الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب البيع - السيد الخميني ج 3

كتاب البيع

السيد الخميني ج 3


[ 1 ]

كتاب البيع 3 تأليف العلامة الاكبر والاستاذ الاعظم آية الله العظمى مولانا الامام الحاج آقا روح الله الموسوي الخميني قدس سره مؤسسه مطبوعاتي اسماعيليان قم - تلفن 25212

[ 2 ]

الطبعة الرابعة 1410 هجري قمرى

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم القول في شرائط العوضين قالوا: يشترط في كل منهما أن يكون متمولا، لان البيع مبادلة مال بمال، أقول: يمكن المناقشة فيه بأن شروط العوضين والمتعاملين إنما تعتبر بعد تقوم ماهية البيع، فما هو دخيل في قوامها لا ينبغي أن يعد من الشروط، كما أن القصد إلى المعنى أيضا لا ينبغي أن يعد منها، فالبيع له مقومات وشروط، ورتبة الشروط متأخرة عن أصل الماهية ومقوماتها، والاولى أن يعد نحو المالية والقصد من مقومات الماهية لامن شروط العوضين، هذا إذا قلنا بأن البيع مبادلة مال بمال. ويمكن المناقشة فيه أيضا بأن المالية لا تعتبر في البيع، فان المبادلة بين الشيئين قد تكون لاجل ماليتهما، وهو الشائع الرائج، وقد تكون لغرض آخر، مثلا لو فرض وجود حيوانات مضرة بالزرع كالفارة أو بالانسان كالعقرب وأراد صاحب الزرع أو البيت جمعها وإفنائها فأعلن أنه يشتري كل فارة أو عقرب بكذا لاجل حصول الدواعي لجمعها، فاشترى ذلك لاعدامها يصدق عنوان البيع، ويكون اشتراء عقلائيا وإن لم يكن لاجل مالية المبيع ولم يكن مالا، فلو أتلف غيره بعد اشترائه تلك العقارب

[ 4 ]

لم يكن ضامنا، لعدم مناط الضمان فيه وعدم المالية، فالاشتراء قد يكون لغرض جلب المال، وقد يكون لاغراض آخر. ثم إنه على فرض اعتبار مالية العوضين في صدق البيع لا يعتبر أن يكون مالا عند نوع العرف، بل لو كان شئ ذا خاصية بالنسبة إلى طائفة دون أخرى أو في صقع دون آخر صح بيعه، بل لو كان مالا عند عدد معدود أو شخص خاص، كما لو اختص شخص بمرض، وكان علاجه بشئ لا يرغب فيه أحد غيره فاشترى ذلك بأغلى الثمن لاإشكال في صدق البيع والشراء عليه. ثم على فرض اعتبار المالية في العوضين لو شك في تحققها في أحدهما لا مجال للتمسك بأدلة صحة البيع والتجارة، ولا برواية تحف العقول (1) لان الشبهة في الصدق، بل ولا بعموم وجوب الوفاء بالعقود فيما إذا أراد المتبايعان البيع، والقول بأن البيع وإن شك في تحققه حينئذ لكن لا شك في تحقق العقد فيصح التمسك فيه بدليل وجوب الوفاء بالعقود غير ظاهر لان عقد البيع عقد واحد لا بيع وعقد آخر، فلا يعقل مع الشك في البيع العلم بتحقق العقد. وبعبارة أخرى إن الفرق بين قوله تعالى: " أحل الله البيع " (2) وبين قوله تعالى: " تجارة عن تراض " (3) وقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (4) أن الاول خاص بالبيع والثاني أعم منه ومن سائر التجارات والثالث أعم منهما بناء على شموله للعهود غير التجارية، ومقتضى الاعمية


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 275. (3) سورة النساء: 4 - الآية 29. (4) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 5 ]

أوسعية الدائرة، لا تحقق كل بعنوانه في كل مصداق مستقلا في الوجود فإذا كان تحقق التجارة والعقد بعين تحقق البيع وإن كان الصدق باعتبارات لا يعقل عدم تحقق البيع في مورد لا يكون العوضان مالا مع تحقق التجارة والعقد، والفرض في المقام أن المتبايعين أرادا إيقاع البيع لا أمر آخر أجنبي منه، فإذا لم يتحقق البيع فلا معنى لوجوب الوفاء لعدم شئ آخر وراء البيع الذي لم يتحقق، فإذا كان الامر بحسب الواقع كذلك لا يعقل مع الشك في البيع العلم بالتجارة والعقد، لانهما في مورد البيع عينه. ثم على فرض اعتبار المالية في ماهية البيع فانما المعتبر المالية العرفية، فلو فرض كون شئ غير مال بنظر الشارع الاقدس ومالا بنظر العرف لا يضر ذلك بصدق البيع عليه، وليس في وسع الشرع إسقاط المالية العرفية بل ما هو في وسعه سلب الآثار مطلقا أو في الجملة، لا سلب اعتبار العرف فالخمر والخنزير مال عرفا أسقط الشارع المقدس آثار ماليتهما، فلا ضمان في إتلافهما، ولا يصح بيعهما إلى غير ذلك. فما في بعض الحواشي من أن الشارع أسقط ماليتهما العرفية ليس على ما ينبغي، فحينئذ لو شككنا في مورد في كون المبيع مالا عند الشارع بالمعنى الذى قلنا صح التمسك بالعموم والاطلاق بعد الصدق العرفي، بل لو شك في أن الشئ الفلاني مال عند الشارع وقلنا بأن بعض الاشياء ليس بمال عنده كما أن بعض الاشياء الذى هو مال عند قوم ليس مالا عند قوم آخرين صح التمسك بالعموم، لان موضوع العمومات هو المال العرفي لا الشرعي. ثم إنه قد يتوهم أن بين المال والملك عموما مطلقا، لان ما ليس بمال ولا يترتب عليه البيع والشراء وسائر المعاملات لا يعتبر ملكا، وعلى ذلك

[ 6 ]

حمل كلام الشيخ الاعظم (قده) حيث استدل لاعتبار المالية بقوله صلى الله عليه وآله: " لا بيع إلا في ملك " (1) وهو كما ترى، لان الاثر لا ينحصر بالبيع، بل لا وبسائر المعاملات، فمن حاز كفا من التراب فقد ملكه، وليس لاحد التصرف فيه، ويكون التيمم به باطلا مع عدم كونه مالا بالضرورة. وأفسد من ذلك التزامه بأن حبة من الحنطة وكفا من التراب مال بمقداره، وكذا كف من الماء في البحر، ضرورة أن المال ليس حيثية واقعية حتى يقال إنها قائمة بكل واحد من الحبات أو كل ذرة من التراب والماء، فلو لم تكن الحبة مالا لا تكون الحبات ولو بلغت ما بلغت مالا لان ضم ما ليس بمال إلى ما ليس بمال لا يفيد المالية، فان ذلك خلط بين التكوين والاعتبار، ففي الامور الاعتبارية لابد وأن يلاحظ اعتبار العقلاء، ولا إشكال في أن كفا من الماء في الفرات ومن التراب في الفلاة لا يعد مالا، ولا يكون في اعتبار العقلاء كذلك، فالنسبة هي العموم من وجه، كما هو المعروف. وأما كلام الشيخ (قده) في المقام فلا يخلو من اضطراب وإن يمكن القول في خصوص استدلاله بأن ذلك من اشتباه النساخ، وكان الاصل " إذ لابيع إلا في مال " ولم يكن مقصوده الاستدلال بالرواية، ولهذا لم يقل لقوله صلى الله عليه وآله: " لابيع " الخ، بل أراد الاستدلال بما سبق منه من أن البيع مبادلة مال بمال، هذا حال اشتراط المالية. وأما الملكية فلا ينبغي الاشكال في عدم اشتراطها في الصدق، وبعبارة أخرى إن الملكية ليست من مقومات ماهية البيع، وكذا ليست من شرائط


(1) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب عقد البيع وشروطه - الحديث 3. مع اختلاف في اللفظ.

[ 7 ]

الصحة بحيث يبطل البيع مع فقدها، فان بيع الوقف العام بيع صحيح مع أنه ليس ملكا، بل فك للملك، وكذا بيع الاجناس الزكوية مع عدم كونها ملكا لاحد على الاقوى، والموارد المذكورة مصارف لها، وكذا بيع الكلي لعدم كونه ملكا للبائع، وإنما يصير ملكا للمشتري على عهدة البائع بعد البيع. وقد يقال: إن المعتبر في صحة البيع هو السلطنة على المبيع، ولهذا لا يصح بيع الكلي غير المضاف إلى الذمة، لفقد السلطنة عليه بخلاف المضاف إليها، فانه بذلك يصير تحت سلطنته، لسلطنته على نفسه بالتعهد لاحد بشئ في ذمة نفسه، وكذا لا يصح بيع المباحات الاصلية، فانها متساوية النسبة إلى البائع والمشتري، فلا سلطان للبائع عليها، إذ ليست كالكلي المضاف إلى الذمة، ولا كالاعيان المضافة إليه بكونها ملكا له، وهو سلطان عليها. أقول: أراد القائل المدقق تعميم السلطنة للكليات، والتزم بما هو مخالف للعقل والعرف، فان الكلي المضاف إلى الذمة كلي عقلي لا يعقل وجوده في الخارج، فمجرد اضافته إلى الذمة يخرجه عن سلطان البائع لو فرض له سلطان عليه، وبعبارة اخرى إن الاضافة إلى الذمة مؤكدة لسلب السلطنة لا محققة لها، وأما عند العرف والعقلاء فلم يعهد من أحد منهم أن يعتبر عند بيع الكلي أولا اضافته إلى ذمته ثم بيع المضاف إليه، بل ولايكون في ارتكاز العقلاء ذلك. والتحقيق أن قدرة البائع على أداء المبيع في وقته توجب اعتبار العقلاء لعهدته وذمته، فإذا باع كليا اعتبر ذلك في ذمته، فتكون الذمة وعاء للكلي الاعتباري كالاوعية الخارجية للاجناس من غير اضافة إليها، فالسلطنة في الكليات معتبرة في معتمدها الذي هو الاعيان الخارجية أو الاعمال،

[ 8 ]

وبها تتحقق قدرة الاداء في وقته، وأما السلطنة على نفس الكلي المبيع فغير لازمة، فكما أن مالية الكلي باعتبار معتمده كذلك صحة بيعه باعتبار السلطنة على معتمده لا على نفسه، ولو اعتبرت السلطنة على المبيع حتى في الكليات لا يعقل تصحيحها بالاضافة إلى الذمة، بل لابد وأن يقال: ان الشخص الذي له اعتبار عند العقلاء باعتبار قدرته على الاداء يكون سلطانا على الكلي بمقدار اعتباره، وهذا لا ينافي سلطنة غيره على الكلي، لانه قابل للاعتبار في كل ذمة ولكل أحد، ولا تنافي بين السلطات. ثم إنه بعد عدم اعتبار المالية ولا الملكية في المبيع يشكل التعاريف التي وردت في كلمات الفقهاء، لعدم خلو شئ منها من المناقشة أو المناقشات حتى لو قلنا بأن المعتبر ليس إلا السلطنة على المبيع وعرفنا البيع بأنه نقل معاملي بعوض، فان النقل ان كان في الملكية فقد عرفت عدم اعتبارها، وإن كان في السلطنة فلازمه صدق البيع في تبادل السلطنتين، مثل مالو بادل احد سلطنته على العين بسلطنة الآخر على الثمن من دون نقل الاعيان مع أن ذلك باطل بلا ريب، والذي يسهل الخطب أن العجز عن تعريف البيع لا يضر بالمقصود بعد صدقه في الموارد المتقدمة من بيع الاعيان وبيع الكلي والاعيان الموقوفة العامة وغيرها، ففي كل مورد صدق عرفا أنه بيع وعقد يحكم بصحته ونفوذه، ولا يلزم العلم بماهيته الاعتبارية الجامعة بين الافراد كما في سائر موضوعات الاحكام المجهولة ماهيتها بحسب الجنس والفصل. ثم إنه قد ظهر من عدم اعتبار الملكية في العوض عدم صحة الاحتراز بهذا القيد عن بيع المباحات الاصلية، فلابد من طريق آخر لاثبات البطلان فيها. قد يقال: إن كل ما هو مباح لجميع الناس أو المسلمين لا يجوز بيعه قبل تملكه بالاصطياد ونحوه، فان بذل المال بازائه سفهي، وفيه ما لا يخفى

[ 9 ]

ضرورة ان العاجز عن الاصطياد إذا اشترى من القادر عليه صيدا خاصا تعلق غرضه به لا يعد ذلك سفها ولا بيعه واشتراؤه سفهيا، بل ولو كان قادرا عليه، لكن لا يريد الاشتغال به لشغل آخر أو لطلب الراحة واشتراه من غيره لا يكون سفها، وهو واضح. وقد يقال: إن بطلان بيع المباحات من جهة عدم السلطنة عليها بعد عدم كونها ملكا لاحد، وفيه أن فقدان السلطنة لا يوجب عدم صدق عنوان البيع عليه عرفا، فان القادر على صيد السمك والطير لو باعهما يصدق عليه العنوان بحسب نظر العرف، والصحة الفعلية وإن لم تتحقق لكن لا يوجب ذلك إلا بطلانه كبطلان الفضولي، ويكون المورد كمسألة من باع شيئا ثم ملكه، والفرق بينهما ان في الفضولي لا يكون الشئ مملوكا للبائع وفي المورد لا يكون مملوكا لاحد، وهو لا يوجب الفرق. ثم إنه يقع الكلام في المقام وفي الفضولي في امر آخر، وهو أنه إذا باع ما ليس له فهل يجب عليه تحصيله أو لا؟ والمسألة مبنية على أن وجوب الوفاء بالعقد خطاب متوجه إلى خصوص المتعاقدين المالكين للعوضين أو أعم منه، ويكون وزانه وزان دليل الشرط، فكما أنه لو شرط أحد المتعاقدين على الآخر أخذ سمك خاص من البحر أو طائر خاص قبل الاصطياد، وكان المشروط عليه قادرا عليه يكون الشرط نافذا عقلائيا مشمولا لوجوب الوفاء بالشرط كذلك في عقد البيع وغيره، فإذا ملكه تمليكا إنشائيا صدق عنوان العقد ووجب الوفاء به، ومعه يجب عليه تحصيله بالابتياع من صاحب السلعة لو كان فضوليا، وبالاصطياد والحيازة في المباحات. وبعبارة أخرى هل موضوع وجوب الوفاء هو العقد بلا قيد وشرط آخر أو العقد الصادر من المالك؟ الاطلاق يقتضى الاول، إلا أن يدعى الانصراف، وهو لا يبعد سيما مع موافقة فهم الفقهاء، ولم أر أحدا احتمل

[ 10 ]

ذلك في الفضولي وفي المقام، مضافا إلى ما قلنا في محله من أن وجوب الوفاء عبارة عن العمل بمقتضى العقد، وهو موقوف على حصول النقل فلا يجب الوفاء في الفضولي ونحوه. ثم لو قلنا بعدم وجوب الوفاء بالعقد في بيع المباحات لا عند العقلاء ولا عند الشرع يكون ذلك دليلا على لغوية البيع، تأمل. هذا في المباحات وأما الارضون المفتوحات عنوة فخروجها بقيد المملوكية موقوف على أن لا تكون ملكا لاحد، فلو كانت ملكا للمسلمين أو للامام لا يصح الاحتراز عنها بهذا القيد، ولا بأس بالتعرض لحالها حتى يتضح المقصود وقبل التعرض لانواعها لا بأس بذكر جملة من الاخبار الدالة على أن الارض كلها والدنيا كلها للامام عليه السلام، وهي كثيرة: منها - ما تدل على أن الارض كلها لهم، كرواية الكابلي عن أبي جعفر عليه السلام قال: " وجدنا في كتاب علي عليه السلام أن الارض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين (1) أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الارض، ونحن المتقون، والارض كلها لنا " الخ (2) وفي رواية عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أو مالنا من الارض وما أخرج الله منها إلا الخمس يا أبا سيار إن الارض كلها لنا، مما أخرج الله منها من شئ فهو لنا " (3). ومنها - ما تدل على أن الدنيا كلها لهم كرواية جابر عن أبى جعفر عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلق الله آدم وأقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لآدم فلرسول الله، وما كان لرسول الله،


(1) سورة الاعراف: 7 - الآية 128 (2) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 12

[ 11 ]

فهو للائمة من آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين " (1) ورواية محمد بن الريان قال: " كتبت إلى العسكري عليه السلام جعلت فداك روي لنا أن ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله من الدنيا إلا الخمس، فجاء الجواب أن الدنيا وما عليها لرسول الله صلى الله عليه وآله " (2). ومنها - ما تدل على أن الدنيا والآخرة للامام عليه السلام كرواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت له: أما على الامام زكاة؟ فقال: أحلت يا أبا محمد، أما علمت أن الدنيا، والآخرة للامام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء؟ جائز له ذلك من الله، إن الامام يا أبا محمد لا يبيت ليلة أبدا ولله في عنقه حق يسأله عنه " (3). إلى غير ذلك من الروايات الواردة بهذه المضامين أو ما يقرب منها، ولا بد من نحو تأويل وتوجيه فيها بعد عدم جواز الاخذ بظاهرها. وقد يقال: إنها محمولة على الملك الحقيقي، ولم يتضح ما هو المراد من الملك الحقيقي، فان كان المراد منه مالكية العلة لمعلوله وأنهم عليهم السلام لما كانوا وسائط الفيض فلهم نحو مالكية للاشياء فهو لا يناسب الروايات بل ظواهر أكثرها آبية عنه، كرواية الكابلي وجابر وغيرهما. وأقرب الاحتمالات هو أن الله تعالى جعل لهم اختيار التصرف في الدنيا والآخرة، فهم من قبل الله ملاك التصرف في كل شئ وإن كان الاموال لصاحبها، وهذه ولاية عامة كلية بالنسبة إلى جميع الموجودات غير الولاية التكوينية وغير الولاية السلطانية الثابتة من قبلهم للفقهاء أيضا، فلهم التحليل والتحريم، فقد حرموا على سائر الطوائف الاستفادة من الارض وان كانوا مالكين، وهذا مع الغض عن أن أكثر تلك الروايات ضعيفة السند، بل


(1) و (2) أصول الكافي - ج 1 ص 409 (2) أصول الكافي - ج 1 ص 408

[ 12 ]

ظواهرها مخالف للكتاب والسنة وفتاوى الفقهاء، فلا بد من رد علمها إلى أهلها. ثم إنهم قسموا الارض بأنها إما موات وإما عامرة، وكل منهما إما أن يكون كذلك بألاصل أو عرض له ذلك، وقالوا: إن الموات بالاصالة وكذا المعمورة كذلك وما عرض لها الموت بعد كون العمارة أصلية وبعض الاراضي المحياة بعد كونها من الموات بالاصالة هي كلها للامام عليه السلام والاصل فيه هو الآية الكريمة " يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول " (1) والاخبار الكثيرة الواردة في تفسيرها (2)، ولا تكون مضامين الاخبار على كثرتها زائدة على مضمون الآية الشريفة إلا في أن ما للرسول فهو للامام عليه السلام ونحن قد تعرضنا للآية الكريمة سابقا ونشير إليها هاهنا تتميما للفائدة. فنقول: إن الاحتمالات فيها كثيرة، منها كون الله تعالى ورسوله مالكين لها بالمشاركة ملكا اعتباريا يكون لكل منهما نصفها بالاشاعة. ومنها كونهما مالكين كذلك كل تمامها بنحو الاستقلال. ومنها: كونهما مالكي التصرف أي يكون لكل منهما ولاية التصرف لله تعالى بالاصالة وللنبي صلى الله عليه وآله بجعل الله تعالى. ومنها - كونه تعالى مالك التصرف والرسول مالك الرقبة أو بالعكس. ومنها - كون المالك جهة الالوهية وجهة الرسالة أو جهة الرئاسة الالهية، إلى غير ذلك. أما مالكية الله تعالى ملكا اعتباريا عقلائيا كملك زيد لفرسه ففي غاية السقوط، سواء كان بنحو الاشاعة أو بنحو الاستقلال، لعدم اعتبار عقلائي


(1) سورة الانفال: 8 - الآية 1. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال

[ 13 ]

وعدم إمكان ترتب لوازم الملك عليه، كما أن استقلال المالكين لملك واحد غير صحيح، لمخالفته لاعتبار العقلاء، وهو واضح، فعليه لا ينبغي الاشكال في أن كون الانفال لله ليس بنحو المالكية الاعتبارية. وحيث لم يذكر اللام في الرسول فلا ينبغي الاشكال في أن مالكية الرسول كمالكية الله تعالى، فكل ما قلنا في مالكيته تعالى لابد وأن نقول به في مالكية الرسول، فالتفكيك بين الله ورسوله غير وجيه جدا، فمالكية الله تعالى لخصوص الانفال والخمس ليست إلا مالكية التصرف، وأنه تعالى ولي الامر له التصرف فيهما بما أراد، والاختصاص بالانفال والخمس لعله لاجل تشريف النبي وتعظيمه، ولعل في الانفال لاجل قطع النزاع كما يشعر به قوله تعالى: " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله " (1) وأشار إليه بعض المفسرين، وعليه لا ينبغي الاشكال في أن الظاهر من عطف الرسول على الله أن ما لله تعالى له صلى الله عليه وآله، فله ولاية التصرف، فكما أن الله تعالى لا يملك الرقبة بالملكية المتداولة بل له التصرف فيها فكذلك رسول الله صلى الله عليه وآله. ومما يدل على ذلك أنه لا إشكال في أن الانفال بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لم تكن موروثة بين وراثه كأزواجه وغيرهن، وليس ذلك إلا لاجل أنه لم يملك الرقبة، وتخصيص آية الارث بعيد غايته، ولم يقل به الفقهاء فلابد إما من حمل الآية على أن الملك للجهات لا للاشخاص، فتكون جهة الربوبية والالوهية مالكة وجهة الولاية كذلك، وهو مع كونه خلاف ظاهر الآية خلاف اعتبار العقلاء في الله تعالى كما مر، فلابد من التفكيك الفظيع، وإما من القول بأن المراد ولاية التصرف، وهو للوالي بهذا الوجه نبيا كان أم إماما واحدا بعد واحد.


(1) سورة الانفال: 8 - الآية 1.

[ 14 ]

وهذا أحسن الوجوه المطابق للاعتبار العقلائي الموافق لبناء الدول من كون الاراضي الموات والمعمورة من غير معمر للدولة، والاسلام في هذه الامور السياسية ونحوها لم يأت بشئ مخالف لما عند العقلاء إلا فيما فيه المفسدة، فإذا كان مفاد الآية الشريفة كذلك تنحل العقدة في الاخبار أيضا فانها على كثرتها لم تأث بشئ مخالف للآية. نعم ورد فيها أن ما لرسول الله صلى الله عليه وآله فهو للائمة (ع) (1) وهو أيضا يؤكد ما ذكرناه، إذ لو كان ملكا له لابد وأن يورث أو يخصص فيه حكم الارث، ولم يرد في رواية إشارة إلى أن هذا الحكم مخالف لادلة الارث، ومن ذلك يمكن استفادة ان ما ذكرناه كان معروفا عند الطبقة الاولى من فقهائنا، أي أصحاب الائمة عليهم السلام. وأما الاجماع المدعى فمضافا إلى إمكان إرادة بعض المجمعين من الملك ما ذكرناه أن الاجماع ليس بحجة في مثل تلك المسألة الوارد فيها الكتاب والاخبار، ومعلوم أن مستندهم ليس إلا ذلك. ثم إن الارضين على أقسام: منها: أرض الموات، ولا إشكال في أنها كسائر ما للامام عليه السلام ليست ملكا شخصيا له تورث بين وراثه كسائر أملاكه الشخصية، فهي إما ملك لجهة الولاية أو ليست ملكا لاحد، وانما الامام عليه السلام ولي عليها، وعلى فرض كونها ملكا للجهة يكون الامام عليه السلام وليا عليها، فان


(1) أصول الكافي - ج 1 ص 409

[ 15 ]

الجهة غير شخص الامام عليه السلام، فالجهة مالكة والامام عليه السلام ولي أمرها كولايته على سائر الامور السلطانية. ولا ينبغي الاشكال في اعتبار إذنه في التصرف فيها بنحو التحجير أو الاحياء سواء قلنا بأنها كأملاكه الشخصية، وهو واضح، أو قلنا بملك الجهة وهو ولي التصرف، أو قلنا بعدم ملكيتها لاحد وان للامام عليه السلام الولاية عليها، فان مقتضى الولاية والسلطنة عدم جواز تصرف أحد في مورد سلطانه وولايته، كما ان الامر كذلك في جميع الاولياء، فليس لاحد التصرف في مال القصر إلا باذن اوليائهم، ولو تصرف كان غصبا لا يترتب عليه أثر، وكما أن الامر كذلك في جميع الدول والامم على اختلاف أنحاء الحكومات، فأرض كل مملكة إذا كانت مواتا، أو مما لا رب لها وجميع ما يتعلق بها من البر والبحر والجو تحت ولاية السلطان أو الحكومة، ليس للدول الاخر التجاوز والتصرف فيها الا بإذن واليها، بل ليس لاهالي المملكة التصرفات المهمة نحو الاحياء إلا باذن الوالى، والاسلام لم يأت بشئ في تلك الامور غير ما عند العقلاء، فمقتضى سلطنتهم عليهم السلام وولايتهم على تلك الارضين عدم جواز إحيائها إلا باذنهم على جميع الاحتمالات. ثم لو لم يثبت الاذن منهم فهل للفقيه ذلك؟ قد يقال: إن الفقيه نائب عنه عليه السلام فيما يرجع إلى أمور المسلمين التي تكون وظيفة الامام عليه السلام بما هو رئيس المسلمين أن يتصدى لها لا في أموره الشخصية وأملاكه الشخصية، والمقام كسهم الامام عليه السلام من هذا القبيل. وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن موات الارض وسهم الامام لو كانت من أملاكه الشخصية لابد وأن تورث، والضرورة على خلافه، فلابد من القول بملك الجهة، والامام وليها، أو بعدم الملك، وهو الولي لها، ومن الواضح أن سهم الامام عليه السلام وكذا تلك الارضين التي هي من المملكة

[ 16 ]

الاسلامية أمرها بيد السلطان بما هو سلطان ووال، وكل ما كان كذلك فالفقيه وليه من قبل المعصومين عليهم السلام، فلا إشكال في أن للفقيه الاذن فيما كان للامام ذلك في تلك الجهات العامة المربوطة ببيت مال المسلمين أو بحدود بلادهم. ثم إن ما ذكرناه في الاخبار الواردة في أن الارض أو الدنيا وما عليها للامام عليه السلام من أن الاقرب حملها على ولاية التصرف ليس المراد منها هذا النحو من الولاية التي هي للسلطان حتى يتوقف تصرفات الناس على إذنه بل المراد أن الله تعالى أعطاهم اختيار التصرف في أنفس الناس وفي أموالهم وجميع ما في الارض وإن كان الاموال لاصحابها ولهم التصرف فيها بلا إذن نعم بعد تسليم صدور الروايات للامام عليه السلام - على هذا الفرض منعهم عن التصرف، ففرق بين الولاية السلطانية وبين تلك التي سميناها ولاية، وهي اختيار التصرف بما شاءوا. وأما ظواهر تلك الروايات فهي ضرورية البطلان ومخالفة للكتاب والسنة وفتاوى الفقهاء، ولازمها مفاسد وأمور قبيحة يزرى بها المذهب الحق، ويمكن حملها على أنه لما كانت الارض مواتا في الاصل وفي بدء الامر والموات أمرها بيد الامام عليه السلام كانت للامام أصالة، ولا ينافي ذلك كون الاحياء موجبا لملكية المحيي بعد الاذن العام من ولي الامر. هذا كله بحسب القواعد، وقد عرفت أن جواز التصرف ونفوذه في الموات موقوف على إذن النبي صلى الله عليه وآله أو الامام (ع) فهل أذن المعصومون عليهم السلام في التصرف فيها تحجيرا وإحياءا؟ وعلى فرضه هل الاذن مخصوص بالشيعة أو يعم المسلمين أو يعم الناس؟. يظهر من جملة من الروايات اختصاص الاذن بالشيعة، وهي بين ضعيف السند المطروح الظاهر، كرواية عمر بن يزيد المشترك بين الضعيف

[ 17 ]

والثقة المشتملة على أن الارض كلها لهم عليهم السلام، وفيها " كل ما كان في أيدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون، ومحلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا، فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم، وترك الارض في أيديهم، وأما ما كان في أيدي غيرهم فان كسبهم من الارض حرام عليهم " (1). وكرواية يونس بن ظبيان أو المعلى بن خنيس المشتملة على أن ما سقت ثمانية أنهار أو استقت منها فهو لنا، وفيها " وما كان لنا فهو لشيعتنا، وليس لعدونا منه شئ " (2) وكالمنقولة عن تفسير فرات بن ابراهيم (3). وبين ضعيف السند غير ظاهر الدلالة، كرواية الحارث بن المغيرة، قال: " دخلت على أبي جعفر عليه السلام - وفيها يا نجية إن لنا الخمس في كتاب الله ولنا الانفال ولنا صفو المال، وهما والله أول من ظلمنا حقنا في كتاب الله - إلى ان قال: وإن الناس ليتقلبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت - إلى أن قال: اللهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا، قال: ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: يا نجية ما على فطرة ابراهيم غيرنا وغير شيعتنا " (4). أما ضعف السند فبجعفر بن محمد بن حكيم، وأما عدم ظهور الدلالة فلان قوله عليه السلام: " إن الناس ليتقلبون في حرام " لم يتضح منه أن ذلك لاجل غصب الخمس فقط أو لاجله مع صفو المال أو لاجلهما مع الانفال، نعم لا يبعد ظهور قوله عليه السلام: " اللهم إنا قد أحللنا " الخ في الحصر للشيعة سيما مع قوله عليه السلام: " ما على فطرة ابراهيم " الخ وأما التحريم على غيرهم فلا تدل عليه.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 12 - 17 (3) المستدرك - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 1. (4) ذكر بعضها في الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 14 وتمامها في التهذيب ج 4 ص 145 - الرقم 405

[ 18 ]

وكرواية الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام، وفيها " إن الله جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفئ، فقال: تعالى: واعلموا أنما غنمتم إلى أن قال: فنحن أصحاب الخمس والفئ، وقد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا " (1) فان الظاهر من الفئ فيها هو الخمس، لاستشهاده بالآية، وقوله عليه السلام: " لنا سهاما ثلاثة " وأما قوله عليه السلام: " فنحن أصحاب الخمس والفئ، وقد حرمناه " فالظاهر بقرينة ما تقدم وإرجاع الضمير المفرد إليه وحدتهما، وكيف كان هي ضعيفة السند والدلالة. وأما صحيحة الفضيل عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيها " قال أمير المؤمنين عليه السلام لفاطمة عليها السلام: أحلي نصيبك من الفئ لآباء شيعتنا " (2) فالظاهر منها هو الفدك، وهو لم يكن مواتا. نعم في رواية علي بن أسباط (3) تحديده بحدود دخل فيها كثير من الموات، لكنها مرسلة أو في سندها السياري، وهو ضعيف جدا، ومتنها مختلف " فراجع، مع أنها لا تدل على التحريم لغير الشيعة. كما أن رواية عمر بن يزيد قال: " سمعت رجلا من أهل الجبل يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أخذ أرضا مواتا تركها أهلها فعمرها وكرى أنهارها وبنى فيها بيوتا وغرس فيها نخلا وشجرا، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤديه إلى الامام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه " (4) غير معتمدة لاشتراك عمر بين الثقة وغيره، ولاحتمال كون المراد من قوله عليه السلام: " من أحيا أرضا " هو الارض المسؤول عنها، أي الخراب بعد العمارة، وهو


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 19 - 10 - 13 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 5.

[ 19 ]

خارج عما نحن بصدده، مع أنها مشتملة على أداء الطسق، وهو خلاف الفتوى، وأن قوله عليه السلام: " فإذا ظهر القائم " الخ مخالف لما دلت على أن الارض متروكة في أيدي الشيعة عند الظهور ولسائر الروايات الواردة في التحليل، فالمقصود منها تحليل الخمس سواء ذكر فيها لفظ " الخمس " أم لم يذكر. وقد تحصل مما ذكر أنه لم يثبت اختصاص الاذن بالشيعة، وأضعف من احتمال ذلك احتمال الاختصاص بالمسلمين، وذلك لعدم الدليل عليه. وأما رواية الكابلي عن أبي جعفر عليه السلام قال: " وجدنا في كتاب علي عليه السلام أن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الارض، ونحن المتقون، والارض كلها لنا، فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها " الخ (1) فمع ضعف سندها بالكابلي وإن صححها بعض، واشتمالها على ما لانقول به من وجوه لا تدل على الاختصاص، لعدم المفهوم حتى ينفى غير المسلم مع أنه لو حملت على الارض الخراجية فهي خارجة عن البحث. وأما النبويان " موتان الارض لله ورسوله ثم هي لكم مني أيها المسلمون " (2) و " عادي الارض لله ولرسوله ثم هي مني لكم " (3)


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 2 (2) سنن البيهقي - ج 6 ص 143 وكنز العمال - ج 2 ص 185 - الرقم 3917 والمستدرك - الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 2 والموجود فيها بأجمعها (موتان الارض لله ولرسوله، فمن أحيا منها شيئا فهو له). (3) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 5 والموجود في سنن البيهقي - ج 6 ص 143 وكنز العمال - ج 2 ص 185 الرفم / 3913 (عادي الارض لله ولرسوله ثم لكم من بعدي)

[ 20 ]

ففيهما مع عدم كونهما من طرقنا ومخالفة ظاهرهما للروايات الواردة من طريق أهل البيت (ع) بأن الانفال لله ورسوله صلى الله عليه وآله وللائمة (ع) وعد فيها موات الارض، لهذا قد يختلج بالبال أنهما من الموضوعات قبال مارود في أهل البيت (ع) سيما مع هذا التعبير " ثم هي لكم مني " المنافي لكونها للائمة (ع) بعد الرسول صلى الله عليه وآله ومع مخالفة ظاهرهما للواقع، فان الموتان إن كانت ملكا لرسول الله صلى الله عليه وآله كسائر أملاكه الشخصية فلابد وأن يكون قوله صلى الله عليه وآله: " هي لكم " تمليكا لهم، فخرجت بذلك عن ملك الله ورسوله، وهو كما ترى، مع أن الظاهر أن كلها لكل واحد من المسلمين، وهو باطل بالضرورة، فلا بد من الحمل عن أن كل من أحيا شيئا منها فهو له، وهو خلاف ظاهر في خلاف ظاهر - أن الاذن في الاحياء للمسلمين لا ينافي الاذن لغيرهم، فلا تدلان على الاختصاص بالمسلمين فلو دل دليل على الاذن لغيرهم نأخذ به. وتدل على الاذن لمطلق الناس ولو كان كافرا روايات: منها: صحيحة محمد بن مسلم قال: " سألته عن الشراء من أرض اليهود والنصارى قال: ليس به بأس، وقد ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل خيبر فخارجهم على أن يترك الارض في أيديهم يعملون بها ويعمرونها، وما بها بأس ولو اشتريت منها شيئا، وأيما قوم أحيوا شيئا من الارض أو عملوه فهم أحق بها وهي لهم " (1). فان إطلاق الصدر يقتضي جواز الشراء منهم في صورة الاحياء والتعمير كما أن الكبرى الكلية في الذيل بتعبير " أيما قوم " أي مسلمين كانوا أو نصارى أو غيرهما تدل على أن الاحياء سبب تام من غير دخالة شئ آخر في الارض الموتان، وأن العمل في الارض المخروبة التى لا رب لها


(1) الوسائل - الباب - 71 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 2.

[ 21 ]

سبب تام في تحقق الاستحقاق والملكية، واستشهاده عليه السلام بما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله تقريب لعدم الفرق بين الطوائف في هذه الامور، فكما أن رسول الله صلى الله عليه وآله ترك الارضين في أيديهم ليعملوا بها ويعمروها، فصاروا مستحقين بذلك من غير فرق بينهم وبين المسلمين كذلك الاحياء والتعمير للارض الموات بالذات أو بالعرض، فلا فرق فيما ذكر كله بين قوم وقوم. وتوهم أن الاستشهاد دليل على أن الارض المسؤول عنها كانت من الارضين الخراجية مدفوع بمخالفته لصدرها وذيلها، سيما مع الكبرى المصدرة بالواو والمؤكدة بأيما قوم، وسيما مع عدم الاكتفاء بقوله عليه السلام: " فهم أحق بها " بل أردف به قوله عليه السلام: " وهي لهم " لدفع توهم أن لهم الاستحقاق فقط، والانصاف أن الرواية ظاهرة جدا في التعميم، بل لا يبعد الاختصاص بالارض غير الخراجية سؤالا وجوابا، كما هو ظاهر الذيل مع العناية بذكر " هي لهم " بعد ذكر الاستحقاق وكان ذلك قرينة على ما ذكر، فتدبر. نعم يقع الكلام فيها وفي روايات أخر كرواية ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام " أيما قوم أحيوا شيئا من الارض وعمروها فهم أحق بها، وهي لهم " (1) ورواية الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله " من أحيا أرضا مواتا فهي له " (2) ونحوهما في أن وزانها وزان من اشترى شيئا فهو له في أن الاشتراء بشرائطه موجب لذلك ولا إطلاق له حتى يقال: لو اشترى من الفضولي أو الغاصب يملكه، فلا ينافى ذلك لاشتراط الاشتراء بشئ آخر، فقوله صلى الله عليه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 4 - 5.

[ 22 ]

وآله: " من أحيا أرضا مواتا فهي له " لا يدل على عدم اشتراطه بشئ آخر ولا إطلاق له، فلا تدل تلك الروايات على عدم اعتبار الاذن ولا على صدوره ممن له ذلك أو أن لها إطلاقا فتدل على أن تمام السبب هو الاحياء ولا يحتاج إلى شئ آخر من الاذن من الامام عليه السلام أو من نائبه. والانصاف أن الاطلاق فيها في غاية القوة، سيما مع مناسبات مغروسة في الاذهان، ولا ينقدح من هذا الكلام في الاذهان الخالية عن المناقشات العلمية احتمال دخالة شئ آخر في الاستحقاق أو التملك، وكذا من نحو " من حاز ملك " ولا يقاس ذلك بالاشتراء الذي كان له شرائط مقررة عند العقلاء. هذا مع أن صحيحة ابن مسلم المتقدمة الدالة على جواز الاشتراء من اليهود والنصارى أقوى شاهد على عدم اعتبار الاذن وعلى فرض اعتباره على صدور الاذن من ولي الامر، وهو الله تعالى أو رسول الله صلى الله عليه وآله كما أشار إليه، موثقة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من غرس شجرا أو حفر واديا بديا لم يسبقه إليه احد أو أحيا أرضا ميتة فهي له قضاء من الله ورسوله " (1) فان قضاء الله ورسوله غير الحكم الشرعي ظاهرا، بل قضاء من ولي الامر، سيما مع عطف قضاء الرسول إلى قضاء الله، فان حكم الله ليس حكما لرسول الله، لكن في مورد الولاية يصح قضاء الوليين وحكمهما. ويدل على الاذن العام بعض الروايات الواردة في استحباب الزرع كالمروي عن رسالة المحكم والمتشابه نقلا عن تفسير النعماني باسناده عن علي عليه السلام في حديث عد معايش الخلق قال: وأما وجه العمارة فقوله


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 1.

[ 23 ]

تعالى: هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها (1) فأعلمنا سبحانه أنه قد أمرهم بالعمارة ليكون ذلك سببا لمعايشهم بما يخرج من الارض من الحب والثمرات وما شاكل ذلك مما جعله الله معايش للخلق " (2) وغيرها. ثم إن الظاهر حصول الملكية بالاحياء لكل محي مسلما كان أم غيره للاخبار الصحاح المتظافرة بتعبيرات متقاربة، كقول رسول الله صلى الله عليه وآله: " من أحيا أرضا مواتا فهي له " كما في رواية الفضلاء (3) وغيرها (4) وكموثقة السكوني المتقدمة (5)، فان لها ظهورا قويا لو كان المراد بقوله صلى الله عليه وآله: " هي له " جميع ما تقدم من الشجر والبئر والارض المحياة كما هو ظاهر العطف، فان الشجر ملك للغارس بلا إشكال، فكذا غيره، نعم لو كان المراد بيان مصاديق الاحياء، وقوله صلى الله عليه وآله: " أو أحيا أرضا " من قبيل ذكر العام بعد الخاص لكان ظهورها كغيرها، لكنه خلاف الظاهر، فالظاهر أن الغرس والبئر له، كما أن الارض المحياة له. وكصحيحة ابن مسلم " أيما قوم أحيوا شيئا من الارض وعمروها فهم أحق بها، وهي لهم " فان إرداف قوله عليه السلام: " وهي لهم " بقوله عليه السلام: " أحق بها " يجعل الظهور قويا في الملكية، ضرورة أن قوله عليه السلام: " أحق بها " يفيد الاحقية أعم من الملكية فقوله عليه السلام: " وهي لهم " كأنه لدفع توهم عدم حصول الملك.


(1) سورة هود: 11 - الآية 61 (2) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب المزارعة - الحديث 1 (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 5 - 6. (5) الوسائل - الباب - 2 من كتاب إحياء الموات - الحديث 1. (6) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 4.

[ 24 ]

وكصحيحة الاخرى المتقدمة (1) المشتملة على الاشتراء من أرض اليهود والنصارى، فان الظاهر جواز اشتراء نفس الاراضي، فلابد أن تكون ملكا لهم، ثم قوله عليه السلام: " وأيما قوم " الخ الوارد في ذيلها يؤكد ظهورها. والانصاف أن ظهور الروايات في الملكية مما لا ينبغي إنكاره، وليس من قبل ظهور اللام فقط، بل لمكان القرائن الحافة بها أيضا. وفي قبالها روايتا الكابلي (2) وعمر بن يزيد (3) المتقدمتان، وهما ظاهرتان، في عدم الملكية ظهورا لا ينكر أيضا، وليس بين الطائفتين جمع عقلائي، لكن الذي يسهل الخطب أن الروايتين غير معتمدتين لوجوه: كضعفهما وإعراض المشهور عن ظاهرهما، فهما من الشاذ النادر الذي هو بين الغي، فان الظاهر منهما عدم مالكية الشيعة أيضا، كما أن ظاهرهما أن الارض كلها للامام عليه السلام. وببعض ما ذكر يجاب عن رواية عمر بن يزيد الاخرى (4) الظاهرة في أن المؤمنين لا يملكون بالاحياء، مع أن ذيلها يخالف الروايتين السابقتين كما أن بينهما اختلافا يمكن جمعه، والامر سهل، وتتمة الكلام وفروعها موكولة إلى محله. ومنها: الارض العامرة بالاصالة، اي لامن معمر، فهي أيضا من الانفال كما تدل عليه جملة من الروايات، نعم حكي عن صاحب الجواهر (قده)


(1) الوسائل - الباب - 71 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 2. (3) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 12 - 13.

[ 25 ]

أن مقتضى الجمع بين مثل موثقة إسحاق بن عمار (1) وبين مرسلة حماد (2) أن الارض العامرة ليست من الانفال، بل هي من المباحات الاصلية، وقد وقع كلامه محلا للنقض والابرام. وقبل الورود في البحث لا بد من ذكر أمر لعله يدفع به النزاع، وهو أن المتفاهم من مجموع روايات الباب أن ما للامام عليه السلام هو عنوان واحد منطبق على موارد كثيرة، والملاك في الكل واحد " وهو أن كل شئ أرضا كان أو غيرها إذا لم يكن له رب فهو للوالي يضعه حيث شاء في مصالح المسلمين، وهذا أمر شائع بين الدول أيضا، فالمعادن والآجام والارض عامرة كانت أو غيرها إن لم يكن لها رب وإرث من لا وارث له والبر والبحر والجو كلها للدول. وإن شئت قلت: إنها مؤممة والدول أولياء أمورها لمصالح الامم والاسلام لم يأت في ذلك بشئ جديد مغاير لهذا الامر الشائع بين الدول وإن أجاز النبي صلى الله عليه وآله إحياء الارض الموات وحيازة الآجام ونحوها والعمارة فيها، وقضى بأن كلا من الاحياء والحيازة مملك كما يفعل ذلك سائر الدول أحيانا. نعم لما كان النبي صلى الله عليه وآله ولي الامر في الارض كلها وبعده يكون الامام عليه السلام كذلك كان حال جميع الارض بالنسبة إليه وإلى اوصيائه حال قطعة منها بالنسبة إلى واليها، فما لارب له من الارض فهو للنبى والوصي بالمعنى الذي اشرنا إليه سابقا. فرؤوس الجبال وبطون الاودية وكل أرض خربة والآجام والمعادن والارض التي باد أهلها أو جلا عنها وإرث من لا وارث له كلها للامام عليه السلام لا بعناوين مختلفة وبملاكات عديدة، بل بملاك واحد هو عدم الرب لها،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 20 - 4.

[ 26 ]

فلا دخالة لشئ من العناوين المذكورة بما هي في ذلك، بل تمام الموضوع هو أمر واحد وتلك مصاديقه، بل لو باد أهل قرية عامرة بالعرض ولم يكن للملاك ورثة فهي أيضا للامام عليه السلام بعنوان أنها لارب لها وإن انطبق عليها إرث لا وارث له، فرؤوس الجبال إذا كان لها رب لا شبهة في أنها ليست له عليه السلام كبطون الاودية وغيرها مما لها رب، فكل شئ إما له ب أم لا، فالاول لربه لا للامام عليها السلام، والثاني للامام عليه السلام. بل لا يبعد كون ما في البحر كالسمك والمرجان وغيرهما وما في البر كالوحوش كذلك، وإن كان الاقرب أنها من المباحات وإن جاز للوالي منع الاصطياد برا وبحرا لمصالح الامة، نعم الظاهر أن الارض التي تركها أهلها من خوف المسلمين وأخذها المسلمون من غير عنوة وكذا الارض المغنومة عنوة بلا إذن الامام عليه السلام هي له عليه السلام وإن لم يعرض عنها أهلها. وأنت إذا راجعت الروايات على كثرتها ترى ان ما ذكرناه هو الموافق لفهم العرف والمنطبق عليه الاخبار سيما مع تداول ذلك بين سائر الدول، وعليه فلا يبقى مجال لما عن صاحب الجواهر (قده) ولا للمناقشات التي حوله، فان الموتان والعمران لادخالة لهما في ذلك. بل مع الغض عن ذلك ايضا لا مجال له بالنظر إلى مضمون مرسلة حماد، فان الظاهر من قوله عليه السلام فيها: " وله رؤوس الجبال وبطون الاودية والآجام وكل أرض ميتة لارب لها " (1) أن المقصود بيان التعميم في العامرة وغيرها، فان الآجام وكثيرا من بطون الاودية ورؤوس الجبال من العامرات بالاصالة، وليس المراد من الآجام نفس


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 4.

[ 27 ]

الاشجار الملتفة، بل الظاهر أن المراد هي والارض الشاملة لها ولو بمساعدة المناسبات، فحينئذ يكون التوصيف بالميتة للتنبيه على دخول الموتان أيضا في ماله كدخول بطون الاودية العامرة والآجام، فلا يبقى مجال لتوهم المفهوم كما لا يخفى. ثم مع الغض عما ذكر وعن عدم المفهوم للوصف مطلقا لا مفهوم له في المقام لما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من كون الوصف ورد مورد الغالب، ولا يرد عليه ما أفاده بعض المحشين من أن الاطلاقات أيضا منزلة على الغالب بعين هذا الوجه، فكما أن ذكر هذا الوصف يقال إنه للغلبة كذلك نقول إهماله مع اعتباره هناك لمكان الغلبة، فلا إطلاق يعم العامرة وذلك لان حديث مانعية الغلبة عن الاطلاق لو صح إنما هو في باب الاطلاقات لا العمومات، وما نحن فيه وهو قوله عليه السلام: " كل أرض لارب لها " في روايتي اسحاق وأبي بصير (2) من قبيل العموم ولفظه يشمل الغالب وغيره، مع أن ما ذكره لا يتم في الاطلاق أيضا، إذ ليس من مقدماته عدم الغلبة، نعم لو وصلت إلى حد الانصراف لتم ما ذكر، لكنها ليست كذلك في المقام. والسر في أن الغلبة مانعة عن المفهوم لاعن الاطلاق أن المفهوم متوقف على دعوى أن القيد في الكلام وصفا كان أم غيره لابد له من فائدة صونا لكلام الحكيم، والفائدة هي دخالة القيد في الحكم وعدم البدليل له، وإذا كان لذكر القيد نكتة ككونه قيدا غالبيا يتعارف التعبير عنه، فلا مفهوم له. وأما الاطلاق فلا تضره الغلبة، لان معناه أن ما أخذه المتكلم في موضوع حكمه هو تمام الموضوع له بلا قيد وغلبة الافراد وعدمها، بل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 20 - 28

[ 28 ]

نفس الافراد عند إلقاء الكلام مغفول عنها، فان الطبيعة المأخوذة في الكلام لا تحكي عن الافراد، بل لا يعقل أن تحكي عنها، فلا وجه لكون الغلبة مانعة عن الاطلاق، وحديث الانصراف أمر آخر ليس المقام مورده، فتحصل أن الغلبة مانعة عن المفهوم دون الاطلاق. وأما ما أفاد بعض آخر - من أنه على فرض تسليم عدم الغلبة للمنع عن التقييد أيضا مجال، لان التقييد في المثبتين منوط بما إذا كان المطلوب صرف الوجود لا مطلق الوجود - ففيه إشكال واضح، لان التعارض بين مفهوم المرسلة وسائر الروايات بالاثبات والنفي، فيكون من قبيل تقييد النافي للمثبت. ثم إن الظاهر تملك تلك الاراضي بالحيازة وكذا ما فيها من الاشجار والغابات وغيرها، للسيرة القطعية من العقلاء والمسلمين بالنسبة إلى ما فيها، بل وبالنسبة إليها أيضا، وهي متصلة بعصر النبوة وما قبله إلى ما شاء الله تعالى، وكان المسلمون يعملون معها معاملة الاملاك، من غير فرق بين كون الحائز مسلما أو غيره، ومن ذلك تكون الروايات الواردة في تملك الموات بالاحياء موافقة للسيرة وارتكاز العقلاء، بل هذه السيرة القطعية من أول تمدن البشر، حيث تكون الملكية بالاحياء والحيازة من غير نكير من الانبياء والاولياء والمؤمنين كاشفة عن الاذن الالهي، وقضاء منه تعالى من بدء الخلقة. بل لعل لقوله تعالى: " والارض وضعها للانام " (1) وقوله تعالى: " هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا " (2) دلالة على هذا القضاء الالهي، والاذن في أنحاء الاستفادة منها ومما فيها تملكا وغيره. وبعد هذا الارتكاز والسيرة العقلائية لا ينبغي الاشكال في دلالة


(1) سورة الرحمان: 55 - الآية 10. (2) سورة البقرة: 2 الآية 29

[ 29 ]

النبوى " من سبق إلى ما لا يسبقه إليه مسلم فهو أحق به " ولا يرد عليه ما أوردوا تارة بأن الاطلاق مسوق لبيان أحقية السابق لا لبيان جواز السبق إلى ما لم يسبق إليه أحد، وأخرى بأن السبق إلى ملك الغير خارج عنه، ولو كان ذلك كدليل الاحياء إذنا مالكيا من الامام عليه السلام للزم جواز السبق إلى سائر أملاكه، إذ لا يختص هذا كدليل الاحياء بالاراضي الموات، وثالثة بأن الاحقية لا تقتضي الملكية وإن لا تنافيها، وذلك لانه مع هذا الارتكاز لا ينقدح في ذهن السامع من هذا الكلام إلا ما هو معهود عندهم من أن السبق إلى ما لا رب له موجب للاحقية والملكية. وحمل هذا الكلام على مثل الخانات والمدارس ونحوهما خلاف الظاهر لان الظاهر منه نفي السبق بقول مطلق، ولا ينطبق ذلك إلا على الارض الموات والآجام والغابات مما لم يسبق إليه سابق، والحمل على مثل الخانات يحتاج إلى تأويل. ومن ذلك يجاب عن الاشكال الاخير بأن الاحقية لا تقتضي الملكية فان العرف يفهم من هذا الكلام أنه لبيان الموافقة لهم في ما هو المرتكز عندهم، لا لردعهم عنه، ونفي الملكية وعدم حصولها ردع لارتكازهم بخلاف حصوص الملكية، فالمراد من الاحقية هو تقدم السابق في تملك ما حازه وعدم جواز مزاحمة الغير له، ولهذا ترى أن في روايات إحياء الموات تكرر بعد قوله عليه السلام: " فهم أحق بها " قوله عليه السلام: " وهي لهم " وعبر في سائر رواياتها عن الملكية تارة بقوله عليه السلام: " فهم أحق بها " وأخرى بقوله عليه السلام: " فهو له " فكما أن الاحقية، هنا يراد منها الاحقية في الملك كذلك هاهنا، سيما مع شمول


(1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 4. وسنن البيهقي - ج 6 ص 142

[ 30 ]

النبوي لمورد تلك الروايات التي لا إشكال في حصول الملكية فيه، والتفكيك خلاف الظاهر وخلاف الارتكاز العقلائي. وأما الاشكال الثاني فمندفع أولا بأنه بعد هذا الارتكاز وملاحظة ورود الرواية مورد سائر الروايات لا يتوهم أحد شموله للملك الخاص بشخص الامام عليه السلام، بل يحمل على ما له بعنوان الامامة ما لم يسبق إليه سابق، وهو لا ينطبق إلا على الموات من الارض والمحياة ذاتا وعلى ما فيها من الاشجار والنباتات. مضافا إلى ما تقدم من أن الامام عليه السلام ولي الامر بالنسبة إلى تلك الاراضي ونحوها لا أنه مالك كسائر الملاك، فعليه يكون مثل هذا الكلام مسوقا لاجازة ولي الامر للسبق بالتملك. أو لبيان القضاء الالهي أو حكمه ولا شبهة في صدق ما لم يسبق إليه مسلم عليها دون أموال الامام عليه السلام. وأما التعبير بالمسلم فجار مجرى العادة ظاهرا نحو قوله صلى الله عليه وآله: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفسه " (1) فلا يفهم منه التقييد والاحتراز. والانصاف أنه لولا ضعف السند لم يكن إشكال في الدلالة. وتدل على المقصود جملة من الروايات كصحيحة ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال فيها: " وأيما قوم أحيوا شيئا من الارض أو عملوه فهم أحق بها، وهي لهم " (2) وصحيحته الاخرى عنه عليه السلام:


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 3. وفيه (لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله...) الخ. (2) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 1. ولكنها مضمرة كما تقدمت في ص 20

[ 31 ]

" أيما قوم أحيوا شيئا من الارض أو عمروها فهم أحق بها " (1) وقريب منهما غيرهما (2) فان التعمير والعمل في مثل محال الآجام والغابات موجبان للملكية، ولا شبهة في صدقهما في نحوهما لو لم نقل بصدق الاحياء أيضا. وفي موثقة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من غرس شجرا أو حفر واديا بديا لم يسبقه إليه أحد أو أحيا أرضا ميتة فهي له، قضاء من الله ورسوله " (3) ولا إشكال في فهم المثالية من قوله صلى الله عليه وآله: " غرس شجرا أو حفر واديا " فيفهم منه أن كل عمل من حفر بئر أو بناء بستان أو بيت ونحوها موجب للملكية. وفي ذيل صحيحة معاوية بن وهب " فان الارض لله ولمن عمرها " (4) فلا إشكال في صدق التعمير على إزالة الغابات والآجام عن الارض وجعلها بستانا أو دارا أو نحوهما. ومنها: الموات بالعرض، ولا إشكال في كونها للامام عليه السلام إذا كانت من العامرة بالذات ثم صارت مواتا قبل أن يحدث فيها ما يوجب ملكيتها لاحد، لعدم سبب للخروج عن ملكه، وأما ما عرضها الموات بعد التملك بوجه وكذا الموات بالاصل إذا صارت ملكا بالاحياء ثم عرضها الموات فهل هي باقية على ملكه مطلقا، ويتوقف جواز التصرف على إذنه،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 3 - 4 (3) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب إحياء الموات - الحديث - 1.

[ 32 ]

أو زالت ملكيته مطلقا وصارت ملكا للامام عليه السلام ولمن عمرها، أو باقية على ملكه لكن يجوز للغير الاحياء وبه يصير أحق بها، وعليه أجرة الارض، أو تزول إذا كان تملكها بالاحياء وتبقى إذا كان تملكها بالشراء ونحوه، وفي الفرض الاخير هل للمحيي أحقية التصرف أولا؟ وجوه وأقوال لا شاهد يعتمد عليه في شئ منها. والتحقيق التفصيل بين ما إذا أعرض المحيي الاول عنها فتصير للامام عليه السلام ولمن عمرها وبين غيره، فتبقى على ملكه ولا يجوز التصرف فيها إلا باذنه، وعلى الثاني أجرة مثل الارض، ويجت عليه تسليمها إلى الاول لو طالبها، وما ذكرناه هو مقتضى الجمع العرفي بين الروايات كما هو مقتضى القواعد. وقبل الرجوع إلى روايات الباب لابد من الاشارة إلى ما قدمناه، وهو أن مقتضى الجمع بين الروايات الواردة في الانفال أن ما للامام عليه السلام من الاراضي هي التي لا مالك لها، فقد وردت روايات بأن كل أرض خربة فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله وللامام عليه السلام كصحيحة حفص بن البختري (1) ومحمد بن مسلم (2) وغيرهما (3) وروايات كثيرة أخرى مع قيد ووصف، كقوله عليه السلام: " كل أرض جلا أهلها " (4) وقوله عليه السلام: " كل قرية يهلك أهلها أو يجلون عنها " (5) وقوله عليه السلام: " وما كان من الارضين باد أهلها " (6) وقوله عليه السلام: " كل أرض خربة قد باد أهلها " (7) وقوله عليه السلام: " هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها " (8) وقوله عليه السلام:


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 1 - 12 - 0 - 9 - 7 - 11 4 - 20.

[ 33 ]

" هي القرى التي قد جلا أهلها وهلكوا فخربت " (1) وقوله عليه السلام: " كل أرض لا رب لها، وكل أرض باد أهلها " (2) وقوله عليه السلام: " كل أرض ميتة قد جلا أهلها " (3) إلى غير ذلك مما تكون كثيرة منها في مقام التحديد الظاهر في دخالة القيد ووجود المفهوم، فيقيد به المطلقات سيما مع ما ذكرنا سابقا من البناء عند جميع الدول على أن ما ليس له مالك فهو للدولة أو هو مؤمم، بل ولو لم تكن تلك المقيدات أيضا لم ينقدح في الاذهان من نحو قوله عليه السلام: " كل أرض خربة فهو من الانفال " (4) أن المراد به هي الاراضي أو البيوت التي كان لها مالك، وأن مجرد عروض الخراب على ملك موجب لخروجه عن ملك صاحبه، بل لا يفهم من الارض الخربة إلا الارض التي تركها أهلها أو بادوا، والانصاف أن ما ذكرناه في غاية الوضوح. فحينئذ نقول: إن ما وردت في الباب لها جمع عقلائي عرفي، فان صحيحة معاوية بن وهب (5) ورواية الكابلي (6) فرض فيهما أن صاحبها تركها، قال في الاولى: " فان كانت أرض (الارض خ ل) لرجل قبله فغاب عنها وتركها فأخر بها ثم جاء بعد يطلبها فان الارض لله ولمن عمرها " وفي الثانية " فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها ويؤد خراجها إلى الامام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، فان تركها وأخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها ".


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 24 - 28 - 32 (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 27. (5) و (6) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 1 - 2 وفيه (سألته عن الانفال فقال: هو كل أرض خربة)

[ 34 ]

فمورد هاتين مع الاشكال من جهات في الثانية هو الترك، ومعلوم أن المراد به هو رفع اليد عن الملك والاعراض عنه، وإلا فمن غاب وذهب إلى سفر يريد الرجوع عنه إلى محله وتعمير الخربة لا يقال: إنه غاب عنها وتركها، واحتمال أن المراد به هو ترك التعمير لا يناسب ما في صحيحة معاوية وإن لا يبعد في رواية الكابلي، لكن ترك الارض بقول مطلق دليل على الاعراض، وإلا فمن ترك زراعة أرض في سنة أو سنتين لا يقال إنه تركها وأخربها. مع أن رواية الكابلي مخالفة للنص والفتوى من جهات، فلا يعتمد عليه، وظاهر الصحيحة ما ذكرناه، سيما مع المناسبات المغروسة في الاذهان ومع ملاحظة الروايات المتقدمة مما لا شبهة في دلالة نحو قوله عليه السلام فيها " انجلى " أو " جلا أهلها " على الاعراض، ويؤيد ذلك أن التعبير في الصحيحة بأن الارض كانت لرجل قبله فغاب، بصيغة الماضي، وأن قوله (ع) " ثم جاء بعد يطلبها " لم يفرض فيه كونه صاحبها بخلاف الصحيحتين الآتيتين حيث فرض فيهما كونه صاحبها. وأما صحيحة سليمان بن خالد قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي الارض الخربة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرهاو يزرعها ماذا عليه؟ قال: الصدقة، قلت: فان كان يعرف صاحبها قال: فليؤد إليه حقه " (1) وصحيحة الحلبي المنقولة عن نوادر ابن عيسى قال: " سألته عن أرض خربة عمرها رجل وكسح أنهارها هل عليه فيها صدقة؟ قال: إن كان يعرف صاحبها فليؤد إليه حقه " (2) فلم يكن موردهما هو الاعراض، بل الظاهر من الثانية ومن ذيل الاولى عدمه


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 3. (2) المستدرك - الباب - 2 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 2.

[ 35 ]

فيكون وجوب أداء حقه إليه دليلا على بقاء ملكيته، سواء كان المراد به نفس الارض فقط كما لا يبعد، أو أجرة المثل، ويجب إرجاع الاصل إليه أيضا على القواعد بعد عدم دلالة الروايتين المتقدمتين على خلافها والانصاف أن هذا الجمع عقلائي موافق للقواعد وللروايات المتقدمة ولارتكاز العقلاء. ولو أغمض عن هذا الجمع فيمكن أن يقال: لا إشكال في عدم اختصاص صحيح الحلبي ورواية الكابلي بمورد عدم الاعراض، بل مفادهما أعم منه، ومجرد مجئ الرجل وطلبه لا يدلان على عدمه، إذ كثيرا ما يتفق أن الذي ترك الارض وأعرض عنها لخرابها إذا جاء ورأى التعمير وحصول المنافع يطلبها طمعا للمنافع، وأما صحيحتا الحلبي وسليمان فظاهرهما عدم الاعراض، فيقيد بهما إطلاق السابقتين. نعم هنا كلام، وهو أن المفروض فيهما معرفة صاحبها، فلابد من التفصيل بين كون صاحبهما معروفا وغيره وإن لم يعرض عنها، وهذا التفصيل وإن لم يكن بعيدا بأن يقال: إن الارض المجهول مالكها أمرها بيد الامام عليه السلام، لكن مع عدم المفهوم للشرطية، لان الشرط هنا نظير ما هو محقق للموضوع لا يساعد العرف على القيدية، بل الظاهر منهما أن المراد التفصيل بين مالها صاحب وغيره، وأن الحق اللازم الاداء هو ما له صاحب، لا ما له صاحب معروف. إلا أن يقال: إن المقام من الموارد التي يمكن أن يكون لمجهول المالك حكم المعرض عنه، ومع ذكر خصوص معروف المالك وعدم التنبيه على لزوم معاملة مجهول المالك فيما لا يعرف مالكه يفهم أن مع عدم المعرفة لا مانع من التصرف، وعليه الصدقة، والارض له، هذا وأما الوجوه التي ذكرت لسائر الاقوال فغير وجيهة ولا داعي لنقلها وانتقادها.

[ 36 ]

ثم إنه لا بأس بذكر مقتضى الاصل في الاقسام الثلاثة، إذ الحكم فيها مختلف، فان الموات بالاصل لمحييها بلا شبهة، والموات التي عرضها الموتان بعد الاحياء محل الخلاف، كما تقدم. فنقول: إن شك في أرض أنها ميتة بالاصل أو عرضها الموت بعد الحياة، فان كان الموضوع لحكم التملك بالاحياء هو الارض الميتة بالاصل أو الارض التي لم يحييها محي فيمكن إحرازه بالاصل، فان كل أرض مسبوقة بكونها ميتة وبعدم إحيائها بتصرف محي، فيستصحب الموضوع ويترتب عليه الحكم، فيقال: إن هذه الارض مشيرا إلى قطعة - كانت ميتة بالاصل فالآن كذلك، وحكمها أنه إذا أحياها محي فهي له. وأما إذا كان المستند قوله صلى الله عليه وآله: " من سبق إلى مالا يسبقه إليه مسلم " (1) أو قوله عليه السلام: " من حفر واديا بديا لم يسبقه إليه أحد. فهي له " (2) فالاحراز بالاصل مشكل، لان استصحاب عدم سبق أحد لا يثبت عنوان السبق إلى ما لا يسبقه، وكذا عنوان البدي إلا بالاصل المثبت، نظير ما يقال في من أدرك الركوع فقد أدرك الجماعة، من أن استصحاب بقاء الامام في الركوع لا يثبت إدراك ركوعه، إلا أن يقال في المقام إنه لادخل لعنوان السبق والبدي في الحكم بل المراد منهما إحياء ما لم يسبقه أحد، فحينئد يجري الاصل. ويمكن تقريب الاصل بوجه آخر بأن يقال: إن حفر البئر في هذه الارض كان في زمان بديا والآن كذلك، أو السبق إلى هذه كان مما لا يسبقه سابق والآن كذلك، فيحرز عنوان كون الحفر بديا ونحوه، لكن الظاهر أن هذا أيضا مثبت، لان الحكم الشرعي لم يتعلق بعنوان كون الحفر بديا


(1) المستدرك - الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 1.

[ 37 ]

بل الموضوع للتملك هو الحفر خارجا إذا كان بديا، واستصحاب العنوان المذكور لا يثبت أن ما حفره بدي أو سبق إلى كذا، والمعنى التعليقي هنا من قبيل التعليق في الموضوع، ولا يجري الاصل فيه إلا مع القول بالاصل المثبت. نعم لو قلنا بأن هذا الحكم التعليقي أي " من حفر واديا بديا " " ومن سبق " الخ من الاحكام الالهية في جميع الازمنة ولا يختص بالاسلام كما هو واضح، فان التملك كان من أول الامر بالاحياء والحيازة، ولعل قوله عليه السلام في ذيل موثقة السكوني " قضاء من الله ورسوله " (1) إشارة إلى أنه من القضاء الالهي في كل عصر، ولعل قوله تعالى: " والارض وضها للانام " (2) اشارة إلى ذلك كما تقدم. أو قلنا بأن بناء العقلاء من أول التمدن على التملك بالاحياء والحيازة، ولم يصل ردع من الرسل عليهم السلام عن ذلك، بل الظاهر عدم ردعهم عنه. فحينئذ يمكن استصحاب هذا الحكم بأن يقال: إن هذه القطعة من الارض كانت من بدء التمدن لو سبق إليها أحد أو حفر فيها بئرا فهي له والآن كذلك، كما يقال في حكم العصير العنبي إذا صار العنب زبيبا، فيشار إلى الموجود الخارجي فيقال: ان عصير هذا كان إذا نش وغلا حرم والآن كذلك، فإذا غلا ونش انطبق عليه الحكم، وفي المقام ان الارض المشار إليها لما كانت في العصور السابقة مما لم يسبقها سابق ولم يحفر فيها حافر صدق عليها أنه من حفر فيها بئرا أو غرس فيها شجرا ملكها، فيستصحب هذا الحكم، وبعبارة أخرى أن اليقين المعتبر في الاستصحاب تعلق بنفس الارض ولو بواسطة كونها غير مسبوقة بسابق أو كونها بكرا وعدم المسبوقية واسطة لتعلق اليقين بنفس الارض والقضية المتيقنة بعد


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 1. (2) سورة الرحمان: 55 - الآية 10

[ 38 ]

انطباق الحكم على الخارج هي من حفر بئرا في هذه الارض أو غرس فيها شجرا فهي له، وهي عين القضية المشكوك فيها، فيكون الحكم الشرعي في هذه الارض أنه إذا حفر فيها حافر ملكها. إلا أن يقال: إن حصول التملك من أول الامر في مورد الاحياء والحيازة مما لا ينبغي الاشكال فيه، لكن كيفية جعل الحكم الالهي بتوسط الانبياء غير معلومة، فلعلها كانت بنحو جعل السببية، وحينئذ استصحاب السبب أو السببية لترتب المسبب عليه مثبت، ولعلها كانت بنحو جعل الملازمة، واستصحابها لترتب اللازم على الملزوم أيضا مثبت، ولعل الجعل كان على موضوع موصوف نحو قوله: " الارض الميتة المحياة لمحييها " والاصل حينئذ لا يثبت القضية الموصوفة على ما هو التحقيق، ومع الشك في كيفية الجعل لا يصح التمسك بالاستصحاب للشبهة الموضوعية. ويمكن أن يجاب بأن الامور العقلائية الثابتة من أول الامر لا احتياج في تثبيتها إلى جعل الهي وتشريع، ولو ورد من الشارع شئ لكان إمضاء لها لا تأسيسا، ولا شك في أن ما عند العقلاء ليس سببية الحيازة أو الاحياء للتملك ولا الملازمة بينهما ونحو ذلك، بل بناؤهم على تملك من أحيا شيئا أو حازه. وأما جعل السببية أو الملازمة ونحوها فليس له عند العقلاء عين ولا أثر، وعليه فالحكم الشرعي المستفاد من بناء العقلاء قابل للاستصحاب ولا يحتمل جعل السببية من الشارع تأسيسا في قبال حكم العقلاء وبنائهم، هذا والذي يسهل الخطب أن المستند في هذا القسم من الارض هو الروايات الواردة في أن " من أحيا أرضا ميتة فهي له " (1) فلو كان الموضوع


(1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 5 و 6 والباب - 1 - منه - الحديث 1

[ 39 ]

الميتة الاصلية لا إشكال في جريان الاصل وإحرازه، كما تقدم الكلام فيه. وأما الارض العامرة فان شك فيها أنها عامرة بالاصالة أو بالعرض فان كان الحكم مترتبا على عنوانين وجوديين بأن يقال: إن العامرة بالاصالة ملك للامام عليه السلام، والعامرة بالعرض ملك للمعمر فلا أصل يحرز إحداهما، لعدم الحالة السابقة، وأصالة عدم كونها عامرة بالاصالة كأصالة عدم كونها عامرة بالعرض لا يثبت العنوان المقابل الوجودي. وأما إن كان موضوع مال الامام عليه السلام الارض التي لا تكون عامرة بالعرض سواء كانت ميتة أو عامرة بالذات، فبأصالة عدم كونها عامرة بالعرض يحرز الموضوع، وكذلك إن كان الموضوع الارض التي لا رب لها. وأما الارض المملوكة التي عرض لها الخراب فان قلنا بأنه لا يوجب سقوط الملكية بل الاعراض عنها موجب لصيرورتها للامام عليه السلام فأصالة عدم الاعراض جارية لنفي كونها للامام عليه السلام على كلام فيها وجارية لاثبات بقاء الملكية إن كان عدم الاعراض موضوعا له، ولو أغمض عن هذا الاصل فأصالة بقاء ملكه لا إشكال فيها. وإن قلنا بأن الخراب موجب لسقوط الملكية وصيرورتها للامام عليها السلام، فان شك في الخراب موضوعا فأصالة عدمه جارية إن كان عدم الخراب موضوعا لبقاء الملك شرعا، وجارية أيضا لاثبات عدم مالكية الامام عليه السلام على كلام فيها. وأما إن كانت الشبهة مفهومية بأن شك في صدق الخراب بغور مائه مثلا فجريان الاصل مبني على جريانه في الشبهات المفهومية، مثل الشبهة في الغروب والمغرب، فان قلنا بالجريان فهو وإلا فأصالة بقاء ملكه جارية يترتب عليها أحكامها.

[ 40 ]

ومنها: ما عرضها الحياة بعد كونها ميتة بالاصالة، وقد تقدم الكلام فيها في القسم الاول، وقلنا بأنها لمحييها، من غير فرق بين المسلم والكافر، وأن القول بعدم ملكية الرقبة أو اختصاصها بالمؤمن أو المسلم ضعيف، ولا يزول ملك المحيي إلا بناقل أو بالاعراض. ثم إن ما ملكها الكافر إن ارتفعت يده منها قهرا وعنوة فلا كلام في أنها للمسلمين مع تحقق الشرائط، وإنما الكلام في كيفية كونها لهم، فهل يملكون رقبتها نحو سائر أملاكهم أولا؟ والاصل في ذلك هو الاخبار الواردة فيها: منها صحيحة الحلبي قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن السواد ما منزلته؟ قال: هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم ولمن لم يخلق بعد " (1) وفي رواية ابن شريح " انما أرض الخراج للمسلمين " (2) وفي رواية أبي بردة " هي أرض المسلمين " (3) والعمدة صحيحة الحلبي، وفيها احتمالات: منها كون الارض فعلا لجميع المسلمين الموجودين في الحال ومن سيوجد فيما بعد ومن يصير مسلما من سائر الملل ومن المعدومين، فتكون أرض الخراج فعلا ملك الموجود والمعدوم والكافر الذي يصير مسلما، ولا إشكال في بطلان هذا الاحتمال وعدم ارادته جزما، ضرورة عدم ملكية الكفار لها حال كفرهم، وعدم إمكان ملكية المعدوم حال عدمه، وما يتوهم من أن الملكية أمر اعتباري يصح اعتبارها للمعدوم في غاية السقوط، لان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب عقد البيع - الحديث 4 - 9 (3) الوسائل - الباب - 71 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 1.

[ 41 ]

الاضافة ولو كانت اعتبارية لا تعقل بين المعدوم بما هو كذلك وغيره، ولا يعقل الاشارة إلى المعدوم، وفي مثل الوقف على الطبقات المتأخرة اعتبر على عنوان قابل للانطباق عليها حين وجودها كالوقف على العلماء أو الفقراء أو أبناء زيد. وتوهم كون بيع الثمار من ضم المعدوم إلى الموجود مدفوع بأن التحقيق هناك أيضا أنه من قبيل ضم العنوان الكلي الذي لا ينطبق إلا على الواحد إلى الموجود، ولعل هذا الاحتمال أظهر الاحتمالات، وغيرها يحتاج إلى نحو تأويل، ومع عدم إمكان الالتزام به لابد من الخروج عن الظاهر. ومنها - كونها لجميع المسلمين على نحو القضية الحقيقة، فالكافر بعد اسلامه والمعدوم بعد وجوده وإسلامه ولو تبعا يملكانها قضاء للحقيقية، ولا يرد عليه الاشكال المتقدم، لكن يرد عليه أن الانتقال إلى المسلمين حال الفتح وجعل الملكية الفعلية لهم من قبل الشارع بنحو الحقيقية لازمه عدم ملكية غير الموجود حال الفتح، ضرورة عدم إمكان فعلية الملك مع فقد المالك، وليس جعل آخر يتعلق بملكية الافراد المتجددة، سواء قلنا في القضية الحقيقية بأنها قضية حملية بتية كما هو التحقيق أو بأنها ترجع إلى الشرطية بأن يقال في المقام كلما وجد شخص في الخارج وكان مسلما فهو مالك، فان الملكية الفعلية لا تعقل لمن لا يكون موجودا، والملكية حال وجوده ليست فعلية ولا سبب لها. إلا أن يقال: إن الشارع جعل الفتح بشرائطه سببا لمالكية المسلم حيثما وجد، فهو سبب لمالكية الموجودين فعلا ولمالكية غيرهم حال وجودهم والاشكال بأن الفتح ليس له بقاء - فلا يعقل سببية المعدوم - يمكن دفعه بأن يقال: إن السبب هو كون الارض مفتوحة عنوة، وهو عنوان صادق

[ 42 ]

عليها إلى الابد، وكيف كان هذا الاحتمال أيضا مخالف للظاهر، إذ ظاهر الروايات أنها ملك فعلا. إلا أن يقال: إن قوله عليه السلام: " لمن هو اليوم ولمن يدخل في الاسلام " الخ ظاهر في كون كل طائفة تملك حين وجودها، ولكن لو سلم ذلك فجعل الشارع السببية لما ذكر أولا ثم الحكم بأنه لجميعهم بنحو ما ذكرنا بعيد جدا، بل عدمه مقطوع به، هذا مع الغض عن لزوم كون الشئ علة لملكية أشخاص وسلب ملكية أشخاص أخر، وهو سهل. ومنها - كونها للجهة كالوقف للجهات العامة، فيكون المالك عنوان جميع المسلمين، ومصالح الافراد مصرف، وهو أيضا خلاف الظاهر جدا سيما مع قوله عليه السلام: " لمن هو اليوم ولمن يدخل في الاسلام " الخ. ومنها - كون المالك طبيعي المسلم ونوعه، وهو أبعد الاحتمالات بالنسبة إلى الظواهر. وأبعد من الكل أن يقال: إنها ملك للمجموع من حيث المجموع فانه مع مخالفته للظاهر لازمه سلب المالكية بموت بعض المسلمين أو خروجه عن الاسلام إلا أن يجعل للعنوان، وهو مخالف للظاهر. هذا مع الغض عن لزوم إشكالات ومخالفة للقواعد بناء على ملكية المسلمين بنحو الاشاعة، فان لازمها جواز بيع كل مسلم حصته ولو من الكافر، وهدم قاعدة الارث إلى غير ذلك مما قيل أو يقال، بل جعل الملكية للمسلمين مع سلب جميع آثارها من التصرفات النقلية الاعتبارية والخارجية وسلب آثار الشركة وغير ذلك يعد لغوا يجب تنزيه الشارع عنه. بل يمكن أن يقال: ان أمر الصحيحة دائر بين حمل اللام على غير الملكية أو حمل الجميع ولام الاستغراق والجمع على خلاف ظاهرها، والاول

[ 43 ]

أهون، بل في دلالة اللام وضعا على الملكية نظر، بل أكثر استعمالاتها في الكتاب العزيز في غير الملكية بالمعنى المعهود نحو قوله تعالى: " له الملك وله الحمد " (1) و " له الاسماء الحسنى " (2) و " له ما في السماوات والارض " (3) إلى غير ذلك مما لا يحصى، والملكية بمعنى مالكية التصرف أو المالكية الحقيقية التي هي للخالق بالنسبة إلى المخلوق غير المعنى اللغوي، وكيف كان استعمال اللام في غير الملكية شائع كتابا وسنة وعرفا، فلو فرض ظهورها فيها فهو ظهور ضعيف يمكن رفع اليد عنه بأدنى شئ. وأما الالفاظ المتقدمة فظهورها في المعنى الاستغراقي ظهور تام لا ينكر، واستعمالها في غيره قليل غير معروف، فيمكن أن يقال: إن تلك الاراضي المفتوحة عنوة ليست ملكا لاحد بل محفوظة لمصالح المسلمين ولا تختص بمصالح المسلمين حال الفتح بل متروكة لمصالحهم في كل عصر، ومعلوم أن ما يكون لمصالح المسلمين ليس المراد منه أن كل فرد من المسلمين لابد وأن يستفيد منه، بل المصالح العامة كالجهاد والدفاع وتعمير الطرق وتأسيس مولدات الكهرباء إلى غير ذلك من المصالح العامة لجميع المسلمين ولو فرض عدم فعلية استفادة قوم أو جمع منها. بل مع ملاحظة أن سيرة الدول في الاملاك التي هي خالصة للدولة وفي الآجام المؤممة ونحوها على كونها لمصالح الامة بنحو ما ذكرناه لا ينبغي الشك في أن المراد من الصحيحة هو ما ذكرناه خصوصا مع ملاحظة ما تقدم من أن جعل الملكية المسلوب عنها جميع آثارها يعد لغوا.


(1) سورة التغابن: 64 - الآية 1. (2) سورة طه: 20 - الآية 8 وسورة الحشر: 59 - الآية 24 (3) سورة النحل: 16 - الآية 52

[ 44 ]

ويؤيد ذلك الروايات الواردة فيها. كرواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا تشتروا من أرض السواد شيئا إلا من كانت له ذمة، فانما هو فئ للمسلمين " (1). وفي المستدرك عن الجعفريات عن علي عليه السلام " لا تشتر من عقار أهل الذمة ولا من أرضهم شيئا، لانه فئ المسلمين " (2) وفي التعبير بالفئ والعدول عن الملك تأييد أو دلالة على أن تلك الارض راجعة إليهم بنحو ما، فان منافع الارض إذا كانت لمصلحة المسلمين العامة يصح أن يقال: إنها فئ المسلمين أو أنها أرض المسلمين أو للمسلمين وأولى بالتأييد بل بالدلالة مرسلة حماد الطويلة، وفيها " والارض التي أخذت عنوة بخيل وركاب فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها " (3) الخ فان المراد بالموقوفة إما المعنى الاصطلاحي ويكون الحمل على الارض بنحو الحقيقة، فتكون الارض وقفا إلهيا على المسلمين أو على مصالحهم، فتدل على عدم ملكيتها للمسلمين، سواء كانت موقوفة على المصالح، وهو واضح، أو موقوفة على المسلمين، فان الوقف على الجهات العامة فك للملك لا تمليك لاربابه، أو بنحو الادعاء، فاطلاق الادعاء يقتضي أن يترتب عليها جميع آثار الوقف الحقيقي، منها فك الملك. وإما المعنى اللغوي ويراد بها أن الارض واقفة غير منتقلة بنحو من الانتقالات، وعليه فالظاهر من الكلام أن الارض بمجرد فتحها عنوة موقوفة عن النقل، فصيرورتها ملك المسلمين مخالف لهذا الظاهر، فانها أيضا نقل ومخالف للتوقف، ففرق بين كونها ملكا لهم ثم صارت موقوفة


(1) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب عقد البيع - الحديث 5. (2) المستدرك - الباب - 59 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 2.

[ 45 ]

وبين صيرورتها موقوفة بمجرد الفتح، والظاهر هو الثاني ومقتضاه عدم صيرورتها ملكا لهم. ويؤيد ذلك قوله عليه السلام فيها: " ويؤخذ بعد ما بقي من العشر فيقسم بين الوالي وبين شركائه الذين هم عمال الارض " الخ (1) فان الارض لو كانت للمسلمين كان شركاء العمال هم المسلمين دون الوالي، وإن كان الوالي وليا عليهم وعلى أموالهم في المورد فالشركاء هم المسلمون والوالي ولي الشركاء، بخلاف ما إذا كانت بنحو فك الملك وكان الامر إلى الوالي إذ عد الوالي حينئذ شريكا لا مانع منه، لان المال بمقدار الثلث أو الربع يرجع إليه وإن لم يكن ملكا له، كما ورد في صحيحة البزنطي عن أبي الحسن عليه السلام " وما أخذ بالسيف فذاك إلى الامام عليه السلام يقبله بالذي يرى " (2). ويؤيده أيضا قوله عليه السلام: " ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير " (3) مع أن ملكية الارض للمسلمين موجبة لملكية المنافع وكون الوالي مالكا لحصة منها، فانه من المسلمين. فتحصل من جميع ذلك أن الاقوى هو أن الارض المفتوحة عنوة ليست ملكا لاحد، بل هي محررة موقوفة لمصالح المسلمين، وهم غير مالكين لرقبتها ولا لمنافعها، بل ليسوا مصرفا لها، كما هو مقتضى رواية حماد (4) وانما هي لمصالحهم العامة كالجيش والجهاد وما يحتاج إليه في تشكيل


(1) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 72 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 2. (3) و (4) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 2.

[ 46 ]

الحكومة والحوائج التي لها من قبيل تعمير الطرق والشوارع وإيجاد القناطر إلى غير ذلك. ثم إنه قد وقع الكلام في صحة بيع تلك الارض وعدمها، ولابد من بسط الكلام حول أخبار الباب حتى يتضح الحق، وليعلم أن أرض الصلح التي يقال لها أرض الجزية وهي التي صالح والي المسلمين مع الكفار على أن تكون الارض لهم وعليهم الجزية هي ملك لهم ويجوز بيعها وشراؤها والاخبار المربوطة بها غير أخبار الارض الخراجية وإن اختلطت في مثل الوسائل، كما أن أرض أهل الذمة أو الكفار مما هي مملوكة لهم بالاحياء ونحوه غيرها، فلابد من تمحيص البحث في الروايات المربوطة بالارض الخراجية. فمنها رواية أبي بردة بن رجا قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: كيف ترى في شراء أرض الخراج؟ قال: ومن يبيع ذلك؟ هي أرض المسلمين، قال: قلت: يبيعها الذي هي في يده، قال: ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟ ثم قال: لا بأس يشتري حقه منها ويحول حق المسلمين عليه، ولعله يكون أقوى عليها وأملى بخراجهم منه ". (1) والظاهر الذي كالصريح عدم جواز بيع أرض الخراج، وعدم صيرورتها ملكا لمن في يده لا مستقلا ولا تبعا للآثار، ضرورة أن ارض الخراج المسؤول عنها كانت بيد الزراع ومن البعيد جدا خلوها عن آثار منهم، فان الزارع لا يدع الارض بلا عمل من تسويتها وتهيئتها للزراعة أو زرعها وغرسها إلى غير ذلك مما هو المعمول في الاراضي الزراعية، فالارض التي بيدهم إما مشغولة فعلا بالزرع والغرس أو مهيئة لذلك بأعمال منهم كالتسوية والتسميد وبناء الجداول إلى غير ذلك مما هو معهود


(1) الوسائل - الباب - 71 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 1.

[ 47 ]

ومتعارف، فالآثار منهم موجودة في الارض دائما أو أكثريا، فقوله عليه السلام: " من يبيع ذلك؟ هي أرض المسلمين " يدفع احتمال مملوكيتها استقلالا أو بتبع الآثار. وأما قول السائل " يبيعها الذي هي بيده " فيحتمل أنه توهم كون السؤال حقيقيا فأجاب بأن الذي بيده الارض يبيعها بتوهم كونه مالكا لرقبتها وهذا بعيد بعد تصريح الامام عليه السلام بأن الارض للمسلمين مع فرض كونها خراجية وبيد الزارع العامل فيها، أو أراد بيان أن مقصوده من شرائها ما هو المتعارف بين الفلاحين من بيع الآثار والاعيان التي لهم في الارض إذا أرادوا تركها أو المهاجرة من تلك الناحية، فان بناءهم على بيع حقوقهم من الآثار ونحوها، ولم يكن بيع نفس الارض التي هي لصاحب القرية معهودا عندهم، كما هو واضح. فكأن السائل بعد إنكار الامام عليه السلام وإفتائه بعدم الصحة وعدم كون بيع أرض المسلمين في صلاحية أحد. لفت نظره الشريف إلى ما هو المعهود والمتعارف بين الفلاحين من بيع الآثار وما لهم فيها، وتحويل الارض إلى المشتري، والتعبير ببيع الارض مع قيام القرينة على المراد سهل. خصوصا في مثل المورد وعند الفلاحين، فأبدى عليه السلام إشكالا آخر في بيعها ولو بهذا النحو بقوله عليه السلام: " ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟ "، وتقريره أن قرار الحراج بين الوالي والفلاح الذي بيده الارض، فإذا باع الآثار وسلم الارض إلى المشتري وذهب فكيف يصنع بالخراج ثم قال: " لا بأس يشتري حقه منها، ويحول حق المسلمين عليه " وهذا الكلام على الاحتمال الاول في قوله عليه السلام: " من يبيع ذلك " لرفع إشكالين: أحدهما إشكال بيع الارض وهو لا يصح من غير المالك، الثاني إشكال الخراج.

[ 48 ]

أما الاول فيندفع ببيع حقه فيها كالآثار على ما هو المتعارف أو حق انتفاعه منها أو المنافع أو غير ذلك، وأما الثاني فيندفع بتحويل ما عليه على المشتري، ولعله كان أقوى وأملى بخراجهم منه، ولعل هذا التحويل أيضا كان متعارفا مرضيا للوالي، فلا يحتاج إلى قبوله الفعلي بعد التعارف والرضا بما هو المتعارف. هذا بناء على أن قوله عليه السلام: " يحول " بصيغة المعلوم، وأما إذا كان مجهولا فيراد منه أن الخراج يحول عليه قهرا مع الشراء، فانه على الارض أو على منافعها. وأما على الاحتمال الثاني فيكون دفعا للاشكال الثاني، وان أشار إلى كيفية البيع وأن مورده حقه لا الارض. وكيف كان تدل الرواية على عدم تملك الارض لا مستقلا ولا بتبع الآثار، وعدم جواز بيعها مطلقا، كما تدل على جواز بيع حق الزارع من الآثار أو غيرها، وليس نظر الامام عليه السلام ظاهرا إلى بيع حق خاص حتى يقال يحتمل أن يكون الحق كذا وكذا، بل نظره عليه السلام إلى التخلص من بيع الارض في مثل الواقعة، وبيان العلاج إجمالا، سواء كان التخلص باشتراء الآثار أو اشتراء الحصص أو سائر الحقوق هذا مع البناء على الاحتمال الاول، وأما على الثاني، فكان المراد معلوما بين السائل والمجيب بما عرفت، والارجح بالنظر إلى الواقع والتعارف بين الفلاحين هو الاحتمال الثاني. وبهذا يمكن استظهار المقصود من صحيحة الحلبي قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن السواد ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم ولمن لم يخلق بعد فقلت: الشراء من الدهاقين، قال: لا يصلح إلا أن يشتري منهم على أن يصيرها

[ 49 ]

للمسلمين، فإذا شاء ولي الامر أن يأخذها أخذها، قلت: فان أخذها منه، قال: يرد إليه رأس ماله، وله ما أكل من غلتها بما عمل " (1) بأن يقال: إنه بعد قوله عليه السلام: " هو لجميع المسلمين " لا يبقى مجال لسؤال مثل الحلبي عن جواز شراء نفس الارض من الدهاقين. ضرورة وضوح الحكم، فلا يبعد ان يكون السوال عما هو متعارف بين الفلاحين من بيع الآثار، كما تقدم. والدهاقين إن كانوا هم الزراع كما قد يراد منه ذلك على ما في بعض روايات المزارعة (2) وفي المجمع أنه مقدم أصحاب الزراعة فالامر واضح مع التأمل في صدر الرواية، وذيلها وفي التعارف المذكور. وإن كان المراد منهم روساء القرى فالظاهر أنهم كانوا يتقبلون الاراضي والقرى من السلطان ويقبلونها لغيرهم تارة كما في رواية أبي الربيع الشامي في أبواب الاجارة (3) تأمل - ويعملون فيها أخرى فيعمرونها ويزرعونها بأنفسهم، ففي هذه الصورة قد تقتضي مصلحتهم أن يبيعوا آثارهم وما في الارض من البذر والقصيل والسماد وغيرها مما هو المتعارف بين الفلاحين، وبيع الآثار تارة لاجل الانتفاع بالقطعات التي يبيعونها وأخرى لاجل إرادة الرحيل والهجرة ولم يكن الدهاقين في تلك الاعصار مستبدين بالارض ومدعين لمالكيتهم كما يظهر بالتأمل في الاخبار من أن الاراضي الخراجية كانت تحت يد السلاطين، والدهاقين كانوا يتقبلون منهم ويدفعون الخراج إليهم، فاحتمال كونهم غاصبين للارض وكانوا يعملون فيها عمل الملاك غير وجيه.


(1) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب عقد البيع - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 18 - من كتاب المزارعة - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 20 - من كتاب الاجارة - الحديث 2.

[ 50 ]

ثم إن قوله عليه السلام: " لا يصلح إلا أن يشترى منهم " الخ يمكن أن يراد منه عدم الصحة إلا بالتزامه في العقد على أن يصيرها للمسلمين أي يلتزم بما التزم به الدهقان من كون المنافع مشتركة بينه وبين المسلمين ضرورة أن الالتزام بأن يكون جميعها للمسلمين مما لم يصدر منهم غالبا لو لم نقل دائما. وهذا نظير قوله عليه السلام في الرواية المتقدمة: " ويحول حق المسلمين عليه " ونظير رواية أبي الربيع الآتية بناء على أن الظاهر من قوله عليه السلام: " إلا من كانت له ذمة " من كانت له عهدة أداء حق المسلمين، فإذا ضمن حق المسلمين صح البيع، فعلى هذا الاحتمال تكون صحة البيع مشروطة بأن يجعل ما يشترى للمسلمين في ضمن العقد ولعل ذلك لاجل قطع النزاع والكلام، فلو اشتراها بلا شرط يمكن أن يدعى المشترى بأنه اشتراها، وليس عليه شئ، والوالي لابد وأن يرجع إلى الدهقان، وأما مع هذا القرار فينقطع الكلام ويؤدى حق المسلمين بلا نكرة. ويمكن أن يراد من قوله عليه السلام: " لا يصلح " مرجوحية الاشتراء إلا مع ما ذكر، وهذا أوفق بالقواعد - لان شراء ما ذكر لازمه تحول جميع الجهات، ومنها أداء الخراج على المشترى - وبظواهر بعض روايات أخر، كقوله عليه السلام في رواية أبي بردة: " ويحول حق المسلمين عليه " (1) بناء على قراءة " يحول " بالبناء على المجهول، وصحيحة ابن مسلم قال: " سألته عن شراء أرضهم فقال: لا بأس أن تشتريها فتكون إذا كان ذلك بمنزلتهم تؤدي فيها كما يؤدون فيها " بناء على كون المراد أرض الخراج أو أعم منها، ومن أرض الجزية إلى غير


(1) الوسائل - الباب - 71 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 1.

[ 51 ]

ذلك، وكيف كان الظاهر أن الاشتراط كان لاجل صلاح الوالي وقطع الكلام والمشاجرة. ثم إن قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: " فإذا شاء ولي الامر ان يأخذها أخذها " (1) تفريع ظاهرا على الشرط المذكور، أي لو صيرها للمسلمين كان للوالي الخيار، وهو مناف للزوم عقد المزارعة، إلا أن يكون قرار الخيار للوالي معهودا في تلك الاعصار. ويمكن أن يكون شرطا ثانيا لصحة البيع على الاحتمال الاول المتقدم أو لنفي الحزازة وعدم الصلوح على الاحتمال الآخر، ولعل ذلك احتياط لحق المسلمين، فان المتقبل الاول لما كان طرفا للوالي كان التقبيل بتشخيصه لصلاحيته وصحة عمله وادائه، وأما المشتري فلعله ليس بهذه المثابة في نظره، ولهذا جعل شرط الصحة أمرين: أحدهما ما ذكر، وثانيهما جعل الخيار للوالي على الاحتمال الاول، وحكم برجحان ذلك على الثاني، وهذا أوفق بالقواعد، وإن لم يناسب العطف بالفاء، ويمكن أن يكون ذلك تصحيفا وكان أصله الواو، بل مع الفاء أيضا يمكن أن يكون من تتمة الاشتراط. وعلى ما ذكرناه من ان المبيع هو الآثار إن الوالي إذا فسخ كان رد رأس ماله إليه على القاعدة. لان مقتضى تصيير الآثار للمسلمين على ما تقدم، وأن لولي المسلمين حق الفسح أنه بعد الفسخ يرد رأس ماله ويأخذ منه الارض بآثارها أو يدعها في يده وعليه ما على المتقبل، ولو كان الفسخ من حينه فما أكل من الغلة كان ملكه وما عمل كان في ملكه، ولعل في التعبير الذي في الرواية مسامحة، ولو كان من الاصل لابد وان يرد المشتري الغلة ويأخذ بدل عمله، فجعل الشارع ما أكله مقابل ما عمله لقطع النزاع.


(1) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب عقد البيع - الحديث 4.

[ 52 ]

ومنها رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لاتشتر من أرض السواد شيئا إلا من كانت له ذمة، فانما هو فئ للمسلمين " (1) هكذا في الوسائل وكذا في التهذيب المطبوع في النجف، وفي الوافي عن التهذيب والفقيه " لا تشتروا من أرض السواد " الخ وفي الفقيه المطبوع في طهران " لا يشتري من أراضي أهل السواد شيئا " الخ وفي نسخة " لاتشتر " ولا بد من البحث عن جميع النسخ. أما على نسخة الوسائل فالظاهر التفصيل بين البايعين، وكان المراد لا تشتر إلا ممن كانت له ذمة، أي كانت له قرار وعهد وضمان مع الوالي أي اخذ الارض من الوالي بقرار الخراج، وأما من كانت بيده بلا ضمان وقرار فانه غاصب لا يجوز الشراء منه، سواء كان المراد شراء الارض أو الآثار، أما الاول فان الملكية بتبع الآثار لا تحصل إلا مع كون الآثار باذن الوالي وقرار الخراج، وأما الثاني فلان الآثار في المغصوب لا يصح بيعها، أما التي لا عين لها مثل تصفية الارض وإحداث الجداول ونحوها فانها لصاحب الارض، أي المسلمين، ولا احترام لعمل الغاصب، وأما الاعيان فلا بد من قلعها وقطعها وافراغ الارض منها، فلا يصح للغاصب تحويلها، كما هي في الارض معها. وهذا أظهر من احتمال كون المراد استثناء أهل الذمة، ولان الظاهر من الروايات أن أرض السواد كلها من أرض الخراج، وهي للمسلمين ولم يعهد كون قطعة أو قطعات منها لاهل الذمة، ومن أرض الجزية. وأما احتمال كون التفصيل على هذه النسخة بين المشترين ففي غاية البعد، نعم الظاهر من سائر النسخ أن التفصيل بين المشترين سيما نسخة الفقيه فقوله عليه السلام: " لا يشتري إلا من كان له ذمة " أي لا يشتري


(1) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب عقد البيع - الحديث 5

[ 53 ]

أحد إلا هو، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يشتريها إلا من له عهد وقرار وضمان بالنسبة إلى الخراج وكان المقصود هو الاشتراء بضمان، فيكون مضمونها موافقا لرواية أبي بردة وغيرها، والكلام فيها هو الكلام فيما تقدم. والمراد من اشتراء الارض بعد ظهور التعليل في أن الارض فئ المسلمين أي غنيمتهم أو ملكهم أو محررة لهم - هو الاشتراء المتعارف بين الدهاقين والفلاحين لا اشتراء نفس الارض، ولو بضم قرائن خارجية كسائر الروايات، سيما رواية أبي بردة (1) ومرسلة حماد الطويلة (2)، ويحتمل أن يكون المراد بمن كانت له ذمة أي عهدة معتبرة يمكنه أداء خراج السلطان، فان الخراج قد يكون نقدا على الذمم، والاول أوضح وأوفق لمضمون الروايات ولمفهوم الذمة لغة. وأما على نسخة الوافي فيحتمل أن يكون التفصيل بين المشتريين، ويحتمل أن يكون بين البايعين. والكلام في الفرضين هو ما تقدم. ولعل الاظهر الاحتمال الاول. ومما ذكرنا يظهر الكلام في رواية محمد بن شريح، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شراء الارض من أرض الخراج فكرهه، وقال: إنما أرض الخراج للمسلمين، فقالوا له: فانه يشتريها الرجل وعليه خراجها قال: لا بأس إلا أن يستحيى من عيب ذلك " (3) فان قوله عليه السلام: " فكرهه " مع التعليل بأنها للمسلمين لا يدع مجالا للسؤال عن شراء


(1) الوسائل - الباب - 71 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب عقد البيع - الحديث 9

[ 54 ]

الرقبة، بل الظاهر أن السؤال عن الشراء المعهود بين الفلاحين، وهو شراء الآثار. بل لا يبعد أن يكون السؤال الاول أيضا عن الشراء المعهود بينهم ويكون كراهته والتعليل لمكان الخراج، فقال السائل: إن الرجل يلتزم بالخراج، بل لا يبعد أن يكون الاسئلة والاجوبة في الروايات أو أكثرها مربوطة بالخراج وببيع الآثار لا ببيع الارض المعلوم أنها للمسلمين وتحت سلطة الوالي في تلك الاعصار، كما يظهر من الروايات، والظاهر أن العيب المشار إليه هو عهدة الخراج، والحمل على أرض اهل الذمة، مع التصريح بأنها أرض الخراج وأنها للمسلمين غير مرضي. ومنها - مرسلة حماد الطويلة، وفيها " والارض التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب، فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها " (1) ودلالتها على عدم تملكها مستقلا ولا بتبع الآثار لا تنكر، بل هي كالصريحة في ذلك، ويؤكدها قوله عليه السلام فيما بعد: " ويؤخذ بعد ما بقي من العشر، فيقسم بين الوالي وشركائه الذين هم عمال الارض وأكرتها " إذ لو كانوا مالكين لها ولو بتبع الآثار لكانوا ملاك الارض لاعمالها فقط، تأمل. ومنها صحيحة البزنطي، قال: " ذكرت لابي الحسن الرضا عليه السلام الخراج إلى ان قال: وما أخذ بالسيف فذلك إلى الامام عليه السلام يقبله بالذي يرى " (2) ونحوها روايته الاخرى (3)، وهما ظاهرتان في أن المأخوذ عنوة أمره إلى الامام عليه السلام، فلو كانت الآثار مملكة كانت أمرها بعد التملك إلى المالك في التقبيل وإن كان على


(1) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 72 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 2 - 1

[ 55 ]

الارض الخراج، وظاهرهما أن المأخوذ بالسيف مادام ينطبق عليه عنوان المأخوذ بالسيف أمره في كل عصر إلى الامام عليه السلام، إذ من المعلوم أن ذلك الوصف لا يزال ثابتا للارض الكذاثية، فأمرها مطلقا إلى الامام عليه السلام، لعدم المالك لها. ثم إن في المقام روايات لها ظهور بدوي في جواز الاشتراء، كرواية اسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيها " وسألته عن الرجل اشترى أرضا من أرض الخراج فبنى بها أو لم يبن غير أن أناسا من أهل الذمة نزلوها، له أن يأخذ منهم أجرة البيوت إذا أدوا جزية رؤوسهم؟ قال: يشارطهم، فما أخذ بعد الشرط فهو حلال " (1). والظاهر أن السؤال عن أن أهل الذمة الذين عملوا على شرطها وأدوا جزيتهم هل حكمهم حكم المسلمين في جواز نزولهم على أهل الخراج ثلاثة أيام أو لا فيجوز أخذ أجرة البيوت منهم؟ فأجاب بجواز الاخذ وعدم التسوية. فحينئذ إن قلنا بأن الروايات الدالة على جواز النزول على أهل الخراج مصبها هو الاراضي الخراجية التي هي للمسلمين وأن الارض الخراجية لما كانت لهم جاز النزول على أهلها ثلاثة ايام فلا بد من حمل الاشتراء على الاشتراء المعهود، كما تقدم مفصلا، لا اشتراء رقبة الارض، فانه مع اشترائها لا مجال للتفصيل بين المسلمين وغيرهم، مع أن الظاهر التسالم بين السائل والمجيب في جواز نزول المسلمين. وإن قلنا بأن جواز النزول على أهل الخراج لا يتوقف على كون الارض للمسلمين، بل يكفي كونها خراجية ولو كانت ملكا للاشخاص، فظاهرها البدوي جواز شرائها.


(1) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب عقد البيع - الحديث 10

[ 56 ]

وكموثقة حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " رفع إلى أمير المؤمنين عليه السلام رجل مسلم اشترى أرضا من أراضي الخراج فقال أمير المؤمنين عليه السلام: له ما لنا وعليه ما علينا مسلما كان أو كافرا، له ما لاهل الله وعليه ما عليهم " (1). ولا يبعد أن يكون المراد بأرض الخراج فيها أرض الجزية بمناسبة رفع المسلم المشترى إليه عليه السلام، وكان رفعهم إياه لاجل أن الجزية لا تؤخذ من المسلم، وحكمه عليه السلام بالتسوية إما للزوم أداء جزية الارض لانها حق على الارض لا على الرؤوس، وإما لسقوطها إذا اشترى المسلم والاول أظهر وأنسب لحكمه بالتسوية بين المسلم والكافر المشترى. وكصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " سألته عن شراء أرض أهل الذمة فقال: لا بأس بها، فتكون إذا كان ذلك بمنزلتهم تؤدي عنها كما يؤدون " (2) وقريب منها صحيحة الاخرى (3) والظاهر أنهما راجعتان إلى أرض الجزية. وكيف ما كان فالمتحصل من جميع الروايات بعد رد بعضها إلى بعض وقرينية بعضا لبعض هو عدم جواز بيع الرقبات، وعدم تملكها مطلقا مستقلا كان أو تبعا للآثار، ويكون الاشتراء في تلك الاخيرة كالاشتراء في رواية أبي بردة (4) وصحيحة الحلبي (5) ونحوها، إذ هي محمولة على أرض الجزية التي هي أرض الخراج أيضا. ثم إن المعروف والمشهور على ما حكي أنه يشترط في صيرورة الارض


(1) و (4) الوسائل - الباب - 71 - من أبواب جهاد العدو - الحديث - 6 - 1. (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب عقد البيع - الحديث 8 - 7 - 4

[ 57 ]

المفتوحة عنوة خراجية وفي كونها أو منافعها للمسلمين أن يكون الغزو بأمر الامام عليه السلام، فلو كان بغير أمره صارت ملكا له عليه السلام يضعها حيث يشاء. وعن الحلي الاجماع عليه، وعن المجمع كاد أن يكون اجماعيا، وعن بعض نسبته إلى عمل الاصحاب، وعن الروضة نفي الخلاف عنه، وعن المسالك أنه المعروف من المذهب، ومع ذلك عن المنتهى قوة قول الشافعي وهو المساواة مع المأذون فيها، وعن المدارك أنه جيد، وعن ظاهر النافع التوقف. ولا بأس بتوسعة نطاق الكلام بالنظر إلى آية الخمس والروايات الواردة في ذلك المجال، فنقول: إن مقتضى إطلاق قوله تعالى: " واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه " الخ (1) أن ما لله وللرسول وباقي الاصناف في الغنائم كلها هو الخمس فقط، وأربعة الاخماس منها للغانمين، من غير فرق بين أقسام الغنائم، ويحتمل أن تكون الغنيمة أعم من غنائم الحرب كما عليه بعض، ويحتمل أن تكون مختصة بغنائمه كما هو المعروف بين المفسرين وأظهر في سياق الآية الكريمة، ولسان الاخبار في ذلك مختلف، وكيف كان مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الاراضي المغنومة. فعلى القول بأنه إذا فتح قطر أو ناحية يعد جميعها غنيمة سواء كانت الارض محياة أو مواتا حال الفتح، فان الموات منها ليست بلا شئ، بل يعد من أملاك المملكة، ولها فوائد للدولة، ولا يلزم في كون الشئ غنيمة أن يكون له نفع خاص كالزرع والغلة، بل الفوائد الاخر للدول لا تقصر


(1) سورة الانفال: 8 - الآية 41.

[ 58 ]

عن الغلة والزرع، فتدخل الموات أيضا في الغنيمة، فيجب فيها بحسب ظاهر الآية الخمس. كما أن مقتضى اطلاقها أن الحكم كذلك في الارض المفتوحة، سواء كان الفتح باذن الامام أم لا، وفي أرض الصلح وفيما لا يوجف بخيل ولا ركاب، فحينئذ لو قلنا بأن أرض الموات والانفال للامام عليه السلام والمفتوحة عنوة للمسلمين وأرض الصلح فيها الجزية أو يعامل معها حسب ما يصالح الوالي مع الكفار بما هو صلاح المسلمين لم تبق الارض المغنومة تحت إطلاق الآية، إذ هي وإن كان في بعضها الخمس، لكن لا يقسم الباقي بين الغانمين، وهذا التقييد لو كان أكثريا موجبا للاستهجان لا بد في رفع الغائلة إما من انكار إطلاق الآية الكريمة، فيقال: إنها بصدد بيان تقسيم الغنيمة، لا جعل الخمس فيها، فليس لها إطلاق من هذه الجهة وهو كما ترى، ضرورة أنها بصدد بيان وجوب الخمس، ولا ينافي ذلك ذكر المصرف فيها، ولهذا لا يزال الفقهاء يتمسكون بها لوجوبه، بل في بعض الروايات (1) أيضا التمسك بها لذلك، أو من حمل الآية على مطلق الغنائم كما في صحيحة ابن مهزيار (2) أو من العمل بمقتضى معارضة الاخبار المقيدة تعارضا بالعرض، لاجل امتناع وقوع الاستهجان. لكن التحقيق عدم لزوم الاستهجان بالتقييدات المذكورة، أما على القول باطلاق الآية وشمولها لجميع الفوائد والغنائم سواء كانت غنائم الحرب أم لا فظاهر، وأما على القول بالاختصاص فلان ما يغتنم من الكفار بعد فتح البلاد من صنوف أموالهم أكثر بكثير بحسب العدد من الارض، والميزان هو تعدد الداخل والخارج، فالخارج هو الارض والداخل غيرها


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس. (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 5

[ 59 ]

ولا استهجان فيه، ولهذا لا يرى احتمال ذلك الذي ذكرناه في كلمات القوم. ثم إن المقصود في المقام هو بيان حال الشرط الذي عليه الشهرة، وهو اعتبار إذن الامام عليه السلام في صيرورة الارض المفتوحة عنوة للمسلمين، وإلا فهي للامام عليه السلام، وقد عرفت أن مقتضى إطلاق الآية الكريمة أن فيها الخمس، وأربعة أخماسها للغانمين، كما هو المتفاهم من الآية. ويدل عليه أيضا جملة من الروايات: كرواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: " كل شئ قوتل عليه على شهادة أن لا إله الا الله، وأن محمدا رسول الله، فان لنا خمسه، ولا يحل لاحد أن يشترى من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا ". (1) ورواية ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في الغنيمة قال: " يخرج منه الخمس ويقسم ما بقي على من قاتل عليه وولى ذلك " (2). وما عن تفسير النعماني وفيها: " أما وجه الامارة فقوله: واعلموا أنما غنمتم من شئ إلى أن قال: فجعل لله خمس الغنائم، والخمس يخرج من أربعة وجوه من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين " الخ (3) فمقتضى العموم والاطلاق فيها وفي جملة اخرى (4) أن الخمس في جميع الغنائم، والباقي يقسم بين الغانمين على ما صرح به في بعضها (5) والمتفاهم من بعض. وفي قبالها روايات أخر: منها - ما تدل على أن الارض المفتوحة


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث - 5 - 10 - 12 -. -. (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 3 و 8 و 14

[ 60 ]

عنوة للمسلمين، كمرسلة حماد (1)، وصحيحة البزنطي (2) المتقدمتين، فان الظاهر منهما عدم التخميس وأن الوالي والامام عليه السلام يقبلها ويصرف منافعها في مصالح المسلمين العامة، كما هو صريح المرسلة، والمتفاهم من الصحيحة، ورواية البزنطي الاخرى (3)، وهي أخص مطلقا من الآية والروايات المتقدمة. ومنها مرسلة الوراق عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " إذا غزا قوم بغير إذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام وإذا غزوا بأمر الامام فغنموا كان للامام الخمس " (4) وهي أيضا أخص مطلقا منها. وقد يقال: إن صحيحة معاوية بن وهب تدل على ما تدل عليه مرسلة الوراق، قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: السرية يبعثها الامام فيصيبون غنائم كيف يقسم؟ قال: إن قاتلوا عليها مع أمير أمره الامام عليهم أخرج منها الخمس لله وللرسول، وقسم بينهم أربعة اخماس وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للامام يجعلها حيث أحب " (5) وهو مبني على حجية مفهوم القيد. وفيه منع، سيما في المقام مما فرض في السؤال كون السرية يبعثها الامام، ولا محالة كانت بامارة أمير، ويمكن أن يكون ذكر القيد تبعا للسؤال، وأما مفهوم الشرط فهو الذي ذكره الامام عليه السلام بقوله: " وان لم يكونوا قاتلوا " بل يمكن أن يقال: إن الظاهر من صدرها وذيلها أن التفصيل بين الاغتنام بالمقاتلة وبخيل وركاب وبين الاغتنام بغيرها


(1) و (5) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 2 - 1 (2) و (3) الوسائل الباب - 72 - من أبواب جهاد العدو - الحديث - 2 - 1 (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 16

[ 61 ]

وإلا كان عليه بيان الفرض الآخر، وهو المقاتلة بلا أمير أمره، والسكوت عنه - مع التعرض لمفهوم الشرط ومع عدم كون مفهوم القيد أمرا ظاهرا يصح السكوت عنه - دليل على ثنائية الفرض، بل لعله دليل على عدم دخالة القيد، فجعل الصحيحة مخالفة للمرسلة أو مؤيدة لمخالفها أولى. ثم إن النسبة بين صحيحة معاوية ومرسلة الوراق وبين صحيحة البزنطي وروايته ومرسلة حماد العموم من وجه، فيقع التعارض بينهما في الارض المفتوحة عنوة إذا كان الفتح بأمر الامام عليه السلام، فمقتضى الاولتين وجوب الخمس فيها، وأن أربعة أخماسها للغانمين، كما هو صريح الصحيحة والمتفاهم من المرسلة، ومقتضى ما يقابلهما كون جميعها للمسلمين ولمصالحهم، كما هو صريح مرسلة حماد حيث قال فيها: " ليس لنفسه - أي الوالي - من ذلك قليل ولا كثير " فلا بد من علاج التعارض، فان قلنا بخروج العامين من وجه عن أدلة العلاج كان مقتضى القاعدة سقوطهما والرجوع إلى الاطلاق أو العام الفوق، وهو إطلاق الآية الكريمة وعموم أو اطلاق الروايات المتقدمة، كرواية أبي بصير وغيرها، وإن قلنا بدخولهما فيها فما دلت على وجوب الخمس فيها وأن أربعة أخماسها للغانمين موافقة للكتاب نصا في الخمس وظاهرا في أربعة اخماس، وأقوال العامة، الخاصة فيها مختلفة، وقد ادعى الشيخ في الخلاف إجماع الطائفة بأن ما لا ينقل كالدور والعقارات والارضين فيها الخمس، والباقي لجميع المسلمين، من حضر القتال أو لم يحضر، وعن أبي حنيفة وأصحابه أن الامام مخير فيه بين ثلاثة اشياء: القسمة على الغانمين، وأن يقفه على المسلمين، وأن يقر أهلها عليها ويضرب عليهم الجزية باسم الخراج، وعن مالك إن ذلك وقف على المسلمين بنفس الاستغنام من غير إيقاف الامام، وعن الشافعي

[ 62 ]

أن حكمها حكم ما ينقل خمسها لاهله، والباقي للغانيمن، وعن العلامة موافقته. والتحقيق أن فيها الخمس والباقي للمسلمين، كما عليه دعوى الشهرة والاجماع، ويمكن استفادة ذلك من مرسلة حماد التي هي معتمدة على ما نقل، فان صدرها يدل على تعلق الخمس بالغنائم، قال: " الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم " الخ (1) والجمع المحلى باللام يدل على العموم بالدلالة اللفظية من غير احتياج إلى مقدمات الاطلاق، كما قرر في محله، فتشمل جميع صنوف الغنائم من المنقول وغيره، ثم قال: " يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس فيجعل لمن جعله الله له، ويقسم أربعة أقسام بين من قاتل عليه وولى ذلك " ثم ذكر فيها كيفية تقسيم الخمس بتفصيل ومورده وجهات أخر. وفي مثل ذلك مما فصل بين جملات الكلام بجمل عديدة لا إشكال في استقرار الظهور، فإذا وقع في بعض الجمل المتأخرة المنفصلة عن العام أو المطلق بجمل عديدة ما يخصص العام أو يقيد المطلق كان كالتخصيص والتقييد بالمنفصل لاستقرار ظهور المتقدم في الفرض. ثم قال بعد كلام طويل وجمل عديدة " وليس لمن قاتل شئ من الارضين وما غلبوا عليه إلا ما احتوى العسكر " وهذا يدل على عدم تقسيم أربعة أخماس منها بين ما قاتل وغنم، والظاهر أن استثناء ما احتوى العسكر مربوط بالجملة الثانية، فلا تقسم الارض مطلقا بين من قاتل، فيخصص به عموم الصدر، ويبقى الخمس تحته. بل يمكن استفادة لزوم الخمس من السكوت عنه بعد كونه في مقام بيان حال الارضين، فنفي خصوص حق من قاتل دال عرفا على ثبوت


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 4

[ 63 ]

الخمس، فحينئذ يكون قوله عليه السلام: " والارض التي أخذت عنوة بخيل وركاب " الخ عقيب الجملة المتقدمة والعموم المتقدم محمولا على خصوص قسمة الغانمين والمقاتلين، أي الارض التي لا تقسم بينهم وخرج منها الخمس تكون موقوفة لمصالح المسلمين، فتدل الرواية على المذهب المشهور، وتخرج شاهدة للجمع بين الروايات، ولو لم يسلم استفادة ثبوت الخمس منها لكن الاشكال في نفي التقسيم بين من قاتل، فالعمومات والاطلاقات الدالة على ثبوت التقسيم بينهم مخصصة بها بعد كونها معولا عليها عند الاصحاب، كما قيل. وتبقى الروايات الدالة على أن تلك الاراضي للمسلمين، وصحيحة معاوية ومرسلة الوراق على تعارضهما بالعموم من وجه، فترجح الثانية بموافقة الكتاب والشهرة أو يكون الكتاب المرجع على اختلاف المسلكين فتصير النتيجة ما هو المشهور من تعلق الخمس وعدم تقسيم الباقي بين المقاتلين، وكونه للمسلمين، هذا حال ما انجر البحث إليه تطفلا. وأما قضية اعتبار إذن الامام عليه السلام في صيرورة الارضين ملكا للمسلمين، وإلا فهي للامام عليه السلام، فالاصل فيها مرسلة الوراق وصحيحة معاوية على ما قيل، والظاهر أنه لا مفهوم لواحد من الروايتين حتى الشرط في الصحيحة، فان قوله عليه السلام: " وإن لم يكونوا قاتلوا " ليس مفهوم الشرطية، فان مفهومها سلب الخمس، لا إثبات كون الغنيمة للامام عليه السلام، فالجملة الثانية شرطية مستقلة، ومعها لا مفهوم للشرط السابق أيضا. وكذا الحال في رواية الوراق بل هي أولى بذلك، فان قوله عليه السلام: " وإذا غزوا بأمر الامام " ليس مفهوم الشرط بناء على أن " إذا " ملحقة بأداة الشرط ولا مفهوم القيد، لما مر من أن مفهومه

[ 64 ]

سلب ما ثبت في المنطوق لاإثبات أمر آخر، فبناء على عدم المفهوم في الروايتين لا تنافي بينهما في شئ، لعدم المنافاة بين ثبوت الخمس إذا كانت المقاتلة مع أمير أمره الامام، أو مع كون القتال بأمر الامام، وبين كون الغنيمة للامام إذا غزوا بغير إذنه أو إذا لم يقاتلوا فغنموا. وأما لو قلنا بالمفهوم فيقع التعارض بين مفهوم القيد في الصحيحة وهو " إن قاتلوا بلا أمير أمره لم يخرج منه الخمس " وبين قوله عليه السلام في المرسلة " إذا غزوا بأمر الامام فغنموا كان للامام الخمس " فان قلنا بأن مفهوم القيد في مثل المقام في الصحيحة هو رفع واحد يحتوي الامرين أي الخمس لله والرسول والقسمة بين المقاتلين يصير قوله عليه السلام: " إذا غزوا بأمر الامام " كالمخصص له، وإن قلنا بأنه ينحل إلى جملتين نفي هذا ونفي ذلك كان التعارض بينهما بالتباين في خصوص الخمس، فيرجع مادل على الخمس بموافقة الكتاب أو يكون الكتاب مرجعا بعد التساقط، هذا حالهما بالنسبة إلى ملاحظتهما في نفسهما. وأما قوله عليه السلام في مرسلة الوراق: " إذا غزا قوم بغير إذن الامام " الخ فيعارض ما تدل على أن الارض المفتوحة عنوة للمسلمين بالعموم من وجه، فان قلنا بحكومة المرسلة عليها لانها تعرضت لعقد الوضع فيها فتقدم بالحكومة، وإلا تقدم بالشهرة إن قلنا بأنها من المرجحات ولو قلنا بأنها تجعل مخالفها بين الغي وموافقها بين الرشد فالامر أوضح. ثم إنه يمكن أن يستدل على كفاية إذن الامام عليه السلام في صيرورة المفتوحة عنوة ملك المسلمين بالروايات الدالة على أن أرض السواد للمسلمين فان المسلم الذي لا ريب فيه أن الامير في فتحها لم يكن بجعل الامام عليه السلام، بل الظاهر عدم كونه بأمره بمعناه الحقيقي في الامر، غاية الامر كونه باذنه ورضاه.

[ 65 ]

وما في رواية الخصال عن أبي جعفر عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام " إن القائم بعد صاحبه يعنى عمر كان يشاورني في موارد الامور ومصادرها فيصدرها عن أمري، ويناظرني في غوامضها، فيمضيها عن رأيي " (1) لا يدل على أن الغزاة كانوا يغزون بأمر الامام عليه السلام، بل الظاهر أن الثاني كان يشاوره في الامر، فإذا اطلع على رأيه كان يبعث العسكر ويؤمر الامير ويأمرهم بالغزو موافقا لرأيه وأمره، ولم يكن أمره عليه السلام كأمر الوالي والامير على المأمور، بل كأمر المشاور والناصح، فليس الامر بمعناه الحقيقي، فيتصح من ذلك أن الاذن وإظهار الرأي كاف في ذلك، وسيأتي بعض الكلام في ذلك انشاء الله. وهل يعتبر في كون الارض المفتوحة عنوة خراجية أن تكون محياة حال الفتح، وإلا تكون كلها للامام عليه السلام، ولا يدخل في الغنائم، كما هو المشهور، بل المتفق عليه على المحكي عن التذكرة والكفاية، أو لا فرق بين المحياة والموات في تعلق الخمس بها وكون الباقي للمسلمين؟ وليعلم أن ما وردت من الاخبار في الموات منها مادلت على أن الموات كلها للامام عليه السلام، كمرسلة أحمد بن محمد (2) ومنها ما دلت على أن كل أرض لا رب لها له عليه السلام كموثقة اسحاق بن عمار (3) ورواية أبي بصير (4) ومنها ما دلت على أن كل أرض ميتة رب لها له عليه السلام كمرسلة حماد (5) ومنها طوائف أخر بمضامين مختلفة. وقد ذكرنا في بعض المباحث السالفة أن المستفاد من مجموع الروايات


(1) الخصال - ج 2 ص 135 - باب السبعة - الحديث 45. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث - 17 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال الحديث 20 - 28 - 4

[ 66 ]

في الارضين وغيرها أن ما لا رب له للامام عليه السلام، سواء كان من الارضين أم من غيرها، ويستفاد من تلك الروايات أيضا أن الموات من الارضين التي لا رب لها للامام عليه السلام. فيقع الكلام في أن المراد من الرب فيها هل هو المالك بالمعنى الخاص فما لا يكون لها مالك فهي للامام عليه السلام، فمثل مرافق القرى ومراتعها مما هي تابعة لها، ولها نحو اختصاص بملاكها بناء على عدم مملوكيتها لهم تكون للامام عليه السلام، وكذا الاراضي الموقوفة للجهات العامة إذا صارت مواتا تكون له، بل الموقوفات الخاصة بناء على أن الوقف مطلقا فك الملك، وكذا موات كل مملكة مما هي للدولة أو الوالي لا على نحو الملكية، بل على النحو الآخر من الاختصاص، أو من قبيل الولاية عليها أو أعم منه وممن له نحو تعلق بالمال؟. يمكن القول بالتفصيل بين الصورة الاخيرة وغيرها بأن يقال: إن المستفاد من الادلة سيما مع بناء الدول والولاة أن ما هو للوالي هي التي لا تعلق لها بالغير، سواء كان التعلق بنحو الملك أو الحق، فمثل المراتع والمرافق التي هي من توابع الاملاك غير داخل في الانفال، وكذا الموقوفات التي صارت وقفا لدر المنافع على الموقوف عليه، فالمراد بالرب ولو بمناسبات مغروسة في الاذهان هو معنى أعم من المالك. وإن شئت قلت: إن الامام عليه السلام والوالي لا يزاحم أرباب الحقوق في حقوقهم، بل له ما لا مزاحم له، وأما موات المملكة فليست كذلك، لانها ليست للدول والولاة بوجه، أما الملك والحق فواضح، وأما الولاية التي يدعيها كل دولة أو وال على جميع الارضين المتعلقة بحيطة سلطنتهم فانها غير نافذة شرعا، فتكون تلك الارضون مما لا رب لها بنحو من الانحاء.

[ 67 ]

مضافا إلى أنه مع فتح المملكة بيد المسلمين تصير ولايتهم العرفية أيضا ساقطة وتصير الولاية للحاكم الغالب، وولاة الجور في الاسلام لا ولاية لهم بحسب الشرع، فتكون تلك الارضون مما لا رب لها، فهي للامام عليه السلام. ثم إنه مع صدق الغنيمة على الموات ولو في بعض الاعصار كأعصارنا مما تكون الحدود بين الممالك ملحوظة دقيقا وتكون الارضون شبرا شبرا متعلقة للاغراض ولها منافع وقيم يكون بين الآية الكريمة وما تدل على أن الموات للامام عليه السلام العموم من وجه، فان قلنا بأن الموات للامام عليه السلام بنحو الملكية كسائر أملاكه الشخصية تخرج الموات من الآية والروايات التي بمضمونها موضوعا، فان الغنيمة المأخوذة في موضوعها هي ما تكون ملكا للكفار أو تحت سلطتهم، وأما لو فرض وجود شئ من أموال المسلمين بيد الكفار وأخذه المسلمون منهم فلم يعد غنيمة ولا يخمس، بل يرد إلى صاحبه المسلم، فإذا كانت الموات قبل أخذها من الكفار ملكا للامام عليه السلام ترد إليه بعده، ولا تكون غنيمة، وإن صدقت عليها مع الغض عن ملكيتها له، بل الظاهر كذلك لو قلنا بأنها للامام لا بنحو الملكية، بل بنحو الولاية وأنه ولي عليها، له أن يضعها حيث يحب وحيث شاء كما في الروايات، فانها خارجة عن الغنائم أيضا بعد كونها قبل الاخذ تحت ولايته النافذة، مضافا إلى أن المسألة مما لا إشكال فيها بحسب الفتوى. فتحصل من جميع ما مر أن الارض المغنومة إنما تصير خراجية، وللمسلمين بعد كونها مفتوحة عنوة وبعد كون الفتح باذن الامام عليه السلام وبعد كونها محياة حال الفتح، كما عليه الاصحاب. ولو شك في المذكورات فتارة يكون الشك في أنها فتحت عنوة

[ 68 ]

أو صلحا على أن تكون الارض للمسلمين أو على أن تبقى لهم، وتكون على الارض أو على نفوسهم الجزية أو أنها فتحت بغير عنوة أو أسلم أهلها طوعا، وأخرى يكون بعض الاحتمالات مقطوع العدم ويكون الشك في سائرها، والشك ثلاثي الاطراف أو أقل أو أكثر. لا إشكال في عدم إمكان إحراز أحد العناوين الوجودية بالاصل، وأما إجراء استصحاب عدمه لنفي الحكم الشرعي عن الموضوع فهو مثبت لان نفي الحكم مع عدم الموضوع عقلي لا شرعي إلا أن يدل دليل شرعي على نفيه أو على ثبوت حكم آخر متعلق بنفيه، فأصالة عدم الفتح عنوة لنفي كون الارض للمسلمين إنما تجرى إذا دل دليل شرعي منطوقا أو مفهوما على أن ما لا تفتح عنوة ليست للمسلمين، فيقال: إن هذه الارض كانت مما لم تفتح عنوة في زمان، فيستصحب ويترتب عليها أنها ليست للمسلمين، وأما إذا تعلق الحكم بالفتح عنوة فقط وأريد استصحاب عدمه لنفي ملك المسلمين فهو مثبت. وهذا أمر جار في جميع الفقه، فلو دل دليل على أن من أحيا أرضا فهي له أو من حاز شيئا ملك وأريد باستصحاب عدمهما نفي الملكية الثابتة على العنوانين لكان مثبتا. نعم قد وردت في الانفال روايات كثيرة مضمون أكثرها أن الانفال عبارة عما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ويظهر منها مع اختلاف في التعبير أن الموضوع هو ما ذكر وأن التعابير الاخر من قبيل ذكر المصاديق لهذا العنوان، من غير دخالة قيود أخر، لكن لا إشكال في أن هذا العنوان العام ليس موضوعا لمال الامام عليه السلام، ضرورة صدقه على ما يؤخذ من الكفار صلحا على أن تكون الارض للمسلمين أو لهم، وعليهم الجزية، بل صدقه على الارض التي كانت في يد الكفار ولم يتعرض لها

[ 69 ]

المسلمون، فانها أيضا أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فالموضوع أخص منه. فحينئذ إن كان الموضوع الارض المغنومة التي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولم تقع عليها المصالحة وكان القيد للموضوع فلا حالة سابقة معلومة له، والاشكال فيه نظير ما ذكرناه في أصالة عدم التذكية من أن الموضوع للحكم الشرعي ما زهق روحه بلا شرائط شرعية، وهو غير متيقن وما هو المتيقن عنوان أعم. وإجراء الاصل لاثبات عنوان أخص منه مثبت، وفي المقام عنوان الارض المغنومة التي لم يوجف عليها بخيل ليس لها حالة سابقة متيقنة، واستصحاب عدم كون الارض مغنومة كذلك إلى زمان حصول الغنيمة لاثبات الكون الرابط مثبت. وإن كان الموضوع الارض وكان الاغتنام من قبيل الشرط لتحقق الملكية للامام عليه السلام، فيقال مشيرا إلى أرض إنها كانت في زمان لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب فيستصحب، وحكمها أنه إذا غنمها المسلمون فهي للامام عليه السلام، والفرض ثبوت تسلط المسلمين عليها وأخذها من الكفار، فإذا فهمنا من مجموع الادلة أن الارض التي لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب إذا تسلط عليها المسلمون أو غنموها كانت للامام عليه السلام فيستصحب الموضوع، وتحقق الشرط وجداني فيترتب عليه الحكم. نعم هنا بعض عناوين آخر مشكوك فيه ومسبوق بالعدم، كاحتمال وقوع الصلح عليها على أن تكون الارض للمسلمين، أو على أن تكون للكفار وعليهم الجزية، والارض المذكورة قبل بعث العسكر كانت مما لم يصالح عليها بوجه ولم يوجف عليها بخيل، وكل أرض كذلك فهي للامام عليه السلام، وبالجملة في مثل الفرض يحرز موضوع الحكم بشرائطه بالاصل والوجدان.

[ 70 ]

ومما ذكرنا يظهر حال الشك في إذن الامام عليه السلام إذا كان المستند فيه مرسلة الوراق (1)، فان الغزو بغير إذن الامام عليه السلام ليس له حالة سابقة معلومة، والمتيقن هو عدم الغزو باذنه، واستصحابه لاثبات الغزو بغير إذنه مثبت، وكذا حال الشك في كون الارض محياة حال الفتح، فان الموضوع لمال الامام عليه السلام لو كان الارض التي لم تكن محياة حال الفتح فلا حالة سابقة معلومة لها، فما في ظاهر كلام الشيخ الاعظم " قده " من جريان الاصل في هذا الفرض غير ظاهر، نعم لو كان الموضوع الارض الميتة أو غير المحياة إلى زمان الفتح لا بأس به، كما أنه لو كان الموضوع الارض التي لارب لها إلى زمان الفتح لا بأس باجرائه. ومع الغض عن الاصول المذكورة أو الاشكال فيها يمكن إجراء أصالة بقاء ملك الامام بناء على كون الموات والانفال للامام عليه السلام في كل عصر، فكانت لآدم عليه السلام، وبعده للمصطفين الذين اصطفاهم الله كما هو المروي (2) وإنما خرجت عن ملكه بالاحياء، بل يمكن استصحاب كون الارض نفلا فانها كانت لله تعالى قبل الاحياء وإنما خرجت بالاحياء من النفل ومن كونها له تعالى بهذه الحيثية، ومع الشك يستصحب بقاؤه فتندرج في قوله عليه السلام في بعض الروايات: " ما كان لله فهو لرسول الله وما كان لرسول الله فهو للامام عليه السلام " (3) وبعد الاندراج فيه تندرج في قوله صلى الله عليه وآله: " من أحيا أرضا مواتا فهي له " (4)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانقال - الحديث 16 - 19 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 6 (4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 5.

[ 71 ]

أو قوله عليه السلام: " ما كان لنا فهو لشيعتنا " (1). ثم إنه يثبت الفتح عنوة وكذا إذن الامام عليه السلام والحياة حال الفتح بما يثبت سائر الموضوعات من الشياع المفيد للعلم والاطمئنان والبينة وأما الظن الحاصل من الشياع أو من غيره ففي كفايته إشكال بل منع، كما أن الثبوت بالخبر الواحد ولو كان عدلا كذلك. كما أن جواز الرجوع إلى أهل التاريخ كالرجوع إلى أهل الخبرة محل إشكال. هذا لكن حصول الشياع المفيد للعلم يشترط فيه ما يشترط في التواتر في الاخبار من لزوم كون الشياع في جميع الطبقات إلى زمان الواقعة، فلو شاعت قضية تاريخية في عصرنا كمال الشيوع لكن كان مستند الشياع نقل عدد معدود من أهل التاريخ لا يحصل من ذلك العلم بنفس القضية بل يحصل منه العلم بوجودها في كتب التاريخ، وهو غير مفيد. وأما البينة فان قامت على بينة سابقة عليها سماعا والسابقة على سابقتها وهكذا متسلسلا إلى زمان الواقعة فلا إشكال في الثبوت، وأما لو شهد عدلان في هذا العصر بالواقعة التي حدثت في صدر الاسلام وكان مستند علمهم عين ما لا يحصل منه العلم لنا وان حصل للبينة ففي حجيتها إشكال بل منع، مثلا لو شهد عدة لم تثبت عدالتهم برؤية الهلال ولم يحصل لنا العلم برؤيتهم، ولكن حصل العلم للعدلين من شهادتهم ثم شهدا بثبوت الهلال فالاتكال على قولهما مشكل، ودليل حجية قول البينة منصرف عنه، نعم لو شهدا ولم نعلم مستندهما في ذلك فلا إشكال في الحجية، لكن المستند في المورد المبحوث عنه معلوم، ولا يحتمل كون شئ وراء التواريخ عندهما. والانصاف أن القضايا التاريخية ثبوتها شرعا من الاعصار القديمة بنقل


(1) الوسائل - البا ب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 17

[ 72 ]

المؤرخين في غاية الاشكال، سيما مع ما نرى من اختلاف الناقلين، ومع ملاحظة ما نرى من عدم اتقان التواريخ التي تنقل القضايا الواقعة في عصرنا والاعصار مشابهة والاهواء كثيرة. ثم إن الشيخ الاعظم " قده " قد تشبث لثبوت الاذن في أرض العراق تارة بما تدل على أنها ملك المسلمين، وسيأتى الكلام فيها، وأخرى بما في الخصال (1)، وقد تقدم الكلام فيه، وثالثة بما اشتهر من حضور أبي محمد الحسن عليه السلام في بعض الغزوات ودخول بعض خواص امير المؤمنين عليه السلام من الصحابة كعمار في أمرهم. وفيه - مضافا إلى عدم ثبوت حضور أبي محمد عليه السلام في تلك الغزوات - أن ذلك لا يدل على رضاهم، ولعلهم كانوا في ذلك مجبورين ملزمين، ومعلوم أنه لم يمكن لهم التخلف عن أمر المتصدين للخلافة. ورابعة بامكان الاكتفاء عن الاذن المنصوص في مرسلة الوراق (2) بالعلم من شاهد الحال برضاهم بالفتوحات الاسلامية الموجبة لتأيد هذا الدين وفيه أن مقتضى مرسلة الوراق اعتبار أمر الامام عليه السلام، ومقتضى صحيحة معاوية بن وهب (3) اعتبار أمير أمره الامام عليه السلام والعلم برضا الامام عليه السلام على فرضه لا يثبت شيئا من العنوانين، بل مقتضاهما عدم كفاية الاذن في صيرورة الارض خراجيه، ولو فرض كفايته لكن الرضا غير الاذن، فمع الرضا تصير الارض وغيرها من الغنائم للامام عليه السلام. وخامسة بحمل الصادر من الغزاة من فتح البلاد على الوجه الصحيح


(1) المتقدم في ص 65 (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 16 (3) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب جهاد العدو - الحديث 1.

[ 73 ]

وهو كونه بأمر الامام عليه السلام. وفيه أن الفتح لا يتصف بالصحة والفساد، وكذا الغزو، نعم يتصفان بالحرمة والحلية، لكن لا دليل على الحمل على الحلال، لا من بناء العقلاء ولا غيره، وعدم الحمل على الحرمة غير الحمل على الحلية، مع أن كشف إذن الامام عليه السلام عنه محل إشكال، ولو أريد بالصحيح ما يترتب عليه اثر شرعا لم يفد في المقام لان الغزو أو الفتح باذنه وإن يترتب عليه أثر شرعا وهو صيرورة المفتوح ملكا للمسلمين، لكن الغزو بغير إذنه أيضا يترتب عليه أثر شرعا، وهو صيرورته ملكا للامام عليه السلام فالحمل على أحدهما بلا وجه، مضافا إلى أن مورد الحمل على الصحة ما إذا لم يعتقد الفاعل عدم دخالة الشرط، ومعه لا يحمل على الصحة، وحصول الشرط من باب الاتفاق، وفي المقام لم يعتقد الغزاة دخالة هذا الشرط، بل الاكثر لم يعتقدوا إمامتهم عليهم السلام. وأما الروايات فطائفة منها وردت في خصوص أرض السواد، وهي صحيحة الحلبي (1) ورواية أبي الربيع الشامي (2)، وفي الاولى إن أرض السواد للمسلمين، وفي الثانية إنها فئ للمسلمين، فقد استدل بها الشيخ الاعظم (قده) على أنها مفتوحة باذن الامام عليه السلام. وفيه أن المحتمل أن يكون الحكم فيها لاجل كونها مفتوحة باذنه، وأن يكون لاجل عدم اعتبار إذنه عليه السلام في خصوص أرض السواد أو في الارض مطلقا، أو عدم اعتباره في زمان عدم بسط يده عليه السلام أو لان الاذن وإن كان معتبرا ولكنها ألحقت بالخراجية حكما لا موضوعا إما لاجل مصلحة المسلمين أو لاجل التقية وعدم قدرة أمير المؤمنين عليه السلام على تغيير ما فعله المتصدون للخلافة، سيما في مثل تلك الواقعة، لكن الظاهر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب عقد البيع الحديث 4 - 5

[ 74 ]

منها أنها خراجية موضوعا، والالحاق الحكمي خلاف الظاهر، فدار الامر بين الاحتمالين الاولين، أي اعتبار الاذن وتحققه، وعدم اعتباره، ولا مرجح للاول. وما أفاد الشيخ (قده) من كشف الادلة عن كون الفتح باذنه مبني على مبنى غير مرضي، فان أصالة العموم أو الاطلاق إنما هي حجة في كشف المراد، وأما بعد معلوميته ودوران الامر بين التقييد أو التخصيص وبين الخروج موضوعا أو التخصص فلا، فلو ورد أكرم كل عالم وشك في كون زيد العالم واجب الاكرام فأصالة العموم محكمة، وأما لو علم عدم وجوب إكرامه وشك في كونه عالما حتى يكون الخروج تخصيصا أو جاهلا حتى يكون تخصصا فلا أصل يحرز ذلك، ويكشف حال الفرد، والتفصيل في مقامه، فتحصل مما ذكر أنه لا دليل على أن الفتح كان بأمره أو باذنه. وبهذا ظهر الكلام في الشرط الآخر، وهو كون الارض محياة حال الفتح فان الدوران بين التخصيص والتخصص بالنسبة إلى ما تدل على أن الموات للامام عليه السلام جار هنا أيضا، ولا دليل على كشف وجود الشرط ثم إنه قد يقال: إن الظاهر من الروايتين المتقدمتين أن أرض العراق مطلقا خراجية، فبناء على كشفه عن تحقق الشرط يدل على أنها كانت محياة فعرضها الموت المشهود فعلا، كما ذهب إليه الشيخ الاعظم (قده) وأيده بمقدار المساحة التي وردت في كتب النقل. والظاهر ان منشأ التوهم هو ما قيل من أن السواد هو العراق، مع أن الواقع خلاف ذلك، فان السواد على ما نص عليه ائمة اللغة والادب هو رستاق العراق وقراها والارض المحيطة بها. ففي القاموس " السواد من البلدة قراها - إلى أن قال: رستاق العراق، والرستاق هو القرى وما يحيط بها من الارضين ".

[ 75 ]

وفي المنجد " سواد العراق لما بين البصرة والكوفة ولما حولهما من القرى ". وفي الصحاح " سواد الكوفة والبصرة قراهما ". وفي المجمع " سواد الكوفة نخيلها واشجارها، ومثله سواد العراق ". وفي تاريخ التمدن الاسلامي " ويسمى ما بين دجلة والفرات السواد ". وعن المبسوط " وأما أرض السواد فهي الارض المغنومة من الفرس التي فتحها عمر، وهي سواد العراق " والظاهر منه أن سواد العراق غير العراق. ومن الغريب تأييد الشيخ الاعطم (قده) ما أفاده بالمساحة المنقولة وهي ستة أو إثنان وثلاثون ألف ألف جريب، مع أن هذا المقدار في مقابل مساحة العراق شئ قليل، فان مساحته على ما في جغرافية العراق (438446) كيلومتر مربع، وعن أعلام المنجد (444442) كيلومتر مربع، فبناء على كون الجريب ألف متر مربع تصير على التقدير الاول (438446000) جريب، وعلى الثاني أكثر منه، فمساحته بالنسبة إلى التقدير المتقدم أي ستة أو إثنين وثلاثين ألف ألف جريب أكثر بكثير، ولو كان الجريب ستين ذراعا في ستين ذراعا وهو نصف الذرع كانت مساحة العراق أيضا أكثر من التقدير المذكور بكثير، مع أن لازم كون جميع أرض العراق في عصر الفتح معمورة ومحياة أن تكون نفوسها أكثر من العدد المعهود من سكانها بكثير، وهو واضح الخلاف. مضافا إلى أن السواد إذا كان تمام أرض العراق يقع التعارض بين صحيحة الحلبي (1) ورواية أبي الربيع (2)، وبين ما تدل على أن الموات للامام عليه السلام (3) وكان الترجيح للثانية لموافقتها للكتاب، فان الانفال


(1) و (2) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب عقد البيع - الحديث 4 - 5 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال

[ 76 ]

لله والرسول، ومنه الموات، ولو شك في كون السواد تمام أرض العراق أو محياتها لم تكن الصحيحة حجة في مواتها، فيؤخذ بالروايات الدالة على أنها للامام عليه السلام. فعلى ما ذكر تكون أرض الاعتاب المقدسة وسائر ما حدثت فيه العمارة في عصر الخلفاء ومن بعدهم باقية تحت الاصل الذي قدمناه من كونها للامام عليه السلام وأن من أحياها فهي له، فلا يبقى إشكال فيها. وتوهم العلم الاجمالي بأن كثيرا من أرض العراق كانت محياة فلا بد من الاحتراز عن الجميع مدفوع بأن كثيرا من البلاد معلوم حياتها في عصر الفتح تفصيلا، وهي التي كانت في صدر السلام معروفة مذكورة في جميع الكتب، والتواريخ، وليس لنا علم زائدا على ما ذكر، هذا مع الغض عن عدم منجزية العلم الاجمالي فيما إذا كان بعض الاطراف خارجا عن محل الابتلاء لا لما ذكروه من الوجه في عدم منجزيته، بل لما ذكرنا في محله. ثم إنه في المحياة منها حال الفتح، إن قلنا بأن المستفاد من مجموع روايات الباب أن تلك الارضين خراجية حكما لا موضوعا بمعنى أن الامام عليه السلام أجاز ما فعله الحكام من أخذ الخراج وصرفه، لا أنها خرجت عن ملك الامام عليه السلام وصارت خراجية فلا إشكال، لما مر من أنه لا ينافي ذلك إجازته للشيعة في الاحياء والتملك والتصرفات الاخر، والنهي عن البيع والشراء كما في الروايات المتقدمة وان كان منافيا لذلك لكن يمكن صدورها لاجل مصلحة أو لتقية من الخلفاء، سيما في مثل هذا الامر الذي هو مضاد لمقام السلطنة وولايتهم الجائرة، ولهذا ترى ورود الاجازة

[ 77 ]

في أخذ الجوائز (1) وبقاء الارض الخراجية تحت يد بعض الشيعة (2). وإن قلنا بأن تلك الارضين من العراق وغيره التي فتحت بعد النبي صلى الله عليه وآله خراجية واقعا إما لحصول الشروط أو لسقوطها مع عدم بسط يد الامام عليه السلام فيمكن أن يقال: إن خلفاء الجور إن اخذوا الخراج باسمه وصرفوه كلا أو بعضا في المصارف المقررة من المصالح العامة كانت أعمالهم نافذة، لكون ذلك من الحسبيات، فمع عدم إمكان تصدي من له الحق لو تصدى غيره جاز ونفذ، وإن كان معاقبا لتصدي ما ليس له بل في نفس التصرفات أيضا، نظير من جعل نفسه مضطرا لاكل الميتة لحفظ نفسه، فانه يجب عليه حفظها، ويعاقب على أكل الميتة، وأما إذا كان الخراج متروكا أخذا وصرفا أو صرفا فقط ودار الامر بين ترك تلك الارضين الخراجية خربة وجلاء أهلها إلى محال أخر مما هو غير مرضي للشارع الاقدس وبين بقاء القاطنين وتعميرهم الارضين وصرف منافعها في إعاشتهم التي هي أيضا من المصالح في الرتبة المتأخرة كان الثاني متعينا بعد عدم إمكان القيام بالمصالح العامة من الجهاد ونحوه. ولو أغمض عنه أيضا فكما أن للنبي والامام عليهما الصلاة والسلام بولايتهم العامة الاجازة في تلك الظروف في تملكها وبيعها وشرائها بعد اقتضاء المصلحة كذلك للفقيه العدل ذلك لولايته العامة. ثم إنه مع احتمال الصحة في تصرفات المسلمين وأيديهم على الارضين يوخذ بمقتضى أيديهم، وتحمل أعمالهم على الصحة، وإن شئت قلت: إن تلك الارضين وصلت إلى الطبقة الموجودة من أيدي أسلافهم، مع احتمال كون تملكهم على وجه شرعي، فيجوز لنا ولهم ترتيب آثار الملكية.


(1) الوسائل - الباب - 51 من أبواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 12

[ 78 ]

ثم إن المحكي عن الفاضلين وجمع ممن تأخر عنهما في شروط العوضين بعد الملكية كونه طلقا، وفرعوا عليه عدم جواز بيع الوقف والرهن وغيرهما وقد فسرت الطلقية تارة بتمام الملكية، وأخرى بتمام السلطنة، فان كان المراد من تمام الملكية أن يكون ملكا محضا خالصا عن تعلق حق به ففيه ما لا يخفى، فان العين المستأجرة يجوز بيعها مع عدم كونها ملكا محضا بهذا المعنى، وإن كان المراد خلوها عن الموانع المعدودة المتفرعة عليه فهو لا يرجع إلى محصل، وبهذا يظهر الكلام في التفسير الثاني، مضافا إلى أن تمام السلطنة من شرائط المتعاملين لا العوضين. وعلى أي حال إن كان المراد من الطلق انتفاء الموانع كما أفاد الشيخ الاعظم (قده) فيرجع ذلك إلى اشتراط عدم المانع، وهو مبني على أن عدم المانع من الشروط، كما قيل حتى في التكوين، مع أنه في التكوين واضح الفساد، فان الشرط له خصوصية بها يكون له نحو دخالة في تحقق المعلول إما لكونه شرطا في فاعلية الفاعل أو في قابلية القابل، والاعدام لا تعقل فيها خصوصية، ولا دخالة في تحقق شئ، والتشريع لو كان كاشفا عن مصالح ومفاسد ودخالة الموضوعات والشرائط في نيل المصالح والتخلص عن المفاسد لكان كالتكوين، بل هو عينه بهذا المعنى. فالموانع في التكوين والتشريع على هذا الفرض هي الموجودات التي تزاحم الممنوعات في التحقق، فما اشتهر من أن عدم المانع من أجزاء العلة ليس على ما ينبغي، ولو وقع في كلام أهل التحقيق لا بد وأن يأول. وكذا لو قلنا في التشريع بعدم خصوصية في الشرائط ولا في الموانع بل كل منهما جعلي اعتباري، فما جعله الشارع الاقدس شرطا فهو شرط، وما جعله مانعا فهو مانع على فرض جعليتهما. وكذا على فرض انتزاعيتهما والجعل التبعي، إذ كما أن جعل الشرطية لازمه عدم تحقق المشروط مع

[ 79 ]

عدمه في نظر المقنن وبحسب جعله كذلك لازم جعل المانعية مزاحمة المانع لتحقق الممنوع في نظره وبحسب جعله. وإن شئت قلت. لابد من ترتيب أثر الشروط والمانع الواقعيين، فاعتبار الشرط يقابل اعتبار المانع، فلا يرجع جعل المانع إلى جعل شرطية عدمه، كما أنه لا إشكال في أنه مع جعل المانعية لشئ لا يحتاج إلى جعل الشرطية لعدمه، فانه مع جعل أحدهما يغني عن الآخر أو فرض صحة جعلهما، وكون جعلهما ذا أثر في الجملة ولو في جريان بعض الاصول غير مسلم بل ممنوع، مع أن إرجاع نظر الجاعل إلى مثل ذلك بعيد، ففي موارد دوران الامر بين الشرطية والمانعية لا بد من ملاحظة نفس الماهيات أو ملاحظة الادلة الدالة على الجعل. ففي المقام دار الامر بين مانعية الوقف أو نظائره وبين شرطية عدمها بناء على المسلك المذكور، وإلا فلا دوران على المذهب المنصور، بل يكون الوقف والرهن وغيرهما من الموانع مانعا لا أعدامها شرطا. ثم إن ما قد يقال من أن المانع هو الجامع بين تلك الموارد لا يرجع إلى محصل عند المحصلين، فلا بد من البحث عن كل ما قيل بمانعيته مستقلا. مسألة: لا يجوز بيع الوقف اجمالا، وهو مما لا إشكال فيه، لكن عدم الجواز هل هو لمنافاة ماهية الوقف للجواز أو لصحة بيعه أو لان لازم ماهيته ذلك أو لا ذا ولا ذاك بل لان مقتضى الاجماع أو الادلة الشرعية ذلك؟ فلابد من بيان ماهيته أولا حتى يتضح الامر. والمعروف في تعريفه تحبيس العين وتسبيل المنفعة أو إطلاق المنفعة فقد نقل عن صاحب الجواهر (قده) تبعا لكاشف الغطاء أن الحبس هو

[ 80 ]

الممنوعية عن التصرفات، فإذا جاز التصرف خرج عن الوقفية. وأشكل عليه تارة بأن المنع إما مالكي أو شرعي ولا ثالث، أما عدم كونه منعا مالكيا فلان منع الغير عن التصرف لا يعقل أن يكون موقوفا على القبول، والوقف يصلح أن يتوقف عليه، بل المعروف أنه موقوف عليه، سيما في الوقف الخاص. وأخرى بأن المنع المالكي لا يتصور الا في ظرف بقاء العين على ملك المانع والا فلا معنى لمنعه عما لا مساس له به، والحال أن خروج العين عن ملك الواقف مما لا كلام فيه. ويرد على الاول أن موقوفية الوقف أول الكلام، بل الظاهر عدمها، وان الوقف من الايقاعات كما يأتي، مضافا إلى أن جعل الممنوعية على فرضه ليس ممنوعية لا مساس لها بالقابل، فان الحبس عليه على هذا الفرض قرار كونه ممنوعا عنه نظير شرط النتيجة، وهو يحتاج إلى القبول. وعلى الثاني أن إيقاع المنع إنما هو في زمان مالكيته، فلو كان الحبس هي الممنوعية لكان حصول الممنوعية وخروج العين عن ملكه بانشائها في زمان مالكيته، ولا يعتبر في جعل المالك وتصرفه في ملكه الا كونه ملكا له حال التصرف نظير الشرائط في ضمن العقد، فلو شرط على المشتري عدم بيعه أو شرط اجارته في رأس السنة الآتية صح وان لم يكن ملكا له في رأسها، وهو واضح. نعم يرد عليه أن اعتبار الوقف ليس نفس الممنوعية عن التصرف بل هي من أحكامه، فلو كان المنع أو الممنوعية نفس ماهيته جاز ايقاع الوقف بقوله: جعلتك ممنوعا أو أنت ممنوع من التصرفات، والضرورة قاضية بأن هذا ليس وقفا ولا موجبا لدر المنافع على الموقوف عليه، وليس

[ 81 ]

ذلك إلا لان الحبس أو الوقف ليس هي الممنوعية، مضافا إلى أن الوقف ليس له حقيقة شرعية، بل هو أمر عقلائي رائج بين منتحلي سائر الملل بل لعله مرسوم عند غير منتحلي الاديان أيضا، والمفهوم العقلائي منه ليس هي الممنوعية، وسيأتي توضيحه إنشاء الله تعالى. وقد يقال: " إن الحبس هو قصر الملك على شخص أو جهة بحيث لا يتعداهما، وحيث إن الملكية حقيقة واحدة لا تتفاوت في الوقف وغيره، فحيثية عدم التعدي عن موضوعها راجعة إلى عدم نفوذ التصرف شرعا، فيكون تفاوت الملك في الوقف مع غيره بكونه محكوما شرعا بعدم الانتقال من موضوعه - إلى أن قال: مرجع قصر العين ملكا مثلا قصر ملكيتها على شخص، لا أن المنشأ والمتسبب إليه نفس اعتبار الملكية، فانه غير مناسب لمفهوم الوقف - إلى أن قال: ولو فرض أن المنشأ في الوقف هو الملكية فالظاهر من حيث كون الحبس والقصر ملحوظا للواقف وأن نظره إلى إنشاء الملك المقصور على الشخص هو التسبب إلى حصة من طبيعي الملكية الملازمة للحكم الشرعي بعدم الانتقال إلى غيره " انتهى. وفيه أن ماهية الحبس إذا كانت قصر الملك على شخص أو جهة وأن تفاوت الملك الحاصل بالبيع ونحوه مع الحاصل بالوقف إنما هو بأمر خارج هو عدم نفوذ التصرف شرعا ففي كل مورد لم يحصل قصر الملك بهذا المعنى لابد من الالتزام بأحد امرين فاسدين بالضرورة، إما الالتزام بأن الوقف على غير ما يصلح للمالكية نظير الوقف على الحيوانات أو على معنى مصدري نظير الاحجاج والارسال إلى المشاهد، ووقف المسجد والمشعر خارج عن ماهية الوقف، أو الالتزام بأن الحيوان والبستان والمعاني المصدرية تصير بالوقف مالكا، فلو وقف شئ على الاحجاج يصير الاحجاج مالكا، أو على بستان الوحش يصير الوحش أو البستان مالكا، وهو كما ترى،

[ 82 ]

والالتزام بأن حقيقة الوقف تختلف باختلاف الموارد له في كل مورد معنى لا يقصر عن الالتزامين المتقدمين، وفي كلامه موارد نظر، بل تناقض لا يهمنا البحث عنها. ثم إن الاقسام التي ذكروا للوقف كوقف المسجد والمشهد والقناطر والخانات والعام والخاص إلى غير ذلك ليست أقساما للوقف، بل أقسام لمتعلقه، والوقف حقيقة واحدة في جميع الموارد، والوقف على الجهة العامة ليس في الوقفية ممتازا عن الوقف الخاص، بل امتيازهما بالمتعلق بعد اشتراكهما في الحقيقة، وكذا سائر الاقسام، فعلى ذلك لو كان بعض أقسامه مما لا يعقل فيه الملكية والمالكية كالامثلة المتقدمة نستكشف منه أن الوقف بما هو ليس تمليكا ولا قصرا للملكية، فلا بد من تعريفه بوجه يدخل فيه جميع موارده مع الغض عن متعلقاته، فما يظهر من بعضهم من أن الوقف قد يكون تحريرا وقد يكون تمليكا لا ينبغي أن يصغى إليه. والذي يمكن أن يقال: أن اعتبار الوقف في جميع الموارد إيقاف الشئ على جهة أو شخص أو غيرهما ليدر المنافع منه عليها، فبقوله: " وقفت عليه " مع التعدية بعلى المقتضية للعلو كأنه جعل العين في الاعتبار على رأس الموقوف عليه لا تتعداه، ليدر منافعها عليه، ولا تتعدى المنافع عنه تبعا لعدم تعدي نفس العين عن رأسه اعتبارا، وهذا المعنى مع كونه موافقا للاعتبار العقلائي صادق في جميع الموارد. نعم لا يبعد في المساجد والمعابد التي في سائر الاديان أن يكون اعتبارها غير اعتبار الوقف، وهو اعتبار المسجدية والمعبدية، وهو أمر آخر غير الوقف وإن اشترك معه في بعض الاحكام، فلو قال: وقفت هذا المكان لانتفاع المسلمين في عباداتهم لا يصير مسجدا يترتب عليه أحكامه، ولو قال: جعلته مسجدا يصير مسجدا يترتب عليه الآثار ولو كان غافلا

[ 83 ]

عن الوقف على المسلمين، ولو قال: وقفت على المسلمين ليكون مسجدا لهم صح مسجدا، ويكون وقفا موافقا لسائر الموارد. ولو قيل: إن الوقف مقابل الحركة واللاسكون فلابد من لحاظ عدم الحركة، وعدمها ليس في المكان، بل في الاعتبار، وهو عدم النقل، كالبيع وغيره، فيرجع الوقف إلى جعل الشئ ساكنا عن الانتقال وممتنعا عن التصرفات الناقلة والمعدمة، كما هو المنقول عن الجواهر. قلنا: الوقف على الشخص أو الجهة مقابل التجاوز عنه، فإذا وقف على شخص صار هو الموقوف عليه، أي وقف عليه ولم يتعد عنه إلى غيره. هذا لو سلم لحاظ عدم الحركة والوقوف عن الحركة في الوقف، ولكن الظاهر عدم لحاظها في الوقف، فلا ينقدح في ذهن الواقف إلا عنوان الوقف على فلان أو على كذا، وعلى ما ذكرناه ليس بين ماهية الوقف وجواز النقل أو نفس النقل مضادة ومنافرة. وتوهم كون الوقف الدائم والمؤبد منافيا للنقل، من أجل أن النقل ولو سلم عدم منافاته لنفس الوقف لكنه مناف لدوامه غير وجيه لان الدوام والانقطاع فيه كالدوام والانقطاع في باب النكاح، فكما أن النكاح الدائم لا ينافي جواز الطلاق أو نفسه فمعنى دوامه أنه لا أمد له حتى ينقضي في رأسه وإن أمكن وصح قطعه بالطلاق فكذلك الدوام في الوقف معناه أنه غير منقطع حتى ينقضى في رأس أمده، فما لم يكن سبب لفسخه فهو باق بخلاف المنقطع الذي يكون اقتضاؤه قصيرا وإلى وقت محدود، فتحصل مما ذكر أن الوقف بنفسه غير مانع عن النقل، فلابد من إقامة دليل على المنع. ويمكن الاستدلال عليه بعدم كونه مملوكا لا للواقف ولا للموقوف عليه بل هو تحرير وفك ملك، فلا يصح بيعه، فانه لا بيع إلا في ملك، ولو تم

[ 84 ]

ذلك يكون بطلان بيعه من جهة عدم الاقتضاء لا لوجود المانع أو لفقد الشرط، وهو عدم الوقف، ويتم ذلك لو ضم إليه عدم ثبوت ولاية وسلطنة لاحد على بيعه في غير ما استثني منه. أما عدم ملك الواقف فلا شبهة فيه، لا لما قيل من أن الوقف تمليك خاص أو تمليك حصة خاصة أو قصر الملكية، ولازمه زوال ملكه، لما تقدم ما فيه. ولا لما قيل من أن ذلك هو المراد من إنشائه الذي شرع الشارع المعنى المتعارف فيه على نحو شرعه في باقي العقود وإن جعل لها شرائط صحة ولزوم، فانه إن رجع إلى أنه من العقود وكل عقد يقتضي زوال ملك الموجب ففيه منع كلية الكبرى، بل منع الصغرى أيضا على ما يأتي التنبيه عليه، وإن رجع إلى أن إنشاء الوقف شرع لذلك ففيه أنه مصادرة. ولا لانه صدقة، والصدقة اقتضاؤها زوال الملك، لمنع كلية الكبرى لامكان كونها صدقة باعتبار منافعها، وسيأتي الكلام في منع كونها صدقة رأسا. بل للاجماع، بل الظاهر كونه ضروريا عند المتشرعة، بل التنافي بين كون الشئ وفقا وكونه ملكا للواقف كأنه ضروري عند العوام فضلا عن الخواص. ويمكن الاستدلال عليه أيضا بأن اعتبار الملك عند العقلاء انما هو في ما له أثر ولو في الجملة، والواقف بعد تمام الوقف لا مساس له به لا في المنافع ولا في التصرف في العين مطلقا، فلا يكون ملكا بعد ما كان الملك وسائر الاعتبارات العقلائية في العقود والايقاعات وغيرهما من الاعتبارات المستتبعة للعمل، والاعتبار الصرف بلا أثر لغو. إلا أن يقال: إن زوال الاثر مطلقا ممنوع، لامكان كونه ملكا

[ 85 ]

لاجل رجوعه إليه عند انقراض الموقوف عليه، وصحة بيعه عند مجوزاته تأمل. وكيف كان لا ينبغي الاشكال في زوال ملك الواقف. وأما الدخول في ملك الموقوف عليه فقد استدل عليه بأن فائدة الملك موجودة، فان النماء للموقوف عليه، فالملك له، ولو أتلفه متلف ضمن له، وهو ملازم للملكية، ولا يخفى ما فيه، ضرورة عدم الملازمة بين ملكية النماء وملكية العين، كما في العين المستأجرة، وملازمة كون النماء دائما له للملكية كما في الوقف أول الكلام. وأما الضمان بقاعدة الاتلاف فلا يلازم الملكية أيضا، فان قاعدة الاتلاف قاعدة عقلائية ليست من مؤسسات الشريعة، وما عند العقلاء أوسع من نحو " من أتلف مال الغير " أو ما يستفاد منها القاعدة، فلو أتلف العين المرهونة ضمن للمرتهن كما ضمن للراهن، وصار المضمون بعد أخذه رهنا، بل لو أتلفها الراهن كان ضامنا مع كونها ملكا له دون المضمون له. وبالجملة إن الضمان العقلائي متحقق في الاوقاف العامة والخاصة، فلو أخرب القنطرة أجبر على تعميرها أو أخذ قيمتها منه وصرفت في تعميرها بل ضمان الاتلاف محقق حتى في الوقف على الحيوانات وعلى الامور المصدرية كالاحجاج، فلابد للضامن من جبران الخسارة وإعطاء قيمة المتلف ليبتاع نحوه ويكون وقفا على الموقوف عليه، ولو غصب الموقوف غاصب ضمن ضمان اليد في مطلق الوقف، ولا بد من إرجاعه، ولو تلف ضمن الخسارة وصارت الخسارة وفقا. ويظهر من الجواهر الاستدلال لزوال الملك عن الواقف بكون الوقف عقدا لابد فيه من القبول، وربما يقال: إن مقتضى كونه عقدا خروجه

[ 86 ]

عن ملك الواقف ودخوله في ملك الموقوف عليه، وإلا فلا وجه لقبوله، وحاصل الاستدلال أن الوقف عقد والعقد مقتضاه خروج العين عن ملك الموجب ودخوله في ملك القابل. وفيه منع الصغرى، فان الوقف بالمعنى المشترك الحاصل في جميع موارده لا يعقل أن يكون عقدا، ضرورة أن الوقف على حمام بيت الله أو على الوحوش في حرم الله مثلا لا يعقل أن يكون عقدا بين الواقف والموقوف عليه، ولا ثالث في مثله يقبل الوقف أو يكون قابلا للتعاقد والتملك، فلا بد من الالتزام إما بأن مثله ليس بوقف، وهو كما ترى وإما بأن الوقف مختلف المعنى ففي مورد يكون إيقاعا وفي مورد عقدا، وهو أيضا باطل، وإما بكون الوقف في مثله باطلا، فهو أيضا مخالف لاطلاق الادلة بعد صدق الوقف عليه، مع أن بطلانه شرعا لو فرض لا ينافى صدق الوقف عليه، فيتضح منه أنه من الايقاعات، وهو موافق لاعتبار الوقف في تمام موارده، مع أنه لم يتعارف في الوقوف على كثرتها قبول الموقوف عليه أو الحاكم. فهل ترى في المساجد والخانات والقناطر الموقوفة على كثرتها التي لاتعد في أقطار بلاد المسلمين وغيرهم الارجاع إلى المجتهد الجامع للشرائط أو وكيله، فالسيرة القطعية قائمة على خلاف ما ذكر، فالانصاف أن الالتزام بكونه عقدا ثم التكلف في بعض الفروع المتفرعة عليه مما لاوجه معتد به له. ومنع الكبرى، فان استلزام القبول في كل مورد للملكية مما لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، فان كثيرا من العقود المركبة من الايجاب والقبول لا يكون متعلقها ملكا، كعقد العارية والوديعة والنكاح وصلح

[ 87 ]

الحقوق وغير ذلك، نعم قبول التمليك لازمه الملكية، والوقف ليس اعتباره التمليك كما مر. وأشار صاحب الجواهر (قده) في خلال كلامه إلى دليل آخر على مقصوده، وهو أن هذه الموقوفات أموال تضمن بالتلف، وليس في الشرع مال بلا مالك، والفرض خروج الواقف عنه، وليس غير الموقوف عليه مالك، فلا بد من مالكيته. وفيه أنه إن كان مبنى الاستدلال ان كل مال له مالك ففيه مالا يخفى فان المباحات كالكنوز والمعادن أموال بلا مالك، وإن كان مراده أن المال في الشرع لا بد له من مالك حتى يرجع إلى أن الشارع له اصطلاح خاص في المال فهو غير مستند إلى دليل، بل لاشبهة في عدم اصطلاح خاص له في مثله، وإن كان المراد أنه لا مال مضمون في الشرع بلا مالك فقد مر ما فيه، وأن كان المراد أن الضمان في العرف يخالف الضمان في الشرع وان الضمان في الشرع يساوق المالكية فهو ايضا غير ظاهر، فان الحقوق مضمونة كحق الرهن فلو أتلف متلف حتى الراهن العين المرهونة ضمن قيمتها، وتكون رهنا، مع أن ضمان إتلاف المال أعم من ضمان الملك، فان حق التحجير مال للمحجر، وضمان إتلاف المال شامل له، وكذا سائر الحقوق التي لها مالية. واستدل على مطلوبه بأن الوقف قسم من الصدقات، فلابد وأن يكون تمليكا، ثم استند في ذلك إلى بعض روايات دلت على أن نفس الاعيان صدقة، كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الحاكية لوصية أبي الحسن الكاظم عليه السلام (1). وفيه - مضافا إلى عدم دليل على كلية الكبرى، فان جعل العين


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 4

[ 88 ]

محررة موقوفة على المسلمين أو على سبل الخير صدقة عليهم، مع أنه ليس تمليكا، وإثبات أن الوقف كالزكاة وغيرها مما يتملكه الآخذ يحتاج إلى دليل مفقود - أن إطلاق الصدقة على الوقف أعم من الحقيقة، وأصالة الحقيقة إنما تجري في الموارد التي شك في المراد بعد معلومية الموضوع له، واما مع العلم بالمراد والشك في الحقيقة أو في الاطلاق الحقيقي فلا مجرى لها، كما هو واضح. مع أن الوقف إذا لم يقصد به القربة ليس صدقة، بل معنى الوقف غير معنى الصدقة لغة وعرفا، فان الصدقة ما يقصد به الله، والوقف لا يشترط فيه القربة، فليس كل وقف صدقة، والتفصيل بين ما كان صدقة وغيرها لا يرضى به القائل أيضا مع ظهور فساده. وبالجملة إن تمامية البرهان موقوفة على أن كل وقف صدقة وكل صدقة توجب الملكية، مع أن كلية الصغرى ممنوعة بلا إشكال، لعدم اعتبار قصد القربة في الوقف مع اعتباره في الصدقات، والتفصيل في الوقف الخاص أو العام بين القسمين باطل جزما. وتوهم أنه إذا حصل الملك في الصدقة نستكشف الملكية في القسم الآخر للجزم بعدم الفرق مدفوع بامكان العكس، بأن يقال: إذا كان قسم منه لا يوجب الملكية بحسب الاعتبار العقلائي وسائر ما تقدم يستكشف منه عدم الملكية في القسم الذي هي صدقة، مع إمكان أن يقال: إن ما تمسك بها من الروايات لاثبات الملكية تدل على عدمها. ففي صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج الحاكية لوصية الكاظم عليه السلام " تصدق موسى بن جعفر بصدقته هذه. وهو حي صحيح صدقة حبسا بتا بتلاء مبتوتة لا رجعة فيها ولا رد " الخ (1) إذ وصفها بأنها حبس


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 4.

[ 89 ]

ومنقطعة عن غيرها، فان قوله عليه السلام: " بتأ بتلاء مبتوتة " تأكيد بعد تأكيد بأن الوقف منقطع عن غيره، ولا مالك له، والحمل على الانقطاع عن الواقف كما حمل عليه صاحب الجواهر (قده) لا وجه له، مع أنه خلاف ظاهره وإطلاقه، فذكر هذه الاوصاف للامتياز بين هذه الصدقة وغيرها مما لا يكون محبوسا ولا مقطوعا عن غيره بنحو الاطلاق، وإلا فالمقطوعية عن المتصدق يشترك فيها جميع الصدقات، وانما تمتاز هذه الصدقة عن غيرها بمقطوعيتها عن الغير مطلقا، فتدل الرواية على المطلوب. وكذا صحيحة أيوب بن عطية عن أبي عبد الله عليه السلام في كيفية وقف أمير المؤمنين عليه السلام عين ينبع، حيث قال: " هي صدقة بتة بتلاء " (1). بل الظاهر من رواية عجلان أبي صالح ورواية ربعي بن عبد الله (3) أن الوقف ليس تمليكا على الموقوف عليه، ففي الاولى " أملى أبو عبد الله عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به فلان بن فلان وهو حي سوي بداره التي في بني فلان بحدودها صدقة لا تباع ولا توهب حتى يرثها وارث السماوات والارض، وأنه قد أسكن صدقته هذه فلانا وعقبه فإذا انقرضوا فهي على ذوي الحاجة من المسلمين " وفي الثانية عن أبي عبد الله عليه السلام قريب منها في صدقة أمير المؤمنين عليه السلام، فانه بعد جعل الصدقة قال: " وأسكن هذه الصدقة خالاته " الخ، فان الظاهر منهما الذي لا ينبغي أن ينكر أن ما للموقوف عليه نفس السكنى أو منافع الوقف لا ملك العين. ويمكن تقريب ملكية الموقوف عليهم للعين بأن لا إشكال نصا وفتوى


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 2 - 3 - 4

[ 90 ]

في جواز بيع الوقف في بعض الصور الآتية فيستكشف من نفس الجواز والصحة ملكيته، فان البيع مبادلة مال بمال في الملكية، وقد ورد " لا بيع إلا فيما تملكه " (1) ولا يعقل تبادل الملكية إلا مع كون الموقوف ملكا، فلا محالة يكون له مالك، ولا يكون أحد صالحا للمالكية إلا الموقوف عليه ضرورة أن الواقف زال ملكه إجماعا، ولا مالك آخر، فلا بد وأن يكون الموقوف عليه، وايضا إن المشترى يملك الوقف بعد اشترائه، ويتفرع ملكيته على ملكية مالك الوقف، لما ذكر من الوجه، وأيضا إن المتصدي للبيع هو الموقوف عليه، فلابد وأن يكون مالكا، وأيضا إن الثمن يدخل في ملكه في بعض الصور، فلا بد وأن يكون المبيع خارجا عن ملكه في مقابله. وأنت خبير بما فيه، فان صحة البيع لا يتوقف على ملكية المبيع، وليس البيع مبادلة مال بمال في الملكية بهذا المعنى، ضرورة أن بيع الكلي بيع، ولا يكون الكلي ملكا قبل البيع، وبعده يصير ملكا للمشتري، وبيع بعض الاوقاف مما لا يعقل ملكيته لاحد صحيح في بعض الصور. ومنه يظهر النظر في الوجه الثاني بل الثالث، فان المتصدي لا يلزم أن يكون مالكا، مع أن تصدي الموقوف عليه ممنوع، وانما قال به من قال بمالكيته، وهي ممنوعة، وبالجملة جواز تصديه فرع مالكيته، نعم في ظاهر بعض النصوص جواز تصديه، وسيأتي الكلام فيه. مضافا إلى أنه لو فرض جوازه فلا يدل على مالكيته، لامكان صيرورته وليا شرعا للنقل عند طرو المجوز، فانه مع جواز البيع لا يكون أحد أمس بالعين منه، كما أن ملكية الثمن لا يدل على ملكية الوقف، أما على القول ببطلان الوقف عند طرو المجوز فواضح، وأما على القول ببقائه وقفا


(1) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب عقد البيع - الحديث 4.

[ 91 ]

وبطلانه بنفس النقل فلامكان أن يقال إنه بعد ما لا يمكن أن يشترى بالثمن بدل الوقف لقلته أو لمحذور آخر يكون دخول الثمن في ملك الموقوف عليه إما لانه نحو در للمنفعة في هذه الحال أو لكونه أمس بالعين من غيره، فان له حقا عليها، ولعل ذلك صار موجبا لتمليك الشارع إياه، بل لعل ذلك عقلائي عند طرو المجوز وتعذر البدل. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) قد استدل على عدم جواز بيع الوقف بمكاتبة الصفار الصحيحة أنه " كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام في الوقف وما روي فيه عن آبائه عليهم السلام فوقع: الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها انشاء الله " (1) وقد ورد نحو ذلك في ذيل مكاتبة أخرى للصفار (2) أيضا مع صدر سيأتي الكلام فيه. ونقول في بيان مفادها إجمالا إنه مع الغض عن صدرها، يحتمل فيه أن يكون المراد أن نقوذ الوقوف تابع لايقاف الواقف من غير نظر إلى الجهات الخارجة عن نفس الايقاف، بمعنى أنه بصدد بيان كيفية الوقف في نفسه، وأنه تابع لجعل الواقف وإيقافه، فان وقف على الجهات العامة نقذ وصح، أو على شخص أو على أشخاص كذلك، فيكون الموقوف عليه على حسب إيقافه سعة وضيقا وإطلاقا وتقييدا، وأما الجهات الخارجية كاشتراطه على الموقوف عليهم شيئا أو اشتراطه رجوع الوقف إليه أو إلى غيره عند الاحتياج أو غير ذلك من القيود والشروط فمسكوت عنها، فانها خارجة عن نفس الايقاف بما هو. ويحتمل أن يكون المراد أن الوقف تابع لجعل الواقف في أصله ومتعلقاته وشرائطه، فيشمل الشرائط المتقدمة والقيود اللاحقة بالوقف، وأما المنع


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 2.

[ 92 ]

عن بيعه أو نقله وكذا تجويزه فمسكوت عنه. ويحتمل الشمول لذلك ايضا، فيكون المراد أن الوقوف على حسب قرار الواقف في تعيين الموقوف عليه، وفي كل قيد وشرط، وفي جواز البيع ولا جوازه، فان قال: " وقفت وقفا لا يباع ولا يوهب " يتبع، وإن قال: " وقفا يباع عند طرو حاجة أو كون البيع أعود يتبع، كما ورد في وقت أمير المؤمنين عليه السلام " صدقة. لا تباع ولا توهب ولا تورث " (1)، وفي وقف الكاظم عليه السلام " صدقة. لا رجعة فيها ولا رد، لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيعها " الخ (2) بأن يقال: إن الظاهر من أمثالها هو أنها من تتمة الجعل لا بيان الحكم الشرعي، فانه خارج عن وظيفة الجاعل والواقف، وعلى هذا الاحتمال تدل الرواية على أن الوقف من حيث ذاته لا يقتضي عدم النقل، بل هو غير مقتضي للنقل وعدمه، وانما الصحة واللاصحة تابعة لجعل الواقف وقراره، ومع عدم قراره يصح بيعه على القواعد. ولعل الاظهر من بين الاحتمالات مع الجمود على الظاهر هو الاحتمال الاول إن كانت الجهات الآخر خارجة عن وقفه وإيقافه بأن يقال: إنها ناظرة إلى نفس الايقاف من غير نظر إلى الجهات الخارجية، ولا يبعد استظهار الاحتمال الثاني بل الثالث على تأمل بمناسبات عرفية مغروسة في الاذهان فتكون ناظرة إلى جميع ما قرره الواقف، فكأنه قال: كل ما قرره الواقف نافذ، هذا على فرض استقلال تلك الجملة. وأما مع ملاحظة صدر الرواية لو لا الصحيحة الآتية المفصلة، فمن


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 4

[ 93 ]

المحتمل أن يكون المراد من السؤال عن الوقف وما روي فيه عن آبائه هو السؤال عن الروايات المتنافية في الظاهر، فان في بعضها عدم جواز شراء الوقف، كرواية علي بن راشد (1) وفي بعضها أخذ عدم البيع والهبة في ضمن جعل الوقف، كصحيحة أيوب بن عطية (2) ورواية ربعي بن عبد الله (3) وفي بعضها جواز البيع بمجرد الاحتياج وكون البيع خيرا لهم كرواية جعفر بن حيان (4) وفي بعضها التفصيل بين الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز، وعلى قوم من المسلمين فيجوز عند الاحتياج (5) إلى غير ذلك من الاختلافات، فأراد السائل الوجه في الاختلاف وطريق الجمع فيها، فأجاب (ع) بأن الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها، وأن اختلاف الروايات بحسب اختلاف جعل الواقف، وهذا وإن لم يكن جمعا عرفيا لو خلينا وأنفسنا، لكن مع تلك الصحيحة نحمل على ذلك. وأما احتمال أن يكون المراد من السؤال عن الوقف وما روي فيه الاستفهام عن ورود رواية في الوقف، فأجاب (ع) ان ماروي هو ذلك، وأراد تكذيب سائر الروايات فمقطوع الخلاف، هذا لكن الاحتمال المتقدم أيضا لا يستند إلى ركن. والظاهر أن ذلك إجمال لما فصل في صحيحة أخرى للصفار عن أبي محمد عليه السلام قال: " كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله عن الوقف الذي يصح كيف هو؟ فقد روي أن الوقف إذا كان غير موقت فهو باطل مردود على الورثة، وإذا كان موقتا فهو صحيح ممضى، قال قوم: ان الموقت هو الذي يذكر فيه أنه وقف على فلان وعقبه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الارض ومن عليها، وقال


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث - 1 - 2 - 4 - 8 - 9

[ 94 ]

آخرون: هذا موقت إذا ذكر أنه لفلان وعقبه ما بقوا ولم يذكر في آخره للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الارض ومن عليها، والذي هو غير موقت أن يقول: هذا وقف ولم يذكر أحدا، فما الذي يصح من ذلك وما الذي يبطل؟ فوقع عليه السلام الوقوف بحسب ما يوقفها إن شاء الله " (1). والظاهر من قوله: " هذا " أن الوقف صحيح في جميع الفروض وأن صحته تابع لجعل الواقف وإيقافه، سواء كان مؤبدا أو غير مؤبد، كالموقت الذي ذكره آخرون، أو الموقت بوقت محدود مثل أن يقول: هذا وقف على فلان عشرين سنة، بل الظاهر الصحة إذا لم يذكر الموقوف عليه وقال: هذا وقف أو هذه صدقة جارية لا تباع ولا توهب مما يفيد جعل الوقف، وفي هذه الصورة يجعل المنافع في سبل الخير. إلا أن يقال: إن قوله عليه السلام: " بحسب ما يوقفها " يراد منه أنه لابد فيه من الموقوف عليه لاقتضاء الايقاف للموقوف عليه، فبقي سائر الصور، لكن في صحيحة علي بن مهزيار ما ينافي ذلك، قال: " قلت: روى بعض مواليك عن آبائك عليهم السلام أن كل وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة، وكل وقف إلى غير وقت جهل مجهول فهو باطل مردود على الروثة وأنت أعلم بقول آبائك عليهم السلام فكتب: هكذا هو عندي " (2). فان الظاهر منها التفصيل بين الوقت المعلوم، كما لو قال الواقف: وقفت إلى الابد أو ما يفيد ذلك، كقوله: " على الفقراء إلى أن يرث الله الارض " فانه أيضا من الوقت المعلوم وإن لم يكن محدودا، أو قال: إلى عشرين سنة، وبين الوقت المجهول كأن يقول: " على فلان وعقبه "


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 2 - 1

[ 95 ]

أو يقول: " على فلان إلى قدوم الحاج " أو نحو ذلك أو لا يذكر شيئا ويقول: " هذا وقف على فلان " فانه أيضا يكون إلى غير وقت. ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله: " إلى غير وقت جهل مجهول " على ذكر الواقف وقتا غير معلوم كأن يقول: " وقفت على فلان إلى وقت ما أو إلى قدوم الحاج " وأما الوقف على فلان وعقبه مما لم يذكر فيه الوقت فهو خارج عن الوقف إلى وقت مجهول، لعدم كون ما ذكر وقفا إلى وقت، فبقي الباقي تحت اطلاق رواية الصفار، وللمسألة محل آخر. وأما توجيه الرواية بما وجهها شيخ الطائفة (قده) فهو خارج عن فهم العرف، ومخالف لظاهرها، بل ظاهرها مخالف لدعواه في كون الوقت كان اصطلاحا في الموقوف عليه. وكيف كان إن قوله عليه السلام: " الوقوف تكون على حسب ما يوقفها " لا يدل على عدم جواز بيعها، أما على فرض شموله لجواز النقل ولا جوازه فواضح، بل على هذا يدل على عدم كون الوقف مقتضيا للنقل ولا لعدمه، وعلى أنهما يتبعان جعل الواقف، ومع عدم اقتضائه عدم النقل يصح بالادلة العامة الدالة على صحة العقود. وأما على سائر الاحتمالات فلانه بصدد بيان أنه تابع في الايقاف أو في سائر المتعلقات لجعله، أي لا يتجاوز عنه، وأما النقل وعدمه فخارجان عن مفاده، ولا تعرض فيه لهما، ومقتضيات ماهيه الوقف كنفس ماهيته والاحكام الشرعية المترتبة عليها خارجة عن مفاده، مع أنه قد عرفت عدم كون الامتناع عن النقل داخلا فيها. مضافا إلى أن التشبث بها خروج عن طريق الاستدلال واستقلال الدليل، كما أن التشبث بمخالفة النقل لابدية الوقف النافذة بمثل الرواية مع أنه خروج عن طريق الاستدلال أيضا غير وجيه، لان غاية ذلك أن

[ 96 ]

الوقف في الابدية والانقطاع تابع لايفاف الواقف، وهو لا يقتضي، إلا أنه مع عدم سبب للنقل يكون باقيا مقابل المنقطع الذي يكون له أمد كالعقد الدائم مقابل المنقطع، فلا دليل على لزوم الوقف وعدم جواز النقل، ويحتمل أن يكون كالهبة أو كالوصية حال حياة الموصي، فلو ورد إن الهبة على حسب ما جعلها الواهب أو إن النكاح على حسب ما يعقده الزوجان في الدوام والانقطاع لم يدل ذلك على عدم جواز الفسخ أو النقل أو الطلاق، وبالجملة الدوام مقابل الانقطاع لا مقابل عدم النقل بسبب حادث. مضافا إلى أنه لو سلمت دلالته على عدم جواز النقل لم يسلم شموله لمنع نقل الواقف، بل الظاهر منه أنه ليس لاحد تغيير ما وقفه الواقف وأما عدم الجواز بالنسبة إليه فلا، بل الظاهر أن هذا لمراعاة حال الواقف لا الوقف، تدبر. واستدلوا لذلك بما ورد من حكاية وقف الائمة عليهم السلام، ففي بعضها حكاية وقف أمير المؤمنين عليه السلام، كصحيحة ايوب بن عطية، وفيها " هي صدقة بتة بتلاء في حجيج بيت الله وعابري سبيله، لاتباع ولا توهب ولا تورث، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ". (1) وفي بعضها حكاية كتابة أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما تصدق، كصحيحة ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " تصدق أمير المؤمنين عليه السلام بدار له في المدينة في بني زريق، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به علي بن أبي طالب وهو حي سوي تصدق بداره التي في بني زريق صدقة لاتباع ولا توهب حتى يرثها الله الذي يرث


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 2.

[ 97 ]

السماوات والارض، وأسكن هذه الصدقة خالاته " (1). وفي بعضها حكاية إملاء أبي عبد الله عليه السلام، كرواية عجلان (2) وهي موثقة على رواية الكليني (قده) إن كان الراوي عن أبان أحمد بن إدريس كما في الوسائل، وأما إن كان أحمد بن عديس كما في الوافي ومرآت العقول والتهذيب المطبوع في النجف فلا. وفي بعضها حكاية صدقة أبي الحسن عليه السلام، كصحيحة ابن الحجاج. وفيها " تصدق موسى بن جعفر عليه السلام بصدقته هذه وهو حي صحيح صدقة حبسا بتا بتلاء مبتوتة لا رجعة فيها ولا رد ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيعها أو يبتاعها. ولا يهبها ولا ينحلها. ولا يغير شيئا مما وصفته عليها حتى يرث الله الارض ومن عليها " (3) الخ. وقد استدل على بعضها الشيخ الاعظم (قده) قائلا: " إن الظاهر من الوصف كونها صفة لنوع الصدقة لا لشخصها. ويبعد كونها شرطا خارجا عن النوع مأخوذا في الشخص. مع أن سياق الاشتراط يقتضي تأخره عن ركن العقد أعني الموقوف عليهم. خصوصا مع كونه اشتراطا عليهم. مع أنه لو جاز البيع في بعض الاحيان كان اشتراط عدمه على الاطلاق فاسدا. بل مفسدا لمخالفته للشرع " الخ. وهذا مبني على ما ذهب إليه من أن الوقف من العقود. وأن الموقوف عليهم ركن العقد، وأن ما ذكر في الرواية من أنه " لا تباع ولا توهب "


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من كتا ب الوقوف والصدقات الحديث 4 - 3 (3) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 4

[ 98 ]

شرط في ضمن العقد على الموقوف عليهم. ولكن قد تقدم أن الوقف من الايقاعات لا العقود. وهذه الروايات أيضا شاهدة لما ذكرناه بالتأمل والتدبر فيها. وعليه يسقط جميع ما أفاده (قده) من الشواهد. مع أنه لو سلم جميع ما أفاده فلا يفيد في تأسيس قاعدة كلية، لعدم جواز بيع الوقف مطلقا كما هو المدعى، فان بين الوقف والصدقة عموما من وجه، لاعتبار قصد القربة في الصدقات وقفا كانت أو غيرها كالزكاة والصدقات المندوبة، وعدم اعتباره في الوقوف حتى الوقوف العامة فلو وقف على أولاده أو على الفقراء بلا قصد القربة صح، فلا يمكن إثبات عدم جواز بيع الوقوف مطلقا بتلك الروايات لو فرض أنها دالة على المطلوب، واحتمال إلغاء الخصوصية غير مسموع، فان للصدقات خصوصيات ليست لغيرها، ولعل الوقوف إذا كانت من قبيل الصدقات لا يجوز بيعها ونقلها. مضافا إلى النظر في دلالتها، فان ما حكت عن إنشاء الامام عليه السلام لفظا - وهي صحيحة أيوب بن عطية الحاكية عن إنشاء أمير المؤمنين عليه السلام (1) وصحيحة ابن الحجاج الحاكية عن إنشاء موسى بن جعفر عليهما السلام (2) - لاظهور فيهما في أن ما ذكر وصف للصدقة، بل الظاهر منهما سيما الثانية خلافه، فان قوله عليه السلام: " لاتباع " بعد تمامية الوقف وذكر الموقوف عليهم كما في الاولى لا يناسب كونه وصفا مع الفصل بالاجنبي.


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 4.

[ 99 ]

ولا شبهة في أن ذلك جملة إخبارية في مقام الانشاء، والمقصود الجدي هو الزجر عن بيعه وهبته، والظاهر من ذلك أن الزجر والنهي من الواقف لا أنه حكاية للزجر التشريعي من الله تعالى، وهو المناسب لقوله عليه السلام " فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله " الخ، كما هو المتعارف في أمثال ذلك عند الناس. مع أن ملاحظة ساتر الروايات كقوله عليه السلام: " الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها " (1) على بعض الاحتمالات المتقدمة، وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج الحاكية عن وقف أمير المؤمنين عليه السلام (2) وفي مواضع منها أجاز بيع الوقف لقضاء الدين أو لغيره - توجب تقوية احتمال كون قوله عليه السلام: " لاتباع ولا توهب " لبيان جعله وقراره لعدم البيع مقابل جعله لجوازه كما في صحيحة ابن الحجاج (3)، فيستفاد من المجموع أن الوقف على قسمين: قسم يوقفه الواقف ويقيده بعدم جواز بيعه، وقسم يقيده بالجواز، ويكون الوقف في الجواز واللاجواز تابعا لجعله، وعلى حسب ما يوقفه أهله، ولو لم يذكر في الوقف شيئا من الجواز وعدمه فلابد من التماس دليل آخر على ذلك. ثم لافرق في عدم استفادة بطلان بيعه من الرواية بين كون قوله عليه السلام: " لا تباع ولا توهب " وصفا للصدقة وبين عدمه، كما استظهرناه، فان الوصف مردد بين كونه وصفا معهودا في الشرع، والمراد أن هذه الصدقة لاتباع ولا توهب في الشرع كناية عن الوقف وإنشاء له


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 3

[ 100 ]

وبين كونه وصفا وصفه إياه من قبل نفسه، والمراد أنها صدقة لاأجيز بيعها وهبتها، فان الجملة الاخبارية على الفرضين لا تكون إخبارا حقيقة فان كثيرا من الاوقاف بيعت خارجا، فلا يكون الاخبار موافقا للواقع، فلابد وأن يكون في مقام الانشاء، لا بمعنى استعمال الاخبار في الانشاء، بل الاخبار على حاله استعمالا وجعل كناية عن الزجر والانشاء، فالجملة الاخبارية صفة للصدقة، والمعنى الواقعي أنها صدقة لا يجوز بيعها وهبتها ومع الترديد بين الاحتمالين المتقدمين لا يصح الاستدلال، مع أن الاحتمال الثاني أقرب ولو بمناسبة روايات أخر (1). وأما الرواية الحاكية عن صدقة موسى بن جعفر سلام الله عليهما فلا ينبغي احتمال كون قوله عليه السلام: " لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيعها " الخ صفة للصدقة، بل الامر دائر بين الاحتمالين المتقدمين والثاني أقرب كما يظهر بالتأمل فيها. وأما رواية ربعي بن عبد الله التي تمسك بها الشيخ رحمه الله فهي حكاية كتابة الوقف لا إنشاؤه اللفظي، فلا يظهر منه موافقة الكتابة للانشاء اللفظي في جميع الخصوصيات، فلو فرض أنه عليه السلام قال في مقام الانشاء: إن داري هذه وقف ابتغاء وجه الله على فلان وقد شرطت أن لاتباع ولا توهب، أو على أن لاتباع ولا توهب يصح في مقام الكتابة أن يكتب أنها صدقة لاتباع ولا توهب، ولا يجب أن يكون ألفاظ الكتابة موافقة للانشاء اللفظي، بل الغالب على الخلاف، نعم لابد من موافقتهما في النتيجة، وهي حاصلة على ما قلناه، ومنه يظهر الكلام في رواية عجلان أبي صالح حيث إنها إملاء لا حكاية لانشائه اللفظي، فتدبر.


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات.

[ 101 ]

والانصاف أن الاستدلال بهذه الطائفة لجواز بيع قسم من الوقف أولى من الاستدلال بها للمنع، فان الوصف ظاهر في الاحتراز، فيمكن أن يقال: إنه في صحيحة أيوب إنما وصف الوقف بلا تباع ولا توهب بعد ذكر قرائن الوقف وهي قوله عليه السلام: " بتة بتلاء " وذكر الموقوف عليهم، فلم يكن هذا من قرائن كون الصدقة وقفا، بل احتراز عن وقف يباع ويوهب، فجعل ذلك وصفا بعد إنشاء الوقف بقرائنه وذكر الموقوف عليه مما يوجب ظهوره في الاحتراز عن الوقف الذي يباع فتحصل مما مر عدم تمامية الاستدلال بهذه الطائفة. بقيت رواية أبي علي بن راشد (1) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام قلت: جعلت فداك اشتريت أرضا إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلما وفرت المال خبرت أن الارض وقف، فقال: لا يجوز شراء الوقوف، ولا تدخل الغلة في ملكك، ادفعها إلى من أوقفت عليه، قلت: لا أعرف لها ربا، قال: تصدق بغلتها " (2) وهي رواية معتمدة سندا، بل صحيحة بسند الفقيه.


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1. (2) متن الحديث هنا موافق للتهذيب والوسائل في كتاب الوقف وقد اختلف كتب الحديث في ألفاظه، ففي بعضها " وفيت " بدل " وفرت " وفي بعضها " وزنت " وفي بعضها " الوقف " بدل " الوقوف " وفي بعضها " إلى جنبي " بدل " إلى جنب ضيعتي " وفي بعضها " ألف " بدل " ألفي " وفي بعضها " مالك " بدل " ملكك " إلى غير ذلك، لكن لم أجد في شئ من كتب بدل قوله: " ولما وفرت المال " " ولما عمرتها " كما هو الموجود في تجارة الشيخ الاعظم (قده) والمظنون =

[ 102 ]

واستدل لعدم جواز بيع الوقف بجميع أنواعه ومصاديقه بالجمع المحلى باللام فيها المفيد للعموم، وباطلاق قوله عليه السلام: " لا تدخل الغلة في ملكك " ويمكن الاستدلال بعدم استفصاله حين قال: " خبرت أنه وقف " وباطلاق المادة في الوقوف، وباطلاق قوله عليه السلام: " ادفعها إلى من أوقفت عليه " وإطلاق قوله عليه السلام: " تصدق بغلتها " فان كل ذلك مع الغض عن غيرها قابل للاستدلال، فلو قال في جوابه ادفعها إلى من أوقفت عليه كان الاطلاق يقتضى بطلان شراء مطلق الوقف، وهكذا سائر الجمل. هذا لكن هنا كلام، وهو أن التمسك بعموم " لا يجوز شراء الوقوف " انما يصح لو كان الشك في جواز شراء مصداق أو نوع من الوقوف كما لو شك في جواز شراء الوقف على الاولاد أو على بعض الجهات، وأما لو كان الشك في جوازه في بعض أحوال عرض على الفرد أو النوع كالاختلاف بين الموقوف عليهم فلا يصح التمسك بالعموم لرفعه، لان


= أنه اشتباه منشأه الاتكال على الحافظة حال التحرير، فان الاشتباه من النساخ بمثل ذلك بعيد. والعجب أن بعض المحشين (قده) اتكل على نقل الشيخ الاعظم (قده) ولم يراجع كتب الحديث، فاستشكل في الانصراف بأن مورد الرواية هو تعمير الخراب. وأجاب عنه. فعلى العلماء الاعلام والمحصلين عدم الاتكال على الحافظة في نقل الاحاديث ولا على كتب الاستدلال، سيما مثل كتاب الجواهر ومابعده، ومع الاسف الشديد فاتتنا قراءة كتب الاحاديث على المشائخ وقراءتهم علينا بعد توسعة الفقه وأصوله بهذه التوسعة، ولذلك وقعنا في اشتباهات كثيرة منشأها اختلاف النسخ واختلاف قراءة كلمة واحدة تختلف معه الاحكام، كما هو ظاهر للمراجع (منه دام ظله)

[ 103 ]

حالات أفراد العام ليست داخلة في العموم، وإخراجها ليس تخصيصا فيه، بل تقييد لاطلاق أفراده. وبالجملة هنا عموم لفظي له دلالة لغوية غير محتاجة إلى كون المتكلم في مقام البيان، ضرورة عدم توقف دلالة اللفظ على شئ إلا الوضع، وألفاظ العموم موضوعة لافادته، وهو انما يدفع الشك في التخصيص واحتمال خروج فرد من العام، ولا يدفع به الشك في جواز الشراء عند عروض عارض كخراب الوقف، لان خروج الفرد في حال ليس تخصيصا للعام، ولا العام دالا عليه وشاملا له، وانما هو تقييد للاطلاق إن كان له إطلاق. والتمسك بالاطلاقات للمطلوب انما يصح لو كان المجيب في مقام بيان عدم جواز شراء الوقف، وهو محل إشكال، لان الظاهر من سؤاله أنه كان عالما بعدم جواز شراء الوقف، إذ قوله: " فلما وفرت المال خبرت أن الارض وقف " ظاهر في أن شراءه لذلك من أجل جهله بالواقعة، وإلا لم يقدم عليه، مع أن بطلان شراء الوقف لم يكن أمرا مجهولا لمثل ابن راشد الوكيل للناحية المقدسة، كيف وعدم جوازه كان أمرا معلوما معروفا في صدر الاسلام فضلا عن عصر الهادى عليه السلام. والظاهر أنه بصدد السؤال عن علاج الواقعة التي وقع فيها، وهو شراء الوقف الذي كان لا يعلم الموقوف عليه، ووقعت الارض تحت يده بعد توفير الثمن، غاية الامر أنه قبل تمام ذكر الواقعة أجابه عليه السلام بوجوب رد الغلة إلى الموقوف عليهم، فقال: " لا أعرف لها ربا ". وبعبارة أخرى إن الشكوك في الصور الآتية في جواز بيع الوقف وشرائه ليست في خروج فرد من عموم " لا يجوز شراء الوقف " حتى يصح التمسك به لرفعها، بل في جواز بيعه وشرائه عند عروض عارض للوقف

[ 104 ]

كالخراب أو للموقوف عليهم كالاحتياج إلى بيعه وكالاختلاف بينهم، أو عند اشتراط الواقف بيعه في حال من الاحوال، وفي شئ مما ذكر لا يكون المرجع هو العام، بل المرجع ترك الاستفصال أو إطلاق العام، وأما سائر الاطلاقات التي اشرنا إليها فهي متفرعة على ما ذكر، وليست إطلاقا برأسها. مع أن في استفادة عموم السلب من العموم الواقع عقيب حرف السلب كلاما، لاحتمال توجه السلب إلى العموم، كقوله: " لا تكرم كل رجل " وإن أمكن القول بالفرق عرفا بين " كل " و " جميع " وبين الجمع المحلى في ذلك، مضافا إلى أن في الفقيه ومرآت العقول عن الكافي والوسائل في أبواب عقد البيع " الوقف " بدل " الوقوف ". وكيف كان لابد في التمسك بالاطلاق من إحراز كونه في مقام البيان، وهو مشكل بل ممنوع لما ذكرناه، ولان الظاهر من السؤال أن القضية كانت محل ابتلاء ابن راشد، فسأل ليعمل على طبق الجواب، ولم يكن سؤاله كأسؤلة أمثال أصحاب الاصول والكتب من فرض قضية لاخذ القواعد الكلية وضبطها في كتبهم، من غير أن يكون مورد السؤال محال ابتلائهم، حيث ان إلقاء القواعد الكلية من العموم أو الاطلاق في ذلك كان متعارفا في التشريع أو الفتوى، وأما إلقاء المطلقات في الموارد التي كان السؤال للعمل فلا يصح ولا يجوز إلا إذا لم يكن تقييد في المطلق وكان باقيا على إطلاقه، أو لم يكن الاطلاق موجبا لوقوع السائل في خلاف الواقع، وأما مع كون المطلق مقيدا بحسب الشرع وكون الجواب بنحو الاطلاق موجبا لوقوع السائل في خلاف الواقع فلا يعقل صدوره الموجب للاغراء بالجهل والوقوع في خلاف الشرع، فترك الاستفصال في مثله يدل على أن القضية كانت معهودة ومعلومة الجهات عند السائل والمجيب، كما

[ 105 ]

في ما نحن بصدده مما هو ظاهر جدا في كون ابن راشد سأل عما هو محل ابتلائه، والحمل على الفرض كما في أسؤلة أصحاب الاصول خلاف الظاهر جدا، مع أنه لم يكن من أصحاب الكتب والاصول ظاهرا، والرواية عنه في موارد لاتدل على ذلك، فلو لم تكن القضية معهودة والامام عليه السلام عالما بأن الوقف الذي ابتلى به كان غير جائز النقل لا يعقل صدور مثل هذا الكلام الموجب لوقوعه على خلاف الواقع. والامر برد الغلة على الموقوف عليه أو التصدق بها مضافا إلى أن النهي عن إدخال الغلة في ماله كما في أكثر النسخ مما هو ظاهر في أن المراد هو الغلة الخارجية لا منافع الارض وأجرة مثلها - دليل على أن الواقعة كانت معهودة، وإلا فلم يكن يأمره به بلا استفصال، مع احتمال كون الغلة نماء بذره، فإذا كانت القضية معهودة بينهما لا يمكن إحراز الاطلاق، كما هو واضح. ويحتمل أن يكون المراد من " الغلة " في قوله عليه السلام: " لا تدخل الغلة في ملكك " هي الارض فيكون الفعل مجردا، والمراد أن الارض الموقوفة لا تدخل في ملكك وادفعها إلى الموقوف عليها، والمراد بقوله عليه السلام: " تصدق بغلتها " هي منافع الارض، والامر بالتصدق على خلاف القاعدة في مجهول المالك، لان التصدق إنما هو بعد الفحص واليأس ولعله لم يكن بصدد بيان تمام المقصود، تأمل. والتفصيل بين الوقف وغيره من المجهول المالك بعيد جدا. وأما على النسخ الاخر التي ورد فيها " لا تدخل الغلة في مالك " فالظاهر منه هو الغلة الخارجية من الزرع أو ثمرة الاشجار، والمراد النهي عن إدخال مال الوقف في ماله، فتحصل مما ذكر أن الرواية لا تدل على عدم جواز بيع الوقف في موارد عروض العوارض.

[ 106 ]

وأما التشبث في بطلان بيع الوقف بالحقوق الثلاثة وهي حق الله وحق الواقف وحق الموقوف عليه أي البطون المتأخرة فيمكن تقريره أما في حق الله فتارة بأن لله تعالى في الاعيان الموقوفة حق أن يعبد نظير المشاعر والمساجد، فلو وقف شيئا لصلاة طائفة من المسلمين ليكون المصلى لهم فكما أن لتلك الطائفة حق أن يعبدوا الله فيه كذلك لله تعالى حق أن يعبد فيه، فهو متعلق لحق الناس وحق الله، وكذا الحال في المشاعر والمساجد فيقال في التصدق على الذرية بنحو الاستمرار والبقاء إنه نحو عبادة مستمرة من الواقف، فلله تعالى حق أن يعبد به مستمرا، والجزاء المستمر لاجل العبادة المستمرة. وأخرى بأن الآخذ للصدقات هو الله تعالى، كما قال: " ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات " (1) وقد ورد في الروايات الشريفة عن رسول الله صلى الله عليه وآله " ما تقع صدقة المؤمن في يد السائل حتى تقع في يد الله " (2) ثم تلا الآية، فالصدقة تكون لله أولا ثم للمتصدق عليه، فهو يتلفى الصدقة من الله تعالى. وثالثة بما ورد في بعض الروايات، كرواية الحكم قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن والدي تصدق علي بدار ثم بدا له أن يرجع فيها، وإن قضاتنا يقضون لي بها، فقال: نعم ما قضت به قضاتكم، وبئس ما صنع والدك، إنما الصدقة لله عزوجل، فما جعل لله عزوجل فلا رجعة له فيه " الخ (3) بأن يقال: إن التعليل بأن ما جعل لله فلا رجعة


(1) سورة التوبة: 9 - الآية 104 (2) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب الصدقة - الحديث 3 من كتاب الزكاة. (3) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1

[ 107 ]

له وإن كان لعدم الرجعة لكن يستفاد منه أن لله تعالى حقا في الصدقات فما كانت منها بوجودها الحدوثي صدقة لا يجوز هدمها، بأن يرجع فيها المتصدق، وأما تصرفات المتصدق عليه فليست هدما لها، وما كانت بوجودها المستمر صدقة فلا يجوز هدمها بالرجعة ولا بالبيع والنقل ونحوهما، فانها لله تعالى، ولا يجوز هدم ما جعل لله، هذا. ولكن الانصاف عدم تمامية شئ مما ذكر، أما حديث حقه تعالى بأن يعبد فلانه مضافا إلى عدم الدليل على أن ذلك حق حتى في المشاعر والمساجد أن انتفاع طبقات الموقوف عليهم ليست عبادة لله تعالى ولا بقاء الوقف عبادة من الواقف. وأما حديث أخذه تعالى للصدقات ووقوعها في يده قبل وقوعها في يد السائل فلانه أمر تشريفي لا يستفاد منه حكم فقهي، مع أنه لو فرض وقوعها في يده أو التعبد بوقوعها فيها فلا يوجب ذلك حدوث ملك أو حق له تعالى، بل هو على الفرض واسطة لايصال الصدقة إلى السائل. وأما التعليل الوارد في الخبر فلان اللام فيه للغاية لا للملك، فالمتصدق يعطي الصدقة للفقير ويملكه لاجل التقرب إليه تعالى، ومن الواضح أنه لا يملك الله تعالى، وهذا نظير ما وقع في صدقات الائمة عليهم السلام من أن هذا صدقة من فلان ابتغاء وجه الله (1) أو " ليولجني به الجنة " (2) وعدم الرجعة في الصدقات أمر تعبدي، لا لتعلق حق منه تعالى بها، هذا مضافا إلى عدم الطرد، لان الوقف مطلقا لا يعتبر فيه القربة، ولا يكون من الصدقات، نعم لو قصد فيه التقرب يكون منها. وأما في حق الواقف فبأن يقال: إن الواقف جعل الوقف لدر المنافع


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 4 - 3.

[ 108 ]

المادية على الموقوف عليهم والمنافع المعنوية على نفسه، فكما أن للموقوف عليهم حق استيفاء المنافع المادية من الاعيان الموقوفة ولاجله ثبت لهم حق على الاعيان كذلك للواقف حق الاستيفاء، ولا فرق بين النفع المادي والمعنوي من ثواب الله تعالى. وفيه - مضافا إلى عدم الكلية والاطراد كما أشرنا إليه، ومضافا إلى أن غابة ذلك على فرض التسليم توقف صحة البيع على إذن الواقف أو إجازته، ومضافا إلى أن الثواب ليس كمنافع الدار قائما بها، ولا استيفاء الواقف للثواب كاستيفاء الموقوف عليهم للسكنى أو ثمرات الاعيان الموقوفة بل الثواب أمر خارج بتفضل الله تعالى، ومثله لا يوجب حقا في الاعيان ومضافا إلى أن إعطاء الثواب حتى في العبادات المعروفة ليس لاستحقاق العبد بل تفضل منه تعالى فضلا عن المقام، فان ما هو فعل الواقف ليس إلا جعل الشئ صدقة، وهو موجب للثواب، ولو قلنا بالاستحقاق يكون مستحقا لاجل تصدقه به، وأما إعطاء الثواب له بازاء انتفاع البطون السابقة واللاحقة فليس إلا تفضلا محضا، فجعل الشئ صدقة جارية من فعل الواقف، وله أجر بمجرد جعله، سواء استفاد الموقوف عليهم منه أم لا، ولو أعطي أجر لاجل استفادتهم فليس ذلك جزاءا لفعله، لعدم فعل منه، بل هو تفضل محض - أن الواقف انما ينتفع من انتفاع الموقوف عليهم، لا من العين الموقوفة ولا من منافعها، فله ثواب أصل الوقف، يزيد وينقص حسب صدقته قلة وكثرة وانقطاعا ودواما من غير فرق بين كون المستفيد منه حسب الاتفاق قليلا أو كثيرا، ولا بين بقاء الوقف على حاله وبين خرابه وبيعه، فالخراب أو النقل لا ينقص من ثواب عمله شيئا ولا يكون البيع مبطلا لثوابه ولحقه لو كان الثواب حقا له، ولو فرض أن له ثوابا حسب استفادة الموقوف عليهم وكلما كثر المستفيد كثر ثوابه

[ 109 ]

لم يوجب ذلك تعلق حق له بالعين ولا بمنافعها، لما عرفت من تفرع ثوابه على انتفاعهم، فلو كان شخص خير يعطي الفقراء من منافع داره شيئا على فرض إجارتها وأخذ أجرتها لم يتعلق حق لهم بالدار ولا بمنافعها، بل لو جعل لهم بعقد لازم شيئا من منافعها على فرض إجارتها لم يتعلق حق لهم بالدار، وليس لهم إلزامه بالاجارة، لان حقهم متفرع ومعلق على الاجارة، وفي مثله لا يعقل تعلق حق بالعين ولا باستئجاره فضلا عن المقام الذي يكون الاجر على فرضه مبنيا على التفضل زائدا على أجر عمله. وأما منع حق البطون اللاحقة، فان قلنا بأن الوقف تمليك فعلي لجميع البطون عرضا وإن كانت المنافع تدر عليهم طبقة بعد طبقة ولا مانع في مالكية الطبقات المتأخرة للعين الموقوفة مسلوبة المنافع إلى زمان وجودهم كالعين المستأجرة إذا بيعت، فالبطلان لاجل كون العين مشتركة بين الحاضرين وغيرهم، فلا يجوز بيع الجميع، ولا بيع ملك الحاضر مشاعا للجهالة بالمقدار المشاع، إلا أن يقال: بصحة بيع الجميع دفعا للجهالة، ويكون بالنسبة إلى الطبقات المتأخرة فضوليا، والفرض أن جميع المنافع للطبقة الحاضرة عند وجودهم، وجواز أنحاء التصرفات الانتفاعية في العين كالاجارة وتسليم العين إلى المستأجر لاستيفاء المنافع، فلهم بيعها وتسليمها، وبعد تلك الطبقة إن أجازت المتأخرة صح بالنسبة إليهم، وإلا بطل وهكذا. وإن قلنا بأن الوقف تمليك للبطون الموجودة فعلا وللبطون المتأخرة بعد انقراض البطن الموجود، أي تمليك طبقة بعد طبقة فلا مانع من صحة البيع على فرض صحة البيع المحدود إلى انقراض الطبقة الحاضرة، بأن يقال كما يصح التمليك المحدود في الوقف يصح بيعه كذلك، ولو لم يصح البيع لذلك أو للغرر يمكن النقل بمثل الصلح أو البيع بلا حد مع اشتراط

[ 110 ]

الانفساخ عند انقراض الطبقة، ولو قلنا ببطلانه أيضا لاداثة إلى الغرر يمكن البيع بلا شرط وحد، فيكون فضوليا بالنسبة إلى الطبقة المتأخرة، هذا إذا قلنا بامكان تمليك المعدوم. وأما إن قلنا بأن تمليك المعدوم غير ممكن كمالكيته، فان المعدوم لا يمكن الاشارة إليه، ولا جعله طرف الاضافة، وإنما الوقف إنشاء تمليك متعلق بعنوان الطبقات، كعنوان الذرية، أو عنوان طبقة بعد طبقة فالتمليك على القول به لعنوان واحد منطبق على كل طبقة في حال وجودها أو لعناوين عديدة حسب الطبقات، وعلى القول المنصور من أن الوقف ليس تمليكا فالايقاف لعنوان واحد أو عناوين عديدة كل في حال وجود الطبقة، ولا يكون على الفروض لافراد الطبقات الموجودة والمعدومة حق متعلق بالعين الموقوفة، وإنما هم مصرف المنافع كالفقراء والسادة في الزكاة والخمس على احتمال موافق للاعتبار، فهل ملكية العنوان أو الوقف عليه مانع عن البيع، أو أن عدم الجواز ليس للحق بل لان الطبقة الحاضرة غير مالك للعين؟ وهنا احتمال آخر في الوقف مطلقا، وهو أنه فك ملك وجعل شئ محبوسا وموقوفا لتدر منافعه على الموقوف عليهم لا بمعنى إيقافها عليهم كما في الاحتمال المنصور، بل بمعنى الايقاف والحبس بلا إضافة وجعل المنافع للطبقات وتسبيلها عليهم، وإنما يقال: إنهم الموقوف عليهم لاجل هذا الدر، لا لاجل الايقاف عليهم، وإن شئت قلت: لاجل الايقاف لهم بأن تكون اللام غاية، فيكون ماهية الوقف حبس العين عن النقل وتسبيل المنافع، فتكون الطبقات موقوفا لهم لا عليهم. وهذا الاحتمال أقوى من سائر الاحتمالاات بعد الاحتمال المنصور الموافق لاعتبار الوقف في جميع الموارد، وعليه يكون عدم النقل مقتضى ماهية الوقف

[ 111 ]

كما أفاده صاحب الجواهر (قده) تبعا لغيره، فيكون عدم جواز البيع، لاقتضاء ماهية الوقف، لا لاجل تعلق حق الموقوف لهم بالعين. ويمكن أن يقال: إن هذا الجعل كاف في المنع بمعنى أن الطبقة اللاحقة التي تصير المنافع لهم يكون لهم حق الانتفاع في ظرفهم، وهذا كاف في المنع، نظير وصيته بعين بعد سنة من موته لزيد، فانها تصير ملكا للورثة، ولهم منافعها، لكن ليس لهم اتلافها ونقلها، فان نفس الجعل له في ظرفه مانع عنه. وكيف كان مانعية حق البطون اللاحقة مبنية على بعض الاحتمالات غير الصحيحة بل غير المعقولة من كون الوقف ملكا للمعدوم، أو حقا له ويكون المعدوم مالكا وذا حق، وهو أمر غير معقول، لان ثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له ولو كان ثبوت أمر اعتباري، فان كون الثابت اعتباريا لا ينافي أن يكون الثبوت حقيقيا، فالملكية صفة حقيقية للاعيان وإن كانت نفسها اعتبارية، ففرق بين كون شئ ملكا لاحد اعتبارا وبين كونه ملكا له حقيقة، مع أن اعتبار الشئ للاعدام بما هي أيضا محال، فان الاعتبار لها متقوم بالتصور والاشارة العقلية والتصديق بكون الاعتبار ثابتا لها ولو ثبوتا اعتباريا، وكل ذلك ممتنع في الاعدام، وما يتصور منها انما هي عناوين وجودية ذهنا لا يعقل كاشفيتها عن الاعدام ولا منكشفيتها بها. وأما توهم كون القضايا الحقيقة من قبيل الحكم على الافراد أعم من الموجودة والمعدومة - إذ لو كانت قضية " كل نار حارة " مثلا مقصورة على الافراد الموجودة لكانت خارجية، فلا بد من شمولها للاعدام - ففساده أوضح من أن يخفى، أما على مسلك من قال إن تلك القضايا بمنزلة الشرطيات في عقد الوضع فواضح، لان الحكم على الافراد المقدرة الوجود وأما على مسلكنا من كون تلك القضايا بتية لا تقدير فيها ولاشرط في

[ 112 ]

عقد الوضع ولا في عقد الحمل فلان الحكم على كل فرد من النار وإن لم يكن مقصورا على أفراد خاصة، وإلا لم تكن القضية حقيقية لكن لا يلزم منه شموله لغير أفراد الطبيعة، والاعدام ليست بنار ولا شئ آخر، إذ مصداقية الشئ للطبيعة إنما تتحقق بالوجود، فعدم شمول القضية للاعدام لاجل عدم إمكان شمول القضية لغير مصاديق الطبيعة، فقوله: " كل نار حارة " إخبار عن كل فرد فرد من النار، فهي إخبار عن كل فرد يكون نارا، لا بمعنى الاشتراط والتعليق، ولا بمعنى الشمول لما ليس بنار كالاعدام. ثم لو فرض أن الوقف ملك للطبقة المتأخرة، أو أن لهم حقا فعليا متعلقا به، أو قلنا بأن الوقف للعنوان، أو الوقف تمليك فعلي للطبقة الحاضرة ومشروط للمتأخرة، أو تمليك العين في قطعة من الزمان لهذه الطبقة، وفي قطعة أخرى لطبقة أخرى، وهكذا لم يمنع شئ مما ذكر عن البيع كما عرفت، حتى على القول بأن تمام العين ملك للطبقة الحاضرة وتمامها ملك للطبقة المتأخرة على فرض تصور ذلك، وكذا على القول باشتراك الطبقات فيها فعلا، لان المفروض أن للطبقة الحاضرة جميع أنحاء التصرفات الانتفاعية في الوقف، فلهم اجارتها وصلح منافعها والانتفاع بها بأنحائه إذا كان وقف منفعة لا وقف انتفاع فقط، فحينئذ لو باعها الطبقة الحاضرة كان البيع بالنسبة إليهم فعليا وبالنسبة إلى سائر الطبقات فضوليا، لكن يكون للمشترى جميع التصرفات في العين، فانها وإن كانت ملكا لكل منهما أو مشتركة بينهما، لكن تكون المنافع مطلقا للطبقة الحاضرة ما دامت موجودة والبيع يوجب نقل العين بتمامها إلى المشتري على فرض ملكية التمام للطبقة الحاضرة، وملكية التمام للمتأخرة، ونقل حصة الحاضرة إليه على فرض الاشتراك، وعلى أي حال للمشترى التصرف فيها أنحاء

[ 113 ]

التصرفات حتى التصرف النقلي، نعم ليس له إتلافها وإعدامها لتعلقها بالغير أيضا، فإذا انقرضت هذه الطبقة فان أجاز الطبقة اللاحقة صارت العين بالمقدار الذي كان لهم للمشتري، فله المنافع إلى انقراضهم، وإن رد اللاحقة ترد العين إليهم وإن كانت مشتركة بينهم وبين المشتري، لان المنافع مجعولة بحسب جعل الواقف للطبقة المتأخرة في زمانهم، فكما أنها ملك لجميع الطبقات مع اختصاص كل طبقة بمنافعها في زمانهم وكانت العين لسائر الطبقات ساقطة المنافع فكذلك الحال بالنسبة إلى المشتري. فتحصل من جميع ما تقدم أنه لا دليل معتمد على بطلان بيع الوقف غير الاجماع وارتكاز المتشرعة من كل ملة بل ارتكاز العقلاء الا ما ذكرناه واخترناه من خروج الوقف عن ملك الواقف والموقوف عليه، وأن اعتبار الوقف فكك الملك لا التمليك للموقوف عليه حتى في الوقف الخاص، فلابد في صحة بيعه من ثبوت سلطنة عليه للموقوف عليه أو لغيره. ويمكن أن يقال: إن هذا الارتكاز الضروري للمسلمين بل لغيرهم في الموقوفات يوجب ظهور الروايات المتقدمة في المنع، كقوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقوف " (1) والروايات الحاكية عن وقوف الائمة عليهم السلام (2) وغيرها، ولا يصغى إلى المناقشات العلمية بعد تلك المعهودية إلا أن يقال: إن ما هو المرتكز والمعهود عدم جواز بيع الوقف وشرائه في الجملة لا على نحو الاطلاق، فلا يكون في الموارد المختلف فيها أو المسلم جواز بيعها مرتكزا، فلا يكون عدم الجواز فيما إذا وقع اختلاف شديد بين الموقوف عليهم يوجب تعطيل الوقف إلى الابد مرتكزا معهودا، وكذا فيما إذا خرب بحيث لا يمكن الانتفاع به، وكذا في غيرهما من الموارد، ومع عدم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1 -. -

[ 114 ]

معهودية تلك الموارد لا تكون المناقشات المتقدمة مخالفة لارتكازهم، وكيف ما كان لا إشكال في أن مقتضى القاعدة عدم جواز بيع الوقف مطلقا، ولا بد في الخروج عنها من التماس دليل. ثم إنه قد وقع الكلام بين الاعلام في أن الوقف في موارد جواز البيع هل يبطل بمجرد الجواز أو لا؟ وتفصيل القول أنه يحتمل بطلانه بمجرد الجواز، وبالجواز المتعقب بالبيع، أي الجواز الذي يتعقبه البيع لا الجواز المطلق، وبالبيع مطلقا لا الجواز مطلقا، ويحتمل أن يبطل بالبيع من جهة دون جهة ويحتمل أن لا يبطل رأسا حتى بالبيع مطلقا؟ وجوه. قد يقال: إنه على القول بأن الوقف عبارة عن الحبس الذي هو الممنوعية عن النقل يكون جواز النقل مضادا له، ومع فرض فعلية الجواز يبطل الوقف، لامتناع اجتماع الضدين. وفيه - مع الغض عن أن المضادة في المقام خلاف الاصطلاح - أن الممنوعية التي تتصور هاهنا هي الممنوعية الجعلية من قبل الواقف، لان الوقف بحسب الماهية إذا كان حبسا عن التقلبات يكون إيجاد تلك الماهية وإيقاعها بيد الواقف، فلا يعقل جعل الممنوعية الشرعية لانها ليست باختياره، فالتحبيس من الواقف لا من الشارع، وهذه الممنوعية ليست مضادة لجواز بيع الوقف، لان جوازه شرعي لا مالكي، والمنع المالكي لا يضاد الجواز الشرعي بوجه، كما أن أمر الوالد ولده بشئ لا يضاد نهي الوالدة عنه، فالتضاد لو كان انما هو بين أمر شخص بشئ مع نهيه عنه بعد فرض وحدة الجهات، لا بين أمر شخص ونهي شخص آخر: فالممنوعية المالكية لاتضاد الجواز الشرعي، بل هما مجتمعان في المقام، وإن يقدم الجواز الشرعي على الممنوعية من قبل المالك ويجوز بيع الوقف شرعا مع كونه وقفا، أي يجوز تخلف منع المالك، وبيع ما جعله حبسا ممنوعا

[ 115 ]

عن النقل، فبطلان الوقف قبل البيع وحال الجواز يحتاج إلى دليل غير قضية التضاد. ولو قيل: إن التضاد بين عدم ردع الشارع لجعل الواقف الكاشف عن إمضائه له وبين تجويزه للبيع أو بينه وبين رضاه بجعل الواقف، وإن شئت قلت: بين دليل الامضاء نحو قوله عليه السلام: " الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها " (1) وبين دليل تجويز البيع، يقال: إن التضاد بين عدم الردع وبين الجواز لا وجه له، فان عدمه ليس حكما ثابتا مضادا للحكم الآخر، وهكذا في الرضا مع الجواز فانه متعلق بالامتناع المالكى، وليس جعلا للامتناع الشرعي، ودليل الامضاء أيضا كذلك، وعلى هذا المبنى ليس قوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقف " أيضا على فرض إطلاقه إلا إمضاء ما أنشأ الواقف، لا حكما مستقلا شرعيا، مع ما عرفت من المناقشة في إطلاقه. وعلى أي حال لو سلم التصاد فانما هو بين دليل الامضاء نحو قوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقف " ودليل الجواز، لا بينه وبين وقف الواقف وإنشائه، وهذا لا يوجب بطلان الوقف إلا أن يحمل دليل الجواز على ردع الوقف لا على تجويز بيعه، وهو كما ترى. ثم إنه قد أورد على صاحب الجواهر (قده) بأن لازم بطلان الوقف خروج العين الموقوفة عن ملك الموقوف عليه إلى ملك الواقف، وهو خلاف الاجماع. وفيه - مضافا إلى أن دعوى الاجماع في مثل المسألة غير وجيهة - أن الخروج عن ملك الموقوف عليه غير متجه، لان الوقف على هذا المبنى


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1

[ 116 ]

هو التمليك مع خصوصية زائدة هي ممنوعية المعاوضات، فهو من الحقائق المركبة، والتضاد انما هو بين الجواز والممنوعية، لابينه وبين ملك الموقوف عليه، ومقتضى ذلك رفع حيثية الممنوعية لا الملكية، لعدم دليل على بطلان الوقف إلا التضاد المذكور، ولا يعقل أن يكون المرفوع بالتضاد إلا ما هو ضد، والمنشأ بالوقف ليس بسيطا غير قابل للتجزئة، فان الوقف إما أن يكون تمليكا فقط وهو خلاف هذا المبنى وخلاف الواقع، أو ممنوعية المعاوضات فقط فكذلك، مع أنه لا يلزم على ذلك الخروج عن ملك الموقوف عليه، بل يلزم إما عدم الخروج من أول الامر عن ملك الواقف أو عدم الملكية رأسا لا للواقف ولا للموقوف عليه أو يكون تمليكا بوصف الممنوعية أو معها، فيكون الوقف من الماهيات المقيدة أو المركبة، فالواقف أوجد بانشائه التمليك المتصف بالممنوعية أو التمليك مع الممنوعية، وما يرتفع بالجواز هي الممنوعية فقط، لان التضاد بينهما لا يعقل أن يوجب نفي ما هو غير مضاد، ولا ملازمة بين رفع الممنوعية ورفع الملكية، وليست حيثية الملكية عين حيثيتها، والانشاء وإن كان واحدا بسيطا إلا أن المنشأ مركب أو مقيد، والرافع إنما يرفع وصف المنشأ أو جزءه لا الانشاء، لعدم بقائه اعتبارا. ويمكن الاشكال عليه أيضا بأن لازم ذلك عدم عود الوقفية حتى مع زوال العارض، فإذا خرب الوقف أو وقع الاختلاف بين أربابه وقلنا ببطلانه عند طرو المجوز لكن لم يتفق بيعه حتى زال الطارئ فلازمه عدم عود الوقف، لعدم سبب له، وهو خلاف الواقع، ولا أظن التزامه به. قلت: هذا الاشكال مشترك الورود بوجه، فان الوقف إذا عرضه المجوز فجاز بيعه ثم زال الطارئ بقي الجواز، لعدم سبب لرفعه، وعدم الدليل على اناطة البقاء ببقاء العلة المحدثة، ومع احتمال ذلك يستصحب الجواز

[ 117 ]

مع كونه وقفا، وهو أصعب مما ورد على القول الاول، بل لعل رفع الاشكال عن الاول أهون منه، لامكان أن يقال: إن الوقف إذا كان التمليك مع ممنوعية المعاوضة وقد أنشا الواقف تلك الماهية فلا شبهة في أن الممنوعية المنشأة أبدية إذا كان الوقف مؤبدا، وإلى زمان الانقطاع إذا كان منقطعا، كما لا شبهة في أن الممنوعية ليست متعلقة بموضوعها على نحو العام المجموعي، بمعنى كونها ممنوعية متعلقة بالموضوع إلى الابد بنحو الاجتماع اللحاظي، فان لازم ذلك بطلان الوقف من الاول إذا عرض المجوز في الاثناء، بل تتعلق بموضوعها بنحو الاطلاق من غير قيد، فيكون الموضوع - أي العين - تمام الموضوع لممنوعية المعاوضة، وقيد الابد أو ما يفيد التأبيد كقوله طبقة بعد طبقة لافهام كون الممنوعية مؤبدة، فاطلاق الممنوعية الممضاة بقوله عليه السلام: " الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها " (1) يقتضي عدم جواز البيع في جميع الاحوال والازمنة، لا بمعنى لحاظ الكثرات كما توهم في باب الاطلاق، بل بمعنى أن كون المتعلق تمام الموضوع بلا قيد يقتضي ذلك، فجواز البيع في حال ينافي إطلاق المنع، ولو شك في جوازه حال عروض عارض يدفع بالاطلاق. فحينئذ نقول لو دل الدليل على جواز البيع عند اختلاف الموقوف عليهم أو عند خراب الوقف لاوجب ذلك رفع الممنوعية إما بتقييد الاطلاق أو بالمزاحمة وكون المزاحم أقوى، ولما كانت الممنوعية داخلة في ماهية الوقف بطل في زمان عروض المجوز، وإذا زال وشك في بقاء الجواز حال الزوال يرفع الشك باطلاق الوقف الممضى من الشرع، وبعبارة أخرى جواز البيع بعد زوال الطارئ، موجب لتقييد زائد في إطلاق الوقف،


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1.

[ 118 ]

وهو يدفعه، فالممنوعية الثابتة في حال زوال العذر متمم ماهية الوقف فيكون بمنزلة الوقف المنقطع الوسط. هذا مع الغض عما تقدم ايرادا على صاحب الجواهر (قده) من أن الممنوعية المالكية لا تنافي ولا تضاد الجواز الشرعي، فالجواز متعلق بما هو ممنوع من قبل المالك، وهو بيع الوقف، والشارع الاقدس أجاز مخالفة الواقف عند عروض بعض العوارض، هذا على مذهبه. وأما على مذهب غيره ممن يقول ببقاء الوقف عند طرو المجوز - سواء قال بأن الوقف تمليك للبطون أو قال بأن الوقف فك الملك وإيقاف على الموقوف عليهم - فلابد في رفع اليد عن استصحاب حكم المخصص أي الجواز بعد زوال الطارئ من إطلاق دليل، وقد تقدم منا عند التعرض للادلة التشكيك في إطلاق الادلة بحيث يمكن الاتكال عليه لتأسيس قاعدة كلية. أما في قوله عليه السلام: " الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها " (1) فلان الظاهر أن الوقوف تابعة لكيفية إيقاف الواقف، فمع عدم كون المنع من متممات إيقافه، وجعله لا يشمله الدليل، وبعبارة أخرى لا يدل ذلك على عدم جواز بيع الوقف بعد كون ماهية الوقف هو التمليك أو الايقاف على الموقوف عليهم، بمعنى عدم التجاوز عنهم، لا بمعنى الايقاف عن النقل، كما عليه صاحب الجواهر (قده). وأما في ما ورد في وقف بعض الائمة عليهم السلام من قوله: " صدقة لاتباع ولا توهب " (2) فلانه يحتمل أن يكون المراد منه بيان


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدفات - الحديث 4.

[ 119 ]

الحكم الشرعي، كما يحتمل أن يكون حكما من الواقف، بان أخذه شرطا في عقد الوقف وجعله من متمماته وكيفياته، وعلى الثاني يتم الاطلاق في قسم خاص من الوقف، وهو الذي نوى الواقف فيه القربة حتى يصير صدقة وشرط فيه عدم البيع والهبة، ففي هذا القسم يؤخذ بالاطلاق ويدفع الشك بعد زوال العارض، ويقدم على الاستصحاب وعلى الاول يثبت أيضا في قسم منه، وهو ما نوى فيه القربة، وكيف كان لا يثبت المدعى إلا على قول من اعتبر في مطلق الوقف القربة، ومع التردد بين الاحتمالين لا يثبت به إلا الصدقة المشروطة، بل قد تقدم رجحان الاحتمال الثاني. وأما في قوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقوف " (1) فلانه قد تقدم الاشكال في إطلاقه، نعم لو قيل باطلاقه فهو واف لاثبات القاعدة الكلية، والظاهر تسالمهم على عدم الجواز عند زوال العارض، هذا كله في بطلان الوقف بمجرد جواز البيع. وأما احتمال بطلانه بالبيع مطلقا أو لا مطلقا، أو بطلانه من حيث وبقائه من حيث فمحصل الكلام أن الوقف بحسب التصور إما أن يتعلق بشخض العين من غير لحاظ ماليتها، أو مع لحاظها بجهة تعليلية، كما أن الامر كذلك في البيع، فانه يتعلق بنفس العين، وماليتها ليست قيدا، بل لو لوحظت لكان بجهة تعليلية، أو مع لحاظ المالية بجهة تقييدية، ويكون متعلق الوقف العين بماليتها العريضة، أو يتعلق بمالية العين المتقيدة بها، أو بماليتها المرسلة، أو بالعين والمالية على نعت التركيب، أو بالعين وبدلها بلا شرط، أو بها وببدلها بشرط طرو عارض موجب لبيعها، إلى غير ذلك من التصورات. لا إشكال في بطلان الوقت بالبيع في ما عدا احتمال التعلق بماليتها


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1.

[ 120 ]

المرسلة من المحتملات حتى فيما إذا تعلق بالعين وبدلها مطلقا أو بالشرط فان البدل يصير وقفا ويبطل وقف المبدل، كما أن لازم تعلقه بالعين بقيد المالية أو بماليتها الضمنية بطلانه بطرو عارض يسقط العين عن المالية، ولازم كون العين والمالية وقفا على سبيل التركيب بطلانه من جهة دون جهة. لكن التحقيق أن تلك التصورات لا وقع لها ولا واقعية، ضرورة أن من شرائط الوقف تعلقه بالاعيان التي لها منفعة محللة تدر على الموقوف عليهم، والمالية ليست من الاعيان، ولا تكون لها منفعة وثمرة، والمنافع كلها انما هي للاعيان، بل كانت ثابتة لها قبل اعتبار المالية للاشياء، فان اعتبارها انما حدثت بعد تمدن ما وكانت للاعيان ثمرات ونتائج قبل وجود التمدن والاحتياجات الموجبة لاعتبار المالية، فوقف المالية مما لاصحة له كما أن الاوقاف المتداولة لم تتعلق في مورد من الموارد بمالية الاشياء لا مستقلا ولا بنحو التركيب أو التقييد، مع أنه لو فرض التعلق بالمالية لا تنبغي الشبهة في البطلان بالبيع أيضا، لان نقل العين نقلها بماليتها، ولا يعقل حفظ مالية العين مع بيعها، وتوهم بقاء ماليتها بعد بيع العين في ضمن البدل فاسد، فان ما هو في ضمن البدل مالية خاصة به لا منتقلة من المبدل إليه إذ المبادلة بين المالين معناها نقل المال بماليته إلى الطرف في مقابل نقل ماله بماليته إليه. بل المالية المرسلة مما لا أصل لها، فان مالية عين شخصية لا يعقل أن تكون قابلة للتطبيق على مالية عين أخرى، فالوقف يبطل بالبيع على أي فرض. وأما حديث تعلقه بالعين وببدلها عند طرو عارض بدعوى تعدد المطلوب ففيه أن الانشاء الوحداني لا يعقل أن يكون متكفلا لوقف العين

[ 121 ]

مادام لم يعرض لها عارض موجب للبيع، ولوقف البدل عند عروضه الكذائي، ضرورة كون الثاني مترتبا على الاول، ولا يعقل إنشاء شئ وما يترتب عليه بلفظ واحد، والانشاء بلفظين ممكن لكنه خارج عن الفرض هاهنا، وسيأتي تتمة لذلك. إذا عرفت هذا فنقول: إن الوقوف على أقسام وإن كان الكل مشتركة في معنى واحد: هو الايقاف لدر النفع أو الانتفاع. منها - ما لا يعقل فيها البدلية بوجه من الوجوه، وهي التي جعلت بشخصها موضوع أثر وحكم شرعي، كعرفات والمشعر ومنى والمطاف والمسعى - بناء على وقفية تلك المشاعر - وكذا المساجد الاربعة بناء على اختصاصها بأحكام، كجواز الاعتكاف فيها، فان بيعها والعياذ بالله موجب لمحو المشاعر لا تبديلها، فلا معنى لبيع عرفات والشراء من ثمنها محلا بدلها، وهكذا غيرها مما ذكر، فعدم الجواز في أمثالها انما هو لامتناع البدل فيها، وكذا في المشاهد المشرفة، فانها لا يعقل فيها البدلية، والاقرب أن مطلق المساجد كذلك، فان البدلية فيها أيضا لا معنى لها، لان الثمن أو ما يشترى بالثمن لا يصير مسجدا بمجرد المعاوضة، أما الثمن فظاهر، وأما المكان المشترى به فلان المسجدية متقومة بجعل العنوان، فبدل المسجد لا يصير بمجرد البدلية مسجدا، ولا يترتب عليه أحكامه، ولو جعل مسجدا لم يكن ترتب الاحكام عليه بعنوان بدل المسجد، بل هو مستقل فيه. مضافا إلى أن آثار المسجد لا ينتقل ببيعه إلى مسجد آخر، بل إخراجه عن المسجدية بالبيع ونحوه محو لآثاره ومشعريته، لا مبادلة مشعر بمشعر مع أن الحكم في امثالها واضح لا يحتاج إلى التجشم، هذا بالنسبة إلى أصل المشاهد والمساجد. وأما أجزاء أبنيتها كالاحجار والاخشاب، وما يوقف عليها كالفرش

[ 122 ]

والقناديل ونحو ذلك فالبدلية فيها معقولة، فلو فرض عدم الجواز فيها لابد وأن يكون لوجه آخر. ومنها - الموقوفات العامة، سواء كانت مثل المدارس والخانات والقناطر وما أشبهها مما وقفت للانتفاع بها بالسكنى فيها أو المرور عليها أو كانت مثل الوقف على الجهات أو العناوين العامة، ومن قبيلها الوقف لتأسيس المدارس وبناء القناطر وتعمير الطرق والشوارع، إلى غير ذلك. ومنها - الاوقاف الخاصة، كالوقف على الذرية. ومنها - الاوقاف على الموقوفات، كالوقف على المشاهد المشرفة والمساجد. وقد يقال: " إن مقتضى الاصل في كل وقف كان فك ملك وتحريرا كالمشاهد والمساجد والخانات والقناطر واشباهها عدم جواز البيع، لخروجها عن الملكية، وتلف ماليتها شرعا، وأما فيما لم يحرر وكان تمليكا لجهة أو عنوان أو أشخاص فالاصل فيها جواز البيع إذا لم يمكن الانتفاع به، لان الواقف وإن أوقف عين الرقبات ولكن حيث إنها مما تزول خصوصيتها الشخصية فكأنه وقفها بمراتبها، وتعلق نظره اولا بشخصيتها ثم بماليتها فإذا لم يمكن الانتفاع بشخصيتها الخاصة فيتعلق بماليتها، فللحاكم أو المتولي تبديلها، ويصير بدلها وقفا، كما تقدم نظير ذلك في باب اليد، فان العين المضمونة ما دامت موجودة يجب ردها بشخصها، وإذا تلفت يرد ماليتها " انتهى. وأنت خبير بما فيه بعد الغض عما تقدم من أن الوقف هو التحرير في جميع الموارد، وليس تمليكا في شئ منها أما فيما ذكره في القسم الاول فلان الخروج عن الملك غير كاف لبطلان البيع، بل لابد فيه من إثبات عدم سلطنة أحد على البيع، فان المعتبر في صحته هو السلطنة عليه وإن

[ 123 ]

لم يكن المبيع ملكا، ولا شبهة في أن الحاكم في الامور العامة ولي الامر، وله سلطنة عليها، فعدم الجواز في مثل المشاعر والمساجد والمشاهد ليس لفك الملك. بل لما عرفت. وأما الخانات والمدارس والقناطر والاوقاف على الجهات العامة أو العناوين كذلك فلا شبهة في أن أمرها موكول إلى الحاكم المتولي للامور العامة، سواء قلنا في الاوقاف على الجهات والعناوين إنها فك ملك وتحرير كما هو الحق أم لا، فلو خربت أمثالها ولم يرج العود كان له تبديلها وبيعها وأخذ ثمنها والصرف في أمثالها، ومع عدم الامكان يصرفها في سائر مصالح المسلمين على حسب ما يقتضي المصالح، وما زعم من تلف ماليتها شرعا لا دليل عليه، فالخانات والمدارس والمساجد وغيرها لها مالية ولم يدل دليل على سقوطها شرعا، وما دل على عدم جواز شراء الوقف مع أنه وارد في الاوقاف الخاصة التي هي على مسلكه ملك للموقوف عليهم لا يدل على سقوط ماليتها لو لم نقل بدلالته على عدم السقوط، وكيف كان هي أموال عرفا ولم يرد تعبد من الشرع في البناء على عدم ماليتها. وأما ما قرر في تأسيس الاصل في الاوقاف التي هي تمليك على زعمه فلانه بعد الاعتراف بأن الواقف أوقف عين الرقبات لا مجال لما ذكره من أن زوال الخصوصية الشخصية يجعل ما تعلق بالرقبات كأنه تعلق بمراتبها ولا أدري كيف ينتج قوله: " كأنه تعلق بها " الجزم بالتعلق سيما تعلقا أوليا بشخصيتها، وفي الرتبة الثانية بماليتها، والثالثة بعوض ماليتها، مع ما عرفت من أن هذا النحو من التعلق الترتيبي لا يعقل تحققه بانشاء واحد والمفروض أنه ليس في الوقف إلا إنشاء واحد: هو وقفت ذلك على كذا. وأعجب من ذلك تنظيره بما قال في باب ضمان اليد من تعلقه بالمراتب فانه مع الغض عن ضعف ما ذكره هناك على ما تقدم الفارق بينهما ظاهر،

[ 124 ]

فان اليد قد تعلقت في عرض واحد على زعمه بالشخصية والنوعية والمالية ومقتضى ضمانها بجميع الجهات هو الفراغ عنها، وعند تعذر جهة أو جهتين يجب الفراع عن الاخرى، فلا يكون وقوع اليد عليها رتبة بعد رتبة ولا الضمان كذلك، بل هي بوقوعها على المأخوذ وقعت على الجهات المتحدة في الوجود عرضا بوقوع واحد، فأين ذلك مما نحن فيه، وقد تشبث بعض أهل التدقيق للمقصود بوجه قريب منه سيأتي عند التعرض للاوقاف الخاصة ثم إن جواز البيع في الاوقاف العامة لمصالح المسلمين أو لطائفة منهم كالمدارس والخانات والوقف على الجهات والعناوين الكلية مع عروض بعض العوارض كخراب الموقوفة أو عدم إمكان الانتفاع الخاص بها كأنه أهون من الاوقاف الخاصة، ولا يحتاج إلى كثرة تجشم، ضرورة أن ذلك داخل في شؤون ولاية الفقيه، وهو من الحسبيات التي أمرها إلى الوالي لحفظ مصالح المسلمين. فالخانات والمدارس وغيرهما مما جعلت لمصالح طائفة من المسلمين وكذا الاوقاف على الجهات أو على العناوين العامة كالفقراء أو عامة المسلمين إذا آل أمرها إلى الخراب فللوالي أو عليه حفظ منافعهم فيها وعدم إهمالها، فله أو عليه أن يبيعها ويستبدلها، لا لان الواقف وقفها بمراتبها، فانه بمكان من الضعف كما عرفت وتعرفه، ولا لان ذلك أقرب إلى نظره، فان نظره غير دخيل في ذلك، وهو أجنبي عنه بعد تمامه، بل لان الاوقاف لم تخرج عن الوقفية، فإذا كانت وقفا على المسلمين وآل أمرها إلى الاضمحلال والتضييع فللوالي أو عليه مع بسط يده أن يستبدلها بما ينتفع بها المسلمون كانتفاعهم بالاعيان الموقوفة، فلو خربت مدرسة أو خان يبيعهما ويشتري مكانا آخر يجعله مدرسة أو خانا حفظا للمصالح العامة، ومع عدم الامكان يجعل مكانهما ما هو الاقرب إلى تلك المصلحة أو ما يرى أنه الاصلح، ومع

[ 125 ]

عدم الامكان يصرف الاثمان في مصالح الموقوف عليهم، وكذا الحال في أجزاء المشاعر والمشاهد والمساجد، فان أمرها إلى الفقيه في هذا العصر. وقد عرفت في المباحث السابقة أن لا دليل على عدم جواز بيع الوقف عند عروض مثل تلك العوارض، لعدم الدلالة رأسا في بعض الروايات وعدم الاطلاق في الآخر، ومع الغض عنه فالاطلاق منصرف عن مثل ذلك. وهل يجوز لمتولي الاوقاف الاستبداد ببيعها؟ فيه إشكال، لان المتولي إذا كان من قبل الواقف يكون حدود ولايته على الاوقاف حفظها وصرف منافعها في المصارف المقررة، وأما حفظ مصالح الموقوف عليهم ببيع الوقف واشتراء البدل من ثمنه وجعله وقفا لهم فليس من حدود التولية، نعم لو شرط الواقف ذلك وقلنا بنفوذ شرطه جاز، لكنه خارج عن الفرض في المقام، إذ المفروض جعل شئ وقفا وجعل شخص متوليا عليه، وليس من حدود التولية إبطال الوقف، ولا وقف شئ بدله، هذا على ما هو التحقيق. وأما على ما قيل من أن الوقف تعلق بالمالية أو بالبدل عند عدم إمكان الانتفاع بالعين فالظاهر أن للمتولي وإن لم يشترط الواقف ولاية على التبديل وعلى المبدل على تأمل في التبديل. ثم إن المنقول عن الشيخ كاشف الغطاء (قده) " انه لا يصح بيع الوقف العام، لعدم الملك لرجوعه إلى الله ودخوله في مشاعره، لكن مع اليأس عن الانتفاع به في الجهة المقصودة يؤجر للزراعة ونحوها مع المحافظة على الآداب اللازمة إن كان مسجدا وعلى إحكام السجلات وتصرف فائدتها فيما يماثلها " الخ. ووجهه بعض الاجلة (قده) بأن للمسجد حيثيتين: حيثية المسجدية

[ 126 ]

ولها أحكام خاصة، وحيثية كونه وقفا عاما، ولا يجوز بيع المسجد بما هو مسجد، وأما بعض الاحكام الاخر الثابت للوقف العام الذي لا يكون منافيا للمسجدية فالمقتضي له موجود والمانع عنه مفقود، كاجارته للزراعة وصرف أجرته في تعميره أو إحداث مسجد آخر، والمفروض عدم منافاته للمسجدية، لعدم التمكن من الانتفاع به في الصلاة وعبادة أخرى، انتهى ملخصا. ولا أدرى أن مراد كاشف الغطاء (قده) من الاوقاف العامة هي العامة المصطلحة في مقابل الاوقاف الخاصة، أو المراد منها هي المساجد والمشاهد؟ فان كان الاول فلا وجه لدخولها في المشاعر ورجوعها إلى الله تعالى، فان الخانات والمدارس والاوقاف على الجهات والعناوين ليس شئ منها من مشاعر الله تعالى. وكيف كان يرد عليه في مثل المساجد والمشاهد المشرفة - مضافا إلى مخالفة ذلك لارتكاز المتشرعة - أن الواقف في المساجد ويلحق بها الخانات والمدارس وما جعلها لانتفاع خاص قصر جميع آثار الملك في ذلك، والشارع الاقدس أنفذه بقوله عليه السلام: " الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها " (1) فكما أن الوقف على جهة أو عنوان بجعل الواقف وإنفاذ الشرع لا يتعدى إلى غير المجعول كذلك قصر المنافع على منفعة خاصة كسكنى الطلبة ونزول المارة ونحو ذلك وإنفاذ الشارع الاقدس يسقط سائر المنافع، فلا منفعة للمسجد غير العبادة فيها، والانتفاعات المتداولة منها كالقضاء ونشر الاحكام بل والسكنى بنحو لا تزاحم الصلاة مما جرت السيرة عليها ودلت الادلة على جوازها، وأما المنافع الاخر فساقطة عنها


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 1

[ 127 ]

وعن اشباهها من المدارس والخانات، ولا ينبغي توهم أن لازم قصر الانتفاع الخاص للموقوف عليهم بقاء سائر المنافع منحازة للواقف، فان ذلك ضروري البطلان. فلو وقف محلا للتدريس أو للمكتبة أو نحو ذلك فكما لا يجوز التعدي عن جعله لا يجوز إجارتها ولو مع عدم الانتفاع الخاص وتعذره لان اختصاص الوقف بجهة خاصة يجعل العين مسلوب المنفعة بحسب جعله وانفاذ الشرع. وأغرب مما ذكر التوجيه المتقدم، فان ضعفه مما لا يخفى، ضرورة أن جهة المسجدية في المساجد ليست في الخارج غير حيثية الوقف، فان المسجد بما هو مسجد وقف لا مسجد ووقف، فالمسجد أحد مصاديق الوقف، والمصداق عين العنوان في الخارج لا أمر منحاز منه له حكم خاص والانحلال العقلي غير مفيد، فلو كان الامر كما زعمه لزم منه جواز اجارة بيت الله الحرام والمساجد مع عدم المزاحمة للحاج والمصلي، فان الاجارة واقعة على الوقف العام، والمقتضي فيها على زعمه موجود، وعنوان بيت الله وكذا المسجد غير مانع، وإلا لم يجز الاجارة حتى مع عدم إمكان الانتفاع مادام العنوان باقيا، وإنما المانع المزاحمة للحاج والمصلي، وعليه فلا بد من القول بصحة اجارتهما عند عدم المزاحمة أو بنحو لا تزاحمهما، كالاجارة لوضع الامتعة على رفوفهما، وهو كما ترى مما لا ينبغي التفوه به، ودعوى أن عنوان المسجدية في المسجد المتروك غير مانع بخلاف غيره رجم بالغيب، والتحقيق ما عرفت.

[ 128 ]

وأما الاوقاف الخاصة ففيها صور نتعرض لمهماتها: الصورة الاولى: ما إذا خرب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به أو بالوجه الذي وقفه الواقف، فالكلام فيها يقع تارة في المقتضي لبيعه وأخرى في الموانع على فرض ثبوت المقتضي، وقد يقال - كما عن المحقق الخراساني (قده) وغيره - في ثبوت المقتضي بتعلق الوقف أولا بالعين وثانيا بالبدل أو بماليتها، وقد تقدم مع ما فيه، فلا نعيده. وقد يقال: إن الوقف يتضمن حبس العين وتسبيل المنفعة، والثاني موسع لدائرة الموقوفة بمعنى أن العين بشخصها محبوسة مادام إلى الانتفاع بها سبيل، وبما هي مال محبوسة إذا لم يمكن الانتفاع بها مع بقائها بشخصها فالعين وإن سقطت عن الوقفية بنفسها وبشخصها، لكنها بما هي مال محبوسة، والانتفاع بها بما هي مال يتوقف على تبديلها وحفظ المالية الموقوفة في ضمن البدل، ولو قيل: إن غرض الواقف وإن كان دوام الانتفاع لكن لا دليل على اتباع غرضه بعد ما كان الحبس متعلقا بالعين والمالية القائمة بها حتى يلزم التبديل لحفظه، مع أن البدل ليس عين مالية الوقف، يقال: إن الغرض لما كان عقديا بحيث جعل الوقف حقيقة مركبة من حبس العين وتسبيل الثمرة فدليل نفوذ الوقف دليل على اتباعه واما أن الانتفاع بالمال الذي هو غرض يتبع من الواقف يقضي بالتبديل فلاجل أن الانتفاع بشخص المال من دون تبديل إلى الابد مفروض العدم فلابد من حفظ المال بتبديله بما يماثله في المالية، فان إقامة مماثله في نظر العقلاء من أنحاء حفظه، فالتسليط على الانتفاع إلى الابد يوجب سعة دائرة الوقف وحفظ الموقوف بالجهة التي هي موقوفة في نظر العقلاء بتبديله

[ 129 ]

بالمماثل، لا أن المماثل موقوف بوقف المالك وإنشائه، انتهى ملخصا. وفيه مواقع للنظر نكتفي بمهماتها: منها - أنه على فرض تسليم كون الوقف من الماهيات المركبة لا يلزم منه أن يكون كل جزء منه تحت الانشاء حتى يكون إنشاء الوقف انشاء حبس مستقل وانشاء تسبيل مستقل، بل الواقف بحسب النوع لا ينشئ إلا الوقف على الذرية مثلا، وهو ينحل إلى الحبس والتسبيل، لا أن الانشاء تعلق بالحبس والتسبيل معا حتى يكون أحدهما بمنزلة العلة ويوسع دائرة الوقف، ولو فرض إنشاؤه بمثل حبست وسبلت منفعتها بناء على صحته يكون ذلك من الالفاظ الدالة على الوقف نحو الكنايات، لا أن كلا إنشاء مستقل ويكون الوقف متقوما بانشاءين مستقلين. ومنها - أنه لو سلمنا ذلك لكن لا يعقل في باب المعاملات المتقومة بالانشاء والجعل التوسعة والتضييق، وانما يقال بهما في باب الاوامر والنواهي لا لان التعليل يوسع متعلق الامر أو النهي، فانه غير معقول، فقوله: " لا تشرب الخمر لانها مسكرة " لا يكون التعليل فيه موسعا لدائرة متعلق " لا تشرب " ضرورة أن متعلقه الخمر، ولا يعقل التجاوز عنه، ولا يكون المراد بذلك أن الخمر مستعملة في المسكر بقرينة التعليل، فانه مع وضوح بطلانه ليس من قبيل التوسعة، بل المراد هناك أن التعليل كاشف عن إرادة المولى وحجة من قبله على العبد، فمن هذا التعليل يفهم أن إرادة. المولى تعلق بمطلق المسكر، وهي حجة قاطعة. وأما لو ورد مثل هذا التعليل في باب العقود والايقاعات فقال: " بعث الدار لانها غير محتاج إليها " و " آجرت بستاني للاحتياج إلى أجرته " و " بعت الخمر لانها مسكرة " فلا معنى لتوسعة التعليل والحكم ببيع كل ما كان غير محتاج إليه واجارة كل ما يحتاج إلى اجرته وبيع مطلق

[ 130 ]

المسكر، ضرورة أن الانشاء لا يتجاوز عن متعلقه، والارادة والرضا القلبي لا دخل لهما بالمعاملات، فإذا قال: " حبست داري لاجل در منفعتها إلى ذريتي " وكان الثاني علة فلا يعقل أن يوسع دائرة الانشاء ويتعلق الانشاء الفعلي المتعلق بالدار بأمر أوسع منها، وإرادة در منفعتها دائما على الذرية لا تجعل الانشاء متعلقا بأمر أعم من العين وماليتها، وصرف الارادة لا يفيد في الايقاعات والعقود، فالتوسعة والتضييق في بابهما مما لا معنى له، ومع بطلان ذلك لا وجه لما ذكره من التمسك بقوله عليه السلام: " الوقوف تكون على حسب " الخ، بل لنا التمسك به لاثبات قصر الوقف على العين دون غيرها من ماليتها ونحوها، كما لاوجه لقوله: " لابد من حفظ المال بتبديله بما يماثله " وغير ذلك مما يتفرع على هذا الاصل الباطل. ومنها - أن قوله: " إن الغرض إذا كان غرضا عقديا موجبا لكون الوقف مركبا من الحبس وتسبيل الثمرة فدليل نفوذه دليل على اتباعه " فيه أنه لم يتضح المراد بالغرض العقدى، فان كان المراد أن العقد تعلق بالمالية وتسبيل الثمرة إلى الابد قرينة عليه فهو - مع ما في التعبير عنه بالغرض العقدي، لان المالية على هذا تكون متعلق العقد، لا أنها الغرض العقدي - خلاف ماهية الوقف، فان المالية لا ثمرة لها ولا منفعة، وإنما الثمرة والنفع للعين لا لماليتها، فلازم ذلك بطلان إنشائه، وإن كان المراد أن الغرض منظور حال العقد، فمن وقف شيئا يكون تسبيل المنفعة إلى الابد محط نظره وتسبيلها إلى الابد لا يمكن إلا مع توسعة دائرة الوقف إلى المالية، فتكون هي محبوسة بعد ما لا يمكن الانتفاع بالعين، فيرجع ذلك إلى ما تقدم من بعض الاعاظم (قده) من كون العين محبوسة في الرتبة المتقدمة، والمالية في الرتبة المتأخرة، وتقدم ما فيه من امتناع ذلك بلفظ واحد.

[ 131 ]

ويرد عليه أيضا أن التوسعة إن كانت بعد الانشاء المتعلق بحبس العين فلا تعقل جزما، لان الانشاء من الايجاديات التي لا يعقل فيها التوسعة بعد الوجود والايجاد، وإن كانت قبله بمعنى كشف غرضه عن تعلق الوقف بعنوان أعم فمضافا إلى الجزم بأن الوقف في الاوقاف المتداولة لم يتعلق إلا بالاعيان ليس التعلق بنفس المالية القائمة بالعين من التعلق بالاعم، والقول بالتعلق بالاعيان مادامت ذوات منفعة وبماليتها بعد فقدها كما هو صريح بعض كلامه فيه ما تقدم من الامتناع إن كان المراد تعلق الانشاء بها كذلك، وعدم التأثير إن كان غرض الواقف ذلك مع عدم إنشائه إلا على الاعيان. ومنها أنه مع الغض عن كل ما تقدم إن مقتضى التوسعة هو التوسعة إلى ما يشابه المعلول ويناسبه، لا إلى ما هو مخالف له في الذات والآثار، فقوله: " لا تشرب الخمر لانها مسكرة " يوسع دائرة الحرمة إلى كل مسكر، وهو مناسب للخمر ومشابه لها في خاصية الاسكار، وهي في المقام مفقودة لان الوقف على الفرض تعلق بالعين لدر المنفعة، والمالية لا منفعة لها ولا ثمرة، فالتوسعة إليها توسعة إلى ما ينافي العلة ويخالف المورد، فلو رجع قوله هذا إلى أن غرض الواقف بأن يستفيد الموقوف عليه من ثمرة الوقف أبدا يوجب التوسعة فقد عرفت ما فيه، وبالجملة إن المتبع هو إنشاء الواقف وجعله، ولا يعقل التوسعة فيه بعد تعلقه بالاعيان. ويمكن أن يقرر وجود المقتضي على مبنى صاحب الجواهر (قده) من أن الوقف متضمن للمنع المالكي عن البيع وسائر النواقل وهو تمليك للموقوف عليهم، ومتقوم بالامتناع المالكي، بأن يقال: إن المنع المالكي منصرف عن مورد عدم إمكان الانتفاع به، فان المنع انما هو لغرض الابقاء للانتفاع به، ومع عدم إمكانه لا منع منه فيبطل الوقف، ويبقى

[ 132 ]

ملكية الموقوف عليهم بلا مانع من النقل، نعم لابد من إذن الفقيه باعتبار مالكية الطبقات المتأخرة. وعلى مبنى غيره ممن يقول بملكيته لجميع البطون بأن يقال: إن در المنفعة من مقوماته، فكما لا يجوز وقف ما ليس له منفعة رأسا لان در المنفعة داخل في ماهية الوقف أو لازم لها ولا ينفك عنها كذلك إذا خرب على وجه لا منفعة له من حال الخراب إلى الابد بطل الوقف، لفقد ركنه وبقى الملك لعدم وجه لزواله، ومقتضى القاعدة جواز بيعه مع اجتماع الموقوف عليهم والفقيه عليه، هذا لكن قد عرفت ما في كلام صاحب الجواهر (قده) من الاشكال في المبنى والبناء. وأما التقريب الآخر فهو أيضا غير وجيه، لان ما يتقوم به الوقف على فرض التسليم هو تسبيل المنفعة لادرها خارجا، والتسبيل لا يعقل في الابتداء إذا كانت العين مسلوب المنفعة رأسا، بل انشاء الوقف من الملتفت بالواقعة غير معقول، ومع الغفلة غير صحيح، وأما إذا كانت لها منفعة فانشاء الحبس وتسبيل المنفعة ممكن وصحيح، ولا يلزم أن يكون التسبيل مستمرا باستمرار الثمرة، وبالجملة تسبيل الثمرة ما يتقوم به الوقف، ولا يتوقف على وجود الثمرة في كل حال، بل يكفي في الصحة وجود المنفعة إلى زمان الخراب. وعلى مسلكنا في الوقف من أنه إيقاف العين لدر المنفعة، ويكون الدر غاية للوقف لا مقوما له، وهذا ينافي البطلان إذا كان مسلوب المنفعة مطلقا، لكونه لغوا لا يترتب عليه الاثر، ولا يعقل من الملتفت إيقاعه، ولا من الشرع إنفاذه على فرض عدم التفات المنشئ، يمكن تقريب تحقق المقتضي، بأن يقال: إن الوقف لا يبطل بالخراب وعدم النفع، والمتصور منه عقلا أن يكون على عنوان الذرية طبقة بعد طبقة أو

[ 133 ]

عنوان الاولاد ذكورا وإناثا، لا على المعدومات، لعدم تعقل كونها بما هي معدومات مورد الجعل والاشارة حتى العقلية، فالوقف في الاوقاف الخاصة والعامة على العناوين، والفرق بينهما أن الوقف العام على عنوان عام كالفقراء والسادة، والخاص على عنوان خاص كالذرية والاخوة والخالات ونحوها، ولا يعقل جعلها للافراد حقيقة، ولو قال: وقفت على أفراد العلماء أو على مصاديق الذرية يكون أيضا على عنوان مصاديق الذرية، فان المعدوم لا يكون مصداقا، بل لو وقف على زيد وعلى ولده يكون الثاني عنوانا قابلا للانطباق على ولده بعد الولادة، لا عنوانا للمعدوم، فانه محال. وبالجملة المتصور في الوقف على البطون اللاحقة المعدومة إما الجعل للعنوان أو على العنوان أو إنشائه على نحو القضية الشرطية، بأن يقف على كل طبقة إذا وجدت أو في حال وجودها، بأن يكون الوقف فعليا بالنسبة إلى الطبقة الموجودة وشأنيا وإنشائيا بالنسبة إلى الطبقة المتأخرة، فإذا وجدت صار فعليا، ولما كان الثاني مخالفا لنوع الاوقاف ضرورة أن الانشاء الفعلي في الطبقة الموجودة والمشروط في سائر الطبقات أمر يحتاج إلى عناية زائدة مغفول عنها نوعا، إلا أن يقال: إن قوله طبقة بعد طبقة لافهام الشرطية لكنه غير وجيه، بل الظاهر انه لبيان در المنفعة، وأنها للطبقة الموجودة وبعدها للطبقة المتأخرة، والوقف فعلا لعنوان الذرية أو الاولاد لدر المنفعة على طبقة بعد طبقة، نظير قوله: " وقفت لاولادي للذكر مثل حظ الانثيين " فالتقسيم للنفع لا للوقف، كما هو الظاهر من أوقاف الائمة عليهم السلام، بل صريح بعضها، نعم لازم ذلك أنه لو أرادوا التقسيم يكون ذلك بحسب نسبة النفع، فإذا كان الوقف على عنوان الذرية أو الولد وكان وقفا فعليا يكون حاله كالاوقاف العامة التي قلنا إن امرها راجع إلى

[ 134 ]

الحاكم الشرعي والوالي، فان أمر الاوقاف الخاصة أيضا راجع إليه، ووظيفته حفظ مصالح الطبقات المتأخرة كحفظ مصالح المسلمين ومصالح الصغار والمجانين، فإذا كان حفظ مصالح الطبقات المتأخرة ببيع الوقف وتبديله فعلى الحاكم ذلك، بل الولاية على البيع وسائر النواقل مختصة بالحاكم، ولا دخل للموقوف عليهم في ذلك، لعدم كونهم مالكين له، وعدم ولايتهم على ذلك، بل قد أشرنا سابقا إلى أن متولي الوقف من قبل الواقف في الاوقاف المتعارفة المطلقة لا ولاية له على البيع وإبطال الوقف وتبديله. وبالجملة الامر في الاوقاف الخاصة والعامة موكول إلى الوالي، وهو ولي الامر لحفظ مصالح الموقوف عليهم من المسلمين والطبقات المتأخرة في الاوقاف الخاصة، فعليه أن يبيعها ويحفظ مصالحهم بالتبديل. ثم إن ما ذكرنا من إرجاع الاوقاف الخاصة نوعا إلى العناوين لا يلزم منه جواز صرف المنافع إلى بعض الاولاد، كما يجوز في الاوقاف العامة، فان لزوم التوزيع وعدمه ليس من جهة الوقف على العنوان وعدمه، بل تابع عرفا لمحصورية المعنون وعدمها، فلو وقف على الفقراء وكان الفقير منحصرا في عدد محصور يجب التوزيع، ولو وقف على ذريته وصارت غير محصورة لا يجب، مثلا لو وقف هاشم عليه السلام على ذريته لا يجب التوزيع فعلا على جميع أولاد هاشم، وهذا حكم عرفي عقلائي مؤيد بالنص كما أن التوزيع على المحصورين حكم عقلائي يتبعه الواقف عند وقفه ولو ارتكازا، فإذا وقف على فقراء البلد ولم يكن فيه إلا عدد محصور يجب التوزيع. فتحصل مما ذكرناه أن بيع الوقف العام والخاص بيد الحاكم، لحفظ مصالح الموقوف عليهم من المسلمين ونحوهم ومن الطبقات اللاحقة في

[ 135 ]

الاوقاف الخاصة إلا أن يدل دليل على عدم الجواز حتى مع التضييع، وهو مفقود جزما، لما عرفت مفصلا، ولانصراف نحو قوله عليه السلام: " لا يجوز بيع الوقف " (1) مع فرض الاطلاق. ثم إن ما ذكرناه يتم في الاوقاف العامة والخاصة على فرض تحقق الوقف فعلا على العناوين وإن كانت جملة من مصاديقها متحققة في الاستقبال وأما في غيره فمحل تأمل وإشكال، فان الوقف يتصور على أنحاء. منها - الوقف على عنوان وحداني، كعنوان المسلمين أو العلماء في الاوقاف العامة، وعنوان الذرية في الخاصة، فالموقوف عليه عنوان منطبق على المصاديق الموجودة في الحال، وعلى الموجودة في الاستقبال حال وجودهم، ولا يصدق على غير الموجود ولا يعقل صدقه عليه، فمصداق الموقوف عليه في الحال هو الموجود لا غير، ففي هذه الصورة يمكن أن يجعل المنافع لطبقة بعد طبقة، فيقدم الطبقة المتقدمة على المتأخرة كما هو كذلك في نوع الاوقاف الخاصة، ويمكن خلافه، فتصير الطبقة المتأخرة شريكة للمتقدمة، بمعنى عدم الاختصاص بالمتقدمة، كما هو كذلك في الاوقاف العامة، وقد يكون كذلك في الخاصة أيضا، ولازمه شركة الموجود مع الطبقة المتأخرة، لا إسراء الحكم إلى المعدومين، فانه محال ولو في الاعتباريات كما تقدم. ومنها - الوقف على عناوين عديدة بأن يكون الوقف على الطبقة المتقدمة وعلى المتأخرة بعد انقراض المتقدمة، وهكذا على نحو الواجب المعلق فيكون الوقف على المتأخرة فعليا لكن الموقوف عليه عنوان لا ينطبق على


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1

[ 136 ]

الطبقة المتأخرة إلا بعد انقراض المتقدمة، فالوقف فعلي والموقوف عليه استقبالي. ومنها الوقف على الطبقة الاولى فعلا وعلى الطبقة الثانية بشرط وجودهم على نعت الواجب المشروط، فلا يصير الوقف بالنسبة إلى الطبقة الثانية فعليا إلا عند وجودهم، وهكذا، فقبل وجودهم لا يكون إلا إنشاء محضا مشروطا بوجود الموقوف عليهم. وما ذكرناه من أن الوقف على العناوين العامة أو على الجهات العامة أو على العناوين الخاصة يصير بعد تحققه من مصالح عامة المسلمين أو طائفة منهم أو من مصالح الذرية أو طبقاتهم انما هو في الفرضين الاولين، حيث كان الوقف على العناوين فعليا، وأما في الفرض الاخير الذي يكون بالنسبة إلى الطبقات المتأخرة غير فعلي بل مشروطا بالوجود ففيه إشكال ناش من احتمال أن يكون هذا المعنى الانشائي الذي سيصير فعليا بتحقق الطبقة المتأخرة كافيا عرفا في صيرورة الوقف من المصالح التي على الحاكم حفظها، نظير ما يقال من وجوب مقدمة الواجب المشروط الذي علم بتحقق شرطه قبل تحققه ومن أن المفروض عدم تحقق الوقف الذي هو من المصالح، وليس على الحاكم إلا حفظ المصالح، ولا حفظ مع فقد موضوع المصلحة، ولعل الاول أقرب إلى الاعتبار العرفي. ثم مع الغض عنه هل يجوز للطبقة الموجودة إهمال الوقف حتى يضيع أو يجب عليهم بيعه أو الامر يرجع إلى الحاكم وعليه بيعه حتى لا يضيع؟ لا يبعد الاخير على ما سلكناه من أن الوقف فك ملك وليس ملكا للموقوف عليهم، وإنما لهم عدم قبول منافع الوقف والاستفادة منه لا تضييعه وإن قلنا بجوازه في الاملاك الشخصية. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) تمسك لجواز البيع بأن الامر دائر بين

[ 137 ]

تعطيله حتى يتلف بنفسه، وهو تضييع مناف لحق الله وحق الواقف والموقوف عليهم، وبين انتفاع البطن الموجود به بالاتلاف، وهو مع كونه منافيا لحق سائر البطون يستلزم جواز بيع البطن الاول، ومع بطلانهما يثبت المطلوب، وفيه إشكال يظهر مما مر. وقد يقال: إن ما هو المحرم هو التضييع، وما يلزم من تعطيله حتى يتلف هو الضياع، وفيه - مضافا إلى إمكان أن يقال: إن ترك المال الذي تحت سلطان شخص حتى يتلف ويفسد تضييع عرفا، فمن ترك الحيوان المذبوح الذي هو ملكه أو تحت سلطنته حتى يفسد يعد مضيعا له عرفا - أن مبغوضية ضياع المال المحترم سيما ما هو من مصالح المسلمين أو طائفة منهم يفهم من دليل منع التضييع، فان النهى المتعلق به إنما هو آلة لحفظ المال وعدم ضياعه، بل يمكن أن يدعى ذلك في الاوامر والنواهي مطلقا إلا أن تقوم قرينة على الخلاف، وعلى أي حال إن ضياع الوقف هنا مبغوض. وقد يقال: إنه على فرض صدق التضييع يكون التعارض بين دليل عدم جواز بيع الوقف ودليل حرمة التضييع بالعموم من وجه، فلابد من موجب لتقديم دليل حرمة التضييع في مورد الاجتماع، وهذا مبني على دعوى إطلاق الادلة لمورد الاجتماع وإنكار انصرافها عنه وقد مر الكلام في الاطلاق وعلى فرض تسليمه لا بنبغي الاشكال في الانصراف، لا لان مورد الخراب نادر والانصراف يكون من جهة الندرة حتى يقال: إن كل عين موقوفة مآلها عادة إلى الخراب وان مصير أغلبها إلى الخراب غير قابل للانكار، بل لغاية بعد حكم الشارع ببقاء الوقف حتى يفسد ويهلك، وهذا مبنى الانصراف على فرض الاطلاق.

[ 138 ]

بل قد ذكرنا فيما سلف أن نحو قوله عليه السلام: " لا تباع ولا توهب " (1) على فرض كونه نهيا مالكيا ينصرف عن مورد فساد الوقف وضياعه. ثم على فرض الاطلاق وعدم الانصراف يقدم دليل حرمة التضييع في مورد الاجتماع إن كان المستند نحو قوله تعالى: " ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " (2) لعدم صلاحية معارضة الخبر للكتاب الكريم، مع أن لسانه آب عن التخصيص، كما لا يخفى، وكيف كان يكون دليل حرمة التضييع محكما إما لعدم إطلاق لدليل حرمة بيع الوقف، أو لانصرافه، أو لرجحان معارضه، أو لعدم صلاحيته للمعارضة وبه يندفع استصحاب المنع. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) بقوله: " مضافا إلى كون المنع السابق في ضمن وجوب العمل بمقتضى الوقف، وهو انتفاع جميع البطون بعينه، وقد ارتفع قطعا، فلا يبقى ما كان في ضمنه " ففيه وجوه من النظر. منها - أن المنع في ضمن الوجوب بالمعنى المصطلح كالوجوب الضمني للاجزاء في الواجبات المركبة مما لا يعقل، كما لا يخفى، فليس مراده من المنع الضمني هو المنع في ضمن الوجوب ظاهرا. ومنها - أن العمل بمقتضى الوقف على هذا التفسير أي انتفاع البطون بعينه غير واجب، فلو وقف شيئا على ذريته لا يجب عليهم الانتفاع به، فهل يحتمل وجوب السكونة في البيت الموقوف على سكنى شخص وعقبه أو وجوب السكنى على الطلبة ولو كفائيا لو وقف مدرسة عليهم، فليس


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 3 و 4 (2) سورة الاسراء: الآية 26 و 27

[ 139 ]

مقتضى قوله عليه السلام: " الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها " (1) وجوب الانتفاع من الموقوفة وحرمة تركه، بل مقتضاه عدم جواز تغييرها عما هي عليه، فان وقف مدرسة على الطلبة لا يجوز صرفها إلى غيرهم، ولا يجوز للغير الانتفاع بها، وكذا في سائر الموقوفات، فلو قيل: إن المنع السابق كان في ضمن حرمة التبديل لكان للضمنية وجه، لكن لايتم المطلوب، لان حرمة التبديل لم يعلم ارتفاعها، فيصح الاستصحاب. ومنها - أن المراد بالوجوب الضمني لو كان الوجوب التبعي بأن يقال: إن العمل بمقتضى الوقف واجب فيجب حفظ الوقف لذلك فيحرم البيع ففيه مضافا إلى ما مر ومضافا إلى عدم وجوب المقدمة أن ذلك مبني على استلزام وجوب الشئ لحرمة ضده، وهو فاسد حتى في الضد العام فضلا عن الخاص. ومنها - أن الظاهر منه بيان كون المورد من استصحاب القسم الثالث بأن يقال: إن المنع الناشئ من قبل وجوب العمل بمقتضى الوقف مرتفع قطعا، ويحتمل حدوث منع مقارنا لرفع المنع السابق، وفيه أن المورد من الاستصحاب الشخصي لا الكلي، فان الوجوب كما عرفت تبعي على فرض التسليم، ويحتمل بقاؤه وبقاء لازمه شخصا، لاحتمال كونه من قبيل اللازم الاعم. إن قلت: إن موضوع المنع هو الوقف الذي ينتفع به، وهو مرتفع قطعا وارتفع المنع بارتفاعه، ولعل ذلك مراده، قلت: أولا إن الموضوع في الدليل الاجتهادي هو الوقف، ولو قلنا بانصرافه عن الوقف الذي خرب وانقطع النفع منه لم يلزم منه تقييد الموضوع، بل غاية الامر خروج الخراب لا تقييد الوقف بقيد مقابله، ولو سلم ذلك وقلنا بتقييد الدليل


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1.

[ 140 ]

الاجتهادي لكن لا يمنع ذلك عن الاستصحاب، لان موضع القضية المستصحبة غير موضوع الدليل الاجتهادي والمعتبر في الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها، فلو ثبت حكم كوجوب الاكرام على عنوان كعنوان العالم مثلا وانطبق على الخارج وقلنا إن زيدا واجب الاكرام لانه عالم تكون القضية المتيقنة أن زيدا كان واجب الاكرام، ثم إذا زال علمه وشك في بقاء الحكم لاحتمال كون العلم من قبيل الواسطة في الثبوت لا ينبغي الاشكال في جريان الاستصحاب، لاتحاد القضيتين، فأخذ القيود المعتبرة في الدليل الاجتهادي في موضوع القضية المستصحبة خلط فاحش لا ينبغي صدوره من أهل التحصيل. ففي المقام يجري استصحاب عدم جواز البيع على جميع المباني في الوقف حتى على قول من قال ببطلان الوقف عند عروض العوارض الموجبة لجواز البيع، إذ بعد ما انطبق عنوان الوقف في الخارج على العين الموقوفة يتعلق بها عدم جواز الشراء، وقبل عروض البطلان يقال إن هذه الدار لا يجوز بيعها وشراؤها، وبعد بطلانه يجري الاستصحاب، لاحتمال كون الوقف من قبيل الواسطة في الثبوت وبقاء المنع بعد بطلان الوقف، لان الدار كانت ممنوعة عن البيع في زمان وشك فيه بعده، والقضيتان متحدتان بالضرورة، وأولى بذلك لو لم نقل ببطلانه، وقلنا ببقاء الوقف حال البيع كما هو التحقيق. وكيف كان من استشكل في جريان الاصل في أمثال المقام خلط بين أخذ موضوع القضية المستصحبة من العرف وبين أخذه من الدليل الاجتهادي وهو واضح الفساد. فتحصل مما ذكرناه إلى الآن أن المستند لعدم جواز بيع الوقف في جميع الصور وجميع اقسام الاوقاف هو استصحاب المنع، ولابد في رفع

[ 141 ]

اليد عنه من قيام دليل اجتهادي من اجماع وغيره، ومع فقده فالاصل متبع. ثم إنه يتفرع على ما سلكناه في ماهية الوقف - من كونها فك ملك وإيقافا على الموقوف عليهم لغرض در النفع عليهم، وأن الوقف سواء كان عاما أو خاصا بعد تحققه يصير من المصالح لعموم المسلمين أو لطائفة منهم، وأن من وظائف الوالي حفظ مصالحهم، وليس له الاهمال حتى يضيع، وأن الوقف في جميع الاوقاف تعلق بالعناوين بالنسبة إلى الطبقات المتأخرة، ولا يعقل تعلقه بالمعدومين بما هم معدومون، لامتناع الاشارة إليهم - أن الوقف سواء كان عاما أو خاصا إذا لم يكن له استعداد بقاء إلى الطبقات المتأخرة ذاتا أو منفعة يجب على الوالي تبديله بما يكون له استعداد البقاء ذاتا ومنفعة لا لاجل تعلق حق من المعدومين به حتى يقال: إن المفروض أنه لا يبقى إلى عصرهم، بل لانه صار من المصالح العامة في الاوقاف العامة، ومن المصالح اللازمة الحفظ للطبقات المتأخرة في الاوقاف الخاصة ومن الضروري أن الواقف لا يختلف وقفه وإيقافه على العناوين بحسب اختلاف الاعيان الموقوفة في استعداد البقاء، فمن جعل محلا مسجدا لم يختلف جعله في كيفية المسجدية بين ما يبقى بحسب استعداده إلى الابد وبين غيره، فليس تقييد في جعل المسجدية، وكذا الحال في سائر الاوقاف. هذا في الاوقاف التي لم يتعرض الواقف فيها لحال عروض العوارض وأما فيما تعرض فالحكم تابع لجعله، وليس الكلام هنا فيها، فإذا صارت قرية بحسب الوقف من مصالح المسلمين لا يجوز للوالي إهمالها إلى أن تضيع ولا تبديلها بما لا يبقى إلا بمقدار بقاء الاصل، بل لابد من لحاظ ما هو الاصلح لهم أو لطائفة منهم كالاوقاف الخاصة. وما قال بعضهم - من أن إنشاء الوقف تعلق بشخص العين لاجل انتفاع جميع الطبقات على فرض بقائها إلى زمانهم، فان غيره غير معقول، إذ

[ 142 ]

حبسها لهذا الغرض لا يعقل انفكاكه عن هذا الغرض، فينتهي أمد الوقف بانتهاء الغرض، فلا ملك للمعدومين لافعلا ولا شأنا، فلا حق لهم حتى يجب مراعاته، ثم أجاب عن الاشكال بأن تسبيل المنفعة موسع لدائرة الوقف كما مر - فيه ما مر من أن الغرض لم يؤخذ في دائرة الانشاء، وليس الوقف مركبا من إنشاءين: إنشاء الحبس وإنشاء تسبيل المنفعة، بل هو عنوان وحداني يتعلق به إنشاء واحد، وإنما يفسر في مقام التفصيل بأنه حبس الاصل وتسبيل المنفعة، كما أنه لو أخبر مخبر عن الجسم لا يخبر إلا خبرا واحدا وإن انحل الجسم إلى مادة وصورة مثلا، فالواقف في جعله وإنشائه لا يحدد الوقف، وإلا يصير كل الموقوفات من قبيل منقطع الآخر، ولم يكن وقف فيه تأبيد، وهو كما ترى. وبالجملة إن التأبيد والانقطاع تابعان لكيفية الجعل لا لبقاء العين ولا بقائها، فما لم يكن متقيدا بما يجعله منقطعا فهو مؤبد، ولا يلزم ذكر التأبيد في الانشاء، فالوقف على المسلمين أو على الذرية بلا قيد وقف تأبيد، ولو صح ما ذكره من أن أمد الوقف بنتهي بانتهاء الغرض ما كان جوابه بما أفاد مقنعا، لا لفساد المبنى كما تقدم، بل لان مالية الوقف أيضا قد تكون محدودة بحد وليس لها استعداد البقاء إلى الطبقة المتأخرة فيكون الوقف إلى أمد المالية بعين ما ذكره، فلا تجب مراعاة تلك الطبقة. والتحقيق ما عرفت من أن لزوم ذلك لاجل حفظ مصالح الذرية أو المسلمين، ولا يكون الوقف على المعدومين، ولا يدور مدار مالكيتهم أو تعلق حقهم به، وبالجملة لابد من ملاحظة صلاح الموقوف عليهم في بدل الاوقاف. كما اتضح بما ذكرنا في الوقف من أنه فك ملك لا تمليك أن البدل لا يختص بالطبقة الموجودة، سواء كان الوقف على عنوان وحداني كالذرية

[ 143 ]

أو الفقراء أو على عناوين متعددة على نعت الوجوب المعلق، فيكون وقفا فعلا على الطبقات، بل وكذا لو كان على نعت الوجوب المشروط واغمضنا عن اعتبار التنجيز في الوقف. أما على غير الاخير فواضح، وأما عليه فلما عرفت من كفاية ذلك في صدق كونه من المصالح للطبقات المتأخرة بعد العلم بأنه تصل النوبة إليهم فيما بعد، نظير ما يقال من وجوب مقدمة الواجب المشروط مع العلم بتحقق شرطه، وعلى فرض المناقشة في ذلك لا نبالي، لان الاوقاف لا تكون من قبيله، بل الفتوى على البطلان وإن كان فيه تأمل. وأما على مسلك من قال بأن الوقف الخاص أو الوقف مطلقا تمليك للموقوف عليهم فلازمه عدم صحته إلا على عنوان واحد، أو على الافراد الموجودة والمعدومة في عرض واحد بناء على عدم امتناعه، فان مالكية الواقف قبل وقفه للاعيان ليست على نحو التدرج الزماني كالمنافع المتدرجة تحققا ووجودا، فعدم جواز بيع الاعيان في قطعات الزمان - بأن يبيعها في هذه السنة من زيد وفي السنة التالية من عمرو وهكذا - انما هو لاجل عدم كونها ملكا له كذلك، لان الاعيان مملوكة باعتبار نفسها مع قطع النظر عن الزمان، فالدابة بنفسها مملوكة واحدة لا تكثر فيها بلحاظ الزمان في المملوك ولا في الملكية، وليست مملوكة في هذه السنة ومملوكة أخرى في السنة الاخرى، بل اعتبار الملك فوق الزمان، فلو فرض زوال الزمان لا ينقطع الملكية ولا تبطل، ومع عدم تكثر المالكية بلحاظ قطعات الزمان لا يعقل بيعها كذلك، والوقف إذا كان تمليكا لا يقصر في ذلك عن البيع وسائر النواقل، والخصوصية الزائدة لا دخل لها في ذلك، فالواقف حال تمليكه لابد من كونه مالكا، وهو مالك للعين ملكية واحدة تستمر باستمرار الزمان كسائر الزمانيات، ولا تتكثر بتكثره، فالوقف

[ 144 ]

على عنوان واحد أو على عناوين متعددة أو الافراد المتكثرة في عرض واحد لامانع منه. وأما على العناوين المتعددة طولا أو الافراد كذلك فلا يصح، وكذا الحال في الصورة الثالثة، أي الوقف المشروط. كما أن لازمه اختصاص الطبقة الموجودة بالبدل، لان الوقف وهو التمليك على أفراد الطبقات المتأخرة أي المعدومين لا يوجب مالكيتهم، والانشاء المحض لا يفيد شيئا للمعدوم، ومعه يكون الموجودون مالكين بلا مزاحم مكلي ولا حقي ولا اختصاصي، ومقتضى المبادلة حصول البدل لهم لا لغيرهم. والعجب من الشيخ الاعظم (قده) حيث ذهب إلى أن المعدوم يملك شأنا لا فعلا، لعدم تعقل مالكيته فعلا، ومع ذلك قال: إن الملك الشأني أمر موجود محقق، وذلك لامتناع ثبوت وصف موجود محقق للمعدوم، فلو جاز ذلك لجاز ثبوت الملكية الفعلية لهم، أذ دليل الامتناع فيه هو الدليل على الامتناع في ذلك أيضا، والملكية الشأنية إذا كانت اعتبار أمر موجود في الخارج تكون كالملكية الفعلية، فانها أيضا ليست إلا اعتبار أمر في الخارج، فالاعتبار في العقل، والمعتبر في الخارج، ولذا يتصف الاعيان الخارجية بالمملوكية والملكية، فالدابة موصوفة في الخارج بأنها ملك، والاتصاف في الخارج لا يعقل للمعدوم خارجا، فالملكية الشأنية إذا كانت موجودة محققة لابد وأن تتصف الاعدام بها في الخارج وهو مستحيل. ومنه يعلم ضعف ما ذهب إليه من أن ثبوت اختصاصات للبطون موجب لاشتراك المعدومين مع الموجودين في الثمن، للزوم دخوله في ملكهم، كما خرج المثمن عن ملكهم، ولا أدري ما المراد من الملكية الشأنية المقابلة

[ 145 ]

بالثمن والمتصفة بالدخول في ملك المعدوم والخروج عنه. وحينئذ ما الفرق بين الشأنية والفعلية مع تحققهما ومقابلتهما للبدل؟ حيث ذهب إلى امتناع ثبوت إحداهما للمعدوم وجواز ثبوت الاخرى له كما ظهر مما سبق ذكره النظر في اثباته الاختصاص الموقت والاختصاصات للطبقات، لعدم معنى له إلا الاختصاص الملكي، وقد مر بطلان الملك الموقت، والاملاك المتعددة المتكثرة بحسب الزمان. فالتحقيق أنه على هذا المبنى يكون البدل مختصا بالطبقة الحاضرة قضاء لحق المبادلة وإن كان المبنى غير وجيه. ثم إن بدل الموقوفة هل يصير وقفا بنفس التبديل بدعوى أن ذلك مقتضى نفس البدلية أو لا؟. أقول: أما على مسلك صاحب الجواهر (قده) من أن مجرد جواز البيع يخرج العين عن الوقف فلا ينبغي الاشكال في لزوم صيغة الوقف ضرورة أن المبادلة وقعت بين العين غير الموقوفة والثمن، وأما بناء على بطلان الوقف بالبيع والقول بأن البطلان لاجل المضادة بين الوقف وملكية المشتري كما هو التحقيق، وأن مع عدم المسوغ للبيع يقع البيع باطلا، للمضادة وتقدم جانب الوقف، ومع عروض المسوغ يصح البيع ويبطل الوقف لتقدم جانب البيع، فالظاهر عدم كون البدلية مقتضية لصيرورة البدل وقفا، فان المبدل على ذلك هو العين المنفكة عنها الوقفية، فالمبدل نفس العين لا العين الموقوفة، ومقتضى البدلية هو انتقال العوض بلا وقف، وبالجملة البرهان الذي تمسكوا به للوقفية ينتج عكس مطلوبهم. ومنه يظهر ما في كلام بعض أهل التحقيق، قال في خلال كلام لا يخلو من إشكال أو إشكالات: " وإذا كان المبيع وقفا فحيث قطعت اضافاته الخاصة وأضيفت إلى المشتري صار ملكا طلقا له، وحيث إن البدل

[ 146 ]

يقوم مقامه في تلك الاضافات الخاصة المتخصصة بالمحبوسية يصير وقفا، فلا حاجة في صيرورة البدل ملكا وقفيا بل وقفا محضا كما في الاوقاف العامة إلى أزيد من البيع " الخ، ضرورة أن البدل ليس بدل الاضافات الخاصة الساقطة، بل بدل العين المضافة إلى المشتري، فعلى المشتري الذي ملك العين أن يعطي بدل ما تملك وأخذ، وليس ذلك إلا نفس العين ساقطة عنها الوقفية، ومقتضى البدلية على تسليم برهانهم هو جبران نفس العين لا العين الموقوفة. نعم على القول بأن بطلان الوقف انما هو بعد تملك المشتري فتكون العين الموقوفة بما هي موقوفة ملكا للمشتري آنا ما ثم يبطل الوقف كان لتوهم ما ذكر وجه قياسا على البيوع المتعارفة في غير الاعيان الموقوفة، فكما أن مقتضى البيع فيها صيرورة الثمن ملكا للبائع على نحو ما كان المبيع ملكا له كذا في المقام لابد من كون الثمن ملكا للموقوف عليهم على وزان الوقف، فيكون وقفا أو بحكمه. لكنه غير وجيه، مع فساد المبنى وعدم التزامهم به، كما هو واضح لان القياس مع الفارق، فان البيع في البيوع المتعارفة هو مبادلة مال بمال في الملكية أو تمليك عين بعوض، وهذا التمليك والتملك من شؤون سلطنة البائع والمشتري على مالهما، ويقع ملكيتهما لهما بفعل منهما بإعمال السلطنة على مالهما، وأما التمليك الايقافي فليس من شؤون سلطنة المشتري، بل لا معنى له، لان الوقف بعد حصول الملكية للبائع ليس بيد المشتري، وكذا التمليك الوقفي، وما هو بيده انما هو التمليك، فقياس تمليك بدل الموقوفة بتمليك العين غير الموقوفة باطل، كما أن دعوى أن بدل الوقف لابد وأن يصير وقفا لا دليل عليها، بل الدليل على خلافها، فان العين الموقوفة التي في معرض الفساد إذا لم يكن لها مشتر إلا بالنقود أو الغلات

[ 147 ]

ونحوها مما لا يصلح للوقفية هل يمكن فيها الالتزام بعدم البيع وإهمال العين؟ لا أظن أن يلتزم أحد بذلك، فإذا بيعت بما لا يصلح للوقفية وقلنا بصحة البيع يكون ذلك من أقوى الشواهد على أن مقتضى البدلية ليست الوقفية، والتفصيل بين كون العوض ثمنا وغلة وبين غيرهما كما ترى. وعلى أي حال لو صح ذلك فانما يصح على هذا المبنى، ومع فساده كما عرفت لم يبق وجه لصحته، فتحصل أن الثمن يصير ملكا للموقوف عليهم على مبنى الشيخ (قده) وغيره، ومنفكا عن الملك على مسلكنا لا منفكا مطلقا يصير كالمباحات، بل منفكا متعلقا لحق الموقوف عليهم، أو منفكا لابد من صرفه في مصلحة خاصة لهم. ثم على فرض القول بأن مقتضى البدلية وقفية البدل إن قلنا بأن ماهية الوقف هي الحبس عن الانتقال أو قلنا بأن الظاهر من قوله عليه السلام في بعض روايات الاوقاف: " صدقة لاتباع ولا توهب " (1) كون الوصف للنوع كما ادعاه الشيخ الاعظم (قده) أو قلنا باطلاق قوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقف " (2) لا يجوز بيعه إلا مع بعض المسوغات وإن ناقشنا فيما ذكر بما تقدم في محله تفصيلا، فمقتضى القاعدة جواز البيع مع اقتضاء المصلحة، سواء قلنا بملكية الوقف للموقوف عليهم أم لا؟. وهل اللازم حينئذ شراء المماثل للوقف مطلقا مع الامكان، أو لا؟ بل تلاحظ مصلحة الموقوف عليهم، أو يفصل بين الاوقاف، فلا تلزم المماثلة في وقف المنفعة بنحو الاطلاق، بأن وقفه لمنفعة الموقوف عليهم بلا تعيين منفعة خاصة، بل جعل لهم المنفعة المطلقة، فيلاحظ توفير المنفعة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 3 - 1

[ 148 ]

ولا يلزم المماثلة، وتلزم في وقف الانتفاع كالمدارس للطلبة والخانات للمارة والاوقاف الخاصة لاسكان الموقوف عليهم، وكذا وقف المنفعة الخاصة، كما لو وقف دارا للاجارة فقط مطلقا وأخذ مال الاجارة للصرف أو للاجارة من العلماء والزوار مثلا، وأخذ مال الاجارة فيلزم شراء المماثل؟ وجوه: أوجهها التفصيل المذكور لوجهين: أحدهما أن في وقف الانتفاع لا يكون الموقوف عليهم ملاكا للمنافع، وكانت مالكيتهم للعين محدودة بحد الانتفاع، فلا يجوز لهم اجارتها ولا استيفاء منافعها بغير الانتفاع المجعول، وكذا في الصورة التالية لا يكون المنافع المطلقة لهم، وتكون ملكيتهم ناقصة ومحدودة بحد المنفعة الخاصة، فإذا بيع الوقف وأخذ العوض تكون ملكيتهم للعوض محدودة بحد المعوض. وإن شئت قلت: إن البائع يبيع العين الموقوفة، لان الوقف باق إلى حال تملك المشتري، وإذا وقع في ملك المشتري لا يعقل بقاء الوقف على وقفيته، للتضاد من غير أن يكون أحد الضدين مع الآخر أو مع عدم الآخر في الرتبتين فضلا عن أن يكون له تقدم زماني، فمقتضى الضدية تملك المشتري المبيع غير موقوف ملكية مطلقة، والمشتري انما يملك البائع العوض من غير قيد وحد، لكن مقتضى وقوعه في يد الموقوف عليهم المحدودية، لانه عوض عن ملك محدود بحد خاص، فيكون الاخذ والاعطاء في الطرفين متعاكسين، فالبائع يملك الوقف، ويتلقى المشتري العين مسلوبة عنها الوقفية بمقتضى التضاد، والمشتري يملك الثمن والعوض بلا قيد وحد، وانما يملك الموقوف عليهم محدودا مقيدا على طبق المعوض ولازم ذلك عدم جواز شراء غير المماثل، لعدم السلطنة والملكية بغير الوجه المذكور، ولا ينافي ذلك ما تقدم منا من سقوط الوقفية وعدم كون الثمن

[ 149 ]

مقابلا للوقف بما هو وقف، لان سقوط الوقفية لاجل التضاد أو عند جواز البيع كما عليه الجواهر لا يوجب الملكية المطلقة، لان التمليك كان بوجه خاص بجعل الواقف، وسقوط الوقفية لا يوجب الملكية المطلقة غير المجعولة، هذا إذا قلنا بملكية الموقوف عليهم. وكذا الحال على مسلكنا من فك الملك، لان خصوصية الفك لابد وأن تراعى في العوض، لعدم حق للموقوف عليهم بغير الوجه الذي جعل لهم. والوجه الثاني هو ما أشرنا إليه سابقا من أن الوقف بعد تماميته يصير من المصالح العامة في الاوقاف العامة، ومن المصالح لطائفة من المسلمين في الخاصة، وفي مثل وقف الانتفاع أو المنفعة بوجه خاص يصير الوقف بعنوانه من المصالح، وللناظر أو الحاكم حفظ تلك المصلحة، ففي المدارس تكون سكنى الطلاب من المصالح لهم، وحفظ تلك المصلحة باشتراء المماثل فعلى الوالي حفظ تلك المصالح على نحو ما كانت، لا العمل على طبق المصلحة ولو لم تكن نحو المصلحة الخاصة، فالمتبع كيفية الجعل لا لاجل اتباع غرض الواقف، لما مر من أن الاغراض ما لم تقع تحت الانشاء لا أثر لها كا مر دفع توهم أنه غرض عقدي، فراجع. ولا لاجل أن الجعل تعلق بالعين أولا وبالمماثل ثانيا، وبالمالية ثالثا قياسا على باب الضمان حيث إن للخروج عنه مراتب، لما تقدم من امتناع الجعل المطلق والمشروط أو المنجز والمعلق بجعل وإنشاء واحد، كما تقدم أن القياس باطل والامر في المقيس عليه ليس كما ذكر، فراجع. بل لزوم الاتباع لكيفية الجعل لاجل تلقي الموقوف عليه الوقف بالكيفية الخاصة المجعولة، فله الملكية المحدودة أو الحق المحدود والمصلحة الخاصة في غير وقف المنفعة بنحو الاطلاق فان فيه يملك ملكا مطلقا، وله المنافع مطلقة، فلا بد وأن يلاحظ مصلحته

[ 150 ]

في حصول النافع وتوفيرها. ثم إن المتصدي للبيع في الاوقاف العامة هو الحاكم سواء كان لها متول منصوب من قبل الواقف أم لا، فان الكلام هنا في الاوقاف التي لم يشترط فيها البيع عند عروض العارض، بل صار العارض موجبا لجواز البيع، وفي مثله ليس للمتولي المنصوب التصرف الناقل، لا لاجل الانصراف كما قالوا، لان المقامات مختلفة، بل لان بيعه ليس من اختيارات الواقف حتى يجعل له المتولي. وبعبارة اخرى إن المقتضي قاصر، واختيار الواقف محدود بحد ما وقف عند جعله، بل لو صرح في هذا القسم بتوليته لذلك، ولوقف بدله لم يفسد، إلا أن يرجع إلى الاشتراط في الوقف، وهو خارج عن البحث. ولافرق فيما ذكر من قصور نظارة الناظر بين الاوقاف العامة والخاصة، وأما ثبوت الولاية للحاكم فلان الاوقاف العامة من المصالح العامة للمسلمين أو لطائفة منهم، وحفظ مصالحهم من وظائف الوالي، فكما أنه لو لم يكن لهامتول تكون ولاية حفظها وحفظ منافعها وصرفها في المصالح من وظائفه كذلك حفظها عند الخراب بتبديلها وشراء بدلها وإيصاله عينا أو منفعة إلى الموقوف عليهم من وظائفه، لان ذلك من أوضح شؤون الوالي والحاكم. ومن غريب الامر ما وقع لبعض أهل الدقة استدلالا ونقدا، قال في مقام الاستدلال ما محصله: إن التصدي للحاكم في العامة، لولايته على ما كان لله، فيكون لوليه فيكون لنائبه، ثم تنظرفيه بأنه لا دليل على كونه ملكا له تعالى بالملكية الاعتبارية، كما أن الامر كذلك في سائر الصدقات، ولو سلم فلا دليل على كونه لنبيه صلى الله عليه وآله أو وليه

[ 151 ]

ولو سلم فلا دليل على النيابة إلا فيما كان لهما من حيث النبوة والامامة لا في الملك الشخصي، ولا دليل على أن الامام عليه السلام بحسب الولاية المجعولة ذو ولاية على الاوقات العامة، فانا نقول بتلك الولاية فيما كان من شأن رئيس المسلمين، والوقف ليس كذلك، لوضوح إمكان جعل التولية لآحاد الناس من قبل الواقف، فيعلم منه أنه ليس من الامور التي لابد من تصدي الرئيس لها، انتهى. وفيه ما لا يخفى، فان طريق الاستدلال للمطلوب ليس ما ذكره، بل هو ما أشرنا إليه من صيرورة الوقف العام من مصالح المسلمين والحافظ لها هو الوالي، وليس أمثال هذه الامور من تأسيسات الاسلام، بل أمر الحكومة ووظائف الوالي والحاكم مضبوطة في جميع أنحاء الحكومات، وحفظ مصالح الامة إذا لم يكن لها حافظ انما هو على الولاة والحكام، وكون الوقف له تعالى ملكا اعتباريا إلى آخر ما قال أجنبي عن المقصود فالمهم هو النظر إلى أن حفظ مصالح الامة من شؤون الوالي أم يكون لكل أحد التصدي له فيلزم منه الهرج والمرج، ومجرد إمكان جعل التولية لآحاد الناس لا يدل على أنه ليس الوقف وشؤونه مع فقد المتولي أو ترك جعل التولية الخاصة من وظائف الحاكم، كما أن إمكان جعل الاب قيما على الابن لا يدل على أن ليس أمره مع فقد القيم بيد الوالي مع أن ولاية النقل ليست مما يمكن جعلها لآحاد الناس، لما عرفت من أن سلطنة الواقف قاصرة عنه، فتدخل الاوقات من هذه الحيثية في الضابط الذي زعمه من كونه ميزانا لكون الولاية للامام عليه السلام ثم للفقيه. ومع الغض عن جميع ذلك فهل تترك هذه الاوقات التي جاز أو لزم بيعها وتبديلها حتى تضيع أو لابد من تبديلها؟ وعلى الثاني فمن يجوز له التصدي لذلك غير الوالى؟ ولا أظن التزامه بالاول إلا أن يلتزم بأن

[ 152 ]

المتصدي لذلك آحاد المسلمين، حيث كان الانتفاع لهم كما زعم في الاوقات الخاصة، وسيأتي ضعفه. وأما الاوقاف الخاصة فان قلنا فيها بعدم حصول الملك للموقوف عليهم فان الوقف هو الايقاف لا التمليك فلا إشكال في عدم صلاحيتهم لتصدي البيع، ومجرد كون المنافع وحق الاستيفاء لهم لا يصحح بيع الاعيان، كما أن مجرد كون حفظ الاعيان لاستيفاء المنفعة لهم مادامت موجودة لا يصحح ذلك، فالتصدي للفقيه كما في الاوقات العامة، وأما الناظر فقد عرفت قصور نظارته عن ذلك. وإن قلنا بأن الوقف تمليك خاص فلابد في تحقيق أن المتصدي فيها هو الفقيه أيضا أو الموقوف عليهم أو هما معا من بيان أقسام الوقف الخاص فنقول: إن كان الوقف على عنوان وحداني كعنوان الذرية والولد وكان قيد طبقة بعد طبقة لتقسيم المنافع لا للوقف والتمليك فان كان المأخوذ في موضوع التمليك ماهية الذرية بلا شرط فلا شبهة في تحققها بأول وجود الذرية، ولازمه ملكية أول المصاديق، ولازم كون ملكية تمام الوقف للماهية بلا شرط حصول تمام الملكية للمصداق المحقق، فإذا وجد بعد ذلك مصداق آخر لا يعقل أن يصير مالكا لتمام الوقف حتى يكون شئ واحد مملوكا بتمامه لهذا وذاك، فانه ليس له اعتبار عند العقلاء بل غير معقول، كما أنه لا يعقل تشريك الثاني مع الاول، لان الثاني وجد في وقت كان تمام الملك للاول، ولا سبب لازالة بعضه عنه واثبات ذلك للثاني، لان المفروض أن الجعل واحد لواحد هو الطبيعة بلا شرط، وهي بتمام ذاتها وجدت بأول مصداق، فتشريك الثاني في النصف إلى زمان وجود الثالث ثم تشريكهم أثلاثا وهكذا، وارجاع التشريك الثلاثي إلى الثنائي بموت أحدهم وإلى ملكية التمام للباقي بموت الاثنين منهم مما لا سبب له، ولا يعقل

[ 153 ]

الجعل كذلك بجعل واحد كما أنه ليس من لوازم الجعل. فلو قال: " وهبت ذلك للعالم " وكان للعالم مصداق واحد ملكه بتمامه، ولو وجد بعده عالم آخر لا يصير شريكا معه، لان السبب أثر أثره، وعند وجود الثاني لا ملك للمالك حتى يملكه ولا سبب آخر له ولا فرق بين المثال والوقف إذا كان تمليكا، مع أن الضرورة قاضية بأن الوقف ليس كذلك، كما أن القائل بالملكية لا يكاد يلتزم به، بل مع وجود الاول يكون هو مالكا، وعند وجود الثاني يصير شريكا معه، وهكذا بحسب نسبة المالكين، وتصوير جعل واحد على عنوان واحد تكون نتيجته ذلك معسور بل ممتنع. فلا بد في هذا القسم على فرض صحته أن يكون المالك للوقف هو العنوان بما هو عنوان، فتخرج الماهية عن اللابشرطية وإمكان الانطباق على الخارج فيكون العنوان مالكا كالجهات المالكة على القول به، لكن يرد عليه إشكال آخر، وهو أنه إذا كان الوقف على العنوان لا يعقل أن يكون الموقوف عليه الاشخاص بحكم التضائف كما هو واضح. هذا بالنسبة إلى ملكية العين. وأما ملكية المنافع دون العين فلا يلزم منها محذور، لان المنفعة حيث كانت تدريجية الوجود صار ما وجد منها في زمان وجود شخص أو أشخاص ملكا له أو لهم، وبعد ملكيتها له أو لهم إذا وجد مصداق آخر للموقوف عليه لا يصير شريكا لهم في تلك المنفعة حال حصولها، نعم هو شريك في المنافع الآتية، وإذا مات أحدهم بعد التملك صار إرثا ولا يرجع إلى سائر الموقوف عليهم. ولازم ما ذكرناه في تصحيح هذا القسم عدم صلاحية الموقوف عليهم لبيعه، لعدم كونه ملكا لهم، فالامر إلى الوالي، فانه من الحسبيات.

[ 154 ]

وبهذا البيان يمكن الاشكال على الوقف على عناوين متعددة، كعنوان النسل بعد النسل بالنسبة إلى كل طبقة، فان النسل في كل طبقة إذا أخذ بنحو اللابشرط يرد عليه الاشكال المتقدم من عدم إمكان تكفل جعل واحد للملك الاستقلالي ثم التشريكي عند وجود الآخر والرجوع إلى الاستقلال إذا مات أحدهما، فلا بد من التمليك للعنوان أو للجهة مثل الطبقة، ولازمه كون الموقوف عليهم أجنبيين عن التصدي للبيع، لان الامر إلى الحاكم فقط نعم لو وقف على زيد مثلا ومن بعده على ذريته نسلا بعد نسل صار زيد على هذا المبنى مالكا، وبالنسبة إلى ذريته يأتي الاشكال المتقدم. وكيف كان في هذه الصورة يكون الامر إلى زيد والحاكم معا، لان مالكية زيد محدودة، ولا سلطان له للتمليك على نحو الارسال. وما قيل - من أن الطبقة الموجودة حيث إنها المتسلطة على العين الموقوفة فعلا فحفظها في ضمن البدل ورعاية الحقوق فيها شأنها، ولا يحتاج البيع إلى ملك الرقبة ملكية مرسلة، بل إلى ملك التصرف فقط - مما لا ينبغي أن يصدر من قائله المدقق، فان مقدار ثبوت التسلط للطبقة هو التسلط على استيفاء منفعة الوقف بالاجارة ونحوها، وأما التسلط على بيع الوقف وتبديله ووقف عوضه فليس لها. ومنه يظهر الكلام فيما أفاد من أن البيع لا يحتاج إلى ملكية مرسلة بل إلى ملك التصرف، لان ملك التصرف انما هو بمقدار الملك المحدود، وكون الطبقة مالكة للتصرف الكذائي أول الكلام، هذا كله على القول بجعل الواقف الملكية للموقوف عليهم استقلالا، كما هو ظاهر بعض التعبيرات كقوله: " الوقف تمليك خاص ". وأما لو قلنا بأن ملكية الموقوف عليهم ليست بجعل الواقف، بل ملكية انتزاعية عن إيقافه على الموقوف عليهم في الاوقاف الخاصة، بدعوى

[ 155 ]

أن الايقاف على شخص أو أشخاص بحيث يكون المنافع لهم والامر إليهم ينتزع منه الملكية. وإن شئت قلت: إنها لازم الجعل لا أن الجعل تعلق بها، فيمكن دفع الاشكال المتقدم، فان الايقاف على الذرية بلا شرط لازمه التوسعة والتضييق بحسب وجود الموقوف عليه وعدمه، فإذا قال: وقفت على الذرية كان وقفا على ما صدق عليه العنوان، وإذا ضم إليه آخر يكون وقفا عليه أيضا، لانه ذرية، وإذا مات خرج عن العنوان فصار وقفا على الباقي، وهكذا. وهذا ليس مثل الملكية، حيث لا يعقل فيها التمليك الاستقلالي لكل واحد ولا التشريكي والاستقلالي بجعل واحد، فان عنوان الايقاف نظير سائر المضائفات لا يلزم من تكثير المضائف فيه تبديل مورد الاضافة من المضائف السابق وسلب الاضافة عنه واثبات تلك الاضافة لغيره نظير الحكم على من كان تحت السماء، فمن كان تحتها ثبت له الحكم، فإذا ضم إليه الآخر ثبت الحكم لهما، لان كلا منهما تحتها، والاحكام مختلفة، فمنها ما يمكن ثبوته لكل مستقلا وبتمام المعنى، كقوله: " من كان تحت السماء فهو واجب الاكرام " ومنها ما لا يمكن ذلك كالملكية المنتزعة من الوقف، فإذا قال: " هذا وقف للذرية " وكان الموجود منها واحدا ينتزع منه ملكيته، وإذا وجد آخر كان الوقف عليهما، ولا يعقل انتزاع تمام الملكية لهذا، وذاك فينتزع الملكية على نحو التشريك، وإذا مات صار الايقاف للباقي والملك المنتزع التابع للايقاف له، ولا يلزم منه إشكال لا في الجعل ولا في المجعول. ويمكن تصوير ذلك على نحو القضية الحقيقية، بأن يكون الوقف على كل الذرية، فكل من وجد من الذرية انطبق عليه الوقف وانتزع بتبعه الملك، والملك الانتزاعي التابع للايقاف ليس تحت الجعل حتى يأتي فيه

[ 156 ]

الاشكال المتقدم، والامر سهل بعد ما كان المبنى غير وجيه، لما عرفت من أن الوقف في جميع الموارد فك ملك وانتزاع الملكية في الاوقاف الخاصة مما لا دليل عليه لا من العرف ولامن الشرع، نعم قد يتوهم من بعض الاخبار الآتية ملكية الموقوف عليهم، وسيأتي الكلام فيه، والتحقيق أن المتصدي في جميع موارد بيع الوقف هو الحاكم بحسب القاعدة إلا إن يدل دليل على خلافه. ومنه يظهر أن الواقف للبدل أيضا هو الحاكم، لا الناظر والا الموقوف عليهم، ولا إشكال في وقف البدل على القول بأن الوقف إيقاف، ولا يحصل منه الملكية، ولا على القول بأنه إيقاف ينتزع منه الملك، ولا على القول بأن البدل يصير وقفا بنفس المبادلة. وأما على القول بأنه تمليك خاص وأن البدل ملك للموقوف عليهم وأن وقفه يحتاج إلى الصيغة فيستشكل بأنه وقف على النفس، وفيه إشكال عقلي، ضرورة أن تمليك ما هو ملك غير معقول، ومن قبيل تحصيل الحاصل، فيجاب تارة بأنه لا مانع من تبديل ملكية بملكية أخرى بنحو آخر، وأخرى بأن الغرض هنا من إجراء الصيغة ليس حصول الملك، لحصوله بالبيع، فما يترقب من صيغة الوقف عنوان آخر غير ما هو حاصل بالبيع. ويرد على الاول بعد الغض عن عدم عقلائية تبديل الملكية بملكية أخرى أنه لا سبب للمبادلة، فان الوقف تمليك خاص لا تبديل ملكية بملكية، ولا سبب غيره، نعم لو قيل بأن بين الملكيتين مماثلة، وهي بحكم المضادة، ومع قيام الدليل على صحة الوقف بمعنى التمليك الخاص يدفع ذلك الملكية السابقة، للمضادة وتقديم جانب الوقف كما مر نظيره لكان له وجه، لكنه من قبيل فرض في فرض وخيال في خيال.

[ 157 ]

وعلى الثاني أن المفروض أن ماهية الوقف هي التمليك الخاص، كما صرح به القائل كرارا، ومع تحقق الملكية لا يعقل إيقاع الوقف، ولا معنى لترقب غير الوقف من صيغة الوقف، لعدم إمكان أن يترقب منها إلا ما هو مفهوم الوقف وماهيته، وإيقاع نفس الخصوصية لا دليل على وقوعها بعد عدم كونها عنوان الوقف، مع أن ضم الخصوصية إلى الملك لا دليل على صيرورتها وقفا، نعم لو كان الوقف هو الايقاف لا يدفع الاشكال لكنه هدم للمبنى. ثم إن الكلام في بقاء نظارة الناظر على البدل نظير ما تقدم من الكلام في كون البدل وقفا، فان إنشاء النظارة على العين الموقوفة لا يعقل أن يكون إنشاء للنظارة على بدلها عند سقوطها عن العين، والمفروض أنه لم يكن في المقام إلا إنشاء وحداني متعلق بخصوص العين، ولا يعقل أن يكون ذلك إنشاء تنجيزا على العين وتعليقا أو مشروطا على بدلها، نعم يمكن جعلها على عنوان كلي قابل للانطباق على البدل، لكنه خارج عن الفرض والمورد، بل الواقف بالنسبة إلى البدل في مفروض الصورة أجنبي. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) - من احتمال بقائها لتعلق حقه بالعين فيتعلق ببدلها - فغير وجيه، لان الناظر ليس له حق إلا بتبع جعل الواقف، والمفروض أنه لخصوص العين، ومع قصور الجعل لاحق له في غير مورده. ثم إن ثمن المبدل إذا كان من النقدين أو مما لاثمرة له لا يجوز دفعه إلى الموجودين، سواء قلنا بكونه ملكا لهم أم لا، ومجرد استحقاقهم بقاء العين تحت يدهم لاستيفاء الثمرة والمنفعة لا يوجب حقا لهم في البدل الذي لاثمرة له. وأما الاتجار بالثمن فان كان الوقف وقف منفعة مطلقة بلا قيد

[ 158 ]

فالظاهر جوازه إذا رأى الحاكم مصلحة فيه فيشترى به وبمنافعه ما يجعل وقفا على الموقوف عليهم، نعم بناء على مسلك من قال بأن الوقف في الرتبة المتأخرة متعلق بمالية العين تكون المنافع كالثمرة مختصة بالموجودين، لكن المبنى فاسد. وإن كان وقف انتفاع كالمدارس والخانات وكالدار الموقوفة لسكني الذرية أو وقف منفعة خاصة، كما لو وقف الدار على الذرية لا يجارها من الطلبة وأخد الثمن لنفسهم فلا يجوز الاتجار به، لان الثمن ليس ملكا مطلقا لهم، بل هو على القول بالملكية ملك لهم لصرف خاص، وعلى المذهب المنصور يكون لمصلحة خاصة، فلابد من حفظه لشراء ما يجعل مدرسة أو دارا للايجار من الطلبة، نعم لو لم يمكن حفظ الثمن ولا شراء ما يجعل مماثل الوقف فعلا يشتري بالثمن ما يمكن حفظه لهذا الغرض، وهذا ليس اتجارا بالثمن، بل هو حفظ المالية عند الاضطرار لغرض الصرف فيما هو مصلحة خاصة، نظير نفس ثمن الموقوفة، فان بيعها ليس اتجارا بالوقف كما لا يخفى. ولو عرض الخراب على بعض الوقف فان كان وقف منفعة مطلقة يباع، ويراعى المصلحة في شراء بدله أو صرف ثمنه في تعمير الباقي، وقد مر سابقا أن هذا القسم لا يجب فيه المماثلة، بل يجب مراعاة المصلحة حتى لو اقتضت صرف ثمنه في وقت آخر لهم جاز، تأمل. وأما في وقف الانتفاع كالمدارس والدار للاسكان ووقف المنفعة على وجه خاص بنحو ما مر فلابد مع الامكان من صرف ثمنه في تحصيل المماثل فان أمكن إحداث مدرسة أخرى أو دار أخرى للاسكان مع بقاء البعض المعمور قابلا لسكني الطلاب أو الذرية يصرف الثمن فيه، وإن احتاج البعض في بقائه إلى صرفه فيه يقدم ذلك، وإن لم يحتج إلى التعمير

[ 159 ]

ولم يكن الثمن بمقدار إحداث وقف آخر يحفظ الثمن عند أمين إلى زمان الاحتياج، أو يصرف في وقت آخر لهم مماثل له. ولو دار الامر بين مراعاة البطن الموجود ومراعاة البطون اللاحقة كما لو خرب بعض الوقف، واحتاج بعضه الآخر إلى عمارة لا يمكن بدونها انتفاع البطون اللاحقة فهل يقدم مصلحة البطن الموجود لكونه ذا حق فعلا، أو مصلحة البطون اللاحقة لكثرتهم وأهمية مراعاتهم، أو أن المورد من موارد مزاحمة الحقوق فيقرع ويعمل على طبقها، أو يفصل بين الموارد، فان كان الثمن من النقود يكون المرجع هو القرعة، بدعوى دوران الامر بين تحصيل النفع للبطن الموجود وتحصيله للبطون اللاحقة عند وجودهم، ولاحق فعلي للبطن الموجود على الثمن، لان حقه انما يتعلق بالوقف لاستيفاء منفعته ولا منفعة للثمن، وكثرة الافراد على فرضها لا توجب الاهمية، فيكون من قبيل مزاحمة مصلحة البطن الموجود ومصلحة البطون اللاحقة، المرجع هو القرعة، وإن كان من غير النقود مما له قابلية الانتفاع يقدم مراعاة الموجود لتعلق حقه فعلا بالبدل، لاستيفاء المنفعة وإن لم يكن وقفا؟. إلا أن يقال: إن الثمن أيضا متعلق حقه ليشترى منه ما له نفع له أي له حق استيفاء المنفعة بوسط، فيقدم حقه الفعلي، وبعبارة أخرى إن الثمن سواء كان من النقود أم من غيرها مشترك بين الطبقات من حيث الملك بناء على الملكية، ومن حيث كونه بدل الوقف المتعلق بهم جميعا بناء على الفك والتحرير، وتمتاز الطبقة الموجودة بأن لها حقا فعليا لاستيفاء المنفعة من البدل بوسط أو بلا وسط، وليس للطبقات اللاحقة ذلك الحق فلا يجوز سلب الحق الفعلي لاجل إيصال نفع إلى اللاحقة. ومنه يظهر الكلام فيما إذا احتاج إصلاح الوقف بحيث لا يخرج عن

[ 160 ]

قابلية انتفاع البطون اللاحقة إلى صرف منفعته الحاضرة التي هي ملك طلق للبطن الموجود، بل هو أوضح، فان الاضرار بالبطن الموجود لاجل إيصال النفع فيما بعد إلى البطن اللاحق مما لاوجه له. وما قيل من أنه لا يبعد تقدم التعمير حفظا لبقاء الوقف وحملا على الغالب من اشتراط الواقفين تقديم التعمير فينصرف إليه - غير وجيه، فان وجوب حفظه بصرف المال المختص بالحاضرين فيه أول الكلام، ولا دليل عليه، والموقوف وإن صار على ما اشرنا إليه من مصالح عامة المسلمين أو طائفة منهم لكن حفظه بما ذكر لا دليل على وجوبه، بل دليل حرمة الاضرار بالمسلم وسلطنة الناس على أموالهم محكم، والغلبة على فرضها لا توجب الانصراف بحيث يصير المنشأ مقيدا بمثل هذا القيد. نعم يمكن تقريب تقديم التعمير على مسلك بعض أهل التحقيق، حيث ذهب إلى أن تسبيل المنفعة أبدا موسع لدائرة الموقوفة، بمعنى أن العين بشخصها محبوسة ما دام إلى الانتفاع بها سبيل، وبما هي مال محبوسة إذا لم يمكن الانتفاع بها، بأن يقال: إن تسبيل المنفعة أبدا إذا كان موسعا للوقف فتأبيد الوقف مضيق لدائرة الانتفاع، فالمنافع للموقوف عليهم ما دامت العين باقية ولم تحتج في بقائها إلى التعمير، ومع الاحتياج تصرف في التعمير لحفظه، فالتأبيد في الوقف والتسبيل متعاكسان في التوسعة والتضييق، لكن قد تقدم بطلان المقيس عليه، مع أن في القياس أيضا كلاما. وأما دعوى أن تقدم التعمير في الاملاك الشخصية على استفادة المنافع أمر عقلائي، فان في دوران الامر بين هدم الملك وبين صرف منفعة سنة أو أكثر في بقائه يقدم العقلاء التعمير، فليكن الوقف أيضا كذلك ولا أقل من صيرورة ذلك منشأ للانصراف المدعى ففيها ما لا يخفى، فان

[ 161 ]

تقديم التعمير في الاملاك الشخصية انما هو لاجل صرف منفعة سنة مثلا لاستيفاء المنافع الكثيرة في باقي السنوات، وأما إذا توقف استيفاء شخص آخر منافع كثيرة على صرف منفعة غيره فلا، والمقام من هذا القبيل. ثم إن هاهنا صورا كثيرة تعرض لجملة منها الشيخ الاعظم (قده) وغيره، وأشار إلى جملة أخرى منها، ولم يتعرض لجملة أخرى، ويلحق بعضها بالصورة الاولى، منه ما إذا سقطت عن المنفعة مطلقا من غير جهة الخراب ولم يرج العود، ومنه ما إذا سقطت عن المنفعة عرفا وإن كانت لها منفعة قليلة جدا لكنها تعد مما لا منفعة لها في العرف، سواء كان السقوط لاجل الخراب أولا، وهذه الصورة ملحقة بالصورة الاولى في الحكم، ولا ينبغي الاشكال في جواز البيع والتبديل بما ينتفع به على التفصيل الذي ذكرناه في أقسام الاوقاف في الصورة الاولى. وأما الصور التي لا يعد الوقف فيها فاقد المنفعة بل قليل المنفعة إما لخراب الوقف أو لعوارض أخر فربما يقال فيها: إن مقتضى الاصل عدم جواز بيعه، أما على القول بأن جواز البيع ينافي الوقف فلان الاصل بقاء الوقف مع الشك في عروض المجوز، ومع تحقق الوقف تعبدا يمتنع البيع لانه عبارة أخرى عن ممنوعيته، وأما على القول بأن الوقف يبطل بالبيع فمقتضى استصحاب الوقف إلى حال تحقق البيع عدم حصول النقل، للتضاد بينهما، ولا نحتاج إلى إثبات عدم حصول النقل حتى يقال: إنه مثبت، بل ثبوت الوقف كاف لامتناع النقل، بل يمكن أن يقال: إن من أحكام بقاء الوقف عدم كونه ملكا للمشتري، تأمل. إلا أن يقال - مع البناء على عدم إطلاق لادلة بطلان بيع الوقف يشمل حال عروض العوارض، كما مر مفصلا -: إن مرجع الشك في صحة البيع وعدمها إلى الشك في تقييد إطلاق أدلة نفوذ البيع وعمومها،

[ 162 ]

ضرورة أن إطلاق نحو " أحل الله البيع " (1) على فرضه وعموم دليل وجوب الوفاء بالعقود (2) وإطلاقه كما يدفعان الشك في اعتبار شئ في نفس البيع والعقد كالعربية وتقديم الايجاب على القبول كذلك يدفعان الشك في اعتبار شئ في المتعاملين أو العوضين، فدليل عدم جواز شراء الوقف مقيد لاطلاق حلية البيع، ومخصص لعموم وجوب الوفاء بالعقد، ومع عدم الاطلاق في المخصص يؤخذ بالقدر المتيقن، ويعمل بالعام والمطلق في المورد المشكوك فيه، ومعه لا مجال للتمسك بالاصل حتى أصالة بقاء الوقف على مسلك الجواهر فضلا عما هو الحق من بقاء الوقف إلى زمان البيع، فان لازم دليل نفوذ البيع وحليته في مورد عروض العوارض بطلان الوقف على المسلكين، وهو مقدم على الاصل تقدم لسان الامارات عليه. الصورة الثانية: ما إذا كان البيع أنفع وأعود للموقوف عليه، واستدل لها ببعض روايات لو تمت دلالتها تكون دليلا على بعض صور أخر. منها - رواية جعفر بن حيان قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وقف غلة على قرابته من أبيه وقرابته من أمه وأوصى لرجل ولعقبه من تلك الغلة ليس بينه وبينه قرابة بثلاث مائة درهم في كل سنة ويقسم الباقي على قرابته من أبيه وقرابته من أمه، فقال: جائز للذي أوصى له بذلك، قلت: أرأيت إن لم يخرج من غلة الارض التي وقفها إلا خمسمائة درهم؟ فقال: أليس في وصيته أن يعطى الذي أوصى له


(1) سورة البقرة: 2 الآية 275 (2) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 163 ]

من الغلة ثلاثمائة درهم، ويقسم الباقي على قرابته من أبيه وقرابته من أمه؟ قلت: نعم، قال: ليس لقرابته أن يأخذوا من الغلة شيئا حتى يوفوا الموصى له ثلاثمائة درهم، ثم لهم ما يبقى بعد ذلك، قلت: أرايت إن مات الذي أوصى له؟ قال: إن مات كانت الثلاثمائة درهم لورثته، يتوارثونها بينهم، فأما إذا انقطع ورثته ولم يبق منهم أحد كانت الثلاثمأة درهم لقرابة الميت ترد إلى ما يخرج من الوقف، ثم تقسم بينهم يتوارثون ذلك ما بقوا وبقيت الغلة، قلت: فللورثة من قرابة الميت أن يبيعوا الارض إذا احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلة، قال: نعم إذا رضوا كلهم وكان البيع خيرا لهم باعوا " (1). والظاهر من الاسئلة والاجوبة أن شبهة السائل كانت في صحة الوصية لا الوقف، ولا يبعد أن يكون المتفاهم من سؤاله أن الوصية كانت حال الوقف وفي ضمنه، فترك الاستفصال عن كونها بعد تمامية الوقف أو في ضمنه لاجل الاتكال على الظهور، لا لعدم الفرق بين الفرضين حتى تكون صحة الوصية في فرض تمامية الوقف على خلاف القاعدة وبعد من موجبات اضطراب المتن. ويحتمل أن يكون المراد بالوصية الوصية المصطلحة، كما يحتمل أن يكون المراد المعنى اللغوي، وعلى أي حال يمكن أن يكون المراد بالوصية له جعل هذا المقدار له ولعقبه، وجعل الباقي للموقوف عليهم، أو يكون المراد اشتراط إعطاء الموقوف عليهم هذا المقدار ثم التقسيم بينهم. ثم أن الظاهر من الغلة هي منفعة الارض، وإطلاقها على الارض مبني على التوسع، والظاهر من قوله: " وقف " كما في الكافي والفقيه هو الوقف المصطلح، وأما " أوقف " على نسخة التهذيب فظهوره في


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 8

[ 164 ]

الوقف محل تأمل، بل قيل استعماله في الوقف قليل، فدار الامر في صدر الرواية وهو قوله: " أوقف غلة " أو " وقف غلة على قرابته " بين ارتكاب خلاف الظاهر في الغلة والحمل على الارض، وبين ارتكابه في الوقف بحمله على المعنى اللغوي، أي الاسكان والايقاف عليهم لا يتجاوزهم وهو أمر تصح نسبته إلى الغلة والمنفعة، فمعنى أوقف الغلة عليهم: جعلها ثابتا لهم وواقفا عليهم لا يتجاوزهم، والموصول في قوله: " أرأيت إن لم تخرج من غلة الارض التي أوقفها " الخ يحتمل أن يكون وصفا للارض ويحتمل أن يكون وصفا للغلة، كما أن " من " في قوله: " ترد إلى ما يخرج من الوقف " يحتمل أن يكون بيانية، وعلى أحد الاحتمالين يكون بيع الارض على وفق القاعدة، نعم لابد وأن يرجع الموصى له إلى المشتري في حقه إذا جعل الواقف له من غلة الوقف مقدار ثلاثمائة درهم، وعلى الاحتمال الآخر لا بد وأن يشترط البائع على المشترى ذلك، لكن الانصاف أن هذا الاحتمال بعيد. وإن شئت قلت: ظهور الوقف في المعنى المصطلح مقدم على ظهور الغلة في المنفعة، سيما مع بعض القرائن التي في المتن، كما أن حمل " من " على البيان خلاف الظاهر، فالمراد بالوقف هو المعنى المصطلح، وبالغلة الارض، ولا يبعد دعوى ظهور الوصية أيضا في المعنى المصطلح، مع أنه لا فرق فيما نحن بصدده بين حملها عليه أو على مطلق التوصية. ثم إنه قد يقال: إن الرواية ظاهرة في الوقف المنقطع، سواء كان الوقف على عنوان القرابة الصادقة على الطبقات المتأخرة كل في حال وجودها، لامكان انقراضهم، فلا تأبيد، أو على الطبقة الموجودة بقرينة قوله في آخر الخبر: " ولورثة قرابة الميت " فان الظاهر منه أن الطبقة المتأخرة تتلقى المنافع إرثا لا من الواقف.

[ 165 ]

أقول: هذا مبني إما على كون الدوام والانقطاع في الوقف تابعين للموقوف عليهم بحسب الواقع، فان كان الموقوف عليهم عنوانا لا ينقرض كان دائما وإلا كان منقطعا أو على أن تحقق الدوام والانقطاع تابع للذكر حال الانشاء، بأن يقول وقفت على كذا وإذا انقرض فعلى كذا إلى أن يرث الله الارض كما في بعض أوقاف المعصومين عليهم السلام، أو تقوم قرينة على إرادة ذلك، كما إذا وقف على عنوان معلوم البقاء، والمنقطع خلافه فعلى ذلك يكون الوقف على طبقة خاصة أو على عنوان ينقرض منقطعا. وأما بناء على أن الدوام والانقطاع هاهنا نظيرهما في النكاح، وأن المراد بالانقطاع هو الوقف إلى مدة، وبالدوام خلافه سواء كان الموقوف عليه باقيا أم لا - وبعبارة أخرى إن التقسيم باعتبار نفس الوقف لا الموقوف عليه، فكما أن النكاح بلا ذكر الاجل يكون دائما مع ضرورية عدم دوام الزوجين ومقابله ما ذكر فيه الاجل كذلك الوقف - فلا يلاحظ دوام الموقوف عليه وعدمه ولا ذكر الدوام وعدمه، بل المعتبر في الدائم عدم التقييد بالاجل والمدة، فيكون الوقف على الطبقة الاولى غير منقطع إذا لم يتقيد بالمدة، وعلى عنوان باق إلى الابد منقطعا إذا تقيد بها. والفقهاء حيث عنونوا شرائط الوقف جعلوا منها الدوام، وجعلوا مقابله ما اقترن بمدة، ثم عنونوا مسألة أخرى، وهي أنه لو وقف على من ينقرض غالبا ولم يذكر المصرف، فاختلفوا في كونه وقفا أو حبسا، والظاهر من ذلك أن الدوام المقابل لذكر المدة من شرائط الوقف، وادعى عليه الاجماع، وكذا على بطلان مقابله. وأما الوقف على من ينقرض غالبا فمحل خلاف في أنه حبس أو وقف، ونسب إلى المشهور أنه وقف، وأما البطلان فلم يعرف قائله،

[ 166 ]

فعلى هذا يكون الظاهر من الوقف في الرواية أنه غير منقطع حتى بناء على الاحتمال الثاني، مع أنه ضعيف، لان القرينة المدعاة غير ظاهرة فيما ذكر، لاحتمال أن يكون التوريث مربوطا بالثلاثمأة، لا بجميع المنافع، بل لعل هذا أظهر من لفظ الرواية عند التأمل، مع أن التوريث هاهنا كالتوريث في الموصى له لم يرد منه الوراثة المصطلحة. ثم على الاحتمال الاول إن الظاهر من جعل العنوان موضوعا للحكم أنه لم يكن مشيرا إلى الافراد الموجودة في الخارج مثل القضية الخارجية على بعض المسالك، فيكون الموقوف عليهم قرابة الاب وقرابة الام من الواقف، فحينئذ كونه من المنقطع حتى على فرض كون الوقف على من ينقرض غالبا منقطعا غير معلوم، لان انقراض قرابة أبيه وأمه غير معلوم، ولا دليل على كونها منقرضة غالبا، لو لم يكن المعلوم أن الغالب في طائفة أو طائفتين عدم الانقراض، فلم تكن الرواية ظاهرة في المنقطع حتى على الاحتمال المرجوح. مضافا إلى أن صدر الرواية على ما يظهر من الجواب والاسئلة المتأخرة لم يكن بصدد بيان الوقف، بل المقصود استفهام صحة الوصية، فلا إطلاق فيه، فيحتمل أن يكون الوقف ذكر فيه التأبيد إلى أن يرث الله الارض فمع هذا الاحتمال لو كان حكم المؤبد والمنقطع مختلفين لكان على الامام عليه السلام الاستفصال عند السؤال عن جواز البيع، فالرواية ظاهرة في جوازه في خصوص الدائم أو في أعم منه ومن المنقطع. نعم الظاهر منها أن الجواز مشروط بكون البيع خيرا لهم، والمناقشة فيه في غير محله. وأما جواز البيع لاجل احتياجهم إلى صرف ثمن أصل الوقف أو إلى تبديله، يكفى لمصارفهم ويكون أنفع لهم فغير ظاهر منها وإن كان فرض تبديل ما لا يكفيهم بما هو كاف لهم من حيث المنفعة من الامور

[ 167 ]

النادرة، ولهذا لا يبعد أن يستظهر منه أن المراد صرف أصل الثمن أو الكسب به. وكيف كان فلا دلالة لهذه الرواية على جواز البيع، بمجرد كون البدل أنفع وأعود فقط بعد مسبوقيته بالاحتياج المانعة لا أقل من الاطلاق ومنها - ما روي عن الطبرسي في الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان عليه السلام: " أنه كتب إليه روي عن الصادق عليه السلام خبر مأثور إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم وأعقابهم فاجتمع أهل الوقف على بيعه وكان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه، فهل يجوز أن يشترى من بعضهم إن لم يجتمعوا كلهم على البيع أم لا يجوز إلا أن يجتمعوا كلهم على ذلك؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه، فأجاب عليه السلام إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه، وإذا كان على قوم من المسلمين فلبيع كل قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرقين إنشاء الله " (1). والظاهر من ذيلها أن الوقف الخاص حاله كالملك يجوز بيعه بلا شرط وقيد، إلا أن يقال: إن قيد الاصلح الذي في الصدر مفروض في الذيل أيضا، والكلام في الذيل مبني على فرض القيد، وإلا كان ردا للرواية وتكذيبا لها، وعليه كان اللازم التنبيه على عدم صدورها عن الصادق عليه السلام بهذا القيد، فيدل على جواز البيع بقيد الاصلح مطلقا، إلا أن يقال: إن السائل لم يكن بصدد بيان خصوصيات الرواية المنقولة عن الصادق عليه السلام، بل كان بصدد السؤال عن خصوصية واحدة فيها وهي جواز البيع حال الاجتماع وأن الاجتماع هل هو دخيل في الصحة أو لا؟ فترك بعض خصوصياتها ومنها عروض مسوغ للبيع لا بأس به بعدما لم يكن في مقام نقل الرواية تفصيلا.


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 9

[ 168 ]

إلا أن يقال: إن ذكر خصوصية كون البيع أصلح مع عدم دخالتها في ما هو بصدده دليل على أنه بصدد بيان خصوصيات الرواية، وهو محتمل وإن لا يخلو من إشكال، وعلى فرض عدم كونه في مقام نقلها بخصوصياتها لم يكن للذيل أيضا إطلاق، لكونها بصدد الجواب عن تلك الخصوصية، فلا يدفع به احتمال كون جواز البيع موقوفا على عروض بعض المسوغات، وعلى فرض الاطلاق في الذيل يقيد بكونه أصلح لهم بمقتضى الصدر، وبقوله: " كان خيرا لهم " في رواية ابن حيان بناء على أن الخير بمعنى الانفع والاعود، فلابد من لحاظ قيدين: الاصلحية والانفعية، فان بين العنوانين عموما من وجه وإن كان المراد بالخير معنى أعم من الاصلح والانفع يقيد بمفهوم " كان أصلح " فيكون الميزان في الجواز هو الاصلحية لا الانفعية. ولو قلنا بأن ذيل المكاتبة كان مبنيا على القيد الذي في صدرها فيكون متقيدا بالاصلح وقلنا بأن بين العنوانين عموما من وجه فاللازم تقييد إطلاق كل من ذيلها وذيل رواية ابن حيان بمفهوم الآخر، فلابد من اعتبار القيدين ولو كان الخير أعم كان الميزان الاصلحية. ثم إن قوله عليه السلام في المكاتبة: " إذا كان الوقف على قوم أعيانهم وأعقابهم " يحتمل أن يكون المراد أعقاب كل فرد من الاعيان حتى يكون الوقف نسلا بعد نسل، وأن يكون المراد عقب كل فرد، وكان الجمع باعتبار المقابلة بالجمع، فحينئذ يحتمل أن يكون الوقف كالسابق بأن يراد جنس العقب، ويحتمل أن يكون المراد شخص العقب وكان الوقف على قوم وعقبهم بلاوسط، ويمكن ترجيح الاحتمال الاخير بقرينة قوله: " فاجتمع أهل الوقف على بيعه " الظاهر في أن الموقوف عليهم منحصرون بهذا المجتمع، فيكون الوقف على المنقرض قطعا، فحينئذ

[ 169 ]

يكون المراد من قوله عليه السلام في الذيل: " إذا كان على قوم " الاعيان الموجودين لاعنوانا قابلا للانطباق على أعيان آخر حال وجودهم فتدل الرواية على جواز البيع في هذه الصورة. إلا أن يقال: إن التفصيل بين إمام المسلمين وبين قوم من المسلمين تفصيل بين الوقف العام والخاص، لكنه غير معلوم، بل يمكن أن يقال: إن التفصيل بين الوقف على شخص الامام عليه لاسلام وبين الوقف على قوم خاص حاضر، لان المراد بامام المسلمين إما عنوان الامام، أي الرئيس أعم من الامام الاصل، فيكون المقصود التفصيل بين الوقف العام والخاص بذكر مصداق من العام على إشكال، وإما شخص الامام عليه السلام، فيكون التفصيل في الوقف الخاص بين ما إذا كان الموقوف عليه الامام عليه السلام وغيره. وهنا جهات أخر لا داعي للتعرض لها بعد كون الروايتين ضعيفتين أما الاولى فبجعفر بن حيان، وأما الثانية فلانه لم يعلم أن تلك المكاتبات كانت بواسطة واحدة هي أحد النواب أو وكلاء الناحية المقدسة أو بوسائط مجهولة عندنا، ولا يدل قول النجاشي أنه كاتب صاحب الامر عليه السلام وسأله مسائل في أبواب الشريعة على شهادته بأن هذا الجواب منه روحي فداه، وما عن ابن الغضائري من أنه وقعت هذه المسائل إلى في أصلها والتوقيعات بين السطور لم يتضح منه أنها بخطه المبارك، وكيف كان لا يمكن الاعتماد على الروايتين مع ضعفهما ومخالفتهما للقواعد المحكمة وعدم العامل بهما أو قلته. وربما يتمسك للمطلوب بصحيحة علي بن مهزيار قال: " كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام إن فلانا ابتاع ضيعة فأوقفها وجعل لك في الوقف الخمس ويسأل عن رأيك في بيع حصتك من الارض أو تقويمها

[ 170 ]

على نفسه بما اشتراها أو يدعها موقفة؟ فكتب الي: أعلم فلانا أني آمره ببيع حقي من الضيعة وإيصال ثمن ذلك إلي، وأن ذلك رأيي إنشاء الله، أو يقومها على نفسه إن كان ذلك أوفق له " (1). فان الظاهر منها أنه جعل تمام الضيعة وقفا، وجعل خمسها وقفا له، ولما كان اجازة البيع بلا عروض عارض خلاف الضرورة فلا محالة تكون لعارض ولا شئ إلا كون البيع أنفع وأعود له، ولما كان الشائع عدم الوقف لشخص خاص فقط كان الوقف عليه وعلى غيره من الامام بعده أو نسله بعد نسل مظنونا، ومعه يجب الاستفصال مع اختلاف الحال وبدونه تدل على الجواز في غير المنقطع أيضا مضافا إلى ما تقدم منا من أن الدوام والانقطاع من حالات الوقف لا الموقوف عليه، فما لم يقيد بوقت فهو دائم ولو كان الموقوف عليه ممن ينقرض. وربما يجاب عنها بأن الوقف غير تام، لعدم القبول المعتبر في الاوقاف الخاصة أولا، وعدم تحقق القبض ثانيا. وفيه مضافا إلى عدم اعتبار القبول مطلقا، كما تقدم أن إجازة البيع قبول للوقف، وإجازة كون من وكله في البيع مستوليا على الوقف قبل بيعه قبض منه مع الوسط. والاولى في الجواب أن يقال: إن وجه إجازته للبيع غير معلوم، فربما كان ذلك لاجل كون الضيعة أو خمسها له بحسب الواقع وكان تحت يد الغير غصبا، وعدم ذكره لذلك لعله لمصلحة أو لمفسدة في الذكر، أو لاجل ضرورة شديدة، أو لكون الضيعة في معرض الخراب، أو لعدم إمكان الانتفاع بحصته لجحة الوقف، أو لاحتماله عليه السلام حصول مخالفة شديدة بينه وبين سائر الشركاء مما يستباح منها الدماء أو علمه بذلك، أو لكون مجرد مخالفتهم معه إزراء بمقام الامامة الذي يجب حفظه كيف ما كان


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 5

[ 171 ]

أو لكونه أعود وأنفع إلى غير ذلك، فلا ينحصر الاحتمال في الاخير الذي هو مبنى الاستدلال، فما لم يجمع جميع الاحتمالات لا يصح التمسك بها للجواز، ومع اجتماع الاحتمالات لاشبهة فيه. الصورة الثالثة: أن يشترط الواقف بيعه لجهة من الجهات حسب ما يشترط، ويراد بالشرط في المقام معنى أعم من الشرط المصطلح، أي مطلق القرار والجعل، فان الوقف على ما تقدم من الايقاعات لا يحتاج إلى القبول وإن كان مع نفوذ قراره لا يجوز للموقوف عليهم التخطي عنه، وليس دليل نفوذه أدلة نفوذ الشرط إلا على بعض الوجوه، بل الدليل هو قاعدة تسلط الناس على أموالهم (1) وقوله عليه السلام: " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها " (2) نعم قد يقف على شخص أو أشخاص ويشترط عليهم أن يبيعوه عند عروض عارض ويعلموا في ثمنه بما اشترط، فلابد في نفوذه عليهم من القبول إن قلنا بخروج الشرط في مثله عن كونه من الشروط الابتدائية. كما لا يبعد، وحينئذ يكون دليل النفوذ أدلة الشروط. ثم إن لازم عد هذه الصورة في قبال سائر المسوغات أن يكون الشرط غير عروض بعض المسوغات أو أعم منها، وإلا كان المسوغ هو العارض الكذائي لا الشرط، ولو رجع إلى إلزام الغير بالبيع بواسطة الشرط لخرج عن صور مسوغات بيع الوقف. وكيف كان قد يشترط بيعه ورجوع ثمنه إلى نفسه أو إلى بعض متعلقيه غير الموقوف عليهم، وقد يشترط رجوعه إلى الطبقة الاولى أو


(1) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1

[ 172 ]

بعض من فيها، وقد يشترط شراء غيره بثمنه للموقوف عليهم. فيقع الكلام في أن اشتراط البيع مطلقا مخالف لماهية الوقف ومقتضاه الذاتي أم لا؟ مقتضى ما قدمناه - من أن بيع الوقف ليس مخالفا لمقتضاه فان ماهيته هي الايقاف على الموقوف عليهم بحيث لا يتعداهم، وهو المراد من حبس العين وتسبيل الثمرة، وأما الحبس بمعنى الممنوعية عن البيع فليس مأخوذا في الماهية، وكذا التأبيد بمعنى تقييد الماهية به لا يعتبر فيها، بل المؤبد في مقابل المنقطع الذي له أمد ووقت، كالنكاح المؤبد الذي لا ينافيه الطلاق أو الفسخ، فالوقف إذا لم يذكر فيه أمد يكون مؤبدا، وهو لا ينافي البيع - أن الاشتراط أيضا لا يكون مخالفا لذاته ولا لمقتضاه. نعم لو قلنا بأن التأبيد قيد له ومأخوذ فيه، والوقف ما يؤخذ فيه التأبيد إلى أن يرث الله الارض كما قيل فشرط البيع مناف له في جميع الصور المتقدمة، أما إذا شرط رجوع الثمن إليه أو إلى غير الموقوف عليهم فلان لازمه أن يكون الوقف منقطعا إلى زمان عروض العارض، فلا يكون مؤبدا، فالشرط حينئذ مخالف لمقتضاه وموجب لبطلانه، ضرورة أن المؤبد لا يتحقق، والمنقطع ليس وقفا على الفرض، فهل يقع حبسا أو يبطل؟ فيه كلام، وكذا الحال فيما إذا جعل الثمن للطبقة الاولى أو بعض من فيها، وأما إذا شرط شراء عين بدله فقد يقال لا ينبغي الاشكال فيه، لان عقد الوقف لا يتعلق بنفس الخصوصية العينية، وإلا لما صح بيعها عند طرو الخراب، بل يتعلق بأعم منها ومن ماليتها طولا وأما لو اشترط التبديل فمرجعه إلى جعل الوقف متعلقا بالجامع بين المال وبدله، وفيه - مضافا إلى أن الجامع ليس ملكا، وما هو ملك له، بالفعل هو العين، والجامع الموجود بها المتحقق بتحققها غير قابل للصدق

[ 173 ]

على غيره - أن نفوذ الشرط في طول الوقف، ولا يعقل أن يكون الجامع العرضي وقفا به، ولو قيل: إن الوقف تعلق بالعين، وبدليل الشرط يتحقق الوقف في البدل، يقال: إنه خروج عن المبنى، وهو تعلق الوقف بالجامع، مع أنه يصير بالنسبة إلى العين من الوقف المنقطع. مضافا إلى أن الجامع بينهما إن كان المالية كما هو ظاهره فهي غير صالحة للوقفية، لان المالية ليست لها ثمرة للتسبيل، بل هي أمر أعتباري عقلائي، والاعيان هي التي لها ثمرة ومنفعة، وبهذا يجاب عما ذكره بعض آخر بأن العين إذا كانت محبوسة بشخصها عند الاطلاق وبماليتها عند الاشتراط فالشرط مناف لاطلاق الوقف لا لذاته، فالاشتراط قرينة على التوسعة في الحبس وأنه متعلق بمالية العين لا بشخصها، فانه إن كان المراد أن الوقف متعلق بالمالية لا بالعين فهي غير صالحة للوقف كما مر، وإن كان المراد تعلقه بالعين بما هي مال فالبدل وماليته غير العين عرفا وعقلا، فعلى فرض تسليم ما ذكر تكون العين موقوفة إلى زمان البيع، وبعده يكون البدل موقوفا بدليل الشرط فيكون الوقف بالنسبة إلى العين من المنقطع. فما أفاده من أن الشرط يرجع إلى حفظ الوقف عرفا بما هو مال لا يرجع إلى محصل، فانه إن تعلق الوقف بالعين فهي لا تكون محفوظة لا عرفا ولا عقلا، وان تعلق بماليتها فهي وإن كانت محفوظة بوجه مسامحي، لكن أصل الوقف باطل، فلو قال الواقف: " وقفت مالية هذا الشئ لانفسه " وقع باطلا بلا شبهة واشكال، وبالجملة إن قلنا بصحة الوقف المنقطع الآخر يصح في جميع الصور وإلا فلا. ثم إن الشرط والقرار إذا رجع إلى محدودية الوقف فلا إشكال في صحته بناء على صحة الوقف المنقطع كما هو الاقوى، وكما لا يكون الشرط حينئذ مخالفا لماهية الوقف لا يكون مخالفا للشرع أيضا، وأما

[ 174 ]

إذا شرط بيع الوقف بحيث يكون الشرط في عرض سائر الموضوعات مسوغا للبيع من غير أن يرجع إلى المحدودية فعلى القول بأن الوقف عقد بين الواقف والموقوف عليهم يكون الشرط عليهم شرطا مصطلحا، وحينئذ إن قلنا باطلاق أدلة حرمة بيع الوقف فلا إشكال في بطلانه، وأما بطلان الوقف فيبنى على كون الشرط الفاسد مفسدا. وأما مع المناقشة في الادلة كما فصلناه سابقا من عدم إلاطلاق " لا يجوز شراء الوقف " (1) وتعدد الاحتمال في أوقاف الائمة عليهم السلام كقوله عليه السلام: " تصدق موسى بن جعفر عليه السلام بصدقته هذه وهو حي صحيح صدقة حبسا بتا بتلاء مبتوتة لا رجعة فيها ولا رد ابتغاء وجه الله والدار الآخرة لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيعها ولا يبتاعها ولا يهبها ولا ينحلها ولا يغير شيئا مما وصفته عليها حتى يرث الله الارض ومن عليها " الخ (2) وغيره مما هو بهذا المضمون تقريبا، لاحتمال أن يكون القيود دخيلة في الماهية وأشار عليه السلام بما هو مأخوذ في ماهيته، وأن تكون بيانا للحكم الشرعي لا قيودا للماهية، وأن حكم الوقف أن لا يباع ولا يوهب الخ، وأن تكون قيودا وأحكاما لقسم من الصدقات، وهي التي تكون بتة، أي غير مشروطة بتلاء مبتوتة، أي منقطعا عن صاحبه، أي الوقف الدائم في قبال المنقطع والمشروط، وأن تكون القيود من مجعولات الواقف، أي جعل الصدقة بتة مبتوتة بتلاء لاتباع ولا توهب، الخ فلا دليل على حرمة بيع الوقف في مورد الشرط بل على ما قدمناه من ترجيح الاحتمال الاخير في الرواية تصير دليلا على صحة الشرط. نعم بناء على بعض الاحتمالات يكون بيعه مخالفا للشرع فيكون


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 4

[ 175 ]

شرطه باطلا. وحينئذ كما لا يصح التمسك بدليل الشرط لا يصح التمسك بدليل وجوب الوفاء بالعقود، لانها أيضا متقيدة بعدم المخالفة للشرع، وذلك إما للمناسبات المغروسة في الاذهان وإما لاستفادته من أدلة الشروط بالغاء الخصوصية أو تعميم الشرط لمطلق القرار كما قيل، هذا إذا كان الشرط أعم من الابتدائي وغيره. وأما لو كان مخصوصا بالشرط الضمني لم يمكن التمسك بدليل وجوب الوفاء بالعقود في العقد المشروط فيه الشرط المخالف للشرع إذ يلزم من ذلك لغوية التقييد في دليل الشرط، هذا بناءا على كون الوقوف من العقود. وأما إذا كان من الايقاعات فالدليل على نفوذ الشرط بالمعنى الاعم ليس أدلة الشروط، بل الدليل إما قوله عليه السلام: " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها " (1) على فرض رجوع الشرط إلى تحديد الوقف وانقطاعه دون ما إذا كان راجعا إلى بيع الوقف، فانه لا مجال للتمسك به لذلك، إذ ليس الشرط على هذا من كيفيات الوقف، وأما قوله صلى الله عليه وآله: " الناس مسلطون " (2) وهو أيضا غير صالح للتمسك في المقام سواء كان الشرط راجعا إلى تحديد الوقف أم كان راجعا إلى بيعه وذلك إما لتقييده عقلا بما قيد به دليل الشرط أو لقصوره عن شمول ما ينافي الشرع انصرافا، أو لاجل كون الحكم حيثيا بالنسبة إلى المال لا بالنسبة إلى حكم الشرع. وتدل على صحة الشرط صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال:


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 1. (2) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث

[ 176 ]

" بعث الي بهذه الوصية ابو ابراهيم عليه السلام: هذا ما أوصى به وقضى في ماله عبد الله علي ابتغاء وجه الله - ثم عد عدة أملاك له، واجعلها صدقة وجعل بعضها لبني فاطمة، ثم قال -: وإن الذي كتبت من أموالي هذه صدقة واجبة بتلة حيا أنا أو ميتا تنفق في كل نفقة ابتغى بها وجه الله - ثم عد الموقوف عليهم فقال -: وإنه يقوم على ذلك الحسن بن علي يأكل منه بالمعروف وينفقه حيث يريد الله (يراه خ ل) في حل محلل لا حرج عليه فيه فان أراد أن يبيع نصيبا من المال فيقضي به الدين فليفعل إن شاء لاحرج عليه فيه، وإن شاء جعله شراء (سري خ ل) الملك، وأن ولد علي ومواليهم وأموالهم إلى الحسن بن علي، وإن كان دار الحسن غير دار الصدقة فبداله أن يبيعها فليبعها إن شاء لاحرج عليه فيه، وإن باع فانه يقسمها ثلاثة أثلاث - إلى أن قال -: فان وجد آل أبي طالب قد ذهب كبراؤهم وذووا آرائهم فانه يجعله في رجل يرضاه من بني هاشم، وأنه شرط على الذي يجعله إليه أن يترك المال على أصوله، وينفق الثمرة حيث أمره به - إلى أن قال - لا يباع منه شئ ولا يوهب ولا يورث " الخ (1) ولا ينبغي الاشكال في ظهورها صدرا وذيلا في الوقف، والحمل على الوصية المصطلحة خلاف نصها، حيث قال: " صدقة واجبة بتلة حيا أنا أو ميتا " والبتلة بمعنى الانقطاع عن صاحبه والخروج عن ملكه في حال حياته، فلا ينطبق ذلك إلا على الوقف، كما أن ذيلها كالصريح فيه، فان ترك المال على أصوله وإنفاق الثمرة عبارة أخرى عن حبس العين وتسبيل الثمرة، وقوله عليه السلام: " لا يباع ولا يوهب ولا يورث " من أحكام الوقف، فلا إشكال في كونها وقفا.


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الوقوف والصدقات الحديث 3

[ 177 ]

ثم إن مورد الاستدلال للمطلوب فقرتان منها: الاولى قوله عليه السلام " فان أراد أن يبيع نصيبا من المال " الخ بناء على أن المراد بالمال هو المال الموقوف، فأجاز بيعه لاداء دينه إن شاء، وأن يتخذه ملكا لنفسه ويجعله سري ملكه أي من نفيسه، وهنا احتمال آخر لا يبعد أن يكون أظهر بحسب سياق الرواية، وهو أن المراد من المال هو ثمرة الوقف، فانه عليه السلام أجاز أولا أن يأكل منه بالمعروف، وينفق الباقي على الجهات المعينة على حسب الصلاح، ثم وسع عليه بأنه إن أراد بيع نصيب من المال لقضاء دينه فعل، والظاهر أن التوسعة في الثمرة التي أجاز أكلها بالمعروف ابتداء سيما مع ذكر النصيب أي الحظ والقسمة، وهو لا يكون إلا في الثمرات والمنافع، ولما كان بحسب الطبع غالب منافع الاملاك في ذلك القطر هو الثمرات الحاصلة من النخيل وغيره - كما يدل عليه قوله عليه السلام في الذيل: " يترك المال على أصوله وينفق الثمرة " وكان أداء الدين بحسب المتعارف بالنقود - قال ما قال، وهذا الاحتمال لو لم يكن في تلك الفقرة أظهر، فلا أقل من المساواة مع الآخر، وأما قوله عليه السلام: " إن شاء جعله شراء الملك " أو " سري الملك " فهو يناسب الامرين، بل على نسخة الشراء يكون أنسب بالاحتمال الراجح. الثانية: قوله عليه السلام: " وإن كان دار الحسن غير دار الصدقة فبدا له أن يبيعها فليبيعها إن شاء لا حرج عليه فيه " بناء على أن المراد بيع دار الصدقة أي الموقوفة، كما هو الظاهر. وأما احتمال كون المراد دار غير الصدقة وهي التي سكنها، وانما جاز بيعها وتثليث ثمنها لكونها منه ومن جملة ثلثه مثلا فضعيف. ويؤيد الاحتمال الاول المرجح أمره عليه السلام في الذيل بأن يترك المال ولا يباع منه الشئ ولا يوهب ولا يورث، فان شرط البيع انما هو توسعة على الحسنين عليهما السلام تشريفا لهما كما قال في

[ 178 ]

خلال الرواية، وأما إذا كان المتولي غيرهما فشرط عليه عدم البيع. والانصاف أن الظاهر من الرواية صدرا وذيلا ان جواز البيع وعدمه في الوقف تابع لشرط الواقف وإجازته، والعمل بها لا إشكال فيه، وقد تقدم أن مقتضى القاعدة جواز البيع عند عروض بعض العوارض، لعدم إطلاق في دليل المنع كما مر مفصلا. الصورة الرابعة: أن يؤدي بقاؤه إلى خرابه علما أو ظنا، إما للخلاف بين أربابه أو لغير ذلك، أو يؤدي بقاؤه إلى سلب النفع مطلقا أو النفع الخاص المجعول أو إلى قلته بحيث يلحق بالعدم، فعلى ما مر من عدم دليل على حرمة بيعه فيما إذا عرض له عارض شك معه في صحة بيعه وعدمها ومن أن مقتضى العمومات والاطلاقات صحة بيعه في مورد الشك يجوز البيع في الصورة المذكورة، وكذا الحال لو قلنا بانصراف الادلة على فرض إطلاقها كما ادعاه الشيخ الاعظم (قده). وأما ما يقال في بيان صحة البيع والتبديل في امثالها من أن غرض الواقف في نوع الاوقاف لا يتعلق بالعين بما هي. بل يتعلق بمنافعها وماليتها، ولا غرض له في خصوصيتها، بل في اصلاح حال الموقوف عليه وإدارة معاشه، فيجوز التبديل إذا كان أصلح وأنفع، فكما أنه لو قال: " وقفت هذا وشرطت أن يكون له التبديل بالاعود " صح كذلك إذا لم يقل وعلم من حاله ذلك، وكذا الحال فيما إذا علم من حاله أنه لو التفت إلى اختلاف أهل الوقف لاشترط البيع، فكأنه قال: " وقفت هذا فيما هو صلاح " وذلك لان الاغراض قد تكون عناوين الموضوعات كما لو دفع مالا لاعطاء أشخاص معينة وكان غرضه الايصال إلى المضطرين، وعلم من حاله

[ 179 ]

أو مقاله ذلك، فانه يجوز التبديل. ففيه ما لا يخفى، فان الاغراض والدواعي محركة إلى جعل الانشاء لامر خاص أحرز فيه تحقق غرضه، فلا يعقل أن تكون تلك الاغراض والدواعي من قيود الموضوعات في باب الانشاءات العقدية أو الايقاعية، نعم يصح منه أن يقيد الموضوع بما أراد، لكن صرف كون الشئ غرضا لا يعقل أن يصير قيدا، فلو صح ذلك لما اختص بباب الوقف، بل لكان جاريا في البيع والاجارة، غيرهما، فإذا كان غرضه من بيع شئ الانتفاع به لا لخصوصية في شخص المبيع هل يمكن أن يقال تعلق البيع بما هو ذو نفع من سائر الامتعة ولم يتعلق بالعين، وبالجملة ما كان متعلق الوقف أو البيع هو نفس الاعيان لاغراض خاصة وجهات تعليلية. ثم إن القائل لما رأى أن تعلق الوقف بالمالية باطل قال في ذيل كلامه: " إن الوقف تعلق بالعين بما هي مال " وأنت خبير بأن هذا الاعتراف هدم لما أسس لتصحيح البيع في تلك الموارد، فان الوقف إذا تعلق بالعين لا بماليتها فلا وجه لصحة بيعها إلا بمسوغاته، ولا تكون الاغراض بمنزلة الاشتراط، كما هو واضح. وأما تنظيره بما ذكره فلا يخفى ما فيه، فان جواز الاعطاء للمضطرين يكفي فيه إحراز رضاه بخلاف باب العقود والايقاعات. ومما ذكرنا يظهر الحال في صورة الخلاف بين أرباب الوقف بحيث لا يؤمن معه من تلف النفوس أو الاموال، أو من ضرر عظيم، فان مقتضى القاعدة صحته في جميع ذلك، لعدم الاطلاق أو لانصرافه على فرضه. واستدل لذلك ولبعض صور أخر بمكاتبة علي بن مهزيار المتقدمة، وفيها " وكتبت إليه أن الرجل كتب أن بين من وقف بقية هذه الضيعة عليهم اختلافا شديدا، وأنه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده، فان

[ 180 ]

كان ترى أن يبيع هذا الوقف ويدفع إلى كل إنسان منهم ما كان وقف له من ذلك أمرته. فكتب بخطه الي وأعلمه أن رأيي له إن كان قد علم الاختلاف مابين أصحاب الوقف أن يبيع الوقف أمثل فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال والنفوس " (1) فان الظاهر منها خصوصا بملاحظة ذيلها أن الاختلاف كان بين أصحاب الوقف في نفس الوقف ولهذا يرى السائل أن بيعه وتقسيمه يرفعه، ولو كان الاختلاف لامر آخر لم يكن ذلك قالعا، واحتمال كون الخلاف لامر آخر وإعطاء ثمن الوقف موجبا لرضائهم بالصلح بعيد غايته. وبالجملة إن الواقف لما رأى اختلافهم في الوقف بعد تسليمه إليهم وخاف من تشديده وتفاقمه بعد موته أو بعد ذلك الخلاف وكان قادرا على البيع وإعطاء كل شخص ما وقف له ورأى أنه قالع للخلاف استفتى من الامام (ع) وسأل عن الحكم الشرعي وأنه جائز أم لا، فأجاب بأمثلية البيع معللا بأنه ربما جاء في الاختلاف تلف الاموال والنفوس، فاحتمال ذلك صار منشأ لامثلية البيع، ولا يلزم من ذلك جواز بيع الوقف لدى الخلاف الواقع بين طائفة من المسلمين إذا خيف منه تلف الاموال والنفوس، فانه لا يفهم من التعليل ذلك، بل ما يفهم منه أن كل وقف وقع الخلاف الشديد بن أربابه فيه وكان مظنة لتلف النفوس والاموال جاز بيعه لقلعه ولا ينحصر خوف تلف الاموال والنفوس في أموال الموقوف عليهم ونفوسهم فضلا عن كون المال مال الوقف، نعم لابد وأن يكون بقاء الوقف منشأ لذلك وبيعه قالعا له. هذا ولكن يرد على ظاهرها إشكالات: منها أن الوقف إما كان منقطعا أي كان وقفا على الاشخاص فقط، كما هو ظاهرها وظاهر


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 6

[ 181 ]

المكاتبة الراجعة إلى حصة الامام عليه السلام التي يحتمل أن تكون من جملة هذه المكاتبة وأن تكون مكاتبة أخرى مستقلة، أو كان دائما لم يذكر فيها سائر الطبقات، فعلى الاول إن قلنا بأن الوقف المنقطع لا يخرج عن ملك الواقف فلا إشكال في تصديه لبيعه بعد جوازه، لكن ثمنه عن هذا له لا لارباب الوقف وظاهرها كونه لهم، وهو مخالف للقواعد، وإن قلنا بخروجه عنه ودخوله في ملك الموقوف عليهم فكون الثمن لهم وإن كان له وجه لا يخلو من إشكال، لان الوقف المنقطع لا يصير ملكا مطلقا للموقوف عليه، بل الظاهر أنه محدود إلى زمان الانقطاع إلا أن تصدي الواقف للبيع على خلاف القاعدة، واحتمال كونه ناظرا يرده ترك الاستفصال وعدم إشعار فيها لذلك، مع أن ولاية الناظر لبيع الوقف ممنوعة كما تقدم واحتمال كون الامام عليه السلام أجازه ولاية خلاف ظاهر الرواية، فان الرأي هو الفتوى لا الاجازة، والظاهر منه حكاية الحكم الشرعي، ويشهد له أنه عليه السلام قال في المقام: " رأيي ذلك " وفي الجواب عن بيع حصته المحتاج إلى الاذن: " أني آمره ببيع حقي من الضيعة " الظاهر في كونه إذنا في بيع حصته، وأما تعقيبه بقوله: " إن ذلك رأيي " فلعله لبيان جواز البيع شرعا. وعلى الثاني يكون تصديه للبيع على خلاف القاعدة، لان الوقف خارج عن ملكه. ومنها أن الظاهر منها أن الثمن ملك للموقوف عليهم أي الطبقة الاولى، ولهم صرفه وإتلافه، وهو على خلاف القاعدة في الوقف المؤبد وتصحيحه يحتاج إلى تكلف وارتكاب خلاف قاعدة أخرى، إلى غير ذلك ولهذا تخلص عنها المولى المجلسي (قده) في مرآة العقول بامكان حملها على عدم القبض، وأنه يعلم لو دفعها إليهم يحصل بينهم الاختلاف ويشتد،

[ 182 ]

لحصول الاختلاف بينهم قبل الدفع بسبب الضيعة أو لامر آخر، فقال: " أيدعها موقفة، ويدفعها إليهم أو يرجع من الوقف، لعدم لزومه، ويدفع إليهم ثمنه " انتهى. ويمكن تقريبه بارجاع الضمير في قوله: " أن يتفاقم ذلك بينهم بعده " إلى الوقف، أي بعد الوقف الذي لا يتحقق إلا بالتسليم، وعلى ذلك يكون الظاهر منها أن الخلاف كان بينهم قبل التسليم، وأن الواقف لم يكن يأمن من تفاقمه بعده وأن الامر لم يخرج من يده، فله الوقف بالتسليم، وله البيع وإعطاء كل ما أوقفه له، وعلى هذا يكون سؤاله للمشورة معه، ويؤيده قوله عليه السلام: " هو أمثل " أو لاجل جهله بجواز الوقف والتسليم والحال هذه، أي أيجوز ذلك مع عدم الامن من اشتداد النزاع؟ أو لجهله بأن الوقف قبل تمامه وتسليمه أمره بيد الواقف. وكيف كان هذا الاحتمال مع كونه مخالفا لظاهرها صدرا وذيلا مخالف للقاعدة أيضا، فان الثمن حينئذ للواقف لا للموقوف عليهم، والحمل على أنه أراد إيصال هذا المال إليهم إما بطريق الوقف أو بطريق آخر تأويل يحتاج إلى الشاهد، ومجرد استفتائه لجواز الرد إليهم لا يدل على ذلك، بل لعله لاحتمال أن الوقف بمجرد الايقاف صار ملكا لهم، فعلى الامام عليه السلام الاستفصال. والانصاف أن الاتكال على هذه الرواية مع تلك الاحتمالات والمخالفات للقواعد مشكل وإن كان الجواز في هذه الصورة لا يخلو من قرب وقوة، إما لعدم الاطلاق أو للانصراف عن مثله، ومقتضى القواعد جوازه لكن في الوقف المؤبد لابد وأن يكون بنظر الفقيه، ومع إمكان رفع النزاع بشراء ملك آخر مكانه وجب ذلك ووقفه على حسب ما كان وقفا. ثم إن مقتضى ما مر من عدم الاطلاق في الادلة والمناقشة فيما استدل بها

[ 183 ]

لعدم الجواز أن بيع الوقف في أكثر الصور المتقدمة جائز لو لم نقل في جميعها، لكن في النفس منه شئ منشأه احتمال إطلاق صحيحة أبي علي ابن راشد المتقدمة (1) وفيها " لا يجوز شراء الوقف " وإن ناقشنا فيه سابقا بما لا مزيد عليه، لاحتمال كون المناقشات مخالفة لنظر العرف، تأمل. ولهذا لم أر من الاصحاب إشكالا في إطلاقها بما أبدأنا، فلا مناص عن الاحتياط في غير الصور التي تكون الادلة عنها منصرفة أو ورد فيها دليل على الصحة، هذا كله في الوقف الدائم. وأما المنقطع فلا ينبغي الاشكال في صحته، لان المعتبر في ماهية الوقف كما أشرنا إليه سابقا ليس إلا إيقاف العين لتسبيل المنفعة، والدوام ليس معتبرا فيها، ولهذا كان تقسيمها إلى الدائم والمنقطع صحيحا من غير تأول، وليس الوقف من الماهيات المستحدثة شرعا، بل هو من الماهيات العرفية الدارجة في سائر الملل، بل الظاهر تعارفه عند غير منتحلي الاديان أيضا، ومقتضى قاعدة السلطنة صحته. وتدل عليها مكاتبة الصفار إلى أبي محمد عليه السلام في الوقوف وما روي فيها فوقع عليه السلام: " الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها انشاء الله " (2) بناء على كونها مكاتبة مستقلة غير مكاتبته الاخرى. بل تدل عليها أيضا تلك المكاتبة صدرا وذيلا، قال: " كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله عن الوقف الذي يصح كيف هو؟ فقد روي أن الوقف إذا كان غير موقت فهو باطل مردود على الورثة، وإذا كان


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1

[ 184 ]

موقتا فهو صحيح ممضى، قال قوم: إن الموقت هو الذي يذكر فيه أنه وقف على فلان وعقبه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الارض ومن عليها، قال: وقال آخرون: هذا موقت إذا ذكر أنه لفلان وعقبه ما بقوا ولم يذكر في آخره للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الارض ومن عليها، والذي هو غير موقت أن يقول هذا وقف ولم يذكر أحدا، فما الذي يصح من ذلك وما الذي يبطل؟ فوقع عليه السلام الوقوف بحسب ما يوقفها إن شاء الله ". (1) يحتمل أن يكون المراد بالموقت ماله وقت معلوم، يقال: وقت الامر، أي بين مقدار المدة لعمله، وفي مقابله ما لم يكن وقته معلوما، فعلى هذا يكون الوقف الذي له وقت محدود معين كعشر سنين من الموقت والوقف المؤبد أيضا كذلك باحتمال قوي، ويكون الوقف على الذرية نسلا بعد نسل غير موقت، وكذا الوقف إلى قدوم الحاج أو إلى وقت ما، ويحتمل أن يكون المراد به ماله وقت بحسب الواقع وإن لم نعلمه، فيكون الوقف على الذرية نسلا بعد نسل، وإلى قدوم الحاج موقتا أيضا. وغيره ما لا يكون له وقت أصلا، كما لو قال: " وقفت " ولم يذكر أحدا أو قال: " وقفت على كذا في وقت ما " فان واقعه مجهول، فيلحق بما لا وقت له ويحتمل أن يكون المراد بالموقت مقابل المؤبد. فمن قال إن الموقت ما ذكر فيه كذا وكذا إلى أن يرث الله الارض لعله جعل ذلك كناية عن المؤبد، وأراد بالموقت ما له وقت معلوم، ولم يذكر الموقت بمعنى تعيين المدة بعشر سنين مثلا لكونه باطلا عنده، ومن قال: إن الموقت ما ذكر فيه كذا وكذا ولم يذكر إلى أن يرث الله يحتمل أن يكون مراده أن الموقت لا ينحصر بما قال هؤلاء، بل ذلك


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 2

[ 185 ]

أيضا موقت، ويكون مراده بالموقت ما كان له وقت وإن لم نعلمه، فيكون أعم مما قالوا، وهذا هو الاظهر، لجعلهم ذلك قبال ما لم يذكر فيه أحدا اللازم منه عدم وقت له رأسا، وأما ماقاله الشيخ (قده) في تفسير كلامهم فهو غير مرضي، ويحتمل أن يكون مرادهم ان الموقت في قبال المؤبد، وهو احتمال ضعيف، وكيف كان ظاهر قوله عليه السلام بعد ذلك: " الوقوف بحسب ما يوقفها " أن جميع الصور صحيح، ولا يعتبر في الوقف تعيين الوقت ولا التأبيد، بل يصح إذا كان وقته مجهولا، كقدوم الحاج أو معينا كعشر سنين. وبالجملة إن صحته تابعة لجعل الواقف، وهو موافق للقاعدة، لان الوقف ليس من المعاملات حتى يعتبر فيه تعيين الوقت، بل هو إيقاف لدر النفع عين له الوقت أو كان له وقت مجهول عندنا معلوم عند الله، نعم في مثل قوله: " وقفت " أو " وقفت إلى زمان ما " باطل، لانه غير عقلائي، والاطلاق منصرف عنه، كما أن الوقف إلى عشر سنين مثلا خارج عنه، لاعراض الاصحاب وعدم عمل المشهور بها، مع كون المتيقن من الموقت ذلك. ومن ذلك يظهر الكلام في صحيحة علي بن مهزيار، قال " قلت له: روى بعض مواليك عن آبائك عليهم السلام أن كل وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة، وكل وقف إلى غير وقت جهل مجهول فهو باطل مردود على الورثة، وأنت أعلم بقول آبائك عليهم السلام، فكتب عليه السلام هكذا هو عندي " (1) والوقت المعلوم شامل للمدة المعينة كعشر سنين بلا اشكال، والظاهر شموله للمؤبد، والمجهول مقابله وعلى هذا ينطبق على مكاتبة الصفار ببعض الاحتمالات، ولازمه بطلان


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 1

[ 186 ]

الوقف على الذرية نسلا بعد نسل، بل والوقف على الذرية، وإذا انقرضوا فعلى المسلمين إلى أن يرث الله الارض لو كان المراد به ظاهر الكلام، لان وقت وراثة الله الارض مجهول. وأما لو كان المراد منه التأبيد ويكون كناية عنه فهو داخل في المعلوم ظاهرا، ويحتمل أن يكون المراد بالمجهول ما ذكر فيه وقت مجهول بمعنى أن الوقف إذا ذكر فيه الوقت فلا بد وأن يكون معلوما، وأما مع عدم ذكر الوقت فيه كالوقف على الذرية نسلا بعد نسل مما لم يذكر فيه وقت فهو خارج عن مفاد الرواية، ويؤيده قوله: " جعل مجهول " لان التأكيد شاهد على أن الوقت مغمور في الجهالة كما لو وقف في وقت ما ولم يذكر فيه أحدا. وعلى هذا لا منافاة بينها وبين صحيحة الصفار التي هي ظاهرة الدلالة في صحة الوقف كذلك، فتحصل مما ذكرنا صحة الوقف المنقطع سواء كان وقفا على شخص أو على طبقة موجودة أو على الذرية طبقة بعد طبقة مما يكون في معرض الانقراض. ثم إن المنقطع قد يكون على شخص فقط أو طبقة موجودة، وقد يكون على الذرية وأولادهم أو نسلا بعد نسل، كل ذلك منقطع وإن ناقشنا فيه سابقا. وكيف كان هل مقتضى القواعد صحة بيع المنقطع مطلقا أو لا كذلك أو تفصيل بين الوقف على الشخص أو الطبقة الموجودة وبين غيره؟ الظاهر جواز البيع بحسب القاعدة بلا عروض مسوغاته في الوقف على الشخص أو الطبقة الموجودة وعدم كون الوقف مانعا عنه، والمقصود هاهنا ذلك مع الغض عن لزوم الغرر، وذلك لان المقتضي موجود، وهو مالكية الواقف، لعدم خروجه عن ملكه في تلك الصورة، والمانع مفقود من جهة

[ 187 ]

الوقف، لان بيع العين لا ينافي در المنفعة على الموقوف عليه مادام وقفا فيكون كبيع العين المستأجرة، وكذا لو قلنا بمالكية الموقوف عليه ملكا مطلقا، وأما لو قلنا برجوعه إلى الواقف فلا يصح إلا مع اجتماعهما عليه نعم لو قلنا بأن عدم النقل مأخوذ في ماهية الوقف وأن الواقف جعل الوقف ممنوعا عن النقل فلا يصح بيعه مطلقا، ولا بد من عروض المسوغات، وكذا لو قلنا بأن الوقف في مثله أيضا فك، وكذا لو قلنا باطلاق قوله عليه السلام: " لا يجوز شراء الوقف " بل في بعض النسخ كالتهذيب " الوقوف " بلفظ الجمع، ولا إشكال في شموله للمنقطع بأقسامه، فيظهر منه أن الوقف مناف للبيع بحسب الشرع، أو أن حكمه عدم صحته. نعم بناء على ما قدمناه من عدم الاطلاق كان بيعه صحيحا للعمومات وأما بناء على نسخة " الوقوف " كان الجمع دالا على العموم بالدلالة اللفظية، ولا يتوقف على مقدمات الاطلاق، لكن بعد اختلاف النسخ والقطع بعدم تعدد الرواية لا حجة بالنسبة إلى موارد الشك. ويظهر من ذيل صحيحة ابن مهزيار المكاتبة أن بيع الوقف المنقطع أيضا غير جائز في نفسه، بل يحتاج إلى المسوغ، حيث إن الظاهر منها الوقف على الطبقة الحاضرة، ومع ذلك علل الجواز بأنه ربما جاء في الاختلاف تلف النفوس والاموال، ولو كان البيع جائزا بلا مسوغ لم يحسن التعليل، إلا أن يقال: إن التعليل لامثلية البيع لا لاصله، مضافا إلى ما مر من الاشكالات عليها. وربما يؤيد جواز بيع المنقطع باشعارات واردة في أوقاف بعض الائمة عليهم السلام، كقوله (ع): " هي صدقة بتا بتلاء في حجيج بيت الله وعابري سبيله، لا تباع ولا توهب ولا تورث " (1) ونحوه غيره،


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الوقوف والصدقات - الحديث 2

[ 188 ]

فان قوله عليه السلام: " لاتباع ولا توهب " إن كان وصفا أو حكما للصدقة البتة البتلاء أي المنقطع عن صاحبه يستشعر منه أن الوقف المنقطع مثل الوقف على طبقة موجودة فقط أو مع طبقة أخرى أو على شخص مما لم يخرج الوقف عن ملك الواقف ليس حكمه ذلك، تأمل. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) ذهب إلى عدم جواز بيع الموقوف عليهم، سواء قلنا بملكيتهم ملكا مستقرا بحيث ينتقل منهم عند انقراضهم إلى ورثتهم، معللا باعتبار الواقف بقاءه في يدهم إلى انقراضهم، أم قلنا بعدم استقرار ملكهم ورجوعه إلى الواقف وإن أجاز الواقف، معللا بمنافاته لاعتبار الواقف في الوقف بقاء العين، وإلى عدم جواز بيع الواقف وإن أجاز الموقوف عليه. وفيه أنه إن كان مراده في الموضعين لزوم بقاء العين في يد الموقوف عليهم لاستيفاء المنافع - كما هو ظاهر عبارته الاولى - فهو لا يمنع عن بيعهم مع استقرار ملكهم، كما في العين المستأجرة، فيصح بيعها، ويجب ابقاؤها في أيدي الموقوف عليهم، ولو كان ذلك مانعا للزم بطلان بيع الواقف على القول ببقاء ملكه مع عدم ذهابهم إلى بطلانه من جهة الوقف. وإن كان المراد لزوم بقاء الوقف وعدم جواز نقله وذلك لاعتبار الواقف بقاءه - كما هو ظاهر عبارته الثانية - فهو مع كونه مخالفا لمبناه وللواقع، فان اعتبار عدم النقل ليس من منشأات الواقف، والاغراض لا تدخل في المنشآت، يرد عليه ما تقدم آنفا بالنسبة إلى بيع الواقف، ولو قيل: إن الوقف لو كان ملكا للموقوف عليهم ليس ملكا طلقا، ولذلك لا يجوز منهم بيعه يقال: إن عدم الطلقية إن كان لاجل اشتراك غيرهم معهم فعلا أو لاجل تعلق حقه به فهو مسلم، لكن المقام ليس كذلك، وإن كان لاجل ان نحو الملكية في الوقف مع الملكية في غيره مختلفان

[ 189 ]

فهو غير مرضي، وإن كان لاجل أن عدم النقل مأخوذ فيه فهو أفحش. ثم إنه لو قلنا إنه ملك للموقوف عليهم ويرجع بعد انقراضهم إلى الواقف أو ورثته فلا يجوز لواحد منهما الاستبداد ببيعه، ولكن مع اتفاقهما لا وجه لبطلانه، سواء قلنا بالتمليك المحدود وبقاء ملكية ما بعد الانقراض للواقف أم قلنا بملكيته للموقوف عليهم، مطلقا وأن للواقف حقا متعلقا به، أي حق رجوعه إليه. ولو قلنا: إن المنقطع يرجع بعد إنقراضهم إلى سبيل الله فلا يجوز بيعه، لعدم الملك التام لواحد منهما، لكن يجوز مع الاستئذان من الحاكم لان العين ليست وقفا دائما ولا بحكمه، بل لما لم يكن لها صاحب تقع نفس العين في سبيل الله، بل الظاهر صيرورتها للامام عليه السلام، فان كل مالا مالك له فهو له على ما يستفاد من روايات الانفال (1) فأمره إلى الحاكم، أو يكون الشيعة مجازا في التصرف فيه، وأما المنقطع الذي للذرية نسلا بعد نسل فلا يجوز بيعه الا بأحد المسوغات. مسألة: ومن أسباب خروج الملك عن كونه طلقا كونه رهنا، كما حكي الاتفاق بل الاجماع عليه، وعن المختلف أنه أرسل عن النبي صلى الله عليه وآله " ان الراهن والمرتهن ممنوعان من التصرف " وعن ابن أبي جمهور في درر اللئالي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الراهن والمرهون ممنوعان من التصرف في الرهن " (2) والمراد من " المرهون " المرتهن،


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال (2) المستدرك - الباب - 17 - من كتاب الرهن - الحديث 6

[ 190 ]

ولعله تصحيف، بل لعل عدم جواز التصرف في متعلق حق الغير عقلائي، بل لعله مفهوم من مثل قوله عليه السلام " لا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه " (1) بالغاء خصوصية المال، ولهذا لا يجوز التصرف في ملكه، وإن لم يكن مالا، وهو المتفاهم من الرواية، وكذا متعلق حق الغير كالتصرف في الخمر التي أخذت للتخليل المتعلق بها حق الاختصاص. وعدم جوازه ليس لاجل مزاحمة حق المرتهن حتى يقال: إن البيع لا يزاحمه إذا رضي المشتري بكون العين رهنا، بل لاجل كونه تصرفا في متعلق حق المرتهن فلا يجوز، كما لا يجوز التصرف في أموال الناس أو موارد حقوقهم نحو حق الاختصاص وحق التحجير ولو مع عدم المزاحمة، ومع ذلك فقد ادعي الاجماع وعدم الخلاف على عدم جواز التصرف في الرهن زاحم حقه أم لم يزاحم، وقد أعرضوا عن الرواية الصحيحة الصريحة في جواز بعض التصرفات غير المزاحمة، كوطئ الجارية. ثم لو قلنا بأن عدم الجواز إنما هو في مورد المزاحمة فالظاهر صحة البيع من غير اعتبار إجازة المشتري ورضاه، فان البيع إذا وقع على المرهون لا يبطل الرهن كالعين المستأجرة، بل تكون العين منتقلة إلى المشتري مع كونها متعلقة لحق الرهن، ومع جهله يكون له خيار الفسخ، فما في بعض الكلمات من اعتبار رضا المشتري ببقائه على الرهانة في غير محله. ثم إنه وقع الكلام بين الاعلام في أن بيع الراهن هل يقع باطلا غير قابل للاجازة أو يقع موقوفا على الاجازة أو فك الرهن؟ والاقوى هو الثاني للعمومات السليمة عن المخصص، وقد يستشكل في صحة التمسك بها بأن الرهن إذا كانت حقيقته الحبس على الدين وعن التصرفات فنفوذها بسببها يمنع عن نفوذ البيع عقلا لا جعلا شرعا، فلا تنويع حتى يكون


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الانفال - الحديث 6

[ 191 ]

البيع الوارد على الرهن المتعقب بالاجازة أو الفك داخلا في النوع الباقي تحت عموم البيع بعد خروج الرهن غير المتعقب بما ذكر، حيث لا يعقل إطلاقه لما ينافيه عقلا ليتنوع بدليل الرهن المخرج لنوع منه. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن جواز التمسك بالعمومات والاطلاقات غير متوقف على التنويع الشرعي، بل هي محكمة في غير مورد الخروج عقلا سواء كان بالتخصص كما إذا كانت القرينة العقلية خافة بالكلام أم بالتخصيص كما إذا لم تكن حافة بالكلام، وحديث امتناع الاطلاق لما ينافي العقل انما هو في الفرض الاول لا الثاني، لان العموم والاطلاق القانونيين لا مانع منهما، والممتنع هو الاطلاق عن جد. وكيف ما كان إن المانع من أخذ العموم والاطلاق انما هو في العقد بلا إجازة المرتهن ولا فك الرهن، وفي غير موردهما يصح التمسك بهما لانفاذ البيع، وبالجملة لافرق بين العقد على مال الغير الخارج عن العمومات عقلا وبين متعلق حقه في جواز التمسك بالعمومات مع رفع المانع. ويظهر منه في باب الفضولي " أن الوجه في عدم جواز التمسك بعموم " أوفوا بالعقود " (1) أن البيع والرهن كل منهما عقد يجب الوفاء به، ولكن كانا متمانعين متزاحمين، فلا يعمهما العام مع عدم الترجيح وحيث إن المفروض سبق حق الرهن فلا يعقل شمول العام للفرد المزاحم عقلا، ولم يوجد بعد زوال الحق فرد من العقد حتى يعمه العام من الاول، بخلاف مورد تخصيص العام وتقييد المطلق، فانهما يوجبان تضييق دائرته وتنويعه إلى كليين، كدليل اعتبار الرضا أعم من المقارن والمتأخر، فانه يوجب تقيد العقد الواجب وفأوه بالمرضي به مقارنا أو لاحقا، فمتى وجد عقد ثم عقبه الرضا يوجد فرد بندرج تحت الكلي الواجب


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1

[ 192 ]

وفاؤه " انتهى ملخصا: وفيه - مضافا إلى أن التنويع بحسب الاثبات يوجب سراية إجمال المخصص إلى العام، وهو خلاف التحقيق، وإلى أن الاشكال بعينه وارد عليه في العقد الفضولي، فان العقد عند وجوده على النقل كما هو محل كلامه ليس مشمولا لدليل وجوب الوفاء، وحال تحقق الرضا لم يوجد فرد من العقد، ولايكون العقد المتعقب بالرضا مشمولا للدليل على النقل - ان العقد المتحقق من الراهن أو من الفضولي فرد من العقد باق عرفا إلى زمان الرضا والى زمان رفع المانع والمزاحم، فقوله: " لم يوجد بعد زوال العقد فرد " خلط بين العموم الافرادي وإطلاق كل فرد بالنسبة إلى الحالات العارضة له، فالعقد المتحقق فرد من العام، وهو تمام الموضوع لوجوب الوفاء، فإذا ابتلى بمزاحم لا يجب الوفاء به حال المزاحم، وإذا رفع يجب الوفاء، لوجود المقتضى - وهو كونه عقدا - ورفع المانع، وبعبارة أخرى إن للعقد بقاء عقلائيا إلى زمان زوال المانع، كما أن للعقد الفضولي بقاء كذلك إلى زمان الاجازة، وبعد رفع المانع في عقد الرهن وتحقق الاجازة في الفضولي يجب الوفاء به. ويؤيد المطلوب التعليل الوارد في نكاح العبد بلا إذن مولاه بأنه لم يعص الله، انما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز (2) فان العصيان التكليفي غير قابل للاجازة وغير مناسب للمقام، بل المراد أنه عصاه وأوقع النكاح بلا إذنه فإذا أذن جاز، حيث يظهر منه أن ما هو موقوف على إجازة من له الاجازة يصح بها، بناء على الاسراء من النكاح إلى البيع ونحوه، ويستفاد منه أن كل عقد كان النهي عنه لحق آدمي إذا لحقه رضاه أثر أثره.


(1) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1

[ 193 ]

وقد يستشكل فيه بأن الحقوق حيث كانت مختلفة فبعضها قابل للارتفاع باذن من له الحق وبعضها غير قابل، وكون المورد من الاول أو من الثاني غير معلوم، فلا يجوز التمسك بعموم التعليل، وفيه أنه بعد فرض استفادة ذلك العموم من التعليل لا مجال للاشكال، فانه يرفع الشك في القابلية، كما إذا ورد أن كل حيوان قابل للتذكية فان كون بعض الحيوانات غير قابل لها بدليل شرعي مخصص للعام لا يوجب عدم التمسك به في مورد الشك، وأما الاشكال في استفادة العموم فهو أمر آخر تقدم الكلام فيه في الفضولي. ويؤيده أيضا فحوى أدلة صحة الفضولي، وقد يقال: إن الفحوى بملاحظة أن بيع ملك الغير إذا صح بالاجازة فبيع ما تعلق به حقه أولى بالصحة لان الحق أضعف من الملك، إلا أن الفحوى بملاحظة شمول القاعدة المقتضية للصحة لما نحن فيه بالاولوية، والقاعدة انما تعم الحق الذي يكون نقله إلى الغير منوطا برضاه المعتبر في الحل والنفوذ كحق الاختصاص، لكن رضا المرتهن ليس من هذا القبيل، فانه ليس لاجل تحقيق الانتساب، بل لمجرد رعاية كونه ذا حق. وفيه أن تفسير الاولوية بما ذكر غير وجيه، وإلا فأضعفية الحق من الملك لا توجب الاولوية، لان اعتبار رضا صاحب الحق كاعتبار رضا المالك بلا افتراق بينهما، وتصحيح الاجازة لنقلهما على حد سواء، وبالجملة ما هو المعتبر في صحة الفضولي لم يفترق فيه القوة والضعف في المتعلق، بل المراد من الاولوية أن الاجازة إذا صححت بيع الفضولي الذي لا اقتضاء له للنقل أو لا يكون تام الاقتضاء فتصحيحها لما نحن فيه أولى، فان المقتضي موجود ولا نقص فيه، وإنما وجود الحق الذي هو بمنزلة المانع يمنع التأثير، فإذا زال يؤثر أثره، فالاولوية بهذا المعنى وجيهة،

[ 194 ]

والاشكال غير وارد. ثم إن المحقق صاحب المقابيس رحمه الله بعد تقريب الصحة بوجوه كثيرة قد استقرب البطلان من الاصل بما لا يخلو التعرض له من فائدة، قال في صدر كلامه في مقام اثبات تعلق النهي بتصرفات الراهن: " نقل جماعة الاجماع على كونه ممنوعا من التصرف، واتفقت كلمة الاصحاب عليه كما سبق، وحكى الشيخ (قده) ورود الاخبار بذلك، ونقل العلامة رواية نبوية فيه، وأنه المناسب للغرض الباعث على وضع عقد الرهن " ثم استنتج بطلان البيع لاقتضاء تعلق النهي به، لا لامر خارج عنه وإن كان لحق الغير، كما في بيع أم الولد والوقف، فانهما أيضا لحق الغير. وهذا الصدر مع الغض عن ذيله يمكن تقريبه للبطلان بأن المفروض ثبوت ورود أن الراهن ممنوع من التصرف، والممنوعية منه إذا أضيفت إلى التصرفات الخارجية كالركوب والسكنى مما لها نفسية يستفاد منها الحرمة التكليفية، وإذا أضيفت إلى أمثال المعاملات مما يتوسل بها إلى الصحة يستفاد منها البطلان والحكم الوضعي، لا لاستعمال الالفاظ في الحكم التكليفي أو الوضعي، بل لاستفادة ذلك من المناسبات العرفية، كما أن الامر كذلك في الاوامر والنواهي والحل والحرمة على ما أشرنا إليه كرارا، فحينئذ نقول: إن التصرف أعم من الخارجي كالركوب والاعتباري كالبيع، والممنوعية من الاول يستفاد منها عدم الجواز ومن الثاني عدم النفوذ والارشاد إلى البطلان. وفيه - مع الغض عن المناقشة في ثبوت هذا الخبر - أن البطلان بمعنى عدم تحقق النقل واقعا وعدم ترتب آثار العقد الصحيح عليه مسلم لا يحتاج إلى تجشم، وأما عدم صلوحه للحوق الاجازة فلا دليل عليه، لان الارشاد إلى بطلانه لا يدل على سقوط الالفاظ والعقد الانشائي عن الاعتبار، فلا دليل على كون عقد الراهن كعقد الصبي والمجنون، بل لا معنى محصل للارشاد إلى بطلان الالفاظ أو النقل الانشائي بما هو، بل

[ 195 ]

معنى الارشاد إلى البطلان أن العقد لا يترتب عليه الاثر المطلوب منه، أي النقل الحقيقي عند العقلاء أحيانا وعند الشارع في موارد. وبالجملة - إن قوله صلى الله عليه وآله: " الراهن ممنوع من التصرف " (1) كقوله عليه السلام: " لا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه " (2) بناء على شموله للتصرف الاعتباري وكونه ارشادا إلى البطلان، ونظير قوله عليه السلام: " لابيع إلا في ما تملك " (3) إذا كان ارشادا إلى بطلانه من غير المالك، حيث لا يدلان على بطلان البيع من رأس وسقوط الالفاظ والبيع الانشائي عن الاعتبار بحيث لا يصح بالاجازة، هذا. ويمكن تقريب البطلان في كلامه بأن قوله صلى الله عليه وآله: " الراهن ممنوع من التصرف " لا إشكال في شموله للتصرفات الخارجية، ولا إشكال في دلالته على الحرمة التكليفية فيها، ومع شموله للعقود والايقاعات تكون تلك التصرفات أيضا محرمة مبغوضة، ومع تعلق النهي التحريمي بها لا بأمر خارج تقع باطلا لا يمكن لحوق الاجازة بها لان المنهي عنه لا يعقل تنفيذه. وفيه - مضافا إلى أن النهي إذا تعلق بالمسبب فلا يعقل أن يكون غير واقع، لعدم القدرة عليه، فالنهي دليل على صحته وإذا تعلق بالسبب لا ينافي النفوذ الوضعي بالادلة العامة - أنه يمكن أن يقال: إن النهي إنما تعلق بأمر خارج، وهو عنوان التصرف، ومعلوم أن هذا العنوان غير عنوان البيع، وبينهما العموم من وجه وإن تصادقا في الخارج، فيكون


(1) المستدرك - الباب - 17 - من كتاب الرهن - الحديث 6 وفيه " الرهن والمرهون ممنوعان من التصرف في الرهن " (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الانفال - الحديث 6 (3) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب عقد البيع - الحديث 3

[ 196 ]

ذلك نظير الصلاة والغصب، مضافا إلى أن نفس إيقاع العقد ليس تصرفا ولا محرما ولا مبغوضا، وقولة: " إن المالك محجور " إن كان المراد أنه محجور حتى عن إيقاع صيغة البيع مع عدم تأثيره فهو ممنوع، وإن كان المراد أنه محجور عن نقله فهو مسلم لتعلق حق الغير به، وأما في صرف العقد فلا حجر عليه، وليس تصرفا في الرهن، وكان حال الراهن كالمرتهن حيث إنهما ممنوعان من التصرف وغير ممنوعين من إيقاع العقد متوقعين للاجازة. ثم إنه قدس سره تمسك بأمور في ضمن الاشكال والرد قد مر الجواب عنها في الفضولي إلى أن قال ما حاصله: " فالذي يظهر من تتبع الادلة أن عقد الاصيل لا يقع على وجهين، بل يكون إما فاسدا أو صحيحا " وفيه أنه على فرض أن التتبع في الموارد الخاصة كان حاصله ذلك، لكن لم يدل دليل على عدم وقوع عقد المالك مراعى بالاجازة، فمقتضى العمومات صحته. ثم إنه وقع الكلام من الاعلام في جريان نزاع الكشف في المقام فمن قائل: إن مقتضى القاعدة هاهنا الكشف وفي الفضولي النقل، لان العقد هاهنا عقد المالك ابتداء، ومقتضى عموم دليل " أوفوا " الكشف بعد عدم القطع بخروج ما عدا صورة عدم لحوق الاجازة رأسا، ويظهر جوابه مما يأتي، ومن قائل عدم جريان النزاع في المقام، ومن قائل إن المقام مثل الفضولي بلا افتراق من هذه الجهة بينهما. والتحقيق أن يقال: إنه إن قلنا بأن لا منافاة بين حق الرهن والنقل لعدم بطلان الرهن بالنقل كالبيع ونظائره، فينتقل المرهون إلى المشتري متعلقا لحق الرهن، وإنما صار موقوفا على الاجازة، لا لاسقاط حق الرهن، بل لان الراهن ممنوع من التصرف، فالاجازة ممن له الاجازة لتصحيح العقد، فلا ينبغي الاشكال في جريان النزاع فيه، لان عمدة دليلهم

[ 197 ]

عن الكشف - وهو أن الاجازة تعلقت بالعقد الموجود في الزمان السابق ومقتضى ذلك تنفيذه من ذلك الزمان - جار فيه، وكذا سائر الادلة، ومع القول بأن مقتضى القاعدة النقل يمكن استفادة الكشف من بعض الاخبار بالفحوى، كما أفاده الشيخ الاعظم (قده) وإن كان في استدلاله نظر. وأما إن قلنا بأن حق الرهن مانع عن النقل لمنافاة النقل للرهن وما دام كونه مرهونا لا يقع العقد صحيحا وإنما يصح بالاذن ابتداء لان لازمه العرفي إسقاط الحق فيقع بلا مانع فاللازم عدم صحة الكشف، لان الاجازة لا يعقل أن تكون دالة على إسقاط الحق الثابت الذي مضى الزمان عليه، لامتناع كون الاسقاط فعلا موجبا للسقوط في الزمن الماضي، نعم لو دل دليل على الكشف في خصوص المقام لالتزمنا بالسقوط التعبدي لا الحقيقي، وهو مفقود. ومن ذلك يظهر عدم صحة دعوى الفحوى في الفرض، لان الصحة ليست موقوفة على الاجازة، بل موقوفة على سقوط الحق، وهو غير ممكن في فرض وغير حاصل في آخر. ومما ذكرنا يظهر النظر في غالب ما أفادوا من النفي والاثبات بقول مطلق، ولما كان التحقيق عدم منافاة النقل لبقاء حق الرهانة ولا مانع من رهانة مال الغير في القرض فاللازم جريان نزاع الكشف في المقام، فهل الكلام في الاجازة بعد الرد هنا كالفضولي مطلقا أو لا مطلقا، أو يفصل بين ما إذا كانت الاجازة بنفسها معتبرة، كما إذا قلنا بأن النقل لا ينافي الرهن، والاجازة ليست لاجل إسقاط الحق بها، فيكون الكلام فيه كالفضولي، وبين ما إذا كانت الاجازة لاجله، والمعتبر سقوط الحق وفك الرهن، للتنافي بين النقل والرهن، فلا يكون الرد مانعا عن الاجازة؟ أوجهها أوسطها، لان الوجه في هدم الرد عقد الفضولي هو أن إجازة

[ 198 ]

المجيز بمنزلة قبول القابل، وأنها تجعل المجيز أحد طرفي العقد، ولا إشكال في أن من شروط العقد أن لا يحصل بين طرفيه ما يسقطهما عن صدق المعاقدة والمعاهدة. بل على ما قررنا في محله الاجازة هي قبول ما أوجده الموجب بايجابه، والايجاب تمام ماهية المعاملة، وقبول الفضولي مما لا أثر له، فان إيقاع المعاملة - أي المبادلة بين المثمن والثمن - إنما هو بفعل الموجب، واعتبار القبول من المالك ليس لاجل تتميم الايقاع، بل لاجل تحققه الاعتباري عند العقلاء، ولهذا قلنا لو وكل الاصيلان شخصا لايقاع المعاملة فقال " بعت هذا بهذا " تمت ولا تحتاج في تحققها إلى قبول، فلو أوجب الفضولي الموجب المعاملة يكون إيقاعها تاما لا يحتاج إلى ضم القبول، وقبول الاجنبي غير الاصيل لغو لا يكون دخيلا في إيقاع المعاملة ولا أثر له في تحققها وإنما المؤثر إجازة المجيز، سواء وقعت بلفظ الاجازة أو بلفظ القبول أو نحوهما مما يفيد الرضا بايجاب الموجب، فحينئذ لو شرطنا في الاجازة أن لا يسبقها الرد فانما هو لكون الاجازة قبولا والمجيز طرف المعاملة حقيقة، فيكون رده هادما ومخرجا للمتعاملين عن صدق المعاقدة بينهما. وأما إجازة المرتهن فلا تجعل المجيز طرفا للمعاقدة، فان المعاقدة إنما هي بين المالك والمشتري، واعتبار اجازة المرتهن انما هو لكونه صاحب الحق، فهي شرط خارجي لا يجعل المجيز معاقدا وطرفا للمعاقدة، فان العقد لم يقع على حقه، ولم ينتقل حقه إلى المشتري حتى يكون طرفا، فلا وجه لاعتبار عدم مسبوقيتها بالرد، لعدم كون رده هدما، ولا يخرج برده طرفا المعاملة عن صدق المعاقدة بينهما، وأولى بذلك ما إذا قلنا بأن الاجازة غير معتبرة بنفسها، بل المعتبر سقوط الحق وفك الرهن، فان هدمه بالرد الذي راجع إلى عدم إسقاط حقه مما لا وجه له.

[ 199 ]

ثم إن فك الرهن بعد العقد يوجب صحة المعاملة، لاطلاق وجوب الوفاء بالعقود، فان أفراد العقد داخلة في العموم الافرادي وكل فرد تمام الموضوع، لوجوبه بعد كون المتكلم في مقام البيان، وهو معنى الاطلاق لا العموم الزماني أو العموم الاحوالي كما هو معروف عندهم، لان الاطلاق بعد تمامية مقدماته أيضا لا يصير عاما، بل حينئذ يحكم بأن الماهية تمام الموضوع للحكم، فإذا قيد بقيد بدليل كقوله صلى الله عليه وآله في المقام: " الراهن ممنوع من التصرف " (1) يؤخذ به، ومفاده ليس إلا الممنوعية مادام الرهن، وبعد فكه ليس مشمولا للدليل المقيد، فيؤخذ بالاطلاق من غير فرق بين الحالات العرضية وغيرها، وقد تقدم في ذلك بعض الكلام مع بعض الاعلام. وهل يجري نزاع الكشف هاهنا أو لابد من القول بالنقل؟ ظاهر الشيخ الاعظم (قده) بعد اختيار النقل أنه لو كان المستند في الكشف أن مقتضى مفهوم الاجازة إمضاء العقد من حينه فلا يكون ذلك متحققا في الافتكاك، ولو كان المستند فيه أن العقد سبب تام إلى آخر ما في الروضة فيدل على الكشف. أقول: يمكن المناقشة في الفرض الاول بأن التفصيل بين الاجازة والفك على مبناه من أن النقل مناف للرهن غير وجيه، فان الصحة موقوفة على سقوط الحق، وهو غير معقول بالسبب المتأخر، ومع الغض عنه يمكن الاشكال في الفرض الثاني، فان المستند إن كان ما عن جامع المقاصد والروضة من أن العقد سبب تام في الملك لعموم قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " وتمامه في الفضولي يعلم بالاجازة يمكن تقريبه بوجه


(1) المستدرك - الباب - 17 - من كتاب الرهن - الحديث 6 وفيه " الراهن والمرهون ممنوعان من التصرف في الرهن "

[ 200 ]

لا يرد ما هو ظاهر الورود عليه، بأن يقال: إن الانشاء تعلق بنفس التمليك من غير تقيد بالزمان، فلا يكون زمان العقد أو غيره داخلا في المنشأ وإن كان ظرفا له، والاجازة ان تعلقت بنفس ما تعلق به الانشاء أي الملك المرسل المنطبق على الزمان الماضي من غير تقييد به يكون مقتضاه تحقق ما أنشئ بالعقد وهو لا ينطبق إلا على الزمان الماضي، ولو أجاز متقيدا بالزمان لم تكن اجازته متعلقة بما انشئ، ولست بصدد تصحيح هذا الوجه، لكن بهذا التقريب لم يتوجه إليه ما أفادوا من ظهور الفساد، وعليه تكون الاجازة كاشفة دون فك الرهن، لعدم جريان ما ذكر فيه. وإن كان ما أفاده فخر الدين من أنه لولا الكشف لزم تأثير المعدوم في الموجود فتقريبه أن بعد قيام الدليل على صحة الفضولي وقيام الدليل العقلي على بطلان النقل وهو تأثير المعدوم في الموجود لا محيص عن القول بان الموثر العقد المتعقب بالاجازة، وهو معنى الكشف وهذا المعنى لا يجري في المقام على فرض كون حق المرتهن مانعا عن الصحة ومنافيا للبيع والنقل فان تعقب العقد بالاجازة مع الغض عن الاشكال الذي ذكرنا في محله يمكن أن يكون مصححا، وأما سقوط الحق فلا يعقل بالاسقاط المتأخر، واحتمال كون العقد المتعقب بالفك موجبا له بطلانه واضح. فحينئذ لو دل دليل بالخصوص على صحة بيع الرهن فضولا بنحو الكشف لابد من القول بالسقوط التعبدي، أي جريان حكم السقوط من أول الامر تعبدا، وأما مع فقده فالامر على تقريب الفخر (قده) دائر بين تأثير العقد زمان الفك وهو ممتنع، أو تأثير الفك في زمان العقد، وهو كذلك بعين ما ذكره، أي تأثير المعدوم في الموجود أو تأثير الفك حال وجوده في المتقدم، وهو أيضا محال، فلا محيص عن القول ببطلان الفضولي في باب الرهن، وكيف كان لا تقتضي تلك الادلة الكشف كما

[ 201 ]

أفاد الشيخ الاعظم (قده). ثم على القول بالكشف فان قلنا بأن الرهانة لا تنافي النقل، والعين تنتقل إلى المشتري مرهونة فاللازم وجوب الوفاء من قبل الراهن لو علم تحقق الاجازة، ومن قبل المشتري أيضا لو كان عالما بالواقعة وإلا فله الخيار، وإن قلنا بالمنافاة فلا موضوع لوجوب الوفاء، إلا أن يقال: بأن الاجازة كاشفة عن سقوط الحق تعبدا، إذ مع رفع المانع تعبدا يتحقق النقل ويجب الوفاء. ثم على فرض عدم الفك فان قلنا بعدم المنافاة بين الرهن والبيع لا يجب على البائع فك الرهن، بل يجب تسليم العين المرهونة، وللمرتهن استيفاء دينه منها لو لم يؤده الراهن، وبعد الاستيفاء يرجع المشتري إلى البائع في مقدار الدين مع علمه بالواقعة، والا فله الفسخ والرجوع إلى ثمنه، وله الابقاء والرجوع إلى مقدار الدين، وإن قلنا بالمنافاة والكشف التعبدي عن سقوط الحق فاللازم وجوب الوفاء، ولا موضع لوجوب الفك، فما أفاد الشيخ الاعظم (قده) في المقام لا يخلو من خلط، وقد سبق منا أن إبقاء العقد ليس وفاء به، بل الوفاء هو العمل بمضمون العقد تاما كالوفاء بالنذر والعهد ونحوهما، فمع تحقق النقل يجب الوفاء، ومع عدمه لا موضوع له وبالتأمل فيما قلناه يظهر النظر في بعض الفروع التي تعرض لها الشيخ رحمه الله تعالى. مسألة: قالوا: ومن شروط العوضين القدرة على التسليم، وقد اختلفت تعبيراتهم فيه، ففي الشرائع " الثالث من الشروط أن يكون المبيع مقدورا على تسليمه " وهو أنسب بالمقام، وفي القواعد " من شروط العوضين

[ 202 ]

القدرة على التسليم ". وهل القدرة عليه من شروط العوضين أو من شروط المتعاملين؟ فيه كلام، وينبغي إيضاح ما هو الشرط حتى يتضح الحال، فنقول: عمدة أدلتهم على اعتبار هذا الشرط هو الحديث المعروف: " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " (1) كما قال الشيخ الاعظم (قده): " إن الظاهر اتفاق أصحابنا على الاستدلال به " ويظهر من السيد في محكي الانتصار اتفاق العامة على الاستدلال به للمطلوب. وكيف كان لا يصح الاستدلال به لاعتبار القدرة على التسليم، لكفاية القدرة على التسلم لرفع الغرر بأي معنى فسر ولو لم تكن القدرة على التسليم، بل لو كان البائع مثلا قادرا على التسليم لكن المشتري يعلم بعدم تسليمه بسوء اختياره أو يشك في تسليمه كان البيع غرريا، ولا لاعتبار القدرة على التسلم لكفاية العلم بحصوله في يده ولو لم يكن بفعل البائع ولا المشتري. والذي يمكن أن يكون معتبرا أحد الامرين: إما العلم بقدرة التسلم وإما العلم بحصوله في يده، فمع فقدهما يتحقق الغرر، وبوجود أحدهما يرتفع، والمعتبر هو العلم أو الاطمئنان لا نفس القدرة واقعا ولا حصوله في يده كذلك، لعدم رفع الغرر بوجودهما الواقعي، فعلى ما ذكرنا يعلم أنها شرط للعوضين، لان العلم بالحصول في يده يناسب ذلك، وإن أمكن جعله باعتبار العلم شرطا للمتعاملين، والامر سهل. وقد يقال في مقام الاستدلال على كون القدرة شرطا للعوضين: " إن مناط مالية المال هو كونه بحيث يتسلط مالكه على قلبه وانقلابه بأي نحو من أنحاء التصرف، ومع عدم تمكنه من التصرف فيه بنحو من الانحاء كالسمك في البحر والطير في الهواء لا يعد من الجدة الاعتبارية، فان المال


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 338

[ 203 ]

وإن لم يكن من الجدة الاصطلاحية إلا أنه مثلها في مقام الاعتبار العقلائي إلى أن قال -: وبالجملة مالية الاموال في عالم الاعتبار إنما هي باعتبار كونها منشأ للآثار، وإذا لم يكن كذلك فلايعده العقلاء مالا، فهذا الشرط من شروط العوضين " انتهى. وفيه ما لا يخفى من الخلط والتناقض، فان الظاهر من بعض كلامه أن المعتبر في اعتبار المالية تسلط المالك مطلقا، ومن بعضه أن المعتبر في نفي المالية عدم تمكنه من التصرف فيه بنحو من الانحاء كالطير في الهواء مضافا إلى أن تمكن التصرف وعدمه لا دخل لهما في المالية، بل سلب جميع آثار الملكية موجب لسلب الملكية لا المالية، ضرورة أن جميع الكنوز والمخازن والمعادن تحت الارض والحيتان في البحار والحيوانات البرية الوحشية وأمثالها أموال، ولاجل ماليتها تكون موردا لرغبة البشر ولتحمل المشاق على تحصيلها مع عدم كونها مضافة إلى أحد، فالخلط إنما وقع بين المالية والملكية، كما أن الجدة الاعتبارية إنما هي الملك لا المال، فانها ليست شبيهة بجدة حقيقية، فلا تكون جدة اعتبارية، مع أن في كون الملك جدة اعتبارية منعا أيضا. ثم إن اعتبار القدرة على التسليم إن كان لما ذكره ففيه - مضافا إلى أن رتبة الشرط بعد تمامية المعاملة من حيث المقومات والمالية على ما ذكروا من مقوماتها - أنه قد مضى في أول شرائط العوضين اعتبار هذا الشرط فلا وجه لتكراره، هذا مع أن عدم القدرة على التسليم لا تساوق عدم القدرة مطلقا، لامكان أن يكون المال تحت يده وله أنحاء التصرفات، ولكن لا يقدر على تسليمه إلى المشتري لجهات خارجية، لكونه محبوسا أو كونه وراء البحار، فالقدرة على التسليم المعتبر في البيع انما هي قدرة خاصة، ومقابلها سلب تلك القدرة وإن ثبتت له القدرة على سائر التصرفات

[ 204 ]

والظاهر أن منشأ خلطه هو المثالان المذكوران في عبارة الفقهاء: أي السمك والطير، مع أن تعذر التسليم أعم، كما أن عدم اعتبار الملكية فيهما ليس على نحو الاطلاق فضلا عن المالية. ثم إن أصل اعتبار القدرة على التسليم أو أعم منه ومن التسلم أو أعم منهما ومن الحصول في يد الطرف مما لا شبهة فيه، وقد حكي تسالم الفريقين عليه، إلا أن الشأن في المستند. وقد استند الفريقان على ما حكي إلى النبوي المعروف وهو محكي مسندا في الوسائل والمستدرك بأسانيد عديدة، ولا إشكال في صحة الاستناد إليه، إلا أن في دلالته على المقصود إشكالا منشأه اختلاف معاني الغرر. وقد ذكر له ولسائر مشتقاته معاني كثيرة: كالخدعة، وإليها يرجع تفسيره بما يكون له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول، كما في المجمع وعن النهاية والشهيد، والتعريض للهلكة كما في أقرب الموارد والمنجد ويظهر من القاموس، والظاهر أن تفسيره بالخطر راجع إليه لا إلى ما ذكر من المعاملة المجهولة ذاتا أو صفة أو حصولا، فان إطلاق الخطر عليها سيما في غير المهمات بشيع، فلا يقال لمن يشتري ثوبا أو خبزا مع جهالة حصوله أنه تعرض للخطر أو الهلكة، نعم لو كان المعاملة خطيرة ربما يصح إطلاق الخطر ونحوه في موردها، والغفلة كما في الصحاح وغيره، وأما التفسير بعمل ما لا يؤمن معه من الضرر فهو ليس تفسيرا لغويا، ولو ثبت صدوره من المولى عليه السلام وجب التعبد به لكنه لم يثبت، وما في المستدرك عن دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين عليه السلام " أنه سئل عن بيع السمك في الآجام واللبن في الضرع والصوف في ظهور الغنم قال: هذا كله لا يجوز لانه مجهول غير معروف، يقل وبكثر. وهو غرر " (1) ضعيف السند


(1) المستدرك - الباب - 7 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1.

[ 205 ]

كما أن المحكي عن الازهري من تفسيره بما كان على غير عهدة ولا ثقة ليس تفسيرا لغويا. وليس في شئ من الكتب اللغوية تفسيره بالجهالة، ضرورة أن العناوين المذكورة حتى الغفلة غير عنوان الجهالة، فارجاع الجميع إليها ثم تعميمها إلى الجهالة في الحصول مما لا تساعده اللغة ولا العرف، ومجرد ملازمة بعض المصاديق للجهل أحيانا لا يوجب أن تكون العناوين المخالفة للجهل بمعناه، مضافا إلى أنه لو رجع الكل إلى الجهل لكان الحديث على خلاف المقصود أدل، فلو ورد مكانه نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع المجهول لكان الظاهر منه الجهالة في المبيع أو الثمن لا في تسليمهما. والعجب من الشيخ الاعظم (قده) حيث قال: " وبالجملة فالكل متفقون على أخذ الجهالة في معنى الغرر، سواء تعلق الجهل بأصل وجوده أم بحصوله في يد من انتقل إليه أم بصفاته كما وكيفا، لعدم ظهور ذلك من شئ من الكتب اللغوية - ثم بعد الاشكال بأن الغرر مختص بذات المبيع أو صفاته قال -: إن الخطر من حيث حصول المبيع في يد المشتري أعظم من الجهل بصفاته مع العلم بحصوله، ضرورة أن الغرر إذا كان بمعنى الجهل لابد من ملاحظة عنوان الجهل لا الخطر ولا غيره. فلو ورد نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع المجهول فهل يصح أن يقال: إن الجهل بحصوله في يده أعظم من الجهل بالمبيع أم اللازم الاقتصار على الجهل بالمبيع ذاتا وصفة - على إشكال فيها سيأتي التعرض له - ولا يصح التعميم إلى ما هو خارج عنه " نعم إشكاله وارد على القائل حيث أخذ في كلامه الخطر، وأما بحسب الواقع فغير مرضي. ثم إن الالتزام بارجاع جميع المعاني إلى معنى واحد إما الجهالة أو الخدعة لعل منشأه الاحتراز عن الاشتراك اللفظي بتوهم أنه خلاف الحكمة

[ 206 ]

في اللغات، ومنشأ هذا التوهم تخيل أن وضع لغات مشتركة ومترادفة كان في محيط واحد أو من شخص واحد، مع أن الامر ليس كذلك، فان المظنون لو لم نقل إنه المقطوع به أن الطوائف المختلفة في البلاد النائية أو البراري المتشتتة البعيدة كان لكل منها لغات خاصة بهم، فلما اختلطت الطوائف اختلطت اللغات، فربما بقي بعضها وصار لغة للجميع، وربما نسي لغات الاصل، كما حصل في اختلاط العرب بالفرس، ومنشأ الترادف والاشتراك ذلك. لاماتوهم من التفنن في الوضع، بل لا يبعد أن يكون بعض المعاني مختصا ببعض المشتقات وربما يكون اختلاف المشتقات موجبا لاختلاف المعاني كما يظهر بالتدبر في الكتب اللغوية. وبالجملة إن الغرر مستعمل في معاني كثيرة لا يناسب كثير منها للمقام، والمناسب منها هو الخدعة، والنهى عنها كالنهي عن الغش أجنبي عن مسألتنا هذه، فارجاع المعاني إلى معنى واحد أجنبي عن معانيه ثم التعميم لما نحن فيه مما لا يمكن المساعدة عليه، إلا أن يتمسك بفهم الاصحاب، وهو كما ترى، أو بكشف قرينة دالة على ذلك، وهو أيضا لا يخلو من بعد لكن مع ذلك تخطئة الكل مشكلة، والتقليد بلا حجة كذلك. وأما الروايتان المشتملتان على النهي عن بيع الغرر فاحداهما ما عن الصدوق في عيون الاخبار بأسانيد ذكرها في الوسائل في إسباغ الوضوء عن الرضا عن آبائه عن علي عليهم الاسلام قال: " يأتي على الناس زمان عضوض يعض كل امرئ على ما في يده وينسى الفضل، وقد قال الله: ولا تنسوا الفضل بينكم، ثم ينبزي في ذلك الزمان أقوام يبايعون المضطرين اولئك هم شر الناس، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع المضطر وعن بيع الغرر " (1).


(1) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 3

[ 207 ]

وثانيتهما ما في المستدرك عن صحيفة الرضا عليه السلام باسناده عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: " خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر - إلى أن قال -: وسيأتي على الناس زمان يقدم الاشرار وليسوا بأخيار، ويباع المضطر، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع المضطر وعن بيع الغرر وعن بيع الثمار حتى تدرك " الخ. (1) والظاهر من الاولى الكراهة، حيث عطف بيع الغرر على بيع المضطر الذي هو مكروه، والظاهر أن النهي فيهما بمعنى واحد، فيمكن الحمل بهذه المناسبة على بيع الغافل، ويمكن الحمل على بيع الخدعة، لكن لابد من حمل النهي فيه على الحرمة، وأما الحمل على عدم القدرة على التسليم أو على معنى أعم والارشاد إلى الفساد فبعيد. وأما الثانية فيحتمل فيها الكراهة بمناسبة العطف على بيع المضطر والحرمة والحمل على بيع الخدعة. فكانت الرواية مشتملة على فرد مكروه وفرد محرم وفرد باطل، وأما الحمل على المجهول والارشاد إلى البطلان فهو أيضا بعيد، سيما مع عدم كون الغرر بمعنى المجهول كما عرفت، والانصاف أن الحكم ثابت وإن كان المستند مخدوشا. ويتلوه في الضعف الاستناد إلى النبوي المشهور " لاتبع ما ليس عندك " (2) ومن طرقنا روى الشيخ (قده) باسناده عن سليمان بن صالح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لا يضمن " (3) والصدوق باسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن


(1) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 1 (2) سنن البيهقي - ج 5 ص 329 (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 2

[ 208 ]

زيد عن الصادق عن آبائه عليهم السلام في مناهي النبي صلى الله عليه وآله قال: " ونهى عن بيع ما ليس عندك ونهى عن بيع وسلف " (1). وقد وجه الشيخ الاعظم (قده) الاستدلال به بعد نفي الاحتمالات عدا ما هو المطلوب. أقول: والتحقيق أن يقال بعد عدم إمكان حمله على المعنى الحقيقي، لقيام الضرورة على عدم اعتبار الحضور في صحة البيع، فلابد من الحمل على معنى كنائي أو استعاري، ومن المعلوم أن في الحمل على أي منهما لابد من المناسبة المصححة للاستعمال، فيمكن أن يكون كناية أو استعارة عن عدم الملك، والمناسبة واضحة، لان غير المملوك المنقطع عن الشخص في اعتبار العقلاء والشارع الاقدس كأنه غائب عنه، فيصح أن يقال: إنه " ليس عندك " كناية أو استعارة، ويمكن أن يكون كناية أو استعارة عن سلب الآثار أو سلب القدرة بنحو الاطلاق بعد ثبوت الملك، فان الملك الذي لا أثر له بالنسبة إلى مالكه أو لا قدرة للمالك بالنسبة إليه بوجه من الوجوه يصح ادعاء كونه غائبا ومنقطعا عنه، كما يصح دعوى عدم الملكية له، فما لا أثر له أو لا قدرة لمالكه عليه بوجه يحسن دعوى انقطاعه وغيبته عنه، وأما إذا كان بعض الآثار مسلوبا أو معجوزا عنه فلا يصح الدعوى إلا إذا كان الاثر المسلوب أو المعجوز عنه بارزا معتدا به بحيث أمكن دعوى كونه كل الآثار، فيصحح بتلك الدعوى الدعوى الثانية، نظير " يا أشباه الرجال ولا رجال " (2). ففي المقام لو كان المبيع مسلوب الاثر مطلقا أو كانت القدرة عنه مسلوبة مطلقا يصح أن يقال ليس عندك، ولا تبع ما ليس عندك، دون ما إذا كان المسلوب أثرا خاصا أو المعجوز عنه كذلك، كالتسليم إلى المشتري


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 5 (2) نهج البلاغة - الخطبة 27 - ج 1 ص 70 من طبعة بيروت

[ 209 ]

وليس ذلك من الآثار التي يمكن فيها دعوى كونها تمام الاثر لتصح الدعوى الثانية. وأظهر الاحتمالات هو الاحتمال الاول، أي الكناية عن سلب الملك أو دعوى كون غير الملك غائبا وليس عنده، والعجب من الشيخ الاعظم (قده) حيث رفض هذا الاحتمال بأن المناسب معه اللام لا الظرف فانه بعد فرض كون الجملة كناية لا معنى لذكر اللام، فان " لا تبع ما ليس لك " معنى حقيقي لا كنائي فالكناية عن عدم الملك لابد وأن يكون بلا لام. ثم على فرض عدم إرادة الملك لابد من الحمل على أحد الاحتمالين الآخرين أي سلب الآثار جميعا أو سلب القدرة بنحو الاطلاق، وهو على خلاف المطلوب أدل، لان مرجعه إلى عدم صحة بيع ملك مسلوب عنه الآثار مطلقا، أو مسلوب عن صاحبه القدرة مطلقا، فالمقدور في الجملة كالمقدور على تسليمه لمشتريه الخاص مثلا إما داخل في مفهوم الجملة إن كان له مفهوم أو غير مشمول للمنطوق. فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) بعد نفي الاحتمالات الاخر بقوله: " فتعين أن يكون كناية عن السلطنة التامة الفعلية التي تتوقف على الملك مع كونه تحت اليد حتى كأنه عنده وإن كان غائبا " غير ظاهر، فانه إن كان المراد السلطنة على جميع التحولات والتصرفات إي لا تبع ما ليس لك السلطنة على جميع التصرفات فيه فلا يفيده إن لم نقل بكونه أدل على خلاف المقصود، وإن كان المراد السلطنة على التسليم فقط فيكون المراد لاتبع ما لم تقدر على تسليمه فقد عرفت عدم صحة كونه كناية عن مثله. ثم إن الظاهر من جملة وافرة من الروايات الواردة في أبواب أحكام

[ 210 ]

العقود أن هذه الجملة كانت شايعة الاستعمال في الكناية عن عدم الملك، فراجع الوسائل الباب السابع والثامن من أحكام العقود تجزم بأن الجملة المزبورة في هذه الرواية استعملت في مورد عدم الملك كما في سائر الروايات فسائر الاحتمالات ضعيفة، فالرواية أجنبية عن المقام. ثم على فرض تمامية الدلالة لا يخفى أن المستفاد منه مخالف للمستفاد من حديث الغرر من جهتين: إحداهما أن المستفاد من حديث الغرر ليس شرطية عنوان القدرة على التسليم، بل ما يدفع به الغرر، كالقدرة على التسلم، أو حصول العوض عند الطرف ولو لم يكن بفعل المتعاملين، كرجوع الطير بحسب العادة ونحو ذلك، وما يستفاد من قوله صلى الله عليه وآله: " لا تبع ما ليس عندك " (1) - بناء على كونه كناية عن القدرة على التسليم - هو اشتراطها، فلو عجز عنه بطل ولو كان التسلم مقدورا أو حصل في يده. ثانيتهما أن المستفاد من حديث الغرر هو اعتبار العلم بالحصول أو القدرة على التسلم من غير دخالة الواقع فيه، فلو قطع بحصوله في يده أو قدرته على التسلم اندفع به الغرر وإن كان مخالفا للواقع، ولو لم يعلم كان غررا وإن حصل في يده أو كانت القدرة محققة، وما يستفاد من هذا الحديث دخالة الواقع وتمام موضوعيته، فلو علم بكونه عنده ولم يكن بطل، ولو كان ولم يعلم صح، فلم يقع الاستدلالان على مقصد واحد. وهل المستفاد منهما بطلان العقد وعدم صلوحه للصحة ولو تحقق الشرط فيما بعد أو أنه يقع مراعى؟ اختار الشيخ الاعظم (قده) الثاني، ونسب إلى ظاهر حال الفقهاء اتفاقهم على الاول، أقول: أما حديث النهي عن الغرر فلا شبهة في شموله لما جهل ذاتا أو صفة، ولم يلتزم أحد بكون


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 339

[ 211 ]

العقد مراعى برفعه، فلا محالة يكون العقد ملغى بتوجه النهي إلى السبب ولا يعقل توجهه إليه في مورد والى المسبب في مورد آخر، وعلى فرض جوازه حتى في مثل المقام فلا شبهة في عدم صحة الحمل عليه من دون القرينة وهي مفقودة، إلا أن يقال: إن النهي توجه إلى المسبب وهو يقتضي الصحة لكنه خرج سائر الموارد وبقي القدرة على التسليم، وهو كما ترى. وأما حديث " لا تبع " فقد ورد جوابا لحكيم بن حزام، حيث سأله عن أن يبيع الشئ ثم يمضي ويشتريه ويسلمه (1) وهو كما ترى يدل على إلغاء العقد وعدم وقوعه مراعى، فلو أستفيد منه اعتبار القدرة على التسليم حتى في غير مورده لا يمكن الحمل على السبب والمسبب كما تقدم، ومع الالتزام بالامكان لا قرينة عليه، فلابد من الحمل على التوجه إلى السبب حفظا للمورد، ولا يأتي فيه الاحتمال السابق المرفوض. نعم لا يرد هذا الاشكال فيما وردت من طريقنا، وهو قوله عليه السلام: " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع ما ليس عندك " (2) إن كانت رواية مستقلة. وقد يستدل على اعتبار القدرة على التسليم بأن لازم العقد وجوب تسليم كل من المتبايعين العوض إلى صاحبه، فيجب أن يكون مقدورا، ويمكن تقرير هذا الدليل بأن وجوب التسليم من الاحكام العقلائية للبيع، فلو كان تسليم العوضين أو أحدهما غير مقدور للتالي لا يعقل القصد الجدي إلى المبايعة، فان المعاملات إلا النادر منها إنما هي آلات التوصل إلى العوضين، والمقصود بالاستقلال وصول البائع إلى الثمن والمشتري إلى المثمن، ومع


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 267. (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 2 و 5

[ 212 ]

العجز لا يمكن القصد الجدي إليها، وبعبارة أخرى إن مبنى البيع على التزام المتبايعين تسليم العوضين كل إلى صاحبه، ومع العجز لا يعقل الالتزام، ومع فقده لا يكون المبايعة جدية. أقول: هذا الدليل أخص من المدعى، لان امتناع القصد إنما هو فيما إذا علم المتعاقدان بعجزهما للتالي، وأما مع رجاء رفع العجز فلا مانع من القصد المعتبر فيه، كما أنه مع العجز فعلا والعلم برفعه فيما بعد يمكن القصد إليه، وكذا مع جهلهما بالواقعة. ثم إن ما هو ظاهر الاستدلال المذكور واضح المنع إذ يرد عليه ما أورد عليه في الجواهر وغيره بأن وجوبه مطلقا ممنوع ومطلق الوجوب لا ينافي كونه مشروطا بالتمكن، والاعتراض عليه بأصالة عدم تقييد وجوب التسليم ودفعه بالمعارضة بأصالة عدم اشتراط البيع بالقدرة على التسليم واضح البطلان إن أريد بالاصلين الاستصحاب، كما لا يبعد من ظاهر الشيخ حملهما عليه، ويظهر من بعض آخر أيضا، لعدم الحالة السابقة أولا وللمثبتية في الاول ثانيا. وأما إن أريد بهما الاصل اللفظي، أي أصالة الاطلاق في قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (1) بتقريب أن الاطلاق يقتضي وجوب التسليم في العقود بنحو الاطلاق، ولا يعقل ذلك مع العجز، فيستكشف به حال الموضوع بأنه مشروط بالقدرة حفظا للاطلاق، والمراد بالمعارضة، معارضتها مع أصالة الاطلاق في دليل نفوذ البيع، مثل قوله تعالى: " أحل الله البيع " (2) فان مقتضى إطلاقه عدم دخالة القدرة على التسليم في الصحة، فليس النظر فيه بهذا الوضوح.


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1 (2) سورة البقرة: 2 - الآية 275

[ 213 ]

نعم يرد على الاعتراض بأن رفع الامتناع كما يمكن بما ذكر أي بكشف حال الموضوع واشتراطه بالقدرة كذلك يمكن بتقييد وجوب الوفاء بحال القدرة، وبعبارة أخرى إن المحذور العقلي موجب لكشف قيد وارد على الموضوع أي العقد أو على وجوب الوفاء به، ولا ترجيح لواحد منهما، فلاحجة على الاشتراط. وعلى ذلك يدفع الاعتراض، وهو واضح، والمعارضة أيضا لعدم المعارض لاطلاق دليل نفوذ البيع، بل لنا أن نقول: إن الشرائط العامة كالعلم والقدرة لا تكون قيدا للتكاليف، وليست هي مشروطة بها شرعا وإلا لزم مفاسد، كالتصويب، وعدم وجوب التعلم والتفقه وجواز تعجيز النفس، واجراء البراءة في الشك في القدرة، إلى غير ذلك. فحينئذ لا يدور الامر بين ورود القيد إما على العقد أو على وجوب التسليم، بل تكون أصالة الاطلاق فيهما محفوظة بحسب الحكم القانوني وعند العجز عن التسليم يكون للعبد عذر عقلي في عدم العمل، فيرجع الامر إلى الشك في اعتبار القدرة في العقد، وهو مدفوع بأصالة الاطلاق، فتكون أصالة الاطلاق في وجوب التسليم ملائمة مع أصالة الاطلاق في نفوذ البيع وأصالة الاطلاق في العقد لا معارضة. وأما ما قيل في وجه نظر الشيخ الاعظم (قده) - من أن عدم التقييد الخطابي للاتكال على حكم العقل بالتقييد، لا لاجل فرض حصول القيد - ففيه - مضافا إلى بطلان دعوى تقييد الدليل بحكم العقل، لعدم صلاحيته لذلك، وبطلان كشف العقل عن التقييد في المقام، لما عرفت من عدم التقييد في مثل اعتبار القدرة - أنه على فرض جواز التقييد يتردد الامر بين ورود القيد على الموضوع وبين وروده على الحكم، ولا ترجيح، فالجزم بأنه كان للاتكال لا لفرض الحصول في غير محله، وفي كلامه مواقع للنظر

[ 214 ]

يظهر للمتأمل. ثم وقع الكلام في أن القدرة شرط أو العجز مانع، وقد اشتهر بينهم أن المانع أمر وجودي يلزم من وجوده العدم، والشرط ما يلزم من عدمه العدم، وقد تشبث الشيخ الاعظم (قده) بذلك على أن العجز ليس مانعا، والظاهر أن ما ذكر في معنى الشرط والمانع وقع في كلام أهل الفن بنحو من المسامحة، ثم اشتهر ذلك غفلة عن حقيقة الحال، وهي أن العدم ليس بشئ، ولا يعقل أن يكون مشارا إليه أو محكوما بحكم أو موضوعا له أو مدركا فضلا عن أن يكون مؤثرا ومتأثرا، فاقتضاؤه لشئ أو لزوم شئ منه كل ذلك غير صحيح، وما يتصور منه أو يحكم عليه انما هو العدم بالحمل الاولي الموجود بالشائع في الذهن. والتحقيق أن المانع أمر وجودي مضاد لامر وجودي، فالتمانع بينهما بالذات بمعنى عدم امكان اجتماعهما في محل واحد، فكل منهما مادام موجودا يمنع عن وجود ضده بحكم التضاد والتنافي، فالبياض في الجسم مادام موجودا مانع عن وجود السواد، وكل طارد لضده. وأما ما يقال - من أن المانع اصطلاحا هو ما يقتضي ما ينافي مقتضى شئ آخر، فالمقتضيان متمانعان، لتنافي مقتضاهما، فسبب الضد هو المانع - فغير وجيه، فان ما هو المناط في التمانع بالذات انما هو في الضدين لا في علة كل مع وجود الآخر، فسبب التمانع هو التنافي الذي بين الضدين، فصرف اقتضاء شئ ما ينافي اقتضاء الآخر لا يكون منسأ التمانع، فعلة تحقق السواد في الجسم مع علة البياض غير متمانعين بالذات، بل التمانع باعتبار الاثر والمعلول الذي يكون مضادا لمعلول آخر. ثم ان التحقيق أن الشرط والمانع والسبب ونحوها قابل للجعل مستقلا في التشريعيات، وانكار ذلك ناش من الخلط بين التكوين والتشريع. وقد يقال: إن جعل شئ مانعا يرجع إلى جعل عدمه شرطا، لان

[ 215 ]

المأمور به إذا لم يتقيد بشئ فلا محالة يقع صحيحا، ومع جعل المانع إذا لم يرجع إلى تقييد فيه وضيق في المطلوب لا يعقل أن لا يقع صحيحا، لان الصحة هي مطابقة المأتي به للمأمور به، والمفروض مطابقته له، ولو رجع إلى تضييق وتقييد فلا محالة يكون من قبيل الشرط، فيكون عدم المانع شرطا. وفيه أن هذا مبني على عدم امكان جعل المانع عن صحته، وإلا فكما أن المانع في التكوين يدفع وجود الممنوع عن التحقق من غير أن يكون لعدمه دخل كذلك المانع في التشريع، بل التشريع في مثل ما ذكر يكون على طبق التكوين بحسب الاعتبار، فالتشريع تكوين اعتباري، نظير ما يقال: من أن الملك جدة اعتبارية أو اضافة اعتبارية، فإذا شرع المقنن تشريعا قانونيا ثم اقتضى المصالح أن يجعل له شرطا أو مانعا فقال: ول في الصلاة وجهك شطر المسجد الحرام يتبع ذلك الوضع، وينتزع منه الشرطية في الصلاة من غير تجديد أمر بالمقيد، وكذا إذا اقتضت المصلحة جعل مانع لها، فقال: لا تصل في وبر ما لا يؤكل أو جعلت وبره مانعا من الصلاة ينتزع منه المانعية نظير المانعية التكوينية، فبحسب جعله واعتباره يكون حمل الوبر ولبسه مضادا لصحة الصلاة، فموافقتها للمأمور به إنما توجب الصحة إذا لم تبتل بالمضاد في اعتبار الشرع المانع من صحتها، فمع ابتلائها بالمضاد في اعتبار الشرع لا تقع على طبق القانون الشرعي، فلا يعقل صحتها للمضادة الجعلية الاعتبارية. وهذا لامانع منه عقلا، ويصح اعتبارا. وأما إرجاع المانع إلى أن عدمه شرط فهو فرار من المطر إلى الميزاب ضرورة أن العدم لا يعقل أن يكون شرطا بأي معنى كان، ولا يعقل ثبوت شئ له ولا الاشارة إليه ولو عقلا، فالفرار مما لا امتناع فيه بوجه إلى الممتنع بالضرورة مما يدفعه العقل، فمع امتناع شرطية العدم أو مانعيته لا محيص عن تأويل ما بظاهره دال على شرطيته أو مانعيته، ففي المقام لو

[ 216 ]

فرض ظهور دليل على مانعية العجز لابد من إرجاعه إلى شرطية القدرة، لامتناع كون العجز وهو عدم القدرة مانعا ودافعا لشئ، نعم لو قيل: إن العجز أمر ثبوتي مضاد للقدرة تصح مانعيته. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) بعد نفي المانعية عن العجز قال: " لو سلم صحة إطلاق المانع عليه لاثمرة فيه، لا في صورة الشك الموضوعي أو الحكمي ولا في غيرهما، فانا إذا شككنا في تحقق القدرة والعجز مع سبق القدرة فالاصل بقاؤها، أولا معه فالاصل عدمها، أعني العجز، سواء جعل القدرة شرطا أو العجز مانعا " الخ. أقول: لو كان المستند في المقام حديث الغرر (1) فقد مر أن المستفاد منه اعتبار أحد الامرين: إما العلم بالقدرة على التسلم، وإما العلم بحصول العوض عنده، كرجوع الطير على عادته، وكيف كان لا تكون القدرة على التسليم ولا نفس القدرة على التسلم ولا نفس الحصول بحسب الواقع رافعا للغرر، بل الرافع هو العلم، ويكون هو تمام الموضوع لرفعه، سواء كانت القدرة بحسب الواقع حاصلة أم لا، فعليه لا مجال للاصل، فانه مع الشك في القدرة وفي الحصول عنده لدى البيع يكون الغرر متحققا قطعا، واستصحاب بقاء القدرة على فرض جريانه مما لا مجال له، ضرورة أنه لا يرفع الشك الوجداني الذي هو تمام الموضوع. ولو كان المستند حديث " لا تبع ما ليس عندك " (2) وتردد أمره بين الدلالة على كون القدرة على التسليم شرطا وبين الدلالة على كون العجز مانعا - وهو محط نظر الشيخ (قده) - فالظاهر منه ومن غيره جريان


(1) و (2) سنن البيهقي - ج 5 ص 338 - 339

[ 217 ]

استصحاب القدرة أو العجز مع الحالة السابقة، وهو محل تأمل بناء على ما هو ظاهر كلمات الفقهاء من أن القدرة على التسليم من شرائط العوضين فان ما هو المتيقن قبل تحقق البيع هو القدرة على تسليم السلعتين لا العوضين بما هما كذلك، واستصحاب القدرة عليهما إلى زمان تحقق البيع وصيرورتهما عوضين لاثبات القدرة على العوضين مثبت، والمقام ليس من قبيل اثبات الموضوع بالاصل والوجدان، بل من قبيل اثبات عنوان باستصحاب عنوان آخر، ولو كان الموضوع الذات الموصوفة بالعوضية كان استصحاب الذات لاثبات التوصيف بها مثبتا أيضا، فان الاصل هو بقاء القدرة على الذات، ومقتضى الوجدان اتصاف الذات بالعوضية، وأما تعلق القدرة بالذات الموصوفة فلا يثبت به، فانه مثبت، تدبر. بل ثبوت الموضوع المركب باستصحاب جزئه وثبوت جزء آخر بالوجدان أيضا لا يخلو من إشكال المثبتية، لان المركب بما له وحدة اعتبارية موضوع للحكم لا الاجزاء بلا اعتبار الوحدة. نعم الظاهر أن في مثله قوله: " إذا جاء زيد ولم يجئ عمرو يجب عليك كذا " يمكن ضم الوجدان إلى الاصل لاثبات ما هو موضوع الحكم، هذا إذا كانت القدرة شرط العوضين بمعنى أن المعتبر القدرة على تسليم العوض بعد ما صار عوضا، أي في حال وجوب التسليم، وهو بعد تحقق العقد والعوضية، وكذا لو كان الموضوع القدرة على تسليم ما يصير عوضا، فان ما يصير عوضا قبل تحقق العقد لا يعتبر فيه القدرة، بل المعتبر القدرة حال العوضية لا بمعنى أخذ الحال ظرفا غير دخيل في الحكم، فانه خلاف الواقع، بل بمعنى دخالة الحال في ذلك، فيرد عليه أيضا إشكال المثبتية. نعم لو قلنا بأن المستفاد عرفا من قوله صلى الله عليه وآله: " لاتبع ما ليس عندك " أن ما هو المقدور يجوز بيعه صح الاصل بلا شائبة المثبتية، فان

[ 218 ]

صحة البيع حكم متعلق بما هو عنده، أي ما هو مقدور، فيقال كان ذلك مقدور التسليم والآن كذلك فيصح بيعه، هذا حال العلم بالحالة السابقة. ومع الشك فيها قد يقال: إن اللازم هو الفحص كما هو لازم في جميع موارد الشك في القدرة، وفيه أنه خلط بين القدرة العقلية التي هي من الشرائط العامة وبين القدرة المعتبرة شرعا، وخلط بين الاحكام التكليفية والوضعية كما لا يخفى. نعم مع شرطية شئ لصحة المعاملة لابد من إحرازه ليترتب عليه الاثر، وفي المقام ليس أصل محرز، فان القدرة والعجز كليهما غير مسبوقين بالتحقق، أما القدرة فواضح، وأما العجز فانه سلب القدرة عن موضوع قابل لها، ولا سابقة لهذا السلب، وماله السابقة هو عدم القدرة بالسلب التحصيلي لا مثل العدم والملكة مما هو بمنزلة قضية موجبة معدولة المحمول، فكما أن قوله: " زيد قادر أزلا " كاذب كذا قوله: " زيد عاجز أزلا " كاذب، إذ لم يكن زيد قادرا ولا عاجزا أزلا أي ثابتا له اللاقدرة، نعم لم يكن هو قادرا ولا عاجزا أزلا بالسلب التحصيلي أعم من وجود الموضوع وأعم من الموجبة المعدولة والموجبة سالبة المحمول، واستصحاب هذا العنوان الاعم لاثبات ما هو أخص منه كاستصحاب الكلي لاثبات فرد منه مثبت والتفصيل في محله. ثم إن الظاهر من قوله صلى الله عليه وآله: " لا تبع ما ليس عندك " (1) هو أن العجز مانع، كما أن الظاهر من قوله: " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " (2) أن الغرر مانع، أي الجهل، ومع امتناع كون أمر عدمي مانعا لابد من ارجاعهما إلى ما هو معقول: أي شرطية القدرة على التسليم كما هو ظاهرهم، وشرطية العلم الرافغ للغرر، والامر سهل. ثم إن الظاهر من قوله صلى الله عليه وآله: " لا تبع ما ليس


(1) و (2) سنن البيهقي ج 5 ص 338 - 339

[ 219 ]

عندك " بناء على دلالته على اعتبار القدرة على التسليم هو اعتبارها حين العقد، سيما مع ملاحظة صدرها في رواية حكيم بن حزام، بل هو كذلك في قوله (ع): " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع ما ليس عندك " فان الظاهر منه اعتبار القدرة فعلا عند البيع، وأنها من الشرائط التعبدية لا العقلائية، فان اعتبارها كذلك ليس عقلائيا، وما عند العقلاء أمر أعم منها إن لم نقل إنه أمر مغائر لها، ضرورة أنه مع العلم بالقدرة على التسلم أو حصول السلعة بيده بأية قدرة كانت صحت المعاملة العقلائية، ومع تحقق القدرة على التسليم وعدم البناء والالتزام به لم تكن عقلائية، فاعتبار خصوص القدرة على التسليم ليس لامر عقلائي، بل ليس الملحوظ في اعتبارها حصول الغرر، لما عرفت من أن الغرر لا يندفع بالقدرة على التسليم لو جهل نفس التسليم، ويندفع مع عدم القدرة إذا اعتقد القدرة على التسلم أو الحصول عنده، فلا محالة يكون هذا الشرط بلحاظ هذا الظهور تعبديا، وأما حديث الغرر فليس دليلا على اعتبار القدرة كما تقدم. نعم مقتضى الوجوه الاخر التي زيفها الشيخ الاعظم (قده) هو اعتبارها عند الاستحقاق. ولو قلنا بأن العبرة فيها انما هي بزمان استحقاق التسليم فهل يتفرع عليه عدم اعتبارها أصلا فيما إذا كانت في يد المشتري وفيما لم يعتبر التسليم فيه رأسا، كما إذا اشترى من ينعتق عليه، وفيما إذا لم يستحق التسليم بمجرد العقد إما لاشتراط تأخيره أو لتزلزل العقد كما في الفضولي أولا؟ وجهان. وجه صحة التفريع أن يقال: إن الشرط إن اعتبر حال العقد وللعقد فمع فقده يبطل سواء كانت القدرة حاصلة زمان استحقاق التسليم أم لا، وإن اعتبر عند استحقاق التسليم بحيث كان الاستحقاق شرطا في اعتبار هذا الشرط فمع عدم الاستحقاق يصح البيع، لعدم اشتراطه بها

[ 220 ]

فرضا، فلا تعتبر القدرة رأسا فيما إذا لم يستحق التسليم، سواء كان من أجل كونه في يده أم لكون المبيع ممن ينعتق عليه أو غير ذلك مما مر. ووجه عدمها أن يقال: إن المراد بزمان استحقاق التسليم هو الزمان الذي كان البيع بحسب اقتضائه طبعا موجبا لاستحقاق التسليم، ففي مثل بيع النقد يكون الاستحقاق بعد تمامية البيع، من غير فرق بين حصوله بيد المشتري أو عدمه، إذ ليس المراد استحقاقه الفعلي بحسب شخص البيع، ومن غير فرق بين بيع من ينعتق عليه أو غيره، فان مقتضى البيع بحسب طبعه استحقاقه التسليم وإن لم يجز بواسطة خصوصية الموضوع، فحينئذ يكون البيع باطلا لفقد شرطه، وهو القدرة على التسليم، فان عدم القدرة عليه لا يوجب سقوط الشرط، بل يوجب بطلان البيع لفقد شرطه، نعم في مثل اشتراط التأخير والفضولي يكون اعتبار الشرط حال الاستحقاق، ويصح التفريع. ثم لو جعل المستند فيه حديث الغرر يكون الاعتبار بالعلم بالقدرة على التسلم أو بحصول العوض عنده حال وجوب التسليم، فلو قطع بكونه في يده حاله لا غرر فيه وإن لم يكن حاصلا، وإن شك في ذلك يكون غررا وإن كان حاصلا إن لم يعلم بقدرته على التسلم، ولو كان وجوب التسليم متأخرا لاشتراط التأخير يكون المعتبر العلم بذلك حال وجوبه، وأما اشتراء من ينعتق على المشتري ففيه كلام، وهو أنه إما يعتقد بأنه ينعتق عليه أو يعتقد عدمه أو يشك فيه، فان شك فيه فتارة يقدم على الاشتراء برجاء عدم كونه ممن ينعتق عليه، وأخرى برجاء كونه كذلك، فعلى الاول من شقي الاخير يكون المعاملة غررية، لكون القدرة على التسليم مجهولة، ومجرد كون عدم القدرة بحكم الشرع لا يخرج المعاملة عن الغرر،

[ 221 ]

سواء كان بمعنى الجهل أم بمعنى الخطر، وكذا الحال أو أقدم برجاء كونه ممن ينعتق، فان الغرر بمعنى الجهل حاصل، وكذا بمعنى الخطر، لان الاقدام على الاشتراء الخطري لا يخرجه عنه، فهو خطري بحسب طبعه وإن أقدم عليه المشتري، والشرط الشرعي لا يسقط بالاقدام وإلا فلابد من الالتزام بصحة البيع الغرري مع إقدام المتبايعين عليه، كبيع المجهول ذاتا أو وصفا، وهو كما ترى. ومنه يظهر الحال في صورة العلم بالانعتاق، فان الاشتراء بحسب ذاته خطري للعلم بعدم القدرة على التسلم وعدم حصوله عنده، وكون المشترى مقدما على البيع أو كون حكم الشرع مانعا عنه لا يوجب رفع الخطر، بل الاقدام على أمر خطري بحسب المعاملة وإن كان إمرا مرغوبا فيه لاغراض خارجة عنها فالصحة فيه للنص وإن كانت على خلاف القاعدة حتى مع الغض عن الغرر، سيما مع حصول الانعتاق بمجرد إيقاع البيع من غير دخوله في ملك المشتري حتى آناما. وأما البيع الفضولي فقد استشكل فيه الشيخ الاعظم (قده) بناء على الكشف دون النقل، من حيث إنه لازم على الاصيل، فيتحقق الغرر بالنسبة إليه، لانه انتقل إليه ما لا يقدر على تحصيله. أقول: إن الغرر بهذا المعنى لم يلزم على الكشف بالمعنى المشهور على ما قيل من أنه الكشف الانقلابي، سواء قلنا بالانقلاب حقيقة أو حكما وتعبدا، لعدم نقل العوضين إلى زمان الاجازة، وبها يحصل الانقلاب وزمان وجوب التسليم، والميزان في رفع الغرر هو العلم بالقدرة على التسلم حال وجوب التسليم، أي حال الاجازة. نعم بناء على الكشف الحقيقي أو الحكمي على النحو الحقيقي يكون الانتقال واقعا أو حكما من أول الامر مع التعقب بالاجازة، فينتقل إليه

[ 222 ]

ما لا يقدر على تحصيله فعلا، ولاجله يدعى حصول الغرر لكن فيه أن القدرة على الفرض معتبرة حال وجوب التسليم، وهي حال الاجازة لاقبلها. والتحقيق أنه إن قيل بأن موضوع وجوب الوفاء هو العقد المنسوب إلى صاحبه سواء كان مؤثرا في النقل أم لا وبأن الوفاء بمعنى إبقاء العقد وعدم فسخه فلا فرق بين القول بالنقل والقول بالكشف في الفضولي، لان العقد من قبل الاصيل حاصل وواجب الوفاء، فلا يجوز له التصرف في ماله في جميع أقسام الفضولي، فان كان المحذور اللازم - وهو حرمان تصرفه في ماله مع العجز عن تسلم عوضه - موجبا للغرر فهو حاصل في الجميع، وإن كان الموضوع هو العقد المؤثر المنسوب إليه يكون كل من النقل والكشف بالمعنى المنسوب إلى المشهور خارجا عنه، لعدم تأثير العقد في النقل فعلا، والكشف الحقيقي أو الحكمي الذي هو نظيره داخلا فيه فيكون وجوب التسليم مع عدم العلم بحصول العوض موجبا للغرر. إلا أن يقال: إن وجوب التسليم مع الكشف الحقيقي أيضا ممنوع حتى على الاصيل، لان بناء العقلاء في باب المعاملات على التسليم والتسلم فمع عدم العمل من احد المتعاملين لا يجب على الآخر العمل به، فوجوب التسليم على كل واحد منهما موقوف على عدم امتناع الآخر عنه والظاهر أن وجوب الوفاء بالعقود في الآية الكريمة (1) لا يكون غير ما لدى العقلاء. وإن شئت قلت إن العرف لا يفهم منه إلا ما هو المعهود عندهم ومن البعيد إلزام المتعامل بالوفاء وإن لم يلتزم به صاحبه وامتنع عنه، فلا يجب على الاصيل الوفاء بالعقد قبل وجوب الوفاء على طرف المعاملة فوجوب التسليم على كل منهما إنما هو بعد الاجازة حتى على الكشف


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1

[ 223 ]

الحقيقي، فلابد من العلم بالقدرة على التسليم أو التسلم أو الحصول في يده حال وجوب التسليم عليهما، وبه يدفغ الغرر. والحاصل أن النقل والكشف مشتركان في فرض، والكشف المشهوري والنقل ممتازان عن الحقيقي في فرض، والاشكال غير وارد على جميع الفروض وجميع أقسام الفضولي. وأما فيما يكون القبض والتسليم شرطا لصحته كبيع السلم والصرف فقد ادعى الشيخ الاعظم " قده " عدم اعتبار القدرة على التسليم فيهما، لان تأثير العقد قبل التسليم في المجلس موقوف على تحققه، فلا يلزم غرر ولو تعذر التسليم بعد العقد رجع إلى تعذر الشرط، ومن المعلوم أن تعذر الشرط المتأخر حال العقد غير قادح، بل لا يقدح العلم بتعذره فيما بعده في تأثير العقد إذا اتفق حصوله، فان الشروط المتأخرة لا يجب إحرازها حال العقد ولا العلم بتحققها فيما بعد، والحاصل أن تعذر التسليم مانع في بيع يكون التسليم من احكامه لامن شروط تأثيره، والسر فيه أن التسليم فيه جزء الناقل، فلا يلزم غرر من تعلقه بغير المقدور، وبعبارة أخرى الاعتبار بالقدرة على التسليم بعد تمام النقل، ولهذا لا يقدح كونه عاجزا قبل القبول إذا علم بتجدد القدرة بعده، والمفروض أن المبيع بعد تحقق الجزء الاخير من الناقل - وهو القبض - حاصل في يد المشتري، فالقبض مثل الاجازة بناء على النقل، وأولى منها بناء على الكشف - إلى أن قال ما حاصله -: إلا أن يقال: إن الغرر العرفي ثابت، ثم قال اللهم إلا أن يمنع الغرر العرفي بعد الاطلاع على كون أثر المعاملة شرعا على وجه لا يلزم منه خطر، انتهى. أقول: الظاهر أنه وقع الخلط بين ما هو دخيل في ماهية المعاملة عرفا كالقبول وكون العوضين مالا وبين ما هو من شرائط الصحة شرعا

[ 224 ]

أو من موانعها، فان ما هو داخل في الماهية غير مشمول لادلة اعتبار الشرائط وعدم الموانع، فانها اعتبرت في البيع مثلا بعد الفراغ عند الصدق العرفي، فلا تكون الشرائط إلا لما هو بيع عرفا، فالعجز قبل القبول وعدم العلم بضم القبول إلى الايجاب، بل العلم بعدم ضمه إليه لا يضر بالايجاب وصحة المعاملة إذا اتفق الضم، نعم لا يعقل الجد بالايجاب مع الالتفات إلى عدم الضم، فلو غفل وأنشا الايجاب ثم اتفق ضم القبول صح، لقصور أدلة اعتبار الشرائط التي كان موضوعها البيع عن شمول المقومات. وكذا وقع الخلط في ما هو موضوع اعتبار الشرائط أو عدم الموانع فان الموضوع في جميعها هو نفس البيع العرفي لا هو مع الشرط الآخر، فالشرائط معتبرة فيه عرضا، ولا يكون شئ منها دخيلا في الموضوع، فعدم الغرر معتبر في البيع لا في البيع المعتبر فيه القبض في المجلس، بل لا يعقل أن يكون قوله عليه السلام: " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " دليلا على اعتبار عدمه في غير الصرف والسلم بالنسبة إلى البيع نفسه وفيهما مع اعتبار شرط القبض، فاعتبار عدم الغرر انما هو بالنسبة إلى نفس البيع الذي هو صادق على المصاديق بنحو واحد فلا يكون دليل اعتبار الشرائط في البيع ناظرا إلى البيع مع سائر الشرائط المعتبرة فيه شرعا، وهو واضح. فقوله في خلال كلامه: " إن الاعتبار بالقدرة على التسليم بعد تمام النقل " من غرائب الكلام إن أراد بتمامية النقل تحققه، ضرورة أن القدرة من شرائط النقل والصحة فهي دخيلة في النقل، فلا يعقل اعتبارها بعد النقل فعلا مع كونها شرطا للصحة، وإن أراد تمامية النقل من غير ناحية هذا الشرط فهو أيضا غير مرضي، ضرورة أن القدرة على التسليم

[ 225 ]

من شرائط صحة البيع في عرض سائر الشروط، ولا تكون الشروط مأخوذة في موضوعها، فالقبض شرط في بيع السلف ذاته لا في البيع الذي اجتمع فيه الشرائط، وعدم الغرر معتبر في البيع كذلك. وكذا وقع الخلط بين ما هو شرط في السلم وبين ما هو شرط في مطلق البيع، فان شرط السلم هو القبض لا القدرة عليه ولا العلم بالقدرة عليه، وشرط البيع هو القدرة على التسليم بمقتضى رواية حكيم بن حزام، والعلم بالقدرة على التسلم بمقتضى حديث الغرر، فحينئذ مع الشك في حصول القدرة على التسلم يكون البيع غرريا باطلا، ولا يصححه القبض خارجا، فان فقدان بعض الشرائط موجب للبطلان ولو وجد سائرها، والصحة تتوقف على اجتماع الشرائط وعدم الموانع، فالبيع الذي شك في مقدورية العوضين فيه باطل للغرر، ولا يصححه وجود شرط آخر معتبر في قسم منه، مثل الصرف والسلم، كما أن الصرف مع عدم القبض في المجلس باطل لا يصححه انتفاء الغرر. ومما ذكرنا يظهر النظر فيما أفاده بعض المحشين من لزوم الخلف، بدعوى أن القبض في السلم معتبر بعد البيع، فاعتباره قبله خلف، ضرورة أن ما هو المعتبر في السلم نفس القبض، وما هو معتبر في البيع مطلقا هو العلم بالقدرة على التسلم أو العلم بحصول المبيع عنده، بناء على كون المستند حديث الغرر، والقدرة على التسليم بناء على كون المستند حديث " لا تبع ما ليس عندك " فلا خلف ولا إشكال. وأما عقد الرهن فالكلام فيه غير الكلام في السلم بناء على عدم شمول حديث الغرر له واختصاصه بالبيع، كما أن حديث " لاتبع " غير مربوط به، فلا يعتبر فيه إلا نفس القبض. فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أن اشتراط القدرة على التسليم

[ 226 ]

فيه إنما هو من حيث اشتراط القبض لا يخلو من مسامحة، فان القدرة على التسليم ليست شرطا فيه وإن كان التسليم موقوفا عليها، بل الظاهر عدم اعتبار اقباض البائع، بل لو حصل القبض من دون إقباضه صح أيضا، فلا يتوقف ما هو المعتبر فيه على القدرة على التسليم، نعم بناء على شمول حديث الغرر له يأتي فيه ما ذكرنا في السلم، فما هو المعتبر في عقد الرهن هو نفس القبض، وما هو المعتبر في مطلق المعاملات هو القدرة على التسليم في وجه والعلم بالقدرة على التسلم في وجه. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) قال: " إن الشرط هي القدرة المعلومة للمتبايعين، لان الغرر لا يندفع بمجرد القدرة الواقعية، ولو باع ما يعتقد التمكن فتبين عجزه في زمان البيع وتجددها بعد ذلك صح، ولو لم يتجدد بطل " انتهى. ما يتصور أن يكون شرطا إما القدرة الواقعية بحيث تكون هي تمام الموضوع، وإما العلم بها بحيث يكون هو تمام الموضوع، وإما القدرة المعلومة بحيث يكون للموضوع جزءان: القدرة الواقعية والعلم بها، وإما أمران هما: العلم بالقدرة وإن لم تتحقق، ونفس القدرة وان لم تكن معلومة، فعلى الاول يصح البيع مع فقد العلم بل ومع العلم بالخلاف إذا كان قادرا، وعلى الثاني يصح مع العلم وإن لم يكن موافقا للواقع، وعلى الثالث يصح مع اعتقاده بها وكونها متحققة متعلقة للعلم، وعلى الرابع يصح إذا اعتقد قدرته وكان مخالفا للواقع لكن تجدد القدرة، ولو لم يتجدد بطل. فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) إنما هو من متفرعات هذا الفرض لافرض كون الشرط القدرة المعلومة، كما لا يخفى. ثم إنه لا دليل على أن القدرة المعلومة شرط بحيث تكون القدرة جزء الموضوع لان الظاهر من رواية حكيم هو اعتبار القدرة على التسليم حال البيع

[ 227 ]

كما مر، والمستفاد من حديث الغرر كفاية العلم بالقدرة على التسلم أو بالحصول في يده، وعدم اعتبار القدرة على التسليم، والجمع بينهما يقتضى اعتبار القدرة الواقعية حال البيع والعلم بالقدرة على التسلم حال وجوب التسليم فلا يفيد ضم أحدهما إلى الآخر اعتبار القدرة المعلومة، ولو ضم إلى حديث الغرر الاجماع على اعتبار القدرة وكان المتيقن منه وجود القدرة في الجملة في قبال العجز رأسا لم ينتج أيضا اعتبار القدرة المعلومة، بل ينتج ما هو المتفرع على الفرض الاخير، أي الاعتقاد بالقدرة على التسلم ولو كان مخالفا للواقع وتجدد القدرة ولو لم يتعلق بها العلم. ثم الظاهر من رواية حكيم (1) اعتبار قدرة المالك وعدم كفاية قدرة الوكيل ولو كان وكيلا مطلقا، لما مر من أن المستفاد منها أمر تعبدي غير موافق لعقولنا، وغير مربوط بالغرر، ومقتضى الجمود عليها اعتبار هذا الشرط بالنسبة إلى البائع المالك والتعميم إلى الوكيل يحتاج إلى معمم مفقود، والمستفاد من حديث الغرر اعتبار العلم بالقدرة على التسلم أو بالحصول عنده، لا اعتبار قدرة البائع المالك أو وكيله، فلا دليل عليه. ثم إن البحث عن الآبق كالبحث عما لا يقدر على تسليمه، بناء على كون المستند في الحكم رواية حكيم بن حزام (2) فان الميزان على ما يفهم منها قدرة البائع على تسليمه فعلا، وهي المعتبرة في صحته، فلا يصح بيع الآبق وإن كان المشتري قادرا على تسلمه، وكذا لو كان المستند حديث الغرر لو قلنا بأن الانتفاع بالعتق لا يخرجه عن الغرر مع عدم تمكن المشتري من التسلم. نعم في خصوص الآبق وما هو نحوه مما يمكن الانتفاع به بوجه يقع الكلام تارة في أن وجود الانتفاع بوجه هل يمنع عن صدق التلف مع


(1) و (2) سنن البيهقي ص 339

[ 228 ]

اليأس عن الظفر به؟ وأخرى في أن ذلك موجب لرفع الغرر أولا؟ لا إشكال في عدم كونه تالفا حقيقة، والظاهر عدم كونه بمنزلة التالف أيضا كالمسروق والغريق مع إمكان الانتفاع به بمثل العتق أو البيع ممن يريد عتقه، فلو غصبه غاصب وفر من يده ليس عليه ضمان عينه، بل عليه ضمان منافعه التالفة إلى زمان الرجوع أو العتق، تأمل. والمعاملة عليه عقلائية ليست مثل المعاملة على العين الغرقة التي لا يرجى وصولها، فليست المعاملة سفهية ولا أخذ المال في مقابله أكلا له بالباطل، بل يصح بيعه وإن لم يكن للبائع قصد عتقه، فان الصحة لا تتوقف على أغراض المتعاملين، فما كان له منفعة عقلائية يصح بيعه مع إمكان استيفائها ولو لم يستوفها أو لم تكون تلك المنفعة موافقة لغرضه. والظاهر عدم كون المعاملة غررية أيضا مع تلك المنفعة إذا كان مرجو العود إن كان المراد بالغرر الخطر، فأي خطر لمن أراد عتق رقبة إما للثواب أو لكفارة عليه أو لشفقة إنسانية في أن يشتري آبقا ويعتقه، بل إمكان الانتفاع الكذائي يخرجه عن صدق الغرر والخطر، نعم لو كان المراد بالغرر الجهل أعم من الجهل بالحصول عنده كان غررا، ولكن قد عرفت عدم صحة هذا الاحتمال. والتحقيق أن مقتضى القواعد صحة بيع الآبق وما هو نحوه مما يكون له منفعة وإن لم يحصل نفسه عنده، كان آيسا منه أم لا. إن قلت: إن المستفاد من صحيحة النخاس (1) وموثقة سماعة (2) إلغاء الشارع الاقدس في خصوص الآبق منفعة عتقه، فان عدم تجويز بيعه مستقلا ومنفردا ليس إلا لاجل كون تلك المنفعة العقلائية بل المعتد بها


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب عقد البيع الحديث 1 - 2

[ 229 ]

عند الشارع بحكم العدم، وإلا فمقتضى العمومات صحته، والحمل على خلاف القواعد العقلائية والشرعية بعيد، كما أن الحكم بكون الثمن في مقابل الضميمة مع عدم القدرة عليه دليل على أن الموجب للصحة حصوله عنده، ومع عدمه يكون أكل المال في مقابله باطلا، وليس ذلك إلا لعدم الاعتناء بمنفعة العتق، مع أن تلك المنفعة غير المقصودة نوعا إن أخرجت الشئ عن كونه بمنزلة التالف وصارت موجبة لصحة البيع لامكن وجود مثلها في غالب الموارد التي عد الشئ فيها تالفا كالمسروق، فللمالك أن يجعل العين المسروقة التي لا يرجى عودها مباحة للسارق، والمنهوبة كذلك مباحة للغاصب. قلت: بل الظاهر منهما عدم إلغاء تلك المنفعة في الآبق، فان الحكم بالصحة مع الضميمة دليل على أن له منفعة ما، ولاجلها يصح جعله جزء المبيع وإعطاء الثمن بازائه، فلو كانت تلك المنفعة بمنزلة العدم شرعا والفرض عدم وجود منفعة أخرى له لكان ذلك موجبا لبطلان البيع على المجموع، فالحكم بالبطلان منفردا ليس لاجل عدم كون المعاملة عقلائية، ولا لاجل سلب المنفعة عنه شرعا، ولا لاجل الغرر، بل تعبد محض. وقوله عليه السلام في ذيل موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله قال: لا يصلح له إلا أن يشتري معه شيئا آخر، ويقول: اشتري منك هذا الشئ وعبدك بكذا وكذا، فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه " (1) احتمالات. منها أن يكون ذلك أي " فان لم يقدر " الخ تعليما للبائع كيفية البيع في الآبق مع الضميمة، بأن يشتري العبد مع الضميمة بكذا وكذا،


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2

[ 230 ]

ومع عدم القدرة عليه يشتري الشئ بهذا الثمن، فيكون بيعين في بيع، عكس ما ورد في النص من جعل ثمنين لمبيع واحد على فرضين (1) فيكون مبيعين بثمن واحد على فرضين، فرض القدرة وفرض عدم القدرة، فيقول: اشتري منك هذا العبد وهذا الشئ بعشرين مثلا وإن لم أقدر على العبد اشتري الشئ بعشرين. ومنها - أن يكون ذلك لتعليم بيع وشرط في ضمنه، فيقول: اشتريت هذين بكذا، والشرط أن يكون الثمن بازاء الشئ عند عدم القدرة. ومنها - أن يكون ذلك حكما شرعيا مع وقوع البيع على العبد والضميمة، بأن يقال ان الشارع عند عدم القدرة جعل الثمن بازاء الضميمة، فكان ذلك بصرف منه لا بجعل من المتبايعين. ومنها - أن يكون تعبيرا متعارفا بحسب أغراض المشتري لا لبيان الحكم الشرعي، فان الاغراض في اشتراء العبد بحسب النوع تتعلق بخدمته وسائر منافعه الحاصلة تحت يد المولى، والعتق ليس منها غالبا، وهذا وإن لم يوجب بطلان البيع كما مر لكن إذا أبق العبد يقال بحسب النظر إلى الاغراض النوعية: إن ماله قد خرج من يده وتلف، فبهذا النظر يمكن أن تكون الرواية بصدد بيان هذا الامر المتعارف، فيكون حاصل المراد أنه إن قدر على العبد فهو، وإلا فلم يهدر ثمنه بلا شئ، بل كان بازاء ذلك الشئ الذي اشتراه معه، لا بمعنى جعله بازائه، بل بمعنى بيان أن ما بازاء المال دخل في كيسه في الجملة. ولا ينبغي الاشكال في مخالفة الاحتمالين الاولين للظاهر، بل ينبغي القطع بخلافهما والاحتمال الثالث بعيد جدا، ولا يبعد أن يكون الاحتمال الاخير أوجه وأظهر وإن لا يخلو من مخالفة ظاهر، لكنه أهون من غيره


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 1

[ 231 ]

واحتمال إلغاء الشارع ماليته انما هو في غير هذا الاحتمال الذي هو أرجح الاحتمالات، وعليه تكون صحة البيع مع الضميمة موافقة للقواعد، وعدم الجواز منفردا تعبدي مخالف لها، وأما النقض بامكان إباحة المال للغاصب والسارق فهو كما ترى. إن قلت: بيع الشيئين إذا لم يكن ارتباط بينهما بحيث يعد كل واحد جزء للمجموع نظير الباب ذي مصراعين والنعلين ينحل إلى بيعين، فضم الثوب إلى العبد وبيعهما بلفظ واحد لا يوجب وحدة السلعة كالمثالين، فما معنى عدم هدر ثمنه بناء على الاحتمال الاخير، بل الضم لا أثر له في تصحيح البيع، ولا يخرج به البيع عن الاستقلال، فما وجه عدم الصحة استقلالا والصحة مع الضميمة مع أنه لافرق بينهما. قلت: هذا إذا ضم أحدهما إلى الآخر في مجرد العبارة كما لو أراد بيع عبد وكتاب فقوم كلا منهما ثم قال: بعتهما بكذا أي الثمنين، فلا يخرج باجتماعهما في صيغة واحدة عن البيعين، وأما إذا ضم إلى الآخر، واعتبرا واحدا وأوقع البيع على المجموع الواحد اعتبارا فيكون بيعا واحدا، والرواية ظاهرة في ذلك، حيث لم يكتف فيها باشتراء العبد والثوب، بل عقب ذلك بقوله عليه السلام: " فتقول لهم اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا " وهذا ظاهر في اعتبارهما واحدا، فالسلعة واحدة والبيع واحد، فيصح أن يقال: إن لم يقدر على العبد فثمنه لم يكن هدرا، بل يكون بازائه شئ في البيع الكذائي. نعم هنا رواية عن دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " لا يجوز بيع العبد الآبق ولا الدابة الضالة، يعني قبل أن يقدروا عليها، قال جعفر بن محمد عليهما السلام: إذا كان مع ذلك شئ حاضر جاز

[ 232 ]

بيعه يقع البيع على الحاضر " (1) والظاهر منها أن البيع مصروف إلى الحاضر، لكنها رواية غير معتمدة مخالفة للقواعد. ثم إن المشتري تارة يكون عالما بالظفر به، وأخرى عالما بعدمه، وثالثة مطمئنا بالظفر، ورابعة آيسا منه، وخامسة راجيا له، وعلى ما ذكرناه من أن بيع الآبق منفردا ومع الضميمة صحيح بحسب القواعد، وأن شرط الانضمام تعبدي محض، لا لدفع السفه والاكل بالباطل، ولا لدفع الغرر فلابد في الخروج عن مقتضى القواعد من الاقتصار على ما تشمله الروايتان ولولا صحيحة النخاس (2) - حيث قابل فيها بين قوله (ع): " لا يصلح " وبين قوله (ع): " فان ذلك جائز " المتفاهم منها عدم الجواز منفردا - أمكن المناقشة في دلالة الموثقة (3)، بل الحمل على الارشاد إلى ما هو صلاح المشتري أظهر فيها، سيما بحسب رواية الفقيه والتهذيب، حيث قال فيهما: " لا يصلح له " لكن من المعلوم أن المراد فيهما واحد، وهو عدم الجواز بلا ضميمة. وكيف كان ففي صحيحة النخاس - قال: " سألت أبا الحسن موسى عليه السلام قلت له: أيصلح لي أن أشتري من القوم الجارية الآبقة وأعطيهم الثمن وأطلبها أنا؟ قال: لا يصلح شراؤها إلا أن تشتري منهم معها ثوبا أو متاعا، فتقول لهم اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهما، فان ذلك جائز " (4) يحتمل أن يكون قوله عليه السلام: " لا يصلح شراؤها " غير ناظر إلى قوله: " وأطلبها " فيكون المراد أن الآبقة لا يصح شراؤها مطلقا إلا مع الضميمة، فينقسم جميع صور بيع


(1) المستدرك - الباب - 9 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2. (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب عقد البيع الحديث 1 - 2 - 1

[ 233 ]

الآبق إلى ما لا يصح وما يصح بحكم الاطلاق في المستثنى منه وتبعية المستثنى له وأن يكون ناظرا إلى ما يتوقف عليه الطلب، وهو رجاء الظفر، فيكون قوله (ع): " لا يصلح شراؤها " بمنزلة لا يصلح شراء الآبقة التي علم الظفر بها أو يرجى ذلك، ويرد الاستثناء عليه، فغير ذلك من الصور يخرج عن مفادها، فتقع صحيحة حال الانفراد حتى المعلوم عدمه فضلا عن صورة اليأس، وقد مر أن شراءها حتى مع العلم بعدم الظفر بها ليس سفهيا ولا غرريا ولا أكلا للمال بالباطل بعد كون العتق في الكفارات ولله من المنافع المرغوب فيها، ولما كان شرط الانضمام من الشرائط التعبدية كما أشرنا إليه ولا طريق للعقول إلى مناطه وليس لاجل الغرر ونحوه أيضا لم يصح دعوى المناط القطعي، ولادعوى إلغاء الخصوصية عرفا. ولو أغمضنا عن ذلك وقلنا بأنه يفهم العقلاء والعرف من عدم صحة الشراء في صورة رجاء الظفر بها ولو بمناسبات مغروسة في الاذهان عدم صحته مع العلم بعدم الظفر بها أو مع اليأس عنه يكون المستثنى منه شاملا لجميع الصور، ومقتضى الاستثناء صحتها مع الضميمة، فتصير النتيجة كالاحتمال الاول، ودعوى شمول المستثنى منه ولو بمعاضدة فهم العرف لجميع الصور واختصاص الاستثناء بخصوص بعضها كالمرجو الظفر لا تخلو من مجازفة. وهنا احتمال آخر، ولعله الاقرب وهو عدم الاطلاق في قوله عليه السلام: " لا يصلح شراؤها " لكون المورد مرجو الظفر، وعدم التقييد أيضا، فتكون الصحة في غير مورد الشمول على القاعدة. فتحصل من جميع ذلك أنه مع اليأس عن الظفر بها أو العلم بعدمه يصح إما مطلقا أو مع الضميمة، نعم لو قلنا بأن مقتضى القاعدة البطلان يكون الكلام على خلاف ذلك.

[ 234 ]

ثم إنه لا إشكال في إطلاق موثقة سماعة (1) مع الاغماض عن ذيلها واحتمال انصرافه إلى مرجو الظفر أو معلومه بدعوى أن العقلاء غالبا لا يقدمون على اشتراء ما لا يرجى الظفر به أو المعلوم عدمه في غير محله مع كون تلك المنفعة عقلائية مقصودة، ومجرد الغلبة لا توجب الانصراف، فترك الاستفصال وعدم التقييد في السؤال دليل على الاطلاق. وأما ذيلها فلا يصلح للقرينية على أن مورد السؤال مما يرجى الظفر به كما ادعاه الشيخ الاعظم (قده) لعدم دلالة قوله (ع): " فان لم يقدر " الخ على ذلك، لان للقدرة واقعية، علم المشتري بها أم لا، فيصح أن يقال عند إلقاء كلي أو مطلق: إن لم يقدر عليه فكذا، فلا يجب أن يكون ذلك في مورد الرجاء، بل ولا وجه له، فحينئذ يؤخذ باطلاق الصدر، ولا تصلح الصحيحة لتقييده بعد ما عرفت من الاحتمالات فيها وترجيح الاخير منها، وهو عدم الاطلاق والتقييد، لعدم تقييد فيها لا في السؤال ولا في الجواب حتى يقال: إن مفهوم القيد مقيد لاطلاق الموثقة، بل غاية الامر كون المورد مما يرجى الظفر به وهو غير التقييد، مع أن وجود المفهوم للقيد أيضا خلاف التحقيق، فتحصل مما ذكر أن الآبق مطلقا لا يجوز بيعه منفردا، ويجوز مع الضميمة، وأن عدم الجواز تعبدي على خلاف القواعد. ثم إن الظاهر كما أشرنا إليه وجود عناية خاصة في بيان كيفية البيع مع الضميمة بحيث تصير السلعة واحدة والبيع واحدا، فلا يجوز ضم المنفعة إن قلنا بعدم جواز بيعها، لان الضميمة حينئذ لابد وأن تكون بنحو الاشتراط والشرط جعل في جعل، فينحل إلى بيع وشرط، وهو خلاف المتفاهم من الرواية، بل وخلاف ذيلها، فان الظاهر منه أن الثمن في البيع لم يهدر بلا عوض، مع أن الذيل ليس تعليلا ولا حكما شرعيا


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2.

[ 235 ]

كما تقدم، نعم لابد أن تكون الضميمة حاضرة أو بحكمها أو معلوم الحصول عنده، فلو أبق عبدان وعلم رجوع أحدهما إجمالا لم يصح بيع أحدهما بلا ضميمة، ويصح بيعهما معا، وفي إسراء الحكم من الآبق إلى غيره كالدابة الشاردة والمتاع المفقود إشكال بل منع، نعم وردت روايات خاصة تدل على صحة بيع المجهول مع الضميمة، والبحث فيها وفي مقدار دلالتها وصحة إلحاق مطلق المجهول به موكول إلى محله. ثم إنه على ما ذكرناه من وقوع البيع في الآبق مع الضميمة على المجموع من حيث هو وعدم دلالة ذيل موثقة سماعة (1) على صرف البيع أو الثمن إلى الضميمة عند عدم القدرة على الآبق وأن البيع الكذائي عقلائي لا يكون بين النبوي المشهور " كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه " (2) وبين الروايتين في الباب (3) مخالفة، ويكون حال المبيع هاهنا كسائر الموارد، فان قلنا بأن تلف البعض مشمول للنبوي وقلنا بأن مفاده انفساخ البيع قبل التلف آنا ما فمع تلف الآبق حقيقة ينفسخ البيع بالنسبة إليه ويرد إلى المشتري ما يقابله من الثمن، وكذا مع اليأس إن قلنا بأنه بحكم التلف، وكذا مع ارتداده ان قلنا بأن عتق الكافر غير صحيح لا في الكفارات ولا في غيرها، فيكون بحكم التلف. والفروع التي ذكرها الشيخ الاعظم (قده) مبنية غالبا على صرف الثمن عند عدم القدرة إلى الضميمة، فان قلنا بالصرف تكون موثقة سماعة حاكمة على النبوي، لان مقتضاه رجوع ما قابله من الثمن، ويكون الضمان ضمان المعاوضة، ومقتضى الموثقة رفع المقابلة.


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2. (2) المستدرك - الباب - 9 - من أبواب الخيار - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب عقد البيع - الحديث 1 و 2

[ 236 ]

وهل تلحق سائر المعاملات بالبيع في اعتبار القدرة على التسليم مطلقا أم لا كذلك أو يفصل بين مثل الصلح الذي مبناه على المسامحة والايقاع على غير المعلوم غالبا، فيقال: إن الصلح ورد في مورد الغرر، فيقدم على النهي عن الغرر، وبين غيره؟ مبنى الالحاق إما إلغاء الخصوصية عن البيع وإما التمسك بالنبوي " نهى النبي عن الغرر " ومبنى عدمه إنكار إلغائها وعدم انجبار المرسلة الثانية أو إنكار دلالتهما على المطلوب، سيما المرسلة الثانية، فان النهي عن الغرر يصح بلا مسامحة إن كان المراد منه الخديعة فيكون مولويا دالا على تحريم الغرر، أي الخديعة، وأما إن أريد منه الجهالة أو الخطر فلابد من الالتزام بمسامحة فيه، لان النهي عن الجهالة والخطر بالمعنى المقصود في المعاملة لا يصح بنحو الحقيقة، فلابد من تقدير شئ، بأن يقال: نهى عن الغرر في البيع مثلا أو في المعاملات والتقدير ونحوه خلاف الاصل، نعم اعتبار القدرة على التسليم أو التسلم إن كان عرفيا فلا يفرق فيه بين البيع والمعاملات التي هي مبنية على الاخذ والاعطاء كالاجارة. ثم إنه قد يتوهم أن أول من استند إلى المرسلة الثانية أي " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر " هو العلامة ولم يسبقه غيره، وأن ما ذكره ليس غير " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " (1) وإنما أسقط " البيع " عنه، وفيه أن ذلك ناش من قلة التتبع، فان شيخ الطائفة في الخلاف في كتاب البيع مسألة " 245 " تمسك بالنبوي الاول، وفي كتاب الضمان مسألة " 13 " وفي كتاب الشركة مسألة " 6 " تمسك بالنبوي


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 338

[ 237 ]

الثاني، وكذا ابن زهرة في كتاب الشركة تمسك به، ومعلوم أن الشركة والضمان غير مشمولين للنبوي الاول، نعم يمكن الاشكال في جبره مضافا إلى الاشكال في دلالته كما تقدم، وسيأتي إنشاء الله تعالى تتمة لذلك في بيع المجهول. ثم إنه ورد رواية عن دعائم الاسلام " عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سئل عن بيع السمك في الآجام واللبن في الضرع والصوف في ظهور الغنم، قال: هذا كله لا يجوز، لانه مجهول غير معروف، يقل ويكثر وهو غرر " (1) وقد يتوهم صحة التمسك بذيلها، أي " وهو غرر " على اعتبار القدرة على التسليم في سائر المعاملات وعلى إجراء الغرر بمعنى الجهالة في الوصف في سائرها بدعوى أن الكبرى هو نفي الغرر مطلقا. وفيه ما لا يخفى مع الغض عن سندها، فان الظاهر منها أن البيع الكذائي بيع أمر مجهول يقل ويكثر، وهو أي بيع ذلك غرر، فلا يستفاد منه جريانه في غيره، وإن شئت قلت: إن التمسك لابد وان يكون باطلاقها، وهو لا يصح مع إمكان اتكال المتكلم على القرينة الموجودة الحافة بالكلام لو لم نقل بظهوره فيما ذكرناه. مسألة: قالوا: يشترط العلم بالثمن قدرا، فلو باع بحكم احدهما بطل، وادعي عليه الاجماع والاتفاق، واستدل عليه بأمور، والظاهر أن هنا مسألتين لكل منهما مأخذ خاص، ووقع الخلط فيهما وفي مأخذهما. الاولى: اشتراط العلم بالثمن قدرا، وهذه تفرض بعد تمامية أركان البيع من


(1) المستدرك - الباب - 7 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1

[ 238 ]

ذكر المثمن والثمن وعقلائية المعاملة، لان الشروط رتبتها بعد ذلك كما لا يخفى، والسند فيه بعد دعوى الاجماع وعدم الخلاف حديث الغرر (1) ونحن وإن ناقشنا سابقا في دلالته، لكن الانصاف أنه بعد فهم علماء الفريقين منه ما هو المعروف المعهود لا يعتنى بالاحتمالات، تأمل. ويؤيده جملة من الروايات، كرواية دعائم الاسلام عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من باع بيعا إلى أجل لا يعرف أو بشئ لا يعرف فليس بيعه ببيع " (2) ورواية حماد - وفي التهذيب حماد عن الحلبي - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يكره أن يشتري الثوب بدينار غير درهم، لانه لا يدري كم الدرهم من الدينار " (3) وقريب منها رواية اخرى (4) مع اختلاف في سندها بين الوسائل والتهذيب، ففي التهذيب عن حماد بن ميسر، وفي الوسائل حماد عن ميسر. والظاهر منهما أن الجهل بالنسبة الموجب للجهل بمقدار الثمن موجب للكراهة الظاهر منها الفساد ولو بمناسبة الحكم والموضوع، وإنما الكلام في أن الظاهر من التعليل أن الجهل بها دائمي، والا لقال: " إذا لم يدر ذلك " مع إن الامر ليس كذلك، إذ النسبة بين الدينار والدرهم أمر معهود ومعروف بين الصرافين والمتبايعين، خصوصا في تلك الاعصار، فلابد من حملهما إما على النسيئة ولو بقرينة بعض روايات أخر، كرواية


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 338 (2) المستدرك - 12 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 1 (4) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 4

[ 239 ]

السكوني المعتمدة (1) ورواية وهب (2) فان النسبة في رأس الاجل مجهولة دائما، فتصح الكبرى، وإما على عدم صحة جعل الثمن دينارا غير درهم مع اختلاف الدنانير، وكذا الدراهم أو أحدهما، فلابد من بيان دينار معين ودرهم كذلك حتى تعلم النسبة، ولا يبعد أقربية الاول، لان الظاهر أن الجهل تعلق أولا بالنسبة، مع أن ذكرهما معرفا في الكبرى يؤيده. وكيف كان - إن الظاهر منهما أن تمام الموضوع للفساد هو الجهل بالثمن من غير دخالة للدينار والدرهم والجهل بنسبتهما، فلو جعل غيرهما ثمنا وكان مجهولا دخل في الكبرى وفسد. نعم يظهر من رواية السكوني مع اختلاف في سندها بين التهذيب والوسائل عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام " في الرجل يشترى السلعة بدينار غير درهم إلى أجل، قال: فاسد، فلعل الدينار يصير بدرهم " (3) أن سبب البطلان ليس الجهل مطلقا، بل احتمال صيرورة البيع بلا ثمن، كما لو باع شيئا إلى أجل بدينار غير دينار، فان بطلانه ليس لاجل الجهل، بل لخلو البيع عن الثمن، وعدم صدق مفهوم البيع عليه، ومع احتمال صيرورة الدينار بدرهم يكون البطلان لاجل كون المورد من الشبهة المصداقية لماهية البيع، فلو كان مجرد الجهل موجبا للبطلان لم يحسن تعليله بما ذكر. إلا أن يقال: إنه من المستبعد جدا صيرورة الدينار بدرهم في وقت، فيكون الكلام مبنيا على مبالغة، ولا يراد منه المعنى الحقيقي، بل يكون كناية عن تنزل القيمة فاحشا، فيراد أن البيع فاسد لاحتمال تنزل الدينار فاحشا، ولعل ذلك لاجل عدم الفساد مع التنزل القليل الذي لا يعد


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 2 - 3 - 4.

[ 240 ]

غررا، فيرجع مفادها إلى مفاد سائر الروايات. وأما التقييد بالنسيئة في رواية وهب فالظاهر أنه لاجل تحقق الجهالة لا لقيديتها لاصل الحكم، وكيف كان يستفاد من تلك الروايات بطلان البيع مع جهالة الثمن. ومن هذا الباب ما إذا باع بحكم المشتري إذا كان المقصود بيع الشئ بعنوان كلي هو ما يعينه المشتري، أو بما بعينه المشتري اشارة إلى ما يعينه فيما بعد، ففي الصورتين يكون الثمن مذكورا في البيع وإن كان مجهولا، فدليل البطلان هو ما تقدم. الثانية. ما إذا ما لم يذكر الثمن في عقد البيع، كما إذا باعه بحكم المشتري على أن يكون المراد بيعه بلا ثمن فعلا وإعطاء الاختيار للمشتري بتعيين الثمن بعد ذلك، وهذا أيضا باطل، لكن لا للغرر ولا للاخبار المتقدمة، بل لعدم صدق البيع عليه، فهذا نظير قوله: " بعتك بلا ثمن " و " آجرتك بلا أجرة " مما لا يصدق عليه العنوان. وصحيحة رفاعة النخاس قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: ساومت رجلا بجارية فباعنيها بحكمي فقبضتها منه على ذلك، ثم بعثت إليه بألف درهم، فقلت: هذه ألف درهم حكمي عليك فأبى أن يقبلها مني وقد كنت مسستها قبل أن أبعث إليه الالف درهم، قال: فقال: أرى أن تقوم الجارية قيمة عادلة، فان كان قيمتها أكثر مما بعثت إليه كان عليك أن ترد إليه ما نقص من القيمة، وإن كان قيمتها أقل مما بعثت إليه فهو له، قال: قلت: أرأيت إن أصبت بها عيبا بعد ما مسستها؟

[ 241 ]

قال: ليس لك أن تردها، ولك أن تأخذ قيمة ما بين الصحة والعيب " (1) يحتمل فيها ذكر الثمن مجهولا بأن يراد بقوله: " باعنيها بحكمي " أنه باعها بالثمن الذي يتعين بحكمي بعد ذلك، فقال مثلا بعتكها بالثمن الذي ستعين، فكان الثمن مذكورا بنحو الابهام، وبه تم ركن المعاملة وإن كان فيها الغرر، ويحتمل فيها عدم ذكر الثمن بأن قال: بعتكها وتعيين الثمن موكول إلى حكمك، فكان بلا ذكر الثمن، فلم يتم ركنها، ولم يصدق عليه البيع. فعلى هذا الاحتمال لا يمكن تطبيق شئ من فقرات الصحيحة على القواعد، بل على فرض الاخذ بها يكون الحكم تعبدا محضا، والانصاف أنه لم يصح على هذا الاحتمال العمل بها، لكون التعبد كذلك مستبعدا جدا، بل يمكن دعوى القطع بعدمه. وأما على الاحتمال الآخر بأن كان الثمن مجهولا وباع بالقيمة التي حكم بها المشتري فالظاهر من الحدائق العمل بها وعدم الاعتناء بالاجماع المنقول أو عدم الخلاف، وفيه أنها بظاهرها معرض عنها، ولا حجية في الخبر الذي أعرض عنه أصحابنا وإن كان صحيحا صريحا، لما قرر في محله من أنه لا دليل على حجية الخبر الواحد إلا السيرة العقلائية، ولا يعمل العقلاء بالخبر الذي أعرض عنه رواته وغيرهم من المتعبدين بالعمل بالخبر الواحد، والتفصيل في مظانه. وقد أولوا الصحيحة بتأويلات بعيدة، ومع ذلك لم يأتوا بشئ يعالج تمام فقراتها، فحملها الشيخ الاعظم (قده) على ما هو في غاية البعد، ومع ذلك لم يتعرض للاشكال المتوجه إلى بعض فقراتها، وهو التفكيك بين كون القيمة أقل من الثمن وبين كونها أكثر، كيف


(1) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1

[ 242 ]

أمر عليه السلام في جانب الاكثر بايصال الزيادة لاجل خيار الغبن، وحكم في جانب الاقل بأن الزيادة له، الظاهر منه أن لاخيار له مضافا إلى أن رد الثمن ظاهر في عدم قبول المعاملة، فهو بمنزلة الفسخ، ومعه لا وجه لايصال تتمة القيمة، بل لابد من عقد جديد. وحملها بعضهم على أن المراد من " باعنيها بحكمي " أنه وكله في بيعها بالقيمة التي يعينها لا القيمة الواقعية، فله خيار الغبن دون المشتري، وفيه أن نظره إن كان تمام الموضوع فلا وجه للخيار مطلقا، وإن كان طريقا لتشخيص الواقع ووقعت المعاملة على ما عينه لا على الواقع فالغبن حاصل في طرف الزيادة للبائع وفي طرف النقيصة للمشتري، فما وجه التفكيك؟ مع أن الحمل على التوكيل في غاية البعد، كما أن في الغبن ليس إلا الخيار، وليس فيه الجبران. وغاية ما يمكن أن يقال: أن المساومة تقع تارة في ازدياد الثمن ونقصه من غير تعرض للقيمة الواقعية، فيقول أحدهما: إن الجارية بألف والآخر إنها بألفين فيتسالمان على شئ فيوقعان البيع، ففي مثلها ليس حكم من أحد المتعاملين في الواقعة، وأخرى في تشخيص الواقع، فيقول المشتري: إن القيمة الواقعية كذا، ويقول البائع كذا، فحينئذ إن رضي البائع بحكم المشتري بأن القيمة كذا وأوقعا البيع بحكمه كان البيع صحيحا، لعدم الجهل بالثمن، ولو زادت قيمة المبيع عما حكم به يرجع إلى المشتري بالزيادة، لقاعدة الغرر، ولو زاد الثمن لم يرجع المشتري إلى البائع، وكانت الزيادة له. فلم يتعرض الرواية لخيار الغبن رأسا، وبهذا ينطبق مضمونها على القواعد ولو كان فيها بعض إشعارات على خلاف ما ذكرناه لا يعتنى به، وعليه تحمل رواية دعائم الاسلام المرسلة (1).


(1) المستدرك - الباب - 12 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2

[ 243 ]

مسألة: يشترط العلم بقدر المثمن، ولا إشكال فيه إجمالا، وادعي عليه الاجماع وعدم الخلاف، ويدل عليه حديث الغرر (1) ومرسلة الخلاف " روي عن ائمتنا عليهم السلام منه أنه - أي النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الصبرة بالصبرة، ولا يدرى ماكيل هذه من كيل هذه " (2) ومرسلة دعائم الاسلام عن أبي جعفر عليه السلام " أنه سئل عن رجلين باع كل واحد منهما حصته من دار بحصته لصاحبه من دار أخرى فقال: ذلك جائز إذا علما جميعا ما باعاه واشترياه، فان لم يعلماه أو لم يعلم أحدهما فالبيع باطل " (3). ويمكن دعوى استفادته من الادلة الواردة في الثمن أي قوله عليه السلام: " إنه كره أن يشتري الثوب بدينار غير درهم، لانه لا يدري كم الدينار من الدرهم " (4) ولو بمناسبات مغروسة في الاذهان بدعوى أن البطلان لاجل أن الجهل بالنسبة يوجب الجهل بالثمن الموجب للجهل بالبيع، وأن المناط في البطلان هو الجهل بمقدار الاخذ والاعطاء، فلو باع دينارا غير درهم بشئ يفهم من الرواية البطلان لما ذكر، وكذا الجهل في سائر المبيعات، تأمل. وتدل على خصوص المكيل صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم وأن صاحبه


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 338 (2) الخلاف ج 2 ص 24 - مسألة 80 من كتاب البيع (3) المستدرك - الباب - 4 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2 (4) الوسائل - الباب 23 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 1

[ 244 ]

قال للمشتري: ابتع مني هذا العدل الآخر بغير كيل فان فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت، قال: لا يصلح الا بكيل، وقال: وما كان من طعام سميت فيه كيلا فانه لا يصلح مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام " (1) وعنه في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ما كان من طعام سميت فيه كيلا فلا يصلح بيعه مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام " (2) والظاهر أنهما بل مع صحيحة أخرى للحلبي (3) رواية واحدة وقع فيها التقطيع. ويقع الكلام في ذيلها تارة بلا نظر إلى صدرها، وأخرى مع لحاظه فنقول: إن قوله عليه السلام: " سميت فيها كيلا " حمله الشيخ الاعظم قدس سره على أنه كناية عن كون الطعام مكيلا، وتقريبه أن قوله عليه السلام: " سميت فيه كيلا " أي نسبته إلى الكيل أو ذكرت فيه الكيل كناية عن كونه مكيلا، فالمعنى أن كل طعام يكون مكيلا لا يصلح فيه الجزاف، فوقع في إشكال، وهو أن الطعام لا يكون إلا مكيلا، فاحتمل أن التقسيم بلحاظ الزرع واستبعده، مع أن الطعام لا يختص بالحبوب بل يطلق على اللحوم، بل وعلى الفواكه أيضا، فلا إشكال من هذه الجهة انما الكلام في ظهوره فيما ذكره، فانه خلاف ظاهر في خلاف ظاهر. والاظهر فيه أن ما سميت وذكرت فيه كيلا معينا عند المقاولة لا يجوز بيعه جزافا، بمعنى أن المقاولة إذا وقعت على كيل ثم أردت تعيين صبرة مثلا منطبقة على الكيل حدسا وجزافا لم يصلح، وهذا غير كون المكيل لا يصلح بيعه جزافا. لكن يمكن على هذا الفرض أيضا الاستدلال به على المقصود، بأن يقال: إن المتفاهم عرفا منه أن ما هو تمام الموضوع في البطلان وعدم


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب عقد البيع الحديث 2 - 1 - 3

[ 245 ]

الصلوح هو الجزاف من غير دخالة للمقاولة السابقة ولا لتطبيق الصبرة على الكيل، فالسبب التام بنظر العرف هو البيع جزافا. نعم يقع الكلام في نكتة ذكر تسمية الكيل، وهي تظهر بملاحظة صدرها من فرض السائل الاشتراء بكيل معلوم، ثم أراد ابتياع سائر المتاع بلا كيل باحتمال كون العدل الآخر مثله فقوله عليه السلام هذا لمسبوقيته بقول السائل، لا لخصوصية اخرى، وأما عدم الاتكال على قول البائع في المقام فلان إخباره بحسب النوع في مثله يكون عن حدس وتخمين، فان الكيل والتعيين الدقيق في الاطعمة وغيرها انما هو عند البيع، إذ لا داعي لصاحبها في تحمل مشقة ذلك قبل عرض المبيع على المشتري، مع أن الغالب عدم الاتكال على قوله، فقوله: " إن فيه مثل ما في الآخر " ليس إخبارا عن أنه كاله، بل هو إخبار بالتساوي حدسا وهو غير مسموع. مضافا إلى أن الظاهر من الكبرى التي في ذيلها أنها منطبقة على المورد، فيستكشف منها أن المورد كان من الجزاف، لامن الاتكال على قول البائع في تعيين الكيل، فانه ليس من الجزاف، مع أن الظاهر أن ما رواه الحلبي ليست روايات متعددة، بل رواية واحدة وقع فيها التقطيع وقد ذكر في الوسائل والفقيه " لا يصلح بيعه مجازفة " بزيادة لفظة " بيعه " فان بنينا على وحدة الرواية وأولوية السقوط من الزيادة كانت النتيجة أن ما في ذيلها كان " لا يصلح بيعه مجازفة " ولا يصح هذا التعبير فيما لو كان البائع كاله، فيظهر منه ان البائع أراد البيع جزافا، فلا منافاة بين الصحيحة وقول المشهور. ومع الغض عن جميع ذلك يكون إطلاقا قابلا للتقييد ببعض الروايات كرواية أبي العطارد (1) وموثقة محمد بن حمران (2) وصحيحة عبد الرحمان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب عقد البيع - الحديث 6 - 4

[ 246 ]

ابن أبي عبد الله (1) وموثقة سماعة (2) مما يظهر منها الجواز في بعض الصور، فراجعها. ثم إنه يمكن الاستدلال بالصحيحة على اعتبار العلم بالمثمن مطلقا سواء كان من المكيل أو الموزون أو المعدود أو غيرها، لما تقدم من أن المتفاهم العرفي من مثله أن البطلان لاجل الجزاف وعدم العلم، من غير دخل للمكيل في ذلك، وإنما ذكر المكيل لمسبوقيته بالذكر، فلا ينبغي الاشكال في استفادة كبرى كلية منها، كما لا ينبغي الاشكال في دلالتها على الفساد، لظهور " لا يصلح " فيه سيما في المعاملات، وسيما مع مناسبة الحكم والموضوع، مع أن في نسخة الفقيه ورد " لا يصح " بدل " لا يصلح " ولا ظهور للكراهة في المعنى المصطلح منها سيما في المعاملات. وتدل على اعتبار الكيل جملة أخرى من الروايات: كمرسلة ابن بكير (3) وموثقة سماعة وفيها قال: " سألته عن شراء الطعام وما يكال ويوزن هل يصلح شراؤه بغير كيل ولا وزن؟ فقال: أما أن تأتي رجلا في طعام قد كيل ووزن تشتري منه مرابحة فلا بأس إن اشتريته منه ولم تكله ولم تزنه إذا كان المشتري الاول قد أخذه بكيل أو وزن وقلت له عند البيع: إني أربحك كذا وكذا وقد رضيت بكيلك ووزنك فلا بأس " (4) ومعلوم أن الرضا بكيله لا يكون بحسب النوع إلا مع الائتمان به، فتوافق لمثل رواية أبي العطارد وغيرها. وأما التفصيل بين الاشتراء والبيع في صحيحة عبد الرحمان أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام " عن الرجل اشتري منه بكيله وأصدقه فقال:


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب عقد البيع الحديث 8 - 7 - 3 - 7

[ 247 ]

لا بأس، ولكن لاتبعه حتى تكيله " (1) ونحوها موثقة محمد بن حمران (2) فليس تفصيلا في المسألة، بل يمكن أن يكون المراد بها أن تصديق البائع الملازم للوثوق يوجب خروج البيع عن المجازفة، ولكن لا يثبت به الواقع شرعا حتى يجوز الاخبار بالكيل المبتلى به عند بيعه، كما أن القاضي مثلا يجوز له الاتكال على قول البائع بكيله في الاشتراء منه، لكن لا يجوز له قبول شهادته. أو أن المراد بقوله عليه السلام: " لا تبعه حتى تكيله " القبض بكيل، كما ورد ذلك في روايات كثيرة بهذا التعبير وغيره، كما في الوسائل في باب جواز بيع المبيع قبل قبضه، وربما حملت صحيحة الحلبي المتقدمة في صدر البحث على ذلك، وأخرجت عن مورد البحث، ولكنه خلاف ظاهرها جدا، بل بعض روايات ذلك الباب أيضا لا يبعد أن يكون نظير صحيحة الحلبي مربوطا بمسألتنا، وكيف كان لاإشكال في صحيحة الحلبي سيما مع لحاظ صدرها، واحتمال كون الذيل رواية مستقلة خصوصا مع " وقال " الخ خلاف الظاهر، بل الاظهر تقطيعها وذكر جملة منها مستقلة. فتحصل من جميع ذلك أن البيع لا يصح مجازفة، ولا يلزم في الخروج عن المجازفة قيام البينة، بل يجوز الاتكال على كيل البائع عند الائتمان به والتصديق لقوله. وأما موثقة يعقوب بن شعيب (3) فغير مربوطة بالبيع، فلا منافاة بينها وبين ما تقدم. وأما رواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله " عن الرجل يشتري بيعا فيه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب عقد البيع الحديث 8 - 4 - 5

[ 248 ]

كيل أو وزن بغيره ثم يأخذ على نحو ما فيه، قال: لا بأس به " (1) فمضافا إلى ضعفها لا شبهة في وقوع التصحيف فيها، والاصح " يعيره " بالياء والعين المهملة من تعيين العيار كما في التهذيب ونسخة من الكافي. ثم إن المذكور في المسألة إلى هاهنا عناوين: منها الغرر، ومنها ما ورد في الثمن من التعليل بقوله عليه السلام: " لانه لا يدري كم الدينار من الدرهم " ومنها قوله عليه السلام في تلك الروايات التي وردت في المكيل: " لا يصلح بيعه مجازفة " فهل هي عناوين مستقلة، فالغرر المنهي عنه شئ مستقل يوجب البطلان، وكذا العنوانان الآخران، أو يرجع بعضها إلى بعض، أو يكون كل من العنوانين الآخرين موجبا للبطلان بعلية الغرر أو بكونه حكمة أو يكونان من مصاديقه ومحققاته؟ وجوه. يمكن أن يقال: إنه إن قلنا بأن الغرر بمعنى الجهل يكون عنوان ما ورد في الثمن عبارة أخرى منه، وما ورد في المكيل من مصاديقه، فلا يكون في المسألة إلا عنوان واحد، هو عنوان الغرر، والجهل وبطلان البيع مجازفة إنما هو للجهل بمقدار المبيع، وهو الغرر، ويؤيده ما في المستدرك عن دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين عليه السلام " أنه سئل عن بيع السمك في الآجام واللبن في الضرع والصوف في ظهور الغنم، قال: هذا كله لا يجوز، لانه مجهول غير معروف يقل ويكثر، وهو غرر " (2) فالمنع عن بيع المجازفة أيضا كذلك، فانه مجهول يقل ويكثر وغرر، وعلى هذا يكون بيع مقدار من الطعام بما يقابله في الميزان من جنسه أو من غيره المساوي له في القيمة غررا للجهل بالمقدار، فما أفاده الشيخ (قده) مبني على كون الغرر بمعنى الخطر لا الجهل، وهو يضاد مبناه السابق.


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب عقد البيع - الحديث 4 (2) المستدرك - الباب - 7 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1

[ 249 ]

وأما إن كان الغرر بمعنى الخطر أو بمعنى فعل ما لا يؤمن معه من الضرر فلا يرجع إليه عنوان الجهل، وما ورد في الثمن من الروايات، وكذا العنوان الآخر، ولا يكون العنوانان من مصاديقه، كما أن البحث عن كون الغرر شخصيا أو نوعيا مبني على عدم كون الغرر بمعنى الجهل، وعلى كون ما ورد في المكيل لحكمة الغرر، والاول خلاف مبناه، والثاني لا دليل عليه، كما لا دليل على علية الغرر لذلك. والتحقيق لزوم الاخذ بعنوان الغرر وعنوان المجازفة في المكيل، كان فيه غرر أم لا، ففي ما لا يلزم منه الخطر أو الضرر لا يشمله دليل الغرر بناء على كونه بمعناهما. ولكن لو كان مكيلا يبطل إذا كان جزافا وبلا كيل، كالمثال المتقدم، والاخذ بالعنوان ليس لاجل كون الغرر حكمة لا علة، لعدم الدليل على شئ منهما، بل للزوم الاخذ بالحجة بعنوانه، صدق عليه عنوان آخر أم لا. ثم إن الظاهر أن البيع مجازفة بيع الشئ بلا مقياس وميزان، كبيع صبرة مثلا، وأما لزوم العلم بمقدار الكيل وزنا أو العكس فلا، فلو تعارف كيل في مصر ولم يعلم مقداره وزنا أو وزن ولم يعلم حده بالكيل لا يكون البيع جزافا، فلو دخل غريب في مصر يتعارف فيه كيل خاص غير كيل بلده أو لم يتعارف في بلده إلا الوزن لم يكن بيعه بكيلهم المتعارف مجازفة بل ولا غررا بمعنى الخطر وإن كان مجهول الوزن، بل يمكن دعوى انصراف النهي عن بيع الغرر عن مثله، فالكيل بنفسه مقياس لتعيين المقادير كالوزن ولا دليل على أن الوزن أصل وحدوث الكيل بعده للسهولة، بل لا يبعد أن يكون الاقدم والاصل في ابتداء التمدن هو التقدير بمثل الكف في المقادير القليلة وبالمشاهدة في غيرها، ثم بالمكائيل البسيطة قبل عصر الفلز كالظروف المصنوعة من الطبن أو ألياف الاشجار ونحوهما، ثم بعد التقدم

[ 250 ]

في الصناعات صنعت الموازين، ولا يبعد أن يقال: إن التقدير بالاحجار المضبوطة حجما كان أقدم من التقدير بالاحجار المضبوطة وزنا. وما استشهد به الشيخ الاعظم (قده) لاصالة الوزن - من أن المكائيل المتعارفة في الاماكن المتفرقة على اختلافها في المقدار ليس لها مأخذ إلا الوزن إذ ليس هنا كيل يقاس المكائيل عليه - غير واضح، فان الموازين أيضا في البلاد المتفرقة مختلفة المقدار جدا، كالمن التبريزي والمن الشاهي والري مما كان متعارفا في طهران، والمن في بروجرد وفي لرستان، إلى غير ذلك وليس هنا ما يرجع إليه سائر الامنان، بل اختلاف الامنان والمكائيل لاختلاف الطوائف في العيش وقلة الارتباط بينهم، ثم بعد حصول كثرة الارتباطات صار في أكثر البقاع ميزان واحد متداولا إلى أن صار الكيلو متعارفا ووزنا ثابتا، فاختلاف المكائيل ليس شاهدا على أصالة الوزن. ثم إن الظاهر من كثرة السؤال والجواب عن الكيل في عصر النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام وقلة السؤال عن الوزن بالنسبة إلى الكيل أنه كان أكثر تداولا من الوزن، وهو غير بعيد بالنسبة إلى الحجاز في ذلك العصر، بل بالنسبة إلى العراق بحسب وضع تعيشهم في أكثر بلاده وبقاعه، والمظنون أن الكيل بقي في تلك الاصقاع من الاعصار القديمة ثم بعد ذلك ضم إليه الوزن ثم تعارف هذا وهجر الآخر تدريجا إلى زماننا. ثم إن البحث عن جواز بيع المكيل وزنا وبالعكس والتفصيل مبني على كيفية الاستفادة من الادلة، وأما الاعتبارات المذكورة في كلامهم فلا يصح الاعتماد عليها، فنقول: لابد من الخروج عن عموم أدلة تنفيذ العقود، وإطلاقها من دلالة دليل وورود مخصص ومقيد، وليس في الباب

[ 251 ]

إلا حديث " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الغرر " والروايات الدالة على أن الجهل بالثمن مضر (1) المستفاد منها حال المثمن على ما تقدم وكذا ما تقدم من رواية دعائم الاسلام (2) وإن كانت مرسلة ضعيفة، وما دلت على عدم صلوح البيع مجازفة كصحيحة الحلبي المتقدمة (3) وشئ منها لا يصلح لتقييد الادلة وتخصيصها، فان البيع بالمقائيس الرائجة ليس غررا، سواء كان الغرر بمعنى الجهل أو بمعنى الخطر، ضرورة أن دليل الغرر لم يرد لرد البيع بالمكائيل وتخصيصه بالموازين أو بالعكس، وأصالة الوزن قد عرفت حالها، فالغرر هو بيع الشئ بلا مقياس متداول، كبيع صبرة بصبرة، وأما بيع كيل من الطعام فليس فيه غرر وإن لم يعلم المتبايعان وزنه، كما أن البيع بالوزن غير غرري وإن لم يعلما كيله. وما أفاده الشيخ الاعظم (قده) - من أن الكيل من حيث هو لا يوجب في الموزونات معرفة زائدة على ما يحصل بالمشاهدة، فالقول بالجواز مرجعه إلى كفاية المشاهدة - غير مرضي، ضرورة أن البيع بالمشاهدة كبيع صبرة بصبرة بيع مجهول بمجهول محتمل للزيادة والنقيصة، بخلاف الكيل، فانه مضبوط غير محتمل للزيادة والنقيصة المعتنى بهما عرفا وشرعا فلا يرجع إلى المشاهدة، وإلا رجع الوزن أيضا إليها، لان مجرد تسمية شئ باسم المن مثلا أو الوزنة لا يوجب إلا كون هذا المقدار المشاهد موافقا له، وكون المن كذا مقدارا من المثاقيل وكل مثقال كذا مقدارا من الحمص مع كونه أمرا مغفولا عنه إلا عند الخواص لا يوجب خروجه


(1) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب أحكام العقود (2) المستدرك - الباب - 12 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1

[ 252 ]

عن الرجوع إلى المشاهدة، ولو كان تعارف الوزن في شئ موجبا للغرر إذا بيع كيلا لا ينبغي التفصيل، بل لازمه المنع من الطرفين، ولكن الظاهر أن الكيل المتعارف في البلد ولو بالنسبة إلى بعض الاطعمة يرفع الغرر وإن لم يكن متعارفا بالنسبة إلى متاع خاص. والانصاف أن بيع الغرر بيع بلا مقائيس معروفة كالكيل والوزن في المكيلات والموزونات، ولو كيل ما يتعارف فيه الوزن أو بالعكس خرج عن الجهالة والغرر إذا كان المقياس لهما وإن تعارف في أحدهما. ومما ذكرنا يظهر الحال في الروايات الواردة في الثمن، وكذا في صحيحة الحلبي، فان بيع ما يتعارف فيه الكيل وزنا أو بالعكس ليس جزافا ولا بيع مجهول إذا كان كل منهما مقياسا له وإن تعارف أحدهما لعارض، فالجزاف بيع شي ء بلا مقياس أو بمقياس ليس له، كبيع القطن بالكيل أو الظروف الصينية بالوزن، فالمقياس بغير ما هو مقياس للشئ موجب للغرر، وأما إذا كان مقياسا له لكن تعارف مقياس آخر فيه فالظاهر الجواز. وما قيل - من أن الكيل أو الوزن لتشخيص المالية، فإذا كيل ما هو موزون في المتعارف أو بالعكس لم يعلم ماليته - غير مرضي، لان الجهل بالمالية لا يوجب البطلان، ولا يكون معه البيع غرريا أو جزافا، فمن دخل مصرا واشترى شيئا معلوم المقدار والاوصاف مع الجهل بقيمته السوقية صح بيعه، وله الخيار مع الغبن. ثم لو شك في صدق الغرر والجزاف في موارد تبديل الكيل بالوزن أو بالعكس يؤخذ باطلاق أدلة تنفيذ البيع كما مر. وليعلم أن ما ذكرنا من عدم الجزاف والغرر فيما إذا كيل ما يتعارف فيه الوزن أو بالعكس انما هو فيما إذا كان الكيل والوزن فيهما مقياسا عرفا

[ 253 ]

وإن تعارف أحدهما فيه لعارض لا لكونه غير مقياسه إلا إذا صار أحد المقياسين متروكا مطلقا، كالكيل في هذا العصر، ففي الحقيقة هذا الفرض خارج عن محل البحث، لان اقتراح الكيل في هذا العصر بالنسبة إلى طعام إنما هو من الاقتراحات الشخصية غير المعتبرة، بخلاف ما إذا كان الكيل متعارفا، كعصر النبي والائمة عليهم الصلاة والسلام مما يظهر من جملة من الاخبار بل من الكتاب المجيد أن الكيل كان مستقلا في قبال الوزن، وأن الكيل كان متعارفا، بل أكثر من تعارف الوزن كما أشرنا إليه. فقوله تعالى: " ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون " (1) ظاهر في أن الكيل في قبال الوزن، سيما مع العطف بأو، وذلك يظهر من الاخبار أيضا. ففي صحيحة معاوية بن وهب قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه، فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه " الخ (2) وقريب منها صحيحة منصور بن حازم (3) ورواية أبي بصير (4) ورواية منصور (5) إلى غير ذلك مما هي ظاهرة في استقلال الكيل وعدم كونه لتعيين الوزن. نعم يظهر من بعض الروايات أن بعض المكائيل كان مقدرا بالوزن كالصاع والرطل بل الكر أيضا، لكن يحتمل كون أمثال ذلك مكائيل برأسها حتى المد، كما يصرح به أهل اللغة، وانما قدر لا أن الوزن فيها أصل. وكيف كان لا منافاة بينها وبين ما تقدم، لاحتمال تداول كليهما


(1) سورة المطففين: 83 - الآية 1 و 2 و 3. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 11 - 12 - 16 - 18

[ 254 ]

في ارجاع الحجاز، بل واحتمال كون الكيل متداولا في ذلك العصر بين أعراب البوادي الذين كانوا بعيدين عن الحضارة والوزن والكيل كانا متعارفين في الامصار، ففي بعض الروايات ذكر وسق النبي صلى الله عليه وآله وقدر بستين صاعا (1) والظاهر منه أن النبي صلى الله عليه وآله قدره بهذا المقدار ولا يبعد أن يقال: إن الوسق كان في الاصل حمل بعير ثم قدره النبي صلى الله عليه وآله بستين صاعا لتعيين مقدار الزكاة أو لغير ذلك، والتحقيق يحتاج إلى تتبع ومجال واسع. ثم إن المقائيس بالنسبة إلى الامتعة مختلفة فقد لا يكون لشئ مقياس ولا يمكن تشخيصه بحيث يخرج عن الجزاف والغرر الا بالمشاهدة. وذلك فيما كان أفراد ماهيته مختلفة بحسب الكيفية، كالاحجار الكريمة التي لا يمكن رفع الجهالة عنها الا بالمشاهدة بل بالرجوع إلى أهل الخبرة، وقد يكون العد مقياسا لا غير، بحيث لو وزن أو كيل بطل للغرر والجزاف، إلا أن يكون الوزن طريقا وأمارة إلى العدد، وذلك مثل الظروف المصنوعة في المعامل من الزجاج أو البلور المتماثلة أفرادها، فلو وزن مقدار منها من غير أن يكون الوزن أمارة للعد بطل، للغرر والجزاف، فان الوزن ليس مقياسا لمثلها. ومن هذا القبيل الجوز المتعارف فيه العد، فان الكيل أو الوزن فيه لا يخرج البيع عن الغرر والجزاف بعد ما لم يكونا مقياسين له، ولا مانع حتى في مثل الجوز الذي يختلف أفرادها يسيرا أن يجعل الكيل أو الوزن طريقا إلى العد، فان الاختلاف اليسير الذي لا يعتني به العقلاء


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1 من كتاب الزكاة

[ 255 ]

لا يوجب الغرر والجزاف، وعلى هذا تحمل صحيحة الحلبي في الجوز (1) لا على الجواز حال الاضطرار، وقد يكون المقياس الكيل فقط دون الوزن وقد يكون بالعكس، فلابد في رفع الغرر في كل مورد من التقدير بمقياسه. ثم إن الدراهم والدنانير المصنوعة من الفضة والذهب والمسكوكة بسكة المعاملة لها مادة ذات قيمة، وهيئة وسكة ذات قيمة أيضا بحيث لو خرجت عن الرواج بابطال الدولة سكتها لخرجت عن القيمة الرائجة للسكة، وأما قيمة مادتها فتبقى على ما هي عليه مثل غيرها من الذهب والفضة فمع رواجها تعد من المعدود، ولا ينظر المتعاملان إلى وزنها، بل النظر إلى عددها وقيمتها الرائجة، فيكون العد مقياسا لها في الخروج عن الغرر والجزاف لا الوزن أو الكيل، فلو وزن مقدار من الليرات مع عدم كون الوزن لتعيين العدد كانت المعاملة معه غررا وجزافا، بخلاف العد مع عدم العلم بالوزن، ومع خروجها عن الرواج يصير الاعتبار في القيمة بمادتها، ويكون المقياس فيها حينئذ الوزن لا العد، نعم لو أحرز أن الرائج منها كان ناقصا عن الحد المضروب المتداول يعد معيوبا وللمتعامل خيار العيب، لكون المادة أيضا دخيلة في القيمة، ولما كانت المادة فيها من الموزون جرى عليها حكم الربا، ولابد في الخروج عنه من أن يكون التعامل بهما مثلا بمثل. ثم إنه وقع الكلام في أن المناط في المكيل والموزون في هذه المسألة ومسألة الربا هل هو المكيل والموزون في عصر النبي صلى الله عليه وآله؟ فما كان مكيلا أو موزونا في زمانه لا يجوز بيعه بغيرهما، ولا يجوز التفاضل فيه وإن صار بعد عصره معدودا، فالمكيل مكيل زمانه والموزون كذلك، وقد نسب إلى المشهور أن العبرة في التقدير بزمان النبي صلى الله


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب عقد البيع الحديث 1

[ 256 ]

عليه وآله ثم بما اتفق عليه البلاد ثم بما تعارف في كل بلدة بالنسبة إليها فهل يمكن تكفل الادلة الواردة في البابين لاثبات هذا الحكم على نحو الترتب؟ الظاهر عدم إمكانه، لان قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: " ما كان من طعام سميت فيه كيلا فلا يصلح بيعه مجازفة " (1) بناء على دلالته على أن المكيل لا يصلح بغير كيل إما أن يراد منه المكيل في عصره عليه السلام، فلا يعقل اثبات القسمين المترتبين به أو يراد منه أحدهما، فلا يعقل استفادة غيره منه، وبالجملة لا يمكن إيفاء تلك الاحكام المرتبة بلفظ واحد. نعم لو ضمت إليه مقطوعة علي بن ابراهيم قال: " ولا ينظر فيما يكال أو يوزن إلا إلى العامة، ولا يؤخذ فيه بالخاصة " (2) وحملت الصحيحة على ما كان مكيلا في خصوص عصر النبي صلى الله عليه وآله والمقطوعة على ما لم يكن في عصره عليه السلام مكيلا لامكن أن يستفاد منهما بعض ما عن المشهور، لكن الظاهر أنها ليست من لفظ الامام عليه السلام، بل من قبيل فتوى الفقيه. وأما إمكان استفاده ما اشتهر من أن الاعتبار في المكيل والموزون بعصر النبي صلى الله عليه وآله فبيانه أن قوله عليه السلام في موثقة منصور ابن حازم: " كل شئ يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد " (3) وكذا ما في صحيحة الحلبي يمكن بحسب التصور أن يكون على نعت القضية الحقيقية، أو على نعت القضية الخارجية، وعلى أي حال يمكن أن يكون عنوان الكيل والوزن مأخوذا على نحو


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب الربا - الحديث 6 (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الربا - الحديث 3

[ 257 ]

الموضوعية، أو على نحو الكاشفية والعنوانية، وعلى الثاني يمكن أن يكون كاشفا عن مطلق الموضوعات التي تكال وتوزن أو ستكال وتوزون، ويمكن أن يكون كاشفا عن الاجناس التي تكال أو توزن في عصر النبي صلى الله عليه وآله، ولوازم الصور معلومة عند التأمل. ومبنى استفادة ما هو المنسوب إلى المشهور حمل القضية على الحقيقية، وكون المكيل والموزون عنوانا وكاشفا عن الاجناس المكيلة أو الموزونة في عصره صلى الله عليه وآله، فيقال: ان القائل أراد بقوله: " المكيل والموزون كذا " أن الذهب والفضة والحنطة والشعير إلى غير ذلك كذا، وانما جمع في التعبير اختصارا، نحو قوله: " هؤلاء " مشيرا إلى الاشخاص، ففي الحقيقة يكون ذلك مشابها من جهة بالقضية الخارجية لان عنوان المكيل والموزون جعل طريقا إلى خصوص الاجناس المكيلة والموزونة في عصره عليه السلام لا إلى كل ما يوزن ويكال، ومن جهة بالقضية الحقيقية، لان المشار إليها ليست الطبائع المتقيدة بزمان خاص أو مكان خاص، ولا أفرادها الموجودة في ذلك العصر، بل نفس تلك الطبائع القابلة للصدق على الموجود في كل زمان ومكان، فتصير نتيجة ذلك التقييد، وذاك الاطلاق هو القول المشهور، أي الاجناس التي كانت مكيلة أو موزونة في عصر الشارع لا يجوز التفاضل فيها في كل عصر ومصر إذا كان الجنس واحدا، ولا بد فيها من التعامل بالكيل والوزن كذلك، أو أخذ الموضوع في الروايات على وجه الموضوعية لكن بنحو القضية الخارجية، أي متقيدا بما لا ينطبق إلا على ما هو الموجود في عصره وجعل الحكم عليه بنحو الاطلاق، أي كل ما كان يكال في عصره لا يجوز بيعه مطلقا أي في كل عصر ومصر مثلين بمثل إذا كان الجنس واحدا. ثم اعلم أن البحث في هذا الباب إنما هو بعد الفراغ عن أن ادلة

[ 258 ]

اعتبار الكيل والوزن مستقلة في قبال دليل نهي الغرر كما تقدم الكلام فيه، وإلا فلو كان الدليل منحصرا بالغرر وكان اعتبار الكيل والوزن لكونهما من مصاديق رفع الغرر لم يبق مجال لهذا البحث، لان الكيل والوزن على هذا الفرض لا يكونان موضوعين لحكم في الشرع، بل الموضوع هو الغرر ونفيه، وإن أمكن البحث على هذا الفرض أيضا، بأن يقال: إن ما كان يرتفع به الغرر في عصره صلى الله عليه وآله لابد وأن يرتفع به في كل عصر، فيكون موضوع الحكم رفع الغرر بطريق خاص، لكنه كما ترى لا يرجع إلى محصل، هذا كله بحسب التصور. وأما ما يظهر من الادلة خصوصا الادلة الواردة في باب الربا فهو أن عنوان المكيل والموزون أو ما يكال ويوزن مأخوذ في الموضوع، وأن الحكم متعلق بعنوانهما على نحو الموضوعية، لان أخذ العنوان على نحو الطريقية مخالف للظاهر كما في الامثال والنظائر، ويحتاج إلى دلالة مفقودة في المقام، كما أن الظاهر أن القضية كالحقيقية قضاء لاطلاق الادلة وعمومها، ولازم ما ذكر أن المكيل والموزون في كل عصر ومصر يترتب عليه الحكم في باب الربا وفي هذا الباب، ومع تغير العنوان يسقط الحكم، فكون العنوان مشيرا إلى غيره كما في الاحتمال الاول ككونه متقيدا بزمان النبي صلى الله عليه وآله مخالف لظواهر الادلة وإطلاقها من غير فرق بين باب الربا وما نحن فيه. فقوله عليه السلام: " ما كان من طعام سميت فيه كيلا فلا يصلح بيعه مجازفة " (1) وقوله عليه السلام في موثقة سماعة قال: " سألته عن شراء الطعام وما يكال ويوزن هل يصلح شراؤه بغير كيل ولا وزن الخ " (2)


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب عقد البيع - الحديث 7

[ 259 ]

ظاهران في موضوعية العنوان وكون القضية حقيقة. وأوضح منهما ما وردت في الربا، كقوله عليه السلام في موثقة منصور المتقدمة قال: " كل شئ يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن فلا بأس به اثنين بواحد " (1) سيما بعد وقوع الكبريين بعد السؤال عن عدة أشياء لم تكن موزونة ولا مكيلة كالبيضة والثوب والفرس، فتصير الكبرى كالنص في أن الميزان هو العنوانان لا الاشخاص، وأنهما على نعت الكلي لا المخصوص بمكان أو زمان، وسيما مع ورود الروايات في عصر الصادقين عليهم السلام لا النبي صلى الله عليه وآله، فلا إشكال في دلالة الروايات على خلاف ما نسب إلى المشهور. فما أفاد المحقق الخراساني (قده) - من أن الظاهر في هذا الباب أخذ المكيل والموزون على نحو الموضوعية ونفي البعد عن الكاشفية والعنوانية لاجناس خاصة في باب الربا غير موجه، لاظهرية روايات الربا في الموضوعية كما أشرنا إلى بعضها، وتدل عليها أيضا رواية منصور قال: " سألته عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين قال: لا بأس ما لم يكن كيلا أو وزنا " (2) سيما على احتمال أن يكون المراد أن المذكورين ما داما غير مكيلين ولا موزونين فلا بأس، فالبيضة ما دام كونها معدودة وكذا الشاة لا بأس بالتفاضل وإذا صارتا موزونتين أو الشاة موزونة والبيضة مكيلة فلا يصح، ولعل منشأ تفصيل المحقق الخراساني (قده) هو ذكر جملة من المكيل والموزون بالخصوص في الروايات، وهو كما ترى. أو اشتهى تطبيق الروايات على المشهور ولم يتكلف. ثم إن في كلامه بعض المناقشات: منها أنه مع دعوى ظهور العنوانين


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب الربا - الحديث 3 - 1

[ 260 ]

هاهنا في الموضوعية جعل المناط رفع الغرر والجهالة بهما، وهذا ينافي الموضوعية، بل هو عين العنوانية، لكن إلى رفع الغرر، إذ معنى الموضوعية والسببية أن لنفس العنوان دخالة في الحكم، بل الظاهر أنهما تمام الموضوع في قبال الغرر، فكان عليه أن يقول: إن الظاهر من أدلة الباب الطريقية إلى الغرر، ومن أدلة الربا الطريقية إلى الاجناس الخاصة، وفي كلتا الدعويين إشكال ومنع. ثم إن ما ذكرناه من إمكان استفادة قول المشهور من الروايات بالوجهين المتقدمين انما يصح لو كان المشهور الاعتبار بما كان مكيلا في مصر النبي صلى الله عليه وآله كالمدينة أو مكة المعظمة مع فرض عدم تغيير في عصره، وأما إذا قامت الشهرة أو قام الاجماع على أن المكيل أو الموزون في عصر النبي صلى الله عليه وآله يجري فيه الربا مطلقا ولابد فيه من الكيل أو الوزن مطلقا وأن غيرهما في عصره لا يجري فيه الحكمان مطلقا، فيشكل الامر، فانه لاشبهة في أن سكان الارض من القاطنين في الامصار والمتفرقين في البوادي وغيرها لم يكونوا موافقين في التقدير بالنسبة إلى جميع الاجناس، بحيث كان المكيل في المدينة المنورة مكيلا في جميع الارض، والموزون والمعدود كذلك، ومع اختلاف الناس كذلك بحيث كان جنس في عصره في محل مكيلا وفي محل معدودا وفي محل آخر يباع بالمشاهدة لا يعقل أن يكون العناوين إشارة وطريقا إلى الاجناس، ولا يكون التقييد في الموضوع أيضا مفيدا كما لا يخفى، نعم لو كان المراد ما كان مكيلا في جميع البلدان في عصره فهو مكيل مطقا يمكن الافادة بالتقييد، كما يمكن الاشارة إليه بنحو الاجمال. وقد حكيت دعوى الاجماع على الحكمين في المكيل والموزون في عصره صلى الله عليه وآله وعلى عدمهما في غير المكيل والموزون في عصره كالمعدود

[ 261 ]

والمشاهد، ولو فرض قيام الاجماع على أن في عصر النبي صلى الله عليه وآله إذا كان شئ مكيلا أو موزونا في جميع الاقطار يجري فيه الربا في الجميع، وإذا كان مكيلا في بلد ومعدودا في بلد يجري فيه الربا في بلد الكيل إلى آخر الدهر، ولا يجري في بلد العد كذلك كانت إفادة الحكم بالاخبار أيضا بنحو الاشارة مشكلة بل متعذرة، نعم يصح بتقييدات لا بتقييد واحد، والامر سهل بعد أن لا واقعية لهذه التصورات، ولاخفاء في ظهور الاخبار. ثم على فرض قيام الاجماع أو الشهرة المعتبرة في المسألة لابد من بيان حكم حال الشك والجهل، فنقول: لا يخلو الاجماع من تعلقه إما بعنوان كالمكيل في عصره أو في كل مصر أو تعلقه بأشياء خارجية وكان العنوان مشيرا إليها لا متعلقا له، ولا تخلو الاخبار من الدلالة على الحكم إما بنحو القضية الحقيقية أو القضية الخارجية، وعلى الثاني تارة يكون الموضوع نفس العناوين، أي المكيل والموزون والمعدود أو تكون العناوين مشيرة إلى الاجناس الخارجية. فعلى فرض أن الحكم تعلق بالعناوين وكان لها موضوعية في الاجماع والاخبار لا يصح التمسك بشئ من الادلة لا عمومات وإطلاقات تنفيذ البيع ولا الاخبار ولا الاجماع، لكون المورد من الشبهة المصداقية للاجماع المتعلق بالعنوان الكلي المخصص للادلة إلا أن يحرز الموضع بالاصل، وسيأتي الكلام فيه. وإن كان الاخبار بنحو القضية الحقيقية وكان الاجماع بنحو الاشارة يجب الرجوع إليها، لا إلى الاجماع ولا إلى عمومات صحة البيع، لان الاجماع معتبر في المتيقن، ولا يكون متعلقا بالعنوان حتى تصير الشبهة مصداقية، فالمرجع هي الاخبار المخصصة للآيات المتقدمة.

[ 262 ]

وإن كانت الاخبار أيضا مشيرة إلى الاجناس الخارجية - كما نفى البعد عنه المحقق الخراساني (قده) بالنسبة إلى أخبار الربا - كان المرجع هو عموم الكتاب وإطلاقه. ولو كانت الاخبار مشيرة والاجماع على العنوان لا يصح الرجوع إلى شئ من الكتاب والسنة والاجماع. فهل يمكن إحراز موضوع الاجماع والاخبار بالاستصحاب لو فرض العلم بكون الشئ مكيلا قبل عصر النبي صلى الله عليه وآله وشك في بقائه كذلك، أو بكونه مكيلا في هذا العصر وشك في كونه كذلك في عصر النبي صلى الله عليه وآله على فرض حجية الاستصحاب القهقرى، بأن يقال: إن الشئ الفلاني كان مكيلا قبل عصره فهو كذلك في عصره، فيحرز به موضوع الاجماع والاخبار؟ قلت: الظاهر عدم جريانه، أما إذا كان العنوان مأخوذا على نحو الاشارة فلان استصحاب كون الشئ مكيلا في عصره لا يثبت كونه مشارا إليه بالاجماع أو الاخبار، والفرض عدم كون المكيل موضوعا، فالاصل لاثبات مشموليته للاجماع والاخبار، لا لاحراز الموضوع المتعلق للحكم، وهو مثبت. وأما إن كان الموضوع نفس العناوين متقيدة بزمان النبي صلى الله عليه وآله، أي كل ما كان مكيلا في زمانه يجرى فيه الربا وأريد بالاستصحاب إلى زمانه إحراز الموضوع، فلان وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها معتبرة في الاستصحاب، فان كان الموضوع هو المكيل في زمانه على وجه القيدية فليس له حالة سابقة متيقنة، وإن أريد استصحاب نفس العناوين إلى زمانه وإثبات القيد بالقطع فهو مثبت، فكون شئ مكيلا في عصر النبي صلى الله عليه وآله ليس متيقنا حتى يستصحب ويحرز به موضوع الاجماع والاخبار، بل المعلوم كون الشئ مكيلا في عصر قبل

[ 263 ]

عصر النبي صلى الله عليه وآله على أن الزمان ظرف لاقيد وإلا يصير أفحش، ومع ظرفيته وإن اتحدت القضية المتيقنة والقضية المشكوك فيها وجرى الاستصحاب، لكن لا يمكن اثبات الحكم للمقيد بزمانه بذلك إلا بالاصل المثبت، ولا إشكال في أن الموضوع في الاجماع أو الشهرة هو المكيل في عصره بنحو التقييد كما هو ظاهر المنقول منهما، بل لا معنى للظرفية في المقام. لعدم حصول ما هو المطلوب من الاجماع كما لا يخفى. بل يمكن في الموارد المشكوك فيها استصحاب عدم المكيلية والموزونية في عصره، بأن يقال: إن الموارد المشكوك فيها إن كانت من الاطعمة أو الثمرات ونحوها فكلها مسبوقة في عصره بعدمهما في حالة كالثمرة على الشجرة، والزرع قبل حصاده، فإذا شك في صيرورتها مما يكال أو يوزن بعد تبدل تلك الحالة في عصره صلى الله عليه وآله يستصحب الحالة السابقة، فتندرج في الكبرى الشرعية، وهي أن كل ما لا يكون مكيلا أو موزونا في عصره لا يجرى فيه الربا، كما ادعي الاجماع عليها، ولا يعارضه استصحاب عدم كونها معدودة في عصره، أو مما بيع مشاهدة، لعدم أثر شرعي له، ولا يثبت به القسم المقابل، هذا كله على فرض الاجماع أو الشهرة المعتبرة، ويمكن منعهما حتى في باب الربا. أما أولا فلان الدعاوي في المسألة متعارضة، فان ما في المبسوط " إذا كانت عادة الحجاز على عهده صلى الله عليه وآله في شئ الكيل لم يجز إلا كيلا في سائر البلاد، وما كانت فيه وزنا لم يجز فيه إلا وزنا في سائر البلاد، والمكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة، هذا كله بلا خلاف " انتهى - مع ورود بعض المناقشات عليه، منها أن الظاهر من صدره أن المناط عادة الحجاز، ومن ذيله، أن المناط في الكيل المدينة وفي الوزن مكة، ومنها أن الظاهر منها أن الموزون لا يجوز فيه الكيل وبالعكس، وهو مسألة خلافية بلا اشكال، ومنها أن الظاهر من ذيله أن اللازم تبعية سائر

[ 264 ]

البلاد لمكيال أهل المدينة، فلا يجوز بيع المكيل بمكيال آخر، ولميزان أهل مكة، فلا يجوز العدول إلى ميزان آخر، ولا أظن التزام أحد من الفقهاء بذلك، فلابد من تأويله - معارض بما ادعي عليه الاجماع، كالمحكي عن التنقيح، وهو أن المناط في الكيل والوزن على عصر النبي صلى الله عليه وآله، فما ثبت أنه مكيل وموزون في عصره بني عليه حكم الربا إجماعا وإن تغير بعد ذلك، وما علم أنه غير مكيل ولا موزون في عصره فليس بربوي إجماعا، فان مقتضى ما في المبسوط أن ما كان في الحجاز عادة في عهده صلى الله عليه وآله لم يجز في سائر البلدان التخلف عنها، ومقتضى الثاني أن ما كان مكيلا أو موزونا في عصره صلى الله عليه وآله ولو في غير الحجاز فهو ربوي. فلا عبرة بالحجاز خاصة. وأما ثانيا فانه لم ينقل الاعتبار بعادة الشرع إلا من المبسوط ثم الشرائع وجملة من الكتب المتأخرة عنها، ونقل عن القاضي أيضا، والظاهر خلو كتب القدماء عن الفتوى بها، وإلا نقله صاحب مفتاح الكرامة مع كثرة تتبعه. وأما ثالثا فلان الظاهر تخلل الاجتهاد في البين، ضرورة استناد جمع منهم إلى أن الالفاظ الواردة في الاخبار تحمل على عرف الشرع، وإذا لم يعلم عرفه حملت على العرف العام، قال في مفتاح الكرامة: " المستفاد من قواعدهم حمل الالفاظ الواردة في الاخبار على عرفهم، فما علم حاله في عرفهم جرى الحكم بذلك عليه، وما لم يعلم يرجع فيه إلى العام كما بين في الاصول ". وهذه العبارة غير ما نقل عن الحدائق من " أن الواجب في معاني الالفاظ الواردة في الاخبار حملها على عرفهم " حتى يرد عليها ما في الجواهر وغيره من أن الكلام ليس في معنى اللفظ، لان مفهوم الكيل

[ 265 ]

معلوم، بلا الظاهر منها أن الالفاظ بعد معلومية مفاهيمها تحمل على عادة الشرع، ولعل منشأ ذلك دعوى انصرافها إليها وإن كانت فاسدة، ومعه تكون دعوى الاجماع معللة، وفي مثل ذلك لا حجية له فضلا عن الشهرة بل لو فرض استنادهم أو استناد جمع منهم إلى ما قال صاحب الحدائق (قده) لم يصح الاستناد إلى اجماعهم، فان ورود الاشكال عليهم لا يخرج الاجماع عن كونه معللا. مضافا إلى أن الامر في المقام ومسألة الربا سهل إذا ادعي الاجماع على أن ما علم من عادة الشرع يجب مراعاته، فان ما علم من عادته يكون في هذه الاعصار أيضا باقية عليها، وما لم يعلم أو علم عدم وجوده في ذلك العصر لم يقم إجماع عليه، فيعمل فيه على القواعد ومقتضى الاخبار بعد عدم احراز قيام الاجماع على العنوان حتى تصير الشبهة مصداقية، فتدبر. مسألة: لو أخبر البائع بمقدار المبيع جاز الاعتماد عليه على المشهور، كما ادعى الشيخ الاعظم (قده) وعن التذكرة " لو أخبره البائع بكيله ثم باعه بذلك الكيل صح عندنا " وعن الرياض " لا خلاف في جواز الاعتماد في الكيل والوزن على إخبار البائع " والظاهر من الجميع عدم الفرق بين كون المخبر مؤتمنا وعدمه ولا بين حصول الظن أو الوثوق بقوله وعدمه، ولا بين تصديق المشتري إياه وعدمه، ولا بين عدالته وعدمه. وتدل عليه موثقة سماعة قال: " سألته عن شراء الطعام وما يكال ويوزن هل يصلح شراؤه بغير كيل ولاوزن؟ فقال: أما أن تأتي رجلا في طعام قد كيل ووزن تشتري منه مرابحة فلا بأس إن اشتريته منه ولم تكله ولم تزنه إذا كان المشترى الاول قد اخذه بكيل أو وزن وقلت له عند

[ 266 ]

البيع: إني أربحك كذا وكذا وقد رضيت بكيلك ووزنك فلا بأس " (1) والظاهر منها أن الرضا بكيله ووزنه تمام الموضوع للصحة، وكون الغالب في موارد الرضا بهما ما إذا كان المشتري واثقا به على فرض التسليم لا يوجب الانصراف بعد كون الرضا بهما كثيرا ما لجهات أخر، ولو كان للوثوق به دخالة في الصحة لم يجز السكوت عنه، بل الظاهر من قوله: " هل يصلح شراؤه بغير كيل " الرضا بالبيع مجازفة بلا كيل ولا وزن لمجرد الحدس والتخمين لبعض الاغراض، كمشقة الكيل والوزن أو الاشتغال بأمر أهم، ففي مثله لا يكون الرضا بهما لاجل الوثوق به. ورواية عبد الملك بن عمرو قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: اشتري مأة راوية من زيت فاعترض راوية أو اثنتين فاتزنهما ثم آخذ سائره على قدر ذلك قال: لا بأس به " (2) وقريب منها رواية عبد الرحمان ابن أبي عبد الله (3) بناء على أن المراد أخذ سائرها بإخبار البائع بدعوى كون المتعارف ذلك، وأما على احتمال كون البائع أيضا جاهلا وجعل المشتري والبائع وزن رواية أو راويتين طريقا إلى غيرها فتخرج عن محط البحث، فالمتبع هو إطلاق الموثقة، ولا يرفع اليد عنه إلا بحجة، وهي مفقودة. والروايات الواردة في المقام لا تصلح لتقييدها. أما صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الطعام اشتريه منه بكيله وأصدقه فقال: لا بأس، ولكن لا تبعه حتى تكيله " (4) وقريب منها موثقة محمد بن حمران (5) فلوقوع


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب عقد البيع - الحديث 7 - 1 (3) الوسائل - الباب - 4 من ابواب عقد البيع - الحديث 4 (4) و (5) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب عقد البيع - الحديث 8 - 4

[ 267 ]

القيد فيها في كلام الراوي، وصح الجواب ولو على فرض اعتبار إخباره بنحو الاطلاق. نعم في رواية أبي العطارد عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت: فأخرج الكر والكرين فيقول الرجل: اعطنيه بكيلك، قال: إذا ائتمنك فلا بأس " والظاهر منها عدم اعتبار إخباره إلا مع الائتمان، سواء كان المراد الاخبار بمقدار أعداد المكائيل أو كان إخباره بأن مكياله كسائر المكائيل المتعارفة ولم يكن ناقصا منها، فانه على الفرض الثاني أيضا يفهم منه أن الاتكال باخباره مطلقا لا يجوز إلا مع الائتمان، تأمل. لكن الرواية ضعيفة لا تصلح للتقييد. وأما مرسلة ابن أبي بكير عن رجل من أصحابنا قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الجص فيكيل بعضه ويأخذ البقية بغير كيل، فقال: إما أن يأخذ كله بتصديقه وإما أن يكيله كله " (4) فلان فيها - مع إرسالها وظهورها في الكيل في مقام الاستيفاء ولا أقل من احتمال ذلك احتمالا قريبا - احتمالات، كاحتمال التفصيل بين تصديق البائع كيله وعدمه كما لا يبعد أن يكون أقرب، وعليه فهي تدل باطلاقها على المقصود وتكون مؤيدة للموثقة، أو التفصيل بين تصديق المشتري البائع وغيره، أو التفصيل بين حصول الوثوق وغيره، أو بين الائتمان وغيره ومعها لا تصلح لتقييد الموثقة. وأما صحيحة الحلبي فلما مر من الكلام فيها، وقلنا: ان الظاهر منها بقرائن عديدة أن الاخبار كان عن حدس، وفي مثله لا يتكل على قول البائع، ومع الغض عنه فلا شبهة في أن ذلك أحد المحتملات، ومقتضى عدم الاستفصال عدم صحة البيع مطلقا سواء أخبر البائع بكيله


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب عقد البيع - الحديث 6 - 3

[ 268 ]

حسا أو أخبر حدسا، وطريق الجمع بينها وبين الموثقة هو الصحة مع الاخبار بكيله عن حس دون حدس، مع أن الموثقة صريحة في جواز الاتكال، وهي ظاهرة في عدم الصحة وطريق الجمع الحمل على الكراهة. وهنا مناقشة في الموثقة، وهي أن الظاهر منها لزوم إحراز أصل الوزن والكيل بطريق عقلائي أو شرعي لا بنفس إخبار البائع، وبعد احرازه يكون إخباره بمقدار الاكيال كافيا في صحته، ولو قلنا باطلاقها في قبول قوله في عدد المكائيل لم يدل على قبول قوله في تحقق الكيل فلا بد من احرازه بالعلم أو البينة، وكفاية إخباره ولو حصل به الوثوق محل إشكال، فان الموضوعات، لا تثبت إلا بالبينة. إلا أن يقال: إن كفاية قوله في تحقق أصل الكيل إذا كان وثيقا أو حصل الوثوق به وعدم الحاجة في ذلك إلى البينة يظهر من بعض الروايات الاخر، مثل موثقة حمران ومرسلة ابن بكير على كلا الاحتمالين فيها، وإن التفصيل بين أصل الكيل ومقداره مع كونه مخالفا لمعقد محكي الاتفاق وعدم الخلاف المتقدمين بعيد في الغاية، بل لا ينقدح في الاذهان من الموثقة، بل الظاهر أن ذلك في مقابل الجزاف وعدم الكيل والوزن كما في سؤاله، فيكون المراد من الجواب ظاهرا جواز الرضا بكيله وجواز الاتكال على قوله، تدبر وتأمل. وأما احتمال كون مفاد الموثقة كرواية عبد الملك بن عمرو قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: اشتري الطعام فأكتاله، ومعي من قد شهد الكيل، وانما أكتاله لنفسي، فيقول بعنيه فأبيعه إياه على ذلك الكيل الذي اكتلته، قال: لا بأس " (1) الواردة في مسألة أخرى غير ما نحن بصدده ردا لبعض العامة حيث زعم أن شهود الكيل لا يكفي، بل لابد


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2 عن عبد الكريم بن عمرو إلا أن الموجود في الكافي ج 5 ص 179 عبد الملك بن عمرو.

[ 269 ]

من الكيل بنفسه، وإن استدل بها بعضهم للمقام، وذكرها صاحب الوسائل في هذا الباب، بدعوى أن المراد من الموثقة هو الرد عليهم في تلك المسألة أيضا وأن الكيل إذا ثبت لا يحتاج إلى كيل آخر عند البيع، فهو خلاف ظاهرها، فان السؤال انما هو عن الاشتراء بغير كيل، لا عنه مع كيل البائع ومشاهدة المشترى، فلا ينبغي الاشكال في أن الموثقة مربوطة بمسألتنا هذه. ثم إنه مع الغض عن الروايات المتقدمة ينبغي البحث عن أن إخبار البائع بالكيل هل يوجب صحة المعاملة أو لا؟ فنقول: إن كان المستند في اشتراط صحة البيع بما ذكر حديث الغرر (1) وكان المراد به هو الجهالة، أو مثل قوله في مرسلة الخلاف: " روي عن ائمتنا عليهم السلام من أنه - أي النبي صلى الله عليه وآله - نهى عن بيع الصبرة بالصبرة، ولا يدري ما كيل هذه من كيل هذه " (2) ومرسلة دعائم الاسلام (3) فلا ترتفع الجهالة، ولا يتحقق العلم بمجرد الخبر ولا بخبر الثقة ولا الخبر الموثوق به، إلا إذا كان الوثوق والاطمئنان بالواقع بحد يعد عند العرف العلم والدراية. وإن كان المستند صدر صحيحة الحلبي (4)، وكان الكيل معتبرا لقوله عليه السلام: " لا يصلح إلا بكيل " لا يثبت الكيل بخبره إلا إذا حصل الاطمئنان والوثوق به بنحو ما تقدم، وإن كان المستند ذيلها أو سائر روايات الحلبي وكان المعتبر هو الخروج عن المجازفة فالظاهر خروجه


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 338 (2) الخلاف ج 2 ص 24 المسألة 80 من كتاب البيع (3) المستدرك - الباب - 12 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2 (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2

[ 270 ]

عنها باخبار البائع ولو كان فاسقا أو مجهول الحال، نعم مع كونه متهما أو كاذبا في أقواله ولا يبالي بشئ يشكل الخروج عنها باخباره. ولو كان المستند حديث الغرر وكان المراد به الخطر المعاملي أو عدم الامن من الضرر يخرج البيع باخباره عن الخطر والضرر، لان البيع في المقادير يقع مبنيا عليه، بمعنى أن البائع إذا أخبر بأن الطعام الكذائي مقداره خمسون مكيالا فاشترى منه ما هو الخمسون يقع البيع على الشئ ملحوظا تقديره، لان جزء المبيع ليس من قبيل وصفه حتى يقع البيع تارة مبنيا عليه وأخرى بنحو الداعي، فحينئذ يؤمن عن الخطر والضرر بلحاط الخيار. وما قيل ما أن صحة الشرط متوقفة على صحة البيع فلو كان صحته متوقفة على صحته لزم الدور ليس بشئ، لان الدور معي، لا واقعي كما لا يخفى، وما قيل من أن ثبوت الخيار من أحكام الصحة المشروطة بأن لا يكون هنا غرر مدفوع بأن الغرر على المفروض هو الخطر، ونفس جعل البيع خياريا يوجب رفعه، ولا يلزم أن يتحقق العقد صحيحا ثم يثبت الخيار فيه، بل لا معنى له فيما ذكر، بل البناء المذكور يدفع الغرر بلحاظ ثبوت الخيار بعد تحققه، نعم لو كان الغرر بمعنى الجهالة فلا يدفع بالبناء المذكور. فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في المقام منظور فيه، كما أن ما أفاد من أنه على فرض اعتبار الكيل يكفي الظن الحاصل بالخبر منظور فيه، بل على فرضه لابد من ثبوته بالطرق الشرعية، نعم لو حصل الوثوق والاطمئنان فالظاهر كفايته، كما أشرنا إليه، هذا كله مع الغض عن أخبار الباب. وأما بالنظر إليها فالمحتملات كثيرة، كاحتمال جعل الشارع خبر البائع حجة على الواقع، أو انفاذ طريقيته إليه مطلقا أو في خصوص مقدار المبيع حال البيع

[ 271 ]

وكاحتمال اعتباره طريقيته العقلائية مطلقا أو في خصوص ما ذكر آنفا، ولازم هذه الاحتمالات إسقاط الشارع شرائط الشاهد واعتبار البينة في خصوص هذا الموضوع، وكاحتمال اقتصاره في صحة البيع على إخبار البائع مطلقا أو على الطريق العقلائي، واقتصاره إما لاجل أن ما هو المعتبر في صحته عدم الجزاف ومع إخباره يخرج عنه أو لاجل أن المانع الغرر بمعنى الخطر، ومعه لا غرر، وإما لاجل تخصيص قاعدة الغرر إن كان بمعنى الجهالة والروايات التي بهذه المثابة، ولا غرو فيه كما خصصت في غير مورد. وأما بحسب الاثبات فقد ادعى الشيخ الاعظم (قده) دلالة الروايات على اعتبار كون الخبر طريقا عرفيا، وما يمكن أن يكون شاهدا عليه إما موثقة محمد بن حمران (1) وصحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله (2) حيث عبر فيهما بأن المشتري يصدق المخبر، والتصديق انما هو في الطريق العقلائي دون غيره. وفيه أنه إن كان المراد أن الطريق العقلائي نافذ عند الشرع مطلقا فهو - مع مخالفته لذيل الروايتين، لان لازم نفوذ الطريق مطلقا هو جواز الاخبار به وجواز البيع بلا كيل آخر، وقد صرح فيهما بعدم جواز البيع حتى يكيله - لا يدل على المطلوب لان نفي البأس لا يدل إلا على صحة البيع في الصورة المفروضة، وأما كون الخبر أمارة وطريقا اعتبره الشارع فلا، مضافا إلى أن القيد واقع في السؤال والجواب بعدم البأس لا دلالة له على اعتبار خصوص الطريق العقلائي، ولعل عدم البأس لازم الاخبار مطلقا، نعم مع عدم دليل على التوسعة يجب الاقتصار على المورد وهذا غير الشهادة والدلالة.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب عقد البيع - الحديث 4 - 8

[ 272 ]

وإما رواية أبي العطارد (1)، وهي مضافا إلى ضعفها متعرضة لموضوع آخر غير ما نحن فيه وهو الاخبار بعدد المكائيل، إلا أن يدعى عدم الفرق بينهما. وإما مرسلة ابن بكير وفيها: " إما أن يأخذ كله بتصديقه وإما أن يكيله كله " (2) وهي على خلاف المقصود أدل، لان الظاهر اضافة المصدر إلى الفاعل، واضافته إلى المفعول يحتاج إلى التقدير المخالف للاصل، فيكون المراد على هذا الاحتمال الاقرب أنه إما أن يأخذ بتصديقه تحقق الكيل، ولازمه جواز الاتكال على قوله مطلقا، وإما أن يكيل الكل إذا لم يصدقه، ولا أقل من حصول هذا الاحتمال، ومع ذلك لا تدل هذه ولا التي قبلها على اعتبار الخبر طريقا عرفيا إلى الواقع مطلقا، بل غاية الامر أنه مع قيام الطريق أو الطريق العرفي يصح البيع، فيمكن أن يكون وجه الصحة الخروج عن الجزاف إن كان المعتبر في الصحة ذلك، أو الامن من الوقوع في الضرر والخطر باخباره إن كان المعتبر هو رفع الغرر بمعنى الخطر المعاملي، كما تقدم من ملازمة الاخبار في المقام لوقوع البيع مبنيا عليه، ومعه يؤمن الخطر، لثبوت الخيار مع التخلف، أو لتخصيص دليل الغرر إذا كان المراد منه الجهل، وكذا ما هو بمثابته. وكيف كان لا مخصص لموثقة سماعة، فهي باطلاقها تدل على صحة البيع مع الرضا بكيل البائع، ودليل على أن الاخبار من البائع - سواء كان وثيقا أم لا أو مورد تصديق المشتري أم لا - موجب لصحة البيع، وهذا هو الموافق لدعوى عدم الخلاف، كما عن الرياض ولما عن التذكرة من الاشعار بالاتفاق. ثم على تقدير الحكم بالصحة من هذه الجهة لا إشكال فيها إذا طابق الواقع،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب عقد البيع الحديث 6 - 3

[ 273 ]

وأما إذا خالفه بالنقيصة فقد يحتمل البطلان، لمخالفة الواقع لعنوان المبيع المأخوذ في العقد، وتقدم العنوان على الاشارة، فكما أن الاشارة إلى موجود خارجي مبائن للعنوان المأخوذ في العقد لا تصحح البيع كما إذا قال: " بعتك هذا العبد " فتبين أنه حمار والبيع يقع باطلا لعدم تحقق العنوان المأخوذ فيه فكذلك في المقام، فان الاقل والاكثر متباينان في مقام العنوانية، ولا ينطبق أحدهما على الآخر. وإن شئت قلت: إن المحدود بما هو من مقومات المعاملة، وليس حاله كالاوصاف الخارجة عن ذات المبيع، فما هو مورد العقد مفقود، في الخارج، وما هو في الخارج وهو بعض العنوان لم يقع عليه العقد. وقد يجاب عنه بالفرق بين تخلف مقدار المبيع وتخلف عنوانه وإن كان مرجعهما إلى تخلف الجنس والعنوان، والنقض من قبيل الثاني، وأما تخلف المقدار فلا يوجب البطلان، لان العقد ينحل إلى عقود عديدة بحسب أجزاء المبيع، فما هو الموجود من الاجزاء وقع عليه العقود انحلالا، وما فقد ليس بشئ حتى يقع العقد عليه. وفيه أنه لو توقف حل العقدة على الالتزام بانحلال العقد إلى عقود كثيرة حسب أجزاء المعقود عليه فالقول بالبطلان متعين، لان الانحلال المذكور لا أصل له لا عقلا ولا عرفا، ضرورة عدم تعدد القرار بين المتعاقدين، والانحلال إلى العقود والبيوع لا يمكن إلا مع تحقق قرارات مندكة في قرار واحد موجودة بوجوده، والقرار والعقد لابد من تصور أطرافه وسائر مباديه المفقود في المقام. مضافا إلى أن القائل بالانحلال إما أن يقول به بنحو من المجاز والمسامحة والتنزيل فلا يمكن له ترتيب أثر شرعي وحقيقي عليه، وإما أن يقول بالانحلال الحقيقي وأن هنا بيوعا عديدة وعقودا متعددة، فلازمه نقل الجميع مرة ثم تكرره في الكسور المتصورة للعين وتعدده أيضا بعدد

[ 274 ]

أجزائها المعينة، وهو كما ترى والانحلال بلا نقل انحلال إلى غير البيع، ثم ان لازم الانحلال حقيقة عدم الخيار من باب تبعض الصفقة، ولا ثبوت خيار العيب بالنسبة إلى الجميع إذا كان بعضه معيبا، فتأمل. والتحقيق أن العقد الواحد الواقع على الموضوع الواحد يوجب تمليك هذا الواحد، وتمليكه موجب لملكية المشتري، ولازمه مالكيته لجميع الاجزاء بقرار واحد وعقد واحد وتمليك واحد، ونظير ذلك وقع منهم في الخطابات، فقالوا: إن الخطاب إلى المؤمنين ينحل إلى خطابات حسب عددهم، وهو أيضا غير مرضي كما قلنا في محله، بل التحقيق أن الخطاب واحد والمخاطب كثير، نظير النداء المتوجه إلى جماعة الذي لا ينحل إلى نداءات، بل بنداء واحد ينادي المنادي الجماعة. وأما ما يجاب به عن الاشكال من الفرق بين الجنس الواحد والاجناس المتباينة فهو أيضا لا ينحل به الاشكال، فان الاختلاف بين المبيع والخارج إذا كان فاحشا يكون حكمه ظاهرا حكم تخلف العنوان، فلو أشار إلى بيت وقال: " بعتك ما فيه من الحنطة وهي ألف صاع " فتبين أن فيه صاعا واحدا بطل، لعدم انطباق العنوان، ولا سبيل للصحة وإن كان الجنس واحدا، ولا يمكن تصحيحه بالانحلال أيضا، مع أن لازم القولين صحته، وهو كما ترى مخالف لحكم العرف المتبع في المقام، كما لاسبيل في مثله للقول بأنه من قبيل تخلف الوصف أو نظيره. والتحقيق أن العرف قد يرى أن المشار إليه هو المعقود عليه ويقدم الاشارة على العنوان، كما لو أشار إلى فرس وقال: " بعتك هذا الفرس العربي " أو اشار إلى امراة وقال: " زوجتك هذه الهاشمية " ونحوهما المقادير إذا كان النقص أو الزيادة غير مضرين بهذيته وشخصيته عرفا، ويحسب

[ 275 ]

كالحالات من هذه الجهة، كما كان الامر كذلك في وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها في الاستصحاب، فإذا كان مقدار من الماء موجودا في الخارج علم بأنه كر ثم أريق مقدار كف أو كفين منه وشك في بقاء الكرية فلا إشكال في صحة الاستصحاب وبقاء شخصية موضوع القضية المتيقنة عرفا، فيشار إلى الماء ويقال: إنه كان كرا وشك في بقاء كريته، وذلك لان الشخصية باقية عرفا، وفي المقام لو أشار إلى صبرة وقال: " بعتك هذه الصبرة التي هي ألف صاع بكذا " لا إشكال في أن العقد وقع عليها بوجودها الخارجي، ولو نقص منها صاع أو صيعان قليلة لا يوجب اختلاف عنوان المبيع وشخصيته، ويقدم الاشارة على العنوان نظير الاوصاف وإن لم يكن منها عرفا، فلا إشكال في صحة البيع، كما أنه لاإشكال في كونه خياريا. وتوهم أن الكمية من قبيل الدواعي أو قد يكون كذلك فالعقد وقع على الخارج الموجود بداعي كونه بمقدار خاص نظير وقوع العقد على شئ بداعي وصف خاص فالبيع لازم لعدم كونه مبنيا عليه مدفوع، لان وقوع العقد، على شئ متقدر بمقدار خاص ليس سبيله الوقوع على الذات بداعي صفته، فان المقدار ليس وصفا عرفا، بل جزء من المبيع. وما قيل من أن الخفة والثقل من الكيفيات، والكمية المتصلة والمنفصلة كلها من الاعراض والاوصاف خلط بين حكم العرف والعقل والفقه والفلسفة، ومع كون المقدار من أجزاء المبيع لا يقع البيع إلا بلحاظه، وهو أولى بالخيار من الوصف المبني عليه. وهل الخيار خيار تخلف الوصف أو خيار تبعض الصفقة؟ فعلى الاول يلزم التخيير بين الفسخ والقبول بجميع الثمن دون الثاني، الاوفق بنظر العرف هو الثاني، لما أشرنا إليه آنفا.

[ 276 ]

ولو قيل: إن العقد إذا وقع على الموجود الخارجي كان لازمه مقابلة تمام الثمن لتمام الموجود وبعضه لبعضه بالنسبة، فالتقسيط بهذا المعنى صحيح لكن لا يفيد، وبمعنى عدم وقوع بعض الثمن مقابل شئ اللازم منه بقاؤه على ملك المشتري مفيد، لكن مخالف لتسليم أن العقد وقع على الخارج لا على العنوان، يقال: فرق بين وقوع البيع على متقدر من غير لحاظ المقدار، كما لو وقع البيع على صبرة مجهولة المقدار أو على فرش مجهول الذرع، وبين وقوعه عليه مع لحاظ مقداره مبنيا على مقدار خاص، ففي الاول لا يقال: إن المشتري ابتاع كل صاع أو كل ذرع بكذا، ولم يقسط الثمن على الصيعان أو على الاذرع، نعم بعد الوزن يقال: إن كل صاع صار بكذا وأما في الثاني فالبيع وإن وقع على الموجود الخارجي أيضا لكن بلحاظ تقدره بمقدار خاص، فالتقسيط وقع عرفا بين الثمن والصيعان أو الاذرع، فيقال اشترى كل صاع بكذا، لا ببيوع متعددة أو المنحلة، بل وقعت المقابلة عرفا في العقد الواحد بين كل صاع وكذا، فإذا اشترى الصبرة الخارجية المتقدرة بعشرة صيعان بعشرة دراهم فقد اشترى كل صاع بدرهم. فإذا نقص يقال: ليس في مقابل الثمن مثمن، وهذا حكم العرف، فالخيار خيار التبعض ظاهرا بحسب نظر العرف. ثم إن الاشكال والجواب فيما إذا زاد المقدار ما أخبر متقاربان مع الاشكال والجواب في ما إذا نقص عما أخبر، والبيع صحيح وخياري، والخيار هو خيار العيب للمشتري، وتمام الكلام عند تعرضهم للمسألة. مسألة: قالوا: تكفي المشاهدة في مختلف الاجزاء، كالثوب والدار والغنم، وعن التذكرة الاجماع عليه، وعن المبسوط والسرائر بيع الثوب المشاهد

[ 277 ]

صحيح بلا خلاف، وفي القواعد يكفي المشاهدة في الارض والثوب وإن لم يذرعا، وعن التحرير جواز بيع قطيع الغنم، وإن لم يعلم عددها، وقال في الجواهر ولكن مع ذلك في شرح الاستاذ أنه بعد ما ذكر ما عليه الاصحاب قال: والحق أن قاعدة الغرر مثبتة لا يسوغ هدمها إلا بأقوى، وأنى لنا بذلك. انتهى. أقول: ما يتعارف بيعها الآن بالمشاهدة على أقسام: منها ما هو من الموزون كالكلا وأقسام الرطبة والقصيل وبعض أقسام الخشب ونحو ذلك، ومنها ما هو من المذروع، كأراضي البيوت والبساتين وأقسام البساط وإن يباع ذرعا أيضا، ومنها ما لا يكون موزونا فعلا، ولكن تختلف ماليته باختلاف وزنه، كالاغنام ونحوها إذا كان المقصود بيعها للذبح، ومنها ما لا طريق لتشخيصه الا المشاهدة كالاحجار الكريمة والفرس والحمار ونحوها. لا إشكال ولا كلام في الاخير، وأما في غيرها فقد يقال: إن التعارف يخرجه عن الغرر، فلا يكون ما يتعارف فيه المشاهدة غرريا. أقول: أما الخروج الموضوعي فيمكن إنكاره، فان الغرر إن كان بمعنى الجهالة فلا إشكال في كون ما ذكر مجهول المقدار، ومجرد التعارف أو المسامحة من المتبايعين أو الابتذال لا يوجب رفعها، ولو قيل: إن التعارف يخرجها عن كونها موزونا ومذروعا ففيه مضافا إلى عدم تسليمه أن دليل الغرر لا يختص بالموزون والمذروع ونحوهما، ولا اشكال في أن اختلاف المقدار موجب لاختلاف القيمة، فلو اشترى بالمشاهدة بستانا فيه أشجار كثيرة ملتفة من الاقسام المختلفة لا ينبغي الاشكال في كون البيع غرريا وإن مسحت أرضه فضلا عن عدم المساحة وكذا الدور المشتملة على الارض وغيرها.

[ 278 ]

وإن كان الغرر بمعنى الخطر المعاملي فالبيع فيها خطري، لاختلاف القيم باختلاف الوزن والذرع، لكن ما ثبت أن بيعه كان متعارفا بالمشاهدة حتى في عصر الشارع الاقدس يصح بيعه كذلك، لا للخروج موضوعا، بل إما بدعوى أن مصب نهي النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر أو عن الغرر غير أمثال ذلك مما كان متعارفا في عصر النبي والائمة صلوات الله وسلامه عليهم وإلا كان عليهم الردع، ومجرد حديث واحد أو حديثين لا يصلح للردع عن السيرة وطريقة العقلاء في المعاملات السوقية. وهذا نظير ما قلنا في محله من أن نحو قوله تعالى: " الظن لا يغني من الحق شيئا " (1) لا يصلح للردع عن السيرة الشائعة في سوق المسلمين وبلادهم، كالعمل بالظواهر وخبر الثقة واليد ونحوها، بل لابد في الردع عنها من التصريحات والانكار الشديد نظير انكار الربا والقمار، أو بالالتزام بالتخصيص في دليله، ولا غرو فيه كالتخصيص في بيع الثمار ونحوها مما ورد فيها الادلة، ولا شبهة في أن موردها من الغرر. والفرق بين الخروج موضوعا وغيره أن في الاول لانحتاج إلى اثبات دليل مخصص كالاجماع والسيرة مما لابد فيه من الاخذ بالقدر المتيقن من مورد الاجماع ومن ثبوت اتصال السيرة بعصر الائمة عليهم السلام، لكن يمكن أن يقال: إن رفع الجهالة الموجب لرفع الغرر لا يعتبر فيه رفعها من جميع الجهات، فلو كان شئ من الموزونات لابد من رفعها من جهة الوزن، وأما الكيل فلا، بل لو كان الوزن في شئ متعارفا لا يدفع غرره بالكيل والعد وبالعكس، فلو وزن ما تعارف فيه الكيل لا يدفع به الغرر، بل لابد من رفع الغرر في الجهة المتعارفة ولو تغير تعارف التقدير تغير ما به يقدر، ولو كان بيع شئ تارة بالوزن وأخرى بالعد كالقثاء


(1) سورة النجم: 53 - الآية 28

[ 279 ]

والباذنجان، بل والخبز في بعض البلاد يرفع غرره بالعد في البيع كذلك وبالوزن في البيع وزنا. فعلى هذا نقول: إن ما تعارف فيه المشاهدة كالاغنام والجمال وكالعشب والكلا لابد في رفع الجهالة فيه من المشاهدة، ولا ترفع بغيرها حتى الوزن فضلا عن العد، لان تقدير ماليته وتعيينها في العرف انما هو بها لا بغيرها فلو وزن ما يتعارف فيه المشاهدة كالاغنام أو ذرع ما يتعارف فيه غيره كالثوب المخيط لم يرفع بهما الجهالة، وكذا الحال في الاحمال التي تتقدر ماليتها بها، فلا بد من مشاهدة الحمل حتى يرفع جهالته بالمقايسة إلى غيره من أشباهه، فلو وزن لم يرتفع جهالته من حيث تقدير ماليته، وكما ليس في أمثال ذلك غرر إن كان بمعنى الجهالة ليس فيها خطر معاملي، فان المفروض وقوع المعاملات عليها بالمشاهدة، ويكون مدار البيع والشراء كذلك، بل العدول إلى غيرها موجب للخطر. نعم لو كان شئ موزونا وجعلت المشاهدة طريقا إليه أو لم يوزن للتساهل والابتذال لا يرفع الغرر في الاول إلا بالوثوق والاطمئنان، كما أن البيع في الثاني غرري، ولابد في الخروج عن دليل الغرر فيهما من إثبات كونهما كذلك في عصر النبي والائمة عليهم السلام، أو قيام الاجماع في مثلهما. مسألة: بيع بعض من جملة متساوية الاجزاء كصاع من الصبرة يتصور على وجوه: الاول - أن يبيع ذلك على نحو الكسر المشاع بأن يراد بالصاع الصاع المشاع في الصبرة، فان كانت الصبرة عشرة أصوع يكون ذلك عشرها أو خمسة يكون خمسها.

[ 280 ]

والمقصود بالبحث هاهنا مقام الثبوت لا الظهور والدلالة، ولا إشكال في صحته ولا في كونه مشاعا، ولا يعتبر علم البائع والمشتري في هذا الفرض بعدد صيعان الصبرة ومقدارها، لان المبيع متقدر بالصاع، وهو معلوم واختلاف نسبته إلى الصبرة لا يوجب جهالة في المبيع، نعم لو باع عشر الصبرة لابد من العلم بمقدار الصبرة حتى يرفع الغرر عن المبيع، لاختلاف العشر باختلاف الصبرة وأما الصاع فلا يختلف باختلافها. ولا فرق في الصحة في هذه الصورة بين متساوية الاجزاء ومختلفتها وعنوان البحث وإن لم يشملها إلا أنه لاجل إدخال القسمين الاخيرين في البحث لعدم الاشكال في البطلان مع الاختلاف إذا كان البيع على النحوين الآتيين، فإذا باع نصف العبدين بنحو الاشاعة لا ينبغي الاشكال في صحته وإن اختلفت قيمتهما. وما عن العلامة (قده) - من أنه لو قصد الاشاعة في عبد من عبدين أو شاة من شاتين بطل بخلاف الذراع في الارض - لم يتضح منه أنه خلاف في هذه المسألة، ولعل نظره إلى أن العبد ليس مشاعا في العبدين، لان نصف المشاع لا يصدق عليه العبد، ولايكون إطلاقه عليه من المجاز المتعارف، فبطل لاجل ذلك وإن لم يكن ذلك أيضا مرضيا. ثم إنه قد مر جملة من الكلام في حقيقة المشاع عند التعرض لبيع نصف الدار في الفضولي، ونزيدك هاهنا أن بعض الاعاظم (قده) بنى القول بالشركة وعدمها في صورة الاشاعة على الخلاف المعروف بين الفلاسفة والمتكلمين في مسألة كون الجسم مركبا من الاجزاء التي لا تتجزأ وعدمه وبنى الخلاف في أن القسمة بيع أو إفراز حق على الخلاف في تلك المسألة أيضا، ثم ذهب إلى القول الحق في تلك المسألة، ثم قال: ان النصف المشاع كلي قابل للانطباق على النصف من أي طرف من الجسم، فبالقسمة

[ 281 ]

يميز ويخرج عن الابهام والكلية، ويعين في الطرف الشرقي أو الغربي. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن الشركة والاشاعة والافراز كلها من المعاني الاعتبارية العقلائية لا الفلسفية، وابتناء مسألة عرفية سوقية رائجة عند طوائف الناس على تلك المسألة العقلية غير صحيح، مع أن أصل المطلب أيضا غير صحيح، فان الجزء الذي لا يتجزأ الذي هو مادة الاجسام على رأى لا يحس حتى بالمكبرات العظيمة، ومثله كما لا يكون مالا لا يكون ملكا، فان الملك اعتبار عقلائي لجهات عقلائية، ومن الواضح أن مثل تلك الاجزاء لا تقع تحت الاعتبار، نعم بعد ضم ملائين منها على القول المزيف يعد شيئا محسوسا قابلا لاعتبار الملكية، وبعد ضم ملائين أخرى إليها يصير مالا أيضا، وأما كل جزء بنفسه الذي يكون أصغر من الهباء بكثير فلا يعتبر شيئا وملكا ومالا في العرف. ثم إن عنوان الكسر وإن كان كليا - لصدقه على كل صبرة فيها كسر مشاع وعلى كل كسر فرض في الصبرة الخارجية - لكن ما ملكه المالكان من الكسر المشاع الخارجي لا يكون كليا، لان الكلي بما هو كلي لا يعقل وجوده في الخارج، مضافا إلى أنه لو كان كليا بقيت العين الخارجية بلا مالك، مثلا إذا مات شخص عن وراث يكون نصيبهم الكسور المشاعة فلو كانت تلك الكسور كليات للزم عدم نقل مال الميت إلى أحد من الورثة، لان ماله جزئي حقيقي، وكل ما وجد فيه أيضا كذلك. وما أفاده (قده) من أن النصف المشاع كلي قابل للانطباق على النصف من أي طرف من الجسم فبالقسمة يميز ويخرج عن الابهام - غير مرضي، لان ما هو كلي قابل لما ذكر غير مملوك لاحد في فرض مملوكية العين الخارجية لاشخاص بنحو الكسر المشاع، وما هو مملوك هو الموجود الخارجي من الكسر، وهو غير كلي، وأما مملوكية كل طرف

[ 282 ]

من الجسم بنحو الكسر المشاع فليس معناه مملوكيته لاحد الشريكين، ضرورة أنه قبل الافراز يكون كل طرف فرض للعين مشتركا بينهما، لا ملكا لاحدهما بنحو الابهام وبالقسمة يخرج عنه، وهو أي كون كل طرف من العين مملوكا بنحو الكسر المشاع لازم مملوكية العين بنحو ذلك فكما أن العين إذا كانت ملكا لشخص واحد كان كل طرف منها ملكا له ولا يكون تلك الملكية كلية ولا العين كلية كذلك لو كانت مشتركة بينهما يكون كل طرف منها مشتركة بمقتضى الاشتراك في الجميع، وهذا غير مربوط بالكلية. والظاهر أن منشأ الخلط من الاعلام هو لفظ المشاع غفلة عن معناه الذي هو بحسب العرف واللغة، بمعنى الاشتراك في السهام في قبال الافراز وتقسيم السهام، ولفظ الساري في الكل الذي وقع في بعض الكلمات والمراد منه الاشتراك في الجميع في مقابل الاشتراك لا بنحو الاشاعة والسريان، كما إذا كان إحد الشخصين مالكا لبعض مرافق البيت مثلا والآخر لبعض آخر فيقال مسامحة: إنهما شريكان في الدار، فتوهم من اللفظين إن الشياع والسريان ملازمان للكلية، مع أن المشاع أي المشترك والساري أي سريان الاشتراك في الجميع عين الجزئية. ومما يدل على أن المسألة لا تبتني على مسألة الجزء الذي لا يتجزأ ولا على كون الانصاف موجودة في الجسم بنحو القوة كما مر عن بعضهم في باب بيع نصف الدار أن مسألة الشركة والاشاعة لا تختص بالاجسام المتصلة المركبة من المادة والصورة، بل تجرى في المنفصلات كالحبوب، فان الاشتراك فيها عرفا انما هو في المجموع من غير نظر إلى كل حبة والى الاجزاء أو الانصاف الموجودة فيها، وكذا تجري في الديون والحقوق والمنافع مما لا سبيل لمسألة الجوهر الفرد فيها، مضافا إلى أن الاجزاء أو

[ 283 ]

الكسور المتحققة أو المفروضة في الاجسام المتصلة والمنفصلة كلها معينات مشخصات لا يعقل فيها الاشاعة بوجه. وما قيل من أن معنى الاشاعة والسريان أن تلك القسمة المتساوية لقسمة أخرى متساوية النسبة إلى تمام أجزاء ذلك الموجود بالفعل لا يرجع إلى محصل، لان نسبة نصف المجموع إلى نصف النصف وهكذا مختلفة كما هو واضح، مع أن الكسور ليست موجودة إلا بالقوة، ومعنى وجودها بالقوة أن قوة وجودها موجودة لا نفس الكسور، ولا يعقل النسبة بين الاعدام وقد مر الكلام مع القائل في بيع نصف الدار، فراجع، والانصاف أن ابتناء المسائل العرفية على العقليات خروج عن طريق الفقاهة. والذي يمكن أن يقال أن الاشاعة في مقابل الافراز وصف اعتباري للملك أو الحق بين شخصين أو أشخاص، فنفس الاعيان الخارجية إذا لم تكن ملكا لاحد كالمباحات لا تتصف بالاشاعة والافراز، وانما تتصف بالاتصال والانفصال، وإذا صارت ملكا لواحد لا تتصف بهما أيضا، فلا يقال للبيت الذي ملكه شخص واحد إن نصفه مشاع أو مفروز، وأما إذا ملكه شخصان أو أشخاص فيأتي حديث الاشاعة، وفي مقابلها الافراز وهما معنيان اعتباريان لا حقيقة لهما في الخارج كالجواهر والاعراض، فكما أن الملك من الاعتباريات كذلك اشاعته وافرازه، ولهذا إذا اتصل مملوك شخص بمملوك شخص آخر لا يصير ان مشاعا ومشتركا، وإذا انفصل المشاع لم يصر مفروزا، وإذا اختلط مثل الجوز بالجوز واللوز باللوز مما لهما امتياز بحسب الواقع عرفا لم يتحقق الاشاعة ولا الشركة، وإذا أوقعا عقد الشركة تحققت كما أنه إذا انقسم ما هو مشاع لا يصير مفروزا إلا بالقرار بينهما من القرعة أو التصالح، وهذا أدل دليل على اعتباريتهما، ولو اطلقت الاشاعة أو الافراز على معنى آخر فهو أجنبي عما هو المعهود في باب الشركة

[ 284 ]

في العرف واللغة وعند الفقهاء، هذا مما لا ينبغي الاشكال فيه. وانما الاشكال في أن ما يقع البيع عليه انما هو نفس الكسر كالنصف والثلث، لا الكسر المشاع، أي المشترك، ضرورة أن الاشاعة والاشتراك يعرض للملك بعد انتقال نصفه إلى الآخر. وإن شئت قلت: إن للاشاعة معنين: أحدهما - الاشتراك في الملك كما في اللغة مقابل افراز السهام، ثانيهما - ما يطلق على الكسر قبل البيع فيقال: بعت النصف المشاع، وهو أيضا شائع في الالسن، فما معنى هذه الاشاعة، من المعلوم أن الجسم متشخص، وكل جزء فرض فيه سواء كان بنحو الكسر أم لا متشخص بتشخصه، فالكسر قبل وجوده ليس بشئ، وبعد تحققه يكون شيئا موجودا في الخارج متعينا متشخصا لا يكون فيه إبهام، وبالجملة يرد الاشكال في الكسر الذي يقع مورد البيع والنقل فإذا باع النصف والفرض أنه لا يكون كليا فلابد من أن يكون النصف الخارجي وهو متشخص ومتعين أينما فرض ووجد. والجواب أن حل تلك المسائل لا بد وأن يقع في محيط العرف والعقلاء لا على الموازين الفلسفية والعقلية الدقيقة، فنقول: إن الكسر في الجسم قد يراد منه المبهم في مقابل المعين، وقد يراد منه الكلي مقابل الجزئي، وقد يراد منه نفس الكسر بلا لحاط تعينه، فإذا لوحظ نصف البيت الموجود في الخارج ولم يرد منه النصف المعين كالنصف الشرقي أو الغربي مثلا ووقع البيع عليه يكون حكمه العرفي الاشتراك والاشاعة، والبيت وإن لم يكن مشتملا على النصف وغيره من الكسور عقلا، لكن البائع إذا أراد جعله مورد النقل يعتبر ويفرض نصفه بلا قيد فرضا واقعيا كالملكية التي هي من الاعتبارات، لكنها من الاوصاف الخارجية في الاعتبار، ويكون وعاء المعتبر في الخارج، بمعنى أن العرف اعتبروا الملكية في الخارج

[ 285 ]

ويحمل على العين الخارجية أنها ملك بالحمل الشائع من غير تجوز، فالاعتبار وعاؤه العقل، والمعتبر في الخارج، والنصف بالمعنى المتقدم أي النصف بلا تعين ليس موجودا خارجيا، لكن العرف يفرضه في الخارج بلا تعين، لا أقول إن النصف يكون موجودا اعتباريا، فانه واضح المنع، بل أقول: إن النصف اعتبر بلا تعين أو لم يعتبر فيه التعين، ولازمه العقلائي الاشتراك والاشاعة. وإن شئت قلت: إن العرف يرون أن النصف بلا عنوان وتعين موجود في الجسم وان كان حكم العقل على خلافه. كما قد يقال: إن الخط الذي هو عشرون ذراعا فيه عشر ذراع. مع أن الخط عقلا متصل واحد، ولا يكون العشر موجودا فيه بالفعل، أو يقال: إن العرف يلاحظون الكسر المشاع في العين فيبيعونه، وكيف كان لا اشكال في صحة بيع الكسر ولا في كونه مشتركا بين البائع والمشتري ومشاعا. الثاني من الوجوه الفرد المنتشر، وما يصح أن يكون مورد البحث في قبال المشاع والكلي في المعين إما الفرد المردد بالحمل الشائع أو عنوان الفرد المردد، أي الفرد المردد بالحمل الاولي، وأما عنوان واحد من العبدين أو أحدهما الراجع ثبوتا وبحسب الفرض إلى عنوان واحد منهما القابل للصدق على كل واحد، فهو من قبيل الكلي في المعين، لعدم اعتبار كثرة الافراد في الكلي في المعين، فان الكلية راجعة إلى المفهوم فما هو قابل للصدق على الكثيرين كلي وإن فرض امتناع فرد له كمفهوم شريك الباري أو امتناع ما سوى فرد واحد له كمفهوم واجب الوجود، فمفهوم واحد منهما أو احدهما بهذا المعنى كلي مصداقه هذا وهذا، كما أن الواحد المعين واقعا المجهول عند المتبايعين خارج عن المقسم، ولا يكون مورد البحث، كما أن الفرد المردد مفهوما وبالحمل الاولي لا يرد عليه الاشكال العقلي الذي في الفرد المنتشر، ولكن لا اشكال في بطلانه لعدم إمكان تحقق مصداق له، فان المصاديق ليست مصاديق الفرد المردد،

[ 286 ]

ومعه لا يكون البيع عقلائيا. كما هو واضح. وأما الفرد المردد بالحمل الشائع فهو لا واقعية له لا خارجا ولا عقلا، ولا يكون قابلا للتصور فضلا عن جعله مورد الاضافة والنقل ولو إنشاء فما هو المتصور ليس إلا مفهوم الفرد المردد نظير المعدوم المطلق وشريك البارئ، فان المتصور منهما ليس إلا المفهوم، بل ليس المفهوم حاكيا عنهما. لعدم واقعية لهما وعدم إمكان الحكاية والاشارة وأمثالهما فيهما وفي امثالهما، بل لا يمكن عقد قضية موجبة فيهما، والموجبات ظاهرا لابد من ارجاعها إلى السوالب المحصلة بنفي الموضوع، فقوله: " شريك البارئ ممتنع " و " المعدوم المطلق قبال الموجود " مؤول إلى السالبات، لامتناع عقد الايجاب فيهما، كما أن قولنا: " بيع الفرد المردد بالحمل الشائع باطل " لابد وأن يرجع إلى سالبة هي ليس بيعه صحيحا الراجع إلى عدم تحقق البيع بعدم تحقق المبيع، وبالجملة الفرد المردد ليس بشئ، لاعقلا ولا عرفا. نعم قد يقال: بعت الفرد المردد فيتوهم منه أن البيع تعلق به بالحمل الشائع مع أنه بهذا الحمل ليس بشئ، ولا يعقل تعلق البيع به فليس أمثال ذلك إلا توهما محضا واختراعا ذهنيا يتخيل له الواقعية، فلا إشكال في عدم تعقل تحقق البيع ومفهوم المبادلة في مثله، وليس مثله بيعا باطلا بل لا يكون بيعا ولا شيئا مذكورا، فلا يكون بطلان ذلك مستندا إلى الادلة الشرعية من الغرر وغيره. ثم إنه قد ورد في النصوص ما يوهم أن الحكم فيها على الفرد المنتشر والمردد بالحمل الشائع، كصحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل تزوج خمسا في عقدة، قال: يخلي سبيل أيتهن شاء

[ 287 ]

ويمسك الاربع " (1) ونظيرها ما ورد في مجوسي أسلم وله سبع نسوة، حيث ورد فيه يمسك أربعا ويطلق ثلاثا (2) إلى غير ذلك، فان الصحة في أربع مرددة في الجميع والبطلان في الزائدة المرددة فيه عين الفرد المردد الممتنع تعلق الحكم به، وقد أفتى أصحابنا أو جمع منهم بمضامينها، ودعوى عدم الامتناع، لان العقد وقع على المعينات نظير وقوعه على المحرم والمحلل غير مسموعة، لانه وإن وقع على الخمس مثلا معينة لكن لم يؤثر في واحدة منها مبهمة، والابهام في الواحدة موجبة للابهام في الاربع أيضا. ويمكن توجيه الصحة في تلك الموارد بوجوه: منها - الالتزام بأن الممنوع في الزائد على النصاب انما هي الزوجية المستقرة المترتبة عليها آثارها دون مثل المقام الذي لا يترتب عليها آثارها إلا بعد الاختيار، وهذا كما قلنا في مالكية العمودين. فان المستقرة منها ممنوعة، وأما الملكية التي لا يترتب عليها إلا العتق فلا مانع منها، والادلة منصرفة إلى الملكية المعهودة المترتبة عليها الآثار. ومنها - الالتزام بأن العقد الانشائي المتعلق بالخمس لم يؤثر واقعا في شئ منها إلا بعد الاختيار، فصحة العقد تكون مراعاة إلى حال الاختيار، نظير بيع الفضولي، فالانشاء تعلق بالمعينات، ولكن يؤثر في اللاتي يختارهن. ومنها - الالتزام بأن العقد وإن تعلق بالمعينات لكن لا يؤثر إلا في


(1) الوسائل - الباب - - 4 - من أبواب ما يحرم استيفاء العدد - الحديث 1 من كتاب النكاح. (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد - الحديث 1 من كتاب النكاح

[ 288 ]

الاربع منهن بنحو الكلي القابل للصدق على كل أربع فرضت وبالاختيار يتعين. ومنها - الالتزام بأن العقد أثر في الاربع اللاتي يختارهن في علم الله، فالاربع المتعقبة بالاختيار أزواجه، والاختيار كاشف عما هو الصحيح وهذه الوجوه تأتي في الكتابي الذي أسلم وله زائد على النصاف، لعدم الفرق بين الابتداء والاستدامة، وإن كان التقرير مغايرا للتقرير فيه كما يظهر بالتأمل، وكيف كان لا يجوز طرح الصحيحة المفتى بها بعد إمكان رفع الاشكال العقلي بوجه. وأما ما ورد في عتق أبي جعفر عليه السلام ثلت عبيده عند الموت وأخرجه أبو عبد الله عليه السلام بالقرعة (1) فهو من قبيل الكلي في المعين فان أعتقهم عند موته أو بعده كان إنشاء العتق جزء السبب والقرعة متممه، وإن كان من قبيل الايصاء بالعتق يكون نظير الواجب التخييري ولكن ظاهر الرواية هو العتق، ولهذا أخرج الثلث بالقرعة. وقد يتخيل ان العلم الاجمالي المتعلق بأحد الشيئين أو واحد من الاشياء من قبيل المتعلق بالفرد المنتشر والواحد المبهم، ولهذا يصح أن يقال: نعلم نجاسة واحد من الكؤوس لا بعينه، وهو عين الابهام والانتشار. وفيه ما لا يخفى. إذ مضافا إلى ما عرفت من امتناع تحقق المبهم والفرد المنتشر والواحد لا بعينه خارجا وكذا ذهنا إلا بالحمل الاولي - إن الواحد من الكؤوس مثلا إذا كان معلوما بالاجمال فان نظرنا إلى الواقع لا يكون النجس الا الواحد الشخصي المعين، ولا يعقل انتشاره وإبهامه وهو واحد بعينه وموجود مشخص، وإذا كان باقي الكؤوس طاهرا فلا ينطبق الواحد النجس إلا عليه دون غيره، فلا ابهام في الواقع، ولا في المفهوم المنطبق عليه.


(1) الوسائل - الباب - 75 - من كتاب الوصايا - الحديث 1

[ 289 ]

وإذا نظرنا إلى العلم وكيفية تعلقه به فهو أيضا متعلق بعنوان معين ومشخص في العقل، وهو عنوان واحد من الكؤوس الذي هو نجس أي المعلوم بالذات، والمعلوم بواسطته وبالعرض ليس إلا ما ينطبق هذا العنوان عليه، وهو النجس الواقعي، ولا يمكن انطباقه على غيره، لان ما هو معلوم بهذا العنوان لا يعقل تكثره ولا انطباقه على غير الواقع. نعم لما كان هذا المعلوم المعين مشتبها بين أشياء لعدم تعلق العلم بخصوصياته المميزة له عن سائرها يقال إنه معلوم بالاجمال بمعنى أنه معلوم معين واقعا، ومعلوم من جهة بلا إجمال، ومشتبه من جهات آخر، مثلا لو علم أن زيدا موجودا في الدار ولا يعرفه بعينه وكان مشتبها بين جمع تعلق علمه بأن زيدا موجود بينهم، فعلمه متعلق بشخصه بعنوان أنه زيد المشخص الموجود غير القابل للتكثر والابهام والتردد والانتشار، وباسمه الموجود في الذهن المعلوم بالذات، وهو أيضا اسم شخص لا ينطبق على غيره، ولا ابهام ولا إجمال فيه، لكن لما لم يعرفه بخصوصياته المعرفة واشتبه عنده بين سائر الافراد واحتمل أنه هذا الشخص أو ذاك أو ذلك يصح أن يقول بنحو القضية المنفصلة الحقيقية إن زيدا إما هذا أو هذا أو هذا إلى آخر الافراد، ويصح أن يقول: إني أعلم أن زيدا موجود في هذا الجمع أو أنه أحد هذه الاشخاص ولا أعرفه بعينه، وهذا هو المراد من العلم الاجمالي أو العلم بأحد لا بعينه، لا أن في الواقع أو الذهن يتحقق الواحد المبهم اللابعينه مما هو واضح الفساد. وإذا علم أن الواجب في يوم الجمعة إما صلاة الظهر أو صلاة الجمعة يعلم أن واحدا معينا وجب في الشرع، والصورة الذهنية الفريضة يوم الجمعة، وهي غير قابلة للانطباق على الصلاتين، بل لا تنطبق إلا على ما هو فريضة،

[ 290 ]

لكن لما كانت مشتبهة يصدق القضية المنفصلة الحقيقية، ويصدق أنه عالم يفريضة معينة يوم الجمعة وإن اشتبهت عنده، فلا إجمال في العلم ولا في المعلوم بالعرض ولا في المعلوم بالذات، وإنما تعرضنا لذلك بهذا التفصيل مع وضوح الامر لوقوع الاشتباه فيه حتى عند بعض المحققين والاعلام. الثالث من الوجوه الكلي في المعين، والفرق بينه وبين المشاع والفرد المردد واضح سيما على ما قلنا في معنى المشاع، وأما الفرق بينه وبين الكلي لا في المعين كالكلي المقيد الذي لا ينطبق إلا على المصاديق التي في المعين، فلا يخلو من إشكال، وهو أن الكلي في المعين إذا لم يخرج عن حد الكلية، فهو كسائر الكليات القابلة للصدق على كثيرين، ولا إشكال في أن مالك الصبرة المعينة لا يملك إلا الصبرة الخارجة الجزئية الحقيقية، وبتبعها يملك الابعاض المعينة الموجودة الجزئية، ولا يملك الكلي المنطبق عليها أو على أبعاضها حتى يكون له مملوكان: أحدهما الصبرة الخارجية بأبعاضها، وثانيهما الكلي المنطبق على كل بعض، مع أنا نرى في حكم العقلاء أن بيع الكلي في المعين من غير المالك يعد بيع ملك الغير، فيحتاج إلى الاجازة، فمن باع شاة من قطيع الغير على نحو الكلي في المعين يقال باع شاة الغير، فلابد بعد صحة هذا الحكم العقلائي من الالتزام إما بكون الكلي في المعين جزئيا خارجيا مرددا وأنه مرادهم من الكلي الخارجي، وهو فاسد عقلا بلا إشكال، أو بكون الكلي مملوكا في قبال الصبرة وأبعاضها وهو أيضا فاسد عرفا، أو بارجاع الكلي في المعين إلى الاشاعة، وهو أيضا خلاف اعتبار العقلاء. والذي يمكن أن يقال: إن الكلي بما هو مع الغض عن لحوق الاعتبارات المعاملية به معنى واحد لافرق بين مصاديقه وموارده التي هي كليات أيضا من حيث الكلية بوجه، فان الكلي هو المفهوم القابل للصدق

[ 291 ]

على كثيرين، وهو صادق على الامور العامة كالشئ والممكن، وعلى الماهيات الخاصة كالانسان والغنم والبقر، وعلى الكليات المقيدة وإن صار التقييد موجبا لعدم الصدق إلا على مصاديق محدودة أو على مصداق واحد أو على الكلي المضاف إلى معين كالصاع من الصبرة الخارجية، فكل من تلك العناوين كلي قابل للصدق على كثيرين من غير افتراق بينها من هذه الحيثية، وانما الافتراق بالاطلاق والتقييد وسعة الصدق وعدمها مما لادخالة له في نفس الكلي، فالكلي في العين لا يفترق عن سائر الكليات من حيث الكلية. ثم إذا نظرنا إلى اعتبار العقلاء في باب المعاملات نرى أن الكليات بما هي كليات لا رغبة فيها، ولا مالية لها من حيث هي، بل مناط المالية والرغبات في مصاديقها، وانما صارت الكليات أموالا باعتبار المصاديق فإذا قيل إن وسقا من الحنطة بكذا تكون ماليته باعتبار مالية مصاديقه وقابلية تطبيقه عليها، واعتبار ذمم المتعاملين تابع لقدرتهم على مصاديق ما تعاملوا عليه، لا باعتبار إضافتها إلى ذمتهم، ضرورة أن الاضافة إليها مغفول عنها في الاسواق، نعم بعد تحقق المعاملة على الكليات يرى العرف اشتغال ذمته بها، نظير اشتغالها بقيم المتلفات. مضافا إلى أن الاضافة إلى الذمة لا تجعل غير المال مالا، ولهذا لو أضاف من لااعتبار له عند العقلاء إلى ذمته كمن كان مسكينا لا يرجى منه القدرة ولو بعد حين وأراد بيع عشرين وسقا من الطعام لا يشتريه أحد، لعدم اعتبار لذمته وعهدته، وعدم صيرورة الاضافة موجبة للمالية، فمالية الكليات تابعة لمعتمدها، كمالية الاوراق النقدية. ثم إن المعتمد في الكليات غير المضافة إلى الخارج هو قدرة البائع على المصداق مع الوثوق بتحققه، وعلى ذلك تدور المعاملات في الكليات

[ 292 ]

كالسلف ونحوه، وليس معتمدها هو الوجود الخارجي ولا ماليتها باضافتها إلى الذمم، هذا مع الغض عن الاشكال العقلي في الاضافة. وأما الكليات المضافة إلى الخارج فهي بحسب اعتبار العقلاء كليات معتبرة لا في الذمم بل في خارجها، وإن شئت قلت: في الاعيان الخارجية فظرف الكليات غير المضافة هو الذمم، وظرف الكليات في المعين هو الخارج، أي الصبرة في المثال، والخارج يساوق الشخصية إذا كان الموجود فيه حقيقيا، وأما الموجود الاعتباري فلا يساوق الشخصية، فالصاع من الصبرة كلي كسائر الكليات، وقابل للصدق على الكثيرين، والفرق بينه وبين الكلي المقيد الذي لا ينطبق إلا على ما في الصبرة الخارجية أن ظرف الكلي المقيد ذمة البائع، ومعتمده قدرته واعتبار ذمته وعهدته، وظرف الكلي الخارجي هو الصبرة الخارجية، وهي معتمده لا ذمة البائع، فالمشتري مالك لكلي في الصبره، كما أنه في الفرض الاول مالك لكلي في الذمة، ولما كان الكلي اعتبر في الصبرة يقال عند بيع صاع منها إنه باع مال الغير، لان ملك الغير معتمده وبيعه باعتباره، كما يعتبر سائر الكليات في الذمة، لانها معتمدها، ومقتضى ما ذكر عدم صحة بيع الزائد على ما في الصبرة، لعدم تحقق المعتمد وعدم إمكان التسليم لان الشخص لا يعقل تكرره، وأما الكلي المقيد فهو وإن انحصر في مصداق أو مصاديق خارجية لكن لو اتفق وجود فرد آخر يكون مصداقا له بلا افتراق بينه وبين المصاديق الموجودة. وبالجملة إن الكليات غير المضافة إلى المعين تصير بعد البيع دينا على البائع، فلو مات تعلق بتركته، وأما الكلي في المعين فليس على ذمته، ولا يكون دينا، بل لابد من تعيينه من الصبرة، لان الكلي اعتبر فيه، وهذا هو المراد من الكلي الخارجي، لا أنه موجود حقيقي في الخارج، فانه محال بوصف الكلية.

[ 293 ]

ثم إنه لا ينبغي الاشكال في صحة بيعه وعدم جهالة وابهام في المبيع وعدم غرر فيه بأي معنى فسر، فانه معلوم بجميع حدوده، والمصاديق ليست موردا للبيع، ولا خطر فيه لتساوي مصاديقه. وأما الفرد المنتشر على فرض تعلقه فبيعه غرري إن فسر الغرر بالجهالة كما فسره بها الشيخ الاعظم (قده) ومن تبعه. وأما قضية عدم معهودية بيع الكلي في المعين فعلى فرض تسليمه لا يضر، فان احتمال دخالتها في صحة البيع مدفوع باطلاق الادلة، بل لزوم معهودية متعلقات المعاملات مقطوع الفساد، وإلا لزم بطلان بيع عامة الموضوعات المستحدثة، مضافا إلى أنه معهود كما أشار الشيخ (قده) إليه، ويدل على معهوديته صحيحة الاطنان (1) أيضا، لان موردها ذلك لا الفرد المنتشر المستحيل تعقله وتعلق البيع به، فالحكم بالصحة فيها دليل على عدم كون موردها الفرد المنتشر كما هو واضح. نعم ربما يقال: إن عناوين المعاملة محصورات فيما هي المعهودة في عصر الشارع كالبيع والاجارة والصلح ونحوها، فالمعاملات المستحدثة كالتأمين إذا لم تنطبق على إحدى المعهودات باطلة، وهو أيضا فاسد يدفع احتماله بمثل " أوفوا بالعقود " (2) " وتجارة عن تراض " (3). مسألة: لو باع صاعا من صبرة ولم تكن قرينة على المراد فهل يحمل على الفرد المنتشر، فيحكم ببطلانه أو على الاشاعة أو على الكلي في المعين،


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 1 (3) سورة النساء: 4 - الآية 29

[ 294 ]

ويتضح المرام بتوضيح معنى الصاع والكسر ثم معنى التنوين. أما الصاع فهو اسم لمكيال معلوم أو لمقدار كذلك، فهو معنى نفسي غير منسوب ولا مضاف إلى غيره كسائر المقادير، مثل الذرع والمن ومراتب الاعداد الصحيحة كالواحد والاثنين وغير ذلك، فتصور الصاع وأشباهه لا يستلزم تصور شئ آخر. وأما الكسور التي اصولها تسعة فهي أمور نسبية يتوقف تصورها على تصور غيرها نظير الابوة والبنوة، فان تصور الثلث يلازم تصور الثلثين، ولا يعقل انفكاكه منه، وهذا معنى يخالف معنى الصاع، فحمل الصاع على الاشاعة يحتاج إلى قرينة دالة على استعماله في غير ما وضع له، وأما احتمال أن يكون المعنى العرفي هو الكسر المشاع الذي يقدر بالصاع فهو غير مرضي جدا، ودعوى قيام قرينة عامة على ذلك غير مسموعة، بل المعنى العرفي هو المعنى اللغوي بلا ريب، هذا حال الدوران بين الصاع والكسر. وأما الدوران بين الكلي في المعين والفرد المنتشر فقد قال الشيخ الاعظم (قده): إن مقتضى الوضع في قوله " صاعا من صبرة " هو الفرد المنتشر، وفيه أن الصاع موضوع لنفس الطبيعة من غير قيد وشرط، وتنوين غير التمكن لا يدل إلا على الوحدة في مدخوله بالمعنى الحرفي، فصاع، كرجل بالتنوين لا يدل إلا على صاع واحد، إلا أن هذا دال على المقصود بالدلالة الاسمية وذاك بالدلالة الحرفية. ولا يزيد في الدلالة على ذلك، وإفادة الزائد على هذا المعنى كالمجهولية عند المخاطب أو المتكلم أو عندهما وكالابهام محتاجة إلى قرينة ودال آخر غير نفس اللفظ. فمقتضى دلالة اللفظ هو الصاع المقيد بالوحدة لا غير، وهذا هو الكلي من غير قيد، وإذا أضيف إلى الصبرة مثلا يكون دلالة الجملة

[ 295 ]

على الكلي في المعين بدوال متعددة، وهي لفظ الصاع والتنوين والجار واسم الاشارة والصبرة، وأما الخصوصية الفردية التي هي مدلول الفرد المنتشر فلا دال في الكلام عليها، فلو أريد إفادتها لابد من دلالة لفظية أو قرينة حالية ونحوها، فمقتضى الوضع هو الكلي في المعين، وكذا مقتضى فهم العرف، وهذا هو الظاهر من رواية بريد بن معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام " عن رجل اشترى عشرة آلاف طن من أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة، والانبار فيه ثلاثون ألف طن، فأصبحوا وقد وقع في القصب نار، فاحترق منه عشرون ألف طن وبقي عشرة آلاف طن، فقال عليه السلام: العشرة آلاف التي بقيت هي للمشتري والعشرون التي احترقت من مال البائع " (1) فما عن جامع المقاصد من الاستدلال بالسبق إلى الفهم من الرواية متين لا ريب فيه. ثم إنه يتفرع على ما استظهرناه من كون المبيع كليا في المعين أمور: منها - كون التخيير في تعيينه بيد البائع بخلاف المشاع، وهذا على ما سلكنا في المشاع من أن البائع والمشتري، شريكان في العين كشركة الوارثين في ارث مورثهما واضح، لان الخارج على فرض الكلي ليس ملكا للمشتري وانما هو مالك لكلي اعتبر في الصبرة قابل للصدق على كل صاع فرض فيه، ولا فرق من هذه الجهة بين الكلي في المعين والكلي في الذمة، والقول بأن المشتري مالك لجزء من الصبرة والبائع مالك لما عدا هذا الجزء، فلابد من أن يكون التعيين بنظرهما خروج عن فرض الكلي، ضرورة أن الجزء الخارجي لا يعقل أن يكون كليا، ولا يلزم من اعتباره في الصبرة صيرورة جزء منها ملكا له، لان ملكية الكلي القابل للصدق على الكثيرين


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1. مع اختلاف في الالفاظ

[ 296 ]

مخالفة لملكية الجزئي الخارجي غير القابل له، وعلى فرق الاشاعة فالخارج مشترك بينهما، ومقتضى الشركة احتياج القسمة إلى التراضي، وهو ظاهر وأما على مسلك من ذهب إلى أن الكسر المشاع كلي قابل للصدق على أي كسر فرق في الصبرة فلا بد من الالتزام بكون التخيير للبائع بعين ما ذكر في الكلي في المعين. وما عن بعض الاعاظم (قده) - من الفرق بأن الكلي في المعين مجرد عن جميع الخصوصيات الخارجية بخلاف المشاع، فان النصف القابل للانطباق على النصفين ملحوظ بمشخصاته الخارجية، غاية الامر حيث إن النصف كلي فالخصوصيات أيضا كلية، أي خصوصية ما داخلة في المبيع ولهذا لابد في التعيين من رضا الطرفين - لا يخلو من غرابة، ضرورة أن الكلي إذا قيد بكلي آخر لا يخرج عن الكلية، فالمشتري على فرض دخول الخصوصية بنحو الكلية في ملكه لا يملك خصوصية معينة، ولا يشترك مع البائع في الموجود الخارجي، ولازم ذلك كون التخيير للمالك بعين ما قرر في الكلي في المعين، فالكسر الكلي المفروض في الصبرة بناء على ما ذكره عين الكلي في المعين ولو قيد بخصوصية ما، أي خصوصية كلية قابلة للصدق على كل كسر فرض فيها. وبالجملة إن التراضي من أحكام الشركة في العين الخارجية، ومع عدم ملكيتها إلا للبائع وعدم ملك المشتري إلا الكلي المتقيد بخصوصية كلية لا وجه لدخالة رضاه، مضافا إلى أن الكسر الكلي أي النصف أو الثلث مثلا لا يدخل فيه الخصوصيات الخارجية، فكما أن الصاع لا يكون إلا نفس ذاته والخصوصيات خارجية عنه كذلك الكسر لا يكون إلا نفس الثلث أو النصف مثلا، والخصوصيات خارجة، فادخال الخصوصيات ولو بنحو الكلي يحتاج إلى قيد زائد يمكن إلحاقه بالصاع،

[ 297 ]

كما يمكن إلحاقه بالنصف. والانصاف أن الالتزام بكلية الكسر المشاع كالالتزام بالافتراق بينهما بما ذكر مما لاوجه له. ومنها - أنه لو تلف بعض الجملة وبقي مقدار يصدق عليه الطبيعة ينحصر حق المشتري فيه بناء على الكلي في المعين، لان المشتري ليس مالكا للخارج المتلف، وانما هو مالك للكلي، وهو باق مع وجود مصداق منه بخلاف المشاع، ضرورة أن التلف فيه تلف لمالهما المشترك، فيكون التلف بنسبة ملك المشتري من التالف من التلف قبل القبض، فهل الباقي بناء على الكلي في المعين يصير متعينا ولا يحتاج إلى تعيين البائع أولا؟ يمكن أن يقال: إن مقتضى حكم العقل هو الثاني، لان الباقي ليس متعلقا لعقد البيع، ولا مملوكا للمشتري، بل باق على ملك البائع، والانحصار لا يوجب صيرورة الكلي جزئيا وغير المبيع مبيعا، نظير ما هو التحقيق في الواجب الموسع بعد تضييق وقته، فان الامر المتعلق به لا يعقل تخلفه عما هو عليه، فهو موسع حتى بعد تضييق وقته، والتغيير والتبديل في الجعل والحكم غير معقول، وانما الاختلاف قبل التضييق وبعده في حكم العقل لا في جعل الجاعل وحكم الحاكم، فقبله يحكم العقل بالتخيير، وبعده يحكم بعدمه، ومع العصيان يكون عصيانا للواجب الموسع لا المضيق، وفي المقام يقال: إن ما تعلق به البيع هو الكلي لا مصداقه، وانحصار المصداق لا يوجب تغيير متعلق البيع، فالكلي مبيع، والمصداق باق على ملك البائع ويتعين بتعيينه، كما أن الكلي المقيد غير المعين لا يخرج عن الكلية بانحصار مصداقه، هذا. لكن يمكن أن يقال: إن تطبيق الكلي على الخارج غير تعلق البيع به، فما هو متعلق الانشاء والبيع هو الكلي في المعين، لكن قبل انحصاره في الواحد يكون كل فرد صالحا لانطباق الكلي عليه، من دون أن يكون مصداقا

[ 298 ]

فعليا له، لعدم الترجيح، وبعد الانحصار يصير منطبقا عليه فعلا، وكما أن تعيين البائع لا يوجب تغيير الانشاء عما هو عليه، كذلك تطبيق الكلي لا يوجب ذلك، والفرق بين الكلي في الذمة والكلي في المعين هو أن الثاني لما فرض في الخارج كما تقدم ففي مورد الانحصار ينطبق فعلا عليه ويصير متعينا، وأما الاول فلا ينطبق عليه قهرا، لعدم اضافته إلى الخارج فتكون نسبته إلى الخارج والى غيره المقدر وجوده على السواء وإن شئت قلت: هذا التطبيق حكم عرفي في الكلي في المعين. ومنها - أنه لو كانت للموجود الخارجي نماءات أو منافع فهي للبائع على الكلي في المعين ومشتركة بينهما على الاشاعة، لان الخارج على فرض كون المبيع كليا لا يكون ملكا للمشتري إلا بعد تعيين المصداق. ومنها - أنه لو باع البائع بعد ما باع صاعا منها صاعا آخر من آخر فعلى ما ذكرناه لو تلفت الصبره وبقي صاع واحد كان ذلك للمشتري الاول، وانفسخ البيع بالنسبة إلى الثاني، لان التلف قبل القبض، وذلك لا لما ذكره الشيخ الاعظم (قده) وتبعه بعض آخر من أن الكلي المبيع ثانيا إنما هو سار في مال البائع، وهو ما عدا الصاع من الصبرة، فإذا تلف ما عدا الصاع فقد تلف جميع ما كان الكلي فيه ساريا، فقد تلف المبيع الثاني قبل القبض، لان المفروض أنه باع صاعا كليا، ولم يكن هو ملكا للبائع، بل كان ملكه هو الصبرة الخارجية المشخصة المعينة الموجودة الجزئية، والصيعان التي فيها أجزاء لها، وهي موجودة جزئية ولا يعقل أن يكون الموجود الحقيقي الخارجي كليا. وبعبارة أخرى إن ملك البائع جزئي حقيقي، والمبيع كلي، وهما متقابلان، فلا يكون ما هو ملكه مبيعا، وليس معنى الكلي الخارجي أو الكلي في المعين أن الصاع المتحقق في الخارج حقيقة الذي هو جزئي حقيقي كلي واقعا، ضرورة

[ 299 ]

امتناع ذلك عرفا وعقلا. بل الوجه في ذلك أن مقتضى لزوم الوفاء بالعقد عرفا وشرعا تحديد سلطنة البائع بالنسبة إلى الصبرة الخارجية، لان لازم بيع الصاع من الصبرة هو لزوم أدائه منها لا أداء صاع مطلقا، وليس للبائع بعد بيع صاع منها أن يبيع الصبرة بأجمعها، لعدم سلطنته عليها كذلك، والفرق بين الكلي المقيد وإن انحصر مصداقه في الفرد الموجود خارجا وبين الكلي في المعين أن لزوم الاداء من الصبرة من مقتضيات البيع عرفا وشرعا في الثاني دون الاول، ولازمه تحديد سلطنته، ولازم ذلك عدم نفوذ بيعه إلا في الواحد من الباقي، فيكون الكلي المبيع ثانيا صاعا من الصبرة ما عدا واحد منها. فما قيل - من أن صرف الوجود أو الكلي باق إلى تلف الجميع، وأن التعين من قبل البائع بأي وجه مفروض العدم، فالتخصيص بلا مخصص - غير وجيه، لان التعين إنما هو لقصور السلطنة عرفا وشرعا، ولهذا نرى بالضرورة لدى العرف أنه لو باع صاعا منها لا يجوز له بيع الجميع، وليس هذا إلا من أجل ما ذكر، وهذا الحكم العرفي والشرعي يوجب حمل الكلي المبيع ثانيا على صاع من الصبرة ما عدا صاع، وهذا وجه الترجيح، وهذا من أحكام الكلي في المعين مقابل الكلي المقيد في الذمة، فان الثاني لامساس له بالخارج بحسب مقتضى البيع، بخلاف الاول، ولهذا لو باع صاعا من صبرة الغير يعد فضوليا، فلو أذن صح ولزمه الاداء من صبرته. ثم لو قلنا بكون الصاع الباقي لهما فالظاهر أنه لم ينقلب إلى الاشاعة والاشتراك، بل بقي لكل نصف الصاع بنحو الكلي في المعين، وللبائع اختيار التعيين، كما أنه لو بقي صاعان منها بقي الكلي على حاله وكذا

[ 300 ]

اختيار البائع، هذا كله بناء على الحمل على الكلي في المعين، وأما بناء على الاشتراك والاشاعة، فالحكم واضح، ويكون الباقي مشتركا، وإن وقع الكلام سالفا في كيفية الاشتراك في مسألة من باع نصف الدار وكان مالكا للنصف. ثم إن المبيع يبقى كليا ما لم يقبض، ولا اشكال في أنه إذا قبض منفردا عما عداه صار ملكا للمشتري، لانطباق الكلي عليه، وأما إن قبض الصبرة بأجمعها فتارة يكون إقباضها بعنوان إقباض الكلي تبعا، فان الكلي بعد ما كان معتبرا في الصبرة يكون تلفه بتلفها وقبضه بقبضها، ومعه يكون الاقباض بعنوان إقباض الكلي موجبا لكون التلف بعد القبض، فإذا تلفت الصبرة بأجمعها كان تلف الكلي من مال المشتري، ولو تلف بعضها يحسب على البائع، لان الكلي باق على حاله في ماله، والخارج ملك للبائع، ولم يحدث شئ إلا القبض، هذا إذا قلنا بأن قاعدة تلف المبيع قبل القبض تعم الكليات. وأخرى يكون الاقباض بعد تعيين الصاع في المشاع بأن يجعل الصاع عشر الصبرة مثلا ويسلمها ليكون العشر ماله بنحو الكسر المشاع، وهذا على فرضه لا إشكال في حكمه، إلا أن الشأن في كون ذلك النحو من التعيين بيد البائع، فانه مشكل، بل ممنوع، لان عنوان الكلي في المعين وعنوان الكسر المشاع كالعشر متقابلان، واعتبار كل غير اعتبار الآخر، كما أن مصداق كل يخالف مصداق الآخر، فعنوان العشر الكلي قابل للانطباق على الكسر الخارجي في أي موضوع كان، ولا ينطبق على الصاع المعين، كما أن عنوان الصاع بنحو الكلي لا ينطبق على المشاع إلا مع تقدير وتجريد عن الاشاعة، وإن شئت قلت: إن الاشاعة أمر زائد على الصاع الكلي الذي

[ 301 ]

هو المبيع، وليس للبائع إلا تعيين المصداق لا تبديل الكلي بالاشاعة إلا مع قراره مع المشتري، وهو خارج عن الفرض. وثالثة يكون إقباض المجموع بعنوان الوفاء بالعقد في الصاع الكلي وبعنوان الامانة في الباقي، بمعنى انقلاب ملكه الشخصي إلى الكلي، فيكون كل من البائع والمشتري مالكا لكلي، وهذا محتمل كلام الشيخ الاعظم (قده) ولازمه على ما ذكره الاشتراك وكون التلف عليهما. وهذا الوجه غير صحيح، أما أولا فلان البائع ليس مسلطا على ذلك الانقلاب، وأما ثانيا فلانه لا معنى معقول له. لان انقلاب ملكه الشخصي بمعنى انقلاب الخارج المتحقق الجزئي إلى الكلي لا يعقل، وبمعنى سلب الملك الخارجي واثبات الكلي لا يعقل أيضا بلا سبب للسلب وللاثبات، مع أن لازم الاحتمالين خروج العين الخارجية عن ملكه وعدم دخولها في ملك الآخر، وهو خلاف الواقع، ضرورة أن العين بعد التسليم باقية في ملكه والقول بأن الخارج بعد ملكهما الكلي يصير ملكا لهما بالاشاعة مدفوع بأن لازمه كون كل منهما مالكا لامرين الكلي والخارج، وهو ممنوع جدا، مع أنه لا سبب للتبديل بالاشاعة. وأوضح مما ذكر فسادا أن يراد قلب الصاع الجزئي إلى الكلي وانقلاب الصيعان الخارجية إلى الكلي الاعتباري. ورابعة يكون تسليم المجموع لايفاء مصداق الكلي، ولا يعقل ذلك إلا بصيرورة الصاع مشاعا حتى ينطبق عليه الكلي، ولازمه الاشتراك بينهما والفرق بين هذا الوجه والوجه الثاني أن الاشاعة في هذا الوجه لازم ايفاء المصداق، وفي ذلك بجعل المالك، وهذا على فرض تماميته واضح الحكم، لكن يرد عليه ما يرد على الوجه الثاني. وتوهم كون الاشاعة من مقتضيات عدم تعين المملوكين وامتيازهما نظير المالين المختلطين بنحو يرفع الامتياز بينهما عرفا فاسد، لان صيرورته

[ 302 ]

شخصيا بهذا المعنى أول الكلام. وخامسة أن يكون إقباضه بعنوان الامانة حتى يعين حقه الكلي فيما بعد، وهذا لا إشكال فيه، لكن لا يصير بالقبض جزئيا ويكون حق التعيين للبائع، فان أذن للمشتري كان له ذلك أيضا. وما قيل - من أن إقباض الجميع المتضمن لاقباض ماله الموجود في الصبرة لا يعقل أن يكون بعنوان الامانة في تمامها، لان الامانة لا تتعلق بمال نفسه - انما يصح لو كان المراد أن الملك بعد الاشاعة جعل أمانة، وهو غير مقصود هاهنا، بل العين الخارجية التى هي ملك للبائع بتمامها جعلت أمانة حتى يعين حقه ويصير المعين ملكا له. ثم إنهم ذكروا فيما إذا باع ثمرة بستان واستثنى منها أرطالا معلومة انه لو خاست الثمرة أو تلف بعضها سقط من المستثنى بحسابه، وظاهره تنزيل المستثنى على الاشاعة، فوقع الاشكال بعدم الفرق بين تلك المسألة ومسألة بيع صاع من الصبرة المحمول على الكلي عندهم، والاشكال من جهتين: الاولى من ناحية الفرق بحسب ظهور الكلام، فان الظاهر من المستثنى هو الكلي، ومع الاستثناء من البستان مثلا يكون الكلي في المعين، فيكون حال المستثنى حال المبيع في بيع صاع من الصبرة، الثانية من ناحية إجرائهم حكم المشاع في التلف، وحكم الكلي في المعين في استقلال المشتري في التصرف في الثمرات، وصيرورة حق البائع فيما بقيت، وتعيين حق البائع بيد المشتري، وأنه لو تلف البعض بتفريط المشتري كانت حصة البائع في الباقي. أقول: أما بيان الفارق في مقام الظهور فلابد له من بيان المحتملات في المسألتين، وقد فرغنا عن محتملات بيع صاع من الصبرة، وقلنا إن الظاهر من بينها هو الكلي في المعين. وأما محتملات القضية الاستثنائية فأربعة بعد بطلان الفرد المردد

[ 303 ]

الاول أن يكون كل من المستثنى منه هو المستثنى كليا، بأن يكون المقصود بيع كلي من الثمرات وأتى بالاستثناء لمجرد تحديد المبيع الكلي، ففي مثل بيع ما في الصبرة إلا الواحد قد يقول: " بعتك تسعة صيعان منها " إذا كانت الصبرة عشرة، وقد يقول: " بعتك الصبرة إلا الواحد " أو " بعتك عشرة إلا واحدا " فيكون البيع بحسب الجد متعلقا بتسعة كلية في الصبرة مع اختلاف في ألفاظ الانشاء، فالالفاظ في الكل مستعملة في معانيها الحقيقية، لكن يستفاد من المستثنى والمستثنى منه ما يستفاد من القضية الاولى بحسب الجد، ولازم ذلك عدم الفرق بين المسألتين لا في ناحية البائع ولا المشتري، بل هو عين بيع الكلي في المعين مع اختلاف في التعبير، فيكون جميع الثمرات الخارجية ملكا للبائع، وله التصرف فيها بمقدار الاستثناء، كما أن له اختيار التعيين، وليس ملك كل من البائع والمشتري كليا كما يظهر من الشيخ (قده) بل ملك المشتري كلي في المعين، وملك البائع جميع الصيعان أو الثمرات الخارجية، وانما اعتبر الكلي في الصبرة أو في ثمرات البستان. الثاني أن يكونا جزئيين بأن باع الثمرات الموجودة خارجا واستثنى منها أرطالا خارجية، ولابد في صحة هذا القسم من حمل الارطال على الاشاعة، لعدم وجود الفرد المردد والمبهم، والمفروض عدم إخراج أرطال معينة معلومة أو مجهولة، مع أنه على هذا الفرض يقع باطلا أيضا، فلا محالة تحمل على الاشاعة، ولازم الشركة عدم استقلال البائع وكذا المشتري في التصرف وفي تعيين حق صاحبه كما أن لازمها حساب التلف عليهما. الثالث أن يكون المستثنى منه جزئيا خارجيا والمستثنى كليا، بأن يكون المستثنى منقطعا وأراد بيع الجميع وتملك صاع كلي أو أرطال كلية في المعين، ولازمه على فرض صحته صيرورة جميع ما في الخارج

[ 304 ]

ملكا للمشتري، وكلي في المعين ملكا للبائع، ويكون حال المشتري حينئذ حال البائع في بيع صاع من الصبرة، وحال البائع حال المشتري فيه، فللمشتري التصرف مستقلا وله التعيين. الرابع عكس الثالث، والمستثنى منقطع ايضا، ويحمل على الاشاعة، لعدم إمكان غيرها أو بطلانه. ويكون المراد بحسب الواقع بيع كلي ما عدا مقدار المستثنى، وإنما أتى بنحو الاشاعة، واستثنى الخارج الدال على تحديد ما استقل بالتصرف فيه كناية عن مقدار المبيع، فيكون الخارج ملكا للبائع، له استقلال التصرف بمقدار لا يوجب إفناء مصداق المبيع، وبيده التعيين، فيرجع لبا إلى الوجه الاول، هذا بحسب التصور. وأما بحسب الاستظهار العرفي فيمكن الفرق بين تراكيب الجمل، ففيما إذا قال: " بعتك ثمرة هذا البستان إلا عشرة أرطال منها " بأن قدم المبيع أي الثمرة على الاشارة، يمكن أن يقال: إن المستثنى منه كالمستثنى ظاهر في الكلي، لان لفظ الثمرة موضوعة لنفس الماهية، والاضافة لا توجب الخروج عن الكلية بعد ورود استثناء كلي منها، هذا مثل أن يقال: " بعتك صيعان هذه الصبرة إلا خمسة " فان الاضافة انما تفيد الجزئية إذا لم يمكن معها استثناء عنوان كلي، وأما معه فلا دلالة لها على الجزئية، بل يمكن أن يجعل المستثنى الظاهر في الكلي قرينة على كلية المستثنى منه وموجبا لعدم الانصراف إلى الجزئي لو قيل بالانصراف مع اضافة الثمرة إلى البستان الخارجي. وليس الامر دائرا بين إرادة مصداق الكلي بحسب الجد وابقاء الانصراف على حاله وبين إرادة نقس الكلي ورفع اليد عن الانصراف حتى يقال إرادة المصداق أولى، لان الانصراف لا يوجب استعمال الكلي في الجزئي حتى يخالف الظاهر، بل يوجب تعيين الارادة الجدية بتعدد الدال

[ 305 ]

والمدلول، فالانصراف وظهور الاستثناء في الاتصال يعينان الارادة الجدية بعد استعمال الالفاظ في معانيها الحقيقية، نظير قوله هذا الانسان كذا مشيرا إلى زيد، فان لفظ الانسان لم يستعمل في زيد، بل استعمل في معناه، والاشارة تفيد الانطباق وتعين الارادة الجدية، وأولى بذلك ما إذا قدم الاشارة على الثمرة، فقال: " بعتك هذه الثمرات إلا خمسة صيعان " فان الاشارة تدل على أن المبيع شخص الثمرة، والاستثناء ظاهر في الاتصال، فلا محالة يكون المستثنى جزئيا أخرج من الجزئيات، ويقدم على ظهور المستثنى في الكلي، لان ظهوره في ذلك لا ينافي الحمل على الجزئي من باب تعدد الدال والمدلول، وذلك لان الامر في المقام دائر بين إرادة المصداق مع خصوصية الاشاعة، وهي أمر زائد على نفس المصداق وبين الحمل على الكلي، وانكار الانصراف ورفع اليد عن ظهور الاشارة في المشار إليه الجزئي وترجيح أحدهما على الآخر غير ظاهر لو لم نقل بترجيح عدم الانصراف في المثال الاول، فان الحمل على الاشاعة يحتاج إلى دلالة مفقودة في اللفظ، والحمل عليها لاجل عدم تحقق مصداق الكلي بما هو، وبعبارة أخرى الحمل عليها بدلالة عقلية لا يرجح على الحمل على مقابله. ويمكن أن يقال بملاحظة الاشباه والنظائر أن المستثنى منه نفس الخارج، والمستثنى كلي في المعين بدعوى أن استثناء الكلي في المعين لا يعد عرفا من المنقطع، ولا يكون مخالفا للظاهر في نظر العرف، فلو أشار إلى قطيع غنم وقال: " بعتك هذه القطيعة إلا واحدا منها " فلا مجال للحمل على الاشاعة بمعنى استثناء مقدار واحد مشاع في الجميع كما هو واضح، ولا على مصداق خارجي معين أو غيره، بل يحمل على عنوان كلي قابل للانطباق على كل فرد فرد بدلا، ولعل السر في عدم الانقطاع عرفا هو أن اعتبار الكلي في المعين يوجب نحو وحدة بينهما لا يعد أحدهما غير الآخر في نظر

[ 306 ]

العرف خارجا ولو بنحو من المسامحة المغفول عنها. وبالجملة لا يري العرف في قوله: " بعتك القطيعة إلا واحدا منها " ارتكاب خلاف ظاهر، ولا يرونه مثل قوله: " جائني القوم إلا حمارا " فالاستثناء متصل عرفا أو كمتصل لا يخالف الظاهر في نظرهم. نعم هنا إشكال آخر، وهو أن الاستثناء إخراج بعد ما ملكه للمشترى لا تملك جزء بعد تمليك الجميع له، فضلا عن تملك كلي بعد تمليك الجميع، ويمكن دفعه بأنه - بعد ما كان بناء العرف في أشباه المقام على كون حق التعيين للمشتري، وأن له التصرف استقلالا، وأن المتفاهم عرفا من نحو قوله: " بعتك هذه القطيعة إلا واحدا " أن المبيع هي القطيعة الخارجية، والمستثنى واحد منها كليا - لابد من متابعتهم في المقام ونحوه وتوجيه الكلام بما يوافق المتفاهم العرفي. ويمكن التوجيه بما أشرنا إليه من أن الاستثناء ليس بنظرهم منقطعا، وأن للبائع جعل كلي في المعين لنفسه، ومع قبول المشتري يكون الصبرة أو الثمرة له، ومقدار بنحو الكلي في المعين للبائع، ولو سمى ذلك تلقيا من المشتري لبا فلم نبال به بعدما كان موافقا لنظر العرف، وكانت الاشاعة بعيدة جدا سيما في مثل استثناء شاة من القطيعة، فان من الضروري عدم الاشاعة ومعلوم أن الاستثناء في الثمرات لا يكون بحسب نظر العرف غير ذلك، كما أن حمل المستثنى منه على الكلي أيضا خلاف عمل العقلاء فيما إذا باع ثمرة البستان إلا صيعانا معلومة، واللازم في أمثال المقامات النظر إلى سوق العقلاء وعملهم وبنائهم، لا النظر إلى القواعد العقلية أو العربية وتحميلها على العقلاء، وقد اتضح حال بنائهم وعملهم. وعليه لا ينبغي الاشكال في أن حال البائع هاهنا حال المشتري في مسألة بيع صاع من الصبرة، وأن التلف لا يحسب إلا على المشتري،

[ 307 ]

وهو مستقل في التصرفات وفي تعيين حق البائع، وما نسب إلى الفقهاء من أن التلف عليهما لا وجه معتد به له، وليست الشهرة بل الاجماع في مثل تلك المسائل الفرعية التي تخلل فيها الاجتهاد حجة قابلة للاعتماد عليها، والتوجيهات التي تكلفها الاعلام لا تغني من الحق شيئا، مع أنه لا تنحل بها العقدة نوعا، ولقد أجاب الشيخ (قده) ومن بعده عن كثير منها. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) - من توجيه كلام المشهور على فرض عدم الاشاعة قبل التلف واختصاص الاشتراك بالتالف بدعوى أن المتبادر من الكلي المستثنى هو الكلي الشائع فيما لا يسلم للمشتري، وأن هذا هو الفارق بين المسألتين بعد اشتراكهما في التنزيل على الكلي، وعلى فرض الاشاعة من أول الامر أن المستثنى منه والمستثنى ظاهران في الكلي، فكل من البائع والمشتري مالك لعنوان كلي، والموجود مشترك بينهما، فيحسب التالف عليهما، لان تخصيص أحدهما به ترجيح بلا مرجح، بخلاف ما إذا كان المبيع كليا، فان الباقي ليس ملحوظا بعنوان كلي، وأن مال البائع في هذا الفرض وان كان كليا بعد بيع كلي لكن ملكية البائع ليس بعنوان كلي حتى يبقى ما بقي ذلك العنوان ليكون الباقي بعد تلف البعض صادقا عليه وعلى عنوان الصاع على نهج واحد ليجئ الاشتراك، فإذا لم يبق إلا صاع كان الموجود مصداقا لعنوان ملك المشتري فقط، انتهى ملخصا - فليس بوجيه. أما على الفرض الاول فلانه - مضافا إلى أن إرادة الكلي في المعين في غير التالف والاشاعة في التالف مما لا يمكن افادتهما بلفظ واحد، فقوله " إلا صاعا " إما يراد به الكلي أو المشاع، وعلى فرض إمكان إرادتهما بتكلف لا شبهة في عدم كونهما مرادا للمتكلم - لا يكون التالف في حال عدمه وتلفه شيئا حتى يعتبر ملكا أو ملكا مشاعا، فدعوى التبادر في مثله مخالفة للعقل والاعتبار، على أن الاشاعة بعد التلف لا تصحح كون التلف عليهما

[ 308 ]

بعد فرض أن التلف وقع على مال المشتري، لعدم الاشاعة حين التلف، وإن كان المراد أن الاشاعة وقعت قبل التلف آناما فهذا أفسد، وإن كان المراد أن ما سيتلف في علم الله يكون مشاعا فكذلك، مع أنه على فرض العلم بوقوع التلف فيما بعد سقط استقلال المشتري. وأما على الفرض الثاني فلانه - مضافا إلى أن لازمه كون كل من البائع والمشتري بعد عقد البيع مالكا لامرين: أحدهما الصبرة الخارجية بنحو الاشتراك، والثاني الكلي في المعين وهو مما يأباه العقل والعقلاء ولو لم يكن الخارج ملكا لواحد منهما فهو أفسد - لا بكون المشتري على فرض الاشتراك كما هو صريحة مستقلا في التصرف ولا في تعيين حصة البائع، هذا مضافا إلى أن ملك البائع في فرض بيع صاع من الصبرة إذا صار كليا كما أفاده فلا محالة يصير الخارج مشتركا بينهما، فيكون التلف عليهما، والعجب أنه مع تسليمه بقوله: " نعم " كون ملك البائع كليا أنكر كون ملكية البائع له بعنوان كلي، مع امتناع كون ملكه كليا وملكيته له غير كلي، والمظنون أن الشيخ الاعظم (قده) أراد ذكر وجه للمشهور لا تصديق ما ذكر. وقد يقال: إن المبيع في بيع الصاع من الصبرة والمستثنى في مسألة الاستثناء كلي، ولا وجه للاشاعة، إلا أن المشتري في الاول لا يملك إلا الكلي المجرد عن جميع الخصوصيات، فلا يحسب التالف عليه، وأما البائع في الاستثناء فيملك الكلي مع الخصوصية فيحسب التالف عليهما، ومقتضى استحقاقه الكلي أن يستحق الباقي لو أتلف المشتري مقدارا من الثمرة، لانه لم يكن شريكا معه مشاعا، وعلى فرض حصول الاشاعة بعد العقد فجواز تصرفه انما هو لبناء المتعاقدين نوعا في هذه المعاملة على استقلال المشتري، فكأنه شرط ضمني، ومع هذا البناء يكون تصرفه موجبا لانصراف حقه قهرا إلى التالف، ومن التصرف الاتلاف، انتهى ملخصا

[ 309 ]

وفيه أنه لا ملاك للفرق بين الكلي في الصبرة والمستثنى إذا كان المستثنى منه كليا كالمستثنى، كما لا ملاك له إذا كان المستثنى كليا مع جزئية المستثنى منه، وإن كان المراد أن ملاك الفرق انما هو من جهة ظهور الاستثناء في الاتصال، فلازمه أن يكون المستثنى جزئيا خارجيا، وهو ملازم للاشاعة على ما ذكروه، وهو منكر لها، مضافا إلى أن تلك الخصوصية إن كانت خارجية وملازمة للمستثنى فلا يعقل أن يبقى المستثنى كليا مع أنه قائل بكليته، وإن كان المراد إضافة الكلي إلى الخصوصيات فالكلي في المعين أيضا مضاف إليها، إذ لا يكون كليا مجردا في الذمة، وإن كان المراد الخصوصيات على نعت الكلية فيكون المستثنى صاعا متصفا بخصوصية كلية، أي عنوان كونه من محل كذا أو بلد كذا أو بوصف كذا مما ينطبق على كل ما في الصبرة، فيكون من قبيل ضم كلي إلى كلي قابل للانطباق على كل ما في الصبرة، فهو لا يوجب كون التلف عليهما. ثم إن ما ادعى من بناء المتعاملين على استقلال تصرف المشتري لاأصل له ولا دليل عليه، وانما استقلاله لاجل كون الخارج له، والمستثنى كليا في المعين بقرارهما كما تقدم، ولازم ما ذكره أن يكون بناء المتعاملين على إباحة تصرفه فيه، وعند الاتلاف أو التصرف النقلي تقع المبادلة بين ماله ومال البائع، وهو كما ترى. والانصاف أن ارتكاب تلك التكلفات مما لا داعي له بعد عدم ثبوت الشهرة في المسألة، وعدم حجيتها في تلك المسألة الاجتهادية على فرض الثبوت. ثم إنه حكي عن الشهيد (قده) أن أقسام بيع الصبرة عشرة، والمراد أعم من البيع الصحيح، فعليه تكون الاقسام أكثر، والظاهر بلوغها إلى ثلاثين أو أكثر، والصحيح منه أيضا أكثر مما ذكره الشهيد (قده)

[ 310 ]

وغيره، والامر سهل. والعمدة صرف الكلام إلى حال بيع مقدار لم يعلم اشتمالها عليه، والاولى توسيع نطاق البحث، لكونه مفيدا في غير مقام، فنقول: قد يقع البيع على الصبرة الخارجية، وهو على أقسام: منها أن يقع على نفس الصبرة من غير تعلقه بالصيعان، كما لو قال: " بعتك هذه الصبرة بكذا " ومنها أن يقع على جميع ما في الصبرة بأن يقول: " بعتك جميع تلك الصيعان بكذا " ومنها أن يقع على كل صاع بأن يقول: " بعتك كل صاع فيها بكذا ". فلو أحرز المتبايعان اشتمال الصبرة على الصيعان المذكورة يصح البيع في جميع الصور، وان ظهر التخلف ففى الصورتين الاولتين يخير المشتري بين القبول والفسخ لخيار تبعض الصفقة، ومع القبول هل يرد الثمن إليه بمقدار التخلف لتوزيع الثمن على الصيعان أولا، لان الثمن وقع في مقابل الموجود على الصورة الاولى وعلى الجميع بنحو الوحدة على الثانية؟ بل يمكن أن يقال: إن البيع في الصورة الاولى لم يقع مبنيا على العشرة مثلا، بل وقع على الخارج مع إحراز كونه عشرة وفي مثله لا يثبت الخيار، بل البيع صحيح لازم، وأما في الصورة الثانية فهو مبني على العشرة، فله الخيار والقبول بلا توزيع الثمن، والمسألة لا تخلو من إشكال. وأما في الصورة الثالثة فالظاهر الصحة في المقدار الموجود والبطلان في المفقود ولا خيار له، لان العقد وقع على كل صاع، وينحل عرفا إلى بيع كل صاع بل إلى مبايعات عرفا، فهاهنا صفقات عديدة، والشاهد عليه أنه في الصورتين الاولتين لو لم يعلم أن مقابل كل صاع أي مقدار من الثمن لا يضر بالصحة، لان محط البيع الصبرة أو جميع الصيعان معا لا

[ 311 ]

كل واحد منها، والثمن في مقابل ما ذكر، وهو معلوم، وبعبارة أخرى يعتبر العلم بالثمن والمثمن وهما الصبرة أو جميعها وتمام الثمن، ولا يعتبر العلم بأن في مقابل كل صاع أي مقدار من الثمن. وأما في الصورة الاخيرة فبالعكس، فانه لو لم يعلم مقدار مجموع الثمن وأن أي مقدار وقع في مقابل تمام الصبرة لا يضر بالصحة، فلو كانت المعاملة في تلك الصورة أيضا واقعة على الجميع أو المجموع كان اللازم العلم بالثمن الذي في مقابلهما، ولم يكف العلم بأجزاء الثمن في مقابل كل صاع، لانه لم تكن الصيعان متعلقة للعقد فرضا، مع أن صحة البيع في تلك الصورة مع جهالة المجموع واضحة، لعدم الغرر والجهالة بلا شبهة. فعلى ذلك لو لم يحرز اشتمال الصبرة على العشرة فباع الصبرة أو جميعها بطل البيع لو قلنا بأن الغرر بمعنى الجهالة أو قلنا باعتبار العلم بالثمن والمثمن ولو لم يكن الغرر بمعناها، ولا إشكال في أن الخيار لا يوجب حينئذ الصحة، لا لان الخيار من الاحكام، ولابد من نفي الغرر مع قطع النظر عن الخيار، بل لان ثبوت الخيار لا يرفع الغرر بمعنى الجهالة، ولا يوجب العلم بالمثمن. وقد اضطربت كلمات الشيخ الاعظم (قده) وغيره في الغرر، فتارة جزموا بأنه الجهالة، وأخرى يظهر منهم أنه بمعنى الخطر أو الاقدام على ما لا يؤمن معه من الضرر كالمقام، فان عدم الغرر عرفا على ما ادعاه انما يستقيم بناء على كونه بأحد المعنيين الاخيرين، وأما بناء على كونه بمعنى الجهالة، فلا شبهة في عدم رفعها بالخيار. نعم لو قلنا بأن الغرر بمعنى الخطر أو الاقدام على ما لا يؤمن معه من الضرر فيمكن أن يقال بالصحة في جميع الصور لاجل الخيار، لان ما يرفع به الخطر ليس واقع الخيار حتى يتوهم الدور، بل القطع بالخيار

[ 312 ]

يرفعه ولو كان مخالفا للواقع، فلا تتوقف الصحة على الخيار، مع أن التوقف المعتبر في بطلان الدور ليس في مثل القيام، بل الظاهر أن المقام من قبيل الدور المعي، هذا كله بناء على تعلق البيع بالصبرة الخارجية. وأما إذا كان المبيع كليا في المعين وشك في اشتمالها عليه كمن باع عشرة أصوع منها مع الشك في اشتمالها عليها فالظاهر أن المبيع عنوان العشرة في الصبرة، ولا يكون من قبيل القسم الاول وهو واضح، ولا الثالث لان الصيعان لم ينظر إليها بنفسها، بل المورد لعقد البيع والمنظور فيه هو العنوان الكلي أي العشرة مثلا، ومع الشك في الاشتمال يشك في الصحة، للشك في تحقق المصداق للمبيع، فيكون الحكم بالصحة مراعى، فان تبين الاشتمال صح وإلا بطل، وأما البطلان للغرر فقد مر في باب اعتبار القدرة على التسليم المناقشة فيه لو كان بمعنى الجهالة، وقلنا: إن نفس المبيع والثمن معلومة لا جهالة فيها، والظاهر من " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " (1) هو الجهالة فيه، وجهالة تحقق المصداق في المقام مع كونها خارجة عن البيع وغير مشمولة للدليل لا توجب البطلان للغرر، لان اعتبار الشروط بعد تمامية ماهية البيع، ومع الجهل باشتمال الصبرة على المقدار يشك في صدق البيع، كما لو باع شيئا بتخيل الوجود فبان أنه معدوم. ثم مع الغض عما ذكرنا والتمسك بدليل الغرر فمع الجهل بالاشتمال هل يصح مع قيام الامارة العقلائية على الاشتمال ومع فقدها هل يصح بالاصل لو كان له حالة سابقة؟ أقول: إن قلنا بأن المعتبر في صحة البيع هو العلم - أي الصفة الخاصة، وتكون تلك الصفة موضوعة لا كاشفة - فلا يصح الاعتماد على الظنون الخاصة إلا أن تدل أدلة اعتبار الامارات والاستصحاب على قيامها مقام القطع بما هو صفة خاصة، وقد حقق في


(1) سنن البيهقي - ج 5 - ص 339

[ 313 ]

الاصول عدم الدليل على ذلك، أما في خبر الثقة فلان الدليل على اعتباره ليس إلا بناء العقلاء الممضى شرعا، وليس في الكتاب والسنة ما يدل على حجية خبر الثقة تأسيسا، بل كلها أدلة إمضائية، ومعلوم أن بناء العقلاء على العمل بالامارات الظنية ليس من جهة قيامها مقام العلم، بل هي معتبرة ومعتمدة بنفسها في قبال العلم، نعم مع وجود العلم لا معنى للامارة. وأما في البينة فلانه لا يظهر من أدلة اعتبارها تنزيل البينة منزلة العلم لا في باب القضاء ولا في غيره، كخبر مسعدة بن صدقة (1) فان صدرها وإن دل على أن كل شئ حلال إلا أن يعلم أنه حرام ثم بعد عد اشياء قال: " الاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " ويوهم الصدر والذيل أن البينة بمنزلة العلم، لكن ذيلها جعل العلم عديل البينة وعطف بكلمة " أو " والاظهر فيه أن العلم المأخوذ في الصدر أعم من العلم الوجداني ومن الوثوق والظن المعتبر، كما أن لذلك التعميم شواهد في موارد مختلفة، لا أن المراد منه العلم الوجداني وأن البينة تقوم مقامه، وأما الاستصحاب العقلائي فمع عدم ثبوته بل الظاهر عدم بنائهم على العمل بعنوان الاستصحاب، نعم ربما يكون الثبوت في السابق موجبا للوثوق ببقائه، لكنه في مثل المقام لا وجه له، لا يزيد على خبر الثقة في أن العمل به ليس لقيامه مقام العلم، وأما الاستصحاب الشرعي فدليله قاصر عن إثبات إقامة الاستصحاب مقام القطع بما هو صفة خاصة، نعم لا يبعد قيامه مقام القطع الطريقي بدعوى أن الاعتبار فيه هو التعبد بترتيب أثر اليقين في زمان الشك، ومحط أدلته هو اليقين الطريقي وإرادة القطع بما هو صفة خاصة مع الطريقي على فرض جوازها لا تستفاد من أدلته، لعدم الاطلاق أو للشك فيه.


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 4

[ 314 ]

هذا مع الغض عما تقدم والبناء على جواز التمسك بالنبوي في المقام، مع البناء على كون الغرر هو الجهل الوجداني مقابل العلم كذلك، أي العلم الحقيقي لا ما هو أعم منه ومما يحصل بالامارات، كما هو الشائع في استعمال الشارع على الظاهر، فانه لا اشكال في رفع الغرر بها. ثم إنه بناء على ما هو الحق من أن دليل الغرر على فرض كونه بمعنى الجهل لا يشمل المقام، وانما المستند للبطلان إما مثل قوله صلى الله عليه وآله: " لا تبع ما ليس عندك " (1) بناء على شموله للمقام أو عدم تحقق عنوان البيع لو لم يشتمل الصبرة على المبيع، فمع القطع بالاشتمال يصح في الظاهر، ومع كشف الخلاف ينكشف البطلان في الجيمع، لان البيع وقع على عنوان لم يتحقق في الخارج. وما هو متحقق ليس مصداق العنوان، فان العشرة التي هي متعلقة للعقد لا تصدق على الخمسة ونحوها مما هو دون العشرة، والمفروض أنه بيع واحد تعلق بعنوان كلي واحد لا بكليات عديدة يكون لكل مصداق، وفي مثله يبطل البيع، ولا يقاس المقام ببيع الموجود الخارجي على أنه عشرة، أو بيع المشار إليه بعنوان أنه عشرة بأن يقول: " بعتك هذه العشرة " فان البيع في مثله وقع على الموجود الخارجي، ومع التخلف يكون له الخيار، أما للتبعض كما هو الظاهر أو للشرط أو الوصف. وأما الكلي فهو عنوان وحداني لا ينطبق على الناقص أو الزائد عليه، فباع عنوانا لا مصداق له، فلا وجه لخيار التبعض هاهنا، والفرق بين المبيع الخارجي والكلي هاهنا كالفرق بوجه بين بيع فرس خارجي بوصف أنه عربي مثلا وبين بيع الفرس العربي بنعت الكلية، فان المبيع في الاول الموجود الخارجي، ومع التخلف له خيار تخلف الوصف، وأما في الثاني


(1) سنن البيهقي - ج 5 - 338

[ 315 ]

فلا ينطبق الكلي على غير العربي، فلو انكشف أنه لا واقعية له أصلا بطل البيع. إلا أن يقال: إن العرف في مثل المقام يساعد على الصحة في الموجود ويرى أن البيع وقع على عنوان بعضه موجود نظير بيع ما يملك وما لا يملك صفقة واحدة وكذا بيع ما يملكه وما لا يملكه، فان الصحة الفعلية في المملوك والبطلان أو الفضولية في غيره عرفية، فصدق عنوان العشرة وإن توقف على وجود تمام العشرة لكن يرى العرف أن في بيع العشرة نقل الخمسة ضمنا، وهذا كاف في الصدق، أي صدق بعض المبيع على الخارج، فيكون له الخيار بعد صحته في البعض وبطلانه في الآخر لتبعض الصفقة، ولعل الاول أوفق بالقواعد والثاني بنظر العرف. ثم إنه بناء على هذا الفرض أي كون المستند قوله صلى الله عليه وآله: " لا تبع ما ليس عندك " (1) أو فقد المبيع وعدم صدق البيع معه يصح إحراز الموضوع بالامارات العقلائية وبالاصل من غير شبهة الاثبات، وهو واضح. ولو باع جميع الصبرة كل صاع بكذا فمع عدم العلم بمقدار الصبرة بطل لو كان المستند حديث الغرر (2) بناء على كون الغرر بمعنى الجهل أو كان المستند بعض الروايات السابقة الدالة على اعتبار العلم بالمثمن والثمن، وصح لو كان المستند الحديث وكان الغرر فيه بمعنى الخطر أو الاقدام على ما لا يؤمن معه من الضرر، ضرورة عدم الخطر والضرر فيه، وكذا لو كان المستند ما دل على بطلان البيع جزافا، كصحيحة الحلبي (3) المتقدمة، لعدم صدق الجزاف في المقام، ومورد الصحيحة


(1) سنن البيهقي - ج 5 - ص 338 (2) سنن البيهقي - ج 5 ص 339. (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1

[ 316 ]

هو بيع العدل مجموعا بغير كيل، ولكن الظاهر تسالمهم على اشتراط العلم بالمبيع كيلا أو وزنا، وإن استظهر الشيخ الاعظم (قده) من الاطلاق المحكي عن عبارتي المبسوط والخلاف التعميم لصورة الجهل بمقدار الصبرة وقال: وعن الكفاية نفي البعد عنه. مسألة: لو شاهد عينا في زمان سابق على العقد عليها ففيه صور تعرض لبعضها الشيخ الاعظم (قده). منها - ما إذا اقتضت العادة تغيرها عن صفاتها السابقة إلى غيرها المجهول عند المتبايعين، فحينئذ إن علم المشتري أن البائع مثله في عدم إحراز الحالة السابقة فعلا بل وفي الوثوق بالتغير إلى شئ مجهول عنده فلا يصح البيع ولا الاتكال على التوصيف، ولا يخرج البيع بالتوصيف عن الغرر، لان الاعيان الخارجية ليست كالعناوين الكلية مما يرتفع الغرر فيها بمجرد التوصيف، فان معرفة العناوين الكلية انما هي بالتوصيف من غير حكاية عن الواقع المتحقق، بخلاف الاعيان الخارجية، فان المعرفة بحالها موقوفة على كون الاوصاف حاكية عنها وموجبة للعلم أو الوثوق بالاتصاف بها. وبعبارة أخرى إن التوصيف الحاكي عن اتصاف الموجود به موجب لمعرفته، لا مطلق التوصيف، وهذا لا ينافي ما قلنا من أن العلم تمام الموضوع كما هو واضح وان اشتبه على بعض، فلو علم المشتري ان البائع جاهل بحال المبيع لا يكون إخباره عنه ولا توصيفه موجبا لرفع الغرر، فانهما لا يفيدان شيئا كالاخبار كذبا والتوصيف الجزاف الذي هو بحكم الاخبار في الجمل التامة، بل إخبار في الحقيقة، ولهذا لا يجوز شرعا توصيف موضوع القضية الاخبارية بما يخالف الواقع، فلو قال جائني زيد العادل وكان فاسفا كذب ولو جاءه، بل لا يجوز

[ 317 ]

التوصيف في خلال الجمل التامة كالاخبارية أو الانشائية بما هو مجهول عنده، كقوله: " بعتك هذا الفرس العربي " أو " رأيت فرسا عربيا " مع الشك في كونه كذلك، لانه قول بغير علم، والنسب الناقصة تصير تامة في خلال الجمل التامة، فقوله: " صل خلف هذا الرجل العادل " شهادة بعدالته، ولا تجوز إلا مع العلم بالاتصاف. فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أن البيع لا يصح إلا بذكر صفات تصحح بيع الغائب مع فرض كون المتعاملين جاهلين بالواقعة الشامل باطلاقه لما فرضناه، وهو صورة علم المشتري بجهل البائع، غير مرضي في المقام، وكذا في العين الغائبة، لان في هذه الصورة لا يفيد إخباره ولا توصيفه شيئا، وما يدل على اعتبار إخبار البائع في الكيل والوزن لا يشمل الاخبار عن غير علم في مورده فضلا عن المقام، نعم لو لم يعلم المشتري حال البائع واحتمل أنه أحرز الصفات التي وصف العين بها صح البيع بالتوصيف المذكور لولا غرريته بالنسبة إلى البائع، كما صح بالاخبار بناء على أن إخباره رافع للغرر بمعنى الجهالة، وأن العلم المقابل لها أمر أوسع من العلم الوجداني كما هو الظاهر في أمثال المقامات. ويمكن الاستشهاد لجواز الاعتماد على التوصيف هاهنا بما يدل على جواز الاعتماد بقوله في الكيل والوزن كما تقدم بدعوى إلغاء الخصوصية، سيما في المقام، فان تخصيص دليل الغرر والجزاف في غاية البعد، فلا يصح الالتزام بتجويز الشارع بيع الغرر والمجازفة في المكيل والموزون إذا أخبر البائع، بل الظاهر أن إخباره يخرج البيع عنهما، فيصح الاعتماد على إخباره وتوصيفه الذي هو بمنزلة الاخبار، بل إخبار حقيقة، وبعبارة أخرى إن الطرق العقلائية يخرج الموضوع عن الجهالة والخطر، كما أنه لو شرط في البيع وجود الصفة صح البيع إذا كان الغرر بمعنى الخطر لما تقدم من

[ 318 ]

رفعه بالخيار، بخلاف ما لو كان بمعنى الجهالة. ومنه يظهر الكلام في الصورة الاخرى، وهي ما إذا اقتضت العادة عدم تغيرها، وفي صورة أخرى، وهي ما إذا اقتضت تغيرها إلى أمر معين وعلم المتبايعان بأن مقتضى العادة تغيرها إلى الصفة الفلانية، ولو احتمل الامران فهو صورة أخرى تعرض لها الشيخ الاعظم (قده) وقال: جاز الاعتماد على أصالة عدم التغير والبناء عليها في العقد، فيكون نظير إخبار البائع بالكيل والوزن، لان الاصل من الطرق التي يتعارف التعويل عليها. وفيه محال أنظار، منها - أن أصالة عدم التغير لو كانت من الطرق العقلائية لكانت مثبتاتها حجة، ومن المعلوم أنه لا يخلو مورد من موارد الاستصحاب الشرعي إلا وفيه هذا الطريق العقلائي، ضرورة أن في جل الموارد يكون الشك في تغير الحالة السابقة كالشك في بقاء الموضوع أو حالاته أو بقاء الحكم ونحوه، ولو لم يكن الشك في مورد في التغير بل كان في البقاء لكان ملحقا به بلا إشكال، لان المناط على فرض كونه عقلائيا هو إدامة ما كان لا عنوان التغير، وعليه يكون الاستصحاب الشرعي محكوما لهذا الطريق العقلائي في جميع موارده، فلا بد إما من الالتزام بأن الاستصحاب طريق عقلائي وأدلته ناظرة إلى إنفاذ الاستصحاب العقلائي، أو الالتزام بكونه محكوما في جميع موارده، فان الطريق حاكم على الاستصحاب، وهو موجب للغويته، فلابد من طرح الاخبار الواردة فيه، وهو كما ترى. ومنها - أنه لا أصل لهذا الاصل مع الشك في التغير عن الحالة السابقة، نعم قد يحصل الوثوق بالبقاء بواسطة جهات، وهو خارج عن الفرض، وهو الاحتمال المقابل للوثوق بالبقاء والوثوق بعدمه المسبب من اقتضاء العادة، بل يمكن الخدشة في أصالة الصحة والسلامة، وعلى فرض

[ 319 ]

الاعتماد عليها فهي غير جارية إلا في فرض واحد، وهو الشك في بقاء الصحة، والكلام أعم كما لا يخفى. ومنها - أن الاصل المذكور لو كان من الطرق المعول عليها لكان رافعا للغرر بناء على كون العلم المعتبر أعم من العلم الوجداني وما يحصل من الطرق العقلائية، وعليه فلاوجه لضم بناء المتعاملين إليه، ولا دخالة له في الصحة، فيهدم جميع ما ذكره رحمه الله تعالى من ابتناء الصحة على بناء المتعاملين، ولو كان الجهل مقابل العلم الوجداني لم يفد بناء المتعاملين أيضا، ضرورة عدم حصول العلم ولا رفع الجهل ببنائهما ولو كان الغرر بمعنى الخطر والاقدام على ما لا يؤمن معه من الضرر فالطريق العقلائي القائم الموجب للوثوق رافع له، نعم لو لم يرفع به أو لم يحصل الوثوق فالبناء الراجع إلى الاشتراط الموجب للخيار لا يرفعه على مبناه وإن صححناه. ثم على فرض كون الاصل من الطرق المعول عليها لو قام طريق آخر على خلافه فان قلنا بأن الاعتماد على الاصل معلق على عدم قيام طريق على خلافه فمع قيامه لا يعول عليه ويقع البيع باطلا، سواء بلغت قوة الظن حدا يلحقه بالقسم الاول وهو ما اقتضت العادة تغيره أم لا، وان قلنا بأنه طريق في عرض سائر الطرق يسقط هو ومعارضه، ويقع البيع أيضا باطلا، سواء حصل الظن القوي بالتغير أم لا، فلا وجه للتفصيل الذي ذكره الشيخ الاعظم (قده). ولو لم يقم طريق عقلائي ولا أصل على التغير ولا على عدمه وكان البيع بالرؤية السابقة يبطل إلا إذا وقع مشروطا على وجود الصفات أو مبنيا عليها، بحيث يرجع إلى الاشتراط وكان المعتبر هو عدم الغرر بمعنى الخطر لا مقابل العلم ولو بالمعنى أعم من الوجداني، ضرورة أن الاشتراط والبناء لا يرفعه، ولو انكشف التغير كان المشتري بالخيار لا البائع، لان

[ 320 ]

مجرد البناء أو اشتراط وجود الصفة لا يكون التزاما من المشتري، ولا يكون هو مشروطا عليه، بل هو يحتاج إلى عناية زائدة. وكيف كان فالخيار لتخلف الشرط، سواء تغيرت إلى صفة زادت المالية بها أم لا، لان خيار الشرط تابع للاشتراط لا للزيادة والنقيصة فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) - من إثبات الخيار للبائع لو تغير إلى ما زادت المالية به وللمشتري إذا تغير إلى ما نقصت - غير مرضي، بل خيار الشرط لهما مطلقا على فرض كون الالتزام منهما، وللمغبون منهما خيار الغبن أيضا. وقد ظهر مما مر أن ثبوت خيار الشرط انما هو في الفرض الاخير وهو إذا كان البيع مبنيا على الشرط، وأما فيما إذا علم المتبايعان بالاتصاف أو قامت الامارة العقلائية عليه أو الاصل - بناء على كونه أمارة عقلائية - فلا موجب للخيار، لان الاتكال على الطرق لرفع الغرر غير بناء المتعاملين الراجع إلى الاشتراط. ثم هاهنا صورا أخر لم يتعرض لها، ونحن نشير إلى بعض منها، وهو ما إذا علم زوال الصفة الموجودة، فتارة يعلم اجمالا قيام أحد الضدين مقامه، وأخرى قيام شئ ذي مراتب مقامه، ويشك في أنه بمرتبة ناقصة قام مقامه أو بمرتبة كاملة، وثالثة يعلم قيام شئ وجودي أو عدم ملكة مقامه، كما لو شك بعد العلم بزوال رائحته الموجودة في أن رائحة مضادة لها قائمة مقامها أو صار الموضوع بلا رائحة، فعلى الاول يتعارض أصل عدم حدوث كل منهما مع الاصل الآخر في لازمه تعارضا بالذات بناء على كون الاصل من الامارات، فأصالة عدم حدوث هذه الصفة لازمه حدوث الصفة الاخرى، وهو معارض بالذات مع أصالة عدم حدوث تلك الصفة وبالعكس وبناء على كونه شرعيا على فرض الجريان يتعارضان بالعرض. وعلى الثاني لو علم أن الكامل لو حصل كان دفعيا فعلم أن الحاصل

[ 321 ]

إما الناقص وإما الكامل دفعة يكون حكمه كالفرض السابق، وأما إن علم بحصوله تدريجا فوجوده إلى مقدار معلوم والزائد مشكوك فيه، وفيدفع بالاصل، ولما كان المثبت منه حجة يثبت كون الضعيف بحده موجودا، ولا معارض لهذا الاصل، إلا أن يقال: الاصل بقاء اشتغال الفاعل أو العلة بالايجاد، فيثبت المرتبة العالية، ويدفع الضعيفة، وفيه أن اشتغاله بالمرتبة التي بعد السابقة مشكوك فيه، لان المفروض أنه تدريجي ولا حالة سابقة له بالاشتغال بالنسبة إلى تلك المرتبة، بل المعلوم عدمه حال الاشتغال بالسابقة، فيدفع بالاصل، إلا أن يقال بجريان أصل بقاء الاشتغال أيضا إذا لم ينظر إلى القطعات، فيسقط جميع الاصول المتقدمة والمتأخرة والسببية والمسببية، لان الفرض حجية المثبتات، وعليها لا تكون الاصول السببية حاكمة على المسببية، وهذا بخلاف الاصول الشرعية. وعلى الثالث يكون عدم اللارائحة مثلا متحققا عرفا بوجود الرائحة الموجودة وإن كان حكم العقل خلاف ذلك، وبعد زوالها واحتمال حدوث رائحة مضادة لها مقارنة لزوالها يحتمل بقاء عدم اللارائحة بحدوث الرائحة المضادة، فيكون من قبيل استصحاب القسم الثالث، ويعارض استصحاب عدم حدوث الرائحة، لان المفروض حجية المثبتات، والامر سهل، وليعذرني المحصلون في التعرض لفروع لا أصل لاصولها، والعذر أن الشيخ الاعظم (قده) جعل هذا من الاصول العقلائية المعتمد عليها.

[ 322 ]

فرعان الاول: لو اختلفا في التغير فادعاه المشتري هل يقدم قوله كما عليه المعظم أو يقدم قول البائع؟ وقيل الورود في المطلب لا بد من ذكر جهات: منها - أنه قد اختلفت كلماتهم في تشخيص المدعي والمنكر، والحق أنهما كسائر الموضوعات موكولان إلى العرف، إذ لا إصطلاح للشارع فيهما ولا في سائر الموضوعات، وتشخيصهما ليس من شأن الشارع، وليس له التصرف في الموضوعات العرفية، نعم له الالحاق بها والاخراج عنها حكما، ولم يرد في المقام ما يوجب التصرف، والموازين الاخر إن رجعت إلى المعنى العرفي أو انطبقت عليه مصداقا فلا اشكال، وإن اختلفت معه فالمرجع هو العرف والمعنى العرفي، ولعل ما قيل من أن المدعي هو الذي لو ترك ترك ينطبق بحسب المصاديق على مصاديق المعنى العرفي. وأما ما قيل من أن المدعي من كان قوله مخالفا للاصل بمعنى أعم من القواعد العقلائية والشرعية والاصول كذلك حتى مثل أصل الاشتغال والبراءة فيمكن الخدشة فيه بأن لا مضايقة للانطباق بحسب المصاديق مع القواعد والاصول العقلائية، كاليد وأصالة الصحة وأصالة الظهور وأمثالها وأما الاصل الشرعي كالاستصحاب فلا يصلح لذلك بعد عدم كونه من الاصول العقلائية، فلو ادعى أحد زوجية امرأة وأنكرتها وكانت سابقا زوجته فشك في بقائها فبحسب نظر العرف يكون المدعي هو الزوج، مع أن الاستصحاب موافق لقوله وقول الزوجة مخالف لهذا الاصل

[ 323 ]

ولو قيل: إن المدعي عرفا من كان قوله مخالفا للحجة ومصداق الحجة لا يلزم أن يكون عرفيا يقال: إن من الواضح أن مفهوم المدعي لغة وعرفا غير ذلك وليس عنوان مخالفة الحجة مساوقا لعنوان الدعوى ودعوى أن مصاديقهما متحدة غير مسموعة. ثم لو قلنا بذلك فلا إشكال في أن الميزان هو الاصل المعتبر شرعا في محط الدعوى، فان كان الاصل مثبتا بالنسبة إلى محطها لم يكن مخالفه مدعيا، لعدم حجيته وإن كان جاريا بالنسبة إلى أثر آخر. ومنها - أن الاعتبار في تشخيص المدعي والمنكر بمصب الدعوى لا بالعناوين الملازمة له أو المترتبة عليه، فلو ادعى أن المرأة زوجته المنقطعة وادعت أنها دائمة لابد وان يلاحظ مصب الدعوى، فيحكم بالتداعي مع عدم أصل لاحد الطرفين، ولا تلاحظ النتيجة بأنها تدعي استحقاق النفقة وهو منكر لذلك، لان دعواها الزوجية غير دعوى النفقة، والميزان في التشخيص هو محط الدعوى، وهو الظاهر المتفاهم من قوله عليه السلام: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " (1). نعم لابد وأن يكون للدعوى أثر بحيث لا يكون الحكم لغوا، فحينئذ لو قلنا بأن الحكم من قبيل الامارات العقلائية والشرعية كما هو الحق فلا يلزم أن يكون الاثر بلا واسطة عقلية، لان مثبتات الامارة حجة، فإذا حكم بشئ ثبتت لوازمه وملزوماته، نعم لو قلنا بأنه من قبيل الاصل فلا بد من أثر شرعي بلا واسطة. ومنها - أنه يتفرع على ما تقدم أن القاضي ليس له إلا استماع الدعوى وتشخيص انها دعوى مسموعة أم لا، وأما ارجاع الدعوى إلى شئ آخر من


(1) الوسائل - الباب 3 - من أبواب كيفية الحكم - الحديث 2 من كتاب القضاء

[ 324 ]

الملازمات أو النتائج فلا سيما إذا انقلب لاجله المدعي منكرا، أو التداعي إلى الادعاء والانكار، فإذا كانت الدعوى على عنوان صحيحة مسموعة ليس له التجاوز عنها واراءة طريق الانقلاب أو ملاحظة عنوان آخر موجب له، والميزان في مسموعيتها كونها ذات اثر ولو بوسائط شرعية كانت أو عقلية. إذا عرفت ذلك فنقول: صور الاختلاف كثيرة نذكر بعضها، الاولى الاختلاف في تغير الصفات حال البيع، فادعى المشتري أنها تغيرت عن حال المشاهدة وانكره البائع، الثانية - الاختلاف في تغيرها قبل القبض، فاتفقا على عدم التغير من حال المشاهدة إلى حال البيع، وادعى المشتري تغيرها قبل القبض ليثبت له الخيار، بناء على ثبوته إذا تغيرت قبل القبض، ففي الصورتين يكون المشتري مدعيا، ويقدم قول البائع، لما عرفت من أن الميزان لتشخيص المدعي مصب الدعوى، ولا إشكال في أن القائل بالتغير مدع عرفا والنافي له منكر، بل إن قلنا بأن المدعي من لو ترك ترك ينطبق على المشتري أيضا، لان البائع والمشتري متفقان في تحقق البيع وتعلقه بالموجود الخارجي، وأن الثمن صار ملكا للبائع والمثمن للمشتري، وانما اختلافهما في تغير أوصافه ليثبت الخيار له، فإذا ترك هذه الدعوى لم يكن نزاع في البين، فلابد له من تسليم الثمن وتسلم المبيع، بل الاصل العقلائي المعتمد عليه على دعوى الشيخ الاعظم (قده) مع البائع، وهو أصالة عدم التغير، نعم لا يجري الاصل الشرعي في الصورة الاولى، لان استصحاب عدم تغير الصفات إلى حال البيع لا أثر له، وإنما الاثر مترتب على تخلف الوصف المبني عليه البيع وعدم تخلفه، وشئ منهما لا يثبت بالاصل، وكذا وقوع البيع مبنيا على تحقق الوصف لا يثبت بالاصل، بل جريانه في الصورة الثانية أيضا محل إشكال إلا على بعض

[ 325 ]

الوجوه، وسنشير إلى تحقيقه، والامر سهل بعد كون نظر العرف متبعا، ولا شبهة في كون المشتري مدعيا عرفا. وأما الوجوه التي ذكرت لتقديم قوله فهي مع الغض عن الاشكال في كل منها مشتركة في خروجها عن موازين القضاء، فان القول بأن المشتري ذو اليد أو ينتزع منه الثمن أو الاصل براءة ذمته مبني على صحة رفع اليد عن مصب الدعوى والرجوع إلى نتيجتها وكذا قول الشيخ الاعظم (قده) من ابتناء المسألة على أن الاوصاف الملحوظة هل هي من قبيل شروط في العقد أو قيود في المعقود عليه وارجاع النزاع على الاول إلى النزاع في اشتراط خلاف هذا الوصف الموجود على البائع وعدمه، وعلى الثاني إلى النزاع في وقوع العقد والتراضي على الشئ المطلق وعدمه مبني على أن الميزان هو نتيجة الدعوى وما ترجع إليه، وهو غير مرضي. ومنه يظهر النظر في المحكي عن التذكرة من أن البائع يدعي علم المشتري بالمبيع على هذا الوصف الموجود والرضا به والاصل عدمه، فانه إرجاع للدعوى من عنوان إلى عنوان آخر، وكذا ما عن جامع المقاصد. ثم إنه قد استدل على تقديم قول المشتري بوجوه: الاول - ما عن الدروس من أن يده على الثمن، وقد أرجع الشيخ الاعظم (قده) هذا الوجه إلى ماعن المبسوط والسرائر، وهو أن المشتري هو الذي ينتزع منه الثمن، ولا ينتزع منه إلا باقراره أو ببينة تقوم عليه، وأرجع قول العلامة (قده) إليه أيضا، حيث تمسك بأصالة براءة المشتري من الثمن، فلا يلزمه ما لم يقر به أو يثبت بالبينة. ولكن الظاهر عدم رجوع واحد منها إلى الآخر، فان التمسك باليد مخصوص بمورد كون الثمن خارجيا تحت يد المشتري والتمسك بأصل

[ 326 ]

براءة ذمة المشتري مخصوص بمورد كونه كليا في الذمة، وما عن المبسوط أعم منهما على الظاهر. وكيف كان ان المسألة بناء على التمسك باليد على وجوه: منها - ما إذا كان الثمن بيد المشتري، فحينئذ تارة يعلم عدم الفسخ، وأخرى يعلم فسخه، وثالثة يحتمل الفسخ وفان علمنا بعدم فسخه فمقتضى دليل السلطنة لزوم تسليم الثمن إلى البائع وعدم جواز منعه عنه، هذا مع قطع النظر عما عن العلامة في التذكرة من عدم وجوب تسليمه في زمن الخيار، وسيأتي إنشاء الله الكلام فيه، وانما الكلام هنا فيما تمسك به الشهيد (قده)، وأما اليد فهي معلومة الحال وأنها تعلقت بمال الغير، ونعلم أنه لا سلطنة لذي اليد عليه لا من قبل نفسه ولا من قبل صاحب المال، والسلطنة على فسخ العقد ليست من شؤون اليد على العين، فالقول بأن اليد ظاهرة في سلطنة ذي اليد على التصرفات وإن قطع بكون الثمن ملك البائع إن رجع إلى هذه الصورة فهو في غاية السقوط، للعلم بأن الثمن للمالك وأنه لا يكون المشتري وكيلا ولا مأذونا من قبله، واحتمال حق فسخ العقد له لا يفيد، ولا يدفع سلطنة المالك على ماله، وليس للمشتري التصرف في العين قبل الفسخ بوجه. وأما في صورة احتمال الفسخ فقد يقال: إن اليد ظاهرة في سلطنة ذي اليد على التصرفات في الثمن وإن قطع بكونه ملك البائع، حيث لا منافاة بين كونه ملكا له بمجرد العقد وكون المشتري مسلطا على التصرف فيه ولو بالفسخ، فلا صارف لظهور اليد في السلطنة المطلقة، ولا مجال لاصالة عدم سبب للخيار بعد وجود الامارة على السلطنة المطلقة وفيه أن أن دليل اعتبار اليد ليس إلا بناء العقلاء، ولم يحرز بناؤهم عليه في مثل المورد لو لم نقل باحراز عدمه، فان يد المشتري على

[ 327 ]

الثمن بعد العقد انما هي على مال الغير باقرار منه، وانما يحتمل تلقيه منه بواسطة الفسخ، وفي مثله ليس اليد معتبرة، فهل ترى اعتناء العقلاء بيد المشتري بعد العقد الصحيح مع مطالبة البائع للثمن باحتمال وجود الخيار والفسخ، بل لو قلنا باعتبارها مع الغض عن دعواه التغير والخيار لكن لازمها انقلابه مدعيا لو فرضنا كونه منكرا، فان دعوى تغير المبيع لازمها دعوى تلقي الثمن من البائع، وهذه الدعوى تهدم اليد لو فرضنا اعتبارها مع الغض عنها، نظير ما إذا ادعى صاحب اليد اشتراء المتاع من المدعي، فان ذلك يوجب انقلاب المدعي منكرا. مضافا إلى أن استصحاب حال اليد على مال الغير أيضا موجب لرفع اعتبارها على تأمل فيه، فدليل السلطنة بعد إجراء استصحاب حال اليد واستصحاب بقاء الثمن على ملك البائع محكم، والاصل منقح لموضوع دليلها، فيحكم بلزوم تسليم الثمن. ويظهر مما ذكر حال صورة العلم بالفسخ مع احتمال الخيار. ومنها - ما إذا كان الثمن بيد البائع بعد ما كان بيد المشتري عقيب العقد، فقد يقال بصحة التمسك بأصالة بقاء سلطنته المطلقة على الثمن، وحينئذ لدعوى حكومة أصالة عدم سبب الخيار وجه، لكون الشك في بقاء سلطنته مسببا عن الشك في ثبوت الخيار بسببه. وفيه أن يد البائع أمارة على الملكية والسلطنة المطلقة، ولازمها نفي سلطنة غيره بنحو الاطلاق، فلا مجال لاستصحاب سلطنة المشتري، والعجب من بعض أهل التحقيق (قده) حيث تشبث في الصورة المتقدمة بظهور يد المشتري في السلطنة المطلقة، وأغفل في هذه الصورة يد البائع مع أن اعتبار يده لا خدشة فيه ظاهرا بخلاف يد المشتري كما مر. ويمكن الخدشة في أصالة عدم سبب الخيار أولا بأن نفي المسبب بنفي

[ 328 ]

سببه عقلي كوجوده بوجوده، ولو فرض كون السبب مجعولا شرعا أو السببية كذلك أو فرض أن المجعول الشرعي هو الملازمة بين تخلف الوصف مثلا والخيار، فان نفي اللازم بنفي ملزومه أو نفي أحد المتلازمين بنفي الآخر عقلي وإن كان جعل اللزوم أو الملازمة شرعيا، نعم لو كان في لسان الدليل جعل الحكم عقيب موضوع أو عقيب سبب بأن يقال: إذا نش العصير حرم صح تنقيح الموضوع بالاصل وسلب الحكم بسلب موضوعه على تأمل في ذلك، إلا إذا كان السلب أيضا بحكم الشرع. ففي المقام لو أحرز أو احتمل أن يكون التغير سببا عند العقلاء للخيار وأن لتخلف الشرط أو الوصف سببية لذلك لا يصح الاستصحاب إلا على القول بالاصل المثبت، وإن أحرز أن الخيار حكم مترتب على تخلف الوصف أو الشرط عند العقلاء وأنه الممضى عند الشارع الاقدس يمكن القول بجريان أصالة عدم التخلف لسلب الخيار على إشكال. وثانيا بأن ما هو موضوع الحكم في ثبوت الخيار وسلبه انما هو السبب الحاصل في العقد وسلبه فيه، لا سلبه بنحو السلب المطلق أعم من سلب الموضوع، أو سلب الظرف، وما هو موضوع الاثر ليس له حالة سابقة يقينية، لعدم العلم بعدم التغير مثلا في العقد، وما هو معلوم لا أثر له، فان عدم تغير الموصوف عن صفته ليس موضوع الخيار ولا سببه، واستصحاب العدم إلى زمان العقد لا يثبت كون سلب التغير في العقد أو كون المعقود عليه غير متغير إلا بالاصل المثبت. ثم إن في تقديم الاصل السببي على المسببي كلاما تعرضنا له في محله وقلنا بصحته في بعض الموارد وعدمها في بعض. ومما ذكرناه يظهر الكلام في الصورة الثالثة، وهي ما إذا كان الثمن قبل العقد بيد البائع، فقد يقال: إن سلطنة المشتري على التصرفات المترتبة

[ 329 ]

على الملك قد انقطعت بالخروج عن ملكه، وسلطنة أخرى له مشكوكة الحدوث، والظاهر منه التشبث في تشخصيص المدعي بأصالة عدم السلطنة. ويرد عليه أولا أن التمسك بيد البائع في المقام أولى من الصورة الاولى، ومعها لا مجال للاصل الموافق أيضا، ولو نوقش في اليد هاهنا فالمناقشة فيها أولى منها في الاولى، وثانيا أن ما هو موضوع الاثر هو أصالة عدم السلطنة على الثمن، وليس لها حالة سابقة، وسلب السلطنة الصادق مع انتفاء عنوان الثمن أي السلب العام لاثبات السلب الخاص بعد وجود الثمن مثبت، هذا كله حال اليد. وأما ما عن الشيخ وابن ادريس (قدهما) - من أن المشتري هو الذي ينتزع منه الثمن، لا ينتزع منه إلا باقراره أو ببينة تقوم عليه - ففيه أن الثمن سواء فرض جزئيا أم كليا صار بالعقد ملك البائع، ولا يمنع المالك عن ملكه إلا باقرار منه أو ببينة، وبعبارة أخرى أن فرض النزاع قبل الفسخ يكون الثمن ملكه في الخارج أو على عهدة المشتري، ومقتضى دليل سلطنة الناس على أموالهم (1) سلب سلطنة الغير، ولزوم الرد مع المطالبة وجواز الانتزاع منه، وعدم جواز منعه، وكذا لو كان بعد الفسخ أو مع الشك فيه، فان استصحاب بقاء الثمن على ملكه يحرز موضوع دليل السلطنة، والقول بأن الثمن لا ينتزع من المشتري لا وجه له، إلا أن يرجع إلى اليد، وقد عرفت ما فيها، مع أن الدليل حينئذ أخص، لان الثمن قلما يتفق أن يكون جزئيا خارجيا. ومنه يظهر الكلام في المحكي عن العلامة (قده) حيث تشبث ببراءة ذمة المشتري من الثمن، ومعلوم أن الظاهر منه هو الثمن الكلي في الذمة، فان الثمن بعد ما صار ملكا للبائع واشتغلت ذمة المشتري به لابد من دفعه ولو مع


(1) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث

[ 330 ]

الفسخ أو الشك فيه، فالاصل مع البائع، هذا كله مع قطع النظر عن الدعوى المحكية عن العلامة (قده) من عدم وجوب تسليم الثمن والمثمن في مدة الخيار وإن سلم الآخر، قيل: والظاهر من المحكي عنه عدم خلاف في المسألة إلا من بعض الشافعية، وفيه تأمل، وعلى فرض دعوى عدم الخلاف فلا يثبت بها ذلك، سيما مع قول الشيخ الاعظم (قده) في أحكام الخيارات، قال: " لم أجد لهذا الحكم وجها معتمدا ولم أجد من عنونه وتعرض لوجهه ". وقد يقال: إن مورد دعوى العلامة (قده) هو الخيارات الزمانية كخيار المجلس والحيوان دون غيرها، وهو موافق للقاعدة، لانه إذا كان الالتزام العقدي متزلزلا فجميع آثار النقل تحت سلطنة ذي الخيار، وفي تلك الخيارات حيث وصل حق ذي الخيار إليه تكون حقيقة الخيار عبارة عن كون أمر العقد بيد ذي الخيار، فجميع آثاره تحت تصرفه، ومنه التسليم والتسلم، بخلاف سائر الخيارات، فان حقيقته فيها عبارة عن ثبوت حق استرداد ما لم يصل إلى ذي الخيار عوضه، فالخيار ابتداء لا يرجع إلى العقد بل ثانيا، فقبل الفسخ لم يرد تخصيص على دليل السلطنة، انتهى ملخصا. وفيه ما لا يخفى، فان تزلزل الالتزام العقدي لا يكون معناه إلا ثبوت خيار الفسخ لذي الخيار. ومجرد ذلك لا يقتضي كون آثار النقل أو آثار العقد تحت تصرفه، فهل هذا إلا مجرد دعوى لا مستند لها، مع أن ذلك لو كان من مقتضيات تزلزله فهو موجود في جميع الخيارات، من غير فرق بين كونه بلا وسط أو معه، إلا أن يدعى أنه من مقتضيات تعلق الحق بالعقد بلاوسط، وهو كما ترى دعوى بلا برهان، مع أن ماهية الخيار في جميع أقسام الخيارات شئ واحد، وهو ملك فسخ العقد أو

[ 331 ]

ملك إقراره وإزالته، وحق استرداد العين بلا وسط لاوجه له، ومعه موجود في جميع الخيارات، وبالجملة لا دليل على ما أفاده، ولا على ماعن العلامة (قده)، ولا مخصص لدليل سلطنة الناس على أموالهم. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) تمسك - بناءا على عدم السلطنة في زمان الخيار - بأصالة عدم سلطنة البائع على أخذ الثمن، وقال: لا مدفع لهذا الوجه إلا أصالة عدم سبب الخيار لو تم. أقول: أما أصالة عدم السلطنة فلا حالة سابقة لها بهذا العنوان الذي ذكره، سواء كان الثمن جزئيا خارجيا أم كليا، لاأن المفروض أن الحكم ثابت لعنوان الثمن والبائع والمشتري، وهذه العناوين لاحقيقة لها قبل تحقق البيع، ومع تحققه يحتمل حصول السلطنة، لاحتمال لزوم البيع. وبالجملة إن ما هو موضوع الاثر هو عدم السلطنة على موضوع متحقق فتكون القضية سالبة محصلة متحققة الموضوع، لا السلب بسلب الموضوع ولا الاعم، والسالبة المتحققة الموضوع غير مسبوقة باليقين، وأما السلب بسلب الموضوع أو الاعم وإن كان مسبوقا به لكن استصحاب القضية السالبة بسلب الموضوع لاثبات الحكم لموضوع مفروض الوجود مثبت، وكذا الحال في استصحاب السالبة الاعم لاثبات قسم منها، فما هو مفيد لا يكون مسبوقا باليقين، وما هو مسبوق به غير مفيد. ولو كان الثمن موجودا في الخارج وأريد استصحاب عدم السلطنة على ذات الثمن قبل تحقق البيع لاثبات عدم السلطنة على الثمن بعد تحققه فهو أيضا مثبت، لانه استصحاب عنوان لاثبات الحكم لعنوان آخر، مضافا إلى أن سلب السلطنة قبل البيع موضوعه أو علته مال الغير، وهو قد ارتفع يقينا برفع موضوعه أو علته، ويحتمل سلب السلطنة على الثمن مقارنا لارتفاعه، فاستصحاب السلب المطلق من قبيل استصحاب القسم الثالث من

[ 332 ]

الكلي، ومعلوم ان استصحاب المطلق لاثبات الحكم لقسم منه مثبت. وأما استصحاب سلب السلطنة عن النقد الخارجي بنحو الاستصحاب الشخصي - بأن يقال: إن الحكم وإن كان على العناوين لكن بعد تحقق المصداق خارجا ينطبق عليه، فالسلطنة المنفية عن مال الغير المتعلقة بالعنوان تنطبق على الموجود الخارجي، فيقال هذا الموجود مسلوب عنه السلطنة، ويحتمل عند تحقق البيع بقاء هذا السلب بقيام علة أخرى مقام الاول فيستصحب عدم سلطنة زيد الذي هو بائع على النقد الذي هو موضوع النزاع، وهذا كاف في تشخيص المدعي وإن لم يرجع إلى كلام الشيخ (قده) فهو أيضا محل اشكال في مثل المقام مما تعلق فيه حكمان بموضوعين مختلفين، فموضوع عدم السلطنة على مال الغير غير موضوع عدم السلطنة على الثمن الذي هو مال نفسه إذا اشتراه ببيع خياري، فلا يكون الحكمان متعلقين بموضوع واحد حتى يقال: إن تبادل العلة قد لا يوجب الاختلاف فلا يعقل أن يكون عدم السلطنة المتعلقة بمال الغير المعلول لكون المال لغيره باقيا بالعلة التي صارت منشأ لعدم السلطنة على الثمن في البيع الخياري، فلا مجال إلا لاستصحاب الكلي، وقد عرفت حاله، فلا وجه لاستصحاب عدم السلطنة بوجه. وأما أصالة عدم سبب الخيار التي جعلها الشيخ الاعظم (قده) مقدمة على الاصل المتقدم فان كان المراد منها ما هو ظاهر كلامه ففيها - مضافا إلى الاشكال الساري في الاصول المتقدمة من عدم الحالة السابقة المتيقنة إن أريد عدم السبب في البيع، وكونها مثبتة إن أريد إثبات عدمه في البيع من استصحاب السلب المطلق أو السلب بنفي الموضوع - أن الشك في سلطنة البائع على أخذ الثمن مسبب عن الشك في كون البيع خياريا، والشك فيه مسبب عن الشك في ثبوت سبب الخيار، فاستصحاب سلب السبب لرفع

[ 333 ]

الشك عن المسبب مع الواسطة غير صحيح، لعدم ترتب الحكم الشرعي المفروض وهي السلطنة على سبب الخيار، بل هي مترتبة على المسبب منه، واستصحاب سلب السبب لاثبات سلب المسبب بلا وسط ثم لترتب سلب المسبب الثاني عليه مثبت، لان عدم المعلول بعدم علته عقلي لا شرعي وإن كانت السببية شرعية. وإن كان المراد منها أصالة عدم تغير المبيع، والظاهر من خلال كلماته فيما يأتي أن المقصود منها الاصل الشرعي لا الاصل العقلائي، ولهذا جعل تقدمه على بعض الاصول الآتية لاجل السببية والمسببية، مع أن الاصل العقلائي أمارة مقدمة على الاصول السببية، وليس تقدمها على الاصول لاجل السببية، وكيف كان ففيها أن أصالة عدم تغير المبيع لاأثر لها، لان حكم الخيار مترتب على تخلف الشرط الضمني أو تخلف الوصف لا على التغير، واستصحاب عدم التغير لاثبات عدم التخلف مثبت، مضافا إلى ورود الاشكال المشترك عليه أيضا، لعدم تيقن عدم تغيره في البيع، وما هو المتيقن لا يصلح لاثبات موضوع الاثر إلا بالاصل المثبت. ومنه يظهر عدم جريان أصالة عدم تخلف الشرط أو الوصف، وعدم جريان أصالة عدم وقوع العقد على الموصوف أو المشروط، وأصالة عدم الخيار لجريان الاشكال الساري في الجميع، مع أن عدم وقوع العقد على المشروط أو الموصوف لا يثبت عدم تخلف الشرط أو الوصف، والثاني موضوع الحكم لا سلب وقوع العقد عليه. ومما ذكرناه ظهر حال ماعن التذكرة من التشبث بأصالة عدم علم المشتري بالمبيع على الوصف الموجود وأصالة عدم رضاه به، وما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في رده من معارضتها بأصالة عدم علمه بوصف آخر ثم التمسك بأصالة عدم التغير وتحكيمها على الاصل المذكور، فانه

[ 334 ]

- مع ورود الاشكال المشترك المتقدم على جميعها، ضرورة أن السلوب المطلقة أو بانتفاء الموضوع لا أثر لها، واستصحابها لاثبات السلب فيه مثبت كما تقدم، وبنحو السلب في البيع غير مسبوقة باليقين - يرد عليها أن علم المشتري بالوصف الموجود أو المفقود وعدمه أو رضاه بهما وعدمه ليس موضوعا لحكم في المقام، وما هو موضوعه هو تخلف الشرط وعدمه، والاصول المذكورة لا تثبت ذلك إلا بوسائط عقلية، وهو من المثبتات الواضحة، كما أن التغير وعدمه ليس موضوعا للحكم، وأصالة عدمه لا أثر لها، وما هو موضوعه لا يثبت بها، كما يظهر وجهه مما تقدم. مضافا إلى أن الشك في علم المشتري ليس مسببا عن وجود التغير وعدمه كما هو واضح، مع أنه على فرض السببية لاوجه لتقدمه على الاصل المسببي بعد عدم كونه منقحا لموضوع الدليل الشرعي حتى يرتفع الشك عن المسبب ببركته، كما أشرنا إليه وفصلناه في محله. وأما ما تمسك به المحقق الثاني (قده) على ما عن جامع المقاصد من أن الاصل عدم وصول حقه إليه فقد أجاب عنه الشيخ الاعظم (قده) بأن ما هو المتيقن من حقه وصل إليه وما يحتمل عدم وصوله محتمل الثبوت وعليه إثباته. وتنظر فيه بعض أهل النظر، وأجاب عن الاصل المذكور بأن مشاهدة العين بمالها من الوصف سمنا كان أو هزالا معتبرة في صحة البيع، وأن متعلق العقد مردد بين السمينة والمهزولة، والحق بالحمل الشائع هي العين بما لها من السمن أو بما لها من الهزال، وكون الحق هي العين السمينة أو المهزولة مشكوك، وعدم وصول كل منهما بعد العقد وقبل أداء العين متيقن إلا أن الحق بالحمل الشائع إن كان السمينة فهو غير واصل وإن كان المهزولة فهو واصل، فالمتيقن عدمه مردد بين ما هو واصل جزما وما هو

[ 335 ]

غير واصل جزما، وهما متباينان لا جامع بينهما، وعنوان الحق لا أثر له فتبين أن أصالة عدم وصول حقه إليه لا أصل له. وفيه أنه خلط بين الاوصاف التي تعتبر مشاهدتها في صحة المعاملة وبين ما هي حق للمشتري، فالعين بما لها من الصفات سواء كانت صفات كمال أو نقص كالهزال والشلل ونحوهما لا بد وأن تكون معلومة، لرفع الجهالة والغرر، وأما ما هي من قبيل الحق للمشتري ويقع النزاع بينه وبين البائع في تغيرها وعدمه فهي صفات الكمال، فلو باع عينا مشاهدة بصفات كمال مبنيا عليها فتغيرت بمقابلاتها من صفات النقص صح القول بأن حق المشتري لم يصل إليه كملا، وأما لو شاهداها بصفات نقص ثم ظهر كونها بصفات الكمال لم يصح القول بعدم وصول حق المشتري إليه، بل لو كان خيار فهو للبائع لا للمشتري، وهو واضح، فالقول بأن حقه مردد بين ما (؟) واصل إليه جزما وما هو غير واصل جزما غير وجيه. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من إمكان بناء المسألة على أن بناء المتبايعين حين العقد على الاوصاف الملحوظة حين المشاهدة هل هو كاشتراطها في العقد أو أنها مأخوذة في نفس المعقود عليه، فيكون المعقود عليه هو الشئ المقيد؟ فعلى الاول يرجع النزاع في التغير إلى النزاع في اشتراط خلاف هذا الوصف الموجود على البائع، والاصل معه. وبعبارة أخرى النزاع في أن العقد وقع على الشئ الملحوظ فيه الوصف المفقود أم لا، ثم تنظر فيه، وقال هذا البناء في حكم الاشتراط من حيث ثبوت الخيار، وليس شيئا مستقلا حتى يدفع بالاصل، فهو قيد ملحوظ في المعقود عليه، فيرجع النزاع إلى وقوع العقد على ما ينطبق على الشئ الموجود حتى يلزم الوفاء وعدمه، والاصل عدمه، ولا يعارض بأصالة عدم وقوع العقد على العين المقيدة بالوصف المفقود ليثبت الجواز، فان عدم وقوعه

[ 336 ]

على العين المقيدة لا يثبت جواز العقد الواقع إلا بعد إثبات وقوعه على غير المقيدة بأصالة عدم وقوعه على المقيدة، وهو غير جائز. وعلى الثاني يرجع النزاع إلى وقوع العقد والتراضي على الشئ المطلق بحيث يشمل الموصوف بهذا الوصف الموجود وعدمه، والاصل مع المشتري ولا يعارض بأصالة عدم وقوعه على الموصوف بالصفة المفقودة، فانه لا يلزم من تعلقه بذلك تعلقه بهذا حتى يلزم على المشتري الوفاء به، وقد قرر أن نفي أحد الضدين بالاصل لا يثبت الضد الآخر، انتهى ملخصا. وفيه مواقع للنظر نذكر مهماتها: منها - أن تسليمه جريان أصالة عدم الاشتراط إن كان شيئا مستقلا منظور فيه، لان عدم الاشتراط مطلقا ليس موضوعا للحكم، واستصحابه لاثبات عدمه في العقد عند وجوده مثبت لا يقال: إن الشرط المستقل عبارة عما ذكر في العقد مقابل غيره، وهو الذي وقع العقد مبنيا عليه، ولما كان ذكر الشرط بعد ايجاب العقد فمع إيجابه يتحقق آن وجد الايجاب فيه ولم يوجد الشرط في ضمنه، فيصح أن يقال: الاصل عدم وقوع الشرط في ضمنه، فانه يقال: إن وقوع الشرط بعد الايجاب وعدم وقوعه بعده لا أثر له، ولا ينفى موضوع الاثر لان الايجاب بنفسه ليس بيعا عندهم، بل يصير بيعا بعد ضم القبول إليه وأصالة عدم الاشتراط بعد الايجاب لاثبات عدمه في ضمن العقد التام أي بعد تحقق القبول مثبت، كما أن أصالة عدم الاشتراط بعد الايجاب وأصالة عدم تحقق قبول الشرط تلو قبول الايجاب لاثبات عدم الاشتراط في البيع أيضا مثبت، مع أن قبول الشرط ليس أمرا مستقلا، بل إذا قال بعد الايجاب الذي يكون الشرط في ضمنه: " قبلت " تم البيع والشرط، فعليه لا وجه لاصالة عدم قبول الشرط تلو قبول الايجاب. لا يقال: هذا على مبنى القوم من أن البيع مركب من الايجاب

[ 337 ]

والقبول، وأما على ما بنيت عليه من أن تمام ماهية البيع منشأ بالايجاب وانما القبول بمنزلة الاجازة في عقد الفضولي فيمكن القول بأن البيع وجد بلا شرط، ثم احتمل لحوق الشرط به وكونه في ضمنه، والاصل عدمه، فانه يقال: نعم إن تمام ماهية البيع هو الايجاب، لكن لا يترتب على تلك الماهية أثر إلا مع ضم القبول إليه، فالنقل الانشائي حصل بفعل الموجب كالنقل الانشائي في الفضولي، لكن الاثر مترتب على النقل الحقيقي والشرط المؤثر الذي هو موضوع الاثر هو الذي وقع تلو العقد الواقعي المؤثر لا تلو الايجاب فقط وإن لم يكن ناقلا حقيقة، وأصالة عدم الاشتراط في البيع غير المؤثر لاثبات عدم وقوعه في البيع المؤثر المشروط بالقبول أيضا مثبتة، ومعلوم أن الاصول النافية يعتبر فيها أن تكون نافية لموضوع ذي أثر. ومنها - أن قوله: " وبعبارة أخرى النزاع في أن العقد وقع على الشئ الملحوظ فيه الوصف المفقود " منظور فيه، فان عدم وقوع العقد على الشئ المذكور لا أثر له بوجه وليس نفيا لموضوع الاثر، فان سلب مطلق غير ناف لموضوع الاثر، واستصحابه إلى زمان وقوع العقد على العين لاثبات عدم الاشتراط في العقد مثبت بلا إشكال. ومنها - أنه مع بنائه على جريان أصالة عدم وقوعه على الشئ الملحوظ فيه الوصف المفقود لا وجه للنظر فيه معللا بأن الشرط ليس شيئا مستقلا حتى يدفع بالاصل، فانه لا إشكال في حصول قيد في العقد المبني على الصفات المشاهدة وإن لم يكن موجودا مستقلا في ضمن العقد، لكن بعد جريان الاصل المذكور يكون مجرى الاصل عدم وقوع العقد الكذائي، فلا ينبغي الفرق بين الشرط المستقل وغيره. ومنها - أنه بعد نفي الشرط المستقل في العقد بني على كون الوصف

[ 338 ]

قيدا في المعقود عليه، مع أن مقابل استقلال الشرط في العقد عدم استقلاله فيه، فسلب استقلاله لا ينتج كونه قيدا في المعقود عليه، لامكان كونه شرطا غير مستقل في العقد لا قيدا في المعقود عليه. ومنها - أن ابتناء المسألة على ما ذكره غير وجيه على مبناه في جريان الاصل، لانه مع القول برجوع القيد إلى المعقود عليه يمكن إجراء أصالة عدم القيد المذكور، أو أصالة عدم تقيد المعقود عليه، أو اصالة عدم وقوع العقد على المعقود عليه مع القيد الملحوظ، أو أصالة عدم كون الوصف مبنيا عليه، فتكون الاصول مع البائع، وهذه الاصول وإن كانت غير أصيلة عندنا لكن اتكل هو على نظائرها، فما الفرق بين أصالة عدم وقوع العقد على الشئ الملحوظ فيه الوصف المفقود لجعل الاصل مع البائع وبين أصالة عدم وقوع العقد على المعقود عليه المتقيد بالوصف المفقود لذلك؟ ودعوى لزوم الاستقلال في جريان الاصل غير مسموعة، بل كل قيد اعتباري أو ملحوظ كان موضع الاثر جرى أصالة عدمه لرفعه، فالتفصيل المذكور غير ظاهر. ومنها - أن أصالة عدم وقوع العقد على ما ينطبق على الشئ الموجود لو أراد بها ما هي ظاهرة فيه أو موهمة له من وقوع العقد على عنوان متقيد بحيث لا ينطبق على الخارج ولا يكون للمعقود عليه تحقق، ولازمه البطلان لعدم وجود ركن المعاملة يرد عليه - مضافا إلى أن الانطباق واللاانطباق شأن الكليات، والكلام في الجزئي الخارجي المشاهد - أن أصالة عدم وقوعه على العنوان لا يثبت عدم وقوعه على المعنون إلا بالاصل المثبت، والنزاع انما هو في المعنون الخارجي، مضافا إلى أن النزاع إذا وقع في الصحة وعدمها تكون أصالة الصحة مقدمة على الاصول المذكورة بناء على جريانها في مثل ذلك، لكن الظاهر عدم إرادته ذلك، بل أراد

[ 339 ]

بها أصالة عدم وقوع العقد على المعقود عليه المتقيد بالوصف الموجود، فلا يكون المشتري ملزما بالوفاء، وفيه أن أصالة عدم وقوع العقد الكذائي بنحو السلب المطلق أو السالبة بانتفاء الموضوع لا يثبت عدم وجوب الوفاء بالعقد الخاص إلا بالاصل المثبت، والعدم بنحو الرابط ليس مسبوقا باليقين وبالجملة يرد عليه الاشكال المشترك. ومنها - أن ما أورد على أصالة عدم وقوع العقد على العين المقيدة بالوصف المفقود لاثبات وقوع العقد على العين غير المقيدة وكذا ما أورد عليها بعد قوله وعلى الثاني من أنه لا يلزم من عدم تعلقه بذاك تعلقه بهذا حتى يلزم على المشتري الوفاء به، فان نفي أحد الضدين بالاصل لا يثبت الضد الآخر وارد على الاصول التي تمسك بها، أي أصالة عدم وقوع العقد على ما ينطبق على الشئ الموجود لنفي لزوم العقد أو لزوم الوفاء به على المشتري، وأصالة عدم وقوع العقد والتراضي على الشئ المطلق بحيث يشمل الموصوف بالوصف الموجود لنفي لزوم الوفاء به، وكذا أصالة عدم وقوع العقد على الشئ الموصوف بالوصف الموجود لنفي ما ذكر وبالجملة الاصول المستعملة في نقيض وقوع العقد لاثبات نفي لزوم العقد أو لزوم وفاء المشتري بالعقد، لان اللازم في إثبات نفي لزوم الوفاء بالعقد الواقع، إثبات أن العقد وقع على ما لا ينطبق على الوصف الموجود، واثبات ذلك بأصالة عدم وقوعه على ما ينطبق غير جائز. مضافا إلى أن نقيض وقوع العقد على الشئ الخاص بخصوصيته رفعه الذي هو أعم من رفع الخصوصية ومن رفع أصل العقد، وفي المقام نقيض وقوع العقد على ما ينطبق على الشئ الموجود هو رفعه أعم من رفع العقد. وبعبارة أخرى هو الرفع المطلق الصادق على رفع العقد وعلى رفع الشئ وعلى

[ 340 ]

رفع الخصوصية، واستصحاب المطلق لاثبات قسم منه مثبت، نظير استصحاب الحيوان الكلي لاثبات فرد منه إذا علم انحصاره بالفرد، فكما أن استصحاب الامر الوجودي المطلق أو الكلي لاثبات قسم منه مثبت كذلك استصحاب الامر العدمي المطلق لاثبات قسم منه كاستصحاب الاعدام المطلقة المذكورة لاثبات عدم وجوب الوفاء بالعقد الواقع بين المتعاملين، فلو صح استصحاب عدم وقوع العقد على ما ينطبق على الشئ الموجود لنفي لزوم الوفاء به صح استصحاب عدم وقوع العقد على الشئ بالوصف المفقود لنفي الخيار لو لم يكن الثاني أهون، لكنهما غير جاريين كما مر مرارا. ومنها قوله: " وعلى الثاني يرجع النزاع إلى وقع العقد والتراضي على الشئ المطلق بحيث يشمل الوصف الموجود " غير متضح المراد، فان أراد ما هو ظاهره فلا إشكال في عدم رجوع نزاعهما إليه، لان النزاع بعد التسالم على كون العقد مبنيا على وصف خاص ملحوظ انما هو في تغير الوصف المشاهد وعدمه، وهو راجع مع الغض عما سلف في أول البحث إلى كون الملحوظ هذا الوصف الموجود أو وصفا آخر صار مفقودا، لا في وقوع العقد على المطلق وعدمه، وهو واضح. مضافا إلى أن استصحاب نفي العقد على المطلق لاثبات نفي الخاص مثبت، وإن أراد بالمطلق ما لم يقيد بالقيد المفقود وان كان مقيدا بالموجود ومراده منه استصحاب عدم تعلق العقد بالوصف الموجود فمع ما في تعبيره بالمطلق يرد عليه ما تقدم. ثم قال رحمه الله: " وبما ذكرنا ظهر فساد التمسك بأصالة اللزوم، لان الشك فيه من حيث الشك في متعلق العقد، فأصالة عدم تعلقه بهذا الموجود وارد على أصالة اللزوم " ثم أورد على أصالة عدم تعلقه بالوصف المفقود بأن أصل عدم تقييد العقد بالوصف المفقود وأخذه فيه نافع غير

[ 341 ]

جار، لعدم الحالة السابقة، وعدم وقوعه على الموصوف جار غير نافع، نظير الشك في كون الماء المخلوق دفعة كرا، فان أصالة عدم كريته غير جارية، وأصالة عدم وجود الكر غير نافعة. أقول: يرد عليه - مضافا إلى ما مر من أن أصالة عدم تعلق العقد بهذا الموجود على نعت السلب المطلق الصادق مع انتفاء الموضوع جارية غير نافعة، وأصالة عدم تعلق العقد المتحقق به غير جارية، لعدم الحالة السابقة، وبالجملة يرد على جل الاصول المتقدمة ما يرد على الاستصحاب في الماء المخلوق دفعة لو شك في كريته، ومضافا إلى أن أصالة اللزوم بهذا العنوان ليس أصلا بوجه، بل هي أمر منتزع من العمومات التى استفيد منها اللزوم أو من استصحاب بقاء العقد إلى ما بعد الفسخ المنقح لموضوع دليل وجوب الوفاء - أن الشك في لزوم العقد المقابل للجواز أي كونه خياريا ناش عن الشك في تحقق سبب الخيار، أي تخلف الوصف أو الشرط الضمني، ضرورة أن ما يتصور هنا من الخيار هو ذلك، وتعلق العقد بهذا الموجود لا يثبت اللزوم بلا وسط، ولا يكون موضوعا للزوم بنفسه، بل ثبوت اللزوم به بواسطة الكشف عن أن العقد لم يتعلق بالوصف المفقود، ولازمه عدم تخلف الوصف. وبالجملة - إن الشك في أن العقد لازم أم لا مسبب عن الشك في سبب الخيار، أي تخلف الوصف، والشك في تخلفه وعدمه مسبب عن الشك في تعلقه بالموصوف بهذا الوصف الموجود أو بوصف آخر مفقود، وتعلقه بالموصوف بهذا الموجود لازمه العقلي عدم تخلف الشرط أو الوصف، هذا في طرف الثبوت والتعلق. وأما في جانب النفي - أي عدم تعلق العقد بالموصوف بهذا الوصف

[ 342 ]

الموجود الذي هو مورد البحث - فلازمه التعلق بالموصوف بوصف آخر، للعلم الاجمالي بأنه إما تعلق بهذا أو بذاك، ولازمه العقلي تخلف الوصف، للعلم بأن المتعلق صار مفقودا، والخيار حكم متعلق بتخلف الوصف، فاستصحاب عدم التعلق بهذا لاثبات التعلق بغيره وإثبات التخلف لاجل فقده مثبت، وتوهم أن أصالة عدم تعلقه بالموصوف بالوصف الموجود نافية لموضوع الحكم فاسد، لما عرفت من أن التعلق بهذا ليس موضوع اللزوم المقابل للخيار، بل كاشف عن الموضوع بواسطة لو لم نقل بواسطتين. ومما ذكرناه يظهر حال وروده على استصحاب بقاء العقد إلى ما بعد الفسخ الذي هو المراد من أصالة اللزوم، فان الشك في بقائه ناش عن الشك في تأثير الفسخ، وهو ناش عن الشك في كون العقد خياريا، وأصالة عدم تعلق العقد بالموصوف بالوصف الموجود لا تصلح لرفع الشك الذي هو موضوع للاصل المذكور، لما عرفت آنفا، فأصالة بقاء العقد أصل بلا معارض منقح لموضوع الادلة العامة، فالقول قول البائع. وأما ما أفاده قدس سره - بعد ذلك - من عدم جواز التمسك بأدلة حرمة أكل المال إلا أن تكون تجارة عن تراض (1) وعدم حل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه (2) والناس مسلطون على أموالهم (3) للزوم العقد، لانها مخصصة بأدلة الخيار، وقد خرج عنها المال الذي لم يدفع عوضه الذي وقع المعاوضة عليه إلى المشتري، فإذا شك في ذلك فالاصل عدم دفعه، وهذا هو الذي تقدم من أصالة عدم وصول حق المشتري


(1) سورة النساء: 4 - الآية 29 (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 3. (3) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث

[ 343 ]

إليه، وبها يثبت موضوع خيار التخلف - ففيه مواقع للنظر. منها - أن التخصيص بأدلة الخيار انما وقع على لزوم العقد المستفاد من الادلة المذكورة بلوازمها أو لوازم لوازمها فان لازم عدم حلية تملك المال بالفسخ عدم سببية الفسخ لحل العقد، ولازم ذلك لزوم العقد، ودليل الخيار يخصص لزوم العقد، سواء في الخيارات المجعولة شرعا كخيار المجلس والحيوان أو الخيارات العقلائية كما نحن فيه، ولازم تخصيصه سببية الفسخ لحل العقد، ولازم ذلك حلية تملك المال بالفسخ، فلازم لازم تخصيص لزوم العقد بالخيار تخصيص لا يحل تملك مال الغير بالنسبة إلى المال الذي كان العقد عليه خياريا، فأصالة عدم دفع العوض لا تصلح لتنقيح موضوع المخصص، ومع عدم ثبوت المخصص يبقى العام على عمومه، ومعه لا يثبت خيار التخلف، فالاصل المذكور غير صالح لاثبات الخيار، وإن شئت قلت: إن العموم مع عدم تنقيح موضوع المخصص حاكم على أصالة عدم الخيار فضلا عن أصالة عدم دفع العوض اللازم منها عدم الخيار، فتدبر وتأمل. ومنها - أن الشك ليس في دفع العوض إلا إذا كان التقييد بنحو يجعل المتقيد مباينا للمطلق ولمقيد آخر، ومعه يكون البيع مرددا بين الباطل والصحيح، وخيارية البيع انما هي بعد الفراغ عن الصحة، فلا معنى لتخصيص أدلة الخيار على هذا الفرض أو كان الوصف جزء العوض، فيكون الخيار خيار التبعض لا تخلف الوصف، مع أن المفروض أن الخيار لتخلف الوصف، ضرورة أنه مع إسقاط الخيار يصح البيع ولم يقسط الثمن، فلا محالة يكون العوض هو الذات، والوصف أمر خارج عن العوضية، فحينئذ لا شك في وصول العوض إليه، وانما الشك في اعتبار أمر زائد يوجب الخيار، ولا أصل لاثباته كما تقدم منه رحمه الله، ومع الغض عنه الامر دائر بين مقطوع الوصول والمقطوع عدمه، للتردد

[ 344 ]

بين وقوع العقد على الموصوف بالموجود أو بالمفقود، واستصحاب عدم وصول العوض الجامع بينهما ليس موضوعا للاثر بنفسه، وإثبات القسم المؤثر باستصحابه مثبت، مضافا إلى أن أصالة عدم دفع العوض انما تجري فيما إذا كان العوض بعد البيع بيد البائع، فلو وقع البيع معاطاة أو كان العوض قبل العقد بيد المشتري لا يجري الاصل المذكور. ومنها - أن عدم دفع العوض ليس موضوعا لثبوت الخيار، وانما موضوعه تخلف الوصف الذي وقع عليه العقد سواء دفع البائع العوض إلى المشتري أم لا، فالخيار ثابت للمشتري بمجرد وقوع العقد مبنيا على وصف لم يكن الشئ موصوفا به، فعدم دفعه لا يثبت تخلف الوصف الذي هو موضوع ثبوت الخيار إلا بالاصل المثبت. ومنها - أن أصالة عدم وصول العوص غير أصالة عدم وصول الحق، فان الحق أعم من العوض، والامر سهل بعد عدم جريان شئ منهما. ومما ذكرناه يظهر أن موضوع الخيار ليس ما أفاده الشيخ (قده) بعبارات مختلفة، كقوله: " المال الذي لم يدفع عوضه الذي وقع المعاوضة عليه إلى المشتري " وقوله: " عدم كون العين الخارجية منطبقة على ما وقع عليه العقد " وقوله " عدم وفاء البائع بالعقد بدفع العنوان الذي وقع العقد عليه إلى المشتري " لما عرفت من أن تمام الموضوع للخيار العقلائي في المقام تخلف الوصف الذي كان العقد مبنيا عليه، أو فقدان الوصف الكذائي من غير دخالة لدفع العوض وعدمه، ولا للعناوين المذكورة، إلا أن ترجع إلى ما ذكرناه، ومعه لا يمكن أن يحرز بشئ منها موضوع الخيار، أي تخلف الوصف المبني عليه العقد. وكذا يظهر أن موضوعه ليس المال الذي وقعت المعاوضة بينه وبين ما لا ينطبق على المدفوع، وبالجملة ان الاصول المذكورة بين ما لا تجري

[ 345 ]

وبين ما لا تفيد، فالاصول المتقدمة - أي أصالة بقاء العقد بعد الفسخ وأصالة بقاء سلطنة البائع على الثمن وأصالة كون الثمن ماله - جارية، وهي محرزة لموضوع الادلة العامة، ولا دافع لها. ومما مر مرارا ظهر عدم صحة أصالة عدم التزام المشتري بتملك هذا الموجود حتى يجب الوفاء بما التزم كما عن العلامة (قده) وقد صححها الشيخ (قده) ضرورة أن عدم الالتزام الخاص في البيع غير مسبوق بالعلم واستصحاب العدم المطلق أو بانتفاء الموضوع لاثبات الخاص مثبت، مع أنه على فرض جريان الخاص لا يكون عدم التزام المشتري بتملكه نافيا لموضوع ذي حكم، لان وجوب الوفاء ثابت للعقد لا للقبول والتزام التملك ونفيه لنفي العقد الواقع على الموجود مثبت. وأما أصالة عدم التغير فان كانت من الاصول العقلائية كما صرح به في صدر المبحث فلوازمها حجة، فتكون حاكمة على الاصول المتقدمة لكن الظاهر رجوعه عما التزم به أولا، ويظهر من كلماته أنها أصل شرعي، ودعوى أنها أصل عقلائي تعبدي لاحجية لمثبتاته نظير الاستصحاب الشرعي عهدتها على مدعيها، وفي كلماته في المقام بعض الانظار لا داعي لتعرضه. هذا كله في دعوى المشتري التغير الموجب للخيار، ومنه يتضح حال دعوى البائع التغير الموجب لخياره، فانه مدع والمشتري منكر، للصدق العرفي الذي هو الميزان في الباب، وارجاع دعوى التغير إلى دعاوي أخر تجعل المدعي منكرا قد عرفت فساده، ولان البائع لو ترك ترك، ضرورة أنه المهاجم، ولان أصالة بقاء العقد وسائر الاصول المعتبرة المتقدمة مع المشتري، ومخالفة للبائع، وقد عرفت حال أصالة عدم وقوع العقد على هذا الموجود، فلا نطيل. والانصاف أن الوجه في تقديم قول المشتري في هذه الصورة وجيه،

[ 346 ]

ولم يتضح وجه معتد به في تقديم قوله في الصورة السابقة. الثاني: لو اختلفا في تقدم التغير على البيع حتى يثبت الخيار وتأخره عنه على وجه لا يوجب الخيار فيحتمل أن يكون من موارد التداعي، فان كل واحد منهما إدعى أمرا وأنكره صاحبه، ويحتمل أن يكون المدعي من أراد اثبات الخيار، ومنشأ الاحتمالين أن الميزان في تشخيص المدعي والمنكر هل هو ظاهر طرح الدعوى والجمود عليه فيقال في المقام: إن كل واحد ادعى أمرا ثبوتيا كان صاحبه منكرا له، أو أن المدعي هو المهاجم والمنكر هو المدافع، غاية الامر قد يدافع عن هجمته بانكار ما ادعاه، وقد يدافع عنها بدعوى ضده، لا لاجل أن الضد مقصود بالذات، بل لاجل أن المقصود وهو دفع المهاجم يحصل بها أيضا، ففي المقام المدعي بنظر العرف هو من أراد اثبات الخيار لنفسه. وكيف كان لا أصل لاثبات تقدم شئ منهما على الآخر، أما أصالة عدم تقدم هذا على صاحبه وبالعكس فلعدم الحالة السابقة على فرض والمثبتية على آخر، وأما أصالة عدم وقوع العقد إلى زمان الهزال مثلا وأصالة عدم الهزال أو بقاء السمن إلى زمان العقد فلانهما لا تصلحان لاثبات موضوع الخيار، وهو تخلف الوصف ونفيه، ولا فرق بين كونهما مجهولي التأريخ وبين كون أحدهما كذلك. وما أفاده الشيخ الاعظم (قده) وغيره من أن الاصلين متعارضان غير مرضي لان التعارض فرع حجية الاصل في ذاته، وما لاحجية له خارج عن موضوع التعارض، كما أن الامر كذلك في تعارض الامارات والاخبار، فبعد عدم جريان الاصول المذكورة المرجع هو أصالة بقاء العقد إلى ما بعد

[ 347 ]

الفسخ، لا أصالة عدم وصول حق المشتري كما مر في الفرع السابق، ومنه يظهر الكلام فيما إذا اختلفا وأراد البائع إثبات الخيار لنفسه. ولو اختلفا في أن التغير وقع قبل القبض ليثبت الخيار أو بعده بعد الاتفاق على عدم التغير حال العقد فان قلنا بأن التغير قبل القبض موضوع للخيار والتغير بعده لسلبه، وبعبارة أخرى إن هنا موضوعين وجوديين التغير قبل القبض والتغير بعده، ولكل حكم، فلا أصل لاحراز الموضوع كما هو واضح، وإن قلنا بأن موضوع الخيار التغير قبل القبض وليس حكم آخر متعلق بموضوع وجودي آخر بل يكفي في سلب الخيار سلب التغير قبل القبض فاستصحاب عدم تغيره قبل القبض جار، لان المفروض أن المبيع حال تعلق العقد به لم يكن متغيرا، فعلم بأنه مبيع لم يكن متغيرا قبل القبض، فاستصحاب هذا العنوان رافع لموضوع الخيار، وأما التغير قبل القبض فلا أصل لاثباته، فالاصل مع منكر التغير قبل القبض. ومنه يعلم الحال في اختلافهما في تلف المبيع قبل القبض بعد اتفاقهما على وجوده حال البيع، فانه بعد البيع يكون عدم التلف قبل القبض متيقنا فيستصحب إلى حال القبض، فيقال: إن هذا المبيع لم يتلف قبل القبض وهو كاف في نفي الضمان عن البائع، وليس حكم آخر متعلق بتلفه بعد القبض حتى لا يصح اثباته بالاصل، فان التلف بعد القبض والتغير بعده بعنوانهما ليسا موضوعا لحكم، لان تلف مال كل شخص من كيسه حكم عقلائي وشرعي متعلق بجميع أموال الناس لا بالمبيع بعد القبض. ولو كانت العين مقبوضة بيد المشتري فوقع البيع ثم وجدت تالفة واختلفا في تقدم التلف على البيع وتأخره عنه فالاصول الموضوعية غير جارية أو غير نافعة، فالاصل بقاء ملك المشتري على الثمن، وقد علل الشيخ الاعظم (قده) هذا الاصل بأصالة عدم تأثير البيع.

[ 348 ]

وفي جريانها وكونها علة للاصل المذكور نظر، أما في جريانها فلانه فرع إحراز أصل البيع، وهو مشكوك فيه، للدوران بين كون المنشأ بيعا أو غير بيع، لتقومه بالمبادلة بين المالين، إلا أن ترجع إلى أصالة عدم تأثير الانشاء، للشك في كونه لغوا أو مؤثرا، فيرد عليه ما أوردنا على الاصول المتقدمة من أن النفي عن الموضوع المحقق غير مسبوق باليقين، والنفي الاعم لاثبات الخاص مثبت. وأما أصالة عدم تأثير الايجاب فهي وإن كانت لها حالة سابقة، لان تأثيره موقوف على تحقق القبول إلا أن الايجاب لم يكن مؤثرا في النقل على مبناهم من كون العقد مركبا من الايجاب والقبول، والمؤثر الفعلي هو المركب، وكل واحد من الاجزاء ليس مؤثرا حتى بعد وقوع القبول، فعدم التأثير متيقن مطلقا، واثبات عدم تأثير العقد باستصحاب عدم تأثير الايجاب غير صحيح إلا على القول بالاصل المثبت. وأما على ما قررناه من كون تمام ماهية البيع هو المنشأ بالايجاب فأصالة عدم تأثير البيع غير جارية، للشك في تحقق البيع، لما عرفت من أن الامر دائر بين مبادلة مال بمال وعدمها، وأما أصالة عدم تأثير الانشاء فلا مانع منها من هذه الجهة، لان القبول على هذا المسلك من شروط تأثير الايجاب لامن مقومات البيع نظير الاجارة في الفضولي، لكن سلب الاثر بسلب المؤثر عقلي، والاصل لا يثبته. وأما في كونها علة للاصل المذكور فلان أصالة عدم تأثير البيع إن كانت حاكمة على أصالة بقاء ملك المشتري على الثمن لان الشك فيه مسبب عن الشك في التأثير، وقد قرروا تقدم الاصل السببي على المسببي مطلقا فحينئذ لا مجال لعلية جريان الاصل السببي للمسببي، بل هو علة لعدم جريان المسببي، وإن لم تكن حاكمة فلا وجه للتعليل، ولعل لفظة واو

[ 349 ]

سقطت عن النسخة، فعليه إجراء الاصل المسببي في عرض السببي غير صحيح. وأما التمسك بأصالة الصحة وتقديمها على الاصل المتقدم ففي غير محله كما نبه عليه الاعلام من أن محطها ما إذا شك في صحة شئ وفساده بعد الفراغ عن وجوده، لا مثل المقام ولا مثل احتمال البيع بلا ثمن، فهو نظير الشك في أن الفاظ البيع صدر من المجنون غير المميز حال جنونه أو حال إفاقته. وبالجملة كل مورد شك في تحقق عنوان البيع ولا تحققه أو دار الامر بين وجود بيع صحيح وبين شئ لا ينطبق عليه عنوان البيع لا مجرى فيه لاصالة الصحة، نعم لما كانت أسماء المعاملات مطلقا بيعا كانت أو نكاحا أو غيرهما موضوعة عرفا لاعم من الصحيح والفاسد فإذا ترددت بعد إحراز وجودها بينهما تحمل على الصحة، سواء كان الشك لاجل بعض ما يعتبر فيها شرعا أو عرفا، كما قد يتفق سيما في باب النكاح، بل قد يتفق في البيع والاجارة كما إذا كان أحد العوضين مجهولا من غير جهة المالية مثل بيع ما في الصندوق المعلوم كونه مالا في الجملة المجهول من غير هذه الجهة، وكذا في الاجارة، وفي المزارعة، والمضاربة والشركة والتقسيم ونحوها شرائط عرفية ربما يشك في صحتها، للشك في مراعاة الشرائط. ثم إن هذا البناء العملي العقلائي جار في جميع النحل والملل مع اعتبار شرائط في العبادات والمعاملات من قبل الشرائع، ولا يعتني العقلاء مع تدينهم بتلك الشرائع بالشكوك الحاصلة في صحة العبادات والمعاملات، لا لامر ورد في الشرائع لذلك، بل لارتكازهم العقلائي، وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى تجشم. ثم إن بعض أهل التدقيق (قده) لما زعم أنه لا جامع بين الفاسد والصحيح في المعاملات العرفية ذهب إلى أن الجامع بينهما عرفا انما هو

[ 350 ]

الانشاء الذي كان في موقع البيع، فإذا وجد إنشاء من العاقل الشاعر الذي يريد المعاملة المقصود منها غرض خاص يحكم بصحته، سواء أحرزت العناوين المنشأة منه أم لا. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن الانشاءات سواء كانت بالالفاظ أو بالاعمال مثل المعاملات معاطاة غير ملحوظة في محيط العقلاء والعرف، وانما المنظور إليه هو نفس المعاملات، أي المسببات، وهي التي تحمل على الصحيح عند العقلاء، لا ماهي آلة غير منظور إليها إلا بنظر ثانوي وما أفاده رحمه الله أمر لا خبر عنه في غير المحافل العلمية. والقول بأن ليس للمسببات صحة وفساد بل أمرها دائر بين الوجود والعدم مزيف، فان المسببات هي المنشآت بالاسباب، ترتب عليه الآثار أم لا كالبيع الفضولي الذي لا يترتب عليه الاثر، فهو باطل بالفعل وصحيح بعد الاجازة. وكيف ان لا تجري هنا أصالة الصحة لما ذكر، لا لما أفاده الشيخ الاعظم (قده) فتدبر، وفي كلامه بعض الانظار تركناه، والامر سهل مسألة: قالوا: لا بد من اختبار الطعم ونحوه من الاوصاف التي تختلف القيمة باختلافها، والاصل فيه حديث النهي عن الغرر (1) قال الشيخ الاعظم (قده) لافرق في توقف رفع الغرر على العلم بين هذه الاوصاف وبين تقدير العوضين بالكيل والوزن والعد. أقول: يمكن إبداء الفرق بين الاوصاف التي من قبيل الكيفيات وبين التي من قبيل الكميات المتصلة والمنفصلة بدعوى شمول النهي عن

[ 351 ]

الغرر للكميات دون الكيفيات، بأن يقال: إن الظاهر من النهي عن بيع الغرر هو ما كان الغرر في نفس ما يقع المبادلة عليه، أي ذات الثمن وذات المبيع أي ما يقع بازائه الثمن، فالاوصاف التي من قبيل الكيفيات لما لم تكن دخيلة في التبادل خرجت عن ماهية المبيع بما هو مبيع وعن ماهية البيع، بخلاف ماهي من قبيل الكميات، فان الزيادة والنقيصة توجب الزيادة والنقيصة في ذات المبيع، ولهذا يبطل البيع في مقدار التخلف في الكم ولا يبطل بالتخلف في الكيف، بل يثبت الخيار أحيانا. وإن شئت قلت: إن الجهل قد يتعلق بذات المبيع مع العلم بصفاته وقيمته كما لو علم أن في البيت حيوانا بأوصاف كذائية وقيمته كذا لكن تردد بين الفرس والبغل، أو تردد ما في الصندوق بين ياقوته ودرة مع وحدة وصفهما وقيمتهما، وقد يتعلق بكميته المتصلة أو المنفصلة، وقد يتعلق بكيفيته كالطعم والرائحة واللون ونحوها مع وحدة القيمة، ومنه ما إذا تعلق بأثره المترتب عليه، وقد يتعلق بقيمته مع العلم بسائر جهاته، والاوصاف التي من قبيل الكيفيات قد تكون متعلقة للرغبات العقلائية وقد لا تكون كذلك. والظاهر من المحققين جريان الغرر في الجهل بذات المبيع وكيله وسائر كمياته، وبالاوصاف المرغوب فيها اللازم منه اختلاف القيمة باختلافها، وأما الجهل بسائر الاوصاف، وكذا الجهل بالقيمة فلا يجرى فيه الغرر، ولعل الجهل بالاثر ملحق بما يجري فيه، فيقال: إن كان المستند في ذلك حديث النهي عن الغرر ففيه كلام وإشكال، لانه إن قلنا بأن النهي متوجه إلى الغرر في ذات المتبادلين أي الثمن والمبيع بما هما محط التبادل فلا يجري إلا في الجهل بنفس الذات أو وبالاعراض التي هي من قبيل الكميات المتصلة أو المنفصلة، لان الجهل بهما أيضا جهل بذات المبيع، فالاوصاف التي

[ 352 ]

من قبيل الكيفيات وكذا الاثار والقيم خارجة منها، فلا وجه لالحاق بعض وعدم إلحاق بعض. وإن قلنا بأن الجهل بالعوضين سواء كان الجهل في محط التبادل أم لا موجب للغرر فلا وجه للتفصيل بين الاوصاف التي تختلف القيمة باختلافها وغيرها، بل لابد من العلم بالقيمة أيضا، فانها وإن لم تكن من الاوصاف الواقعية لكنها من الاوصاف الاعتبارية التي هي مورد أغراض العقلاء، سيما في التجارات، والقول بانصراف الحديث عن الاوصاف التي ليست مورد الرغبات وعن القيم لانها غير ملحوظة في البيع والتبادل وإن كانت الاغراض متعلقة باحرازها لا يخلو من إشكال وإن لا يخلو من وجه، سيما في الاوصاف المغفول عنها في المعاملة، وغير منظور إليها. وبالجملة المسألة مبتنية على الاستظهار من قوله عليه السلام: " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " (1) فهل الظاهر منه النهي عن بيع فيه الغرر أو عن بيع في مبيعه الغرر بحيث يكون العنوان دخيلا ومأخوذا فيه ويلحق به احتمال كون المصدر بمعنى المفعول، فالمعنى نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع المجهول، فان الظاهر منه أن المبادلة تعلق بالمجهول، فالمعلوم من حيث المبادلة خارج عنه وإن كان مجهولا من جهة بعض أوصاف خارجة عنها، تأمل، - أو عن بيع يكون الغرر في متعلقه، بحيث يكون المراد به نفس الاعيان التي وقعت مورد البيع؟ فعلى الاول والثاني تخرج الاوصاف والكيفيات والآثار والمنافع والقيم، وتدخل الذات والكميات المتصلة والمنفصلة. وعلى الثالث يدخل الجميع، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الاوصاف إلا ما هي مغفول عنها كما أن مقتضاه دخول جميع الاوصاف


(1) سنن البيهقي - ج 5 - ص 325

[ 353 ]

الخارجية عدا ما ذكر، والاعتبارية ككونه ذا قيمة كذائية سيما في التجارات التي تتقوم بالقيم وتكون هي المنظور إليها بالذات، وكذا تدخل المنافع والآثار. ولا يبعد دعوى ظهوره في أول الاحتمالات، لعدم احتياجه إلى التقدير في الكلام أو لقلته ثم الاحتمال الثاني سيما شقه الثاني، فانه على فرض جعل البيع كناية لا يصح جعله كناية إلا عن المبيع بعنوانه لا عن ذوات الاشياء، فان كناية عنوان البيع عن ذات العناوين التي يقع البيع عليها غير صحيحة، ومع الاحتمال الثاني بشقيه أيضا تخرج كلية الاوصاف الخارجة عن محط المبادلة، وتبقى الذات والكميات. والانصاف أن تطبيق الحديث على فتوى الاصحاب والتفصيل المذكور في كلماتهم في غاية الاشكال، وكذا القول بدخول الصفات الدخيلة في القيمة من غير لزوم العلم بمقدار الدخالة وعدم لزوم العلم بأصل القيمة، وكذا القول بلزوم العلم بمراتب الصفات ولزوم الاختبار لتشخيص المراتب. فتحصل من ذلك أنه لو كان المستند الحديث المذكور لا يمكن القول بالبطلان فيما عدا الجهالة في الذات والكميات. هذا كله إن كان المراد بالغرر الجهالة كما بنوا عليه. ثم إنه يمكن أن يستأنس لبطلان بيع الغرر مع جهالة الاوصاف التي هي مورد رغبة العقلاء وإن لم تكن من الكميات بجملة من الروايات: منها - ما في بيع السلف، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) " لا بأس بالسلم في الحيوان إذا سميت الذي يسلم فيه فوصفته " (1) وصحيحة زرارة " لا بأس بالسلم في الحيوان والمتاع إذا وصفت الطول


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب السلف - الحديث 9

[ 354 ]

والعرض، وفي الحيوان إذا وصفت أسنانها " (1) بناء على أن وصف الطول والعرض كناية عن التوصيف التام الرافع للجهالة بقرينة ذكر الحيوان وإرداف المتاع به وظهور الشرط في الرجوع إلى كليهما، وبقرينة كون أكثر الامتعة لا يطلب فيها الطول والعرض، وأما تكرار الحيوان واشتراطه بوصف الاسنان فلبيان أن الوصف لا يختص بالظاهر، بل لابد أيضا من ذكر مثل الاسنان الذي من الاوصاف غير الظاهرة، ورواية سماعة قال " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن السلم في الحيوان فقال: أسنان معلومة وأسنان معدودة إلى أجل مسمى لا بأس به " (2) وعن دعائم الاسلام عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصفت طوله وعرضه وجنسه وكان معلوما " (3) إلى غير ذلك. والاستدلال بها لبطلان مطلق البيع منوط بالغاء الخصوصية عرفا وعدم الفرق بين السلم وغيره إلا في الاجل، فاعتبار الاجل المعلوم والسن المعلوم والمعدود ومعلومية الوصف لاجل اعتبارها في البيع ورفع الجهالة عنه لا لخصوصية في السلف وإنما ذكر الشرط فيه لان المبيع في غير السلف يكون غالبا حاضرا مشاهدا، والانصاف إن الاستيناس بها لا يخلو من القرب وإن لا يخلو من الاشكال أو إشكالات سيما مع ظهور جملة منها ومما لم نذكره في عدم لزوم الاستقصاء في التوصيف. ومنها - رواية محمد بن العيص " عن رجل اشترى ما يذاق، يذوقه قبل أن يشتري، قال: نعم فليذقه ولا يذوقن ما لا يشتري " (4) بدعوى أنه لو كان بصدد بيان الجواز والتفصيل فيه بين مريد الاشتراء وعدمه كان


(1) (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب السلف - الحديث 10 - 7 (3) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب السلف - الحديث 2. (4) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1

[ 355 ]

يقتصر بقوله: " نعم " فقوله: " فليذقه " مصدرا بالفاء وتعبيرا بالامر يدل على لزوم الذوق، وليس ذلك إلا لرفع الجهالة، وليس المراد الذوق بلا إذن المالك، فانه معلوم الحكم كما أن الذوق مع إذنه لمن يريد الشراء أيضا كذلك، فلا محالة يكون المراد الاستفسار عن الحكم الوضعي، وبالغاء الخصوصية يتم المطلوب لولا ضعف السند، تأمل. ومنها - مرسلة عبد الاعلى بن الاعين قال: " نبئت عن أبي جعفر عليه السلام أنه كره شراء ما لم تره " (1) ومرسلة محمد بن سنان قال: " نبئت عن أبي جعفر عليه السلام أنه كره بيعين، إطرح وخذ على غير تقليب (2) وشراء ما لم تره " (3) بناء على أن المراد بالكراهة عدم الصحة كما ورد في بعض روايات اعتبار الكيل بلفظ الكراهة (4) مع أن الجهالة فيه مضرة بلا إشكال، تأمل. وبازائها بعض روايات آخر كرواية جعفر بن عيسى، قال: " كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام جعلت فداك المتاع يباع فيمن يزيد، فينادي عليه المنادي، فإذا نادى عليه برئ من كل عيب فيه، فإذا اشتراه المشتري ورضيه ولم يبق إلا نقد الثمن فربما زهد، فإذا زهد فيه ادعى عيوبا وأنه لم يعلم بها فيقول المنادي: قد برئت منها، فيقول المشتري: لم أسمع البراءة منها، أيصدق فلا يجب عليه الثمن أم لا يصدق فيجب عليه الثمن؟


(1) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2. (2) قوله " اطرح وخذ " أي بيع من قال اطرح وخذ ولا تقلبه (3) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب عقد البيع الحديث 3 (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب عقد البيع الحديث 1

[ 356 ]

فكتب عليه الثمن ". (1) وهي رواية لا تخلو من حسن، وظاهرها أن صحة البيع مع البراءة من العيوب مسلمة، مع أن ذلك لا يوجب رفع الغرر والجهالة، وفي مثل الواقعة لا تجري أصالة الصحة لو قلنا بجريانها في غيرها بناء على أن الاتكال عليها للوثوق الحاصل من غلبة كون الاشياء على طبايعها الاصلية، ومع نداء صاحب المتاع بالبراءة مع العيب لا يحصل الوثوق بخلوه منه لو لم يحصل الظن بوجوده فيه، فلو صح البيع منع الجهل بصحته يلزم الصحة مع الجهل بسائر صفاته بالغاء الخصوصية عرفا، فان الجهل بالصحة التي هي مورد لرغبة العقلاء وموجبة لاختلاف القيم وجودا وعدما إذا لم يضر بالصحة فالجهل بصفات الكمال مع إحراز الصحة أيضا كذلك. وبعبارة أخرى إن العرف يفهمون من هذه الرواية أن الجهل بالصفات غير مضرة، فتكون الرواية موافقة للاحتمال الذي ذكرناه في حديث الغرر من كونه مخصوصا بمحط التبادل، وهو ذات المبيع أو مع كمه المتصل والمنفصل، حيث يرجع الجهل بهما إلى الجهل بذات العوض، وأما الجهل بسائر الصفات كالصحة وأوصاف الكمال الدخيلة في القيم لافي التبادل فخارج عن الحديث. والانصاف أن المسألة مشكلة من جهة أن رفع اليد عن رواية جعفر ابن عيسى مع كونها حسنة ظاهرا أو القول باختصاص الحكم فيها بالتبري من العيوب وتخصيص مادل على بطلان البيع مع الجهالة بها مشكل، والاقتصار على الجهل بذات المبيع والكميات والذهاب إلى عدم إضرار الجهل بسائر الاوصاف مطلقا وقصر الروايات المتقدمة على بيع السلف


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب أحكام العيوب - الحديث 1.

[ 357 ]

مشكل آخر، سيما مع قيام الشهرة على البطلان مع الجهل بتلك الصفات التي تختلف القيمة باختلافها على ما يظهر من كلماتهم، وقد عرفت مما مر أن لكل من الاحتمالين وجها معتدا به. وكيف كان لو قلنا بجريان الغرر فيها وفي كل ما هو دخيل في اختلاف الرغبات والقيم فموارد الجهل والشك كثيرة، فقد يكون الشك في الصحة والعيب بحيث يوجب الشك في أصل المالية أو في معظمها، وقد يكون الشك في الصحة والعيب مع العلم ببقاء معظم المالية، وقد يكون في صفات الكمال ومراتبها، وقد يكون في أنه من أي صنف من أصناف نوع واحد إلى غير ذلك. ولا إشكال في رفع الغرر والجهل بالاختيار في الجملة، وأما مطلقا فلا، لان كثيرا ما لا يمكن للمشتري تشخيص صفات الكمال مع الاختبار والدقة أو تشخيص أصناف النوع الواحد مع اختلافها في القيم، كأصناف الشاي المختلفة جدا، والعسل والتمر وغيرها مما يحتاج في تشخيصها إلى أهل الخبرة والبصيرة، فلا بد في مثلها من الرجوع إليهم، فان حصل الوثوق من قولهم كفى، كما ان إخبار صاحب المال فيما يصح الاخبار به رافع له إذا حصل الوثوق به لا مطلقا. ويمكن الاستدلال عليه بالروايات الواردة في إخبار البائع بالكيل والوزن فراجعها (1). والتوصيف فيما يمكن أيضا رافع له، لاجل أنه بحكم الاخبار، بل إخبار في الحقيقة، فان الجمل الناقصة إذا وقعت تلو التامة إخبارا كانت أو إنشاء تخرج من النقص إلى الكمال المحتمل فيه الصدق والكذب، فقول البائع: " بعتك هذا الفرس العربي " إخبار بعربيته، فان حصل منه


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب عقد البيع

[ 358 ]

الوثوق يرفع به الجهالة وإلا فلا، فمطلق التوصيف لا يقوم مقام الاختبار. وأما الشرط وبناء المتعاملين فلا أثر لهما في رفع الجهالة، إذ الفرض اعتبار العلم وكون الجهل موجبا للبطلان، والتزام البائع بنحو الاشتراط لما لم يرجع إلى الاخبار الضمني بوجوده وكذا بناء المتعاقدين لم يرفعا الجهالة، وأما أصالة الصحة فيما شك في صحته وفساده وصار ذلك الشك موجبا للشك في ماليته فلا تحرز المالية إلا إذا حصل منها الوثوق للمتبايعين، كما لا يدفع بها الغرر فيما علم ماليته وشك في عيبه إلا في هذا الفرض، وإذا كان الاتكال عليها عرفا لاجل الوثوق النوعي الحاصل من الغلبة لا يدفع بها أيضا ان لم يحصل الوثوق لشخص المتبايعين، وبالجملة الميزان في رفع الغرر بمعنى الجهالة العلم أو الوثوق والاطمئنان من أي سبب حصل. ثم إن الظاهر قيام السيرة العقلائية على المبايعة مع احتمال العيب اتكالا على أصالة الصحة من غير اعتبار الوثوق والاطمئنان، من غير فرق بين الشك في طرو الفساد بعد العلم بكونه صحيحا وبين الشك في حدوثه معيبا، وكذا قيامها على البيع مع الشك في أوصاف الكمال، سيما فيما إذا كان المبيع كثيرا مثل سفينة من الدبس أو السمن أو غيرهما أو حمولة كثيرة من الطعام والمتاع من غير استقصاء توصيف واختبار، والظاهر اتصالها بزمان المعصومين عليهم السلام في مثل تلك المبايعات، وكذا قيامها فيما يفسده الاختبار مثل البيض والبطيخ بلا توصيف واختبار سيما في تلك المبايعات. فمع إطلاق دليل النهي عن الغرر هل هو رادع عن السيرة أو هي مقيدة له؟ الاقوى الثاني لما تكرر منا من أن السيرة التي قامت الاسواق بها لا يصح ردعها برواية واحدة ربما لا تتجاوز عن الراوي، فلو أراد الشارع ردع المسلمين عن عمل أو معاملة لكان عليه أن يعلن به بروايات

[ 359 ]

متظافرة، كما في البيع الربوي وبيع الخمر ونحوهما، مع أن حديث الغرر لم يصل الينا إلا من أبي الحسن الرضا عليه السلام، وكانت السيرة في تلك المعاملة قائمة في عصر سائر الائمة عليهم السلام بمرئى ومنظر منهم وكانت ممضاة، لسكوتهم مع كثرة الابتلاء، فهي مقيدة لاطلاق الحديث، أو كاشفة عن عدم إطلاقه. هذا مع الغض عن الاشكالات المتقدمة في دلالتها، وعلى فرض الدلالة في مقدارها، ولهذا لو فرض عدم ثبوت السيرة أو عدم ثبوت اتصالها بزمانهم عليهم السلام فمجال انكار الدليل على البطلان واسع. والانصاف أن اعتبار العلم في غير ذات المبيع والاوصاف التي ترجع إليها لا دليل معتد به عليه، غاية الامر إلحاق الاوصاف التي هي دخيلة في معظم المالية كالريح والطعم واللون فيما يراد منه ذلك بها دون مراتب الكمال والصحة والعيب إذا لم يذهب بمعظمها، نعم لا إشكال في لزوم إحراز عدم الفساد المذهب للمالية، لا للغرر بل لاحراز تحقق البيع بعد تقومه بالمالية. مسألة: قد ظهر مما مر حال الاختبار فيما يفسده ذلك، فان جواز البيع فيه بلا اختبار مطلقا موافق للقاعدة بعد قصور دليل النهي عن الغرر عن شمول ذلك على الاحتمال الراجح في مفاده، وقيام السيرة القطعية على البيع بلا اختبار في مثله، وهي متصلة بزمان الشارع الاقدس وممضاه من قبله فيخصص بها دليله على الاحتمال المرجوح، وهو إطلاق النهي وشموله. وأما مع الغض عما ذكرنا فاشتراط الصحة والبراءة من العيب بل وأصالة السلامة غير رافعة للغرر، أما الاول فواضح، لما تقدم من أن

[ 360 ]

نفس الالتزام لا يرفع الجهالة، وكذا الثاني، وأما الاصل فان كونه رافعا موقوف على حصول الوثوق منه، ومن الواضح عدم حصوله في جميع الموارد سيما فيما إذا كان المبيع كثير العدد كسيارة كبيرة من المذكورات، نعم يحتمل بعيدا أن يكون نظر من اشترط البراءة من العيوب خاصة إلى تخصيص حسنة جعفر بن عيسى المتقدمة لدليل الغرر. ثم إنه لو تبين فساد المبيع فان كان بنحو لم يكن لفاسده قيمة وكان الفساد حال انعقاد البيع فالظاهر منهم بطلانه من رأس لوقوعه على ما لا يتمول، ومالية المبيع من مقومات البيع، بل لعل في التعبير عن البطلان نحو مسامحة، لعدم تحقق عنوان البيع بعد كونه عبارة عن مبادلة مال بمال. وعن الشهيد (قده) في الدروس بطلان البيع حين تبين الفساد لا من أصله، والظاهر أن مراده بالبطلان الانفساخ وقد انحل كلامه إلى أمرين: أحدهما صحة البيع واقعا إلى زمان تبين الفساد، وثانيهما انفساخه حين التبين. أما الاول فقد وجهه بعض بأن مالية الشئ بحسب حقيقتها الاعتبارية عند العقلاء متقومة بميل النوع ورغبتهم فيه، فقبل تبين الفساد تكون تلك الاعيان مالا حقيقة، لميل الناس إليها وبذل المال بازائها، وعند التبين ينقضي أمد الاعتبار، فتسقط عن المالية حقيقة لسقوط موضوعها، فالبيع صحيح وواقع بين مالين حقيقة، وهذا التوجيه محمل كلام الجواهر، واحتمله الشيخ الاعظم (قده) أيضا. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن ذلك مخالف لما عليه العقلاء، فان الشئ الفاسد الذي كان فساده مكتوما إذا ظهر وتبين فساده لا يقال: إنه سقط حال التبين عن المالية، بل يقال إنه توهم فيه المالية، فالعقلاء يخطئون نظرهم في توهم المالية ولا يصوبونه

[ 361 ]

وهذا واضح جدا، ولعل السر فيه أن المالية ليست من الاعتباريات الجزافية، بل ناشئة من الامور الواقعية ككون الشئ ذا خاصية وأثر بهما يصير مورد الرغبة والميل، وقد يكون اختلاف القيم والماليات لعزة الوجود أو قلته وكثرة الحاجة وعوامل أخر، فلا يكون اعتبار المالية لمحض ميل الناس ولو نشأ عن أمر متوهم فيما هو مستور الفساد أو مجهول الذات، فالخرزة التي لا قيمة لها لو تخيلها الناس ياقوتة تسوى مأة دينار فمالوا إليها لهذا التوهم لا تصير مالا واقعا، لعدم الخاصية التي للياقوتة فيها. وبالجملة ليس الميل ولو لمنشأ باطل وخطأ في التطبيق مناط المالية، بل الخاصية التي في الاشياء الموجبة للرغبات مناطها، فالمالية لها واقعية اعتبارية، ولها منشأ حقيقي قد يصيب الناس بالنسبة إليها وقد يخطئون. ويمكن أن يكون نظر الشهيد (قده) إلى أن ماهية البيع ليست مبادلة مال بمال، بل تمليك العين بالعوض وإن لم يكن بحسب الواقع مالا، ففي صدق البيع يكفي مالية الشئ بحسب الظاهر، ولا حجية لقول مثل المصباح القائل بأنه مبادلة مال بمال حتى يقال: إن الظاهر منه المال الواقعي لا العلمي، بل المناط نظر العرف، فإذا اشترى بيضا فظهر فساده بعد كسره يقال: إنه اشتراه، لا أنه أنشأ صورة الاشتراء ولم يكن بيعا وشراء، بخلاف ما إذا أخذ في الانشاء ما لا يتمول، فقال: " بعتك هذه الحشرة " أو " بعتك هذا الكف من الماء في شاطئ الفرات " ونحو ذلك، فانه لا يعد بيعا، كالبيع بلا ثمن أو بلا مثمن، فإذا صدق عليه البيع يمكن تصحيحه باطلاق الادلة. وفيه أنه بعد فرض عدم كونه مالا يكون أخذ الثمن في مقابله من أكل المال بالباطل، فإذا انكشف الواقع ينكشف بطلانه من رأس

[ 362 ]

والانصاف انه لاوجه معتد به للقول بالصحة. وأما الثاني أي الانفساخ من الحين فقد يوجه باندراجه تحت قاعدة التلف في زمن الخيار ممن لاخيار له بناء على عموم القاعدة لمطلق الخيارات فان الفاسد الواقعي المفروض كونه مالا واقعا حيث وقع في معرض السقوط عن المالية فهو معيب، فإذا سقطت ماليته بالتلف كان ذلك في زمن الخيار وإن قلنا بأن ظهور العيب سبب للخيار فان ظهور الفساد سبب الخيار وسبب للتلف، فالتلف مقارن للخيار زمانا، وهو كاف، فان سبقه أجنبي عن وقوعه فيه، انتهى ملخصا. وفيه أن كون الشئ في معرض سقوط المالية ليس عيبا وعوارا عقلا ولا عرفا ولا واقعا، ولو كان ذلك عيبا لكان معرضيته لنقص المالية أيضا عيبا بهذا الملاك، ولكان الماء في المفازة مع كونها معرضا لجريان السيل معيبا، نعم هذه المعرضية موجبة لنقص المالية لا العيب كما هو ظاهر وبالجملة العيب هو النقص عن الخلقة الاصلية، والمفروض عدم لحاظ باطن الشئ المكتوم وإلا لكان غير متمول لا معيبا، بل المفروض لحاظ الظاهر فقط، وكونه في معرض السقوط عن المالية ليس نقصا في الخلقة مع أن المفروض أن المشتري عالم بهذه المعرضية بدليل اختباره الدال على احتمال الفساد الموجب للسقوط عن المالية أحيانا، وإطلاق كلام الشهيد (قده) شامل لهذا الفرض، ومع علم المشتري بالعيب لا يثبت له الخيار. مضافا إلى أن التلف وقع بفعله، لان المفروض أنه كسره للاختبار ومع كونه بفعله لم يكن على البائع، مع أن مقارنة زمان الخيار والتلف وإن كانت كافية لكن مقارنة انفساخ البيع والخيار مما لا تصح، وفي المقام إن سبب الخيار ظهور العيب وهو عينا سبب انفساخه، ولا معنى لحدوث الخيار عند حدوث الانفساخ حتى يكون التلف في زمنه ممن لا خيار له،

[ 363 ]

والانصاف أن التوجيه المذكور أضعف من أصل الدعوى. ويتلوه في الضعف ما احتمله الشيخ الاعظم (قده) من أنه إذا سقط عن المالية لامر سابق على العقد وهو فساده واقعا كان في ضمان البائع، فينفسخ البيع حينئذ، فانه دعوى بلا بينة، مع أن الامر السابق إذا كان سببا للسقوط وكان بفعل البائع لا يوجب ذلك الانفساخ، بل يوجب ضمان الاتلاف بناء على صدقه في مثل المقام كما لا يبعد. ثم إن ثمرة الخلاف تظهر في ترتب آثار ملكية المشتري للثمن، فلو اتجر البائع به إلى زمان فساد البيع كان صحيحا لازما على مسلك الشهيد (قده) وعند انفساخ المعاملة يرجع المشتري إلى بدل ماله، لان البيع اللازم لاوجه لانفساخه، فهو بمنزلة الاتلاف، ويكون فضوليا على مسلك غيره، وأما الاتجار بالمثمن فصحيح إلى زمن ظهور فساد المبيع على قوله، فلو وقع معاملات عديدة عليه تكون صحيحة، وبظهور فساده ينفسخ الجميع. ولو كسر البائع المبيع ففسدت ماليته فمقتضى قوله ضمانه للمشتري لان الاتلاف وقع في ملكه، والقول بأن الاتلاف غير صادق بعيد عن الصواب، بل لو فرض عدم صدقه فلا ينبغي الاشكال في الضمان، لانه أمر عقلائي ثابت في مثل المقام، بل فيما لا يكون مال الغير كاتلاف الوقف العام والمساجد والمشاهد، فحينئذ يكون على البائع المتلف ضمان المثل للاتلاف، وارجاع ثمن المعاوضة للانفساخ، ولو كان المتلف أجنبيا فعليه ضمان الاتلاف للمشتري وعلى البائع رد ثمنه للانفساخ، ولا أظن التزام الشهيد (قده) بذلك، بل هذا ونحوه من شواهد عدم صحة ما التزمه وإن كان عدمها واضحا. وعن الدروس واللمعة أنها تظهر في مؤونة نقله عن الموضع الذي

[ 364 ]

اشتراه إلى موضع اختباره، وربما يقال: إن المؤونة على البائع على أي حال، لانه غار في الصورتين، والمغرور يرجع إلى غاره ولو في نقل ماله وفيه أن الغرور لا يصدق إلا مع العلم والعمد، فانه بمعنى الخدعة ولعل قاعدته على ذلك عقلائي، وكيف كان لا مجرى لقاعدته حتى مع أمر البائع باخراج ماله ظاهرا عن بيته، فان مجرد الامر لا يوجب الغرور ولا الضمان، فلو أمر غيره بأن يأكل مال نفسه مع كونه عالما بالواقعة لا يكون الآمر ضامنا، والاقوى ما حكي عن صاحب جامع المقاصد (قده) من أن الرجوع إلى البائع لا مقتضي له، فالمؤونة على أي تقدير على المشتري، أما على فرض صحة المعاملة فواضح، وأما على فرض البطلان فلعدم دليل على ضمانه. وأما مؤونة نقله عن موضع الكسر فمع كونه ملكا للبائع وإن لم يكن مالا فالظاهر عدم كون المؤونة على المشتري إن قلنا بالصحة إلى زمان الكسر، وإن قلنا بالفساد فالظاهر أنها على المشتري كسائر ما قبض بالعقد الفاسد كما مر في محله، فلا بد للمشتري من تحويل المقبوض إلى صاحبه، وأما إذا لم يكن ملكا ووجب تفريغ المحل منه فالظاهر أن المؤونة على المشتري لانه الذي اشغل المحل به، وعليه التفريغ، وما قيل من أن تنزيه المحل الشريف منه واجب كفائي على جميع المكلفين فلا يجب على خصوص من أشغله في غير محله، نعم لو لم يمكن إلزامه بذلك أو لم يتمكن منه يجب على سائر المكلفين كفاية، وعليه ضمانه. ثم إن المحكي عن الدروس أن الشيخ وأتباعه (قدهم) قائلون بأنه لو تبرأ البائع من العيب فيا لاقيمة لمكسوره صح، قال: ويشكل بأنه أكل مال بالباطل، أقول: إن كان مبنى بطلان بيع مالا قيمة لمكسوره هو كون أخذ الثمن في قباله أكلا بالباطل بعد صدق البيع عرفا بدعوى كونه

[ 365 ]

تمليكا بالعوض يمكن تصحيحه ببراءة البائع من العيوب، بأن يقال: إن مقصود العقلاء في المعاملات نوعا إعطاء الثمن في قبال المال، فالتمليك بالعوض وإن كفى في صدق البيع عليه إلا أنه إذا كان المملوك غير متمول بعد أكل ثمنه الذي يعطى لتحصيل المال أكلا بالباطل، هذا إذا لم يبرأ من العيوب. وأما مع البراءة منها واحتمال كون المبيع فاسدا لا قيمة له يقع الثمن بازاء الملك الخارجي برجاء السلامة، وفي مثله لا يكون أخذ الثمن أكلا بالباطل بعد تحقق الغرض العقلائي فيه، كما أنه مع العلم بالفساد يمكن تعلق غرض عقلائي به، كما لو اشتراه للعب أطفاله أو لتزيين الرفوف، فلا يقع باطلا، ولا يكون أخذ الثمن في قباله أكلا بالباطل، ولعل نظر الشيخ (قده) ومن تبعه في الصحة في هذه الصورة بعد الحكم ببطلان البيع من أصله إذا لم يكن لمكسوره قيمة إلى ما ذكر. ويمكن تقريب البطلان مع البراءة من العيب إن قلنا بصحته في نفسه بأن يقال إن مبنى الصحة هو صدق البيع عليه لما تقدم، وعدم كون أخذ الثمن في قباله أكلا بالباطل، لاجل ثبوت الارش على فرض الفساد، ومع البراءة من العيب الموجب لعدم ثبوت الخيار والارش التابع له يعد أخذ المال في قباله أكلا بالباطل، فيقع باطلا. ويمكن أن يقال: إن البراءة منها لا يصحح الباطل ولا يبطل الصحيح فان مبنى البطلان هو عدم صدق البيع فانه مبادلة مال بمال، أو تحقق الغرر، والبراءة لا توجب الصدق ولا ترفع الغرر، ومبنى الصحة هو الصدق عرفا وعدم كون أخذ الثمن أكلا بالباطل إذا كان الاعطاء لغرض عقلائي، والبراءة منها لا تضر بهما، والامر سهل بعد كون المقصود ابداء الاحتمال لا التحقيق عن حقيقة الحال، وقد مر ما هو الاقوى.

[ 366 ]

مسألة: يجوز بيع المسك في فأره، لاطلاق الادلة وعمومها، ولا مخصص لها، لطهارتها وعدم شمول دليل الغرر للاوصاف المجهولة كما تقدم، واحتمال الفساد يرفع بأصالة السلامة، وإن قلنا بعدم دفع الغرر بها، لكن الجهل بوصف السلامة لا يدخل في الغرر، وأما الجهل بالوزن فهو مضر إذا كان المبيع موزونا، والفأر والمسك الذي فيه لا يباع موزونا بل يباع معدودا فلا يضر الجهل بوزنه، مع أن قيام السيرة على بيعه بما احتواه مخصص لاطلاق نهي الغرر على فرض الشمول، ألا أن يمنع قيامها أو اتصالها بزمان المعصوم عليه السلام والامر سهل بعد اقتضاء القواعد للحصة وموافقتها لفتوى المشهور على المحكي. مسألة: مقتضى القواعد عدم جواز بيع المجهول - الذي قلنا بعدم جوازه منفردا - مع ضميمة شئ معلوم إليه أيضا كضميمة شئ إلى المكيل المجهول كيله أو المعدود المجهول عدده، ولو قلنا بأن الغرر جار في مطلق صفات المبيع ولو لم تكن دخيلة في ذات المعاملة فلا تصير ضميمة المعلوم إلى مجهول الصفة موجبة لصحته. والفقهاء عنونوا المسألة في متونهم فيما ورد النص فيه تبعا للنصوص كبيع ما في الضرع من الالبان (1) وبيع ما في الاجمة من السموك (2) وبيع


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب عقد البيع (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب عقد البيع

[ 367 ]

الحمل (1) واختلفوا في صحتها مع الضميمة المعلومة وعدمها، وحكى عن قدماء أصحابنا إلى زمان ابن ادريس القول بالصحة، وعن ابن ادريس وجمع من المتأخرين القول بالبطلان. وأما التفصيل المترائى من ظاهر كلام العلامة (قده) الذي فصله وأوضحه كثير منهم كالشيخ الاعظم (قده) ومن تبعه فهو أجنبي عن تلك المسألة، فان ما هو المعنون في متون الفقه بعد القول ببطلان بيع المجهول أن بيعه مع ضم ما هو معلوم إليه باطل أو صحيح، فالمفروض هو بيع المجهول بضميمة، فجعل بيع المعلوم مع شرط مجهول أو بيع معلوم متقيد بمجهول أو بيعه مع الجهل بتبعاته العرفية أو أجزائه الداخلية كلها أجنبية عن المسألة لا أنها تفصيل فيها، نعم هي مسائل مستقلة يصح البحث عنها، مثل أن يبحث عن أن الغرر هل يختص بالبيع أو يجري في الشروط أيضا، أو أن الشرط الغرري يوجب بطلان البيع أو إسراء الغرر إليه أولا، أو العلم بجميع أجزاء المبيع أو ما يدخل فيه لازم في دفع الغرر أولا، ومعلوم أن شيئا منها ليس من أقسام بيع المجهول مع الضميمة، ولعل المتأمل في كلام العلامة (قده) يجد أنه لم يفصل في تلك المسألة، وإن كان يوهم ذلك. فاللازم عطف النظر إلى تلك المسألة المبحوث عنها قديما وحديثا والى أن مقتضى القواعد فيها الصحة أو البطلان ثم النظر إلى النصوص الواردة ومقدار دلالتها. فنقول: قد مر منا أن الظاهر من " نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر " (2) اختصاصه بنفس البيع الذي يرجع إلى المبيع بما هو


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب عقد البيع (2) سنن البيهقي - ج 5 ص 339

[ 368 ]

مبيع أو يكون كناية عن المبيع بما هو كذلك، ولازمه بطلانه في موردين بناء على كون الغرر بمعنى الجهالة: الاول الجهالة بذات المبيع كالجهالة بأنه حنطة أو شعير وبأنه ياقوتة أو خرزة من زجاج، والثاني الجهالة بكمه المتصل أو المنفصل، حيث ترجع الجهالة إلى المبيع فيما يكال أو يوزن أو يعد أو يذرع، وأما الجهل بسائر الاوصاف فليس غررا في البيع ولا في المبيع بما هو مبيع. ثم إن كثيرا ما يكون شئ مكيلا وموزونا في حال دون حال، وكذا في المعدود والمذروع، فالانعام قبل ذبحها لا تكون موزونة وإن كان قيمتها تختلف باختلاف أوزانها لكن تباع بالمشاهدة لا بالوزن وبعد ذبحها تكون لحومها موزونة يبطل بيعها جزافا وبلا وزن والطاقة من الحرير قبل أن تخاط تكون مذروعة وبعد صيرورتها قميصا لا تكون مذروعة، فما قلنا سابقا من أن الجهل بالكميات المتصلة أو المنفصلة يوجب الجهل بالمبيع انما هو فيما إذا كان المبيع مما يكال أو يوزن أو يعد بحيث كان الثمن المقابل له يوزع على مكائيله وأمنانه وأعداده، والفلزات قبل أن تصنع منها مكائن مثلا موزونة يقع الثمن بازاء أوزانها ويوزع عليها، وإذا صارت مكائن خرجت عن ذلك، ولم يوزع الثمن على أمنانها. والظاهر أن الالبان قبل الدر والاخراج من الضروع ليست مكيلة ولا موزونة، وكذا الاصواف والاوبار ونحوها قبل جزها، وكذا السموك قبل تذكيتها ليست موزونة، بل لا يبعد أن لا تكون معدودة أيضا حال كونها في الآجام، وكذا الاثمار قبل اقتطافها حتى الخيار والقثاء والباذنجان والجوز، فانها غير معدودة ولا موزونة، فبيعها على الاشجار والنجوم بلا كيل ولا وزن صحيح غير داخل في النهي عن الغرر، كما أن بيع اللبن في الضرع مع العلم بوجوده صحيح على القاعدة، ولا يضره

[ 369 ]

الجهل بأوصافها ولا بوزنها، لانه غير موزون، فالوزن هاهنا مثل سائر الاوصاف غير دخيلة في ذات المبيع، ولا يوجب الجهل بها الجهل بالمبيع هذا كله بحسب القواعد. وأما النصوص الواردة في الباب فهي على طوائف: منها ما وردت في بيع اللبن في الضرع، كصحيحة عيص بن القاسم على الاصح قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل له نعم يبيع ألبانها بغير كيل قال: نعم حتى تنقطع أو شئ منها " (1) والظاهر من السؤال عن بيع الالبان بغير كيل أنه انما هو عن بيعها قبل الدر من الضرع، ولعل منشأ السؤال احتمال أن تكون كأثمار الاشجار قبل اقتطافها، حيث يجوز بيعها بلا وزن، وكالحنطة في سنبلها، حيث يجوز بيعها بلا كيل ووزن، فأجاب عليه السلام بأنه جائز لكن يجب التعيين بالتحديد إلى زمان الانقطاع فيما إذا باع جميعها، أو بالكسر المشاع كالنصف والثلث فيما إذا باع بعضها، فيكون له الكسر المشاع، فيكون تقدير العبارة " نعم يجوز بيعها حتى تنقطع أو بيع شئ منها ". ويحتمل أن يكون المراد بالانقطاع انقطاع ألبان النعم مطلقا. فلا يكون السؤال والجواب عن اللبن الموجود فعلا في الضرع، بل عن الالبان طول زمان حصولها في الضروع، فأجاب عليه السلام بالجواز إلى زمان انقطاع الالبان كلها أو بعضها، فيعين بالاشهر، كستة أشهر مثلا إذا انقطع الكل عادة بعدها، أو ثلاثة أشهر إذا انقطع البعض بعدها، فتقدير العبارة " نعم يجوز إلى زمان انقطاع ألبان الجميع أو ألبان بعضها ". وأما الاحتمال الذي ذكره بعض شراح الحديث من أن المراد بالانقطاع الانفصال ويكون المراد صح متى انفصل كلها أو بعضها من الضرع فهو


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1

[ 370 ]

خلاف الظاهر جدا، مضافا إلى أن البيع بعد انفصال الجميع لا يجوز إلا بالكيل أو الوزن بضرورة الفقه. والظاهر أن المراد من قوله عليه السلام: " حتى تنقطع " هو الوقت المعلوم عندهم بحسب التجارب لا عنوان الانقطاع بنحو الابهام، مع أنها ليست بصدد بيان شرط الضميمة، بل في مقام بيان الجواز واللاجواز بلا إطلاق فيها، فلا إشكال في هذه الجهة، ثم إن مقتضى ظهورها صحة بيعها مطلقا بلا لزوم ضم معلوم إليها. وبازائها موثقة سماعة قال: " سألته - أي أبا عبد الله عليه السلام - عن اللبن يشترى وهو في الضرع؟ فقال: لا إلا أن يحلب لك منه اسكرجة فيقول: اشتر مني هذا اللبن الذي في الاسكرجة وما في ضورعها بثمن مسمى، فان لم يكن في الضرع شئ كان ما في الاسكرجة ". (1) فعلى الاحتمال الاول في صحيحة عيص يمكن تقييد اطلاقها بالموثقة، ويحتمل حمل الموثقة على الكراهة حملا للظاهر عن النص، بل لا يبعد أن تكون الموثقة بملاحظة ذيلها الذي هو بمنزلة التعليل ظاهرة في الكراهة فكأنه احتياط لعدم ذهاب ثمنه هدرا أحيانا أو عدم كون الاكل أكلا بالباطل أحيانا، وإلا فالفرض بحسب الظاهر هو العلم بوجود اللبن في الضرع، فالحمل على الكراهة غير بعيد بحسب الصناعة، لكنه مخالف لفتوى الاصحاب. وعلى الاحتمال الثاني في الصحيحة فالجمع بينهما بأن بيع اللبن في الضرع فعلا لا يجوز أو يكره إلا بضميمة شئ إليه، وأما بيعه طول زمان الدر فيصح بلا ضميمة، نظير ما ورد في بيع الثمار (2)، فان بيعها سنة واحدة لا يجوز قبل بروزها إلا مع الضميمة، ويجوز سنتين أو أزيد


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب بيع الثمار

[ 371 ]

بلا ضميمة، ولعل نكتة الجعل حرمة أو كراهة شئ واحد في الموردين وهو خوف فقد الثمرة في العام الواحد وفقد اللبن إذا اشترى ما في الضرع وأما مع الزيادة على السنة فيقال: إن لم يخرج في هذه السنة خرج في قابل، كما في النص، وفي المقام أيضا يكون الدر طول الشهور مطمئنا به فان لم يدر في هذا الشهر يدر في الشهور الاخر. ثم إن الظاهر من الموثقة أن المنع بلا ضميمة ليس للغرر، فانه لا يدفع سواء كان في الضرع شئ أم لا، وهذا شاهد على أن النهي عن الغرر لا يشمل الاوصاف حتى مثل الكميات في مثل المقام الذي لا تكون دخيلة في ذات المبيع كما مر، كما أن ما وردت في بيع الثمار والرطبة ونحوهما شاهدة على ذلك، فان اخراج جميع ما ذكر عن النهي عن بيع الغرر يعيد والانصاف أنه لولا تسالمهم على شمول الغرر للصفات الدخيلة في زيادة القيمة لكان ما ذكرناه قويا جدا. ثم إنه قد يستشكل في الموثقة بأنها خارجة عن محل البحث، فان ضم ما في الاسكرجة من قبيل ضم المجهول إلى المجهول، وفيه - مضافا إلى أنها في مقام بيان حكم آخر فلا اطلاق فيها - أن الظاهر منها ضميمة اسكرجة واحدة، ولا يبعد أن تكون مكيالا خاصا لبيع الالبان، كما أن بيع اللبن بالمكيال المتعارف فيه مرسوم في القرى والقصبات عند أصحاب الانعام، فلا اشكال فيها. كما أن الاشكال فيها بأن الضم فيها من قبيل الضم إلى محتمل العدم والمورد هو ضم المعلوم إلى مجهول محقق الوجود غير وارد، ضرورة أن الظاهر من الموثقة هو وجود اللبن في الضرع، بل من المعلوم أن وجود اللبن في ضرع الحيوانات أمر معلوم لا يخفى على نوع المتعاملين، وما ذكر فيها من أنه إن لم يكن في الضرع شئ حكمة الجعل احتياطا في بعض

[ 372 ]

الاحيان، فلا يكون في مورد الموثقة إلا ضم موجود مجهول المقدار ومجهول الصفة مثل الغلظة والرقة. ثم إنه لو قلنا بعموم الغرر لمطلق الاوصاف الدخيلة في القيم فيشمل مثل اللبن في الضرع فالظاهر أيضا جواز العمل على طبق الصحيحة والموثقة وصحة القول بجواز ضم المعلوم إلى اللبن المجهول في صحة البيع لو لم نقل باستفادة قاعدة كلية في أشباه ما ذكر فيهما لا في مثل المكيل والموزون فعلا، لعدم ثبوت إعراض الاصحاب عنهما، بل في مفتاح الكرامة إن الحاصل من التتبع أن المشهور بين المتقدمين هو الصحة في المقامين: أي البيع مع ضم القصب، واللبن في الضرع مع المحلوب منه - فلا حجة لرفع اليد عن الصحيح والموثق. ومما ذكرنا يظهر الكلام في بيع الحمل مع ضم الاصواف، وأن مقتضى القاعدة صحة بيع الحمل مع العلم بوجوده، لعدم شمول النهي عن الغرر له فضلاعن ضم معلوم إليه، نعم ورد في بعض الروايات المنع عنه، كالرواية المحكية عن معاني الاخبار بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وآله " أنه نهى عن المجر وعن الملاقيح والمضامين " (1) وفسر الاول بأن يباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة والثاني بما في البطون أي الاجنة والثالث بما في أصلاب الفحول، " ونهى عن بيع حبل الحبل " (2) وفسر بولد ذلك الجنين الذي في بطن الناقة أي نتاج النتاج. وأما صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: " لا تبع راحلة عاجلة بعشر ملاقيح من أولاد جمل في قابل " (3) فلا يبعد أن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب عقد البيع - الحديث 3

[ 373 ]

يكون المراد منها بمناسبة ذكر الجمل الذي هو الذكر مقابل الناقة ما في ظهور فحول الابل كما فسرت الملاقيح به أيضا، فلا تدل على النهي عن بيع الحمل، ولو قلنا بأن المراد من الجمل الناقة كما قد يطلق عليها شاذا فلا منافاة بينها وبين رواية ابراهيم الكرخي قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل اشترى من رجل أصواف مأة نعجة وما في بطونها من حمل بكذا وكذا درهما؟ فقال: لا بأس بذلك، إن لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف " (1) بناء على انجبار سندها بعمل شيخ الطائفة (قده) والمنقول عن القاضي والحلبي (قدهما) وبصحة السند إلى ابن محبوب، وهو من أصحاب الاجماع، فلا يلاحظ بعده، وبأن صفوان وابن أبي عمير يرويان عن الكرخي، فيوجب ذلك نحو اعتماد عليه، فيقيد بها الصحيحة على فرض الدلالة والاطلاق فيها، وإن كان للمناقشة في جميع ذلك مجال واسع، والعمدة ما ذكرناه من قصور دليل المنع. ولو قام اجماع أو شهرة على عدم جواز بيع الحمل يقتصر على القدر المتيقن منه وهو بيعه منفردا، بل جوازه منضما إلى غيره مورد فتوى الشيخ والحلبي والقاضي (قدهم) فلا إجماع مع الانضمام، فيعمل على القواعد، نعم لو قلنا باطلاق دليل الغرر لا تصلح رواية الكرخي لتقييده إلا إذا ثبت جبرها بالعمل. وأما الاشكال عليه بأن ما فيها من قبيل ضم المجهول إلى المجهول فيمكن الذب عنه بأن الصوف على الظهر لا يكون موزونا كالثمر على الشجر، فيصح بيعه منفردا كما أفتى به كثير من الاصحاب، كالمفيد وابن ادريس والعلامة وكثير ممن بعده (قدهم) وهي موافقة للقواعد، وإجماع الخلاف غير ثابت، فتدل على أن ضم ما جاز بيعه منفردا إلى ما لا يجوز


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1

[ 374 ]

صحيح، ولا يضر الجهل بما لا يكون دخيلا في الصحة. كما أن الاشكال بأن الظاهر منها أن الحمل غير معلوم الوجود، وهو غير ما نحن بصدده مزيف، فان المفروض في السؤال وجود الحمل، وهو أمر غير مجهول عند أهل الخبرة ومن أراد الاشتراء لا محالة يتفحص عن الحمل، ومعه يظهر الحال نوعا أو كثيرا ما، وما في ذيلها انما هو حكمة لاحتمال التخلف أحيانا لا أنه دليل على أن المفروض هو الشك في الوجود. ويظهر مما مر الكلام في الطائفة الاخرى أيضا وهي موثقة معاوية بن عمار - بناء على كون محمد بن زياد هو ابن أبي عمير على بعد وإن لم يخل من وجه - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا بأس أن يشترى الآجام إذا كانت فيها قصب " (1) والظاهر منها جواز اشتراء الآجام - وهي الاشجار الملتفة على ما في كتب اللغة والشائع في استعمالاتها - إذا ضم إليها القصب، فان الآجام بما هي ملتفة تكون مشاهدتها غير ميسورة حتى يصح بيعها بها، وأما القصب فبحسب الطبع غير ملتف قابل للمشاهدة، فتدل على جواز بيع المجهول إذا ضم إليه ما يصح بيعه بالمشاهدة، والقصب ليس موزونا، فيصح بيعه مشاهدة ويصح ضمه إلى ما لا يصح إلا بالمشاهدة. وقد حملوها بقرينة بعض الروايات على بيع السموك التي في الآجام وقال بعضهم: إن المراد من الآجام المياه المجتمعة وهو يعيد (بعيد) فيها، ومحتمل أو راجح في غيرها. مثل رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام " في شراء الاجمة ليس فيها قصب إنما هي ماء، قال: يصيد كفا من سمك يقول: اشتري منك هذا السمك وما في هذه الاجمة بكذا وكذا ". (2)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب عقد البيع - الحديث 5 - 6

[ 375 ]

ومرسلة ابن أبي نصر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا كانت أجمة ليس فيها قصب أخرج شئ من السمك فيباع وما في الاجمة " (1) نعم عن منتهى الارب عن المغرب " أجم بتحريك جاى نشيب كه فراهم آمدنگاه آب ورستنگاه ني وكلك باشد " وعليه فيحتمل في رواية معاوية كون الاجمة بهذا المعنى، ويراد منها ما فيها كما هو ظاهر الروايتين، فيراد من الجميع بيع السمك غير المشاهد مع القصب أو مع كف منه. وهنا احتمال آخر وهو كون الاجمة بمعنى الماء المتغير، ففي أقرب الموارد " أجم الماء تغير، فهو أجم " وهذا أقرب إلى رواية أبي بصير حيث قال عليه السلام فيها: " ليس فيها قصب، انما هي ماء " أي انما هي ماء متغير لا ترى السموك حتى تباع مشاهدة وليس فيها قصب حتى تباع معه، فقال: " يصيد كفا من سمك " الخ، فكأن بيع السموك منفردا في الماء الصافي القابل لمشاهدتها فيه ومع القصب في الماء المتغير كان معهودا، فأراد السؤال عن العلاج مع فقدهما. وكيف كان تدل الروايات على جواز بيع المجهول إذا ضم إليه ما يصح بيعه منفردا كالقصب المشاهد والكف من سمك، والاشكال بأنه من قبيل ضم مجهول إلى مجهول أو إلى ما شك في وجوده مندفع بأن القصب المشاهد قبل قطعه ليس موزونا ولا معدودا، فيصح بيعه، والسمك في الكف بعد صيده مع كونه من صغار السموك كما هو المفروض والمعلوم من قوله كفا منه ليس موزونا، بل معدود يصح بيعه بلا وزن، وبأن المفروض سيما في رواية أبي بصير والمرسلة وجود السمك في الاجمة، ضرورة أن قوله


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2

[ 376 ]

عليه السلام: يصيد كفا من سمك " ظاهر جدا في وجود سموك فيها يمكن صيد بعضها، وكذا قوله عليه السلام في المرسلة: " أخرج شئ من السمك فيباع وما في الاجمة " فلا إشكال من هذه الجهة، بل الظاهر كونهما في مقام بيان حكم آخر، وهو جواز ضم ما يصح بيعه منفردا إلى المجهول. بقي الكلام في ضعف أسنادها، وهو منجبر بالشهرة بين القدماء بل ادعي في محكي الخلاف والغنية الاجماع على الجواز، ولا شبهة في أن الشهرة في خصوص تلك المسألة ليست إلا لتلك الروايات، فالانجبار بها مما لا إشكال فيه. بقي الكلام في موثقة إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يتقبل بجزية رؤوس الرجال وبخراج النخل والآجام والطير وهو لا يدري لعله لا يكون من هذا شئ أبدا أو يكون أيشتريه وفي أي زمان يشتريه ويتقبل منه؟ قال: إذا علمت من ذلك شيئا واحدا قد أدرك فاشتره وتقبل منه " (1). والاشكال فيها بأن الضمير راجع إلى ما أدرك منها فتدل على خلاف المقصود وبأن التقبل معاملة مستقلة ليس بيعا فلا تدل على المقصود مندفع بأن الظاهر الذي لا يصح إنكاره هو جواز تقبل الاشياء المذكورة بعد إدراك واحد منها، وإلا فذكر واحد منها يكون بلا وجه، فالسؤال والجواب مسوقان لبيان حال المذكورات، وبأنه لو كان التقبل غير الشراء فذكر الشراء كرارا لبيان جوازه كما يجوز التقبل وإن كان عين الشراء فلا كلام. نعم الظاهر منها ضم المدرك إلى مجهول الوجود، والكلام في الموجود المجهول وإن أمكن القول بأن قول السائل: " أو يكون " لبيان فرض الوجود في الجملة لا لذكر طرف الترديد، لعدم الاحتياج إلى ذكره،


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب عقد البيع - الحديث 4

[ 377 ]

تأمل. وبأن العرف يساعد على إلغاء الخصوصية، وأن المقصود من الرواية سيما الجواب جواز ضم ما يصح شراؤه إلى ما لا يصح سواء كان مفقودا أو موجودا، وسيما مع لحاظ الموارد الآخر في المقام وسائر المقامات كبيع الثمار والرطبة ونحوهما، والامر سهل بعد إمكان استفادة قاعدة كلية للاشياء والنظائر من الموارد المتقدمة وسائر الموارد المشار إليها، نعم لا إشكال في عدم جواز بيع المكيل والموزون والمعدود والمذروع فعلا جزافا وإن ضم إليها المعلوم لخصوصية فيها دون سائر الاوصاف كما مر، فلا يمكن إلغاء الخصوصية فيها. ثم إن الروايات وردت في ضم المجهول إلى ما يصح بيعه منفردا، فهل يلحق به ما إذا بيع معلوم واشترط فيه شرط مجهول، فقال مثلا: " بعتك أصواف هذه النعاج وشرطت لك حملها " بنحو شرط النتيجة؟ مقتضى الجمود على الموارد المذكورة عدمه، ومقتضى ما ذكر في غير واحد منها من النكتة أو التعليل الالحاق، بل الظاهر مساعدة العرف على ذلك، بل هو سليم عن بعض الاشكالات التي ذكرت في الانضمام. ثم إنه لا بأس بصرف الكلام إلى ما قاله العلامة (قده) في المقام وما ذكر حوله، قال في القواعد: " كل مجهول مقصود بالبيع لا يصح بيعه وإن انضم إلى معلوم، ويجوز مع الانضمام إلى معلوم إذا كان تابعا " انتهى. والظاهر منه مع الغض عن سائر ما حكي عنه أن مورد عدم الصحة والجواز شئ واحد، وأن المجهول إذا كان مقصودا بالبيع فبيعه غير صحيح حتى مع الانضمام، وأما إذا كان تابعا للمعلوم فبيعه جائز، فحمل التبعية على الشرط خلاف ظاهره، فلابد من حملها على التبعية في الغرض أو الوجود أو الكلام أو تعلق البيع. وأما بالنظر إلى سائر كلماته فلابد من توجيه كلامه بأنه يجوز القرار

[ 378 ]

مثلا إذا انضم بنحو التبعية للمبيع، فيكون المجهول مجعولا تبعا للبيع، فينطبق على الشرط، فعلى هذا الاحتمال، يكون الكلام في صحة الشرط المجهول لافي بطلان البيع المشروط به كما توهم، فيرجع كلامه إلى أن النبوي المشهور المجبور بالعمل مختص بالبيع، فالشرط المجهول صحيح على القواعد. والاشكال عليه بأن الاختلاف في الجزء والشرط ليس إلا بمجرد العبارة غير وارد، ضرورة أن البيع غير الشرط عنوانا وواقعا وأثرا، فعلى هذا يصح كلامه في الشرط دون الجزء، لما مر من صحته في الجزء بدلالة الروايات المتقدمة، وأما لو قلنا بأن الغرر جار في الشرط وسائر العقود والايقاعات لما روي مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله " أنه نهى عن الغرر " وتمسك بها شيخ الطائفة وابن زهرة (قدهما) في غير البيع، وادعي الشهرة والاجماع في غير واحد من أبواب الفقه على اعتبار المعلومية مستندا إلى لزوم الغرر بناء على جبرها بها، فان قلنا بأن الاخبار المتقدمة تشمل الشروط تخرج بها عن دليل الغرر، فيصح الشرط المجهول كما يصح البيع مع ضميمة معلومة، وإن قلنا بعدم شمولها لها فاللازم بطلان التابع، أي الشرط، وصحة ما هو المقصود مع الضميمة المعلومة، عكس ما في القواعد على هذا الاحتمال. وعلى الاحتمال الاول فان كان المراد بالتابع هو التابع في القصد المعاملي بأن يكون مقصود المشتري اشتراء المعلوم بحيث دار إقدامه على الاشتراء وعدمه مداره ويكون ضم المجهول إليه بقصد تبعي ثانوي فيقع حينئذ صحيحا وفي العكس باطلا - يرد عليه أن الميزان في صدق الغرر هنا في البيع وقوعه عليهما من غير فرق بين الفرضين، وبالنظر إلى أخبار الباب أيضا لا فرق بينهما، بل بالنظر إليها احتمال الصحة فيما إذا كان المجهول مقصودا

[ 379 ]

أولى بدعوى أن الخارج من إطلاق دليل الغرر بتلك الروايات ما كان شراء الضميمة المعلومة غير مقصود إلا للتخلص عن الغرر، كاللبن في الاسكرجة وكف من السمك في شراء سمك الآجام وإن كان فيه ما فيه، لمخالفته لفهم العقلاء سيما مع النكتة المذكورة فيها، مع أن اشتراء الاصواف على ظهر مأة نعجة مقصود بالاصالة. وأوضح إشكالا ما إذا كان المراد التبعية في اللفظ، فان قال: " بعتك سمك الاجمة وهذا الكف منه " بطل، ولو انعكس صح، ضرورة أنهما في صدق الغرر عليهما سواء والفرق بينهما بالتشبث بالروايات التي وردت في الصحة بدعوى أن المذكور فيها تقدم المعلوم فتقدم المجهول باق تحت دليل النهي عن الغرر في غير محله، ضرورة عدم فهم العرف من صرف التقدم اللفظي خصوصية فيه، سيما مع الحكمة أو العلة المذكورة فيها، مضافا إلى إطلاق رواية الكرخي (1)، ورواية معاوية بن عمار (2) بل وصحيحة عيص (3) ولا تصلح غيرها لتقييدها كما هو واضح. ويتلوها في الضعف ما استظهره في الجواهر من الاخبار وكلمات الاصحاب بوجه من أن المحصل منها جواز كل ما كان فيه الغرر من حيث الحصول وعدمه بالضميمة إلى معلوم على وجه يكون المقصود بالبيع ذلك المعلوم، بمعنى الاقدام منهما ولو لتصحيح البيع على أن المبيع المقابل بالثمن هذا المعلوم المقصود في تصحيح البيع، وإن كان المقصود من حيث الغرض هو ما فيه الغرر - إلى أن قال: ولعل الوجه فيها حينئذ عدم الاندراج مع الفرض المزبور في النهي عن بيع الغرر بعد فرض جعل المتعلق له


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 12 من أبواب عقد البيع - الحديث 5 (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1.

[ 380 ]

المعلوم على وجه يكون هو المقابل للثمن مع فرض عدم غيره، فتأمل جيدا، فانه دقيق نافع قد رمزوه عليهم السلام إلى من يرزقه الله فهم رموزهم، انتهى ملخصا. ضرورة أن ما وجهه خلاف الاعتبار العقلائي والشرعي في البيع إن كان المراد وقع العقد عليهما ووقوع الثمن في مقابل المعلوم فقط، وموجب للتعليق وكون بيعين في بيع المنهي عنه بالنبوي المنقول " أنه نهى عن بيعين في بيع " (1) إن كان المراد بيع المعلوم والمجهول على فرض الحصول وبيع المعلوم على فرض عدمه، وخلاف ظواهر الروايات الدالة على بيع المعلوم والمجهول معا مصرحة، بأن يقول اشتر مني هذا اللبن الذي في الاسكرجة وما في ضروعها، وسيما فيما كان الفرض في كلام السائل كرواية الكرخي، ضرورة أنه لم ينقدح في ذهنه ولا في ذهن أحد من العرف ما وجهه هذا المحقق المدقق وجعله من رموز كلامهم عليهم السلام. والانصاف أن طرح الروايات كما صنعه الحلي أهون من التوجيهات المخالفة للواقع والقواعد العقلية والعقلائية والشرعية. مسألة: جواز اندار مقدار يحتمل الزيادة والنقيصة لظرف ما يوزن مع ظرفه مما لا إشكال فيه في الجملة، وادعي الشهرة وعدم الخلاف فيه، بل عن فخر الدين (قده) دعوى الاجماع عليه، قال فيما حكي عنه: " نص الاصحاب على أنه يجوز الاندار للظرف بما يحتمل الزيادة والنقيصة، فقد استثني من المبيع أمر مجهول، واستثناء المجهول مبطل للبيع إلا في هذه الصورة فانه لا يبطل إجماعا " انتهى.


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 2

[ 381 ]

انما الكلام في أقسام ما يتصور في بيع المظروف مع الجهل بمقداره كيلا ووزنا بعد العلم بمقدار مجموع الظرف والمظروف، وفي مقتضى القاعدة فيها ومقدار دلالة معقد اجماع الفخر والاخبار الواردة في هذا الباب. فنقول: إنه بعد توزين المجموع قد يقع البيع على المظروف قبل الاندار إما ببيع ما في الزقاق مثلا بثمن معلوم، وإما ببيع ما فيها كل رطل بكذا، وقد يقع عليه بعد الاندار، ويجئ فيه القسمان، والقسم الاول من الفرضين لا يحتاج إلى الاندار، فلو قلنا بصحتهما بدعوى كفاية العلم بوزن المجموع وقعا صحيحين بلا اندار لمعلومية المثمن والثمن لا بمعنى معلومية مقدار المثمن، بل بمعنى أنه بعد عدم لزوم العلم بالمقدار يكفي العلم بنفس المثمن، وهذا هو مراد الشيخ (قده) لا ما توهمه بعضهم وأورد عليه بأن المثمن مجهول المقدار. وكيف كان مقتضى القواعد بطلان جميع الاقسام، للجهل بالوزن والكيل، ومجرد تسامح المتعاملين أو تعارف الاندار أو تعارف البيع كذلك أو بناء المتعاملين في البيع على أنه مقدار كذا لا يوجب خروجه عن بيع الغرر بمعنى الجهالة، كما أن مجرد التعيين تخمينا وحدسا أو ظنا لا يوجبه. بل يظهر ذلك من صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم وأن صاحبه قال للمشتري ابتع مني هذا العدل الآخر بغير كيل، فان فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت قال: لا يصلح إلا بكيل، وقال: وما كان من طعام سميت فيه كيلا فانه لا يصلح مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام " (1) وقد مر الكلام فيها وفي مفادها في محله، وقلنا: إن المتعارف وزن الاحمال نوعا عند اشترائها وعدم الاتكال على قول البائع، فحينئذ لاداعي


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2

[ 382 ]

للبائع في أن يكيل أو يزن الاحمال قبل ارادة بيعها، وهذا قرينة على أن المراد من قوله: " فان فيه مثل ما في الآخر " أنه مثلها حدسا وتخمينا، ولا يكون ذلك اخبارا عن الكيل والوزن، فأجاب بعدم الصلوح إلا كيلا وأطلق عليه الجزاف لو كان قوله عليه السلام: " ما كان من طعام سميت " الخ من تتمة الرواية كما هو الظاهر، لا الحاق رواية أخرى بها كما قد يشعر به قوله: " وقال " الخ. وكيف كان تدل الرواية على أن التعيين بالحدس والتخمين لا يكفي ولو مع رضا المتبايعين، وأن التسامح أو عدم الاختلاف الفاحش لا يكفي في الصحة بل لابد من الكيل، وأنه بلا كيل مجازفة. فيظهر منها أن الاقسام المتقدمة كلها باطلة وإن كان المتعاملان راضيين به، وأن الاندار بالتخمين والحدس لا يفيد، كما أن تعارف الاندار أو مقداره لا يفيد. إلا أن يقال: إنه بعد قيام السيرة العقلائية على الاندار واحراز اتصالها بزمان الوحي تخصص بها أدلة البطلان أو توجب انصرافها عن مورده لكنه مشكل بل ممنوع، لعدم كون تعارف ذلك عند بعض التجار أحيانا على فرض ثبوته من السيرة العامة التي تصلح للتقييد أو انصراف الادلة كخبر الثقة وأصالة الصحة في العقود ونحوهما، فالاتكال بحسب القاعدة على دليل الغرر ودليل اعتبار الكيل والوزن إلا أن يدل دليل على الصحة من اجماع أو أخبار. ثم إن في القسم الاول من الاقسام المتقدمة يكون الثمن معلوما وجدانا والمثمن مجهولا غير متعين حتى بالحدس والتخمين، وفي الثاني يكون الثمن والمثمن مجهولين كذلك، فلو دل دليل على الصحة في الثاني يستفاد منه الصحة في الاول دون العكس، وما قيل من أن في الثاني لاخطر في المعاملة دون الاول مزيف، فان الدليل على البطلان هو حديث النهي

[ 383 ]

عن الغرر، وهو على ما تسالم عليه فقهاء الفريقين على ما قيل هو الجهالة واحتمال شرط آخر وراء الغرر وهو عدم الخطر منفي بالاصل، واحتمال استعمال لفظ الغرر في أكثر من معنى على فرض إمكانه لا يعتنى به، وفي الثالث معلوم ثمنه وجدانا ومثمنه حدسا وتخمينا، وصحة أحد القسمين السابقين مستلزم لصحته دون العكس، لاحتمال اكتفاء الشارع بالتخمين وفي الرابع يكون الثمن والمثمن متعينين تخمينا، وصحته دليل على صحة الثالث دون ما قبله، وصحة الثالث لا يدل على صحته، كما أن صحة الثاني من القسمين الاولين دليل على صحة باقي الاقسام. ثم إن ظاهر معقد الاجماع في كلام فخر الدين هو الصحة في أحد القسمين الاولين من الاقسام، لان قوله: " نص الاصحاب على أنه يجوز الاندار للظرف بما يحتمل الزيادة والنقيصة " ظاهر في أن مقدار الاندار أمر معلوم، والجهل انما تعلق بانطباقه على مقدار الظروف، ولو كان مقدار الاندار مجهولا لم يصح فيه احتمال الزيادة والنقيصة، مع أن الاندار المفتى به في كلام الاصحاب ومتون الفقه هو اسقاط أمر معلوم بازاء الظرف المجهول، فقوله: " فقد استثنى من المبيع أمر مجهول " لا يعقل أن يكون تفريعا على ما سبق، لانه لا يناسبه بل يناقضه، فلو قيل نص الاصحاب على اندار مقدار معلوم حال البيع ويتفرع عليه أن استثناء أمر مجهول حال البيع كذا لكان من الكلام الباطل، بل لو كان المراد التفريع على ما تقدم وكان مراده بما تقدم استثناء الاندار بما يحتمل الزيادة والنقيصة من المبيع ثم ايقاع البيع عليه لقال فاستثناء أمر معلوم من المجهول لا يوجب معلومية المبيع، فكان البيع باطلا للجهل به لا بالمستثنى ضرورة أن المستثنى معلوم في الفرض، فلا ينبغي الاشكال في أن المراد من استثناء أمر مجهول من المبيع استثناء الظروف المجهولة المقدار قبل وقوع الاندار بما يحتمل النقيصة والزيادة، وانما استفاد الفخر ذلك من لازم نص الاصحاب، فان جواز الاندار بعد الفراغ عن صحة البيع، كما أن

[ 384 ]

الاجماع المدعى في الذيل مستفاد من نصهم، وإلا فمتون الفقه خالية عن ذلك، بل متعرضة لجواز الاندار. فتحصل مما ذكر أن ما استظهره الشيخ الاعظم (قده) من كلامه لا ينطبق عليه جزما، بل الظاهر من كلامه أن البيع بعد استثناء الظرف المجهول من المبيع وقبل اندار أمر معلوم صحيح عند الاصحاب، فيدل كلامه على صحة البيع في أحد القسمين الاولين، والظاهر بحسب المتعارف في المكيل والموزون وقوعه على النحو الثاني منهما، وهو بيع ما في الظروف كل رطل بكذا، ولازم صحته على فرض كون المستند الغرر هو صحة سائر الاقسام، هذا إذا صح الاتكال على الشهرة المحققة في المسألة والاجماع المنقول فيها، لكنها ليست من المسائل التي يصح الاتكال فيها عليهما، بل ولا على الاجماع المحقق أيضا، فانها من المسائل الاجتهادية الواردة فيها الروايات، ويكون استناد الفقهاء إليها أو يحتمل. وأما الروايات فمنها موثقة حنان - بناء على وثاقته ووثاقة سائر رجال السند لكنها لا تخلو من كلام - قال: " كنت جالسا عند أبي عبد الله عليه السلام فقال له معمر الزيات: إنا نشتري الزيت في زقاقه ويحسب لنا فيه نقصان لمكان الزقاق، فقال: إن كان يزيد وينقص فلا بأس وإن كان يزيد ولا ينقص فلا تقربه " (1). واختلفت النسخ، ففي التهذيب في باب الغرر " في ازقاقه ويحسب " بالواو، وفي باب بيع المضمون " فيحتسب لنا نقصان منه "، وفي الكافي " فيحسب " وكذا في الوافي عن التهذيب والكافي، فعلى نسخة الفاء يكون الظاهر أن الاشتراء كان قبل الطرح والاحتساب، فيكون موافقا لعبارة الفخر (قده) بل الظاهر أن المتداول في الاحتساب والطرح وقوعه


(1) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب عقد البيع - الحديث 4.

[ 385 ]

بعد البيع وكون اختبار الظروف وتعيين مقدارها بعد التخلية حين ارادة أداء الثمن إلى البائع، فيوزن المجموع أولا ويشترى كل رطل من المظروف مثلا بكذا، ثم عند الاحتساب واختبار الظروف وتعيين مقدارها تخمينا يطرح المقدار التخميني ويرد ثمن الباقي إلى البائع، فيستفاد منها تأخر الاشتراء عن البيع على نسخة الواو أيضا. وأما احتمال كون قوله: " فيحسب لنا " تفسيرا للاشتراء ومن ذكر المفصل بعد المجمل فهو كما ترى، فتدل الرواية على صحة القسم الثاني، وبالملازمة على صحة جميع الاقسام كما تقدم في عبارة الفخر (قده). ومنها رواية علي بن أبي حمزة، وفيها بعد فرض كونه بائع الزيت وأنه يأتيه من الشام ويبيعه والسؤال عن الاخذ لنفسه قال له: " جعلت فداك فانه بطرح لظروف السمن والزيت لكل ظرف كذا وكذا رطلا، فربما زاد وربما نقص، قال: إذا كان ذلك عن تراض منكم فلا بأس " (1) والظاهر من التفريع على ما تقدم فيها من بيعه ومن الطرح الذي بمعنى الالقاء والاسقاط - وهو لا يناسب الاستثناء قبلا، بل يناسب الالقاء عن المبيع بعد بيعه كل رطل بكذا لاخذ ثمن البقية. هو الاندار بعد البيع كما هو المتعارف، والظاهر منها بيع كل رطل من السمن الخارجي بكذا بدليل قوله: " يطرح لكل ظرف كذا وكذا رطلا " فينطبق على القسم الثاني من الاقسام ويأتي فيه ما ذكرنا في موثقة حنان. ومنها رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يشتري المتاع وزنا في الباسنة (2) والجوالق فيقول: ادفع للباسنة رطلا أو أقل أو أكثر من ذلك أيحل ذلك البيع؟


(1) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1 (2) الباسنة: الجوالق الغليظ

[ 386 ]

قال: إذا لم يعلم وزن الباسنة والجوالق فلا بأس إذا تراضيا " (1). وهذه الرواية أظهر من غيرها في الدلالة على تأخر الاندار لظهور قوله: " فيقول " في ذلك، ولقوله: " ادفع للباسنة رطلا " فلو كان الاندار قبل البيع وكان البيع واقعا على المظروف المعين بالتخمين لم يكن معنى للدفع للباسنة، لمعلومية المبيع تخمينا ووقوع الثمن بازائه، والحمل على الدفع بعنوان معاملة جديدة كما ترى، ولقوله عليه السلام في الجواب: " إذا لم يعلم وزن الباسنة فلا بأس " الظاهر عرفا ولتضمن " إذا " معنى الشرط في أن عدم البأس مختص بصورة الجهل، فلو كان الاستثناء قبل البيع كان استثناء المعلوم موجبا لمعلومية المبيع، فهو أولى بالصحة، فلا محالة يكون المراد الاندار بعد البيع حتى يفرق بين المعلوم والمجهول، وسيأتي الكلام فيه، ولقوله عليه السلام: " إذا تراضيا " فان المفروض صدور البيع مع التراضي، فلو كان الاندار قبل البيع لم يكن وجه للجواب باشتراط التراضي بعد مفروغيته، وأما في الاندار بعده فيصح ذلك كما يأتي. وأما قوله: " أيحل ذلك البيع؟ " فلا يدل على أن الاندار قبله، لان السؤال عن بيع المجهول صحيح على أي حال، فلا محالة يكون المراد صحة البيع بلازمه، ويظهر من الجواب ذلك أيضا. فمع الغض عن ضعف سندها لا إشكال في دلالتها، كما لااشكال في دلالتها على القسم الثاني، فيأتي فيها ما تقدم من صحة اثبات الحكم لسائر الاقسام، لكن يمكن المناقشة فيه، لاحتمال كون الحكم ثابتا للقسم المتعارف بين التجار للتسهيل ومراعاة حال نوعهم، فالاقسام المقترحة لشخص أو أشخاص خارجة منه وباقية تحت الادلة العامة، نظير ما ثبت من عدم انفعال غسالة الاستنجاء، وجواز الاكتفاء بالاحجار للنجو، فانه لا يصح إثبات حكمهما لسائر الموارد بتخيل عدم الفرق بينهما وبين سائر الموارد،


(1) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب عقد البيع - الحديث 3

[ 387 ]

فان احتمال جعل الحكم للمورد عفوا وتسهيلا لاجل كثرة الابتلاء ومراعاة حال المكلفين سيما في بعض المناطق يمنع عن ذلك، وليس المقام من قبيل بعض المقامات التي يلغي العرف فيها الخصوصية، نظير قوله " أصاب ثوبي دم رعاف " فاثبات الحكم لغير الصورة المتداولة وهي التي كانت معقد الاجماع ومورد الروايات مشكل، بل يمكن المناقشة في إثبات الحكم من موثقة حنان ورواية علي بن أبي حمزة التي لا يبعد جواز الاعتماد عليها لمثل بيع زق أودبة ونحوهما مما هو خارج عن مال التجارة في زقاق كثيرة مما يبتلى بها الزيات والسمان، لاحمال دخالة الخصوصية فيها، والغض عن الغر في مورد كثرة ابتلاء التجار بالزقاق الكثيرة للتسهيل عليهم لا يوجب الاغماض عنه في مورد اشتراء الزيت في دبة أو قارورة، كما لا يصح اثباته لغير المايعات كالبطيخ والقثاء والباذنجان، لخصوصية في المايعات بل في خصوص السمن والزيت منها ليست في غيرها، نعم مقتضى رواية قرب الاسناد ثبوته لظرف واحد وللطعام أيضا، لكنها ضعيفة. إلا أن يقال: الظاهر استقرار فتوى الاصحاب قديما وحديثا على ثبوت الحكم لمطلق المظروف الذي يتعارف بيعه في ظرفه كما يشهد به عبارة الفخر (قده) ومتون الفقه، والمناقشة في حجية الشهرة بل الاجماع في مثل هذه المسألة الاجتهادية الوارد فيها النصوص ممكنة، لكن ثبوت الحكم بنحو العموم كاشف عن تلقيهم ذلك خلفا عن سلف إلى زمان المعصومين عليهم السلام، تأمل. كما أن تعارف ذلك في أسواق المسلمين وغيرهم من غير نكير كاشف عن ثبوت الحكم لمطلقه من الصدر الاول، تأمل. بل لعل فهم العرف مساعد على ذلك، وما ذكرناه واحتملناه وسوسة خارجة عن متفاهم المخاطبات العرفية وعن الطريقة المألوفة، ولو فتح باب تلك المناقشات العقلية لامكن المناقشة في أصل الحكم، بأن يقال: إن

[ 388 ]

موثقة حنان وكذا رواية علي بن أبي حمزة ليستا بصدد بيان صحة البيع وعدمها، بل هما بصدد بيان جواز الاندار بعد الفراغ عن صحة البيع ولعل صحته المفروغ عنها لاجل رفع الغرر باخبار البائع، فان إخباره سيما إذا كان مؤتمنا موجب لرفع المجازفة والغرر، ولا يلزم من رفعهما باخباره صحة الاتكال عليه في غير ذلك، كما ورد في الروايات الدالة على صحة البيع اتكالا على قول البائع في الكيل عدم جواز بيعه بغير كيل بمجرد تصديق البائع، كصحيحة عبد الرحمان (1) وغيرها، فيقال في المقام أيضا: إن البيع صحيح باخبار البائع بالكيل لكن الاندار بعده يحتاج إلى رضا الطرفين ليحل مال الغير على فرض الزيادة أو النقيصة. وبالجملة التفكيك بين لوازم الامارات جائز ممكن، ومع احتماله لا يصح رفع اليد عن القواعد، ولكنك خبير بأنه مع معهودية الاندار وتداوله على الوجه المعروف بأن يوزن الظرف والمظروف فيباع المظروف ويندر مقدار للظرف لا يبقى مجال لتلك المناقشة، ولهذا لا ترى في الكتب الاستدلالية ولا في فتاوى الاصحاب احتمال ذلك، بل استقر الفتوى على جواز بيع المجهول واستثنائه من بيع الغرر بدليل ذكر الفرع في ذيل اشتراط الكيل والوزن، وبدليل قول الفخر (قده) المطلع على فتاوى الاصحاب. لكن مع ذلك كله إلحاق الجامدات من الحبوب والثمار والخضروات بالمايعات محل تأمل، وأولى بالتأمل إلحاق كل مصاحب للمبيع يتعارف بيعه معه كالشمع في الحلي، والمظروف الذي يقصد بيع ظرفه إذا كان وجوده فيه تبعا كقليل من الدبس في الزقاق، ودعوى القطع بالمناط أو الغاء الخصوصية عرفا عهدتها على مدعيه، وقد عرفت عدم صلاحية ذلك التعارف عند بعض التجار لتقييد دليل الغرر ودليل اعتبار الكيل.


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب عقد البيع - الحديث 8

[ 389 ]

ثم إن لقوله عليه السلام في موثقة حنان " إن كان يزيد وينقص فلا بأس " احتمالات ذكرها الشيخ الاعظم (قده) وإن كان في بعض استشهاداته نظر، لكن على جميع الاحتمالات يكون الزيادة والنقيصة محتملة في البيع الشخصي، فان كون نقيصة في بعض غير معلوم وزيادة في بعض كذلك يوجب الشك في الزيادة والنقيصة في الجميع، كما أن حصول الزيادة في بعض المعاملات والنقيصة في بعض موجب للاحتمال في المعاملة الشخصية، والاظهر من بين الاحتمالات هو الثالث كما يشهد به رواية علي بن أبي حمزة. فان الظاهر منها أنه ربما زاد في حال وربما نقص في حال بل الظاهر من رواية حنان أيضا ذلك، لان السؤال انما هو عن نوع المعاملات الواقعة في خلال التجارة لا عن شخص معاملة، فقوله: " يزيد وينقص " ظاهر في نوعها، كما أن رواية علي بن أبي حمزة أيضا كذلك. وكيف كان لا فرق بين الاحتمالات في أن اللازم منها احتمال الزيادة والنقيصة في كل معاملة، فحينئذ إن قلنا بأن الاندار شرط لصحة البيع ولابد وأن يكون قبله كما قيل فالظاهر من الموثقة أن الشرط في الصحة هو احتمالهما، فانه المتعارف الخارج عن دليل المنع، وأما مع العلم بالزيادة أو النقيصة فباق تحت دليله، لعدم كونه متعارفا، والخارج منه ما هو المتعارف، والظاهر منها أن الشرطية الثانية لذكر أحد القسمين من المفهوم والميزان هو الشرطية الاولى ومفهومها، والمستفاد منها عدم الصحة في الفرضين، فيرجع مفادها إلى أنه مع احتمال الامرين يصح البيع وإلا لا يصح، سواء علم بالزيادة أو بالنقيصة. كما أن الظاهر من الروايتين أن اشتراء الزيت ونحوه في الزقاق والاندار كان أمرا متعارفا، فان قوله: " إنا نشتري الزيت في زقاقه " الخ ظاهر في أن العمل العادي والمتعارف ذلك، ومن الواضح أن الزيات

[ 390 ]

لم يسأل عن قضية شخصية، بل مورد سؤاله ما هو المتعارف عند الزياتين والتجار، فاعتبار الاعتياد والمتعارف مما يدل عليه الروايتان، فهو شرط ثان لصحته، وأما الرضا منهما على هذا الاحتمال فلا إشكال في اعتباره، لا لما أفاده الشيخ الاعظم (قده) بل لان المفروض أن الاندار قبل البيع، وهو دخيل في تعيين المبيع تخمينا، ومعه لا بد من رضا المتبايعين حتى يتعين المبيع بحسب الارطال التخميني، ولا معنى لعدم اعتباره حال البيع كما هو ظاهر. فعلى ما ذكرناه يظهر أنه على هذا المبنى يرجح من الاقوال الستة التي ذكرها الشيخ (قده) القول الثاني الذي نسبه إلى التحرير، كما ظهر ضعف سائر الاقوال والاحتمالات. ثم إن ما مر من عدم كون الموثقة في مقام البيان بالنسبة إلى نفس الشراء انما هو على القول المختار، وأما على فرض كون السؤال عن الاشتراء الذي يندر فيه فالظاهر صحة الاطلاق، لان المسؤول عنه هو الاشتراء بكيفية خاصة لا الاندار بعد الفراغ عن تمامية البيع وصحته، هذا على الاحتمال المزيف. وأما على المختار فيقع الكلام في أمرين: أحدهما ما يعتبر في صحة البيع بحسب الروايات لا بحسب القواعد فنقول: أما اعتبار كون البيع في الظرف متعارفا ومعتادا فهو الظاهر من الروايتين كما مر، كما أن الاندار بعد البيع كان معتادا ومتعارفا فهو أيضا ظاهر منهما، فالامران يرجعان إلى شرط واحد، وهو كون الاندار بعده متعارفا ومتداولا عند التجار، ولازم ذلك هو تعارف وزن المجموع وبيع الشئ في ظرفه، فهل تعارفه كذلك كاف في صحة بيع المجهول أو أن لها شرطا آخر وهو الاندار الخارجي بنحو الشرط المتأخر أو بنحو آخر من الاحتمالات التي تقدمت في

[ 391 ]

إجازة الفضولي؟ وجهان، من أن الخروج عن القواعد لا يصح الا بدليل، ولا إطلاق للروايتين بالنسبة إلى الاشتراء على هذا الفرض، والمتيقن من الخروج هو بيع المجهول الذي يتعقبه الاندار، ومن أن الشرط المتأخر والاحتمالات التي تقدمت في إجازة الفضولي مما لا ينقدح في أذهان العامة والعرف، ويبعد عن السؤال والجواب، وأن مثل الزيات إنما يسأل عما يتعارف بين التجار، ولا إشكال في أن المتعارف بينهم هو بيع المظروف بعد الوزن والبناء على تمامية البيع، والاندار انما هو لتعيين المقدار التخميني في مقام الاحتساب وأداء حق البائع خارجا بحيث لو أغمض أحد المتعاملين بعد البيع عن الاندار وأدى مقدارا زائدا وأرضى صاحبه لا يرون به بأسا، وكون الاندار دخيلا في الصحة مما هو بعيد عن الاذهان جدا، ومخالف لفهم العرف من الروايات، ولا يبعد أن يكون الاقوى هو الثاني: نعم يمكن المناقشة في فرض عدم رضا المتعاملين بالاندار وإنهاء الامر إلى إفراغ الظروف ووزنها بأنه بعد وقوع البيع على المجهول إذا علم وزنه حقيقة لا يصح الاكتفاء به، بل يجب تجديد العقد، فان هذا الفرض خارج عن مفاد الروايات المجوزة، فيعمل فيه على طبق القاعدة، وأما بعد الاندار والاحتساب لو اتفق العلم بالوزن فلا يعتنى به، لدخوله في اطلاق الروايات، بل معلومية الوزن بعد الاندار والاحتساب ليس أمرا عزيزا، فلو كانت المعلومية كذلك مضرة كان عليه التنبيه. ولو قيل إن كون الاندار الخارجي شرطا لصحة الشراء بنحو الشرط المتأخر يمكن استفادته من موثقة حنان بعد فرض كون الظاهر منها تأخر الاندار عن البيع، بدعوى أن متعلق قوله: " لا بأس " هو الاشتراء، أي لا بأس بالاشتراء إذا وقع الاندار بعده بما يحتمل الزيادة والنقيصة، وأما مع العلم بالزيادة فلا تقربه، أي لا تقرب الاشتراء، بل بناء على

[ 392 ]

هذا الوجه يستكشف أن الرواية في مقام البيان من جهة الشراء. وفيه أن الظاهر وحدة متعلق " لا بأس " مع فاعل " ينقص " و " يزيد " والتفكيك بينهما خلاف السياق والظهور، ولا إشكال في أن فاعل " يزيد " و " ينقص " الزيت أو الحساب أو النقص، أي مقداره، فالمراد منه أن الزيت لا بأس به ولو كان فيه زيادة، أو الحساب كذلك لا بأس به وكذا النقص، وكلها يرجع بالنتيجة إلى معنى واحد، والظاهر أن مورد السؤال هو ذلك لا الشراء كما يشهد به سؤاله في رواية علي بن أبي حمزة الظاهر كالنص في أنه ليس عن البيع والشراء، بل عن الطرح والاندار بما ينقص تارة ويزيد أخرى. ثم إن الظاهر مما مر أن موثقة حنان في مقام بيان جواز الاندار وعدم البأس به إذا احتمل الزيادة والنقيصة، فيدفع باطلاقها احتمال دخالة ما يشك في دخالته في جواز الاندار، ويستكشف منه عدم دخالته في صحة البيع، لانه مع عدم صحته لا معنى لعدم البأس بالاندار، فاحتمال دخالة البناء على الاندار والرضا به حال البيع أو متصلا من حاله إلى زمان الاندار يدفع باطلاق الاندار، ويستكشف منه عدم شرطيته لصحة البيع، ورواية علي بن أبي حمزة على فرض صلاحيتها لتقييد الموثقة لا تدل إلا على اعتبار الرضا بالاندار الخارجي لا بأصل الاندار ولا بعنوان الاندار بما يحتمل الزيادة والنقيصة، بل اعتباره في مصداق عنوان الاندار لا يدل على اعتباره في صحة البيع، فلا يصح رفع اليد عن إطلاق الموثقة بالنسبة إلى احتمال دخالة الرضا بأصل الاندار أو بعنوان ما يحتمل فيه الزيادة والنقيصة بلا إشكال، بل يمكن القول بعدم صحة دخالة الرضا بالاندار الخارجي في عقد البيع، لان دخالة الرضا بالاندار الخارجي أي المصداق المعلوم المحتمل للزيادة والنقيصة تكون من قبيل الشرط المتأخر الذي هو بعيد عن الاذهان بأي معنى متصور، والحمل عليه يحتاج إلى

[ 393 ]

زيادة مؤونة مفقودة في المقام. الامر الثاني: في ما يعتبر في الاندار مضافا إلى اعتبار كونه بمقدار يحتمل فيه الزيادة والنقيصة بحسب ما يتفاهم من الروايات، واضطربت كلماتهم في اعتبار الرضا به، فاحتمل صاحب الجواهر (قده) حمل الموثقة على ما يتعارف فيه الاندار بمقدار معلوم، فلا يعتبر فيه الرضا، وحمل الخبرين على ما لا يتعارف فيعتبر. وفيه أنه مع عدم كونه جمعا عقلائيا مقبولا مخالف لظاهر الموثقة وخبر علي بن أبي حمزة، حيث إن الظاهر منهما أن السوأل عن أمر واحد، وهو الاندار فيما يتعارف فيه ذلك من غير إشعار بأن المقدار كان متعارفا أو لم يكن، مع أن تعارف المقدار المعين في الاندار مما لا واقعية له ظاهرا، لاختلاف الظروف صغرا وكبرا وضخامة ولطافة إلى غير ذلك. واحتمل بعضهم أن الخبرين محمولان على عدم الالتفات إلى ملازمة المعاملة للاندار أو على المعاملة بشرط عدم الاندار بالمقدار المعتاد، وفيه أنه أيضا كسابقه من عدم الشاهد عليه، بل الظاهر على خلافه. ثم إن بعضهم وقع في حيص بيص من جهة أنه على مقتضى الرضا المعاملي بالاندار لا معنى لاعتباره حال الاندار، فانه من قبيل الشرط الضمني فيلزم به، وإن كان المقصود الرضا بالهبة والابراء فلا وجه لاختصاصه بما يحتمل فيه الزيادة والنقيصة، بل يعم صورة العلم باحداهما مع توافق الروايات على القصر على صورة الاحتمال. أقول: إن ما هو من قبيل الشرط الضمني انما هو أصل الاندار في قبال تركه مطلقا والاندار بعنوان ما يحتمل الزيادة والنقيصة في قبال الاندار بالزيادة أو بالنقيصة، وأما إندار مقدار معلوم خاص محتمل للزيادة والنقيصة فلاملزم له، ولم يشترط في ضمن المعاملة، بل لا معنى لاشتراطه

[ 394 ]

بعد فرض كون الاندار كذلك بعد المعاملة وحال التخمين والتعيين حدسا، وقد تقدم أن الاندار بمقدار معلوم لم يكن أمرا عاديا متعارفا، ضرورة اختلاف الظروف بما لا يتسامح به في التجارات بالازقاق الكثيرة كما هو مورد الروايتين بل المفروض في المقام، فان فرض معلومية مقدار الاندار حال المعاملة مساوق لوقوع المعاملة على المقادر التخميني، وهو خارج عن هذا الفرض، ومن الواضح أن لما يحتمل الزيادة والنقيصة مصاديق خارجية في مثل تلك التجارات، فان له مراتب في كل تجارة فالتخمين والحدس بما يحتملهما بحيث كانت النقيصة عنه والزيادة بأي مقدار تخرجه عن الاحتمال إلى العلم غير واقع أو نادر الوقوع جدا. فحينئذ يمكن اختلاف المتبايعين في مراتب ما يحتملهما بما لا يتسامح فيه مع كثرة الزقاق، فيحتاج إلى التراضي والتوافق في ذلك، لا في أصل الاندار أو في أصل ما يحتمل الزيادة والنقيصة بالحمل الاولى. والظاهر أن التراضي وقت الاندار على ما ذكرناه كان متداولا عند التجار إذ لا ملزم لذلك أصلا، والتعارف في مثل تلك التجارات غير متسامح فيه، ولعل السكوت عنه في رواية حنان لاجل ذلك التعارف، ولا ينافي التنبيه عليه في رواية أخرى، ولو لم يسلم ذلك فغاية الامر تقيد الموثقة بالرواية، تأمل ثم إن المتحصل من مجموع الروايتين أن الاندار بما يحتمل النقيصة والزيادة جائز إذا رضيا به، وأما بما يزيد ولا ينقص فغير جائز ومحرم مطلقا، وهو كذلك، لان البائع انما هو راض بالاندار، وما هو المتعارف منه هو ما يحتملهما، فيكون رضاه على موضوع خاص لا يتجاوزه والاندار بغير ما هو المتعارف لم يتعلق به الرضا، بل يحتاج إلى رضا مستأنف، وهو مفقود فرضا، وانما ذكر في الرواية الزيادة فقط، لان السائل هو الزيات المشتري، والمتعارف في معامل الزياتين كون المحاسب من خدمهم، فيرد

[ 395 ]

عليهم الزيت من الاماكن البعيدة، ويتكفل خدمهم للوزون والاحتساب والاندار، فلا يحتمل حينئذ النقيصة دائما بحسب النوع دون الزيادة بنفع الزيات أو بنفعه، فيكون الاندار بالزيادة من قبيل أكل مال الغير بالباطل وبغير رضاه، فلو كان الاندار بيد البائع فاندر ناقصا عمدا يكون أخذ الثمن بمقداره أكلا بالباطل، وانما لم يذكره لان السائل الزيات المشتري، وهو الذي كان الاحتساب بيده. ثم إن البائع لو صرح برضاه بمقدار اندار المحاسب لم يكن رضاه متجاوزا عن الاندار المتعارف، وهذا بوجه نظير الرضا في البيع الفاسد الذي مر الكلام فيه، فتدبر جيدا. ثم إن الاندار بما يحتمل الزيادة لا النقيصة بأن يكون طرف احتمال الزيادة هو المساواة وكذا بما يحتمل النقيصة لا الزيادة بنحو ما ذكر خارجان عن منطوق الروايات، ويمكن أن يقال بدخولهما في مفهوم الشرطية الاولى من الموثقة فيكون الجواز وعدم البأس منحصرين بصورة واحدة، هي ما يحتمل الزيادة والنقيصة، إلا ان يقال: إن الشرطية الثانية من مصاديق مفهوم الاولى، وقد مر أن السر في ذكر الزيادة دون النقيصة هو كون المشتري وعماله كفيل الاندار، وأما ذكر العلم بالزيادة دون احتمال الزيادة لا النقيصة فالظاهر أنه لبيان أن الميزان في عدم الجواز هو العلم، فلو كان الاحتمال أيضا موجبا للبأس لوجب ذكره، ليتضح حال العلم أيضا، فيستفاد من ذلك أن الشرطية الاولى في مقابل العلم لا الاعم، ولعل المتفاهم العرفي ذلك أيضا، فغير صورة العلم داخل في الجواز بشرط أن يكون الاندار كذلك متعارفا، وإلا ففيه إشكال ثم إن الظاهر من النصوص وطريقة العقلاء أن احتمال الزيادة والنقيصة موضوع الحكم بعدم البأس، لا أن التخمين طريق إلى المقدار الواقعي

[ 396 ]

أما احتمال جعل الشارع ذلك طريقا في قبال العرف فينبغي القطع بخلافه، فان الامام عليه السلام لم يتعرض للحكم ابتداء، بل أجاب عما سأله الزيات مع شرط احتمال الزيادة والنقيصة، وفي مثله يأبى الكلام عن الظهور في جعل الطريقية، وأما طريقة العقلاء فهي أيضا كذلك، فلا يرجع المتعاملان بالزيادة أو النقيصة إذا لم تكن خارجة عن المتعارف، ومع الخروج عنه يكون الاندار باطلا، وعلى خلاف المتعارف. وبالجملة لسان الادلة آبية عن الطريقية، لان فرض الطريقية فرض إلغاء الاحتمال، وهو ينافي جعل الحكم للشك والاحتمال كما هو الظاهر. بقي الكلام فيما أفاد الشيخ الاعظم (قده) من التمسك بالاصل مع قطع النظر عن الروايات، ولا بأس بتوسعة نطاق البحث، فنقول لو قلنا بأن الاندار قبل البيع وقلنا بأن الحدس والتخمين لا يرفع الغرر فهل يمكن إجراء استصحاب عدم زيادة الزيت عما أندر واستصحاب عدم زيادة الظروف عنه للبناء على صحة البيع ورفع الغرر تعبدا بدعوى أن المستفاد من أدلة الاستصحاب هو إبقاء اليقين تعبدا وإطالة عمره بلحاظ الآثار أولا؟ الظاهر هو الثاني، لا لان استصحاب عدم زيادة الزيت بنحو ليس الناقصة غير مسبوق بالوجود وبنحو التامة لا يفيد، فانه قابل للدفع، ضرورة أن الزيت يصب في الظروف تدريجا فيكون له حالة سابقة بنحو ليس الناقصة كاستصحاب القلة للماء إذا شك في حصول كثرته، بل لان الاصل في طرف الظروف غير جارية للاشكال المتقدم، إلا أن يقال بامكان دفعه بما مر في المظروف، فان الازقاق أيضا مستمرة من الصغر إلى الكبر حال كونها على ظهر الأغنام. ومع الغض عنه إجراء الاصل في الظروف لشكف حال المظروف مثبت، ومع الغض عنه الاستصحاب لا يرفع الغرر إلا مع البناء على

[ 397 ]

قيامه بدليله مقام القطع الموضوعي، وهو ممنوع، لقصور أدلته عن اثباته هذا حال الاندار قبل البيع لتصحيحه. وأما جوازه في نفسه بعده بما يحتمل الزيادة والنقيصة فقد تمسك الشيخ الاعظم (قده) فيه بأصالة عدم زيادة المبيع عليه، وعدم استحقاق البائع أزيد مما يعطيه المشتري من الثمن. أقول: لو صح جريان أصالة عدم زيادة المبيع وأغمض النظر عن عدم حالة سابقة على فرض وعن المثبتية على فرض آخر لصح جريان أصالة عدم النقيصة وعدم المساواة، فان النقيصة أيضا أمر وجودي كالمساواة، فتتعارض الاصول الثلاثة، فان لكل منها في نفسه أثرا عقلائيا وشرعيا، ولو إمضاء وتبعا، وبناؤهم على كفاية الاثر في طرف النقيض، وبعبارة أخرى يجري الاصل لنفي موضوع ذي أثر، وبالجملة كل من تلك العناوين مسبوقة بالعدم الازلي، فلو أغمض النظر عن الاشكال في الاصول الجارية في الاعدام الازلية يجري جميعها، وألا فلا يجري شئ منها. إلا أن يقال: إن لاصالة عدم زيادة المبيع خصوصية ليست لغيرها، وهي أن الزيت كما مر يصب تدريجا في الزقاق، فله حالة سابقة بنحو ليس الناقصة، وبأصالة عدم زيادته إلى زمان تحقق البيع يحرز جزء من الموضوع، والجزء الآخر وجداني، وهو البيع. وفيه أن إحراز الموضوع بالاصل والوجدان انما هو في العناوين التي تثبت للموضوع عرضا لا طولا، مثلا لو ورد يجوز القضاء لمن كان فقيها وعادلا وكان شخص عادلا غير فقيه ثم صار فقيها وشك في بقاء عدالته تستصحب عدالته، فيقال: إنه عادل تعبدا وفقيه وجدانا، فأحرز الموضوع، وأما إذا ورد أن العادل إذا كان فقيها جاز له القضاء وكان عادلا سابقا غير فقيه ثم شك في عدالته وصار فقيها فلا يصح إحراز

[ 398 ]

الموضوع فيه بالاصل والوجدان، لان الموضوع كون الفقيه عادلا، وهو غير مسبوق باليقين، وما أحرز بالاصل هو كونه عادلا، وما أحرز بالوجدان كونه فقيها لا كون العادل فقيها، نعم لازم ثبوت الصفتين له هو كون العادل فقيها والفقيه عادلا، واثبات ذلك بالاصل غير جائز، والمقام من هذا القبيل، فان الحكم ثابت للمبيع أو للزيت إذا بيع أو اشتري، واستصحاب عدم زيادة الزيت عما اندر إلى زمان البيع لا يثبت كون المبيع كذلك، بل ولا كون الزيت بعد الاشتراء كذلك. ثم إن جواز الاندار لا يثبت باصالة عدم زيادة المبيع عليه فقط، فانها على فرض جريانها تثبت عدم الزيادة، فيبقى احتمال النقيصة بحاله، ولا أصل لدفعه، وأصالة عدم زيادة الظروف لا تحرز حال المظروف إلا على القول بالاصل المثبت ومع عدم إحرازها لا يجوز الاندار، هذا حال أصالة عدم زيادة المبيع. وأما أصالة عدم استحقاق البائع فهي بهذا العنوان غير جارية، لعدم الحالة السابقة له، ولكن يمكن القول بجريان أصالة عدم استحقاق زيد مثلا أزيد مما يعطيه عمرو، لكن لا يكفي ذلك لاثبات جواز الاندار ألا إذا ثبت في جانب المشتري أيضا نظيره، والظاهر أن أصالة عدم استحقاق المشتري زائدا عما في الظروف غير مفيدة، فان عدم استحقاقه لزيت زائد مقطوع به، لان البيع لم يقع على كلي مطلق، بل ولا على الكلي، وانما وقع على الموجود في الزقاق بعنوان أنه مأة رطل مثلا، فلو كان ناقصا عنها لا يستحق زيتا بمقداره، بل يرجع بثمنه. ولكن هنا أصل آخر يهدم أساس الاندار، وهو أصالة عدم وصول حقه إليه، وأصالة عدم تسليم حقه إليه، لان حقه مأة رطل، ووجودها في الازق مشكوك فيه، والانصاف أن أمثال تلك الاصول لا جدوى لها، ولا يثبت بها جواز الاندار.

[ 399 ]

مسألة: بيع المظروف مع ظرفه على وجوه كثيرة، فانهما إما موزونان كظروف صفر فيها الزيت، أو معدودان كزقاق فيها الجوز، أو مختلفان، وربما يكون الظرف في نفسه يباع بالمشاهدة أو بالذرع، والموزونان تارة متحدان قيمة وأخرى مختلفان، إلى غير ذلك من الصور. ثم إنهما قد يباعان معا بلا تسعير بكذا، وقد يباعان كل رطل بكذا، وقد يباعان على أن كل رطل من المظروف بكذا والباقي للظرف أو على أن مقدارا معلوما من الثمن بازاء الظرف والباقي للمظروف أو على أن لكل ظرف كذا من الثمن بلا عد الظروف والباقي للمظروف، إلى غير ذلك. وليعلم أولا أن إطلاق النهي عن الغرر متبع في جميع الموارد المتحقق فيها الغرر، ولابد للخروج عنه من دليل مخرج، كما أن أدلة اعتبار الكيل والوزن فيما يكال ويوزن دالة على لزوم العلم بهما عند البيع وعدم الصحة مجازفة، فلابد لرفع اليد عنها من دليل مخرج، وما تدل على جواز الاندار المستفاد منها صحة البيع في مورده لا تشمل المقام، ولا يمكن استنباط الحكم منها له حتى صورة بيع الظرف والمظروف بكذا على أن كل رطل من المظروف بكذا وتكون البقية للظرف، لانها أيضا خارجة عن مصب تلك الاخبار، فتصحيح بيع الظرف والمظروف بها كما هو المقصود في هذه المسألة غير وجيه. بل استفادة صحة بيع المظروف كذلك منها لا تخلو من إشكال، لان هذا الفرض خارج عن المتعارف، ومن المحتمل أن يكون تجويز البيع في صورة الاندار للتعارف عند التجار وتسهيل الامر عليهم، بل يقوى

[ 400 ]

عدم الجواز إذا تعارف بيع المجموع وزنا وقلنا بتبعية الظرف في هذه الحال للمظروف في الوزن، فانه مع صحة بيعه كذلك بلا غرر يكون العدول عنه إلى ما فيه الغرر بلا وجه كان أو لغرض شخصي موجبا للبطلان، ولا يمكن تصحيحه برواية حنان ونحوها مع اختلاف موردهما من هذه الجهة ولو قلنا بعدم تبعية الظرف وبقائه على حكم المعدود فالصحة في الصور الثلاث بلا دليل بعد شمول دليل النهي عن الغرر لها، وبالجملة البناء على الصحة في الصور الثلاث جميعا كما أفاد الشيخ الاعظم (قده) غير وجيه. وما قد يقال من أن المعدود يجوز بيعه وزنا، لان الاصل في التقدير هو الوزن غير وجيه إن أريد جواز بيع المعدود وزنا، فان الاصالة بهذا المعنى غير ثابتة، وأضبطية الوزن لا توجب رفع الغرر في المعدود إن كان المتعارف عده، والاصالة بمعنى أسبقية الوزن على العد غير مفيدة، مع أنها غير ثابتة، بل الاعتبار يقتضى تقدم العد على الوزن فيما يعد حتى في مثل اللوز والفستق. ثم إن الظاهر أن ما هو المعروف بين الاصحاب من صحة بين المظروف مع ظرفه هو بيعهما معا بكذا أو كل رطل بكذا والصحة فيهما على القاعدة لو كان الظرف تبعا للمظروف من الموزونات بحسب تعارف التجار كما لا يبعد ذلك، هذا حال بيع الظرف مع المظروف. وأما غيره كبيع أحد المنضمين اللذين لا يكفي في صحته منفردا معرفة وزن المجموع فلا ينبغي الاشكال في الصحة إذا بيعا معا بثمن أو كل رطل من المجموع بكذا بعد وزنهما، سواء اختلفت قيمتهما أم لا، فاحشا كان أم لا، لعدم الغرر والجهالة بوجه، فان بيع الشئ أرخص من قيمته مع غرض عقلائي لا يكون فيه خطر ولا غرر ولا سفاهة، فدعوى الشيخ (قده) القطع بفساده بدعوى أن الاقدام عليه خطر يستحق اللوم عليه من العقلاء

[ 401 ]

غير وجيهة إلا في بعض الصور. وأما إذا بيعا بثمن معلوم على أن يكون كل رطل من أحدهما المعين بكذا والباقي للآخر فلا إشكال في بطلانه، للغرر وعدم معلومية الكيل والوزن، فان هذا النحو يرجع إلى بيعهما منفردا كما أشار إلى مثله الشيخ قدس سره - فاطلاق كلام الشيخ (قده) في المقام محل إشكال، ولعل مراده أحد الوجهين الاولين. ولو كان أحد الموزونين يجوز بيعه منفردا مع معرفة وزن المجموع دون الآخر كما لو فرضنا جواز بيع الفضة المحشى بالشمع وعدم جواز بيع الشمع كذلك فالظاهر بطلان بيع المجموع وإن كان الشمع تبعا، فان التبعية هاهنا ليست كتبعية مفتاح الدار لها في الانتقال، فانه خارج عن الفرض، بل المراد أن المقصود الاصلي للشراء هو شراء الفضة وبتبعه اشترى الشمع أيضا وفي مثله لا وجه للصحة بعد تحقق الغرر وعدم الدليل على الاستثناء. خاتمة فيها أمور: الاول: لا إشكال في حسن تعلم أحكام الدين بل مطلق العلم عقلا وفي استحباب التفقة شرعا، كما لا إشكال في عدم الوجوب فيما لا يجب على المكلف ولا يبتلى به، انما الكلام في وجوب تعلم الواجبات والمحرمات مع كونها محل ابتلائه ومعرفة الحلال والحرام فيما يبتلى به، كالتاجر الذي يبتلى

[ 402 ]

بالمكاسب التي فيها محرم ومحلل، والقاضي بالنسبة إلى أحكام القضاء، إلى غير ذلك. أقول: أما الوجوب العقلي من باب المقدمة فهو ممنوع صغرى وكبرى، ضرورة أن التعلم ليس مقدمة وجودية لترك المحرمات ولا للاتيان بالواجبات، وأنه على فرض المقدمية لا يكون واجبا عقلا، فان اللابدية العقلية أمر والوجوب العقلي والايجاب أمر آخر، فان لابدية وجود المقدمة لتحقق ذيها لا يختص بالواجبات، بل كل أمر عادي أو غيره إذا أراد الشخص أن يوجده فلا محالة يريد وجود مقدمته بارادة مستقلة بمبادئها الخاصة غير مترشحة من إرادة ذي المقدمة، وقد فصل ذلك في محله، وهذا غير الحكم بوجوبها. وأما حكم العقل بوجوب المقدمة في الواجبات العقلية وحرمتها في المحرمات العقلية فلا وجه له، لعين ما قلنا في الوجوب الشرعي، من أن المقدمة لا يعقل أن تجب شرعا، فهاهنا أيضا نقول: إذا حكم العقل بوجوب ذى المقدمة فان انبعث منه العاقل فلا يعقل حكم آخر لمقدمته، فان الانبعاث إلى ذي المقدمة مع تصور توقفه على المقدمة والتصديق به كاف في ايجادها فلا وجه لحكم إلزامي آخر، وإن لم ينبعث منه فلا يعقل كون ايجاب المقدمة موجبا لانبعاثه، هذا كله مع تسليم أن للعقل حكما ايجابيا وتحريميا، وأما بناء على أن شأن العقل ليس إلا إدراك الحقائق وأنه يدرك قبح الظلم مثلا وحسن العدل وأما الحكم بلزوم الاحتراز من ذلك ولزوم الاتيان بذاك فليس من شأنه، فالامر أوضح. ثم لو قلنا بأن للعقل أحكاما إلزامية وقلنا بأن وجوب المقدمة ليس منها مع أن التعلم ليس مقدمة فيمكن أن يقال بأن مناط إلزام العقل موجود في التعلم وإن لم يكن مقدمة، ودعوى انحصار المناط بالمقدمية غير مسموعة

[ 403 ]

فان كثيرا من الاحكام العقلية ليست بمناط المقدمية، كحكمه بوجوب طاعة المولى وحرمة مخالفته، وحكمه بوجوب ترك شئ لا يؤمن مع فعله من الضرر ولو من باب الملازمات لا المقدمية: ففي المقام يمكن أن يقال: إن الاشتغال مثلا بالتجارة التي فيها محرمات وواجبات لا يؤمن معه من العقاب فلابد من تركه، ولو أراد الاشتغال بها يحكم العقل بوجوب التعلم ليؤمن من العقاب، فالوجوب هاهنا كوجوب الفحص عقلا عن طعام يريد أكله ولا يؤمن من كونه مسموعا فالوجوب غيري لمن أراد التجارة، لا مقدمي ولا نفسي، كما نسب إلى الاردبيلي (قده). والقول بعدم الوجوب لامكان التحرز بترك التجارة أو ترك ما يحتمل فيه المحرم خارج عن البحث، فان الكلام في التاجر المشتغل بالتجارة أو المريد لها وفي الجاهل، لا في العالم الذي يعلم أن ما يرتكب ليس مشتملا على الحرام. وأما الوجوب الشرعي فالظاهر عدم استفادته من الروايات الواردة في المقام، فان مثل قوله صلى الله عليه وآله " طلب العلم فريضة على كل مسلم " (1) لا شبهة في عدم كون المراد منه أن جميع العلوم واجبة على جميع الناس، فلابد من إرادة كونه في الجملة من الفرائض، ولعل المراد به هو العلم بأصول الدين، وما يدل على الحث على طلب العلم (2) يمكن أن يكون إرشادا إلى ما حكم به العقل، بل في تلك الروايات شواهد على الارشاد، كقوله عليه السلام: " من اتجر بغير علم فقد ارتطم في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 1 -. -

[ 404 ]

الربا ثم ارتطم " (1) وكقوله عليه السلام: " من أراد التجارة فليتفقه في دينه، ليعلم بذلك ما يحل له مما يحرم عليه، ومن لم يتفقه في دينه ثم اتجر تورط في الشبهات " (2). والروايات الدالة على الحث على التفقة في الدين لا ينبغى الاشكال في عدم صحة الاخذ باطلاقها وعمومها مع حمل التفقه على المعنى المعروف من العلم بالاحكام من الطرق الاجتهادية، ضرورة أن تكليف جميع الناس بذلك موجب لاختلال النظام، ومخالف للسيرة القطعية من زمن الرسول صلى الله عليه وآله إلى زمن الائمة عليهم السلام لحد الآن من عدم اشتغال جميع الناس بعلم الحديث والفقه. فلابد من حملها إما على لزوم العلم باصول الدين كما حملها بعض المحدثين المحققين (قدهم) وإن يأبى عنه بعض تلك الروايات. وإما على وجوب التفقه بالمعنى المعهود كفاية، فان في تركه محو الشريعة أو خوفه، ويدل على الوجوب الكفائي رواية علي بن أبي حمزة (3) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: تفقهوا في الدين، فانه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي، إن الله يقول في كتابه (4) ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " فان الآية الشريفة على فرض دلالتها على الوجوب تدل على وجوبه على فرقة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 2 - 4. (3) أصول الكافي - ج 1 ص 31 - الباب - 1 - من كتاب فضل العلم الحديث 6 (4) سورة التوبة: 9 - الآية 122

[ 405 ]

من كل طائفة مع أن في دلالتها عليه إشكالا، والتفصيل حول الآية يطلب من مظانه. وإما على الاستحباب كما يشهد له بعضها، كقوله عليه السلام: " الكمال كل الكمال التفقه في الدين والصبر على النائبة وتقدير المعيشة " (1) وإن كان ظاهر تعبير بعض الروايات الوجوب، كقوله عليه السلام: " من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يزك له عملا " (2) لكن ورود أمثال ذلك في المستحبات ومعلومية عدم وجوب التفقه في جميع الاحكام لجميع الناس شاهد على عدم ارادة الوجوب كذلك، فلابد من حملها إما على الاصول أو على الاستحباب مع أن قوله عليه السلام: " لم يزك له عملا " لعله اشارة إلى الحكم الارشادي العقلي. وكيف كان لا يستفاد من تلك الروايات على كثرتها وجوب التعلم نفسا ولا وجوبه شرعا للغير. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) - من أن المقام يزيد على غيره بأن الاصل في المعاملات الفساد، فيحرم على التاجر التصرف فيما يحصل بيده بمقتضى أصالة عدم الانتقال، فوجوب معرفة المعاملة الصحيحة في هذا المقام شرعي، لنهى الشارع عن التصرف في مال لم يعلم انتقاله إليه - غير وجيه، لعدم استلزام حرمة التصرف ظاهرا فيما يحصل بيده لوجوب التعلم شرعا كما لا يخفى، نعم لا مضائقة في الوجوب العقلي الغيري كما أشرنا إليه في صدر البحث.


(1) أصول الكافي - ج 1 ص 32 - الباب - 2 - من كتاب فضل العلم - الحديث 4 (2) أصول الكافي - ج 1 ص 31 - الباب - 1 من كتاب فضل العلم الحديث 7

[ 406 ]

الثاني: الظاهر قيام الشهرة على كراهية تلقي الركبان، وعن الايضاح أن الشيخ (قده) ادعى الاجماع على عدم تحريمه، وعن نهاية الاحكام تلقى الركبان مكروه عند أكثر علمائنا وليس حراما إجماعا، ويظهر منه أن القول بعدم الكراهة أيضا معتد به، وفي مفتاح الكرامة " ان الخلاف نشأ بعد الشيخ (قده) وان لا مخالف قبل عصره، فقد يدعى إجماع المتقدمين إلا ما قد حكي عن ابن الجنيد الذي لا يزال موافقا للعامة غالبا " انتهى وهو أي القول بالكراهة أقوى. وقد استند القائل بالتحريم إلى رواية عروة (1) ومنهال (2)، وهما ضعيفتان، وتوهم كون الراوي عن منهال ابن ابي عمير وابن محبوب وهما من أصحاب الاجماع قد فرغنا عن تزييفه، وأضعف منه دعوى كثرة الرواية، مع أنه ليس في المقام إلا رواية منهال، وكثرة النقل عنه لا توجب كثرتها، ورواية عروة ومرسلة الصدوق (3) التي هي أيضا متن رواية عروة، واختلاف بعض الكلمات لا يوجب تعدد الرواية مع احتمال كونه لاختلاف النسخ، مضافا إلى أن قوله عليه السلام: " ذروا المسلمين يرزق الله بعضهم ببعض " قرينة على الكراهة، فانه ظاهر في الاستحباب، بناء على أنه راجع إلى التلفي أيضا، مع أن في رواية منهال توجه النهي إليه. ولعل المقصود اختصاص التلقي بالغنم كما يشهد له رواية الصدوق (قده) عن منهال " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن تلقي الغنم فقال: لا تلق، ولا تشتر ما تلقي، ولا تأكل من لحم ما تلقي " ورواية مثنى الحناط عن منهال عين تلك الرواية على الظاهر قال: " قال - أي أبو عبد الله عليه السلام:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 5 - 1 (3) الوسائل - الباب - 36 من أبواب آداب التجارة - الحديث 5

[ 407 ]

لا تلق ولا تشتر ما تلقي ولا تأكل منه " بل الظاهر أن رواية منهال واحدة ذكر بعضها لبعض وبعضها لآخر فلا قائل لها بهذا المتن، تأمل. نعم رواية عروة مشتملة على التجارة أو على الطعام، لكنها ضعيفة جدا. مضافا إلى أن إعراض قدماء أصحابنا عنها وموافقة مضمونها على ما قيل للعامة أقوى شاهد على أنها عليلة، ولا ينافي ذلك فتواهم بالكراهة، لان تلك الفتوى متلقاة من الائمة عليهم السلام خلفا عن سلف، مع أن تلك الروايات الظاهرة في الحرمة على ما يقال كانت بمرأى ومنظر منهم، ودعوى الجزم بكون مستندهم تلك الروايات عهدتها على مدعيه، مع أنه على فرض كون مستندهم في الفتوى بالكراهة تلك الروايات يكشف ذلك جزما عن أنه كانت عندهم قرائن حالية على الكراهة. والانصاف أن الفتوى بالتحريم استنادا إلى تلك الرواية أو الروايتين الضعيفتين المشتمل بعضها على ما لا يقول به أحد كبطلان المعاملة أو حرمة أكل ما يشترى بنحو التلقي في غير محله، سيما مع إعراض أصحابنا عنها، ولولا ذلك كانت مرسلة الصدوق (قده) أولى بالاستناد إليها من سائر الروايات. ونعم ما قال صاحب مفتاح الكرامة: " إن الواجب على الفقيه إمعان النظر في مساقط الاخبار وتتبع الفتاوى والاجماعات وتحسين الظن بالمتقدمين وملاحظة الاعتبار، وبعد ذلك يجري على الاصول، وإلا فكل أحد يظهر له بادئ بدء أن الحكم بالتحريم أظهر، كما صنع بعض من تأخر عمن تأخر " انتهى. وعن نهاية ابن الاثير " التلقي هو أن يستقبل الحضري البدوي قبل وصوله إلى البلد ويخبره بكساد ما معه كذبا ليشترى منه سلعته بالوكس وأقل من ثمن المثل " انتهى. فلو كان التلقي بحسب اللغة أو بحسب ما هو المعهود خارجا

[ 408 ]

ذلك الاستقبال بالقيود التي ذكرها لكان حراما، للكذب والتغرير، ولعل فتوى العامة أو بعض الخاصة بالحرمة لذلك، وإن كان بعيدا. وكيف كان ما هو ظاهر اللغة والعرف والنص والفتوى هو نفس الاستقبال، والاخبار كذبا خارج عنه، كما أن الاختصاص باستقبال الحضري البدوي غير وجيه. ثم إن الظاهر من مرسلة الصدوق (1) ورواية عروة (2) - على فرض كونها غير المرسلة - ورواية الصدوق عن منهال " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن تلقي الغنم " (3) بل المتفاهم من رواية الحناط عن منهال أيضا (4) هو أن المكروه التجارة عن تلق، لانفس الاستقبال ولو بقصد التجارة إن لم يتجر، بل المتفاهم عرفا من جميع الروايات ذلك وهو الظاهر من قوله عليه السلام: " ذروا المسلمين يرزق الله بعضهم ببعض " (5) بناء على ربطه بكلتا الجملتين السابقتين، كما هو المناسب عرفا، فحينئذ يمكن استفادة الكراهة ولو لم يكن الاشتراء عن تلق كما لو كان التاجر مع الركب فاشترى منهم قبل الوصول إلى البلد، إلا أن يقال: إن قوله عليه السلام: " ذروا المسلمين " ليس تعليلا وإلا لم يختص بالركب ولا بخارج البلد، وهو ممنوع مخالف للفتوى بل النص ومقتضى ظاهر النصوص دخالة الاستقبال عن قصد التجارة في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 5 (3) و (4) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 3 - 2 (5) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 1.

[ 409 ]

الكراهة، فلو استقبل لغرض آخر ثم بدا له الاتجار فلا كراهية، ولو استقبل لاتجار نوع من المتاع ثم بدا له اتجار نوع آخر حين الوصول إليهم فالظاهر كراهته وإن لا يخلو من مناقشة. ومقتضى إطلاق الروايات والنكتة المذكورة في ذيل رواية عروة عدم اعتبار جهل البائع بسعر البلد ولا علم المشتري به وإن كان الغالب جهل الاول وعلم الثاني لكن ليس بحيث ينصرف الاطلاق إليه. ثم إن الظاهر أن الكراهة ترتفع بالوصول إلى أربع فراسخ كما هو ظاهر رواية ابن الحجاج عن منهال (1) ولا يبعد أن يكون مراد ابن أبي عمير من قوله: " وما فوق ذلك فليس بتلق " هو أن ما فوق الحد الذي حده الشارع، لا ما فوق أربع فراسخ، وقوله في رواية أخرى: " قلت: ما حد التلقي؟ قال: روحة " (2) يفسره رواية أخرى، وهي مرسلة الصدوق قال: " روي أن حد التلقي روحة فإذا صار إلى أربع فراسخ فهو جلب " (3). ثم إنه لا إشكال في صحة البيع سواء قلنا بكراهته أم بحرمته لانها تدل على الصحة، نعم لو كان النواهي للارشاد إلى البطلان فلا كراهة ولا حرمة، لكنه خلاف الفتوى بل النصوص، ومع جهل البائع بالسعر له الخيار مع الغبن الفاحش، والقول بالخيار مطلقا استنادا إلى مرسلة ليست من رواياتنا ضعيف، بل المتفاهم منها أيضا ليس إلا الخيار المعهود أي خيار الغبن.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 1 - 4 - 6

[ 410 ]

الثالث: الاحتكار - وهو حبس الطعام لانتظار الغلاء - يحرم في الجملة على الاقوى مع عدم باذل الكفاية وفاقا للمحكي عن القاضي والحلبي في أحد قوليه والمقنع والفقيه والهداية للصدوق والاستبصار والسرائر والتحرير والتذكرة والدروس وجامع المقاصد والمسالك والروضة، والكراهة خيرة جمع كثير من الفقهاء أيضا. وتدل على الحرمة صحيحة الحناط قال: " قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما عملك؟ قلت: حناط، وربما قدمت على نفاق وربما قدمت على كساد فحبست، قال: فما يقول من قبلك فيه؟ قلت: يقولون محتكر، فقال: يبيعه أحد غيرك، قلت: ما أبيع أنا من ألف جزء جزءا، قال: لا بأس، انما كان ذلك رجل من قريش يقال له حكيم ابن حزام وكان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه كله فمر عليه النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا حكيم بن حزام إياك أن تحتكر " (1) فانه لا ينبغي الاشكال في أن قوله صلى الله عليه وآله " إياك أن تحتكر " ظاهر في التحذير عنه بوجه شديد، واستشهاد الامام عليه السلام به يوجب ظهور البأس في الحرمة إن لم يكن في نفسه ظاهرا فيه، ومجرد استعمال الجملة في المستحبات أيضا لا يوجب رفع اليد عن الظاهر، فان الاوامر والنواهي أيضا تستعمل كثيرا في المستحب والمكروه، حتى قيل اكثر استعمالها فيهما، ومع ذلك إذا ورد أمر أو نهي يكون حجة على العبد أو ظاهرا في الحرمة والوجوب على اختلاف المسلكين. وصحيحة حذيفة بن منصور - بناء على وثاقة محمد بن سنان كما لا يبعد - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " نفد الطعام على عهد رسول الله


(1) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 3.

[ 411 ]

صلى الله عليه وآله، فأتاه المسلمون فقالوا: يا رسول الله قد نفد الطعام ولم يبق منه شئ إلا عند فلان، فمره يبيعه الناس، قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا فلان إن المسلمين ذكروا أن الطعام قد نفذ إلا شيئا عندك فأخرجه وبعه كيف شئت: ولا تحبسه " (1). والظاهر أن أمره بالاخراج والنهي عن الحبس حكم إلهي شرعي، لا مولوي سلطاني، كما أن من الواضح أن الحكم لم يكن مختصا برجل خاص في المدينة، بل هو حكم كلي يظهر منه عدم جواز حبس الطعام عند احتياج الناس إليه وفقده، بل لو كان حكما سلطانيا منه صلى الله عليه وآله فهو نافذ على الامة إلى الابد، وليس أحكامه كأحكام سائر السلاطين، بل أحكام سائر الائمة عليهم السلام أيضا كذلك، كما ترى أن بعض الائمة عليهم السلام استشهد في روايات الباب وغيره بأحكام رسول الله صلى الله عليه وآله فقوله صلى الله عليه وآله: " لا تحبسه " ظاهر في الحرمة كان المنع شرعيا أو سلطانيا، وحكمه على الاولين حكمه على الاخرين كالحكم الشرعي، كما يظهر من صحيحة الحناط (2) ومن كتاب أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة إلى مالك الاشتر الدال على حرمة الاحتكار أيضا قال: " فامنع من الاحتكار، فان رسول الله منع منه - إلى أن قال: - فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقب في غير إسراف " (3) فان الظاهر منه أنه أمره بالمنع اتكالا على منع رسول الله صلى الله عليه وآله، فان كان منعه شرعيا فهو وإن كان سلطانيا يظهر من كلام الامير عليه السلام أن منعه باق ومتبع بعد وفاته، فلا إشكال في


(1) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب 28 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 3 (3) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 13

[ 412 ]

استفادة عدم جواز الحكرة منه سيما مع الامر بالعقوبة والتنكيل بالمحتكر، وهذا الكتاب مع اشتهاره متنه يدل على صدقه، ومناقشة بعض أهل النظر في دلالته تبعا لمن تقدمه في غير محلها. ومما ذكرنا يظهر دلالة مرسلة الصدوق (قده) على المطلوب، قال: " ومر رسول الله صلى الله عليه وآله بالمحتكرين، فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الاسواق وحيث ينظر الناس إليها " (1). ويدل عليه أو يؤيده أيضا مرسلته الاخرى قال: " وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يحتكر الطعام إلا خاطئ " (2) ورواها الشيخ (قده) بسند جيد، بداهة أنه لا يقال لفاعل المكروه إنه خاطئء. ومرسلته الثالثة " ونهى أمير المؤمنين عليه السلام عن الحكرة في الامصار " (3) ولو كان الحكم منه سلطانيا يكون كأحكام رسول الله صلى الله عليه وآله متبعا إلى الابد، ومرسلته الرابعة " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون " (4) ورواها في الكافي مسندة. ويؤيده رواية ورام بن أبي فراس في كتابه عن النبي صلى الله عليه وآله عن جبرئيل، قال: " اطلعت في النار فرأيت واديا في جهنم يغلي فقلت: يا مالك لمن هذا فقال لثلاثة: المحتكرين والمدمنين الخمر والقوادين " (5) قال في الحدائق: إن ورام جد السيد رضي الدين بن طاووس لامه، وكان يثني عليه ثناء زائدا، ويعتمد كتابه، إلى غير ذلك من الروايات.


(1) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 1. (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 8 - 9 - 11 3

[ 413 ]

كرواية السكوني عن الصادق عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طرق طائفة من بني اسرائيل ليلا عذاب، وأصبحوا وقد فقدوا أربعة أصناف: الطبالين والمغنين والمحتكرين للطعام والصيارفة أكلة الربا منهم " (1). وعن دعائم الاسلام قال أمير المؤمنين عليه السلام: " المحتكر آثم وعاصي " (2) وعن رسول الله صلى الله عليه وآله " نهى عن الاحتكار " (3) وعنه صلى الله عليه وآله " من حبس طعاما يتربص به الغلاء أربعين يوما فقد برأ من الله وبرأ منه " (4) وعن أمير المؤمنين عليه السلام " الاحتكار شيمة الفجار ". (5) فلا إشكال في ظهور تلك الروايات المتظافرة في الحرمة، وما في بعض الروايات بلفظ " يكره " لا يكون المراد منه الكراهة المصطلحة بعد عصرهم عليهم السلام، بل في نفس الرواية شاهد على ذلك، فعن دعائم الاسلام عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " انما الحكرة أن يشتري طعاما ليس في المصر غيره فيحتكره، فان كان في المصر طعام أو متاع غيره أو كان كثيرا يجد الناس ما يشترون فلا بأس به، وإن لم يوجد فانه يكره أن يحتكر، وإنما النهي من رسول الله صلى الله عليه وآله عن الحكرة أن رجلا من قريش يقال له حكيم بن حزام كان إذا دخل على المدينة بطعام اشتراه كله، فمر عليه النبي صلى الله عليه وآله فقال له: يا حكيم إياك أن تحتكر " (6) ومن الظاهر أن الكراهة هي الحرمة بعد نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله: " إياك أن تحتكر " الدال على التحريم بوجه أكيد.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) المستدرك - الباب - 21 - من أبواب آداب التجارة - الحديث - 2 - 5 - 4 - 10 - 11 (6) المستدرك - الباب - 22 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 2

[ 414 ]

ومنها يظهر الكلام في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن الرجل يحتكر الطعام ويتربص به هل يصلح ذلك؟ فقال: إن كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس به وإن كان الطعام قليلا لا يسع الناس فانه يكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام " (1) إذ من المعلوم أن قوله عليه السلام: " لا بأس به " في جواب " هل يصلح؟ " يراد به جوازه، والمفهوم منه عدمه عند عدم الشرط، فيكون قوله عليه السلام: " يكره " بيان المفهوم، مضافا إلى أنه من البعيد جدا من مذاق الشرع أن يكون الاحتكار الموجب لترك الناس ليس لهم طعام جائزا مرجوحا. بقي الكلام في موثقة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الحكرة في الخصب أربعون يوما وفي الشدة والبلاء ثلاثة أيام، فما زاد على الاربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون، وما زاد على ثلاثة أيام في العسرة فصاحبه ملعون " (2) فان من الممكن أن يقال إنها حاكمة على الروايات الناهية والمانعة، فتدل على عدم كراهة الحكرة قبل الاربعين في الخصب وعدم حرمتها قبل الثلاثة في الشدة، بل يمكن استفادة كراهتها حتى حال الشدة والبلاء، فان الزائد على الاربعين في الخصب مكروه ومع ذلك قال: " فصاحبه ملعون " وهذا قرينة على أن في الزائد على الثلاثة صاحبه ملعون بهذا المعنى أيضا. ولكن تنافيها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إنما


(1) و (2) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب آداب التجارة الحديث 2 - 1

[ 415 ]

الحكرة أن تشتري طعاما وليس في المصر غيره فتحتكره " الخ (1) وما في هذه الصحيحة موافق للاعتبار ومناسب للحكم والموضوع، كما أن رضا الشارع ببقاء الناس في الشدة والبلاء ثلاثة أيام بعيد جدا، فلابد من حمل الموثقة على الغالب، أي سعة الناس نوعا في قوتهم إلى ثلاثة ايام حتى في الشدة وعدم سعتهم حتى في الرخاء والخصب بعد الاربعين، سيما في تلك الاعصار ومنه يظهر عدم قرينية ما ذكر على الكراهة مطلقا، فالميزان في حرمة الحكرة هو احتياج الناس وعدم الباذل، كما يظهر من صحيحة الحلبي مع أن الحمل على الكراهة في الشدة بالتقريب المذكور ليس بأولى من العكس بأن يقال: إن الحرمة في الزائد على الثلاثة في الشدة قرينة على أنه في الخصب أيضا يحرم الاحتكار زائدا على الاربعين مع أن التفكيك بين الجمل في رواية واحدة ليس بعزيز، فلو دل دليل على عدم الحرمة في الخصب مطلقا رفع اليد عن الظهور بالنسبة إليه لا بالنسبة إلى قرينة ولو حصل الاجمال لعدم الترجيح يرجع إلى سائر الروايات الدالة على الحرمة. وكيف كان لا ينبغي الاشكال في حرمة الاحتكار حال ضرورة الناس وحال الشدة والبلاء. ثم إن مقتضى رواية غياث بن ابراهيم الصحيحة أو الموثقة (2) ورواية قرب الاسناد (3) عدم الحكرة إلا في الغلات الاربع والسمن، ومقتضى رواية السكوني (4) وصحيحة الحلبي (5) إلحاق الزيت بها، فقد ادعي الاجماع


(1) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 1 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 4 - 7 - 10 (5) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 2

[ 416 ]

وعدم الخلاف فيما عدا الزيت، وأما هذا فقد حكي عن المقنع والخصال والدروس واللمعة إلحاقه بها، وعن ايضاح النافع أن عليه الفتوى، وعن المسالك استحسانه، وعن جامع المقاصد أنه لا بأس به، وهو كذلك، وأما إلحاق الملح فلا دليل عليه وإن حكي القول به عن جمع من الاصحاب. ثم إن مقتضى إطلاق اكثر الروايات حرمة الاحتكار، سواء حصل له الطعام بالاشتراء أو بغيره من الزرع والاستيهاب والارث وغيرها، وما في صحيحة الحلبي " انما الحكرة أن تشتري طعاما " لا يدل على الحصر، للاشكال في دلالة كلمة " انما " عليه، ولو سلمت فانما سيق الكلام فيها في مقابل وجود الطعام لافي مقابل عدم الاشتراء، كما هو ظاهر المقابلة فيها، فلو كان المراد الحصر في الاشتراء لقال: " فان كان بغير اشتراء أو في المصر طعام فلا بأس ". بل من الواضح أن النهي عن الاحتكار انما هو لاجل رفع الشدة والحاجة عن الناس في طعامهم، ولا دخالة لخصوصية الاشتراء فيه، كما أشار إليه في صحيحة الحلبي بقوله عليه السلام: " ويترك الناس ليس لهم طعام " فما عن نهاية الاحكام وعن ظاهر المنتهى من اشتراط الاشتراء وعن جامع المقاصد الميل إليه أو القول به ليس بمرضي. ثم إنه لا إشكال في اجباره على البيع إذا امتنع عنه، وقد حكي الاجماع وعدم الخلاف وعدم الكلام فيه، ويدل عليه كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى مالك، فان قوله: " فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقب " (1) دال على العقوبة والتنكيل على ترك البيع، فيصح بيعه إلزاما وإكراها في مثل المقام. وأما التسعير فلا يجوز ابتداء، نعم لو أجحف ألزم بالتنزل، وإلا


(1) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 13

[ 417 ]

ألزمه الحاكم بسعر البلد أو بما يراه مصلحة، فما دلت على عدم التسعير منصرف عن مثل ذلك، فان عدم التسعير عليه قد ينتهي إلى بقاء الاحتكار كما لو سعر فرارا من البيع بقيمة لا يتمكن أحد من الاشتراء بها، فلا اشكال في أن أمثال ذلك إلى الوالي، والاخبار لا تشمل مثله. بل الظاهر من المروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: " رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنه مر بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الاسواق وحيث تنظر الابصار إليها، فقيل لرسول الله لو قومت عليهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى عرف الغضب في وجهه، فقال: أنا أقوم عليهم؟ انما السعر إلى الله، برفعه إذا شاء ويخفضه إذا شاء " (1) أن مقصود القوم بتسعيره أن يسعر دون السعر المتعارف، فأجاب بأن السعر إلى الله، وما هو إلى الله هو السعر المتعارف لا ما يكون إجحافا على البائع أو على الناس، ولا يظهر من سائر الروايات إلا ذلك، فليس للحاكم إلا إلزامه بالبيع من دون تعيين سعر على خلاف سعر السوق، إلا أن يرى مصلحة ملزمة، وليس للبائع إلا البيع بالسعر المتعارف أو القريب منه لا المجحف، فتوهم دلالة الروايات على عدم التسعير مطلقا غير مرضي. هذا آخر ما جرى به القلم من كتاب البيع على يد الفقير وكان الفراع منه في صبيحه يوم الجمعة الحادي عشر من جمادى الاولى عام 1392 شاكرا لانعم الله تعالى حامدا له مصليا على النبي الاعظم وآله الامجاد. بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الاسواق وحيث تنظر الابصار إليها، فقيل لرسول الله لو قومت عليهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى عرف الغضب في وجهه، فقال: أنا أقوم عليهم؟ انما السعر إلى الله، برفعه إذا شاء ويخفضه إذا شاء " (1) أن مقصود القوم بتسعيره أن يسعر دون السعر المتعارف، فأجاب بأن السعر إلى الله، وما هو إلى الله هو السعر المتعارف لا ما يكون إجحافا على البائع أو على الناس، ولا يظهر من سائر الروايات إلا ذلك، فليس للحاكم إلا إلزامه بالبيع من دون تعيين سعر على خلاف سعر السوق، إلا أن يرى مصلحة ملزمة، وليس للبائع إلا البيع بالسعر المتعارف أو القريب منه لا المجحف، فتوهم دلالة الروايات على عدم التسعير مطلقا غير مرضي. هذا آخر ما جرى به القلم من كتاب البيع على يد الفقير وكان الفراع منه في صبيحه يوم الجمعة الحادي عشر من جمادى الاولى عام 1392 شاكرا لانعم الله تعالى حامدا له مصليا على النبي الاعظم وآله الامجاد.


(1) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب آداب التجارة - الحديث 1

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية