمان الخيار، ففيه كلام وإشكال، فراجع ما حررناه في المقام المشار إليه. الكلام في الارش وله في اللغة معان مختلفة ذاتا بحيث لا يعقل فيها الاشتراك المعنوي كما ان القول بالاشتراك اللفظي في جميع موارد استعمال لفظة " الارش "


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 126 ]

غير ظاهر، ولا وجه لا رجاع الكل بالتكلف البارد إلى معنى واحد فيما أمكن والقول بالمجاز فيما لا يمكن، كما لا داعي للقول بالاشتراك فيما يكون له جامع قريب عرفي، وكيف كان لا إبهام في معناه المراد منه في المقام في النص والفتوى، فانه عبارة عن التفاوت الذي يكون بين الصحيح والمعيب وبعبارة أخرى ما يرد لجبر ما أخذ بلحاظ وصف الصحة، ففي رواية حماد بن عيسى (1) " له أرش العيب " وفي رواية طلحة بن زيد (2) " يرد البائع على المبتاع فضل ما بين الصحة والداء " وهذا تفسير له. ثم إنه لاريب في أن الضمان هنا على فرض تسليم كون الارش مضمونا ليس ضمان اليد ولا ضمان الاتلاف وهو واضح، لعدم سبب لضمانهما ولا ضمان المعاوضة، لان وصف الصحة لم يقابل بعوض أو لا، ولم يفرض فسخ العقد أو تنزيله منزلته حتى يضمن ما يقابله ثانيا. (نعم) لو قلنا بضمان القيمة الواقعية للعيب كان شبيها بضمان اليد، كما أنه لو قلنا بضمان مقدار من الثمن الذي وقع بلحاظ وصف الصحة كان شبيها بضمان المعاوضة، فعلى القول بالضمان يكون ضمانا مستقلا غير الضمانين لكن الشأن في كونه مضمونا، وقد تعرضنا له سابقا ورجحنا بحسب المتفاهم من الادلة أن للمشتري مثلا حق الرجوع إلى البائع بالارش، وأخذه منه من دون أن يكون على ذمته من الاول أو عند الرجوع إليه، فلو اطلق على ذلك الضمان فلا مشاحة. وهل المضمون بهذا المعنى هو ما به التفاوت بين الصحيح والمعيب بحسب القيمة الواقعية من غير نظر إلى العوض والثمن في المعاملة، فيكون المضمون نظير ضمان اليد، أو يلاحظ التفاوت بينهما ويكون المضمون هو ما به التفاوت بالنسبة إلى الثمن؟ وبعبارة اخرى جزء من المال تكون نسبته


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من ا بواب احكام العيوب - الحديث 7 - 2.

[ 127 ]

إلى الثمن كنسبة المعيب إلى الصحيح، فلو كانت قيمة المعيب نصف قيمة الصحيح كان المضمون نصف المسمى لا نصف القيمة بحسب الواقع. لا إشكال في أن بناء العرف والعقلاء هو الرجوع إلى البائع بمقدار ما تسلمه بلحاظ وصف الصحة، فلو اشترى شيئا بعشرة، وكان إعطاء دينارين منها بلحاظ وصف صحته يرجع إليه بدينارين لا أزيد، وهذا بناء عقلائي في خصوص خيار العيب، وقد تقدم كرارا أن خياره عقلائي كما ان الارش عقلائي وإن لم يكن التخير بينهما كذلك، والارش عندهم ليس إلا ما ذهب من كيسهم بلحاظ وصف الصحة، وليس بناؤهم على تغريم البائع بأزيد مما خرج من كيس المشتري بلحاظ الوصف بلا سبب للضمان والغرامة، ولا على الاضرار بالمشتري لو اتفق نقص القيمة الواقعية عما خرج من كيسه، فما عليه الاكثر أو الجميع موافق لبناء العرف. (وأما) ما أفاده السيد الطباطبائي (قده) لاثبات التطبيق على القاعدة - من مقابلة الثمن لوصف الصحة بحسب اللب، وأن هنا معاوضتين إحداهما حسيه انشائية وثانيتهما معاوضة لبية، والضمان ها هنا ضمان المعاوضه اللبية، ولازمه انفساخ تلك المعاوضة لا المعاوضة الحسية - (ففيه) ما لا يخفى، ضرورة عدم عين ولا أثر لتلك المعاوضة اللبية المعنوية في سوق العقلاء يكون لها تحقق وانفساخ في مقابل المعاملة الرائجة، وزيادة القيمة واعطاؤها بلحاظ وصف الصحة أجنبية عن المعاوضة، كما ان زيادتها بلحاظ أوصاف الكمال ككون الدار قريبة من الشارع أو من الشط لا تعد معاوضة أو معاوضات. كما ان تقريره الآخر الظاهر من الشيخ الاعظم (قده) أيضا - بأن البائع التزم بالوصف للمشتري وأخذ بملاحظته زائدا عما يستحقه، فإذا تبين عدم وجود الوصف وجب عليه ان يخرج من عهدته، وإنما لا يجب إعطاء تمام القيمة بل بنسبة الثمن، لانه لم يلزم بهذا الوصف إلا أن يكون له

[ 128 ]

هذا المقدار من المالية - غير وجيه، لما تقدم منا من منع الالتزام مطلقا، وان خيار العيب ليس مترتبا على الالتزام المذكور فضلا عن الالتزام بالكيفية الخاصة المدعاة. ثم إنه على ما ذكرنا من حكم العقلاء حسب ارتكازهم باستحقاق خصوص ما خسر بلحاظ وصف الصحة واستبعادهم خلافه لا ينقدح في أذهانهم من جل روايات الباب إلا ما هو عندهم، والميزان في فهم الروايات هو فهم العرف لا الدقائق العقلية والمناقشات العلمية، ولا ريب في ان المفهوم العرفي من مثل قوله عليه السلام: " يرجع بنقصان العيب " (1) وقوله عليه السلام: " يأخذ أرش العيب " (2) ونحوهما ليس إلا ما ذهب من ماله من جهة العيب، أي يرجع إلى البائع لجبر ما نقص وجبر ما تضرر به، لا بأكثر منه ليرجع إلى الضمان من غير سبب، ولا بأقل منه ليرجع إلى اضراره كذلك، وأولى بذلك قوله عليه السلام: " ويرد بقدر ما نقص من ذكلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به " (3) وقوله عليه السلام: " يوضع عنها من ثمنها بقدر عيب إن كان فيها " (4) ونحو ذلك، فان المتفاهم منها عرفا ان الرد لجبر ما خرج من كيسه واضر به، لا أنه أمر مستقل ثبت جريمة عليه من غير سبب، كما في بعض الاحيان، أو إرفاقا له كما في بعض الموارد. نعم الظاهر من رواية طلحة بن زيد (5) ثبوت القيمة الواقعية، حيث روى عن أبي عبد الله عليه السلام " قال قضى امير المؤمنين عليه السلام في رجل اشترى جارية فوطأها ثم وجد فيها عيبا، قال: تقوم وهي صحيحة،


(1) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 3 - 2. (2) و (4) و (5) الوسائل الباب - 4 - من ابواب احكام العيوب الحديث 7 - 1 - 2.

[ 129 ]

وتقوم وبها الداء ثم يرد البائع على المبتاع فضل ما بين الصحة والداء ". وفيها - مع ضعفها سندا، واحتمال كون القضاء في مورد خاص لا بيانا للحكم الكلي فلا إطلاق فيها - أنها بل وجميع الروايات (1) على فرض تسليم ظهورها في القيمة الواقعية واردة مورد الغالب، سيما في مثل تلك الاعصار مع ملاحظة وضع السوق فيها من ثباته غالبا، خصوصا في زمان يسير يطلع فيه المشتري على عيب السلعة، حيث لم تكن القيمة الواقعية مختلفة في مثله مع المسمى، وعليه فلا إطلاق في الروايات بالنسبة إلى الموارد النادرة، فلا تصلح لردع البناء العقلائي على فرض تسليم الدلالة على القيمة الواقعية والغض عما عرفت من الدلالة على ما عليه الاصحاب. وأما رواية محمد بن مسلم (2) ففيها اهمال من هذه الجهة، بل الارتكاز العرفي لما كان مع ما هو المعهود عند الاصحاب يوجب ذلك حملها على ما هو المعهود، وكذا بعض الروايات الاخر (3) فراجعها. ثم إنه هل يتعين دفع الارش من عين الثمن المسمى أم لا؟ الظاهر هو الثاني، أما بحسب البناء العرفي والارتكازات العقلائية فلان رجوع جزء الثمن قهرا - بتخيل أن الثمن موزع على العين ووصف الصحة، ومع فقده يستحق الجزء، لعدم انتقاله رأسا إلى البائع أو لانفساخ العقد بالنسبة مما - تدفعه الضرورة، لعدم المقابلة إلا بين الثمن وذات السلعة، والاوصاف خارجة وإن كانت دخيلة في زيادة القيم ونقصها. (ورجوع) الجزء بلا انفساخ ولا مقابلة مذكورة بمعنى الجمع بين بعض العوض والمعوض، بدعوى ان بناءهم على الرجوع إلى عين ما ذهب من كيسهم - (ممنوع) بعد فرض عدم المقابلة المذكورة، وأداء الامر إلى


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب احكام العيوب الحديث 0 - 4 - 0.

[ 130 ]

الجمع الممنوع عرفا وعقلا، فلا محالة يكون الرجوع لاجل سد الخلة الحاصلة في تلك المعاملة، وجبر الضرر الناشئ منها. وإن شئت قلت: إنه ليس نظر العرف في مثل المورد إلا جبر الضرر من غير لحاظ نفس الثمن أو النقد المماثل له، ولا يرى إلا استحقاق رجوعه بما تضرر به، كما ان الامر كذلك في مورد الغبن لو قلنا بأن الرجوع إلى تفاوت القيمة هناك عرفي، فالرجوع في المقامين ليس إلا بما يرفع به الضرر والخسارة من غير دخالة لخصوص الثمن. وأما بحسب فتوى الاصحاب المأخوذ فيها كلمة الارش تبعا لبعض الروايات (1) فالذي يمكن ان يقال: إنه مفسر لسائر الروايات (2) التي عبر فيها بمثل نقصان العيب، أو قيمة ما بين الصحة والعيب، أو فضل ما بين الصحة والعيب، أو غير ذلك من التعبيرات، وإن المراد من الجميع هو الارش، سيما مع قوله عليه السلام (3): " كان القضاء الاول ان الرجل إذا اشترى الامة فوطأها ثم ظهر على عيب ان البيع لازم وله أرش العيب " وسيأتي الكلام فيما يوهم خلاف ذلك أو يدل عليه، فمن المعلوم ان الارش هنا مأخوذ من أرش الجراحات، ومستعمل فيه لمناسبة بين ذلك وأرش الجنايات، فكأن هذه النقيصة جراحة ويكون ما يجبرها ديتها وأرشها، من غير فرق بين كون الجبر بالثمن أو بنقد مثله. وأما بحسب الروايات فان مقتضى إطلاق كثير منها عدم الفرق بين الثمن وغيره، كقوله عليه السلام: " إن البيع لازم ويأخذ أرش العيب " أو " له أرش العيب " أو " يرجع بقيمة العيب " أو " يرجع بقدر ما نقصها العيب " أو " بقيمة ذلك "، إلى غير ذلك من التعبيرات التي يراد بها الارش.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب احكام العيوب الحديث 7 - 0 - 7.

[ 131 ]

ولا دافع لهذا الاطلاق إلا توهم دلالة بعض الروايات (1) على لزوم الاداء من الثمن وهو فاسد، أما ما عبر فيه بمثل قوله عليه السلام: " يوضع عنها من ثمنها بقدر عيب " (2) وقوله عليه السلام: " كان يضع له من ثمنها بقدر عيبها " (3) فلان الظاهر منه ان الثمن فرض كليا على ذمة المشتري وفي مثله لا معنى لاداء الثمن ثم الرجوع بقدر العيب، بل يوضع عن الثمن بقدره ويدفع الباقي إلى البائع، وعليه فالدلالة على الوضع من الثمن تكون لخصوصية المورد لا لخصوصية في الثمن، وهو واضح. واما رواية زرارة (4) وفيها " يرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به " فيحتمل ان يكون المراد انه يرد عليه بمقدار نقصه من الثمن، على ان يكون المجرور متعلقا بقوله عليه السلام: " نقص " فيدل على ان المدفوع مقدار مساو لما نقص من الثمن، وعليه فليس فيها ما يصلح لتقييد الاطلاق، بل مقتضى اطلاقها عدم الفرق في المقدار بين الرد من الثمن وغيره، ويحتمل ان يكون المجرور متعلقا بقوله عليه السلام: " يرد " وعليه وإن كانت توهم لزوم الرد من الثمن، إلا ان الظاهر انه تعبير جار على طبق التعابير العرفية، ولا شبهة في ان العرف إذا قال في المغبون أو في المورد " إرجع إلى ثمنك " أو " رجعت إلى ثمني " لا يقصد به خصوص ما ادى إلى البائع، بل المراد الرجوع إلى مقداره، كان من عينه ام لا، فلا دافع للاطلاقات ولا لبناء العرف.


(1) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2. (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب احكام العيوب - الحديث 1 - 5.

[ 132 ]

وعليه فلا وجه للرجوع إلى الاصل، مع ان الاصل ايضا يوافق ذلك إذ على فرض الشك فالامر دائر بين المطلق والمقيد، للشك في ان ما يستحقه هو نفس الغرامة وما يسد به الضرر، أو ان لخصوصية النقدين أو خصوصية الثمن ايضا دخالة فيه، فالمتيقن هو اصل ما يسد به الضرر، والباقي مشكوك فيه يجري فيه الاصل، سواء كان الارش من قبيل التكليف، أو من قبيل الديون على الذمة، أو من قبيل حق التغريم، كما هو الواقع فالشك مطلقا يرجع إلى الثبوت، ومقتضى الاصل عدمه، لا إلى السقوط كما يظهر من المحقق الخراساني، والامر سهل بعد ما عرفت من مقتضى الادلة الاجتهادية. (نعم) لا إشكال في تعينه من النقدين، وذلك مضافا إلى انه كسائر الغرامات المضونة بهما، لان مقتضى الروايات ذلك، كقوله عليه السلام في صحيحة منصور (1): " يرد عليه بقيمة ما نقصها العيب " وفي رواية اخرى (2) " يرجع بقيمة العيب " وفي رواية طلحة (3) " تقوم وهي صحيحة وتقوم وبها الداء، ثم يرد البائع على المبتاع فضل ما بين الصحة والداء " بل هذا هو المتفاهم من سائر الروايات (4) ايضا فلا إشكال فيه، وهذا فيما إذا كانت المقابلة بين الاجناس والنقود. واما إذا كانت بين الاجناس مع مثلها ففي المثليات لا يبعد القول بتعين مقدار من جنس العوض اعم من ان يكون من عينه أو مثله، كما ان الامر كذلك في الابواب الاخر في باب المثليات، بل الظاهر انه موافق لحكم العرف والعقلاء ومقتضى لزوم سد الخلة والضرر في المقام، ولا


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب احكام العيوب - الحديث 3 - 8 - 2 - 0.

[ 133 ]

يخالف ذلك ما ذكر من الروايات (1) لاختصاصها بغير المورد. ثم إنه لا إشكال في جواز التراضي على غير النقدين فيما إذا كان مقتضى الادلة تعينهما، انما الاشكال والكلام في ان المدفوع من غيرهما عند التراضي هل هو عين الارش أو بدله؟ فقد اختار الشيخ الاعظم (قده) الاول، بدعوى الفرق بين المقام وسائر الغرامات، بأن المضمون بالنقدين في غير المقام مال متعين مستقر في ذمة الطرف، فلا محالة يكون الرضا بغيره من قبيل التبادل والتعاوض، وفي المقام ليس شئ ثابتا في ذمته وإنما له حق الرجوع والمطالبة بالمال، إلا ان دفع غير النقدين يتوقف على رضا ذي الخيار، وإذا رضي يكون نفس الارش لا بدله. وقد تصدى بعض المحشين لبيان مراده وتصحيحه بتفصيل خارج عن المقصود وعن مسير الفقه، ولم يأت بشئ يدفع الاشكال الوارد عليه، وهو ان مقتضى الادلة ان كان التغريم بنحو الاطلاق، اي اعم من النقدين فلا إشكال في كون ما ادى من غير النقدين هو عين الارش، لكن لا وجه إذن للحاجة إلى الرضا، بل للبائع دفعه من اي شئ اراد، وإن كان مقتضاها التغريم من النقدين كما هو كذلك، لما تقدم، فلا إشكال في ان الاداء من غيرهما يحتاج إلى الرضا، كما لا إشكال في ان المؤدى حينئذ ليس نفس الارش بحسب مقتضى الادلة، بل يكون مما قام مقامه برضا الطرفين، وليس لازم كون الشئ بدلا عن شئ بالتراضي ان يقع المعاوضة بينهما. وإن شئت قلت: إن البدل هنا مقابل الاصل، كبدلية التيمم عن الوضوء والغسل، فالمؤدى من غير ما تقتضي الادلة دفعه ليس أرشا بدلالة


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار والباب - 4 - من ابواب احكام العيوب.

[ 134 ]

هذه الادلة، ومع ذلك لما كان للمشتري حق التغريم بالنقدين فله الرضا بغيرهما بدلا منهما من دون أن يرجع ذلك إلى المبادلة بينهما. ثم إن القوم قد اتعبوا أنفسهم الزكية في تصوير الارش المستوعب لجميع الثمن، فيما إذا كان العيب مقارنا للعقد بعد تسالمهم على جوازه فيما لو عرض قبل القبض أو في زمان الخيار المضمون على البائع، وغفلوا عما هو مقتضى الادلة في الارش المستوعب لو فرض تصويره في العيب المقارن أو المتأخر، ومن الواضح أنه لا نتيجة لتصوير الصغرى ولا وقع لاثباتها ما لم تتم كبرى الحكم. والتحقيق عدم الدليل على ثبوت الارش المستوعب، لا بحسب البناء العقلائي ان قلنا بأن ثبوت الارش حكم عقلائي كما تقدم، ولا بحسب الادلة الشرعية التعبدية بناء على أن ثبوته تعبدي شرعي. أما بحسب بناء العقلاء فلانه لا ينبغي الاشكال في أنه لا بناء منهم على اصل الارش بالنسبة إلى العيب الحادث في زمان الخيار فكيف بالمستوعب منه، كما أنه يشكل ثبوت بنائهم على أصل الارش في العيب الحادث قبل القبض، فلا محيص إلا التشبث لاثباته فيهما بدليل تعبدي. وأما في العيب المقارن فأصل ثبوت الارش فيه وان كان عقلائيا كما مر، لكنه لم يثبت منهم بناء على ذلك في المسغترق منه، فانه نادر الاتفاق في الغاية، وفي مثله لا طريق إلى اثبات بنائهم، مع أن الظاهر بعد التزامهم مع الاستيعاب بأخذ تمام الثمن ونفس المعيب، بل لا يبعد في مثله الحكم بانفساخ العقد أو بالرد فقط، وكيف كان لم يثبت بناؤهم على الارش في المستوعب، ودعوى عدم الفرق بينه وبين غير المستوعب كما ترى، لاحتمال ثبوت الفرق عندهم، بل الارجح في النظر ثبوته. وأما بحسب الادلة الشرعية - بناء على مسلك القوم من كون ثبوت الارش بالتعبد من الشرع - فلفقد الدليل على ثبوت المستوعب منه، فان العمدة

[ 135 ]

في الباب معتمدة زرارة (1) ومرسلة جميل (2) ولا دلالة لشئ منهما على ثبوت المستوعب منه، أما الاولى فلان الظاهر من قوله عليه السلام: " ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك " هو العيب غير المستوعب، سواء تعلق قوله عليه السلام: " من ثمن ذلك " بقوله: " يرد " أو بقوله: " ما نقص " كما هو واضح، وأما المرسلة، فلان قوله عليه السلام: " وان كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب " مختص بما لا يستوعب الارش، وذكر الثوب وان كان من باب المثال، لكن لا يفهم منه الا ما يشابهه من سائر الامتعة مما به عيب غيره مستوعب، وأما المستوعب فلا، كما أن إلقاء الخصوصية غير ممكن مع احتمالها، بل كونها مظنونة، بل الظاهر من نقصان العيب هو العيب غير المتسوعب بحيث صار موجبا لنقص القيمة لا لذهابها. وأما الروايات (3) الواردة في الجارية فهي ظاهرة في العيب غير المستوعب كقوله عليه السلام: " تقوم وبها الداء " وقوله عليه السلام: " يرد بقدر ما نقصها العيب " وقوله عليه السلام: " يضع من ثمنها بقدر عيبها " حتى قوله عليه السلام: " يأخذ أرش العيب " فان المتفاهم منه تفاوت القيمتين، مع أنها في المورد الخاص، واحتمال اطلاقها أو اطلاق بعضها للجارية الجانية المستوعبة جنايتها لتمام قيمتها فاسد غير معتنى به. فتحصل مما ذكر عدم الدليل على ثبوت الارش في العيب المستوعب في المقارن منه للعقد فضلا عن غير المقارن مما يتفرع ثبوت الارش فيه على ثبوته في المقارن فعلى ذلك يكون التعرض لتصوير المستوعب بلا وجه.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الخيار - الحديث 2 - 3. (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب أحكام العيوب.

[ 136 ]

مسألة: يعرف الارش بمعرفة قيمتي الصحيح والمعيب ليعرف التفاوت، فيوخذ بنسبة التفاوت، ومع الجهل بالقيمة يرجع إلى العالم بها، فان أخبر بالقيمة السوقية المتعارفة، أو بتقويم أهل الخبرة فيدخل في الشهادة، ولا تثبت إلا مع التعدد ومع سائر ما يعتبر في الشهادة في الموضوعات، وإن أخبر بما هو رأيه ونظره في القيمة وكان من أهل الخبرة فلا يعتبر التعدد ولا العدالة ولا الاخبار عن الحس أو المبادئ القريبة منه، بل يتبع نظره إذا كان موثوقا به وكان من أهل الخبرة والتشخيص وإن كان واحدا، سواء كان منشأ التقويم بتشخيص نوع الجنس باجتهاده - كالصائغ المطلع على أنواع الذهب بالاجتهاد وإعمال الاختبار وإن كان كل نوع معلوم القيمة عند الناس - أو كان التقويم لاجل كثرة ممارسته أشباه هذا الشئ وإطلاعه على الخصوصيات والخواص التي هي فيه وفي صنفه ونوعه، من غير ان يكون له ميزان منضبط في السوق، كالاحجار الكريمة، فهذان الموردان داخلان في تصديق أهل الخبرة لا يعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة، ويكون الرجوع إليه من رجوع الجاهل إلى العالم بالقيمة. نعم لو اخبر في الصورة الاولى منهما، بأن هذا من النوع الفلاني من غير تقويم كان هذا من إخبار أهل الصنعة والاجتهاد، ولا يعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة، ويكتفى بقوله في معرفة القيمة وإن لم يقوم، ولم يكن الرجوع إليه من رجوع الجاهل بالقسمة إلى المقوم، ولا يحتاج إلى تقويمه، فان المفروض أنه على فرض الاطلاع على نوع الجنس كانت القيمة معلومة، فاخباره بالقيمة من غير ذكر الجنس أو إخباره بنوع الجنس من غير ذكر القمية كاف في معرفة

[ 137 ]

الارش، فالرجوع إليه في كلتا الصورتين من قبيل رجوع الجاهل إلى العالم وغير الخبير إلى الخبير مما استقر عليه بناء العقلاء في الاعصار والامصار بلا إشكال ولا ريب، ولم يدل دليل على الردع. أما ما دل على اعتبار التعدد العدالة في الموارد الخاصة كباب القضاء وبعض الموضوعات كالهلال وغيره فلا مجال لتوهم دلالتها على الردع، كما لا يخفى. وأما رواية مسعدة بن صدقة (1) فربما يتوهم دلالتها عليه، وهي ما رواه الكليني والشيخ باسنادهما عنه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا أو امرأة تحتك وهي اختك أو رضيعتك، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " بدعوى أن القاعدة الكلية في الذيل هو المناط الكلي في الخروج عنه القاعدة العقلية والشرعية، أي أصل البراءة والحل، وليس الحلال المأخوذ فيها الاصطلاحي منه، بل معنى لغوي أعم مما يقابل الحرمة والوجوب، فالقاعدة بكليتها تدل على انحصار طريق الثبوت بالعلم الواجداني والبينة، والخروج عنها يحتاج إلى دليل. وفيها - مع الغض عن سندها، ومع الغض عن ظهورها في الشبهة التحريمية الموضوعية - إشكال يكشف عن نوع اضطراب واغتشاش في المتن فان الامثلة المذكورة فيها لا تنطبق عليها الكبرى لو اريد بها قاعدة الحل المجعولة في الموارد التي لا توجد فيه حجة شرعية أو عقيلة على الواقع، ضرورة ان المثالين الاولين توجد فيهما قاعدة اليد، وهي أمارة عقلائية على


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 4.

[ 138 ]

الواقع، ومعها لا محل للرجوع فيهما إلى القاعدة الكلية، أي أصل الحل أو ما يعمه واصل البراءة بل لا يبعد اعتبار اليد في المثال الثالث ايضا على تأمل، ومع ان استصحاب عدم الرضاع فيه يخرجه عن اصل الحل، وقوله في الذيل متفرع على الصدر، ومن الواضح ان الخروج عن القاعدة لا ينحصر بما ذكر، فلابد من توجيه الرواية بما يخرجها عن قاعدة الحل، ويوجب انطباقها على الامثلة المذكورة فيها. ويمكن ان يقال: إن قوله عليه السلام: " كل شئ هو لك حلال " يراد به أن كل شئ يختص بك، بأن كان تحت يدك أو تحتك فهو حلال سيما مع ذكر ضمير الفصل فيها من غير تصديره بالفاء، وحينئذ تندرج الامثلة المذكورة تحت الكلية، ويندفع الاشكال عن الرواية، فان من الواضح فيما إذا قامت الحجة العقلائية والشرعية على شئ لا يرفع اليد عنها إلا بحجة أقوى، وهي العلم الوجداني والبينة الشرعية، وعليه فتكون الرواية أجنبية عن أصل الحل وعن المقام. وتوهم ان الذيل بيان مستأنف لقاعدة اخرى تدفعه الضرورة، سيما مع قوله عليه السلام: " والاشياء كلها على ذلك " فانه ذكر كلية منطبقة على نحو الامثلة في جميع الاشياء (والانصاف) ان رفع اليد عن بناء العقلاء المحكم بمثل تكل الرواية خروج عن السداد. ولو تعذر معرفة القيمة لفقد الطريق إلى معرفتها فلا ريب في جواز الاخذ بالاقل، لما تقدم الكلام فيه. مسألة: لو اختلف الشهود أو المقومون ففيه صور كثيرة، لم يتعرض الشيخ

[ 139 ]

الاعظم (قده) إلا لصورة واحدة، ونحن نقتفى إثره، لان التعرض لجميعها موجب للتطويل، لاحتياج بعضها إلى تنقيح بعصض مسائل باب القضاء، فنقول: لو اختلف المقومون مع عدم دعوى من المتبايعين فهل يسقطان، ويرجع إلى الاصل وهو البراءة عن الزيادة على التحقيق أو الاشتغال على رأي، أو يرجع إلى القرعة أو إلى قاعدة العدل والانصاف، أو لا يسقطان ويقدم مقوم الاقل أو الاكثر، أو يرجع إلى الصلح، أو يرجع إلى المفتي ويتخير في الاخذ بواحد منهما، أو يؤخذ ببعض مضمون كلام كل من المقومين، لوجوب الجمع بين الدليلين مهما أمكن، وهو أولى من الطرح، كما نسب الشيخ الاعظم (قده) إلى المعظم، وفي كون مستند المعظم ما أفاده الشيخ تأمل. والاقوى سقوطهما، والرجوع إلى الاصل وهو البراءة عن الزائد، لما تقدم من ان الرجوع إلى المقومين من رجوع الجاهل إلى ذي الفن والخبير ولا يعتبر فيه البينة والاوصاف المعتبرة فيها، بل يكفي فيه الوثوق بعدم الكذب عمدا، ومن الواضح ان قول المقوم من اهل الخبرة من الطرق العقلائية لا يحتمل فيه الموضوعية والسببية بوجه، وإن قيل بها في أخبار الثقة في الاحكام الشرعية، استنادا إلى عدم سقوط المتعارضين بحسب الادلة الشرعية، خلافا للقاعدة العقلائية، وفي فتوى الفقهاء استنادا إلى ذلك، لان فتواهم إخبار عن الحكم الشرعي، أو لبعض اعتبارات أخر، وفي البينة احيانا، لما ورد في الاخبار الكثيرة من الحكم بعدم السقوط والاخذ بالاكثر أو بالقرعة لتعيين المنكر، خلافا لمقتضى القاعدة. وأما في باب التقويم وسائر النظائر مما لم يتصرف الشارع فيها وإنما انكشف رضاه بها من عدم الردع بعد كونه شائعة عند العقلاء في الاعصار والامصار فلا يحتمل فيها السببية أو التصويب، ضرورة ان ما عند العقلاء

[ 140 ]

من الامارات لا تكون إلا طرفا للتوصل إلى الواقع وليس فيها من السببية عين ولا اثر، والمفروض عدم تصرف من الشارع الاقدس، وعدم ورود شئ مما يوهم السببية فيها إلا في بعضها، فالبحث عنها في المقام غير وجيه بعد القطع بخلافها. وعلى الطريقية فلا شبهة في سقوط الطريقين المتعارضين عقلا وعرفا فالبحث عن تقديم بينة الاقل أو الاكثر أو التشبث بالصلح إلزاما أو تخيير الحاكم أو الجمع بين الدليلين كلها في غير محله، فانها مبنية على أمر مقطوع الفساد. مع ان في كل منها إشكالا، تعرض لبعضها الشيخ الاعظم (قده) والاولى بالاشكال ما اختاره من الاخذ بقول كل من المقومين مهما أمكن، فيؤخذ بقول كل منهما في النصف ويطرح في النصف الآخر، استنادا إلى المحكي عن ابن أبي الجمهور، بأن العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما وتعلطيله باجماع العلماء، وما ذكره صحيح في الاخبار المتعارضة لو أريد به الجمع العرفي العقلائي والعمل بالدليلين على نحو يستحسنه العقلاء في محيط التشريع، بداهة انه لا يؤخذ بقواعد التعارض إلا بعد عدم إمكان الجمع العقلائي، ومزيف لو أريد به الاخذ بالدليلين ولو مع عدم مقبولية الجمع، بأن يقال: في مثل قوله: " اكرم كل عالم، " وقوله: " لا تكرم عالما " إنا نعمل ببعض مضمون كل منهما، فنحكم بوجوب إكرام نصفهم وحرمة إكرام النصف!. وقد رد الشيخ الاعظم (قده) على القائل، بأن ذلك يوجب سد باب الترجيح والهرج في الفقه، والعجب أنه قدس سره اختار في المقام ما كان مخدوشا عنده في ذلك الباب، بل ادعى هناك الاجماع والدليل على خلافه واستند في المقام بعين مارده في ذلك المقام، إذا من الواضح ان الاخذ ببعض

[ 141 ]

مضمون قول كل من المقومين - بدعوى ان الجمع بين الدليلين أولى من الطرح - مستلزم لقبول الجمع التبرعي غير العقلائي الذي قدح فيه، مضافا إلى أن تلك القاعدة مختصة بالاخبار الصادرة عن المعصومين عليهم السلام: الحاكية عن الحكم الشرعي مما يصح فيه القول بأن بعض الكلام قرينة على بعض، فيكشف من الجمع العقلائي إرادة الشارع الاقدس، دون مثل المقام مما لا وجه للجمع العرفي أو التبرعي فيه، فلا يبنغي الاشكال في سقوط قول المقومين بالتعارض. ومن ذلك يظهر ان التشبث بالصلح قهرا على المتعاملين أو الرجوع إلى قاعدة العدل والانصاف قهرا عليهما أو تخيير الحاكم بالاخذ بأيهما شاء مما لا وجه لها. كما انه لا وجه للاخذ بالقرعة، لانها لكل أمر مشكل، ومع سقوط قولهما يكون المرجع الاصل العقلي والشرعي، ومع جريانه لا جهل بالوظيفة ولا مشكل، فلا موضوع للقرعة ولهذا لم يحتمل جريان القرعة في الفرع المتقدم في المسألة السابقة، وهو ما لو تعذر معرفة القيمة لفقد الطريق إلى معرفتها، مما كان المورد مجرى البراءة، وكذا في نظائرها، ومن المعلوم انه بعد سقوط المتعارضين يتعذر معرفة القيمة، ولا حجة عليها، فتيعين الرجوع إلى البراءة، وقياس المقام بتعارض البينات و إعمال القرعة لتشخيص ما يتوجه عليه اليمين كما وردت به الاخبار (1) مع الفارق. ثم إنه لو قلنا بأن الامارات المتعارضة كما هي ساقطة في المدلول المطابقي كذلك ساقطة في المدلول الالتزامي، بدعوى تبعية الثاني للاول في الدلالة والحجية والسقوط فلا إشكال في الرجوع إلى الاصل حتى في مورد


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب كيفية الحكم - من كتاب القضاء.

[ 142 ]

نفي قول كل من المقومين له بالدلالة الالتزامية، فلو قوم أحدهما الصحيح بالعشرة والمعيب بالخمسة والآخر الصحيح بالثمانية والمعيب بالثلاثة، سقطا ويرجع إلى الاقل مطلقا ولو خالف لازم الامارتين. بخلاف ما لو قلنا بعدم السقوط في الالتزامية مع توافقهما فيها، فان الاصل حينئذ لا يجري في مورد توافقهما على نفيه. كما انه على مسلك القوم من الرجوع مع التعارض إلى اوسط القيمتين أو نصف الكسرين كما عن الشهيد (قده) تكون صورة توافق القولين في اللازم داخلة في محل النزاع، كما لو قوم أحدهما بالعشرة والخمسة، والآخر بالثمانية والاربعة، ومقتضاهما على كلا المسلكين كون التفاوت بالنصف، ففي مثل ذلك إن قلنا بعدم سقوطهما في اللازم المتفق عليه يخرجان عن كونهما متعارضين، فيؤخذ بالنسبة المتفق عليها، وإن قلنا بالسقوط يعمل فيها بما يعمل به في سائر الصور. ثم إن البحث عن طريقة المعروف وطريقة الشهيد وان ايهما أقرب إلى الصواب وعن موارد اختلافهما غير لازم بعد ما عرفت من عدم دليل على ما أفادوا وبطلان التمسك بقاعدة الجمع، وعدم شهرة أو اجماع في المسألة مع انه يمكن ان يقال على فرض كون المستند قاعدة الجمع إنه يجب الاخذ بالاكثر في موارد مخالفة طريق الشهيد (قده) مع المعروف، فان الاخذ به هو العمل بالدليلين مهما امكن، والامر سهل.

[ 143 ]

القول في الشروط التى تقع في العقد وشروط صحتها وقد تقدم الكلام مستقصى في ماهية الشرط لغة وعرفا في المعاطاة عند الكلام في التمسك بدليل الشرط على صحتها، فلا نطليل بالاعادة، وأما شروط صحتها مما وقع الكلام والخلاف فيها، فأمور: احدها: أن يكون داخلا تحت قدرة المشروط عليه، وقد مثل لغير المقدور ببعض الامثلة، كجعل الزرع سنبلا والبسر تمرا مما لا ينبغي للفقيه التعرض له، فصار ذلك موجبا لبسط الكلام فيه بما هو خروج عن طريق الفقه وطريقة الفقهاء. والاولى ان يمحض الكلام في اعتبار القدرة في الصحة بعد فرض اجتماع شروط التحقق بأجمعها، ومنها جواز تعلق الارادة الجدية بالاشتراط حتى لا يختل تحققه من قبل امتناع ذلك، ونحو تلك الامثلة التي لا يعقل تعلق الجد باشتراطها تكون خارجة عن موضوع البحث، لان البحث عن شرط الصحة بعد الفراغ عن إمكان الاشتراط، وفي مثلها يكون اصل

[ 144 ]

الاشتراط مختلا لا شرطه، ولعل مقصود بعض الاصحاب من الامثلة بيان التنظير لما لا يقع تحت القدرة، وإلا فما لا يتعلق به الارادة الجدية ويعد التلفظ به لعبا وسخرية خارج عن محط البحث. كما انه لا بد من البحث عن هذا الشرط بعد الفراغ عن عقلائيته، وإلا يرجع إلى فقد شرط آخر تعرض القوم له، وكذا بعد الفراغ عن عدم اختلال شرط آخر تعرضوا له، وهو لزوم الغرر من ناحية الجهل بالحصول أو بحال الشرط، وهذا مثل مالو اشترط عليه خياطة ثوب مثلا أو كتابة كتاب مع اعتقادهما قدرة المشروط عليه، فتبين انه لم يكن قادرا عليه، فهذا شرط عقلائي جامع لجميع ما يعتبر فيه عند العقلاء والشرع، وليس فاقدا لشئ سوى القدرة على ايجاده، فيبحث عن ان عدم القدرة هل يوجب بطلانه أم لا؟ فنقول: لا شبهة في ان الاشتراط في المعاملات وكذا الخيار عند تخلفه امر عقلائي شائع عندهم في الاعصار والامصار، والشروط العقلائية يترتب عليها امران عندهم: احدهما حق إلزام الشارط المشروط عليه بالعمل به، والثاني حق الخيار عند التخلف، فلو كان الحق الثاني مترتبا على الاول بمعنى انه مع عدم حق الالزام لا يكون حق الفسخ ايضا، فلا محالة يقع الشرط غير المقدور باطلا والبيع لازما أو فاسدا لو قيل بأن الشرط الفاسد يوجب فساد المعاملة حتى عند العقلاء. واما لو كان الحق الثاني مترتبا على مطلق تخلف الشرط، سواء كان التخلف اختياريا ام لا، وسواء كان تحت قدرته ام لا، صح الشرط وترتب على تخلفه الخيار، نظير طرو التعذر بعد العقد، فان الظاهر الذى لا ينبغي الاشكال فيه هو عدم حكم العقلاء ببطلان العقد حينئذ ولا بلزومه بل يحكمون بالخيار للتخلف، فالخيار عند عدم العمل بالشرط عقلائي مترتب

[ 145 ]

على نفس عدم حصول الشرط، سواء كان ذلك لعدم القدرة عليه أو لغير ذلك، فاعتبار القدرة ليس شرطا لصحة الشرط، بل شرط عقلي لجواز الزامه على العمل به، هذا حال المحيط العقلائي. وأما بحسب الادلة الشرعية، فلا ينبغي الاشكال في ان قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " (1) يدل على وجوب العمل بالشرط بل دلالة مثل تلك الجمل الاخبارية على الوجوب أو الحرمة آكد من الاوامر والنواهي، كما هو المقرر في محله. فحينئذ إن قلنا بأن الاحكام الكلية القانونية لا تتقيد بالقدرة كما لا تتقيد بالعلم، ويكون الحكم الفعلي ثابتا لموضوعه، كان المكلف عالما أم لا، وقادرا أم لا على ما ذكرنا في محله، والجهل احيانا والعجر عذر للمكلف في ترك المأمور به أو الاتيان بالمنهي عنه، لا انه قيد للتكليف يكون وجوب العمل بالشرط ثابتا، والعذر عن الاتيان به لا يوجب بطلانه رأسا، فيترتب عليه الخيار. وإن قلنا بأن التكليف الكلي ينحل إلى تكاليف، ولا يعقل تعلقه بالعاجز فلا يوجب ذلك أيضا بطلان الشرط في المقام، نظير البطلان في الشرط المخالف للكتاب، لان غاية ما في الباب قصور الادلة عن إيجاب العمل بمثل هذا الشرط، ومن الواضح أن تلك الادلة لا تتكفل بل لا يمكن أن تتكفل للخيار عند التخلف حتى يتوهم دلالتها على عدم الخيار عند عدم الوجوب، بل الخيار حكم عقلائي مترتب على تخلف الشرط، فان دل دليل شرعي على أن هذا الشرط لغو وباطل راسا - كالشرط المخالف للكتاب - فيحكم بعدم الخيار، وأما مع عدم الدلالة على ذلك فالحكم العقلائي متبع


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث - 4 - من كتاب النكاح.

[ 146 ]

لا رادع عنه، فتحصل أن تخلف مثل ذلك الشرط موجب للخيار، ولا دليل على بطلانه رأسا. هذا حال شرط الفعل، وأما شرط النتيجة فاعتبار القدرة فيه على نحو آخر، فانه قد يكون مؤثرا في النقل كشرط صيرورة شئ من مال المشروط عليه للشارط، وفي مثله يكون الاعتبار بالقدرة على الوفاء بالشرط وهو تسليم متعلقه، كما يعتبر القدرة على تسليم العوضين في البيع، وقد لا يكون الشرط مؤثرا في النقل لمانع، كما لو شرط صيرورة عين له باعتقاد كونها له فتبين أنها لغيره مثلا، وفي مثله يكون الاعتبار بالقدرة على الوقاء بتسليم المتعلق أو بالقدرة على النقل بالاسباب الشرعية والعقلائية، فعلى القول باعتبار القدرة يحكم بالبطلان في موارد فقدها. ومما تقدم في شرط الفعل يظهر حال شرط النتيجة بقسميه، وأنه لا يحكم ببطلانه رأسا بمجرد فقد القدرة عليه، بل التخلف مع اجتماع سائر الشرائط يوجب الخيار في محيط العقلاء، من غير فرق بين القسمين، سواء كان التخلف لاجل عدم العمل به اختيارا أم كان لمحذور في التسليم أو لمانع عن تأثير الشرط، ففي جميع الصور يكون الحكم هو الخيار لاجل التخلف، لا بطلان الشرط ولزوم المعاملة ولا فسادها، وقصور الدليل الشرعي عن إيجاب الوفاء به، إما لتعذره أو لممنوعية النقل لا يوجب إسقاط الشرط والحكم ببطلانه كالحكم ببطلان الشرط المخالف للكتاب، ومعه لا رادع عن الحكم العقلائي نظير ما لو تعذر الشرط في الزمان المتأخر عن العقد، إذا كان وقت العمل متأخرا زمانا. (وبعبارة أخرى) إن كان المراد ببطلان الشرط فيما إذا لم يكن له وجوب الوفاء هو عدم التأثير في النقل أو في الوفاء فهو مسلم، لكن لا يوجب ذلك لغوية الشرط بحيث لا يترتب على تخلفه القهري الخيار.

[ 147 ]

بل القول بالبطلان لمجرد عدم التأثير في النقل أو في الوفاء فاسد، لان عدم ترتب الاثر ها هنا لابد وأن يراد منه عدمه مطلقا حتى من ناحية ثبوت الخيار عند التخلف، إذ ليس المقام كالبيع ونحوه مما تكون ماهيته متقومة بالنقل، فإذا فرض عدمه مطلقا يحكم بالبطلان، كبيع الوقف أو ملك الغير مع عدم التعقب بالاجازة، بل تكون ماهية الشرط هو الالنزام أو القرار في البيع ونحوه، ولا يعتبر فيها نقل وغيره، بلا فرق بين شرط النتيجة وغيره، لانه ماهية واحدة لا تختلف في شئ من الموارد، وإنما الاختلاف في المتعلقات كاختلاف متعلقات البيع ونحوه، فإذا لم يترتب على الشرط إلا الخيار فلا يوجب ذلك بطلانه، فالقول بالقاء الشرط رأسا في العرف مع عدم النقل والحكم بلزوم العقد أو بطلانه ممنوع. وهذا نظير شرط وصف حالي بتوهم وجوده مع فقده واقعا، فان الشرط في مثله لا يؤثر في شئ ولا يكون له وجوب الوفاء، ومع ذلك يكون تخلفه موجبا للخيار عرفا، فانه شرط سائغ جامع للشرائط يترتب عليه الخيار، وتوهم رجوع الشرط إلى التوصيف في غير محله، للفرق بينهما جعلا واعتبارا وواقعا، فالشرط الباطل الذى لا يترتب عليه الخيار منحصر بما هو لغو عرفا كالشرط غير العقلائي على ما سيأتي الكلام فيه، أو شرعا كالشرط المخالف للكتاب بناء على استفادة القائه من الادلة. ومن هنا يظهر حال شرط الاوصاف الحالية المتخلفة عن النقل التبعي فان اعتبار القدرة فيما ليس بالمعنى الذي تقدم في الاقسام المتقدمة، بل بمعنى القدرة على النقل تبعا، وسلب القدرة لا يوجب إلقاء الشرط، بل يترتب عليه الخيار كما تقدم. كما يظهر الكلام في الاوصاف الاستقبالية، فانها على قسمين: احدهما

[ 148 ]

ما يمكن تعلق القدرة به ولو تسبيبا، وثانيهما على خلاف ذلك، والكلام فيها هو الكلام فيما تقدم. كما ان الكلام في الشرط المتعلق بفعل الغير يظهر مما مر، فان فعله تارة يكون مما يمكن أن يكون مقدورا للمشروط عليه تسبيبا، فتوهم ذلك وشرط ثم تبين خلافه، واخرى يكون على خلاف ذلك، فتوهم إمكان تعلق قدرته به وقدرته على إيجاده فتبين خلافه، ففي الجميع يثبت خيار التخلف (فتحصل) من جميع ما تقدم ان الحق هو عدم اعتبار هذا الشرط في شئ من الموارد، لكن ذلك بعد الفراغ عن اجتماع سائر الشرئط، كما أشرنا إليه. وتوهم أن المسألة اجماعية أو مشهورة شهرة معتبرة في غير محله، لان الامثلة المأخوذة في كلماتهم وكذا الاستدلالات المذكورة يكشف عن الخلط بين هذا الشرط وبعض الشروط التي لا كلام في اعتبارها، فلم يثبت قيام الاجماع على محط البحث بالنحو المتقدم، مع ان الاتكال على الادلة كالغرر واللغوية ونحوهما يوهن الاجماع والشهرة المعتمدة. الثاني: أن يكون الشرط سائغا في نفسه، إعلم ان الشرط قد يطلق ويراد به نفس الالتزام في ضمن البيع ونحوه الجامع بين أنحاء الشروط من شرط الفعل وشرط النتيجة وشرط الخيار وشرط الوصف واطلاقه بهذا المعنى يكون على نحو الحقيقة، إذ لفظه موضوع لهذا المعنى المشترك، كما انه بهذا المعنى لا تكون المتعلقات والملتزمات قيدا أو جزء له، بل هو بمعناه المصدري أو الاسم المصدري مجرد عن كافة المتعلقات،

[ 149 ]

إذ هو بهذا المعنى مشترك معنوي وماهية كلية تنطبق على المصاديق، فلو قيد بها أو كانت المتعلقات دخيلة فيه لم يعقل أن يكون مشتركا معنويا، وقد يطلق ويراد به المتعلق والملتزم به، وإطلاقه عليه مجاز بضرب من المناسبة والعلاقة، والجمع بين المعنين في استعمال واحد إما غير جائز كما عليه الاكثر، أو جائز ولكن لا يحمل عليه إلا بدلالة وقرينة. إذا عرفت ذلك، فنقول: من اعتبر ان يكون الشرط سائغا في نفسه لو أراد به ما هو ظاهر هذه العبارة - أي نفس الالتزام، لقوله: " في نفسه " ولجعله شرطا في قبال الشرط الرابع، أي اعتبر ان يكون الاشتراط بالمعنى المصدري سائغا في قبال ما لا يكون كذلك، كالشرط وقت النداء بناء على حرمته، أو فيما إذا تعلق به نهي الوالدين أو المولى بناء على سراية الحرمة إلى نفس العنوان، كما عليه القوم - كان هذا شرطا مستقلا لا شبهة في انه لا يؤول إلى الشرط الرابع، فان الظاهر من الاخبار الواردة (1) في الشرط الرابع هو الشرط بالمعنى المجازي، أي الملتزمات، ضرورة أن نفس الالتزام بالمعنى المصدري الجامع لا يكون موافقا أو مخالفا للكتاب، إلا باعتبار متعلقاته، فالاستثناء دليل على ان المراد بالشرط هو المتعلقات والملتزمات، كما أن وجوب العمل لا يكون إلا للملتزمات، ففي الشرط الرابع اعتبر ان يكون متعلق الشرط غير مخالف للكتاب، وهنا اعتبر ان يكون الشرط في نفسه سائغا، فأين أحدهما من الآخر. لكن الشأن في إثبات اعتبار هذا الشرط، بحيث لو كان نفس الاشتراط محرما مع تعلقه بأمر جائز - كاشتراط خياطة الثوب - يقع باطلا، فان غاية ما يقال في مثله هو ان تنفيذ ما هو محرم غير جائز، وفيه مالا يخفى إذ لا مانع عقلا من تعلق الحرمة بسبب، وعلى فرض تحققه يحكم بنفوذه


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار.

[ 150 ]

مع أن دليل التنفيذ إذا كان عموما قانونيا لا يأتي فيه ما ذكر. وإن أريد من اعتبار جواز نفس الاشتراط أن لا يتعلق الشرط بأمر محرم، إذ يوجب ذلك حرمة الشرط أيضا، بدعوى إن الزام الغير بارتكاب الحرام حرام كما يشعر به التمثيل باشتراط جعل العنب خمرا، فهذا ايضا شرط مستقل لا يؤول إلى الشرط الرابع، لكنه حيث لا ينفك عن الشرط الرابع فلا ثمرة لاعتباره على حدة، إلا إذا قلنا بأن الشرط الرابع مختص بمخالفة الكتاب، ومخالفة السنة خارجة عنه، فيكون الاعتبار المذكور مثمرا حينئذ، لكن المبنى غير وجيه كما يأتي الكلام فيه. وقد ظهر مما ذكرنا أن تمسك الشيخ الاعظم (قده) في المقام بالعلوي (1) " من شرط لامرأته شرطا فليف به لها، فان المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " في غير محله، ومخالف لعنوان البحث ولعده شرطا مقابلا لسائر الشروط، والانصاف أن كلامه لا يخلو من تشويش واضطراب، فتدبر. وأما مرسلة الغنية " الشرط جائز بين المسلآمين ما لم يمنع منه كتاب أو سنة " فمع عدم حجيتها لا يراد منها إلا ما في سائر الروايات (2) من اعتباران لا يكون الملتزم محرما، والامر سهل. الثالث: أن يكون الاشتراط عقلائيا، بمعنى أن لا يكون ملغا عند العرف والعقلاء، واعتباره بهذا المعنى لا إشكال فيه، لان الاشتراط غير القعلائي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار - الحديث 5 - 0 -.

[ 151 ]

لا يكون مشمولا للادلة الشرعية، من أجل أنها في المعاملات ناظرة إلى ما لدى العقلاء، سيما في باب الشرط، حيث كان لسان الدليل " أن المسلمين أو المؤمنين عند شروطهم " (1) والمقصود منه أن ما اشترطه المسلمون يجب عليهم الوفاء، ومن المعلوم ان المراد منهم هو الناس والعقلاء لا خصوص المسلمين، فما هو ملغا عند العرف لا يصح دعوى إطلاق الادلة فيه. وأما ما أفادوا في المراد بهذا الشرط من كونه ذا فائدة معتد بها عند العقلاء، بمعنى ان الملتزم لابد وأن يكون ذا فائدة عقلائية وإلا يقع باطلا ففيه تأمل وإشكال، فانه ربما يكون الشرط بالمعنى المصدري عقلائيا، لاجل ترتب الخيار على تخلفه، من غير ان يكون في البين فائدة اخرى للشارط كاشتراط بيعه بالقيمة التي اشتراه بل اشتراط الاوصاف الحالية مما لا فائدة له إلا الخيار عند التخلف، فان أمرها دائر بين الوجود والعدم، ولا يترتب على الشرط شئ سوى الخيار، ففي مثلها لا يعد الاشتراط لغوا وملغا عرفا، بل يصح ويترتب عليه الخيار عند التخلف، وهو أمر عقلائي، ولا يقاس المقام بالبيع حيث لا يكون ماهيته إلا التبادل، ولا يترتب عليه أثر عقلائي آخر. (وبالجملة) ما لا فائدة له إما أن يكون بنحو يكون الاشتراط به عبثا ولغوا، فلا إشكال فيه، وإما أن يكون له فائدة لا يعتني بها العقلاء في معاملاتهم، فبطلانه ها هنا ممنوع، لان ثبوت الخيار عند التخلف من الفوائد العقلائية، واختصاص خيار التخلف بالشرط الذي له فائدة معتد بها ممنوع.


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار، والباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 152 ]

الرابع: أن لا يكون مخالفا للكتاب والسنة، أما المخالف للكتاب فمما لاريب في بطلانه ولغويته شرعا، كما يدل عليه الروايات المستفيضة (1) وفيها الصحيح والموثق، وفيها " كل شرط خالف كتاب الله فهو رد " أي مردود كما في نسخة، وسيأتي التعرض لتلك الروايات مع بعض روايات أخر. وأما مخالف السنة فيمكن أن يستدل على بطلانه بوجوه: (منها) أن يقال: إن الشرط في محيط العقلاء وهو الذي تنظر إليه روايات (2) الباب إنما يكون نافذا وعقلائيا فيما إذا كان للمشروط عليه سلطنة عليه، ولم يكن ذلك موجبا للتصرف في سلطان الغير، ولهذا لا يكون شرط غصب مال الغير أو جرحه وجنايته من الشروط العقلائية النافذة، ومن هذا القبيل الشروط التي توجب نقض القوانين سيما الالهية، فان اشتراط مخالفتها ونقضها نحو تجاوز في سلطان الغير، فاشتراط السرقة والقمار وشرب الخمر وترك الحج وترك إتيان الزكاة وأمثالها مما تعد نقضا للقوانين الشرعية وتجاوزا في سلطان الغير غير عقلائي، لا بمعنى كونه سفهيا، بل بمعنى آخر، حتى لو لم تكن في الباب تلك الروايات (3) التي استثنيت فيها مخالفة الكتاب لما فهم العرف أيضا من قوله عليه السلام (4): " المسلمون عند شروطهم " تجويز التجاوز في سلطان الغير ونقض الاحكام الشرعية ومخالفة الحدود الالهية. وإن شئت قلت: إن أدلة النفوذ منصرفة عن مثل ذلك، ولم يثبت بناء العقلاء على العمل بالشرط الموجب لمخالفة الحكم العرفي أو الشرعي، وعليه فتكون مخلافة السنة والحكم الشرعي كمخالفة الكتاب في بطلان الاشتراط


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار.

[ 153 ]

هذا مع الغض عن الروايات (1) المشتملة على استثناء مخالفة الكتاب، وسيأتي الكلام فيها. (ومنها) دعوى إلقاء الخصوصية عن الروايات الواردة (2) في مخالفة الكتاب، بأن يقال: إن للكتاب جهات: من كونه كلام الله تعالى وانه نزل به الروح الامين، وانه إعجاز، وانه كتاب المسلمين يجب عليهم الايمان به، وانه مشتمل على أحكام الله تعالى، وتلك الخصوصيات سوى الاخير منها لا دخالة لها بنظر العرف في بطلان الاشتراط، فتمام الموضوع لذلك هو كونه مخالفا للحكم الالهي، وعليه يكون الميزان هو المخالفة لحكم الله فخصوصية الكتاب غير دخيلة، بل الحكم ثابت لمخالف السنة ايضا وهذا الوجه لا يخلو من نظر، وإن كان لا يخلو من جودة. وأما ما قيل - من أن المراد بالكتاب في تلك الروايات كل ما كتب الله على عباده ولو على قلب نبيه وحيا أو إلهاما، فالمراد كتابه التشريعي في قبال كتابه التكويني، إلى آخر ما أفاد - فهو بالعرفان أشبه من الفقه. كما أن ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) - من أن المستفاد من الرواية (3) التي وردت من طرق العامة هو ان المراد بالكتاب ما كتبه الله على عباده من احكام الدين وإن بينه على لسان رسوله صلى الله عليه وآله، فاشتراط ولاء المملوك لبائعه إنما جعل في النبوي مخالفا لكتاب الله بهذا المعنى - غير وجيه، فانه - مضافا إلى أن الرواية غير المعتمدة لا يصح ان تجعل قرينة على ذلك - لم تذكر في تلك الرواية مخالفة الكتاب باللفظ الذي نقله عن الشيخ والعلامة (قدهما) وإنما الموجود فيها " ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، فما كان من شرط ليس في كتاب الله عزوجل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار. (3) سنن البيهقي ج 10 ص 295.

[ 154 ]

فهو باطل، قضاء الله أحق وشرطه أوثق والولاء لمن أعتق " والظاهر منها أن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، والولاء للبائع ليس فيه، فشرطه باطل لذلك لا بما انه شرط مخالف لكتابه، نعم لو لا ضعفها سندا امكن استفادة بطلان الشرط المخالف للسنة وللحكم الشرعي مطلقا من قوله صلى الله عليه وآله: " قضاء الله أحق وشرطه أوثق " فانه بمنزلة كبرى كلية يستفاد منها أن كل شرط يخالف حكم الله فهو باطل. ثم إن الرواية المشتملة على قصة بريرة نقلت عن دعائم الاسلام (1) بلفظ آخر، وفيها " ما بال قوم يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، يبيع أحدهم الرقبة ويشترط الولاء، والولاء لمن اعتق، وشرط الله آكد، وكل شرط خالف كتاب الله فهو رد " وهذا أولى بما رامه الشيخ الاعظم قدس سره من تلك الرواية، وإن كان في استفادته منها أيضا إشكال، لان صدرها يدل على أن شرط ولاء البائع حيث لا يكون في كتاب الله باطل فالبطلان مستند إلى ذلك لا إلى مخالفة حكم الله، وقوله صلى الله عليه وآله: " الولاء لمن اعتق " إلى آخره كلام مستأنف، فكأنه قال: إن الشرط باطل، لانه ليس في كتاب الله، وان الولاء لمن اعتق بحسب حكم الله وإن لم يكن في كتابه، نعم يستفاد منها ان شرط الله وحكمه مقدم على شروط العباد، لكن السند غير معتمد مع إرسالها أيضا. (ومنها) بعض الروايات المذكورة فيها مخالفة السنة، كصحيحة محمد ابن قيس (2) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قضى علي عليه السلام في رجل تزوج امرأة وأصدقها، واشترطت أن بيدها الجماع والطلاق، قال: خالفت السنة ووليت الحق من ليس بأهله، قال: فقضى علي


(1) المستدرك - الباب - 30 - من كتاب العتق - الحديث 2. (2) الوافي ج 12 ص 80.

[ 155 ]

عليه السلام ان على الرجل النفقة وبيدها الجماع والطلاق " وقريب منها مرسلة ابن فضال (1) وكمرسلة مروان بن مسلم (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت له: ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها؟ قال: فقال: ولى الامر من ليس أهله وخالف السنة ولم يجز النكاح ". والاستدلال بها للمقصود باعتبار التعليل بمخالفة السنة غير وجيه، لان السنة المصطلحة أي التي تكون مقابل الكتاب وإن كانت معروفة في عصر الائمة عليهم السلام لكنها يراد بها الحكم الذي لم يذكر إلا بلسان النبي صلى الله عليه وآله، وأما الاحكام المذكورة في الكتاب فاطلاق السنة عليها باعتبار أنها سنة الله لا سنة النبي صلى الله عليه وآله المصطلحة، وحيث إن الاحكام المذكورة في تلك الروايات كلها مذكورة في الكتاب المجيد كان الحكم على شرط خلافها بأنه خلاف السنة من أجل انها سنة الله، وعليه فمفادها من هذه الجهة كمفاد ما دلت على البطلان لمخالفة الكتاب، ولهذا تمسك بحكم الكتاب في رواية أخرى سئل فيها بعين ما سئل في رواية مروان، وهي رواية ابراهيم بن محرز (3) قال: " سأل أبا جعفر عليه السلام رجل وأنا عنده فقال: رجل قال لامرأته: أمرك بيدك، قال: أنى يكون هذا، والله


(1) الوافي ج 12 ص 80 إلا ان الموجود في الوسائل - الباب - 42 - من أبواب مقدمات الطلاق - الحديث 1 والكافي ج 5 ص 403 " عن ابن فضال عن ابن بكير عن بعض أصحابنا ". (2) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب مقدمات الطلاق - الحديث 5. (3) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب مقدمات الطلاق - الحديث 6 وفيه " سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام.. " إلا ان الموجود في الاستبصار ج 3 ص 313 والتهذيب ج 8 ص 88 " سأل أبا جعفر عليه السلام رجل.. ".

[ 156 ]

يقول (1): " الرجال قوامون على النساء " ليس هذا بشئ ". نعم يمكن الاستدلال بها بنحو آخر، إما بأن يقال: إن المراد بالسنة ليست هي السنة المصطلحة بل هي محمولة على المعنى اللغوي، وهو حكم الله وشريعته مطلقا سواء كان مذكورا في الكتاب أو بلسان النبي صلى الله عليه وآله، أو يقال: إنه يستفاد من تعليله عليه السلام البطلان بقوله: " ولى الامر من ليس بأهله " ان العلة هي مخالفة حكم الله وشريعته مطلقا، ولو كان للكتاب خصوصية لم يحسن ذلك التعليل. ومن هذا البيان ظهر إمكان التمسك لبطلان ما خالف حكم الله مطلقا بموثقة محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر عليه السلام " في رجل تزوج امرأة وشرط لها إن هو تزوج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق، فقضى في ذلك ان شرط الله قبل شرطكم " إلى آخره، فان التعليل بذلك دال على ان مخالفة حكم الله هي الموجبة للبطلان لا مخالفة خصوص كتابه، والرواية وإن اشتملت على نحو تقية لكن الاستدلال ليس على نحو التقية. فتحصل من جميع ما مر ان الحكم ثابت لمخالفة السنة، كما هو ثابت لمخالفة الكتاب، كما في مرسلة الغنية " الشرط جائز بين المسلمين ما لم يمنع منه كتاب أو سنة ". ثم إن مقتضى بعض الروايات اعتبار موافقة الشرط للكتاب، كصحيحة عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول:


(1) سورة النساء: 4 - الاية 34. (2) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب مقدمات الطلاق - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 157 ]

من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشتراط عليه، والمسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله عزوجل ". وصحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن رجل قال لامرأته: إن تزوجت عليك أو بت عنك فأنت طالق، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من شرط لامرأته شرطا سوى كتاب الله تعالى لم يجز ذلك عليه ولا له ". ويتفرع على هذا انه لو شرط شرطا ليس في كتاب الله كان باطلا من اجل فقد الموافقة، ويويد ذلك مرسلة دعائم الاسلام (2) عن علي عليه السلام " قال: أرادت عائشة ان تشتري بريرة فاشترط مواليها عليها ولاها، فاشترتها منهم على ذلك الشرط، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال قوم يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، يبيع أحدكم الرقبة ويشترط الولاء؟! والولاء لمن اعتق وشرط الله آكد، وكل شرط خالف كتاب الله فهو رد " إلى آخرها وقريب منها ما عن طرق العامة (3) في القضية. ومقتضى بعض الروايات ان مخالفة الكتاب هي الموجبة للبطلان، كصحيحة عبد الله بن سنان (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله عزوجل فلا يجوز ". ثم اعلم إن مقتضى الاخبار الدالة على بطلان الشرط المخالف للكتاب ان المخالفة له مانعة عن صحة الشرط، وان البطلان لاجل مزاحمة الكتاب


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب مقدمات الطلاق - الحديث 1. (2) راجع التعليقة (1) من ص 154. (3) سنن البيهقي ج 5 ص 338 وج 10 ص 295. (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار - الحديث 2.

[ 158 ]

لا لاعتار عدم كونه مخالفا له، ويؤكد ذلك قوله في صحيحة محمد بن قيس (1): " إن شرط الله قبل شرطكم " وفي رواية دعائم الاسلام " شرط الله آكد " وفي رواية (2) " قضاء الله أحق وشرطه أوثق " ولم يدل دليل على اشتراط صحة الشرط بعدم المخالفة. وما وقع في كلام بعض من عد عدم المخالفة من الشروط لم يستند إلى مستند إلا دعوى بعض المتأخرين في غير المقام، بأن ما دل بظاهره على مانعية الوجود لابد من إرجاعه إلى شرطية العدم، بتخيل أن المانعية غير ممكنة الجعل، أو انه مع عدم الاشتراط لا يعقل عدم الصحة، والوجهان غير مرضين على ما ثبت في محله. وحينئذ يدور الامر بحسب الواقع بين شرطية موافقة الكتاب أو مانعية مخالفته، ولا يعقل الجمع بينهما، لانه مع اشتراط الموافقة يستند البطلان إلى فقد الشرط لا وجود المانع، مع أن جعل المانعية لغو بعد جعل الشرط المذكور. والتحقيق أن ظهور الادلة في مانعية المخالفة أقوى، بل ظهور ما يتوهم دلالتها على شرطية الموافقة محل إشكال، أما صحيحة ابن سنان (3) فلانها مع ذكر مخالفة الكتاب في صدرها وظهور الذيل في بيان الكبرى الكلية المنطبقة على الصدر لا يبقى لها ظهور في اشتراط الموافقة، مع ان قوله عليه السلام: " المسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله " لا مفهوم له، ولا دلالة له على الحصر، وإنما يدل على أن الشرط الموافق للكتاب نافذة وهذا لا شبهة فيه، وأما كون نفوذه لوجود الشروط أو لفقد المانع فلا دلالة


(1) راجع التعليقة (2) من ص 156. (2) راجع التعليقة (3) من ص 153. (3) راجع التعليقة (3) من ص 156.

[ 159 ]

فيه على شئ منهما سيما مع التصدير بما ذكر. وأما صحيحة الحلبي (1) فيحتمل ان يكون المراد بقوله: " سوى كتاب الله " هو ما يقابله ويغايره، سيما مع ما في السؤال من الشروط المخالفة لكتاب الله، كما اشير إليه في ما عن تفسير العياشي عن ابن مسلم (2) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة تزوجها رجل وشرط عليها وعلى أهلها إن تزوج عليها أو هجرها أو أتى عليها سرية فهي طالق، فقال: شرط الله قبل شرطكم، إن شاء وفى بشرطه، وإن شاء أمسك امرأته ونكح عليها وتسرى وهجرها إن أتت بسبب ذلك، قال: الله تعالى (3): " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث " وقال (4): " أحل لكم ما مكلكت ايمانكم " وقال (5) " واللاتي تخافون نشوزهن " - إلى آخرها - ". وعليه فلا ينبغي الاشكال في عدم اشتراط موافقة الكتاب، بل إما المخالفة مانعة كما تقدم أو عدمها شرط كما ذكره غير واحد. ثم إن الظاهر البدوي وقوع التعارض بن صحيحة ابن سنان " (6) المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله " وبين موثقة اسحاق بن عمار (7) " ان المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو احل حراما ".


(1) راجع التعليقة (1) من ص 157. (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 6. (3) و (5) سورة النساء: 4 - الآية 3 - 34. (4) اشارة إلى قوله تعالى: " فمن ما ملكت ايمانكم " في سورة النساء 4 - الآية 25. (6) راجع التعليقة (4) من ص 157. (7) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار - الحديث 5.

[ 160 ]

ومختصر الكلام هو انه يحتمل في الصحيحة ان يكون المراد بكتاب الله هو القرآن على ما هو الظاهر منها بدوا، ويحتمل أن يكون المراد ما كتب الله على عباده على ما ادعى بعضهم، أو على ما ذكرنا من القاء الخصوصية ومن مناسبات الحكم الموضوع، ويحتمل في الموثقه ان يكون المراد بالحلال والحرام التكليفيين منهما، وان يكون المراد مطلق المضي والممنوعية الاعم من التكليفي. فان اريد منهما المعنى الاعم فلا تعارض بينهما، لتوافقهما في بطلان الشرط المخالف لمطلق حكم الله تعالى وإن اختلفا من بعض الجهات. وإن اريد من كل منهما المعنى الخاص يكون النسبة بينهما العموم من وجه، فتتفقان في الشرط المخالف للاحكام الوضعية الواردة في السنة فقط لانه مندرج في المستثنى منه من كل منهما، لعدم كونه من الشرط المخالف لما في القرآن ولا من المخالف للتكاليف، فمقتضاهما جميعا صحة الشرط المخالف للحكم الوضعي الثابت بالسنة، وتتعارضان في الشرط المخالف للحكم الوضعي الثابت بالكتاب، وفي الشرط المخالف للحكم التكليفي الثاتب بالسنة فقط، فان مقتضى الصحيحة البطلان في الاول والصحة في الثاني، ومقتضى الموثقة العكس. فحينئذ إن قلنا بأن ادلة العلاج جارية في التعارض بالعموم من وجه لابد من العمل بها وإلا فالحكم هو تساقطهما والرجوع إلى عموم الكتاب " مثل اوفوا بالعقود " (1) إن قلنا بأنه شامل للشروط الداخلة فيها، وإلا فيرجع إلى الاصل. وهنا احتمال آخر وهو الاخذ بكلتيهما واستثناء الشرط المخالف للكتاب والشرط المحرم والمحلل، بأن يقال: إنهما حكمان متفقا المضمون ولا تعارض


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 161 ]

بينهما، فمقتضى الصحيحة (1) عدم نفوذ الشرط المخالف للكتاب، ومقتضى الموثقة (2) عدم نفوذ الشرط المحرم، وعنوان الحصر ليس في الكلام حتى يقال بالتعارض، وإن قيل: إنه دال على الحصر بعنوانه، أو إنه يفهم من المستثنى منه والمستثنى ان الشرط نافذ في غير المستثنى من المستثنى منه، فهو قابل للتقييد، فكل منهما يقيد بالآخر وتصير النتيجة بطلان الشرط في الموردين. وإن اريد من الصحيحة المعنى الخاص ومن الموثقة العام فيحتمل تخصيص الثانية بالاولى، ويحتمل الاخذ بمضمونهما لكونهما متوافقين، ومنه يظهر حال عكس هذه الصورة. والذي يسهل الخطب ان الظاهر ولو بمعونة مناسبات الحكم والموضوع وسائر القرائن الواردة في الاخبار (3) والارتكاز العقلائي هو المعنى العام في كلتيهما، فلا تعارض بينهما. وذلك أما في الصحيحة فلما مر الكلام فيه، وأما في الموثقة فلانها - مضافا إلى اشتراكها مع الصحيحة في بعض القرائن المتقدمة - ليس للحل والحرمة فيها بحسب اللغه معنيان: التكليفي والوضعي، بل هما بمعنى المنع ومقابله، وكل منهما إذا نسب إلى ما له نفسية كالخمر والخل يفهم منه انه في نفسه ممنوع أو غير ممنوع، وما هو كذلك هو الحكم التكليفي، وإذا نسبا إلى عنوان يترتب عليه الاثر كالبيع ونحوه ينزع منه الوضع. وكذا الحال في الجواز والوجوب والامر والنهي، فان الامر ايضا


(1) راجع التعليقة (4) من ص 157. (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار - الحديث 5. (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار والباب - 20 - من ابواب المهور من كتاب النكاح والباب - 13 - من ابواب مقدمات الطلاق من كتاب الطلاق.

[ 162 ]

ليس له معنيان، بل وضع للبعث والاغراء، فإذا تعلق بمثل الصوم ونحوه ينزع منه التكليف، وإذا تعلق بمثل الطهارة، في الصلاة أو بالجزء في المركب ونحوهما ينزع منه الوضع، وفي المقام ولو بالمناسبات يفهم من الحرمة والحل المنع ومقابله، من غير فرق بين التكليف والوضع، فيعم الكلام جميع الاحكام الشرعية والوضعية والتكليفية، ولو نوقش فيما ذكرناه فلا إشكال في ان مقتضى مجموع الروايات (1) هو ذلك، فلا إشكال من هذه الناحية. ثم إنه قد مر عند الكلام في الشرط الثاني شطر من الكلام حول معنى الشرط، وقلنا: إنه ماهية جامعة لجميع المصاديق المتعلقة بالملتزمات والمشترطات المختلفة، بل المتبائنة أحيانا، والاختلاف إنما هو بين المتعلقات لا بين ما تعلق بها، فالشرط معنى وحداني هو الالتزام في ضمن البيع ونحوه، أو القرار كذلك، وهو حقيقة في نفس الالتزام أو القرار منفكا عن الملتزمات، وإلا لزم الاشتراك اللفظي بنحو بشع، ولا خفاء في ان الشرط بمعناه الحقيقي منفكا عن المتعلقات لا يكون له عمل حتى يجب أو يحرم، وليس له وفاء بذاته إلا بلحاظ المتعلق، ولا يخالف الكتاب ولا يوافقه، بل تلك المعاني كلها مربوطة بالملتزمات، لكن القرائن قائمة على ان المراد منه في روايات الباب (2) هو الملتزمات، واستعمل الشرط فيها مجازا، واراده المعنى الحقيقي والمجازي وإن كانت غير مستحيلة على التحقيق، لكن لا يحمل عليها إلا بالدليل، فالمراد بمخالفة الكتاب مخالفة الملتزم له لا الالتزام. ويظهر من الشخيخ الاعظم (قده) ان المتصف بمخالفة الكتاب إما


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار، والباب - 20 - من ابواب المهور من كتاب النكاح، والباب - 13 - من ابوب مقدمات الطلاق. (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار.

[ 163 ]

يكون نفس المشروط والملتزم، وإما يكون التزامه، وقد استشهد على عدم اختصاص ذلك بالملتزم واتصاف الالتزام ايضا بالمخالفة ببعض الروايات، ومن البعيد ذهابه إلى استعمال لفظ الشرط في اكثر من معنى واحد، فلعل نظره إلى أن الروايات على طائفتين، منها ما هي ظاهرة في مخالفة الملتزم كصحيحة ابن سنان (1) ونحوها، ومنها ما هي ظاهرة أو صريحة أو كالصريحة في مخالفة نفس الالتزام. أما الطائفة الثانية (فمنها) رواية العياشي (2) قال: (رحمه الله) " الرواية المتقدمة الدالة على كون اشتراط ترك التزوج والتسري مخالفا للكتاب مستشهدا عليه بما دل من الكتاب على إباحتها كالصريحة في هذا المعنى " انتهى. وفيه - مع الغض عن ارسال الرواية - انها بقرينة الاستشهاد فيها بالآيات كالصريحة في ان المراد مخالفة الشرط للحكم الشرعي، وما هو كذلك هو الملتزم لا الالتزام كما مر، ولم يذكر في الرواية لفظ الاباحة حتى يتوهم منه ما رامه، فما هو المخالف لقوله تعالى (3): " وانكحوا الايامى " هو الشرط بمعنى الملتزم لا نفس الالتزام، وكذا سائر الفقرات مع ان لازم ما ذكره (رحمه الله) بطلان جميع الشروط سواء كانت متعلقة بالمباحات أم بغيرها، إلا مثل شرط اتيان الواجب أو ترك المحرم، وهو كما ترى. (ومنها) رواية اسحاق بن عمار (4) قال: (ر حمه الله): " مع


(1) راجع التعليقة (3) من ص 156. (2) راجع التعليقة (2) من ص 159. (3) سورة النور: 24 - الآية 32. (4) راجع التعليقة (7) من ص 159.

[ 164 ]

أن قوله عليه السلام في رواية اسحاق بن عمار: " فان المسلمين عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو احل حراما " ظاهر بل صريح في فعل الشارط فانه الذي يرخص باشتراطه الحرام الشرعي " إلى آخره. وفيه أن الظاهر من صدر الرواية وهو قوله عليه السلام: " من شرط لامرأته شرطا فليف لها به " هو الملتزم، أي من شرط شيئا، وذلك بقرينة تعلق الشرط به وبقرينة الوفاء، فان معنى الوفاء هو الاتيان بالشئ وافيا، فمعنى الوفاء بالشرط الاتيان الملتزم وافيا، ولا إشكال في ان الكبرى الكلية المستشهد بها لا بد وان تنطبق على الصدر الذي هو الصغرى لها، وعليه فلا مناص من ان يراد بها الملتزمات، مضافا إلى ظهور قوله عليه السلام: " المسلمين عند شروطهم " الذي هو كناية عن وجوب المعل بالشرط في ذلك، إذ لا معنى لوجوب العمل إلا على طبق الملتزم، فان نفس الالتزام لا عمل له، مع ان التحريم والتحليل في الرواية اسندا إلى الشرط لا الشارط فلا محالة يكون بتأول، فيمكن أن يكون المراد بالشرط هو الملتزم، فان مفاده قد يكون محرما ومحللا، فان الكلام يحلل ويحرم. هذا كله مع أنه الجمود على ظاهر الرواية (1) يقتضي لان يقال: إن المراد استثناء ما يكون مفاده التحريم والتحليل بعنوانهما بأن يقول: شرطت ان يكون التزويج مثلا محرما عليك، ونكاح اخت الزوجة محللا لك، وان أمر المرأة بيدها إلى غير ذلك مما هو شائع بين الناس. نظير ما في بعض الروايات في باب اليمين كرواية زرارة (2) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سألت عن رجل قال لامرأته: أنت علي


(1) راجع التعليقة (7) من ص 159. (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب مقدمات الطلاق - الحديث 2. من كتاب الطلاق.

[ 165 ]

حرام، فقال: لو كان لي عليه سلطان لاوجعت رأسه، وقلت له: الله أحلها لك فما حرمها عليك؟ " ورواية محمد بن مسلم (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل قال لامرأته: أنت علي حرام، فقال: ليس عليه كفارة ولا طلاق " وعن دعائم الاسلام (2) في قوله تعالى (3): " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ": " إن النبي حرمها - أي مارية القبطية - على نفسه " (ومنها) مرسلة الغنية قال: (رحمه الله): وأصرح من ذلك كله المرسل المروي في الغنية " الشرط جائز بين المسلمين ما لم يمنع منه كتاب أو سنه ". وفيها مضافا إلى الارسال - بل الظاهر من الغنية أنها من طرق غيرنا - انها لا ظهور لها فيما رامه فضلا عن الصراحة والاصرحية، فان قوله: " ما لم يمنع منه " إن رجع إلى الشرط، فمعناه أن الاشتراط نافذ ما لم يمنع عنه كتاب أو سنة، بأن يرد نهي عن الاشتراط، وهذا وإن لم يكن فيه إشكال لكنه غير مربوط بما نحن بصدده، بل أمر آخر زائد على ذلك، وإن رجع إلى الشرط بمعنى الملتزم فلا بد وان يكون المراد من جوازه نفوذ الملتزم، فان الشرط بما هو شرط مع تجرده عن المتعلق لا معنى لنفوذه، بل ذلك لاجل لزوم ترتب الآثار على ما التزم به.


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب مقدمات الطلاق - الحديث 8 من كتاب الطلاق. (2) المستدرك - الباب - 14 - من ابواب مقدمات الطلاق - الحديث 3 من كتاب الطلاق. (3) سورة التحريم: 66 - الآية 1.

[ 166 ]

والانصاف ان جميع الروايات (1) إنما هي بصدد أمر واحد وهو عدم مخالفة ما التزم به للحكم الشرعي، وهذا أمر عام يشمل التحليل والتحريم وشرط فعل الحرام وترك الواجب و الاحكام الوضعية كجعل الطلاق بيد الزوجة، إلى غير ذك، نعم لو ورد نهي عن الاشتراط كان إرشادا عرفا إلى الفساد، لكنه مفقود إلا على احتمال في مرسلة ابن زهرة. ثم إنه لا ينبغي الاشكال في ان تشخيص المخالفة للكتاب والسنة وعدمها موكول إلى العرف كسائر الموضوعات المترتبة عليها الاحكام الشرعية، وليست المخالفة ومقابلها أمرا مجهولا عند العقلاء حتى يحتاج إلى البيان وإتعاب النفس لبيان الضابط لهما بما يجعلهما مجهولا بعد وضوحهما. وذلك أما في موارد الاحكام التكليفية الالزامية فلانه لا شبهه في ان شرط فعل الحرام أو ترك الواجب مخالف عرفا للشرع، كما أن ارتكاب الحرام وترك الواجب مخالف لحكم الله، فلو ورد " أكرم كل عالم إلا من خالف حكم الله " وارتكب عالم حراما أو ترك واجبا لا يشك أحد من العرف والعقلاء في أن هذا العالم داخل في المستثنى، لكونه خالف حكمه تعالى، وكذا في الشرط، فلو شرط عليه ترك واجب أو فعل حرام لا يشك عاقل في انه شرط ما خالف حكم الله تعالى، فان معنى الحرام هو ما منع عن فعله ومعنى الواجب هو ما لزم إتيانه عرفا. وأوضح من ذلك ما لو شرط حرمة حلال، كشرط أن تكون الزوجة أو ملك اليمين حراما عليه، أو ترك القسم بين الازواج حلالا له. (وقد يتوهم) أن أمثال ذلك سواء في الاحكام التكليفية أو الوضعية غير معقول لا أنه غير مشروع (وفيه) ان ما هو غيرم معقول هو اشتراط


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار، والباب - 20 و 29 و 38 من ابواب المهور - من كتاب النكاح.

[ 167 ]

ان يكون حكم الله تعالى كذا، وبعبارة اخرى اشتراط تغييره، هو واضح ولا يشترط ذلك عاقل، وأما جعل الحرمة بواسطة شرطه لطرفه فهو معقول بل واقع، كما في الاحاديث المتقدمة (1) وهو قوله: " أنت علي حرام " وكما في جعل الجماع والطلاق بيد الزوجة إلى غير ذلك مما هو واقع كثيرا وبالجملة شرط أمر وضعي أو تكليفي ينافي الاحكام الالهية باطل، وتشخيص ذلك واضح. وأما في موارد الاحكام غير الالزامية كالمحللات والمباحات والمستحبات والمكروهات فان اشترط تركها أو فعلها فلا شبهة في انه ليس مخالفا للشرع، كما ان إتيانها وتركها ليسا مخالفين له، ضرورة انه أجاز الاتيان والترك في جميع ذلك، فالاشتراط اشتراط امر جائز شرعا، وليس في ذلك تحليل حرام أو تحريم حلال، ولا اشتراط امر مخالف لاحكام الله وهو واضح لا سترة فيه، وأما لو اشترط حرمة حلال ومباح، أو حلية ما ليس بحلال شرعا فهو مخالف للشرع وباطل. ومنه يظهر الحال في الوضعيات، فان شرط كون امر المرأة بيدها أو كون الطلاق كذلك مخالف للشرع، بخلاف شرطه أن لا يطلق أو لا يجامع، كما ان شرط الصلاة في وبر ما لا يؤكل أو في المكان المغصوب مخالف له، إلى غير ذلك من الموارد التي تشخيصها موكول إلى العرف. وأما ما افاده الشيخ الاعظم (قده) من الضابط، فمع كونه تبعيدا للمسافة غير وجيه في نفسه، وحاصل ما افاد: " ان المراد بالحكم الذي يعتبر عدم مخالفة المشروط أو الشرط له هو ما ثبت على وجه لا يقبل تغيره بالشرط بتغير موضوعه بسبب الاشتراط، كالاحكام الالزامية فانها ثابتة للموضوعات لا مع التجرد عن الطوارئ، فان الحكم بالمنع عن


(1) راجع التعليقة (2) من ص 164 و (1) من ص 165.

[ 168 ]

الفعل مطلق لا مقيد بحيثية تجرد الموضوع إلا عن مثل الضرر والحرج، ولازم ذلك حصول التنافي بين دليلي الحكمين إذا فرض ورود حكم آخر من غير جهة الضرر والحرج، فلا بد من الترجيح، واما الاحكام غير الالزامية فهي ثابتة لموضوعاتها من حيث نفسها ومجردة عن ملاحظة عنوان آخر ومتقيدة بتجردها، فلا محالة لا تتعارض مع الاحكام الثابتة لها لاجل الطوارئ " انتهى ملخصا. وفيه موارد للنظر (منها) أن التحقيق ان الاحكام الثابتة للعناوين الطارئة على موضوعات الاحكام الاولية - كالنذر وأخويه والشرط واطاعة الوالدين والمولى واشباهها حتى عنوان المقدمية - لا توجب تغير تلك الاحكام الاولية في شئ من الموارد، وذلك لعدم معقولية تجافي حكم عن موضوعه الذي تعلق به، من غير فرق بين كون الواجب في تلك الموارد هو عنوان الوفاء بالنذر وأخويه والشرط، أو اتيان المنذور والمشروط بما هو كذلك فانها عناوين طارئة زائدة على عنوان ذوات الموضوعات ومنطبقة عليها في الخارج الذي ليس ظرف ثبوت الاحكام. فالموضوع الخارجي بعد عروض الطوارئ عليه له عنوانان، عنوان كونه مصداقا للاكل أو الشرب أو الصلاة أو نحوها، وعنوان كونه وفاء بالنذر واطاعة للوالد وهكذا، فما هو المباح أو المستحب أو المكروه أو الواجب أو الحرام هي العناوين الاولية لموضوعات تلك الاحكام، ولا يعقل سراية تلك الاحام إلى الطوارئ ولو كانت متحدة مع عناوين موضوعاتها في الجارح، وما هو الواجب بالنذر والشرط ونحوهما هو العنوان الطارئ المنفك عن العناوين الاولية في ظرف تعلق الاحكام بها، ولا يعقل سرايته إلى موضوعات الاحكام الاولية، وذلك من غير فرق بين اطلاق أدلة الاحكام وعدمه، فإذا أمر المولى باتيان صلاة الليل أو نذر إتيانها يجب عليه

[ 169 ]

إتيان الصلاة المستحبة، فالواجب إطاعة المولى، وإطاعته عبارة عن ايتان المستحب، وكذا في سائر العناوين. فما اشتهر بينهم من ان الطهارة قد تجب بالنذر وشبهه ما لا أساس له إن اريد به تغير الحكم الاستحبابي أو سقوطه وثبوت الحكم الوجوبي للموضوع. و (منها): ان ما ادعى - من ان جيمع ادلة المباحات والمستحبات والمركوهات تعلقت بموضوعاتها مع التقيد بالتجرد عن العناوين الطارئة غير وجيه جدا، بل لقائل أن يقول: ليس في شئ من ادلتها ما يوهم لحاظ التجرد والتقيد به، كما انه ليس في شئ من ادلة الواجبات والمحرمات لحاظ السريان، كما تمور به الالسن مورا، بل فيما تمت فيه مقدمات الاطلاق يكون الحكم ثابتا لموضوعه من دون لحاظ اي قيد فيه، ومعنى الاطلاق ان المأخوذ هو تمام الموضوع للحكم وليس له جزء أو قيد آخر، فأدلة المستحبات والمكروهات كسائر الادلة في ذلك، نعم قد يكون اهمال في حكم أو لا تتم في مورده مقدمات الاطلاق، ولا فرق في ذلك بينهما بوجه فدعوى ان أدلة المباحات والمستحبات والمكروهات مهملة أو مجردة أو متقيدة بالتجرد بخلاف أدلة الواجبات والمحرمات تخريص، بل قول مخالف للواقع بسحب ظواهر الادلة. و (منها): انه لو فرض لادلة المباحات والمستحبات والمكروهات إطلاق - كأدلة الواجبات والمحرمات - لم يكن شرط تركها أو اتيانها ايضا مخالفا للكتاب والسنة، وذلك لما عرفت من ان مع جواز الفعل والترك لا وجه للمخالفة، ولا يلزم من لزوم العمل بالشرط صيرورة المباح أو المستحب لازما، لما تقدم، مضافا إلى ان اللزوم من احاكم الشرط شرعا وعرفا لا مفاده (فاتضح) ان السر في عدم المخالفة فيها والمخالفة في الواجبات والمحرمات هو ما تقدم، لا ما افاده.

[ 170 ]

نعم لو شرط تحريم مباح أو مستحب على صاحبه فهو مخالف للحكم الشرعي وباطل، فتحصل مما مر ان شرط اتيان ما هو مباح أو شرط تركه وكذا شرط ترك المستحب وإتيان المكروه نافذ وغير مخالف للشرع ولو مع إطلاق ادلتها. ثم إن مقتضى ما ذكرناه جواز اشتراط ترك التزويج والتسري ونحوهما على الزوج، وانه غير مخالف للشرع، وتشهد له رواية منصور بن يونس بزرج (1) عن عبد صالح عليه السلام قال: " قلت له: إن رجلا من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها، فبانت منه، فأراد ان يراجعها، فأبت عليه إلا ان يجعل لله عليه ان لا يطلقها ولا يتزوج عليها، فأعطاها ذلك، ثم بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ فقال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له: فليف للمرأة بشرطها فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: المؤمنون عند شروطهم " فان الظاهر منها وان كان اشتراطها عليه ان ينذر عدم الطلاق والتزويج لا اشتراط عدمهما، ووفاؤه لها بشرطهما يكون بجعل عدمهما نذرا على نفسه، إلا انه لما كان المستفاد منها ان نذرهما صحيح ولازمه عدم كون المنذور مخالفا للكتاب وإلا بطل يستفاد منها ان شرطهما ايضا غير مخالف. (وبالجملة) إن الرواية دالة إما ابتداء على صحة شرطهما ان كان المراد شرط عدمهما، أو بالوسط إن كان المراد شرط النذر، ولعل صحة نذر عدم التزويج عليها لاجل كونه موجبا لرضاها، كما ان التزويج موجب لايذائها، وهذا المقدار كاف في صحة النذر. واما ما يوهم من الروايات خلاف ذلك (فمنها) رواية ابن سنان (2)


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب المهور - الحديث 2.

[ 171 ]

عن ابي عبد الله عليه السلام " في رجل قال لامرأته: إن نكحت عليك أو تسريت فهي طالق، قال: ليس ذلك بشئ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله: قال من اشترط شرطا سوى كتاب الله فلا يجوز ذلك له ولا عليه " وقريب منها رواية محمد بن قيس (1) إلا ان فيها " فقضى في ذلك ان شرط الله قبل شرطكم، فان شاء وفى لها بما اشتراط وإن شاء امسكها واتخذ عليها ونكح عليها ". ولا يخفى ان الظاهر من الاولى ومن صدر الثانية ان الشرط الفقهي - اي ما جعل لها - هو كونها طالقا على فرض التزويج والتسري لا ترك التزويج والتسري، وهذا نظير ما في نذر البر والزجر، فلو قال: " لله علي لو رزقت وولدا ان اتصدق بكذا " أو " لو تركت صلاة الليل ان اصوم النهار " يكون المنذور الصدقة والصوم، ولهذا لو ترك صلاة الليل لم يحنث، وإنما هو بترك الصوم، وفي المقام لم يشترط ترك التسري والتزويج، بل شرط الطلاق على فرضهما، فقوله صلى الله عليه وآله: " من اشترط شرطا سوى كتاب الله " وقوله عليه السلام: " شرط الله قبل شرطكم " راجع إلى صيرورتها مطلقة بذلك، ومن المعلوم ان ذلك الشرط مخالف لشروط الطلاق، وهي شروط الله، من لزوم كونه عند شاهدي عدل، وفي الطهر إلى غير ذلك، فالروايتان غير مربوطتين بالمدعى. وتشهد لما ذكر الروايات الواردة (2) بهذا المضمون الدالة على نفوذ الشرط فيما كا أمرا جائزا، كرواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله (3) إنه " سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال لغلامه: اعتقتك على ان أزوجك جاريتي هذه، فان نكحت عليها أو تسريت فعليك مأة دينار، فاعتقه على ذلك فنكح وتسري، أعليه مأة دينار ويجوز شرطه؟ قال:


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب المهور - الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب العتق - الحديث 0 - 1.

[ 172 ]

يجوز عليه شرطه " وقريب منها غيرها، فيظهر من ذلك ان البطلان في تلك الروايات إنما هو لاجل ترتب الطلاق. وهو واضح. نعم ما في ذيل رواية محمد بن قيس (1) وهو قوله عليه السلام: " إن شاء وفى لها بما اشترط وإن شاء أمسكها واتخذ عليها ونكح عليها " ظاهر في ان الشرط المذكور قابل لان يفي به وأن لا يفي، وهو مخالف للصدر، فان ظاهره ان الشرط كان قبيل شرط النتيجة، وكان ممالا يقع بمجرد الشرط، فكان باطلا، وعليه فلا معنى للوفاء به، والحمل على شرط عدم التزويج مخالف جدا للظاهر، وكيف كان لا تدل الروايتان على بطلان شرطهما. وأما رواية العياشي (2) فهي موافقة لرواية محمد بن قيس في المفاد إلا ان فيها التمسك بآيات: كقوله تعالى (3): " فانكحوا ما طاب " إلى آخره، وهو موجب للاضطراب في المتن، لعدم التناسب بين الآيات والشرط المذكور، أي شرط كونها مطلقة، ومن المحتمل ان ذكر الآيات من العياشي اجتهادا منه لا من تتمة الحديث، مع ان الرواية مرسلة لا يعتمد عليها. و (منها): رواية حمادة اخت أبي عبيدة الحذاء (4) قالت: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة وشرط لها ان لا يتزوج عليها ورضيت ان ذلك مهرها، قالت: فقال أبو عبد الله عليه السلام: هذا شرط فاسد، لا يكون النكاح إلا على درهم أو درهمين ".


(1) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب المهور - الحديث 1 - من كتاب النكاح. (2) و (4) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 6 - 1. (3) سورة النساء: 4 - الآية 3.

[ 173 ]

ولا يخفى أنها غير دالة على المدعى، لان الظاهر منها ان الفساد لاجل جعل عدم التزويج مهرا، بل تشعر بصحة شرط عدم التزويج لو لا ذلك، وإلا كان الانسب الحكم بالفساد، لكون شرطه عدمه باطلا سواء جعله مهرا ام لا. و (منها): رواية زرارة (1) " ان ضريسا كانت تحته بنت حمران فجعل لها ان لا يتزوج عليها ولا يتسرى ابدا في حياتها ولا بعد موتها - إلى ان قال -: إذهب فتزوج وتسر، فان ذلك ليس بشئ " إلى آخرها. والظاهر منها ان الشرط كان ابتدائيا لا في ضمن العقد وكان البطلان من اجله، لا من قبل كون ما ذكر مخالفا للكتاب، ولا اقل من احتماله ولا دافع له، فلا تكون حجة على المطلوب، مع ان الجزاء الذي جعلاه عليهما كأنه سفهي غير عقلائي، ويحتمل ان يكون البطلان لاجله. والانصاف ان بحسب الروايات لا إشكال في صحة الشرط المذكور فان قام الاجماع أو الشهرة المعتمدة على بطلانه ولم يحتمل اتكال المجمعين على الاجتهاد من الروايات فلا محيص عن القول بالفساد، لا إشكال فيه لانه تخصيص للكبرى المجعولة " المؤمنون عند شروطهم " المقتضية لصحة الشرط المذكور بالاجماع والشهرة المعتمدة، ولا داعي لاتعاب النفس في التوجيه بأن هذا المباح من المباحات التي لا تتغير حكمها بالشرط، فيكون شرط تركه مخالفا للشرع، فان إخراجه بالدليل عن الكبرى الكلية كسائر موارد التخصيص في الاحكام. مع ان التوجيه المذكور فاسد، لما تقدم من عدم تغير أحكام الموضوعات الثابتة لها بالادلة الاولية بعروض الطوارئ المتعلقة بها الاحكام الثانويه عليها


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 2.

[ 174 ]

كالشرط والنذر وغيرهما، فالتسري والتزويج مباحان بعد الشرط كما كانا قبله. ومنه يظهر حال الموارد التي دلت الادلة الخاصة فيها على صحه الشرط الذي كان مخالفا لظاهر عمومات الكتاب والسنة، مثلا لو دل دليل على صحة اشتراط التوريث في المتعة أو صحة اشتراط الضمان في العارية بعد ما دلت الادلة العامة على عدم توريثها وعدم ضمان العارية كان اللازم تخصيصها بذلك الدليل الخاص، من غير فرق بينهما وبين سائر العمومات والخصوصيات، فيكشف التخصيص عن عدم الجد في العموم بالنسبة إلى مورد التخصيص، ويخرج ذلك المورد عن مخالفة شرطه للكتاب والسنة. وهكذا الحكم في الاشباه والنظائر، ولا يكون ذلك تخصيصها أو تقييدا للشرط المخالف للكتاب حتى يتوهم إباؤه عن ذلك، بل تخصيص في العمومات الاولية، وإخراج موضوعي عن المستثنى في أدلة الشروط، ولا يحتاج إلى تبعيد المسافة بما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في طرفي المستثنى منه والمستثنى. كما لا حاجة إلى توجيهات أخر، كالقول في مسألة شرط ترك التسري والتزويج بأن المباحات على قسمين، منها: ما لا اقتضاء لها، أي لا تقتضي موضوعاتها لحكم من الاحكام، فمثل هذه الاباحة عقلية لا شرعية، ومنها: ماهي مقتضية لها، وهي على قسمين: لان الاقتضاء تارة يكون على نحو العلية التامة وأخرى لا كذلك، ففي جميع المباحات تصح شرط الفعل والترك، إلا في الاقتضائية على وجه العلية، فان حكمها مما لا يتغير. فانه تخريص يوجب سد باب العمل بالشروط، وترك العمل بالكبرى فيها، إلا ما نص الشارع على صحته، وهو فاسد جدا، مضافا إلى ما عرفت من عدم تغيير الاحكام بالشروط، إلا أن يتشبث بتخريص آخر، وهو

[ 175 ]

ان من المباحات ما هو مقتض بنحو العلية لان يكون المكلف مختارا في تركه وإيجاده تشريعا، ففي مثله يكون الشرط مخالفا للشرع، وهو كسائر التوجيهات الباطلة غير المحتاج إليها. ثم إن المراد بمخالفة الشرط أعم من المخالفة بالتبائن أو بالعموم والخصوص أو بالاطلاق والتقييد. (وتوهم) ان المخالفة بالنحوين الاخيرين خارجة عن محل الكلام، كما يقال في باب الخبرين المتعارضين أو المختلفين بأن المخالفة بالعموم والخصوص والاطلاق والتقييد ليست مخالفة لمكان الجمع العقلائي بينهما، فالخبران المختلفان عبارة عما يختلفان بنحو التبائن أو بالعموم من وجه (فاسد) للفرق بين المقامين، فان محيط التشريع المتعارف فيه إلقاء الكليات أولا وذكر المقيدات والمخصصات بعدها، من غير فرق بين القوانين الالهية والعرفية المجعولة في المجالس التشريعية قرينة على ان المراد بالمخالفة ليست المخالفة الصورية التي يمكن رفعها بالجمع بين الدليلين عرفا، وليس المراد ان المخالفة بالعموم والخصوص لا تكون مخالفة، ضرورة ان الموجبة الكلية نقيض السالبة الجزئية وبالعكس، هذا حال محيط التشريع. وأما في باب الشروط الضمنية المخالفة للكتاب أو السنة فلا وجه لتخصيص المخالفة المبحوث عنها فيه بقسم منها، مع أن كلها مخالفة، مضافا إلى ان مخالفة جل الشروط من قبيل المخالفة بالعموم والخصوص والاطلاق والتقييد، فلا اشكال من هذه الناحية، كما ان المراد بالكتاب والسنة هو القرآن المجيد بظواهرها والاحكام الواصلة إلينا من الشارع الصادع بالطرق المعهودة، لا ماكتب الله تعالى على العباد في اللوح المحفوظ، بناء على وجود مثلها فيه ولم يأن أوان تبليغها إلا عند ظهور الحجة المنتظر عليه وعلى آبائه الصلاة والسلام. وعلى هذا وما ذكرناه في خلال الكلام يكون موارد الشك في

[ 176 ]

المخالفة قليلة، مثل ما إذا شك في إطلاق دليل أو ظهور كلام أو كان الدليل مجملا محتملا إلى غير ذلك، ففي مثلها نحتاج إلى الرجوع إلى الاصول. فلو جرت أصالة عدم مخالفة الشرط الكذائي للكتاب لاحرز بها قيد الموضوع لقوله: " المؤمنون عند شروطهم " المستفاد من النبوي (1) بعد استثناء الشروط المخالفة، وتم بذلك موضوع الاثر. وقد تشبثوا لجريانها بوجوه مخدوشة، ونحن قد استقصينا البحث عن مثلها في الاصول في مبحث البراءة والاستصحاب عند البحث عن أصالة عدم القابلية وأصالة عدم التذكية، فلابد لطالب التفصيل من الرجوع إلى ما هناك، لكن نشير هنا إلى خلاصة منه. فنقول: إنه يحتمل بدوا ان يكون المعتبر في مقابل مخالفة الكتاب الواردة في المستثنى عدم المخالفة بنحو القضية السالبة المحصلة، سواء كانت المحصلة المطلقة الصادقة مع سلب الموضوع وسلب المحمول، أم المحصلة بسلب الموضوع فقط أو بسلب المحمول كذلك، وان يكون عدم المخالفة بنحو الموجبة سالبة المحمول، أي الشرط الذي هو لم يكن مخلافا للكتاب، وهذا اعتبار آخر غير اعتبار السلب المحصل بأقسامه، وان يكون المعتبر عدم المخالفة على نحو الموجبة المعدولة، أي الشرط غير المخالف له، هذا بحسب التصور في الاقسام المعتبرة في القضايا التي ورد فيها السلب بوجه. وأما في المقام وأشباهه مما يترتب الحكم الثبوتي على الموضوع كنفوذ الشرط المقابل للشرط المخالف فلا يعقل ان يكون الاعتبار على السلب التحصيلي بسلب الموضوع، لعدم تعقل نفوذ المعدوم، وعدم تعقل ثبوت


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 177 ]

شئ له حتى الامر الاعتباري، بل يودي ذلك إلى التناقض في الجعل، هذا مع الغض عن ان السلبيات بسلب الموضوع لا واقعية لها ولا تقرر لها في صفحة الوجود خارجا ولا ذهنا، ولا يعقل تصور المعدوم ولا الاشارة إليه إلا بعنوانه وبالحمل الاولي، كما هو المقرر في محله في الاخبار عن المعدوم المطلق بأنه لا يخبر عنه. وكذا الحال في البطلان وعدم المعقولية السالبة المحصلة المطلقة، بأن يكون المطلق المنطبق على السلب بنفي الموضوع موضوعا للحكم الثبوتي لعين ما ذكر. فبقيت من اقسام المحصلة السلب بنفي المحمول مع حفظ الموضوع أي الشرط المفروض وجوده مسلوبا عنه المخالفة، والاعتبار على هذا النحو لا محذور فيه، كما لا محذور في سائر الاقسام، أي الموجبة سابلة المحمول والمعدولة. إذا تبين ذلك فنقول: إن ما يصح اعتباره من الاقسام لا يجري الاصل فيه، لعدم الحالة السابقة المتيقنة له، فكما لا سابقة للشرط غير المخالف كذلك الشرط المتصف بأنه لم يخالف، والشرط المفروض التحقق مسلوبا عنه المخالفة، وجريانه في مالا يصح اعتباره اي السلب بسلب الموضوع فقط أو الاعم لا يفيد، لان نفس المستصحب وإن كان له حالة سابقة متيقنة أزلية، إلا انه ليس موضوعا للحكم، وإجراؤه فيه لاثبات قسيمه أو قسم منه مثبت، كما يظهر بأدنى تأمل. (فما) في بعض التعليقات - مما محصله " ان السالبة المحصلة لا تحتاج إلى وجود الموضوع، بل تصدق مع عدمه ومع عدم المحمول، فعدم المخالفة اعم من نفي المخالفة مع وجود الطرفين ومن نفيها مع عدمهما، فحينئذ لا مجال للاشكال في اصالة عدم المخالفة، ولا حاجة إلى استصحاب

[ 178 ]

العدم المحمولي حتى يقال: إنه مثبت بالنسبة إلى ثبوت العدم المقابل للوجود الرابط " انتهى ملخصا -. (ناش) من عدم التأمل في اطراف القضية، والا فاستصحاب العدم الجامع لاثبات قسم منه مما لا ريب في كونه مثبتا، وقد عرفت ان الجامع لا يعقل ان يكون موضوعا للحكم إلا باعتبار قسم منه، وهو السلب بسلب المحمول. ثم إن لشيخينا العلامة أعلى الله مقامه تقريبا لاصالة عدم قرشية المرأة ونحوها، وهو ان القرشية ونحوها غير لازمة للماهية، فانها عارضة لها بواسطة الوجود وفي ظرفه، فيصح ان يشار إلى المرأة الخارجية ويقال مشيرا إلى ماهيتها: إنها لم تكن قرشية قبل تلبسها بالوجود، وبعده يشك في ثبوتها لها بوسيلته فيستصحب، ويجري ذلك في المقام وسائر الموارد المشابهة، وعليه يدفع اشكال المثبتية، وكذا إشكال عدم اليقين بالحالة السابقة. وفيه أن المراة وغيرها قبل الوجود ليست بشئ، ولا يعقل إثبات شئ لها ولا سلبه عنها، لانها من الاباطيل التي تخترعها الواهمة من غير ان يكون لها تقرر، فما قد يقال: عالم تقرر الماهيات وعالم الاعيان الثابتة لو اريد به انه تقرر وثبوت بحسب الواقع للماهيات جزئية كانت أو كلية قبل وجودها ومع سلب كافة الوجودات الخارجية والذهنية فهو بمكان من الفساد، ومن الواضح ان لا شيئية المعدومات امر لا يخفى على العرف العام ايضا. فيحينئذ نقول: إن الاشارة إلى ماهية المرأة حال وجودها لا إشكال فيها، فانها موجودة بوجودها، لكن الحكم بأنها ماهية قبل الوجود - ولم يكن لها الوصف الكذائي، بمعنى سلب الربط مع حفظ الموضوع - غير

[ 179 ]

وجيه، فانها قبل الوجود لا شئ ومعدوم مطلقا، لا يثبت لها شئ ولا يسلب عنها شئ، هذا إن اريد سلب الوصف عنها مع حفظ نفسها، وأما إن اريد السلب بسلبها موضوعا فيأتي فيه إشكال المثبتية المتقدم. وأما ما افاده الشيخ الاعظم (قده) بعد البناء على جريان أصالة عدم المخالفة في صدر كلامه بقوله: " ومرجع هذا الاصل إلى أصالة عدم ثبوت هذا الحكم على وجه لا يقبل تغيره بالشرط " فلم يتضح هل مراده ان الاصل الثاني عين الاول، وان اصالة عدم مخالفة الشرط للحكم عين أصالة عدم ثبوت الحكم على الوجه المذكور، كما يشعر به قوله: " ومرجع هذا إلى هذا " أو انه اغمض عن الاصل الاول واجري الثاني بواسطة إشكال في الاول دونه. فان كان المراد وحدة الاصلين فمن الواضح عدمها، فان وحدة الاصلين لابد وأن تكون بوحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها، ومن المعلوم عدمها موضوعا ومحمولا. وإن أريد الوجه الثاني لاجل التخلص عن إشكال عدم المسبوقية باليقين والمثبتية على ما تقدم الكلام فيه بالنسبة إلى أصالة عدم المخالفة، فيرد على الثاني عين الاشكال، فان عدم الثبوت بالوجه المذكور غير مسبوق باليقين لو اريد السلب بسلب المحمول، ومثبت لو اريد بسلب الموضوع لاثبات سلب المحمول. ومما ذكرناه يظهر النظر في التوجيهات التي ارتكبها بعض الاجلة في تعليقاته قال: " والتحقيق ان الاصل السابق عبارة أخرى عن اللاحق، فان نفي كل عنوان منتزع عن شئ تارة بنفي مبدأ العنوان واخرى بنفي الانتساب المقوم لعنوانية العنوان، وثالثه بنفي المعنون، ومآل الكل إلى أمر واحد، وهو نفي العنوان، فنفي عنوان المخالف تارة بعدم المخالفة

[ 180 ]

واخرى بعدم الحكم المخالف، أي عدم الحكم الذي لا يتغير " انتهى. وفيه أنه إن أريد بأن مآل الكل واحد ان القضية المستصحبة في الكل واحدة هو خلاف الضرورة، فان قضية عدم كون الشرط مخالفا للكتاب غير قضية عدم ثبوت هذا الحكم على وجه لا يتغير، وغير ان الحكم الكذائي غير مخالف للشرط، لاختلاف الموضوع والمحمول فيها، والاستصحاب في إحداها غير كاف عن الاخرى. وإن أريد أن الغرض من جريان الكل واحد وهو اثبات صحة الشرط ففيه مضافا إلى عدم دفع الاشكال، ان أصالة عدم ثبوت الحكم الكذائي لا تثبت صحته، وكذا أصالة عدم مخالفة الكتاب للشرط إلا على القول بالاصل المثبت، فان ما رود في النص منطوقا ومفهوما هو مخالفة الشرط للكتاب وعدمها، والقضايا المستصحبة ما عدا قضية أصالة عدم مخالفة الشرط للكتاب غير منقحة لموضوع دليل الشرط إلا بالاستلزامات العقلية أو العرفية. ومن هنا يظهر الضعف في تخلصه عن الاشكال الذي اوردوه على أصالة عدم مخالفة الكتاب للشرط بأنه مثبت، حيث تخلص عنه بوجهين (أحدهما): ما عن المحقق الخراساني (قده) من ان المتلازمين المتضايفين، كالواحد الذي له وجهان عرفا، والتعبد بأحدهما عين التعبد بالآخر، والمخالفة بين الكتاب والشرط كذلك، (ثانيهما): ما يرجع محصله إلى أن الموضوع في الشرط المخالف مؤلف من الشرط، وعدم ثبوت الحكم على وجه لا يتغير، فيحرز بالوجدان والاصل. ووجه الضعف أنه (يرد على الاول) - إن كان المدعى ان العرف لا يفهم كثرة عنوان المتلازمين المتضايفين، بل في نظره الابوة عين البنوة وقضية ان الشرط مخالف للكتاب عين قضية الكتاب مخالف للشرط،

[ 181 ]

ولا يفرق بين الاصل والعكس، ولا بين المتضايفات - انه ممنوع جدا، كما ان دعوى انه بعد البناء على فهم العرف ما ذكر يكون الاصل غير مثبت غير وجيهة (وعلى الثاني) - مع انه مخالف لظاهر الادلة، فان المفهوم من الاستثناء الشروط التي لا تخالف ونحو ذلك، واين هذا من التركيب بما ذكره - أن الاشكال المتقدم في أصالة عدم ثبوت الحكم الكذائي لا يندفع بذلك، كما هو واضح. ثم إن المحقق الخراساني (قده) بنى على أن إجراء أصالة عدم تحقق المخالفة بين الشرط والكتاب بنحو ليس التامة والعدم المحمولي كاف في إحراز موضوع أدلة الشروط، من غير احتياج إلى أصالة عدم كون الشرط مخالفا فان الخارج عن عموم " المؤمنون عند شروطهم " (1) بالاستثناء ليس إلا عنوان واحد خاص، والباقي - بأي عنوان كان - تحته، ومن العناوين هو العدم المحمولي. وفيه أولا أن المناط في تشخيص ما بقي تحت عنوان العام هو الظهور العرفي للكلام، ومن الواضح ان الاستثناء إنما هو عن الشروط، وبعد الاستثناء يعلم ان الشروط بحسب الواقع على قسمين: شرط مخالف، وفي مقابله ما لم يكن مخالفا، وأما عنوان المخالفة نفسا وبالوجود المحمولي أو عدمه فلا يكون في العموم حتى يقال: إنه بقى بعد الاستثناء، فدعوى بقاء كل عنوان في غير محلها. وثانيا على فرض التسليم برد على الاصل المذكور وكل أصل مشابه له ما يرد على أصالة عدم كون الشرط مخالفا بالعدم الربطي، فان العناوين المحمولية والنفسية على قسمين: أحهدما ما لا إضافة له إلى شئ في الخارج كالانسان والعالم والبياض، وثانيهما ما له إضافه كمخالفة الشرط للكتاب،


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 4.

[ 182 ]

وعدم كون المرأة من القريش، ونحو ذلك، ومثله وإن كان مسبوقا بالعدم لكن المسبوقية إنما هي بعدم الاطراف والمضاف إليها، ضرورة أنه قبل وجود أطراف الاضافة لا يعقل إضافة ولا مضاف ولا مضاف إليه، ومثل هذا العدم بعدم الاطراف لم يكن موضوعا للحكم، وما هو موضوع هو العدم المضاف إلى الشرط والكتاب، وهو غير مسبوق باليقين. وبالجملة الايراد الوارد على الكون الرابط وارد على العناوين المضافة طابق النعل بالنعل، فما اشتهر بينهم من عدم الاشكال في مطلق " ليس " التامة إذا كان الحكم مترتبا عليها غير متجه باطلاقه. وها هنا كلام من بعض الاعاظم في قبال المحقق الخراساني، وحاصله التفصيل في القيد المأخوذ في موضوع الحكم بين ما إذا كان من قبيل العرض لموضوعه وغير ذلك مما كان الموضوع مركبا من الجوهرين أو عرضين لموضوعين أو لموضوع خارج عن موضوع الحكم، فبنى على صحة جريان الاصل، وإحراز الموضوع به وبالوجدان في الثاني دون الاول. ثم قال: " إن استصحاب العدم المحمولي فيه مبني على إمكان أخذه بهذا اللحاظ في موضوع الدليل ثبوتا وإثباتا، والاقوى عدمه، وأما ثبوتا، فلان المعروض بالنسبة إلى انقسامه إلى هذا العرض ونقيضه إما مطلق أو مقيد، فعلى الاول يكون تقيده بعدم كون العرض بوجوده المحمولي مقارنا له يدافع مع هذا الاطلاق، لان المفروض ان المعروض من حيث انقساماته الاولية الملحوظة قبل انقساماته من حيث الامور المقارنة له مطلق غير مقيد لا بوجود العرض نعتا له ولا بعدمه، وعلى الثاني - أي إذا كان مقيدا به - فتقييده بعدم وجوده المحمولي لغو مثلا في قوله: " أكرم العالم " إذا كان العالم من حيث انقسامه إلى الفساق ونقيضه مطلقا فتقيده بعدم وجود فسقه مقارنا لوجوده يدافع الاطلاق، وإن كان مقيدا بعدم كونه فاسقا،

[ 183 ]

فتقيده ايضا بعدم وجود الفسق في زمانه تقييد لغو مستهجن، فيتعين ان يكون العرض ملحوظا على وجه النعتية في الاطلاق والتقييد، ولا تصل النوبة إلى لحاظه عرضا ومحمولا، فان انقساماته الطارئة عليه أولا مقدم على لحاظه باعتبار مقارناته " انتهى ملخصا. وفيه موارد للنظر (منها) ان الظاهر منه ان الاطلاق متقوم باللحاظ وهو بمكان من الضعف، وتكرر منا ان الاطلاق عبارة عن جعل الموضوع بلا قيد متعلقا للحكم، ومنه يحتج على الاطلاق. و (منها) ان الاطلاق على فرض كونه لحاظيا فهو تابع للحاظ المتكلم فله ان يلاحظه مطلقا بالنسبة إلى وصف نعتي أو عرض محمولي، أو يقيد بالنسبة إلى واحد منهما، وعليه فلا أثر لتقدم احدهما على الآخر لو فرض صحة التقدم والتأخر. و (منها) ان إطلاق الكلام بالاضافة إلى الاوصاف الناعتة قابل للتقييد، وليس التقييد منافيا له بحسب الجد، كما في كل مطلق ومقيد، فلو فرض ان للكلام إطلاقا بالنسبة إلى الاوصاف الناعتة ثم ضم المتكلم إلى الموضوع وصفا محموليا ليكون جزء الموضوع يكشف ذلك عن عدم الاطلاق بالنسبة إلى النعتي ايضا، لامتناع الجمع بين الاطلاق جدا فيه والتقييد، كما ان التقييد بالنعتي كاشف عن عدم الاطلاق. (وبالجملة) لا فرق في جواز تقييد المطلق بين ان يكون القيد وصفا نعتيا أو محموليا، سواء كان الاطلاق لحاظيا كما قيل أو لا كما هو التحقيق. ثم إنه (رحمه الله) ذكر في مقام الاثبات أمثلة من الاوصاف النعتية ولم يتذكر لغيرها، مع ان في كل ما ذكر يمكن التقييد بها أو بالاعراض بوجودها المحمولي، فكما يصح للمتكلم ان يقول: " أكرم العالم العادل " يصح ان يقول: " أكرم العالم " مع كون العدالة مقارنة له، وكذا الحال

[ 184 ]

في أمثاله ونظائره مما كان بحسب اللب العنوان المحمولي جزء الموضوع. الخامس: ان لا يكون منافيا لمقتضى العقد، وقد اضطربت كلماتهم في بيان هذا الشرط، ووقع الخلط في مورد البحث، وذكروا امثلة خارجة عن محطه. والتحقيق ان البحث عن شروط صحة الشرط إنما هو بعد الفراغ عن الشروط أو الاسباب التي هي دخيلة في تحققه ووجوده، فالقول باعتبار معقولية تعلق القصد بالعقد والشرط معا والتفصيل في ذلك اجنبي عن مورد البحث كما ان مقتضى العنوان - وهو عدم كون الشرط مخالفا لمقتضى العقد - ان يكون البحث عن مخالفته لماهية العقد وأركانه، أو مخالفته للاحكام المترتبة على ذات العقد، أو للاحكام المترتبة على المعقود عليه - إلا في بعض الموارد التي سنشير إليه - خارجا عن محط الكلام. فالتشقيقات الكثيرة الواقعة في كلام بعض الاجلة كالامثلة التي وقعت موردا للنقض والابرام جلها اجنبي عن عنوان البحث، مثلا إن لعقد البيع مقومات واركانا دخيلة في مفهومه، أو تحقق ماهيته، كالايجاب والقبول بناء على دخالته ايضا فيه، وكالقصد والجد المقابل للهزل ونحوها وله بعد التحقق احكام، كالزوم ووجوب الوفاء، ولمتعلقاته احكام بعد تماميته ككون كل منهما سلطانا على ما انتقل إليه، ويصح من كل منهما التصرفات الاعتبارية، ويجوز سائر التصرفات، ومن المعلوم ان كل ذلك خارج عن مقتضى العقد ومحط عنوان البحث، وما هو داخل فيه هو ما يقتضيه من النقل الانشائي، ويلحق به النقل الحقيقي الاعتباري الذي هو مترتب على الانشائي.

[ 185 ]

ثم إنه لا بد من البحث عن الشروط المخالفة التي قد يتفق اشتراطها من المتعاملين ولو احيانا، فمثل " بعتك بشرط أن لا تقبل " أو " زوجتك بشرط أن لا تصير المرأة زوجتك " ونحوهما مما لا يقع في الخارج لا وجه للبحث عنه. فالشرط المخالف لمقتضى العقد الذي هو قابل للبحث وداخل في عنوانه هو مثل شرط أن ينعتق العبد، وشرط أن يصير المبيع وقفا أو ملكا لغيره مما قد يتفق من بعض الناس، نظير اشتراء من ينعتق عليه قبل أن يصير ملكا، كما يحتمل في النص (1). ومن المعلوم أن مثل هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد، فان مقتضى مضمون البيع تمليك العين للمشتري، ومقتضى الشرط عدم ملكيته، وبطلان الشرط على ذلك واضح، للتنافي بين مضمونيهما، ولا يعقل وقوعهما، وبطلان الشرط متيقن بعد البناء على بطلان الشرط الابتدائي أو في ضمن العقد الفاسد، لا لاجل عدم تعقل تعلق القصد بهما كما قيل، بل لاجل التنافي بحسب الواقع، نعم مع تصور الاطراف والمعرفة بجميع الجهات لا يكون الجد فيهما معقولا، لكنه خارج عن عنوان البحث، كما تقدم. واستدل الشيخ الاعظم (قده) لفساده بكونه مخالفا للشرع أيضا، وهو كذلك، لان مقتضى أدلة انفاذ العقود، كقوله تعالى (2): " أو فوا بالعقود " لزوم البناء على وقوع مضمونها، سواء كان كناية عنه أو لازما لمفاده، لكن يرد عليه أنه على ذلك داخل في الشرط السابق، ومن امثلته ولا يكون شرطا مستقلا. ويلحق بمخالفة مقتضى العقد ما يرجع إلى التنافي بينه وبين أصل العقد


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب العتق - الحديث 2 و 3 و 5. (2) سورة المائدة: 5 الآية 1.

[ 186 ]

أو الملكية التي هي مضمونه، وتوضيحه: ان مقتضى الجمود على عنوان البحث تخصيص البطلان بالشرط الذي مضمونه على خلاف مضمون العقد الذي هو مقتضاه، كالامثلة السابقة، لكن ربما لا يكون بين المضمونين مطابقة مخالفة، وإنما التنافي بين الشرط وبين وقوع البيع عرفا، أو بينه وبين التمليك كذلك استلزاما. كما لو شرط عدم تسليم المبيع مطلقا، فان ذلك وان لم يكن مخالفا لمقتضى العقد، فان مقتضاه ومضمونه ليس إلا التبادل بين المالين، أو تميلك العين بالعوض، لكن لما كانت تلك العناوين الاعتبارية وصلة للوصول إلى الاغراض العقلائية إذ من الواضح أن عنوان البيع ونحوه ليس بنفسه مطلوبا ومتعلقا للاغراض، بل آلة للوصول إلى المبيع والثمن مما هو المقصود بالذات - فمع فرض عدم التسلم والتسليم مطلقا لم يكن إنشاء البيع إلا هزلا ولقلقة ولو فرض وقوع مثله غفلة عن الواقع لا يقع صحيحا عند العرف، كما لو باع ما يمتنع تسليمه وتسلمه إلى الابد، فلو شرط عدم التسليم أبدا يقع التنافي بين البيع صحة واعتبارا عقلائيا وبين الشرط، فهو متيقن البطلان، لما مر. وكما لو شرط عدم التصرف مطلقا في المبيع لا التصرفات الخارجية ولا الاعتبارية، فان ذلك موجب لسلب اعتبار الملكية، فان اعتبار امثالها معلول للسلطة على التصرفات ولو في الجملة، ومع سلبها مطلقا لا مصحح لاعتبارها فيقع التنافي حينئذ بين الشرط وبين الملكية المنشأة بالبيع على وجه الاستلزام، فيقع باطلا. وأما شرط عدم الاستمتاعات الجنسية بقول مطلق، فالظاهر صحته لترتب بعض الاحكام الشرعية والاغراض العقلائية على التزويج، كالمصاهرة

[ 187 ]

مع بيت شريف شرعا أو عرفا، أو حصول المحرمية أو غير ذلك مما يتعلق به الاغراض. كما انه لا اشكال في صحة شرط ترك بعض التصرفات الخارجية أو الاعتبارية، كشرط عدم البيع أو الاجارة أو شرط البيع من شخص، أو شرط عدم التسليم فورا أو التسليم بعد زمان ونظائرها مما لا ينبغي الاشكال في صحته وعدم مخالفته لمضمون البيع وعدم التنافي بينهما ولو استلزاما وعدم المخالفة للشرع. ويتوهم كونه مخالفا لدليل السلطنة (1) في غاية الفساد، فان دليلها لا يمنع ما هو من قبيل إعمالها، كيف وجل الالتزامات العقلائية والشرعية يوجب تحديدا، في قاعدة السلطنة، فباعمال القاعدة تخرج العين عن سلطانه في الرهن ونحوه، بل التحقيق ان الاعراض عن الملك من شؤون السلطنة عليه، كما ان شرط عدم تصرف خاص في ظرف الملكية من قبيل إعمالها في ظرفها، وكيف كان لا إشكال في أمثالها، وإنما الكلام في بعض الامثلة التي وقعت محل الاشكال. (منها) ما تعرضوا له في بيع الحيوان، من الخلاف في جواز الشركة فيه إذا قال: " الربح لنا ولا خسران عليك " فعن الشهيد جوازها وصحة الشرط وكونه موافقا للقاعدة، وفي صحيحة رفاعة (2) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل شارك في جارية له وقال: إن ربحنا فيها فلك نصف الربح وإن كان وضيعة فليس عليك شئ، فقال: لا أرى بهذا بأسا إن طابت نفس صاحب الجارية " وقريب منها رواية أبي الربيع (3) عن أبي عبد الله عليه السلام، فعمل الشهيد (ره) بها على ما حكى عنه، وتعدى عنها إلى


(1) البحار - ج 2 ص 272 - الطبع الحديث. (2) و (3) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب بيع الحيوان - الحديث 1 - 2.

[ 188 ]

غير موردها لكون الحكم على القاعدة، وعن ابن ادريس (ره) المنع مطلقا حتى في مورد الرواية، فلم يعمل بها، وعن المحقق (ره) العمل بها مع التعدي إلى مطلق الحيوان. وفصل بعضهم بين الاشتراط في الربح والخسران في التجارة وبين اشراط اختلاف الشريكين في النماءآت المتصلة أو المنفصلة، فذهب إلى البطلان في الاول دون الثاني، وفصل بعضهم بين اشتراط ذلك بعد حصول الربح وصيرورته ملكا للمالك فصححه وبين الاشتراط قبله فأبطله، إلى غير ذلك من الاقوال والاحتمالات. أقول: لا ينبغي الاشكال في الصحة في النماءآت متصلة كانت أو منفصلة، من غير فرق بين كون الاشتراط في ضمن عقد الشركة أو عقد التشريك أو في ضمن عقد آخر، فلو شرك غيره في حيوان على النصف واشترط عليه ان يكون الثلثان من لبنه أو نتاجه له صح وكان على وفق القواعد. وما قيل في وجه البطلان غير وجيه، كقول بعضهم إنه غير معقول إذ لم يتضح أنه مخالف لاي برهان فلسفي يدل على امتناع عدم تبعية نماءآت الملك له بعد وقوعه في الخارج على ما نذكره. وكقول بعض: إنه مخالف للقواعد العقلائية والشرعية (وفيه) ان غاية ما تقتضي القواعد تبعية النماء والمنافع للملك لو خليا وطبعهما دون ما إذا تصرف المالك بما يوجب الانفكاك، كبيع الثمار، وإجارة الاشجار والمساكن وعقد المزارعة إذا كان البذر لاحدهما مثلا، وعقد المساقاة، إلى غير ذلك مما انفك النماء والمنافع فيه عن الاملاك، فهل الانفكاك في تلك الموارد تراه غير معقول أو غير عقلائي أو غير شرعي. وكقول بعض: إن الشرط إذا وقع في عقد الشركة يكون مخالفا

[ 189 ]

لمقتضاه فبطل (وفيه) ان مقتضى عقد الشركة ليس إلا مشاركة المتعاملين في العين، وأما كون نماء الملك لصاحبه فليس من مقتضياته، فإذا قال: شركتك في كذا لم يكن مفاده ومقتضاه إلا حصول الشركة، وأما ما يترتب على الاشياء بعدها فليس من مقتضياته. وأهون من الكل ما قيل من ان الشركة إنما حصلت بالامتزاج، وإنما فائدة العقد هي الاذن في التصرف في مقام التجارة، فاشتراط التفاضل ونحوه في ضمنه لا يفيد شيئا، لانه بمثابة الشروط الابتدائية، حيث لا يرجع إلى خصوصيات الاذن وكيفية العمل، لوضوح أن مجرد اقترانه بالعقد لا يوجب صيرورته شرطا في ضمنه. وفيه - مضافا إلى أن الشركة قد تحصل بالعقد كعقد التشريك الذي أشار إليه في صحيحة رفاعة (1) وكعقد الشركة فيما كان للممتزجين تميز بحسب الواقع - أن اعتبار كون الشرط في ضمن العقد إنما هو لاجل تحقق مفهومه لغة وعرفا، حيث يكون التزاما في ضمن بيع ونحوه، ولا يعتبر في صحته ان يكون دخيلا في خصوصيات العوضين، وهو واضح. والانصاف ان التشكيك في صحة الشرط في باب المنافع والنماء آت في غير محله (وإنما) الاشكال في شرط الاختلاف في ربح التجارة بالنسبة إلى المال المشترك، فلو اشتركا بالنصف واشترطا كون الربح في التجارة بينهما بنحو التثليث أو كون الخسارة على أحدهما والربح مشتركا كما في الصحيحة، فيقع الاشكال بأنه غير معقول، لان ماهية البيع هي التميلك بالعوض أو التبادل في الملكية، ولا يقعل مع حفظ عنوان البيع أن يدخل الثمن أو بعضه في ملك غير صاحب العوض، وأنه مع ذلك مخالف للقواعد العقلائية في البيع ونحوه، فإذا وقع الثمن بازاء العين المشتركة فلا محالة يكون


(1) راجع التعليقة (2) من ص 187.

[ 190 ]

بينهما بنسبة ملكهما، وليس ذلك نظير النماءآت، كما هو ظاهر. ولو قيل ببطلانه فليس من جهة ان الشرط مخالف لمقتضى عقد الشركة لما عرفت من انه لا يقتضي إلا اشتراكهما في العين، واشتراك المنفعة ليس من مقتضياته، بل من جهة انه مخالف للعقل وحكم العقلاء، بل والشرع. لكن يمكن دفع الاشكال بوجهين: (أحدهما) أن مفاد ذلك الشرط يرجع إلى تفاوت الثمن المجعول في مقابل العين المشتركة بالنسبة إلى حصتي الشريكين، فكما يصح منهما أن يبيع كل حصته بقيمة غير قيمة حصة صاحبه، ويصح توكيلهما للغير بأن يبيع حصة احدهما بمائة والآخر بما ئتين فباع المجموع حسب وكالته بثلاثمائة، فكان الثمن بازاء حصة كل غير ما بازاء الآخر من غير ان يكون مخالفا لشئ من القواعد العقلية أو العقلائية كذلك لهما أن يشترطا في عقد الشركة أو غيره بما يوجب اختلاف الثمن في البيع. وحيث إن من الواضح ان الربح في التجارة وكذا زيادة القيمة لا يمتاز عن غيره، وليس حاله حال منفعة العين وثمرة الشجرة فلا بد من رجوع شرط اختلاف الربح إلى اختلاف الثمن في البيع، وهذا من غير فرق بين شرط اختلاف الربح أو اختلاف الخسران أو كون الربح بينهما والخسران على أحدهما، كما في الصحيحة (1) فلا يكون هذا مخالفا لشئ من القواعد (نعم) يقع الاشكال على فرض استغراق الخسارة لتمام احدى الحصتين، كما لو اشتركا بالنصف وكان الخسران النصف أو اكثر، فان لازمه أن لا يقع بازاء حصته ثمن، وهو موجب للبطلان. (الوجه الثاني) السليم عن هذا الاشكال ان يقال: إن الشرط راجع إلى ان زيادة القيمة السوقية الحاصلة للسلعة قبل البيع تكون مختصا تمامها


(1) راجع التعليقة (2) من ص 187.

[ 191 ]

أو بعضها بمال احدهما، ونقيصة القيمة السوقية بأي وجه حصلت - أي سواء حصلت من قبل نقص حاصل للعين أم لاجل قلة المشتري أو نحو ذلك - على حصة احدهما، وعلى ذلك لو وقع البيع على العين يختلف ثمن الحصتين لا محالة، ويدفع اشكال استغراق الخسارة لاحدى الحصتين، فيقع الشرط صحيحا. ولا يخفى انه بعد عدم امتياز زيادة القيم عن اصلها، فلا محالة يرجع الشرط إلى أحد الوجهين بعد كون الشرط عقلائيا، كما يشهد بها وقوعه عند العقلاء، ولهذا وقع موقع السؤال في الروايات، كصحيحة رفاعة (1) ورواية ابي الربيع (2) وغيرهما، وعلى ذلك ينحل الاشكال في باب الصلح الوارد نظير ذلك فيه. ثم إنه لا إشكال في ان المراد من قوله في الصحيحة وغيرها: " إن الخسارة ليست عليك " (3) أنها ليست على ماله لا على ذمته، كما هو ظاهر. نعم لا يمكن دفع الاشكال عن باب المضاربة بما ذكر، فلا محيص إلا الالتزام بأن الشركة وقعت بعد حصول الربح خارجا في ملك صاحب المال، كما هو ظاهر من قوله: " الربح بينهما " فانه لا يتحقق إلا بعد البيع، ولازم تأخر الحكم عن موضوعه ان يكون الشركة بينهما بعد تحققه وفي الرتبة المتأخرة، ومثل هذا التعبير وإن كان في باب الشركة أيضا، لكن قيام القرينة وهي كون المال لهما يدفع هذا الظهور، بخلاف باب المضاربة، فان كون المال لصاحب السلعة يؤكده، بل لعل ظاهر الفقهاء في المضاربة ذلك أيضا، كما يشهد به الاختلاف في ان الشركة في الربح


(1) و (2) راجع التعليقة رقم (2) و (3) من ص 187. (3) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب بيع الحيوان - الحديث 1 وهو نقل بالمعنى.

[ 192 ]

عند ظهوره أو بعد الانضاض، وكيف كان فلا إشكال في باب الشركة ويكون الحكم على القاعدة، كما افاد الشهيد السعيد (ره). و (منها) ما اشتهر بينهم من عدم جواز اشتراط الضمان في عقد الاجارة، مستدلين بأنه مخالف لمقتضاه. وبما تقدم منا في معنى مقتضى العقد يظهر عدم كونه مخالفا له، سواء قلنا: إن الاجارة عبارة عن نقل المنفعة مقابل الاجرة بأن يقال: ان قوله: " آجرتك الدار بكذا " معنى جعلت لك منفعتها بكذا، وعلى هذا لا يرد عليه ان العقد متعلق بالعين. أو انها عبارة عن التسليط على العين للانتفاع بها، لكن لا بمعنى الاستيلاء الخارجي، بل التسليط الاعتباري، كما في قوله صلى الله عليه وآله (1): " الناس مسلطون على اموالهم ". أو انها عبارة عن نحو اضافة مجعولة بين المستأجر والعين تستتبع ملكية المنفعة أو ملكية الانتفاع، أو نحو اضافة توجب قيام المستأجر مقام المالك في دخول المنافع تدريجا في ملكه، ولعل قول بعضهم - من انها ملكية للعين من تلك الحيثية - أحد الاحتمالات المتقدمة، وكيف كان لا يقتضي عقدها عدم الضمان حتى يكون الشرط مخالفا لاقتضائه. ثم إن التحقيق بطلان نقل المنفعة المعدومة، فان المعدوم لا يعقل ان يثبت له أمر ثبوتي، بل ولا يعقل الاشارة إليه بوجه من الوجوه، فهو مما يساعده نظر العرف ايضا، والعذر بأنه قابل للاعتبار العرفي أو العقلي غير وجيه، فان الوجود الاعتباري غير الحقيقي، والغرض في نقل المنفعة نقل ما هي كذلك حقيقة. فلابد إما من القول بأن الاجارة نقل للمنفعة الكلية غير القابلة للتطبيق


(1) البحار - ج 2 ص 272 - الطبع الحديث.

[ 193 ]

إلا على مصداق واحد، أي نقل منفعة هذه الدار في المدة المعلومة، وهذا العنوان الكلي قابل للتملك، ولما كان قابلا للتحقق يعطى بازائه المال، كالكلي في باب البيع. بلا افتراق بينهما من هذه الجهة، أو القول بأنها إضافة خاصة أو تسليط على العين للانتفاع بها، أو اضافة تستتبع دخول المنافع عند وجودها التدريجي في ملكه، كما هو كذلك في المالك، وفي إجارة الاعمال أيضا احتمالات. وأما البطلان من ناحية مخالفته للشرع فهو خارج عن مورد البحث لكن نشير إلى ما تقتضيه الادلة العامة والخاصة هنا إجمالا، وأما البحث لتشخيص الصغريات فمنوط بأبوابها. فنقول: أما بحسب القواعد الكلية مثل قوله صلى الله عليه وآله (1): " على اليد ما أخذت " الذي هو العمدة في الضمان المبحوث عنه فغاية ما يقال فيه: انه منصرف عن الايدي الامانية مالكية كانت أو شرعية، وكذا عما إذا كان الاخذ باذن المالك أو الشارع، ومن المعلوم أن انصراف الدليل عن مورد ليس دليلا على عدم الثبوت، بل من قبيل عدم الدليل عليه، فدليل اليد مقتض للضمان في غير الموارد المنصرف عنها، وأما فيها فلا يدل على الضمان، كما لا يدل على عدمه، فاشتراطه في ضمن العقد لا ينافي القاعدة. وأما بحسب الادلة الخاصة فقد دلت جملة من الروايات على عدم الضمان، كصحيحة محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قال أمير المؤمنين عليه السلام - في حديث -: ولا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم يكن يكرهها أو يبغها غائلة " وصحيحة الحلبي (3) قال: " سألت


(1) سنن البيهقي - ج 6 ص 95 وكنز العمال - ج 5 ص 327 الرقم 5713. (2) و (3) الوسائل - الباب - 32 - من كتاب الاجارة الحديث 1 - 2.

[ 194 ]

أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تكارى دابة إلى مكان معلوم فنفقت الدابة فقال: إن كان جاز الشرط فهو ضامن، وإن كان دخل واديا لم يوثقها فهو ضامن، وإن وقعت في بئر فهو ضامن، لانه لم يستوثق منها " ونحوهما غيرهم، والظاهر منها عدم الضمان مع عدم التفريط والافراط، ومن العلوم عدم الخصوصية في الدابة، فاشتراط الضمان مخالف للشرع، نعم تختلف الروايات في بعض الابواب مما يطول بنا الكلام لو تعرضنا لها، والعهدة على أبوابها. وقد يفصل بين إجارة الاعيان والاجارة على الاعمال، بأن شرط الضمان باطل في الاولى دون الثانية، بدعوى أن إجارة الاعيان إما عبارة عن كون العين تحت يد الانتفاع، كما هو التحقيق، أو عبارة عن نقل المنافع، فعلى الاول استحقاق المستأجر لوضع اليد على العين واضح، لان حقيقة المعقود عليه متقوم بوضع اليد على العين، بل هو هو معنى، وعلى الثاني فلازم استحقاقها وملكيتها وضع اليد عليها عقلا، فاشتراط ضمانها مخالف للشرع. وأما الاجارة على الاعمال مما يقع عليه يد المؤجر، ولا استحقاق له على وضع اليد عليه، لجواز استيفاء العمل مع كون العين في يد مالكها، فلا يكون يد المؤجر عليها بحق يلزمه العقد بوجه، فلا بأس باشتراط كونها مضمونة عليه. ثم قال: والرهن كاجارة الاعيان، واما الوكالة والوديعة فعدم جواز الاشتراط فيهما لاجل كونهما استنابة عن المالك، فجعل يدهما بمنزلة يده ينافي ضمانه، لارجاعه إلى ضمان نفسه، واما العارية فلا مانع من اشتراط الضمان فيها، لعدم دخولها في احدى الكبريات، من كون تصرف المستعير عن حق مالكي أو استنابة أو كونه مصلحة المالك أو احسانا عليه، بل

[ 195 ]

مجرد تحليل وإباحة، وهذا غير مقتض لعدم الضمان بوجه، انتهى ملخصا. وفيه محال للنظر (منها) أن دعوى كون الاجارة عبارة عن كون العين تحت يد الانتفاع الظاهر منه ومن بعده ان المراد كونها تحت يده خارجا في غاية الضعف، بل لا أظن التزام أحد به، بل ولا نفسه لو توجه إلى تواليه الفاسدة من عدم ايجاب عقد الاجارة على هذا لشئ، ومن عدم كون الاعيان المستأجرة بالعقود مستأجرة، وهذا من وضوح البطلان بمكان. والعجب أنه ارجع كلام المحقق والعلامة (رحمهما الله) إلى ما أفاد لقولهما بأنها عقد ثمرته تمليك المنافع، وأنت خبير بأن هذا التعريف في طرف النقيض لكلامه، فان صريح هذا ان العقد الذي ثمرته نقل المنافع إجارة، ولازمه ان كون العين تحت يد المستأجر غير مربوط بها. و (منها) ان دعوى الدلالة الالتزامية على كون العين تحت يده بناء على ان الاجارة عبارة عن نقل المنافع - في غير محلها، لجواز كون العين تحت يد مالكها مع استيفاء المستأجر منافعها، فلو آجر الدابة التي تحت يده، ومكن المستأجر من الانتفاع بها من غير أن يسلمها إليه صحت الاجارة حتى على القول بأنها عبارة عن التسليط على العين للانتفاع بها، لان المراد ليس التسليط الخارجي، بل الاعتباري منه، ويرجع إلى انه مسلط اعتبارا على العين من هذه الجهة خاصة ولا يجوز مزاحمته في الاستيفاء. و (منها) أنه لو سلمنا كون الاجارة كذلك وان يد المستأجر على العين يد الاستحقاق، لكن لم يدل دليل على عدم الضمان وان اليد الكذائية تقتضي عدمه، بل غاية ما في الباب عدم الدليل على الضمان، ولم يحكم به لذلك، فلا ينافي ذلك الاشتراط. و (منها) ان قوله في الوكالة والوديعة -: إن عدم الضمان لاجل

[ 196 ]

كون يد الوكيل والودعي بمنزلة يد صاحب المال، وان لازمه تضمين الشخص لماله - غير وجيه، وان قال به غيره ايضا، لان اعتبار الوكالة والوديعة ينافي التنزيل المذكور، فان الوكالة عبارة عن إيكال الامر إلى غيره، أو استنابته في ذلك، وكذا الوديعة استنابة في الحفظ، وهذا الاعتبار ينافي التنزيل، فالنائب غير المنوب عنه، وفعله غير فعله في الواقع وفي الاعتبار، وما اشتهر بيهم في باب النيابة عن الميت من انه بمنزلته فاسد مستلزم لفاسد لم يلتزموا به، ولو سلم التنزيل فلا دليل على التنزيل من جميع الجهات حتى ينافي الضمان بالشرط. و (منها) أن قوله في العارية بصحة الشرط لاجل ما ذكره غير وجيه، لان صحة الشرط فيها إنما هي بدليل خاص لولاه لقلنا بالبطلان، لاطلاق بعض الاخبار (1) بأن المستعير لا يغرم. والتحقيق ان القول ببطلان الشرط في بعض ما تقدم، وبصحته في بعض إنما هو لادلة خاصة، لا لتلك الاعتبارات غير الوجيهة، والبحث عنها موكول إلى محله. ثم إنه لا ينبغي الاشكال في ان شرط عدم اخراج الزوجة عن بلدها مثلا وشرط التوارث في المتعة ليس مخالفا لمتقتضى العقد، كما أشرنا إليه، فلا مانع منه من هذه الجهة، وأما البطلان من جهة الشرع فمن متفرعات الشرط السابق، وإن كان الاقوى في شرط عدم الاخراج الصحة، وأما قضية التوارث فهي معركة الآراء واختلفت فيها الادلة وتحتاج إلى بسط الكلام فيها، ولها محل آخر. ثم إذا شك في شرط أنه مخالف لمقتضى العقد، فلا أصل هنا يحرز به عدم المخالفة، كما هو ظاهر وتقدم نظيره، نعم لو كان المقتضى أمرا


(1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب العارية.

[ 197 ]

غير دخيل في ماهية العقد كبعض ما يدعى انه من قبيل مقتضيات العقود نظير تسلط الرجل على الزوجة في الاسكان واغمضنا عما تقدم لامكن القول بأنه عند الشك يرجع إلى عموم دليل نفوذ الشرط لو كان المخصص اللبي لم يخصص الدليل بعنوان واحد، كعنوان مخالفة المقتضى، وإلا لما صح التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لدليل المخصص ولو كان لبيا، كما هو المحقق في محله. السادس: أن لا يكون مجهولا جهالة توجب الغرر في البيع، كما في كلمات كثير من الاعيان، وفي عد هذا الشرط من الشروط المستقلة إشكال، أما على هذا التعبير وما يشبهه فلانه يرجع إلى بطلانه لاجل بطلان البيع، ولازمه عدم كونه في ضمن العقد الصحيح، وهو شرط آخر غير شرط الجهالة في الشرط بنفسه. ولو أسقط عنه قيد إيجاب الغرر في البيع وقيل: إن الشرط هو عدم الجهالة فيه، فان استدل عليه بحديث النهي عن الغرر (1) ونحوه مما يرجع إلى النهي الشرعي، فيندرج في الشرط المخالف للكتاب، ضرورة أنه مع النهي عن الغرر يكون الشرط الغرري مخالفا له، وعليه فلا يكون شرط عدم الجهالة شرطا مستقلا. ولو قيل ببطلان الشرط المجهول من اجل انه غير عقلائي لكان البطلان لاجل اعتبار العقلائية فيه، كما اشرنا إليه سابق، وهو شرط آخر بعنوان آخر يندرج فيه ما ذكره.


(1) سنن البهقي - ج 5 - ص 338 وفيه " نهى عن بيع الغرر ".

[ 198 ]

فمن ادعى انه شرط في مقابل سائر الشروط لابد عليه من فرضه جامعا لسائر الشروط من كونه عقلائيا، وكونه في ضمن العقد الصحيح، وعدم ايجابه لفساده حتى يفسد لذلك، وعدم مخالفته للشرع ولا لمقتضى العقد، ثم إقامة الدليل عليه، ومن الواضح عدم الدليل عليه حينئذ، ولعل نظر من قال: إن الضابط أن يؤدي إلى جهالة الثمن أو المثمن إلى انه ليس شرطا مستقلا، وانه لا يعتبر عدم الجهالة فيه إذا لم يؤد إلى جهالتهما. ومع الغض عما ذكرناه يمكن الاستدلال على اعتباره بحديث (1) " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر ". وما قيل من عدم استناد العلماء إليه في غير محله، فان شيخ الطائفة (قده) استند إليه كرارا في الخلاف، كباب الضمان والشركة، وكذا ابن زهرة في الغنية، وقال الشيخ الاعظم (قده) إن الفقهاء استندوا إليه في غير البيع من سائر الابواب، تأمل. نعم كفاية ذلك في جبر السند محل كلام. ويمكن الاستدلال عليه بقوله عليه السلام (2): " نهي النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " بدعوى إلقاء الخصوصية عن البيع، وأن ذكر البيع من باب المثال، فيجري في الاجارة وسائر المعاملات والقرارات، إذ من البعيد أن يكون لخصوص عنوان البيع دخالة في اعتباره، وهذا الحديث ليس مرسلا كما قيل. بل رواه مسندا في الوسائل في ابواب آداب التجارة ورواه في المستدرك (3) عن صحيفة الرضا عليه السلام مسندا. نعم يمكن الخدشة في دلالتهما بأن يقال: إن من المحتمل ان يكون المراد بالغرر الخديعة كما هي احد معانيه كما تقدم الكلام في محله، إلا ان


(1) راجع التعليقة في ص 197. (2) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب آداب التجارة - الحديث 3. (3) المستدرك - الباب - 33 - من ابواب آداب التجارة - الحديث 1.

[ 199 ]

يقال: إن فهم علماء العامة والخاصة من الحديث المعنى المعروف عندهم مع كونهم من أهل اللسان كاف في ذلك. وأما دعوى الانصراف عن المعاملات غير المستقلة كتوابع البيع ونحوه ومنها الشروط التابعة ففي غير محلها، فان الشرط وإن كان في ضمن البيع ونحوه، لكن ليس تبعيته نحو تبعية مفتاح البيت ونحوه، بل هو قرار بين الطرفين مستقل في معنى القرار وإن كان في ضمن قرار آخر، فلا معنى للانصراف. ومع ذلك كله فالمسألة محل إشكال فيما لا ترجع الجهالة فيه إلى جهالة الثمن أو المثمن سيما مع تظافر هذا القيد في كلماتهم مما يدل على عدم الاعتبار إذا لم يؤد إلى ذلك. السابع: إن لا يكون مستلزما لمحال، وفي كون هذا الشرط أيضا مستقلا في قبال سائر الشروط إشكال، إذ من المعلوم أن نفس الشرط بالمعنى المصدري لا يستلزم المحال بوجه، وإنما يستلزمه لاجل المتعلقات والملتزمات. فيحنئذ لو كان الشرط شرط فعل يكون محالا، فمع التفات الشارط لم يعقل القصد الجدي به، فامكانه دخيل في تحققه لا في صحته، ولو قصده جدا لغفلة ونحوها، كان بطلانه لاجل عدم القدرة على إيجاده وعدم عقلائيته ايضا، فيرجع إلى شرط آخر. ولو كان شرط نتيجة، فان كان الامتناع لاجل كونها مما له سبب خاص شرعي كالطلاق فاشتراطه مخالف للشرع وغير مقدور أيضا، ويرجع إلى فقدان شرط آخر، وإن كانت مما له سبب خاص عقلائي

[ 200 ]

لا يوجد إلا به، ولعل النكاح كذلك، فان له تشريفات خاصة في كل ملل ونحل، فالتسبيب إليه بالشرط غير عقلائي وغير مقدور، وعلى أي تقدير لا يكون هذا شرطا على حدة. ثم إن ما مثل به العلامة قدس سره في محكي التذكرة من قوله: " لو باعه شيئا بشرط ان يبيعه إياه لم يصح، سواء اتحد الثمن قدرا وجنسا ووصفا أو لا، وإلا جاء الدور، لان بيعه له يتوقف على ملكيته له المتوقفة على بيعه فيدور، اما لو شرط ان يبيعه على غيره فانه يصح عندنا، حيث لا منافاة فيه للكتاب والسنة، لا يقال: ما التزموه من الدور آت هنا، لانا نقول: الفرق ظاهر، لجواز ان يكون جاريا على حد التوكيل أو عقد الفضولي، بخلاف ما لو اشترط البيع على البائع " انتهى. فالظاهر منه ان الشرط غير الشرط الفقهي المبحوث عنه، بل بمعنى الشرط الاصولي، وعلى فرض كون الشرط الشرط الاصولي لا يتم مدعاه فان البيع عبارة عن المبادلة الانشائية، أو التمليك بالعوض إنشاء، ولهذا يكون بيع الفضولي بيعا حقيقة وإن لم يترتب عليه أثر إلا بعد الاجازة. وعليه فنقول: قوله: " بيعه يتوقف على ملكيته " إن اريد ظاهره فهو غير وجيه جدا، لان البيع بمعناه الانشائي الذي هو تمام ماهيته لا يتوقف على الملكية، وإلا لزم بطلان بيع الفضولي وعدم إمكان لحوق الاجازة به، وإن كان المراد ان بيعه على صاحبه يتوقف على ان لا يكون هو مالكا وإلا امتنع الانتقال إليه لكونه تحصيلا للحاصل فهو عدم ما فيه من سوء التعبير غير وجيه. لان البيع وهو المعنى الانشائي لا يلزم منه ذلك، فلا مانع عقلا من بيع الشئ من صاحبه ليترتب عليه الاثر فيما يأتي، فكما لا امتناع في كون شئ، واحد ملكا حقيقة لشخص وإنشاء لشخص آخر كالفضولي

[ 201 ]

كذلك لا امتناع ان يكون لشخص واحد حقيقة وانشاء باعتبارين، فلا يتوقف بيعه منه على عدم ملكيته. نعم يمكن ان يقال: إن بيعه منه ولو انشاء كبيع الفضولي غير عقلائي فعدم الصحة لاجل ذلك، لكن هو مانع آخر غير ما ادعي من الاستحالة والظاهر من صدر عبارته هو الدور المستحيل، وظاهر ذيلها من إبداء الفرق بين بيعه منه وبين بيعه من غيره بأنه يجري فيه التوكيل والفضولي أن المقصود عدم العقلائية لا الامتناع العقلي، وفي العبارة اضطراب. والامر سهل بعد وضوح المطلب واندفاع إشكاله حتى على فرض كون الشرط أصوليا فضلا عن كونه التزاما في التزام، إذ لا موضوع - عليه - لاشكاله رأسا، كما لا يخفى. وأما التوجيه بوجه مخالف لظاهر كلامه بل صريحه مع عم دفع الاشكال عنه، بل مع ورود إشكال اخر عليه لا يقصر وضوحه عن الاشكال الوارد على ظاهره - فمما لا داعي إليه. (وأما) ما عن الشهيد (ره) من أن هذا الشرط باطل لا للدور، بل لعدم القصد إلى البيع (ففيه) أنه لا إشكال في إمكان تحقق القصد مع اختلاف الثمن قدرا أو جنسا، بل ومع اتحادهما والاختلاف زمانا كأن يشترط بيعه منه بعد سنة، أو لو أراد بيعه لا يبيعه إلا منه، بل قد يتحقق القصد مع الاتحاد في جميع ما ذكر لبعض أغراض خارجية عقلائية، من ذلك يظهر ان دعوى البطلان لاجل عدم عقلائيته غير وجيهة. الثامن: ان يلتزما به في ضمن العقد، وفي كون هذا الشرط من شروط

[ 202 ]

الصحة إشكال، لانه مبني على أمرين: أحدهما صدق الشرط عرفا ولغة على الشروط الابتدائية، إذ مع عدمه - كما هو الاظهر لغة وعرفا على ما تقدم تفصيله في بيع المعاطاة - يكون ذلك دخيلا في صدق عنوانه، وقد مر أن التعرض لشروط صحة الشئ لا بد وان يكون بعد الفراغ عن شروط التحقق وصدق العنوان، ثانيهما قيام دليل على تقييد عموم دليل الشرط بكونه في ضمن العقد، وهو مفقود، إلا دعوى بعضهم الاجماع عليه. وقال الشيخ الاعظم (قده): " الظاهر من كلمات الاكثر عدم لزوم الشرط غير المذكور في متن العقد " ثم نقل حكاية الاجماع عن الرياض عن بعض الاجلة، ثم قال: " وتتبع كلماتهم في باب البيع والنكاح يكشف عن صدق ذلك المحكي " وفيه أن ثبوت الشهرة المعتمدة أو الاجماع في هذه المسألة محل إشكال بل منع، لقوة احتمال كونه مبنى فتوى الكثير أو الاكثر على عدم صدق الشرط على الالتزام الابتدائي، فيخرج عن أدلة الشروط موضوعا، وعليه فلو بنينا على صدقه لا محيص عن الاخذ بعموم الدليل، فالشرط المذكور لا يكون من شروط الصحة، بل يدور أمره بين دخالته في الصدق وعدم اشتراطه رأسا. ثم إنه قد سبق منا في المعاطاة أنه على فرض القول بعدم صدق الشرط على الالتزامات الابتدائية يمكن القول بوجوب العمل الخصوصية عن الشروط الضمنية بمناسبات مغروسة في ذهن العرف، وان قوله صلى الله عليه وآله (1): " المؤمنون عند شروطهم " يفهم منه عرفا أن ما هو ملاك الوجوب هو قرار المؤمنين، وانهم عند قرارتهم


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 203 ]

وملتزماتهم، من غير دخالة لخصوصية الشرط، أي الالتزام في الالتزام أو القرار في القرار في ذلك. وعلى أي حال يكون للقرار في ضمن المعاملة آثار، كثبوت الخيار عند تخلفه، وان فساده يوجب فسادها إلى غير ذلك. فلو وقع العقد مع تواطئهما قبله على الشرط فهل هو كالمذكور فيه في وجوب العمل وسائر الآثار، فتكون منزلة الشرط منزلة الاوصاف والقيود في المبيع، حيث يقع العقد عرفا على المتقيد مع قيام القرينة، ومنها التواطؤ قبله وإيقاع العقد مبنيا عليه، أم لا؟. يمكن ان يكون الشرط بحسب التصور راجعا إلى القيد مطلقا من غير فرق بين الاوصاف - كشرط كون الحنطة كذا ومن كذا - وغيرها كشرط الخياطة ونحوها، نظير ما قيل في الواجب المشروط من ان الشرط يرجع إلى القيد في المادة وإن كان بين الشرط في المقام وما هناك فرق، أو في خصوص الشروط المربوطة بالاوصاف وخصوصيات المبيع أو الثمن، وعلى ذلك لا فرق بين الشرط وبين سائر القيود في ان التواطؤ عليها وإيقاع العقد مبنيا عليها كاف في وقوعه على المقيد بالقرينة العرفية. لكن لازم هذا الاحتمال رفض خيار تخلف الشرط مطلقا، أو في خصوص اشتراط الاوصاف ونحوها، وذلك (أما) في بيع الكلي، فلان كل قيد يلحق بعنوان كلي يوجب لا محالة مخالفته لعنوان فاقد له أو واجد لغيره، فعنوان الحنطة إذا قيد بقيد البيضاء تخالف مصاديقه لمصاديق الحنطة الحمراء مثلا، والحنطة الحمراء تخالف عنوانا ومصداقا للبيضاء وهكذا، فلو وقع البيع على الحمراء وأدى البيضاء لم يؤد ما وقع عليه العقد، ويجب عليه أداء ما هو المصداق، ولا يصح أن يقال: له خيار تخلف الشرط أو تخلف الوصف (وأما) في الاعيان الخارجية فلانه يرجع إلى خيار تخلف

[ 204 ]

القيد أو الوصف، وهو عرفا وعقلا غير خيار تخلف الشرط. هذا مضافا إلى ان ارجاع الشروط إلى القيود أمر مخالف للعرف والعقل، فلو بدل قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " ويقوله: " المؤمنون عند قيودهم أو تقييداتهم " لكان مبتذلا مستهجنا، فلا وجه لهذا الاحتمال، بل قد ذكرنا في محله أن إرجاع الشروط في الواجب المشروط إلى قيود المادة غير صحيح، بل غير معقول في بعض الشروط. ومن هذا القبيل لو قيل بأن الالتزام قيد للعوض، فان التقييد بالالتزام المطلق لا معنى له، وبالالتزام الخاص المتقيد بالملتزم يلزم منه ما يلزم في الفرض المتقدم، بل الارجاع إليه مقطوع البطلان. ويمكن ان يقال: إن الشرط يرجع إلى الالتزام الذي هو قيد للعقد فالعقد بلا شرط مطلق ومعه مقيد بذلك الالتزام، فعلى فرض كونه كذلك يمكن القول بكفاية التواطؤ عليه في وقوعه ضمن العقد، وهذا هو المراد من ان الشرط التزام في التزام، أو التزام في بيع ونحوه، وإلا فلو وقع الشرط في خلال الايجاب والقبول من غير ارتباط وتقيد للعقد به يكون شرطا ابتدائيا لا يوجب شيئا. وفيه ان ماهية البيع مثلا ليس إلا مبادلة مال بمال، أو تمليك عين بالعوض، من غير ان يكون للالتزام وراء ذلك عين ولا اثر في المعاملة نعم قد يكون الالتزام بالعمل على طبقها من الاحكام العقلائية لها، وهو أمر آخر. فالمراد من العقد الذي يتقيد بالشرط إما نفس التبديل والايقاع أو المنشأ به، فعلى الاول يمتنع التقييد، لان الايجاد لا يقبل التقييد، سواء في التكوين أو التشريع، وعلى الثاني فالمبادلة الانشائية إن كانت متقيدة بوجود الشرط يلزم ان لا تقع إلا بعد وجوده، وهو كما ترى. وإن كانت متقيدة

[ 205 ]

بالالتزام المطلق فهو حاصل لا تخلف فيه، وإن كانت متقيدة بالالتزام الخاص بما هو كذلك فان كان متقيدا بحال العقد فهو حاصل ولا وجود بقائي له، وإن كان مطلقا يلزم منه عدم المبادلة عند عدم الالتزام ورجوعه عنه لا خيار التخلف، والاحتمالات كلها في غير محلها. فتحصل من ذلك ان الشرط عبارة عن قرار مستقل في قراريته مقابل قرار البيع، لكن يعتبر في تحقق عنوانه وتحققه ان يقع في ضمن العقد من غير تقييد مطلقا لا للعوضين ولا للانشاء ولا المنشأ. فالارتباط بينهما غالبا لاجل دخالته في الرغبة وازدياد الثمن به، وإن لم يكن ذلك دائميا، فانه قد يقع البيع لمجرد تحقق الشرط في ضمنه من غير ان يكون في أصل البيع غرض مستقل، فلو باع ريحانة بفلس وشرط عليه شرطا صح البيع والشرط بلا إشكال، مع ان الغرض هو ايقاع الشرط ويكون ايقاع البيع تبعا في الغرض وإن كان الشرط تبعا في الوجود، فالشروط التي تقع في عقد النكاح لا توجب زيادة في الطرفين، ولا تحسب مهرا لو كان بلا مهر، ولا تزاد على المهر أيضا، مع انها صحيحة لا توجب تخلفها الخيار، بل توجب التكليف فقط، فلا تقييد في الركنين ولا في المهر ولا في العقد والعهد. فعلى ذلك لا يعقل ان يكون التواطؤ قبل العقد موجبا لوقوع الشرط في ضمنه، فانه من قبيل الانشائيات المستقلة في عالمها، ولا يعقل إنشاء تبع إنشاء، فتدبر جيدا. إن قلت: إن الالفاظ الدالة على الشروط في ضمن العقد بحسب العرف غالبا مما تشهد بأنها مرتبطة بالعقد، كقوله: " بعتك بكذا على ان تخيط لي ثوبا " أو بشرط ذلك، فيستفاد منه ان ذلك الارتباط بينهما عرفي، وايضا لو لم يكن ارتباط بينهما أو تقييد مطلقا فلا يتجه خيار التخلف بوجه.

[ 206 ]

قلت: لو حاولت الاخذ بهذا الظهور يلزم ان يكون العقد مشروطا بالعمل الخارجي وان لا يتحقق البيع والنقل، إلا بعد العمل بالشرط، وهو كما ترى، فعلى ذلك لو قصد ما هو الظاهر بطل البيع للتعليق، وعلى فرض صحته يكون الشرط أي العمل الخارجي مقدمة لحصوله وتحققه لا واقعا في ضمنه. وأما قضية خيار التخلف فهي عقلائية منوطة بتخلف ما له دخالة في القيم والاغراض، فالشروط أو القيود التي هي دخيلة فيها إن لم تذكر في ضمن العقد لا توجب شيئا، ويكون من قبيل تخلف الدواعي، واما مع ذكرها قيدا أو وصفا أو شرطا فيكون تخلفها موجبا لخيار تخلف الوصف أو الشرط. ثم إن ما ذكره الشيخ الاعظم (قده) في ذيل كلامه من قوله: " إن هنا وجها آخر لا يخلو من وجه، وهو بطلان العقد الواقع على الشرط، لان الشرط من اركان العقد المشروط، بل عرفت انه كالجزء من أحد العوضين، فيجب ذكره في الايجاب والقبول كأجزاء العوضين " انتهى. قد يتوهم منه ان ما ذكره من الوجه ها هنا في غير محله، لان الكلام هنا في بطلان الشرط لا في بطلان العقد بفساد شرطه، فالواجب ذكره في المسألة الآتية. (وفيه) أن الكلام في المسألة الآتية في فساد العقد بفساد الشرط بعد الفراغ عن فساده، وفي المقام في فساد الشرط وان كان ذلك لعدم ذكره في ضمن العقد أو لذكره في ضمن عقد فاسد، فالاستدلال ها هنا لفساد العقد بعدم ذكر الشرط فيه مقدمة لفساد الشرط لاعتبار كونه في ضمن العقد الصحيح عكس المسألة الآتية. ويمكن ان يوجه الاستدلال بأن التواطؤ قبل العقد إنما يكون قرينة

[ 207 ]

على الاندراج في العقد إذا كانت القرينية عقلائية، والتواطؤ على ثمن أو مبيع وايقاع العقد مبنيا عليهما إنما يكون قرينة عند العقلاء إذا لم يذكر أصل الثمن أو المبيع، بأن قال بعده: " بعتك هذا " ولم يذكر ثمنه، أو " بعتك بألف " ولم يذكر المثمن، وأما لو ذكر بعض الثمن أو المثمن لا نهدم بذكر بعضهما القرينية العقلائية للتواطو، فلو تواطئا على ان الثمن ألف دينار وألف درهم فقال اتكالا عليه: " بعتك بألف دينار " يهدم ذلك التواطؤ عليه كما لو قال بعد التواطؤ على الالف: " بعتك بمائة " فترك الجزء أو ما هو كالجزء يهدم القرينية، بخلاف مالو ترك الكل أو المقيد، هذا غاية تقريبه لكن يرد عليه ان كون الشرط كالجزء ممنوع، فالاستدلال مبني على مبنى غير وجيه، والتحقيق ما تقدم. التاسع: التنجيز وهو مما قد يقال باعتباره في الشرط كما قيل باعتباره في العقود أو البيع فقط، وهو قد يراد به الاطلاق مقابل الاشتراط كأن يقال: " بعتك إذا جاء رأس شهر كذا " ويقال في المقام: " بعتك هذا بكذا على ان تخيط لي ثوبا إذا طلعت الشمس " وقد يراد به التنجبز مقابل التعليق كقوله: " بعتك هذا رأس شهر كذا " أو " بعتك على ان تخيط لي ثوبي راس شهر كذا " وفي كلا معنييه كلام من حيث العقلية والعقلائية مذكور في محله مع الجواب عنه. وأما الشيخ الاعظم (قده) فكلامه مبنى على الوجه الاول أي الاشتراط والاطلاق، ومبنى الاستدلال سراية التعليق في الشرط إلى التعليق في العقد فيبطل العقد ويبطل ببطلانه الشرط، وهذا الاستدلال أيضا نظير ما مر في

[ 208 ]

ذيل المسألة السابقة، فكان المفروض عنده عدم بطلان التعليق في الشرط لعدم الدليل عقلا ونقلا عليه، لكنه لما كان يوجب التعليق في البيع - وهو مما قام الاجماع على بطلانه - فلا محالة يوجب بطلان الشرط أيضا بالواسطة لاعتبار كونه في ضمن العقد الصحيح. فأجاب عنه: بأن التعليق إنما هو في الشرط فقط، وإنما يرجع التعليق إلى البيع لو كان الشرط مطلقا بلا اشتراط، وهو ممنوع، ففي قوله: " بعتك على ان تخيط إذا جاء رأس شهر كذا " لو رجع الشرط إلى البيع لابد وان تكون الخياطة مطلقة، وإن كانت الخياطة مشروطة يكون البيع مطلقا غير مشروط، لعدم إمكان رجوع الشرط اليهما، والمفروض ان الشرط للخياطة، فلا يعقل مع ذلك اشتراط البيع. وهذا الجواب موافق للتحقيق، كما انه موافق لما ذكرنا في الشرط، من انه ليس من قيود البيع وإن كان مخالفا لما ذهب إليه في الشروط من رجوعها إلى المواد أو المتعلقات على ما قيل، فما في تعليقات المحققين من ان المراد ان الشرط راجع إلى متعلق الشرط لا إلى نفسه مخالف لظاهر كلامه لو لم نقل لصريحه، فراجع. وكيف كان لا دليل على اعتبار التنجيز في الشرط عقلا ولا نقلا بكلا معنييه المشار اليهما. مسألة: في الشرط الصحيح وحكمه، قد مر مرارا ان الشارع الاقدس لا اصطلاح له في الموضوعات العرفية المتعلقة للاحكام، ومنها الشرط، فانه معنى عرفي وموضوع عقلائي متداول بين العقلاء في معاملاتهم، وجميع اقسام الشروط عقلائية شائعة في الاسواق.

[ 209 ]

سواء في ذلك الشرط المتعلق بالافعال كشرط الخياطة والصبغ، ومنه الشرط المتعلق بتسليم عين خارجية على صفة كذائية إذا كانت مقدورة، وإيقاع صفة في المبيع الشخصي فيما إذا كانت مقدورة، ومنه الشرط المتعلق بالموضوع الكلي، كاشتراط كون المبيع من صنف خاص أو على صفة، والشرط المتعلق بالنتائج، كشرط كون شئ ملكا له، وشرط الانعتاق ونحوهما، فانه أيضا عقلائي متداول بينهم، وشرط وصف في العين الشخصية المتعلق بها المعاملة، كشرط كون الحنطة الخارجية المشتراة من محل خاص أو من صنف خاص، وشرط كون البطيخ الخارجي حلوا، إلى غير ذلك مما يتداول بينهم. ولاريب في اختلاف أحكام تلك الشروط بينهم، فحكم شرط الفعل لزوم الوفاء به والعمل على طبقه، حكم شرط النتيجة العمل على طبقه بمعنى ترتيب آثارها، كما أن أثره حصول النتائج. وحكم شرط الوصف خيار التخلف عند فقدانه، وهذا أيضا أثر مطلوب، ولاجله كان اشتراطه متعارفا بلا ريب، فما في تعليقات بعض أهل النظر - من الاشكال العقلي فيه وإرجاعه إلى الوصف - ناش من عدم الالتفات إلى ما في الاسواق العقلائية، ومن توهم كون الشرط التزاما بعمل أو تعهدا بشئ، مع انه أوسع من ذلك، إذ هو قرار خاص في البيع ونحوه، والالتزام المذكور في القاموس ونحوه ليس المراد منه إلا القرار لا ما وقع في كلمات الفقهاء أحيانا. ثم إن في لزوم التبعية للشروط العقلائية لا نحتاج إلى ورود دليل شرعي عليه، بل ما لم يرد ردع من الشارع الاعظم لابد من العمل على طبقها، والالتزام بها على طبق الالتزامات العقلائية، لانه مع عدم الردع في تلك الامور الرائجة نستكشف رضا الشارع بها وان حكمه موافق لحكمهم

[ 210 ]

كما في الامثال والنظائر، فلو فرضنا أن الادلة الشرعية لم تشمل بعض تلك الشروط الرائجة لا يضر ذلك بلزوم اتباع العرف ما لم يستفاد منها تصرف وردع. هذا مع انه لا قصور لادلة الشروط عن شمول جميع الاقسام المتقدمة فان قوله صلى الله عليه وآله (1): " المؤمنون عند شروطهم " مع الغض عن الاستثناء والصدر والذيل في الروايات يحتمل أن يكون الشرط فيه بمعناه الحقيقي، أي نفس القرار بالمعنى المصدري، أو بمعنى الملتزمات التي يكون استعماله فيها معروفا مشهورا. وعلى أي حال تكون الجملة الخبرية في مقام إنشاء الحكم والتشريع لا الاخبار عن الواقع المحفوظ، فانه مخالف للواقع، فان كثيرا من المؤمنين والمسلمين لا يعملون بشروطهم ولا يلازمونها، والحمل على انه ينبغي ان يكون المؤمن كذلك، أو ان المؤمن من كان كذا، ومن لم يكن عاملا فليس بمؤمن كما ترى، سيما مع معهودية لزوم العمل بالشروط لدى العرف فلا إشكال في أن الجملة في مقام التشريع، بل الجمل الخبرية المفيدة للبعث والزجر أبلغ في الافادة من الاوامر والنواهي. فحينئذ يكون الظاهر المتفاهم منه على الاحتمالين أن المؤمن ملازم لشرط لا ينفك منه، أي لابد له ان يكون ملازما له غير منفك عنه، والملازمة له مختلفة أثرا وحكما بحسب الموارد، فملازمة شرط الفعل وعدم الانفكاك عنه العمل على طبقه والوفاء وبه وفيا، فمن شرط ولم يعمل به لم يكن عند شرطه، بل انفك عنه، ومن لم يعتن بشرط النتيجة ولم يلتزم بترتيب آثارها لم يكن عند شرطه، ومن شرط الوصف ولم يعتن به عند


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 211 ]

تخلفه من الالتزام بالخيار والتسليم لقبول سلعته لم يكن عند شرطه وانفك عنه وهذا من غير فرق بين الاحتمالين، فمن قال بأن الدليل مختص بشرط العمل أو انه يعم شرط النتيجة أيضا ولا يشمل شرط الوصف فقد حمل الجملة على غير ظاهرها، فانه ليس فيها ما يوجب اختصاصها بالعمل وليس عنوان العمل والوفاء في الكلام بوجه، وما قلنا في قوله تعالى (1). " اوفوا العقود " من ان المراد منه وجوب العمل إنما كان لمكان عنوان الوفاء المأخوذ فيه، وأما في المقام فليس عنوانه مأخوذا فيه ولا مستفادا منه فلا مانع من الحمل على لزوم الالتزام بنفس الشرط أو بالملتزم، ولا يفرق بينهما في النتيجة. والحاصل أن عموم قوله صلى الله عليه وآله (2): " المؤمنون عند شروطهم " المستفاد من الجمع المضاف الشامل لجميع أقسام الشروط العقلائية محكم، إلا أن يدل دليل على التخصيص، أو تقوم قرينة على الاختصاص كالاستثناء الوارد في نفس الادلة. وأما ما ورد في الاخبار (3) من وجوب الوفاء بما شرط لامرأته، مستدلا عليه بقوله عليه السلام: " المسلمون عند شروطهم " وفي رواية (4) " فليتم للمرأة شرطها، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: المسلمون عند شروطهم " فلا يكون قرينة على ان المراد بالكبرى وجوب الوفاء بالشرط. كما ان ما في جملة من الاخبار (5) من التعبير بيجوز الشرط ولا


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (2) راجع التعليقة في ص 210. (3) و (5) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار - الحديث 5 - 0. (4) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 4 من كتاب النكاح وفيه " فليف للمرأة بشرطها " إلا أن الموجود في الكافي ج 5 ص 404 بعين هذا اللفظ.

[ 212 ]

يجوز أو ان الشرط باطل مع مخالفته للكتاب أو رد إلى الكتاب إلى غير ذلك لا يكون قرينة على إرادة الحكم الوضعي منها. وذلك لان قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " لا يكون مفاده الاولي على ما ذكرناه إلا لزوم كون المؤمنين عند شروطهم ضرورة ان الجمل الاخبارية التي تستعمل في مقام إفادة الحكم لا تستعمل في الانشاء، لكن يستفاد منها البعث أو الزجر أو الالزام بوجه أبلغ، وتكون الجملة الانشائية المصطادة منها غير مخالفة لها إلا في الاخبار والانشاء فقوله: " تعيد صلاتك " في مقام الامر بالاعادة يصطاد منه أعد صلاتك وقوله صلى الله عليه وآله (1): " المؤمنون عند شروطهم " في مقام الالزام والانشاء يصطاد منه فليكونوا عند شروطهم أو فليلتزموا بشروطهم ونحوهما، فوجوب الوفاء بها وجوازها وصحتها ونفوذها كلها خارجة عن مفاده الظاهري، وإن كانت مستفادة منها. فتمسك الائمة علهيم السلام بقوله صلى الله عليه وآله لوجوب الوفاء تارة و للجواز واللاجواز والبطلان المقابل للصحة اخرى صحيح، لان كلها مستفادة منه، ولكن ليس شئ منها مفاده المطابقي، بل تستفاد منه بالملازمة الظاهرة كما تقدم بيانه، فالعموم الشمولي لابد وان يؤخذ به، وهو يشمل جميع الاقسام المتقدمة، ولا قرينة على صرفه عن بعضها بوجه. ولو شك في واحد منها بأنه هل مخالف للكتاب سواء كان شرط وصف - لاحتمال ان شرط الوصف مطلقا أو الوصف الكذائي مخالف له - أم شرط نتيجة - لاحتمال ان الغايات مطلقا أو غاية خاصة لها سبب خاص شرعا - ام شرط فعل، لاحتمال ان شرط الفعل الكذائي مخالف له، مع عدم مخالفة شئ منها لظاهر الكتاب والسنة التي بأيدينا كان منشأ الشك


(1) راجع التعليقة في ص 210.

[ 213 ]

لا محالة احتمال مخالفتها للاحكام الواقعية التي لم تصل الينا، إما لكونها مخزونة عند ولي الامر عليه آلاف التحيات، وهو مأمور بتبليغها حال ظهوره وبسط يده (عجل الله تعالى فرجه) وإما لضياع بعض الكتب أو بعض الاحاديث من الكتب التي بأيدينا في تلك المدة الطويلة مع الحوادث الواقعة فيها. فينسد إذن باب التمسك بأدلة الشروط مطلقا، ولا يختص الاشكال بشروط النتائج، والاصول التي تمسكوا بها أو يمكن ان يتمسك بها لاحراز موضوع دليل الشرط مخدوشة وغير جارية، كما تقدم الكلام في بعض ويلحق به غيره، لاشتراك الجميع في الاشكال. والذي يسهل الخطب ان احتمال المخالفة للاحكام غير الواصلة لا يعتنى به، ولا يمنع عن الاخذ باطلاق الادلة وعمومها، وذلك أما في الاحكام المخزونة فلانها على فرض ثبوتها انشائية لم يأن أوان تبليغها وفعليتها، ومخالفتها اليقيني أيضا لا مانع لها. وأما احتمال الضياع - مع كونه موهوما لا يعتني به العقلاء وخلاف الاصول العقلائية في الاحتجاجات وفي مقابل الحجج القائمة، سيما في الموارد مما يعلم كمال اهتمام أصحابنا من عصر النبوة إلى أعصار الائمة عليهم السلام وما بعدها على ضبطها وحفظها مما يوجب الاطمئنان بعدم الضياع - فلان تلك الامور العقلائية الشائعة بينهم المتداولة في أسواقهم صباحا ومساء لو تصرف الشارع الاقدس فيها، وسلك في الاسباب العقلائية والشروط المتدوالة في التنائج وغيرها غير ما سكله العقلاء لصار شائعا في الاعصار والامصار لان التصرف في السوق وقلبه إلى غير ما لدى العقلاء أمر لا يعقل خفاؤه على المسلمين فضلا عن علمائهم، فيعلم من ذلك أنه لم يكن دليل على ذلك وكان التشريع غير متعرض لاسباب المعاملات ولا نفسها إلا ما وصل الينا.

[ 214 ]

هذا مضافا إلى أن احتمال التصرف في سبب أو في فعل من الافعال أو وصف من الاوصاف لاجل احتمال كون ما احتمل ضياعه متكفلا له نظير الاحتمال في الشبهة غير المحصورة مما قلنا في محله: إن في كل طرف منها قامت الامارة العقلائية على عدم الشوب فيه، وإن الاعتناء به يعد من الوسوسة والخروج عن الاستقامة الفكرية، هذا في العلم الاجمالي فما ظنك بالاحتمال الموهوم في الموهوم، فلا ينبغي الاشكال في نفوذ الشرط عند عدم الدليل في الكتاب والسنة على المنع منه، ومن غير فرق بين النتائج وغيرها. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) قاس شرط النتيجة بنذر النتيجة، فكأنه أراد تقريب الصحة في الشرط بذلك، (وفيه) أنه لا إشكال في صحة شرط النتيجة عند العقلاء، فانه قرار خاص كسائر القرارات العقلائيه، وأما النذر فلا ينبغي الاشكال في بطلانه إذا تعلق بالنتائج على نحو ما في المقام من شرط النتيجة، فان اعتبار النذر هو العهدة لله تعالى، فلا معنى محصل لقوله: " لله علي أن يكون هذا لزيد " بل لا معنى محصل للنذر إلا ما تعلق بالافعال، وإن شئت قلت: إن ماهية النذر تخالف تعلقه بالنتائج إلا فيما يرجع إلى الله، كنذر الحج أو الصلاة إن لم يرجع ذلك إلى نذر العمل. بخلاف ماهية الشرط، فتدبر جيدا. ثم إنه هل يمكن ايقاع عنوان من عناوين المعاملات بالشرط، كما يمكن اشتراط نتائجها، بحيث يوجد بالشرط عنوان المعاملة كالبيع، ويترتب عليه آثاره؟. التحقيق: التفصيل بين عناوين المعاملات (فمنها) مالا يمكن حصوله بالشرط، وهو كل عنوان لا يصح جعله ابتداء ومستقلا، بل كان مما ينتزع بعد إنشاء المعاملة، كالبيع والاجارة ونحوهما، فكما لا يصح جعل عنوان المبيعية والثمنية ابتداء للمبيع والثمن، بل كان عنوان المبيعية لهذا

[ 215 ]

والثمنيه لذاك ينتزع بعد إنشاء المعاملة منه - فيقال هذا مبيع وذاك ثمنه - كذلك لا يصح إيجاد مثله بالشرط، وعليه فقوله: اشترطت أن يكون هذا مبيعا وذاك ثمنا لغولا يفيد شيئا. (ومنها) ما يمكن حصوله به، وهو كل عنوان يصح جعله ابتداء ويترتب الاثر عليه عرفا بعد تمامية شروطه، كالوكالة والوديعة والعارية والرهن والقرض والشركة، فضلا عن الوصاية والولاية، فكما يصح ان يقال: " أنت وكيلي " و " هذا وديعة " أو عارية أو رهن أو قرض فيستقل ما ذكر بالجعل يصح جعله بالاشتراط ايضا، فإذا قال: بعتك هذا على ان تكون وكيلي في ذاك فقبل يتحقق عنوان الوكالة، وكذا لو قال: على ان يكون هذا وديعة أو رهنا أو قرضا وأمثال ذلك، فلا يشك العرف في أمثال ذلك في تحقق العناوين المذكورة بالشرط. فما في تعليقات بعض - من الاشكال بأن المقابل لا يحصل بالمقابل، والماهية بشرط لا لا تحصل بالماهية بشرط شئ - ناش من عدم التوجه إلى الامور العقلائية. ثم إنه على ما ذكرنا في الصنف الاول من عدم تحقق العنوان الموضوع للاثر بالاشتراط، فهل يصح شرط كون هذا بدل هذا، بأن يقال: " بعتك هذا بهذا على ان تكون هذه العين لك بذلك المال "؟ وهل يتحقق به عنوان البيع ويتربت عليه آثاره؟ الظاهر صحة هذا الشرط وتحقق المبادلة به، واما صدق عنوان البيع فيتوقف على ان تكون ماهية البيع مجرد مبادلة مال بمال، من غير دخالة شئ آخر فيه، وهو محل إشكال، لان المبادلة قد تحصل بأسباب أخر غير البيع، وليس شئ منها بيعا، وكذا الحال في الاجارة والصلح وأشباههما فهي عناوين خاصة غير نفس النتائج، ولا منتزعة منها، ولا يساعد العرف

[ 216 ]

في حصول العناوين بما ذكر من الشرط. ولو شرط النتيجة قاصدا به حصول العنوان، فهل يبطل الشرط مع عدم حصوله أو صح الشرط؟ الظاهر صحته، ولا يضر بها عدم حصول العنوان إلا أن يكون على نحو التقييد، فما في بعض التعليقات من البطلان، ليس وجيها باطلاقه. ثم إنه ظهر مما قدمناه في مفاد دليل الشرط ان الظاهر منه وجوب العمل به فيما كان متعلقا بالعمل، سيما ان لزوم العمل بالشرط عقلائي، ولا يحمل العقلاء ما ورد من الشارع إلا على ما هو المعهود عندهم. فما قيل أو ربما يقال - من عدم دلالته على الوجوب، إما لان الجملة خبرية لا إنشائية، أو لان الجمل الخبرية ولو في مقام الانشاء لا تدل على الوجوب، أو ان القرينة قائمة على ان الحكم من الاخلاقيات وهي كون الموضوع " المؤمنون " لعدم الوجه لاختصاصه بهم، أو لاحتمال كونه كناية عن الصحة والنفوذ أو اللزوم الوضعي، أو لان الحمل على الحكم الالزامي موجب للتخصيص الكثير المستهجن، إلى غير ذلك - مما يدفعه الظهور العقلائي فيما ذكرناه. والحمل على الخبرية يوجب الكذب وخلاف الواقع في المستثنى والمستثنى منه، ضرورة ان المخالفة لهما كثيرة جدا، والجمل الاخبارية أبلغ في إفادة الوجوب من الاوامر كما قرر في محله، وقرينية قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون " ممنوعة، بل هي قرينة على شدة الاهتمام وقوة الوجوب، والكناية عن الصحة أو اللزوم خلاف الظاهر جدا، فان الظاهر من قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " عدم انفكاك المؤمن عن شرطه، فإذا كان في مقام الانشاء لا يفهم منه إلا لزوم ذلك، وهو معنى الوجوب في شروط العمل، وجعل هذا كناية عن الصحة والوضع يحتاج

[ 217 ]

إلى التكلف والحمل على خلاف الظاهر. وقضية لزوم تخصيص الاكثر باطلة، فان ما هو من شروط صحة الشرط لا يفرق فيه بين الحمل على الوجوب أو غيره، مع ان الشرط الباطل ليس مشمولا للدليل سيما بعض الشروط، والشروط في ضمن العقود الجائزة - مع الغض عن كونها واجبة العمل ما دام لم يفسخ العقد وإن كان له رفع موضوعها بالفسخ - لا تعادل الشروط في العقود اللازمة كالبيع ونحوه بل هي اكثر بما لا يقاس به غيره، والميزان في التخصيص المستهجن إخراج اكثر الافراد وإبقاء النادر، وليس الميزان انواع المعاملات كما قررنا في محله. ثم إنه ربما يستدل للوجوب بقوله صلى الله عليه وآله: " المسلمون عند شروطهم إلا من عصى الله " بناء على ان المراد عصيان الله بعدم العمل بالشرط، وهو مشكل، لان الظاهر منه عصيان الله باشتراطه، بأن يشترط على الغير اتيان محرم أو ترك واجب. كما تشهد به رواية الدعائم (1) " المسلمون عند شروطهم إلا شرطا فيه معصية " والحمل على ما ذكر مضافا إلى انه خلاف الظاهر يوجب حمل الاستثناء على الانقطاع، وإلا لا يستقيم إلا أن تكون الجملة إخبارية، فيكون المراد أن كل مؤمن يعمل بشرطه إلا العصاة، فحينئذ لا يتم المقصود. (نعم) يدل على الوجوب العلوي المتقدم (2) " من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فان المسلمين عند شروطهم " إلى آخره. بقي شئ، وهو ان الوجوب المستفاد من دليل الشرط على ما تقدم


(1) المستدرك - الباب - 5 - من ابواب الخيار - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الخيار - الحديث 5.

[ 218 ]

هل هو وجوب شرعي متعلق بعنوان الشرط؟ كما يقال في قوله: " اوفوا بالعقود " (1) من تعلق الوجوب بعنوان الوفاء، ولازم ذلك مخالفة التكليفين إذا لم يعمل بالشرط ولم يف بالعقد، بل مخالفة التكاليف العديدة إذا لم يعمل بالشرط، من ترك العمل بالشرط، وترك العمل بالعقد المتضمن للشرط أو العقد بناء على ان الشرط أيضا عقد، وحبس حق الغير، والظلم وغير ذلك. والتحقيق ان يقال: إنه إن قلنا بأن الشروط في قوله صلى الله عليه وآله (2): " المؤمنون عند شروطهم " عبارة عن الملتزمات بالحمل الشائع - كالخياطة والكتابة ونحوهما. بأن يكون متعلق الوجوب نفس تلك العناوين ووجوب رد حق الغير أيضا راجعا إلى وجوب الخياطة والكتابة بعنوانهما، فلا يعقل تعلق الحكمين ولو متماثلين بعنوان واحد، بل لا بد من رفع اليد عن أحدهما. وإن قلنا بأن الشروط هي المعاني المصدرية، أي نفس القرار أو هي الملتزمات بعنوان الملتزم الانتزاعي فلا مانع عقلا من تعلق تكاليف متعددة بالعناوين كذلك، وإن انطبقت في الخارج على موضوع واحد، كوجوب إكرام العالم ووجوب اكرام الهاشمي، فهنا وجوبان متعلقان بعنوانين منطبقين على موضوع واحد، وتوهم التأكد عند الاجتماع فاسد جدا، كما حقق في محله، فلا مانع عقلا من وجوب الوفاء بالعقد وبالشرط، ووجوب رد مال الغير أو حقه. لكن الحق انه فرق بين العناوين النفسية، كالعالم والهاشمي والعناوين الآلية التوصلية، كالعقد والشرط ونحوهما مما هي وصلة إلى أمور أخر،


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 4.

[ 219 ]

فان في تلك العناوين لا ينقدح في أذهان العقلاء أن الوجوب متعلق بنفسها بل الظاهر منها عرفا أن ما هو واجب هو رد مال الغير وأداء حقه، فلا يستفاد من قوله صلى الله عليه وآله (1): " المؤمنون عد شروطهم " إلا وجوب اعمل على طبقه، بمعنى وجوب الخياطة والكتابة. والوجوبات المتعددة حسب العناوين المتعددة إلى ما شاء الله أمر ينبو عنه الذهن السليم. وما هو عند العرف ليس إلا المطالبة بنتيجة الشرط لاجل تعلقه بالعمل. لا وجوب موافقة القرار بما هو كذلك، فالوجوب في أمثاله ناش من الحق الثابت للغير بناء على ثبوته كما هو الحق، ولو سلم تعلقه بتلك العناوين التوصلية فهو وجوب لا يترتب عليه أثر من الاثابة والعقاب، نظير الوجوب المقدمي. ثم إنه لا إشكال في ثبوت الحق واستحقاق المشروط له على المشروط عليه العمل بشرطه، لا لدلالة قوله صلى الله عليه وآله (2): " المؤمنون عند شروطهم " على ذلك، لان كون المؤمن عند شرطه لا يلازم كون الشرط على عهدته أو حقا ثابتا عليه، ولا لكون شرط العمل نظير الاجارة فان القياس مع الفارق، واعتبار الاجارة يخالف اعتبار الشرط، بل لان الاستحقاق وثبوت الحق أمر عقلائي في الشروط العقلائية، والشارع الاقدس لم يأت فيها بأمر مخالف لما في أيدي العقلاء وإن تصرف فيها بعض التصرفات وقضية جواز مطالبة المشروط عليه بالعمل بشرطه بل وجواز إلزامه عليه وصحة إسقاط حقه وتأجيله كلها عقلائية. ويستفاد من دليل الشرط (3) نفوذ ما لديهم من الشروط واحكامها من غير فرق بين شرط عمل له أو لاجنبي، فلو شرط إعطاء شئ لاجنبي


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 20 من ابواب المهور - الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 220 ]

أو عمل له كان له حق المطالبة والاسقاط إذ هو المشروط له دون الاجنبي لعدم انفكاك الشرط عن الاغراض العقلائية، والاجنبي اجنبي وإن كان نفع الشرط يعود إليه، بل لو كان الشرط يعود نفعه إلى المشروط عليه بوجه، كأن شرط الاب على ابنه إتيان فريضة الصلاة فيما إذا كان متساهلا كان الاب مشروطا له، وله المطالبة والاسقاط، ومع عدم الاتيان الخيار. ثم إنه لا ينبغي الاشكال في ان المشروط له مخير بين الاجبار والفسخ أما الاول فلا نه مقتضى حق، ولا إشكال في ان الحق مطلق لا اشتراط فيه ولا تقييد، وأما الفسخ فلانه مع التخلف يثبت خيار التخلف عند العقلاء من دون توقف على التعذر، فبمجرد التخلف عن الشرط يثبت الخيار العقلائي لتخلفه عن القرار والشرط. فما في بعض التعليقات من عدم إمكان الجمع بين حق الاجبار وحق الخيار ناش من توهم كون الخيار مترتبا على تعذر الشرط، وهو فاسد يظهر وجهه من الرجوع إلى بناء العقلاء، ولا دليل معتد به على الخيار إلا ذلك، وأما دليل نفي الضرر (1) فقد مر مرارا ما فيه، مع انه مع الغض عن الاشكال فيه لا يثبت الخيار بالمعنى المعهود، والاجماع التعبدي غير ثابت بعد كون القضية عقلائية، كما ان التشبث لاثباته بما في بعض التعليقات من تقيد الالتزام أو الملتزم أو وحدة العقد حقيقة تكلف لا ينبغي ان يصغى إليه، فقول الشيخ الاعظم (قده): " لا نعرف مستندا للخيار مع التمكن من الاجبار " منظور فيه لما عرفت من المستند. ثم إن الاجبار المذكور ها هنا وفي أمثال ذلك من الحبسيات المربوطة بالحاكم الشرعي مع بسط يده، فليس لصاحب الحق حبس الطرف أو زجره لكي يوفي حقه وإن كان له المطالبة ولو بالشدة والخشونة، وعند عدم بسط


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب احياء الموات.

[ 221 ]

يده فالامر راجع إلى عدول المؤمنين، ومع التعذر فله إلزامه وله الرجوع إلى حكام الجور لاحقاق حقه. (واحتمال) استفادة جواز الالزام بأي نحو من أدالة الدفاع عن المال (1) ومن مثل قوله صلى الله عليه وآله (2): " من قتل دون مظلمته فهو شهيد " (في غير محله) بعد ما لم يكن ذلك على القواعد ولم يكن مصداقا للدفاع حتى يقال إنه عقلائي، بل كان مما يستفاد لزومه أو جوازه من الادلة الشرعية. ثم إن جواز الالزام ووجوب العمل من احكام الشروط مطلقا، سواء كانت في ضمن العقد اللازم أو الجائز، بناء على ما تقدم من ان الشرط مستقل في الجعل وإن وقع في ضمن العقد، فهو واجب العمل حتى ولو كان في ضمن العقد الجائز، غاية الامر أن للطرف حل العقد، وبه ينتفي الشرط. وأما بناء على ما قيل: من ان الشروط قيود للعقود أو للمعقود عليه أو ان المعاملة المشتملة على الشرط ليست إلا معاملة واحدة خاصة، كما قيل فيشكل الوجوب في الشروط في العقود الجائزة، فان الشرط يكون تبعا له في الجواز واللزوم، فما وقع من بعض السادة من الجمع بين الوجوب مادام العقد باقيا وبين وحدة المعاملة كأنه في غير محله. هذا بالنسبة إلى حكم الشرط، وأما التخلف الموجب للخيار فهو إنما ثابت فيما إذا كان للشرط نحو دخالة في القيم والاغراض بحسب اللب، وإن لم يكن قيدا بوجه من الوجوه، كما تقدم الكلام فيه، وأما إذا لم يكن كذلك كما إذا أراد الاشتراط لا المعاملة، وإنما أوقع المعاملة لاجل تحقق الشرط


(1) و (2) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب جهاد العدو - الحديث 0 - 8 من كتاب الجهاد.

[ 222 ]

والتخلص عن كونه ابتدائيا، كما لو صالح جوازا بلوز وشرط في ضمنه ما هو المقصود، فله إلزامه للحق الثابت له بالشرط، ولكن لا خيار له لو تخلف، لعدم ما هو المناط فيه عند العقلاء، بل ولا يأتي فيه الوجوه الاخر المتشبث بها للخيار، فتدبر. ثم إن ما أشرنا إليه من ان له حق الاجبار بالرجوع إلى الحاكم المنصوب لامثال ذلك لا إشكال فيه في مثل الشروط التي لا تحتاج إلى إنشاء وقصد وتقرب مثل خياطة الثوب وصبغه. وأما ما يحتاج إلى الانشاء كالمعاملات ونحوها فمع استنكافه عنها هل يجبره الحاكم على إيقاعها، ويسقط اعتبار الرضا والاختيار لكون الاكراه بحق، نظير إكراه المحتكر على بيع ما احتكره، ومع تعذر ذلك يقوم الحاكم مقامه في الانشاء والايقاع لولايته على الممتنع، أو يقوم الحاكم مقامه في إيقاعه ابتداء؟ لكل وجه، وتوهم عدم ولايته على الشخص العاقل الحاضر كما صدر من بعض الاعاظم (قده) في غير محله. وكذا الحال فيما يحتاج في تحققه إلى قصد التقرب مع كون ذات العمل قابلا للالزام، كالصدقة على الفقراء، فانه إعطاء بقصد القربة، فيمكن ان يقال بالزامه بالاعطاء ويقوم الحاكم مقامه في قصد التقرب، كالاجبار على إعطاء الزكاة والخمس، أو يقال: يقوم الحاكم مقامه في الاعطاء أيضا. وأما بعض الشروط التي يتقوم تحقق ماهيتها بالقصد بحيث لا يصدق عليها العنوان بدونه، كالصوم والصلاة، حيث إن الصوم ليس مجرد ترك المفطرات لله، بل عنوان لا يحصل إلا بالقصد، ولا يمكن إلزامه بايجاده وكذا الصلاة ليست مجرد القراءة والانحناء إلى حد الركوع ووضع الجبهة على الارض، بل تتقوم بالقصد، فلو أتى بالقراءة لكونها قرآنا وقصد القربة ووضع جبهته على الارض لله لا بعنوان الصلاة، وكذا أتى بصورة

[ 223 ]

سائر الاجزاء بلا قصد العنوان لا تتحقق الماهية، حتى على القول بالاعم في عناوين العبادات، ففي مثلها لا يعقل الالزام والاجبار لعدم إمكان إلزامه على القصد، وقيام الحكام مقامه غير معقول لعدم تحقق العنوان بقصد الحاكم. فلو استنكف عن العمل في مثل تلك الشروط يجبره الحاكم على استئجار شخص لاتيانها، أو يأخذ منه قيمة العمل ويستأجر غيره، إلا أن يكون الشرط مقيدا بالمباشرة فيتعذر حينئذ، لكن عليه أجرة العمل، فيأخذها منه ويرد إلى المشروط له (وبالجملة) في جميع الشروط التي لها مالية وللمشروط له حق متعلق به يجبر الحاكم المشروط عليه على إيجاده، ومع عدم الامكان يجبره على إعطاء خسارته، فلو شرط خياطة ثوب خاص فأتلفه يؤخذ منه قيمة الثوب والخياطة، أو قيمة الثوب المخيط، وكذا الحال في نظائره. بقي أمور الاول: لو تعذر الشرط، فاما يكون التعذر حال العقد، كأن شرط الوصف وكان فاقدا له، أو شرط النتيجة ولم تتحقق لمحذور، ككون العين معدومة أو موقوفة، أو شرط الفعل المتعذر لعدم المقدرة عليه أو لفقد المورد، أو يكون طارئا بعده. فعلى الاول، هل الشرط باطل؟ ولا يترتب عليه الخيار، أو يترتب ولو كان الشرط باطلا، أو الشرط صحيح وله الخيار؟ وجوه سيأتي التعرض لها عند الكلام في ان الشرط الفاسد موجب للخيار أم لا.

[ 224 ]

والظاهر ان الشرط صحيح يترتب عليه الخيار، من غير فرق بين أقسامه، أما في شرط الوصف فلانه لا أثر له إلا ترتب الخيار عند فقده وهذا الاثر مترتب عليه عند العقلاء بمجرد فقد الوصف، فلا وجه لفساده وأما في شرط النتيجة فلان له أثرين: أحدهما النقل، فمع التعذر لا يترتب عليه، ثانيهما الخيار إذا تعذر، وهذا مترتب عليه عند العقلاء بمجرد عدم تحقق النتيجة، ومع ترتب مثل هذا الاثر عليه لا يقع باطلا، وحيث إن الخيار في هذين القسمين إنما يترتب على مجرد تعذر الشرط الذي هو فقدان الوصف وعدم إمكان النقل فلا معنى في مثله لبطلان الشرط. وأما في شرط الفعل فلما قد تقدم الكلام فيه في شروط صحة الشرط مستقصى، ونقول ها هنا: إن الخيار لم يترتب على تخلف الشرط اختيارا بل رتب على مطلق التخلف، فلو شرط غفلة عن الواقع شرطا متعذرا كان له الخيار لتخلف الشرط ولو بلا اختيار منه، كما لو ترك العمل بالشرط لكره أو اضطرار أو نحو ذلك، ومع وجود الاثر له لم يقع باطلا. وقد سبق أن الخيار لم يرتب على ترك الشرط الواجب، حتى يقال: مع عدم القدرة لم يكن الشرط واجب العمل على مسلك القوم، مضافا إلى ما سلكنا في محله من أن التكاليف عامة وشاملة للقادر والعاجز، كما هي عامة للعالم والجاهل ولا تنحل إلى خطابات حسب أفراد المكلفين، فراجع محاله وعلى ذلك لو فرض ترتب الخيار على تخلف الشرط الواجب يثبت له الخيار (نعم) لو قيل بترتبه على تخلفه من غير عذر فلا خيار، لكنه في كمال السقوط. وتوهم ان الخيار إذا كان مترتبا على الشرط الصحيح فتصحيحه بهذا الخيار دوري في غير محله، لان أمثال المورد لا تكون من الدور المصطلح المستحيل، فيصح أن يقال: إن الخيار ثابت في الشرط الصحيح ولو من

[ 225 ]

ناحية هذا الخيار وبلحاظه، بعبارة اخرى لابد وان يكون الشرط عقلائيا ويكفي فيه ان يتربت عليه الخيار، فلا دور، كما ان شرط الخيار صحيح مع ان فيه أيضا هذا التوهم. هذا حال الخيار، وأما الارش فالظاهر عدم ثبوته فيما إذا كان الفعل متعذرا لاجل عدم القدرة عليه، كما لو شرط عليه خياطة ثوب موجود ولم يكن قادرا عليها، أو شرط إعطاء عين موجودة كان عاجزا عن إعطائها فان الظاهر في هذا القسم الرجوع إلى العوض إن كان الشرط ماليا، فان الشرط في الماليات يثبت به حق مالي على الطرف، والحكم الوضعي لا يتوقف على القدرة، فللشارط حق خياطة هذا الثوب وإعطاء ذلك المال، فمع تعذره يرجع إلى العوض في مثل شرط الخياطة، أي العمل الذي له مالية وإلى قيمة حقه فيما إذا تعلق الشرط باعطاء ما له قيمة وكان موجودا ولكن تعذر تسليمه، فان للحق في مثله قيمة يصح الرجوع إليها، فلا مورد للارش في أمثال الفرض، وأما في غيره من سائر الشروط، ومنها شرط فعل لا يعتبر فيه الحق عقلا أو عند العقلاء، كما لو شرط إعطاء عين كانت معدومة، أو خياطة ثوب كذلك، فهل يثبت فيها الارش أم ليس له إلا الخيار؟ قد يقال بثبوت الارش وأنه على القاعدة، بدعوى أن الشرط وإن لم يقع بازائه العوض في مقام الانشاء إلا أنه يقابل به في عالم اللب، فان له قسطا من الثمن، ومقتضى هذه المقابلة جواز الفسخ وجواز الارش، ولا مانع من أن يكون مال واحد مقابلا بشيئين في عالمين طوليين، وإنما المحال كونه مقابلا بشيئين في عرض واحد. وفيه ما لا يخفى، فانه إن كان المراد بالمقابلة في عالم اللب أنه يقع معاوضة في عالم اللب ومعاوضة أخرى في عالم الظاهر فهو بمكان من

[ 226 ]

الضعف، ضرورة انه لا يرجع شئ من المعاملات العقلائية إلى معاملتين ومعاوضتين، فلا معاوضة إلا الانشائية الظاهرية، وفيها لم يقع الشرط مقابلا بشئ من الثمن كما اعترف به، مع ان لازمه الرجوع بما قابله لا الارش، والعذر بأن الارش لاجل وقوع المعاملة ظاهرا، وفي عالم الانشاء بين العين وتمام الثمن يهدم أساس الارش، مضافا إلى انه يتم على فرض المقابلة اللبية، فلا أثر لها في باب المعملات المتقومة بالانشاء. وإن كان المراد أن القيم في الاعيان تختلف بحسب الشروط، وأن لها دخالة في ازدياد القيم ونقصانها، كما هو المراد من قولهم: " للشرط قسط من الثمن " فهو مسلم، لكن لا ينتج ما هو المقصود من إثبات كون الارش على القواعد. نعم لا يبعد القول بالارش في بعض الصور بحسب الحكم العقلائي، كما قلنا في خيار العيب: إن الارش عقلائي، لكن عند تعذر الرد لا في عرض حق الرد، ففي المقام أيضا لو فرض التعذر في ما هو موجود فالظاهر ثبوت الارش، وأما مع عدم الموجودية فلا دليل على ثبوته ولا على حق المطالبة بقيمة الشرط أو الحق، كما لو شرط إعطاء عين كانت معدومة، أو خياطة ثوب كان معدوما، لعدم تعلق الحق بالمعدوم، بخلاف ما لو كا موجودا ولكن كان العمل فيه متعذرا، فان له حق المطالبة بالقيمة كما مر. وبالجملة الارش ها هنا كما في خيار العيب ثابت مع تعذر الرد، بل لا دليل على ثبوته لو كان له الفسخ وأخذ العوض قيمة أو مثلا، لعدم ثبوت الحكم العقلائي في غير ما تقدم، وعدم دليل آخر عليه، وما قيل في المقام لا يرجع إلى محصل معتمد. ومما ذكرنا يظهر الحال في التعذر الطارئ بالنسة إلى حق المطالبة

[ 227 ]

والارش، نعم صحة الشرط ها هنا أوجه، إلا فيما إذا شرط النتيجة أو الفعل في زمان متأخر وكان متعذرا فيه، فان الكلام في مثله هو الكلام في التعذر الاصلي، فالاقوى صحة الشرط في جميع الفروض، وثبوت الخيار بتخلفه، وثبوت الارش مع تعذر الرد. الثاني: لو تعذر الشرط، فاما ان تكون العين تالفة حقيقة أو تالفة عرفا، والمراد بالتالف العرفي مالا يعتبره العرف ملكا لاحد، كما لو غرق في البحر بحيث لم يمكن إخراجه مطلقا، وإما أن تكون خارجة عن سلطة البائع كما لو غصبت أو غرقت ولكن كانت بحيث يرجى عودها إلى سلطته، وإما أن تكون خارجة عن سلطته بنقل لازم أو رهن أو بنقل جائز. فقد يستشكل في التلف الحقيقي بامتناع ثبوت الخيار عقلا، لانه حق متعلق بالعين أو بالعقد، فعلى الاول امتناع ثبوته واضح، لان المعدوم لا يعقل أن يكون موضوعا لشئ، وعلى الثاني لازمه التعلق بالمعدوم، فان العقد إضافة بين العوضين، ومع معدوميتهما أو معدومية أحدهما ينعدم، فلا يعقل تعلق الحق به حال العدم، ولان الفسخ استرجاع العين، أو حل العقد وإرجاع كل عوض إلى صاحبه الاول، ولا يعقل تحقق ذلك في المعدوم، هذا في التلف الحقيقي. وأما في التلف العرفي الموجب لسقوط اعتبار الملكية مطلقا فلا يصح ثبوت الخيار معه أيضا، لعدم إمكان استرجاع العين في الملكية، ولا الفسخ الذي حقيقته حل العقد وارجاع العوضين إلى ملك صاحبهما. وهذا اشكال ثبوتي عام لمطلق الخيارات، وقد تخلصوا عنه بما ليس

[ 228 ]

بمرضي، وهو ان العقد إذا تعلق بعين شخصية فقد تعلق بشخصيتها وماليتها والخيار متعلق بالعقد، وعند فسخه ترجع العين بشخصيتها، وماليتها إن كانت موجودة، وإلا فبماليتها، إذ العين التالفة وإن كانت معدومة بشخضيتها لكن ماليتها موجودة، والفسخ يتعلق بها، ويرجعها بماليتها. وهذا نظير ما قيل في قاعدة اليد، من ان اليد إذا وقعت على عين وقعت على شخصيتها ونوعيتها وماليتها، فتكون مضمونة بتمام المراتب والجهات ومع تلفها شخصا يبقى ضمان النوعية والمالية. وقد تقدم في خيار الغبن وفي بعض المباحث الاخر ما يرد عليه في المقيس والمقيس عليه، وحاصله منع وقوع العقد على الشئ بجهاته المتحققة فيه، بحيث يكون عقودا متعددة، أو منحلا إليها، بل ليس إلا عقد واحد ومتعلق واحد غير منحل سيما بالنسبة إلى الصفات والاضافات، حقيقية كانت أو اعتبارية، بل قد تقدم فيما سلف عدم الانحلال بالنسبة إلى الاجزاء أيضا وعلى فرض صحته فيها فلا يصح في غيرها بالضرورة. والحاصل ان العقد متعلق بواحد شخصي له صفات وإضافات ومالية والكثرة له لا للعقد ولا لمتعلقه بما هو متعلقه، وانتقال الاوصاف وغيرها تبعي لا انه مفاد القرار والعقد، فبقاء العقد باعتبار المالية وتصحيح الفسخ باعتبار إرجاع العين بماليتها مما لا يرجع إلى محصل، مع انه على فرض التسليم لا ينتج، لان ماهية الشئ وسائر أوصافه وإضافاته قائمة به وتنعدم بانعدامه، إلا ان يقال: إن العقد تعلق بالمالية المطلقة ولو في غير المعقود عليه، وهو مما لا يصح التفوه به. والتحقيق أن يقال: إن البيع عبارة عن المبادلة الانشائية، وهي التي تقع تحت الانشاء وتكون مقدورة للمنشئ ومتحققة في الفضولي وعقد المكره وأما النقل الواقعي فهو من الاعتبارات العقلائية، ولا يعقل تعلق الانشاء

[ 229 ]

به، وكذا الحال في جميع العقود والايقاعات. ومنها الفسخ، وهو متعلق بالعقد الناقل إنشاء، ويحل العقد الانشائي. وهذا العقد الانشائي بما انه متعلق بالعوضين حال وجودهما يكون باقيا اعتبارا، وليس تابعا في بقائه لبقاء العوضين، فانه ليس من الصفات الخارجية التابعة وجودا وبقاء للاعيان، بل له بقاء اعتباري تابع لاعتباره وهذا الوجود الاعتباري باق عرفا حتى مع تلف العوضين، إذ لا يكون القرار امتداده بامتداد العين زمانا ولا تابعا في البقاء للعوضين، بل هو نحو اعتبار من الانشاء والجعل حال وجود العوضين وباق في الاعتبار إلى ما شاء الله من غير دخالة للحالات الطارئة المتأخرة فيه. والفسخ حل للعقد الانشائي، وبعد الفسخ إن كان العوض موجودا يحكم العقلاء برده إلى صاحبه، ومع عدمه برد المثل أو القيمة عوضا عنه وغرامة، من غير ان يؤثر الفسخ في ردهما ابتداء، وقد تقدم الكلام مستقصى في خيار الغبن فراجع، هذا في التلف حقيقة أو عرفا. وأما ما خرج عن سلطانه بغصب أو غرق مع رجاء العود أو العلم به، فلا إشكل في ثبوت الخيار، فمع الفسخ ترجع العين إلى ملكه، وله مطالبة بدل الحيلولة إلى حصول المبدل، وله الرجوع إلى الغاصب وأخذ ماله مع الامكان، كما أن له إخراج ماله من البحر. وهل يلحق به العين المرهونة؟ بأن يقال: إن الفسخ موجب لرجوع العين إلى الفاسخ، فان رضي بأن يكون الرهن باقيا على ماله فهو وإلا رجع إلى بدل الحيلولة إلى فك الرهن، وقد يحتمل صحة الرهن، لمضادته مع رجوع العين إلى غير الراهن، وقد يحتمل صحة الرهن والرجوع إلى البدل كما في مورد التلف. وعلى أي حال ففي جميع الصور المتقدمة لا ينبغي الاشكال في ثبوت

[ 230 ]

الخيار لتخلف الشرط، واحتمال سقوطه والرجوع إلى الارش ساقط، لان سبب الخيار موجود، ولا دليل على ثبوت الارش مع إمكان الفسخ والرجوع إلى البدل، كما لا وجه للتخيير بين الفسخ والارش، فان الارش إنما يكون عقلائيا فيما إذا لم يمكن الرد، فلا يثبت مع إمكان الرد، كما في خيار العيب بل لا وجه لسقوط الخيار والرجوع إلى الارش على القول بأن الخيار لاجل تقييد الالتزام أو نحو ذلك. ولو خرج العين بعقد لازم أو جائز فان كان النقل قبل تعذر الشرط وتحقق الخيار فلا إشكال في صحته، سواء قلنا بأن الخيار متعلق بالعين أو بالعقد، لكون الملك قبل تعلقه طلقا، والسلطنة مطلقه تامة. وقد يقال. إن مبادئ الخيار لما كانت موجودة فلا محالة يكون العقد متزلزلا، فيأتي احتمال البطلان وسائر الاحتمالات (وبالجملة) إن الخيار المنفصل عن العقد مع حصول مبادئه من حال العقد كالخيار المتصل. وفيه ما لا يخفى، أما (أولا) فلان مبادئ الخيار لا توجب تزلزل العقد، بل ما هو الموجب نفس الخيار، و (ثانيا) إن الشرط لا يعقل ان يكون من مبادئ الخيار، فان مبدئيته بلا واسطة لا معنى لها ومع الوسط بان يكون مبدأ لتخلفه لا يعقل كما هو واضح، لامتناع مبدئية الشئ لعدمه أو لتخلفه، وبمعنى الدخالة البعيدة لثبوته - بأن يقال: لولا الشرط لما تحقق التخلف ولو لا ذلك لما تحقق الخيار، مضافا إلى بطلان إطلاق المبدأ عليه - لا يختص بالشرط، بل يكون العقد أيضا دخيلا بهذا المعنى، إذ لولاه لما تحقق الشرط ولا التخلف ولا الخيار، فيسقط التفصيل بين خيار التفليس وخيار الشرط، كما قال به القائل بدعوى عدم تحقق المبادئ في الاول دون الثاني. ولو كان النقل بعد التعذر فهل يقع صحيحا أو باطلا؟ وعلى الاول

[ 231 ]

فهل يرجع بعد الفسخ إلى البدل، أو ينفسخ العقد الثاني بفسخه العقد الاول من الاصل أو من الحين، أو له فسخه، أو إلزامه على الفسخ في العقد الجائر وعلى الشراء مع إمكانه في اللازم؟ وجوه أقواها الصحة والرجوع إلى البدل مطلقا، لضعف سائر الوجوه. أما البطلان فيمكن أن يوجه بأن الحق لو تعلق بالعين كان مقتضاه بطلان نقلها وهو واضح، وإن تعلق بالعقد فماهية الفسخ لما كانت مقابل ماهية العقد فلا محالة تكون بمعنى إرجاع العوضين إلى الحالة الاولى، وعليه فيكون لحق الخيار نحو تعلق بالعوضين، ومعه يكون التصرف المنافي له باطلا. لكن فيه انه مع تسليمه لا ينتج البطلان، بل مع تسليم كون الحق متعلقا بالعين لا يمنع عن صحة النقل ولا يقع باطلا، وذلك لعدم التنافي بين الحق المذكور والنقل، لما اشرنا إليه كرارا من ان البيع مثلا هو النقل الانشائي والمبادلة الايقاعية الانشائية، وأما ترتب الاثر وهو النقل الاعتباري الحقيقي فلا يعقل إنشاؤه، والفسخ حل لهذا العقد الانشائي وارجاع العوضين انشاء، كما في العقد الفضولي، وإقالته على القول بها. فكما لا منافاة بين كون العين ملكا حقيقيا لشخص وملكا إنشائيا لآخر كما في الفضولي، لا منافاة بين رجوع العين بالفسخ إلى ملك صاحبها إنشاء مع بقائها في ملك المشتري الثاني حقيقة. فالتصرفات الاعتبارية والحقيقية لا تنافي حق الخيار، سواء قلنا بأن الحق متعلق بالعين أو بالعقد، فان معنى تعلق الحق بالعين أن له استرجاعها إنشاء لا حقيقة، لامتناع الاسترجاع الحقيقي المتقوم باعتبار العقلاء، والاسترجاع الانشائي لا ينافي ملكية الغير حقيقة، كما لا ينافي معدومية العين على ما أشرنا إليه آنفا، فإذا فسخ العقد وارجع العوضين انشاء وصار

[ 232 ]

الفسخ موضوعا للحكم العقلائي يحكم بالبدل مع نقل العين وعدم كونها في ملك المشتري، فتدبر فيه، فانه حقيق به. وعلى ذلك يسقط جميع الاحتمالات والوجوه المتوهمة، مع ان في بعضها إشكالا عقليا، وهو انفساخ العقد الثاني، فان ذلك إما أن يكون بلا سبب وهو محال، أو يكون بسبب هو غير فسخ العقد الاول وهو مفقود أو السبب هو الفسخ، فان رجع ذلك إلى أن الفسخ لهذا فسخ لذلك فهو محال لعدم تعلقه به، وإن رجع إلى أن ذلك يوجب انفساخه ورجوع العين إلى المشتري ومنه إلى ذي الخيار فهو محال بانشاء واحد، ففي الحقيقة يرجع ذلك إلى عدم تأثير الفسخ في العقد الاول إلا بعد تأثيره في العقد الثاني ورجوع العين إلى ملك الطرف ليحقق عنوان الفسخ، وهذا محال في محال كما أن التأثير في الفسخ و الانفساج عرضا لا يصحح تحقق ماهية الفسخ، لان النقل معلول الانفساخ، وفي رتبة الانفساخ يكون العين ملكا للمشتري الثاني. الثالث: لو تصرف المشروط عليه في متعلق الشرط بما ينافي الوفاء به من التصرفات الاعتبارية، كبيع ما اشترط عليه وقفه أو العكس، فهل يقع باطلا مطلقا ولا تصححه الاجازة عقدا كان أو ايقاعا، أو يصح كذلك من غير حاجة إلى الاجازة، أو يصح مع الاجازة مطلقا عقدا كان أو ايقاعا، أو يصح فيما إذا كان عقدا ويبطلل فيما إذا كان ايقاعا كالعتق والوقف بناء على كونه ايقاعا؟ وجوه: وجه البطلان أمور: (منها) كون ذلك التصرف الاعتباري متعلقا

[ 233 ]

للنهي، بناء على ان الامر بالوفاء بالشرط وهو الوقف مثلا يقتضي النهي عن سائر التصرفات المضادة كالبيع، ومقتضى النهي عنه بطلانه، إما لكونه إرشادا إلى البطلان ولو كان مثل هذا النهي التبعي، أو للتنافي بين النهي الفعلي والانفاذ. وفيه - مضافا إلى بطلان أصل المدعى على ما قرر في محله - ان دليل الشرط لا يعقل ان يثبت الامر لعنوان البيع والوقف والخياطة وغيرهما مما يتعلق بها الشرط، لان موضوع الوجوب فيه هو الوفاء بالشرط، ولا يعقل تجاوز التكليف عن عنوان إلى آخر، ولا من عنوان إلى مصاديق عنوان آخر، مثلا في وجوب إطاعة الوالد ما هو متعلق الامر عنوان الاطاعة، وما أمر به الوالد كخياطة الثوب لا يعقل ان يكون عنوان الاطاعة حاكيا عنه ومرآة له ولا لمصاديقه الذاتية، ولا الامر المتعلق بها متعلقا بعنوان آخر أو مصاديقه، وهكذا الحال في جميع العناوين الاولية والثانوية. فبدليل الشرط لا يعقل إثبات وجوب ما تعلق به الشرط، ولا وجوب مصاديقه، بل الواجب هو الشرط بعنوانه ومصاديقه الذاتية أي الملتزمات بعنوان الملتزم لا بعنوان آخر. إلا أن يقال: إن عنوان الوفاء بالشرط واجب بدليله، وما هو مضاد له منهي عنه بناء على اقتضاء الامر للنهي عن الضد، وحيث إن البيع مثلا مضاد للوفاء الواجب فهو منهي عنه بعنوانه، وهو إرشاد إلى الفساد أو مناف لدليل الانفاذ. لكنه يرد عليه أن مبنى المسألة هو مقدمية الضد لضده، وقد حرر في مقامه ان وجوب المقدمة على فرض تسليمه متعلق بعنوان المقدمة، أو عنوان ما يتوقف عليه الشئ، أو عنوان ما هو الموصل، كما هو التحقيق على فرض الوجوب، والوجوب المتعلق بالعناوين المذكورة لا يعقل تجاوزه

[ 234 ]

عنها إلى عنوان آخر كعنوان البيع والوقف، فإذا وجب عنوان المقدمة يحرم تركها بعنوانها، فلا ينتج المطلوب من ان النهي المتعلق بعنوان المعاملة إرشاد إلى البطلان، مع ان كونه إرشادا في مثل المقام باطل، والحرمة الفعلية على فرضها مستلزمة للصحة، لانه مع البطلان يخرج عن نطاق القدرة وكيف كان لا إشكال في بطلان هذا الاستدلال. (ومنها) أنه لا إشكال في ان للمشروط له حقا ولو كان متعلقا بالعمل كالبيع والعتق، والمعاملة المخالفة موجبة لتضييع حقه فتقع باطلة، مضافا إلى ان العمل بالشرط واجب، وإنفاذ البيع ونحوه المخالف للشرط موجب لتعذره الاختياري، ولا يعقل إنفاذ ما يوجب المعصية، على ان نفس إيجاب العمل بالشرط يوجب تحديد سلطنة المشروط عليه وقصرها في فعل الشرط، وعليه فلا تصح المعاملات والايقاعات. ولا يخفى ما في جميع ما ذكر، فان لزوم تضييع حقه لا يوجب البطلان وضعا بعد استجماع شروط الصحة، وغاية ما في الباب حرمة التضييع وهي لا توجب حرمة المعاملة، وعلى فرضها لا توجب البطلان إن لم تكن دالة على الصحة. وأما استلزام الصحة للمعصية وتوهم عدم صحة إنفاذ ما يوجبها فيندفع بأن القواعد الكلية الشرعية لا يعقل ان تلاحظ فيها المزاحمات أو المعارضات أو اللوازم أو الملازمات، وليس لانفاذ خصوص ما يوجب المعصية دليل خاص به، ولا مانع من صحة معاملة محرمة، فضلا عما يستلزمها، وأما توهم تحديد التكليف دائرة السلطنة والتعجيز عن المعاملة شرعا فلا يرجع إلى محصل، ولا دليل على هذا التواهم. (ومنها) أن العين متعلقة للحق، كما ان العمل بالشرط متعلق له، فان اشتراط بيعها يوجب تعلق حق المشروط له بها بأن يحفظها وينقلها إليه

[ 235 ]

والتصرف في متعلق حق الغير باطل. وفيه أن الحق في المقام إنما هو من قبل الشرط ليس إلا، وهو أي شرط الفعل لا يعقل ان يتعلق بنفس العين، بل المتعلق فعل مضاف إليها كبيعها أو وقفها، فإذا لم يتعلق الشرط بها لم ينتزع منه الحق عليها، ولو نسب إليها الحق فهو بضرب من المجاز والتأول لا على نحو الحقيقة، ومجرد إضافة ما تعلق به الحق إلى غيره لا يوجب حقا بالنسبة إليه، كما ان الخيار حق متعلق بالعقد المضاف إلى العوض، ولا حق بالنسبة إليه. بل يمكن ان يقال: لا يعقل ان تكون العين متعلقة لهذا الحق المتعلق بالفعل المضاف إليها، لاختلاف الرتبة بينهما، والموضوع المركب المتعلق للحق لابد فيه من نحو وحدة بين أجزائه، ولا يعقل ذلك في الطوليات، ولو فرض الشك في تعلق الحق فلا مانع في المقام من التمسك بالاصل، فالتحقيق صحة العقود والايقاعات من غير حاجة إلى الاجازة. ثم لو قلنا بثبوت حق للمشروط له فمقتضى القاعدة الصحة مع اجازته لان المفروض تحقق عنوان المعاملة الانشائية التي هي تمام ماهية المعاملة - كما هو الحال في عقد الفضولي والمكره ونحوهما - واستجماعها لجميع شروط الصحة، وإنما المانع عن تأثيرها وصيرورتها موضوعا لحكم العقلاء والشارع للنقل الاعتباري الحقيقي هو تعلق حق المشروط له، ومع إجازته يرتفع المنع ويتحقق النقل والصحة الفعلية، فيترتب عليها سقوط حق لرفع موضوعه وهذا هو مقتضى القاعدة في الاشباه والنظائر، فلو باع الراهن العين المرهونة لم يقع صحيحا فعليا إلا بعد رفع المنع بالفك أو بالاجازة. (وما قد يقال): في عدم صحة الاجازة من انها لتحقق الانتساب إلى المجيز وفي المقام لا معنى له، وليس للمشروط له إلا اسقاط حق لا اجازة البيع (فيه) - مضافا إلى ما حقق في محله من ان الاجازة في

[ 236 ]

الفضولي لا توحب الانتساب، بل هي مضادة له - ان الاجازة في المقام توجب رفع المانع عن التأثير والصحة، كما ان إذن صاحب الحق يوجبه، ومنه يظهر النظر فيما يقال من ان العقد الثاني ليس له حتى يجيزه والاجازة لا تفيد، كما ان إسقاط حقه لا يفيد. (وأما ما قيل) من ان العقد إذا لم يؤثر في الحين فلا دليل على تأثيره فيما بعد وصيرورته صحيحا فعليا (ففيه ما لا يخفى) فان عقد المكره والفضولي أيضا كذلك، وقضية انقلاب العنوان في الفضولي والانتساب إليه لا ترجع إلى محصل معتد به، والحل ان المانع إذا ارتفع يقع صحيحا بعد استجماع الشروط، نعم يمكن التفصيل بين العقود والايقاعات بما قيل في الفضولي، وقد قربنا في محله صحة الفضولي في الايقاع على القواعد، والامر سهل. الرابع: للمشروط له اسقاط حقه الآتي من قبل الشرط فيما يقبل الاسقاط كشرط الفعل، فلو شرط عليه البيع أو العتق كان له عليه حق أن يبيعه وله إسقاط هذا الحق، وأما شرط النتيجة فلا معنى لاسقاط الحق فيه، كما ان الامر كذلك في شرط الصفة، فاسقاط الحق منحصر في شرط الفعل. والظاهر عدم الفرق بين الشروط المالية كالخياطة وغيرها كالبيع والعتق لان للمشروط له حقا على الفعل في الفرضين، وله إسقاطه، بل لو قلنا: بأن الشروط المالية موجبة لاشتغال الذمة بالمال - فلو اشترط عليه إعطاء عشرة دنانير أو خياطة الثوب اشتغلت ذمته بهما - كان له ايضا إسقاط الاعطاء والعمل، لانهما متعلقان للشرط وله حق العمل وإنما ينتزع الاشتغال

[ 237 ]

منه، فله إسقاط حق فيسقطان من ذمته تبعا، كما تشتغل بهما تبعا، وله إبراء ذمته عما اشتغلت به، فيسقط الحق استلزاما. بل لا يبعد ان يكون له إلقاء الشرط، فيسقط الحق وتبرأ الذمة، فان الشرط قرار ثابت للمشروط له، ولا سلطان للمشروط عليه بالنسبة إليه، فللمشروط له في جميع الموارد إلقاء شرطه وحل قراره، كما ان للمتبايعين الاقالة وحل قرارهما بحسب الحكم العقلائي، لان القرار بينهما لا يجاوزهما، فكما لهما عقده لهما حله، وكما ان زمام الشرط لو كان بيدهما كان لهما حله كذلك للمشروط له حله وإلقاؤه، لان زمامه بيده عرفا لا بيد المشروط عليه، ففي شرط الفعل مطلقا له حل الشرط وله إسقاط الحق الثابت به من غير فرق بين المتعلقات، وله ابراؤه على القول بأن الشرط المتعلق بالماليات موجب للاشتغال، والقول بعدم صحة الاسقاط إلا في الشروط غير المالية ساقط حتى على القول بالاشتغال. ومما ذكرنا من جواز إلقاء الشرط وحله يظهر الحال في شرط النتيجة إذا لم يتصل حصولها بالعقد، كما لو شرط نقل الملك في زمان متأخر أو شرط الوصف كذلك، فيجوز له إلقاء الشرط وحله، ولازمه عدم النقل وعدم الخيار للتخلف. ثم إن ما نقل عن غير واحد من الاعلام - من استثناء ما كان حقا لغير المشروط له كالعتق، والقول بعدم السقوط باسقاطه لاجتماع الحقوق فيه، وليس للمشروط له إسقاط حقهما فلا يسقط باسقاطه - فيه ما لا يخفى. أما (اولا) فلمنع حق لغير المشروط له، فان الحق انما يثبت له لاجل قراره مع المشروط عليه، فالشرط والقرار بينهما مثبت للحق، ولا قرار بين المشروط عليه وبين الله تعالى، ولا بينه وبين الاجنبي المنتفع بالشرط

[ 238 ]

ومجرد الانتفاع لا يوجب ثبوت الحق، كما لو شرط عليه علف الدابة ورعي الماشية. وأما (ثانيا) فلانه لا إشكال في ان للمشروط له إسقاط حقه وشرطه، وثبوت الحق لغيره لو قيل به تبع - وجودا وبقاء - لحقه، فإذا أسقط حق عتقه فلا يبقى حق لاحد، واحتمال عدم سقوط حقه بالاسقاط لاستلزامه تضييع حق الغير فاسد جدا، كاحتمال تبعيتهما له وجودا لا بقاء. الخامس: قد تقدم ان الشرط لا يقابل بالثمن ولا يقسط عليه مع التخلف بحسب القاعدة، وقد يقال: باستثناء الشرط المتضمن لجزء من المبيع المركب، كما لو شرط كون المبيع كذا مقدارا، بأن قال: " بعتك هذا الثوب أو الارض على ان يكون كذا ذراعا " أو " بعتك هذه الصرة على ان تكون كذا صاعا " بدعوى ان الشرط المتضمن لجزء المبيع متصلا كان أم منفضلا يقسط عليه الثمن، فالقاعدة مخصصة بالنسبة إلى مثله، سواء كان من الكم المتصل أم المنفصل، وسواء كان مختلف الاجزاء أو متفقها، وسواء تبين النقص ام الزيادة، ففي جميع الاقسام الثمانية يقسط الثمن. ولابد من فرض المسألة فيما إذا كان الشرط في مورد البحث كسائر الشروط في جميع الخصوصيات إلا في المتعلق، حتى يصح القول بالاستثناء عن القاعدة، فالقول بأن الشرط لا يراد به الشرطية إلا صورة خارج عن محط البحث. والتحقيق عدم الفرق بين هذا الشرط وسائر الشروط في عدم التقسيط وذلك لان البيع مع هذا الشرط متضمن لقرارين: أحدهما بيع هذا الشخص

[ 239 ]

الموجود بعشرة دنانير مثلا، وهذا يتم إنشاؤه بقول البائع: " بعتك هذه الصبرة بعشرة " أو " بعتك هذه الارض بها " ثانيهما شرط ان يكون المبيع كذا مقدار، فتمام ماهية البيع التي هي عبارة عن تمليك الشئ بالعوض متحققة إنشاء به، قبل إنشاء الشرط الذي هو ايضا يتحقق بانشاء الموجب والقبول المنضم إلى انشاء البيع يوجب ترتب الاثر عليه، كما ان القبول اللاحق بالشرط يوجب ذلك، فها هنا إيجابان وقبولان: إنشاء البيع المتضمن لمقابلة المبيع الخاص بتمام الثمن، وإنشاء الشرط الذي هو قرار آخر غير قرار البيع إيجابا وقبولا، ومقتضى البيع مبادلة المبيع الخارجي في المورد بتمامه بالثمن المذكور بتمامه، بحيث لو بدا للمنشئ عدم الشرط وتركه وقبل المشتري ايجابه صح، ويقابل المبيع بتمام الثمن بالضرورة. فالقائل بالتقسيط لو رجع قوله إلى ان البيع موجب له مع الغض عن الشرط فهو خلاف الضرورة، ولو رجع إلى ان الشرط يوجب انقلاب البيع عما هو عليه فهو محال بالضرورة، ولو رجع إلى ان البيع الملحق به الشرط المذكور موجب للتقسيط، فان أريد به إنشاء المقابلة بين الثمن والمثمن مع هذا الجزء أو باستثنائه فهو خلاف المفروض وخلاف ما في الواقع من ان البيع الذي هو انشاء مستقل يتحقق قبل تحقق انشاء الشرط وأن الشرط انشاء مستقل آخر، وإن اريد به انه مع عدم المقابلة في البيع يقسط الثمن فهو غير معقول، فالقول بالتقسيط لا يرجع إلى محصل وأمر معقول. وتوهم ان حكم العرف كذلك فاسد، لانه إن رجع إلى ان العرف لا يميز بين البيع والشرط في ضمنه فهو كما ترى، وإن رجع إلى انهم يميزون كلا منهما عن الآخر ويعرفون ان البيع مبادلة بين الموجود الخاص وتمام الثمن وان الشرط امر زائد عنه له انشاء خاص ومنشأ خاص ومع ذلك يحكمون جزافا بذلك فهو افسد، فلا ينبغي الاشكال في عدم التقسيط

[ 240 ]

وعدم لحوق الشرط حكم الجزء. وقد يستدل على المدعي " بأن جزء المبيع إذا اخذ بنحو الاشتراط لا يخرج عن كونه جزء ملحوظا كسائر الاجزاء مقابلا بالثمن، حيث لا فرق في الغرض المعاملي النوعي المتعلق باشتراء ذات الاجزاء بين جزء منها وجزء آخر، بعد وضوح ان المبيع ليس هو الجسم الطبيعي مع قطع النظر عن التعين الموجب لصيرورته جسما تعليميا، كما انه لا غرض نوعا في شراء الجسم التعليمي المطلق الملحوظ فيه تعين ما، فليس تعين الجسم أمرا زائدا على الغرض النوعي حتى يؤخذ بنحو الاشتراط الذي هو شأن التابع - ثم قال -: يختص وصف الكمية بخصوصية مقتضية للتقسيط وإن اخذ بنحو الاشتراط، فيكون نظير ما إذا أشار إلى ما في الدار وقال: " بعت هذين العبدين " فتبين انه واحد، ولا إشكال هناك في التقسيط، لا ان المبيع هو ما في الدار والاثنينية وصف " انتهى. وانت خبير بأنه لم يزد شيئا على المدعى إلا اقترانه ببعض الاصطلاحات الاجنبية عن المعاملات العقلائية، ضرورة ان البيع إذا تعلق بالعين الشخصية الموجودة فأشار البائع إليها بقوله: " بعتك هذا بكذا " لم تكن المقابلة إلا بين الموجود الخارجي كائنا ما كان وبين الثمن، وهذا الموجود الخاص متعلق للغرض المعاملي في انشاء البيع لا يزيد منه شئ ولا ينقص، ويكون الشرط أمرا زائدا في ضمن البيع، ويكون الغرض في الاشتراط انه لو خالف الواقع لم يلزمه البيع وكان له الخيار في فسخه ان اراده. فقوله: " لا فرق بين جزء وجزء في الغرض المعاملي " إن اراد به ان البيع متعلق بالزائد أو الناقص من الشخص الخارجي فهو - مع خروجه عن محط البحث وارجاع الشرط إلى الامر الصوري، كما هو الظاهر من كلامه وإن احترز عنه في صدره - خلاف الواقع الرائج في البيع

[ 241 ]

والشرط في ضمنه، وإن اراد به انه في الغرض اللبي لا فرق بينهما فهو لا يفيد، لان الاغراض لا توجب تغيير المعاملات عما هي عليها. والعجب مقايسته الشرط في ضمن البيع بالبيع في قوله مشيرا إلى ما في البيت: " بعتهما " حيث لا يقع إلا بالنسبة إلى واحد منهما، فانها مقايسة مع الفارق الواضح، ضرورة ان أحد المشار اليهما في المثال مفقود مع وقوع البيع عليهما، ومقتضى ذلك البطلان بالنسبة إلى المفقود، بخلاف المقام فان البيع واقع على المشار إليه الموجود، والشرط قرار زائد تخلف عن الواقع فليس فيه إلا الخيار، فأي تناسب بين البيع الواقع على أمر خاص والشرط الزائد عليه وبين البيع الواقع على الشيئين المفقود أحدهما (والانصاف) انه تكلف وأتعب نفسه الشريفة ولم يأت بشئ. هذا مع إمكان ان يقال: إن الشئ الخاص الخارجي المشهود الذي لا يكون فيه زيادة ونقيصة إذا شرطه فيه ان يكون كذا مقدارا ليس المقدار إلا الكم الذي هو عرض كسائر الاعراض لا المتكمم، فلا يقسط عليه الثمن حتى مع الغض عما تقدم. ثم إن الوجه المتقدم لعدم التقسيط مشترك بين الاقسام الاربعة أو الثمانية ويختص ما إذا تبين الزيادة بوجه آخر، وهو ان في البيع الواقع على الخاص الخارجي، لو قيل بعدم وقوعه على الزائد وببقاء ذلك في ملك البائع لا يخلو إما ان يقال بوقوع البيع على المقدار المشخص المعين وبقاء مقدار مشخص معين على ملك البائع، أو يقال بوقوعه على الكلي في المعين أو على الجزء المشاع. والاحتمال الاول واضح الفساد، ويتلوه الاحتمالان الآخران، لانه إن كان المدعي ان إنشاء البيع على الخاص المشخص الموجود لم يكن إلا صوريا ويراد به الكلي في المعين أو الجزء المشاع فهو مع كونه خلاف الواقع

[ 242 ]

والوجدان خروج عن محط البحث، وإن كان المدعى ان الشرط يوجب انقلاب الخاص إلى الكلي في المعين أو المشاع فهو أفسد، وإن كان المدعى أنه مع وقوع البيع على الخاص الموجود وبقاء الشرط على حاله من كونه أمرا خارجا زائدا يحكم العقلاء بالانقلاب بلا سبب فهو أفسد من سابقه، وإن كان المقصود أن العقلاء يرتبون عليه حكم الكلي أو الاشاعة تعبدا فهو يتلو السابق في الفساد، وعليه فلو فرض تسليم التقسيط في النقيصة لم يكن موافقته في تبين الزيادة، فلا تغفل. ثم إن تبين الزيادة لا يوجب الخيار إلا إذا كان المقدار بحده - لا زائدا ولا ناقصا - مورد الشرط، والشروط في ذلك مختلفة، فقد يستفاد من الشرط التحديد في الطرفين، كما لو اشترى خفا وشرط أن يكون كذا قياسا، وقد لا يستفاد ذلك كما في الصبرة والارض ونحوهما. بقي شئ: وهو انه ربما يستدل للتقسيط برواية عمر بن حنظلة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل باع أرضا على أنها عشرة أجربة فاشترى المشتري ذلك منه بحدوده، ونقد الثمن ووقع صفقة البيع وافترقا، فلما مسح الارض إذا هي خمسة أجربة، قال: إن شاء استرجع فضل ماله وأخذ الارض، وإن شاء رد البيع وأخذ ماله كله، إلا ان يكون له إلى جنب تلك الارض ايضا ارضون فليؤخذ، ويكون البيع لازما له وعليه الوفاء بتمام البيع، فان لم يكن له في ذلك المكان غير الذي باع، فان شاء المشتري أخذ الارض واسترجع فضل ماله، وإن شاء رد الارض وأخذ المال كله " وفيه أن الاستناد إليها مع ضعفها سندا وعدم الجابر - ومجرد عمل الشيخ والحلي (قدهما) لو صح لا يعد جابرا - ومع كونها خلاف القواعد صدرا وذيلا سيما الحكم بتعين أخذ النقص فيما إذا كان له إلى جنب الارض


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 243 ]

أرضون مما لا يمكن الالتزام به في غاية الاشكال، بل هو ممنوع بلا إشكال ولابد من تأويلها وحملها على الكلي في المعين وإن كان خلاف ظاهرها، لاحتمال وقوع اشتباه فيها، أو رد علمها إلى الناقل. القول في حكم الشرط الفاسد وفيه أمور: الاول: هل الشرط الفاسد موجب لفساد العقد حسب القواعد أم لا؟ لا إشكال في أن محط البحث ما إذا تحقق العقد والشرط وانشئ كل منهما جدا، فالعقد أو الشرط الذي لم يتعلق به القصد وكان مجرد صورة انشاء خارج موضوعا، سواء كان ذلك لاجل عدم امكان القصد إلى المتنافيين كما إذا كان الشرط مخالفا لمقتضاه مع الالتفات إليه، أم لاجل لزوم الاستحالة، كما قيل في بعض الفروض، أو لكونه غير عقلائي بوجه يؤدى إلى اللعب والعبث وكذا محل البحث ما إذا لم يكن في البين موجب لفساد العقد سوى فساد الشرط، وبالجملة الكلام ممحض في فساد العقد بفساد الشرط من حيث هو. ومقتضى ما مر منا مرارا في ماهية العقد والشرط الذي في ضمنه وهو عدم مفسديته حسب القواعد لان العقد بتمام ماهيته أنشئ بايجاب البائع قبل ايجاب الشرط، وفي هذا الظرف يكون تمام الثمن مقابل تمام البيع بلا شبهة، ولا يحتمل التقسيط وان كان الشرط دخيلا في القيم ككثير من الأوصاف والاضافات، فالقول بالبطلان من ناحية تقسيط الثمن ولزوم الغرر والجهالة في غير محله. مع انه على فرض التقسيط أيضا لا يلزم الجهالة، لان المناط في العلم

[ 244 ]

الرافع لها هو حال العقد، هو حاصل بالنسبة إلى المبيع المشروط والثمن، ولا يعتبر العلم بمقدار القسط في شئ من المعاملات التي يقسط فيها الثمن على الاجزاء، فلو باع ألف حصة بسبعين مثلا صح ولو لم يعلم مقدار قسط كل حصة، وهو واضح. وكذا تقدم منا أن الشرط لا يرتبط في مقام الانشاء بالعقد نفسه، ولا بالثمن أو المثمن، لعدم الفرق وجدانا وعرفا بين إنشاء البيع المتعقب بالشرط وغيره في تعلق الجعل بلا قيد بالعوضين بلا قيد، وأن الشرط الذي له إنشاء خاص به مستقل في الجعل والارادة لا يوجب تقييدا في الانشاء ولا المنشأ ولا العوضين بالوجدان، وإن كان له بحسب الاغراض اللبية نحو ارتباط به لاجله يوجب اختلاف القيم، ويترتب عليه خيار التخلف وقد مر أن الخيار لم يرتب على تخلف الاغراض مع عدم الاشتراط أو التوصيف، ولا على الاشتراط مع عدم الربط اللبي الدخيل في الاغراض وإنما رتب على الاشتراط مع الربط المشار إليه، لكنه لا يوجب التقييد في البيع ولا في العوضين. وعليه فيندفع الاستدلال الآخر، وهو ان التراضي إنما وقع على العقد الواقع على النحو الخاص، فإذا فقدت الخصوصية لم يبق التراضي لانتفاء المقيد بانتفاء قيده، وارتفاع الجنس مع ارتفاع فصله، فلابد للصحة من تراض آخر جديد. ضرورة ان التراضي الحاصل في البيع اللازم في المعاملات، أي التراضي بمعاوضة المثمن بالثمن لم يكن متقيدا بشئ، فدعوى ان العقد وقع على النحو الخاص الراجعة إلى ان خصوصية الشرط دخيلة في وقوعه ممنوعة. نعم لا إشكال في انه لو لا الشرط المذكور لما أوقع العقد نوعا، لكنه غير الوقوع على النحو الخاص، فالعقد وقع على الثمن والمثمن بلا

[ 245 ]

تقييد، كالعقود التي لاشرط فيها بحسب الوجدان والعرف، والشرط قرار مستقل في مقام الجعل والقرار لا يرتبط في ظرفه بشئ ولا يقيد ما وقع مطلقا، وليس حال الشرط حال القيد المتصل بالمبيع قبل تمام الانشاء، كقوله: " بعتك الفرس العربي أو الثوب الحرير " بل الانشاء البيعي بتمام جهاته تم قبل الشرط بلا توقف على شئ، والانشاء الشرطي إنشاء جديد وقرار مستقل وإن كان بينهما نحو ربط في عالم اللب مما لا دخل له بمقام الانشاء والتراضي المعتبر فيه. والربط اللبي في المقام وغيره من الاغراض التي لا توجب شيئا ولا تقييدا في اللفظ ومقام الانشاء، وإذا أظهرها المنشئ بصورة الوصف أو الشرط يوجب ذلك الخيار عند التخلف، والعرف والوجدان يشهدان بالاختلاف الجوهري بين الاوصاف اللاحقة بالعوضين وبين الشروط المذكورة في خلال البيع بعدما تم الانشاء البيعي بايجاب البائع وقبل لحوق القبول، كما يشهدان بالاختلاف الواقعي بين تقييد نفس الانشاء أو تعليقه وبين الشروط المذكورة في ضمنه. فقول القائل: العقد وقع على النحو الخاص، وحديث الجنس والفصل وانتفاء المقيد بانتفاء القيد كلها في غير محله، وناش عن الخلط بين الربط اللبي الذي يكون بمنزلة الاغراض وبين التقييد في مقام الظاهر والانشاء، وكذا بين طيب النفس والرضا الواقعيين غير المربوطين بالرضا المعاملي وبين ما هو المعتبر فيها. وعلى هذا الاساس لا يحتاج إلى التشبثات، بل التعسفات الواقعة في كلام الاعلام المبتنية على أن الشروط أوصاف وقيود للمبيع أو للبيع مما لا يبنتى على أساس. كالقول بتعدد المطلوب في الشروط، والفرق بين القيود بأن بعضها

[ 246 ]

موجب لانتفاء المطلوب بانتفائه، وبعضها يوجب انتفاء المطلوب الاعلى فقط كما هو المحتمل أو الظاهر من كلام الشيخ الاعظم (قده) وقد وجهه المحقق الخراساني (قده) بأن القرينة العرفية في هذا القسم من الشروط أي التي لا تكون ركنا قائمة على أن المنشأ بالصيغة طلب الواجد إن كان وإلا طلب الفاقد، وهكذا الحال في البيع. وفيه ما لا يخفى، ضرورة انه لا يعقل ان يكون الطلب الواحد أو الانشاء الواحد طلبا أو انشاء أو انشاء لشيئين طوليين على فرضي الوجدان والفقدان ولا منحلا إليهما، بل لو فرض إنشاء البيع كذلك كان باطلا نظير البيع بثمنين على فرضين. كما ان تعدد المطلوب أيضا لا يصحح ما يرام، فانه إن اريد به أن الانشاء الواحد متعلق بشيئين على نحو تعدد المطلوب فهو باطل كما ذكر، وان اريد به أنه يكشف بالقرينة أن مطلوبه واقعا متعدد فهو لا يفيد في مثل البيع الذي لا يتحقق إلا بالانشاء والجعل، نعم لو علم بوجه ان للمولى مطلوب إلزامي يحكم العقل بلزوم إتيانه من غير حاجة إلى الامر، وأما المعاملات فتحتاج في تحققها إلى الانشاء، والمطلوبية الواقعية لا أثر لها. وان اريد أن الانشاء على المتقيد ينحل إلى انشاءين ففيه ان ذلك لا مجال له في المقام، فان البيع على العين المتقيدة بقيد لو انحل إلى البيع على الذات وعلى القيد، لزم بيع القيد وهذا كما ترى لا معنى محصل له، ولو انحل إلى الذات وإلى الذات المتقيدة حتى يكون البيع على الذات متعددا ونقلها مرتين كان أفسد. ومما ذكر يظهر بطلان قياس المقام ببيع شيئين، مثل ما يملك ومالا يملك، أو ما يملكه البائع وما لا يملكه، فان الصحة في مثله على القواعد سواء قلنا بالانحلال إلى بيعين عرفا ام لا، بأن يقال: إن البيع مع وحدته

[ 247 ]

نقل السلعتين إنشاء، فلو تم شرط التأثير في احدهما يعتبره العقلاء، ويتحقق النقل الاعتباري الواقعي العقلائي فيه دون ما لم يتم فيه شرطه، واما في المقام فلا يتأتى ما ذكر، كما لا يخفى. نعم هنا كلام آخر وهو انه لو بنينا على تقييد المبيع بالشرط فلابد من التفصيل بين كونه من الاعيان الخارجية أو من الكليات، فان الشرط الموجب للتقييد لا يزيد عن التوصيف ولا إشكال في ان البيع المتعلق بالعين الموجودة الموصوفة بوصف مع فقد الوصف صحيح مع ثبوت خيار تخلف الوصف فيه، لان الانشاء تعلق بالخارج الموجود، ولا يوجب التوصيف تعدده، وفقد الوصف لا يوجب عدم تعلقه بالموجود، فلا محالة يقع صحيحا خياريا بخلاف ما لو بيع الكلي الموصوف، فان كل قيد يلحق بعنوان كلي يوجب تعدد العنوان وتخالف العنوانين، والعنوان الموصوف بوصف يخالف فاقده وقد عرفت بطلان دعوى تعلقه بعنوانين في حالين أو انحلاله إليهما، ففي الشخصيات ليست الصحة لاجل تعدد المطلوب أو الانحلال، فلا تغفل. وأما ما قيل في مثل المقام من ان البيع العقدي مقابل المعاطاة يشتمل على التبادل بين العوضين، وهو البيع المشترك بين العقدي والمعاطاتي، وعلى تبادل الالتزام بين المتعاقين، وهو مختص بالعقدى، فمع بطلان الشرط أو تخلفه يكون البيع صحيحا لا موجب لبطلانه، وخياريا لاجل عدم الالتزام في هذا الظرف، فيكون كالبيع المعاطاتي جائزا مع فرق بينهما. ففيه انه لا يرجع إلى اساس عند الوجدان وفي سوق العقلاء الذي هو الميزان في تشخيص ماهية المبادلات، انه لا اثر ولا عين عند العرف لهذا الالتزام الزائد عن اصل المبادلة، فقوله: " بعتك هذا بدينار " مثلا لا يدل إلا على انشاء النقل والتبادل، كما ان الفعل في المعاطاة كذلك، ولا فرق عرفا بين البيع باللفظ والفعل ولا يزيد احدهما على الآخر، فاللفظ

[ 248 ]

قائم مقام الفعل أو العكس، وليس ما وراء التبادل شئ لا في اللفظ ولا في اللب إلا ما هو الدخيل من المبادئ لتحققه. الثاني: قد يقال: بلزوم الخروج عن القاعدة على فرض كون عدم إفساد الشرط الفاسد على القواعد، وذلك للروايات الخاصة. (منها) رواية عبد الملك بن عتبة (1) قال: " سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الرجل أبتاع منه طعاما أو أبتاع منه متاعا على ان ليس علي منه وضيعة، هل يستقيم هذا؟ و كيف يستقيم وجه ذلك؟ قال: لا ينبغي " بدعوى أن السؤال عن البيع المشتمل على الشرط الفاسد وأن قوله: " لا ينبغي " إرشاد إلى فساده، ولا موجب له إلا فساد شرطه. وفيه ان فيها احتمالين: احدهما ما ذكر، والآخر وهو الارجح ان يكون السؤال عن الشرط، وان هذا الشرط يستقيم أم لا، فعلى فرض كون الكلام إرشادا إلى البطلان لا يدل إلا على البيان في مقام الحاجة، وكيف كان لو فرض تساوي الاحتمالين لا يصح الاحتجاج بها. (وأما) ما قيل من ان المورد خارج عن محط البحث، أما أولا فأنه شرط مجهول وجهالته تسري إلى نفس البيع، وأما ثانيا فلانه شرط محال، فان شرط كون الخسارة واقعة في ملك غير صاحب السلعة محال (ففيه) منع سراية الجهالة في مثل المورد إلى نفس البيع إلا على المبنى


(1) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب احكام العقود - الحديث 1.

[ 249 ]

الفاسد من التقييد في المبيع، ومنع كون الشرط هذا الامر غير العقلائي، بل الشرط هو جبران الوضيعة لا وقوعها في ملك غير المالك، هذا كله مع تسليم كون " لا ينبغي " ارشادا، وإلا فيسقط الاستدلال من رأسه ولو رجع السؤال إلى أصل البيع المتضمن للشرط. (ومنها) رواية الحسين بن المنذر (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام عليه: يجيئني الرجل فيطلب العينة، أبيعه إياه ثم أشتريه منه مكاني، قال: إذا كان بالخيار إن شاء باع وإن شاء لم يبع وكنت انت بالخيار إن شئت اشتريت وان شئت لم تشتر فلا بأس، فقلت: إن أهل المسجد يزعمون أن هذا فاسد، ويقولون: ان جاء به بعد اشهر صلح، قال: انما هذا تقديم وتأخير فلا بأس " بدعوى ان سلب الاختيار انما هو بالشرط، وفساد المعاملة لا وجه له الا فساد الشرط. وفيه ان الظاهر منها - على فرض تسليم الدلالة على البطلان وكونه لسلب الاختيار بواسطة الشرط - فرض وقوع الشرط في البيع الاول حتى جعله غير مختار في الثاني، وان ذلك صار موجبا لبطلان الثاني لا الاول فهي تدل على عدم فساد البيع بالشرط في ضمنه على فرض بطلانه، فتدل على خلاف المقصود، مع احتمال ان يكون التعبير بقوله: " ان شئت " و " ان شاء " على النحو المتعارف، وانه مع وقوع البيع اختيارا وبلا اكراه صح، تأمل. (ومنها) رواية علي بن جعفر (2) عن اخيه موسى بن حعفر عليه السلام " عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم ثم اشتراه بخمسة دراهم أيحل؟ قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس " وعن علي بن جعفر في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العقود - الحديث 4 - 6.

[ 250 ]

كتابه مثلها، الا انه قال: " بعشره دراهم إلى اجل، ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد " بدعوى انها تدل على البأس أي البطلان مع الاشتراط. وفيه - مضافا إلى منع كون البأس بمعنى البطلان، بل الظاهر منه الصحة مع المرجوحية، فتدل على خلاف المقصود، كما انه لو اريد منه الحرمة الشرعية كان لازمها الصحة - أن الظاهر ان هذا النحو من المعاملة مع الاشتراط المذكور إنما وقع حسب التعارف للتخلص عن الربا، فالشارط يريد أكل الربا على وجه مشروع بزعمه، كما هو المرسوم عند آكلها المتشرع بتخيل أنه مع تغيير العنوان يخرج الموضوع عن أكل الربا، فيبيع شيئا بمبلغ إلى أجل ويشتري منه نقدا بأقل منه حسب ما يتراضيان به في مقدار الربا وعليه فيمكن ان يقال: إن وجه البطلان أنه لا جد لهما في المعاملة واقعا وعلى فرض الجد يكون البطلان والحرمة لما قررنا في محله من بطلان المعاملة التي يقصد بها التخلص عن الربا وحرمتها، وكيف كان لا تدل الروايات على المقصود. وها هنا روايات تدل على الصحة في الابواب المتفرقة لا داعي لنقلها بعد كون الصحة على القاعدة، كالروايات الواردة في باب النكاح (1) والصحيحة الواردة في قضية اشتراء عائشة (2) وما وردت في الشروط الباطلة ومن جملتها عدم التوريث (3) إلى غير ذلك.


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب - المهور من كتاب النكاح. (2) الوسائل - الباب - 52 - من ابواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 2 من كتاب النكاح. (3) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب المهور - الحديث 2 والباب - 32 - من ابواب المتعة - الحديث 7 من كتاب النكاح.

[ 251 ]

الثالث: هل الخيار في تخلف الشرط مختص بتخلف الشروط الصحيحة أو يعم الفاسد؟ والكلام إنما هو بعد تحقق الشرط جدا، فيخرج ما لا يمكن الجد فيه كالشرط غير المقدور مع العلم بعدم القدرة. والظاهر ثبوته مطلقا في شروط الفعل والنتيجة، فان الخيار في التخلف كما مر مرارا عقلائي، وموضوع حكم العقلاء هو التخلف، سواء كان الشرط صحيحا شرعا أم لا، ومقدورا أم لا، فلو شرط بنحو شرط النتيجة كون الخمر ملكا له ولم تتحقق الملكية للمحذور الشرعي يتحقق التخلف، كما لو شرط كون مال الغير له مع الجهل، وكذا الحال في شرط الفعل، فلو شرط ان يجعل العنب خمرا ولم يفعل للمحذور الشرعي تحقق موضوع الخيار عند العقلاء، وكذا الحال لو كان تركه لمحذور عقلي، كعدم القدرة. وعلى الجملة ما هو الموضوع للخيار صرف تخلف الشرط والقرار لا التخلف العمدي والاختياري ولا تخلف الشرط المشروع ولا المقدور، فالخيار ثابت حتى في الشروط المخالفة للكتاب، إلا أن يدل دليل على عدم ثبوته هذا على القول المختار، وكذا الحل لو كان المستند للخيار هو تقيد الالتزام المعاملي كما قيل، هذا بحسب القواعد. وأما بالنظر إلى الادلة، فقوله عليه السلام (1): " المسلمون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله " وما بهذا المضمون، لا دلالة فيه على ثبوت الخيار عند التخلف أو عدمه لو كان الشرط فاسدا (نعم)


(1) الوسائل - الباب - 6 من ابواب الخيار - الحديث 2.

[ 252 ]

بناء على ما تقدم من الاستدلال به لجميع أصناف الشروط أي شرط الوصف والنتيجة والفعل، يمكن القول بأن مقتضاه عدم الخيار لو كان شرط الوصف ممنوعا شرعا، لان شرط الوصف لا أثر له إلا الخيار عند التخلف، ومعنى لزوم ملازمة المشروط عليه لشرطه هو ترتيب آثار الخيار عند التخلف، فيدل دليل الشرط في هذا القسم على عدم لزوم ترتيب آثار الخيار أو عدم جوازه، ولازمه عدم ثبوته، فلو شرط كون العنب على صفة تصلح للخمرية وقلنا ببطلانه شرعا وممنوعيته كان لازمه عدم الخيار لعدم أثر غير ذلك، بخلاف شروط النتائج والافعال. وبالجملة إن الاستثناء في شرط الصفة لازمه نفي الخيار، لعدم أثر غيره وفي غيره دال على نفي الاثر في النتيجة، وعلى عدم الوجوب في الفعل، ولا دليل على تنزيل الشرط منزلة العدم حتى يستفاد منه عدم الخيار، فان ما دل على بطلان الشرط وعلى فساده وعلى كونه مردودا لا يستفاد منها ذلك، بل الظاهر منها ثبوته ولو كان فاسدا. نعم ربما يتوهم من رواية زرارة في قضية ضريس وبنت حمران (1) ذلك، حيث قال فيها: " إذهب وتزوج وتسر فان ذلك ليس بشئ، وليس شئ عليك ولا عليها " بأن يقال: إن نفي الشيئية عن الشرط هو التنزيل منزلة العدم، وإطلاقه يقتضي سلب الخيار في الشروط المخالفة للشرع. وفيه - مع ضعف سندها ومعارضتها لصحيحة منصور بزرج (2) - أنه لا يستفاد منها عموم التنزيل، سيما مع قوله عليه السلام: " وليس شئ عليك ولا عليها " الظاهر في بطلانه، وسيما مع التعبير في غيرها (3) بالفساد، وكون التنزيل منزلة العدم بنحو الاطلاق أمر بعيد عن الاذهان


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور - الحديث 2 - 4 - 1 من كتاب النكاح.

[ 253 ]

العرفية، فلا ينقدح فيها إلا فساده وعدم لزوم العمل به، وقد مر في بعض المباحث بعض الكلام فيها، (فتحصل) مما ذكر عدم دليل على خلاف ما عليه العقلاء من ثبوت الخيار إلا في شرط الوصف فيما لو كان على خلاف الشرع. ثم إن البحث - على فرض مفسدية الشرط الفاسد - عن حكم ما لو أسقط الشرط أو كان الشرط بنحو المقاولة قبل البيع من غير ذكر فيه أمر زائد لا أرى وجها لتفصيله، مع انه على هذا الفرض يكون المستند المعتنى به هو كون الرضا المعاملي أو المنشأ متقيدا وواحدا غير قابل للتحليل، وعليه فعند نفي القيد لا يبقى عقد وقرار، فلا تأثير لالقاء الشرط كما اشار إليه الشيخ الاعظم (قده)، كما انه لا فرق بين ذكره في ضمن العقد وبين كون العقد مبنيا عليه، والامر سهل.

[ 254 ]

القول في احكام الخيار مسألة: الخيار موروث بأنواعه، والدليل عليه - بعد تسالم الاصحاب عليه ونقل عدم الخلاف، بل الاجماع كما هو ظاهر التذكرة، وعن الغنية دعوى الاجماع في بعض الخيارات - ظاهر الكتاب، كقوله تعالى (1): " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون " والنبوي المعروف " ما ترك الميت من حق فلوارثه ". وقد يستشكل فيهما بأن الخيار أمر اعتباري متقوم بذي الخيار، ولا يعقل بقاؤه حال موته، بل هذا جار في مطلق الحقوق، لان وزانها وزان الملكية، فكما لا يعقل بقاؤها مع موت المالك كذلك الحقوق،


(1) سورة النساء: 4 - الآية 7.

[ 255 ]

والظاهر من " ما ترك " هو ما بقي بعد موت المورث، فلا يصدق ذلك إلا على ما له بقاء ولو اعتبارا، وذلك مثل الدين على عهدة المدين وكالكلي في الذمة، وهذا بخلاف الحقوق، فانها مع عدم الطرف لا يعقل بقاؤها ولو اعتبارا، فما في بعض الكلمات من الجواب عنه نقضا بالكلي في الذمة وحلا بأن للخيار بقاءا اعتباريا ليس بشئ والجواب عن الاشكال هو ان قوله تعالى: " للرجال نصيب مما ترك " إلى آخره ليس المراد منه ما توهم، بل المراد - ولو بسماعدة فهم العرف في باب التوريث حيث انه امر عرفي ليس من مخترعات الشرع - انه ينتقل إلى الوارث ما يكون الموت موجبا لانقطاعه عنه، اي الموت موجب للنقل، لا ان الارث ملك بحكم الشرع بقي بلا مالك بعدما ترك الشئ بموته حتى يرجع إلى عدم تلقي الورثة من مورثهم مما هو خلاف الضرورة عرفا وشرعا، فالموت سبب للنقل ملكا كان أو حقا كالبيع والصلح، ومعنى " ما تركه الميت فلوارثه " أي ما انقطع اضافته عنه لا يبقى بلا مالك، بل مالكه الوارث. وبعبارة اخرى إن المراد بهذه الآية واشباهها ولو بالقرائن العقلائية وفهم العرف هو ان ما كان للميت حال الحياة يكون لوارثه بعد موته، فالموت ليس سببا لسلب الحق وإعدامه، بل سبب لنقله إلى الورثة، فيصدق ان الميت ترك لوارثه ما كان له، لا انه ترك المال بلا إضافة ثم اضيف إلى الوارث، فانه مخالف للضرورة، فالحقوق كلاعيان المملوكة تنتقل بنفس الموت وتكون من متروكات الميت، بل لها بقاء وان تبادلت الاضافات ولا تصير معدومة في حال. والشاهد على ذلك - بعد عرفية المسألة وعدم اختصاص الارث عند العرف بالاعيان، بل يكون ثابتا في مثل حق التحجير وسائر الحقوق إلا

[ 256 ]

ما دل الدليل على خلافه - النبوي المعروف الذي يقال فيه: انه مجبور بعمل الاصحاب، حيث نص فيه على ان الحق مما ترك، فلابد وان لا يكون المراد مما ترك ما بقي بعد الموت وله وجود بقائي مع عدم الاضافة بل يكون المراد منه ان ما للميت من الحق فهو لوارثه عند انقطاع اضافته عنه، وهو عبارة اخرى عن نقل ما للميت إلى الورثة. وعلى ما ذكرناه فالآية دالة باطلاقها على ان كل ما للميت مورث، فعدم التوريث في بعض الحقوق محتاج إلى الاثبات، لا أن الاستدلال بالآية محتاج إلى إثبات كون الشئ حقا وقابلا للنقل، ففي موارد الشك في كون شئ حقا يستدل بالآية على كونه حقا، لانه مورث، وتوهم عدم اطلاقها من هذه الحيثية - لكونها في مقام بيان كون الرجال والنساء وارثا ولهما نصيب - يرده نفس الآية حيث عقبها بقوله: " مما قل أو كثر " مما يؤكد الاطلاق ويدفع التوهم. ولو قيل: ان الشبهة في الآية والرواية مصداقية لا يصح التمسك باطلاقهما يقال - مضافا إلى ان المقيد عقلي يقتصر فيه على المتيقن فيما لم يخرج بعنوان واحد، بل مطلقا على رأيهم -: إن الآية الكريمة مع ذيلها كأنها نظير قوله: " لعن الله بني امية قاطبة " ويأتي فيها ما يقال فيه من استكشاف حال الفرد عند الشك، فتدبر، وان الرواية تدل باطلاقها على ان كل حق مورث، فيستكشف منها قابلية كل حق للانتقال، فيرفع بها الشك عن كون حق قابلا للنقل، فيحتاج عدم القابلية إلى دليل، وهذا عكس ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) وغيره. ثم إنه مع الغض عما تقدم أو تسليم الاشكال يمكن ان يقال: انه لا شك في ان الخيار المجعول بالشرط من الحقوق عرفا لا من الاحكام،

[ 257 ]

كما ان سائر الخيارات العقلائيه كخيار تخلف الشرط والقيد، وخيار الغبن والعيب لا تكون ماهيات غير الخيار المشروط، فالخيار الثابت بالغبن ونحوه عين الخيار المجعول بحسب الحقيقة والآثار. وإذا كانت الخيارات العقلائية كذلك فالخيارات الشرعية كخيار المجلس والحيوان مما اخذ الخيار بعنوانه في دليلها محمولة عرفا على ما هو المعهود عندهم من الخيار، ولا ينقدح في الاذهان مخالفة هذا الخيار لما عندهم من الخيارات، وكذا الحال في سائر موارد الجواز بعد صدق عنوان الخيار عليها بحسب تسالم الاصحاب كخيار التأخير وما يفسد ليومه، فلا ينبغي الاشكال في كون الخيار بأنواعه من الحقوق، كما لا يبعد قابلية الخيارات العقلائية للنقل عند العقلاء، كما لا إشكال في سقوطها بالاسقاط في سوقهم، فيستكشف منه حال سائر الخيارات بالبيان المتقدم. بقي شئ وهو ان إرث الخيار هل هو تابع لارث المال فعلا، فلا يرثه الورثة فيما لو فرض استغراق الدين للتركة، وكذا لا يرثه من هو محروم بالتعبد الشرعي من بعض التركة، كالزوجه بالنسبة إلى الارض، وغير الاكبر من الاولاد بالنسبة إلى الحبوة؟ ظاهر الشيخ (قده) عدم الاشكال في الفرع الاول في انه يرثه الورثة والاشكال في الثاني، والظاهر انهما مشتركان في الاشكال تقريبا ودفعا وإن اختلفا في بعض الخصوصيات. والتحقيق ثبوت إرث الخيار مطلقا في الفرعين، لاطلاق أدلة الارث وعدم المانع منه، فان ما يعد مانعا مطلقا، أو في بعض الفروض، أو يمكن أن يعد أمور: (منها) ان الخيار سلطنة على استرجاع العوضين، أي سلطنة على ترادهما، أو سلطنة على استرجاع ما انتقل عنه، أو على رد ما انتقل إليه، فعلى الاول لا يرث المحروم مطلقا لفقد السلطنة، وعلى الاخيرين لابد من

[ 258 ]

التفصيل فيما يحرم الوارث عنه بين ما انتقل عنه وإليه تارة بالحرمان في الاول واخرى في الثاني، وهذا هو الوجه الذي أفاده الشيخ الاعظم (قده) وفصل فيه بالعبارات المختلفة. وفيه ان الخيار حق قائم بالعقد ولا مساس له بالعوضين، ومع فسخه وحله يرجع العوضان قهرا بلا تصرف من ذي الخيار فيهما ولا سلطنة له عليهما فالسلطنة قائمة بالعقد لا بالعين. بل التحقيق على ما تقدم منا كرارا أن ماهية الفسخ بالخيار تابعة لماهية العقد، ولا شبهة في ان ماهية العقد وما هو تحت قدرة المتبايعين ومورد جعلهما إنما هو إنشاء التبادل والتبادل الانشائي لا الحقيقي المتقوم باعتبار العقلاء، ضرورة ان اعتبار الشرع أو العقلاء ليس أمرا قابلا للجعل، ولا يتعلق قدرة المتعاملين به، فان له مباد ومقدمات وجودية خاصة به، بل الامر كذلك في جميع العقود والايقاعات، فما هو المجعول موضوع اعتبار الشرع والعقلاء، لا نفس اعتبارهما أو نفس ما يعتبران. وأقوى دليل على ذلك صدق عنوان البيع والاجارة والنكاح وغيرها عرفا وعقلا وشرعا على الفضولي منها، وعلى ما يقع كرها، ومن الضروري عدم اختلاف ماهية الفضولي منها مع غيره، فالفضولي وغيره لا يفترقان في ماهية العقد وعنوانه وان كانا يفترقان في ترتب الآثار وعدمه وكون أحدهما مورد اعتبار العقلاء والشارع فعلا والآخر مشروطا بالاجازة، وليست الاجازة جزء ماهية العقد ومتمم عنوانه، بل شرط لترتب الاثر وصيرورته موضوعا للحكم العقلائي أو الشرعي، فالفضولي بيع حقيقة مع عدم ترتب الاثر عليه وعدم النقل الاعتباري الواقعي، والتبادل فيه إنشائي محض، فيستكشف منه ان ماهية العقد ليست إلا التبادل الانشائي، سواء في ذلك الفضولي وغيره.

[ 259 ]

ولا إشكال في ان الخيار حق فسخ العقد المنشأ بانشاء المتعاقدين، ولا يعقل أن يكون أمرا زائدا على ذلك، فالحل يتعلق بالعقد الانشائي ليس إلا، وعلى ذلك فلا مانع من ارث الخيار بالنسبة إلى ما يحرم عنه الوارث من المال، سواء قلنا بأن الحق متعلق بالعقد كما هو التحقيق، أو متعلق بالعين وان الفسخ عبارة عن الاسترجاع والتراد، فان التراد إنما هو في العقد الانشائي والتبادل الانشائي، والسلطنة عليه هي السلطنة على هذا التراد، ولا يعتبر فيه السلطنة على النقل الحقيقي حتى يقال بعدم سلطنة المحروم من الارث، ثم بعد إعمال السلطنة والخيار يترتب عليه الاثر العقلائي والشرعي. ومن الاشكالات ان الفسخ عبارة عن اخراج العوضين عن ملك المتعاقدين وإدخالهما في ملكهما، كما ان العقد عبارة عن إدخالهما واخراجهما، وهذا المعنى مفقود في المقام، وفي الحقيقة هذا اشكال في اصل إرث الخيار من غير فرق بين المحروم عن المال وغيره. وفيه - مضافا إلى منع دخالة هذا الاخراج والادخال في ماهية العقد وكذا في ماهية الفسخ، بل هو من آثارهما نوعا، ولهذا يصح بيع الوقف عند حصول المسوغات، ومبادلة الفقيهين الاجناس الزكوية عند المصلحة مع فقد الملكية بلا اشكال في الوقف العام بل مطلقا، وعلى التحقيق في الزكاة - ان العوضين إذا صارا ملكا لغير المتعاملين لا بد وأن يؤثر الفسخ في الرجوع إلى المالك الفعلي، فيكون آثار الخيار تبعا للملك عرفا. على انه لا مانع من دخول المعوض في ملك الميت وتلقي الاحياء منه واعتبار ملكية الميت عقلائي إذا ترتب عليه أثر، وليس الميت عند المليين معدوما أو كالمعدوم، مع ما عرفت من ان العقد والحل إنشائي، وترتب الآثار عليهما عقلائي، ولا اشكال في ان العقلاء يحكمون بملكية الورثة بعد

[ 260 ]

الفسخ والحل الاشنائي، والرد إنشاء إلى ملك الميت مما لا إشكال فيه، وليست الملكية حقيقية حتى يتوهم عدم اعتبارها للميت مع منع ذلك ايضا. (ومنها) ان الخيار شرع لجلب المال إلى ذي الخيار، وفيما إذا انتقلت الارض عن الميت لا يكون الخيار للزوجة، بخلاف ما إذا انتقلت إليه فانها بالخيار تستجلب الثمن، فيصح التفصيل الذي اختاره الفخر (ره). وفيه ان اعتبار الاستجلاب إلى ذي الخيار ممنوع، وأصله حاصل كما في موارد ثبوت الخيار للاجنبي وكخيار المجلس للوكيل على ما تقدم وجهه وأما توهم كون استجلاب المال بالخيار الموروث للوارث قيدا في أدلة الارث فواضح النظر، لفقد ما يشعر بذلك في أدلته فضلا عن الدلالة. ثم إن الاشكال في مثل الارض المنتقلة عن الميت مبني على ان الفسخ موجب لصيرورتها ملكا لغير الزوجة إما لرجوعها بالفسخ إلى الميت وتلقي الورثة لها منه أو لكونها بحكم المال الموروث، وإلا فلو قلنا بأن التملك بالفسخ ليس إرثا ولا بحكمه والزوجة إنما تتلقاها به وتصير مالكة لها لاندفع الاشكال. بل يمكن على هذا المبنى التفصيل بين ما انتقل إليه وعنه، عكس ما ذهب إليه الفخر (ره) وقواه الشيخ (قده) بأن يقال: فيما إذا انتقلت عن الميت لا مانع من ارثها، لا من قبل الثمن، لانها مالكة لحصتها فعلا، ولا من قبل الارض، لانها بالفسخ ترجع إلى ملكها على حساب الحصص بخلاف العكس، لعدم سلطنتها على الارض حتى يردها، ولكن قد عرفت التحقيق في المسألة. ثم إن الاشكالات المتقدمة تأتي كلا أو بعضا في الدين المستغرق، والجواب هو الجواب، ويختص باشكال آخر، وهو ان الارث كتابا (1)


(1) سورة النساء: 4 - الآية 12.

[ 261 ]

وسنة (1) بعد أداء الدين، فالخيار لا يورث كسائر ما للميت إلا بعد أداء الدين، والفسخ إن أوجب رد العوضين، فالسلطنة عليه مفقودة، وإن أوجب حل العقد الانشائي من غير تأثير وترتب حكم شرعي أو عقلائي عليه فهو لغو، ولا يدفع هذا الاشكال بأن الخيار لا يزاحم حق الديان، لانه ليس بمال، نعم يمكن دفع اللغوية بأن له أثر في بعض الاحيان، وهو كاف، مع ان في الجعل القانوني لا يلاحظ الخصوصيات كما قرر في محله وللمسألة محل آخر. مسألة: في كيفية استحقاق الورثة للخيار بعد كونه واحدا غير قابل للتجزئة والتقسيم احتمالات بل أقوال: (منها) ثبوت الخيار مستقلا لكل من الورثة بنحو العام الاستغراقي كثبوته للمورث، فيكون لكل منهم فسخ العقد واسترجاع العوضين كلا وان امضاه غيره. (ومنها) ثبوته لكل على النحو المذكور، لكن بالنسبة إلى حصته، واختاره بعض الاعيان. (ومنها) ثبوت خيار واحد للمجموع، كالحكم في العام المجموعي، فيعتبر المجموع واحدا له حق واحد. (ومنها) ثبوته لصرف وجود الوارث أو لطبيعي الوارث، وهذا الوجه وإن اختلف مع ما سبق في الاعتبار لكنه يرجع إليها بحسب الحكم، فانه إن اريد من ثبوته له ثبوته للطبيعة المتكثرة بحيث يتكثر الخيار بتكثرها فيرجع إلى الاحتمال الاول أو الثاني، وان اريد منه ثبوته للمجموع المحقق للصرف فيكون خيار واحد للواحد، فيرجع إلى الثالث، فان صرف الوجود


(1) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب كتاب الوصايا.

[ 262 ]

بحسب الاعتبار أمر موجود بوجود الموجود الخارجي المحقق له كالطبيعة الموجودة بعين وجود الافراد، والفرق بينهما ليس من هذه الجهة، بل من جهة أن الطبيعة متكثرة بتكثر أفرادها، سواء في ذلك الطبائع الاصلية الحقيقيه والاعتبارية على نحو ما في التكوين، وأما الصرف فيوجد بوجود الكثير على نحو الوحدة، نظير ما قاله الرجل الهمداني في الكلي الطبيعي، فصرف وجود الانسان واحد في الواحد بعينه وفى الكثير بعين الكثير، والا فلو وجد مع كل واحد خرج عن الصرف، لان الصرف لا كثرة فيه ولا تكرار. فما افاده الشيخ الاعظم (قده) في قوله: هنا معنى آخر لقيام الخيار بالمجموع إلى آخره فيه مسامحة، فانه ان اردا بالطبيعة طبيعي الوارث فلا يكون في الخارج واحدا، ولا معنى للقيام بالمجموع، فان الطبيعي متكثر بتكثر الافراد، وإن كان المراد صرف الوجود ففي صورة التعدد لا يكون الصرف إلا واحدا موجودا بوجود الكثير وللواحد الكذائي خيار فلا معنى لنفوذ فسخ كل منهم للزوم كون كل منهم صرفا، ولزم منه تكرار الصرف بتكرر العدد، فذو الخيار عنوان واحد موجود بوجود المجموع بنحو الواحدة، لا الكثرة حتى يلزم ثبوته لكل منهم، فتدبر جيدا. ثم إن الممكن من هذه الاحتمالات هو الوجه الثالث والرابع، أي الثبوت للمجموع أو لصرف الوجود، وأما الصور الاخر فممتنعة، توضيحه ان الامور الاعتبارية العقلائية على وزان الماهيات الاصلية كالجواهر والاعراض، فانه كما ان للطبائع الحقيقة مصاديق موجودة في الخارج جزئية غير قابله للتكثر والصدق على الكثيرين ولها جامع ذاتي هو طبيعي العنوان كلي قابل للصدق على الكثيرين كذلك الامور الاعتبارية كالملك والحق والبيع، فان لها عنوانا طبيعيا اعتباريا قابلا للكثرة في الخارج ومصاديقا للطبيعي منها في الخارج

[ 263 ]

بمعنى اعتبار وجود خارجي غير قابل للصدق، فعنوان البيع والحق والملك بنفسه كلي صادق على المصاديق الخارجية، والحق الشخصي الموجود بالوجود الخارجي أمر جزئي شخصي غير قابل للتكثر. وربما يتوهم أن انحلال بعض العقود - كعقد البيع الواقع على ما يملك وما لا يملك، وبعض الحقوق كحق التحجير الثابت في الارض المحجرة التي كل قطعة منها مورد للحق والحق القائم بالارض منحل إلى الحقوق - هو النقض على ما ذكرناه. وهو غفلة عن الواقعة، أما في مثل البيع فلما مر منا من ان البيع هو العقد الانشائي، وبه ينتقل إنشاء كل المبيع من غير فرق بين ما يملك وما لا يملك، وإنما يفرق بينهما في مقام التأثير العقلائي أو الشرعي الخارج عن حقيقة البيع، فيؤثر في جزء من المبيع دون جزء، وهذا ليس انحلال البيع الشخصي، وأما الانحلال في بيع أمور متكثرة تجمع بلفظ واحد في الانشاء فهو من أجل انه انشاء بيوع متكثرة، وقد مر دفع توهم ان بيع مثل الدار ينحل إلى بيع أجزائها فينحل إلى البيوع. وأما حق التحجير فهو ثابت لعنوان صادق على الكل وأجزائه، فكما ان الارض محجرة بأسباب التحجير كذلك قطعاتها محجرة بتلك الاسباب، فكل قطعة تلاحظ تكون محجرة بالتحجير الواقع على الارض ولصحاحبه حق إحيائها كما له حق إحياء الجميع، وإن شئت قلت: إنه إذا لوحظت الارض جميعها بنحو الوحدة تكون شيئا واحدا وتعلق بها حق واحد، وإذا لو حظت قطعات وانفصل بعضها عن بعض تعلق بكل حق مستقل، لانه قطعة محجرة، كما ان الدار الواحدة ملك واحد، وإذا افرزت إلى قطعات صار كل قطعه ملكا مستقلا، ولتفصيل الواقعة محل آخر. ثم لو قلنا بالانحلال في مثل تلك الموارد فلا مجال له في المقام،

[ 264 ]

لان حق الخيار لا ينحل إلى حقوق، ضرورة أن للمورث لم يكن إلا حق واحد متعلق بالبيع، ولم يكن له إلا فسخه في جميع محتواه أو امضائه كذلك، فلو فرض صحة الانحلال في بعض الحقوق لا إشكال في أن حق الخيار ليس منها. فتحصل مما ذكر ان حق الخيار حق شخصي وموجود جزئي غير قابل للكثرة، فلا يعقل أن يصير بالنقل كثيرا، كما لا يعقل انتقاله بوجوده الخارجي إلى طبيعي الوارث القابل للصدق على الكثيرين بمعنى تكثره بتكثر الافراد، وأما انتقاله إلى المجموع المعتبر شيئا واحدا أو إلى صرف الوجود فلا مانع منه. ثم إن الظاهر من النبوي لولا القرنية العقلية هو طبيعي الوارث، وبمقتضى القرينة - وهي وحدة الحق وجزئيته الحقيقية - هو صرف وجوده الموجود بوجود الكثير بنحو الوحدة، وأما الحمل على المجموع فخلاف الظاهر جدا بل ترك للعمل به، فان المجموع هو الافراد المعتبرة واحدا لا طبيعي الوارث ولا جنسه، والظاهر منه هو الجنس لا الافراد، والحمل على الصرف مع القرينة أخذ بظاهره من جهة، وهي كون الموضوع هو الطبيعة والجنس، والقرينة دالة على اعتبار الوحدة فيها، فالطبيعة محفوظة وزيد عليها اعتبار. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) لبيان الحمل على المجموع من ان " مقتضى أدلة الارث في الحقوق غير القابلة للتجزئة والاموال القابلة لها أمر واحد، وهو ثبوت مجموع ما ترك لمجموع الورثة، إلا ان التقسيم في الاموال لما كان ممكنا كان مرجع اشتراك المجموع في المجموع إلى اختصاص كل منهم بحصة مشاعة، بخلاف الحقوق، فانها تبقى على حالها من اشتراك مجموع الورثة فيها، فلا يجوز لاحدهم الاستقلال بالفسخ لا في الكل ولا في حصته، فافهم " انتهى.

[ 265 ]

ففيه انه لا دليل عى ان مقتضى أدلة الارث ما ذكره، بل الدليل على خلافه، فان ادلة الارث في الكتاب والسنة لا تدل على ان الارث ينتقل إلى مجموع الورثة بحيث يكون المجموع موضوعا واحدا لنقل واحد كما هو مقتضى نقل المجموع إلى المجموع. (اما) الآية الكريمة (1) " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون " إلى آخرها، فان الظاهر منها ان لكل رجل نصيب وان لكل امرأة كذلك لظهور الجمع المحلى في الكثرة الافرادية في قبال العام المجموعي ولا تعرض فيها لمقدار النصيب، بل هي في مقام بيان عدم حرمان الرجال ولا النساء ولعله للرد على الجهال الذين يقولون بحرمان النساء أو يحرمونهن عملا. (وأما) سائر الآيات المتعرضة للارث فهي متعرضة للسهام من النصف والثلث وغيرهما، فتختص بالاموال التي يمكن فيها فرض الكسر المشاع من النصف والثلث وغير ذلك، فلو شملت لبعض الحقوق التي متعلقها قابلة للكسر المشاع كحق التحجير فلا اشكال في عدم الشمول لحق الخيار الذي ليس كذلك لا بنفسه ولا بمتعلقه الذي هو العقد الانشائي على ما مر الكلام فيه، وآية أولى الارحام (2) لا تتعرض إلا لتقدم بعض على بعض. ولا دليل في السنة ايضا على ما ذكره، بل لا معنى لما أفاده بوجه فان نقل المجموع إلى المجموع المقتضي للتساوي أولا ثم الحكم بالاختلاف من حيث الحصص لغو ينزه الكتاب والسنة منه، وانتزاع عنوانهما من أدلة الارث المتعرضة للحصص ليس حكما شرعيا كما لا يخفى، فما بقي في المقام إلا النبوي الذي يقال انه مجبور بعمل الاصحاب، وهو مختص بالحقوق


(1) سورة النساء: 4 - الآية 7. (2) سورة الاحزاب: 33 - الآية 6.

[ 266 ]

وقد عرفت الكلام فيه وان الانتقال إلى المجموع خلاف ظاهره جزما. ومما ذكرناه يظهر النظر في كلام الاعلام سيما السيد الطباطبائي (قده) الذي اختار الخيار لكل مستقلا بحسب حصته، ضرورة ان هذا الحق إرث تلقاه الوارث من مورثه، ولا يعقل ان يكون الانتقال على هذا النحو مع عدم كون المورث واجدا إلا لخيار واحد، كما لا اشكال في ان المورث لم يكن له خيار بالنسبة إلى الحصص، فلا معنى لارث ما لم يتركه المورث فما افاده مع كونه مخالفا لادلة الارث مطلقا مخالف للنبوي فان مقتضاه ان ما تركه الميت موروث، ومن المعلوم ان الميت ما ترك الخيار في الحصص. ثم إنه قد يتوهم ورود النقض على ما تقدم في موارد: (منها) حق الشفعة، فانه حق شخصي وجزئي حقيقي مع انه يورث بحسب السهام على ما نسب إلى اكثر الفقهاء، وقالوا: على ما حكي انه لو عفى احد الورثة عن نصبيه من الشفعة لم يسقط الشفعة، لان الحق للجميع، فلا يسقط حق غيره، فيرد عليه عين مارود على ارث الخيار من الاشكال العقلي من جهتين، إحداهما وقوع التعدد والتكثر في الواحد الحقيقي اللازم من بقاء الحق مع إسقاط بعض، ثانيتهما ثبوت الحق على نسبة السهام مع عدم ثبوته للمورث مع ان ثبوته للورثة ليس إلا بالارث، ولا يعقل ذلك كما تقدم. وفيه ان النقض إنما يرد لو كان الحكم ثابتا، وثبوت الارث في حق الشفعة محل اشكال وخلاف، وقد نفاه عدة من الفقهاء كالشيخ وابن البراج وابن حمزة والطبرسي (رحمهم الله) على ما حكى، واستدل عليه برواية طلحة بن زيد (1) عن جعفر عن ابيه عن علي عليهم السلام قال: " إن


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب الشفعة - الحديث 1.

[ 267 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تورث الشفعة " وطلحة وان كان بتريا لكن عن الشيخ في الفهرست أن كتابه معتمد، ولو سلمنا ثبوت الارث فيها باطلاق الآية المتقدمة (1) والنبوي وتركنا رواية طلحة لكن لا دليل على كيفية ثبوته، وهي ايضا محل خلاف، والقرينة العقلية المتقدمة الحاكمة بثبوته لصرف الوجود أو للمجموع قائمة في المقام، ولازمه عدم السقوط إلا باسقاط الجميع، وعدم حصول التملك إلا بتملك الجميع، وعدم كونه على نسبة السهام، ولو فرض ثبوت الشهرة على خلاف ما ذكر فهي مبنية على اجتهادهم من ادلة الارث، ومثل هذه الشهرة ليست بحجة. وأما ما قيل في مقام الدفع عن استقلال كل بالعفو من أن ذلك ليس بالاسقاط حتى يقال لا حق إلا للمجموع، بل من باب إخراج نفسه عن المجموع وعن الطرفية لاضافة الحق وعدم المعية في الاخذ به، وهذا لا مانع له، لان هذه المعية له لا عليه، فله الخروج عنها. ففي غاية الاشكال، ضرورة أن الاخراج عن موضوع ما تعلق به الحكم أو الحق ليس اختياريا، ومجرد البناء على عدم المعية لا يوجب ثبوت الحكم أو الحق لما عداه، وكون المعية له لا يوجب إمكانه، فهل يمكن لصاحب الحيوان الذي هو موضوع حق الخيار البناء على أن لا يكون كذلك من دون إسقاط الحق، وهو أوضح من أن يحتاج إلى النقد، والجواب ما تقدم. (ومنها) حق القذف، فانه حق واحد للمقذوف، مع ان بقاء الحق لبعض الورثة عند عفو بعضهم منصوص (2) فيرد عليه ما ورد في إرث الخيار، لان ثبوت الحق لكل مستقلا محال، لان الواحد الشخصي


(1) سورة النساء: 4 - الآية 7. (2) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب حد القذف من كتاب الحدود.

[ 268 ]

لا يعقل فيه التعدد والتكثر، وإن كان الحق ثابتا للمجموع فلازمه الاجتماع في العفو والاجراء. وفيه انه لا دليل على ان ثبوت الحق لكل من الورثة من قبل التوريث بل الدليل على خلافه، ففي موثقة عمار الساباطي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: إن الحد لا يورث كما تورث الدية والمال، ولكن من قام به من الورثة فهو وليه، ومن تركه فلم يطلبه فلا حق له، وذلك مثل رجل قذف وللمقذوف أخوان، فان عفا عنه أحدهما كان للآخر أن يطلبه بحقه، لانها أمهما جميعا والعفو اليهما جميعا " وفي موثقة السكوني (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: الحد لا يورث ". والظاهر من نفي ارث الحد هو نفي ارث حق لحد، ضرورة انه لا معنى لارث نفس الحد، فثبوت حق الحد لكل ليس بالارث، بل حكم ابتدائي لاولياء الميت لكل مستقلا، نعم لو اجتمعوا على مطالبة الحد لا يجري إلا حد واحد، ولكل مستقلا، ولكل مستقلا مطالبة الحد، بل لا يبعد ان يقال: إن قذف الام أو الاخت مثلا موجب لثبوت حق للقريب منها، وإن كان الام مقدمة عليهم في ذلك مع حياتها، وبالجملة لم يثبت صحة النقض في المورد. (ومنها) حق القصاص الذي ورد فيه أن لكل من الاولياء مطالبته ولو عفا بعض ثبت للآخرين مع اداء سهم الدية إلى ورثة المقتول في بعض الصور، وإلى بعض الورثة في آخر. وفيه ان ثبوت حق القصاص لاولياء الميت ليس بالارث وهو واضح والظاهر ثبوته لكل منهم مستقلا، وظاهر الآية الكريمة (3) " ومن قتل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب حد القذف - الحديث 2 - 3. (3) سورة الاسراء: 17 - الآية 33.

[ 269 ]

مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " جعل السلطنة للولي، ولازمه تكثرها بتكثره فلكل سلطنة مستقلة، ولكل مطالبة الدية فيما جاز فيه مطالبة الدية، ولكل مطالبة القصاص، ومع اختلافهم يقتص من طالب القصاص مع أداء سهم غيره من الدية، نعم لو مات أحد الورثة يورث حقه، ولا دليل على كيفية إرثه، بل لابد من العمل فيها على القواعد، بل لا يبعد القول بثبوته لكل من الورثة مستقلا باعتبار انه ايضا من الاولياء وان تقدم بعض على بعض. فتحصل مما مر عدم ثبوت نقض على ما ذكر، مع انه لو ثبت في مورد خلاف ما حكم به العقل فلا بد من توجيهه، ولو بأن يقال: إنه حكم تعبدي، والتكثر والتجزي حكمي لا واقعي، فيعمل في مورد إرث الخيار على القواعد. ثم إن لازم كون الخيار للمجموع أو لصرف الوجود عدم تأثير الفسخ إلا مع اجتماعهم، وعدم تأثير التنفيذ ايضا إلا معه، وليس للوارث المريد للفسخ إلزام غيره عليه، كما ليس له إلزامه على الاسقاط، وهو واضح. فرع: إذا اجتمع الورثة على الفسخ أو فسخ الوارث المنفرد، فاما ان تكون العين باقية في التركة أو تكون تالفة، إما في زمان حياة المورث أو بعد موته قبل فسخ الورثة، سواء كان التلف حقيقيا أو بحكمه كالبيع اللازم، ومع التلف قد يكون للميت تركة وقد لا تكون. وعلى جميع الصور يقع اشكال في تحقق ماهية الفسخ، توضيحه: هو ان الارث بحسب العرف واللغة وظواهر الادلة ما انتقل إلى الورثة، فالموت

[ 270 ]

سبب عند العرف لانتقال مال الميت إلى ورثته، ولا دليل من الشارع الاعظم على خلافه، بل الظاهر منه ذلك، كما يظهر بالرجوع إلى أدلته كتابا وسنة. وهنا احتمالات أخر (منها) انه ليس من قبيل انتقال المال إلى الوارث، بل من قبيل تبدل المالك، والمستحق بقيام الوارث مقام المورث، وهذا لو رجع إلى محصل لم يفترق عن الاول في حصول الملك للورثة وعدم بقائه على ملك الميت، لكنه لا دليل عليه، بل هو أمر بعيد عن الاذهان، ومخالف للتوريث الثابت عند العقلاء، ولظاهر أدلة الارث. (ومنها) ان الورثة منزلة منزلة مورثهم، فلا نقل ولا قيام مقامه بل الملك والحق باقيان للميت بوجوده التنزيلي. (ومنها) ان الوراث نائب عن الورث في التصرفات. ولا اشكال في فساد الوجهين فالوجه المتعين هو انتقال المال والحق إلى الوارث، وعليه فلا يعقل تحقق ماهية الفسخ في إرث الخيار، لانها عبارة عن انحلال العقد الخاص الجزئي اللازم منه رجوع كل عوض إلى محله الاول، فلو خرج العوضان عن ملك البائع والمشتري بالبيع ورجعا بالفسخ إلى غيرهما كان ذلك خلفا، لفرض ان الفسخ حل البيع الشخصي الواقع على العوضين الخارجين عن ملك حصاحبهما، وارجاعهما إلى محلهما. فحينئذ يرد الاشكال بأن ما خرج بالموت عن ملك الميت وصار ملك الورثة بناء على الوجهين الاولين لا يمكن ان يتحقق بالنسبة إليه الفسخ بالمعنى المذكور، ولا يعقل ان يؤثر الفسخ في عود المال الموروث إلى الميت ثم اخراجه عن ملكه إلى المشتري، ضرورة عدم معقولية إيقاع امرين مترتبين بانشاء واحد، مضافا إلى ان شأن الفسخ هو حل العقد لا نقل العين إلى ذي الخيار لتحقق معنى الحل. فلا بد إما من الالتزام بأن الارث لا يوجب ملكية الورثة إما حقيقة

[ 271 ]

أو تنزيلا وهو فاسد، أو الالتزام بأن الفسخ لا يقتضي إلا حل العقد من غير دخالة للاضافة إلى المتعاملين، وهو ايضا عل خلاف الواقع من انحلال العقد. ونحن وان قلنا بأن البيع لا يلزم ان يكون مبادلة العوضين في الملكية كبيع الوقف والزكاة، لكن لو باع المالك لا محلة يقع التبادل بين المالين في الملكية، وحيث إن الحل ارجاع ملكيتهما إلى حال ما قبل البيع فلا يعقل أن يحصل به خلاف ما أوجب البيع بأن يرجع ملكية غير الملكية المنتقلة بالبيع، وإلا رجع إلى تملك جديد وهو ليس مقتضى الفسخ والحل، فما في كلمات بعض الاعيان ليس على ما ينبغي، فبقي الاشكال على قالبه على ما سلكوا في باب البيع والفسخ. والتحقيق في الجواب ان يقال: إن البيع وكذا سائر المعاملات إيقاعا وعقدا عبارة عن المبادلات أو الايجادات الانشائية من غير دخالة ترتب الآثار المطلوبة عليها، وإنما المتعاملان يوجدان موضوع حكم العقلاء أو الشارع لا نفس الآثار الواقعية المتوقف تحققها على اعتبارهما والحل مقابله وإنما ينفسخ به المعنى الانشائي لا ما يترتب عليه من الآثار مما خرج عن قدرة المتعاملين. فإذا انفسخ العقد يرجع كل من العوضين إلى محله إنشاء، ومع وجودهما يحكم العقلاء بعود المبيع إلى البائع والثمن إلى المشتري، ومع عدمهما أو عدم أحدهما يحكمون بالمثل أو القيمة من باب الغرامة لا من باب رجوع المثلية أو المالية، ثم لو فرض ان العين المشتراة بالبيع الخياري خرجت عن ملك المشتري مثلا بنقل لازم أو جائز ثم رجعت إليه ببيع أو نحوه ثم انفسخ العقد الاول الواقع عليها بسبب الخيار، فلا اشكال في ان الحكم العقلائي هو دفعها إلى صاحبها الاول لا تأدية المثل أو القيمة، وهذا من لوازم

[ 272 ]

ما قلنا في ماهية البيع والفسخ، ولولاه كان اللازم عدم رجوعها بالفسخ، لانها صارت مملوكة بملكية جديدة غير مربوطة بالعقد. وعلى هذا المسلك الحق يمكن ان يقال: ان الفسخ من الوارث يوجب حل العقد الانشائي ورجوع ما خرج بالعقد من ملك المورث إليه، وخروج ما دخل به في ملكه عنه إنشاء، قضاء لحق الخيار وحقيقة الفسخ والحل، ثم بعد الفسخ يحكم العقلاء والشرع برجوع ما خرج عن ملك الميت بالعقد إلى ملكه، لان للورثة حق فسخ عقد الميت، ولازمه ما ذكرناه، فيصير ما رجع إليه ارثا للورثة، وعليهم ارجاع نفس العين إلى الطرف غرامة عما خرج بالنقل اللازم عن ملكه أي نفس العين. وتعين العين للغرامة لاولويتها من المثل والقيمة أو لكونها عوضا عما استرجع إلى الميت بحسب الحكم العقلائي لا بحسب البيع والانشاء، أو لان العوض لما صار ملكا لهم إرثا لابد من ارجاع عوضه، لعدم صحة الجمع بينهما، وكيف كان لا شبهة في عدم حق للورثة لتملكها بمالهم، مثل ما في حق الشفعة، والفرق بينهما ظاهر، كما لا شبهة في الوراثة على الحصص والتلقي من الميت، كما انه لا شبهة في عدم ارث الزوجة من الارض إذا رجعت إلى الميت وصارت ارثا، ولا فرق بين الصور المتقدمة في ذلك وإن افترقت في بعض الخصوصيات الاخر، فلو لم يكن للميت تركة لابد بعد الفسخ من أداء ما على ذمة الميت بسببه من المال الذي رجع إليه، ولو زاد صارت الزيادة ارثا، ولو نقص بقي على ذمته، وليس على الورثة اداؤه. ثم إن ما افاده الشيخ الاعظم (قده) في مقام بيان " ان للورثة استيفاء الحق لنفسهم وانهم ليسوا كالولي والوكيل في استيفاء حق الغير، بل بمنزلة نفس الميت، ولهذا جرت السيرة بأن ورثة البائع ببيع خيار رد الثمن يردون مثله من اموالهم ويستردون المبيع لانفسهم من دون ان يلتزموا

[ 273 ]

بأداء الديون منه بعد الاخراج " انتهى. فيه - مضافا إلى غرابة دعوى السيرة المتصلة إلى زمان المعصوم عليه السلام المفيدة لاثبات الحكم في مثل تلك المسألة نادرة الاتفاق - انه على فرض كون الورثة بمنزلة الميت فلابد ان يكون اخذهم بالخيار اخذ الميت بوجوده التنزيلي، فينتقل العوض من الميت وإليه لا إلى الورثة، فدليله مخالف لمدعاه فلابد له من اثبات كون الخيار كحق الشفعة، وان للورثة تملك العوض بحسب حصصهم، وهو ايضا غير وجيه، لان لهم خيار حل عقد الميت ولازمه الرجوع إليه لا إليهم. ثم إنه لو كان للميت دين مستغرق للتركة فعلى القول بأن الخيار حق رد العوضين واقعا مقابل البيع الذي قالوا فيه بأنه نقل العوضين واقعا لزم عدم نفوذ فسخ الورثة، لانه تصرف في حق الغير، وهم الديان المتعلق حقهم بالمال، وليس لدليل إرث الحق إطلاق يثبت به النفوذ مع مزاحمة حق الغير أو مع التصرف في حقه. وعلى القول بأن الفسخ حل العقد الانشائي يمكن أن يقال أيضا: إن حله وإن لم يكن تصرفا في حق الغير إلا أن نفوذه محل إشكال، لانه تنفيذ نقل متعلق حق الغير، إلا أن يقال: إن حل العقد إذا كان بحق فلازمه القهري تبديل موضوع الحق بغيره، وإن شئت قلت: إن الحق متعلق بمال الميت، والفسخ يرفع موضوعه ويقيم آخر محله، تأمل. وعلى فرض ثبوت حق السفخ فلا وجه لاشتراط المصلحة للديان وضعا أو تكليفا، كما لا يجوز لهم المنع عن إعماله أو الالزام به، وهو واضح.

[ 274 ]

مسألة: لو كان الخيار لاجنبي ومات، فهل ينتقل إلى وارثه استنادا إلى إطلاق دليل الارث، أو لا؟ نظرا إلى عدم انطباق أدلة الارث عليه، فان قوله: " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون " إلى آخره (1) لا ينطبق عليه لوجهين: من جهة عدم صدق النصيب عل إنشاء لا يؤثر للورثة شيئا، وليس حق الخيار الثابت للاجنبي كحقه الثابت لغير الاجنبي ولا كحق الشفعة والتحجير ونحوهما، بل إنه مجرد حق الحل لعقد غيره وفي مثله لا يصدق عليه عرفا ان له نصيب، ومن جهة عدم صدق ما ترك لما لا أثر له بالنسبة إليهم، أو انصراف الدليل عنهما ولا أقل من الشك في صدقه والاصل عدمه. (وتوهم) انه قد يكون للخيار أثر للورثة وهو إعطاء شئ لهم لاعماله أو تركه أحيانا (مدفوع) بأن هذا الامر النادر الوجود لا ينظر إليه، بل لا يوجب مثله للصدق أو للعلم به، كما أن (توهم) لزوم ان لا يصدق النصيب وما ترك على حق الخيار بناء على ما ذكر فيما لو استغرق الدين، لحرمان الورثة عن الاعيان (فاسد) فان الاعيان هناك لا تخرج عن إمكان الدخول في ملكهم إرثا ولو باعطاء الدين من مالهم أو بعفو الدائن، ومثله كاف في صدق ما ترك والنصيب وصحة الارث. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) وتبعه بعضهم من ان ظاهر الجعل أو محتمله مدخلية نفس الاصيل، وزاد بعضهم بأن الخيار مجعول له بما هو ذو بصيرة ونظر بأمر العقد، وان هذه الحيثية بحسب الغالب الشائع


(1) سورة النساء: 4 - الآية 7.

[ 275 ]

تقييدية لا تعليلية، وهذا في الحقيقة تصديق منهما لكونه مورثا إلا إذا جعل بنحو لا يتعداه، فالكبرى مسلمة عندهما والاشكال في الصغرى، ففيه مع الغض عما تقدم ان الجهة في مثله تعليلية بلا إشكال، لان الجاعل لما رأى شخصا ذا بصيرة بأمر العقد يجعل الخيار له، لا انه جعل له بقيد انه بصير هو واضح، ثم على فرض قبوله ذاتا للارث فمع الشك في كيفية الجعل لا يحكم بالارث. مسألة: ومن أحكام الخيار سقوطه فلا كسقوطه قولا، وقد مر تفصيله في مسقطات خيار الحيوان وغيره، كما أن من احكامه حصول الفسخ بالتصرف والفعل (وتفصيله) أنه لا إشكال في أن تلك الامور الاعتبارية التسبيبية قد يتسبب إليها بالقول وقد يتسبب إليها بالفعل. وكما لابد في القول من ان يكون للكلام ظهور لغوي أو عرفي في ذلك ولو لقيام القرينة على التجوز أو الكناية المعتبرين عند أهل اللسان، فلا يعتنى بالقول الذي لا دلالة له عرفا على ذلك وان قصد به حصوله كقصد حصول البيع بلفظ النكاح أو العكس، بل لابد وأن يكون القول آلة عرفية لايقاع الامر التسبيبي، مضافا إلى كون المتكلم قاصدا به التسبيب إليه، فمع عدمه ولو ارتكازا لا يعتنى به. كذلك الحال في الفعل، فانه إنما يقع به الفسخ فيما إذا كان آلة عقلائية للتسبيب به إليه وقصد به الفاعل ذلك لا مطلقا، فما في بعض التعليقات من حصوله به ولو لم يقصده إذا لم يقصد الخلاف لا وجه له، وأما حصول الرجعة بالجماع مطلقا فأمر تعبدي لا يقاس به غيره.

[ 276 ]

ثم إنه مع الظهور العقلائي للقول أو الفعل لو أحرز عدم قصده أو قصد خلافه يلغى، وأما مع الشك فيه فيحمل على ما هو الظاهر منهما لحجية الظاهر قولا وفعلا، فيرفع به الشك، ولو ادعى القائل أو الفاعل خلاف ذلك لابد عليه من اثباته، لانه مدع، مثلا لو اشترى حيوانا وقبضه وقبل مضي زمان خياره جاء به إلى بيت البائع ورده إليه كان ذلك ظاهرا في الفسخ بالرد، فلو ادعى خلاف ذلك كان مدعيا. وأما إذا لم يكن للفعل في نفسه هذا الظهور إلا إذا علم وجهه، كما لو تصرف في المتاع الذي انتقل عنه، فان مطلق التصرف لا يكون دالا على رده في ملكه اعتبارا إلا مع إرادته ذلك، فلو تصرف فيه بغير قصده لم يكن فسخا، كما لو تصرف عدوانا أو بتخيل رضا صاحبه أو بتخيل كونه ملكا له، وكذا الحال في التصرفات الاعتبارية كبيعه، فانه لا يدل على الرد الا إذا قصد به ذلك وجعله آلة للفسخ، وإلا فلو باعه فضولا أو بتوهم كونه وكيلا أو كونه له فلا يعد ردا، وهو واضح، هذا بسحب مقام الثبوت. وقد يقال في التصرف الخارجي: إنه يحمل على الفسخ صونا لفعله عن القبيح والمحرم وحملا لفعله على الصحة، بدعوى ان أصالة الصحة في فعله من الظواهر المعتبرة شرعا، والامارات العقلائيه تثبت بها اللوازم. وفيه أن أصالة الصحة التي ثبتت ببناء العقلاء ودلت عليه طوائف من الروايات، على ما اشرنا إليه في رسالة الاستصحاب لا تجري إلا في الافعال التي تتصف بالصحة والفساد والبطلان، كأنواع العقود والايقاعات وكالصلاة والصوم ونحوهما من أفعال المكلفين، دون غيرها مما يدور أمره بين القبيح والحسن والمحرم والمباح، فلو دار الامر بين كون ما شربه خمرا أو ماء لا دليل شرعا ولا عند العقلاء على الحمل على الصحة، نعم لا

[ 277 ]

يحمل فعله على الفساد، لعدم احرازه، فعدم الحمل عليه شئ والحمل على الصحيح شئ آخر. ولو سلمنا جريانها، لكن لا شبهة في عدم كونها من الامارات المثبتة للوازمها، ففي المثال المتقدم لا تثبت بها مائية المائع حتى يقال بصحة الوضوء منه عند الشك في كونه ماء، كما أنها في مورد جريانها اي في مثل الصلاة والمعاملات ليست من الامارات، فلو توضأ بمائع يشك في مائيته يحمل فعله على الصحيح وتيرتب عليه آثار الصحة، لكن لا يثبت بها كون ما توضأ به ماءا وهو واضح، ولعله إلى هذا أشار الشيخ الاعظم (قده) بقوله: " ها هنا كلام مذكور في الاصول ". ثم إن ذلك على فرضه إنما هو فيما إذا دار الامر بين الفعل المحرم والفسخ، وأما لو دار بين امور كاحتمال كون التصرف برضا المالك أو بتخيل كونه مالكا أو نحو ذلك فلا وجه للجريان، لان فعله غير قبيح ولا محرم ظاهرا على بعض تلك الوجوه والحمل في تلك الافعال التكوينية على الصحة الواقعية لا عند الفاعل أول الكلام، وفي إثبات ذلك بانضمام أصالة عدم الخطأ والجهل إليها إشكال في إشكال، ثم إن كل ذلك مبني على أن يكون فعله بارادة الفسخ مصونا من الحرام وسيأتي الكلام فيه. وأما التصرفات الاعتبارية كالبيع ونحوه مما لا تقع محرمة وإن لم تكن نافذة بلا إذن المالك فقد يقال: انها تدل على ارادة الانفساخ بها بضميمة أصالة عدم الفضولية، وإن المراد بالاصل الظاهر، فلا يعارض بأصالة عدم الفسخ، ومحصل ذلك ان الفضولية تحتاج إلى قيد زائد، والظهور الاطلاقي يدفعه، فينكشف به الفسخ لكونه من الظواهر المعتبرة التي تثبت بها اللوازم، ولا يعارضها الاصول الشرعية. وفيه - مضافا إلى منع كون عدم الفضولية أو كونه لنفسه من الظواهر

[ 278 ]

المعتبرة المستندة إلى مفاد الكلام وظاهره، بل هو من الظنون الخارجية التي لا دليل عل حجيتها، فان في قوله: " بعت هذه السلعة " ما هو مستنذ إلى الظاهر المعتبر هو تحقق بيعها، وأما كونها من نفسه أو عدم كونها لغيره فلا يستند إلى ظاهر الكلام، فان كونها لنسفه أو لغيره غير دخيل في ماهيته، بل هو احتمال راجح احيانا لا دليل على اعتباره - ان في المقام خصوصية لاجلها يحتاج الوقوع لنفسه إلى قيد، فان المفروض ان السعلة لغير البائع وأراد ارجاعها إلى نفسه بالبيع، وفي مثله يكون مقتضى الاطلاق على فرضه وقوعه فضوليا، والاخراج عنها يحتاج إلى قيد مدفوع بأصالة الاطلاق. والتشبث بأصالة عدم قصد الغير واضح الضعف لوجوه: (منها) عدم جريانها في نفسها، لان عدم قصده بنحو " ليس الناقصة " لا حالة سابقة له، وبنحو التامة مثبت. (ومنها) أنها على فرض جريانها لا تثبت كون السلعة له أو انه أراد ببيعها الفسخ، ومع الغض عن إشكال عدم الجريان ذاتا فان هنا أصالة عدم كون السلعة له وأصالة عدم رد المعاملة ببيعها وهي أصل ذو أثر خصوصا الثانية، وأما أصالة عدم كونها لغيره فلا أثر لها إلا مثبتا. مسألة: هل الفسخ يحصل بنفس التصرف أو يحصل قبله، وبعبارة اخرى التصرف سبب أو كاشف؟ وليعلم أن التصرف إذا اريد به الرد الاعتباري والفسخ يحصل ذلك به ولو وقع محرما، فلو اخذ سلعته عن المشتري قاصدا به الرد الاعتباري وقلنا: إن تصرفه محرم لا ريب في تحقق الفسخ، وكذا

[ 279 ]

لو باعها قاصدا به ذلك يحصل الفسخ، ولو كان البيع باطلا، فان ما هو الموجب للرد إنشاء البيع جدا بقصد الفسخ وترتب الاثر العقلائي عليه لا دخالة له فيه، وبذلك يدفع الاشكالات الآتية. ثم لا ينبغي الاشكال في ان الفعل كالقول في سببيته لتحقق المعاملات من العقود والايقاعات، والدلالة العرفية والعقلائية في بعض الافعال مما لا ريب فيها، فكما ان التكليف أمرا أو نهيا قد يقع بالاشارة المفهمة كذلك الوضعيات ولا أثر لنفس النية والقصد، بل ولا للانشاء النفساني في تحقق المسببات الاعتبارية عند العقلاء وإن ابرزت بغير ما هو آلة لايقاعها، فلو حمد الله تعالى قاصدا به سقوط الخيار والرضا بالبيع لم يسقط به، كما لو استعاذ بالله قاصدا بها فسخه لم ينفسخ. فلو كان التصرف كاشفا محضا وكان السبب التام هو الكراهة الباطنية لما صح الفرق بين الكواشف، ولا أظن التزام القائل بالكشف به، ولو التزام لخالف العرف والشرع، وقد ذكرنا في خيار الحيوان دلالة بعض الاخبار على عدم مسقطية بعض الافعال كالركوب، وكيف كان لا إشكال في كون بعض الافعال سببا لا كاشفا. ومن قال بالكشف إن ادعى أن الفعل غير صالح للتسبيب كما هو ظاهر كلام الشيخ الاعظم (قده) فهو واضح النظر، ولا أظن أن يلتزم به في الابواب المختلفة في الفقه. وإن ادعى أن الفسخ لا يحتاج إلى التسبيب، بل هو رجوع إلى الملكية السابقة، هو يحصل بمجرد الكراهة من غير احتياج إلى الجعل، نظير التمسك بالزوجية في الطلاق الرجعي، ففيه مالا يخفى، فان الفسخ عرفا وعقلا حل العقد، ورجوع الملك أثره، لا انه التمسك بالملكية ابتداء، والقياس بالطلاق الرجعي مع الفارق، مع أن تحقق الرجوع هنا بتعبد شرعي

[ 280 ]

في بعض الافعال. وإن ادعى استفادة حصول الفسخ بمجرد الكراهة مما وردت في سقوط خيار الحيوان بالرضا، فان الكراهة مقابل الرضا، فكما يلزم البيع ويسقط الخيار بالرضا يحصل الفسخ بالكراهة، ففيه - مضافا إلى فساده في المقيس عليه على ما تقدم الكلام فيه - أن القياس مع الفارق، فان الالتزام بالبيع مقابل الخيار ومضاده، ولا يمكن الجمع بينهما في وقت واحد، والرضا الزائد عما هو دخيل في أصل المعاملة ملازم للالتزام بها، فلا محالة يسقط به الخيار، وأما كراهة العقد فلا تنافي بقاء العقد ولا تلازم الفسخ والحل، وإظهار الكراهة لا يوجب الفسخ بخلاف إظهار الرضا بنحو ما ذكرناه. وإن ادعى أن اطلاق أخبار الخيار دل على جواز الفسخ بالفعل والتصرف ففيه أن الجواز التكليفي ليس مفاد الاخبار، والوضعي لا يفيد، لان مقتضاه وقوع الفسخ بالفعل المحرم، مع ان الحكم حيثي، نظير قوله صلى الله عليه وآله: " الناس مسلطون " إلى آخره (1) فان إطلاقه لا يقتضي جواز ضرب الغير بعصاه وسلطنته عليه. وإن ادعى ان مقتضى صيانة المسلم عن الحرام هو الكشف لانه مع السببية يقع الفعل محرما، ففيه ان معنى صيانته عن الحرام وحمل فعله على الصحة على فرض الغض عما تقدم في المسألة السابقة هو الحمل عليها فيما لو دار الامر بين ارتكاب حرام علم حكمه وحلال كذلك، لا فيما إذا لم يعلم الحكم فاريد كشفه بذلك، ففي المقام لو علم ان الفسخ يحصل بمجرد القصد وتردد الامر بين ان يكون قد قصده حتى يكون ارتكابه له محللا، أو ما قصده حتى يقع محرما يحمل على الصحيح، ومع الغض عما سبق يحكم بوقوع الفسخ، وأما مع الشك في الكشف والسببية فلا تكون صيانة فعله


(1) البحار - ج 2 - ص 272 - الطبع الحديث.

[ 281 ]

عن الحرام كاشفا عن الحكم الشرعي أو العقلائي بأن الفسخ يقع بالقصد، وان الفعل كاشف. وقد يقال: إن فعله مصون عن الحرام على السببية أيضا، بأن الفسخ مؤخر عن الفعل رتبة ومقارن له زمانا قضاء لحق العلية والمعلولية، أو الموضوعية والحكم، وهذه المقارنة الزمانية كافية في صيانته، وبالجملة ان التصرف وقع في زمان مالكيته، وإنما التقدم رتبي فلا يقع الفعل محرما. وفيه انه خلط بين الفلسفة والفقه، وبين حكم العقل والعرف الذي هو الميزان في الفقه، ضرورة ان ضرب يده على ملك يكون للغير تصرف في ملكه، وبهذا التصرف في ملك الغير يراد انقلاب الامر، فالتصرف الخارجي إن وقع على ملك نفسه فلا يعقل ان يكون فسخا، بل لابد من فرض الفسخ قبله، وإن وقع على مال الغير وترتب عليه النقل كان تصرفا في مال الغير، مثلا لو ملكه مكسور ماله ببيع ونحوه قبل كسره وقلنا بصحته، فسكره المشتري، فهل يصح ان يقال: أن الكسر والانكسار واحد خارجا ومختلف اعتبارا؟ وان الكسر متحدا زمانا مع ملك المشتري فلا ضمان ولا حرمة في فعله، إلى غير ذلك من الامثلة، فلا ينبغي للفقيه الاتكال على العقول في الاحكام الشرعية. وأما دعوى انصراف الادلة عن هذا التصرف ففي غير محلها، وهل يصح دعوى انصراف قوله (1): " من أتلف مال الغير " إلى آخره عن مورد المثال المتقدم؟ وبالجملة لا شبهة في وقوع التصرف في أول وجوده محرما، لكن يحل به العقد ويتحقق به الفسخ، هذا حال التصرف التكويني.


(1) ليس هذا اللفظ من كلام المعصوم عليه السلام وإنما هي قاعدة مستفادة من عدة روايات وردت في الابواب المتفرقة من الفقه كما ذكرها سيدنا الاستاذ دام ظله في الجزء الثاني ص 341 - 345 فراجعه.

[ 282 ]

وأما التصرف المعاملي مما لا يعد تصرفا خارجا ولا يكون محرما فقد استشكل فيه على السببية بوجوه: (منها) ما عن التذكرة عن بعض العامة من ان الشئ الواحد لا يحصل به الفسخ والعقد، كما ان التكبيرة الثانية في الصلاة بنية الشروع فيها يخرج بها عن الصلاة ولا يشرع بها فيها. ويمكن ان يقرر ذلك بأن الانشاء الواحد كالبيع مثلا لا يعقل ان يتحقق به امران مترتبان في التحقق كما في المقام، فان انشاء البيع لترتب الفسخ عليه وترتب الانتقال إلى نفسه عليه ثم نقله عن ملكه إلى غيره لا يعقل (وبعبارة اخرى) إن البيع الوحداني لا يمكن ان يكون موجبا لدخول المبيع في ملك البائع ثم خروجه عنه، لان الثاني مترتب على الاول، ولا يعقل وقوعه بانشائه، نظير التكبيرة الثانية حيث لا يعقل ان تكون مخرجة عن الصلاة ومدخلة فيها، فان ما هو المبطل للصلاة هو التكبير الذي لا يتحقق إلا بتمام الكلام، فإذا تم بطلت الصلاة، ولا يعقل ان تكون تلك التكبيرة المبطلة موجبة لانعقاد الصلاة. والحاصل ان المصلي ما دام في الصلاة مثل صلاة الظهر مثلا لا يعقل تلبسه ثانيا بتلك الصلاة، فلابد في صحة دخوله فيها ثانيا من بطلان الاولى وهو لا يحصل إلا بتمام التكبيرة، فهي مخرجة عن الصلاة وبعد الاخراج لا يعقل أن تكون مدخلة، لعدم وجود لها حتى يتحقق بها الدخول. وبما قررناه يظهر النظر في جواب العلامة عن الاشكال، وفي كلام بعضهم في رده بأن المبطل لا مانع من ان يكون مصححا وسببا لشئ آخر لكن الصلاة حيث انها عبادة والتكبيرة الزائدة زيادة محرمة فلا يعقل ان تكون جزء للعبادة، وإلا فلو فرضنا أن ابطال الصلاة بالزيادة العمدية غير محرم لم يكن مانع من انعقادها بهذه الزيادة، انتهى. إذ قد عرفت ان الاشكال في التكبيرة ليس ما ذكره ولا ينحل به،

[ 283 ]

وإلا فعلى ما زعمه لا مانع من كونها جزء للعبادة، فانها غير محرمة وإنما المحرم ابطال الصلاة، والمبطل لا يقع محرما، فان سبب المحرم ليس بمحرم فمن ابطل صلاته بالقهقهة ونحوها لا يكون مرتكبا لمحرمين، وأما على ما قررنا فلا يعقل تحقق الدخول فيها بتلك التكبيرة محرمة كانت ام لا. والصواب في الجواب ما تكرر منا من ان البيع بتمام ماهيته هو الايجاب والقبول لا دخل له في ماهيته، وإنما الاحتياج إليه لاجل ترتب الاثر الواقعي على البيع، والا فالبيع بنفسه لا يكون موضوع حكم العقلاء، فالقبول ليس متمما لماهيته، بل متمم لموضوع الحكم بالنقل الواقعي، كاجازة الفضولي فالايجاب الذي مفاده النقل الانشائي إذا قصد به الفسخ يتحقق به ويترتب عليه أثره وهو ملك البائع، سواء تعقب بالقبول ام لا، مثلما لو بدا للقابل أو كان الموجب توهم لحوقه به، فإذا لحق به تم موضوع الحكم بالنقل، فيخرج من ملكه، فالدخول في ملكه والخروج عنه إنما هو بحسب الاعتبار الواقعي العقلائي لا بفعل المنشئ، وإنما عمل المنشئ إنشاء الايجاب فتحصل به المبادلة الانشائية الموجبة لفسخ البيع الانشائي، ويترتب عليه أثره أي مالكيته الواقعية، ثم بعد القبول يترتب عليه الخروج، فالمدخل والمخرج شيئان. (وتوهم) أن المترتبين في التحقق لا يعقل ايجادهما بانشاء واحد (مدفوع) بأن الايجاب الانشائي للبيع لنفسه سبب للفسخ وملكية المبيع، وإذا انضم إليه القبول صار موضوعا للحكم بخروجه عن ملكه، فلا إشكال أصلا، وإنما الاشكال فيما إذا قيل بأن البيع موقوف على الملك. (ومنها) لزوم الدور، فان البيع موقوف على الملك الموقوف على الفسخ المتأخر عن البيع، وبعبارة اخرى إن البيع موقوف على الملك، والملك موقوف على الفسخ، وهو موقوف على البيع، فالدور مضمر.

[ 284 ]

وتقريبه ان البيع الذي اريد به الفسخ لا يقع ذلك به إلا إذا قصد به إخراج المبيع عن ملكه وكون البيع لنفسه، وإلا فلو أراد البيع لمالكه أو اطلق لم يقع الفسخ به، بل صار فضوليا لمالكه، فسببيته للفسخ موقوفة على قصده لنفسه، ولا يعقل القصد به إلا من مالك المال، فانشاؤه جدا موقوف على الملك لخصوصية في المقام، والفرض ان الملك موقوف على الفسخ الموقوف على البيع. ولعل ما قررناه هو ظاهر كلام المستشكل، حيث قال: إن البيع موقوف على الملك، والحمل على ان صحة البيع موقوفة عليه خلاف ظاهره وعلى ما ذكرنا لا يتحقق عنوان البيع وماهيته في المقام، فان الانشاء غير الجدي لا يكون بيعا، والجدي موقوف على الملك، وعلى ذلك لا يصح الجواب بأن البيع الباطل أيضا يترتب عليه الفسخ، أو ان الايجاب فقط يترتب عليه الفسخ، فان أمثال ذلك أجنبية عن الاشكال، وإنما الاشكال نظير الاشكال في بيع الغاصب لنفسه. والجواب عنه نظير ما ذكرناه في بيع الغاصب لنفسه من ان الجد لا يتوقف على الملكية، بل قد يتحقق لاغراض باعثة على الانشاء، وفي المقام لما يرى المنشئ ان الفسخ لا يصحل إلا بالانشاء الجدي لنفسه للبيع الانشائي لا محالة يقصده جدا. ونظير هذا الاشكال وارد على جميع المعاملات الفضولية وغيرها إلا ما ندر، فان الجد على نقل ما ليس له ولا يكون سلطانا عليه لا يعقل، أما في الفضولي فظاهر، وأما في الاصيل فلان إيجابه تصرف في سلطان الغير بنقل ثمنه إلى نفسه، بل وبنقل السلعة إليه مع عدم سلطانه عليه، فالاشكال مشترك الورود، ومحصله ان النقل الواقعي لا يعقل من الغاصب والفضولي ولا من الاصيل مع انه مالك فعلا، وذلك لما عرفت من ان النقل إلى

[ 285 ]

الغير تصرف في سلطانه، كما ان نقل ماله بالايجاب إلى نفسه كذلك. والجواب في الجميع هو ان البيع كسائر الانشائيات عقدا وإيقاعا لا يتوقف على الملكية، فانه نقل ايقاعي انشائي يحتاج إلى الجد والقصد إلى مفاده، وهو يحصل إذا رأى المنشئ فيه أثرا، فالفضولي يقصد البيع الحقيقي برجاء لحوق الاجازة وترتب الاثر، والموجب يقصده مع علمه بلحوق القبول أو رجائه، والمريد للفسخ يقصد البيع الانشائي لنفسه لغرض تحقق الفسخ به، وبذلك وبما تقدم يندفع اشكال الدور ولزوم ايجاد المترتبين بانشاء واحد فانهما كانا مبنيين على لزوم حصول الملكية الحقيقية في تحقق البيع. كما انه يظهر مما تقدم النظر فيما أفادوا من حصول الفسخ بأول جزء من الانشاء، فان مرادهم به - بقرينة عطف العتق على البيع، ونفي الجزء الذي لا يتجزأ، كما في كلام الشيخ الاعظم (قده) - هو أول حرف أو أقل منه، وقد تقدم أن ما يحصل به الفسخ هو ما يكون آلة عقلائية لانشائه وإيجاده ولا يكون هو في المقام إلا الايجاب بتمام تحققه، وسيأتي الكلام في مثل العتق. وكذا النظر فيما قيل من ان التصرف المعاملي الذي يقصد به الفسخ إما هو البيع أي التمليك الحقيقي أو التمليك الانشائي المركب من الايجاب والقبول أو جزء من العقد. ضرورة ان التمليك الحقيقي ليس فعل الفاسخ البائع، لان الملكية الحقيقية من الاعتبارات العقلائية أو الشرعية، وتترتب على العقد الانشائي ترتب الحكم على موضوعه، والحكم العقلائي والشرعي ليس معلولا للانشاء العقدي تكوينا حتى يعد من فعل المنشئ ولو بوسط، ولو اغمض عنه فالعقد الذي يترتب عليه الاثر ليس من فعل الفاسخ، إذ القبول جزء منه ودخيل في ترتبه، وهو ليس من فعله

[ 286 ]

وبهذا يظهر بطلان الشق الثاني من كلامه، وهو حصول الفسخ بتمام العقد الانشائي، إذا لا يعقل ان يكون فعل الغير سببا أو جزء سبب لفسخ ذي الخيار إلا ممن يكون قائما مقامه كالوكيل، فالفسخ في العقود لا يحصل إلا بالايجاب فقط لا بجزئه ولا بشئ أجنبي ملحق به. بقي الاشكال في الايقاعات وكذا في العقود فيما إذا كان البائع وكيلا عن المشتري في اجرائها، اما في الايقاع فلان المفروض عدم حصول الفسخ إلا بتمامه وهو تمام الموضوع لحصول الامر الايقاعي، فإذا تم يترتب عليه الفسخ والعتق مثلا في رتبة واحدة وحال واحد، فلابد من القول ببطلان العتق وتحقق الفسخ، فانه يحصل بنفس الانشاء ولو لم يترتب عليه الاثر، وأما في العقد فلان الايجاب تمام حقيقة العقد، ومع توكيل المشتري لا يحتاج إلى القبول، بل القبول حينئذ لغو، لانه لا دخل له في ماهية البيع ولا في ترتب الاثر بعد توكيله، فيرد الاشكال المتقدم. ويمكن ان يجاب عنه بأن الفسخ مترتب على الانشاء في العقد والايقاع بلا انتظار شئ، لكونه تمام السبب له، وأما الملكية والعتق واقعا فمشروطتان بالملك، فيتأخران رتبة عن حصول الملكية، فالعقد سبب لفسخ المترتب عليه الملكية، والعقد مع حصول شرطه سبب للبيع، وكذا الحال في العتق واحتمال عدم صحة العتق، لان الايقاعات لا تجري فيها الفضولية ولا ما هو من قبيلها فاسد، لان جريان الفضولية في الايقاعات على القواعد، وإنما يمنع عنه الاجماع وإن كان في تحققه إشكال، وكيف كان لا اشكال في المقام، لانه ليس فضوليا ولا بحكمه، لعدم التفكيك خارجا بين الايقاع وترتب الاثر، وإنما التأخر رتبي. (ومنها) ان الظاهر من قوله صلى الله عليه وآله (1): " لا بيع


(1) الموجود في المستدرك في الباب - 1 - من ابواب عقد البيع =

[ 287 ]

إلا في ملك ولا عتق إلا في ملك " هو لزوم تقدم الملك على البيع المركب من الايجاب والقبول، فلا يجوز تأخر الملك عن جزء من أجزاء الصيغة، وكل جزء وقع به الفسخ لتحصيل الملك كان منحلا إلى أجزاء بعضها سابق في الوجود على الملك، نعم لو قلنا بوجود الجزء الذي لا يتجزأ يمكن ان يقال: ان الجزء الذي في مبدأ السلسلة يقع به الفسخ ولا جزء قبله، وتأخر الملك عنه رتبي لا خارجي، لكن يرد عليه ان الظاهر من الحديث عدم كفاية المقارنة بين الملك والانشاء وهي محققة. وأنت خبير بوهن هذا الاشكال، وقد أجاب عنه الشيخ الاعظم (قده) ومن العجيب ذكر الجزء الذي لا يتجزأ في المقام واحتمال وقوع الفسخ به، ولو لا كلام الشيخ الاعظم (قده) لما تعرضنا له، ولقد أجبنا عنه في البيع الفضولي، وأجاد الشيخ الاعظم (قده) فيما أفاد في رده. فرع: لو تصرف تصرفا خارجيا أو اعتباريا في العوضين دفعة واحدة فله صور كثيرة، فان التصرف إما ان يقصد به الفسخ والابرام، أو يقصد به احدهما، أو لا يقصد به شئ منهما، وعلى اي حال فاما ان نقول باعتبار الانشاء والتسبيب فيهما بفعل صالح لذلك عند العقلاء، أو نقول بحصولهما بنفس الرضا والكراهة المنكشفين بشئ من القول أو الفعل، أو نقول بحصولهما بالرضا تعبدا، أو بالفعل الدال عليه تعبدا وان لم يكن قاصدا


= الحديث 3 من كتاب التجارة " لا بيع إلا فيما تملك " وفي الوسائل في الباب - 5 - من كتاب العتق - الحديث 2 " لا عتق إلا بعد ملك " وفي سنن البيهقي - ج 7 ص 318 " لا بيع فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك ".

[ 288 ]

أو راضيا، وكذا في جانب الكراهة، أو نقول بكفاية واحد مما ذكر في الابرام دون الفسخ أو بالعكس، وعلى أي حال، فاما ان يكون الخيار للمشتري أو للبائع أولهما. وهذه الصور بعضها معلوم الحكم وبعضها فاسد، وتحتاج جملة منها إلى البيان، ونحن نذكر بعضها ويعلم منه حال سائرها. فنقول: لو تصرف فيهما تصرفا اعتباريا، كما لو اشترى عبدا بجارية مع الخيار له فقال: " اعتقتهما " قاصدا به الفسخ والابرام لو فرضنا امكانه كما لو كان غافلا أو كان التصرف منه في احدهما ومن وكيله المطلق في الآخر في زمان واحد، فلا شبهة في عدم حصول الفسخ ولا الابرام لو قلنا بأن إنشاء العتق تسبيب لهما، ودعوى تقديم الفسخ على الابرام واضح الضعف، كما افاده الشيخ الاعظم (قده) في رده. وإنما الكلام والاشكال في عتق العبد بعد وضوح عدم حصول الفسخ والابرام وعدم تحقق عتق الجارية، لتوقفه على الانفساخ المفروض عدم تحققه. فنقول: يمكن ان يقال: بانعتاق العبد لان انشاؤه متحقق ولا مانع من تأثيره، (توضيحه) ان الانشاء الجدى في عتق العبد مع الغض عن عتق الجارية يترتب عليه أثران في زمان واحد ورتبة واحدة، احدهما حصول الانعتاق، وثانيهما تحقق الابرام، فهما اثران مترتبان عليه في عرض واحد واما في عتق الجارية فلا اثر له إلا الفسخ، فيترتب ذلك عليه عند تمام الانشاء، وهو تمام اثره، واما ترتب العتق عليه فموقوف عليه حصول الملكية المتوفقة على الانفساخ، فليس انعتاقها اثرا مترتبا على انشاء عتقها، بل على فرض عدم المزاحم تحصل الملكية بالانفساخ الحاصل من الايقاع الانشائي ويترتب عليه عتقها، فعلى ذلك يكون لعتق العبد أثران الابرام والانعتاق، ولعتق الجارية اثر واحد هو الانفساخ.

[ 289 ]

لا إشكال في منافاة الابرام والفسخ المترقب حصولهما بالعتق، كما لا إشكال في عدم المزاحمة بين العتقين الانشائيين، وكذا في عدم المزاحم لعتق العبد، فان المزاحم إنما هو للاثر الآخر وهو الابرام، فلعتقه أثر يزاحم بمقابله، وأثر لا يكون له مزاحم في هذا الحال ولما كانت المزاحمة بين الابرام والفسخ مانعة عن تحققهما، فيرتفع موضوع المزاحم لملكية العبد للبائع والتحرير والانعتاق. (فما في بعض الكمات) من ان الفسخ له حيثيتان ذاتية وعرضية بلحاظ مقتضاه فهو مناف ومزاحم للعتق بلحاظ حيثيته العرضية أي حصول الملكية للبائع مقارنا لتمام الانشاء وزوال الرقية والملكية عنه رأسا، فالمزاحمة وان لم تكن ذاتية لكن تكون بحيثيته العرضية. (كأنه غير وارد) فان معنى المزاحمة العرضية ان المزاحمة حقيقة بين الآثار، وإنما تنسب إلى الفسخ بالعرض والمجاز، فالفسخ لا يزاحم حقيقة للعتق، بل الاثر المترتب عليه مزاحم لاثره، وعلى ما أشرنا إليه من استلزام المزاحمة الذاتية بين الابرام والفسخ لبطلانهما معا يدفع موضوع المزاحمة العرضية، وإن شئت قلت: إن العتق وقع على ملكه وعلى ملك غيره دفعة، ووقوعه على ملكه يوجب الانعتاق، لعدم المزاحم، لكونه مدفوعا بمزاحمه. (وبتقريب آخر) لا إشكال في حصول عتق العبد فيما لو احرز عدم تحقق الفسخ للمزاحمة، فان القطع بعدم الفسخ ملازم للقطع بعدم الخروج عن ملكه والقطع بحصول شرط العتق، وأما مع الشك فيه لاحتمال كون أحدهما مؤثرا واقعا دون الآخر فأصالة عدم تحقق الفسخ معارضة بأصالة عدم تحقق الابرام، ولا معارضة بينها وبين أصالة بقاء ملك المشتري، لان الشك في بقاء ملكه مسبب عن الشك في تحقق الفسخ. فحينئذ يمكن تصحيح العتق بوجهين: (أحدهما) أصالة عدم الفسخ

[ 290 ]

والابرام، فان الاثر المشترك للمتعارضين لا مانع من ثبوته، وهذا بناء على كون بقاء ملكية المشتري للعبد أثرا شرعيا لعدم حل العقد وعدم إبرامه، ولو قيل بعدم كون أصل عدم الابرام مثبتا للملكية يقال: إن أصالة عدم الفسخ كافية ولا معارض لها في هذا الاثر. (ثانيهما) أصالة بقاء الملك، ولا إشكال فيها بعد سقوط الاصل الحاكم بالمعارضة وشبهة المثبتية فيه، بأن يقال: إن عدم الفسخ لازمه العقلي بقاء العقد وبقاء الملكية، بخلاف أصالة بقاء الملك، فانها محرزة لموضوع الحكم الشرعي، وهو قوله صلى الله عليه وآله: " لا عتق إلا في ملك " فتدبر جيدا. ومما ذكرنا يظهر الاشكال في كلام الشيخ الاعظم (قده) من ان عتق العبد موقوف على عدم عتق الجارية وبالعكس، فان الموقوف عليه في جانب عتق العبد محقق، وهو عدم عتق الجارية. ولو اعتقهما وأراد به الابرام فلا إشكال في تحقق عتق العبد وعدم تحقق عتق الجارية. ولو أراد به الفسخ فقد يقال بوقوعه، وكذا وقوع عتق الجارية لما تقدم من ان العتق الانشائي موجب للفسخ، ويترتب عليه ملكية الجارية للفاسخ وحصول شرط العتق، ولا دليل شرعا أو عقلا على بطلانه، وقد تقدم حال توهم مزاحمة الفسخ وعدم وقوع عتق العبد. لكن الاقوى وقوع عتق العبد وعدم وقوع الفسخ ولا عتق الجارية، وذلك للتنافي بين مقتضى الفسخ ومقتضى عتق العبد، لامتناع الجمع بين الانعتاق وحصول الملك للبائع بالفسخ في حال واحد، وعليه فلو فرض العلم ببطلانهما معا لاجل التنافي وسقوطهما معا لم يكن إشكال في بطلان الجميع لكن ليس لنا علم بذلك، غاية الامر العلم بعدم إمكان صحتهما لاحتمال

[ 291 ]

صحة الفسخ ووقوع عتق الجارية وبطلان عتق العبد وبالعكس، ومعه لابد من الرجوع إلى الاصول. والاصول المتصورة هنا خمسة: أحدهما أصالة عدم تحقق الفسخ، وهي أصل سببي محض. ثانيها أصالة عدم عتق العبد. وثالثها أصالة عدم عتق الجارية، وهما أصلان مسببيان محضا، رابعها أصالة بقاء العبد في ملك المشتري. وخامسها أصالة بقاء الجارية في ملك البائع، وهما أصلان سببيان بالنسبة إلى الاصلين الآنفين ومسببيان بالنسبة إلى الاصل الاول، فان الشك في عتق كل منهما ناش عن الشك في حصول الملكية وعدمه، والشك في الحصول ناش عن الشك في تحقق الفسخ. فحينئذ ان قلنا بأن أصالة عدم الفسخ تحرز ملكية المشتري للعبد والبائع للجارية، فيحرز بها موضوع قوله صلى الله عليه وآله: " لا عتق إلا في ملك ولا بيع إلا في ملك " في ان احدهما بالنسبة إلى البائع مندرج تحت المستثنى والآخر تحت المستثنى منه، وبالنسبة إلى المشتري عكس ذلك، فنحكم بصحة عتق العبد وبطلان عتق الجارية، وإن قلنا بأن ترتب بقاء الملكية وزوالها على الفسخ وعدمه عقلي لا شرعي فيجري الاصلان الآخران أي اصالة ملك المشتري للعبد وملك البائع للجارية، ولا إشكال فيهما، لاحرازهما موضوع الدليل الشرعي، وهو لا عتق ولا بيع إلا في ملك، فلا محالة يحكم بصحة عتق العبد وعدم صحة عتق الجارية، وعدم حصول الفسخ، لاصالة عدمه.


(1) راجع التعليقة في ص 286.

[ 292 ]

مسألة: ومن أحكام الخيار على قول جمع من الاصحاب عدم جواز تصرف غير ذي الخيار تصرفا يمنع عن استرداد العين عند الفسخ، والمحتمل في المقام حرمة التصرف تكليفا وعدم النفوذ وضعا مطلقا، والجواز وضعا وتكليفا مطلقا والتفصيل بين التكليف والوضع مطلقا بالجواز تكليفا وعدم النفوذ وضعا وبالعكس، والتفصيل بين العتق وغيره. والاقوى الجواز تكليفا والنفوذ وضعا مطلقا، لما تقدم كرارا من ان ماهية البيع وغيره من الماهيات التسبيبية عقدا وايقاعا ليست إلا الانشائيات والعناوين المنشأة بالاسباب العقلائية أو الشرعية، وترتب الآثار خارج عن حقيقتها، فالبيع الفضولي والايجاب من الاصيل وغيره تمام ماهية البيع وإن لم يترتب عليه الاثر إلا بالقبول الذي هو بمنزلة الاجازة في الفضولي، بل هو هي حقيقة وبالاجازة التي هي بمنزلة القبول في عقد الاصيل بل هي هو حقيقة. فإذا كان البيع هو الانشائي منه وكان ما يوجده المتبايعان هو موضوع الحكم الشرعي والعقلائي ولم يكن النقل الواقعي من فعلهما ولا فعلهما مؤثرا فيه بوجه إلا على نحو تحقق الموضوع الذي ليس هو التأثير بوجه لم يعقل ان يكون الفسخ أو الاقالة إلا حل العقد الانشائي المترتب عليه الرد الانشائي لا الحقيقي، وإنما الرد الحقيقي أثر عقلائي وشرعي مترتب عليه والحل موضوع له، ولا يعقل ان يكون الفسخ سببا لغير الحل ولا له والامر زائد عليه. فعلى ذلك لا يكون التصرف مطلقا تصرفا في حق ذي الخيار ومانعا

[ 293 ]

عن الاسترداد الاعتباري الانشائي المترتب على فعله، فالعقد في الاصيل والفضولي والحل فيهما بمعنى واحد وحقيقة فاردة، فكما ان العقد أو الحل في الفضولي لا يكون تصرفا في مال الغير كذلك في العقد والحل من الاصيل وإنما الفرق بينهما بأمر خارج عن قدرتهما وعن ماهية العقد والفسخ. وعلى ما ذكرنا يترتب أمور: (منها) جواز التصرف تكليفا. (ومنها) نفوذ التصرفات الاعتبارية عقدا وايقاعا. (ومنها) ثبوت الخيار مع تلف العين حقيقة أو حكما، فان الفسخ الايقاعي الانشائي لا ينافيهما، أما في الحكمي فلعدم المنافاة بين كون العين ملكا للمشتري الثاني حقيقة وللفاسخ إيقاعا وانشاء، كما في العقد الفضولي الذي يوجب الملكية الانشائية للمشتري مع كون العين ملك غيره حقيقة، وأما في الحقيقي فلان العقد حين وجوده أوجب تبادل العوضين إيقاعا وانشاء، وهذا المعنى الاعتباري موجود إلى ما بعد التلف، وهو لا يوجب سلب الاعتبار. (وتخيل) ان العدم غير قابل للاشارة إليه ولا لثبوت شي ء له أو لسلبه عنه، فلا يعقل الحل الانشائي الموجب لنقل ملك العوضين انشاء (مدفوع) أولا بأن الحل لا يحتاج إلى تصور طرفي العقد بل تحتاج إلى تصور العقد، وثانيا بأن العوضين حال وجودهما أي حال تحقق العقد معلومان، والعلم بهما محفوظ والحل يوجب السلب الايقاعي عما هو المشار إليه بالاشاره العقلية، وليس ذلك امرا خارجيا ثابتا للمعدوم أو مسلوبا عنه، فكأن الفاسخ قال: فسخت العقد الذي تعلق بالعوضين. وبالجملة الثبوت والسلب الواقعيان ليسا مقتضى الفسخ، وما هو مقتضاه ليس إلا حل العقد الايقاعي الموجود في اعتبار العقلاء، وأثره بحسب حكم العقلاء رجوع العين إن كانت موجودة ورجوع البدل مع عدمها. (ومنها) عدم جواز إلزام الطرف على فسخ العقد الخياري والجائز

[ 294 ]

وعدم جواز إلزامه على اشتراء العين (ومنها) عدم انفساخ العقد الواقع على المبيع وعدم نفوذ فسخه من ذي الخيار (ومنها) ثبوت المثل أو القيمة في صورة التلف بحسب الحكم العقلائي على ذمة الطرف بمجرد تحقق الفسخ والحل الانشائي، والمعيار قيمة حال الفسخ. ومما ذكرناه يظهر النظر في كلام جملة من الاعلام (منهم) السيد الطباطبائي (قده) قال ما حاصله: إن مقتضى الفسخ رجوع العوضين إلى مالكهما، ومقتضاه وجوب دفعها مع الامكان، وفي حال التلف يضمن نفس العين لا بدلها، وإعطاء البدل لتفريغ ذمته، كما في سائر الضمانات والحاصل ان العقد إذا انحل يرجع نفس العوض، فان كان موجودا فهو وإلا فيقدر موجودا في ذمة المفسوخ عليه، فإذا فرض امكان تحصيله وجب مقدما على البدل، وبالجملة فالمقام نظير ضمان الحيلولة، إلى أن قال: التحقيق ما ذكرنا، كيف ولو رجع البدل لزم رجوع غير ما وقع عليه العقد بالفسخ، ثم فرع عليه أمورا. وفيه مالا يخفى، لانه أراد بذلك التخلص عن مخالفة مقتضى الفسخ بملاحظة أن رجوع البدل مخالف له، فقال: إن مقتضاه رجوع نفس العين ومع تلفها تقدر موجودة في ذمة الطرف عملا بمقتضى الفسخ الذي هو رد العوض إلى محله. وأنت خبير: بأن العقد وقع على العين الموجودة الشخصية الخارجية، فلو انتقلت إلى غيره كان غير مالكا لها وهي موجودة في الخارج، ولا إشكال في أن مقتضى الفسخ على مبناهم إرجاع العوض بعينه وهو العين الموجودة في ملك الغير، وهو معترف بعدم رجوعها، ولهذا ذهب إلى جواز إلزامه بالفسخ، وتقدير وجودها في ذمة الغير، والوجود الفرضي في الذمة لا يوجب تحقق عنوان الفسخ والحل، ولا يكون ذلك الوجود

[ 295 ]

ما تعلق به العقد، فهو أجنبي عن العوض وما تعلق به العقد، وكذا الحال لو كانت تالفة حقيقة، فان الفسخ لا يعقل أن يوجب إرجاعها لكونها معدومة، وتقدير الوجود لا يصحح اقتضاء الفسخ، فما فر منه وقع فيه بوجه أفسد. ثم إنه قد مر منا في مسألة ضمان اليد أن باب الضمانات أيضا ليس كما ذكره، وأما التنظير ببدل الحيلولة فليس في محله كما هو واضح. (ومنهم) بعض أهل التحقيق (قده) في تعليقته على كلام الشيخ الاعظم (قده) فقال بعد ذكر مقدمات ما محصله: العين التي وقعت المعاوضة عليها ذات شؤون ثلاثة، وهي ماهيتها الشخصية التي بها تمتاز هذه الحصة عن سائر الحصص والوجود التي تمتاز به هذه الهوية عن سائر الهويات، فهذه العين تنحل إلى ماهية شخصية ووجود خاص، والحيثية الثانية حيثية كونها ذات طبيعة نوعية كطبيعة الحنطة التي لها أفراد مماثلة، والحيثية الثالثة حيثية المالية التي تمتاز بها عن غيرها. ومن الواضح ان أغراض المتعاملين تارة تتعلق بالحيثية الاولى، وهذه أغراض شخصية، واخرى تتعلق بالحيثية النوعية والمالية، وهي الاغراض النوعية من غير نظر إلى الخصوصيات، وللشارع رعاية الطبيعة النوعية وحيثية المالية التي هي مدار الاغراض النوعية، فيوسع في دائرة الحق، ولا يجعله مقصورا على صورة بقاء العين الشخصية. والطبيعة النوعية كما انها محفوظه مع وجود هذه الماهية الشخصية كذلك مع تلفها، وليست الطبيعة النوعية ملحوظة بما هي ولا بشرط حتى يكون لمن عليه الخيار أداؤها بأداء ما يماثل العين مع وجودها، ولا الماهية الشخصية ملحوظة بما هي متحدة مع وجودها الخاص بها بالذات حتى يسقط الحق بتلفها ويكون أداء بدلها باقتضاء فرد آخر من الحق أو بمعنى أجنبي عن حقيقة

[ 296 ]

الفسخ، بل لوحظ متعلق الحق الوحداني نفس الماهية الشخصية بما هي متحدة مع طبيعتها النوعية، وهذا الاتحاد هو المصحح لسعة دائرة موضوع الحق الوحداني، فمع وجود الماهية الشخصية يجب رجوعها، ومع تلفها يرد الطبيعة النوعية والحيثية المالية، لانهما لم تتلفا، هذا بحسب الثبوت، واما بحسب الاثبات فيكفي إطلاق دليل الخيار لصورة تلف العين، انتهى. وأنت خبير بما فيه من التكلف والتعسف مع عدم الانتاج لما أراده، ولو لا بعض الملاحظات لما تعرضنا لمثله، لكن لا بأس بذكر بعض ما فيه من الانظار الواضحة: (منها) ان قوله: " إن هذه العين تنحل إلى ماهية شخصية ووجود خاص " مخالف للواقع والبرهان، فان الماهية لا شخصية لها في قبال الوجود، ولا يعقل انحلال الموجود إلى الماهية الشخصية والوجود، لان الشخصية عين الوجود، فهذا التوهم مساوق لقول: إن الموجود ينحل إلى الوجود والماهية الموجودة، فالتحقيق: ان كل موجود ممكن ينحل إلى ماهية ووجود، وهذه الماهية لا شخصية لها ولا تكون فردا إلا بوجودها، وحديث الحصة الذي وقع في كلامه فاسد ايضا، كما هو ظاهر عند اهله. (ومنها) ان قوله: " إن الاغراض النوعية متعلقة بحيثية الطبيعة النوعية والمالية " على فرض تسليمه لا يفيد على وجه وفاسد على آخر. فان العقد إن وقع على ما تعلق به الغرض اي الماهية النوعية والمالية الكلية الموجودتين مع سائر الافراد فيكون المتعلق كليا لا شخصيا، وللبائع أداء اي فرد اراد، وهو فاسد، لان المفروض تعلق العقد بالجزئي الحقيقي والطبيعة الموجودة بوجوده جزئية بجزئية الوجود وكذا المالية. وإن وقع على الشخص، وان كان الداعي تحصيل ماليته أو نفس الطبيعة النوعية فلا يعقل بقاء متعلق العقد بعد تلف الشخص، فان ما لا يتلف هو

[ 297 ]

المالية الكلية والطبيعة النوعية على اشكال فيه أيضا على المذهب الدقيق وإن كان موافقا للنظر العرفي العقلائي، ومن الواضح ان العقد لم يتعلق بها، وما تعلق به تلف ولم يبق له مالية ولا النوع المتحد معه، فجعل الخيار مع التلف لا يعقل ان يكون مقتضاه رد ما تعليق به العقد على هذا المبنى، ومآل رعاية الشارع للغرض النوعي في جعل الخيار جعله لرد امر اجنبي عن المعاملة وهو غير معقول، وإنما المعقول جعل حق له لاستنقاذ حقه من غير مورد المعاملة وهو خلاف الفرض والواقع. (ومنها) ان قوله: " يكفي في مقام الاثبات إطلاق دليل الخيار لصورة التلف " غير مرضي، لعدم تعقل إطلاق الدليل لما لا يكون موضوعا له، فاطلاق دليل خيار فسخ العقد المتعلق بهذا الشخص لا يعقل شموله لما لا يكون متعلقا له حتى يقتضي رجوع أمر أجنبي عن العقد، وهو واضح، والتحقيق في المقام هو ما مر منا في حقيقة العقد وماهية الفسخ، وعليه فيثبت الخيار ويرد بالفسخ ما تعلق به العقد على ما تقدم من غير ورود إشكال عليه. (ومنهم) بعض الاعاظم (قده) على ما في تقريراته، وحاصله: أن الخيار طريق إلى استرجاع نفس العين لا أعم منها ومن المثل أو القيمة ولما كان المدار في باب الضمان على قيمة يوم الاداء كما قلنا في محله، فلا يجوز التصرفات المانعة عن الاسترداد. وفيه أنه إن اريد بالطريقية ما كان من قبيل الاغراض كما انه الظاهر من بعض عباراته فلا يوجب ذلك عدم جواز التصرف بوجه، لانها خارجة عن الخيار ولا يجب حفظ أغراض ذي الخيار، وإن كان المراد أن الخيار فسخ العقد وارجاع العين الخارجية فقد تقدم فساده، مضافا إلى أن ابتناء المسألة على مسألة الضمان وأن المعيار قيمة يوم التلف أو يوم الاداء مما لا

[ 298 ]

وجه له، كما لا يخفى. ثم إن ما ذكرنا من جواز التصرف مطلقا إنما هو في الخيارات العقلائية كخيار الغبن وتخلف الوصف والشرط، أو الشرعية كخيار الحيوان. وأما في الخيارات المجعولة من قبل المتعاقدين فالجواز وعدمه تابعان لجعلهما، فان كان المجعول نفس خيار فسخ العقد كما لو شرط أن له خيار فسخه إلى سنة مثلا، كان حاله حال الخيارات العقلائية والشرعية، لعين ما تقدم من البيان. وإن كان الشرط هو رد العين، كما هو المتعارف في البيع بشرط رد الثمن، بأن قال: " إن أنا جئتك بالثمن إلى سنة ترد علي العين " فلا ينبغي الاشكال في عدم جواز التصرف، بل ولا في عدم النفوذ لو تصرف بالبيع ونحوه، فان هذا الشرط وإن كان متضمنا لشرط الخيار وسلطنة فسخ العقد لكن يستفاد منه أمر آخر هو حق استرجاع نفس العين، ومع هذا الحق لا يجوز التصرف المانع عنه ولا يكون نافذا (وتوهم) نفوذه ولو كان التصرف غير جائز (فاسد) فان المستفاد من مثل ذلك هو استحقاق الاسترجاع. والشرط المذكور كما يكون بنحو شرط الفعل، كأن يقول: " إن أنا جئتك بالثمن ترد علي مالي " كذلك قد يكون بنحو شرط النتيجة، بأن يقول: " لو جئتك بالثمن يكون العين لي ". وفي روايات الباب ما يستفاد منها شرط الفعل، كرواية اسحاق بن عمار (1) قال: حدثني من سمع أبا عبد الله عليه السلام وسأله رجل وأنا عنده فقال: " رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فجاء إلى أخيه، فقال: أبيعك داري هذه وتكون لك أحب من ان تكون لغيرك على ان تشترط لي


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 299 ]

إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد علي، فقال: لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه " إلى آخرها. والظاهر المتفاهم منها ان قوله: " أن ترد علي " كناية عن حق الفسخ وحق الاسترجاع به لا شرط النتيجة، كما في الرواية الآتية، ومن المعلوم ان الظاهر منها جعل حق استرجاع نفس العين وإن كان متضمنا للخيار ايضا، فلا يتوهم سقوط الخيار مع تلفها، فان مثل هذا يدل عرفا على امرين: احدهما حق أخذ نفس العين وثانيهما حق الفسخ. وما يستفاد منها شرط النتيجة كرواية معاوية بن ميسرة (1) قال: " سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل باع دارا له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط أنك أن اتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله، قال: له شرطه " ففي الصورتين لا اشكال في عدم جواز التصرف، ولا في عدم نفوذه، كما لا اشكال في ثبوت حق الخيار مع التلف. نعم هنا صورة اخرى، وهي شرط الخيار برد الثمن، كأن يقول: " شرطت عليك إن انا جئت بالثمن فلي الخيار " فيحتمل أن يكون حالها حال الخيارات الشرعية، من جواز التصرف ونفوذه فيها، وأن تكون حال الصورة السابقة مما قلنا فيها بعدم الجواز وعدم النفوذ، بأن يقال: إن المعهود عند العقلاء في مثل هذا الشرط بحسب النوع هو الرجوع إلى نفس العين، وذلك يوجب صرف الكلام إلى ما هو المتعارف من جعل حق الرجوع إلى نفس العين زائدا عن حق الخيار، وهذا لا يخلو من جودة وإن لا يخلو من إشكال، وأما احتمال أن التصرف لا يجوز لكنه ينفذ فغير مرضي. ومما تقدم منا في صدر المسألة من وجه جواز التصرف يظهر عدم


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 300 ]

وقع للبحث عن تقدم حق الخيار أو حق الاستيلاد، ضرورة عدم التزاحم بينهما، لعدم حق لذي الخيار في الجارية، مع ان البحث في مثله قليل الجدوى في هذه الازمنة. ثم إن المتيقن من منع التصرف في زمان الخيار على القول به هو زمان تحقق الخيار بالفعل، كما في خيار المجلس والحيوان ونحوهما، وأما لو لم يتحقق فعلا كما لو جعل الخيار بعد شهر، وكما في خيار الغبن على القول بحدوثه عند ظهوره وغير ذلك مما هو كذلك فالظاهر عدم المانع من التصرف من غير فرق بين الجعل في زمان متأخر وغيره، لاشتراكهما في فقدان المانع فان ما هو المانع على القول به هو الخيار وحق الغير، والفرض عدم تحققه ووجوده في زمان متأخر لا يوجب الفرق، وما قلنا في مقدمة الواجب المشروط المعلوم حصول شرطه قبل حصوله لا يأتي في المقام، كما هو ظاهر. وما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في وجه الفرق بين الخيار المتوقف على حضور الزمان وغيره - من ان ثبوت الحق في الاول معلوم وإن لم يحضر زمانه، بخلاف الثاني - غير وجيه، لان العلم بثبوت حق في زمان متأخر لا يوجب حقا فعلا، ففي الزمان الحاضر لا حق بوجه، فلا مانع ولا يعقل ان يكون المعدوم في الحال مانعا، والمانعية في زمان ثبوت الحق لا تسري إلى المتقدم، وليس الخيار كالواجب المعلق، كما هو واضح. (وما قيل) من ان المانع من التصرف هو تزلزل العقد وفعلية حق ذي الخيار وهما حاصلان، لان نفس الشرط الموجود حال العقد حق مالكي يجوز اسقاطه، والتصرف المتلف مناف له. (فيه) ان التزلزل الفعلي بمعنى ثبوت الخيار فعلا ممنوع، وكونه في معرض الحصول لا يوجوب المنع، مع ان التزلزل بنفسه ليس مانعا، بل المانع هو الحق المتعلق بالعين، وأما كون نفس الشرط حقا مالكيا فلا

[ 301 ]

يرجع إلى محصل وإن كان له إسقاطه عرفا، نظير الاقالة، والمانع إنما هو الخيار، وهو ليس بموجود فعلا، والمعرضية لا تفيد، ولو قيل: إن حصة الاسقاط تستلزم ثبوت الحق لو سلم فغايته ان الشرط حق، لكن كونه حقا يوجب المنع ممنوع كما لا يخفى. وربما يقال بناء على ثبوت الخيار على أي حال، وبناء على الانتقال إلى البدل مع التلف القهري: إن الامر دائر بين امور ثلاثة: إنفاذ التصرف بقول مطلق، فلا يبقى معه مجال للخيار، وعدمه كذلك وعليه فيتمكن من إعماله في ظرفه، وإنفاذه إلى زمان تحقق الخيار، لا مجال للثالث، لان الصحة غير قابلة للتوقيت، والاول خلف، لان المفروض ثبوت الحق في ظرفه، كما ان المفروض أن الانتقال إلى البدل مختص بالتلف القهري، فيبقى الثاني وهو المطلوب، انتهى ملخصا. وفيه - مضافا إلى ابتنائه على بناء ين فاسدين، فان ثبوت الخيار بقول مطلق حتى مع عدم إمكان إعماله وعدم تحقق موضوعه ممنوع، بل فرض فاسد، كما ان اختصاص البدل بالتلف القهري، فاسد، ولا اظن التزام القائل به، فيكف يلتزم بعدم البدل وعدم الخيار لو اتلف العين عصيانا واختيارا - أن الفرض الثالث على فرض صحة البناءين هو المتعين، ولا يلزم منه تحديد الصحة، بل يمكن عروض الانفساخ القهري للعقد، فيكون العقد متحققا إلى زمان الخيار ومنفيا حاله، كالوقف المنقطع الآخر. وكيف كان لا اشكال في جواز التصرف ونفوذه وان الخيار يتحقق في ظرفه ويرجع بعد الفسخ إلى بدله، إلا ان يجعل الخيار على وجه لا يتحقق عند عدم المبيع، فيكون التصرف معدما للموضوع قبل حصول الخيار وهو ايضا جائز (نعم) يبقى الكلام في التصرفات الاعتبارية في الفرض الاخير وتزاحمها مع إعمال الخيار، والبحث عنه غير مهم.

[ 302 ]

ثم على القول بالمنع من التصرف المنافي للخيار هل يجوز التصرف الذي ليس بنفسه منافيا لكن يحتمل ان يترتب عليه ما يوجب ذلك - كالتصرف الذي يحتمل ترتب تلف العين عليه، وكوطئ الجارية المحتمل ان يترتب عليه الاستيلاد، بناء على كونه موجبا لعدم جواز الرد -؟ وجهان، أو جههما عدم الجواز، لان مبنى هذا الحكم تعلق حق الغير بالعين، فما هو الجائز من التصرفات فيها هو التصرف الذي لا يترتب عليه المزاحمة. ومع الاحتمال لابد من الاحراز، والتمسك بدليل السلطنة أو أصالة الاباحة مما لا وجه له، وليس هنا اصل يحرز به عدم المزاحمة، لان اصالة عدم كون النطفة مثلا مبدء نشوء الولد لا سابقة له، لانها من اول وجودها يحتمل ان تكون كذلك، مع ان الاثر لا يترتب عليه، بل يترتب على لازمه، وعدم تحقق الاستيلاد بالوطئ وصب النطفة في الرحم ليس له حالة سابقة يقينية بهذا المفهوم المتقيد، فان النطفة من حين صبها في الرحم يحتمل ترتب الاستيلاد عليها، وليس المراد التولد الفعلي ووضع الحمل فانه غير مشكوك فيه، واما عدم كونها مبداء لنشوء الولد في الجارية الخارجية فله حالة سابقة قبل تحقق الوطئ، لكن لا يثبت بالاصل الجاري فيها ما هو موضوع الحكم، فان اصالة عدم تحقق الاستيلاد بالوطئ المنتفي قبل حصوله لا تثبت ان الوطئ حين وجوده كذلك، نظير الاشكال في استصحاب الاعدام الازلية، وبهذا يظهر الحال في اصالة عدم كون الفعل مزاحما لحقه، واصالة عدم مانعيته عن الرد إلى غير ذلك. واما جواز الاجارة في زمان الخيار بناء على عدم جواز التصرفات المانعة عن الرد فلا ينبغي الاشكال فيه، فان الرد في المقام عبارة عن الرد الاعتباري لا الخارجي، والمزاحم له إنما هو التصرف المانع عن رجوع العين بالفسخ كالاستيلاد والتلف والوقف ونحوها، ولا شبهة في ان العين المستأجرة

[ 303 ]

التي هي مورد تعلق العقد والحق لا مانع من ان ترجع إلى ذي الخيار بالفسخ وما لا ترجع إليه هي المنافع وهي ليس مورد العقد والحق، بل هي تابعة لوجود العين حقيقة، ويملكها مالك العين إذا لم يكن مانع عن تبعيتها كما لو كانت عند الرجوع مسلوبة المنفعة كما في المقام. (واما) تسليم العين إلى الفاسخ فهو وان كان ممنوعا مدة الاجارة، لكنه ليس من آثار الفسخ حتى تنافيه الاجارة، بل هو من آثار صيرورته بالفسخ مالكا، ووجوبه في المقام ممنوع، لتعلق حق الغير بها في مدة الاجارة، كبيع الشئ مسلوب المنفعة بالاجارة. وعلى ما ذكر لا وجه للقول بالانفساخ أو لبطلان الاجاره من أول الامر بالنسبة إلى هذه القطعة، كما في عروض التلف على العين في الاثناء فان المنافع تابعة للعين في الملكية، والعين مملوكة للمشتري بنحو الاطلاق، والمنافع تابعة لها بنحو الاطلاق، وقد تصرف فيها بالنقل، والفسخ لا يكشف عن عدم ملكيته، والقياس بالتلف مع الفارق. ثم لا اشكال في ان على المشتري المؤجر للعين جبران المنافع المذكورة فان العقد تعلق بعين لها المنفعة، ولابد في الفسخ من رجوعها كذلك عرفا، وعند عدم عود المنفعة لمانع لابد من جبران ماليتها، كما انه لو فقد صفة من صفاتها التي لها مالية لابد من جبرانها وإن لم يتعلق بها العقد. فرع: لو اذن ذو الخيار في التصرف المخرج فالظاهر سقوط خياره بمجرده ولو لم يتعقبه التصرف حتى على القول بتعلق الحق بالعقد على وجه موافق لحكم العقلاء والعرف، فان الغرض النوعي والمطلوب الاول بحسب النوع هو

[ 304 ]

الفسخ للتوصل به إلى العين، سواء كان الحق متعلقا بالعين أو بالعقد، واما الرجوع إلى القيمة أو المثل عند فقدان العين فهو من قبيل الغرامة، ومن الواضح ان حق الخيار لم يتعلق إلا بالعقد أو بنفس العين، واما المثل والقيمة فليسا متعلقين له، وعليه فيكون الاذن بالاتلاف أو الاخراج عن ملكه مساوقا عرفا لرفع اليد عن حقه والتزامه بالعقد، إذ لم يكن حقه ذا مراتب حتى يقال: إن رفع اليد عن بعض مراتبه لا ينافي بقاؤه بالنسبة إلى سائرها (ولو قيل) إن الاذن إنما هو لرفع الحرمة، فان التصرف في متعلق حقه لا يجوز إلا باذنه، فلا يدل على رفع اليد عن حقه (يقال) هذا صحيح فيما إذا بقي مورد الحق مع التصرف لو قلنا بأنه تعلق بالعين، أو بقي مجال للاسترجاع معه لو قلنا بتعلقه بالعقد، واما مع كونه رافعا للموضوع فلا مجال لهذا الاحتمال عرفا، وتوهم ان الاذن لعله لتحقق موضوع الغرامة بالفسخ مدفوع، فانه احتمال غير عقلائي بعدما كان المطلوب العرفي استرجاع نفس العين. وعلى ما ذكرناه لا فرق في السقوط بين تعقبه بالتصرف وعدمه، بل لا يجوز له الرجوع، فان مجرد الاذن مسقط. واما مع الغض عما ذكر فلا يكون التصرف المأذون فيه ايضا مسقطا، لان غاية ما يقال: إن التصرف المذكور رافع لمحل الحق، فلا يبقى الخيار وذلك إنما يصح لو قلنا بأن الحق متقوم بشخص العين بحيث لو تلفت بنفسها سقط الخيار، وهو واضح الفساد، إذ المراد من تعلق الحق بالعين ان الخيار حق استرجاع العين بالفسخ، فمحل الفسخ هو العقد، وهو باق عند تلف العين، ومع عدم امكان رجوعها يرجع عوضها فلا يكون الحق متقوما بنفس العين بمعنى بطلانه عند امتناع رجوعها، وعليه فلو لا الظهور العرفي المتقدم ذكره لا وجه لان يكون التصرف المأذون فيه مسقطا له، بل لابد من الالتزام

[ 305 ]

ببقاء الحق والرجوع عند الفسخ إلى البدل. وما قيل: من ان التصرف المأذون فيه مفوت لمحل الحق حيث إن الغرض من الفسخ استرجاع العين بعينها أو ببدلها، وكل منهما متعذر، اما العين فمعلوم، واما البدل فلانه فرع كون العين مضمونة عليه، ومع الاذن في التلف لا ضمان، فإذا امتنع الضمان امتنع الفسخ فامتنع الخيار. فيه ان هذه الغرامة ليست كضمان اتلاف المال حتى يقال: مع إذن صاحب المال فيه لا وجه لها، ضرورة أن المال المتلف ليس ملكا للآذن، بل هي غرامة عقلائية مترتبة على فسخ العقد إما بالنحو الذي تقدم منا أو على النحو الآخر المذكور في كلامهم، وعليه فمع عدم دال على إسقاط حق الخيار، لا موجوب لامتناع الفسخ حتى يترتب عليه امتناع الخيار كما قال القائل، فالتصرف ليس مبطلا لمحل الفسخ على جميع المباني إلا على القول بتقوم الخيار بشخص العين، بحيث إنها لو تلفت بنفسها بطل الخيار، وهو كما ترى. مسألة: الحق الحقيق بالتصديق أن حصول الملكية للمتعاملين لا يتوقف على انقضاء الخيار، من غير فرق بين البائع والمشتري، كما هو المشهور بين الاصحاب الذي هو بين الرشد في قبال القول المخالف النادر على فرض ثبوته وعدم إمكان التأويل والتوجيه فيه. ضرورة أن حصول الملكية بنفس البيع أمر عرفي عقلائي مرتكز في الاذهان بلا شبهة ولا ريب، فانا وإن قلنا: إن ماهية البيع هو التبادل الانشائي الجامع بين الفضولي وغيره، لكن حصول الملكية مترتبا على بيع الاصيلين

[ 306 ]

من الاحكام الواضحة العقلائية التي لابد في ردعهم عنها من دلالة واضحة ثابتة بنحو الجزم من الشارع الاقدس، سيما في مثل المسألة التي ذهب فيها المشهور على ثبوتها لما عليه العقلاء، وليس فيها في قبالهم إلا بعض الاشعارات التي لا يصح الاتكال عليها في مقابل الضرورة. وعليه فيصح التمسك بكل ما دل على تنفيذ البيع، كآية وجوب الوفاء بالعقود (1)، والتجارة عن تراض (2) وحل البيع (3) والكلام في المناقشات حول دلالة الآيات وإطلاق بعضها مع الجواب عنها قد مر مستقصى في الجزء الاول من الكتاب، مع أن الاشكال في آية التجارة ووجوب الوفاء موهون بل وكذلك في آية الحل، فان إثبات النفوذ في الجملة كاف في المقام، لملازمة البيع مع خيار المجلس. بل يمكن التمسك بدليل وجوب الوفاء بالشروط بالتقريب الذي مر منا في محله (وبالجملة) كل ما ورد من الشارع الاقدس في هذا المجال تنفيذ للحكم العقلائي وهو حصول الملك بمجرد تحقق البيع والانشاء من الاصيلين. ويدل على القول المشهور جملة من الروايات: (منها) الروايات الواردة في خيار المجلس (4) لا لقوله عليه السلام: " بالخيار " حتى يقال: لعل المراد خيار حل العقد ولو لم يحصل الملكية، وإن كان ذلك أيضا مخالفا لفهم العقلاء، بل لقوله عليه السلام: " وإذا افترقا وجب البيع " إذ من الواضح ان العرف يفهم منه ان الافتراق غاية للخيار وموجب للزوم فقط، لا انه موجب له ولاصل الملكية، فلو كان حصولها متوقفا


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) سورة النساء: 4 - الآية 29. (3) سورة البقرة: 2 - الآية 275. (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الخيار.

[ 307 ]

عليه لوجب التنبيه عليه مع حكم العقلاء على خلافه، وهذا مما لا ينبغي الاشكال فيه. (ومنها) جملة من الروايات (1) المشتملة على رد الجارية من الجنون والبرص والجذام والقرن، فان المراد من الرد وإن كان فسخ العقد بتلك العيوب، لكن التعبير بالرد ظاهر في أنه ملكها فله ردها في الملكية بالخصال المذكورة، وهو واضح للمتدبر. (ومنها) ما دل على جواز النظر إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء كصحيحة ابن رئاب (2) وفيها بعد ما ذكر سقوط الخيار باحداث الحدث " قيل له: وما الحدث؟ قال: أن لامس أو قبل أو نظر منها إلى ماكان يحرم عليه قبل الشراء " فان الظاهر المتفاهم عرفا أن الشراء موجب لحلية النظر لكونها ملكا له، لا أن النظر موجب للملكية والمقارنة الخارجية بين النظر والملك توجب حصوله في حال الملك، فانه نظر دقيق فلسفي مخالف لفهم العرف، بل الظاهر من صدرها ايضا أن إحداث الحدث كاللمس والتقبيل جاز له بالشراء، والحمل على ما ذكر آنفا خلاف فهم العرف. وعلى ذلك لا فرق في الدلالة على المشهور بين القول بالكشف أو النقل كما ان المقايسة بين ذلك وبين المطلقة الرجعية التي ورد فيها انها بحكم الزوجة (3) في غير محلها، لان الظاهر من الروايات هناك جواز النظر قبل حصول


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الخيار. (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الخيار. (3) يستفاد ذلك من مضامين الاخبار المروية في الوسائل - الباب - 1 - من ابواب اقسام الطلاق والباب - 13 - منها - الحديث 6 والباب - 20 - منها - الحديث 11 والباب - 18 و 20 و 21 - من ابواب العدد من كتاب الطلاق.

[ 308 ]

الرجوع، فانها بحكم الزوجة في الاحكام إلا ماندر، فقياس المقام بما هناك لرد ما ذكرناه من الاستئناس أو الدلالة في غير محله. (ومنها) ما دل على ان النماء في زمن الخيار للمشتري كرواية اسحاق ابن عمار (1) قال: " حدثني من سمع أبا عبد الله عليه السلام وسأله رجل وأنا عنده، فقال: رجل مسلم احتاج - إلى ان قال -: على ان تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد علي، فقال: لا بأس بهذا إن جاء بثهمنها إلى سنة ردها عليه، قلت: فان كان فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة لمن تكون الغلة؟ فقال: للمشتري، ألا ترى أنه لو احترقت لكانت من ماله؟ ". وظاهر الذيل إرجاعه إلى ارتكازه العقلائي من أن الدار ماله، وإذا تلف تكون من ماله فتكون الغلة له، والحمل عليه شرط النتيجة خلاف الظاهر كما تقدم، كما ان الحمل على حدوث الخيار بعد المجئ بالثمن خلاف الظاهر، فان قوله: " إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة " ظاهر في الخيار في تمام السنة وأن الاتيان بالثمن لفسخ المعاملة أو فسخ للمعاملة، فيترتب عليه لزوم الرد، وهذا واضح عرفا، المناقشة فيه غير واردة. (ومنها) رواية بشار (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع المتاع بنساء فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه، قال: نعم لا بأس به، فقلت له: اشترى متاعي، فقال: ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك " والظاهر من قوله عليه السلام: " ليس هو متاعك ولا بقرك " أن هذا الحكم ثابت في بيع الحيوان أيضا. فالقول بأنه ليس في مقام البيان حتى يشمل البيع الخياري غير وجيه


(1) الوسائل - الباب - 8 من ابواب الخيار - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العقود - الحديث 3.

[ 309 ]

كما ان الظاهر منه بحسب ارتكاز العرف ان المتاع متاعه بالبيع لا بانقضاء الخيار. وأما قول السائل: " اشتري متاعي " فلعله من أجل انه استغرب من الشراء منه فوار، فكان المبيع متاعه الذي لم يمض من بيعه زمان، وقد نقل عن العامة في هذه الروايات أن هذا فاسد إن لم يفصل بالشهر، ولعل هذا صار موجبا لتعجبه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " ليس متاعك " وكيف كان لا إشكال في دلالة تلك الروايات على المطلوب. ونحوها صحيحة محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " سألته عن رجل أتاه رجل، فقال: ابتع لي متاعا لعلي اشتريه منك بنقد أو نسيئة، فابتاعه الرجل من اجله، قال: ليس به بأس إنما يشتريه منه بعد ما يملكه " فان الظاهر منها بعد ما يملكه بالبيع المذكور، ومقتضى إطلاقها الشمول للبيع الخياري، وتوهم عدم الاطلاق في غير محله. (وأما) النبوي المشهور (2) وهو قوله صلى الله عليه وآله: " الخراج بالضمان " ما يستدل به للمشهور تارة ولخلافه اخرى فهو مشتبه المراد، وقد ذكرنا سابقا أن الظاهر من الخراج هو الخراج المتعارف في الدول، ومنها الدولة الاسلامية، فيراد من هذه الرواية أن الخراج الذي يأخذ الدولة ليس مجانا وظلما، بل في مقابل الضمانات التي على عهدتها من حوائج المسلمين والامة، فمفاده أجنبي عما ذكره أبو حنيفة في الدابة المستأجرة، كما انه أجنبي عما ذكر للمشهور ولخلافه، ومع الغض عما ذكر ففيه احتمالات موجبة لسقوطه عن الاستدلال ولهذا استدل به للقولين. واستدل للقول المقابل للمشهور بأمور عمدتها بعض الروايات، كصحيحة


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب احكام العقود - الحديث 8. (2) سنن البيهقي ج 5 - ص 321.

[ 310 ]

عبد الله بن سنان (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الدابة أو العبد ويشترط إلى يوم أو يومين، فيموت العبد والدابة أو يحدث فيه حدث على من ضمان ذلك؟ قال: على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة ايام ويصير المبيع للمشتري " فانها تدل على المطلوب من جهتين: أولاهما الحكم بأن الضمان على البائع، والمراد به الخسارة، ولا يعقل أن تكون الخسارة إلا على صحاب المال، ثانيتهما قوله عليه السلام: " ويصير البيع للمشتري " أي يصير ملكا له بمضي الخيار. وفيه أولا ان في الرواية احتمالات: (منها) ان يكون المراد بالضمان المسؤول عنه الخسارة والذهاب من الكيس، وان السائل تردد في انها من كيس البائع فيكشف عن كون المبيع ملكا له في زمان الخيار، أو انها من المشتري فيكشف عن انه صار ملكا له بالبيع، واستكشف من الجواب انه ملك البائع إلى ان ينقضى الخيار. (ومنها) ان يكون المراد بالضمان أعم من الخسارة والضمان المعهود أي العهدة، فأراد استفسار ان ضمان العهدة على البائع غير المالك، أو الخسارة على المشتري المالك باحتمال ان التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له. (ومنها) ان يكون المراد بالضمان ما هو المعهود أي العهدة، فتردد في ان العهدة في البيع الخياري على البائع، فيكون المشتري مالكا في زمان الخيار، أو على المشتري حتى يكون البائع مالكا، فأجاب بما ذكر واستكشف منه ان المشتري مالك. (ومنها) ان يكون المراد منه الضمان المعاوضى، وانه على ايهما، فقال عليه السلام: " على البائع " فيرجع الكلام إلى ان التلف يوجب الانفساخ ويكون على البائع ضمان الثمن للمشتري.


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الخيار - الحديث 2.

[ 311 ]

ثم إنه لا شبهة في ان الظاهر من قوله: " على من ضمان ذلك؟ " وقوله عليه السلام: " على البائع " هو الضمان المعهود، والحمل على الخسارة بعيد وإن استعمل فيها في بعض الرويات، وحيث إن الضمان المعهود لا يعقل في مال نفسه، فلابد وان يكون المال للمشتري حتى يصح الضمان، فيرجح احد الاحتمالين الاخيرين، أي ضمان العين المملوكة للمشتري، أو الضمان المعاوضي، أي ضمان الثمن الملوك له، وهذا الظهور يرفع ظهور الذيل لو سلم ظهور اللام في الملكية مع انه ممنوع، بل لا يستفاد منها إلا نحو اختصاص، ويصح ان يقال مع كون المبيع ملكا للمشتري: إنه يصير له بعد انقضاء الخيار، حيث انه لا يختص به بقول مطلق وبلا تزلزل إلا بعد مضى الخيار. ولو اغمض عنه وعن تحكيم ظهور الصدر على الذيل، سيما مع وضوح الحكم العقلائي بترتب الملك على العقد في الاصيلين في البيع الخياري وغيره فلا اقل من الاجمال الموجب لسقوط الاستدلال. وعلى فرض تسليم الدلالة فلا ينبغي الاشكال في أظهرية الروايات المخالفة لها، كمصححة بشار بن يسار (1) وفيها " ليس متاعك ولا بقرك ولا غنمك " ولو تنزلنا عن ذلك يقع التعارض بينهما، وكلاهما في خيار الحيوان، والترجيح للروايات الموافقة للمشهور لو لم نقل بأن الشهرة الكذائية تجعل مقابلها بين الغي، ومع الغض عن ذلك والقول بسقوطهما فالمرجع الادلة العامة، بل الحكم الواضح العقلائي مع عدم صلاحية الرواية للردع، ولا مجال معها للاصل، كما هو واضح.


(1) راجع التعليقة (2) ص 308.

[ 312 ]

مسألة: ومن أحكام الخيار كون المبيع في ضمان من لا خيار له في الجملة حتى على القول بالتملك بالعقد، ولا يخفى أن دعوى الاجماع أو الشهرة المتعمدة في هذه المسألة في غير محلها بعد كونها اجتهادية يمكن اتكال القوم فيها على استفادة المناط من الروايات، كصحيحة ابن سنان فدعوى (1) أن قولهم: " التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له " قاعدة لا خلاف فيها على فرض صحتها لا تفيد شيئا، مضافا إلى المناقشة في صحتها. فالعمدة في المسألة بعد كونها على خلاف القاعدة على المذهب المنصور هي الروايات، وعمدتها صحيحة ابن سنان (2) وفيها " على البائع - اي الضمان - حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري " وعن التهذيب (3) زيادة قوله: " شرط له البائع أو لم يشترط، قال: وإن كان بينهما شرط اياما معدودة فهلك في يد المشتري قبل ان يمضى الشرط فهو من مال البائع ". بتقريب انها وإن كانت مختصة بحسب المورد بالحيوان إلا أن المستفاد منها عموم الحكم لكل خيار، خرج خيار العيب وبقي الباقي، وذلك لانه يستفاد منها أن انقضاء الخيار الذي سماه الشرط وصيرورة المبيع للمشتري - أي لزوم العقد - هو تمام الموضوع لرفع الضمان، فالضمان بحسب الفهم العرفي من الرواية إنما ثبت لاجل تزلزل العقد وكونه خياريا، من غير


(1) و (2) راجع التعليقة (1) ص 310. (3) ذكر صدره في الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الخيار - الحديث 3 وذيله في الباب - 8 - منها - الحديث 2.

[ 313 ]

دخالة للزمان فيه ولا للبائع والمشتري ولا لاتصال الخيار بالعقد وعدمه، فدعوى اختصاصه بالخيار الزماني، وبخصوص البائع، وبخصوص الخيار المتصل بالعقد، حتى انه لو أسقط في ضمن العقد خياره في اليوم الاول وبقي له الخيار يومين لما كان في ذلك ضمان على البائع غير وجيهة، لاستفادة العلية من الرواية، وأن تمام العلة هو الخيار ولا دخل لغيره. وبوجه آخر إن مناسبة الحكم الموضوع توجب إلقاء الخصوصية عما اخذت في الرواية، ككون المورد هو الحيوان أو هو مع الشرط، وكون الخيار متصلا بالعقد مستمرا إلى زمان التلف، وكونه للمشتري، مع أن تلك الخصوصيات في لسان السائل وما وقع في الجواب تبع له، فلا دلالة فيها على الخصوصية. مضافا إلى ما قيل: من ان الرواية على نقل الصدوق " حتى يصير البيع للمشتري " أي يصير البيع لازما، فيكون المناط تزلزل البيع من غير فرق بين متعلقاته. هذا مضافا إلى الشهرة المنقولة، وهي وإن لم تكن حجة مستقلة في المقام لكنها تكشف عن فهم أهل اللسان من الروايات التعميم، فالمناقشة في الدلالة كالشبهة في مقابل الضرورة، هذا. لكن بعد اللتيا والتي استفادة العموم منها مشكلة بل ممنوعة، لان الحكم على خلاف القواعد المحكمة العقلائية والشرعية، ولا دلالة لفظية في الرواية على العلية أو المناط كما لا يخفى، وإلقاء الخصوصية ممنوع، لاحتمال أن للحيوان خصوصية ليست في غيره، ولهذا يختص ببعض الاحكام، ككون خياره ثلاثة ايام، وتوهم كون ذكر الحيوان من باب المثال في غاية السقوط، ومجرد كون الخصوصية في لسان السائل لا يوجب الالقاء بلا فهم

[ 314 ]

المناط عرفا، بل في رواية ابن رباط (1) عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام ابتداء قال: " إن حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة ايام فهو من مال البائع " بل يمكن استفادة الخصوصية منها، إذ لو كان الحكم عاما لما كان وجه للتقييد به. وما قيل من نقل الصدوق الرواية المتقدمة بقوله عليه السلام: " حتى يصير البيع للمشتري " غير ثابت، بل الثابت خلافه، كما في الوافي مع ضبطه واتقانه والوسائل والفقيه المطبوع، فعلى هذا يكون اشتباه بعض النسخ المخالف على فرض تحققه مقطوعا به بعد ما كان الكافي والتهذيب والنسخ الاخر من الفقيه على خلافه، مضافا إلى انه على فرض صحة النسخة لا يصح إلقاء الخصوصية بعد سبق ذكر الحيوان وقوله عليه السلام: " حتى ينقضي الشرط ثلاثة ايام ". (نعم) اختلاف النسخ على فرض تحققه يوجب الوهن في القول المقابل للمشهور في المسألة السابقة من ان مضي الخيار شرط في تحقق الملك فان عمدة المستند له هذه الرواية، والشهرة مع عدم ثوبتها لا توجب ظهور الكلام، واجتهادهم ليس حجة على غيرهم. والانصاف أن التعدي عن مورد الرواية إلى غيره غير وجيه، فالحاق خيار المجلس به في غير محله، ومجرد إطلاق الشرط عليه لا يوجب التعدي بعدما كان المراد بالشرط في الروايات هو خيار الحيوان. بل في التعدي إلى خيار الشرط في غير الحيوان أيضا كلام بعد ما كانت الروايات مختصة بالحيوان، ولم يكن له مستند إلا ذيل صحيحة ابن سنان (2) على رواية التهذيب، وهو قوله عليه السلام: " حتى ينقضي الشرط


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الخيار - الحديث 5. (2) راجع التعليقة (3) ص 312.

[ 315 ]

ثلاثة ايام ويصير المبيع للمشتري، شرط له البائع أو لم يشترط، قال: وإن كان بينهما شرط أياما معدودة فهلك في يد المشتري قبل ان يمضي الشرط فهو من مال البائع " بدعوى ان الشرط بينهما أياما معدودة شامل للزائد عن ثلاثه أيام ويعم ما إذا كان في بيع غير الحيوان إذا كان الشرط للمشتري بقرينة قوله: " من مال بائعه ". إذ يمكن ان يقال: إن صدر الرواية وجميع فقراته إلى قوله ذلك مخصوصة بالحيوان، وهي قرينة على ان المراد من الذيل أيضا الشرط في الحيوان، وإنما ذكر ذلك لبيان عدم الاختصاص فيه بالثلاثة، وذلك لخصوصية فيه أولا، ولظهوره في الاختصاص بخيار المشتري الذي مر حكمه في ثلاثة ايام وإلا فلو كان الحكم لخيار الشرط مطلقا لم يكن وجه فالاطلاق فيها محل إشكال (نعم) لا اشكال في استفادة أمر زائد منها بالنظر إلى الذيل وهو الشرط الزائد عن ثلاثة ايام (والانصاف) ان دعوى اختصاص الروايات جميعا بالشرط في الحيوان غير مجازفة. ولو سلم إلحاق الشرط مطلقا بالحيوان فلا ينبغي التأمل في عدم إلحاق خيار المجلس، فضلا عن سائر الخيارات، لفقد الدليل بعد كون الحكم على خلاف القواعد. وأما ما افاده الشيخ الاعظم (قده) في وجهه من قوله: أما الغبن والعيب والرؤية وتخلف الشرط وتفليس المشتري وتبعض الصفقة فهي توجب التزلزل عند ظهورها بعد لزوم العقد، والحاصل ان ظاهر الرواية (1) استمرار الضمان الثابت قبل القبض إلى إن يصير البيع لازما على المشتري، وهذا مختص بالبيع المتزلزل من اول الامر، انتهى.


(1) راجع التعليقة (3) ص 312.

[ 316 ]

ففيه - مضافا إلى مخالفته للتحقيق في بعضها كالغبن والعيب، ونحوهما مما يوجب الخيار من أول الامر - انه لا ظهور في الرواية في انه استمرار للضمان الثابت قبل القبض، ولا ظهور فيها في الاختصاص بالبيع المتزلزل من أول الامر، بل الظاهر من قوله عليه السلام: " على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة ايام " ان الميزان تحقق الخيار مطلقا، وينتهي امده بانقضائه لا الثلاثة ايام، ولا الخيار من حين العقد، ولهذا لا ينبغي الاشكال في ثبوت الضمان في خيار الحيوان لو اشترط في ضمن العقد سقوطه في اليوم الاول إذا تلف في زمان خياره، نعم ظاهر الروايات السؤال عن الشرط المتصل بالعقد كشرط يوم أو يومين. وكيف كان لا إشكال في ثبوت الضمان في خيار الحيوان، سواء كان التزلزل من أول العقد أم لا، لاطلاق بعض الروايات (1) والمتفاهم منها عرفا أن الميزان مضي الخيار بنحو الاطلاق وصيرورة المبيع له، كما يظهر بالتأمل فيها، فدعوى صدق اللزوم في الجملة فيما إذا كان السقوط في اليوم الاول أو الوسط في غير محله، كما لا إشكال في ثبوته في الشرط في خصوص الحيوان، سواء شرط أياما متصلة بالعقد أم منفصلة عنه، وشرط بمقدار خيار الحيوان أو اكثر أو اقل، كما لا إشكال في عدمه في سائر الخيارات وأما في خيار الشرط في غير الحيوان فلا يخلو من تأمل وإشكال. وأما ضمان الثمن فلا يبعد ثبوته إذا كان حيوانا، فإذا باع حيوانا بحيوان أو بغيره من العروض فالخيار ثابت لصاحب الحيوان بائعا كان أو مشتريا، كما مر القول فيه في خيار الحيوان، ولا يبعد ثبوت الضمان ايضا على من لا خيار له، لما ذكرنا سابقا من صدق صاحب الحيوان وصدق المشتري والبائع عليهما، فراجع، والحاصل ان الثبوت لصاحب الحيوان


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الخيار.

[ 317 ]

مطلقا غير بعيد. وأما ثبوت الضمان في الثمن فيما إذا لم يكن حيوانا بأن يكون تلفه في مدة خيار البائع المختص به على المشتري فمحل إشكال بل منع، لفقد الدليل واختصاص الاخبار بالمبيع، ودعوى القطع بالمناط في غير محلها، بل دعوى استفادة الاختصاص بالحيوان وعدم الثبوت في الاثمان والعروض غير الحيوان غير بعيدة. والتمسك باستصحاب ضمان المشتري للثمن قبل القبض إلى ما بعده في غير محله، مع ما فيه من الاشكال، لانه لا ينبغي الاشكال في انه من استصحاب الكلي من القسم الثالث، لا من قبيل استصحاب الشخص. بداهة ان الحكم الثابت لما قبل القبض على فرض صحة - وسيأتي الكلام فيه - حكم كلي ثابت لموضوع هو الشئ قبل قبضه، وحكم التلف في زمان الخيار أيضا حكم كلي ثابت لموضوع آخر مخالف للموضوع الاول، فلا يعقل ان يكون الحكمان واحدا، وعلى ذلك إذا وجد في الخارج فرد من أحدهما فهو مخالف للفرد من الآخر، فاستصحاب الحكم الشخصي لا وجه له (وأما الكلي) فالاشكال فيه ليس من اجل كونه كليا من القسم الثالث وإن كان له وجه في مثل المورد، بل لاجل ان الكلي المنتزع من المصداقين أو الكليين ليس بحكم شرعي ولا موضوعا له، فلا يجري استصحابه، والمقام من قبيله، هذا إذا كان الضمان في القاعدتين بمعنى واحد، إما ضمان المعاوضة أو ضمان التلف، وإلا فالاشكال أوضح. ثم على فرض جريان الاستصحاب المذكور فلا يعارضه استصحاب عدم انفساخ العقد، فان المفروض ثبوت الانفساخ بحسب الحكم الشرعي المستفاد من الروايات فيما إذا تلف الثمن أو المثمن، فالحكم الشرعي قضية تعليقية، فكأنه قال: إذا تلف الثمن انفسخ العقد وكان من مال المشتري،

[ 318 ]

ومع الشك في ثبوت هذا الحكم التعليقي الثابت قبل القبض يستصحب، فيقال: إذا تلف بعد القبض في زمان الخيار يكون من ماله وينفسخ العقد وهذه الكبري الشرعية المستصحبة حاكمة على الاستصحاب التنجيزي، أي أصل عدم الانفساخ، لان الميزان الذي ذكرناه في باب الحكومة محقق، فراجع محاله. ثم إن القاعدة هل تجري في الكلي، كما لو باع الحيوان الكلي الموصوف فأقبض فردا منه فتلف في زمان الخيار أم لا؟ وجهان: أو جههما الثاني، اقتصارا فيما خالف القواعد على مورد النصوص، ودعوى اطلاقها في غير محلها حتى مثل رواية علي بن رباط (1) عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة أيام فهو من مال البائع " فان الظاهر منها أن المراد هو الحيوان المشتري، لا ما ينطبق عليه عنوان المبيع أو أعم منه ومما ينطبق. ودعوى ان المبيع الكلي إذا انطبق على الفرد يصدق عليه المبيع فتشمله الروايات، كقوله عليه السلام: " لا ضمان على المبتاع حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع له. في غير محلها، ضرورة أن اطلاقه عليه احيانا يكون بتأول وتجوز، وإلا فمن الضروري أن العقد وقع على عنوان قابل للصدق على الكثيرين، والافراد الخارجيه القابلة لانطباقة عليها لا تكون مبيعا والتسليم بعد العقد ومضيه لا يعقل ان يصير سببا للتعلق، بل موجب لانطباق ما تعلق به العقد وهو الحيوان على الفرد الذي هو مصداق له، فكما ان المصداق ليس بكلي قابل للصدق عليه الكثيرين كذلك ليس بما تعلق به العقد وهو الكلي (نعم) قد يقال في المتعارف: اشتريت هذا الحيوان، لكنه على


(1) راجع التعليقة (1) ص 314.

[ 319 ]

الوجه المسامحي لا الحقيقي، ودعوى المناط بحيث يسري به الحكم من المبيع إلى المقبوض بالبيع ليست وجيهة. وأما ما افاده الشيخ الاعظم (قده) في المقام من ان مقتضى ضمان المبيع في مدة الخيار بقاؤه على ما كان عليه قبل القبض، ودخول الفرد في ملك المشتري لا يستلزم انفساخ العقد، بل معنى الضمان بالنسبة إلى الفرد صيرورة الكلي كغير المقبوض، وهذا لا يدل عليه الاخبار، ثم أمر بالتأمل. فغير ظاهر، لان المراد ببقائه على ما كان عليه قبل القبض إن كان بقاء الضمان الشخصي فيكون الضمان في زمان الخيار شخص الضمان الثابت فيما قبل القبض حتى يستنتج منه عدم الضمان في الكلي، لان الكلي ما لم يقبض لا معنى لتلفه، وبعد ما قبض لو تلف لم يكن من تلف الكلي ولا من التلف قبل القبض، فلا معنى لبقاء الضمان الشخصي فيه، فهو ممنوع، إذ لا دليل عليه رأسا، بل ظاهر الادلة على خلافه، كما مرت الاشارة إليه في تقرير الاستصحاب الشخصي في الفرع السابق. وإن كان المراد مماثلتهما في الضمان في ان كلا منهما ضمان معاملي، فعلى فرض صحته لا يستنتج منه ما أراده، لان كلا منهما قاعدة مستقلة في موضوعها، ولا يتفرع إحداهما على الاخرى، فيمكن عدم الالتزام بقاعدة التلف قبل القبض في بعض الفروع مع الالتزام بالقاعدة الثانية، والعمدة قصور الدليل عن اثباته، وعدم فهم المناط، ولا يمكن إلقاء الخصوصية، ولعل ما ذكرناه هو وجه تأمله. ثم إن الضمان في المقام هل هو الضمان المعبر عنه بالضمان المعاملي، كما في الضمان قبل القبض، فينفسخ العقد ويرجع الثمن إلى المشتري ويكون التلف من مال البائع، أو انه ضمان واقعي كما في ضمان اليد والاتلاف،

[ 320 ]

فيكون العقد بحاله ويضمن التالف بالمثل أو القيمة الواقعية؟ فيه خلاف منشأه الاستظهار من الاخبار. يمكن الاستدلال على الاول بأن الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة ابن سنان (1): " وإن كان بينهما شرط أياما معدودة فهلك في يد المشتري قبل ان يمضي الشرط فهو من مال البائع " ومن رواية علي بن رباط (2) عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة ايام فهو من مال البائع " أن التلف حدث في ماله، ولازم ذلك هو انفساخ العقد ورجوع الثمن إلى المشتري سيما وهذا التعبير عين ما في التلف قبل القبض من التعبير في النبوى المعروف (3) المفتى به عند الطائفة وقد فهموا منه الانفساخ ورجوع الثمن بلا مكابرة. وهذا الظهور أقوى من ظهور الضمان في ضمان التالف بالقيمة الواقعية لتردد الضمان بين الامرين ووقوع التعبير به في لسان الراوى، وإنما عبر الامام عليه السلام بمثل تعبيره تبعا لكلامه، مع احتمال ان المعهود عند الراوى باعتبار النبوى المعروف (4) بين الفريقين في الضمان قبل القبض كان هو الضمان المعاملي، فعبر عنه بذلك بنحو من المسامحة، ويشهد له انه لما تعرض أبو عبد الله عليه السلام في صحيحة ابن سنان (5) لحكم الشرط اياما معدودة مستقلا عدل عن تعبير السائل إلى قوله: " فهو من مال البائع " ولا إشكال في ان المراد من الضمان في الصدر هو ما تعرض له في الذيل فكأنه اراد بذلك بيان عدم الفرق في الشرط بين كونه بمقدار خيار الحيوان أو اكثر، وإن شئت قلت: إن ذيل الصحيحة (6) يفسر الضمان ويبين


(1) و (5) و (6) راجع التعليقة (3) ص 312. (2) راجع التعليقة (1) ص 314. (3) و (4) المستدرك - الباب - 9 - من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 321 ]

انه ضمان معاملي لا واقعي. ويؤيد ذلك ان في رواية ابن رباط (1) - التي تعرض للحكم ابتداء من غير سبق سؤال - قال عليه السلام: " فهو من مال بائعه " بمثل تعبير النبوي المعروف. بل الظاهر من المروي (2) عن رسول الله صلى الله عليه وآله " في رجل اشتري عبدا بشرط ثلاثة ايام، فمات العبد في الشرط، يستحلف بالله ما رضيه، ثم هو برئ من الضمان " هو ضمان الثمن، هو مساوق لانفساخ العقد. كما أن الظاهر من رواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله (3) قال: " سالت أبا عبد الله عليه السلام في رجل اشتري أمة بشرط من رجل يوما أو يومين فماتت عنده، وقد قطع الثمن، على من يكون الضمان؟ فقال عليه السلام: ليس على الذي اشترى ضمان حتى يمضي شرطه " أن مراد الامام عليه السلام: بل الرواي أيضا ضما الثمن، من أجل أن الراوي فرض قطع الثمن لا اداؤه والظاهر من مثل هذا التعبير هو فرض ما قبل الاداء، فكان الثمن على عهدته وكان ضامنا له، فحكم بعدمه عند التلف، فتكون موافقه لما تقدم. بل يمكن أن يحمل الضمان في الصحيحة ولو بقرينة ذيلها وبقرينة سائر الروايات (4)، على ضمان الثمن وإن كان بعيدا، ويمكن رفع البعد بأن يقال: إن ضمان الشئ بمعنى ان عليه عهدة ثمنه، ومع عدم القرينة يحمل على ثمنه الواقعي وفي المقام حيث قامت القرينة على ان المراد ثمنه المسمى فسأل عمن هو ضمان له، لتردد الامر لديه بين الانفساخ حتى يكون البائع


(1) راجع التعليقة (1) ص 314. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الخيار - الحديث 4 - 1 - 0 -.

[ 322 ]

ضامنا، أو عدمه حتى يكون المشتري ضامنا لادائه، فقال عليه السلام " على البائع ضمانه " فعلم منه ان البيع منفسخ، بأمل. (وبالجملة) الظاهر تحكيم الظهور في سائر الروايات سيما ذيل الصحيحة (1) ورواية ابن رباط (2) على ظهور الضمان في الضمان بالعوض الواقعي. وأما ما قيل في مقام التأييد لهذا القول من أن ظاهر الروايات (3) بقاء ضمان ما قبل القبض وعدم تأثير القبض في رفعه لا تشريع ضمان على حدة ولازمه بقاء الضمان بالمسمى، وهذا هو الظاهر من قوله عليه السلام: " على البائع حتى ينقضى الشرط ثلاثة ايام " لان معناه أن القبض ليس غاية للضمان، بل الغاية انقضاء شرطه، وهذا هو المحكي عن الشهيد والعلامة (قدهما) وقال به الشيخ الاعظم (قده) ويرجع إلى ان الباقي هو شخص الضمان السابق. ففيه ما أشرنا إليه سابقا من ان الحكم في القاعدتين كلي متعلق بموضوع كلي، وكل من الموضوعين يخالف الآخر، فموضوع احداهما كل مبيع تلف قبل قبضه، وموضوع الاخرى تلفه قبل انقضاء الشرط، وبين العنوانين عموم من وجه، فيجتمع الموضوعان تارة ويفترقان اخرى، وفي مثله لا معنى لبقاء شخص الحكم وقوله عليه السلام: " على البائع حتى ينقضي الشرط " لا يدل إلا على ان الضمان عليه إلى انقضاء الخيار، وأما ان هذا عين الضمان السابق أو مثله أو مخالفه فلا دلالة فيه، فالغاية غاية للحكم الكلي المجعول على موضوعه، وهو التلف في زمان الخيار، لا للحكم المجعول على موضوع آخر اجنبي عنه. (نعم) لو قيل بالضمان الواقعي في المقام وبالضمان المعاوضى في التلف


(1) المتقدمة في ص 310. (2) المتقدمة في ص 314. (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الخيار.

[ 323 ]

قبل القبض ففي مورد انطباقهما كالتلف قبله وقبل مضي الخيار ينفسخ العقد ولا يبقى مجال لاجراء القاعدة الثانية. (وما قيل) من ان القرينة قائمة على الضمان المعاملي، وهي انه مع تعهد الضامن ضمان المسمى، وامضاء الشارع له لا معنى لان يراد الضمان الواقعي (فيه) انه خلط بين القواعد الكلية وغيرها، فانه لا معنى لجعل الضمان الواقعي لموضوع جعل فيه ضمان المسمى، واما إذا كان الحكم على موضوع كلي قد ينطبق على موضوع حكم آخر فلا مانع منه، ونظيره غير عزيز، فالعمدة في المقام ما ذكرناه من دلالة الاخبار. بقي هنا اشكال، وهو ان الضمان المعاملي لا يعقل في حدوث الحدث أي العيب في زمان الخيار، حيث ان الاوصاف لا تقابل الاثمان، فلا معنى لانفساخ العقد بحدوث العيب، ورجوع المسمى بمقداره، فهذا قرينة على ان المراد بالضمان هو الواقعي منه، كضمان اليد، والتفكيك بين تلف العين وحدوث الحدث فيها بعيد عن ظاهر الكلام، كبعد الحمل على جامع يناسب الانفساخ والغرامة كما قيل، فلابد من الحمل على الضمان الواقعي، ولا مانع عقلا من صيرورة الخيار سببا شرعا لغرامة البائع ما تلف في ملكه للمشتري إن دل الدليل عليه. ويمكن دفع الاشكال بأن يقال: إن قوله عليه السلام: " إن كان بينهما شرط اياما معدودة، فهلك في يد المشتري قبل ان يمضي الشرط فهو من مال البائع " كما يمكن ان يكون الوجه فيه انفساخ العقد آناما أو تقديره يمكن أن يكون الوجه فيه هو التعبد بحصول التلف قبل العقد في خصوص هذا الاثر، فيترتب عليه الحكم برجوع المسمى، لفرض أن العقد وقع تعبدا على التالف، فالضمان فيه ضمان المسمى، وكذا الحكم في حدوث الحدث

[ 324 ]

الذي وقع في صحيحة ابن سنان (1) ورواية ابن رباط (2) إن كان المراد به في الثانية خصوص العيب، أو أعم منه ومن التلف، فيكون الوجه في كونه من ماله أنه وقع تعبدا في ماله قبل العقد، ولازمه ثبوت خيار العيب للمشتري. (وبالجملة) يكون الوجه في الموردين امرا واحدا هو حدوث التلف أو الحدث في ملك البائع قبل العقد تعبدا، ولازمه العرفي وقوع العقد عليه وترتيب آثار ذلك عليه، فينتج رجوع المسمى على فرض التلف وثبوت الخيار على فرض حدوث الحدث. بل الظاهر من قوله عليه السلام: " من مال البائع " أنه منه تعبدا لا واقعا، ليكون التعبد في امر آخر وهو الانفساخ، فالحمل على الانفساخ الواقعي أو التعبدي خلاف الظاهر، بخلاف الحكم بوقوعه من ماله تعبدا بعد ما كان مقتضى ملكية المشتري وقوع التلف منه، ففي هذا المورد إذا قيل: التلف من مال البائع يحمل على التعبد وترتيب الآثار لاجل القرينة الحافة بالكلام، فيترتب عليه ضمان ثمنه المسمى، وضمان الحدث، ولعل التعبير بالضمان في العيب لاجل ثبوت الارش، فيه في خيار العيب. ومما ذكرناه يظهر ان في تلف الكل يترتب آثار البطلان من هذه الجهة فقط، لا الآثار الاخر لو كان له أثر، وفي تلف الجزء أو الوصف يحكم بترتب آثار حدوث العيب في ملكه من الخيار والتخيير بين الرد والارش، وحيث كان الحكم مختصا بالحيوان على ما ذكرناه ورجحناه كان الحدث سواء اوجب فقد جزء أو فقد وصف موجبا لخيار العيب. وما قيل - من ان تلف البعض موجب لانفساخ العقد بالنسبة إليه، لان


(1) راجع التعليقة (1) ص 10. (2) راجع التعليقة (1) ص 314.

[ 325 ]

الابعاض يقسط عليها الثمن - في غير مورده، لان مورد حدوث الحدث في الصحيحة (1) ورواية ابن رباط (2) هو الحيوان، ومن الواضح انه لا يقسط على اجزائه الثمن، فهذا الحكم مختص بالحيوان ولو قلنا بجريان حكم التلف في سائر الخيارات. ثم إن القاعدة على القول بها والاخبار الخاصة في بيع الحيوان مخصوصة بمورد التلف، وعليه فلابد في موارد الاتلاف من المشى على القواعد، فلو اتلفه ذو الخيار أو احدث فيه حدثا سقط خياره على التفصيل الذي مر في مقامه، ولو اتلفه غير ذي الخيار ضمن القيمة حال التلف، فان فسخ ذو الخيار يرجع بالثمن المسمى، ومع اختلاف القيمة والمسمى يسترجع مقداره ومع اتلاف الاجنبي يرجع المشتري المالك للحيوان إلى المتلف بالقيمة، ولو فسخ اخذ ثمنه المسمى من البائع ورد عليه قيمته الواقعية حال الفسخ، واما الحكم في غير ما نحن بصدده فقد تعرضنا له في خيار الغبن، فراجع، مسألة: حكي عن العلامة (ره) في التذكرة ان من أحكام الخيار انه لا يجب على البائع تسليم المبيع، ولا على المشتري تسليم الثمن في زمان الخيار، ولو تبرع أحدهما بالتسليم لم يبطل خياره، ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده، وله استرداد المدفوع قضية للخيار، انتهى. أقول: أما على القول الحق من تعلق الحق بالعقد فلا ينبغي التأمل في لزوم تسليم كل مال الغير إلى مالكه، لحرمة حبس مال الغير لو طالبه


(1) راجع التعليقة (1) ص 310. (2) راجع التعليقة (1) ص 314

[ 326 ]

ولقاعدة السلطنة وللحكم العقلائي من لزوم التسليم. ولا ينبغي الاصغاء إلى ما قيل من ان العقد بجميع مداليله المطابقية والالتزامية تحت يد ذى الخيار، فلا يجب عليه التسليم، كما لا يجب عليه الوفاء بأصل العقد، ضرورة ان لزوم التسليم ليس من مداليل العقد لا مطابقة ولا التزاما، بل هو من الاحكام العقلائية والشرعية، كما ان حرمة حبس مال الغير من الاحكام الشرعية بل العقلائية ايضا، ولا يختص هذا الحكم بالعقد غير الخياري، بل مقتضى اطلاق قوله تعالى (1): " أو فوا بالعقود " وجوب العمل على وفق مقتضى العقد وافيا وهو تسليم العوضين، ومجرد ان لذي الخيار فسخ العقد لا يوجب تقييدا للدليل، بل لا يعقل، لان الخيار حق يوجب باعماله رفع موضوع وجوب الوفاء، وكذا القواعد الاخر. وكذا الحال بناء على تعلق الحق بالعين، فان وجوب التسليم الذي هو من الاحكام الواضحة الارتكازية لدي العقلاء موجب لتسليم ذي الحق على هذا الحكم، فلا يصلح حقه لمنع ذلك، مع ان غاية ما يقال على هذا المبنى: مزاحمة حق ذي الخيار لما يلزم منه امتناع استراداد العين، كالاتلاف والبيع ونحوهما، والتسليم ليس كذلك، نعم على هذا القول يجوز له مطالبة الاستيثاق وهو امر آخر، ثم إن في كلام العلامة والشيخ (قدهما) موارد للنظر لا يهمنا التعرض لها. مسألة: لا يسقط الخيار بتلف العين على حسب القاعدة الاولية، لما مر كرارا من ان ماهية العقد هو العقد الانشائي المتحقق اعتبارا بأسبابه، صيرورة


(1) سورة المائدة 5 - الآية 1.

[ 327 ]

المالين ملكا للمتعاملين من الاحكام العقلائية والشرعية مع اجتماع الشروط، وهو امر له البقاء في اعتبار العقلاء، وتوهم انه أمر متصرم ناش من الخلط بين السبب والمسبب وبين الانشاء والمنشأ، وما هو باق هو العقد المضاف إلى العين حال وجودها، وليس في تعلقه بالعين من قبيل الاعراض القائمة بالموضوع الدائرة مداره بقاء وارتفاعا، بل هو أمر اعتباري مضاف إلى العين حال الوجود وباق مع هذه الاضافة ولو تلفت العين، وأن حق الخيار قائم بالعقد الكذائي الانشائي، وان الفسخ حل لهذا العقد الانشائي الباقي حتى بعد تلف العين إلى أن يفسخ، وموجب لرد العين التي تعلق بها العقد إنشاء إلى الحال الاول والعقد والحل الانشائيان أمر، وترتب الاثر وهو النقل واقعا ولو في اعتبار العقلاء أو الرد واقعا أمر آخر. وعلى هذا فلا يكون التلف موجبا لسقوطه وبطلانه، من غير فرق بين تعلق الحق بالعقد كما هو الاقوى أو بالعين، فان المراد بتعلق الحق بها أن لذى الخيار حق استراداها انشاء، وأما حق ارجاع العين الخارجية حقيقة إلى ملكه فهو أجنبي عن الخيار، ضرورة أن رجوع العين حقيقة من آثار رد العين في الملك انشاء، أو حل العقد كذلك، فتدبر جيدا. ثم إن أقوى الاحتمالين هو تعلق الخيار بالعقد، فلذي الخيار حق فسخه ويتبعه رجوع العوضين انشاء ثم اعتبار الرجوع حقيقة لدى العقلاء، وقد مر منا أن الرد الحقيقي، والتمليك الحقيقي غير قابلين للجعل، وليسا تحت قدرة المتعاقدين، ضرورة ان اعتبار العقلاء أو ما هو متقوم به ليس تحت اختيارهما وما هو تحت اختيارهما وقابل للجعل هو الانشائي من العقد وحل وايجاد موضوع حكم العقلاء. ثم إن الخيار عند العقلاء في الخيارات العقلائية كخيار تخلف الشرط والوصف وخيار الغبن والعيب هو حق فسخ العقد كما أشرنا إليه، وعلى ذلك

[ 328 ]

يحمل كل دليل ورد فيه لفظ الخيار كقوله صلى الله عليه وآله (1): " البيعان بالخيار " و: " صاحب الحيوان بالخيار " (2) ضرورة أن ما رود في لسان الادلة يحمل على المعاني العرفية كما في سائر المقالات. فما في تعليقة المحقق الخراساني (قده) من أن المراد من لفظ الخيار في الاخبار غير معلوم، لاحتمال أن يراد به جواز استرداد العين بالفسخ، فيشكل التمسك بمثل " البيعان بالخيار " ولا مجال للاستصحاب بعد التلف. غير مرضي، لان لفظ الخيار في الاخبار محمول على ما هو معناه عند العقلاء والاصحاب بما هم عقلاء ذهبوا إلى أن الخيار حق فسخ العقد وليس لهم في ذلك اصطلاح مقابل العرف والشرع، كما لا اصطلاح للشرع مقابل العرف، وقوله: لاحتمال ان يراد به جواز الاسترداد، ان كان المراد به الاسترداد الخارجي فلا شبهة في فساده، وان كان المراد الاسترداد في الملكية فلا يعقل ان يراد به استرداد الملكية الحقيقية، لما أشرنا إليه من امتناعه فلابد من ارادة الاسترداد الاعتباري الانشائي، وعلى فرضها فلا يتقوم ذلك ببقاء العين، بل يصح مع تلفها، ويظهر وجهه بالتأمل فيما قدمناه ها هنا وسابقا. وأما ما ورد فيه لفظ الرد أو الاسترداد كما في أخبار خيار العيب (3) فقد سبق أنه كناية عن خيار الفسخ، فالمراد بقوله عليه السلام: " له ان يردها " أو " ليس له ان يردها " هو حق الفسخ وعدمه بعد عدم معنى صحيح للرد الخارجي وعدم صحة الرد في الملكية الحقيقية، كما يحمل ما ورد بلفظ الخيار أو حق الرد في الخيارات الجعلية العقلائية على المعنى المعروف


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الخيار. (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الخيار. (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العيوب.

[ 329 ]

(نعم) لا مانع من اشتراط الخيار على فرض وجود العين، فيتبع كما يتبع الدليل الشرعي إذا دل على سقوطه مع تلف العين أو حدث فيه شئ، كما مر في خيار العيب، وأما التلف قبل القبض أو في زمان الخيار المختص فهو ليس مسقطا للخيار، بل رافع لموضوعه، وعلى ما ذكرناه يظهر النظر في كثير من الكلمات، سيما ما في كلمات الشيخ الاعظم وتعليقة السيد الطباطبائي قدس سرهما. مسألة: لو فسخت المعاملة فهل يضمن كل من الفاسخ والمفسوخ عليه ما في يده لصاحبه أم لا؟ والمقصود بالبحث في المقام أن مجرد صيرورة ما في يده بالفسخ لصاحبه هل يوجب الضمان أم لا؟ وأما فيما إذا صارت يده يد عدوان كما لو حبس مال صاحبه مع مطالبته أو علمه بعدم رضاه فلا إشكال في ضمانه. لا يبعد عدم الضمان بمجرد الفسخ فيما إذا تصدى للرد مع الاهتمام في حفظه فتلف في طريقه بلاتعد ولا تفريط، لقاعدة الاحسان، ولعدم بعد انصراف دليل اليد عنه. وأما إذا لم يصر بصدد الرد من دون أن يكون في البين عدوان بل انتظر مطالبة صاحبه لماله فهل هو ملحق بالعدوان في الضمان أو بالاحسان في عدمه؟ وجهان أو جههما الضمان، لاطلاق قاعدة اليد، وعدم انصرافها إلى يد العدوان، ولا دليل على كونه أمانة شرعية، كما انه ليس أمانة مالكية. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في المقام فلا تخلو من إبهام وإشكال، فان قوله: " إنها كانت مضمونة قبل الفسخ والاصل بقاؤه " ان

[ 330 ]

كان المراد به التمسك بالاصل لاثبات ضمان اليد فهو عجيب، لان ما ثبت سابقا هو الضمان المعاملي الساقط بالقبض، واحتمال بقاء الكلي بتجدد فرد منه حال عدم فرد ساقط في المقام، فلا يكون من القسم الثالث ايضا، مع ان استصحاب الكلي لاثبات الفرد مثبت. وإن كان المراد إثبات عدم ما يقتضي كونها أمانة مالكية أو شرعية كما اشار إليه رحمه الله فلا وجه لاثباته بأصل باطل غير جار، بل الاولى على فرض الشك في كونها امانة استصحاب عدم هذا العنوان، أي اصالة عدم كونها امانة مالكية أو شرعية، مع أن في هذا الاصل أيضا إشكال وإن لم يكن بوضوح الاشكال في الاصل الذي تمسك به. وأما قوله في مقام اثبات الضمان أنها قبضت مضمونة، فإذا بطل ضمانها بالثمن المسمى تعين ضمانها بالعوض الواقعي، كما في البيع الفاسد فغير سديد، فان ما قبضه كان ماله ولا معنى لضمانه، والاخذ في مقابل الثمن لا يعد ضمانا، مع ان بطلان ذلك لا يوجب تعين الضمان بالعوض الواقعي وتنظيره بالمقبوض بالبيع الفاسد مع الفارق، كما هو واضح. ففي المسألة إن كان اشكال فانما هو من جهة احتمال كون دليل اليد منصرفا إلى اليد العدوانية، وهو مزيف، ولم يلتزم به الشيخ الاعظم (قده) أو من جهة احتمال الاستئمان الشرعي أو المالكي، وهو ايضا غير مرضي، فالاقوى الضمان إلا في الصورة التي اشرنا إليها، فانه محل إشكال فيها، بل عدمه غير مستبعد، والله العالم. هذا بعض الكلام في الخيارات، والحمد لله أولا وآخرا.

[ 331 ]

القول في النقد والنسيئة مسألة: قالوا: إطلاق العقد يقتضي النقد، فلو اشترطا تعجيل الثمن كان تأكيدا لمقتضى الاطلاق، أقول: قد يراد بالاطلاق ما يقابل التقييد وقد يراد به ما يقابل الاشتراط، ونسبة الاطلاق إلى العقد تعطي أن نفس القرار المعاملي قد يكون مطلقا وقد يكون مقيدا أو مشروطا. ولا يمكن ان يراد من هذا الكلام ما هو ظاهره جزما، فان التقييد والاشتراط في العقد يوجبان فساده، مضافا إلى ان الاطلاق المقتضي للتبادل فعلا مقابل الاشتراط والتقييد المقتضيين لكونه استقباليا غير مربوط بالنقد والنسيئة، فلا محالة يكون المراد به أن العقد مع عدم اشتراط تعجيل الثمن ولا تأجيله يقتضي النقد. وفي عد ذلك من مقتضيات العقد مسامحة، فان العقد بنفسه لا يقتضي إلا التبادل بين العوضين، وهذا الامر موجود في النقد والنسيئة، وأما لزوم الاداء في الحال عند المطالبة أو مطلقا أو في الاستقبال كذلك فليس من مقتضيات العقد، ولا معنى لان يقال: إن إطلاق العقد يقتضي أن يؤدي

[ 332 ]

مال الغير إذا طالبه، بل الصحيح أن يقال: إذا لم يشترطا التأجيل في الثمن فالحكم العقلائي والشرعي المترتب على نتيجة العقد هو وجوب أدائه حينما طالبه من غير ان يكون ذلك من مقتضيات العقد إلا على التأول والمسامحة. ولا يظهر من رواية عمار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل اشترى من رجل جارية بثمن مسمى ثم افترقا، فقال: وجب البيع، والثمن إذا لم يكونا اشترطا فهو نقد " إلا وجوب الاداء وانه نقد، وأما ان ذلك من مقتضيات العقد أو انه حكم شرعي متعلق به إذا لم يشترطا التأجيل فلا تدل عليه. وعلى ذلك لو اشترطا التعجيل يكون تأسيسا لا تأكيدا، ويترتب عليه أحكام الشرط وتخلفه، فما في بعض التعليقات من ان شرط التعجيل مؤكد للاطلاق على الوجه المتعارف للشرط وهو الاسراع عند المطالبة وعدم المماطلة في الاداء غير وجيه. وأما دعوى انصراف العقد إلى النقد بهذا المعنى المطلوب لهم من أنه إذا طالب يجب عليه الاداء فغير واضح، إلا أن يقال بانصرافه إلى التبادل الفعلي، وهذا صحيح لكنه ليس من قبيل انصراف المطلق إلى بعض حصصه بل ظاهر العقد مطلقا هو التبادل فعلا، ومع عدم اشتراط التأجيل يجب رد مال الغير إلى صاحبه. والذي يمكن ان يقال تأييدا لكلام الفقهاء: هو ان البيع الذي هو التبادل الانشائي الاعتباري وسيلة لدى العقلاء للاخذ والاعطاء، ونظرهم إلى العقد آلي للتوسل إلى العوضين، والتسليم والتسلم وإن لم يكن مفاد العقد ولا كان العقد أي التبادل الانشائي مبنيا عليه بحيث يعد من الشرط الضمني ويكون الخيار عند تخلفه، لكنه من الاحكام العقلائية المترتبة على العقد في


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب احكام العقود - الحديث 2.

[ 333 ]

الرتبة المتأخرة عن الحكم بحصول الملكية، وهذا الحكم المترتب على العقد ليس هو محض لزوم رد مال الغير إليه، كرد الامانة أو المغصوب، بل له حيثية زائدة وهي لزوم الوفاء بالعقد بحيث لو لم يف احدهما لم يلزم الوفاء على الآخر، وهذا من احكام العقد بما هو كذلك. وعلى هذا فيصح أن يقال: إطلاق العقد بمعنى عدم اشتراط التأجيل فيه محمول على النقد، ويجوز لكل منهما مطالبة صاحبه بالتسليم، للحق العقلائي زائدا على أصل الملكية، ويجب على كل منهما الوفاء وجوبا عقلائيا. ومما ذكرناه يظهر ان تعليل العلامة قدس سره غير موافق لما قالوا من ان اطلاق العقد يقتضي النقد، وإن كان صحيحا في نفسه، فان وجوب رد مال الغير إليه عند المطالبة أمر، ووجوب الوفاء بالعقد أمر آخر، وكون العقد بلا شرط تأجيل المثن محمولا على النقد بحيث يترتب عليه بعد تحققه لزوم الوفاء به مع المطالبة امر ثالث. كما يظهر النظر في محكي كلام الشهيد الثاني (قده) من ثبوت خيار الشرط مع الاطلاق، واستحسنه الشيخ الاعظم (قده) فان العقد الانشائي لم يكن مبنيا على ذلك، بل هو حكم عقلائي مترتب عليه. كما ظهر ان اشتراط التعجيل في ضمن العقد ليس مؤكدا لمقتضى العقد ولا للحكم العقلائي المتأخر برتبتين، بل الشرط تأسيس كما اشرنا إليه وثمرته - مضافا إلى ثبوت الخيار عند التخلف - لزوم التعجيل عملا بالشرط ولو مع عدم المطالبة، سيما إذا كان المشروط له غافلا أو جاهلا، بل ومع علمه، إلا إذا كان السكوت رفضا لحقه وإمهالا لصاحبه، فان السكوت يمكن ان يكون لاجل حصول التخلف وثبوت الخيار بناء على ثبوته مع إمكان الاجبار ايضا، ودعوى ان هذا الشرط، محمول على التعجل عند المطالبة خالية عن الشاهد بعد اطلاق الشرط، واحتمال ان يكون

[ 334 ]

الشرط لاجل الاستغناء به عن المطالبة، لكونها امرا شاقا على الشارط. وكيف كان لا يكون شرط التعجيل من الشرط المجهول الموجب للبطلان، لانه امر عرفي يحمل الشرط عليه، وفي مثله لا يكون غررا عرفا. وإن شئت قلت: إن التعجيل على فرض كونه ذا مراتب محمول على التعجيل في اول الازمنة، اي التعجيل في التعجيل، فان اصله ثابت بلا شرط، فهو لامر زائد، لا لان المطلق مقتض لذلك، كما قيل في الواجب المطلق: إنه يحمل على التعييني العيني النفسي، فان حمل المطلق المتساوي النسبة إلى الاقسام على احدها بلا وجه، وما قيل في وجهه فاسد، كما قلنا في محله. ثم إن الحكم بثبوت الخيار هل هو موقوف على عدم امكان الاجبار أم لا؟ فيه كلام، لا يبعد أن لا يكون متقيدا عند العرف، وإن كان للشارط إلزامه على العمل، لكن لو لم يلزمه وتخلف عن الشرط فالخيار عرفي، فما في محكي الجواهر من لزوم التقييد غير ظاهر، وعلى فرض كونه متقيدا فما افاده الشيخ الاعظم (قده) في جوابه متين، وما في تعليقات بعض السادة من الاشكال عليه في غير محله، فراجع. مسألة: يجوز شرط تأجيل الثمن، ويشترط فيه ان يكون معلوما عرفا بحيث يخرج عن الغرر بنظر العرف، كشهر أو سنة، ولا يلزم العلم بعدد ايامهما كما لا يلزم العلم بمثاقيل الاوزان، فلو عين المن الكذائي أو الكيل كذلك مما هو معروف عند العامة ولم يعلم مثاقيله أو عدد صيعانه صح، ولا تضر هذه الجهالة، إذ لا يجب في رفع الغرر العلم بجميع الجهات كالعلم بكون

[ 335 ]

الشهر تاما أو ناقصا والسنة كم يوما، ويدل على لزوم التعيين بما ذكر دليل نفي الغرر (1) على ما هو المعروف بين الفريقين من انه بمعنى الجهالة، بل في الروايات الواردة في السلم (2) - وإن كان عكس المسألة - تأييد أو دلالة على ذلك، لان المستفاد منها ان اعتبار معلومية الاجل لاجل دفع الغرر وان الجهالة بهذا المقدار مضرة فتلقى خصوصية المثمن والسلم، فما في بعض التعليقات من استعجابه لكلام الشيخ الاعظم (قده) في غير محله. ولا فرق في الاجل بين القصير والطويل إذا لم يكن طول الاجل بحيث يخرج شرطه عن كونه عقلائيا، كألف سنة، ونحوها مما يعد شرطه خارجا عن القرار العقلائي، فما في محكي الدروس من ان الصحة اقرب وقبله الشيخ ايضا لا يخلو من إشكال ومنع، ومجرد حلوله بموت المشتري لا يجعل القرار عقلائيا، سيما إذا احتمل عدم الحلول إلى سبعين سنة، وبالجملة شمول أدلة تنفيذ المعاملات لمثل ذلك محل إشكال، وأما ما ورد في الروايات من النهي عن التأخير إلى ثلاث سنين، كرواية قرب الاسناد (3) وغيرها فمحمول على الكراهة أو الارشاد، كما يظهر بالتأمل فيها. ثم إنه لو جعل مدة أزيد من عمر المشتري وكان الحكم الشرعي حلوله عند موته فالظاهر انه لا إشكال فيه، لا من جهة اللغوية، فانه يمكن ان يكون هناك غرض عقلائي، ولا من جهة خلاف الشرع، لان اشتراطها لا يرجع إلى شرط عدم الحلول عند الموت حتى يكون مخالفا للشرع. ثم إن المعتبر في التعيين ها هنا وفي كل مورد يعتبر فيه ذلك هو الذي يرتفع به الغرر، فلابد من كونه معلوما عند المتبايعين، والمعلومية عند غيرهما


(1) سنن البيهقي ج 5 - ص 338. (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب احكام العقود. (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب احكام العقود - الحديث 3.

[ 336 ]

أو في علم الله لا يرفع بها الغرر، فجعل المدة إلى عيد المهرجان مثلا مع عدم علمهما بأنه في أي شهر لا يصح. مسألة: لو باع بثمن حالا وبأزيد منه مؤجلا، بأن قال: " بعتك هذا بعشرة يدا بيد وبعشرين إلى رأس الشهر " وأراد بذلك ان يقبل احدهما فالظاهر صحته حسب القواعد إن قبل واحدا منهما معينا، فانه ينحل إلى ايجابين، ولا جهالة في شئ منهما، وإنما الجهل في انه يقبل هذا أو ذاك وهذه الجهالة غير مضرة، إذ لم يكن غرر في اصل المعاملة، وهذا نظير ما إذا اوجب إيجابا واحدا ولم يدر حينه أنه هل يقبل المشتري أو لا؟ فقبل، أو من قبيل ما لو باع سلعة بعشرة وسلعة اخرى بعشرين ولم يدر ان المشتري يقبل ايهما، فانه لا ينبغي الاشكال في الصحة إن قبل واحدا منهما تعيينا، ولا يبعد ان لا تكون هذه الصورة محط بحث الفقهاء. ويظهر من بعضهم ان موضوع البحث ما إذا اوجب البائع بنحو ما تقدم، وقبل المشتري بلا تعيين احدهما بأن قال: قبلت واراد التعيين بعد القبول، كما يظهر من الغنية، قال: في المحكي عنه " إن تعليق البيع بأجلين وثمنين كقوله: بعت إلى مدة بكذا وإلى اخرى بكذا يفسده، فان تراضيا بانفاذه كان للبائع أقل الثمنين في ابعد الاجلين بدليل اجماع الطائفة " والظاهر من قوله: " فان تراضيا بانفاذه " ان المراد من البيع تمامه ايجابا وقبولا. وقريب منه عبارة المقنعة، قال: " لا يجوز البيع بأجلين على التخيير كقوله: " هذا المتاع بدرهم نقدا وبدرهمين إلى شهر أو سنة " أو " بدرهم إلى شهر وبدرهمين إلى شهرين " فان ابتاع انسان على هذا الشرط كان عليه

[ 337 ]

أقل الثمنين في آخر الاجلين " انتهى. وذيل هذه العبارة صريح في ان القابل قبل ما اوجبه البائع من دون تعين أحدهما، بأن قال بعد الايجابين: " قبلت " واكتفى به، وليس المراد بالتخيير المذكور في عبارته الانشاء تخييرا، لصراحة المثال في خلافه. وعن دعائم الاسلام (1) عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام " ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن شرطين في بيع، وقد اختلف في تأويل ذلك، فقال قوم: ان يقول البائع أبيعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا ويعقد البيع على هذا " إلى آخره. وصريح هذه العبارة ان المراد عقد البيع على هذا، ويظهر ذلك من المتون كالشرائع والنافع والقواعد وكثير من العبارات المنقولة عقيب المتون شرحا، حيث ان الظاهر منها ان المشهور حكموا بالبطلان في مثل الفرض لا فيما إذا قبل احدهما المعين، فعلى ذلك لا إشكال في البطلان، لان قبولهم معا غير معقول، والحمل على احدهما معينا بلا معين وعلى احدهما مخيرا لا معنى له، فيقع باطلا للجهالة، والتعيين بعد البيع لا يفيد. ويظهر من بعضهم ان المراد في الفرع هو الايجاب على نحو التخير كما عن النهاية، قال: " فان ذكر المتاع بأجلين ونقدين على التخيير، مثل ان يقول: " بعتك هذا بدينار أو درهم عاجلا أو إلى شهر أو سنة " أو " بدينارين أو درهمين إلى شهر أو شهور أو سنة أو سنين " كان باطلا، فان امضى البيعان ذلك بينهما كان للبائع اقل الثمنين في آخر الاجلين ". والظاهر منه ايضا قبولهما معا، ولعل هذا فرع آخر غير الفرع المعروف وإن كان بحكمه في البطلان، لا انه تفسير لقولهم: " لو باع بثمن حالا وبأزيد منه مؤجلا " فان الظاهر منه هو الفرض المتقدم الذي قال في


(1) المستدرك - الباب - 2 - من ابواب احكام العقود - الحديث 1.

[ 338 ]

الدعائم: " فقال قوم " إلى آخره. وكيف كان فالايجاب تخييرا باطل، بل غير معقول كالايجاب ترديدا فان النقل الانشائي بهذا أو هذا كنقل هذا أو هذا لا يعقل تحققه واعتباره ونحن وإن قلنا في الواجب التخييري: إنه بعث إلى هذا تعيينا وإلى ذاك كذلك، وتخلل بينهما لفظة " أو " لافهام المخاطب تخييره بينهما، لكن جريان ذلك في مثل النقل الانشائي مشكل بل ممنوع، ففي مثل ذلك لو قبل أحدهما المعين لم يقع صحيحا، لبطلان الايجاب كذلك، بل عدم معقولية النقل الكذائي ولو انشاء فضلا عما إذا قبلهما معا. فتحصل مما مر ان في المسألة التي هي محط البحث تبعا للنص (1) صورتين: احداهما وهي المعروف مالو باع بثمن حالا وبأزيد منه مؤجلا لا بنحو التخيير وثانيتهما ذلك الفرض بنحو التخيير. وربما يتوهم من كلام بعضهم صورة أخرى، وهي الانشاء على نحو التعليق، فعن الناصريات " إن المكروه ان يبيع بثمنين بقليل إن كان الثمن نقدا وبأكثر إن كان نسيئة " لكن الظاهر انه لا يريد الانشاء التعليقي، بل يريد ما هو المعروف بينهم، ويشهد له قول الغنية المتقدم ذكره، فانه مع ذكر التعليق تصريحا مثل بما لا يكون فيه تعليق اصطلاحي. وكيف كان لو فرض الايجاب على نحو التعليق بأن قال: " بعتك بعشرة إن كان نقدا وبعشرين إن كان نسيئة " وقع باطلا بلا إشكال، ولعل ما في الناصريات وما في الغنية عن الاسكافي من قوله في تفسير النبوي (2): " لا تحل صفقتان في واحدة وذلك بأن يقول: إن كان بالنقد فبكذا وإن كان بالنسيئة فبكذا " فرع آخر ومن محتملات قوله صلى الله عليه وآله.


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب احكام العقود. (2) المستدرك - الباب - 2 - من ابواب احكام العقود - الحديث 2.

[ 339 ]

وأما الصورة التي جعلها بعضهم من صور المسألة أي مسألة البيع بثمنين، وهي البيع بثمن حالا وشرط زيادة إلى شهر مثلا - فهي اجنبية عن المسألة وعن كلام الفقهاء وعن النصوص (1) ضرورة انه ليس بيعين بثمنين كما هو المبحوث عنه في كلامهم، ولا بيعين في بيع أو صفقتين في واحدة، ولا موافقا لروايتي السكوني (2) ومحمد بن قيس (3). وعلى اي حال لو باع كذلك وشرط ذلك بطل الشرط وصح البيع وكان نقدا. وما ذكرناه إلى هنا إنما هو بحسب القواعد، وأما الاخبار الواردة فلا يبعد ان تكون بصدد بيان معنى واحد، فيمكن رفع اجمال بعضها بدلالة بعض، فمثل قوله عليه السلام (4): " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيعين في بيع " أو " عن شرطين في بيع " (5) أو " لا تحل صفقتان في احدة " (6) إن كان فيها إجمال ولم نقل بأنها ظاهرة فيما هو المعروف من البيع بثمنين، سيما الرواية الاولى يرفع الاجمال عنها بصحيحة محمد بن قيس وموثقة السكوني. ففي الاولى (7) عن ابي جعفر عليه السلام: من باع سلعة فقال: إن ثمنها كذا وكذا يدا بيد، وثمنها كذا وكذا نظرة، فخذها بأي ثمن شئت، وجعل صفقتها واحدة فليس له إلا أقلهما وإن كانت نظرة قال: وقال عليه السلام: من ساوم بثمنين احدهما عاجلا والآخر نظرة فليسم أحدهما قبل الصفقة ".


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب احكام العقود. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب احكام العقود - الحديث 2. (3) و (7) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب احكام العقود - الحديث 1. (4) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب احكام العقود - الحديث 4 - 3. (6) راجع التعليقة (2) ص 338.

[ 340 ]

وفي الثانية (1) عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام " ان عليا عليه السلام قضى في رجل باع بيعا واشترط شرطين بالنقد كذا وبالنسيئة كذا، فأخذ المتاع على ذلك الشرط، فقال: هو بأقل الثمنين وابعد الاجلين يقول: ليس له إلا اقل النقدين إلى الاجل الذي اجله بنسيئة ". والظاهر منهما ان المراد من مثل قوله صلى الله عليه وآله: " لا يحل صفقتان في واحدة " أو قوله عليه السلام: " نهى صلى الله عليه وآله عن شرطين في بيع " أو " بيعين في بيع " هو البيع بثمنين حالا ونظرة، ويظهر من جميعها ولو برد بعضها إلى بعض ان المراد هو الايجاب بثمنين حالا كذا ونسيئة كذا، ولحوق القبول به كذلك من غير تعيين. وقوله في رواية محمد بن قيس (2): " إن ثمنها كذا وكذا يدا بيد وثمنها كذا وكذا نظرة فخذها بأي ثمن شئت، وجعل صفقتها واحدة " وإن كان يوهم أن الاخذ هو قبول احدهما معينا، لكنه غير صحيح، أما أولا فلان الاخذ يخالف القبول، بل هو التسلم بعد تمام البيع، وثانيا فلان قوله: وجعل صفقتها واحدة يرفع الابهام عنه، فان المراد بالصفقة هو ضرب اليد لتثبيت المعاملة، فهو ظاهر أو صريح في ان المعاملة وقعت على ثمنين آجلا وعاجلا ليختار احدهما بعد ذلك، بل الظاهر أن الروايتين نقل لقضية واحدة عن امير المؤمنين عليه السلام، وصريح الثانية هو اخذ المتاع على الشرط أي الثمنين، فقبل المتاع على الشرط ليختار أحدهما، فتحصل مما ذكر ان جميع الروايات بصدد بيان امر واحد، وهو النهي عن مثل هذه المعاملة التي كانت كأنها معهودة بينهم. ثم لا يبعد ان يكون وجه الجمع بين الروايات (3) حمل ما دلت على


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب احكام العقود - الحديث 2 - 1. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب احكام العقود.

[ 341 ]

النهي عن بيعين في بيع، أو شرطين في بيع ونحوهما على الكراهة أو التحريم لا البطلان، بشهادة روايتي السكوني ومحمد، حيث يظهر منهما الصحة فيما إذا قبلهما صفقة واحدة، والظاهر منهما ان قبول الانشاء - المنحل إلى انشاءين يتقدم احدهما وهو النقد لفظا بل وطبعا - يختص بالنقد بعد ما لم يمكن الاخذ بهما، فالمعاملة محكومة بالصحة في اقل الثمنين ولو أخر الثمن إلى أبعد الاجلين. فقوله عليه السلام في رواية محمد: " فليس له إلا اقلهما وإن كانت نظرة " يدل على انه لا يستحق إلا الاقل ولو ادى نظرة، وليس فيه دلالة على جواز التأخير لو طالبه، فيستفاد منها صحة المعاملة نقدا وعدم جواز المطالبة بالاكثر ولو تأخر إلى أبعد الاجلين. (واما) رواية السكوني فالظاهر من قوله عليه السلام: " هو بأقل الثمنين إلى ابعد الاجلين " انه يستحق الاقل في ابعد الاجلين، لكن ظاهر التفسير الذي في ذيلها، وهو قوله عليه السلام: " يقول: ليس له إلا أقل الثمنين إلى الاجل الذي أجله بنسيئة " انه بصدد بيان انه لا يستحق إلا الاقل ولو إلى آخر المدة، أي لا يستحق الزيادة وإن أخر إلى ابعد الاجلين وليس بصدد بيان جواز التأخير، بل يشعر قوله ذلك بأنه ليس له إلى آخر المدة إلا الاقل، وإن له الاخذ بالاقل إلى آخر المدة، فله المطالبة في هذه المدة، إذ ليست نظرة، فالرواية بمعونة التفسير في ذيلها توافق رواية محمد والظاهر ان التفسير منقول عن الصادق أو ابي جعفر عليهما السلام، وتتمة لحديث السكوني، مع ان الروايتين حكاية لقضية واحدة كما هو المعلوم. فتحصل مما ذكر ان مقتضى الجمع بين الروايات صحة هذه المعاملة نقدا بترجيح لحوق القبول بما هو مقدم طبعا وذكرا وإلقاء القرار المتعلق بالنسيئة، وليس فيها خلاف القواعد المحكمة كما قالوا، والظاهر ان القول

[ 342 ]

بالبطلان واشتهاره بينهم إنما هو من اجتهادهم لا لامر آخر، فلا تكون الشهرة بل الاجماع في مثل هذه المسألة حجة، والله العالم، وحينئذ فالعمل بالروايتين متعين بعدما كانت إحداهما صحيحة والاخرى موثقة، لكن يقتصر على موردهما، فلو بيع بثمنين نسيئة يحكم بالبطلان. مسألة: لا إشكال في ان في النسيئة لا يستحق البائع مطالبة المشتري قبل حلول المدة، ولا يجب على المشتري الاداء قبل حلول الاجل ولو طالبه البائع بذلك فان ذلك مقتضى القرار بينهما، ويحب على البائع الوفاء به. واما لو تبرع المشتري بأداء الثمن قبل الاجل فهل يجب على البائع القبول؟ فيه وجهان، ولابد من تمحيض الكلام فيما إذا وقع البيع نسيئة، بأن قال: " اشتريت منك نسيئة إلى شهر " مثلا، وأما إذا كان تأخير الثمن لاجل الشرط في ضمنه فهو خارج عن محط الكلام. وقبل بيان مبنى الوجهين لابد من التنبيه على أمر، وهو أن النسيئة هل هي بيع متضمن لشرط التأجيل إو لتقييد اطلاق سلطنة البائع على المطالبة متى شاء؟ أو انها بيع خاص مقابل النقد؟ لا بمعنى تقييد وتخصيص للثمن بأن يكون المملوك الثمن المؤجل أو الثمن رأس الاجل، كما قال به بعض أهل التحقيق، بل بمعنى تقييد نفس القرار المعاملي، فالبيع نسيئة صنف من البيع مقابل النقد، لا أنهما شرطان فيه أو قيدان في الثمن. الظاهر العرفي هو ثاني الاحتمالين، ويترتب عليه لزوم التزام كل من البائع والمشتري بالقرار الواقع بينهما، فكما ليس للبائع مطالبة المشتري قبل الاجل، لانه خلاف القرار، كذلك ليس للمشتري إلزامه على القبول قبله

[ 343 ]

لانه خلاف القرار بينهما، ومجرد كون القرار في الغالب لنفع المدين لا يوجب جواز إلزام البائع، ولا وجوب قبوله على خلاف القرار. نعم لو قلنا بأن النسيئة بيع متضمن لشرط تأجيل الثمن أو شرط عدم مطالبة البائع فالظاهر - مع عدم قرينة خارجية - ان المشروط له هو المدين وله حق التأخير وله اسقاط حقه، والبائع ليس له حق بوجه، فلو اسقط حقه صار البيع كالحال، وسيأتي الكلام فيه في المسألة الآتية، هذا. واما الوجوه التي ذكروها فليست مرضية مثل ما عن التذكرة من ان التعجيل فيه منة، فانه غير مطرد، بل في الغالب ليس كذلك (واما) ما قيل في جوابه من ان التعجيل في وفاء ماله (ففيه) ان ذلك ايضا قد يكون فيه المنة لعدم استحقاقه التعجيل. ومثل ما افاده الشيخ الاعظم (قده) من ان التأجيل كما هو حق للمشتري يتضمن حقا للبائع من حيث التزامه لحفظ ماله في ذمته وجعله إياه كالودعي، فان ذلك حق عرفا. فانه ممنوع، أما بناء على ما ذكرناه في ماهية النسيئة فلمنع ثبوت حق للمشتري فضلا عن البائع، لو فرض اعتبار حق للمشتري فاثبات حق للبائع ممنوع، ضرورة عدم التزامه للحفظ، بل البيع لا يقتضي إلا ثبوت المال في ذمته مؤجلا ليس إلا، واما بناء على كون النسيئة متضمنة لشرط التأجيل فلان الشرط لا يقتضي إلا ثبوت حق للمشروط له وهو المشتري، وليس البيع ولا الشرط المذكور متضمنا لشرط زائد أو حق كذلك. ثم إنه على ما ذكرنا في النسيئة من انها قرار خاص لا قرار وشرط لا يصح اسقاط الاجيل، لانه ليس حقا حتى يصح اسقاطه، ولا شرطا حتى يصح الاعراض عنه بناء على ما اشرنا إليه في بعض المباحث من صحته، بل جريان التقايل في التأجيل محل اشكال، لان النسيئة لا تنحل

[ 344 ]

إلى قرارين، بل هي قرار خاص تصح الاقالة فيها في اصلها لا في خصوصيتها وحديث الانحلال في بعض المعاملات مخصوص بموارد يوافق فيها العرف عليه، فالبيع النقدي لا ينحل إلى بيع وكونه نقدا، وكذا النسيئة، نعم لا مانع من توافقهما على اخذ الثمن نقدا، لكن لا تصير بذلك غير مؤجل. وعلى الاحتمال الآخر يصح الاسقاط، ويصير حالا، ولو شككنا في ان النسيئة من قبيل الشرط الضمني القابل للاسقاط أو من قبيل الخصوصية القابلة للتقايل أو على نحو لا يجري فيه ذلك ولا ذاك، فأصالة عدم ثبوت الحق أو الشرط الضمني أو الخصوصية ونحوها غير جارية، لكن أصالة بقاء النسيئة بحالها، وأصالة بقاء التاجيل ونحوهما لا مانع من جريانها. وبما ذكرناه يظهر ما في محكي جامع المقاصد في عدم صحة الاسقاط من انه قد ثبت التأجيل في العقد اللازم، فلا يسقط، ولان في الاجل حقا لصاحب الدين، وهذا لم يجب عليه القبول قبل الاجل، أما لو تقايلا في الاجل فانه يصح، انتهى. فان فيه مواقع للنظر: (منها) قوله: " قد ثبت التأجيل في العقد اللازم فلا يسقط " فانه لا دخل للزوم العقد في ذلك، بل التأجيل لو لم يكن حقا لا موضوع لاسقاطه وإن كان العقد غير لازم، ويستند العدم إلى عدم المقتضي، لا إلى وجود المانع، ولو كان حقا للمشروط له جاز إسقاطة وإن كان العقد لازما، وقد تقدم انه على فرض ثبوت الحق فانما هو للمشروط له وهو المشتري فقط مع عدم القرينة على خلاف ذلك كما هو المفروض. (ومنها) قوله: " إن لصاحب الدين حقا، ولذا لم يجب عليه القبول " فانه قد تقدم عدم ثبوت الحق له، واما عدم وجوب القبول فلا يدل على ثبوت الحق، إذ يمكن أن يكون لاجل عدم الدليل على وجوبه،

[ 345 ]

وسيأتي الكلام فيه. (ومنها) قوله: " لو تقايلا في الاجل فانه يصح " إذ قد عرفت آنفا ما فيه. واما ما عن التذكرة - من ان الاجل صفة تابعة فلا يستقل بالسقوط كما لا يستقل بالثبوت - فالظاهر منه ان الاجل صفة للثمن، فوقع البيع بعشرة مؤجلة نظير الوصف للمبيع، كما لو باع فرسا عربيا مثلا بكذا، فيكون تابعا ثبوتا وسقوطا، غير قابل للانحلال إلى امرين. وفيه منع كونه صفة للثمن، بل النسيئة معاملة خاصة فيها تأجيل الثمن، فالاشكال من ناحية وحدة القرار وعدم الانحلال، لا من ناحية التبعية، مع ان عدم الاستقلال في الثبوت لا يلزم منه عدمه في السقوط، فان الخيار غير مستقل في الثبوت مع انه مستقل في السقوط. (نعم) بناء على كون الاجل صفة للثمن بأن يكون الثمن هو الكلي الموصوف بأجل كذا نظير العبد الموصوف بكونه كاتبا على نحو الكلي في طرف المبيع فلا يستقل بالسقوط كما افاده، وتوهم صحة إسقاط الكتابة عن العبد الكاتب الكلي هناك في غير محله، فان بيع الكلي الموصوف لا ينحل إلى بيع شئ وكونه موصوفا، فان العبد غير الكاتب لم يتعلق به قرار وعقد بل يكون مباينا للمبيع بما هو مبيع كما هو الشأن في الكليات الموصوفة. واما ما افاده الشيخ الاعظم (قده) من ان مرجع التأجيل في العقد اللازم إلى إسقاط حق المطالبة في الاجل، فلا يعود الحق باسقاط التأجيل. ففيه منع ذلك، ضرورة ان النسيئة عرفا ولغة ليست عبارة عن اسقاط حق المطالبة، بل معاملة بتأجيل المثن، وحكمها العقلائي والشرعي عدم استحقاق المطالبة قبل حلوله، مع ان اضافة الحق إلى المطالبة كاضافته إلى بيع المال والتصرف فيه ونحوه، فيقال: له حق البيع وحق التصرف

[ 346 ]

في ماله، وليس المراد به إثبات حق قابل للنقل أو الاسقاط، بل يكون مثله من الاحكام المترتبة على الاموال. وكيف كان فقد تحصل مما مر ان النسيئة لا تصير نقدا باسقاط الاجل وان الاسقاط كعدمه بلا أثر. مسألة: إذا كان الثمن بل مطلق الدين حالا، أو كان مؤجلا وحل اجله فان قلنا بأنه لا يشترط في تعينه قبض الطرف وقبوله بل يكفي وضعه عنده وجعله تحت قدرته ويتعين بذلك، وليس على المدين ازيد من ذلك شئ كما هو كذلك عند العرف، بل يصدق عليه اداء الدين ورد مال الغير إليه فيما يجب رده كالوديعة والغصب، فلا يجب عليه القبول، بل وجوبه لغو نعم ليس له المنع عن وضعه لديه وجعله تحت قدرته. وأما على القول باشتراط التعين بالقبول والقبض، فيجب على الطرف القبول مع دفعه إليه، لا لقاعدة الضرر، ضرورة انه عبارة عن النقص في النفس أو المال، وأما النقص في العرض والوجاهة وأمثالهما فليس من الضرر فلا يقال في العرف لمن تعرض لعرض الغير أو لهتكه: إنه أضر به، بل لقاعدة الضرار. وقد قلنا في محله: إن قوله صلى الله عليه وآله (1): " لا ضرر ولا ضرار " في قضيه سمرة بن جندب مشتمل على قاعدتين قاعدة الضرر وهي غير منطبقة على مورد الرواية، حيث إن سمرة ما أضر بالانصاري في ماله أو نفسه، بل كان يدخل داره بلا استئذان، وهو من الضرار أي التحريج عليه والهتك له مما ليس بضرر عرفا، فالمنطبق عليه هو قاعدة


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب احياء الموات - الحديث 1.

[ 347 ]

الضرار، وقد أشرنا هناك إلى ان لفظة (ضرار) كان استعمالها الشائع في الكتاب والحديث في التحريج وايقاع الكلفة والحرج على الغير، بل لعلها لم تستعمل في القرآن الكريم في غيره، وأن استعمالها في الضرر نادر، فراجع رسالتنا في قاعدة الضرر، وقلنا: إن " لا ضرر ولا ضرار " نهي سلطاني نافذ في الامة، ولا دخل له بتحديد الاحكام الالهية والتحكيم عليها، كما هو المعروف، فيحرم على الامة إضرار الغير وإيقاع الضرار أي الحرج عليه. وفي المقام يكون بقاء الدين مع إرادة المدين الخروج عن عهدته حرجا عليه ولو لم يمس بوجاهته، بل نفس هذا الامر حينما اراد الخروج عن عهدته أمر شاق عليه يدفع بقاعدة الضرار. وأما كونه مستندا إلى الدائن فواضح على ما قررناه، فان ما هو موجب للتحريج على المدين هو إمساك الدائن عن قبوله عند العرض عليه، وهذا فعل الدائن، والمدين أقدم على أخذ الدين إلى أجل ولم يقدم على هذا الامر المشار إليه. فما في بعض التعليقات من عدم الاستناد إليه - لان الكون في الخارج والكون في الذمة متضادان، وليس عدم الضد مقدمة لوجود ضده حتى يكون وجوده في الذمة بقاء مستندا إلى شرطه وهو عدم كونه في الخارج المستند إلى ترك القبول المستند إلى الدائن - ليس بمرضي، فان التحريج إنما هو من قبيل ترك القبول عند إرادة الاداء، فنفس الاباء عن القبول تحريج بل ايذاء، هذا بحسب العادة، وإلا فلو أوجب بقاء الدين الحط من وجاهته والمس بكرامته كان استناد الايذاء والتحريج إليه بترك قبوله اوضح. ويمكن الاستناد إلى قاعدة تسلط الناس على انفسهم، فانها قاعدة عقلائية لم يردع عنها الشارع بل قاعدة تسلط الناس على اموالهم ايضا

[ 348 ]

قاعدة عقلائية وان وردت من الشارع الاعظم، بناء على ان الرواية (1) الواردة فيها على فرض ثبوتها تنفيذ للقاعدة العقلائية، فمقتضى القاعدة سلطنته على تفريغ ذمته من الدين، ولا تعارضها سلطنة الدائن على نفسه في القبول وتركه، لان قاعدتها حيثية لا إطلاق فيها لايقاع الضرر أو الحرج على الغير، فلا يصح التمسك بقاعدة السلطنة على المال والنفس لايقاع الضرب على الغير، وقد قلنا: إن نفس الاباء عن القبول ضرار، فالقاعدة قاصرة عن شمول مثل ذلك، هذا مضافا إلى ان لزوم القبول على فرض الحاجة إليه عقلائي، فلو راجع المدين إلى المحاكم العقلائية ألزموه بالقبول. نعم ما يمكن التشبث له بقاعدة السلطنة هو اصل جواز إلزامه على القبض، وأما جواز كون الالزام من نفس المديون فيستقل بالالزام فلا، لان ذلك من شؤون الحكومة والولاية، وليس على نحو الهرج، نعم لو جاز له إلزامه فقبضه تعين الكلي ولو كان عن إكراه، لان المعين هو القبض لا خصوص الاختياري منه، ولو قلنا: بأن مقتضى حديث الرفع نفي أثر القبض وجعله كلا قبض، فان ذلك فيما إذا لم يكن الاكراه عن حق كما في المقام. ثم بناء على ما قلناه: من وجوب القبول اللازم من حرمة ترك المنهي عنه بدليل نفي الضرار والتحريج لو امتنع من القبول كان للحاكم بعد الرفع إليه إلزامه عليه، وإن لم يمكن الالزام فله ان يقبضه من قبله، فيصير ملكا للممتنع، فانه مقتضى ولاية الحاكم، وقد أشرنا إلى أن امتناعه بغير حق، فما قيل: من انه لا دليل على كونه بغير حق فاسد لما تقدم، مع انه دل على امثال ذلك قضية سمرة و الانصاري (2) حيث إن الامر بالقلع مذيلا


(1) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث. (2) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب احياء الموات - الحديث - 1.

[ 349 ]

بأنه " لا ضرر ولا ضرار " من الحكم السلطاني لحسم مادة الفساد ورفع إيقاع الضرار والحرج عن الانصاري، ومثل هذا الحكم ثابت في الاشباه والنظائر كما نحن فيه. بل يمكن ان يقال: إنه لا يتعين على الحاكم إلزامه على القبول، بل له دفع الحرج عنه، إما بالزام الدائن، أو بتصديه للقبض، أو بأمره بالالقاء عنده، وكل ذلك يوجب التعيين وصيرورته ملكا للممتنع وتوهم أن ذلك من باب الامر بالمعروف المساوي فيه الحاكم وغيره في غير محله، فان باب رفع المنازعات موكول إلى الحاكم لئلا يلزم الهرج، خصوصا في مثل هذه المسألة الاجتهادية المختلف فيها الانظار، والآراء، كما أن توهم عدم ثبوت الولاية في مثله للفقيه ناش من عدم التأمل في سعة ولاية السلطان الثابتة باطلاقها للفقيه في عصر الغيبة. والعجب من بعض حيث يشعر كلامه بعدم ولاية الامام عليه السلام على مثل ذلك غفلة عن حدود ولاية رسول الله صلى الله عليه وآله المنتقلة إلى الائمة عليهم السلام، وعن كيفية إعمال السلطنة في قضية سمرة، فالتعين بأحد المذكورات في المقام لاجل الولاية لا لحكومة دليل الضرر على اشتراطه بقبض الدائن، فانه غير مرضي. ثم إنه لو لم يمكن الرجوع إلى الحاكم ولا الاستئذان منه ولم نقل بكفاية الالقاء لديه مطلقا، بل اعتبرنا في تعينه قبوله وقبضه أو من يقوم مقامه فقيام عدول المؤمنين مقام الحاكم في ذلك محل إشكال، لعدم الدليل على ولايتهم كولاية الفقيه، نعم يجوز بل يجب على كل مكلف دفع الظلم عن المدين بالزام الدائن على القبول فيتعين بقبوله. ولم لم يمكن ذلك فلا طريق لبراءة ذمة المديون، والتشبث بدليل نفي الضرر لرفع اعتبار القبول فرع صحة المبنى، وهو حكومته على الادلة الاولية.

[ 350 ]

كما هو المعروف بينهم، وقد زيفناه في مقامه، وعلى ذلك لا يتعين الكلي في الذمة بقبض عدول المؤمنين، ولا بعزل المدين بل تبقى ذمته مشغولة لكن الذي يسهل الخطب أن الالقاء لديه يكفي في تعينه كما مر في أول المبحث، ولا يعتبر في اداء الدين زائدا على تقديمه إلى الدائن وإقداره على الاخذ شئ. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في المقام فلا يخلو من غرابة، قال: " وإن لم يمكن إجباره، فطريق براءة الذمة ان يعزل حقه ويجعله امانة عنده فان تلف فعلى ذي الحق، ولكن لم يخرج بذلك عن ملك مالكه، فنماء المعزول له ". إذ لا دليل على لزوم براءة ذمته بأي طريق كان، فلا معنى لصيرورة العزل موجبا لبراءته مع فقد الدليل عليها، ثم لا وجه لبقائه على ملك المدين وتلفه على الدائن، والفرار منه بتقديره آنا ما ملكا له حتى يقع التلف منه بلا وجه (والانصاف) أن المسألة لا تحتاج إلى تلك التشبثات والتطويلات فالبحث عن نمائه وعن تلفه وعن وجوب حفظه وعن جواز تصرفه فيه إلى غير ذلك تطويل بلا فائدة. ثم على ما ذكرناه في مفاد دليل الضرر والضرار - من انه نهي سلطاني لا انه نفي وحاكم على الادلة الاولية - يظهر الحال في اشباه المقام، كما فيما ذكره في محكي جامع المقاصد، بعد الحكم بكون تلف المعزول من صاحب الدين الممتنع من اخذه، من ان في انسحاب هذا الحكم فيمن اجبره الظالم على دفع نصيب شريكه الغائب في مال على جهة الاشاعة بحيث يتعين المدفوع للشريك بدليل نفي الضرر ولا يتلف منهما تردد، ثم قال: والمتجه عدم الانسحاب. قال الشيخ الاعظم (قده) بعد كلام: إن التمسك بعموم نفي الضرر

[ 351 ]

في موارد الفقه من دون انجباره بعمل الاصحاب يؤسس فقها جديدا (أقول): هذا متين، لكنه دليل على عدم كون مفاد الدليل ما ذكروه وعدم تمامية ما فرعوا عليه من حكومته على الادلة، وشاهد على ما ذكرناه كما يشهد به نفس الواقعة. مسألة: لا ينبغي الاشكال في عدم جواز تأجيل الثمن الحال بل مطلق الدين بأزيد منه، فانه ربا محرم، وكذا لو كان القرض إلى أجل فزاد فيه مقابل زيادة عينية أو حكمية، لانه من الربا عرفا، ولا يحلل الربا بالتخلص عنه بالحيلة بأن يصالحه في مقابل الامهال بشئ أو بغير ذلك، فمن تأمل في الآيات (1) والروايات (2) الواردة في باب الربا - هذا السحت الذي يستجلب من المفاسد والمشاكل ما لا يحصى، ولقد عده الله تعالى في كتابه من الظلم فقال: " فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " (3) وما ورد في الروايات (4) من التشديد عليه، وإن الدرهم منه كذا وكذا - لعلم انه لا يحل ولا يجوز بالتخلص منه بتغيير العبارة أو العنوان مع بقاء واقع الربا بحاله، مثلا لو وهبه عشرين دينارا ليقرضه ألفا إلى شهر حرم ولو لم يكن في القرض شرط الزيادة. ففي المقام وإن لم يكن شرط الزيادة في القرض وإنما زاد شيئا لتأخير


(1) سورة البقرة: 2 - الاية 275 و 276 و 278 وسورة آل عمران 3 الآية 130 - وسورة النساء: 4 - الآية 161. (2) و (4) الوسائل الباب - 1 - من ابواب الربا. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 279.

[ 352 ]

الثمن أو القرض، لكنه محرم إما لصدق الربا عليه كما هو كذلك عرفا، أو لانسحاب مفسدة الربا فيه (وبالجملة) لا يجوز بوجه من الوجوه التخلص منه بالحيل التي ذكروها، وما ذكرناه إنما هو في الربا القرضي، وأما قضية بيع المثل بالمثل فهو أمر آخر غير مربوط بالربا وإن اطلق عليه السمة والتفصيل في محله. ويدل على الحكم رواية محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام " في الرجل يكون عليه دين إلى أجل مسمى، فيأتيه غريمه فيقول: انقدني من الذي لي كذا كذا واضع لك بقيته، أو يقول: انقدني بعضا وأمد لك في الاجل فيما بقي، فقال: لا أرى به بأسا ما لم يزد على رأس ماله شيئا، يقول الله عزوجل (2): فلكم رؤوس الموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " وهي ظاهرة الدلالة في ان الزيادة على رؤوس الاموال ولو باعطائها للتأجيل ربا وأنها من الظلم المحرم. ويؤيده ما عن ابن عباس (3) من ان قوله تعالى (4): " أحل الله البيع وحرم الربا " نزل في زيادة المال لزيادة الاجل في الديون الحالة. وقد ايده الشيخ الاعظم (قده) بالاخبار الواردة (5) في تعليم الحيل ولنا في تلك الروايات تأمل وكلام قد ذكرناه بتفصيله في محله، واجماله أن الروايات الواردة في ذلك - مع ضعف بعض منها وكون مرجع جملة


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب الدين والقرض - الحديث 1. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 279. (3) الدر المنثور ج 1 ص 365 عن سعيد بن جبير. (4) سورة البقرة: 1 - الآية 175. (5) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب الربا، والباب - 6 و 11 و 13 و 15 - من ابواب الصرف.

[ 353 ]

منها محمد بن اسحاق بن عمار (1) الذي قال الصدوق بوقفه، وتوقف العلامة في حديثه، ومعارضتها لبعض الروايات واختلاف متونها في الجملة - مخالفة للكتاب الذي عد الربا ظلما، ومن الواضح ان الزيادة في المال للزيادة في الاجل بأي نحو كان يعد في العرف ربا، ولا فرق بين إعطاء عشرة دنانير مثلا في مقابل زيادة الاجل الذي هو الربا عرفا وبحسب الروايات (2) وبين بيع ما يسوى درهما بعشرة دنانير في مقابل ازدياد الاجل. ومخالفة ايضا للتعليلات الواردة في الاخبار كقوله عليه السلام (3): " إنما حرم الله عزوجل الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف " وقوله عليه السلام (4): " لو كان الربا حلالا لترك الناس التجارات " وقول عليه السلام (5): " وعلة تحريم الربا بالنسيئة لعلة ذهاب المعروف وتلف الاموال ورغبة الناس في الربح وتركهم القرض، والقرض صنائع المعروف، ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الاموال " فهل ترى يدفع الظلم والفساد وفناء الاموال باختلاف كلمة مع بقاء ذلك بحاله. وحكي ان من ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وآله الموجزة التي لم يسبق إليها: " شر المكاسب كسب الربا " (6) والظاهر صدقه على هذه الحيل، وعن نهج البلاغة (7) عن امير المؤمنين عليه السلام في كلام له: " أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: يا على إن القوم سيفتنون بأموالهم - إلى ان قال -: ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والاهواء الساهية،


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب احكام العقود - الحديث 6. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الربا. (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب - 1 - من ابواب الربا الحديث 4 - 8 - 11 - 13. (7) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب الربا - الحديث 4.

[ 354 ]

فيستحلون الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع " فهل يكون استحلال الربا بالبيع غيره هذه الحيل المنسوبة إلى المعصوم عليه السلام اللازم تنزيهه عنها؟ مضافا إلى ان في نفس تلك الروايات ما هو شاهد على عدم صدورها منهم عليهم السلام، فان ابن اسحاق تارة يروي (1) عن الرضا عليه السلام انه قال: " قد امرني أبي ففعلت ذلك " اي الحيلة المذكورة، واخرى يروي (2) عن أبي الحسن عليه السلام عين ذلك، وروى مسعدة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " انه فعل أبي وامرني ان افعل ذلك، في شئ كان عليه ". ولا استبعد ان تكون تلك الروايات من دس المخالفين لتشويه سمعة الائمة الطاهرين، كما لا استبعد ذلك في الروايات الواردة (4) في باب بيع العنب أو التمر ممن يعلم انه يصنعه خمرا حيث ورد (5) فيها عن أبي عبد الله عليه السلام " ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا " وفي رواية (6) " نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا " مع ما ورد (7) من التشديد في امر الخمر واللعن على اصناف، حتى الغارس والحارس والحامل لكونهم معينا على هذا الحرام الخبيث، أفلا يكون البيع ممن يعلم انه يجعله خمرا إعانة على ذلك؟! وهي مما لا يعقل صدوره من المعصوم عليه السلام، وكيف كان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب احكام العقود - الحديث 6. (3) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب احكام العقود - الحديث 3. (4) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب ما يكتسب به. (5) و (6) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 8 - 6. (7) الوسائل - الباب - 9 و 34 - من ابواب الاشربة المحرمة.

[ 355 ]

إن العمل بمثل تلك الروايات جرأة على المولى، لمخالفة مضمونها للكتاب والسنة. مسألة: إذا ابتاع عينا شخصية بثمن مؤجل جاز بيعه من بائعه وغيره قبل حلول الاجل وبعده بجنس الثمن وغيره، ومساويا له أو زائدا عليه أو ناقصا حالا أو مؤجلا، سواء اشترط احد المتعاملين على صاحبه في البيع الاول قبوله منه بمعاملة ثانية ام لا، هذا كله حسب ما تقتضيه القواعد العقلائية والاطلاقات والعمومات كتابا وسنة، ولا إشكال فيه إلا فيما إذا اشترط احدهما على صاحبه قبوله منه بييع جديد، فانه قد يتوهم أن البطلان حينئذ موافق للقواعد، وسيأتي الكلام فيه، وإنما الاشكال في بعض صور المسألة. (منها) ما نسب إلى الشيخ (ره) في نهايته من انه إذا باعه من البائع بعد الحلول بنقصان لم يكن صحيحا، وعبارة الشيخ في النهاية مشتبهة المراد إذ من المحتمل أن يكون مراده الاقالة، ويشهد له أن المتعارف بين الناس في مثل المفروض رد ما باعه لا بيعه، قال: " ومتى باع الشئ بأجل ثم حضر الاجل ولم يكن مع المشتري ما يعطيه إياه جاز له ان يأخذ منه ما كان باعه إياه من غير نقصان من ثمنه، فان أخذه بنقصان مما باع له لم يكن ذلك صحيحا ولزمه ثمنه الذي كان أعطاه له، فان أخذ من المبتاع متاعا آخر بقيمته في الحال لم يكن بذلك بأس " انتهى. والمحتمل ان يكون مراده بقوله: " إن أخذه بنقصان " هو الاقالة بالنقصان، وقوله: " لزمه ثمنه " يحتمل ان يكون المراد منه تحقق الاقالة وفساد قرار النقصان، فلذلك لزمه ثمنه، وأما قوله: " فان اخذ من المبتاع متاعا آخر - إلى قوله -: لا بأس به، فلكون ذلك بيعا جديدا لا إقالة.

[ 356 ]

وحكي عنه هذا القول في الاستبصار وانه استدل عليه برواية خالد بن الحجاج (1) ورواية عبد الصمد (2) الآتيتين، لكنه لم يستدل بهما في الاستبصار لهذه المسألة، بل بعد ما روى رواية خالد ورواية عبيد بن زرارة (3) الدالة على الجواز قال: " فلا ينافي خبر عبيد الخبر الاول، لان ما تضمن هذا الخبر من جواز ذلك إنما يجوز إذا أخذ ذلك منه الطعام، كما كان باعه إياه من غير زيادة، والنهي الذي في الخبر الاول متوجه إلى من يأخذ الطعام اكثر مما اعطاه، فيؤدي ذلك إلى الربا، وذلك لا يجوز على حال " ثم ذكر رواية عبد الصمد شاهدا لما قاله، فالاستدلال إنما هو لمسألة أخرى هي بيع الطعام الربوي، وسيأتي الكلام فيه. وكيف كان لا اشكال في جواز بيع المؤجل مطلقا من صاحبه ومن غيره، حل أجله أولا، بزيادة أو نقيصة بجنسه أو بغيره، للادلة العامة والقاعدة العقلائية، والروايات الخاصة، كرواية بشار بن يسار (4) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع المتاع بنساء فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه؟ قال: نعم لا بأس به، فقلت له: اشترى متاعي فقال: ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك " فموردها الاشتراء من صاحبه ومقتضى ترك الاستفصال جوازه ولو مع التفاوت، إلا أن يقال: إنها بصدد بيان أصل الاشتراء من صاحبه لا كيفية الاشتراء، فهي مهملة من هذه الجهة فلا تدل على جواز البيع مع التفاوت. ورواية ابن حازم (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل كان له على رجل دراهم من ثمن غنم اشتراها منه فأتى الطالب المطلوب يتقاضاه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب السلف - الحديث 3 - 5. (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب السلف - الحديث 10. (4) و (5) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العقود - الحديث 3 - 1.

[ 357 ]

فقال له المطلوب: أبيعك هذا الغنم بدراهمك التي لك عندي فرضي، قال: لا بأس بذلك " فان الظاهر منها جواز البيع من صاحبه بالنقصان، لان الظاهر من قوله: " كان له على رجل دراهم من ثمن غنم " إلى آخره ان الدراهم بعض الثمن. إلا ان يقال: إن المحتمل ان يكون المراد ان عليه دراهم من قبل ثمن الغنم لا انها بعض الثمن، ومع ذلك الاحتمال يسقط الاستدلال بها على صحة البيع منه بنقصان، وأما أصل الصحة فلا كلام فيها، مع ان الظاهر من الرواية أن المراد من هذا الغنم غير الغنم الذي اشتراه، تأمل. ورواية الحسين بن المنذر (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام يجيئني الرجل فيطلب العينة فأشتري له المتاع منه مكاني، قال: إذا كان بالخيار إن شاء باع وإن شاء لم يبع وكنت انت بالخيار إن شئت اشتريت وإن شئت لم تشتر فلا بأس، فقلت: اهل المسجد يزعمون أن هذا فاسد ويقولون: إن جاء به بعد أشهر صلح، قال: إنما هذا تقديم وتأخير فلا بأس ". فان إطلاقها يقتضي الجواز مع النقص أو الزيادة، إلا ان يقال: إنها بصدد بيان حكم أصل الاشتراء في مكانه مقابل قوله اهل المسجد، فهي مهملة لا إطلاق فيها، إلا أن يقال: إن الاشتراء في مكانه ملازم للاختلاف وفيه انه ممنوع، وعلى فرض تسليمه فالاشتراء في مكانه ملازم للاختلاف بالزيادة لا بالنقيصة، فلا تنافي لقول الشيخ (ره) مع ان في العينة احتمالات تخرج الرواية على بعضها عما نحن بصدده. والمحكي عن عبد الله بن جعفر (2) في قرب الاسناد باسناده عن موسى ابن جعفر عليه السلام قال: " سألته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم ثم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العقود - الحديث 4 - 6.

[ 358 ]

اشتراه بخمسة دراهم، أيحل؟ قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس " وعن علي بن جعفر (1) في كتابه مثلها إلا انه قال: " بعشر دراهم إلى أجل ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد ". فانها تدل على جواز الاشتراء بالنقيصة، إلا ان يقال: إنها لا تنافي لقول الشيخ (ره) فانه قال: بعدم جواز الاشتراء بنقصان فيما إذا حل الوقت، والرواية على ما في كتاب علي بن جعفر أجنبية عن قوله، وعلى ما في قرب الاسناد ظاهرة في النقد، مع ان الظاهر صحة ما في الكتاب، مضافا إلى ان الاختلاف المذكور يسقط الاستدلال بهما على رد الشيخ (ره) وأما رواية يعقوب بن شعيب وعبيد بن زرارة فيأتي الكلام فيها، فالعمدة في الباب هي الادلة العامة كتابا وسنة. وليس مقابل الادلة العامة المجوزة إلا رواية خالد بن الحجاج وعبد الصمد ابن بشير، ولم يتمسك بهما الشيخ (ره) للصورة المبحوث عنها، بل تمسك بهما في الاستبصار لصورة أخرى هي بيع الطعام بتأخير واشتراء الطعام عند حلول الاجل، وقد حمل الطعام على الجنس الربوي حيث ادعى لزوم الربا، كما مر نقله منه، ولم يذكر لما افاده في النهاية رواية لا في تهذيبه ولا في استبصاره. وأما بيع الطعام أي الجنس الربوي بدراهم ثم اخذ طعام أكثر مما اعطاه فقد استدل الشيخ (ره) في الاستبصار لبطلانه برواية خالد بن الحجاج (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل بعته طعاما بتأخير إلى اجل مسمى فلما جاء الاجل اخذته بدراهمي، فقال: ليس عندي دراهم ولكن عندي طعام فاشتره مني، فقال: عليه السلام: لا تشتره منه، فانه لا خير فيه ".


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العقود - الحديث 6. (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب السلف - الحديث 3.

[ 359 ]

وبرواية عبد الصمد بن بشير (1) قال: " سأله محمد بن القاسم الحناط فقال: أصلحك الله أبيع الطعام من الرجل إلى أجل فأجيئ وقد تغير الطعام من سعره فيقول: ليس عندي دراهم، قال: خذ منه بسعر يومه، قال: افهم اصلحك الله إنه طعامي الذي اشتراه مني، قال: لا تأخذ منه حتى يبيعه ويعطيك، قال: ارغم الله انفي رخص لي فرددت عليه فشدد علي ". وقد جمع بينهما وبين رواية يعقوب وعبيد (2) قالا: " سألنا أبا عبد الله عليه السلام عن رجل باع طعاما بدراهم إلى اجل فلما بلغ الاجل تقاضاه فقال: ليس عندي دراهم خذ مني طعاما قال: لا بأس به إنما له دراهمه يأخذ بها ما شاء " فقال: لا ينافي الخبر الاول اي خبر خالد، ثم اتى بالعبارة المتقدم نقلها، فحمل رواية الجواز على المساواة ورواية المنع على اخذ الطعام اكثر مما اعطاه، قال: يؤدي ذلك إلى الربا، وانت خبير بما في جمعه من التكلف وعدم عقلائيته. والاولى ان يقال: إن رواية خالد ظاهرة في الجواز مع الكراهة، ورواية يعقوب دالة على جواز اشتراء طعام بدراهمه التي عليه، لقوله: إنما له دراهمه يأخذ بها ما شاء، والحمل على الوفاء بغير الجنس خلاف ظاهرها لو لم نقل: إنه خلاف صريحها، فهي دالة على جواز الاشتراء، وأعم من طعامه وطعام آخر، ورواية عبد الصمد أعم من الاخذ بالاقالة والاشتراء فيتعارضان، والترجيح للجواز بوجوه. ثم إن الطعام لا يختص بالجنس الربوي، فانه كل ما يؤكل بحسب اللغة والعرف وإن استعمل في البر ايضا، فحينئذ يكون رواية المنع مخالفة لفتوى الشيخ (ره) ايضا، والحمل على خصوص البر بلا وجه، مع انه على فرضه


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب السلف - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب السلف - الحديث 10.

[ 360 ]

يكون اخص من مدعاه إن كان مدعاه مطلق الجنس الربوي. وأما رواية علي بن جعفر (1) قال: " سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أيأخذ بقيمته دراهم؟ قال: إذا قومه دراهم فسد لان الاصل الذي يشتري به دراهم فلا يصلح دراهم بدراهم ". ففيها - مضافا إلى كونها خلاف القواعد ومعارضتها بغيرها - أن ظاهر قوله عليه السلام: " لان الاصل الذي يشتري به دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم " مما لم يعمل به أحد، مع انها ليس فيها دلالة على منع خصوص صورة التفاضل. على ان ظاهرها لا يخلو من اضطراب، فان ظاهر السؤال أن التمر أو الشعير أو نحوهما على عهدة الرجل، وهذا أعم من أن كان اشتراها بالدرهم فالجواب أخص من السؤال، إلا أن يحمل عل أن ما يشتري بالدراهم لا يجوز فيه ذلك وإن لم يشتر بها فعلا، كما لا يبعد أن يكون الظاهر من قوله عليه السلام: " لان الاصل الذي يشتري به دراهم " هو ذلك، وعليه فيكون الخبر مهجورا بلا شبهة، فلابد من رد علمه إلى أهله. بقيت صورة اخرى، وهي ما إذا باع شيئا بشرط أن يبيعه منه، وقد نسب إلى المشهور بطلانه، والشهرة غير ثابتة، وعلى فرض الثبوت لا تكون حجة في المسألة التي ورد فيها النص وتمسك فيها الاصحاب به تارة، وبلزوم الدور اخرى، وبعدم القصد ثالثة، وبامكان دعوى عدم عقلائية تلك المعاملة رابعة. ونقول: أما الدور بأن يقال: ملكية كل من المشتري والبائع تتوقف على ملكية الآخر فهو واضح الدفع، فان الشرط ليس بمعنى التعليق كما هو واضح.


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب السلف - الحديث 12.

[ 361 ]

وقد يقال: إن الشرط إذا كان بنحو شرط النتيجة كان محالا، لان مقتضى العقد المشروط بشرط النتيجة حصول مضمونهما معا عند تمامية الايجاب والقبول، ويستحيل دخول المبيع في ملك المشتري وخروجه عنه إلى البائع في آن واحد، وكذا دخوله في ملكهما معا في آن واحد، فان لازم الاول اجتماع النقيضين ولا زم الثاني اجتماع الضدين. وفيه - مع الغض عن ما في عده الاول من اجتماع النقيضين، مع أنه ايضا من قبيل الضدين، إذ نقيض الدخول عدمه لا الخروج - أن شرط النيبجة في المقام هو شرط الانتقال، ولا يعقل ذلك الشرط إلا إذا كان المراد الانتقال منه بعد الانتقال إليه، فقوله: " بعتك بشرط أن ينتقل المبيع إلي " يرجع إلى انه بعد الانتقال اليك ينتقل إلى، فالانتقال الاول موضوع الانتقال الثاني، فلا يلزم المحال، نعم مثل هذا القرار والشرط خارج عن الشروط العقلائية إلا أن يفرض في مورد جهة عقلائية. واما دعوى عدم القصد فغير مسموعة، إذ المراد بهذا الشرط ليس شرط بيعه فورا، فلا مانع من تعلق القصد به وهو واضح، ومنه يظهر النظر في دعوى عدم عقلائيته، مع انه قد يكون في شرط البيع فورا أغراض عقلائية. فالعمدة في المقام بعض النصوص، كرواية الحسين بن المنذر المتقدمة (1) وهي - مع ضعفها وعدم ثبوت الجابر لعدم ثبوت الشهرة أولا، وعدم ثبوت استناد المشهور إليها ثانيا، واحتمال كون قوله السلام: " إذا كان بالخيار " إلى آخره هو الرضا بالبيع، كما صرح بذلك في رواية قرب الاسناد (2) في نفس تلك المسألة، واحتمال ان يكون البيع والشراء في مكان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العقود - الحديث 4 - 6.

[ 362 ]

واحد بالاشتراط للتخلص عن الربا، كما لعله المتعارف عند آكلي الربا المريدين للتمشي في عملهم مع الشريعة بتخيلهم، وقد وقع في رواية الشيباني (1) ما يظهر منه أن نحو ذلك من الربا، فراجع - تكون اخص من المدعى، والتفصيل بين البيع في مكانه وغيره مما لا قائل به ظاهرا. فالرواية مهجورة بظاهرها، وكيف كان لا يمكن رفع اليد عن القواعد بمثلها. ومن هنا يظهر الحال في روايه قرب الاسناد، بل احتمال التخلص من الربا فيها اقرب. مضافا إلى ان الظاهر منهما مع الغض عما ذكرنا هو بطلان البيع الثاني بل يمكن دعوى ظهورهما في صحة الاول وكان المدعى بطلانه، فهما على خلاف المدعى ادل، بل يمكن ان يقال فيما لو اشترط عليه البيع فورا وفي مكانه كما هو الظاهر من الرواية الثانية وصريح الاولى: إن القصد لم يتعلق بالبيع، بل تعلق بالربا، تأمل، فالاشبه صحة البيع مطلقا، وطريق الاحتياط واضح، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب احكام العقود - الحديث 5.

[ 363 ]

القول في القبض وهو الاخذ بالكف أو باليد على ما في اللغة، والذي يظهر من التأمل في موارد استعماله الحقيقي والمناسبات اللغوية ان القبض بالمعنى المصدري هو الاخذ بالقبضة، والاقباض هو جعل الشئ في قبضته، والقبضة إما نفس الكف في حال انقباضه أو المأخوذ به في حاله، كما هو الظاهر من قوله تعالى (1): " فقبضت قبضة من اثر الرسول "، وكذا من قوله عليه السلام (2): " ما زاد على القبضه ففي النار " أي اللحية، وقوله عليه السلام (3): " هذا من الصدقة تعطي المسكين القبضة بعد القبضة " والمقبض من السيف وقبضته محل يقبض، أي ما وقع في قبضتك، إلى غير ذلك من الاستعمالات، وعلى ذلك يكون معناه الحقيقي اخذ الشئ بقبضتك، أي كفك مقبوضا مقابل كونه مبسوطا.


(1) سورة طه: 20 - الآية 69. (2) الوسائل - الباب - 65 - من ابواب آداب الحمام - الحديث 1. من كتاب الطهارة. (3) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب زكاة الغلاة - الحديث 1 من كتاب الزكاة.

[ 364 ]

ولا يخفى ان القبض والاقباض ليسا كالوجود والايجاد، لان الاقباض جعل الشئ في قبضة غيره، والقبض أخذه بقبضته، وهما غير متلازمين، فضلا عن ان يكونا واحدا حقيقة ومختلفين اعتبارا، فقد يقبض الشئ من دون اقباض من احد، كما انه قد يتحقق الاقباض من دون تحقق القبض كما لو جعل شيئا في حال نوم الشخص في قبضته، إذ لا يتحقق منه الاخذ بقبضته، بل يقع فيها. ثم لا يخفى إن القبض في الموارد التي يكون له فيها حكم في المعاملات ونحوها لم يستعمل بمعناه الحقيقي، لقيام القرينة العامة العقلائية فيها على التوسع بل وقيام القرينة اللفظية عليه في كل مورد ورد فيه القبض بعنوانه موضوعا للحكم حتى في بيع الصرف الذي فيه الدنانير والدراهم، ضرورة عدم اعتبار القبض بالمعنى الحقيقي اللغوى فيه، بل لا يعتبر الاخذ باليد ايضا. فقوله عليه السلام في بعض روايات بيع الصرف (1): " يدفع إليه الورق ويقبض منه الدناير " ليس المراد منهما إلا الاخذ والاعطاء عرفا، فلو وضعه عنده وعمل صاحبه كذلك صح الدفع والقبض وما في بعضها (2) " لا يبتاع رجل فضة بذهب إلا يدا بيد " ليس المراد منه إلا التكنية عن النقد، وقوله عليه السلام (3): فلا تفارقه حتى تأخذ منه " ليس المراد إلا الاخذ العقلائي العرفي، فيعلم ان القبض هو الاخذ، فلو كان الذهب في كيس أو صندوق ووضعه عنده وجعله تحت يده صدق الاخذ وسائر العناوين. واولى بذلك القبض الواقع بعنوانه في سائر الابواب، كباب الرهن والهبة والوقف والبيع في التلف قبل القبض ونحو ذلك، فان المبيع والمرهون


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الصرف - الحديث 1 - 3 - 8.

[ 365 ]

والموهوب والموقوف غالبا أو في كثير من الموارد ليس مما يؤخذ بالقبضة واليد، ففي تلك الموارد قامت القرينة القطعية على عدم اعتبار القبض بمعناه الحقيقي، فالحديث النبوي (1) " على اليد ما اخذت حتى تؤديه " وفي رواية اخرى " على اليد ما قبضت " وفي ثالثة " على اليد ما جنت " ليس دالا على اعتبار القبض باليد والاخذ والاجتناء بها، بل القرينة قائمة على التوسعة. وعلى هذا لا يكون القبض المعتبر في المعاملات ونحوها مختلفا بحسب الموارد، ولا يكون المراد بالاقباض إلا الرد والتأدية عرفا، ففي الرهن الذي ورد (2) فيه " لا رهن إلا مقبوضا " وقوله تعالى (3): " فرهان مقبوضة " إذا جعل المرهون تحت اختيار المرتهن وقدرته تحقق القبض المعتبر كما يتحقق به القبض الموجب للخروج عن الضمان المستفاد من النبوي (4) " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه " وكذا في غيره من الموارد ولا يعتبر أزيد مما ذكر، وعليه فلا إشكال في عدم اعتبار القبض بمعناه الحقيقي حتى فيما اعتبر فيه القبض بعنوانه، كما لا ينبغي الاشكال في صدقه عرفا بالمعنى المجازي الموسع مع تحقق التأدية والاخذ والاعطاء والرد وامثالها. وإن شئت قلت: مع تعذر المعنى الحقيقي في جميع الابواب لا وجه


(1) سنن البيهقي - ج 6 ص 95. (2) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الرهن - الحديث 1. (3) سورة البقرة: 2 - الاية 283. (4) المستدرك - الباب - 9 - من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 366 ]

للاخذ به في بعض المصاديق كالدنانير والاحجار الكريمة ونحوهما، لان استعماله في جميع الابواب على نسق واحد، ويكون استعماله فيما يمكن فيه ارادة الحقيقة نحو استعماله فيما يتعذر فيه المعنى الحقيقي، بل ما يمكن فيه تحقق المعنى الحقيقي لم يتفوه باعتباره أحد من الفقهاء بأن يقول: لابد من جعله في كفه وجعله مقبوضا، فاعتبار الاخذ باليد أو الجارحة واضح الاشكال والفساد، وعلى ذلك فلابد من الحمل على ما يناسب المعنى العرفي والاعتبار العقلائي، وليس في اعتبارهم في القبض التسليم والتحويل وما شابه ذلك إلا معنى واحد. والانسب بالمعنى الحقيقي بحسب العرف وموارد الاستعمال هو الاستيلاء والاستبداد به من غير حاجة إلى ضم التصرف الخارجي، لان الاستعمال الشائع في القبضة والقبض والمقبوض ونحوها هو الاخذ بما يعم الاستيلاء والاخذ باليد كقوله تعالى (1): " الارض جميعا قبضته يوم القيامة " وكقولهم: " والملك في قبضة فلان " فكما ان عنوان القبض والتسلم والتحويل صادق في غير المنقول بنفس الاستيلاء الحاصل بالتخلية، وجلعه تحت يده يفعل به ما يشاء كذلك صادق في المنقول كائنا ما كان، وفي أي مورد أخذ عنوانه موضوعا للحكم. نعم يمكن ان يقال: إن القبض الموجب لرفع الضمان يحصل بمجرد ما ذكر ولو لم يكن القابض راضيا، بل مع إظهار الكراهة، وفي غيره يحصل مع الاذن بلا إشكال ومع الرضا أيضا. وقد يقال: بعدم كفاية الاستيلاء في الخروج عن ضمان المبيع المنوط بقبضه متمسكا برواية عقبة بن خالد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في * (1) سورة الزمر: 39 - الآية 67. (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 367 ]

رجل اشتري متاعا من رجل وأوجبه غير انه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، قال: آتيك غدا إن شاء الله فسرق المتاع، من مال من يكون؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه " بدعوي أن صدرها ظاهر بل صريح في عدم الكفاية، فان ترك المتاع عنده باختياره يتضمن السلطنة والاستيلاء على الترك والاخذ، ومع ذلك نفى عنه القبض فيعلم أن الاستيلاء غير القبض. وانت خبير بما فيه، ضرورة ان القدرة على سلب استيلاء الغير غير الاستيلاء على المتاع، ومفاد الرواية ان المشتري بعد الاشتراء ترك المتاع على حاله تحت استيلاء البائع وإن كان قادرا على سلبه، ومثل ذلك لا يكون قبضا، ولم يقل أحد ممن يقول بكفاية استيلاء المشتري بكفاية القدرة على الاستيلاء، كما أن ذيلها ظاهر في كفاية الاستيلاء، وجعل البائع المتاع تحت استيلائه، فان الظاهر من سياق الكلام أن قوله عليه السلام: " حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته " من الاقباض والاخراج أي فعل البائع، والظاهر من الاخراج من بيته هو الاخراج عن تحت استيلائه وجعله تحت استيلاء المشتري، فكأن ذلك تفسير للقبض، ولهذا قال بعده: " فان اخرجه من بيته " من غير ذكر القبض، ومن المعلوم أن الاخراج عن البيت لا موضوعية له بل المراد الاخراج من تحت استيلائه وسلطنته وإدخاله في استيلاء صاحبه. فالرواية مؤكدة لكفاية الاستيلاء والاستبداد، ومفسرة للقبض، وشارحة للمراد في النبوي (1) " كل مبيع تلف قبل قبضه ". ويؤيده ما قلناه النبوي المعروف (2) " على اليد ما اخذت حتى تؤديه "


(1) المستدرك - الباب - 9 - من ابواب الخيار - الحديث 1. (2) سنن البيهقي ج 6 - ص 95.

[ 368 ]

فان الخروج عن الضمان علق فيه على التأدية، ومن البعيد ان يكون الخروج عنه في البابين مختلفا، فكما ان التأدية الموجبة للخروج عنه صادقة مع جعله تحت استيلائه والتخلية بينه وبين المأخوذ بحيث له ان يفعل فيه ما يشاء كذلك القبض، فانه ايضا كذلك. فتحصل ان اعتبار التصرف الخارجي والنقل ونحوهما غير مرضي ولم يدل عليه دليل، بل العرف على خلافه، والشواهد في شتات الروايات على عدمه - كالتعبير فيها بالقبض تارة وبالاخذ اخرى، وبالتأدية ثالثة، وبالرد رابعة، وبالتسليم والتحويل ونحوهما خامسة - مما يشرف المتأمل على القطع بأن المراد منها معنى واحد، وهو ما فهمه العرف منها من كفاية الاستيلاء والاستبداد، ومع ذلك لابد في كل باب من المراجعة والتأمل في لسان الادلة، وما ذكرناه هو القاعدة الكلية، إلا ان يدل دليل على خلافه. وقد يتوهم قيام الدليل على الخلاف في المكيل والموزون، وان القبض فيهما بالكيل والوزن مستشهدا بروايات ليس في شئ منها ما يدل على ان الكيل أو الوزن بمجرده قبض، وإن لم يجعلهما تحت استيلاء المشتري، وبعبارة اخرى ليس فيها ما يدل على قيام كيل البائع بلا مساس بالمشتري مقام قبضه بل مثل ذلك قطعي الفساد ولم يدل عليه دليل. وما تمسكوا به لذلك روايات: منها صحيحة معاوية بن وهب (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع البيع قبل ان يقبضه فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه إلا أن توليه الذي قام عليه " وصحيحة الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " انه قال في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل ان يكال، قال: لا يصلح له ذلك "


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود - الحديث 11 - 5.

[ 369 ]

وصحيحة منصور بن حازم (1) " إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه إلا ان توليه، فإذا لم يكن فيه كيل أو وزن فبعه " ورواية ابي بصير (2) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشتري طعاما ثم باعه قبل ان يكيله، قال: لا يعجنبي أن يبيع كيلا أو وزنا قبل ان يكيله أو يزنه " إلى غيرذلك. وأنت خبير بأن شيئا منها لا يدل على أن القبض هو الكيل أو الوزن فان كان المدعى أنهما قبض ولو لم يجعل تحت اختيار المشتري واستيلائه فلا دلالة فيها عليه، وإن كان المدعى كفاية الكيل بحضرة المشتري فلا إشكال فيه، لا لان الكيل قبض، بل لان القبض وهو جعله تحت استيلائه حاصل بالكيل على النحو المتعارف من كيل البائع وجعل المكيل عند المشتري، فمفاد تلك الاخبار يؤيد القاعدة الكلية التي أشرنا إليها. وأما مسألة كراهة بيع المكيل والموزون قبل الكيل والوزن أو حرمته أو شرطيتهما لصحته فهي أمر آخر غير مربوط بالمقام. ودعوى ان مقتضى الجمع بين ما اشتمل على النهي عن بيعهما قبل القبض كصحيحة منصور وغيرها وبين ما اشتمل على النهي عن بيعهما قبل الكليل والوزن كصحيحة معاوية هو ان الكيل والوزن هو القبض في غير محلها إن كان المراد حصوله بمجرد الكيل بلا مساس بالمشتري، وإن كان المراد حصوله بهما إذا كان بمحضر منه ورضا وقبول منه فلا إشكال في حصوله، لكن يكون الكيل مقدمة لما هو القبض حقيقة وهو استيلاء المشتري. وعلى فرض تسليم أن مفاد تلك الرويات بعد الجمع بينها وبعد استثناء التولي هو ان الكيل قبض، بل لو فرض ورود دليل على ان الكيل قبض.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود - الحديث 12 - 16.

[ 370 ]

أو انه يكفي في القبض الكيل فهو من اقوى الشواهد على ما ذكرناه من ان القبض هو الاستيلاء على الشئ، والاقباض هو جعل الشئ تحت استيلائه، ضرورة ان المراد بأن الكيل قبض ليس كيل البائع في نفسه بلا دخل للمشتري ولا حضور له، بل المراد ما هو الشائع المتداول بين المتعاملين من كيل الطعام عند البيع أو بعده أو قبله وجعله في متناول يد المشتري وتحت استيلائه وبه يحصل القبض المعتبر حسب ما قدمناه، نعم هذا استثناء عن ما قيل في باب القبض من انه لا يكتفى بالاستيلاء، بل لابد من التصرف بوجه. ثم إنا قد تعرضنا لجانب من مفاد الروايات الواردة في المكيل والموزون في محله، فراجع حتى يتضح الحال فيما نقله الشيخ الاعظم (قده) عن المسالك في الفرع الثاني. كما اتضح مما ذكرناه الحال في السفينة المبتاعة المشحونة بأمتعة البائع أو غيره، وان القبض الذي هو الاستيلاء لا يتوقف على شئ غيره، وهو يحصل بالاستيلاء على السفينة، كانت مشحونة بمال البائع أم لا.

[ 371 ]

القول في وجوب التسليم مسألة: يجب على كل من المتبايعين تسليم ما وقع عليه العقد، وذلك لا لاجل مجرد وجوب رد مال الغير إليه حتى يترتب عليه وجوب التسليم على كل منهما وإن امتنع الآخر عن التسليم، فان إمساك مال الغير ظلم، وظلم أحدهما لا يستلزم جواز الظلم على الآخر، وكما هو المحكي عن الاردبيلي واستجوده صاحب الحدائق (قدهما). ولا لاجل بناء عقود المعاوضات على تسليم كل منهما ما عنده في قبال تسليم الآخر، بدعوى انه من الشروط الضمنية التي التزمه المتعاملان كما عليه جمع من المحققين، ضرورة عدم اشتمال البيع إلا على التمليك بالعوض تمليكا إنشائيا فقط بلا التزام بأمر آخر، فما قيل - من ان مساواة العوضين في القيمة وعدم العيب فيهما وتسليم كل منهما عند تسليم الآخر من الشروط الضمنية الموجبة لثبوت حق لهما في المقام ولثبوت الخيار عند التخلف - غير وجيه، لكونه مخالفا للوجدان في المعاملات ولارتكاز العقلاء. بل لان التسليم والتسلم من الاحكام العقلائية المترتبة على البيع، حتى

[ 372 ]

صح بلحاظه أن يقال توسعا: إن البيع هو الاخذ والاعطاء وذلك لان البيع طريق للوصول إلى العوضين، كما ان البيع الانشائي للوصول إلى الملكية العقلائية، وهذا وذاك من الدواعي العقلائية من دون ان يكون هنا تقييد والتزام في نفس المعاوضة، ومن الاحكام الواضحة العقلائية اللازمة العمل، إلا أن يدل دليل شرعي على الردع. ويترتب على ذلك عند العقلاء حق الامتناع إذا امتنع صاحبه من التسليم، كما ان لكل منهما حق المطالبة، لا لكونه ملكه والناس مسلطون على أموالهم، لان ذلك لا يستلزم ما ذكر، بل لكونه حقا عقلائيا مترتبا على المعاوضة، فإذا امتنع احدهما أو كلاهما من التسليم ورجعا إلى الحاكم يجبره عليه، لا من باب الامر بالمعروف، بل من باب ثبوت الحق لكل منهما، والمرجع فيه هو الحاكم، كما يترتب عليه عدم حق المطالبة إذا امتنع عن أداء حق صاحبه، إذا حقه بنظر العرف متقيد لا مطلق، فليس له أن يطالب صاحبه بماله وهو لا يسلم عوضه إليه. ولو امتنع أحدهما أو كلاهما ولم يمكن الاجبار فان كان ذلك من نيتهما حال العقد بطل، لانه غير عقلائي، وإلا ففي الامتناع المطلق يحتمل انحلال العقد، وبحتمل ثبوت الخيار، وهو الارجح، وليس الخيار للشرط الضمني، بل هو خيار آخر ثابت عند العقلاء ولو امتنع أحدهما فان كان هو البائع كان للمشتري خيار الامتناع، وإن كان هو المشتري كان للبائع خيار التأخير. ولو كان كل منهما باذلا لكن اختلفا في التقدم والتأخر لغرض عقلائي أجبرا على التسليم، وليس لاحدهما حق التقدم. فما عن الخلاف - من انه يجبر البائع أولا على تسليم المبيع ثم يجبر المشتري على تلسم الثمن، سواء كان الثمن عينا أو في الذمة، لان الثمن إنما

[ 373 ]

يستحق على المبيع، فيجب أولا تسليم المبيع ليستحق الثمن - غير وجيه، وتعليله ضعيف، إذ كما ان الثمن يستحق على المبيع كذلك المبيع يستحق في قبال الثمن، وذلك لان الملكية الانشائية وكذا الحقيقية لا اشكال في حصولها بالنسبة اليهما في رتبة واحدة، وتقدم المبيع في اللفظ غالبا لا يوجب تقديم حصول ملكيته على ملكية الثمن، ولا تقديم حكم أحدهما على الآخر، فهما على السواء في المالكية وفي الاحكام المترتبة على المعاوضة، ومنها وجوب تسليم كل منهما مال صاحبه، فهذا حكم عقلائي مترتب على المعاوضة مقدم على دليل السلطنة وحرمة حبس مال الغير العقلائيين، مع ان حرمة الحبس إنما هي فيما إذا لم يكن بحق، كما أنه لا سلطان له فيما إذا كان الحبس بحق. وربما يقال: إن المشتري يجبر على البدأة فيما إذا كان الثمن كليا، لان حق المشتري متعين في المبيع فيؤمر بدفع الثمن ليتعين حق البائع أيضا، وفيه أنه لا دليل على هذا المدعى، وإنما الواجب دفع العوض الكلي بدفع الفرد وأما تقدم الدفع ليتعين الحق فيه فلا وجه له. وأما ما عن الجواهر - من ان قبض البائع مقدما يوجب تفويت حق آخر منه، وهو حق خيار التأخير - ففيه أن الحق غير ثابت فعلا، غاية ما هنا أنه يحتمل تحققه في المستقبل، ومثله لا يصدق عليه التفويت ولو قلنا بعدم جواز رفع موضوع الحق، مع ان المفروض عدم التأخير، لانهما لم يختلفا في أصل التسليم، بل في البدأة به. ومما ذكرنا في وجه المسألة يظهر الحكم فيما إذا كان أحد العوضين مؤجلا، ففي مثله يكون الحكم العقلائي غير المردوع ثابتا من حين حلول الاجل، فلكل منهما الامتناع مع امتناع الآخر، لان ذلك مقتضى المعاوضة بحسب الحكم العقلائي، وإنما لم يجز الامتناع قبل حلوله لعدم حق عقلائي له ما دام الاجل باقيا، وبعد ما حل الاجل ثبت الحكم المتعلق بالمعاوضة، وهو

[ 374 ]

جواز امتناع دفع العوض مع امتناع صاحبه، وليس هذا الحكم لاجل الالتزام الضمني حتى يقال: ليس هنا التزامان، فلابد من رد مال الغير ولو امتنع عن رد ماله. وبالجملة الحكم ثابت لعنوان المعاوضة أو للتسليم المعاوضي، خرج منه ما أجله صاحب الحق إلى زمان حلوله، وبقي ما بعده وليس ذلك من قبيل عموم العام والمخصص حتى يبحث عن ان المورد هل من موارد التمسك بالعام أو من موارد استصحاب حكم المخصص. فلو قبض الممتنع ما في يد صاحبه فعل حراما وكان لصاحبه استرجاعه لكن المأخوذ ليس غصبا ولا بحكمه، فله التصرف فيه، لان الحق تعلق بعنوان الحبس أو الامتناع، فله حق الحبس والامتناع من التسليم مع امتناع صاحبه، نظير حق الخيار المتعلق بالعقد لا بالعين، نعم لو فرض ترتب أثر على الاقباض أو القبض بحق لم يترتب على ذلك القبض. مسألة: يجب على البائع تفريغ المبيع عن امواله، سواء قلنا بوجوب التسليم أم لا، لان إشغال مال الغير بدون إذنه غير جائز. وكذا لو كان مشغولا بمال غيره باذنه وجب عليه وعلى الغير تفريغه، وهذا الوجوب ثابت من حين تمامية العقد إلى زمان التسليم والى ما بعده ما دام الاشتغال بلا إذن من المالك، وله إلزام البائع وغيره على التفريغ أو افراغه إذا امتنع صاحبه وإن تضرر به، وعلى مالكه أجرة التفريغ، كما أن عليه أجرة مثل زمان الاشغال، كل ذلك من لوازم التصرف في مال الغير بلا إذنه وإشغاله له، بل هذا الاشغال تفويت للمنافع واستيفاء لها، نعم لو اشتغل المبيع بمال

[ 375 ]

البائع بلا اختيار منه ولم يمكنه التفريغ أو تصدى له فورا ولكن طال مدته فالظاهر عدم ثبوت الاجرة، لعدم تفويت منه وعدم الاستيفاء. ثم إنه هل يكون للتفريغ زائدا على وجوبه لما ذكر وجوب آخر تستتبعه المعاوضة؟ كوجوب التسليم المترتب على المعاوضة الذي قلنا: إنه حكم عقلائي غير الحكم الشرعي بوجوب رد مال الغير، وقالوا: إنه مقتضي إطلاق العقد والتزام المتعاملين، ثم على القول به، فهل هنا التزامان مستقلان أحدهما التزام التسليم وثانيهما التزام التفريغ عند التسليم، وعلى المختار هنا حكمان عقلائيان مستقلان أحدهما لزوم التسليم وثانيهما لزوم الافراغ عنده، أو أن هنا التزاما واحدا أو حكما واحدا متقيدا بحيث لو سلم المبيع غير فارغ لم يقع التسليم ولم يتحقق القبض؟ لا إشكال في عدم التزام هنا من المتعاملين في اصل التسليم فكيف في التفريغ عن المزاحم، كما لا اشكال في عدم حكمين مستقلين عقلائيين بحيث يترتب على كل منهما الاثر، وأما الحكم الواحد المقيد ففيه تأمل وإشكال، والظاهر عدم ثبوته، فلو سلم العين مشغولة صح وتحقق التسليم، وليس للمشتري حبس الثمن ولا حق الامتناع، وما افاده الشيخ الاعظم (قده) من ان التسليم بدون التفريغ كالعدم غير واضح، بل الظاهر ان التسليم مع التفريغ والاشتغال سواء، فانه عبارة عن جعله تحت استيلائه، وهو حاصل حتى مع الاشتغال بمال الغير. ولو امتنع البائع عن التفريغ ولم يمكن الزامه أو كان مشغولا بمال غاصب لم يمكن الزامه ولم يمكن في الصورتين التفريغ كان له الخيار، على ما يأتي بيانه في الفرع الآتي. ولو كان المبيع أرضا مشغولة بالزرع للبائع فان بلغ حصاده يجب عليه الحصاد والتفريغ، ومع الامتناع اجبر عليه، ومع عدم إمكانه حصده

[ 376 ]

المشتري وأخذ اجرة الحصاد منه، وإن لم يبلغ فان كان زرعها بعد البيع وقبل التسليم فهو خارج عن محل البحث، لكونه غاصبا يعامل معه معاملة الغاصب، وإن كانت مشغولة به حين البيع فان علم به المشتري فلا خيار له ولا القلع بلا إشكال، لكن له اجرة الارض إن لم تقم قرينة على البناء على بقائه مجانا، وإن جهل به فله خيار الفسخ، والظاهر أنه خيار مستقل عقلائي فيه مناط خيار العيب، فان العين المشغولة التي لا يمكن الانتفاع بها مساوقة لما فيه نقص مانع عن الانتفاع، فكما ان خيار العيب هناك عقلائي وإن كان التخيير بين الفسخ والارش بالتعبد من الشارع الاعظم كذلك الخيار في المورد عقلائي ملحق بخيار العيب، ولكن لا أرش فيه، لاختصاصه بمورد نقص الخلقة. وأما ما قيل من انه من قبيل تخلف الوصف أو تخلف الشرط وما قيل في وجهه من ان الخصوصيات التي تتعلق بها الاغراض النوعية لنوع المتعاملين بمنزلة القرينة النوعية على ارداتها في مورد العقد، فتكون كالتوصيف المذكور، أو كالالتزام الضمني بها، فتخلف مثل هذا الوصف أو الالتزام يوجب الخيار، لان لزوم العقد والحال هذه يوجب الضرر، وهو نقض الغرض المعاملي، وإن لم يكن ضررا ماليا. فليس بوجيه (أما أولا) فلمنع صيرورة ما تعلق به الاغراض وكانت كالداوعي وصفا أو التزاما في المعاملة وإلا لوجب ثبوت الخيار في موارد لا يلتزم به أحد حتى القائل، ككون الفاكهة حلوا، وكون الدواء مفيدا، فالصفات الكمالية وإن كانت متعلقة للاغراض النوعية في المعاملات لنوع المتعاملين وكانت من الدواعي إلى المعاملة، إلا أنها بمجرد ذلك لا خيار فها عند التخلف، مع أن الالتزام الضمني الذي تكرر منهم في كثير من الموارد لا عين ولا أثر له عند العقلاء في معاملاتهم.

[ 377 ]

(وأما ثانيا) فلان خيار التخلف على فرضه عقلائي، ليس مدركه دليل نفي الضرر، وقد مر منهم أن دليله لا يثبت الخيار بالمعنى المقصود منه. (وأما ثالثا) فلان مجرد نقض الاغراض ليس بضرر عرفا ولا لغة. فتحصل أن الخيار ثابت في المقام بلا إشكال، لكنه ليس لما ذكروه، بل الوجه فيه ما ذكرناه من كون المقام ملحقا بالعيب عند العقلاء. وليس للمشتري قلع الزرع ولا إلزام البائع بقلعه، لانه عرف محترم لغير ظالم، ودليل السلطنة على الاموال حيثي كما مر منا، فلا إطلاق له للاضرار بالغير، فكما لا يسوغ دليل السلطنة للبائع بقاء زرعه في مال الغير كذلك لا يسوغ للمشتري قلع مال الغير والاضرار به، مضافا إلى حكومة دليل نفي الضرر (1) على قاعدة السلطنة على فرض إطلاقها، فان دليله نهي سلطاني من رسول الله صلى الله عليه وآله أو شرعي من الله مقدم على دليل السلطنة لا على سائر الادلة الاولية. ومن هنا يظهر أنه لا يوجب دفع الارش رفع النهي عن الاضرار. فانه مترتب عليه، نعم لو خالف وقلع ثبت عليه الارش مع ارتكابه الحرام فالقلع خلاف احترام مال المسلم وخلاف نهي النبي صلى الله عليه وآله، كما أن الابقاء بلا اجرة خلاف احترام مال المسلم. وتوهم أن الابقاء إضرار والاجرة جابرة فاسد، لان بقاء الزرع في الارض ليس من فعل البائع، وما هو من فعله زرعه فيها، وهو واقع في ملكه قبل النقل، وأما بقاؤه فليس كذلك، ومجرد قدرته على القلع لا يوجب صيرورة البقاء فعلا له، وإلا لو جب أن يكون فعلا لجميع الناس القادرين عليه، فالقلع إضرار بالبائع، والابقاء ليس كذلك، والاجرة ثابتة لاحترام مال المشتري وجمع بين الحقوق.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب إحياء الموات.

[ 378 ]

نعم لو قلنا بأن مفاد دليل نفي الضرر نفي الاحكام الضررية كان كل من القلع والابقاء ضرريا، وكل من الارش والاجرة جابرا له، ضرورة أن بقاء الزرع في الارض استيفاء لمنافعها وتفويت على صاحب الارض، وجوازه ضرر منفي، كما ان جواز القلع ضرر منفي فيتعارضان، وما في بعض التعليقات مع طوله غير مرضي. فتحصل مما مر ثبوت الخيار للمشتري واجرة المثل مع عدم إعماله، ولو أراد البائع القلع لم يكن للمشتري منعه، فعلى البائع الاستجازة من المشتري في الابقاء ولو بالاجرة، ولو لم يجبه على ذلك كان له القلع وتخليص ماله بغير اجارة، ولو لم يتمكن سقطت أجرة الارض. ولو قلع يجب عليه طم الارض وإصلاحها، ولا يبعد ان يكون الحكم في أمثال ذلك حتى في مثل هدم البيوت والجدر مما يمكن اعادته على ماكان عليه وجوب الاعاة، إلا أن يرضى المالك بالقيمة، ويحتمل عدم جواز إلزامه على القيمة لو أراد الاعادة على ما هو عليه، فقول الشيخ الاعظم قدس سره: " ولو ألحق مطلقا بالقيمي له وجه " غير مرضي، ودليل الضمان عقلائي أنفذه الشارع الاقدس، ولا يقتضى الدليل زائدا على ما ذكرناه، وبعد فالمسألة محتاجة إلى التأمل. ثم إنه لو امتنع البائع من التسليم فان كان بغير حق فلا إشكال في كونه غاصبا، ويجري عليه آثار الغصب وعليه الاجرة والنفقة، وإن كان بحق كما لو كان امتناعه لامتناع المشتري من تسليم الثمن فبالنسبة للمنافع لو أتلفها كما لو اتلف الثمرة أو استوفاها كما لو سكن البيت صار ضامنا لها وعليه عوضها. وإن تلفت لا بتقصير منه أو فاتت المنفعة بلا استيفاء كما لو بقيت الدار خالية والدابة معطلة فهل عليه ضمان ما تلف أو فات من المنافع

[ 379 ]

أم لا؟ وجهان، أو جههما العدم، لانصراف دليل اليد عن اليد التي وقعت على مال الغير أو بقيت عليه بحق عقلائي أو شرعي سيما في مثل المورد الذي كان البقاء فيه بتقصير من صاحب المال وإن لم يصدق عليه الامانة الشرعية أو المالكية، فضلا عما إذا صدقت عليه كما يقال: إن مثله أمانة شرعية. وأما ما قيل - من ان الفوات تحت يده إتلاف ومع ذلك قال بعدم الضمان تشبثا بقصور قاعدة اليد عن الامانة الشرعية - ففي غير محله، لان دليل الاتلاف ليس فيه قيد، وكون الحبس بحق لا يوجب ان يكون الاتلاف كذلك، لكن الذي يسهل الخطب أن الفوات تحت يده ليس إتلافا، فالضمان لو كان إنما هو ضمان اليد لا الاتلاف، وفي غير المورد إذا منع المالك عن استيفاء منفعة ملكه يثبت الضمان العقلائي وإن لم يصدق الاتلاف. بل يمكن ان يقال: إن جواز الامتناع عند الامتناع ملازم لجوازه بلا ضمان الاجرة، وإلا فربما يحتال المشتري بالتوسل بالامتناع لاخذ الاجرة بسهولة فيمتنع عن الثمن ليأخذها، ولو كان لحفظ مثل الدار نفقه فعلى المشتري، كما ان نفقة الدابة عليه. ولو طلب من البائع الانتفاع بماله وهو في يده ففي وجوب إجابته وجهان، أشبههما بالقواعد الوجوب، وإن أمكن المناقشة فيه بأن يقال: لازم جواز الامتناع عن تسليم العين جواز الامتناع عن الانتفاع بها، وفيه كلام.

[ 380 ]

القول في احكام القبض مسألة: من احكام القبض انتقال ضمان المبيع إلى المشتري القابض، إذ يكون قبل القبض على البائع، وهو في الجملة مما لا كلام فيه، وإنما الكلام في انه مضمون عليه بالضمان المعاوضي اوانه مضمون عليه بالضمان الواقعي. ربما يحتمل أو يقال: إنه مضمون عليه بضمان اليد أي الضمان الواقعي بدعوى انه تحت يده من غير ان يكون أمانة شرعية أو مالكية، وبدعوى ظهور النبوى المعروف (1) " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه " في ذلك، فان الضمير المنفصل يرجع إلى التلف المستفاد من الفعل، فيكون المعنى أن تلفه من مال البائع، وهو عبارة اخرى عن ان ضمانه عليه مثلا أو قيمة، وعلى فرض تسليم رجوعه إلى المبيع الذي تلف فيما انه لا يمكن الاخذ بظاهره فلابد من الحمل على أن خسارته من ماله، وهو عبارة اخرى عن الضمان بأحدهما. ولا ينافيهما رواية عقبة بن خالد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) المستدرك - الباب - 9 - من ابواب الخيار - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 381 ]

" في رجل اشتري متاعا من رجل وأوجبه غير انه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، قال: آتيك غدا إن شاء الله، فسرق المتاع، من مال من يكون؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا اخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد مال إليه ". لان الظاهر ان السؤال عن الضمان المعهود، وإلا فبعد تحقق البيع لا يحتمل بحسب العادة ان يكون التلف واقعا على مال البائع مع خروجه عن ملكه، والانفساخ بالتلف أو تقديره آنا ما قبل التلف امر مخالف لفهم العقلاء، فلعل في ارتكاز السائل احتمال أن وقوع التلف في يده موجب للضمان مع احتمال عدمه، فكأنه قال: " إن السرقة التي هي الخسارة من مال من تكون؟ " فأجاب بأنها من مال البائع إلى ان يقبض المتاع. وبدعوى أن الاجماعات المدعاة - على فرض اعتبارها والغض عن انها ليست حجة في مثل المسألة التي ورد فيها النبوي المشهور والرواية المتقدمة وتمسك الاصحاب بهما - انما انعقدت على العنوان المأخوذ في النبوي الذي قلنا بظهوره في ضمان اليد، وأما التفريع في بض العبارت بأنه يرجع إلى ثمنه فلم ينعقد عليه إجماع، مضافا إلى عدم إمكان الانفساخ بلا سبب، وليس التلف ولا آنا ما قبله من أسبابه، فلابد من التخلص عن الامر المحال أي كون مالية الشئ بعد تلفه وملكيته من البائع بالحمل على تعبد شرعي، وهو كما يحتمل ان يكون بالانفساخ يحتمل ان يكون بالضمان وأن خسارته من ماله مثلا أو قيمة. ويمكن تأييده بالروايات الواردة (1) في خيار الحيوان بأن التلف في زمان الخيار مضمون على البائع حيث كان في بعضها أن الضمان على البائع وهو ظاهر في الضمان المعهود، وفي بعضها كان التعبير عين ما في النبوي،


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الخيار.

[ 382 ]

فيحمل على الضمان المعهود، ويستفاد منه حكم المقام، هذا غاية ما يمكن أن يستدل لهذا الاحتمال أو القول. ويرد عليه أن شمول دليل اليد للمورد ممنوع فرض انه لم يصدر منه الافراط ولا التفريط ولم يماطل في القبض الواجب عليه، فانه حينئذ محسن بحفظه لا سبيل عليه، ولانه أمانة شرعية في يده، بل دليل اليد منصرف عن مثله بلا شبهة، فالقاعدة تقتضي عدم ضمان اليد. وأما النبوي فلا شبهة في ظهورة في رجوع الضمير إلى المبيع، فانه موضوع للسؤال عن انه إذا تلف فما حكمه؟ وسيق الكلام لبيان حكمه فالارجاع إلى التلف بالتكلف بلا قيام قرينة بل مع القرينة على خلافه تعسف، مع انه على هذا الفرض ظاهر في ان التلف وقع من ماله، أي ماله تلف، وحمله على لزوم الجبران بمال آخر وان عليه جبران خسارته تكلف، بل على هذا الاحتمال يرفع الاشكال عن ظاهر الكلام، حيث يوهم أن المبيع حال التلف مال. فلو أرجعنا الضمير إلى التلف المستفاد من الفعل يستفاد ما عليه المشهور بلا ورود إشكال عليه، فان مفاده حينئذ أن كل مبيع تلف يكون تلفه من مال بائعه، وهو ظاهر في وقوعه على ماله لا كونه حال التلف ماله، بل يمكن دعوى لزوم الارجاع إليه لقيام القرينة العقلية على عدم صحة الرجوع إلى المبيع ولا مرجع بعده الا التلف المستفاد من الفعل، فيكون النبوى ظاهرا في القول المعروف، فدعوى ان عدم امكان الرجوع إلى المبيع دليل على الرجوع إلى التلف، فيستفاد منه الضمان المعهود في غير محلها، لان الرجوع إليه يؤكد قول المشهور. ورواية عقبة ظاهرة كالصريحة في ان السرقة من مال البائع، ودعوى ان السؤال عن الضمان المعهود لعدم احتمال السائل أن التلف من مال البائع

[ 383 ]

بعد خروجه عن ملكه تخرص، بل يمكن ان يقال: إن اشتهار النبوي الظاهر في ان التلف من مال البائع أوجب السؤال، فلا عذر في رد الظاهر الذي هو كالصريح في ان السرقة من مال البائع بالاحتمال الذي يمكن أن يكون مرجوحا. ودعوى عدم إمكان الانفساخ بلا سبب مدفوعة بأن الاسباب في الاعتباريات هي موضوعات للاعتبار العقلائي أو الشرعي، وليست أسبابا تكوينية، فلا مانع من كون التلف موضوعا لاعتبار الشارع انفساخ العقد آنا ما قبل التلف، أو لحكمه بانفساخه قبل تلفه، ولا يحتاج إلى سبب تكويني. والتأييد بروايات خيار الحيوان في غير محله، وقد ذكرنا في البحث حول التلف في زمان الخيار شطرا وافيا من الكلام يستفاد منه عكس ما ذكر من التأييد. ولا ينبغي الاشكال في ان الضمان المعاوضي كان مشهورا من زمن شيخ الطائفة (قده) إلى الاعصار المتأخرة من غير نكير، وهي شاهدة على أنهم اخذوا الحكم من الشارع الاقدس يدا بيد، ولو استشكل في ذلك، فلا أقل من كونها شاهدة على ان الظاهر المتفاهم من النبوي (1) والرواية (2) عرفا عند أهل اللسان والتحقيق هو الضمان المعاوضي. ثم على القول بالضمان المعاوضي اللازم منه رجوع الثمن إلى المشتري فهل ينفسخ العقد حقيقة آنا ما قبل التلف كما هو المشهور، أو من الاصل، أو يكشف التلف عن بطلان العقد رأسا بأن تكون صحته مشروطة بعدم التلف قبله، أو لا يكون هنا انفساخ ولا بطلان حقيقة، بل الشارع تعبد بأحدهما حكما، فحكم بأنه بحكم الانفساخ آنا ما قبل التلف، أو من الاصل أو تعبد بترتيب آثار البطلان رأسا؟


(1) و (2) راجع التعليقة (1) و (2) ص 380.

[ 384 ]

والاوجه من بين الاحتمالات ما هو المعروف بين الاصحاب، لان حمل النبوي والرواية على التعبد وترتيب الآثار خلاف ظاهرهما، ويحتاج إلى الدعوى المعتبرة في المجاز، والبطلان من الاصل بدعوى الاشتراط والتقيد مخالف لاطلاق أدلة صحة البيع ونفوذه، وكذا الانفساخ من الاصل، فانه مخالف للادلة والاصول، فلا يجوز رفع اليد عنها إلا بمقدار الضرورة، وهو الانفساخ آنا ما قبل العقد. وبعبارة اخرى إن مقتضى إطلاق أدلة صحة العقد ولزومه نفوذه ولزومه من غير تقييد بزمان دون زمان، خرج منه آنا ما قبل التلف يقينا إما لخروجه مطلقا أو في خصوص هذا الزمان، وفي الزائد على المتيقن يكون محتمل البقاء على نفوذه ولزومه فيؤخذ بالاطلاق، كما ان بقاءه إلى زمان ما قبل التلف مقتضى الاستصحاب، بعد كون البطلان من راس خلاف الادلة، لان المتيقن خروج ما قبل التلف، وفيما عداه محتمل فيجري فيه الاصل، وليس في النبوي والرواية دلالة على الانفساخ من الاصل، ولا إطلاق فيهما من هذه الجهة، فالحكم المشهور موافق للتحقيق، وأما ما ذكرناه في التلف في زمان الخيار من الحمل على التعبد فانما هو لقيام قرينة هناك عليه، وهي ان العيب الحادث ايضا مضمون على البائع، فراجع. وسيأتي الكلام في ضمان الاوصاف التالفه قبل القبض. وعلى ما ذكرنا من دلالة الدليل على الانفساخ الحقيقي قبل التلف تكون المنافع إلى زمان الانفساخ للمشتري، ومن حال التلف يترتب جميع آثار الملك الحقيقي للبائع، فله الانتفاع بالتالف، وإذا كان له منفعة فهي له، وأما لو قلنا بالحقيقة الادعائية اللازم منها ترتيب آثار كون التلف من ماله فلا مجال لترتيب آثار الملك عليه، لان الادعاء على ان التلف من ملكه لا ان التالف ملكه، فلابد من الاقتصار على مورد التعبد، فليس للبائع

[ 385 ]

الانتفاع بالتالف، ولا يجب عليه تجهيز العبد الذي مات قبل القبض بل يكون ذلك للمشتري وذاك عليه. ثم إن الضمان المعاوضي المذكور ليس من الحقوق القابلة للاسقاط، فان انفساخ العقد ورجوع العوضين سواء قلنا بانفساخه حقيقة أو حكما من الاحكام الشرعية غير القابلة للاسقاط والابراء والنقل مما يجري في الحقوق، كما ان اشتراط عدم الانفساخ عند التلف مخالف للشرع، فلا نفوذ له. ثم إن الرافع لهذا الضمان هو القبض، وهو كما مر عبارة عن الاستيلاء على المبيع والاستقلال به، لا جعله في قبضة البائع، فالتخلية بلا حصول استيلاء للقابض ليست بقبض، ومعه يصدق القبض عرفا بلا إشكال، وقد قامت القرينة في النبوي (1) على ان القبض ليس بالمعنى الحقيقي، وهي عموم الحكم لكل مبيع، ومنه الدار والبستان ونحوهما، فلا ينبغي الاشكال في ان القبض أي الاستيلاء عليه رافع للضمان. ثم إن المراد بالتلف في النبوي هو التلف العرفي وتشهد به رواية عقبة (2) فيشمل الغرق والسرقة ونحوهما مما يعد عند العرف تلفا فيما إذا كان بحيث لا يرجى عوده، ومنه انفلات الطير وفرار الوحش إذا لم يرج عودهما، فلو اتفق العود فان قلنا بأن التلف صادق قبله فانفسخ العقد أو حكم به شرعا وأن العود نظير الاحياء بعد الموت والتلف الحقيقي فالحكم كما لم يعد، وإن قلنا بأن صدق التلف على مثل المذكورات يتوقف على عدم العود وأن اليأس عنه أخذ على نحو الطريقية فمع انكشاف الخلاف ينكشف عدم الانفساخ. ثم إن الموضوع في النبوي هو التلف قبل القبض، وهو كما مر استيلاء


(1) راجع التعليقة (1) ص 380. (2) راجع التعليقة (2) ص 380.

[ 386 ]

القابض على المبيع، وهو صادق ولو مع عدم إقباض البائع وعدم إذنه، فلا إشكال في انتقال الضمان إلى المشتري بالقبض مطلقا، ورواية عقبة بن خالد وإن كانت توهم دخالة الاقباض أو كونه تمام الموضوع، لكن الاقوى هو ما ذكرناه، لان قوله: " يخرجه " و " اخرجه من بيته " كناية عن الاقباض وهو على ما يساعده فهم العرف طريق إلى حصول القبض عرفا، ومع الاحتمال لا يرفع اليد عن اطلاق النبوي، بل ما هو المستند الاصيل للحكم هو النبوي المشهور المفتى به، وعليه فلو قبضه بلا حق واسترده البائع فتلف فهل هو من التلف قبل القبض أو من التلف بعده؟ وجهان، أو جههما الثاني، هذا كله حكم التلف. وأما الاتلاف فاما أن يكون من المشتري وإما أن يكون من البائع أو من الاجنبي، وعلى الاول، فان قلنا بأن مفاد النبوي والرواية أعم من التلف، بدعوى ان الاتلاف محقق للتلف ويصدق معه أنه تلف باتلاف الغير فيكون الحكم حينئذ كما تقدم في التلف. مضافا إلى إمكان دعوى انه بمناسبات الحكم والموضوع يفهم العرف ان الموضوع عدم وصول المبيع إلى المشتري وتعذره، من غير فرق بين التلف والاتلاف، مع ان التلف مطلقا لا يعقل وقوعه بلا سبب يكون هو المتلف، فالتلف بجميع أنحائه يكون تلفا باتلاف، غاية الامر ان السبب قد يكون مختارا ويصح إسناد التلف إليه وقد لا يكون كذلك، وتشهد لعموم الحكم رواية عقبة، حيث إن السرقة بما انها تلف عرفى ثبت عليها حكم التلف، وهى فعل السارق، ويصدق انه اتلف المبيع على المشتري أو البائع، وعليه فلابد من الحكم في اتلاف المشتري بانفساخ العقد آناما قبله ووقوع الاتلاف على مال البائع، فيكون المشتري ضامنا له بالغرامة، والبائع ضامنا للثمن المسمى.

[ 387 ]

وإن قلنا بانصراف الدليل على فرض إطلاقه عن إتلاف المشتري صاحب السلعة، وإن لم نقل بانصرافه عن اتلاف الاجنبي أو البائع، فعلى الشمتري الثمن المسمى، وليست على البائع غرامة، ومع الشك في ذلك يكون مقتضى الاصول بقاء العقد، وبقاء العين ملكا للمشتري والثمن ملكا للبائع، والظاهر انصراف الدليل عن إتلاف المشتري، ورواية عقبة وردت في إتلاف الاجنبي، ولا يمكن إلقاء الخصوصية، لان له خصوصية، فالحكم بسقوط الضمان الذي نفي عنه الخلاف في محله. ومما ذكر يظهر الحال في إتلاف البائع، فانه مع القول بانصراف النبوي عن الاتلاف فعلى البائع غرامة مال المشتري، وعليه ثمن المبيع، ومع القول بعدمه ينفسخ العقد قبل الاتلاف فلا غرامة عليه وإنما عليه الثمن المسمى للمشتري، ومع الشك يعمل على مقتضى الاصول المتقدمة. وأما القول باجتماع السببين: سبب إتلاف مال الغير وسبب الانفساخ فضعيف، لامتناع اجتماعهما، لادائه إلى اجتماع النقيضين أي الانفساخ وعدمه والتردد بين هذا وذاك ممكن، لكن يرجع معه إلى الاصول كما تقدم. والظاهر انصراف النبوي عن اتلاف البائع أيضا، ورواية عقبة في اتلاف الاجنبي، وإلقاء الخصوصية مشكل أو ممنوع، والحكم على خلاف القاعدة لابد فيه من ان يقتصر على مورده، وهل للمشتري حينئذ خيار الفسخ لتعذر تسلميه؟ الظاهر ذلك، فان خيار تعذر التسليم عقلائي، ولا فرق فيه بين وجود العين وتلفها، وتوهم اختصاص الخيار مورد إمكان التسليم في نفسه وعدم التمكن منه فعلا في غير محله. وأما اتلاف الاجنبي فمع الغض عن رواية عقبة أو الاشكال في سندها يكون الحكم كما مر، وأما مع النظر إليها والقول بجبر سندها بعمل الاصحاب فينفسخ العقد كما لو تلف قبل القبض.

[ 388 ]

ثم إن في كل مورد تكون للمشتري القيمة على البائع هل له حبس القيمة على الثمن كما له حبس العين أم لا؟ الاقوى العدم، لعدم الدليل عليه، فان جواز الحبس إن كان لحكم العقلاء به في طرفي المعاوضة فلا شبهة في ان القيمة ليست طرفا، وما وقع في بعض الكلمات من وقوع العقد على العين بشؤونها غير مرضي قد مر الكلام فيه في محله، وإن كان للالتزام الضمني من المتعاقدين فلا شبهة في عدم الالتزام على فرضه الا بالنسبة إلى العوضين لا قيمتها أو مثلهما، مع ان الالتزام المذكور لا أساس له. وما قد يقال من ان هذا الالتزام ليس إلا للتحفظ على ماله لئلا يذهب هدرا خارجا مع عدم تسلم عوضه، وهذا المعنى موجود في القيمة، وهي في الحقيقة مالية ماله، وبها العبرة في المعاملات لا بأشخاص الاموال. لا يرجع إلى محصل، لا لمجرد منع اصل الالتزام، بل لانه مع تسلميه لا التزام إلا بالنسبة إلى العوضين، وأما بالنسبة إلى المالية فمن الضروري ان لا التزام على المالية المشتركة بين العين وغيرها، والالتزام بالقيمة في عرض الالتزام بالعين على نحو يلزم منه الجمع بين العين وبدلها أو التخيير بينهما مما هو ظاهر الفساد، والالتزام بها في طول الالتزام بالعين بأن يلتزم كل على رد العين وعلى فرض عدمه على رد بدلها مما لا ينبغي التفوه به، ولا دليل على ثبوت حكم المبدل للبدل، فالاقوى عدم جواز الحبس. ومما مر ظهر حال ما لو كان إتلاف البائع بعدما قبض المشتري بغير إذنه وكان له الاسترداد، حيث إن اتلافه وقع بعد القبض، فلا يشمله النبوي (1) بل يكون عليه الغرامة للمشتري، وعلى المشتري الثمن المسمى، هذا كله في تلف المبيع. وأما تلف عوض المبيع المعين قبل قبضه فهل يلحق بتلف المبيع فيما


(1) راجع التعليقة (1) ص 380.

[ 389 ]

مر أو لا؟ أو يفصل بين ما إذا كان من النقد فلا يلحق وبين ما إذا كان من العروض فيلحق تلفه قبل القبض حكم تلف المبيع قبل القبض، وذلك لان في الثاني يصدق المبيع على كل من العوضين ويصدق البائع عليهما وكذا المشتري كما مر في محله، فان البيع مبادلة مال بمال أو تمليك عين بعوض وهما صادقان على كل من العوضين، فإذا باع ناقة بجمل أو بادلها به يصدق على كل منهما عنوان المبيع، وكان كل من المتعاملين بائعا ومشتريا، فلا ينبغي الاشكال في صدق النبوي (1) عليهما، وثبوت الحكم لهما، والمعاملات الواقعة في عصر النبي صلى الله عليه وآله ومصره لو لم تكن جميعها من مبادلات الاعيان بالاعيان فلا اشكال في انها كانت متعارفة وشائعة، بحيث لم يكن ينقدح في ذهن السامع من قوله صلى الله عليه واله: " كل مبيع تلف قبل قبضه " إلا عموم الحكم لطرفي المبادلة، لعدم تعارف البيع بالاثمان، سيما في عصر صدور الرواية. وأما إذا كان الثمن من النقدين ونحوهما ففي صدق المبيع عليه خفاء وعلى فرض تسليم الصدق فيمكن القول بالانصراف، وما في كلمات القوم المحكية في كتاب الشيخ الاعظم (قده) من الصدق إنما هو في فرض مبادلة عين بعين، فلا دلالة في كلماتهم على الصدق في الاثمان. ولكن يمكن أن يقال: إنه إذا جرى الحكم في العوضين فيما إذا كانا من الاعيان فمن البعيد جدا التفصيل بين النقد وغيره، بل المناسبات العقلائية توجب تعميم الحكم لهما. ويؤبده ذيل رواية عقبة (2) لكن باب المناقشة في دلالتها واسع، لاحتمالات فيها لعل أقربها بفهم العرف أنه بعد قبض المبيع ضامن للثمن إلى


(1) راجع التعليقة (1) ص 380. (2) راجع التعليقة (2) ص 380.

[ 390 ]

أن يرده، وليس في ذكر الظاهر مكان الضمير دلالة على غير ذلك، إذ مثله كثير في الكلمات، بل لا يبعد ان يكون المتفاهم من الرواية كون الثمن في مورد السؤال كليا، ولا يقاس عصر الصادقين عليهما السلام بعصر النبي صلى الله عليه وآله، فان في عصرهما كان النقد رائجا لكن المعاملة بالنقد الخارجي نادرة جدا، وكيف كان لا إشكال في الحكم في الصورة الاولى من الصورتين المتقدمتين، ولا يبعد في الصورة الثانية، وقد حكي عدم الخلاف في المسألة. ثم إنه لا وجه لالحاق سائر المعاوضات بالبيع في الحكم المتقدم، لعدم شمول الدليل لها وعدم إمكان إلقاء الخصوصية بعد أن كان الحكم على خلاف الاصول والقواعد. ودعوى ان الحكم في البيع وغيره عقلائي، فانه إذا تلف المبيع مثلا في يد البائع قبل قبضه يكون بناء العقلاء على رد الثمن أو عدم تأديته من غير الرجوع إلى الغرامة غير مسموعة، لعدم ثبوت هذا البناء على نحو يمكن أن يثبت به حكم مخالف للقاعدة والاصول الشرعية، فالتجاوز عن مورد النص بلا وجه. ومجرد ذكر العلامة (ره) في التذكرة فرعا يستفاد منه حكمه بثبوته لمطلق المعاوضات لا يدل على تسالم الفريقين. ولو تلف بعض المبيع قبل القبض فان كان مما يكون مبيعا مستقلا في الواقع وإن كان جزءا بحسب الانشاء، بحيث كان العقد منحلا في الواقع إلى العقود والبيع إلى البيوع والمبيعات، كما لو ساوم أشياء مختلفة كان لكل منها قيمة خاصة ثم نقلها بعقد واحد، فلا اشكال في تعدد البيع والمبيع وفي صدق المبيع على كل سلعة، بل ولا كلام فيه، ولعله خارج عن محط بحثهم.

[ 391 ]

كما لا إشكال في أن الاجزاء التي لا يقسط عليها الثمن بوجه كعين الدابة ويدها لا يتعدد بتعددها البيع والمبيع، ولا ينحل البيع بالنسبة إليها إلى البيوع، نعم يكون تلفها موجبا لتعيب المبيع كفقد الاوصاف، ويأتي الكلام فيها. إنما الكلام في الاجزاء التي يقسط عليها الثمن لبا ولكن لم تكن بمثابة الصورة الاولى، كبيع من من السمن وكيل من الحنطة وبيع الدار والبستان وان البيع هل ينحل بالنسبة إليها إلى بيوع متعددة حسب الاجزاء الفرضية والكسور المشاعة؟ وهل هنا تمليكات عديدة وقرارات متعددة، أو أن البيع والقرار والتمليك والنقل واحد ينقل به الدار؟ ونقل الدار نقل مجموعها وهذا هو الحق الحقيق بالتصديق. وأما الاحتمال الاول الذي التزام به جمع من المحققين فمع انه مخالف للاعتبار العقلائي لازمه ان ينتقل الجزء الواحد مرات كثيرة، فالدار تنتقل تارة نفسها المشتملة على الاجزاء الفرضية والمشاعة، وتنتقل الاجزاء بنقلها والاجزاء تنتقل تارة بوجودها المعين الفرضى، وتارة بنحو الاشاعة، فعند التأمل فيه والمحاسبة يعلم لزوم تعلق بيوع غير متناهية على كل جزء بالعناوين غير المتناهية، ولازمه غررية اكثر تلك البيوع. فالحق ان في تلك الموارد ليس المنشأ إلا بيعا واحدا وقرارا فاردا وتمليكا واحدا ونقلا واحدا به ينقل الدار، فالاجزاء المشاعة والمفروضة منقولة بنقل الكل ومملوكة بتملكه، والوجدان أصدق شاهد على عدم تعلق قصود كثيرة في بيع الدار وعلى عدم وجود قرارت متعددة وعلى ذلك يكون الانفساخ بالنسبة إلى الاجزاء المشاعة أو غير المشاعة ممتنعا، لانه فرع تعلق العقد بها، فلا ينبغي الاشكال في خروج تلف الاجزاء عن مفاد النبوي (1).


(1) راجع التعليقة (1) ص 380.

[ 392 ]

نعم يمكن ان يقال: إن العرف بمناسبات مغروسة في اذهاتهم يفهمون حكم الاجزاء بتنقيح المناط القطعي. وعلى ذلك لابد من الالتزام بالانفساخ التعبدي في كل من تلف الكل وتلف الجزء بعد عدم إمكان الالتزام بالانفساخ الحقيقي في تلف الاجزاء وعدم جواز التفكيك بينهما إما لعدم إمكانه أو لعدم مساعدة العرف عليه، ولازم اطلاق الانفساخ التعبدي ترتيب جميع آثار الانفساخ الحقيقي. أو القول بأن للشارع الاقدس الحكم بالانفساخ الحقيقي بالنسبة إلى الجزء الفائت، ومصححه اضافة البيع الانشائي إلى الاجزاء بنحو من الاعتبار وإن لم يتعلق العقد والقرار إلا بالمجموع والكل. أو القول باعتبار الشارع وقوع التلف كلا أو بعضا قبل العقد وفي مال المالك، فيكون العقد بحسب هذا الاعتبار والتعبد واقعا على التالف - لا حقيقة بل تعبدا - قبيل التلف، ومقتضاه رجوع تمام الثمن مع تلف الكل وبعضه مع تلف البعض، هذا كله بناء على استفادة الحكم في الاجزاء من الدليل، وإلا فيختص بتلف المبيع، وهو الكل لا جزؤه. واما تلف الاوصاف أو ما هو نظيرها مما لا يسقط عليه الثمن وكان مما يوجب تعيب المبيع فلو قام عليه دليل لجاء فيه ما ذكرناه في التلف في زمن الخيار حيث دل الدليل على ضمان العيب، وأما مجرد تصور المصحح للضمان فلا يوجب الحكم به ما لم يقم عليه دليل، ولم يدل في المقام دليل على ضمان الاوصاف، ولا على ضمان الاجزاء التي هي مثلها، والتقدير في النبوي - بأن يقال: كل مبيع تلف بذاته أو بوصفه وشؤونه - خلاف الاصل. وما افاده الشيخ الاعظم (قده) مجرد تصور لا دليل له في مقام الاثبات، والاستدلال بأن الكل لما كان مضمونا فكذا الجزء والوصف واضح البطلان حتى على القول بالقياس، وقياس المقام بالتلف في زمان

[ 393 ]

الخيار باطل، بل مع الفارق، فالرد بلا دليل فضلا عن التخيير بينه وبين الارش. والتشبث بدليل نفي الضرر (1) مع بطلانه من اساسه لا وجه له في المقام الذي كان التلف فيه واقعا على مال المشتري وفي ملكه، بل لاحد ان يقول: إن اخذ الارش ضرر على البائع، فلو قام اجماع على الرد يؤخذ به ولا يحتاج إلى تطويل في وجهه، لكنه غير معلوم، هذا كله إذا تعيب بآفة سماوية. وأما لو تعيب بفعل احد فلابد من الحكم على مقتضى القواعد، فان كان بفعل المشتري فلا أثر له، وإن كان بفعل البائع أو الاجنبي فعليه الضمان. مسألة: اختلفت كلمات الاصحاب في بيع ما يكال ويوزن قبل قبضه كما اختلفت الاخبار (2) في ذلك وقد وردت جملة منها في البيع قبل القبض، وجملة منها في البيع قبل الكيل والوزن، والظاهر رجوع الطائفتين إلى امر واحد إما برجوع القبض إلى الكيل والوزن أو بالعكس، لان المتعارف حصول القبض بالكيل وتحقق الكيل إذا تحقق القبض، فهما متلازمان عادة والظاهر أن المراد في الطائفتين حصول القبض، فترجع الطائفة الثانية إلى الاولى، وتدل على ذلك صحيحة معاوية بن وهب (3) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع البيع قبل ان يقبضه، فقال: ما لم


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب احياء الموات. (2) الوسائل - الباب - 10 و 16 - من ابواب إحكام العقود والباب - 10 - من ابواب السلف. (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود - الحديث 11.

[ 394 ]

يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه إلا أن توليه الذي قام عليه " حيث إن السائل سأل عن بيعه قبل قبضه فأجاب عليه السلام بقوله: " فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه " فيكون ذلك ظاهر الدلالة على ان المراد بالكيل والوزن هو القبض كناية، وإرجاع السؤال إلى الكيل بعيد جدا. ورواية أبي بصير (1) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشتري طعاما ثم باعه قبل ان يكيله، قال: لا يعجبني أن يبيع كيلا أو وزنا قبل أن يكيله أو يزنه إلا أن يوليه كما اشتراه إذا لم يربح فيه أو يضع، وما كان من شئ عنده ليس بكيل ولا وزن فلا بأس أن يبيعه قبل ان يقبضه " فان الظاهر منها ان المراد بالكيل في الصدر هو القبض كناية للتلازم بينهما في الغالب. وكيف كان فجميع الروايات الواردة (2) في الباب مما تعرضت للقبض أو للكيل والوزن ترجع إلى البيع قبل القبض، فلابد من ملاحظة المجموع والجمع بينها. فنقول: لا إشكال في دلالة جملة من الروايات لو لا القرينة على بطلان البيع قبل القبض، فان النواهي المتعلقة بالبيع ونحوه مما يتوقع منها ترتب الاثر والصحة ظاهرة عرفا في الارشاد إلى الفساد، لا بمعنى الظهور اللفظي اللغوي، فان النهي لم يوضع إلا للزجر، بل بمعنى أن تعلقه بما ذكر يوجب فهم الارشاد إلى الوضع. وهذه الروايات (منها) ما هي شاملة لجميع انواع البيع، من غير فرق بين المكيل والموزون وغيرهما، ومن غير فرق بين المرابحة والتولية.


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود - الحديث 16. (2) الوسائل - الباب - 10 و 16 - من ابواب احكام العقود والباب - 10 - من ابواب السلف.

[ 395 ]

كموثقة عمار (1) عن أبي عبد الله قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وآله رجلا من اصحاب واليا، فقال له: إني بعثتك إلى اهل الله يعني اهل مكة، فانههم عن بيع ما لم يقبض، وعن شرطين في بيع، وعن ربح ما لم يضمن ". وفي مناهي النبي صلى الله عليه وآله " ونهى عن بيع ما لم يضمن " (2) بناء على ان المراد به قبل القبض، فانه لا ضمان قبله على المشتري. ورواية غياث بن ابراهيم (3) عن جعفر عن ابيه عن علي عليهم السلام " أنه كره بيع صك الورق حتى يقبض ". وفي المجمع " الصك بتشديد الكاف: كتاب كالسجل يكتب في المعاملات. نقل ان الرؤساء في القديم كانوا يكتبون كتبا في عطاياهم لرعيتهم على شئ من الورق، يبيعونها معجلا قبل قبضها، فجاء في الشرع النهي عن ذلك، لعدم القبض " انتهى، ومن الواضح ان العطايا المسجلة إما أعم من المكيل والموزون، أو مخصوص بغيرهما. (ومنها) ما يختص بالطعام من غير فرق بين المكيل والموزون وغيرهما فانه مطلق ما يؤكل على ما في اللغة، وربما يستعمل في البر، كرواية حزام (4) قال: " ابتعت طعاما من طعام الصدقة، فأربحت فيه قبل ان اقبضه، فأردت بيعه، فسألت النبي صلى الله عليه وآله، فقال: لا تبعه حتى تقبضه ". وقوله صلى الله عليه وآله في الجواب إن كان مطلقا - وإن كان السؤال في مورد الربح - يعم بيع التولية، ويحتمل ان يكون السؤال ايضا مطلقا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب احكام العقود - الحديث 6 - 8. (3) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود - الحديث 20 - 21.

[ 396 ]

وإن كانت الواقعة في المرابحة، وإلا كما هو الظاهر اختص بالمرابحة، ويعم مطلق الطعام كان فيه كيل ووزن اولا، ونحوها رواية علي بن جعفر (1) واستعمال الطعام في بعض روايات الباب (2) في المكيل بقرينة لا يوجب حمل غيره عليه بلا قرينة قائمة. وفي بعضها ضم الثمرة بالطعام، وهي إما خصوص التي في الشجرة فلا تكون من المكيل والموزون فعلا، وإما أعم منها مع ان بعض الاثمار ليس بمكيل ولا موزون بل من المعدود، كرواية سماعة (3) قال: " سألته عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة وقد كان اشتراها ولم يقبضها، قال: لا حتى يقبضها إلا ان يكون معه قوم يشاركهم فيخرجه بعضهم من نصيبه من شركته بربح أو يوليه بعضهم فلا بأس " والحكم فيها يعم المكيل والموزون وغيره، وقد استثنى الموردين. (ومنها) ما هي مختصة بالمكيل على نحو الاطلاق من غير استثناء التولية، كصحيحة الحلبي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال: " في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل ان يكال قال: لا يصلح له ذلك ". (ومنها) ما يختص بالمكيل أو به وبالموزون مع التفصيل فيها بين المرابحة والتولية، كصحيحة علي بن جعفر (5) المصرحة بالتفصيل انه سأل اخاه موسى بن جعفر عليه السلام " عن الرجل يشتري الطعام أيصلح بيعه قبل ان يقبضه؟ قال: إذا ربح لم يصلح حتى يقبض، وإن كان يوليه فلا بأس، وسألته عن الرجل يشتري الطعام ايحل له ان يولي منه قبل ان


(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود - الحديث 9 - 15 - 5 - 9. (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود - الحديث 5 و 6 و 7 و 9 و 13 وغيرها.

[ 397 ]

يقبضه؟ قال: إذا لم يربح عليه شيئا فلا بأس، فان ربح فلا بيع حتى يقبضه " ونحوها صحيحة منصور (1) ومعاوية بن وهب (2) وإن كان في قوله: " يوليه " احتمال آخر. (ومنها) نحو ذلك مع استثناء المواضعة ايضا، كرواية ابي بصير (3). وكيف كان ففي تلك الروايات مع الغض عما يقابلها شواهد على الكراهة. (منها) ما في موثقة عمار (4) من بعث رسول الله صلى الله عليه وآله الولي إلى مكة، وامره بنهيهم عن بيع ما لم يقبض بنحو الاطلاق مع انه لا منع في غير المكيل والموزون والطعام كالثياب ونحوها بلا ريب. وقضية الاطلاق والتقييد في مثله غير جارية بلا إشكال، وإنما يجريان في الاحكام القانونية، واما في المورد الوارد فيه هذه القضية مما هو بعث الوالي إلى الطائفة وامره بنهيهم فعلا بنحو الاطلاق عن شئ، فلا يصح ان يقال: إنه إطلاق يقيد بغيره، بل في كل مورد كان من هذا القبيل لا يكون ذلك الجمع عرفيا، بل يقع التعارض بينه وبين المقيد، فلابد من الحمل على الكراهة ولا إشكال فيه، فان كراهة بيع ما لا يقبض ومالا يضمن الذي ورد في رواية اخرى بنحو الاطلاق لا مانع من القول بها، فان للكراهة مراتب بعضها اشد من بعض، فيجمع بين مثله وبين الموارد التي نفى فيها البأس عن غير المكيل على نفي شدة الكراهة، ولولا غير هذا الشاهد لتعين الحمل على الكراهة، هذا مع ان النهي التنزيهي في مناهي؟؟ غير عزيز. (ومنها) ما في ذيل الموثقة من النهي عن ربح ما لم يضمن مع انه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود الحديث 18 - 11 - 16. (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب احكام العقود - الحديث 6.

[ 398 ]

ليس على الاطلاق ممنوعا، ولا يجري فيه الجمع بالاطلاق والتقييد، لما مر من عدم عقلائيته، سيما مع الاشعار أو الدلالة على العلية، واما الحمل على الكراهة فلا مانع منه، فيظهر من الموثقة كراهة بيع ما لم يقبض مطلقا وكراهة ربح ما لم يقبض كذلك، فالكراهة في بيع المرابحة قبل القبض اشد لكونها من جهتين. (ومنها) ما في مناهي النبي صلى الله عليه وآله " ونهى عن بيع ما لا يضمن " (1) المشعر بل الدال على ان علة النهي هو عدم الضمان مع انه محقق في مطلق ما لم يقبض، فالعلة موجودة في الجميع، والتقييد في مثله مرجوح، والحمل على الكراهة هين. (ومنها) ما في موثقة سماعة (2) من الجمع بين الطعام والثمرة في النهي عن البيع قبل القبض، حيث إن الثمرة إما بنفسها ظاهرة في الثمرة على الشجرة أو في تلك الرواية، لمكان المقابلة بينها وبين الطعام، مع أن الثمرة على الشجرة ليست من المكيل والموزون، ولا منع في بيعها قبل القبض وأما الكراهة فلا مانع منها. (ومنها) التعبيرات الواردة فيها مما تناسب الكراهة مثل " لا يصلح " خصوصا ما في صحيحة الحلبي (3) حيث قال: " لا يصلح له ذلك " فان المفهوم منه أنه جائز لكن ليس صالحا له، وإلا ففي الحكم الشرعي الالزامي لا يعبر بمثله، فهو مناسب للارشاد إلى مصلحته، أو للكراهة، فان امرها سهل، ومثل مفهوم " لا بأس " وخصوصا " لا يعجنبي " الظاهر فيها، وحمل النهي على الكراهة أهون من حمل مثله على الحرمة.


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب احكام العقود - الحديث 8. (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود - الحديث 15 - 5.

[ 399 ]

بل الحمل على الكراهة في النواهي، وعلى الاستحباب، في الاوامر أمر هين في نفسه، لعدم الدلالة فيهما على الوجوب والحرمة وضعا ولفظا، وإنما الحمل على الوجوب والحرمة لاجل تمامية حجة المولى ببعثه وزجره، ومن الواضح انه ترفع الحجة بأدنى ظهور، وليس الامر من قبيل تقديم الظاهر والاظهر، فان ذلك إنما يصح في الدلالات اللفظية اللغوية، وليس فيهما دلالة لفظية لغوية على الحرمة والوجوب، ولا إشكال في ان مثل قوله عليه السلام: " لا يعجبني " الظاهر في الكراهة عرفا مقدم على النواهي لقطع الحجة به وعدم الظهور فيها رأسا. (ومنها) الاختلاف الشديد في الروايات (1) كما يظهر للمراجع مما يرتفع بالحمل على الكراهة والالتزام بالمراتب فيها، وامر الكراهة هين. فعلى ما ذكرناه لا تصل النوبة إلى الجمع بين الروايات الناهية وبين ما يعارضها مثل صحيحة الحلبي (2) - المشتملة على الثمرة، ونفي البأس عن بيعها مع الربح بل الامر به - المعارضة لموثقة سماعة (3) المشتملة على النهي عن بيعها قبل القبض مرابحة، ومثل رواية الكرخي (4) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: اشتري الطعام من الرجل ثم ابيعه من رجل آخر قبل أن اكتاله، فأقول: ابعث وكيلك حتى يشهد كيله إذا قبضته، قال: لا بأس " وليس فيه دلالة على كون البيع كليا، بل إما كان شخصيا كما لا يبعد بحسب المتفاهم العرفي، وكان اشتراؤه باخبار البائع أو بعلمه بكيله وإما كان السؤال أعم من ذلك. ورواية جميل (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يشتري


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود - الحديث 4 - 15 - 3 - 6.

[ 400 ]

الطعام ثم يبيعه قبل ان يقبضه، قال: لا بأس، ويوكل الرجل المشتري منه بقبضه وكيله، قال: لا بأس " وقوله عليه السلام: " يوكل " إلى آخره سؤال آخر، فصدرها صريح في المطلوب. فتحصل من جميع ما مر أقربية الجمع بين شتاتها بالحمل على الكراهة ومراتبها، والظاهر عدم الفرق في الحكم بين بيع الكلي وغيره، وما ذكرناه في مقام الجمع وإن كان فيه بعض مخالفة الظاهر، لكنه أرجح من عمل الاطلاق والتقييد والحمل على الحرمة أو البطلان كما لا يخفى على المنصف. ثم إن مقتضى إطلاق موثقة عمار المتقدمة (1) عدم الفرق في الحكم بين المبيع والثمن، وقد مر ان عمل الجمع بالاطلاق والتقييد لا يجري في مثله مع ان ما ورد (2) من الروايات في المبيع وإن كان مورد السؤال والجواب فيها هو المبيع لكنها لم يظهر منها الاختصاص به، فلا مانع من الاخذ بالموثقة وبالاخبار الواردة في المبيع، وقد رجحنا ثبوت الكراهة لمطلق ما لم يقبض ولو لم يكن مكيلا، مضافا إلى امكان استفادة حكم الثمن ايضا من نهيه صلى الله عليه وآله " عن بيع ما لم يضمن " (3) بناء على عموم الحكم بعدم الضمان قبل القبض للثمن، كما مر الكلام فيه، مضافا إلى ان المبادلة إذا وقعت بين الاعيان كبيع حنطة بشعير وحمار ببقر يصدق على كل من العوضين المبيع كما مر، والتفصيل بينه وبين المبادلة بالنقود بعيد. وبعد ذلك لا يحتاج في الحكم إلى الاستدلال بما حكي عن التذكرة، ولا بما في ذيل صحيحة الحلبي (4) كما تشبث به بعض المحشين، واستشكل فيه.


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب احكام العقود - الحديث 6. (2) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود - الحديث 0 - 10. (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب احكام العقود - الحديث 8.

[ 401 ]

ومن العجيب عدم استدلاهم بالموثقة، بل قال بعض أهل التحقيق: " لم يثبت من طرقنا ما يدل على المنع عن بيع ما لم يقبض مطلقا حتى يسري حكم المبيع إلى الثمن " وقد عرفت ورود الرواية الموثقة من طرقنا وكذا الرواية الواردة (1) في مناهي النبي صلى الله عليه وآله من طرقنا المشتملة على بيع ما لم يضمن، وان كان في طريقه ضعف. واحتمال كون أمر النبي صلى الله عليه وآله والي مكة بالنهي عن المذكورات من مختصات اهل مكة مقطوع البطلان، كاحتمال كون تلك النواهي من الاحكام السلطانية لا الشرعية، مع ان الحكم التنزيهي السلطاني بعيد في نفسه، مضافا إلى ان أحكامه السلطانية نافذة في الامة إلى الابد. ثم إن مقتضى إطلاق الموثقة ثبوت الحكم لكل ما انتقل إليه ولم يقبضه سواء انتقل بالبيع أو بغيره من المعاوضات، بل وبغيرها كالارث والصداق فان النهي عن بيع ما لم يقبض شامل للجميع، وإن احتمل انصرافه إلى المضمونات قبل القبض، ويستأنس له بما في رواية (2) مناهي النبي صلى الله عليه وآله من النهي عن بيع ما لم يضمن، وبما في ذيل موثقة عمار (3) من النهي عن ربح ما لم يضمن، وبعدم اشارة في الروايات الكثيرة الواردة في الباب (4) الى غير ما انتقل بالبيع، لكن الانصراف غير ظاهر والاستئناس بما ذكر غير مفيد، والامر سهل حيث يكون الحكم على سبيل الكراهة، هذا كله في بيع غير المقبوض. واما نقل غير المقبوض مما انتقل إليه ببيع وغيره بغير البيع فلا دليل عليه، إلا ان يقال: إن النهي عن بيع ما لم يضمن المشعر بالعيلة يستفاد


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب احكام العقود - الحديث 8 - 6. (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب احكام العقود.

[ 402 ]

منه ان عدم الضمان موجب للمنع تنزيها عن مطلق الانتقال، بل مناسبة الحكم والموضوع ايضا تقتضيه، وفيه تأمل. ثم إنه بعدما عرفت ان النهي عن بيع ما لم يقبض تنزيهي لا داعي إلى بسط الكلام في الفروع، مع انك قد عرفت ان بيع ما لم يقبض مطلقا مكروه، كان الانتقال إليه بالبيع أو بغيره، وعرفت ان في نقل ذلك بغير البيع وجه للكراهة قابل للمناقشة، فيستخرج مما ذكر جميع ما ذكروه في فروع المسألة. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام على النبي الاعظم وعلى أوصيائه الهداة المهديين. وقد وقع الفراغ من تسويده يوم السبت 15 / ج 1 / 1396 في جوار مرقد مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليه وعلى أبنائه الطاهرين، وقد ابتلينا ببليات نزلت بالاسلام والمسلمين، أرجو من الله تعالى أن يمن علينا برفعها ونظر إلينا نظرة رحمة وإن كنا مستحقين، لقصورنا في القيام بالوظائف التي على كاهلنا، ربنا عاملنا بلطفك لا بعدلك. * * *

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية