الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب البيع - السيد الخميني ج 4

كتاب البيع

السيد الخميني ج 4


[ 1 ]

كتاب البيع 4 تأليف العلامة الاكبر والاستاذ الاعظم آية الله العظمى مولانا الامام الحاج آقا روح الله الموسوي الخميني قدس سره مؤسسه مطبوعاتي اسماعيليان قم - تلفن 25212

[ 2 ]

الكتاب: البيع المؤلف: الامام الخمينى قدس سره الشريف الناشر: مؤسسه اسماعيليان: قم، تليفون 25212 الطبعة الرابعة عدد المطبوع: 1000 دوره (1 ه) الطباعة والتجليد: مؤسسه اسماعيليان تاريخ النشر: 1410 هجري قمري هجري شمسي 1368 القطع وعدد الصفحات: وزيرى 400

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين القول في الخيار وهو اسم مصدر من الاختيار، والاختيار لغة بمعنى الا صطفاء والانتخاب، وقيل: الخيار والاختيار بمعنى واحد هو الاصطفاء، ولا يخفى أن الاختيار بهذا المعنى فعل النفس، وهو من مبادئ الافعال الاختيارية، وليس بمعنى القدرة والرجحان والارادة، بل هو أمر في قبالهما، فالفعل الاختياري له مباد من التصور والتصديق بالفائدة ثم الترجيح ثم الاصطفاء ثم الاشتياق في بعض الافعال ولعل الاشتياق مقدم على الاصطفاء ثم الارادة، وهي تصميم العزم، ولا يرجع شئ منها إلى غيره. فما قيل: من أن الارادة هو الشوق المؤكد أو أن نسبة الارادة

[ 4 ]

إلى القدرة نسبة التمام إلى النقص والفعلية إلى القوة، أو أن الاصطفاء هو الفعل في الخارج لا ينبغى أن يصغى إليه. ضرورة أن الشوق من الصفات الانفعالية، والارادة وهي تصميم العزم من الصفات الفعلية، مع ان الارادة قد تتعلق بما هو المكروه جدا جدا بل ليس الشوق من مقدمات الافعال دائما. كما أن القدرة وهي القوة على الشئ والتمكن من إيجاده غير تصميم العزم. فالثاني من الصفات الفعلية ومن أفعال النفس دون الاول، وقد توجد القدرة التامة دون الارادة، وقد تتعلق الاردة بشئ والقدرة غير متحققه، كما لو تخيل أنه قادر وتحققت منه مبادئ الارادة فأراد الايجاد فتبين له عدم قدرته عليه. كما أن الاصطفاء: أيضا من الامور النفسانية، اما صفة لها اؤ من أفعالهما، فهو غير نفس الايجاد. نعم ربما يقال: إن الفعل الكذائي مختار زيد، كما يقال: إنه مراده ومقدورة، وهذا لا يدل على وحدتها، بل يكون من قبيل انطباق مفاهيم متعددة على الموجود الخارجي، فالاصطفاء والاختيار فعل نفساني أو صفة نفسانية مقدمة على الارادة وعلى الايجاد، ولا يدل نحو قوله تعالى: (واختار موسى قومه سبعين رجلا) (1) على أنه عين التعيين الخارجي فانه بعد التعيين اختيارا يصح أن يقال اختار أو اصطفى ذلك. ومما ذكرنا يظهر أن الخيار فما نحن بصدده الذي لا إشكال في أنه أمر اعتباري جعلي إما بجعل المتعاقدين أو بجعل الشارع الاقدس أو باعتبار العقلاء في نحو خيار التخلف ونحوه ليس بمعناه اللغوي ولا أخص منه، فان الاختيار والاصطفاء ليس اعتباريا ولا قابلا للجعل التشريعي، بل ما هو


(1) سورة الاعراف: 7 الآية 155.

[ 5 ]

قابل للجعل هو حق الاصطفاء لا الاصطفاء. وحديث الاصطفاء الاعتباري لا محصل له، ضرورة أنه بعد جعل حق الخيار له يكون الاصطفاء تكوينيا واعتبار الانتخاب للفاعل غير انتخابه واصطفائه، فاعتباره لا يفيد شيئا (بالجملة) بعد جعل الخيار يكون الاصطفاء بفعله تكوينا، كما أن جعل اختيار بلد لحاكم يرجع إلى جعل حق الاختيار، أي له اختيار أي شئ من شؤون البلد، لاجعل نفس اختيار شؤونه، وهو ظاهر. وبالجملة ان المجعول في الخيارات هو حق الاصطفاء والاختيار وهذا مباين للمعنى اللغوي، فانه نفس الاصطفاء وهذا حقه. نعم الحق مضاف إلى الاصطفاء، وهو يناسب المعنى اللغوي وأما ما عن الفخر (قده) من أنه ملك فسخ العقد، وما عن غيره من أنه ملك إقرار العقد وإزالته فمضافا إلى مباينتهما للمعنى اللغوي غير مناسبين له أيضا إلا بوجه بعيد. والاولى أن يقال: ان الخيار حق اصطفاء الفسخ لا ملك الفسخ ولاحقه، فيناسب المعنى اللغوي وإن لم يكن عينه. وعلى ما ذكرنا لا يرد عليه ما في تعريف الفخر، كما أن عليه يكون هذا الحق ثابتا للقصر، كما هو ثابت لغيرهم، وأما لو كان الخيار الاصطلاحي عين المعنى اللغوي فمع الغض عن الاشكال المتقدم يرد عليه عدم إمكان ثبوته للقصر، لعدم إمكان الاصطفاء في بعضهم، وعدم نفوذه ولا نفوذ الفسخ في الجميع. ثم إنه لو أغمضنا عما ذكرناه ورجحناه وقلنا بأن الخيار هو الحق فهل يتعلق ذلك الحق بالعقد ويكون هو اعتبارا واضافة مخصوصة بين العقد والاشخاص يستتبع آثارا، منها السلطنة على الفسخ كما عليه المحقق الخراساني (قده) أو يتعلق بالعين المعقود عليها يستتبع السلطنة على

[ 6 ]

الرد، أو يتعلق بالرد، أو بالفسخ، أو بالفسخ وتركه، أو باقرار العقد وإزالته؟ ولا يخفى أنه على غير الفرضين الاولين يكون متعلق الحق هو العناوين إذ لا يعقل تعلقه بوجودها الخارجي كما هو واضح، فلابد قبل مراجعة حكم العقلاء وأخبار الباب من البحث ثبوتا. فنقول: (أما) تعلق الحق أولا وبالذات بنفس العين أو العقد فلا معنى معقول له، وإن رجع إلى الحق على العقد فسخا وإمضاء أو على العين ردا وإبقاء فهو من قبيل إسناد الشئ إلى غير ما هو له، فيكون متعلقه الفسخ والرد أولا، وبالذات، العقد والعين ثانيا وبالواسطة. (وأما) على سائر الاحتمالات فقد عرفت أن متعلق الحق على فرضها هو العناوين لا الخارجيات، ومن المعلوم أن كل عنوان مستقل ومغائر أو مضاد لعنوان آخر. فلو كان الخيار معنى وحدانيا وحقا كما هو المعلوم فلا يعقل تعلقه بالفسخ وتركه، ولا باقرار العقد وإزالته، فان الحق الواحد لا يعقل أن يتعلق بالكثير مع حفظ الكثير على كثرته، والواحد على وحدته، فلا يعقل أن يكون الخيار واحدا ومع ذلك متعلقا بعنواني الفسخ وتركه، أي العنوانين المستقلين، ولا بعنواني إقرار العقد وإزالته إلا مع اعتبار الوحدة في العنوانين أو اعتبار الكثرة في الحق، فيكون له حق على الفسخ وحق آخر على تركه، وكذا في الفرض الآخر، لكن اعتبار الوحدة في الفسخ وتركه مع وحدة الحق لازمه الجمع بين النقيضين أو الضدين في مقام إعمال الحق، وكذا الحال في الاقرار والازالة (والبناء) على كون الخيار حقين: أحدهما متعلقا: أحدهما متعلقا بالفسخ والآخر بتركه بحيث يكون

[ 7 ]

له إسقاط أحدهما وإبقاء الآخر (واضح الفساد) وكذا الحال في الاقرار والازالة. ولا يجوز عقلا تعلق الحق وسائر الوضعيات بواحد غير معين وفرد مردد، ضرورة عدم وجود المردد خارجا ولا ذهنا، كما لا يمكن أن يكون الحق فردا مرددا، ولو دل دليل على أن له حق الفسخ وتركه، أو أن له حق إقرار العقد وفسخه لابد من الالتزام بأن الحق تعلق بعنوان قابل للانطباق على الطرفين كواحد منهما مثلا، لكنه مفقود. فلا محالة يكون المتعين هو كون الخيار حق فسخ العقد، ولازم ذلك السلطنة على إعمال حقه وترك إعماله، وهو غير كون الترك متعلقا للحق (فقولهم): إن طرفي الخيار هل يكون وجوديا أو أحد الطرفين وجوديا والآخر عدميا محل إشكال ثبوتا، ومعه لا تصل النوبة إلى مقام الاثبات. ثم إنه لا اشكال في أن الخيار المجعول عند العقلاء كخيار الشرط هو حق اختيار الفسخ، إذ المستفاد من قوله: (بعتك وشرطت لك اختيار الفسخ) أنه جعل له مالكية الاختيار، ولما كانت المالكية بالمعنى الذي في الاعيان غير معهودة وغير مرادة في المقام يكون المراد جعل حق اختيار الفسخ، ولهذا يكون إسقاطه عقلائيا، وبل الظاهر أن ارثه أيضا عقلائي، فإذا كان في السلعة عيب ومات المشتري يورث عند العرف خيار الفسخ، وكذا في خيار الشرط وتخلفه وعلى هذا المعنى العقلائي تحمل الاخبار الواردة في الخيارات الشرعية، كخيار المجلس وخيار الحيوان وخيار الرؤية. فقوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار.. وصاحب الحيوان بالخيار) (1) و (له خيار الرؤية) يحمل على المعنى المعهود


(1) الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 8 ]

من الخيار. أي له أن يختار الفسخ، والمستفاد عند العرف من قوله: إن لفلان خيار الفسخ) أن له أن يختار الفسخ. فتحصل مما ذكرناه أن الخيار على المذهب المختار هو حق اختيار الفسخ، ولازمه السلطنة على الفسخ، ومع الغض عنه فهو حق فسخ العقد أو ملك فسخه مريدا به الحق، وفالحق متعلق بعنوان واحد: إما الاختيار كما هو الحق أو الفسخ، وأما الاحتمالات الاخر فمزيفة ثبوتا وإثباتا، ومخالفة لارتكاز العقلاء وجلعهم الخيارات وفهمهم ذلك من الادلة. ومنه يظهر النظر في جل ما أفاده الاعلام: (منها) ما ذكره بعض الاعاظم (قده) ومحصله أن الحق مع من قال بأن كلا من طرفي الخيار وجودي، وقبل تحقيقه لابد من مقدمة، وهي أن من العقود ما يقتضي اللزوم ذاتا كالنكاح والضمان، ولا ينافي ذلك جواز فسخ النكاح بالعيوب، وفسخ الضمان إذا تبين إعسار الضامن، لقيام الدليل عليه، ومنها ما يقتضي الجواز ذاتا كالهبة، ومنها ما لا يقتضي شيئا منهما كالبيع وهو يصير لازما بالالتزام بمضمونه، ثم إذا كان العقد مقتضيا للزوم أو الجواز بذاته فاللزوم أو الجواز حكمي، ولا يقبلان الاسقاط كما هو الشأن في جميع الاحكام الشرعية. ثم الالتزام بمضمون المعاوضة فيما لا يقتضي أحدهما انما هو بدلالة التزامية، فان ما ينشأ بالقعد إما مدلول مطابقي، وهو تبديل المالين، وهو بيع، أو مدلول التزامي، وهو التعهد بما انشأ والالتزام به، وهو عقد ولهذا قلنا بأن المعاطاة بيع لا عقد وبأنها تفيد الجواز، إذ ليس لها مدلول التزامي، وهذا المدلول الالتزامي ناش من بناء العرف والعادة على أن من أوجد عقدا يلزم عليه أن يكون ثابتا عليه وبانيا على انفاذه، وقوله

[ 9 ]

تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) ناظر إلى هذه الدلالة، ومعنى الخيار في العقود أن زمام هذا الامر بيد ذي الخيار، فيكون مالكا لالتزام نفسه بسبب الخيار، فله إقراره وله حله، فمعنى ثبوت الخيار لشخص أن اختيار المدلول الالتزامي وضعا ورفعا بيده، ومن تلك المقدمة ظهر أن كلا من طرفي الخيار أمر وجودي، انتهى ملخصا. وفيه مواقع للنظر نذكر مهماتها: (منها) أن المراد من اقتضاء النكاح والضمان ذاتا للزوم والهبة للجواز إن كان نظير ما يقال في ذاتي باب البرهان فلازمه عدم المعللية وامتناع الانفكاك، مع أن الامور الاعتبارية كما أن ذاتها اعتبارية لوازمها وأحكامها أيضا كذلك، فلا يعقل فيها اللزوم بهذا المعنى، أي كون معنى اعتباري بذاته وبلا اعتبار آخر مقتضيا بالذات لشئ، مع أن الانفكاك، في النكاح بثبوت الخيار بالتدليس والعيب وتخلف الوصف وتخلف الشرط وكذا ثبوت الخيار في الضمان أقوى شاهد على أن اللزوم ليس من مقتضيات ذاتهما بالمعنى المذكور. وإن كان نظير ما يقال من أن النقل مقتضى البيع، أي يكون مفاده الذاتي هو النقل فلا شبهة في أن اللزوم وكذا الجواز ليس مفادا لعقد من العقود. وان كان نظير قولهم: ان الجسم يقتضي بذاته أن يكون كرويا، أي هو مقتضى ذاته من حيث هي عند عدم عروض عوارض وقواسر ففيه مع عدم دليل عليه بل عدم صحته بالمعنى المذكور في الاعتباريات أنه لا يكون حينئذ جعل الخيار أو شرط اللزوم مخالفا لمقتضاهما بالمعنى الذي أفاده، فيصح جعلهما كما هو واضح. وان كان المراد قيام الدليل الشرعي على اللزوم في النكاح والضمان


(1) سورة المائدة: 5 الاية 1.

[ 10 ]

الا ما استثني وعلى الجواز في الهبة الا ما استثني فالتقسيم المذكور غير صحيح لان جميع العقود على السواء في ذلك، فمنها لازم بدليل شرعي، ومنها جائز ولهما مستثنيات، كما أن التعبير بالاقتضاء الذاتي غير وجيه. (ومنها) أن قوله: (ما ينشأ بالعقود اما مدلول مطابقي أو التزامي) الخ. منظور فيه، لان الظاهر منه أن المدلول الالتزامي ينشأ بالعقود بنحو الالتزام، مع أن الانشاء من الافعال الاختيارية، ولا يعقل أن يكون الفعل الاختياري من المداليل الالتزامية، لان لازم الشئ يتحقق قهرا بوجوده ويترتب عليه، ومعنى اختيارية الفعل امكان التحقق وعدمه وهو ينافي اللزوم. ومنه يظهر أن نفس التعهد والالتزام سواء كانا بحقيقتهما التكوينية أو بالمعنى الاعتباري لا يعقل أن يكونا من المداليل الالتزامية، لانهما بكلا المعنين من الافعال الاختيارية، فالتعهد النفساني فعل اختياري للنفس والتعهد الاعتباري أمر مجعول بالاختيار، وما هو اختياري لا يعقل لزومه لشئ قهرا. (وأما) احتمال أن يكون المراد أن بناء العرف والعادة لما كان على التعهد لما أوجده فيكون ذلك كاللازم، فيحمل المعاقدة على ذلك المعهود (ففيه) مع أنه خلاف ظاهره غير مرضي، لان لازم ذلك أن يكون اللزوم وعدمه بحسب الثبوت تابعين لالتزام المتعاقدين وعدمه، وإن كان بحسب الاثبات يجبران على العمل على طبق التعهد، وهو أمر معلوم البطلان، مع أن مجرد التزام المتبايعين أو بناء العرف على لزوم كونهما ملتزمين لا يوجب لزوم العقد بمعنى عدم تأثير الفسخ لو تخلف، إلا أن يرجع إلى أن اللزوم حكم عقلائي، وهو لا يحتاج إلى التجشم والتكلف بتلك المقدمة. والحق أن اللزوم فيما كان بناء العرف عليه انما هو من الاحكام

[ 11 ]

العقلائية له، سواء كان المتعاملان بحسب الواقع بانيين على الانفاذ والابقاء لعملهما أم لا، وهو أمر صحيح غير حديث الدلالات الالتزامية. ثم انه لو فرض كون ذلك التعهد من المداليل الالتزامية فلا وجه لاختصاصه بالقعود اللفظية، لان الدلالة الالتزامية دلالة المعنى على المعنى، فان لفظ الشمس مثلا لا يعقل أن يدل الا على ما وضع له، وهو عين الشمس، فاللفظ دال عليها، وهي دالة على لازمها، فالدلالة اللفظية دلالة عليه مع الوسط، أي دلالة على ما دل على اللازم، فبناء عليه عقد البيع دال بالمطابقة على التبادل، وهو دال على التعهد المذكور، وهذا المعنى موجود في بيع المعاطاة، والاختلاف بينه وبين البيع بالصغية في السبب لا في المسبب الذي دل على المعنى الالتزامي، فلا وجه للتفصيل بينهما. مضافا إلى ما مر في باب المعاطاة مفصلا من أن المعاطاة عقد كالبيع بالصيغة، وان قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) صادق عليه أيضا، فراجع. (ومنها) أن قوله: (ان معنى الخيار هو أن هذا المدلول الالتزامي أي لزوم البقاء على عهده وعقده زمام أمره بيد ذي الخيار وضعا ورفعا) غير وجيه، لان هذا المدلول الالتزامي ليس الا التعهد بالبقاء والثبات على ما أنشأ، فإذا صار ملكا لذي الخيار لا يعقل أن تسلب ذاته عنه، ومعنى كون زمام أمره بيده أن الالتزام ليس بالتزام وان شئت قلت. ان هذا المدلول الالتزامي يناقض كون الزمام بيده فكيف يمكن أن يكون معنى الخيار، فلا بد وأن يقال: ان الخيار رافع لهذا الالتزام أو دافع عنه، وهو مناف لمطلوبه. مضافا إلى أنه لا ينبغي الاشكال في أن الخيار المجعول بجعل المتعاقدين


(1) سورة المائدة: 5 الآية 1.

[ 12 ]

كخيار الشرط لا يصح فيه ما ذكره، ضرورة أن التعهد المذكور على فرض صحته انما هو فيما إذا لم يقم دليل وقرينة على عدمه، وجعلهما الخيار دليل على ذلك، إذ لا شبهة في أن المتعاقدين في البيع المشروط فيه الخيار ليسا يتعهدان بالبقاء على ما أنشآ، ثم باشتراط الخيار يجعلان زمام هذا التعهد بيد ذي الخيار، فقوله: (بعتك واشترطت عليك الخيار لنفسي) ليس مدلوله بعتك والتزمت بالبقاء على البيع، والبناء على عدم حله، واشترطت عليك أن يكون هذا الالتزام لنفسي، بل مفاده النقل وجعل الخيار لنفسه ولازمه على هذا المبنى عدم التعهد والالتزام. بل ليس شئ من الخيارات العرفية والشرعية عند العرف والشرع بالمعنى الذي أبداه، وليس في شئ من العقود الا مفاد واحد، وهو ما يفيده ألفاظ المعاملات مطابقة أو أفعال المتعاملين، وانما اللزوم فيما لاخيار لهما وعدمه فيما لهما أو لاحدهما الخيار من الاحكام العقلائية أو المجعولات الشرعية. فتحصل مما ذكرناه أنه ليس للخيار طرفان، وجوديان أو وجودي وعدمي، بل الخيار حق واحد متعلق باصطفاء الفسخ واختياره، ولازم ذلك أن يكون لذي الخيار ترك اعمال حقه. (فما أفاده) الشيخ الاعظم (قده) في جواب من قال بأن الخيار ملك اقرار العقد وازالته بقوله: (ان أريد من اقرار العقد ابقاؤه على حاله بترك الفسخ فذكره مستدرك، لان القدرة على الفسخ عين القدرة على تركه، إذ القدرة لا تتعلق بأحد الطرفين) (منظور فيه) لان الخيار حق اعتباري ثابت على بعض العناوين، والقدرة قوة تكوينية لازمها في الفاعل المختار انه ان شاء فعل وان شاء ترك، وليس له ثبوت في الامور الخارجية فالقادر له التمكن من الايجاد باعمال عضلاته وجوارحه ومن تركه اعمالها،

[ 13 ]

ولو كان مراده التنظير بالقدرة فلا يتم، والقياس مع الفارق، لان الحق الواحد الثابت لعنوان لا يعقل أن يكون عين ما ثبت لعنوان آخر، كان العنوان وجوديا كاقرار العقد، أو عدميا كترك الفسخ أو ترك الاصطفاء والاختيار، فالتحقيق ما عرفت. ثم انهم قالوا الاصل في البيع اللزوم وهو كذلك ان أريد به القواعد الشرعية، أو الاستصحاب مع الغض عن القواعد أو الاشكال في دلالتها أو أريد به بناء العقلاء على اللزوم، وأما عطف بناء الشرع عليه كما وقع من الشيخ الاعظم (قده) فهو غير ظاهر، الا أن يراد به استكشاف بناء الشرع من سيرة المتشرعة، وهو مشكل بل ممنوع بعد تحقق البناء العقلائي ووجود الادلة الشرعية، لاحتمال أن المتشرعة بما هو عقلاء بنوا على ذلك أو اتكلوا في ذلك على الادلة اللفظية، أو استكشاف بناء الشرع من العمومات والقواعد الشرعية، وعليه فالاختلاف بينه وبين الاصل بمعنى القاعدة اعتباري، وهو كما ترى. ثم ان الاصل بالمعنى الاخير أي بناء العقلاء بما انه أمر لبي ليس له عموم ولا إطلاق لابد فيه من الاقتصار على المتيقن، فمع الشك في البناء في نوع من المعاملات أو صنف منها يحكم بمقتضى الاصول، بل لابد من إحراز اتصال بنائهم بزمان الشارع الصادع أو أئمة المسلمين عليهم السلام كما لا يخفى. وأما القواعد والعمومات الشرعية والاصل بمعنى الاستصحاب فهما مفيدتان في مطلق العقود على فرض تماميتها، ونحن وان استقصينا البحث عنهما في باب المعاطاة، ولا فائدة ما سبق، لكن نشير بنحو الاجمال إلى بعض ما ذكره، ولعله لا يخلو من بعض الزوائد.

[ 14 ]

فمنها عموم قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) والعقود (إما) جمع العقد بفتح العين، وهو الربط الخاص في الحبل، استعير للعقود الاعتبارية (بدعوى) أنه في تبادل الاضافتين اللتين يتخيل أنهما كالحبل يحصل عقدة كالعقدة في الحبل، فحينئذ تختص العقود بما فيها التبادل بنحو، كالبيع والاجارة والصلح، ويخرج منها ما لا تبادل فيه كالنكاح والهبة والوقف بناء على كونه عقدا والضمان والكفالة ونحوها، وكذا مطلق الايقاعات (أو بدعوى) كون نفس الايجاب والقبول وربطهما في الاعتبار بمنزلة ربط الحبل والعقدة الحاصلة فيه، فيدخل فيه جميع أنواع العقود، ويخرج منه الايقاعات: كالنذر واليمين الوقف بناء على عدم اعتبار القبول فيه (واما) جمع العقد بكسر العين، وهو القلادة استعير لمطلق ما لزم اتيانه (بدعوى) أنه كقلادة في عنقه تلزمه حيثما كان، فيدخل فيه جميع العقود والايقاعات والتعهدات. والاظهر مع الغض عن القرائن الخارجية هو الاول، فانه أوفق بالاعتبار على اشكال يأتي الكلام فيه، وبالنظر إلى قوله تعالى في النكاح: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) (2) وقوله تعالى: (ولا تعزموا عقدة النكاح) (3) هو الثاني، لعدم التبادل في باب النكاح، ومع ذلك عبر بالعقدة، والظاهر أن العقود أيضا بهذا المعنى والاعتبار. وأما بالنظر إلى صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام: قوله (أوفوا بالعقود) قال: (بالعهود) (4) فالمراد بالعقود العهود، فتخرج


(1) سورة المائدة: 5 الاية 1. (2) سورة البقرة: 2 الاية 237. (3) سورة البقرة: 2 الاية 237. (4) الوسائل الباب 25 من كتاب النذر والعهد الحديث 3.

[ 15 ]

العقود المصطلحة عنها، فان اعتبار العقد المصطلح يخالف اعتبار العهد، ضرورة أن البيع والاجارة ونحوهما ليس فيها معنى العهدة والعهد والتعهد لا مطابقة، وهو واضح، ولا التزاما لما تقدم من أن الفعل الاختياري لا يعقل أن يكون من المداليل الالتزامية. مضافا إلى وضوح أن البيع ليس الا تبادل مال بمال، الا أنه من الاحكام العقلائية المترتبة عليه وعلى نحوه لزوم العمل على طبق مقتضاه، وهي غير نفس العقد، نعم في عقد الضمان الكفالة التعهد والالتزام ثابت، فيدخلان في عنوان العهود كما يدخل فيه قاطبة العهود من النذر وأخويه، ومنها البيعة المأخوذة للخلفاء وولاة العهد بحسب ما تعارف في عصر نزول الآية. وعلى هذا الاحتمال كانت الآية أجنبية عن البيع ونحوه، الا أن الاصحاب من عصر الشيخ (قده) إلى زماننا هذا قد تمسكوا بها لنفوذ العقود الاصطلاحية ولزومها، والآيتان الواردتان في النكاح شاهدتان أو مؤيدتان لدخول مثل عقد النكاح في العقود، وأن الاعتبار فيه وفي غيره سواء. فلابد اما من (الالتزام) باستعمال العقود في العهود والعقود التي ليست بعهود، بنحو استعمال اللفظ في أكثر من معنى (أو الالتزام) بأن العقود جمع العقد بكسر العين كما أشرنا إليه (أو الالتزام) بأن العقد من عقد العسل، أي غلظ، أو بمعنى أحكم، فيدعى أن العقود والعهود باعتبار لزومها فيها غلظة وإحكام، فيدخل فيها جميع العقود والعهود، ولم يظهر من الصحيحة المتقدمة أن المراد انحصار العقود بالعهود، فان قوله: (قال: بالعهود) لم يظهر منه الانحصار ولا التفسير، بل لعله التنبيه على دخول العهود فيها أيضا، تأمل.

[ 16 ]

ويمكن أن يقال: ان العهود التي وقعت بين الشخصين فيها معنى العقود أيضا كالبيعة التي كانت متعارفة في تلك الاعصار بالتصفيق ونحوه، فانها أيضا بمنزلة عقدة ولو ادعاء وتشبيها، فيدخل في العقود تلك العهود باعتبار العقد، لا باعتبار التعهد ويخرج منها التعهدات الا يقاعية كالنذر والعهد (وبعبارة أخرى) ان في تلك العهود حيثيتين: إحداهما التعاهد، وثانيهما التعاقد، وبه يحصل التعاهد، كعقد الضمان، فأطلق عليها العقد بهذه الحيثية. ثم إن الاظهر من بين الاحتمالات وأبعد من مخالفة الظاهر هو أن العقود استعيرت لمطلق العقود المعاملية والعهدية، كعقد البيعة والتعهدات المتداولة بين الدول أو الاشخاص، فانها أيضا عقود تحتاج إلى الايجاب والقبول ولولا ذلك لما صح ايجاب وفائه، لانه فرع قراره، فأدعي أن ربط القبول بالايجاب عقدة، وأنها حاصلة من نفس ربطهما، وفي هذا الاحتمال لا تكون مخالفة ظاهر إلا في إطلاق العقود على الافراد الادعائية ولا محذور فيه لقيام القرينة الواضحة عليه، فالعقد استعمل في نفس الايجاب والقبول بالدعوى المتقدمة. وأما سائر الاحتمالات فتكون مخالفة للظاهر من جهات بلا قيام قرينة مثلا لو أريد من العقد تبادل الاضافتين بدعوى أن كل إضافة حبل، وأن التبادل بينهما عقدة لتكثر الادعاء، فان تبادل الاضافتين أثر العقد المصطلح ولا معنى لوجوب الوفاء به، فلابد من دعوى أخرى، وهي أن العقد المؤثر أثر، وفي احتمال ارادة جمع العقد بالكسر باعتبار اللزوم يحتاج إلى دعوى أخرى، وهكذا. ثم ان الظاهر من الوفاء هو العمل على طبق مقتضى العقد وافيا، كما يظهر من موارد استعمالاته، مثل الوفاء بالنذر والعهد واليمين، والظاهر البدوي

[ 17 ]

من وجوبه هو الوجوب الشرعي، ولازمه تحقق تكليفين في مثل البيع بعد تحققه: أحدهما وجوب الوفاء بعنوانه، وثانيهما حرمة حبس مال الغير أو غصبه، وفي الثمن إذا كان كليا وجوب أداء الدين ووجوب الوفاء بالعقد، والالتزام به مشكل جدا، فيدور الامر (بين الاخذ) بعموم العقود ورفع اليد عن ظهور الوجوب في كونه شرعيا، فيحمل ذلك على نحو الالتزامات العقلائية (وبين رفع) اليد عن العموم وحمله على العقود العهدية التي ليس فيها إلا التعهد بعلم، نحو عقد الولاية والتعهدات العقدية المتعارفة بين الدول والاشخاص. بل ربما يقال: ان المراد بالعقود ها هنا هي العهود التي وقعت في عقد الولاية، والجمع باعتبار أن العقد كان متعددا بتعدد الاشخاص أو بتعدد الواقعة، وتشهد له رواية ابن أبي عمير عن أبي جعفر الثاني عليه السلام في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) (1) قال (ان رسول الله صلى الله عليه وآله عقد عليهم لعلي عليه السلام بالخلافة في عشر مواطن ثم أنزل الله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود التي عقدت عليكم لامير المؤمنين) (2) وتؤيدها صحيحة ابن سنان المتقدمة (3) وكون الآية في سورة المائدة المشتملة على آية تبليغ الولاية. لكنه غير مرضي بعد عموم الآية، وتمسك الاصحاب خلفا عن سلف بها، وعدم دلالة الروايتين على الانحصار، وعدم جواز الاتكال على مثل تلك التأييدات، على أنه لو نزلت الآية الكريمة بخصوص عهد الولاية لصار شائعا لكثرة الدواعي على ذلك، فابقاء العقود على ظهورها وعمومها ورفع


(1) سورة المائدة. (2) تفسير البرهان ذيل الاية 1 من سورة المائدة. (3) الوسائل الباب 25 من كتاب النذر والعهد الحديث 3.

[ 18 ]

اليد عن الظهور في الوجوب الشرعي أولى. بل الانصاف عدم ظهورها فيه بعد كون لزوم الوفاء بالعقود والعهود عقلائيا شائعا بين جميع الطوائف، ظاهرا لديهم، وفي مثله لا ينقدح في اذهانهم إلا ما هو الشائع بينهم، وهو المناط في الاستظهار، وظهور الامر في الوجوب الشرعي ليس كسائر الظهورات مستندا إلى دلالة لفظية، بل هو كظهور الحال والمقام، ومع كون وجوبه ولزومه العقلائي مرتكزا في الاذهان لا يحمل الكلام إلا على ما هو المرتكز، كالامر بالعمل بخبر الثقة أو الظهور اللفظي أو غيرهما معهود عند العرف. فالآية الكريمة تدل لزوم العمل بالعقود، ولازم ذلك بحسب الفهم العرفي أن العقود لازمة، ضرورة أن اللزوم لازم عرفي لوجوب العمل، وكونه ملزما به، ولو قيل انك ملزم بالعمل بعقد كذا ولكن زمامه بيدك فسخا وابقاء عد ذلك عند العرف تناقضا. فالقول بأن وجوب الوفاء لا ينافي جواز العقد أو خياريته ساقط جدا، لعدم جواز الاتكال في هذا المجال على التخريصات العقلية، بل المناط هو فهم العرف واستظهارهم (كالقول) بأن وجوب الوفاء لازمه وجوب ابقاء العقد تكليفا، فهو دال على جوازه، لاعتبار القدرة في متعلق التكليف، ضرورة ان ذلك بعيد عن الاذهان جدا، بل لازمه اقدار المكلف على المخالفة ثم الامر بالوفاء (وبعبارة أخرى) ردع العقلاء عن البناء على لزوم العقد ثم الامر بعدم الفسخ، وهو أمر بعيد عن الاذهان، بل لعله مستهجن عند العرف لو فسر المقصود لهم، فلا ينبغي الاشكال في الدلالة على اللزوم. ثم ان ما ذكرناه من أن وجوب الوفاء يحمل على ما هو المرتكز العرفي ليس المراد منه أن العقود فيها أيضا محمولة على العقود المعهودة اللازمة

[ 19 ]

عرفا حتى يقال ان لازمه بطلان التمسك بالآية، ولزوم الرجوع في كل مورد إلى الحكم العرفي، بل المراد ان خصوص وجوب الوفاء محمول على ذلك، فرفع اليد عن العموم بلا حجة لا وجه له، فالعموم على عمومه، ووجوب الوفاء هو اللزوم العقلائي، فتدبر. ثم لو فرض ان الوجوب هو الوجوب الشرعي التعبدي، لا يضر بالمقصود من الدلالة على اللزوم بالتقريب المتقدم، هذا على ما هو التحقيق من ان الوفاء عبارة عن العمل بالمقتضى. وأما لو قلنا: بأنه الابقاء للعقد، وقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) بمعنى حافظوا عليها، فيحتمل أن يكون الامر به حكما تكليفيا تعبديا، ولازمه جعل العقود جائزة أو خيارية ثم الامر بعدم هدمها، وهذا مما لا ينبغي أن ينسب إلى المتعارف من الناس فكيف بالحكيم، بل يجب تنزيه كلامه عنه، فان جعل العقود اللازمة عند العقلاء جائزة، أو جعل الجواز للعقود ولو مع الغض عن حكم العقلاء ثم الالزام بابقائها وعدم هدمها من غرائب الامور عند العقلاء. ويتلوه في الغرابة جعل وجوب الوفاء ارشادا إلى الجواز و كناية عنه، فانه من قبيل الالغاز والاحجية، مضافا إلى عدم امكان الاكناء و الارشاد إلى الجواز الا إذا كان الحكم الالزامي جديا، ولعل الجمع بين ذلك و الارشاد غير جائز، ولو جاز لم يحمل الكلام عليه الا مع القرينة مع عود المحذور المتقدم على فرض الحكم التكليفي الجدي، وبعد بطلان الاحتمالين لابد من الحمل على الارشاد إلى اللزوم كسائر الاحكام الارشادية إلى الاحكام الوضعية، وهذا مما لا مانع منه عقلا ولا عند العقلاء والعرف فيرجع الكلام إلى ان المكلفين ملزمون بالوفاء، لان العقود لا تنفسخ


(1) سورة المائدة: 5 الاية 1.

[ 20 ]

بفسخهم، وزمامها خارج من أيديهم. ومما ذكر يظهر الكلام فيما إذا أريد به أعم من العمل بالمقتضى ومن ابقاء العقد، فان جعله حكما تكليفيا في العنوانين يأتي فيه المحذور المتقدم، كجعله ارشادا إلى الجواز أو جعل أحدهما تكليفا والآخر ارشادا إلى الجواز، نعم لا مانع من الارشاد إلى اللزوم كما تقدم، هذا. (وأما) ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) لاثبات اللزوم من التمسك باطلاق دليل وجوب الوفاء بالعقد حتى بعد الفسخ وحرمة نقض ما يقتضيه كذلك وهو اللازم المساوي للزوم، فأوردوا عليه بأنه من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. وأجيب عنه بوجوده: (منها) ان العقد هو الانشاء، وهو آني التحقق، فإذا تعلق به الحكم المستمر دل ذلك على أن الوجود الاني للموضوع كاف لثبوت الحكم المستمر. و (منها) أن العقد هو السبب، أي الالفاظ المتصرمة، والحكم المستمر تعلق بها، فيكون دليلا على لزوم الوفاء مطلقا، وعلى هذين التقريبين لا يلزم التمسك بالعام في الشبهة الموضوعية، وعلى هذا تكون أدلة الخيارات من قبيل المخصصات الحكمية لدليل وجوب الوفاء وفيه مضافا إلى امكان دعوى انصراف دليل وجوب الوفاء عن التصرفات بعد الفسخ المؤثر، ومعه لا يصح التمسك به في مورد الشبهة المصداقية، تأمل أن تشخيص العناوين على عهدة العرف، ولا شبهة في أن الانشاء واللفظ ليس شئ منهما عقدا، بل العقد منشأ بالانشاء بآلية الالفاظ بما لها من الدلالات العرفية، كما لا شبهة في أن العقد لدى العرف أمر باق يعرضه الفسخ والهدم في مورد الخيارات العقلائية، ولا يعقل ذلك في الانشاء واللفظ، فلا محالة يكون العقد أمرا اعتباريا باقيا لدى

[ 21 ]

العرف، ومع احتمال الفسخ المؤثر ترجع الشبهة موضوعية. ولو سلم اطلاق العقد على الانشاء وعلى السبب فلا اشكال في اطلاقه على المنشأ والمسبب أيضا، ومع دوران الامر بينهما يكون المتعين هو الاخير حفظا لظهور دليل وجوب الوفاء، ضرورة أنه ظاهر في أن الوجوب تعلق بعنوان موجود في ظرف الوجوب. (ومنها) أن العقد العرفي موضوع لوجوب الوفاء، وهو باق حتى بعد الفسخ غير الموثر عرفا، لان الموضوعات الاعتبارية كالموضوعات التكوينية غير داخلة تحت تصرفات الشارع، بل له الحكم عليها إخراجا وإدخالا وكان حكمه من قبيل التوسعة والتضييق والتقييد والتخصيص، ومعه لا تكون الشبهة مصداقية. ومع الغض عن ذلك أن الاعتبارات العقلائية ومنها العقد والبيع والشرط ونحوها كالبناءات العقلائية نحو البناء على العمل بخبر الثقة والظواهر وأصالة الصحة لا يرفع اليد عنها إلا بردع واصل من الشارع الاقدس واحتمال الردع لا يكون رادعا، كما أن ما دل على الردع إذا لم يصل إلى العرف لا يعقل أن يكون رادعا، فالفسخ المؤثر شرعا ما لم يصل إليهم لا يصلح لهدم العقد العرفي وفسخه، وليس الفسخ والهدم من الامور الواقعية اطلع عليه العرف أم لا؟ ومعه لا تكون الشبهة مصداقية. (كما أنه) على ذلك يصح التمسك ايضا بدليل حل البيع والشرط وغيرهما لا ثبات اللزوم بالتقريب المتقدم من غير لزوم الشبهة المصداقية، وقد فرغنا عن تفصيل الادلة وتحقيقها ونقضها وإبرامها. في الجزء الاول من الكتاب فراجع. ثم انه مع الغض عن الادلة اللفظية أو الشبهة فيها فالاصل أيضا

[ 22 ]

يقتضي اللزوم، فان أصالة بقاء العقد بعد الفسخ وأصالة بقاء البيع واصالة بقاء الشرط ينقح موضوع الادلة الاجتهادية، ولازم وجوب الوفاء ونفوذ البيع والشرط بعد الفسخ هو اللزوم، وملازمة المذكورات لذلك وان كان عقليا لكن يجب الاخذ بهذا اللازم، لانه من لوازم الدليل الاجتهادي بعد الانطباق على المستصحب، لا من لوازم المستصحب، وما هو من الاصل المثبت هو الثاني دون الاول. وأما اثبات اللزوم بأصالة بقاء الملك وأصالة عدم ارتفاع أثر العقد وأصالة عدم تأثير الفسخ على فرض جريانها فمثبت، نعم يترتب عليها الآثار الشرعية، فمع أصالة بقاء الملك يحكم بعدم جواز تصرف الغير بغير اذن مالكه، وبصحة تصرفات المالك جوازه إلى غير ذلك. وأما أصالة عدم ارتفاع أثر العقد بمجرد فسخ أحدهما كما تمسك بها الشيخ (قده) في المقام واستحسنها فيرد عليها بأنه ان جعل قوله: (بمجرد فسخ أحدهما) قيدا للمستصحب فليس مسبوقا بالعلم، مضافا إلى الاشكال الوارد في الاحتمال الثاني. وهو عدم جعله قيدا، وهو أن اثبات آثار العقد كالملك بأصالة عدم ارتفاع الآثار مثبت، فان رفع النقيض لاثبات نقيضه عقلي لا شرعي. كما أن أصالة عدم كون الفسخ مؤثرا لا أصل لها، ومع فرض الجريان مثبتة، فالمعول أصالة بقاء العقد لاثبات اللزوم وسائر الآثار، وأصالة بقاء الملك لا ثبات الآثار الشرعية المترتبة عليه ثم ان استصحاب العقد أو البيع في المقام من القسم الثاني من استصحاب الكلي، لتردد العقد والبيع بين اللازم الباقي بعد الفسخ قطعا وبين الجائز الزائل قطعا. (وتوهم) جزئيته بأن يقال: انا نشير إلى الموجود الخارجي المتشخص الجزئي الحقيقي فنقول: انه موجود قبل الفسخ وشك في بقائه

[ 23 ]

بعده (مردود) بأنه خلط بين الحمل الاولي وبين الشائع من هذه العناوين، فان الموجود الخارجي وان كان واحدا مشخصا جزئيا الا أن ما تعلق به العلم لو كان هو الشخص الموجود بالحمل الشائع لما بقي مجال للشك والترديد بأنه هذا أو ذاك، والعناوين المذكورة المتعلقة للعلم كلها كليات بالحمل الشائع وان كانت بالحمل الاولي الموجود الخارجي الجزئي الحقيقي، فما هو موجود مشخص بالحمل الشائع وهو العقد اللازم أو العقد الجائز لم يتعلق به العلم، وما تعلق به هو عنوان كلي لا يأبى عن الصدق على هذا وذاك، وحديث الفرد المردد حديث خرافة، فلا اشكال في أن المستصحب كلي ومن القسم الثاني. فان قلت: ان وجوب الوفاء لم يتعلق بالعقود الجائزة بالضرورة، بل تعلق بما هو لازم في نظر الشارع، ففيما تردد بين الجائز واللازم، لا يصح التمسك به، وكذا الحال في حل البيع بعد الفسخ، فانه تعلق بحصة لازمة في نظره. قلت: هذا الاشكال ضعيف جدا، وخلط بين الارادة الاستعمالية القانونية وبين الارادة الجدية، توضيحه أن موضوع الاحكام ان كان الطبائع نحو البيع في قوله تعالى: (أحل الله البيع) (1) فلا شبهة في أن لفظ (البيع) لا يدل الا على نفس الطبيعة، والخصوصيات اللاحقة بها خارجا أو ذهنا خارجة عنها لا يعقل دلالة اللفظ عليها، كما لا شبهة في أن المعنى أي طبيعة البيع لا يعقل أن تحكي عن الخصوصيات الزائدة والمصاديق الخارجية أو الذهنية. نعم بعد ما تعلق الحكم بالطبيعة صار كاله لازمها فإذا وجدت في الخارج كانت متعلقة له، فالبيع بنفس ذاته موجود مع المصاديق، وكل


(1) سورة البقرة: 2 الاية 275.

[ 24 ]

مصداق تمام حقيقته، كما في الكليات الاصلية، فالحكم الثابت له ثابت لوجوده الخارجي بعنوان بيعيته لا بسائر الخصوصيات، ويجب الاخذ باطلاق قوله تعالى: (أحل الله البيع) (1) على فرض اطلاقه، ويحكم بأن البيع حلال أينما وجد، وإذا ورد تقييد من الشارع الاقدس كشف ذلك عن جده لا عن كيفية الاستعمال، فالمطلق حجة وكاشف عن الجد مع عدم الدليل على التقييد، فقوله تعالى: (أحل الله البيع) (2) حجة على حلية البيع بلا قيد وببركة الاستصحاب حجة على حلية البيع بعد الفسخ الا ما دل الدليل على خروجه، ومنه يعلم الحال في العمومات نحو (أوفوا بالعقود) (3) فانها أيضا بحسب الدلالات اللفظية لا تحكي الا عن مفاد الالفاظ. وتوهم ان الجمع المحلي و (كل) دالان على الافراد الخارجية المتشخصة غير مرضي، ولان (كل) ونحوه لا يدل الا على الكثرة بنحو الاجمال، ومن اضافة إلى طبيعة كالعقد مثلا يستفاد أن الكثرة لهذه الطبيعة بالدلالات المتعددة، وأما الخصوصيات اللاحقة للطبيعة خارجا فلا يعقل دلالة تلك الالفاظ عليها، كما لا يعقل حكاية العناوين المدلولة بها عنها، فقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (4) لا يدل الا على وجوب الوفاء بكل فرد من القعود بما أنه عقد من غير دلالة على الخصوصيات الفردية، كالعقد الربوي وغيره، فكل عقد بما هو عقد مدلول لهذا العام، وهو حجة على لزوم الوفاء به، ودال على لزومه، فإذا ورد تخصيص عليه يكون ذلك مخرجا عن العموم وبقي الباقي، فالجائز واللازم خارجان عن مفاد الادلة، ولا يعقل كشف الالفاظ أو العناوين عنهما (فالاشكال) ساقط من أصله، والتعرض له مع وضوح بطلانه لاجل أن لا يشتبه الامر على بعض الطلبة غفلة عن


(1) و (2) سورة البقرة: 2 الاية 275. (3) و (4) سورة المائدة: 5 الاية 1.

[ 25 ]

أن هذا الاشكال متوهم في جميع العمومات والاطلاقات ولا يختص بالمقام. ثم ان أصالة بقاء العقد حاكمة على أصالة الملك، لان الشك في بقائه مسبب عن الشك في بقاء العقد، ومع اجراء أصالة بقاء القعد يرتفع الشك في بقاء الملك، لا لان الاصل السببي بما هو حاكم على المسببي، فانه مزيف، بل لان الاصل السببي محرز ومنقح لموضوع الدليل الاجتهادي كالعقد والبيع في المقام، فينطبق عليه الدليل الاجتهادي، وهو بلسانه مقدم على الاصل المسببي. مثلا لو ورد بأن الكر مطهر للنجاسة، وشك في ماء أنه كر أولا مع مسبوقيته بالكرية، وغسل به ثوب نجس، فاستصحاب بقاء الكر لا يكون في نفسه حاكما على استصحاب بقاء النجاسة، بل باستصحابه ينقح موضوع الدليل الاجتهادي، وهوان الكر مطهر للنجاسة، فهو بلسانه مقدم على استصحاب النجاسة، لان في استصحابها أخذ الشك في موضوعه، والدليل الاجتهادي يدل على رفع النجاسة بلا أخذ الشك فيه وأخذ الشك في الاصل المنقح غير مربوط بالدليل المنطبق عليه، وهذا هو الميزان في تقدم الاصول السببية على المسببية كما نقحناه في محله. (وتوهم) أن موضوع الدليل الاجتهادي هو العقد الواقعي لا العقد التعبدي، والاستصحاب يثبت العقد التعبدي (مدفوع) بأن الاستصحاب يحكم يبقاء ما هو المتيقن إلى زمان الشك، وما هو متيقن هو العقد الواقعي لا التعبدي، فالاصل محرز للعقد الواقعي ببركة التعبد، فمفاد دليل الاستصحاب هو التعبد ببقاء الواقع، لا التعبد ببقاء الفرد التعبدي، وهو واضح، نعم ربما يكون الاصل مخالفا للواقع بعد كونه أصلا محرزا، ولا بأس به، كما أن الامارات أيضا قد تتخلف عن الواقع. فعلى ما ذكرنا من حكومة هذا الاصل على أصالة بقاء الملك لا يبقى

[ 26 ]

مجال لها وان كان الاصلان متوافقين. ثم مع الغض عنه فاستصحاب بقاء الملك ليس من استصحاب الكلي من القسم الثاني، لما تقدم في الجزء الاول (1) من أن الخصوصية المنوعة أو المصنفة انما هي في العقد لا في المسبب عنه، فراجع. فهل هو من قبيل استصحاب الشخص أو الكلي من القسم الاول؟ وجهان. ثم انه علم مما مر أن العمدة في المقام هو استصحاب، لانه يثبت به اللزوم ببركة انطباق وجوب الوفاء عليه، وهو من استصحاب الكلي من القسم الثاني، فلابد من دفع بعض الاشكالات عنه، وقد تصدينا في محله وفي الجزء الاول (2) للاشكالات المشتركة بين المقام وسائر الموارد من هذا القسم. بقي بعض ما يختص بخصوص العقود أو سائر الامور الاعتبارية (منها) أن العقد أمر اعتباري، وما اعتبره العقلاء منها ما هو مورد عملهم وحاجتهم كعقد البيع وعقد الصلح والاجارة وكذا العقد اللازم والجائز، وأما القدر المشترك بينهما فلم يعتبروها، وليست العقود كالتكوينيات مما تكون موجودة مع الغض عن اعتبار معتبر، وبالجملة الجامع أيضا أمر اعتباري على فرض اعتبارهم، ومع عدمه لا واقعية له، والفرض ان اعتباره لغو غير دخيل في أغراضهم، فاختل الاستصحاب لفقد المستصحب وفيه أن الجامع بين العقود بعد اعتبارها انتزاعي لا اعتباري، فإذا اعتبر عقد البيع ووجد يتحقق معه طبيعي العقد، ومع وجود فرد آخر يوجد أيضا بعين وجوده، فطبيعي العقد منتزع من العقود ومشترك بينها من غير لزوم اعتبار زائد على اعتبار العقود، كما أنه بايجاد فرد من الانسان


(1) و (2) ص 94 إلى 104.

[ 27 ]

يوجد طبيعي الانسان، وبايجاد فرد آخر يوجد الطبيعي أيضا من غير جعل متعلق بجامع الاشتراك، فجامع الاشتراك في الموردين على نعت واحد، وإن كان الجامع في الاول جامع أمور اعتبارية، وفي الثاني جامع أمور تكوينية، فلا إشكال من هذه الناحية. (ومنها) أن عموم قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) استغراقي وقد ذكر في السابق أن أداة الاستغراق وضعت لتكثير مدخولها، والمدخول في المقام هو طبيعة العقد، والاداة تدل على تكثيرها، فيكون مفاده وجوب الوفاء بكل فرد من افراد العقد، فالجامع بينهما ليس موضوعا لحكم شرعي والمستصحب لابد وأن يكون حكما أو موضوعا لحكم، فلا يجري استصحاب الجامع والمفروض أن ما هو المستصحب كلي جامع بين العقدين. وفيه أن ما هو المتعلق لوجوب الوفاء في الآية هو طبيعي العقد في كل فرد، أي الطبيعي المتحقق في العقود لا الخصوصيات الفردية، فانها غير دخيلة في وجوب الوفاء، بل ولو قال: (أوفوا بعقودكم) لكان مفاده وجوب الوفاء بالطبيعي الصادر منهم لا الطبيعي مع الخصوصيات الحافة به في الخارج، وذلك مثل قوله: (كل انسان ناطق) فان الناطقية من خواص الانسان بما أنه انسان، لا بما أنه متشخص بالتشخصات الفردية فإذا وجد طبيعي العقد وصار موضوعا لوجوب الوفاء ثم شك في بقائه لدوران الامر بين كونه لازما أو جائزا يستصحب طبيعي العقد، لا العقد الخاص الحاصل في زمان كذا ومكان كذا بلفظ كذا وهكذا، والطبيعي موجود بوجود الفرد، فالجامع كان موجودا وشك في بقائه بنظر العرف الذي هو الميزان في المقام وان كان مخالفا لنظر العقل الدقيق البرهاني، فلا إشكال من هذه الناحية أيضا.


(1) سورة المائدة: 5 الاية 1.

[ 28 ]

وأما معارضته باستصحاب بقاء العلقة ومحكوميته له، بأن يقال: إن المالك كان له علقة المالكية قبل البيع ويحتمل حدوث علقه استرجاع العين بالفسخ له عند زوال العلقة الاولى، فيستصحب طبيعي العلقة، أو يقال: إن له علاقة خيار الفسخ بعد العقد قبل التفرق، ويحتمل وجود علاقة جواز الاسترجاع له أيضا، فيستصحب طبيعي العلاقة بعد عدم الاولى، أو يقال: إن في زمن خيار المجلس جاز الفسخ وضعا، ومن المحتمل وجود جواز وضعي آخر، لاحتمال كون العقد جائزا، فالاستصحاب على التقادير من استصحاب الكلي من القسم الثالث. (والاشكال) فيه بأن الكلي الطبيعي في الخارج متكثر، ولا جامع مشترك في الخارج، أو أن للطبيعي حصصا والمعلوم حصة خاصة منه، وليس في الخارج نفس الطبيعي المشترك (مدفوع) بأن الميزان هو نظر العرف لا العقل الدقيق، وتكثير الطبيعي بذاته على ما حقق في محله أمر عقلي لا عرفي، ولهذا يحكم العرف بأن الطبيعي يوجد بفرد ما، ولا ينعدم إلا بعدم تمام الافراد، وأن نوع البشر وأنواع الحيوان والنبات باقية خارجا من صدر الخلقة إلى هذا الزمان، وهذه الاحكام من خواص وجود الطبيعي الجامع المشترك بين الافراد في الخارج، ولو حاولنا على حكم العقل الدقيق لما جرى الاستصحاب في القسم الثاني أيضا لعين ما ذكر. (وتوهم) أن ما يحتمل بقاؤه عين ما كان موجودا في القسم الثاني دون الثالث، وهذا هو الفارق (مدفوع) بأنه إن كان المراد أن الطبيعي الموجود مع الفيل في المثال المعروف باق فهو محتمل الوجود، والاستصحاب إبقاء ما هو المتقين، وإن كان المراد نفس الطبيعي الجامع المشترك فهو يقيني الوجود ومحتمل البقاء في القسم الثالث أيضا من غير أدنى فرق بينهما من هذه الناحية.

[ 29 ]

وأما قضية الحصص ففيها مع كونها مزيفة كما حقق في محله أنه لو صحت بطل استصحاب القسم الثاني أيضا، والعجب أن صاحب هذا القول لما حاول بيان جريان استصحاب القسم الثاني تشبث بوجود الجامع المشترك، ولما وصل إلى الثالث تشبث بالحصص. والتحقيق أن الاستصحاب جار في الثالث فيما ساعد العرف، وهو ما إذا توجه إلى الجامع المشترك لا الخصوصيات، والتفصيل في مظانه. والاولى في الجواب عن الاصول المتقدمة أن يقال: إن تلك العلاقة المشتركة بين الملك والجواز الحكمي، لا حكم مجعول، ولا موضوع ذا حكم واستصحابها لا ثبات الجواز الحكمي مثبت، وكذا الحال في استصحاب طبيعي العلاقة الموجودة في زمن الخيار، لاحتمال علاقة آخرى هي علاقة الجواز الحكمي. (وبعبارة أخرى) ان عنوان العلاقة أمر منتزع عن حق الخيار وجواز الفسخ، ولم يتعلق به حكم من الشارع، كما أنه ليس موضوعا لحكم، فلا يجري فيه الاستصحاب، واستصحاب الجامع لاثبات الفرد مثبت. وأما استصحاب طبيعي الحكم الوضعي الثابت في زمن الخيار أي جواز الفسخ ونفوذه لاحتمال وجود جواز وضعي آخر معه، باحتمال كون العقد جائزا وحكومته على استصحاب بقاء العقد ففيه أن الجواز الوضعي أي، نفوذ الفسخ غير مجعول، بل المجعول هو الخيار، لقوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) (1). (وكذا الحال) في العقد إذا كان جائزا بكون المجعول جواز العقد، لانفوذ الفسخ، ومع جعل الخيار للمتبايعين وجعل البيع جائزا لا معنى لجعل نفوذ الفسخ، إذ هو لغو، فنفوذ الفسخ في الموردين من اللوازم العقلية للخيار وجواز البيع، فلا يكون حكما ولا ممنوع حكم فلا يجري الاصل فيه.


(1) الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 30 ]

لكن لازم ذلك عدم جريان استصحاب الخيار مع الشك في سقوطه فلو شك في حدوث مسقط لخيار المجلس مثلا فاستصحاب الخيار لاثبات نفوذ الفسخ وحل العقد به مثبت، والتزامهم به مشكل وإن لامانع منه. ويمكن أن يقال: إن اللوازم العقلية أو العادية تارة تكون بنظر العرف أيضا من اللوازم، كاستصحاب حياة زيد لاثبات لحيته أو سنين عمره، وتارة لا تكون كذلك، بل يرى العرف تعلق الجعل به بعين تعلقه بملزومه كجعل شئ مملوكا للانسان، أو جعل الانسان مالكا لشئ، كقوله: (من حاز شيئا ملكه) فان العرف يرى أن جعل المالكية له عين جعل المملوكية للمحاز، وجعل المملوكية للمحاز عين جعل المالكية لمن حازه، فاستصحاب احدهما كاف عن الآخر، ولا يكون مثبتا، لعدم كونهما لازما وملزوما في نظر العرف وإن كانا كذلك عقلا والميزان هو الحكم العرفي وفهم العرف. (ففي المقام) يمكن أن يقال: إن جعل خيار فسخ العقد للمتبايعين في نظر العرف عين جعل نفوذ فسخهما لا أنه ملزومه. وكذا الحال في جعل جواز العقد بالنسبة إلى فسخه، فيكون استصحاب الخيار كافيا لاثبات نفوذ الفسخ من غير لزوم كونه مثبتا، تأمل. فان المسألة تحتاج إلى مزيد تأمل، ولا تخلو من إشكال. ثم إن في حكومة هذا الاستصحاب أي استصحاب بقاء العلقة أو استصحاب بقاء الحكم الوضعي أي نفوذ الفسخ على استصحاب بقاء العقد أو بقاء الملك إشكالا، فان مجرد السببية والمسببية لا يوجب تقدم الاصل السببي، ولا يكون هذا الاصل في شئ من الموارد حاكما على المسببي، بل على ما أشرنا إليه وفصلناه في محله إن ما هو شأن الاصل في الاستصحاب

[ 31 ]

الموضوعية ليس الا تنقيح موضوع الدليل الاجتهادي، وانما الحاكم على الاصل المسببي هو الدليل بلسانه. ففي المقام الذي يستصحب فيه الحكم الوضعي أي نفوذ الفسخ لا يكون الاصل السببي بلسانه مقدما على المسببي حتى يرفع شكه، بل لسانه أنه إذا شككت فالفسخ نافذ، ولسان الاصل المسببي أنه إذا شككت فالعقد باق ولا تقدم لاحدهما على الآخر، وإن كان الشك في بقاء العقد مسببا عن الشك في نفوذ الفسخ لكن مجرد ذلك غير كاف للتقدم، فالاصلان على فرض جريانها متعارضان. وأوضح منه استصحاب بقاء العلقة، فانه أيضا ليس حاكما على الاصل المقابل المسببي، فتدبر جيدا. ثم إن ها هنا تفصيلين: (أحدهما) من بعض الاعاظم (قده) فانه بعد تقسيم العقود إلى الاذنية والتنجيزية والتعليقية اختار عدم جريان أصالة اللزوم في الاذنية بدعوى انها متقومة بالاذن، ومع رجوعه عنه لا معنى لبقائها، بل في الحقيقة ليست هي عقودا، وخروجها عن (أوفوا بالعقود) من قبيل التخصص، وقد مثل للعقود الاذنية بالعارية والوديعة والوكالة والمضاربة. أقول يرد عليه مضافا إلى أنه لو صح ما ادعاه من انها ليست عقودا لم يكن ذلك في الحقيقة تفصيلا في العقود أنه ما الفرق بين المزارعة والمساقاة وبين المضاربة، حيث لا شبهة في أنهما عقدان لازمان دون المضاربة، فهل ماهية عقد المساقاة غير القرار على سقى الاشجار المعلومة بحصة من ثمرتها؟ فالملك من المالك والعمل من العامل والثمرة بينهما، وهل ماهية عقد المزارعة غير القرار على أن الارض من المالك والعمل من الزارع والحاصل بينهما؟ كما أن المضاربة قرار أن رأس المال من المالك

[ 32 ]

والعمل من العامل والربح بينهما، ففي الحقيقة هذه الثلاثة من واد واحد وإنما الاختلاف في المتعلقات. والتحقيق أن كلها من العقود، فان ماهية العقد ليس إلا القرار بين الطرفين في أمر، فالبيع والمضاربة والوكالة من واد واحد من حيث العقدية، بل التحقيق أن العارية والوديعة أيضا من العقود، وكونها جائزة تنفسخ بفسخ أحد المتعاملين لا يقتضي سلب المعقدية عنها لو لم يؤكدها والانصاف أنه لا معنى محصل للعقود الاذنية. (ثانيهما) التفصيل بين مثل عقد السبق والرماية وغيره كما يظهر من الشيخ الاعظم (قده) قال: (إنه يظهر من المختلف في مسألة ان المسابقة لازمة أو جائزة أن الأصل عدم اللزوم، ولم يرده من تأخر عنه الا بعموم قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) ولم يكن وجه صحيح لتقرير هذا الاصل، نعم هو حسن في خصوص المسابقة وشبهها مما لا يتضمن تمليكا أو تسليطا، ليكون الاصل بقاء ذلك الاثر وعدم زواله بدون رضا الطرفين) انتهى. أقول: أما استصحاب بقاء العقد في أمثالها فمما لا ينبغي الاشكال فيه، وأما استصحاب الاثر فهو أيضا جار وان كان أمرا تعليقيا، لان الامر التعليقي إذا كان شرعيا لا مانع من جريان الاصل فيه، وفي المقام ان مفاد العقد ثبوت الملكية على فرض تحقق السبق للسابق، فالقرار على ملكية معلقا على أمر، وقد أنفذه الشارع عموما وخصوصا في السبق والرماية، فثبوت الملكية على فرض السبق من الاحكام الشرعية، فكأنه قال: إذا سبق ملك، أو من سبق ملك، فمع استصحابه وحصول المعلق عليه أو العنوان المترتب عليه الحكم تثبت الملكية من غير شبهة اثبات.


(1) سورة المائدة: 5 الاية 1.

[ 33 ]

نعم هنا أصل آخر تنجيزي مثل سائر موارد الاصول التعليقية، وهو أصالة عدم انتقال المملوك إلى السابق، أو أصالة عدم حصول الاثر، ولعل مراد الشيخ (قده) من أصالة عدم اللزوم هو هذا الاصل، بدعوى أن أصالة عدم النقل وعدم حصول الاثر بعد الفسخ مساوق لعدم اللزوم كما قال نظيره في تقرير أصالة اللزوم، والا فمجرد عدم وجود أصالة بقاء الاثر وأصالة عدم زواله بلا رضا الطرفين لا ربط له بأصالة عدم اللزوم. (وبعبارة أخرى) عدم وجود أصالة اللزوم غير وجود أصالة عدم اللزوم، فلابد من حمل كلامه على ما ذكرناه. لكنه يرد عليه أن الاصل التعليقي حاكم على التنجيزي كما قرر في محله، واعترف به الشيخ الاعظم (قده) وإن كان في تقريب الحكومة خلاف، وقد قررناها على ما هو الميزان في الحكومة، فراجع. ثم ان ما مر انما هو في الشبهة الحكمية، ويجري نحوها في الشبهة الموضوعية في خصوص إجراء الاصول، فإذا شك في عقد خارجي أنه مصداق لللازم أو الجائز مثل ما إذا شك في بيع خارجي أنه بيع بالصيغة أو معاطاة بناء على جوازها، أو في عقد أنه بيع أو هبة، فتجري أصالة بقاء العقد لتنقيح موضوع (أوفوا بالعقود) فيحكم بأنه لازم. إلا أن إحراز هذا الاصل لموضوع (أوفوا بالعقود) مبني على جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لان أصالة بقاء طبيعة العقد بنحو الكلي لا يثبت العقد اللازم، وموضوع (أوفوا) هو العقد اللازم بعد خروج العقود الجائزة منه بالتخصيص، ومع صحة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لا نحتاج إلى الاصل، كما أنه مع إحراز الاصل للعقد اللازم لا نحتاج إلى العموم، كما أن أصالة بقاء الاثر لا تحرز ثم إنه لو كان أصل محرز للجواز نأخذ به وكان مقدما على الاصل

[ 34 ]

المتقدم، كما لو شك في أن الواقع هبة أو صدقة، فأصالة عدم قصد القربة تحرز الهبة، فيحكم بالهبة الجائزة، كذا قال الشيخ الاعظم (قده) ولم يقرر كيفية الاصل. وقد قرره بعض الاجلة بما محصله أن الهبة والصدقة ليس تباينهما من قبيل تباين الحقيقتين المتباينتين، ولا بنحو الماهية بشرط شئ من الطرفين بأن تكون الهبة التمليك المجان بقصد عدم القربة في مقابل الصدقة التي هي التمليك المجان بقصد القربة، بل من باب تباين الماهية بشرط لا والماهية بشرط شئ، فالتمليك المجان المجرد عن قصد القربة هبة محضة مقابل الصدقة، فيحنئذ لاصالة عدم قصد القربة الموجبة للتعبد بعدم القيد الذي يكون التمليك به صدقة مجال، انتهى ملخصا. وفيه مع الغض عن احتمال أن يكون الماهيتان متباينتين عرفا كما ذهب إليه جمع، ويكفي الاحتمال في عدم إجراء الاصل لاحراز مقابله أنه يرد عليه (أولا) أن التمليك المجان المجرد عن قصد القربة ليس له حالة سابقة، سواء رجعت القضية إلى الايجاب العدولي، أي التمليك لا بقصد القربة أو إلى الموجبة السالبة المحمول، أي التمليك الذي ليس بقصد القربة فان ثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له، وان كان الثابت أمرا عدميا فالعقد حال وجوده يحتمل اقترانه بقصد القربة، وهذا واضح. وأما ما هو مسبوق بالعلم فهو قضية سالبة محصلة، وهي أعم من السلب بسلب الموضوع، وهي أنه لم يكن التمليك بقصد القربة سابقا، واستصحاب هذا الاعم لاثبات قسم منه أي التمليك المجرد عن قصد القربة مثبت كاثبات وجود الفرد الطويل باستصحاب الجامع والكلي. (وثانيا) أن التمليك المجان لا بشرط أي نفس ماهية التمليك المجان جامع بين الهبة الجائزة واللازمة أي الصدقة، ولابد من فارق بين المقسم

[ 35 ]

وقسميه، وكذا بين القسمين منه، والفرق بين القسم وقسميه هو أنه نفس التمليك المجان بلا قيد وبلا شرط، وأن القسمين متقومان بقيد وشرط وهو وقيد بشرط شئ وقيد بشرط لا، وهما قيدان معتبران في القسمين، للامتياز بينهما وبين مقسمهما، فاستصحاب عدم قصد القربة في التمليك المجان على فرض جريانه لا يثبت القسم المقابل، فهو من قبيل نفي أحد القسمين لاثبات القسم الآخر، ولا يصح القول بأن الهبة هو التمليك لابقيد القربة، فان التمليك لا بشرط ولا بقيد هو القسم، إذ فرق بين لا بشرط وبشرط لا، فان الاول نفس الماهية والثاني ماهية متقيدة بقيد ولو كان القيد عدميا. ثم في تقديم أصالة عدم قصد القربة لاحراز الهبة الجائزة على أصالة بقاء الاثر إشكال، إلا إذا كان الاصل المذكور محرزا لكبري شرعية، وهي أن التمليك المجان الذي ليس فيه القربة هبة جائزة، لان مجرد السببية والمسببية ليس مناط الحكومة كما مر، فلو استفيد من الادله أو فتاوى الفقهاء أن التمليك المجان الذي لا يكون فيه قصد القربة هبة شرعا صحت الحكومة، وإلا فلا. ثم إن أصالة بقاء الاثر سواء أحرز بها اللزوم أم لا لا تنفع في تعيين العقد اللازم، كالبيع فيما إذا شك أن الواقع هبة أو بيع، فلا بد من الرجوع إلى الاصول الاخر في المقام. فنقول: إن الشك في المثال المتقدم تارة يعرص بعد الفسخ. وأخرى قبله، فعلى الاول حيث يشك في اشتغال ذمة من انتقل إليه العين يستصحب عدم اشتغال ذمته بالعوض أو بالعشرة مثلا لو استشكل في الاصل الاول، وهو مقدم على أصالة البراءة العقلية بالورد، وكذا على الشرعية،

[ 36 ]

كقوله عليه السلام: (الناس في سعة ما لا يعلمون) (1) بناء على أن المراد بعدم العلم عدم الحجة كما هو المقرر في محله. وهذا الاستصحاب معارض بالعرض لاستصحاب بقاء الاثر، للعلم الاجمالي بعد الفسخ ببطلان أحد الاصلين، فان نفي العوض عن ذمته وكون العين له مخالف للواقع، اجرائهما مستلزم للمخالفة القطعية، فيتساقطان بالمعارضة أو لا يجريان في أطراف العلم، فتصل النوبة إلى الاصل المحكوم أي أصالة البراءة عن العوض. فمع القول بجريانها لعدم أصل معارض لها يقع الاشكال في العين. فان جعلها لمن انتقلت إليه مع كونه بلا وجه موجب لمخالفة العلم الاجمالي، وجعلها لمالكها الاول بلا وجه أيضا، لعدم أصل أو دليل مثبت له. والارجاع إلى القرعة في نفس العين مشكل، لانها ان خرجت باسم المنتقل إليه تخالف العلم الاجمالي، ويمكن القول بالقرعة في تعيين ما وقع أنه هبة أو بيع، فيحكم بما خرجت به بعد ما لم يتسالما على التقابل لو كان بيعا، وكذا الحال في صورة عدم جريان أصل البراءة، بل وكذا في صورة احتمال وقوع العقد على العوض الموجود. وعلى الثاني أي عروض الشك قبل الفسخ فان علم حصول الفسخ بعده حصل العلم الاجمالي بوجوب رد العوض فعلا، أو وجوب رد العين ان فسخ (فان قلنا) ببطلان رجوع الشرط إلى الهيئة وأن ما هو ظاهر في الرجوع إليها راجع إلى المادة، فالوجوب مطلق وفعلي، والواجب مقيد استقبالي كان العلم الاجمالي مؤثرا ومنجزا كما هو التحقيق في التدريجيات ولا تجري أصالة البراءة عن العوض، ولا يجوز له عدم إعطاء العوض وأخذ العين بعد الفسخ، للعلم المذكور، فلا بد من القرعة، كما في الصورة السابقة.


(1) الوسائل الباب 3 من كتاب اللقطة الحديث 1 وفيه (هم في سعة حتى يعلموا).

[ 37 ]

(وان قلنا) بالوجوب المشروط فمع العلم بحصول شرطه كان حال العلم الاجمالي المتعلق به وبغيره المطلق في التنجيز كحال العلم الاجمالي بأحد المطلقين، لان العقل يحكم جزما بعدم جواز المخالفة لذلك الواجب، فمن علم أن ضيف المولى سيجيئ وعلم أن إكرامه واجب بشرط المجيئ ولم يكن في الحال واجبا لاشبهة في جواز منع الضيف عن المجيئ، لعدم المخالفة حينئذ. وأما لو علم أنه يجئ فتقاعد عن تهيئة أسباب الضيافة بعذر أن الواجب المشروط لم يتحقق وجوبه إلا بعد تحقق الشرط، فالآن لا يجب علي شئ وبعد مجيئه لم استطع على ضيافته لم يعذره العقل والعقلاء، فالعلم الاجمالي الذي كان طرفاه أو أحد طرفيه كذلك منجز بحكم العقل، بل مقدمة الواجب المشروط الكذائي واجب فعلا على القول بوجوب المقدمة، وقضية ترشح وجوب المقدمة من وجوب ذيها أو ترشح الارادة المتعلقة بها عن ارادته قد فرغنا في محله عن نقده. وأما إذا علم بعدم حصول الشرط أو القيد بناء على رجوع القيد إلى المادة فلا إشكال في عدم تأثير العلم الاجمالي، وكذا الحال مع الشك في الحصول. (وتوهم) كون الشك مع فرض الوجوب الفعلي كالشك في القدرة فيجب الاحتياط معه (فاسد) لان ما ذكر في الشك في القدرة انما هو فيما كان ظاهر الادلة الوجوب المطلق مادة وهيئة، وكان عدم القدرة عذرا عقليا في ترك الواجب الفعلي، فحينئذ لابد من إحراز العذر ولم يسمع منه احتماله، وأما في المقام فالقيد دخيل في المتعلق، ومع الشك في تحققه يشك في التكليف، كما أنه لو قيد التكليف بحال مقدرة كما لو قال: إن قدرت على إكرام زيد فأكرمه فمع الشك فيها لا يجب عليه الاكرام.

[ 38 ]

ثم إنه ربما يقال: إنه في أمثال ذلك لا تجري أصالة البراءة، بل لابد على مدعى براءة ذمته من إثباتها، لان ذلك مقتضى أصالة الاحترام في الاموال، فالمال بطبعه يقتضي أن لا يخرج عن ملك مالكه بلا عوض. وفيه ما لا يخفى لان احترام الاموال لا يقتضي عدم جواز تصرف صاحبه فيه بنحو الهبة والصلح مجانا، وانما مقتضى الاحترام أن لا يتصرف فيه غيره بلا إذنه، وأن لا يذهب هدرا لو أتلفه متلف والمال لا اقتضاء له في طبعه لو كان له طبع، فلو وهبه المالك لم يكن خلاف مقتضى طبعه ففي مورد الشك كان الاصل البراءة، ولا مانع منه من هذه الجهة، وأما النص الوارد عن أبي الحسن عليه السلام (1) في تضمين مدعى الاستيداع عند الاختلاف بين القرض والوديعة فهو على خلاف القواعد، ولابد فيه من الاقتصار على مورده. ولو علمنا بطلان معاملة مرددة بين ما توجب ضمان التالف كالبيع وما لا توجبه فلا يمكن إثبات الضمان بقاعدة اليد ولا بقاعدة احترام مال المسلم ولا بغير هما بعد عدم صحة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. ولو قلنا بأن قاعدة اليد وغيرها منصرفة عن اليد المستولية مجانا واستئمانا فالامر أوضح، لان الشبهة من قبيل الشبهة في مصداق العام، كما أنه لو قلنا بأن باب التقييد غير باب التخصيص وان المطلق بعد التقييد بالمنفصل يصير معنونا بخلاف العام لم يصح التمسك به ولو قلنا بصحة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص. وربما يقال: إن موضوع الضمان مركب من ليد وعدم إقدام المالك على المجانية، وهو محرز بالوجدان والاصل، أي استصحاب عدم الاقدام، وليس إقدام المالك على المجانية وعدمه من مفاد (كان) و (ليس)


(1) الوسائل الباب 7 من كتاب الوديعة الحديث 1.

[ 39 ]

الناقصتين حتى يقال لا يكون للعدم النعتي حالة سابقة، لان رافع الضمان من صفات ذي اليد لا اليد، فيحرز الموضوع بالعدم المحمولي. وفيه أن ما يوجب الضمان بحسب دليل على اليد هو أخذ مال الغير واستيلائه عليه، ولا إشكال في تقييده بالاخذ المجاني، وبعد التقييد يصير موضوع الضمان بحسب الواقع هو الاستيلاء غير المجاني، وهذا مما لا حالة سابقة له، وأما الاقدام على المجانية فلا ربط له بموضوع الحكم، نعم لو علم كون الاقدام بالاعطاء مجانيا يثبت الاخذ المجاني والاستيلاء كذلك (وبعبارة أخرى) إن موضوع الضمان من الموضوعات المقيدة لا المركبة، بل لو قلنا بأن الموضوع مركب من جزءين: أحدهما اليد أو الاخذ والاستيلاء، وثانيهما عدم الاقدام على المجانية لا يعقل أن يكون السلب بنحو السلب المطلق اعم من جعل الاخذ جزء الموضوع، لان جزئية السلب المطلق اعم من الاخذ يناقض جعل الاخذ فيه جزءا للموضوع فلابد من ان يكون الجزء قسما خاصا من السلب المطلق، وهو السلب المقارن للاخذ، واستصحاب المطلق لاثبات قسم منه مثبت، والقسم ليس له حالة سابقة. ومما ذكرنا يظهر النظر في قوله: (إن رافع الضمان من صفات ذى اليد) فان صفاته لا دخل لها بالضمان وعدمه، بل ما هو الدخيل هو الاستيلاء مجانا على مال الغير أو عدم مجان، واستصحاب عدم صفات ذي اليد وعدم إقدامه لا يثبت الاستيلاء غير المجان، واستصحاب عدم إقدامه على الاستيلاء المجان منع كونه معارضا باستصحاب عدم إقدامه على الاستيلاء غير المجان ومع العوض على فرض الجريان لا حالة سابقة له. ثم إنه استشهد على كون الموضوع مركبا من اليد والاقدام بأنه يكفي في تحققه تحققه قبل تسليط المالك على ماله وبعده كما يكفي تحققه معه،

[ 40 ]

فإذا تحقق يد في الامس وإقدام على المجانية في اليوم يكفي لرفع الضمان. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن الاقدام على المجانية قبلا لا أثر له إلا مع بقائه إلى زمان اليد، وتحققه بعدا وإن كان يرفع الضمان لكنه ليس لاجل كون الموضوع مركبا، بل لاجل أنه مع الاقدام عليها في زمان متأخر ينقلب الاستيلاء غير المجان بالاستيلاء المجان بقاء، وهذا هو السبب لرفع الضمان الذى هو عين الموضوع المقيد. (وبالجملة) الاقدام على المجانية بعدا رافع للضمان، سواء كان الموضوع مركبا أو مقيدا وكان جزء الموضوع من صفات صاحب العين الذي عبر عنه بصاحبه اليد، أو من صفات الاخذ واليد والاستيلاء، فلو غصب ماله غاصب فرضي ببقائه عنده أمانة انقلبت يد الغصب بيد الامانة سواء كان موضوع الضمان مركبا أولا.

[ 41 ]

القول في اقسام الخيار ونقتصر منها على ما اقتصر عليه الشيخ الاعظم وبعض من تقدم عليه قدس سرهم الاول خيار المجلس ولمراد منه ظاهر، والبحث عن أن اضافته إلى المجلس بأية عناية وهل هي من قبيل المجاز في الحذف أو الاستعارة غير مفيد، مع أن المظنون أن ذلك مجرد تسمية لمناسبة ما وللتمييز بينه وبين غيره، إذ ليس الفقيه كالشاعر والخطيب بصدد الاستعمالات المجازية والكنائية، مع أن الاطلاق الاستعاري في المورد إطلاق بارد بل مستنكر. وما هو بحث مفيد لابد من تنقيحه خلال المباحث الآتية هو أن المستفاد من النصوص والفتاوى في هذا الخيار أن موضوعه أي ما ثبت له الخيار هل هو البيعان المجتمعان في مجلس البيع، بأن يكون جميع هذه القيود

[ 42 ]

معتبرة فيه، فلو انتفى قيد منها انتفى الخيار، فالحضور في مجلس البيع جزء الموضوع، فالمصطحبان الخارجان منه لا خيار لهما. أو أن الموضوع هو البيعان المجتمعان بلا دخل لقيد المجلس فيه، فعلى القول بثبوته مع التوكيل في الصيغة يثبت الخيار للموكلين إذا كانا مجتمعين ولو في غير مجلس البيع. والقول بأن المصطحبين لهما الخيار مع الخروج عن مجلس البيع وأن ثبوت الخيار للموكلين موقوف على حضورهما في مجلس العقد كأنه في غير محله، فان الجمع بينهما غير وجيه. أو أن الموضوع هو البيعان من غير دخالة الاجتماع فيه وإن كانت الغاية عدم الافتراق، وكان الافتراق غاية ثبوت الخيار للبائع، لا للبائع المجتمع مع غيره، والفرق ظاهر بالتأمل. وربما يأتي الكلام في جيمع ذلك انشاء الله ويتم البحث فيما يناسب هذا الخيار بذكر مسائل: مسألة: لا اشكال نصا وفتوى في ثبوته للمتبايعين غير المتلاصقين إذا كانا أصليين، وما خالفهما يطرح أو يأول، كالمنقول عن أمير المؤمنين عليه السلام: (إذا صفق الرجل على البيع فقد وجب وإن لم يفترقا) (1). وأما الوكيل فهل يثبت له مطلقا وان كان وكيلا في اجراء الصيغة أو لا مطلقا، أو لا يثبت للوكيل في مجرد الصيغة وثبت لغيره مطلقا وان كان مستقلا في انجاز البيع فقط، بل وان كان مشاركا مع موكله في


(1) الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 7.

[ 43 ]

تشخيص الصلاح والفساد ولم يكن مستقلا، أو يثبت لمن استقل في البيع مطلقا، كعامل القراض، وأولى به المستقل في أموال الموكل، كما لو أو كل أمر امواله إليه؟ وجوه. أما الوكيل في مجرد اجراء الصيغة فقد يقال بثبوته له لصدق البيع عليه حقيقة، فيشمله النص. واجيب عنه بوجوه: (منها) أنه لا يصدق البيع عليه حقيقه، واطلاقه عليه مجازي، وربما يعلل بأن مبادئ اختيار اسم المصدر غير قائم به، وأنه بمنزلة الآلة، وكأنه لسان الموكل، وربما يجعل هذه الامور شواهد على الانصراف. (وفيه) مضافا إلى أن الجمع بين دعوى الانصراف والمجارية جمع بين المتنافيين، فان الانصراف إنما هو بعد الفراغ عن عدم المجازية أن دعوى المجازية غير وجيهة، فان مادة البيع موضوعة للتبادل الانشائي المحض وإن لم يترتب عليه الاثر، كبيع الفضولي والمكره وغيرهما مما يصدق عليه عنوان البيع بالحمل الشائع عرفا وعقلا ولغة. (وقد خلط) في المقام بين الحمل الشائع والاولي من لا ينبغي أن يشتبه عليه، ويظهر من كلامه أن البيع بالحمل الشائع هو ما يترتب عليه الآثار، وقال: بيع الوكيل كذلك، فهو بيع بالحمل الشائع، وأن البيع الانشائي بيع بالحمل الاولي. (وهو) بمكان من الضعف، فان البيع بالحمل الاولي هو مفهوم البيع لا البيع الانشائي، والبيع الانشائي المنشأ بالالفاظ هو البيع بالحمل الشائع. نعم لو قلنا بأن البيع الحقيقي ما يترتب عليه الآثار فعلا فالانشائي بيع بالحمل الشائع وإن لم يكن حقيقيا، بل إما مجاز أو غلط، لكن المبنى فاسد، فماهية البيع هي المبادلة الكذائية، وهذا المفهوم بيع بالحمل الاولي

[ 44 ]

والمنشأ بالالفاظ ايجاد لهذه الماهية وبيع بالحمل الشائع. وكيفما كان مادة البيع ليست إلا ما ذكر، ولو فرض أن ماهية البيع هي المبادلة المؤثرة في النقل الواقعي فبيع الوكيل بيع حقيقي بهذا المعنى، لكن التحقيق ما مر. وأما هيئة اسم الفاعل فموضوعة لعنوان بسيط منتزع ممن قام به الفعل أي الفاعل بما أنه فاعل، ولا شبهة في أن البيع يوجد بايجاد المنشئ ومجري الصيغة، والوكيل في اجراء الصيغة وكيل في ايجاد ماهية البيع حقيقة، فقوله: إنه بمنزلة اللسان أو إنه بمنزلة الآلة ان اراد أنه كالآلة الجمادية مثل السيف والرمح فهو كما ترى، وان أراد أنه أوجد البيع بوكالة في نفسي الايجاد فقط فهو مع عدم صحة اطلاق الآلة عليه الا بنحو من التأويل لا يضر بالمقصود، وهو كونه بيعا حقيقة وان كان ايجاد البيع بوكالة من غيره. وبالجملة اطلاق الآلة واللسان عليه موجب للخطأ والاشتباه. بل الظاهر انه في الافعال الصادرة من الحيوان باغراء صاحبه كالكلب المعلم أو الحيوان الضاري يكون نفس الفعل صادرا منه حقيقة، فالكلب يأخذ الصيد بارادته واختياره وان كان مطيعا لصاحبه، والسبع يقتل ما ألقي لديه لا الملقي، نعم ان الملقي سبب، ولما كان الحيوان المباشر للقتل غير مدرك للحسن والقبح ولاحترام دم المسلم يكون السبب في القتل أقوى، لا أن المباشر آلة والقتل مستند إلى السبب، فالملقي سبب للقتل، والسبع قاتل بالمباشرة حقيقة، والسبب أقوى. وأما في البيع الصادر من الوكيل في اجراء الصيغة أي ايجاد العقد فالايجاد يكون فعله، وهو سبب لوجوده ومباشر له وليس الموكل سببا للبيع، فان التوكيل لا يعد تسبيبا له عرفا ولا عقلا، بل الموكل سبب بوجه

[ 45 ]

بانشائه الوكالة لحصولها، والوكيل سبب بانشائه البيع لحصوله، والسببية البعيدة لو صح في أمثال المقام اطلاق السبب لا تضر بالمقصود. واما قوله: (ان مبادئ اختيار اسم المصدر غير قائم به) فهو أوضح اشكالا، ضرورة أن المصدر مع اسمه واحد ذاتا ومختلف اعتبارا ولا شبهة في أن جميع مبادئ المصدر واسمه من التصور والتصديق والعزم وغيرهما قائم بالفاعل المجري للصيغة والموجد لماهية البيع، وتلك المبادئ لا يعقل قيامها بغيره، ضرورة أنها بمادئ صدور الفعل من فاعله وهو الوكيل لا الموكل، كما أن مبادئ التوكيل قائمة بالموكل لا بالوكيل، ومبادئ القبول قائمة بالوكيل. وان شئت قلت: إن من أوجد العقد وأجرى الصيغة من الاصيل والوكيل والفضولي والولي كلهم على وزان واحد في ايجاد المادة بالهيئة، وقيام المبادئ بهم لا بغيرهم، ضرورة أن كل فعل صادر من فاعل لا يعقل أن يكون مبادؤه قائمة بغيره، وكل المذكورين على السواء في ذلك وبعد الايجاد على السواء في صدق الفاعل وعنوان البائع عليهم، ومناط هذا الصدق فيهم أمر واحد، هو اجراء الصيغة، أي ايجاد المادة بالهيئة والافتراق بينهم انما هو في أمور لادخل لها في ذلك، فاجرائها تمام الموضوع للصدق من غير دخالة شئ آخر فيه، كما هو واضح لدى التدبر وسيأتي الكلام في الانصراف وما يناسبه. و (منها) أن دليل لزوم العقد وهو قوله تعالى (أوفوا بالعقود) (1) سواء كان وجوب الوفاء فيه عبارة عن وجوب إبقاء العقد، أو وجوب العمل بمقتضاه متوجه إلى المالكين، أو إلى من له الامر كالاولياء والوكيل المطلق المستقل، والوكيل في مجرد اجراء الصيغة لا يجب عليه الوفاء بأي


(1) سورة المائدة: 5 الاية 1.

[ 46 ]

من المعنيين، حيث إن أدلة الخيار مقيدة لدليل وجوب الوفاء، فلابد وأن يختص الخيار بمن يجب عليه الوفاء ولا يعم الأجنبي، وهذا التقرير أسد من غيره. وفيه أن وجوب الوفاء إما حكم تكليفي يستفاد منه حكم وضعي هو لزوم العقد، وإما كناية عن لزومه على ما قررنا سابقا في محله، ولا يعقل أن يكون دليل الخيار مقيدا للوجوب التكليفي، فان تقييد الحكم التكليفي بالوضعي مما لا معنى معقول له. (وبعبارة أخرى) إن الاستثناء انما يصح على وجه الحقيقة إذا كان المستثنى داخلا في المستثنى منه، وما هو خارج منه لا يعقل استثناؤه إلا بنحو المجاز والانقطاع، فادلة الخيار مقيدة لما يستفاد من قوله تعالى بطريق الكناية، أو بنحو الاستلزام، لا مقيدة للوجوب التكليفي على فرض، ولا للعنوان المأتي به كناية عن غيره. وبالجملة إن للآية الكريمة على فرض استفادة الحكم التكليفي منه مدلولين: أحدهما مطابقي والآخر استلزامي، ودليل الخيار بمنزلة الاستثناء من الحكم الوضعي، أي اللزوم المستفاد استلزاما من قوله تعالى، لا من الحكم التكليفي المطابقي، وعلى فرض كون كناية عن اللزوم ليس له مدلول واقعي إلا لزوم المعاملة، فكأنه قال: كل عقد من عقودكم لازم واستثنى منه العقد الخياري، سواء كان الخيار للمالك أو لغيره كما لو شرط لغيره ويشهد له قوله عليه السلام: (فإذا افترقا وجب البيع) (1) فانه ظاهر كالصريح في أن الاستثناء من الحكم الوضعي، فكأنه قال: لا يجب البيع قبل الافتراق. بل لقائل أن يقول إنه على فرض كون الاستثناء من وجوب الوفاء تكليفا لا يلزم اختصاص الخيار بالمالك فان وجوب الوفاء بالعقد المتوجه


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 4.

[ 47 ]

إلى المالكين لا يختص بما إذا كان العقد صادرا منهما حقيقة، بل إذا كان العقد متعلقا بما لهما مع رضاهما به فعلا أو بعد المتعلق كما في الفضولي يجب عليهما الوفاء، لا لان العقد صادر منهما حقيقة، ضرورة عدم صدوره منهما، بل لان العقد مجاز أو مرضي به منهما، فكذلك الخيار إذا كان متعلقا بعقدهما، لان العقد المربوط بهما خياري غير واجب العمل في مقابل سلب الخيار مطلقا، فالخيار في عقدهما أو العقد المنسوب اليهما وإن كان للغير لكن موجب لصدق كون العقد خياريا، ولا يجب الوفاء به، فتدبر. و (منها) ان مفاد أدلة الخيار إثبات حق وسلطنة لكل من المتعاقدين على ما انتقل إلى الآخر بعد الفراغ عن تسلطه على ما انتقل إليه. ومحصل ما هو ظاهر كلامه أن الخيار سواء كان حق فسخ العقد أو رد العين اعتبارا إلى ملكه انما يثبت لمن كان قادرا على رد ما انتقل إليه بعد الفسخ خارجا، فان الفسخ أو الرد الاعتباري المستلزم له انما هو لرد ما تعلق به العقد خارجا، فكما أن البيع وإن كان هو النقل الانشائي لكن مع عدم القدرة على تسليم العوضين وتسلمهما مطلقا لا يعده العقلاء عقدا وبيعا، فصحة البيع عند العقلاء موقوفة على إمكان حصول المضمون في الخارج، سواء كان بالتسليم أم بالتسلم، ومع عدم إمكان تحقق واحد منهما والعجز المطلق عنهما لا يكون العقد صحيحا، كذا الخيار انما جعل لمن كان مسلطا على ما انتقل إليه، ومع امتناع الرد وعدم التسلط عليه لا معنى لجعل الخيار له، ولابد وأن تكون هذه السلطنة مفروضة، وإلا فأدلة الخيار لا تثبتها. وتشهد لما ذكرناه من مراده الامثلة التي أوردها، مثل كون المبيع ممن ينعتق عليه ونحوه، فانه مع حصول العتق بمجرد البيع لم يكن لمن ينعتق عليه سلطنة على الرد خارجا،، فلا يكون له الخيار.

[ 48 ]

وعلى ما استظهرنا من كلامه لا يرد عليه بعض الايرادات، نعم يرد عليه بعد الاغماض عن أن عدم صحة جعل الخيار انما هو فيما إذا لم يتسلط على رد عوضه أيضا وثبوت الفرق بين العقد المعتبر فيه قدرة التسلم والتسليم، حيث لا وجه للقول بقيام العوض مقام المبيع، وبين الفسخ الذي هو حل العقد، المستلزم لرجوع العوضين إلى الحال الاول، ومقتضى ذلك رد مال الغير، ومع فقده رد عوضه أن عدم اعتبار الخيار وجعله انما هو فيما إذا لم يمكن رد العوضين مطلقا، وليس المقام كذلك، لان المالكين مسلطان على ذلك، وهو كاف في عدم لغوية جعل الخيار، كما أن قدرة المشتري ولو بوسط على التسلم كافية في صحة البيع عند العقلاء وإن عجز البائع عن التسليم. مضافا إلى أنه ليس ملتزما بما أفاده، فانه لو كان المستفاد من الادلة أن الخيار للقادر على ما انتقل إليه يكون ذلك قيدا في الموضوع، ولازم ذلك أنه لو تلف المبيع لسقط الخيار، لعدم موضوعه، ويظهر منه في بيع من ينعتق على أحدهما ثبوت الخيار، وانما السقوط لاجل الاقدام على الاتلاف، ومع جهلهما بالواقعة لا مانع من ثبوته. ثم إن ما ذكرناه أقرب إلى ظهور كلامه مما وجهه بعض الاعاظم، ومحصله أن المستفاد من أدلة الخيار بمناسبة الحكم والموضوع هو أن المحمول الذي رتب على البيع هو المحمول في الرتبة الثانية من الحمل، وأن الذي أخذ موضوعا للخيار أخذ بعد الفراغ عن مالكيته لالتزام الطرف المقابل، أي بعد كونه قادرا على الاقالة ورد التزام الطرف قادر على اعمال التزام نفسه بابقائه أو إعدامه، فمفاد الادلة اثبات حق الخيار بعد الفراغ عن سلطنته على الاقالة. وفيه مع عدم تطبيقه على مقالة الشيخ الاعظم (قده) أنه

[ 49 ]

دعوى بلا برهان، فأية مناسبة بين قوله عليه السلام: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) (1) وبين القدرة على الاقالة والسلطنة عليها عرفا حتى يدعى أنه المستفاد من الادلة، ولا شبهة في أن طريق الاستفادة من الادلة اللفظية ومناسبات الحكم والموضوع منحصر بالعرف، ولا أظن أن ينقدح في أذهان العقلاء عند سماع قوله عليه السلام: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) الاقالة أو السلطنة عليها حتى بعد الدقة والنظر في المناسبات. ومن ذلك يتضح النظر في دعوى الانصراف إلى من له الاقالة كما ادعاه بعضهم، فانه موكول إلى فهم العرف، ولا شبهة في عدم الانصراف عرفا ولا في غفلة العرف عن الاقالة، فلا وجه لهذه الدعوى. ثم إن القائل بأن المحمول على البيع في المرتبة الثانية من الحمل أوضحه بما هو غير وجيه، فقال ما حاصله: إن المحمولات بعد اتفاقها في تجرد عقد وضع موضوعاتها عنها مختلفة، ففي مثل (زيد موجود) الموضوع هو الماهية المعراة عن الوجود والعدم، وفي مثل (زيد كاتب) الموضوع ما يكون مفروغ الموجودية، وفي مثل (زيد متحرك الاصابع) الموضوع هو الموجود الكاتب، وبهذا يختلف الموضوع في الاستصحاب، فلا بد أن يلاحظ ان العناوين المأخوذة في الموضوعات هل هي من قبيل العلل، كالتغير لعروض النجاسة على الماء، أو من قبيل الوسائط في العروض، أي الموضوع المعنون بهذا العنوان، كالمجتهد الموضوع لجواز التقليد، والتمييز موكول إلى العرف، ولهذا بعد زوال التغير يحكم العرف ببقاء الموضوع بخلاف زوال الاجتهاد، ثم رتب على ذلك دعواه المتقدمة. وفيه أن الموضوع في القضايا المتقدمة ليس إلا زيد، والاختلاف بين المذكورات انما هو بحسب متن الواقع لا بحسب إخبار المخبر، فإذا


(1) الوسائل 1 من ابواب الخيار الحديث 3.

[ 50 ]

لوحظ الواقع لا يكون الوجود عارضا لزيد في الخارج، ولا يكون معروض وعارض خارجي، وعروض الكتابة بحسب الواقع انما هو لزيد الموجود بعد اتصافه بأمور أخر، ككونه قابلا للصنعة وكونه موجدا بارادته للكتابة وغير ذلك من المقدمات، وتحرك الاصابع يعرض له بعد عروض عوارض أخرى، منها الكتابة في بعض الاحيان. ولا يخفي ثبوت الفرق الظاهر بنى الموضوعات المأخوذة في الاخبارات أو المتعلقة للانشاءات وبين ما هو معروض للعوارض بحسب الواقع، فالموضوع فيها قد يكون واحدا وإن اختلف المعروض بحسب الواقع، فقوله: (الانسان موجود) و (الانسان ناطق) و (الانسان ضاحك ومتحرك) إلى غير ذلك يكون الموضوع في جميعها هو الانسان ليس إلا، لا الانسان المجرد عن الوجود والعدم في المثال الاول، إلا أن يراد به الانسان أي نفس الماهية، ولا الانسان مع أوصاف أخر، كما في سائر الامثلة. والاختلاف الواقعي في العروض لا ربط له باختلاف موضوع الاخبار أو متعلق الانشاء، نعم قد تكون الموضوعات مختلفة بحسب الاخبار والانشاء كقوله: (جاء زيد الكاتب) وقوله: (زيد العالم العادل قام) ففي مثل هذه القضايا ينحل الاخبار إلى إخبارات عديدة، فان النسب الناقصة أو الهوهويات الناقصة بعد تمامية الجملة تصير تامة فإذا قال: (زيد العادل جاء) فقد أخبر بمجيئه أولا وبكونه عادلا تبعا، فلو قال العادلان في الاخبار عن مجئ زيد: (جاء زيد المجتهد العادل) يثبت اجتهاده وعدالته، بشهادتهما وإن كان الاخبار تبعا، وإذا قال: (زيد الموجود كاتب) ولم يكن موجودا ولا كاتبا كذب كذبتين، بخلاف ما إذا قال: (زيد كاتب) فانه كذب واحد. ولا ينبغي الخلط بين العوارض الواقعية غير المأخوذة في الموضوع وبين العوارض المأخوذة فيه.

[ 51 ]

وأما بناء جريان الاستصحاب على ما ذكره فخلط بين موضوعات الادلة وموضوع الاستصحاب، فان المعتبر في الاستصحاب اتحاد القضية المتيقنة والمشكوك فيها، فإذا دل دليل اجتهادي على أن الماء المتغير نجس أو أن العادل يجب اكرامه فلا شبهة في أن موضوع الدليل هو الماء المتغير لا الماء، والعالم العادل لا الانسان، فالموضوع معنون بعنوان، ولا يمكن استفادة حكم غير المعنون منه بارجاع مثله إلى أن الموضوع هو الذات، والوصف خارج وعلة بحسب ظهور الدليل وفهم العرف، لكن بعد وجود الماء المتغير والعالم العادل في الخارج يتعلق اليقين بأن هذا الماء الخارجي نجس، وهذا الرجل الموجود واجب الاكرام، فإذا زال التغير والعلم أو العدالة، وشك في بقاء الحكم لاجل الشك في أن الحكم دائر مدار التغير والوصف وجودا وعدما أولا جرى الاصل، لان القضية المتيقنة هي أن هذا الماء الخارجي كان نجسا، وهي عين القضية المشكوك فيها. وتوهم ان المتيقن هو الماء المتغير لا الماء فاسد، ضرورة أن الماء الخارجي أيضا متعلق لليقين، وان شئت قلت: يصح أن يقال إن هذا الماء متغير بالنجاسة، وكل ماء كذلك نجس، فهذا الماء نجس، ومن المعلوم أن الوسط لا يؤخذ في موضوع النتيجة لا عقلا ولا عرفا. ومورد جريان الاصل ما إذا لم يحرز أن العلة منحصرة أو أن العنوان من قبيل الواسطة في العروض، فانه مع هذا الاحراز لا يبقي شك حتى يستصحب، فلا بد في الاجراء من الشك في أن الواسطة هل هي واسطة في العروض أو في الثبوت، وأن العلة هل هي منحصرة أولا، وعدم الجريان مع هذا الاحراز ليس لاجل زوال الموضوع كما قيل، بل لاجل حصول اليقين، وذلك واضح، والتفصيل موكول إلى محله. وقد يقرر كلام الشيخ (قده) بأن الخيار له معنى واحد في جميع

[ 52 ]

الموارد، وذلك هي السلطنة على الاسترداد فقط دون السلطنة على الرد والاسترداد، لان المالك والوكيل المطلق لهما السلطنة على الرد بالاقالة والتفاسخ، فلا معنى لجعل الخيار لهما إلا السلطنة على الاسترداد للزوم اللغوية، بل اجتماع المثلين على ما قيل، وحيث لا يمكن اعمال السلطنة على الاسترداد من دون سلطنة على الرد فلا يمكن جعل الخيار بهذا المعنى لمن لا سلطنة له على الرد، كالوكيل غير المطلق بقسميه. ثم انه بعدما استشكل فيه قال: ان تمحض الخيار في السلطنة على الاسترداد المذكور انما يصح إذا كانت السلطنة على الاقالة من شؤون السلطنة على المال الثابتة بدليل السلطنة من دون حاجة إلى دليل آخر، والا لكان السلطنة على الاقالة والسلطنة على الرد والاسترداد متساويتين في الثبوت في العقد، ومن البين أن شمول دليل السلطنة على المال للسلطنة على الاقالة ليس بذلك الوضوح، فان اعتبار الرد اعتبار ملاحظة اضافة الملكية متعلقة بالغير لا متعلقة بنفسه، فليس عنوانه عنوان السلطنة على ماله، فان رد ماله لا معنى له، بل الرد لابد من أن يتعلق عنوانا بالمال المضاف إلى غيره، فما هو مشمول دليل السلطنة هو التصرف الوارد على المال باعتبار اضافته إلى المالك كالبيع، والتصرف الذي يكون موضوعه المال الملحوظ اضافته إلى غيره كالرد الوارد على المال لم يندرج في دليل السلطنة انتهى ملخصا. أقول: أما كلام الشيخ (قده) فهو وان كان يوهم بدوا أن مراده نحو ما ذكره باعتبار ذكر ما انتقل إلى الآخر، لكن بالتأمل الصادق يظهر أن مراده ما تقدم، ولا وجه لنسبة أمر مخالف لما أفاده في معنى الخيار قبل صحيفتين إليه مع وضوح ورود الاشكال عليه، وأما ما استظهرناه من كلامه فليس الاشكال فيه بذلك الوضوح.

[ 53 ]

وكيف كان يرد عليه أنه ان كان المراد من كون الخيار هو السلطنة على الاسترداد دون الرد أن ماهية الخيار كذلك فهو معلوم الفساد، بل بعد وضوح أن للخيار معنى واحدا في جميع الموارد، ومنها الخيارات في باب النكاح الذي لا يكون فيه السلطنة على الاقالة مطلقا يعلم أن ماهية الخيار ليست سلطنة على الاسترداد فقط، بل لو تنزلنا عما هو التحقيق من كونها حق اصطفاء الفسخ فهي السلطنة على التراد الاعتباري، أي رد كل من العوضين إلى محله. وان كان المراد أن الجاعل للخيار لما رأى أن للمالك ونحوه السلطنة على الرد بالتقايل جعل له السلطنة على الاسترداد فقط حتى يرجع الامر إلى أنه لم يجعل الخيار له، بل جعل له بعض مفاد الخيار، فهو أيضا فاسد، (أما أولا) فلكونه مخالفا لصريح أدلة الخيار، (وأما ثانيا) فلان الادلة غير ناظرة إلى دليل الاقالة، فقوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) (1) لا نظر له إلى حال الاقالة ومن له الاقالة، بل لا يعقل ذلك، (وأما ثالثا) فلانه على فرض تسليم ذلك لا وجه لرفع اليد عن اطلاق (البيعان بالخيار) بل لابد من البناء على أن الجاعل جعل الخيار لمطلق البيعين، ولكن في مورد وجود السلطنة على الرد جعل السلطنة على الاسترداد فقط، ففي الحقيقة يكون الخيار بالمعنى الواقعي لمجري الصيغة ومن لا سلطنة له على الاقالة، وما جعل للمالك ونحوه هو الاسترداد فقط، وهو كما ترى. وإن كان المراد أن الجعل تعلق بالخيار بالمعنى الواقعي أي الرد والاسترداد مطلقا لكن سقط حق الرد ممن له السلطنة على الرد للمزاحمة وعدم امكان الاجتماع ففيه مضافا إلى أن لازمه ثبوت الخيار بمعناه الواقعي


(1) الوسائل 1 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 54 ]

لمجرى الصيغة لفقد المزاحمة أنه يمكن أن يقال: لا مزاحمة بين حق الخيار وحق الاقالة، فان الاول للبيعين بمجرد البيع، فيثبت لهما السلطنة على الرد والاسترداد عند تحققه، والاقالة حق ثابت بدليل السلطنة على المال في الرتبة المتأخرة عن البيع، فان رتبة البيع وهو السبب مقدمة على رتبة الملك وهو المسبب، والحكم المتعلق بالسبب لا مزاحم له في هذه الرتبة، والسلطنة على الاقالة لاتتحقق بعد إشغال الخيار محله. ولو منعنا ذلك أو قلنا بأن الرتب العقلية غير معتبرة في تعلق الاحكام بموضوعاتها فلا وجه لتقدم السلطنة على الاقالة على الخيار، لكون الحكمين متعلقين معا بالموضوع، فلا رجحان لاحدهما على الآخر، لان دليل السلطنة لا ينطبق على الموضوع إلا بعد تحقق الملكية، ومع تحققها يتحقق موضوع الخيار أيضا. فما أفاد القائل بأن تمحض السلطنة على الاسترداد انما يصح لو كان المدرك للاقالة دليل السلطنة غير وجيه، لان شمول دليل السلطنة ودليل الخيار متساويان لو لم نقل بأن دليل الخيار مقدم في الانطباق كما أشرنا إليه. ثم إن ما ذكره المستشكل من أن دليل السلطنة قاصر عن شمول السلطنة على الاقالة بدعوى أن اعتبار الرد اعتبار ملاحظة الملكية متعلقة بالغير لا متعلقة بنفسه، فان رد ماله لا معنى له، فلا يشمله دليلها، لان ما هو المشمول له هو التصرفات المتعلقة بماله لا المضافة إلى مال غيره لا يخلو من غرابة، لان الاقالة لو لم تكن فسخا على ما هو المفروض لكانت ترادا اعتباريا برضا الطرفين، فالبائع يرد ما هو ملكه فعلا إلى ملك المشتري، يرد ما هو ملكه كذلك إلى ملك البائع، فلكل سلطنة على رد ملكه اعتبارا، فالاقالة كالبيع في هذا المعنى، ولا معنى لتعلق السلطنة على الرد الاعتباري بملك الغير، ولو فرض تعلقها بملك الغير برضاه فهو أيضا من شؤون سلطنة

[ 55 ]

الراضي على ماله، كما لا يخفى على المتأمل. هذا كله إن قلنا بأن حق الخيار والاقالة متعلقان بالعين، أي ماهيتهما السلطنة على الرد الاعتباري، وأما إن قلنا بأن ماهيتهما هي السلطنة على الفسخ وحل العقد الذي هو معنى واحد فقد يظهر من بعضهم أنه على فرض عدم إمكان اجتماع المثلين في الاعتباريات لايرد إشكاله في المقام، فان السلطنة على الحل بالتراضي نحو سلطنة غير السلطنة على الحل قهرا، وهما نحوان من السلطنة. وفيه أن نفس السلطنة لا تختلف بحسب المتعلقات، فالسلطنة على الحل في المقامين نحو واحد بحسب نفسها، والحل أيضا واحد غير مختلف فيهما وانما الاختلاف في الرضا والقهر، وهما أمران خارجان عن السلطنة والحل فلو بطل اجتماع المثلين في مثل المقام يكون المورد منه. نعم يمكن أن يقال: إن السلطنة على حل العقد بالخيار سلطنة فعلية لصاحب الخيار، وأما السلطنة على حله بالاقالة فمشروطة بحصول التراضي فلا تكون فعلية قبله، فلا سلطنة حتى يلزم اجتماع المثلين، وبعد تحقق التراضي لما كان المحل مشغولا بحق الخيار لا يعقل تحقق حق الاقالة على هذا الفرض، فتكون الاقالة في مورد لم يكن الخيار محققا، والامر سهل بعد فساد أصل المبنى وعدم امتناع اجتماع حقوق مختلفة على موضوع واحد. وربما يقال بدلالة جملة من أخبار الخيارات على عدم شمولها لمطلق الوكيل (منها) رواية عمر بن يزيد عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا التاجران صدقا بورك لهما، وإذا كذبا وخانا لم يبارك لهما، وهما بالخيار ما لم يفترقا، فان اختلفا

[ 56 ]

فالقول قول رب السلعة أو يتتاركا) (1) بدعوى أن التاجر لا يصدق على مجرى الصيغة، والصدق والكذب والخيانة ليست من شأنه، كالاختلاف والدعوى وتركها، بل لو قلنا بأن الدعوى والترك من مختصات المالك كالبركة وعدمها فلا تنطبق الرواية على غيره. وفيه (أولا) أن التاجر لا يصدق على مطلق البائع ولو كان مالكا لان التجارة من المواد الظاهرة عرفا في الاتخاذ شغلا، ويعتبر فيها المداومة العرفية، فلا يقال للعالم الذي يبيع أحيانا كتابه: إنه تاجر وإن صدق عليه البائع، ففرق بين البائع والتاجر، فالثاني من هو شغله التجارة واتخذها حرفة وعملا له بخلاف الاول، ولازم ذلك عدم ثبوت الخيار للمالك والوكيل المطلق إلا إذا كان شغلهما التجارة. فما قيل من أن التاجر هو البائع متمسكا بقول صاحب القاموس ليس بشئ، فان الظاهر من القاموس أيضا هو ما ذكرناه، فعلى ذلك لا يمكن الالتزام بظاهر الرواية، ولا تصح دعوى كون الموضوع والمورد فيها وفي غيرها واحدا. (وثانيا) أنه في المقام لا يحمل المطلق على المورد الاخص ولو قلنا بحمل المطلق على المقيد في المثبتين، كقوله: (اعتق رقبة) و (اعتق رقبة مؤمنة) فانه في مثله يمكن أن يقال: إن ظهور القيد في القيدية والدخالة أظهر من ظهور المطلق في الاطلاق، وأما في مثل المقام الذي يذكر في الدليل بعض مصاديق المطلق كما في نحو أوف بالعقد وأوف بالصلح فلا مجال لذلك إلا مع الالتزام بمفهوم اللقب. (وبعبارة أخرى) بعد تمامية الحجة في المطلق المنفصل أو العموم كذلك لا يصح رفع اليد عنها بمجرد ورود حكم نحو الحكم المطلق على بعض


(1) الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 6.

[ 57 ]

المصاديق ولم يكن حمل المطلق عليه في مثله عرفيا عقلائيا، فقوله صلى الله عليه وآله (البيعان بالخيار) حجة ظاهرة على الاطلاق مع الغض عن المناقشة في إطلاقه، كما هو المفروض فعلا، وقوله: (التاجران بالخيار) لا ينافيه إلا مع صحة دعوى المفهوم أو دعوى ظهوره في الاستقلال، وهي كما ترى، أما عدم المفهوم فظاهر، وأما بطلان دعوى الاستقلال فلان احتماله لا يكون بمثابة يصح معه رفع اليد عن الحجة، فالاخذ بالاطلاق متعين بعد عدم عرفية هذا الحمل. و (منها) - صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا) (1) بدعوى أن الموضوع فيهما واحد، وموضوع خيار الحيوان هو صاحب الحيوان والوكيل المطلق. وفيها مضافا إلى مخالفة مضمونها للنصوص والفتاوى، فان الخيار في بيع الحيوان للمشتري إلا أن تحمل على مبادلة حيوان بحيوان، وسيأتي الكلام فيه أن المذكور فيها جملتان وحكمان: إحداهما المتبايعان في بيع الحيوان لهما الخيار ثلاثة أيام، وثانيتهما المتبايعان في غير الحيوان بالخيار حتى يفترقا، وإطلاقهما محكم إلا مع ورود المقيد، ولم يرد إلا بالنسبة للجملة الاولى، وأما الثانية فباقية على إطلاقها. و (منها) أن الظاهر من سائر الروايات هو اثبات الخيار لغير الوكيل المذكور، فكذا الحال في خيار المجلس. وفيه بعد تسليم ذلك أنه لا وجه لرفع اليد عن الاطلاق بما ذكر من دون حصول القطع بعدم الاختلاف ولا قيام الدليل على ذلك، وإلا فهو من القياس الذي لم نقل به. وربما يقال إن حكمة الخيار هي الارفاق بالمتعاملين ليترويا، وليس


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب الخيار الحديث 3.

[ 58 ]

من شأن الوكيل في مجرد إجراء الصيغة التروي. وفيه مع أنه تخريص ظني لا يعتنى به في الحكم الشرعي أن الحكمة لا تعمم ولا تخصص، ولا يدور الحكم مدارها وجودا وعدما كما هو ظاهر. فتحصل مما مر أن الوجوه المتقدمة غير تامة، فالوجه الوحيد هو الانصراف عن مثل الوكيل في مجرد العقد لا عن غيره، للغلبة وكون الوكيل في مجرد الصيغة في المعاملات كالبيع وغيره نادرا جدا بحيث تنصرف عنه الاذهان، ويؤيده بعض الوجوه المتقدمة، أي بعضها يكون منشأ للانصراف. وأما غيره مثل الوكيل في إنجاز البيع واتمامه فقط فلا وجه للانصراف عنه فضلا عن الوكيل المطلق، بل لعل الوكيل في إنجاز البيع اكثر وجودا من الوكيل المطلق فلا ينبغي الاشكال في ثبوت هذا الخيار له. ثم انه هل يثبت للموكل مطلقا أولا كذلك أو يثبت له فيما إذا كان الوكيل وكيلا في مجرد العقد دون غيره من سائر الوكلاء أو يثبت له مع حضوره في مجلس العقد؟ وجوه وعمدة المستند للثبوت للموكل مطلقا أو في الجملة هو صدق عنوان البيع عليه حقيقة أو بنحو المجاز الشائع. أقول: أما دعوى كون البيع حقيقة فيه أو كون المشتق حقيقة في المباشر والسبب فلا تخلو من احتمالات. (منها) - ان المشتق الاسمي كاسم الفاعل والفعلي كالفعل الماضي موضوع للجامع بين الصدور المباشري وتسبيب ذلك الصدور الذي يقال له الصدور التسبيبي مسامحة. ولا مجال لهذا الاحتمال في الافعال، فانها مشتملة على معنى حرفي، ولا جامع للمعنى الحرفي، بل لا يعقل أن يكون له جامع بالمعنى الحرفي، نعم يتصور لمعاني الحروف جامع اسمي انتزاعي هو وسيلة لوضع الالفاظ لها بالوضع العام مع كون الموضوع له خاصا، فالقول بالوضع للجامع

[ 59 ]

مساوق للقول باسمية المعاني الحرفية واستعمال الحروف مطلقا في غير ما وضعت لها، وهما كما ترى. وأما المشتق الاسمي فانه وان كان لا مانع من وجود الجامع لمعانيه لكن الجامع البسيط المختص بالمباشر والسبب دون غيرهما مفقود، فان عنوان من صدر منه مختص بالمباشر، وعنوان من صدر منه ومن هو سبب له بهذا المعنى التركيبي خلاف الضرورة، وعنوان من انتسب إليه المبدأ مع أنه حاك عن معنى حرفي ضرورة أن الانتساب بالحمل الشائع من المعاني الحرفية أعم من السبب والمباشر، فانه يقال لمن استدعى من صاحب المال مثلا أن يبيعه من غيره فقبل منه: إن البيع منسوب إليه بنحو من الانتساب، إلى غير ذلك من العناوين. مع أن القول بالوضع للمعنى الاعم ممن صدر منه الفعل وممن هو سبب لصدوره خلاف العرف واللغة وكلمات الاصحاب في المشتقات. و (منها) أن كلا من اسم الفاعل والفعل الماضي مشترك لفظي بين الصدور المباشري والسبب له إما بالوضع فيهما، وإما بالوضع في أحدهما وكثرة الاستعمال إلى بلوغ الحقيقة في الآخر. وهذا وان كان لا مانع منه عقلا لكنه يرد عليه مع مخالفته للواقع وكلمات اللغويين والاصحاب أنه لابد في مقام افادتهما بلفظ واحد اما من استعماله في أكثر من معنى واحد، أو استعماله في الجامع بينهما، أما الاستعمال في الجامع ففي الفعلي بالمعنى الحرفي غير معقول، لعدم تعقل الجامع كذلك وفي الاسمي المحذور المتقدم، مع أنه يحتاج إلى القرينة، وأما استعمال اللفظ في الاكثر فعلى فرض امكانه لا يحمل الكلام عليه الا مع القرينة المفقودة في المقام، فلو لم يكن قرينة لتعيين أحدهما أيضا يصير الكلام مجملا، لكن ثبوت الخيار للمالك المباشر للعقد ضروري ومتيقن من

[ 60 ]

الاخبار، فالاستعمال في الفاعل المباشر كالمالك المباشر ثابت، وأما في غيره فلم يثبت، فلا دليل بحسب الاخبار على ثبوته للمالك غير المباشر. وما ربما يقال: من أن الوكيل في اجراء الصيغة كلسان الموكل وأنه آلة له، بل يظهر من بعضهم أن ذلك من الافعال التوليدية قد عرفت سابقا ما فيه من النظر، وأن الفاعل المختار الذي يصدر الفعل منه بارادته واختياره لا يكون آلة أو كلسان لغيره، كما أن المقام ليس من قبيل الافعال التوليدية كما هو واضح بل ولا يكون معنى للسببية في المقام، فان التوكيل الصادر من الموكل ليس سببا لوجود البيع، بل السبب له هو الوكيل، والموكل ليس سببا قريبا ولا بعيدا، الا أن يتسامح في اطلاق السبب عليه، مع أن الامر في الاسباب الحقيقية والعلل الواقعية ليس كذلك، فان الفعل مستند حقيقة إلى المباشر، وانما ينسب إلى سببه بعلاقة السببية لا بنحو الحقيقة. فما في كلام بعض أهل التحقيق من أن قيام البيع بالفاعل صدوري والصدور قابل لان يكون مصدره وموجده متعددا طولا، فالمباشر موجد بلا وسط، والسبب موجد بالتسبيب حقيقة، والنسبة حقيقية على أي حال واضح الضعف، فان نسبة الفعل إلى السبب لا يعقل أن تكون حقيقة، وسبب الصدور من المباشر غير الصدور تسبيبا، واختلاف التعبير موجب للخلط، فالسبب سبب لصدور الفعل من غيره، واستناد الصدور إليه مجاز بلا اشكال. فتحصل من جميع ذلك أنه لا يمكن استفادة ثبوت الخيار للموكل، من أدلة خيار المجلس لا من اطلاقها، فانه فرع الوضع للجامع، وهو باطل، ولا من وضع المشتق فيها المعنين، لعدم ثبوته، بل الثابت عدمه واحتياجه إلى الدلالة والقرينة على فرض الثبوت.

[ 61 ]

ومن ذلك يظهر الكلام فيما إذا قلنا بأن الاستعمال في السبب مجاز شائع، ولعله مراد الشيخ الاعظم (قده) حيث قال: نسبة الفعل إلى الموكلين شائعة، فان الشيوع ان صار إلى حد لا حاجة معه إلى القرينة فالكلام فيه كالسابق، لانه يرجع إلى الوضع التعيني، والا فعلى مذهبهم في المجازات لابد في مقام الافادة للمباشر والسبب بلفظ واحد من استعماله إما في أكثر من معنى واحد وإما في معنى انتزاعي جامع بينهما، فلابد من قرينة وهي مفقودة. وأما على المبنى المنصور في المجاز من كون الاستعمال فيه في المعنى الحقيقي، وكون التطبيق على غير الموضوع له ادعاء، عكس ما حكي عن السكاكي فلا يلزم الاستعمال في الكثير، ولا يحتاج إلى الجامع، لكنه لا يصار إليه الا بالقرينة. ومن ذلك يظهر النظر في كلام بعض الاعاظم (قده) حيث تشبث في الثبوت للموكل بمجرد صحة الانتساب مستشهدا بالآيات الشريفة التي ورد في بعضها انتساب التوفي إلى الله تعالى، وفي بعضها إلى ملك الموت، وفي بعضها إلى أعوانه، فان صحة الانتساب لا اشكال فيها، لكن الاستعمال أعم من الحقيقة، والصحة لاتدل على الوقوع في المقام كما عرفت. (وأما) ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) لاثبات الخيار للموكل من أن المستفاد من أدلة سائر الخيارات وخيار الحيوان المقرون بهذا الخيار في بعض النصوص كون الخيار حقا لصاحب المال شرعا ارفاقا له وان ثبوته للوكيل لكونه نائبا عنه يستلزم ثبوته للمنوب عنه (ففيه) أنه ان كان المقصود أنه يعلم من كونه ارفاقا ثبوته لغير من دلت الادلة على ثبوته له أو سراية الحكم مما دلت عليه إلى غيره فهو في غاية الاشكال، لعدم دليل على ان الارفاق علة لثبوته في كل مورد يقتضي الارفاق وان لم يقم

[ 62 ]

دليل على ثبوته. (وبعبارة أخرى) لا دليل على أن الارفاق علة لحدوث الخيار بل غاية الامر حصول الظن بأن حكمة الجعل هي الارفاق، والحكمة لا تخصص ولا تعمم. وإن كان المقصود أن كونه للارفاق قرينة على أن البيع استعمل فيما وضع له وغيره أو استعمل مجازا في معنى عام ينطبق على الوكيل والموكل والبيع وغيره فهو أيضا غير وجيه، فأية قرينة لامر تخريصي لذلك بحيث تكون موافقة لفهم العرف من اللفظ. وأما قوله: (ثبوته للوكيل لكونه نائبا عنه) الخ. فان كان المراد منه ان ثبوته للوكيل بتبع ثبوته للموكل فهو واضح النظر، لان ثبوته له باعتبار صدق العنوان عليه، فكيف يدعى أن الثبوت أولا للموكل مع عدم الدليل عليه. وإن كان المراد ان ثبوته للوكيل النائب عنه مستلزم لثبوته للموكل والمنوب عنه بطريق أولي فهو قياس ظني لانقول به، وتوهم انه من الاستلزامات العرفية فاسد. فتحصل من جميع ذلك ان الخيار ثابت للمتبايعين، أي المتصديين لاجراء العقد، غاية الامر انصرافه عمن تصدى لمجرد الصيغة، ولا يثبت للموكل مطلقا، ولازم ذلك عدم خيار المجلس في مورد الوكالة لمجرد إجراء الصيغة لا للوكيل ولا للموكل، وثبوته لسائر الوكلاء لا لموكليهم. ثم إنه على فرض الثبوت للموكل فهل يعتبر حضوره في مجلس العقد مطلقا، أو لا كذلك، أو يعتبر فيما إذا كان الوكيل وكيلا في مجرد إجراء الصيغة دون غيره؟ وجوه، أقواها عدم الاعتبار مطلقا. أما اعتبار الحضور في المجلس بما هو مجلس البيع فلا ينبغي الاشكال

[ 63 ]

في عدمه، لعدم إشارة في الاخبار على كثرتها إليه، فالموضوع هو البيعان ما لم يفترقا أو المجتمعان على ما يأتي الكلام فيه. (وأما القول) باعتبار الحضور والاجتماع للمعاملة بدعوى أن مجرد اجتماعهما البدني من دون مساس له بالمعاملة غير مقصود من الادلة كما أن حضورهما في مجلس العقد كحضور الاجنبي عنها ليس مقصودا أيضا، بل لابد وأن يكون اجتماعهما على المعاملة، فالاجتماع المقوم لموضوع الخيار اجتماع البيعين بما هما بيعان على المعاملة بدنا بحيث تنشأ عن اجتماعهما (ففيه) أن ما هو موضوع الخيار هو الذي يدل عليه الدليل، وهي الكبرى المعروفة (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) وما يستفاد منها هو ثبوت الخيار للبيعين المجتمعين أو غير المفترقين على ما يأتي الكلام فيه، وبصدق هذا العنوان على شخص يثبت الخيار له، واحتمال قيد زائد يدفع بالاطلاق. نعم لا شبهة في اعتبار اجتماعهما حال حدوث البيع، ولا أثر للاجتماع السابق ولا اللاحق، وأما الحضور عند العاقد أو عقده فلا دليل على اعتباره. وتوهم أنه لو لم يكن الموكلان حاضرين عند المعاملة ومجتمعين عليها بحيث يكونان مشرفين عليها وناظرين لها لكانا أجنبيين عنها فاسد، فان الموكل والسبب على تعبيرهم لا يكون اجنبيا عن المعاملة، حضر في مجلسها أو لم يحضر، ولهذا صدق عليها البيع على الفرض، لمجرد السببية لا للنظارة والحضور عند المعاملة أو عند المتعاملين. نعم الوكيلان لابد وأن يكونا مجتمعين على المعاملة، لا لاعتباره في موضوع الحكم بل لتوقف تحققه عليه، فالبيع لا يتحقق إلا باتفاقهما على ايجاده وانشائه كما لا يتحقق إلا بعد حصول مقدماته التصورية والتصديقية، وهو غير الاعتبار في موضوع الخيار شرعا.

[ 64 ]

وبالجملة المتعاقدان الوكيلان لا يثبت لهما الخيار إلا مع اجتماعهما بدنا وإيجادهما البيع حال الاجتماع. وأما الموكلان السببان فصدق البيع عليهما يتوقف على ايجاد وكيليهما البيع، وثبوت الخيار لهما يتوقف على تحقق البيع حال اجتماعهما البدني ولو كانا في بلد غير بلد العاقد. بل اعتبار الاجتماع على المعاملة ينافي ثبوت الخيار لهما، فان الحضور في مجلس العقد ليس اجتماعا على المعاملة، لان الاجتماع عليها ليس إلا ايجاد المعاملة ايجابا وقبولا، فالاجنبي الحاضر في مجلس المعاملة الناظر لها ليس مجتمعا عليها، فالمجتمعان على المعاملة انما هما العاقدان فقط، والاجنبي أجنبي عنها وغير مجتمع معهما عليها، وأما الموكل فهو وان لم يكن بأجنبي عنها لانه موكل وسبب على تعبيرهم لكنه غير مجتمع معهما عليها، والخلط بين ما يعتبر في موضوع الخيار شرعا وما يتوقف عليه الموضوع في تحققه أوجب ذلك. فتحصل مما ذكر أن المعتبر في الموكلين اجتماعهما بدنا حال إجراء الوكيلين العقد، كانا في مجلس العقد وناظرين له أم لا، كل ذلك لاطلاق الادلة وعدم الدليل على الاعتبار. وأما القول بعدم اعتبار اجتماع الموكلين بدعوى أن اجتماع الوكيلين نازل منزلته، أو بدعوى أن ثبوت الخيار للموكل لجهة أخرى غير شمول نصوص المقام له، فما هو المعتبر في الثبوت بحسبها لا يعتبر في الثبوت للموكلين فغير مرضي، إذ الثبوت بدليل آخر فاسد قد عرفت بعض الكلام فيه، وكونهما وجودا تنزيليا لا وجه له رأسا، بل الوجود التنزيلي في النيابة أيضا لا أصل له، وفي المقام لو كان الوكيل وكيلا في مجرد العقد لم ينسب العقد إليه على مبناهم حتى يتوهم فيه ذلك، ولو كان مستقلا

[ 65 ]

فلا إشكال في عدم تنزيل نفسه مقام الموكل في المعاملات، ولا تكون أدلة الوكالة مقتضية لذلك لو لم نقل إن ماهية الوكالة تنافي التنزيل، ولا دليل آخر على تنزيله منزلته في المقام ولا في غيره من موارد الوكالة. وأما ما أفاده بعضهم من الفرق بين المواد التي لها قيام صدوري وبين ما لها قيام حلولي وجعل الاولى من قبيل الحقائق في السبب والمسبب دون الثانية فمع كونه غير مربوط بدعوى المدعي واضح الضعف بالنسبة إلى السبب والمسبب والعلة وعلة العلة، مضافا إلى بطلان توهم العلية والسببية في المقام كما تقدم. ثم إنه على هذا المبنى قد يتحقق في عقد واحد الخيار لاشخاص من طرف واحد أو من الطرفين، فهل يثبت لكل من الاشخاص الذين في طرف واحد خيار مستقل كالثابت للمشتري والبائع في سائر المعاملات، ولازمه حل العقد بفسخ أحدهم ولزومه بابرامه بناء على المبنى المزيف من كون الخيار ملك إبرام العقد وازالته، وسقوطهما بمقارنة فسخ أحدهم لابرام الآخر، وتقديم الفسخ على الابرام على هذا المبنى لا وجه له، وعلى المذهب المنصور يرجع الابرام إلى اسقاط حقه، ويؤثر الفسخ لا من باب التقديم، ولا تأثير للمتأخر لا فسخا ولا إبراما. أو يثبت خيار واحد لمجموع من في الطرف الواحد، ولازمه عدم تأثير الفسخ أو الابرام إلا مع اجتماعهم عليه، نظير ما يقال في إرث الخيار من ثبوته للورثة مجموعا. أو يثبت لطبيعي البيع بلا قيد، ولازمه الثبوت لكل من كان بيعا بالحمل الشائع، لا لان الطبيعي واحد بوحدة عمومية سريانية كما يقول من لا ينبغي صدوره منه، ضرورة عدم العموم والسريان في الطبيعي لا ذاتا ولا بجعله مرآة للكثرة، أما الاول فلان الطبيعي عبارة عن نفس الطبيعة

[ 66 ]

بلا قيد، فالانسان هو نفس الطبيعة لا هي بخصوصياتها ولا خصوصياتها وأما الثاني فلعدم تعقل مرآتية الطبيعي المعقول لغير نفس الماهية من الافراد والخصوصيات حتى الافراد الذاتية له، لان الطبيعي واحد، ولا يعقل أن يكون الواحد مرآة للكثير، واللفظ هو الموضوع للطبيعي كلفظ الانسان في الطبائع الواقعية، والبيع والبيع في باب الاعتباريات والعناوين الاعتبارية الصادقة على الاشخاص بما هي موصوفة بها لا يعقل أن يكون حاكيا عن غير ما وضع له إلا بدال آخر كالقرينة. أو يثبت لصرف الوجود على اصطلاح الاصولي أي أول الوجود، ولازمه ثبوت خيار واحد لمجموع الوكيل والموكل، لان صرف الوجود وناقض العدم يصدق على المتقدم من وجودات الطبيعة إذا كان لها وجودات مترتبة، ولا يمكن أن يكون المتأخر عنه مصداقا له، وعلى مجموع الوجودات المتعددة إذا كانت معا، فان المجموع حينئذ مصداق واحد لهذا العنوان والمقام من هذا القبيل، فان صدق البيع عليهم في عرض واحد، والتقدم والتأخر الرتبي لا دخل لهما في الصدق فحينئذ يكون الفسخ الوكيل فقط بلا أثر كفسخ الموكل، ولابد في التأثير من اجتماعهما عليه؟ ومما ذكرنا يظهر النظر في كلام بعض أهل التحقيق (قده). هذا بحسب مقام الثبوت. وأما بحسب دلالة الدليل فقوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) (1) لا يعقل أن يكون دالا على ثبوت خيار مستقل لكل من البائع والمشتري في البيوع التي يوجدها الاصليان وللمجموع أو صرف الوجود في الطرف الذي يكون ذو الخيار فيه أكثر من واحد كالمقام، ضرورة عدم إمكان الجمع بينهما في الدلالة، وحيث إن البيع لا يدل إلا على نفس الطبيعة، والدلالة


(1) الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 67 ]

على غيرها تحتاج إلى القرينة، فمع فقدها يحمل على المعنى الحقيقي، وهو نفس الطبيعة، فبثبوته لها يكون لكل مصداق منها خيار مستقل، فان الطبيعة في الخارج عين كل مصداق، فالبائع والبيع صادق بتمام المعنى على كل من أوجد البيع، فما ثبت للطبيعة يثبت لكل فرد كما في قوله تعالى: (أحل الله البيع) فان (1) (البيع) فيه نفس الطبيعة، والحلية إذا ثبتت لها صارت كأنها لازمة الطبيعة تشريعا، فكل موجود وجد وكان عين الطبيعة تثبت له الحلية، وكذا الحال في ثبوت الخيار، وهذا بحسب ظهور اللفظ. وأما سائر الاحتمالات فتحتاج إلى قيود، كقيد مجموع الافراد، أو صرف وجود الطبيعة، أو الطبيعة مع قيد الوحدة، وكلها تدفع بالاطلاق من غير فرق بين القول بأن البيع صادق على البائع والمشتري بنحو الحقيقة أو بأنه يطلق البيعان عليهما تغليبا. وعلى هذا الفرض فمع اجتماع الجميع هل العبرة بتفرق الموكلين، أو الوكيلين أو التفرق في الجملة ولو بخروج واحد منهم عن المجلس، أو بتفرق الكل فيكفي في بقائه بقاء أصيل مع وكيل الآخر، أو العبرة في السقوط عن الوكيلين بتفرقهما وعن الموكلين بتفرقهما، فلا يكفي في بقائه بقاء أصيل مع وكيل الآخر، كما لا يكفي تفرق الوكيلين للسقوط عن الموكلين وبالعكس؟ وجوه تختلف بحسب المباني المتقدمة، وبحسب ما في روايات الباب من الاحتمالات. فان قلنا بأن الخيار ثابت لعنوان البيعين المجتمعين أولهما إذا اجتمعا أو حين اجتمعا، وأن اللزوم ثابت لعنوان ثبوتي آخر، وهو البيعان المفترقان بناء على كون الافتراق ثبوتيا، فيثبت بحسب الاخبار حكمان


(1) سورة البقرة: 2 الاية 275.

[ 68 ]

لامرين ثبوتيين. فعلى القول بثبوت الخيار لصرف الوجود يكون الاعتبار في ثبوت الخيار باجتماع الصرف، وفي وجوب البيع بافتراقه، فمع اجتماع الجميع يثبت الخيار، ومع تفرقهم يلزم البيع، ومع التفرق في الجملة يقع التعارض بين الصدر والذيل، فان صرف الوجود باق مع اجتماع ما ويتحقق التفرق مع افتراق ما، وهما حاصلان، فمقتضى الصدر ثبوت الخيار للصرف، ومقتضى الذيل ثبوت اللزوم للبيع بنحو الاطلاق. وعلى القول بثبوت خيار واحد للمجموع فمع تفرق ما يسقط الخيار ويثبت اللزوم، لارتفاع المجموع بما هو بعدم واحد منهم، وحصول التفرق كذلك. وعلى القول بثبوته لكل واحد مستقلا وان كل بيع له الخيار، سواء كان في طرف واحد أو في طرفين، فمع حصول تفرق ما بافتراق واحد منهم يكون مقتضى الصدر ثبوت الخيار للباقين في الجملة أو مطلقا على احتمالين يأتي الاشارة اليهما، ومقتضى الذيل لزوم العقد، لان مقتضى ثبوت الخيار لكل واحد مجتمع مع الطرف الآخر أو في حال الاجتماع معه ثبوته إلى زمان التفرق، ثبت لغيره أم لا، ومقتضى الذيل لزوم البيع بتفرق كل من ثبت له الخيار، لحصوله بافتراق واحد منهم، ومع التعارض هل يعمل على طبق أخبار التعارض بدعوى شمولها لمثله أو يكون المرجع إطلاق (أوفوا بالعقود) أو استصحاب الخيار وعدم اللزوم؟ فيه كلام طويل يأتي انشاء الله في محله. ومما ذكر يظهر الحال فيما إذا قلنا بأن الخيار ثابت لعنوان البيعين غير المفترقين، واللزوم لعنوان المفترقين، أو أحدهما لعنوان المجتمعين والآخر لغير المجتمعين، هذا كله على فرض القول بثبوت حكمين أحدهما

[ 69 ]

الخيار والثاني اللزوم. وأما إن قلنا بأن الخيار ثابت لعنوان الاجتماع، أو لعنوان اللا افتراق أو للبيعين ما لم يفترقا، ولم يكن حكم آخر لعنوان آخر، من وجوب البيع أو غيره، بل انتفاء الخيار مع حصول الافتراق لاجل انتفاء موضوعه لا لاجل حكم مخالف مجعول فيرجع الامر إلى أن البيعين بالخيار مع اجتماعهما ولازم ارتفاع الاجتماع عدم الخيار، لعدم موضوعه، فحينئذ إن قلنا بثبوته لصرف الوجود، فمع بقائه ولو ببقاء شخصين بقي الخيار، لعدم ارتفاع موضوعه وإن حصل الافتراق في الجملة، ولا حكم آخر يعارض الصدر، وإن قلنا بثبوته للمجموع فمع تفرق ما ارتفع الموضوع، وإن قلنا بثبوته لكل واحد منهم مستقلا سقط الخيار عن المفارق وبقي لغيره. ثم على القول بثبوت الخيار لكل بيع مستقلا فهل المعتبر في السقوط عن الوكيلين تفرقهما وفي الثبوت عدمه وكذا الحال في الموكلين، فكل يلاحظ مع عدله، أو المعتبر تفرق الكل، فلو بقي وكيل وأصيل بقي خيارهما وان سقط عن غيرهما؟ منشأ الاحتمالين دعوى انصراف قوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) الخ إلى البيعين العدلين وانكارها، وليس الانصراف ببعيد. هذا كله بحسب الثبوت، وقد عرفت دلالة الاخبار على ثبوت الخيار لنفس عنوان البيعين، ولازمه ثبوته لكل واحد مستقلا. وأما أن الادلة متكفلة لحكمين أو لحكم واحد فلا ينبغي الاشكال في أن المستفاد منها أنها بصدد اثبات الخيار فقط، لا لزوم البيع، فان أكثر أخبار الباب لم تتعرض لحكم آخر غير الخيار، فقوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار حتى يفترقا) (1) ظاهر في أن الخيار ثابت للبيعين إلى


(1) الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 70 ]

حال الافتراق، وانتفاء الخيار بعده عقلي بانتفاء موضوعه، لا شرعي ضرورة تعرضها لغاية خيار المجلس، وليس مفادها سلب الخيار مطلقا. (وبعبارة أخرى) إنها دالة على ثبوت خيار المجلس إلى غاية، ويستفاد منها سلب هذا الخيار عند حصول الغاية، وهو حكم عقلي لا يعقل تخلل جعل شرعي فيه، وليس ذلك من باب المفهوم، إذ لابد فيه أن يكون الثابت سنخ الحكم لا شخصه أو حكما خاصا، كما أنه لابد من إحراز كون الغاية غاية للخيار لا قيدا للموضوع. وبعضها وإن كان متعرضا لما بعد الغاية، وفيه: (فإذا افترقا فلا خيار) (1) إلا أنه من الواضح أن المراد منه نفي خصوص الخيار الثابت قبل الغاية أي خيار المجلس، وهذا أيضا، ليس حكما شرعيا، بل بيان لما يحكم به العقل، أي ارتفاع الحكم بتحقق غايته. وأما ما فيه قوله عليه السلام: (فإذا افترقا وجب البيع) (2) فلا يعقل أن يكون الحكم فيه بوجوب البيع مفهوما لقوله عليه السلام: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) ضرورة أن المفهوم رفع ما ذكر في المنطوق وهو سلب الخيار مع الافتراق لا ثبوت الوجوب، فلابد وأن يكون كناية عن سلب الخيار المذكور في المنطوق، فيطابق سائر الروايات، أو يكون المراد بيان لازم عدم الخيار، ومن المعلوم أن لازم عدم الخيار الخاص ليس لزوم البيع مطلقا، بل اللزوم الحيثي، أي اللزوم من حيث هذا الجواز الخياري، وهو يرجع إلى سقوط خياره. والشاهد على عدم المفهوم عدم معهودية معاملة التعارض بين هذه الاخبار وسائر الروايات الواردة في سائر الخيارات، كخيار الحيوان وغيره مع أن النسبة بين المفهوم والمنطوق منهما عموم من وجه كما هو ظاهر،


(1) و (2) الوسائل الباب - 1 من ابواب الخيار الحديث 3 - 4.

[ 71 ]

والسر فيه عدم انقداح التعارض، لعدم المفهوم للغاية هنا، إما لكونها قيدا للموضوع، أو غاية لخصوص خيار المجلس. مضافا إلى أن لزوم العقد مع عدم الخيار مفروغ عنه بالكتاب وغيره، وروايات الخيارات تكون بصدد بيان المقيدات لادلة اللزوم، مثل قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) لا بصدد بيان حكم نفس العقود. ثم إن الظاهر من الاخبار على كثرتها أن الخيار ثابت للبيعين إلى حال الافتراق، ولا ذكر فيها للاجتماع، وحملها على ذلك - لان الافتراق لا يعقل إلا مع الاجتماع غير وجيه، للفرق بين ما أخذ في موضوع الحكم شرعا وبين ما لا يتحقق الغاية إلا به عقلا، فالخيار بحسب الادلة ثابت للبيعين حتى يفترقا، لا للمجتمعين، ولا يصح رفع اليد عنها إذا كان بين العنوانين اختلاف حكمي في بعض الاحيان، وقد تقدم الفرق بين الحكم على عنوان مع قيد وجودي وغيره. فتحصل من جميع ما مر أن أخبار الباب متكفلة لاثبات حكم واحد وهو الخيار للمتبايعين حتى يفترقا، ومع افتراقهما ينتفي الخيار، لانتفاء موضوعه أو لحصول غايته، ومع كون الخيار لطبيعي البيعين القابل للتكثر كما مر لابد وأن يلاحظ الافتراق واللا افتراق بالنسبة إلى كل مستقلا، ومع انصراف البيعين إلى العدلين يعتبر في سقوط الخيار عن الوكيلين تفرقهما، لا تفرق الموكلين وبالعكس. وقد يقال: لو كان الوكيلان مفوضين مستقلين يكفي عدم تفرقهما لثبوته للموكلين ولو لم يجتمعا أصلا، لان البائع في الحقيقة هو الموكل فان البيع كسائر المشتقات كقوله باع فلان داره موضوع لمن انتقل عنه المال، وهو المالك، وانما يثبت الخيار للوكيل لانه بدن تنزيلي للموكل


(1) سورة المائدة: 5 الاية 1.

[ 72 ]

وليس للوكيل حق في عرض موكله، وانما حقه من شؤون حقه ومن حيث إنه نازل منزلته، فإذا كان البائع هو المالك وكان اجتماع الوكيلين بمنزلة اجتماع المالكين فلا يعتبر حضور المالك أصلا، ثم رتب عليه بعض المسائل الآتية. وفيه محال أنظار: (منها) دعوى كون البائع وسائر المشتقات موضوعة لمن انتقل عنه المال، فانها واضح الضعف، ضرورة ان هيئات المشتقات موضوعة لانحاء التقلبات في موادها، لا في غيرها، فالضارب موضوع لعنوان بسيط ينحل إلى الصادر منه الضرب، والبائع لمن صدر منه البيع، لا من انتقل عنه المال، ومن صدر منه البيع أي المبادلة بين المالين هو الوكيل لا الموكل، وانما يقال للموكل: باع داره لضرب من التأويل والتجوز. وبالجملة إن كان المدعى أن قانون الاشتقاق في مشتقات البيع يخالف سائر المشتقات فهو كما ترى، وان كان أنه موافق لها فلازمه أن يكون البائع حقيقة فيمن صدر منه البيع والمبادلة، مع أنه لو كان موضوعا لمن انتقل عنه المال لكان الصلح والهبة المعوضة بيعا. و (منها) دعوى كون الوكيل بدنا تنزيليا للموكل، ولقد أشرنا سابقا إلى عدم دليل من عرف ولا من شرع على ذلك، فان الوكالة عرفا وشرعا تفويض أمر إلى غيره ليعمل حال حياته، وليس في العرف لتنزيل بدن منزلة بدن اسم ولا رسم، وكذا في الشرع، فأين هذا التنزيل المرتب عليه أحكام شرعية في المقام وغيره. و (منها) أنه لو كان الوكيل بدنا تنزيليا والموكل هو البائع حقيقة لكان حمل البائع على الوكيل مجازا، فلا تحمل الادلة إلا على الحقيقة، ولازمه عدم ثبوت الخيار إلا للموكل.

[ 73 ]

و (منها) أن لازم كون الوكيل في صدق البيع عليه تبعا لموكله تبعيته له في الاجتماع البدني أيضا، فاجتماع الموكلين كاف لثبوته للوكيلين وإن لم (يجتمعا)؟ اصلا لا اجتماع الوكيلين، ولو كان التنزيل يوجب التعاكس فلا مجال للتفكيك بين صدق البيع وتحقق الاجتماع، بل لابد من القول بكفاية اجتماع كل من الوكيلين والموكلين لثبوته للآخر، فما دام الموكلان مجتمعين بقي خيار الوكيلين أيضا، فما وجه هذا التفكيك في صدق البيع وصدق الاجتماع. ثم إن هذا الخيار هل هو قابل للنقل إلى غيره بصلح ونحوه أولا؟ الظاهر صحة النقل ولو إلى أجنبي، سواء قلنا بأن من هو الثابت له هو البيعان بلا قيد، وأن الخيار أيضا غير مقيد بالغاية، وانما هي بيان لرافع الخيار لا مقيدة له، وذلك لان الحق على هذا مطلق، فلصاحبه نقله قبل تحقق رافعه ما لم يثبت مانع عنه كما أن له إسقاطه على ما هو حكم الحقوق عند العقلاء، نعم هذا الحق يرتفع بتفرق من نقله إذا كان ذلك رافعا له مطلقا. لكن هذا الاحتمال فاسد، إذ لازمه ثبوت الخيار للبيعين المفترقين حال العقد وعدم سقوطه إلا بمسقط آخر، وكون الافتراق مسقطا له إذا كان البيعان مجتمعين حاله، وهو باطل مخالف لظاهر الادلة. أو قلنا بأن الغاية قيد للمتبايعين، لا للخيار، وأن الظاهر أن المتبايعين ما لم يفترقا لهما الخيار بلا قيد، وذلك لان الحق على هذا ثابت لهما قبل الافتراق، ولا قيد للحق، فلهما نقله كما أن لهما إسقاطه، ومعه يثبت للمنقول إليه الخيار بلا قيد، وتفرق من نقله لا أثر له، لان النقل حصل قبل رفع الموضوع، ورفع ما كان موضوعا في السابق لا تأثير له لرفع الحكم المنقول. (إن قلت): إن الحكم إذا ثبت لعنوان البيعين المجتمعين أو غير المفترقين

[ 74 ]

بما هو فلا يصح نقله، كما لو جعل سكنى دار لامام مسجد، فكما لا يجوز للامام أن ينقل ذلك إلى غيره لكون السكنى للعنوان لا للشخص فكذا المقام (قلت): إن الظاهر من تعلق الحكم بكل طبيعة أو عنوان أن المتعلق نفس الطبيعة وطبيعي العنوان، بحيث يتكثر بتكثر المصاديق، ويثبت الحكم لها باتحادها مع الطبيعي خارجا فيكون كل فرد ذا حكم مستقل، إلا أن تقوم قرينة على أن الحق أو الحكم مجعول للعنوان بما هو عنوان كالمثال المذكور، فان القرينة قائمة على أن السكنى مجعولة لحيثية الامامة لا لشخص الامام ولا لطبيعته، ولهذا لا ينقل ولا يورث، وحيث لا قرينة في المقام فالخيار ثابت لطبيعي البيعين غير المفترقين، ويتكثر بتكثر الافراد، ويثبت للاشخاص خارجا. أم قلنا بأن الغاية قيد للخيار فللمتبايعين خيار مغيا بغاية، وهي تفرقهما، وذلك لانه على هذا يكون لهما قبل التفرق الخيار المحدود والحق المقيد بتفرقهما، فلهما نقل هذا الحق المحدود، فيثبت للمنقول إليه الخيار المحدود إلى زمان تفرق المتبايعين، فإذا تفرقا سقط حقهما. (فان قلت): إن هذا الحق لما كان مغيا بافتراق ذي الخيار عن مثله فلا يعقل انتقاله إلى غيره، لان ثبوته بلا غاية غير صحيح، وإلى تفرق المنقول إليه لا معنى له، وإلى تفرق من نقله خلاف ظاهر النص، لان ظاهره استمراره إلى افتراق ذي الحق عن طرفه، وليس له حق حتى يمتد إلى افتراقه. (قلت): الخيار ثابت إلى افتراق من نقله عن طرفه، وظاهر النص بعد كون الغاية للخيار أنه ثابت لنفس المتبايعين، ولا يعقل أن يكون ثابتا لهما بما أنهما ذو الخيار، وظاهر الغاية أن الخيار الثابت للموضوع مستمر إلى حدها، ورجوع الضمير إلى غير ذات المتبايعين خلاف الظاهر

[ 75 ]

جدا، ففرق بين كون ما هو المرجع موردا للخيار وبين كونه مقيدا به حتى يختص التفرق بذي الحق. (نعم) التفرق يوجب سقوطه عمن هو ثابت له حال التفرق، فهو ثابت للمتبايعين بلا قيد ومستمر لهما إلى تفرقهما، فتقيده بكونه من ذي الخيار خلاف ما هو ظاهر الدليل، فلهما نقله، وبتفرقهما يسقط حق المنقول إليه، لتحقق غايته. ومما ذكرنا يتضح ثبوت إرثه ونقله قهرا، أما على إطلاق حق الخيار فظاهر، وأما على كون الخيار مغيا بتفرق المتبايعين. فلان هذا لايمنع من كونه موروثا، وذلك لانه إن قلنا بأن الاعتبار في الاجتماع والافتراق لبدنهما وأن بدن الميتين بدن المتبايعين وأنه لا يعتبر الاختيار والحياة في تفرق البدن فالارث المحدود ثابت للوارث إلى حال تفرق البدنين. فما قيل من أن التفرق معتبر بين الانسانين، وهما جمادان مدفوع بضرورة حكم العرف بأنهما بدنا انسانين متبايعين، ولو تفوه بالجمادية وسلب الربط لما يقال من إن شيئية الشئ بصورته فهو بنظر فلسفي دقيق خلاف نظر العرف الذي هو المعيار في مثل المقام. (وإن قلنا) بانصراف الدليل إلى تفرق الحيين أو بأن المعتبر هو التفرق بالاختيار فاللازم انتقال الحق المحدود إلى الوارث، وامتناع تحقق الغاية لا يوجب عدم توريث المغيا، بل موجب لعدم سقوط الحق إلا بمسقطات أخر، كما لو حدث للمتبايعين بعد البيع حادث ألصقهما، بحيث امتنع تفرقهما، فهو لا يوجب سقوط الخيار حتى يكون امتناع التفرق بعد ثبوت الخيار من مسقطاته، فالبائع مات عن حق محدود قابل للنقل، وهذا معنى ترك الحق وتوريثه، فالتوريث وصيرورة الغاية ممتنعة في عرض واحد، فتدبر جيدا. هذا حال الوكيلين.

[ 76 ]

وأما الفضوليان فلا إشكال في صدق البيعين عليهما لا لما أفاد الشيخ (قده) من أن النقل العرفي متحقق بناءا على إرادة النقل الواقعي، فان بطلان الفضولي بمعنى عدم النقل العقلائي وعدم صيرورة المبيع للمشتري والثمن للبائع واضح عند العرف نوعا، ولهذا يرون الاحتياج إلى الاجازة. بل لما أشرنا إليه كرارا من أن ماهية البيع عبارة عن المبادلة الانشائية التي يمكن إنشاؤها، دون الانتقال الواقعي الذي متقوم باعتبار العقلاء، ضرورة أن اعتبارهم ليس تحت اختيار الغير، ولا يكون قابلا للانشاء، فانه أمر تكويني ولو كان ارتكازيا غير متوجه إليه تفصيلا، فالفضولي والاصيل انما ينشئان النقل الذي تحت اختيارهما، أي التبادل، لا الانتقال الواقعي الذي يتقوم باعتبار العقلاء، وهذا الامر الانشائي قد يكون موضوعا لاعتبار النقل العقلائي الواقعي، كما في الاصيلين، وقد لا يكون إلا بعد لحوق شئ له كالاجازة في الفضولي، لكن مع ذلك لا يثبت لهما الخيار قبل لحوق الاجازة، لا لفحوى ما ذكر في الوكيل في مجرد العقد، لان الوجوه المذكورة هناك غير تامة كما عرفت. بل لان مصب أخبار جعل الخيار انما هو بعد الفراغ عن صحة البيع ولزومه، فالبيع الباطل فعلا وغير اللازم ذاتا غير مشمول لها. وقد أشرنا سابقا إلى أن أدلة الخيار مقيدة لدليل اللزوم، فالظاهر من قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) بناء على أنه كناية عن اللزوم هو أن كل عقد لازم، وأن تمام موضوع اللزوم في كل مصداق هو العقد، فاطلاقه يقتضي عدم الخيار مطلقا، وأدلة الخيارات مقيدة له. وحيث إن البيع الفضولي قبل الاجازة لا صحة له ولا لزوم، فلا خيار فيه، ضرورة عدم صحة جعله للباطل غير اللازم، وأما بعد الاجازة فلا مانع


(1) سورة المائدة: 5 الاية 1.

[ 77 ]

من ثبوته فيه للفضوليين، إلا أن يقال بالانصراف عنهما. (إن قلت): إن المتفاهم من أدلة الخيار أنه حادث بحدوث عنوان البيعين، والفرض بطلان ذلك، وأما بعد الاجازة فلا دليل على ثبوته، لقصور الادلة عن إثبات لحوقه فيما بعد الحدوث. (قلت) مضافا إلى أن الحكم المعلق على عنوان يثبت له من حين حدوثه إن لم يمنع عنه مانع، وإلا فمن حين ارتفاعه: والبيعان إنما لم يثبت لهما الخيار قبل الاجازة لكون عدم الصحة واللزوم مانعا عنه أو لانه مع عدمهما لا مقتضى للثبوت، وإذا صح ولزم فلا مانع من ثبوته، ولا دليل على اقتصار الثبوت على ما إذا حدث بحدوثه: إنه إذا كان البيعان في البيع الصحيح هو الموضوع للخيار كان تحقق هذا العنوان وحدوثه في بيع الفضولي بعد الاجازة، فالبيعان قبلها ليس موضوعا، وبالاجازة يتحقق الموضوع فلا إشكال من هذه الناحية، هذا على النقل. وأما على الكشف بأقسامه فالموضوع متحقق من حين حدوث البيع لثبوت الصحة واللزوم من حين العقد بحسب الواقع ولو بتعبد من الشارع في الكشف التعبدي، إلا أن يقال فيه: إن التعبد بترتيب آثار الصحة واللزوم قاصر عن إثبات كونهما بيعين في العقد الصحيح اللازم، ولم يدل دليل على أن العقد كذلك. ولو كان العقد بين أصيل وفضولي فهل يثبت الخيار للاصيل بناءا على النقل، بدعوى أن العقد لازم من قبله وليس له فسخه وإن لم يكن صحيحا فعليا أو لا، لمنع لزومه على ما تقدم في محله، ومنع عدم اعتبار الصحة، لانها أيضا مفروغ عنها في أدلة الخيار؟ الاوجه هو الثاني هذا كله على مبنى القوم في ماهية البيع من كونها مركبة من الايجاب والقبول،

[ 78 ]

وأن كلا من الفضوليين موجد لجزء منها كالموجب والقابل في بيع الاصيلين. وأما على ما ذكرناه في محله من أن تمام ماهية البيع عبارة عن مبادلة مال بمال أو تمليك عين بعوض إنشاء، وأن الانتقال الواقعي ليس دخيلا في الماهية، وأن الموجب يوجد بايجابه تمام ماهيته، وقبول القابل لا دخل له في تحققها، وانما هو دخيل في موضوع حكم الشارع والعقلاء في انتقال العوضين ولزوم العمل بالعقد، فيكون قبول الفضولي لغوا بلا أثر فانه غير دخيل في تحقق ماهيته، وكذا في ترتب الاثر، لان إجازة المجيز للبيع المحقق بايجاب الموجب موضوع الاثر، سواء قبل الفضولي أم لا، بل الاجازة هي القبول في الحقيقة، كما أن القبول اللاحق بالايجاب في الاصيل هو الاجازة، لان البائع فضولي في ايجابه بالنسبة إلى المشتري، فالبائع أصيل وفضولي، والقبول إجازة كاجازة الفضولي، وجواز الفصل بين الايجاب والقبول كالاجازة والعقد في الفضولي لا إشكال فيه بحسب القواعد إلا أن يدل دليل تعبدي على عدمه. وعلى هذا لا يكون الفضولي القابل أحد البيعين، بل أحدهما هو الفضولي الموجب، والآخر هو المجيز للشراء، فلو اجتمع الاصيلان والفضوليان في مجلس يثبت الخيار للفضولي البائع وللمجيز للشراء، دون صاحب السلعة والقابل الفضولي، لان الاول ليس ببائع، والثاني ليس بمشتر ولا بأحد البيعين، ومن ذلك يعلم اعتبار اجتماع الفضولي البائع والمجيز للشراء في ثبوت الخيار لهما. هذا كله مع الغض عن انصراف أدلة الخيار عن الفضولي، وأما بناء على انصرافها عنه كما هو الظاهر، فلا يثبت لهما الخيار، لا قبل الاجازة ولا بعدها، كما لا يثبت للمالكين، فانهما ليسا ببائعين، واجازتهما لا تكفي

[ 79 ]

لصدق العنوان عليهما، وهو واضح. ومما تقدم يظهر النظر في كلام الشيخ الاعظم (قده) من أن الاجازة من المجيز التزام بالعقد، فلا خيار بعدها، لما عرفت من أن الاجازة هي قبول ما أوجده البائع الموجب، وبها يتحقق النقل، ويثبت الخيار على القول به، بل ولعله من المستحيل أن يكون ما يترتب عليه الخيار مسقطا له، بل على ما ذكره أيضا لا تكون الاجازة التي تصحح البيع ويترتب عليها الخيار مسقطا له إلا بدال آخر. مسألة: لو كان العاقد واحدا كالولي والوكيل من البائع والمشتري على وجه يثبت له الخيار مع التعدد فهل يثبت له كما هو المحكي عن المشهور أو لا كما عن جمع من المتأخرين؟ وجهان. وربما يستدل للثاني بأنه قد وقع الحكم بالخيار في الاخبار على صيغة التثنية مقرونة بالافتراق، وشرطهما التعدد. أقول: أما صيغة التثنية وهي قوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) فبحسب الوضع والدلالة في المقام لا تدل إلا على تعدد عنوان البائع والمشتري، فان لفظ البائع بمادته وهيئته يدل على الصادر منه البيع بنحو من البساطة القابلة للتحليل، والتثنية في المقام بحسب التغليب تدل على اثنينية طبيعة البائع، فيتعلق الحكم بحسب الجد بطبيعة البائع وطبيعة المشتري، وإن اتحدا في الخارج وهما البيعان بحسب الدعوى والاستعمال. وأما تعدد المصداق الخارجي فخارج عن مدلول اللفظ بعد عدم الوضع للاشخاص، وليس (البيعان) نظير (زيدين) أو (شمسين) فان

[ 80 ]

الثاني بعد التغليب يدل على شخصين خارجيين بخلاف (البيعين) وعنوان البائع والمشتري الدال عليه اللفظ كما هو صادق على شخصين إذا صدر منهما الايجاب والقبول صادق على الواحد مع صدورهما منه، ومع الصدق يكون شخصه بوحدته شخص البائع والمشتري وبدنه بدنهما، فان ذلك مقتضى صدق العناوين على الموضوعات، فإذا كان شخص مصداقا للعالم والعادل يكون بدنه بوحدته بدن العالم وبدن العادل باعتبارين وبحسب الصدقين، فدعوى دلالة التثنية على التعدد بحسب الاشخاص في غير محلها، وتعدد العناوين لا يقتضي تعدد الاشخاص. وأما قضية الاقتران بالافتراق وهي العمدة في المقام فلابد في تحقيقها من بيان محتملات الروايات بعد إلغاء ما هو خلاف الظاهر منها، مثل احتمال أن الموضوع للخيار البيعان المجتمعان. فنقول: أما قوله عليه السلام: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) (1) فيحتمل أن يكون (ما لم يفترقا) قيدا للموضوع بنحو السلب البسيط عن الموضوع المحقق، فان السلب الاعم من سلب الموضوع لا يعقل في المقام الذي ثبت فيه الخيار، وهو أمر ثبوتي له، فلا محالة يكون الموضوع مفروغا عنه، فالبيعان المتحققان مسلوبا عنهما الافتراق لهما الخيار، فالقضية المفروضة قضية سالبة بسلب المحمول، وهي صادقة على الواحد ذي العنوانين، كما هي صادقة على المتعدد، فالبيعان أي عنوان البائع والمشتري المسلوب عنهما الافتراق بدنا صادق عليه، وإلا لصدق مقابله وهو ثبوت الافتراق، وهو محال، وعلى هذا الفرض ليس حكم آخر متعلقا بموضوع آخر، وليس شئ يدل على أن السلب عن موضوع قابل للافتراق، لان المقابلة مقابلة الايجاب والسلب، وهي لا تقتضي ذلك كاقتضاء العدم والملكة.


(1) الوسائل الباب - 1 من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 81 ]

فما أفاد بعض أهل التحقيق (قده) من أن السالبة وإن لم تتوقف على وجود الموضوع إلا أن الظاهر من مجموع الاخبار أنها بصدد إثبات أمر واحد، ومن البديهي أن الموجبة تحتاج إلى وجوده، فيعلم أن السالبة بسلب المحمول منظور فيه، لانه مضافا إلى أن السالبة في المقام لا يعقل أن تكون بسلب الموضوع، فان الموضوع هو البيعان لا بدنهما، والسلب بسلبه يوجب إثبات الخيار للمعدوم لو كان الموضوع بدن البيعين لكان السلب أيضا بسلب المحمول، ولا يثبت ما رامه، لما عرفت من أن بدن العاقد الواحد بدن البائع والمشتري، لانه لازم صدق العنوانين عليه عقلا وعرفا، ولا يلزم في صدق السالبة مع وجود الموضوع تحقق البدنين لمفروضية كون التقابل بين الافتراق وسلبه تقابل الايجاب والسلب لا العدم والملكة، واللازم صدق سلب تفرق بدنهما، وهو كذلك وإلا لصدق نقيضه، وهو ممتنع، فامتناع تفرق بدنهما مستلزم لوجوب نقيضه، وهو سلبه. مضافا إلى أن الحكم لما كان على العناوين الكلية كان بدن البيعين كنفس عنوانهما عنوانين صادقين على المصداق الواحد، فالموجود الخارجي مجمع العنوانين، والبدنان مجتمعان في البدن الواحد الخارجي، وهو من جهة بدن البائع ومن جهة أخرى بدن المشتري، وعدم افتراقهما كعدم افتراق بدنين ملصقين، والاجتماع في نظائره اجتماع اتحاد لا وحدة، وإلا لا يعقل سلب أحدهما مع بقاء الآخر ضرورة، فمع اجتماع العالم والعادل في شخص يكون بدنه بدنهما، ومع سلب العدالة يبقى بدن العالم ويخرج الخارج عن كونه بدن العادل، وهذا حكم العناوين المنطبقة على المصاديق، نعم قد يتفق كون صدق العناوين على موضوع بجهة واحدة، كصرف الوجود على بعض الاصطلاحات.

[ 82 ]

فتحصل مما مر أن القائل بعدم الخيار له إما قائل بظهور البيعين في تعدد الشخصين والبدنين، أو قائل بأن التفرق وسلبه متقابلان تقابل العدم والملكة، أو قائل بأن الموضوع للسالبة بدن البيعين، ولا بدن لهما مع الوحدة أو قائل بأن الموضوع في سلب الافتراق بدنان. وقد عرفت ما فيها، بل لو دل دليل على أن الخيار ثابت مع سلب افتراق بدن البائع عن بدن المشتري يكون السلب صادقا، لما عرفت من أن البدن الواحد بدن البائع وبدن المشتري، وهما مجتمعان فيه، ولهذا لو أمر المولى باطعام كل بائع وإكساء كل مشتر لوجب في المقام إطعامه وإكساؤه. ودعوى ظهور جملة الكلام في التعدد والانفصال خارجا بلا بينة، لعدم دلالة لجملة الكلام، إلا أن يدعى الانصراف، وعهدتها على مدعيها. (إن قلت): إن الالفاظ الموضوعة لنفس الطبائع لاتدل إلا عليها والدلالة على الاصناف والاشخاص تحتاج إلى دوال أخر، فإذا لحق بها ما يدل على الاستغراق كالجمع المحلى يدل ذلك على تكثر المدخول فردا لا صنفا ونوعا، كما قلنا في قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) إن الجمع يدل على كل مصداق من العقد لا على نوع منه. (وبعبارة أخرى) إنه بعد امتناع تكرر الواحد وتكثره بما هو لابد أن يكون التكثر إما باعتبار كثرة الانواع أو الاصناف أو باعتبار كثرة الافراد، والظاهر هو الاخير، لانه تكثر نفس الطبيعة، وغيره يحتاج إلى تقييد، وكذا الحال في علامة التثنية اللاحقة للطبائع، فانها أيضا دالة على التكثر الفردي لا النوعي والصنفي، فالانسانان صادق مصداقين من صنفين أو من صنف واحد، وكذا العالمان وغيرهما. والظاهر من التكثر الفردي بحسب فهم العرف هو الكثرة الخارجية


(1) سورة المائدة: 5 الاية 1.

[ 83 ]

لا كثرة العنوان أو الكثرة الاعتبارية، ولهذا لو أمر باكرام عالمين يجب عليه إكرام شخصين، ولا يكفي إكرام شخص ذي عنوانين، بخلاف ما لو قال: (أكرم العالم) ثم قال: (أكرم الهاشمي) فان إكرام مجمع العنوانين كاف، هذا أصل والاصل الآخر انه في التغليب في المقام كغيره، نحو الشمسين والقمرين يكون لحوق علامة التثنية بعد دعوى المتكلم أن الموضوعين أو الشخصين من طبيعة واحدة، ففي مثل (شمسين) ادعى أن القمر شمس وليس في الفلك مثلا إلا الشمس ثم ألحق بالواحد الادعائي علامة المثنى، وفي المقام ادعي أن المشتري بائع وليس غير البائع عنوان، ثم ألحق بالعنوان الواحد علامة المثنى، ولازمه صدق البايعين على فردين خارجيين من البائع فقط، أو من المشتري فقط، أو فرد من البائع وفرد من المشتري، لكن قامت القرينة على إرادة الاخير، فتمت الدلالة على التكثر الخارجي المنفصل. (قلت): بعد تسليم المقدمة الاولى تكون الثانية مخدوشة، فان القرينة العرفية قائمة على أن المراد بالتثنية البائع والمشتري، أي نفس طبيعتهما، وإرادة الفرد تحتاج إلى القرينة، ومع عدمها يحمل الكلام على ذلك، ولهذا لا ينقدح في ذهن العرف أن البايعين والمشتريين مصداق للبايعين، وانما الحمل على غيرهما لاجل القرينة (وبالجملة) لا يفهم من تلك الجملة إلا ما يفهم من قوله: (البائع والمشتري بالخيار) وقد عرفت حال قوله صلى الله عليه وآله: (ما لم يفترقا). وأما المغياة بقوله صلى الله عليه وآله: (حتى يفترقا) فقد يقال بأن الافتراق معنى متقوم باثنين، وعنوان المفترق والمفترق عنه لا يجتمعان في واحد، والقضية الايجابية تستدعي وجود الموضوع، والظاهر من مجموع الروايات انها بصدد إثبات أمر واحد، فيعلم أنها أيضا كالموجبة، فيعتبر

[ 84 ]

فيها وجود الموضوع. أقول: إن الاستفادة من قوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار حتى يفترقا) بالاستناد إلى أن الموجبة تحتاج إلى وجود الموضوع مبنية على أن الغاية دخيلة في استمرار الخيار وداخلة في المغيا، وهو واضح البطلان وأما إذا كانت غاية بمعنى انقطاع الحكم بها، وأن الخيار مستمر إلى ما قبلها وهي عدم الافتراق فلا حكم ايجابي يحتاج إلى وجود الموضوع، والغاية في أمثال المقام من هذا القبيل فقوله تعالى: (كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط) الخ (1) يدل على أن المراد هو جوازهما في الليل مستمرا إلى زواله، أي ما لم يتبين الخيط الابيض، لا أن تبينه أيضا دخيل حتى يحكم بعدم جواز الاكل في الليل إذا كان المكلف في محل فرض عدم تحقق النهار فيه أبدا. (وبالجملة) تدل تلك الغايات على سقوط الحكم عندها، والحكم ثابت إلى انتهاء زمان مقابلاتها، فالمتفاهم من الرواية أن الخيار ثابت ما لم يتحقق الغاية، لا إلى زمان حصولها. هذا مع الغض عن سائر الروايات، وإلا فالامر أوضح، فان قوله عليه السلام في بعضها: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار) (2) بمنزلة التفسير للرواية المتقدمة المروية عن النبي صلى الله عليه وآله، وهو ظاهر الدلالة بان الخيار ثابت ما لم يفترقا، والافتراق رافع للخيار، وكذا الحال في بعض آخر حيث قال عليه السلام: (فإذا افترقا وجب البيع) (3) لما عرفت من أنه كناية عن سقوط الخيار، فتدل تلك الروايات على أن الغاية في النبوي لرفع الحكم وعدم الخيار (فتحصل) مما ذكر أن قول المشهور بثبوت الخيار لا يخلو من قوة. ثم على فرض تسليم دلالة الروايات على ما قيل، فالظاهر عدم صحة


(1) سورة البقرة: 2 الاية 187. (2) و (3) الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 3 - 4.

[ 85 ]

التفصيل بين المقام وبين ما إذا فرض رأسان على بدن واحد بحيث يكون كل غير الآخر وما إذا فرض البدنان ملصقين بحيث لا يمكن انفصالهما، فان الظاهر من القضية بعد التسليم أن الحكم ثابت للمتبايعين إذا أمكن افتراقهما من غير فرق بين الامكان الذاتي والوقوعي، فلا يكفي مجرد الاثنينية مع امتناع التفرق، بل لا يبعد أن يقال: إن الملازمين بحيث لا يمكنهما التفرق لعارض كالحبس أبدا في مجلس العقد أيضا كذلك. ثم على فرض التوقف في استفادة حكم الموضوع من الاخبار فالمرجع أدلة لزوم البيع، فمراد الشيخ (قده) من التوقف لعله التوقف في الاستفادة لا في حكم الموضوع. مسألة: استثني عن ثبوت الخيار بعض أشخاص المبيع (منها) من ينعتق على أحد المتبايعين، وقد نسب إلى المشهور عدم الحيار فيه، بل قيل إنه موضع وفاق، وعن الدروس احتمال ثبوته للبائع. والظاهر عدم الكلام في أن لا خيار بالنسبة إلى نفس العين، وأما بالنسبة إلى القيمة فقد يقال بعدمه أيضا، لعدم صدق البيعين، لعدم الشراء حقيقة في العمودين، بل هو صورة شراء واستنقاذ من البائع، نظير شراء المسلم الاسير من الكافر، فالاستثناء منقطع. وفيه منع عدم الصدق، لما تقدم كرارا من أن ماهية البيع ليست إلا المبادلة الانشائية بين المالين، سواء حصل الانتقال حقيقة أم لا، كالبيع الفضولي، فالعمودان مال قبل الانعتاق وتعلق البيع، واشترائهما اشتراء حقيقة، وعدم تملكهما بعد البيع على القول به لا يخرج الشراء عن حقيقته

[ 86 ]

ولا إشكال في حصول الجد في الشراء، لاختلاف الاغراض الموجبة له بحسب الموارد، بل قد مر منا في بعض المباحث أن اشتراء الحشرات المؤذية لغرض إفنائها ودفعها عن الزرع ونحوه اشتراء عقلائي يصدق عليه الاشتراء حقيقة، ويتحقق الجد فيه واقعا. وقد يقال بانصراف أدلة الخيارات إلى حال وجود العوضين، فإذا تلف أحدهما أو كلاهما فلا خيار، والمقام من التلف الشرعي، لامتناع رجوع الحر رقا، فعليه لا يكون الخيارات مطلقا مع التلف، وهذا وإن لم يكن بذلك البعد لكن لا تطمئن به النفس. وقد يقال بامتناع تحقق الفسخ مع التلف، فان الفسخ إرجاع العوضين إلى محلهما قبل البيع، ولا يعقل إرجاع المعدوم، كما لا يعقل بيع المعدوم، والمنعتق وإن لم يكن معدوما لكنه بحكمه، لانه لا يمكن إرجاعه تحقيقا إلى محله، ولا إرجاعه إلى ملك المشتري لينتقل منه إلى البائع تحقيقا لحقيقة الفسخ. وقد يجاب عنه بأن العود تحقيقا انما يوجب عود الحر رقا إذا كان موجبا لعود المبيع بعينه، لا بماليته المنحفظة بعينه تارة وببدله أخرى، والقائل بالخيار حتى مع التلف لابد وأن يقول بالعود بماليته لا بشخصه، ومختصر القول فيه أن القرار المعاملي المرتبط بقرار آخر لا يستقل بالتحصل إلا بلحاظ ما تعلق به القرار، ولا يعقل بقاء القرار مع عدم بقاء متعلقه، بنحو من الاعتبار، ولا يعقل اعتبار الحل إلا مع اعتبار بقاء العقد، فحينئذ إن كان اعتبار الحل مطلقا وشاملا لصورة تلف العين فلابد من اعتبار بقاء العقد بين العينين بما هما مالان لا بما هما عينان، فمع بقاء العين تعود بشخصيتها وماليتها، ومع عدمه تعود بماليتها، والمالية بما هي مالية لا بما هي متقومة بعين خاصة لا تلف لها، وعود المالية إلى الفاسخ عين ملك البدل انتهى.

[ 87 ]

وهو لا يخلو من غرابة، ضرورة أن عدم بقاء العقد إلا ببقاء متعلقه لا يوجب الالتزام بما هو فاسد عقلا وعرفا، لانه (إن كان) المراد من بقائه بما هما مالان أن العقد بعد تلف العين التي هي متعلقه تعلق بأمر آخر في وجوده البقائي فهو واضح الامتناع (وإن كان) المراد أنه تعلق في حدوثه بهوية المتعلق وماليته باقية بعد تلف الهوية فان رجع إلى التزام مالية كلية فيكون المتعلق هوية جزئية ومالية كلية فهو محال مع انشاء واحد، والانحلال إلى بيعين أفسد، مع أنه كر إلى ما فر، وإن رجع إلى المتعلق بالعين بماليتها أي بما هي مال فمع تلف العين لا يعقل بقاء ماليتها (وإن كان) المراد التعلق بمالية العين لا بنفسها فهو أفسد، مع أنها تتلف بتلف العين (وإن كان) المراد التعلق بمالية باقية فيرجع إلى أن المبيع كلي والعين الخارجية ليست مبيعا، وهو ظاهر الفساد. فقوله: (بما هما مالان) الظاهر في أن المتعلق مالية باقية لا عين ظاهر في الاحتمال الاخير، ولعله أفسد الاحتمالات، فان بقاء المالية المتحققة في العين غير معقول، والمالية الباقية كلية لا جزئية، والمالية المتحققة فيها جزئية لا بقاء لها بعدها. والانصاف أن تلك التخرصات خارجة عن الاعتبارات العقلائية والموازين العقلية، وتصورات محضة لا واقعية لها، ولا إشكال في أن الالتزام بعدم الخيار أولى من ذلك. والتحقيق في المقام أن بقاء العقد ببقاء متعلقه ليس كبقاء الاعراض الخارجية ببقاء متعلقاتها، فان الاعراض بما أنها موجودات واقعية تحتاج إلى الجواهر، فتكون في الحدوث والبقاء تابعة لها، وأما العقد والبيع وسائر الامور الاعتبارية فلا إشكال في أن تحصلها تبع لوجود الاطراف، لكن لا يكون بقاؤها الاعتباري تبعا لبقاء الاطراف، بل ما هو الباقي في

[ 88 ]

اعتبار العقلاء العقد المتعلق بالعين في ظرف حدوثه لا بنحو التقييد بالزمان حتى يلزم المحذور، بل بنحو الظرفية، فلا يلزم أن يكون الفسخ من الاصل، والباقي اعتبارا وإن احتاج إلى المتعلق لكن لا يلزم وجود المتعلق في كل زمان، بل وجوده في زمان الحدوث كاف لاعتبار البقاء. وما ذكرناه هو الموافق لاعتبار العقلاء، فانهم مع علمهم جزما بأن المبيع هو الفرس مثلا، ولا ينقدح في ذهنهم أن الفرس بما هو مال أو بماليته مبيع، فضلا عن توهم كون المتعلق مالية باقية بعد تلفه، أو هو بمالية باقية بعد تلفه يرون أن القرار المعاملي باق، فيرون أن العقد المتعلق بالفرس قابل للفسخ بعد تلفه، فالبقاء منسوب إلى العقد الحادث في زمان وجود المتعلق، وهو أمر لا يعرض له التلف، والبقاء الاعتباري لا يحتاج إلى أزيد من ذلك، والعمدة أنه موافق لنظر العرف، وغير مخالف للعقل والشرع. ثم إن الفسخ عبارة عن حل عقدة البيع، وقد تقدم مرارا أن ماهية البيع التي هي في جميع الموارد معنى واحد، وحقيقة فاردة عبارة عن مبادلة إنشائية، وهي موضوع اعتبار العقلاء، ويختلف اعتبارهم بعد وحدة حقيقته بحسب اختلاف الموارد، من مبادلة الاصيلين مالهما، ومبادلة الفضولي والوكيلين، وبيع الكلي، وبيع الوقف، وبيع الحاكم الاعيان الزكوية، ومبادلتها مع حاكم آخر بأعيان زكوية أخرى، ففي جميع تلك الموارد وغيرها ماهية البيع أمر واحد: هو تبديل شئ بالعوض إنشاء، مع أن اعتبارات العقلاء مختلفة، ففي بعضها يكون الاعتبار انتقال العوضين إلى ملك المتعاملين، وفي بعضها إلى ملك الموكلين، وفي بعضها لا ينتقل إلى ملك أحد، كثمن الوقف العام بل الخاص على وجه قوي، وفي بعضها لا ينتقل العوضان إلى ملك أحد، ولا يخرجان من ملك أحد، كمبادلة الاجناس

[ 89 ]

الزكوية التي هي تحت تصرف الواليين، فالعقد واحد والاحكام العقلائية مختلفة، والفسخ ليس إلا هدم العقد وحله، لا إرجاع المثمن إلى ملك البائع، والثمن إلى ملك المشتري، فان ذلك غير مفهوم الفسخ ومعناه. نعم حل العقد الانشائي له أحكام مختلفة بحسب اختلاف الموارد، كاختلاف أحكام البيع بحسبها، فقد يكون الحكم العقلائي رجوع العين والثمن إلى ملك البائع والمشتري، وقد يكون رفع مالكية المشتري للمبيع، كما في بيع الكلي، فيسقط بالفسخ عن ذمة البائع من غير أن يصير ملكا له وقد يكون العود إلى الوقف إلى غير ذلك. ومن الاحكام العقلائية بعد الفسخ الرجوع إلى البدل بعد فقد العين من غير أن يقدر التالف ملكا للمشتري، مع أن تقدير المبيع وفرضه والملك الفرضي لا يفيدان شيئا، لان مقتضى الفسخ إن كان تلقى المبيع من المشتري فلا إشكال في أن ما وقع عليه العقد هو المبيع الحقيقي لا الفرضي وتلقيه منه غير معقول، وقد عرفت حال التعلق بالمالية وأنه غير معقول. والتحقيق أن الرجوع إلى البدل حكم عقلائي للفسخ عند فقد المبدل وليس مقتضى الفسخ إلا حل العقد والمعاملة الانشائية التي هي البيع من غير دخالة للانتقال في ماهيته، فإذا لم يكن ماهيته إلا ذلك فلا يعقل أن يكون الفسخ غير حله، فالانتقال حكم عقلائي عند وجود المبيع، والانتقال إلى البدل أيضا حكم عقلائي. فتحصل من جميع ما مر أن العقد المتعلق بالعوضين باق، وأن تحصله بهما حال وجودهما، واعتبار (النقاء)؟ لا يحتاج إلى بقائهما، فالباقي هو العقد المتعلق بهما في ظرف وجودهما، وأن الفسخ حل البيع الانشائي، ومع فقد العوضين أو أحدهما يرجع إلى البدل بحسب الحكم العقلائي، فثبوت الخيار في التالف حقيقة أو شرعا كما في المقام لا محذور فيه، وعليه

[ 90 ]

فاللازم الاخذ باطلاق أدلة الخيار. ولا يجوز رفع اليد عنه بعد عدم المحذور فيه، وأما على ما بنوا عليه فاللازم منه تقييد الاطلاق عقلا لعدم معقولية تحقق الفسخ، وما ذكروه في تصوره غير معقول، أو غير واقع، فتدبر جيدا. (وأما) ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) بعد فرض كون الملك فيمن ينعتق عليه تقديريا لا تحقيقيا من أن الخيار لا وجه له، لان المتبايعين أقدما على إتلاف العين وإخراجها عن المالية مع علمهما بالواقعة. (ففيه) أنه إن كانت الدعوى أن البيع سبب للانعتاق فايجاد السبب إخراج للشئ من المالية وإتلاف للموضوع، فتندفع بأن ما يتصور بدوا في المقام بعد فرض إنشاء المتعاملين البيع كسائر الموارد أمور: (منها) أن إنشاء البيع بتصرف من الشارع الاعظم ينقلب إلى إنشاء العتق. ولا يخفى امتناعه إن كان المراد الانقلاب حقيقة، كما لا وجه للانقلاب التعبدي، ولا دليل عليه، مع ان لازمهما عدم الخيار، لا لما ذكره، بل لعدم البيع حقيقة أو تعبدا. و (منها) أنه جعل البيع سببا للانعتاق، فما هو سبب عرفا للنقل سبب شرعا للعتق، وعلى هذا الاقدام على المبايعة إقدام على ايجاد سبب التلف، والمتبايعان أتلفا المبيع وأقدما عليه، فمع علمهما يسقط الخيار، بل لا يثبت رأسا. وفيه مضافا إلى عدم تحقق السببية وعدم إمكانها في الاعتباريات، لان مقتضى السببية بعد جعلها ترتب المسبب عليه قهرا ترتب المعلول على علته، والحرية كغيرها من الاعتباريات متقومة بالاعتبار العقلائي أو الشرعي وما كان كذلك لا يعقل تحققه إلا بما هو من مبادئ اعتباره، ولا يعقل سببية البيع لذلك أنه لا دليل على ذلك، بل الظاهر من الادلة خلافه،

[ 91 ]

فان الظاهر منها أنه بعد صيرورة العمودين ملكا ينعتقان، وقد تقدم أن حصول الملكية الحقيقية ليس بسبب البيع، بل هي من الاحكام العقلائية المترتبة عليه. و (منها) أن بيع العمودين ونحوهما موضوع لحكم شرعي هو الانعتاق، وهذا لا مانع منه عقلا لو دل عليه دليل، فيكون المحصل منه أن الشارع لم يتصرف في ماهية البيع، ولا في الانشائي منه، ولا في الحكم العقلائي المرتب عليه من صيرورة الثمن ملكا للبائع والمثمن للمشتري، فان التصرف في اعتبارهم خارج عن نطاق التشريع، بل حكم بالانعتاق، وخالف العرف في ذلك، فلم يصر المبيع بحكمه ملكا للبائع، بل صار منعتقا، فالخلاف مع العرف في خصوص ذلك. ومن الواضح أنه على هذا الفرض المعقول لا يكون المتبايعان سببا للانعتاق بوجه من الوجوه، فان ما هو فعلهما هو إيجاد البيع إنشاء بايجابه وقبوله، وأما ترتب الحكم العقلائي أو الشرعي عليه فليس في اختيارهم ووسعهم، وايجاد موضوع الحكم غير ايجاد سببه، فالبيع صادق عليهما، والثمن منتقل إلى البائع عرفا وشرعا، والمثمن منتقل إلى المشتري عرفا لا شرعا بناء على عدم حصول الملك ولو في آن، فلا إشكال في لزوم الاخذ باطلاق دليل الخيار. وأما ما قد يقال من أن البيع الكذاني مع علمهما بالواقعة التزام بالعقد وإسقاط للخيار أو دافع له فغير مرضي إلا على القول بأن الخيار متعلق بالعين، ومع تلفها يسقط بسقوط موضوعه، وهو كما ترى، وعليه لا منافاة بين الخيار وتلف المبيع بفعل الشرع أو بفعل أجنبي، والاخبار الواردة في خيار الحيوان الحاكمة بسقوطه بالتصرف قاصرة عن شمول المقام، كما لا يخفى.

[ 92 ]

(إن قلت): لا إشكال في أن أدلة الخيارات مقيدة لادلة لزوم البيع، فيكون اللزوم في نفسه مفروغا عنه، فبناء على انتزاع الاحكام الوضعية عن التكليفية يكون اللزوم منتزعا عن وجوب الوفاء بالعقد، ومعنى وجوب الوفاء هو وجوب العمل على طبق مفاده، وهو مفقود في المقام لان العبد المنعتق غير قابل للتسليم وليس تحت يد أحد، سواء قلنا بحصول الملكية آنا ما المترتب عليه العتق فقط أو قلنا بعدمه، بل على هذا الفرض لا يتحقق مفاد العقد رأسا، فلا يكون بيع العمودين في نفسه لازما حتى يأتي فيه الخيار، وأما اللزوم الطارئ على هذا البيع فانما هو لاجل انعتاق المثمن وعدم إمكان رجوعه، نظير لزوم المعاطاة بالتلف على القول بجوازها، وهو غير اللزوم المجعول تبعا. (قلت): مضافا إلى بطلان المبنى، فان الاحكام الوضعية قابلة للوضع مستقلا، وقد قلنا إن وجوب الوفاء بالعقود كناية عن لزومها، إن وجوب وفاء المشتري برد الثمن كاف لانتزاع اللزوم إذا كان عدم اللزوم على البائع لمحذور لا في نفسه كما في المقام. ثم إن الظاهر من الادلة الواردة في باب انعتاق العمودين ونحوهما بملاحظة الجمع العقلائي بينها هو صيرورتهما مملوكين آنا ما، ووقوع الانعتاق في ملك المشتري، فان منها ما دل على أنه لو ملكهما انعتقا (1) ومنها ما دل على عدم ملكهما (2) والجمع بالمملوكية غير المستقرة عقلائي وهذا الملك غير المستقر يترتب عليه الانعتاق فقط بحسب حكم الشرع. مسألة: لا يثبت خيار المجلس في شئ من العقود سوى البيع نصا وفتوى،


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من كتاب العتق الحديث 1 - 2.

[ 93 ]

وهذا مما لا ينبغي الاشكال فيه، لان خيار المجلس شرعي، وليس عند العقلاء منه ولا من خيار الحيوان عين ولا أثر، والادلة على كثرتها مختصة بالبيع، ودعوى إلقاء الخصوصية عنه في غاية السقوط، فهل يعم هذا الخيار جميع البيوع على ما هو مقتضى اطلاق بعض الاخبار أو لا يثبت في بعضها؟. (منه) المعاطاة بناء على أنها بيع جائز، وأما بناء على لزومها كما هو التحقيق فلا إشكال في ثبوته فيها، بأن يقال: إن جعل الخيار في العقد الجائز لغو، فالعقل مقيد للاطلاق على فرضه، مع أن الاطلاق ممنوع، فان مصب أدلة الخيار انما هو بعد الفراغ عن لزوم البيع. وفيه أن اللغوية في القوانين الكلية انما تلاحظ بالنسبة إلى القانون الكلي لا كل مورد، لان الادلة في الاحكام الكلية سيما المطلقات غير ناظرة إلى خصوصيات المصاديق، فقاعدة الطهارة والحل تعم مورد استصحابهما ولا يكون الجعل لغوا، لعدم لحاظ الموارد ولا ابتلائها أحيانا بالمعارض أو المزاحم أو كون المكلف عاجزا أو جاهلا أو نائما إلى غير ذلك. فقوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) مطلق وإن كان بعض موارده يثبت فيه الجواز الحكمي أيضا، كما أنه مطلق ولو مع ثبوت خيار أو خيارات أخر. وأما أن مصب الاخبار هو بعد الفراغ عن اللزوم فهو مسلم، لكن المعاطاة يعرض عليها اللزوم في بعض الموارد، كتلف العين أو العوضين وكامتزاجها بما يوجب سلب التميز إلى غير ذلك، فثبوته لها بهذا اللحاظ يكفي لعدم اللغوية لو لم يسلم ما تقدم كما لا ينافي مصب الادلة، وسيأتي الاشكال في إطلاقها على هذا الفرض، والامر سهل بعد كونها لازمة كسائر العقود.

[ 94 ]

و (منه) مورد ثبوت خيار الحيوان للمشتري أو للبائع أيضا إذا كان المعاوضة بين الحيوانين بناء على ثبوته له، فان الظاهر أن خيار المجلس والحيوان لا كثرة له لا من جهة ذاته، وهو واضح، ولا من جهة الموضوع أو العلة، كما في خيار الغبن وخيار العيب، فان الكثرة هناك بكثرة العلة الموجبة لضيق ذاتي لا ينطبق إلا على المقيد، أو بكثرة الموضوع كذلك إن قلنا بأن الغبن ونحوه ليس علة، بل موضوع لثبوت الخيار، بخلاف خيار المجلس والحيوان، فان المجلس لا دخل له في ثبوته، بل نفس البيع تمام الموضوع وكثرة العوضين لا توجب كثرة المجعول، وخيار الحيوان أيضا لا يثبت إلا لنوع من العوضين، ومعه يلزم من ثبوت خيارين في بيع الحيوان أن يكون بلا موجب للتكثر، ولا يصح أن يقال: إن خيار المجلس ثابت للبيع بما هو، وخيار الحيوان ثابت لبيع الحيوان، فان البيع بما هو من غير لحاظ المتعلق لا واقعية له إلا تحليلا، ولا يتعلق به الخيار جزما. (وبالجملة) لا يعقل تعلق الجعلين بأمر واحد لا كثرة له، إذ يرجع في المقام إلى أن مشتري الحيوان بالخيار إلى زمان التفرق، وهو بالخيار إلى ثلاثة أيام، وبعد كون التفرق وثلاثة أيام غاية لا قيدا مكثرا لا يعقل تعلق الجعلين بهما، نعم ما هو المعقول هو امتداد الخيار المجعول في سائر المتعلقات إلى ثلاثة أيام في الحيوان. ولو نوقش في ذلك فلا ينبغي الاشكال في أن المستفاد من الاخبار أن خيار المجلس ثابت في غير الحيوان، وخيار الحيوان الذي جعل فيه إلى ثلاثة أيام هو الخيار الذي جعل في غيره إلى زمان الافتراق. ففي مصححة علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: (سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري، وفي غير الحيوان

[ 95 ]

أن يفترقا) (1). وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا) (2) وقريب منهما غيرهما. والظاهر منهما الذي هو كالنص أن خيار المجلس لغير من يكون له خيار الحيوان، بل الظاهر الذي لا ينبغي إنكاره أن الخيار المجعول في غير الحيوان إلى أن يفترقا مجعول فيه إلى ثلاثة أيام، والمناسب للاعتبار أيضا ذلك، فان المظنون أن حكمة الجعل في خيار المجلس هو النظرة لهما للتروي وتشخيص المصلحة، وفي الحيوان أيضا كذلك، لكن لما كان الحيوانات مختلفة من حيث الخلق والجهات الباطنية جعل للمشتري الخيار إلى ثلاثة أيام للتروي، فلا يكون خيار الحيوان للمشتري إلا الخيار الذي لسائر المعاملين وإن كان إمتداده إلى ثلاثة أيام. وتوهم دلالة رواية عمار بن موسى (3) على ثبوت خيار المجلس للمشتري فاسد، لانها تدل على سقوط الخيار بالتفرق، لا سقوط خيار المشتري، فراجعها. فحينئذ لو طال مجلس المشتري والبائع إلى أزيد من ثلاثة أيام انقضى خيار المشتري دون البائع، وأما حديث النظرة للتروي فهو حكمة مظنونة لا تصلح لتقييد ولا لتوسعة، فلا إشكال في امتداد خيار المجلس إلى أزيد من ثلاثة أيام، ولو أسقط المشتري خيار الحيوان في المجلس فلا خيار له. وعلى ما ذكرنا لا وقع للنزاع في مبدأ خيار الحيوان بأنه حال العقد


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 5. (2) الوسائل الباب - 3 من أبواب الخيار الحديث 3. (3) الوسائل الباب 2 من أبواب الخيار الحديث 5.

[ 96 ]

أو حال التفرق، كما لا يخفى. و (منه) بيع الصرف والسلم، والظاهر منهم أن ثبوت خيار المجلس فيهما مفروغ عنه، ولا إشكال فيه، ولهذا خصوا النزاع فيه بمبدأ الخيار، وأنه حال العقد أو حال القبض. ويمكن الاشكال في أصل ثبوته بأن المشتق موضوع للمتلبس بالمبدأ، ومجاز في المنقضي عنه، فقوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) حقيقة في المتلبس بالبيع، أي حال صدور المبدأ منهما، ففي غير بيع الصرف والسلم يثبت الخيار لهما حال التلبس، وبحسب الدال الآخر وهي الغاية هو باق بعد انقضاء المبدأ إلى زمان التفرق، ومعلوم أنه بعد مضي زمان التلبس إلى زمان الافتراق حال انقضاء المبدأ، فحدوث الخيار للمتلبس قضاء لحق أصالة الحقيقة، وبقاؤه إلى ما بعده بواسطة القرينة، هذا حال سائر البيوع. وأما بيع الصرف والسلم فعلى القول بأن العقد غير لازم والبيع غير صحيح فعلا إلى زمان القبض فلا يثبت الخيار إلى زمان القبض، وأما بعده فلا دليل على ثبوته، لعدم صدق البيعين عليهما، لانقضاء المبدأ، فحال صدور البيع منهما صدق العنوان، ولم يثبت الخيار، وحال انقضاء المبدأ لم يثبت العنوان حتى يحدث الخيار. (وبعبارة أخرى) إن الخيار الثابت للمتبايعين باق إلى زمان الافتراق ولو سلب العنوان عنهما، وفي الصرف والسلم لا دليل على ثبوته حتى يبقى إلى زمان الافتراق، لعدم تحقق العنوان في هذا الحال، هذا حال ما أخذ عنوان البيعين فيه. وأما ما عن رسول الله صلى الله وآله: (إذا التاجران صدقا

[ 97 ]

بورك لهما إلى أن قال وهما بالخيار ما لم يفترقا) (1) فلا إشكال في أن المراد منه هو البيعان، لا عنوان التاجر بحسب الحرفة حتى يصدق على غير المتلبس بالبيع، فان من له حرفة التجارة لا يثبت الخيار له جزما، فيكون المراد التاجر عملا، أي البائع والمشتري. (إن قلت): البيع حقيقة في المبادلة المؤثرة، وأما المبادلة الانشائية فهو بيع بالحمل الاولي، وهو ليس ببيع حقيقة، وظواهر الادلة أن البيعين بالحمل الشائع موضوع للحكم، ففي بيع الصرف والسلم لم يتحقق عنوان البيع والبيعين إلا حال ترتب الاثر عليه، فيكون حدوث الخيار حال التلبس بالمبدأ. (قلت): قد مر مرارا أن ماهية البيع عبارة عن المبادلة الانشائية، وهي في الحقيقة بيع، وأما الآثار المترتبة عليه فهي أحكام عقلائية قد تترتب عليه وقد لا تترتب، كما في البيع الفضولي والصرف والسلم، ولا شبهة في صدق البيع على بيع الغاصب وبيع الصرف والخمر وآلات القمار ونحوها. وأما قضية الحمل الاولي والشائع وأن البيع الانشائي من الاولي فلا ينبغي التفوه به، وإن صدر عن بعض أهل التدقيق، ضرورة أن البيع الانشائي بالحمل الاولي هو مفهوم ذلك، وبالحمل الشائع هو المصداق الخارجي المنشأ من ذلك المفهوم، فماهية البيع الانشائي حقيقة هو البيع بالحمل الاولي، ومصداقه المنشأ هو البيع بالحمل الشائع، وهو الموضوع لحكم العقلاء لا مفهومه. ولعل القائل أخذه مما ذكره بعض أهل الفلسفة من أن الميزان في الحمل الشائع ما يترتب عليه الاثر المطلوب مقابل الحمل الاولي والمصاديق الذهنية وأخطأ في المقام، حيث إن أثر البيع الانشائي ليس التبادل الواقعي المتقوم باعتبار العقلاء الخارج عن تحت قدرة المنشئ، بل أثره هو التبادل الانشائي، وحصول المنشأ بالحمل الشائع مقابل مفهوم ذلك، أو صيرورته موضوعا لحكم العقلاء، أو صحة كونه كذلك وإمكانه.


(1) الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار: الحديث 6.

[ 98 ]

(إن قلت): إن المشتقات التي مبادئها غير قابلة للبقاء خارجا بل يكون وجودها آنيا لم يعتبر فيها التلبس بالمبدأ، لعدم إمكان التلبس فيما يكون آني الوجود، والبيع والشراء من هذا القبيل. (قلت): لا يعقل صدق المشتق بلا تلبس، وانما الاختلاف في أنحاء التلبس (فمنها) ما يكون التلبس به مستقرا وثابتا نحو الحرف ولو مع عدم الاشتغال الفعلي بالعمل، كالتاجر والصانع، و (منها) ما يكون التلبس به قابلا للبقاء وباقيا في عمود الزمان، كالعالم والعادل، و (منها) ما يكون التلبس به آنيا، كالقارع والفاصل والواصل والموجد، ومنه البائع والمشتري، ففي مثل ذلك يكون حال التلبس أي الآن الذي وجد فيه الفعل آن صدق المشتقات، والآن الآخر حال انقضائها، إذ لا يعقل صدق القرع بدون صدق القارع على فاعله حاله، لانهما متضايفان. (إن قلت): الخيار ثابت للمتبايعين بعد إلحاق القبول بالايجاب، مع أن حال القبول حال انقضاء المبدأ عن البائع الموجب، فيراد من البائع المنقضي عنه المبدأ لا المتلبس به، وظاهر السياق أن المشتري أيضا ملحق به. (قلت) بناء على ما بنى عليه الاصحاب من أن البيع مركب من الايجاب والقبول وأنهما ركنان لماهية البيع: إن الايجاب وحده ليس ببيع بل هو المركب منه ومن القبول، فحال تحقق القبول حال صدق البيع وتلبس كل منهما بالمبدأ، فلا يصدق البيعان إلا بعد ضم القبول، وهو حال التلبس وأما على ما ذكرناه فلا يمنع شئ من الالتزام بثبوت الخيار للبائع قبل ثبوته للمشتري، تأمل. (إن قلت): مقتضى ثبوت الخيار إلى زمان التفرق ووحدة الموضوع من حال الثبوت إلى حال التفرق أن يكون الموضوع وهو البيعان أمرا قابلا للبقاء إلى زمانه، والبيع بما له من المعنى أي المتلبس بالمبدأ لا يعقل

[ 99 ]

بقاؤه، فلابد أن يكون المراد منه عنوان من باع واشترى بعد عدم الجامع بين المتلبس وغيره، وهو عنوان صادق بعد الانقضاء وحال تحقق القبض. (قلت): كما يمكن ذلك يمكن أن يكون دليل الخيار ببركة غايته دالا على حدوثه لعنوان المتلبس بالمبدأ، وعلى بقائه لعنوان المنقضي عنه ذلك، وفيما لم يكن أصل حدوث الخيار مسبوقا بالجعل لم يكن دليل الخيار متكفلا لبقائه، إذ معلوم أن البقاء انما هو بعد الحدوث، فالدليل كافل للحدوث أخذا بظهور المشتق، وكافل للبقاء مستفادا من الغاية، ومع هذا الاحتمال لا يصح إثبات حدوثه بعد القبض. والذي يمكن أن يقال: هو أن الادلة العامة المثبتة للاحكام الكلية أو المطلقة للموضوعات انما تثبت الحكم القانوني بالارادة الاستعمالية لجميع المصاديق ونفس الطبائع، والمخصصات والمقيدات كاشفات عن الجد والحكم الواقعي في غير مواردها من غير استعمال اللفظ في غير ما وضع له كما هو المقرر في محله. فحينئذ نقول: كما أن قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) بحسب إطلاقه يثبت الحكم للعقد بغير قيد، ومقتضاه ثبوته في عمود الزمان، وبعد خروج بعض الزمان وقع النزاع في جواز التمسك به لغير مورد التقييد كذلك إطلاق الادلة المثبتة للخيار للمتبايعين يقتضي ثبوته لهما في جميع البيوع حتى الصرف والسلم، فتدل على ثبوته وبقائه إلى زمان التفرق، خرج زمان ما قبل القبض في الصرف والسلم، ومقتضى الاطلاق ثبوته من زمانه إلى زمان التفرق، فالمورد من قبيل ما وقع النزاع فيه من أن الصحيح التمسك بالعام أو المطلق أو التمسك بالاستصحاب، والتحقيق على ما حقق في محله عدم جواز التمسك بالاستصحاب، سيما في مثل المقام الذي تدل


سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 100 ]

الادلة بدلالة لفظية على استمرار الخيار إلى زمان التفرق. ولا يخفى أن الخروج في المقام تخصيص أو تقييد ولو بلسان الحكومة لان شرط القبض شرعي لا عرفي، والحق أن الخيار على فرض عدم ثبوته حال العقد ثابت حال القبض إلى زمان التفرق، مع أن الظاهر تسلم ثبوته في الجملة، وانما الخلاف في المبدأ. مسألة: وقع الكلام في مبدأ هذا الخيار في مثل بيع الصرف والسلم الذي لا يترتب عليه الاثر المطلوب إلا في حال متأخر عن البيع وهي ما بعد القبض فيهما، وقد نفى الشيخ الاعظم (قده) الاشكال عن ثبوته حال العقد إن قلنا بأن القبض واجب تكليفا، قال: ومع عدمه ففي ثبوته خفاء. أقول: تنقيح المقام يتم بذكر جهات: (الاولى) حكي عن العلامة قدس سره وجوب القبض لئلا يلزم الربا، وقد أورد عليه المحققون بوجوه ترجع إلى عدم لزوم الربا، وكأنهم تسالموا على صحة قوله لو فرض لزومه مع أنه على فرض لزومه لا يلزم منه وجوب القبض تكليفا شرعيا، لان حرمة الشئ غير مستلزمة لوجوب تركه شرعا فضلا عن وجوب ضده أو ما هو كالمقدمة لسلبه. ويرد عليه مضافا إلى ما ذكروه أنه على فرض قرار تعويق التقابض لا يلزم منه الربا، لان الاشتراط لامر مساو للطرفين وهو تعويق قبض هذا وهذا لا يوجب الزيادة ولو حكمية، فاتضح أن ما أفاده غير وجيه صغرى وكبرى. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في وجه وجوب القبض وهو

[ 101 ]

التمسك بدليل وجوب الوفاء فقد يقال في تقريبه بأن المراد منه هو وجوب إبقاء العقد، فلو لم يقبضا حتى يتفرقا يلزم منه عدم بقائه، فلابد من القبض حتى لا ينهدم العقد بالتفرق، فوجوب إبقاء العقد مستلزم لوجوب التقابض. وفيه أنه (إن كان) المقصود من ذلك أن مفاد (أوفوا) الخ في جميع العقود هو الحكم التكليفي بابقاء العقد فلازمه أن تكون العقود كلها جائزة بنظر الشارع الاعظم حتى يصح النهي عن هدمها أو الامر بابقائها، وإلا لكان الامر خارجا عن قدرة المكلف، ولا أظن التزام أحد بذلك. (وإن كان) المراد أن في خصوص عقد السلم والصرف يكون الامر بالابقاء تكليفيا وفي غيرهما وضعيا فلابد من استعمال الامر بالوفاء في الامر الكنائي والحقيقي، ولعله غير معقول ولو بناء على جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، وعلى فرض معقوليته لابد من قيام قرينة واضحة وهي مفقودة. مضافا إلى لزوم لحاظ عقد الصرف والسلم بخصوصهما ولحاظ سائر العقود في قبالهما، وهو أيضا غير معقول إلا بدلالات عديدة، وإلا فالجمع المحلى لا يدل إلا على الكثرة الاجمالية بتعدد الدال والمدلول، ولا يعقل أن يكون حاكيا عن خصوصيات الافراد وأنواع البيوع بعناوينها. ثم على فرض تعلق التكليف الشرعي بابقاء العقد لا يلزم منه وجوب القبض ولو كان القبض علة أو مقدمة لبقائه، فان من المقرر في محاله عدم وجوب مقدمة الواجب وعلته. وقد يقال في تقريبه إن للعقد مرحلة، ولتأثيره في الملك مرحلة، ولكل منهما آثار، والمراد بالوفاء إن كان الوفاء عملا يختلف أثره العملي من حيث نفسه ومن حيث تأثيره في الملك، فحرمة التصرف فيما انتقل عنه

[ 102 ]

أثر تأثيره في الملك عملا، وانجاز العقد عملا باتمامه وقبض العوضين يدا بيد في المجلس أثر نفس العقد عملا، فاقباض العوضين في غير الصرف أثر الملك الحاصل بالعقد، وفي الصرف أثر إتمام العقد عملا، ولا منافاة بين الوجوب التكليفي والشرطي، فان وجوب إيجاد الشرط عملا بالعقد لئلا يبطل بعدم القبض مع التفرق ليكون نقضا عمليا للعقد لا مانع منه. وفيه أنه إن كان المراد بانجاز العقد عملا وجوب إبقاء العقد والمنع عن نقضه العملي بالتفرق كما هو ظاهر ذيله فيرجع إلى التقريب المتقدم، والجواب عنه هو الجواب. وإن كان المراد أن الانجاز والاقباض أثر العقد كما هو ظاهر المقابلة بينه وبين الوفاء بمعنى إبقاء العقد فيرد عليه أن الانجاز والاقباض من الافعال الاختيارية للمتعاملين، فلا يعقل أن يكون أثرا للعقد، فان أثر الشئ يترتب عليه قهرا، والافعال الاختيارية لها مباد لا تتحقق إلا بها. وإن كان المراد أن وجوب الانجاز والاقباض من الآثار فمع قطع النظر عن دليل وجوب الوفاء لا دليل عليه، ولا يعقل أن يتعلق وجوب الوفاء بالعقد بوجوب الانجاز والاقباض، أي تعلق الوجوب بالوجوب غير معقول (مضافا) إلى أنه ليس أثرا لنفس العقد، فان الاقباض في الصرف متمم العقد ومصححه، لا أثره المترتب عليه، مع أن وجوب الوفاء بالعقود بهذا المعنى مختص بحسب الجد بالعقود الصحيحة لا الاعم منها، وعقد الصرف قبل القبض فاسد فعلا، لان الفاسد ما لا يترتب عليه الاثر فعلا وإن كان قابلا للصحة بلحوق القبض، كالعقد الفضولي قبل الاجازة. ومما ذكرناه يظهر النظر فيما أفاده بعض الاعاظم (قده) وهو أن العقد مشتمل على انشاء التبديل مطابقة، وعلى التعهد بما أنشأه التزاما وعلى الشروط الضمنية، والقبض في الصرف والسلم معتبر في الملكية لا في أصل العقد، ولا في وجوب الالتزام بما التزم به، ولا في الشروط الضمنية

[ 103 ]

كالتسليم والتسلم، ولا مانع من خيار المجلس حال العقد. إذ فيه مضافا إلى أن التعهد بما أنشأه المتعاملان، أي التعهد بابقاء العقد وعدم فسخه على ما يظهر من ذيل كلامه، لو وقع تحت وجوب الوفاء تكليفا يكشف عن جواز العقود بنظر الشارع، كما أن ذلك التعهد العقلائي الملازم لامكان التخلف كاشف عن جوازها عرفا، وعدم صحتهما غني عن البيان، ومضافا إلى عدم الاصل والاساس لهذا التعهد وتلك الشروط الضمنية إلا لبعض منها على احتمال يأتي في محله أن شرط التسليم والتسلم على فرضه أو التعهد بهما انما هو في العوضين بما هما كذلك، والمفروض أن في المقام لا يتم العقد إلا بعد القبض، والقبض في الصرف متمم العقد، وما هو مورد الاشتراط الضمني على فرض صحته هو العوضان بعد تمامية العقد. وربما يتوهم دلالة بعض روايات بيع الصرف على وجوب القبض، وهو بمكان من الضعف. (الثانية) انه على فرض وجوب التقابض تكليفا لا يسلم ثبوت الخيار، لان المتفاهم من أدلة الخيارات أنها مقيدة لادلة لزوم البيع، وأن اللزوم في نفسه مفروغ عنه، وهو مقابل عدم اللزوم لاجل الخيار، وكذا مقابل الجواز، والظاهر من قوله عليه السلام (فهما بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع) (1) هو التصرف في لزوم المعاملة لا تقييد الوجوب التكليفي، بل تقييده ابتداءا غير مناسب لعدم صحة استثناء الخيار من الوجوب التكليفي ابتداء، نعم بعد ثبوت الخيار وتقييد اللزوم ينتفي الوجوب التكليفي لو كان، أو يتقيد بالتبع، فالقائل بالخيار لابد له من اثبات اللزوم، لا اثبات وجوب القبض، واثبات ذلك لرفع اللغوية لا يكفي لثبوت الخيار، نعم بعد ثبوته باطلاق دليله لو نوقش فيه (1) الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 4.

[ 104 ]

بلزوم اللغوية يتشبث بنحو ذلك، وإلا فهو يثبت إمكان الخيار لا تحققه وقد مر أن الثبوت بالاطلاق فرع لزوم العقد. (الثالثة) على فرض عدم وجوب القبض تكليفا يمكن القول بثبوت الخيار حال العقد، بدعوى إطلاق بعض أدلة اللزوم لمثل هذا العقد الذي تعرضه الصحة بلحوق القبض، ومنع ما أشرنا إليه سابقا من أن الخيار مختص بالعقد الصحيح، بل المسلم عدم الخيار في العقد الفاسد الذي لا يعرضه الصحة مطلقا، ولهذا التزم الشيخ الاعظم (قده) في بعض المسائل السالفة بلزوم العقد الفضولي بالنسبة إلى الاصيل إذا كان الفضولي من طرف واحد، ولا ينافي اللزوم عروض البطلان بالافتراق قبل القبض، لان اللزوم مقابل الجواز الحكمي كالهبة، أو الحقي كالخيار، لا مقابل البطلان كالعقد الفضولي من طرف واحد الذي يعرضه ذلك برد المالك، فلو كان لادلة اثبات الخيار إطلاق لا يصح رفع اليد عنه. فالعمدة بيان إطلاق دليل اللزوم، وهو قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) ولقد قررنا دلالته على اللزوم بوجوه بعضها مختص بالبيع الصحيح دون بعض، ككون وجوب الوفاء كناية عن لزوم العقود، سواء كان الوفاء بمعنى العمل بمقتضى العقد، وكان الوجوب هو التكليفي، أو بمعنى الالتزام العقلائي أم كان الوفاء بمعنى إبقاء العقد وعدم هدمه، فعلى جميع الاحتمالات مقتضى الاطلاق ثبوته لبيع الصرف والسلم. لا يقال: لا معنى لوجوب الوفاء بالمقتضى في الصرف والسلم، لعدم حصول النقل، فانه يقال: لا جد في الكنايات إلا في المعنى المكنى عنه، ولا يلزم أن يكون المعنى المطابقي محققا، فقوله: (زيد كثير الرماد) لا يكون إخبارا عن كثرة الرماد، بل كناية عن جوده، وتصح التكنية ولو


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 105 ]

لم يكن لزيد رماد، فان الجملة وإن استعملت في المعنى الحقيقي لكن لا يكون الاخبار عنه جدا، ولهذا يكون الصدق والكذب تابعين لتحقق الجود وعدمه لا لكثرة الرماد وعدمها، فقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) على الاحتمال المذكور بعث صوري إلى الوفاء مع استعماله في الوجوب بمعناه الحقيقي، لكن الغرض إفادة اللزوم جدا، فعدم وجوبه في الصرف والسلم لا ينافي إطلاقه بحسب المفاد الجدي والمعنى المكنى عنه، فلا مانع من الاخذ باطلاقه والالتزام بلزومهما قبل القبض. ويمكن استصحاب بقاء العقد إلى ما بعد الفسخ قبل القبض، وهو محقق لموضوع صحة القبض بحسب الشرع، أو لجزء الموضوع لاعتبار الشرع، وجزئه الآخر القبض، وليس البيع مؤثرا حتى تعترى شبهة المثبتية، بل هو موضوع للحكم العقلائي أو الشرعي، والاستصحاب وإن لم يثبت به اللزوم لكن ما يثبت به وهو عدم الانفساخ بالفسخ كاف في ثبوت الخيار، ولا يتوقف ذلك على ثبوت عنوان اللزوم، فحينئذ لا مانع من الالتزام بثبوت الخيار حال العقد قبل تحقق القبض، وأثره واضح بعدما كان ماهيته عبارة عن حق حل العقد، فتدبر جيدا، والمسألة بعد غير خالية عن الاشكال، وإن كان ثبوته حال العقد لا يخلو من رجحان. القول في مسقطات هذا الخيار وهي أمور يظهر الكلام فيها في ضمن مسائل: مسألة: يسقط هذا الخيار باشتراط سقوطه بمعنى عدم ثبوته في ضمن العقد

[ 106 ]

وباشتراط سقوطه بعد ثبوته بتمامية العقد على نحو شرط النتيجة في الصورتين. ويمكن الاشكال فيه بوجوه: (منها) عدم شمول أدلة الشروط لشرط النتيجة، أي هي ظاهرة في الوجوب التكليفي لا الوضعي ولا الاعم بل الجمع بين الحكم التكليفي والوضعي بلفظ واحد، كقوله صلى الله عليه وآله: (المؤمنون أو المسلمون عند شروطهم) (1) محل إشكال. وفيه أن حديث امتناع الجمع بينهما لا أساس له، لامكان الجمع بنحو قوله: (أوفوا بالشروط) فان الوفاء هو العمل بمقتضى الشرط، فان كان الشرط شرط الفعل يكون لزوم العمل على طبقه اتيانه، وإن كان شرط النتيجة يكون الوفاء هو ترتيب آثار ما هو النتيجة نظير الوفاء بالعقد وكذا يمكن الجمع بنحو ايجاب إنفاذ الشرط، فان نفوذه في العمل بنحو وفي النتيجة بنحو آخر، فلا إشكال من هذه الجهة. وأما دعوى ظهور الادلة في الحكم التكليفي بمعنى أن قوله صلى الله عليه وآله: المؤمنون عند شروطهم) (2) كناية عن الوجوب التكليفي لا الوضعي ولا الاعم فغير وجيهة، لان قوله ذلك ظاهر في أن المؤمن ملازم لشروطه وغير منفك عنها، وعموم (الشروط) يشمل الفعل والنتيجة، والاخبار بالملازمة وعدم الانفكاك كناية عن العمل بمقتضى شرطه كائنا ما كان، هذا. مضافا إلى صحيحة أو مصححة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فان المسلمين عند شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما) (3) فان المستفاد منها أن مفاد الكبرى هو


(1) الوسائل الباب - 20 من أبواب المهور - الحديث 4 من كتاب النكاح والباب - 6 - من أبواب الخيار الحديث 1. (2) الوسائل الباب 20 من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح. (3) الوسائل الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 5.

[ 107 ]

وجوب الوفاء بالشرط، ولا شبهة في أن وجوب الوفاء أعم من التكليف والوضع، بل يستفاد من الادلة نفوذه عند الشرط، وذلك في الوضعيات ثبوته. هذا مع الغض عن الروايات الكثيرة المستفيضة في الابواب المتفرقة الدالة على صحة شرط النتيجة، وقد تمسك الائمة عليهم السلام في بعضها لصحته بقوله صلى الله عليه وآله: (المؤمنون عند شروطهم) (راجع الوسائل الباب الرابع والخامس من أبواب المكاتبة، والباب الحادي عشر منها، والباب السادس من أبواب الخيارات، والباب السابع من أبواب بيع الحيوان إلى غير ذلك) وفي بعض الروايات تمسك المعصوم عليه السلام بالكبرى المذكورة لشرط الفعل، فيظهر من الطائفتين أن الكبرى المذكورة أعم من شرط الفعل والنتيجة، وقد مر إمكان الجمع بينهما، فلا إشكال من هذه الناحية. و (منها) أن هذا الشرط أي شرط النتيجة بالمعنى الاول مخالف لمقتضى العقد على ما هو ظاهر قوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) (1) فاشتراط عدم كونه بالخيار اشتراط لعدم بعض مقتضيات العقد. وفيه أن مقتضى العقد المقابل لمقتضى الشرع هو الذي يقتضيه العقد بنفسه مع قطع النظر عن الحكم الشرعي، كالبيع بشرط عدم حصول الملكية، أو بشرط عدم العوض بل بشرط عدم السلطنة على المعوض أو على العوض بأنحائها بنحو الاطلاق، فان الدليل على بطلان مثل هذه الشروط هو لزوم التناقض، بل عدم إمكان الجد في البيع والشرط وعدم إمكان الجمع بينهما. وأما الاحكام الشرعية المترتبة عليه فليست من مقتضيات نفس العقد (وتوهم) أن تلك الاحكام من مقتضياته بحسب الواقع ونفس الامر وهي مستورة عن نظر العقلاء، وانما كشف عنها الشارع العالم بالواقع (في


(1) الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 108 ]

غاية السقوط) ضرورة أن تلك الاعتبارات العقلائية لا واقعية لها إلا في صقع الاعتبار العقلائي، وليس لها حقائق واقعية غيبية مخفية عن نظرهم فجعل الخيار مثلا للمتعاقدين حكم شرعي ثابت لهما لبعض المصالح والحكم كالارفاق بهما حال اجتماعهما. هذا مضافا إلى عدم إمكان أن يكون الشئ مقتضيا لعدمه أو لعلة عدمه، فالبيع لا يعقل أن يكون مقتضيا لحق فسخه وحله وإعدامه، كما لا يعقل أن يقتضي فسخه وانهدامه، بل مقتضاه مع الغض عن العوارض واللواحق هو البقاء والدوام المقابل للحل والانهدام، بل الاصل في البيع اللزوم عند العقلاء والشارع الاقدس، فمقتضاه في نفسه البقاء، وبحسب حكم العقلاء والشارع اللزوم، وانما الخيار عارض له بجهات خارجية عن نفس ذاته، ومخالف لمقتضاه لو خليت ونفسه، وللاصل العقلائي والشرعي ولا يذهب عليك أن الاقتضاء الذي ذكرناه أولا غير ما ذكرناه أخيرا، فتدبر جيدا. ثم إن كلام الشيخ الاعظم (قده) في المقام لا يخلو من تشويش وتهافت، حيث أجاب عن الاشكال: (بأن الخيار حق للمتعاقدين اقتضاه العقد لو خلي ونفسه، فلا ينافي سقوطه بالشرط. وبعبارة أخرى إن المقتضي للخيار العقد بشرط لا، لا طبيعة العقد من حيث هي). وأنت خبير بأن العقد لوخلي ونفسه مقابل للعقد بشرط لا، فان الاول لحاظه بلا قيد، بمعنى عدم لحاظ شئ معه، والثاني لحاظه بقيد هو لحاظ عدم الاشتراط، فليس الثاني عبارة أخرى عن الاول، مضافا إلى عدم صحة المدعى، ضرورة أن قيد بشرط لا كسائر القيود المحتملة مدفوع بالاطلاق، فالموضوع هو المتعاقدان بلا قيد، ولازمه كون العقد بلا قيد خياريا، ولولا تفسيره بما ذكر لكان قوله: (اقتضاه العقد لوخلي ونفسه)

[ 109 ]

محمولا على الحكم الحيثي، نظير حل بهيمة الانعام الذي هو غير مناف للحرمة بعروض عارض، لكنه أيضا غير مرضي، ضرورة ظهور الاخبار في الحكم الفعلي. وأما دعوى أن المتبادر من إطلاق قوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) هو صورة الخلو عن شرط السقوط ففيها نظر ظاهر، فان الاطلاق يقتضي عدم دخالة قيد في الموضوع لا دخالته، إلا أن يكون مراده انصراف الاطلاق، وهو أيضا غير مرضي وعهدته على مدعيه. ثم إن الشيخ (قده) خلط بين مخالفة مقتضى العقد ومخالفة مقتضى الكتاب والسنة، وقد تصدى بعضهم للتوجيه، وقال: (إن دائرة المنافاة لمقتضى العقد أوسع من دائرة المخالفة للكتاب والسنة) ثم عد ما يخالف الكتاب والسنة من المخالفة لمقتضى العقد، وهذا توجيه غير وجيه، بل لو قيل إن دائرة المخالفة لهما أوسع لان المخالفة لمقتضى العقد كالبيع بشرط عدم الملكية أو البيع بلا عوض من مخالفة الشرع أيضا فان الشارع أيضا يحكم ببطلانه جزما لكان أصوب. و (منها) أن هذا الشرط مخالف للسنة، وهي قوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) (1) فان إطلاقه يقتضي ثبوت الخيار حتى حال الشرط، والشرط شرط عدم ثبوت ما ثبت بالسنة، بل شرط عدم الحكم الالهي خارج عن قدرة المتعاملين، فلا يعقل تأثير هذا الشرط فيقع باطلا. وفيه أن الخيار حق جعله الشارع للمتعاملين، ولازم ذلك أن يكون سقوطه وبقاؤه بيدهما، كما أن لهما الاعراض عن هذا الحق، فتكون نتيجته في بعض الاحيان السقوط وفي بعض الاحيان عدم الثبوت، وما لا يعقل.


(1) الوسائل الباب - 1 - من ابواب الخيار الحديث - 1.

[ 110 ]

هو تصرف المتبايعين في الجعل الالهي، فانه تم وقضى، ولا يعقل رفعه عن محله ولا نسخه بدليل الشرط. وأما إعمال السلطنة في المجعول وهو الحق ونفوذه فهو من لوازم كونه حقا، فكما أن نقل الحق إلى غيره وإسقاطه ليسا مخالفين للسنة، مع ظهورها في أن الخيار للمتعاملين، إذ جعل الحق ملازم للسلطنة عليه، كذا الحال في دفعه رأسا، فكما لصاحب الحق أن يرفعه باسقاطه، كذا له أن يدفعه بالقرار في ضمن العقد، وكذا الحال في أشباه المقام، فللزوج أن يشترط في ضمن عقد النكاح على زوجته عدم حق القسم لها، فيكون الشرط دفعا لحقها، لا تصرفا في الحكم الشرعي، ولا تقييدا لدليل القسم وهذا هو الفارق بين الحق والحكم، فاشتراط عدم الارث مخالف لحكم الشرع، لان الارث حكم الله، واشتراط عدم القسم صحيح، لانه حق للزوجة، ولها شرط عدمه، كما أن لها إسقاطه حال وجوده، بل التحقيق أن هذا الشرط إعمال السلطنة فيما جعله الشارع له، فهو مرتب على جعله لا مخالف له. (لا يقال): إن الخيار قبل ثبوته عدم مطلق لا واقعية له، فلا يقع تحت جعل، ولا يحكم عليه بحكم، فان الاعدام غير قابلة للاشارة، مضافا إلى أن إعمال السلطنة انما هو بعد تحقق الحق، وقبله لا حق حتى يكون البائع مسلطا عليه. (فانه يقال): إن الاعدام بالحمل الشائع كذلك، وأما الحكم على الشائع بوسيلة ما هو عدم بالحمل الاولي فلا مانع منه، كالاخبار عن المعدوم المطلق بأنه لا يخبر عنه، مع ان المقام ليس كذلك، كما سيأتي الاشارة إليه. وأما حديث السلطنة على الحق أو المال قبل تحققهما فخلط بين التكوين والتشريع وبين الامور الحقيقية والاعتبارية، فالتصرف التكويني لا يعقل

[ 111 ]

تعلقه بالاعدام، وأما التصرف الاعتباري العقلائي فلا مانع منه، والسند هو اعتبار الشرع والعقلاء في الاشباه والنظائر، نظير نقل المنفعة غير الموجودة، وبيع الثمار في الزائد عن سنة واحدة، تأمل. وبالجملة اشتراط عدم الخيار لا يرجع إلى نفي الحكم الشرعي، بل يرجع إلى دفع تحقق الحق الذي جعله الشارع له. (ومنها) - أن دليل هذا الشرط معارض لدليل إثبات الخيار، وبينهما عموم من وجه (وفيه) أنه لا وجه للمعارضة رأسا، فان الشرط إن رجع إلى نفي الحكم الشرعي فلا مجال فيه لدليل الشرط بعد تذييله بعدم المخالفة للكتاب ولحكم الله، وإن رجع إلى إعمال السلطنة بدفع الخيار الذي هو حق مجعول من قبل الشرع كما هو التحقيق فلا معارضة بينهما، لان الشرط المذكور مترتب على الحكم الشرعي لا مخالف له كما مر، وهذا هو الوجه في الجواب عن الاشكال. وأما سائر الاجوبة ففيها إشكال كالقول بحكومة أدلة الشرط على أدلة الاحكام، والقول بأن قضية الجمع بين أدلة الاحكام الاولية والثانوية حمل الاولي على الحكم الاقتضائي في مورد التنافي، لان الميزان في باب الحكومة والجمع العقلائي هو مساعدة فهم العرف لذلك، وإلا فمجرد كون الدليل متكفلا للاحكام الثانوية لا يوجب الحكومة ولا الحمل المذكور، نعم بعض أدلة الاحكام الثانوية حاكم على أدلة الاحكام الاولية لخصوصية فيها، نحو دليل نفي الحرج ودليل نفي الضرر على مسلك المشهور، ودليل الرفع بالنسبة إلى ما هي ناظرة إليها عرفا وتقدم عليها عند العقلاء، ودليل الشرط على فرض كونه من أدلة الاحكام الثانوية ليس بهذه المثابة، لان وزان مثل قوله: (من شرط شرطا فليف بشرطه) وزان قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) * هامش (1) سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 112 ]

بل ليس الشرط من الاحكام الثانوية بالمعنى المتقدم، ولو سلم فلا حكومة له على غيره. فالتحقيق ما مر من عدم التعارض على أي من الاحتمالين، هذا إذا رجع الشرط إلى عدم الخيار. وأما إن رجع إلى شرط سقوطه فقد أورد عليه بأنه إسقاط ما لم يجب، وتقريب الاشكال أن شرط سقوط ما لم يثبت ممتنع، لامتناع الجد في اشتراط أمر ممتنع، كما أن الاسقاط جدا في أثناء العقد ممتنع، لامتناع الجد في إنشاء أمر ممتنع مع الالتفات إلى الاطراف، كما أن تأثير هذا الشرط أو هذا الاسقاط ممتنع، لان سقوط ما لم يثبت مستلزم لثبوت ما لم يثبت في ظرف عدم الثبوت، وهذا هو اجتماع النقيضين. وقد تخلص عنه الشيخ الاعظم (قده) بأن المتبادر من أدلة الخيار صورة الخلو عن الاشتراط وعدم إقدام المتعاملين على عدم الخيار، ففائدة الشرط إبطال المقتضي لا إثبات المانع، ويرجع مقصوده إلى أن الاشتراط موجب لانقلاب الموضوع، فان موضوعه العقد بشرط لا عن الاشتراط، والعقد بشرط شئ غير العقد بشرط لا. فما في تقريرات بعض الاعاظم (قده) من أن ظاهر كلامه تصحيح الاسقاط بتحقق المقتضي وأنه غير صحيح، فان وجوده من دون وجود الجزء الآخر من العلة لا يوجب إمكان الاسقاط الفعلي أجنبي عن كلامه نعم يرد عليه مضافا إلى عدم وجاهة دعوى التبادر المذكور، ومضافا إلى مخالفة ذلك لما يشترطه المتعاقدان ولما يفهمه العرف من الاشتراط، ولكلمات الاصحاب أن ما يوجب الانقلاب هو شرط السقوط جدا، لا لقلقة اللسان، ومع عدم تأثير شرط السقوط لا يعقل الاشتراط على مبانيهم من ان الاشتراط يترتب عليه السقوط واقعا. وتخلص غير واحد من المحشين بأن مثل هذا يرجع إلى السقوط بعد

[ 113 ]

الثبوت بنحو القضية التعليقية والتقديرية، وهذا وإن لا بأس به تصورا، ولا مانع منه إلا التعليق، وهو غير مانع، لعدم ثبوت الاجماع في المقام، لكن الشروط المذكورة في ضمن العقود ليست كذلك، وظاهر الفتاوى أيضا اشتراط السقوط بنحو الجزم، والحمل على الاشتراط تعليقا خلاف الظاهر. والتحقيق أن الاشكال بحذافيره يندفع بما نبهنا عليه في بعض المباحث السالفة من أن الاسباب والمسببات في الامور الاعتبارية من العقود والايقاعات لا تكون بمثابة الامور التكوينية الواقعية في ترتب المسببات على أسبابها قهرا بلا دخل اعتبار معتبر، فالاسباب الاعتبارية ليست مؤثرة بنحو القهر في المسببات، لان المسببات فيها اعتبارية تابعة في التحقق الاعتباري لمبادئها الخاصة بها، فالبيع المنشأ بألفاظه موضوع لاعتبار العقلاء لنقل المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع، لا مؤثر قهرا في ذلك ولو مع الغض عن اعتبار معتبر. وعلى هذا لا يكون المنشئ قادرا إلا على إنشاء البيع والبيع الانشائي والنقل الانشائي مما هو موضوع لاعتبار النقل الواقعي عند العقلاء، وهذا جار في جميع العقود والايقاعات، كالطلاق والتحرير والابراء والاسقاط إلى غير ذلك. وعلى ذلك إن نظير إشكال امتناع الاسقاط والاشتراط جار في جميع المعاملات والايقاعات، فان نقل العوضين وتبادلهما ليس تحت اختيار المتعاملين لوجهين: (أحدهما) أن ترتب المسبب عليه ليس قهريا كالتكوين، واعتبار العقلاء ليس تحت اختيار المتعاملين. (وثانيهما) أن الايجاب في الاصيل لا يعقل أن يكون ناقلا واقعا إلا بعد ضم القبول، ففي الحقيقة يكون الايجاب مشتملا على الفضولية، فكيف يعقل في الفضولي والموجب إنشاء النقل الحقيقي. والجواب أن حقيقة البيع ليست إلا المبادلة الانشائية، والفضولي وغيره

[ 114 ]

على السواء في إنشاء المعاملة، والاعتبار العقلائي المترتب على البيع المنشأ خارج عن حقيقة المعاملة، بل حكم واعتبار مترتب عليها بعد حصول الشرائط المعتبرة عندهم، فالعقود والايقاعات الباطلة عقود وإيقاعات حقيقة وإن كانت باطلة، وهي مشتركة مع الصحيحة منها إلا في الموضوعية للاعتبار شرعا أو عرفا. فعلى هذا يكون مابيد البائع والشارط هو البيع الانشائي والشرط كذلك ولم يترتب عليها الاثر إلا مع القبول، وبعده يصير العقد صحيحا، والخيار ثابتا وساقطا من غير إشكال في الانشاء والشرط ولا في أثرهما، فان السقوط الواقعي انما هو باعتبار العقلاء كالنقل الواقعي، فقبل القبول يكون الايجاب والشرط باطلين، بمعنى عدم ترتب الاثر عليهما، وبالقبول تتحقق الملكية متقدمة على تحقق أثر الشرط في اعتبار العقلاء. وتوهم أن الاسقاط الانشائي اللحاظي أيضا يترتب على الثبوت ساقط فان ترتبه على الثبوت الواقعي ممنوع، وعلى الاعم حاصل، لان الخيار أمر ثبوتي مقابل عدمه، فانشاء إسقاطه لا يحتاج إلى أزيد من هذا الثبوت بل على فرض تحقق الخيار في عقد مثلا لو اشترط سقوطه في عقد آخر لا يتقوم اشتراط سقوطه إلا بهذا النحو من الثبوت لا بالثبوت الاعتباري الواقعي بعد امتناع كونه موجبا للسقوط كذلك. وبما ذكرناه يمكن تصحيح كثير من الموارد التي يتوهم فيها كونه من إسقاط ما لم يجب أو نظيره، كنفس إسقاط الخيار في ضمن العقد لا اشتراطه وشرط الرهن بنحو شرط النتيجة، أو جعله في ضمن عقد القرض، وشرط سقوط النفقة أو حق القسم في ضمن عقد النكاح، وشرط إقراض البائع المشتري نفس الثمن في ضمن البيع، إلى غير ذلك. وأما ما ذكره بعض الاعاظم (قده) من أن إسقاط ما لم يجب هو

[ 115 ]

إسقاط حق لم ينشأ سببه أصلا، كالاسقاط قبل العقد، وأما لو وجد سببه ولم يحصل فعلا فلا مانع منه، ثم تمسك بقول العلامة (قده) في التذكرة: (لو وكله في شراء عبد وعتقه وفي تزويج امرأة وطلاقها واستدانة دين وقضائه صح) انتهى. فأنت خبير بما فيه، لان الاشكال في المقام عقلي ولا يرتفع بما ذكر ضرورة أن السقوط قبل الثبوت ممتنع، كالاسقاط الحقيقي قبله، فانشاء السبب قبل تمامه وحصول المسبب لا يدفع الاشكال، وأما الاشكال في باب الوكالة فليس بعقلي، فلا مانع من التوكيل حتى قبل تحقق الموضوع إلا أن يدل دليل شرعي على عدم الجواز. ويمكن أن يرجع كلامه إلى الاسقاط بنحو القضية التعليقية، والتفصيل بين ما قبل العقد وأثنائه بدعوى أن الاسقاط قبل إنشاء السبب والاشتغال به غير عقلائي، وهو جيد وإن كان مخالفا لظاهر كلامه، وعلى ذلك لا يرد على التقريب المتقدم منا أن لازمه صحة إبراء الدين قبل الاقتراض وإسقاط الخيار قبل العقد، فان مثل ذلك غير جائز، لا لامتناعه عقلا بل لعدم عقلائيته، والاسباب العقلائية تابعة لاعتبار العقلاء، وفي غير مورده لا سببية لها. (وأما الاشكال) بأن لزوم الشرط موقوف على لزوم العقد، فلو ثبت لزوم العقد بلزوم الشرط كما في المقام لزم الدور (ففيه) أن لزوم العقد في المقام يتوقف على سقوط الخيار أو عدم ثبوته، وهما يتوقفان على صحة الشرط لا على لزومه، وصحته لا تتوقف على لزوم العقد، ضرورة أن الشروط في ضمن العقود الجائزة صحيحة، وإن لم تكن لازمة لتبعية أصل الشروط للعقود في التحقق، فإذا جاز حل العقود جاز حلها. وبالجملة إذا صح الشرط سقط الخيار، وبسقوطه يلزم البيع فيلزم

[ 116 ]

الشرط لتبعيته له، بل جواز البيع بعد الاشتراط دوري، لان جوازه يتوقف على صيرورته خياريا إذ مع عدمها يكون لازما ذاتا، وصيرورته كذلك تتوقف على حل الشرط، وهو متوقف على جوازه، وهو يتوقف على جواز البيع، فجواز البيع في المقام بعد الاشتراط يتوقف على جوازه. بل التحقيق أن شرط السقوط بنحو شرط النتيجة لو وقع في ضمن عقد جائز غير عقد البيع صيره لازما، لسقوط خياره، ولو انفسخ العقد الجائز الذي شرط في ضمنه سقوط الخيار لم يرجع الخيار، وبقي العقد على لزومه، لان سبب سقوط الخيار صحة العقد، والفسخ انما هو من حينه، والسبب باق على سببيته، فلا يصح أن يقال: إن سبب سقوط الخيار لو انعدم رجع الخيار بسببه الاول، هذا كله في شرط النتيجة. وأما شرط الفعل كشرط عدم الفسخ أو شرط إسقاط الخيار فالكلام فيه (تارة) في إمكانه و (أخرى) في صيرورة عدم الفسخ أو إسقاط الخيار واجبا و (ثالثة) في حرمة الفسخ و (رابعة) في ترتب الحكم الوضعي على التكليفي في المقام. أما إمكانه فالاشكال فيه انما هو على مبنى القائل بأن الخيار ملك فسخ العقد وإقراره، وأن إقراره والالتزام به مع إبرازه عمل بالخيار وموجب للزوم العقد، فيقال في المقام: إن الالتزام بالعقد في أثنائه إما يكفي للزوم العقد بعد تحققه، بحيث يوجد مع هذا الالتزام بلا خيار، أو إن الالتزام بعد تحقق العقد والخيار موجب للزوم، فعلى الشقين لا يعقل الجد في الشرط المذكور، لان إمكان الجد فيه فرع إمكان العمل به في نظره لا بحسب الواقع، مع أنه يرى أن العقد في ظرف تحققه يكون لازما، فان نفس هذا الاشتراط جدا لازمه الالتزام بالعقد وإقراره إما في أثنائه أو بعد تحققه، فلا يبقي للعمل بالشرط مجال، ومعه لا يعقل الجد في الاشتراط،

[ 117 ]

والامر سهل بعد بطلان المبنى. وأما أن عدم الفسخ أو إسقاط الخيار هل يصير واجبا تكليفا فنقول فيه: إن ما هو واجب بدليل الشرط هو الوفاء به، فالوجوب الشرعي انما تعلق بعنوان الوفاء، ولا يعقل تعلقه بعناوين أخر، كعدم الفسخ وإسقاط الخيار، كما أن الامر كذلك في الاشباه والنظائر، ففي النذر والعهد والقسم تعلق الوجوب بعنوان الوفاء بها لا بعناوين أخر تتحد معها في الوجود الخارجي، فلو نذر اتيان صلاة الظهر صح، ووجب الوفاء ولم يتعلق وجوب من قبل النذر بالصلاة، لان التعلق بعنوانها غير ممكن ضرورة أن عنوان النذر الذي تعلق به الوجوب غير عنوان الصلاة، ولا يمكن سراية الحكم من عنوان موضوعه إلى عنوان آخر، ولا ربط بين الصلاة والنذر في ظرف العنوانية، وبعد وجود الصلاة في الخارج وهو ظرف اتحاد العنوانين في الوجود لا يعقل تعلق الوجوب به، لان الخارج ظرف السقوط بوجه، فالصلاة المأتي بها بعنوان الوفاء بالنذر ذات عنوانين عنوان ذاتي هو الصلاة، وعنوان عرضي، وفي المقام لا يعقل أن يتعلق الوجوب المتعلق بالوفاء بغير عنوانه، وما تعلق به هو الوفاء بالشرط وهو عنوان غير عنوان ما تعلق به الشرط، كعنوان الفسخ وعدمه، والخياطة وعدمها مما تقع تلو الشروط. وحديث مشيرية عنوان لآخر أو مشيرية عنوان للمصاديق الخارجية المتحدة مع مصاديقه باطل لا يعتنى به، لعدم إمكان الاشارة بعنوان إلى ما يخالفه، فضلا عن الاشارة إلى المناقضات والمضادات، كما في باب الشروط حيث يقع شئ ونقيضه وضده تلو الشرط في الموارد المتعددة. ثم إن الامتناع المذكور كما هو لازم على فرض تعلق الحكم بنفس العناوين نحو البيع والصلاة والشرط والنذر وهكذا كذلك لازم على

[ 118 ]

فرض تعلق الحكم على نحو القضية الحقيقية، والعام الاصولي، نحو (المؤمنون عند شروطهم) (1) و (أوفوا بنذوركم) مثلا، فان الحكم في تلك القضايا انما تعلق بالكثرة الاجمالية من تلك العناوين، ولا يعقل تعلقها في مقام الجعل بملازماتها ومتحداتها خارجا، فكما أن الشرط وهو قرار خاص لا يحكي عن عنوان أو عناوين أخر كذلك الشروط وهي المصاديق الذاتية للقرار لا يعقل أن تكون حاكية عن ملازماتها ومتحداتها في ظرف الخارج، فأوفوا بالشروط لا يعقل حكايتها عن الفسخ واللافسخ بعنوانهما ولا عن مصداقهما، ولا يرجع ذلك إلى قوله: (لا تفسخ) و (افسخ) و (صل) و (صم) إلى غير ذلك، وإن كان لا يحصل الوفاء إلا باتيان ما تعلق به الشرط كالفسخ والاسقاط، لانهما كما هما مصداقان ذاتيان لعنوانهما الذاتي مصداقان عرضيان للوفاء بالشرط، فقبل الشرط لو وجد الفسخ مثلا لا يصدق عليه إلا عنوانه فقط، وبعد الاشتراط صار مشروطا وعرض له عنوان عرضي فإذا تحقق وجد معه عنوان ذاتي هو عنوان الفسخ، وعنوان عرضي هو عنوان الشرط أو المشروط، فيحصل الوفاء بايجاده من غير تعلق الحكم بالعنوان الذاتي أو مصداقه، فتدبر جيدا. هذا مضافا إلى أن التعلق بنفس العناوين يوجب المحذور العقلي في بعض الموارد، كما لو شرط عليه صلاة فريضته لو رأى إهماله فيها، فانه شرط جائز، أو نذر إتيان الصلاة الفريضة، فانه منعقد، ولازم ذلك تعلق أمرين مستقلين وإرادتين كذلك بعنوان واحد وهو ممتنع كامتناع تعلق الامر والنهي به، فلابد إما من (الالتزام) بسقوط الامر بالصلاة، وهو باطل، لان السقوط إن كان من باب المزاحمة فلا يعقل سقوط الاهم، ولا إشكال في أن الفريضة كذلك، وبهذا يظهر فساد سقوطهما، مع أن


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 119 ]

لازمه بطلان الشرط (أو الالتزام) بسقوط الامر بالوفاء، وهو مساوق لبطلان الشرط أيضا. وتوهم أن الامر بالشرط أو النذر يوجب التأكيد فاسد، فان مبادئ الاوامر التأكيدية عين مبادئ التأسيسية، فالامر بالصلاة مكررا تأكيد، إذا كانت مهمة في نظر الآمر، ومع اختلاف المبادئ لا يعقل التأكيد، وما ذكروا في أشباه ذلك من القول بالتأكيد غير مرضي، فالتحقيق ما عرفت. ثم على فرض تسليم تعلق الامر بالعنوان المذكور في تلو الشرط فغايته فيما إذا شرط عدم الفسخ أنه يجب عليه ذلك، وأما حرمة الفسخ فمبنية على القول بأن الامر بالشئ يقتضي النهي عن الضد العام، وكذا الحال في حرمة النقض، فانها مبتنية على اقتضاء وجوب الشرط لها، والاقتضاء المذكور باطل، لما قرر في محله. وحاصله أن الاقتضاء بمعنى استلزام البعث المتعلق بالشئ للزجر عن نقيضه مستحيل، لان المعاني الاختيارية المتوقفة على المقدمات الخاصة بها لا يعقل أن تكون لازمة لشئ ومترتبة عليه قهرا مضافا إلى وضوح بطلان ذلك، لان الاوامر الصادرة عن الموالي لا يترتب عليها النواهي بالوجدان، وكذا الحال في استلزام إرادة الشئ لارادة نقيضه. ولو قيل: إن المراد أن الآمر بشئ لا يعقل أن يكون راضيا بتركه فلو التفت إليه ينهى عنه، وهذا كاف في المدعى. وإن شئت قلت، إن وجوب شئ مستلزم لحرمة نقيضه، ولهذا نرى أن الموالي كثيرا ما ينهون عن ترك ما أمروا بها. يقال: إن عدم الرضا بالترك أو الامر بعدمه (إن كانا) ناشئين عن مفسدة ملزمة في الترك بدعوى أن كل شئ أمر به لاجل مصلحة ملزمة فيه يكون في عدمه وتركه مفسدة ملزمة مستتبعة للحرمة والنهي عنه، ففيه مع بطلانه في نفسه ومع الغض عن أن الاعدام لا يعقل أن تكون ذات

[ 120 ]

مفسدة أو مصلحة أن الحرمة وعدم الرضا بالترك لاجل المفسدة الكامنة في ذات المنهي عنه لا تكونان حينئذ لاقتضاء الامر للنهي عن النقيض، بل الحرمة وعدم الرضا ثابتتان مستقلا لا باقتضاء الامر، وهو واضح. و (إن كانا) ناشئين عن المصلحة في المأمور به بمعنى أن النهي لاجل تحصيل المصلحة فيه وان عدم الرضا لذلك، فلا يعقل أن يكون النهي تحريميا تكليفيا، بل إما إرشاد عقلي، نظير الامر باطاعة الله، أو تأكيد لايجاد المأمور به، ولهذا لا يكون في ترك كل أمر مخالفتان ومعصيتان وعقابان، فلو كان النهي تكليفيا يلزم أن يكون في ترك كل أمر عقابان، وهو ضروري البطلان، فالحق أن الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن نقيضه وكذا العكس. ثم لو أغمضنا النظر عما تقدم وقلنا بأن الشروط في قوله صلى الله عليه وآله: (المؤمنون) الخ عنوان مشير إلى نفس العناوين الذاتية المأخوذة تلوها، كالبيع وعدمه والخياطة ونحوها، بأن كان المراد منه أن كل عنوان جعلوا تلو الشروط يلتزمون به، وهم ثابتوا الاقدام عنده، فيرجع إلى تعلق حكم شرعي مناسب للشرط بما هو تلوه، فإذا شرط أن لا يفسخ يتعلق به النهي عنه، وإذا شرط أن يبيع يتعلق الامر به، فالحكم الشرعي تابع للشرط وجودا وكيفية، وانما الشرط محقق موضوع الحكم، وهو نفس العناوين، وما تعلق بها من الحكم هو ما يناسبها أمرا ونهيا. وهذا بوجه نظير قوله تعالى (أطيعوا الله) بناء على عدم كون عنوان الاطاعة موضوعا لحكم عقلي، بل يكون مشيرا إلى الاحكام الصادرة عنه تعالى، فكأنه قال: اتبع الاحكام المذكورة بعناوينها، ومعلوم أن ذلك يختلف في الاوامر والنواهي وفي الاحكام التكليفية والوضعية والنفسية والارشادية إلى غير ذلك، فأمر العباد بتبعية الاحكام بعناوينها، وهي

[ 121 ]

مختلفة، فلا بد للعباد من ملاحظة ظهورات أدلة الاحكام والاستظهار منها وتبعيتها. وفي المقام أيضا على هذا المبنى الفاسد لابد للمشروط عليهم من تبعية الاحكام المتعلقة بها تبعا للشروط وكيفيتها، فيجب عليهم الفعل تارة والترك أخرى، فإذا شرط عدم الفسخ وعدم البيع يتعلق بهما حكم مناسب كقوله لا تفسخ، أو حرم عليك أو وجب عدمه، فلابد من ملاحظة ظهورات تلك الاحكام المقدرة التابعة للشروط المتعلقة بها. فإذا استلزم الشرط النهي عن البيع أو الفسخ ونحوهما مما هي وسيلة إلى أمر آخر وسبب لتحقق شئ آخر يستفاد منه الوضع والارشاد إلى البطلان، كما هو الشأن في النواهي المتعلقة بما ذكر ابتداءا، والفرض أن الشرط ليس موضوعا لحكم، ولا وفائه واجبا، وإلا انهدم الاساس من أصله، وإذا استلزم النهي عن شئ نفسي كالخياطة والشرب ونحوهما يستفاد منه التحريم النفسي. بل لو قلنا بأن المستفاد من الدليل على هذا المبنى أيضا وجوب ترك البيع والفسخ، فكأنه قال: (اتركهما) كان المستفاد أيضا مختلفا باختلاف الموارد، وكذا في قوله: يحرم ويجب وشبههما، فلو قال: (لا تصل في وبر ما لا يؤكل) أو قال: (اترك الثوب الكذائي في صلاتك) أو قال: (يجب عليك أن لا تصل في وبر ما لا يؤكل) أو قال: (تحرم أو لا تجوز الصلاة فيه) أو قال: (يجب الاجتناب عنه فيها) يستفاد منها الوضع لا التكليف. وقد تقدم منا مرارا أن تلك العناوين مستعملة في معانيها الحقيقية لغة وعرفا، وانما يستفاد منها النفسية والوضعية والتكليفية والارشادية بمناسبة اختلاف الموارد والموضوعات، فالحرمة بمعنى الممنوعية إذا تعلقت بأمر

[ 122 ]

نفسي يستفاد منها التكليف كقوله: (يحرم شرب الخمر) أو (شربها حرام) وإذا تعلقت بما يتوقع منه التأثير والتوسل إلى شئ كالاسباب والموضوعات المركبة المتوقعة منها ذلك وقال: (يحرم عليك الصلاة في وبر ما لا يؤكل) يستفاد منها المانعية من غير اختلاف في المعنى المستعمل فيه في شئ من تلك الموارد والعناوين، ومن غير فرق بين كونها مدلولة بدلالة مطابقية أو التزامية بالمعنى الخاص أو العام. هذا كله إذا قلنا بأن الشروط عنوان مشير إلى نفس العناوين الذاتية وأن قوله صلى الله عليه وآله: (المؤمنون عند شروطهم) (1) لا يمحض في الوجوب التكليفي. وأما إذا قلنا: إنه ممحض فيه ولا يستفاد من لوازمه الارشاد أو الوضع ونحوهما، فالتقريب المذكور لا يفيد، وحينئذ فهل يمكن استفادة الوضع منه أيضا؟ وقد قررت الدلالة عليه بوجوه: (منها) ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في أول كلامه من أن وجوب الوفاء بالشرط مستلزم لوجوب إجباره عليه وعدم سلطنته على تركه فمخالفة الشرط غير نافذة في حقه. و (منها) ما أفاده بعض الاعاظم (قده) من أن النهي إذا تعلق بالمسبب يوجب سلب قدرة الفاسخ على الفسخ، كما لو شرط أن لا يبيع من زيد، فانه يبطل البيع، لفساد المعاملة إذا تعلق النهي النفسي بها، لسلب قدرة المالك على البيع من زيد. ويرد عليهما أنه لا يعقل تعلق الامر والنهي التكليفيين بما هو غير مقدور للمكلف في ظرف العمل، فكما يمتنع الامر التكليفي جدا من الآمر الملتفت إلى شئ ممتنع النهي عنه أيضا، لان غاية البعث والزجر الانبعاث


(1) الوسائل الباب - 20 من أبواب المهور - الحديث 4 - كتاب النكاح.

[ 123 ]

والانزجار، ولا يعقل ذلك في الممتنع، وكذا الحال فيما إذا كان المأمور به أو المنهي عنه محققا، وذلك واضح. ولا فرق في الامتناع بين سلب القدرة سابقا على الامر والنهي أو حصوله بهما، فالآمر الملتفت إلى أن مجرد أمره يوجب سلب قدرة المأمور لا يعقل منه صدور البعث أو الزجر، فيرجع أمره إلى التعجيز، وهو غير التكليف، وفي المقام لو فرض أن مجرد الامر التكليفي يوجب سلب سلطنة المأمور على الفسخ وسلب قدرته عنه لا يعقل صدورهما منه، لان المفروض أن في ظرف الانبعاث والانزجار كان المكلف غير قادر وصار البيع لازما والفسخ لغوا. فيتضح من ذلك أن الوجوب التكليفي متوقف على إمكان الفسخ وصحته، وإمكان البيع وصحته، لان المأمور به أو المنهي عنه ليس صورة الفسخ وإيجاد الالفاظ، فان ذلك لا يوجب سلب القدرة وعدم نفوذ البيع أو الفسخ، بل لو شككنا في مورد في نفوذ البيع أو الفسخ وأحرزنا الوجوب أو الحرمة التكليفية المتعلق بهما نحكم بنفوذهما وصحتهما كما في المقام على فرض الشك في النفوذ، كما هو واضح. ثم إن هذا على مبناهم في باب الاوامر والنواهي، وأما على ما سلكنا في الاوامر والنواهي القانونية فالكلام على نحو آخر، ولا داعي في التفصيل بعد سقوط أصل المبنى. ومن الغريب ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من ان وجوب الوفاء بالشرط مستلزم لوجوب إجباره وعدم سلطنته، مع أنهما متنافيان، لان لازم وجوب الاجبار على ترك الفسخ إمكانه، وهو مناف لعدم السلطنة ومع عدمها لا يعقل وجوب الاجبار، ولا معنى لوجوب إجباره على ترك لقلقة اللسان.

[ 124 ]

كما أن ما أفاد بعض الاعاظم (قده) ظاهر النظر، فانه بعد تمثيله الصورة الاولى من شرط الفعل في المقام بشرط أن لا يبيع من زيد والثانية بشرط أن يبيع منه قال: (إن النهي النفسي تعلق بعدم البيع من زيد في الاولى وبعدم البيع من غير زيد في الثانية وهو يقتضي الفساد وسلب القدرة، لان المعاملة من جهة تخصيص (الناس مسلطون) (1) بأدلة الشروط تصير منهيا عنها بالنهي النفسي، لا من جهة أن وجوب البيع من زيد يوجب النهي عن ضده، بل من جهة أن القدرة شرط ومع الشرط المذكور تسلب القدرة شرعا للنهي النفسي المتعلق به) انتهى ملخصا. وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن قوله صلى الله عليه وآله: (المؤمنون عند شروطهم) (2) لا يدل إلا على وجوب الوفاء بالشروط بعنوانها، أو على وجوب ما يتعلق به الشرط، كعدم البيع من زيد أو البيع منه في المثالين، وعدم الفسخ، أو إسقاط الخيار في المقام، وأما حرمة الاضداد العامة أو الخاصة فليست مفاده، وانما تستفاد منه على القول باقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده. وإن شئت قلت: إن شرط المتعاملين لا يوجب تخصيص دليل السلطنة وسلب القدرة، لعدم صلاحية نفس اشتراطهما لتخصيص الادلة الشرعية، بل لو فرض صحة التخصيص فانما هو من جهة الامر بوجوب الوفاء أو النهي المذكور، وقد عرفت الاشكال فيهما من جهة إمكان التكليف على الفرض، ومن جهة أن النهي غيري على فرض الاقتضاء لا نفسي كما لا يخفى. لكن يمكن المناقشة في تخصيص دليل السلطنة بأدلة الشروط، فان


(1) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث. (2) الوسائل الباب 20 من أبواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 125 ]

مقتضى إطلاق دليل السلطنة نفوذ المعاملات الصادرة من صاحب المال، وحلية التصرفات الخارجية فيه، لا بمعنى استعمال لفظ السلطنة في الاعم بل بمعنى ما قررناه في أشباهه من أن المتفاهم من تعلقها بالمعاملات، كقوله: (إنه سلطان على ماله بيعا وهبة وصلحا) هو الحكم الوضعي، ومن تعلقها بسائر التصرفات، كقوله: (إنه سلطان عليه أكلا وشربا ولبسا) هو الحكم التكليفي ولو بلازمه في المقام، فدليل السلطنة يفيد صحة البيع، ودليل الشرط على فرض التسليم يدل على حرمته، ولا تنافي بينهما، مع أن النهي لم يتعلق بالمسبب كما ادعاه القائل، فان المفروض أن الشرط هو الفعل أي عدم البيع أو عدم الفسخ، والنهي على الفرض المذكور يتعلق بالبيع والفسخ بالمعنى المصدري، وحرمته لا تنافي الحكم الوضعي المستفاد من دليل السلطنة حتى يخصص دليلها بدليل الشرط. ومن ذلك يظهر النظر في كلام الشيخ الاعظم (قده) أيضا، لان وجوب الوفاء لا ينافي السلطنة على ترك الفسخ والحكم الوضعي. (وقد يقال): إن الشرط يوجب حقا للمشروط له، ولذا يجوز إجباره، ويسقط باسقاطه، والتصرف في متعلق حق الغير غير نافذ فالفسخ غير نافذ. (وفيه) أن ذلك الحق المدعى لو كان ثابتا في محيط العقلاء وكانوا يرون أن الشرط في مثله يوجب امتناع تأثير الفسخ ونحوه لم يعقل الجد على الاشتراط، لان اشتراط فعل ما يصير ممتنعا في ظرف العمل محال من العاقل الملتفت كما مر، فلنا أن نقول: إن شرط الفعل في أمثال المقام واقع من العقلاء، والاجبار على العمل بالشرط حكم عقلائي، ومن هذا وذاك نجزم بأن العقلاء لا يرون ثبوت حق يوجب امتناع الفعل والعمل بالشرط، فاحتمال حصول الحق الموجب لعدم النفوذ مدفوع بذلك، وكذا

[ 126 ]

الحال لو كان احتمال ثبوت حق شرعا مع صحة شرط الفعل وجواز إجباره على العمل أو لزومه، فاطلاق دليل الشرط الكذائي يدفع احتمال الحق الكذائي، هذا كله بناء على تعلق حق للمشروط له بما تعلق به الشرط. وإلا فلا ينبغي الاشكال في أن نفس الالتزام والشرط يوجب حقا للمشروط له على المشروط عليه بأن يعمل على طبق شرطه والتزامه، وهذا أمر مشترك بين جميع الشروط من غير فرق بين المتعلقات، وللمشروط له حق إلزام المشروط عليه على ذلك، لا من باب الامر بالمعروف، فان ذلك الحق ثابت له حتى عند غير منتحلى مذهب، ولهذا لو شرط عليه عملا فنكل عنه فرفع أمره إلى محاكم العدل أو الجور يقبلون دعواه كسائر الدعاوي، وأما لو رجع إليهم في شخص بأنه يشرب الخمر أو يعمل الحرام الكذائي أو يترك الواجب الكذائي لم يسمعوا منه دعواه، لخروجها عن محط المخاصمات، فالزامه إياه ناش من حق مطالبته بالعمل على قراره كائنا ما كان، وهذا غير تعلق حق بمتعلق القرار، كالبيع والفسخ وعدمهما وأما ما تعلق به الشرط فلا ينبغي الاشكال في أن الحق لو تعلق به فانما يتعلق به تبعا للشرط وعلى منواله، ولا يعقل تعلقه بدائرة أوسع منه أو بغيره مما لم يتعلق به الشرط. ففي المقام أي مورد شرط أن لا يفسخ لابد أن يتعلق الحق على طبق شرطه، ولا إشكال في أن الشرط المذكور شرط عدم الفسخ بالحمل الشائع لا الاولي، لعدم المعنى لاشتراطه، والمعدوم بالشائع لا يعقل أن يكون موضوعا لامر ثبوتي ولو كان اعتباريا، بل لا يعقل ثبوت محمول عدمي له، فلا يعقل صدق قضية موجبة معدولة المحمول ولا موجبة سالبة المحمول مع كون الموضوع عدما ومعدوما بالحمل الشائع. (لا يقال): إن شرط عدم الفسخ أو البيع بالحمل الشائع يرجع

[ 127 ]

إلى ثبوت أمر ثبوتي له، وهو مستحيل على الفرض (فانه يقال): هذا نظير النهي المتعلق بالطبيعة للزجر عن إيجادها، فقوله: (لا تفسخ) زجر عن الفسخ لا أمر بعدمه، فالشرط أيضا شرط عدم الفسخ، أي هذا العنوان للتوسل إلى الزجر عنه، فالشرط متعلق بعنوان ثبوتي لافادة إبقاء العدم على عدميته وترك الفسخ بالحمل الشائع، ولا يلزم من ذلك ثبوت شئ للعدم والترك، بخلاف ما لو قيل بثبوت الحق له، فما هو شرط لا يعقل تعلق حق به، وما يعقل تعلقه به كالعناوين الثبوتية مثل الخيار أو السلطنة أو العقد فشئ منها لا يكون متعلقا للشرط. نعم لا بأس بتعلق الحق بعنوان الترك وعدم الفسخ بنحو الكلي الذي لا ينطبق إلا على مصداق واحد، وهو المصداق التخيلي، لكن شرط ترك الفسخ أو عدمه لا يرجع إلى ذلك، وعلى فرض صحته ورجوعه إليه لا يوجب ذلك حقا للشارط على المشروط عليه، لان المفروض أن المجعول شرط عدم الفسخ لا جعل الترك أو عدم الفسخ على المشروط عليه حتى ينتزع منه الحق، والامر سهل بعد بطلان أصل المبنى. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في آخر كلامه من التمسك باطلاق دليل الشرط لوجوب ترتيب آثار عدم الفسخ حتى ما بعد الفسخ على منوال ما ذكره في (أوفوا بالعقود) فهو غير مرضي، لان وجوب الوفاء في شرط الفعل هو الاتيان أو الترك، لا ترتيب آثارهما، فلو كان لازم شرط عدم الفسخ ترتيب آثار العدم لكان شرط خياطة الثوب وجوب ترتيب آثارها، وشرط الفسخ وجوب ترتيب أثره، وهو كما ترى مع ورود بعض إشكالات أخر عليه لا جدوى لذكره. ثم إن حال شرط إسقاط الخيار تقريرا وجوابا حال شرط عدم الفسخ بل الاشكال هاهنا على التقريبات هناك أوضح، فان لازم التقريب الاول

[ 128 ]

من بيان الشيخ الاعظم (قده) أن لازم وجوب الوفاء وجوب إجباره على الاسقاط وعدم سلطنته على تركه، فيكون الاسقاط غير نافذ، وهو كما ترى (ولو قيل): إنه مع عدم سلطنة الشارط على ترك الاسقاط يستحيل سلطنته على ضده، وهو إعمال الحق بفسخ العقد (يقال): لا وجه للاستحالة إلا من باب الضدية، وهي غير مانعة، بل قد قررنا في محله فعلية الحكمين على المتزاحمين، وفعلية الحكمين المختلفين على عنوانين متضادين. ولازم تقريبه الاخير لزوم ترتيب آثار الاسقاط بمجرد الشرط، وهو واضح النظر، فان لازمه أن كل شرط تعلق بايجاد شئ يوجب لزوم ترتيب آثار الوجود، فلا يجب إتيانه، إذ بدونه أيضا يترتب عليه الآثار وكل شرط تعلق بترك شئ لا يجب تركه، إذ مع إيجاده يترتب عليه أثر الترك، فتكون كلية الشروط الفعلية على خلاف نظر الشارطين، وقد تقدم أن حرمة الفسخ في الفرض لا وجه لها إلا وجوب ضده الخاص، واقتضاء الامر للنهي عن ضده الخاص أوضح فسادا من اقتضائه للنهي عن ضده العام. وكذا الحال في تقريب الحق، فانه على فرض تعلق الحق بالاسقاط لا يوجب الفسخ تصرفا في متعلق الحق، بل يوجب رفع موضوعه، والامر سهل بعدما عرفت من الاشكال في أصل الدعاوي. ثم إن الاشكال الذي أورده الشيخ الاعظم (قده) على شرط النتيجة من أن لزوم الشرط متوقف على لزوم العقد، ولو انعكس لزم الدور قد عرفت اندفاعه عن شرط النتيجة وأنه غير وارد عليه. وأما في المقام فيرد حقيقة، ومجمل القول فيه: إنه (إن قلنا) بأن الشرط في ضمن العقد الجائز لازم بنحو الاطلاق ولازمه تبعية العقد للشرط في وجوبه ولزومه فلا إشكال، لكنه غير مرضي (وإن قلنا)

[ 129 ]

بأن الشرط الكذائي غير لازم رأسا وإن كان صحيحا فلا إشكال أيضا، لكن لا يثبت لزوم العقد به. (وإن قلنا) بأنه لازم ما دام العقد موجودا كما قيل فان قلنا بأن مجرد الوجوب يوجب تعلق حق يدفع سلطنة الشارط على الفسخ والاسقاط ويلزم العقد بمجرده فلا يلزم الدور، لان المفروض أن الشرط لازم في الجملة في ضمن العقد الجائز، وهو كاف في سقوط الخيار ولزوم العقد فلزومه موقوف على لزوم الشرط دون العكس، فلا دور، وإن قلنا بأن ثبوت الحق وسقوط الخيار أو لزوم العقد يتوقف على وجوب الشرط مطلقا لا في الجملة فيمكن الفرق بين شرط الاسقاط وشرط عدم الفسخ، فان شرط عدمه ووجوبه لا يعقل أن يكون محدودا، فانه راجع إلى أنه يجب عليه عدم الفسخ ما لم يفسخ، وهذا التحديد في مثله يرجع إلى المناقضة في الجعل فلابد إما من الحكم ببطلان الشرط، وهو مخالف لاطلاق دليله، أو بالوجوب مطلقا لخصوصية في الشرط، فيرجع إلى أن صحة الشرط موجبة للزومه مطلقا، فيسقط به الخيار، ويتحقق اللزوم من غير لزوم الدور. وأما شرط الاسقاط فيمكن أن يكون واجبا ما دام العقد متحققا وما دام عدم فسخه من غير الاشكال المتقدم، وعليه لا يمكن إثبات لزوم الشرط مطلقا إلا على نحو دائر. هذا إذا قلنا بأن معنى وجوب الوفاء بالشرط وجوب العناوين الواقعة تلوه، كعدم الفسخ والاسقاط (وأما بناء) على ما هو التحقيق من أن الوجوب متعلق بعنوان الوفاء ولا يجب العناوين الاخر فلا مانع من تعلق الوجوب ما دام العقد موجودا، فاثبات اللزوم بنحو الاطلاق المستتبع للزوم العقد دوري، والامر سهل بعد بطلان أصل الدعوى. فتحصل مما مر أن الخيار باق والفسخ نافذ، وعلى ذلك لو كان

[ 130 ]

الشرط عدم الفسخ ففسخ لا موضوع لخيار التخلف، وكذا لو كان إسقاط الخيار ففسخ وتخلف به، وأما لو تخلف بتركه بعد العقد وقلنا بفوريته لاجل قيام القرينة أو كان له أمد وتخلف فيه أو تخلف بتركه إلى التفرق كان للمشروط له خيار التخلف. ولو قلنا بعدم نفوذ الفسخ وبسقوط الخيار بمجرد الشرط فلا يعقل التخلف، إلا أن يكون الشرط مجرد التلفظ بالفسخ، وهو كما ترى. ولو قلنا ببقاء الخيار وعدم نفوذ الفسخ ففي اشتراط عدمه لا يعقل التخلف، وأما في اشتراط الاسقاط ونفوذه على فرضه فان تخلف بناء على الفورية أو كونه ذا أمد أو إلى التفرق ففيه الخيار لو لم يتعلق بواسطة الشرط حق بالخيار أو بالعقد، بل لو كان مقتضاه حق إلزام الشارط فقط، كما أشرنا إليه، وإلا فلا أثر للتخلف حتى بعد موت المشروط له. ثم إنه على ما ذكرناه وبنينا عليه ليس شرط عدم الخيار وكذا شرط عدم الفسخ والاسقاط من مسقطات الخيار، فان الاول راجع إلى عدم الثبوت، والاخيرين لا يوجب شرطهما سقوط الخيار، نعم شرط السقوط بعد الثبوت يكون من المسقطات. ثم إن شرط الاسقاط انما يصح إذا كان الاسقاط نافذا، وإلا فلا يصح، فعلى هذا تكون رتبة البحث عن الاسقاط مقدمة على شرطه، والامر سهل. بقي الكلام فيما حكي عن المشهور من أن تأثير الشرط موقوف على ما إذا ذكر في متن العقد، فلو ذكر قبله لم يفد، وما يحتمل فيه أن يكون محل الكلام أمور: (منها) أن المقصود أن لا أثر للشرط الابتدائي مقابل من يرى عدم الفرق بينه وبين المذكور في ضمن العقد، ويبعد هذا الاحتمال أن هذا

[ 131 ]

ليس مخصوصا بباب الخيار، ومحل بحثه باب الشروط، وقد فصلنا الكلام فيه في باب المعاطاة. و (منها) أن الشرط ولو كان في ضمن عقد آخر لا يصح إذا وقع قبل العقد، وهذا أمر قابل للبحث في المقام، بدعوى أن شرط عدم الخيار قبل العقد باطل، لكونه من قبيل سقوط ما لم يجب، وإرجاعه إلى الدفع انما يصح إذا وقع في ضمن العقد، بل الشرط مطلقا سواء كان شرط عدم الثبوت أو شرط عدم الفسخ أو الاسقاط لا يصح قبل الاشتغال بايجاد السبب، فلا يصح اشتراط شئ مربوط بعقد مفقود كما قيل نظيره في الوكالة، لعدم عقلائية الاشتراط، وانصراف دليل الشرط عنه، وليس المقصود تصديق هذه الدعوى، إذ هي محل المنع إلا في بعض الفروض لا في المقام، بل المقصود أنه أمر قابل للبحث في خصوص المقام. و (منها) أن شرط عدم الفسخ وإسقاط الخيار ونحوهما مما هو غير مربوط بالعوضين أو خارج عن بناء العرف عادة لابد وأن يذكر في متن العقد، وذكره قبله والبناء عليه لا يفيد، ولعل هذا هو المراد في المقام. والتحقيق فيه أنه إن قلنا بأن ماهية الشرط عبارة عن الالتزام الانشائي المحتاج إلى الجعل والانشاء كماهية البيع التي هي مبادلة مال بمال إنشاء كما مر منا كرارا فلا ينبغي الاشكال في عدم إمكان كونه من المداليل الالتزامية لالفاظ البيع، من غير فرق بين ما يرجع إلى العوضين كشرط كون الحنطة حمراء والثمن ذهبا ونحوهما وبين الشروط الاخر، وذلك لان المدلولات الالتزامية هي اللوازم المترتبة على المدلولات المطابقية قهرا كطلوع الشمس ووجود النهار، والاربعة والزوجية ولا تحتاج في وجودها إلى علة مستقلة ولا يعقل أن يكون الاشتراط معنى التزاميا مترتبا قهرا على إنشاء البيع، لان إنشاء الشرط يحتاج إلى مبادئ خاصة به غير مبادئ إنشاء العقد،

[ 132 ]

والمبادئ للامر الاختياري لا يعقل أن تترتب على أمر آخر قهرا وبلا اختيار فالقول بأن ما يرجع إلى شروط العوضين ونحوها يكون إنشاء العقد إنشاء لها، لانها من لوازم ألفاظ العقود، فكما أنه ينشأ بها معانيها المطابقية فكذا مداليلها الالتزامية، بخلاف غيرها كالشرط في المقام كما ترى. وإن قلنا بأنها عبارة عن الالتزام النفساني إذا كان له مبرز بأي وجه كان فيمكن أن يقال بأن المقاولة قبل البيع وايقاعه مبنيا عليها مبرز عرفا للالتزام في ضمن العقد كسائر التعهدات، لقيام القرينة العرفية، لا لكونه مدلولا التزاميا، فمن قال قبل البيع: بعني وأنا متعهد لك إسقاط الخيار أو خياطة الثوب، فقال: بعتك فقبل، يقال: إنه تعهد له بكذا في عقد، لكن الشأن في كون الشرط ذلك، فان لازمه أن لا يصدق الشرط لو باع فضولي عن صاحبه وشرط عليه شئ، مع وضوح الصدق عرفا، مضافا إلى أن الشرط كغيره من نظائره من الامور الاعتبارية العقلائية المجعولة بالتسبيب لا من الامور التكوينية الخارجة عنها، فهو قرار خاص كسائر القرارات، بل التعهد والالتزام ليس إلا من الاعتباريات المجعولة، كالكفالة والضمان ونظائرهما. فرع: عن العلامة في التذكرة بطلان شرط نفي خيار المجلس وغيره في متن العقد فيما إذا نذر المولى أن يعتق عبده إذا باعه، بأن قال، (لله علي أن اعتقك إذا بعتك) قال: (لو باعه بشرط نفي الخيار لم يصح البيع لصحة النذر، فيجب الوفاء به، ولا يتم برفع الخيار، وعلى قول بعض علمائنا من صحة البيع مع بطلان الشرط يلغو الشرط ويصح) انتهى.

[ 133 ]

أقول: فساد الشرط اللازم منه فساد البيع على القول بأن الشرط الفاسد لا يجتمع مع صحة البيع مبني إما على تعلق حق بالعين المتعلق بها النذر أو على ثبوت تكليف يمنع عن القدرة على الشرط، وكلاهما مزيفان فان اعتبار النذر جعل الناذر لله تعالى على عهدته فعلا أو تركا فهو شبيه بالدين وإن لم يكن كذلك حقيقة، ولهذا ورد في الحج (إن دين الله أحق بالقضاء) (1) لان نحو اعتبار الحج أيضا شبيه بالدين، لقوله تعالى: (لله على الناس حج البيت) (2) فالحق لو كان فانما هو حق الله المتعلق بنفس الفعل أو الترك، والمتعلقات خارجة عن النذر. (وتوهم) أن النذر ونحوه إذا تعلق بفعل مربوط بالعين وصح اعتبار الحق فيها يعتبره العقلاء (مدفوع) لان كيفية النذر في جميع الموارد على وزان واحد، فلو نذر افتراش شئ في مسجد أو مشهد أو إعطاء شئ جزئي أو كلي لشخص أو فعل صلاة وصوم فالناذر في أمثالها لم يجعل على عهدته إلا فعلا لله تعالى، ولم يجعل للمذكورات على عهدته شيئا حتى ينتزع منه الحق، وانتزاع الحق الاعتباري لله تعالى فاسد جدا، لعدم اعتبار العقلاء أمثال ذلك لله تعالى شأنه، واعتباره للاشخاص مما لا وجه له، ومجرد نحو اضافة إليهم لا يوجب ذلك، وأما تعلق الحكم التكليفي بالوفاء فهو لا يوجب سلب القدرة شرعا، ولا يستلزم النهي عن الشرط وسائر الاضداد، وعلى فرض استلزامه فهو غيري لا يوجب الفساد، كما مر في شرط عدم الخيار. هذا كله في النذر مطلقا. وأما في المقام فالامر أشكل، لان النذر مشروط بالبيع، والتكليف تابع في الاطلاق والاشتراط له، فقبل تمامية البيع لم يتعلق تكليف بالوفاء


(1) كنز العمال - ج 3 ص 56 - الرقم 1037. (2) سورة آل عمران: 3 - الاية 97.

[ 134 ]

إذ ظرف الشرط هو البيع، فمع تماميته يوجد لازما وبلا خيار، لان شرط عدم الخيار دافع له، ففي رتبة الشرط لا حكم تكليفي ولا حق خالقي ولا خلقي، وفي ظرف تعلق الحكم أو الحق ليس الموضوع قابلا لتعلقهما هذا مضافا إلى أن الحق إذا كان خلقيا فلا يصح تعلقه في المقام بالعين، إذ لا يمكن أن يصير العبد ذا حق على نفسه، مع أن استحقاق العبد على مولاه محل إشكال أو منع. مسألة: ومن المسقطات إسقاطه بعد العقد، ولا ينبغي الاشكال فيه، من غير احتياج إلى التشبث بالاجماع والادلة اللفظية، فان احتمال عدم مسقطيته (إما من جهة) احتمال أن الخيار في المقام شرعي لا عقلائي، وأن ماهيته غير ماهية الخيار العقلائي، فمن المحتمل عدم سقوطه بالاسباب العقلائية. وهو واضح الضعف، ضرورة أن الخيار أمر معهود عند العقلاء، رائج في سوقهم، ومورد ابتلائهم صباحا ومساء، كخيار الشرط، وتخلفه، وتخلف الوصف، وخيار العيب، والغبن مما هي عقلائية وليست من مخترعات الشرع، ولا شبهة في فهم العقلاء من قوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) (1) ما هو المعهود عندهم من المعنى العرفي والماهية العقلائية، بل ولو كان المعنى اللغوي مخالفا للعرفي في مثل ذلك الامر الشائع يحمل على الثاني، ولا إشكال في عدم اصطلاح خاص للشارع الاقدس في هذه الحقائق، فحقيقة الخيار شئ واحد هي الحقيقة العرفية في جميع الموارد، وكون خيار المجلس والحيوان شرعيا


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخيار - الحديث 1.

[ 135 ]

لا عقلائيا ليس معناه أن ماهية الخيار شرعية، بل المراد أن الخيار المعهود عند العرف مجعول شرعا في هذين الموردين. و (إما من جهة) احتمال أنه من الحقوق غير القابلة للاسقاط، أو أن له مسقطا خاصا، ويمكن الاستدلال عليه باطلاق قوله عليه السلام (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) (1) فيدل باطلاقه على عدم السقوط بعد الاسقاط. وفيه ما لا يخفى، أما الاحتمال الاول فلانه مساوق لاختلاف ماهية خيار المجلس والخيارات العرفية، وقد عرفت ما فيه، بل وكذا الثاني، لان عدم تأثير المسقطات والاسباب العرفية لا محالة يرجع إلى تصرف شرعي في الخيار يجعله غير قابل للسقوط بالمسقطات العقلائية. ولو لم يسلم ذلك لاحتمال الردع عن المسقط العرفي فهو مدفوع بأن الردع عن هذا المعنى الرائج العقلائي لو كان لوصل الينا، بل في مثل ذلك لابد من الاعلان والتكرار حتى لا يخفى على العرف، فلا يمكن رفع اليد عن طريقة العقلاء بمجرد الاحتمال. وأما التشبث بروايات الخيار ففي غير محله، لانها بصدد بيان ثبوت الخيار إلى غاية خاصة هي الافتراق، ولا شبهه في أنها ليست من المسقطات فعلى ذلك لا يكون للادلة إطلاق بالنسبة إلى حال الاسقاط، بل أصل جعل الخيار الذي هو الحق المجعول للمتعاملين وإعطاء الاختيار لهما شاهد أو دال على أن أمره بيده إبقاء وإسقاطا، وفي كيفية الاسقاط يرجع إلى المتعارف. فلا إشكال في المسألة بعد تعارف إسقاط الحقوق بالاسباب العقلائية من غير احتياج إلى ما في أدلة الخيارات وفحواه، ولا إلى قوله صلى الله عليه وآله: (الناس مسلطون على أموالهم) (2) وفحواه، مع أن قاعدة


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخيار - الحديث 3. (2) البحار ج 2 ص 272 الطبع الحديث.

[ 136 ]

السلطنة على الاموال والحقوق والنفوس من القواعد المحكمة العرفية التي لا تمس كرامتها شبهة ولا إشكال، وهي معمول بها في جميع الملل والنحل، التزموا بشرع أم لا، فالاستدلال على السلطنة عليها بتلك القاعدة العقلائية صحيح لا ريب فيه، وتوهم شرعية القاعدة والاحتياج إلى دعوى الفحوى غير وجيه، سيأتي الكلام فيها وفي الفحوى. هذا كله بحسب القواعد، وأما مع الغض عنها فهل يدل على المقصود ما استدل به الشيخ الاعظم (قده) من فحوى الادلة؟ ولا بد قبل الورود فيه من التنبيه على أمر، وهو أن كثيرا ما يختلط الامر في المدعى والدليل لاجل عدم تمحيض الكلام في المدعى والدليل الخاص به، ففي المقام يكون المدعى هو استقلال الاسقاط للمسقطية وأنه أحد المسقطات مقابل سائرها، فلا بد من الاستدلال عليه، وعدم الخلط بينه وبين مسقط آخر هذا. فنقول: (أما فحوى) صحيحة ابن رئاب (فان أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة الايام فذلك رضا منه، فلا شرط) الخ (1) (فالظاهر) عدم صحة التشبث بها، فانها بعد لزوم حمل الكلام فيها على الحقيقة الادعائية، ضرورة أن إحداث الحدث والتصرف الخارجي ليس رضا منه على وجه الحقيقة - فيها احتمالات. (منها) أنه رضا منه تنزيلا، لاشتراك التصرف والرضا في الاثر بحسب الواقع والحكم الالهي، فيستفاد منها أن الرضا موجب لعدم الخيار أصالة، والتصرف موجب له تنزيلا له منزلته تعبدا، ومن الواضح أن الاسقاط ليس رضا ولا منزلا منزلته، فتكون الرواية أجنبية عن الدلالة على السقوط بالاسقاط. و (منها) أن الوجه المصحح للادعاء هو أن إحداث الحدث


(1) الوسائل الباب - 4 - من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 137 ]

كاشف نوعي عن الرضا، فحينئذ إن كان المقصود أن ذلك مصحح للدعوى وإثبات حكم الرضا له تعبدا فهو كالاحتمال السابق في عدم الربط بالاسقاط وإن كان المقصود اثبات الكاشفية له شرعا باعتبار الكشف الظني عرفا، بأن كان المراد أن التصرف وإحداث الحدث ليس بنفسه محكوما بحكم الرضا بل يثبت به الرضا المسقط، فيحكم في الظاهر بعدم الخيار فهو كالسابق أيضا، بل أولى بعدم الدلالة والربط، فان الحاصل منه أن الرضا المنكشف بالتصرف مسقط، ولو انكشف تخلف الامارة يحكم بعدم المسقطية. (ولو قيل): إن التصرف إذا كان لكشفه النوعي مسقطا لكان الاسقاط كذلك بالفحوى، لانه دال على الرضا بالاولوية (يقال): إن المسقط حينئذ هو الرضا لا الاسقاط، والمدعى أنه مسقط بذاته ومستقل فيه لا كاشف عنه. ومما ذكر يظهر الحال لو كان المراد كشفه عن الرضا الشخصي، وهو مسقط حقيقة، وكذا حال الاحتمال الآخر، وهو كون المصحح أن التصرف مظهر للرضا، والمسقط الرضا المظهر أو إظهار الرضا. و (منها) أن مصحح الدعوى هو كون الرضا حكمة للحكم، وأن التصرف مسقط لهذه الحكمة، لا أن الرضا مسقط أو دخيل في الاسقاط، فيرجع الامر إلى أن الشارع جعل التصرف وإحداث الحدث مسقطا لهذه الحكمة، وعليه فاثبات كون الاسقاط مسقطا بها محل إشكال بل منع، لان المسقطية التعبدية للحكمة المذكورة لا يستفاد منها ذلك. و (منها) أن المصحح للحمل هو مجرد شباهة التصرفات بالرضا في الاسقاط، فيكون الرضا مسقطا مستقلا، والتصرف مسقطا كذلك، فكأنه قال: التصرف كالرضا في الاسقاط، وكون التصرف إسقاطا لكونه مسقطا عمليا، فالاسقاط اللفظي أولى به.

[ 138 ]

ويشكل ذلك بأن مسقطية التصرف حينئذ إن كانت تعبدية فلا تثبت الدعوى كما مرت الاشارة إليه، وإن كانت لاجل أن ذلك إنشاء فعلي للاسقاط فهو مخالف لاطلاق النص والفتوى من أن إحداث الحدث يسقطه وإن وقع ساهيا أو ناسيا أو غير مريد للاسقاط، بل حمل الرواية على ذلك حمل على الفرد النادر، ضرورة أن مثل اللمس والنظر إلى ما لا يحل لغيره لا يقع عادة في مقام إنشاء الاسقاط لو سلم صحة وقوع مثله لذلك، فلا محالة يكون إحداث الحدث على هذا الفرض مسقطا لصرف التعبد، بقي هنا بعض احتمالات أخر لا داعي لذكرها. ثم إنه هل يمكن أن يكون الاسقاط لفظا مسقطا مستقلا في قبال مسقطية الرضا بالبيع؟ فيه تفصيل، فانه إن قلنا بأن الرضا المسقط هو الالتزام بالبيع بحسب الواقع من غير دخالة شئ آخر فيه من الفعل أو القول المظهر له، بمعنى أنه لو رضي به يسقط الخيار واقعا، وإن لم يكن له مظهر فلا يعقل أن يكون إنشاء الاسقاط مسقطا، لانه مسبوق بوجود سبب السقوط دائما، ضرورة عدم إمكان عدم الالتزام بالبيع حين إنشاء الاسقاط فالمنشئ للاسقاط لا محالة رضي بالبيع والتزم به ثم أنشأه، فلا يقع الانشاء سببا فعليا في مورد من الموارد. وإن قلنا بأن الرضا المسقط ليس عبارة عن الالتزام بالبيع أو ببقائه فانهما حاصلان دائما، بل عبارة عن الاعراض عن حق الخيار، فيكون المراد منه الالتزام بالبيع معرضا عن الحق، والمسقط هو الاعراض، نظير الاعراض عن الملك، فانشاء الاسقاط يكون مستقلا في قبال الاعراض، فان الاسقاط في نظر المسقط يتعلق بالحق المحقق، ولا يعقل أن يكون مسبوقا بالاعراض أو موقوفا عليه، فالاعراض ترك الحق ورفضه، وله مقدمات والاسقاط إفناؤه، وله مقدمات غير مقدمات الاعراض، فيكون

[ 139 ]

كل منهما مستقلا في التأثير، ومخالفا ذاتا وموردا للآخر. وإن قلنا بأن الرضا المظهر مسقط، بمعنى أن الرضا المتصف بالمظهرية مسقط، لا أن الدال على الاظهار جزء موضوع، فالاسقاط مستقل ومقدم في التأثير والسببية عليه، لان إنشاء الاسقاط مسقط وموجب لصيرورة الرضا مظهرا، ففي رتبة تمامية السبب يسقط الخيار بالاسقاط فلا يبقى مجال لتأثير الرضا الموصوف. وكذا الحال لو قلنا بأن الاظهار جزء موضوع، أو قلنا بأنه تمام الموضوع ولا دخل للرضا الواقعي فيه، فان في كل ذلك يكون سببية الاسقاط مقدمة على سببية الرضا المظهر أو إظهار الرضا تقدم الذات على الوصف في بعض وتقدم الجزء على الكل في بعض، هذا حال فحوى ما دل على أن التصرف رضا منه. وأما فحوى دليل السلطنة على الاموال لاثبات أن الاسقاط مسقط ففيها إشكال من جهتين: (الاولى) أن دليل سلطنة الناس على أموالهم مع الغض عن أنه حكم حيثي لا فعلي فلا إطلاق فيه، ومع الغض عن أنه في مقابل عدم الحجر فلا إطلاق فيه على فرض إطلاقه لا يشمل المقررات العقلائية أو الشرعية في باب الاسباب والمعاملات، فان الشك (تارة) في سلطنة صاحب المال على ماله كالشك في أن له التصرف الخارجي الكذائي أو له نقل ماله بيعا وصلحا وإجارة، و (أخرى) في أن اللفظ الكذائي هل هو سبب للنقل أم لا؟ فالشك من الناحية الاولى يدفع باطلاق دليل السلطنة، لان التصرفات مطلقا حقيقية كانت أم اعتبارية أنحاء وأنواع لها، وأما الشك من الناحية الثانية فلا مجال للدفع به، بل لا معنى لاطلاق الدليل لما لا يكون من حالات موضوعه ولا من أصنافه وأنواعه، ومن المعلوم أن أسباب النقل ليست من حالات المال ولا من حالات السلطنة، وقد مر ذلك في باب المعاطاة.

[ 140 ]

والشك في المقام إن كان في سببية إنشاء الاسقاط في السقوط لا في سلطنة ذي الحق على حقه فلا يدفع باطلاق الدليل، وإن كان في سلطنته على الاسقاط فلا مانع منه على فرض إطلاقه، والظاهر أن مراد الشيخ (قده) في صدر كلامه هو ذلك، وفي ذيله يظهر منه التمسك بدليل السلطنة على صحة الاسقاط بكل لفظ دال عليه، فيرد عليه ما ذكر. (الثانية) أنه يمكن الخدشة في الاولوية والفحوى، ويتضح الامر ببيان الفرق بين الملك والحق من بعض الجهات، وهو أنه بعد اشتراكهما في كونهما أمرا اعتباريا أن الملك اعتبر بنحو الطبيعة بلا شرط القابلة للاتحاد مع الاعيان الخارجية، فيشتق من المادة مشتق محمول على الاعيان، فيقال إن الدار مملوكة لفلان، كالحقائق المشتقة المحمولة بالشائع على الذوات، بل شاع حمل الملك على الاعيان، فيقال: إن البستان ملك زيد، والملك ما يملكه الانسان، أي استعمل في المملوك، ولعل الاستعمال كان توسعا ثم صار معروفا وحقيقة. وأما الحق فهو معتبر نحو الحقيقة بشرط لا بالنسبة إلى المضايفات والمتعلقات، فلا يحمل على الارض المحجرة، ولا يقال: إنها حق زيد، بل يقال: إن له فيها حق، فكأنه اعتبر الحق بنحو الامتياز عن المتعلقات وله نحو تعلق اعتباري بها بخلاف الملك، نعم قد يطلق الحق بمعنى الملك فيحمل شايعا كالملك. ثم إنه لا إشكال في أن الملك والحق أمران اعتباريان مضافان إلى الملك وذي الحق، وأن مناط السلطنة على الاموال ليس ذات الاشياء ولا ماليتها ولا ملكيتها بما هي، بل المناط هو الاضافة إلى المالك، فالناس مسلطون على أموالهم لاجل إضافة الاموال إليهم إضافة الملكية، فالملكية والمالية المضافتان إليه سبب السلطنة عليها.

[ 141 ]

وكذا الحال في الحق، فانه أمر اعتباري وضعي لا يكون بنفسه موضوع دليل السلطنة الشرعية ولا موضوع الحكم العقلائي، بل بسبب اضافته إلى ذي الحق يصير موضوعا له، فحق التحجير شئ واضافته إلى صاحبه شئ آخر ينتقل إلى الغير بالارث أو النقل، فالحق محفوظ ومنقول إلى الغير، والاضافة إلى ذي الحق تتبدل مع حفظ أصل الماهية الاعتبارية، فمناط السلطنة في الحق والملك هو الاضافة. وعليه فدعوى الاولوية والفحوى (إن كانت) لاجل أشدية الاضافة في الملك من الاضافة في الحق ففيها مع بطلانها لان الامور الاعتبارية لا اختلاف فيها بالشدة والضعف والكمال والنقص، بل لا يعقل فيها ذلك فلا يكون الملك أشد إضافة إلى صاحبه من الحق أن لازم ذلك كون الاولوية معكوسة، لان الاضافة الضعيفة إذا صارت موجبة للسلطنة تكون الاضافة القوية أولى بذلك. و (إن كانت) لاجل كون الملك أمرا اعتباريا أشد وأقوى من الحق ففيها أيضا ما تقدم من عدم الاختلاف في الشدة والكمال ومقابليهما في الاعتباريات، مع أن ضعف المتعلق لا يوجب ضعف الاضافة، ألا ترى أن بعض الاملاك اعتباري، كمالكية الزوجة في الارث قيمة بعض الاشياء، والمالكية في الكليات مع عدم الاختلاف في الاضافات، وقد عرفت أن مناط السلطنة هو الاضافات لانفس الاملاك والاشياء، وعلقة المالكية ليست أقوى من علقة الحق. (وتوهم) أن الملك أعيان خارجية والحق أمر اعتباري وذلك يوجب الاختلاف (مدفوع) بأن اختلاف المتعلق لا يوجب اختلاف الاضافة كما مر، مع أن ما يكون طرف الاضافة في الملك هو المالكية والمملوكية أولا وبالذات، والاعيان طرفها ثانيا وبالواسطة.

[ 142 ]

وأما الاستدلال على المطلوب بدليل الشرط ففيه ما لا يخفى، حتى على القول بشموله للشروط الابتدائية. ثم إن الظاهر سقوطه بكل لفظ دال عليه باحدى الدلالات العرفية ولو كانت مجازية أو كنائية، لا لما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من الفحوى المتقدمة، أي فحوى ما دل على سقوطه بالتصرف معللا بأنه رضا بالبيع ولا لفحوى مادل على كفاية بعض الافعال في إجازة عقد الفضولي، لان شيئا منهما لا يدل على أن الافعال آلات لاسقاط الخيار تسبيبا حتى يقال: إن آلية اللفظ أولى من الفعل، بل التصرف في الاول إنما يوجب لزوم البيع، لكونه رضا تعبديا، وهو أجنبي عن السقوط بالاسقاط، وبعض الافعال في الثاني لكشفه عن الرضا بالبيع يوجب نفوذه بناء على عدم احتياج صحة الفضولي إلى أزيد من لحوق الرضا به، وعليه فهو أجنبي عن المقام، وعلى فرض كونه إجازة لا يدل على صحة الاسقاط بالقول بل يدل على أولوية الاجازة لفظا في نفوذ البيع. ولا لما أفاده أخيرا من صدق الاسقاط النافذ بمقتضى ما تقدم من التسلط على إسقاط الحقوق، لما عرفت من أن دليل السلطنة لا يثبت سببية الاسباب ونفوذها حتى على فرض إطلاقه، كما أن (قاعدة إن لكل ذي حق إسقاط حقه) غير ناظرة إلى أسباب السقوط. بل لان ما دل على إسقاطه عرفا ولو بالدلالات المعتبرة المجازية مسقط عقلائي، وهو كاف فيه بعد عدم ردع الشارع الاعظم، ثم إن تعيين ما هو دال عليه بالدلالات المعتبرة موكول إلى العرف. وأما ما فرعه على ذلك في ذيل كلامه من أنه لو قال أحدهما: أسقطت الخيار من الطرفين فرضي الآخر سقط خيار الراضي أيضا، لكون الرضا باسقاط الآخر خياره إسقاطا أيضا فصحته موكول إلى كون نحو

[ 143 ]

قوله: (رضيت) مترتبا على الاسقاط إسقاطا بالدلالة العرفية لا إجازة لاسقاطه، وهو غير خال عن الاشكال. وليس مراده ما احتمله بعض الاجلة من الوجوه المذكورة في تعليقته بل الظاهر بقرينة تفريعه على الدلالة اللفظية وقوله إن الرضا إسقاط أن مراده إظهار الرضا لفظا، لا الرضا الباطني، ولا الرضا بالبيع، ويرجع دعواه إلى أن العرف يرى إظهار الرضا بالاسقاط مسقطا لا إجازة له، كما أنه لو قال أحد للزوج: إني أجزت زوجتك في الخروج عن المنزل فقال: رضيت بذلك يعد ذلك إجازة لخروجها، لا إجازة للاجازة والامر سهل، وتعيين المصداق ليس من شأن الفقيه، وكون ذلك إسقاطا لا يخلو من وجه وإن لا يخلو من إشكال. مسألة: لو قال أحدهما لصاحبه: اختر فهل يسقط خياره؟ والظاهر أن عنوان هذه المسألة من العامة تبعا لما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله من طرقهم: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر) أرسلها ابن أبي الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله (1) واسندها في الغنية إلى العامة، ورواه في الخلاف عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله. والظاهر من خلاف الشيخ أنه مع اختيار المأمور الامضاء ينقطع خيارهما عند الفريقين، وإن سكت يكون انقطاع الخيار عن غير الساكت مذهب الشافعي، ولعله ذهب إليه لمكان ذلك النص حملا له على التعبد، وهو


(1) المستدرك الباب 2 من أبواب الخيار الحديث 3.

[ 144 ]

بعيد، أو لظهوره في الاعراض عن حقه وإسقاطه وهو غير ثابت. وكيف كان يحتمل بحسب الثبوت أن يكون المراد به الاستخبار والاستكشاف عن حال صاحبه، أو رفع اليد عن حقه والاعراض عنه، أو تفويض الاختيار والانتخاب عملا إليه، أو نقله إليه، وعلى التقادير إما أن يفسخ المأمور من قبل نفسه أو من قبل صاحبه أو من قبلهما، أو يفسخ للخيار الآتي من قبله، وإما أن يمضي العقد من قبله أو قبل صاحبه أو من قبلهما معا، أو يمضي باعتبار الخيار الآتي من قبل صاحبه، أو يسقط الخيار كذلك، أو يسكت. فعلى الاستخبار لا أثر له على جميع التقادير، وكان وجوده وعدمه سواء، وعلى الاعراض وإسقاط الخيار يسقط من غير فرق بين الفروض، وعلى تفويض الانتخاب لا يسقط قبل إمضائه الراجع إلى سقوط خياره، ومعه يسقط، ومع الاسقاط ابتدءا يسقط لو قلنا بأن التفويض شامل له، ومع النقل إن فسخه من قبل نفسه وكان له الخيار لم يبق موضوع للبحث، وكذا لو فسخه من قبلهما، أما لو فسخ من قبل صاحبه فنفوذه موقوف على كون الخيار منقولا إليه قبل الفسخ بما دل على قبوله، ولا يصلح الفسخ للقبول والتأثير في الحل معا، فان تأثيره يتوقف على ثبوت الخيار له، فالفسخ إما قبول فيحتاج إلى فسخ آخر يؤثر في الحل، وإما صادر منه قبل القبول فلا أثر له. إلا أن يقال: إن القبول لا يحتاج إلا إلى إظهار ما، وهو حاصل بأول حرف من قوله: (فسخت) وتأثيره يتوقف على تمامه، فالفسخ بأول حرف منه قبول، وبتمامه مؤثر، لكنه مشكل من جهة أن القبول يحتاج إلى دال عقلائي، وعلى فرض كون الفسخ دالا فلا تكون دلالته إلا باتمامه.

[ 145 ]

ومنه يظهر الحال في الامضاء من قبل الخيار الآتي من قبل صاحبه، وفي إسقاط الخيار الآتي من قبله، فان النفوذ فيهما يتوقف على ثبوت الخيار له، فلابد من القبول قبلهما. وربما يقال: إن مجرد النقل كاف في سقوط خياره، لان لازم النقل هو رفع اليد عن الخيار وإثباته لغيره، ورفع اليد عنه مع الاظهار بلفظ (اختر) كاف في سقوطه، وهذا نظير ما قد يقال: إن التمليك في البيع ونحوه هو قطع الاضافة عن نفسه وربطها بصاحبه. وفيه أن تلك الامور الاعتبارية التسبيبية لابد فيها من التسبيب إليها بالارادة، فمن أراد إسقاط خياره لابد له من إنشائه والتسبيب إليه، والمريد للنقل لا يريد إسقاط حقه ولا رفضه، بل يريد الاثبات للغير والنقل إليه، وليس النقل الاعتباري منحلا إلى السلب عن نفسه والاثبات بعده لغيره، ضرورة أن لازم ذلك قيام الاضافة بنفسها بلا أمر مضاف إليه، وهو مستحيل حتى في نقل الخيار، بل فيه أوضح، فان نفس الخيار لا يعقل له تحقق بلا مضاف إليه. (مضافا) إلى بطلان ذلك عقلائيا، لان ظرف سلب الاضافة أو الخيار عن نفسه ظرف سقوط سلطنته عنهما، ومعه لا ملك ولا حق له حتى يثبته لغيره، فالنقل في المقام وسائر المقامات عبارة عن جعل ماله لغيره، ولازمه نفيه عنه، ولا يرجع إلى نفي وإثبات، ومن الواضح أن المملك لا يعرض عن ملكه، بل يملكه لغيره، وبثبوت الملكية لغيره اعتبارا يسقط اعتباره له، وفي المقام مادل على النقل ليس إلا تسبيبا بالنسبة إليه وأما الاسقاط فلا يكون هو دليلا عليه ولا تسبيبا بالنسبة إليه. وقد يقال: إن الخيار في المقام لا يعقل ثبوته مرتين أو ثبوت مصداقين له لشخص واحد، لعدم تحقق مكثر له، فان التكثير إما بالسبب

[ 146 ]

أو بذي الحق، وهو منفي، وعلى ذلك يرجع إلى إسقاط الحق. وفيه مع الغض عن أن التكثير الاعتباري حاصل في المقام وله أثر أيضا أن لازم ذلك بطلان النقل لا رجوعه إلى الاسقاط، فان المفروض أن المنشئ أراد النقل، وقد عرفت أنه لا يرجع إلى إسقاط وإثبات، فلا وجه لارجاع النقل إلى الاسقاط، نعم لو كان المنشئ ملتفتا إلى عدم اعتبار مصداقين للخيار لصاحبه لم يعقل صدور إنشاء النقل منه لو لم يسقط خيار صاحبه بمسقط، فلابد من أن يريد بذلك الكلام غير النقل، وهو خارج عن محط الكلام. ثم إنه في مقام الاثبات يشكل استظهار أحد المحتملات بنحو تطمئن به النفس، وإن لا يبعد ترجيح احتمال التفوض عملا، وعلى ذلك تحمل كلمات القوم وبناؤهم على السقوط لو أمضى المأمور، بل لا يبعد إرجاع النص المتقدم إليه بوجه، بعد بعد الحمل على التعبد في نحو المقامات. ولو سكت المأمور فلا إشكال في عدم سقوط خياره، وأما سقوط خيار صاحبه فموقوف على ترجيح بعض المحتملات المتقدمة بلا وجه صحيح والامر سهل بعد ما لم تكن المسألة فقهية كبروية مع الجزم بعدم التعبد فيها. ثم إنه لا ينبغي الاشكال في أن إسقاط أحدهما خياره لا يوجب سقوط خيار الآخر، وتوضيحه أن المحتمل في مفاد قوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) أمور: (منها) جعل الخيار لمجموعهما، ولازمه عدم تأثير إعمال كل منهما مستقلا فسخا وتنفيذا وإسقاطا، بل التأثير موقوف على اجتماعهما في العمل. و (منها) جعل خيار واحد لكل منهما، فيكون صرف وجود الخيار لكل منهما، ولازمه تقديم من سبق منهما في الفسخ أو الامضاء أو

[ 147 ]

الاسقاط، ومع تقارن فسخ أحدهما مع إمضاء الآخر يقع التعارض بينهما فيسقطان ويبقى العقد خياريا. و (منها) جعله لكل منهما مستقلا على أن يكون لكل خيار غير خيار الآخر، ولازمه سلطنة كل على إسقاط خياره وإمضاء العقد والفسخ فلو أسقط خياره لم يسقط خيار الآخر، ولو أمضى سقط خياره دون خيار صاحبه، ولو تقارن الفسخ والامضاء يصير العقد منفسخا، لا من جهة تقديم أحد المتعارضين، لوضوح عدم التعارض بعد كون الخيار لكل واحد مستقلا، بل لاجل أن التنفيذ لا يؤثر إلا في سقوط الخيار من قبله هذا بحسب التصور والثبوت. وأما بحسب الاثبات فلا إشكال في أن البيع استعمل في نفس الطبيعة كسائر موارد استعمال المشتقات، وتطبيق البيع على المشتري أيضا لا يوجب استعماله في البائع والمشتري على ما قرر في محله في باب الحقائق الادعائية فبعد هذا الادعاء يكون البيع طبيعة قابلة للصدق على البائع والمشتري، وعلامة التثنية دالة على كثرة مدخولها، فبعد ضم العلامة كأنه قال: البائع والمشتري الذي هو بائع إدعاء بالخيار، ولو فرض استعمال البيعين في البائع والمشتري كان الامر أوضح، ولا إشكال في أن اعتبار المجموع يحتاج إلى مؤونة زائدة على أصل الوضع والدلالة، وهو أخذ الكثير الخارجي أو العنواني واحدا حتى يكون الحكم لمجموعهما، وأصالة الاطلاق تنفيه، وعليه فالاحتمال الاول منفي. وأما الاحتمال الثاني فيحتاج إلى اعتبار الوحدة في الخيار، مع أنه أيضا موضوع لنفس الطبيعة، بلا قيد الوحدة أو الكثرة، فاعتبار الوحدة أيضا يحتاج إلى مؤونة زائدة مدفوعة بالاصل. وأما اعتبار الكثرة في نفس الخيار فهو وإن كان محتاجا إلى مؤونة

[ 148 ]

وقرينة لكن القرينة عليه في المقام موجودة، وهو الحمل على الكثير بما أنه كذلك، فقوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) كالقول بأن (البائع بالخيار والمشتري بالخيار) فيدل تعدد الموضوع على تعدد الحكم. وبالجملة الالتزام بأحد الاحتمالين الاولين موجب للالتزام بتقييد الموضوع أو الحكم بلا مقيد، فيبقى الاحتمال الثالث المطابق للظاهر. مسألة: ومن المسقطات افتراق المتبايعين، وفي عده منها مسامحة، إذ هو قاطع للخيار بالنص والفتوى، وقد حكى الاجماع عليه في الخلاف وغيره، وظاهر كلمات أصحابنا المتقدمين أن التفرق بنفسه قاطع في مقابل التخاير، أي الرضا بالعقد مع إظهاره، كقوله: (رضينا) أو (أنفذنا) ونحوهما. قال الشيخ في المبسوط: (إذا ثبت خيار المجلس على ما بيناه فانما ينقطع بأحد أمرين: تفرق أو تخاير) وقريب منه عبارة الخلاف، ونحوه في الغنية. وأما قوله فيها: (فالتفرق أن يفارق كل واحد منهما صاحبه بخطوة فصاعدا عن ايثار) فيريد به التفرق الاختياري، نظير قول العلامة: (ولو فارق أحدهما الآخر ولو بخطوة اختيارا عالمين أو جاهلين) الخ. في قبال التفرق الاكراهي. ويظهر من صاحب مفتاح الكرامة أن التفرق بنفسه مسقط للخيار بالنص والاجماع المحكي في جملة من الكتب، وعن الكفاية لا أعلم فيه خلافا وعن الخلاف أيضا لا خلاف فيه بين علمائنا، ومن صرح بعدم الفرق بين العالم والجاهل والناسي ونحوها ظهر منه عدم اعتبار الرضا.

[ 149 ]

ثم إن المحتملات في الباب كثيرة: (منها) أن التفرق تمام الموضوع لقطع الخيار، ولا دخل للرضا فيه. و (منها) أن الرضا مسقط، ولا دخل للتفرق بوجه، ولازمه أنه لو تفرقا بلا رضا منهما لم يسقط خيارهما، بل لازمه عدم ثبوت خيار المجلس وتخطئة الفقهاء في إثباته، لان ثبوته متوقف على أن يكون التفرق غاية له، ومع عدم كون التفرق غاية وسقوط الخيار بالرضا فلا وجه لاثبات خيار المجلس، بل هو خيار مطلق يسقط بالرضا المظهر. و (منها) أن كل واحد منهما موجب لسقوطه، أما التفرق فلكونه غاية له، وأما الرضا المظهر فلكونه مسقطا له، فلو أظهر الرضا قبل التفرق سقط، ولو تفرقا بلا رضا منهما زائدا على الرضا المعاملي سقط أيضا. و (منها) أن كلا منهما دخيل بنحو جزء الموضوع أو قيده، أو أن المسقط هو الرضا المظهر بخصوص التفرق، وهو أيضا يرجع إلى القيد، ولازمه عدم سقوطه مع عدم الرضا الزائد عن أصل المعاملة ولو تفرقا. وعلى هذا أيضا لا وجه لعده خيار المجلس. ثم إن الاظهر بين الاحتمالات هو الثالث، أخذا باطلاق الادلة، وعدم مقيد لها، وقد يستشكل في الاطلاق بدعوى أن الطريقة العقلائية على أنهم إذا اجتمعوا لمعاملة لا يفترقون إلا بعد التزامهم بها، فيمكن ورود الاطلاقات مورد الغالب، ويكون تقريرا للطريقة العقلائية. وفيه أن الغلبة لا توجب جواز رفع اليد عن الاطلاق، ومجرد إمكان ورودها مورد الغالب لا يدفع الحجة القائمة، وليس خيار المجلس ولا غايته عقلائيا كما هو واضح حتى يقال: إن ما ورد فيه محمول على المعنى العقلائي (نعم) لو كانت الغلبة بحيث توجب الانصراف صحت الدعوى، لكن

[ 150 ]

أصل الغلبة ممنوعة فضلا عن حدها، ضرورة أن ما هو الموجود هو الرضا بأصل المعاملة الباقي في النفس وهو لا يوجب سقوط الخيار، بل في هذه المعاني التسبيبية لا بد من التسبيب المتوقف على الالتفات والاختيار، نظير التخاير الوارد في كلماتهم، ومن المعلوم أن في نوع المعاملات الرائجة في السوق لا يلتفت فيها المتعاملان إلى التزام زائد على الرضا بأصل المعاملة، وليس فيها إلا الالتزام المعاملي الذي لا كلام فيه، وهو لا يوجب سقوط الخيار ولو صرح المتعاملان به، فما هو موجود بنحو الغلبة لا يفيد، وما هو مفيد لا يكون غالبيا فضلا عن كونه موجبا للانصراف. وصحيحة الفضيل (1) لا تصلح لتقييد المطلقات بعد وجود احتمالات فيها، ولعل الارجح من بينها هو رجوع الرضا إلى الافتراق، ويكون المقصود أنه إذا كان الافتراق برضاهما فلا خيار، ولو بقرينة رواية دعائم الاسلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (المتبايعان بالخيار فيما تبايعاه حتى يفترقا عن رضا) (2) الظاهرة بلا إشكال في كون الافتراق عن الرضا، ولعل الاصحاب رجحوا هذا الاحتمال حيث قيدوا الافتراق بالايثار وبالاختيار، ولو منع ذلك فلا تصح دعوى الظهور في الرضا والالتزام بالبيع زائدا على الرضا بأصل المعاملة. مضافا إلى أن الظاهر منها حيث قال عليه السلام فيها: (فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما) أن سقوط الخيار موقوف على رضاهما معا ورضا أحدهما لا يوجب سقوط خيار صاحبه، وهذا مناف للروايات الواردة في قيام الامام الباقر عليه السلام عن المجلس وافتراقه لسقوط خيار صاحبه (3) مضافا إلى أن الصحيحة على هذا المعنى غير معمول بها.


(1) الوسائل الباب - 1 من أبواب الخيار - الحديث 3. (2) المستدرك الباب - 1 من أبواب الخيار - الحديث 1. (3) الوسائل الباب - 2 من أبواب الخيار.

[ 151 ]

فالتحقيق أن الافتراق بنفسه موجب لقطع الخيار من غير دخالة الرضا، كما أن التخاير والرضا المظهر مسقط له، وحينئذ فهل يعتبر في السقوط الخطوات، أو خطوة، واحدة، أو يكفي أدنى انتقال؟ وجوه. وليعلم أولا أنه لا إشكال في أن تشخيص موضوعات الاحكام وكذا تطبيق العناوين على المصاديق موكول إلى العرف، ضرورة أن الشارع الاقدس كأحد منهم في إلقاء الخطابات، وليس له لسان خاص واصطلاح مخصوص، فالآيات والاخبار الواردة في الاحكام يكون فهمها وتشخيص موضوعاتها بحسب العناوين والمفاهيم وتشخيص مصاديقها بحسب الواقع والخارج محولا على العرف العام، لا العقل البرهاني الدقيق، فإذا قال: (الدم النجس كذا) يكون الاعتبار في تشخيص مفهوم الدم ومصداقه بنظر العرف، فإذا رأى العرف شيئا لون الدم لا نفسه لا يحكم بنجاسته وإن كان اللون بحسب البرهان العقلي لا ينتقل إلى موضوع آخر، وكان ما يتوهمه العرف لونا هو الدم وأجزاؤه الصغار واقعا، فالموضوع للنجاسة هو عنوان الدم عرفا، ومصداقه ما يراه العرف بحسب الخارج دما. ثم إن المراد من تشخيص العرف ليس ما هو المتداول في لسان بعضهم من التشخيص المسامحي والمسامحة العرفية، فان العرف قد يسامح كما في بعض الموضوعات التي لا يعتني بها كالتبن والكلا، ولا يسامح في بعضها كالذهب ونحوه، والميزان في موضوعات الاحكام تشخيص العرف الدقيق المحقق لا المسامح، إلا أن تقوم قرينة على ان الشارع أيضا تسامح في موضوع فيتبع، وعلى ذلك لابد في تشخيص تحقق الافتراق من الرجوع إلى العرف بحسب دقته، ولا يعتنى بمسامحته، إلا أن يدل دليل على المسامحة شرعا. ثم إن الظاهر من الاخبار على كثرتها أن الغاية هي افتراق المتبايعين أي ببدنهما، لا افتراقهما عن المجلس أو المكان، ولا بلحاظ اجتماعهما فيه

[ 152 ]

ومقتضى ذلك ملاحظة صدق افتراق البدنين والغض عن المكان والمجلس. (وبعبارة أخرى) إن الاجتماع أو اللاافتراق بعد عدم كونهما بمعنى الاتصال والمماسة يكون المراد منهما نحو اجتماع أو لا تفرق عرفي حال البيع، والتفرق المقابل لهما هو الانتقال والتباعد عن هذه الحالة بالنظر التحقيقي العرفي، وهو يحصل بالخطوة، بل وبأدنى منها عرفا، ولو قيل معه ببقاء اجتماع البدنين فهو على ضرب من التسامح والتأويل العرفي. بل لو كان المراد التفرق من مكانهما أو مجلسهما كما حكي مرسلا (المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا عن مكانهما) يصدق أيضا بالانتقال من مكانهما بالمعنى الحقيقي العرفي، فانه عرفا عبارة عن الموضع الخاص الذي يكون تحت قدميه أو ركبتيه وساقيه، ولو أطلق المجلس أو المكان على أمر أوسع كالبيت والدار كان على نحو المسامحة، فلا يكون المكان هو المعنى الفلسفوي، أي البعد المجرد أو الموهوم الذي شغله الجسم، ولا المعنى المسامحي العرفي كالبيت والبلد، بل هو الموضع الخاص الذي وقع ثقله عليه وعلى ذلك لا إشكال في صدقه بالانتقال بالخطوة وبأدنى منها، وإذا صدق عليه فمقتضى إطلاق الادلة كفاية ذلك. ودعوى الانصراف ممنوعة، سيما في مثل هذا الحكم الذي هو على خلاف الانظار العرفية، فان خيار المجلس وغايته ليس شئ منهما عرفيا عقلائيا، بل تعبدي شرعي، ومعه لا مجال لرفع اليد عن إطلاق الدليل، كما لا مجال لدعوى الانصراف. فظهر مما ذكر أن الميزان هو مطلق التفرق لا التفرق المطلق، بل لعل التفرق المطلق لا معنى له، سواء أريد به التفرق الذي لايراد الرجعة معه أو أريد به التفرق بلا إضافة، فان لازم الاول عدم سقوط الخيار بالذهاب

[ 153 ]

إلى بلد إذا أراد الرجوع، ولازم الثاني عدم صدق التفرق مطلقا، فالملحوظ لو لم يكن تفرقهما عن حال الاجتماع فلا يحصل له معنى رأسا، مع أن الروايات الحاكية لفعل أبي جعفر عليه السلام تدفع احتمال التفرق المطلق بمعنييه. بل يمكن أن يقال: إن التفرق والاجتماع كالوصل والفصل ليس لهما مراتب، وليسا كالقرب والبعد، فلا يوصف التفرق بالشدة والضعف أو بالقلة والكثرة وانما هي للبعد بين الجسمين، وهو غير التفرق. فتحصل مما ذكر أن التفرق صادق على الخطوة بل على الاقل، فلا تعتبر الخطوة فضلا عن الخطوات، والظاهر عدم قيام الاجماع على خصوص الخطوة وإن كان ظاهر بعض التعبيرات ذلك، كقول الشيخ (قده) في المبسوط، فحده أي حد التفرق بخطوة فصاعدا، لكنه لم يدع الاجماع عليه، ولم يظهر من الغنية دعواه، بل الظاهر أن الاجماع في كلامه راجع إلى أصل التفرق لا إلى حده، كما أن في الخلاف ادعى على أصله لا على حده، والظاهر أن صاحب الغنية تبع الشيخ (قده) فيه وفي أمثاله. وأما الروايات الحاكية لفعل أبي جعفر عليه السلام فلا دلالة لها على أن حد التفرق هو الخطوات، فقوله عليه السلام: (قمت فمشيت خطى ثم رجعت فأردت أن يجب البيع) (1) كما في رواية الشيخ (قده) وعلى رواية الصدوق (قده) (أردت أن يجب البيع حين افترقنا..) لا دلالة فيه على أن الخطوات دخيلة في تحقق الافتراق، بل الظاهر منه أنه (تمام)؟ ومشى خطى بحسب العادة حتى يحصل الافتراق، وأما أن حصوله بتمامها أو ببعضها فلا دلالة فيه عليه. ولك أن تقول: إن الافتراق العرفي حاصل بأقل منها، ولا إشكال في أنه لم يرد تفسير اللغة، وأما الافتراق الشرعي فلا معنى له، لعدم


(1) الوسائل - 2 من ابواب الخيار - الحديث 2

[ 154 ]

اصطلاح للشرع فيه، وأما التعبد بأن حد الافتراق الخطوات فلا ينبغي الاشكال في أنه لا يمكن إثباته بمثل هذا التعبير، سيما بعد تذييله بقوله عليه السلام (حين افترقنا) حيث يظهر منه إرادة حصول التفرق عرفا، بل لو بنينا على مفهوم اللقب والعدد لم يصح إثبات هذا الحكم فضلا عن عدم المفهوم بل على ما بينا من أن التفرق يحصل دفعة ولا مراتب لها تكون الخطوات خارجة عن حقيقة التفرق، إلا أن يقال: إن التعبد واقع في أن ما ليس بتفرق حقيقة دخيل في موضوع الحكم، وهو كما ترى مخالف للضرورة. ثم إنه لو حصلت شبهة في المفهوم أو في الصدق فلا إشكال في جريان الاصل الحكمي على جميع الاحتمالات في الموضوع حتى على القول بأنه هو المتبايعان المجتمعان فضلا عن سائر الاحتمالات، لما أشرنا إليه كرارا من أنه لا ربط بين موضوع الاستصحاب وموضوع الدليل الاجتهادي فربما ينتفى موضوع الدليل قطعا بانتفاء بعض القيود المأخوذة فيه ويبقى موضوع الاستصحاب جزما وربما يشك في بقاء موضوع الدليل، ومع ذلك يكون موضوع الاستصحاب محققا. والوجه في ذلك أن الحكم في الدليل إذا تعلق بعنوان كالعادل والمجتهد أو بعنوان متقيد كالمتعاملين المجتمعين فمع ذهاب العنوان أو القيد وإن لم يبق موضوع الدليل بالضرورة لكنه لما كان المعتبر في الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها فلابد من ملاحظة موضوع القضيتين، لا موضوع الدليل، فإذا قال: (أكرم العادل) أو (يجوز تقليد المجتهد) وكان زيد عادلا ومجتهدا يعلم ببركة الكبرى والصغرى الوجدانية أن زيدا واجب الاكرام وجائز التقليد، لانطباق العنوان عليه، فيقال: (إن زيدا عادل، وكل عادل واجب الاكرام) فينتج (أن زيدا واجب الاكرام) فموضوع القضية المتيقنة هو زيد لا العادل، ولما احتملنا أن كونه عادلا

[ 155 ]

في زمان كاف في وجوب إكرامه أبدا لاحتمال كون الوصف واسطة في الثبوت لا العروض صار ذلك منشأ لاحتمال بقاء وجوب إكرامه، فيقال: (إن زيدا كان واجب الاكرام ويشك في بقاء وجوب إكرامه) فلا يكون في موضوع القضية الاستصحابية قيد، فلا إشكال في وحدة القضيتين. بل من المحتمل جريان الاستصحاب الموضوعي في الشبهات المفهومية أو الصدقية وإن كان عدمه مما تسالم عليه المحققون، بدعوى أن الشك فيها أيضا في بقاء الموجود الخارجي الذي انطبق عليه العنوان في السابق فاليوم الخارجي المعلوم التحقق إذا شك في أنه عبارة عن القطعة من الزمان إلى تواري القرص أو إلى ذهاب الحمرة يكون الشك بعد التواري في بقائه وكان منشؤه الاحتمالين، فيصح أن يقال: إنك كنت على يقين من نهارك فشككت فيه أو في بقائه. والفرق بين هذا وبين الشك في المواراة مع العلم بأنها اخر النهار انما هو في منشأ الشك، وإلا فالقضية المتيقنة والمشكوك فيها واحدة فيهما والشك في الموردين في البقاء، ولا يعتبر في الاستصحاب غيره مع كونه موضوعا للاثر. (فقولهم) هناك: إن الخارج لا شك فيه، للعلم بالتواري وبعدم زوال الحمرة، وانما هو في معنى لغوي، وهو غير مجرى الاستصحاب (مخدوش) بأن ذاك وذا صارا منشأ للشك في بقاء اليوم، إذ من الواضح أنه بعد التواري وقبل ذهاب الحمرة لا يقطع بعدم النهار، بل يشك فيه وفي بقائه وإن كان منشأه أمرا لغويا، ولا يعتبر فيه غير الشك في بقاء القضية المتيقنة، ولو لم يسلم ذلك للخدشة في كونه مجراه أو للشك فيه فلا إشكال في الاصل الحكمي. ثم إن الاجتماع ماهية منتزعة من كون الشيئين فما زاد على هيئة خاصة

[ 156 ]

وتقارب مخصوص، وكذا الافتراق بناءا على كونه أمرا وجوديا فيكون التقابل بين المجتمعين والمتفرقين تقابل التضايف، وأما بناء على كونه عدميا فهو من أعدام الملكات، وليس تقابله مع الاجتماع تقابل الايجاب والسلب وشأن الامور الانتزاعية أن لا تكون لها علة بلا واسطة كما لا يكون لها وجود مستقل، لكن بما أنها وجوديات لابد لها من علة محققة، وانما علتها هي علة مناشئ انتزاعها، فعلة الاجتماع هي ما جعل الشيئين على وضع خاص وهيئة مخصوصة، أو جعل أحدهما بحيث تحصل له مع صاحبه هيئة خاصة، وكذا الافتراق بناء على أنه أمر وجودي انتزاعي. ثم إنه قد يوجد الافتراق بين الشيئين بوجود منشئه بفعل فاعل مختار وقد يوجد بفعل فاعل مضطر أو المكره وقد يوجد بتأثير مؤثر غير شاعر كالعلل الطبيعية، كل ذلك لا إشكال فيه. انما الاشكال في أن المستفاد من أدلة الخيار هل هو اعتبار حصول الافتراق الذي هو غاية له بفعل المتعاملين أو أحدهما مطلقا، أو بشرط كون الايجاد عن اختيار منهما، أو لا يعتبر فيه شئ منهما، بل يكفى مطلق حصوله في تحقق الغاية وسقوط الخيار. أما قضية اعتبار الاختيار فنتعرض لها في المسألة التالية، وأما الاحتمالان الآخران فيبتنيان على أن الافتراق المذكور في الروايات بصيغة المضارع أو الماضي المنسوب إلى المتعاملين والمجعول غاية للخيار هل هو ظاهر في صدوره بوسط وبمنشأ انتزاعه منهما أو ظاهر في أن المعتبر حصوله لهما وحلوله فيهما، ومع الشك يرجع إلى الاصل، والظاهر من باب الافتعال مع عدم قيام قرينة على الخلاف هو الثاني، فانه للمطاوعة كالانفعال. يقال: (فرقت بين الشيئين، وفرقت الشئ تفريقا، فانفرق وافترق وتفرق) كما في اللغة. والمعنى العرفي أيضا كذلك، فمعنى يفترقان وافترقا حصل الافتراق بينهما، وافترق البائع من المشترى أي حصل التفرق بينهما، ولا يعتبر فيه

[ 157 ]

وفي صدقه صدوره بصدور منشئه منهما، فلو وجد الفراق والتفرق بريح أو بفعل فاعل غيرهما حصلت الغاية، فصح أن يقال: إذا حصل بحركة أحدهما مع سكون الآخر تحققت الغاية، لا لان حصوله بفعل أحدهما معتبر فيه، بل لعدم اعتبار فعلهما مطلقا في حصوله وإن كان لا يحصل إلا بتأثير مؤثر. ويشهد له مع وضوحه ما حكي عن فعل الامام عليه السلام ومشيه، وقوله عليه السلام: (أردت أن يجب البيع حين افترقنا) (1) فلو كان لايجاده بفعلهما دخالة في السقوط لوجب حمل الرواية على التعبد بأن الايجاد من أحدهما كاف للسقوط من الآخر بعد ما تظافر الروايات بأن افتراقهما غاية، وهو بعيد بل فاسد، أو القول بابتناء كلامه عليه السلام على تجدد الاكوان أو احتياج الباقي إلى المؤثر على ما في الايضاح وهو أبعد وأفسد، فلا ريب في سقوطه، بأي وجه وجد الافتراق بينهما. مسألة: المعروف أنه لا اعتبار بالافتراق عن إكراه إذا منع من التخاير، وقد علل اعتبار المنع منه في المبسوط بأنه إذا كان متمكنا من الامضاء، والفسخ فلم يفعل حتى وقع التفرق كان ذلك دليلا على الرضا والامضاء، فجعل ترك التخاير مع التمكن منه دليلا وكاشفا عن الرضا المسقط للخيار. أقول: لا يعقل أن يكون ترك التخاير وهو أمر عدمي دليلا وكاشفا عن شئ، لان الكشف أو الدلالة أمر وجودي لا يعقل ثبوته إلا مع ثبوت المثبت له ووجوده، والمراد بالترك ما هو بالحمل الشائع


(1) الوسائل الباب - 2 من ابواب الخيار - الحديث 2.

[ 158 ]

كذلك، فان الترك بالحمل الاولي القابل للتصور وثبوت الشئ له ليس كاشفا ودليلا، نعم قد يتصور الترك بالشائع بتوسط عناوين أخر، كالعنوان الاولي ونحوه، فيخبر عنه بخبر، كما في الخبر عن المعدوم المطلق بأنه لا يخبر عنه، وقد يحدس ظنا أو قطعا بواسطة هذا التصور والعلم بالعرض مع القرائن بأنه راض بالبيع، وهو غير الدلالة والكشف. فلو اعتبرنا في سقوط الخيار ولزوم البيع أن يكون الرضا مكشوفا بكاشف وقلنا بأن الرضا الواقعي لا يكون مسقطا وملزما ولو علم تحققه لم يكن ترك التخاير موجبا لسقوطه ولزوم البيع (نعم لو قلنا): إن الرضا الواقعي بنفسه مسقط ولو لم يكن له مظهر وكاشف كان للقيد وجه، لكنه غير صحيح، فان لازمه عدم كون التخاير والاسقاط بعد العقد مسقطا، بل هو مخالف لاطلاق أدلة مسقطية الافتراق. هذا مضافا إلى أنه لو قلنا بكاشفية ترك التخاير عن الرضا بدعوى أن العرف يرى ترك التخاير كاشفا على خلاف العقل البرهاني نمنع كون مطلق الكاشف عنه موجبا للسقوط، فان التحقيق أن ما هو موجب للزوم البيع هو سقوط الخيار، وانما التخاير من مسقطاته، وعلى ذلك لابد وأن يكون التخاير إنشاء للالتزام بالعقد، حتى يكون مسقطا للخيار بدلالة التزامية، على ما هو شأن جميع المعاني التسبيبية، فلا يكون مطلق الكاشف عن الرضا صالحا لانشاء الالتزام المسقط، أو لانشاء الاسقاط، بل لابد وأن يكون للكاشف آلية عقلائية لذلك، كقوله: (التزامنا) وقوله: (اخترت الالتزام به) بعد قول صاحبه: (اختر) فلو كان ضحكه مثلا كاشفا عن رضاه بالبيع أو عن إسقاط الخيار لا يصير البيع به لازما ولا يسقط خياره، كما لو أوجب البيع وأنشأه بالضحك ونحوه مما لا يكون آلة عقلائية له.

[ 159 ]

مضافا إلى أنه لا دليل على أن ترك التخاير بما هو كاشف نوعي يوجب لزوم البيع أو سقوط الخيار بنفسه تعبدا ولو تخلف عن الواقع، كما لا دليل على حجيته على الواقع وكاشفيته عنه شرعا حتى يتبع. (أما الاول) فواضح، إلا أن يقال بدلالة قوله عليه السلام في صحيحة علي بن رئاب: (فان أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة الايام فذلك رضا منه) (1) على ذلك بتعدية الحكم من خيار الحيوان إلى المقام، وهو كما ترى، فان تعدية الحكم من خيار ومن الامور الوجودية الدالة نوعا على إسقاط الخيار بها إلى الامر العدمي غير الدال عليه فاسد، حتى على القول بالقياس، وتوهم أن قوله عليه السلام: (ذلك رضا منه) علة موجبة للتعدية ناش من عدم التأمل في الرواية، وسيأتي الكلام فيها. (وأما الثاني) فكذلك، إلا أن يقال: بقيام السيرة العقلائية على ترتيب الاثر على الكاشف النوعي لكشفه عن الواقع، لكنه فاسد لان السيرة لا تقوم على الكبرى الكلية، لعدم المعنى له، والمورد من الامور النادرة الاتفاق، فكيف يدعى وجود السيرة عليه وأنها بمرأى من الشارع ولم يردع عنها. وكيف كان فلا وجه للقيد المذكور. وقد استدل على المطلوب بوجوه: (منها) التبادر على اختلافهم في التعبير عنه، فقد يقال: يتبادر الاختيار، لانهما بدونه لم يفترقا، بل فرقا، والظاهر منه أن الفعل بمادته أو هيئته يدل مطلقا على الاختيار، وقد يقال: يتبادر الاختيار من الفعل المسند إلى الفاعل المختار، والظاهر منه اختصاص ذلك بخصوص الفعل المسند إليه. وكيف كان فيحتمل أن يكون المراد من التبادر هو المستعمل في باب


(1) الوسائل الباب - 4 من أبواب الخيار - الحديث 1.

[ 160 ]

الحقيقة والمجاز، كما يشعر به بعض كلماتهم فيدعى أن الفعل مطلقا أو خصوص المسند إلى المختار موضوع بمادته أو بهيئته للمعنى الاختياري (فعلى الاول) يكون استعمال الافعال في غير المختار مجازا (وعلى الثاني) تكون مشتركة لفظا، وضعت بمادتها أو بهيئتها تارة لامر اختياري، وأخرى لامر مقابل له نظير ما قيل إن بعض الافعال يعتبر فيها القصد كالتعظيم والتأديب ونحو ذلك، كما أن بعضها لا يمكن صدوره إلا بلا قصد كالسهو والنسيان والغفلة أو بالاضطرار كالموت والسقوط ونحو ذلك، وفي الحقيقة هذا راجع إلى مادة الفعل بمعنى أنه يعتبر في مادته القصد أو الغفلة، انتهى. وفيه أن القائل باعتبار القصد في بعض الافعال لابد له من الالتزام بوضع مستقل لمادة خاصة تكون مادة لبعض الهيئات كالتفعيل مثلا، فتكون المادة المتقيدة بكونها مادة لهيئة كذائية مأخوذا فيها القصد، وهو أمر تنبو عنه الاذهان المستقيمة، ولا أظن التزام القائل به، ضرورة أن التعظيم ونحوه مركب من هيئة التفعيل والمادة المشتركة بينه وبين سائر المشتقات منها، ومن الواضح أن بعض المشتقات منها لا يؤخذ فيه القصد لا مادة ولا هيئة مثل (عظم) مقابل (صغر) و (العظمة) اي الكبرياء، وكذا في سائر ما يتوهم فيه ذلك، كالاهانة والتحقير، ضرورة أنه فيها مشتقات لا مساس لها مادة وهيئة بالقصد والاختيار. ولا يقاس ذلك ببعض المواد التي لها معاني خاصة بها في ضمن بعض الهيآت نحو (استكان) بمعنى خضع في خصوص تلك الهيئة، فان من الممكن في أمثالها أن يكون ذلك لمهجورية المادة المشتركة في سائر الابواب، لا للوضع الخاص في خصوص هذا الباب، مع أن بينها وبين المقام فرقا، ولا يبعد أن تكون الاستكانة من (كان يكين) أي خضع، و (المستكين) الخاضع، كما في اللغة، بل هو المتعين فيها.

[ 161 ]

وأما مثل كلمة (القصد) و (الاختيار) وكذا (السهو) و (الغفلة) ونحوها من العناوين فهي موضوعة لتلك العناوين، وجارية في جميع المشتقات الطارية عليها، وليس القصد أو الغفلة واللاقصد مأخوذا فيها، بل نفس ذاتها قصد أو إرادة أو سهو أو نسيان، وقياس التعظيم والتحقير والاهانة عليها مع الفارق. والتحقيق أن القصد غير مأخوذ لا في مواد تلك الافعال ولا في هيئاتها لبطلان الاشتراك اللفظي وعدم دلالة المادة المشتركة عليه، وإلا لدلت في جميع المشتقات الطارية عليها، ولا الهيئة، وإلا لدلت في سائر المواد الطارية هي عليها، ولم تختص بتلك المشتقات. وما يترائى من دخالة القصد في التعظيم والتحقير والاهانة فليس من جهة الوضع والدلالة اللفظية، بل حقائق تلك العناوين قد تكون من الواقعيات والتكوينيات كعظم الجبل والشجر وحقارة الحبوب ومهانة البناء فيقال: عظم التراب والماء والشجر تعظيما وحقر الحبوب تحقيرا، وأمثال ذلك، فتكون تلك الاستعمالات على وجه الحقيقة، ولا يكون باب التفعيل فيها إلا دالا على تعدية المادة، فمعنى (عظم) أنه صار عظيما، وعظمه تعظيما أي جعله عظيما، من غير دخالة القصد فيه. وقد تكون تلك العناوين من الاعتبارات العقلائية، كتعظيم العالم وإهانة الفاسق، فانها اعتبارية لا حقيقة لها إلا في صقع الاعتبار، وفي مثلها ما يكون موضوع اعتبار العقلاء هو صدور تلك الافعال الدالة على تعظيمه أو تحقيره وإهانته عن قصد، لا بمعنى دخالة القصد في الموضوع له، بل بمعنى دخالته في موضوع اعتبار العقلاء، ولهذا نرى أن إسناد تلك الافعال بهيئاتها وموادها إلى التكوينيات صحيح، ولا يعتبر فيها القصد، وما يعتبر فيه ذلك هو الاعتباري منها، فموضوع الاعتبار مركب من مفاد هذه الافعال هيئة ومادة وأمر

[ 162 ]

زائد عليها هو الصدور الاختياري القصدي. ومما ذكرنا يظهر الامر في دعوى تبادر الصدور الارادي من المادة أو الهيئة إذا كان الفعل مسندا إلى الفاعل المختار، فان لازمه وضع المادة للمعنى المتقيد في حال إسناد الفعل إليه على أن يكون الظرف والحال قيدا للموضوع له، فيكون معنى المادة في (ضرب زيد) الضرب الصادر من الفاعل المختار عن اختياره، ومعنى (ضرب زيد) صدر منه الضرب الصادر من الفاعل المختار عن اختياره، وهو كما ترى، وأسوأ منه احتمال كون القيد للهيئة. وأما احتمال أن تكون المادة المتقيدة بالهيئة الخاصة موضوعة للفعل الاختياري ففاسد، لان القيد إن كان هو الهيئة الخاصة بعنوانها وبالحمل الاولي فهو فاحش، وإن كان هو الهيئة بالحمل الشائع فهو أفحش، للزوم تعدد الوضع لكل صيغة صيغة، وتعدد الدال في كل استعمال، بعد كون المادة موضوعة مستقلا والهيئة كذلك، والمادة المتقيدة بالهيئة كذلك، والانصاف بطلان تلك التصورات، والتحقيق ما عرفت، هذا حال التبادر الكاشف عن الوضع. وأما التبادر بمعنى الانصراف فهو غير ثابت في الافعال التي لها مبدأ صدوري كضرب وقام، حتى إلى الاختياري في مقابل الاضطراري القهري فكيف بما ليس له مبدأ صدوري، ولو سلم ذلك فلا يسلم الانصراف إلى الاختيار مقابل الاكراه، ولو سلم فلا يسلم في مثل باب الافتعال الدال على المطاوعة من دون الدلالة على الصدور بوجه، فضلا عن الصدور الاختياري، فضلا عن الاختيار المقابل للاكراه، والقائل بالانصراف لابد وأن يقول: إن الافتراق الذي هو من باب الافتعال الدال على المطاوعة مستعمل في غيره، أي في المبدأ الصدوري نحو (فارق)، وهو منصرف إلى الاختياري

[ 163 ]

لكن لا إلى مطلق الاختياري، فان فعل المكره أيضا صادر منه اختيارا، بل إلى خصوص الاختياري المقابل للاكراهي، أي الفراق الذي يختاره بحسب طبعه ونفسه بلا تحميل الغير عليه، وهذا كما ترى فرض في فرض. ثم إن ما أجاب به بعض أهل التحقيق (قده) عن الاشكال من أن مجرد الاستناد إلى الفاعل المختار لا يقتضي ذلك، معللا بأن بعض أفعاله طبيعي وبعضها اختياري وبعضها قابل للامرين كأنه أجنبي عن ادعائه، وإلا فدعوى الانصراف لا ترد بمثله. وأما التبادر الذي عول عليه الشيخ الاعظم (قده) في المقام، وهو أن المتبادر من التفرق ما كان عن رضا بالعقد، فالمراد به هو انصراف قوله صلى الله عليه وآله: (حتى يفترقا) (1) و (إذا افترقا) (2) إلى مفارقة كل عن الآخر عن رضا بالبيع، فالافتراق عن إكراه خارج عنه. ويمكن (أن يقرر) منشأ الانصراف بأن الغالب في الافتراق خارجا هو الافتراق مع الرضا، فينصرف الاطلاق إلى الغالب، سيما إذا كان خلافه نادرا (أو يقرر) بأن مناسبة الحكم والموضوع توجب الانصراف، فان الخيار جعل لاجل الارفاق بالمتعاملين، فلا تكون الغاية صرف التفرق بل هو مع الرضا بالبيع (أو يقرر) بأن هذا الخيار نفسا وغاية عقلائي والطريقة العقلائية هي عدم التفرق إلا مع الرضا بالبيع، والاخبار إنما وردت لتنفيذا لقاعدة العقلائية، نظير الاخبار الواردة في حجية خبر الواحد ونظير الناس مسلطون على أنفسهم، ولم يتضح من الشيخ (قده) وجه الانصراف، ولا يبعد أن يكون نظره إلى الاول. ويرد على الوجوه المذكورة جميعا أنها على فرض تسليمها تبتني على كون الافتراق المجعول غاية فعلا صادرا منهما مع الاختيار، حتى يقال


(1) و (2) الوسائل الباب - 1 من ابواب الخيار - الحديث 1 - 3.

[ 164 ]

بانصرافه إلى ما هو الغالب من إيجادهما المفارقة مع الرضا، أو يقال: إن المناسبة تقتضي أن تكون الغاية خصوص ذلك، أو إن السيرة على عدم التفرق إلا مع الرضا بالبيع، وأما مع ذكر الفعل المطاوعي الذي لم يلحظ فيه الفاعل ولا الصدور منه فضلا عن الفاعل المختار فلا موضوع لتلك الوجوه، بل جعل الفعل المطاوعي غاية يدفع تلك الاحتمالات، فما هو الغاية هو حلول الفراق بجسمهما من غير لحاظ فاعل رأسا، فالاخبار دالة على ردع السيرة ومانعة عن الاعتناء بالغلبة والمناسبة المذكورة، فلا مجال للانصراف بوجه بعد لزوم الاخذ بظهور الفعل المطاوعي، فكأنه قال: المتبايعان بالخيار حتى يعرض ببدنهما الفراق، أو يحل فيهما ذلك، ومعه يكون الصدور والرضا كالحجر جنب الانسان لا دخل لهما في موضوع الحكم. هذا مضافا إلى أن تلك الوجوه مخدوشة في نفسها، أما دعوى غلبة الافتراق مع الرضا، فلان الرضا بأصل المعاملة لا أثر له حتى مع وجود الكاشف، وإلا لزم عدم الخيار رأسا، ضرورة أن البيع كاشف عنه، فلو كان ذلك موجبا لسقوط الخيار لزم أن يكون نظير شرط السقوط في ضمن المعاملة، وهو واضح الفساد، تأمل. وما هو منشأ الاثر هو الرضا الزائد على الرضا بأصل المعاملة، أي الالتزام بها، بل قد سبق منا أن نفس الالتزام لا يؤثر في سقوط الخيار، وكذا الالتزام المظهر ما لم يكن المظهر عقلائيا دالا على إسقاطه، نظير (التزمنا) و (رضينا) مما مثل به الفقهاء، ومن المعلوم أن هذا ليس غالبيا، بل الغلبة في الغفلة عنه، مع أن مطلق الغلبة لا يوجب الانصراف. وأما قضية السيرة العقلائية فلانها فرع أن يكون هذا الخيار أصلا وغاية عقلائيا، وهو ممنوع جدا، وعن جمع من العامة كأبي حنيفة ومالك وغيرهما عدم ثبوت هذا الخيار، فلو كان عقلائيا لما وقع الاختلاف فيه، وعلى فرض تسليمها في أصل الخيار فلا نسلمها في هذه الغاية التي جعلت

[ 165 ]

في الاخبار على كثرتها غاية وهي الفعل المطاوعي لانها لا تكون موافقة للسيرة العقلائية، بل تعبدية. وأما مناسبة الحكم والموضوع فلانها أمر ظني تخريصي لبعض الفقهاء فلا تصير منشأ للانصراف عند العرف. و (منها) صحيحة الفضيل، قال عليه السلام: (فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما) (1) وهي عمدة مستند الشيخ (قده) قال: (دل على أن الشرط في السقوط الافتراق والرضا منهما، ولا ريب أن الرضا المعتبر ليس إلا المتصل بالتفرق بحيث يكون التفرق عنه، أو يقال إن الافتراق مسقط لكونه كاشفا نوعا عن رضاهما بالعقد وإعراضهما عن الفسخ) انتهى ملخصا. ولازم الوجهين اعتبار صدور الافتراق الاختياري منهما، وإلا لم يكن الافتراق عنه، ولا كاشفا عنه، فينتج ذلك أن الافتراق الاكراهي لا يوجب سقوطه لا بحسب الثبوت ولا الاثبات. ويرد عليه أن ذلك مخالف لجميع الروايات المأخوذ فيها الفعل المطاوعي الظاهر في عدم دخالة الصدور والاصدار والاختيار فيه، ومن البعيد جدا العدول من زمن الرسول الاكرم إلى زمان أبي عبد الله عليه السلام من (فارق) الذي هو الموضوع أو الكاشف عنه أو جزء الموضوع إلى (افترق) الذي ليس بمعناه دخيلا فيه بلا وجه ظاهر، وهذا غير باب الاطلاق والتقييد الشائع في الكتاب والسنة، فلا يقال: إن الحلول أعم من أن يوجد بفعله ورضاه أم لا، فيقيد بالصحيحة، فانه يقال: باب الاطلاق والتقييد إنما هو في جعل القوانين والاحكام الكلية والمطلقة لا في مثل العدول عن التعبير المقصود إلى ما لا ربط له به.


(1) الوسائل الباب - 1 من ابواب الخيار الحديث 3.

[ 166 ]

ومن حاول أن يفيد أن الرضا موجب لسقوط الخيار ويقول: (إذا فارق المتبايعان سقط الخيار) وكان جده أنهما إذا رضيا بالبيع، وأراد جعل الفعل الاختياري الكاشف عن الرضا في موضوع حكمه، فعدل عنه وجعل في موضوع الدليل ما ليس دخيلا في موضوع الحكم، ولا كاشفا عنه رأسا، فقال: (إذا افترقا سقط الخيار) وكان مراده بحسب الجد من (افترق) و (يفترق) أي الفعل المطاوعي (فارق) و (يفارق) بما أنهما كاشفان عن الرضا كان كلامه في عداد الالغاز والاحاجي، ويجب تنزيه كلامهم عليهم السلام عنها، إلا أن يدعى أن الظاهر من (افترق) هو (فارق) أي إيقاع كل الفراق، وهو كما ترى مخالف للغة والعرف وقاعدة باب الافتعال، مضافا إلى أن بعض الشواهد على خلافه لعله يأتي الكلام فيه، ويتلوه في الضعف الوجه الآخر وإن لم يكن بتلك المثابة، إلا أن يكون أحد جزئي الموضوع مأخوذا على وجه الكاشف فيكون أسوأ منه. نعم يحتمل أن يكون الافتراق بالمعنى المطاوعي أحد جزئي الموضوع والرضا بالبيع جزؤه الآخر، والموضوع المركب يوجب السقوط (وما يقال): من أن الرضا موجب له سواء وقع الافتراق أم لا فضمه إليه لغو (مدفوع) بأن ما هو مسقط هو الالتزام بالبيع المظهر بمظهر عقلائي لا نفس الالتزام واقعا، ولا الرضا بحسب وجوده الواقعي، بل ولا الرضا بأصل البيع مطلقا، فجعل الرضا بوجوده الواقعي جزء للموضوع تعبدا لا مانع منه، وهذا هو من باب الاطلاق والتقييد المتعارف في القوانين. وحينئذ يحتمل أن يكون جزء الموضوع هو الرضا بأصل البيع، وأن يكون هو الرضا الثانوي أي الالتزام الواقعي، أو الرضا بالافتراق بمعناه المطاوعي، ولا ترجيح لواحد منها، لان الموضوع تعبدي يمكن جعل

[ 167 ]

الرضا بأي معنى موضوعا، وعليه لا فرق بين مقارنة الرضا للافتراق وعدمها، وقد ادعى الشيخ (قده) الاجماع على خلافه، وقد مر بعض الكلام في الصحيحة، وقلنا إنها لاجمالها وبعض الاشكالات الاخر لا تصلح لتقييد المطلقات، فراجع، وسيجئ بعض الكلام فيها في المسألة الآتية. و (منها) حديث الرفع (1) بناء على شموله للوضعيات وقد مر أن المنع من التخاير غير معتبر رأسا، والافتراق مطلقا مسقط للخيار، فلا مانع من هذه الناحية من التمسك بالحديث في المقام، بل لامانع منه حتى على القول باعتباره، لان مع المنع من التخاير يكون الافتراق مسقطا لو وقع بل إكراه، وإطلاق الدليل يقتضي السقوط مع الاكراه أيضا، لكن حديث الرفع محكم عليه ويجعل الافتراق، كلا افتراق وأما مع عدم المنع منه فلا مجال على هذا المبنى لحديث الرفع، لان ترك التخاير والسكوت عنه دليل على الرضا المسقط، فكأن المكره على الخروج قال: (أسقطت خياري) قبيل خروجه. ثم إنه قد أورد الاعلام على التمسك بالحديث بأمور: (منها) أن الافتراق لا أثر له شرعا حتى يرفع به، فان الخيار مجعول لموضوع خاص يرتفع بالافتراق عقلا، توضيحه أن المجعول هاهنا ليس إلا خيار المجلس مقابل خيار الحيوان والرؤية، والغاية راجعة إلى خصوص هذا الخيار، ولهذا لا ينقدح في ذهن أحد معارضة أخباره مع أخبار سائر الخيارات وقوله صلى الله عليه وآله: (حتى يفترقا) إما قيد للموضوع، أي البيعين، أو غاية للحكم، أي خيار المجلس، وعلى الفرضين يكون انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه، وكذا انتفاء الحكم الخاص بحصول غايته عقليا لا شرعيا، ولا يعقل تخلل الجعل الشرعي في مثله، وعليه فقوله عليه السلام: (فإذا افترقا


(1) الوسائل الباب - 56 من ابواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

[ 168 ]

فلا خيار) (1) لا يعقل أن يكون حكما شرعيا على الفرضين، ضرورة أن رفع الحكم برفع موضوعه أو حصول غايته خارج عن يد الجعل. بل لو قلنا بالمفهوم وأن الثابت حقيقة الخيار يمكن القول بأن الافتراق ليس مسقطا للخيار ولا موضوعا للحكم الشرعي، وذلك لان أساس المفهوم حتى في مفهوم الغاية انما هو على فهم الانحصار من الدليل وأن العلة المنحصرة لثبوت الخيار هو عدم التفرق، وكذا في سائر المفاهيم، وعدم المعلول بعدم علته المنحصرة عقلي لا دخل للشرع فيه، فلو صرح بالمفهوم أحيانا يكون ذلك محمولا على بيان الحكم العقلي، ألا ترى أنه لو قال: علة وجوب إكرام زيد منحصرة بمجيئه لم يبق معه مجال لتشريع عدم الوجوب في ظرف عدم العلة إذا حاول بيان المفهوم، فالمفهوم حكم عقلي لازم لقضية شرطية ونحوها. وعلى ذلك يكون التعارض دائما بين المنطوق الدال على الانحصار ومنطوق آخر دال على ثبوت الحكم في ظرف عدم العلة، لا بين المفهوم والمنطوق، نعم في بعض الاحيان يكون المفهوم حكما شرعيا نظير قوله: (إن جاءك زيد لا يجب إكرامه) بناء على أن المفهوم وجوبه عند عدم المجئ كما هو كذلك عرفا، وأما إذا كان المفهوم (ليس بلا يجب) ففيه إشكال أيضا. وإن قلنا بأن مفهوم الغاية انما يستفاد من جعل ماهية الخيار وحقيقته إلى غاية، فيفهم منه أن تلك الحقيقة تنتفى عند حصول الغاية فهو أيضا عقلي لا شرعي، والتفصيل في محله. (إن قلت): إن دليل وجوب الوفاء بالعقد مقيد بأدلة الخيارات فحينئذ إن قلنا بأن التقييد يوجب تعنون المطلق بعنوان مخالف للقيد يكون


(1 الوسائل الباب 1 من أبواب الخيار الحديث 3.

[ 169 ]

موضوع الوفاء هو العقد غير الخياري بعد التفرق، فيكون التفرق قيدا لموضوع وجوب الوفاء، فيصح رفعه بدليل الرفع، وإن لم نقل بأنه يوجب ذلك فلا أقل من أن يكون الموضوع بحسب اللب كذلك، لامتناع الاهمال الواقعي، فيكون القيد دخيلا في الموضوع واقعا وقابلا للرفع. (قلت): لا مجال على الفرضين للتمسك بحديث الرفع، لان دليل وجوب الوفاء مقيد بدليل الخيار، وعلى الفرض يكون الموضوع بعد التقييد هو العقد غير الخياري، والتفرق محقق للقيد عقلا لا دخيل في الموضوع شرعا، فالعقود على قسمين: عقود خيارية لا يجب الوفاء بها في زمان الخيار، وعقود غير خيارية يجب الوفاء بها، والتفرق ومضي ثلاثة أيام في خيار الحيوان غير دخيلين في موضوع الحكم، فلا يكون اليوم الرابع وما بعده دخيلا في وجوب الوفاء، بل عدم الخيار جزء موضوع الحكم ودخيل فيه. و (منها) أن مجرى حديث الرفع (1) هو الفعل المنوط بالقصد كالعقود والايقاعات، ففي مثل باب الضمانات وأسباب الوضوء والغسل لا يجرى الحديث، وحيث إن النسيان مرفوع فيه أيضا، ولا يلتزمون بسقوط الخيار مع النسيان والغفلة فيستكشف منه أن ذات الافتراق بما أنه فعل لا بما هو صادر عن اختيار جعل من المسقطات. وفيه أن الحديث باطلاقه شامل للفعل الاختياري وغيره إذا كان منشأ للاثر، ولا دليل على اختصاصه بالفعل المنوط بالقصد، ومقتضى إطلاقه بناء على شموله للوضعيات حكومته على دليل الاتلاف بل اليد إن قلنا بأن فعل المكلف وهو الاخذ موضوع للضمان إلا أن يقوم دليل على خلافه وعدم التزام الفقهاء بما ذكر لا يدل على اختصاص الدليل بذلك، كما أنهم


(1) الوسائل الباب - 56 من ابواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

[ 170 ]

لم يلتزموا برفع الاكل والشرب المكره عليهما في شهر رمضان، مع أن المفطر هو الفعل عن عمد، لا ما إذا وقع عن غفلة ونسيان. والتحقيق في سر عدم جريانه في مثل المقام أن فعل الفاعل والصدور منه غير دخيل بوجه من الوجوه في ترتب الاثر، لان الافتراق الذي هو غاية أو مسقط هو وقوع التفرق بينهما بالمعنى الانفعالي والمطاوعي من غير دخالة الصدور فيه رأسا، ولو كان المتعاملان سببين لحصوله بحركة كل إلى خلاف اتجاه الآخر لم تكن سببيتهما دخيلة في سقوط الخيار ولا فعلهما بل هو كالريح الموجب لتفرقهما، نظير ملاقاة النجس للماء القليل، فان التنجس يحصل بنفس الملاقاة من غير دخالة سببه، والامر في أسباب الوضوء والغسل كذلك، فأمثال ذلك كلها خارج موضوعا عن قوله: صلى الله عليه وآله: (ما أكرهوا عليه) (1) فان الظاهر منه أن الفعل الصادر عن المكلف إن كان صدوره باكراه مكره فهو مرفوع لا يترتب عليه أثر، فشرب الخمر عن إكراه لا يترتب عليه الحد ولا فسق الفاعل، فأمثال ما ذكرناه ومنها الافتراق خارج عن دليل الرفع موضوعا. و (منها) ما أفاده بعض الاعاظم (قده) من أن مورد بعض المرفوعات منحصر في متعلق التكليف كالحسد والوسوسة والطيرة، فتعميم الرفع لموضوعات التكاليف كالسفر والحضر والتفرق مع عدم الجامع بين المتعلق وموضوع التكليف لا وجه له. وفيه أن الجامع الذاتي بين التكليف ومتعلقه وبين الموضوعات المتباينة المشمولة لحديث الرفع وإن لم يكن متحققا لكن الجامع العرضي موجود، وهو عنوان ما أكره عليه الصادق على جميع المذكورات، فلا وقع لهذا الاشكال.


(1) الوسائل الباب - 56 من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد.

[ 171 ]

فتحصل من جميع ما ذكرناه أن الافتراق بأي نحو تحقق موجب لحصول الغاية وسقوط الخيار، ولا تأثير لاكراههما فضلا عن إكراه أحدهما دون الآخر. ثم على فرض كون الغاية هو التفرق الحاصل بالفعل أو بالفعل الاختياري بحيث يكون للتمسك بحديث الرفع مجال فلو أكره أحدهما دون الآخر هل يوجب ذلك سقوط خيارهما معا، أو خيار خصوص من أوجده مختارا دون غيره أو لا يوجب سقوط شئ منهما؟ وجوه ناشئة من الاحتمالات التي في الروايات أو الجمع بينها، ولا داعي لاستقصاء الكلام فيها بعد بطلان المبنى، فنقتصر على القول الاجمالي. فنقول: إن قوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار) (1) ظاهر في أن لكل منهما خيارا مستقلا، واحتمال أن يراد منه أن لمجموعهما خيارا واحدا بحيث لا ينفسخ العقد إلا باجتماعهما عليه مع كونه واضح الفساد يخالف إطلاق البيع الدال على نفس الطبيعة بعد الادعاء المتقدم ذكره فيما سبق وعلامة التثنية الدالة على كثرة مدخولها، فان اعتبار الاجتماع أمر زائد يدفع به، ولا وقع لاحتمال اعتبار الاجتماع من الغاية، لانها إما غاية للخيار، فلا تكون قيدا للموضوع، وإما ظرف للموضوع أي ما دام كونهما غير متفرقين لهما الخيار، أي لكل واحد منهما ذلك ما داما لم يفترقا، فالمستفاد من الصدر بعد بطلان وحدة الخيار أن لكل منهما خيارا مستقلا. ولا إشكال في أن الخيار الواحد له غاية واحدة، ولا يعقل أن تكون له غايتان في عرض واحد، وعليه، فنقول إن قوله صلى الله عليه وآله: (حتى يفترقا) (إما أن يراد به) أن مجموع الفعلين غاية، أي إذا


(1) الوسائل الباب - 1 من أبواب الخيار - الحديث 1.

[ 172 ]

فارقا جميعا بفعلهما الاختياري أو بفعلهما ينقطع الخيار، ولازمه بقاء الخيار في الفرض، إلا على احتمال فخر الدين الذي هو نزاع في الصغرى، ولا يكون مربوطا بالمسألة الفقهية، وهذا الاحتمال مخالف لاطلاق الكلام بعين ما ذكرناه في مفاد الصدر، فان اعتبار الاجتماع زائد يدفع به. و (إما أن يراد به) أن افتراق كل غاية لخيار البائع ولخيار المشتري، وهذا باطل لو أريد به أن لكل خيار غايتين عرضا، وكذا لو أريد به أن أحدهما غاية لهذا ولذاك، فان ذلك مخالف لظهور الكلام وخلوه عن الدلالة على الوحدة لا بعينها، فلا محالة يكون كل فعل اختياري مثلا غاية لخيار. فحينئذ إما أن يراد أن فعل كل غاية لخيار صاحبه، وهو مقطوع الخلاف، فيبقى وجه واحد، وهو أن كل فعل غاية لخيار فاعله، ولازمه بقاء خيارهما في فرض إكراه أحدهما على الافتراق مع بقاء الآخر وعدم صدور فعل منه، إلا على احتمال الفخر (قده) وهو كما ترى، وقد عرفت أن سائر الاحتمالات مخالف إما للضرورة أو لظواهر الادلة. ثم إن احتمال أن كل فعل غاية لخيار فاعله مخالف للروايات الحاكية لفعل الامام عليه السلام، فان المفروض فيها خروج الامام عليه السلام وحده عن المجلس (1) كما يظهر بالتدبر فيها، ومع ذلك قال عليه السلام: (فلما بايعته قمت فمشيت خطى ثم رجعت إلى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا) الظاهر منه ان صاحبه بقى في المجلس، وأن فعله عليه السلام صار موجبا لسقوط الخيار من الطرفين، إلا أن يقال: إن قوله ذلك يبتني على ما احتمله الفخر (قده) وهو كما ترى. وكذا تخالف صحيحة الفضيل تلك الروايات، فان الظاهر


(1) الوسائل الباب - 2 من أبواب الخيار. (2) الوسائل الباب - 1 من أبواب الخيار - الحديث 3.

[ 173 ]

منها أن فعل أحدهما كاف في سقوط خيارهما، وظاهر الصحيحة أن المعتبر فعلهما مضافا إلى المقارنة مع الرضا، والامر سهل بعد بطلان المبنى. ثم إنه بناء على عدم سقوط الخيار مع الافتراق الاكراهي لو زال الاكراه فعلى القول بأن المتبادر من الافتراق هو الافتراق الاختياري، أو القول بأن المتبادر منه هو الافتراق عن رضا بالبيع، كما ادعاه الشيخ (قده) أو القول بأن الظاهر من صحيحة الفضيل هو الافتراق عن رضا بالبيع، أو الرضا بتنفيذه والالتزام به، أو الرضا بالافتراق، فاللازم بقاء الخيار وعدم سقوطه إلا بالمسقطات الاخر، ضرورة أن الظاهر من الادلة أن حدوث الافتراق غاية، والفرض أن الافتراق الاختياري أو الافتراق عن الرضا لم يتحقق، وبعد رفع الاكراه لا يعقل تحققه، فمقتضى دليل إثبات الخيار إلى زمان الافتراق الاختياري أو عن رضا منه هو ثبوت الخيار إلى حصول الغاية، وهي صارت ممتنعة التحقق، فالخيار بحكم الدليل باق من غير احتياج إلى الاستصحاب، ولا يتردد الامر بين الفور والتراخي. وأما إن كان المستند دليل الرفع (فعلى القول) بأن الرفع تعلق بالآثار والاحكام لا بنفس الموضوعات فالامر كما مر، لان الخيار ثابت بالادلة إلى زمان الافتراق ولم يسقط بالافتراق الاكراهي، وبعد رفع الاكراه لا يعقل حدوث الافتراق، وامتنعت الغاية. و (على القول) بأن الرفع تعلق بالموضوع، وان افتراقهما الاكراهي كلا افتراقهما، فيمكن أن يقال: إن حديث الرفع محقق موضوع قوله عليه السلام: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) فإذا افترقا وجدانا بعد رفع الاكراه ينقطع الخيار، وذلك بأن يفارقا بعد رفع الاكراه عن الحالة التي كانا عليها بخطوة مثلا، فإذا كان أحدهما بالاكراه في بلد والآخر في بلد آخر وزال الاكراه بقي الخيار إلى أن يتفارقا عن الهيئة الموجودة، فيسقط الخيار.

[ 174 ]

(وبعبارة أخرى) إن دليل الاكراه يحكم بأنهما غير مفترقين إلى زمان رفع الاكراه، فإذا افترقا بعده وجدانا يسقط الخيار به (وإن شئت قلت): إن ذلك يستفاد من ضم دليل الاكراه إلى قوله عليه السلام: (فإذا افترقا وجب البيع) (1) (أو قلت): إن المستفاد من دليل الرفع توسعة الغاية، ولكنه مع ذلك لا يخلو من إشكال، وهو أن رفع الافتراق بدليل الرفع لازمه العقلي سقوط الخيار بالافتراق، فان المتفاهم من الادلة حدوث الافتراق، لا نفس تحققه حدوثا وبقاء، ورفع الافتراق إلى زمان رفع الاكراه لا يثبت حدوث الافتراق الحاصل بعده إلا بالاصل المثبت. إلا أن يقال: إن معنى استفادة التوسعة من دليل الرفع أن الافتراق أعم من الحدوث، ومعه لا إشكال في سقوطه به وإنما الاشكال في فهم ذلك من دليل الرفع بضمه إلى الادلة وعدمه، والامر سهل بعد بطلان المبنى. ثم إن من المسقطات التصرف على ما قالوا، وسيجئ تفصيله في خيار الحيوان إنشاء الله تعالى.


(1) الوسائل الباب - 1 من أبواب الخيار - الحديث 4.

[ 175 ]

الثاني خيار الحيوان وثبوته في الجملة مما لا إشكال فيه نصا وفتوى، والظاهر عموم الحكم لكل حيوان، سيما بعد التعبير عنه في الروايات بلفظ العموم، وهو قوله عليه السلام: (في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام) (1) فلا فرق بين صغار الحيوان وغيرها، فيشمل العموم نحو الجراد والزنبور والعق وغيرها، نعم لو لم يكن بعض النصوص المصرحة بثبوته في الرقيق (2) لاشكل الاثبات فيه، لكون الانسان مقابل الحيوان عرفا. كما لا إشكال في عدم ثبوته لو وقع العقد على لحم الحيوان سواء كان في معرض الهلاك أم لا. والظاهر عدم ثبوته في الحيوان المذبوح والمجروح بالسهم أو بالكلب المعلم وإن وقع العقد على الجثة الحية، لانصراف الادلة عنها، ولعدم تعلق البيع بها إلا بما أنها جثة لا دخل للحيوان فيها، ولا شبهة في أن زهوق


(1) الوسائل الباب - 3 من ابواب الخيار - الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 3 من ابواب الخيار - الحديث 7 و 9.

[ 176 ]

روحها لا يعد تلفا حتى يكون على البائع قبل القبض، أو على من لا خيار له، فان زهوقه في المذكورات لا يوجب نقصا، ووجوده لا يوجب زيادة قيمة في الجثة (نعم) لو كان المجروح بالسهم أو الكلب مما يجب ذبحه لادراكه حيا قابلا للذبح فبيع وترك حتى صار ميتة كان التلف على البائع أو على من لا خيار له. ولا ينبغي الاشكال في عدم ثبوته في الحيوان الذي كان رأسه وجلده مثلا لشخص وسائر أجزائه لآخر فباع صاحب الرأس من شخص وصاحب البقية منه، فصار الحيوان بالبيعين ملكا له، فان الرأس والجلد ليسا بحيوان وكذا البقية، والمجموع لم يقع عليه البيع، وكذا في الحيوان المشاع إذا باع أحد الشريكين نصفه من زيد والآخر نصفه منه أيضا، فان نصف الحيوان ليس حيوانا، بل يشكل الثبوت لو وكل الشريكان شخصا في بيع حصتهما، فان البيع وإن وقع ظاهرا على الحيوان لكن بحسب الواقع يكون مثل ذلك بيعين في بيع، سيما إذا وقعت المقاولة بين المشتري وبين الوكيل في نصف واتفقا على قيمة، ثم وقعت في نصف آخر واتفقا على قيمة أخرى غير قيمة النصف الاول، ثم وقعت المعاملة على الحيوان، فان الظاهر عدم الخيار في الفرض وإن قلنا بالثبوت في الصورة السابقة باعتبار عدم الانحلال. وأما الحيوانات التي لا تعيش بحسب نوعها إلى ثلاثة أيام فالاقوى ثبوته فيها. (وتوهم) أن جعل الثلاثة فيها لغو، فالجعل المذكور مع ملاحظة عدم جعل آخر شاهد على عدم ثبوته فيها رأسا، وأن جعل الثلاثة للارفاق على المشتري ليطلع على الخصوصيات الكامنة في الحيوانات، وما لا يعيش إلى الثلاثة لا وجه لجعلها فيه لاجل ذلك (فاسد) فان المجعول هو الخيار إلى ثلاثة أيام بحيث يكون في كل آن له الخيار، وليس الزمان هاهنا كالزمان الذي جعل ظرفا لتعريف اللقطة، لان الحكم بحفظ الملتقط

[ 177 ]

والتعريف إلى سنة غير معقول فيما لا يعيش ولا يبقى إلى سنة، وأما الخيار فلا إشكال في جعله إلى ثلاثة بنحو القانون الكلي في الحيوانات، فعدم العيش نوعا أو شخصا إلى ثلاثة وانقطاع خياره بموته لا يوجب لغوية القانون الكلي. هذا إذا قلنا بأن الموت يوجب انقطاع الخيار، وإلا كما هو الحق فلا إشكال فيه رأسا، فان الخيار متعلق بالعقد لا بالعين، فلا إشكال على الوجهين. وأما قضية الارفاق فهي نكتة مظنونة لا توجب توسعة ولا تضييقا، وإلا اتسع الخرق على الخارق. وبما ذكرنا يظهر أن غاية الخيار في تلك الحيوانات أيضا إلى الثلاثة أخذا باطلاق الادلة وعمومها. والظاهر عدم ثبوته في بيع الكلي، لانصراف الادلة عنه، لعدم وقوع بيع الحيوان كليا إلا على وجه الندرة، ولان العنوان الكلي ليس حيوانا، وانما هو عنوان صادق عليه، ونفس العنوان حيوان بالحمل الاولي وهو ليس بحيوان حقيقة عقلا وعرفا، والتعبير في النص وهو قوله عليه السلام (في الحيوان كله شرط) (1) لا يشمل الكلي بلا إشكال، كما أن قوله: (كل حيوان كذا) لا يشمله، وفرق بين قوله: (بيع الحيوان كذا) وقوله عليه السلام: (في الحيوان كله شرط) وإن كان المراد أن في الحيوان إذا بيع شرط، لكن التعبيرين مختلفان، وكيف كان يختص هذا الخيار بالمعين. والظاهر أن الكلي في المعين كالكلي، فلا يثبت الخيار فيه، لعين ما ذكرناه، فان الكلي في المعين كلي متقيد، نعم لا يبعد الثبوت إذا وقع العقد على الكلي الذي لا ينطبق إلا على الواحد الخارجي، ويتم الكلام


(1) الوسائل الباب - 3 من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 178 ]

في هذا الخيار في ضمن مسائل: مسألة: يثبت هذا الخيار للمشتري بلا إشكال نصا وفتوى، خلافا لعامة الفقهاء، وأما البائع فهل يثبت له مطلقا، أو لا مطلقا، أو يثبت له إذا انتقل إليه الحيوان؟ وجوه وأقوال منشؤها اختلافهم في فهم المراد من الاخبار التي هي بحسب الظاهر مختلفة. والذي يظهر لي بعد التأمل هو عدم اختلاف فيها، ويتضح ذلك بعد بيان أمرين: (أحدهما) أن التبادل في البيع قد يقع بين الاثمان والاجناس فيختص اسم المشتري بمن انتقل إليه الجنس، والبائع بمن انتقل عنه ذلك وانتقل إليه الثمن، وقد يقع بين الاجناس بعضها مع بعض، وفي مثله وإن لم يتميز المشتري عن البائع، بل كان كل منهما بائعا باعتبار ومشتريا باعتبار آخر، لكنه لا يضر بصدق البيع وتحققه، لان ماهية البيع هي مبادلة مال بمال، وقد حصلت المبادلة بينهما، فلا إشكال في تحقق البيع، ولا وجه لتوهم عدم صدق البيع في هذه المعاوضات. وأما صدق البائع والمشتري عليهما فان البائع من نقل ماله بعوض والمشتري من ابتاع بعوض، وهما صادقان عليهما، ولا إشكال في أن المتداول في معاوضة الاجناس هو التبادل بينها، لا بيع أحدها بالآخر، بل لو بيع جنس بجنس على خلاف المتعارف لا يبعد صدق المشتري والبائع عليهما. (ثانيهما) أن مقتضى صيغة التفاعل هو المشاركة، فقوله: (تضارب زيد وعمرو) بمعنى ضرب كل صاحبه، ولو ذكر المتعلق وقيل: (تضاربا بالسيف) فمعناه ضرب كل صاحبه بالسيف.

[ 179 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الروايات على طوائف: (منها) وهي أكثرها دالة على ثبوت الخيار للمشتري، كقوله عليه السلام: (في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشتري) (1) وقوله عليه السلام: (صاحب الحيوان المشترى بالخيار بثلاثة أيام) (2). و (منها) ما دلت على أن صاحب الحيوان بالخيار من غير ذكر المشترى، كقوله صلى الله عليه وآله في صحيحتي زرارة (3) وابن مسلم (4): (البيعان بالخيار حتى يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام). و (منها) ما دلت على أن المتبايعين بالخيار، كقوله عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم: (المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا) (5). و (منها) مادلت على ثبوته للمشتري دون البائع، كصحيحة علي بن رئاب، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى جارية لمن الخيار؟ للمشتري أو للبائع أو لهما كلاهما، فقال: الخيار لمن اشترى ثلاثة أيام نظرة) (6). وهذه الروايات صارت موجبة لاختلاف الانظار، فالمشهور عدم ثبوته للبائع مطلقا، أخذا بالروايات الدالة على اختصاصه بالمشتري، سيما صحيحة ابن رئاب التي هي كالصريحة في ذلك، وحملا للروايات المطلقة عليها، وتقديما لها على صحيحة ابن مسلم الدالة على ثبوته لهما مطلقا. ومنهم من قال بثبوته للبائع مطلقا، أخذا بهذه الصحيحة مع التأويل في سائر الروايات، وترجيح الصحيحة على صحيحة ابن رئاب الناصة على عدم ثبوته له.


(1) و (2) و (3) و (5) و (6) الوسائل الباب - 3 من ابواب الخيار - الحديث 1 - 2 - 6 - 3 - 9. (4) الوسائل الباب - 1 من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 180 ]

ومنهم من فصل بين ما إذا كان البائع صاحب الحيوان، فأثبت له وما إذا لم يكن فلم يثبته، أخذا باطلاق قوله عليه السلام: (صاحب الحيوان بالخيار) ثم وقعوا في حيص بيص بالنسبة إلى صحيحة ابن مسلم. والتحقيق أنه لااختلاف بين الاخبار رأسا بعد التأمل فيما ذكرناه آنفا (أما) ما دلت على أن صاحب الحيوان المشترى بالخيار أو أن الخيار للمشتري فان في مبادلة حيوان بحيوان كل منهما مشتر وبائع فالخيار ثابت لهما، لكون كل منهما صاحب الحيوان فعلا، ومشتر كذلك، فالقيدان ثابتان لهما، والخيار كذلك، من غير منافاة بين المطلق وتلك الروايات ولا منافاة بين صحيحة علي بن رئاب معها، كما سيتضح. وأما قوله عليه السلام: (المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان) فهو متعرض لقسم من المبايعات، وهو التبايع في الحيوان، ولا يصدق ذلك إلا ببيع كل منهما الحيوان من صاحبه، فلو كانت المبادلة بين الحيوان وغيره لم يصدق أنهما تبايعا في الحيوان، ولا إشكال في التعرض لقسم من المبادلات ولو كان نادرا. وبالجملة المبادلة إن وقعت بين الحيوان والثمن يكون المشتري خصوص من انتقل إليه الحيوان دون البائع، وإن وقعت بين الحيوان وسائر الاجناس غير الاثمان والحيوانات يكون من انتقل إليه الحيوان صاحب الحيوان فعلا، ويصدق عليه المشتري لما تقدم، وإن وقعت بين الحيوانين يكون كل منهما صاحب الحيوان المشترى لما مر، فالاشكالات في المقام ناشئة عن الغض عن الامرين المذكورين. ثم مع الغض عما ذكرنا والبناء على ما سلكوه فالجمع العقلائي بينها ممكن بعد التنبه على أمر، وهو أن اللازم على الفقيه الباحث في الاستظهار من الروايات ودعوى الانصراف والاطلاق والغلبة والندرة ملاحظة العصر والمحيط اللذين صدرت الروايات فيهما، فربما يكون في عصر أو مصر انصراف

[ 181 ]

دون غيرهما، ألا ترى أن الدينار في الاعصار القديمة كان منصرفا إلى الذهب المسكوك بسكة المعاملة، وفي عصرنا منصرف إلى الدينار المتعارف أي الاوراق النقدية، لمكان اختلاف العصرين في الشيوع وعدمه. إذا عرفت ذلك فنقول: إن في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله ومحيطه أي الحجاز الذي كان الغالب فيه البدو والاعاشة بالحيوانات كالابل والاغنام ونحوهما كانت المبادلة بين الاجناس بالاجناس والحيوان بالحيوان شايعة جدا، ولم تكن المبادلة بالدرهم والدينار ونحوهما شايعة كشيوعها، بل الامر كذلك في عصرنا في البوادى البعيدة عن الامصار، ثم بعد مضي عصر النبي صلى الله عليه وآله والتابعين وقيام سلطنة الامويين والعباسيين مقام النبوة والخلافة تغيرت الاحوال والاوضاع في البلاد سيما في العواصم. فقوله: (صاحب الحيوان بالخيار) حيث إنه محكي عن النبي صلى الله عليه وآله، لا إشكال في إطلاقه بالنسبة إلى البائع والمشتري، لمكان شيوع المبادلات في الحيوانات، ولا وقع لدعوى الانصراف إلى المشتري، ومدعيه قايس زمانه بعصر النبي صلى الله عليه وآله، ومحيطه بمحيطه، وغفل عن الواقعة. وأما قوله: (صاحب الحيوان المشترى بالخيار) فهو صادر من أبي الحسن الرضا عليه السلام، وعصره ومصره مخالفان لعصر النبي صلى الله عليه وآله ومصره، فان في عصره عليه السلام كانت المبادلات بالذهب والفضة رائجة، وفي العواصم أكثر تداولا، ولهذا يمكن دعوى كون القيد غالبيا، فلا يصلح لتقييد إطلاق النبوي. وتوهم أن الاشكال وارد على الاطلاق أيضا ناش عن الغفلة عما تنبهنا عليه. مع أن من المحتمل أن يكون المشتري في تلك الروايات بالبناء للمفعول ليكون صفة للحيوان، ومعه يكون الوصف محققا للموضوع ولا مفهوم له

[ 182 ]

فالامر دائر بين كونه صفة لصاحب الحيوان حتى يكون له مفهوم، أو للحيوان فلا حجة لرفع اليد عن الاطلاق. وأما قوله عليه السلام: (في الحيوان كله شرط ثلاثة أيام للمشتري) كما في صحيحة الحلبي فلا مفهوم له كما لا يخفى، وعلى فرض المفهوم يكون هو سلب العموم لا عموم السلب، أي ليس للبائع في جميع الحيوانات التي تباع خيار، فلا منافاة بينها وبين إثبات الخيار لصاحب الحيوان، لان مفاد إحداهما السالبة الجزئية، ومفاد الاخرى الموجبة الجزئية بالنسبة إلى مطلق المبايعات. وبهذا يمكن الجواب عن صحيحة الفضيل قال: (قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال ثلاثة أيام للمشتري) (1) فانه مع عدم المفهوم لها لا يستفاد منها على فرضه إلا سلب الاطلاق، لا إطلاق السلب. وأما صحيحة علي بن رئاب المفروض فيها شراء الجارية فلا ينبغي الاشكال في أن المفروض شراؤها بالاثمان، لا بالحيوان أو بالجارية، لبعد المبادلة بين الجارية والحيوانات جدا، خصوصا في عصر الصادق عليه السلام الذي كان فيه بيع الجواري بالاثمان الغالية رائجا، مع أنه لو كان التبادل بينها وبين حيوان أو جارية لذكره السائل حسب المتعارف، فلا إشكال في أن المفروض ما ذكر، فلا منافاة بينها وبين النبوي. وأما صحيحة ابن مسلم (المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان) فتقيد بقوله عليه السلام: (صاحب الحيوان بالخيار) الظاهر منه اختصاصه به، سيما مع تغيير العنوان. وتوهم أن التقييد يوجب الحمل على الفرد النادر في غير مورده جدا، فان المبادلة بين الحيوانات غير نادرة حتى في عصرنا فضلا عن عصره الذي كانت فيه رائجة، سيما في الحجاز، وإن


(1) الوسائل الباب - 3 من ابواب الخيار - الحديث 5.

[ 183 ]

كان الشراء بالاثمان أيضا رائجا في العواصم، فالتقييد غير مستهجن بلا إشكال. فتحصل من جميع ذلك أنه لا تعارض بين الروايات، والجمع بينها عقلائي لا مجال للشك فيه، وأن الخيار ثابت لصاحب الحيوان مطلقا، كما هو المناسب للحكم والموضوع وللحكمة في جعله، وأما الشهرة أو دعوى الاجماع فلا يصح الاستناد اليهما بعد كون المسألة اجتهادية متراكمة فيها الادلة والله العالم. مسألة: هل مبدأ هذا الخيار من حين العقد أو من حين التفرق؟ وقبل البحث عنه لابد من تقديم أمر: وهو أن خيار المجلس هل هو ثابت لمن له خيار الحيوان أم لا؟ وعلى الثاني لا وقع للنزاع المذكور وإن أمكن على بعض الوجوه. فنقول: يحتمل (أن يكون) المجعول بحسب الشرع خيارا واحدا لجميع المتعاملين، وانما الاختلاف في الحيوان وغيره في منتهى الخيار. و (أن يكون) المجعول خيارين: أحدهما لصاحب الحيوان، وثانيهما لغيره من المتعاملين، و (أن يكون) المجعول خيارين: أحدهما لجميع المتعاملين، صاحب الحيوان وغيره، وثانيهما لصاحب الحيوان، فلو أسقط أحدهما بقي الآخر، ولو افترق سقط خيار المجلس وبقي له خيار الحيوان ولو لم يتفرقا إلى ثلاثة أيام سقط خيار الحيوان دون المجلس، وجوه. أوجهها الاول ثم الثاني، لدلالة جملة من الروايات عليه (منها) صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) فان التفصيل بين المتبايعين في الحيوان


(1) الوسائل الباب - 3 من ابواب الخيار - الحديث 3.

[ 184 ]

وما سواه ظاهر في أنه ليس في الحيوان خيار غايته التفرق، بل عدم تكرار الخيار دليل على أن الخيار الثابت فيما سواه فيما سواه هو الذي ثبت في الحيوان، إلا أن الاختلاف في غايته، وقوله عليه السلام: (فيما سوى ذلك من بيع) دليل على أنه كان بصدد بيان أصل الخيار لاحده وغايته، فلو كان أصل الخيار في مورده مفروغا عنه لما ذكر لفظ البيع لاخراج غيره، فالوسوسة في دلالتها كأنها في غير محلها. و (منها) رواية علي بن أسباط المعتمدة عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: (سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري وفي غير الحيوان أن يفترقا) (1). و (منها) صحيحة الفضيل قال: (قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري، قال: قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا) (2) ولا شبهة في كونها بصدد بيان أصل الخيار بدليل ذكر الخصوصيات الزائدة على أصل الغاية، إلى غير ذلك. (وتوهم) أن الروايات بصدد بيان حد الخيار لا أصله (فاسد) أما أولا فلما مر، مضافا إلى أن كلمة (ما) في قوله: (ما الشرط) موضوع للسؤال عن أصل الماهية، فلو أراد السؤال عن حدها لابد من التقدير، وهو خلاف الاصل، مع أن أحتمال كونها بصدد بيان الحد والغاية انما هو لمكان ذكر الغاية، وإلا فضم حكم الحيوان إلى غيره لا دخل له، فعلى ذلك لا يبقى لاثبات خيار المجلس في الحيوان دليل أصلا،


(1) الوسائل الباب - 1 من ابواب الخيار - الحديث 5. (2) ذكر صدرها في الوسائل في الباب 3 من ابواب الخيار الحديث 5 وذيلها في الباب 1 منها الحديث 3.

[ 185 ]

لذكر تلك الغاية في جميع روايات خيار المجلس، فعليه يثبت خيار الحيوان ثلاثة أيام بالدليل القطعي، ويثبت خيار المجلس في غيره كذلك، ويبقى ثبوت خياره في الحيوان مشكوكا فيه. وتؤيد كونه واحدا مختلف الغاية مناسبة الحكم والموضوع، وأن هذا الخيار لمراعاة حال المتعاملين للتروي، وانما الاختلاف في الغاية لاختلاف الحيوان مع غيره في كونه صاحب صفات وأخلاق كامنة ربما لا تظهر إلا في ثلاثة أيام أو أكثر، والتحديد بالثلاث لمراعاة الطرفين، بل من البعيد جعل خيارين لصاحب الحيوان من غير ظهور جهتين متعددتين مقتضيتين لذلك. وتؤيده بل تشهد عليه الروايات الدالة على أن التلف في الثلاثة من مال البائع مع أنه في الخيار المشترك كان على المشتري. وربما يقال: (إنا لو اخترنا ما عليه السيد المرتضى (قده) لكان لوحدة الخيار مع اختلاف الغاية وجه، وأما لو قلنا بعدم ثبوته للمنتقل عنه فلا شبهة في أن خيار الحيوان مغاير لخيار المجلس موضوعا ومحمولا فان خيار المجلس ثابت لكليهما ما دام المجلس طال أم قصر، وخيار الحيوان يختص بمن انتقل إليه في ثلاثة أيام، فأين هذا من ذاك؟) انتهى. وفيه ما لا يخفى، فانه على فرض اختيار كلام السيد يمكن أن يقال: إن خيار الحيوان مغاير لخيار المجلس موضوعا ومحمولا، فان خيار المجلس ثابت للمتبايعين في غير الحيوان، وغايته الافتراق، طال أم قصر، وخيار الحيوان لهما في خصوص الحيوان في ثلاثة أيام، فأين هذا من ذاك. وعلى فرض اختيار كلام المشهور يمكن أن يقال: إن الخيار الواحد ثابت للمشتري صاحب الحيوان إلى ثلاثة، ولغيره إلى زمان التفرق، فأين الاختلاف في الخيار؟ مع أن دعوى الاختلاف محمولا مصادرة، والمتبع هو ظواهر الادلة، وهي ما عرفت، وعلى ذلك يكون مبدأ الخيار في

[ 186 ]

الحيوان وغيره واحدا، وهو حين العقد، وغايته مختلفة. ثم إنه لو أغمضنا عما تقدم وبنينا على أن مقتضى الادلة هو ثبوت خيار المجلس وخيار الحيوان لصاحبه فالظاهر منها أن مبدأ الخيارين حين العقد، لقوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار حتى يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام) (1) الظاهر في أن خيار المجلس ثابت لعنوان البيعين، وهو تمام الموضوع، ولازمه أن يتحقق الحكم بتحققه، وأن خيار الحيوان ثابت لصاحب الحيوان، وهو أيضا تمام الموضوع، وبتحقق البيع يتحقق العنوانان، إلى غير ذلك من الروايات (مضافا) إلى أن ذلك هو مقتضى وحدة السياق في الروايات المشتملة على بيان الخيارين بعد الجزم بأن مبدأ خيار المجلس حال العقد. لكن مبنى استفادة ذلك من الادلة هو كونها في مقام بيان أصل الخيار، وأما إذا كانت في مقام بيان حده وغايته فلا يصح الاستدلال بها فان حاصلها على هذا الفرض يرجع إلى قوله: (غاية خيار المجلس المعهود هو التفرق، وغاية خيار الحيوان المعهود إلى ثلاثة) من غير تعرض للمبدأ وبعد الفراغ عن ثبوت الخيار بنحو معهود لا يمكن الاستدلال بها نحو ما تقدم، فمن ذهب في الفرع السابق إلى ما ذكر ليس له الاستدلال بها في هذا الفرع. ثم إن جواز الاخذ بالظواهر فرع عدم محذور عقلي فيه، وأما معه فيجب رفع اليد، وعليه فعلى فرض ورود المحذورات العقلية الآتية لابد من رفع اليد عن أحد الظهورين، إما ظهورها في ثبوت خيار المجلس لصاحب الحيوان زائدا على خيار الحيوان لدفع المحذور العقلي، أو ظهورها في مبدأ خياره بعد عدم إمكان التصرف في خيار المجلس.


(1) الوسائل الباب - 1 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 187 ]

ولا يتوهم أنه على فرض رفع اليد عن الظهور الاول يلزم ارتكاب خلاف ظاهرين، بخلاف رفع اليد عن الثاني، لوضوح أن مع رفع اليد عن الاول يرتفع موضوع الظهور الثاني، لا نفس الظهور، نظير دوران الامر بين تخصيص دليل وبين تقييد إطلاقه المتفرع على دخول الفرد، فان إخراج الفرد رافع لموضوع الاطلاق من دون أن يكون ارتكاب خلاف ظاهر بالنسبة إليه. ثم إن ما يمكن أن يجعل محذورا عقليا أمور: (منها) ما يكون من ناحية العقد، بأن يقال: لا يعقل تزلزله مرتين في عرض واحد، كما لا يمكن لزومه مرتين ولا جوازه الحكمي كذلك، فكما لا يعقل أن يكون عقد البيع لازما مرتين ولا عقد الهبة جائزا كذلك فكذا الحال في الجواز الحقي، فلا يعقل تزلزله مرتين في عرض واحد. ولعل ما عن المبسوط في مسألة خيار الشرط يرجع إلى ذلك، قال: (الاولى أن يقال، إنه يثبت من حين التفرق، لان الخيار يدخل إذا ثبت العقد، والعقد لم يثبت قبل التفرق) انتهى. بأن يكون مراده من عدم الثبوت هو التزلزل، وأن العقد المتزلزل لا يدخل فيه الخيار ثانيا إلا بعد رفع التزلزل الناشئ عن الخيار الثابت فيه، وهو خيار المجلس في المقام فعند رفع تزلزله قام مقامه خيار الحيوان لئلا يلزم المحذور العقلي. و (منها) من ناحية الاعتبار الشرعي، بأن يقال: كما لا يعقل اعتبار لزومين في عقد واحد واعتبار الجوازين في مثل عقد الهبة فكذا لا يعقل اعتبار الجوازين الحقيين في عقد البيع. و (منها) من ناحية الحكم أي الخيار، بأن يقال بعدما علم بالضرورة أن الخيارين غير مختلفين بتمام ذاتهما، بل الخيار ماهية نوعية مختلفة بالمصنفات، فاجتماعهما في عقد واحد أو عروضهما على موضوع

[ 188 ]

واحد كالمتبايعين محال، للزوم اجتماع المثلين، ولو قيل: إنه خيار واحد مسبب من السببين يلزم اجتماع السببين على مسبب واحد، وهو محال. وبالجملة إن الامر دائر بين كون الخيار واحدا أو متعددا، وعلى الثاني بين كون مبدئهما واحدا أو متعددا، فإذا بطل كونه واحدا أو متعددا متحد المبدأ ثبت كونه متعددا مختلف المبدأ، وإذا لم يكن التصرف في مبدأ خيار المجلس لزم التصرف في مبدأ خيار الحيوان، فثبت المدعى. والجواب عنه إجمالا أن توهم تلك المحذورات العقلية ناش من قياس التشريع والامور الاعتبارية بالتكوين، وقياس الاحكام بالاعراض المقولية والاسباب الشرعية بالاسباب التكوينية، مع أنه قياس باطل، إذ ليس للاحكام وجود خارجي عارض على الموضوعات عروض الاعراض عليها، بل هي أمور اعتبارية ناشئة عن مصالح ومفاسد، فيمكن ويصح اعتبار الحكمين الوضعيين باعتبار المصلحتين واختلاف الجهتين، فلا ضدية ولا تماثل بينها، نحو ما بين الاعراض الخارجية، وليست الاسباب الشرعية كالاسباب العقلية التكوينية حتى يمتنع اجتماعها على مسبب واحد، بل الاسباب هاهنا معرفات عن موضوعات الاحكام أو عن الحكم والنكات. وأما التفصيل فالجواب عن محذور تكثر التزلزل في العقد هو أن التزلزل فيه يرجع إلى كونه خياريا يصح فسخه بهذا الخيار أو بذاك، فدعوى امتناع التزلزلين ترجع إلى دعوى امتناع اجتماع الخيارين، وهي مصادرة ظاهرة، مع أن تزلزل العقد ليس وصفا خارجيا كتزلزل السفينة حتى لا يعقل تكثره، بل هو تزلزل اعتباري منشؤه كثرة حق الخيار، فلو صار ذلك منشأ للامتناع لكان ثبوت الخيار للطرفين كخيار المجلس ممتنعا، والحل ما ذكرناه. والجواب عن محذور اجتماع الاعتبارين هو أن اجتماعهما انما يمتنع مع وحدة الجهة، كالجواز في عقد الهبة واللزوم المطلق في عقد البيع، وأما

[ 189 ]

مع كثرتها فلا محذور فيه، فاعتبار الخيار وجعله من جهة العيب وخيار آخر من جهة الغبن وثالث من جهة مراعاة المتعاملين حال المعاملة إلى غير ذلك لا محذور فيه. والجواب عن محذور اجتماع المثلين هو أن اجتماعهما في الاحكام لا محذور فيه مع اختلاف الجهتين، وليس المثلان هاهنا كالمثلين في الاعراض حيث يمتنع اجتماعهما حتى مع اختلاف الجهتين، فلا يعقل حلول البياض في جسم بجهة كونه ذا ابعاد وعروض بياض آخر عليه بجهة كونه متحيزا، وأما في الاحكام فلا محذور فيه مع اختلاف الجهة، فيثبت خيار للبيعين بجهة العيب، وآخر بجهة الغبن، وكذا يثبت حق الخيار في العقد بجهتين، فالمماثلة في الامور الاعتبارية غيرها في المقولات. هذا ما يجب أن يحمل عليه كلام المحققين، لا ما فهمه بعض أهل التحقيق من احتمال كون نظرهم إلى ما اشتهر من اشتراط استحالة اجتماع المتقابلين بوحدة الجهة، ثم ذكر كلام أهل فن الفلسفة في ذلك المجال، ثم استشكل عليهم بأن حق الخيار ليس من مقولة الاضافة إلى آخر ما قال مع أن كلامهم صحيح وأجنبي عما فهمه أو احتمل تطبيقه عليه، إذ ليس الكلام في المقولات والمتماثلين المقوليين، بل في الحكمين المتماثلين، والتحقيق ما أفادوه. ويجاب عن محذور اجتماع السببين على مسبب واحد لو قيل بوحدة الخيار بأن الاسباب الشرعية ليست كالعقلية مؤثرات وموجدات، بل هي معرفات كالمعرفات المنطقية، كقولهم: (الانسان حيوان ناطق) و (الانسان حيوان ضاحك) و (هو ماش مستقيم القامة) إلى غير ذلك، وجميعها معرفات لموضوع واحد بجهات مختلفة، فالاسباب والتعليلات الشرعية معرفات للموضوعات، أو حكم ونكات للجعل، لا مؤثرات وعلل واقعية حتى يمتنع

[ 190 ]

اجتماعها على مسبب ومعلول واحد، فقوله: (الخمر حرام لانه مسكر) معرف للموضوع أي المسكر، لا علة لثبوت الحكم للخمر، لعدم تعقل كون شئ علة لثبوت حكم بحيث يترتب الحكم على الموضوع بهذه العلة من دون حصول المبادئ التصديقية والتصورية للحكم الذي هو منشأ من الجاعل، وبعد الجعل أيضا اعتبار لا واقعية له في غير صقع الاعتبار، فالسببية والمسببية والعلية والمعلولية في الاحكام باطلة. نعم الاحكام مجعولة بالجعل الشرعي ومعلولة لمبادئه المقررة، ولا يعقل أن تكون لها علة وراء ذلك، فقولهم في جواب الاشكال: إن العلل الشرعية معرفات صحيح متقن. وفي هذا المقام أيضا أطال بعض أهل التحقيق بعد حمل المعرف على الكاشف عن العلة الواقعية بما هو أجنبي عن كلامهم، وغير سديد في نفسه، فراجعه. كما أن بعض أعاظم العصر استشكل عليهم بأن النزاع في أن الاسباب معرفات لا علل لا ربط له بالمقام، لان الخيارين تابعان لمقتضى دليلهما قبل التفرق كان مناطهما حكمة أو علة، ولو كان المراد من المعرف أن موضوع الحكم الذي أخذ في القضية الحقيقية ليس علة لثبوت الحكم عند تحققه فهذا بديهي البطلان، لعدم إمكان تحقق الموضوع وعدم تحقق الحكم، انتهى ملخصا. وأنت خبير بما فيه، فكأنه رحمه الله لم يصل إلى مغزى مرادهم، فان المقصود هاهنا دفع الاشكال العقلي على فرض تعدد الخيار تارة وعلى فرض وحدته أخرى من غير نظر إلى مقام الاثبات، فكلامه غير مربوط بكلامهم، كما هو واضح. وأما قضية علية الموضوع للحكم فهي غير سديدة، ضرورة أن موضوعات الاحكام لو كانت عللا لها لما تخلفت المعلولات عنها، ولما كان

[ 191 ]

يعقل تخلل الجعل بين العلة والمعلول، فلا بد عليها من ترتب الاحكام على الموضوعات قبل الشارع، وهو كما ترى. وأما بعد الجعل فليست الموضوعات عللا لها، لان الاحكام مترتبة بحسب الجعل الشرعي على عناوين كلية أو مطلقة، فإذا تحقق الفرد انطبق عليه أو تحقق به العنوان الذي له حكم، فلا يعقل أن يكون الموضوع مؤثرا وموجدا له، ولا يعقل تجدد حكم عند تحقق الموضوع، بل الحكم ثابت بجعل واحد على عنوان منطبق على الخارج فالموضوع موضوع للحكم لا علة له، وهو ظاهر. واستدل على كون مبدئه من حين التفرق بما دلت على أن تلف الحيوان في الثلاثة على البائع مع أنه في الخيار المشترك على المشتري، فيستكشف من ذاك وذلك أنه من حين التفرق. وفيه مضافا إلى أن من الممكن أن لا يثبت خيار المجلس في الحيوان وتكون تلك الروايات شاهدة على ذلك كما مر أنه ليس في مقابل تلك الروايات دليل لفظي على أن التلف في الخيار المشترك على المشتري، بل كونه منه على حسب القواعد العقلائية. ومجمل الكلام إن هاهنا قواعد عقلائية: (منها) أن العقد الجامع للشرائط من المالكين يوجب الملكية، وهو تمام السبب لتحققها، و (منها) أن العقد المحقق لا ينفسخ بلا سبب من الاسباب العقلائية. و (منها) أن تلف مال المالك مضمون عليه، ويخرج من كيسه مع عدم أسباب الضمان على الغير، فمع دلالة الروايات على أن تلف الحيوان في الثلاثة مضمون على البائع (1) لابد من رفع اليد عن إحدى تلك القواعد، بأن يقال: إن التالف في زمان الخيار ملك للبائع وإن انقضاء الخيار جزء سبب للانتقال فتنتقض الاولى، أو يقال: إنه صار ملكا له وانفسخ العقد


(1) الوسائل الباب - 5 من أبواب الخيار.

[ 192 ]

قبل التلف بلا سبب، أو بالتلف بنحو الشرط المتأخر الذي ليس هو من الاسباب العقلائية، فتنتقض الثانية، أو يقال: إن مع تأثير العقد وعدم انفساخه يكون تلفه على البائع، فتنتقض الثالثة، فتلك القواعد لا تعارض الروايات الدالة على أن تلف الحيوان في الثلاثة مضمون على البائع، ولا قاعدة أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له المستفادة من الروايات الشريفة، وذلك لامكان رفع اليد عن كل واحدة منها تعبدا، وليس دليل لفظي في مقابلها حتى يتوهم التعارض. ثم إنه يمكن استظهار انفساخ العقد قبل التلف من بعضها، كمرسلة علي بن رباط عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة أيام فهو من مال البائع) (1) الظاهرة في أن التالف صار ملكا للبائع فتلف، ويمكن حملها على عدم حصول الملك زمان الخيار، لكنه بعيد غايته، ولم يلتزم مشهور العلماء به، ومخالف لروايات أخر. وعلى ذلك يحمل بعض الروايات الظاهر بدوا في عدم حصول الملك كقوله عليه السلام: (الضمان على البائع حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع للمشتري) (2) فيحمل على أن المراد منه استقرار ملك المشتري، فهذه القاعدة حاكمة على القاعدة العقلائية بأن الانفساخ لابد له من السبب، فالحكم الشرعي قائم مقام السبب، مع امكان أن يقال: إن التعبد الشرعي وقع في الموضوع، فجعل التالف قبل انقضاء الشرط بحكم مال البائع في هذا الاثر. وعلى ذلك لو دلت الروايات على كون مبدأ خيار الحيوان حين العقد ودلت تلك الروايات على أن التلف في زمان خيار الحيوان على البائع لا يصح رفع اليد عن واحد منهما، لعدم التعارض بينهما، ولا دليل لفظي


(1) و (2) الوسائل الباب - 5 من أبواب 5 من أبواب الخيار الحديث 5 - 2.

[ 193 ]

على أن الضمان في الخيار المشترك على المشتري حتى يعارضها، فيؤخذ بالظهورين، ويحكم بأن التلف في الثلاثة من مال البائع تحكيما للادلة الشرعية على القاعدة العقلائية القابلة للتخصيص، كما هو الحال في الخيار المختص، فالحال في الخيار المشترك هو الحال في المختص، فالتحكيم في الموردين على السواء. وأما الاصول الشرعية فلا وقع لها بعد ذلك، مع أن شيئا منها كأصالة عدم ارتفاع الخيار وأصالة بقائه وأصالة عدم حدوثه قبل انقضاء المجلس لا يثبت كون مبدئه حال التفرق، كما أنه لا يثبت بأصالة عدم ارتفاعه بانقضاء ثلاثة من حين العقد بقاؤه إلى الثلاثة من حين التفرق، كما أن أصالة عدم حدوثه قبل انقضاء المجلس غير جارية على وجه، لعدم الحالة السابقة ومثبتة على وجه آخر. وأما أصالة بقاء الخيار لو أريد منها ترتيب آثاره من غير النظر إلى إثبات المبدأ بها فجارية على فرض كون خيار المجلس والحيوان واحدا شخصيا، سواء كان التفرق قبل انقضاء الثلاثة من حين العقد أو مقارنا للانقضاء أو متأخرا عنه، فان المستصحب شخص الخيار المتيقن الوجود والمشكوك فيه بقاء، لكن المبنى فاسد وعلى فرض ثبوت الخيارين تجري إذا وقع التفرق قبل انقضاء الثلاثة من حين العقد، لاستصحاب شخص خيار الحيوان، وأما لو وقع بعد الثلاثة فجريانها محل إشكال من ناحية الاشكال في جريان استصحاب القسم الثالث من الكلي، أو من ناحية أن الخيار الكلي الجامع لا مجعول شرعا ولا موضوع أثر، فان ما هو المجعول وما هو موضوع للآثار هو خيار المجلس وخيار الحيوان، والجامع أمر انتزاعي من المجعولين ولا يتعلق به جعل، والآثار مترتبة على كل خيار مستقلا، لا على الجامع بينهما، فما هو المورث خيار المجلس وخيار الحيوان، لا الجامع بينهما بحيث

[ 194 ]

يكون المورث في الخيارين أمور ثلاثة: هذا الخيار وذاك والجامع بينهما، لان الجامع غير مجعول، فلا يكون حقا حتى يورث، وكذا الحال في سائر الآثار، وفي سائر الموارد الشبيهة بالمورد، وليس ما ذكرناه انكارا لاستصحاب الكلي رأسا أو القسم الثالث منه، فان جريانه حتى في القسم الثالث في بعض الفروض لا مانع منه، والتفصيل في محله. ثم إن البحث هاهنا عن ثبوته للوكيل مطلقا أو الوكيل المطلق وللفضولي وفي السلم قبل القبض مخالف من حيث المستند معه في خيار المجلس، فان عنوان الادلة هناك (البيعان) وقد قلنا بأنه غير صادق إلا على منشئ الصيغة، لان ماهية البيع هي التبادل الانشائي الحاصل بها، فالوكيل حتى في إجرائها بائع دون الموكل، والفضولي بائع دون الاصيل. وأما في المقام فالسنة الادلة مختلفة، ففي بعضها (المتبايعان بالخيار) (1) وفي بعضها (للمشتري الخيار) (2) وفي بعضها (صاحب الحيوان المشترى) (3) وفي بعضها (صاحب الحيوان) (4) وتلك الروايات وإن كانت مثبتة لكن وحدة الحكم محرزة، فلابد من تقييد مطلقاتها، فان صاحب الحيوان هو المالك سواء كان مجري الصيغة أم لا، دون الفضولي أو الوكيل، والمتبايع هو مجري الصيغة سواء كان مالكا أو وكيلا أو فضوليا، وكذا المشتري، فلو قلنا بأن الخيار متعدد أخذا بالدليلين المثبتين فاما أن يكون المراد بالمتبايعين والمشتري أعم من مالك الحيوان ومن الوكيل ونحوه فلازمه ثبوت خيارين في الحيوان لصاحبه تارة بعنوان الصاحب، وأخرى بعنوان المتبايع أو المشتري، وهو واضح الفساد، أو يكون المراد من العنوان خصوص الوكيل والفضولي دون المالك فهو أيضا باطل، بل الاثبات لغير المالك بهذه العبارة مستهجن وخلاف تعارف التكلم، فلا بد


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 3 من ابواب الخيار - الحديث 3 - 4 - 2 - 6.

[ 195 ]

وأن يكون الحكم وهو الخيار واحدا، فيحمل المطلقات على المقيد ويثبت الخيار لخصوص المالك المجري للصيغة، لان بين عنوان الصاحب والبائع عموما من وجه، والجمع العقلائي يقضي بتقييد كل بالآخر وإثبات الحكم لمجمع العنوانين، وهو صاحب الحيوان المجري للصيغة. وقد يقال: إن صاحب الحيوان أعم من مالكه والوكيل الذي يتلقى الحيوان، وهو مخالف للظاهر، وعلى فرضه يثبت لمجمع عنواني المتلقي له المجري لها وهو الوكيل المطلق والصاحب المجري لها. ويظهر الكلام أيضا في بيع السلم، فانه قبل القبض لا يصدق عليه صاحبه ولا المتلقي له بحكم الشرع، فلا يثبت الخيار إلا بعده، ولا يثبت للفضولي، لعدم كونه صاحبا، ولا لصاحب المال، لعدم كونه بائعا ومجريا للصيغة، من غير فرق بين القول بالكشف أو النقل. هذا بحسب الروايات ومقتضى الجمع بينها. نعم لو كان استعمال البائع والمتبايعين في صاحب المال إذا وكل غيره في مجرد الصيغة شائعا وكان من المجازات الراجحة عرفا لكان ثابتا للمالك في الفرض. مسألة: في دخول الليالي في الايام الثلاثة أصالة أو تبعا وحكما وعدمه وفي التلفيق وعدمه وجوه، والاحتمالات كثيرة نذكر ما يعتد بها. (منها) أن يكون الخيار في ثلاثة أيام من طلوع الشمس إلى غروبها فقط، وتكون الليالي مطلقا حتى الليلتان المتوسطتان خارجة، فيكون العقد في غير الثلاثة لازما وفيها خياريا، ولا بأس به لو اقتضى

[ 196 ]

الدليل ذلك، نظير طريان الجواز بعد اللزوم في خيار التأخير وما يفسد ليومه، بدعوى أن اليوم حقيقة في بياض النهار من الطلوع إلى الغروب والليل خارج منه، وعليه فيكون مقتضى الادلة والاخبار الكثيرة ذلك ولا دافع له، فان قوله صلى الله عليه وآله: (صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام) (1) ظاهر على تلك الدعوى في أن الخيار ثابت له في الايام الثلاثة من طلوع الشمس إلى غروبها. (ودعوى) أن الخيار ثابت له من حين العقد مستمرا إلى آخر الثلاثة، فيكون الليلتان المتوسطتان داخلتين، والليلة الاولى بعضها أو تمامها وبعض اليوم قبل الثلاثة داخلة حكما، بمقتضى الثبوت من حال العقد والاستمرار إلى آخر الثلاثة (مبنية) على استفادة ذلك من قوله صلى الله عليه وآله (صاحب الحيوان) (2) الظاهر في أن الخيار ثابت له، وأنه تمام الموضوع له، فبتحققه يتحقق الخيار، وإلا تخلف الحكم عن موضوعه، ومن وحدة السياق، فان خيار المجلس ثابت من حال العقد مستمرا إلى التفرق، وهو عطف عليه، ولازمه بحكم وحدة السياق ثبوته حاله مستمرا إلى الغاية. وفيه أن الثبوت لصاحب الحيوان بمجرد وجود عنوانه صحيح لولا قوله صلى الله عليه وآله: (ثلاثة أيام) (3) فانه على الفرض بمنزلة قوله: (لصاحب الحيوان خيار ثلاثة أيام من طلوع الشمس إلى غروبها) ومقتضى ذلك ثبوته له في الثلاثة لا غير، ولا يدل على ثبوته من حال العقد مستمرا إلى آخر الثلاثة. وأما اقتضاء وحدة السياق ذلك فممنوع، لان وحدته لا تصادم


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 1 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 197 ]

الظهور اللفظي المذكور، مضافا إلى أن تغيير العبارة في الخيارين دافع لتوهم وحدته، فقوله صلى الله عليه وآله: (البيعان بالخيار حتى يفترقا) (1) ظاهر في ثبوته لهما إلى زمان الافتراق، فالثبوت من حين تحقق العنوان والاستمرار إلى حصول الغاية هو مقتضى ظاهر اللفظ، ثم عطف عليه قوله صلى الله عليه وآله: (ولصاحب الحيوان ثلاثة أيام) ولو كان المراد ثبوته له نحو ثبوت خيار المجلس لقال إلى مضي ثلاثة أيام فتغيير السياق والعنوان دال على اختلافهما، ومعه لا وقع لتوهم وحدة السياق وسائر الروايات على كثرتها بهذا المضمون، كقوله عليه السلام: (المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا) (2). مضافا إلى إمكان أن يقال: إن الخيار في الثلاثة ثابت في حال العقد نظير الواجب التعليقي، فيكون ثبوته ثلاثة أيام فعليا، والثابت استقباليا ولا بأس به لو اقتضاه الدليل وإن كان الحكم وضعيا، تأمل. لكن قد عرفت أن مقتضى الادلة هو ما مر. وعلى ذلك يمكن إرجاع صحيحة علي بن رئاب إلى سائر الروايات حتى ذيلها، هذا كله بناء على ما ذكروه من أن اليوم في تلك الروايات عبارة عن بياض النهار من الطلوع إلى الغروب، وأن الاستمرار وكونه من حال العقد مستفاد من الخارج. (لكن الانصاف) أن المتفاهم عرفا من نفس الروايات أن الخيار مستمر من حال العقد إلى ثلاثة أيام، وأن الليلتين المتوسطتين والليالي الثلاثة بعض الاحيان مرادة من اليوم إما لكون الاستعمال في تلك التراكيب من المجاز الشائع أو لقيام قرينة حالية على ذلك، ضرورة عدم الانقداح في


(1) الوسائل الباب - 1 من أبواب الخيار - الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 3 من أبواب الخيار - الحديث 3.

[ 198 ]

الاذهان من نحو قوله: (للبيعين أو للمتبايعين ثلاثة أيام الخيار) إلا أن الخيار ثابت لهما بمجرد تحقق الوصف إلى تمام الثلاثة، ودخول الليل مستفاد من نفس تلك التراكيب، نحو قوله عليه السلام: (أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام) (1) وقوله عليه السلام: (إذا دخلت بلدا وأنت تريد المقام عشرة أيام فأتم الصلاة) (2). وبالجملة كلما ذكر اليوم وحده كيوم الجمعة ويوم الخميس لا يراد به إلا بياض النهار من الطلوع إلى الغروب، وكلما ذكر بصيغة الجمع كثلاثة وأربعة ونحوهما يراد منه حال ثبوت الحكم إلى آخر العدد إلا مع قيام قرينة على الخلاف، ولا ينقدح في ذهن العرف من تلك التراكيب خصوص بياض النهار حتى يلتمس دخول الليل من دليل آخر. فقوله عليه السلام في صحيحة علي بن رئاب: (الخيار لمن اشترى ثلاثة أيام نظرة) (3) أي مهلة كقول العرف: (أمهلني ثلاثة أيام) أو (أنت على مهلة أربعة أيام) فان من الواضح أن المراد من مثله المهلة إلى آخر الثلاثة لا في خصوص بياض اليوم وخروج الليل منها. ويتضح ذلك من قوله عليه السلام فيها: (فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء) الظاهر منه أن ما قبل مضيها بتمامه ظرف لعدم الوجوب وهذا هو الظاهر من سائر الروايات أيضا، ولهذا لم يذكر في الروايات على كثرتها إلا الخيار للمشتري أو لصاحب الحيوان ثلاثة أيام من دون ذكر المراد من الثلاثة، ولم يسأل سائل مراده منها، ولا يصح أن يقال: إن السائل في جميعها فهم من اليوم المعنى اللغوي ودخول الليلتين من الخارج فلا ينبغي الاشكال في ذلك.


(1) الوسائل الباب - 10 من ابواب الحيض - من كتاب الطهارة. (2) الوسائل الباب - 15 من ابواب صلاة المسافر - الحديث 17. (3) الوسائل الباب - 3 من ابواب الخيار - الحديث 9.

[ 199 ]

كما لا ينبغي الاشكال في فهم التلفيق من أمثال تلك التراكيب، سيما في بيع الحيوان الذي هو واقع أثناء النهار نوعا، وقلما يتفق وقوعه عند طلوع الشمس أو غروبها، والوقوع في الليل أيضا قليل، فإذا قيل في هذا الجو: إن الخيار للمشتري ثلاثة أيام لا ينقدح في ذهنه إلقاء نصف النهار الذي وقع البيوع نوعا فيه، واليوم نظير الشهر والسنة، والمراجع إلى موارد ثبوت الاحكام لها يقطع بارادة التلفيق، كباب الحيض والنفاس، والمقام عشرة أيام، واليوم والليلة في مقدار الرضاع، وكذا الشهر في موارد ثبوت الحكم له إلا ما قامت القرينة على خلافه، كباب العدد وإنظار ثلاثة أشهر في الظهار، والاشهر الاربعة التي يحرم للزوج ترك الوطئ أكثر منها، وكذا السنة، فراجع مواردها، كالسنة في تعريف اللقطة، وفي أحداث السنة إلى غير ذلك. نعم يبقى الاشكال في الآفاق التي يكون نهارها شهرا أو شهرين أو ستة أشهر وليلها كذلك، والظاهر أن الاحكام الكثيرة الثابتة لتلك العناوين ثابتة في تلك الآفاق أيضا، ولا يمكن الالتزام بأن تلك الاحكام على كثرتها مخصوصة بآفاقنا وما يقرب منها، والاقرب فيما يدخل فيه التلفيق هو التقدير بمقدار آفاقنا على ما حررنا في كتاب تحرير الوسيلة. مسألة: يسقط هذا الخيار بأمور: (أحدها) اشتراط سقوطه في العقد (ثانيها) إسقاطه بعده على التفصيل الذي مر في خيار المجلس. ويجوز اشتراط سقوط بعضه وإسقاطه، سواء كان اليوم الاول أو الثاني أو الثالث، وكذا الحال في خيار المجلس، فيصح اشتراط سقوطه

[ 200 ]

في بعض الزمان إلى حال التفرق، وذلك لان الخيار فيهما أمر ممتد بامتداد الزمان، والمجعول هو الخيار ثلاثة أيام أو إلى زمان التفرق، واعتبر الامتداد في نفس المجعول، نظير باب الاجارة، فالجعل والمجعول واحد ممتد قابل للانحلال، وليست نسبة الزمان إليه كنسبته إلى خيار العيب، فانه غير ممتد في الجعل، وانما يبقى في عمود الزمان ما لم يسقط بمسقط، ففرق بين كون المجعول بما هو ممتدا قابلا للانحلال وبين ما هو غير ممتد جعلا، لكن باق إلى زمان السقوط بمسقط، فالفرق بين خيار العيب والغبن وخيار المجلس والحيوان كالفرق بين البيع والاجارة. فما في تعليقة المحقق الخراساني (قده) من أن ثبوته بعد إسقاط اليوم الوسط إما إعادة المعدوم أو تحقق بلا سبب خلط بين المجعول الممتد جعلا والمجعول غير الممتد الذي يبقى بمضي الزمان. (وإن شئت قلت): إن الخيار في القطعات مجعول في عرض واحد فالخيار ثلاثة أيام مجعول واحد ممتد في عرض واحد، فلا مانع من إسقاط قطعة منه أية قطعة كانت، فنسبة أجزاء الزمان إلى الخيار كنسبة أجزاء المبيع الواحد، فلو باع دارا تنتقل إلى المشتري بانتقال واحد وبيع فارد بمالها من الاجزاء، فكل جزء منها ينتقل إليه بانتقال الكل، وهو مالك لكل جزء منها بمالكية كلها، وله بيع بعضها أي بعض كان، والامر جار في خيار المجلس أيضا اسقاطا واشتراطا. (ثالثها) التصرف، وليعلم أن الخيار كسائر الامور الوضعية الاعتبارية من الامور التسبيبية بالمعنى المعقول فيها. فكما لا يوجد إلا بسبب عقلائي إن كان عقلائيا كذلك لا يسقط إلا بسبب عقلائي، من غير فرق بين كون السبب قولا نحو (أسقطت الخيار) أو (التزمت بالبيع) اللازم منه إسقاطه، أو فعلا دالا عليه أو على الالتزام الملازم له من غير

[ 201 ]

فرق بين كون الفعل تصرفا أو إحداث حدث أم لا، كما لو اشترى فرسا واشترى له قبل إنقضاء ثلاثة أيام سرجا وعنانا، فانه فعل دال على الالتزام بالبيع وإسقاط الخيار عرفا وإن لم يكن تصرفا وإحداث حدث فيه، فكل قول أو فعل دال عرفا على إسقاطه أو الالتزام بالبيع اللازم منه إسقاطه فهو مسقط مع قصد الاسقاط، وأما الرضا الباطني والالتزام القلبي والاسقاط بنحو حديث النفس فلا يكون مسقطا عرفا، والفعل والقول غير الدالين على إنشاء الاسقاط والارتضاء بالبيع لم يعدا مسقطين في العرف وعند العقلاء كما لا يعدان بيعا واجارة وغيرهما إلا مع الدلالة العرفية على الانشاء والتسبيب. ثم إن العنوان الذي أخذ في الروايات موضوعا للحكم في المقام هو إحداث الحدث (1) وهو لا يصدق على التصرف إلا إذا كان موجبا لتغيير في العين، كأخذ الحافر والنعل والصبغ أو صبغ الشعر، لا مثل الركوب والسقي والتعليف والاستخدام ونحوها. وتدل عليه مضافا إلى الروايات الكثيرة في أبواب الفقه الدالة على أن إحداث الحدث نظير ما ذكر، مثل ما دل على سقوط الرد في خيار العيب إذا أحدث في العين شيئا (2) وقد ذكر في رواية أخرى (إن كان الشئ قائما بعينه رده على صاحبه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ يرجع بنقصان العيب) (3) حيث يظهر منها أن إحداث الحدث من قبيل ذلك، وما دل على الرد من أحداث السنة (4) المفسرة بالجنون والجذام ونحوهما، وما دل على جواز الاجارة بأكثر مما استؤجر إذا أحدث في العين حدثا (5) ومثل بحفر النهر وشقه، وحفر البئر إلى


(1) الوسائل الباب - 4 من ابواب الخيار. (2) و (3) الوسائل الباب - 16 من ابواب الخيار الحديث 2 - 3. (4) الوسائل الباب 2 من ابواب أحكام العيوب. (5) الوسائل الباب - 21 و 22 من كتاب الاجارة.

[ 202 ]

غير ذلك كقوله عليه السلام: (إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة أيام فهو من مال البائع) (1) صحيحة الصفار قال: (كتبت إلى أبي محمد عليه السلام في الرجل اشترى من رجل دابة وأحدث فيها حدثا من أخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ أله أن يردها في الثلاثة الايام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها أو الركوب الذي يركبها فراسخ؟ فوقع عليه السلام: إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء إنشاء الله) (2). والظاهر كالنص منها أن إحداث الحدث مقابل الركوب، وجوابه عليه السلام بأن ما يوجب وجوب البيع هو إحداث الحدث يظهر منه بلا ريب أن الركوب فراسخ لا يوجبه فضلا عن غيره، كالسقي والتعليف ونحوهما فالحدث عبارة عن أمثال ما ذكر في النص، وأمثال الركوب غير إحداث الحدث، والمسقط هو الاحداث لا غيره من التصرفات، وهذا مما لا ينبغي الاشكال فيه. (وأما الامثلة) المذكورة في الروايات أي تقبيل الجارية ولمسها والنظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء (3) التي صارت منشأ لتشويش الاصحاب واضطرابهم، بتخيل أن الظاهر منها أن مطلق التصرف بل غيره نحو النظر المحرم موجب لسقوطه، وهذا لا يمكن الالتزام به، ولذا ذهب بعضهم إلى أن التصرفات المالكية موجب للسقوط، لا مثل التصرف الاختياري (فالتحقيق) فيها أنها لخصوصية للجارية ليست في الحيوانات وهي أن تقبيلها ولمسها والنظر إلى عورتها تعد حدثا فيها وحادثة من الحوادث بخلاف لمس الحيوان وتقبيله، وبخلاف استخدامها وأمرها ونهيها. ولهذا ترى في صحيحة ابن رئاب مع كلامه في الشرط في الحيوان (1) الرسائل الباب - 5 من ابواب الخيار - الحديث 5. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 4 من ابواب الخيار الحديث 2 - 3 - 1.

[ 203 ]

وقد حكم بأن إحداث الحدث يوجب سقوط الشرط لما سئل عقيبه عن الحدث عدل عن مطلق الحيوان إلى الجارية، وعن سائر التصرفات فيها إلى خصوص ما هو مربوط بالامر الجنسي الذي له خصوصية عند الناس، فعد ما ذكر حدثا، فلو كان الاستخدام ونحوه حدثا كان أولى بالذكر، لكونه أكثر تداولا مما ذكر، كما أنه لو كان مطلق التصرفات المالكية حدثا في الحيوان لكان أولى بالذكر، لعدم خلو الحيوان المشترى عن تصرف مالكي في الجملة كأخذه والذهاب به إلى محله. فلا ينبغي الاشكال في أن إحداث الحدث في الحيوان ليس إلا أمثال ما ذكر في صحيحة الصفار، فأمثال ما وقع في كلماتهم كالمحكي عن التذكرة وغيرها والتصرفات المالكية مثل الركوب والاسراج والسقي ونحوها خارجة عنه. ثم إنه لو قلنا بانصراف الاخبار إلى إحداث الحدث مع الالتفات إلى الموضوع والحكم، لندرة الاشتباه والنسيان في ثلاثة أيام، أو قلنا بأن قوله عليه السلام في صحيحة ابن رئاب: (فذلك رضا منه) يدل على أن إحداث الحدث لكونه اختيارا والتزاما بالبيع يوجب سقوط الخيار، وحيث إنه مع الجهل بالحكم أي الخيار أو الموضوع لا يكون كذلك فيظهر منه اعتبار العلم والالتفات، فيقيد به غيره، لكان الحاصل منها موافقتها مع المسقط العرفي. (وأما لو قلنا) بأن إطلاقها يقتضي التعميم بالنسبة إلى عدم الالتفات والجهل، سيما وأن الجهل بالحكم أمر شائع، فلا وجه للانصراف، وأن قوله عليه السلام: (ذلك رضا منه) لا يدفع الاطلاق، لاحتمال كون إحداث الحدث مطلقا بحكم الرضا والالتزام بالبيع المستلزم للسقوط، (فلا محالة) يكون الحكم في غير مورد الالتفات تعبديا، ضرورة أنه مع الجهل والاشتباه لا يكون الاحداث اختيارا والتزاما زائدا على أصل الرضا بالبيع

[ 204 ]

فلا يكون مسقطا عقلائيا، ولا بأس به، إذ لا استبعاد في التعبد بالسقوط فيما إذا أحدث في العين شيئا، وقد وقع نظيره في خيار العيب، حيث حكم بسقوط الرد إذا أحدث في العين شيئا ثم علم بالعيب. وعلى هذا الفرض أيضا لا يرد بعض المحذورات المشار إليه في كلام الشيخ الاعظم (قده) من لغوية الخيار على فرض واستهجان التعليل على فرض آخر. نعم لو قلنا بأن الحدث مطلق التصرفات المالكية حتى مثل أمر الجارية باغلاق الباب ومثل سقي الدابة وتعليفها فالمحذور وارد، ولا دافع له، ضرورة أن التصرفت المالكي بحسب الغالب يتحقق بعد البيع، مثل تسلم الحيوان وحفظه وسقيه ونحو ذلك، فيلزم منه سقوطه بعد البيع بلا فصل فيلزم لغوية الخيار إلا نادرا، كما أنه على فرض جعل قوله عليه السلام: (ذلك رضا منه) علة يلزم المحذور الآخر الذي تنبه عليه الشيخ الاعظم (قده) وهو أن تعليل الحكم على المطلق بهذه العلة غير الموجودة إلا في قليل من أفراده مستهجن. ثم إنه على ما استظهرناه لا معارضة بين الروايات مطلقا كما يظهر بالتأمل، وأما على ما ذكروه فيقع التعارض بين صحيحة ابن رئاب (1) ومكاتبة الصفار (2) فان مفاد الاولى أن مطلق التصرف مسقط، ومفاد الثانية أن المسقط خصوص تصرف يوجب تغيير العين، كالنعل وأخذ الحافر لا مثل الركوب وسائر التصرفات، ولا يصح تقييد الصحيحة بها، فانه تقييد مستهجن، وبالفرد النادر، فيقع التعارض بينهما. كما يقع التعارض بينها وبين صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل اشترى شاة فأمسكها ثلاثة أيام ثم ردها فقال: إن كان في


(1) و (2) الوسائل الباب - 4 من ابواب الخيار الحديث 1 - 2.

[ 205 ]

تلك الثلاثة الايام يشرب لبنها رد معها ثلاثة أمداد، وإن لم يكن لها لبن فليس عليه شئ) (1) المحمولة إما على الفسخ قبل تمام الثلاثة وإن ردها بعدها، أو على كون الرد آخر اليوم الثالث الذي يصدق معه الامساك ثلاثة أيام، فتعارض ما دل على أن مطلق التصرفات مسقط، ورد الامداد محمول على الاستحباب. وعن معاني الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله (من اشترى محفلة فليرد معها صاعا) (2) والمراد بها ما اجتمع اللبن في ضرعها، ومعلوم أن الرد انما هو للحلب لا مطلقا، والرد انما هو في زمن الخيار، فيعارض تلك الصحيحة. بل تعارضها صحيحة عبد الله بن سنان قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الدابة أو العبد ويشترط إلى يوم أو يومين فيموت العبد أو الدابة، أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك؟ فقال: على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام، ويصير المبيع للمشتري) (3) إذ من المعلوم أن التلف إذا كان في زمان الخيار كان على البائع لا مطلقا، فلو كان مطلق التصرف موجبا لسقوط الخيار كان التلف على المشتري قبل انقضاء الثلاثة إلا نادرا، والتقييد هاهنا مستهجن أيضا. وأما رواية الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله في رجل اشترى عبدا بشرط ثلاثة أيام فمات العبد في الشرط، قال: يستحلف بالله ما رضيه، ثم هو برئ من الضمان) (4) فمع ضعفها تكون بصدد بيان حكم آخر، والظاهر من الجواب أن السؤال كان (1) و (2) الوسائل الباب - 13 من ابواب الخيار - الحديث 1 - 3. (3) و (4) الوسائل الباب - 5 من ابواب الخيار - الحديث 2 - 4.

[ 206 ]

عن ضمانه لا عن كيفية سقوط الخيار، فقوله صلى الله عليه وآله: (يستحلف) الخ إيكال إلى الحكم الثابت المعلوم، أي ما يوجب سقوط الخيار، وهو الارتضاء بشرطه.

[ 207 ]

الثالث خيار الشرط لا إشكال في صحة اشتراط الخيار في العقد، وثبوته بالشرط، والاصل فيه مع الغض عن عقلائيته هي الاخبار المستفيضة العامة، والاخبار الخاصة التي تقدم بعضها. وربما يستشكل فيه (تارة) بأن شرط النتيجة غير مشمول للروايات وقد مر التحقيق فيه في خيار المجلس (وأخرى) بان هذا الشرط مخالف للكتاب، وهو قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) وللسنة، وهي قوله عليه السلام: (فإذا افترقا وجب البيع) (2) وقد أجاب عنه بعض الاعاظم (قده) بما لا يخلو من إشكال ظاهر قد مر في المعاطاة تفصيله. والتحقيق في الجواب عنه بعد مسلمية صحة هذا الشرط حتى عند المستشكل لدلالة الاخبار الخاصة عليها وحكاية نقل الاجماع عليها مستفيضا أن الشرط في ضمن العقد إن قلنا بأنه من توابعه في وجوب الوفاء بالعقد بحيث يكون وجوب الوفاء شاملا للعقد وللخصوصيات المشتمل عليها حتى


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1. (2) الوسائل الباب 2 من - ابواب الخيار الحديث 4.

[ 208 ]

مثل الشرط في ضمنه فلا إشكال فيه، فان العمل بالاشتراط حينئذ من مقتضيات وجوب الوفاء لا من مخالفاته، فان وجوب الوفاء المتعلق بعنوان العقد أو العقود لا يمس كرامته الاشتراط، لان سلب العنوان عن موضوعه غير معقول ولا يرجع الشرط إلى سلب الحكم عن موضوعه، بل لا يعقل الجد بهذا الشرط من الملتفت، فيرجع الشرط إلى ثبوت الخيار للعقد المتحقق بالايجاب والقبول، والفرض أن الشرط في ضمنه ومن متعلقاته، ووجوب الوفاء بعد تحققه مع الشرط متعلق بالعقد ومتعلقاته ومنها الشرط، فلا يعقل أن يكون حينئذ مخالفا لوجوب الوفاء، لان مقتضى وجوبه هو العقد الخياري والشئ لا ينافي مقتضاه، وهو ظاهر. وإن قلنا بكون الشرط مستقلا في وجوب الوفاء به لدليل الشرط، والعقد مستقلا فيه بدليل وجوب الوفاء به، فالعقد الموجود بشرطه يجب الوفاء به بدليله، ويجب الوفاء بشرطه بدليل الشرط، فيمكن على هذا أن يقال، إن العقد ليس مشمولا لدليل وجوب الوفاء قبل لزوم الوفاء بالشرط حتى يكون الشرط مخالفا له، بل انطباق دليل لزوم الوفاء بالعقد والشرط في عرض واحد، ولازمه عدم مخالفة الشرط لدليل وجوب الوفاء لعدم انطباق دليل وجوب الوفاء بنحو الاطلاق على العقد الخاص. وإن شئت قلت: إن الشرط يمنع عن تحقق وجوب الوفاء بنحو الاطلاق، والمنع عن التحقق غير المخالفة للشرع، ويمكن منع إطلاق دليل وجوب الوفاء لحال الشرط. وكيف كان فلا إشكال في المسألة وإن اختلفت الطرق في كيفية تصحيحها. مسألة: لا فرق بين كون زمان الخيار متصلا بالعقد أو منفصلا عنه،

[ 209 ]

لاطلاق أدلة الشرط، ولا ضير في صيرورة العقد اللازم جائزا بدليل الشرط سيما مع وقوع نظيره في الشرع. نعم هنا كلام، وهو أنه لو كان المستند لوجوب الوفاء ولزوم العقد هو قوله تعالى (أوفوا بالعقود) (1) فان كان المستفاد منه هو العموم الزماني أو الحكم الاستمراري بأن يكون مقتضى إطلاقه ثبوت اللزوم مستمرا نظير ما تقدم في دليل إثبات خيار الحيوان، حيث حكم بالخيار ثلاثة أيام، وقلنا بأنه قابل للتقطيع من الاول أو الوسط، فيثبت الحكم لما بعده بنفس دليل الاثبات ففي ما بعد زمان الخيار سواء كان متصلا أم منفصلا لا مانع من التمسك بالعموم أو الاطلاق، لكن الشيخ الاعظم (قده) استشكل على الفرض الثاني، أي الحكم الاستمراري، وسيأتي الكلام معه. وأما إن كان المستفاد منه ثبوت اللزوم فقط أو وجوب الوفاء حدوثا وأما بقاؤه في عمود الزمان فلكون الحادث باقيا ما لم ينقطع بمزيل نظير الملكية الحادثة بالبيع فلا يصح التمسك به بالنسبة إلى سائر القطعات، وسيأتي الكلام في مقام الاثبات في خيار الغبن إن شاء الله. ثم إنه يشترط تعيين المدة وضبطها بدوا وختما، فلو تراضيا على مدة مجهولة كقدوم الحاج مثلا بطل البيع، لصيرورته غرريا، وذلك لان خيار فسخ العقد إذا كان مجهولا يصير العقد بحسب استقراره وتزلزله مجهولا، فالخيار لما كان من الاول متعلقا بالعقد كانت جهالته جهالته، وهذا الشرط غير مثل شرط الخياطة حتى يتشبث في تعدي غرريته إليه بما تشبث به بعض أهل التحقيق (قده) مما لا يسلم عن المناقشة، ومع سلامته تبعيد للمسافة، فقياس هذا الشرط بسائر الشروط مع الفارق، فلو لم نقل بالتعدي في غير هذا الشرط لا مجال لانكاره فيه.


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1.

[ 210 ]

ثم إنه قد يستشكل في المقام بأن حديث (نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر) (1) لا يشمل الغرر الحاصل من جهالة مدة الخيار، وإلا لبطل كل البيوع بجهالة مدة خيار المجلس، بل لا يضر جهالة أصل ثبوت الخيار، بل الجهل بالخيار للشبهة الموضوعية لا زال حاصلا في موارد الغبن والعيب وغيرهما، فيعلم أن المراد من الحديث النهي عن بيع يكون المبيع أو الثمن فيه مجهولا كما أو وصفا، فتكون اضافة البيع إلى الغرر من قبيل الاضافة إلى المفعول. وفيه أن النهي انما تعلق بفعل المتبايعين، وهو البيع بمعناه المصدري فيكون الحاصل أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن إيقاع الغرري فالاحكام الشرعية أو العقلائية المترتبة على البيع بعد تحققه خارجة عن مصب الحديث، ولا يقاس الخيار المجعول بجعل المتبايعين بالخيارات غير المجعولة منهما، فانها تتعلق به بعد تحققه وتماميته، ولو لم يسلم ما ذكر فلا إشكال في خروج تلك الخيارات والجهالة الحاصلة منها في البيع عن الحديث بالقرينة القطعية، وبقي الخيار المجعول بجعلهما. ودعوى كشف المراد بواسطة تلك القرينة في غير محلها، فاطلاقه محكم في غير مورد تلك الخيارات. (فان قلت): إن جهالة الخيار توجب جهالة نفس البيع من حيث مقدار تزلزله، وقوله: (نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر) (2) لا يعقل شموله بلفظ واحد للغرر في المتعلق والغرر في نفس البيع حتى يستفاد منه عدم صحة بيع شئ مجهول صفة أو ذاتا وبيع مجهول من حيث الخيار، بل لو قلنا بجواز استعمال اللفظ في أكثر من المعنى يمكن المناقشة في جوازه في المقام مما يكون الامران مترتبين واحدهما في طول الآخر، وعلى فرض تسليم جوازه فحمل الكلام عليه محتاج إلى


(1) و (2) سنن البيهقي ج ص 338.

[ 211 ]

مؤونة وقرينة مفقودة، ولا إشكال في شموله لجهالة المتعلق، فبقي شموله لنفس البيع مشكوكا فيه، ولا يدفع هذا الشك بالاطلاق، ولا دليل على استعماله في أكثر من المعنى الواحد الذي هو المتيقن. (قلت): على فرض اختصاص الحديث بالغرر في المتعلق يشمل جميع أنحاء الجهالات الحاصلة فيه، حتى ماهي حاصلة فيه من قبل نفس البيع، فان البيع الخياري يوجب التزلزل في الملكية، والجهالة فيه تتعدى إلى المبيع، ومقتضى الاطلاق النهي عن مطلق الجهالة بأي نحو حصلت، كما أنه على فرض اختصاصه بالغرر في نفس البيع يشمل باطلاقه جميع أنحاء الجهالات الحاصلة فيه من قبل ذاته أو متعلقاته، فاثبات المطلوب لا يتوقف على استعمال اللفظ في أكثر من معنى. ومما ذكرناه يظهر الجواب عن شبهة أخرى، وهي ان اشتراط الخيار مطلقا سواء اشترط مدة معلومة أو مجهولة يوجب الغرر، لعدم العلم بمقدار تزلزل البيع والملك، لان الاختيار في إعماله إلى الغير، وفعله مجهول عند المشروط عليه، بل عند الشارط أيضا غالبا، فإذا علم صحة شرط المدة المعلومة يستكشف منها أن الغرر المذكور لا يضر بصحة المعاملة والشرط، وذلك لان الغرر الآتي من قبل الاشتراط مشمول للقاعدة، لا الآتي من قبل عمل صاحب الخيار، فانه بعد ثبوت الخيار له، فالجهل بعمله متأخرا عن القرار المعلوم لا يضر بالبيع ولا بالشرط. ثم إنه لو قلنا بأن الغرر عبارة عن الجهالة فلا إشكال في أن الجهالات التي يتسامح فيها العرف داخلة فيه، إلا إذا كان التعارف في مواردها شائعا بنحو يوجب انصراف الاطلاق عنها، لكنه ممنوع، فالنهي عن الغرر موجب للبطلان حتى في موارد التسامح، فان مرجعه إلى التسامح في الحكم الشرعي، وأما إن كان بمعنى الخطر فيمكن أن يقال: إن موارد تسامح

[ 212 ]

العرف نحو جعل الخيار إلى قدوم الحاج أو إلى الحصاد ليست من الغرر فلا يشملها الحديث، إلا أن يدل دليل على أن مطلق الجهالة مضر، وهو أمر آخر، ولا دليل على ذلك بنطاقه الواسع. (وأما) ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أن الجهالة التي لا يرجع الامر معها غالبا إلى التشاح بحيث يكون النادر كالمعدوم لا تعد غررا كتفاوت المكاييل والموازين (ففيه) أن الغرر عنده بمعنى الجهالة، وعليه فان كان المراد أن ما لا يرجع إلى التشاح خارج موضوعا عن الغرر ففيه ما لا يخفى فان الغرر ليس قسما خاصا من الجهالة بلا ريب، وإن كان المراد أنه خارج حكما فلابد من دعوى أن العلة لمفسدية الغرر هو كونه في معرض التشاح، فيختص بمورده، وفيها مضافا إلى عدم الدليل على ذلك فلاوجه لرفع اليد عن الاطلاق أن لازمها صحة المعاملة في كثير من موارد الغرر مما لا يلتزم القائل به. ثم إن التفصيل في الغرر ومعناه وما يتعلق به خارج عن البحث هاهنا وقد سبق الكلام في ذلك في بعض المباحث السالفة، كالبحث عن اعتبار قدرة التسليم، فراجع. مسألة: لو قال: (بعتك على أن يكون لي الخيار) ففيه خلاف بين الفقهاء فمن قائل: إنه فاسد كأبي حنيفة، ومن قائل: إن له الخيار أبدا، وهو المحكي عن الحسن بن صالح بن حي، ولعله موافق للقاعدة، فان مقتضى الاطلاق أن لا يحد بحد، وليس ذلك مشمولا لدليل الغرر، نظير جعل الخيار لفظا إلى الابد، ومن قائل: إن له الخيار ما بينه وبين ثلاثة

[ 213 ]

أيام، وقد جعل السيد (قده) في الانتصار ذلك من متفردات الامامية، واستدل عليه بالاجماع، كما استدل به الشيخ وابن زهرة (قدهما) على تأمل في كلامه. وعن المقنعة والجواهر والكافي أيضا التمسك به، وفي الخلاف دعوى ورود الاخبار به، ومن هنا صارت المسألة عويصة. ولولا دعوى ورود الاخبار كان القول بما ذكروه وادعوا عليه الاجماع متعينا، فان الثابت من دعاوى هؤلاء العمد الاجماع أو الشهرة بين الطائفة في تلك الطبقة، وهي حجة قاطعة في تلك المسألة التي لا طريق للاجتهاد فيها. وأما بعض الامور الاعتبارية التي وقعت في كلامهم كقول السيد (قده): (ويمكن أن يكون الوجه مع إطلاق الخيار في صرفه إلى ثلاثة أيام أن هذه المدة التي هي المعهودة المعروفة في الشريعة لان تصرف الخيار فيها، والكلام إذا أطلق وجب حمله على المعهود والمألوف فيه) انتهى فلا إشكال في أنها ليست مستندهم ومحل اتكالهم، بل بعد ثبوت الحكم بالاجماع المدعى تكون تلك الاعتبارات من قبيل ذكر نكتة كما هو ظاهر كلامهم. لكن دعوى ورود الاخبار في المسألة توجب تزلزل الاجماع والشهرة لاحتمال كون مستندهم تلك الاخبار المجهولة عندنا، وعدم الوصول لا يدل على عدم الوجود، وعدم وجودها في الكتب التي عندنا لا يدل على عدم وجودها مطلقا، لاحتمال عروض عوارض، منها سقوطها عن النسخ التي عندنا من كتب الشيخ (قده)، واحتمال كون الاخبار عبارة عن التي في خيار الحيوان مدفوع وباطل بلا إشكال. وعلى ذلك صارت المسألة مشكلة، فان مقتضى القواعد صحته وكونه أبديا، ومع الغض عنها يقع باطلا، لقاعدة الغرر، ومقتضى نقل الاجماع في المسألة هو ما أفادوه، فرفع اليد عن إجماعهم في مثل تلك المسألة مشكل والبناء على ما ذكروا مع احتمال تعويلهم على الاخبار المجهولة عندنا مشكل

[ 214 ]

آخر، لاحتمال كون اجتهادهم فيها غير اجتهادنا، والاعتماد على ما حكي عن الحسن بن صالح مشكل ثالث. ثم على فرض القول بثبوته ثلاثة أيام شرعا فهل يوجب هذا التحديد ولو مع جهل المتبايعين به اندفاع الغرر كما عن صاحب مفتاح الكرامة، أو يوجب الاول إلى العلم به اندفاعه، أو لا يوجب مطلقا، أو يفصل بين العلم والجهل؟ وجوه، أوجهها عدم الاندفاع مطلقا. أما مع الجهل فظاهر، فان التحديد الواقعي لا يوجب رفع الجهالة عن البيع حال تحققه، كما أن العلم بعد بيع المجهول لا يندفع به ذلك وإلا جاز بيع الجزاف إذا آل الامر إلى العلم بعد البيع، فالميزان في الجهل والغرر هو حال تحقق البيع. وأما مع علمهما بحكم الشرع فان صار ذلك منشأ لجعل ثلاثة أيام فلا كلام فيه، ولا يكون مورد البحث، وأما إن كان المجعول هو المجهول وإن ترتب عليه حكم شرعي فالغرر حاصل، وانما يستكشف التخصيص في دليله، وإن شئت قلت: إن الحكم الشرعي مترتب على البيع والشرط الغرري فلا يعقل أن يندفع به الغرر. مسألة: مبدأ هذا الخيار مع عدم قرينة معينة هو حال العقد، لاقتضاء إطلاق الاشتراط ذلك، سواء جهل المتبايعان بوجود خيار لهما أم لا، لكن بشرط أن يكون اشتراط الخيار في زمان أطول من زمان الخيار الموجود، فلو شرط الخيار عشرة أيام وكان له الخيار ثلاثة أيام يكون المبدأ من حال العقد للاطلاق، ولا يتبادر من حال العالم بالخيار أنه جعل في زمان لولا الخيار

[ 215 ]

لزم العقد لمنعه في الفرض، لامكان أن يكون الجعل أكثر من زمان الخيار الموجود، ليستفيد منه فيما بقي من الزمان، وأن يكون زمان التروي أكثر مما هو الموجود، نعم لو علم بالخيار واشترط الخيار موافقا في الزمان مع الموجود، فالظاهر مع عدم القرينة لفظا أو حالا هو الجعل في الزمان الذي لا خيار له، للتبادر المذكور، ولكون جعله حينئذ في زمان الخيار الموجود كاللغو. ثم إنه مع الجهل بالخيار فالمبدأ من حين العقد، لكن إذا قلنا بامتناع جمع الخيارين وقلنا بتقدم أدلة خيار المجلس والحيوان على أدلة خيار الشرط كما هو الحق فلا بد من تقطيع خيار الشرط إذا كان زمانه أطول، كما لو جعل الخيار عشرة أيام، فيحكم ببطلانه بالنسبة لزمان الخيار الموجود وصحته في البقية، لان المجعول أمر ممتد قابل للتقطيع والانحلال، وأما لو كان المجعول بمقدار الخيار الموجود أو أقل منه فيحكم ببطلان الشرط، وأما الحكم بصحته وجعل مبدئه حين ارتفاع الخيار فلا وجه له، بل هو حكم على المتعاقدين على خلاف قصدهما في المبدأ والمنتهى. وما أفاد بعض الاعاظم إشكالا على الشيخ الاعظم (قدهما) من مقايسة المقام ببيع ما يملك وما لا يملك حيث صح فيما يملك ففي غير محله، لان في المثال المذكور يمكن أن يقال: إن البيع الانشائي الذي هو تمام ماهية البيع تحقق فيهما، ولكن لم يكن فيما لا يملك ممضى من الشرع ومورد الاعتبار عند العقلاء، ولا مانع من الانحلال بهذا الوجه، وما نحن فيه انما يشبه البيع المذكور لو قلنا بتقطيع الخيار وبالصحة فيما بقي من الزمان وهو خلاف القول بأن المبدأ من حين التفرق، فجعل المبدأ من حينه خلاف قصدهما، ولا ربط له ببيع ما يملك وما لا يملك. ثم إنه لو جعل مبدأ الخيار حين التفرق عن المجلس وكان زمان

[ 216 ]

التفرق مجهولا فالظاهر بطلانه، للغرر والجهالة، خلافا لبعض المحشين، حيث قال: (إن زمان الخيار معلوم، وهو مثلا ثلاثة أيام، ولا يلزم العلم بزمانه). وفيه أن الخيار قد يجعل ثلاثة أيام في شهر معلوم فالظاهر فيه الصحة، لان الجهالة غير مربوط بالجعل، وانما هي في التطبيق، وهو متأخر عنه وغير مربوط به، وقد يجعل ثلاثة أيام في شهر مجهول كما لو قال: (لك الخيار ثلاثة أيام في شهر ما) فلا ينبغي الاشكال في بطلانه لان الجهالة في المجعول، وفي المقام أيضا تكون الجهالة في المبدأ المجعول والقياس بخيار الحيوان والمجلس في غير محله. مسألة: يصح جعل الخيار لاجنبي، وحكي عليه الاجماع، وفي الجواهر بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، بل الظاهر من التذكرة إجماع فقهاء المسلمين ما عدا الشافعي في أحد قوليه عليه، لعموم دليل الشرط. وربما يستشكل فيه بأن ذلك مخالف لماهية الخيار المعهودة عند الشرع والعرف، سواء كان الخيار هو حق التراد الاعتباري أو حق فسخ العقد فان المعهود منه هو الرد في ملك الفاسخ بالفسخ أو بالتراد، فيمكن أن يقال: إن هذا الشرط مخالف للشرع والعرف. وفيه أن الخيار هو حق متعلق بالعقد، ومع إعماله ينفسخ، ونتيجة الانفساخ رجوع كل عوض إلى صاحبه، فالرجوع إليه ليس دخيلا في ماهية الخيار حتى يقال إن جعله للاجنبي مخالف لهما. والعمدة هو الاشكال الآخر، وهو أن جعل الخيار له نظير تمليك ملك له لابد فيه من قبوله حتى يصير ذا الخيار، فان حصول التملك له

[ 217 ]

قهرا خلاف سلطنته على نفسه مما هي عقلائية، بل وشرعية، بل التمليك في الاعيان وجعل الحق من العقود المحتاجة إلى القبول، إلا أن يدل دليل على عدمه كباب الارث، والظاهر من الاصحاب ومعقد الاجماع هو عدم الحاجة إليه، إلا أن يقال: إنه لم يظهر من كلمات الاصحاب إلا جواز جعله للاجنبي من غير تعرض للاحتياج إلى القبول وعدمه (بعبارة أخرى) إنهم بصدد بيان جواز أصل الجعل، ولا إطلاق لكلامهم بالنسبة إلى هذه الحيثية، لكنه بعيد، فالاولى أن يقال: إنه مع عدم قيام الاجماع إلا على أصل الجعل فالظاهر اعتباره بحسب القواعد، ولو قام الاجماع على عدم الحاجة إلى القبول نأخذ به، لجواز تخصيص القاعدة به. ويمكن أن يقال: إن جعل الخيار للاجنبي ليس من قبيل التمليك ونظيره حتى يحتاج إلى القبول، بل من قبيل جعل السلطنة في شئ لاحد فجعل الخيار من الايقاعات لا من العقود، وفيه تأمل وإشكال. ثم إن الظاهر من كلماتهم أن جعل الخيار للاجنبي نحو جعله لنفسه أو لصاحبه، فان قولهم: (يجوز جعل الخيار لهما أو لاحدهما أو لثالث ولهما أو لاحدهما مع الثالث) وسائر التعبيرات القريبة منه ظاهر جدا في جعل الخيار، فالقول بالتحكيم أو الوكالة مخالف لفتوى الفقهاء، بل لجعل العقلاء بحسب طبعهم وارتكازهم، بل لا معنى للوكالة في مثل المقام الذي لم يثبت فيه الخيار للموكل، وكون الوكالة بمعنى أن الخيار للاجنبي بجعل المتعامل عبارة أخرى عن جعل الخيار له والتسامح في إطلاقها عليه. وانما ارتكب المتأخرون ما ارتكبوا من التأويل لاجل عدم توريث هذا الخيار وعدم جواز نقله، ومن الواضح أن هذا لا يوجب صرف كلام الجاعل عما جعله وكلمات الاصحاب إلى شئ بعيد عن الاذهان. مع أن لازم ما ذكروه أنه لو صرح الجاعل بجعل الخيار للاجنبي كجعله

[ 218 ]

لنفسه أي الخيار المعهود لصار موروثا وقابلا للانتقال، فلو صح ذلك لا وجه لتأويل الكلمات وحمل كلام الجاعل على ما يخالف ارتكازه وجعله، ولو قلنا بأن جعل الخيار المعهود صحيح ولكن لا يورث هذا الحق ولا ينتقل إلى الغير فنأخذ بظاهر الكلمات، ونحكم بثبوته له وإن كان لا يورث ولا ينتقل، وأما دعوى بطلانه من جهة عدم قبوله للارث والانتقال فلا وجه لها، لان انفكاك الحكمين عن بعض الحقوق غير عزيز. وبالجملة لا إشكال في ظهور معقد الاجماع في جواز جعل الخيار المعهود له، ولا في أن جعل الخيار هاهنا كجعله لنفسه أو لصاحبه. فحينئذ إن قلنا بأن هذا الخيار لا يورث ولا ينتقل وإن صرح الجاعل بجعله للاجنبي فلا وجه للتأويل، وإن لم يدل دليل على عدمهما فلا مانع من اثباتهما، ولا إشكال فيه من نقل أو عقل. والتحقيق أن يقال: إن هذا الخيار لا يورث، لانصراف أدلة الارث عن مثله، فقوله صلى الله عليه وآله: (ما تركه الميت من حق أو مال فلوارثه) ينصرف عن حق لا أثر له بالنسبة إلى الورثة، وانما أثره راجع إلى الاجنبي، بل يمكن أن يقال بعدم صدق (ما ترك) عليه، فانه لم يترك لورثته ولم ينتفع الورثة منه بوجه، وأما الانتقال إلى الغير فليس لازما لكل حق، ومن المحتمل عدم قبوله النقل، ومقتضى الاصل عدم النقل، وعلى ذلك ليس أثره التصالح بشئ حتى يقال إن هذا أثره، وأما إمكان أخذ الورثة شيئا أحيانا لاسقاطه فهو ليس أثر الخيار فالتحقيق أنه لا يورث ولا ينتقل، وأنه لا إشكال من هذه الجهة في ثبوته للاجنبي حتى نحتاج في دفعه إلى تأويل غير صحيح. ثم إن الظاهر عدم سقوط خيار الاجنبي باسقاط الشارط وانما يسقط

[ 219 ]

باسقاط ذي الخيار، والشارط ليس بذي الخيار، بل لو قلنا بالتحكيم أيضا لم يكن للشارط حق إسقاطه. (وأما ما يقال) من أن خيار الاجنبي حق للمشروط له، أي الشارط، فكما يجوز له إسقاط خيار نفسه يجوز له إسقاط خيار الاجنبي (ففيه) أنه إن كان المراد من أن الخيار حق للمشروط له أن له خيار الفسخ لا للاجنبي فهو واضح الفساد، وإن كان المراد أن له حق في عرض حق الاجنبي فكذلك، لان لازمه صحة فسخه، مع أن الخيار انما هو مجعول للاجنبي، ولم يجعل لنفسه، وإن كان المراد أن له حقا في طول حق الاجنبي فتعلق حقه بحقه ويكون حق الاجنبي موضوع حقه فلازم إسقاطه سقوط حقه المتعلق بحق الاجنبي لا سقوط خياره، مضافا إلى أنه لا دليل على ثبوت ذلك الحق الطولي. (ولو قيل): إن للشارط الرجوع عن شرطه وصرف النظر عنه، ومعه يسقط خيار الاجنبي (يقال): إنه ممنوع، فان الرجوع عن الشرط ورفع اليد عنه لو سلم انما هو فيما لا يكون الحق للغير، وأما بعد جعله له فلا وجه لتأثير رجوعه عن الشرط. ثم إن الظاهر عدم لزوم مراعاة مصلحة الشارط كان المجعول خيارا أو تحكيما، لعدم الدليل عليه، وكون ذلك غرضا للعقلاء نوعا لا يوجب الاشتراط الضمني وتعلق الجعل به، كما في سائر الاغراض العقلائية في المعاملات، ولم يجعله أمينا أو وكيلا حتى يجب عليه مراعاتها. ولو جعل الخيار لمتعدد فان كان المجعول خيارا واحدا لمجموع الاشخاص فلا إشكال في عدم نفوذ الفسخ والامضاء إلا مع اجتماعهم عليه فلو مات أحدهم قبلهما لم يقم وارثه مقامه حتى على القول بالتوريث في مثله، لان الخيار لم يثبت له لا كلا وهو واضح، ولا بعضا لعدم التبعيض

[ 220 ]

فيه، فلا يكون له جزء من الخيار، وكذا لو مات الجميع، فلا يقوم ورثتهم مقامهم، لان المجموع بما هو ليس له وارث، والمفروض ثبوته له بما هو واحد اعتباري. ولو جعل الخيار لكل واحد منهم مستقلا فلكل حق الفسخ، فلو فسخ واحد منهم انفسخ، وأما لو أمضى فان قلنا في ماهية الخيار بأنها ملك فسخ العقد وإبرامه فالظاهر لزومه بامضاء واحد منهم وإبرامه، فلا يبقى مجال لفسخ الآخر، ولو تقارن الفسخ والابرام لم يؤثر شئ منهما، وبقي خيارهما، وإن قلنا بأنها عبارة عن ملك فسخه وانما الامضاء والابرام يوجب سقوط الخيار فمع ثبوته للمتعدد لا يترتب على الانفاذ والامضاء إلا سقوط خياره خاصة، لعدم سلطنته على خيار غيره، فلو أمضى أحدهما وفسخ الآخر بعده ينفسخ، ولو تقارنا يقدم الفسخ. مسألة: يجوز لهما أو لاحدهما اشتراط المؤامرة، كما في بعض المتون، والاستئمار كما في بعض، والمراد منهما المشاورة والاستشارة ممن يعينه الشارط، وليس المراد على ما يظهر من الفقهاء طلب الامر والبعث إلى الرد والفسخ حتى يستشكل بامتناع البعث جدا إلى ما لا يحصل القدرة عليه إلا به، بل يلزم الدور، إذ معلوم أن الامر من المشاور إرشاد إلى ما هو الصلاح، لا أمر نظير الامر المولوي الذي لا يعقل توجهه إلى غير القادر، فما في بعض التعليقات من الاشكال والجواب بما لا يغني من الحق شيئا ناش من عدم التوجه إلى مرامهم. ثم إن الشرط قد يكون بعد فرض ثبوت الخيار إما بجعل الشارع

[ 221 ]

كخيار المجلس أو الحيوان، فيشترط البائع على المشتري أن لا يرد إلا بأمر ممن عينه أو بجعل منهما له الخيار، فيجعل له الخيار ويشترط عليه ذلك، فاشتراط المؤامرة يرجع إلى الاشتراط في الاخذ بالخيار، فلو فسخ قبل الاستئمار والامر فالنفوذ وعدمه مبنيان على استفادة الحكم الوضعي من اشتراط عدم الرد إلا بأمر المستأمر وعدمه، ولا يبعد أن يكون مراد الاصحاب قديما من اشتراط المؤامرة هو هذا القسم. قال في الخلاف: (لو باعه بشرط أن يستأمر فلانا فليس له الرد حتى يستأمره، وللشافعي فيه وجهان إلى أن قال: والثاني له الرد من غير استئمار) وعن العلامة (قده) في التحرير له الفسخ قبل الاستئمار، ومن المعلوم أنه لا مجال للرد قبل الاستئمار إذا كان الخيار موقوفا عليه، فالظاهر من ذلك أن شرط الاستئمار بعد الفراغ عن الخيار، وانما يرجع الخلاف إلى أن الاشتراط يوجب سلب تنفيذ الرد أولا، وهو خلاف معقول، بل الظاهر من جواز اشتراط المؤامرة كما في المتون ومن كلام الشيخ (قده) في المبسوط (إذا قال: بعتك هذه السلعة على أن استأمر فلانا في الرد كان على ما شرط، وليس له الرد حتى يستأمر، لانه شرط على أن يكون له الرد) هو هذا الفرض، لان اشتراط الخيار بعد الامر ومعلقا عليه غير اشتراط المؤامرة في الرد، مضافا إلى أن الشرط من البائع على المشتري واشتراطه ثبوت الخيار له خلاف المعهود من الشروط. وعلى هذا الفرض لا إشكال في صحة الشرط، لاطلاق الادلة، ولا يرد عليه نظير الاشكال الآتي في الفرض الآخر، وهو رجوع شرط المؤامرة إلى اشتراط الخيار على فرض أمر المستأمر بالرد بأن يشترط أن له الخيار بعد أمر المستأمر، فانه قد يستشكل فيه بأنه تعليق في جعل الخيار. ويمكن أن يجاب عنه بأن التعليق ليس أمرا باطلا عقلا، بل البطلان

[ 222 ]

لاجل دعوى الاجماع، فعلى فرض كون المراد من الاستئمار هذا الفرض فلا إجماع على البطلان، بل ادعى على الصحة، وعلى فرض احتمال ذلك لا يصح الاعتماد على الاجماع، بل أدلة الشروط محكمة. نعم لو أحرز أن مرادهم هو الفرض الاول يشكل الحكم بالصحة في هذا الفرض، لاجل دعوى الاجماع على اعتبار التنجيز ولانه غرر، وقد اعتبر جمع من الاصحاب تعيين المدة دفعا للغرر، لكن لا يدفع به، فان الخيار على الفرض مجعول على فرض أمر المستأمر وهو مجهول التحقق والزمان، وليس هذا الجهل خارجا عن الجعل، كالجهل بالعمل بالشرط إذا جعل الخيار ثلاثة أيام مثلا، فانه لا جهالة فيه، وإنما هي في أمر خارج، وفي المقام يكون المجعول معلقا على أمر مجهول، كما لو جعل الخيار عند قدوم الحاج والاستشكال في شمول النهي عن الغرر لمثله قد تقدم الجواب عنه، فما لم يحرز كون هذا الفرض مراد الاصحاب يبقى على الاشكال من حيث التعليق والغرر. وأما الصورة الاولى فتصح على القواعد، لان الغرر ليس في المجعول، فان شرط الاستئمار من زيد مثلا في ظرف الخيار لا غرر فيه. ثم إنه على الصورة الثانية لو أمر بالفسخ يثبت له الخيار لكن لا يجب عليه الفسخ، لعدم اشتراطه حتى يجب بدليله، ولو أمر بالانفاذ لم يترتب عليه أثر، لان المفروض أن العقد لازم لا خيار فيه، وعلى الصورة الاولى يجب عليه العمل بقوله، ولو تخلف كان للشارط خيار التخلف، هذا على القول بنفوذ عمله مع مخالفة الشرط. مسألة: من أفراد خيار الشرط ما يضاف البيع إليه ويقال له بيع الخيار،

[ 223 ]

وهو جائز اجمالا بالادلة العامة والخاصة، بل عن التذكرة وغيرها الاجماع عليه. ويتم الكلام فيه في ضمن أمور: (الاول) في أنحاء ما يتصور من هذا الشرط وأن أيا منها موافق للقواعد العامة: (منها) أن يؤخذ الرد قيدا للخيار، بمعنى أن يشترط الخيار المتقيد برد الثمن من غير تعليق ولا توقيت، بل بنحو التضييق جعلا، فيكون له الخيار المتقيد المتضيق في جميع الوقت المضروب، نظير جعل الخيار تحت السقف ثلاثة أيام، لا بمعنى تعليقه بذلك حتى لا يثبت إلا تحته، بل بمعنى تقييده بذلك، وهذا لا إشكال في صحته لعدم التعليق فيه وعدم الجهالة في الجعل والمجعول، والجهل بوقت الاداء خارج عن محط الجعل نظير الجهل بإعمال خيار الشرط إذا جعل ثلاثة أيام. و (منها) أن يعلق الخيار على رد الثمن في الوقت المضروب ويرجع إلى ذلك بحسب اللب ما إذا جعل الخيار في وقت الرد وظرفه، فلا يثبت إلا بعد تحقق المعلق عليه أو الوقت المأخوذ. وفي هذين الفرضين لم يكن الخيار متقيدا، لعدم كون المعلق عليه قيدا، فيكون الخيار بلا قيد ثابتا، فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) غير مرضي، ولعله مبني على ما ذهب إليه من رجوع القيود في الواجب المشروط إلى المادة. وفي هذا الفرض إشكال لا من حيث التعليق، فانه سهل، لعدم الدليل على بطلانه شرعا، وعدم كونه ممتنعا عقلا، بل من جهة الغرر والجهالة إن قلنا بجريانه في الشروط، سيما ما هو في ضمن البيع ومن متعلقاته، لشمول النهي عن بيع الغرر له. (وما قيل) من أنه يندفع الجهالة بتعيين المدة كما هو المتعارف من تحديده بالرد في رأس السنة إلى يوم أو يومين أو أزيد (ففيه) ما لا يخفى

[ 224 ]

لانه إن أراد بذلك أن الخيار معلق على الرد في رأس السنة مع اختلاف يسير فهو خارج عن محط البحث، لان المفروض جعله معلقا على رد الثمن في أي وقت من الوقت المضروب، والعمل الخارجي وهو الرد غالبا في أواخر الوقت غير مربوط بالتحديد والتوقيت، ولهذا لو رده بعد مضي نصف السنة أو أقل أو أكثر كان له الخيار بحسب الفرض، مع أن الجهالة بيوم أو يومين أو أكثر مضرة ولو تسامح فيها العرف، لعدم خروجه بذلك عن الغرر، إلا أن يدعى الانصراف فيما يتسامح فيه، وهو ممنوع. وإن أراد أن التحديد بالسنة موجب للخروج عن الغرر ففيه منع، لان المجعول الخيار المعلق على أمر مجهول في ظرف سنة أو أكثر، وهذا نظير جعل الخيار عند قدوم الحاج في خلال السنة، فان العلم بمدة الوقت المضروب انما يرفع الغرر بالنسبة إليه لا بالنسبة إلى ما علق عليه، وهو واضح. فهذا الفرض باطل بحسب القواعد، سواء كان معلقا أو موقتا لو كان المراد بالتوقيت جعل الخيار في ظرف رد الثمن إلى سنة، نعم لو كان المراد منه التوقيت برأس السنة فقال: (لك الخيار مع الرد في رأسها) لا إشكال فيه لعدم الجهالة، كما لا إشكال في التعليق كذلك. و (منها) أن يؤخذ قيدا للفسخ لا للخيار، وهذا إن رجع إلى أن لا فسخ له إلا برد الثمن فهو باطل، لان الخيار حق الفسخ، فجعله مطلقا مع التقييد بما ذكر متنافيان، وإن رجع إلى شرط ترك الاعمال مضافا إلى شرط الخيار فلا مانع منه، لكن لو تخلف وفسخ قبل رده كان نفوذه وعدمه مبنيين على استفادة الوضع من الشرط المذكور وعدمه وهو محل الكلام. و (منها) أن يشترط على المشتري أن يكون رد الثمن فسخا فعليا وهو على وجهين: (أحدهما) اشتراط إيقاع الفسخ وإنشائه بالرد نظير

[ 225 ]

المعاطاة في البيع، وهذا لا مانع منه، لكن لابد من قصد الفسخ بالرد (ثانيهما) اشتراط وقوعه بالرد، بمعنى صيرورة الرد بواسطة الشرط سببا للفسخ ولو لم يقصده حين الرد، وصحة هذا مبنية على أن دليل الشرط كاف في إثبات سببية ما لا يكون سببا شرعا وعرفا، وفيه إشكال. و (منها) أن يشترط عليه انفساخ العقد حال رد الثمن، فيكون من قبيل شرط النتيجة، والاشكال فيه بعدم نفوذ شرط النتيجة قد مر دفعه سابقا، كما أن الاشكال بأنه يرد عليه أحد المحذورين وهو إما انفساخ العقد بلا سبب وإما اقتضاء الشئ عدم نفسه ساقط، لان السبب فيه هو الشرط كما في سائر شروط النتيجة، وليس للانفساخ سبب خاص كالطلاق حتى لا يقوم الشرط مقامه، ولان العقد لا يقتضي عدم نفسه، بل الشرط يقتضي انفساخه بعد تحققه، ولا محذور فيه، فاندفع بما ذكر إشكال الشيخ الاعظم (قده). (وأما) ما قيل من إنه أي فرق بين البيع وحله؟ فكما لا يوجب الشرط تحقق عنوان البيع كذلك لا يوجب تحقق عنوان الانفساخ والحل (ففيه) أن تحقق عنوان البيع بالاشتراط أيضا لا مانع منه، فان ماهية البيع عبارة عن مبادلة مال بمال، وألفاظ العقود والاسباب الفعلية أسباب لتحققها لا أنها دخيلة في أصل الماهية، وعليه فيمكن اشتراط التبادل بين ماله ومال المشروط له في ضمن عقد، فإذا قبل المشروط عليه تحقق التبادل، ويصدق عليه عنوان البيع، ويكون سببه الشرط، والتعاقد حصل بالشرط وقبوله، مع أن القياس مع الفارق، فان الانفساخ كسقوط الخيار لا كالتعاقد. و (منها) اشتراط الاقالة أو اشتراط البيع الجديد أو اشتراط نقل المبيع إليه، ولا يخفى أن الصور المذكورة منها ما هي مربوطة ببيع

[ 226 ]

الخيار، ومنها غير مربوطة به وذكرت استطرادا. ثم إن إشكال الجهالة والغرر يأتي في أكثر الصور، فما فيها الغرر بالوجه الذي مر بيانه تبطل على القواعد، ولابد في صحتها من التماس دليل من إجماع أو أخبار خاصة. (الثاني) فيما يستفاد من الاخبار الخاصة (فمنها) موثقة إسحاق بن عمار قال: (أخبرني من سمع أبا عبد الله عليه السلام قال: سأله رجل وأنا عنده فقال له: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فمشى إلى أخيه فقال له: أبيعك داري هذه وتكون لك أحب إلي من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد علي، فقال: لا بأس بهذا، إن جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه) (1) وفيها احتمالات: (منها) أن يكون المراد برد المبيع عند رد الثمن ثبوت خيار الفسخ له إذا جاء بالثمن، ويكون رده فسخا فعليا للعقد، ولازمه وجوب رد المبيع، فيكون الكلام في الحقيقة جار مجرى العادات من قولهم: (بعتك على شرط إن رددت ثمنك رددت داري) أي كان لي الخيار، وهذا بعيد عن لفظ الرواية، وان كان قريبا إلى فهم العرف في أمثال المقام. و (منها) أن يكون المراد اشتراط الفسخ على المشتري إذا جاء البائع بالثمن، فمراده من رد المبيع عند المجئ بالثمن الرد الاعتباري الحاصل بالرد الخارجي، فيجب عليه الفسخ، وإن لم يفعل كان للبائع خيار التخلف وهذا أقرب بلفظها. و (منها) اشتراط الانفساخ. و (منها) اشتراط الاقالة. و (منها) اشتراط التمليك الجديد، إلى غير ذلك.


(1) الوسائل الباب - 8 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 227 ]

وكيف كان فيظهر منها أن الجهالة في الشرط بهذا النحو غير مضرة إذ لا يبعد إلقاء الخصوصية على أي فرض كان المقصود من تلك الفروض المحتملة والتعدي إلى سائر المحتملات، وأما إثبات الحكم للمحتملات بترك الاستفصال فغير مرضي، لان ذلك انما هو فيما لو أحرزنا تساوي الاحتمالات عند الامام عليه السلام، وأما لو احتمل أن أحد الاحتمالات كان ظاهرا عنده أنه كان مرادا للسائل والمجيب فلا يصح التمسك بترك الاستفصال، كما هو واضح. ويقرب من تلك الموثقة صحيحة سعيد بن يسار (1) وفيها الاحتمالات المتقدمة أيضا. و (منها) رواية معاوية بن ميسرة قال: (سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل باع دارا له من رجل وكان بينه وبين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر فشرط أنك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله، قال له شرطه) الخ (2) والظاهر من لفظها شرط النتيجة، لكن يبعده عدم تعارفه، ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن ثبوت الخيار له. و (منها) رواية دعائم الاسلام عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن رجل باع داره على شرط أنه إن جاء بثمنها إلى سنة أن يرد عليه، قال: لا بأس بهذا، وهو على شرطه) (3) وهي ظاهرة في شرط البائع على المشتري، ولعلها أظهر في شرط الخيار. وكيف كان تدل هذه الروايات على صحة الشرط مع الجهالة في


(1) الوسائل الباب الخيار الحديث 1. (2) الوسائل الباب 8 من أبواب الخيار الحديث 3. (3) المستدرك الباب 6 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 228 ]

المجعول وزمان الخيار أو زمان لزوم الرد أو الفسخ أو الانفساخ. (الثالث) الثمن المشروط رده إما شخصي أو كلي في الذمة، فعلى الاول إن لم يقبضه فهل له الخيار أم لا؟ اختار المحققون الاول وإن اختلف طريق استدلالهم عليه. قال الشيخ الاعظم (قده): (فان لم يقبضه فله الخيار وإن لم يتحقق رد الثمن، لانه شرط على تقدير قبضه) وفيه نظر واضح، فان الشرط إذا كان هو الرد على تقدير القبض يكون الخيار مشروطا به، فمع عدم تحققه ولو بعدم تحقق القبض لا يتحقق الخيار، والمفروض أنه ليس هنا شرطان. وقال السيد الطباطبائي (قده) وتبعه غيره ما حاصله: (إن الرد طريق إلى حصول الثمن عند المشتري، ولا موضوعية لعنوان الرد، فمع حصوله ولو بعدم قبضه يتحقق الشرط، فله الخيار) وفيه أن الشرط على أقسام كما تقدم (فمنها) ما لا يعقل أن يكون الرد فيه طريقا إليه كشرط فسخ العقد بالرد، وشرط تملك المثمن بتمليك الثمن بالرد (ومنها) ما لا معنى للطريقية فيه، كشرط الانفساخ، فان لازمه على الطريقية أن يكون العقد بمجرد وجوده منفسخا، ضرورة أن الثمن حاصل عنده والشرط محقق، وكشرط الخيار معلقا على الرد أو موقتا، فان لازمه لغوية الاشتراط، فان المعلق عليه حاصل، فهذا الشرط إما باطلا للغويته، أو ملغى ويرجع إلى شرط الخيار في سنة مثلا بلا تعليق وتوقيت، ضرورة أن المفروض هو ثبوت الخيار بوجود المعلق عليه في أي وقت من أول العقد إلى آخر الوقت المضروب، والفرض أنه حاصل من أول الامر، فلا معنى لتعليقه عليه، مضافا إلى أن الطريقية بقول مطلق في مثله محل إشكال. وليس المقام نظير الاداء في قوله صلى الله عليه وآله: (على اليد

[ 229 ]

ما أخذت حتى تؤدي) (1) ضرورة أن لا خصوصية هناك للاداء بل الغاية هو وصول مال الغير إليه بأي نحو كان، بل المقام بوجه نظير أداء الدين بمال معين، فان وصوله إلى الدائن بأي وجه لا يكون أداءا، بل لابد من إعطاء المالك إياه لادائه حتى يقع، وفي المقام أيضا لا يصير الثمن ملكا للمشتري، ولا يتحقق الخيار بالرغم من البائع الشارط ولو بغصب الثمن منه أو بترك أدائه إليه مع المطالبة مثلا، بل لابد في تحقق الخيار من أن يتحقق الشرط باختيار منه، إما برده إذا كان عنده أو باذنه للتصرف فيه والتسلط عليه، والطريقية بهذا النحو لا مضايقة فيها، ولا يرد عليها الاشكال في غالب الصور. ثم إن الشرط إما شرط رد العين المقبوضة، أو شرط رد بدلها على فرض عدمها، أو شرط رد البدل مع وجود العين، أو شرط الرد مطلقا بلا تعيين، والكل صحيح إلا ما قبل الاخير، فان هذا الشرط مخالف لمقتضى الحل، فلو رجع الشرط إلى أن ينحل العقد ويرجع البدل عوض الثمن فهو أمر غير معقول، وإن رجع إلى شرط التبادل بعد الحل فهو مشكل ثبوتا، وباطل إثباتا. أما الاول فلان انحلال شرط الخيار على تقدير رد البدل إلى شرط الخيار برد البدل، وإلى التبادل بعد الفسخ وانحلال العقد باطل، ضرورة أن هذا الشرط لا ينحل عرفا ولا عقلا إلى الشرطين المذكورين، أحدهما حال العقد، وثانيهما بعد العمل الخارجي والانحلال، بل في إمكان هذا الانحلال تأمل وإشكال، والتصحيح بدليل الاقتضاء كما زعمه بعض أهل التحقيق لا وجه له. وأما الثاني فلان تحقق النتيجة بالشرط لا يعقل أن يكون بعد بطلان


(1) سنن البيهقي ح 6 ص 95.

[ 230 ]

الشرط، والفرض أن التبادل انما هو بعد حل العقد الذي بحله يبطل الشرط، فظرف التبادل ظرف حل الشرط بحل العقد، فلا شرط حتى يتحقق به التبادل بنحو شرط النتيجة، والشرط المتقدم لا أثر له بالنسبة إلى حال عدمه. وقد يقال في مقام تصحيحه: (إن الرد إن كان فسخا فعليا يكون الشرط فاسدا، إلا أن يقال: مرجع هذا الشرط إلى إسقاط الخصوصية ففي مورد خيار الشرط يمكن شرط رد مثل الثمن في العقد، لان الشرط ينحل إلى شرطين: شرط تحقق الخيار وشرط مالكية كل منهما لما في يده من مالك الآخر، وليس هذا مخالفا للكتاب، بل مخالف لاطلاق الفسخ فان إطلاقه يقتضي رد العين ما دامت موجودة، وبالشرط يقيد الاطلاق، فيجعلها في حكم التلف، وأما لو كان الرد مقدمة للفسخ فلا محذور فيه، لان الفسخ لا يتحقق به، وانما يصير المردود في يد المشتري بمنزلة المقبوض بالسوم، فإذا فسخ البائع ينتقل الثمن الموجود إلى المشتري، والمردود باق في ملك البائع، فلهما أن يتراضيا على أن يكون كل منهما بدلا عن الآخر ويصير الشرط سببا لوجوب ذلك، لكن هذا يصح بناء على أن المستفاد من ضمان اليد أن ما أخذ يضمن بماليته ونوعيته وشخصيته، فلصاحب المال إسقاط كل واحد من هذه الخصوصيات، فيصح ذلك بالشرط) انتهى ملخصا. وفيه مالا يخفى، أما فيما إذا كان الرد فسخا فعليا فلانه إن كان المراد من شرط مالكية كل منهما لما في يده من مالك الآخر أن الشرط تمليك البدل بالعين قبل تحقق الرد فهو واضح الاشكال، فان الرد حينئذ لا يمكن أن يكون فسخا للعقد، بل هو رد مال الغير إلى صاحبه. وإن كان المراد اشتراط كون العائد بالرد بدل الثمن لا عينه فهو شرط مخالف للعقل ولمقتضى ماهية الفسخ، والقول بأنه ليس مخالفا للكتاب

[ 231 ]

صحيح، لان الكتاب لا يتعرض لذلك، لكن القول بأنه مخالف لاطلاق الفسخ غير ظاهر بل الظاهر مخالفته لماهية الفسخ، فان الفسخ بماهيته يقتضي عود الثمن، فالشرط مخالف لمقتضى ذات الفسخ. ولو كان الشرط صالحا لجعل العين بمنزلة التالف لما احتاج إلى التكلف بل يصح شرط رد البدل ابتداء، لكن من الواضح أن الشرط لا يصلح لذلك، لان ما هو مخالف لماهية الفسخ باطل عقلا، بل مع تلف العين لا يكون الفسخ موجبا لرد البدل ابتداء، فانه مخالف لماهيته، بل موجب لرد العين اعتبارا، فيجب عليه ردها، ومع عدمها يكون المثل أو القيمة بدلا في مقام الرد، نظير باب الضمان إذا قلنا بأن نفس العين مضمونة مطلقا، تأمل. وإن كان المراد وقوع التملك بالشرط بعد حل العقد فهو مخالف لما تقدم منه من كون الرد فسخا فعليا، مع ورود الاشكال المتقدم عليه، وهو تأثير الشرط بعد حله بحل العقد. وأما فيما إذا كان الرد مقدمة للفسخ فلانه يرد عليه مضافا إلى ما تقدم في محله تفصيلا من الاشكال في كون مقتضى اليد ما ذكر، ومضافا إلى أن التصحيح لا يتوقف على ما ذكر في ضمان اليد، بل لولا الاشكال الذي ذكرناه يصح التبادل بنحو شرط النتيجة سواء قلنا بالضمان أم لا، أو قلنا بالضمان على مسلك المشهور أم لا ما أوردناه على غيره من أن الشرط لا يؤثر بعد انحلاله وقبله لا موضوع للتبادل. هذا كله إذا كان الثمن عينا معينة. وأما إذا كان كليا في ذمة البائع فشرط رد الثمن يرجع إلى شرط رد البدل لسقوط الدين عن ذمته بوقوع العقد، وحينئذ فهل يوجب الفسخ عود الاشتغال الاول، ويكون من قبيل إعادة المعدوم عرفا وفي عالم الاعتبار

[ 232 ]

أو حصول اشتغال جديد؟ فيه كلام، ولا يبعد موافقة العرف للاول، ولا إشكال فيه. ولو كان كليا في ذمة المشتري فمع عدم القبض يكون الكلام فيه ما مر، وأما معه بتسليم المصداق، فهل مقتضى الفسخ رجوع هذا المصداق، لكونه الطبيعي الواقع عليه البيع، ويكون نفس الطبيعي المنطبق عليه طرف الاضافة فلا يجوز تبديل المصداق، أو رجوع الطبيعي القابل للصدق على كثيرين فله إرجاع مصداق آخر؟ والاقرب إلى النظر أن ما هو طرف الاضافة هو الطبيعي القابل للصدق، والموجود في الخارج وإن كان نفس الطبيعي لكن لا بما أنه قابل للصدق، فلا يكون طرفا للاضافة، بل بنظر العرف يكون الموجود مصداق الطبيعي لا نفسه، ولا يكون المصداق طرف الاضافة. (الرابع) نسب المحقق صاحب المقابيس إلى ظاهر الاصحاب أن رد الثمن بمجرده ليس قاطعا للبيع، قال: (فان بيع الشرط عندهم ما اشترط فيه الخيار بعد رد الثمن، فيتعقبه الخيار بعد الرد، ولا ينفسخ البيع معه إلا بالفسخ، والاكتفاء بالرد لكونه فسخا بنفسه مردود، لعدم دلالته عليه قطعا، وإن كان مما يؤذن بارادته فان الارادة غير المراد) انتهى. ومراده من عدم الدلالة هو عدمها في الفرض المذكور، ومن الواضح أنه لا يدل على الفسخ قطعا، ولو أراد الفسخ به لا يقع ولا ينفسخ بحسب الواقع، وهذا مراده من أن إرادته غير المراد، وهو كلام متين. وقد تصدى بعض أهل التحقيق (قده) في تعليقته لتصحيح وقوع الفسخ به في الفرض، قال: (والتحقيق إمكان الفسخ بتقريب أن الرد شرط مقارن لحق الخيار، وهو مقارن لاثره، وهي السلطنة على الفسخ فاتحاد السبب المقارن لحق الفسخ ولاثره لا مانع من تأثيره، فالرد شرط لحق الخيار وسبب للفسخ إلى أن قال: والتقدم والتأخر الذاتيان لا ينافي

[ 233 ]

المعية في الوجود، نعم الفسخ بالبيع وبالعتق فيه محذور من حيث إن مقتضى الفسخ صيرورة العين ملكا للفاسخ مقارنا لفسخه، ومقتضى البيع صيرورتها ملكا للمشتري، واجتماع ملكين بالاستقلال على عين واحدة في زمان واحد غير معقول، كما أن مقتضى العتق زوال الملك، فاجتماع الملك بالفسخ وزوال الملك بالعتق من اجتماع النقيضين، ومثل هذا المحذور غير موجود هنا، فان الرد الذي يتحقق به الفسخ ليس سببا مقارنا لسقوط الخيار حتى يلزم ثبوته وسقوطه في زمان واحد) انتهى. وفيه مواقع للنظر: (منها) أن الشرطية والسببية إن كانتا عقليتين كما هو ظاهر كلامه فلازم كون الرد سببا للفسخ أنه سبب تام له، ولازم كونه شرطا للخيار أن الخيار يوجد في الرتبة المتأخرة عن شرطه، ومن الواضح أن سببيته للفسخ في الرتبة المتأخرة عن تأثير الشرط، ولا يعقل أن تكون في عرضه، ولازم ذلك تأخر المعلول أي الفسخ عن علته، وهي الرد برتبتين، وهو غير معقول، لان لازم المعلولية والعلية تأخرها عنها برتبة ولو كان تأخر الفسخ عن الخيار آنيا فهو أفحش، لكنه مخالف للفرض. وبالجملة لا إشكال في تأخر الفسخ عن الخيار، والتأخر إما زماني أو في الرتبة، وفي كليهما محذور. ولو قيل: إن الرد شرط للخيار والرد المشروط به سبب للفسخ ففيه مع كونه خلاف الفرض، لان المفروض أن الرد بنفسه سبب أن المشروط بما هو كذلك موقوف على وجود الشرط خارجا، فبعد تحقق الخيار يتحقق الرد المشروط، ولازم ذلك أن الرد بوجوده البقائي مؤثر مع أنه لا بقاء له أولا، ولا تأثير للوجود البقائي ثانيا. ولو كانت الشرطية والسببية عقلائية بمعنى أن الرد موضوع لحكم العقلاء بالخيار وموضوع لحكمهم بالفسخ فلازمه أن الرد إذا وجد كان

[ 234 ]

موضوعا لحكمهم بالخيار فقط دون الفسخ، وبعد ثبوت الخيار يصير موضوعا للفسخ، وهو باطل، لان لازمه الحكم على الوجود البقائي، ولابقاء له، كما لا تأثير له بحكم العقلاء. و (منها) أن ما أفاد من عدم المحذور في المقام يرد عليه أن المحذور فيه كالمحذور في الفسخ بالعتق، فان ثبوت الخيار مقارنا للفسخ والانفساخ مستلزم لاجتماع المتنافيين، فان ثبوت الخيار فرع ثبوت البيع ففي زمان واحد يكون البيع موجودا ومنفسخا، وأيضا في حال ثبوت الخيار يكون المبيع ملكا للطرف، وفي حال الفسخ لا يكون ملكا له، فاللازم منه أن يكون شئ واحد في حال واحد ملكا لشخص ولا يكون ملكا له، وهو من اجتماع النقيضين. و (منها) أن المحذور الذي أفاده في الفسخ بالبيع غير لازم، فان الفسخ انما يقع بايجاب البائع الذي هو فعله، ولا دخل لقبول المشتري في ذلك، فبالايجاب ينتقل الملك إلى الفاسخ، وبعد ضم القبول ينتقل إلى المشتري، فلا يجتمع المالكان على ملك واحد. بل يمكن تقريب عدم المحذور في العتق أيضا، بأن يقال: إن العتق ليس سببا نظير الاسباب التكوينية، بل إنشاء العتق موضوع لحكم العقلاء بالتحرير، فيمكن أن يكون الانشاء سببا للفسخ وموضوعا لحكم العقلاء بالتحرير، فلا يلزم التناقض، تأمل فان فيه إشكالا. فتحصل مما ذكرناه صحة ما نسب إلى الاصحاب من عدم انقطاع البيع بمجرد رد الثمن، مع أن هذه المسائل عرفية عقلائية، ولا إشكال في أن حكم العقلاء موافق للاصحاب، ولا يعتنى بالوجوه العقلية على فرض صحتها. ومما ذكرناه يظهر الكلام فيما إذا كان نفوذ الفسخ معلقا على الرد والكلام فيه هو الكلام فيما مر بناء على عدم نفوذه قبل الرد من لزوم

[ 235 ]

تأخر المسبب عن سببه التام برتبتين ولزوم تحقق العقد وعدمه، فلابد بعد الرد من الفسخ، نعم لو كان الشرط أن يكون الرد فسخا فلا إشكال فيه لو قلنا بصحة هذا الشرط مستقلا أو برجوعه إلى ثبوت الخيار قبله. (الخامس) قالوا: يسقط هذا الخيار باسقاطه بعد العقد بناء على تعليق الخيار بالرد أو توقيته به، وظاهر الشيخ الاعظم (قده) أن السبب وهو العقد كاف في صحة إسقاطه منجزا. وفيه نظر واضح، فان تحقق السبب لا يخرج الاسقاط عن كونه إسقاطا لما لم يجب، ولا يدفع الاستحالة، ولعل مراده من كفاية العقد أن الاسقاط على نحو الواجب المشروط بما هو مرضي عنده وهو رجوع الشرط إلى المادة يكفيه تحقق العقد مقابل عدم الجواز قبل تحققه إما للاجماع على عدم صحته أو لكونه غير عقلائي. وقد يقال بصحة الاسقاط على نحو الواجب المشروط، فيكون السقوط بعد تحقق الخيار بتحقق الرد، وليس هذا من إسقاط ما لم يجب. ويمكن الاشكال فيه ثبوتا بناء على مسلك القوم من سببية الاسقاط للسقوط، وجريان السببية بالمعنى المعهود في التكوين في الامور الاعتبارية بأن يقال: إن السقوط لابد له من سبب محقق حاله، وإنشاء الاسقاط المشروط بتحقق الخيار أو الرد لا يعقل أن يؤثر فيه حال الانشاء، ضرورة عدم تحقق شرطه، ولا من حين تحقق الشرط، لكونه معدوما حاله، ولا يعقل تأثير المعدوم، وليس للايقاعيات عندهم بقاء اعتباري، ولهذا قالوا بعدم جريان الفضولية فيها، ولا يقاس المقام بالواجب المشروط أو المعلق، لان المقام من قبيل تأثير الاسباب في المسببات، وهناك من قبيل تمامية الحجة على العبد أو فعلية الواجب بحصول شرطه. نعم يمكن تصحيحه بما سلكناه في أمثال المقام من عدم معقولية السببية

[ 236 ]

والمسببية المعهودتين، بل يكون العقد والايقاع المحققان بايجاد المنشئ موضوعين للحكم العقلائي، فالتحرير الانشائي من المحرر موضوع لحكم العقلاء بالتحرير الحقيقي الاعتباري، وكذا الحال في الاسقاط، فلا يكون ذلك سببا للسقوط تكوينا، وترتب السقوط عليه ليس كترتب المسبب على سببه بل كترتب الحكم على موضوعه، ولقد ذكرنا في الفضولي أن المنشأ في العقود والايقاعات له وجود إنشائي بقائي، ولولا الاجماع لكانت الفضولية جارية في الايقاعات أيضا، فعلى ذلك لو أنشأ الاسقاط مشروطا بوجود الخيار يكون لوجوده الانشائي تحقق، وبعد تحقق الشرط يصير موضوعا لحكم العقلاء بالسقوط. هذا غاية ما يمكن ان يقال في توجيه المطلوب. ولكن مع ذلك لا يتم إلا بعد إثبات أن الاسقاط كذلك كان متعارفا لدى العقلاء في عصر الشارع أو أئمة الاسلام حتى يثبت نفوذه بامضائهم المستكشف عن سكوتهم، وأما الامر الذي لا أثر له ولا عين في سوق المسلمين لا في عصرنا ولا في أعصار أخر فلا يمكن الحكم بصحته، بل مع احتمال عدم تعارفه في عصر الشارع أو الائمة لا يمكن الحكم بصحته، فكيف مع الجزم بعدمه، هذا حال الاسقاط مشروطا بحال ثبوته. (وأما) الاسقاط منجزا بدعوى أن المشروط له مالك للخيار ولو من حيث تملكه للرد الموجب له، فله إسقاطه كما هو مقتضى ذيل كلام الشيخ الاعظم قدس سره (ففيه) أن تملك شرط الخيار لا يوجب تملكه فعلا إلا على التوسع والتجوز، نعم هو مالك لان يتملكه، وهو غير كاف للاسقاط منجزا. وأما دعوى كون مالكيته للرد من قبيل الحقوق فيصح إسقاطه ومعه لا يثبت الخيار ولو مع الرد كدعوى كون الاشتراط من الحقوق فيصح إسقاطه فهي بلا بينة، ويكفي الشك في كونهما من الحقوق، لان مقتضى

[ 237 ]

الاصل بقائهما بعد الاسقاط، مع أن الظاهر أنهما ليسا من الحقوق، بل الاول ليس إلا مقتضى سلطنته على ماله، وهي ليست من الحقوق، ولا يصح إسقاطها، والثاني قرار معاملي لاحق، من غير فرق بين شرط الفعل أو النتيجة، وما هو من الحقوق انما هو متعلق الشرط أحيانا، ففي اشتراط الخياطة تصير الخياطة حقا للشارط لا الاشتراط، وهو ثابت في شرط النتيجة أيضا. ويسقط أيضا بانقضاء المدة وعدم رد الثمن لو كان مشروطا به، أو البدل لو كان مشروطا به عند فقده. ثم إنه لو كان المردود من غير جنسه أو فاقدا للقيد المعتبر ولو لاجل الانصراف نحو قيد الصحة لم يثبت الخيار، لعدم تحقق المعلق عليه، بل لو رضي الطرف به أيضا لم يثبت، لان المفروض أن الصحة شرط، ولا ينقلب عما هو عليه بتراضيهما. فما في تعليقة بعض الاعاظم (قده) من إبداء الفرق بين غير الجنس وبين المعيب أو الفاقد للوصف بمقايسة المقام بباب البيع إذا وقع على غير الجنس بعنوان الجنس، أو وقع على المعيب بعنوان الصحيح، حيث إنه يبطل في الاول، ويصح في الثاني ويثبت خيار تخلف الوصف، وكذا لو وقع على الكلي الموصوف وأدى الفاقد كان للمشتري قبوله وإسقاط وصفه الذي في عهدته. فيه ما لا يخفى، أما قياس المقام بالمبيع الشخصي الموصوف فلانه مع الفارق، إذ البيع وقع على الشخص، وتخلف الوصف لا يوجب تخلف البيع، وأما في المقام فالخيار علق على رد الموصوف، ومع فقد الوصف يتخلف الرد فلا يثبت الخيار، وأما القياس بالكلي فلا يصح كلامه، لا في المقيس ولا في المقيس عليه، فان الكلي الموصوف لا ينطبق على غيره، فالمردود غير المبيع، وجواز الاستبدال لا يجعل غيره مبيعا، وفي المقام أيضا بعد

[ 238 ]

فرض كون الشرط ولو انصرافا هو الصحيح فمع رد المعيب لم يكن المردود مصداقا للشرط، فلا وجه لثبوت الخيار. وأما السقوط بالتصرف فوقع فيه الكلام بين الاعلام، والظاهر عدم ورود كلماتهم على محط واحد، كما يظهر بالمراجعة إليها، فلابد من تمحيص الكلام فيما يختص بالمقام من بين سائر الخيارات، وهو فرض أن الخيار معلق على الرد ولا يكون ثابتا قبله، وأن الشرط هو رد عين الثمن، وأن التصرف بما هو مسقط عقلائي أو ملازم للسقوط عند العقلاء، فيقال في المقام: إن المسقط الفعلي هل هو كالمسقط اللفظي أم لا؟ وأما البحث عن أن تصرف ذي الخيار مسقط له أولا فهو أمر مشترك بير سائر الخيارات وينبغي أن يكون خارجا عن البحث، كما أن البحث عن ان الخيار إذا علق على الرد يكون غررا، أو أن ظاهر الاخبار أو ظاهر المتعاملين أن الخيار ثابت بعد العقد والقيد يرجع إلى الفسخ، أو أن التصرف في زمان الخيار وهو بعد الرد مسقط كلها خارجة عن البحث في المقام. إذا عرفت ذلك فالتحقيق أن الفعل هاهنا ليس كالقول، فان الاسقاط بالقول يمكن أن يكون على نحو التعليق حتى لا يرجع إلى إسقاط ما لم يجب فيقول: أسقطت خياري حال تحقق الرد أو الخيار، أو أسقطت خياري حال ثبوته، وأما الاسقاط بالفعل فلا يعقل فيه التعليق، كما لا يعقل أن يكون مسقطا فعلا، لعدم فعلية الخيار، وكونه في أهبة الوجود لا يدفع الاشكال العقلي، والسقوط بما أنه أمر تسبيبي لابد له من سبب، ولا يعقل سببية الفعل له تنجيزا ولا تعليقا، هذا إذا أريد بالفعل كونه مسقطا وسببا للاسقاط مستقيما. وأما باعتبار دلالته على الالتزام بالبيع حتى يترتب عليه سقوط الخيار فيكون الفعل مسقطا بالواسطة ففيه أيضا إشكال، فان الفعل لا يدل إلا على

[ 239 ]

الالتزام بالبيع فعلا، وأما الالتزام به على تقدير الرد فليس مدلولا عليه به، والدلالة لا بد وأن تكون عقلائية، فلا يصح أن يقال: إن الفاعل ينوي بفعله الالتزام على تقدير الرد أو الخيار. (ولو قيل): إن الالتزام بالبيع يوجب عدم ثبوت الخيار عند الرد (يقال) مضافا إلى أن الكلام في المسقط، والمفروض خارج عن البحث: إن عدم الثبوت إما لاجل إسقاط الاشتراط أو لاسقاط حق الرد وإلا فلا وجه لعدمه، وقد مر أنهما ليسا من الحقوق، وعدم الثبوت مع تحقق الشرط خلف. (ولو قيل): إن الفعل دال على الالتزام بنحو الاطلاق، فيشمل الالتزام حال ثبوت الخيار فيسقط (يقال): إنه لا معنى للاطلاق هاهنا لا في الفعل وهو واضح، ولا في المنكشف، ضرورة أنه ليس إلا نفس الالتزام، لا هو ولو على تقدير ثبوت الخيار أو تحقق الشرط. (ولو قيل): إن الالتزام منكشف بالفعل، وهو باق إلى زمان ثبوت الخيار، وهذا كاف في السقوط (يقال) مع منع البقاء دائما: إن وجوده البقائي غير كاف لذلك، بل لابد من أن تكون الدلالة عليه من الدلالات العقلائية، ضرورة أن تلك المعاني التسبيبية لا يترتب عليها أثر إلا مع التسبب إليها بالاسباب العقلائية. فتحصل من ذلك أن الفعل ليس كالقول في المقام، فتدبر. وأما توهم أن قوله عليه السلام في رواية ابن رئاب: (فان أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة الايام فذلك رضا منه، فلا شرط (1) يدل على دفع الخيار كما يدل على رفعه ففي غاية السقوط. (السادس) لو تلف المبيع فالظاهر سقوط الخيار، لا لتعلقه


(1) الوسائل الباب - 4 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 240 ]

مطلقا أوفي خصوص المقام بالعين، ولا لكون الخيار عبارة عن رد الثمن واسترداد المثمن، بل لخصوصية في بيع الخيار، وهي معهودية رجوع نفس العين برد الثمن أو مثله، فان بيع الخيار بحسب النوع الذي يشذ خلافه انما يقع على المبيع الذي يكون لصاحبه علاقة به بخصوصه بالثمن الذي هو محل احتياجه ليصرفه فيما يحتاج إليه، فيبيع داره التي هي ظل رأسه، وضيعته التي هي قرة عينه، وانما يقدم على بيعها بأقل من قيمتها لاجل العلم والاطمئنان بامكان أداء الثمن واسترجاعها، ولو كان نظره إلى ماليتها لا إلى عينها لما باعها إلا بثمن المثل لتحصيل ماليتها الواقعية، ولم يكن وجه لبيعها بالشرط، فالبيع لا يقع بحسب النوع إلا مع الغرض في إرجاع نفس العين، وانما يقع في أمثال الدار والضيعة وبعض الامتعة التي تكون مورد نظر البائع بخصوصيتها، ويكون لها ثبات وبقاء، لا في مطلق الامتعة ومال التجارة. والروايات الواردة في المقام تدل بأقوى دلالة على أن للبائع علاقة بخصوص المبيع، كقوله في موثقة إسحاق: (أبيعك داري هذه وتكون لك أحب إلي من أن تكون لغيرك، على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد علي) (1) ومن الواضح أن هذا الشخص لما احتاج إلى بيع داره وكانت مورد علاقته الخاصة أراد أن لا تخرج الدار من يده وعلى فرضه لا تخرج من يد أخيه، ولا وجه لان يقال: إن الدار بماليتها كانت مورد نظره وعلاقته، والعجب من قياس بعضهم الدار بالثمن، فقال: كما أن المراد بالثمن ليس خصوصه كذلك الدار، ضرورة قيام القرينة القطعية على أن المراد بالثمن المشروط رده هو المثل، لاحتياجه إلى صرف عينه، وقيام القرينة على أن المراد بالدار خصوصها لا ماليتها. (1) الوسائل الباب - 8 من أبواب الخيار - الحديث 1.

[ 241 ]

ونظيرها في الدلالة رواية معاوية بن ميسرة، حيث قال فيها: (إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك) (1) وهل يصح أن يقال: إن المنظور ماليتها. ثم إن البيع إذا وقع بما هو نظير ما في الروايات فلا إشكال في اشتراط رجوع عين المبيع، وأما إن وقع بصورة أخرى نحو أن يقال: (بعتك داري على أن يكون لي الخيار إلى سنة إن رددت مالك) فالظاهر أيضا لزوم رجوع عينها لاجل تلك المعهودية والتعارف الموجبتين للانصراف. وبالجملة إن كان للشرط ظهور فهو متبع، كأن شرط رجوع العين إن كانت موجودة وإلا فرجوع البدل. أو شرط رجوع العين فقط، وأما إن شرط رجوع البدل ففيه إشكال ثبوتا وإثباتا، وقد مر الكلام فيه، وإن لم يكن له ظهور لفظي فلولا هذا التعارف الموجب للانصراف كان حل المقام حال سائر الخيارات من رجوع العين بالفسخ على حسب القاعدة، ومع تلفها يرجع إلى البدل، وكيفية ذلك والاشكالات فيه وطريق الدفع موكول إلى محله. ثم إن الظاهر عدم الفرق بين التلف قبل الرد والتلف بعده، سواء قلنا بأن التلف مسقط للخيار أم لا (وما يقال) من أنه بعد الرد مشمول لقاعدة التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له، ولازمه انفساخ العقد، ومعه لا معنى للخيار ولو قلنا بأن التلف لا يوجب سقوطه (فيه) أن القاعدة بهذا المتن لا دليل عليها من الاخبار والاجماع، لان المسألة محل إشكال وخلاف في كثير من فروعها، والاخبار الواردة في خيار الحيوان وخيار الشرط لا يثبت بها هذا العموم، والتحقيق والتفصيل موكول إلى أحكام الخيار. ولا يذهب عليك أنه على فرض شمول القاعدة للمقام لا يمكن أن


(1) الوسائل الباب - 8 من أبواب الخيار الحديث 3.

[ 242 ]

يلتزم فيه بالانفساخ قبل التلف الذي التزاموا به في غير المقام للفرار من ضمان من لا خيار له لملك ذي الخيار، وذلك لان لازمه رجوع العين إلى مالكها ثم ضمان المشتري لملك غيره، كما أنه لا يمكن الالتزام ببقاء العقد وضمان المشتري للتالف، لانه يلزم منه الجمع بين الثمن والمثمن بقيمته، فلا بد إما من الالتزام بأن الضمان متقدم على الانفساخ أو الالتزام بمقاله صاحب الجواهر (قده) من كون العين مضمونة بمثلها أو قيمتها، فله أن يفسخ العقد ويأخذ البدل، والذي يسهل الخطب هو عدم شمولها للمقام. ثم إنه على جميع التقادير المتقدمة يكون الضمان بالقيمة الواقعية، لا بالمسمى ثم إنه على ما ذكرنا في بيع الخيار فاللازم منه وجوب حفظ المبيع لانه مقتضى القرار والشرط في المقام، ولو تخلف وباعه فهل يقع باطلا أو لا؟ وجهان مبنيان على ثبوت الحكم الوضعي في الشروط التي تتعلق بالافعال وعدمه. وأما ما قيل من أن وجوب العمل بالشرط يوجب تعجيز المشتري عن بيعه فلا يرجع إلى محصل، فان نفس الوجوب لا يوجب إلا الالزام بالعمل وصيرورته موجبا لعدم تأثير البيع لو تخلف أول الكلام، بل ما هو مقتضى الشرط وجوب حفظه لا حرمة بيعه، فلا وجه للبطلان إلا دعوى كون وجوب الشئ مقتضيا لحرمة ضده الخاص، وكونها إرشادا إلى البطلان، وهي كما ترى باطل في باطل. ولو تلف الثمن فان كان بعد الرد فمع شمول القاعدة لتلفه ينفسخ العقد ويرجع المبيع، وإن كان قبل الرد فعلى القول بالخيار فكذلك، وعلى القول بعدم حدوثه إلا بالرد فلا تشمله القاعدة إن كانت هي التي تداولتها ألسنة الفقهاء، ضرورة أن ما قبله ليس زمان الخيار، إلا أن يدعى أن ما ثبت بالاخبار أوسع من هذه الجهة من القاعدة، فان المتفاهم منها أن

[ 243 ]

التلف إذا وقع قبل استقرار العقد وصيرورة المبيع أو الثمن إلى الطرف مضمون على غير ذي الخيار، والكلام في القاعدة وحدودها موكول إلى محله. (السابع) لا إشكال في أن ثبوت هذا الخيار منوط بجعل الجاعل توسعة وتضييقا، فلو اشترط الرد إلى الاعم من المشتري ووكيله ووليه عرضا أو طولا يثبت على حسب ما اشترط من غير إشكال، كما أنه لو اشترط الرد إلى خصوص نفسه بنحو التقييد لم يثبت الخيار إلا بالرد إليه، وهكذا لو كان الشخص مورده بمعنى عدم التقييد والتعميم في الجعل، بأن كان المورد خصوص المشتري، بحيث لم يكن لكلامه إطلاق ولا تقييد، ولكن لم ينطبق إلا على شخصه بالتضييق الذاتي، والمفروض في هذا القسم أن لا يفهم من كلامه التعميم ولو بالقرائن حتى يصح التقسيم إلى الاقسام الثلاثة. فما في كلام بعض الاجلة من أن التخصيص إذا كان من باب الموردية فكأنه اشترط الرد إلى من كان مالكا للمال ومتصرفا فيه ووليا عليه ليس على ما ينبغي، ولا وجه معه إلى تثليث الاقسام، فان استفادة التعميم باللفظ الصريح وغيره لا توجب تكثير الاقسام، مع أن الواقع بحسب النوع على خلافه، فان الجاعل للخيار لنفسه غافل نوعا عن الطوارئ، كالغيبة والجنون ونحوهما. ثم إن ما هو قابل للبحث هي الصورة الاخيرة والصورة الثانية، أي ما هو بنحو التقييد، ومحصل الكلام فيهما أنه إن كان الاعتبار العقلائي أو الشرعي في باب الوكالة هو تنزيل نفس الوكيل منزلة الموكل أو تنزيل فعله مقام فعله فيكفي الرد إليه ولو كان الشرط هو الرد إلى خصوص المشتري على وجه التقييد، لان المفروض كون الوكيل هو الموكل اعتبارا وتنزيلا، ومقتضى حكومة دليلها كون الرد إليه ردا إلى المشتري، كما أنه لو كان الاعتبار فيها هو تنزيل فعله منزلة فعل الموكل لكفى الرد إليه أيضا، لان

[ 244 ]

قبوله هو قبول الموكل واستيلاؤه هو استلاؤه لو كان الشرط ذلك، فيتحقق الشرط ويثبت الخيار. وأما لو قلنا بأن باب الوكالة ليس إلا إيكال أمر إلى الوكيل، ويكون فعل الوكيل نافذا على موكله لكونه وكيلا، لا لكونه منزلا منزلته ولا لكون فعله كذلك، فلا يكفي الرد إليه، لعدم تحقق الشرط به، وكذا الكلام في الولي الشرعي أو العقلائي طابق النعل بالنعل، هذا بحسب التصور. وأما بحسب الدلالة والاثبات فلا ينبغي الاشكال في أن الوكالة بل وكذا النيابة في الصلاة والصوم فضلا عن ولاية الفقيه أو غيره ليس اعتبارها هو أحد التنزيلين المذكورين وإن كرر ذكره في كلماتهم، بل ما هو عند العقلاء هو نفوذ فعل الوكيل لاجل وكالته، فالفعل فعله والشخص شخصه، ودليل الوكالة يوجب نفوذ فعل الوكيل على موكله، كما لو أذن له في فعل من غير جعل الوكالة، ففعل المأذون له نافذ في حق آذنه من غير احتمال تنزيل، وليس اعتبار الوكالة في الشرع غير ما هو عند العقلاء. وأولى بذلك ولاية الفقيه على القصر، فان تنزيله منزلتهم مع ركاكته لازمه بطلان عمله وعدم نفوذه في مثل الولاية على المجنون والصغير كما لا يخفى. ومما ذكرناه يظهر الكلام في الرد إلى الوارث، فانه لا يحقق الشرط لعدم التعميم فرضا، وعدم الدليل على تنزيل الوارث منزلة المورث، ولو سلم فانما هو في خصوص الارث لا مطلقا. (فما قيل) من أنه يجب أن يخرج الرد إلى الوارث عن محل الخلاف، لان الوارث ينتقل إليه المال على نحو تعلق حق البائع به فالرد إليه كالرد إلى مورثه (لا يصغى إليه) والتعليل عليل من جهتين. وكذا الحال فيما إذا اشترى الاب للطفل بخيار البائع، لان الشرط إما أن يكون الرد إلى الولي مطلقا فهو خارج عن محط الكلام، أو إلى

[ 245 ]

الطفل فلا يقوم الولي مقامه، لعدم الدليل على التنزيل، أو إلى الولي المشتري فلا يقوم الولي الآخر مقامه، بل لو سلم قيام الوكيل أو الولي مقام صاحب المال لا وجه للقيام هاهنا، لعدم وجه لقيام ولي مقام ولي آخر. ومنه يظهر الحال في الحاكم، فانه مع اشتراط الاعم خارج عن البحث ومع اشتراط الرد إلى الحاكم المشتري لا يتحقق الخيار بالرد إلى غيره، لعدم الدليل على تنزيل حاكم محل حاكم آخر. هذا غاية ما يمكن أن يقال، لكنه مشكل، سواء كان التنزيل على فرضه تنزيلا في الذات أو في الفعل، فان ما قلنا في باب تحكيم دليل التنزيل على الادلة الواقعية انما هو لكشفه عن إرادة المولى، فقوله عليه السلام (لا صلاة إلا بطهور) (1) ظاهر في الطهور الواقعي، وقوله عليه السلام: (كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر) (2) حاكم بحصول الطهور، وموسع لموضوع الدليل الواقعي، وكاشف عن أن الطهارة المعتبرة في الصلاة أعم من الواقعية والظاهرية، نعم لو دل الدليل على أن لا صلاة إلا بالطهور الواقعي فالدليل الثانوي لا يعقل أن يكون معمما، فلا محالة يترتب عليه آثار الواقع ما دام لم ينكشف الخلاف على تأمل. وهذا التعميم والتحكيم لا يعقل في المقام، لان الشارط وهو المكلف يعلم تعلق إرادته بعنوان خاص سواء قيده أم لا، ولا يعقل كشف تعميم إرادته من الدليل الشرعي، ولا من بناء العقلاء، إلا أن يكون المراد أن بناءهم يصير قرينة على تعميم الشرط، وهو خلاف المفروض، فالدليل المذكور لا يعقل أن يكون محققا للشرط، نعم للمولى أن يحكم بترتيب آثار الشرط على ما هو مخالف لشرط الشارط، لكنه مقطوع الخلاف، فالاقوى


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الوضوء الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 37 من ابواب النجاسات الحديث 4.

[ 246 ]

عدم كفاية الرد إلى الوكيل أو الولي إلا في مورد كان الكلام ظاهرا أو نصا في التعميم. (الثامن) لا إشكال في أنه إذا صرح باشتراط الفسخ برد جميع الثمن وكذا إذا أطلق لم يكن له ذلك إلا برد الجميع، فلو رد بعضه بعنوان الثمنية لم يتحقق به الشرط وكانت يده عليه يد ضمان، كالمقبوض بالبيع الفاسد، ولم يجز له التصرف مطلقا حتى مع الاستئمان، ولو شرط خيار الفسخ برد بعض الثمن كان له الفسخ برده، ولو شرط الفسخ في كل جزء برد ما يحاذيه من الثمن فهل يصح له الفسخ ويجوز أم لا؟ فيه كلام. قد يقال: إن شرط الخيار مخالف للسنة، ومحتاج إلى دليل خاص والادلة الخاصة لا تشمل إلا فسخ العقد برد الثمن، وهذا الاشكال مشترك بين الصورتين الاخيرتين، فكما أن رد بعض الثمن لفسخ ما يقابله ليس مشمولا لها كذلك رد بعضه لفسخ نفس العقد، ولعل المراد من مخالفته للشرع ان ظاهر الشرع لزوم العقد في نفسه وشرط الخيار مخالف له. وفيه أن العمدة في الدلالة على اللزوم قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) وهو مؤيد للشرط، لا مخالف، فان الشرط في ضمن العقد من متعلقاته ومقتضى لزوم الوفاء به هو العمل بمقتضى القرار، أي العقد بشرطه كما أن قوله صلى الله عليه وآله (الناس مسلطون) (2) و (المؤمنون عند شروطهم) (3) لو كان دليلا على اللزوم لا ينافي ما ذكر، وأما مثل (أحل الله البيع) (4) ونحوه ففي دلالته على اللزوم إشكال، وعلى


(1) الوسائل الباب - 1 من ابواب الوضوء الحديث 1. (2) الوسائل الباب - 37 من ابواب النجاسات الحديث 4.

[ 247 ]

فرضها يكون مثل (أوفوا بالعقود) (1) مقدما عليه، والانصاف أنه لا إشكال من هذه الناحية. والعمدة هو الاشكال المختص بالصورة الثالثة، وهو أن العقد بسيط غير قابل للتبعيض، فقد يقال في جوابه: إن العقد الواقع على شئ قابل للتحليل ينحل إلى عقود كثيرة حسب تحليل المعقود عليه، وهذا هو المبنى لخيار تبعض الصفقة، فيصح فسخ عقد انحلالي دون آخر. (وفيه) مضافا إلى أنه أمر لا يقبله العقلاء، بل هو مستنكر عندهم ضرورة أن من باع أو اشترى دابة أو دارا لا ينقدح في ذهنه نوعا أبعاض المبيع، سواء الابعاض الخارجية العرضية والطولية، كالنصف ونصف النصف، والقائل بانحلال العقد لابد وأن يقول بقرارات متعددة، والقرار لا يعقل أن يكون مغفولا عنه حينه، ولو قيل لمن باع فرسا: (إنك أوقعت عقودا كثيرة) لاستنكره، والانحلال الذي له حكم لابد أن يكون كذلك. ومضافا إلى أن القائل بالانحلال على نحو يستقل كل عقد في الفسخ والامضاء بدعوى كونه موافقا للقواعد لابد وأن يلتزم بذلك في أشباهه، كالنذر والعهد واليمين، فيكون تعلق النذر بشئ قابل للانحلال موجبا لكثرة النذر، ولترتب الحكم على كل واحد منها مستقلا كما في المقام، فلا محالة يتحقق الحنث بمقدار أبعاض الشئ المنذور، وفي المقام لو قلنا بوجوب الوفاء بالعقود شرعا لابد من الالتزام بحصول المعاصي غير المحدودة بمخالفة العقد الواقع على الشئ القابل للتحليل، وتنظير المقام بمثل العموم الافرادي والاطلاق في غير محله، كما لا يخفى على المتأمل. (أنه يرد عليه) أن لا إشكال في أن العقد وقع على الكل، والقائل


(1) سورة المائدة: 5 الاية - 1.

[ 248 ]

بالانحلال يعترف بذلك، ولا إشكال في أنه ناقل للكل، وعليه فتكون العقود الانحلالية غير ناقلة، لامتناع تحصيل الحاصل، فلا تكون تلك العقود غير الناقلة عقلائية لا إنشاء ولا واقعا، ومع الغض عنه لا تأثير لفسخها، ومع الغض عنه لا يكون فسخ العقد الانحلالي موجبا لفسخ العقد الواقع على الكل، وبدونه يجب الوفاء به، هذا. مضافا إلى أن لازم الانحلال الطولي أن يتكثر العقد على جزء واحد مرات عديدة، بل إلى غير النهاية، لان مراتب الكسور لا حد لها، فالعقد الواقع على الكل إذا انحل إلى العقد على النصف يكون النصف متعلقا للعقد مرتين، وينحل النصف إلى النصفين، وهكذا. فيتعدد العقد أي القرار المعاملي بين المتعاملين على مراتب الكسور بتعددها. ثم إن العين لها أجزاء عرضية، فيتعدد العقد على شئ واحد حسب الاجزاء الخارجية المجهولة غالبا عند المتعاقدين، (ولو قيل): إن العقد لم يقع على الكل، ومعنى الانحلال أنه عقود واقعة على الاجزاء العرضية فقط (فهو أفحش) مع أن لازمه عدم تبعض الصفقة، فان معنى التبعض أن المعقود عليه شئ واحد ذو أبعاض، لا أن عقودا متعددة تعلقت بالابعاض مستقلا، فليس للمعقود عليه بما هو معقود عليه أبعاض، والابعاض ليست بمعقود عليها. (وتوهم) أن العقود وأن كانت كثيرة على ابعاض كثيرة لكن الشرط الضمني أن يكون الابعاض منضمة لا منفردة (فاسد) مع أن لازمه ثبوت خيار تخلف الشرط لا تبعض الصفقة، ومنه يظهر أن خيار تبعض الصفقة فيما يثبت غير خيار الشرط، فالقول بالشرط الضمني مع مخالفته للواقع العقلائي هادم لخيار التبعض. والتحقيق أن خيار التبعض خيار عقلائي برأسه مقابل خيار الشرط

[ 249 ]

وغيره، وليس من جهة تعدد العقود، ولا يبتني على الانحلال المزيف آنفا، فإذا وقع العقد على عين يملك البائع بعضها مع عدم علم المشتري يقع العقد الانشائي على المجموع، وهو عقد واحد إنشائي متعلق بواحد، ويترتب عليه النقل الانشائي الذي هو المناط في تحقق عنوان البيع وإن لم يترتب عليه النقل الواقعي إلا فيما يملكه، فبيع ما يملكه البائع مع ما لا يملكه بيع واحد، لا بيوع متعددة واقع على شئ واحد. هو المبيع بتمامه لا بأبعاضه، لكنه لا يؤثر بحسب اعتبار العقلاء في النقل الواقعي إلا فيما يملكه، ويكون للمشتري خيار التبعض، لا للشرط الضمني، ولا لتعدد البيع، فان كل ذلك أجنبي عن خيار التبعض وهادم لاساسه، بل لكونه أمرا عقلائيا كخيار العيب والغبن ونحوهما. وقد يقال في مقام الجواب: (إنه لا ينافي بساطة الالتزام جعل التبعيض في الملتزم، فان التبعيض قد ينشأ من جعل مختلفي الحكم متعلقا لبيع واحد، كما لو باع الخل والخمر، ومال نفسه ومال غيره صفقة، وقد ينشأ من جعل البائع أو المشتري بالنسبة إلى الثمن أو المثمن الذي لولا الجعل كان جميع أجزائه متحد الحكم، ففيما لو أطلق اشتراط الفسخ برد الثمن لم يكن له الفسخ إلا برد الجميع، وأما لو شرط الفسخ في كل جزء برد ما يخصه من الثمن فالبائع بالشرط جعل المبيع للمشتري متبعضا، ولا مانع عنه) انتهى. وأنت خبير بما فيه من عدم حل المشكلة، فان الاشكال في تبعض العقد لا المعقود عليه، وأن الخيار في بعض المبيع يلزم منه تبعض ما هو بسيط، وإلا فلو كان الشرط رد البعض بنحو شرط النتيجة لا لخيار الفسخ فيه فلا مانع منه، وهو خارج عن محط الكلام، وأما قضية بيع الخمر والخل ومال الغير ومال نفسه فقد عرفت الكلام فيها وأنها أجنبية

[ 250 ]

عن المقام، فان هناك يؤثر العقد في النقل الحقيقي فيما يجوز النقل فيه ولا يؤثر في غيره، وهو غير تجزئة العقد الذي هو بسيط، فلا ينحل الاشكال بما ذكره. والتحقيق أن الامور الاعتبارية ومنها العقود لا ينبغي خلطها بالامور التكوينية الواقعية، ألا ترى أن الاشياء الواقعية كالدار والدابة ونحوهما لا يعقل أن تكون هي ولا أوصافها نسبية بالنسبة إلى الاشخاص، فلا تكون الدابة مثلا عربية بالنسبة إلى شخص وغير عربية بالنسبة إلى آخر، ولا يكون البناء مستحكما بالنسبة إلى شخص وغير مستحكم بالنسبة إلى آخر، أو متزلزلا بالنسبة إلى شخص وغير متزلزل بالنسبة إلى آخر، وأما العقد فقد يكون متزلزلا بالنسبة إلى شخص ولازما غير متزلزل بالنسبة إلى آخر، كما في خيار الحيوان الثابت للمشتري، وكما في عقد الاصيل مع الفضولي بناء على ما قاله بعض المحققين من لزومه بالنسبة إلى الاصيل، فالعقد أمر اعتباري مضاف إلى الاعيان وأجزائها، وفي سوق العقلاء قابل للتجزئة، فترى أن في بيع طن من البطيخ إذا ظهر العيب في نصفه مثلا يصح عند العقلاء رد البعض ولو بالاقالة، ومن الواضح أن بيعه ليس بيوعا عندهم، ولا رد بعضه بيعا جديدا. كما أن جعل الخيار لبعض المثمن أمر عقلائي لا لتعدد العقد، فانه واضح الفساد، ولا ينقدح في ذهن العرف، بل لان العقد قابل للفسخ بالنسبة وهو أمر اعتباري تابع لاعتبار العقلاء كيفية وفي التجزئة وعدمها، ولا ينبغي الشك في أن جعل الخيار في البيع بالنسبة إلى بعض المبيع عقلائي في حين أن تعدد البيع في مثل بيع الدار والدابة غير عقلائي، وليس ذلك إلا لان العقد قابل للحل بالاضافة والبقاء بالاضافة، والقياس بالحبل ونحوه من التكوينيات باطل، والامر موكول إلى العقلاء والعرف، ومع كونه

[ 251 ]

عقلائيا فلا مانع من اشتراطه. ثم إنه مع إقدام المتعاملين على الاشتراط الذي مرجعه إلى التبعيض لا وجه لخياره، ولو اشترط رد الجميع تدريجا في زمان محدود ولم يرد فان رجع الشرط إلى تعقب كل رد بالآخر بطل ما فسخ من الاول إذا لم يتعقبه رد الباقي، ولو كان شرطا زائدا فله خيار تخلف الشرط مع عدم الرد، وأما خيار التبعض فلا يثبت على مبنى القائل بالانحلال على إشكال ويثبت على المبنى المنصور، ولا تنافي بين ثبوت خيار الشرط وخيار التبعض فيما يتبعض بلا إقدام عليه. ثم إنه لو شرط رد البعض المجهول لثبوت الخيار فيما يقابله فالشرط غرري مجهول باطل، وكذا لو شرط الرد تدريجا إلى تمام المدة، بأن يشترط الخيار في مقدار مجهول عند رد مقدار مجهول، وهكذا عند رد مقدار آخر أيضا إلى أن يتم مقدار الثمن ويؤول الامر إلى العلم، فان ذلك باطل، لان الشروط مجهولة، والاول إلى العلم لا يفيد، كما أن الاول إليه في مقام التسليم غير مفيد. وكذا الحال لو شرط رد مقدار غير معين مجهول لثبوت خيار فسخ أصل المعاملة، فانه أيضا قرار مجهول ولو بالنسبة إلى مقدار ما يؤدي، ولا يكفي في رفع الغرر والجهالة علمهما بمبدأ الخيار ومنتهاه، وقياس المورد بجعل أصل الخيار في مدة معلومة حيث يصح بلا كلام مع الفارق، لان الجعل في المقام مجهول وإن آل إلى العلم، وهناك لا جهالة فيه، وانما الجهل في علم البائع، وهو خارج عن المعاملة، وهذا نظير شرط الخيار في مدة معلومة عند إعطاء شئ مجهول، سيما إذا كان الاعطاء بعنوان التمليك، فتدبر. (التاسع) كما يجوز للبائع اشتراط الخيار برد الثمن كذا يجوز

[ 252 ]

للمشتري اشتراط الخيار برد المثمن، والكلام فيه هو الكلام في المسألة السابقة في الاطلاق واشتراط رد البعض، ولا إشكال هنا في انصراف الاطلاق إلى رد نفس العين، ويجوز التصريح برد البدل ولو مع وجود العين، لان اشتراط ثبوت الخيار برد البدل لا مانع منه، وانما الاشكال العقلي في اشتراط كون الفسخ موجبا لرجوع بدل العين الموجودة، فلو رد البدل وفسخ العقد يكون مقتضاه رجوع العوضين أي العين والثمن إلى محلهما، وبرد البدل إلى صاحبه إن لم يملكه. ولو شرط الخيار برد البدل وأراد حصول التبادل بذلك الشرط بعد الفسخ ورجوع العين إليه بينها وبين البدل فهو باطل ثبوتا وإثباتا، لعدم إمكان كون شرط الخيار منحلا إلى شرط التبادل بعد ثبوته والفسخ وتملك العين، لعدم إمكان الجمع بين المترتبين برتب عديدة في إنشاء واحد ومع الغض عنه لا يعقل تأثير الشرط بعد حل العقد وحله بتبعه، وقد مر الكلام فيه. فراجع. ومن يظهر الكلام في اشتراط رد التالف بالمثل في القيمي وبالعكس فتدبر جيدا. مسألة: لا ينبغي الاشكال في عدم جواز شرط الخيار في الايقاعات، كما هو المتسالم بين الاصحاب إلا من شذ من المتأخرين، بل لا ينبغي الاشكال في عدم صحة مطلق الشرط فيها ولو مثل شرط الخياطة، لان ما يظهر من اللغويين هو أن الشرط إلزام والتزام في البيع ونحوه، والظاهر من الظرف أن يكون البيع حاويا له، أي يقع الشرط في ضمنه وخلاله بحيث يدعى

[ 253 ]

أنه ظرفه، وأنه فيه، ومن المعلوم أن الايقاع لا يعقل فيه ذلك، فانه لا يعقل أن يرتبط به الشرط الواقع بعده أي بعد تماميته عنوانا وتأثيرا فضلا عن أن يكون في ضمنه وخلاله. فما قد يقال في جواب أن الشرط التزام في ضمن العقد لغة وعرفا أو انصرافا من أنه لا يجب في تحقق الشرط إلا أن يكون في ضمن التزام لا في ضمن التزامين كأنه لم يصل إلى مغزى الاشكال، ضرورة أن الايقاع لا ضمن له، بل إما غير محقق أو محقق ومفروغ عنه بخلاف العقود، فان الظرفية ولو بنحو من الادعاء محققه فيها. ولو توهم إمكان الضمنية في بعض الفروض النادرة كقوله: (أبرأتك وشرطت عليك كذا عن دينك) فهو مع احتمال عدم صدق الضمنية عليه إذ ليس المراد منها وقوع الشرط في خلال الالفاظ، بل المراد وقوعه في ضمن الالتزام ليس من الشروط العقلائية، ومع التسليم لا يثبت به الكلية التي هي المدعى. ولو أغمضنا عنه فلا إشكال في عدم إحراز كون الشرط تلو الايقاع أن يصدق عليه الشرط لغة وعرفا وعند العقلاء، ومعه لا مجال للتمسك بأدلة الشروط لتنفيذه. (إن قلت): بناء على ما ذكرت سابقا من أن ماهية البيع تتحقق بايجاب الموجب فقط ومنزلة القبول منزلة الاجازة في العقد الفضولي لم يكن الشرط في ضمن البيع، فلابد من الالتزام بأنه لا يلزم أن يكون في ضمن العقد، بل يجوز ولو وقع بعده. (قلت): إن الايجاب محقق لمفهوم البيع، ولا يترتب عليه الآثار العقلائية إلا بعد ضم القبول إليه، فالعقد المؤثر بالحمل الشائع لايتم إلا بعد القبول، وعليه فالشرط واقع في خلاله عرفا، ولا يكون المفهوم من كلمات

[ 254 ]

اللغويين والاصحاب والادلة إلا مثل ذلك، نعم لو كان شخص وكيلا من الجانبين، فأوقع الايجاب الذي هو تمام المعاملة بالحمل الشائع ثم أراد إردافه بالشرط نلتزم بعدم صحته، فلابد في مثله من الايجاب من قبل صاحب السلعة ثم الشرط ثم القبول ولا محذور فيه (فتحصل) مما ذكر أن الايقاع لا يقبل الشرط مطلقا، سواء فيه شرط الخيار وغيره. ولو سلمنا قبول الايقاع للشرط في ضمنه أو قلنا بصحة الشرط الابتدائي فالظاهر عدم صحة شرط الخيار فيه، لان الخيار انما يصح في العقود، لانها أمور اعتبارية باقية لدى الشرع والعرف اعتبارا، ولهذا نرى ثبوت الخيار فيه عند العرف والشرع، ومنه يستكشف أنها موجودة عندهما فيصح فسخه وحله، وأما الايقاعات فلا دليل على بقائها الاعتباري عند العقلاء أو الشرع، بل الظاهر عدم اعتبارهم ذلك، ومعه لا معنى لحله أو رفعه، والشك في ذلك كاف في عدم ثبوته، ولا ينافي ذلك ما رجحناه في باب الفضولي من بقاء المسبب الاعتباري في الايقاعات، للفرق بين السبب والمسبب. (وما قد يقال) من أن الخيار في المقام عبارة عن رفع الشئ كرفع الملكية أو البينونة الحاصلة بالطلاق مع أن عنوان الحل هاهنا بمعنى تفكيك المسبب عن سببه، فإذا انفكا فقد انحل أحدهما عن الآخر، وهذا معقول في الايقاع (يرد عليه) أن رفع البينونة أجنبي عن خيار الفسخ، ورفع السبب فرع وجوده، ولا وجود له في الايقاع اعتبارا عند العقلاء، فلا معنى لرفعه، بخلاف العقود، ولا يكون السبب الاعتباري سببا بحدوثه للمسبب حدوثا وبقاء كالسبب الالهي حتى يصح فيه تفكيكه بقاء عن المسبب مع أن أمثال المقام موكول إلى العرف، فلا بد في البناء على الصحة من موافقة العرف والعقلاء، ولا مجال للتصورات والتعسفات، وليس كل

[ 255 ]

ما يتصور واقعا عرفيا وموافقا لاعتبار العقلاء. مضافا إلى أن العدم لا يحتاج في بقائه إلى السبب، والابراء تعلق بأمر وجودي فأعدمه، وبعده لا معنى للسببية والمسببية، مع أن رفع سبب الابراء مثلا لا يكفي في وجود المسبب، بل لابد في تحققه من سبب مستأنف عقلائي (وبالجملة) لا يمكن إثبات المطلوب إلا باحراز ما تقدم، وأنى لنا باحرازه. (وتوهم) أن الظاهر من دليل (المؤمنون عند شروطهم) (1) سيما مع استثناء الشرط المخالف للكتاب أن كل شرط لازم الوفاء إلا ما استثني منه، فيستكشف من ذلك أن السبب في الايقاع باق وقابل للحل أو الاعدام. (فاسد) لان الظاهر من الدليل المذكور وكذا دليل وجوب الوفاء بالعقد أن العقود والشروط التي أوقعهما العقلاء لازم الوفاء، ولهذا لو كان الشرط لغفلة من المتعاملين مخالفا لمقتضى العقد لم يكن صحيحا وإن لم يكن مخالفا للشرع، وكذا لو كان الشرط غير عقلائي، كما لو شرط في ضمن معاملة المشي منكوسا، أو تقبيل رأس المنارة، وفي المقام حيث إن شرط رفع السبب عن محله باطل، لانه محال، وشرط رفعه بعد تحققه ليترتب عليه رجوع ما عدم فرع كونه باقيا ومؤثرا في وجوده البقائي، وهما مفقودان، فلابد من الالتزام بجعل الشرط ما ليس بسبب سببا وما ليس بمسبب مسببا، ضرورة أن العدم لا يعقل فيه السببية والمسببية، والابراء تعلق بالوجود، فصار الذمة بريئة، وبعدها لا شئ صالح للسببية والمسببية في العدم عرفا وعقلا، فلابد من جعل الشرط المعدوم مسببا وسببا، بل لا يكفي مجرد ذلك، فلابد من اعتبار الوجود بعد سلب سبب العدم، ودليل الشرط يصلح لشئ مما ذكر.


(1) الوسائل الباب - 20 من ابواب المهور الحديث - 4 من كتاب النكاح.

[ 256 ]

وينبغي أن يكون هذا مراد الشيخ (قده) بأن دليل الشرط لا يجعل ما ليس بسبب شرعا سببا، وهو حق لان شرط كون صيغة البيع طلاقا أو صيغة الطلاق بيعا، والسعال ايجابا، والعطسة قبولا فاسد غير عقلائي ولا شرعي، مع أن احتمال كون هذا الشرط مخالفا للشرع كاف في عدم جواز التمسك بدليله للشبهة المصداقية (وتوهم) إجراء أصل عدم المخالفة للشرع للخروج عن المستثنى والاندراج في المستثنى منه (فاسد) لما تكرر منا من عدم جريانه على فرض، وكونه مثبتا على آخر، وسيجئ إنشاء الله في محله تفصيلا. ثم إن المتحصل مما مر أن لشرط الخيار في الايقاع محذورين: (أحدهما) المحذور المشترك بين جميع الشروط (وثانيهما) ما هو مختص بشرط خيار الفسخ والحل الذي هو محل الكلام في المقام. وقد يتوهم أن المحذور الثاني مندفع بدليل ورود الحل والفسخ في بعض الايقاعات، كالرجوع في الطلاق الرجعي، وبيع الوقف مع اشتراطه فيه بناء على كونه إيقاعا، والرد إلى الرق مع تخلف الشرط كما وردت به موثقة إسحاق بن عمار أو صحيحته عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يعتق مملوكه ويزوجه ابنته ويشترط عليه إن هو أغارها (1) أن يرده في الرق، قال: له شرطه) (2). وفيه ما لا يخفى، أما الرجوع إلى الزوجية في الطلاق الرجعي فلا يكون من حل الطلاق بلا شبهة، بل عبارة عن التمسك بالزوجية والرجوع إليها، فهو مما ثبت له شرعا وتترتب عليه الزوجية، وتعود بلا حل في الطلاق، فلو صرح بالرجوع إلى نفس الزوجية وعدم فسخ الطلاق كفى


(1) (أغارها): النكاح عليها، من الغيرة. (2) الوسائل الباب - 12 من كتاب العتق الحديث 2.

[ 257 ]

ولهذا لو أنكر الطلاق ترجع الزوجية، ويكون الانكار رجوعا لكونه متمسكا بها، ولا يعقل أن يكون ذلك فسخا وحلا. وأما اشتراط بيع الوقف في بعض الاحيان كما وردت به الرواية (1) فهو أيضا ليس من اشتراط الحل والفسخ، بل هو من حدود الوقف، فان الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها، والوقف وشرط البيع عند الحاجة مثلا يرجع إلى تحديده إلى زمانها. وأما رواية إسحاق فالظاهر منها إرجاع الرق ورد المعتق إليه على القول بجوازه، لا إبطال العتق وفسخه وحله، وهو واضح. كما قد يتوهم اندفاع المحذور الاول بورود روايات دالة على صحة الشرط في العتق، ففي موثقة عبد الرحمان بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أوصى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إن أبا نيزر (أبا نيروز خ ل) ورباحا وجبيرا أعتقوا على أن يعملوا في المال خمس سنين) (2) وفي موثقة أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن رجل قال: غلامي حر وعليه عمالة كذا وكذا سنة، قال: هو حر وعليه العمالة) (3) وعن الفقيه باسناده عن أبان مثله، وزاد (قلت: إن ابن أبي ليلى يزعم أنه حر وليس عليه شئ، قال: كذب إن عليا عليه السلام أعتق أبا نيزر (أبا نيروز خ ل) وعياضا ورباحا وعليهم عمالة كذا وكذا سنة، ولهم رزقهم وكسوتهم بالمعروف تلك السنين) (4). وفيه أن الظاهر من الرواية الثانية وكذا ما استشهد فيها بفعل أمير المؤمنين عليه السلام أن إثبات العمالة لم يكن بطريق الاشتراط، فيمكن أن يكون


(1) الوسائل الباب - 10 من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 4. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 10 من كتاب العتق الحديث 1 - 2 - 3.

[ 258 ]

بطريق الاستثناء، فان منافع العبد لمولاه، وله استثناؤها حين العتق، وهذا غير الاشتراط فيه، وأما الرواية الاولى فالظاهر رجوعها إلى الثانية التي استشهد فيها الامام الصادق عليه السلام بعمل أمير المؤمنين عليه السلام، مع أن قوله عليه السلام: (على أن يعملوا) غير ظاهر في الاشتراط وغير آبية عن الحمل على الاستثناء. وتشهد لذلك أو تؤيده موثقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إذا كاتب الرجل مملوكه أو أعتقه وهو يعلم أن له مالا ولم يكن استثنى السيد المال حين أعتقه فهو للعبد) (1) حيث يظهر منها أن الاستثناء أمر معهود. وكيف كان لا تدل تلك الطائفة على المطلوب، بل في رواية أبي جرير قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قال لمملوكه: أنت حر ولي مالك، قال: لا يبدأ بالحرية قبل المال، يقول: لي مالك وأنت حر برضا المملوك، فان ذلك أحب إلي) (2) ولو كان الشرط في العتق صحيحا لما كان يأمره بذلك، ويظهر منها أنه بنحو الاستثناء، فيكون الاستثناء قبل التحرير أحرى. بل يمكن الاستئناس لعدم صحة الشرط من صحيحة يعقوب بن شعيب قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اعتق جاريته وشرط عليها أن تخدمه خمس سنين فأبقت ثم مات الرجل فوجدها ورثته، ألهم أن يستخدموها؟ قال: لا) (3) بأن يقال: لو كان الشرط في العتق نافذا لكان للورثة حق استخدامها بالارث، والحمل على التقييد بنحو لا يورث


(1) و (2) الوسائل الباب - 24 من كتاب العتق الحديث 501. (3) الوسائل الباب - 11 من كتاب العتق الحديث 1.

[ 259 ]

أو على انقضاء زمان الاستخدام خلاف الظاهر وخلاف ترك الاستفصال. وأما صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله أنه (سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال لغلامه: أعتقك على أن أزوجك جاريتي هذه فان نكحت عليها أو تسريت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك فنكح أو تسرى، أعليه مائة دينار؟ ويجوز شرطه؟ قال: يجوز عليه شرطه) (1) وقريب منها صحيحة محمد بن مسلم (2) إلا أن فيها (في الرجل يقول لعبده: أعتقك على أن أزوجك ابنتي) وكذا في غيرها (3) فيحتمل فيها أن يكون التزويج والالزام بالمائة على تقدير النكاح أو التسري كلها شرطا في العتق، وأن يكون التزويج شرطا فيه والآخر شرطا في النكاح. وأن يكون المراد من قوله: (على أن أزوجك) بمعنى أن المقاولة كانت على أن يعتقه لتزويج البنت والشرط فيه، فأعتقه وزوجه وشرط عليه ما ذكر. ثم إن احتمال أن يكون التزويج شرطا في العتق يبعده أن ذلك الشرط غير معهود، بل من المستنكر عند العقلاء، فان الاب لا يشترط على شخص أن يزوجه ابنته، ولو فرض بعيدا أن يتفق ذلك لابد وأن تكون العبارة أعتقك على أن تتزوج ابنتي، حتى يكون الشرط على الزوج والظاهر أن المولى لما رأى العبد شخصا صالحا لائقا لان يزوجه ابنته وانما العيب فيه هو الرقية أراد أن يجعله عاتقا لرفع العيب والعار ثم تزويجه بالشرط الكذائي، كما يكشف ذلك من موثقة إسحاق المتقدمة، حيث قال فيها: (إن الرجل يعتق مملوكه ويزوج ابنته ويشترط عليه كذا) (4) وهذا أمر صحيح معقول. والظاهر أن سائر الروايات بهذه المثابة، مع أن تلك الروايات لم تكن بصدد بيان تمام القضية وكيفية الاشتراط، ولهذا لم يذكر فيها قبول


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 12 من كتاب تالعتق الحديث 1 - 3 - 0 - 2.

[ 260 ]

الرجل، مع أن قبوله بعد العتق معتبر، والانصاف ان الخروج عن القواعد من أجل تلك الروايات غير صحيح. نعم قال المجلسي رحمه الله: (أجمع الاصحاب على أن المعتق إذا شرط على العبد المعتق شرطا سائغا في العتق لزمه الوفاء به، سواء كان الشرط خدمة معينة أم مالا معينا، وهل يشترط في لزوم الشرط قبول المملوك؟ قيل: لا، وهو ظاهر اختيار المحقق (قده) وقيل يشترط مطلقا، وهو اختيار العلامة (قده) في القواعد، فاشترط قبوله في اشتراط المال دون الخدمة، واختاره فخر المحققين (قده) انتهى. والعبارة كما ترى ناقصة، لكن المراد معلوم، وهو أن المسألة ذات أقوال ثلاثة، إلا أن الشأن في الاعتماد على نقل هذا الاجماع، ضرورة أن مستند الاصحاب هو تلك الروايات لا غيرها، والاختلاف في الفرع الآخر مبني على اختلاف الاخبار. وكيف كان لو فرض صحة الاجماع أو سلم دلالة تلك الروايات على المقصود فلا يستفاد منهما جواز شرط الخيار، كما هو المقصود هاهنا، فان محط الاخبار وكذا معقد الاجماع غير ما ذكر، بل أدعي عدم الخلاف في بطلان شرط الخيار في الايقاع. (فتحصل) مما ذكر عدم صحة الشرط في الايقاعات سيما شرط الخيار، فانه مما لا ينبغي الاشكال في بطلانه. ومما ذكرناه يظهر حال العقد المتضمن للايقاع كعقد الصلح إذا كان التصالح على الابراء، كأن يقول: (صالحتك على إبراء ذمتك في مقابل كذا) وكالصلح المتضمن للاسقاط، كقوله: (صالحتك على إسقاط دعواي في مقابل كذا) مما يكون التصالح على نفس الابراء والاسقاط، فان هدم الابراء والاسقاط فرع اعتبار وجودهما بعد العقد، وقد عرفت الاشكال فيه.

[ 261 ]

وأما العقد المفيد فائدة الابراء أو الاسقاط كالصلح على ما في الذمة حيث يكون موجبا لابرائها بعد تحقق الصلح فالظاهر جواز الاشتراط فيه لانه كسائر العقود وكغيره من موارد الصلح، وكبيع الدين على من عليه ذلك، وقد وقع الخلط في كلام الشيخ (قده) وبعض آخر بين العقد المشتمل على الايقاع والعقد الذي يفيد فائدته، فلا تغفل. وأما العقود الجائزة التي لا يعتريها اللزوم في حال فلا يصح شرط الخيار فيها، ضرورة أنه لغو غير عقلائي، فلا يصح في الوكالة والعارية والوديعة ونحوها، لا لانها عقود إذنية أو ليست بعقود إلا مسامحة، ضرورة أنها عقود جائزة كسائر العقود الجائزة، ولا لان الخيار ملك الالتزام ولا التزام فيها، فانه غير مرضي، ولا دليل عليه في العرف والشرع، بل العرف على خلافه، بل لان أدلة الشروط والعقود لا تشمل ما لا يكون عقلائيا، بل يعد لغوا وباطلا. نعم لو كان عقد جائز نفسا وذاتا يطرأ عليه اللزوم ولو في بعض الاحوال أو الاحيان، فمن أجل خروج شرط الخيار فيه بذلك عن اللغوية لا مانع منه لولا محذور آخر، كالهبة على ذي رحم، بل مطلق الهبة بملاحظة لزومها في بعض الاحيان، كما لو تصرف في الموهوب بما يخرجه عن القيام بعينه، وكذا الهبة المعوضة، فان الشرط فيها لا يكون لغوا، إلا أن احتمال كون اللزوم فيها حكميا وكون الشرط مخالفا للكتاب يمنع عن صحته، وأصالة عدم المخالفة لا تجري على ما يأتي في محله وأشرنا إليه في ما سلف. وأما الوقف فلا يصلح للخيار فيه، لانه إيقاع على الاظهر، وماهيته حبس العين وتسبيل المنفعة، ولا فرق في ماهيته بين الاوقاف العامة التي قالوا بعدم الاحتياج فيها إلى القبول وبين الخاصة، وانما الاختلاف بينهما

[ 262 ]

في المتعلقات لا في نفسها، فهو إيقاع في الموردين، ولا يحتاج إلى القبول فيهما، ولو قلنا باحتياج الاوقاف الخاصة إلى القبول أو احتياج الوقف مطلقا إليه فلا يخرجه هذا القبول من الايقاع إلى العقود، ضرورة أن اعتبار القبول ليس لاجل أن الوقف معاقدة بين الواقف والموقوف عليه بل لان تملك المنفعة على ما قيل لابد فيه من القبول، ولا معنى للتملك القهري وهذا غير كون الوقف من المعاقدات، مع أنه لا دليل على هذا المدعى، فيمكن أن يكون الوقف كالارث، وعلى أي حال سواء كان محتاجا إليه أم لا لا دليل على بقائه اعتبارا عند العرف أو الشرع، بل الظاهر أنه لا يكون باقيا، بخلاف المعاقدات، لبقائها عرفا وشرعا، فعدم صلاحية الوقوف مطلقا للخيار لعدم إمكان الفسخ والحل فيه، كما مر في الايقاع، بل لو سلم كونه من العقود فليس من العقود التي لها بقاء اعتبارا، ولو شك في ذلك كفى في عدم صحته، هذا هو الوجه. وأما الوجوه الاخر ككونه عبادة ويشترط فيها القربة، وأنه فك ملك بلا عوض فمنظور فيها، وقد تصدى المحققون لجوابها، فلا نطيل. وأما الصدقة فلا يصح شرط الخيار فيها ولو مع الغض عن النص، لما تقدم من احتمال مخالفته للشرع، مع أن ظاهر النصوص عدم الجواز في مطلق الصدقة، حتى الوقف الذي أريد به وجه الله، لكونه صدقة بحسب النص، لقوله عليه السلام: (انما الصدقة لله عزوجل فما جعل لله عزوجل فلا رجعة له فيه) (1) والظاهر عدم شموله للبيع ونحوه إذا فرض إتيانه بقصد القربة، لانصراف الدليل عنه بلا شبهة، ولكونه غير مجعول لله تعالى بحسب طبعه، بل مجعول لغرض الانتفاع ونحوه وإن يتفق حصول قصد التقرب فيه طولا، ولهذا يحتمل أن لا يشمل


(1) الوسائل الباب - 11 من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 1.

[ 263 ]

الوقف نوعا، فيختص بما هو ممحض في الله تعالى. وكيف كان لا شبهة في شموله للصدقة المعروفة، ودعوى أن جعل الخيار يوجب التزلزل فيها من الاول فلا يصدق معه الرجوع والرجعة كما ترى. وأما النكاح فلا يصح فيه، للتسالم بين الاصحاب ودعوى الاجماع وعدم الخلاف فيه، ولان النكاح بما أن له شأنا خاصا في جميع الملل والنحل وآدابا خاصة، وكذا الفراق منه حتى إنه قد اعتبر فيه شرعا شروط وآداب خاصة، وسبب خاص هي كلمة (هي طالق) لا غير حتى المجازات والكنايات وما يفيد صريحا الفراق والطلاق إلا في بعض الموارد المستثنى منه شرعا يحدس الفقيه بأنه ليس مثل المعاملات القابلة للفسخ بتوافق المتعاملين، ولا قابلا لجعل الخيار فيه، وأن لزومه حكمي غير قابل للانحلال إلا بما جعله الشارع الاقدس موجبا له، ولا أقل من الاطمئنان والوثوق بأن جعل الخيار مخالف للشرع، مع أن الشك كاف في ذلك. وأما الرهن فلا يصح شرط الخيار فيه، لانه مخالف لماهيته التي هي الاستيثاق على الدين، فأي استيثاق مع تمكن الراهن من حله بمجرد الارادة والانشاء، نعم لا يبعد صحته معلقا على أمر يوجب رفع الحاجة إلى الاستيثاق. ثم إن الرهن لما كان جائزا من قبل المرتهن فلا معنى للتقايل فيه، لان التقايل فيما كان زمام أمره بيد الطرفين بحيث لا ينفسخ إلا باجتماعهما عليه، وأما ما كان قابلا للانفساخ بفسخهما أو فسخ أحدهما فلا يجرى فيه التقايل، فلا يتوهم أن الرهن مما يصح فيه التقايل، ولا يصح فيه جعل الخيار، وهو نقض للكبرى المدعاة. وأما المعاطاة فالظاهر دخول خيار الشرط فيها أيضا، وما أفاده

[ 264 ]

الشيخ الاعظم (قده) من عدم إمكان ارتباطه بالانشاء الفعلي غير وجيه، لان الارتباط ليس إلا اعتباريا، وهو يحصل بالتعاطي مبنيا على الشرط. ثم إن تلك الكبرى أي (كل ما تجرى فيه الاقالة يصح شرط الخيار فيه) تصح أصلا، ولا دليل على صحتها عكسا، أما الاولى فالسر فيها ليس ما أفاده الشيخ الاعظم رحمه الله على ما يتضح بالتأمل، بل السر أن المعاملة التي تجري فيها التقايل يستكشف منه أنها تحت تصرف المتعاملين بعد تحققها ولزومها وخروج أمرها من يد كل واحد منهما، فيستكشف من ذلك بنحو الوضوح والاولوية أن زمام أمرها قبل تحققها ولزومها بيدهما في ذلك (وإن شئت قلت): يستكشف منه أن اللزوم حقي، فلهما الاجتماع على رفعه بقاء فضلا عن حال الحدوث الذي لم تخرج بعد عن تحت تصرفهما أو تصرف واحد منهما، فلازم صحة التقايل في ما يصح فيه صحة جعل الخيار فيه برضاهما. وأما الثانية فلان من المحتمل أن يكون عقد موضوعا لحكم شرعي بعد تحققه دون ما قبله، فيكون لهما التصرف فيه حال حدوثه دون حال بقائه ولا راد لهذا الاحتمال، وعليه فيصح أن يستدل بعروض التقايل على صحة جعل الخيار دون العكس، فحينئذ لو كان الصداق يصح فيه التقايل إما لاجل صحة فسخ النكاح بالنسبة كما مر نظيره في المعاملات وإن كان هاهنا محل إشكال أو لاجل أن الصداق أمر خارج عن ماهية النكاح ويجري فيه التقايل بوجه مع بقاء النكاح على حاله صح فيه الخيار.

[ 265 ]

الرابع خيار الغبن لا إشكال في ثبوته، للتسالم بين الاصحاب من زمن شيخ الطائفة، ولما يأتي من الوجه فيه، وانما الاشكال في الادلة التي أقاموها عليه، وليعلم أولا أن الخيار هاهنا كسائر الخيارات العقلائية والشرعية مما يسقط بالاسقاط ويورث إلى غير ذلك من الاحكام، فلابد للمستدل أن يستدل بما يثبت كذلك، وأما الاختيار في الرد والقبول الذي ثبت في بيع المكره والفضولي فهو أجنبي عن المقام. فعن العلامة (قده) الاستدلال بقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض) (1) واستدل الشيخ الاعظم (قده) بقوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (2) وجعل التمسك به أولى مما استدل به العلامة (قده) وإن استشكل في كل من التقريبين، واستدل بعض الاعاظم (قده) بتمام الآية من المستثنى والمستثنى منه. فيقع الكلام (أولا) في إمكان الجمع بلفظ واحد بين صحة المعاملة ولزومها على فرض وبين صحتها مع الخيار أو بطلانها على فرض آخر،


(1) و (2) سورة النساء: 4 الاية - 29.

[ 266 ]

فيكون مفاد قوله تعالى: (تجارة عن تراض) أن التجارة عن تراض صحيحة، ولا عن تراض باطلة في بعض المعاملات، وخيارية في بعضها بالمعنى المتقدم الذي هو محل البحث في المقام، والظاهر عدم الامكان إن أريد الاثبات بنفس الآية، لا بالاتكال على حكم العقلاء، وذلك لان نفي الرضا فيما يعتبر فيه ذلك لا يعقل أن يكون نافيا لشئ ومثبتا لشئ آخر، وكذا النهي عن أكل الاموال بالباطل لا يعقل أن يكون موجبا لبطلان المعاملة وسلب صحتها، أو موجبا لسلب تأثير الاسباب الباطلة وموجبا لثبوت الخيار كما لا يخفى، مضافا إلى أنه مع إمكان الجمع لا تكون الآية الكريمة دالة على المقصود. فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في تقريب الكلام المحكي عن العلامة (قده) من أن رضا المغبون مبني على عنوان مفقود، وهو عدم نقصه في المالية عما يأخذه، فكأنه قال: (اشتريت هذا الذي يسوى درهما بدرهم) فان تبين الخلاف تبين أنه لم يكن راضيا، لكن لما كان المفقود صفة لا يوجب تبين فقدها إلا الخيار، فالآية تدل على عدم لزوم العقد، انتهى ملخصا. فيه مضافا إلى أنه على فرض تماميته يكون الخيار خيار تخلف الوصف لا خيار الغبن، ومضافا إلى الخلط بين دلالة الآية وبين الحكم العقلائي أن الآية لا تدل إلا على عدم الرضا بكون الفاقد للوصف مقابلا لثمنه، ومع فقد الرضا يكون باطلا غير مترتب عليه الاثر، ومع لحوق الرضا يصير صحيحا كالفضولي، وهو غير ثبوت خيار الغبن الذي هو حق قابل للاسقاط والتوريث، ألا ترى أن ما ذكره صادق في العقد الفضولي والمكره وأنه مع فقد الرضا باطل، ومع لحوقه به يصير صحيحا فعليا، مع أن ذلك الاختيار أي اختيار الاجازة والرد أجنبي عن الخيار. مضافا إلى أن المفروض أن المغبون حين ما أوجد المعاملة كان راضيا

[ 267 ]

به على ما وقعت وإن وصفه بوصف كان مفقودا من الاول، ولا يعقل كشف عدم رضاه حال التبين عن عدم رضاه من الاول، كتوصيف الفرس الخارجي بالعربية، فالخيار لحكم عقلائي، والرضا بالفاقد للوصف موجب لسقوط خياره وأين هذا من دلالة الآية! ومما ذكرنا يظهر الكلام في تقريب دلالة صدر الآية الذي جعله أولى في التمسك من ذيلها، فان ما يدل عليه هو أن أكل المال بالاسباب الباطلة محرم، ويظهر منه أن الاسباب الباطلة تقع فاسدة، وأما ثبوت الخيار مع ذلك فهو أمر أجنبي عن مفاده. وما أفاده من (أن أكل المال على وجه الخدع مع عدم تسلط المخدوع بعد تبين خدعه على رد المعاملة وعدم نفوذ رده أكل بالباطل، وأما مع رضاه بعد التبين فلا يعد أكلا بالباطل) انتهى غير مرضي فانه مضافا إلى أن مفاد الصدر هو بطلان الاسباب الباطلة فقط، وأما عدم البطلان مع لحوق الرضا فهو تمسك بالصدر والذيل معا أن لازم ذلك هو البطلان في حال والصحة في حال آخر لا الخيار، مع أن عدم تسلطه على رد المعاملة وعدم نفوذ رده غير مربوط بالخيار، وغير مربوط بكون الاكل باطلا مع سبب باطل، فاثباته بالآية غير ممكن. كما يظهر الكلام في التشبث بتمام الآية، أي المستثنى منه والمستثنى، بأنه إذا لم يكن راضيا فداخل في المستثنى منه، وإن صار راضيا يدخل في المستثنى، ضرورة أن الامر في بيع الفضولي والمكره أيضا كذلك، مع أن هذا الاختيار الموجب لذلك أجنبي عن خيار الغبن، بل عن الخيار مطلقا. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) بعد تقريب دلالة صدر الآية أوقع التعارض بينه وبين ذيلها (تارة) تعارضا بالذات، بأن أكل المال على وجه الخدع أكل بالباطل فيشمله الصدر، وتجارة عن تراض فيشمله الذيل (وأخرى)

[ 268 ]

تعارضا بالعرض بأن التجارة عن تراض تشمل ما كان الغبن فيه على غير وجه الخداعة فقط والاكل بالباطل يختص بما كان الغبن فيه على وجهها، ومع عدم القول بالفصل في الموردين يقع التعارض، فيرجع على الفرضين إلى أصالة اللزوم. وفيه ما لا يخفى، سواء قلنا بأن الاستثناء متصل ومخرج للتجارة عن الاكل المنهي على جميع الوجوه، وقوله تعالى: (بالباطل) تعليل للمستثنى منه، وذلك لاخراج التجارة عن تراض عن سائر الوجوه، فلا يحرم الاكل بها، ولا تكون من الاسباب الباطلة، أم قلنا بأنه منقطع، فان معنى الانقطاع في الاستثناء ليس استقلال الجملتين بحيث لا ترتبط إحداهما بالاخرى بوجه، بل الظاهر المطابق للفصاحة والاعتبار أن المتكلم بصدد تأكيد الجملة المستثنى منها وإخراج ما لا يكون داخلا، بدعوى أنه لما لم يكن المستثنى منه قابلا للاخراج منه أخرج ما لم يكن داخلا، وذلك لاجل التأكيد، كقوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما) (1) ومعه يكون للكلام صدرا وذيلا ظهورا واحدا. ومع الغض عنه فلا إشكال في أن التقابل بين الجملتين في كلام واحد موجب للظهور في أن التجارة ليست كسائر الوجوه باطلة، فهي مقابلة للباطل، فتكون بذاتها خارجة عن الاكل بالاسباب الباطلة، ومعه تكون الجملة الثانية مقدمة وحاكمة على الاولى، فلا وجه للتعارض، مضافا إلى أن التجارة لما كانت بحسب نظر العقلاء من الاسباب غير الباطلة يؤكد ذلك لتحكيم الذيل على الصدر. وقد يقال في بيان ثبوت الخيار بأنه من جهة تخلف الشرط الضمني فان بناء المتعاقدين على تساوي العوضين في المالية، فيناط التبديل بالتساوي


(1) سورة الواقعة: 56 - الآية 26.

[ 269 ]

وحيث كان هذا البناء نوعيا بحسب العرف جرى نفس إجراء العقد مجرى اشتراط تساويهما في المالية، وتخلف البناء يوجب عدم التراضي بالمعاملة، ولما ثبت في الفضولي والمكره أن الرضا اللاحق كالسابق فلم يكن تخلف البناء موجبا لفساد البيع رأسا، فله إقرار العقد واختيار نتيجته، وله رده إلى أن قال بعد كلام طويل: إنه لو كان مدرك الخيار خصوص الشرط الضمني فاثباته بالمعنى المصطلح في غاية الاشكال، لان إناطة العوضين بالشرط أو الوصف صريحا أو ضمنيا لا يفيد إثبات الخيار إلى آخر ما قال. وهذا قريب من تقريب الشيخ كلام العلامة (قدهما) لكن مع فرق بينهما، وهو أن الظاهر من كلام الشيخ (قده) توصيف العوض بالمساواة فيكون التخلف من قبيل تخلف الوصف، فيختص ببيع الاعيان الخارجية دون الكليات، فان توصيف الكلي بأي وصف كان يوجب عدم انطباقه على المفقود، لا انطباقه عليه وثبوت الخيار، وأما الاشتراط فيعم الاعيان والكليات من أجل إمكان خيار تخلف الشرط فيهما. وفيه أن ما يدعى من الشرط الضمني أو الوصف الضمني لم يثبت بل المقطوع به خلافه، ضرورة أن من راجع السوق لا يرى من هذا الابتناء والاشتراط الضمني أثرا، ولو كان ذلك عقلائيا وموجبا لحق عقلائي لكان واضحا عندهم، مع أنه لو ادعى أحد أن في جميع المعاملات اشتراط بين المتعاملين زائدا على المبادلة لعد هاذلا، على أنه لو كان هذا الاشتراط عقلائيا ثابتا فيها لكان التصريح بالاشتراط لغوا زائدا، مع أنه صحيح عقلائي، وليس التصريح به لدفع وقوع الخلاف، فان المدعى أن ذلك ثابت لدى المتعاملين مطلقا، ولا يعد توضيحا وتأكيدا لما هو ثابت. فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أنه من قبيل الدواعي، بل قد لا يكون منها متين، بل الشك في هذا الابتناء والاشتراط كاف لعدم ثبوت

[ 270 ]

الخيار والرجوع إلى أصالة اللزوم. ثم على فرض ثبوت الشرط الضمني فلا ينبغي الاشكال في ثبوت الخيار بتخلفه وإن كان هو خيار تخلف الشرط لا خيار الغبن، فان ثبوته بتخلفه عقلائي بلا ارتياب (فما توهم) القائل بالشرط الضمني من عدم ثبوت الخيار، بل غاية الامر ثبوت حق للمشروط له، فله إسقاط حقه ورضاه بالفاقد، وله عدم إسقاطه، وهذا لا يلازم فسخ العقد، فلعله يكون من الحقوق التي تبقى في ذمة من عليه الحق، ولا يمكن استيفاؤه (غير مرضي) جدا. ومما استدل به قوله صلى الله عليه وآله: (لا ضرر ولا ضرار) (1) وقد عده الشيخ الاعظم (قده) أقوى ما استدل به عليه، والاستدلال به مبني على ما هو معروف عندهم من أن مفاده هو نفي الضرر والضرار، وأما لو بنينا على أنه محمول على النهي كقوله تعالى: (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (2) كما اختاره المتبحر المدقق شيخ الشريعة الاصفهاني (قده) سواء قلنا بأنه نهي شرعي إلهي كما هو مختاره، أم قلنا بأنه نهي سلطاني كما هو المختار، فيكون أجنبيا عن الاستدلال به للمقام، وقد استقصينا البحث عنه في رسالة مفردة لا تتضح حقيقة الحال فيه إلا بالرجوع إليها. ثم ليعلم أنه لا إشكال في أن قوله صلى الله عليه وآله: (لا ضرر ولا ضرار) مجاز، سواء قلنا بمقالة الشيخ الاعظم (قده) أم قلنا بغيرها من المتحملات الكثيرة (وتوهم) أنه حقيقة على فرض حمله على نفي الموضوع تشريعا لا نفي الموضوع الخاجي تكوينا، كما ادعاه بعض الاجلة في تعليقه


(1) الوسائل الباب - 12 من كتاب احياء الموات الحديث 3. (2) سورة البقرة: 2 الآية - 179.

[ 271 ]

على البيع، أو أنه حقيقة، لانه محمول على نفي حقيقة الاحكام الضررية من صفحة التكوين، وأنه بشراشر هويتها وتمام حقيقتها مما تنالها يد الجعل فان تشريعها عين تكوينها إلى آخر ما نسج على هذا المنوال، كما هو صادر عن بعض الاعاظم قدس سره (لا ينبغي) الاصغاء اليهما، ضرورة أن إطلاق الضرر وإرادة الموضوعات الضررية أو الاحكام الضررية الا يمكن أن يكون حقيقة. نعم لا إشكال في أن هذا التركيب من الحقائق الادعائية لا من قبيل المجاز في الحذف، ولا من استعمال اللفظ في غير الموضوع له، وعليه فيقع الكلام في إمكان تكفل دليل لا ضرر لنفي الاحكام الضررية وإثبات الخيار ونحوه بلفظ واحد واستعمال كذلك. فنقول: لا ينبغي الاشكال في أن دليل لا ضرر ليس نحو دليل نفي الحرج، فان الثاني المستفاد من قوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (1) لا يكون متكفلا إلا لسلب جعل الحرج في الدين، ولا يعقل أن يفيد بهذا اللفظ إثبات شئ من حكم وضعي أو تكليفي، وأما قوله صلى الله عليه وآله: (لاضرر ولا ضرار) (2) بعد كونه من الحقائق الادعائية فلا محالة يكون للدعوى المذكورة مصحح، فان كان المصحح هو عدم جعل الاحكام الضررية فادعى المتكلم أنه إذا لم يكن في تشريع الاحكام حكما ضرريا فلا يتحقق ضرر، فلا يعقل أيضا تكفله لاثبات خيار أو نحوه. وأما إذا كان المصحح لها هو سد جميع أنحاء الضرر، فكما أنه لم يجعل الاحكام الضررية وسد باب الضرر من هذه الناحية كذلك سد باب


(1) سورة الحج: 22 - الآية 78. (2) الوسائل الباب - 12 من كتاب إحياء الموات الحديث 3.

[ 272 ]

إضرار الناس بعضهم ببعض في عالم التشريع بالنهي عن الضرر والاضرار، وكذلك سد باب الضرر الوارد على الناس بجبرانه في التشريع وسد الخلة من هذه الناحية أيضا، فإذا رأى المتكلم أن الشارع الاقدس سد جميع أبواب الضرر بحيث لو دخل أحد في هذه الشريعة يأمن عن مطلق الضرر لعدم الجعل، والنهي عن الايقاع، وجبر ما وقع، صح له دعوى أنه لا ضرر ولا ضرار. وعلى هذا يكون لا ضرر مشرعا، بمعنى أنه إذا أتلف شخص مال غيره يستفاد من القاعدة ضمانه ووجوب رد غرامته، وإذا أضر به نفسا أو طرفا يكون له القصاص أو الدية، وإذا غصب ماله يجب عليه الرد، وإذا باع ماله بأقل من قيمته من دون إقدام منه يكون له الرد والخيار، وهكذا، فيمكن على هذا الجمع في هذا الدليل بين نفي الاحكام الضررية وإثبات الاحكام الوجودية. ثم بعد إمكان ذلك يمكن دعوى كون المصحح للدعوى في المقام هو ذلك، إذ بدون سد جميع أنحاء الضرر لا يصح دعوى عدم تحققه، فلو أرخى للناس عنانهم في إضرار بعضهم بعضا لم تصح له دعوى عدم تحقق الضرر في أرجاء الشريعة وإن سد من قبل عدم تشريع الاحكام الضررية، ولو سد من هذه الناحية أيضا لكن بعد إضرار بعضهم بعضا لم يسد ضررهم بايجاب الجبران مالا أو نفسا لم تصح الدعوى المذكورة، فمصحح تلك الدعوى هو سد جميع أنحاء الضرر والضرار، فحينئذ يكون دليل نفي الضرر نافيا للاحكام الضررية، ومثبتا لما يدفع به الضرر، كالدرك والخيار ونحوهما هذا غاية ما يمكن أن يقرر به وجه الاستدلال. لكن يمكن الاشكال فيه بأن هذا الكلام قد يصدر من سلطان فيدعي أنه لا ضرر ولا ضرار في أرجاء مملكتي، فبما أنه ينفي الضرر عن حيطة

[ 273 ]

سلطانه لا تصح الدعوى إلا مع عدم كون مقرراته ضررية ومع الدفاع عن المظلومين وتدارك ما وقع من الضرر والنقص على رعيته، وأما لو صدر عن المشرع والمقنن بما هو مشرع ومقنن كان ذلك قرينة على نفي الضرر في تشريعه وتقنينه، فحينئذ لو كان حكم باطلاقه يستتبع الضرر ينفى بدليله وأما النهي عن الضرر والضرار فانما هو لدفع وقوع الضرر الخارجي على الناس من غير دخالة لتشريعه في الوقوع في الضرر، فالضرر غير مربوط بالتشريع، والنهي تشريع لدفعه، والدعوى المذكورة أجنبية عن الدفاع عن إضرار الغير، وأولى بذلك تدارك ما وقع من الضرر مالا ونفسا، فان الضرر لم يكن في تشريعه وتقنينه، بل لو أمر بالجبر والتدارك فانما هو لرفع الضرر غير المربوط بالتشريع. وبالجملة لا تكون دعوى المشرع إلا نفي الضرر في تشريعه، ومصححه ليس إلا عدم جعل الاحكام الضررية في شريعته، ودفع الناس عن الاضرار وتداركه بعد تحققه غير مربوطين بدعواه. ثم إن الصحة واللزوم في العقود لما كانتا من الاحكام العقلائية الثابتة بين العقلاء من غير فرق بين منتحلى الاسلام وغيرهم لم تكونا من الاحكام الشرعية والمجعولات الالهية ومن جملة تشريعاته، بل ما ورد من الشارع ليس إلا الارشاد إلى ما عليه العقلاء والتصديق لما بنوا عليه وإنفاذه، وليس الانفاذ إلا إبقاء ما هو محقق بحاله، نظير أصالة الصحة وقاعدة اليد وحجية خبر الثقة والظواهر إلى غير ذلك، فان في شئ من تلك الموارد ليس للشارع تشريع وتقنين، فيصح للشارع دعوى عدم الضرر والضرار في تشريعه وتقنينه ولو كانت العقود العقلائية فيها ضرر على الناس، نعم له أن يدفع الضرر عنهم بجعل الخيار أو نفي الصحة أو بالتدارك، لكنها لا تكون مستفادة من دليل نفي الضرر.

[ 274 ]

وإن شئت قلت: بعد صحة الدعوى إذا لم يكن في تشريعه ضرر وإن كان فيما بين الناس معاملات ضررية لم يكن للمشرع دخالة فيها وانما أقرها على ما هي عليه لم يكن دليل على شمول دليل نفي الضرر لمثلها، وإطلاق الدليل لا يشمل ما خرج عنه موضوعا. بل يمكن الاشكال ولو على فرض تشريع الشارع الاقدس الصحة واللزوم على طبق بناء العقلاء عليهما، إما بأن يقال: إن الضرر لم يرد على الناس من قبل تشريع الشارع، بل هو وارد عليهم شرع اللزوم والصحة أم لم يشرع، فيمكن معه أيضا دعوى عدم الضرر والضرار في أحكامه، أو بأن يقال: إن نفي تشريع الضرر لا يكفي لسلب صحة المعاملات الضررية ولزومها، بل ما هو المؤثر هو ردعهم عن بنائهم، فسلب التشريع لا ينافي الصحة واللزوم، وما هو المنافي أي الردع لا يكون مفاد نفي الضرر. ولو نوقش فيه بأن يقال: إن نفس الامضاء والانفاذ بما أنه من الامور الانشائية الجعلية إذا كان ضرريا يشمله دليل نفي الضرر يرد عليه أن إنشاء الانفاذ لا دخالة له في جواز العمل، بل عدم الردع يكفي في ذلك ولو قلنا بأنه لاجل كشف رضاه، وهو أيضا ليس بتشريع حتى يشمله دليل نفيه، والشاهد عليه أنه لو علمنا برضاه ولو من سكوته كفى في ذلك. نعم يمكن أن يقال: إن التشريع الموافق لبناء العقلاء لا يخرج عن الحكم التشريعي، ومع ضرريته عن كونه تشريعا ضرريا، ونفي التشريع بدليل نفي الضرر كاف في بطلان المعاملة أو سلب لزومها، وإن كان ذلك لاجل أن لازمه الردع عرفا، وكون الردع من اللوازم العقلائية كما أنه كاف في ذلك يوجب أن تكون الصحة أو اللزوم مشمولة بدليل لا ضرر والمسألة بعد لا تخلو من إشكال.

[ 275 ]

ثم مع الغض عما مر، فلا ينبغي الاشكال في أن ما يوجب الضرر هو البيع الغبني الصادر من المتعاملين، فالبيع ضرري بالذات، وحكم الشارع بالصحة ضرري بالتبع، فهي منفية بدليل لا ضرر، ولازمه بطلانه. وأما اللزوم فهل هو أيضا مشمول لدليل نفي الضرر وأن نفي الضرر كما ينفي حكم الشارع بالصحة ينفي حكمه باللزوم؟ الظاهر أنه لا ينفيه، لانه لا دخالة له في الضرر المعاملي، فان المعاملة لازمة كانت أم غير لازمة ضررية، واللزوم مانع عن التخلص عن الضرر، لا أنه ضرر أو ضرري، فلا يكون مشمولا لدليله، نعم قد يكون المنع عن دفع الضرر حرجيا، وهو خارج عن البحث. وما يقال من أن البيع بوجوده الحدوثي المشمول لدليل الصحة ضرري وبوجوده البقائي أيضا ضرري والموجب له هو اللزوم في غاية الاشكال، لان الضرر هو بيع الشئ بأقل من قيمته أو بأكثر، وهذا بقاء وحدوثا ضرري ما دام موجودا، سواء كان لازما أم غير لازم، وحكم الشرع بالصحة ضرري حدوثا وبقاء، وأما اللزوم فيوجب عدم تمكن المغبون من دفع الضرر الواقع عليه، ورفع اللزوم يوجب تمكنه من دفع الضرر الحاصل بالبيع وصحته، ودليل لا ضرر انما يكون مفاده نفي التشريع الضرري، وأما تشريع ما يتخلص به من الضرر فهو أجنبي عن مفاده، فالبيع الغبني لازما كان أم جائزا ضرري، والفرق بينهما أن للبائع في الثاني طريق التخلص عن الضرر دون الاول، وعدم طريق التخلص عنه ليس ضررا. فما أفاده المحققون في المقام غير مرضي، فان بعضهم ذهب إلى أن دليل الصحة مشمول للقاعدة، ولا تصل النوبة إلى دليل اللزوم، لكن الاجماع قائم على صحة البيع الغبني، فالمنفي هو اللزوم، أو أن نفي

[ 276 ]

الصحة مخالف للامتنان، ومعلوم أن دليل نفي الضرر امتناني فلا يرفع به الصحة، فيكون المنفي اللزوم. وبعضهم ذهب إلى أن الجمع بين القواعد ولزوم العمل بها حتى الامكان يوجب أن يكون المنفي اللزوم أخذا بالقاعدة بالنسبة إلى الصحة، أو أن الضرر انما يتوجه إليه من اللزوم لا من الصحة، وقد ظهر الاشكال فيها مما ذكرناه. ثم إن قضية امتنانية نفي الضرر لا تنافي مع رفع الصحة الفعلية كما في حديث الرفع بالنسبة إلى بيع المكره، فان البيع العقلائي على الفرضين محقق، وانما الشارع الاقدس نفى الحكم الضرري أي الصحة، كما رفع ما أكرهوا عليه، فتتوقف الصحة الفعلية على إجازة المكره والمغبون من غير مخالفة للامتنان. ثم إن الاجماع على الصحة أو مخالفة نفي الصحة للامتنان لا يوجب شئ منهما انطباق دليل لا ضرر على اللزوم بعد ما عرفت من أن اللزوم لا دخل له بالضرر، وسد باب التخلص عنه ليس ضررا، فيلزم على فرض صحة الاجماع أو امتنانية الحديث عدم بطلان البيع، فيكون صحيحا لازما، ومجرد الاجماع على الصحة لا يوجب تطبيق ما لا يكون مفادا للاضرر عليه، وكذا حال الامتنان. فتحصل مما مر أن مفاد دليل نفي الضرر إن كان نفي الاحكام الضررية أو نفي الموضوع الضرري كالبيع ونحوه بلحاظ الاحكام فلا يثبت به الخيار، ولا يحتمل فيه المحتملات التي أشار إليها الشيخ الاعظم (قده) وأضاف إليها بعض السادة الاجلة في تعليقته، وهنا احتمالات أخر زائدة على ما ذكراه، إذ بعد فرض أن مفاده نفي الحكم ابتداءا أو نفيه باعتبار نفي الموضوع فلا يحتمل فيه إلا نفي الصحة، نعم فرق بينهما من جهة أن

[ 277 ]

نفي الصحة لا ينافي بقاء العقد الانشائي العقلائي، فيكون قابلا لالحاق إجازة المغبون به، فيصير صحيحا فعلا، كعقد الفضولي، وأما نفي الموضوع في اعتبار الشارع فينافي لحوقها به، لعدم تحقق بيع في اعتباره حتى تلحق به الاجازة. وبهذا البيان يمكن المناقشة في صحة لحوقها بعقد المكره، لان قوله صلى الله عليه وآله: (رفع.. ما أكرهوا عليه) (1) ظاهر في رفع الموضوع اعتبارا، إلا أن يدل دليل على صحة اللحوق به، هذا حال الاحتمالين. وأما على الاحتمال الذي تقدم الاشارة إليه من كونه حقيقة ادعائية، وكون مصحح الدعوى سد أنحاء الضرر، سواء كان من قبل الحكم أو من قبل المكلفين باضرار بعضهم ببعض، فمنعهم عن ذلك، بل وشرع جبران الضرر فيما وقع المكلف فيه فيأتي الاحتمالات على فرض قيام الاجماع على عدم بطلان البيع الغبني، إذ لولا الاجماع يحكم ببطلانه، لاجل نفي الحكم الضرري وأما مع عدم البطلان فيمكن دفع الضرر وجبره برفع اللزوم حكما أو باثبات خيار فسخ العقد، أي خيار الغبن، أو برفع اللزوم حكما بالنسبة، أو بجعل الخيار كذلك، أو بجعل الارش والدرك أو بالتخيير بين المذكورات إلى غير ذلك، فلا يمكن مع الاحتمالات وعدم القدر المتيقن بينها الحكم بواحد منها تعيينا أو تخييرا، إذ من المحتمل أن يكون الدفع بالخيار لا بغيره أو بالارش لا بغيره، أو بالجواز الحكمي لا بغيره، إلى غير ذلك. ثم إن بعض الاحتمالات التي ذكر في المقام لا يمكن الالتزام به ولا تطبيقه على القواعد، كاحتمال رد الزائد، أو الفسخ بالنسبة إليه مع عدم رد شئ من العوض، كما نسب نظيره إلى الاكثر في البيع المحاباتي الصادر


(1) الوسائل الباب - 56 من ابواب جهاد النفس الحديث 1 من كتاب الجهاد.

[ 278 ]

من المريض، ضرورة أن رد العقد في المقدار الزائد مع عدم رد ما يقابله من المثمن أو الثمن مخالف لمقتضى العقد، كما حكي عن العلامة (قده) إشكالا على القوم في معاملة المريض، ولا تخلص من هذا الاشكال إلا إذا كان الزائد عطية لا دخيلا في المعاملة، وهو خلاف الواقع، وخلاف الفرض، سيما في المقام. وقد تكلف بعض السادة الاجلة (قده) لتصحيحه وتطبيقه على القواعد في المقام، وفي المعاملة المحاباتية، ولم يأت بشئ، قال: (يمكن أن يقال: إذا كان مقابلة المجموع بالمجموع بتخيل مساواتهما في المالية فكأنه قابل كل جزء من أحدهما بما يساويه في المالية، فإذا فرض زيادة مالية أحدهما فكأنه لم تقابل بالمعاملة بعوض، وانما أعطيت مجانا، فبهذا الاعتبار يجوز لصاحب الزيادة استردادها إلى أن قال: وهذا إذا كان بنحو التقييد يستلزم بطلان المعاملة بالنسبة إليه، وإن كان على وجه الداعي أو الاشتراط يكون له الخيار في الاسترداد إلى أن قال: فله الامضاء وله الاسترداد) انتهى. ثم قال بمثل ذلك في البيع المحاباتي من المريض. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن البيع لو وقع على المجموع بالمجموع فان كان على داعي التساوي فلا يوجب خيارا ولا بطلانا، وعليه لا معنى لتوهم المجانية، وإن وقع عليهما مع اشتراط التساوي ضمنا فلازمه خيار تخلف الشرط لا استرداد الزيادة، وإن وقع على المثمن مثلا بما عدا الزيادة من الثمن فتكون الزيادة خارجة عن المعاملة، فلا معنى لامضائها في الجميع وإن كان الزيادة بمنزلة المجان لا مجانية حقيقة ويكون بحسب الحقيقة المقابلة بين المجموع بالمجموع فلا يثبت دعواه، وقد تصدى بعض أهل التحقيق (قده) لتصحيح بيع المريض، ولم يأت بشئ، فراجع. وقد ظهر من جميع ما مر عدم كون دليل نفي الضرر قابلا للاستناد

[ 279 ]

لاثبات خيار الغبن. وأما الروايات الخاصة فعلى طائفتين: (إحداهما) المرسلة المروية عن النبي صلى الله عليه وآله في باب تلقي الركبان، فعن غوالي اللئالي عن النبي صلى الله عليه وآله (أنه نهى من تلقى الركبان، وقال من تلقاها فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق) (1) وفي الخلاف في مسألة خيار الغبن روى عنه صلى الله عليه وآله (أنه نهى عن تلقي الركبان، فمن تلقاها فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق) وفي الغنية وبنهيه صلى الله عليه وآله عن تلقي الركبان، وقوله صلى الله عليه وآله: (فان تلقى متلق فصاحب السلعة بالخيار إذا دخل السوق) وقد استشكل فيها بضعف السند أولا، واحتمال كون الخيار غير الغبن، بل خيار التلقي، كما أفتى به بعض العامة، بل ابن أدريس هنا. أقول: أما ضعف السند فظاهر، ولم يظهر من الشيخ (قده) أنها مستنده، بل يحتمل أن يكون استناده إليها إلزاما على العامة، كما هو دأبه في الخلاف، بل هو الظاهر من ابن زهرة، حيث قال بعد تمسكه بالاجماع على ثبوت خيار الغبن: (ويحتج على المخالف بقوله صلى الله عليه وآله: (لا ضرر) إلى أن قال: وبنهيه صلى الله عليه وآله عن تلقي الركبان) إلى آخر ما تقدم، ودعوى اشتهار الحديث بين القدماء من أصحابنا عهدتها على المدعي، مع أن نفس اشتهار الحديث لا يفيد، بل الجابر هو الاستناد في مقام الفتوى، ولم يثبت ذلك، بل لم يثبت الفتوى على خيار الغبن من قدماء أصحابنا، وانما اشتهر من زمان شيخ الطائفة (قده) إلى ما بعده. وأما ضعف الدلالة فغير مرضي، لانه الظاهر من قوله صلى الله عليه وآله (فمن تلقاها فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق) كما في المرسلة أو


(1) المستدرك الباب - 29 من ابواب آداب التجارة الحديث 3.

[ 280 ]

المرسلات المتقدمة، وكما فيما روى العامة عن النبي صلى الله عليه وآله (لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه واشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار) (1) إذ من المعلوم أن التعليق باتيان السوق ودخوله انما هو لاجل الاطلاع على السعر الذي لا يحصل غالبا إلا بمراجعة السوق، ولو كان الخيار لنفس التلقي لم يكن هذا التذييل مناسبا، بل نفس مناسبة الحكم والموضوع توجب الوثوق بأنه خيار الغبن. وعن دعائم الاسلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله (أنه نهى عن تلقي الركبان، قال جعفر بن محمد عليهما السلام: هو تلقي الركبان لشراء السلع منهم خارجا من الامصار، لما يخشى في ذلك على البائع من الغبن، ويقطع بالحاضرين في المصر عن الشراء إذا خرج من يخرج لتلقي السلع قبل وصولها عليهم) (2) وهو أيضا يؤيد كون الخيار للغبن، فان القطع بالحاضرين لا يرتبط بخيار صاحب السلعة، بل لولا الغبن يكون جعل الخيار كاللغو، ضرورة عدم الداعي للاخذ به نوعا، وقلما يتفق أن يفسخ البائع العقد مع كون القيمة مساوية للقيمة السوقية، فلا إطلاق للروايات يشمل غير المغبون. (الطائفة الثانية) جملة من الروايات، كرواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (غبن المسترسل سحت) (3) ورواية السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: غبن المسترسل ربا) (4) ورواية ميسر عنه عليه السلام قال: (غبن المؤمن حرام) (5) إلى غير ذلك.


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 348. (2) المستدرك الباب 29 من ابواب آداب التجارة الحديث 2. (3) و (4) الوسائل الباب - 17 من ابواب الخيار الحديث 1 - 2. (5) المستدرك الباب 13 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 281 ]

والاحتمالات في قوله صلى الله عليه وآله: (غبن المسترسل ربا) كثيرة بعدما كان الحمل على غير ما هو له وكان استعاريا، فانه يمكن أن يكون المراد بالغبن معناه المصدري الذي هو معناه الحقيقي أي الخديعة وبالربا الفضل الحاصل بالبيع الربوي، أي خديعة المسترسل أي الذي استأنس واطمأن بك في بيعه بمنزلة الربا في الحرمة، فيكون التنزيل بلحاظ شدة حرمته. أو يكون المراد بالغبن هو الزيادة الحاصلة بالبيع الغبني، فنزلت منزلة الزيادة الحاصلة بالبيع الربوي في الحرمة، فتدل على بطلان بيعه أو على الحرمة وإن لم يكن البيع باطلا، ويكون الزيادة ملكه، نظير ما قال صاحب الحدائق (قده) في العين التي يأخذها صاحبها بقضاء الجائر. أو يكون المراد أن البيع الغبني كالبيع الربوي في الحرمة أو فيها وفي البطلان، إلى غير ذلك من الاحتمالات، ويأتي بعضها في رواية إسحاق، وكيف كان لا مساس لها بالخيار كما لا يخفى. (فتحصل) مما مر أن ما ذكروا في الاستدلال على الخيار لا تتم. نعم يمكن أن يقال: إن الخيار في البيع الغبني عقلائي بعنوان خيار الغبن، وهذا أسد ما في الباب، والانصاف أنه ثابت بذلك وبالشهرة الثابتة من زمن الشيخ (قده) إلى عصرنا، بل عن جمع من الاصحاب دعوى الشهرة مطلقا، وفي الغنية الاجماع عليه، وبروايات تلقي الركبان المنقولة بين الفريقين الدالة على خيار الغبن. مسألة: يشترط في هذا الخيار أمران: (الاول) عدم علم المغبون بالقيمة

[ 282 ]

فلو علم فلا خيار وإن صدق عليه الغبن بالمعنى بين الاصحاب، وهو بيع الشئ بأقل من قيمته أو بأكثر، بل بالمعنى اللغوي، إذ كان أحد معانيه هو النقص، كما يظهر من اللغة، وحكي عن الصيمري وأبي العباس وجماعة أن حقيقة الغبن نقص أحد العوضين عن الآخر وإن أشعر آخر كلامهم بخلاف المقصود، لكنه ضعيف، كما يظهر بالتأمل فيه. وقيل: أهل الغبن أهل النقص في المعاملة، هذا لو صح استعماله متعديا، بل وإن لم يصح، غاية الامر لا يصح الغابن والمغبون بالمعنى المقصود، نعم لا يصدق الغبن بمعنى الخديعة، لكن ما هو المقصود في المقام ليس بهذا المعنى. وعلى أي حال لا يهمنا تشخيص المعنى اللغوي، لانه لم يقع في الروايات موضوعا لحكم الخيار، وما وقع منه فيها مثل (غبن المسترسل) أو (غبن المؤمن) أجنبي عن المقام، نعم في رواية الدعائم المتقدمة إشعار بأن الموضوع هو الغبن. ثم إنه لا ينبغي الاشكال في عدم الخيار مع علم المغبون، لما تقدم من أن أسد الادلة هو البناء العقلائي، ولا إشكال في عدمه هاهنا، كما لا إشكال في عدم الاجماع والشهرة لو لم نقل بكونهما على خلافه، كما لا إشكال في عدم الاجماع والشهرة لو لم نقل بكونهما على خلافه، كما حكي الاجماع عن التذكرة والمسالك، كما أن سائر ما يتمسك به لهذا الخيار غير دليل نفي الضرر قاصر عن إثباته للعالم، كقوله تعالى: (تجارة عن تراض) (1) و (لا تأكلوا أموالكم) (2) وكالوصف أو الشرط الضمنيين، وهو واضح وكذا روايات تلقي الركبان، فان مصبها الجاهل بالقيمة بدليل قوله صلى الله عليه وآله: (فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق) (3).


(1) و (2) سورة النساء: 4 الآية - 29. (3) المستدرك الباب 29 من أبواب آداب التجارة الحديث 3.

[ 283 ]

وأما دليل نفي الضرر فقد يقال بعدم شموله له، لانه وارد في مقام الامتنان، ولا امتنان مع علمه وإقدامه، وقالوا نظير ذلك في دليل الحرج وفي سائر ما ورد الدليل فيه في مقامه، والظاهر عدم صحة هذه المزعمة في شئ من الموارد، فان كون الورود في مقام الامتنان لا يوجب تقييد الدليل، لاحتمال كونه نكتة للجعل لا علة للحكم، ودعوى الانصراف عما لا يكون فيه امتنان كما ترى، وعهدتها على مدعيها، فاطلاق الدليل محكم. مع أن جعل الخيار حتى للعالم بالغبن لا يكون مخالفا للامتنان، بل يؤكده باعتبار احتمال حصول البداء للمغبون، لوضوح الفرق بين أمثال الصوم والاغسال الضررية والحرجية وبين البيع الضرري، لامكان أن يقال فيها: إن المكلف إذا تكلف وأتى بها بعد ضرريتها وحرجيتها فالامر باتيانها ثانيا أو بقضاء ما يشترط فيها الطهارة خلاف الامتنان، وأما الخيار في البيع الضرري ولو مع إيقاعه عن علم به فلا يكون مخالفا للمنة، بل هي المرتبة الاعلى منها. هذا كله مع أن هنا روايات خاصة تدفع هذه المزعمة، وهي ما وردت في باب وجوب الافطار في السفر في شهر رمضان، كرواية ابن أبي العلاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في الحضر، ثم قال: إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أصوم شهر رمضان في السفر؟ فقال: لا، فقال: يا رسول الله إنه علي يسير، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تصدق على مرضى أمتي ومسافريها بالافطار في شهر رمضان، أيحب أحدكم لو تصدق بصدقة أن ترد عليه؟) (1) وقريب منها مرسلة ابن أبي عمير (2).


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 5 - 4.

[ 284 ]

وكموثقة السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل أهدى إلي وإلى أمتي هدية لم يهدها إلى أحد من الامم كرامة من الله لنا، قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: الافطار في السفر، والتقصير في الصلاة، فمن لم يفعل ذلك فقد رد على الله عزوجل هديته) (1). فترى كيف منع عن الصوم في السفر لاجل كونه ردا لهديته تعالى، مع أن من المعلوم أن هذا الحكم من الاحكام الامتنانية، كما يظهر من الآية الشريفة (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (2) ويظهر ذلك بوضوح من موثقة السكوني، فيظهر من تلك الروايات عدم جواز رد ما يمن الله تعالى به، وأن الحكم الامتناني ثابت ولو مع إقدام المكلف، والانصاف أنه لا أصل لهذا المدعى رأسا إلا في بعض الموارد مع قيام قرائن عقلائيه عليه. ثم إنه لا إشكال في أنه يلحق بالجاهل بالقيمة جهلا مركبا الغافل عنها في ثبوت الخيار، من غير فرق بين كونه مسبوقا بالعلم وعدمه، كما لا إشكال في لحوق الاطمئنان بالقيمة بالعلم بها في عدم ثبوته، وأما الشك فيها أو الظن بها فهل هو ملحق بالعلم في عدمه أو بالجهل في ثبوته أو تفصيل بين الموارد؟ والتحقيق أن يقال بعد الغض عما مر من الاشكالات أنه إن قلنا بأن الاقدام على البيع الضرري بعنوانه موجب لمنع التشبث بالحديث لرفع الضرر فلا يعقل تحقق الاقدام عليه من الشاك والظان، فان الاقدام على الشئ بعنوانه هو اتيانه بما هو عليه من العنوان، كاتيان الصلاة بعنوان


(1) الوسائل الباب - 1 من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 12. (2) سورة البقرة الآية - 185.

[ 285 ]

وجوبها، فان ذلك لا يعقل تمشيه من غير العالم به، وهذا كالجزم بالنية فالاقدام على البيع الضرري بلا إحرازه كالاقدام على إتيان الواجب بما هو كذلك بلا إحرازه، ولا يعقل البناء القلبي على أنه ضرري كما لا يعقل الاقدام على الشئ على أي تقدير، بمعنى كون التقدير قيدا للاقدام، فان الفعل الخارجي لا يعقل تحققه على أي تقدير، نعم يمكن قصد إتيانه وإن كان فيه الضرر، لكنه ليس إقداما على الضرر، بل إقدام على البيع المحتمل كونه ضرريا، فلو كان مجرد الاحتمال والشك يوجب صدق الاقدام على الضرر يجب أن يصدق الاقدام على عدم الضرر، لان احتماله أيضا محقق، فالاقدام على المشكوك فيه إن كان إقداما على أحد طرفي الشك لابد من صدقه بالنسبة إلى الطرفين، وهو محال. وإن قلنا بأن الاقدام على البيع غير المأمون من الضرر كاف في عدم انطباق الحديث عليه فلا شبهة في تحققه. وإن قلنا بأن عنوان الاقدام على الضرر أو على ما لا يؤمن منه غير معتبر لانه ليس مأخوذا في لسان دليل، بل ما يمنع عن التمسك به هو عدم كون نفي الضرر منة، أو كون نفيه خلاف المنة من غير النظر إلى لفظة إقدام فالظاهر تحقق المنة، ولا يكون نفيه خلافها، كما أنه إن شككنا في أنه موافق للمنة أولا لاجل الشك في مفهومها لا يصح رفع اليد عن إطلاق دليل لا ضرر، لان الشبهة مفهومية مرددة بين الاقل والاكثر، ولا تكون من قبيل القرائن الحافة بالكلام حتى توجب الاجمال، بل الاطلاق منعقد وبعد التأمل والتفكر في اطراف القضية ننتقل إلى ما أفاده الاعلام، هذا بناء على التمسك في الخيار بلا ضرر. وأما بناء على ما قلنا من أن الخيار عقلائي فلا تبعد عقلائيته في مورد الشك والظن بعدم الضرر، وأما مع الظن به لو كان غير معتبر فيشكل

[ 286 ]

إحراز البناء. ولو أقدم على غبن يتسامح به فبان أزيد بما لا يتسامح بالمجموع وإن كان كل واحد مما يتسامح به، أو أقدم على ما لا يتسامح به فبان أزيد بما يتسامح به أو بما لا يتسامح به، أو أقدم على ما يتسامح به فبان أزيد بما لا يتسامح به فالظاهر بناء على أن الخيار لتخلف شرط التساوي عدم ثبوته في شئ من تلك الصور، لانه مع العلم بعدم التساوي لا يعقل اشتراطه، والمفروض أنه عالم بعدمه. إلا أن يقال: إنه في هذا الفرض يكون الشرط الضمني غير ما في سائر الفروض نحو اشتراط عدم الزيادة عن هذا المقدار بما لا يتسامح به أو بمجموعه، وهو كما ترى لا يرجع إلى محصل. والعجب من بعض الاعاظم (قده) حيث قال: (وقد يتوهم أن من أقدم على ما لا يتسامح فكأنه أسقط شرط التساوي، فلا موجب آخر للخيار، ولكنه فاسد، لان مقدار التفاوت له مراتب، فقد يسقط المغبون جميعها، وقد يسقط بعضها، فلو أسقط مقدارا خاصا فلا وجه لسقوط الخيار رأسا) انتهى. وفيه ما لا يخفى، لان الاشكال في الثبوت لا في السقوط بعد الثبوت، ضرورة أن الشرط على زعمه هو التساوي، ومع عدمه لا معنى لشرطه، بل لا يعقل الجد به، ولا مراتب للتساوي حتى يقال شرط بعضها دون بعض أو أسقط كذلك، فقوله: (مقدار التفاوت له مراتب) أجنبي عن الاشكال والجواب عنه. ثم لا ينبغي الاشكال في أن الاقدام على الغبن بما لا يتسامح به موجب لعدم تحقق البناء على اشتراط التساوي، وأما إذا كان مما يتسامح به فقد يتوهم أن الاختلاف بمثله لا يخرج الشئ عن صدق التساوي، فلا يرد

[ 287 ]

الاشكال في مثل هذه الصورة بعدم تعقل اشتراط التساوي مع العلم بعدمه لكنه فاسد، فان المفروض أنه اختلاف وغبن لكنه قليل، والتفاوت ولو كان باليسير لا يجتمع مع التساوي عرفا ولا عقلا، نعم قد يكون التفاوت بين الشيئين عقليا لا عرفيا حتى مع الدقة العرفية، كما لو كان إناءان مملوءان من الماء متساويين في الوزن والمقدار فوضع رأس الاصبع على أحدهما بحيث صار مرطوبا فلا إشكال في صيرورته ناقصا عن الآخر في المقدار عقلا كما لا إشكال في عدم التفاوت عرفا، حتى مع كمال دقته، وأما الاختلاف بمقدار واحد في مائة أو أكثر فيوجب الخروج عن التساوي عرفا، فالزيادة بمقدار التسامح وإن توجب الخيار على ما سيأتي لكن لا إشكال في أيجابه عدم التساوي، ولا يعقل معه شرطه، فلابد للقائل من العدول عن هذا الشرط إلى شرط آخر، وهو كما ترى. بل مع العلم بالتساوي أيضا لا يتمشى الشرط العقلائي، لان الباعث على الاشتراط عند العقلاء هو تحصيل ما يشترطه تارة كشرط الفعل والخيار عند التخلف أخرى كشرط التساوي في المقام، وشرط الوصف ونحوه ومع العلم بتحقق ما أراد اشتراطه لا يعقل الجد على الاشتراط العقلائي، فانه لغو، فمن اشترى فرسا لا يعقل له الجد باشتراط عدم كونه حمارا، فمع العلم الوجداني بالتساوي لا يعقل اشتراطه، كما لا يعقل اشتراط خلافه، هذا على مبنى شرط التساوي. وأما على مبنى كون الخيار عقلائيا فالظاهر اختلاف الصور المتقدمة في الحكم، فان الزيادة على ما أقدم عليه إذا كانت مما لا يتسامح بها فالخيار ثابت، وكذا لو كان المقدم عليه مع الزيادة مما لا يتسامح بهما مجتمعا، بخلاف ما لو كان الاقدام على ما لا يتسامح به وكانت الزيادة مما يتسامح فيها، فان الخيار لا يثبت في هذه الصورة.

[ 288 ]

وأما على مبنى لاضرر فالظاهر ثبوت الخيار فيما إذا كانا باجتماعهما مما لا يتسامح به، لعدم الاقدام على المجموع الموجب للضرر، وانما أقدم على ما لم يكن ضررا عرفا، كما هو ثابت فيما إذا كانت الزيادة مما لا يتسامح بها وإن كان ما أقدم عليه أيضا مما لا يتسامح به، ضرورة تحقق ضرر لم يقدم عليه، وأما لو كان الزائد مما يتسامح به والمقدم عليه مما لا يتسامح به فالظاهر عدم الخيار، لانه أقدم على الضرر الموجب للخيار، والزائد على إقدامه كالحجر جنب الانسان، فلا وجه للخيار مع إقدامه على ما هو الضرر، وعدم كون الزائد ضررا عرفا ومما لا يتغابن الناس به. ثم إنه هل المعتبر القيمة حال العقد، فلو زادت بعده ولو قبل إطلاع المغبون على النقصان حال العقد لم تنفع، أو المعتبر القيمة حال العلم أو حال الفسخ، أو يفصل بين ما إذا قلنا بأن خيار الغبن ثابت حال العقد، والعلم كاشف عقلا عنه، أو شرط متأخر، فيثبت الخيار حاله، وبين ما إذا قلنا بأن ظهور الغبن شرط مقارن، فلا يثبت الخيار؟ قد يقال بأن التحقيق هو التفصيل، لانه على الثاني يكون العقد لازما إلى حال ظهور الغبن، وحاله لا يكون ثبوت اللزوم ضرريا على الفرض حتى يرتفع، وعلى الاول يكون اللزوم حال ثبوته ضرريا فيثبت الخيار، وارتفاع القيمة ليس مانعا عن ثبوته لا حدوثا ولا بقاء، أما حدوثا فلتمامية علته، وأما بقاء فلانه ليس من مسقطات الخيار. وفيه أنه يمكن المناقشة في كلا الشقين أما في الشق الاول فبأن يقال: إن الخيار غير ثابت وإن قلنا بأن العقد بنفسه موجب للخيار، وأن العلم كاشف، أو قلنا بأنه شرط متأخر، وذلك لان قوله صلى الله عليه وآله: (لا ضرر) لا يشمل الضرر المتدارك قبل إطلاعه أو قبل فسخه، بل يمكن أن يقال: إنه مع ارتفاع النقص وتغيير السعر لا يعد ضررا عرفا، فلا موجب للخيار.

[ 289 ]

وأما في الشق الثاني فبأنه يمكن الالتزام بالخيار حتى على فرض كون العلم شرطا مقارنا، بأن يقال: إن حدوث الضرر جزء من علة الخيار، والعلم به جزء آخر، فالخيار ثابت بالضرر الحادث المعلوم في الحال بعد بطلان كون التدارك موجبا لعدم صدق الضرر أو موجبا لعدم انطباق دليل نفيه. فعلى القول بأن مفاد (لا ضرر) ولو انصرافا هو الضرر غير المتدارك لا يثبت الخيار مع تداركه إلى زمان الاطلاع أو الفسخ أي قبله، سواء قلنا بأن الخيار من حال العقد أم قلنا بأنه من حال العلم بالغبن. وعلى القول بالتعميم وأن العقد الضرري موجب للخيار بدليل نفي الضرر والتدارك خارج عن مفاده فيثبت الخيار، سواء قلنا بأنه ثابت من حال العقد أو ثابت من حال العلم، أما على الاول فواضح، وأما على الثاني فلان القائل بأن دليل الخيار (لا ضرر) وأن الخيار ثابت من حال ظهور الغبن فلا محالة يلتزم بأن الخيار ثابت بدليل نفي الضرر مطلقا وانما قام الدليل الشرعي من إجماع ونحوه على أنه غير ثابت إلى زمان ظهور الغبن، فالاجماع مثلا مقيد لاطلاق دليل الاثبات، أو يلتزم بأن الضرر بوجوده الحدوثي جزء الموضوع، والعلم جزء آخر، هذا بناء على كون المبنى دليل نفي الضرر. وأما على القول بالشرط الضمني فلازم ما قال صاحب هذا القول من اشتراط التساوي بين العوضين هو ثبوت الخيار من غير فرق بين تغيير السعر وعدمه، والقول بأن الشرط هو تساويهما عند التسليم لا يرجع إلى مستند كما هو واضح، فما أفاده صاحب هذا القول وأتعب نفسه كأنه لا يرجع إلى محصل، فراجع. هذا كله في ما لا يتوقف الملك فيه على القبض. وأما ما توقف فيه الملك على القبض كبيع الصرف والسلم وارتفع الغبن قبله فلا ينبغي الاشكال في عدم الخيار مع زوال التفاوت حين القبض،

[ 290 ]

لعدم صحة البيع شرعا قبله، فلا ضرر، لانه إنما يصدق بتحقق النقل والتبادل الواقعي لا بالانشائي، وعند حصوله المفروض أنه لا ضرر ولا غبن ولو قيل بأن الاقباض واجب فدليل نفي الضرر يرفع وجوبه، قلنا: إنه على فرض تسليمه أجنبي عن الخيار الذي نحن بصدده. ثم إنه على فرض الاستناد في الخيار بالاجماع والشهرة أو ببناء العقلاء فلا يمكن إثباته في المقام، للشك في ثبوت الاجماع أو الشهرة فيه، كما لا يمكن إحراز البناء العقلائي. وأما روايات تلقي الركبان حيث علق فيها الخيار على دخول السوق فيحتمل أن يكون المراد أنه إذا دخل السوق ورأى عند دخوله الغبن فله الخيار، فيراد الغبن الفعلي حال الدخول، فلا خيار مع عدم الغبن حاله وإن كان موجودا حال البيع، ويحتمل أن يكون المراد أنه إذا دخله وعلم أن بيعه حال إنشائه كان غبنيا فله الخيار، فالمعتبر هو الغبن حال البيع وإن تغير السعر، ولم يظهر ترجيح بينهما. ثم إن الظاهر أن الخيار هاهنا ثابت للموكل فقط إن كان المستند له حديث نفي الضرر، ضرورة أنه لا ضرر على الوكيل بوجه، كما هو واضح (وتوهم) أن لا ضرر ينفي الحكم الضرري من غير نظر إلى كون الضرر واردا على الشخص نفسه (في غاية السقوط) ضرورة أن (لا ضرر) ورد عليه المبنى المعروف لنفي الضرر عمن توجه إليه، فكما ينفي الصوم أو الوضوء الضرري عمن كانا ضرريا عليه كذلك ينفي لزوم العقد بالنسبة إلى من ورد الضرر عليه على فرض لزومه، فهل ترى أنه ينفي اللزوم بالنسبة إلى الغابن أو الاجنبي؟ والوكيل في ورود الضرر كالاجنبي في المقام. (وتوهم) أن (لا ضرر) حاكم على دليل وجوب الوفاء بالعقد، فينفي وجوبه عمن هو مكلف بالوفاء به (فاسد) فانه وإن كان حاكما

[ 291 ]

عليه لكن ينفي وجوبه عن خصوص من ورد عليه الضرر، وإلا فالغابن أيضا مكلف بالوفاء، بل على بعض الاحتمالات إن وجوبه لا يختص بالمتعاملين بل يجب على جميع المكلفين ترتيب آثار لزوم العقد على ما أوجده المكلف وإن يختلف كيفيته بالنسبة إلى الاجانب، فلو فسخ من لا خيار له يجب على غيره ترتيب آثار عدمه، فلا يجوز له اشتراء ما أخذه الفاسخ بلا خيار ولا ترتيب آثار ملكيته، بل يجب ترتيب آثار ملكية صاحبه، ومع ذلك لا ينفي الحديث اللزوم بالنسبة إليهم، ولو لم يسلم وجوب الوفاء على جميع المكلفين فلا إشكال في أصل البيان. ولو كان المستند هو الشرط الضمني بين المتعاملين فالظاهر ثبوت الخيار للوكيل إذا كان مفوضا، فان المعاهدة والمشارطة انما وقعت بينهما، والموكل أجنبي بالنسبة إليها، والخيار على هذا المبنى خيار تخلف الشرط لا خيار الغبن، ولا شرط بين الموكل وغيره في هذه المعاملة، ومجرد كون المال للموكل لا يوجب أن يكون طرف الاشتراط حتى يكون تخلفه موجبا لخياره. (فتوهم) أن العقد والشرط كما ينسبان إلى الوكيل ينسبان إلى الموكل (خال عن التحصيل) كما فصلنا في بعض المباحث السالفة، نعم لو كان الخيار للموكل كان للوكيل المطلق والمفوض إليه الامر على نحو يشمل الفسخ فسخه باعتبار وكالته لا لثبوت الخيار له. ولو كان المستند بناء العقلاء فالظاهر ثبوته للموكل، لان ما عندهم هو خيار الغبن، والمغبون هو الموكل لا الوكيل. ثم إن الميزان في العلم والجهل هو علم من له الخيار وجهله، فيختلف على المباني. فاتضح مما ذكرناه أن سبيل الاستدلال في هذا الخيار غير سبيله في خيار المجلس والحيوان، فان الخيار في الاول ثبت للبيعين، وقلنا إن

[ 292 ]

عنوانهما لا يصدق إلا على الوكيل حتى المجري للصيغة لا على الموكل، وفي الثاني ثبت لصاحب الحيوان، فالبحث فيهما غير البحث هاهنا. ثم إنه قد يتوهم أن البحث عن ثبوت الخيار للموكل مع علم الوكيل بالغبن كما ورد في بعض عباراتهم لا يصح، فان الوكالة إن شملت صورة علم الوكيل بالغبن فلا وجه للخيار، لاقدام الوكيل على الضرر وتوكيله على ذلك، فهما مقدمان عليه، فلا خيار، وإن لم تشمل بطل عقده ويصير فضوليا، فلو أجازه مع علمه بالواقعة فلا خيار. لكنه فاسد، فان الوكالة إذا كانت على نحو التفويض سيما إذا كان التفويض في جميع أموره فلا يختلج في ذهن الموكل آحاد تصرفات الوكيل بالتفصيل، نعم ليس للوكيل التصرف المخالف لمصلحة موكله، وليست سعة الوكالة بنحو الاطلاق شاملة للتصرفات ذات المفسدة، لكن لو رأى الوكيل مصلحة ملزمة لبيع السلعة غبنيا أو لاشتراء متاع كذلك كما لو لم يوجد طالب إلا بأقل من القيمة، وعلم بأنه لو لم يبع العين بما يطلبه المشتري تلفت بآفة سماوية ونحو ذلك فلا إشكال في شمول الوكالة له من غير توجه من الموكل إلى مثل هذا البيع بعنوانه، بل لا التفات له إلا إلى كون عمل الوكيل موافقا لصلاحه، فالبيع وقع صحيحا، والخيار ثابت على بعض المباني للموكل الجاهل بالواقعة. ولو اختلفا فقال المغبون: كنت جاهلا بالواقعة، وقال صاحبه: بل كنت عالما فهل المدعي هو الغابن ليطلب منه البينة أو المغبون؟ وليعلم أن الميزان في تشخيص المدعي والمنكر هو العرف، ضرورة أن موضوعات الاحكام مأخوذة منهم، ومنها المدعي والمنكر المأخوذان في قوله عليه السلام: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) (1) وهنا موازين أخر مذكورة


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب كيفية الحكم الحديث 2 من كتاب القضاء.

[ 293 ]

في كتب القضاء يدعى أنها راجعة إلى الميزان المذكور بحسب المصاديق، كقولهم: (إن المدعي من لو ترك ترك) أو (أنه من ادعى خلاف الاصل) والظاهر أن الاول منهما راجع إلى الميزان المذكور، وأما رجوع الثاني إليه فمحل إشكال، إذ المراد بالاصل أعم من الاصول العقلائية فيشمل الاصول الشرعية، كالاستصحاب، وموافقته لقوله غير مربوطة بالعرف. ثم على فرض الرجوع إلى الاصول في التشخيص فهل الميزان هو الاصل الجاري في مصب الدعوى أو الجاري في مرجعها وفي ما هو الغرض منها في طرحها؟ فان كان الميزان هو المصب لا المرجع فالاصل الجاري في غيره لا يفيد، وكذا الحال على فرض كون الميزان هو المرجع، فان الاصل الجاري في غيره لا يفيد، والاصل في ذلك هو أن المدعي إذا ادعى ما له أثر على موازين القضاء فهل يجب على القاضي قبوله وليس له ارجاع دعواه إلى غير ما ادعاه أو يجب عليه أن ينظر إلى نتيجتها، وإلى ما يرجع إليه روح الدعوى؟ الاقوى هو الاول. وكيف كان فالاصول التي ادعي في المقام جريانها لتشخيص المنكر مثل أصالة اللزوم وأصالة عدم إقدام المغبون وأصالة عدم نفوذ فسخه وأصالة عدم الخيار إلى غير ذلك لا تفيد، ولا تجري للتشخيص إذا كان الميزان مصب الدعوى، فلو ادعى الجهل فالاصل المشخص هو أصالة عدم علمه على فرض جريانها، لا أصالة اللزوم أو أصالة عدم الخيار ونحوهما، فانها غير مربوطة بمصبها، كما أنه لو كان الميزان هو المرجع فلا أصل إلا أصالة عدم الخيار، فالجمع بينها كأنه خلط. ثم إنه بناء على أن الاعتبار بمصب الدعوى وكان الاختلاف بينهما في جهالة المغبون وعلمه فبناء على أن التشخيص على عهدة العرف

[ 294 ]

لا إشكال في أن المدعي هو المغبون، لانه الذي تترك الدعوى بتركه، والعرف أيضا مساعد لذلك، فعليه إقامة البينة إن أمكنت، ومع عدم البينة يقبل يمينه مع شاهد واحد بناء على قبول اليمين والشاهد الواحد في مطلق الدعاوي المالية، أو مع تعذر اليمين من المنكر، فالتمسك بأصالة عدم علمه لتوجه اليمين وقبولها مع شاهد واحد في غير محله. وأما بناء على أن المدعي من كان قوله على خلاف الاصل فعلى فرض جريان أصالة عدم علم المغبون يكون المدعي هو الغابن، لكن الشأن في جريانها، فان ما هو المسبوق بالعلم هو عدم علمه بالقيمة قبل تحقق البيع، وهو ليس موضوعا لحكم، وما هو الموضوع على فرض هو إيقاع البيع عن جهل، وهذا لا يثبت بأصالة عدم العلم. (وإن شئت قلت): إن إيقاع البيع عن جهل بالقيمة غير مسبوق بالعلم وما هو المسبوق بالعلم هو الجهل غير المربوط بالبيع، واستصحاب المطلق لاثبات المقيد مثبت. وأما ما يقال من أن الحكم يستفاد من قاعدة نفي الضرر، وأن اللزوم الضرري مرفوع، وكون اللزوم ضرريا واقعا إذا لم يكن المعامل عالما أو إذا كان جاهلا غير دخله شرعا، بل تمام الموضوع كون الحكم ضرريا، فأصالة عدم العلم لا تنتفع حينئذ. ففيه أن دليل لا ضرر إذا كان واردا مورد المنة كما عليه القوم فلا محالة يكون منصرفا عمن هو عالم بالضرر، فالمنفي هو الحكم الضرري عمن هو جاهل بالقيمة، وهذا أمر مستفاد من الدليل الشرعي، فيكون الجهل دخيلا في موضوعه أو ما هو كموضوعه، نعم لو كان الدخيل هو عدم الاقدام فأصالة عدم العلم لا تثبت عدم إقدامه عن علم، كما أنه لو كان الدخيل هو امتنانية الحكم فأصالة عدم العلم لا تثبتها، والامر سهل بعد الاشكال في أصل جريانها.

[ 295 ]

ومما ذكر يظهر الكلام في أصالة عدم الخيار بناء على كون الميزان مرجع الدعوى، أو إذا ادعى المدعي الخيار ونفاه المنكر، فان عدم الخيار المطلق ليس موضوعا للاثر، وعدمه في البيع ليس له حالة سابقة، كما يرد ذلك على أصالة عدم الاقدام لو كان الخلاف فيه. (وما قيل) من أن الموضوع هو الاقدام وعدمه فلا مانع من إجراء أصالة عدم الاقدام، مع أن الاقدام بنفسه أمر مسبوق بالعدم، وليس نعتا للعقد (غير وجيه)، فان الاقدام أيضا ليس موضوعا، وما هو الموضوع على فرضه هو الاقدام على العقد أو عدم الاقدام عليه، وهو غير مسبوق بالعلم، وما هو مسبوق هو نفي الاقدام بالسلب البسيط الذي لا يثبت العدم الخاص. والتحقيق أن المغبون مدع على جميع التقادير، سواء جرى أصالة عدم العلم أو أصالة عدم الخيار أو غيرهما أم لا، وسواء كان من أهل الخبرة أم لا، لان تشخيص المدعي والمنكر كسائر موضوعات الاحكام موكول إلى العرف ليس إلا، ولا إشكال في أن المدعي عرفا هو المغبون، وهو الذي إن ترك ترك، وهو الذي أقام الدعوى على الغابن، والاصل على فرض كونه ضابطا مستقلا آخر فهو في طول تشخيص العرف، بل كون الاصل مشخصا للمدعي والمنكر وصالحا لتشخيص العناوين محل إشكال، والعهدة في تحقيقه على كتاب القضاء. وكيف كان لا تكون خبروية المغبون في المقام منافيا للتشخيص العرفي ومقابلا له، بل هو مؤكد لكون المغبون مدعيا والغابن منكرا، فعليه يكون الحكم على موازين القضاء في جميع الفروض هو أن الحلف على الغابن وإقامة البينة على المغبون، فإذا كان الغابن منكرا لدعوى المغبون الجهالة فلا محالة يكون جازما، وعليه الحلف كما في سائر الدعاوي، وإن أجاب بلا أدري

[ 296 ]

أو سكت عن الجواب فيعامل معه كما في سائر الدعاوي المجابة بهما بتفصيل مذكور في مورده. وأما يمين المغبون المدعي فلا وجه لها، لان يمينه مخالفة للقواعد، وانما الخارج عنها غير المورد، فلا دليل على توجه الحلف إليه، ولا على كون حلفه فاصلا للخصومة. فتحصل من جميع ذلك أنه لا يفترق المقام عن سائر موارد الدعوى لكن كلمات الشيخ الاعظم (قده) لا تخلو عن اضطراب، كما أن كلمات المحققين المحشين (قدهم) لا تخلو عن خلط وإشكال. ومما ذكرناه يظهر حال سائر موارد الاختلاف والتنازع مما تعرض لها الشيخ الاعظم (قده) وما لم يتعرض له، كالاختلاف في القيمة وقت العقد أو في القيمة بعده، فان تشخيص المدعي والمنكر على العرف، وأما الاصول الموضوعية المذكورة منها في المقام وغير المذكورة فلا أصل لها، إما لعدم جريانها وإما لكونها مثبتة، فان أصالة عدم التغيير لا تجري بهذا العنوان، لعدم سبق عدم التغيير بالعلم، وإرجاعها إلى أصل بقاء السلعة على ما كانت عليها حال العقد إلى زمان التنازع الذي اتفقا فيه على القيمة لكشف حال القيمة حال العقد من أجلى الاصول المثبتة، وأوهن منها إجراء الاصل بنحو القهقري، لانه لا أصل له أولا، ولكونه مثبتا ثانيا فان التعبد ببقائها إلى حال العقد لا يثبت تعلق العقد بها. ومنه يظهر الحال لو كانت قيمة ما قبل العقد مسبوقة بالعلم فادعى وقوعه على الزائد أو الناقص، فان التعبد ببقائها على حالها إلى حين العقد لا يثبت وقوع العقد عليها إلا بالاصل المثبت. وأما أصالة عدم تعلق العقد بالزائد أو بالناقص كما زعم بعضهم جريانها من غير كونها مثبتة فهي غير جارية، لان عدم تعلقه بالزائد بنحو

[ 297 ]

السلب البسيط الذي هو أعم من عدم الموضوع لا يكون موضوع أثر، واستصحابه لاثبات ما هو الموضوع وهو قسم منه أي العدم مع وجود الموضوع بنحو السالبة البسيطة المتحققة الموضوع أو الموجبة السالبة المحمول أو المعدولة مثبت، لان إجراء أصل بقاء العام لاثبات قسم منه من أوضح المثبتات، وأما القسم الموضوع للاثر فلا حالة سابقة له. كما يظهر مما ذكرناه حال ما إذا اتفقا على التغيير واختلفا في تاريخ العقد أو في تاريخ التغيير أو في تاريخهما، فان إشكال المثبتية وارد على جميعها، فلا نطيل بالبحث عنها. (الامر الثاني) كون التفاوت فاحشا، فقد حكي عن التذكرة أن حده عندنا ما لا يتغابن الناس بمثله، وفي القواعد الزيادة والنقيصة التي لا يتغابن بمثلها وقت العقد، وقريب منهما في الوسيلة، وفي اللمعة هو ثابت إذا كان بما لا يتغابن به غالبا. ولعله مأخوذ من رواية دعائم الاسلام عن ابي عبد الله عليه السلام، وفيها: (ينظر في حال السلعة، فان كان مثلها يباع بمثل ذلك الثمن أو بقريب منه مثل ما يتغابن الناس بمثله فالبيع جائز، وإن كان أمرا فاحشا وغبنا بينا حلف البائع بالله الذي لا إله إلا هو على ما ادعاه من الغلط إن لم يكن له بينة، ثم قيل للمشتري: إن شئت خذها بمبلغ القيمة، وإن شئت فدع) (1) فدلت على ثبوت الخيار للمغبون وعلى أن حده ما كان فاحشا، وحد مقابله ما يقرب من الثمن مثل ما يتغابن الناس بمثله، فقولهم ما لا يتغابن الناس بمثله حد الغبن الفاحش. وفي الشرائع (من اشترى شيئا ولم يكن من أهل الخبرة وظهر فيه غبن لم تجر العادة بالتغابن به كان له فسخ العقد) وقريب منه في الخلاف


(1) المستدرك الباب 13 من ابواب الخيار الحديث 2.

[ 298 ]

والمبسوط، وفي الدروس إذا لم يتفاوت به الثمن غالبا وقت العقد. وعبر كثير منهم في مقام تحديده بالزيادة والنقيصة التي لا يتسامح بمثلها عادة، كالحدائق والمستند، وهو ظاهر من الشيخ الاعظم (قده) ومحشي كتابه، وقد فسر ثاني الشهيدين عبارة اللمعة المتقدمة بما لا يتسامح به. وكيف كان يحتمل أن يكون المراد من التغابن تحمل الغبن، فيرجع إلى التسامح وعليه فهل الميزان التسامح حال العقد مع علم المغبون أو جهله والتفاته إلى إمكان كون الزيادة كذا، أو التسامح بعده؟ ومن الواضح الفرق بينها، فان التسامح مع العلم في غاية الندرة إلا مع عوارض خارجية بخلاف التسامح مع الجهل والالتفات أو بعد العقد. ويحتمل قريبا أن يكون المراد بالتغابن في الرواية وكلام من عبر بمثلها أن يغبن الناس بعضهم بعضا بمثله، لان التساوي حقيقة بين الثمن والمثمن في القيمة في غاية الندرة، سيما في عصر صدور الرواية، بل في أعصار أهل المتون مما لم يعهد فيها تثبيت قيم الامتعة، وفي عصرنا أيضا كذلك في غير ما له قيمة ثابتة سيما في بعض النواحي، فسنة الاسواق مطلقا على التغابن والبيع بزيادة أو نقيصة جزئية لا مع العلم بل مع الجهل بالقيمة بالنظر الدقيق، فقوله: (ما يتغابن الناس بمثله) معناه أنه إذا كان التفاوت يسيرا يقع التغابن به في نوع المعاملات وتقع غالبا مع الاختلاف بمثل ذلك وكان غبن أحد المتعاملين بمثله متعارفا بحسب نوع المعاملات فلا خيار، وانما الخيار فيما إذا وقعت المعاملة على خلاف سنة السوق بأن يكون التفاوت فاحشا والغبن بينا، وإلا لزم وقوع جميع المعاملات إلا نادرا خياريا، وهو باطل عند العقلاء وعلى مذاق الشرع والفقه، وعلى هذا يسقط كثير من الاحتمالات الواقعة في كلمات المحشين لكلام الشيخ (قده). والذي يظهر لي أن كلمات القوم من زمن شيخ الطائفة (قده) إلى

[ 299 ]

زمان الشهيد الثاني (قده) ظاهرة في الاحتمال الاخير، ثم تغيرت العبارات ولعل منشؤه تفسير الشهيد الثاني (قده) التغابن بالتسامح مع عدم شاهد في اللغة والعرف عليه، فان التغابن في اللغة بمعنى غبن بعض بعضا، تغابن القوم أي غبن بعضهم بعضا، كما في الصحاح والقاموس والمنجد. ويمكن الاستدلال عليه أما على ما سلكناه فبعدم بناء العقلاء على الخيار في مثله، وهو واضح، وأما على التمسك بقوله صلى الله عليه وآله (لا ضرر) فلانه منصرف عما هو جار في السوق، وكانت سنته مبنية عليه، وتوهم أنه لا وجه ولا منشأ للانصراف واضح الدفع، فان منشأه عدم الانقداح في الاذهان العرفية بأن (لا ضرر) مثبت للخيار في جميع المعاملات التي جرت العادة بالتغابن فيها، بل هو منصرف عن الغبن المتسامح فيه الذي لا يعدونه شيئا، بل يتسامحون به عند احتماله، بل ربما يطلق عليه عدم الضرر والغبن ولو بنحو الحقيقة الادعائية، ومنه يظهر الانصراف في روايات تلقي الركبان، فلا إشكال في الحكم. كما أن الظاهر أن المقصود بالفاحش وبمقابله في النص وكلمات الاصحاب ما عدا متأخر المتأخرين هو الاحتمال الاخير المشار إليه. ولو شككنا فيما يتغابن الناس به أو فيما يتسامح الناس فيه، أي شككنا في حده نظير الشبهة المفهومية فان قلنا بانصراف دليل نفي الضرر عنه فلا يصح التمسك به، لفرض إجماله، ولا شك في سرايته إلى الدليل، فالمرجع عموم وجوب الوفاء، لان المخصص مجمل ومنفصل ولا يسرى إجماله إلى العام. إلا أن يقال بالفرق بين المخصص المجمل والدليل الحاكم المجمل، بدعوى سراية إجمال الحاكم إلى المحكوم، فانه ناظر إليه، وكأنه مفسر له فقوله صلى الله عليه وآله: (لا ضرر) على مبنى القوم أي لا حكم ضرري فلا لزوم ضرري، ولا وجوب وفاء ضرري، فيكون حاله حال القيد

[ 300 ]

المتصل، وعليه لا يصح التمسك به ولا بالعام المنفصل عنه. وإن أنكرنا الانصراف وقلنا بخروج الغبن غير الفاحش بمثل رواية الدعائم المؤيدة بفتوى الشيخ (قده) ومن بعده إلى عصر الشهيد (قده) على طبقها فاجمال المخصص لا يسرى إلى إطلاقه، فيكون هو المرجع لا دليل وجوب الوفاء. إلا أن يقال بالفرق بين المخصص المنفصل والمقيد المنفصل، ويلتزم بسراية الاجمال من المقيد إلى ما يتقيد به، فيسرى إجماله إلى دليل نفي الضرر، وعلى القول بسراية الاجمال من الدليل الحاكم إلى المحكوم لا يصح التمسك باطلاقه ولا بعموم وجوب الوفاء. ولو شككنا في أن ما به التفاوت هل هو بمقدار يتغابن به الناس أم لا لشبهة خارجية فلا يصح التمسك بشئ من الاطلاق والعموم، للشبهة المصداقية إما لنفس الاطلاق أو للمقيد والمخصص. ثم إن الظاهر أن المناط في الضرر الموجب للخيار هو الضرر الحاصل في كل معاملة بالنسبة إلى أحد المتعاملين، من غير فرق بين الاشخاص من حيث الغنى والفقر والثروة وعدمها، ضرورة أن كل مقدار يكون ضررا في المعاملة ويكون مما لا يتغابن الناس بمثله بالمعنى المتقدم فهو موجب للخيار ولا فرق في ضرريته بين الاشخاص، فبيع ما يساوي عشرة بالسبعة مثلا مما لا يتغابن به الناس، سواء كان البائع ممن لا يهتم بهذا الضرر أم لا، فعدم اعتداد المتعامل بالضرر أمر خارج عن الغبن في البيع، ولا يعقل سراية اختلاف المتعاملين في المقام إلى المعاملة. وإن شئت قلت: إن نقص السلعة عن الثمن أو بالعكس أمر نفسي لا نسبي، وليس مثل الحرج حيث إنه يمكن أن يكون عمل واحد كالصوم حرجيا بالنسبة إلى شخص، وغير حرجي بالنسبة إلى آخر، وكذا الاجحاف

[ 301 ]

وعدمه معتبران في الشئ بالنسبة إلى الاشخاص، فيختلفان باختلاف أحوالهم وأما الضرر الموجب للخيار وهو نقص كذائي فلا يعقل اختلافه بالنسبة إلى الاشخاص. نعم لو كان عنوان الضرر أعم من الضرر والحرج كان بالنسبة إلى هذا الصنف نسبيا، لكنه بعيد عن الصواب. وأما قضية شراء ماء الوضوء حيث فرقوا بين الاجحاف على المشتري وعدمه، فهي مضافا إلى ورود النص فيها مبنية على أمر آخر، وهو أن دليل لا ضرر على فرض صحة ما أفاده الاعلام (قدهم) هل هو مخصوص بباب الضرر المالي في المعاملات، كما أن الحرج مخصوص بباب التكاليف أم كل منهما أعم من الموردين؟ لا يبعد أن يكون الاختصاص أقرب إلى الاعتبار والى كلمات الاصحاب، نعم الظاهر عمومه بالنسبة إلى الضرر النفسي ولو قيل بعموم الضرر لمورد التكاليف فلابد من الالتزام بتخصيص دليل نفيه في جميع مواردها، لان اشتراء الماء للوضوء ولو بقيمته السوقية بل بأقل منها ضرر على المكلف من قبل الحكم الشرعي، فان إلزامه باشتراء الماء وصبه في غير غرضه ضرر عليه، ولولا تكليف المولى لم يشتر شيئا لا يرجع نفعه إليه، وكذا مؤونة الحج بتمامها ضرر على المكلف، سواء اشترى مؤونته بالقيمة العادلة أم لا، وهذا بخلاف باب المعاملات التي يرجع نفع المال فيها إلى نفسه. (وبالجملة) مع قطع النظر عن إطاعة المولى إن اشتراء الماء للوضوء كاشترائه وإهراقه بالزام من الغير. ثم إنه قد ذكر الشهيد (قده) في المسالك أن المغبون إما البائع أو المشتري أو هما، وقريب منه في شرحه لللمعة، فاستشكل الامر في تصور غبن الطرفين، وقد حكى الشيخ الاعظم (قده) وجوها كلها مخدوشة أشار إليها. وقد تصدى بعض المحشين لتصويره بما هو غير مرضي، لان كل

[ 302 ]

ما ذكر خارجة عن غبنهما في المعاملة، بل المغبون أحدهما والآخر ورد عليه الضرر خارج المعاملة ولو لاجلها، والظاهر عدم تصوره إلا إذا قلنا بأن الضرر أعم من المالي والحالي، والغبن أيضا أعم، فحينئذ يمكن أن تكون معاملة بعينها ضررية بالنسبة إلى أحدهما وحرجية بالنسبة إلى الآخر، فلو باع أمته بأكثر من قيمتها فبان أنها أخته التي كان بيعها نقصا في شرفه وحرجا عليه يكون الغبن في الطرفين، والامر سهل. مسألة: هل ظهور الغبن شرط شرعي لحدوث الخيار أو كاشف عقلي عن ثبوته حال العقد؟ والمحتملات على الاول كثيرة نذكر مهماتها. (منها) كون العلم بالغبن شرطا مقارنا نحو الاجازة على النقل أو شرطا متأخرا نحو الاحتمالات التي في الاجازة، بناء على كونها شرطا متأخرا، وعلى الاحتمالين يحتمل أن يكون المشروط أي السبب الاقتضائي هو الغبن، ويحتمل أن يكون هو البيع الغبني. و (منها) كون العلم جزء الموضوع، وجزؤه الآخر هو الغبن أو البيع الغبني. ثم إنه بناء على كون العلم شرطا مقارنا أو جزء موضوع، يرد إشكال عقلي نظير الاشكال العقلي في الاجازة على النقل، وهو أن ما هو المشروط والسبب الاقتضائي أو جزء الموضوع غير موجود عند ظهور الغبن وما هو موجود عنده ليس مشروطا ولا جزء موضوع للخيار. توضيحه: أن ما هو السبب الاقتضائي أو جزء الموضوع هو التفاوت الحاصل عند حدوث البيع أو البيع الحادث المتعلق بالمتفاوتين بما هو حادث

[ 303 ]

بمعنى دخالة حدوثه فيه، وأما التفاوت الحاصل قبله أو بعده أو نفس التفاوت القابل للانطباق على ما قبله وما بعده فليس سببا ولا دخيلا بنحو من الدخالة في الحكم، فإذا لوحظ التفاوت المستمر بينهما مما قبل العقد إلى زمانه ومنه إلى ما بعده لا يكون السبب أو جزء الموضوع إلا التفاوت الموجود حال العقد بنحو يكون الحال قيدا لا ظرفا، وإلا يرجع إلى عدم الفرق بين حاله وما قبله وما بعده، مع أن التفاوت الحاصل بعد العقد أو الباقي بعده لا دخل له حتى على القول بتدارك الضرر إذا ارتفع الغبن بعد العقد، لان القائل به لا يلتزم بالخيار إذا حدث التفاوت بعد العقد مع التساوي حاله، فلا محالة يكون سبب الخيار عنده هو الغبن الحادث حال العقد إذا لم يتدارك. ثم إن من الواضح أن ما هو الباقي في الامور الاعتبارية التي قلنا ببقائها اعتبارا هو نفس الامر الاعتباري وذاته لا حال حدوثه، فالحادث الباقي هو العقد والبيع، دون العقد بما هو حادث، لامتناع كون الحدوث باقيا، فانه دفعي، كما أن الحادث بما هو حادث غير ممكن البقاء، بل ما هو الباقي نفس الحادث لا حال حدوثه، ولا بما هو حادث، فإذا كان السبب أو الموضوع أو جزء السبب هو التفاوت الموجود في البيع الحادث بما هو حادث فلا يعقل بقاؤه واستمراره لا اعتبارا ولا حقيقة، فلا يعقل أن يكون العلم المتأخر شرطا له بنحو الشرط المقارن، ولا فرق فيما ذكرناه بين الحقائق المستمرة الوجود والاعتباريات والانتزاعيات، فان الزمان باق بنفسه، وأما مبدؤه فلا يكون باقيا، وكذا قطعاته الاعتبارية والانتزاعيات التي يكون منها الغبن والتفاوت والزيادة والنقيصة مستمرة بذاتها باستمرار مناشئها، وأما المنتزع من الحادث بما هو حادث فلا يبقى ولا يستمر.

[ 304 ]

وبالجملة يرد في المقام الاشكال الذي في الاجازة على النقل، ولا يدفع بالجواب الذي قلنا به في ذلك المقام، فان البيع لما لم يكن إلا نفس طبيعة التمليك بالعوض أو التبادل بين العوضين، من غير دخالة للحدوث فيها، فيكون باقيا اعتبارا، كما يكون حادثا كذلك، وأما في المقام حيث كان حال الحدوث دخيلا فلا يعقل بقاؤه، والظاهر أن هذا أمر عرفي كما أنه عقلي، هذا حال الشرط. وأما احتمال أن يكون العلم جزءا والغبن حال حدوث البيع جزء آخر أو البيع الغبني الحادث بما هو حادث جزء لا يعقل، لان المفروض أن أحد الجزءين معدوم والخيار أمر ثبوتي، ولا يعقل أن يكون المعدوم حال عدمه سببا ولو لامر اعتباري ولا موضوعا لامر ثبوتي ولو كان اعتباريا، لامتناع ثبوت شئ لامر غير ثابت عقلا وعرفا. ويمكن أن يقال: إن الخيار ها هنا وفي سائر الخيارات ثابت لاحد المتعاملين أو لهما، ففي المقام إن المغبون له الخيار، وليس الغبن بوجوده الخارجي سببا للخيار أو جزء سبب له، وليس المقام كالبيع، حيث إن البيع الخارجي المنشأ سبب للنقل الانشائي، فحينئذ يصح رفع الاشكال بأن الغبن بوجوده اللحاظي سبب لجعل الخيار من أول العقد، أو سبب لجعله حال العلم به، فالجاعل قد يرى أن المصلحة في جعل الخيار للمغبون حال وجود الغبن من أول العقد، وقد يرى المصلحة لجعله من حال علم المغبون بالغبن، فلا يرد إشكال تأثير المعدوم أو كونه جزء الموضوع. نعم لابد وأن يكون لوجود الغبن خصوصية أو للغبن المعلوم خصوصية لاجلها تعدو الجعل بالخيار، لكن العلم قد يتعلق بالشئ المعدوم لا بما أنه معدوم، بل بوسيلة عنوان موجود في الذهن، كالعلم بشريك الباري والحكم به، وبالمعدوم المطلق والحكم به، فحال حدوث البيع وكذا التفاوت بقيد

[ 305 ]

حال حدوثه وإن كانا معدومين حال العلم كما تقدم، لكن العلم يتعلق بهما متأخرا عنهما، فيكون الوجود العلمي اللحاظي سببا أو دخيلا في جعل الخيار هذا بحسب مقام الثبوت. وأما في مقام الاثبات فمقتضى جميع الادلة ثبوت الخيار من حال العقد وعدم دخل العلم فيه بوجه، أما الخيار العقلائي الثابت ببنائهم وحكمهم فلا شبهة في أنه معلول نفس الغبن، ولا يرى العقلاء للعلم دخالة فيه بوجه وهو الدليل الوحيد في خياره. وأما سائر الادلة فدلالتها على الثبوت حاله واضحة إلا رواية تلقي الركبان وهي ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله (من تلقاها فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق) (1) فانه قد يتوهم دلالتها على ثبوته من حال العلم. وفيه (أولا) أن غاية الامر في هذه الرواية دلالتها على ثبوته حال العلم وأما عدم ثبوته حال العقد فلا، فان العقد السلبي انما يستفاد من المفهوم، ولا مفهوم لها، إما لان المفهوم فيما إذا كان ما في تلو الشرط سنخ الحكم دون شخصه، وإما لان لفظة (إذا) مشتركة بين ما يتضمن الشرط وغيره، فغاية الدلالة الثابتة أن وقت وروده في السوق له الخيار من غير تعرض لحال العقد ولثبوت الخيار وعدمه فيها، وأما قضية انتفاء الحكم الخاص عن الموضوع المقيد بانتفاء قيده فهو ليس من الدلالة اللفظية بل هو حكم العقل بانتفائه عند عدمه، وهو لا يعارض الدليل إذا دل على الثبوت في غير محل القيد، والمفروض أن سائر ما دل على الخيار مطلق كدليل الضرر ورواية الدعائم (2) المتقدمة، فلا منافاة بين هذه الرواية


(1) المستدرك الباب 29 من ابواب آداب التجارة الحديث 3. (2) المستدرك الباب من ابواب الخيار الحديث 2.

[ 306 ]

وبين سائر الادلة، لكونهما مثبتتين. و (ثانيا) أن قوله صلى الله عليه وآله: (إذا دخل السوق) كناية عن أمر آخر، فيحتمل أن يكون كناية عن علمه بالغبن أو كناية عن نفس تفاوت السوق، فكأنه قال: إذا دخل السوق وكان التفاوت فيه فاحشا فله الخيار، ولا ترجيح للاول إلا بالظن، وهو غير حجة في مثله، مع أنه لو قال: فإذا دخل السوق وعلم أنه مغبون فله الخيار لم يفهم منه إلا كون الخيار للغبن لا لغيره، لمناسبة الحكم والموضوع وعدم موضوعية العلم فيه. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) للجمع بين كلمات القوم، كما هو ظاهر النسخ المعروفة، أو لتحقيق المقام، كما هو ظاهر المحكي عن بعض النسخ المصححة من قوله: (توضيح ذلك) أو (الاولى أن يقال: إنه إن أريد بالخيار السلطنة الفعلية التي يقتدر بها على الفسخ والامضاء قولا أو فعلا فلا يحدث إلا بعد ظهور الغبن، وإن أريد ثبوت حق للمغبون لو علم به لقام بمقتضاه فهو ثابت قبل العلم، وانما يتوقف على العلم إعمال هذا الحق) انتهى. فلم يتضح أن مراده أن الخيار مردد بين أحد أمرين إما السلطنة الفعلية أو ملك فسخ العقد، أو أن الخيار هاهنا متعدد: أحدهما ثابت حين ظهور الغبن، والآخر حين العقد، أو أنه ذو مرتبتين: بمرتبته الضعيفة ثابت حال العقد، وبمرتبته القوية حال العلم، أو أنه سلطنة تكون بالقوة حال العقد، وبالفعل حال ظهور الغبن، على أن يكون المراد بالملك السلطنة بالقوة. ولا يخفى ما في كلها من الخدشة، فانه يرد عليه على الاول مضافا إلى منافاته لما سبق منه في أول الخيارات من أنه ملك فسخ العقد فلا وجه للترديد هاهنا أنه لاوجه لما ذكره عقيب قوله ذلك، كالتفريع عليه من

[ 307 ]

أن بعض الآثار للاول وبعضها للثاني، وبعضها يحتمل أن يكون لذلك أو لذاك، إذ لا يعقل أن يكون أثر الخيار مترتبا على ما ليس بخيار، والفرض أن الخيار إما ذاك لا غير وإما ذلك لا غير. وعلى الثاني مضافا إلى وضوح بطلانه وعدم التزام أحد حتى نفسه الشريفة بذلك، وإن أمكن أن يقال: إن رواية تلقي الركبان أثبتت خيارا للعالم بالغبن، وسائر الادلة أثبتت خيارا آخر من أول العقد، لكنه كلام خال عن التحصيل، وقد مر الكلام في الرواية أنه ينافي ما ذكره من الثمرة بين القولين مع أن لازم التعدد صحة إسقاط أحدهما دون الآخر، وهو كما ترى. وعلى الثالث أنه لا يعقل تحقق الشدة والضعف في الامور الاعتبارية ولو كانت شبيهة ببعض المقولات، فلا محالة يرجع الاختلاف إلى التعدد الباطل بالضرورة. وعلى الرابع أن السلطنة بالقوة ليست بسلطنة، بل عدم فيه ملكة السلطنة كالنواة، فانها شجرة بالقوة، والنطفة، فانها حيوان بالقوة، فلا يصح إسقاطها، مع أنه قال: إن الاسقاط بعد العقد من آثار الحق الواقعي. بقي احتمال آخر، وهو أن الخيار ملك الفسخ إلى زمان العلم ثم ينقلب إلى السلطنة الفعلية، وهو كما ترى. ثم إن ما ذكره من اختلاف الآثار وترتب بعضها على ذاك وبعضها على ذلك فيه أيضا مناقشة تعرض لها الاعلام، والتحقيق أن جميعها مترتب على الخيار الواقعي. القول في مسقطات هذا الخيار والبحث عنها على ما سلكناه في دليله من أنه بعنوانه خيار عقلائي

[ 308 ]

لا إشكال فيه، إذ بناء عليه يكون هو من الحقوق عند العقلاء وقابلا للاسقاط، وكذا على ما سلكه بعض الاعاظم (قده) من حديث الاشتراط الضمني، فان خيار تخلف الشرط من الخيارات العقلائية بلا ريب، لكنه استشكل فيه وقال: (لو كان مدرك الخيار خصوص الشرط الضمني، فاثباته بالمعنى المصطلح في غاية الاشكال، لان إناطة العوضين بالشرط أو الوصف صريحا أو ضمنيا لا يفيد إثبات الخيار، لان غاية التقييد ثبوت حق للمشروط له، فله إسقاط حقه ورضاه بالفاقد، وله عدم إسقاط حقه وهذا لا يلازم فسخ العقد، فلعله يكون من الحقوق التي تبقى في ذمة من عليه الحق، ولا يمكن استيفاؤه كسائر الديون) انتهى. وفيه ما لا يخفى، فانه بعد الاعتراف بحديث الاشتراط الضمني استشكل فيما هو مقتضاه في المقام وأنكر ما هو كالواضحات وأثبت ما هو لغو محض، ضرورة أن خيار تخلف الشرط عقلائي، وهو عبارة أخرى عن خيار الفسخ وهو من أجلى المطالب العقلائية وأوضحها، فقوله: (في غاية الاشكال) لابد وأن يبدل بأنه (في غاية الوضوح). وأما قوله: (فله إسقاط حقه وعدمه) الخ من غرائب الكلام، فان لازمه أن يكون جعل الشرط الضمني لاجل الاسقاط، فانه لا أثر له عنده إلا ذلك، وهو لغو محض، لا يرتكبه العقلاء. وأما على البناء على سائر الادلة فمع الغض عن عقلائية المسألة ومعهودية عنوان الخيار عند العقلاء لا يمكن إثبات كونه حقا قابلا للاسقاط أو النقل فان قوله: (له الخيار) في هذا الخيار أو في غيره كخيار المجلس والحيوان لا يدل إلا على أنه مختار، وله الاختيار في الفسخ والامضاء، وهو أعم من كون العقد خياريا بالمعنى المصطلح، فلو كان العقد ما دام المجلس موجودا ولم يتفرق المتعاملان جائز حكما لدى الشارع الاقدس

[ 309 ]

صح أن يقال: له الخيار، فان الخيار بمعنى الاختيار لغة وعرفا، والمعنى الاصطلاحي خلاف اللغة، لكن لما كان الخيار بمعنى حق الفسخ والامضاء أمرا عقلائيا معهودا لا ينقدح في ذهن العرف من قوله: (له الخيار) إلا المعنى المعهود، فاثبات الخيار بذلك المعنى في كل مورد ورد فيه أنه بالخيار لاجل تلك المعهودية، وإن كان اللفظ بحسب معناه اللغوي غير ذلك. وأما دليل نفي الضرر فغاية ما يمكن أن يقال فيه لاثبات الخيار هو أن نفي الوجوب الوضعي مستلزم لثبوت بديله، وهو الجواز الوضعي، ولما كان هذا الجواز لاجل المغبون ينتزع منه الحق له، أو يقال: إن اللزوم حقي بدليل ثبوت الاقالة، وسلب اللزوم الحقي مستلزم لثبوت بديله، وهو الجواز الحقي. ويرد على التقريبين أن المراد بالبديل إن كان هو النقيض صح الاستلزام لكنه لا يفيد، لان الجواز الوضعي أو الحقي ليس بديلا ونقيضا له، وإن كان هو الضد فلا يصح، لان نفي الضد لا يستلزم ثبوت ضده إلا في الضدين لا ثالث لهما مع حفظ الموضوع، وفي المقام كما أن الجواز الحقي ضد للزوم حقيا كان أو حكميا كذلك الجواز الحكمي ضد له، فلا يكونان مما لا ثالث لهما. مضافا إلى أنه يرد على التقريب الاول أن مجرد كون الحكم الوضعي لاجله لا يستلزم كونه حقا، فانه على الحكمية أيضا يكون لاجله، وعلى الثاني أن الوجوب الحقي مما لا معنى محصل له، والاقالة أيضا ليست من الحقوق، بل حكم عقلائي وشرعي، ولهذا لا تسقط بالاسقاط، ولا تكون قابلة للنقل، فاللزوم والحقية مما يتنافران، فلا معنى للزوم الحقي. والتحقيق ما تقدم من صحة البحث عن المسقطات، وهي أمور: (الاول) إسقاطه بعد العقد بعد العلم بالغبن، وليعلم أن السبب

[ 310 ]

للخيار (يحتمل أن يكون) المرتبة الاولى من الغبن غير المتسامح فيه بنحو اللابشرط من غير دخالة الحد فيه، فتكون هي السبب في ضمن سائر المراتب، وتكون الزيادة غير دخيلة في السببية، و (يمكن أن يكون) كل مرتبة سببا مستقلا لفرد من الخيار، لكن مع دخالة الحد، بحيث لا يتكثر الخيار، أو كل مرتبة سببا بنحو اللابشرط مع التداخل في السببية عند الاجتماع لئلا يتكثر الخيار، و (يمكن أن يكون) صرف وجود الغبن سببا، فيكون السبب واحدا موجودا بوجود كل مرتبة، وفي جميع الاحتمالات يكون الخيار واحدا شخصيا وإن اختلفت الاحتمالات من جهات أخر. ثم إن الاسقاط (قد يتعلق) بالخيار المتحقق الموجود خارجا ولو كان وجودا اعتباريا، لكن المعتبر في الخارج وإن كان ظرف الاعتبار يقابل الخارج كسائر الامور الاعتبارية العقلائية أو الشرعية و (قد يتعلق) بعنوان كلي قابل للانطباق على الخارج، وعلى الفرضين (قد يكون) الاسقاط والمتعلق مطلقا، كقوله: (أسقطت هذا الخيار) أو (أسقطت خياري في البيع). و (قد يكون) الاسقاط مطلقا والمتعلق مقيدا، كقوله: (أسقطت هذا الخيار الناشئ من الغبن الكذائي) أو (أسقطت الخيار الناشئ منه). و (قد يكون) المتعلق مطلقا والاسقاط معلقا، كقوله: (أسقطت هذا الخيار إن كان ناشئا من الغبن الكذائي) أو (أسقطت خياري إن نشأ منه) والثمرة بين الاحتمالات المتقدمة واضحة لدى التأمل. ثم إن الاسقاط لو كان مطلقا وتعلق بالخيار الموجود فلا ينبغي الاشكال في سقوطه، سواء كان بلا قيد وهو واضح أم كان مقيدا وتخلف القيد فان تقييد الموجود الخارجي لا يوجب عدم تعلق الاسقاط به على فرض تخلف القيد، نظير تعلق البيع بالفرس الخارجي المتقيد بالعربي، حيث

[ 311 ]

يوجب تخلف الوصف الخيار مع صحة البيع، وله نظائر أخر، فقولهم بالفرق بين الداعي والتقييد غير وجيه في هذا الفرض الذي هو مورد بحثهم. ولعل مراد الشيخ الاعظم (قده) من أن الخيار واحد أنه واحد شخصي تعلق به الاسقاط، فلا محالة يسقط وإن فرض التقييد، نعم لو كان الاسقاط معلقا لا يسقط مع تخلف المعلق عليه، لعدم تعلق الاسقاط إلا على فرض معدوم (وما قيل) من أن التقييد يرجع إلى التعليق (غير وجيه) لان تقييد المتعلق لا يوجب تقييدا أو تعليقا للهيئة، كما أن تعليق الهيئة لا يوجب تقييدا في المتعلق، ونظيره الواجب المطلق المتعلق بالمقيد والمشروط المتعلق بالمطلق، هذا إذا كان الاسقاط متعلقا بالوجود الخارجي. وأما لو كان متعلقا بالعنوان الكلي فان كانا مطلقين فلا إشكال في السقوط، وأما مع تعليق الهيئة والتخلف أو تقييد المتعلق مع تخلف القيد فلا إشكال في عدم السقوط، لان الكلي المقيد لا ينطبق على فاقد القيد أو على المقيد بقيد آخر، كما أن الاسقاط المعلق لا يعقل أن يكون إسقاطا بلا حصول المعلق عليه، نعم فيما إذا تعلق بالكلي يكون الفرق بين الداعي والتقييد في محله، لكنه خارج عن محط البحث كما لا يخفى. ثم إنه على فرض أن الخيار مسبب عن أولى المراتب لو أسقط الخيار الناشئ من الغبن الافحش مثلا وكان الغبن كذلك لم يسقط، لان الغبن المذكور لم يكن سببا للخيار، هذا إذا كان المتعلق كليا، وإلا فيسقط كما مر، وعليك باستخراج الثمرة من الاحتمالات الاخر، هذا كله بحسب الاحتمال والثبوت. وأما بحسب مقام الاثبات فلا ينبغي الاشكال في أن مقتضى جميع المباني في ثبوته هو كون صرف وجود الغبن سببا له، فان صرف وجود تخلف الشرط على فرض كون المبنى هو الشرط الضمني موجب له، وصرف

[ 312 ]

وجود الضرر من غير نظر إلى مراتبه سبب، وصرف وجود الغبن على مبنى عقلائية الخيار سبب، وصرف وجود الغبن غير المتسامح به على فرض كون المبنى رواية الدعائم (1) المتقدمة أو روايات تلقي الركبان (2) على فرض دلالتها هو السبب كما هو واضح، هذا من ناحية السبب، وأما المسبب فبناء عليه هو الفرد الخاص الواحد بوحدة سببه. وأما الاسقاط فلا إشكال في تعلقه بحسب العادة بالخيار المتحقق في البيع، والتعلق بالكلي القابل للانطباق أو بنحو التعليق يحتاج إلى اعتبار زائد ودلالة زائدة، فحينئذ يكون الاسقاط موجبا للسقوط من غير فرق بين الداعي والتقييد حتى التقييد اللفظي، ومن غير فرق بين العلم بمقدار الغبن والجهل به، ومن غير فرق بين تخلف علمه عن الواقع وعدمه، ومن غير فرق بين كون الاسقاط بلا عوض أو مع العوض، كان جعل العوض بنحو الجعالة أو بنحو التصالح، كان المصالح عليه الاسقاط أو حق الاسقاط بناء على كونه حقا أو الخيار، نعم لا خفاء في أن التصالح على الاخيرين خارج عن البحث وإن اضطربت كلمات الشيخ الاعظم (قده) وبعض المحشين لكلامه في كون التصالح على الاسقاط أو على الخيار. بقي شئ: وهو أن التصالح إذا كان على الاسقاط نظير التصالح على إبراء الدين فهل يجري فيه خيار الغبن بل سائر الخيارات أم لا؟ لا لكونه مبنيا على رفع النزاع أو على المغابنة، فانهما غير مطردين، بل لان الاسقاط تعلق بالخيار، وهو أمر وجودي فأعدمه، ولا بقاء للامر العدمي حتى اعتبارا، والتصالح وإن كان عقدا لكن إذا كان طرفه الايقاع الموجب للاعدام فلا يعقل جريان التقايل والفسخ فيه، مع أن الفسخ أو التقايل في العقود المتعارفة التي يكون طرفاها وجوديين وينتقل كل من مالكه إلى


(1) المتقدمة في ص 280. (2) المتقدمة في ص 279.

[ 313 ]

الآخر يوجب رجوع كل إلى المحل الاول، ولا معنى لرجوع الساقط، بل لو ثبت الخيار بعد السقوط لابد وأن يكون سبب جديد (وتوهم) أنه مع الفسخ يرجع الساقط بسببه الاول (غير سديد) فان السبب الاول وهو إنشاء الاسقاط معدوم، والمنشأ هاهنا أمر عدمي لا بقاء له. والانصاف أن إثبات خيار الغبن هاهنا تخريص لا واقعية له، نعم لو كان المتصالح عليه هو الخيار ينتقل هو إلى الطرف، ويجرى فيه التقايل والفسخ كسائر العقود، وكذا لو تعلق بحق الفسخ بناء على كونه حقا، لكن فرض تعلقه بهما خارج عن محط البحث. ثم إن الغبن ها هنا كسائر الموراد ناش من الجهل بمقدار المالية، سواء وقع التصالح على الخيار أو حق الفسخ أو على الاسقاط، لان قيم هذه الموضوعات مختلفة بلحاظ الغبن الموجب لها. والعجب من الشيخ الاعظم (قده) حيث ذهب إلى وحدة الخيار ومع ذلك قال في المقام: (إن الجهل ها هنا بعينه لا بقيمته) هذا حال إسقاطه بعد العلم بالغبن. وأما الاسقاط قبل ظهور الغبن فالظاهر جوازه، سواء قلنا بأن ظهوره شرط شرعي أو كاشف عقلي، والاشكالات المتوهمة في المقام أمور: (أحدها) من ناحية عدم عقلائية هذا النحو من الاسقاط، أما على الشرطية فلان إسقاط ما ليس بمتحقق حينه غير عقلائي ولو كان بنحو التعليق على ثبوته، نظير طلاق غير الزوجة معلقا على زوجيتها، وعتق غير العبد معلقا على تحقق العبودية، وإبراء الدين مع عدم تحققه معلقا، فانها باطلة لعدم عقلائيتها، ولا إشكال في أن العقود والايقاعات لا بد وأن تكون عقلائية، فانها من الاعتبارات العقلائية. ولقد أجاب عنه الشيخ الاعظم (قده) بأنه يكفي في ذلك وجود

[ 314 ]

المقتضي وإن لم يتحقق شرطه ولا المشروط به، كابراء المالك الودعي المفرط أي على فرض إفراطه، وهو كلام متين، والمثال العقلائي منطبق على المورد، وما أوردوه عليه في التعليقات على كتابه أجنبي عن كلامه، ضرورة أنه لم يقل بأنه مع وجود المقتضي يكون الخيار محققا، أو مع عدم تحققه يصح الاسقاط فعلا، بل مراده دفع الاشكال العقلائي بكفاية وجود المقتضي وإن أشار ضمنا إلى دفع الاشكال العقلي أو الشرعي بالتعليق كما تعرض لهما بعد ذلك، فلو كان مراده ما توهموا لما كان وقع لكلامه الآتي، إذ مع صحة الاسقاط فعلا وتنجيزا لا معنى للتعليق، وأما على الكاشفية العقلية فيتوجه قريب من هذا الاشكال، وهو أن مثل هذا الاسقاط من الشبهة المصداقية لبناء العقلاء، والجواب هو الجواب. (ثانيها) من ناحية العقل أو الشرع بأن الاسقاط الفعلي مخالف للعقل، لعدم الخيار على فرض كون العلم شرطا، وإسقاط ما ليس بموجود محال، وعدم إحرازه على فرض كونه كاشفا والاسقاط المنجز محال لان التنجيز متفرع على العلم، والاسقاط التعليقي مخالف للشرع. فأجاب الشيخ الاعظم (قده) باختيار الشق الثاني، والمنع عن مخالفته للشرع، لعدم الدليل عليه إلا الاجماع المدعى، وهو غير ثابت في العقود فضلا عن الايقاعات، وعلى فرض تسليمه فيها لا يثبت في مثل المقام مما كان مفهوم الايقاع معلقا عليه في الواقع، كطلاق مشكوك الزوجية وإعتاق مشكوك الرقية. (ثالثها) إن التفكيك بين الايقاع والوقوع كالتفكيك بين الايجاد والوجود محال، وهو لازم في المقام على فرض الشرطية، ومحتمل على الفرض الآخر. وفيه أنه لا تفكيك بين الايقاع المعلق والوقوع فانه إنشاء فعلي لامر

[ 315 ]

استقبالي، كالواجب المعلق، أو إنشاء مشروط بشرط استقبالي، كالواجب المشروط، والسرفيه أن الامتناع انما هو في الايجاد والوجود تكوينا، لعدم إمكان التعليق والاشتراط فيه، دون التشريع والامر الاعتباري، هذا فيما إذا كان الاسقاط بلا عوض. وأما إذا كان مع العوض فقد استشكل فيه من حيث فقدان العوض على الشرطية واحتماله على غيرها، فيحكم بالبطلان. وفيه أن المفروض أن الصلح واقع على نفس الاسقاط لا على الخيار أو حق الاسقاط، ولا إشكال في أن الاسقاط له مالية باعتبار احتمال الخيار كما أن له مالية بواسطة نفس الخيار، فالمعامل الذي له علاقه ببقاء العقد لاجل كونه ذا نفع كثير ويحتمل أن يكون لطرفه خيار أو يحتمل أن يتحقق له ذلك يصير الاسقاط الموجب لسقوط الخيار على فرضه ذا قيمة عنده، ويكون موردا لرغبة العقلاء وبذل المال في قباله. وأما الشيخ الاعظم (قده) ومن تبعه فقد أعرضوا عما هو محط البحث إلى جعل الخيار مورد التصالح، فوقعوا في حيص بيص، والتوجيه والجواب مما هي أجنبية عن محط الكلام، فتدبر. (الثاني) من المسقطات اشتراط سقوطه في متن العقد، فان رجع هذا الشرط إلى عدم ثبوته وكان دفعا لا رفعا وإسقاطا كما نسب الشيخ الاعظم (قده) إلى المشهور في باب خيار المجلس فلا يرد عليه الاشكالات التي في المقام من عدم عقلائية الاسقاط قبل تحقق الحق، وعدم إمكان إسقاط ما لم يتحقق وبطلان التعليق شرعا، وعدم إمكان الجزم في الانشاء. وأما إن كان المراد اشتراط السقوط بالمعنى المتفاهم منه فيرد عليه نظير تلك الاشكالات، والجواب ظاهر مما تقدم، كما أن بعض الاشكالات التي في خيار المجلس والحيوان على ما تقدم لا يرد هاهنا، ككون الشرط

[ 316 ]

مخالفا للسنة، أو التعارض بين دليل الشرط ودليل إثبات الخيار، فان عمدة الدليل في المقام هو البناء العقلائي لا الدليل اللفظي، ولا يجري فيه ما ذكر، كما لا يجرى بناء على كون الخيار للشرط الضمني، وكذا لو كان لدليل نفي الضرر، فان الاشتراط إقدام رافع لدليل الضرر وأما مثل روايات تلقي الركبان (1) أو رواية الدعائم (2) المتقدمة فهي من قبيل المؤيدات لا الدليل المثبت. (وأما الاشكال) المحكي عن الشهيد (قده) من أنه لو اشترطا رفعه أو رفع خيار الرؤية فالظاهر بطلان العقد للغرر (ففيه) أنه إن كان المراد من الغرر في (نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر) (3) هو الجهالة كما هو الظاهر منهم ولعله المستفاد من بعض الروايات فلا ينبغي الاشكال في أنه لا يعم الجهالة بالقيمة، لا لاجل عدم دخول القيم في متعلقات البيوع، وظهور النبوي في أن ما تعلق به البيع وانتقل به إلى الطرف لا بد وأن لا يكون مجهولا وإلا لزم عدم بطلان البيع مع جهالة أوصاف المبيع ولو كانت مرغوبا فيها وموجبة لتفاوت القيم، فانها أيضا غير داخلة في متعلق البيع، فان التبادل انما هو بين ذوات المبيع والاثمان لا الذات مع الاوصاف بحيث تكون هي جزء المبيع أو الثمن، وما هو المعروف من أن للاوصاف قسطا من الثمن لا يراد منه ما هو ظاهره بل المراد انها موجبة لزيادة قيم الامتعة المبتاعة، فلو قلنا بأن الجهالة تعم الجهل بالذات وبالاوصاف المرغوب فيها لا وجه لاستثناء القيم، فانها أيضا أوصاف اعتبارية للامتعة. ولا لما قيل من أن القيم ليست من الاوصاف المرغوب فيها نوعا،


(1) المتقدمة في ص 279. (2) المتقدمة في ص 280. (3) سنن البيهقي ج 5 ص 338.

[ 317 ]

ضرورة أن باب التجارات والمكاسب هو باب التوجه صرفا إلى القيم، واعتبار الاوصاف لاجل قيمها لا لذاتها، نعم من اشترى شيئا لاستفادته الشخصية كان رغبته فيه لصفاته وخواصه لا لماليته. بل عدم شموله للجهل بالقيمة لاجل أن القيم سيما في تلك الاعصار القديمة لم تكن منضبطة تحت ميزان معلوم وقاعدة مضبوطة، ففي عصرنا أيضا ترى أن السعر في كل سوق في بلد واحد بل في كل دكة يختلف عن السعر في غيره، بحيث لو كان الشرط في البيع العلم بالقيمة اختل نظام السوق، أو وقع نوع المعاملات باطلة، لان الجهل بالقيمة أمر شائع قلما يتفق التحرز عنه، ففي مثله يكون نحو قوله: (نهى عن بيع الغرر) (1) منصرفا إلى الجهالة بذاته وبصفاته المضبوطة، كما أنه منصرف عن الصفات التي لا يعتني بها العقلاء في معاملاتهم، وهي التي خارجة عن رغبتهم، فلا إشكال في خروج الجهل بالمالية والجهل بمثل تلك الصفات عن مصب الدليل. ثم لو فرض شمول الغرر بمعنى الجهالة لمثلهما فلا إشكال في أن ثبوت الخيار لا يفيد لرفعها ولا ترتفع به، وعليه فكيف يصح القول بأن اشتراط رفع الخيار موجب للغرر. وإن كان المراد من الغرر هو الخطر ولعل نظر الشهيد (قده) إليه، لانه على الاحتمال الاول لا وجه لقوله بخلافه على هذا الاحتمال فانه يمكن أن يقال: إن الخطر الناشئ من قبل الجهل بالقيمة أو بغيرها يدفع بالخيار. لكن يرد عليه أيضا أن دخول الجهل بالقيمة في الغرر مستلزم لما تقدم في الوجه المتقدم، وعلى فرض شموله له فلا يكون الخيار دافعا


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 338.

[ 318 ]

للخطر المعاملي، فان نفس الخيار بما هو غير دافع له، وانما الرفع هو الفسخ، وهو رافع للخطر الواقع لا مانع عنه، فالمعاملة وقعت خطرية وللمغبون رفع الخطر المتوجه إليه بالفسخ، فالنهي شامل للمعاملة المذكورة وإن كانت متعقبة بالفسخ، فالتعقب بما يدفع الخطر هاهنا كالتعقب بحصول العلم في الفرض السابق مع وقوع المعاملة مجهولة. ثم إنه قد يتوهم ورود الدور في المقام وإن قلنا بأن الخيار موجب للصحة، لان الخيار لا يكون إلا في البيع الصحيح، فوجوده يتوقف على صحة البيع، فلو كانت الصحة متوقفة عليه لزم الدور. وفيه مالا يخفى، فان هذا دور معي لا مانع منه، فصحة العقد وخياريته تحققتا معا، وإن شئت قلت: إن الخيار متحقق في المعاملة الصحيحة بنفس الخيار، ولا مانع منه. وهنا وجه آخر نقل عن بعض الاجلة، وهو أن نفس شرط السقوط غرري للجهل بالغبن وبالخيار، وحيث إن الشرط كالجزء من أحد العوضين يتفاوت به قيمتهما يسرى الغرر منه إلى العوضين، فيفسد البيع وإن لم نقل بمفسدية الشرط في غير المقام، بل وإن لم نقل بشمول النهي عن الغرر له، فان الشرط بوجوده موجب للغرر في البيع لا بحكمه. وفيه مضافا إلى أن تماميته مبنية على شمول النهي عن الغرر للجهل بالمالية والقيمة، وقد عرفت عدم شموله له أنه لا إشكال في أنه مع اختلاف قيم الاشياء بواسطة ضم الشروط إليها، واختلاف القيم باعتبار اختلاف الشروط كما تختلف قيمة شرط سقوط الخيار المعلوم مع شرط سقوط المجهول، وفي الثاني تختلف من حيث اختلاف الغبن المحتمل، فإذا كان الغبن المحتمل عشرة يكون لشرط سقوط الخيار قيمة عقلائية، وإذا كان مأة كان له قيمة أزيد، فمع كل احتمال قيمة عادلة لابد من العلم بها

[ 319 ]

قبل العقد بالسؤال عن أهل الخبرة أو بمراجعة السوق مثلا، فإذا جهل بها بطل، وإذا علم صح، كما أنه مع عدم شرط السقوط يكون للمتاع قيمة بخلافها مع شرطه، فالاشتراط وعدمه غير موجبين للجهل بالقيمة وعدمه، فمع قصد الاشتراط يمكن العلم بالقيمة العادلة، فيدفع به الغرر ومع عدمه أيضا يمكن العلم وعدمه، والاسلم من بين الاحتمالات هو الاحتمال الثاني، مع أنه أيضا غير وجيه كما عرفت. وهنا احتمال آخر مبني على التوجيه الاخير، بعد البناء على أن للخيار أفرادا متعددة حسب اختلاف مراتب الغبن، كما أشرنا إليه سابقا بأن يقال: إن الخيار الناشئ عن الغبن بمقدار العشرة غير الخيار الناشئ عنه بمقدار الخمسة، ومع الجهل بالمقدار وبأصل الخيار لا يعلم أن هنا خيارا حتى يسقط، وعلى فرضه لا يعلم أن أي الافراد يسقط، وهذا هو الغرر. وفيه أنه مع الغض عن ايجابه الجهل بالقيمة لا وجه لسراية الغرر إلى البيع، وقد عرفت أن الشرط لا يوجب الجهل بالقيمة، فعلى فرض تسليم المبنى الفاسد لا يبطل العقد ببطلان الشرط. وأما خيار الرؤية فيقال: إن اشتراط سقوطه ينافي اشتراط الاوصاف أو الاخبار الضمني المستفاد من التوصيف، فيقع البيع معه بلا توصيف واشتراط وهو الغرر. وفيه أن ما يدفع الغرر هو التوصيف أو الاشتراط، ولا ينافيهما اشتراط سقوط الخيار معلقا على تخلف الشرط، كما لا ينافي الاخبار التنجيزي بطلوع الشمس مع الاخبار التعليقي بأنه لو لم تكن طالعة فالليل محقق، فليس هذا الاشتراط أي اشتراط سقوطه على فرض ثبوته وعلى فرض تخلف الوصف إلقاء للتوصيف، ولا في حكمه وبمنزلته، بل لا يعقل ذلك، بداهة أنه لا يمكن رفع الحكم لموضوعه، فالدافع للغرر هو نفس

[ 320 ]

التوصيف، وهو حاصل، سواء شرط السقوط أم لا، مع أن رفع الغرر قد يكون بتوصيف الغير، وبرؤيته حال حضوره واطمئنانه بالبقاء، فعلى فرض تسليم ما تقدم لا يطرد كما لا يخفى. (الثالث): تصرف المغبون بعد العلم بالغبن تصرفا مسقطا لبعض الخيارات المتقدمة، والكلام هاهنا في سقوط الخيار بالتصرف بما هو تصرف، لا في الاسقاط الفعلي المشروط بقصده مع كون الفعل آلة للاسقاط عند العقلاء، وإلا فقد تقدم في بعض المباحث السابقة أن في الاسقاط العملي كالاسقاط القولي لابد من كون الفعل المسقط دالا عقلائيا مقصودا به الاسقاط وبدونهما لا يقع به الاسقاط، كما قلنا: إن الفعل لا يصلح للاسقاط التعليقي، فقبل تحقق الخيار لا يكون الفعل صالحا للاسقاط، كما لا يصلح له قبل العلم به، وقصد الاسقاط التعليقي بالفعل لا يوجب كونه مسقطا عقلائيا، لان التعليق في الفعل غير معقول، والقصد بلا دال عقلائي غير مسقط. وأما الفعل الدال على الرضا بالعقد ولو بقاء فلا يوجب السقوط، سواء قلنا بأن الخيار حق الفسخ أو حق الفسخ والابرام. (وتوهم) أن في الابرام يكفي الرضا الفعلي أو القولي (غير وجيه) لان حق الابرام كالفسخ يحتاج في إعماله إلى إنشائه والرضا والدال عليه غير إنشاء الابرام، فلا بد من قيام الدليل على كون نفس الفعل الدال على الرضا إبراما، نعم الفعل الدال على الالتزام بالعقد هو عبارة أخرى عن الدال على الابرام، وهو غير الرضا به. وما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من التمسك ببعض معاقد الاجماعات بأن تصرف ذي الخيار فيما انتقل إليه اجازة غير وجيه، كالتمسك بعموم العلة الواردة في خيار الحيوان، وقد مر الكلام فيه. (وأما ما أفاده) من قصور دليل نفي الضرر والاجماع عن إثبات الخيار

[ 321 ]

حال الرضا، بدعوى أن الاول كما لا يجري مع الاقدام عليه من أول الامر كذلك لا يجري مع الرضا به بعده، وأن الثاني غير ثابت معه. فان كان مراده من عدم الجريان أن دليل نفي الضرر لا يشمل العقد المتعقب بالرضا من أول الامر وأن الاجماع لم يقم على خيارية العقد المتعقب به من أول الامر، فمع الرضا ينكشف عدم الخيار من حال حدوث العقد ففيه ما لا يخفى فان إطلاق دليل نفي الضرر يقتضي نفي اللزوم ولو تعقب بالرضا، والتقييد يحتاج إلى الدليل، ولازم عدم ثبوت الاجماع أيضا عدم خيارية العقد الضرري من أول الامر، ولا أظن التزام أحد بذلك. وإن كان المراد ان دليل نفي الضرر في البقاء والحالات المتأخرة لا يجري وكذا الاجماع لم يثبت فيه، فالذي يمكن أن يقرر به هذه الدعوى هو أن يقال: إن دليل وجوب الوفاء سواء كان كناية عن لزوم العقد أو دالا على الوجوب التكليفي المنتزع منه اللزوم له عموم أحوالي، بحيث يكون الوفاء في كل قطعة من الزمان واجبا مستقلا ينتزع منه لزوم مستقل فيكون في كل عقد وجوبات حسب قطعات الزمان، ودليل نفي الضرر حاكم على كل منها، فإذا كان في حال حدوث العقد جاهلا بالضرر غير مقدم عليه وقع العقد خياريا بدليل نفي الضرر، فإذا علم بالخيار والغبن ورضي به لا يجري الدليل، ولا يكون حاكما على المصداق الحاضر من وجوب الوفاء (أو يقال): إن دليل وجوب الوفاء يثبت لزوما مستمرا باستمرار الزمان قابلا للتقطيع، ودليل نفي الضرر جار في القطعة الحادثة دون القطعة الاخرى، لتعلق الرضا بالغبن فيها. وفيه مضافا إلى أن لازم ذلك أنه لو أقدم حال الحدوث وكره عنه في القطعة المتجددة أن يصير العقد خياريا، بعد ما كان لازما، وهكذا أن يكون له في كل قطعة حكم على حدة، فيلحق بالعقد خيارات ولزومات

[ 322 ]

كثيرة، ومضافا إلى أن لازم ذلك جواز إسقاط الخيار في قطعة من الزمان دون أخرى. وهما فاسدان بالضرورة، ولا أظن تفوه أحد به (وتوهم) أن الخيار الواحد ينتزع من التكاليف الكثيرة (في غير محله) أن كون مفاد دليل وجوب الوفاء ذلك باطل، وغاية الامر أن لدليل وجوبه إطلاق في كل عقد، ومقتضاه أن العقد بما هو تمام الموضوع لوجوب الوفاء، لا أن لكل قطعة وجوبا، ولا أن له وجوبا جعليا مستمرا، ومع عدم ذلك لا وجه لما أفاد، وبقية الكلام يأتي إنشاء الله تعالى، هذا حال تصرفه قبل العلم بالخيار أو بعده تصرفا غير متلف أو ما بحكمه. وأما التصرف المتلف أو المخرج عن ملكه كالبيع اللازم والوقف والعتق فان كان قبل العلم بالغبن والخيار فلا يكون مسقطا اختياريا حتى مع القصد، لما عرفت من عدم صلاحية الفعل ولو مع القصد للاسقاط التعليقي فضلا عن عدم القصد، لكن يمكن أن يقال: لا يعقل بقاء الخيار مع الاتلاف أو التلف السماوي وما بحكمهما في مطلق الخيارات، لعدم تعقل إعمال الخيار، من غير فرق بين كونه متعلقا بالعين أو بالعقد، فان الفسخ عبارة عن حل العقد المتعلق بالعين، فلا بد للفسخ من عمل مقابل عمل العقد حتى يكون به فسخا، والعين التالفة لا يعقل رجوعها إلى البائع ويلحق بها التالف الحكمي. (وما قد يقال): من أن الفسخ موجب لحل القرار العقدي، فمع وجود العين يردها، ومع عدمها يرد بدلها، فيكون ردا تقديريا (لا يرجع إلى محصل) لان الفسخ مقابل للعقد، ولا يعقل أن يكون عمله إلا حله، والعقد لم يتعلق بالبدل على تقدير عدم العين، ففي فرض عدم العين لو أفاد رد البدل لم يكن مفهوم الفسخ صادقا ومنطبقا عليه. والتحقيق أن يقال: إن ماهية العقد كما مر الكلام فيها غير مرة

[ 323 ]

عبارة عن المبادلة الانشائية وإن لم يترتب عليها الاثر الفعلي، بدليل أن البيع الفضولي بيع حقيقة، ولا يعقل تحقق البيع مع عدم تبادل بين السلعة والثمن ومن الواضح أن التبادل الحقيقي بمعنى صيرورة العين ملكا حقيقيا اعتباريا للمشتري والثمن ملكا للبائع غير معقول، لعدم حصول ذلك قبل الاجازة فلا بد من أن يكون التبادل إنشائيا بنحو الجد، فالبيع صادق عرفا وشرعا مع عدم النقل الفعلي، فيكون تمام ماهيته هو النقل الانشائي. بل قد تقدم منا أن تمام ماهية البيع يوجد بالايجاب فقط، والقبول لا يكون من مقومات ماهية البيع، بل حاله حال الاجازة، ففي جميع المعاملات يكون التبادل الانشائي مقوما لماهيتها، بل ما هو تحت قدرة المتعاملين ليس إلا ذلك، فان الملكية الواقعية والنقل الحقيقي من الاعتبارات العقلائية أو الشرعية، وليست تحت قدرة المتعاملين، فالمتحقق بعملهما هو المعاملة الانشائية، وهي موضوعة لحكم العقلاء مطلقا أو مع شرط كالاجازة في الفضولي، فإذا تحقق البيع الانشائي الفضولي يصير المبيع ملكا إنشائيا للمشتري والثمن بالعكس، ولا يعقل أن يتحقق البيع أي المبادلة الكذائية ولا يصير البائع مالكا، فالملك إنشائي، والبائع والمشتري مالكان بالملك الانشائي، ولا منافاة بين كون العين ملكا حقيقيا للاصيل قبل إجازته وملكا إنشائيا للفضولي. وعلى ذلك لا يعقل أن يكون الفسخ ردا للعين حقيقة، بل بمقتضى كونه حلا للعقد يرجع به الملك الانشائي، فالعين وقف حقيقة وملك إنشائي للفاسخ، وكما أن العقد الانشائي موضوع لحكم العقلاء بالمالكية الحقيقية تارة بنحو الاطلاق إذا كان المعامل أصيلا، وأخرى مع شرط، كذلك الفسخ بعد تحققه وحل العقد الانشائي به يصير موضوعا لحكم العقلاء تارة برد العين إذا كانت موجودة، وأخرى برد مثلها أو قيمتها، وهذه الاحكام

[ 324 ]

لادخل لها في ماهية الفسخ، كما لا دخل لحكم العقلاء بكون المبيع ملكا حقيقيا للمشتري في ماهية البيع. وفي العين التالفة يتصور ذلك ايضا، لان العقد المتعلق بها حال وجودها باق حتى بعد تلفها لا بمعنى التعلق حال التلف، بل بمعنى أن المتعلق بالموجود باق إلى حال تلفه، والفسخ حل العقد الباقي، ويرجع العين إنشاء لا حقيقة بواسطة الفسخ، وحكمه العقلائي ما عرفت، هكذا ينبغي أن يحقق في المقام في دفع الاشكال، هذا حال الاشكال المشترك. وأما المختص بخيار الغبن على فرض كون دليله حديث نفي الضرر فقد يقال: إن دليل نفيه قاصر عن إثبات الخيار، والمتيقن منه هو جواز رد العين المغبون فيها، فإذا امتنع ذلك فلا دليل على جواز الفسخ، ولو سلم ثبوته به وإطلاقه لحال تلف العين لكن إخراج المغبون العين عن ملكه التزام بالضرر ولو جهلا منه به، ولو سلم عدم التزامه وإطلاق دليل الخيار لهذا الحال يعارض تضرر المغبون بتضرر الغابن بقبول البدل. وقد أجاب عنه الشهيد السعيد (قده) على المحكي بما لا يخلو من جودة على بعض الاحتمالات. ويمكن أن يقال في تقرير الاشكال على الشق الاول: إن دليل لزوم العقد إن كان هو (أوفوا بالعقود) (1) فبناء على إبقائه على ما هو ظاهره من الوجوب التكليفي يكون مفاده وجوب العمل على طبق مفاد العقد، كما هو الظاهر من الوفاء بالعقد والنذر ونحوهما، فيجب رد المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع، ولو وقع التراد يجب العمل على ذلك بقاء، فالرد إلى ملكه ثانيا مخالف لوجوب الوفاء وإدامة العمل على طبق مضمونه، ومن المعلوم أن العين إذا تلفت أو خرجت عن تحت قدرة المشتري لا يبقى


(1) سورة المائدة: 5 الآية 1.

[ 325 ]

للوفاء معنى، فدليل نفي الضرر انما يجري إذا كان لوجوب الوفاء تحقق، ومع تلف العين لا معنى لجريانه ولا للحكومة، ورد البدل ليس مفاد وجوب الوفاء، فلا وجه لوجوبه ولا لجوازه (فيصح أن يقال): إن دليل نفي الضرر لا يدل إلا على جواز رد العين، ومع عدمها يمتنع ذلك، فإذا امتنع رد المعوض امتنع استرداد عوضه بمعنى تراد العوضين، فالعقد لازم لذلك، نعم لو كان وجوب الوفاء كناية عن لزوم البيع يكون تراد العينين أجنبيا عن مفاده. وفيه ما لا يخفى من فساد المبنى، ضرورة عدم حرمتين تكليفيتين مع عدم رد المبيع إلى صاحبه: حرمة من قبل غصب ماله أو حبسه، وأخرى من قبل عدم الوفاء بالعقد، بل الظاهر أنه كناية عن اللزوم كما تقدم الكلام فيه، بل لو كان الحكم تلكيفيا ينتزع منه لزوم العقد، وليس فيه لزومات عديدة ولا وجوبات كذلك، فلا يفترق هذا عن البناء على كونه كناية عن اللزوم، فإذا جرى دليل نفي الضرر عند حدوث المعاملة يسلب منها اللزوم سواء قلنا بحدوث الخيار أم قلنا بالجواز، ولابد في رفعه من رافع إسقاطا أو انقلابا إلى اللزوم. وإن شئت قلت: إن اللزوم مستفاد أو منتزع من نفس وجوب الوفاء المنطبق عليه حال حدوثه بلا قيد. ويمكن أن يقال في تقريب قصور دليل نفي الضرر بأنه على فرض الاطلاق لا يصح الاخذ به، للزوم التخصيصات الكثيرة المستهجنة، كما قرر في محله في الاشكالات الواردة عليه على مبنى القوم، ولا يصح التفصيات المذكورة عنه، فلا يصح العمل بدليله إلا إذا عمل المشهور على طبقه، لاستكشاف قرينة حافة به مجهولة عندنا لئلا يلزم الاستهجان، ولم يحرز عمل المشهور به فيما إذا تلفت العين، بل قيل: إن المشهور من عصر المحقق (قده)

[ 326 ]

ومن بعده على عدم الخيار مع التلف الحقيقي أو الحكمي، وهذا هو المناسب للتعبير الوارد في كلام الشيخ الاعظم (قده) من أن المتيقن من دليل نفي الضرر هو جواز الرد مع وجود المبيع، فانه مع إطلاق دليله لا وقع للقدر المتيقن، وعلى ذلك فعلى فرض دلالة دليل نفي الضرر على الخيار أيضا يكون المتيقن منه إلى زمان قدرة المشتري للرد. نعم يبقى الكلام في أن اللازم في المورد بعد عدم الاطلاق لدليل نفي الضرر هل هو التمسك بعموم وجوب الوفاء أو باطلاقه أو استصحاب الخيار أو الجواز؟ وأما قضية إقدام المغبون إذا أتلفها حقيقة أو حكما على الالتزام بالضرر ولو مع جهله ففيه مع الغض عن أنه مع الجهل لا يكون إقداما عليه أن الاقدام عليه لا يصلح لاسقاط الخيار، إلا أن يكون الفعل دالا عليه تعليقا، وهو ممنوع، ومجرد الرضا بالضرر بل الالتزام به لا يوجب سقوطه. وأما قضية معارضة الضررين فهي ممنوعة، فانه مع الغض عن أن الضرر بحسب العرف واللغة هو النقص في الاموال والانفس، ونقض الاغراض لا يعد ضررا لو فرض إطلاق دليل نفي الضرر لحال تلف المبيع واثبات الخيار به، وفرض كون نقض الغرض ضررا انما يقع البائع في الضرر لاجل اللاضرر المثبت للخيار، ولازم نفي دليل الضرر للحكم الناشئ منه هذا الضرر حكومة مصداق من دليله على مصداق آخر، فان اللاضرر الجاري في طرف المشتري ينفي اللزوم ويجعل البيع خياريا، وهو ضرر على البائع، واللاضرر الجاري في طرف البائع ينفي اللاضرر الجاري في طرف المشتري الموجب للضرر، ولازمه حكومة أحد المصداقين من الدليل على الآخر لا تعارض الفردين من الضرر، ونتيجة ذلك عدم الخيار للمشتري المغبون.

[ 327 ]

ومع الغض عن الحكومة أو المناقشة في حكومة مصداق على مصداق من دليل واحد وإن لا مانع منها في نحو هذه الحكومة فالظاهر على هذا المبنى أيضا أي مبنى معارضة دليل نفي الضرر في مصداقين تقدم ما في طرف الغابن على ما في طرف المغبون، لان النسبة بين الدليل في المصداقين هي العموم المطلق، فان ما يثبت الخيار للمغبون باطلاقه شامل لحال وجود العين وتلفها، كان التلف حقيقيا أو حكميا، وما ينفيه يختص بحال تلفها فمفاد الدليل في طرف المغبون نفي اللزوم مطلقا، اللازم منه الخيار على الفرض، أو اللازم منه الجواز على فرض آخر، ومفاده في طرف الغابن نفي الخيار أو الجواز في خصوص حال التلف، والجمع العقلائي يقضي بتقييد المطلق لاإيقاع التعارض بينهما، هذا كله مع تسليم إطلاق دليل نفي الضرر لحال لزوم الضرر منه، وإلا فلا موضوع للتعارض. وربما يناقش في الاطلاق تارة بأن دليل نفيه بما أنه ورد منة على العباد لا يعقل إطلاقه لحال ضرريته، فانه دليل نفي الضرر لا إثباته، وأخرى بأنه لا معنى لاثبات الخيار ثم نفيه، فانه لغو. وفيه أنه لا يراد من كونه منة أنه كذلك بالنسبة إلى الناس مطلقا، بل لا بد على فرض كونه منة من ملاحظة المنة بالنسبة لخصوص من جرى في حقه وهو المغبون، فالمصداق الجاري للمغبون منة عليه باطلاقه، ولا يلزم أن يكون منة على الغابن، وإلا فاثبات الخيار للمغبون خلاف المنة على الغابن كما لا يخفى، وأما إثباته ثم نفيه فليس إلا إثباتا قانونيا إنشائيا، والجد يخالفه كما في جميع المطلقات والمقيدات والعمومات ومخصصاتها. ثم إنه ربما يفصل بين التلف الحقيقي والحكمي كالبيع اللازم والعتق والوقف وأمثالها بأن مقتضى البناء على توقف الخيار على إمكان الرد أنه مع التلف الحقيقي يسقط الخيار، وأما مع التلف الحكمي فحيث يمكن الرد

[ 328 ]

برفع الموانع لا يسقط الخيار، بل لازم ثبوت الرد بدليل نفي الضرر هو رفع جميع الموانع منه، فيكون دليل نفيه حاكما على جميع الادلة المانعة للرد، كدليل لزوم البيع والعتق والوقف، فكما أن للمغبون حل البيع الاول لحكومة دليل نفي الضرر على دليل لزومه كذلك له حل كل عقد أو إيقاع وقع على العين بدليل حكومته على أدلة لزومها، فيثبت الخيار في التلف الحكمي دون الحقيقي. وفيه أن المراد من إمكان رد العين هو إمكان رده في الملك لا الرد الخارجي، ضرورة أن الرد الخارجي لا يكون مفاد الدليل، والرد الاعتباري لا يعقل مع تلف العين، سواء كان حقيقيا أو حكميا، فمع تسليم المبنى لا وقع لهذا الاشكال، فان دليل نفي الضرر قاصر عن إثبات الرد في هذا الحال. ثم إنه لا فرق في جميع ما تقدم إشكالا وجوابا وما هو مقتضى الادلة بين كون المغبون مشتريا أو بائعا لا في أصل ثبوت الخيار ولا في سقوطه على اختلاف المباني، إلا أن يقال: دليل ثبوته على فرض كونه لا ضرر قاصر عن إثباته للبائع، لعدم الجابر، ولكنه ضعيف لا يعتنى به، أو يقال: إطلاقه شامل لحال تصرف البائع في الثمن، ولا مانع من الاخذ به، لعدم الشهرة أو الاجماع على سقوطه به، بخلاف تصرف المشتري في المبيع، وهذا أيضا كسابقه في الضعف، لعدم الاجماع ولا الشهرة المتبعة في تصرف المشتري أيضا. ولا فرق في التصرف الناقل بين الجائز وغيره، أما على المذهب المنصور من أن حق الفسخ متعلق بالعقد لا بالعين، وأن الفسخ حل العقد الانشائي، وأن رد البدل بعد عدم صلاحية العين للرد حكم عقلائي، فلان الفسخ لا يؤثر في رد العين، لعدم كونه مقتضيا لذلك، وحكم العقلاء مترتب على الفسخ الانشائي وتابع له، لا حكم مستقل برد العين الخارجي

[ 329 ]

كائنة ما كانت، ومع عدم كونها ملكا فعليا للمشتري لا يحكم العقلاء إلا بالبدل، والحكم بتحصيلها بالفسخ مثلا ينافي تبعية حكم العقلاء للفسخ. وأما على القول بأن مقتضى الفسخ وحل العقد رد العين إلى محلها الاصلي فالامر أوضح، لان المفروض أن العين خارجة عن ملكه، فلا يعقل تأثير الفسخ في ردها إلى محلها، نعم لو كان فسخ العقد الاول صالحا لان يكون بنحو الكناية فسخا للعقد الثاني ليحصل الملك الموقوف به فسخ العقد الاول لكان للفرق وجه، لكنه ممتنع، فلا يعقل أن يكون الفسخ بلفظ واحد تملكا للعين وفسخا للعقد كما هو ظاهر. وهنا وجه آخر للفرق، وهو دعوى أن الفسخ كالبيع في كونه عند العقلاء موقوفا على إمكان التسليم، فكما أن البيع مع امتناع تسليم العوضين وتسلمهما غير عقلائي كذلك الفسخ، ففي مورد الخروج عن ملكه لزوما كالوقف والعتق والبيع اللازم يمتنع التراد المعتبر في الفسخ على وزان اعتباره في البيع، بخلاف الخروج بنحو الجواز لامكانه معه. ويردها بأن اعتبار ذلك في العقود مسلم دون الفسخ، لان حكم العقلاء بالبدل عند فقد العين كاف في عقلائيته، ومن الواضح أن هذا غير جار في البيع. ولو اتفق زوال المانع بالفسخ أو بالبيع الجديد فان كان بعد الفسخ وقبل رد البدل فالظاهر عدم رجوع العين، لان الفسخ أثر أثره من إرجاع البدل على القول به أو رجوعه بحكم العقلاء، ولا ينقلب عما هو عليه، ودعوى كونه من قبيل بدل الحيلولة بلا دليل، وأولى بذلك ما إذا زال المانع بعد الفسخ ورد البدل، وأما إن كان قبل الفسخ فالظاهر كونه مؤثرا في ردها. وقد يفرق في الفرض بين الفسخ والنقل الجديد بأن الفسخ موجب

[ 330 ]

لعود الملكية الاولى عرفا، والزائل العائد كالذي لم يزل، فيكون الفسخ مؤثرا في رجوع العين وواقعا في محله، وأما في الملك الجديد فلا يكون الفسخ مؤثرا، ويكون العائد كالذي لم يعد، فان حقيقة الفسخ رد ما هو مملوك بالعقد المفسوخ، وهذا ليس مملوكا بالعقد الذي يراد فسخه، بل مملوك بالملك الجديد، وليس مقتضى الفسخ رده. إلا أن يقال: إن رد العين بالفسخ مع وجودها فعلا في ملك المشتري عقلائي، ولا يلتفت العقلاء إلى أنها حصلت بملك جديد أم لا، وإن شئت قلت: إن علاقة العقد الاول لم تسلب عن العوضين، تأمل. ثم إن الفروع التي ذكرها الشيخ الاعظم (قده) كالاجارة والامتزاج والتغير بالزيادة والنقيصة، فعلى المذهب المنسوب إلى المشهور لو قيل: إن دليل نفي الضرر مطلق يوجب الخيار أو الجواز مطلقا، وانما يقيد بالاجماع أو الشهرة المعتمدة لم تلحق تلك الموارد ونحوها بالتلف أو النقل اللازم، لان المتيقن منهما غيرها، وإن قيل بقصور دليله وعدم إطلاقه فالمتيقن منه عدم تغيير العين وبقاؤها على ما هي عليها حال البيع، فتلحق به، وكذلك لو قيل بالاطلاق، لكنه لا يجوز العمل به إلا مع إحراز عمل المشهور به فان ورود التقييدات الكثيرة الموجبة للاستهجان كاشف عن احتفافه بقيود لم تصل الينا. وأما على المذهب المنصور من ثبوت الخيار حتى مع التلف فعلى فرض إطلاق دليل نفي الضرر وثبوت الخيار أو الجواز في تلك الامثلة يقع الكلام في أمر آخر، وهو أنه هل يرجع العين عند الفسخ فيها أو أنها تلحق بالتلف الحقيقي والحكمي في الرجوع إلى البدل مثلا أو قيمة؟ والذي يمكن أن يقال: إنه بناء على ما اختاره بعض الاعاظم (قده) من أن العقد لما وقع على العين بصورتها الشخصية والنوعية وبماليتها فالفسخ

[ 331 ]

أيضا على طبقه، وبه ينحل العقد، ويرد جميع ما تعلق بها مع وجودها، ومع فقد الشخصية ووجود المثل يرد المثل، ومع فقده أيضا يرد مالية العين، فالقول بالبدل انما هو لاقتضاء الفسخ له، فاللازم على هذا المبنى رجوع العين بمقدار بقائها والبدل بمقدار التلف أو الخروج عن الملك، ففي الاجارة ترد العين، ويجبر النقص على احتمال، وفي الامتزاج يرد ربع المجموع، نصف ما تعلق به العقد إن كان الامتزاج بالمساوي وزنا، وإلا فبالنسبة، ضرورة أن الشركة لا توجب تلف العين وإعدامها وحدوث عين أخرى، وانما خرج بالامتزاج الموجب لها نصف العين مشاعا عن ملكه وبقي النصف المشاع، فيرد الباقي ويرد البدل في غيره ويجبر النقص، وكذا الحال في التغيير بالنقيصة، وكذا في الزيادة الموجبة للشركة، ومع عدمها يرد العين ويجبر النقص. وأما على المختار في الفسخ من كونه حلا للعقد الانشائي وكون رد العين أو البدل حكما عقلائيا مترتبا عليه فلا يبعد جريان ما ذكر أيضا، هذا كله في تصرف المغبون. وأما تصرف الغابن فعلى بعض الوجوه المذكورة في المغبون يسقط به الخيار إن كان التصرف متلفا ولو حكما، كالوجه المتقدم الذي ذكرناه، وقلنا: إنه مشترك بين الخيارات، وهو أن الفسخ لا يعقل إلا مع بقاء العوضين، وكبعض الوجوه الاخر، كقصور دليل الخيار بالوجهين المتقدمين نعم لا يجري فيه بعض ما تقدم هناك، كدلالة التصرف على الرضا، وكالتشبث بالدليل التعبدي ومعارضة الضررين. والتحقيق كما مر بقاء الخيار معه، فلو فسخ ووجد العين خارجة عن ملك الغابن لزوما بالبيع اللازم أو بالعتق أو الوقف فهل يتسلط على إبطاله أولا؟ وعلى الاول فهل له إبطاله من حينه أو من الاصل؟ والمسألة متفرعة

[ 332 ]

على البناء على صحة تصرفه ونفوذه. وجه القول بأن له الابطال من الحين هو أن يقال: إن تصرفه جائز تكليفا ووضعا، سواء قلنا بأن الخيار حق متعلق بالعقد أو بالعين، فان التصرفات المذكورة لا تنافي حق المغبون قبل الفسخ ولو مع العلم بالغبن فضلا عما قبله، فلا يكون حقه مانعا عن نفوذها، وليس هذا الحق كحق الرهانة، بل هو كحق المستأجر المتعلق بالعين المستأجرة لاستيفاء المنافع، حيث إن نفوذ بيعها لا مانع منه، فانه غير مزاحم لحقه، فالحق بما هو لا يكون مانعا عن صحة التصرفات ولو تعلق بالعين، بل لزوم العقد بالنسبة إلى المتعاملين لا يزاحمه أيضا، ومقتضى دليل السلطنة صحة التصرف، كما أن مقتضى الادلة لزومه، وإنما المزاحم لزومه بالنسبة إلى المغبون لكن لا مطلقا، بل حال إعمال الخيار، فما هو المزاحم هو اللزوم بالنسبة إليه حال إعمال الخيار، فيندفع به مزاحمه، وينفسخ العقد أو النقل الوارد على العين لتقدم حق المغبون عليه وثبوته قبله، ومقتضى ذلك هو الابطال من الحين. (وما يقال) من أن الابطال من الحين لازمه حصول الملك المحدود إلى حينه، بل مقتضى فسخ البيع الاول تلقي الملك من الغابن لا من المشتري الثاني، ولا يكون ذلك إلا بالابطال من الاصل (غير وجيه) فان الابطال أو الانفساخ غير المحدودية، وأما التلقي من الغابن فهو يحصل بالفسخ وإن كان إبطالا من الحين، فانه حل العقد الذي بينه وبين المغبون وبحله يبطل بيع الغابن، فيرجع الملك إليه ثم منه إلى المغبون، فالابطال من الحين أو من الاصل لا يفترقان، نعم لو قيل ببطلان تصرف الغابن رأسا يكون التلقي منه بلا وسط، لكن المفروض صحة التصرف. ثم إنه لا فرق في دعوى المزاحمة بين كون حق الخيار متعلقا بالعين أو بالعقد، فانه على الثاني أيضا يقع المزاحمة بينهما، بدعوى أن ماهية الفسخ

[ 333 ]

هو حل العقد وإرجاع كل عوض إلى محله الاول، حتى على القول بأن الحل مع فقد الخصوصية الشخصية يقتضي رجوع البدل، ضرورة أن إرجاع الشخص مع إمكانه مقدم، وعدم إمكانه في التصرفات اللازمة موقوف على عدم حق إبطال العقد الثاني للمغبون، وهو مخالف لتقدم حقه عند المزاحمة. (فما قيل) في جواب القائل من أن الخيار حق متعلق بالعقد لا بالعين أو أن مقتضى الفسخ مع فقد العين إرجاع البدل والمانع الشرعي كالعقلي (في غير محله) لان مقتضى الفسخ رجوع العين مع إمكانه، ومع المزاحمة وتقدم حق المغبون يكون إرجاعها ممكنا، فتدبر جيدا. لكن يرد على إمكان إرجاع العين وتسلط المغبون على الابطال أنه بعد فرض عدم مزاحمة حق الخيار لنفوذ التصرفات اللازمة، ولزومها بالنسبة إلى المتعاقدين، ولهذا كان المفروض صحة التصرفات المذكورة فالقائل بجواز الابطال (إما قائل) بثبوت حق فسخ العقد الثاني للمغبون حال فسخ العقد الاول، وبكون فسخه موجبا لحل العقد الثاني أولا ورجوع العين إلى الغابن، ثم موجبا لفسخ العقد الاول، فيتلقى العين من الغابن وتنتقل من ملكه إلى ملك الفاسخ، ولا يخفى أنه ممتنع، لان إيقاع الامرين المترتبين سيما إذا كان أثر أحدهما موضوعا للانشاء في الآخر بلفظ واحد محال، فلا يعقل أن يكون إنشاء فسخ العقد الاول موجبا لفسخ العقد الثاني ثم بعد رجوع العين يؤثر في إرجاعها إلى المغبون بالفسخ المذكور، وهو واضح، ولا فرق في الاستحالة بين القول بثبوت حق للمغبون، أو القول بالجواز وأن المزاحمة توجب بطلان العقد الثاني. (أو قائل) بأن لصاحب الخيار يثبت حق فسخ العقد الثاني قبل فسخ الاول، فيفسخه مقدمة لفسخه، وفيه أن الحق إن جاء من قبل

[ 334 ]

المزاحمة فلا يعقل ثبوته قبلها، والمفروض أن قبل إعمال الخيار لا مزاحمة، وإلا لزم بطلان العقد الثاني من رأس، لعدم الفرق بين القرب والبعد من الفسخ. (أو قائل) بأن العقد الثاني ينفسخ قبل فسخ الاول ليتلقى العين من الغابن، وفيه أن الانفساخ لا بد له من سبب، ولا يعقل أن يكون فسخ العقد الاول سببا له، مع أن المفروض أنه لا مزاحمة بين النقل اللازم والحق قبل حال الفسخ، وإلا لزم البطلان من رأس. ويمكن تقريب الانفساخ أو حق الابطال وخيار الفسخ قبل إعمال الخيار بوجه آخر، وهو أن مقتضى إطلاق دليل خيار المغبون أن له الخيار حتى مع التلف الحقيقي والحكمي، ومعنى الخيار حق فسخ العقد ورد العوضين إلى محلهما قبل العقد، فاطلاق دليله في غير التلف الحقيقي يكشف عن القدرة الفعلية لذي الخيار، ومقتضاه كشف انفساخ العقد قبل إعمال الخيار، وانما قلنا قبل إعماله جمعا بين إطلاق دليله وإطلاق دليل صحة البيع ولزومه، وانما قلنا بانفساخه دون الرجوع إلى البدل لتقدم دليل الخيار على دليل الصحة واللزوم، لتقدم تعلق حقه، فالانفساخ قبله آنا ما هو مقتضى العمل بالادلة بالمقدار الممكن، وتقديم دليل الخيار على دليلهما وكشف الانفساخ من إطلاق ما يدل على القدرة الفعلية، ولو قلنا بالكشف عن القدرة ولو مع الوسط كان المنكشف حق فسخ العقد قبل إعمال الخيار، فله إبطاله مقدمة لاعمال خياره، ولا فرق في ذلك بين القول بتعلق حق الخيار بالعقد أو بالعين وبين القول بأن مقتضى الفسخ رد البدل مع فقد العين، والجواب عنه بأن التلف الحكمي كالحقيقي في غير محله. لكن يرد عليه في خصوص خيار الغبن أن الدليل لاثباته إن كان البناء العقلائي كما هو التحقيق أو الشرط الضمني فلا مجال لهذا التوهم، ضرورة

[ 335 ]

أن ثبوت الخيار العقلائي لا يكشف عن الانفساخ، بل إطلاق دليل الصحة واللزوم كان محكما لا يمس كرامته شئ، ومعه يرجع إلى البدل، كالتلف الحقيقي، نعم لو كان بناؤهم على رد العين حتى في النقل اللازم كان لتوهم الكشف من تقرير الشارع الاقدس وجه، لكنه فاسد، لعدم البناء المذكور أولا، ولصلاحية إطلاق دليل الصحة واللزوم للرادعية عنه ثانيا. وإن كان الدليل حديث نفي الضرر فهو مع الغض عن الاشكالات المشار إليها فيما سبق لا يثبت إلا نفي لزوم العقد، فلا يقتضي إطلاقه إلا عدم لزومه حتى مع تلف العين حكما أو حقيقة، وأين ذلك من إثبات القدرة الفعلية كما توهم؟ تأمل. ولو سلم إطلاق دليله وثبوت الخيار به مطلقا فالتحقيق أن يقال فيه وفي الخيارات التي لها أدلة مطلقة: إن وجه توهم كشف الانفساخ انما جاء من قبل أن مقتضى ثبوت الخيار هو حق إرجاع العوضين إلى ملكية المتعاقدين قبل العقد حقيقة، وأن الفسخ ردهما إلى محلهما الاول، وهو فاسد، لما مر منا مرارا من أن ماهية البيع ونحوه متقومة بالتبادل الانشائي في الملكية لا الحقيقي، وأن البيع ليس إلا ما أنشأه المتعاملان، وترتب الآثار خارج عنه، ولا ريب في أن الفسخ حل البيع، والخيار حق فسخه ولا يعقل أن يكون العقد ما ذكرناه والفسخ ردا في الملكية الحقيقية، بل الرد فيها ليس تحت قدرة ذي الخيار، فالفسخ على وزان العقد متعلق بالعقد الانشائي وحل له، فيصير موضوعا لحكم العقلاء برجوع الملكية الحقيقية، فاطلاق دليل الخيار لا يثبت إلا حق حل العقد الانشائي حتى مع التلف الحقيقي والحكمي، وأما رد العوضين في الملكية الحقيقية فأجنبي عن مفاد الفسخ والخيار، بل بعد الفسخ يكون الرجوع الانشائي موضوعا للحكم

[ 336 ]

العقلائي أو الشرعي، فلا وجه لكشف إطلاق دليل الخيار انفساخ العقد الثاني توطئة. نعم يقع الكلام في أن الحكم العقلائي هل هو سقوط الخيار بالتصرف المتلف بمعنى عدم ترتيب الاثر على الفسخ، فيقع الفسخ لغوا، أو انه رجوع الثمن الموجود إلى ملك المشتري من دون رجوع شئ إلى ملك البائع، بل المشتري مكلف برد البدل، أو مع رجوع البدل فيصير ملكا للبائع؟ (فعلى الاول) يكون الخيار ساقطا كما نسب إلى المشهور بين المتأخرين (وعلى الثاني) يكون رد البدل شبيها ببدل الحيلولة لا نفسه (وعلى الثالث) يتم الامر، ولا يرجع العين حتى مع عودها إليه بعد الفسخ. ولا يبعد أن يكون الاحتمال الاخير أوفق بنظر العرف، فانه مقتضى ثبوت الخيار، وعدم وجه لسقوطه، ومقتضى عدم وجه لرجوع المقابل بلا رجوع شئ إلى طرفه والرجوع إلى البدل مع فقد المبدل عقلائي، ولا فرق فيما ذكر بين النقل وبين مانع آخر كالاستيلاد، ولا في النقل اللازم والجائز، فان المانع عن رد المنقول ليس لزوم النقل، بل مع عدم ملكية الغابن لا يعقل أن يرد العين بفسخ المغبون، لان ردها من غير ملك الغابن خلاف ماهية الفسخ أولا، وبلا دليل ثانيا، والرد إلى ملكه ثم إلى ملك المغبون محال كما تقدم، وإلزامه على الفسخ قبل إعمال الخيار لا دليل عليه، وبعده كذلك بعد تأثير الخيار أثره من رد البدل أو حكم العقلاء بملكيته له. وأما ما أفاده السيد الطباطبائي (قده) وقايس المقام بضمان اليد على مسلكه من أن نفس شخص العين في التلف وما بحكمه ترجع إلى ذمة الغابن، فهو مأخوذ برد العين مطلقا إلى المغبون، ولم يملك البدل قبل

[ 337 ]

رده إليه خارجا، فمع إمكان رد العين لزمه ردها بفسخ النقل الجائز وإقالة اللازم مع إمكانها، بل وباشترائها معه إن لم يكن ضررا أو حرجا، لان ردها بالفسخ ولو اعتبارا مقتضى ماهية فسخ المعاوضة دون رد بدلها فالفسخ يوجب حل العقد، ومقتضى حله رجوع نفس العين، ومع تلفها يعتبر كونها موجودة، ورجوعها إلى المغبون في ذمة الغابن. ففيه ما لا يخفى، بداهة أن نفس استدلاله كاف في هدم أساسه، ضرورة أن العقد انما تعلق بالعين بوجودها الحقيقي الخارجي، وهي غير ممكن الرجوع بالفسخ في التلف الحقيقي بل الحكمي، بل في مطلق الخروج عن الملك، والوجود الفرضي الاعتباري لم يتعلق به العقد، فلا يعقل أن يتعلق به الفسخ بعين ما ذكره في البدل. (وتوهم) أن مراده رجوع نفس العين الخارجية اعتبارا، لا رجوع الامر الاعتباري (فاسد) لان المتلف الحقيقي ليس له خارج، فلا يعقل رجوعه وصيرورته ملكا والمنقول ملك الغير، فلا يصير ملكا للمغبون بالفسخ، مع أن الرجوع كذلك أيضا مخالف لماهية الفسخ المقابلة لماهية البيع كما لا يخفى، مع أن ظاهر كلامه ومقايسته ينافي هذا التوهم. ثم إن القياس بضمان اليد مع الفارق، فان في المقام لابد وأن يراعى حقيقة الفسخ، وهي لا تناسب مع رد غير ما تعلق بها العقد، وهي العين الخارجية على مسلكهم، وفي ضمان اليد يؤخذ بظاهر (على اليد ما اخذت) فيمكن أن يدعى أنه ظاهر في أن نفس ما أخذت وهي العين تعتبر في الذمة فلا شباهة بين المقامين، مع أن مسلكه في ذلك المقام أيضا غير مرضي، وقد مر في محله وجه المناقشة فيه. ثم إنه لو اتفق رجوع العين بفسخ أو إقالة فان كان قبل الفسخ ترد بالفسخ على مسلكهم، أو يحكم بردها بعد الفسخ الانشائي على مسلكنا،

[ 338 ]

وإن كان رجوعها بنقل جديد لا ترد على قولهم، وترد على ما ذهبنا إليه من الحكم العقلائي، وأما بعد الفسخ فلا وجه لردها مطلقا. وربما يقال بتعلق حق المغبون بها، لان منشأ تعلق الحق بالبدل تعذر العين، فلو ارتفع التعذر ترجع، فيكون المقام كما لو صار الخل عند الغاصب خمرا فأخذ المالك بدله ثم صار خلا، فانه ترتفع البدلية. وفيه أن التعذر جهة تعليلية لرجوع البدل، ومعه لا وجه لما ذكر، ورجوع البدل إلى زمان رفع التعذر بمعنى كون الجهة تقييدية مخالف للاسباب والمسببات العقلائية ولماهية الفسخ، وقياسه بالخل المغصوب مع الفارق، فالفسخ بعد إعمال الخيار لا يرد العين مطلقا. ولو تصرف الغابن تصرفا مغيرا للعين أو تغيرت بفعل أجنبي أو بآفة سماوية فان كان التغير بالنقيصة فلا إشكال في عدم الضمان لو كان النقص فيما لا يكون مورد أغراض العقلاء، ولا يوجب اختلاف القيمة، كما لاإشكال في الضمان فيما إذا تلف بعض العين. وانما الاشكال في النقص بالصفات الدخيلة في الاغراض الموجبة لاختلاف القيم، فهل هو يوجب الضمان مطلقا كما قال به جمع، أو لا مطلقا كما قال بعض آخر، أو يفرق بين صفة الصحة وصفة الكمال، فيضمن في الاولى دون الثانية كما يظهر من الشيخ الاعظم (قده)؟ وجوه: فربما يقرر الضمان مطلقا بأن الفسخ يوجب انحلال العقد حال الفسخ على ما عليه العوضان حال العقد، فيرجع العين إلى المغبون مضمونة على الغابن بجميع الاوصاف الدخيلة في القيم كما ترجع نفس العين مضمونة عليه، نعم لو كان الفسخ موجبا لانحلاله بما عليه العوضان حال الفسخ لم يتجه الضمان، لكن الاول أوجه. وفيه أنه لا وجه للاول رأسا، ضرورة أن مفاد العقد هو نقل العين

[ 339 ]

بالعوض ونقل الاوصاف خارج عن مفاده، وانما تنتقل تبعا لنقل العين بتبعية أوصاف الملك له، ولا يعقل أن يكون مفاد الفسخ غير حل العقد بماله من المفاد، وليس مفاد العقد نقل الموصوف والصفة في عرض واحد وإلا لزم توزيع الثمن على العين والصفة وكون الصفة جزء المبيع لا وصفه، وهو خلاف الواقع، حتى فيما إذا باع الموصوف بما هو موصوف، وهذا يكون في تخلف الوصف خيار التخلف لا التبعض، بل لو فسخ حال اتصافها بالاوصاف لم يعمل الفسخ بالذات إلا في رد ما وقع عليه العقد، وهو نفس العين وإن انتقل الوصف أيضا تبعا، فما هو باق مفقود الصفة عين ما أثر البيع في نقله وما تعلق البيع به بلا نقيصة، والنقص انما وقع في المبيع لا بما أنه منقول بالبيع. هذا مضافا إلى أن دعوى انحلال العقد حال الفسخ بما عليه المبيع حال العقد لا ترجع إلى محصل، فان معنى انحلاله من حال الفسخ رجوع العين بما هي عليه حال الفسخ لا بما كانت عليه حال العقد، ضرورة فقدان الصفات التي كانت عليها حال العقد، واعتبار الموجودية حال الفسخ لا يوجب تغيير الواقع، والوصف الاعتباري لا يكون مضمونا إلا أن يدعى رجوع العين بخصوصياتها حال العقد مضمونة على الغابن، وهي دعوى في دعوى بلا بينة، بل هي مصادرة. ويتلو هذا الوجه في الضعف ما ادعاه بعضهم من كون ضمان الاوصاف مطلقا ضمان اليد، حيث قال ما حاصله: إن العوضين قبل الاقباض مضمونان بالضمان المعاوضي على من بيده، فإذا تلف المبيع مثلا قبل القبض يكون مضمونا على البائع، فينفسخ العقد ويرد الثمن إلى المشتري، فهذا هو الضمان المعاوضي، وبعد القبض مضمون على المشتري بضمان اليد، فإذا تلف وعرض الفسخ على المعاملة يكون عليه رد مثله أو قيمته، ولا إشكال في

[ 340 ]

أن مقتضى اليد ضمان الصفات التي هي تحت يده، فالضمان هاهنا عينا كضمان اليد في باب الغصب، ولا يتوهم أن التلف في ملكه، ولا يوجب ذلك الضمان، فان ذلك مستلزم لنفي الضمان بالنسبة إلى نفس العين أيضا، فانها أيضا تلفت في ملكه مع أنها مضمونة قطعا، (وبالجملة) إن الضمان المعاوضي قبل القبض ينقلب إلى ضمان اليد بعده، ومقتضاه الضمان حتى في النقص الحاصل بالاجارة. وفيه ما لا يخفى، فان تصوره يكفي في التصديق بتزييفه، وأظن أنه مأخوذ من ظاهر تعبيرهم في أحكام القبض بأن من أحكامه انتقال الضمان ممن نقله إلى القابض، مع أن المراد من العبارة ليس الضمان لاحد، بل المراد أنه بعد القبض يكون تلفه من مال القابض، لا أنه ضامن للمقبوض منه، ضرورة أنه لا وجه للضمان، فان موضوع قاعدة اليد الاستيلاء على مال الغير كاتلافه في قاعدة الاتلاف، بل شمول قاعدة اليد لمثل ما ذكر غير معقول، فان الظاهر منها كون اليد سببا للضمان فعلا وإن كان معنى الضمان أمرا تعليقيا، لكن هذا الامر التعليقي ثابت فعلا على المستولي، والضمان المدعى في المقام معلق على انفساخ العقد، فلا بد من تكفلها لامر فعلي وتقديري بلفظ واحد، وهو غير معقول. مضافا إلى أن اليد على مال نفسه لا تكون سببا للضمان بلا ريب، وبعد انتقال العين إلى الطرف بالفسخ أو الاقالة تكون الاوصاف معدومة فلا تقع تحت يده، فلا سبب لضمانها رأسا، فلا ينبغي الاشكال في بطلانه على مبنى كون الفسخ من الحين، وأن العين بجميع خصوصياتها في زمن الخيار لمالكها كما هو المفروض. وأما ما ذكره من النقض بأن لازم عدم الضمان في الاوصاف عدمه في نفس العين فغير مرضي، لان العين أيضا غير مضمونة بضمان اليد،

[ 341 ]

بل رجوعها مع وجودها ورجوع بدلها عند فقدها من مقتضيات الفسخ أو من الاحكام المترتبة عليه، ولا شبهة في أن الفسخ الموجب للانحلال موجب لرد العوضين على اختلاف في كيفيته، فالبدل المردود أو المحكوم بالرد ملك للمغبون على عهدة الغابن في مقابل العوض المردود، فأين هذا من ضمان اليد؟ وهذا أمر عقلائي أو عقلي ثابت عند كافة العقلاء حتى عند من لا يرى لضمان اليد واقعية، وقد أشرنا فيما سبق إلى أن ضمان اليد بهذا المعنى المفتى به ليس عقلائيا، بخلاف ضمان الاتلاف. نعم لو قلنا بأن الفسخ يوجب انقلاب ملك العوضين من الاصل انقلابا حقيقيا كما ذكر في الاجازة على الكشف على بعض المحتملات، أو قلنا بالانقلاب الحكمي بمعنى وجوب ترتيب آثار الانقلاب من الاصل، أو قلنا بأن البيع في زمان الخيار لم يؤثر في الملكية لكان الضمان موجها، لكن المباني بين باطل عقلا وبين باطل عند العقلاء والشرع. ويمكن تقريب الضمان مطلقا بأن يقال: إن ذلك مقتضى حديث نفي الضرر، بناء على أن نفيه من الحقائق الادعائية، والمصحح للدعوى هو نفي الضرر مطلقا في حيطة الشرع، وسد جميع أنحائه من قبله بعدم تشريع الاحكام الضررية، والنهي عن الاضرار بالغير والحكم بالجبران لو وقع الضرر عليه بحكم شرعي أو من قبل الغير، فلو فسخ ورد إليه المبيع بلا جبران نقصه سواء كان من جهة الصحة أو الكمال أو الاجارة يكون ضررا عليه، ونفيه بما ذكر موجب لجعل جبران ضرره. أو يقال كما قال المحقق الخراساني (قده) في خصوص وجدان العين مستأجرة: إن ذلك مقتضى نفي الضرر عن المعاملة الغبنية، فان ضرر الغبن في صورة نقص القيمة بنقص العين بأحد الوجوه المتقدمة غير مرتفع إلا بجعل الارش، ولازمه جواز الفسخ مع الاجرة في العين المستأجرة،

[ 342 ]

ومع جبر النقص في الناقصة. والجواب عنه على التقريب الثاني أنه لاإشكال في أن البيع الغبني بمجرد حدوثه مشمول لحديث نفي الضرر، وينفي به اللزوم على المبنى، وفي هذا الحال لم يرد نقص على العين، فان المفروض وقوعه بعد البيع بفعل الغابن أو غيره، فدليل نفيه ينفي اللزوم، من غير فرق بين هذا البيع وغيره، الضرر الحاصل من قبل الغبن مرتفع بالخيار من غير دخالة للحالات اللاحقة، وأما النقص الحاصل فيما بعد فهو نقص بعد البيع وبعد انطباق دليل نفي الضرر وثبوت الخيار، ولا دخالة له في غبن المعاملة، ولا يعقل سلب دليل نفي الضرر عن موضوعه بعد انطباقه عليه وتعلقه بأمر آخر. وبالجملة إن لوحظ حال حدوث العقد يكون اللزوم ضرريا منفيا بالحديث، والتغيير اللاحق لا دخالة له فيه، وإن لوحظ حال التغيير فهو حاصل في ملك الغابن بفعله أو بفعل آخر، ومن الواضح أنه لا يوجب شيئا ولا يؤثر في الضرر الحاصل من أصل المعاملة ولا في نفيه، بل هو أجنبي عن دليل نفي الضرر، وإن لوحظ الفسخ فهو ليس إلا حل العقد باختيار من الفاسخ، وليس فيه بما هو حل ضرر، بل هو حل للمعاملة الغبنية، والغبن حال العقد لم يرتفع فرضا، وهو لا يقتضي إلا رد العين بما هي عليه من الحالات حال الفسخ، فلا معنى لضرريته، ولو فرض كونه ضرريا فلابد من نفيه والحكم ببطلان الفسخ، وهذا غير مشمول لدليل نفيه، لعدم إلزام من الشارع، فله اختياره وله تركه. ويرد على التقريب الاول أن مفاد (لاضرر) لو كان ذلك لم يستلزم إلا جبر الضرر الحاصل من الغير، كما لو أتلف ماله أو أضر بجسمه وفي المقام لم يكن إضرار عليه من قبل أحد، فان النقص وقع في ملك الغابن

[ 343 ]

دون المغبون، وهو بفسخه أعاد العين إلى ملكه من غير دخالة أحد فيه، فلا وجه للجبر في مثله. وقد يقال: إن مقتضى الحكم العقلائي إرجاع العين على ماهي عليها من الصفات والشؤون حال العقد، ومع فقدها الجبران، فلو باع فرسا صحيحا وسلمه إلى المشتري كذلك فأرجعه إليه المشتري بعد الفسخ معيبا فله الاعتراض بأن ما سلمه مخالف في الصفات لما اعاده، وكذا مع تسليم العين مسلوبة المنفعة. وفيه أن هذه دعوى بلا بينة بل البينة على خلافها، فانها مع كونها منقوضة بما إذا باع بستانا فيه من أنواع الفواكه والخضروات ما لا يحصى ثم فسخ بعد استيفاء المشتري جميعها فلا شبهة في عدم ضمانه للمنافع المستوفاة مع أن ما يتوهم جار فيها مندفعة بأن هذا التوهم جاء من قبل قياس المورد بما إذا سلم البائع العين إلى المشتري مبنيا على ردها إليه على ما هي عليها لو فسخ العقد، ففسخ المشتري ورد العين على غير ما كانت عليه حينما تسلمها من البائع. وأين ذلك مما وقع العقد وصار العين ملكا للمشتري، واستفاد منها كسائر الملاك بحق ثبات له، ثم إن البائع بسوء اختياره فسخ العقد وأرجع العين التي وقع عليها العقد إلى ملكه، فوجب على المشتري تسليم ما أرجعها بالفسخ؟ فلا يكون الارجاع بفعل المشتري حتى يتوهم ورود الاعتراض عليه، بل لو كان الارجاع بفعل المشتري أيضا لم يرد الاعتراض عليه بعد التصرف في ماله وعدم اقتضاء الفسخ إلا حل العقد وإرجاع العوضين حال الفسخ بما لهما من الشؤون. ومما ذكرنا يظهر النظر في كلام بعض أهل التحقيق (قده) في خصوص وجدان العين مستأجرة قال: (والانصاف أن منافع العين حال

[ 344 ]

الفسخ حيثيات وشؤون قائمة فعلا حقيقة أو عرفا بالعين، لا أنها منفصلة حقيقة عنها، والاجارة استيفاء اعتباري، وفي الحقيقة إتلاف لشؤون العين حال الفسخ بالاجارة الصحيحة اللازمة، ومقتضى رجوع العين بمالها من المنافع الموجودة في الحقيقة التالفة بالاعتبار تداركها بأداء تفاوتها مسلوبة المنفعة وغير مسلوبة إلى أن قال: من المستبشع جدا شرعا استيفاء منافع العين خمسين سنة واعادتها بلا تدارك). والظاهر أن عمدة ما دعاه إلى الالتزام بما هو واضح الضعف هو توهم الاستبشاع المدعى، وإلا فلا شبهة في أن المنافع ولو كانت من شؤون العين انتقلت بحق إلى المستأجر وصارت من المنافع المستوفاة بالنسبة إلى الغابن من غير إتلاف على المغبون، ضرورة عدم كونها ملكا له، ومجرد كونها من شؤون العين لا يوجب إتلافها على من لم تكن ملكا له، كما أنه لا إشكال في أن المنافع لا ترجع بالفسخ في عرض العين، بل الفسخ لا شأن له إلا حل العقد، ورد ما انتقل به لا غير، ولم ينتقل به إلا نفس العين، والمنافع صارت ملكا للطرف، لانها تبع لملكه كما صرح به القائل فيما قبل. فالعمدة توهم البشاعة، وهي لو صحت جرت في المثال المتقدم، بل وفي رد العين معيبة مهزولة فاقدة للاوصاف الكمالية، مع أنه لم يلتزم فيه بالجبران، بل لم يلتزم أحد بجبران المنافع المستوفاة كالمثال المتقدم. بل يمكن أن يقال: من البعيد من الشارع الاقدس أن يحكم بملكية شي ء لشخص وجواز تصرفه فيه بما شاء وكان مقتضى الفسخ عرفا المرضي به شرعا هو الحل من حينه، ثم يحكم بالضمان بلا سبب من الاتلاف واليد فهل المستبشع أن لا يكون المتصرف في ماله ضامنا لغير المالك أو المستبشع خلافه؟ فتدبر جيدا. ثم إنه يظهر مما ذكرناه النظر في دعوى انفساخ الاجارة أو التدارك بأجرة

[ 345 ]

المسمى أو المثل، ومن المعلوم أن ما قلناه من الوجه في انفساخ البيع إذا وجد العين منقولة بالبيع اللازم لا يجري في المقام، كما أنه ظهر النظر في التفصيل الذي أفاده الشيخ الاعظم قدس سره. ولو كان التغيير بالزيادة فان كانت حكمية محضة كقصارة الثوب وتعليم الصنعة مما هي صفة حقيقية، أو كانت صفة انتزاعية كصيرورة العين في يد الغابن جنب الشوارع العامة أو الساحات الوسيعة أو نحو ذلك مما توجب زيادة القيم فالظاهر رجوع العين بصفتها إلى الفاسخ، وليس للغابن شئ سواء كانت بفعله أو بفعل الله تعالى. وما ذكروا وجها للشركة في المالية بالنسبة، أو لبقاء الزيادة في ملك الغابن، أو للرجوع إلى أجرة المثل، أو غير ذلك مخدوش، كقول بعضهم في الفرع السابق بأن مقتضى الفسخ هو رجوع العين بمالها من الصفات حال العقد إلى الفاسخ حين الفسخ، ولازمه في المقام هو رجوعها مجردة عن الصفات الحادثة بعد العقد قبل الفسخ، وبقاء الزيادة في ملك الغابن المالك لها قبل الفسخ بتبع العين، ولازمه كون العين مجردة عنها للمغبون، وتلك الزيادة للغابن. ومن المعلوم أنه على هذا المبنى ليست مالية العين الموصوفة مشتركة بينهما بالمعنى المعهود من الشركة، بل لكل منهما قيمة ماله، نعم قد يكون طريق تعيين قيمة الوصف بتقويم العين موصوفة وغير موصوفة، وهذا غير الاشتراك. وفيه مضافا إلى ما مر من الاشكال فيه في الفرع السابق، فان مقتضى الفسخ حل العقد ورجوع العين على ما هي عليها في حال الفسخ أن تلك الاوصاف لا تعتبر عند العقلاء ملكا ولا مالا وإن توجب زيادة المالية في العين، فهل يصح أن يقال: إن علم زيد مملوك لمن علمه؟ أو إن قرب

[ 346 ]

داره بالشارع مملوك له؟ أو إن كونها جنب الساحة ملكه؟ إلى غير ذلك فالفسخ يرد العين، وبردها ترجع جميع الصفات الحقيقية والانتزاعية، لا بمعنى نقل الصفات إلى ملكه تبعا، بل بمعنى رد العين الموصوفة بالصفات ولا يعقل بقاؤها في ملك الغابن مع رد العين بعد عدم كونها مفروزة ومملوكة رأسا، فلا يقاس المقام بباب بيع العين المستأجرة. ومنه يظهر النظر في قول بعضهم من (أنه لو كانت الزيادة بفعل من الغابن يصير شريكا مع المغبون، فان كونها أثرا لفعله يوجب أن يملكها، ولا ينافي تبعية العمل للعين في الملكية ملكيته الاستقلالية عند خروج العين عن ملكه، فان هذا العمل له جهتان: جهة منسوبة إلى الفاعل من حيث صدوره عنه، وجهة منسوبة إلى المحل من حيث وقوعه فيه، وجهة الوقوع متأخرة رتبة عن جهة الصدور، فيلاحظ في المقام ملكيته من حيث الصدور، فإذا ملكه مستقلا فلا ينتقل بانتقال العين، فيصير شريكا مع المغبون في المالية لا في العين) انتهى. فان فيه مضافا إلى ورود الاشكال المتقدم عليه ما لا يخفى، ضرورة أن ما تقدم رتبة أو اعتبارا على جهة الوقوع هو نفس جهة الصدور لا الصادر بهذه الجهة، فالتعليم مقدم على التعلم رتبة، لا أن صفة العلم مقدمة على نفسها بجهتين، فانه واضح البطلان، وعليه لا يثبت بذلك ما رامه. إلا أن يدعى أن المملوك هو جهة الصدور، فالغابن مالك لتعليمه، وهو أفسد. مضافا إلى أن لازم ما أفاده عدم حصول الشركة لا في العين ولا في المالية، ضرورة أنه بعد استقلال الصفة في الملكية وعدم نقلها بنقل العين تكون مستقلة في المالية، فلكل من العين وصفتها ملكية ومالية ممتازة غير مربوطة بصاحبتها. هذا مضافا إلى أن الاستقلال إن كان قبل الفسخ ولازمه كون الغابن

[ 347 ]

مالكا للعين بلا صفة مستقلا وللصفة مستقلا فهو واضح البطلان، وإن حصل الاستقلال بعد الفسخ فلا يفيد، مع أنه لا وجه له، والاستقلال قبيل الفسخ أفسد. ومما تقدم يظهر النظر في قول بعضهم، قال: (حيث ان العين لابد من رجوعها بما هي عليه حال الفسخ من الاوصاف المقومة لماليتها، والاوصاف المقومة لماليتها أجنبية عن هذا الوصف الزائد الموجب لزيادة المالية، فالمالية الزائدة غير القابلة للانفكاك عن العين تكون كالشركة من حيث الاشاعة التي لا تنفك إلا بعد الافراز، فهذه المالية الزائدة لمن أحدثها في العين العائدة) انتهى. إذ فيه أن مقتضى الفسخ إذا كان رجوع العين بما هي عليه حال الفسخ كما هو التحقيق فلا يبقى مجال لما ذكره، فان العين بماليتها مطلقا صارت بالفسخ ملكا للمغبون، فقوله: (إن الاوصاف المقومة لماليتها أجنبية، عن هذا الوصف الزائد) ليس له معنى محصل، ولو كان مراده أن مقتضى الفسخ رجوع العين بما لها من الصفات حال العقد وكانت النسخة مغلوطة والصحيح (بما هي عليه حال العقد) يرد عليه الاشكال المتقدم، مع أن الظاهر أنه لا يلتزم به. والقول بأن العين والوصف يرجع إلى الفاسخ لكن المالية بعد البيع تقسم بينهما بالنسبة لا يرجع إلى محصل. كما أن القول بوجوب دفع أجرة المثل رفعا للضرر، فان دفع العين الزائدة بهذه الزيادة بدون الاجرة يكون ضررا على الغابن كما نفى البعد عنه المحقق الخراساني (قده) غير مرضي، فانه مع الغض عن الاشكال في حديث (لا ضرر) بما تقدم، ومع الغض عن أن المقام من قبيل عدم الانتفاع بالعين وأن ما كان ضررا عليه هو المصارف التي أنفقها في حصول

[ 348 ]

تلك الصفة أحيانا لا يكون حديث نفي الضرر شرعا على مبناهم، بل هو ناف للحكم الضرري، فلو كان الفسخ ضرريا ينفي بحديثه، وهو لا يلتزم به، مع أن ما ورد عليه من الضرر مما أوقعه هو على نفسه لو كان عالما بالخيار، بل مع عدمه في وجه، بل لا معنى لاجرة المثل في العمل في ملكه، والفسخ حيث يرد نفس العين لا العين والوصف أو هي وزيادة القيمة فليس ضرريا، إلا أن يقال: يكفي في ذلك انتهاؤه إليه، وكيف كان لا وجه معتد به لذلك. ولو كانت الزيادة عينية محضة كالبناء والغرس فلا إشكال في بقائها على ملك الغابن ورجوع نفس الارض إلى المغبون بلا زيادة، وحينئذ فهل للمغبون قلعها بلا أرش أو معه أو ليس له ذلك؟ وجوه: فان قلنا بأن إشغال الارض بتلك الزيادة من غير حق بحكم الغصب وهي عرق ظالم لا حرمة له، ولا فرق بين الغصب والظلم ابتداء وبقاء، كان للمالك قلعها وهدمها، وعلى الغابن نفقة القلع وطم الحفر وكل نقص ورد على الارض، وعلى ذلك لا تصل النوبة إلى تعارض السلطنتين والضررين، كما أن الامر كذلك في الغصب الابتدائي. لكن في كون ذلك بحكم الغصب إشكالا بل منعا، فان هذا العرق عرق محق، وله احترام، وانما العرق الظالم ما إذا كان الغرس أو البناء في المغصوب أو على وجه الظلم، ففرق بين الغصب ابتداء والغرس ظلما وبين كون العرق حقا وإن لم يكن له حق البقاء، فان عدم حق البقاء لا يوجب صيرورة العرق عرق ظالم، بل لو كان الغرس حقا ثم غصب صاحبه الارض المشغولة به لم يكن الغرس غير محترم ولا عرق ظالم، فضلا عن المقام، فلا شبهة في أن الغرس محترم لا يجوز قلعه ولا يكون هدرا. (ولو قيل): إن الغابن لو علم خيار المغبون وأن الارض في

[ 349 ]

معرض العود يكون قد هتك حرمة ماله وهدره (يقال): إن ذلك موقوف على أن انتقال الارض إلى البائع يجعلها بحكم المغصوب ابتداء، ويصير العرق به عرق ظالم، وهو ممنوع، بل لو علم باعمال الخيار أيضا لم يصر ماله المحترم هدرا، نعم لو كان الخيار حقا قائما بالعين لكان العرق عرق ظالم، ولكنه ممنوع، فالعرق محترم وإن لم يكن له حق البقاء. (وأما دعوى) كون الغرس أو البناء استيفاء لمنفعة العين إلى زمان فساد الغرس وهدم البناء قياسا باجارة العين قبل فسخ المغبون في قبال الدعوى السابقة (ففيها) منع ظاهر، فان الاجارة موجبة لافراز المنفعة، وصيرورتها للمستأجر، وصيرورة الارض مسلوبة المنفعة في ملك صاحبها، وأين هذه من المقام مما يكون الاستيفاء تدريجيا؟!. ثم إنه بناء على احترام مال الغابن قد يتوهم أن لكل من الغابن والمغبون تخليص ماله عن مال غيره واستبداده بذلك وإن كان عليهما ضمان النقص، بأن يقال: إن ذلك مقتضى سلطنة الناس على أموالهم، فلكل سلطنة على ماله ليخلصه. وفيه أن قاعدة السلطنة إن كانت عقلائية كما هو الحق فلا إطلاق فيها، وليس للعقلاء البناء على السلطنة على المال حتى مع سلب السلطنة عن غيره، فعند تزاحم السلطنتين لابد من العلاج العقلائي وإن كان المبنى لتلك القاعدة المرسلة المعروفة (1) فلا شبهة في أن مفادها هو الحكم الحيثي نظير قوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الانعام) (2) بل المقام أولى بذلك فان الاطلاق يوجب نحو تناقض في مدلول الدليل، فان كل واحد من الافراد لو كان مسلطا على ماله ولو مع سلب سلطنة غيره لرجع المدلول


(1) البحار ج 2 ص 273 الطبع الحديث. (2) سورة المائدة: 5 الآية 1.

[ 350 ]

إلى إطلاق السلطنة وعدمه، وليس من قبيل الدليلين حتى يقع التزاحم بعد تحقق الاطلاق، فتدبر جيدا. فالمغبون في المقام مسلط على ماله وهو الارض، لا على الغرس والبناء، فلا يجوز له التصرف فيهما إلا باذن صاحبهما، ومالك الغرس سلطان على غرسه، وليس له سلطان على الارض يتصرف فيها، ولا يجوز له ذلك إلا باذن صاحبها. فما في بعض التعليقات من أن النظر في مقتضيات سلطنة الطرفين ولو بالمآل يقتضي سلطنة المغبون على الابقاء والقلع بالمعنى الذي عرفته، ولا يقتضي سلطنة الغابن على شئ من القلع والابقاء غير وجيه. وبما ذكرناه من قصور دليل السلطنة عن الاطلاق لما يوجب مزاحمة سلطنة الآخر يظهر أنه لا يبقى مجال للتمسك بدليل نفي الضرر على مبنى القوم من أن مفاده نفي الاحكام الضررية، ضرورة أنه مع عدم الاطلاق لا مجال لحكومته على دليلها فانها فرعه، فلا وقع لدليل نفيه، والمفروض عدم استفادة حرمة الاضرار منه. نعم بناء على كون مفاده النهي عن الاضرار سواء كان ممحضا فيه كما هو المنصور أو أعم منه ومن النفي كما هو أحد الاحتمالات فيه يصح التمسك به فيما إذا لزم منه الضرر، كقلع المغبون أو الغابن أو إبقاء الغابن بلا أجرة المثل، نعم لا ضرر في إبقائه معها ولا في إبقاء المغبون، لكن مجرد ذلك لا يوجب جوازه أو سلطنتهما عليه، فان الابقاء من قبل المغبون رغما للغابن حبس لمال الغابن، ولا يحل ماله إلا بطيب نفسه، ومقتضى نسبة عدم الحل إلى ذات المال مع أنها إلى غير ما هو له هو عدم حل كل ما يرجع إليه من التصرف والتقلب والحبس ومنع المالك عنه والمزاحمة لسلطانه، ومنه ويظهر حال إبقاء الغابن رغما للمغبون.

[ 351 ]

فاتضح من ذلك أنه على فرض دلالة دليل نفي الضرر على حرمته يكون بعض الفروض منهيا عنه بدليله وبدليل حرمة التصرف في مال الغير ودليل عدم حل ماله، وبعض الفروض منهيا عنه بدليل حرمة مال الغير وإن لم يشمله دليل نفي الضرر. كما ظهر أن جميع فروض المسألة من القلع والابقاء سواء كان من قبل البائع أو المشتري مستلزم لمخالفة دليل شرعي، وبعضها مخالف لدليلين، فلا يتصور فرض سالم من المخالفة، وعلى هذا لابد من ملاحظة أقل المحاذير. ولا يبعد أن يقال: إن للبائع إلزام المشتري بأحد الامرين: إما قلع شجره وهدم بنائه وطم الارض، أو إبقائهما مع أجرة المثل، وعلى المشتري أحد الامرين لا يجوز له التخلف عنهما، فان في ذلك جمع بين الحقين، وعدم إضرار أحدهما بالآخر، وأقل مخالفة للادلة، بل هو موافق للحكم العقلائي، فان الغابن إذا كان شاغلا لملك المغبون ولم يكن عرقه عرق ظالم يكون الحكم العقلائي كونه ملزما بالقلع أو الابقاء بأجرة، ولا فرق في ذلك بين البناء والشجر والزرع، وكون الزرع له أمد لا يوجب الفرق. ولو تخلف الغابن عن الامرين وامتنع منهما فللمغبون القلع أو الابقاء وإلزامه بالاجرة، فلو كان الامر في معرض التنازع ومظنة الفساد لا بد من الرجوع إلى الحاكم وعدم الاستبداد بالامر. ولو قلع المغبون قبل الرجوع إلى الغابن كان عليه التفاوت بين المقلوع والمنصوب ما دام عمر الشجر، مع استثناء أجرة المثل لتلك المدة، فالقول بأن عليه التفاوت بين المقلوع والمنصوب الذي ليس له البقاء غير مرضي، مع أن المقلوع في هذا الفرض أكثر قيمة من المنصوب في أكثر الفروض كالقول بأن عليه التفاوت بين المقلوع والمنصوب دائما، فان للمنصوب

[ 352 ]

بلا أجرة قيمة زائدة، وثبوت تلك الزيادة عليه بلا وجه. ولو كان التغيير بالامتزاج بغير جنسه واستهلك فيه عرفا فلا إشكال في الرجوع إلى المثل أو القيمة، فان المبيع تالف عرفا وإن لم يكن كذلك عقلا، بل لعله يمكن إرجاعه بالآلات الحديثة، والبحث عن حكم الارجاع لا فائدة له، وكذا يرجع إلى المثل أو القيمة لو لم يستهلك ولم يتلف لكن حدث بعد الخلط والمزج ماهية أخرى وتبدل الممزوجان بحقيقة غيرهما، لان ما تعلق به العقد هو الخل مثلا لا السكنجبين، ومقتضى الفسخ رجوع الخل، وهو غير موجود، نظير ما إذا فسخ بيع البيض بعد انقلابه إلى الفرخ، ومجرد كون الفرخ لصاحب البيض وحصول الشركة في السكنجبين إذا كان الخل لشخص والعسل للآخر لا يصحح الرجوع، لان الشركة هناك لاجل كون المادة لهما، وتبدل ملكهما بالسكنجبين نظير تبدل النواة بالنخلة والبيض بالفرخ، حيث إن قلب الحقيقة والتبدل بحقيقة أخرى لا يوجب سلب الملكية، وأما الرجوع في الخيار فموقوف على وجود ما تعلق به البيع، ومن الواضح أنه لم يتعلق البيع بالحقيقة الموجودة، بل تعلق بما ليس بموجود، وتبدل إلى حقيقة أخرى. فتوهم الاشتراك في المقام ساقط لا وجه له. وقد يقال: إن مقتضى الفسخ رجوع العين بماليتها الشخصية القائمة بها لا المطلقة كما في التلف، فان مقتضى الاعتبار فيما لا يمكن انفكاكه عن مال المفسوخ عليه ثبوت الشركة فيه إما عينا أو مالية. وفيه ما لا يخفى، فان الفسخ فيما إذا تبدل المبيع بحقيقة أخرى لا يؤثر في الرجوع حتى يأتي حديث إمكان الانفكاك وعدمه. (وتوهم) أن مقتضى البيع نقل العين بأوصافها الحقيقية والاعتبارية ومنها المالية ومقتضى الفسخ إرجاع ما نقله، ومع عدم خصوصية العين

[ 353 ]

وأوصافها الحقيقية ووجود المالية الخاصة ترجع المالية الخاصة، فتكون مشتركة بينهما (غير وجيه) إذ مع الغض عن أن تبديل حقيقة بحقيقة أخرى مستلزم لتبديل ماليتها بمالية أخرى، فان مالية السكنجبين غير مالية الخل والعسل، ومالية البيض غير مالية الفرخ يكون توهم تعلق البيع بالعين وماليتها بمكان من الضعف. ولعل منشأ التوهم أن البيع عرف بمبادلة مال بمال، فتكون المالية دخيلة في ماهيتها، وهو غير وجيه، لان المراد بالمال هو العين أو الشئ الذي له مالية، لا المالية ولا هو والمالية، ضرورة أن عقد البيع في العرف وعند العقلاء متعلق بالاعيان، وجهة المالية تعليلية لا تقييدية، فالدار منقولة بالبيع، ولها قيمة، لا الدار المتقومة بالقيمة محط الانشاء، مع أن البيع كان أسبق في التاريخ عن اعتبار المالية بما هي محققة في الاعصار الاخيرة، وكان البيع بمعاوضة الاجناس بالاجناس، ولم يكن للمالية اسم ولا رسم، واختلاف الرغبات كانت في تلك الاعصار موجبة لاختلاف كيفية البيع، مثل تبديل من بمنين أو بأمنان. ولو امتزج بغير الجنس ولم ينقلب إلى حقيقة أخرى لكن صار بحيث يتعذر تخليصه عنه كامتزاج دقيق الحنطة بدقيق الشعير، أو يتعسر كامتزاج الخشخاش بالسمسم فمقتضى الفسخ رجوع نفس العين التي تعلق بها العقد وبعد الفسخ تحدث الشركة الحكمية الظاهرية على احتمال. كما أن الامر كذلك إذا كان المالان لشخصين وامتزجا، ولكن حصول الشركة ولو ظاهرية في خلط غير المتجانسين محل إشكال بل منع، بل الظاهر لزوم التخلص في مثله بالتصالح لو لم نقل بأنه في حكم التالف كما لا يبعد. ولو كان الامتزاج بمثله المشابه له في الاوصاف بحيث لو كانا لشخصين

[ 354 ]

لحصلت الشركة الواقعية القهرية، كامتزاج حليب بمثله، فان قلنا بأن الامتزاج لا يمنع عن اعتبار الملكية الاستقلالية بأحكامها للممتزج، فانه شئ موجود بحقيقته وشخصيته، وانما سلب منه الامتياز بحسب نظر العرف، وهو لا يمنع عن اعتبارها بعد كونها ذا أثر أو آثار، وانما قلنا بالشركة في اختلاط المالين من مالكين لقيام الدليل الشرعي كالاجماع، فالفسخ موجب لرجوع نفس ما تعلق به العقد إلى البائع، فحينئذ إن قام الاجماع على الشركة في مثل ذلك أيضا نحكم بها، وإلا فنحكم بالشركة الظاهرية الحكمية، أو نقول بلزوم التخلص بالتصالح. وإن قلنا بعدم اعتبار الملكية الاستقلالية في الممتزج كذلك، بل بعد الامتزاج يصير الموضوعان موضوعا واحدا لشخص أو لشخصين فالشركة لاجل تبدل الشخصين بالشخص الواحد، والشخصيتين بشخصية واحدة ولازمه الشركة الواقعية إذا كانا لمالكين، فان لازم صيرورة مالهما مالا واحدا هو الشركة بنحو الاشاعة بينهما من غير تبادل بين ماليهما، فلا يؤثر الفسخ في رده، بل هو بحكم التلف. والتحقيق هو هذا الاحتمال، فان مع خلط مائع بمائع خلطا تاما يرفع الامتياز كخلط حليب بمثله يرتفع الكثرة وتحل محلها الوحدة، فالحليب الموجود بعد الخلط موجود واحد له حد واحد بعد كون الحليبين موجودين مختلفين، وليس حال المايعات كالجامدات، نظير خلط الحنطة بالحنطة، فان في خلط الحنطتين لا ينقلب المتعدد إلى الواحد إلا بنحو الاعتبار، وإلا فكل حبة موجودة بوجودها الخاص بها عرفا وعقلا، خلطت بغيرها أم لا، بخلاف المايعات، فان خلطها موجب لصيرورتها موضوعا وحدانيا بنظر العرف فلا يكون الحليب المخلوط بمثله موجودا بوجوده الخاص به بنحو الوحدة مماسا بمثله، فالخلط في مثله يرفع الامتياز واقعا عرفا، فلو

[ 355 ]

فسخ العقد بعده لا يعقل تأثيره في رده، لعدم وجوده بهويته الخاصة به التي تعلق بها البيع، ولا تأثيره في رده بعض الموجود كنصفه، ضرورة أن رده ليس مقتضى الفسخ. والقول برجوع ذاته بلا حد كالقول برجوعها منفكة عن الحد الموجود لا يرجع إلى محصل، فانها بلا حد أو منفكة عن الحد الموجود ماهية موجودة في العقل لا في الخارج، ولم يتعلق بها العقد، وما في الخارج فعلا هو موجود واحد لا موجودان وهويتان تعلق بأحدهما العقد، فما هو موجود فعلا لم يتعلق به ولا ببعضه الخارجي ولا ببعضه المشاع عقد، فلا يعقل تأثير الفسخ في رده أو رد بعضه، فيكون متعلق العقد بحكم التالف يرجع بعد الفسخ إلى مثله، نعم الظاهر وجوب تأدية النصف من هذا الموجود لكونه أقرب إلى العين، فالقول بالشركة غير مرضي، لان الشركة فرع رجوع ما تعلق به العقد. أللهم إلا أن يتشبث في المقام بحكم العرف، ويقال: إن مقتضى عقل العرف أن ماله موجود في الموجود الخارجي وإن كان مخلوطا بغيره، ومقتضى الفسخ رجوع هذا المال المخلوط، ولازمه الشركة، فان كان هذا حكم العرف غير المتسامح فلا بأس به. ومما ذكرنا يظهر حال الخلط بالاردى أو بالاجود، فان المايعات المتجانسة حالها كما عرفت. وأما الجامدات فحالها غير حال المايعات وقياسها بها مع الفارق، فلو خلط الحنطة التي تعلق البيع بها بحنطة مثلها يكون مقتضى الفسخ رجوع الحبوب المختلطة التي تعلق بها العقد، فتصير ملكا للفاسخ، وبقيت الحبات الاخر في ملك صاحبه، فلا بد بعد ذلك من التصالح أو القول بالشركة الحكمية.

[ 356 ]

ثم إنه في خلط الجامدات وكذا المايعات لو قلنا بأن مقتضى الفسخ عود نفس ما تعلق به البيع المخلوط بغيره وأنه موجود بشخصيته ونوعيته لابد وأن يقال: إن الشركة على القول بها انما تحصل بعد الفسخ وبعد عود المبيع، فلا محالة تتوقف الشركة على التبادل بين المالين المخلوطين بمعنى مبادلة بعض المشاع من كل منهما بالآخر، ولا يعقل حصولها بغير ذلك أما في الجامدات فظاهر، وأما في المايعات فكذا على هذا المبني، لكن النقص الحاصل بالشركة سواء كانت في المتماثلين أم في المختلفين لو كانت نفس الشركة عيبا ونقصا لا يكون مضمونا على أحدهما وإن قلنا بأن نقص المبيع مضمون على الغابن في المسألة السابقة، لان النقص ها هنا حصل بفعلهما، فانه لولا الخلط الحاصل بفعل الغابن والفسخ الذي هو فعل المغبون لما تحققت الشركة، وليس هو كالنقص بفعل الغابن قبل الفسخ، فالمبيع يرجع إلى البائع على ما هو عليه، والخلط قبل الفسخ لم يكن نقصا لعدم الشركة، وبعده نقص لكنه حصل بالفسخ الذي هو فعل المغبون، فالقياس بين المسألتين في غير محله. وأما الرجوع إلى التفاوت بين الجيد والردي فهو موجب للربا، سواء قلنا بالشركة في المقدار بقدر تفاوت القيمتين أم قلنا بالرجوع إلى التفاوت مع اشتراكهما بنسبة كمية مالهما، فلا فرق في ذلك بين الرجوع إلى الارش من ثمنه أو غيره أو من الجنس الممتزج، نعم لو قلنا بأن هذا التبادل القهري المترتب على الفسخ عقيب الخلط خارج عن الربا فلا مانع من ثبوت التفاوت بأحد الوجوه، لانه عقلائي في المبادلة بين المتفاوتين في الاوصاف المرغوبة، فالتفاوت هاهنا ثابت وإن قلنا بعدم الضمان في النقص الحكمي كما تقدم، والفرق بينهما واضح. بقي الكلام في حكم تلف العوضين مع الغبن، وقد مر بعض الكلام

[ 357 ]

في التلف الحكمي، كالخروج عن الملك بنقل لازم، وأما في التلف الحقيقي فربما يتوجه إشكال عقلي في بقاء العقد، وإشكال عقلائي أو عقلي في ثبوت الخيار. أما الاول فبأن يقال: إن العقد من الماهيات التي لا تحصل لها إلا مع وجود طرفيها، فالبيع مبادلة مال بمال أو تمليك عين بعوض، فكما لا يعقل تحققه مع عدمهما أو عدم أحدهما في الحدوث لا يعقل بقاؤه مع تلفهما أو تلف أحدهما، فالعقدة الاعتبارية كالعقدة الحقيقية لا يعقل تحققها مع التلف. وإن شئت قلت: إن الاشارة إلى العدم وتصور المعدوم بما هو كذلك محال فضلا عن الربط بينهما، كما أن ملك المعدوم محال، فإذا كان بقاؤه ممتنعا يكون ثبوت الخيار فيه كذلك، من غير فرق بين القول بأنه حق متعلق بالعقد أو بالعين. وأما الثاني فلان الفسخ كما مر عبارة عن حل العقد وإرجاع ما تعلق به إلى محله الاول ومع فقد المتعلق وعدم إمكان ملكيته لا يعقل إعمال الخيار وتأثيره، ولو فرض بقاء العقد وإرجاع غير ما تعلق به العقد لم يكن هذا من مقتضيات الفسخ. وقد يقال: إن العقد متعلق بالعين بشخصيتها ونوعيتها وماليتها، ومع تلف الاوليين نبقى الاخيرة، فيكون متعلقه من هذه الجهة موجودا، فيندفع الاشكال الاول، والفسخ يتعلق بالعقد وترجع به المالية، فيندفع الثاني. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن متعلق العقد هو نفس العين دون المالية، وكون العين مالا لا يقتضى أن يكون المتعلق ماليتها، وهو واضح ولو سلم ذلك فلا ينحل به الاشكال، فان المالية المعتبرة في المال لا يعقل بقاؤها مع تلفه، فمع تلف العين يتلف جميع خصوصياتها واعتباراتها،

[ 358 ]

إلا أن يلتزم بتعلق العقد بالمالية ولو لم تكن منسوبة ومعتبرة في العين، وهو واضح البطلان. وقد يقال: (إنه إذا قلنا بتعلق الخيار بالعقد وأنه حق حله: إن العقد اللبي المعنوي الاعتباري أمر قابل للبقاء والانحلال، والعقد أي القرار المعاملي وإن لم يكن مستقلا في التحصل، بل لا بد من تعلقه بالملكية ونحوها إلا أن المقوم لهذا الامر الاعتباري هي الملكية العنوانية في أفق القرار المعاملي لا الملكية الاعتبارية القائمة بمعتبرها، فزوال الملكية الحقيقية لا يوجب انعدام الملكية العنوانية، فتلف العين لا يوجب انعدام موضوع حق الخيار إلا إذا ثبت في مورد أن الحق أخذ على وجه مخصوص، وهو حق حل العقد المتعلق بالعوضين بشخصهما، لا بماليتهما المحفوظة ولو ببدلهما، فالعقد حينئذ وإن كان باقيا إلى الآخر إلا أن إعمال الحق ممتنع، لضيق دائرته) انتهى. وفيه ما لا يخفى، فان المراد بالملكية العنوانية إما عنوان الملكية ساقطه الاضافة عن العين أو وجودها الذهني الحاكي عن الخارج، أما الاول فبطلانه واضح، ضرورة أن العقد مبادلة مال بمال في ملكيتهما المضافة اليهما المعتبرة فيهما لا مبادلة ملك مطلق بمثله، والظاهر عدم إرادته ذلك، وأما الثاني فمثله في الضعف، فان مرجعه إلى أن البيع عبارة عن مبادلة صورة ذهنية بصورة ذهنية عنوانية حاكية عن العين الخارجية. ولعله مأخوذ من قول من قال: إن المعلوم بالذات هو ما يكون حاضرا في أفق النفس، وأما الخارج فهو معلوم بالعرض وبتوسط المعلوم بالذات، فقاس المقام به، والتزم بأن متعلق العقد هو الملكية المعلومة بالذات وفي أفق النفس، مع أن قياسه مع الفارق، فان المبادلة انما وقعت على الملك المتحقق في الخارج بنحو من الاعتبار لا على ما وجد في أفق النفس.

[ 359 ]

وإن شئت قلت: إن التبادل بين المعلومين بالعرض لا المعلومين بالذات بل جل الاحكام العقلية والعقلائية ثابتة للمعلومات بالعرض، فالانسان المعلوم بالعرض ناطق مستقيم القامة، والماء المعلوم بالعرض رافع للعطش والسلعة المعلومة بالعرض لها قيمة ومرغوبية، وهي ملك لصاحبها، ويبذل بازائها المال، والتبادل الاعتباري انما يقع بين الملكيتين الخارجيتين بالاعتبار فأفق القرار المعاملي هو المبادلة في الملكية المعتبرة في الاعيان القائمة بها بنحو من الاعتبار. وأما قوله: (إنه إذا ثبت في مورد أن الحق أخذ على وجه مخصوص) الخ فجواب على طبق الكلام المتقدم من بعض الاعاظم (قده) وقد عرفت ما فيه، وأن الامر دائما كذلك، ولايحتاج إثباته إلى دليل، بل نفس تصور القضية كافية لتصديقها. والذي يمكن أن يقال: إن العقد الانشائي بالمعنى الذي تقدم الكلام فيه كرارا ليس نظير الاعراض الخارجية للجواهر التي هي موجودة حقيقة مستمرة باستمرار الزمان، ومتدرجة بتدرجه بتبع معروضاتها، تابعة لها في الوجود والعدم، ومعنى بقاء العقد الانشائي الاعتباري غير معنى البقاء المنسوب إلى الجواهر والاعراض، حيث إن بقاءها عبارة عن استمرار وجودها تبعا للزمان، والامر الاعتباري ليس له حقيقة مع الغض عن الاعتبار وإن كان اعتباره اعتبار أمر في الخارج، فالملكية والزوجية ونحوهما كالقرارات والعقود الاعتبارية اعتبارات خارج الذهن، لكن لا كالاعراض الخارجية، فعقد البيع الانشائي وجوده عبارة عن المبادلة المعهودة، وهي موجودة ما لم ينفسخ بخيار أو باقالة، فوجوده ليس وجود أمر زماني، وكذا بقاؤه، فعقد مبادلة الفرس بالعوض مثلا موجود اعتباري لا ينعدم إلا بحله بأسبابه، فالاعتبار الذي تعلق بالعوضين في زمان وجودهما أي

[ 360 ]

القرار المعاملي بينهما في ذلك الظرف والحين لا ينعدم في الاعتبار بانعدام العوضين، ولم يكن استمراره باستمرارهما ولم يكن وجوده الاعتباري تابعا لهما، بل تابع لاعتباره في ظرفه، ولا يعقل أن يكون بقاؤه مستمرا باستمرار الزمان، إلا أن يكون الاعتبار مستمرا أو يكون اعتبار الاستمرار فيه باستمراره، وهما مفقودان، فالوجود والبقاء في تلك الامور الاعتبارية ليسا كالحقائق، بل معنى بقائها أن تلك العقدة التي حصلت في ظرفها بين الشيئين اعتبارا لم تنفسخ، فانعدامها بانفساخ العقد لا بعدم العوضين. ثم إن الانفساخ انفساخ أمر إنشائي كما مر، كاقالة الفضوليين قبل الاجازة بناء على ثبوتها في الفضولي كما لا يبعد، وللانفساخ أحكام عقلائية كما للعقد الانشائي، ومن الاحكام العقلائية له ثبوت العوض على عهدة البائع أو المشتري مع فقد العين حال الانفساخ. ولا ينبغي توهم أن لازم ما ذكرناه هو أن الفسخ من الاصل، فان العقد لم يتقيد بالزمان، وليس الفسخ فسخ العقد في الزمان الماضي، بل هو فسخ نفس العقد الذي لا يتقيد بزمان وإن كان حادثا فيه، نظير ما قالوا في جواب القول بأن الاجازة في العقد الفضولي تعلقت بالعقد الذي تحقق في الزمان الماضي، فلابد أن تؤثر من الاول من أن العقد لم يتقيد بالزمان، بل مبادلة بين الشيئين، وفي المقام يقال: إن الفسخ حال العقد من غير تقيد بزمان، ولازمه الحل في الحال لا بمعنى التقيد به، بل بمعنى الحصول في الحال تبعا لسببه، وما ذكرناه موافق للفهم العقلائي والبناء العرفي المتبعين في أمثال المقام، ولو رجع الكلام المتقدم من بعض أهل التحقيق (قده) إلى ذلك فلا مضايقة. ومما ذكرناه يظهر أن تلف ما في يد المغبون أو الغابن بآفة سماوية أو باتلاف من في يده في القيميات مضمون بقيمة يوم الفسخ، فان حال الفسخ وحل القرار الانشائي حال قيام العوض مقام التالف مضمونا على

[ 361 ]

من تلف عنده. وأما قيمة حال التلف أو حال الاداء فهي مبنية على مبان غير وجيهة كالبناء على انقلاب الضمان المعاوضي بضمان اليد عند تسلم العوض، فانه على هذا المبنى لو قلنا بأن مقتضى ضمان اليد هو وقوع نفس العين على عهدة الضامن كما قال به جمع فلازمه اعتبار قيمة يوم الاداء، ولو قلنا بأن مقتضاه هو الجبران عند التلف وأن معنى ضمان اليد أنه لو تلف يجبر بمثله أو بقيمته فلازمه قيمة يوم التلف. ويأتي الاحتمالان على فرض أن يكون الفسخ من الاصل، فانه على هذا الفرض وإن امتنع انقلاب ملك الغابن مثلا بملك المغبون في عمود الزمان كما يقال في الكشف الانقلابي لكن لا مانع من الحكم بترتيب أثر ملكه من الاول بعد الفسخ، ولازمه وجوب ترتيب أثر وقوع اليد على ملك الغير الموجب للضمان، فعلى الاحتمال الاول يكون الاعتبار بقيمة يوم الاداء وعلى الثاني بقيمة يوم التلف، كما أن لازم القول بأن الفسخ موجب لرد نفس العين على ذمة المفسوخ عليه هو قيمة يوم الاداء، لكن المباني فاسدة لا سبيل إلى الالتزام بها. ويظهر من التأمل فيما مر أنه لو أتلفه الاجنبي ففسخ المغبون يرجع المالك قبل الفسخ إلى المتلف بقيمة يوم التلف بناء على ما هو التحقيق من أن إتلاف مال الغير في القيميات موجب للضمان بالقيمة يوم التلف، ويرجع الفاسخ إلى صاحبه أو بالعكس بقيمة يوم الفسخ، هذا على المبنى المنصور. وأما بناء على القول بانقلاب الضمان المعاوضي بعد التسليم والتسلم إلى ضمان اليد، وبناء على أن مقتضى اليد وكذا مقتضى قاعدة الاتلاف وقوع نفس العين على عهدة الغابن، وبناء على أن مقتضى الفسخ رجوع نفس العين على ذمة المفسوخ عليه فيتخير المالك بين الرجوع إلى المتلف والى صاحبه، فلو رجع إلى صاحبه يرجع هو إلى المتلف دون العكس، نظير باب تعاقب الايدي

[ 362 ]

فان العين مضمونة على صاحبه، والعين المضمونة مضمونة على المتلف، والاعتبار على ذلك بقيمة يوم الاداء. ولو قلنا بأن مقتضى ضمان اليد ثبوت نفس العين على العهدة، ومقتضى قاعدة الاتلاف ثبوت قيمتها يوم الاتلاف، فلو غصبها الاجنبي ثم أتلفها فمقتضى اليد ثبوتها على عهدته، والاعتبار في القيمة بيوم الاداء ومقتضى قاعدة الاتلاف ثبوت قيمة يوم التلف، فهل مقتضى قاعدة اليد مقدم على مقتضى قاعدة الاتلاف لسبقها، ومع ثبوت العين في العهدة بالسبب السابق ويتبعه قيمتها في ضمنها لا يبقى مجال لتأثير السبب اللاحق فيكون الاعتبار بقيمة يوم الاداء، أو يقدم مقتضى قاعدة الاتلاف ويوجب ثبوت القيمة بتمامها على عهدته محو ضمان نفس العين لعدم اعتبارها مسلوبة القيمة، فيكون الاعتبار بقيمة يوم الاتلاف، أو تكون العين بقاعدة اليد ثابتة على عهدة الغاصب إلى حال الاتلاف، ومن حاله يكون ثبوت قيمة العين بقاء مسببا عن القاعدتين، وثبوت العين بسبب اليد مستقلا، بدعوى أن لثبوتها مجردة عن قيمة يوم التلف أثر، وهو ثبوت قيمتها يوم الدفع؟ وجوه مبنية على مبان غير وجيهة، ويأتي الكلام أيضا في إتلاف المالك قبل الفسخ بناء على بعض المباني. ويظهر مما ذكرناه حكم إتلاف الغابن ما في يد المغبون قبل الفسخ وبالعكس على المذهب المختار وعلى غيره، لكن هنا كلام، وهو أنه على القول بأن الضمان المعاوضي ينقلب بعد التسليم إلى ضمان اليد وأن مقتضى ضمانها أن العين بخصوصياتها الشخصية وعلى ماهي عليها على عهدة من تسلمها أنه لو غصب الغابن مثلا ما في يد المغبون قبل الفسخ تقع العين بدليل ضمان اليد بخصوصياتها وعلى ما هي عليها على عهدته للمغبون، فتكون العين بخصوصياتها الشخصية مضمونة على المغبون للغابن، وعلى الغابن للمغبون

[ 363 ]

وهو ممتنع، نظير كون زيد مديونا لعمرو العشرة وكون عمرو مديونا لزيد هذه العشرة بعينها، فيكون كل منهما مديونا ودائنا بالنسبة إلى عشرة خاصة، فانه غير معقول. وتوهم أن باب التهاتر من هذا القبيل فاسد، فان التهاتر أينما تحقق يكون بين المتماثلين من جميع الجهات، فلو كان لزيد عشرة على عمرو بسبب الاقراض فأتلف ماله المساوي لعشرة واشتغلت ذمته له بعشرة مثلها تهاترا، ضرورة أنه لا تكون العشرة المسببة عن الاقراض عين الاخرى وكذلك الامر في المثليات، وليس مقتضى الضمان فيها أو في القيميات اعتبار ثبوت نفس التالف أو ماليته القائمة به على عهدة المتلف، بل مقتضاه ثبوت مثل التالف أو قيمة مثل قيمته مقدارا على عهدته، فلو أتلف كل من الشخصين مال صاحبه وكان المالان متساويين في القيمة تشتغل ذمة كل منهما لصاحبه بقيمة مساوية لماله، فيتهاتران. ولا يدفع الاشكال بأن ما على المغبون هو العين بخصوصياتها، وما على الغابن هو العين المضمونة على المغبون كما يقال في تعاقب الايدي، ضرورة أن ذلك الدفع ليس إلا تفسيرا للامر المحال، نظير أن يقال: أن ذمتي مشغولة بعشرة لزيد وأن ذمة زيد مشغولة بهذه العشرة التي اشتغلت ذمتي له، والامر سهل بعد فساد المبنى. مسألة: لا ينبغي الاشكال في أن خيار الغبن لا يختص بالبيع بناء على كونه عقلائيا، وكذا بناء على الاستناد فيه إلى دليل نفي الضرر أو الشرط الضمني نعم لو كان المستند هو الاجماع أو قلنا بأن دليل نفي الضرر يحتاج إلى الجابر

[ 364 ]

أو كان المستند بعض الروايات كرواية دعائم الاسلام (1) المتقدمة فيشكل الاثبات، فالخيار ثابت في جميع المعاوضات المبنية على التدقيق. وأما ما لا يكون كذلك كالصلح لرفع التنازع أو لرفع الشغل المحتمل فان كان التساهل فيه بنحو الاطلاق أو احتمل الاشتغال بأكثر مما ادعي فصالح كائنا ما كان فلا خيار، وأما لو تردد بين العشرة والعشرين فصالح ثم ظهر ألف مثلا فالظاهر ثبوته. وأما في الجعالة فالظاهر عدم الثبوت، لانها ليست من المعاوضات بالمعنى المعهود، ولهذا لا يعتبر فيها ما اعتبر فيها، فلو جعل دينارا في رد دابته مع اختلاف الدواب واختلاف العمل باختلافها صح، فلا يجري فيها أدلة إثباته. مسألة: اختلفوا في كون هذا الخيار على الفور أو على التراخي، واستدل للقول الاول بأن الخيار على خلاف القواعد، فيقتصر فيه على المتيقن، وللقول الثاني بالاستصحاب. والاستدلالان مبنيان على فرض عدم إطلاق لدليل الخيار وعدم دليل على التراخي، وانتهاء الامر إلى الشك فيهما، وسيأتي الكلام في حال دليله وعلى فرض عدم الاطلاق لدليله، لو شك في بقاء الخيار بعد الزمان المتيقن فهل المرجع عموم أو إطلاق (أوفوا بالعقود) (2) أو استصحاب حكم المخصص؟ فنقول: إن لقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) عموما أفراديا مستفادا


(1) المستدرك الباب - 29 من ابواب آداب التجارة الحديث 2. (2) سورة المائدة: 5 الآية 1.

[ 365 ]

من دلالة لفظية، أي الجمع المحلى باللام، وإطلاقا مستفادا من جعل الحكم على الافراد بلا قيد. وقد تكرر منا أن العموم غير الاطلاق دلالة ومدلولا، وأن في الاول يثبت الحكم لكل مصداق الطبيعة بدلالة لغوية وألفاظ موضوعة كلفظ الكل والجمع المحلى ونحوهما الموضوعة للكثرة الاجمالية، فالمدلول فيه هو جميع مصاديق الطبيعة، والدال هو اللفظ الموضوع للشمول والتكثير. وأما الاطلاق فلا يكون من المداليل اللفظية واللغوية ولم يوضع له لفظ، بل الحجة عليه فعل المتكلم لا قوله، فان العاقل غير الغافل إذا كان في مقام بيان مقصوده، وجعل شيئا موضوعا في كلامه لحكم ولم يقيده بقيد يستكشف من فعله ذلك أن تمام موضوع حكمه هو الذي أتى به في كلامه فإذا قال: (أعتق رقبة) يستدل بأخذ الرقبة بلا قيد موضوعا في كلامه على أنها بلا قيد (المؤمنة) أو غيرها موضوع لحكمه، فيعلم منه أن تمام الموضوع هو الرقبة من غير قيد، فيستدل بفعله على مراده، كما يستدل في العام بقوله عليه، فالمراد المحكوم عليه في المطلق هو نفس ما جعله موضوعا من غير دلالة على كثرة أو استمرار أو نحوهما، فالمطلق بعد تمامية مقدمات الاطلاق لا يفيد كثرة بوجه من الوجوه. فما في كلمات بعض المحققين (قده) من أن المطلق بعد تمامية المقدمات يدل على السريان والشيوع، حتى قالوا في تعريفه: إنه ما دل على شائع في جنسه غير وجيه، كما أن البحث عن ألفاظ المطلق، كما وقع منهم ليس على ما ينبغي، فان المطلق المقابل للمقيد في البحث الاصولي لا يدل على شائع ولا على كثرة، بل الاطلاق كما أشرنا إليه ليس من الدلالات اللفظية، وليس له لفظ ولا وضعت له لغة، ولا فرق فيما هو مناط الاحتجاج وفيما هو المقصود من الاطلاق بين الالفاظ الدالة على الطبائع مثل

[ 366 ]

(البيع) و (الرقبة) وبين الاعلام الشخصية، كزيد، فقوله: (أكرم زيدا) بعد مقدمات الاطلاق مطلق، كقوله: (اعتق رقبة) ولا دلالة لهما على الشيوع والسريان، بل لا يعقل الدلالة بعد عدم الوضع، ومقدمات الحكمة لا تجعل غير الدال دالا، ومن الواضح أن الالفاظ الموضوعة للطبائع لا تدل إلا على نفس الطبائع، والدلالة على الكثرة والشياع تحتاج إلى دال لفظي، ومقدمات الحكمة لا تفيد إلا ما أشرنا إليه من أن ما جعل متعلقا هو تمام الموضوع، سواء كان طبيعة أم علما. وأما ما تكرر في كلامهم من أن الاهمال الثبوتي محال فاللزوم الحقيقي المجعول في الآية له تعين واقعي إما بجميع الازمنة أو ببعضها ففيه أن معنى عدم إمكان الاهمال ثبوتا ليس لزوم لحاظ ما ليس موضوعا ولا دخيلا فيه في موضوع الحكم، ففي المقام إن موضوع وجوب الوفاء هو العقد، وبعد مقدمات الاطلاق يكشف أن العقد تمام الموضوع، ولا دخل لشئ آخر فيه، فلو فرض إمكان إيجاد العقد في غير الزمان والمكان كان الموضوع متحققا، لعدم دخالتهما في موضوع الحكم، فالعقد بعد وجوده يجب الوفاء به أينما تحقق وفي أي زمان كان، لكن لا بمعنى دخالتهما في موضوع الحكم، ولا بمعنى لحاظهما حال الجعل، بل بمعنى أن العقد أينما وجد يكون عقدا، فيجب الوفاء به، ولو فرض قيام الدليل على عدم وجوب الوفاء به في زمان يكشف ذلك عن كون الموضوع العقد في غير هذا الزمان، فبعد ورود القيد يكشف أن الموضوع لبا مقيد بغير الزمان الخارج لا أن الاطلاق يقتضي ذلك، وللتفصيل محل آخر. وأنت إذا تأملت فيما ذكر تعرف أن كثيرا من المباحث التي وقعت في المطلق والمقيد خارجة عن محط الكلام وعما هو المطلوب في ذلك الباب وأنه لا أصل للاطلاق البدلي والشمولي، ولا موضوع للبحث عن أن الدال

[ 367 ]

على البدلية والشمول لفظ موضوع لهما، كلفظة (أي) أو هيئة النكرة فان ما يفيده الاطلاق أجنبي عن البدلي والشمولي. فقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) له دلالة لفظية على وجوب الوفاء بكل عقد بتعدد الدوال والمدلولات، وأما أن العقد تمام الموضوع لوجوب الوفاء، أو جزئه وله قيد أو جزء آخر فلا يدل عليه اللفظ والقول بل كونه تمام الموضوع مستفاد من جعله موضوعا للحكم بلا قيد، فيحتج للعموم بالقول، وللاطلاق بالفعل، والعموم دال على الكثرة دون الاطلاق. ثم إن الاطلاق في الآية متفرع على العموم، فان موضوع العموم العقد وبعد تعلق وجوب الوفاء به بلا قيد يحكم بالاطلاق، فالاطلاق موضوعه العقد المتعلق به الحكم أو الحكم المتعلق بالعقد، ومقتضى التفرع أن التخصيص في العام حيث يوجب رفع حكمه عن الموضوع الخاص فلا يبقى معه محل للاطلاق، وأما التقييد في الاطلاق فلا يمس كرامة العام، وعليه ففي التخصيص خلاف ظاهر واحد، لانه لا يوجب تقييد المطلق حتى يوجب بذلك خلاف ظاهر آخر، بل يوجب رفع موضوع الاطلاق، كما أنه ليس في التقييد إلا خلاف ظاهر واحد، ولا يوجب التصرف في العام. فاتضح من ذلك أن التخصيص في عموم قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) عبارة عن إخراج ما دل العموم على دخوله في الحكم، نظير التخصيص بدليل حرمة الربا وبيع الغرر، ومن المعلوم أن هذا غير مربوط بالاطلاق نعم يرتفع به موضوعه. وأما التقييد في إطلاقه فهو عبارة عن ورود قيد يوجب الكشف عن عدم كون المطلق تمام الموضوع، بل له قيد آخر، فلو دل الاجماع مثلا على عدم وجوب الوفاء بالعقد في ساعة يكشف ذلك عن أن موضوع


(1) سورة المائدة الآية 1.

[ 368 ]

وجوبه ليس العقد المطلق، بل العقد في غير ساعة كذائية، فهذا تصرف في الاطلاق وخلاف ظاهره، ولا يعقل أن يكون تخصيصا، فان الساعات والحالات لم تكن مشمولة للعموم، ولم يكن العام دالا عليها، فلا يعقل كون التصرف المذكور راجعا إلى التخصيص، كما لا يعقل أن يرجع التخصيص إلى التقييد. فما في كلام الشيخ الاعظم (قده) من أنه لا يلزم من ذلك زيادة تخصيص إذا خرج الفرد في ساعة أو بعدها مستمرا خلط بين التخصيص والتقييد، ضرورة أن خروج ساعة لا يعقل أن يكون تخصيصا بعد عدم دلالة العام على الزمان والحالات، بل هو تقييد، ويتجه معه التمسك بالاطلاق في غير الزمان الخارج. ومما ذكرناه في معنى الاطلاق واختلاف موضوعه مع موضوع العموم في قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) يتضح الجواب عن المناقشة التي أوردها شيخنا العلامة أعلى الله مقامه وحاصلها (أن المطلق في سائر المقامات يشمل لما تحته من الجزئيات في عرض واحد، واستقر ظهوره في الحكم على كل ما يدخل تحته بدلا أو استغراقا، فإذا خرج منفصلا شئ منه بقي الباقي بنفس الظهور المستقر، وفي المقام إن الزمان أمر واحد مستمر وبعد مقدمات الحكمة يستمر من أول وجود الفرد إلى آخره، فإذا انقطع الاستمرار بخروج فرد يوم الجمعة مثلا فليس لهذا العام دلالة على دخول هذا الفرد يوم السبت، إذ لو كان داخلا لم يكن هذا الحكم استمرارا للحكم السابق) انتهى. إذ مبنى هذه المناقشة على شمول الاطلاق للجزئيات واستقرار ظهوره في الحكم على كل ما دخل تحته، وفي المقام استقر ظهوره في استمرار الحكم من أول وجود الفرد إلى آخره، وقد عرفت أن الاطلاق المقابل للتقييد


(1) سورة المائدة: 5 الآية 1.

[ 369 ]

أجنبي عن ظهور القضية في الحكم على المصاديق، وأجنبي عن الظهور في استمرار الحكم على الفرد إلى آخر وجوده، فالبحث عن عرضية الجزئيات وعدمها بحث غير مربوط بباب الاطلاق. فالعقد في كل مصاديق العام بعد تمامية المقدمات محكوم عليه بوجوب الوفاء من غير دخالة شئ فيه، فيحكم بأنه تمام الموضوع لحكمه، ولازم ذلك عقلا أنه إذا وجد في أي مكان أو زمان أو مع أي عارض ثبت له الحكم بما هو عقد لا بما هو موجود مع المقارنات أو مع المتحدات، فالحكم كأنه لازم ماهيته، فإذا وجد وبقي في عمود الزمان بقي حكمه، وإذا ورد دليل على عدم لزوم الوفاء به في قطعة من الزمان أو في حالة كذائية يتقيد الاطلاق به، ويستكشف منه أن الموضوع للوفاء هو العقد في غير القطعة الخارجة أو الحال الخارجة، وبقي الاطلاق في غير مورد التقييد بحاله، فيتمسك به عند الشك، فطولية الزمان وعرضية العوارض غير دخيلة في الاطلاق والتمسك به. ويظهر أيضا الاشكال فيما فصله بعض الاعاظم (قده) وحاصله أن استمرار الحكم ودوامه فرع وجوده، ومع الشك فيه لا يعقل التمسك بالاطلاق لكشف حاله، فانه من قبيل إثبات الموضوع بالحكم. لانه ناش من عدم تفكيك العام وموضوعه عن المطلق وموضوعه، فان موضوع المطلق أو ما هو دخيل فيه هو الحكم الذي يثبت بألفاظ العموم وما لم يخصص العام يكون موضوع المطلق محققا لا بدليل الاطلاق، بل بدليل العام. وبالجملة إن العام الشامل لجميع الافراد إن خصص فلا مجال للاطلاق بعد رفع موضوعه، وإن لم يخصص فلا مجال للشك في بقاء موضوعه، وإن شك في تخصيصه فبأصالة العموم يحرز موضوع الاطلاق، فليس في

[ 370 ]

شئ من الموارد توهم إثبات الموضوع بالحكم. نعم هنا مناقشة أخرى على ما حررناه من أن الاطلاق غير العموم، وأن التخصيص غير التقييد، ولا يوجب التخصيص في العام تقييدا في المطلق وبالعكس، وهي أن لازم ما ذكر التفصيل بين ما إذا خرج فرد في أول الزمان وشك في أنه خرج مطلقا أو في خصوص الزمان الاول، كخيار الغبن بناء على ما هو الحق من ثبوته بعد العقد بلا فصل، وبين ما خرج في الاثناء مع العلم بدخوله قبل زمان الخروج، كخيار التأخير وخيار الغبن بناء على ثبوته بعد ظهوره، فشك في حكمه فيما بعد الزمان المتيقن، فيتمسك بالاستصحاب في الاول لا بالاطلاق، لان الامر دائر بين التخصيص والتقييد، ويكون من قبيل العلم الاجمالي بورود التخصيص في العام مع بقاء الاطلاق على حاله لان الخروج الموضوعي لا يخالف الاطلاق، أو التقييد في الاطلاق من غير تصرف في العام، فيقع التعارض بين أصالتي العموم والاطلاق، فعلى القول بعدم ترجيح في البين يكون المرجع هو الاستصحاب أو أصل آخر، وأما في الثاني فلا مجال للعموم، للعلم بعدم ورود التخصيص عليه، بل الامر دائر بين كثرة التقييد وقلته، فيؤخذ بالمتيقن، ويتمسك بالاطلاق في المشكوك فيه. والجواب عنها أن المحرر في محله أن مورد جريان أصالة الاطلاق وكذا أصالة العموم وأصالة الحقيقة ما إذا شك في المراد، كما لو شك في تخصيص العام في المقام بالنسبة إلى عقد وأنه خارج أم لا، وأما إذا علم المراد وحكم الفرد وشك في أنه خارج تخصيصا أو تخصصا كما لو شك في المقام في عقد لم يجب الوفاء به في أنه خرج عن العموم بالتخصيص وبنحو الخروج الموضوعي بالنسبة إلى الاطلاق أو خرج عن الاطلاق تقييدا فلا يجري الاصل فلو علم بأن فردا من العام محكوم عليه بغير حكم العام وشك في أنه من

[ 371 ]

مصاديقه وخارج عنه تخصيصا أو ليس من مصاديقه، فلا مجال لاصالة العموم، لكشف حال الفرد، وكذا الحال في أصل الحقيقة وأصالة الاطلاق والمفروض في المقام أن من المعلوم عدم ثبوت وجوب الوفاء في أول الزمان والشك انما هو في أن الخروج بنحو التقييد أو بنحو التخصيص والخروج الموضوعي بالنسبة إلى الاطلاق، وفي مثله لا مجال للاصل. مضافا إلى أن تلك الاصول غير جارية فيما إذا لم يكن لها أثر، فانها أصول عقلائية عملية، ولا أثر لاصالة الاطلاق مع العلم بخروج الزمان الاول، فلا يعقل جريانها لادخاله، ولو جرت لاثبات لازمها وهو ورود التخصيص على العام اللازم منه خروج المورد موضوعا من تحت الاطلاق لزم من إجرائها عدمها، لان التقييد متفرع على العموم، فكان مرجع أصالة الاطلاق في المقام إلى عدم الحكم بعدم موضوعه، وهو كما ترى. ثم إن هذا التفصيل المتوهم مقابل التفصيل الذي التزم به المحقق الخراساني (قده) من أنه مع الخروج من الاول لا مانع من التمسك بالعام بل ينطبق عليه بعد زمان الخروج، بخلاف الخروج في الاثناء، فانه بعد انطباقه على الفرد لا مجال فيه للتمسك به بعد الاخراج. وقد ظهر ما فيه مما تقدم من أن المقام مقام تقييد المطلق لا تخصيص العام، ولا فرق في جريان أصالة الاطلاق بين القطعات المشكوك فيها على ما تقدم من معنى الاطلاق. ومما ذكرناه يظهر النظر في كلمات بعض المحشين (قده) حيث أتعب نفسه الشريفة بتمهيد مقدمات كثيرة، ذكر فيها أن الزمان بحسب طبعه كذا، وأنه قد يكون ظرفا للحكم أو لمتعلقه، وقد يكون تحت دائرة الحكم، وقد يكون فوقها، وأنه قد يؤخذ على نحو العموم المجموعي، وقد يؤخذ على

[ 372 ]

نحو العموم الاستغراقي، إلى غير ذلك مما هي أجنبية عن الاطلاق وباب المطلق والمقيد. كما يظهر النظر في قول بعض آخر من أن مقتضى الاطلاق الحمل على اللا بشرط القسمي، ثم نسج على منواله. مع أن مقتضاه في الطبائع متحد مع مقتضاه في الافراد بوجه، وهو كون ما هو متعلق الحكم أو موضوعه في لسان الدليل تمام الموضوع كما تقدم. ومختلف معه بوجه، وهو أن المأخوذ في الدليل إن كان من الطبائع يكون مقتضى الاطلاق أن نفس الطبيعة تمام الموضوع، وهي الماهية لا بشرط أي المقسم بين الاقسام الثلاثة، فان كلا من الاقسام متقيد بقيد أو ممتاز عن غيره باعتبار، من غير فرق بينهما، وحديث أخفية مؤونة اللابشرط القسمي غير صحيح، فان الاقسام إن كانت متقومة بالاعتبار وكان التمييز بينها بذلك فلا يكون اعتبار أخف من اعتبار، وإن كان الامتياز بضم قيد في كل منها فلا يكون قيد أخف من صاحبه، مع أن الحمل على الاخف على فرضه انما هو مع عدم إمكان الحمل على نفس الطبيعة التي هي خالية عن القيد والاعتبار مطلقا، ولا ينبغي الاشكال في أنه بمكان من الامكان بل هو المتعين، إذ الاقسام كلها ممتنع الانطباق على الخارج، وقضية كون اللحاظ آليا في غير محلها، كما أن توهم كون الماهية لا بشرط أي المقسم هي الماهية من حيث هي فاسد جدا، فانها لا تكون مقسما ولا غير مقسم، ولا موضوعا لحكم ولا غير موضوع، والمقسم والمحكوم عليه بالحكم لا يعقل أن تكون الماهية من حيث هي. وإن كان المأخوذ في الدليل هو الفرد والشخص مما لا معنى للمقسم والاقسام فيه فمقتضى الاطلاق أن هذا الشخص هو تمام الموضوع من غير

[ 373 ]

دخالة شئ آخر، فالبحث عن الماهية وأقسامها وأن مقتضاه الحمل على اللابشرط القسمي أجنبي عن مثله ولو فرض كونه صحيحا في الطبائع. ولا يخفى أن المطلق في قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) من قبيل الفرد لا الطبيعة، فان مقتضى جعل الطبيعة الجامعة بين المصاديق تلو أداة العموم هو التكثير بحسب الافراد لا بحسب الانواع، فان الدلالة على النوع تحتاج إلى دال مفقود، فقوله: (كل انسان) يدل بتعدد الدال على الكثرة بحسب الافراد، فان الانسان دال على نفس الطبيعة، والكل دال على كثرتها، وأما الدلالة على الصنف فتحتاج إلى مؤونة زائدة، وكذا الحال في العقد، فانه دال على نفس الطبيعة، وأداة العموم دالة على تكثيرها لا تنويعها، وعليه فالبحث عن الماهية بأقسامها حشو في المقام. ثم إنه لا فرق فيما ذكرناه في معنى الاطلاق بين أن يستفاد من قوله تعالى: (أوفوا) وجوب الوفاء وينتزع منه اللزوم، أو يكون كناية عن لزوم العقد، وكون اللزوم معنى واحدا لا يضر بالاطلاق وبالتمسك به بعد ورود قيد، كما أن وجوب الوفاء أيضا أمر واحد ولا ينافي الاطلاق فتدبر جيدا فيما تقدم. وقد يتمسك لاثبات العموم الزماني أو الاستمرار بوجوه: (منها) ما عن جامع المقاصد (من أن العموم في افراد العقود يستتبع عموم الازمنة، وإلا لم ينفع بعمومه) انتهى. ولا يخفى أنه لا يرجع إلى التشبث بالاطلاق، بل مبنى الاستفادة أمر خارجي، وهو أن وجوب الوفاء بكل عقد لو لم يكن على وجه العموم والاستمرار لزم اللغوية، لعدم الدليل في الآن الثاني بعد العقد على وجوب الوفاء به، فيلزم عدم الانتفاع بالعموم الافرادي، مع أنه وارد لاثبات الحكم والعمل به، وهو عين اللغوية، فوجب تنزيها لكلام الحكيم عنها

[ 374 ]

الاستتباع المذكور. فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في رده كأنه في غير محله، فانه لم يتمسك بالاطلاق وبمقدمات الحكمة الجارية لاثباته حتى يتوجه إليه ما أفاده مع الاشكال فيه على ما تقدم، بل تمسك بما تقدم، وهو غير مقدمات الحكمة. نعم يرد عليه أنه يكفي للانتفاع بالعموم الافرادي والخروج عن اللغوية إطلاق الدليل زائدا على عمومه كما مر مفصلا، فلا يتم إثبات العموم الزماني أو الاستمرار الزماني بما أفاد، فالوجه هو التمسك بالاطلاق، وهو غير العموم الزماني أو استمراره. و (منها) ما يقال من أن الاستمرار يستفاد من نفس مفهوم الوفاء، فانه عبارة عن الالتزام بالعقد أو العمل بمضمونه والبقاء على ذلك فلو لم يلتزم به، ونقضه في بعض الاحيان، أو عمل به ثم رجع إلى سلعته أو ثمنه بعنوان النكول عن البقاء على عقده لم يكن موفيا بالعقد، فمفهوم الوفاء يستفاد منه إبقاء العقد والعمل به حدوثا وبقاء بالمعنى المذكور. وفيه أن المدعى لو رجع إلى اعتبار الدوام والاستمرار الزماني في مفهوم الوفاء لغة وأنه وضع للعمل على طبق ما يتعلق به استمرارا وعدم الرجوع عنه بعد العمل، فكأنه قال: اعمل بالعقد دائما، وإذا عملت فلا ترجع عن ذلك بعنوان النكول عن الالتزام به، فحينئذ لا حاجة إلى مقدمات الحكمة بل قام اللفظ الدال على المضمون مقامها، فهو كما ترى، ضرورة أن مفهومه لا يدل لغة على تلك المعاني الكثيرة، ولا يطابق المدعى مع لغة ولا عرف، بداهة صحة تقسيمه إلى الدائم وغيره، وصدقه مع الوفاء في زمان دون آخر. ولو لم يرجع إلى الدلالة اللفظية فمع إنكار الاطلاق زائدا على العموم

[ 375 ]

في قوله تعالى، لا يمكن استفادة ما ذكر منه، فانه يرجع إلى وجوب الوفاء بكل عقد في الجملة أو في زمان ما، فمع عدم وجوبه بدليل الخيار في الجملة لا يمكن إثباته بمفهوم الوفاء. وبعبارة أخرى إن وجوب الوفاء بالعقد بنحو ينطبق على الاستمرار على نحو ما تقدم متفرع على الاطلاق بعد فرض عدم الدلالة اللغوية، فمعه يثبت المطلوب وإلا فلا، فان العمل في الجملة أو الالتزام كذلك كاف في صدق الوفاء، ومع الاهمال لا دليل على أزيد منه، نعم يستفاد من مفهوم الوفاء بحسب العرف أنه ليس مجرد العمل على طبق العقد، بل لو عمل ورجع عنه لا بعنوان الغصب بل بعنوان نقض عقده لم يكن موفيا، لكن كل ذلك متفرع على الاطلاق، فمع عدمه لا يصار إليه. و (منها) غير ذلك مما هو أضعف مما ذكر. ثم إنه لو قلنا بعدم الاطلاق لدليل لزوم العقد ولا لدليل الخيار فهل المرجع استصحاب الخيار أم لا؟ قد يقال بالثاني، لعدم وحد ة القضية المتيقنة والمشكوك فيها، فان المتيقن سابقا ثبوت الخيار للمتضرر الذي كان تضرره من قبل الحكم الشرعي، ومع تمكنه من الفسخ وتركه عمدا لا يكون العنوان محفوظا، ولا يصدق أنه متضرر من قبل الشرع، لانه متضرر من قبل سوء اختياره، فموضوع القضية المتيقنة غير القضية المشكوك فيها. ولا يرد عليه ان الموضوع في باب الاستصحاب يؤخذ من العرف فلا وجه للشك فيه، لان ما يؤخذ من العرف هو حيثية البقاء لا حيثية الثبوت، فلو لم يحرز ما هو الموضوع أولا بل ثبت الحكم في العنب مثلا وشك في دخالة العنبية في موضوع الحكم فلا يمكن اسراؤه إلى الزبيب بالاستصحاب. وبالجملة إذا أحرز بمناسبة الحكم والموضوع أن الموضوع هو ذات الشئ وشك

[ 376 ]

في علية الوصف للحكم حدوثا أو حدوثا وبقاء فهنا محل الاستصحاب، وأما لو لم يحرز ذلك واحتمل أن الوصف تمام الموضوع كالفقر لاستحقاق الزكاة فلا يجري الاستصحاب. أقول: مبنى الاشكال فيما إذا كان المستند دليل نفي الضرر دون سائر الادلة كما لا يخفى، ويرد عليه (أولا) أن المستفاد من دليل نفي الضرر الحاكم على دليل لزوم العقد هو نفي لزومه، ولو قلنا بأن نفيه يلازم الجواز الحقي، فالقضية المتيقنة هي أن العقد كان جائزا أو خياريا، وهي عين القضية المشكوك فيها. نعم يمكن الاشكال فيه بأن استصحاب الجواز للعقد مستلزم لنفوذ الفسخ، فلا يجري الاستصحاب، فانه مثبت. (إلا أن يقال): إن جعل النفوذ للفسخ شرعا لازم جعل الجواز للعقد، فيكون النفوذ من الاحكام الشرعية المترتبة على الجواز (وفيه منع) فان النفوذ إذا كان لازما عقلا للجواز فلا وجه لجعله، ويكون ذلك من اللغو، وهذا نظير جعل الملازمة بين الشيئين، كالغليان والحرمة مثلا، فانه يغني عن جعل الحرمة عقيب الغليان، وفي مثله لو كان المستند دليلا اجتهاديا ثبت به اللوازم والملازمات، وإن كان أصلا لا يثبت به إلا نفس المستصحب إن كان له أثر شرعي، فاستصحاب جواز العقد لو لم يثبت به نفوذ الفسخ فلا أثر له. (وثانيا) لو قلنا بأن مقتضى دليل نفي الضرر ثبوت الخيار للمتضرر المذكور بمعناه الاشتقاقي، فلا مانع من جريانه، فان المعتبر في الاستصحاب هو وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها موضوعا ومحمولا لا وحدة القضية المستفادة من الادلة الاجتهادية مع القضية المشكوك فيها. وتوضيحه أن الحكم في الدليل الاجتهادي إذا تعلق بعنوان كالعنب

[ 377 ]

أو العالم أو المتضرر الكذائي وشك في ثبوت الحكم الكلي لما يغايره عنوانا أو يخالفه وصفا فلا يجري الاستصحاب لاثبات الحكم على غير العناوين، للزوم وحدة القضيتين، وأما إذا ثبت الحكم للموضوع الخارجي كالعنب الخارجي مثلا وصار محكوما عليه بحكم وبعد صيرورته زبيبا شك في بقائه فلا ينبغي الاشكال في أن الموجود الخارجي بهويته متعلق لليقين ببركة الكبرى الكلية، فيقال: إن هذا الموجود عنب وكل عنب كذا فهذا كذا على طبق جميع القياسات، وهكذا يقال: إن زيدا عالم وكل عالم واجب الاكرام فزيد واجب الاكرام، فالقضية المتيقنة ليست هي أن العنب كذا أو أن العالم كذا. وإن شئت قلت: إذا وجب إكرام زيد العالم كان زيد واجب الاكرام ومع زوال علمه فلا شك في بقائه، فيصح في المقام أن يقال: إن البائع كان له الخيار ويشك في بقائه، فموضوع القضيتين هو البائع ببركة الكبرى الكلية المنطبقة على الصغرى على حذو جميع الاقيسة. (وتوهم) أن ما ذكر مخالف لما مر منا كرارا من أن العموم كالاطلاق لا يثبت الحكم به إلا للافراد بما هي أفراد ذاتية له، فقوله: (أكرم كل عالم) لا يثبت به إلا وجوب إكرام المصاد يق الذاتية، أي كل فرد بما هو عالم لا بما هو مصداق لعنوان آخر، فالقضية المتيقنة هي وجوب إكرام العالم المتحقق بما هو عالم، فلا حكم لزيد وغيره من المصاديق بغير عنوان العام. (فاسد) فان ما ذكرناه هو بيان مقتضى الدليل الاجتهادي، فان الحكم على عنوان لا يعقل أن يسري منه إلى عنوان آخر، سواء في ذلك العنوان المطلق، كقوله: (أكرم العالم) ومصاديق العنوان، كقوله: (أكرم كل عالم) فان الحكم فيه أيضا تعلق بكل فرد من عنوان العالم لا بغيره. هذا بحسب جعل الاحكام على العناوين أو بنحو القضية الحقيقية.

[ 378 ]

وأما بعد انطباق العنوان على الخارج فيكون المصداق الخارجي المنطبق عليه العنوان عين العنوان اللابشرط، فزيد في الخارج عين العالم لا هو شئ والعالم شئ آخر اجتمعا في وجود واحد، فإذا لوحظ العناوين ذهنا وجرد الموضوع عن عناوينه يكون كل عنوان غير الآخر وغير المصاديق، وإذا وجد المصداق يكون المعنون والعنوان شئ واحد، فزيد هو العالم بعينه في الخارج، لا أنه شئ والعالم شئ آخر، فان ذلك مقتضى لا بشرطية الطبيعة ومقتضى الحمل الشائع الهوهوي على ما هو المقرر في مقاره سيما في المشتقات وكيفية أوضاعها، فزيد عين العالم في الخارج، وعين من وجب إكرامه، فيجب إكرامه بعين وجوب إكرام العالم، وهو المصحح للقياس المنطقي الموافق لنظر العرف والعقلاء، فكما يكون وجوب إكرام زيد العالم متيقنا يكون وجوب إكرام زيد أيضا متيقنا، وإن كان تعلق اليقين به ببركة الكبرى الشرعية المنضمة إلى الصغرى الوجدانية، فيكون المناط في الاستصحاب هو وحدة القضيتين. ولا ينبغي الاشكال في وحدتهما، فلا إشكال من هذه الناحية. وقد ظهر مما ذكر أنه لا فرق في ذلك بين استفادة الحكم من الدليل اللفظي وغيره، ولا بين كونه متعلقا بالعنوان مشتقا كان أم غيره، أو متعلقا بذات موصوف، فالتفصيل في غير محله. نعم لو قلنا باختصاص الاستصحاب في الشك في الرافع وعدم جريانه في الشك في المقتضي فالظاهر عدم جريانه في المقام بناء على كون المدرك للخيار هو الاجماع، لاحتمال كون الخيار بحسب الواقع محدودا بحد خاص هو ساعة بعد العلم أو بعد العقد، وكذا بناء على كون المدرك لا ضرر مع الشك في أن الثابت به هو الخيار المحدود أو غيره، والامر سهل بعد جريانه في الشك في المقتضي أيضا كما قرر في محله.

[ 379 ]

ثم إن ما تقدم من التمسك بالعام أو بالاستصحاب إنما هو مع الغض عن الدليل المثبت للخيار، وأما بالنظر إليه فعلى ما تقدم منا من أن هذا الخيار عقلائي بعنوان خيار الغبن فالظاهر هو التراخي، فان المناط العقلائي هو الغبن، ولا يرتفع ذلك بتأخيره. ثم إن هاهنا إشكالا في أصل إثبات الخيار بالطريقة العقلائية فضلا عن إثبات تراخيه، وهو إمكان رادعية أدلة اللزوم، مثل (أوفوا بالعقود) (1) للبناء العقلائي، ومعها لا مجال لاثباته به. وفيه أن الامور العقلائية الرائجة في سوقهم لابد في ردعها من الاعلام الصريح، ولا شبهة في أن تلك الامور العقلائية كانت رائجة في عصر الشارع الاقدس، وبعده في عصر الائمة المعصومين عليهم السلام مع كون مثل قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) بمرأى ومنظر منهم، فعدم ورود الردع الصريح الواضح دال على أن ما عند العقلاء مرضي، سيما مثل خيار الغبن المؤيد ثبوته في تلك الاعصار بالروايات من طرق الفريقين، فمثل (أوفوا بالعقود) الذي لا يفهم العامة دلالته على لزوم العقد، فضلا عن فهم الاطلاق منه الذي يحتاج إلى بيان وتوضيح، ويخفى على كثير من العلماء لا يصلح للرادعية عما هو رائج عند العامة وأهل السوق، فلا ينبغي الاشكال من هذه الجهة، ويتضح أن التراخي هو الاقوى فيه، كما أن مقتضى كون المستند له هو الاشتراط الضمني وقضية تخلف الشرط هو التراخي أيضا. وأما بناء على كون المستند على نفي الضرر فربما يقال في أمثال ذلك التركيب أي اسم الجنس الواقع في سياق النفي: إنه من ألفاظ العموم، فيستفاد منه لغة ووضعا نفي جميع مصاديق الضرر، ومن المعلوم أن الدلالة اللفظية لا تحتاج إلى مقدمات الحكمة، أو يقال بأنه وان لم يكن الوقوع في


سورة المائدة: 5 الآية 1.

[ 380 ]

سياق النفي من ألفاظ العموم، لكن النفي المتعلق بالجنس دال بلفظه على السلب المطلق، فلا يحتاج إلى مقدمات الحكمة. وفيه ما لا يخفى، أما في الدعوى الاولى فلانه لابد في الدلالة اللفظية من لفظ دال على الكثرة والعموم، وهو مفقود، فان اسم الجنس موضوع للطبيعة اللابشرط، ولا يعقل أن يكون الدال عليها دالا على الكثرة، كما لا يعقل أن تكون الطبيعة اللابشرط دالة على الكثرات التي تنطبق هي عليها في الخارج، ولفظة (لا) موضوعة للنفي بالمعنى الحرفي، ومع الدخول على الجنس يستفاد من الدوال الثلاثة أي اسم الجنس وحرف النفي والاضافة أن الطبيعة منفية، فلا دلالة فيها على الكثرة والعموم بوجه. وأما في الدعوى الثانية فلان إطلاق السلب من المدلولات المحتاجة إلى دال لفظي لو كان بالوضع، وليس في الكلام إلا اسم الجنس الذي لا يدل إلا على نفس الطبيعة لا الطبيعة المطلقة، وحرف النفي لا ينفي إلا ما هو مدخولها، فلا دال لفظي على إطلاق الطبيعة، فاستفادة الاطلاق محتاجة إلى مقدمات الحكمة كسائر المطلقات، نعم بعد جريانها يكون مقتضى النفي بنحو الاطلاق أي بلا قيد بحسب الحكم العرفي هو أن عدم الطبيعة بعدم جميع مصاديقها. (وبالجملة) لا فرق في المطلقات بين المثبتات وغيرها في الاحتياج إلى مقدمات الحكمة، إلا أن يتشبث في تلك التراكيب بفهم العرف العموم أو الاطلاق من نفس اللفظ، والعهدة على مدعيه. وأما قضية تمامية مقدمات الحكمة في قاعدة لا ضرر فمجمل القول فيها أن مرسلة الصدوق (قده) وهي قوله: (قال النبي صلى الله عليه وآله: الاسلام يزيد ولا ينقص) (1) وقال: (قال: لا ضرر ولا ضرار في الاسلام، فالاسلام يزيد المسلم خيرا ولا يزيده شرا) (2) وإن كانت


(1) و (2) الوسائل الباب من ابواب موانع الارث الحديث 9 - 10 من كتاب الارث.

[ 381 ]

كلاما ابتدائيا وكانت في مقام بيان مقصوده لكنها غير مربوطة بالمقام، فان الظاهر منها بقرينة الجملة السابقة والتفريع اللاحق أن اختيار دين الاسلام لا ضرر ولا ضرار فيه، بل يوجب التدين بهذه الديانة النيل بالخير والسعادة. وأما الروايات الواردة في قضية سمرة بن جندب (1) فهي على فرض كونها في مقام بيان الكبرى لا تكون إلا في مقام بيان حكم الضرار لا الضرر، والضرار على ما فصلناه في الرسالة المعمولة للقاعدة غير الضرر فان أكثر موارد استعماله هو إيصال الحرج والمكروه والتضييق بخلاف الضرر والاضرار، فانهما بمعنى الضرر المالي والنفسي. وأما ما يقال من أن الضرار في الحديث بمعنى المجازاة، فانه فعال من الضرر، أي لا يجازيه على إضراره بادخال الضرر عليه فقد فرغنا في محله عن تضعيفه، فراجع. (مضافا) إلى أن نفي المجازاة عن المتعدي ينافي الكتاب والسنة الناصين بثبوت القصاص والتقاص، كقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وغيره (2). ولا إشكال في أن مورد ورود الروايات هو من قبيل إيقاع التضييق والتحريج، إذ كان الخبيث سمرة بن جندب لعنه الله يدخل على أهل بيت الانصاري فجأة وبلا استئذان ناظرا إلى شئ من أهله وكان ذلك شاقا على الانصاري، فحينئذ فالكبرى على فرض كونها مورد البيان لا تكون كذلك إلا في لا ضرار دون لا ضرر، فإذا لا دليل على الاطلاق في قاعدة لا ضرر، فاستفادة أصل الخيار منها مع الغض عما تقدم محل منع، فضلا عن استفادة التراخي، إلا أن يقال باستفادة الاطلاق من وحدة السياق


(1) الوسائل الباب 12 من كتاب إحياء الموات الحديث الموات الحديث 3.

[ 382 ]

أو من مناسبة الحكم والموضوع. ثم إنه مع البناء على الاطلاق فلا شبهة في أن مثل لا ضرر ودليل نفي الحرج الناظر إلى الادلة الشرعية تكون نتيجة اطلاقه أن الاحكام الضررية مطلقا مرفوعة، من غير فرق بين توجه الضرر من قبل العموم أو الاطلاق، فحينئذ يحتمل أن يكون النفي في قاعدة الضرر في المقام متوجها إلى عموم (أوفوا بالعقود) فيكون بمنزلة المخصص له، ومع إخراج الفرد ينتفي موضوع الاطلاق بالنسبة إلى حالاته، للتفرع المتقدم ذكره، فلا يستفاد منه إلا خروج الفرد الذي كان لولاه واجب الوفاء في الجملة، وبما أن دليل نفيه لا يمكن أن يثبت شيئا زائدا على النفي أو ما يترتب عليه مثل الخيار مثلا على القول به فلا يثبت به إلا الخيار في الجملة وبنحو الاهمال تبعا للمنفي. ويحتمل أن يكون متوجها إلى الاطلاق لا العموم، ويحتمل أن يكون متوجها اليهما، والترتب بين العموم والاطلاق وتفرع الثاني على الاول لا يمنع من شمول القاعدة لهما في عرض واحد، فان عنوان الضرر متساو النسبة اليهما، كعنوان الوجود الشامل للعلة والمعلول في عرض واحد، فحينئذ هل مقتضى حكومة القاعدة على قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) هو الفور أو التراخي؟ ربما يقال بالاول بدعوى أن العقد إذا وجد يرتفع بدليل نفي الضرر وجوب الوفاء به في القطعة الاولى من الزمان، فيجعله متمكنا من الفسخ بعد ما لم يكن كذلك، فمع ترك الفسخ اختيارا يكون اللزوم الضرري فيما بعد الزمان الاول مستندا إلى اختياره لا إلى الشارع. (وبعبارة أخرى) إن ترك فسخه مع العلم والعمد إقدام على الضرر في القطعات المستقبلة فلا يشمله دليل نفي الضرر، ومقتضى إطلاق دليل اللزوم وجوب الوفاء به

[ 383 ]

في تلك القطعات، فينتج الفورية. وفيه أن الاختيار الآتي من قبل دليل نفي الضرر لا يعقل أن يكون مانعا عن رفع اللزوم في القطعات الآتية، ضرورة أن مقتضى حكومة الادلة الثانوية كالحرج والضرر على الادلة الاولية هو رفع الحكم الكلي بالحكم الكلي في محيط التشريع، فدليل نفي الضرر حكم قانوني كلي حاكم على الاحكام القانونية الكلية، ونتيجتها التخصيص أو التقييد فيها من غير نظر إلى المصاديق الخارجية، ولا شبهة في أن العقد الغبني ضرري بجميع حالاته وفي جميع قطعات الزمان، كما لا شبهة في أن المغبون لم يقدم على الضرر في شئ من القطعات حال إيجاد العقد، ومقتضى حكومة دليل نفي الضرر على الكبرى الكلية أن لزوم العقد الضرري غير المقدم عليه بجميع حالاته وفي جميع القطعات مرتفع. ودعوى أن دليل نفي الضرر ينطبق على القطعة الاولى الموجودة بعد العقد فتصير سائر القطعات مقدما عليها في غاية السقوط، فانها ناشئة عن توهم كون حكومة دليل نفي الضرر على (أوفوا بالعقود) تدريجية، وأنه لا يكون بالنسبة إلى القطعات غير الموجودة حاكما، بل ينطبق الدليل على القطعة الاولى، فلا يبقى مجال لانطباقه على سائرها، وهو مزيف بأن الحكومة بين الادلة الكلية قبل تحقق عقد وعاقد، ونتيجتها التخصيص أو التقييد في الادلة العامة والمطلقة، ونتيجتها بحسب اللب ثبوت الحكم واقعا لعنوان كلي مخصص أو مقيد، وهو أن لزوم كل عقد ضرري لم يقدم المغبون على الضرر فيه مرتفع، فإذا وجد عقد كذائي ينطبق عليه الكبرى المخصصة، ولا يعقل أن يكون التحكيم تابعا لوجود العقد، كما لا يعقل أن يكون تدريجيا، ولازم ذلك كله أن يكون الخيار على التراخي. ثم على القول بالفور استنادا إلى إطلاق دليل اللزوم والاخراج بمقدار

[ 384 ]

انطباق الدليل الحاكم فاللازم هو ثبوته بمقدار تمكن المغبون من إنشاء الفسخ والزائد عليه داخل في الاطلاق، بل لو كان عنوان الفور مدلول دليل فكذلك، لان موضوعات الادلة وإن كانت عرفية عنوانا وانطباقا لكن المراد من تشخيص العرف هو عقل العرف الدقيق مقابل حكم العقل البرهاني لا التسامح العرفي، إلا أن يثبت في مقام أن بناء المتكلم على المسامحة العرفية كما أن الامر كذلك ظاهرا في باب نصاب الغلات، حيث إنه بالاوزان المتعارفة للغلات على ما هي عليه نوعا، ولا شبهة في أنها مخلوطة بغير جنسها كالحبات السود والحشيش على النحو المتعارف، ففي بلوغ النصاب نحو مسامحة عرفية. كما أن القائل بالتراخي لا يلتزم ببقاء الخيار إلى الابد أو إلى زمان الاعقاب اللاحقة، بل إلى حد عدم التواني الموجب للحرج أو الضرر أحيانا بل لا يبعد أن يكون للتراخي حد عرفا، وهو عدم التواني والتسامح من غير غرض عقلائي ولا شخصي، ولا دليل على ثبوته زائدا على ذلك، والمرجع في غيره إطلاق دليل اللزوم. ثم إنه على ما ذكرناه من كون هذا الخيار على التراخي لا يبقى مجال للبحث عن معذورية الجاهل بالخيار، والفروع المتفرعة عليه، ومع الغض عنه فان كان المستند للفورية هو قصور الادلة عن إثبات المقدار الزائد عليها كما لو كان المستند الاجماع أو بناء العقلاء ولم يحرز التراخي منه، أو قاعدة نفي الضرر مع القول باثباته في الجملة وبعدم الاطلاق لها، أو القول بحكومتها على العموم لا على الاطلاق، لتقدم رتبته فعلى جميع تلك المباني لا وجه للتفصيل بين العالم وغيره، لعدم دخالة حالات المكلف في الاحكام الواقعية إلا ما دل الدليل عليها، فالقدر المتيقن من الادلة هو الفور، وفي غير مورده يكون الاطلاق مرجعا.

[ 385 ]

وأما على القول باطلاق دليل نفي الضرر والاستناد إليه في إثبات الخيار فان قلنا بأن ما يلزم منه الضرر هو اللزوم، وأما الصحة بلا لزوم فلا تكون ضررية، وقلنا بأن دليل نفيه وإن لم يكن فيه إهمال لكنه يختص بما إذا كان الضرر من قبل الشرع محضا، فاللازم منه الفورية في جميع الصور المتصورة الكثيرة، من غير فرق بين العالم والجاهل المركب والبسيط الملتفت والغافل والناسي للحكم أو الموضوع، فان في جميع الصور يكون الخيار ثابتا في القطعة الاولى وأما في سائر القطعات فليس الضرر من قبل الشارع، بل من تواني ذي الخيار أو جهله أو نسيانه أو غفلته، فلا يأتي التفصيل بين الصور. وكذا لو قلنا بأن الضرر من قبل أصل المعاملة لا لزومها، وبعد ما لم يكن دليل نفي الضرر رافعا لصحتها، بل كان حاكما على دليل اللزوم على ما تقدم منهم، فتكون الحكمة في نفي الضرر الدفاع عن الضرر الواقع ورفعه بالخيار المجعول، بأن جعل ذلك ليكون وسيلة للدفاع عن الضرر وقلنا بأن ما من قبل الشارع وهو جعل الوسيلة للدفاع حاصل بدليل نفي الضرر من غير نظر إلى حالات ذي الخيار، فعدم القدرة على استعمالها للجهل أو النسيان أو الغفلة غير مربوط بالشارع، فلازمه الفورية وعدم التفصيل أيضا. نعم لو قلنا بأن دليل نفي الضرر مطلق، وانما قيد بأمر واحد، وهو إقدام المغبون على الضرر، لاجل كون الجعل امتنانيا على ما قيل، اتجه التفصيل بين العالم والجاهل البسيط الملتفت وبين الجاهل المركب بالحكم أو بالموضوع، والغافل والناسي كذلك، أي في جميع صور عدم انقداح الخيار أو الفورية في ذهنه، نعم قد يتفق الاقدام على نحو التعليق غير المنافي للعلم بالخلاف، كما أن العالم بالخيار مع الجهل بالفورية قد يكون مقدما وقد لا يكون، وكذا الشاك في الخيار أو في فوريته، والامر سهل

[ 386 ]

بعد بطلان أصل المدعى. وأما صور التنازع فقد مر التفصيل في بعضها في أوائل البحث عن هذا الخيار، وقلنا بأن تشخيص المدعي والمنكر عرفي من غير دخالة الاصول الشرعية فيه، ولو قلنا بصحة الاتكال عليها لتشخيصهما فلا يجري شئ من الاصول في المقام، كأصالة عدم العلم بالموضوع أو بالحكم، أو أصالة عدم النسيان أو عدم الغفلة إلا أن ترجع إلى أصل عقلائي، فان تلك الاصول إما أن تكون فاقدة الركن أو تكون مثبتة، فراجع.

[ 387 ]

الخامس خيار التأخير وهو مما لا كلام ولا إشكال في ثبوته إجمالا، والاجماع عليه محكي في كتب القدماء والمتأخرين، وانما الكلام في الدليل على أصله وحدوده وشروطه. فعن العلامة (قده) في التذكرة التمسك بدليل نفي الضرر، والظاهر أن مراده منه إثبات أصل الخيار، لا حدوده وشروطه على نحو ما أفتى به الاصحاب. وفيه مناقشة زائدة على ما تقدم في الدليل المذكور، وهي أن البيع المذكور ولزومه والصبر على تأخير الثمن ليس شئ منها ضرريا، كما اعترف به بقوله: (الصبر أبدا مظنة الضرر). والاولى الاستدلال لاصل الخيار إجمالا بدليل نفي الحرج بناء على جريانه في المعاملات أيضا، كما هو مقتضى إطلاقه، فان حفظ مال الغير لزوما والمنع عن التصرف فيه وحفظ منافعه أو نماءاته كذلك في بعض الموارد وكونها مضمونة عليه مع حرمانه عن الثمن المقابل للسلعة في مدة خارجة عن المتعارف في المعاملات أمر حرجي مطلقا أو بحسب الغالب لو لم نقل إن نفس التكليف بذلك تحريج عليه، ولا إشكال في أن الحرج ليس

[ 388 ]

في نفس البيع ونفوذه وصحته، وانما هو في لزومه، فانه مستلزم للتكلف والحرج المنفي بدليل نفيه، ولا ترد عليه المناقشات التي تقدم في خيار الغبن ورودها على دليل نفي الضرر، كما لا يخفى. فاللزوم الحرجي منفي كالصوم الحرجي، ولازمه الجواز الحقي المساوق للخيار، بل الظاهر أن العرف يفهم من عدم جعل اللزوم للبيع الذي هو بحسب الاصل لازم عرفا وشرعا أنه خياري لا أنه جائز حكما، سيما مع كون الخيار فيه معهودا عند العرف، ولو سلم عدم الحرج فيما ذكر في جميع البيوع فلا إشكال في ثبوته في كثير منها، سيما في مثل بيع الحيوانات والجواري الذي كان شائعا في ذلك العصر. ومن هذا ومعلومية كون الحكم في الاخبار الآتية للارفاق بالبائع ونجاته عما وقع فيه وهو في نفي اللزوم لا الصحة كما هو واضح يمكن استظهار ما عليه الاصحاب قديما وحديثا إلا من لا يعتني بخلافه من أخبار الباب، فيكون ما ذكر قرينة على المراد منها بعد البناء على عدم ظهورها في نفي الصحة. توضيحه: أنه مر منا مرارا أن ماهية البيع عرفا وشرعا عبارة عن المبادلة الانشائية، سواء ترتبت عليها الملكية الواقعية أم لا، كبيع الفضولي وعقد المكره، فحينئذ يكون نفي الحقيقة المستفاد من مثل تركيب (لا بيع) مع الغض عن القرائن من المجازات، أي من الحقائق الادعائية المحتاجة إلى المصحح، فلو كان للموضوع أثر واضح بارز يتبادر منه عند ذكره كالشجاعة للاسد والسخاوة لحاتم لحمل الكلام عليه، ويكون هو المصحح للدعوى، ومع فقده فان كان للموضوع آثار عديدة فمقتضى الاطلاق أن المصحح رفع جميعها. هذا إذا كانت الآثار عرضية. وأما إذا كان بعضها في طول بعض كاللزوم المترتب على العقد الصحيح

[ 389 ]

فلا يصح أن يكون المصحح جميع الآثار، فلا بد وأن يكون إما الصحة وأما اللزوم، وعليه فلا يحمل قوله عليه السلام: (فلا بيع) (1) على نفي واحد منهما إلا بقرينة. ومنع الغض عن بعض القرائن في نفس الاخبار الآتية يكون ما تقدم من نفي اللزوم لحرجيته ومن كون الحكم إرفاقا بالبائع دون المشتري قرينة على نفي اللزوم، ولا يبعد أن تكون تلك الاخبار تابعة لما هو المستفاد من الآية الكريمة النافية لجعل الحرج (2) وإن كان التحديد والشروط تعبدية. (وتوهم) أن المتبادر من مثل (لابيع) و (لاصلح) ونحوهما هو نفي الصحة، فيحمل عند إطلاقه عليه، لاجل صيرورته بكثرة الاستعمال فيه إما معنى حقيقيا له أو من المجازات الراجحة المحمول عليها الكلام عند عدم القرينة (مدفوع) بأن استعمال هذا التركيب في النهي وفي نفي الكمال رائجة شائعة، فلا يكون الاستعمال في نفي الاثر أو نفي الصحة من المجازات الراجحة فضلا عن كونه حقيقة تعينية فيه، والسر في انقداح نفي الصحة من قوله: (لا بيع) هو تخيل أن البيع حقيقة في النقل المؤثر، وهو في غاية الضعف، ضرورة أن ألفاظ المعاملات موضوعة للاعم، ويدل عليه صحة تقسيم البيع إلى الصحيح والفاسد على نحو الحقيقة بلا شائبة التأول. وما قد يقال من أن الامر في المسببات دائر بين الوجود والعدم لا بين الصحة والفساد مبني على أن المسبب هو النقل الواقعي لا الانشائي، وهو ضعيف كما تقدم مرارا. فحينئذ نقول: مع صرف الذهن عن هذا التوهم وتجريده منه لا شبهة


(1) الوسائل الباب - 9 من ابواب الخيار الحديث - 1. (2) سورة الحج: 22 الآية 78.

[ 390 ]

في أن قوله عليه السلام: (لا بيع) كما يصح ويحسن فيما إذا لم يؤثر كذا يصح ويحسن فيما إذا كان متزلزلا يرفع أثره بمجرد لفظ، فالبيع المتزلزل كأنه ليس ببيع، كالبناء الذي أشرف على الانهدام، فانه يصح أن يدعى أنه ليس ببناء، فالصحة واللزوم حكمان عقلائيان ثابتان للبيع عندهم، فالبيع الذي في معرض الانهدام والفسخ بمنزلة عدمه إدعاء كالبيع الذي لا أثر له، وعليه فالحمل على واحد منهما يحتاج إلى القرينة وقد مرت الاشارة إلى قرينتين خارجيتين. وهنا قرائن داخلية مستفادة من نفس أخبار الباب، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قلت: الرجل يشتري من الرجل المتاع ثم يدعه عنده ويقول حتى آتيك بثمنه، قال: إن جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيام، وإلا فلا بيع له) (1) وغيرها مما هي نحوها، فان فيها قرينتين على المدعى: (إحداهما) أن الظاهر أن الجواب المحذوف في الشرطية هو لزوم الاداء ولا بديته، لا الصحة فان تقديرها أمر لا يبعد من البشاعة، وذلك لان مبنى البيع على اللزوم عند العقلاء، وهذا الكلام سيق لبيان تخلص البايع مما وقع فيه، فيكون المراد أنه إذا جاء في الثلاثة وجب عليك الرد وإلا فلا، مع أن انفساخ البيع بلا سبب وعلى وجه التعبد بعيد عن الاذهان، وأبعد منه تعليق الصحة على ما ذكر، وأما نفي اللزوم الموافق للارفاق فلا يستبعده العقلاء بل يكون موافقا لمذاقهم فيكون حاصل القضية الشرطية: إن جاءك في الثلاثة لزمك الرد لكون البيع لازما وإلا فلا يلزم، ويفهم منه أنك على خيار، فيتفرع عليه أنه لا بيع له. و (ثانيتهما) قوله عليه السلام: (فلا بيع له) (2) فانه المناسب


(1) و (2) الوسائل الباب 9 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 391 ]

للزومه من جانب واحد دون الصحة. وتشهد للمدعى رواية دعائم الاسلام عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه قال في من اشترى صفقة وذهب ليجئ بالثمن فمضت ثلاثة أيام ولم يأت به: فلا بيع له إذا جاء يطلب إلا أن يشاء البائع) (1) ضرورة أن الصحة والفساد ليستا تابعتين لمشيئة البائع، وما يصح أن يعلق على مشيئته هو اختياره للاخذ والفسخ، فهي شاهدة على المراد في سائر الروايات والاشكال في سندها لا ينافي التأييد. ويمكن تأييد المدعى برواية علي بن يقطين قال: (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل اشترى جارية وقال: أجيئك بالثمن، فقال: إن جاء فيما بينه وبين شهر، وإلا فلا بيع له) (2) بناء على أن التأجيل إلى الشهر حكم استحبابي لا أنه حكم مختص بالجارية، لمخالفة الاختصاص لعمل معظم الاصحاب كما أفيد، ومن المعلوم أن استحباب الصبر إلى الشهر ينافي انفساخ العقد وبطلانه، ومناسب لرفع اللزوم. ويؤيده أيضا المرسلة الواردة فيما يفسد من يومه (3) المعبر فيها بمثل ما في روايات الباب، مع إطباقهم على عدم الفساد على ما حكي، وقوله عليه السلام: (العهدة في ما يفسد من يومه مثل البقول والبطيخ والفواكه يوم إلى الليل) (4) بناء على كونه من الرواية كما لا يبعد، فان العهد تناسب اللزوم، لا الصحة سيما في الاعيان الخارجية. وأما صحيحة علي بن يقطين (أنه سأل أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يبيع البيع ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن، قال: فان الاجل


(1) المستدرك الباب 8 من أبواب الخيار الحديث 1. (2) الوسائل الباب 9 من ابواب الخيار الحديث 6. (3) و (4) الوسائل الباب - 11 من ابواب الخيار الحديث 1 - 2.

[ 392 ]

بينهما ثلاثة أيام، فان قبض بيعه وإلا فلا بيع بينهما) (1) فلا تنافي ما تقدم، فان التعبير بأن (الاجل بينهما ثلاثة) لمناسبة ما، وهي أنه لما وجب الصبر على البائع والامهال بالمشتري فكأنه الاجل بينهما، وإلا فالاجل والامهال ليس من قبل المشتري، وبهذه المناسبة عبر عن عدم لزوم البيع من قبل البائع بأنه (لا بيع بينهما) فهو تعبير شبيه بتعبيره المتقدم، ومحمول على سائر الروايات. ويمكن تقريب المقصود بوجه أقرب، وهو أن البيع اللازم له وصفان (أحدهما) الصحة، وهي وصف نفسي له، ولا تختلف بالاضافة إلى المتبايعين، ولا يصح أن يقال: إنهما مالكان لها، (وثانيهما) اللزوم، وهو كون العقد أو البيع بنحو لا ينفسخ بفسخ واحد منهما إلا إذا اجتمعا على فسخه وإقالته، فهو أمر يملكه المتبايعان بالاشتراك، كالعين المشتركة بينهما فملك كل واحد منهما ناقص، ولا ينفذ فسخه، لكونه تصرفا في سلطان صاحبه، وعليه فلو كان لاحدهما الخيار يصح أن يقال: إنه مالك له دون صاحبه، وإن البيع له دون صاحبه، كما ورد في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام (إن بعت رجلا على شرط فان أتاك بمالك وإلا فالبيع لك) (2) ولا إشكال في أن المراد به هو كونه تحت سلطانه، وله الفسخ والابقاء، فعبر عن الخيار بأنه لك، ففي المقام يكون المراد أنه إذا لم يجئ بالثمن فلا يكون مالكا وسلطانا على البيع بعد معلومية كونهما سلطانا بالاشتراك، فمع سلب مالكيته يكون المالك الآخر مستقلا، فله البيع بلا مزاحم. وبعبارة أخرى ان البيع لهما إلى ثلاثة أيام فان لم يجئ بالثمن يسلب مالكيته، وتبقى مالكية الآخر بلا مزاحم، وهو معنى الخيار


(1) الوسائل الباب - 9 من ابواب الخيار الحديث - 3. (2) الوسائل الباب - 7 من ابواب الخيار الحديث 2.

[ 393 ]

والسلطنة على الفسخ والامضاء. وبهذا يظهر المراد من قوله عليه السلام في رواية ابن يقطين: (فلا بيع بينهما) فكأن البيع بينهما كالعين المملوكة لهما، فإذا لم يأت بالثمن خرج البيع عن الاشتراك في المملوكية، فلا يكون بينهما، كما يقال عند بيع أحد الشريكين حصته من السلعة المشتركة بينهما من صاحبه: إنها ليست بينهما، فلا إشكال بحمد الله تعالى في دلالة الادلة على ما هو المشهور. ثم مع الغض عما تقدم وتسليم ظهور قوله عليه السلام: (لابيع) وأمثال هذا التركيب في نفي الاثر والصحة بدعوى أن كثرة الاستعمال وصلت إلى حد أوجبت صيرورة ذلك من الحقائق التعينية أو المجازات الراجحة، فصار المعنى الحقيقي مهجورا، فيجب حمل الكلام على هذا المعروف إلا أن تقوم قرينة على الخلاف يرد عليه أن كثرة الاستعمال بنحو ذلك حادثة بعد ما لم تكن، وتاريخ حصول الكثرة والهجر عن المعنى الحقيقي غير معلوم ويحتمل حصولها كذلك فيما بعد عصر صدور تلك الروايات. ولو سلم حمل تلك التراكيب في عصرنا على نفي الصحة لكن لا دليل على موافقة عصر الائمة عليهم السلام مع عصرنا، ومع الاحتمال لا يجوز الحمل على غير المعنى الحقيقي، وأصالة عدم الاستعمال إلى زمان الهجر كأصالة عدم الهجر إلى زمان الاستعمال ليست بشئ، مع أن القرائن والشواهد للحمل على نفي اللزوم موجودة كما مرت. ثم لو سلم ظهور تلك الروايات في عصر الائمة عليهم السلام وفيما بعده إلى عصرنا في نفي الصحة فلا ينبغي الاشكال في صيرورتها بذلك موهونة بترك عمل أصحابنا قديما وحديثا بها، ودعوى الاجماع من عصر السيد المرتضى (قده) إلى الاعصار المتأخرة على خلاف مضامينها، والشهرة المحققة على صحة البيع وثبوت الخيار للبائع تجعل الاخبار المخالفة لها بينة

[ 394 ]

الغي ومخالفها بين الرشد على طبق القاعدة التي أسست في مقبولة عمر ابن حنظلة (1). وقد قرر في محله أن المراد بالشهرة المذكورة فيها هي الشهرة الفتوائية فان اشتهار الرواية ونقل جميع العلماء والرواة لها مع تركهم العمل بها يجعلها مهجورة بينة الغي، ولا دليل على حجية الاخبار إلا بناء العقلاء، والروايات الواردة في ذلك المضمار كلها إرشادية لا يحتمل فيها التأسيس، ومن الواضح أنه ليس بناء العقلاء على العمل برواية نقلها الثقات والرواة وتركوا العمل بها. فعلى ذلك تكون الروايات غير صالحة للعمل بها، وتكون الشهرة معتمدة مثبتة للحكم على طبق ما أفتى به كافة الفقهاء إلا من شذ ممن لا يعتنى بخلافه، إلا أن يقال باحتمال تخلل الاجتهاد الموجب لعدم حجية الشهرة، وهو وهم في وهم، وخيال في خيال. ثم لو أغمضنا عما تقدم فالمحتملات في الروايات كثيرة: (منها) بطلان البيع من الاول، وقد يقال: إنه أظهر الاحتمالات، وفيه ما مر. و (منها) البطلان بعد الثلاثة. و (منها) الانفساخ من الاول، بمعنى حدوثه وانفساخه و (منها) انفساخه بعد الثلاثة. و (منها) عدم لزومه من الاول. و (منها) عدم اللزوم بعد الثلاثة. ولا إشكال في أن لازم جميع الاحتمالات عدم لزومه بعد الثلاثة ولو بنحو عدم الموضوع، فعلى فرض الاجمال فيها يؤخذ باللازم المشترك، واللازم منه عدم جواز التمسك بدليل وجوب الوفاء، فيقع الكلام في سائر القواعد. فان قلنا بمقالة العلامة (قده) من نفى اللزوم بقاعدة لاضرر أو


(1) الوسائل الباب - 9 من ابواب صفات القاضي الحديث 1 من كتاب القضاء.

[ 395 ]

قلنا بما أشرنا إليه من نفيه بقاعدة نفي الجرح فلا يبقى مجال للاصل وإن استشكلنا في الاولى بما مر، وفي الثانية بأنه لم يعهد تمسك الفقهاء بها في المعاملات حتى ادعى بعض المشائخ أن قاعدة نفي الحرج مخصوصة بغير المعاملات أو بالعبادات، ويشهد له أنه لو كان دليل نفي الحرج مستندا فيها لزاد عدد الخيار على ما ذكروا، فالمرجع هو الاصل، فبالنظر إلى جميع الاحتمالات المتقدمة لا يجري الاستصحاب، لعدم الحالة السابقة، فلا يجري أصل الصحة أو أصل بقاء الاثر، بل مقتضى الاصل بقاء كل عوض على ملك صاحبه الاول، وعدم النقل إلى الطرف. ومع الغض عنها والبناء على دوران الامر بين الانفساخ من الحين ونفي اللزوم فجريان أصالة صحة العقد لا مانع منه إن كان الاثر مترتبا عليها دون العقد الصحيح، وإلا فهي مثبتة، وإن كان الاثر مترتبا على العقد الصحيح فيجري الاستصحاب، لان العقد كان صحيحا قبل الثلاثة فيستصحب، لكن لا يترتب عليه ثبوت الخيار أو عدم اللزوم، فان عدم اللزوم المعلوم أعم من عدمه بنفي الموضوع، واستصحاب الاثر أو العقد الصحيح لاثبات الاخص مثبت، بل مع الغض عنه أيضا يكون مثبتا، والامر سهل. نعم بعد إنشاء الفسخ يعلم بعدم بقاء العقد لكن لا يثبت أنه كان خياريا حتى يترتب عليه أحكامه. وأما الاشكال بأن العقد الصحيح مقسم لللازم وغيره ويكون اللزوم كالفصل له وبارتفاعه يرتفع فمندفع بأن اللزوم والجواز كالحالات للعقد الصحيح، ضرورة عدم ارتفاع العقد الصحيح أو صحته بتغييره من الجواز إلى اللزوم، كما في خيار المجلس والحيوان، بل العقد الصحيح محفوظ في الحالين، وكذا الحال في تغيير اللزوم إلى الجواز، فالقضية المتيقنة عين المشكوك فيها.

[ 396 ]

ثم إنهم اشترطوا في هذا الخيار أمورا: (أحدها) عدم قبض المبيع، وقد حكي الاجماع عليه، ويمكن الاستدلال عليه بقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) بعد الخدشة في إطلاق ما هو قابل للاعتماد عليه من الاخبار، ولو قلنا باجمال صحيحة ابن يقطين (2) فيؤخذ بالقدر المتيقن في الخروج عن إطلاق الآية. فضلا عما إذا قلنا بظهور الصحيحة في الاشتراط، بدعوى أن (بيعه) في قوله عليه السلام: (فان قبض بيعه وإلا فلا بيع بينهما) ظاهر في المبيع ولو بقرينة قوله في صدرها: (الرجل يبيع البيع) المراد منه المبيع فيكون الذيل تابعا له، وظاهرا في الاشتراط، من غير فرق بين تخفيف (قبض) ليكون المراد إن قبض صاحبه، أو تشديده ليكون المراد إقباض البائع وإن كان التشديد أقرب، فان السؤال والجواب مسوقان لحال البائع، وذكر الصاحب تطفلا، بل ذلك أيضا قرينة أخرى على أن (بيعه) بمعنى المبيع. كما أن الحكم كذلك إن قرئ (بيعه) بالتشديد، وكذا (قبض) فيكون المراد إن أقبض البائع المشتري وإلا فلا بيع، أو قرئ (قبض) بالتخفيف و (بيعه) بالتشديد، ويكون المراد به المشتري، فانه أحد البيعين، نعم لو قرئ (قبض) بالتخفيف و (بيعه) بالتشديد وكان المراد منه البائع خرج عن الاستدلال، لكن غير احتمال الاول المؤيد بالقرينتين بعيد عن الذهن. إلا أن يقال: إن القرينة قد توجب ظهور اللفظ فيكون متبعا، وقد توجب الظن بالمراد لا من باب ظهور اللفظ، فلا يكون حجة، والمقام من قبيل الثاني، فان في لفظي (قبض) و (بيعه) احتمالات لا ترجيح


(1) سورة المائدة: 5 الآية 1. (2) الوسائل الباب 9 من ابواب الخيار الحديث 3.

[ 397 ]

لبعضها ترجيحا مربوطا بظهورهما، بل يكون الترجيح بالحدس والتخمين ومثله لا يتبع، فكثرة الاحتمال توجب إجمالها. ويمكن الاستدلال على عدم الاشتراط باطلاق بعض روايات الباب، كموثقة إسحاق بن عمار عن عبد صالح عليه السلام قال: (من اشترى بيعا فمضت ثلاثة أيام ولم يجئ فلا بيع له) (1) فانها باطلاقها تشمل ما إذا قبض المبيع، فاطلاقها حجة الا أن يدل دليل على التقييد. وكرواية أبي بكر بن عياش، قال: سمعته يقول: من اشترى شيئا فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيام وإلا فلا بيع له) (2) فدلت على أن تمام الموضوع في الخيار تأخير الثمن، ولا اعتبار بقبض المبيع وعدمه على حسب إطلاقها. بل باطلاق رواية علي بن يقطين (3) في اشتراء الجارية، والامد فيه وإن كان شهرا إلا أن الخيار هو خيار التأخير، سواء قلنا بأن الامد حكم استحبابي أو مخصوص بالجارية أو بمطلق الحيوان. بل باطلاق صحيحة زرارة (4)، فان قوله: (ثم يدعه عنده) أعم من الايداع بعد القبض أو قبله بناء على كفاية هذا المقدار من القبض فتحصل مما ذكر أن مقتضى إطلاق الروايات ثبوت الخيار حتى مع قبض المبيع. لكن الانصاف أن المتفاهم عرفا من صحيحة ابن يقطين (5) بقرينة ما تقدم هو الاحتمال الاول الذي اتكل عليه الشيخ الاعظم (قده) ولا يعتني بسائر الاحتمالات البعيدة عن الاذهان. لكن هنا احتمال آخر قريب إلى الفهم لولا مخالفته للقوم، وهو


(1) الوسائل الباب - 9 من ابواب الخيار الحديث 4. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 9 من ابواب الخيار الحديث 2 - 6 - 1 - 3

[ 398 ]

بطلان البيع وانفساخه، أو ثبوت الخيار لهما فيما إذا كان البائع لم يقبض الثمن ولم يقبض البيع صاحبه، كما هو مفاد الصحيحة مقابل جميع الروايات سؤالا وجوابا، فان المفروض في سائر الروايات عدم مجيئ المشتري بالثمن والجواب فيها أنه (لا بيع له) أي للمشتري، والمستفاد منه على ما تقدم ثبوت الخيار للبائع، كما هو الموافق للارفاق به، ولدفع الضرر المحتمل والحرج، فتكون تلك الامور أو بعضها نكتة لتشريع، وفي الصحيحة يكون المفروض تقصير البائع في عدم القبض والاقباض، فيناسب الارفاق بالمشتري، لكن مقتضى قوله عليه السلام: (لا بيع بينهما) أن لا يكون الخيار لخصوص المشتري، فاما أن يكون المراد ثبوت الخيار لهما، أو يكون المراد بطلانه في هذا الفرض، فيكون الحاصل هو التفصيل، لكنه غير مرضي لعدم قائل به، بل يمكن المناقشة فيه. ويمكن أن يقال: إن صحيحة ابن يقطين معارضه لصحيحة زرارة إذ بعدما فرض في السؤال عدم إقباض المبيع وعدم قبض الثمن فاختصاص إقباض المبيع وجودا وعدما بالذكر في الجواب يجعلها ظاهرة في عدم الاعتبار بقبض الثمن، ولو قيل: إن عدم ذكر الثمن لاجل الاتكال على الفرض الموجود في الصدر يقال: إن المفروض فيه عدم قبض المبيع والثمن كليهما، فلا وجه لاختصاص المبيع بالذكر، فذكر المبيع بالخصوص دليل على عدم الاعتبار بقبض الثمن بحسب الظهور العرفي. وفي صحيحة زرارة مع فرض قبض المبيع والايداع بعده عنده على احتمال، أو عدم قبض شئ من المبيع والثمن على احتمال آخر، فاختصاص قبض الثمن وجودا وعدما بالذكر في الجواب يجعلها ظاهرة في كون الاعتبار بقبض الثمن ولا قبضه، وإلا لما خصه بالذكر مع فرض عدم القبض فيهما وأولى بذلك لو قيل بظهور (يدعه) في كونه بعد القبض خصوصا مع

[ 399 ]

التصدير بلفظة (ثم) التي هي للتأخير. فيقع التعارض بينهما، فمع تكافئهما في السند وكونهما مخالفتين للشهرة وللكتاب ولفتوى العامة على ما في الانتصار والخلاف والتذكرة فان قلنا بالتخيير بالاخذ بأيهما وأن ما يختاره الفقيه تصير حجة يكون المأخوذ مقيدا لاطلاق موثقة إسحاق بن عمار المتقدمة، وإن قلنا بسقوطهما يكون المرجع إطلاق الموثقة. هذا بناء على القول بتعارضهما. وأما بناء على إنكار التعارض والقول بأنه لا ينقدح في ذهن العرف منهما المخالفة بالتباين والتعارض بل بالاطلاق والتقييد فيقيد إطلاق الموثقة بكل من الصحيحتين، وإطلاق كل منهما بالاخرى كما يظهر بالتأمل، فتكون النتيجة هي الموافقة للمشهور. ثم إنه لو كان عدم قبض المشتري لعدوان من البائع بأن بذل له الثمن فامتنع من قبضه ومن إقباض المبيع فهل لا يثبت الخيار، لكون هذا الخيار للارفاق بالبائع ودفع تضرره، فلا يجري فيما إذا كان الامتناع من قبله، أو يثبت، لان الارفاق أو دفع التضرر أو رفع الحرج ليس شئ منها علة للحكم بحيث يكون الحكم دائرا مدارها، بل هي من قبيل علل التشريع فالميزان مقدار دلالة النصوص؟. ومجمل الكلام أن المتصور في ما هو موضوع الاثر في المقام وجودا وعدما في طرف المبيع والثمن أمور: (منها) أن يكون الموضوع فيهما صرف الوصول إلى الطرف بأي نحو كان. و (منها) تمكين البائع أو المشتري صاحبه. و (منها) أن يكون المعتبر الاقباض والايصال. و (منها) التفصيل بين المبيع والثمن، بأن يكون المعتبر في أحدهما صرف الوصول أو التمكين أو الاقباض وفي الآخر ما يقابله، هذا بحسب الاحتمال. وأما بحسب الاثبات فالعنوان المأخوذ في جانب الثمن في جميع الروايات

[ 400 ]

هو عدم المجئ بالثمن، أو عدم المجئ، أو العنوان المقابل له، ولا شبهة في أن ذلك كناية، وليس المراد معناه الحقيقي، فيحتمل أن يكون كناية عن إيصال الثمن وإقباضه، وأن يكون كناية عن تمكين البائع منه، بل يحتمل أن يكون المراد وصول الثمن إليه، ولو لاجل بعض المناسبات المغروسة في الذهن، بأن يقال: إن الاقباض والتمكين مقدمتان لوصوله إليه، ولا موضوعية لهما، فالمقصود هو الوصول لا ما هو طريق إليه، وفي مقابله عدمه، فإذا كان العنوان المذكور كناية عن أحد المذكورات فان قامت قرينة على أحدها يؤخذ بمقتضاها، وإلا فاللازم الاخذ بالقدر المتيقن في الخروج عن إطلاق دليل اللزوم، وسيأتي الكلام فيه. وأما العنوان المأخوذ في جانب المثمن على ما في صحيحة ابن يقطين (1) فهو إقباض المبيع وعدمه، والجمود على ظاهرها يقتضي أن يكون المعتبر في جانب المبيع إقباض البائع الموقوف تحققه على قبض المشتري، فان قبضه وإلا فالبيع خياري، ومن المعلوم عدم حصول الاقباض والقبض فيما إذا امتنع منه عدوانا، لكن لا شبهة في انصراف العنوان عن العدواني منه بمناسبات، نحو كون الخيار إرفاقا بالبائع، أو لنكتة التضرر، أو المعرضية له أو للحرج، بل يرى العرف ثبوت الخيار لمثل المورد مستنكرا لا ينبغي نسبته إلى الشارع الاقدس، فلا إشكال في عدم الخيار. كما أن مقتضى الجمود على الظاهر كون قبض المشتري بلا إذن كلا قبض ضرورة عدم حصول الاقباض المأخوذ في العنوان. (ولو قيل): إن مقتضى فهم العرف من قوله: (قبضه) و (لم يقبضه) أن الموضوع قبض المشتري، والاقباض مقدمة لحصوله، ولا دخل للمعنى المصدري فيه، بل هو كالآلة لحصوله.


(1) الوسائل الباب - 9 من ابواب الخيار الحديث 3.

[ 401 ]

(يقال) مضافا إلى أنه لا شاهد لهذه الدعوى، ولا يسلم كونه كالآلة سيما في هذا الخيار التعبدي: إن غاية ما يمكن أن يقال: هو عدم اعتبار الاقباض إذا كان قبضه بحق، كما لو أدى ثمنه (وبعبارة أخرى) إن القبض المتفرع على الاقباض حق يترتب عليه عدم جواز استرداده، وغاية ما يساعده العرف على فرض تسليم الدعوى هو إلقاء المعنى المصدري فيبقى اعتبار القبض بحق، ولا إطلاق يشمل مطلق القبض ولو بلا إذن وحق. ولو مكن المشتري من القبض فلم يقبض فمقتضى ظاهر النص ثبوت الخيار، لعدم حصول الاقباض والقبض (إلا أن يقال): إن ما يعتبر في امثال المقام وأشباهه هو التمكين، بل يرى العرف التخلية بينه وبين المبيع قبضا، أو لا يفهم من النص غير ذلك، وهو مشكل، بل المناسب لكون الحكم ارفاقا بالبائع ثبوت الخيار له في المورد. ثم إن ما تقدم من الكلام هو مبنى الفروع المذكورة، وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من الابتناء على قاعدة الضمان في التلف قبل القبض فجعل مدار الحكم على الضمان ورفعه فلا وجه له، إلا أن يكون الاتكال في ثبوت الخيار على قاعدة لا ضرر، ومع ذلك لا يخلو من مناقشات على هذا المبنى أيضا، ومع عدم صحة المبنى فالاولى ترك التعرض له. ثم إن قبض بعض المبيع كلا قبض، لان بعضه ليس بمبيع، فيصدق معه عدم قبض المبيع، وقد تقدم في بعض المباحث السالفة أن البيع انما يتعلق بالشئ الوحداني من غير لحاظ أجزائه، وأن ما ينتقل بالبيع هو نفس الشئ، لا هو وأجزاؤه، وإن كان لازم انتقال الكل ثبوت الملكية للاجزاء أيضا إذا لوحظت مستقلة، فالمبيع واحد متعلق بالواحد، وإلا لزم إشكالات تقدمت الاشارة إلى بعضها. نعم في بعض الموارد يساعد العرف على تحليل البيع إلى بيعين،

[ 402 ]

كبيع ماله ومال غيره، أو بيع المملوك وغير المملوك، وأما لو باع فرسا مثلا لم ينحل بيعه إلى بيع أجزائه الداخلية والخارجية والمعينة والمشاعة وإن انتقلت تبعا لانتقال الذات، فمقتضى الصحيحة إن قبض البعض كلا قبض، ودعوى الانصراف إلى صورة عدم قبض شئ منه أو دعوى تبعيض الخيار غير مسموعتين. (الشرط الثاني): عدم قبض الثمن، واشتراطه مقتضى النصوص والفتاوى، وقبض البعض كلا قبض، لما مر في قبض المبيع. وأما الاستدلال أو التأييد بفهم القاضي أبي بكر بن عياش ففي غير محله، فان الظاهر من تلك الواقعة أن الرواة لم ينقلوا جميعها، بل اقتصروا على نقل روايته عن المعصوم عليه السلام، لا قضاؤه في الواقعة، ضرورة أن نقل الرواية ليس قضاء وحكما موجبا لفصل الخصومة، بل نقل لمستنده كما يظهر من قوله: (بقول من تريد أن أقضي بينكما؟) الخ. ولم يتضح أنه قضى بنفع صاحب المحمل حتى يكون فهمه مؤيدا، أو بنفع ابن الحجاج حتى يكون مخالفا، فمستند الحكم هو الاخبار الظاهرة في الشرط المذكور. ثم إنه لو قلنا بأن ظاهر الاخبار المتفاهم منها عرفا ولو للانصراف أن الثمن كان كليا، كما هو المتعارف في الاثمان وندرة وقوع مقابله، فحينئذ يكون تعينه بتعيين المشتري، كما هو الشأن في أمثاله، كالبيع الكلي الذي يتعين بتعيين البائع، فلو قبض البائع مقدارا مساويا للثمن من مال المشتري لا يصير ملكا له، ولا يكون قابضا للثمن، فاعتبار الاذن هاهنا غير اعتباره في الاعيان الخارجية، فان المأخوذ هناك ملك للآخذ، ومبيع أو ثمن للسلعة إذا كان عينا على خلاف المتعارف، والمأخوذ هاهنا غصب وملك للغير، ولا يكون مبيعا ولا ثمنا، فاعتبار الاذن لازم كلية الثمن في الذمة، وعدم تعينه إلا بتعيين المشتري.

[ 403 ]

ولو كان القبض بدون الاذن حقا، كما لو عرض المبيع عليه فلم يأخذه ولم يقبض الثمن فهل يتعين الكلي به ويصير المقبوض ثمنا أولا؟ بل يكون ذلك تقاصا؟ وجهان مبنيان على أن امتناعه موجب لسقوط ولايته على التعيين وثبوتها لطرفه، كما لو أرجع الامر إلى الحاكم وهو تولى التعيين فانه ولي الممتنع، أو لا يثبت له إلا جواز أخذ المقدار الذي على عهدة المشتري تقاصا، فيسقط الكلي عن ذمته من غير انطباق على الخارج وصيرورته ثمنا، ففرق في الاخذ بحق بين الاعيان الخارجية وغيرها. ولو مكنه المشتري ولم يقبض فهل يتعين في الثمنية ويتحقق القبض المعتبر؟ وجهان مبنيان على أن المستفاد من الاخبار أن المجئ بالثمن كناية عن تمكين البائع منه أو عن الاقباض والقبض، فعلى الاول يحصل الامران، أي تعين المأتي به في الثمنية وحصول المعلق عليه، بخلاف الثاني، إلا أن يقال بأن التخلية قبض. والارجح بحسب نظر العرف المتفاهم من الاشباه والنظائر هو الاول مضافا إلى ما تقدم في امتناعه عن تسليم المبيع من أن ثبوت الخيار له أمر مستنكر معه وينبغي تنزيه الشارع الاقدس عنه، وامتناعه عن اخذ الثمن أيضا كذلك. ولو قبض مقدارا مساويا للثمن بلا إذن المشتري فأذن له لا إشكال في تعين الثمن فيه، والبحث عن الكاشفية والمثبتية نظير البحث عن الكشف والنقل في بيع الفضولي مبني على جريان الفضولي فيه، بأن يقال: إن المقام ليس نظير التصرف التكويني غير الاعتباري في العين الشخصية حتى لا يجري فيه الفضولي، فان ما وقع محرما ومغصوبا لا ينقلب عما هو عليه بل الكلام هاهنا في ان الكلي في الذمة القابل للانطباق على المقبوض انطباقا اعتباريا هل يصير بالاذن منطبقا عليه في الحين أو من حال القبض

[ 404 ]

والامر سهل بعد كون الكشف على خلاف القواعد، ومحتاجا إلى دليل مفقود في المقام، هذا كله في الكلي. وأما لو قلنا بالتعميم في جانب الثمن فالبحث في الثمن الشخصي كالبحث في المبيع كذلك، كما أنه لو قلنا بالتعميم في المبيع فالبحث فيه حتى في الكلي في المعين كالبحث في الثمن الكلي. (الشرط الثالث): عدم اشتراط تأخير تسليم أحد العوضين، لان الظاهر من قوله عليه السلام في الثمن: (إن جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيام، وإلا فلا بيع له) (1) أن الخيار مترتب على عدم المجئ الذي كان بناء المعاملة بحسب طبعها على مجيئه، وأن هذا الامهال شرعي لا معاملي فلو شرط المشتري على البائع تأجيل الثمن واقتضى طبع المعاملة التأخير والامهال لا وجه لترتب الخيار على تأخيره، سيما إذا كان ثلاثة أيام أو أكثر، كما أن الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة ابن يقطين: (الاجل بينهما ثلاثة أيام، فان قبض بيعه، وإلا فلا بيع بينهما) (2) أن الامهال والتأجيل من الشرع في ظرف لم يكن لهما بحسب القرار المعاملي التأخير، وانما رتب الخيار على ترك ما لا ينبغي تركه. (الشرط الرابع): أن يكون المبيع عينا، والدليل على ذلك لزوم الاقتصار في الخروج عن دليل اللزوم على ما قامت الحجة عليه، والاخبار في المقام منها ماله إطلاق شامل للعين والكلي في الذمة، لكنه غير نقي السند، كرواية أبي بكر بن عياش (3) فانه لا ينبغي الاشكال في إطلاقها وشمولها لهما. والقول بأن الكلي قبل تعلق البيع به معدوم لا يصدق عليه أنه شئ في غير محله، ضرورة امتناع تعلق البيع بالمعدوم، بل الكلي قبل تعلقه به


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 9 من ابواب الخيار الحديث 3 1 - 2.

[ 405 ]

وعند المقاولة وقبيل إنشاء البيع يكون ملحوظا وموجودا وإن لم يتعلق بالذمة إلا بعده، فموجوديته اللحاظية قبل تحقق الانشاء، وانما يتعلق البيع بالموجود اللحاظي، وهو شئ لا يعقل أن يكون لا شئ، واعتباره على ذمة البائع بعد تمامية المعاملة، والخلط بينهما أوجب الدعوى المذكورة. ومنها ما هو نقي السند فاقد الدلالة، كصحيحة علي بن يقطين (1) وموثقة إسحاق بن عمار (2) فان (البيع) فيهما مستعمل مجازا، ويراد به المبيع، وعلاقة المجاز أو مصحح الدعوى إما الاشراف على البيع كما في قوله: (من قتل قتيلا) فيشمل الكلي والجزئي، وإما عرضة المبيع للبيع فيختص بالاعيان الخارجية، ويحتمل بعيدا أن تكون كلا الامرين، فيشملهما ومع كون كل من العلاقتين معتبرة ومصححة للمجاز وعدم قيام قرينة على تعيين إحداهما فلا محالة لابد من الاقتصار على المتيقن وهو الاعيان، فانها مشمولة له على أي تقدير، وأما الكلي في الذمة فلا يثبت إلا أن تكون العلاقة هي الاشراف ولم تقم قرينة على كونها كذلك. إلا أن يقال: إن ترك الاستفصال في صحيحة ابن يقطين دليل على أن الحكم ثابت مطلقا، سواء استعمل بعلاقة الاشراف أم بعلاقة أخرى، لكنه غير واضح، لاحتمال كون إحدى العلاقتين معهودة أو ظاهرة عند المتكلم والمخاطب ولم يظهر لنا ذلك. ويمكن الاستئناس للاختصاص بالاعيان بأن تأخير الثمن فيها وبقاءها عند البائع معطلة يناسب الخيار، وبأن المتعارف هو اشتراؤها وإبقاؤها إلى المجئ بالثمن، كما تشهد به موارد الاسئلة في أخبار الباب: من اشتراء المتاع وإيداعه عند البائع، واشتراء المحمل والجارية، والمفروض فيها الاعيان، ولا يبعد إلحاق الكلي في المعين بالاعيان الخارجية، بدعوى شمول اللفظ


(1) و (2) الوسائل الباب 9 من ابواب الخيار الحديث 3 - 4.

[ 406 ]

له على كلتا العلاقتين وإن لا يخلو من إشكال. واما الثمن فيحتمل اعتبار أن يكون كليا، اقتصارا فيما هو خلاف الاصل على مورد انصراف الاخبار، ضرورة ندرة وقوع البيع بالثمن الخارجي، فذلك التعارف وهذه الندرة يوجبان الانصراف إلى الكلي، لكن الارجح عدم اعتباره، لان المتفاهم من نحو قوله عليه السلام: (إن جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيام، وإلا فلا بيع له) ان موضوع الحكم هو تأخيره من غير دخالة للكلية والجزئية فيه، ولو سلم الانصراف في نفسه لكن المناسبة المرتكزة في الاذهان توجب أن لا ينقدح فيها إلا إناطة الحكم بنفس تأخيره، مع أن عدم اعتبار كونه كليا متسالم فيه بين الاصحاب لم ينقل فيه خلاف، والظاهر أنه لاجل التبادر المذكور. ثم إن هاهنا أمورا قيل باعتبارها (منها) عدم الخيار لهما أو لاحدهما مطلقا أو عدم خيار الشرط، أو عدم الخيار للبائع. وربما يستدل لاعتبار عدم الخيار مطلقا لهما بأن مقتضى قوله عليه السلام (وإلا فلا بيع له) المستفاد منه الخيار أن الثابت عند عدم المجئ هو الخيار المطلق، لامتناع كونه مقيدا بالسبب، لعدم تعقل تقييد المسبب بسببه وتأثيره في المسبب الآتي من قبله، فإذا لم يعقل التقييد لابد وأن يكون مطلقا، ولما كان الخيار المنفي عند المجئ ما هو المثبت عند عدمه فلا محالة يكون مطلقا، وهو مناف لوجود خيار لهما أو لاحدهما، هذا إذا قدر عدم الخيار، ولو قدر اللزوم في مقابل الجواز الخياري فلابد وأن يكون مطلقا أيضا لما تقدم، وهو مناف للجواز في الجملة، مع أن اللزوم الحيثي لا معنى له. وفيه أنه إن اريد الاشكال من ناحية العقل البرهاني وكيفية تأثير الاسباب في المسببات فحله بأن يقال: إن السبب كما لا يعقل أن يؤثر في

[ 407 ]

المقيد به لا يعقل أن يؤثر في المطلق، بمعنى كونه سببا للوجود الساري أو الطبيعة السارية في جميع الوجودات، بحيث يكون سببا لما حصل من سائر الاسباب، فلا يعقل أن يكون التأخير سببا للخيار المطلق الساري، ضرورة عدم ترتب سائر الخيارات عليه، ولا يكون سببا للخيار الآتي من قبله، ولا لحصة من الخيار، ضرورة ان الماهية المقيدة ليس لها تحقق قبل تأثير السبب، بل لا معنى لوجود الحصص في باب وجود الكلي الطبيعي، فان التحقيق فيه أن كل مصداق تمام حقيقة الطبيعي لا حصة منه، فزيد إنسان بتمام الحقيقة الانسانية لا حصة من الانسان، بل لا يعقل أن يكون الانسان ذا حصص، فالموجود بالسبب طبيعي الانسان. وفى المقام الموجود بسبب التاخير طبيعي الخيار لا مطلقه ولا مقيده ولا حصته، كما أن الموجود بسبب الغبن أو العيب أو سائر الاسباب طبيعيه والطبيعي يتكثر بتكثر الافراد أو الفصول، وينعدم بانعدام الافراد، بمعنى أن له وجودات وأعداما، فهو موجود ومعدوم في حال واحد بوجود مصداق وعدم مصداق، من غير توهم تناقض، نعم نفي الوجود المطلق مناقض لاثبات مصداق منه، وكذا العكس، بخلاف نفي الطبيعي واثباته. وما اشتهر في الافواه والالسن من أن وجود الطبيعي بوجود فرد ما وعدمه بعدم جميع الافراد كلام سطحي غير تحقيقي، بل ما أخذ في موضوع القضيتين مختلفان، لان الموضوع في قوله: (الطبيعي موجود بوجود فرد ما) هو الطبيعي، وفى قوله: (وعدمه بعدم جميع الافراد) هو الماهية المطلقة، وهي غير الطبيعي، فان الطبيعي لا مطلق ولا مقيد. فتحصل مما ذكر أن السبب سبب للطبيعي، فإذا وجد أسباب له يتكثر بتكثرها، وإذا عدم الاسباب عدم الطبيعي تبعا لسببه، ولا ينافي ذلك موجوديته بسبب آخر، وعليه فعند مجئ المشتري بالثمن ينتفي طبيعي خيار

[ 408 ]

التأخير، أو يمنع عن تحققه، ولا ينافي ذلك وجود خيار أو خيارات أخر. ولك أن تقول: إن السبب موجب لوجود الطبيعي لا المطلق ولا المقيد بقيد مطلقا، لكن لا يعقل أن يكون المسبب أوسع أو أضيق من سببه وهو من قبيل ما يقال: لا مطلق ولا مقيد، ولكن لا ينطبق إلا على المقيد فبوجود السبب يوجد الطبيعي، ويحدد بحدود علته، وبعدم سببه ينعدم ما هو مترتب على ذلك السبب، ولا ينافيه وجود خيار آخر مترتب على سببه. هذا بحسب الموازين العقلية، لكن قد كررنا القول بأن تلك الموازين لا يناسب الفقه، بل الخلط بين المسائل الفقهية والعقلية موجب لمفاسد كثيرة. فنقول: إن ترتب الخيار على تأخير الثمن أو على الغبن وغيره ليس كترتب المسببات التكوينية على أسبابها وعللها، بل الخيار من الاحكام الوضعية المجعولة بجعل تشريعي عند وجود شئ أو على موضوع، فلا مانع من جعل خيار التأخير عند تأخير المشتري الثمن، وجعل خيار العيب إذا كان المبيع معيبا، فالثابت في المقام هو خيار التأخير، والمنفي هو ذلك، لا خيارات أخر، فلا منافاة بين نفي خيار وثبوت خيار آخر. واستدل لهذا الشرط بأن الظاهر أن الموجب للخيار هو تأخير القبض والاقباض بلا حق، وفي صورة وجود الخيار يكون التأخير بحق، لما عن التذكرة من أنه لا يجب على البائع تسليم المبيع، ولا على المشتري تسليم الثمن في زمان الخيار فإذا كان التأخير منهما بحق خرج عن موضوع الاخبار وأولى بذلك ما إذا كان الخيار باشتراط منهما، فانه بمنزلة اشتراط التاجيل الذي تقدم الكلام فيه. وفيه منع ما في التذكرة، فانه لو سلم قصور دليل وجوب الوفاء بالعقد عن إثبات وجوب التسليم في زمان الخيار فلا إشكال في عدم جواز حبس مال الغير بلا إذن منه، فما دام العقد موجودا يكون المبيع للمشتري

[ 409 ]

والثمن للبائع ليس لاحد التصرف فيهما، ولا يحل حبسه ولا سائر انحاء الاستيلاء والتصرف فيه، نعم لذي الخيار إعماله ورد كل مال إلى صاحبه وهذا لا يوجب جواز التاخير في زمان الخيار. فالقول بأن اشتراط الخيار بمنزلة اشتراط التأجيل لا يستند إلى معتمد فضلا عما إذا كان الخيار شرعيا أو عقلائيا، من غير اشتراط منهما. بل يمكن المناقشة فيه على فرض تسليم ما في التذكرة أيضا بان يقال: إن الاخبار المتقدمة لا تدل بدلالة لفظية على اعتبار كون التاخير بلا حق، بل غاية ما في الباب أنها منصرفة عن صورة شرط التاجيل، لا عن مورد جواز التاخير المستفاد من الشرع، كيف وأن الظاهر منها أن مبدأ الثلاثة من حين العقد على ما يأتي الكلام فيه، وخيار المجلس كالملازم للبيع قلما يتفق بيع ليس فيه ذلك، والمجالس مختلفة طولا وقصرا، والقول بالانصراف عن مورد الخيار والتأخير بحق مطلقا ملازم لرفض أخبار خيار التأخير، أو الحمل على مورد نادر، سيما إذا ضم إلى خيار المجلس سائر الخيارات، وهو كما ترى، والانصراف عن موارد سائر الخيارات دون خيار المجلس تحكم. والحاصل أن التأجيل بقرارهما خارج عن منصرف الاخبار، واما جواز التأخير المترتب على الخيار بحكم الشرع على فرض تسليمه فليس خارجا عنه، والعمدة في الجواب هو المنع المتقدم. ومن ذلك يظهر الكلام في التفصيل بين خيار الشرط وغيره، وبين خيار البائع والمشتري، وأما التمسك بدليل نفي الضرر وبقضية الارفاق فقد ظهر مما مر عدم صحة الاعتماد عليهما. و (منها) تعدد المتعاملين، ولا إشكال في ظهور النصوص في خصوص مورد التعدد، لكن مع اشتراط هذا الخيار بعدم قبض المبيع وعدم قبض الثمن وبعدم شرط التأجيل لا وقع لهذا الشرط، ضرورة أن

[ 410 ]

القبض والاقباض لا يعتبر بل لا معنى له مع الوحدة كالولي على طرفي المعاملة أو الوكيل المطلق منهما، فحينئذ يكون التعدد متحققا مع الشرطين المتقدمين، ولا وجه ولا أثر لاعتباره مستقلا ثانيا. و (منها) أن لا يكون المبيع حيوانا أو جارية، كما نسب إلى الصدوق (قده أنه لا مستند لاخراج مطلق الحيوان، والاستناد فيه إلى رواية ابن يقطين (1) الواردة في الجارية كما ترى، وأما الجارية فمستند الحكم فيها تلك الرواية، وهي غير معتمدة، لاعراض المشهور عنها، ولا داعي لتوجيهها بالتكلف. ثم إنه لا ينبغي الاشكال في أن مبدأ الثلاثة من حين العقد، لظهور كافة الروايات فيه، كقوله عليه السلام: (من اشترى شيئا فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيام) (2) وقوله: (يبيع البيع ولا يقبضه صاحبه، ولا يقبض الثمن، قال عليه السلام: فان الاجل بينهما ثلاثة أيام) (3) وقوله عليه السلام: (من اشترى بيعا فمضت ثلاثة أيام ولم يجئ) (4) فيحمل عليها صحيحة زرارة (5) التي فيها احتمالات، كاحتمال رجوع الضمير إلى الاشتراء، أو إلى الايداع، أو إلى الغياب الذي يستفاد من قوله: (آتيك بثمنه) على بعد، أو كونه كناية عن عدم الاقباض مع السكوت عن المبدأ، فيرفع هذا الاجمال بالظهور المستفاد من سائر الروايات. كما تحمل على ذلك الظهور رواية دعائم الاسلام (6) وإن كا لها نوع ترجيح في كون المبدأ الذهاب، لكنها لضعفها سندا واحتمال كون المضي فيها أيضا من حال الاشتراء لا تقاوم سائر الروايات.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 9 من أبواب الخيار الحديث 6 - 2 - 3 - 4 - 1. (6) المستدرك الباب 8 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 411 ]

القول في مسقطات الخيار قد يقال بأن نفي البيع المستفاد من الروايات وقاعدة (لا ضرر) المحمول على نفي اللزوم بديله هو الجواز دون حق الخيار، والذي يقبل الاسقاط هو الحق دون الجواز الذي هو حكم، وأما الاجماع فلا يكون مدركا تعبديا مع وجود الاخبار والقاعدة. وفيه أن قوله عليه السلام: (لا بيع له) المأخوذ في جميع الاخبار إلا رواية ابن يقطين الظاهر في أنه لا يكون البيع ملكه، ولا يكون هو سلطانا عليه يستفاد منه على ما تقدم الكلام فيه ان السلطنة لصحابه بلا مزاحم فراجع، وعليه فظاهر الروايات هو إثبات السلطنة ونفيها، وهو يناسب الحق، وأما الجواز الحكمي فالتعبير عنه بكونه له أو لهما أو ليس له فلا يخلو من حزازة، بل يحمل على هذا المعنى أيضا ما في صحيحة ابن يقطين (فلا بيع بينهما) مع أن تسالم الاصحاب سلفا وخلفا على أن الثابت خيار التأخير كاف في ثبوت الحكم، سيما إذا كان المدعى ظهور الروايات في الجواز الحكمي. ثم إن المسقطات في هذا الخيار على أقسام: (منها) إسقاطه في الثلاثة أو بعدها، أو شرط سقوطه أو إسقاطه في ضمن العقد، بنحو شرط النتيجة، أو شرط الفعل، قبلها أو بعدها، وقد مر البحث فيما يصح منها وما لا يصح، مع الاشكالات المتوهمة والجواب عنها بنحو الاستقصاء والتفصيل في خيار المجلس، فلا داعي للتكرار. و (منها) بذل المشتري للثمن بعد الثلاثة، فان المحكي عن التذكرة سقوطه به، ولعل نظره إلى ان مدرك الخيار قاعدة نفي الضرر، وقد تقدم أن مدركه الوحيد هو الاخبار، فالبحث عن مقتضى قاعدة نفي الضرر

[ 412 ]

في غير محله، وإن أصر به الشيخ الاعظم (قده). واما الاخبار فمقتضى إطلاقها عدم السقوط به، بل المتفاهم من قوله عليه السلام: (إن جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيام، وإلا فلا بيع له) (1) أن زمام أمره خرج عن قدرته بعد ثلاثة وانقطع عنه سلطانه بعدها، فلا ينبغي الاشكال في عدم السقوط به من غير حاجة إلى الاستصحاب، (نعم) لو كان المدرك الاجماع فالمرجع هو الاستصحاب بعد كون الشك في سقوطه بعد ثبوته. و (منها) أخذ الثمن من المشتري بعنوانه، فان رجع ذلك إلى الاسقاط العملي فلا يكون مسقطا مستقلا، لكن الكلام في كونه إسقاطا عمليا، فانه يعتبر في الاسقاط بالقول أو الفعل أمران: (أحدهما) كون ما به ينشأ قولا أو فعلا آلة عقلائية للايجاد والانشاء، فان تلك المعاني التسبيبية الاعتبارية العقلائية لا يصلح التسبيب إليها إلا بما هو آلة له عندهم فالبيع ونحوه لا ينشأ عرفا بمثل السعال والعطاس وإن قصد بهما ذلك. (ثانيهما) قصد الايجاد والانشاء بها، ومجرد أخذ الثمن ومطالبته ليسا آلة لانشاء الاسقاط، نعم يمكن أن يكونا في بعض الاحيان كاشفين عن الالتزام بالبيع زائدا عن الالتزام الملازم له حدوثا وبقاء، كما لو علم البائع الحكم والموضوع وأخذ الثمن بعنوانه، فانه كاشف عقلائي عن الالتزام الملازم للاعراض عن حقه، فيسقط الحق بالاعراض لا بالاسقاط، ولهذا يعد ذلك مقابل الاسقاط. ثم إنه لو لم يقصد بهما الالتزام الكذائي الملازم للاعراض عنه لم يسقط حقه واقعا، لكن في مقام الاثبات والدعوى لا تسمع دعواه إلا بدليل، كدعوى عدم إرادة الاسقاط من اللفظ الدال عليه، فالقصد وإن كان


(1) الوسائل الباب - 9 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 413 ]

معتبرا في الاسقاط بالمسقط لكن اللفظ والفعل الظاهرين في ذلك يحملان عليه في مقام الاثبات ما لم يثبت الخلاف. نعم يمكن منع كشف المطالبة عن الالتزام به، فانها أعم منه، كما لا يخفى. فيصح التفصيل بين الاخذ بعنوان ثمنه مع العلم حكما وموضوعا بين مطالبته كذلك، لامكان كونها لكشف حال المشتري في الاعطاء وعدمه حتى يتضح تكليفه فسخا وإمضاء، وأما كون الاخذ أو المطالبة مسقطا تعبديا أو كاشفا عن الالتزام الزائد على الالتزام بأصل المعاملة ففيه إشكال قد مر الكلام فيه في بعض الخيارات. مسألة: هل هذا الخيار على الفور؟ أخذا باطلاق (أوفوا بالعقود) (2) على ما تقدم استقصاء الكلام فيه، بدعوى عدم إطلاق في الاخبار الدالة على الخيار أو الجواز، أو إنه على التراخي؟ بدعوى كون المقام مورد التمسك باستصحاب حكم المخصص لا بالعموم أو الاطلاق، والاقوى هو التراخي لا لذلك، بل لاطلاق دليل الخيار، فان قوله عليه السلام في الاخبار: (فلا بيع له) المستفاد منه على ما تقدم سقوط سلطنته وبقاء سلطنة صاحبه بلا مزاحم مطلق يؤخذ به، فيقيد به إطلاق دليل اللزوم. مسألة: لو تلف المبيع بعد ثلاثة أيام كان من البائع، وادعي عليه الاجماع


(1) سورة المائدة: 5 الآية 1.

[ 414 ]

مستفيضا بل متواترا، ويدل عليه النبوي المعروف بين الفريقين المنجبر ضعفه باستناد الاصحاب إليه، وهو (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه) (1) ورواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل اشترى متاعا من رجل وأوجبه، غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه قال: آتيك غدا انشاء الله، فسرق المتاع من مال من يكون؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع، ويخرجه من بيته فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد ماله إليه) (2) حيث إنه يستفاد من الجواب أن تلف المبيع قبل قبضه من مال البائع، من غير فرق بين زمان الخيار وغيره، ومن غير فرق بين قرار الاتيان به غدا وعدمه، ونحوها غيرها. وقد يتوهم معارضة الكلية المذكورة بقاعدة الملازمة بين النماء والدرك المستفاد من النبوي المنقول مرسلا وهو (قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بأن الخراج بالضمان) (3) فان المبيع نماؤه للمشتري نصا وفتوى إلا شاذا فلابد وان يكون تلفه عليه بقاعدة الملازمة، وهو ينافي القاعدة المذكورة. وفيه أولا أن لقوله صلى الله عليه وآله: (الخراج بالضمان) احتمالات: (منها) وهو أقربها إلى اللفظ أن الخراج الذي يأخذه والي المسلمين نحو الزكاة والخمس والجزية وغيرها انما هو بازاء الضمانات والتعهدات التي عليه بالنسبة إلى المسلمين من إدارة شؤونهم العامة، بل لعل التعبير بالقضاء وعد ذلك من قضاياه لاجل ان ذلك من الاحكام السلطانية، وأن الوالي موظف بذلك، والشعب مطالبون منه.


(1) المستدرك الباب - 9 من أبواب الخيار الحديث - 1. (2) الوسائل الباب 10 من ابواب الخيار الحديث 1. (3) سنن البيهقي ج 5 ص 321.

[ 415 ]

و (منها) أنه حث منه صلى الله عليه وآله على تحسين التجارة والفلاحة والزراعة وتربية المواشي وغير ذلك من أنحاء المكاسب بأن يكون المراد بيان أن الخراج أي المنافع الحاصلة من انواع المكاسب مرهونة بالتكفل والتعاهد لتحسين ما ذكر. و (منها) ما هو المعروف بينهم، وهو الذي فهم منه أبو حنيفة وافتى على طبقه في القضية المنقولة في صحيحة أبي ولاد (1) بأن منافع البغلة للغاصب المتعدي، لانه لما تعدى وصارت يده يد غصب ضمن العين وملك المنافع، لان الخراج والمنافع بازاء الضمان، وقد قال الصادق عليه السلام في مثل هذا القضاء تحبس السماء ماءها، وتمنع الارض بركتها فالرواية بهذا المعنى مورد تكذيب أبي عبد الله عليه السلام، وقد حكم بالضمان في الغلة عينا ومنفعة. وأما مافى رواياتنا من أن الغلة للمشتري مذيلة بقوله عليه السلام: (ألا ترى أنه لو احترقت لكانت من ماله؟) (2) وفى رواية أخرى قال أبو عبد الله عليه السلام: (أرأيت لو أن الدار احترقت من مال من كانت؟ تكون الدار دار المشترى) (3) فهو موافق لامر عقلائي، وهو أن الدار للمشتري فغلتها له، واحتراقها من ماله، ولا يستفاد من مثلها أن ضمان مال الغير سبب النقل منافعه إلى الضامن، فلابد في النبوي المذكور على فرض صدوره وتسليم كون معناه ما ذكر من صرفه عن ذلك المعنى وحمله على مضمون تلك الروايات، ولكن قد عرفت أن الارجح في النبوي الاحتمال الاول. وثانيا أنه لا يستفاد من النبوي وكذا من الاخبار المشار إليها الملازمة


(1) الوسائل الباب - 17 من كتاب الاجارة الحديث 1. (2) و (3) الوسائل الباب 8 من ابواب الخيار الحديث 1 - 3.

[ 416 ]

بين النماء والدرك، بمعنى أن من عليه الغرم فله الغنم وبالعكس، بل الظاهر منها أن الخراج بازاء الضمان، وأن كل من هو ضامن لشئ فله منافعه لا العكس، فقاعدة ضمان البائع قبل القبض لا تنافي النبوي، فان الثاني بمنزلة الكبرى للاولى، فبالاولى يثبت أن البائع ضامن للمبيع قبل قبضه، وبالثاني يثبت ان منافع العين له، فلا تنافي بينهما، وانما التنافي بين القاعدة وما دل على أن تلف المال لا يكون مضمونا على غير مالكه، كما هو قاعدة عقلائية. وثالثا أن الظاهر من القاعدة أن العقد منفسخ قبل تلف المبيع كما سنشير إليه، فلا تكون مخالفة للنبوي، ولا للاخبار المتقدمة. نعم هي مخالفة لقاعدة عقلائية أخرى، وهي عدم انفساخ العقد بلا موجب، والامر فيه سهل، لانه أمر تعبدي ثابت بالشرع. ورابعا أنه بعد اللتيا والتي تكون القاعدة أخص من النبوي، فلا يعارضها وأما توهم معارضتها لقاعدة أن التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له، ففيه أنه لم يرد هذه الكلية في لسان دليل، وانما الدليل على أن التلف على غير صاحب الخيار روايات واردة في خيار الحيوان والشرط، والمستفاد منها على فرض تسليم كونه كليا هو أن التلف ليس عليه حتى يصير المبيع ملكا مستقرا له. ففي رواية ابن سنان قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الدابة أو العبد ويشترط إلى يوم أو يومين، فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه حدث على من ضمان ذلك؟ فقال: على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام، ويصير المبيع للمشتري) (1) ونحوها أو قريب منها غيرها، فلا يستفاد منها عموم يشمل المورد. ثم مع الغض عما تقدم فالظاهر من قاعدة التلف قبل القبض أن


(1) الوسائل الباب - 5 من ابواب الخيار الحديث - 2.

[ 417 ]

التلف واقع على مال البائع، لا انه ضامن للتلف الواقع في ملك المشتري فتدل على فسخ البيع قبل التلف ووقوعه على مال البائع، وأما قاعدة (التلف في زمان الخيار ممن لا خيار له) فمن أجل أنها مستفادة من الروايات المشار واليها يكون المفروض فيها تحقق البيع وكونه خياريا، فمقتضاها أن التلف مع فرض تحقق البيع وقيامه بحاله ممن لا خيار له، ومقتضى تلك القاعدة أن التلف قبل القبض الموجب لانفساخ البيع يقع على البائع، وحينئذ فتكون قاعدة التلف قبل القبض رافعة لموضوع قاعدة التلف في زمن الخيار، لا معارضة لها، فتدير جيدا. والتلف في الثلاثة ايضا من مال البائع للقاعدة، والرواية (1) المتقدمتين وحال دعوى الاجماع معلومة، ولا يتوهم هاهنا معارضتهما لقاعدة التلف في زمان الخيار، وقاعدة كون تلف المال من مالكه لا تقارم الدليل الشرعي، بل بمقتضى قاعدة التلف قبل القبض يكون البيع منفسخا، فلا تنافي القاعدة مع تلك القاعدة العقلائية، نعم الانفساخ بلا موجب مخالف للقاعدة، لكن لا تقاوم القاعدة الدليل الشرعي الذي مقتضاه انفساخه تعبدا. ولو مكنه من القبض ولم يتسلم فالظاهر سقوط الضمان، إما لان القبض المعتبر في جميع الموارد يتحقق بذلك، وأن قوله صلى الله عليه وآله: (كل مبيع تلف قبل قبضه) (2) كناية عن تسلطه وتمكنه بعد ما لم يكن المراد المعنى الحقيقي، أي جعله في قبضته، فان العرف لا يفهم من مثل التعبير المذكور إلا تسلطه وتمكنه، كما في التأدية المأخوذة غاية لضمان اليد والقبض المعتبر في الصرف والسلم وغيرهما. وإما لان مقتضى مناسبة الحكم والموضوع في المقام ذلك، بل من البعيد


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب الخيار الحديث 2. (2) المستدرك الباب 9 من أبواب الخيار الحديث 1.

[ 418 ]

جدا أن يمكنه ويمتنع عن التسلم بلا حق، ومع ذلك يحكم عليه الشارع الاقدس بضمانه عند التلف، وكذا الحال في أمثال المقام. مسألة: روى الكليني والشيخ (قدهما) باسنادهما عن محمد بن أبي حمزة أو غيره عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام أو أبي الحسن عليه السلام (في الرجل يشتري الشئ الذي يفسد من يومه ويتركه حتى يأتي بالثمن قال: إن جاء فيما بينه وبين الليل بالثمن، وإلا فلا بيع له) (1) والسند مجبور بعمل الطائفة بها والفتوى بمضمونها، إذ لم يكن لهم في هذا الخيار بهذا العنوان مستند سواها، فلا إشكال من جهة السند كما لا إشكال في المقام في ثبوت الخيار، لا بطلان البيع أو انفساخه، بل ربما يستدل بها على ثبوت الخيار في المسألة السابقة، لموافقة مضمون روايات تلك المسألة لمضمونها. بل الظاهر منها أنه قسم من خيار تأخير الثمن في خصوص الموضوع المذكور، كما أن الخيار إلى الشهر قسم آخر منه في خصوص الجارية أو مطلق الحيوان على ما نسب إلى الصدوق (قده) فخيار التأخير حينئذ جنس ذو أنواع أو نوع ذو أصناف. انما الاشكال في المراد بقوله: (يفسد من يومه) فهل المراد انه يفسد في يومه، كما في بعض نسخ الكافي، أو أنه يأخذ في الفساد مبتدأ من يومه، أو يكون اليوم علة لعروضه عليه، أو يكون المراد (من يومه) اليوم والليلة الآتية. والمراد أنه يفسد في طول اليوم والليلة الآتية، أو


(1) الوسائل الباب - 11 من ابواب الخيار - الحديث 1.

[ 419 ]

يكون المراد من قوله: (يفسد) الاشراف على الفساد في اليوم؟ احتمالات: بعضها مقطوع الفساد، وبعضها مخالف للظاهر. والاولى أن يقال: إن المراد من قوله ذلك هو ما لا يبقى سليما إلا مقدار يوم، فيفسد بمضي يوم، أي مقداره، ولما كان عرضة مثل هذا للبيع في السوق اثناء النهار لا أوله فان المتعارف في مثله خصوصا في الآفاق الحارة التي صدرت فيها الرواية عرضه على المشتري بعد مضي ساعات من النهار، بحيث كان زمان الاشتراء قبل الزوال وبعد طلوع الشمس بساعات كان مقدار سلامته من الفساد متقدرا بيوم، فمنتهى بقائه سليما بعد ساعات من الليل إن اشترى في النهار، كما هو المتعارف المفروض، فسأل السائل عن اشتراء ما لا يبقى سليما إلا مقدار ساعات النهار، فأجاب بأن البيع لازم إلى الليل، فان لم يأت بالثمن فله الخيار، فليس حلول الليل غاية لصحته، بل الغاية مضى مقدار من الليل، فهو في أول الليل كان سليما يمكن بيعه، وكان السوق قائما في أوله، فجعل له الخيار ليفسخ ويبيع متاعه قبل الفساد وقبل تعطيل السوق. وكيف كان لا إشكال في ثبوت الخيار له قبل عروض الفساد. ومما ذكرناه يظهر ان المراد باليوم في السؤال ليس يوم الشراء، بل المراد تحديد عمر المشترى سليما، ولما كان المتعارف في الاشتراء أثنا النهار أجاب بما أجاب، فحينئذ يمكن استفادة معنى أوسع من الرواية، وهو أن الاشتراء في أي زمان وقع فعليه الصبر إلى ما قبل عروض الفساد بمقدار يسع بيعه. بل يمكن إلحاق كل ما يفسد في يوم أو يوم ونصف أو يومين ولو بمناسبات مرتكزة في الاذهان، بأن يقال: أن الامتعة التي لها بقاء فوق ثلاثة أيام كالمحمل والجارية ونحوهما مشمولة للاخبار المتقدمة، والبيع فيها

[ 420 ]

لازم إلى ثلاثة ايام ثم يصير خياريا، وما يفسد من يومه مشمول لهذه الرواية، وما لا يكون نحوهما كما يفسد من يومين أو يوم ونصف أو نصف يوم لا يلحق بالقسم الاول بلا إشكال، فالامر فيه دائر بين إلحاقه بالقسم الثاني في الحكم فيثبت الخيار له قبيل الاخذ في الفساد، وعدم إلحاقه به فيحكم بلزوم المعاملة ولزوم الصبر إلى عروض الفساد وانفساخ البيع، وكون الفساد والتلف من مال البائع، أي ألزمه الشارع الاقدس بالصبر إلى فساد متاعه المشترى، وهذا احتمال لا ينبغي انتسابه إلى الشارع الاقدس. وهنا احتمالات أخر، وهي جعله وليا للبيع عن صاحبه، أو اجازة التصرف له في ملك المشتري وان لم يكن له بيعه، فلو باع كان فضوليا موقوفا على اجازة المشتري، أو لزوم رجوعه إلى الحاكم. وهذه الاحتمالات بعيدة أو فاسدة سيما بعضها، فالاقرب إلى الاذهان أن تلك الامتعة لا يخرج حكمها عن القسمين المنصوصين، ولما لم يصح إلحاقها بالاول فلا محالة تلحق بالثاني. ثم إن هذا الخيار هل هو خيار تأخير الثمن أو خيار عدم قبض المثمن؟ ظاهر الرواية الاول، سيما مع موافقتها لفظا للروايات المتقدمة، ومقتضى بعض المناسبات الثاني، وقد جزم به السيد الطباطبائي (قده) وحمل قوله عليه السلام: (إن جاء بالثمن) على الكناية عن عدم قبض المثمن، وهو بعيد لفظا وإن لا يبعد اعتبارا. وأما الشروط المعتبرة في خيار التأخير فمنها ما هو معتبر فيه، كعدم قبض المثمن وكونه عينا. ومنها ما هو معتبر بحسب ظاهر الرواية، كعدم قبض الثمن. ومنها ما لا يعتبر فيه، كعدم شرط التأخير، فان لازم اعتباره لزوم البيع فيما إذا اشترط التأخير وترتب ما تقدم من المحذور عليه مما هو بعيد غايته.

[ 421 ]

ثم إن ظاهر النص هو الفساد الحقيقي المساوق للتلف عرفا، فلا يشمل التغيير الموجب للنقص وقلة المشتري، وإن كانت المناسبات العرفية موافقة للتعميم، سيما أن مثل الخضروات فضلا عن الفواكه لا يفسد من يومه، بل يتغير بما يقال مسامحة: انه فاسد، وبعد فبعض فروع المسألة محل إشكال. وأما تغيير السوق فلا يكون فسادا بلا ريب.

[ 422 ]

السادس خيار الرؤية وهو خيار مستقل غير خيار تخلف الشرط وتخلف الوصف، فلو قيدنا الموضوع بأنه الخيار المسبب عن رؤية المبيع على خلاف ما اشترط فيه المتبايعان أو بخلاف ما وصفه البائع فلا بد إما من الالتزام بأن المعتبر هاهنا هو الاشتراط أو التوصيف اللذين لا يوجب تخلفهما الخيار، كالتوصيف خارج المعاملة، وكذا الاشتراط بنحو لا يعد شرطا ضمنيا يعد من متعلقات البيع، أو الالتزام بأن المعتبر هاهنا أعم مما يوجب الخيار، فعلى فرض الاشتراط أو التوصيف الموجبين للخيار كان له خياران: أحدهما خيار الرؤية ثانيهما خيار تخلف الشرط أو الوصف، فيجتمع هذا الخيار مع غيره تارة ويفارقه أخرى، وإلا فالقيد بنحو يكون ثبوته ملازما لثبوت خيار آخر عقلائي لعله يعد لغوا. وأما ما يظهر من كثير منهم من أن هذا الشرط للتخلص عن الغرر ففيه ما لا يخفى، فانه مضافا إلى أن الغرر يمكن أن يرفع بوجه آخر كالمشاهدة السابقة وكتوصيف الغير أو التوصيف خارج البيع لا يصح ان يجعل ما يرفعه من شروط هذا الخيار، بل هو من شروط البيع، كان خياريا أم لا، وكيف

[ 423 ]

كان لا دليل على القيد المأخوذ في هذا الخيار في ظاهر بعض كلماتهم. ويدل على الخيار مضافا إلى تسالمهم عليه، بل قيل إن الاجماع عليه مستفيض صحيحة جميل بن دراج، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى ضيعة وقد كان يدخلها ويخرج منها، فلما أن نقد المال صار إلى الضيعة فقلبها ثم رجع فاستقال صاحبه فلم يقله، فقال أبو عبد الله عليه السلام: لو أنه قلب منها ونظر إلى تسعة وتسعين قطعة ثم بقى منها قطعة ولم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية) (1). والظاهر منها كما ترى عدم فرض اشتراط أو توصيف من البائع بل كان الاشتراء بعد التردد إلى الضيعة كرارا الموجب لمشاهدتها مرة بعد أخرى وللرغبة في شرائها فاشتراها من غير تقليب وتفتيش كامل لقطعاتها ولا يعتبر في شراء مثلها ورفع الجهالة والغرر غير المشاهدة المتعارفة، وأما مشاهدة كل قطعة مستقلة فلا. وبالجملة إن ظاهرها أن البيع وقع بلا توصيف واشتراط في ضمن العقد ولا قبله، بل استنادا إلى الذهاب إليها والدخول فيها كرارا، كما يدل عليه قوله: (كان يدخلها) الخ، وهذا المقدار من المشاهدة كاف في رفع الغرر في أمثال الضيعة بل الدور ونحوها. ثم إنه لما اشتراها قلبها وفتشها زائدا عما تقدم فوجدها على خلاف ما توهمه من المرغوبية والاوصاف فاستقال، ولو كان المفروض التوصيف والاشتراط الموجبين للخيار عرفا لم يكن محتاجا إلى الاستقالة، بل كان له الخيار عرفا. وبالجملة يظهر منها أن خيار الرؤية خيار مستقل ثابت للشئ، سواء كان له خيار آخر أم لا، نعم لا ينبغي توهم ثبوته بمجرد عدم الرؤية ولو لم يكن


(1) الوسائل الباب - 15 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 424 ]

المرئي مخالفا لاعتقاده، بل الظاهر من الرواية أن الحكم ثابت لمورد كان المرئي على خلاف ما اعتقده بواسطة المشاهدة السابقة مثلا. ثم إن في الرواية احتمالا آخر، وهو بطلان البيع، بأن يقال: إن عدم رؤية بعض المبيع موجب للغرر المبطل، فقوله عليه السلام: (كان له خيار الرؤية) محمول على أن له الاختيار عند الرؤية في اشترائه وعدمه أوله الخيار في قبول هذا البيع ورده إن قلنا بصحة قبول الانشاء المتعلق بالمجهول عند رفع الجهالة. وفيه مضافا إلى ما أشرنا إليه من عدم اعتبار هذه التدقيقات في باب الغرر، سيما في مثل الضيعة وأشباهها بل يكفي الاطلاع الحاصل بالمشاهدة على النحو المتعارف في رفع الغرر فيقع البيع صحيحا أن التعبير بأن (له خيار الرؤية) يخالف الاحتمال المذكور كما لا يخفى. ثم إن قوله (ع): (في ذلك خيار الرؤية) يحتمل أن يكون إشارة إلى الشراء المستفاد من قول السائل، ويحتمل أن يكون إشارة إلى الضيعة المذكورة صريحا وغير صريح كرارا، أو إلى القطعة غير المرئية المذكورة أخيرا، والظاهر المناسب للخيار المتعلق بالعقد هو الاول، فان ما يصح أن يكون له فيه خيار بلا تأول هو الشراء، وأما الضيعة فانتساب الخيار إليها مأول ومخالف للظاهر، فضلا عن الانتساب إلى القطعة التي لا تكون متعلقة للبيع حتى يكون له خيار فيها، فالرجوع إليها يحتاج إلى تأويل آخر مضافا إلى التأويل المذكور، فله الخيار لفسخ العقد، لا لفسخه بالنسبة، ولا لرد القطعة التي يرجع ردها إلى الفسخ بالنسبة، فانه بعيد بل غير صحيح إلا فيما إذا انحل العقد إلى عقود عرفا، وهو في غير المورد. وأما ما في بعض التعليقات من احتمال ثبوت خيارين له: أحدهما خيار الرؤية فيما لم يره وثانيهما خيار تبعض الصفقة فيما رآه فهو لا يخلو

[ 425 ]

من غرابة، فان التبعض لم يكن قبل إعمال الخيار فيما لم يره، وبعده يكون السبب له إعماله، فهو لو ثبت لابد وان يثبت للبائع لا للمشتري الموجب له، وكيف كان فالظاهر ثبوت خيار واحد متعلق بالعقد. وقد يستدل على الخيار بصحيحة زيد الشحام، قال: (سالت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى سهام القصابين من قبل ان يخرج السهم فقال: لا يشتري شيئا حتى يعلم أين يخرج السهم، فان اشترى شيئا فهو بالخيار إذا خرج) (1). وفيه أن الظاهر من الرواية كما هو المعهود ظاهرا من فعل المشترين في شراء سهام القصابين هو اشتراء السهم الذي سيخرج فيما بعد فعلا، فيكون السهم مال البائع قبل خروج السهم، وهذا نظير بيع الثمار قبل أن يوجد ويملكه المالك، بل هو أهون كما لا يخفى، لكن الصحة على خلاف القواعد إذا تعلق البيع بما سيوجد في بيع الثمار وبما سيتعين في المقام. والظاهر من النهي عن الاشتراء قبل الاخراج بطلان الشراء كذلك كما هو كذلك في أمثال المقام، فيكون السؤال والجواب قرينة على المراد من قوله عليه السلام: (فهو بالخيار إذا خرج) وهو أن اختياره في الشراء وعدمه باق ولم يسلب بهذا الشراء، ويحتمل ان يراد منه خياره في الرد والقبول نظير الفضولي لو قلنا بجواز لحوق الاجازة بيع المجهول عند علمه به، فعليه لا ربط لها بالخيار فضلا عن خيار الرؤية. ويحتمل أن يكون مراد السائل اشتراء سهامهم المشاع بينهم وبين غيرهم فينقل المال إلى المشتري قبل الاسهام، فحينئذ إن اشتراها بالتوصيف كان الخيار لتخلف الوصف إن كان إفراز السهام باذنه، وإلا فيحتمل أن يكون المراد بالخيار خيار قبول التقسيم وعدمه، فتدل الرواية حينئذ على جريان


(1) الوسائل الباب - 15 من ابواب الخيار الحديث 2.

[ 426 ]

الفضولي في الافراز والتقسيم، وإن اشتراها بغير توصيف ولا مشاهدة كان باطلا، فيبقى ظهور النهي عن الاشتراء على حاله من الارشاد إلى البطلان ويصير قرينة على المراد من قوله عليه السلام: (فهو بالخيار) كما تقدم وهنا احتمال آخر، وهو كون الشراء بالمشاهدة، ولما كان السهام بالتعديل كانت المشاهدة رافعة للغرر، فلما خرج السهم رأى الخارج مخالفا لما اعتقده، كما في صحيحة جميل، فيكون الخيار للرؤية إن كان التقسيم باذنه وإلا فيأتي الاحتمال المتقدم، أو كونه بوصف خارج عن المعاملة فرأى تخلفه فثبت خيار الرؤية، ومع كثرة الاحتمال يسقط الاستدلال سيما مع أظهرية الاحتمال الاول. وأما احتمال كون القسمة باطلة لعدم التعديل فمخالف لظاهرها، كما أن احتمال كون المراد بالخيار خيار الحيوان غير صحيح، لعدم ثبوته للمشاع كما هو المفروض، والحمل على الكلي في المعين بعيد بل غير صحيح، مع أن مبدأه حال العقد، لا حال إخراج السهم. ثم إنه لو قلنا بأن المعتبر في هذا الخيار رؤية المبيع على خلاف ما اشترط فيه المتبايعان كما هو صريح الشيخ الاعظم (قده) أو على خلاف توصيف المتبايعين في ضمن العقد على خلاف ما يستفاد من الصحيحة كان هذا الخيار على القاعدة بلا إشكال، فان خيار تخلفهما عقلائي لا يحتاج إلى دليل لفظي، كما أن لازم ذلك ثبوته في جميع المعاملات، كالصلح والاجارة وفى أنواع الامتعة من الحيوان والدار وغيرهما، ولا يختص بالمشتري، بل يثبت للبائع أيضا عند تخلفهما على اختلاف الشروط والاوصاف، لكن في ثبوت خيار الرؤية على هذا الوجه إشكال تقدم الاشارة إليه. واما بناء على الاستناد في ثبوته إلى صحيحة جميل التي وردت في الضيعة الحاضرة المشاهدة من دون إشارة فيها إلى الاشتراط والتوصيف،

[ 427 ]

بل كان المفروض فيها رفع الغرر بالمشاهدة وكثرة الدخول في الضيعة، فمقتضى الجمود عليها عدم ثبوته إلا في الضيعة ونحوها، لا في مثل الحيوان والامتعة، ولا في الكلي في المعين والمشاع، ولا في العين الغائبة الموصوفة لا في ضمن العقد. لكن الظاهر المتفاهم منها عرفا ولو بمناسبات مرتكزة في الاذهان ثبوته في مطلق المبيع ضيعة كان أم غيرها حاضرا كان أم غائبا، لفهم العرف أن الحكم لرؤية المبيع على خلاف ما اعتقده، سواء شاهد بعضه واعتقد الوصف في الكل أم لم يشاهده واعتقد كونه موصوفا بكذا لتوصيف البائع أو غيره، ومن غير فوق بين العين الشخصية المعينة والكلي في المعين أو المشاع مما تأتي فيه الرؤية على خلاف الوصف أو الرؤية السابقة. واما إثباته للبائع بهذه الصحيحة فمشكل، للاشكال في إلقاء الخصوصية عرفا، لكن ثبوته له مورد تسالمهم، بل اتفاقهم على ما حكي. مسألة: مورد هذا الخيار العين الشخصية حاضرة كانت كما في مورد الصحيحة أم غائبة بالشرط الذي تقدم الكلام فيه، بناء على اندارج الكلي في المعين والمشاع في العين الشخصية، وإلا فمورده أعم منها، فلو شاهد ضيعة ونحوها بنحو رافع للغرر عرفا فاشترى جزءا مشاعا منها ثم بعد استقصاء الفحص رآها على خلاف ما اعتقده كان له الخيار، وكذا في الكلي في المعين. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) تعرض في المقام لما هو شرط في صحة البيع من التوصيف بما ترفع به الجهالة، وأوكل إلى العرف أخيرا، وقد

[ 428 ]

تعرضنا لحديث الغرر وما هو المحتمل فيه بنحو الاستقصاء في البيع، فلا نطيل بالاعادة، ولا بأس بالتعرض لبعض إشكالات لم نتعرض له ظاهرا سابقا. (منها) ان ذكر الاوصاف في العين لا يخرج البيع عن كونه غررا، بل يوجب ان يكون الغرر أعظم، فان في ترك التوصيف غررا من حيث الجهل بالصفة، فإذا أخذ مقيدا بها صار مشكوك الوجود، لان المبيع الموصوف بكذا لا يعلم وجوده. فأجاب عنه الشيخ الاعظم (قده) بأن أخذ الاوصاف في معنى الاشتراط لا التقييد، وهذا منه تسليم للاشكال على فرض التوصيف، وهو غير متجه. والاولى أن يقال: إن التوصيف والتقييد الذي قد يوجب أن يكون المبيع مشكوك الوجود إنما هو في المبيع الكلي، فانه ربما يوصف بأوصاف يشك معه في تحقق مصداق له في الخارج، فيكون التوصيف موجبا للغرر الاعظم، وأما الجزئي الخارجي فلا يخرج بالتقييد والتوصيف عن كونه موجودا ولا عن كونه مبيعا وإن تخلف عنه القيد والوصف، فان البيع انما يتعلق بالموجود المشخص موصوفا بكذا، وتخلف الوصف لا يوجب عدم تعلق البيع بالموجود. (نعم) بناء على تعلق البيع في المبيع الخارجي المتحقق بالعنوان الذهني كما قيل وسيجئ الكلام فيه يمكن توجيه الاشكال والتخلص بما أفاده الشيخ الاعظم (قده)، لكن المبنى في غاية السقوط، فالموجود الخارجي المتعلق به البيع لا يخرج عن الشخصية والوجود ولو قيد بألف قيد، والبيع انما يتعلق به متقيدا وموصوفا، غاية ما في الباب أن تخلفه يوجب الخيار لا الشك في الوجود، نعم رفع الغرر بصرف التوصيف والتقييد محل إشكال كما أن رفعه بالاشتراط والالتزام كذلك.

[ 429 ]

وقد يستشكل على مقالة الشيخ (قده) بأن التقييد وكذا الاشتراط في المقام غير صحيح، أما الاول فلانه مختص بالكليات التي يصح فيها التضييق لا في الجزئي الخارجي، وأما الثاني فلان الاشتراط والالتزام انما يصح في شرط الفعل وشرط النتيجة، لا في مثل المقام الذي تكون الصفة فيه إما موجودة بعللها التكوينية أولا، ولا يكون الالتزام مؤثرا فيه. وفيه أن التقييد والتوصيف في الجزئيات وإن لم يوجب تضييقها لكنه عقلائي، ويترتب عليه الخيار، فيصح بيع الفرس الخارجي مثلا متقيدا بالعربي وموصوفا به، وهو أمر عقلائي يوجب تخلفه الخيار. وأما الاشتراط والالتزام فان كان الدليل عليه وجوب الوفاء بالشرط لتم ما أفاده، وأما إذا كان ذلك الالتزام أمرا عقلائيا يترتب عليه خيار تخلف الشرط والالتزام كما في المقام فلا، فالاشتراط والالتزام في المقام عقلائي يترتب عليه الاثر، لا أنه أمر يجب الوفاء به. و (منها) ما عن مجمع البرهان، وحاصله أن العقد واقع على شئ مغاير للموجود، فالمعقود عليه غير موجود، والموجود غير معقود عليه، ونظير ذلك ما قيل في الاقتداء بشخص بتخيل أنه زيد فبان عمرا: إنه إن كان الاقتداء على نحو التقييد بطل، وإن كان على نحو الداعي صح بالبرهان المذكور. وفيه أن البيع في العين الشخصية وكذا الاقتداء لا يتعلق إلا بالموجود الخارجي، لا بالعنوان الذهني القابل للانطباق على الخارج وعدمه، فالمبيع هو الموجود الخارجي الذي وصف بوصف مفقود فيه، والمقتدى هو الشخص الخارجي قيد بوصف أم لا، والتقييد لا يوجب ان لا يتعلق بالخارج. نعم قد يقال في تقرير الاشكال بان العنوان الخاص إن كان واسطة في الثبوت وكان العقد متعلقا بالخارج فالموجود معقود عليه، وإن كان

[ 430 ]

واسطة في العروض فلا تعلق للبيع حقيقة بالذات إلا بالعنوان الخاص، فإذا لم يكن للعنوان وجود لم يكن شئ تعلق به البيع بالعرض بواسطة العنوان، ثم قال: مقتضى البرهان هو الثاني، ثم نسج على هذا المنوال بوجه لا يليق ذكره في الفقه. والجواب عنه هو أن البيع لا يتعلق بالعنوان الذهني لا عقلا ولا عرفا لان العنوان الفاني في العين الخارجية لا يكون منظورا فيه، بل هو منظور به، والمنظور فيه إنما هو الخارج، وهو متعلق للبيع لا العنوان، نعم في بيع الكلي يكون نفس العنوان منظورا فيه، وموردا للنقل، فالملكية والنقل والانتقال الاعتباري وإن كان ظرف اعتبارها الذهن لكن يعتبر العقلاء أمرا خارجيا، فالدار الموجودة ملك بالحمل الشائع ومنقولة بالبيع، لا عنوانها الفاني فيها كما توهمه القائل، وليس في الامور الاعتبارية محل للبراهين العقلية والفلسفية، فلا العقل يحكم بأن البيع متعلق بالعنوان، ولا العرف وقوله: (يلزم أن يكون الاصيل اعتباريا والاعتباري أصيلا) لا يرجع إلى محصل. وأما قوله أخيرا بان العرف يرى العناوين واسطة في الثبوت ففيه أن العرف لا يرى الواسطة حتى يقال: إنه واسطة في الثبوت أو في العروض بل يرى التبادل بين الاعيان الخارجية بلا توسط شئ، فالعقد الذي يوجب الربط الملكي لا يتعلق إلا بنفس الخارج، أي المعلوم بالعرض، فان كان مراده من الواسطة في الثبوت ذلك فلا مضايقة، بل التحقيق أن العقل الدقيق يحكم في أمثال المقام بالوساطة في الثبوت، والعرف لا يرى واسطة أصلا. ويمكن أن يقرر الاشكال بأن ما هو الموجود في الخارج هو الاعيان لا بوصف كونها مبيعة، وأما المبيع بما هو كذلك فلا يكون هو العين بما هي بل هو العين المقيدة، ومع فقد القيد لا يعقل بقاء المقيد، فما هو موجود ليس بمبيع،

[ 431 ]

وما هو مبيع وهو الشخص مقيدا ليس بموجود. والجواب عنه هو الذي أشار إليه بعض المحققين (قده) ولعله صاحب الجواهر، وهو أنه ناش من عدم التفرقة بين وصف المعين والوصف المعين أي بين التوصيف في المبيع الشخصي الخارجي وبين توصيف العنوان الكلي وتقييده، وكذا من عدم الفرق بين الاوصاف الذاتية والعرضية. ومحصله أن القيود في الكليات مطلقا توجب حدوث عناوين مختلفة تكون لكل عنوان مصاديق غير مصاديق عنوان آخر (وبعبارة أخرى) كلية القيود في الكليات من قبيل المقومات، وأما الاوصاف في الاعيان الخارجية فليست دخيلة في نفس التبادل الذي هو ماهية البيع، فان التبادل يقع بين الاعيان والاموال، والاوصاف خارجة عن محطه، ولهذا لا يقسط الثمن على الذات والصفة وإن صارت الصفات موجبة لتفاوت القيم، فالاوصاف في الاعيان الخارجية ليست من مقومات البيع، ولا دخيلة فيه، بل أمور زائدة عن محط التبادل، ولما وصف المبيع بها صار تخلفها موجبا للخيار أي خيار تخلف الوصف، فتوصيف المبيع حيث وقع في ضمن البيع ولم يكن أجنبيا عنه يوجب تخلف الوصف الخيار، ولم يكن الوصف مقوما للمبيع حتى يوجب تخلفه البطلان. نعم بعض الاوصاف من المقومات، بل تسميتها بالاوصاف لا تخلو من مسامحة، كما لو أشار إلى شئ فقال: (بعتك هذا الفرس) فتبين أنه سبحة أو سجادة، فان المشار إليه لا يشترك مع العنوان إلا في المادة الاولية على القول بها، وهي لا تكون موضوع حكم عرفي عقلائي حتى يقال إنه من قبيل تخلف الوصف، ففي مثله يكون البيع باطلا بلا ريب، وتشخيص الذاتي والعرضي موكول إلى العرف. و (منها) أنه بعد تسليم جميع ما تقدم يشكل الحكم بالصحة من

[ 432 ]

جهة أخرى، وهي أنه يعتبر في البيع أن يكون عن رضا، وفى المقام يكون الرضا بالمقيد لا بالخالي عن القيد، فما هو الموجود والمتعلق للبيع غير مرضي به، وما هو مرضي به غير موجود. وفيه أن القيد لو رجع إلى الشرط كما ذهب إليه الشيخ (قده) وبنى عليه بعض الاعيان في الجواب عن الشبهة لم يكن فقده موجبا لفقد الرضا، فان الشرط التزام في التزام، فتخلف ذاك الالتزام لا يوجب عدم الرضا في الالتزام الآخر، وسيأتي الكلام فيه في محله. وأما لو لم يرجع إليه فلا يصح الجواب المذكور، بل الحق في الجواب أن يقال: إن ما هو المعتبر في التجارة ان تكون مقرونة بالرضا المعاملي، اي تكون نفس التجارة والتبادل مقرونة بالرضا لا بالكره ونحوه، واما ما هو الخارج عن المبادلة فلا دخل له فيها حتى يقال باعتبار الرضا فيه، ولا شبهة في أن التبادل انما وقع بين العين والمال لا بين العين والوصف وبين المال، ولهذا لا يقسط الثمن، فالرضا التجاري ولو لاجل زعم وجود الصفة فيها موجود بالضرورة، والزائد عليه غير معتبر. وأسد شئ في مثل المقام هو الرجوع إلى العرف والعقلاء، ولا شبهة في أن تخلف الوصف عندهم في العين الموصوفة موجب للخيار، ولا ينقدح في الاذهان ما هو المذكور في الكتب العلمية، فاتضح أن الصفات خارجة عن البيع، ولا يوجب تخلفها البطلان. ثم إن في مورد هذا الخيار لا يثبت الارش، لعدم الدليل عليه، وهو واضح. مسألة: هل هذا الخيار عند الرؤية فوري كما عليه الاكثر على ما حكي، بل

[ 433 ]

عن ظاهر التذكرة عدم الخلاف بين المسلمين إلا أحمد، حيث جعله ممتدا بامتداد المجلس الذي وقعت فيه الرؤية، والاصل فيه مع الغض عن تسالمهم إطلاق دليل وجوب الوفاء بعد الاشكال في إطلاق صحيحة جميل (1) بدعوى أنها بصدد بيان تشريع الخيار كالادلة التي بصدد أصل التشريع، وأما لو قلنا بالاطلاق وأنها بصدد بيان الخيار فمقتضاها التراخي. وقد يقال: إن الصحيحة تدل على التراخي بوجه آخر، وهو وقوع الفصل الطويل بين بيان الحكم وبين الاخذ بالخيار في مورد السؤال في الصحيحة. وفيه أن الظاهر من أمثال الصحيحة أنها سؤال عن الحكم الكلي لا أنه وقع أمر شخصي أريد السؤال عن حكمه، فأصحاب الائمة عليهم السلام كانت طريقتهم فرض مسائل لاخذ الجواب والثبت في كتبهم، ولعل كثيرا منها لم تكن واقعة في الخارج، كما يظهر بالمراجعة إلى الاصول المنقول فيها رواياتهم، فلا وجه لما ذكره، والمسألة محل إشكال وإن كان الارجح كونه على الفور، لذلك التسالم بين فقهاء المسلمين، وللشك في إطلاق الصحيحة تأمل. مسألة: يسقط هذا الخيار بناء على فوريته بترك المبادرة عرفا بعد الرؤية دون البناء على التراخي، وفى التعبير بالسقوط مسامحة. وباسقاطه منجزا قولا أو فعلا بعد الرؤية، وقبلها على نحو التعليق أو التوقيت بما بعد الرؤية بناء على ثبوته بعدها، وفى إسقاطه بالتصرف والفعل قبلها على هذا البناء إشكال، بل منع على ما تقدم في بعض الخيارات.


(1) الوسائل الباب - 15 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 434 ]

وأما الاسقاط جزما وفعلا قبل الرؤية فصحته تتوقف على ثبوت الخيار واقعا من حين العقد، ولا إشكال في ثبوته كذلك بناء على كون المستند فيه تخلف الشرط أو الوصف أو دليل نفي الضرر على كلام فيه. وأما بناء على كون المستند صحيحة جميل (1) كما هو الحق فالمحتمل فيها كثير، ككون الرؤية مأخوذة على نعت الصفتية تمام الموضوع أو بعضه أو على نحو الطريقية الخاصة كذلك، أو على نحو الطريقية بلا قيد كذلك ولوازم الاحتمالات تظهر بالتأمل، هذا بحسب الثبوت، لكن المتفاهم منها ولو بمعونة المناسبات العرفية هو كونها طريقا محضا، والحكم مترتب على تخلف الواقع عما اعتقده أو وصف له، ولازمه ثبوت الخيار من حين العقد. ويمكن تقريب ذلك بأن ما أخذ في السؤال فيها من دخوله فيها كرارا ومن تقليبها بعد الشراء واستقالة صاحبه كلها ظاهر في أن المشاهدة السابقة والتقليب اللاحق إنما كانت لاجل الكشف عن حالها، ولما تبين أن الضيعة كانت بحسب الواقع مخالفة لما اعتقده استقاله، وليس في شئ منها شبهة موضوعية أصلا. وكذا الحال في قوله عليه السلام في الجواب: (إنه لو قلب منها ونظر إلى تسعة وتسعين قطعة) ضرورة أن التقليب والنظر لا موضوعية لهما، بل أخذا طريقا إلى كشف حالها، والمراد من (لم يرها) في قوله عليه السلام: (بقي منها قطعة ولم يرها) مقابل النظر والتقليب، وكأنه استدراك منهما فلم يؤخذ الرؤية إلا بنحو الكاشفية، أي لم يكن منكشفا له حال القطعة وقوله عليه السلام: (لكان له خيار الرؤية) ظاهر في ترتب الحكم على عدمها وعدم كشف حال القطعة مع كونها مخالفة لما اعتقده، أي


(1) الوسائل الباب 15 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 435 ]

له خيار رؤيتها على خلاف ما اعتقده، وبعد كون جميع تلك العناوين مأخوذة على نحو الطريقية تحمل الرؤية على الطريقية، لوحدة السياق. مضافا إلى عدم التناسب بين الخيار والرؤية، وإنما التناسب العقلائي بينه وبين تخلف الواقع، كما في سائر الخيارات المناسبة لهذا الخيار، سيما مع كون الرؤية ونحوها لها سمة الطريقية، وأخذها على نحو الموضوعية يحتاج إلى مؤونة زائدة وقرينة، فلو قال: (إذا رأى الضيعة على خلاف ما اعتقده كان له الخيار) لما شك العرف في أن الحكم مترتب على نفس المخالفة، ولا ينقدح في الاذهان الموضوعية، فالحق ثبوته من حين العقد فيصح إسقاطه فعلا أو قولا قبل الرؤية، نعم في صحة الاسقاط حقيقة وتنجيزا مع احتمال عدم ثبوته كلام. ولو شرط سقوطه في ضمن العقد ففيه وجوه: رابعها التفصيل بين الموارد كما سنشير إليه. ويمكن أن يستدل للفساد والافساد بأمور: (منها) وهو العمدة أن الغرر انما يرفع في الكليات بصرف التوصيف، فلو باع عبدا كليا بلا وصف فهو مجهول وغرر، ولو وصفه بما هو المرغوب فيه عند العقلاء ودخيل في ماليته يرفع الغرر به. وأما الاعيان الخارجية فرفع الغرر فيها بالعلم بتحقق الاوصاف ولا تحققها، وإنما يرفع الغرر بالاخبار عن تحقق الاوصاف إذا أفاد الوثوق، لكونه بمنزلة العلم، ولما كان توصيف المبيع الخارجي في ضمن الجملة الانشائية يرجع إلى الاخبار بالوصف يرفع الغرر به، إذ من الواضح أن الجملة الوصفية الناقصة وإن لم تتصف بالصدق والكذب، إلا أنها إذا اندرجت في ضمن الجملة التامة خرجت من النقص إلى التمام، فجملة (غلام زيد) أو (العبد الكاتب) غير محتملة للصدق والكذب، لكن إذا قيل:

[ 436 ]

(رأيت غلام زيد أو العبد الكاتب) خرجت من النقص إلى التمام، واتصفت بالصدق والكذب، فان قوله ذلك ينحل إلى الاخبار برؤية الغلام والاخبار بأنه غلام زيد وكذا أشباههما. وكذا فيما لو كانت الناقصة من متعلقات الجملة الانشائية كقوله: (أكرم زيدا العادل) فانه إخبار ضمني بعدالته، فكأنه قال: (أكرم زيدا وهو عادل) فلو لم يكن كذلك كان كاذبا، فتوصيف المبيع الشخصي في الجملة الانشائية التامة إخبار بوجود الاوصاف فيه، ولهذا يرفع الغرر به لو حصل الوثوق من اخباره، ولو لم يكن التوصيف إخبارا لا معنى لحصول الوثوق بالواقع من توصيفه، فان نفس ذلك لا يحكي عن الواقع هذا لو قلنا بأن الغرر هو الجهالة. وأما لو قلنا بانه البيع مجازفة فالخروج عن الجزاف لا يكون بمحض التوصيف أيضا، بل لكونه إخبارا عن الواقع المحقق، ولو قلنا بأن إخبار البائع موجب لرفع الغرر تعبدا ولصحة البيع كذلك بمعنى أنه يصح الاتكال على إخباره لابد من إرجاع التوصيف إلى الاخبار أيضا حتى يصح الاتكال عليه، فعلى هذا لابد من ملاحظة التنافي بين هذا الاخبار وشرط سقوط الخيار. فنقول: إن رجع شرط السقوط إلى شرط سقوط الخيار المحقق فلا إشكال في التنافي، ضرورة منافاة الاخبار بوجود الوصف مع شرط سقوط الخيار الموجود الراجع إلى الاخبار بوجود الخيار، ولازمه الاخبار بتخلف الوصف، فالاخبار بوجود الوصف وعدمه متناقضان. واما لو رجع إلى سقوطه على فرض تحققه كما هو المفروض في المقام فلا تنافي بين القضيتين في غير مثل المقام، ضرورة عدم مخالفة الاخبار بوجود شئ تنجيزا، للاخبار بأمر آخر على فرض عدم وجود هذا الشئ كقوله: (الشمس طالعة) وقوله: (لو لم تكن طالعة فالليل موجود)

[ 437 ]

وكذا الحال في قوله: (بعتك العبد الكاتب) وقوله: (لو لم يكن كاتبا فليس لك الخيار) أو (ليس لك ذلك لو تخلف الوصف) فانه لا معنى للتنافي بين الجملة الوصفية الراجعة إلى الاخبار بوجود الوصف وبين الجملة التي مفادها نفي الخيار، ولا زمها نفيه على فرض عدم الوصف، هذا بحسب حكم العقل الناظر إلى نفس الجمل. واما بحسب النظر العقلائي في المقام فلما كان اشتراط عدم الخيار للاحتياط على حفظ البيع عن الفسخ بالخيار أحيانا، وهو ملازم لاحتمال تخلف الوصف، إذ مع القطع بعدم تخلفه يكون الاشتراط لغوا إلا في بعض الفروض النادرة المغفول عنها، كاشتراطه لغرض آخر، مثل خوف إنكار المشتري الاتصاف وحصول النزاع بينهما، وهو خارج عن محط البحث، كان اشتراط عدم الخيار الذي لا يكون إلا في فرض احتمال تخلف الوصف مخالفا مع الاخبار جزما عن وجوده، فالتنافي انما يكون بين التوصيف الملازم للاخبار جزما بوجود الوصف فيما إذا كان المبيع الاعيان الخارجية كما هو المفروض وبين احتمال عدم الوصف اللازم من اشتراط سقوط الخيار. إلا أن يقال: إن ذلك كذلك لو كان الاخبار عن يقين، وأما إذا كان عن اطمئنان بالوصف ووثوق به فلا، لان الاخبار كذلك صحيح، ومع ذلك لا ينافي الاحتمال الضعيف الذي لا يعتنى به، فاشتراط سقوطه لسد هذا الاحتمال، كما أن الغرر أيضا مدفوع مع الاطمئنان بوجود الوصف الحاصل من إخبار البائع، ولا يعتبر فيه اليقين بوجوده. لكن هذا لا يدفع الاشكال في غالب الموارد، بل يختص بما إذا كان البائع المخبر بوجود الصفة شخصا يطمئن به ويوثق به من حيث الاجتناب عن الكذب، فحينئذ مع اشتراطه سقوط الخيار يحمل إخباره على الاخبار الاطمئناني، واشتراطه لسد الاحتمال الضعيف، فيندفع الغرر لاجل إخباره الموثوق به.

[ 438 ]

وأما في غير هذا المورد النادر فلا، لانا لو فرضنا اتكال العقلاء على إخبار البائع غير المتهم بالكذب وقلنا بأنه كاف في رفع الغرر لا نسلم اتكالهم على قول من أخبر وأظهر الاحتمال المخالف له، بل يكفي الشك في اتكالهم عليه. وأما الروايات (1) الواردة في الكيل وجواز الاتكال على كيل البائع وإخباره فهي لا تشمل مثل المفروض حتى في موردها فضلا عن هذا المقام، وما دل على النهي عن البيع مجازفة في باب المكيل لو قلنا بأن المستفاد منه أن الميزان في باب رفع الغرر أن لا يكون البيع مجازفة لا يفيد في المقام، إذ يشكل خروجه عن المجازفة فيما إذا أظهر البائع الترديد في إخباره، أو كان لازم قوله ذلك، وما تقدم في إخبار الثقة المطمأن به لا وقع له في غيره. فتحصل مما ذكر التفصيل بين ما إذا كان البائع ثقة مورد اطمئنان المشتري وغيره، فيكون تفصيلا في المسألة أوسع من تفصيل الشيخ الاعظم (قده) حيث فصل بين ما إذا كان الغرر مدفوعا بتوصيف البائع وبين غيره. ومما ذكرنا يظهر النظر في كلمات كثير منهم، حيث يظهر منها أن الغرر مدفوع بصرف التوصيف أو بصرف الالتزام، ثم دفعوا التنافي على طبق هذه المزعمة، وقد مر أن نفس التوصيف والالتزام لا يدفعان الغرر إلا بلازمهما، وهو الاخبار بالواقعة، وقد عرفت حال الاخبار والتنافي في المقام. و (منها) ما استدل به الشيخ الاعظم (قده) وهو (أن رفع الغرر لاجل سبب الخيار، وهو اشتراط تلك الاوصاف المنحل إلى ارتباط الالتزام العقدي بوجود هذه الصفات، لانها إما شروط للبيع أو قيود


(1) الوسائل باب - 5 من ابواب عقد البيع وشروط.

[ 439 ]

للمبيع، واشتراط سقوط الخيار راجع إلى الالتزام بالعقد على تقديري وجود تلك الاوصاف وعدمها، والتنافي بين الامرين واضح) انتهى. وفى قوله احتمالات: (منها) وهو الظاهر من اللفظ أن الالتزام العقدي مشروط بوجود الصفات ومعلق عليه، سواء رجع التوصيف إلى كونه شرطا للبيع، فيرجع قوله: (بعتك العبد الكاتب) إلى (بعتك العبد مشروطا بأنه كاتب) أو قيدا للمبيع، فيكون المراد (بعتك العبد الذي هو كاتب) أي إذا كان كاتبا، ويؤكد هذا الظاهر قوله: (اشتراط سقوط الخيار راجع إلى الالتزام بالعقد على تقديري وجود تلك الاوصاف وعدمها). ولازم هذا الاحتمال بعد الغض عن بطلان العقد كذلك وبعد التزامه (قده) بالصحة هو بطلان العقد إذا تخلف الوصف، فيرجع شرط سقوط الخبار إلى شرطه في العقد الباطل، وهو باطل لذلك لا لما أفاده، مضافا إلى عدم صحة التفصيل الآتي في كلامه من صحة العقد والشرط إذا اندفع الغرر بأمر آخر كالمشاهدة ونحوها، فانه مع عدم حصول المعلق عليه باطل ولو لم يكن غرريا. و (منها) أن يكون المراد بالارتباط فيما إذا كان قيدا في المبيع أن متعلق البيع هو المشروط والشرط معا، بحيث يكون التقيد أو القيد جزء للمبيع، ويرد عليه مضافا إلى ما تقدم ان الاوصاف ليست جزء، ولهذا لا يقسط عليها الثمن. و (منها) وهو الاظهر بل لعله المتعين بحسب مسلكه ان المراد بالارتباط كون الالتزام في ضمن الالتزام بناء على رجوعه إلى الشرط في البيع، والالتزام بكون المبيع كذلك بناء على كونه قيدا للمبيع، ويؤكد ذلك قوله الآتي: (إن البائع يتعهد لوجودها في المبيع، والمشتري يعتمد

[ 440 ]

على هذا التعهد). وعلى هذا الاحتمال فالجواب عنه هو أن اشتراط سقوط الخيار لا يعقل أن يكون منافيا للالتزام بوجود الصفات، ضرورة ان الخيار على هذا المبنى مسبب عن تخلف الصفات الملتزم بها في العقد، فلا الالتزام في نفسه سبب له ولا فقد الصفة، بل السبب هو فقد ما التزمه وتعهد به، فحينئذ يرجع اشتراط سقوط الخيار إلى اشتراط سقوط الخيار الآتي من قبل تخلف الصفات المتعهد بها، ولا يعقل أن يكون المسبب منافيا لسببه، ولا رجوع ما يكون مترتبا على الالتزام والتعهد إلى عدم الالتزام، بل ذلك الشرط يؤيد التعهد والالتزام بوجود الصفات ويؤكدهما لا أنه يخالفهما، وهو واضح، وهذا من غير فرق بين كون الصفات شروطا في القعد أو كونها قيودا للمبيع. ثم لو سلم المنافاة بين التعهدين والالتزامين كما أفاده فلازمه بطلان هذا الشرط مطلقا، لذلك التنافي في الجعل، فلا يصح منه التفصيل بين كون الشروط رافعة للغرر وبين كون الغرر مندفعا بالمشاهدة ونحوها لا بالالتزام المذكور. والظاهر منه أن في الصورة الثانية يصح الشرط والبيع، وهو كما ترى (نعم) على الفرض الاول يبطل البيع بلا إشكال وعلى الثاني يبطل الشرط، وبطلان البيع مبنى على ان الشرط الفاسد مفسد. ومما ذكرناه يظهر الاشكال في كلامه الآخر، وهو أن البائع يتعهد لوجودها في المبيع، والمشتري يعتمد على هذا التعهد، فاشتراط البائع على المشتري عدم تعهده لها والالتزام بالعقد بدونها ظاهر المنافاة لذلك، فان البائع لم يشترط عدم تعهده لها، بل اشتراط عدم الخيار الآتي من قبل تعهده، وهو مؤيد للتعهد لا مناف له.

[ 441 ]

مسألة: لا يسقط هذا الخيار ببذل التفاوت، وكذا غيره من الخيارات الشرعية بل والعقلائية إلا خيار الغبن على احتمال قوي بناء على كونه عقلائيا على ما هو التحقيق، وأما سائر الخيارات فلا دليل على سقوطها بذلك، ففي الخيار المبحوث عنه الذي هو ثابت بالشرع لا دليل على سقوطه بذلك بل مقتضى إطلاق دليله عدم السقوط به. وأما بذل البدل فلا يوجب السقوط مطلقا حتى في خيار الغبن، فالزام المشتري ببذل التفاوت له أو بذل البدل بلا وجه، نعم لو رضي بذلك لا مانع منه، فان في الاول يرجع إلى سقوط خياره في مقابل بذل التفاوت، وفى الثاني يرجع إلى فسخ الاول وإحداث معاملة جديدة. وأما اشتراط البدل في ضمن العقد فهو على جميع أنحائه مشترك في الاشكال مع اشتراط سقوطه، فلا بد إما من البحث مع الغض عن الاشكال المتقدم أو فرض المسألة فيما هو خال عنه، كما إذا كان التوصيف عن اطمئنان لا عن يقين وكان البائع ممن يطمئن به المشتري وموثوقا به عنده وكان التعليق والاشتراط لاجل الاحتمال الضعيف. وكيف كان فشرط ذلك على أنحاء: (منها) أن يكون شرط فعل وهو يتصور على وجهين: (أحدهما) أن يشترط عليه بأنه على فرض التخلف يبادل المبيع غير الموصوف بعين أخرى موصوفة أو غير موصوفة سواء كانت من سنخ المبيع أو غيره، كتبادل العبد غير الكاتب بعبد آخر كاتب أو غيره أو بعين أخرى كالدار مثلا. والاشكال فيه بأنه على نحو التعليق وهو باطل مدفوع بعدم الدليل

[ 442 ]

على بطلان التعليق في غير البيع. في البطلان في البيع أيضا إشكال للاشكال في تحقق الاجماع حتى فيه. كما أن الاشكال بأن المبيع مجهول حال الشرط أيضا ليس بشئ، لانه شرط الفعل، والمبيع لابد وان لا يكون مجهولا حال إيقاع البيع لا حال الشرط. والعمدة هو الاشكال بأن الشرط غرري، فانه معلق على أمر لم يعلم تحققه، وهو غرر، فعلى القول بحريان الغرر في الشروط، لما قيل من أنه: (نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر) (1) وقد تمسك به شيخ الطائفة (قده) في مسائل الخلاف في غير موضع فاللازم بطلانه بناء على كون الغرر في الحديث بمعنى الجهالة أو الخطر، وأما إن قلنا بأن الاقرب في مفاد الحديث هو النهي عن الخدعة مع ضعفه وعدم الجابر له فلا إشكال من هذه الجهة أيضا. و (ثانيهما): أن يشترط بيع العبد الكاتب مثلا بثمن العبد غير الكاتب، إذا تخلف الوصف، وهل هذا يرجع إلى شرطين: أحدهما شرط انحلال العقد، وثانيهما شرط البيع الجديد أو هو شرط واحد، وهو شرط البيع الجديد، لكن العمل به يتوقف على تحصيل الثمن بالفسخ أو بالاقالة، فدليل وجوب الوفاء بالشرط يلزمه بتحصيل مقدماته مع الامكان فان كان البيع خياريا وجب عليه الفسخ للعمل بالشرط، وإلا وجب عليه الاقالة لو طالبها المشروط له؟ الظاهر ذلك لما يأتي الكلام فيه. ولا يخفى أن المشروط له تارة يكون هو البائع وأخرى المشتري، ويفترقان في بعض الامور. ويرد على هذا الشرط إشكالات عمدتها بطلانه من جهة أن العمل به غير مقدور، فان الشرط لما كان في ضمن البيع فبانحلاله ينحل الشرط،


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 338.

[ 443 ]

ومعه لا معنى للعمل به، فقبل انحلال البيع لا محل للعمل بالشرط، وبعده لا شرط حتى يعمل به. وقد يقال: إن الشرط في أصل انعقاده لا يكون إلا في ضمن البيع إذا كان التزاما في التزام، وأما انحلاله بانحلال العقد فتابع لامر آخر، وهو كون متعلقه بمنزلة الضميمة لاحد العوضين دون ما إذا كان أجنبيا عنهما، وانما أتى به في ضمن العقد تحقيقا لعنوانه، وفيما نحن فيه يكون الشرط بمنزلة الاجنبي، فلا ينحل بانحلال العقد. وفيه ما لا يخفى، فانه مع الاعتراف بأن حقيقة الشرط لا يتحقق إلا في ضمن العقد وان ماهيته التزام في التزام فلا معنى لاستقلاله في وجوده البقائي، إذ يلزم منه كونه مختلف الحقيقة في الوجود الحدوثي والبقائي فمن يرى أن الشرط قابل للاستقلال لا معنى لالتزامه بكونه التزاما في التزام، كما أن من يرى ذلك لا يمكنه الالتزام باستقلاله بقاء، واحتمال كون وجوده الحدوثي كافيا في وجوب الوفاء ولو بعد الانحلال أضعف، لان بقاء الحكم مع انحلال الموضوع لا معنى له، وهذا مثل أن يقال يجب الوفاء بالعقد ولو بعد فسخه وانحلاله، ولهذا لم يلتزمه القائل، وانما التزم باستقلاله في البقاء، وهو كما ترى. و (منها) شرط النتيجة، وهو أيضا يتصور على نحوين: (الاول) أن يشترطا كون العين بدلا عن عين اخرى إذا تخلف الوصف. وقد يورد عليه زائدا عما ورد على النحو الاول المتقدم بأن دليل الشرط لا يفي لاثبات شرط النتيجة، كما أشار إليه الشيخ الاعظم (قده) في الاحتمال الآتي. وفيه أنه قد مر سالفا إطلاق دليله له، وإمكان الجمع بين شرط الفعل وشرط النتيجة بلفظ واحد، وأنه ورد في أخبار كثيرة التمسك

[ 444 ]

بعموم دليل الشرط لاثبات شرط النتيجة، كما ورد التمسك به لاثبات شرط الفعل، فلا إشكال من هذه الجهة، والعمدة في المقام أيضا إشكال غررية الشرط لو قلنا بعموم دليل الغرر للشروط. (الثاني) أن يشترطا صيرورة العين بدلا عن الثمن، وهذا يقع على وجوه: (أحدها) الاشتراط في ضمن العقد، بان يشترطا انفساخ العقد إذا تخلف الوصف، وصيرورة العين الكذائية بعد الانفساخ بدلا من الثمن بمعنى اشتراط الشرطين في متن العقد بنحو الترتب. وهذا لا إشكال فيه إلا الاشكالات المشتركة، وقد مر أن العمدة هو بطلان الشرط الثاني وعدم إمكان نفوذه، لانحلال الشرط بانحلال البيع بالشرط الاول، فيقع الشرط الثاني باطلا. (ثانيها) اشتراط الامرين في عرض واحد معلقا على تخلف الوصف بأن يشترطا الانفساخ والتبادل مترتبا على تخلفه. ويرد عليه زائدا على ما تقدم ان التبادل في عرض الانفساخ غير معقول، كما أن ترتب التبادل على التخلف غير معقول، فانه لابد وان يقع بين الثمن المنتقل إلى المشتري والعين، وهو متأخر عن الانفساخ المتأخر عن تخلف الوصف، فترتب التبادل على تخلف الوصف غير معقول، وهذان الاحتمالان لم يكونا مفروضين في كلامهم. (ثالثها) اشتراط كون الثمن بدلا عن العين الموصوفة مثلا إذا تخلف الوصف. ويرد عليه مضافا إلى ما تقدم ان هذا الشرط باطل، فان الثمن والمثمن ملك للبائع، فلا يعقل التبادل بينهما. وقد يتخلص منه بأن شرط التبادل بينهما ينحل إلى شرطين: أحدهما

[ 445 ]

ذلك، والثاني شرط انفساخ العقد (وفيه) أنه لا يعقل أن ينحل الشئ إلى نفسه وغيره، والمفروض أن الشرط ليس إلا التبادل بينهما، فكيف ينحل هذا إلى نفسه وغيره؟ سيما مع كون غيره متقدما عليه رتبة كما أشرنا إليه. (وقد يقال): إن هذا الشرط لابد وان يتضمن لشرط الانفساخ حتى يقع صحيحا (وفيه) ان المفروض اشتراط التبادل، ومن المعلوم عدم تضمنه لشرط آخر، بل لا يعقل أن يكون الشرط المذكور متضمنا له فان الاشتراط من الافعال الاختيارية للشارط، ويحتاج إلى مقدمات مستقلة نحو المقدمات التي في اشتراط التبادل، ولا يعقل ان يكون هذا الاشتراط في ضمن اشتراط آخر، فالقول بلا بدية تضمنه له لا يرجع إلى محصل. ومنه يتضح بطلان القول بأن شرط التبادل مستلزم لشرط الانفساخ نظير ما قالوا في وجوب المقدمة من أن وجوب ذيها مستلزم لوجوبها. وقد أبطلناه في محله، فان استلزام أمر لامر اختياري بحيث يترتب الفعل الاختياري عليه غير معقول، فان كل فعل اختياري متوقف على مقدمات خاصة به لا يعقل تحققه إلا بها. (ولو قيل): إن وجوب الوفاء بالشرط المذكور في العقد متوقف على انفساخه فوجوبه يوجب انفساخه (يقال): إن وجوب الوفاء به متوقف على الانفساخ، لانه مع عدمه لا يعقل التبادل، فلو كان الانفساخ مترتبا على وجوبه كان محالا للدور الواضح. هذا مضافا إلى أنه لم يدل دليل على صحة هذا الشرط حتى نتشبث لتوجيهه، بل الظاهر وقوعه باطلا. (ولو قيل): إن الشرط مبني عند المتعاملين على انفساخ العقد ليصح ذلك (يقال): مجرد بنائهما لا يوجب الانفساخ، فانه أمر تسبيبي محتاج إلى سبب وجعل، والفرض أن الشرط في المقام ليس إلا أمرا واحدا

[ 446 ]

هو كون الثمن بدلا من العين، ومجرد توقف ذلك على ملكية المشتري للثمن لا يوجب تحقق شرط الانفساخ القائم مقام سببه، والحق أن هذا الشرط باطل لوجوه عمدتها الوجهان المشار اليهما. ثم إن الظاهر سقوط خيار الرؤية بالاشتراط المذكور على وجوهه المتقدمة فان لازمه الالتزام بالعقد الخياري بعد فرض خياريته زائدا على الالتزام العقدي، فانه بعد فرض تخلف الوصف الموجب للخيار التزم بالعقد، وشرط التبادل فعلا أو نتيجة، وإن شئت قلت: قد أعرض المشتري عن خياره من غير فوق في ذلك بين وقوع الشرط صحيحا أم لا، ومن غير فرق بين الوجوه المتقدمة حتى فيما لو شرط الانفساخ، فان هذا تمسك بدليل الشرط للانفساخ وإعراض عن حق فسخه. وأما دعوى أن هذه المعاملة بشرطها لا تكون ضررية فلا تكون مشمولة لدليل نفي الضرر فغير وجيهة، لان دليل الخيار هاهنا ليس إلا صحيحة جميل (1) وهو خيار تعبدي، ولو فرض كون الحكمة فيه هو الضرر لم يوجب ذلك أن يكون المدار عليه نفيا واثباتا. مسألة: يشكل ثبوت خيار الرؤية في غير البيع كالاجارة والصلح ونحوهما لكونه تعبديا واختصاص دليله وهو صحيحة جميل (2) بالبيع، فيشكل إلقاء الخصوصية وإجراؤه في غيره، فعموم أدلة اللزوم في غير البيع محكم نعم لو كان سببه التعهد بوجود الوصف توصيفا أو اشتراطا في ضمن المعاملة لا ينبغي الاشكال في عدم اختصاص خيار تخلفهما بالبيع، فانه أمر عقلائي (1) و (2) الوسائل الباب 15 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 447 ]

مترتب على تخلف الشرط أو الوصف، لكنه خارج عن خيار الرؤية، والخلط بين خيار الرؤية وخيار تخلف الشرط أو الوصف صار موجبا لما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في الاستدلال على عدم اللزوم، فان ما ذكره تقريب لثبوت خيار التخلف وإن كان في صحته إشكال. مسألة: في اختلاف المتبايعين وله صور نذكر مهماتها: (منها) اختلافهما في توصيف المبيع وعدمه أو في تعهد البائع لوجود الوصف في ضمن العقد وعدمه، فادعى المشتري ذلك وأنكره البائع وليعلم أولا أنه لو قلنا بأن الاعتبار في تشخيص المدعي والمنكر بما ينتهي إليه دعواهما وهو في المقام ثبوت الخيار وعدمه وقلنا بأن تمام الدعاوي المتصورة في المقام يرجع إلى دعوى ثبوته لكان المدعي في المقام هو المشتري بلا إشكال، لكونه كذلك عرفا والمرجع في تشخيصهما هو العرف، كما في سائر الموضوعات المترتبة عليها الاحكام، كما أنه مع الاغماض عن التشخيص العرفي والاتكال في تشخيصهما على الاصل يمكن التمسك في المقام باستصحاب اللزوم الذي هو مع البائع، فيكون مدعي خلافه وهو المشتري مدعيا نعم لا يجري أصالة عدم الخيار في البيع لعدم الحالة السابقة على فرض، والمثبتية على آخر. ولو قلنا بأن الاعتبار في تشخيصهما بمحط الدعوى وليس للقاضي إرجاعها إلى أمر آخر إذا كان لدعواهما أثر ولو بلوازمها على فرض قيام البينة أو لوازم الحكم الصادر منه كان اللازم حينئذ النظر في موارد اختلافهما منها ما تقدم ذكره من الاختلاف في أصل التوصيف والتعهد، فعلى فرض

[ 448 ]

كون المرجع في تشخيصهما هو العرف لا إشكال في أن المشتري مدع. وأما بناء على الاتكال على الاصول فيمكن التفصيل على حسب اختلاف أنحاء طرح الدعوى، فان قال المشتري: (إن البائع قال: بعتك هذا العبد الكاتب وانا قلت: قبلت بيع هذا العبد الكاتب) يمكن أن يقال إنهما يتوافقان في بيع العبد في زمان ويختلفان في توصيفه، فبيع العبد إيجابا وقبولا ثابت في زمان متقدم، كما أن عدم توصيفه متيقن في حال ويشك في توصيفه، فيصح أن يقال: إن توصيف المبيع في هذا البيع الخارجي مسبوق بالعدم، والاصل عدم توصيفه، وعليه فيكون المشتري مدعيا، لان قوله مخالف للاستصحاب مع الغض عن بعض الاشكالات، وأولى بذلك لو كان الدعوى تعهده في ضمن البيع إذا كان القبول أيضا على نعت التفصيل كما تقدم. وإن قال المشتري: (إن البائع قال: بعتك الكاتب) مريدا به الموجود الخارجي الموصوف، وقال البائع: (بل قلت: بعتك هذا العبد) فلا يجري الاصل، لان الكاتب وإن انحل إلى ذات ووصف على ما قيل لكن لا يكون هذا الانحلال موجبا لتعلق البيع بالذات في زمان متقدم قبل تعلقه بالموصوف حتى يجري الاصل، بل الانحلال عقلائي أو عقلي من غير أن يكون الانشاء أو المنشأ تدريجي الوجود خارجا، فيكون المورد حينئذ من التداعي مع الغض عن حكم العرف، لان كلا منهما يدعي أمرا مغايرا للآخر وإن اتفقا في التعلق بالعبد الخارجي، كما هو المفروض. ثم إن في الفرض الاول لو قال المشتري: (أنا قلت: قبلت) من غير ذكر العبد والكاتب يشكل إجراء الاصل، لان عنوان البيع وإن وجد بانشاء البائع وهو على نعت التفصيل لكن لا يترتب عليه الاثر إلا بعد ضم القبول، فموضوع الاثر هو الايجاب والقبول، والمنشأ المترتب

[ 449 ]

عليه الاثر لا يكون موجودا في زمان مع عدم النعت، وانحلال القبول إلى قبول البيع والتوصيف لا يوجب حصول التقدم الزماني لقبول أصل البيع قبل قبول التوصيف حتى يجري الاصل بالنسبة إلى التوصيف، فعدم التوصيف في البيع المؤثر ليس له حالة سابقة حتى يستصحب، وعدم التوصيف في الايجاب لا أثر له، فتدبر. ولو اتفقا في التوصيف واختلفا في وجود الوصف المذكور حال البيع فلا أصل في محط الاختلاف لتشخيص المنكر، سواء أحرز الاتصاف به قبل البيع أو أحرز عدم اتصافه كذلك، أم لم تحرز الحالة السابقة، فان استصحاب كونه موصوفا إلى حال البيع لا يثبت تعلقه بالموصوف إلا على القول بالاصل المثبت، وليس المورد من موارد إحراز الموضوع بالاصل والوجدان، كما هو ظاهر. ومنه يتضح ما إذا كان مسبوقا بالعدم. ومع عدم العلم بالحالة السابقة فأصالة عدم تعلق العقد بالعين الملحوظ فيها الوصف الموجود كأصالة عدم تعلقه بمقابله مما لا مجرى لها، فان السلب البسيط المحصل أعم من سلب الموضوع وإن كان له حالة سابقة، لكنه ليس موضوعا لحكم، واستصحابه لاثبات قسم منه الذي هو موضوع مثبت والسلب الخاص أي السلب عن الموضوع المحقق ليس له حالة سابقة. (فقول) الشيخ الاعظم (قده) في المقام من أن اللزوم من أحكام تعلق البيع بالعين الملحوظ فيها الصفات الموجودة والاصل عدمه (مخدوش) بأن ما هو موضوع الحكم ليس عدم التعلق أعم من عدم البيع والبائع بل والشرع الاقدس، بل الموضوع عدم تعلق البيع المحقق بالعين الكذائية، وليس له حالة سابقة، واستصحاب العدم الازلي لاثباته مثبت، بل عدم اللزوم بمعنى خيارية البيع ليس من أحكام عدم تعلق البيع بالوصف الموجود، بل من أحكام تعلقه بالوصف المفقود.

[ 450 ]

ويمكن الاشكال فيه أيضا بأنه ليس من أحكام ذلك بل من أحكام تخلف الوصف عما وصفه، فانه خيار تخلف الوصف عند العقلاء، فموضوعه تخلفه لا عدمه، نعم مع العلم بعدمه يعلم تخلفه للتلازم، وأما الاصل الشرعي فلا يمكن إثبات اللازم والملازم به. ومما ذكرناه يتضح حال سائر الاختلافات المتصورة في المقام، كالاختلاف في كون المبيع موافقا لما اعتقده المشتري من الاوصاف أو مخالفا له فيما هو ممحض في خيار الرؤية، وكالاختلاف في كون فقد الوصف من حال البيع أو طارئا بعده بعد الاتفاق في فقدانه فعلا، إلا غير ذلك. ثم لو قلنا بأن الاعتبار في تشخيص المدعي والمنكر بمصب الدعوى ولم يكن لواحد منهما أصل يتكل عليه وأغمضنا عن تشخيص العرف وسائر الموازين كان المورد من موارد التداعي. وأما التمسك بأصالة اللزوم أي الاستصحاب فلا وقع له، لان الميزان في التشخيص هو الاصل الجاري في مصب الدعوى، واستصحاب بقاء العقد أو آثاره أجنبي عما هو محط الدعوى. مسألة: ومن الفروع التي تتفرع على خيار الرؤية أنه لو اشترى شيئا بعضه موجود وبعضه معدوم كالثوب الذي نسج بعضه وقد رأى ما نسج واعتقد أن الباقي يوجد كما نسج بحسب الاوصاف أو اشتراه على ذلك فهل هو صحيح أم لا؟ وعلى فرض صحته هل له فيه خيار الرؤية أم لا؟ وعلى فرض ثبوته هل هو ثابت له كسائر موارد خيارها أم لا؟ هذا هو الفرع الذي يناسب خيار الرؤية، وينبغي أن يقع البحث فيه.

[ 451 ]

وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من الوجوه في تصحيح البيع فهي وإن كانت صحيحة لكنها لا تناسب المقام سيما ما فرض فيه بيع الكلي. ثم إنه لا إشكال في بطلان البيع المذكور بالنسبة إلى المعدوم، ضرورة ان المعدوم لا يعقل الاشارة إليه، فضلا عن صيرورته طرف الاضافة، حقيقة كانت أم اعتبارية. (وتوهم) أنه لا مانع عرفا من كون العدم طرفا للاضافة الاعتبارية بل هو واقع في الشرع كما في بيع الثمار زائدا عن سنة واحدة، وبيع الخضروات بالنسبة إلى اللقطات المتأخرة ونحوها، بل نقل المنفعة المعدومة بالاجارة والوقف للمعدوم والوصية للمعدوم وبالمعدوم (فاسد) لان ما توهمه العرف من كونه معدوما والمعدوم في حال عدمه محكوما عليه بحكم كذا ليس معدوما، بل موجود في أذهانهم، والمحكوم عليه هو الوجود الحاضر في الاذهان من غير إمكان أن يكون كاشفا عن العدم، لعدم إمكان كونه كاشفا أو مكشوفا أو محكوما عليه بحكم ثبوتي أو قابلا لاشارة أو تصور أو تصديق، وليس حكم العرف هاهنا كحكمه بأن الدم الموجود في الثوب لون، على خلاف حكم العقل بأنه جوهر موجود فيه لا عرض منتقل عن محله إلى محل آخر، فان ما في الثوب قابل للحكم عليه بأنه لون أو جوهر طاهر أو نجس وإن اختلف العرف والعقل فيه، وأما المعدوم فلا يعقل تعلق حكم به، ولا كونه موردا للاعتبار والاضافة والنقل، بل كل ما يقال فيه توهمات غير مربوطة به. فكما لا يعقل ثبوت حكم له عقلا لا يعقل ثبوته له عرفا، وحل شبهة أن المعدوم المطلق لا يخبر عنه مع أن هذا إخبار عنه على عهدة محله كما ان توهم الفرق بين المعدوم المطلق والمضاف فاسد، ناش من اشتباه المضاف والمضاف إليه.

[ 452 ]

وأما ما توهم من وقوعه في الشرع فهو فاسد جدا، لان غير المعقول لا يعقل وقوعه، بل كلها قابل للتصحيح، فبيع الثمار بالنسبة إلى السنين المتأخرة من قبيل ضم الكلي إلى الجزئي الموجود، فان ثمرة السنة الكذائية عنوان كلي لا ينطبق إلا على مصداق واحد، كالكوكب الفاعل للنهار وهكذا الحال في بيع الخضروات وسائر الاشباه والنظائر، والوقف على الطبقات المتأخرة في الوجود وقف على العناوين كالوقف على السادة، وانما تنطبق على الخارج بعد وجود المصاديق، ولو قلنا بأن الاجارة نقل المنفعة يرجع إلى نقل كلي لا ينطبق إلا على المنفعة المتدرجة الوجود. وبالجملة لا يعقل توجيه الامر المحال، فلا بد من التصحيح بنحو كما ذكرنا، أو من التأويل أو الحمل على التعبد المحض من دون أن يكون الحكم للمعدوم، هذا هو الوجه في بطلان بيع المعدوم لا ما هو المحكي عن المبسوط وغيره. ثم لو أغمضنا عن ذلك فاثبات خيار الرؤية فيه محل كلام، لان ما ثبت بصحيحة جميل (1) مورده عدم رؤية أوصاف ما هو موجود، وشمولها لعدمها بعدم الموضوع محل إشكال بل منع، إلا أن يقال بالقاء الخصوصية عرفا. ذكرنا، أو من التأويل أو الحمل على التعبد المحض من دون أن يكون الحكم للمعدوم، هذا هو الوجه في بطلان بيع المعدوم لا ما هو المحكي عن المبسوط وغيره. ثم لو أغمضنا عن ذلك فاثبات خيار الرؤية فيه محل كلام، لان ما ثبت بصحيحة جميل (1) مورده عدم رؤية أوصاف ما هو موجود، وشمولها لعدمها بعدم الموضوع محل إشكال بل منع، إلا أن يقال بالقاء الخصوصية عرفا. وعلى فرض ثبوته فلا إشكال في عدم ثبوته من حين العقد، لان حاله لم يكن حال تخلف الوصف عما اعتقده أو تخلفه عن التوصيف، بل يدور الامر بين ثبوته حال الرؤية أو حال نسج الثوب مخالفا للموجود هذا. وقد وقع الفراغ من تسويد هذه الاوراق في جوار الحضرة العلوية على مشرفها أفضل السلام وأزكى التحية يوم الاثنين 25 / ج 1 / 1394 حامدا لله تبارك وتعالى مصليا على رسوله الاعظم صلى الله عليه وآله الطاهرين.


(1) الوسائل الباب - 15 من ابواب الخيار - الحديث - 1.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية