الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب البيع - السيد الخميني ج 2

كتاب البيع

السيد الخميني ج 2


[ 1 ]

كتاب البيع 2 تأليف العلامة الاكبر والاستاذ الاعظم آية الله العظمى مولانا الامام الحاج آقا روح الله الموسوي الخميني قدس سره مؤسسه مطبوعاتي اسماعيليان قم - تلفن 25212

[ 2 ]

الطبعة الرابعة 1410 ه‍ ق

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الكلام في شروط المتعاملين منها: البلوغ، وقد ادعي الشهرة والاجماع على بطلان عقد الصبي، وعن التذكرة (أن الصغير محجور عليه بالنص والاجماع، سواء كان مميزا أو لا في جميع تصرفاته إلا ما استثني كعباداته وإسلامه وإحرامه وتدبيره ووصيته وإيصال الهدية وإذنه في الدخول على خلاف في ذلك) انتهى. ومورد البحث الصبي المميز، وأما غيره ممن لا يعرف معنى المعاملة والعقود فلا بحث في بطلان ما صدر منه مما هو قابل للصحة والبطلان، نعم الظاهر عدم الفرق بين المميز وغيره في بعض الوضعيات، كحصول الجنابة بالدخول وضمان الاتلاف. والاولى صرف الكلام إلى معاملات الصبي وعقوده وإيقاعاته، فان الاستقصاء في موارد الاستثناء وأمور أخر مغاير لوضع الرسالة، فنقول:

[ 4 ]

يقع الكلام تارة في عقد الصبي المميز الرشيد وأخرى في المميز غير الرشيد وفي كل منهما يقع الكلام في جهات: منها - أنه هل يكون الصبي مستقلا في عقوده و إيقاعاته، ولا يحتاج في صحتها إلى إذن الولي ولا إجازته؟ لا بمعنى أنه مع بقاء ولايته هل يحتاج اليهما حتى يقال: إن جعل الولاية حينئذ لغو، بل بمعنى أن أمد ولاية الولي الاجباري إلى وقت التميز أو الرشد، فمع أحدهما تنقطع الولاية مضافا إلى عدم لغويته، فتصح من الولي والمولى عليه مستقلا، نظير ولاية الجد و الاب، تأمل. ومنها - بناء على عدم استقلاله هل تصح معاملاته باذن وليه أو إجازته؟ فيكون بعد الاذن مستقلا في العمل من غير احتياج إلى نظر الولي وتكون معاملاته بلا إذن فضولية. ومنها - بناء على عدم استقلاله بهذا المعنى هل تصح معاملاته بوكالة من وليه في مال نفسه أي الصغير أو بوكالة من غيره في ماله؟ ومنها - بناء على عدم صحة معاملاته مطلقا هل تصح عقوده وإيقاعاته بالوكالة في مجرد إجراء الصيغة أو أن العقد الصادر منه كالصادر من غير المميز؟ وبالجملة هل الصبي غير محجور مطلقا أو محجور عن الاستقلال أو عن العمل مطلقا أو عن مجرد إجراء الصيغة أيضا ولو كان العمل لغيره؟ والاولى تقديم الكلام في الرشيد الذي وردت فيه آية الابتلاء (1) ويظهر منه حال غير الرشيد أيضا، فنقول: يحتمل بحسب التصور أن يكون الرشد تمام الموضوع في صحة المعاملات من غير دخالة البلوغ فيها وأن يكون البلوغ تمام الموضوع والرشد غير دخيل، وأن يكون كل منهما


(1) سورة النساء: 4 الاية 6.

[ 5 ]

جزء الموضوع، فتصح المعاملات من البالغ الرشيد لا غيره، وأن يكون كل منهما تمام الموضوع بمعنى صحة المعاملة مع أحد الشرطين: الرشد أو البلوغ، فتصح من الرشيد غير البالغ ومن البالغ غير الرشيد. ولا استبعاد في كون البلوغ تمام الموضوع منفكا عن الرشد، كما أن السفيه الذي عرض عليه السفه بعد البلوغ غير محجور عليه، وتصح معاملاته قبل حجر الحاكم إياه على أصح القولين. والاصل في الاحتمالات الآية الكريمة (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا، ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) الخ (1) إذ فيها احتمالات: أحدها - أن يكون الامر بالاختبار حتى زمان البلوغ، كقوله: (أكلت السمكة حتى رأسها) أي اختبروهم حتى زمان بلوغ النكاح الذي هو كناية عن البلوغ، سواء كان بالاحتلام أو غيره، ووقت البلوغ وإن كان زمان انقطاع اليتم - فلا يقال للبالغ إنه يتيم - لكنه مجاز شائع في أول البلوغ. ولازم ذلك أن يكون الرشد تمام الموضوع، ولا يكون البلوغ دخيلا في صحة المعاملة، لان الظاهر أن الاختبار واجب من وقت يحتمل الرشد في اليتامى، ويبقى وجوبه إلى زمان البلوغ، فيكون زمان اليتم والبلوغ داخلا في الاختبار، فايناس الرشد في كل من الزمانين موضوع لحكم الصحة، فيجب رد مال اليتيم إليه مع إيناس الرشد، سواء كان قبل بلوغه أو بعده، وانما ذكر حال البلوغ على هذا الاحتمال لدفع توهم أن الاختبار مختص بغير البالغ، وأما البالغ فلا يحتاج إليه، ويجب دفعه


(1) سورة النساء: 4 - الآية 6.

[ 6 ]

إليه بلا اختبار، أو حتى مع عدم رشده. ثانيها - أن تكون (حتى) للغاية بحيث تكون الغاية خارجة عن المغيا، كقوله تعالى: (كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض) الخ (1) فيكون مورد الاختبار من زمان يحتمل فيه رشده إلى انقطاع اليتم، ولازمه أن يكون الرشد قبل البلوغ موضوعا مستقلا لصحة معاملاته والبلوغ موضوعا مستقلا آخر ولو مع عدم الرشد، ضرورة أن الموضوع للاختبار هو اليتامى، وحال البلوغ خارج، فيختص حكم الاختبار وإيناس الرشد ووجوب رد المال باليتامى، فيحتمل أن يكون البالغ موضوعا مستقلا غير محتاج إلى الاختبار، أو موضوعا مستقلا ولو انكشف عدم الرشد. نعم لو كان الرشد من الصفات اللازمة - ولو نوعا - لمن بلغ النكاح يمكن أن يقال: إن عدم الاختبار حال البلوغ ليس لاجل دخالة البلوغ أو استقلاله، بل لاجل تحقق الرشد، لقيام الامارة عليه، والفرق بين ما قبل البلوغ وما بعده بعد اشتراكهما في تمام موضوعية الرشد أن العلم بالرشد قبل البلوغ يحتاج إلى الاختبار وبعده لا يحتاج إليه، لقيام الامارة عليه. لكن من المعلوم أن الرشد لا يلازم بلوغ النكاح، ولا يكون من الصفات النوعية له، فايناس الرشد قبل البلوغ علة للاستقلال ووجوب رد المال، فإذا بلغ النكاح يرد إليه ماله بلا احتياج إلى الاختبار، لعدم احتمال عدم جواز رده إليه بعد البلوغ وعدم وجوب الاختبار فيكون البالغ أسوأ حالا من غيره، ولازمه استقلال البالغ ولو لم يكن رشيدا، فتحصل منه أن الاستقلال معلول لاحد أمرين: إما الرشد وإن كان قبل البلوغ


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 187.

[ 7 ]

أو البلوغ وإن لم يتحقق الرشد. ثالثها - أن تكون (حتى) للغاية، ويكون المراد من الآية الكريمة أن لزوم الابتلاء مستمر إلى زمان البلوغ وبعد استمراره إليه إما أن يعلم رشده فيرد إليه ماله أولا فلا يرد، ولازم ذلك عدم كون واحد منهما تمام الموضوع لاستقلاله ووجوب دفعه إليه، وانما المجموع موضوع له، وانما أوجب الابتلاء من زمان يحتمل فيه الرشد إلى زمان البلوغ، لاجل أهمية الموضوع واحتياج كشف الرشد وإيناسه إلى زمان معتد به جرب فيه الطفل وعلم منه العقل والتدبير، وهو مما لا يمكن الاطلاع عليه بشهر أو شهرين، أو لعل ذلك للاحتياط في أموال اليتامى، ولعل الامر به قبل البلوغ إلى أول زمانه لاجل عدم التأخير في رد المال إلى صاحبه، وعدم الاكل منه بقدر المعروف في زمان كان المالك مستقلا رشيدا ولو لم يحرز رشده حرصا على رد المال إلى صاحبه وعدم الاكل منه في أول زمان استقلاله. رابعها - أن تكون (حتى) حرف ابتداء للتعليل، و (إذا) للشرط، وجملة الشرط والجزاء جزاء له، فيراد أنه يجب ابتلاء اليتامى لاجل أنه إذا بلغوا النكاح فأونس منهم الرشد يدفع إليهم أموالهم، فتكون النتيجة كالثالث، ولعل هذا الوجه هو ما نسب إلى بحر العلوم (قده). ثم إن أظهرها ثالثها، لا لما ذكره بعض الاعاظم (قده) بقوله: (أولا أنه لما أمر سبحانه بايتاء الايتام أموالهم بقوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم) (1) ونهى عن دفع المال إلى السفيه بقوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) (2) بين الحد الفاصل بين ما يحل للولي وما لا يحل، فجعل لجواز الدفع شرطين: البلوغ وإيناس الرشد، وثانيا لو لم يكن


(1)، (2) سورة النساء: 4 - الآية 2 - 5.

[ 8 ]

قوله تعالى: فادفعوا) تفريعا على إحراز الرشد بعد البلوغ لم يكن وجه لجعل غاية الابتلاء هو البلوغ، وكان المناسب أن يقال: وابتلوا اليتامى، فان آنستم منهم رشدا) الخ. فان الوجه الاول المأخوذ من الطبرسي لا يدل على مقصوده لو لم يكن مؤيدا للاحتمال الثاني من الاحتمالات، بدعوى أن إطلاق قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم) يقتضي وجوب الايتاء ولو مع سفههم، وقوله تعالى: (ولا تأتوا السفهاء أموالكم) لو كان المراد منه أموالهم كما قيل يقتضي عدم جواز إيتاء السفهاء من اليتامى أموالهم، والجمع بينهما يقتضي الايتاء مع رشدهم، وهذا عين الاحتمال الثاني، وانما الفرق بين الآيتين بعد الجمع وبين آية الابتلاء أن في الثانية بين كيفية العلم بالرشد والسفه. وأما الوجه الثاني فيرد عليه أن من المحتمل أن جعل البلوغ غاية لاجل إفهام أن لزوم الابتلاء انما هو قبل البلوغ، لكشف الرشد الذي هو تمام الموضوع للاستقلال، وأما إذا انتهى إلى البلوغ فلا يجب الابتلاء، لان البلوغ موضع آخر للاستقلال كما مر بيانه، فيكون ذلك أيضا من مرجحات الاحتمال الثاني في كلامنا والاول في كلامه، بل الاظهرية لاجل أن الظاهر من (حتى) الظاهرة في الغاية أن الابتلاء يجب أن يكون مستمرا من زمان احتمال الرشد إلى زمان بلوغ النكاح، فيكون قوله تعالى: (فان آنستم منهم رشدا) تفريعا على الابتلاء المستمر عرفا إلى حال البلوغ، فكأنه قال: إذا اختبرتموهم إلى زمان بلوغهم فآنستم حاله منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم، فايناس الرشد في زمان البلوغ موضوع للحكم، فتدل الآية على أن كلا منهما جزء الموضوع. واستظهر صاحب الجواهر (قده) كون (إذا) للشرط ورجحه على سائر الوجوه، بدعوى (أن (إذا) ظرفية شرطية وخروجها عنهما

[ 9 ]

نادر جدا لا يحمل عليه التنزيل، بل يقتضي انقطاع الابتلاء بالبلوغ، وليس كذلك، لاستمراره إلى ظهور الرشد أو اليأس منه، بل لازمه الحجر على البالغ الرشيد إذا لم يونس منه رشد قبل البلوغ وارتفاعه عمن لم يبلغ إذا أونس منه الرشد، لانتفاء الشرط في الاول ووجوده في الثاني) الخ. وفيه أن الميزان في الاستظهار من الكلام هو العرف العام. ولا شبهة في فهم العرف من الآية أن (حتى) غاية الابتلاء، وقوله تعالى: (فأن آنستم منهم رشدا متفرع على الابتلاء إلى زمان البلوغ، وندرة استعمال (إذا) في غير الشرط على فرض تسلميها لا توجب عدم حمل التنزيل عليه بعد ظهوره فيه ما لم يخل بالفصاحة، مع أن جعل (إذا) شرطية وجملة الشرط والجزاء جزاء والمجموع غاية لحتى احتمال مخالف لفهم العقلاء ومحتاج إلى التأول والتأمل، بل وخارج عن الاسلوب السديد الفصيح، ولا يحمل عليه التنزيل، مع أن ورود (حتى) لغير الغاية وابتدائية نادر أيضا، والانصاف أن الاذهان الخالية عن المناقشات وتحميل الدقائق عليها لا ينقدح فيها إلا ما ذكرناه واستظهرناه. وأما اقتضاء انقطاع الابتلاء بالبلوغ فهو إما لازم الوجه الذى اختاره أيضا وإما غير لازم لسائر الوجوه، فان لازم سياق الكلام والعلة التي من أجلها عرفا أمر الشارع الاقدس بالابتلاء قبل زمان البلوغ مما يصح فيه الابتلاء هي الاجتناب عن ثبوت الولاية ظاهرا لمن خرج عن الحجر بالرشد أو بالرشد والبلوغ أو بأحدهما حسب اختلاف الاحتمالات، وللاحتياط في أموال اليتامى بعد خروجهم عن الحجر بحسب الواقع. ومناسبات الحكم والموضوع عرفا تقتضي أن لا يكون للغاية مفهوم وإن يثبت الابتلاء حتى بعد البلوغ ولا ينقطع به، بل الآية ظاهرا ليست

[ 10 ]

بصدد بيان حدود الابتلاء بحسب الغاية بل سيقت لنكتة أخرى، هي تقديم الابتلاء على زمان البلوغ لرد مال الطفل إليه أول زمانه إذا كان رشيدا وفي مثله لا مفهوم للغاية، بل النكتة الموجودة قبلها موجودة بعدها أيضا فيفهم منها لزوم الابتلاء مطلقا. ومع الغض عنه لا نسلم دلالتها على لزومه بعد البلوغ على الوجه الذي اختاره، لان الظاهر أن الابتلاء مختص باليتامى، فقوله تعالى: (إذا بلغوا النكاح) الخ لو فرض كونه جملة شرطية على نحو ما رامه لكن لا شبهة في عدم انقطاعها عن الجملة السابقة، بمعنى أن الظاهر الذي لا ينكر أن قوله تعالى: (فان آنستم منهم رشدا) مربوط ومتفرع على الابتلاء المذكور قبلها، ويكون الابتلاء لاجل إيناس الرشد، فحينئذ تكون الآية ساكتة عن الابتلاء بعد البلوغ، فيكون محصل المعنى على فرض الشرطية وابتلوا اليتامى، فإذا بلغوا وصار ابتلاؤهم قبل البلوغ موجبا لايناس الرشد منهم بعده فادفعوا إليهم أموالهم، فهي ساكتة عن الاختبار بعد البلوغ، فمع عدم الاختبار قبل البلوغ عصيانا أو نسيانا أو لعذر آخر لا يجب بعده. بل لو فرض قطع الجملة السابقة عن اللاحقة وكان قوله تعالى: (حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم) الخ جملة مستأنفة غير مربوطة بما قبلها لم تدل على وجوب الاختبار، لان إيناس الرشد لا يلزم أن يكون بوجوب الاختبار، بل الظاهر منه على ذلك أن البالغ إذا أونس منه الرشد يرد ماله إليه، فللولي انتظار حصول الرشد والعلم به من باب الاتفاق، وأما قوله: (لازمه الحجر على البالغ الرشيد) الخ فقد ظهر جوابه في خلال ذكر الوجوه المتقدمة ولازمها، فراجع. ثم إن الظاهر من الآية الكريمة أن الطفل المميز قبل الرشد أو قبل

[ 11 ]

البلوغ والرشد بناء على ما رجحناه لا يصير مستقلا ولا يدفع إليه ماله، وعليه هل تدل الآية على عدم نفوذ معاملاته ولو باذن الولي أو إجازته أو تدل على نفوذها في الجملة؟ فعن أبي حنيفة دلالتها على نفوذها باذن الولي في المعاملات الاختبارية تمسكا باطلاق قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى) فان مقتضاه جواز الابتلاء بالمعاملات، ولازمه صحتها ونفوذها. وأجاب عنه الشافعي على ما حكي بما حاصله (إن الله سبحانه أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنه لا يجوز دفع المال إليه حال الصغر وجب أن لا يجوز تصرفه حاله، لانه لا قائل بالفرق) انتهى. والظاهر عدم ورود إشكاله عليه، لان مدعاه أن الآية تدل على نفوذ تصرفه باذن وليه فيما يرجع إلى الاختبار لا تصرفه مطللقا، وهو لا يلازم دفع المال إليه واستقلاله في المعاملات، وعدم القائل بالفرق على فرضه لا يوجب جواز رفع اليد من ظاهر الآية. والاولى أن يقال في جوابه: إن إطلاق الآية لا يقتضي صحة المعاملة ونفوذها، لعدم إطلاق من هذه الجهة، بل لها إطلاق من جهة الابتلاء فقط، والابتلاء لا يلازم صحة المعاملة، بل الدخيل فيه نفس المعاملة، كانت صحيحة نافذة أم لا، فتمام الموضوع في الابتلاء الكاشف عن رشده هو ذات المعاملة، والصحة لا دخالة لها في المقصود، وليست الآية في مقام البيان من هذه الجهة، بل لا معنى له، فتدبر. ثم إنه لا إشكال في أن الابتلاء انما هو لايناس الرشد لا لكشف البلوغ بناء على غير الاحتمال الرابع، أما على الاول فواضح، وأما على الثاني والثالث مما كان بلوغ النكاح بحسبهما غاية للابتلاء فلان الابتلاء إلى

[ 12 ]

البلوغ لا يعقل أن يكون كاشفا عنه، لان الكاشف لا يعقل أن يكون مقيدا بالمنكشف ولا مغيابه، لان الابتلاء إلى البلوغ يقتضي معلوميته وجعل الامارة له يقتضي عدمها. وأما على الاحتمال الرابع فلا مانع عقلي من كون الابتلاء لكشف البلوغ أو الرشد بأن يقال: وابتلوا اليتامى، فإذا بلغوا حد النكاح بكشف الابتلاء عن بلوغهم حده فادفعوا إليهم أموالهم إدا أونس منهم الرشد، أو يقال: وابتلوهم لاجل أنه إذا بلغوا النكاح وكان ابتلاؤهم كاشفا عن رشدهم فادفعوا... الخ. لكن مع ضعف أصل الاحتمال كما مر يكون الاحتمال الاخير من الاحتمالين أظهر، لان البلوغ حد النكاح واقعا لا ربط له بالابتلاء، فان وجوده الواقعي حاصل، ابتلى اليتيم أم لا، والربط انما هو بين الابتلاء والعلم بالبلوغ، فكان حق العبارة على هذا الفرض أن يقال: وابتلوا اليتامى حتى إذا أونس منهم البلوغ أو علم منهم ذلك، مضافا إلى أن قوله تعالى (فان آنستم منهم رشدا) قرينة على كون الابتلاء لايناس الرشد، للمناسبة الواضحة بين الابتلاء والايناس. وربما يتشبث برواية أبي الجارود المحكية عن تفسير علي بن ابراهيم عن أبي جعفر عليه السلام لكون الابتلاء لكشف البلوغ قال: (قال في قوله عزوجل شأنه: وابتلوا اليتامى: من كان في يده مال بعض اليتامى فلا يجوز أن يعطيه حتى يبلغ النكاح ويحتلم، فإذا احتلم ووجب عليه الحدود وإقامة الفرائض ولا يكون مضيعا ولا شارب خمر ولا زانيا فإذا أونس منه الرشد دفع إليه المال، ويشهد عليه، فإذا كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ فليمتحن بريح إبطه أو نبت عانته، وإذا كان ذلك فقد بلغ،

[ 13 ]

فيدفع إليه ماله إذا كان رشيدا) (1) بدعوى ان الامتحان في الرواية تفسير للابتلاء في الآية الكريمة. وفيه - بعد الغض عن ضعف الرواية، بل قد يقال: إن كونها رواية غير ظاهر، بل لم تسند إلى أبي جعفر عليه السلام ولا غيره في التفسير، نعم في ذيل الآية السابقة على هذه الآية ذكر عن أبي عبد الله عليه السلام، ثم قال بعد الآية: (قال) ولعله عليه السلام هو المراد منه أو أن المراد نفسه كما هو دأبه ودأب القدماء - أن صدرها بصدد بيان حاصل مفاد الآية، حيث كان البلوغ والرشد معتبرين في وجوب دفع المال إليه، فقوله عليه السلام: (ولا مضيعا) الخ بيان الرشد، وكيفية امتحان الرشد لا يحتاج إلى البيان، وأصل الامتحان قد تعرضت له الآية وأما كيفية امتحان البلوغ بما ذكر فمحتاج إلى البيان، ولا إشعار فيها بأن الامتحان المذكور هو الابتلاء في الآية. بل يمكن أن يقال: إن مورد الامتحان هو الجهل بالمنكشف، فالآية لو كانت متعرضة لامتحان البلوغ لا بد من فرض جهل المخاطب بالبلوغ، فلا يناسب معه قوله عليه السلام: (فإذا كانوا لا يعلمون) فيظهر منه أن الابتلاء لكشف المجهول، وهو الرشد، لكن لما كان البلوغ جزء موضوع وقد يتفق عدم العلم به بين أمارة البلوغ أيضا. ثم الظاهر - سيما بعد مسبوقية الآية بآية (ولا تؤتوا السفهاء) بناء على بعض الاحتمالات - أن وجوب دفع المال إلى البالغ الرشيد معلول رفع حجره وسقوط ولاية الولي عنه واستقلاله في أموره، فيكون وجوب الدفع على حذو وجوب رد مال الغير، وعدم حله إلا بطيبة نفسه، فيفهم من الآية الكريمة رفع حجره واستقلاله وصيرورته بالرشد والبلوغ


(1) المستدرك - الباب - 2 - من كتاب الحجر - الحديث 1.

[ 14 ]

كسائر الناس، فلا يحل ماله بلا إذنه وطيب نفسه، وعلى هذا لا وقع للنزاع في أن المفهوم قوله تعالى: (فان آنستم منهم رشدا فادفعوا) هو رفع وجوب الدفع أو حرمة الدفع. وأما احتمال كونه وجوبا تعبديا مستقلا مخصوصا باليتامى بحيث وجب دفع المال إليه حتى مع طيب نفسه بالبقاء عند وليه فمقطوع الخلاف كما أن احتمال كون وجوب الدفع كناية عن رفع الحجر وسقوط ولاية الولي بعيد، وما ذكرناه موافق لفهم العرف، وعلى هذا لا يحتمل بقاء الحجر بعد دفع المال إليه، وهو واضح. ويمكن أن يفهم من مفهوم الآية أن غير البالغ والبالغ غير الرشيد محجوران عن التصرف الاستقلالي سواء كان بنحو الدفع اليهما وكانا كسائر المالكين أو لم يدفع اليهما لكن كانا مستقلين في معاملاتهما، بحيث وجب على الولي ترتيب آثار الصحة على معاملاتهما ورد الثمن أو المثمن إلى المتعامل وأخذ العوض، وذلك لما عرفت من أن وجوب الدفع معلول سلب الحجر ورفع ولاية الولي، وفي مقابله عدم سلبه وبقاء ولايته، مضافا إلى أن المناسبة بين الصغر والسفه وعدم الاستقلال تفيد ذلك. وكذا يفهم منه ولو بمناسبات الحكم والموضوع أنه غير صالح لاستقلال التصرف ولو باذن الولي أو بالوكالة منه في التصرف في أمواله التي تحت يد الولي، وذلك لان المتفاهم عرفا من حجره أن النكتة فيه أنه لصلاح حال اليتيم، ولاجل التحفظ على ماله لئلا يضيع ماله بالتصرفات السفهية فيبقى عند بلوغه ورشده صفر الكف، ولهذا لا يكتفى بالبلوغ فقط ولا بالرشد كذلك لغاية الاحتياط والحزم. ومن الواضح أن إذن الولي في تصرفه بنحو الاستبداد والاستقلال بلا نظر منه في صلاحه وفساده وتوكيله في التصرف في أمواله وإجازته

[ 15 ]

لتصرفاته كذلك مناف لحجره وجعل الولاية عليه، ومخالف للاية الكريمة ولو بمناسبات الحكم والموضوع. فهل يصح أن يقال: إن اليتيم محجور عن التصرف في ماله ولا يرفع الحجر عنه إلا بالبلوغ والرشد ثم يقال: لو قال الولى له: أنت مأذون في التصرف في مالك صحت معاملاته وصار مستقلا كسائر البالغين العاقلين من غير احتياج إلى تشخيص الولي صلاحه؟ أو إذا أقدم على معاملة بلا إذنه ثم قال الولي: أجزتها من غير نظر في الصلاح والفساد صحت، أو إذا قال: أنت وكيلي في التصرف في مالك تم الأمر وصحت المعاملة، لانها تنسب إلى الولي، لا شبهة في أن ما ذكر مخالف للحجر ونكتته المعلومة لدى العقلاء. نعم لا دلالة في الاية على حجره عن أجراء مجرد الصيغة بعد تمامية المقاولة بين وليه وغيره والظاهر عدم استفادة حجره عن الوكالة عن الغير أيضا، فلا بد فيهما من التماس دليل آخر. ولا يتوقف ما ذكرناه - من استفادة المذكورات - على الاطلاق في المفهوم حتى ينكر إطلاقه، ويقال: إن الآية بصدد بيان حد الخروج عن اليتم لا في مقام بيان الحجر، فلعل كيفية الحجر كانت معروفة معهودة فنزلت الآية لبيان حده وزمان ارتفاعه، و يشهد له أن الخطاب فيها للاولياء ومن كان مال اليتيم تحت يده، فكان الحجر مفروغا عنه وإن أمكن أن يقال: إن المعهود هو كون مالهم تحت يد الاولياء العرفية، وأما الحجر بالمعنى الشرعي وحدوده فليس كذلك أو لم تثبت معهوديته فيمكن أن يكون التنزيل واردا لبيان الامرين، فيؤخذ باطلاقه في الموردين تأمل. وانما قلنا لا يتوقف ما ذكرناه على الاطلاق لان طريق استفادته

[ 16 ]

المناسبات العقلائية بين الحكم وموضوعه، بل لا يتوقف ذلك على المفهوم بالمعنى المعهود حتى يرد بانكار المفهوم لشرط وغيره، وذلك لان ارتفاع الحكم عن الموضوع بارتفاعه عقلي، وهو كاف في استفادة ما ذكرناه بالمناسبات العرفية. ثم إنه قد يقال: الظاهر من أخذ اليتامى موضوعا للحكم أن الابتلاء وغيره مما يستفاد من الآية مختص باليتامى، فالصغار الذين هم تحت ولاية الاب والجد غير مشمولين لها، لعدم كونهم يتامى، وبالجملة من له أب ليس يتيما، فهو خارج عن مفاد الآية، سيما مع خصوصية في اليتامى ليست في سائر الصغار، وهي فقد الاب و احتياجه إلى المال أكثر ممن له أب يقوم بنفقته. لكن الظاهر لدى العقل و العقلاء أن الرشد والبلوغ تمام الموضوع لرفع الحجر، ولا دخالة لوجود الاب والجد وفقدهما فيه. ثم إن المراد ببلوغ النكاح إما بلوغ حده: أي حد صلاحية النكاح وهو حد الحلم بحسب العادة والنوع، فيختص بمن بلغ خمسة عشر، فان نوع الاطفال يبلغون في هذا الحد بتفاوت واختلاف في شهور ما، فيخرج منه من احتلم فيما دونه، كثلاثة عشر، ويدخل فيه من بلغ خمسة عشر ولو لم يحتلم، أو يراد منه بلوغ الحلم فعلا، فيدخل فيه من احتلم في أي زمان كان، ويخرح من لم يحتلم ولو بلغ من العمر ما بلغ، أو يراد منه بلوغ حده فعلا لولا العوارض: أي بلوغه بحسب الطبائع السليمة لا العليلة، فيدخل فيه المحتلم في أي زمان كان ومن بلغ خمسة عشر ولو لم يحتلم لعلة. والاقوى هو الاخير، لان الظاهر من بلوغ النكاح بلوغه فعلا والطبائع غير السليمة النادرة ترجع إلى السليمة.

[ 17 ]

ثم إن مقتضى الجمود على ظاهر الآية أن حصول رشد ما كاف في وجوب دفع المال إليهم بعد بلوغهم، وحاصل الكلام بحسب الاحتمال أنه إما أن يكون الموضوع لوجوبه عدم السفاهة أو حصول الرشد، وذلك لان قوله تعالى قبل آية الابتلاء: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) (1) - سواء أريد به أموالهم: أي أموال السفهاء، كما في رواية (2) أو الاعم من أموالهم وأموال الاولياء - ظاهر في أن الميزان في حرمة الدفع ولزومه هو السفه وعدمه وظاهر آية الابتلاء أن الميزان هو إيناس رشد منهم، فان كان الموضوع لحرمة الدفع السفاهة يمكن أن يقال: إن سفاهة ما كافية في تحققه، فإذا كان سفيها في معاملاته دون عطاياه أو في عطاياه وجوائزه دون معاملاته كفى في الحرمة. ويمكن أن يقال: إن الظاهر من السفيه هو ما كان سفيها بقول مطلق وبلا قيد، والسفيه في جهة ليس كذلك، فيكون الموضوع هو السفيه من جميع الجهات، فمن كان رشيدا في جهة يجب دفع المال إليه إذ الامر دائر بين الحرمة والوجوب، وفي وجوب الدفع إلى غير السفيه يأتي الاحتمالان أيضا، فحيئنذ لو كان الموضوع في وجوب الدفع غير السفيه بقول مطلق يمكن أن يكون إيناس رشد ما أمارة على عدم سفهه بقول مطلق عند الشك في تحقق الموضوع. والتحقيق أن الموضوع لوجوب الدفع إيناس الرشد مطلقا لظهور آية الابتلاء فيه بيان نشير إليه، وأما الآية المتقدمة فظاهرها عدم إيتاء أموال المخاطبين، لا اليتامى والسفهاء وإن ورد في بعض ضعاف الروايات (3) أن المراد من (أموالكم) أموالهم، ويمكن تأييده بأن يقال: إن المراد


(1) سورة النساء: 4 - الآية 5. (2) و (3) تفسير العياشي - سورة النساء - الآية 5.

[ 18 ]

من قوله تعالى: (التي جعل الله لكم قياما) هو القيام بأمرها، وهو مال السفيه، ويستأنس من قوله تعالى: (وارزقوهم فيها واكسوهم) (1). وكيف كان فالظاهر بدوا من آية الابتلاء وإن كان كفاية رشد ما إذ الرشد كالعلم ماهية بسيطة يتنوع أو يتصنف باعتبار متعلقاته، فكما أن علم الفقه غير علم الكلام باعتبار اختلاف متعلقهما كذلك الرشد في المعاملات غير الرشد في العطيات والجوائز، والظاهر البدوي من الآية كفاية رشد ما في وجوب الدفع، فيمكن أن يكون رشد ما موضوعا، فيجب الدفع ولو مع العلم بعدم رشده من جهة أو جهات، أو يكون أمارة تحقق الرشد المطلق، فلا يدفع مع العلم بعدم رشده من جهة أخرى، وبجب عند الشك لقيام الامارة. والتحقيق أن المراد به حصول الرشد بقول مطلق ومن جميع الجهات لمناسبات الحكم والموضوع، لان إيناس الرشد ليس إلا لاجل صلوحه معه لاصلاح ماله وعدم صرفه فيما لا يعني، وهو يناسب الرشد بالنسبة إلى التصرفات في ماله مطلقا لا من جهة. مضافا إلى أنه يفهم من ايجاب الابتلاء من زمان يحتمل فيه الرشد إلى زمان البلوغ كما استظهرناه - وهو قد يكون زمانا طويلا - أن المراد بايناس الرشد العلم بالرشد المطلق لا من جهة ما، فانه المناسب للابتلاء في تلك المدة الطويلة، فاحتمال كفاية الرشد في الجملة ساقط كاحتمال طريقيته للرشد المطلق. هذا بعض الكلام حول الآية الكريمة وبقيته موكولة إلى كتاب الحجر. وأما الروايات فمنها ما لها ربط بالآية الكريمة من حيث التعرض لغاية انقطاع اليتم، وهي على طوائف:


(1) سورة النساء: 4 - الآية 5.

[ 19 ]

منها - ما دلت على جواز أمر الصغير إذا صار بالغا، ولم تتعرض للرشد، كرواية حمران عن أبي جعفر عليه السلام، في حديث قال: (إن الجارية ليست مثل الغلام، إن الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في الشراء والبيع، وأقيمت عليها الحدود التامة، وأخذت لها وبها، قال: والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع، ولا يخرج عن اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك) (1) وقريب منها غيرها (2) ومنها - ما دلت على جواز أمر الرشيد: كرواية أصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام (إنه قضى أن يحجر على الغلام المفسد حتى يعقل) (3) وظاهرها أن الحجر يرتفع بالرشد، والغلام الرشيد غير محجور عليه، والظاهر أنه من أحكامه الكلية لا قضية شخصية. ومنها - ما دلت على كفاية أحد الامرين في جواز أمره، كصحيحة العيص بن القاسم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن اليتيمة متى يدفع إليها مالها؟ قال: إذا علمت أنها لا تفسد ولا تضيع، فسألته إن كانت قد زوجت، فقال: إذا زوجت فقد انقطع ملك الوصي عنها) (4) فان الظاهر أن المزوجة تنقطع عنها الولاية وتستقل في أمرها والتزويج كناية عن البلوغ حد النكاح، إذ لا دخالة للازدواج الفعلي في الحكم، وليس كناية عن الرشد، لان الرشيدة ذكر حكمها، والظاهر أن الرشد تمام الموضوع، وكذا بلوغ النكاح. ومنها - ما دلت على أنهما دخيلان في الموضوع وكل منهما جزؤه،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الحجر الحديث 1 -. - (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الحجر الحديث 4 - 3.

[ 20 ]

كصحيحة هشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام، هو أشده، وإن احتلم ولم يؤنس منه رشده وكان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله) (1). ورواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن يتيم قد قرأ القرآن وليس بعقله بأس وله مال على يد رجل فأراد الذي عنده المال أن يعمل به مضاربة فأذن له الغلام، فقال: لا يصلح له أن يعمل به حتى يحتلم ويدفع إليه ماله، وإن احتلم ولم يكن له عقل لم يدفع إليه شئ ابدا) (2) والظاهر أن المراد بالعقل الرشد لا مقابل الجنون، وبهذا المضمون روايات (3). وطريق الجمع بين الطائفتين الاولتين والثالثة وكذا الرابعة واضح لحمل المطلقات على المقيدات، وأما الثالثة مع الرابعة فلا يخلو من إشكال لان الظاهر من الثالثة مقابلة الرشد للبلوغ، وأن كل واحد منهما تمام الموضوع، ومن الرابعة أن كلا منهما جزؤه. ويمكن أن يقال: إن الرابعة صريحة في دخالة الرشد بعد الاحتلام، والثالثة ظاهرها السياقي استقلال كل منهما، وهو لا يقاوم الصريح، فيحمل إطلاق كل من الفقرتين على المقيد، مضافا إلى مخالفة الثالثة الظاهر الكتاب، فلا إشكال من هذه الجهة في الروايات، إذ بعد جمعها توافق ظاهر الآية الكريمة من توقف الاستقلال على البلوغ والرشد. فهل يمكن استفادة عدم نفوذ معاملاته ولو باذن الولي أو إجازته أو توكيله في التصرف في ماله منها؟ الظاهر ذلك، سواء فيه ما ورد


(1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الحجر - الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 45 - من كتاب الوصايا - الحديث 5 -. -

[ 21 ]

بلفظ الجواز واللاجواز أو بلفظ (لا يدفع إليه ماله) أو بلفظ (فليمسك عنه وليه ماله) أو بلفظ (يحجر حتى يعقل) لاطلاق قوله عليه السلام: (والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع، ولا يخرج عن اليتم حتى يبلغ) الخ والدليل على الاطلاق صحة الاستثناء بأن يقال: لا يجوز أمره إلا بأذن وليه أو إجازته من غير تأول وتجوز، وليس مفهوم: (لا يجوز أمره) أنه موقوف على الاذن كما في البيع الفضولي حتى لا يشمل بحسب المفهوم الامر المأذون فيه. وإن شئت قلت: إن الامر بعد الاذن أمر المولى عليه، لان البيع والشراء لنفسه والتدبير له، ومجرد الاذن في العمل لا يوجب سلب الامر عنه وثبوته للولي، وكذا الحال في التوكيل المطلق بحيث يستقل في التدبير بعد كون المعاملة لنفسه. مع أن قوله عليه السلام في صحيحة أبي الحسين الخادم: (جاز عليه أمره إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا) (1) يدل على أن عدم الجواز لاجل إفساده المال، ومعه كيف يمكن إنفاذ معاملاته بمجرد قول الولي: (أذنت لك) أو (أجزت معاملتك) أو (وكلتك فيها) وجعل عنان الاختيار بيده وترك التدبير فيها حتى أفسد وضيع أو كان في مظانهما؟ وهذا مما لا ينبغي الارتياب فيه. ومنه يعلم وضوح استفادة ما ذكر من مفهوم قوله عليه السلام: (إذا علمت أنها لا تفسد ولا تضيع يدفع إليها مالها) ومن قوله عليه السلام: (وإن احتلم ولم يؤنس منه رشده وكان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه) ومن قضاء أمير المؤمنين عليه السلام (أن يحجر على الغلام المفسد حتى يعقل) ضرورة أن المراد منها عدم دفع المال إليهم،


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الحجر - الحديث 5.

[ 22 ]

وإمساك الولي مالهم، والحجر عليهم لاجل إفسادهم وتضييعهم، فكيف يمكن القول بجواز جعل مالهم في مظان الافساد ومعرض التضييع والاكتفاء بلفظ (أذنت) و (أجزت) و (وكلتك)؟ ولعل المراد بدفع المال ليس الدفع الخارجي، بل يكون كناية عن جعلهم مختارين ومدبرين في الامر، ومع عدم الرشد لا يجوز جعلهم كذلك، فكانت دلالتها أوضح. ومنها - ما هي غير ناظرة إلى الآية كروايات رفع القلم، فعن الخصال باسناده عن ابن ضبيان قال: (أتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال علي عليه السلام: أما علمت أن القلم يرفع عن ثلاثة؟ عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ) (1) وعن دعائم الاسلام قريب منها إلا أن فيها (أما علمت أن الله رفع القلم) الخ (2). وعن قرب الاسناد بسنده عن أبي البختري عن أبي عبد الله عن أبيه عن علي عليهم السلام (أنه كان يقول في المجنون والمعتوه الذي لا يفيق والصبي الذي لم يبلغ عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم) (3) وفي موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الغلام متى يجب عليه الصلاة؟ قال: إذا أتي عليه ثلاث عشرة سنة فان احتلم قبل ذلك فقد وجب عليه الصلاة وجرى عليه القلم) الخ (4). ربما يقال: إن المراد برفع القلم هو التعبير المعروف في الالسنة إن


(1) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب مقدمة العبادات الحديث 11 - 12. (2) المستدرك - الباب - 3 - من ابواب مقدمة العبادات - الحديث 10 (3) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 2

[ 23 ]

فلانا رفع القلم عنه وكان أعماله كالمجانين لا يترتب عليها الاثر ووجودها كعدمها، وفيه أن الظاهر أن التعبير المعروف مأخوذ من الرواية لا العكس مع أن فيها رفع القلم عن المجنون، ولا يصح فيه ما ذكر بأن يقال: أعمال المجنون كأعمال المجانين، نعم يمكن أن يراد أن وجوده كعدمه لكنه خلاف الظاهر. ثم إن من المحتمل أن يراد بالرفع قبال ما ورد في بعض الروايات أنه (إذا بلغ الحلم كتبت عليه السيئات) (1) فيراد أنه قبل بلوغه لا يكتب عليه السيئات، وقلم كتب السيئات مرفوع عنه، فكان كناية عن عدم كونه مكلفا بالاحكام الالزامية التي كانت مخالفتها موجبة للسيئة، وأما المستحبات والافعال الحسنة عقلا وشرعا فلا ترفع عنه، وهذا يناسب الامتنان، بل يلائم مع رفع القلم. إن قلت: إن مورد الرواية رفع الرجم عن الزانية، وهو دليل على أعمية مضمونها من الاحكام الوضعية، قلت: الرجم لا يثبت للزنا إذا كان بغير معصية، كالصادر مكرها أو اشتباها وخطأ، ولعل المراد برفع القلم رفع التكليف، ومعه لا يرجم، فلا تدل الرواية، بملاحظة موردها على سلب الوضعيات. ويحتمل أن يراد برفعه رفع ذاته بنحو الحقيقة الادعائية، وكان مصحح الادعاء رفع الآثار المكتوبة بالقلم مطلقا، نظير ما قلناه في حديث الرفع بأن يدعى أن القلم الذي لا يترتب عليه الاثر ولا يكتب به شئ ليس بقلم، فهو مرفوع. أو يراد رفع ذاته بلحاظ الآثار المترتبة على الافعال الصادرة عن عمد والتفات بمناسبة الحكم والموضوع ومناسبة ذكر المجنون والنائم، فخرجت


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب مقدمة العبادات - الحديث 1.

[ 24 ]

الافعال التي تترتب الآثار على ذاتها ولو مع عدم الالتفات كالجنابة والضمان. أو يراد برفعه رفع وصفه لا ذاته، أي رفعه عن صفحة المكتوب كناية عن سلب الآثار مطلقا أو الآثار المذكورة في الاحتمال السابق بمناسبة الحكم والموضوع. والاظهر من بينها هو رفع القلم عنهم لا رفع ذاته، ويراد رفع الكتب عليهم، والتعبير برفع القلم عنهم كأنه بدعوى أن القلم موضوع عليهم، والثقل ثقل القلم بلحاظ الآثار، وهو المرفوع عنهم. ومقتضى إطلاقه رفع مطلق الآثار أو الآثار التي لها وزر وثقل، ومع قيام القرينة المتقدمة يختص بالآثار المترتبة على الافعال الصادرة عن التفات، دون ما يترتب على ذات العمل، كما أن الظاهر خروج الافعال المستحبة، بل وما لا وزر وثقل عليه، ودخول سائر الآثار وضعا وتكليفا. إلا أن يقال: لا إطلاق لقوله عليه السلام: (أما علمت أن القلم يرفع؟) الوارد في ذيل قضية المجنونة، لانه إشارة إلى أمر معهود وارد عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولعل ما هو المعهود هو رفع أمر خاص، كقلم التكليف اللازم منه درء الحد أو قلم الحد كما ورد في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام (لا حد على مجنون حتى يفيق، ولا على صبي حتى يدرك، ولا على النائم حتى يستيقظ) (1) وبه يفترق عن حديث الرفع، فانه في مقام البيان دون هذا الذي ذكر لردع عمر ودرء الحد. وكيف كان لو فرض إطلاقه فلا يشمل رفع الاثر عن مجرد عقده بعد كون تدبير المعاملة تحت نظر الولي أو المتعاملين، وانما كان الصغير وكيلا أو مأذونا في مجرد إجراء الصيغة، لان الظاهر من رفع القلم عنه عدم كتب الآثار التي يكتب عليه لو كان كبيرا، وفي إجراء الصيغة


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 1.

[ 25 ]

لا يكتب أثر على المجري، لا له ولا عليه، فهو خارج عن الحديث موضوعا، ودعوى استفادة أن كل ما صدر منه بحكم العدم وأن عباراته مسلوبة الاثر ممنوعة مخالفة لظاهر الرواية. وأما رواية أبي البختري فيأتي الكلام فيها عقيب بيان مفاد ما دلت على أن عمده خطأ، كحسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: عمد الصبي وخطاؤه واحد) (1) وموثقة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليهما السلام (إن عليا عليه السلام كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة) (2) وعن الجعفريات عن أمير المؤمنين عليه السلام (ليس بين الصبيان قصاص، عمدهم خطأ يكون فيه العقل) (3) وعن دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (ما قتل المجنون المغلوب على عقله والصبي فعمدهما خطأ على عاقلتهما) (4) وعن الصدوق في المقنع (ليس على الصبيان قصاص، عمدهم خطأ تحمله العاقلة) (5). والظاهر من غير الرواية الاولى الاختصاص بباب الجنايات لا لمجرد ذكر الحمل على العاقلة في ذيلها، بل لان الظاهر من قوله عليه السلام: (عمده خطأ يحمل على العاقلة) أن مطلق عمده يحمل عليها، مع أن ما يحمل عليها فرد نادر من عمده، فلا بد من أن يراد منصوص عمده في الجنايات لاجل معهودية كون الخطأ مورد الحكم، وهو الحمل على العاقلة وإلا يلزم منه التقييد إلى حد الاستهجان، فلا إطلاق فيها. وأما حسنة محمد بن مسلم فهي وإن كان لها إطلاق ومقتضى الصناعة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11. من أبواب العاقلة - الحديث 2 - 3 من كتاب الديات. (3) و (4) و (5) المستدرك - الباب - 8 - من ابواب العاقلة - الحديث 2 - 4 - 5 - من كتاب الديات.

[ 26 ]

لزوم الاخذ باطلاقها لعدم التنافي بينها وبين غيرها لكونهما مثبتين لكن ورود جميع الروايات المتقدمة وغيرها الواردة في المجنون والاعمى في مورد الجناية وكون الحكم فيها معهودا يوهن الاطلاق، لقوة احتمال اتكال المتكلم على تلك المعهودية فلم يذكر القيد. وأما ما قيل - من أن الظاهر مقابلة العمد والخطأ، وانما يتصور العمد والخطأ فيما أمكن إنقسامه اليهما بأن يكون ترتب مسببه عليه قهرا معقولا فتارة يصيب القصد بالاضافة إلى ما يترتب عليه وأخرى يخطئ عنه كالرمي الذي يترتب عليه القتل المقصود به تارة وغير المقصود به أخرى، ولا يترتب على الاسباب والمعاملية شئ قهرا حتى يكون تارة مقصودا من السبب وأخرى غير مقصود منه ليوصف المترتب عليه بأنه عمدي تارة وخطأي أخرى - ففيه ما لا يخفى، لان الظاهر من قوله عليه السلام: (عمده خطأ) أو (عمده وخطاؤه واحد) أن كل ما صدر منه عمدا خطأ تنزيلا، فالعقد الصادر منه على قسمين: قسم صدر عمدا وقسم خطأ، كمن أراد تزويج فاطمة بزيد فأخطأ وقال: زوجت سكينة عمرا، أو أراد إجارة ملك فأنشأ بيعه خطأ، فكما أن الانشاء الخطأي لا يترتب عليه أثر فكذلك العمدي منه، فكل ما صدر منه وأمكن تقسيمه إلى العمد والخطأ كان عمده بمنزلته، والاختصاص بالافعال التى ذكرها بلا مخصص. نعم لا بد في التنزيل من أثر إما في المنزل أو المنزل عليه أو فيهما، فقد يكون للفعل الخطأي أثر وفي العمدي أثر آخر، وقد يكون في العمدي أثر دون الخطأي أو العكس، وفي جميعها يصح التنزيل، وأثره ثبوت الاثر تارة وسلبه أخرى وثبوت وسلب ثالثة. كما أن ما قيل - من أن التعبير بأن (عمد الصبي وخطاؤه واحد).

[ 27 ]

انما يكون في مقام كان لكل من العمد والخطأ حكم في الشريعة على خلاف الآخر، فيراد عدم تعدده واختلافه في الصبي، فيختص بباب الجنايات - مدفوع بأن الاظهر في مثل هذا التعبير أرادة سلب الاثر عن العمد، كما يقال: (فلان قوله وعدم قوله سواء) يراد أنه لا يترتب على قوله أثر، ولو منع هذا الظهور فلا أقل من إطلاقه لكلا الموردين، فلا وجه لاختصاصه بما ادعي. وأما رواية أبي البختري التي جمع فيها بينهما فقال عليه السلام: (عمدهما خطأ تحمله العاقلة وقد رفع عنهما القلم) فقد قال الشيخ الاعظم قدس سره فيها: (إن ذكر رفع القلم في الذيل ليس له وجه ارتباط إلا بأن يكون علة لاصل الحكم، وهو ثبوت الدية على العاقلة، أو بأن يكون معلولا لقوله عليه السلام: عمدها خطأ). أقول: لا يلزم أن يكون ذكره للارتباط المذكور، بل يكفي في الارتباط كونهما - أي كون عمده خطأ ورفع القلم عنه - حكمين لموضوع واحد، كما يقال: (الجنب لا يجوز له الدخول في المسجدين ولا يجوز له مس الكتاب) وذكر الجملة الثانية مصدرة ب‍ (قد) وإن يوهم كونها حالية مرتبطة بما قبلها نحو ارتباط، لكن يمكن أن تكون معطوفة لا حالية. وأن كان لا بد من الربط فيمكن أن يقال: إن جملة (تحمله العاقلة) وجملة (رفع القلم) بمنزلة التفسيرين لقوله عليه السلام: (عمدهما خطأ) إذ كون العمد خطأ يتصور في موردين: أحدهما ما يكون للخطأ حكم كباب الجنايات، وثانيهما ما يكون ملغا كالعقود والايقاعات ونحوها مما لو وقع خطأ لا يترتب عليه أثر فأراد المتكلم أن يفيد الموردين، وتفسيرهما بقوله عليه السلام (تحمله العاقلة) بالنسبة إلى الاثر الثبوتي، وقوله عليه اللسلام: (رفع القلم) بالنسبة إلى الاثر السلبي، فكأنه قال: عمدهما

[ 28 ]

بمنزلة الخطأ في باب الجنايات، فتحمله العاقلة، وعمدهما بلا حكم في غيرها وقد رفع القلم عنهما. وأما ما أفاده الشيخ رحمه الله تعالى - من علية رفع القلم لثبوت الحكم على العاقلة - ففيه إشكال ظاهر، وهو أن رفع القلم عنهما لا يعقل أن يكون علة لثبوت الحكم على غيرهما. ويمكن أن يوجه كلامه بأن يقال: إن الملازمة الشرعية ثابتة بين سلب حكم الجناية عن الصغير والمجنون وبين ثبوته على العاقلة كما يشعر أو يشير إليها بعض الروايات الدالة على أن جناية الاعمى على بيت المال، معللا بأنه (لا يبطل حق مسلم) (1) ونحوها في غير الباب ظاهرا، ومع هذه الملازمة لو كان رفع القلم علة لسلب الحكم عنهما لكان بوجه علة لثبوت ملازمه، فلولا رفع القلم عنهما لم يثبت الحكم على العاقلة. ويؤيد التوجيه المذكور قوله متصلا بما ذكره: (ولا يخفى أن ارتباطها بالكلام على وجه العلية أو المعلولية للحكم المذكور في الرواية أعني عدم مؤاخذة الصبي والمجنون بمقتضى جناية العمد، وهو القصاص، ولا بمقتضى شبه العمد، وهو الدية في مالهما) الخ، فان الجمع بين كلامه السابق حيث جعل العلة علة لثبوت الحكم على العاقلة وكلامه هاهنا حيث جعل المعلول عدم مؤاخذتهما لا يستقيم له إلا بما ذكرناه. ثم إنه بما ذكرناه في وجه ربط رفع القلم بسابقه يمكن استفادة الكبرى الكلية من قوله عليه السلام: (عمدهما خطأ) ولا يرد عليها ما ذكرناه في سائر الروايات المشتملة للحمل على العاقلة من لزوم الحمل على المعهود تخلصا من التقييد المستهجن، وذلك لان فيها كما عرفت فسر الموردان،


(1) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 1، وفيه (ولا يبطل حق امرئ مسلم).

[ 29 ]

فكأنه قال: لعمدهما في مورد الجنايات حكم الجناية خطأ وفى غيرها مسلوب عنه الحكم لرفع القلم عنهما، كما لا يرد عليها ما أوردناه على بعض روايات رفع القلم، من الاشكال على إطلاقها، لانها في مقام البيان، ولا بأس في إطلاقها. كما أنه على فرض كونهما جملتين مستقلتين وحكمين لموضوع واحد يصح الاخذ باطلاق (رفع القلم) دون (عمدهما خطأ) لورود الاشكال المتقدم على الثاني دون الاول، وأما قضية ارتباط العلي والمعلولي فلا تخلو من إشكال. أما ما قيل - من أن رفع القلم علة للجملة السابقة، أي عمده خطأ ومقتضاه التعدي إلى غير باب الجنايات - فيرد عليه أن قوله عليه السلام: (عمدهما خطأ) لو اختص بباب الجنايات لكان تنزيل العمد منزلة الخطأ بلحاظ ثبوت حكم الخطأ له، ولا يعقل علية رفع القلم للتنزيل بهذا اللحاظ فان مفاد (رفع القلم) عدم جعل الحكم على الطفل، والتنزيل المذكور بلحاظ ثبوت حكم الخطأ أي الحمل على العاقلة. ثم على فرض عليته للتنزيل المذكور فمقتضاهما التعميم لكل مورد يكون للخطأ حكم ولو في غير الجنايات، لا التعميم لما هو أجنبي عنها. وبهذا يظهر عدم جواز جعل عمدهما خطأ علة لرفع القلم، لان التنزيل بلحاظ ثبوت الحكم على العاقلة ليس علة لسلب الحكم عن الصغير والمجنون، كما لا يصح جعل تنزيل العمد منزلة الخطأ مطلقا علة، لعين المحذور في إطلاقه، نعم لو جعل عمدهما في غير مورد الجنايات علة فلا محذور فيه من هذه الجهة، لكنه مخالف لظاهر الرواية، بل لا يصح إرادة خصوص غير موردها مع ذكر الحمل على العاقلة، مضافا إلى أن علية تنزيل العمد منزلة الخطأ لرفع القلم غير صحيحة، بل العكس أولى

[ 30 ]

وأما ما قيل في وجه ارتباط رفع القلم بما قبله - من أن تنزيل العمد منزلة الخطأ يقتضي بالمطالقة إثبات حكم الخطأ وهو الدية على العاقلة، ويقتضي بالالتزام نفي حكم العمد وشبهه، وحيث قال عليه السلام (عمدهما خطأ) أراد بيان ما يقتضيه بالمطابقة، فقال عليه السلام: (تحمله العاقلة) وبيان ما يقتضيه بالالتزام، فقال عليه السلام: (وقد رفع عنهما القلم) على الترتيب بين الدلالتين - ففيه أنه لا بد وأن تكون الدلالة المطابقية والالتزامية مع قطع النظر عن قوله عليه السلام: (تحمله العاقلة) وقوله عليه السلام: (قد رفع عنهما القلم) متحققة كما هو مدعاه، وهي مفقودة لان قوله عليه السلام: (عمدهما خطأ) لولا التذييل بما ذكر لكان شاملا لباب الجنايات وغيره بمقتضى إطلاقه، فيشمل ما لم يكن للخطأ فيه حكم وكان ملغا وبلا أثر، فحينئذ دلالته المطابقية على فرضها أعم من ثبوت حكم الخطأ ومن مورد رفع القلم، فلا تصح الدلالة المطابقية ولا الا التزامية بما أفاد، فلا يكون وجه الربط ما ذكره. ثم إن المتحصل من أول الباب إلى هاهنا عدم صحة معاملات الصبي على التفصيل المتقدم. وأما اعتبار البلوغ في إجراء الصيغة بعد تمامية المساومة بين المتبايعين فلم يقم دليل عليه، كما أنه لم يقم دليل مما تقدم على بطلان وكالته عن الغير في المعاملة، فلو أذن شخص صبيا مميزا في إيقاع معاملة أو أجاز معاملته كانت الادلة السابقة قاصرة عن إثبات بطلانها، فان كلها عدا رواية (عمده وخطاؤه سواء) مربوطة بتصرفاته في أمواله بالبيع والشراء ونحوهما، وقد عرفت حال هذه الرواية وغيرها في هذا المنوال. بقي الكلام في الاجماع المدعى والمعروف بين المتأخرين، وتحققه ممنوع في مثل هذه المسألة التي تراكمت فيها الادلة كتابا وسنة مع تمسكهم بها

[ 31 ]

قديما وحديثا، ومعه كيف يمكن دعوى الاجماع عليها، مع أن الظاهر عدم إجماعية المسألة في عصر شيخ الطائفة (قده) كما يظهر من الخلاف. قال في مسألة (294) من كتاب البيع: (لا يصح بيع الصبي وشراؤه سواء أذن له فيه الولي أم لم يأذن، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن كان باذن الولي صح، وإن كان بغير إذنه وقف على إجازة الولي، دليلنا أن البيع والشراء حكم شرعي، ولا يثبت إلا بشرع، وليس فيه ما يدل على أن بيع الصبي وشراءه صحيحان، وأيضا قوله عليه السلام: رفع القلم...) الخ. فان طريقته المعهودة في كتاب الخلاف هي الاستناد إلى الاجماع في كل مسألة إجماعية عنده، وقد صرح في أول الكتاب بذلك، فمن عدم تمسكه به والاستناد إلى الاصل يظهر عدم تحقق الاجماع في عصره، مضافا إلى أن عنوان المسألة انما هو في معاملات الصبي التي تكون لاذن الولي أو إجازته فيها دخالة، وهو تصرفاته في ماله، فالوكالة في مجرد إجراء الصيغة وكذا الوكالة عن الغير في إيقاع المعاملة خارجتان عن محط الكلام ويظهر من حجر المبسوط أيضا أنها غير إجماعية، فراجع وتدبر. وفي الوسيلة عد من جملة ما يحتاج إليه في صحة البيع كون المتبايعين نافذي التصرف، ومعلوم أن موضوع كلامه هو التصرفات المالية، فالوكالة في مال الغير بل وفي مال نفسه عن وليه وفي مجرد إجراء الصيغة خارجة عن محط كلامه. وفي الغنية بعد ذكر أن من شرائط صحة انعقاد العقد ثبوت الولاية في المعقود عليه وتعقيبه بكلام طويل قال: (ويخرج عن ذلك أيضا بيع من ليس بكامل العقل وشراؤه، فانه لا ينعقد وإن أجازه الولي، بدليل ما قدمناه من الاجماع ونفي الدليل الشرعي على انعقاده، ويحتج على

[ 32 ]

المخالف بما رووه من قوله عليه السلام: رفع القلم) الخ. وأنت خبير بأن الظاهر من صدر كلامه من جعل الشرط ثبوت الولاية في المعقود عليه أن محط كلامه هو التصرفات المالية المحتاجة إلى الولاية في المعقود عليه، فمثل مجرد إجراء الصيغة والوكالة عن الولي خارج عنه، مضافا إلى أن الاجماع المدعى انما هو في ناقص العقل، وهو السفيه أو الاعم منه ومن المجنون، فالصغير الرشيد خارج عن كلامه. وفي الشرائع (وأما الشروط فمنها ما يتعلق بالمتعاقدين، وهو البلوغ والعقل والاختيار، فلا يصح بيع الصبي ولا شراؤه ولو أذن له الولي) والظاهر منه بقرينة قوله: (ولو أذن له الولي) غير صورة إجراء الصيغة محضا، بل وغير صورة وكالته عن الغير في التصرفات المالية نعم ظاهر موضع من التذكرة سلب عبارته حيث قال: (فلا يصح عبارة الصبي سواء كان مميزا أو لا، أذن له الولي أو لا) ثم ذكر وجهين اعتباريين فيه، وعن موضع آخر منها (هل يصح بيع المميز وشراؤه باذن الولي؟ الوجه عندي أنه لا يصح ولا ينفذ) والظاهر منه ثبوت الخلاف فيه. ثم إنه هل تكون معاملات الصبي باطلة مطلقا من غير فرق بين الاشياء اليسيرة والخطيرة، ومن غير فرق بين معاملاته في أمواله باذن الولي ولو في اليسيرة وبين معاملاته في أموال غيره باذنه كذلك؟ قد يقال بالبطلان بمقتضى عموم النص والفتوى. أقول: أما التصرف في أموال غيره باذنه فقد مر الاشكال في شمول الادلة له، ومع الغض عنه يمكن أن يقال: إن تعارف المعاملات غير الخطيرة من الصبيان لم يكن مختصا بزمان، بل نوع البشر من لدن اجتماعه المدني وتعارف المعاملات والاخذ والاعطاء بينهم كان أمرهم على

[ 33 ]

هذا المنوال، واحتمال حدوث تعارف معاملة الصبي بعد عصر النبي والائمة صلوات الله عليهم باطل مقطوع الخلاف، وهذا التعارف في عصر نزول الآية وصدور الاحاديث كان موجبا لصرف الاذهان عما تعارف بينهم، فان كسر ما هو المتعارف وردع ما هو الشائع الذائع يحتاج إلى بيان زائد عما في مثل تلك الادلة، كما قلنا نظيره في رادعية مثل قوله تعالى: (الظن لا يغني من الحق شيئا) (1) من أنه غير صالح للرادعية عما هو المرتكز الشائع المعمول به. فلو كان مراد الشارع من الادلة المتقدمة هو الاطلاق وأراد نهي المسلمين عن المعاملة مع الصغار حتى في اليسيرة وكان المسلمون يفهمون منها مراده فلا بد وأن يلتزم إما بعدم تعارف بيع الصغير في عصر النبوة والخلفاء في الدول الاسلامية، وهو باطل بالضرورة، أو يلتزم باجهار المسلمين مخالفة الاسلام في هذا الامر الشائع من عصر النبي صلى الله عليه وآله إلى عصر الخلفاء إلى سائر الاعصار، وترك الجميع نهيهم عن ذلك الامر الفاسد المفسد واكتفوا بمثل (عمد الصبي خطأ) و (رفع القلم) فهو أفسد، أو الالتزام بصحة معاملاته في تلك المحقرات، وهو المطلوب. وعن المحدث الكاشانى (قده) التمسك بدليل الحرج في تصحيح معاملاته في اليسيرة مما جرت العادة بها. وأجاب عنه الشيخ الاعظم (قده) بأن الحرج ممنوع، سواء أراد أن الحرج يلزم من منعهم عن المعاملة في المحقرات والتزام مباشرة البالغين لشرائها، أم أراد أنه يلزم من التجنب عن معاملتهم بعد بناء الناس على نصب الصبيان للبيع والشراء في الاشياء الحقيرة، انتهى. لعله (قده) أراد بلزوم الحرج أن التعارف الكذائي يوجب اختلاط


(1) سورة يونس: 10 - الاية 36. .

[ 34 ]

جمبع أموال أهل السوق وغيرهم بالحرام اختلاط الكثير بالكثير، ومعه يلزم الحرج لعدم المفر من الحرام حتى في المعاملة مع الكبار بعد مخالطة الصغار معهم في المعاملات والاخذ والاعطاء، إلا أن يقال باعتبار اليد حتى مع هذا الاختلاط الكثير، وهو مشكل. إن قلت: تصحيح المعاملة بدليل الحرج غير وجيه، لان دليله ليس مشرعا ومثبتا للحكم، بل رافع للحكم الحرجي، قلت: إن مقتضى الادلة العامة صحة معاملات الصبي المميز، لصدق العناوين عليها قطعا، وانما الدافع عنها دليل حجر الصبي، ومع محكوميته وفي مورد المحقرات لدليل الحرج تبقى الادلة المصححة على حالها، فالاستناد في الصحة إليها لا إلى دليل الحرج، فلو ثبت الحرج لا إشكال، إلا أن الشأن فيه. ويمكن الاستدلال على صحة معاملاته في الجملة بموثقة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن كسب الاماء، فانها إن لم تجد زنت إلا أمة قد عرفت بصنعة يد، ونهى عن كسب الغلام الصغير الذي لا يحسن صناعة بيده، فانه إن لم يجد سرق) (1). فان المفروض فيها هو المكسوب الذي في يده ويراد الاخذ منه بمعاملة ونحوها، وأما إذا لم يكن رأس المال والثمن ونحوهما تحت يده وكانت تحت يد الولي وأجازه في إجراء الصيغة أو إتمام المعاملة من غير أن يكون المال تحت يده فهو خارج عن مصب الرواية، ولا يناسبه تعليلها، فان النهي لاجل التحرز عن مال الحرام المحتمل، إذ مع احتمال السرقة يحتمل أن يكون ما في يده من الكسب أيضا مكسوبا بمال السرقة وكان حراما لاجل بطلان المعاملة بالمتاع المسروق، فلا داعي لرفع اليد عن ظاهرها


(1) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1

[ 35 ]

من تعلق النهي بالكسب وحملها على ما في يده بزعم أن الكسب بعد فرضه لا يحتمل فيه الحرمة وكيف كان إنها تدل على صحة معاملات الصبي الذي يحسن صنعة بل على صحة معاملات الصبي مطلقا إن كان النهي تنزيهيا كما هو الظاهر بقرينة صدرها وتعليلها. نعم لا إطلاق فيها بالنسبة إلى مطلق معاملاته، لكونها في مقام بيان حكم كراهة كسب من لا يحسن الصنعة، فلو احتمل اعتبار شرط في صحة معاملاته لا يمكن دفعه بها، فالقدر المتيقن منها صحتها باذن الولي. ويظهر منها عدم سقوط أفعاله وألفاظه، ومورد الرواية بمناسبة الصغير هو المعاملة في الاشياء اليسيرة مما تعارف إيكالها إليه. ثم إن الظاهر منها هو معاملاته بمال نفسه لا بمال غيره بوكالة منه أو إذنه، لان سلب الكراهة عمن يحسن صنعة واستثناءه ظاهر في أن الكسب المنهي عنه تنزيها هو الكسب بمال نفسه، و لو فرض التعميم لاجل التعليل لا يحتمل الاختصاص بمال الغير ومورد الوكالة. والانصاف أنها تدل على صحتها في الجملة، سواء كان النهي متعلقا بكسبه بالمعنى المصدري أم بمكسوبه، وسواء كان النهي للتحريم أو التنزيه، وسواء كان المراد بالمكسوب ما في يده أعم من كسبه وغيره أم اختص بما حصل بالكسب كما هو ظاهرها. ثم لو قلنا باطلاق الادلة وعمومها بالنسبة إلى مطلق معاملاته وكانت المعاملة باليسيرة داخلة فيها فلا تنبغي الشبهة في قيام السيرة حتى من المتدينين والمبالين بالدين على المعاملة بالاشياء غير الخطيرة مع الاطفال، ولا يحتمل حدوثها في العصر المتأخر عن عصر الشارع الاقدس، فلو لم نقل بانصرافها عن موردها فتخصيصها بها مشكل، لان حجية السيرة وصلاحيتها لتخصيصها

[ 36 ]

معلقة على عدم الردع وإمضاء الشارع، وإطلاق الادلة صالح للرادعية بلا توقف على شئ، فحجية الاطلاق منجزة، وحجية السيرة وصلاحيتها للتخصيص معلقة على عدم الرادع، نعم الظاهر إنصراف الادلة عن مورد السيرة كما تقدم، لكن القدر المتيقن منها معاملاته مع إذن الولي ولو بالكشف عن ظاهر الحال. ثم إن بعض المحققين (قده) لما لم ير مجالا لانكار السيرة واتصالها إلى عصر النبي صلى الله عليه وآله ولم يرتض برفع اليد عن الادلة وإطلاقها حاول التطبيق على القواعد بأن المعاملة واقعة في تلك الموارد بين الولي والطرف، وكان الطرف موجبا وقابلا، من الولي وكالة ومن نفسه أصالة أو أن الولي موجب والطرف قابل، وفعل الطفل كاشف عن إنشائه، أو أن ما قامت عليه السيرة معاطاة أو بحكمها، ولا يعتبر فيها إلا المراضاة ووصول كل من العوضين إلى الطرف. وأنت خبير بأن مثلها كالفرار من المطر إلى الميزاب والتزام بخلاف الواقعيات والقواعد بلا وجه ملزم، ولعل إنكار السيرة أو اتصالها بعصر النبي صلى الله عليه وآله أسهل من الالتزام بما هو خلاف الواقع بداهة، إذ لا شبهة في أن ما هو الواقع في المعاملات المتعارفة أن الصبيان طرف فيها من غير خطور أوليائهم في الاذهان، ويرى العقلاء والمتعاملان معاملاتهم معاطاة كسائر المعاملات المعاطاتية والتعاطي المعاملي بين الصبي وطرفه لا غير. فالتحقيق صحة وكالته عن الغير في إجراء الصيغة، بل وفي أصل المعاملات بلا إذن الولي، وصحة معاملاته في الامور اليسيرة المتعارفة مع إذن الاولياء.

[ 37 ]

مسألة: قال الشيخ الاعظم (قده): (ومن جملة شرائط المتعاقدين قصدهما لمدلول العقد الذي يتلفظان به). أقول: لا شبهة في اعتبار ذلك في المعاملات الجارية باللفظ ولا في اعتبار القصد لمدلول العقد في المعاطاة، فالتلفظ، والتعاطي غلطا واشتباها كمن أراد أن يقول: (قمت) فسبق لسانه وقال: (بعت داري) أو أعطى سلعته كذلك ليس بمعاملة. ومن تلفظ عن إرادة والتفات لكن أراد إيجاد اللفظ من دون استعماله في المعنى كمن قال: (بعت داري لفظ موضوع) أو استعمل الالفاظ في معانيها لكن أراد الحكاية التصورية كمن قال: (بعت داري من زيد غير آجرت داري) أو استعملها في المعاني التصديقية لكن لم يكن جده تحقق مدلول العقد كالمستعمل مجازا أو كناية بناء على ما هو التحقيق من استعمال الالفاظ في معانيها الحقيقة في المجازات والكنايات، فلم ينشئ المعاملة وكل ذلك ليس بمعاملة، فلا بد فيها من إرداة إيقاع مدلول العقد جدا سواء في المعاطاة مما يكون التعاطي لذلك أو العقود اللفظية، واعتبار ذلك لا إشكال فيه. لكن كون ذلك من شرائط العقد أو المتعاقدين؟ غير ظاهر، فان شرائط الشئ تلاحظ بعد ما هو دخيل في ماهيته أو تحقق حقيقته، فليس الايجاب والقبول من شرائط العقد وزان الشروط المصطلحة، والقصد المذكور محقق لحقيقة المعاملة لا من شرائط العقد ولا المتعاقدين. وبعبارة أخرى الشرائط المعتبرة في العقد ما تعتبر فيه بعد تجوهره

[ 38 ]

وتحقق حقيقته ولو عرفا مع الغض عنها كالعربية، فان العقد غير العربي عقد فاقد للشرط، والعقد العربي واجد له، وكالبلوغ في المتعاقدين، فانه من غير البالغ عقد فاقد للشرط، وأما إيقاع العقد فليس من شرائط العقد أو المتعاقدين، والقصد دخيل في إيقاعه وتحققه، والامر سهل. مسألة: هل يعتبر تعيين المالكين اللذين يتحقق النقل والانتقال بالنسبة اليهما أو لا؟ قد اختار لزومه فيما إذا توقف التعين عليه - لتعدد وجه وقوع العقد الممكن شرعا - جمع من المحققين كصاحب المقابيس والشيخ الاعظم وبعض من تأخر عنهما (قدهم) وان اختلفوا في وجهه. وقد استدل الاول بوجه عقلي: هو لزوم بقاء المملوك بلا مالك معين في نفس الامر، وحاصل برهانه أن المبهم وغير المعين لا تحقق له واقعا، فلا يعقل أن يكون طرف الاضافة، فيلزم منه أن يكون المملوك بما هو بلا مالك واقعي مع أن المتضائفين متكافئان. أقول: الكلام يقع في مقامين كل منهما محتمل كلامه: أحدهما - فيما إذا وقع العقد على وجه الابهام، كمن كان وكيلا من شخصين في شراء شئ أو بيعه فقال: (بعت كرا من الحنطة من أحدهما بعشرة) فقبل الوكيل من شخصين آخرين لاحدهما وقال: (قبلت لاحد الموكلين) أو كان الايجاب مبهما والقابل المعين قبل المبهم، كما إذا أوجب الوكيل من أحد الموكلين وقبل شخص معين ذلك المبهم أو العكس. ثانيهما - أن يكون الايجاب من معين لمبهم معين كمن قال: (بعت فرسي من أحدكما) أو (؟؟؟؟؟ من واحد من التجار) وقال:

[ 39 ]

شخص معين: (قبلت) أو قال: (بعت من احدهما) فقال القابل (قبلت من زيد) وكما باع الفضولي لغيره في الذمة، ولم يعين فأجاز معين، والظاهر من صدر كلامه وذيله اعتبار التعيين في المقامين. ثم إن البرهان العقلي الذي أقامه قاصر عن إثبات مطلوبه، أما في المقام الثاني فواضح، لان الايجاب لا يؤثر في النقل الواقعي حتى يلزم ما ذكره، وبعد ضم القبول من معين أو عن معين انتقل الملك إلى المعين وأما في المقام الاول فلان غاية ما يلزم من برهانه أنه يعتبر في انتقال المال في المعاملات أن ينتقل إلى مالك معين، فيلزم منه أن لا يؤثر الايجاب والقبول إلا بعد تعين الطرفين، فإذا باع وكيل أحد الشخصين عن قبل أحدهما من أحد الشخصين وقبل وكيلهما لاحدهما لم يقع نقل واقعي للزوم المحذور المتقدم، ويتوقف على شرط عقلي هو تعيين الطرفين، فإذا تعينا بوجه من وجوه التعيين صار المال منتقلا إلى المعينين بلا لزوم محذور. وبعبارة أخرى إن برهانه على فرض تماميته يقتضي عدم معقولية تأثير المعاملة فعلا لا إلغاء الايجاب والقبول، غاية الامر تصير المعاملة كالفضولي وكبيع المكره. وإن شئت قلت: إن الايجاب والقبول لو كانا علة تامة للتأثير ولم يمكن انفكاك الاثر منهما لكان لما ذكره وجه. لكن بعد ما لم يكن ألفاظ المعاملات من قبيل العلل، بل تكون موضوعة لاعتبار العقلاء فلا مانع من اشتراطها شرعا أو عقلا بشرائط متأخرة، وعند حصولها يصير النقل محققا، وفي المقام لو تم البرهان العقلي للزم منه عدم التأثير الفعلي لا إلغاء العقد ولغويته، فلا بد فيه من التماس دليل آخر. ومنه يظهر دفع برهان آخر ربما يستشم من كلام الشيخ الاعظم (قده) حيث قال: (مقتضى المعاوضة والمبادلة دخول كل من العوضين في ملك

[ 40 ]

مالك الآخر، وإلا لم يكن كل منهما عوضا وبدلا) انتهى. وتقريبه على الوجه العقلي أن يقال: إن المعاوضة الحقيقة غير معقولة في المقام، لامتناع دخول العوض في ملك الواحد المردد واقعا إذ لا واقعية له ذاتا وتحققا وماهية وتقررا، فلو صحت المعاوضة لزم منها تحقق الاضافة بلا مضاف أو مضاف إليه أو بدونهما معا. وقد تقدم وجه دفعه، وعرفت أن لازم ما ذكر عدم ترتب الاثر فعلا على الانشاء، لا إلغاؤه رأسا. ويمكن الاستدلال على المطلوب بأن إنشاء البيع عبارة عن جعل إضافة بين العوضين إيقاعا بمقتضى ماهية المبادلة، وجعل الاضافة بين الشئ وما هو مردد واقعي محال، لامتناع جعل إضافة ولو إنشائية بين الموجود والمعدوم ولازم عدم تعيين المالكين اللازم منه عدم تعيين العوضين ذلك من وجهين: من ناحية لا موجودية الواحد المردد من المالكين، ومن ناحية لا موجودية الواحد المردد من العوضين. ويمكن أن يجاب عنه بأن الانشاء على العناوين القابلة للتحقق لا مانع منه كما هو الشأن في الاحكام الشرعية المترتبة على الماهيات والعناوين القابلة للصدق على الخارح، وفي المقام يمكن انشاء مبادلة عين بعشرة في ذمة أحد الشخصين أو مبادلة مال أحد الشخصين بكذا، فالانشاء متعلق بالعناوين التي لا ترديد فيها إلا بالحمل الاولي كمهفوم أحدهما أو أحدى العينين، ولما كان كل منهما قابلا للصدق على المصداق المعين كما غير المبهم صح وأمكن ذلك الانشاء، ولا يلزم أن يكون مصداق أحدهما المبهم مفهوما مبهما، كما لا يكون مصداق الكلي كليا، فزيد مصداق أحدهما وهو معين، نعم لا مصداق لاحدهما بما هو، كما لا مصداق للكلي في الخارج بما هو. وبالجملة إن الانشاء متعلق بالعنوان المعين بالحمل الشائع، وهو

[ 41 ]

قابل للتحقق، فإذا قال: (بعت لاحدكما) وقبل أحدهما صح، ولا يأتي الاشكال المذكور فيه، وأولى بذلك ما لو أنشأ على عنوان كلي لا إبهام فيه حتى بحسب المفهوم. واستدل أيضا للبطلان بأنه لولا التعيين لزم أن لا يحصل الجزم بشئ من العقود التي لم يتعين فيها العوضان، ولا بشئ من الاحكام والآثار المترتبة على ذلك. وفيه أنه إن أريد بالجزم ما هو معتبر في العبادات على رأي بأن يكون حين الاتيان جازما بنقل شئ معين في مقابل معين فهو مصادرة، لان الكلام في اعتباره، ولا دليل عليه. وإن أريد أن اللازم منه هو الترديد في الانشاء، فهو ممنوع، لان المردد هو المتعلق لا الانشاء، واعتبار عدم الترديد في المتعلق أول الكلام. وإن كان المراد عدم الجزم والعلم بترتب الاثر على هذه المعاملة لاحتمال عدم الانتهاء إلى التعيين فهو ليس بتال فاسد، إذ لا يعتبر في صحتها الجزم بهذا المعنى، كما أنه قد يلزم ذلك في الفضولي، مع أن في المقام يمكن الجزم لانتهائه إلى التعيين ولو بالقرعة إلزاما أو اختيارا، وأما الجزم بالاحكام والآثار فلا وجه لاعتباره، لان ترتبها على الموضوعات لا يتوقف على جزم المتعاملين. وأما ادعاء انصراف الادلة عن العقد المبهم لعدم التعارف والمعهودية فممنوع بعد كونه عقدا عقلائيا، بل أدلة إنفاذ العقود كقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) وكقوله صلى الله عليه وآله: (المؤمنون عند شروطهم) (2) ظاهرة في أن الموضوع للوفاء القرار بما هو، والمؤمن


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) الوسائل - الباب -. 2 من ابواب المهور - الحديث 4 من كتاب النكاح

[ 42 ]

عند شرطه بما هو شرط من غير لحاظ متعلقات الشرط وأطراف العقود بل لو فرض قصور الادلة عن شمول مثل المورد فلا شبهة في إمكان إسراء الحكم إليه عرفا بمناسبات الحكم والموضوع، مع أن الانصراف عن العقد بما هو عقد وقرار وعن الشرط بما هو كذلك ممنوع جدا. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) تمسك للمطلوب بوجهين غير ما احتمل من كلامه فيما تقدم: أحدهما - إن ملكية العوض وترتب آثار الملك عليه في الكليات انما هي بالاضافة إلى ذمة معنية، وإجراء أحكام الملك على ما في ذمة الواحد المردد بين شخصين فصاعدا غير معهود، والاحتياج إلى تعيين المالك لذلك، لا لكونه في نفسه معتبرا. ولعل نظره قدس سره إلى أن شرط تعيين المالك متأخر عما يعتبر في قوام ذات المعاملة، وملكية الشئ دخيلة في ذاتها، والتعيين لاجل ما هو دخيل في قوامها لا لاعتباره في نفسه. وثانيهما - إن ما لا يضاف إلى ذمة معين لا يكون مالا، ولا يترتب عليه أحكامه ومالية العوضين دخيلة في ذات المعاملة. ويرد عليهما أنه لا دليل على لزوم الملكية والمالية بالمعنى المدعى في المعاملات، فلو قال: (بعت هذا بعشرة في ذمة أحدكما) وقال واحد منهما: (قبلت) فصارت العشرة بالقبول ملكا ومالا ومضافة إلى ذمة معينة صح البيع وكذا لو قال: (بعت منا من الحنطة من ذمة أحدكما بكذا) فأجاز أحدهما صح، لكون المعاملة عقلائية، نعم لو لم ينته إلى التعيين أبدا لم يصح. وبعبارة أخرى إن مبادلة مال بمال أو تمليك عين بعوض انما هو في المعاملة المسببية لا الانشائية، والمبادلة الحقيقية لا تكون بصرف الايجاب ومع ضم القبول الذي هو جزء السبب أو شرط لتمامية السبب للتبادل

[ 43 ]

تحصل الملكية والمالية، فالتبادل الواقعي انما هو بين المالين والملكين، هذا إذا كان الموجب غير القابل كما في المثال. وأما إذا كان المتصدي للمعاملة شخص واحد فأوجب من أحد الموكلين وقبل لاحدهما فيأتي فيه الكلام المتقدم في الجواب عن المحقق التستري (قده) من أن التبادل الواقعي موقوف على التعيين، فلا يلزم مما ذكر لغوية الصيغة، مع أن الاضافة إلى الذمة لا يعقل أن تكون موجبة للملكية، وكيف تكون الاضافة التصورية مملكة قهرا ولو صارت موجبة لكانت موجبة في عهدة أحدهما، فان عنوان أحدهما كلي لا ترديد فيه، وانما الترديد في مثل هذا أو هذا لا أحدهما. وأما المالية فان الاضافة إلى ذمة أحد الشخصين أو أشخاص معدودة محصورة توجب المالية بعد إمكان التحقق الخارجي، كما أن مالية ما في الذمة المعينه إيضا لاجل إمكان التحقق لا لذاتها، هذا كله إذا كان تعين المالكلين يحتاج إلى التعيين. واما إذا كانا معينين كما في الاعيان الخارجية المملوكة لاشخاص معينة ولم يصح وقوع البيع إلا بوجه واحد فهل يعتبر التعيين في النية أو اللفظ - ومنه الانصراف - أو لا يعتبر لكن يضر نية الخلاف أو التصريح به أو لا يضر التصريح به فضلا عن نيته؟ وجوه، والتحقيق أن التعيين غير لازم، لان لازم مبادلة مال مملوك لشخص معين واقعا بمال كذلك هو خروج كل منهما عن ملك صاحبه ودخوله في ملك الآخر. وهذا مما لا ينبغي الكلام فيه، لكن قد يقع البيع على العين الشخصية الخارجية على نحو الابهام والاجمال، كما لو علم إجمالا بأن العين إما لزيد أو لعمرو فأنشأ البيع لاحدهما، أو علم أنها لزيد لكن أوقع البيع لاحدهما فضولا برجاء إجازة زيد أو عمرو بعد تملكه لو قلنا بصحة الفضولي كذلك

[ 44 ]

ففي هذا النحو وأشباهه يأتي الخلاف في لزوم التعيين وعدمه، وأما ما جعل الاعلام - كالشيخين المتقدمين - محل البحث في الشخصي فلا يرجع النزاع فيه إلى محصل، لان المفروض التعين، فلا معنى فيه للنزاع في لزوم التعيين وعدمه إلا أن يرجع إلى لزوم التلفظ به أو الاخطار بالبال تفصيلا، وهو كما ترى. وأما مع نية الخلاف أو التصريح بذلك فان كان مع جهل المتعامل فتارة يكون الانشاء على عنوان واقعي له مصداق واقعي فأخطأ في التطبيق كأن يقول: (بعت من موكلي زيد - أو وهو زيد - لموكلي عمرو - أو وهو عمرو - بكذا) مع أن موكله في البيع عمرو وفي الشراء زيد فاشتبه الامر عليه واعتقد الخلاف، ففي هذه الصورة لا إشكال في الصحة، لان الانشاء وقع على ما هو عليه والخطأ في التطبيق لا يضره. وأخرى يصير اعتقاده الخلاف موجبا لايقاع المعاملة جدا على خلاف الواقع، كمن اعتقد أنه وكيل زيد في بيع فرسه من عمرو، ووكيل عمرو في شرائه وقال: (بعت فرس زيد من عمرو بهذه العشرة) وكان الفرس لعمرو والعشرة لزيد، ففي هذه الصورة إن قلنا بأن ماهية البيع عبارة عن التبادل بين الشيئين في الملكية، ولا دخالة لاضافة المالكين فيها صح لحصول ما هو دخيل فيه وتحقق الجد من المنشئ، وإن قلنا بأنها عبارة عن إخراج مال من ملك البائع إلى ملك المشتري وبالعكس وكانت هذه القيود دخيلة فيها يقع باطلا ويمكن الفرق بين الانشاء بمثل (بعت هذا الفرس الذي لزيد بهذا الثمن الذي لعمرو) وبين مثل (بعت من زيد فرسه بثمن عمرو) فيقال بالصحة في الاول، لان العقد واقع بين الفرس والثمن، والتوصيف بغير ما هو عليه فيهما غير مضر، نظير ما يقال في مثل (بعت هذا الفرس

[ 45 ]

العربي) من الحكم بالصحة مع خيار تخلف الوصف وبالبطلان في الثاني لعدم وجود المثمن والثمن، لان زيدا ليس مالكا للفرس، سيما إذا قلنا بأن البيع عبارة عن تبادل اضافة المالكية، فان الفرق على هذا أوضح، لوقوع الانشاء على الاول على ذات المتبادلين، والتوصيف خارج عن مصبه، وليس توصيف الامر الموجود كتوصيف الكليات، وعلى الثاني على نفس الاضافة، إذا أريد بقوله: (من زيد) الاضافة المتخيلة، وكذا لو قال: (ملكت عمرا فرس زيد بعوض كذا) وكان الفرس والعوض خارجيين، والفرس لعمرو والعوض لزيد، فان تمليك مال كل منهما لنفسه غير معقول ومبائن لحقيقة المعاوضة، والانشاء وقع على اضافة مفقودة، ولا معنى لوقوع المعاملة على خلاف ما وقعت وأنشئت. وبعبارة أخرى إن وقعت المبادلة بين الاضافتين استقلالا تكون باطلة لفقدهما، وإن وقعت بين العينين وكان تبادل الاضافتين الواقعيتين قهرا وتبعا صحت ولغا التوصيف. نعم لو قلنا بأن ماهية المعاملة هي مبادلة مال بمال ويقع تبادل الاضافات تبعا مطلقا كان الوجه الصحة في الفرضين، هذا كله مع جهل المنشئ بالواقعة. وأما مع علمه وتعقيبه الانشاء بما يخالف الواقع في العوضين الموجودين فهل تقع المعاملة باطلة أو صحيحة ويلغو القيد المنافي أو يقع كل من المعاملة وقيده صحيحا؟ قد يقال بالثالث بدعوى أن المعاوضه الحقيقية لا تتقوم بدخول العوض في ملك من خرج عن ملكه المعوض، فجاز مع قصد المعاوضة الحقيقية قصد دخول أحدهما في ملك غير من خرج الآخر عن ملكه، ثم قال: (إن اعتبار البيع اعتبار التبديل في المملوك، واعتبار الهبة التبديل في

[ 46 ]

المالك، فيقوم مالك ويجلس آخر مكانه، كما في الارث، فان قيدت المعاوضة بأن ينتقل كل منهما أو أحدهما إلى غير مالك الآخر انتقل إلى الذي قصد، فتصير بيعا فيه معنى الهبة أو معاملة فيها معنى البيع والهبة جميعا) انتهى ملخصا وفيه أنه إن أريد بما ذكر أن في المعاملة الكذائية إنشاء الهبة والبيع جميعا بأن يقال في مثل قوله: (بعتك هذا الفرس من مال زيد) مع كونه من مال الموجب: إن إضافة المال إلى زيد وإن كانت قبل ورود الهيئة الانشائية عليها جملة ناقصة ومعنى تصوريا لا يمكن إنشاء الهبة ونحوها بها لكن بعد ما وردت عليها الهيئة التامة صارت الجملة الناقصة تامة يتبع تمامية الهيئة، كما أن القيود الناقصة تصير تامة يتبع الهيئة الاخبارية، فحينئذ ينحل قوله في المثال المتقدم إلى بيع الفرس، وإنشاء كونه لزيد، فصح أنه بيع فيه معنى الهبة أو معاملة فيها معناهما، ويمكن أن تجعل الجملة المذكورة بعد كونها إنشاء بيع حقيقة وبالمعنى المطابقي كناية عن إنشاء الهبة، فجمع فيه البيع والهبة ففيه أن الانشاء الجدي باخراج المال عن ملك زيد لا يعقل إلا أن يتقدم عليه الهبة، وتحقق الهبة على هذا التصوير موقوف على الانشاء الجدي للبيع الكذائي، وهو دور واضح. مضافا إلى أن استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والكنائي أسوأ حالا من استعماله في أكثر من معنى واحد، فان قلنا بالجواز في الثاني يشكل في الاول. مضافا إلى أنه على هذا لا بد من قبول المتهب وقبضه أيضا حتى تصح الهبة، ففي الحقيقة يكون ذلك معاملتين يحتاج كل منهما إلى القبول، لا معاملة فيها معنى الهبة والبيع. ثم إن ما ذكره في اعتبار الهبة غير مرضي، فان اعتبارها نقل الملك

[ 47 ]

مجانا أو بعوض، لا قيام مالك مقام مالك آخر، كما أن باب الارث أيضا نقل الملك إلى الوارث، كما هو ظاهر الكتاب والسنة، لا قيام الوارث مقام المورث كما قيل، مع أن إثبات مطلوبه لا يبتني على كون اعتبار الهبة ما ذكره وإن أريد بما ذكر أن هذا نحو بيع أو نحو معاملة مفاده إخراج المثمن من ملك شخص وإدخال ثمنه في ملك آخر فهو بيع حقيقة ينتج معنى الهبة أو معاملة تنتج معناهما، كما هو الظاهر من كلامه، ففيه منع لان إنشاء إخراج ملك نفسه عن ملك غيره جدا غير معقول، وإدخال الثمن أو المثمن في ملك الغير في مقابل إخراج أحدهما عن ملكه أو ملك ثالث وإن كان معقولا لكن لا يكون ذلك بيعا ولا معاملة أخرى عرفا. ولعله اغتر ببعض الامثلة، كما يقال: اشتريت النعل لابني أو للفقير أو بعته كذلك، لكنك خبير بأن المراد منها الهبة بعد الاشتراء أو لانتفاعهما بعده، كما يقال: (اشتريت الجل لفرسي) ولهذا لو بدا له بعد الاشتراء ولم يعطهما لا يعد غاصبا، بل لا يجوز لهما التصرف فيه بعد البيع. وبالجملة لا يصدق عليه البيع على فرض جواز الانشاء كذلك جدا، فلا محالة يتبادل الاضافات ولو تبعا في البيع ونحوه. وما قلناه سابقا من أن البيع لا يتوقف على إدخال الشئ في ملك من خرج عوضه عن ملكه كان في قبال من زعم اعتبار الملكية فيه، فقلنا: إن بيع الوقف ليس كذلك، لكن تبادل الاضافات ولو إضافة الولاية والسلطنة لا بد منه، وفي بيع الكلي أيضا تمليك وإيقاع إضافة مقابل عوض ثم إن لازم ما ذكره دخول الشئ في ملك الغير قهرا عليه وبلا اختيار منه، كما في الارث، وهو غير وجيه في المعاملات والعقود ثم بعد عدم معقولية إنشاء إخراج ملكه عن ملك الغير جدا فهل يصح

[ 48 ]

البيع باطلا أو يصح ويلغو القيد؟ يمكن أن يقال بالثاني بدعوى أن ما لا يصح الجد به هو حيثية إضافة ملكه إلى غيره تصديقا، وأما تبادل العينين فلا مانع منه، فينحل الانشاء إلى تبادلهما وإلى إضافة غير واقعية فيصح الجد في الاول دون الثاني، فيلغو. وفيه أن الانشاء الخاص لا ينحل إلى أمرين: بل هو انشاء وحداني خاص لا يعقل الجد به، وليس نظير بيع ما يملك وما لا يملك، فانه قابل للانحلال عرفا. وربما قيل: إن التعقيب بالمنافي لا يضر بالانشاء، لانه من المعاني الايجادية، فلا يعقل بعد الايجاد انقلابه عما هو عليه. وفيه أن ذلك صحيح لو وقع المنافي بعد تمام المعاملة إيجابا وقبولا، لا في مثل المقام فان إيجاب إخراج مال نفسه عن غيره غير معقول، فلا يعقل تحقق المعنى الايجادي، لا أنه بعد تحققه تعقب بالمنافي. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أنه (إذا باع مال نفسه عن غيره فلا إشكال في عدم وقوعه عن غيره، والظاهر وقوعه عن البائع، ولغوية قصده عن الغير، لانه غير معقول لا يتحقق القصد إليه حقيقة، ولذا لو باع مال غيره عن نفسه وقع للغير مع إجازته - إلى أن قال -: فقصد وقوعه عن نفسه لغو دائما ووجوده كعدمه، إلا أن يقال: إن وقوع بيع مال نفسه لغيره انما لا يعقل إذا فرض قصده للمعاوضة الحقيقية لم لا يجعل الغير هذا قرينة على عدم إرادته من البيع المبادلة الحقيقية، أو على تنزيل الغير منزلة نفسه في مالكية المبيع، كما سيأتي أن المعاوضة الحقيقية في بيع الغاصب لنفسه لا يتصور إلا على هذا الوجه، وحينئذ فيحكم ببطلان المعاملة، لعدم قصد المعاوضة الحقيقية مع المالك الحقيقي) انتهى.

[ 49 ]

ففيه أن عدم معقولية القصد إلى وقوع بيع مال نفسه عن غيره لا يوجب صحة المعاملة ولغوية القيد، بل الظاهر بطلانها رأسا، لعدم القصد إلى البيع الحقيقي بل امتناعه، وقد مر أن هذا الانشاء الخاص لا ينحل إلى إنشاءين ومنشأين، نظير ما يقال في الشرط الفاسد وعدم مفسديته للمعاملة، وكذا الحال في بيع مال غيره عن نفسه. وبالجملة إن أريد بوقوع المعاملة ترتب الاثر فعلا وانتقال مال الغير عن نفسه أو مال نفسه عن غيره فعلا فلا يعقل قصده، فتقع باطلة. وإن أريد به إنشائها فعلا كي يترتب عليه الاثر في موطنه فتصح مع الاجازة لو قلنا بصحة عقد من باع شيئا عن نفسه ثم ملكه، فلو باع مال نفسه عن غيره مع العلم بأن الغير يملكه فيجيز أو مع رجائه صح على هذا المبنى، فلا فرق بين من باع مال غيره عن نفسه أو مال نفسه عن غيره في ذلك. وأما قوله (قده): (إلا أن يقال) الخ ففيه - مضافا إلى ما في استثنائه - أن الكلام انما هو في مقام الثبوت لا الاثبات، فلا وجه لجعل ما ذكره قرينة على ما أفاده. وأما التنزيل فلا يصحح المعاملة الحقيقية، لا في المقام ولا في بيع الغاصب، لان الجد عليها محال، والتنزيل مع الالتفات إلى أطراف القضية لا يوجب إمكان الجد حقيقة وإخراج مال غيره عن نفسه أو العكس واقعا، فهل يمكن أن ينزل أحد نفسه منزلة السلطان فيأمر الجند جدا بأوامر سلطاني؟! نعم يصح جعل نفسه منزلة المالك والبيع له بوجوده التنزيلي، فيقع حقيقة للمالك إذا أجاز لا للمنشئ، هذا كله في بيع الاعيان الخارجيه. وأما في الكليات وما في الذمم فقال المحقق التستري (قده) فيها: (لو اشترى

[ 50 ]

لنفسه بمال في ذمة زيد فان لم يكن وكيلا عن زيد وقع عنه، وتعلق المال بذمته، لا عن زيد ليقف على إجازته، وإن كان وكيلا فالمقتضي لكل من العقدين منفردا موجود، والجمع بينهما يقتضي إلغاء أحدهما، ولما لم يتعين احتمل البطلان للتدافع، وصحته عن نفسه لعدم تعلق الوكالة بمثل هذا الشراء، وترجيح جانب الاصالة، وعن الموكل لتعين العوض في ذمة الموكل، فقصد كون الشراء لنفسه لغو كما في المعين) انتهى. أقول: يرد عليه - مضافا إلى نحو اضطراب في كلامه حيث يظهر من بعضه أن الكلام في مقام الثبوت، ومن بعضه أنه في مقام الاثبات - أنه مع عدم الوكالة لا وجة لتعلق المال بذمته وإلغاء ذمة زيد ولو قلنا في الاعيان الخارجية بلغوية القيد المنافي، لان الكليات تعينها بالاضافة إلى الذمم لفظا أو انصرافا، وليست مثل الاعيان المضافة واقعا إلى صاحبها، فمع إلغاء القيد تقع صحيحة لصاحبها الواقعي، فالكليات مع عدم اضافتها بما ذكر لا تكون مضافة إلى أحد، فلا وجه لالغاء القيد فيها وجعلها على ذمة العاقد بدعوى الانصراف، كما هو واضح. ولو قيل بأن قوله: (اشتريت لنفسي) قرينة على لغوية قيد زيد يقال: لا ترجيح لجعل ذلك قرينة لما ذكر على جعل ذمة زيد قرينة على إلغاء قيد لنفسه. وتوهم ترجيح جانب الاصالة فاسد، لان ترجيحه انما هو فيما لم يتقيد بما يفيد عدم الاصالة، ففي المقام يقع التدافع بين الصدر والذيل، ولا ترجيح بحسب مقام الاثبات ولا مقام الثبوت. بل التحقيق أنه مع الالتفات إلى أطراف القضيه لا يعقل الجد على المعاملة إن أريد تأثيرها فعلا كما تقدم نظيره، ومع عدم الالتفات تقع باطلة فعلا، لعدم حصول المعاوضة حقيقة، وتصح فضولية بناء على

[ 51 ]

الصحة فيما إذا باع ثم ملك. وأما قوله (قده): (وإن كان وكيلا) الخ - الظاهر منه أن الحكم بالبطلان لعدم الترجيح في مقام الظاهر وإلا فيقتضي الجمع صحة أحدهما وإلغاء الآخر - فيرد عليه أنه لو قلنا بالصحة في الواحد لا بعينه يلزم منه ما أورده على مثله قبيل ذلك من لزوم كون الملك بلا مالك معين... الخ. ومع الغض عنه أو دفع الاشكال بما سبق منا لا يلزم البطلان، بل لزم الرجوع إلى القرعة، وقد فرغنا في محله عن أن القرعة لكل أمر مشكل، ومصبها باب تزاحم الحقوق، وهي من القواعد المحكمة العقلائية والشرعية غير المخصصة إلا نادرا. والظاهر أن مراده من التدافع تعليلا للبطلان هو التدافع في مقام الاثبات، وإلا كان مناقضا لقوله: (يقتضي إلغاء أحدهما). وأما التشبث في مقام ترجيح صحته عن نفسه بعدم تعلق الوكالة بمثله فهو خروج عن محط البحث، وبترجيح جانب الاصالة ففيه أن ترجيحه انما هو في مقام الظاهر والدعوى إذا لم يتقيد الكلام بما يجعله ظاهرا في غير الاصالة، وكذا فيما إذا تدافع القيدان لا وجه للترجيح الظاهري أو الواقعي. وأضعف منه تشبثه في مقام ترجيح الوقوع عن الموكل بتعين العوض في ذمته، فقصد كون الشراء لنفسه لغو كما في المعين، لعدم ترجيح ذلك على العكس، كما تقدم ذكره. وهل يعتبر تعيين الموجب لخصوص المشتري والقابل لخصوص البائع؟ والكلام فيه يقع تارة في التعيين مقابل الابهام كأن قال الوكيل: (بعت من أحدهما) أو قال القابل: (قبلت من أحدهما) فقد مر الكلام فيه

[ 52 ]

عقدا وحلا، وأخرى في لزوم معرفة البائع المشتري وبالعكس. فقد يقال بعدم لزومه، لان المتعاملين ليسا ركنا في المعاملة، بل العوضان ركن لاختلاف الاغراض بالنسبة اليهما، نعم يكون الطرفان في باب النكاح ركنا، وكذا المخاطب في الهبة والوصية والوكالة والوقف ركن، لاختلاف الاغراض بالنسبة اليهما في الاول وبالنسبة إليه في غيره. أقول: المعروف بينهم أن الزوجين في النكاح بمنزلة العوضين، لاختلاف الاغراض بالنسبة اليهما كاختلافها بالنسبة إلى العوضين، فيجب معرفتهما كما يجب معرفة العوضين. وفيه أن اختلاف الاغراض النوعية في باب العوضين موجب للغرر مع عدم المعرفة بهما ذاتا ووصفا بما يدفع بها الغرر، فلو باع منا معينا غير معلوم ذاتا أو منا من حنطة لم يعلم أنها جيدة أو ردية أو لا يعلم سائر أوصافها الدخيلة في الاغراض بطل للغرر. وأما الزوجان فليسا ركنا بهذا المعنى، لعدم لزوم معرفة كل منهما الآخر كمعرفة المتبايعين للعوضين، فيصح نكاح زوجة معينة مجهولة الاسم والوصف لزوج كذلك، فما هو المعتبر في النكاح ليس إلا التعيين على إشكال. وما في كلام بعضهم - من أن الزوجين في النكاح كالعوضين في سائر العقود وتختلف الاغراض باختلافهما فلا بد من التعيين وتوارد الايجاب والقبول على شئ واحد - فيه أن اختلاف الاغراض ليس دليلا على لزوم التعيين في قبال الابهام لعدم اطراده، لا في البيع ولا في النكاح، لان الصاعين من صبرة واحدة لا تختلف الاغراض فيهما، فلا بد من الالتزام بصحة بيع أحدهما لا بعينه، وهم يلتزمون به، وكذا الحال في امرأتين مماثلتين فيما لا تختلف فيه الاغراض.

[ 53 ]

وأما التعيين في قبال التوغل في الابهام كبيع أحد الاشياء مع تعينه في القصد واقعا فاعتباره في البيع لرفع الغرر، وأما النكاح فليس معاملة عند العقلاء والشارع الاقدس، ولا يجري فيه حكم الغرر، فلا مانع من صحة نكاح زوج معين واقعا مجهول من جميع الجهات من معينة كذلك، ولا دليل على اعتبار المعرفة بهما، وقد عرفت حال اختلاف الاغراض، وعدم التعارف لا يوجب انصراف الادلة، فان المتعارف في النكاح التفتيش عن حالها وحال طائفتها وجمالها وثروتها إلى غير ذلك مما لا يمكن الالتزام ببطلانه مع عدم المعرفة بها. وثالثة في أنه هل يعتبر تعيين الطرف في مقام التخاطب بأن يكون الخطاب متوجها إلى المشتري مثلا أي من ينتقل إليه المثمن أو يصح التخاطب مع وكيله أو وصيه، فيقول للوكيل: (بعتك هذا) أو لا يعتبر مطلقا، أو يعتبر فيما كان الطرف ركنا كالنكاح دون غيره؟ والكلام هاهنا في أن السبب عند العقلاء والشارع هل هو العقد الذي خوطب به المشتري أي يكون الخطاب إليه من شرائط صحته وسببيته، فلو خوطب به غيره بطل ولو أراد جدا الانتقال إلى الطرف الحقيقي، أو لا يعتبر؟ والظاهر التفصيل بين ما تعارف فيه لدى العقلاء أن يخاطب المقابل من غير نظر إلى كونه أصيلا أو غيره كالبيع وسائر المعاملات التي هي نظيره وبين ما لا يتعارف فيه ذلك كالنكاح والوقف، والدليل عليه ان ألفاظ المعاملات لا بد وأن تكون جارية على قانون الوضع واللسان والمحاورات من غير فرق بين أن تكون حقيقة أو مجازا أو كناية إذا جرت على قانون الاستعمال لدى العرف. فكما أنه لو قال: (انكحت) وأراد به البيع جدا من غير اقترانه

[ 54 ]

بما يجعله ظاهرا في المعنى المقصود لم يعد ذلك بيعا، ولم تشمله الادلة وإن فرض استعماله في إنشاء البيع وقصد به الانتقال، وكذا لو أنشأه بنحو الرمز بأن جعل المتعاملان حرفا من حروف التهجي علامة إنشاء الايجاب وحرفا علامة القبول وذكرا العلامتين وأرادا بهما إنشاء النقل وقبوله جدا لم يكن بيعا، ولم يترتب عليه الآثار لدى العقلاء، ولم تشمله الادلة الشرعية، فكذا الحال في المخاطبات الجارية في المعاملات، فلو قال مخاطبا للشمس: (بعتك داري) مريدا بها صاحب لم يعد بيعا إلا مع قيام قرينة تجعله ظاهرا في مقصوده عرفا، وكذا لو قال مخاطبا لاجنبي كذلك. فحينئذ نقول: إذا تعارف إنشاء معاملة بالتخاطب مع القابل من غير نظر إلى كونه أصيلا أو بمنزلته كالوكيل والولي فالظاهر صحتها، لان التعارف يجعل الكلام ظاهرا في المعنى المقصود، أي الانتقال إلى المالك ولو بمثل الخطاب إلى وكيله، فتكون المعاملة عقلائية، وتشملها الادلة، بخلاف ما لو لم يتعارف كالنكاح والوقف، ولو شك في التعارف يلحق بالثاني للشك في الصدق والشمول. والسر في ذلك التعارف هو عدم غرض عقلائي غالبا في معرفة خصوص المشتري الذى ينتقل إليه المبيع، كما أن السر في عدمه في النكاح ونحوه تعلق الاغراض العقلائية غالبا بمعرفة الزوجين أو الطرف كالموقوف عليهم، فكون الزوجين كالعوضين بهذا المعنى صحيح دون المعنى المتقدم، ولعل ذلك مراد الشيخ الاعظم (قده) لا ما تقدم. نعم يمكن المناقشة في تعارفه في البيع بأن يقال: إن المتعارف في المعاملات التخاطب مع طرف المخاطبة بخصوصيته، لان أمارية اليد على ملكية ذي اليد توجب الغفلة عن احتمال كون ما في يده لغيره كالموكل والموصي، وعلى فرض الاحتمال لا يعتني به العقلاء، ولازم التعارف المدعى

[ 55 ]

سقوط اليد عن الاعتبار وأمارية الملكية، وهو كما ترى. مع أن وجدان كل شخص يشهد بأنه لدى المبايعة والمعاملة لا ينقدح في ذهنه التخاطب على الوجه الاعم الذي ادعاه الشيخ الاعظم (قده) لو فرض صحته ثبوتا، فبقي الاشكال بحاله. إلا أن يقال: إن الغرض في باب البيع ونحوه لما لم يتعلق إلا بمبادلة العينين أو العين بالثمن ولو في الكليات لا يكون الخطاب منظورا إليه بالخصوص ولو ارتكازا، ويكون المراد التعاطي والتقابل بين العوضين في المعاطاة وغيرها من غير نظر إلى خصوصية المخاطب، ومع ذلك المسألة محل إشكال سيما في الكليات حيث لا تتعين إلا بالاضافة إلى الذمم. ورابعة في جواز التخاطب مع وكيل الطرف، بأن يقول: (ملكتك) مريدا به البائع الحقيقي و (انكحتك) مريدا به الزوج، والظاهر جوازه إذا أقام القرينة بنحو صار الكلام ظاهرا في المعنى المقصود، وجاريا على قواعد المحاورات، من غير فرق بين البيع ونحوه والنكاح والوقف ونحوهما لاطلاق الادلة وعدم دليل على الاشتراط المذكور. مسألة: قالوا: ومن شرائط المتعاقدين الاختيار، والمراد به القصد إلى وقوع مضمون العقد عن طيب النفس في مقابل الكراهة وعدم طيب النفس لا الاختيار في مقابل الجبر أو الاضطرار. أقول: جميع الافعال الصادرة عن التفات وإرادة مسبوقة بالاختيار، لانه من مباديها، غاية الامر قد يكون الاختيار لاجل ملائمة الشئ وموافقته لشهوات الفاعل وأمياله فيشتاق إليه ويختاره ويصطفيه ويرجح

[ 56 ]

وجوده فيريده، وقد يكون الشئ مخالفا لامياله فيكون إيجاده مكروها ومبغوضا له، ومع ذلك يدرك العقل الصلاح فيه لدفع الافسد بالفاسد فهذا الادراك العقلي المخالف للتمايلات النفسانية موجب لترجيح جانب الفعل واختياره، فيريده مع كراهته جدا، كتناول السم للفرار عن الاشق منه. وما قيل: من أن هذا أيضا مشتاق إليه عقلا كما ترى، لان شأن العقل الادراك لا الاشتياق، فكأن القاتل زعم أن الارادة شوق مؤكد وهو غير وجيه مخالف للوجدان والبرهان، لان الارادة والشوق من مقولتين، وليس الشوق عينها ولا من مباديها دائما، نعم هو من مباديها غالبا. وكيف كان جميع الافعال الصادرة عن التفات وإرادة مسبوقة بالاختيار والاصطفاء، ولا يعقل تعلق الارادة بلا ترجيح واصطفاء واختيار، فالفعل الاضطراري والاجباري والاكراهي كلها من الافعال الاختيارية، فمن يضطر إلى شرب دواء أو يجبر أو يكره عليه فلا محالة يرجح فعله على الترك المترتب عليه المفسدة فيفعله باختيار واصطفاء. والاختيار في جميع الموارد ماهية واحدة لا تختلف ذاتا وماهية، وليس الاختيار المقابل للاضطرار غير الاختيار المقابل للاكراه ولا غير الاختيار الذي في سائر الافعال وإن اختلف مبادئ الاختيار في تلك الافعال. فعلى هذا ما هو الشرط في المتعاقدين ليس الاختيار حتى نحتاج إلى دعوى خروج الاختيار المقابل للاضطرار وغيره مع ما عرفت من عدم معان كثيرة له، أو نحتاج إلى تفسيره بما فسره الشيخ الاعظم (قده) تارة بالقصد إلى وقوع مضمون العقد عن طيب النفس، مع أن المضطر أيضا لا يقصده عن طيب النفس، ولو أريد بطيب النفس القصد إلى وقوعه جدا فالمكره قد يكون كذلك، إلا أن يراد به قصده بلا إكراه

[ 57 ]

مكره، وهو كما ترى تبعيد للمسافة بلا وجه. وأخرى بأن المراد القصد إلى وقوع مضمون العقد في الخارج، كما يظهر من ذيل كلامه، وهو كما ترى غير تام لان مورد البحث في عقد المكره هو ما تم سائر شرائطه، ولا فرق بينه وبين سائر العقود إلا بأنه أوجده باكراه مكره دون غيره، ففرض عدم القصد إلى تحقق مضمونه خروج عن محط البحث، لان المختار أيضا إن لم يقصد تحقق مضمونه لا يكون عقده صحيحا، فالبطلان فيه لاجل عدم القصد المعتبر فيه لا للاكراه، فلو فرض أن المكره لدهشته ووحشته أوقع العقد وقصد حصول مضمونه في الخارج يقع باطلا بدليل نفي الاكراه. بل موضوع البحث هو ذلك لا ما كان فاقدا لسائر الشروط، كما صرحوا به. وليس الشرط أيضا عدم صدوره بكره منه، لما عرفت من أن الصدور بكره يشترك بين المكره والمضطر، بل الشرط هو عدم مكره يكره المتعاقدين في العقد، أو عدم إكراههما فيه، أو عدم كونهما مكرهين، فهل الاكراه مانع أو عدمه شرط؟ فيه كلام. ويدل على المطلوب - مضافا إلى الاجماع المدعى على تأمل فيه، ومضافا إلى أن الامر كذلك عند العقلاء أيضا فانهم لا يلزمون العاقد مكرها بالعمل به، وأدلة نفوذ المعاملات منصرفة عن مثله أيضا، وعليه يكون التمسك بحديث الرفع مع الغض عما ذكر كالتمسك بالاصل مع وجود الدليل الاجتهادي - حديث الرفع (1) بالتقريب الذي فصلناه في الاصول. وإجماله أن نسبة الرفع إلى نفس الموضوعات من الحقائق الادعائية، ومصححها رفع جميع آثارها، إذ ليس فيها أثر بارز يمكن دعوى كونه


(1) الوسائل - الباب 56 - من أبواب جهاد النفس

[ 58 ]

بمنزلة جميع الآثار حتى يكون مصححا للدعوى المذكورة، كقوله عليه السلام: (يا أشباه الرجال ولا رجال) (1) لان قائله ادعى انحصار آثار الرجولية وصفاتها بالشجاعة والاقدام في المعارك، وادعى أيضا أن من لم يتصف بهذه الصفة ليس برجل. وبالجملة الظاهر من قوله صلى الله عليه وآله: (رفع.... ما أكرهوا عليه) أن نفس ما أكرهوا عليه مرفوع، وهو من الحقائق الادعائية، ولا مصحح للدعوى إلا رفع جميع الآثار أو المعظم الذي يكون غيره بمنزلة العدم، ولا شبهة في أن الاحكام الوضعية مشمولة له، إذ لا مصحح لها مع عدم الشمول لها. وأما التقدير سواء فيه تقدير الاثر أو تقدير المؤاخذة فهو بعيد، كما يظهر بالقياس إلى أشباه التركيب في الكتاب والسنة وكلمات الفصحاء شعرا ونثرا. ولو أغمض عنه فلا شبهة في أن (ما أكرهوا عليه) أعم من الوضعيات بملاحظة ما ورد في الاخبار وكلمات المفسرين في شأن نزول (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) (2) من أنها نزلت في قضية عمار ابن ياسر، حيث أكرهه الكفار على سب النبي صلى الله عليه وآله (3) وما ورد في رواية عمرو بن مروان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رفع عن أمتى أربع خصال:


(1) نهج البلاغة - الخطبة 27 ج 1 ص 70 من طبعة بيروت. (2) سورة النحل: 16 - الآية 106. (3) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب الامر والنهي - الحديث 13 من كتاب الامر بالمعروف وفيه أنه أكره على البراءة من رسول الله صلى الله عليه وآله.

[ 59 ]

خطاؤها ونسيانها وما أكرهوا عليه وما لم يطيقوا، وذلك قول الله عزوجل: ربنا لا تؤاخدنا - إلى أن قال - وقوله تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) (1). فيظهر منه أن قضية عمار التي هي شأن نزول الآية أصل لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (رفع.... ما أكرهوا عليه) ومن المعلوم أن سب النبي صلى الله عليه وآله والبراءة منه له أحكام تكليفية ووضعية كالكفر ونجاسة البدن وغيرهما، وقد ورد في روايات عن أمير المؤمنين عليه السلام الامر بسبه إذا أكره عليه (2). إلا أن يقال: إن الاحكام الوضعية في السب والبراءة ونحوهما تابعة للحرمة التكليفية، فمع عدمها لا يترتب عليهما الوضع، فلا تدل تلك الروايات على شموله للوضع، إذ مع اختصاصه بالتكليف يرفع الوضع أيضا ولو أغمض عما تقدم فاستفادة العموم من صحيحة البزنطي عن أبي الحسن عليه السلام - (في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه وما لم يطيقوا وما أخطأوا) (3) بدعوى أن الحلف بالطلاق والعتاق وإن لم يكن صحيحا عندنا من غير إكراه أيضا إلا أن مجرد استشهاد الامام عليه السلام في عدم وقوع آثار ما حلف به بوضع ما أكرهوا عليه دليل على التعميم - مشكلة، لان


(1) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب جهاد النفس - الحديث 2 من كتاب الجهاد. (2) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب الامر والنهي من كتاب الامر بالمعروف. (3) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب الايمان - الحديث 12.

[ 60 ]

استشهاده به انما هو على سبيل التقية لا على سبيل التصديق بصحة التعليل. ضرورة أن حديث الرفع أجنبي عن بطلان الحلف على العتاق والطلاق لان تعليله بالاكراه بعد ما كان الحلف بهما باطلا ذاتا تعليل بغير العلة، لعدم تأثيره في بطلان الحلف بهما في شئ من الموارد، ومع عدم تصديق الامام عليه السلام انطباق الكبرى على الصغرى وعلية الاكراه على الحلف للبطلان لا وجه لاستفادة الحكم الوضعي منه، إذ الاستفادة منوطة بالاستشهاد والتطبيق، وهو على خلاف رأيه عليه السلام. نعم يستفاد منها أن العامة أو بعضهم كانوا قائلين باستفادة الحكم الوضعي منه، ولهذا استشهد به تقية وموافقة لهم، ولهذا قال: (لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله) الخ، ولم يقل لقول رسول الله، أو لانه قال، ولعل عدوله بما ذكر لاجل عدم التعليل بقوله (ص) مع فهم الطرف تعليله به، ففي الحقيقة تشبث بتورية لطيفة، فأفاد الحكم وأظهر التقية، ولم يأت بشئ مخالف للواقع، نعم يمكن أن يؤيد الشمول للوضعيات بفهم علماء أهل اللسان الشمول وإلا لم تكن التقية بمحلها. ثم إن الاشكال في عموم حديث الرفع - بأن شأن صدوره الآيات المشار إليها في رواية عمرو بن مروان المتقدمة، فيراد به خصوص المؤاخذة في النسيان والخطأ وخصوص ما في غيرهما - مدفوع بأن المورد وشأن النزول لا يوجب التقييد والتضييق في الكبرى الكلية، سيما مع ورودها في روايات خالية عن هذه الاشارة، أترى إمكان الاقتصار في قضية عمار بن ياسر على المشابه لقصته من سب رسول الله (ص) فقط، وعدم الاسراء إلى سب غيره وإلى سائر المعاصي كشرب الخمر ونحوه. والانصاف أن إطلاق روايات الرفع قوي لا يطرح بمجرد ورود أن وجه صدورها ما ذكر في رواية ابن مروان كما أن الاشكال على كون

[ 61 ]

مصحح الدعوى رفع عموم الآثار - بأن بعض الآثار غير مرتفع كما إذا أكره على الجنابة أو الحدث الاصغر، فان الحدث الاكبر أو الاصغر لو فرض كونهما من التكوينيات والحقائق التي كشف عنها الشارع وهي غير قابلة للرفع لكن حكمهما وأثرهما وهو الغسل والوضوء قابلان له مع عدم إمكان الالتزام به - مدفوع بأن الاكراه عرفا إنما يتعلق بفعل المكلف، وهو الجماع أو الاجناب بالمعنى المصدري، ولا يتعلق بالجنابة، لانها ليست فعله ولا بالحدث الاصغر، فما هو مانع لم يتعلق به الاكراه، وما تعلق به لا أثر له، نعم لو كان للجماع أو الاجناب أثر يرتفع بالحديث، وقد أجبنا عن الاشكال في الاصول بوجه آخر أوجه. وأما ما قال بعض الاعاظم (قده) في الجواب من أن الغسل والتطهير أمران وجوديان قد أمر الشارع بهما عقيب الجنابة والنجاسة مطلقا، من غير فرق بين الجنابة والنجاسة الاختيارية وغيرها فلا يرجع إلى محصل، لان كونهما وجوديين لا ينافي الرفع، بل يؤيده، وإطلاق أدلتهما لحال الاختيار وغيره مصحح الحكومة لا مانعها، ولا دليل على لزومهما حال الاكراه بالخصوص. ثم إن الاشكال في تصحيح الدعوى المتقدمة على ما ذكرناه - بخروج بعض الآثار كالآثار الاستحبابية وكالاكراه على القتل بل على الامور العظيمة جدا كالرد على الاسلام وإبطال حجته ونحوهما - مدفوع بأن الرفع إنما تعلق بعنوان ما أكرهوا عليه لا بمصاديقه، والمذكورات بالنسبة إلى ذلك العنوان في غاية القلة، بل تلحق بالعدم، فلا ينافي خروجها مع الدعوى المتقدمة، بل إنصراف الادلة عنها ربما يصحح الدعوى، فتدبر. ثم إن الاكراه في المقام حمل الغير على شئ قهرا، كما هو أحد معانيه لغة، وهذا هو المناسب للرفع ولما ورد أن الجبر من السلطان والاكراه

[ 62 ]

من الزوجه (1) سواء كان ما يقهره ويحمله عليه مما يكرهه أم لا، لما عرفت من أن الارادة ربما تتعلق بالمكروهات وقد تتعلق بما يشتاق إليه. فقد يكون شئ مشتاقا إليه بحسب الطبع لكن بواسطة الترجيحات العقلية لا تتعلق به الارادة، بل تتعلق بتركه، كشرب الماء للمستسقي، فحينئذ إن ألزمه جابر على شربه يكون شربه عن إكراه مكره، وليس معنى إكراهه: حمله على ما يكرهه وإن كان أحد معانيه، رغما لقواعد باب الافعال، ضرورة أن المعاملة التي تعلقت الارادة بتركها لاجل الترجيحات العقلية وإن اشتاقت النفس إليها لو أوجدت بالزام القاهر وإجباره تقع باطلة. وكذا لو اشتاقت النفس إلى إيقاع معاملة بحسب حوائجها وكان الشخص بصدد إيقاعها لكن عند أمر آمر بايقاعها تأنف عنه وأراد الترك، لا للكراهة عنها، بل للكراهة عن إطالة أمره، فأوعده على الترك فأوجدها يكون مكرها عليه وإن اشتاق إلى ذلك المعاملة، وقد حقق في محله عدم سراية الكراهة من عنوان إلى سائر العناوين المقارنة أو الملازمة له، فالمعاملة التي كانت مشتاقا إليها بذاتها وانطبق عليها في الخارج عنوان إطاعة الجابر وكان هذا العنوان مكروها تقع باطلة، لصدق الاكراه عليها، لا لحمل الغير على ما يكرهه، لان الظاهر من حمله على ما يكرهه تحقق الكراهة قبل الحمل عليه لا به، تأمل. مضافا إلى عدم سراية الكراهة من عنوان الاطاعة للجابر إلى ذات المعاملة وإن انطبق العنوانان على مصداق وإحد واتحدا في الخارج. ثم إن القيود التي اعتبرها الشيخ الاعظم (قده) في وقوع الفعل مكرها عليه مخدوشة:


(1) الوسائل - الباب - 16 - من كتاب الايمان - الحديث 1.

[ 63 ]

منها - اقترانه بتوعيد منه. لان الاقتران به غير لازم، بل يكفي إلامر ممن يخاف منه ولا يأمن من شره وضره لو ترك الاطاعة، ولعل مراده ذلك أيضا. ومنها - كونه مظنون الترتب على تركه، لان الظن به غير لازم، بل يكفي الخوف الحاصل من الاحتمال العقلائي، بل مطلق الاحتمال ولو ضعيفا إذا كان الايعاد بأمر مهم كالقتل مثلا. ومنها - كونه مضرا بحاله، لانه لا يلزم أن يكون كذلك إن أريد به الوصول إلى حد الحرج، بل مطلق الضرر المعتد به كاف فيه، بل لا يلزم أن يكون ضررا، فيكفي المنع عن النفع المعتد به. وأما حديث سلب الاستقلال فان أراد به بيان الاكراه فلا كلام وإلا فالمكره مستقل في العمل ومختار ومريد له كما تقدم. فهل يعتبر في موضوع الاكراه عدم إمكان التفصي عن المتوعد عليه بما لا يوجب ضررا آخر مطلقا سواء كان بالتورية أو بفعل خارجي أو لا مطلقا أو يفصل بين التورية والفعل الخارجي؟ قد اضطربت كلمات الشيخ الاعظم (قده) في المقام، فتارة اختار الصدق العرفي مع إمكان التخلص بالتورية، وأخرى اختار عدم الفرق بين الفعل والقول في عدم الصدق مع إمكانه، وثالثة اختار التفصيل. والتحقيق أن التورية قد تكون سهلة لشخص بلا خوف الوقوع في الضرر المتوعد به لاجل الدهشة والوحشة والتمجمج في الكلام، ففي مثله لا شبهة في عدم صدق الاكراه لو أوقع المعاملة مع التفات ولم يور. وأما لو كان خائفا من كشف الحال فيصدق الاكراه، وكذا لو أمكن التفصي بالفعل الخارجي كما لو أمكنه التفصي في الباطن من غير علن، ولا يخاف كشف الحال والوقوع في الضرر أو أمكنه علنا كذلك،

[ 64 ]

فلا يصدق الاكراه، فالتفصيل بين القول والفعل في غير محله. وتوهم أن في التورية يكون أصل التكلم بالكلام مكرها عليه، فأثره مرفوع بالحديث في غير محله، لان الاثر مترتب على الخصوصية، وهو مختار فيها، وإلا أمكن أن يقال بمثله في الفعل أيضا أحيانا. ثم إنه على فرض عدم صدق الاكراه مع إمكان التورية لا يصح إلحاقه حكما به بواسطة الادلة التي أخذ عنوان الاكراه في موضوعها كحديث الرفع وما ورد في طلاق المكره وعتقه، وكذا معاقد الاجماعات والشهرات المدعاة، لعدم إمكان الالحاق بها، ضرورة عدم تعدي الحكم عن موضوعه وعدم مفاد لها إلا تعليق الحكم على المكره والاكراه. فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أن حملها على صورة العجز عن التورية لجهل أو دهشة بعيد جدا، كما ترى. وأما ما ورد في الامر بالكذب للتخلص عن الظالم (1) من غير ذكر لزوم التورية فلعل وجهه انها غير سهلة لنوع المكلفين، فلو ألزموا بها لوقعوا نوعا في الضرر، وهذا لا يوجب جواز الكذب لو أمكن التخلص عنه بلا خوف ومع سهولة. وأما ما يقال - من أن الكذب عبارة عن كلام ظاهر في معنى غير مطابق للواقع فالتورية كذب - فممنوع عرفا ولغة، فانه عبارة عن الاخبار بما لا يطابق الواقع من غير دخالة لظهور الكلام أو فهم المخاطب فيه، ولهذا لو أنشأ بكلام ظاهر في الاخبار بما لا يطابق الواقع لا يمكن أن يقال: إن إنشاءه إخبار كاذب. وأما ما يقال - من أنها مشتركة مع الكذب ملاكا وحكما لان مفسدته كالاغراء بالجهل والايقاع في المفسدة موجود فيها - فمدفوع، لعدم كون


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب الايمان.

[ 65 ]

ملاك الكذب ما ذكر، ولهذا لا شبهة في حرمته، ولو لم يترتب عليه مفسدة، والاغراء بالجهل لا دليل على حرمته مطلقا، كالاخبار كذبا بأن قطر الارض كذا، أو بعدها عن الشمس كذا، فانه حرام، ولا يترتب عليه مفسدة، ولا دليل على حرمة الاغراء بالجهل في مثله. فالاولى ما أشرنا إليه من أن عدم التنبيه بالتورية لاجل ندرة إمكان التخلص بها من غير احتمال الوقوع في الضرر المتوعد به في موارد هجمة العشار والظالم، فهل يكون ذلك نكتة للجعل فيكون الكذب جائزا في موارد الاستثناء مطلقا ولو مع سهولة التخلص بها، أو تكون الادلة منصرفة عن مثله لندرته بنحو يلحق بالمعدوم؟ ثم لو فرض جواز الكذب في الصلاح والتقية مطلقا فلا يصح إسراء الحكم منه إلى الانشائيات كالبيع والاجارة وغيرهما والبناء على عدم نفوذها مع عدم صدق الاكراه، ضرورة أن إلحاق الانشاء في عدم النفوذ بالاخبار كذبا في عدم الحرمة التكليفية لا وجه له. ومنه يظهر الكلام في قضية عمار وما ورد في ذلك المضمار من الامر بالسب والبراءة، فان عدم الامر بالتورية - مضافا إلى إمكان أن يقال: إن ما ظاهره السباب حرام، لانه إهانة، بل لعله نحو سباب، كما قيل: إن نقل السباب سباب، إذ ليس له واقعية ولو في الاعتبار كالبيع وغيره من سائر المعاملات - لاجل أن المكره على السباب على ائمة الحق (ع) كان في ذلك العصر في معرض القتل، وكان أمراء الجور عليهم اللعنة يقتلون شيعة أمير المؤمنين عليه السلام بالظن والوهم والتهمة، فالامر بالتورية مع ذلك في مظنة إيقاع المورى في الهلاك. ومع ذلك يأتي فيه ما تقدم من عدم جواز إسراء الحكم منه إلى باب البيع ونحوه، ضرورة إن جواز الكذب لحفظ الدم لا ربط له بنفوذ البيع

[ 66 ]

مكرها مع إمكان التورية كما لا يخفى، كما يأتي فيه ما تقدم من احتمال انصراف الادلة عن الذي يقدر على التورية بسهولة وبلا خوف كشف الحال. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) تمسك برواية عبد الله بن سنان قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يمين في غضب ولا في قطيعة رحم ولا في جبر ولا في إكراه، قال: قلت: أصلحك الله فما فرق بين الجبر والاكراه؟ فقال: الجبر من السلطان، ويكون الاكراه من الزوجة والام والاب، وليس ذلك بشئ) (1) على عدم اعتبار العجز عن التفصي بوجه آخر غير التورية في صدق الاكراه. وفيه بعد ضعف السند أن الصدق العرفي غير قابل للتعبد، ولا شبهة في عدم الصدق مع إمكان التفصي كما تقدم، ولا يستفاد منها الالحاق حكما، لما تقدم من أن الحكم المتعلق بعنوان الاكراه لا يصلح لالحاق غيره به، نعم لو كان الاكراه من المذكورين غير متصور وغير متحقق لكان اللازم حمل الاكراه فيها على معنى مقارب للاكراه العرفي، فيفهم منها الالحاق حكما. لكن إكراه الزوجة وكذا الام والاب أمر ممكن بل واقع، ولا يلزم في صدقه كون المكره أقوى من المكره، فلو أوعدت الزوجة زوجها بأنه لو لم يطلقها مثلا لهتكت حرمته بخروجها من داره بوجه ينافي عرضه، أو أوعدته بأمثال ذلك كانت مكرهة نحو إكراه الغالب القاهر أو أشد أحيانا، وكذا الحال في الام والاب، لامكان إكراههما ابنهما بالايعاد بفنون أعمال يهتك بها عرضه، ومع إمكان ذلك لا وجه للحمل على معنى آخر غير الاكراه عرفا. ومقابلة الجبر والاكراه لبيان التسوية بين الموارد، وعدم الفرق بين كون المكره الجابر القاهر كالسلطان وغيره، مع صدق الاكراه في كليهما،


(1) الوسائل - الباب - 16 - من كتاب الايمان - الحديث 1.

[ 67 ]

ولا يعقل جعل السببية للاخص بعد جعلها للاعم للزوم اللغوية. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) فرق بين الاكراه المسوغ للمحرمات وجعل مناطه توقف دفع ضرر المكره على ارتكاب المكره عليه، وبين الاكراه الرافع لاثر المعاملات، وجعل المناط فيه عدم طيب النفس بالمعاملة إذ قد يتحقق مع إمكان التفصي، مثلا من كان قاعدا في مكان متفرغا للعبادة فجاءه من أكرهه على بيع وهو في هذا الحال غير قادر على دفع ضرره وهو كاره للخروج لكن لو خرج أمكنه التفصي بأمر خادمه على دفعه، ولو فرض في ذلك المثال إكراهه على محرم لم يعذر فيه قال: (وقد تقدم الفرق بين الجبر والاكراه في رواية ابن سنان، فالاكراه المعتبر في تسويغ المحظورات بمعنى الجبر والرافع لاثر المعاملات هو الاكراه الذي في الخبر، و المعيار فيه عدم طيب النفس لا الضرورة والالجاء). انتهى ملخصا. وفيه أن الاكراه كما تقدم ليس بمعنى الحمل على ما يكرهه، بل بمعنى الالزام والحمل على الشئ بكره وإجبار، ولا شبهة في عدم صدقه في المثال المذكور ولا في عدم الفرق بين الوضعيات والتكليفيات، فمن تفرغ في مكان للعبادة وأمكن خروجه منه بلا محذور ولا حرج فأوجد المعاملة بأمر الغير لا يصدق أنه مكره وملزم فيها، كما لا يصدق أنه مكره في ارتكاب الحرام ولو كان الخروج ضروريا أو حرجيا يصدق فيهما معا. وقد تقدم أن طيب النفس في المعاملات غير معتبر لو أريد منه انشراح الصدر واشتياق النفس، وكذا الرضا المعتبر فيها ليس مقابل السخط بل الطيب المعتبر فيها هو إيقاعها بلا تحميل الغير إياه والرضا بها كذلك فمن سخط معاملة غايته - كالمضطر الذي يكون بيع داره التي هي ظل رأسه مكروها له ومورد سخطه جدا لو باعها مع ذلك بلا إلزام غيره -

[ 68 ]

يقال: إنه رضي بالبيع، مع عدم طيب نفسه وعدم رضاه بالمعنى المتقدم ولا شبهة في تحقق الرضا والطيب المعتبر في المعاملة في المثال المتقدم، فالكراهة وعدم انشراح الصدر غير مضرة بصحتها، وقد تقدم الكلام في رواية ابن سنان. ثم إن النسبة بين الاضطرار والاكراه في حديث الرفع بحسب المفهوم التباين، فان الاكراه الذي هو صفة للمكره بالكسر فعل منه، والاضطرار صفة للمضطر، وهو منفعل به، ولا ربط بينهما مفهوما، كما لا ينطبقان على مورد واحد، سواء حصل الاضطرار من إكراه مكره أو حصل بحسب حوائجه. وإن أريد الملزمية التي هي صفة المكره بالفتح فهي مباينة مع الاضطرار مفهوما، وبينهما عموم من وجه موردا، فالاضطرار قد يحصل بواسطة الاكراه، فيكون الشخص ملزما ومكرها وملجأ. ومضطرا، كما لو أوعده بأمر خطير حرجي، وقد يحصل بحسب حوائجه لا من فعل الغير، وقد يتحقق الاكراه بلا اضطرار، كما لو أوعده بنهب مال معتد به لا يكون نهبه موجبا للحرج، فلو قلنا بأن المرفوع في حديث الرفع هو الفعل الصادر عن إلزام الغير يكون البطلان في المعاملات مستندا إليه لا إلى الاضطرار الحاصل منه، لتقدمه ذاتا عليه، والاضطرار الحاصل من حوائجه لا يوجب بطلانها، لانصراف دليل الاضطرار عنه، إذ يلزم منه التضييق والتحريج عليه، مع أن الرفع للتوسعة امتنانا، فبطلان المعاملات لا يستند إلى الاظطرار مطلقا إلا في بعض الموارد النادرة على ما سيأتي. لكن الاضطرار موجب لرفع التكليف، كما أن الاكراه موجب له وإن لم يصل إلى حد إلاضطرار والالجاء، كما هو ظاهر دليل الرفع وآية

[ 69 ]

(إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) (1) فان الاكراه بحسب شأن نزولها على ما في التفاسير والاخبار كان على سب النبي صلى الله عليه وآله في قضية عمار بن ياسر، والحمل على الاضطرار الحاصل من الاكراه خلاف ظاهر الآية والروايات، حيث علق الحكم فيها على عنوان الاكراه، وجعل الاكراه في الروايات قبال الاضطرار، فما قيل من أن الاكراه، بمراتبه يختص بالوضعيات التزام بما هو خلاف الظواهر بلا جهة ملزمة، كما أن الاختصاص بالاكراه الموجب للاضطرار خلاف الظاهر. نعم يمكن دعوى اختلاف المحرمات في جواز ارتكابها بالاكراه، بل في صدقه أيضا عرفا، فربما يصدق الالزام على فعل صغيرة دون كبيرة وعلى كبيرة دون موبقة كما قد يقال، وفيه تأمل. وقد قلنا في رسالة التقية: إن ادلة التقية والحرج والضرر منصرفة عن بعض المحرمات التي في غاية الاهمية بحسب الشرع والعقل وارتكاز المتشرعة، كالاكراه على إبطال حجج الاسلام بالمغالطات، وكهدم الكعبة المعظمة ومحو آثارها بحيث يبطل هذا المشعر ويمحو أثره. ثم إن الاكراه قد يكون على نحو الاستغراق بأن أكرهه على بيع جميع أمواله، وقد يكون على نحو الطبيعة المطلقة السارية، ففيهما كل ما وقع من المصاديق يكون مكرها عليه، فيكون باطلا في الوضعيات وغير محرم في التكليفيات، نعم الخصوصيات المقارنة للمصاديق في الوجود الخارجي لم يتعلق بها الامر، ضرورة عدم تجاوز الامر عن موضوعه، فالفرد الموجود في الخارج بما أنه مصداق عنوان البيع أو الخمر وجد مكرها عليه، لا بسائر العناوين ككونه في مكان كذا أو زمان كذا أو البيع من شخص كذا.

[ 70 ]

فلو كان في المصاديق خصوصية ذات حكم لم ترتفع بدليل الاكراه، فلو أكرهه على بيع جميع أمواله ليس له بيع مصحفه من الكافر، ولو باع منه بطل البيع للاكراه وأثم في بيعه من الكافر، لان الخصوصية غير مكره عليها، نعم لو لم يمكن بيعه إلا منه ارتفعت الحرمة للاضطرار بل لو فرض أن جميع المصاديق ذو أثر ملازم ترتفع بالاضطرار لا الاكراه. ولو قيل: لو لم ترتفع في مثله بالاكراه لكان دليله لغوا قلنا: قد فرغنا من نحو هذا التوهم بالفرق بين القوانين الكلية والاوامر الشخصية. ولو كان الاكراه على نفس الطبيعة بحيث يسقط طلبه بأول الوجود بطل ما وجد أولا، ولو كان لبعض المصاديق خصوصية زائدة لاحقة بها في الخارج لم يرتفع حكمه كما تقدم، وأما المصداق الذاتي للطبيعة فيقع مكرها عليه وإن كان الاكراه على نفس الطبيعة لا الفرد، لان الفرد عين الطبيعة، فما وجد هي الطبيعة المكره عليها. وما قيل - من أن المكره عليها هي الطبيعة لا المصاديق فهو مختار في المصاديق، فكل مصداق وجد فهو باختياره لا بالاكراه - مدفوع بأن كل فرد وجد في الخارج و كان أول وجود الطبيعة فهو منطبق عليه للطبيعة المكره عليها: ولا يعقل وقوعه على نعت الاختيار مقابل الاكراه، والخصوصية المختارة ليست موضوعة للاثر، كالبيع في مكان كذا أو مع خصوصيات محتفة بالطبيعة حتى صارت مثلا هذا المصداق دون ذاك، لكن نفس الطبيعة لا يعقل أن لا يكون مكرها عليها في الفرض، وأول المصاديق عين الطبيعة المكره عليها خارجا. لا أقول: إن الامر بالطبيعة سرى إلى المصداق، فانه واضح البطلان بل أقول: إنه بالامر بالطبيعة ملزم ومكره على ايجادها بفرد ما، فيوجده إلزاما وإكراها، ولو أوجد في الفرض عدة مصاديق في عرض واحد

[ 71 ]

فلا شبهة في عدم وقوع جميعها مكرها عليها ولو قلنا بأن كل واحد وقع امتثالا للامر، كما قيل في الاوامر الالهية المتعلقة بالطبائع: إن الاتيان بأفراد عرضا موجب لوقوع كل على سبيل الامتثال مستقلا، ويستحق مثوبات بعدد الافراد، وذلك لان في الاكراه يعتبر عدم إمكان التفصي، ومع كون ترك ما عدا واحد منها لا يترتب عليه ضرر لا يقع مكرها عليه. مع أن حديث امتثالات كثيرة غير مرضي وإن أمكن إقامة البرهان عليه، بأن يقال: لا سبيل إلى إنكار عدم حصول الامتثال رأسا، ومع حصوله إما يكون بواحد معين أو غير معين أو بالمجموع أو الجامع أو كل واحد، وما عدا الاخير باطل، لعدم ترجيح واحد معين، وعدم وجود غير المعين والمجموع بما هو كذلك، وكذا الجامع إلا على رأي الهمداني فلا بد من القول بالامتثال متكثرا والمثوبات كذلك. وفيه أن الخلط بين المسائل العقلية البرهانية ومسألة الاطاعة والمثوبة من العقليات العرفية يوجب الاشتباه والمغالطة، ألا ترى أنه لو وقع الامر على عام مجموعي والامتثال بعام مجموعي لا يوجب ذلك خرق القاعدة العقلية من أن المجموع ليس بموجود؟ ولو قلنا باستصحاب الجامع في القسم الثاني والثالث منه واتبعنا العرف في وجود الجامع لكون تشخيص موضوعات الاحكام عرفيا لم نخرق القاعدة العقلية، فالاطاعة وقعت بالجامع عرفا أو المجموع كذلك، فان الامر الواحد والمأمور به كذلك ليس له إلا الاطاعة الواحدة وإن أمكن الحل بطريق عقلي أيضا. بأن يقال: إن الامر بعد ما تعلق بالطبيعة عارية عن كل لاحق، وبعد عدم إمكان تعلقه بالافراد الخارجية وعدم إمكان كون الطبيعة مرآة للخارج بخصوصيتها فالمأمور به لا محالة نفس الطبيعة، والافراد مصاديق للطبيعة المأمور بها، وليست الافراد بمأمور بها، كما أن مصاديق الكلي

[ 72 ]

ليست بكليات، فالمصاديق أفراد لكلي واحد، وكذلك أفراد ومصاديق للمأمور به الواحد، وفي مثله لا يعقل أن تكون إطاعات، بل إطاعة لامر واحد بالوجود الكثير، فلما كان الافراد لا تقع على نعت المأمور بها لا يعقل أن تقع على نعت الاطاعات وإن وقعت على نعت الكثرة. ولك أن تقول: إن ما وجدت في الخارج من الافراد الكثيرة بعد التحليل والتجزءة لا يكون مصداق الاطاعة حقيقة إلا حيثية ما تعلق بها الامر، أي نفس الطبيعة، وتكثرها خارج عن المطلوب والطلب والامتثال، فتكون الكثرة الخارجية امتثالا واحدا لا امتثالات وإن تحققت الكثرة بالوجود ولواحقه. وبعبارة أخرى مقام تشخيص الطاعة مقام التحليل والتجريد، ففي هذا المقام يحكم العقل بأن نفس الطبيعة بما هي وقعت طاعة، لا الكثرة والملحقات بها وإن كانت بتبع الوجود والعوارض متكثرة حقيقة، فالطاعة واحدة باتيان الكثير، فالطبيعة المتكثرة في الخارج إطاعة واحدة لامر واحد. وكيف كان لو أكرهه على الطبيعة وأتى بأكثر من فرد واحد يقع الكلام في أن الجميع صحيح أو باطل، أو بعضها صحيح وبعضها باطل، وسيأتي الكلام فيه عند التعرض للاكراه بأحدهما والاتيان بهما. ولو كان بين أفراد الطبيعة تفاوت في الشدة والضعف أو الزيادة والنقص فان كان المكره عليه من التكليفيات فالظاهر لزوم اختيار أقلها محذورا، فلو أكرهه على شرب حرام ما يجب عليه اختيار أضعفه مناطا لان الرفع وإن تعلق بالطبيعة القابلة للصدق على كل فرد ومقتضى ما تقدم أن أول الوجود منها مكره عليه ومرفوع الحكم، وبعد رفعه لا وجه للترجيح، لكن لما كان الرفع منة على الامة مع بقاء مفسدة المكره عليه وليس من قبيل التخصيص الكاشف عن عدم الملاك فلا محالة يحكم العقل

[ 73 ]

بالجمع بين الغرضين ودفع الاكراه بالاقل محذورا من بينها. نعم الظاهر عدم جريان ذلك في الوضعيات، فلو أكرهه على بيع داره أو بستانه يقع بيع أولهما مكرها عليه وإن كان أكثر قيمة أو بقاؤه أهم لدى المالك. ولو أكرهه على بيع داره أو أداء دينه فلا شبهة في صدق الاكراه بايقاع كل منهما لو كان أداء الدين مخالفا لغرضه العقلائي وكان كارها عن أدائه، فألزم عليه أو على بيع الدار، فحينئذ لو باعها وقع باطلا، لصدق الاكراه وعدم انصراف الادلة عنه ولو قلنا بانصرافها عن الاكراه بحق، لان الانصراف عنه لا يلازم الانصراف عن قرينه، وهو البيع، فدعوى صحته في غير محلها. ولو أكره أحد الشخصين على فعل أو على فعلين فان علم أحدهما أنه لو لم يبادر إليه بادر الآخر لجبنه وضعف قلبه فالظاهر عدم كونه مكرها، لانه غير ملزم بالعمل، ولا يصدق أنه مكره، ومع الشك في إتيان الآخر وخوف الوقوع في المهلكة يكون مكرها. ولو كان أحدهما قادرا على إكراه الآخر على العمل فان كان إكراهه بحق فالظاهر عدم صدق كونه مكرها، لامكان التخلص له، بخلاف ما لو كان بغير حق، لان إمكان التخلص بالقبيح أو بالحرام المستتبع للقبح العقلائي أو العقوبة الاخروية لا يوجب سلب صدق الاكراه. ثم إنه قد يتعلق الاكراه بالعاقد المالك وقد يتعلق بالمالك دون العاقد كما لو أكره على التوكيل في بيع داره، فالوكالة باطلة والعقد فضولي إلا أن يجيز الوكالة وقلنا بالكشف الحقيقي أو الحكمي. ولو وكله عن إكراه على طلاق زوجته فالظاهر بطلان الطلاق، ولا يمكن تصحيحه بالاجازة إلا على الكشف المذكور، سواء قلنا بقيام

[ 74 ]

الاجماع على عدم جريان الفضولية في الايقاعات، لان إنفاذ الوكالة على النقل لا يفيد إلا في الاعمال اللاحقة، فلا بد في الطلاق من إجازة مستقلة والمفروض عدم جريان الفضولية في الايقاع. أو قلنا بأن عدم جريانها على مقتضى القاعدة، بدعوى أن العقود انما تجري فيها لا لاشتمالها على ألفاظها، لانها متصرمة ذاتا، ولا يعتبر العقلاء بقاءها، فلا تلحقها الاجازة، ولا للنقل والانتقال الاعتباريين لعدم تحققهما في الفضولي، بل لحيثية أخرى مشتملة عليها العقود، وهي حيثية العقد والقرار، ولا شبهة في بقائها اعتبارا عرفا وشرعا، ولهذا تعلق بها وجوب الوفاء، فيجوز لحوق الاجازة بها لتلك الحيثية الباقية، وأما الايقاعات فليس لها حيثية باقية، فان الانشاء وألفاظه لا بقاء لهما واقعا ولا اعتبارا، والمنشأ لم يتحقق لعدم سلطنة الفضولي على إيقاعه، فلا شئ فيها له بقاء يمكن لحوق الاجازة به، تأمل لانه سيأتي النظر فيما ذكر فانتظر. وقد يتعلق الاكراه بالعاقد دون المالك كما لو أكره المالك غيره على العقد أو الايقاع، والظاهر هنا الصحة لا لما قال الشيخ (قده) - من أن المكره بالكسر قاصد لمضمون العقد وراض به - المشعر أو الظاهر في أن المأمور غير قاصد، لانه غير مطرد، وليست عبارته مسلوبة لعارض تخلف القصد، كما نقله عن الشهيد (قده) واستحسنه، فان المكره غالبا قاصد لمضمونه، وبطلان عقده ليس لفقد القصد، بل لكونه مكرها، وللاكراه موضوعية، والقصد الناشئ عن الاكراه بوجه قصد لمضمونه واقعا وإن لم يترتب عليه وعلى العقد الواقع به أثر من حيث كونه مكرها عليه. بل لان الظاهر من حديث الرفع هو رفع ما وضع لولا الاكراه

[ 75 ]

على الامة منة على الامة المرحومة، والظاهر من الرفع عنهم منة هو رفع ما كان في وضعه نحو ثقل وشدة تكليفا أو وضعا، ولا يرتفع به مطلق الاثر ولو كان بنفع المكره، ومجرد كون شئ خلاف غرضه لا يوجب رفعه بالحديث، لانه لا يرفع ما يخالف أغراض المكلفين تكوينا، بل يرفع ما له بحسب الجعل الشرعي ثقل ووزر عليهم، وإجراء صيغة الطلاق لا أثر له بالنسبة إلى المجري، ولو فرض تحقق أثر ملازم أو مقارن له لا يرتفع بالحديث، فلو أكره على طلاق ابنته لا يكون في نفس الطلاق أثر بالنسبة إلى مجري الصيغة وإن كان طلاقها قد يوجب وجوب نفقتها عليه، لكن مثل هذا الامر ليس منشأ لشمول الحديث مورده. ولو أكرهه على أمر في وقت موسع فقال: (بع دارك من دلوك الشمس إلى غسق الليل) أو (اشرب الخمر كذلك) فهل يصح بيعه لو بادر إليه قبل ضيق الوقت ويحرم عليه شربها كذلك أو يبطل ويحل أو يفصل بين الوضع والتكليف؟ الظاهر صدق الاكراه على إيقاع العقد وشرب الخمر في جميع أجزاء الوقت بعد العلم بأنه لا يرتفع الاكراه إلى آخر الوقت، وليس له التخلص كذلك كما هو مفروض المسألة، لان التخيير عقلا في إيقاعه آخر الوقت لا يوجب عدم صدق الاكراه في سائر اجزائه كما أن إيجاب الصلاة من دلوك الشمس إلى غسق الليل وكون المكلف مختارا عقلا في تأخيرها إلى آخر الوقت لا يوجب عدم وقوعها على صفة الفريضة لو أتى بها أول الوقت. وهذا نظير اختياره في إيقاعه في هذا المكان أو ذاك، فهو لا ينافي الاكراه، فهو مكره في صرف الوجود ومختار في إيقاع ما أكره عليه في هذا المكان أو الزمان أو ذاك. والظاهر عدم الفرق بين التكليف والوضع بعد إطلاق دليل رفع

[ 76 ]

ما أكرهوا عليه وعدم الاختصاص بواحد منهما، فمقتضاه جواز الارتكاب في أول الوقت. وما قيل - من أن المكلف غير مضطر في الارتكاب، وفي التكاليف لا بد من الاضطرار - غير مرضي، لما مر من أن دليل الرفع رافع للتكليف في مورد الاكراه، كمورد الاضطرار، والبدار إلى الحرام بعد رفع حكمه لا مانع منه. إلا أن يقال: بعد بقاء الملاك مع رفعه لا بد من التأخير إلى الضيق وحصول الاضطرار، وهو غير ظاهر بعد لزوم الاتيان على أي حال، وليس هذا من قبيل العجز عن القيام في الصلاة في ركعة واحدة حيث يقال فيه بلزوم التأخير إلى الاخيرة، وذلك لان المقام تابع لصدق الاكراه ووقوع الفعل مكرها عليه، وهو صادق مع البدار، وفي باب الصلاة تابع لصدق العجز، والقادر على الركعات الاوليات ليس بعاجز، ومع إتيانها يصير عاجزا عن الاخيرة، فتدبر. لكن الاحتياط التأخير إلى ضيق الوقت. ولو أكرهه على بيع واحد غير معين فباعهما فان كان الاكراه على غير معين بعنوانه وبما هو غير معين فلا شبهة في صحة بيع المجموع، لعدم الاكراه عليه، وإن كان على نحو الواجب التخييري وكان على هذا أو على ذاك بشرط عدم الاجتماع فكذلك. وإن كان لا بشرط فان أوقعهما تدريجا وقع الاول مكرها عليه دون الثاني، ولو غفل الفاعل فأوجد الاول لحوائجه النفسانية وأراد إيقاع الثاني امتثالا للمكره وقعا صحيحين، لعدم الاكراه على شئ منهما وإن غفل عنه الفاعل، فان توهمه الاكراه لا يوجب وقوعه مكرها عليه. ولو أوقعهما دفعة فان كان إيقاع أحدهما عن إكراه و إلزام وأحدهما عن إضطرار وإلجاء بمعنى أنه مع فرض بيع أحدهما صار مضطرا إلى بيع

[ 77 ]

الآخر فالظاهر بطلانهما، لان أحدهما مرفوع بدليل رفع الاكراه، والآخر بدليل رفع الاضطرار. وما يقال من أن البيع المضطر إليه وقع صحيحا، لان البطلان خلاف الامتنان صحيح لو كان حصول الاضطرار بحسب حوائجه، لا في مثل المقام الذي كانت صحة أحدهما وبطلان الآخر خلاف غرضه، وموجبا لضرره أو حرجه، فان رفعه منة عليه، ودليل الرفع مطلق شامل للوضعيات والتكليفيات، ورفع اليد عنه في بعض الوضعيات لكونه خلاف المنة لا يوجب طرحه مطلقا. ومع عدم اضطراره إلى بيع الاخر - لكن صار الاكراه في بيع أحدهما موجبا لتعلق غرضه ببيعهما من دون الاضطرار - فمقتضى القاعدة صحة أحدهما لا بعينه وبطلان أحدهما كذلك. وقد يستشكل في صحة أحدهما بأن لازمه مملوكية الشئ المردد واقعا وهو غير معقول، كما أن مالكية شخص مردد واقعا غير معقول، فلا بد من الحكم بالبطلان. ويمكن الذب عنه بوجهين أشرنا اليهما سابقا بعد ما كان هذا النحو من التملك أمرا عقلائيا، فانه إذا قال: (وهبتك أحد هذين) فقيل صح عند العقلاء، وكذا إذا قال: (وهبته أحدكما) فقبلا صح عرفا. أحدهما - أن يقال: إن التمليك لعنوان أحدهما القابل للانطباق على كل منهما بدلا، وهذا العنوان غير مردد ولا مبهم، وملكيته غير ممتنعة ويتعين بالقرعة ونحوها وما قيل - من أن مورد القرعة ما هو معلوم واقعا مجهول عندنا - غير صحيح، بل موردها أعم، كما يظهر من الاخبار الواردة فيها فراجع (1).


(1) الوسائل - الباب - 57 - من كتاب العتق - والباب 75 من كتاب الوصايا

[ 78 ]

ثانيهما - أن يقال: إن للانشاء المذكور سببية ناقصة عقلا، وتتم بالقرعة، كما أن بيع الفضولي سبب ناقص يتم بالاجازة، فصحته اقتضائية، فإذا ضم إليه المتمم صار صحيحا. وهذا أوجه من الوجه الاول، لانه لا يخلو من إشكال، وبهذا الوجه يمكن رفع الاشكال العقلي عن بعض موارد وردت الروايات فيه (1) كما لو أسلم كتابي عن أكثر من أربع، أو عقد مسلم على خمس، أو على أختين، ففي الموارد المذكورة وردت أنه يمسك أربع أو يمسك إحداهن، فيرد الاشكال العقلي بأن الزوجة المبهمة غير ممكنة التحقق، وصحة الجميع لا يمكن شرعا، ولازم بطلان الجميع إيقاع العقد من رأس. والجواب أن العقد وقع عليهن، وفي تأثيره في الجميع مانع، والاختيار رافع للمنع شرعا، وفي المقام القرعة متممة، وفي جمع الاختين أو جمع خمس الاختيار متمم، فلا يحتاج إلى العقد ولا الطلاق، وفي الذمي إذا أسلم خرج الجميع بواسطة المانع عن حبالته، وبرفع المانع دخل ما لا مانع فيه. وبعبارة أخرى العقد واجب الوفاء ولو لم يؤثر فعلا كالاصيل في الفضولي، وهو مقتض للتأثير، ومع رفع المانع يؤثر أثره، كما أنه لو أكرهه على أحدهما فأتى بهما ثم أجاز. لا ينبغي الاشكال في صحتهما، لا لان أحدهما لا بعينه صحيح و الآخر محتاج إلى الاجازة، لان ذلك باطل عرفا وعقلا، بل لان المانع العقلي منع عن تأثير المقتضي فيهما، وبرفعه أثر، ولو عقد على خمس فماتت واحدة فالظاهر صحته في الاربع من غير احتياج إلى الاختيار، لان


(1) الوسائل - الباب - 4 و 6 - من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد والباب - 25 - من أبواب ما يحرم بالمصاهرة من كتاب النكاح.

[ 79 ]

الاختيار للترجيح ورفع المانع، ومع ارتفاعه عقلا لا يحتاج إليه، وطريق الاحتياط واضح، ومما ذكر يظهر الكلام في الاكراه على الطبيعة والاتيان بأكثر من فرد. وما يقال في وجه صحتهما - من أن بيعهما دفعة مع كون الاكراه على أحدهما يكشف عن رضاه ببيع أحدهما فلا يؤثر الاكراه شيئا، لان المفروض أن ما ألزمه المكره وهو بيع أحدهما غير معين نفس ما هو راض به، فلا يكون إكراها على ما لا يرضاه - غير مرضي، ضرورة أن أحدهما وقع مكرها عليه، وهو غير ما رضي به، فلولا الاكراه ما باعهما، فالاكراه على بيع أحدهما وبعض اغراضه المترتبة عليه صارا سببين لايقاعهما فلا يعقل أن ينطبق المرضي به على ما أكره عليه، لاختلاف سببهما وتضاد عنوانهما. كما أن ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في وجه صحتهما - من كونه خلاف المكره عليه، وأن ما وقع غير مكره عليه، وما أكره عليه لم يقع - غير مرضي أيضا، لان الاكراه على بيع احدهما ان كان بشرط لا يصح أن يقال: إن ما وقع خلاف المكره عليه، لكنه غير محل البحث فان موضوعه ما إذا أكره على أحدهما وأوقع المكره البيع على طبق إكراهه وهو لا يصح إلا إذا كان المكره أحدهما لا بشرط، ومعه لا يكون إيقاعهما خلاف المكره عليه. كما يظهر مما تقدم بطلان ما أفيد في وجه بطلانهما جميعا من (أنه إذا باعهما جميعا فنسبة الاكراه والاضطرار إلى كل منهما على السواء، فلا يمكن الحكم بصحة أحدهما معينا، لانه تخصيص بلا مخصص، ولا أحدهما المردد، لانه غير معقول، ولا الجميع لفرض وجود الاكراه المانع عن صحة أحدهما، ولا مجال للتعيين بالقرعة، لانهما فيما كان له تعين واقعي

[ 80 ]

مجهول، ولا نعني بالفساد إلا عدم إمكان الحكم بصحته بوجه) انتهى. وفيه - مضافا إلى ما عرفت من أن مورد الاضطرار كمورد الاكراه يقع في المقام باطلا، ولا يكون أحدهما صحيحا حتى نحتاج إلى ما ذكر - أنه قد عرفت دفع شبهة عدم المعقولية، وقد عرفت أن دليل القرعة أعم. ثم إنه قد حكي عن العلامة (قده) في التحرير أنه لو أكره على الطلاق فطلق ناويا فالاقرب أنه غير مكره، إذ لا إكراه على القصد. وهو ظاهر في أنه مع إمكان التورية لا يتحقق الاكراه، وقد مر التفصيل بين القادر عليها بسهولة مع عدم خوف الوقوع في الضرر وغيره وأن في الثاني لا يعتبر إمكان التخلص بها، بل ينبغي أن يراد بامكان التخلص القسم الاول. إذ ليس المراد بامكانه إمكانه الذاتي أو الوقوعي كائنا ما كان، بل ربما صار من أخذته الدهشة والوحشة مكرها في قصده، ولا يمكنه عدم القصد، والظاهر أن ما احتملناه هو مراد العلامة (قده) وقيل: إن في محتملات كلامه وجوها: منها - أن يكون كل من الاكراه والرضا مستقلا، فإذا اجتمعا لا يمكن تواردهما على محل واحد، فيستند اليهما جميعا. ومنها - أن يكون كل منهما جزء السبب، وفي الصورتين يحتمل الوجهان، فاختلفوا في الصحة والفساد، وقيل بالصحة، لان دليل الاكراه ودليل تجارة عن تراض، من قبيل القتضي واللا مقتضي، وقيل بالفساد، لان الظاهر من دليل الصحة أن يكون مستقلا، لا جزء السبب، وقيل بالتفصيل. ومنها - أن يكون الاكراه داعيا للداعي، فالفعل مستند اليهما طولا فاحتمل فيه وجهان أيضا، وحمل كلامه عليه. أقول: أما على مسلك القوم من أن الرضا هو طيب النفس والاكراه

[ 81 ]

هو الحمل على ما يكرهه أو بلا طيب نفس، فالصور الثلاث باطلة، لعدم إمكان اجتماع الطيب واللاطيب استقلالا، ولا بنحو جزء السبب، ومعه لا معنى لتأثيرهما ولا لتعارضهما، وعدم إمكان الداعي على الداعي، لان الداعي الثاني يطرد الاول، فكيف يمكن كونه معلولا له. ثم على فرض اجتماعهما في الصورة الاولى فكيف يقدم دليل الصحة مع حكومة دليل الرفع عليه، فمع اجتماع موضوع الدليلين في مورد يقدم الحاكم، فهل يمكن أن يقال: إن دليل حرمة الكذب أو الخمر في مورد الاكراه مقدم، لان التعارض من قبيل المقتضي واللا مقتضي، ولا فرق بين المقامين إلا بعدم الاجتماع في المقام، وهم يلتزمون باجتماعهما؟ وأما على مسلكنا من أن الرضا هو الرضا المعاملي الحاصل حتى بعد الاكراه، والاكراه هو الالزام بالشئ قهرا وإن طاب نفسه فرضا كما تقدم فلا يجتمعان في الصورة الاولى، والثالثة، لان الرضا بحسب الحوائج إذا كان تاما مستقلا لا يعقل انبعاث المأمور من الامر والالزام، فأمره كلا أمر لا يوجب الاكراه كما مر وكذا لا يعقل إن يكون الالزام قهرا داعيا على الرضا إذا أريد به الرضا الحاصل من حوائجه. وأما الرضا الاعم من الحاصل بالاكراه فلا منع في اجتماعهما، بل في المعاملات الاكراهية يصير الاكراه داعيا إلى الاختيار والرضا المعاملي والارادة، ومع اجتماعهما يكون دليل الاكراه حاكما وموجبا للفساد، كما يجوز الاجتماع بنحو جزء السبب، فلا مانع من اجتماع أمر القاهر والداعي النفساني الناقص، فإذا كان كل منهما ناقصا في التأثير والمجموع تاما فالظاهر صحة المعاملة، لان الرضا حاصل ودليل الاكراه قاصر عن شمول المورد، لكونه ظاهرا في الاستقلال، ودليل تجارة عن تراض وإن كان كذلك لكن الرضا الحاصل بالاكراه مشمول له، وانما يدفع بالحكومة المفقودة هنا.

[ 82 ]

لكن هنا إشكال على القوم وعلينا، أما عليهم فلان المراد من (تجارة عن تراض) إن كان التجارة عن طيب النفس يخرج التجارة المكرهة عن أدلة صحة المعاملات تخصيصا، ومعه لا معنى لحكومة دليل الاكراه، فلا حكم حتى يرفع بالحكومة، فالاستدلال بدليل الرفع لبطلان بيع المكره غير صحيح - إلا أن يكون مع الغمض عن ذلك - كالاستدلال بالاصل والدليل الاجتهادي، وهو خلاف ظاهرهم، وأما علينا فلان الرضا إن كان بمعنى ما هو حاصل بغير إلزام وإكراه يرد عليه الاشكال المتقدم، وإن كان المراد القصد إلى حصول المفاد فمع عدمه لم يكن العنوان صادقا، والظاهر من قوله تعالى: (تجارة عن تراض) (1) أن القيد احترازي. وفيه أن الرضا المعاملي غير الطيب وغير القصد، فان القصد من صفات النفس الفعلية والرضا من صفاتها الانفعالية، وقد مر التفرقة بين الرضا والطيب، فالرضا مقابل التأبي والامتناع، سواء حصل بمقاصده النفسانية أو بالزام ملزم وإكراه مكره، ولا مفهوم للوصف مع أنه من القيود الغالبية، فلا يكون للاحتراز، وعليه يجتمع العنوانان وتصح الحكومة. نعم قد أشرنا في أوائل البحث إلى أن بطلان بيع المكره عقلائي، فهل ترى من نفسك أن العقلاء والمحاكم العرفية يحكمون بلزوم الوفاء بالعقد إذا ضربه وحبسه حتى باع داره؟ ولا شك في أن الادلة الشرعية منصرفة عن مثله، ويكون هذا من أكل المال بالباطل، وهذا واضح جدا، ومعه لا مجال لحكومة دليل الرفع إلا أن يكون الاستدلال به مع الغمض عما ذكر. ثم إن الظاهر من دليل الرفع أن المرتفع هو الاعمال الصادرة عن إكراه أو اضطرار بحيث صار الاكراه أو الاضطرار منشأ لصدورها،


(1) سورة النساء: 4 - الاية 29.

[ 83 ]

فمن أراد إيقاع البيع بحسب مقاصده النفسانية فأمر به وأوعد على تركه ولا يؤثر أمره وإيعاده في ايقاعه لا يرتفع ذلك بالحديث. وكذا من كان من عادته شرب الخمر - اضطر إليه أم لا - ثم اضطر إليه لكن شربها بمقتضى عادته لا يرتفع حكمه بالحديث، إذ الظاهر من رفع ما اضطروا إليه سيما بمؤونة كونه حكما امتنانيا أن المرفوع ما أوقعه لاجل اضطراره، لا لمقاصده الاخر مقارنا للاضطرار. ولو كان العمل بداعي الاكراه وكان مستقلا في إيقاعه فان كان لا من جهة التخلص عن الضرر عن نفسه بل من جهة دفعه عن المكره، كما لو قال: (بع وإلا قتلت نفسي) فان كان هو من متعلقيه كولده ووالده وكان عدم إيجاده موجبا لضرر عليه فهو مكره، بخلاف ما لو كان أجنبيا، ولو كان الاتيان لاجل شفقة دينية فغير مكره عرفا. ولو كان لاجل الضرر المتوعد به يكون باطلا وإن اعتقد المكره بأن الحذر لا يتحقق إلا بإيقاعه حقيقة فوطن نفسه على تحققه أو كان جاهلا فوطنها كذلك لحديث الرفع، بل الظاهر أن مصب دليله مثل هاتين الصورتين، وأما صورة العلم بالحكم وبخصوصيات الواقعة فسيأتي الكلام فيها. ثم لو رضي المكره بما فعله فهل يصح مطلقا أو لا كذلك أو تفصيل بين الصور؟ والتحقيق أن المكره تارة يعتقد بأن بيع المكره صحيح وكان غافلا عن التورية، فيوقعه معتقدا بصحته، وأخرى يعلم بطلانه لكن يحتمل لحوق رضاه به بعد ذلك، ويعتقد بأن لحوقه به موجب لصحته فعلا، وثالثة يعتقد بطلانه وأن الرضا المتأخر لا يوجب الصحة أو يعلم بعدم لحوق رضاه به. أما الصورة الاولى فلا شبهة في صدق البيع عليه عرفا، لتحقق الانشاء جدا لغرض حصول مضمونه، ولا دخالة لشئ آخر في الصدق

[ 84 ]

ومجرد كون بعض المبادئ البعيدة مغايرا لما في بيع غير المكره لا يضر بالصدق، لعدم معقولية دخالة تلك المبادئ في صدق العنوان المتأخر. فبيع المكره وغيره لا يفترقان إلا في أن مبدأ اختيار الاول هو ترجيح البيع على الضرر المتوعد به ومبدأ اختيار الثاني ترجيحه بحسب مقاصده النفسانية، وذلك المبدأ البعيد لا يعقل دخالته في صدق عنوان البيع، ولا ترتب الاثر الشرعي وعدمه دخيل فيه، لان الاثر متأخر عن عنوانه ومترتب عليه، فلا يعقل دخالته في صدقه، ولهذا يصدق على البيع الربوي وبيع الخمر ونحوهما، وبالجملة لا يعقل دخالة ما هو من مبادئ الوجود أو الآثار اللاحقة به في صدقه. والظاهر صدقه في الصورة الثانية أيضا، إذ لا يعتبر في صدقه الجزم بحصول المضمون، بل إيقاعه برجاء لحوق الرضا به يكفي في صدقه. وأما الصورة الثالثة فلا يعقل تحقق الجد به، ضرورة امتناع الجد بداعي سببية العقد مع العلم بعدمها، ومع فقده لا يصدق عليه البيع والعقد. ولا يرد عليه النقض بالبيع الفضولي وبيع المكره ولو مع العلم بلحوق الاجازة، بل بالايجاب، بدعوى أن الاثر المطلوب لا يترتب فعلا على شئ منها، فان الايجاب لا يترتب عليه الاثر، ولا يكون سببا فعليا إلا مع تعقبه بالقبول، وكذا بيع المكره والفضولي قبل الاجازة، فيأتي الاشكال العقلي المذكور فيها، فايقاعها لغرض ترتب الاثر عليها غير معقول فلا بد من الالتزام بعدم الصدق، وذلك لان العلم بترتب الاثر عليه بعد الاجازة أو لحوق القبول موجب لتحقق الجد، فإذا علم الفضولي بأن إيقاع المعاملة جدا يترتب عليه الاثر بعد الاجازة وعلم بلحوقها بها تحقق منه الجد جزما، بخلاف ما لو علم بعدم اللحوق، فان الجد لا يعقل فيه بل يكون في إنشائه كالهازل واللاغي.

[ 85 ]

والمراد بالجد هو الجد على المبادلة الانشائية، لا حصولها حقيقة، فان الجد به غير معقول حتى من الموجب في البيع الصادر من الاصيلين. فتحصل من ذلك أن الاشكال في الصدق العرفي في الصورتين الاولتين في غير محله، سواء ادعى أن المعتبر في صدقه مقارنة طيب نفس المالك به أم ادعى أن المعتبر مقارنة طيب نفس العاقد به، أو ادعى أن العقد غير المؤثر فعلا ليس بعقد، فان الرضا المعاملي حاصل، ولا يعتبر طيب النفس كما مر ولما عرفت من عدم تعقل دخالة ما هو من مبادئ وجود الشئ أو من آثاره في قوام ماهيته، مع أن الصدق العرفي في بيع المكره والفضولي والبيع الربوي لا ينبغي الاشكال فيه. وبه يدفع توهم أن أمر المعاملة عند العرف لا يدور بين الصحة والفساد، بل بين الصدق وعدمه، فان البيع الواقع عن إكراه وجبر لا يكون في محيط العرف وفي المحاكم العرفية لازم الوفاء، ولا يرى العقلاء البائع المكره ملزما بالوفاء بقراره وعقده وشرطه، ومع هذا الارتكاز تكون الادلة العامة مثل (أوفوا بالعقود) (1) و (المؤمنون عند شروطهم) (2) ونحوهما منصرفة عن بيع المكره، بل لعل تلك الادلة إمضائية تنفيذية لا تأسيسية تعبدية، لكن الانصراف عنه انما هو مع عدم لحوق الاجازة والرضا به، وإلا فلا شبهة في عدمه، كما أنه مع لحوقها يكون لازما في محيط العرف أيضا، وهذا عين الصحة والفساد. وما قيل من أن لازم ذلك عدم دخول البيع أولا في الادلة ودخوله فيها بعد لحوقها ليس بتال فاسد، كما أن الفضولي كذلك، إذ ليس


(1) السورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب المهور - الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 86 ]

واجب الوفاء إلا بعد لحوقها، فيكون البيع المكره عليه بعد الاجازة داخلا في الادلة العامة، ولا بد من دليل مخرج. وربما يقال: إن المخرج قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض) (1) بدعوى أن استثناء خصوص التجارة الناشئة عن تراض من المتعاقدين دليل على حصر التجارة الصحيحة بها، فغيرها داخل في المستثنى منه ولو لحقه الاجازة. وفيه بعد تسليم الحصر وتسليم دلالتها على لزوم مقارنة الرضا للعقد ونشوئه منه يمكن أن يقال: إن خصوصية المقارنة بين العقد والرضا ملغاة في نظر العرف والعقلاء، فما هو موضوع في نظرهم لخروج الاكل عن كونه باطلا هو العقد برضاهما، كان مقارنا أو متأخرا، ضرورة عدم كون الاكل بالعقد الفضولي من أكل المال بالباطل عرفا وشرعا. ولا يمكن الالتزام بكونه باطلا استثني من قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم) الخ (2) ضرورة إبائه عن التخصيص، إذ لا يصح أن يقال: هذا الاكل بالباطل جائز. وبالجملة لا شبهة في عدم فهم العرف من الاية الكريمة إلا لزوم كون التجارة برضاهما من غير فرق بين الرضا المقارن وغيره ولعل الاتيان بما يظهر منه المقارنة لكون الغالب كذلك، لا لعناية في نشوئه منه، فالقيد غالبي لا يستفاد منه الاحتراز. مضافا إلى ما ذكرنا سابقا - من أن المتفاهم العرفي من المستثنى منه أن الباطل علة لتعلق الحرمة بأكل المال، فكأنه قال: (لا تأكلوا أموالكم بينكم إذا كان باطلا) ولاجل المقابلة بين المستثنى والمستثنى منه، وعدم صحة استثناء مصداق من الباطل وإجازة أكله لاستهجانه، وأن التجارة


(1) و (2) سورة النساء: 4 - الاية 29.

[ 87 ]

عن تراض حق عرفا لا باطل، والمناسبات المغروسة في ذهن العقلاء يستفاد من المستثنى أن استثناء التجارة عن تراض انما هو لكونه حقا، لا لخصوصية التجارة ولا لخصوصية عنوان الرضا، فكما أن العلة لحرمة أكل قسم من المال كونه باطلا كذلك العلة في الجواز عدم بطلانه، وهو مساوق عرفا للحق، فالخارج هو مطلق الاكل بالحق، والداخل هو مطلق الاكل بالباطل، وانما ذكرت التجارة عن تراض لكونها المصداق المتداول الكثير الدور، لا لخصوصية فيها. ولا شبهة في أن التجارة اللاحق بها الرضا تكون حقا عرفا لا باطلا، فبيع الفضولي مع لحوق الاجازة به وبيع المكره كذلك حق داخل في المستثنى. ولو قلنا بأن الباء للسببية ويكون المراد من المستثنى منه حرمة أكل المال الحاصل بسبب باطل يفهم منه ما ذكرناه أيضا من علية الاسباب الباطلة لحرمة الاكل، فكل سبب باطل علة لحرمة المال المكتسب به، وفي مقابله كل سبب حق موجب لرفع الحرمة أو لجواز الاكل. هذا كله بناء على إفادة الاستثناء الحصر، كما لا يبعد بمقضى المناسبات المذكورة، وعدم خلو واقعة إلا وأنها إما داخلة في الباطل أو الحق. ثم لا إشكال في أن الاستثناء المنقطع في المحاورات وكلمات البلغاء لا يكون جزافا وبلا نكتة أدبية، وهي مختلفة، فربما تكون نكتة إدعاء دخول المستثنى في المستثنى منه من قبيل الحقائق الادعائية كقوله: (ما رأيت أسدا إلا زيدا) أو (ما جاءني حمار إلا زيد) بدعوى أن (زيدا) داخل في المستثنى منه والاستثناء لاخراجه، فهو منقطع حقيقة ومتصل إدعاء، وقد يكون الانقطاع لغاية المبالغة ويكون الممدوح مثلا فوق تلك المدائح، وتكون هي ذما بالنسبة إليه، نظير قوله تعالى: (ما هذا بشرا) (1)


(1) سورة يوسف: 12 - الاية 31.

[ 88 ]

حيث نفي عنه ذلك لغاية المبالغة، فإذا قيل: لا عيب فيه إلا أنه بشر يكون الاستثناء لغاية المبالغة. وربما يكون إيراد الاستثناء لمجرد تأكيد الحكم في المستثنى منه بوجه بليغ لا لداعى الاستثناء جدا، ولعل قوله: (جاءني القوم إلا الحمار) من هذا القبيل، فأراد المتكلم تأكيد مضمون الجملة السابقة، وعدم خروج فرد من المستثنى منه، فالاستثناء صوري لداعي التأكيد، ولعل استثناءه تعالى إبليس من الملائكة من هذا القبيل فأراد تأكيد مضمون الجملة السابقة، وإن كان بينه وبين المثال السابق فرق، فان الحكم في المستثنى في قوله تعالى مقصود، بخلاف المثال السابق، لجواز أن لا يكون مرادا، ولعل القوم لم يكن لهم حمار نظير باب الكنايات، مثل (زيد كثير الرماد) وربما يكون الاستنثاء لاحتمال دخول المستثنى في المستثنى منه، ولعل استثناء إبليس من قبيله، إلى غير ذلك. وكيف كان إن الاستنثاء في قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (1) ليس من قبيل الحقائق الادعائية، ولا لتوهم الدخول ولا يبعد أن يكون لتأكيد مضمون المستثنى منه وإن كان المستثنى إيضا مقصودا وعلى هدا لا يكون الاستثناء دليلا على الحصر، أي حصر جواز الاكل في التجارة عن تراض لعدم إرادة الاخراج جدا، بل لافادة عدم خروج شئ من الباطل من المستثنى منه، فكأنه أراد استثناء غير الداخل لافادة أن الداخل لم يستثن منه شئ، لا أن المستثنى منحصر به. لكن بناء على ما ذكرناه من فهم العلية في المستثنى والمستثنى منه ومقتضى المقابلة بينهما كان إفادة الحصر لاجل عدم خروج شئ من الحق والباطل، فكل باطل داخل في المستثنى منه، وكل حق داخل في المستثنى


(1) سورة النساء: 4 - الآية 29.

[ 89 ]

ولا ثالث لهما، فليس جواز الاكل منحصرا في التجارة عن تراض، بل هو منحصر في الحق المقابل للباطل. فتحصل مما ذكر أن الآية الكريمة لا تدل على بطلان عقد المكره إذا لحقته الاجازة، وأن الاستثناء فيها منقطع والحصر مستفاد من الآية، لا للاستثناء، وخصوصية مقارنة الرضا ملغاة. وما قيل - من أن الاستثناء المنقطع يرجع إلى المتصل ففي مثل قوله: (جاءني القوم إلا الحمار) يكون المراد من القوم أعم منهم ومتعلقاتهم - لا يرجع إلى محصل، فهب أن في المثال صح ما ذكر على إشكال، لكن في قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما) (1) لا يصح بل الارجاع إلى الاتصال مستهجن وكذب وخلاف المقصود، وكذا في مثل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب فان التقدير بما ذكره يوجب الذم لا المدح. وإرجاع الآية الكريمة إلى المتصل - بأن يقال: لا تأكلوا الاموال بوجه من الوجوه إلا التجارة عن تراض لان غيرها باطل تعبدا وشرعا - كما ترى، ضرورة أن رفع اليد عنها أهون من ارتكاب هذا الامر الركيك الذي لا يصدر من متعارف الناس. ودعوى أن العناوين الاعتبارية التي يمكن أن يكون اعتبارها في محيط الشرع غير ما هي عليه في محيط العرف إذا وقعت في لسان الشرع تحمل على الشرعي ضعيفه جدا، ضرورة سريان هذه الدعوى بالنسبة إلى العمومات والاطلاقات، ولازمه عدم صحة التمسك بها، بل اللازم صدورها بلا فائدة ولا لافادة أمر، وهو كما ترى، مع أنها غير مفيدة،


(1) سورة الواقعة: 57 - الآية 25 و 26.

[ 90 ]

فان الحمل على الشرعي لا يوجب الاتصال إلا بوجه مستهجن كما مر. ودعوى أن ظهور (إلا) في الاستثناء الحقيقي أقوى من ظهور الباطل في العرفي غير صحيحة في المقام الذي ظاهره الانقطاع، عرفيا كان الباطل أو شرعيا. ثم الظاهر من الآية مع الغض عما تقدم أن المعتبر هو الرضا المقارن لصدور التجارة، سيما إذا قلنا بأن المراد بالباطل الاسباب الباطلة، وكان المستثنى حينئذ سببا خاصا. فما قيل - من أن المعتبر هو الرضا بنتيجة المصدر والتجارة هي الاكتساب، وهو لا يحصل شرعا إلا بعد تحقق الرضا بناء على النقل أو الكشف الحكمي - غير سديد، لان المراد من الاكتساب إن كان حصول النفع ونقل السلعة فلا يكون ذلك تجارة لا عرفا ولا شرعا ولا لغة، وإن كان المراد المجعول بسبب ألفاظ العقود كما هو ظاهر قوله: (نتيجة المصدر) فهي حاصلة بايقاع العقد لفظا، بل لا فرق بينها وبين المصدر إلا إعتبارا. والظاهر من الآية أن حدوث هذا الامر لا بد وأن يكون مقترنا بالرضا، مع أن الظاهر الذي لا ينبغي إنكاره أن المراد بالتجارة عن تراض هو المصدر لا اسمه حال الحدوث فضلا عن حال البقاء، هذا حال الآية الكريمة. وأما حديث الرفع فقد استشكل عليه الشيخ الاعظم (قده) بأمرين: أحدهما - (أن المرفوع فيه المؤاخذة والاحكام المتضمنة لمؤاخذة المكره وإلزامه بشئ، الحكم بوقوف عقده على رضاه راجع إلى أن له أن يرضى بذلك، وهذا حق له لا عليه). أقول: هذا الاشكال مع الغض عن الاشكال الثاني، ويرد عليه

[ 91 ]

أن الموضوعات المترتبة عليها الاحكام على أقسام: منها ما كانت آثارها على المكره، وكانت ثقيلة عليه، ومنها - ما كانت له بجميعها، ومنها - ما كانت له وعليه. لا إشكال في رفعها عنه في الاول، كما أن الظاهر عدم رفعها في الثاني، لما مر من أن الظاهر من حديث الرفع رفع ما وضع عليه لولا الاكراه بحسب الجعل الشرعي، وما كان له لا يصدق الوضع عليه والرفع عنه، سيما مع كون الحديث في مقدم الامتنان على الامة. وأما القسم الثالث فتوضيحه أنه بعد ضعف احتمال التقدير في الحديث سواء قدرت الآثار أو المؤاخذة وأن التحقيق في مثله أنه من الحقائق الادعائية - يقع الكلام في أنه هل يكون الاعتبار فيه هو ادعاء رفع الموضوع برفع أثره عنه، ويكون الملحوظ أن الاثر ثقل ووزر عليه، فالموضوع مرفوع باعتبار هذا الاثر أو يكون الاعتبار فيه رفع نفس الموضوع ادعاءا، ويكون لازم هذه الدعوى ثبوت الموضوع على المكلف؟ بمعنى أن المتكلم ادعى أن الموضوع ثقيل وثابت على المكلف، ومصحح هذه الدعوى أن أثره ثابت وثقيل عليه، فيكون الكلام مشتملا على دعويين: احداهما - دعوى ثبوت الموضوع الثقيل عليه، ومصححها كون أثره عليه، وهو وزر ثقيل، وثانيتهما - أن الموضوع بنفسه مرفوع، ومصححها رفع أحكامه. ورفع الموضوع تارة حيثي، أي يلاحظ رفعه من حيث الاحكام الثقيلة، وأخرى يكون بنحو الاطلاق ويدعى أن الموضوع ثقيل مطلقا ولو كان ثقله بلحاظ الآثار، لكن كان ذلك جهة تعليلية لثقله مطلقا، وعلى هذا يكون الرفع متعلقا بالموضوع على نحو الاطلاق، ولازمه رفع

[ 92 ]

جميع آثاره كانت له أو عليه. نعم في صحة دعوى كون الموضوع ثقيلا بقول مطلق لا بد من كون آثاره ثقيلا مطلقا أو غير الثقيل طفيفا ملحقا بالعدم. ثم إن مقتضى انتساب الرفع إلى الموضوع وإطلاق الدليل هو رفعه بقول مطلق، وبرفعه يرفع الآثار مطلقا، وهذا لا ينافي ما ذكرناه سابقا من عدم رفع الموضوع الذي ليس أثره عليه، وهو واضح. وبما ذكرناه يظهر النظر في إشكاله الثاني، حيث قال (قده): (إنه يدل على أن الحكم الثابت للفعل المكره عليه لولا الاكراه يرتفع عنه إذا وقع مكرها عليه كالسببية المستقلة، لنقل المال، واللزوم الثابت للعقد، وأما الاثر الناقص المترتب عليه وبدليله كالعلية الناقصة المحتاجة إلى لحوق الرضا لم يكن ثابتا له مع قطع النظر عن الاكراه، فلا يرتفع به). وذلك لان الرفع لم يتعلق بالآثار، ولا باستقلال السبب والعقد، بل تعلق بذات ما أكره عليه، وهو العقد، ولما كان الرفع التكويني غير معقول فلا محالة يحمل على الرفع الادعائي، أي تنزيل الموجود منزلة المعدوم، كما أن الامر كذلك في مثله في المحاورات نظما ونثرا، وكون الكلام من الشارع وفي محيط الشرع لا يوجب حمله على نفي الآثار أو المؤاخذة بنحو التقدير، سيما مع اختلاف الحكم في الاخذ بما هو الشائع المتعارف، أي الحقيقة الادعائية، مع الحكم في حذف الآثار أو المؤاخذة وتقديرهما، كما هو في المقام، فان الحمل على رفع الاثر أو المؤاخذة بالمعنى الاعم كما صنعه الشيخ (قده) موجب لما أفاده من سلب الاثر الفعلي، وهو الاستقلال في التأثير وبقاء العقد جزء العلة اللازم منه صيرورته مؤثرا بلحوق الرضا. وأما على ما ذكرناه فالعقد بنفسه مرفوع تنزيلا، ومع رفعه واعدامه شرعا وفي محيط التشريع لم يبق منه شئ يكون علة ناقصة صالحة للحوق

[ 93 ]

الرضا بها، فان اعتبار بقاء العقد مع دعوى رفع ما أكرهوا عليه الذي هو العقد ونحوه متنافيان. ويمكن أن يقال: إن قوله صلى الله عليه وآله: (رفع... ما أكرهوا عليه) ظاهر في رفع عنوان ما أكره بما هو، والعقد المرضي به ولو متأخرا خارج عن هذا العنوان، فالعقد إلى زمان لحوق الرضا داخل في المكره عليه، ومن زمان لحوقه داخل في المرضي به، فما هو الخارج عن أدلة وجوب الوفاء وصحة العقد هو العنوان المذكور، والعنوان المقابل له لم يكن خارجا عنها من أول الامر، فيتمسك باطلاقها لصحته. ولا ينافي ذلك ما ذكرناه من أن الظاهر من الحديث رفع ما أكره عليه، وتنزيل الموجود منزلة المعدوم، فان الكلام هاهنا في أن ما نزل منزلة العدم ليس ذات العقد، بل عنوان ما أكره عليه بما هو، بحيث يكون الاكراه جهة تقييدية، فما نزل منزلة العدم هذا العنوان لا عنوان المرضي به وتشخيص موضوع المكره عليه والمرضي به عرفي، والموضوع في الرتبة السابقة على تعلق الحكم، والعقد العرفي المكره عليه باق بنظر العرف إلى زمان لحوق الرضا، ويخرج بلحوقه به عن عنوان المكره عليه، ويدخل في عنوان المرضي به، وهذا العنوان لم يكن داخلا فيه من أول الامر، فما جعل منزلة العدم هو هذا العنوان، لا العنوان المقابل. ولو جعل العنوان جهة تعليلية لتم ما ذكرناه أيضا، لانه على هذا الفرض تكون العلة واقعية يدور الحكم مدارها، كما أن الامر كذلك في سائر فقرات الحديث، مثل (رفع... لا يعلمون وما اضطروا إليه) فانه على فرض كون العنوان تعليلا لا يمكن أن يجعل حدوثه علة لرفع الحكم مطلقا ولو مع سلب الاضطرار والجهل كما هو ظاهر، وهكذا الامر فيما أكره عليه.

[ 94 ]

وإن شئت قلت: إن الموصول في (ما أكرهوا عليه) إما كناية عن ذوات العناوين كالبيع ونحوه أو مأخوذ بعنوانه في الموضوع، فعلى الثاني لا ينطبق العنوان مع قيده إلا على البيع حال الاكراه، وكذا على الاول لو كان الاكراه علة للرفع، ضرورة عدم تجاوز المعلول عن حدود علته. نعم لو كان الاكراه نكتة للجعل يكون المرفوع ذات البيع بلا قيد، ففي هذه الصورة لا يمكن الحاق الرضا به بعد فرضه معدوما في لحاظ الشارع، بخلاف الفرضين الاولين. ثم على الفرضين لا يتم المطلوب إلا مع إطلاق أدلة التنفيذ، كقوله تعالى: (أحل الله البيع) (1) و (تجارة عن تراض) (2) بعد دعوى إلغاء الخصوصية، وكون الموضوع نفس التجارة، خرج منها التجارة عن إكراه، وبقي الباقي بأصالة الاطلاق، هذا إذا كان الدليل هو الاطلاقات وأما نحو (أوفوا بالعقود) (3) المشتمل على عموم لفظي دال على وجوب الوفاء بكل فرد وإطلاق بالنسبة إلى حالات الافراد بعد كونه في مقام البيان فلو شك في فرد أنه بنفسه موضوع الحكم أو مع قيد يرفع الشك بالاطلاق لا بالعموم. ففي المقام لو أحرز أن دليل الرفع مخصص للعموم بدعوى أن الموصول كناية عن ذات، وقيد الاكراه نكتة الجعل، فالمرفوع هو ذات البيع ولا يصح التمسك بالعموم، لان الحالات غير مشمولة له، والتخصيص ثابت فرضا، ولا بالاطلاق، لرفع موضوعه، بل لعدم الشك بعد إحراز التخصيص.


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 275. (2) سورة النساء: 4 - الآية 29. (3) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 95 ]

ولو أحرز أنه مقيد لاطلاق الفرد يؤخذ بالاطلاق في غير مورد الاحراز لو شك فيه. ولو لم يحرز واحد منهما فقد يتوهم أن العلم الاجمالي بأحد الامرين - أي التخصيص أو التقييد - يوجب سقوط العام والمطلق عن الحجية، وفيه أن أصالة الاطلاق في المورد غير أصيلة، لان مصبها فيما إذا شك في المراد لا فيما إذا علم المراد وشك في كون الخروج من قبيل التقييد أو لا، مع أن جريان أصالة الاطلاق لدخول حال الاكراه باطل، للعلم بخروجه. وإن كان لاجل لازمه - وهو ورود التخصيص في العام لا التقييد في الاطلاق - فهو أفحش، إذ يلزم من الاجراء عدم الاجراء، فان العموم موضوع للاطلاق، وبالتخصيص يرفع الموضوع، فيلزم من إجراء أصالة الاطلاق ورود التخصيص على العام فرضا، وهو رافع لموضوع الاطلاق، ومستلزم لعدم جريان أصالة الاطلاق، فيلزم من وجودها عدمها. ثم إن التحقيق كما أشرنا إليه سابقا أن العقد المكره عليه ولو كان عقدا عرفا لكن لا يكون المكره ملزما بالوفاء به عند العقلاء، ولو لحق الرضا صار تاما لازم العمل عرفا من غير لزوم تجديد الصيغة. فحينئذ نقول: إن الادلة العامة من قبيل (أوفوا بالعقود) (1) و (المؤمنون عند شروطهم) (2) منصرفة عن عقد المكره، وغير منصرفة عما لحقا الرضا، ودليل الرفع لا يفيد في العقود إلا ما لدى العقلاء، كما أن الادلة العامة أيضا كذلك، فتحصل من ذلك أن لحوق الرضا موجب لصحة العقد ولزومه.


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) الوسائل - الباب 20 من أبواب المهور - الحديث 4 من كتاب النكاح

[ 96 ]

وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) تارة بأن العقد لا يترتب عليه الاثر الناقص إلا بدليل الاكراه، ومثله ما لا يرتفع بدليله، وأخرى بأن هذا الاثر عقلي قهري يحصل له فغير وجيه، لان العقد مع الغض عن الحديث جزء الموضوع، وجزؤه الآخر الرضا المعاملي، وأن أثر الناقص عقلائي ممضى من الشارع الاقدس، ولا يختص الرفع بالآثار التأسيسية، فتدبر ثم إن البحث عن الكشف والنقل يأتي في الفضولي إن شاء الله تعالى. مسألة: ومن شروط المتعاقدين أن يكونا نافذي التصرف، كالمالك غير الممنوع بحجر، والولي الشرعي، فعقد الفضولي لا يصح فعلا، ولا يترتب عليه أثر قبل لحوق الاجازة به، سواء كان الفضولي مالكا غير نافذ التصرف كالمحجور عليه، أو غير مالك كذلك. ثم إن المعروف بينهم عدم جريان الفضولي في الايقاعات، فهل هو بمقتضى القواعد بعد تسليم كونه في العقود على القواعد؟ يمكن أن يقال: إن الوجه في كون جريانه في العقود مقتضى القاعدة إما للبناء على أن لحوق الاجازة بانشاء الذي كان موجودا في ظرفه وإن لم يكن موجودا في حال الاجازة صار سببا لصيرورة العقد عقد المجيز فتشمله عموم (أوفوا بالعقود) (1) بناء على أن المراد به وبنحوه وجوب الوفاء بعقودكم، وسيأتي الكلام فيه. أو للبناء على أن العقد جزء السبب للنقل العقلائي، وجزؤه الآخر الاجازة، كما أن الايجاب جزؤه والقبول متممه.


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 97 ]

أو للبناء على أن لحوقها بالعقد أي القرار الذي بين الفضوليين صار سببا لذلك، وهذا أي المعاقدة والقرار بينهما موجود اعتبارا إلى زمان لحقوق الاجازة، فتلحق بذلك الامر الموجود اعتبارا، فيصير العقد بلحوقها عقدا للاصيل، فتشمله العمومات. أو للبناء على أن دائرة العمومات أوسع مما ذكروه، فلا يلزم أن يكون العقد عقدا للاصيل ومنسوبا إليه حتى يجب الوفاء به، ولا التجارة تجارة له برضاه حتى تكون خارجة عن المستثنى منه. وإن كان ذلك مقتضى الجمود على الظواهر لكن لا يبعد استفادة لزوم الوفاء والدخول في المستثنى بالنسبة إلى العقد والقرار الذي هو بين الفضوليين بلحوق الاجازة وإن لم يصر منسوبا إلى الاصيل ولا عقدا له، بأن يقال: إن الاجازة والانفاذ والامضاء إنفاذ وامضاء لما فعل الفضوليان، أي قرار تبادل مال الاصيل مع مال أصيل آخر وإنفاذ ذلك موجب لوجوب الوفاء بالعقد، ولو كان القرار من غيره فقرار غيره وعقده بالنسبة إلى ماله المتعقب باجازته موضوع وجوب وفائه، فيجب عليه الوفاء بالعقد الواقع من الفضولي على ماله بعد إنفاذه وإمضائه، فتشمله العمومات ولو بمناسبات مغروسة في أذهان العرف، وسيأتي الكلام فيه. وكيف كان لو بنينا على الاول لكان جريان الفضولي في الايقاعات أيضا موافقا للقواعد، لان المفروض أن لحوق الاجازة بالانشاء الموجود في ظرفه مبنى صيرورة العقد عقدا له ومبنى جريانه فيه، وهو بعينه موجود في الايقاعات. وكذا على الثاني يجري في الايقاعات أيضا على القواعد. وأما على الثالث فلا يجري فيها على القواعد، لان المعاقدة والمعاهدة والقرار المتحققة في العقود الباقية إلى زمان الاجازة اعتبارا غير موجودة

[ 98 ]

في الايقاعات، وليس فيها سوى ألفاظ الانشاء والمعنى المنشأ اللذان لا بقاء لهما ولو اعتبار حال الاجازة، فانشاء الطلاق والتحرير من غير الاصيل لا يبقى منه شئ ولو اعتبارا إلى زمان الاجازة، لان الالفاظ متصرمة غير باقية لا واقعا ولا اعتبار لدى العرف، والمنشا - أي فك الزوجية والملك - لم يتحقق، وليس له إلا وجود اعتباري، لم يعتبره الشارع ولا العقلاء إذا أنشاه الفضولي، ولا شئ آخر ورائهما يعتبر باقيا، بخلاف العقود، فان فيها ورائهما شئ آخر: هو ماهية العقد حقيقة، وهو القرار والعهد بين المتعاقدين الذي له نحو بقاء اعتبارا لدى العقلاء، وهو صالح للحوق الاجازة به. إلا أن يقال: إن ما له البقاء اعتبارا في العقود هو الوجود الانشائي المنشأ بالالفاظ، ويكون موضوعا لبناء العقلاء على ترتيب الآثار، أي اعتبار النقل عقيبه إذا صدر من الاصيل، وهذا هو الباقي، ويلحقه الاجازة، لا القرار والعهد الذي له وجود حقيقي ينعدم بتمامية العقد أو بالذهول عنه، وليس العقد هو القرار والعهد، بل هو عبارة عن العقدة الحاصلة بين العينين باعتبار التبادل الاعتباري، وهذا المعنى - أي المنشأ أو الوجود الانشائي الذي هو موضوع اعتبار الاثر لدى الشارع الاقدس والعقلاء - موجود في الايقاعات أيضا، فان الفك الانشائي من الاعتبارات العقلائية الحاصل بانشاء الفك، وهو موضوع للفك الحقيقي الذي هو أثره وإن كان اعتباريا أيضا، فالتبادل الانشائي موضوع لاعتبار التبادل الحقيقي ولو كان وجوده الحقيقي اعتباريا، لكنه غير الوجود الانشائي المتحقق في عقد الاصيل والفضولي، وهذا المعنى الانشائي الموضوع للاثر موجود في الايقاعات، وباق اعتبارا إلى زمان لحوق الاجازة. والشاهد على أن العقد عبارة عن هذا التبادل الانشائي - مضافا

[ 99 ]

إلى صدق التعاريف التي في البيع ونحوه عليه - أن التبادل الحقيقي لا واقعية له إلا باعتبار العقلاء، ولا يعقل ايجاد اعتبارهم، فان له مبادئ خاصة، ولا واقعية للتبادل حتى يكون ذلك أثر إنشائهما، وليس إنشائهما مجرد لفظ خال عن المعنى، فلا يبقى إلا المعنى الانشائي المستتبع للايقاع الانشائي، فالمنشأ هو التبادل الانشائي الايقاعي، وهو موضوع لاعتبار التبادل الواقعي، وهو حاصل في العقود والايقاعات، فجريان الفضولي فيها على القاعدة لو قلنا إنه في العقود كذلك. بل الظاهر جريان الفضولية فيها مع الغض عنه أيضا، فان القرار بين المتعاقدين ليس إلا بناء كل منهما على كون ماله عوضا مال صاحبه، فإذا انشسئ المعاملة مع هذا البناء يقال: إن القرار بينهما كذلك، وهذا البناء بعينه موجود في الايقاع، فان منشئ الطلاق بناؤه على إيقاعه بلفظ كذا، فلو كان منشأ صحة الفضولي على القواعد القرار والبناء من الطرفين يكون منشأها في الايقاع هو البناء من الشخص الواحد، لكن المبنى فاسد جدا. والحاصل أن العقد والايقاع مشتركان في المبادئ الوجودية من التصور إلى ارادة الايجاد، وفي الانشاء وأسباب الانشاء، وفي حصول النتيجة بالانشاء، فلو كان العقد لسببه مع ضم المتمم أو لوجوده الانشائي مع ضمه صار موافقا للقواعد كان الايقاع كذلك، وظاهر ان المبادئ والنتائج خارجتان عن ماهية المعاملة، وسيأتي تتمة البحث إن شاء الله. ويظهر الكلام مما ذكر على المبنى الرابع أيضا. والظاهر عدم قيام دليل معتمد عليه على بطلان الفضولي فيها، والاجماع غير ثابت حتى في الطلاق والعتاق، بل ظاهر بعض النصوص جريانه في الطلاق. وهل البيع المقارن لرضا المالك وطيب نفسه باطنا من دون حصول

[ 100 ]

إذن منه صريحا أو بالفحوى أو بشاهد الحال داخل في الفضولي أو لا؟ اختار الشيخ الاعظم (قده) ثانيهما متمسكا بالادلة العامة والخاصة، واختار بعضهم التفصيل بين ما يكون العقد صادرا من غير المالك وما يكون صادرا منه وان احتاج إلى الاجازة كبيع الراهن والعبد، بدعوى ان الرضا في الاول لا يجعل عقد الغير عقده، فلا تشمله العمومات، مثل (أوفوا بالعقود) (1) الظاهر في وجوب الوفاء بالعقد الصادر منه لا مطلق العقد. وقد يقال: إن العقد بالمعنى المصدري وإن لم ينسب إلى الراضي ولا المجيز في الفضولي بالرضا والاجازة، لان انتساب الفعل اليهما لا بد فيه من التسبيب المفقود في المقام، لكن نفس العقد بمعنى حاصل المصدر يصير بالاجازة والرضا والامضاء منسوبا إليه، وظاهر (أفوا) وجوب الوفاء بعقودكم، لا بما عقدتم. أقول: حقيقة الاجازة والامضاء والانفاذ في الفضولي عبارة عن تثبيت ما صدر عن الغير، فاعتبارها ملازم للحاظ صدور الفعل من الغير واعتبار كونه فعله، غاية الامر أن المجيز ينفذ ما صدر من غيره في ماله ومع مفروضية صدور البيع من الغير ولحاظ ذلك لا يعقل صيرورة المجاز فعلا له، سواء أريد به الفعل بالمعنى المصدري أو بمعنى حاصل المصدر، مع أن التفكيك بينهما غير وجيه، فكيف يمكن أن يكون العقد الصادر من الغير غير منسوب إلى الاصيل، وحاصله منسوبا إليه وعقدا له والحاصل ان الاجازة بنفسها تدفع انتساب الفعل إلى المجيز، فتصحيح الفضولي بما ذكر وجعله موافقا للقواعد غير وجيه. لكن يمكن أن يقال: إن عقد الفضولي موافق للقواعد وإن


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1

[ 101 ]

لم تشمله العمومات، وذلك لانه عقد عقلائي، ومع لحوق الاجازة به صحيح لازم عند العقلاء ومتعارف في سوق المسلمين، لان عمل الدلالين كثيرا ما من قبيله، لا من قبيل الوكالة، وبعد كونه عقلائيا متداولا لدى العقلاء لا بد في الحكم بفساده من ورود ردع عنه، ومع عدمه يحكم بصحته ولزومه شرعا ايضا. إلا أن يقال: إثبات تعارفه في الحال فضلا عن اتصاله بعصر الشارع الاقدس مشكل، ومجرد ارتكاز العقلاء بعدم الفرق بينه مع لحوق الاجازة وبين بيع الاصيل مع عدم التعارف عملا لا يفيد. والاولى أن يقال: إن بيع الفضولي مع مقارنته لرضا المالك مشمول لمثل (أوفوا بالعقود) (1) و (تجارة عن تراض منكم) (2) لان التقييد بعقودكم أو تجارتكم أو بيعكم ليس في الادلة، وانما هو من باب الانصراف، ولا تنصرف الادلة إلا عن أجنبي لا تنسب إليه المذكورات بوجه، وأما العقود المأذون فيها والمجازة والمرضي بها فلا وجه لانصرافها عنها بعد كونها صحيحة لازمة عرفا وفي محيط العقلاء. ألا ترى أنه لو أذن المالك غيره في عقد فلا شبهة في صحته وخروجه عن الفضولي، مع أن الاذن والرخصة لا يوجب أن يصير العقد عقده لا بالتسبيب ولا بالمباشرة، والاذن غير الوكالة، وغير الامر المولوي من القاهر الغالب الموجب للسببية والصدق. بل في الوكالة أيضا لا يصدق كون الصادر من الوكيل عقدا للموكل إلا مسامحة، فان اعتبارها هو إيكال الامر إلى غيره، ولهذا لو استفسر من المالك أنك بنفسك بعت؟ لقال: لا بل باع وكيلي باذني، فالانتساب إلى الموكل بنحو من المسامحة، وهو حاصل في الفضولي مع الاجازة،


(1) سورة المائدة: 5 - الاية 1 (2) سورة النساء: 4 - الاية 29.

[ 102 ]

وسيأتي توضيح ذلك فانتظر. وكذلك العقد مع رضا المالك لا يكون عقده وان انتسب إليه نحو انتساب، وهو كاف في الصحة واللزوم عند العقلاء، فيحتجون على صاحب المال بأنك كنت راضيا به، وليس لك التخلف والنقض. وبالجملة لا وجه لاخراج تلك العقود عن عموم الادلة وإطلاقها، وانما الخارج انصرافا هو الاجنبي غير المربوط به العقد، فالعقود المجازة والمأذون فيها داخلة فيها كالعقود المرضي بها. بل لو كانت ادلة أوفوا بعقودكم وأحل الله بيعكم لكان إسراء الحكم إلى المذكورات جائزا بالغاء الخصوصية عرفا، فان ما هو تمام الموضوع لوجوب الوفاء ونفوذ المعاملة لدى العرف هو كون المعاملة برضا المالك واذنه وإجازته، وصدور ألفاظ المعاملات وإنشائها منه أو من غيره سواء. هذا مضافا إلى ما قدمناه في أية التجارة عن تراض من أن مقتضى علية الباطل لحرمة الاكل - كما هو المتفاهم من المستثنى منه ومقابلة التجارة عن تراض مع الاكل بالباطل - هو كون التجارة عن تراض حقا مقابلا للباطل، وهو السبب لخصوصية فيها، بل لكونها فرادا شائعا، فالخارج هو الاكل بالحق مقابل الباطل، وتشخيصهما موكول إلى العرف، ولا شبهة في أن البيع المرضي به والمجاز داخل في الحق لا الباطل. بل التحقيق أن يقال: إن في موارد تيقن شمول الادلة - كالايجاب والقبول من الاصيلين - يكون الايجاب إنشاء تمام ماهية المعاملة، ضرورة أن البيع ليس إلا تمليك العين بالعوض أو مبادلة مال بمال، والموجب بايجابه ينشئ تمليك العين بالعوض، وهو أصيل بالنسبة إلى ماله، وفضولي بالنسبة إلى مال المشتري، والقبول ليس ركنا في تحقق مفهوم

[ 103 ]

العقد بل هو بمنزلة إجازة بيع الفضولي، بل هو هي حقيقة، وعدم ترتب الاثر على الايجاب قبل القبول كعدم ترتب الاثر على بيع الفضولي قبل الاجازة مع تحق مفهوم البيع بفعل الفضولي، فالقبول إمضاء لبيع الفضولي، كما أن الاجازة في البيع الفضولي بمنزلة القبول، فانها إمضاء للبيع، وهو يحصل بالايجاب، وأما القبول في بيع الفضولي من الفضولي فهو لغو، لانه إما لتتميم مفهوم العقد أو لترتيب الاثر عليه، وكلاهما منفيان، فان مفهومه حصل بالايحاب فقط، والاثر موقوف على إجازة الاصيل، فالموجب في الفضولي يكون فضوليا من الطرفين والقابل لا شأن له رأسا. وإن شئت قلت: إن القبول في بيع الاصيلين إجازة متصلة بالبيع الفضولي، والاجازة في الفضولي قبول متأخر عن البيع، والقاعدة تقتضي الصحة، ولا دليل على لزوم اتصال الاجازة أو القبول به، وما قيل من لزوم التوالي بين الايجاب و القبول انما هو لتوهم أن القبول دخيل في العقد وركن فيه، ومع ظهور خلافه لا وجه للزومه، فالبيع الفضولي لا يشذ شيئا إلا تأخير القبول غالبا عن الايجاب الذي هو تمام البيع، وعدم التوالي بينهما، والبيع غير الفضولي لا يزيد عن الفضولي إلا باتصال الاجازة غالبا به. نعم قد لا يكون البيع فضوليا، كما إذا وكل الطرفان شخصا لايقاعه، فحينئذ يكون الايجاب كافيا، والقبول لغو محض، فالبيع المحتاج إلى القبول فضولي ليس إلا، وما لا يحتاج إلى القبول غير فضولي، ولو بادر المشتري وقال: (اشتريت مالك بكذا) لكان منشئا لتمام ماهية المعاملة، ولو قال البائع: (قبلت) أو (أمضيت) ونحو ذلك لصحت وتمت وليس قول المشتري القبول المتقدم، بل إيجاب، فالايجاب قد يكون من

[ 104 ]

البائع وقد يكون من المشتري، فإذا أوجب المشتري يكون أصيلا بالنسبة إلى نفسه، فضوليا بالنسبة إلى البائع، وقبول البائع وانفاذه كانفاذ الفضولي، بل هو هو، ففي هذين الموردين مما هو مشمول للادلة بلا اشكال لم يكن العقد عقدا للمشتري في الفرض الاول وللبائع في الفرض الثاني، بل كل منهما أنفذ ما أوجد صاحبه، أي تمام ماهية العقد. فيظهر من ذلك عدم لزوم كون العقد عقده في لزوم الوفاء، بل يكفي الانتساب الحاصل، بالانفاذ والاجازة، بل على القول المعروف من أن العقد مركب من الايجاب والقبول وكل منهما ركن في حصوله لا يكون العقد والبيع عقدا وبيعا للبائع ولا للمشتري، فان الايجاب ايجاب الموجب لا القابل، والقبول قبول القابل لا الموجب، والعقد المركب منهما لا يعقل انتسابه تماما اليهما، بل ينتسب اليهما بعنى إيجاد كل ركنا منه، فالانتساب انتساب مجموع بجموع، وهو حاصل في الفضولي، سيما على ما هو التحقيق من أن قبول الفضولي لا أثر له رأسا. وقد أشرنا سابقا إلى أن الاذن في عقد أو إيقاع أيضا لا يوجب صيرورة فعل الغير فعلا للآذن، مع أنه مشمول للادلة بلا شبهة، بل الوكالة أيضا كذلك، فشمول الادلة لمثل ما ذكرنا دليل على عدم توقف الشمول على كون العقد أو الايقاع عقدا أو إيقاعا للمكلف، بل يكفي حصولهما باذنه، والاجازة والاذن يشتركان إلا في التقدم والتأخر. فتحصل من ذلك ان عقد الفضولي موافق للقاعدة وكذا إيقاعه، ولا يتوقف لزوم ترتب الاثر إلا على الاجازة، ولا يلزم أن يكون العقد عقده أو الايقاع إيقاعه. وأما القائل بلزوم ذلك فاما أن يدعي العقد السببي أي أسباب العقد ينتسب إلى المجيز بعد الاجازة، أو يدعي أن العقد بالمعنى المصدرى

[ 105 ]

لا ينتسب، بل حاصل المصدر ينتسب إليه بها، أو يدعى أن النتيجة المرغوب فيها - وهي الاثر - منسوبة بالاجازة إليه، وسماه حاصل المصدر المنفك عن المصدر في الامور الاعتبارية. والكل مشترك في الضعف، فان الانتساب المدعى إن كان حقيقيا فالضرورة تدفعه، فان الفعل الصادر من الغير ونتيجته لا يعقل أن يكون فعل الاخر حقيقة، وإن كان على نحو المسامحة والدعوى فشمول الادلة للفرد الادعائي ممنوع، ضرورة ظهورها في الحقيقي من الافراد، مضافا إلى ما تقدم من أن سنخ الاجازة والامضاء ينافي الانتساب والادعاء، وهذا واضح جدا. ويختص الوسط بما تقدم من عدم معقولية انفكاك المصدر من حاصله. والاخير بما ذكر وبأن ما سماه حاصل المصدر ليس بصحيح، بل المصدر وحاصله واحد حتى في الامور الاعتبارية، وفي المقام المنشأ بالانشاء حاصل المصدر، وهو موجود انشائي متحد مع المصدر، ويختلف معه اعتبارا، وأما الاثر الحاصل بعد الاجازة فليس مصدرا ولا حاصله، كما لا يخفى. ويرد عليه أيضا أن الاجازة لو كانت موجبة لحصول الاثر عرفا أو شرعا فلا معنى لدخالة استناد الاثر الحاصل إلى المعامل في صحة المعاملة، وتوقف صيرورتها موافقة للقاعدة على الاستناد، لان اعتبار الاستناد بعد حصول الاثر لغو، ولو قيل بحصول الاستناد قهرا فلا مجال لكونه دخيلا في كونها موافقة للقاعدة، بل الالتزام بحصول اللاثر بالاجازة التزام بعدم لزوم الاستناد في ترتب الاثر. نعم يمكن أن يقال: إن الاجازة موجبة لاستناد العقد السببي أو المسببي - أي المنشا بالاسباب - أو هما إلى المالك، وفي الرتبة المتأخرة

[ 106 ]

عنه يحصل الاثر عرفا أو شرعا، لكن القائل نفى ذلك الاستناد والتزم بأن الاثر الحاصل مستند. فحينئذ يقال: لو كان حصول الاثر متوقفا على الاستناد حتى تصير المعاملة موافقة للقاعدة وتشملها الادلة والاستناد متوقفا على حصول الاثر - كما هو ظاهر كلامه - للزم الدور. فالتحقيق عدم اعتبار الاستناد بما ذكروا في شئ من المعاملات كما تقدم. ومما ذكرنا في تقرير الادلة العامة يظهر حال الفضولي إذا باع أو اشترى للمالك من دون سبق منع منه. وأما ما قيل - من أن الامور الاعتبارية كالبيع ونحوه قبال الامور الواقعية كالضرب والشتم لما كان تحققها بالاعتبار تصلح للاستناد إلى غير من صدرت منه، كالتزويج يصدر من الوكيل ويستند إلى الزوجين، فيمكن استناد البيع الفضولي إلى المالك بلحوق الاجازة كما يستند إليه بالاذن والوكالة - فغير وجيه، لان العقد الانشائي الاعتباري من الفضولي قبل تحقق الاجازة أمر موجود باق إلى زمانها، وهو منشا بانشاء الفضولي وفعله التسبيبي، والاجازة إمضاء وانفاذ لفعله على مال المجيز، وهي لا تؤثر إلا في صيرورة العقد الصادر من الغير مجازا ومرضيا، لا صيرورته عقده كما تقدم، ومجرد كونه اعتباريا لا يوجب صيرورته بالاجازة عقده، وعقد الازدواج الصادر من الفضولي فعله وعقده لا فعل الزوجين، لكن فعله هو الازدواج بين الزوجين، فالزوجية الحاصلة بينهما فعل الفضولي، كما أن المبادلة بين مال الاصيلين فعل الفضولي لا فعلهما. واستدل لصحة هذا القسم بروايات: منها - رواية عروة بن أبي جعد البارقي، وهي رواية مسندة عند العامة محكية عن صحاحهم حتى

[ 107 ]

صحيح البخاري، مشهورة عندهم وعند المتأخرين من اصحابنا، وقالوا إن اشتهارها بين الفريقين يغني عن النظر في سندها، و استدل بها العلامة (قده) في التذكرة ومحكي المختلف، وحكي عن شيخ الطائفة (قده) الاستدلال بها على صحة الشراء، ومع ذلك لا تطمئن النفس بجبرها. فعن مسند أحمد بسنده عن عروة بن أبى جعد البارقي قال: (عرض لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلب فأعطاني دينارا، وقال: أي عروة أئت الجلب فاشتر لنا شاة، فأتيت الجلب فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما - أو قال: أقودهما - فلقيني رجل فساومني، فأبيعه شاة بدينار، فجئت بالدينار وجئت بالشاة فقلت: يارسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا ديناركم وهذه شاتكم، قال: وصنعت كيف؟ قال: فحدثت الحديث، فقال: أللهم بارك له في صفقة يمينه) (1) وعن أمالي ابن الشيخ عن حكيم بن حزام (أن النبي صلى الله عليه وآله دفع إليه دينارا وقال: اشتر لنا به شاة، فاشترى به شاة ثم باعها بدينارين ثم اشترى أخرى بدينار، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله بشاة ودينار، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: بارك الله في صفقة يمينك) (2) وعن ابن حمزة في ثاقب المناقب نسبتها إلى عروة (3) فهي قضيتان من عروة، أو منه ومن الحكيم. وكيف كان فالمحتمل من قوله (ص) في رواية عروة: (فاشتر لنا شاة) أن المراد اشتراء جنس الشاة ولو متعددة بدينار، أو شتراء شاة تساوي قيمتها دينارا، أي تكون صحيحة سمينة مساوية للدينار، أو اشتراء شاة


(1) مسند أحمد - ج 4 ص 376 - طبعة مصر عام 1313. (2) البحار - ج 103 ص 136 الطبعة الحديثة مع إختلاف في ألفاضها (3) المستدرك - الباب - 18 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1

[ 108 ]

بتمام الدينار لا من باب تعلق غرضه بوحدتها كما في الاحتمال المتقدم، بل لاحتمال أن قيمتها كذلك، أو اشتراء شاة واحدة ببعض الدينار أو كله، وكان غرضه اشتراء شاة واحدة لا مساواة قيمتها للدينار، وإعطاء دينار واحد لعدم احتمال زيادة قيمة شاة منه. وما عدا الاحتمال الاخير خلاف ظاهرها، لكن على الاول لا يكون الشراء فضوليا، وعلى الثاني فضولي، وعلى الثالث لا يبعد عدم الفضولية لدلالة الكلام بالفحوى على الاذن في شرائهما. وعلى الرابع - الذي هو الظاهر -، فان اشتراهما تدريجا وقع الاول غير فضولي والثاني فضوليا، لكنه خلاف الظاهر، وإن اشتراهما صفقة واحدة - كما هو الظاهر - يحتمل الفضولية بالنسبة إلى واحد غير معين وعدمها في واحد كذلك بناء على صحة مملوكية الشئ المردد واقعا، كما التزم الفقهاء بأمثاله، أو بناءا على حصول الملكية بعد الاجازة حتى في غير الفضولي أخذا بأدلة إنفاذ العقود بقدر الممكن، والالتزام بتوقف تأثيرها في حصول الملكية على ما يرفع به الابهام ولو فرض عدم الاجازة يرجع إلى القرعة بين المالك الاول والثاني، فتكون القرعة بحكم العقل متمما للسبب، وهذا أقوى الاحتمالات لو صح ما ذكرناه من عدم الاشكال أو رفعه على فرضه. وأما احتمال الصحة الفعلية بالنسبة إليهما أو الصحة بنحو الاشاعة أو صحة أحدهما المعين فعلا وفضولية الاخر كذلك فلا سبيل إليها. نعم لو بطل الاحتمال المتقدم لا مجال إلا لاحتمال آخر، وهو فضوليتهما معا، لعدم الطريق إلى التصحيح، وعدم وجه للبطلان مطلقا أي عدم صلوح لحوق الاجازه به، فلا محيص من القول بالصحة مع لحوق الاجازة وبالفساد فيهما مع عدمه.

[ 109 ]

ثم على فرض كون شرائهما أو شراء إحداهما فضوليا وبيع إحداهما كذلك لا يمكن تصحيحهما باجازة عرضا واحدة، لان إجازة المعاملة الثانية انما تصح وتوجب خروج الشاة عن ملك النبي صلى الله عليه وآله لو صارت الشاة باجازة الشراء ملكا له، فالاجازة الواحدة لا تصلح لدخول الشاة في ملكه ثم خروجها عن ملكه. وهذا نظير ما يقال في تكرار تكبيرة الاحرام من أن التكبيرة الثانية لا يمكن أن تكون مخرجة من الصلاة التي بيده ومدخلة في صلاة أخرى لان الدخول في الثانية مترتب على الخروج من الاولى. إلا أن يقال في المقام: إن الاجازة المستفادة من دعاء النبي (ص) تلحق بالمعاملة الاولى أي الشراء، والرضا المتحقق في الآن الثاني بالمعاملة الثانية المستكشف من دعائه أيضا موجب لصحة الثانية. ثم إنه قد يرد الاشكال عليها بأنها مشتملة على أخذ الشاتين وإقباض الدينار في المعاملة الاولى و إقباض الشاة وأخذ ثمنها في الثانية، فعلى فضوليتهما كما هي الاظهر ليس له ذلك، وعلى فضولية الثانية ليس له الاخذ والاعطاء فيها، مع أن دعاء النبي صلى الله عليه وآله له يدل على عدم ارتكابه الحرام. وأجاب عنه الشيخ الاعظم (قده) بأن هذا البيع لما كان مقرونا برضا النبي صلى الله عليه وآله فهو خارج عن الفضولي، كما مر. وفيه أن ما يوجب الخروج عن الفضولي هو الرضا الفعلي، ولو بوجوده في النفس مع عدم الالتفات إليه تفصيلا، إما لاجل أنه يجعل البيع بيعه كما قيل أو لاجل دخوله في العمومات كما قلنا، وأما الرضا التقديري - بمعنى أنه على فرض التفاته إلى المعاملة وتشخيص الصلاح فيها يرضى بها - فهو لا يوجب الخروج عنه بلا إشكال، والظاهر من الرواية أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن عالما بكيفية شرائه وبيعه،

[ 110 ]

حيث قال (ص): (وصنعت كيف؟) فحدثه الحديث فقال: (أللهم بارك) الخ. وقد يقال: إن الرواية لا تدل على إعطائه الدينار لصاحب الشاتين ولا إعطاء الشاة لمشتريها، بل تدل على أخذ الشاتين من البائع واخذ الدينار من المشنري، وهو برضاهما، وإن كان لاجل جهلهما بالفضولية فلا يكون حراما. وفيه - مضافا إلى أن الظاهر من ذيل رواية مسند أحمد حيث قال: (هذا ديناركم وهذه شاتكم) أن عنده دينارا واحدا وشاة واحدة، ومضافا إلى الجزم بوقوع الاخذ والاعطاء في المعاملتين وإلا كان عليه البيان، وأن لا يسكت عنه - أن أخذ الشاتين في الاولى وأخذ الدينار في الثانية كان أخذا بعنوان العمل بالمعاملة، كالمقبوض بالبيع الفاسد، وهو غير الرضا بالتصرف في ماله، وقد قلنا في المقبوض بالبيع الفاسد إن الرضا بالمعاملة غير الرضا بالتصرف في ماله، بل لا معنى لهذا الرضا في المعاملات، لان البيع مثلا موجب لخروج المبيع عن ملك البائع، فلا يعقل في هذا الفرض إجازة التصرف في المبيع، فانه إجازة تصرف الغير في مال نفسه، والبائع أجنبي عن هذه الاجازة، فلا يعقل منه الجد في الاجازة. وأما الرضا التقديري - بمعنى أنه على فرض علمه بالبطلان أو علمه بفضولية الشراء والبيع يكون راضيا بأخذه وتصرفه - فهو مبني على جواز التصرف في مال الغير بلا رضا فعلي منه، وبلا طيب نفسه كذلك وكفاية الطيب والرضا التقديري، وهو خلاف ظواهر الادلة، كقوله صلى الله عليه وآله: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه) (1)


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 1 وفيه (لا يحل دم إمرئ مسلم ولا ماله...)

[ 111 ]

وقوله عليه السلام: (لا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إدنه) (1) الظاهر في فعلية الرضا والطيب أو الاذن. إلا أن يقال: إن بناء العقلاء والمتشرعة على التصرف في أموال الغير مع إحراز الرضا التقديري، وهو غير ثابت، نعم الرضا الارتكازي كاف. ويمكن أن يقال: لا إشكال في أن الظاهر منها ومن رواية الحكيم ابن حزام صحة الفضولي، وهذا الاشكال أي إشكال حرمة التصرف في مال الغير بلا إذنه قابل للدفع، أما على الكشف الحقيقي أو الحكمي بمعنى الكشف عن الحكم الشرعي من أول الامر فواضح، وكذا على القول بجوازه مع الرضا التقديري. نعم على النقل الحقيقي أو الحكمي بمعنى النقل في الحين من أول الامر يرد الاشكال، ويمكن دفعه بالحمل على اعتقاده بالرضا الفعلي. وبالجملة لا يجوز طرح الرواية بهذا الاشكال القابل للدفع بوجه. ومنها - صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاشترها رجل، فولدت منه غلاما، ثم قدم سيدها الاول فخاصم سيدها الاخير، فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال: خذ وليدتك وابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه - يعنى الذي باع الوليدة - حتى ينفذ لك ما باعك، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه: أرسل ابني، فقال: لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيد الوليدة


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الانفال - الحديث 6 من كتاب الخمس.

[ 112 ]

الاول أجاز بيع ابنه) (1) وهي كالصريح في الدلالة على صحة الفضولي بلحوق الاجازة، ولا إشكال فيها من هذه الجهة. والاشكالات التي أوردوها عليها غير معتنى بها إلا الاشكال بأن الظاهر من فقراتها رد السيد هذا البيع، مع أن الاجماع قام على عدم صحة لحوق الاجازة بعد الرد، بل هو مقتضى القواعد أيضا، فأجابوا عنه بوجوه. والاولى أن يقال: إن القضية إن كانت من قضايا أمير المؤمنين عليه السلام وفصله الخصومة بموازين القضاء كما هو الظاهر، لا من قبيل بيان الاحكام كما هو المحتمل أيضا فلا شبهة في عدم ذكر كيفية الخصومة وطرح الدعوى وكيفية فصلها، بل ليس فيها إلا وقوع خصومة بين السيدين في الوليدة وقول السيد الاول: (إن هذه وليدتي باعها ابني بغير اذني). فلا دلالة فيها على أن النزاع في أن الوليدة منه أو من ابنه، أو في أن البيع وقع باذنه أو لا، أو في ان الثمن لا بد من رده إليه لا إلى الولد أو لا. وعلى أي حال كان الحق في القضاء مع السيد الاول بوجه من وجوه فصل الخصومة، والامر بأخذ الوليدة وابنها يمكن أن يكون لاجل رد المعاملة، أو لاجل عدم الاذن مع الكراهة، أو عدمه بلا كراهة، إذ مع كل منها يجوز أخذهما، أما الوليدة فلكونها قبل الاجازة ملكا له، وأما ابنها فلجواز أخذه حتى يرد قيمته، سواء أجاز المعاملة أو ردها، كما هو مقتضى غيرها من الروايات.


(1) الوسائل - الباب - 88 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1.

[ 113 ]

كموثقة سماعة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مملوكة أتت قوما وزعمت أنها حرة فتزوجها رجل منهم وأولدها، ثم إن مولاها أتاهم فأقام عندهم البينة أنها مملوكة وأقرت الجارية بذلك، قال: تدفع إلى مولاها هي وولدها، وعلى مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم يصير إليه، قلت: فان لم يكن لابيه ما يأخذه ابنه به، قال: يسعى أبوه في ثمنه حتى يؤديه ويأخذ ولده، قلت: فان أبى الاب أن يسعى في ثمن ابنه، قال: فعلى الامام أن يفتديه، ولا يملك ولد حر) (1). كما أن أخذ البائع فضولا جائز لاخذ قيمة الوليدة وابنها، لانه غار يرجع إليه المغرور فيما ورد عليه بغروره، ويجوز له حبسه لاخذها مع إذن الامام عليه السلام. وبالجملة إن الرواية ظاهرة الدلالة في صحة بيع الفضولي وصحة لحوق الاجازة به، ولا دلالة فيها على الرد بوجه، لعدم معلومية كيفية المخاصمة ومحط النزاع، بل لا دلالة فيها على كراهته لتلك المعاملة لاحتمال كون رضاه معلقا على وصول قيمة الوليدة إليه، فان الظاهر أن الولد باعها وأخذ قيمتها وتلفت عنده في تلك المدة الكثيرة، بل الظاهر أن حاجته إلى ثمنها ألجأته إلى بيعها. فلا ظهور لواحد من فقراتها في رده البيع، ولا في كراهته له، فلا يصح طرح الصحيحة الظاهرة أو الصريحة بمجرد الاحتمالات والتخريصات. بل الظاهر أن صحة الاجازة في تلك القضية الشخصية كانت مفروغا عنها من غير تعبد فيها، إما لكونها أمرا عقلائيا وطريقا لتخلص المشتري عرفا، كما هو الظاهر، أو أمرا تعبديا ثابتا قبل القضية معهودا


(1) الوسائل - الباب - 67 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 5.

[ 114 ]

بين المتخاصمين. ثم الكلام في أن الاجازة بعد الرد مفيدة أو لا، وأن مقتضى القواعد ما هو، وأن الاجماع المدعى ثابت أو لا موكول إلى محله. ومنها - الاخبار المستفيضة الواردة في باب النكاح، كصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده فقال: ذاك إلى سيده إن شاء أجازه وإن شاء فرق بينهما، قلت: أصلحك الله إن الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد، ولا تحل إجازة السيد له، فقال أبو جعفر عليه السلام: إنه لم يعص الله، إنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز) (1). وكرواية أخرى منه عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (سألته عن رجل تزوج عبده امرأة بغير إذنه فدخل بها ثم اطلع على ذلك مولاه قال: ذلك لمولاه، إن شاء فرق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما - إلى أن قال -: فقلت لابي جعفر عليه السلام: فانه في أصل النكاح كان عاصيا فقال أبو جعفر عليه السلام: إنما أتى شيئا حلالا، وليس بعاص لله إنما عصى سيده ولم يعص الله، إن ذلك ليس كاتيان ما حرم الله عليه من نكاح في عدة وأشباهه) (2). وجه الاستدلال بها على وجه لا يرد عليه ما أوردوا عليها هو أن قوله في الصحيحة: (مملوك تزوج بغير إذن سيده) ظاهر في أن المملوك مع أنه ليس له التصرف إلا باذن صاحبه تزوج بلا إذنه، فالشبهة في أن التصرف بلا إذن المالك غير نافذ من غير نظر إلى النكاح، ويظهر من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1 - 2.

[ 115 ]

الجواب أن تصرفه فضولي، والاجازة محولة إلى سيده، فالشبهة في أن المملوك ليس له التصرف في ملك الغير - أي في نفسه - بنكاح وغيره والجواب أنه كذلك، لكن ذلك لا يوجب إلغاء كلامه وإنشائه، بل هو فضولي يصح باجازة المالك، فيظهر منه أن تصرفات الاجنبي لا تكون ملغاة بل تصلح للحوق الاجازة بها من غير نظر إلى النكاح وغيره. وإن شئت قلت: إن الشبهة في ذلك إما من جهة أن المملوك عبد لا يقدر على شئ، وإنشاء النكاح شئ، فإذا كان ملغا تشريعا لا يمكن لحوق الاجازة به، أو من جهة أنه غير مستقل في التصرف وتصرفه محتاج إلى الاذن، أو من جهة أنه مملوك للغير، والنكاح تصرف في مال الغير بغير إذن صاحبه. وعلى أي حال يستفاد منه أن العقد غير ملغا، ولا يضره محجورية العبد، ولا عدم استقلاله، ولا من حيث التصرف في مال الغير من غير ربط بالتزويج والنكاح، وهذا ليس من جهة إلغاء الخصوصية، بل من جهة أن وجه السؤال معلوم من الرواية. ويمكن الاستدلال بها بوجه آخر، وهو أن زرارة حكى فتوى الحكم والنخعي بأن أصل النكاح فاسد، ولا تحل إجازة السيد له، ولم يذكر وجه فتواهما، فأجاب أبو جعفر عليه السلام (بأنه لم يعص الله إنما عصى سيده فإذا أجازه فهو له جائز) فيظهر منه أن الوجه في عدم الجواز منحصر بعصيان الله تعالى، وهو غير محقق، وأما عصيان السيد منه أن مخالفة العبد لسيده موجبة لعدم النفوذ الفعلي لا مطلقا. فيظهر من السؤال والجواب أن الوجه في البطلان منحصر بمخالفة الله

[ 116 ]

التي لا يمكن أن تجبر بالاجازة، وأما مخالفة السيد فقابلة للجبران بالاجازة. بل الظاهر أن جهة الفضولية لم تكن وجها للشبهة والبطلان حتى لدى العامة، وإلا فمجرد عدم عصيان الله لا يدفع إشكالهم إن كانت الفضولية أيضا موجبة للبطلان، فكأن قولهم: (لا تحل إجازة السيد) مبني على أن مخالفة الله لا ترفع باجازة السيد، فأجاب بأن العصيان ليس في أصل النكاح، بل في مخالفة السيد، وهي لا توجب البطلان. أما من حيث الحرمة فلانها لا تتعلق بعنوان النكاح حتى يقال: حرمة النكاح دليل على بطلانه، أو حرمته تنافي تنفيذه، بل تعلقت بعنوان مخالفة المولى، ولا يمكن سراية الحكم من عنوان إلى عنوان آخر، كما فصلناه في محله. وأما من حيث الفضولية فانها لا توجب البطلان المطلق، بل توجب الوقوف على الاجازة، فكأن صحة الفضولي كانت مفروغا عنها لدى الفريقين، وبالجملة إن الشبهة لم تكن مربوطة بالنكاح حتى يتمسك بالاولوية. وأما التمسك بالاولوية فتارة من جهة أن العبد في هذا التزويج محجور عليه، وفعله فضولي، فإذا صح ذلك صح ما كان فضوليا فقط، وفيه أن ذلك موجب لصحة نكاح الفضولي من غير العبد لا سائر المعاملات. وأخرى ما أشار إليه الشيخ الاعظم (قده) حاكيا عن غيره بأن تمليك بضع الغير إذا لزم بالاجازة كان تمليك ماله أولى، مضافا إلى ما علم من شدة الاهتمام في عقد النكاح لانه يكون منه الولد. وفيه - مضافا إلى أن التعبير بتمليك البضع غير وجيه حتى في تزويج الاماء فضلا عن غيرهن - أن الاهتمام بأمر الفروج لا يوجب التضييق في أسبابه، بل لعله موجب لتوسعتها لئلا يقع الناس في السفاح، وهذا

[ 117 ]

الاحتمال المعتد به موجب لعدم صحة دعوى الاولوية. وأما شدة الاهتمام في عقد النكاح فلا دليل عليها. بل الدليل على خلافه، كما في رواية تزويج آدم حواء، ففيها (وقد زوجتكها فضمها إليك) (1) وفي رواية تزويج رسول الله صلى الله عليه واله الامرأة التي جاءت إليه وقالت: زوجني قال (ص) مخاطبا إلى الزوج: (قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه) (2) إلى غير ذلك مما يظهر منها عدم شدة الاهتمام في عقد النكاح. ثم على فرض تمامية دعوى الاولوية بما يقال بوهنها بالنص الوارد في الوكالة ردا على العامة، وهو رواية العلاء بن سيابة، قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة وكلت رجلا بأن يزوجها - إلى أن قال - قلت: نعم يزعمون أنها لو وكلت رجلا وأشهدت في الملا، وقالت في الخلا: اشهدوا أني قد عزلته وأبطلت وكالته بلا أن تعلم بالعزل وينقضون جميع ما فعل الوكيل في النكاح خاصة، وفي غيره لا يبطلون الوكالة إلا أن يعلم الوكيل بالعزل ويقولون المال منه عوض لصاحبه، والفرج ليس منه عوض إذا وقع منه ولد، فقال: سبحان الله ما أجور هذ الحكم وأفسده؟ إن النكاح أحرى أن يحتاط فيه، وهو فرج، ومنه يكون الولد) (3) ثم ذكر قضاء أمير المؤمنين عليه السلام في مثل القضية وعدم إبطاله الوكالة قبل وصول العزل. قال الشيخ الاعظم (قده) ما حاصله: إن مقتضى الاحتياط كون النكاح الواقع أولى بالصحة من البيع من حيث الاحتياط المتأكد في النكاح


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب عقد النكاح الحديث 1 - 3. (3) الوسائل - الباب 2 - من كتاب الوكالة - الحديث 2

[ 118 ]

دون غيره، فدل على أن صحة البيع يستلزم صحة النكاح بطريق أولى خلافا للعامة، حيث عكسوا وحكموا بصحة البيع دون النكاح. ثم ذكر وجه جعل الامام عليه السلام الاحتياط في النكاح بابقائه بأن مع الحكم بالصحة يلزم الزنا بامرأة غير ذات البعل على فرض فساده بخلاف الحكم بالفساد، فانه على فرض صحته يلزم الزنا بذات البعل. وأنت خبير بأن حكم العامة بفساد الوكالة في النكاح قبل وصول العزل وعدم فسادها في غيره لم يكن لاجل الاحتياط على ما يستفاد من الرواية، بل لاجل الاستحسان بأن الفرج ليس له عوض، والمال له عوض، فلا وجه لجعل قول الامام عليه السلام: (إن النكاح أحرى أن يحتاط فيه) ردا عليهم من هذه الجهة. بل الظاهر أن مراده أنه إذا لم يكن في مثل الوكالة المذكورة نص لا يصح الحكم بالاستحسان والاجتهاد، بل لا بد من الاحتياط لا الحكم بالصحة ولا الفساد، ولم يذكر طريق الاحتياط، فانه إما بتجديد النكاح أو بالطلاق، فالمراد إن النكاح حري بالاحتياط أو أحرى، من كل شئ بالاحتياط، ولهذا ذكر قضاء علي عليه السلام ردا عليهم بأن اجتهادهم باطل، بل لا بد من الحكم بالصحة لقول النبي صلى الله عليه وآله: (إن عليا عليه السلام أقضاكم) (1) فلا يوجب النص المذكور وهنا في روايات النكاح على فرض استفادة الحكم منها بالاولوية. ثم ان روايات نكاح العبيد على طائفتين: إحداهما ما مر الكلام فيها، وثانيتهما ما ورد في نكاح أحد الشريكين مملوكه بلا إذن صاحبه. كرواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام (في عبد بين رجلين زوجه أحدهما والآخر لا يعلم، ثم إنه علم بعد ذلك، أله أن يفرق


(1) الغدير للاميني (ره) ج 3 ص 96.

[ 119 ]

بينهما؟ قال: للذي لم يعلم ولم يأذن أن يفرق بينهما، وإن شاء تركه على نكاحه) (1) ورواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: (سألته عن مملوكة بين رجلين زوجها أحدهما والآخر غائب هل يجوز النكاح؟ قال: إذا كره الغائب لم يجز النكاح) (2). ولا يرد على هذه الطائفة ما توهم وروده على الاولى من كونه نظير بيع الراهن، فلا يستفاد منها بيع غير المالك، فان المتزوج فيهما المولى لا المملوك، واحتمال كونه باذن المملوك والمملوكة ضعيف، ضرورة أن إذنهما غير معتبر، مضافا إلى أن ترك الاستفصال دليل على عدم الفرق بين ما إذا كان باذنهما أو لا. كما أن احتمال كون قوله عليه السلام: (إذا كره الغائب) يراد به الكراهة حين جريان العقد حتى يدل على بطلان الفضولي لا صحته ضعيف، ضرورة أن قوله: (والآخر غائب) كناية عرفا عن عدم إذنه ورضاه حال العقد، لعدم احتمال كون الغيبة بنفسها دخيلة في فساد المعاملة، فقوله: (والآخر غائب) يراد به عدم الاذن والرضا وهو قرينة على أن قوله عليه السلام (إذا كره الغائب) يراد به الكراهة حين الاطلاع على التزويج. فدلالتهما على صحة الفضولي في النكاح بلا إشكال، كما أن فهم العرف منها صحة مطلق الفضولي أيضا لا ينبغي الشبهة فيه، ضرورة أن مساق السؤال والجواب هو جهة التصرف في مال الغير بلا إذنه من غير نظر إلى النكاح. ومنها - روايات تزويج الاولياء العرفي للصغير أو الصغيرة، كصححية


(1) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 70 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1

[ 120 ]

أبي عبيدة الحذاء قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما وهما غير مدركين، قال: فقال النكاح جائز أيهما أدرك كان له الخيار، فان ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر إلا أن يكونا قد أدركا ورضيا، قلت: فان أدرك أحدهما قبل الآخر، قال: يجوز ذلك عليه، إن هو رضي، قلت: فان كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضى النكاح مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟ قال: نعم، يعزل ميراثها منه حتى تدرك وتحلف بالله بأنه ما دعاها إلى أخذ الميراث إلا رضاها بالتزويج، ثم يدفع إليها الميراث ونصف المهر، قلت: فان ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا، لان لها الخيار إذا أدركت، قلت: فان كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك قال: يجوز عليها تزويج الاب، ويجوز على الغلام، والمهر على الاب للجارية) (1). ورواية عباد بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن رجل زوج ابنا له مدركا من يتيمة في حجره، قال: ترثه إن مات، ولا يرثها، لان لها الخيار، ولا خيار عليها) (2) وغيرهما. بأن يقال: الوليان في الصحيحة هما الوليان العرفيان بقرينة الحكم وبقرينة قوله في ذيلها: (فان كان أبوها هو الذي زوجها) الظاهر منه أن السؤال في الاول عن غير الولي الشرعي، واحتمال كون المراد بالوليين جدهما أو وصي أبيهما ضعيف. ثم إن المراد بقوله عليه السلام: (النكاح جائز) ليس الجواز مقابل اللزوم كالبيع الخياري وإن كان يوهمه قوله عليه السلام: (كان له


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب ميراث الازواج الحديث 1 - 2.

[ 121 ]

الخيار) بل المراد الجواز في البيع الفضولي بقرينة الحكم بعدم التوراث بينهما إلا إذا أدركا ورضيا. وتوهم تعبدية الحكم بعدم التوراث في زمان الخيار - نظير تلف البيع قبل القبض الذي هو من مال بائعه ويراد بالرضا ما يوجب إسقاط الخيار لا تنفيذ النكاح - ضعيف مخالف للنص والفتوى. وقوله عليه السلام: (يجوز ذلك عليه إن هو رضي) لا يراد به تحقق النكاح من جانب الراضي حتى تلزم الزوجية من أحد الطرفين دون الآخر، فان ذلك غير معقول، وترتب الآثار تعبدا من أحد الطرفين دون الآخر وإن أمكن إلا أنه مقطوع الخلاف، بل المراد منه أن الراضي يجب عليه الوفاء بالعقد، بمعنى أنه بعد رضاه لا يجوز له التخلف، بل لا بد له من الالتزام بالعقد وانتظار إدراك الآخر، فان أدرك ولم يرض جاز له التخلف، والشاهد عليه وجوب عزل الميراث إلى زمان الادراك ودفع الميراث والمهر إليها إذا حلفت. وكيف كان تدل على صحة الفضولي في النكاح، وعلى صحته في غيره بالتقريب المتقدم وإن لا تخلو من إشكال سيأتي الاشارة إليه في باب الاجازة، فانتظر وراجع. وتدل عليه أيضا روايات أخرى في باب النكاح، كنكاح العم ونكاح الام (1). واستدل عليه بروايات المضاربة، وهي على طوائف: منها - ما دلت على أن العامل لو تخلف عما شرط عليه المالك كشرط عدم السفر أو عدم ركوب البحر مع المال كان ضامنا والربح بينهما،


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح - الحديث 2 والباب - 7 - منها الحديث 3.

[ 122 ]

كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألته عن الرجل يعطي المال مضاربة وينهى أن يخرج به فخرج، قال: يضمن المال والربح بينهما) (1) ونحوها غيرها. ومنها - ما دل على أنه إذا خالف أمر صاحب المال أو خالف شرطه كان ضامنا، وفي بعضها الربح بينهما، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يعطي الرجل مالا مضاربة فيخالف ما شرط عليه، قال: هو ضامن والربح بينهما) (2) وعن الحلبي عنه عليه السلام، قال: (المال الذي يعمل به مضاربة له من الربح، وليس عليه من الوضعية شئ إلا أن يخالف أمر صاحب المال) (3) ونحوهما غيرهما مما هي مطلقة تشمل باطلاقها ما إذا أمر بشراء متاع خاص فخالفه كما في الطائفة الثالثة. لكنها بمناسبة الحكم بل وبالتعبير بالشرط في بعضها محمولة على الشرط الخارجي، فتدل هاتان الطائفتان على ان مخالفة الشرط في ضمن عقد المضاربة نحو شرط عدم الخروج بالمتاع أو عدم النزول به إلى واد كذا موجبة للضمان، ولا توجب بطلان المضاربة، فهو ضامن والربح بينهما، وهو موافق للقواعد، لان اليد الامانية تنقلب إلى اليد العادية الضمانية، ولا موجب لبطلان أصل المضاربة، كما أنه لا ربط لها بالفضولي. وتشهد للحمل المذكور صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه قال في المال الذي يعمل به مضاربة: له من الربح، وليس عليه من الوضيعة شئ إلا أن يخالف أمر صاحب المال، فان العباس كان كثير المال، وكان يعطي الرجال يعملون به مضاربة، ويشترط عليهم أن


(1) الوسائل الباب - 1 - من كتاب المضاربة - الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب المضاربة - الحديث - 5 - 4.

[ 123 ]

لا ينزلوا بطن واد ولا يشتروا ذا كبد رطبة، فان خالفت شيئا مما أمرتك به فأنت ضامن للمال) (1) حيث فسر مخالفة أمر صاحب المال بما عن العباس من الشرط الخارجي. ومنها - ما دلت بظاهرها على أنه إذا خالف أصل المضاربة كان ضامنا والربح بينهما، كصحيحة جميل عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل دفع إلى رجل مالا يشتري به ضربا من المتاع مضاربة فذهب فاشترى به غير الذي أمره، قال: هو ضامن والربح بينهما على ما شرط) (2) وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (إنه قال في الرجل يعطي المال فيقول له: ائت أرض كذا وكذا ولا تجاوزها واشتر منها، قال: فان جاوزها وهلك المال فهو ضامن، وأن اشترى متاعا فوضع فيه فهو عليه وإن ربح فهو بينهما) (3). وهذه الطائفة هي التي كان الشيخ الاعظم (قده) يؤيد بها الفضولي أو يستأنس بها له، وأنت خبير بأن ظاهرها مخالف للقواعد العقلائية والشرعية، فان الظاهر منها أن المضاربة مع التخلف واشتراء شئ خارج عن قرارها صحيحة بلا إجازة وكان الربح بينهما، كما هو مقتضى الجمود على ظاهرها، لعدم وجه لصحة معاملة الاجنبي رغما لصاحب المال. ثم لا وجه لكون الربح بينهما مع عدم قرار مضاربة في المعاملة الرابحة، بل لا يستحق شيئا لعدم حرمة عمله، ولو استحق شيئا لكان ذلك أجرة عمله، ولا تكون مؤيدة لصحة الفضولي ولا مربوطة به، ولو حملناها على لحوق الاجازة فلا وجه أيضا لكون الربح بينهما لان شراءه - وان كان


(1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب المضاربة - الحديث 7. (2) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب المضاربة - الحديث 9. (3) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب المضاربة الحديث 2. .

[ 124 ]

يتخيل العمل بالمضاربة - لا يوجب كون المعاملة مضاربة فضولية، بل يكون بيعا فضوليا، وحينئذ أيضا لا وجه لكون الربح بينهما، وهذا نظير ما إذا وكله لبيع داره، فذهب وباع بستانه بعنوان الوكالة فأجاز المالك، فان إجازته لا تصحح الوكالة، بل تصحح البيع. والاولى أن يقال: إن الرواية الثانية لا تأبى عن الحمل على الاشتراط الخارجي لو لم نقل بظهورها فيه، فان قوله: (يعطي المال) من غير ذكر المضاربة وكيفية قرارها ظاهر في أن المراد إهمال التفصيل، ويكون المقصود أنه يعطي مضاربة بكذا وكذا، فقوله: (فيقول) مصدرا بالفاء ظاهر في أن هذا شرط زائد على أصل المضاربة، مع أن الامر باتيان أرض كذا والنهي عن التجاوز خارجان عن أصل المضاربة وكذا (اشتر منها) مع أن الاشتراء من أرض كذا غير اشتراء متاع كذا) فان الاول أيضا ظاهر في الاشتراط، فتكون الرواية كسائر الروايات موافقة للقاعدة. وأما صحيحة جميل فلا تنبغي الشبهة في ظهورها في محدودية المضاربة بالمتاع الخاص، فهي مخالفة للقواعد بما عرفت، والعمل بها في غاية الاشكال، والحمل على الشرط الخارجي بقرينه حكمها أهون بقرينة تظافر الروايات في الاشتراط، وحمل تخلف الامر في الرواية المتقدمة المذكورة فيها قضية العباس عليه، وبعد التعبد بهذا الامر المخالف للقواعد جدا، والاستئناس من قوله: (غير الذي أمره) فتكون كسائر الروايات الدالة على أن مخالفة أمره بكون عمله مخالفا لشرطه، ومن قوله: (على ما شرط) بناء على رجوعه إلى قوله: (ضامن) والحمل على الرضا المقارن أو المتأخر لا يصححها، لعدم وجه لكون الربح بينهما، والله العالم. ومما يستدل أو يستأنس به في المقام روايات الاتجار بمال اليتيم (1)


(1) الوسائل الباب - 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة - من كتاب الزكاة.

[ 125 ]

وهي على كثرتها لا دلالة فيها على المطلوب، ولا يستأنس بها له إلا أن تحمل على اتجار الاجنبي من غير إذن الولي ثم أجاز، وهو أمر لا إشعار به في الاخبار فضلا عن دلالتها عليه. ثم إن في الروايات إشكالات يشكل الذب عنها وجعلها مطابقة للقواعد إلا بتكلف، بل لعله لا يمكن ارتكابه في بعضها، كرواية بكر بن حبيب قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل دفع إليه مال يتيم مضاربة، فقال: إن كان ربح فلليتيم، وإن كان وضيعة فالذي أعطى ضامن) (1) إذ ترك الاستفصال يقتضي أن يكون الحكم ثابتا للولي - مليا كان أو لا - وللاجنبي كانت المضاربة لليتيم أو للمعطي. وعلى أي تقدير لا يكون الربح لليتيم على القواعد، بل على فرض صحة المضاربة كان الربح بين اليتيم والعامل، وعلى بطلانها لا يكون الربح لواحد منهما. ثم إن الوضعية على اليتيم لو أعطى الولي المال مضاربة لليتيم، سواء كان مليا، أو لا، إذ تصرفات الولي لصلاح حال اليتيم والمعاملة له نافذة، وليس عليه ضمان، وعلى فرض إعطاء الولي المال مضاربة لنفسه بأن استقرض من اليتيم وأعطاه مضاربة فان كان مليا فلا إشكال فيه، وكان الربح له والخسران عليه، وإن كان غير ملي بطل القرض. ويمكن أن يقال بصحة المضاربة، لان ولايته غير ساقطة، وانما لا يجوز له استقراض ماله، فالمضاربة الواقعة على مال الطفل باذنه وقع في محله وصدر من أهله، فحينئذ يكون الربح لليتيم والعامل، والوضيعة على الولي غير الملي، لتصرفه العدواني في مال الطفل. ويمكن أن يقال: إن المعاملة وقعت في مال الطفل وللطفل، وبطلت


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب المضاربة - الحديث 1.

[ 126 ]

المضاربة أيضا، فحينئذ يكون الربح للطفل، والوضعية على من أعطاه، ولو قرئ (أعطي) بصيغة المجهول يكون الوضعية على العامل إن كان عالما بالواقعة، كما يجوز الرجوع إلى الولي أيضا، ويستقر الضمان على من تلف عنده وإن لم يكن عالما يجوز الرجوع إليه، وهو يرجع إلى الولي لقاعدة الغرور. ويمكن الجمع بين الروايات بأن يقال: إن رواية السمان (1) وما هي بمضمونها ظاهرة في أن الاتجار كان لليتيم، ومقتضى إطلاقها الصحة بلا لحوق الاذن، فيعلم منه أن التاجر هو الولي، ومقتضى إطلاق ذيلها أن الولي ضامن، وهذا الحكم للاهتمام بأمر اليتيم. ومقتضى رواية أبي الربيع الشامي أن المضاربة بمال اليتيم جائزة للوصي، وقوله في ذيلها: (قلت فهل عليه ضمان؟ قال: لا إذا كان ناظرا له) (2) يحتمل أن يكون المراد منه إذا كان وصيا، ويحتمل أن يكون المراد إذا كان ناظرا في المضاربة، فعلى الاول إطلاقها يقتضي عدم ضمان الولي، وعلى الثاني يختص عدم الضمان بما إذا أوصى الاب بالمضاربة، فتكون موافقة لرواية خالد بن بكير الطويل (3) ورواية محمد بن مسلم (4) في باب الوصية، فيقيد بها المطلقات، فالنتيجة ضمان الولي إذا تجر بمال الطفل للطفل أو بنحو المضاربة، إلا إذا أذن الاب خصوص الاتجار به، ولا منافاة بين صحة التجارة والضمان. وأما رواية بكر بن حبيب فالظاهر منها أن المراد بقوله عليه السلام:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب من تجب عليه الزكاة الحديث 2 - 6. (3) و (4) الوسائل - الباب - 92 من كتاب الوصايا - الحديث 2 - 1

[ 127 ]

(إن كان ربح فلليتيم) (1) هو كونه له على قرار المضاربة، لا أن الجميع له، وبطلت المضاربة، فتكون موافقة لسائر الروايات، وعليه يحمل بعض روايات أخر وردت بهذا المضمون. وهنا روايات بعضها ظاهرة في الاقتراض من مال اليتيم، مثل رواية الصيقل (2) ففصل فيها بين الملي وغيره، وأبطل اقتراض غيره، لكن حكم بصحة أصل المعاملة، ولما كان الاتجار بمال اليتيم كان الربح له، والاتجار بنحو الكلي في الثمن مع البناء على الاعطاء من مال اليتيم والاعطاء منه يجعل الاتجار بماله عرفا. ومثل رواية أسباط بن سالم (3) فان قوله عليه السلام: (فما كان من فضل سلمه لليتيم وضمن له) ظاهر في الاقتراض والاتجار لنفسه والبناء على إعطاء ربحه لليتيم، وعلى ذلك تحمل صحيحة حريز عن محمد ابن مسلم (4). وبعضها محتمل لذلك وللاتجار لليتيم، كرواية على بن أسباط عن أسباط بن سالم (5) وصحيحة ربعي بن عبد الله (6) فان حملناها على الاقتراض تصير نتيجة الروايات أن الملي جاز له الاقتراض دون غيره، ولو اقترض غيره بطل القرض وصح التجارة لليتيم، وإن حملناها على الاتجار تصير النتيجة أن الاتجار بمال اليتيم لا يجوز تكليفا لغير الملي، لكن لو اتجر صلح لكونه وليا، وهو ضامن، وعليه لا معارضة بين الروايات. فتحصل من جميعها أن الاتجار بمال اليتيم موجب للضمان، سواء


(1) الوسائل الباب - 10 - من كتاب المضاربة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 7 (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 75 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 1 - 2 - 4 - 3.

[ 128 ]

اتجر له أو عمل به مضاربة إلا في صورة إذن الاب خصوص الاتجار مضاربة، بل ولليتيم فانه أيضا يفهم مما ورد في المضاربة، ولا يجوز لغير الملي الاتجار بمال اليتيم مطلقا، ولو اتجر صح وضمن، وجاز للملي وضمن، ولا يجوز اقتراض غير الملي وبطل، ولو اقترض واتجر به صح لليتيم، والتاجر ضامن بخلاف الملي، فان اقتراضه صحيح والربح للتاجر، وعليه مال اليتيم. بقي أمر: هو أنه لو أوصى الاب خصوص التجارة وكان الوصي غير ملي هل يجوز له الاتجار أو لا؟ الظاهر جوازه، لعدم الضمان، فلا فرق بينه وبين الملي في ذلك. وربما يؤيد الفضولي بروايات: منها - رواية ابن أشيم عن أبي جعفر عليه السلام: (في عبد لقوم مأذون له في التجارة دفع إليه رجل ألف درهم، فقال: اشتر بها نسمة واعتقها وحج عني بالباقي، ثم مات صاحب الالف، فانطلق العبد فاشترى أباه فأعتقه عن الميت ودفع إليه الباقي يحج عن الميت، فحج عنه، وبلغ ذلك موالي أبيه ومواليه وورثة الميت جميعا، فاختصموا جميعا في الالف، فقال موالي العبد المعتق: انما اشتريت أباك بمالنا، وقال الورثة: انما اشتريت أباك بمالنا، وقال موالي العبد: انما اشتريت أباك بمالنا، فقال أبو جعفر عليه السلام: أما الحجة فقد مضيت بما فيها لا ترد، وأما المعتق فهو رد في الرق لموالي أبيه، وأي الفريقين بعد أقاموا البينة على أنه اشترى أباه من أموالهم كان له رقا) (1). أما دلالتها على الفضولي فمبنية على أن دعوى الورثة هي رجوع مال والدهم إليهم، وكان الرجل وكيلا عنه، وإذا مات بطلت الوكالة، فاشترى أباه بمالهم من غير إذن. وكان اختصامهم ودعواهم ظاهرا في


(1) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب بيع الحيوان - الحديث 1.

[ 129 ]

الاجازة، فقوله عليه السلام: (أي الفريقين) الخ. دليل على نفوذ الفضولي بالاجازة. والانصاف أن المتفاهم من الرواية ذلك، واحتمال أن يكون المجموع الورثة مال عنده للتجارة في غاية البعد، مع أن الظاهر أن الدعوى كانت ثلاثية الاطراف لا رباعيتها ولا خماسيتها، وسكوت الرجل دليل على أنه لم يكن وصيا، بل سكوت العبد المعتق وعدم دعوى كونه معتقا دليل على ذلك، فدلالتها على صحة الفضولي في غاية القوة. نعم ربما ترد على الرواية إشكالات: منها - أن صحة الحج من العبد بلا إذن مولاه خلاف القاعدة، مع أن التفكيك بين الحج والرق والحكم ببطلان العتق ظاهرا وصحة الحج غير مرضي، مع أنه لو قامت البينة على الرقية كان الحج باطلا بحكم البينة. ويمكن أن يقال: إن قوله (ع): (الحجة قد مضت بما فيها لا ترد) لا يكون بصدد بيان حكم الحج صحة وفسادا، بل بصدد التقابل بينه وبين العبد، بأن العبد باق قابل للرد دون الحج الذي مضى وتصرم، ولم يكن النزاع في المال المصروف في الحج، بل النزاع في العبد، وكان أبو جعفر عليه السلام، بصدد بيان تشخيص المدعي والمنكر، فكأنه قال: الحج غير قابل للرد دون العبد، فلا دلالة لها على صحته. ومنها - أن تقديم قول موالي العبد وإرجاعه رقا لهم خلاف قواعد القضاء، فان قول الوكيل حجة وكذا فعله، وظاهر الرواية أنه إشترى أباه بما دفع إليه الميت حال حياته وقوله حجة، فيكون الورثة منكرا، والقول قولهم. وفيه أن الظاهر من سكوته أنه كان وكيلا للميت وبطل وكالته بموته، فلا يكون فعله أو قوله حجة، لانه أجنبي بالنسبة إلى مال الورثة

[ 130 ]

بل احتمال كونه وصيا للاب أو وكيلا له وبطلت وكالته كاف في عدم اعتبار قوله. ومنها - أن أصالة الصحة مقدمة على الاصل العملي، والورثة كانوا يدعون صحة الاشتراء فضوليا، وموالي المعتق بالكسر كانوا يدعون الصحة الفعلية، وموالي الاب كانوا يدعون الفساد. وفيه أن المورد ليس من مصب أصالة الصحة، لانها جارية فيما لو أحرز تحقق معاملة خاصة وشك في صحتها، وأما إذا دار الامر بين معاملتين إحداهما الصحيحة والاخرى الفاسدة فلا تجري أصالة الصحة ولا يحرز تحقق الصحيحة بأصلها فضلا عن المقام المردد بين المعاملة الصحيحة وما ليس بمعاملة، فان اشتراء العبد بمال مالكه لا معنى له ومخالف لمفهوم البيع. ومنها - أن الاشتراء بالثمن الخارجي بعيد، بل المتعارف الاشتراء بالكلي، وإعطاء الثمن بعده أداء لما في الذمة، فحينئذ كان قول المتعامل معتبرا، لان قصده لا يعلم إلا من قبله. وفيه - مضافا إلى فرض الرواية الاشتراء بمالهم الظاهر في الاشتراء بالعين، ومضافا إلى التعارف بين الدلالين أن يعرضوا النقد على الطرف للحث على المعاملة، ومضافا إلى كون المعاملات نوعا معاطاة - أن حجية قول من لا يعلم الامر إلا من قبله من مقام التخاصم غير ظاهرة بنحو الاطلاق. ومنها أمور أخر سهل الدفع. وقد استدل على بطلان الفضولي بأمور: منها - الكتاب، وهو قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) (1) فان الظاهر منه لزوم كون التجارة ناشئة عن الرضا


(1) سورة النساء: 4 - الآية 29.

[ 131 ]

ولازم الحصر بطلان التجارة التي لم تنشأ منه. وما قيل - من أن التجارة عبارة عن النقل والانتقال المسببي، وهو حاصل بالاجازة ومقارن للرضا - غير مرضي، فان الاجازة ليست تجارة، بل ولا ناقلة، بل بالاجازة يصير انشاء النقل سببا حقيقة بعد ما كان سببا إنشاءا، فالاجازة عبارة أخرى من قوله (ص): (بارك الله في صفقة يمينك) والظاهر من الآية الشريفة أن التجارة لا بد من نشوئها من الرضا. وبعبارة أخرى إن الاجازة ليست بناقلة، بل موجبة لكون عمل الغير سببا واقعيا، فالرضا انما هو بالعقد الحاصل من الغير، ولا يوجب ذلك أن يصير المجيز تاجرا، وعقد الغير عقده ولو قلنا بأن الوكالة موجبة لكون العقد عقد الموكل وإن كان فيه أيضا كلام وإشكال كما مر. ومن ذلك يظهر النظر في كلام الشيخ الاعظم حيث قال: (التجارة في الفضولي انما تصير تجارة المالك بعد الاجازة، فتجارته عن تراض). لكن الخطب سهل بعد ما عرفت سابقا من أن المتفاهم من المستثنى منه أن الباطل علة لحرمة أكل الاموال بالباطل، وفي مقابله التجارة عن تراض، لكونها حقا خارجة عنه، فأكل المال بالباطل منهي عنه لاجل كونه باطلا وبمقتضى المقابلة الاكل بالتجارة عن تراض غير منهي عنه، لكونها حقا، والعلة تعمم و تخصص، وتشخيص الحق والباطل عرفي، ولا شك في أن التجارة المرضي بها حق، سواء كان الرضا سابقا أو مقارنا أو لاحقا. واحتمال أن تكون الآية الكريمة بصدد تخطئة العرف في تشخيص الحق وأن التجارة المقارنة للرضا حق فقط والباقي باطل بحكم الشارع وتخطئة للعرف في كمال السقوط.

[ 132 ]

ولا فرق فيما ذكرناه من التقريب بين انقطاع الاستثناء واتصاله، ولا بين إفادة الحصر وعدمها، ولا بين كون التجارة منصوبة أو مرفوعة، كما هو واضح. ومنها - طوائف من الاخبار، كالنبوي من طرقهم (لا تبع ما ليس عندك) (1) ومن طرفنا في مناهي النبي صلى الله عليه وآله (أنه نهى عن بيع ما ليس عندك) (2) ونحوه خبر سليمان بن صالح عن أبي عبد الله عليه السلام (3) بتقريب أن الكون عنده كناية عن الملكية، فيكون المراد النهي عن بيع ما لا يكون مملوكا للبائع، وهو يدل على الفساد. وفيه أن هذه الجملة يحتمل أن تكون كناية عن التسلط على الشئ فيكون المقصود النهي عما لا يكون تحت قدرتك، فلا يمكن لك التسليم فان القدرة عليه من شروط صحة المعاملة، فعليه لا ربط له بالفضولي، فان مدعي بطلان الفضولي يدعي أن الفضولي بما هو فضولي باطل، من غير نظر إلى قدرة التسليم وعدمها، فقدرة التسليم شرط في المعاملات غير الفضولية أيضا، وقد تكون القدرة عليه في الفضولي. ويحتمل أن تكون كناية عن المالكية، أي لا تبع غير مملوكك، والظاهر على هذا الفرض النهي عن بيع غير المملوك كبيع المملوك كالنهي عن بيع السرقة والخيانة، وليس المراد عدم إنشاء البيع لغير المملوك متوقعا للاجازة عن المالك كما هو الظاهر. وقد يقال: إن المراد من قوله صلى الله عليه وآله: (لا تبع ما ليس عندك) النهي عن أن يبيع عن نفسه ثم يمضي ليشتريه عن مالكه لانه صلى الله عليه وآله ذكره جوابا لحكيم بن حزام، حيث سأله عن


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 339. (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 5 - 2

[ 133 ]

أن يبيع الشئ ويمضي ويشتريه ويسلمه، فان هذا البيع غير جائز، ولا نعلم فيه خلافا للنهي المذكور وللغرر، لان صاحبها قد لا يبيعها. وفيه أن حمل السؤال على بيع الشخصي خلاف الظاهر المتعارف من الدلالين، بل ما تعارف هو بيع الكلي من الاجناس التي كانت تحت يد التجار للبيع، فيأتي الدلال ويبيع طاقات أو أصواعا ثم يمضي ويشتري ويسلم، فحينئذ تكون مخالفة لاخبارنا، كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الطعام ليس عنده فيشتري منه حالا قال: ليس به بأس، قلت: إنهم يفسدونه عندنا) (1) الخ وموافقة للقول المحكي عن العامة فتطرح، وأما ما ورد بهذا المضمون من طرقنا فيحمل على التقية. مع انه لو فرض أن السؤال عن العين الشخصية لكن إلقاء الكبرى الكلية بعده والاعراض عن مثل (لا يجوز) باعطاء قاعدة كلية تدل على أن الميزان عدم جواز بيع ما ليس عنده مطلقا سواء في الاعيان أو الكليات فتنزيل السؤال على خصوص الشخصيات والجواب على خصوص مورد السؤال خلاف الظاهر في خلاف الظاهر. والاولى في الجواب عن مثله أن يقال بعد الغض عن السند أن الظاهر من رواياتنا تكذيب هذا المضمون، فتكون حاكمة عليه، أو يقال إن قوله (ص): (لا تبع ما ليس عندك) ظاهر في نفي الصحة فعلا فلا ينافي إلحاق الاجازة به كما أفادوا، وسيأتي تتمة لذلك في مسألة من باع ثم ملك، فراجعها.


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب احكام العقود - الحديث 1

[ 134 ]

وكالنبوي الآخر (لا بيع إلا فيما تملك) (1) وكالثالث (لا طلاق إلا فيما تملكه، ولا بيع إلا فيما تملكه) (2) وفي التوقيع المنسوب إلى العسكري عليه السلام (لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك) (3). والظاهر منها النهي عن بيع ما لا يملك كبيع مملوكه وترتيب الآثار عليه كما تقدم، مع احتمال أن يراد بما لا تملكه عدم التسلط عليه، كما أن الطلاق فيما تملكه ليس بمعنى الملكية في الاموال، ولعله قرينة على ارادة نحوه في البيع أيضا، فيكون مفاده مثل ما مر، فلا دلالة لها على بطلان الفضولي. نعم يمكن أن يقال: فرق بين قوله صلى الله عليه وآله: (لا تبع ما لا تملك) وقوله (ص): (لا بيع إلا فيما تملك) فان مفاد الثاني سلب تحقق ماهية البيع ومع سلبها لا يمكن لحوق الاجازة بها، فان الظاهر سلبها بلحاظ جميع الآثار، ومنها ترتب الاثر بعد الاجازة. إلا أن يقال: إن المحتمل فيه أمور: منها - بسلب البيع، أي سلب ماهيته، ومنها - التعبد بسلبه بلحاظ الصحة فعلا، ومنها - إدعاء السلب بلحاظ جميع الآثار، ومنها - إدعاؤه بلحاظ الصحة، ولما كانت الصحة أثرا ظاهرا تصح الدعوى بلحاظها لا يبعد الانصراف إليها، سيما مع ارتكاز العرف في مثل المقام بأن المقصود ذلك، لا نفي الماهية والحمل على نفي المفهوم لا يخلو من بعد، ولو سلم فاطلاقه قابل للتقييد


(1) و (2) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب عقد البيع - الحدبث 3 - 4. (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1.

[ 135 ]

بالادلة الخاصة في خصوص البيع، كرواية عروة (1) وصحيحة محمد بن قيس (2) وغيرهما. وقد يقال: إن التعارض بين الطائفتين بالتباين، فان دليل المنع لا يشمل البيع لنفسه أو لمالكه مع عدم إجازته، بل يختص بما إذا باع لمالكه مع إجازته، فان الصورتين الاولتين واضحة لا معنى للنهي عنه. وفيه - مضافا إلى ورود النهي في مثله كالنهي عن بيع السرقة والخيانة ومعه لا وجة لرفع اليد عن الاطلاق. أن البيع لنفسه لان يمضي ويشتري داخل فيه، سواء كان في الكليات كما هو المتعارف أو الاعيان الشخصية فيكون النسبة بينهما بالاطلاق والتقييد. نعم هنا كلام آخر، وهو أنه لو لزم من جميع التقييدات بقاء الفرد النادر في المطلق بحيث كان التقييد بها مستهجنا يقع التعارض بالعرض بين المقيدات نفسها أو بين جميعها مع المطلق، ففي مثله وكيفية العلاج كلام لا يسعه المقام. وأما ما دلت على النهي عن الاشتراء إلا برضا المالك كصحيحة محمد ابن مسلم (3) ومكاتبة الحميري (4) فلا دلالة فيها على لزوم مقارنة الرضا لاجراء العقد، بل يمكن دعوى أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي عدم الفرق بين المقارن والمتاخر، ولعله مقتضى الاطلاق أيضا. وأما حكم العقل - المؤيد بالنقل - بقبح التصرف في مال الغير بغير


(1) المستدرك - الباب - 18 - من أبواب عقد البيع الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 88 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 1. (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب عقد البيع - الحديث 3 - 8.

[ 136 ]

إذنه ففيه - مضافا إلى أن مجرد إجراء الصيغة على مال الغير ليس تصرفا فيه، لعدم تأثير واقعي أو اعتباري، من غير فرق بين الغاصب والفضولي ضرورة أن بيع الغاصب الذي يريد العمل على طبقه ليس تصرفا فيه، نعم ترتيب الآثار من قبيل التسليم ونحوه تصرف، فدعوى الفرق في غير محلها. وأما دعوى كون عقد الغاصب المستقل علة تامة عرفا لحصول الاثر فغريبة، لعدم العلية جزما فضلا عن العلية التامة، أما بالنسبة إلى الاثر الاعتباري أي النقل فمعلوم، وأما بالنسبة إلى ترتيب الاثر الخارجي فالعقد لا علية له أصلا، بل ترتيب الآثار متوقف على مبادئ خاصة به. ومضافا إلى أن الحرمة الشرعية لا تدل على لفساد، وما قيل من أن التحريم موجب لسلب قدرة الفضولي غير مرضي، لان القدرة تكوينا غير مراد، وتشريعا ترجع إلى الالزام والتحريم، وهو مصادرة واضحة. نعم لو قيل: إن التحريم لا يجتمع مع انفاذ المعاملة لكان له وجه لكنه قابل الدفع بأن دليل الانفاذ من قبيل القانون الكلي الشامل للمورد لا من قبيل الانفاذ الشخصي، كما فصلنا الفرق في الاصول، مضافا إلى أن التحريم متعلق بالطبيعة قبل الوجود وأدلة الانفاذ متعلقة بها بعده، فلا تزاحم مع أن المخاطب بالتحريم الفضولي، وفي أدلة الانفاذ صاحب المال - أن الحرمة تعلقت بأمر خارج: هو التصرف في مال الغير لا البيع، كما أن موضوع القبح العقلي هو التعدي والظلم، لا البيع، وما قيل - من أن عنوان التصرف أمر انتزاعي من الموارد الخاصة والنهي تعلق بالموارد - ليس بشئ، لعدم الدليل عليه، بل الظاهر من أخذ عنوان تلو حكم أنه موضوع له، ولهذا لم يقل صاحب هذا القول ولا غيره ممن يجوز اجتماع الامر والنهي: إن الصلاة بعنوانها منهي عنها، لانها تصرف في مال الغير، والتصرف أمر انتزاعي، فتدبر. ولو قيل: إن بيع مال الغير بغير إذنه أخص من التصرف في مال

[ 137 ]

الغير فلا ربط له بباب الاجتماع يقال: إن دليل نفوذ البيع متعلق بنفس طبيعته، لا ببيع زيد وعمرو والغاصب وغيره، هذا حكم العقل المؤيد بالنقل. وأما حكم العقل المحض وهو عدم إمكان تعلق القصد بالنقل. فقد ذكرناه في أوائل الرسالة، وسيأتي بعض الكلام فيه وفي حله في الصورة الثالثة. ويمكن الاستدلال بالحكم العقلائي المحض بأن يقال: البيع عند العقلاء هو التبادل بين العوضين في المالية، أي التبادل الفعلي الواقعي، ولهذا ترى تسالم الفقهاء بل العرف على أن القبول مقوم له، وأن البيع مركب من الايجاب والقبول، ولولا اعتبار النقل فعلا لا وجه له، لان الايجاب تمام ماهية المعاملة بحسب الانشاء، وشأن القبول شأن شكر الله سعيك، لكن لا يترتب الاثر إلا بعده، فالبيع هو تبادل الاضافة فعلا. وأيضا ترى قولهم: إن البيع المسببي أمره دائر بين الوجود والعدم ولهذا لا يكون محط البحث في الصحيح والاعم، واختار المحققون أن ألفاظ المعاملات وضعت للمسببي لا للاسباب، والمسبب الذي دار أمره بين الوجود والعدم هو النقل الفعلي، وإلا فالنقل الانشائي يتصف بالصحة والفساد. فعليه لا يكون بيع الفضولي بحسب عرف العقلاء بيعا، ولا يمكن لحوق الاجازة بما لا يكون بيعا، ولا يمكن أن تكون الاجازة مقومة لماهية البيع، وأما مثل بيع الصرف والسلم ففي محيط العقلاء لا يشترط بالتسليم والقبض، وفي محيط الشرع يشترط به لا بمعنى وضع خاص للشارع بل بمعنى التعبد بالآثار كالتعبد في بيع الخمر. وفيه منع كون البيع ما ذكر في محيط العقلاء، بل المراد بالتبادل هو التبادل الانشائي الايجادي وإن لم يترتب عليه الاثر فعلا، والشاهد

[ 138 ]

عليه وضوح كون بيع الغاصب والفضولي عندهم بيعا، ووضوح ذلك يكشف عن مرادهم في تعريف البيع، وأن المراد بالتبادل الانشائي منه، وكذا التمليك في قولهم (تمليك العين بالعوض). وأما قول الفقهاء في تقوم البيع بالقبول فان كان المراد عدم ترتب الاثر إلا به فلا كلام إلا في الوكيل من الجانبين وإن كان المراد أن الماهية متقومة به ففيه كلام وإشكال كما مر، وكذا قولهم في الصحيح والاعم، فان المسبب المنشأ يتصف بالصحة والفساد، وهو البيع المسببي وما لا يتصف بهما وأمره دائر بين الوجود والعدم أي وقوع الاثر وعدمه ليس ببيع، بل هو أثر البيع والمعاملة، فالبيع سبب للانتقال، ولا يتقوم بالنقل الفعلي فضلا عن الانتقال، والشاهد ضرورة صدق الماهية مع عدم ترتب الاثر. ولو باع الفضولي مع سبق نهي المالك بحيث وقع بيعه منهيا عنه من قبله فالظاهر صحته وصلوحه لتعقب الاجازة، لان النهي لا يوجب انعدام ما فعله الفضولي، لا حقيقة ولا في اعتبار العقلاء، لان نهيه قابل للعصيان عند العقلاء، ضرورة صدق قوله: (نهيته فعصاني) فلو كان عنوان البيع غير صادق مع نهيه لم يكن معنى لذلك، فالنهي لا يوجب عدم صدق البيع جزما، فتشمله عمومات الانفاذ. نعم لو قلنا بأن معنى: (أوفوا بالعقود) أوفوا بعقودكم لا بد من إحراز انتساب العقد إلى المالك، وإلا صارت الشبهة مصداقية مع الشك ومع القول بعدم الانتساب يخرج العقد عن الادلة موضوعا، واثبات الانتساب بحيث يصير عقده المنهي عنه عقد المالك غير ممكن. لكن الذي يسهل الخطب عدم لزوم صدق كون العقد عقده حتى يجب الوفاء به، بل المسلم من الخروج عن تحت الادلة هو عقد الاجنبي

[ 139 ]

بلا لحوق الاجازة، وغيره داخل فيها من غير لزوم كونه عقده، كما أن الامر كذلك في محيط العقلاء، فانهم يلزمونه، بالعمل بالعقد الصادر من الغير على ماله بعد إجازته لا لصيرورة العقد عقده، بل لاجازة العقد الواقع على ماله. بل لا شبهة في عدم صيرورة عقد الفضولي عقد المالك عقلا ولا عرفا، لا قبل الاجازة وهو معلوم، ولا بعدها، لان الاجازة والامضاء اعتبارهما اعتبار إجازة العقد المتحقق عن الغير في ماله، وهذا عين اعتبار الاثنينية وكون العقد عقد الغير، فكيف يمكن أن يكون ذلك موجبا للانتساب إليه. وإن شككت فاسأل العرف والعقلاء عن الفرق بين بيع الفضولي والاصيل، تراهم يقولون: إن الاصيل، باع ماله بنفسه بخلاف بيع الفضولي، فانه صادر من الغير، والاصيل أجازه، بل بيع الوكيل أيضا كذلك، ولا يلزم في وجوب الوفاء صيرورة البيع بيعه بل لا يبعد أن يقال: إن وجوب الوفاء بالعقود متوجه إلى سائر المكلفين غير المتابعين أيضا وإن كان الآثار مختلفة، فان وجوب الوفاء من غير المتبايعين هو لزوم ترتيب آثار ملكية البائع للثمن والمشتري للمثمن، ومنهما لزوم تسليم العوضين ونحوه، تأمل. ويدل على الصحة التعليل الوارد في أدلة نكاح العبد بدون إذن مولاه، وهو قوله عليه السلام: (إنه لم يعص الله، وانما عصى سيده) الظاهر منه أن عصيان السيد مطلقا لا يوجب الهدم، لا خصوص عدم الاذن، فإذا نهاه عن الازدواج فتزوج يصدق أنه لم يعص الله وانما عصى سيده، فإذا أجاز صح. وأما صحيحة محمد بن قيس فالاستدلال بها من حيث ترك الاستفصال

[ 140 ]

غير تام، لان الظاهر من قوله: (بغير إذني) أنه لم يستأذن منه، لا أن الاب نهاه عنه، فلا وجه للاستفصال. ويمكن أن يقال: إن الظاهر من بعض فقراتها أن السيد الاول رد البيع، وأظهر عدم رضاه به، فلو كان البيع مع رده صالحا لتعقب الاجازة لكان صالحا له مع نهيه بالاولوية وبدلالة الالتزام. ولو قيل: إن الاجماع قائم على الهدم مع الرد فلا معنى للاخذ بدلالة الالتزام مع بطلان الحكم في المطابقة يقال: إن الاجماع لم يهدم الدلالة بل قام على أن الرد يوجب الهدم، ودليل حجية الخبر الواحد شامل للمعنى المطابقي والالتزامي في عرض واحد، وليست حجيته في الالتزامي تابعة لحجيته في المطابقي، فإذا سقطت الحجية في المعنى المطابقي بقيت في المعنى الالتزامي، نظير ما يقال في الدليلين المتعارضين: إنه لا مانع من نفي الثالث بالالتزام. وبازاء هذا البيان بيان آخر للدلالة على البطلان، وهو دعوى أن الرد بعد تحقق العقد إذا كان هادما فالنهي أولى بالهدم، لان الدفع أهون من الرفع، وهدم الموجود أصعب من المنع عن الوجود، فإذا قام الاجماع على أن الرد هادم يفهم منه أن النهي هادم. وفيهما ما لا يخفى، سيما في دعوى الاولوية وحجيتها، ودعوى القطع مجازفة، مضافا إلى ما مر من عدم دلالة الصحيحة على أن السيد قد رد البيع، فراجع. مع الفرق بين مثل الخبرين المتعارضين، حيث يمكن الاخذ بلازمهما، لعدم الدليل على عدم الملزوم واحتمال صدق أحدهما وبين مثل المقام مما قام الاجماع فرضا على عدم الملزوم اللازم منه عدم اللازم، وقد قلنا في محله: إن دلالة الالتزام من دلالة المعنى على المعنى، والانتساب إلى اللفظ

[ 141 ]

مسامحة، فمع عدم المعنى الملزوم لا معنى لبقاء اللازم، تأمل. وأما دعوى أن النهي باق آنا ما بعد البيع وهو كاف في الرد فليس بشئ ضرورة عدم بقائه بعد وجود المنهي عنه، ووجود الكراهة لا يوجب الهدم. وأما الروايات الواردة في المضاربة والاتجار بمال اليتيم فقد مر الكلام فيها، وأنها أجنبية عن المقام وأما بيع الفضولي لنفسه فالمنسوب إلى المشهور صحته، واستدل لها بالعموم والاطلاق وبعض ما تقدم من الشواهد. أقول: يتوقف التمسك بالعمومات على رفع بعض الاشكالات التي لو تمت لم تصح التمسك بها لتصحيحه، بل مع احتمال تماميتها تصير الشبهة موضوعية بالنسبة إلى العمومات والاطلاقات. منها - أن ماهية البيع عبارة عن تبادل المالين في الملكية أو تمليك العين بالعوض، وهو متقوم باخراج العين عن ملك مالكها وإدخالها في ملك المشتري بازاء الثمن وإدخاله في ملك البائع، ولا يمكن للفضولي في البيع لنفسه قصد هذا المعنى جدا، لا التمليك الجدي فعلا ولا تملك الثمن كذلك، مع أن الفضولي يريد لنفسه إدخال العين في ملك الطرف وتملك الثمن بازائه. فأجابوا عنه بوجوه: الاول - ما أفاد الشيخ الاعظم (قده) بقوله: (إن قصد المعاوضة الحقيقية مبني على جعل الغاصب نفسه مالكا حقيقا وإن كان هدا الجعل لا حقيقة له، لكن المعاوضة المبنية على هذا الامر غير الحقيقي حقيقية نظير المجاز الادعائي في الاصول) انتهى. وهو يحتمل وجهين أحدهما - أن يدعي الغاصب ملكية العين لنفسه، فيصير مالكا إدعاء. ثانيهما أنه ادعى كونه مالكا أي مغصوبا منه،

[ 142 ]

وهنا وجه آخر، وهو دعوى كون المغصوب منه هو، وهي عكس الدعوى السابقة. وعلى أي تقدير إن هذا الوجه غير مرضي، لاستحالة حصول الجد والتمليك الحقيقي و التملك كذلك مع الالتفات إلى هذه الحقيقة الادعائية فان المدعي يرى نفسه مالكا إدعاء ومجازا لا حقيقة، فكيف يتمشى منه الجد على التمليلك الواقعي مع موقوفيته على المالكية الحقيقية، فكل ما يبتنى على الحقائق الادعائية لا يخرج عن الادعائية، ولا يدخل في حيطة الحقيقية حتى عند المدعي. ومنه يظهر النظر في كلام من قال: (إن الغاصب يغصب الاضافة المالكية ويسرقها) ضرورة ان السرقة الحقيقية غير ممكنة ولا واقعة والسرقة الادعائية لا تدفع الاشكال. وقد يقال: إن القصد المتقوم به العقد يتصور على وجوه: أحدها. ما عن المحقق التستري (قده) من أنه القصد إلى اللفظ مع الالتفات إلى المعنى، وربما يعبر عنه بالقصد الصوري الناقص. ثانيها - ما عن الشيخ الاعظم (قده) من اعتبار أمر زائد، وهو أن يكون المضمون مرادا جدا في نظره بأن يريد إيجار النقل جدا بنظره، ثالثها - هو قصد التسبب بالانشاء إلى الملكية الشرعية أو العرفية، فعلى المسلكين الاولين يصح التنزيل والبناء جدا في تحقق العقد، بخلاف الثالث، فان الملكية العرفية والشرعية لا تقع بانشائه، فلا يمكن القصد إلى التسبب به. وفيه - بعد الغض عن الاشكال الواضح فيما اختاره أي الوجه الثالث وهو أن التسبب إلى الملكية التي هي أمر اعتباري غير ممكن من العاقد، فان للاعتبار العقلائي أو الشرعي مبادئ خاصة به لا يعقل أن يكون الانشاء من العاقد علة له، ولا تكون للملكية واقعية غير الاعتبار حتى

[ 143 ]

تكون الاسباب اسبابا لها، وما أفاده في خلال كلامه من أن المنشئ ينشئ الملكية بعد القبول في الاصيل، وبعد الاجازة في الفضولي مع كونه خلاف الواقع في الانشاءات المتداولة غير ممكن في نفسه، لان المسبب الحاصل من فعلين أحدهما الايجاب والثاني القبول أو البيع والاجازة لا يمكن التسبب إليه بالايجاب حتى بعد القبول، لان القبول والاجازة دخيل لا كاشف محض - أن التصديق بأن البناء مجد جدا على المسلكين غير مرضي، بل على مسلك الشيخ (قده) لا يكون مفيدا جدا لما مر من الاشكال. نعم لا يبعد أن يكون مراد صاحب المقابيس ما ذكرناه من أن العقد عبارة عن المبادلة المنشأة بالانشاء اللفظي أو العملي، والنقل الواقعي الاعتباري غير دخيل في ماهية العقد، وعليه لا يحتاج في الدفاع عن الاشكال العقلي إلى ما تشبث به الشيخ الاعظم (قده). وظاهر كلام المحقق التستري (قده) وإن كان غير ما ذكرناه، لكن مع وضوح بطلان ظاهره وعلو مقام متكلمه لا استبعد ذلك، وإلا فمجرد القصد إلى اللفظ مع الشعور بالعمنى لا يعقل أن يكون عقدا، فان الاستعمال التصورى أيضا كذلك، فمراده بالقصد الصوري الناقص لا يبعد أن يكون نظير الارادة الاستعمالية في العمومات المخصصة، فان في مورد التخصيص يكون استعمال اللفظ في معناه جدا، ولا يكون العام مستعملا في الخاص ولا الاستعمال هزلا غير جدي، بل اللفظ مستعمل جدا في معناه وان لم يكن بجميع أفراده موضوعا للحكم جدا، فماهية البيع عبارة عن التبادل الانشائي لا الواقعي الاعتباري، فتدبر. ثم اعلم إن هاهنا إشكالا عقليا: هو ما ذكر، وهو يختص بالغاصب الملتفت، و إشكالا عقلائيا: هو أن البيع عبارة عن تمليك العين بالعوض وهو متقوم بدخول الثمن في ملك من يخرج من ملكه المثمن، وهذا

[ 144 ]

المعنى لا يتحقق في بيع الغاصب لنفسه ولو تمشى منه القصد أو تفصي عن الاشكال العقلي. وبالجملة ان ماهية البيع تنافي بيع الغاصب لنفسه، فلا مجال للتمسك بالادلة والعمومات، بل لا بد من تأويل ما لو فرض دلالته على الصحة. وقد يجاب عنه بأن الغاصب بعد دعوى المالكية يبيع للمالك، ويدعي أنه هو، وهو يحتمل وجهين: أحدهما - أنه يدعي المالكية لنفسه، ويبيع لعنوان المالك بما هو، ويدعي أنه هو، وثانيهما - أنه يدعي كونه مغصوبا منه ويبيع له، فلا يكون البيع على التقديرين من الفضولي لنفسه، ولو تم ذلك لا ندفع الاشكال العقلي والعقلائي. لكن الشأن في صحته، لان الدعوى المذكورة لا يوجب إيقاع البيع لعنوان المالك أو لشخصه، بل لازمها إيقاعه لنفسه بدعوى المالكية كما أن مدعي الاسدية يدعي أنه أسد وهو شجاع، لا أن الاسد شجاع، ومن ادعى انه يوسف يريد اثبات الجمال لنفسه، لا إثباته ليوسف عليه السلام ودعوى كونه إياه، ومن واضح في الاشباه والنظائر، فمدعي المالكية يبيع لنفسه ويأخذ الثمن بدعوى استحقاقه. والذي يمكن أن يقال في جواب الاشكال العقلي: أن الايجاب والقبول في البيع وسائر الاسباب في المعاملات لا تكون أسبابا واقعية وعللا لايجاد الملكية أو الزوجية ونحوهما، ضرورة ان المذكورات أمور اعتبارية لا واقعية لها في غير صقع الاعتبار، ولو كان الاعتبار اعتبار أمر خارج فلا تكون الملكية من الاوصاف التكوينية الموجودة في الخارج، بل لو كان لها خارجية تكون خارجيتها خارجية اعتبارية لا واقعية، فلا يعقل أن تكون الاسباب عللا لها، لعدم إمكان عليتها لاعتبار العقلاء، بل له مباد خاصة به، فانشاء الملكية أينما تحقق لا يوجد الملكية، بل قد يكون

[ 145 ]

موضوعا لاعتبار العقلاء كالايجاب والقبول من الاصيلين، فالبائع الاصيل لما رأى موضوعية الايجاب المقارن للقبول لاعتبار العقلاء ينشئ الايجاب لغرض مقارنته للقبول، وصيرورتهما موضوعا لذلك، والبائع الفضولي للمالك ينشئ تمليك العين بالعوض لغرض تعقبه بالاجازة وترتب الاثر عليه، والبائع المكره ينشئ تمليك العين بالعوض للفرار من الضرر المتوعد، والغاصب ينشئ تمليك العين بالعوض لجلب المنفعة، وهو أخذ الثمن. ففي جميع الموارد لا يكون إيجاد السبب موجبا لوجود المسبب أي الملكية، وليس التمليك والتملك الواقعيان من قبيل الايجاد والوجود أو الكسر والانكسار، بل الايجاب والقبول موضوع لاعتبار العقلاء، وفي جميع الموارد المذكورة يكون قوله: (بعت هذا بهذا) و (قبلت) على وزان واحد وإن كان الاغراض مختلفة، فلا وقع للاشكال المتقدم. وأما الجواب عن الاشكال الآخر فهو أن ماهية البيع عبارة عن مبادلة المال بالمال، وهذا البيع لا يتقوم باخراج المال عن ملك البائع وإخراج العوض عن ملك الطرف، كما في بيع الوقف أو بيع وقف بمال وقف بناءا على عدم كون الموقوفة ملكا لاحد وكمبادلة الزكاة بمثلها من وليين شرعيين. نعم بعد تأثير الايجاب والقبول بالمعنى الذي تقدم وصيرورة العين ملكا للمشتري غالبا وفي المعاملات المتعارفة يسقط ملكية البائع عن المبيع وملكية المشتري عن الثمن، وهذا غير كونهما داخلا في ماهية المعاملة، فالمعاملات المتعارفة من الفضولي لنفسه بل كل متعامل هي المتبادلة بين المالين من غير كون خروج العين من الملك ودخول الثمن في الملك في حريم الانشاء فبيع الفضولي لنفسه كبيع الفضولي للمالك، بل كبيع الاصيلين في مقام الانشاء، فقول: (بعتك بدرهم) من الفضولي البائع كقول الاصيل:

[ 146 ]

(بعتك بدرهم) إلا أن بيع الاصيل بتعقب القبول يصح ويصير موضوعا للاثر، وبيع الفضولي يحتاج إلى الاجازة، وبالاجازة يدخل الثمن في ملك البائع، والمثمن في ملك المشتري، ونية الفضولي كون الثمن داخلا في ملكه لو فرض إمكانه أو دعواه كونه منه أو اعتقاد الجاهل به غير مربوط بماهية المعاملة والبيع. وعلى ذلك يدفع إشكال عدم لحوق الاجازة بالبيع المذكور، وأن ما وقع غير مجاز، والمجاز غير واقع. وقد اتضح أن هذا الجواب يدفع الاشكالين، والعجب أن الشيخ الاعظم (قده) أفرد جواب الاشكال الاول بما هو واضح الاشكال، وأجاب عن الثاني بما ذكر، مع أنه مع تمامية ذلك لا وقع للاشكال الاول حتى يجاب عنه. وأما ما عن المحقق القمي (قده) في دفع الاشكال فهو لا يخلو من غرابة، ولعل مراده غير ظاهر كلامه، وإلا فصدوره من مثله غير متوقع، هذا كله في الانشاءات والبيوع المتعارفة. وأما لو فرض كون المشتري فضوليا غاصبا لدراهم فان قال: (تملكت العين بالدراهم) أو (ملكتها بها) فالظاهر أيضا صحة لحوق الاجازة به، لان معناه المطاوعي يرجع إلى، (قبلت التمليك) لا صرت مالكا أو جعلت نفسي مالكا، فانه ليس معنى مطاوعيا، ولا يصح القبول به، ولو قال الفضولي البائع: (بعتك هذا من نفسي بعشرة دراهم لنفسي) فلا يبعد إلغاء القيدين وصحة الفضولي للمالك، لان تقييد العين الشخصية المبيعة لا يؤثر شيئا بعد كونها لمالكها، نظير تقديم الاشارة على القيد في (بعت هذا الفرس العربي) فإذا ألغى القيد في البيع لا يبعد لغويته في الثمن أيضا تحقيقا لحقيقة المعاوضة.

[ 147 ]

وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في الدفاع عن الاشكال فقد مر ما فيه، وقضية ثبوت الحكم في الجهات التقييدية لنفس القيد لو صحت في محله لا تصح في المقام، ضرورة أن مدعي الملكية يريد بيع المملوك لنفسه بدعوى المالكية، لا للمالك أو لنفسه بما هو مالك، ولا له ودعوى كونه إياه. وربما يقال: إن الاجازة لعقد الفضولي لنفسه موجبة لصيرورة، العوض ملكا للفضولي، نسب إلى كاشف الغطاء في شرحه على القواعد، ونقل عن بعض تلاميذه في ذلك وجهان: أحدهما - أن قضية بيع مال الغير عن نفسه والشراء بمال الغير لنفسه جعل ذلك المال لنفسه، حتى أنه على فرض صحة ذلك البيع أو الشراء يتملكه قبل انتقاله إلى غيره ليكون انتقاله إليه عن ملكه، نظير (اعتق عبدك عني) أو قال: (بع مالي عنك) فهو تمليك ضمني حاصل بالبيع أو الشراء. وفيه أن صحة نحو: (اعتق عبدك عني) بنحو يكون العتق من مال الآمر ممنوعة، بل غير ممكنة، لان ذلك لو فرض كونه بمنزلة استيهاب العبد لكن صيرورة صيغة العتق بوحدتها إيجابا للتملك وموجبا للعتق من ماله غير ممكنة، لانهما أمران مترتبان لا يعقل تحققهما بصيغة واحدة بحيث يصير إنشاء العتق مملكا ومخرجا له من مال المالك الذي يصير مالكا بهذا الانشاء. نعم يمكن القول بالصحة في مثل: (اعتق عبدي عنك) بأن يقال: إن قوله ذلك إيجاب للتمليك. ولا يلزم في القبول إلا ما دل على الرضا فقوله: (اعتقته) قائم مقام القبول بمجرد التلفظ بأول حرف منه، فيصير مالكا قبل تحقق إنشاء العتق، فيرد إنشاؤه على ملكه، ولا يلزم الملكية قبل الشروع في الانشاء، وبهذا يظهر صحة (بع مالي عنك)

[ 148 ]

مريدا به إنشاء التمليك، فان إيجابه بمنزلة القبول وإيجاب المعاملة اللاحقة فيصير ملكا له بأول حرف منه قبل تمامية البيع. فان قلت: يمكن تصحيح (اعتق عبدك عني) بنحو ما ذكرت في (اعتق عبدي عنك) بأن يقال: إن (أعتق عبدك عني) إيجاب للتمليك لنفسه فضولا، فاظهار الرضا بأول حرف موجب للتملك، والعتق يقع في ملكه. قلت: لا يصح الجمع بين التمليك والامر بالعتق من ماله بصيغة واحدة، ولو أنشئ الامر بالعتق للانتقال إلى التمليك بقي التمليك بلا إنشاء لفظي، وهو غير صحيح، ولو أنشئ التمليك بالامر الكذائي بقرينة بقي العتق غير مأمور به، وهو خلاف الفرض، وإنشائهما معا بنحو الاستعمال في أكثر من معنى غير ممكن في المقام ولو قلنا بالصحة في العرضيات، مع أن إنشاء الامر بالعتق مع عدم قيام قرينة موجبة للظهور في التمليك لا يصلح له، ومع قيام قرينة صارفة لا يكون أمرا بالعتق، وأما في مثل: (اعتق عبدي عنك) لو أنشئ به التمليك لا حاجة إلى الامر بالعتق، فانه بالتمليك يصير ملكا باظهار القبول، والعتق من ماله لا يحتاج إلى أمر، بخلاف العتق من مال الآمر، فتدبر. هذا حال الاذن أي قوله: (بع مالي عنك). وأما الاجازة فالظاهر أنها من قبيل (اعتق عبدك عني) ولا يمكن تصيحيها بمعنى صيرورة المال بها ملكا للفضولي وخارجا عن ملكه إن كان قوله: (بعت لنفسي) استيهابا لتكون الاجازة تمليكا وإخراجا للملك بعده، وإن أريد تصحيحه بما ذكر في (اعتق عبدي عنك) يأتي الاشكال المتقدم من عدم صلاحية قوله: (بعته عن نفسي) للامرين. مع أن هنا إشكالا آخر - وهو أن ما ذكره القائل بقوله، كما أن

[ 149 ]

الاجازة المذكورة تصحح البيع والشراء كذلك تقتضي بحصول الانتقال الذي يتضمن البيع الصحيح - لا يمكن تصحيحه بوجه، لانها إن تعلقت بنفس المبادلة فلا تنفع لما رامه، وإن تعلقت بالتمليك الضمني على فرضه فكذلك، وصارت المسألة من قبيل من باع ثم ملك، وسيأتي الكلام فيه، وإن تعلقت بالبيع المشتمل على التمليك لا يمكن تصحيحه بما أراد، لان مراده إن كان تصحيح البيع والتمليك عرضا فلا يمكن كما تقدم، مضافا إلى أن التمليك إذا تحقق لا وقع لاجازته للبيع، وإن كان المراد تصحيح البيع أولا وكشف مالكية الفضولي من صحته ففيه أن الاجازة الواقعة في محلها لا يمكن أن تكشف عن الملك قبل البيع، فان ذلك مستلزم للكشف عن عدم وقوع الاجازة في محله، ضرورة أن بيع الاصيل لا يحتاج إليها، هذا حال مقام التصور. وأما بحسب مقام الاثبات والتصديق فلا شبهة في أن الفضولي الغاصب لا يريد بالبيع إنشاء التمليك لنفسه، بل هو بان على أن المال ماله والاجازة لا توجب تأثيرا فيما بنى عليه. ولو قيل: إن الغاصب يبيع ويأخذ الثمن لنفسه، فإذا أجاز المالك ما فعل الفضولي أي أجاز البيع والاخذ لنفسه يكون البيع صحيحا فيصير الثمن ملكا لمالك المبيع ويكون موضوعا للاجازة، فتكون الاجازة هبة، عكس ما قرره تلميذ الشيخ، ولا مانع من انحلال الاجازة وانطباقها أولا على المتقدم، وبعد وجود الموضوع تنطبق على المتأخر، كالاجازة في المعاملات المتسلسلة المترتبة. قلت: هذا وجيه إذا كان الغاصب قصد التملك، دون ما إذا قصد صرف المال غصبا كما هو دأب الغاصبين، نعم الاجازة موجبة لجواز التصرف في مال المجيز.

[ 150 ]

ثانيها - أنه لا دليل على اشتراط كون أحد العوضين ملكا للعاقد في انتقال بدله إليه، فلو قال: (بع هذا لنفسك) فباع ملك الثمن وان خرج المثمن عن ملك غيره، وربما يستشهد لذلك بمساعدة العرف لمثل اشتراء الثوب لولده أو لبعض السادة، فيخرج الثمن من ملك المشتري ويدخل المثمن في ملك الولد. وفيه أن ذلك مخالف لماهية البيع التي هي مبادلة مال بمال أو تمليك عين بعوض، والامثلة الموهمة ليست على ما ذكر، بل هو بيع لنفسه وإعطاء للولد بعده، ويراد بقوله: (أبيع لولدي) انتفاعه به، نظير (اشتريت الجل لفرسي والفراش لمنزلي). وأما الاشكال في الفضولي بأن المشتري الاصيل العالم بكون البائع لنفسه غاصبا قد سلطه على الثمن فليس له الرجوع إليه إذا رد المالك على ما حكي عن الاصحاب، وهو كاشف عن عدم تحقق المعاوضة الحقيقية، وإلا كان له ذلك، فإذا أجاز المالك لم يملك الثمن لسبق اختصاص الغاصب به، فيكون البيع بلا ثمن ففيه منع عدم جواز الرجوع حتى فيما لو تلف الثمن، فضلا عن حال وجوده، لان التسليط عليه ليس مجانا وبلا عوض، بل في مقابل العين وإن كان البيع فاسدا، نظير تسليطه على ثمن الخمر وآلات القمار وغيرها من المقبوض بالبيع الفاسد، مضافا إلى منع صحة الحكاية. وهنا أمران: الاول - قالوا: لا فرق على القول بصحة الفضولي بين كون المبيع أو الثمن عينا شخصية أو كليا في الذمة.

[ 151 ]

أقول: هو كذلك فيما إذا كان لشخص مال في ذمة الغير فعلا، فباع الفضولي هذا المال المعتبر في ذمة المديون، وأجاز الدائن، وأما إذا أراد بيعه ابتداء من ذمة الغير فيمكن الاشكال فيه بأن الكلي ليس مالا للغير مطلقا بحيث كان كل غني مالكا لنقود وأجناس كلية فعلا بمقدار تمكنه، وهو واضح. وكذلك لو اعتبر الاجنبي في ذمته شيئا نقدا أو جنسا لا يصير مالا له. نعم لو كان الاصيل بنفسه بصدد بيع كلي فعرضه على المشتري يكون مالا ويبذل بازائه المال، ويستقر على عهدته، فلا وقع لاعتبار الاجنبي الفضولي، فيكون بيعه بيعا بلا ثمن أو بلا مثمن. ولو قيل: إن إجازة الاصيل توجب تحقق المالية يقال مضافا إلى أن الاجازة المتأخرة لا بد وأن تتعلق بالبيع، وهو ليس ببيع -: إنها على النقل لا تعقل أن توجد المالية وتصير مصححة للبيع، لانهما أمران مترتبان لا يمكن إيجادهما بانشاء واحد: والكشف الحقيقي غير معقول في المقام، والكشف الحكمي إنما هو بعد صحة البيع، فلا يعقل التصحيح به. والتحقيق أن يقال: إن هاهنا إشكالين: أحدهما - أن البيع مبادلة بين المالين، والكلي ليس بمال، سواء أضيف إلى ذمة أو لا. وفيه منع كونه ليس بمال، بل هو مال لدى العقلاء ولو لم يضف إلى ذمة، فان كرا من الحنطة باعتبار قابليته للوجود له قيمة لدى العقلاء، فيقال: إن الكر منه يساوي عشرين دينارا مثلا ومثقالا من الذهب يساوي كذا، والا فبالاضافة إلى الذمة لا يصير مالا، ضرورة أن الاضافة الناقصة التصورية لا يعقل أن تكون موجبا لذلك، وعروض التمام عليها بعد الانشاء مضافا إلى عدم الدليل على إيجابه ذلك لا يفيد، للزوم كون المالية قبل إيقاع المعاملة حتى يصدق عليها البيع، ولا يعقل أن

[ 152 ]

يكون الانشاء موجبا للمالية في الرتبة السابقة وموجبا لبيع المال في اللاحق، فالحق أن الكلي الذي مصاديقه مال يصدق عليه المال عرفا، فلا إشكال من هذه الناحية، بل الاضافة إلى الذمة توجب صيرورته كليا عقليا غير قابل للوجود، فتكون الاضافة سالبة للمالية لا موجبة لها. ثانيهما - أن البيع عبارة عن تبادل الاضافتين، فلا بد من أن يكون الكلي مالا للبائع، مع أنه بدون الاضافة إلى ذمته ليس مالا له بلا إشكال، والاضافة التصورية لا توجب الملكية، سيما إذا كانت من الاجنبي، والاضافة التامة تتحقق بعد الانشاء، فلا يعقل أن يكون الانشاء موجبا لملكية الكلي والخروج عن ملكه ولو إنشاءا، كما لا يعقل أن تكون الاجازة موجبة لذلك، فانه على النقل يأتي الاشكال المذكور، ولا يعقل الكشف الحقيقي في المقام، والكشف الحكمي لا يمكن أيضا، لانه انما هو بعد صحة البيع بالادلة العامة، ولا يعقل أن يكون كاشفا أو موجبا لانطباق الادلة. والجواب منع كون البيع عبارة عن تبادل الاضافتين المذكورتين، بل البيع عبارة عن مبادلة المالين، ولا يتوقف ذلك على كون المال ملكا بل التبادل بين المالين قد يكون في الملك كما هو الغالب الشائع، وقد يكون في غيره كتبادل مال الوقف في الاوقاف العامة لو قلنا بعدم ملكيتها حتى للجهات، فان البيع صحيح إذا وقع من وليها، وتمليك العين بالعوض صادق عليه، وكذا مبادلة المال بالمال، مع أنها لا تخرج بالبيع عن ملك أحد، ويصير العوض وقفا عاما، وكذا الحال في بيع الزكاة والخمس بناء على عدم كونهما ملكا للفقراء أو للجهة، بل الظاهر الصدق في بيع الطير في السماء والسمك في البحر مع القدرة على التسليم، وبيع الحر عمله وبيع الشخص ما في ذمته مشتركان في إلاشكال مع المورد، والدفع ما ذكرناه،

[ 153 ]

كما مر في أوائل البيع. ثم إن تعيين الكلي في الذمة، باضافة البيع إليها في اللفظ بأن يقول: (بعت من قبل زيد) أو يقول: (بعت من زيد) أو بنية ذلك. وأما إضافة الكلي إليها فقد مر الاشكال فيه، ولو قيل: يبيع من ذمته على أن تكون الذمة ظرفا لا قيدا قلنا: ليس الكلي موجودا ولو اعتبارا في الذمة ليكون صاحب الذمة مالكا لجميع ما يمكن اعتباره فيها، نعم يمكن التعيين بالجعل انشاءا على الذمة فيقول: (بعت على ذمة فلان) ويكون المراد من (ذمة فلان) ذلك. فلو ذكر في اللفظ ذلك فأجاز فالظاهر صحته ووقوعه لصاحب الذمة، كما في غيره من الفضولي، ولو رده يقع باطلا، ولو قيل: إذا لغا القيد بقي البيع بلا قيد صحيحا راجعا إلى العاقد يقال: إن الاضافة ولو بالقصد توجب التعيين، والرد لا يوجب إلغاء القيد من الاول حتى يدعى الانصراف إلى العاقد، مضافا إلى أن تعيين العاقد مع عدم اللانتساب إلى الغير ليس لاجل الانصراف، بل لاجل التعيين الارتكازي من العاقد، ومع قصد غيره لا معنى لذلك. ولو لم يذكر القيد في اللفظ ونوى ذمة الغير فان أجازه فالظاهر صحته له، وإن رد يقع باطلا من رأس، وإن ألزم العاقد في مقام الظاهر. وقد يقال في هذه الصورة بالصحة واقعا للعاقد مع الرد، ولصاحب الذمة مع الاجازة، قال: (أما وقوعها للعاقد فلامور مسلمة في باب المعاملات: أولها - أن الامور البنائية والاغراض المنوية لا أثر لها، ثانيها - أن الالتزامات العقدية يملكها كل من المتعاقدين، ثالثها - عدم اعتبار تعيين المالكين في المعاوضات، ومقتضاها أن يكون نفس العاقد هو الملزم بالالتزامات الصريحة والضمنية وأن يكون طرفه هو المالك لها عليه

[ 154 ]

فلا وجه لبطلان المعاملة لو رد من قصده العاقد، وأما وقوعها له لو أجاز فلان القصد وإن لم يؤثر في صرف الالتزامات إلى الغير إلا أنه لا ينفك عن أثره التكويني: فيجعل المعاملة كالمادة الهيولانية القابلة لصرفها إلى الغير باجازته، فيكون القصد كجعل التولية للغير، وتكون الاجازة بمنزلة القبول. و فيه أولا أن ما لا أثر له من الاغراض المنوية المترتبة على شراء المبيع مثل شراء الدواء للصحة وشراء الماء للشرب والامور البنائية مثل البناء على اشتراط من غير ذكره في ضمن العقد لا ربط له بالمورد، أي تعيين البائع بالقصد، لعدم الشبهة في حصول التعين بالقصد، فلو قصد الوكيل البيع لنفسه يقع له، ولو قصد لموكله يقع للموكل، وكذا الحال في بيع الولي إلى غير ذلك مما هو المتعارف في سوق المسلمين من التعيين بالقصد من غير ذكر صاحب السلعة، ولا شك في أن العقود تابعة للقصود وليست القصود بلا أثر. ومنه يظهر أن مقدمته الثانية غير مربوطة بالمورد، ضرورة ان الفضولي القاصد للبيع من ذمة الغير ليس طرفا للالتزامات العقدية، ولا يملك المشتري عليه شيئا بحسب الواقع وإن كان ملزما في الظاهر، فلا تنتج المقدمات في إثبات مطلوبه مع أنه بمكان من الضعف، ضرورة أن الكلي بما هو لا يتعين ولا يتعلق بذمة، والتعلق بذمة العاقد البائع إنما هو لاجل التعيين الارتكازي، ومع قصد الخلاف لا معنى لتعلقه بها، ولو قلنا بأن التعلق بها لاجل الانصراف فلا وجه له مع قصد الخلاف أيضا، ولا يؤثر رد الغير في قصد العاقد ولا يجعله لا شئ من أول الامر حتى يقال: إن إطلاق العقد ينصرف إلى كذا. وما ذكرناه هو الفارق بين الكليات والاعيان المملوكة الخارجية،

[ 155 ]

فانها متعينة بلا تعيين، فيمكن أن يقال: إن قصد كونها لنفسه أو خروجها عن ملكه لا أثر له، ومعه تصير المبادلة قهرا بينها وبين الثمن لمالكها الواقعي بخلاف المقام، فان إلغاء القيد لا يوجب اضافتها إلى العاقد، وهو واضح جدا. وثانيا على فرض تسليم كون القصد بلا أثر فلا وجه لصيرورة إلاجازة مؤثرة للصرف، وما ذكره من أن أثره التكويني يجعل المعاملة كالمادة الهيولانية.. الخ لا يرجع إلى محصل، فان القصد لو أثر تكوينا لا بد وأن يكون تأثيره فيما يقصده، وهو الاضافة إلى الغير، فكيف يمكن أن يكون أثر قصد البيع عن ذمة الغير مؤثرا تكوينا في صيرورة المعاملة كالمادة القابلة للصرف إلى الغير، والانصاف أن ما أفاده رحمه الله لا يمكن المساعدة على شئ منه. وحيث عرفت أن قصد البيع للغير أو إضافته إليه يوجب صرف الكلي إليه ظهر التنافي بين إضافة البيع إلى الغير واضافة الكلي إلى نفسه بنحو ما ذكرناه وبالعكس، فلو جمع بينهما وقال: (اشتريت هذا لفلان بدرهم على ذمتي) أو (اشتريت هذا لنفسي بدرهم على ذمة فلان) فان قلنا بأن هذه المبادلة لا تنافي ماهية البيع أو لا مانع من دخول المبيع في ملك شخص وخروج الثمن عن كيس غيره فلا تنافي بين القيدين، ويصح البيع بالاجازة، وإن قلنا بمنافاتها لها فالظاهر بطلان البيع في كلتا الصورتين. وقد مر أن قياس الكلي بالاعيان الخارجية مع الفارق، والكلي والموجود الخارجي في المقام نظير بيع الفرس العربي الكلي وبيع الفرس الخارجي بعنوان العربي، حيث إن الفرس غير العربي لا ينطبق عليه عنوان المبيع، أي الكلي المقيد ولا يصح أن يقال: إن بيع الفرس صحيح والقيد ملغى أو فقد القيد موجب للخيار بخلاف الثاني، فان مع فقد القيد

[ 156 ]

يصح البيع، لوقوعه على الموجود الخارجي، والتقييد لا يوجب عدم وقوعه عليه، بل التخلف موجب للخيار، فالكلي لا تعين له إلا باضافته إلى ذمة، ومع الاضافة إلى ذمة الغير يتعين بها، فلو أتى بما ينافيه لا يتعين بشئ منهما ولا بغيرهما. وما قيل من أنه مع تعارض القيدين وتساقطهما يرجع إلى العاقد، لان المطلق ينصرف إليه بحسب طبعه - في غير محله، لانه - مضافا إلى أن وقوع العقد بلا قيد للعاقد ليس لاجل انصراف المطلق إليه، بل لاجل القصد الارتكازي، ومع فقده لا ينسب إليه - أن التعارض الموجب للتساقط لا يوجب حصول مطلق منصرف إلى العاقد، ضرورة أن الاطلاق عبارة عن الايقاع بلا قيد، وسقوط القيدين لا يوجب عدم القيد من أول الامر. وأما ما قيل في تصحيح الصورة الاولى - أي قوله: (اشتريت هذا لفلان بدرهم على ذمتي) تارة بدعوى كونه متضمنا للهبة، نحو قوله: (اشتر بمالي لنفسك طعاما) وأخرى بارجاعه إلى الضمان، فيكون معناه اشتريت لفلان بدرهم في ذمته، ولكني تعهدت الدرهم وضمنت - ففيه مضافا إلى أنه مجرد تصور خارج عن محل البحث أن التوجيه المذكور للتخلص عن الاشكال الوارد - وهو عدم صحة خروج الثمن عن ملك غير من يدخل المثمن في ملكه، ولا يصح التخلص عنه بالوجه الاول، لان الانشاء الواحد لا يمكن أن يكون مملكا أو إنشاء للتمليك وفي الرتبة المتأخرة أو في الحال المتأخر مخرجا للملك الحادث به عن كيس مالكه ولو إنشاءا، بل الوجه الثاني أيضا غير معقول مع إنشاء واحد بحيث يصير الانشاء مملكا، وفي الرتبة المتأخرة موجبا لضمان ما صار مملكا له. نعم يمكن أن يكون قوله: (اشتريت لفلان بدرهم) إنشاءا مستقلا يراد به أنه في ذمة فلان، وقوله: (في ذمتي) إنشاءا آخر في قوة

[ 157 ]

قوله: (وهو في ذمتي) ويراد به التعهد وضم ذمته إلى ذمة فلان، لكنه مجرد فرض خارج عن مصب الدعوى والكلام. الامر الثاني - الظاهر جريان الفضولي في المعاطاة، لما تقدم من أنها بيع حقيقة، بل هي البيع الشائع في السوق من لدن حضارة البشر وتحقق المبادلات، والمعاملات اللفظية كانت في موارد خاصة ومتأخرة عن المعاطاة، وعليه فشمول أدلة الانفاذ لها أولى من المعاملات اللفظية. ثم من الواضح أن الاعطاء التكويني والتقابض الخارجي بما هو أمر تكويني ليس سببا وإنشاءا للمعاملة، بل الاعطاء بعنوان إيقاع البيع سبب أو موضوع لحكم العقلاء واعتبارهم، فكما أن إنشاء المعاملة باللفظ موضوع لحكمهم كذلك الانشاء بالفعل، وكما ان انشاء الفضولي باللفظ قابل للحقوق الاجازة واعتبار العقلاء وحصول موضوع اعتبارهم كذلك الانشاء بالفعل. والخلط بين القبض والاقباض تكوينا وبين ما هو موضوع حكمهم صار سببا لاشكال بعضهم في جريان الفضولي في المعاطاة حتى بناءا على حصول الملك بدعوى (أن الفعل الواقع من الفضولي لا يعنون إلا بعنوان الاعطاء والتبديل المكاني، وأما تبديل طرفي الاضافة فمصداقه إما إيجاد المادة بالهئية وإما فعل المالك، فانه حيث يقع في مقام البيع والشراء يعنون بالعنوان الثانوي بتبديل طرفي الاضافة، والفرق بينه وبين القول هو أنه يمكن إنفكاك حاصل المصدر من المصدر في الانشاء القولي، فإذا أجاز المالك وأسنده إلى نفسه وقع له، وأما الفعل فاسم المصدر منه لا ينفك عن مصدره، بمعنى أنه ليس للاعطاء اسم مصدر غير العطاء، وهذا لا ينفك عنه، وباجازة المالك لا ينقلب الفعل عما وقع عليه) انتهى. وأنت خبير بما فيه، فان الفعل من الفضولي الصادر بعنوان البيع

[ 158 ]

يكون له عنوان ذاتي: هو الاعطاء والاقباض، وعنوان ثانوي باعتبار صدوره عن قصد المعاملة، وبهذا الاعتبار يكون بيعا فضوليا معاطاتا وإيقاعا للتمليك وقابلا للاجازة، وبها تتحقق الملكية الاعتبارية كما في الانشاء القولي طابق النعل بالنعل فنفي تبديل طرفي الاضافة عنه والحصر في القول وفي الفعل الصادر من المالك لا وجه له وبالجملة بيع الفضولي المعاطاتي مركب من أمرين صحيحين: الفضولي والمعاطاة الموافقين للقاعدة. وأما الاشكال عليه بأن الاقباض محرم فلا يحصل به البيع - بدعوى أن المبغوض والمنهي عنه لا يمكن أن ينفذه الشارع الاقدس - ففيه - مع أن التحريم لا يدل على الفساد - أن النهي عنه هو التصرف في مال الغير بلا إذنه، وعنوان المعاملات غيره وإن اتحدا في الخارج، والانفاذ القانوني غير الناظر إلى المصاديق والعناوين المنطبقة على المعاملات خارجا غير انفاذ المحرم بعنوانه، مضافا إلى ما مرت الاشارة إليه سابقا بأن المحرم على الفرض هو البيع قبل وجوده، والانفاذ له بعده، فلا مزاحمة بينهما، فلا مانع من حرمة البيع وشمول أدلة النفوذ له على فرض تحققه. وأما الجواب عنه بأن النهي لو دل على الفساد لدل على عدم ترتب الاثر المقصود، وهو استقلال الاقباض في السببية، فلا ينافي كونه جزء سبب كما افاد الشيخ الاعظم (قده) ففيه أن النهي إذا اقتضى الفساد وعدم ترتب الاثر المقصود يقتضي عدم ترتب الاثر الناقص أيضا. وبعبارة أخرى إما أن يكون النهي إرشادا إلى الفساد، فلا يفرق فيه بين الاثر الناقص أي جزء السبب والتام، وإما أن يكون التحريم، وهو لا يجامع إنفاذ المعاملة، فلا يفرق أيضا بينهما. هذا بناءا على ما هو التحقيق من حصول الملكية بالمعاطاة، وأما بناء على الاباحة فان كانت مالكية فيمكن أن يقال بجريان الفضولية فيها،

[ 159 ]

لان الاباحة المالكية ليست بمعنى الاباحة استقلالا وابتداء، بل ما صدر من المتعاطيين ليس إلا البيع، والقائل بالاباحة يقول: إن المعاملة متضمنة للاباحة كما يقال في المقبوض بالبيع الفاسد. وهذا وإن كان خلاف التحقيق لكن بناء عليه يمكن أن يقال: إن الاجازة متعلقة بالبيع المتضمن للاباحة، فإذا ثبت بالاجماع عدم حصول الملكية في المعاطاة تؤثر الاجازة في الاباحة الضمنية، ويأتي اختلاف النقل والكشف فيها أيضا، فيقول القائل بالكشف: إن الاجازة توجب الاباحة من أول الامر أو إن الاباحة التقديرية كافية، والقائل بالنقل يقول: إن إجازة البيع توجب الاباحة من حينها. وإن كانت الاباحة شرعية فان قلنا بأن القاعدة تقتضي صحة المعاطاة، والاجماع قائم على عدم حصول الملك وحصول الاباحة شرعا فيجري فيها الفضولي أيضا، لان مقتضى القاعدة صحتها، فان قلنا بالاقتصار على المتيقن من الاجماع نلتزم في الفضولي بحصول الملك، لعدم ثبوت الاجماع فيه وإن قلنا بأولوية الفضولي في شمول الاجماع له نقول بالاباحة فيها أيضا، إلا أن يقال: إن الاباحة ثبتت بالاجماع من غير دخالة البيع، وهو كما ترى. نعم بناء على أن المعاطاة على خلاف القاعدة وأن ثبوت الاباحة بالاجماع لا يجري الفضولي فيها. القول في الاجازة والرد قد اختلف كلماتهم في أن الاجازة ناقلة أو كاشفة، ولا بد قبل الورود في بيان القواعد من البحث عن إمكان كل منهما، إذ مع امتناع واحد منهما أو كليهما لا محيص عن طرح القواعد وتأويل الادلة، فالاخذ

[ 160 ]

بها فرع عدم الامتناع أو عدم ثبوت الامتناع. فقد يقال بامتناع النقل، للزوم تأثير المعدوم، فان العقد حال الاجازة معدوم، والاجازة ليست تمام السبب في النقل، بل البيع دخيل إما بنحو تمام السبب أو جزؤه، وكلاهما ممتنع، لامتناع دخالة العدم شرطا أو جزءا وفيه ما مر من أن ما صار معدوما هو ألفاظ المعاملات والعقود، وأما المعنى المنشأ فله بقاء اعتباري، ولا يحتاج في باب الاعتبارات إلى ازيد من ذلك، وليس العقود مؤثرات نحو تأثير العلة والسبب، بل هي موضوع اعتبارات العقلاء والشارع الاقدس، والسند للبقاء الاعتباري عند العقلاء هو صحة فسخ العقود الخيارية، وصحة الاقالة، وصحة لحوق القبول بالايجاب عرفا، إلى غير ذلك مما هو مبني على بقاء العقد، فالاجازة ليست لاحقة بأمر معدوم، كما أن المعدوم لم يكن مؤثرا ولا موضوعا للحكم. وقد يقال في الجواب: إن المنشا بنظر المنشئ لا يتخلف عن الانشاء، وانما المتخلف هو المنشأ في عالم الاعتبار العقلائي أو الشرعي، وهو إذا كان متوقفا على رضا المالك لا يتحقق بمجرد إنشاء الفضولي. وفيه - بعد فساده في نفسه، فان المراد بالمنشأ إن كان النقل الاعتباري واقعا بحيث صار التبادل بين العوضين حاصلا فلا يعقل حصوله عند المنشئ الفضولي بعد التفاته إلى أن النقل الواقعي منوط باجازة المالك، اللهم إلا أن يكون ذاهلا أو جاهلا، وإن كان المراد حصول المنشأ أي العناوين الانشائية كالبيع ونحوه فلا شبهة في حصوله بنظر الكل، ضرورة إن المنشأ قبل الاجازة بيع وإجازة ونحوهما - أنه غير مربوط بالاشكال، بل تسليم له، إلا أن يقول بأن الاجازة تمام السبب من غير دخالة البيع بوجه، وهو كما ترى. وربما يقال بامتناع الكشف، لاستلزامه القول بالشرط المتأخر، وهو

[ 161 ]

محال، لمساوقته لتأثير المعدوم، وتقدم المعلول على العلة. وقد أجابوا عنه بوجوه ذكرنا بعضها في الاصول، ولا بأس بالاشارة إلى بعضها، فمنهم من ذهب إلى صحة الشرط المتأخر حتى في التكوينيات، قائلا: إن المقتضي هو حصة خاصة من الطبيعي حاصلة باضافته إلى شئ ما، والمضاف يسمى شرطا، والمؤثر نفس الحصة، وما هذا شأنه جاز أن يتقدم على المضاف إليه أو يتأخر أو يقارن. وفيه أن المؤثر في التكوين هو نحو وجود حقيقي حاصل من مبادئه الوجودية، ولا يعقل حصوله بالاضافات الاعتبارية، فقياس التكوين على التشريع في غير محله، مع أن الاضافة إلى المعدوم محال في المقولية منها والاعتبارية، أما في المقولية فواضح، ضرورة تكافؤ المتضائفين قوة وفعلا، وأما في الاعتبارية فلاستلزامه الاشارة إلى المعدوم بما هو معدوم، والضرورة قاضية بعدم إمكان كون العدم مشارا إليه، ولا موضوعا لحكم أو لاشارة نعم قد يتخيل مفهوم المعدوم ويشار إليه، فالاشارة إلى الموجود ذهنا لا إلى المعدوم، وهو واضح. ومنهم من أراد التخلص عن الشرط المتأخر، كالمحقق الخراساني (قده) حيث ذهب إلى أن العلة في الامور الاعتبارية التي لا وجود لها إلا بمنشأ انتزاعها ليس إلا لحاظ ما هو منشأ الانتزاع، فكما يمكن لحاظ المقارن يمكن لحاظ المتقدم والمتأخر، وما هي علة مقارنة. وفيه أن الملحوظ بالعرض لا بد وأن يكون له خصوصية بها يكون منشأ للانتزاع، وإلا صح انتزاع كل شيئ عن كل شئ، فالاجازة فيما نحن بصدده لو لم تكن دخيلة بوجه من الوجوه في صحة العقد فلا وجه للحاظها وانتزاع أمر منها أو اعتباره حتى يقال: إنها بوجودها اللحاظى كذلك وإن كانت كذلك دخيلة فدخالتها في حال العدم محال، فلا بد وأن تكون

[ 162 ]

حال وجودها ذات خصوصية كذلك، ومعه لو لوحظت وأريد الاعتبار بلحاظ حال الوجود فلا كلام، ولا ربط له بما نحن بصدده وإن أريد الاعتبار لحال عدمها فلا يعقل، لفقد الخصوصية اللازمة، فهل يمكن لحاظ حصول الزوجية غدا لاعتبارها حالا؟!. وكالمحقق صاحب الفصول (قده) تبعا لاخيه المحقق على ما حكي، حيث ذهب إلى أن وصف التعقب بالاجازة شرط لا نفسها، وهو حاصل حين العقد. وفيه أن الاوصاف الاضافية لا يعقل الاتصاف بها فعلا إلا مع اتصاف مضائفاتها فعلا فلا يعقل انتزاع الابوة أو الاتصاف بها إلا مع فعلية اتصاف شخص آخر بالولدية، وعنوان التعقب والتقدم والتأخر من الاضافيات، فلا بد وأن يكون المتأخر موصوفا بالتأخر حال اتصاف المتقدم بالتقدم، ولا يعقل اتصاف المعدوم بما هو معدوم بشئ. ولو تشبث بالوجود اللحاظي يرد عليه أن الطرف ليس لحاظ الشئ بل نفسه، فالحل من طريق العقل الدقيق بهذا المسلك لا يمكن. نعم لو أريد بوصف التعقب العنوان الذي تأتي بعده الاجازة أو أريد الحل في محيط العرف، ويقال: إن الموضوع عرفي لا عقلي، والعرف يرى اليوم مقدما على الغد عنوانا، وينتزع من اليوم التقدم ومن الغد التأخر فعلا وإن كان العقل يخطئه لا بأس به، ولنا في حله طريق عقلي دقيق ذكرناه في الاصول، فراجع. وبالجملة لا دليل على الامتناع، فلو دل دليل على النقل أو الكشف لا يجوز رده للامتناع. نعم بعض أقسام الكشف وهو الكشف الانقلابي محال إن أريد القلب حقيقة، للزوم اجتماع النقيضين واجتماع المالكين المستقلين على ممولك واحد

[ 163 ]

ولزوم القلب المستحيل، وسيأتي بعض الكلام في القلب، ولا مانع من الكشف الحكمي بمعنى ترتيب آثار الملك أو بعضها من الاول لو دل عليه دليل. ثم إن مقتضى القاعدة هل هو الكشف أو النقل؟ فمن قائل: إن مقتضاها الكشف، وقد ذكر في تقريبه وجوه لا بأس بالاشارة إلى بعضها. منها - ما افاده المحقق الرشتي (قده) من كفاية الرضا التقديري في صحة العقد نظير الاذن المستفاد من شاهد الحال، قال: (إن الاجازة كاشفة عن ذلك جدا ولو بعد الرد، فان الكراهة الباعثة على الرد من حيث خفاء الجهة الراجحة، فلا منافاة بين الرد فعلا والرضا التقديري - ثم قال -: وليس في سوى أمور: أحدها - أنه مخالف لظاهر كلمات الفقهاء ثانيها - أن مقتضاه تأثير الاجازة ولو بعد الرد ووقوع الرد لغوا، ثالثها - ظهور الادلة في اعتبار الرضا الفعلي، رابعها - أن مقتضاه جواز التصرف قبل الاجازة إذا علم أن المالك يجيز، والكل هين - إلى أن قال -: أما الثاني فان الرد ليس مانعا ولو على تقدير اعتبار الرضا الفعلي، لعموم الادلة وخصوصها، مضافا إلى أن الرد يوجب زوال ارتباط العقد بالمالك المجيز، فيكون الاجازة بعده كالرضا الابتدائي من غير عقد - ثم أمر بالتأمل - وأما الثالث فمنع الظهور، لانا لا نجد فرقا بين قوله صلى الله عليه وآله: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفسه) (1) وبين قوله تعال: (إلا أن تكون تجارة عن تراض) (2) فكما أن الرضا التقديري كاف في الحل تكليفا كذلك هنا يكفي في صحة العقد وتأثيره)


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 3 من كتاب القصاص وفيه (لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله....) الخ (2) سورة النساء: 4 - الآية 29.

[ 164 ]

انتهى، ملخصا وترك الجواب عن الرابع. ودعواه مركب من صغرى: هي أن الاجازة كاشفة عن الرضا التقديري جدا، وكبرى: هي أن ذلك كاف في صحة العقد. أقول: أما كاشفية الاجازة عن الرضا التقديري ففيه أن الكاشفية إما بدعوى كون الاجازة بدلالتها اللفظية دالة وكاشفة عنه نظير كاشفية الجملة الخبرية عن المخبر به واقعا، فهي باطلة بالضرورة، ولا أظنه كان قائلا بذلك، وإما بدعوى كونها كاشفة ككشف المعلول عن علته، أو ذي المبادئ عن مبادئه، ككشف الفعل الاختياري عن الارادة والرضا والتصديق بالفائدة والتصور، ففيها أن الرضا التقديري في حال عدمه لا يمكن أن يكون كاشفا ولا منكشفا ولا من مبادئ وجود الاجازة أو غيرها. مع أن الاجازة الفعلية لا بد وأن يكون من مبادئها الرضا الفعلي، ولا يعقل أن يكون علتها أو من مبادئها الرضا التقديري، مضافا إلى أن كاشفيتها عن الرضا الفعلي بالعقد لا تنكر، فلا سبيل إلى القول بأنها كاشفة عن الرضا التقديري فقط، بل لا بد من القول بأنها كاشفة عن الرضا الفعلي والتقديري معا. فحينئذ نقول: إن الجمع بين الكاشفية عن الامر الفعلي والتقديري جمع بين المتنافيين، فان زمان المنكشفين إن كان واحدا لا يعقل ثبوت الرضا الفعلي والتقديري معا حتى تكون الاجازة كاشفه عنهما. ولو كان الزمان مختلفا لا يعقل أن تكون الاجارة الشخصية والانشاء الجزئي بلا قيد كاشفا عن الرضا الفعلي في هذا الزمان والرضا التقديري في زمان صدور العقد. ولو قيل: إن الاجازة كاشفة عن الرضا الفعلي، وهو كاشف عن

[ 165 ]

الرضا التقديري يقال: إن ذلك أيضا محال، لعدم تناسب بين الرضا الفعلي والتقديري لا من جهة العلية والمعلولية ولا كون أحداهما بوجه مبدءا للآخر، مع أن الرضا التقديري مع عدم حصول ما علق عليه معدوم والمعدوم لا كاشف ولا منكشف. وبهذا يتضح الاشكال في دعوى الملازمة بينهما عقلا، فان الملازمة العقلية، لا تكون إلا بين المعلولين لعلة واحدة، والمعدوم حال عدمه لا يكون معلولا، ولا يمكن وجود الملازمة بينه وبين غيره. وما قرع الاسماع من لوازم الماهيات وملازماتها ليس بمعنى أن المعدوم حال عدمه له لازم أو ملازم، بل بمعنى أن الماهية مع الغفلة عن وجودها لها لازم، فاللازم لازمها في ظرف الوجود لا بقيده، كما أن لزوم المعلول لعلته انما هو في حال الوجود وبالوجود، وانما نحكم بعناوين مناسبة أن كل معلول لا ينفك عن علته التامة أو أن النهار لازم طلوع الشمس، لا بمعنى حصول الملازمة بينهما في حال العدم، وهو واضح. فتحصل مما مر أن القول بكشف الاجازة عن الرضا التقديري باطل عقلا بجميع محتملاته. نعم بقي محتمل آخر وهو الكشف عرفا، بأن يقال: إنها كاشفة عرفا عن الرضا التقديري وفيه - مع الغض عن بطلان العدم عند العقلاء والعرف وعدم الملازمة بين الموجود والمعدوم حتى عرفا - أن المدعى لو كان الملازمة بين الاجازة والرضا التقديري بمعنى أن المجيز لو علم حال العقد به لاجاز سواء كان في نظره صلاحا أو لا، فهذا باطل الوجدان وإن كان المدعى أن كل عقد وجد في زمان، وهو موافق للصلاح بنظر المالك فهو ذو صلاح حال العقد بنظره فهو أفسد ضرورة أن المصالح كثيرا ما تتغير. بقي وجه آخر لم يكن مراده جزما، لكن نذكره تتميما للبحث،

[ 166 ]

وهو الملازمة بين الاجازة والرضا التقديري بما أنه تقديري، وبعبارة أخرى الملازمة بين الاجازة والقضية التعليقية، أي قضية لو علم لرضي به، وفيه - مضافا إلى ورود بعض الاشكالات العقلية المتقدمة عليه أن لازمه عدم اعتبار الرضا مطلقا في العقد، بل المعتبر هو تعليق الرضا على شئ آخر، وهو كما ترى. هذا كله في الصغرى. وأما الكبرى - أي اعتبار الرضا أعم من الفعلي والتقديري - ففيه أن الرضا التقديري قبل حصول المعلق عليه ليس بشئ، ضرورة صدق قولنا: إن علم بالعقد رضي به لكنه لم يعلم به فما رضي به، والوجود التقديري إن كان المراد به الوجود في الاعيان قبل حصول ما علق عليه فهو باطل بالضرورة، فيرجع كلامه إلى أن المعتبر في العقد الرضا أعم من الموجود والمعدوم، وهذا عبارة أخرى عن عدم اعتبار الرضا مطلقا. ولو ذهب إلى الاعتبار بوجوده الذهني التقديري اللحاظي كما أفاد المحقق الخراساني (قده) ففيه ما تقدم. وإن ذهب إلى الاعتبار في حال العدم والتزم بالاشكال العقلي في هذه الامور الاعتبارية - ففيه مع عدم الفرق في الامتناع بين الاعتباريات وغيرها - أنه على ذلك لا يحتاج إلى ما ذكره، بل له الالتزام بتأثير الاجازة حال عدمها وتأخرها، وهو أسلم من بعض الجهات مما التزم به. هذا كله مع أن نتيجة ما ذكره على فرض تسليم المقدمتين إنكار الفضولي والالتزام بأن كل عقد لحقه الاجازة ينكشف أنه خرج عن الفضولية فالاجازة كاشفة عن البيع غير الفضولي، لا مصححة بعد تسليم الفضولية، فهو خروج عن رسم البحث وطرح النزاع. ثم إن ما ذكره في جواب ثاني الاشكالات من طريق الحل - بأن الرد يوجب زوال ارتباط العقد بالمالك المجيز فالاجازة بعده كالرضا الابتدائي -

[ 167 ]

يناقض أصل الدعوى، ويهدم المدعى، ضرورة أنه لو كان المؤثر هو العقد المقارن للرضا التقديري لا معنى لكون الرد موجبا لزوال الاضافة، وصيرورة الرضا كالابتدائي، فان العقد المقرون بالرضا التقديري من الاصيلين صح من أول الامر، فالرد يقع لغوا، وهو ظاهر، ولعل أمره بالتأمل لذلك، كما أن دفاعه عن الثالث بمنع الظهور في غير محله. بل قوله صلى الله عليه وآله: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفسه) (1) أيضا ظاهر في الطيب الفعلي لا التقديري المعدوم الذي مرجعه إلى عدم اعتبار طيب النفس، نعم الطيب المخزون في النفس المعبر بالطيب الارتكازي غير الملتفت إليه تفضيلا كاف في حل مال المسلم، لكنه ليس طيبا تقديريا، بل طيب فعلي، فهل هو كاف في الخروج عن الفضولية؟ فيه كلام قد سبق منا بعضه عند تعرض الشيخ الاعظم (قده) لذلك. ثم إنه قدس سره أيد مذهبه بالروايات الخاصة، فان كان المراد تأييد الكشف فلا كلام، وإن كان المراد تأييد مسلكه فيه فلا وجه له، لانها لم تتعرض لكيفية الكشف، بل غاية ما يظهر منها هو اصله. ومما استدل به للكشف وأنه على القاعدة هو أن الاجازة متعلقة بالعقد المتحقق سابقا والرضا لا حق بمضونه الذي هو النقل سابقا، فلا بد من الانتقال من حينه لا من حينها. وإن شئت قلت: إن العقد السببي أوجد المنشأ به من حينه، لان الانشاء لا ينفك عن المنشأ، والاجازة تعلقت بهذا المعنى الذي وجد من أول الامر، فلا بد وأن يكون بعد لحوق الاجازة مؤثرا من حينه، فالدعوى مركبة من أمرين: أحدهما - أن العقد السببي موجد للمسبب،


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب القصاص في النفس - الحديث 3 من كتاب القصاص وفيه: (لا يحل دم إمرئ مسلم ولا ماله...) الخ

[ 168 ]

وهو عناوين المعاملات من حينه، وثانيهما - أن الاجازة متعلقة بما أوجد العقد، فتجلعه كأنه وجد من المالك. وفيه - مضافا إلى أنه نقل لا كشف وإن شاركه في الآثار - أن تصور لازم هذا المدعى كاف في الحكم ببطلانه، فان المالكية والمملوكية من المتضائفين المتكافئين في القوة والفعل، ولازم كون شئ مملوكا لشخص في زمان سابق كون المالك مالكا فيه، ومعنى كون الاجازة موجبة للنقل من أول زمان العقد - أي الزمان السابق - صيرورة المالك مالكا في هذا الزمان من الزمان السابق على أن يكون الزمان سابق ظرفا للمالك والمملوك والملكية، وهذا موقوف على رجوع الزمان سابق أو كونه في الزمان اللاحق، وهو ضروري الفساد. وبعبارة أخرى إن هذا النحو من النقل يشارك الكشف في أن المالك مالك في الزمان السابق، وانما الفرق بينهما أنه على الكشف ينكشف أن العقد واجد للشرائط من الاول بأحد الوجوه المذكورة، وهذا ناقل للملك من حين العقد من هذا الزمان، أي يجعله في الزمان السابق مالكا من هذا الزمان، وهذا معنى لا يمكن اعتباره إلا مع وجود الزمان، وكون المالك و المملوك فيه واعتبار الزمان أو الزمان الاعتباري لا يفيد، لان العقد لم يقع فيه، بل وقع في الزمان الواقعي، وهو غير قابل للارجاع ولا يمكن وقوع زمان في زمان. هذا مضافا إلى لزوم اجتماع النقيضين، لان من زمان العقد إلى زمان الاجازة ظرف واحد للمالكية وعدمها واختلاف ظرف المعتبر أو وجه الاعتبار لا يوجب اختلاف ظرف ما يعتبر أو لزوم الانقلاب المحال، لا بمعنى انقلاب العقد غير المؤثر مؤثرا حتى يجاب أن المؤثر العقد بعد الاجازة، أو العقد المستند، وغير المؤثر هو العقد مجردا عنهما، بل بمعنى انقلاب

[ 169 ]

غير المالك مالكا في ظرف واحد، وزمان واحد، فهل يمكن أن يكون زيد غير مالك لشئ أول الظهر ثم ينقلب مالكا في الظرف الذي ليس مالكا مع لزوم اجتماع المالكين مع لزوم كون شئ واحد في ظرف واحد مملوكا لواحد فقط ومملوكا لاثنين إلى غير ذلك من المفاسد، ولعمري أن هذا الرأي أشكل وأفسد من سائر الآراء. هذا كله مع أن الفقيه إذا تصدى تصحيح عقد لا بد وأن ينظر إلى ما في محيط العقلاء وإلى الادلة العامة الشرعية الواردة في محيطهم، فصرف تصور أمر بأي نحو كان لا يوجب إرجاع الامور العقلائيه إليه، ولا شك في أن العقد الباقي عند العقلاء والعرف يكون بقاؤه الاعتباري نحو بقاء سائر الموجودات، فكما أن بقاء زيد في مثل قولك زيد باق من أول عمره إلى الآن ليس معناه أن بقاؤه محفوف بجميع عوارضه حتى زمانه ليكون معناه بقأوة مع زمانه السابق في اللاحق، كذلك بقاء العقد فالعقد المسببي الذي وجد في الزمان السابق باق إلى الزمان اللاحق على أن يكون الزمان ظرفا لا قيدا، وهذا واضح عقلا وعرفا. وأيضا لا شبهة في أن إيقاع البيع في محيط العقلاء ليس إلا تبديل العوضين إنشاءا من غير نظر إلى الزمان وإنما هو من ضروريات وجوده لا من قيوده، فعليه يكون الاجازة ملحقة به ويتم في التأثير. وهذا لا إشكال فيه لمساعدة العرف والعقلاء عليه، وموافقته للقواعد الشرعية، بل لو قيد عقده بالزمان فقال: (بعت في هذا الزمان) لم يكن القيد إلا قيدا للايقاع، إذ لا معنى للبيع المتقيد بالزمان، ولو قيده وقع لاغيا عند العقلاء، مع أن القيد المزبور لا يوجب رفع الاشكالات العقلية المتقدمة، إذ لا تأثير للعقد مجردا عن الاجازة، وانما الاثر بعدها فتأتى الاشكالات العقلية، ومعه لا بد إما عن الالتزام بلغوية التقييد أو

[ 170 ]

لغوية أصل العقد المقيد. ومما ذكرنا ظهر ما في إفادات بعض أعاظم العصر رحمه الله من أن الاجازة ليست كالقبض، بل هي صورة للمادة المتحققة، وانفاذ من المالك لما سبق، كانفاذ الحاكم حكم مجتهد آخر، فما يمكن ترتيبه من السابق بانفاذ المالك يجب ترتيبه، فعلى هذا تكون واسطة بين الكشف الحقيقي والنقل وهو الكشف الحكمي الموافق للقاعدة. ثم أوضح مراده بأن الاجازة لما كانت إنفاذا لما سبق فمن جهة أن السبب التام للنقل لا يتحقق بدونها فهي ناقلة، ومن حيث إنها إنفاذ يجب من حين الاجازة ترتيب الآثار التي لها اعتبار وجود حين الاجازة من حين العقد، فهي كاشفة، فعلى هذا يقع التفكيك بين الملك وآثاره من النماء والمنافع، فالملكية لا يمكن تحققها قبل الاجازة، وليس لها اعتبار وجود في الحال، بخلاف المنافع فانه يمكن تحققها من قبل، لان لها اعتبار وجود في الحال باعتبار تعلق الضمان بها، فلو أجاز المالك استيفاء المنافع لمستوفيها تسقط أجرتها وضمانها. ثم قال: كما يمكن اعتبار التأخر في المملوك مع عدم إمكان تأخر الملك كما في الاجازة كذا يمكن اعتبار التقدم فيه، فإذا تحققت الاجازة فالنقل وإن حصل حينها إلا أن المنقول باعتبار آثاره يتحقق من قبل، وهذا كشف حكمي، أي نقل حقيقي مع ترتيب الآثار السابقة التي أمكن ترتيبها على العقد بوصف أسبق، انتهى ملخصا. أقول: في كلامه اضطراب، ولم يتضح أن مراده من التفكيك هل هو التفكيك الواقعي بمعنى أن الاجازة لم تؤثر في ملك العين من الاول، بل ناقلة بالنسبة إليه في الحال، وتؤثر في ملك المنافع والنماءات من الاول، أي بعد الاجازة صارت المنافع ملكا له من الاول، لان اعتبار الملكية

[ 171 ]

فيها له آثار دون ملكية العين، كما هو ظاهر بعض تعبيراته، كتشبيه المقام بالاجارة، والتصريح بعدم الفرق بين المنافع المتأخرة والمتقدمة. أو مراده التفكيك تعبدا، فذهب إلى حصول الملكية بالنسبة إلى العين في الحال، وترتيب آثار الملكية بالنسبة إلى المنافع والنماءات من الاول. وكيف كان لا يصح على أي منهما، أما على الاول فلانه - مضافا إلى الاشكالات العقلية المتقدمة بالنسبة إلى المنافع والنماءات كانقلاب اللاضمان إلى الضمان من الاول، وسائر الاشكالات، ومضافا إلى أن التعبير بالمادة والصورة لم يتضح وجهه، فان كان الوجه هو عدم مؤثرية العقد إلا بها فهذا موجود في القبض، بل أولى فيه، لانه الجزء الاخير للسبب فيمكن أن يقال: إن الاثر مترتب عليه، وأما الاجازة فصرف كونها إنفاذا للعقد لا يوجب ذلك، وإن كان الوجه أن العقد يصير عقدا بالاجازة فهو كما ترى، ولعله تفنن في العبارة - يرد عليه أن العقد لا يكون مضمونه إلا تبديل العوضين، والمنافع والنماءات خارجة عن مضمون العقد، وانما تصير ملكا لمالك العين لتبعيتها لها لا لاصالتها في النقل، وهو واضح. وعلى هذا فانفاذ العقد إن أمكن بما رامه وقع مضمونه من الاول على فرض تسليم ما ذكره، وإلا وقع لغوا، ولا معنى للتفكيك المذكور، مع أن وجود الاثر لو كان يصحح الملكية من الاول لكان لملكية العين من الاول أثر، وهو ملكية المنافع، والنماءات بتبعها، وإيجاب الضمان من الاول مع الغض عن الاشكال العقلي. فالاولى على هذا الفرض أن يقال: إن الاجازة لما كانت إنفاذا لمضمون العقد وقع صحيحا من الاول، وأثره ملكية العين، وملكية النماءات والمنافع تبعا والضمان على فرض الاستيفاء والتلف، بل ضمان العين أيضا في بعض الفروض، فما - أفاد من أنه ليس للمكلية السابقة اعتبار

[ 172 ]

وجود في الحال بخلاف ملكية المنافع - غير متجه. وبهذا يتضح الاشكال في الاحتمال الثاني، فان وجه البناء التعبدي على ترتيب آثار الملكية في النماءات والمنافع ليس كون الاجازة انفاذا للعقد بل لو كان الانفاذ موجبا للتعبد على طبقه لا بد من القول بتعبد ترتيب آثار ملكية العين لا المنافع، لان الانفاذ غير مربوط بها، فالتعبد بها تبعا للانفاذ لا معنى له. ثم لم يتضح أن التعبد بترتيب الآثار هل هو تعبد عقلائي أو شرعي؟ فان كان الاول فلا وجه له، بل التعبد بما ذكر ليس في بناء العقلاء، وإن كان الثاني فلا دليل عليه. لان العقد بمضمونه إن أمكن إنفاذه بالعمومات فلا وجه للتفكيك وإلا وقع باطلا من رأسه. فلا معنى للتفكيك أيضا، فظهر أن دعوى كون ذلك موافقا للقاعدة غير مسموعة. ثم في كلامه مواقع للنظر، كدعوى عدم الفرق بين المنافع اللاحقة والسابقة، مع أن الاشكالات العقلية كالانقلاب والجمع بين المالكين وغيرهما لا ترد في اللاحقة، لعدم مضي الزمان وإمكان نقل الزماني قبل تحقق زمانه، بخلاف ما مضى زمانه ووقع فيه على نحو. وكقوله: (لو أجاز المالك استيفاء المنافع لمستوفي المنفعة تسقط أجرتها وضمانها) فانه إن كان المراد أن الاجازة كناية عن إسقاطها فهو غير مربوط بالمقام وإن كان المراد أن الاجازة توجب حصول الملكية حال الاتلاف فلا معنى لاسقاط الضمان، بل لازمه عدم ثبوته، مع أنه فاسد، ويرد عليه الاشكالات العقلية، مضافا إلى أن الاجازة لا تصلح للتمليك من غير سبق عقد مع عدم معنى لملكية التالف المعدوم. وكتنظير المقام بانفاذ الحاكم حكم مجتهد آخر، فان حكم الحاكم نافذ أنفذه المجتهد أو لا، فانفاذ الثاني كاشف عن نفوذ الاول حال حكمه،

[ 173 ]

ولو مثله بانفاذ المجتهد حكم العامي على القول به لكان له وجه، لكنه ايضا غير متجه في غير متجه. ومما ذكرناه يظهر النظر فيما ذكره في أخيرة البحث وقال: (إن الكشف الحكمي موافق للقاعدة للفرق بين الامور المتأخرة الدخيلة في المتقدم فانها على أقسام: الاول كالقبض في الصرف والسلم والهبة والوقف ونحوه فيتوقف فيه تأثير العقد على وجوده، ولا مجال لتوهم الكشف فيه، سواء كان جزء المؤثر كالقبض في الصرف والسلم أو شرط الصحة كالقبض في الرهن والهبة والوقف، الثاني كالاجازة من المالك والمرتهن ونحوهما، فحيث إنه ناظر إلى تنفيذ ما وقع سابقا فيوجب تأثيره فيما سبق بالنسبة إلى ما يمكن أن يتعلق به الانفاذ، الثالث كاخراج الزكاة بعد بيع الزكوي وإبراء الدين من المرتهن، وفك الراهن الرهانة، وهذا أيضا كالثاني بحكم العقلاء، فانهم يرون الامر الذي يصير موضوعا لحكم بتوسط عنوان متأخر أنه هو الموضوع، والآثار تترتب عليه من الاول، والمتأخر واسطة في الثبوت، والادلة إمضاء لذلك، نعم هذا يختص بما إذا كان السابق تمام الموضوع بالنسبة إلى الآثار كالنماء، والمنافع، فبالاجازة ينكشف تحقق حرية الولد من قبل، لكنه لا ينكشف بها أن وطئ الزوجة التي عقد عليها الفضولي زناء بذات البعل ولا تحقق الزوجية، والسر فيه أن ترتيب الآثار من قبل انما هو بالنسبة إلى الآثار التي لها اعتبار بقاء في زمان الاجازة لا غيرها ولا نفس المنشأ) انتهى ملخصا. وقد مر ما فيه من الاشكالات العقلية، ويرد عليه زائدا - مضافا إلى وضوح النظر في فرقه بين القبض في الصرف والسلم فجعله جزء السبب وبينه في الرهن والهبة والوقف فجعله شرط الصحة، ضورورة عدم الفرق بينهما نصا وفتوى، بل القبض في الجميع شرط عند الاعتبار ولا دليل

[ 174 ]

على هذا الافتراق، فراجع. ومضافا إلى ما في دعوى عدم مجال توهم الكشف فيه، مع أنه أولى بتوهمه من القسم الثالث كما لا يخفى، وظاهر الجواهر احتمال الكشف في السلم. ومضافا إلى ما في قوله: (إن الاجازة إنفاذ لما سلف) لما عرفت من الاشكالات عليه، مع أن ما سلف نفسه باق لا بما أنه سلف، ومقتضى بقائه في الحال هو النقل، كما هو واضح. ومضافا إلى ما مر من عدم الوجه في تفكيك مضمون العقد و المنافع والنماءات. ومضافا إلى أن لا معنى لانفاذ المنافع والنماءات رأسا إلا أن يرجع إلى ترتيب آثار وجود العقد بالنسبة اليهما وعدم ترتيب آثاره بذاته، وهو كما ترى تفكيك باطل لا يرضى به أحد فضلا عن كونه موافقا لقواعد العقلاء، مع أن الجمع بين إيجاب الوفاء بالعقد أي بمضمونه الذي هو تبديل العوضين وبين التعبد بترتيب الآثار حتى الامكان جمع بين المتنافيين، ولا يمكن الجمع بينهما بدليل واحد كاوفوا بالعقود وغيره. وبهذا يظهر النظر في كلام الشيخ الاعظم (قده) حيث ذهب إلى اقتضاء الدليل بدليل الاقتضاء ذلك، مع أنه على الفرض الثالث لا بد من القول بالبطلان رأسا، لعدم إمكان الجمع بين إنفاذ المعاملات بمضمونها، وعلى فرض عدم الامكان الحكم تعبدا بترتيب الآثار. ومضافا إلى بطلان التفكيك بين حرية الولد في مسألة الوليدة وبين كون الوطئ زناء بذات البعل ونفس الزوجية، لان لكل منها أثرا حال الاجازة، وأثر الثاني الحرمة أبدا - أن ما أفاد في القسم الثالث من أن دخالة المتأخر من قبيل الواسطة

[ 175 ]

في الثبوت عند العقلاء ضعيف جدا، لان الشئ المتأخر كالاجازة إذا كان دخيلا بنظر العقلاء يكون الموضوع هو العقد مع هذا الشرط المتأخر فدعوى كون الموضوع هو ذات المتقدم والعنوان المتأخر واسطة في الثبوت لا عين له ولا أثر في سوق العقلاء، وانما هو أمر أبداه أصحاب البحث حرصا على تطبيق القواعد على ما لا يكون موافقا لها. وأولى بالضعف الامثلة التي جعلها من هذا القبيل، كاخراج الزكاة بعد بيع الزكوي، فانه لا ينطبق على مدعاه مع فساده في نفسه، ضرورة أن العين الزكوية إما مشتركة بين صاحب المال وأرباب الزكاة بالاشاعة كما هو الاظهر، أو متعلقة لحقهم بنحو لا يجوز التصرف إلا بعد إخراج الزكاة، وانما تتخلص العين عن الاشاعة أو الحق بعد أدائها، فكيف يقال: إن اخراج الزكاة موجب لصحة البيع من الاول، وأي شئ واسطة في الثبوت. وكذا في الرهن المتعلق لحق الدائن، فانه لا يتخلص عن الحق إلا بعد سقوط الدين أو فك الرهن، ولا معنى لعدم كونه رهنا من الاول أي حال الدين، وفي كلامه بعض أنظار أخر تركناه، كقوله، (إن العقد تمام الموضووع بالنسبة إلى المنافع والنماءات) وقد مر بعضها، فراجع. وبالجملة ما أفاده رحمه الله لا ينطبق على قواعد عقلائية، ولا يمكن تصحيحه بالادلة العامة والقواعد الشرعية. وبما تقدم إلى هاهنا يظهر النظر في إفادات المحقق الخراساني (قده) في المقام وتلميذه المدقق حيث ذهب إلى أن الملكية لو كانت اعتبارية فلا استحالة في الانقلاب، فانه من قبيل الانقلاب بحسب العنوان، فلا مانع من اعتبار الملكية للمالك الاصلي إلى حال الاجازة، واعتبارها بعينها في السابق حال الاجازة لمن عقد له الفضولي.

[ 176 ]

وقد مر بطلان ذلك، وحاصله أن الملكية في الزمان الذي مضى واستيفاء المنافع الماضية من ملكه لا يعقل تبديلهما من الزمان الشخصي الماضي، فانه انقلاب محال، ويرجع إلى سلب ما ثبت حال ثبوته، وبعبارة اخرى لا بد وأن يصدق أنه لم يكن مالكا في الماضي بعد الاجازة، وهو محال، ومجرد كون الملكية اعتبارية لا يدفع الاستحالة، ضرورة أن اجتماع الاعتبار التصديقي مع عدم الاعتبار التصديقي أو اعتبار العدم تصديقيا في زمان شخصي واحد لا يعقل، والزمان غير قابل للرجوع، وكلي المنافع غير قابل للتحقق بعد عدمه ومضي الزمان عليه، وقياس الماضي بالمستقبل مع الفارق كما أومأنا إليه سالفا. فتحصل من جميع ما تقدم أن النقل من زمان الاجازة لامانع منه عقلا ولا عرفا ولا شرعا، فان العقد المسببي باق عرفا إلى زمان الاجازة، ولحوقها به موجب لاتمامه، ومضمونه ليس إلا النقل، فيحصل ذلك بالاجازة من حينها بعد امتناع النقل من الاول حتى في باب الاجارة التي مضي مقدار من مدتها، ففي مثل الاجارة والعقد المنقطع إما أن يساعد العرف والشرع مع التحليل بحسب الازمان، ولازمه الصحة بالنسبة إلى ما بقي من المدة أو لا يساعدان فلا بد من الحكم بالبطلان، هذا كله بحسب القواعد. وأما الاخبار فقد تسالموا ظاهرا على دلالة صحيحتي محمد بن قيس والحذاء على الكشف على اختلافهم في معناه، وفي دلالتهما نظر لا بد من نقلهما ليتضح الحال. روى المشايخ (قدهم) باسنادهم عن محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قضى - أي أمير المؤمنين عليه السلام كما في رواية الكليني (قده) في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب، فاشتراها رجل،

[ 177 ]

فولدت منه غلاما ثم قدم سيدها الاول فخاصم سيدها الاخير، فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني، فقال: خذ وليدتك وابنها، فناشده المشترى فقال: خذ ابنه - يعني الذي باع الوليدة - حتى ينفذ لك ما باعك، فلما أخذ البيع الابن قال أبوه: ارسل ابني، فقال: لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيد الوليدة الاول أجاز بيع ابنه) (1). فمن قائل: إن مقتضاها تحرير الابن من السابق، فالاجازة أثرت في صحة البيع من الاول وولادة الولد في ملك المشتري الحر، فصار حرا. وفيه أن الوطئ كان شبهة، والولد لحق بأبيه، وولد الحر لا يملك كما نص عليه موثقة سماعة (2) وهو ظاهر سائر الروايات في الباب، فالحكم هو حرية الابن ولزوم رد القيمة، سواء أجاز البيع أم لا. ومن قائل: إن الظاهر منها عدم أداء قيمة الولد، وهو دال على الكشف ولو حكما، ومن قائل: إن الظاهر منها عدم أخذ قيمة الخدمة واللبن، وهو دليل الكشف. وفيهما أن الاستفادة انما هي من السكوت لو كان في مقام البيان، ولا يخفى أن أبا جعفر عليه السلام لم يكن في مقام بيان خصوصيات القضية، ولهذا لم يذكر كيفية المخاصمة وكيفية فصلها، ضرورة أنه بمجرد قول المدعي: (إن هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني) لا يوجب الحكم لا شرعا ولا في مقام القضاء بردها ورد ابنها إلى المدعي، والناظر في الرواية يرى أنه عليه السلام بصدد بيان مجرد أن الاجازة بعد المخاصمة صحيحة موجبة للنفوذ وأما أنه بعد الاجازة فعلى الرجل قيمة الولد أو قيمة


(1) الوسائل - الباب - 88 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 67 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 5

[ 178 ]

المنافع، فلا يكون بصدد البيان، مع أن القضية شخصية لم يتضح خصوصيتها. وتوهم أن الظاهر أن الاجازة دخيلة في رد الولد فاسد، لان المحتمل بل الظاهر من الرواية أن سيدها الاول لم يرض بأداء دين ابنه إلى المشتري، وكذا ولده، لعدم بضاعة لهما أو لغير ذلك، فيمكن أن تكون إجازته وعدم مطالبته لقيمة الولد والمنافع على فرض الدلالة في مقابل دين ابنه فرضيا بسقوط دين بدين. وبالجملة لا دلالة للصحيحة على الكشف كما هو ظاهر. وأما صحيحة أبي عبيدة الحذاء - قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن غلام وجارية زوجهما وليان لهما وهما غير مدركين قال: فقال النكاح جائز ايهما أدرك كان له الخيار، فان ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر إلا أن يكونا قد أدركا ورضيا، قلت: فان أدرك أحدهما قبل الآخر، قال: يجوز ذلك عليه ان هو رضي، قلت: فان كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضي النكاح ثم مات قبل أن تدرك الجارية أترثه؟ قال: نعم يعزل ميراثها منه حتى تدرك وتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلا رضاها بالتزويج، ثم يدفع إليها الميراث ونصف المهر، قلت: فان ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا لان لها الخيار إذا أدركت قلت: فان كان أبوها هو الذي زوجها قبل أن تدرك، قال: يجوز عليها تزويج الاب ويجوز على الغلام، والمهر على الاب للجارية) (1) فلا بد في القول بدلالتها على المقصود من ارتكاب خلاف الظاهر فيها من جهات: كحمل الوليان على خصوص الاولياء العرفي غير الشرعي مع أن


(1) الوسائل - الباب 11 - من أبواب ميراث الازواج - الحديث 1

[ 179 ]

الاب والجد بل والوصي على القول بولايته في باب النكاح من الاولياء العرفي فالحمل على غير الشرعي خلاف الظاهر. وكحمل (جائز) على باب الفضولي والصحة التأهلية أو الجواز على فرض - أي معلقا على الاجازة - وهو ارتكاب خلاف ظاهر آخر، فان الجائز ظاهر في النفوذ فعلا. وكحمل الخيار على اختيار الاجازة والرد دون خيار الفسخ. والظاهر إلى هاهنا أن العقد الصادر من الاولياء هو عقد صحيح فعلي خياري، ويؤيده أن التعبير عن العقد الفضولي في باب نكاح العبيد والاماء يخالف لما هاهنا، فراجع. وقوله: (فان ماتا) الخ دل بعد هذا الظهور على أن النكاح الخياري لا إرث فيه ولا مهر إلا أن يدركا ويرضيا، والرضا شايع استعماله في باب الخيارات نصا وفي كلماتهم، فلا ظهور له في الفضولي. وقوله عليه السلام: (يجوز ذلك عليه) ظاهر في أن الجواز هاهنا بعد الرضا غير الجواز في الصدر، فبناء على الفضولي لا بد وأن يحمل على خلاف ظاهره فان ظاهره أنه نافذ صحيح مطلقا بعد الرضا، وهو في الفضولي غير معقول بخلاف الخياري، فان العقد الخياري صحيح ويصير نافذا لازما بعد الرضا بالنسبة إلى الراضي، تأمل. وكحمل (ترثه) و (نعم يعزل ميراثها) على خلاف الظاهر، فان الظاهر أنه إرث فعلا لكنه متزلزل موقوف على رضا الآخر، أي سقوط الخيار، والحمل على الارث معلقا خلاف الظاهر، كما أن العزل بناء على الفضولي على خلاف القواعد، وظاهر قوله عليه السلام: (لان لها الخيار) أن العلة لعدم الارث خيارها، مع انه على الفضولي علته عدم اقتضاء العقد لا مانعية الخيار.

[ 180 ]

فالصحيحة مع غمض العين عن الاخبار والفتاوى ظاهرة في أن العقد من الاولياء خياري، وحكمه عدم الارث والمهر إلا بعد لزومه وسقوط الخيار بالرضا من الطرفين، غاية الامر يكون ذيلها - أي قوله: (فان كان أبوها) الخ - قرينة على أرادة غير الاب من الاولياء فيكون الحكم في غيره ما ذكر. ولو قيل بأعمية الاب من الجد يخرج الجد ايضا من الحكم. فتصير النتيجة أن عقد غير الاب والجد خياري حكمه ما ذكر. هذا ظاهرها الذي لا ينبغي أن ينكر، ومجرد كون ذلك مخالفا للفتاوى وبعض الروايات لا يوجب ظهورها في العقد الفضولي، فلا بد من رفع اليد عن ظهورها لمخالفتها لما ذكر. وأما الحمل على خلاف الظاهر ثم الذهاب إلى خلاف القواعد المحكة لاجلها ثم الاسراء إلى باب المعاملات والقول بالكشف في مطلق المعاملات فلا سبيل إليه، لان الامر دائر بين طرح هذا الظهور وتأويله والحمل على خلاف الظاهر، ولا حجة على الثاني حتى يصح معه رفع اليد عن القواعد. هذا مضافا إلى أن ذيل صحيحة الحذاء أي قوله: (فان كان أبوها) الخ - معارض لصحيحة محمد بن مسلم قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الصبي يزوج الصبية، قال: إن كان أبواهما اللذان زوجاهما فنعم جائز، ولكن لهما الخيار إذا أدركا) الخ (1) بل معارض لذيل صحيحة الحلبي، أي قوله: (فان ماتت أو مات) الخ، ولعل صحيحة ابن مسلم تقدم لقوة ظهورها بعد كون الظهور في صحيحة الحذاء سياقيا لا لفظيا، وحمل الاب على خصوص الجد خلاف الظاهر جدا،


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح والاماء - الحديث 8

[ 181 ]

ولا يكون جمعا عقلائيا وإن حمل عليه شيخ الطائفة (قده) على المحكي. وأما صحيحة الحلبي قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الغلام له عشر سنين فيزوجه أبوه في صغره أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟ قال: فقال: أما تزويجه فهو صحيح، واما طلاقه فينبغي أن تحبس عليه امرأته حتى يدرك فيعلم أنه كان قد طلق، فان أقر بذلك وأمضاه فهي واحدة بائنة، وهو خاطب من الخطاب، وإن أنكر ذلك وأبى أن يمضيه فهي امرأته، قلت: فان ماتت أو مات، قال: يوقف الميراث حتى يدرك أيهما بقي، ثم يحلف بالله ما دعاه إلى أخذ الميراث إلا الرضا بالنكاح ويدفع إليه الميراث) (1) بدعوى ظهورها في الكشف، فان حبس المرأة عليه للاحتياط في الفروج، وهو لا يتم إلا على الكشف. ففيه - مضافا إلى اشتمالها على ما يخالفه الاصحاب بلا خلاف، وهو ظهور ذيلها في خيارية العقد إذا صدر من الاب أو فضوليته - أن ظاهرها أن الحكم استحبابي، وهو كما يمكن أن يكون لما ذكر يمكن أن يكون لمراعاة حال الصغيرة، فان الملامسة معها مع كونها في أهبة الطلاق نحو نقيصة لها ربما تضر بحالها في الآتي، بل لو كان الحكم لزوميا أيضا لم يتضح أن يكون لهذا أو لذاك بعد كونه على خلاف الاصل كشفا كان أو نقلا. وبما ذكرنا يظهر النظر في رواية بريد الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام، ففيها (قلت له: جعلت فداك فان طلقها في تلك الحال ولم يكن قد أدرك أيجوز طلاقه؟ فقال: إن كان قد مسها في الفرج فان طلاقها جائز عليها وعليه، وإن لم يمسها في الفرج ولم يلذ منها ولم تلذ منه فانها تعزل عنه، وتصير إلى أهلها، فلا يراها ولا تقربه حتى يدرك فيسأل


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب ميراث الازواج - الحديث 4

[ 182 ]

ويقال له: إنك كنت قد طلقت امرأتك فلانة، فان هو أقر بذلك وأجاز الطلاق كانت تطليقة بائنة، وكان خاطبا من الخطاب) (1) فان وجوب العزل وحرمة القرب يمكن أن يكون لاحد الوجهين المتقدمين، فلا دلالة لها على الكشف بعد وجود الاحتمال، هذا لو لم نقل: إنها محمولة على الاستحباب بقرينة صحيحة الحلبي، وإلا فالامر أوضح. مضافا إلى ضعف سندها واشتمالها على أمور لا نقول بها، كالتفصيل بين الابنة التي جازت تسع سنين وغيرها، فجعل عقد الاب في الاولى نافذا غير خياري، وفي الثانية خياريا، فكانت البالغة أسوا حالا. إلا أن يحمل على خلاف الظاهر بأن يقال: إنه بصدد بيان عقد غير البالغة، مع أن أصل خيارية العقد أو فضوليته إذا صدر من الاب خلاف التسالم بينهم، بل ادعي الاجماع على خلافه. وكاشتمالها على خيارية عقد الاب إذا زوج ابنه قبل بلوغه، وكالتفصيل بين المرأة التي دخل بها ولذ منها وأقام معها سنة وغيرها، فجعل الخيار للثاني دون الاول، وكالتفصيل في طلاق الصبي بين ما إذا مسها في الفرج. وغيره، فجعل الاول جائزا فعلا والثاني منوطا بامضائه بعد البلوغ. وكيف كان لا يمكن رفع اليد عن القواعد بمثل تلك الروايات مع ما عرفت. وأما رواية مسمع أبي سيار قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنى كنت استودعت رجلا مالا فجحدنيه، وحلف لي عليه، ثم جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته إياه، فقال: هذا مالك فخذه وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك، فهي لك مع مالك واجعلني في


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد - الحديث 9.

[ 183 ]

حل، فأخذت المال منه وأبيت أن آخذ الربح، وأوقفت المال الذي كنت استودعته حتى استطلع رأيك، فما ترى؟ فقال: خذ الربح واعطه النصف وأحله إن هذا رجل تائب، والله يحب التوابين) (1) فقد يقال: إنها تدل على الكشف، لان صحة المعاملات المترتبة لا تتم إلا عليه. أقول: يمكن تطبيقها على الكشف الحقيقي بأن يقال: جميع المعاملات المترتبة متعقبة بالاجازة، فانه يظهر من حال مسمع أنه أجازها، وانما رجع إليه عليه السلام لجهله بتكليفه، فالشرط المتأخر حاصل بالنسبة إلى الجميع. إلا أن يقال: إن إجازة الجميع لو فرض انحلالها إلى الكثير انما تنحل عرضا وإن كانت المعاملات المجازة مترتبة، فيقع الاجازة في ما عدا المعاملة الاولى إجازة في مال الغير، نعم لو انحلت بنحو الترتب كان وجيها لكن لا موجب لهذا النحو من الانحلال. الا أن يقال: لا مانع من الاجازة قبل الملكية، وتكفى في الصحة الاجازة إذا تعقبها الملكية، فالاجازة في مبدأ السلسلة موجبة لصيرورة المبيع ملكا للمجيز، وبعد ما صار ملكا له أثرت الاجازة المتعقبة للمعاملة الثانية في حصول الملكية، فصار الثمن في المعاملة الثانية ملكا، وهكذا إلى آخر السلسلة. ويمكن تقريب الصحة على النقل أيضا وتطبيق الرواية عليه، بأن يقال: إن الاجازة انحلت إلى الاجازات بمقدار المعاملات فالاجازة في مبدأ السلسلة أثرت في الملكية، وبوجودها البقائي الانحلالي أو جبت الصحة في سائر ما في السلسلة على القول بكفاية ذلك. والاولى أن يقال: إن الظاهر من حال مسمع أنه رضي بالمعاملات


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الوديعة - الحديث 1

[ 184 ]

لا أنه أجازها، لعدم اشارة إلى انشاء الاجازة بل الظاهر أنه رضي بأخذ المال وربحه، وانما منعه عن الاخذ عدم علمه بفتوى أبي عبد الله عليه السلام فلحوق الرضا بالمعاملة في مبدأ السلسلة يوجب صحتها، فصارت السلعة له، وقد بيعت فضولا، ورضاؤه فعلا بالمعاملة الثانية، في الآن الثاني يوجب صحتها، فكل معاملة ملحوقة بالرضا بوجوده البقائي، وعلى ذلك أيضا لا تدل الرواية على الكشف بل حال النقل والكشف سواء. هذا ما هو المنساق من الرواية من أن الربح الذي أتى به ربح التجارة بالمال: وأما لو حمل على الربح الحاصل من التحارة وثمرات المال المبتاع - كما لو اشترى بالمال بستانا فيه ثمرات فباع الثمرات وحصل مقدار من الربح ثم باع البستان وأتى بجميع الربح فأمره عليه السلام بأخذ الربح - لدلت على الكشف. ولو احتمل الامران عند إلقاء السؤال لدلت عليه أيضا، لترك الاستفصال لكن الشأن في انقداح الاحتمال عند خلو الذهن، فان المنساق منها هو ربح التجارة ولو لم يحرز الاطلاق أيضا لم يمكن الاستدلال بها للكشف، مع أن الرواية ضعيفة بسنديها. وبما ذكرناه يظهر الكلام في روايات المضاربة والاتجار بمال اليتيم، فانها على فرض الدلالة على الفضولي لا دلالة فيها على الكشف. وأما رواية العروة فدلالتها على الكشف منوطة بأن دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله لعروة دليل على عدم ارتكابه الحرام، وهو موقوف على الكشف، وفيه أنه على القول بالكشف أيضا ارتكب قبيحا وتجرى على مولاه، ولا يمكن دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله في أمر ارتكب فيه القبيح والتجري. وتوهم أن عروة كان يعلم تعقب عقده بالاجازة وكاشفيتها واضح

[ 185 ]

المنع بالنسبة إلى الحكم، ومع عدم علمه كان الارتكاب تجريا، فلا بد على القولين من ارتكاب تأول إما بأن يقال: كان عالما برضا الاصيل والفضولي زائدا على الرضا المعاملي أو يقال: كان عالما بلحوق الاجازة وهذا المقدار كاف في جواز التصرف فلا يفرق معه بين الكشف والنقل. وكيف كان لا يمكن ارتكاب خلاف القواعد بمثل هذه الرواية وهذه الاشعارات، والعجب أن بعض أهل التحقيق (قده) إدعى أن روايات تحليل الخمس (1) كالصريحة في الكشف، فان تحليل بعض الائمة عليهم السلام للتصرفات المتقدمة بل لتصرفات الآباء دليل عليه. وكأنه رحمه الله لم يراجع حين الكتابة حق المراجعة إلى الروايات، وإلا لم يبق معه شك في أن قضية التحليل سبقت على التصرفات، فان التحليل كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة سلام الله عليها بحسب بعض الروايات، ومن أمير المؤمنين عليه السلام في روايات، وظاهر الاخبار أن التحليل من جميع الائمة عليهم السلام، حيث إن التعبير بلفظ (أحللنا) و (طيبنا) و (أبيح) و (محللون) فلا يبقى فيها إشعار بالكشف فضلا عن الصراحة أو نحوها، فراجعها. نعم في رواية أبي بصير وزرارة ومحمد بن مسلم: (إن شيعتنا من ذلك وآباءهم في حل) (2) لكن برواية الصدوق بدل (آباءهم) (أبناءهم) مع أنه لم يظهر من قوله (ع): (في حل) أنه بصدد إنشاء الحل، بل لا يبعد أن يكون إخبارا بالحل السابق من زمن رسول الله صلى الله عليه وآله، وبهذا يظهر الكلام في جميع ما هو بهذا المضمون. فتحصل من جميع ذلك أنه لا دليل على الكشف، كما أن الشهرة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث. - 1 من كتاب الخمس.

[ 186 ]

على فرضها حصلت من الاجتهاد في الروايات، ومثل هذه غير حجة، والاحتياط مطلوب. بقي الكلام في ثمرة النزاع بين الكشف الحقيقي والحكمي والتعبدي وبينهما وبين النقل حين الاجازة، فنقول: إن الكشف الحقيقي بمعنى الكشف عن تأثير العقد من حين تحققه أمر واحد وإن كان المباني في تصوره وتحقيقه مختلفة، فمن قائل: إن نفس العقد تمام الموضوع، ومن قائل: إن التعقب بالاجازة شرط، وهو حاصل، أو ما ستلحقه الاجازة موضوع التأثير، أو نفس المتقدم بالذات تبعا للزمان موضوع، أو الاجازة شرط والاضافة إليها حاصلة قبل تحققها، والموضوع حصة مضافة، أو اللحاظ شرط وهو مقارن، أو الاجازة كاشفة عن الرضا التقديري. كما أن الكشف الحكمي أمر واحد والمباني فيه مختلفة، فمن قائل: إن الاجازة تنفيذ لمضمون العقد الموجود في زمن سابق، فتوجب انقلاب الواقع من حال الاجازة، ومن قائل: إنها توجب انقلاب العنوان من أول الامر، ويلزم منه الانتقال من أول الامر، ولو قلنا بأن الاجازة بعد وجودها مؤثرة أو قلنا بأن وصف التعقب بها لا يحصل إلا بعد وجودها وبعده يكون الموصوف مؤثرا من الاول لكان الكشف حكميا انقلابيا. والكشف التعبدي يلحق بالكشف الحقيقي لو قلنا بأن موضوع التعبد العقد حال وجوده إذا كان مما يتعقبه الاجازة وكان التعبد في جميع الآثار، ويلحق به في بعض الآثار، إذا كان التعبد في البعض. وبالكشف الحكمي الانقلابي لو قلنا بأن موضوع التعبد الاجازة أو العقد بعد الاجازة خارجا، فتعبدنا الشارع حال الاجازه بترتيب الآثار جميعا أو بعضا من الاول.

[ 187 ]

فالمحتملات في الحقيقة ثلاثة كشف حقيقي وكشف حكمي وكشف تعبدي، ومع إلحاق التعبدي باحد احتماليه بالحقيقي وبالآخر بالحكمي يكون المحتمل اثنين فما فعله بعضهم من تكثير الاقسام بجعل مباني الاحتمال الواحد موجبا للتكثير لا وقع له، مع أنه لو كان كذلك لم ينحصر الاحتمالات بخمسة عشر، بل ربما يزيد على مأة وثلاثين بل وخمسين، فالاولى ملاحظة الثمرة بين الكشف الحقيقي وما يلحق به أي التعبدي بالمعنى الاول - وبين الكشف الحكمي وما في حكمه، أي التعبدي بالمعنى الثاني. ثم إن الكلام هاهنا مع الغض عما سيأتي من الخلاف في أن الاصيل هل يجوز له التصرف فيما انتقل عنه أو إليه أم لا؟ بل المفروض هاهنا جوازه تكليفا ووضعا، فنقول: الثمرة بين الكشف الحقيقي بالمعنى المتقدم على جميع المباني والكشف الحكمي الانقلابي بجميع الاحتمالات أنه على الكشف الحقيقي لما انتقل العوضان إلى المتعاملين من الاول كان لهما جميع التصرفات بحسب الواقع تكليفا ووضعا، فلو علما بالاجازة كان لهما ذلك ظاهرا أيضا وأما مع الجهل فلا يكون لهما ظاهرا ويحكم في الظاهر بحرمة التصرف وعدم النفوذ، لا لاستصحاب عدم لحقوق الاجازة، فان اثبات عدم مؤثرية العقد باستصحاب عدمها مثبت، فان عدم تأثير المقتضي مع فقد الشرط عقلي، ولو فرض السببية شرعية فضلا عن المقام، حيث كان السبب عقلائيا أمضاه الشرع. وأولى بالمثبتية لو أردنا إثبات سلب الوصف الانتزاعي، أي عدم كون العقد ملحوقا بالاجازة باستصحاب عدم الاجازة، أو أردنا إثبات عدم التقدم الذائي تبعا للتقدم زمانا، كما سلكنا في تصوير الشرط المتأخر أو أردنا إثبات عدم الرضا التقديري أو عدم اللحاظ الذي هو شرط على بعض المسالك، بل وعلى مسلك من قال: إن العقد تمام الموضوع والاجازة

[ 188 ]

كاشفة، أي موجبة للعلم، فان البقاء على ظاهره خلاف الضرورة، ولا أظن التفوه به من أحد فضلا عن المحقق الثاني (قده) ونحوه. فحينئذ إثبات استقلال العقد وكونه تمام الموضوع بالاصل مثبت، بل إثبات نفي الحكم بنفي الموضوع أو بعض أجزائه مثبت، فان نفيه مع عدم تمام الموضوع من الاحكام العقلية لا الشرعية. بل ذلك لاستصحاب بقاء ملكية كل من المتعاملين، ومع الغض عنه يجرى الاصل الحكمي أيضا، ويلحق به الكشف التعبدي على أحد احتماليه، وهو كون العقد حين تحققه موضوع الحكم إذا تعقبه الاجازة، فانه كالكشف الحقيقي في الحكم، هذا حال الكشف الحقيقي وما يلحق به. وأما الكشف الحكمي فان قلنا بأن المقصود منه هو النقل حال الاجازة من الاول، بمعنى أن العقد قبل الاجازة لم يكن ناقلا وبعدها يكون ناقلا من أول صدوره - وبعبارة أخرى يكون انقلاب عنوان إلى عنوان آخر موجبا للنقل - فلا شبهة في عدم جواز تصرف كل فيما انتقل إليه فضولا وجواز تصرفه فيما انتقل عنه إنشاءا تكليفا ووضعا، ضورورة بقاء كل على ملك صاحبه قبل الاجازة، وكذا يترتب عليه سائر الآثار، فلو وطأ أمة الغير قبل الاجازة كان زناء أو سرق ما وقع عليه العقد فضولا لجرى عليه الحد بشرائطه. وإن قلنا بان الاجازة توجب الانقلاب بمعنى أنه ينقلب نفس التصرف الشخصي في ملك غيره إلى التصرف في ملكه ونفس الوطئ الخارجي الشخصي لامة غيره إلى الوطئ لامته، ونفس السرقة الخارجية الشخصية إلى عدم السرقة، فهل هو كالفرض السابق يحرم عليه التصرف وتجري عليه الحدود، لوقوع العناوين حال الايجاد، فيكون سارقا وزانيا ومتصرفا في مال الغير حراما، ومجرد الانقلاب لا يوجب نفي الآثار عن

[ 189 ]

العناوين أو لا يترتب عليه آثار العناوين بعد انقلاب الشخص الخارجي إلى ما هو مقابلة، لانصراف الادلة خصوصا أدلة الحدود عن مثله أو يفصل بين ما ثبت السبب قبل الانقلاب أو بعده، أو بين نحوه الحدود التي تدرأ بالشبهة وغيرها، أو بين الاحكام العقلية كالعصيان وغيره؟ وجوه، والمسألة مشكلة تحتاج إلى التأمل، لكن المبنى فاسد جدا. ومما ذكرناه يظهر النظر فيما أفادة الشيخ الاعظم (قده) فانه في فرض كون نفس الاجازة شرطا ذهب تارة إلى عدم حلية التصرف واقعا وأخرى إلى حلية الوطئ واقعا، فان الشرط لو كان بنحو الشرط المتأخر بما هو حاصل حال العقد يحل التصرف والوطئ، ولا وجه للافتراق بينهما، ولو كان بنحو الانقلاب فلا يحل شئ منهما. وكذا في ما أفاده من إجراء أصالة عدم الاجازة لسلب تأثير العقد وعدم تحقق النقل، وكذا في قوله: (ويحتمل عدم تحقق الاستيلاد على الحكمي، لعدم تحقق حدوث الولد في الملك) فانه على الكشف الحكمي التعبدي - بمعنى كون العقد المتعقب بالاجازة المتأخرة موضوعا لحكم الشارع الاقدس كما هو أحد الاحتمالين - كونه في ملكه واضح. وإن قلنا بأن وجود الاجازة شرط للحكم بالتعبد بالملكية وترتيب الآثار من الاول، فما أولده محكوم بكونه حاصلا في ملكه، فيترتب عليها آثار أم الولد. ومنه يظهر النظر في قوله (قده): (ولو نقل المالك أم الولد عن ملكه قبل الاجازة فأجاز بطل النقل على الكشف الحقيقي دون الحكمي، وعلى المجيز قيمتها، لانه مقتضى الجمع بين جعل العقد ماضيا من حين وقوعه، ومقتضى صحة النقل الواقع قبل حكم الشارع بهذا الجعل، كما في الفسخ بالخيار مع انتقال متعلقه بنقل لازم) انتهى.

[ 190 ]

أما على الكشف الحكمي على الاحتمال الاول فواضح، وأما على الاحتمال الآخر فلان مقتضى حكم الشارع بعد الاجازة بالملكية التنزيلية من أول الامر هو الحكم بعدم تحقق النقل من ملك الناقل ووقوعه في ملك الغير وهذا الحكم مقدم على أدلة وجوب الوفاء بالعقود، لانه رافع لموضوعها فلا وجه للجمع المذكور، والقياس بباب الفسخ كأنه غير وجيه، لان الفسخ من حينه. هذا كله لو قلنا بأن النقل ليس بمنزلة الرد وأن محل الاجازة باق، وأما لو قلنا بأن النقل ونحوه كالتلف موجب لهدم العقد، ولا يبقي معه محل للاجازة فلا يبقى فرق بين الكشف الحقيقي وغيره في صحة النقل ولغوية الاجازة، فانه على جميع المباني والاحتمالات يكون العقد موضوعا وسببا. وبالجملة إن قلنا بأن النقل ونحوه هادم للعقد فلا فرق بين الوجوه في لغوية الاجازة، وإن قلنا بعدمه فلا فرق بينها في بطلان النقل وصحة الفضولي بالاجازة. ثم لا يخفى أن في ظاهر كلام الشيخ الاعظم (قده) تناقضا واضحا لا يناسب مقامه، ولهذا أول بعضهم كلامه إلى ما هو غير مرضي. ويمكن التوجيه بوجه أقرب وهو أن قوله: (أما الثمرة على الكشف الحقيقي بين كون نفس الاجازة شرطا وكون الشرط تعقب العقد بها ولحوقها له) الخ يراد به أن الفرق - على مبنى الكشف بين كون الاجازة شرطا بوجودها فيرجع إلى الكشف الحكمي وبين كون التعقب شرطا، وهو كشف، حقيقي - هو جواز التصرف على الكشف الحقيقي وعدمه على الحكمي، والشاهد عليه التفرقة في الحكم بينهما، إذ لا معنى في التفرقة بين مصداقين من الكشف الحقيقي.

[ 191 ]

أو يراد به أن الثمرة بين الكشف الحقيقي سواء كان الاجازة شرطا - أي نحو الشرط المتأخر الراجع إلى تأثير العقد من أول حدوثه - أو التعقب بها شرطا وبين غيره، وقوله: (وأما الثمرة بين الكشف الحقيقي والحكمي مع كون نفس الاجازة شرطا) يراد به الكشف الحقيقي مطلقا مع الحكمي إذا كان نفس الاجازة شرطا للتعبد والحكم، فيكون القيد راجعا إلى الحكمي كما هو ظاهر العبارة لا إلى الكشف فحينئذ يرتفع التنافي وإن كان مخالفا للظاهر في الجملة، فتدبر. وقد ذكروا للثمرة بين الكشف والنقل مواضع: منها - النماء والمنافع، فانها على الكشف مطلقا لمن انتقل إليه العين، وعلى النقل لمن انتقلت عنه. ومنها - أن فسخ الاصيل لانشائه قبل إجازة الآخر مبطل له على النقل، كفسخ الموجب قبل قبول القابل، بخلاف الكشف الحقيقي، فان العقد تام من قبل الاصيل، غاية الامر تسلط الآخر على الرد. أقول: لا شبهة في أن للاجازة نحو دخالة في حصول النقل شرطا أو شطرا، سواء قلنا بالكشف باقسامه أو بالنقل، وليس لاحد أن يتوهم أن الاجازة غير دخيلة، وان وجودها وعدمها على السواء. فحينئذ يقع البحث في أن الفسخ هل هو هادم للعقد أم لا؟ فان قلنا: إنه هادم فلا فرق بين النقل والكشف حتى الحقيقي منه، لان تعقب العقد باللاجازة انما هو مؤثر إذا لم ينهدم العقد، فإذا تخلل بين العقد والاجازة فسخ هادم لم يبق عقد حتى يتعقبه الاجازة، وبعبارة أخرى إن العقد إذا تعقبه الهدم قبل الاجازة لم يكن في علم الله من الاول عقدا متعقبا بالاجازة حتى يكون مؤثرا. وإن لم يكن هادما فلا فرق بينهما أيضا، نعم لو قلنا بأنه على النقل هادم دون الكشف يتم القول بالثمرة، لكن لا دليل على الافتراق. وما قيل من أن العقد تام من قبل الاصيل على الكشف لا يرجع

[ 192 ]

إلى محصل، فان المراد من التمام إن رجع إلى أن الاصيل حصل منه ما هو من قبله من إنشاء العقد فلا شبهة في أنه على النقل أيضا كذلك، بل الموجب أيضا حصل منه ما هو من قبله، وإن رجع إلى أن النقل حاصل من قبله على الكشف فهو موقوف على القول بأن الاجازة لا دخالة لها أو أن الفسخ غير هادم، فتمامية العقد موقوف على عدم الهادمية، وهو أول الكلام. ثم إن التمسك بعمومات الصحة واللزوم غير صحيح، لا في الكشف ولا في النقل، أما مثل (تجارة عن تراض) (1) و (أحل الله البيع) (2) فظاهر، فان حلية الاكل موضوعها مال التجارة الحاصل بين التاجرين الاصيلين، ومع فضولية الطرفين أو أحدهما لم يحصل مال تجارة عرفا حتى يحل أو يحرم، نعم بعد الاجازة يحصل مال التجارة لتمامية التجارة عرفا، كما أن نفوذ البيع والحلية الفعلية متعلق بالبيع الحاصل من الاصيلين، ضرورة أنه لو كان أحدهما أو كلاهما فضولا لا ينفذ البيع ولا يكون له أثر قابل للانفاذ. وأما وجوب الوفاء بالعقود فهو كوجوب الوفاء بالنذر والعهد والقسم ونحوها الظاهر منها وجوب العمل على طبق المضمون، ووجوب الخروج عن العهدة العرفية، وهو لا يكون إلا إذا كان العقد بين الاصيلين، وليس المراد منه إبقاء العقد وعدم فسخه حتى يقال: إنه بالنسبة إلى الاصيل ممكن، وإن كان فيه إشكال أيضا، ولو فرض صحة ذلك لا فرق بين الكشف والنقل، ولكن الاصح ما مر، ولا أقل من انصراف الادلة إلى عقد المالكين والمأذون والمجاز منهما.


(1) سورة النساء: 4 - الآية 29. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 275.

[ 193 ]

ولو فسخ الاصيل ثم أجاز الآخر فمع إحراز أن الفسخ هادم لا إشكال في عدم لحوق الاجازة به، كشفا كان المبنى أو نقلا، ولو شك فيه فهل يمكن إحراز موضوع وجوب الوفاء بالعقد باستصحاب بقائه إلى زمان الاجازة؟ لا يبعد ذلك إن قلنا بأن العقد والاجازة موضوع مركب له، أو قلنا بأن العقد تمام الموضوع لوجوب الوفاء إذا لحق به الاجازة، بخلاف ما لو كان العقد المشروط بالاجازة أو المتعقب بها موضوعا، لان استصحاب بقاء العقد إلى حين الاجازة لا يثبت المشروط والمتقيد. ومنه يظهر الكلام في ثمرة أخرى، وهي أن الاصيل يجوز له التصرف فيما انتقل عنه على النقل وإن قلنا بأن فسخه غير مبطل دون الكشف بدعوى أن الاجازة على النقل شرط أو شطر، فما لم تتحقق لا يجب الوفاء على أحد المتعاقدين، وأما على الكشف فيجب الوفاء بالعقد بموجب العموم على الاصيل، ويحرم عليه نقضه، ووجوب الوفاء عليه ليس مراعى باجازة المالك، بل مقتضى العموم وجوبه حتى مع العلم بعدم الاجازة. أقول: الكلام يقع تاره في أنه لو قلنا بأن فسخ الاصيل غير مبطل على النقل هل يجوز له التصرف، وأخرى في الثمرة المذكورة، أما الاول فمبنى عدم مبطلية فسخه هو عموم وجوب الوفاء بالعقد، فان تم ذلك لا ينبغي الشبهة في عدم جواز التصرف، سيما التصرف الناقل والمعدم، فان الظاهر من وجوب الوفاء كما مر هو العمل على طبق مقتضى العقد، ومنه ينتقل إلى صحته ولزومه، وليس لاحد أن يقول: إن معنى وجوب الوفاء حرمة النقض، ضرورة عدم كون حرمة النقض معنى وجوب الوفاء واستعمال أحدهما في الآخر غلط لا مجاز. نعم يمكن أن يكون المراد الارشاد إلى الصحة واللزوم لا بمعنى

[ 194 ]

استعماله في المرشد إليه، بل بمعنى استعماله في معناه حقيقة للانتقال إلى الصحة واللزوم، فعليه يكون في المقام المعنى المستعمل فيه مرادا أيضا، ضرورة لزوم العمل على طبق العقد ووجوب الوفاء به، فكأنه ذكر لازم المعنى للانتقال إلى الملزوم، فلا يصح تجريده عن المعنى الازم، إذ معه لا يمكن استفادة الملزوم منه. وبعبارة أخرى لما كان وجوب العمل على طبق مضمون العقد ووجوب الوفاء به عند العقلاء من لوازم صحة العقد ولزومه أراد المولى إفهام أن العقد عنده أيضا نحو ما عند العقلاء، فذكر اللازم وأراده جدا للارشاد إلى الصحة، واللزوم بالانتقال إلى الملزوم. فحينئذ لو قلنا بأن وجوب الوفاء يمنع عن صحة الفسخ وتأثيره لا يمكن أن يقال: لا يمنع عن التصرفات، فان المنع عن تأثيره مترتب على المنع عن التصرفات، فانه من شؤون وجوب الوفاء. فتحصل من ذلك أنه لو قيل بعدم نفوذ فسخه بدليل وجوب الوفاء لا بد وأن يقال بعدم جواز التصرف مطلقا، لانه أولى منه، ولكن قد عرفت أنه لا سبيل إلى ذلك، ضرورة أن مضمون العقد لم يتحقق قبل الاجازة عرفا وشرعا، وعقلا، فلا معنى للالزام بالعمل بمضمونه، والقول بلزوم العمل من طرف الاصيل، وكذا لزوم الالتزام من قبله غير مرضي. لما يأتي الاشارة إليه، فتحصل من ذلك أنه لا مانع من جواز تصرف الاصيل فيما انتقل عنه إنشاء. وأما الامر الثاني - أي بيان الثمرة - فان قلنا بأن العقد تمام الموضوع لوجوب الوفاء بالنسبة إلى الاصيل، لان الالتزام من قبله حاصل كما قيل فلا فرق بين النقل والكشف، ضرورة عدم الفرق في حصول الالتزام منه

[ 195 ]

وكون الاجازة ناقلة أو كاشفة غير مربوط بالالتزام وعدمه، فلا بد من الالتزام بعدم جواز التصرف إلى زمان الرد من الطرف الآخر، فدخالة الاجازة بعد حصولها في النقل لا توجب جواز التصرف، فان عدم الجواز فرع التزامه ووجوب الوفاء بما التزم به، لا فرع النقل خارجا، وإن قلنا بأن موضوع وجوبه هو العقد المربوط بالمالكين، فمع العلم بعدم الاجازة لا ينبغي الاشكال في جواز التصرف. فما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من عدم جوازه على الكشف المشهوري حتى مع العلم بعدم الاجازة، معللا بأن العقد السابق بنفسه مؤثر من غير ضميمة شئ شرطا أو شطرا، لا يخلو من غرابة، فانه صرح بأن نفس الاجازة المتأخرة شرط لكون العقد السابق بنفسه مؤثرا تاما، وكيف يمكن أن تكون الاجازة شرطا لمؤثرية العقد ولا يكون العقد مشروطا بها في تأثيره، بل كيف يعقل أن تكون الاجازة شرطا لتأثير العقد بنفسه من غير شرط، فانه يرجع إلى التناقض، أي أنها شرط لتأثير العقد بلا شرط أو يرجع إلى أن لتأثير العقد شرطا والاجازة هادمة للشرطية، وهو كما ترى. وبالجملة لا شبهة في أن الاجازة لها دخل في تأثير العقد شرطا أو شطرا سواء قلنا بالنقل أو الكشف، فحينئذ لو قلنا بأن تخلل التصرفات المنافية مانع عن لحوق الاجازة بحيث كان في علم الله العقد المتعقب بالاجازة غير المتخلل بما ينافيه مؤثرا يرفع التصرف موضوعه، ولا يبقى بين النقل والكشف فرق، لان التصرف مانع عن الكشف، فلا يكون موضوع الاثر متحققا. وإن قلنا بأن التصرف غير هادم، وموضوع التأثير هو العقد بوجوده الحدوثي إذا تعقبه الاجازة سواء تخلل بينهما التصرفات أو لا فالثمرة بين

[ 196 ]

النقل والكشف الحقيقي حاصلة، لانه على النقل لم يتحقق الملكية للمنقول إليه، بخلاف الكشف، فلا يجوز له التصرف فيما انتقل عنه على الكشف ويلحق بالنقل الكشف الحكمي والكشف التعبدي بأحد معنييه وبالكشف بمعناه الآخر كما تقدم. ثم إنه على ذلك يترتب على الكشف جميع الاحكام: من حرمة المصاهرة ونحوها دون النقل، والالتزام بحصول أحكام المصاهرة على النقل أو الكشف مع فرض عدم لحوق الاجازة غير مرضي، ضرورة أن تلك الاحكام مترتبة على الزوجية الواقعية لا على الانشاء بلا أثر. ومما ذكرنا يظهر حال أدلة الشروط على القول بشمولها للابتدائي فان الظاهر منها أيضا لزوم الوفاء بالشرط كما يظهر من مواردها، و لو قيل: إن الكبرى - أي قوله عليه السلام: (المسلمون عند شروطهم) (1) - دالة على ملازمة المسلم مع شرطه، فهي ناظرة إلى نفس الشروط لا إلى الوفاء بها، لم يتم أيضا الاستدلال، فان القرار في البيع ليس التزاما مطلقا، بل التزام في مقابل التزام، والفرض أنه لا التزام من طرف الفضولي، ولا معنى للزوم الالتزام بنحو الاطلاق، مع أن التزامه لم يكن كذلك، فيظهر الامر أيضا في وجوب الوفاء لو قلنا بمقالة من قال: إنه ناظر إلى نفس العقد لا العمل بمضمونه. وقد مر حال الاصول مع الشك في الهدم، وأن الحق جريان أصالة بقاء العقد على بعض الوجوه الذي هو الاظهر، فحينئذ يتم النتيجة بين الكشف الحقيقي وغيره، ويتم القول بعدم تأثير فسخ الاصيل حتى على النقل. وقيل تظهر الثمرة فيما إذا انسلخت قابلية الملك عن أحدهما قبل


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب الخيار الحديث 1

[ 197 ]

إجازة الآخر بموت أو بعروض الكفر بالارتداد مع كون المبيع مسلما أو مصحفا، فيصح على الكشف دون النقل. أقول: لا بد من بيان أمور حتى يتضح الحال في هذه الثمرة وما يتلوها من فقد شرائط العوضين أو العقد: الاول - قد مر أن الفضولي على القاعدة، وهي تقتضي النقل، والكشف على خلاف القواعد، ولا بد من إثباته من دليل خاص، لكن لو قلنا بالكشف بدليل خاص لا يلزم منه خروج المعاملة عن تحت الادلة العامة حتى يمتنع التمسك بها في رفع بعض الشكوك التي لا يفترق فيها النقل والكشف. مثلا لو شككنا في اعتبار شئ في العقد كالعربية أو في المتعاقدين كما لو شك في صحة عقد المرأة بلا إذن زوجها أو في العوضين فالمرجع لرفع الشك هو إطلاق الادلة العامة نحو (أو فوا بالعقود) (1) سواء قلنا بالكشف أو النقل، غاية الامر على الكشف تصرف الشارع في محل النقل كما تصرف في بيع الصرف والسلم، فلو شككنا في اعتبار شئ زائد على عنوان العقد وما ثبت بالدليل الشرعي فالمرجع هو الاطلاقات. وأولى منه لو قلنا بأن الكشف على القواعد، فانه يرجع إليها في الموارد المشكوك فيها. نعم لو قلنا بأنه على خلاف القاعدة فان كان لدليله الخاص إطلاق يرفع به الشك فهو، وإلا ففي كل مورد شك في دخالة شئ في الكشف لا يمكن الحكم به، بل لا بد من القول فيه بالنقل، لكونه على القواعد والشك في الخروج عنها، فتدبر جيدا. الثاني - يحتمل في الكشف الحقيقي أن يكون البيع السابق المتقدم


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 198 ]

على الاجازة مؤثرا فيكون موضوع الحكم عنوان البيع المتقدم أو البيع مضافا إلى الاجازة كما قيل، ويحتمل أن يكون الموضوع هو التعاقد الحاصل بين المتعاقدين بالعقد والاجازة، بمعنى أن المؤثر هو المعاقدة بين الاصيل والمجيز الحيين، ولما علم الشارع حصول هذا الامر متأخرا حكم بحصول الاثر بعد إنشاء العقد. فعلى الاول لو مات الاصيل فأجاز تكشف الاجازة عن وجود الموضوع من الاول، وعلى الثاني لا يتحقق موضوع الاثر، لان موضوعه المعاقدة بين الحيين حال التعاقد، ومع عدم إحراز أحد الاحتمالين لا بد في غير المورد المتيقن من العمل على القواعد، وهي تقتضي النقل، وإن كان العمل على النقل أيضا باطلا يقع البيع باطلا. الثالث - لا شبهة في أن ماهية البيع إذا كانت مبادلة مال بمال تكون المبادلة في نحو إضافة، لا بمعنى نقل إضافة شخصية خاصة من أحد المتعاملين إلى الآخر، فانه ظاهر البطلان، ضرورة لزوم تحقق الاضافة بلا مضاف أو بلا مضاف إليه، وهو باطل حتى عند العرف، بل بمعنى أن لازم تحقق البيع هو سقوط اضافة البائع عن المبيع وحدوث اضافة المشتري إليه وبالعكس، فتمليك العين بالعوض لازمه تبادل الاضافة بهذا المعنى لا المعنى غير المعقول، كما يفوه به بعض الالسن. ولازم ذلك هل هو بطلان البيع إذا أنشأ لشخص وأجاز شخص آخر، فلو ملك زيدا شيئا بالعوض فانتقل المال إلى عمرو وأراد عمرو أن يجيز فمقتضى القاعدة عدم الصحة، لان الاجازة لا تصلح إلا للحوق بما انشئ، فان أراد عمرو باجازته وقوع العقد لزيد فلا إشكال في أنه غير صالح لذلك، ولو أراد وقوعه لنفسه فالانشاء غير صالح لذلك، ففي أمثال ذلك لا بد من قيام دليل تعبدي على الصحة، أو لا، بل يصح إذا أجاز

[ 199 ]

المالك الفعلي؟ وجهان، فلو قيل بأن البيع تبادل الاضافات بالمعنى الاول غير المرضي لا مجال للقول بالصحة، وقد تقدم في مسألة بيع الفضولي لنفسه ما هو التحقيق، وقلنا بالصحة فراجع. إذا عرفت ذلك ففي مثل الكفر والارتداد وكذا في مثل قابلية العوضين للمملوكية لا شبهة في الاعتبار عند النقل، لعدم ماليكة الكافر المسلم والمصحف، وعدم صحة تملك الخمر مثلا، لكن لو أنشاء البيع فضولا وكان في حال الانشاء قبل الاجازة مشتري المسلم والمصحف كافرا والمبيع خمرا ثم عند الاجازة أسلم الكافر وانقلب الخمر خلا فلا شبهة في تحقق عنوان المعاملة عرفا، ويكون الشك في اعتبار اسلام المشترى من زمن إجراء الصيغة فضولا إلى زمان الاجازة، وفي اعتبار قابلية المبيع للتملك كذلك، وهذا الشك مرتفع باطلاق وجوب الوفاء بالعقد وحلية البيع على فرض إطلاقها، والدليل الدال على عدم مالكية الكافر للمسلم أو عدم مملكوكية الخمر قاصر عن إثبات ذلك كما هو واضح. فلو باع المصحف من كافر فضولا وأجاز بعد إسلامه صح على النقل دون الكشف، ولو انعكس بطل على النقل بلا إشكال. والظاهر الصحة على الكشف، أما على مبنى كون الكشف على القواعد فظاهر، واما على غيره فلما عرفت من أن إطلاق الادلة رافع للشك، لانه اعتبار زائد على أصل المعاملة، والتعبد بالكشف لا يوجب خروج العقد عن موضوعية الادلة، فالتعبد انما هو في الكشف فقط. نعم لو كان دليل الكشف قاصرا عن إثبات الكشف في المورد فالاخذ بالقواعد في مورد الصور يقتضي النقل، ولما كان النقل أيضا باطلا يقع العقد باطلا، وما ذكر جار في جميع موارد قصور دليل الكشف، فانه يرجع معه إلى القواعد، ومقتضاها النقل، فمع صحة النقل نقول به

[ 200 ]

ومع عدم صحته تبطل المعاملة، وقد تقدم أنه لا دليل على الكشف، وما دل عليه على فرض التسليم لا إطلاق له. فتحصل مما ذكر حصول الثمرة فيما مر في بعض الصور. وأما في موت الاصيل قبل إجازة الآخر فلا شبهة في عدم تأثير الاجازة على النقل، لعدم اعتبار مالكية الميت وعلى فرض اعتبارها له في بعض الاحيان لا يكون إلا بدليل خاص، والادلة العامة قاصرة عن إثبات النقل إليه. واما على الكشف فمن قال بأنه على القواعد لا مجال له لانكار الصحة هاهنا، لان إطلاق دليل وجوب الوفاء يرفع احتمال استمرار بقاء حياة البائع الاصيل إلى زمان الاجازة، ومن قال: إنه على خلاف القاعدة لا مجال له للحكم بالصحة، لا حتمال دخالة المعاقدة بين الحيين في الصحة على الكشف، ولو قيل بأن المعاقدة حاصلة بينهما لان الاصيل حال العقد حي والمجيز يعاقده حال حياته فهو مع كونه كلاما شعريا لا يفيد في المقام، لان احتمال دخالة استمرار حياة الاصيل إلى زمان الاجازة في الكشف لا دافع له مع عدم إطلاق في البين. نعم لو قيل بأن الموضوع نفس البيع وعنوانه مع لحوق الاجازة متأخرا صح على الكشف، لكن أنى له باثباته. ثم إن البحث في أن مع موت الاصيل يقوم وراثه مقامه بل وإذا مات المالك الاصلي أيضا يقوم وراثه مقامه في الاجازة بحث خارج عن المقام، وإن كان الاصح أن إجازة المجيز لا تكفي في الصحة الفعلية بعد انتقال العوض إلى ورثة الاصيل بالارث، بل لا بد من إجازتهم أيضا. نعم لو قيل: إن المال انتقل إليهم مع ثبوت حق الاجازة أو قيل: إن الورثة قائم مقام المورث لا أن المال انتقل إليهم لكان لما ذكر وجه،

[ 201 ]

لكن الاحتمالين ساقطان سيما الثاني منهما وان ذهب إليه بعض الاعاظم (قده) ولو تلف أحد العوضين فعلى الكشف تصح المعاملة دون النقل، وقد يقال: إنه في تلف المبيع لا ثمرة، لانه قبل القبض من مال بائعه، وفيه - مع أن الكلام في الفضولي ليس في البيع فقط، وفي التلف ليس في تلف المبيع فقط، بل لو تلف الثمن الشخصي الذي وقع عليه البيع تظهر الثمرة - أنه في اتلاف المبيع سواء كان من قبل الاجنبي أو من قبل البائع تظهر أيضا، فان الحكم في تلف المبيع تعبدي مستنده النبوي المفتى به (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه) (1) وهو ظاهر في التلف السماوي، وقد ادعى الشهرة وعدم وجدان الخلاف في أن المشتري مع إتلاف الاجنبي مخير بين الرجوع إلى المتلف والفسخ، وهو أيضا ثمرة. وأما فقدان شرائط نفس العقد في حاله دون حال الاجازة وبالعكس فيتصور في تبدل الرأي، فلو كان رأيه صحة العقد بالفارسي وعقد وتبدل رأيه قبل الاجازة فالظاهر صحته على الكشف، لان المعاملة تامة، وتسلم الاصحاب على الاجزاء وعدم هدم الاجتهاد الثاني الآثار المترتبة على الاجتهاد الاول. وأما على النقل حيث لم تتم المعاملة، ولم يكن مورد تسلم الاصحاب، فيمكن أن يقال بل لا بد وأن يقال ببطلان العقد، إذ لا دليل على الاجزاء ثم إن الشيخ الاعظم (قده) وغيره ذكروا ثمرات أخرى أغمضنا عن ذكرها، ولا بأس بذكر التنبيهات المذكورة.


(1) المستدرك الباب - 9 - من أبواب الخيار - الحديث 1.

[ 202 ]

الاول: لو أجاز العقد من حال الاجازة فهل يصح العقد والاجازة حتى على الكشف أولا؟ أو أجاز من حين العقد فهل يصح حتى النقل أو لا؟ محط البحث هاهنا ما لو كانت الاجازة على خلاف اقتضاء الكشف، فهل يصح العقد والاجازة على الكشف؟ أو على خلاف اقتضاء النقل فهل يصحان على النقل؟ فقضية تعدد المطلوب والشرط الفاسد أجنبية عن محطه. فنقول: أما على الكشف الحقيقي فالقائل به إما أن يرى أن العقد الانشائي المتعقب باجازته أو الملحوظ مع إجازته أو الحصة المضافة إلى إجازته أو المقارن للرضا التقديري مؤثر، فلو تعقب العقد بالاجازة من حينها لم تتحقق العناوين، ضرورة أن التعقب بمطلق الاجازة ليس مؤثرا، بل المتعقب بالاجازة المتعلقة بالعقد الانشائي مؤثر. وكذا لو يرى أن المنشأ بوجوده الحدوثي المتعقب باجازته أو الملحوظ كذلك أو المقارن للرضا مؤثر، فان إجازة الحصة المقارنة للاجازة لا يعقل أن تصير موضوعا ومؤثرا على هذا الفرض واحتمال أن يكون المؤثر من الاول الحصة المقارنة للاجازة ساقط على القول بالكشف الحقيقي بل غير معقول، للزوم تأثير الشئ في المتقدم منه. وأما على الكشف الحكمي فعلى القول بأن مضمون العقد هو النقل من حينه أو أن إطلاقه يقتضي النقل من حينه إن أجاز من حين الاجازة كانت الاجازة على خلاف مضمون العقد أو مقتضى اطلاقه، فلا تكون مثل تلك الاجازة مؤثرة من حال العقد، لان مضمونه غير مجاز، والمجاز غير مضمونه ومقتضاه، من غير فرق بين النقل الانقلابي حقيقة أو عنوانا. وأما على الكشف التعبدي فهو تابع لمقدار التعبد، وقد عرفت أنه

[ 203 ]

لا دليل عليه يمكن التمسك باطلاقه، ولو احتملنا أن موضوع التعبد بالكشف هو العقد مع الاجازة الملحقة به من غير تقييد بحال العقد أو بحال الاجازة كما هو المتيقن من الادلة على فرض دلالتها على الكشف، فمع التخلف حتى بالتقييد بالموافقة يشك في موضوع الحكم. ومما ذكر يظهر الحال في الاجازة المخالفة للنقل على القول به، فان القائل بالنقل يرى أن العقد بوجوده البقائي اعتبارا جزء السبب وجزؤه الآخر الاجازة، ومعها تتم السببية، فلا بد من لحوقها بالبيع الموجود اعتبارا حال الاجازة، فلو أجاز بلا قيد تلحق به، لكنه ليس محط البحث، ولو أجاز متقيدا بأول وجود العقد فلا تأثير لها، إذ لا يتحقق سبب النقل وموضوعه. فاتضح مما ذكر بطلان الاجازة بمعنى عدم كونها جزء للمؤثر أو موجبة للتأثير في فرض المسألة على جميع التقادير، وكذا اتضح الخلط الواقع لكثير من المحشين من التصحيح بتعدد المطلوب أو بعدم بطلان المشروط بالشرط الفاسد، أو بالغاء القيد ولغويته، فانها خارجة عن محط الكلام. نعم لو انعقد البحث بأن الاجازة إذا كانت بواسطة مقارنتها بقيد أو شرط ظاهرة في خلاف الكشف أو النقل هل يمكن تصحيحها بالغاء القيد أو الشرط أو نحو ذلك كان لما ذكروا وجه. الثاني: لا يعتبر في نفوذ العقد الفضولي إلا الرضا، ولو شك في الرضا

[ 204 ]

يحكم في الظاهر بعدم التأثير وعدم النقل، لاستصحاب بقاء ملك كل منهما على حاله. وقد يقال باعتبار إنشاء الاجازة والانفاذ، وهو غير مرضي، لان اعتباره إما لاجل عدم صدق العناوين إلا به كما قيل في القبول من كون العقد مركبا من الايجاب ومنه، وهما ركنان فيه، وقد قلنا: إن الاجازة في الفضولي كالقبول في غيره. وفيه ما لا يخفى، ضرورة صدق العناوين عليه، أجازه أو رده أو لا، فان البيع مثلا ليس إلا تمليك العين بالعوض، وبيع الفضولي لا يقصر عن بيع الاصيل في ذلك، وحصول الاثر لا دخالة له في عنوان المعاملات، بل لا يعقل دخالته فيه، بل العناوين صادقة على الفاسد من المصاديق، فبيع الربوي والخمر بيع فاسد، وبيع الصرف قبل القبض بيع، فالفضولي بيع عرفا وشرعا. وإما لاجل أن المعتبر في الفضولي صيرورته عقدا وبيعا وتجارة للاصيل، فان قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) بمعنى عقودكم وكذا سائر العناوين، فان الوفاء لا يجب إلا على من كان العقد عقده، فالادلة لا تشمل الفضولي رأسا حتى يقال: إنها متقيدة بالرضا فقط، بل الخطاب للاصيل باعتبار كون العقد عقده، ولا يصير العقد عقده إلا بانشاء الاجازة، فان الانتساب أمر تسبيبي كالبيع لا يحصل إلا بالانشاء والايجاد ولا يحصل بالرضا أو باظهاره. وفيه ما مر سابقا من أن الانشاء الصادر من الفضولي وحاصله الذي لا يختلف مع المصدر إلا اعتبارا لا يكون فعلا ولا أثر فعل إلا للفضولي، والمالك الاصلي لم يوجد العقد ولا يكون العقد فعله ولا نتيجة العقد أي المصدر وحاصله فعله، فلو كان المعتبر صيرورة العقد


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 205 ]

عقده لا شبهة في أن الاجازة بأي وجه أخذت لا توجب ذلك. بل ذكرنا أن عقد الاصيلين لا يعقل أن يكون عقد كل منهما، سواء قلنا بأن العقد مركب من الايجاب والقبول وهما ركنان أو قلنا بأن تمام ماهية العقد يوجد بفعل الموجب كما هو الواقع، فانه على الاول لا يكون العقد فعل كل منهما حقيقة، بل جزء منه فعل الموجب وجزؤه الآخر فعل القابل، وكذا البيع والتجارة، ولو نسب الكل إلى كل منهما فهو بنحو من الادعاء والمجاز على الثاني لا يكون فعل القابل، فان القابل لا شأن له إلا مطاوعة ما أوجده الموجب. فلو قيل بلزوم كون العقد لكل منهما أي يصدق حقيقة أنه بيع كل منهما وعقده بمعنى أنه فعلهما - فلا عقد الاصيلين كذلك ولا الوكيل منهما ولا المأذون ولا الفضولي، ولما لم نشك في أن عقد الاصيلين ووكيلهما والمأذون منهما مشمول للادلة فلا نشك في عدم اعتبار ما ذكر، بل المعتبر أن يكون للعقد والبيع والتجارة نحو ارتباط وانتساب إلى المالكين إما بايجاد كل منهما ركنا منه، أو ايجاد أحدهما وقبول الآخر، أو ايجاد وكيلهما أو كونه مأذونا فيه أو مجازا، كما أن الامر كذلك عند العقلاء كافة، والادلة لا تخرج عما يفهمه العقلاء. ولو قلنا في الاصيلين بأن العقد الواقع بينهما كاف في وجوب الوفاء - أي يجب الوفاء على كل بالعقد الواقع بينهما فالعقد عقدهما، فيجب الوفاء به - لم يتم ذلك في باب الوكالة والاذن، وكذا الفضولي، لعدم الصدق إلا مسامحة ومجازا. هذا مضافا إلى ما مر أيضا من أن الاجازة والامضاء والانفاذ ذاتها بذاتها تأبى عن صيرورة العقد بها عقد المالك، فانها إجازة فعل الغير وإمضاؤه وانفاذه، فكأنه قال: (ما فعلته وأوجدته أمضيت) كما في رواية

[ 206 ]

عروة: (بارك الله في صفقة يمينك) (1) لو كان كناية عن الامضاء، فالصفقة اعتبرت على ما هو الواقع من كونها صفقة يمينه، فكيف يمكن أن يكون هذا الامر المضاد ذاتا وعنوانا وأثرا لملاحظة كون العقد عقد الاصيل موجبا لصيرورته كذلك حتى مجازا وادعاء فضلا عن الحقيقة. ولو قيل بأن الشارع أن يدعي أن العقد عقدهما باعتبار نحو استناد اليهما يقال: إن ذلك لا يتم إلا مع ثبوت استعمال العناوين مجازا، وإلا فالاصل الحقيقة. نعم الاجازة موجبة لكون العقد مجازا من المالك، وهو كاف في النفوذ ووجوب الوفاء عرفا وشرعا، وهذا المعنى بعينه موجود في الرضا، فان العقد مع الرضا عقد مرضي به من المالك، وهو كاف، بل هو أولى بشمول (تجارة عن تراض) له من العقد المجاز. وبهذا يظهر أن دعوى كون الانتساب أمرا تسبيبيا لا بد لحصوله من الانشاء والايجاد غير مرضية، فان ما هو تسبيبي ومحتاج إلى الانشاء والايجاد هو عناوين المعاملات، وهي حاصلة في الفضولي كالاصيل بلا افتراق بينهما، كما أن العقد لا يكون عقدهما في شئ من الموارد، والانتساب بالمعنى المتقدم أي حصول نحو ربط بين العقد والمالك حاصل بالرضا وبالاجازة وبالاذن ونحوها، وهو كاف في شمول الادلة بعد عدم اشتمالها لامر يوجب عدم الصدق، نحو أوفوا بعقودكم، مع أنه لو كانت الادلة مشتملة عليه لا محيص إلا عن الحمل على نحو انتساب غير كون العقد عنده عقده حقيقة إما بالحمل على المجاز أو الادعاء، ومناطه حاصل في العقد المرضي به كالعقد المجاز، وبالجملة اطلاق الادلة يقتضي وبهدا يظهر حال مقايسة الاجازة مع القبول بان يقال: كما أن القبول أمر انشائي كذا الاجازة، فانه مع كونه مع الفارق عرفا يمكن


(1) المتقدمة في ص 107.

[ 207 ]

لنا دعوى عدم اعتبار الايجاد في القبول أيضا، فان عنوان المعاملة التي هو أمر تسبيبي يحصل بالايجاب، ولا شأن للقبول إلا إظهار الرضا بما أوجده، فعلى القواعد يكفي في القبول الرضا الباطني أيضا، إلا أن يقوم الاجماع على خلافها، كما ظهر أن المعتبر هو الرضا لا إظهاره، هذا حال الادلة العامة. وأما الادلة الخاصة فمقتضى صحيحة الحذاء هو اعتبار الرضا ليس إلا والعجب أن الشيخ (قده) وغيره مع عدهم لها من أدلة الفضولي واستدلالهم بها على الكشف لم يتمسكوا في المقام بها مع أنها صريحة في ذلك أو كالصريحة فيه. فراجعها. نعم بناء على ما قلنا في مفادها فهي أجنبية عن المقام. ولو اعتبرنا إنشاء الاجازة فلا إشكال في حصوله بأي مظهر عقلائي من اللفظ الصريح والكنائي والفعل إذا فهم منه ذلك، كما لو قيل له: هل تجيز بيع كذا؟ فأشار برأسه نعم. وأما الافعال كالتصرف وتمكين المعقود عليها فان قلنا بأنها كاشفة عن الرضا المعتبر فلا إشكال، وإن قلنا بأنها إنشاء الاجازة فلازمه حرمة التصرف والتمكين، فان حصول الملكية والزواج انما هو بعد تحقق العمل الذي يتحقق به الانشاء، فالتصرف وقع في مال الغير بلا إذنه الرضا المعاملي لا يفيد، والرضا بالتصرف مفقود، كما أن التمكين حرام وإن وقع به الزواج. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) بعد اختيار كفاية الرضا الباطني تردد فيها نظرا إلى أن لازمها كفايته في أول العقد، و الظاهر أن الاصحاب لا يلتزمون به، وأيده بأنه لو كان مجرد الرضا ملزما لكان مجرد الكراهة فسخا.

[ 208 ]

وأنت خبير بأن الالتزام باللازم الاول لا مانع منه، وليست المسألة إجماعية بلا إشكال، وأما اللازم الثاني فلا يلزم، ضرورة أن الاكتفاء بالرضا في الالزام لاجل أن ما هو أمر تسبيبي إنشائي حصل بانشاء الفضولي، وشرط تأثيره الرضا، وهو أيضا حاصل، فلا وجه لعدم الالزام، وأما الفسخ فهو كنفس المعاملة يحتاج إلى الانشساء فانه حل العقد، وهو أمر تسبيبي يحتاج إيجاده إلى الانشاء. فما أفاد أخيرا بقوله: (إلا أن يلتزم بعدم كون مجرد الكراهة فسخا وإن كان مجرد الرضا إجازة) صحيح لكن لا لاجل كون الرضا إجازة، بل لاجل عدم الاشتراط إلا بالرضا، والاجازة كاشفة عنه. الثالث: قالوا: من شروط الاجازة أن لا يسبقها الرد، واستدل عليه بعد نقل الاجماع بأن الاجازة بها أنها تجعل المجيز أحد طرفي العقد وإلا لم يكن مكلفا بوجوب الوفاء تكون كالايجاب إذا كان البيع فضوليا، وكالقبول إذا كان الاشتراء فضوليا، وكما أن الرد بعد الايجاب قبل القبول موجب لسلب صدق العقد سواء كان من الموجب أو القابل فكذلك في المقام. وهذا المدعى يتوقف ثبوته على أمرين: أحدهما - أن رد الايجاب قبل القبول سواء كان من الموجب أو القابل موجب لسقوطهما عن صدق العقد، وثانيهما - أن الرد قبل الاجازة كالرد قبل القبول. أما الدعوى الاولى فلا يبعد صحتها بالنسبة إلى رد الموجب إيجابه إذا كان الايجاب عبارة عن الارادة المظهرة كما قيل، أو عبارة عن البناء والقرار القلبي بأن هذا ملك الطرف بازاء كذا، أو عبارة عن التعهد

[ 209 ]

بذلك، فإذا ارتبطت الارادة المظهرة من القابل بالارادة المظهرة من الموجب تم العقد. وكذا الحال في البناء والقرار وفي التعهد، لان العدول عن الايجاب قبل القبول يوجب سقوط الارادة والبناء و القرار القلبي، والتعهد كذلك، ومعه لا يعقل ارتباط القبول بالايجاب، لمعدومية الارادة وسقوطها، وما كان مظهرا للارادة السابقة لا يعقل أن يبقى على مظهريته، فلا بد من إرادة أخرى وبناء آخر وتعهد آخر وإظهارها حتى يرتبط القبول به، هذا بالنسبة إلى رد الموجب. وأما رد القابل فلا يصلح لاسقاط إرادة الموجب ولا قراره وبنائه ولا تعهده، لان لها مبادئ خاصة ما دامت باقية تبقى بوجود علتها ومبادئها، نعم لو رد القابل وآيس الموجب عن قبوله سقطت المعاليل لسقوط عللها ومبادئها، لكن لو رد ثم عدل قبل سقوطها ثم نصاب العقد وارتبطت الارادة والقرار والتعهد بنظائرها في الموجب. هذا لكن المباني كلها غير مرضية ولا يوافقها عرف ولا عقل ولا لغة، أما حديث الارادة المظهرة والبناء القلبي فتصوره يغني في الحكم بالفساد. وأما حديث التعهد فقد يقال: إن قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) معناه وجوب الوفاء بالعهد، والعقد هو معاقدة الطرفين ومعاهدتهما، ومع فقد تعهد أحدهما لا يتحقق المعاهدة والمعاقدة، وفيه أن العقد لو كان بمعنى العهد والتعاقد لو كان بمعنى التعاهد فلا بد من الالتزام بخروج البيع ونحوه منه، ضرورة أن البيع عرفا ولغة عبارة عن مبادلة مال بمال أو تمليك عين بالعوض، وعناوين العهدة والالتزام خارجة عنه، فلا يقال لمن باع خبزا بدرهم: إنه عاهده، وهما تعاهدا على كون الخبز في مقابل


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 210 ]

الدرهم، بل العرف والعقلاء يدركون عناوين المعاملات ويغفلون عن التعاهد والمعاهدة و المعاقدة. نعم بعد التبادل وتمامية المعاملة وصيرورة كل من العوضين ملكا للآخر يرى العقلاء عهدة أداء كل مال صاحبه، والعهدة للاداء من أحكام المعاملة لا نفسها. والتحقيق أن العقد في (أوفوا بالعقود) عبارة عن الربط الاعتباري الحاصل من التبادل الاعتباري، فكأنه عقدة حاصلة من الانشاء كما يشهد به قوله تعالى: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) (1) فعقدة البيع كعقدة النكاح، فهي عبارة عن تبادل العوضين الذي يتوهم منه حصول عقدة بتبادل الاضافات، ولما كان العقد موجبا لصيرورة العوضين متبادلين وكان لكل منهما عهدة أداء مال صاحبه بواسطة العقد توجه الامر بوجوب الوفاء به والعمل على طبق مضمونه، فقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (2) و (أحل الله البيع) (3) و (تجارة عن تراض) (4) كلها وردت لتصحيح المعاملات وانفاذها كما تمسك بها السلف والخلف، لكن لسانها مختلف، فأحل الله البيع ظاهر في إنفاذ أصل الماهية وإن شئت قلت: يدل بالمطابقة على نفوذها وحليتها، و (أوفوا بالعقود) ناظر إلى مضمونها، وأمر بالوفاء به، ولازمه صحتها ونفوذها فيدل عليها بالالتزام، وقوله تعالى: (تجارة عن تراض) ناظر إلى الاموال الحاصلة بالتجارة، وحل أكلها والتصرف فيها، فيدل بالالتزام على صيرورة المال ماله وصحة المعاملة. وقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) ليس حكما تكليفيا زائدا على


(1) و (3) البقرة: 2 - الآية 237 - 275. (2) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (4) سورة النساء: 4 - الآية 29.

[ 211 ]

لزوم العمل على طبق المعاملة ورد مال الغير الذي صار ماله من قبل العقد، وانما هو حكم إرشادي لا مولوي، وإلا لزم منه صحة العقوبتين لمن ترك العمل بالعقد: عقوبة عدم رد مال الغير، وعقوبة عدم الوفاء بالعقد وإن كان العنوانان حاصلين بعمل واحد واجتمعا في الرد الخارجي، ولا أظن صحة الالتزام بذلك والتزامهم به. والانصاف أن ما ذكره المتأخرون أمور عقلية خارجة عن المتفاهم العرفي الذي هو الميزان في باب المعاملات. ثم إنه على المبنى المنصور من أن البيع هو التبادل أو التمليك بالعوض لو أنشأ الموجب ذلك فرد القابل لا يوجب ذلك هدم الانشاء لا عرفا ولا عقلا ولا شرعا، فله القبول بعد رده، وكذا لو رد الموجب، إذ لا دليل على سقوط إنشائه، فالقاعدة تقتضي صحته لو رجع الا أن يقوم إجماع على خلافها، أو يحرز من العرف والعقلاء أن رجوع الموجب يوجب عدم اعتبار بقاء إيجابه، و العهدة على مدعيه. ولو شك في ذلك يجري استصحاب بقاء الايجاب، فإذا لحقه القبول يندرج في موضوع وجوب الوفاء، لان موضوعه مركب من الايجاب والقبول، و هو حاصل بالاصل والوجدان، نعم لو كان موضوعه العقد وقلنا: إنه أمر انتزاعي من الايجاب والقبول لكان الاصل مثبتا، هذا حال الايجاب والقبول. وأما الدعوى الثانية فالظاهر عدم صحتها، ومقتضى القاعدة عدم كون الرد مضرا بها على جميع المباني، لان العقد وجد بفعل الفضولي، أي بارادته المظهرة أو بنائه أو تعهده أو انشائه المبادلة، ولا وجه لكون رد غيره موجبا لهدم فعله، فالعقد المتحقق من الغير يحتاج إلى نحو انتساب إلى المالك وقبل الاجازة لم تكن منتسبا إليه حتى يقطع الانتساب، وبعدها يصير منتسبا، فلو التزمنا في رد الموجب بأنه موجب لعدم صدق العقد

[ 212 ]

- وبعبارة أخرى موجب لهدم الانشاء - فلا موجب للالتزام به في المقام نعم لو قلنا بأن القابل أيضا موجب لذلك فالظاهر لزوم الالتزام بذلك في الفضولي أيضا، لانهما مشتركان في أن فعل الغير ينهدم برد صاحبه، وقد تقدم أن ليس للاجازة شأن إلا قبول فعل الغير وإيجابه، وأن تمام ماهية البيع الانشائي حصل بايجاب الموجب، وقبول الفضولي لا أثر له لا في تحقق مفهوم البيع ولا في ترتب الاثر، فالاجازة قبول متأخر لكن الالتزام به ضعيف. مع إمكان أن يقال: إنه على مبنى القوم بأن العقد مركب من الايجاب والقبول ولا يتم ماهية العقد إلا بهما يمكن الالتزام بأن الرد قبل القبول موجب لعدم صدق العقد، لان المركب إذا وجد بعض أجزائه وتخلل بينه وبين بعض آخر المنافي لزم منه سلب الاسم وعدم تحققه وعدم بقاء صورته، وهذا بخلاف الفضولي بعد تماميته وصدق العقد عليه وحصول الرد بعد تمامية الماهية وصدق الاسم، فمقايسة الرد بعد تمامية الماهية بالرد في خلالها وقبل تماميتها مع الفارق. والعجب من الشيخ الاعظم (قده) أنه مع اعترافه بأن الفضولي عقد - حيث قال: (إذ مع الرد ينفسخ العقد) - استدل عليه بأن الاجازة تجعل المجيز أحد طرفي العقد، وإلا لم يكن مكلفا بالوفاء، وقد تقرر أن من شروط الصيغة أن لا يحصل بين طرفي العقد ما يسقطهما عن صدق العقد الذي هو في معنى المعاهدة إنتهى. إذ مع صدق العقد قبل الاجازة لا وقع لاستدلاله، ولا مجال للمقايسة، إلا أن يدعى أنه بالاجازة ينتقل الانتساب من المباشر الفضولي إلى المجيز، وهو مع فساده في نفسه لا ينتج إذ المفروض حصول الرد قبل الاجازة. وإن رجع قوله إلى أنه بعد الرد لا يصح أن تجعل الاجازة المجيز أحد طرفي العقد فهو مصادرة ظاهرة، مضافا إلى ما تقدم من أن الاجازة

[ 213 ]

لا تصلح لان تجعل المجيز أحد طرفي العقد حقيقة، ودليل وجوب الوفاء لا يتوقف شموله على ذلك، بل العقد المجاز والمأذون فيه مشمول لاطلاقه مع أن قوله: (إن العقد في معنى المعاهدة) محل منع، فان اعتبار العهد والمعاهدة يخالف اعتبار المعاملات نحو البيع والاجارة، فان مفادها ليس التعاهد والعهدة، بل بعد تحققها وترتب الاثر يحكم بأن كلا من الطرفين على عهدته أداء مال الغير أو على عهدته ماله، ان كان العوض أو المعوض كليا، وهذا غير كون ماهية البيع عبارة عن التعاهد. والشاهد عليه أن كيفية إنشاء قرار المعاهدات بين الدول كالمعاهدات الحربية والسياسية تغاير إنشاء المبايعات، ففي المعاهدات يقال ويقرر أن طرفي المعاهدة عاهدا على كذا وكذا، وليس في المعاملات اسم وأثر من المعاهدة، فلو قيل: إن (أوفوا بالعقود) معناه أوفوا بالعهود لا بد كما مر من الالتزام بأنه مخصوص بباب المعاهدات وأن ابواب المعاملات خارجة عن مفاده. واستدل على المطلوب بقاعدة السلطنة بأن مقتضاها تأثير الرد في قطع علاقة الطرف الآخر عن ملكه، فلا يبقى ما تلحقه الاجازة. وفيه ما لا يخفى، فان قاعدة السلطنة على الاموال التي هي قاعدة عقلائية ممضاة من قبل الشارع غير مرتبطة بالسلطنة على العقود، سيما العقد الذي هو من فعل الغير، ولا بالسلطنة على إسقاط العقد عن قابليته للحوق الاجازة به، وليس إنشاء العقد على الاموال تصرفا فيها حتى يزاحم سلطنته على ماله، ولم يحصل علقة حقيقة حتى يقطع المالك تلك العلقة، وليس للمالك إلا السلطنة على الاجازة وتركها، فانها من شؤون السلطنة على ماله، فانها سلطنة على نقله، فله النقل وعدمه، وليس له حل إنشاء الغير، هذا ما أوردوا عليه. ولعل الشيخ الاعظم (قده) أشار بالتأمل إلى بعض ما ذكر، لكن

[ 214 ]

بعض الاعاظم (قده) تصدى لتصحيح التمسك بالقاعدة، فقال ما حاصله: (إن إسقاط العقد عن قابليته للحوق الاجازة ليس من الاحكام، بل كونه من الحقوق المالية ظاهر، فان البيع من الغير من السلطنة المالية، وثبوتها للمالك بأدلة نفوذ البيع واضح، فرد البيع أيضا من أنحاء السلطنة وشمول عموم القاعدة لهذا النحو من السلطنة لا ينبغي الاشكال فيه). وفيه أن مقايسة رد الانشاء الذي هو فعل الغير ولا يكون تصرفا بوجه في ماله بل هو إنشاء صرف ببيع صاحب المال الذي هو تصرف في ماله ومن أنحاء السلطنة بلا إشكال من عجائب الدعاوي، فأي ربط بين تصرف الشخص في ماله بالبيع وإنفاذه بدليل شرعي وبين رد إنشاء الغير الذي ليس تصرفا خارجيا ولا اعتباريا عرفا وشرعا. وما أفاد في خلال كلامه من أن الفضولي وإن لم يتصرف في ملك المالك ولم يتحقق المنشأ بانشائه في عالم الاعتبار إلا أنه تحقق منه المنشأ بنظره، فانه أوقع التبديل بين المالين، ومقتضى السلطنة المطلقة أن يكون له إبطال هذا الانشاء - عجيب آخر، فانه بعد الاعتراف بعدم كونه تصرفا واقعا، فمجرد كونه بنظره تصرفا لا يوجب قلب الواقع، وموضوع دليل السلطنة هو الواقع لا ما هو بنظر شخص خطأ، مع أن ما أنشأ االمنشئ بوجوده الانشائي متحقق في نظره ونظر سائر العقلاء والنقل الواقعي غير متحقق بنظره ونظر غيره، إلا أن يكون شخصا غافلا عن الحقائق، مع أنه لو كان الانشاء تصرفا مزاحما لسلطنة المالك لا بد وأن يكون محرما وغير واقع، فبطل الفضولي من رأس. وعجيب آخر ما أفاد من أن رد المرتهن بيع الراهن ليس موجبا لزوال عقده، لان المرتهن ليس له سلطنة على العقد، وإنما له استيفاء دينه من العين، ومجرد العقد عليها لا يكون مزاحما لهذا الحق، فان مجرد

[ 215 ]

الانشاء إن كان نحو تصرف في مال الغير لا يبقى فرق بين ملك الغير ومتعلق حقه، وإلا فلا فرق بينهما أيضا، فكما أن إنشاء الراهن ليس مزاحما لحق المرتهن كذلك إنشاء الفضولي ليس مزاحما لشئ من حقوق المالك، فللمالك بعد هذا الانشاء جميع التصرفات الخارجية والاعتبارية. ثم قال: (بل لو لم نقل بأن السلطنة على إسقاط العقد من السلطنة على المال بل هو من الاحكام الشرعية إلا أنه لا شبهة في أن هذا الذي ثبت له شرعا لو تحقق منه ينفذ عليه، ولا يمكنه حله وايجاد ضده، فنفوذ رده عقد الفضولي كجواز البيع، فكما لا يجوز له فسخ البيع بعد صدوره منه فكذلك لا ينفذ منه إبطال رده بعد تحققه). وهو أعجب مما سبق، ضرورة أن جواز البيع ثبت له بقاعدة السلطنة، وليس له فسخه، لادلة لزوم البيع، وأما رده فلا دليل على إنفاذه وعدم جواز الرجوع منه، فالمقايسة باطلة. ثم قال: (أما قولهم بأنا لا نسلم حصول العلقة ففيه أنه وإن لم تحصل له العلقة شرعا لكنها حصلت له عرفعا، فالرد يبطل هذه العلقة، مع أن تأثير الرد لا يتوقف على العلقة فعلا، بل يكفي شأنية تحققها، ولا شبهة في أن العقد الفضولي مادة قابلة للحوق الاجازة به، فالرد مقابل للاجازة، وهو يسقط العقد عن القابلية). وهو أيضا من الدعاوي العجيبة. فان العلقة التي حصلت عرفا بزعمه إن كانت وراء إنشاء البيع أي المبادلة الانشائية فهي لم تحصل لا عرفا ولا شرعا، وإن كانت ذلك فهي حاصلة عرفا وشرعا، ولهذا لو أجاز صح شرعا وعرفا، وهذه العلقة ليست تصرفا في المال قطعا، وإلا لزم حرمته وبطلانه، وهو لا يقول به.

[ 216 ]

وإن كان المقصود أن مجرد الانشاء كاف في جواز حله كما ادعاه أخيرا فهو مصادرة ظاهرة، فان المدعى أن الانشاء قابل للرد والفسخ، والدليل أن الانشاء كاف في الرد والفسخ، وهو كما ترى. فاتضح مما مر أن مقتضى قاعدة السلطنة ليس إلا صحة الاجازة، فانها موجبة للنقل، هو من انحاء التصرف، والسلطنة عليه من انحاء السلطنة على المال، ولازم السلطنة على الاجازة السلطنة على تركها وإلا لم يكن سلطانا على الفعل، فان القدرة على الشئ قدرة على إيجاده وتركه. ولعله رحمه الله كان في نظره ما هو المعروف من أن القدرة شأنها كذلك، فتوهم أن مقابل القدرة على الاجازة القدرة على حل الانشاء، ولازم القدرة على طرف هو القدرة على الطرف الآخر. وأنت خبير بأن القابل الذي يلزم تعلق القدرة عليه إذا تعلقت بمقابله هو الفعل والترك لا الفعل وفعل آخر، سيما إذا كان الفعل تصرفا في المال والفعل الآخر تصرفا في العقد لا في المال. ثم إنه لو فرض تمامية ما ذكر من اقتضاء قاعدة السلطنة جواز الرد أو أن الرد موجب بحسب القاعدة لفسخ العقد لا يوجب ذلك لطرح، ما يدل على صحتها بعد الرد فرضا، فان قاعدة السلطنة قابلة للتقييد، والقاعدة الاخرى قابلة للردع، فإذا دلت رواية صحيحة على ذلك لزم الاخذ بها. فما أفاد الشيخ (قده) وتبعه بعض آخر - من طرح الصحيحة الدالة عليه أو تأويلها - غير موجه، نعم قد مر سابقا أن صحيحة محمد بن قيس (1) لا تدل على الرد. ويمكن الاستدلال على المطلوب بصحيحة ابن بزيع قال: (سألت


(1) الوسائل - الباب - 88 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1

[ 217 ]

أبا الحسن عليه السلام عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلا في سكرها ثم أفاقت فأنكرت ذلك، ثم ظنت أنه يلزمها ففزعت منه، فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج أحلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر ولا سبيل للزوج عليها؟ فقال: إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها، قلت: ويجوز ذلك التزويج عليها؟ فقال نعم) (1). فان قوله: (فأنكرت ذلك) وقوله: (ففزعت منه) ظاهر في إظهار التنفر والمخالفة للنكاح، ولا شك أن هذا كاف في الرد، ولا يلزم فيه إنشاء نحو قوله: (رددت) وليس معنى (أنكرت) الانكار لتحقق الفعل منها، بل الظاهر الانكار في مقابل الرضا، والفزع إظهار عدم الرضا والتنفر، وهو رد فعلي بلا شبهة. نعم قوله: (فزوجت) ظاهرة في تزويجها نفسها مباشرة لا التوكيل فيها، فحينئذ قد يقال: إنه غير المورد الذي هو الفضولي. وفيه - مضافا إلى أن شيوع التوكيل في باب الزواج حتى في العصور السابقة يوجب لا أقل انقداح احتماله، فحينئذ مع ترك الاستفصال تدل على عدم الفرق بين المباشرة والتوكيل - أن الشبهة في المقام إنما هي أن الرد هل يوجب انهدام العقد وفسخ الانشاء أم لا؟ فمن هذه الحيثية لا فرق بين إنشاء وإنشاء بالضرورة، نعم لو كانت الشبهة في صحة الفضولي يمكن القول بالاختصاص بباب النكاح. ولو قيل: إن السكر لو أوجب سلب التمييز لم يصح الانشاء، وإلا فلا مانع من الصحة الفعلية يقال: إن السكر سيما الحاصل من النبيذ لا يوجب رفع التمييز بنحو لا يفهم صاحبه معاني الالفاظ وموارد استعمالها وإن يوجب عدم تشخيص المصالح والمفاسد، فلا يبعد القول بصحة إنشائه


(1) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب عقد النكاح - الحديث 1.

[ 218 ]

واحتياجه إلى الانفاذ كما هو ظاهر الرواية، مع أن الرواية تدل على صحة انشائه واحتياجه إلى الانفاذ، فيعلم منها أن الانشاء منه صحيح متمش والاحتياج إلى الانفاذ تعبد من الشارع. ولو قيل: إن رضاها بالتزويج معلق على اللزوم، والرضا المشروط والتعليقي لا أثر له، فلا يجوز الاتكال على الرواية يقال: إن ظنها باللزوم جهة تعليلية، وبعد ذلك رضيت به، والرضا في باب المعاملات ليس بمعنى طيب النفس، بل أعم منه كما في عقد المضطر، كما مر في محله. وأما ذيل رواية أبي ولاد (1) المتقدمة فيما سلف فلا تدل على عدم اعتبار الرضا ولو مع جهة تعليلية، لان الرجل في تلك الرواية لم يكن راضيا، وانما اظهر الرضا لاستنقاذ بعض حقه، كما يظهر بالتأمل فيه، مع أنه يفترق باب حل الاموال عن الرضا المعاملي، ولهذا لو اضطره الغاصب بالرضا في التصرف في ماله لم يصر حلالا، فلو أراد قتله فأدى مالا فدية وقال: (رضيت بتصرفك) لم يصر حلالا، بخلاف ما لو اضطره إلى المعاملة والبيع. ثم لو شككنا في أن الرد موجب للفسخ فاستصحاب بقاء العقد لا مانع منه، فان العقد إذا لحقه الاجازة يكون موضوعا لوجوب الوفاء، فالعقد موجود بالاصل، ولحوق الاجازة به وجداني، نعم لو قلنا بأن العقد المتقيد والمتصف بكونه مرضيا به ومجازا موضوع لكان الاصل مثبتا. فالتحقيق بحسب القواعد عدم اشتراط الاجازة بعدم مسبوقيتها بالرد إلا أن يقوم إجماع على ذلك، واثبات الاجماع في تلك المسألة المبنية على القواعد مشكل بل ممنوع، والاحتياط حسن.


(1) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب الاجارة - الحديث 1 - تقدمت في ج 1 ص 407.

[ 219 ]

الرابع: لا إشكال في أن الاجازة لا تورث، لانها ليست من الحقوق، بل نفوذها من الاحكام العقلائية الثابتة للملك أو من شؤون السلطنة على الاموال كالبيع والصلح، انما الاشكال في أنه إذا قلنا بأنها من الحقوق هل تورث كما هو الظاهر منهم أم لا تورث أو تورث على بعض المباني دون بعض؟ أقول: إن قلنا بأن المجيز لا بد وأن يكون مالكا حال العقد فلا شبهة في عدم إرثها، بل لو كانت من الحقوق تكون من الحقوق غير القابلة للارث كحق القسم مثلا، وإن قلنا بعدم لزوم ذلك فانتقال الاجازة أيضا بالارث لا يخلو من إشكال، لان للوارث حق الاجازة بالاصالة، وما كان له باصالة لا يعقل أن ينتقل إليه بالارث، وليس حق الاجازة في بيع واحد متعددا كالخيار، لان الخيارات المتعددة لا مانع من ثبوتها لشخص كخيار العيب وخيار الغبن وغيرهما، وأما حق الاجازة فأمر وحداني، فإذا كان شخص وجدا له لا يعقل أن يكون واجدا له ثانيا، ولو بسبب آخر، والقول بأن للوارث حقين: أحدهما أصلي والآخر إرثي ضعيف غير موافق لاعتبار العقلاء، تأمل. ثم مع الغض عنه لا تورث أيضا على القول بالكشف بناءا على أن مضمون العقد هو النقل من حينه والاجازة إنفاذ لمضونه، فان الوارث ليس له إنفاذ مضمون العقد، فانه غير مالك لهذا الانفاذ، والانفاذ من حال موت المورث ليس مضمونا للعقد على هذا المبنى، وكذا الحال على بعض المباني الاخر، والامر سهل بعد فساد كونها حقا، وسيأتي تتمة لذلك البحث في محله إنشاء الله تعالى.

[ 220 ]

الخامس: هل تجري الفضولية في القبض والاقباض مطلقا أو لا مطلقا أو تجري في قبض الكليات واقباضها دون الاعيان الشخصية؟ وجوه، أقواها عدم الجريان مطلقا، لان الفضولية متقومة بأن يكون للموضوع الذي تجري فيه تركب يحصل أحد جزئيه مثلا بفعل الفضولي والآخر بفعل المالك الاصلي، أو يحصل عنوانه بفعل الفضولي وشرط تأثيره بفعل المالك الاصلي أو رضاه، كالعقود والايقاعات التي تحصل عناوينها بفعل الفضولي وتكون العناوين جزء المؤثر والجزء الآخر اجازة المالك الاصلي أو رضاه، أو تكون العناوين حاصلة بفعل الفضولي وشرط تأثيرها بفعل المالك الاصلي أو رضاه كما تقدم. ولازم جريانها في مثل القبض والاقباض أن يكون موضوع الاثر القبض أو الاقباض بعنوانهما بضم جزء آخر أو شرط هو الاجازة، فتكون الاجازة جزء متمما للمؤثر أو شرطا للتأثير، فحينئذ يكون للقبض والاقباض صحة وفساد، فالقبض من الفضولي لا يكون صحيحا فعلا، ولا يترتب عليه أثر إلا إذا ضمت إليه الاجازة، فتصح ويترتب عليه الاثر. وأما إذا كان القبض والاقباض بعنوانهما غير دخيلين في الموارد التي أخذا بحسب ظاهر الادلة والجمود عليه موضوعا للحكم، بل الموضوع أمر آخر، كالوصول في يد الطرف بأي وسيلة أو الاجازة والرضا بايصاله بأي شخص أو محل، ولا يكون عنوان القبض والاقباض جزء المؤثر ولا تمامه مع شرط فلا معنى للفضولية فيهما. وأنت خبير بأن التسليم والتسلم والقبض والاقباض في باب المعاملات

[ 221 ]

عند العقلاء بالنسبة إلى العوضين الشخصيين ليسا معتبرا بوجه من الوجوه، بل المعتبر حصول العوضين عندهما بأي نحو كان، بل الامر أوسع من ذلك، فلو وصل أحدهما أو كلاهما إلى أجنبي ورضيا بذلك أو وقعا في محل اتفاقا ورضيا بذلك كفى في حصول ما يعتبر عند العقلاء مع عدم القبض والاقباض. ولا فرق بين قوله صلى الله عليه وآله (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) (1) حيث أخذ عنوان الاداء غاية للضمان، ومع ذلك لا شك في أن العرف بالغاء الخصوصية والمناسبات المغروسة يفهم منه أن غاية الضمان حصوله عنده ولو لم يصدق التأدية، بل أوسع من ذلك، فإذا رضي المالك ببقاء العين تحت يد الغاصب سقط الضمان بلا إشكال، ولا يرى العرف ذلك مخالفا للنبوي، وبين التسليم والتسلم المعتبرين عرفا في المعاملات، فلو رضي أحد المتعاملين ببقاء ماله عند الآخر تم التسلم، لا لاجل كونه وكيلا في التسلم، بل لاجل كفاية ذلك في باب المعاملات وعدم كون التسليم بعنوانه موضوعا لحكم العرف. ولا يشذ من ذلك النبوي المشهور (كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه) (2) فلو وقع المبيع بأي سبب ولو من جهة فعل حيوان بيد المشتري سقط ضمان البائع، وبتلفه لا ينفسخ العقد، بل لو وقع في محل وأجاز المشتري بقاءه فيه سقط الضمان، فموضوع سقوط الضمان هو إجازة إيصاله إلى شخص أو إلى محل، ففي مثل ذلك لا معنى للفضولية، لعدم دخالة القبض والاقباض، وعدم كونهما جزءا للموضوع، هذا في العوضين الشخصيين. وأما في الكليات التي يكون تعينها بالانطباق على المصداق فقد يقال بامكان جريانها فيها، لان تشخيص الكلي المملوك بالفرد، وتعيينه فيه


(1) سنن البيهقي - ج 6 ص 95 وكنز العمال - ج 5 ص 327 - الرقم / 5713. (2) المستدرك - الباب - 9 - من أبواب الخيار - الحديث 1.

[ 222 ]

نوع من المعاملة، وهو في اللب مبادلة بين الكلي والفرد المتشخص. وفيه نظر، لعدم كون إيفاء الطبيعة بمصداقها تبادلا بينهما، بل المصداق عين الطبيعة في الخارج، وإيجاد الطبيعة ليس إلا بالفرد الذي هو عينها، فإذا كان عليه من من الحنطة فأعطى الدائن منا منها فقد أعطى ما عليه، فان ما عليه هو نفس الطبيعة التي هو هي فيه، فارجاع ذلك إلى المبادلة غير وجيه. لكن الكلي أيضا نحو الجزئي المتشخص لا يحتاج التعيين فيه إلى إقباض المديون وقبض الدائن، بل لو وقع مصداق منه في يده بأي نحو كان ورضيا بكونه مصداق الدين صح وتعين، فلو كان من من الحنطة في جانب من الدار وقال: (هذا ما طلبت مني) ورضي بذلك أدى دينه، ولا يحتاج إلى القبض الخارجي، وهذا أمر عقلائي لا يحتاج إثباته إلى مؤونة زائدة. فتحصل من جميع ذلك أن الفضولية لا تجري فيما يعتبر من القبض والاقباض في باب المعاملات. ثم لو قلنا بأن عنوان القبض والاقباض معتبر فالظاهر جريانها فيهما، لان كلا منهما إذا وقع من الفضولي لا يقع صحيحا مؤثرا في الصرف والسلم مثلا، فالتأثير موقوف على الاجازة أو الرضا، فإذا أجاز تم الموضوع المؤثر، فما هو محقق الفضولية هو كون أثر مترتبا على عنوان حاصل من الغير مع ضم الاجازة من المالك الاصلي. وما قيل - من أن الافعال الخارجية لا تنقلب عما هي عليه - صحيح لكنه أجنبي عن المقام، لان فعل الغير جزء الموضوع، وإذا صار مجازا يكون مؤثرا في أمر اعتباري، كما أن البيع أيضا فعل الغير وإذا صار مجازا

[ 223 ]

أثر في النقل من غير انقلاب لا في الانشاء ولا في المنشأ كما مر. ثم بعد فرض جريان الفضولية فيهما فهل يأتي نزاع الكشف والنقل؟ يمكن أن يقال: لا بد من القول بالكشف. بأن يقال: إن النقل إنما يصح في أفعال وعناوين لها بقاء اعتباري إلى زمان الاجازة، والامور الاعتبارية المنشأة في البيع ونحوه باقية إلى زمان الاجازة، فبلحوقها تؤثر أثرها، وأما الفعل التكويني الخارجي فليس ذا بقاء، فإذا حدث القبض ثم تلف مثلا أو خرج عن تحت يده فلا يعقل بقاؤه واقعا، وليس هو من الاعتباريات حتى يبقى اعتبارا، واعتبار القبض في حال الاجازة ليس قبضا واقعا، فلا يترتب عليه الاثر، وما هو موضوع الاثر ليس موجودا وهذا بخلاف القول بالكشف، فان وجوده الحدوثى إذا كان متعقبا بالاجازة كاف في ترتيب الاثر، فالنقل لا يصح إلا إذا استمر القبض إلى زمان الاجازة، مع كون وجوده البقائي موضوعا للاثر، وفيه إشكال. هذا ويمكن أن يقال: إن القبض المعتبر في المعاملات ليس هو الحصول في اليد خارجا، بل المعتبر هو جعل الشئ تحت استيلاء الطرف، وإنما القبض الخارجي في بعض الاحيان محصل للاستيلاء المعتبر، فلو استولى عليه من غير قبض خارجي كما في غير المنقولات وكثير من المنقولات لصار مقبوضا، فتخلية اليد عن قرية أو بستان وجعلهما تحت سلطنة المشتري كاف فيما هو المعتبر، وليست قبضا خارجيا، والقبض الخارجي من غير استيلاء لا يكفي لا في باب المعاملات ولا في ضمان اليد، والاستيلاء تمام الموضوع في ضمان اليد، وكذا باب التسليم في المعاملات، وهذا المعنى أمر اعتباري أيضا لا واقعي، فلو كفى في اعتبار البقاء اعتبارية الشئ لكان في المقام أيضا كافيا. إلا أن يقال: إن الاستيلاء على فرض اعتباريته لا يبقى مع سلبه.

[ 224 ]

فإذا استولى على شئ وخرج الشئ عن تحت استيلائه لا يعقل بقاء الاستيلاء عليه مع حلول نقيضه أو ضده، وهذا كما إذا باع ثم فسخ، فان البيع لا يبقى بعد الفسخ. إلا أن يقال: إن الاستيلاء إذا حدث وبقي إلى زمان الاجازة فالقبض المعتبر هو وجوده الحدوثي، ويمكن القول ببقائه اعتبارا ولحوق الاجازة به، فصارت النتيجة نقلا، تأمل. أو يقال: إن الاستيلاء بوجوده البقائي كاف في التأثير. ومع الغض عما ذكر يمكن أن يقال: إن المؤثر في مثل المقام ليس مؤثرا تكوينيا، بل التأثير اعتباري، وإن شئت قلت: إن القبض المجاز موضوع حكم العقلاء أو الشارع الاقدس، ولا يلزم اجتماع جزئي الموضوع في الوجود، فالقبض السابق مع الاجازة اللاحقة موضوع للاثر وإن تخلل بينهما زمان. وقد يقال: لا بد من القول بالنقل، لان الاجازة المتعلقة بهما كالاجازة المتعلقة بالعقود الاذنية تؤثر من حينها، وقد قال القائل في العقود الاذنية بعدم جريان الفضولي فيها، لان إجازة المجيز علة تامة لتحقق أثرها، بل أخرج القائل في أوائل الفضولي القبض والاقباض منه، وعلله بأن الفعل علة تامة لتحقق أثره، فكلامه هاهنا مع ما هناك متهافت. وكيف كان لو اعترف بجريان الفضولي فيهما وأنكر الكشف كما هو ظاهره في المقام يرد عليه أن لازم كون الاجازة علة تامة أن لا يجري النقل في القبض والاقباض، لان الاجازة تمام المؤثر فيما يصح تأثيرها، وهو حال تحققها، وأما تأثيرها في حال القبض فلا يمكن إلا مع جريان الفضولي فيه، بأن يقال: إن القبض بعض المؤثر، وتعقبه بالاجازة متممه، أو الاجازة بوجودها شرط التأثير، فانكار جريان النقل على هذا المبنى أولى.

[ 225 ]

وقد يقال بعدم قبول القبض هنا للاجازة دون القبض في الصرف والسلم، لان القبض هنا موضوع لحكم شرعي كقاعدة التلف قبل القبض، وهناك شرط تأثير العقد في الملكية، وعلى أي حال فالقبض لا ينتسب إلى المالك إلا بالاجازة، والانتساب أمر واقعي لا يعقل تقدمه على ما به الانتساب، ففي ما إذا كان موضوعا لحكم لا يترتب عليه إلا حين تحقق موضوعه، وإذا كان شرطا للتأثير أمكن أن يكون القبض المنسوب إليه حال الاجازة شرطا متأخرا للتأثير حال العقد أو حال قبض الاجنبي. وفيه أن ذلك لا يوجب عدم جريان النزاع فيهما على جميع المباني، فان القائل بأن التأثير انما هو للوجود اللحاظي والقائل بأن الحصة المضافة موضوع الاثر والقائل بأن الاجازة كاشفة عن الرضا التقديري والقائل بالانقلاب الحقيقي والقائل بالكشف التعبدي لا مانع لهم من القول بالكشف في القبض والاقباض بعد فرض جريان الفضولي فيهما، والتحقيق كما مر عدم جريان الفضولي فيهما، ومع فرض الجريان يجري نزاع الكشف والنقل ثم إنه لا إشكال في عدم كون إجازة البيع إجازة القبض ولا مستلزمة لها فيما إذا لم يكن القبض شرطا لصحة العقد، وأما إذا كان شرطا فان علم المجيز ذلك فأجاز كان لازمها الاجازة بعد، ما أجاز العقد الصحيح، وأما مع جهله فهل تستلزمها أيضا كما في سائر شرائط الصحة أو لا لان هذا الشرط أمر خارج عن العقد وتعبد شرعي، وربما لا يرضى المجيز في العقد أن يقع ماله بيد الفضولي؟ الظاهر ذلك. ولو قال: أجزت العقد دون القبض فان قلنا بصحة قبض المالك غير العاقد وصح العقد بقبضه وكان متمكنا من القبض قبل التفرق صح العقد والرد، فإذا قبض صح فعلا وإن اشترطنا قبض العاقد أو لم يمكن للمالك القبض قبل التفرق بطل العقد، نعم لو رد القبض ثم أجازه،

[ 226 ]

فالظاهر صحة العقد إذا بقي مجلس التقابض. السادس: ليست الاجازة على الفور، لان تأخيرها لا يوجب زوال عناوين العقود بلا ريب، ولا يقاس الاجازة بالقبول على مسلك القوم من كون العقد مركبا من الايجاب والقبول، لانه في تأخير القبول تزول صورة المركب ولم يصدق عليه العقد، وهاهنا تم العقد، وتأخيرها لا يوجب زوالها، ولهذا لو لم يطلع المالك على العقد إلا بعد مدة ثم اطلع وأجاز صحت الاجازة بلا إشكال، وإنما الكلام في الفورية بعد علمه بخلاف القبول، فانه لو لم يطلع المشتري على الايجاب إلا بعد زمان مضر بالتوالي بطل الايجاب، هذا على مسلك القوم. وأما على ما ذكرناه من أن الاجازة شأنها هو القبول، بل القبول إجازة إنشاء الفضولي في الاصيلين أيضا، لان إنشاء الموجب بالنسبة إلى مال المشتري فضولي فمقتضى القواعد عدم اعتبار التوالي بين الايجاب والقبول أيضا إلا مع قيام دليل عليه، ولا شبهة في عدم قيامه في الفضولي، نعم يحتمل فيه التعبد الشرعي باعتبار الفور، لكنه مدفوع بعموميات أدلة العقود وإطلاق دليل السلطنة، لان اعتبار ذلك مخالف لسلطنة الناس على أموالهم. وأما ما أفاد بعض الاعاظم (قده) - من أن الموارد التي يقال فيها بالفورية كخيار الغبن والشفعة ونحوهما انما يقال لان الطبع مجبول على دفع ما يكرهه والاخذ بما يحبه، فإذا لم يعمل الخيار مع علمه بثبوته فلا محالة إما مقدم على الضرر أو مسقط لحقه - ففيه ما لا يخفى، فانه مضافا إلى أن المبنى في تلك الموارد ليس ما ذكر - بل هو الاختلاف في جواز التمسك بالعمومات

[ 227 ]

أو الاطلاقات أو استصحاب حكم المخصص كما اعترف به أيضا في بابه - أن الكلام في المقام وغيره في ان الخيار أو الاجازة بحسب مقام الثبوت على الفور أو على التراخي لا في دلالة حال صاحبهما على إسقاط الخيار، مع أن كون الطبائع كذلك لا تقتضي ما ذكره، لامكان أن يكون التأخير لاجل عدم إحراز ما هو صلاحه. مضافا إلى عدم مجئ ما ذكره في مورد يعلم من حاله بتصريحه أو غيره عدم إسقاط حقه وعدم الاقدام على الضرر، والانصاف أن ما أفاده غير مرضي في نفسه وخارج عن محط البحث. ثم إنه لو لم يجز المالك ولم يرد فان قلنا بعدم لزوم العقد من قبل الاصيل قبل الاجازة أو قلنا بجواز تصرفه في ماله قبل انتقاله إلى غيره كما قوينا ذلك فلا إشكال، لعدم توجه الضرر عليه، ولو قلنا بلزوم العقد عليه وحرمة تصرفه فيما انتقل عنه وإليه فالاقوى على مسلك القوم من حكومة دليل الضرر على أدلة الاحكام رفع حرمة تصرفه، وبه يدفع الضرر عنه، ولا يلزم من لزوم العقد ضرر عليه. وبعبارة أخرى ان نفس لزوم العقد في باب الخيارات أيضا لم يكن ضررا، بل تحمل الغبن ضرر، ولما كان ذلك من آثار لزوم العقد يرفع اللزوم لدفع الضرر اللازم منه، وفي المقام لما كان المال غير منتقل إلى الغير لكنه بالعقد صار محروما عن التصرف، وهذا أي حرمة تصرفه ضرري، أي موجب لحرمانه، لا لزوم العقد، فدليل لا ضرر يرفع هذا الحكم لا اللزوم، فمن قال بأن العقد لازم ولا يجوز له التصرف في ماله لا بد وأن يقول بأن دليل الضرر حاكم على الحكم الاخير الذي يلزم منه الضرر، أي العلة الاخيرة له. إن قلت: إن لزوم العقد علة لحرمة التصرفات وضعا وتكليفا فمع

[ 228 ]

رفع الحرمة يرتفع اللزوم، كما أنه مع الحرمة يستكشف اللزوم قلت: استكشاف اللزوم كاستكشاف الصحة من وجوب الوفاء الملازمة لحرمة التصرفات عرفا مسلم، لكن رفع حرمة التصرف بدليل نفي الضرر لا يستلزم نفي اللزوم، بل ما هو مستلزم لذلك هو عدم وجوب الوفاء في عقد بذاته، فإذا ثبت بدليل شرعي وجوب الوفاء واستكشف منه اللزوم والصحة فدل دليل على عدم الحرمة لعارض لا يوجب ذلك عدم اللزوم، كما لا يوجب عدم الصحة، والسر فيه أن العلية والمعلولية ليست على حذو علل التكوين، ولهذا ترى أن الشيخ الاعظم (قده) مع فرض لزوم العقد بالنسبة إلى الاصيل فصل في حرمة التصرف بين الكشف والنقل، وقال في النقل بعدم الحرمة مع لزوم العقد. فتحصل من ذلك أن دليل نفي الضرر حاكم على حرمة التصرف تكليفا ووضعا على فرض استفادة الحرمتين، ووضعا على فرض الوضع فقط، ومع رفعهما لا ضرر في اللزوم، والحرمة علة أخيرة للضرر، هذا على مبنى القوم. وأما على ما سلكناه في دليل نفي الضرر من عدم حكومته على أدلة الاحكام، بل هو حكم سياسي سلطاني من رسول الله صلى الله عليه وآله بما هو سلطان فلا بد في مثل المقام الذي يكون المجيز مماطلا، وهو يوجب الضرر على المالك من الرجوع إلى الوالي كما رجع الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في قضية سمرة بن جندب فأمر بقلع الشجرة لقطع الفساد (1) فهاهنا للحاكم إلزام على الرد أو الاجازة، ولو امتنع فله الاجازة أو الرد، والضرر وإن ورد عليه بحكم الشرع وحرمانه عن التصرف لكن قطع النزاع بعد الرفع إلى الحاكم بيده وبنظره.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب إحياء الموات.

[ 229 ]

هذا كله على فرض حرمة التصرف، وإلا فقد عرفت عدمها في النقل واقعا وظاهرا، وفي الكشف ظاهرا على بعض المباني، ومعه لا ضرر على الاصيل حتى يدفع بدليل نفيه. السابع: لا ينبغي الاشكال في اعتبار مطابقة الاجازة للعقد، ولا ينبغي أن يكون النزاع في المقام كبرويا وإن يوهم كلام الشيخ الاعظم (قده) بأنه كبروي، وأن في الاجزاء لا يجب المطابقة دون الشروط، ولعل إجمال كلامه غر بعض الاعاظم (قده) فذهب إلى عدم اعتبار المطابقة، مستدلا عليه بأن حكم الاجازة حكم البيع ابتداءا، فكما يجوز للمالك بيع بعض ماله ابتداء فكذلك يجوز له إجازة بعضه، فجعل الكلام في الكبرى. وأنت خبير بأن الاجازة كقبول الايجاب لا شأن لها إلا إنفاذ ما وقع والرضا بما أوجده الفضولي، فلو كانت كالبيع الابتدائي لزم التوالي الفاسدة التي لا يلتزم بها قطعا، كما لو باع الفضولي وأجاز هبة أو اجارة، أو باع بدرهم وأجاز بمن من الحنطة. وقد سبق منه (قده) في مسألة مطابقة القبول للايجاب أن اعتبارها من القضايا التي قياساتها معها، كما أن الشيخ الاعظم (قده) أيضا ذهب إلى وضوح الاعتبار هناك، فراجع. مع أن الوجه هاهنا هو الوجه هناك، أما على مسلكنا من أن القبول إجازة للفضولي حقيقة وأن الاجازة بمنزلة القبول كما مر فواضح، وأما على مسلكهم من أن العقد مركب من الايجاب والقبول والاجازة تنفيذ للعقد، وبها يصير العقد عقدا للمجيز، فلان الوجه في لزوم مطابقة

[ 230 ]

القبول للايجاب هو أنه شأن للقبول إلا مطاوعة ما أوقعه الموجب، والانفاذ لما فعله والاجازة بعينها كذلك، فلو لم تطابق العقد لا تكون إجازة وإنفاذا كما لا يكون القبول في الفرض قبولا. فما أفيد من أن الاجازة بحكم البيع ابتداء فان رجع إلى أن الاجازة إيقاع للبيع إبتداء فهو واضح الضعف، ومخالف لماهية الاجازة، وإن رجع إلى أنها في هذا الاثر كالبيع الابتدائي فهو مصادرة لا يصغى إليه، والانصاف أنه لا وقع للنزاع الكبروي. وقد يظهر من بعض أهل التدقيق (قده) أن النزاع صغروي وأن المطابقة معتبرة لكنه ادعى حصول المطابقة في جميع الموارد بالنسبة إلى الاجزاء بدعوى (أن الملكية حيث كانت من الاضافات والاعتبارات التي تتشخص بأطرفها فلا محالة بتعدد الملكية حقيقة بتعدد المملوك، لا أن الكل مملوك بملكية واحدة، وإلا لم يعقل تمليك بعضه إبتداء، وحيث إن العقد هو القرار المعاملي الوارد على الملكية، فلا محالة هناك قرارات متعددة بتعدد أطرافها وإن جمعها إنشاء واحد) الخ. وهذا لا يخلو من غرابة، فان الاعتبارات العقلائية لا بد في كشف حيثيتها من الرجوع إلى العقلاء والعرف، ومن الضروري أن بائع سلعة واحدة، لم يتحقق منه إلا قرار واحد ومعاملة واحدة، لا معاملات كثيرة بعدد اجزائها المتوهمه أو المفروضة، فمن باع كتابا له ألف صفحة لم يصدر منه إلا بيع واحد، لا ألف بيع بعدد الصفحات، وعلى ما ذكره رحمه الله لو باع دارا لصدر منه قرارات بعدد الخشب والطوب والآلات، وأيضا صدر منه قرارات بحسب الكسر المشاع إلى ما شاء الله، ويكون كل بيع مشتملا على بيوع بعضها غررية، لعدم العلم بالاجزاء الظاهرة الباطنة، وهو كما ترى، والاولى إيكال الامور إلى العرف لا إلى

[ 231 ]

الاعتبار العقلي الموجب للخطأ في الامور العرفية. والتحقيق أن يقال في باب الايجاب والقبول وفي هذا الباب: إن القبول لو كان قبولا لانشاء الموجب والاجازة إجازة لانشاء البيع فلا مجال للتجزي فيهما، لان الانشاء لا يتجزى ولا ينحل إلى إنشاءات، كما أن الاخبار بأمور متكثرة لا ينحل إلى إخبارات، فلو قال: (كل نار باردة) لم يقل إلا كذبا واحدا، ولا ينحل إلى أكاذيب بعدد ما أخبر به. وكذا الحال في النذر والعهد ونحوهما، فلو نذر أن يصوم كل جمعة لم ينحل إلى نذور كثيرة، بل نذر واحد لامور كثيرة، فلو ترك صوم جمعة حنث نذره، ولا حنث بعده، إذ لا نذر، ولو خاطب جماعة لم ينحل خطابه إلى خطابات بعدد المخاطبين، بل خطاب واحد يخاطب به الجميع، وهذا واضح عند التدبر، ويترتب عليه أحكام كثيرة. ولو كان قبولا للمنشأ وإجازة للبيع المسببي، أي المنشأ بالانشاء لاختلاف الموارد عرفا، فإذا كانت السلعة واحدة ككتاب واحد وثوب واحد ودار واحدة وهكذا لا ينحل البيع المنشأ إلى بيوع كثيرة وانتقالات عديدة إلا مع وجود منشأ للتحليل والتكثير، كما لو كانت السلعة الشخصية لشخصين، أو نقل ما يملكه وما لا يملكه. وإذا كانت كثيرة غير مرتبطة في المعاملة كمن أراد بيع ثوبه بعشرة وفراشه بعشرين وبعد التقاول جمع بينهما في الايجاب أو البيع فضولا فحينئذ لو قبل المشتري أحدهما أو أجازة المالك صح، وأجازه غير مطابق للايجاب والبيع، فالميزان هو الانحلال العرفي، ومعه صحت الاجازة في البعض كما صح القبول فيه، ومع عدمه لا يصحان ولا فرق بين القبول والاجازة بوجه، فالنزاع صغروي، والموارد مختلفة، هذا حال البيع بحسب الاجزاء.

[ 232 ]

وأما بحسب الاوصاف والقيود فملخص فيه أن البيع إن وقع على الكلي الموصوف فلا بد من إجازة الموصوف، فان أجاز بوصف مغاير أو بلا وصف لم تقع صحيحة، لان ما أجاز غير ما وقع عليه العقد، ولا ينحل العقد على الموصوف إلى العقد على الذات وعلى القيد وهو واضح. وكذا الحال لو وقع على الكلي بلا قيد فأجاز المقيد، ومجرد صدق الكلي على المقيد لا يوجب ايقاع العقد على ما صدق عليه. ولو وقع على الجزئي الخارجي ووصفه بوصف وقال: (بعت هذا الفرس العربي) فأجاز بيع هذا الفرس غير العربي فالظاهر صحة الاجازة، لتعلقها بالعقد على الموجود الخارجي، والتوصيف لا يوجب عدم الاجازة له إلا أن يرجع إلى أنه أجزت ان كان كذا، وهو خلاف الفرض. والسر فيه أن الموجود الخارجي لا يخرج عن هذيته بضم القيود أو رفضها كما أنه لو باع الفرس الخارجي وقال (بعت هذا الفرس العربي) وقبل المشتري ثم بان أنه غير عربي صح البيع وكان له الخيار، ولا يصح أن يقال: أن البيع وقع على المقيد وهو مفقود، وغيره لم يقع عليه العقد، ضرورة أن العقد وقع على الموجود الخارجي لا على عنوان كلي مقيد. ففرق بين القيود المنضمة إلى الكليات والمنضمة إلى الجزئيات الخارجية فكل قيد ضم إلى كلي يصير به عنوانا آخر مغايرا للمطلق وللمقيد بغيره، بخلاف القيود المنضمة إلى الجزئي، فان الجزئي لا يصير لاجل القيد شيئا آخر. ولهذا قلنا: إن الاقتداء بشخص خارجي ولو بقيد أنه زيد وكان واقعا عمرا صحيح، لان الاقتداء لم يكن حتى يقال بالتخلف،

[ 233 ]

بل يقع على الخارج، ولا يتخلف مطلقا. وأما بحسب الشروط فحاصل الكلام أن الشرط تارة يقع في ضمن العقد، وأخرى في تلو الاجازة. فعلى الاول التحقيق التفصيل بين الموارد، والميزان هو الانحلال وعدمه، فقد يكون العقد والشرط منحلين إلى قرارين بنظر العرف كما لو أرادا إيقاع شرط ولكن لما رأيا أن الشروط الابتدائية باطلة أوقعاه في ضمن معاملة مستقلة، بل قد تكون المعاملة غير مطلوبة بالذات، لكن لاجل إيقاع الشرط في ضمنه بنيا على إيقاعها، فلا شبهة في أن الشرط في مثله غير منوط بالعقد ولا دخيل في الثمن والمثمن حتى بحسب اللب والداعي، وعليه لو أجاز البيع دون الشرط صح، ففيما نحن فيه أيضا لو كان الشرط كذلك صحت اجازة البيع دون الشرط، ولو سبق الشرط لبيان حدود المبيع في نظر العرف كما لو شرط اوصاف المبيع بأن قال: (بعت وزنة من البطيخ وشرطت أن يكون حلوا) فالظاهر عدم الانحلال عرفا إلى بيع أصل البطيخ وشرط في ضمن البيع، بل العرف يرى أن موضوع المعاملة هو البطيخ الحلو، وانما ذكر المقصود تارة بنحو القيد وأخرى بنحو الشرط، ففي مثله التزام واحد عرفا وإن كان منحلا عقلا. ولو كان الشرط مطلوبا مرتبطا لبا بالمعاملة بحيث كان للشرط بنحو من الاعتبار قسط من الثمن، بمعنى أن ثمن المبيع بحسب اللب هو المقدار الذي جعل بازاء المبيع في عقد البيع مع المقدار الذي ذكر شرطا، كما أنه لو باع الدار التي قيمتها ألف ومأة بألف وشرط عليه عملا يساوي مأة كان في اللب باعها بمأة وألف، ففي مثله يقع الكلام في أن البيع المشروط في ضمنه ينحل إلى بيع الدار بألف، وهو قرار، وقرار آخر هو في ضمنه - أي العمل الكذائي - فللمالك إجازة البيع دون الشرط، أو أن

[ 234 ]

الالتزامين يرجعان عرفا إلى التزام واحد كما هو ظاهر الشيخ (قده) هاهنا وإن رجع عنه في باب الشروط؟ وجهان. لا يبعد ترجيح الاول والحكم بالصحة والانحلال، بدعوى أن الدواعي والامور اللبية لا توجب تقييد الانشاءات بها: فمن اشترى دواء إنما اشتراه للشرب وترتب الصحة عليه، ولا يكون ذلك قيدا للانشاء ولا للمنشأ ففي اللب وإن وقع الدار في مقابل ألف ومأة وكان الداعي للمعاملة أخذ الثمن ومورد الشرط بازائها، لكن لم يصر ذلك موجبا لعدم تفكيك إنشاء البيع عن إنشاء الشرط، فهاهنا إنشاءان ومنشآن بهما، فله إجازة عقد البيع وعدم إجازة الشرط، والتفصيل في محله. ومن الموارد التي لا يصح تفكيكهما ومعه تبطل الاجازة ما إذا كان ذكر الشرط دخيلا في صحة العقد، كما لو كان رفع الغرر بذكر الشرط فلو باع طاقة عباء بطل للغرر، فإذا ذكر القيود الرافعة للغرر بنحو الاشتراط ليس للمالك قبول البيع دون الشرط، للزوم الغرر. وعلى الثاني - أي إذا وقع الشرط في تلو الاجازة - فالبحث فيه تارة في صحة الشرط ولزومه وأخرى في صحة الاجازة، والبحث الاصيل هاهنا هو الثاني، فالظاهر فيه هو اختلاف الموارد هنا أيضا، فقد تنحل الاجازة المتاوة للشرط إلى إجازة البيع واشتراط مستقل مذكور في تلوها، كما لو أراد اشتراط شئ مستقل وزعم أن ذكره في تلو الاجازة يخرجه عن الشرط البدوي من غير ارتباط بين المعاملة والشرط. ومنه ما إذا كان الشرط غير دخيل في تفاوت القيم، كما لو شرط عليه أن يعتكف لنفسه لا للشارط، أو يصلي أول الوقت، وكان غرضه عبادة الله تعالى من غير أن يكون للشرط قسطا من الثمن ولو لبا. وقد لا ينحل ما أوقعه إلى أمرين، بل يرجع الشرط في نظر العرف

[ 235 ]

إلى تحديد حدود الاجازة، كما لو قال: (أجزت وشرطت أن تكون السلعة بوصف كذائي) فان الظاهر بنظر العرف وحدة الالتزام لا أنه التزام مستقل في ضمن التزام. وقد يكون الشرط دخيلا في الرغبات كاشتراط خياطة الثوب ونحوها مما يكون له بحسب اللب قسط من الثمن ففيه الكلام السابق، كما أن الامر في السلعة الجزئية كما مر. وأما حال لزوم الشرظ في تلو الاجازة فالظاهر أنه مبني على صحة الشروط الابتدائية، وتوهم أن الشرط في ضمن الايقاع يخرجه عن الابتدائية مدفوع بأن الايقاع إذا تحقق تم، ولا يتوقف على ضم شئ آخر إليه، فإذا تم يكون ما لحقه بعد تمامه خارجا منه، فإذا قال: (أنت طالق) بعد تحقق شروط الطلاق وقع من غير انتظار لامر آخر، والشرط بعده أجنبي عنه، والفرض أنه لم يعلق على الشرط، بل يكون الشرط في تلوه بلا تعليق، وإلا بطل الطلاق. ثم لو قلنا بصحة الشرط في تلو الاجازة فلو لم يقبل الطرف أو قبل ولم يعمل بالشرط فهل له خيار رد الاجازة، فيكون حال الاجازة حال البيع مع تخلف الشرط، ومع رد الاجازة يصير البيع خاليا عنها، أو أن الاجازة بوجودها الحدوثي صارت سببا للنقل، ولا يعقل إمحائها بوجودها الحدوثي، ولا بقاء لها حتى يردها في هذا الحال، كفسخ العقد الباقي إلى زمانه؟ وجهان.

[ 236 ]

القول في المجيز وفيه أمور: الاول: لا شبهة في اعتبار كونه جائز التصرف حين الاجازة بالبلوغ والعقل وعدم الحجر لفلس أو سفه أو مرض بناء على عدم نفوذ منجزات المريض زائدا على الثلث من غير فرق بين النقل والكشف إذا كانت إلاجازة دخيلة في النقل والصحة ولو من أول الامر. نعم على مسلك من قال بالكشف المحض من غير دخالة للاجازة أو من قال بكاشفيتها عن الرضا التقديري والشرط هو الرضا التقديري المقارن للعقد لا مناص له عن القول بعدم الاعتبار في مثل المحجور عليه لسفه أو نحوه، لعدم كون الاجازة حينئذ تصرفا ماليا بوجه، وعدم الحجر عن الاتيان بالكاشف عن أمر سابق. وأما ما احتمل بعض الاجلة - من أنه على الكشف يمضى إجازة المريض بدعوى أن الاجازة ليست تصرفا، بل هي شرط لنفوذ التصرفات - ففيه ما لا يخفي، ضرورة ان الانشاء إذا كان غير مؤثر في النقل من الاول ليس تصرفا وإلا لزم القول بحرمته وببطلانه بناء على عدم اجتماع الحرمة والانفاذ، والاجازة المتأخرة دخيلة في النقل على أي حال إلا على مسلك من أشرنا إليه، والمريض على المبنى المتقدم محجور عليه فيه بلا إشكال.

[ 237 ]

ثم إن الكلام في هذا الامر في شرائط المجيز، كالعقل والبلوغ وعدم الحجر، وقد خلط بعض الاعاظم (قده) بما إذا تصرف المجيز بما ينافي الاجازة فقال: (إن تأثير الاجازة مع تصرف المجيز بما ينافي الاجازة دور واضح، فان بطلان تصرفه يتوقف على تأثيرها، وتأثيرها يتوقف على بطلانه ولا عكس، فان تصرفه وقع من أهله في محله، فارهان المالك المبيع قبل الاجازة يوجب عدم تأثيرها) انتهى. وفيه أن قضية تصرف المالك بعد عقد الفضولي وقبل الاجازة بما ينافيها أجنبية عن المقام، بل هي مسألة أخرى مبناها غير مسألتنا هذه وهو أن تصرفه ذلك هل هو هادم للعقد نظير الرد على القول بالهدم أو مانع عن لحوق الاجازة به أو أن العقد المتعقب بالاجازة مؤثر وموجب لخروج المبيع عن ملكه فبطل تصرفه؟ فأين هذا من اعتبار كون المجيز جائز التصرف!. وبعبارة أخرى قد يكون الكلام في شرائط المجيز، وقد يكون في شرائط الاجازة، وقد يكون في شرائط العقد المچاز وإرجاع بعضها إلى بعض خلط، والكلام هاهنا في شرائط الاول كما هو واضح. الثاني: هل يعتبر في الصحة أن يكون للعقد مجيز حاله؟ ولا بأس بالبحث عنه كبرويا وإن فرض أنه لا مورد له عندنا، وكفى في عدم اللغوية إذا كان ذا أثر ولو عند غيرنا، كما يبحث في باب الجهاد بعض ما يتعلق بوجود الامام عليه السلام وتكليفه، بل قد يبحث عما لا يتفق الوجود له، كالبحث عن نجاسة دم مخلوق الساعة، مع أن في المقام قد يذهب إلى عدم الولاية لاحد حتى الامام عليه السلام كبيع مال الصغير بخلاف مصلحته، ويمكن التمثيل

[ 238 ]

أيضا ببيع مال الغير عن نفسه بناء على عدم صحة إجازة المالك الفعلي. وكيف كان الظاهر عدم الاعتبار بعد كون عقد الفضولي على القواعد ومشمولا للعمومات والاطلاقات، فلو شك في اعتباره يرفعه الاطلاق، نعم بناء على الكشف وأنه على خلاف القواعد وعدم إطلاق في الدليل الذي يدل عليه لو شك في اعتبار ذلك لا يمكن تصحيحه. لكن قد مر في سالف القول أن النقل لما كان على القواعد لو فرض قصور دليل الكشف في مورد يؤخذ بالقواعد فيه، ويحكم بالنقل. وبعبارة أخرى القاعدة تقتضي النقل، وانما خرجنا عنها لدليل خاص دال على الكشف على فرض تماميته، فلو كان له إطلاق يؤخد به، وبحكم بالصحة كشفا في موارد الشك، وإلا فيؤخذ باطلاق دليل النقل، أي القواعد، ولا مانع من الاخذ بها إلا ما استدل به فخر الدين (قده) تقريبا لقول العلامة (قده). فعنه انه يبتني على مقدمات: الاولى - أن معنى صحة بيع الفضولي قبل الاجازة كونه في التأثير على أقرب مراتب الامكان الاستعدادي، لاجتماع الشرائط غير الاجازة، فإذا أمكنت إمكانا قريبا حكم بالصحة، الثانية - أن كل شرط امتنع تحققه امتنع وقوع المشروط به، الثالثة - أن البيع إذا امتنع صحته في زمان امتنع دائما، لانه إذا امتنع الصحة حينئذ تعين البطلان، لامتناع ارتفاعهما معا واقعا، والبطلان في زمان يقتضي بطلانه دائما وفيه منع المقدمة الاولى، لعدم الدليل عليها، بل ما ذكره مصادرة عند التحقيق، فان المدعى أنه يعتبر وجود مجيز حال العقد، والدليل أن معنى الصحة في الفضولي هو استجماعه لجميع القيود، منها وجود مجيز حال العقد، ولو تسالمنا معه في جميع القيود وخالفناه في اعتبار المجيز وطالبناه بالدليل عليه لكان الجواب بحسب هذه المقدمة أنه لا بد في العقد من أن

[ 239 ]

يكون له مجيز حاله حتى يتم مراتب الامكان الاستعدادي. وبالجملة لا دليل على ما ذكره، بل إطلاق الادلة على خلافه، وليس معنى صحة الفضولي ما ذكره، بل معناها أنه لو فرض إلحاق الاجازة به لصح فعلا وإمكان اللحوق فعلا ولا إمكانه خارج عنها. بل لنا أن نقول بالصحة فيما إذا وجد عقد وضمت إليه الاجازة وكان حالها جامعا لشرائط الصحة، وإن كان في حال وجوده بحيث لو ضمت إليه لكان باطلا. كما لو باع الفضولي مائعا خارجيا وكان خمرا ثم صار خلا فأجاز، أو باع كلبا هراشا فصار حارسا، إذ لا دليل على بطلان الانشاء على المذكورات، والفرض صدق العناوين وحصول الشرط عند الاجازة التي بها يحصل النقل، ولو سلم البطلان في المذكورات لم يسلم في مورد البحث، أي إمكان لحوق الاجازة في زمان. نعم لو صحت هذه المقدمة فلا يرد الاشكال على الاخريين، ضرورة أنه مع بطلان العقد الفضولي حال صدوره بطل مطلقا، ولا ينقلب الباطل عما هو عليه. فما أفاد الشيخ الاعظم (قده) من منع الكبرى وأن امتناع صحة العقد في زمان لا يقتضي امتناعه دائما منظور فيه، نعم لو كان المدعى أن العقد ممتنع الصحة وكل ما كان ممتنع الصحة في زمان كان ممتنعا دائما كان الاشكال عليه كبرويا، لان الامتناع المذكور ليس امتناعا ذاتيا بالضرورة، بل هو امتناع بالغير أي بامتناع لحوق الاجازة، والممتنع بالغير إذا أمكن الغير صار ممكنا وإلا خرج عن الامتناع بالغير، مع أن المفروض في المقام ليس امتناع وجود المجيز بل عدم المجيز فعلا، فلا ينتج ذلك امتناع الصحة. وإن أراد أن الصحة ممتنعة مع عدم لحوق الاجازة، أي ممتنعة بشرط عدم اللحوق أو في حال عدمه لان المعلول ممتنع مع عدم تمامية أجزاء علته فهو أفحش، لان مطللق الفضولي كذلك.

[ 240 ]

لكن الفخر (فده) استدل بما تقدم لا بما ذكر آنفا، وكذا المحقق الثاني (قده) أراد ما أراد الفخر، لانه قال: وجه القرب أنه مع عدم من له أهلية الاجازة تكون صحة العقد ممتنعة في الحال، وإذا امتنعت في زمان ما امتنعت دائما لان بطلان العقد في زمان يقتضي بطلانه دائما، وهو عين تقرير الفخر، فالاشكال حينئذ صغروي لا كبروي، لكن الشيخ الاعظم (قده) اقتصر في نقل الدليل على صدر العبارة وأغمض عن ذيلها فزعم أن تمام الدليل هو هذه الكلية فأجاب بما أجاب، والامر سهل. وأما الاستدلال على البطلان بلزوم الضرر على المشتري لكونه ممنوعا عن التصرف في الثمن إذا كان معينا للزوم العقد من جانبه واحتمال الاجازة، وفي المبيع أيضا لعدم المقتضي لجواز التصرف وإمكان عدمها ففيه - مضافا إلى منع عدم جواز تصرفه في الثمن، ومنع لزوم العقد من قبله كما مر وعلى فرض التسليم يمكن إجراء بعض الاصول لاثبات الجواز ظاهرا، ومنع لزوم الضرر دائما على فرض عدم جواز التصرف إذا تحقق المجيز في زمان قصير أو عدم الداعي له في تصرفه - أن دليل نفي الضرر لا يقتضي البطلان ولا عدم اللزوم، بل ما يوجب الضرر هو حرمة تصرفه في ماله، وهو المنفي على المبنى، فانه مع جواز التصرف لا ضرر عليه من قبل الصحة واللزوم كما مر ثم إن في نصوص النكاح الفضولي (1) ما يشهد على المدعي، فراجع.


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد

[ 241 ]

الثالث: هل يشترط في المجيز كونه جائز التصرف حال العقد أو لا؟ ويتم ذلك في ضمن مسألتين: الاولى - ما إذا كان المالك حال العقد هو المالك حال الاجازة لكن المجيز لم يكن حال العقد جائز التصرف، لثبوت حق الغير على ماله كتعلق حق الرهانة كما لو باع الراهن ففك الرهن، فيقع الكلام فيه تارة في صحته، وأخرى في احتياجه إلى الاجازة، وثالثة في جريان نزاع الكشف والنقل فيه. أما الاول فالظاهر هو صحته لعموم دليل الوفاء بالعقد واطلاقه بالنسبة إلى الافراد، وانما خرج منه حال من أحوال فرد منه، وهو حال تعلق حق الغير به، وبقي الباقي تحت الاطلاق. وبعبارة أخرى إن لقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) عموما أفراديا وإطلاقا يستفاد من دليل الحكمة بأن كل فرد تمام الموضوع للصحة، وأن حكم لزوم الوفاء بالنسبة إليه كلازم يستمر معه، كما قرر في محله، وحق الغير ليس مانعا عن العموم الافرادي، بل عن الاطلاق حال التعلق، ومقتضى العموم والاطلاق بعد رفع المنع هو الصحة، وكذا الحال في إطلاق سائر الادلة، فالكلام هاهنا بوجه نظير الكلام في باب الخيارات، وقد فرغنا هناك عن جواز التمسك بالاطلاق مع دفع الاشكالات. وقد يقال هاهنا بعدم جواز التمسك بعموم (أوفوا) بالنسبة إلى ما عدا زمان الرهن، لان تخصيص العام وتقييد المطلق يوجب التنويع إلى كليين: أحدهما ينطبق على الافراد الصحيحة والآخر على الافراد

[ 242 ]

الفاسدة كدليل اعتبار الرضا، فانه يوجب تقييد العقد بالمرضي به، فمتى وجد عقد ثم تعقبه الرضا يوجد فرد يندرج تحت الكلي الواجب وفاؤه بنحو القضية الحقيقة، وأما إذا كان مثل البيع والرهن بحيث كان كل منهما واجب الوفاء وكانا متمانعين متزاحمين فلا يعمهما العام مع عدم الترجيح، وحيث إن المفروض سبق حق الرهن فلا يعقل شمول العام للفرد المزاحم عقلا، ولا يوجد بعد زوال الحق فرد من العام حتى يعمه العام من الاول، إذ ليس التزاحم العقلي موجبا لحصول عنوانين رتب على أحدهما وجوب الوفاء بنحو القضية الحقيقة حتى يتوهم أن العقد بعد زوال المانع مندرج تحت ذلك الكلي المرتب عليه الحكم من الاول، انتهى ملخصا. وفيه موارد من النظر نشير إلى مهماتها، ولا بد لتحقيق الحال فيها من الرجوع إلى الاصول: منها - إن قوله: (تخصيص العام يوجب التنويع) غير مرضي، ولازمه سراية الاجمال من المخصص المنفصل إلى العام، نعم لا يبعد التنويع في باب الاطلاق والتقييد، والفرق بينهما أن العموم من الدلالات اللفظية والخاص لا يصادمه فيها، بل لم يكن الخاص في مفاده ودلالته لفظا أقوى من العام في مقام الدلالات اللفظية، وليس حكم العام جاريا على عنوان، بل بدلالة لفظ الكل وشبهه يدل على أفراد العنوان، فالمحكوم بالحكم هو الافراد لا العناوين، والاخراج بالخاص أيضا إخراج لطائفة من الافراد، فإذا كان الخاص منفصلا واستقر ظهور العام وشمل الافراد بالدلالة اللفظية لم يكن وجه لحصول عنوانين لاجل الخروج بالتخصيص، وليس باب تقدم الخاص باب تقديم ظاهر على ظاهر حتى يتوهم منه ذلك وان كان التوهم أيضا غير مرضي، وانما يتقدم الخاص لتقدم أصالة الجد في الخاص على أصالة الجد في العام في محيط التقنين الذي ضعف فيه أصل

[ 243 ]

الجد في القوانين العامة بحيث لا تقاوم أصالته في الخاص. وأما المطلق فليس من الدلالات اللفظيه، بل الاطلاق ثابت لاجل جعل عنوان موضوعا لحكم، وهو من الافعال الاختيارية لا الدلالة اللغوية، وبعد كون الحكم على العنوان يقال: إنه تمام الموضوع للحكم مع عدم القيد فيحتج بالفعل الاختياري على كونه تمام الموضوع، وإذا ورد قيد منفصلا يعلم أن العنوان المأخوذ في المطلق مع قيد كذائي موضوع للحكم، ولهذا صار المطلق مقيدا، وحصل مع لحاظ القيد عنوانان، ويسري إجمال القيد إلى المطلق، والتفصيل في محله. ومنها - أن المقام لو كان من قبيل الدليلين المتزاحمين فلا وجه لعدم شمول العموم لهما، لان التزاحم إنما هو بعد الانطباق، وكل حكم على موضوعه قبل الانطباق عام غير مزاحم، والتزاحم العقلي لا يوجب عدم الشمول، والتفصيل في باب الترتب. ولكن المقام ليس من قبيل التزاحم، وإلا فلا وجه لتقدم الاسبق، لان السبق ليس من المرجحات عقلا في باب التزاحم، بل المقام من باب الخروج موضوعا في جانب والانصراف الموجب لنحو تقييد في جانب آخر، فان البيع إذا سبق على عين من الاصيلين خرج الموضوع عن وجوب الوفاء بعقد الرهن، لان العين خارجة عن ملك الراهن، فالخروج موضوعي، وإذا سبق الرهن وصارت متعلقة لحق الغير انصرف إطلاق دليل وجوب الوفاء بعقد البيع عن العين المتعلقة لحق الغير ما دام كذلك، وبعد رفع المانع يؤخذ باطلاق دليل وجوب الوفاء، لا عمومه، لان عمومه غير متمانع مع دليل الرهن. ومنها - أن باب الاطلاق والتقييد أجنبي عن القضايا الحقيقة، نعم العمومات لها نحو تشابه بها.

[ 244 ]

ومنها - أن المخالفة في المقام بعد التسليم ليس بين مصداقين من عموم (أوفوا بالعقود) (1) بل بين مصداق منه وإطلاق آخر كما أشرنا إليه. ثم قال ما حاصله: (لا بأس بالاخذ بقوله تعالى: (أحل الله البيع) (2) ونحوه، لان ضمه إلى دليل الرهن يوجب تنويعه إلى بيع وارد على المرهونة وغيره، فالبيع الذي زال حق الرهانة عن متعلقه فرد مندرج تحت الكلي المحكوم بالصحة، فيكون كالبيع غير المرضي به حال حدوثه، وكان بقاء مرضيا به، ومقتضى مانعية حق الرهانة المانعية ما دام الحق، فيكون بعينه كدليل الاكراه المانع عن النفوذ ما دام الاكراه) انتهى ملخصا. وفيه أن تنويع دليل بضم دليل آخر إنما هو فيما إذا كان الثاني مقيدا له كتقييد إطلاق دليل حال البيع بقوله تعالى: (تجارة عن تراض) (3) أو كتقييد الادلة بحديث الرفع تحكيما فيما يوجب التقييد، وأما مجرد اختلاف دليلين والتمانع بينهما فلا يوجب ذلك، نحو مقامنا هذا، فان دليل حل البيع ودليل صحة الرهن كقوله عليه السلام: (استوثق من مالك ما استطعت) (4) وقوله عليه السلام: (لا بأس به) بعد السؤال عن الرهن والكفيل في بيع النسيئة (5) متمانعان كعامين من وجه لا يقدم أحدهما على الآخر، وإذا تقدم الرهن لا يعقل نفوذ البيع وبالعكس حسب ما أفاد في (أوفوا بالعقود) لا من باب معنونيته بعنوانين. والقياس على الدليل المفيد لاعتبار الرضا ودليل الاكراه في غير محله، لانهما مقيدان لاطلاق دليل البيع، لاجل التقييد الوارد في قوله تعالى:


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 275. (3) سورة النساء: 4 - الآية 29. (4) و (5) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الرهن - الحديث 5 - 2.

[ 245 ]

(تجارة عن تراض) وتحكيم دليل الاكراه الموجب للتنويع، فأين هذا من ضم دليل نفوذ الرهن إلى دليل البيع مع عدم وجه للتقديم! نعم بناء على ما ذكرناه من انصراف دليل نفوذ البيع عن مورد الرهن كان ذلك موجها، كما أن الامر كذلك في (أوفوا بالعقود) فالتفرقة بينهما في غير محله، فتحصل مما مر أن الصحة نحو صحة الفضولي لا مانع منها. ثم إنه هل يحتاج العقد بعد فك الرهن إلى الاجازة لو قلنا بلزوم إنشاء الاجازة في الفضولي أو يكفي في المقام الرضا حال العقد فلو لم يرد العقد قبل فك الرهن وفكه صار صحيحا بالفعل؟ الظاهر ذلك، لان إنشاء الاجازة على القول به انما هو لاجل الانتساب إلى المالك، وهو حاصل، والرضا المقارن كاف، والقول بأن رضاه كرضا الاجنبي حيث إنه لا يترتب عليه الاثر غير مرضي، لان رضا المالك مقتض للصحة ودخيل فيها، وانما يمنع عن ترتب الاثر كونه رهنا، فإذا زال أثر المقتضي أثره بخلاف رضا الاجنبي، فانه غير مقتض رأسا. نعم يبقى الكلام في أن له رد البيع أو لو كره بعد الرضا المقارن كان مؤثرا في عدم النفوذ؟ وجهان تقدم الكلام فيهما، وقد ذكرنا أن دليل وجوب الوفاء قاصر عن اثبات وجوب إبقاء العقد الذي لم يؤثر أثره، لان الوفاء هو العمل على طبق مضمون العقد لا إبقاء العقد بنفسه، فراجع. بقي الكلام في الامر الثالث، أي جريان نزاع الكشف، وفيه جهتان: إحداهما - أن الاجازة لو قلنا باعتبارها أو فرض أن العاقد غير المالك فيحتاج إلى اجازته هل يصح فيها القول بالكشف كما في باب الفضولي؟ قد يقال بعدم الجريان، لان لازم الكشف حصول النقل من الاول،

[ 246 ]

وهو حال تعلق حق الرهن، ومع حفظه لا يعقل تأثير العقد، والفرض أن الفك من الحين لا من أول العقد. وفيه أن ذلك لازم الكشف الحقيقي، وأما الكشف التعبدي بأحد معنييه فهو كون التعبد مترتبا على الاجازة بعد تحققها فلا يرد فيه الاشكال، لان التعبد بترتيب الآثار من الاول انما هو بعد فك الرهن، وليس التعبد الكذائي مخالفا لحق المرتهن، وليس ذلك كاشفا عن حصول الملك عن الاول ولا من التعبد بحصوله حال الرهن كما يظهر بالتأمل. وكذلك الكشف الحكمي الانقلابي، سواء كان الانقلاب حقيقيا أو عنوانيا، فانه كما لا مانع من ملكية شئ واحد لشخص في زمان قبل كون العقد مجازا وملكيته في نفس ذلك الزمان لآخر بعد كونه مجازا كما ذهب إليه المحقق صاحب الاشكال هاهنا، وإن مر الاشكال فيه، لكن الكلام هاهنا في صحته جريان النزاع لا في صحة الكشف أو قسم منه كذلك الحال في المقام، فانه لا مانع من صحة البيع بعد الاجازة بعد فك الرهن، فالانتقال حصل في حال الفك من الاول، ولا إشكال في عدم منافاته لحق المرتهن. ثانيتهما - أن الفك كالاجازة يمكن نزاع الكشف والنقل فيه؟، فلو قلنا بعدم اعتبار الاجازة بل يصح البيع بمجرد الفك فهل يمكن القول بأن الفك كاشف أو لا بد من القول بالنقل؟. قد اضطرب في المقام كلام بعض الاعاظم (قده) والظاهر صحة النزاع هاهنا أيضا على بعض المباني، كما إذا قلنا بأن العقد مضمونه حصول النقل في زمانه، والمانع منه هو الرهن، فإذا سقط الرهن انتقل من حال العقد بعد السقوط، وهو لا ينافي حق المرتهن. ثم إن ما ذكرناه جار في ما تعلق به حق الغرماء، وأما إذا كان المانع

[ 247 ]

من قبيل السفه فلا إشكال في جريان نزاع الكشف على جميع المباني، فان السفيه لم يسقط كلامه، بل ممنوع بعد حجره عن التصرف في أمواله، وبعد رفعه لا مانع من إنفاذ المعاملة حال سفهه، وهو واضح، هذا كله فيما إذا كان المجيز غير جائز التصرف لاجل المانع، أي المسألة الاولى. وأما المسألة الثانية وهي ما إذا كان عدم جواز التصرف لاجل عدم المقتضي كما إذا باع شيئا ثم ملكه بالاشتراء أو غيره ففيها صور يعرف حالها في ضمن المسألة. وقد اختلف الاصحاب فيها، فمن قائل إنه صحيح غير محتاج إلى الاجازة، ومن قائل: إنه محتاج إليها، ومن قائل بالبطلان وقد اختار الشيخ الاعظم (قده) الصحة متمسكا بالاصل والعمومات بعد دفع ما يرد عليه من الاشكال. أقول: لاإشكال في عموم الادلة وإطلاقها لو لم يمنع عنه المانع، فمع الشك في اعتبار شئ يدفع باطلاق الأدلة أو عمومها. وأما الاصل فالظاهر أن مراده هو الاصل العملي مقابل العموم، مع الغض عنه، وعليه فان كان المراد أصالة عدم اشتراط كون المجيز هو المالك حال العقد ورجع إلى عدم اشتراط العقد الخارجي فلا حالة سابقة له. وإن رجع إلى أصالة عدم اشتراط طبيعة العقد الفضولي، أي هذه الطبيعة قبل تشريع الشرع لم تكن مشروطة بشرط، وبعده علم اشتراطهما بشرائط وشك في غيرها، منها الشرط المذكور فالاصل عدم الاشتراط ففيه أن الاصل المذكور لا يثبت كون المجرد عن الشرط مؤثرا ولا كونه تمام الموضوع لحكم الشرع بالانتقال، هذا إذا قلنا بأن الاثر للطبيعة، وأنها عين الافراد في الخارج، وإلا فالاصل الجاري فيها لا يثبت الحكم للفرد بخصوصيته، والتفصيل في محله.

[ 248 ]

وكذا استصحاب الصحة التأهلية إلى زمان إلاجازة لا يثبت ترتب الاثر بلحوق الاجازة بها، فان ترتب الاثر على العلة عقلي، وتأثير العلة التامة أيضا عقلي، هذا مع الغض عن أن المعلوم حال صدور العقد هو الصحة إذا لحقت إجازة المالك الاول به وصحة لحوق إجازة الثاني مشكوك فيها من الاول. وكذا الحال في التمسك بحديث الرفع لرفع شرطية المشكوك فيه، فان رفعها لا يثبت ترتب الاثر بلحوق الاجازة به. ثم إن هاهنا أمورا لا بد للقائل بالصحة المتمسك بالعموم والاطلاق لها من دفعها، ونحن نذكرها حسب ما قررها الشيخ صاحب المقابيس (قده): الاول: (أنه قد باع مال الغير لنفسه) وقد مر الاشكال فيه، وأجاب الشيخ (قده) عنه بأنه قد سبق أن الاقوى صحته، وربما يسلم هنا عن بعض الاشكالات، مثل مخالفة الاجازة لما قصده المتعاقدان. أقول: أجاب الشيخ (قده) عن الاشكال العقلي هناك بأن قصد المعاوضة الحقيقية مبني على جعل الغاصب نفسه مالكا حقيقيا نظير المجاز الادعائي، فان أراد من ذلك أنه جعل نفسه مالكا وباع للمالك - كما صرح بذلك بعض الاعاظم (قده) بأن مبنى صحته تحليل داعيه إلى أمرين: الاول وقوع التبديل بين ملكي مالكهما، والثاني تخيل أن المالك لاحد العوضين هو نفسه، فيلغى هذا الخيال والتطبيق ويؤخذ بقصده المعاوضه بين ملكي المالكين - ففيه أنه لو صح هذا الادعاء لا بد من القول هاهنا ببطلان إجازة المالك الثاني، لان المفروض أنه جعل نفسه مالكا وباع لماكله، والمالك حال العقد هو

[ 249 ]

غير المجيز، فهذا التقريب على فرض صحته يؤكد الاشكال في المقام وإن يرفعه عن المقام السابق. نعم لو كان مراده من جعل الغاصب نفسه مالكا حقيقيا أنه بعد جعله كذلك باع لنفسه اندفع الاشكال العقلي في كلا المقامين، والاشكال العقلائي أي مخالفة الاجازة لما قصده المتعاقدان هاهنا. لكن مبنى اندفاع الاشكال العقلائي هناك ما صرح به الشيخ (قده) من (أن البائع الفضولي إنما قصد تمليك المثمن للمشتري بازاء الثمن، وأما كون الثمن مالا له أو لغيره فايجاب البيع ساكت عنه، فيرجع فيه إلى ما يقتضيه مفهوم المعاوضة من دخول العوض في ملك مالك المعوض تحقيقا لمعنى المعاوضة - إلى أن قال: - وحيث إن المثمن ملك لمالكه واقعا، فإذا أجاز المعاوضة انتقل عوضه إليه) انتهى. ولازم هذا المبنى أن العقد الانشائي نقل الثمن إلى مالك المثمن حال العقد إنشاء لانه مقتضى مفهوم المعاوضة، فانشاء هذا المفهوم يقتضي وجود ذلك إنشاء، أي دخول الثمن في ملك مالك المثمن إنشاء، والاجازة تتعلق بهذا المنشأ إذا كانت صادرة من مالكه حال العقد. وعلى هذا يرد عليه إشكالان: احدهما - أن هذا المبنى على فرض صحته يهدم أساس الصحة في المقام، لان لازمه مغايرة الاجازة لما هو مضمون العقد ومقتضاه، لان المجيز فعلا غير المالك حال العقد، ثانيهما - أن مبنى الجواب عن الاشكال الاول أي الاشكال العقلي على الاحتمال الذي ذكرناه الموافق لظاهر كلامه أن العاقد بعد جعل نفسه مالكا باع لنفسه، وبعد البناء على ذلك صارت المعاوضة حقيقة، فحينئذ لا بد بمقتضى مفهوم المعاوضة من أن يدخل الثمن في ملكه إنشاء، لانه مالك للمثمن، فالمعاوضة الحقيقية على هذا المبنى لا بد وأن يقع بين ملك المالك الادعائي وبين

[ 250 ]

الثمن، وهذا مما يوجب هدم الجواب عن الاشكال الثاني المبني على أن مقتضى مفهوم المعاوضة دخول الثمن في ملك المالك الحقيقي. وإن شئت قلت: إن إنشاء البيع المذكور لا بد وأن يكون بوجه يصح باجازة صاحب السلعة، أي المالك الاول، وبعد الانتقال عنه يصح باجازة المالك الثاني، والجمع بينهما لا يمكن، كما لا يمكن أن يكون مقتضى المعاوضة ذلك، أي الانتقال إلى المالك الاصلي إنشاء في حال والي المالك الجديد في حال آخر. وبعبارة أخرى بعد فرض أن الاجازة من المجيز لا شأن لها إلا تنفيذ ما أنشأه الفضولي، فالنقل الانشائي من الفضولي يصير حقيقيا نافذا بالاجازة، وليست الاجازة معاملة أي إنشاء للنقل بالعوض، بل هي إنفاذ للنقل بالعوض الحاصل بانشاء الفضولي، فالمعاوضة الانشائية هي ماهية البيع المتحققة إنشاء، فان بيع الفضولي لا يقصر عن بيع الاصيل في مفهوم البيع، وانما يفترق عنه في الاثر الذي لا يدخل في الماهية، ولا في صدقها على المنشأ فحينئذ لا بد وأن يتحقق مفهوم المعاوضة ببيع الفضولي، ولا شبهة في أن مفهومها هي نحو تبادل بين السلعة و الثمن، ونتيجته تبادل الاضافات إنشاء في الفضولي، وإنشاء وحقيقة في غيره، ولا شبهة في أن تبادلهما المستتبع لتبادل نحو اضافة لا يعقل إلا مع وجود اضافة إما حقيقة أو تخيلا وادعاء على نحو ما أفاده الشيخ الاعظم (قده). فحينئذ نقول: إن إنشاء الفضولي لنفسه إما لادعاء الملكية لنفسه، والتمليك والتملك بعد هذه الدعوى لنفسه، فيرى تبادل الاضافات عن نفسه ومنها، وإما يرجع ذلك إلى التبادل بين ملكي مالكين حقيقة وتنزيل نفسه بعده منزلة المالك، كما أفاده بعض الاعاظم (قده).

[ 251 ]

فعلى الاول لا تكون إجازة المالك موافقة لقصد الفضولي وعلى الثاني لا تكون إجازة الفضولي بعد الاشتراء موافقة لقصده. فلو بنينا على إلغاء قيد (لنفسه) لانه أمر زائد على ماهية البيع وقلنا بالاخذ بمقتضى مفهوم المعاوضة صارت النتيجة أن إنشاء الفضولي هو تبادل السعلة الخارجية التي هي ملك المالك مع الثمن ومقتضى مفهوم المعاوضة رجوع الثمن حتى إنشاء إلى مالك السلعة، فعاد المحذور في المقام. ولو بنينا على إبقاء قيد (لنفسه) كانت النتيجة تبادل تمليك العين وتملك الثمن لنفسه إدعاء، فهذا إلانشاء بعد الادعاء بما ذكر لا تلحقه الاجازة من المالك، لعدم تبادل ملكه مع الثمن فرضا، فالجمع بينهما بحيث يصح لحوقها من كل منهما لا يمكن على مبنى الشيخ (قدهم) ومن تبعه. وتوهم أن التبادل الانشائي بين ملك طبيعي المالك للسعلة المنطبق على المالك قبل الخروج عن ملكه باشتراء الفضولي وعلى الفضولي بعده فاسد، لانه - مضافا إلى أنه لو كان المراد بالطبيعي صرف الوجود باصطلاح الاصولي فهو منطبق على أول الوجود، ولا ينطبق على الثاني، فلا بد من الالتزام بأن المراد ملك المالك على نحو الكلي البدلي أو الوجود الساري، وهو كما ترى - يرد عليه أنه مع إلغاء قيد (لنفسه) عن الانشاء على المملوك المعين المشخص لا يبقى إلا ذلك المشخص، ولا ينقلب كليا، كما هو واضح. هذا كله لوازم كلماتهم في المقام المتقدم وهاهنا، ومع الغض عنها وجعل المسألة التي كلامنا فيها نصب العين يصح أن يجاب عن الاشكال العقلي المشترك بما سلكنا هناك في الجواب، بل هاهنا أهون، لان إنشاء البيع لنفسه مع الوثوق بتحصيل المبيع والرد إليه بل مع رجاء ذلك أمر ممكن، ولا يفترق في الاشكال عن بيع الفضولي، فكما يصح الجد برجاء

[ 252 ]

إجازة صاحب المال يصح هاهنا أيضا، ومع شراء المبيع تتم المعاملة بالاجازة أو بدونها على اختلاف القول في ذلك. الثاني: (أنا حيث جوزنا بيع غير المملوك مع انتفاء الملك ورضا المالك والقدرة على التسليم اكتفينا بحصول ذلك للمالك المجيز، لانه البائع حقيقة، والفرض هنا عدم إجازته وعدم وقوع البيع عنه) انتهى. وقد أجابوا عنه بوجوه، ولم يتعرضوا لجيمع خصوصيات كلامه، بل لم يتعرضوا لما هو أشكل، وحاصل كلامه على ما يستفاد من التأمل فيه أن البيع هاهنا فاقد لجهات. منها - عدم مالكية ما وقع عنه وعدم وقوعه للمالك فيختل بذلك أركان البيع ولم يصدق عليه العنوان، لان البيع عبارة عن التبادل بين ملكي مالكين كما في الفضولي، ويفترق هاهنا عن بيع الغاصب لنفسه بان هناك أردنا تصحيحه بإجازة المالك، ويمكن أن يقال بأن البيع وقع على العين الخارجية وضم القيد الزائد لغو لا يوجب عدم الوقوع عليها، كما قلنا في باب الاقتداء بأنه دائما يقع بالامام الموجود قدام الصفوف وإن قيده المأموم بألف قيد، وهاهنا لم يصح سواء الغي قيد (لنفسه) أو بقي، لعدم إجازة المالك على الاول واختلال أركان البيع على الثاني. وفيه أن هذا مبني على لزوم موافقة البيع الانشائي للواقع المحقق ودخالة ذلك في صدق المفهوم، وهو ممنوع، ألا ترى أن إنشاء بيع الكلي بالكلي بيع حقيقة وصادق عليه عنوان البيع والعقد والتجارة، مع أن الكلي قبل إيقاع البيع ليس ملكا لصاحب الذمة، فلا يكون الانسان

[ 253 ]

مالكا لالوف من الامور الكثيرة في ذمته، سواء أضيف إليها أم لا، فلا يكون بيع الكلي بالكلي من قبيل بيع الاعيان بالاعيان. وبالجملة لا يعتبر في مفهوم البيع ولا فيما يصدق عليه إلا التمليك بالعوض بمعنى أوسع من مفهوم الملك حتى يشمل الحقوق ونحوها، نعم لا بد من كون الثمن عوضا عن المثمن وداخلا في ملك صاحب السلعة إنشاء تحقيقا لمعنى المعاوضة، وفيما نحن فيه باع عن نفسه ملك غيره بعوض لنفسه - ولا قصور له في مقام المفهومية والانشاء، وعدم الانتقال فعلا لا يضر كما في غير المقام. ومنها - انه ليس لهذا العقد من كان رضاه دخيلا في صحته لان صاحب المال ليس له العقد، ومن له العقد لا دخالة لرضاه فيها. ومنها - أنه ليس لهذا العقد من له قدرة التسليم، لان قدرة صاحب المال غير معتبرة ولا مفيدة، لعدم كون العقد له، وقدرة الفضولي أجنبية لا دخالة لها في الصحة. والجواب أن رضا من له العقد عند تأثير العقد معتبر، وهو حاصل، ولا دليل على اعتبار الزائد عليه، ولو شك يدفع بالاطلاقات، وكذا الحال في اعتبار القدرة على التسليم، فلو علم أن الفضولي له القدرة على التسليم عند صيرورة البيع له صح، ولا دليل على الزائد على ذلك. بل يمكن إنكار اعتبار القدرة على التسليم تعبدا غير ما هو المعتبر عند العقلاء، فلو لم يقدر البائع عليه ولكن المشتري يقدر على تحصيل المبيع صح، كما لو غصب ظالم ولم يقدر المالك على أخذه ولكن يقدر شخص ثالث عليه صح بيعه منه، ولو سلم فما هو المعتبر قدرة تسليم من له البيع عند صيرورة البيع له، وأما ما أفاد الشيخ (قده) في جوابه فالظاهر أنه غير مربوط باشكاله.

[ 254 ]

ومن المحتمل أن يكون مراد المستدل بما ذكره في هذا الامر أن بيع الفضولي على خلاف القاعدة. ولا بد من الاقتصار على المتيقن منه، وهو غير هذه الصورة كما صرح بذلك في باب بيع الغاصب لنفسه، فحينئذ يكون الجواب منع كونه على خلاف القاعدة. نعم الكشف على خلافها لا مطلق الفضولي، ومع كون الفضولي على القاعدة كلما شك في اعتبار شئ زائد يدفع بالاطلاق بعد صدق العقد عليه. الثالث: الاجازة حيث صحت كاشفة على الاصح مطلقا، لعموم الدليل الدال عليه، ويلزم حينئذ خروج المال عن ملك البائع قبل دخوله في ملكه. والجواب منع كون الاجازة كاشفة، بل ناقلة بحسب القواعد على الاقوى، ولم يدل دليل حتى الادلة الخاصة على الكشف كما مر مستقصى، ولو سلم دلالة الادلة الخاصة عليه فلا عموم ولا إطلاق لها، فلا بد من الاقتصار على موردها، والمقام ليس من تلك الموارد، فمع قصور دليل الكشف لا بد من القول بالنقل عملا بالقواعد في غير مورد التقييد، فالدليل العقلي في هذا الامر والامرين الآتيين يدل على بطلان الكشف لا بطلان الفضولي، وهو واضح. ثم إن الدليل العقلي المذكور جار في الكشف الحقيقي، وفي الحكمي الانقلابي، والقول بأن الكشف الانقلابي العنواني لا مانع منه عقلا ولا يلزم منه التالي المذكور قد فرغنا سابقا عن الجواب عنه.

[ 255 ]

وعلى ما قدمناه يرد الاشكال حتى على الكشف الحكمي الانقلابي ولو مع تسليم ذلك في الفضولي، لان الخروج عن ملكه من أول زمان العقد إنما هو قبل دخوله في ملكه وإن كان بالاجازة أراد الاخراج، ضرورة أن الملك حاصل له من زمن الابتياع وأراد الاخراج قبل زمنه الذي ليس ملكا له. وإن شئت فقس ذلك بباب الاجارة، فلو آجر بيتا فضولا سنتين ثم انتقل إليه بالبيع وأجاز الاجارة فالمنافع قبل البيع ليست ملكا له ولم تصر له بالبيع أيضا، فلو دخلت المنافع بالاجازة في ملك المستأجر لا بد وأن يكون الخروج قبل الدخول، نعم لا يرد على الكشف التعبدي. لكن يرد إشكال آخر عقلائي على جميع أقسامه، وهو لزوم كون نماء العين للمشتري في زمان كان العين فيه ملكا للمالك من غير أن يكون طرفا للبيع، فمجرد بيع أجنبي مال الغير من غير دخالة للمالك أوجب انتقال النماءات إلى المشتري، وهو أمر لا يمكن الالتزام به، فعلى هذا بطل الكشف مطلقا على وزان سائر الموارد، لكن يصح البيع نقلا. ثم لو قلنا بأن الكشف مقتضى القواعد، وبنينا على أن العقد يقتضي النقل من حينه، والاجازة لا بد وأن تتعلق به كذلك وإلا لم تصح - فلو تعلقت بزمان متأخر عن العقد كانت باطلة، لعدم تعلقها بما هو منشأ كما لو باع فأجاز صلحا أو إجارة - فهل يمكن التصحيح في المقام على هذا المبنى والحكم بالكشف من زمان الابتياع أي أول زمان إمكان الكشف كما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أن المقتضي موجود ولا مانع شرعا وعقلا من كاشفية الاجازة من زمان قابلية تأثيرها؟ أقول: العمدة في المقام - بعد تسليم كون الكشف على القاعدة والغض عما سبق - النظر في عموم قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) الشامل

[ 256 ]

لكل فرد منها، وإطلاق كل فرد بالنسبة إلى الازمنة، بدليل الحكمة المقرر في محله. فان قلنا بأن المقتضي لشمول العموم الافرادي لهذا العقد موجود لكن المانع العقلي أيضا موجود بالنسبة إلى أول زمان العقد إلى زمان الابتياع فالظاهر صحة ما أفاده، لا لما ذكره، بل لان الاجازة تعلقت بمضمون العقد، والعام باق على عمومه، وليس المانع بالنسبة إلى الشمول الافرادي، وإنما المانع مانع عن الاطلاق المستفاد من دليل الحكمة، فبعد رفع المانع يؤخذ باطلاقه، نظير ما ذكرناه في باب الخيارات من أن في غير مورد المتيقن يؤخذ باطلاق (أوفوا) بالنسبة إلى حالات الافراد، لا باستصحاب حكم المخصص، من غير فرق بين الخروج من أول الامر إلى زمان أو غيره فراجع. وإن قلنا بأن المقتضي للشمول مفقود وأن العقد على مال الغير من غير انتساب إليه بوجه غير مشمول للادلة فلا يمكن تصحيحه، لان الفرد المقتضي لحصول مضمونه في أول زمان تحققه كما هو الفرض خارج عن العام، وزمان الابتياع غير مشمول أيضا، لان النقل من ذلك الزمان مخالف لمقضى مضمون العقد، مضافا إلى أن الشمول للحالات تابع لشمول العموم الافرادي، ومع عدمه لا موضوع للاطلاق. وأما القول بالشمول من أول الامر للفرد المتقيد بزمان الابتياع ففيه - مضافا إلى ما ذكرناه من أن الشمول لذلك غير معقول، لان المضمون المتقيد بزمان العقد كما هو المفروض ومحط كلام الشيخ (قده) في المقام لا يعقل انطباقه على زمان آخر، فالاجازة من زمان الابتياع إجازة لغير العقد المنشأ - أن ذلك عود إلى التقييد الحالي مع وجود المقتضي للشمول، وهو خلاف الفرض.

[ 257 ]

وبالجملة إن فرض وجود المقتضي وتعلق الاجازة بالعقد من زمان تحققه كان المانع من النفوذ في قطعة من الزمان، ومقتضى الاطلاق الصحة فيما بعدها. لكن التحقيق قصور المقتضي، وعدم شمول وجوب الوفاء للعقد على مال الغير من غير انتساب إليه بوجه، فزمان تحقق العقد لا يكون منتسبا إلى من هو صالح للانتساب إليه، وبعد تحقق الابتياع كان المنشاء غير متحقق. هذا كله على مبنى الكشف على أحد الاحتمالات، وهو كون الاجازة متعلقة بالعقد الذي مقتضاه النقل من حين الوقوع كما هو مفروض كلام الشيخ الاعظم (قده) وقد عرفت أنه لا يمكن التصحيح على هذا الاحتمال بنحو ما رامه رحمه الله. نعم لا مانع من هذا التفكيك والتبعيض على بعض مسالك أخر في باب الكشف، كمسلك المحقق الرشتي (قده) بل ومسلك صاحب الفصول (ره) ولا جدوى للتعرض لها بعد عدم كونها مرضية، وعدم دليل عليها في مقام الاثبات. ثم إنه قال بعض الاعاظم (قده): (صحة البيع في المقام متوقفة على أمرين: الاول - عدم اعتبار كون شخص خاص طرفا للمعاوضة لا بمعنى إمكان كونه كليا، فان هذا غير معقول، لان الاضافة، تتوقف على مضاف إليه معين، بل بمعنى عدم اعتبار خصوص كونه زيدا أو بكرا، فلو اشترى من شخص باعتقاد كونه زيدا فتبين كونه بكرا لا يضر وليس البيع كالنكاح، الثاني - كون مسألة من باع شيئا ثم ملك كمسألة اختلاف المالك حال العقد والاجازة بسبب الموت والوراثة بأن يكون تبدل الملك كتبدل المالك، فإذا تم هذان الامران فلا محيص عن الصحة في المقام وإن

[ 258 ]

كان اقتضاء الاجازة كشف الملك من حين العقد في جميع المقامات - ثم نفي الاشكال عن الامر الاول وفرق في الثاني بين باب البيع والارث بما تكرر منه سابقا بأن - الوارث يقوم مقام المورث، والتبديل في المالك دون الملك بخلاف البيع، فانه تبديل في الملك، فإذا أجاز الوارث كانت إجازته متعلقة بنفس هذا التبديل، وأما إذا أجاز الفضولي فتعلقت إجازته بغير ما وقع) انتهى. وأنت خبير بما في مقدمتيه، وفي النتيجة التي أراد ترتبها عليهما، أما أولا فلان قوله: (لا يعقل أن يكون الكلي طرف الاضافة لكونه غير معين) فيه نظر ظاهر، فان الكلي معين قابل لتعلق الاضافة به كما في بيع الكلي، ولا فرق بين كون المبيع أو الثمن كليا وبين كون البائع أو المشتري كليا حتى أنه نحو (واحد منهما) أو (منهم) أو (أحدهم) أو (أحدهما) عناوين كلية ومعينات وإن كان مصاديقها غير معينة، ولهذا يتعلق العلم بها، نعم الفرد المردد نحو هذا أو هذا غير معين لا يعقل وقوعه بما هو مردد طرف الاضافة، ولعل مراده ذلك. وأما ثانيا فلان قوله: (لو اشترى من شخص) الخ صحيح لكن في باب النكاح أيضا كذلك، فلو تزوجت شخصا خاصا بتوهم أنه زيد فكان عمرا صح وإن كان الزوجان ركنين. وأما ثالثا فلان ما ذكره في باب الارث كرارا من أن التبديل في المالك دون الملك وأن الورثة قائمون مقام المورث أمر لا يصدقه عقل ولا نقل، بل الادلة النقلية كتابا وسنة وارتكاز العقلاء والمتشرعة مخالفة له، مع أن قيام كل وارث مقام مورثه في مقدار إرثه أي قيام الزوجة في الثمن والبنت في النصف وهكذا مما يرده الذوق السليم.

[ 259 ]

هذا مع عدم ربط المقدمتين بالمسألة، فان المفروض بيع مال لنفسه لا لصاحبه، ثم بعد ما تملكه أجاز ما أنشأ لنفسه، وهذا أجنبي عن المقدمتين، وقد مر منه أن المقام ليس من قبيل سرقة الاضافة، بل من قبيل المجاز في الاشراف، فيبيع ما يملكه فعلا بلحاظ ملكه فيما بعد، ثم أمر بالتأمل لكن لا تأمل في أن البيع لنفسه، كما أنه لا تأمل في ذلك في الغاصب. ثم إن ما أفاده (قده) ينتج عكس ما رامه، فان البيع إن وقع لنفسه فان انتقل إليه ببيع صح، لان ما أجاز عين ما أنشأه، وأما إن مات مورثه وقام هو مقامه بحيث كان في الاعتبار هو هو قضاء لحق عدم تغيير الملك لم يصح، لعدم موافقة اللاجازة للمنشأ، فانه نقل مال نفسه وتملك ثمنه إنشاء، وبعد قيامه مقام الميت صار هو الميت اعتبارا، وإجازته إجازة الميت، ولم ينشئ البيع للميت، وتوهم أن المجاز في الاشراف يرجع إلى البيع للمالك الواقعي لا يرجع إلى محصل وإن لا يبعد أن يكون منشأ اشتباهه في المقام ذلك. الرابع: (إنه على الكشف الحقيقي يلزم اجتماع المالكين - أي المشتري والمالك الاصلي - على مال معين معا في زمان واحد، وهما متضادان، واجتماع الضدين مستلزم لاجتماع النقيضين، إن قلت: مثل هذا لازم في كل عقد فضولي على الكشف، لان المشتري لا بد وأن يملك بعد العقد و المالك كذلك حتى تصح إجازته قلنا يكفي في الاجازة الملك الصوري المستصحب، ولا يكفي ذلك في العقد الثاني) انتهى ملخصا. أقول: هذا الاشكال غير الاشكال السابق، فان مبنى السابق لحاظ

[ 260 ]

البائع الفضولي واستلزام خروج الشئ عن ملكه قبل دخوله فيه، ومبنى هذا الاشكال لحاظ المشتري والمالك الاصلي، واجتماع ملكهما على شئ واحد، وبعبارة أخرى دخول الشئ في ملك المشتري قبل خروجه عن ملك المالك. وهذا إشكال مستقل، ولهذا لو فرض صحة إجتماع المالكين على مال واحد كما قال بعضهم لم يضر ببطلان الاول وبالعكس، كما أن الاشكال العام في باب الفضولي عين هذا الاشكال، ولهذا التالي الباطل، وهو اجتماع المالكين على ملك واحد، وإن شئت قلت: اجتماع ملك المشتري والمالك الاصلي، فما أفاد الشيخ الاعظم (قده) في المقامين ردا على المستشكل ليس على ما ينبغي. ثم إنه أجاب عن أصل الاشكال بما مر، وقد مر الكلام حوله، فلا نعيد، وأما الاشكال العام في الفضولي على الكشف فقد أجابوا عنه بوجوه: منها - ما أجاب عنه صاحب المقابيس (قده) كما مر من كفاية الملكية الاستصحابية في صحة الفضولي، ولا تكفي في العقد الثاني. ويمكن تقريبه بأن مقتضى الادلة العامة أو الخاصة لما كان الصحة على الكشف الحقيقي - ولا شبهة في دخالة الاجازة ولو بنحو الشرط المتأخر فيها - فلا بد بعد امتناع اجتماع المالكين على ملك واحد من الالتزام بكفاية الملكية الظاهرية. وبعبارة أخرى بعد ذاك الدليل وهذا الامتناع نستكشف اقامة الشارع الملكية الظاهرية مقام الواقعية، كما قلنا في باب اعتبار الطهارة في الصلاة من تحكيم أصالة الطهارة على أدلة اعتبار الطهارة الظاهرة في حد نفسها في الطهارة الواقعية، ففي المقام أيضا مقتضى دليل الاستصحاب الملكية،

[ 261 ]

وهو حاكم على ما دل على لزوم إجازة صاحب المال في التصرفات في ماله، وهذا إن اقتضى الصحة في جميع المقامات لكن الضرورة أو الاجماع قائمة على عدم كفاية الملكية الظاهرية في الصحة في غير الفضولي. وبما قررناه لا يرد عليه إيراد القوم كالشيخ وغيره (قدهم) بأن المعتبر الملكية الواقعية، نعم يرد عليه أن مقتضى ما ذكر عدم الاطراد، للعلم بحصول الاجازه أحيانا، ومعه يسقط الحكم الظاهري. ومنها - ما أفاد السيد الطباطبائي (قده) من كفاية الملكية التقديرية أي لولا الاجازة، وهذا أيضا مبني على الالتزام بذلك بعد قيام الدليل على الكشف الحقيقي، ولا يراد كفايتها مطلقا وهو واضح. ومنها - ما أفاد بعض أهل التحقيق (قده) من (أن اتصال ملك المجيز بزمان الاجازة غير لازم، بل اللازم اتصال الملك بزمان التصرف الناقل ليكون النقل عن ملكه، فللمالك نقله مباشرة وتسبيبا وإجازة، فكما أن الملكية الفعلية المتصلة بحال العقد مباشرة تصحح النقل كذلك هذه الملكية تصحح من حين العقد، ولا يتوهم أن زوال ملكه حال العقد مانع عن إجازته فيما بعد، لاندفاعه بأن مقتضى الشئ لا يعقل أن يكون مانعا عنه، فان زواله بسبب الاجازة المتأخرة، فكيف يأبى عن الاجازة) انتهى ملخصا. وفيه أن الاجازة المتأخرة إجازة لمضمون العقد بعد تمامه، وهو حال الانتقال على الكشف الحقيقي، فتكون رتبة الانتقال أو حاله مقارنا لحال الاجازة، فلا يعقل أن يكون الانتقال وزوال الملك من مقتضياتها. إلا أن يقال: بعد تصور الشرط المتأخر يكون الانتقال بعد تحقق المشروط بما هو مشروط، فيترتب عليه النقل، فرتبة النقل متأخرة عن الشرط. مضافا إلى أنه لو كفى الملكية حال العقد ولم يلزم اتصالها بحال

[ 262 ]

الاجازة، ولم يعتبر اتصال الملكية التقديرية أو الظاهرية لكان اللازم صحة الاجازة ولو بعد بيع المالك الاصلي، فلو باع الفضولي ثم باع المالك الاصلي ما باعه ثم أجاز كانت الاجازة للملكية الحاصلة حال العقد، ومع الكشف كان عقد المالك الاصلي باطلا، والقول بأن شرط الصحة عدم التصرف الناقل يرجع إلى لزوم بقاء الملكية التقديرية من زمان العقد إلى زمان الاجازة، ولولا هذا الشرط لم يكن عقد المالك الاصلي موجبا لتفويت المحل، ضرورة أن المحل القابل قبل عقد المالك الاصلي متحقق، والاجازة المتأخرة على فرضها لا تجب أن تكون من المالك، والتقييد بعدم التخلل عبارة أخرى من اتصال الملكية التقديرية من زمان العقد إلى زمان الاجازة. وإن شئت قلت: إن الاقوال الثلاثة المتقدمة مشتركة في أن المال للمالك المجيز حال العقد، أي قبل وقوعه وفي أن المجيز حال الاجازة غير مالك، وإنما الاختلاف في اعتبار أمر زائد على ذلك، وهو الملكية الظاهرية على رأي والملكية التقديرية على رأي، وعدم اعتبار شئ على الاخير، ولولا ذاك أو ذلك يلزم التالي المتقدم، هذا على الكشف الحقيقي. وأما الكشف الانقلابي الحقيقي والاعتباري فقد تقدم فيما سلف امتناعهما، ومع الغض عنه لا يرد الاشكال المذكور عليهما. ومنها - ما أفاده بعض الاعاظم (قده) من أنه (وإن اجتمع مالكان على ملك واحد في زمان واحد إلا أنه كان ملك أحدهما في طول ملك الآخر، فلا دليل على امتناعه، وأدل دليل على إمكانه وقوعه كما في ملك العبد الذي يملكه المولى، وإنما الممتنع اجتماع مالكين عرضيين. ففي المقام حيث إن ملك المجاز له مترتب على ملك المجيز وقوامه به فاجتماعهما لا يضر) انتهى.

[ 263 ]

ولم يتضح أن مراده بيان عدم اجتماع المتضادين لاجل الطولية أو أن اجتماع المتضادين لا مانع منه مع الطولية، ظاهر العبارة الثاني، وهو في غاية السقوط، لانه بعد فرض التضاد بينهما وعدم تأثير الطولية في رفع الاجتماع يلزم الالتزام بجواز اجتماع الضدين. ولو كان مراده الاول فان كان المراد بالطولية الرافعة للاجتماع هو أن المجاز له يتلقى الملك من المجيز، لان الاجازة شرط الانتقال كما أن بيع الاصيل شرطه، فهذا وإن يرفع الاجتماع لكنه خروج عن البحث، وليس الاجتماع في زمان واحد، ولا يناسب التمثيل بملك العبد، فلا بد وأن يراد اجتماعهما في آن واحد لكن بنحو الطولية، وهو كاف في رفع الاجتماع، بأن يقال: إن المال مملوك العبد، ومملوك العبد مملوك المولى، فملك العبد تعلق بالذات، وملك المولى بعنوان المملوك المتأخر عن الذات. وفيه أنه لا إشكال في امتناع ذلك للزوم قيام الضد بالضد، نظير أن يقال: إن الجسم أبيض والابيض بما هو أبيض أسود، بأن يرجع إلى أن الذات قام بها البياض، و البياض المتأخر عن الذات قام به السواد، أو إن الذات بوصف البياض قام بها السواد، فهذا قيام الضد بالضد واجتماع الضدين، هذا بالنسبة إلى الموجود الخارجي وأوصافه. نعم قد يقع البحث في باب اجتماع الامر والنهي بأن العامين المطلقين أيضا داخلان في محط البحث، لكن البحث هناك أجنبي عن المقام، لان الكلام في المقام في الموجود الخارجي، وهناك في عناوين كلية، مع أن التحقيق في ذلك المقام عدم كونهما محط البحث. وقوله: (أدل الدليل على إمكان الشئ وقوعه) الخ فيه أن الامتناع ثابت، وما ادعي وقوعه غير ثابت، ولو دل ظاهر عليه لا بد من تأويله،

[ 264 ]

بأن يقال: إن العبد مالك والمولى أولى بالتصرف، كمالكية الناس وأولوية النبي صلى الله عليه وآله، نعم لا تضاد بالمعنى المصطلح في الامور الاعتبارية، واجتماع المالكين على ملك ليس من قبيل اجتماع الضدين، ولو كان تناف وتضاد فانما هو في اعتبارهما لا في نفسهما، والكلام هاهنا بعد الفراغ عن عدم إمكان اجتماعهما كان لاجل التضاد أو التنافي في الاعتبار أو مبادئه. هذا مضافا إلى منع الطولية في المقام، فان المجاز له لم يكن مالكا لملك المجيز بما أنه ملكه بأن يكون المجيز مالكا للذات والمجاز له مالكا لما هو ملك المجيز، بل المجاز له تملك الذات بواسطة الاجازة. فالمجيز مالك للمال والمجاز له مالك له باجازته. ثم قال الشيخ الاعظم (قده): يلزم من ضم الاشكال العام إلى ما يلزم في المسألة اجتماع ملاك ثلاثة على ملك واحد قبل العقد الثاني، لانه على الكشف يكون ملكا للمشتري ولم يخرج من ملك المالك الاصلي، ولا بد من ملكية العاقد وإلا لم ينفع إجازته. وقد استشكل عليه بأنه (بعد الالتزام بالشرط المتأخر لا يرد إشكال اجتماع ملاك ثلاثة، لان المشتري والمالك الاصيل مالكان إلى زمان البيع الثاني، والمشتري والمجيز مالكان بعد البيع الثاني إلى زمان الاجازة، ولا موجب للالتزام بكون المجيز مالكا من حين العقد الاول، لان المشتري وإن كان يتلقى الملك من مالكه إلا أنه لا يجب أن يكون هو المجيز بالخصوص، بل إما هو أو الاصيل) انتهى. ولولا تعليله لامكن أن يقال بعد فرض إمكان خروج الملك عن ملك العاقد قبل دخوله فيه لا يلزم اجتماع الثلاثة كما يشعر به صدر كلامه، لكن تعليله صريح بخلاف ذلك. وأنت خبير بما فيه، فان امكان التلقي من أحدهما غير وقوعه، ولا اشكال في أن تلقي الملك فعلا من المجيز لا من مالكه الاصلي. فلزم

[ 265 ]

على الفرض الاجتماع. وأما ما قال بعض أهل التحقيق (قده) في المقام من (أن ملك المشتري الاول له مقتضى الثبوت، وملك المالك الاصلي له مقتضى البقاء، وأما ملك الفضولي قبل العقد الثاني فليس له موجب، نعم الالتزام بعدم ملكه لعدم موجبه يوجب خروج مال المالك الاصلي قبل العقد الثاني قهرا عليه، فكون الفضولي لا بد من أن يكون مالكا لئلا يلزم المحذور المزبور أمر، واجتماع ملاك ثلاثة أمر آخر) انتهى فلم يتضح أنه بصدد الاشكال على الشيخ أو بيان أمر واقعي. فان كان الاول فلا يظهر من الشيخ (قده) أنه أراد أن الاجتماع لاجل حصول أسبابه، بل صريحه أن ملك العاقد لا بد منه، وإلا لغا إجازته من حين العقد، فاشكاله أجنبي عن كلامه. وإن كان الثاني ففيه أن لزوم ملكية العاقد ليس لدفع هذا المحذور، ضرورة أن محذور خروج مال عن ملك صاحبه قهرا عليه ليس أشد من دخول مال في ملك شخص بلا سبب وقهرا عليه، فلا يمكن دفع هذا المحذور بمحذور نحوه، والامر سهل. الخامس: إنه على الكشف يقع العقد الثاني على مال المشتري، فلا بد من اجازته حتى يصح، فليزم توقف صحة اجازة العاقد على صحة إجازة المشتري، وصحة اجازة المشتري على صحة اجازة العاقد وهو دور محال، ويلزم توقف صحة العقدين على إجازة المشتري غير الفضولي، أما العقد الثاني فواضح على الكشف وأما الاول فلانه لولا هذه الاجازة لم يصح،

[ 266 ]

فتوقف الصحة عليها بالواسطة. وهو من الاعاجيب، بل من المستحيل، لاستلزام ذلك عدم تملك المالك الاصلي شيئا من الثمن والمثمن، وتملك المشتري الاول المبيع بلا عوض إن اتحد الثمنان، ودون تمامه إن زاد الاول، ومع زيادة إن نقص، لانكشاف وقوعه في ملكه، فالثمن له وقد كان المبيع له بما بذل من الثمن، وهو ظاهر. والجواب أن الميزان في تعدد الاستدلال على مدعى واحد هو كون كل دليل مستقلا في الاثبات، فلو توقفت تمامية دليل على تمامية دليل آخر لا يعقل أن يكون دليلا مستقلا، وفي المقام لا يتم الدليل الخامس إلا بعد تمامية الدليل الرابع من عدم امكان اجتماع المالكين على ملك واحد، فلو بنينا على جواز اجتماعهما وكان ما وقع عليه العقد الاول ملكا للمشتري بتمامه وملكا للمالك الاصلي بتمامه لم يرد الاشكال الخامس، ضرورة أن المالك الاصلي مالك لتمامه، ولم يتصرف إلا في ملكه، ولم ينقل ملك المشتري بل صار المال بعد البيع بتمامه ملكا للمجيز والمشتري. وبعبارة أخرى إن مقتضى مملوكية شئ لشخصين - على أن يكون كل منهما مالكا لتمامه مستقلا - أن بيع كل واحد منهما ماله لا يحتاج إلى اجازة الآخر، لعدم تصرفه في ملك الآخر، بل نقل تمام ماله، فصار ملكا للمشتري بتمامه، وبقي ملك صاحبه على حاله، غاية الامر كان الملك قبل البيع ملكا للبائع والمالك الآخر، وبعده للمشتري والمالك الآخر، كما في المال المشترك. نعم لا يجوز التصرف الخارجي إلا باذن صاحبه، فانه وان تصرف في ملكه لكنه تصرف في ملك الآخر ايضا، ففرق بين التصرف الخارجي والاعتباري كما في الشريكين.

[ 267 ]

فتحصل مما ذكر أنه لا يتوقف صحة المعاملة الثانية على إجازة المشتري، فيندفع الاشكال بحذافيره. ثم إنه لو أغمضنا عن ذلك فتوقف صحة إجازة كل من شخصين على صحة اجازة الآخر دور، وقد يقال بمنع الحاجة إلى اجازة المشتري الاول، لان المفروض أن ملكيته حال العقد موقوفة على هذا البيع الثاني، ومثل هذه الملكية لا تقتضي نفوذ البيع برضاه، لان المفروض أنها فرع هذا التصرف وناشئة من قبله، ونحن نسلم أن المال قبل البيع الثاني للمشتري الاول، لكنه إنما يكون له بشرط هذا البيع، ولولاه لما كان له، فلا يحتاج إلى اجازته. وفيه أنه لو دل دليل بالخصوص على صحة هذا البيع على الكشف ودار الامر بين الالتزام بالدور المحال أو الالتزام بما ذكره لا محيص عن الثاني، ولكن لو أريد البناء على الصحة بالادلة العامة أو الدليل على مطلق الفضولي كشفا ففيما دار الامر بين محال عقلي وأمر مخالف لمقتضى المعاملات العقلائية، وهو خروج مال الغير من ملكه بلا سبب وتصرف منه وبين بطلان المعاملة الكذائية لا بد وأن يبنى على البطلان، إذ لولاه للزم أحد الباطلين، والالتزام بما ذكره بلا دلالة دليل باطل. وقد يقال: إن الاشكال المذكور لا يرد على الانقلاب حقيقيا كان أو اعتباريا، والانقلاب في الملك لا يوجب الانقلاب في العقد، وليس العقد كالنماء، لان النماء تابع للعين في الملكية، فانقلاب المتبوع يوجب انقلاب التابع، والعقد ليس كذلك، وهو غير مرضي. أما في الانقلاب الحقيقي فكيف يمكن أن يكون الشئ الذي وقع عليه العقد ملكا لشخص ثم انقلب من الاول إلى زمان الاجازة ملكا لشخص آخر، مع أن العقد في ذلك الزمان على العين التي هي ماله

[ 268 ]

لم يتعلق بماله، فلو فرض تكوينا انقلاب شئ ذي اضافة إلى شئ آخر هل يصح بقاء إضافته على حاله قبل الانقلاب، وهل هذا إلا الخلف، والانقلاب الاعتباري لا يقصر في هذا الامر عن الحقيقي، نعم لو كان الانقلاب تعبديا كان في السعة والضيق تابعا للتعبد. وبالجملة ليس معنى الانقلاب هو التغيير في الحال وما بعده، بل انقلاب الماضي بواقعيته عما هو عليه، ولازمه انقلاب جميع اضافاته وتبعاته. ثم إنه لو أغمضنا في أصل الاشكال عن الدور فالظاهر عدم إشكال آخر، وعدم وقوع شئ عجيب، فان الكشف إذا اقتضى كون المال من الاول للمشتري فلا عجب في احتياجه إلى اجازته، وكذا توقف العقدين على إجازته لا عجب فيه، وكذا مالكية المشتري للثمن غير عجيب، بل العجب مقابلات ما ذكر. نعم هنا شئ عجيب، وهو خروج مال المالك الاصلي عن ملكه بلا تسبيب منه وبمجرد تصرف شخص أجنبي، والقائل لم يذكر هذا العجيب، وذكر ما لا عجب فيه. السادس: إن بيع المالك الاصلي فسخ للمعاملة الفضولية، فلا تجدي الاجازة المتأخرة بعد الفسخ، فعقد الفضولي قبل الاجازة كسائر العقود الجائزة، بل أولى منها، فكما أن التصرف المنافي مبطل لها كذلك للعقد الفضولي. والجواب - مضافا إلى ابتناء تمامية هذا الدليل على بعض الامور المتقدمة، ومع الغض عنه لا يتم هذا، فلا يكون دليلا مستقلا، فلو بنينا على جواز اجتماع المالكين على ملك واحد وقلنا بأن المشتري والمالك

[ 269 ]

الاصلي بعد العقد الاول مالكان مستقلان فلا وجه لكون نقل مالك ماله في بيع ردا لبيع آخر صار لاجله شخص آخر مالكا مستقلا، فلا بد في تمامية هذا الدليل من البناء على عدم مالكيتهما معا، بل مقتضى الامر الخامس أن العقد وقع على ملك المشتري الاول، فلا يعقل أن يكون البيع على ماله فضولا المبتني على صحة العقد الاول فعلا موجبا لرده - أن الرد في باب الفضولي يغاير الفسخ في باب العقود، فان اعتبار الفسخ عرفا وعقلا بعد تمامية العقد بشرائطه. فحينئذ لو قلنا بأن العقد تمام بحصول شرطه في محله متأخرا فلا يعقل أن يكون البيع من المالك فسخا للزوم البيع الاول وعدم خيار فسخ للمالك الاجنبي عن العقد الاول، وان قلنا بأن تماميته موقوف على عدم تعقبه بالرد فلا يكون الرد فسخا لعدم تسلط المالك على فعل الغير، أي إنشائه وعدم كون الانشاء تصرفا، بل له أن لا يقبل وأن يقبل، نظير قبول القابل، فان عدم قبوله أو رده للايجاب ليس فسخا لفعل الموجب، أي إنشاء المعاوضة بين السلعة والثمن، لعدم تسلطه على فعل الغير، وانما له السلطنة على فعل نفسه، فله قبول الايجاب، وله عدم القبول، والرد لا يفيد شيئا زائدا على عدم القبول، وبالجملة لا دليل على سلطنة المالك على فسخ عقد الفضولي. وما أفاد الشيخ الاعظم (قده) - من أن إنشاء الفسخ يبطل العقد من حينه إجماعا، ولعموم تسلط الناس على أموالهم بقطع علاقة الغير عنها - قد مر سالفا ما فيه. فتحصل مما ذكر أن رد بيع الفضولي وإيقاع فسخه لا يوجبان انفساخه، لعدم الدليل عليه لو لم نقل أن الدليل على خلافه، ولو سلمنا كون الرد فسخا، وكون الفسخ موجبا للانفساخ في الفضولي لا نسلم

[ 270 ]

ذلك في المقام، فان المفروض ان العقد الاول وقع لنفسه على أن يكون العوض لنفسه انشاء، فالمعاوضة الانشائية من الموجب الاول هي انشاء التبادل بين المالين على أن يخرج السلعة من ملكه ويدخل الثمن في ملكه عوضا، وبعد تصور هذا الانشاء لا يكون للانشاء والبيع الانشائي مساس بالمالك حتى يفسخه. وما قيل - من أن العقد تبادل الاضافة الخاصة بين المالين وصاحبهما، فحينئذ بعد بيع المالك لا تصح اجازته، لقطع علاقته عن المال، ولا اجازة المالك الجديد، لعدم اضافة بينه وبين المال حين العقد - ان رجع إلى عدم صدق البيع على البيع لنفسه فهو كما ترى، وان رجع إلى ان العقد وقع للمالك الاصلي فهو خروج عن البحث والفرض، وان رجع إلى ان البيع موجب للرد فقد عرفت ما فيه، نعم لو قلنا بأن العقد الواقع على عين شخصية لا يضر تقيده أو تقيدها بأمور وقوعه عليها لو تخلفت القيود، فإذا باع المال الخارجي لنفسه فأجاز المالك الاصلي صح، لان العقد واقع على ملكه والقيدلا يضر به، فحينئذ لو فسخ العقد الواقع على ماله و قلنا بأن الفسخ يوجب الانفساخ يمكن أن يقال بعدم تفكيك في الفسخ، لكون العقد واحدا لا ينحل إلى عقدين، لكن قد عرفت الاشكال في المبنى. ثم إن التحقيق ما أفاد الشيخ الاعظم (قده) من الفرق بين الفسخ وايجاد الفعل المنافي. لكن بقي شئ وهو أن ما أفاد من أن بيع المالك لا يكون فسخا خصوصا مع عدم التفاته إلى وقوع عقد الفضولي انما يصح في غير المقام، أي فيما إذا باع الفضولي للمالك، وأما إذا باع الفضولي لنفسه وجاء إلى صاحب السلعة وحكى الواقعة بأني بعت مالك لنفسي وجئت لان أشتري منك

[ 271 ]

لاسمله إليه بعد الاشتراء فباع منه لذلك فلا شبهة في أن هذا الفعل ليس ردا، بل تثبيت وتأييد لبيعه، كما هو واضح. فالاولى أن يقال: إن بيع المالك لا يكون فسخا خصوصا مع التفاته إلى وقوع عقد الفضولي لنفسه. السابع: الاخبار، وهي على طوائف: منها - ما عن النبي صلى الله عليه وآله: (لا تبع ما ليس عندك) من غير طرقنا كرواية حكيم بن حزام (1) وعنه صلى الله عليه وآله من طرقنا (نهى عن بيع ما ليس عندك) (2) وقد مر بعض الكلام فيه. ونزيدك هاهنا بأن الاحتمالات فيه كثيرة مع قطع النظر عن صدر رواية حكيم وسائر القرائن، كاحتمال كون المراد بالموصول الاعيان الخارجية أو الكلي أو الاعم واحتمال كون المراد ب‍ (ليس عندك) عدم كونه مملوكا أو تحت سلطته أو الاعم، وكاحتمال أن يكون النهي للارشاد إلى البطلان، أو للتحريم أو التنزيه، أو الارشاد بالنسبة إلى بعض مفاده وللتزيه بالنسبة إلى بعض، والجمع بينهما لا مانع منه عقلا، لا لاجل جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد كما هو التحقيق، بل لان النهي والامر لا يستعملان في جميع الموارد إلا في المعنى الحقيقي، وهو الزجر والبعث، ولا دلالة لشئ منهما على الحرمة والوجوب كما قررنا في محله، وانما يستفاد الارشاد وغيره منهما من المناسبات بين الموضوعات والاحكام،


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 267. (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب احكام العقود - الحديث 2.

[ 272 ]

مثلا قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) (1) وقوله: (صل صلاة الظهر) لا يختلفان في استعمال هيئة الامر في البعث الذي هو معناها حقيقة، وانما يستفاد عرفا من الاول الشرطية بمناسبة مغروسة في ذهنه. ومن الثاني الوجوب، لكون الوضوء شيئا أمر به لغيره، والصلاة أمر بها لا كذلك ففهم الارشاد إلى الشرطية من الاول والوجوب من الثاني ليس لاجل الدلالة اللغوية أو استعمال اللفظ في الارشاد أو الوجوب، وكذا (لا تصل في وبر ما لا يؤكل) و (لا تشرب الخمر) والاشباه والنظائر، فاستعمال اللفظ في جميع الموارد استعمال فيما وضع له. ففي المقام استعملت ألفاظ (لا تبع ما ليس عندك) في معانيها الحقيقية، ولولا القرائن الخارجية لكان المستفاد منه بطلان بيع ما ليس عندك كليا كان المبيع أم جزئيا، لاستفادة ذلك من تعلق النهي بالبيع الذي يتوقع منه السببية في النقل، فاللفظ استعمل في الزجر، وبتلك المناسبة يستفاد منه الارشاد إلى البطلان بحسب الجد، فلو قامت قرينة على عدم الارشاد بالنسبة إلى الكليات فاما يقيد الاطلاق ان لم يكن محذور التقييد البشيع، لندرة بيع الاعيان كذلك، ولو فرض الندرة والمحذور في التقييد يمكن حمل النهي في غير الاعيان على التنزيه لا لاستعماله فيه وفي الارشاد، بل لاستفادتهما بالمناسبة والقرينة. وتوهم جعل المتكلم المعنى المستعمل فيه كناية عن الارشاد، ولا يجمع بين المعنى الكنائي والحقيقي غير وجيه، فان الارشاد يستفاد من تعلق النهي بالسبب، ومعه لا معنى لجعل المعنى كناية أو آلة أو ما شئت فسمه وهذا بوجه نظير فهم لازم المعنى، فان اللازم مستفاد من الكلام سواء أراد المتكلم إفادته أو لا.

[ 273 ]

ففي المقام أيضا يستفاد الارشاد من النهي، لكن لو نصب قرينة على عدمه ولو منفصلا كانت متبعة، فالتفرقة بين الموردين من الاطلاق انما هي في الجد لا الاستعمال، فلا مانع منها عقلا لو فرض عدم صحة استعمال اللفظ في معنيين أو في المعنى الكنائي والحقيقي. ثم إن الدلالة على المقصود إنما هي على بعض احتمالاته لا جميعها كما هو واضح، هذا بحسب مقام الاحتمال. وأما بحسب مقام الاستظهار - مع الغض عن صدر رواية حكيم وسائر القرائن - فالظاهر هو النهي عن بيع الاعيان، لان الظاهر أن ما تعلق به النهي هو بيع ما لم يكن عنده، وفي بيع الكليات يتعلق البيع بالكلي، ولا يتصف ذلك بكونه عنده أو ليس عنده، بل مصاديقه الخارجية كذلك. ولو قال: (بعت منا من الحنطة ولم يكن عندي) فلا يخلو من مسامحة، فان المصداق لم يتعلق به البيع، وما لم يكن عنده هو المصداق لا الكلي، كما أن الظاهر من قوله: (لم يكن عندي) هو الخروج عن تحت يده، وارادة عدم المملوكية منه تحتاج إلى تأول ومسامحة. فتحصل من ذلك أن الظاهر هو النهي عن بيع مملوك خارجي لم يكن تحت سلطته، فيدل على اشتراط القدرة على التسليم عند البيع أو عند وقت التسليم. هذا لكن الشائع في الروايات استعمال بيع ما ليس عندي أو عندك في الكليات غير المملوكة، فراجع الوسائل الباب السابع والثامن من أحكام العقود، فيظهر منها أن الخلاف بين العامة والخاصة في بيع الكلي حالا إذا لم يكن عنده كان معهودا، ومعه لم يبق اعتماد على ذلك الظاهر الابتدائي، خصوصا مع عدم معهودية بيع مال الغير لنفسه ثم الاشتراء كما هو مفروض المقام.

[ 274 ]

فالظاهر أن تلك الروايات الضعيفة إما مختلفة أو محمولة على التقية على فرض الصدور. ومنها - الروايات الواردة في غوالي اللئالي عن النبي صلى الله عليه وآله: (لا بيع إلا فيما تملك) (1) وعنه صلى الله عليه وآله: (لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك) (2) وقد تقدم الكلام فيه. ونزيدك هاهنا أنه بعد ما عرفت من أن نفي المبيع من قبيل الحقائق الادعائية ولو فرض أن الادعاء بلحاظ جميع الآثار، فيمكن أن يدعى أن بيع الفضولي خارج عن مصبها إذا باع لصاحب المال، كما أن بيع الوكيل والمأذون خارجان مع كون البائع - أي منشئ البيع - غير المالك، وذلك لان البيع للمالك، فإذا أجاز صح أن يقال: إن البيع فيما تملك، بل المتفاهم منها أن المنفي هو بيع غير المالك لنفسه كبيع السارق والغاصب ويدخل فيه ما نحن فيه، فان المفروض أن البيع لنفسه برجاء الاشتراء والتسليم، لا لصاحبه، فيشمله النفي، فلو باع الغاصب والسارق وغيرهما المبيع لنفسه كان داخلا في النفي، فإذا ملك فأجاز لا يصح، لعدم بيع بحسب الادعاء حتى تلحقه الاجازة، ففي حال صدور البيع نفي ماهيته إدعاء، وفي حال التملك لا يكون بيع وعقد جديد. ومنها - روايات خاصة، وهي كثيرة: منها - رواية خالد بن


(1) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب عقد البيع الحديث 3. (2) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب عقد البيع - الحديث 4 وفيه (لا طلاق إلا فيما تملكه ولا بيع إلا فيما تملكه) وذكر في الباب - 12 - من أبواب مقدمات الطلاق - الحديث 5 (لا طلاق فيما لا تملك ولا عتق فيما لا تملك ولا بيع فيما لا تملك).

[ 275 ]

الحجاج قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يجئ فيقول اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا، قال: أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام) (1) بدعوى أن قوله عليه السلام: (إن شاء ترك) الخ كناية عن عدم تحقق بيع ملزم عرفا، وفي مقابله ما إذا سلب الاختيار منه، والمراد به تحقق البيع ملزم عرفا، وفي مقابله ما إذا سلب الاختيار منه، والمراد به تحقق البيع الذي هو ملزم عرفا، فتدل على أن بيع ما ليس عنده باطل. وفيه أن الظاهر من السؤال هو الامر باشتراء ثوب خاص وإعطاء ربح، وفيه احتمالات كان الاستفصال لاجلها، كاحتمال أن الامر بالاشتراء للآمر وإعطاء الثمن من الدلال إما بالاشتراء بثمن كلي على الآمر وأداء دينه بأمره قرضا عليه، أو بالاشتراء بثمن شخصي بعد الاقتراض له بواسطة أمره، والاحتمال الاول أقرب، وكاحتمال أن الامر بالاشتراء للدلال ليشتري منه الآمر. ومعلوم أنه على الاحتمال الاول يحرم الربح، لانه رباء محرم، وعلى الاحتمال الاخير يكون البيع الثاني بيع مرابحة، وهو صحيح والربح حلال، فقوله عليه السلام: (أليس إن شاء ترك) استفصال عن أن البيع كان لآمر بأمره، فحينئذ ليس له الاختيار في الترك والاخذ بل لا بد له من الاخد أو كان للدلال، فللآمر أن يأخذ ويترك، فأجاب بأن له ذلك، أي كان البيع للدلال، فأجاب عليه السلام بأنه (لا بأس به). وهنا احتمال آخر، وهو أن البيع للدلال، لكن لما أمره بالاشتراء ووعده بالربح ألزمه الدلال بالاشتراء منه واعطاء الربح، فكان البيع مكرها عليه باطلا، وحرم الربح.


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب - أحكام العقود - الحديث 4.

[ 276 ]

أما الاحتمال المتقدم الذي يكون به محط الاستدلال ففي غاية البعد والسقوط، لعدم شاهد له فيها إلا أن يراد بالاشتراء البيع، وبالترك والاخذ الرد والقبول، ولما كان ذلك في الاصيل يكون كناية عن بطلان البيع رأسا ودليلا على حلية الربح في المعاملة بعد التملك، وهو كما ترى. ولو سلم ذلك لكن دلالتها في هذا الاحتمال على بطلان البيع قبل التملك تبتني على أن يكون المراد بقوله: (اربحك كذا وكذا) هو الارباح في البيع منه بأكثر من قيمته السوقية، لتكون الزيادة ربحا، مثلا اشترى من الدلال الثوب الخاص بعشرين مع كون قيمته في السوق عشرة، فاشترى الدلال بعشرة من كيسه فسلم إليه، فاخذ العشرين بعد وجدانه، ففي هذا الفرض لو أجاب بحرمة الربح لم يكن لها وجه إلا بطلان البيع الاول وعدم صحة لحوق الاجازة به. لكن هذا الاحتمال بعيد لان الظاهر - مع الغض عما تقدم - هو أن الارباح بعد اشتراء الدلال، وعليه يكون حرمة الربح لاجل الربا لا لبطلان البيع الاول، فلو اشترى من الدلال ثوبا معينا بعشرة واشترى من السوق بعشرة من كيسه ثم رد إليه وطالب الربح كان الربح لاجل تأخير ثمنه، وهو ربا، فالحكم بحرمة الربح التي هي محط السؤال لا يلازم بطلان البيع. فتحصل من جميع ذلك أن الدلالة على البطلان تبتني على خلاف ظاهر في خلاف ظاهر. ثم إنه قد مر في المعاطاة شطر حول قوله عليه السلام: (إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام) ونزيدك هاهنا أن الاقرب بحسب ظاهر الرواية على ما تقدم أن البيع الثاني أي بيع الدلال ما اشترى لنفسه من الآمر محلل للربح، فانه بيع مرابحة، أي أن البيع يوجب الربح لا تأخير الثمن. والظاهر أن المراد اندراج المقام في قوله عليه السلام: (إنما يحلل الكلام) لا فيه وفي قوله عليه السلام. (ويحرم) فلا حاجة إلى التوجيه

[ 277 ]

بما ذكرنا سابقا، ولا بما أفاده الشيخ الاعظم (قده) مما هو بعيد بجميع احتمالاته، والامر سهل والظاهر أن صحيحة معاوية بن عمار (1) أيضا كرواية خالد بن الحجاج، وأن الاستفصال فيها لاجل العلم بأنه اشترى المتاع للآمر فيكون الربح حراما، أم اشتراه لنفسه فيكون تحصيل الربح لا محالة ببيع المرابحة، فيكون حلالا، ولعلها أظهر فيما ذكر من رواية خالد فراجعها. ومنها - صحيحة يحيى بن الحجاج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال لي: اشتر هذا الثوب وهذه الدابة وبعنيها أربحك فيها كذا وكذا، قال: لا بأس بذلك، اشترها ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها) (2) بدعوى أن النهي المتعلق ببيع ما لا يملكه إرشاد إلى البطلان. وفيه أن الظاهر أن السؤال إنما هو عن الربح وحليته، لا عن اشتراء شئ وبيعه، فان مجرد الامر باشتراء شئ من شخص ثم بيعه من الآمر لا شبهة فيه، ولا يوجب السؤال، فالسؤال عن حلية الربح وحرمته، ووجه الشبهة أن الاشتراء بزيادة لاجل تأخير ثمنه، ولعل ذلك كالربا والظاهر أن الجواب والنهي عن البيع قبل تملكه مناسب لسؤاله، أما الجواب فظاهر، فان البيع الثاني بيع مرابحة، ولا بأس به، وأما النهي عن البيع فلان البيع موجب لتملك الثمن ولو بعد الاشتراء أو تسليم المبيع الذي هو إجازة فعلية، فحينئذ يكون الربح لاجل تأخير الثمن، فلو باع الدابة الخاصة بمأة ولم يأخذ منه واشتراها من صاحبها بثمنه ورد إلى المشتري الاول فطالب الربح كان الربح لاجل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 7 - 13

[ 278 ]

تأخير ثمنه الذي اشترى به الدابة، وهو محرم لكونه رباء، فحينئذ لو ادعى أحد أن الرواية دالة على صحة البيع لم يكن ببعيد، ولا أقل من عدم الدلالة على الفساد، وبالجملة النهي ليس للارشاد إلى البطلان، بل للارشاد إلى التخلص عن الربا. نعم لو فرض أن البيع الاول كان بيع مرابحة فجعلا الربح المنظور فيه - بأن باع منه شيئا بعشرين نسيئة مع كون قيمته عشرة ثم اشترى ذلك الشئ بعشرة وسلم إليه - تخلص عن الربا، لكن الظاهر من السؤال أن الربح بعد الشراء، فيكون النهي للارشاد إلى التخلص. ومنها - روايات أخر كلها ظاهرة في بيع الكلي أو أعم منه ومن الشخصي، كصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أمر رجلا يشتري له متاعا فيشتريه منه، قال: لا بأس بذلك، انما البيع بعد ما يشتريه) (1) وقريب منها صحيحة محمد بن مسلم (2) وكصحيحة معاوية بن عمار (3). ولا يخفى أن تلك الروايات سؤالا وجوابا كالرواية السابقة ليست الشبهة فيها في نفس البيع والشراء، بل في الربح الآتي منهما، أما صحيحة عمار وما هو بمضمونها فواضح، وأما صحيحة منصور فكذلك أيضا، ضرورة أن الامر بأن يشتري له ليشتري منه لا يكون إلا مع قرار الربح، فالدلال لا يعمل إلا للربح، فالسؤال عنه، ولم يذكر لمعلومية ذلك بحسب التداول، فحمل تلك الروايات على بيع الاعيان الشخصية كحملها على التنزيه خروج عن الصواب، بل النهي للارشاد إلى التخلص من الربا، ولا فرق في ذلك بين بيع الاعيان أو الكليات كما لا يخفى.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 6 - 8 - 7.

[ 279 ]

وعلى ما ذكرنا فلا دلالة فيها على بطلان بيع ما لا يملكه لولا الدلالة على الصحة. وبالجملة هنا مسائل: مسألة بيع ما ليس عنده، وفيها روايات عامة قد مرت، وروايات خاصة كصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الطعام من الرجل ليس عنده فيشتري منه حالا قال: ليس به بأس، قلت: إنهم يفسدونه عندنا، قال: وأي شئ يقولون في السلم؟ قلت لا يرون به بأسا، يقولون: هذا إلى أجل، فإذا كان إلى غير أجل وليس عند صاحبه فلا يصلح، فقال: فإذا لم يكن إلى أجل كان أجود، ثم قال: لا بأس بأن يشتري الطعام، وليس هو عند صاحبه حالا وإلى أجل) (1). وهذه المسألة كانت مورد خلاف بين العامة الخاصة، ولولا بعض القرائن في الرواية توجب ظهورها في الكليات لم استبعد استفادة صحة بيع الاعيان الشخصية التي ليست عنده من قوله عليه السلام: (لا بأس بأن يشتري الطعام) الخ، فانه بمنزلة كبرى كلية ألقاها لافادة صحة بيع ما ليس عنده، وإطلاقه يقتضي التعميم في الكليات والاعيان، إلا أن يقال،: إن قوله عليه السلام: (حالا والى أجل) ظاهر في الكلي. ويمكن استفادة التعميم من ذيل صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، وهو قوله عليه السلام: (إن أبي كان يقول: لا بأس ببيع كل متاع كنت تجده في الوقت الذي بعته فيه) (2). ومسألة المساومة على الربح والاجل، والامر بالاشتراء بثمنه ليشتري منه بأكثر إلى أجل، وفيها روايات تقدم بعضها، وكان المقصود كما يظهر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب أحكام العقود الحديث 1 - 3.

[ 280 ]

من السؤال تحصيل متاع كلي أو جزئي، ولما لم يكن عنده الثمن أمر غيره ليشتري له ويبيع مرابحة إلى أجل. ومسألة ثالثة: هي تحصيل نقد بربح يحتال فيه ببيع شئ بثمن نقدا وشرائه نسيئة بأكثر منه، وفيه أيضا روايات دالة على الجواز إذا لم يشترط ذلك، وفي بعض الروايات المنع عنه، للزوم الربا، كرواية يونس الشيباني (1)، ولا ينبغي الخلط بينها. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) أيد المنع في بيع ما لا يملكه برواية الحسن ابن زياد الطائي قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني كنت رجلا مملوكا فتزوجت بغير اذن مولاي ثم اعتقني الله بعد فأجدد النكاح؟ قال: فقال: علموا أنك تزوجت؟ قلت نعم قد علموا وسكتوا ولم يقولوا لي شيئا، قال: ذلك إقرار منهم، أنت على نكاحك) (2) بدعوى أنها ظاهرة بل صريحة في أن علة البقاء بعد العتق على ما فعله بغير إذن مولاه هو إقراره المستفاد من سكوته، فلو كان صيرورته حرا مالكا لنفسه مسوغة للبقاء مع اجازته أو بدونها لم يحتج إلى الاستفصال عن أن المولى سكت أم لا، للزوم العقد على كل تقدير. وفيه أن الاستفصال يمكن. أن يكون لرفع احتمال رد الموالي العقد، ويمكن أن يكون لاجل أنه لو لم يعلموا به صح العقد من حين العتق أو الاجازة بناء على النقل لا الكشف، بخلاف ما لو علموا وسكتوا، فلا يصح التأييد بها. بل يمكن التأييد للصحة بذيل صحيحة معاوية بن وهب


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 5. (2) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 3

[ 281 ]

الواردة في ذلك الباب عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث المكاتب قال: (لا يصلح له أن يحدث في ماله إلا الاكلة من الطعام، ونكاحه فاسد مردود، قيل: فان سيده علم بنكاحه، ولم يقل شيئا، فقال إذا صمت حين يعلم ذلك فقد أقر، قيل: فان المكاتب عتق، أفترى يجدد نكاحه أم يمضي على نكاحه الاول، قال: يمضي على نكاحه) (1) بأن يقال: إن قوله: (فان المكاتب عتق) سؤال عن أن المكاتب إذا تزوج بغير إذن سيده ثم عتق، فأجاب (ع) بالمضي على نكاحه. فيدل على أمرين: أحدهما أن نكاحه بعد العتق صحيح، وثانيهما أنه لا يحتاج إلى الاجازة، واحتمال أن يكون السؤال عن أن المكاتب الذي أقر سيده نكاحه إذا عتق فهل يجدد النكاح بعيد غايته، لعدم احتمال أن العتق أحد أسباب انفصال الزوجية كالطلاق. ثم إنه على فرض دلالة الروايات على المنع فهل يجب الاقتصار على موردها وان موردها ما لو باع البائع لنفسه واشترى المشتري غير مترقب لاجازة المالك ولا لاجازة البائع إذا صار مالكا، كما أفاد الشيخ (قده) مستفيدا من كلام العلامة (قده)؟ أقول: الظاهر ان مورد الروايات هو ما إذا ترقب المشتري لاجازة البائع إذا ملك، فانه بعد وضوح الواقعة عند البائع والمشتري بأنه يبيعه الدابة الخاصة التي لغيره ليشتريها من صاحبها ويسلم إليه، فلا محالة يكون المشتري مترقبا لاشتراء البائع وتسليمها إياه. ولا شبهة في ان هذا التسليم اجازة عملية للبائع، كما لا شبهة في أن البائع والمشتري عالمان بأن الدابة لم تصر ملكا للمشتري بمجرد العقد، نعم


(1) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 2

[ 282 ]

يحتمل أن تكون ملكا له بالشراء، لكن مورد الرواية هو الترقب للتسليم. كما أن الظاهر إلغاء الخصوصية عن المورد عرفا، فان العرف يرى أن النهي عن مال الغير الذي لا يملكه انما هو لاجل أن غير المالك لا يجوز له بيع ماله لنفسه من غير خصوصية للبائع، فكما لا يصح بيع مال الغير لنفسه لا يصح بيع ماله لشخص آخر، فلو باع لثالث فأجاز بعد تملكه يفهم من الروايات على الفرض المتقدم البطلان، ولو باع لمالكه فلا شبهة في خروجه عن الروايات، فهل يصح اجازة البائع إذا ملكه؟ الظاهر عدم الصحة، لعدم توافق المنشأ للمجاز. ولا يأتي فيه ما ذكرنا في تصحيح بيع الغاصب لنفسه من أن الانشاء تعلق بالجزئي الخارجي، والتقييد بكونه لنفسه لا يوجب عدم التعلق به، فمع إجازة المالك يلغو القيد، نظير بيع الاعيان الخارجية موصوفة بصفة، لانه في المقام كان البيع للمالك الخاص، ومع إلغاء القيد لا يبقى إنشاء قابل للاجازة، ضرورة أنه مع إلغاء القيد لا تصير النتيجة التعلق بمقيد آخر، نعم لو قلنا بأن البيع نفس المبادلة بلا قيد وبنحو الابهام صح بالاجازة، لكن المبنى باطل كما تقدم. ومن هذا يتضح أن بيعه لمالكه ولنفسه ولثالث يصح باجازة مالكه على التوجيه المتقدم، ولو باع لنفسه لم يصح باجازة الثالث، وكذا العكس، ولو لم يجز البائع بعد تملكه فالظاهر صحة بيعه، سواء دخل تحت الاخبار المتقدمة أم لا، لما عرفت من أنها لا تدل على بطلان البيع. نعم يقع الكلام هاهنا في مقامين: الاول - في إنه هل يحتاج بيعه بعد تملكه إلى الاجازة أم ينتقل المبيع إلى المشتري بمجرد تملكه؟ الثاني - في وجوب الاجازة عليه لو قلنا باحتياجه إليها. الاشبه بالقواعد عدم الاحتياج، لان إنشاء البيع صدر من البائع

[ 283 ]

لنفسه، وعدم التأثير إنما هو من جهة عدم الملك، فإذا حصل دخل في عموم (أفوا بالعقود) وسائر الادلة العامة، وإنما الشك في عدم الانتقال لاجل الشك في اعتبار مقارنة الملكية لانشاء البيع. وهو محصل ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أن البائع بعد ما صار مالكا لم يطب نفسه بكون ماله للمشتري الاول، والتزامه قبل تملكه بكون هذا المال المعين للمشتري ليس التزاما إلا بكون مال غيره له، وهو يرجع إلى اعتبار أمر زائد على ماهية العقد بشرائطه، وهو مالكية المنشئ للعقد لنفسه حال العقد، ومعلوم أن اعتبار ذلك ليس متيقنا، بل مشكوك فيه، فيندفع باطلاق الادلة كسائر الشكوك. وهذا بوجه نظير ما إذا باع الراهن العين المرهونة أو باع السفيه العين التي هي مورد حجره ثم ارتفع المانع، فانهما أيضا لا يحتاجان إلى الاجازة، بل يصحان بمجرد رفع الحجر، واحتمال مقارنة الانشاء مع عدم المانع يدفع بالاطلاق. وعلى ما ذكر يسقط ما أفاده الشيخ (قده) في المقام من التمسك بقاعدة السلطنة وعدم الحل إلا بطيب النفس، فان المعاملة التي أوجد البائع سببها باختياره وطيب نفسه لم يكن النقل فيها بعد حصول الشرط أعني المالكية مخالفا لقاعدة السلطنة وغيرها نظير الاصيل في الفضولي من أحد الطرفين إذا أوجد سبب البيع باختياره وطيب نفسه ثم أجاز المالك وانتقل الثمن أو المثمن من الاصيل حال اجازة غيره، فانه لم يكن هذا الانتقال بعد إيجاده أحد جزئي السبب مخالفا لقاعدة السلطنة واحترام مال الغير. وإن شئت قلت: إن القاعدتين مؤكدتان للصحة لا معارضتان لها فان الانتقال لم يكن قهرا على البائع، بل بتسبيب منه، ومعلوم أن أسباب النقل بأجمعها ليست تحت اختيار أحد المتعاملين في المعاملات، ومما ذكرناه.

[ 284 ]

يتضح أن دعوى معارضة القاعدتين لدليل وجوب الوفاء ليست متجهة. ثم إنه لو شككنا في شمول (أوفوا بالعقود) لمثل ذلك البيع لا يصح التمسك بالقاعدتين، لاحتمال خروج المال بواسطته عن ملكه، فصارت الشبهة موضوعية، أو كالموضوعية، فان حصول الملك للبائع الاول عند الاشتراء وان كان معلوما، ولكن مع احتمال كون الانتقال بتسبيب منه غير مخالف للقاعدتين كما مر لم يصح التمسك بهما إلا بعد إحراز الموضوع. نعم يمكن احرازه باستصحاب ملكهما، فحينئذ لا يصح البيع إلا باجازته: للقاعدتين، ومع الغمض عن ذلك لا يصح التمسك بالاستصحاب لاثبات كون إجازة المالك مؤثرة في النقل بناء على ان السبب هو العقد المتعقب أو المتقيد بالاجإزة أو العقد بسببيتها، فان احراز تلك العناوين بالاصل مثبت إلا أن يكون الموضوع للنقل أو السبب له مركبا من العقد والاجازة وكان الحكم الشرعي مترتبا على العقد واجازة المالك، فيحرز بالوجدان والاصل، مع الغض عن الاشكال في الموضوع المركب. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) - بعد فرض أن مقتضى عموم وجوب الوفاء بالعقود على كل عاقد هو اللزوم على البائع بمجرد الانتقال إليه وإن كان قبله أجنبيا لا حكم لوفائه ونقضه - ضعفه بأن البائع غير مأمور بالوفاء قبل الملك، فيستصحب، والمقام مقام استصحاب حكم الخاص لا مقام الرجوع إلى حكم العام، ثم أمر بالتأمل. وهذا بظاهره واضح الاشكال، ضرورة أنه من قبيل التخصص لا التخصيص، لكن يمكن توجيهه بأن مقتضى عموم وجوب الوفاء هو اللزوم بالنسبة إلى هذا الشخص الذي باع ملك الغير لنفسه، فيجب عليه الابتياع من الغير والرد إلى المشتري وإن لم يكن ملكا له، كما مر منه نظيره في بيع الفضولي بالنسبة إلى الاصيل من أن مقتضى وجوب

[ 285 ]

الوفاء بالعقد هو اللزوم بالنسبة إليه، فلا يصح الفسخ منه وإن صح الرد من المالك الاصلي. فيكون حاصل مراده ان هذا العقد الصادر من البائع لما كان عقدا لنفسه يجب عليه الوفاء من أول الامر، فيجب عليه الاشتراء، وينتقل منه بمجرده، لكن لا إشكال في خروج قطعة من الزمان عن لزوم الوفاء، وهو حال عدم كونه مالكا باجماع أو تسلم، فكان المقام من موارد اختلافهم في التمسك باستصحاب حكم المخصص أو بالعموم أو إطلاق العام. وهذا التوجيه وإن كان مخالفا لظاهر كلامه بدوا لكنه أولى من توهم عدم فرقه بين التخصيص والتخصص وتقديم أصالة عدم النقل على القواعد الاجتهادية، ولعل أمره بالتأمل لانكإر شمول العام لما قبل الملك، فيكون من قبيل التخصص لا تخصيص العام، وهذا أمر يجب البحث عنه في مجال أوسع. ولقائل أن يدعي إطلاق دليل وجوب الوفاء والشرط لما قبل الملك فيجب عليه الاشتراء للعمل بمضمون العقد، وكذا لو باع ما لا يملكه أحد، كطير معين ومقدار مشخص من المعدن، فيجب عليه أخذ الطير واستخراج المعدن والتسليم إلى المشتري، ولا يبعد أن يكون ذلك عقلائيا أيضا، تأمل. ثم إنه يمكن استفادة عدم الاحتياج إلى الاجازة من بعض الروايات المتقدمة كصحيحة يحى بن الحجاج (1) بناء على ما مر من أن النهي عن البيع قبل الاشتراء انما هو لاجل التخلص عن الربا، لا للارشاد إلى بطلان البيع، فحينئد لو توقف بيعه قبل الاشتراء على الاجازة بعده كان له التخلص عن الربا بعدم الاجازة، فلا يكون البيع ثم الاشتراء موجبا للربا، والظاهر منها ان الموجب نفس البيع والاشتراء، وهو لا يتم إلا على فرض


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب أحكام العقود - الحديث 13.

[ 286 ]

عدم الاحتياج إلى الاجازة، والامر سهل بعد ما عرفت من أن مقتضى القاعدة الصحة من غير احتياج إلى الاجازة. ومن بعض ما ذكرناه يظهر الكلام في المقام الثاني، وهو وجوب الاجازة عليه لو قلنا باحتياج العقد إليها، بأن يقال: إن مقتضى اطلاق وجوب الوفاء عليه العمل على طبق مضمونه، وهو لا يحصل إلا باجازته إلا أن يقال: إن الاجازة كالقبول من متممات العقد لا من مقتضياته وجزء مضمونه، فتدبر. مسألة: لو باع معتقدا لكونه غير جائز التصرف فبان خلافه ففيه صور: الاولى: أن يبيع عن المالك فانكشف كونه وليا فالظاهر صحته من غير توقف على إجازته، وتوهم بطلانه حتى على القول بصحة الفضولي - لكون الفضولي على خلاف القاعدة، فيقتصر على مورده المنصوص به - مدفوع بمنع كونه على خلافها، كما تقدم، فلا إشكال في الصحة. وأما احتمال الاحتياج إلى الاجازة فيمكن تقريبه بأن ألفاظ العقود إيجادية ولا بد في سببيتها للنقل من الجزم بحصول مضامينها، والفضولي لا يعقل منه ذلك، والجزء الآخر للعلة هو الاجازة من المالك أو من ولي الامر. وبها يحصل الجزم المعتبر في المعاملات. وفيه - مضافا إلى أن الاجازة ليست إنشاء مبادلة، بل إمضاء

[ 287 ]

لما حصل ووجد، فلا يعقل أن ينقلب الواقع عما هو عليه بالاجازة، فلو اعتبر الجزم بحصول المضمون فلا بد من اعتباره في الانشاء، والفرض أنه وجد غير مجزوم يمضمونه، ومضافا إلى النقص بالايجاب في الاصيلين. إذ لا يترتب الاثر على إنشائه بلا شبهة فلا بد من القول ببطلان جملة المعاملات إلا ما وقعت بفعل الوكيل من الطرفين أو الولي منهما وهو كما ترى، ومضافا إلى عدم دليل على اعتبار الجزم، ولا شبهة في صدق البيع على الفضولي مع فرض عدم الجزم بالمضمون، ومعه يدفع احتمال الاعتبار باطلاق الادلة - أن الجزم حاصل في الفضولي كالاصيل وكالوكيل من الطرفين. وتوهم عدم الجزم ناشئ من الخلط بين معاني ألفاظ المعاملات بزعم أنها وضعت للنقل الواقعي العقلائي، ومعه لا يمكن الجزم بحصول أثر، بل الجزم حاصل بعدم حصوله، وإنما يترتب الاثر بعد الاجازة. وفيه - مضافا إلى أن لازم ذلك عدم صدق عناوين المعاملات على الفضولي كما لا يخفى وهو خلاف البداهة - أن الهيآت سواء كانت ايجادية أو إخبارية والايجادية سواء كانت من قبيل ألفاظ العقود أو الاوامر والنواهي لم توضع للواقعيات، حقيقة كانت أو اعتبارية. أما الاوامر والنواهي فظاهر، ضروة أن البعث والزجر الحقيقيين الملازمين للانبعاث والانزجار أجنبيان عن معناهما، ولا يترتب عليهما في مورد من الموارد، فالامر بعث ايقاعي إنشائي، والنهي زجر كذلك، والاطاعة والعصيان مترتبان عليهما بعد استعمالهما في معناهما. وكذا الجمل الانشائية في باب المعاملات، فان هيآتها إنما وضعت لايقاع المادة وإنشائها، فالاثر حيثما ترتب إنما يترتب عليها بعد استعمالها الايجادي وتمامية معانيها، فالبيع إنما يترتب عليه الاثر، لا أنه مستعمل في الاثر. مع أن الاثر لا واقعية له إلا في اعتبار العقلاء، وهذا لا يمكن أن يكون

[ 288 ]

إيقاعا إنشائيا، كما هو ظاهر. فالفضولي كالاصيل يستعمل ألفاظ المعاملات في معانيها الحقيقية استعمالا ايجاديا انشائيا ايقاعيا، سواء رتبت عليها الآثار فعلا أم يترقب ترتبها عليها بعد تحقق شرائط حصولها، فالجزم حاصل بمضامين المعاملات وإن لم يكن حاصلا بترتب الاثر الواقعي الاعتباري، كبيع الصرف والسلم المشروط بالقبض في ترتب الاثر، وكالايجاب في مطلق المعاملات. وقد يقال في تقريب التوقف على الاجازة: (إنه وإن صدر عمن كان نافذ التصرف إلا أن المفروض عدم علمه بذلك، فلعله لو كان عالما بأنه ولي لم يكن راضيا بهذا البيع الخاص - إلى أن قال -: لا بد في المقام من القصد إلى النقل والرضا به بعنوان أنه مال المولى عليه أو الموكل أو نحوهما، وكون البيع واجبا من جهة موافقته للمصلحة لا يمنع من كون اختيار الخصوصيات منوطا بنظره وبرضاه) انتهى. وفيه ما لا يخفى، فانه بعد استجماع البيع لجميع شرائط لا يوجب مجرد عدم علمه بنفوذ التصرف - وانه لو علم لعله يختار مصداقا آخر - خللا فيما فعل باختياره ومصادفته لمورد ولايته ونفوذ تصرفه، ودعوى أنه لا بد من القصد بعنوان أنه مال المولى عليه مجردة عن البرهان، بل احتمال اعتبار ذلك مدفوع باطلاق الادلة، ودعوى انصراف أدلة ولاية الاب والجد عن مثل المقام غير وجيهة. وأما ما عن القاضي في إذن السيد لعبده في التجارة فالظاهر هو عدم خلافه في هذه المسألة، لان الظاهر منه أن الاذن إذا لم يطلع عليه أحد لا العبد ولا غيره ليس إذنا، فعدم صحته على ذلك لاجل عدم كونه مأذونا نافذ التصرف، وهو غير مسألتنا. وقد يقال: إن مقتضى أدلة اعتبار التراضي وطيب النفس اعتبار

[ 289 ]

رضا المالك بنقل خصوص ماله بعنوان أنه ماله، لا بنقل مال معين اتفق كونه ملكا له في الواقع، فان حكم الرضا وطيب النفس لا يترتب على ذلك، فلو أذن في التصرف في مال معتقدا أنه لغيره والمأذون يعلم أنه له لم يجز له التصرف بذلك الاذن، ولو أعتق عبدا عن غيره فبان أنه له لم ينعتق، وكذا لو طلق امرأة وكالة عن غيره فبان أنها زوجته، ولو غره الغاصب فقال: (هذا عبدي أعتقه عنك) فأعتقه عن نفسه فبان كونه له فالاقوى أيضا عدم النفوذ. وحاصله أنه يعتبر في نفوذ التجارة وغيرها من الايقاعات وحل مال الغير زائدا على كون التجارة بماله واقعا كونها بماله بعنوان أنه ماله، وكذا يعتبر في حل المال رضاه بالتصرف في ماله بعنوان أنه ماله، هذا ما أفاده الشيخ (قده) في الصورة الثالثة، وقد أجرى حكمه بعضهم في جميع الصور والحق أنه لو تم في الثالثة والرابعة كما أفاده جرى حكمه في الاوليين أيضا، لكن الشأن في صحته، فانه لو كان المدعى أن الظاهر من الآية والرواية ما ذكر فلا يخفى ما فيه، ضرورة أن الالفاظ موضوعة للمعاني الواقعية، ولا إشكال في أن التجارة إذا وقعت على مال واقعي شخصي برضاه انطبق عليها قوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض) (1) ولو شك في اعتبار أمر زائد على ذلك، وهو علمه بالواقعة أو اعتبار التجارة بعنوان أنه ماله يدفع بالاطلاق. وكذا الحال في دليل الحل، فان صاحب المال لو رضي بالتصرف في ماله الواقعي ولو لم يعلم به صح أنه طيب النفس على التصرف في ماله، واحتمال أنه لو علم بأنه ماله لم يرض لا يضر بالرضا الفعلي كالاشباه والنظائر، والامر الزائد يدفع بالاطلاق

[ 290 ]

ولو كان المدعى أن الدليل منصرف إليه بمناسبة الحكم والموضوع فهو دعوى بلا شاهد، بل الشاهد على خلافها، فهل ترى عند العقلاء أنه لو باع شخص ماله عن نفسه باعتقاد أنه مال الغير واشترى منه شخص يكون هذا من الاكل بالباطل؟ أو أذن في التصرف في ماله مع عدم علمه بأنه ماله فتصرف يكون عاديا وغاصبا عند العقلاء؟ ويكون إتلافه باذنه موجبا للضمان عند العقلاء. ومما يدفع ما أفيد أن لازمه إحراز كون التجارة عن تراض في ماله بعنوان أنه ماله، وإحراز طيب نفسه في التصرف في ماله بعنوان أنه ماله، ومع الشك في حصول ذلك يحكم ببطلان العقد وحرمة التصرف، مع أن المعلوم من سيرة العقلاء والمتشرعة خلاف ذلك. ولا يصح أن يقال: إن هذا العنوان يحرز بواسطة الامارة القائمة على ملكيته من يد وغيرها، لان الامارات حجة في اللوازم العقلية والعقلائية وليس اعتقاد ذي اليد بأنه ماله من لوازم الامارة، بل ما هو من لوازمها أن العقد الواقع على هذا الذي بيده واقع على ماله الواقعي، وأن بيعه صحيح ونحو ذلك. وأما أنه عالم بأن ما بيده لنفسه أو أن بيعه إنما هو بعنوان بيع ماله بما أنه ماله فليس من اللوازم، وكون أكثر المعاملات كذلك لا يوجب إلا الظن، وهو لا يغني من الحق شيئا، وأما الامثلة التي ذكرها ففي مثل عتق عبده عن غيره وطلاق زوجته فاحتياجهما إلى الاجازة لو قلنا بجريان الفضولي في الايقاعات أو إلى الاستئناف ليس لما ذكر، بل لما قال في الصورة الثانية، وسيأتي توضيحه، وفي مثل تصرف ماله باذن منه أو عتق عبده بغرور من الغاصب فالاشبه الجواز والنفوذ وإن جاز له الرجوع إلى الغار في قيمة العبد لقاعدة الغرور.

[ 291 ]

الصورة الثانية: أن يبيع لنفسه فانكشف كونه وليا قال الشيخ الاعظم (قده): (الظاهر صحة العقد، لما عرفت من أن قصد بيع مال الغير لنفسه لا ينفع ولا يقدح، وفي توقفه على إجازته للمولى عليه وجه، لان قصد كونه لنفسه يوجب عدم وقوع البيع على الوجه المأذون، فتأمل) انتهى. ولعل وجه التأمل ما يترائى من التنافي بين صدر كلامه وذيله حيث ظهر من صدوره أن قيد (لنفسه) ملغى، وعليه لا بد وأن يقع لمالكه بلا احتياج إلى الاجازة، كما في الصورة الاولى، والظاهر من ذيله كون العقد على وجه غير مأذون، وهو يلازم القيدية، ومعها لا تنفع الاجازة، وبالجملة إما أن يكون قيد (لنفسه) ملغى فلا تحتاج إلى الاجازة أو لا فلا يصح بها. ويمكن أن يقال: إن القيود الملحقة بالموجودات الخارجية لا تكون ملغاة، بمعنى أن وجودها وعدمها على السواء، ولا موجبة لعدم الحكم على الذات مع فقد القيد مثلا لو سلم على شخص فقال: (السلام عليك أيها الرجل العالم) فان كان عالما وقع السلام على الرجل العالم، وإن كان غير عالم وقع على الرجل والقيد ملغى، فيجب في الصورتين جواب السلام، ولو قال: (السلام على الرجل العالم) فان كان عالما يجب عليه الرد لو قلنا بوجوب الرد في مثله، وإن كان غير عالم لا يجب. و في المقام لا يكون قيد (لنفسه) ملغى بحيث وقع العقد على الذات بلا قيد حتى يقال: إنه كالصورة السابقة حيث وقع العقد لصاحبه فيها، ولهذا لو ملكه وقع العقد له من غير احتياج إلى الاجازة كما مر

[ 292 ]

لكن لما كان العقد واقعا على الموجود الذي هو ملك الغير يمكن صرف العقد إليه بالاجازة، فالاجازة موجبة لالغاء القيد، لا أن القيد بنفسه ملغى. بل يمكن أن يقال: إنه لو قلنا بالغاء القيد لكن وجوده يمنع عن انصراف العقد إلى صاحبه فلا يقع للمقيد ولا لصاحبه، لمانعية القيد عن الانصراف إليه، والاجازة تدفع المانع فيقع صحيحا. الصورة الثالثة: أن يبيع عن المالك ثم انكشف كونه مالكا، كما لو باع عن أبيه مع قطعه بحياته فبان كونه ميتا، ويتصور البيع على أنحاء: منها - أن يبيع للمالك مع اعتقاده حياته فقال: (بعته لمالكه)، ومنها - أن يقول: (بعته لمالكه الذي هو أبي) ومنها - أن يقول: (بعته لابي الذي هو مالكه) ومنها - أن يقول: (بعته لابي). يظهر منهم التسالم على صحة الاول. كما قال بعض الاعاظم (قده): (إنه لا إشكال في صحته، لانه قصد البيع عن مالك المال، وتطبيق المالك على الاب لا يضر بصحته، وانما الاشكال فيما إذا باع لشخص أبيه) ويظهر من الشيخ الاعظم (قده) أيضا عدم الاشكال في هذه الصورة، ولهذا تخلص عن الاشكال بأنه نقل الملك عن الاب من حيث إنه مالك باعتقاده، ففي الحقيقة إنما قصد النقل عن المالك، لكن أخطأ في اعتقاده أن المالك أبوه. أقول: الظاهر أن الاشكال مشترك بين هذه الصورة وغيرها، فان المعتقد بأن المالك أبوه لو قال: (بعته لمالكه) لم يقصد من المالك إلا أباه،

[ 293 ]

ويكون عنوان المالك عبرة له، وعنوان المالك مع قطع النظر عن قصده وإن كان قابلا للصدق على أبيه وعليه وعلى غيرهما لكن العقود تابعة للقصود، والعنوان بما أنه مقصوده لا ينطبق على غير أبيه، نعم لو احتمل كون المالك أباه أو غيره فقال: (بعته عن مالكه) يكون مقصوده مالكه الواقعي أي شخص كان، لكن المفروض خلافه. وبعبارة أخرى من أراد بيع مال أبيه وكان قصده ذلك لا يعقل أن يقصد بعنوان المالك غير أبيه، واللفظ في نفسه وإن كان قابلا للصدق على كثيرين لكن المقصود غير قابل للانطباق إلا على أبيه. وهذا نظير أن يطلق فاطمة عن زوجها وكان الاسم مشتركا بين بنت زيد وعمرو وأراد فاطمة بنت زيد، فان ظاهر كلامه وإن كان قابلا للصدق على بنت عمرو، لكن كلامه بما هو مقصود لا ينطبق إلا على بنت زيد. ومع الغض عنه إن الفرق بين الصور أن في هذه الصورة يكون البيع للمالك، وهو مخطئ في اعتقاده وفي الثانية كذلك لكنه مخطئ في تطبيقه على أبيه، وفي الثالثة يكون البيع لشخص أبيه، والتوصيف خطأ، وفي الرابعة يكون لابيه بعد اعتقاده أنه المالك، وغالب المعاملات تقع على النحو الرابع، وفي هذا النحو لا يكون البيع لعنوان المالك بوجه، ولا وجه لتوهم كون حيثية المالك طرف المعاملة. فقول الشيخ الاعظم (قده) إنما يصح على الصورة الثالثة، فان البيع فيها لابيه بما أنه مالك، فيصح أن يقال: إنه باع لحيث مالكه، والحكم على الحيثية. وأما ما قيل - من أن الحيثية التقيدية لا يمكن الالتزام بها في الموضوعات الشخصية، لان الفرد الخارجي غير قابل للتعدد، فتقييده ممتنع، والحيثية

[ 294 ]

تعليلية في الموضوعات الخارجية، فالنزاع في أن الحيثية تقييدية أو تعليلية إنما هو في الاحكام الكلية المتعلقة بالعناوين، كتعلق الامر بالصلاة والنهي عن الغصب - ففيه ما لا يخفى، فان الاطلاق والتقييد كما يجريان في الكليات يجريان في الاشخاص، ولا يتوقفان على إمكان التعدد بل إمكان التضييق الحالي كاف. فإذ قال: (أكرم زيدا) يؤخذ بالاطلاق في صحة إكرامه بأي حال كان، ككونه عادلا أو لا، عالما أو لا، وإذا قال: (أكرم زيدا العادل) يكون تقييدا، بل التقييد يأتي في الحروف، فإذا قال: (أكرم زيدا في السوق) فهو تقييد للهيئة على أقرب الاحتمالات. وأما قضية تعلق الامر بالصلاة والنهي عن الغصب فأجنبية عن الحيثية التقييدية والتعليلية كما قرر في مقامه. ثم إن ما عن الفخر (قده) من (أنه لو قيل بالبطلان أمكن، لانه إنما قصد نقل المال عن الاب لا عنه ولانه وإن كان منجزا في الصورة إلا أنه معلق، و التقدير إن مات مورثي فقد بعتك، ولانه كالعابث عند مباشرة العقد، لاعتقاده أن المبيع لغيره) انتهى - واضح الاشكال، ومن البعيد صدوره من مثله، ومن المحتمل أنه أراد بيان بطلان العقد المذكور بجميع احتمالات وقوعه، فانه لا يخلو إما أن يقصد النقل عن أبيه أو عن نفسه أو لا ذا ولا ذاك، ولازم الاول عدم موافقة المجاز للمقصود، ولازم الثاني عدم تنجزه، ولازم الثالث كونه عبثا. وهذا التوجيه وإن كان مخالفا لظاهر كلامه لكنه أوهن من الالتزام بعدم تشخصيه محط النزاع والتدافع بين الدليلين وعدم لزوم العبث كما في مطلق الفضولي. وقد عرفت أن جواب الشيخ (قده) وغيره غير واف بالجواب عن الاحتمال الاول، فلا بد من التشبث بما مر في باب بيع الشخصيات عن

[ 295 ]

غير مالكها بأنه صالح لاجازة بائعه إذا ملكه ولاجازة مالكه، كما أن ما أفيد للجواب عن إشكال التعليق غير تام على ما تقدم من أن دعوى المالكية لا تصححه، كما أن ما قيل - من أن البناء على أمر يعتقد خلافه بمكان من الامكان - بمكان من الضعف، ضرورة امتناع البناء الجدي على خلاف اعتقاده، فهل يمكن البناء على أن الانسان حجر والنور ظلمة. والتجزم الذي أفاده السيد الفشاركي (قده) في القضايا الكاذبة كالتشريع قد فرغنا من امتناعه في محله. والحق في الجواب ما أشرنا إليه سابقا من أن ماهية البيع ليست إلا النقل الانشائي بالعوض، وهو أمر مجزوم به في جميع أنحاء البيع، وما لا يمكن الجزم به والتنجيز فيه هو النقل الواقعي شرعا أو عند العقلاء وهو غير مربوط بمفهوم العقد ولا بالعقد بالحمل الشائع، بل هو أثر العقد بالحمل الشائع. والعجب أن الشيخ الاعظم (قده) قد أشار إلى ذلك بعد أسطر في توضيح كلام جامع المقاصد، ومع ذلك قد تشبث بالحقيقة الادعائية و دعوى السلطنة والاستقلال.

[ 296 ]

القول في المجاز ويتم ببيان أمور: الاول: لا إشكال في أن عقد الفضولي كسائر العقود في أنه يعتبر فيه ما يعتبر فيها، انما الكلام في أن الشرائط المعتبرة هل هي معتبرة عند العقد، أو عند الاجازة، أو عندهما، أو من زمان العقد إلى زمان الاجازة؟ والتحقيق أن من الشرائط ما هو دخيل في ماهية العقد، أي تتقوم الماهية به أو في تحققها كالقصد والعقل و التميز في المتعاقدين، وكالمالية في العوضين، ومنها ما هو شرط في الانشاء أو في ألفاظ العقود كالتنجيز والعربية وكون المنشئ بالغا على رأي معروف ونحوها. لا كلام في نحو تلك الشروط، إنما الكلام في غيرها مما يعتبر في العقود شرعا، ككون المعاملة غير غررية وغير ربوية، وكون العوضين غير الخمر والاعيان النجسة وآلات القمار واللهو ونحوها وكالقدرة على التسليم وكون مشتري المسلم والمصحف مسلما إلى غير ذلك، فهل يعتبر تلك الشرائط حال العقد أو حال الاجازة أو يكفي وجودها

[ 297 ]

في أحد الحالين أو يشترط في حالهما أو من حال العقد مستمرا إلى حال الاجازة؟ وجوه: اختار الشيخ الاعظم (قده) لزوم حصول الشرائط عند إنشاء النقل إلا فيما دل الدليل على اعتبار الشرط في ترتب الاثر الشرعي على العقد من غير ظهور في اعتباره في أصل الانشاء، قال: (يشترط فيه كونه جامعا لجميع الشروط المعتبرة في تأثيره عدا رضا المالك، وذلك لان العقد إما تمام السبب أو جزؤه، وعلى أي حال يعتبر اجتماع الشروط عنده، ولهذا لا يجوز الايجاب في حال جهل القابل بالعوضين، بل لو قلنا بجواز ذلك لم يلزم منه الجواز هنا، لان الاجازة على القول بالنقل أشبه بالشرط، ولو سلم كونها جزءا فهي جزء للمؤثر لا للعقد، فيكون جميع ما دل من النص والاجماع على اعتبار الشروط في البيع ظاهرا في اعتبارها في إنشاء النقل والانتقال بالعقد، نعم لو دل دليل على اعتبار شرط في ترتب الاثر الشرعي على العقد من غير ظهور في اعتباره في أصل الانشاء أمكن القول بكفاية وجوده حين الاجازة، ولعل من هذا القبيل القدرة على التسليم و إسلام مشتري المصحف والعبد المسلم) انتهى. أقول: أما دعوى الظهور المذكور ففيها - مضافا إلى اختلاف لسان الادلة في إبفاء الشروط، ففرق بين قوله عليه السلام: (ثمن العذرة من السحت) (1) (وثمن الخمر والنبيذ والمسكر والربا بعد البينة سحت) (2) وبين قوله: (نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر) (3) وكذا فرق بحسب مناسبات الحكم والموضوع بين الموارد، ففرق بين قوله


(1) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1 و 2. (3) سنن البيهقي - ج 5 ص 338 -.

[ 298 ]

(نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر) و (لا تبع ما ليس عندك) (1) وبين قوله عليه السلام في العذرة: (حرام بيعها وثمنها) (2) فلا بد من مراجعة الادلة تفصيلا، وملاحظة المناسبات العرفية بين الاحكام وموضوعاتها، وبمجرد تعلق النهي بعنوان البيع لا يصح الحكم بأن الظاهر اعتبار الشرط في إنشاء النقل - أن الشرائط الشرعية كلها ترجع إلى شرط تأثير العقود والبيوع، ضرورة عدم دخالتها في مفهومها ولا في تحققها الانشائي، بل ولا في ترتب الاثر العقلائي، فان كل ذلك خارج عن حيطة التشريع، بل الشرائط لا بد وأن ترجع إلى تأثيرها في ترتب الاثر عند الشارع الاقدس. فالنهي عن بيع الخمر إرشاد إلى بطلان بيع الخمر وعدم ترتب الاثر عليه عند الشارع، كان الايفاء بلفظ الشرط أو بالنهي، أو الامر الارشادي إلى البطلان، أو بلفظ نفي الموضوع، كقوله صلى الله عليه وآله (لا بيع إلا فيما تملك) (3) وهذا مما لا إشكال فيه. كما لا إشكال في أن الفاظ البيع وإنشائه ليس بيعا عقلا ولا عرفا، بل البيع هو المنشاء بالالفاظ، أي المسبب الذي يكون سببا للنقل الحقيقي الاعتباري. فهاهنا أمور ثلاثة: ألفاظ وآلات للانشاء وما هو منشأ بها، أي البيع الانشائي ترتب عليه الاثر فعلا أو لا كبيع الفضولي، وأثر مترتب عليه، وهو النقل العقلائي الواقعي مقابل الانشائي، فقد يترتب عليه بلا فصل كبيع الاصيلين، وقد يترتب بفصل كبيع الفضولي. والظاهر من الادلة التي رتب فيها الحكم على البيع مع قطع النظر عن


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص - 339. (2) الوسائل - الباب - 40 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (3) المستدرك - الباب 1 - من أبواب عقد البيع - الحديث 3.

[ 299 ]

مناسبات الحكم والموضوع هو اشتراط تأثير البيع المسببي بشرط كذائي أي لا يترتب عليه الاثر إلا بعد الشرط الكذائي، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تبع ما ليس عندك) دال على اشتراط صحة البيع بكون المبيع عند بائعه، وكذا (لا بيع إلا فيما تملكه) أي لا يترتب عليه أثر فعلا من غير دلالة على لزوم مقارنة الشرط لحدوث المنشأ وعدمه، فالاشتراط ثابت، فإذا شك في لزوم حصوله عند إنشاء البيع يدفع باطلاق الادلة. فما أفاد رحمه الله من أن ما دل على اعتبار الشروط في البيع ظاهر في اعتبارها في إنشاء النقل - خلاف الظاهر، بل ظاهر في اعتبارها في تأثير البيع، لا في إنشاء النقل، ففي الفضولي الذي لا يترتب عليه الاثر إلا بعد الاجازة لو فرض عدم وجود شرط التأثير إلى ما قبل الاجازة فوجد فأجاز لم تدل الادلة على عدم الكفاية. بل مقتضى إطلاق أدلة صحة البيع وعمومها هو الصحة، بل لعل مقتضى إطلاق أدلة الاشتراط أيضا كذلك، بل لعل الكفاية في بعض ما تقدم أولى من إسلام مشتري المصحف والمسلم، لامكان أن يقال: إنشاء البيع على المصحف والمسلم لغير المسلم مخالف لاحترامهما. وأما البيع الغرري فالمقصود من النهي عنه هو عدم إقدام المالكين على أمر غرري خطري، فإذا باع الفضولي ما هو مجهول عنده بحسب المقدار وحال إجازة المالكين كان معلوما عندهما فأجازا لم يقدما على غرر وخطر. بل الامر كذلك في غالب الشرائط غير ما دل دليل خاص على اعتباره في حال الانشاء أو عند حدوث المنشأ، فلو باع الخمر فصارت خلا عند الاجازة أو باع ربويا فصار حين الاجازة غير ربوي فالظاهر الصحة، لما عرفت من أن الظاهر من الادلة أن الشرائط لتأثير

[ 300 ]

البيع المنشأ بالالفاظ أو بالافعال، ومقتضى ذلك كفاية حصولها عند الاجازة ولو كان الشرط حاصلا حال العقد وغير حاصل حال التأثير فالتحقيق عدم الكفاية، للزوم مقارنة الشرط لحال التأثير، فلو باع عصير العنب فضولا فصار خمرا لم يصح. نعم يقع الاشكال في العلم بمقدار المثمن والثمن، فهل يكفي حصوله للفضولي حال العقد وان جهل المالك حال الاجازة؟ منشأه أن الفضولي كالوكيل المفوض، فإذا علم بالواقعة كفى، بل المناط علمه لا علم الموكل، أو لا يكون كذلك بل المناط علم المجيز حال الاجازة، فان البيع مشروط بعدم كونه غرريا، والغرر انما هو عند إجازة المجيز المالك، والاصح الثاني ثم الاحتمالات على ما تقدم الكلام فيه أربعة: لزوم حصول الشرط عند العقد أو عند الاجازة أو عندهما أو من حال العقد مستمرا إلى حال زمان الاجازة، فان أحرز أحدهما بالادلة أخذ به، ومع إحراز الاعتبار في حال والشك في اعتبار زائد يؤخذ باطلاق الادلة، ويدفع به الشك، هذا بناء على النقل لكونه مقتضى القواعد كما مر، وأن الكشف على خلاف القاعدة. وأما على الكشف فان قلنا بأنه أيضا مقتضى القواعد فكذلك، وأما لو قلنا بخلافه لمقتضاها ولم يكن في دليل اثبات الكشف أيضا إطلاق - كما أن الامر كذلك - ففي كل مورد احتمل دخالة شرط في الكشف لا بد من إحرازه، بل لو قصر دليل الكشف على ثبوته في مورد لا بد من القول بالنقل في ما عداه، لما تقدم من أن جواز الخروج عن القواعد التي تقتضي النقل انما هو في مورد ثبوت الكشف، وفي غيره يؤخذ بها، ويحكم بالنقل الذي هو موافق للقواعد. ثم إن ما ذكرنا جار في الايجاب أيضا إلا أن يدل دليل على لزوم

[ 301 ]

جامعية القابل في حال الايجاب لجميع شرائط الصحة وبالعكس، فلو كان الموجب واجدا للشرائط حال الايجاب دون القابل بأن كان محجورا أو جاهلا أو كان المبيع خمرا فرفع بالحجر والجهل وانقلب الخمر خلا حال القبول فمقتضى القواعد الصحة، لصدق العناوين وإطلاق الادلة، بل لو أوجب الموجب فصار نائما أو مغمى عليه فقبل القابل صح على القواعد. وقد يقال: إن المعاقدة مع الغير يقتضي أن يكون طرفاها أهلا للمعاقدة والمعاهدة، فكما لا يمكن الالتزام الجدي مع الميت والمجنون والنائم ونحوه كذلك الالتزام الجدي مع من هو كالجدار أو كالحمار. وفيه أن البيع وغيره من التجارات لم يؤخذ في ماهيتها المعاقدة، والمعاهدة، بل البيع تمليك العين بالعوض أو مبادلة مال بمال، لا المعاهدة على أن يكون كذلك، ولا تبادل الالتزامات وإعطاء التزام وأخذ التزام، ضرورة أن كل ما ذكر خارج عن مفهوم البيع والاجارة والصلح وغيرها عرفا. نعم بعد تحقق المعاملة يكون كل منهما بحكم العرف والشرع ملزما بالوفاء، وهو من أحكامها، لا دخيل في ماهيتها، وقد مر في بعض المباحث أن إطلاق العقد على البيع ونحوه باعتبار العقدة الحاصلة من تبادل العوضين ادعاء، فعقدة البيع كعقدة النكاح في قوله تعالى: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) (1). وبالجملة التعاقد والتعاهد ونحوهما أجنبية عن معاني المعاملات، وإنما هي أمور أبداها أهل التحقيق خارجا عن محيط العرف والمفاهيم العرفية، فلو قال: (بعت لزيد بعشرة) مع غفلة زيد فتنبه وقال: (قبلت) لا يشك أحد في صدق البيع. وقد تقدم أن شأن بيع الفضولي والاجازة شأن الايجاب والقبول،


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 237.

[ 302 ]

فالقبول إجازة الفضولي في بيع الاصيلين، والاجازة قبول الايجاب لا فرق بينهما. فما قيل - من أن القول بأن الاجازة قبول للايجاب سخيف جدا - قول صدر من غير تأمل في ماهية البيع والايجاب والقبول وبيع الفضولي والاجازة، فراجع ما مر منا سالفا. فتحصل مما ذكر أن لزوم حصول جميع الشرائط حال الايجاب بالنسبة إلى الطرفين و بالعكس لم يدل عليه دليل، لكن تسالمهم ظاهرا على ما ذكر يمنعنا عن الالتزام به، كما أنه لولا تسالمهم على لزوم اجتماع الشرائط مطلقا حال إيقاع البيع في الاصيلين لم استبعد عدم لزوم ما هو شرائط للتأثير شرعا حاله، فلو عقدا على خمر فصار خلا كان الامر كما لو عقدا مكرهين فصارا راضيين، فكل منهما شرط التأثير، وكبيع غير مملوك إذ صار مملوكا، وهكذا القدرة على التسليم وبيع المصحف و المسلم من الكافر وبيع المجهول، فان مفهوم البيع ووجوده الانشائي محقق، فإذا وجد شرط التأثير أثر في النقل، لكن لا يساعدنا القوم، وغاية ما يمكن أن يقال: انصراف الادلة عن مثله وعما تقدم، والعهدة على مدعيه. ثم إنه قد تقدم حال الشك في اعتبار شرط حال العقد أو حال الاجازة أو مستمرا من حاله إلى حالها. بقي حال العم الاجمالي، ففيه صور لا إشكال في بعضها، كما لو علم بأنه إما معتبر حال العقد أو حاله إلى زمان الاجازة، أو علم أنه معتبر إما حال الاجازة أو حالها إلى زمان العقد، فان العلم منحل، والكلام فيه هو الكلام في الاقل و الاكثر. ففي الاولى اعتباره حال العقد معلوم تفصيلا والزائد مشكوك فيه، وفي الثانية اعتباره حال الاجازة معلوم والزائد مشكوك فيه، ويؤخذ بالقواعد في موارد الشك.

[ 303 ]

وكالعلم الاجمالي باعتباره إما حال العقد أو حال الاجازة، فيجب احرازه في حالهما عملا بالعلم الاجمالي، وخروجا عن أصالة عدم النقل أو أصالة بقاء المبيع والثمن على ملك صاحبهما. انما الاشكال في بعضها كالعلم إجمالا باعتباره إما حال العقد أو حال الاجازة أو من حال العقد مستمرا إلى حال الاجازة، ومنشأه أن مثل هذا العلم الاجمالي هل هو صالح لتنجيز تمام الاطراف فيجب عملا به الاحراز من حال العقد مستمرا إلى حال الاجازة - ونظيره في التكليف العلم إجمالا بوجوب إكرام زيد أو وجوب إكرام عمرو أو إكرام زيد مستمرا إلى حال إكرام عمرو، فيجب إكرامه إلى زمان إكرام عمرو خروجا عن عهدة التكليف في البين - أو لا يصلح إلا لتنجيز الطرفين، أي زمان العقد وزمان الاجازة لا بينهما؟. وفي التكليف ينجز وجوب اكرام زيد واكرام عمرو لا اكرام زيد مستمرا إلى زمان اكرام عمرو، بدعوى أن الامر بحسب اللب دائر بين الاقل والاكثر، فان اعتباره في أحد الطرفين معلوم على أي حال، سواء كان الاعتبار لهذا أو هذا أو هما مع الاستمرار، فيرجع الامر إلى العلم بأن اعتباره إما في أحدهما أو أحدهما مع الزيادة، فالتنجيز بالنسبة إلى أحدهما معلوم تفصيلا، وبالنسبة إلى الزيادة مشكوك فيه الراجع حقيقة إلى العلم بعدم التنجيز. وإن شئت قلت: ان تنجيز أحد الطرفين مرتين لا يعقل، ومع عدم إمكان تنجيز الطرف مع قيد الاستمرار اللازم منه تنجيز الطرف مرتين يبقى تنجيز الطرفين فقط، ففي المثال الثاني يرجع الامر إلى العلم بوجوب إكرام الشخص الواقعي في علم الله أو اكرامه مع اكرام غيره، فيرجع إلى الاقل والاكثر واقعا.

[ 304 ]

فكما في باب الاقل والاكثر يقال: ان الاقل واجب على أي حال ففي المقام يقال: إن أحدهما واجب الاكرام على أي حال، فالعلم الاجمالي بأحدهما منجز تفصيلا والزائد أي قيد الاستمرار مشكوك فيه، فلا يعقل التنجيز فيه. بل مع الغمض عن قيد الاستمرار يبقى العلم الاجمالي بحاله، فضم القيد لا دخالة له في تنجيز العلم بالنسبة إلى الطرفين، فلا يكون القيد طرفا للعلم ولا المقيد طرفا مرتين. والفرق بين المقام وبين الاقل والاكثر ان المقام من قبيل الانحلال في التنجيز، وهناك من قبيل الانحلال في التكليف، بل بعض التقادير يكون المقام أيضا من قبيل الانحلال في التكليف الموجب للانحلال في التنجيز. بقى شئ وهو أن الفضولي هل هو كالوكيل المفوض أو كالمأذون كذلك حتى يكون اعتبار الشرائط عند إيقاعه العقد واحرازها بنظره إلا ما دل الدليل على لزوم اعتباره حال الاجازة، كشرائط الاجازة والمجيز وبعض شرائط العوضين، أو كالوكيل في اجراء الصيغة أو المأذون فيه حتى يكون الاعتبار بحال الاجازة إلا ما دل الدليل على لزوم اعتباره في حال العقد، كشرائط العاقد والمجري للصيغة، وكمقومات ماهية المعاملة، وذلك من غير فرق بين الكشف والنقل إلا إذا دل الدليل على الافتراق، أو أنه كالوكيل المفوض أو المأذون كذلك على الكشف، وكالوكيل في إجراء الصيغة على النقل؟ وجوه. والتحقيق عدم دليل على شئ مما ذكر بحيث يكون قاعدة يرجع إليها في موارد الشك، فاللازم ملاحظة كل شرط على الكشف والنقل. لا إشكال في اختلاف الكشف بجميع أقسامه مع النقل في بعض

[ 305 ]

الشرائط، فلو باع خمرا أو شيئا من آلات اللهو أو القمار أو ما لا يكون له منفعة محللة فعلى الكشف بأقسامه لا يصح، فان في جميعها يكون التملك حال العقد، أما على الكشف الحقيقي فمعلوم، وعلى الحكمي أيضا كذلك، فان النقل من الاول حال الاجازة، وعلى التعبدي يكون التعبد بملكيته حال العقد، ولو كان التبعد حال الاجازة فيرجع كلها إلى ملكية ما لا يجوز ملكيته. وعلى النقل يصح لو صار الخمر خلا وخرج الآلات المذكورة عن الآلية، فانه لا إشكال في الصحة إذا اجتمعت الشرائط حال النقل، ولو شك في اعتبار الشرائط حال العقد أو من حاله إلى حال الاجازة زائدا على الاشتراط حال الاجازة الذي هو معلوم يدفع بأصالة الاطلاق، كما أنه لو اجتمعت الشرائط حال العقد وقلنا بالكشف وانه على القواعد وشك في اعتبارها حال الاجازة أو من حال العقد إلى حال الاجازة يدفع ذلك باطلاق. وأما بناء على كون الكشف على خلاف القواعد فلا يصح الحكم بالكشف إلا مع اجتماع الشرائط المحتملة، فانه لا إطلاق لدليل اثبات الكشف حتى يدفع به الاحتمالات. ولو فقد بعض الشرائط حال العقد ووجد بعده وقلنا بأن الكشف على القواعد كما لو كان المبيع خمرا حال العقد فصار خلا بعده فهل يحكم بالبطلان وعدم صلوح البيع للاجازة أو يصح كشفا ويكون صحيحا من حال إمكان الكشف وهو حال تبدل الخمر خلا؟ الاقوى ذلك لو قلنا بأن لقوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (1) عموما أفراديا وإطلاقا يقتضي استمرار وجوب الوفاء على نحو ما قررناه في محله، فيستكشف من وجوب الوفاء صحة العقد ولزومه.


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 306 ]

وإذا خرج بعض الافراد في زمان أو حال بقى الباقي نظير ما قرر في باب الخيارات، وقد قلنا: إن الخروج كذلك ليس تخصيصا للعموم، بل تقييد للاطلاق. والفرق بين المقام وهناك أن القيد في المقام دخيل في الصحة، وهناك في اللزوم، وهذا ليس فارقا، وبالجملة المقام مقام التمسك بالاطلاق في غير مورد الخروج، فيحكم بصحته بعد حصول الشرط كما يحكم باللزوم بعد زمان تيقن الخيار. فتحصل من ذلك أن مع فقدان الشرط حال العقد لا يحكم بالبطلان سواء قلنا بالنقل أو الكشف، وسواء كان النقل على وفق القاعدة أو الكشف، غاية الامر أن الكشف إذا كان على خلاف القاعدة ولم يحرز ما يحتمل دخالته فيه يحكم بالنقل لا بالبطلان، وإن كان على وفقها يحكم بالصحة من حال حصول الشرط لا من حال العقد. ثم إنه مما ذكر ظهر حال أمر آخر، وهو انه هل يشترط بقاء الشرائط المعتبرة حال العقد إلى زمان الاجازة أم لا؟. وخلاصة الكلام مع توسعة في البحث إن العاقدين إما فضوليان أو أحدهما فضولي، وعلى أي حال قد يشك في لزوم بقاء شرائط العاقد الفضولي من زمان العقد إلى زمان الاجازة، وقد يشك في لزوم كون الاصيلين في الفرض الاول والاصيل في الثاني واجدا للشرائط المعتبرة في المجيز زائدا على زمان الاجازة، أي من حال العقد مستمرا إلى حال الاجازة، ففي جميع الموارد إذا كان اعتبار الشرط متيقنا في حال ومشكوكا فيه في غيره يؤخذ بالمتيقن ويدفع المحتمل بالاطلاق بناء على النقل، لما عرفت من أنه موافق للقواعد، وأما على الكشف فلا بد من اعتباره في جميع الحالات المحتملة. نعم الظاهر أن شرائط الفضولي العاقد لا تعتبر في غير حال العقد، فلا يلزم أن يكون العاقد عاقلا أو حيا بعده، بل لا يبعد ذلك في شرائط الاصيلين أيضا.

[ 307 ]

فما أفاد الشيخ الاعظم (قده) في شرائط المتعاقدين من أنه لا ينبغي الاشكال في عدم اشتراط بقاء المتعاقدين على شروطها حتى على النقل صحيح، لكن الاولى أن يقال حتى على الكشف، لانه على النقل لا إشكال فيه من جهة إطلاق الدليل، وأما الكشف فعلى خلاف القاعدة ولا إطلاق لدليله. ووجه كلام الشيخ (قده) أن حال الاجازة لما كان حال النقل على القول به يرجع بقاء الشرائط إلى حالها، لكن قد عرفت أن إطلاق الدليل محكم. ثم إنه لا فرق في الرجوع إلى أصالة الاطلاق لرفع الشك بين أن يقال: إن الاجازة بيع مستانف بمعنى كونها بمنزلة القبول وبين غيره بل يأتي الكلام في إيجاب الاصيل أيضا كما مر، ولو لم نلتزم به في إيجاب الاصيل لكونه خلاف تسالمهم لا بأس بالالتزام في الفضولي وإن كان الاجازة كالقبول كما هو الحق الحقيق بالتصديق كما مر. وأما شروط العوضين فان قلنا بأن ظاهر الادلة اعتبارها في حال العقد ويفهم منها أو من غيرها أنها معتبرة حال الاجازة أيضا فمن باع عصير العنب فضولا ثم صار خمرا عند النقل لا يمكن القول بالصحة، لعدم تملك الخمر، فالمتيقن بناء على ذلك الاعتبار حال العقد وحال الاجازة، وأما ما بينهما فلا دليل عليه، فلو صار عصير العنب خمرا ثم صار خلا فأجاز صح على النقل بلا إشكال، لاطلاق الادلة، وأما على الكشف فالظاهر لزوم بقاء الشرط لعدم إطلاق في دليله، فلا بد من مراعاة كل ما يحتمل. فما أفاد الشيخ الاعظم (قده) - من أن الظاهر اعتبارها بناء على النقل غير متجه بناء على التحقيق من أن النقل على القواعد، كما أنه لو قلنا بأن الكشف على القواعد نحكم بالصحة مع وجود الشرط في الحاشيتين دون الوسط، هذا

[ 308 ]

على ما أفادوا من ظهور الادلة في اعتبار الشروط حال العقد. وأما على ما ذكرنا من إنكار الظهور فما كان معتبرا حال الاجازة وشك في اعتباره في غير حالها يؤخذ بالمتيقن ويحكم في غيره بعدم الاعتبار. الثاني: مما ذكرناه يظهر حال الامر الثاني الذي ذكره الشيخ الاعظم (قده) فان كفاية علم الفضولي في دفع الغرر مبنية على كونه كالوكيل المفوض أو المأذون بنحو الاطلاق، فان إيكال الامر إلى الغير موجب لكون تشخيص خصوصيات البيع ونوع المعاملة بعهدته، كما هو المتعارف عند العقلاء، ولا يعتبر علم الموكل، وما ذكر من لزوم الغرر ليس كما ينبغي. والظاهر كفاية علم الموكل أيضا أحيانا وعدم تحقق الغرر معه، فلو لم يعلم الوكيل عدد المبيع في المعدود أو وزنه في الموزون فأجرى العقد بمحضر من الموكل مع علم الموكل فالظاهر الصحة، بل هو أولى بالصحة من الفرض الاول، ولازم ذلك أنه لو قلنا بأن الفضولي كالمفوض كفى علمه في الصحة، كما أنه كفى علم المجيز في بعض الصور، كما ذكرناه. هذا ولكن لا دليل على كونه كذلك، بل الظاهر عدمه، للفرق الظاهر بين الوكالة والاذن قبل المعاملة، لان الايكال إليه يوجب أن يكون مستقلا في المعاملة وبين الاجازة، ضرورة أنها بعد تحقق المعاملة، ولا تصلح لان تكون موجبة للايكال إليه، ولا يدفع الغرر بعلم الاجنبي فلا بد من علم المجيز لرفع الغرر، والظاهر شمول دليل الغرر لمثله، واحتمال اعتبار علم الفضولي زائدا على علم المجيز مدفوع بالاطلاق.

[ 309 ]

وأما ما أفاده الشيخ (قده) من أن الاجازة أحد ركني العقد - فهو مخالف لمبناهم من أن البيع الفضولي مركب من الايجاب و القبول، والاجازة إنفاذ للبيع بعد تمامية أركانه. وأما على ما ذكرنا سابقا من أن الاجازة قبول لايجاب الموجب وقبول الفضولي لا دخالة له لا في ماهية المعاملة ولا في ترتب الاثر فالوجه اعتبار علمه بالايجاب، أي خصوصيات متعلقه حتى يدفع الغرر، فهي كالقبول بل قبول حقيقة، ولا مانع من تأخره عن الايجاب و إن قلنا باعتبار التوالي في عقد الاصيلين، لتسالمهم هناك دون هاهنا، وإن لم يكن دليل عليه هناك أيضا. ولو شك المجيز في تحقق المعاملة مع علمه بالخصوصيات بما يدفع الغرر على فرض وجودها فالظاهر الصحة حتى مع التعليق ظاهرا، لعدم الدليل على اعتبار التنجيز في الاجازة، لعدم ثبوت الاجماع حتى في نفس المعاملات فضلا عن الاجازة التي هي شرط للتأثير حتى على مسلك القوم، هذا مع عدم استلزام الاجازة للتعليق، نعم لو قلنا باعتبار الجزم لا بد من التعليق، لكن لا دليل على اعتباره. وربما يقال: إن الاجازة من الايقاعات، وهي لا تقبل التعليق، وهو كما ترى، فان عدم القبول إن كان عقلا فلا وجه له يعتمد عليه. والوجوه التي ذكروها في باب الواجب المشروط من كون الهيئة معنى حرفيا لا يمكن أن تكون ملحوظة استقلالا، ولا بد في التقييد والتعليق من لحاظ الموضوع استقلالا، وأن معنى الهيئة جزئي على ما هو التحقيق في معاني الحروف من كونها جزئية، والوضع فيها عام والموضوع له خاص، والجزئي لا يقبل التقيد، وأن الحروف إيجادية لا يعقل التعليق فيها، لان التعليق مساوق لعدم ايجاديتها قد فرغنا عن الجواب عنها في الاصول مع أن الايقاعات والعقود مشتركة في الاشكال،

[ 310 ]

فلا وجه لاختصاصه بها، وإن كان شرعا فيرجع إلى دعوى الاجماع، فهو أفسد. الثالث: لو وقع عقود متعددة على مال الغير فتارة تكون عرضية من شخص واحد أو أشخاص متعددة وأخرى تكون طولية مترتبة. فعلى الاول إن كان العاقد الفضولي شخصا واحدا بأن باع مال زيد من عمرو ثم باعه من بكر ثم من خالد فان قلنا بأن العقد الثاني هدم وفسخ للاول والثالث للثاني وهكذا فليس للمالك إلا إجازة الاخير. وإن قلنا بعدم هدمه، وأنه ليس للفضولي فسخ ما فعل، أو ليس العقد الثاني فسخا، أو أنه فسخ فضولي يحتاج إلى الاجازة بناء على جريان الفضولية في الايقاعات فللمالك اجازة أي عقد منها شاء، فان أجاز مبدأ السلسلة كانت ردا للفسخ على الاخير وإمضاء وإجازة للعقد، وإن أجاز غيره كان إمضاء للفسخ بالنسبة إلى السابق وإمضاء لما أجاز. وإن كان البائع متعددا في زمان واحد أو غيره فله إجازة أيها شاء، فهل تكون إجازته ردا لغير المجاز أو لا؟ وجهان، وعلى الثاني لو تملك المبيع بعد الاجازة فهل له إجازة إحدى العقود الواقعة قبل الاجازة؟ وجهان. وعلى الثاني - أي إذا وقعت طولية مترتبة بأن باع المبيع ثم باعه المشتري ثم المشتري الثاني وهكذا - فلا إشكال في أنه على الكشف الحقيقي صح المجاز وما بعده، ولا يكون ما بعده فضوليا، وهل تكون الاجازة ردا لما قبل المجاز وموجبة لهدمه، فلو تملكه لم يكن له إجازة ما قبله أو لا؟ وجهان.

[ 311 ]

وعلى النقل صح المجاز وما بعده إن قلنا بعدم اعتبار ملكية المجيز حال العقد، وعدم لزم الاجازة بعد ما باع لنفسه ثم ملك، وإلا فلا يصح على الاول، ولا يصح إلا بالاجازة على الثاني، فحينئذ كل مجاز يحقق موضوع العقد الذي بعده بلا فصل. وهل الكشف الحكمي ملحق بالحقيقي أو بالنقل أو تفصيل بين المباني في الكشف الحكمي، فان قلنا بالانقلاب الحقيقي يكون ملحقا بالحقيقي، وإن قلنا بالانقلاب العنواني يلحق بالنقل؟ الظاهر ذلك، فان الحكمي بهذا المعنى عبارة عن النقل حال الاجازة من أول الامر، فقبل الاجازة لا يكون المبيع ملكا للبايعين، فيأتي فيها ما تقدم في النقل. وأما الكشف التعبدي فان قلنا بأن موضوع التعبد العقد المتعقب بالاجازة فيلحق بالكشف الحقيقي، وإن قلنا بأن موضوعه الاجازة فحال الاجازة تعبدنا بترتيب الآثار من الاول فيلحق بالنقل، لكن في الكشف التعبدي بقسميه إشكال في المقام، نظير الاشكال في الاخبار مع الواسطة، والاشكال الذي أبديناه في الاستصحاب بالنسبة إلى الآثار المترتبة، وهو أن التعبد بترتيب أثر الصحة حال العقد بالنسبة إلى المعاملة التي هي في رأس السلسلة لا إشكال فيه، وأما بالنسبة إلى باقي السلسلة فيوجب تحقق موضوع الحكم بالحكم، فالتعبد بترتيب آثار الصحة يوجب البناء على لزوم ترتيب آثار الملكية على المبيع، والصحة في العقد المترتب عليه تحتاج إلى تعبد آخر، وكذا العقود اللاحقة، ولا يمكن تكفل دليل التعبد لذلك. وما ذكرنا في الجواب عن الاشكال في الاستصحاب لا يجري هاهنا، وكذا ما أجابوا به عن الاشكال في الاخبار مع الواسطة، لعدم دليل على التعبد بكون المبيع ملكا للمشتري حتى ينسلك في موضوع دليل السلطنة، ولا كبرى كلية في المقام حتى يقال ما قيل في الاخبار مع الواسطة وإن

[ 312 ]

كان ما ذكر فيها أيضا محل إشكال. وبالجملة لا لسان لدليل التعبد في المقام حتى يحقق موضوع الادلة الاجتهادية كما في الاستصحاب، وغاية ما يمكن أن يقال: إن التعبد بالصحة هاهنا لازمه العرفي صحة جميع ما في السلسلة، وهذا أيضا لا يخلو من إشكال، والامر سهل بعد عدم صحة المبنى. ولو وقعت العقود المترتبة على العوض بأن باع الفرس الذي هو عوض المبيع بالحمار والحمار بالبغل والبغل بالجمل وهكذا قالوا فان أجاز الوسط صح وما قبله، عكس ترتب العقود على المبيع. وفيه إشكال بناء على توقف صحة الفضولي على إجازة المالك، وأن إيقاع إلاجازة وإنشائها محتاج إليه، ليستند العقد إلى المجيز كما قالوا، ضرورة أن إجازة المتوسط إجازة في غير ماله، ولا تؤثر إلا إذا وقعت الاجازة على مبدأ السلسلة ثم على ما بعده و هكذا إلى أن ينتهي إلى العقد المذكور، والفرض أنه لم تقع إجازة إلا على العقد المتوسط. فلا بد من تصحيحه إما بأن يقال: إن إجازة هذا إجازة لما سبقه وهذا فاسد، لعدم إمكان دلالة لفظ إلا على ما وضع له، فإذا أجاز بيع البغل لا يعقل أن تكون إجازة بيعه إجازة لبيع الحمار والفرس. أو يقال: إن إجازة المتوسط مستلزمة لاجازة ما سبقه، وهذا أفسد، لان الاجازة بأي شئ تعلقت تكون من الافعال الاختيارية للمجيز، ولها مبادئ خاصة، فاجازة بيع البغل بما أنها فعل اختياري لا بد فيها من حصول مبادئ خاصة بها من التصور والتصديق بالفائدة وغيرهما حتى ينتهي الامر إلى إرادة الايجاد فيوجدها، ولا يعقل أن يكون ذاك الفعل الاختياري مستلزما لفعل آخر من الفاعل بحيث لا يحتاج إلى المبادئ. ففي المقام لا يعقل تحقق الاجازة في العقود المتقدمة بلا حصول

[ 313 ]

مبادئها، فالاستلزام بهذا المعنى فاسد جدا، كما أن الاستلزام بمعنى لزوم تحقق الاجازة منه بمبادئها الاختيارية أيضا فاسد، وهو واضح، ضرورة عدم حصول إجازة منه إلا بالنسبة إلى الوسط. نعم إجازة الوسط تكشف عن رضاه بما سبقه مع فرض التفاته إليه، لكن المفروض أن الرضا غير كاف في صحة الفضولي. ثم لو قلنا: إن إجازة الوسط إجازة لكل ما سبقه أو مستلزمة لذلك فكأنه قال: أجزت جميعها لم يدفع الاشكال أيضا، لان إنشاء الاجازة لكل ما سبق - سواء كان مستقلا أو باستلزام ونحوه - ينحل إلى إجازات عرضية فجميع العقود المترتبة تصير مجازة في عرض واحد، ولا يعقل الانحلال طولا بمعنى انحلال الانشاء إلى إنشاء لمبدأ السلسلة ثم بعد تحقق الملكية إلى إنشاء آخر مترتب على الاول، وهكذا، كما أن الاستلزام بهذا المعنى لا يكون عقليا ولا عقلائيا، بل غير معقول، فالانحلال العرضي إجازة لملكه في مبدأ السلسلة ولغير ملكه في غيره، والطولي لم يتحقق. هذا مع أنه لو فرض استلزام هذه الاجازة لاجازات أخر مترتبة لكن لا يعقل أن تكون هذه الاجازة مستلزمة لاجازة أخرى متعلقة بما تعلقت به نفس هذه الاجازة. فصحته تتوقف على إجازة مستأنفة بعد حصول الملكية بواسطة الاجازة المتقدمة. والتحقيق أنه مع اعتبار إجازة إنشائية إيقاعية في صحة الفضولي لا يمكن تصحيح المتوسط وما قبله، وكذا الحال لو قلنا باعتبار إظهار الرضا ولو بقضية إخبارية، فان الاظهار فعل اختياري، ولا يعقل أن يكون إظهار الرضا بشئ إظهار بشئ آخر بلا حصول المبادئ الاختيارية، ولا مستلزما لذلك، وبالجملة الاشكال الوارد على الاجازة وارد عليه أيضا.

[ 314 ]

نعم لو قلنا بأن المعتبر هو الرضا لا غير فان قلنا بأن المعتبر هو الرضا ولو بوجوده التقديري فالظاهر الصحة، لان المجيز إذا التفت إلى مبدأ السلسلة فلا محالة يرضى به مع بنائه على تصحيح هذه المعاملة، وبرضائه يصير مالكا للثمن في مبدأ السلسلة، ومع الالتفات إلى المعاملة الثانية فكذلك إلى أن ينتهي إلى ما أجاز، وكذا يمكن التصحيح مع اعتبار الرضا الفعلي إذا التفت إلى حصول معاملات إجمالا، فان الرضا الفعلي في مبدأ السلسلة يصحح تلك المعاملة، فيصير مالكا للثمن، والرضا بوجوده البقائي حاصل بعد مالكيته، فيصحح الثانية وهكذا إلى أن ينتهي إلى ما أجاز، فيكون ما أجاز صحيحا، لا بالاجازة بل بالرضا الحاصل فعلا بقاء بعد صحة ما سبقه. وتدل على كفاية الرضا كذلك وكونه موجبا للصحة في جمبع السلسلة رواية مسمع بن عبد الملك (1) المتقدمة في بعض المباحث الواردة في باب الوديعة، فراجعها. ثم إنك قد عرفت أن هاهنا سلسلتين إحداهما في جانب المبيع والاخرى في جانب الثمن، فتارة تكون السلسلتان مفترقتين لا تلاقي إحداهما الاخرى وأخرى تكونان ملتقيتين. فعلى الاول لو قلنا بأن الاجازة في وسط سلسلة المبيع رد بالنسبة إلى السابق، وفي وسط سلسلة الثمن رد بالنسبة إلى اللاحق فلو أجاز وسط السلسلة الاولى وأجاز وكيله أو نفسه مع الغفلة وسط السلسلة الثانية يتعارض الرد مع الاجازة في مبدأ السلسلة، ولازمه عدم صحة ما وقع على الثمن في طول السلسلة، وكذا ما وقع على المبيع إلى البيع المجاز، فيصح هو وما بعده.


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الوديعة - الحديث 1.

[ 315 ]

وإن قلنا بعدم كونها ردا، بل سكوت عن السابق في الاولى وعن اللاحق في الثانية كان اللازم صحة سلسلة ما وقع على المبيع بجميعها، وصحة سلسلة الثمن من مبدأ السلسلة إلى المجاز، وعدم صحة ما بعده، لان المفروض أن الاجازة الواقعة على الثمن تصحح المعاملات إلى مبدأ السلسلة، وإذا صح مبدأ السلسلة ولم يعارضها الرد صح ما بعده إلى المجاز في سلسلة المبيع باجازة ما وقع على الثمن، وصح المجاز وما بعده باجازتين. وعلى الثاني - هو صورة التلاقي بأن وقع بيوع على المبيع ومعاملات على العوض بوجوده النوعي، ثم اشترى بالعوض مع الواسطة المبيع، ثم وقع معاملات على المثمن والثمن، ثم باع المثمن بالثمن الذي هو عوض مع الواسطة، وهكذا - ففي كل مورد من التلاقي كالاول والثالث والخامس وهكذا يكون اشتراء المبيع بالعوض، وفي كل زوج كالثاني والرابع والسادس وهكذا يكون مورد المعاملة بيع المبيع بالثمن أي العوض، ولازم إجازة الاول أو الثالث أو الخامس وهكذا صحة جميع ما في السلسلتين صاعدا من مورد التلاقي إلى مبدأ السلسلة، ونازلا من مبدئها إلى مورد التلاقي. وأما ما بعد التلاقي فلا يصح إلا باجازة مستأنفة من المالك، ولازم إجازة الثاني والرابع والسادس وهكذا صحة مورد الاجازة وما بعده إلى التلاقي فيما ورد على المبيع، وأما ما وقع على الثمن فحاله يظهر مما تقدم: ثم إن هاهنا إشكالا على صحة تتبع العقود في صورة علم المشتري بالغصب، منشأه ما عن المشهور من عدم ضمان الغاصب الثمن الذي سلم إليه لو تلف عنده، بل عن الفخر (قده) أنه بالتسليم إلى الغاصب يكون قد ملكه مجانا وليس للمشتري استعادته من الغاصب بنص الاصحاب، فلا بد من البحث أولا عن المبنى ثم البحث عما يتفرع عليه.

[ 316 ]

فنقول: إن كان منشأ فتوى المشهور على فرض صحة النسبة هو أن العالم بالغصب لا يمكن له قصد المعاوضة حقيقة وإنما سلم الثمن إلى الغاصب لا بعنوان عوض المبيع، بل ملكه مجانا لاستنقاذ المبيع، ففيه - مضافا إلى أن عدم إمكان تحقق قصد المعاوضة لو صح مع علم المشتري ولازمه عدم صحة الاجازة من المغصوب منه ولا غيره لجرى الحكم مع جهله أيضا، فان الغاصب على هذا المبنى لا يعقل منه القصد إلى حقيقتها، ومضافا إلى أن لازم ذلك عدم القصد إلى حقيقة المعاوضة في جميع العقود الفاسدة مع الالتفات إلى فسادها، ولازمه عدم حرمة ثمن الخمر وأجر الفواحش وأثمان القمار والربا وغيرها في هذا الفرض - أن ذلك مخالف لفتوى المحققين من الاصحاب بصحة بيع الغاصب إذا أجاز المالك، بل مخالف لفتواهم بصحة عقد الفضولي لنفسه لو لم نقل بأنه مخالف لصحة عقد الفضولي مطلقا ولعقد المكره. ومع أنه مخالف للواقع أيضا، ضرورة صدق عنوان البيع على تلك البيوع، وقد مر في محله إمكان قصد المعاوضة ووقوعه. وإن كان المنشأ أن تسليم الثمن ليس وفاء للمعاملة، بل هو تمليك مجانا، ولازمه عدم الضمان لو تلف أو أتلف، أو أن المشتري بعد علمه بأن البائع غاصب ليس إقباضه الثمن إياه إقباضا وفائيا، فهذا الاقباض تسليط منه للغاصب على ماله برضاه واختياره، فلا يكون ضامنا باتلافه وتلفه، ويجوز استرداد الثمن مع بقائه، كما ذهب إليه بعض، ونسبه إلى الفخر (قده) أيضا ففيه أنه خلاف المعهود والمتعارف في المعاملات الواقعة من الغاصب والسارق والخائن، ولازمه إسراء الحكم إلى كل عقد فاسد مع علم المشتري بالفساد، وهو كما ترى. فلا شبهة في أن التسليم إنما هو بعنوان التسليم المعاوضي، ومعه لا وجه

[ 317 ]

لعدم ضمان التلف فضلا عن الاتلاف. وربما يقال: لا إشكال في أن التسليم مبني على المعاوضة، فانه بعد فرض المشتري الغاصب مالكا يملكه الثمن، إلا أن هذه الجهة التعليلية مصححة للقصد المعاوضي لا للتسليم، وذلك لان الجهات يمكن أن تكون موضوعات للاعتباريات كالانشاءات المعاملية دون الامور الخارجية، فانها لا تتغير بالقصد، فتسليم المشتري الثمن إلى الغاصب لكونه مالكا لا يجعل المسلم إليه هو المالك الحقيقي، فالتسليط الخارجي يرفع ضمان اليد وإن لا يرفع ضمان الاتلاف. وفيه - مع الغض عن أن الجهة إذا كانت تعليلية تنتج خلاف مقصوده كما هو واضح - أن الكلام ليس في تغيير الواقع عما هو عليه، بل الكلام في أنه مع التسليم إلى الغاصب هل يرفع ضمان اليد أم لا؟ وبعد الاعتراف بأن التسليم معاوضي بلا إشكال لا ينبغي إلاشكال في الضمان تلفا وإتلافا، لان اليد لم تخرج عن يد الضمان، بل لا يجوز للفضولي أخذ الثمن الذي سلمه إياه بعنوان العوض بعد بطلان المعاملة، ولو أخذه لا يجوز له التصرف، وضمن على أي حال، وبالجملة الكلام هاهنا هو الكلام في المقبوض بالعقد الفاسد. ثم بعد تسليم المبنى إن قلنا بأن المعاوضة الحقيقة لم تتحقق فلا إشكال في عدم جواز إمضاء الانشاء الاول ولا التتبع، وهو واضح نقلا قلنا أو كشفا بأقسامه. وإن قلنا بأن العقد متحقق وقابل للامضاء والاجازة قبل التسليم لكن التسليم تمليك الثمن للغاصب لا تسليم بعنوان المعاوضة فعلى النقل لا تصح الاجازة، لعدم مورد لها بعد تمليك المشتري الثمن للغاصب. وكذا على الكشف الانقلابي العنواني الحكمي، لعدم مورد للنقل من أول الامر مترتبا على الاجازة، وكذا على الكشف التعبدي إذا

[ 318 ]

كان موضوعه الاجازة، فان الاجازه التي لم تقع في موقعها ليست موضوعا للتعبد. وأما على الكشف الحقيقي و الانقلابي الحقيقي والتعبدي إذا كان موضوع التعبد هو العقد عند وجوده إذا كان متعقبا بالاجازة فتصح الاجازة والتتبع، أما على الحقيقي فواضح، وأما على الانقلابي فلفرض انقلاب الواقع عما هو عليه، فانقلب مالكية المشتري للثمن إلى لا مالكيته والى مالكية المالك، فالتمليك للثمن انقلب إلى تمليك مال الغير، وعلى التعبدي فكذلك، لكن بحسب التعبد. وإن كان التسليم إباحة للتصرف فان قلنا بأن الاذن في التصرف الناقل لازمه المكلية للناقل آنا ما قبل النقل تصح اللاجازة للبيع الاول حتى على النقل، ويفترق الحكم بالنسبة إلى التتبع بين الكشف الحقيقي وما يلحق به وبين النقل وما يلحق به. وإن قلنا بعدم الملكية للناقل - بل هو باق على ملك المالك، والاباحة المطلقة نتيجتها جواز الاشتراء للمالك والتصرف فيما يشتري له - صح الاجازة والتتبع. مسألة: في أحكام الرد، فرض هذه المسألة بعد البناء على أن الرد هادم للعقد وفسخ له في الجملة، وقد عرفت فيما سبق عدم دليل على الاصل. ثم إنه لما كان موارد الشك في هذه المسألة كثيرة لا بأس بالتعرض لحاله فنقول: لو رد بغير الالفاظ الصريحة أو الظاهرة أو بالفعل ونحوه وشككنا في تأثيره وانفساخ العقد به فلا إشكال في جريان استصحاب بقاء العقد، بمعنى أن يقال: إن العقد كان موجودا أو محققا فالآن محقق،

[ 319 ]

فيحرز موضوع الادلة الاجتهادية، كقوله تعالى، (أوفوا بالعقود) ويثبت اللزوم بالنسبة إلى الاصيل لو قلنا بأن العقد لازم بالنسبة إليه. وأما بالنسبة إلى المجيز فان قلنا بأن موضوع الاثر هو العقد إذا أجيز فلا إشكال فيه أيضا، فان العقد ثابت بالاستصحاب والاجازة متعلقة به وجدانا، وإن قلنا بأن العقد المجاز بوصف كونه كذلك موضوع فاثباته مشكل، لان الاجازة المتعلقة بالعقد لازمها العقلي هو كون العقد مجازا، فاثبات التقيد والتوصيف من الاصل المثبت، هذا. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من التمسك بأصألة بقاء اللزوم من طرف الاصيل وأصالة بقاء قابلية اللزوم من طرف المجيز ففيه إشكال، أما أصالة بقاء اللزوم فلان المحتمل فيها أمور: منها - ما هو ظاهر كلامه، فالقضية المتيقنة هو أن اللزوم كان موجودا فالآن موجودا إذا شك في بقائه، ولا شبهة في أن التعبد ببقاء اللزوم لا يثبت أن العقد لازم، وأنه موجود، مع أنا شككنا في وجود العقد، وبقاء اللزوم لازمه العقلي وجود العقد وكذا لازمه العقلي أن العقد لازم. ومنها - أن يقال: العقد اللازم كان موجودا والآن كذلك، وهو أيضا مثبت، لان موجودية العقد اللازم لازمه العقلي كون العقد لازما، والمقصود إثبات كون العقد لازما. ومنها - أن يقال: إن هنا قضيتين: إحداهما أن العقد كان موجودا، وثانيهما أن العقد كان لازما، فيستصحب القضية الاولى ويحرز به موضوع القضية الثانية، فيقال: إن العقد موجود تعبدا بالاستصحاب الاول، و العقد المتحقق كان لازما والآن كذلك. وفيه - مضافا إلى أن استصحاب وجود العقد كاف للحكم باللزوم وبانسلاك الموضوع في عموم (أوفوا بالعقود) كما تقدم - أنه مع الغض

[ 320 ]

عنه لا يمكن احراز وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها في الاستصحاب الثاني بالاستصحاب الاول، لان الوحدة حكم عقلي لا شرعي. مضافا إلى أن ما هو لازم قطعا هو العقد بوجوده الواقعي لا الاستصحابي فقوله: (العقد المتحقق كان لازما) إن رجع إلى أن العقد المتحقق تعبدا كان لازما فهو ممنوع، وإن رجع إلى أن العقد المتحقق تعبدا كان لازما بوجوده الواقعي فلا يرجع إلى محصل، فتدبر. وما ربما يقال من أنه من قبيل الموضوعات المركبة حيث يحرز كلا جزءيها بالاصل خلط، لان موضوع الثاني هو العقد الموجود، وهو المشكوك فيه، والاصل الاول يحرز العقد، لكن لا يصح أن يحرز به وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها في القضية الثانية، كما فصلناه في الاصول فراجع. و أما أصالة بقاء القابلية فيرد عليها كلما ورد على الاصل الاول مع زيادة، وهو أن استصحاب بقاء القابلية لا يثبت أنه مع لحوق الاجازة يؤثر العقد، فانه مثبت بلا شبهة، والتفصيل في محله. ثم ان هاهنا مسائل لا ينبغي الخلط بينها: الاولى: ان الرد بعد تسليم تأثيره في الفسخ - بم يحصل؟ وملخص القول فيه أنه إن كان المدرك هو الاجماع فلا بد من الاخذ بالقدر المتيفن، وهو اللفظ الصريح أو الظاهر، وحصوله بالكنايات والمجازات والافعال الدالة على الفسخ ولو مع القرائن الموجبة للظهور لا أثر له فضلا عن الافعال المنافية للاجازة.

[ 321 ]

وإن كان المدرك ارتكاز العقلاء بأن الرد يوجب هدم العقد أو إطلاق دليل على فرضه أو إطلاق معقد إجماع فلا شبهة في عدم الفرق بين الالفاظ الصريحة أو الظاهرة وبين الكنايات والمجازات الظاهرة بالقرائن في الرد، وكذا الافعال الظاهرة ولو بالقرائن فيه. وأما إيقاع الفعل المنافي للاجازة أو حصول ما ينافيها فلا، فلو تلف المبيع أو أتلفه لا يكون ذلك ردا وفسخا للمعاملة، وإن لا يبقى لها محل للاجازة، وكذا لو نقله ببيع أو صلح أو آجره ونحو ذلك، فان تلك المعاملات لا تكون ردا ولو مع الالتفات إلى عقد الفضولي فضلا عن عدمه، فلو باعه جاز للمشتري إجازة العقد الفضولي على النقل، وكذا على الكشف على إشكال قد مر التفصيل فيه. وليعلم أن الرد يحتاج إلى الانشاء ولو قلنا بأن صحة معاملة الفضولي لا تحتاج إليه، بل الرضا بها كاف، ضرورة أن البيع الفضولي تم فيه ما يحتاج إلى الايقاع، وهو أصل المعاملة، وبقي ما يتوقف عليه نفوذه ورضا المالك الاصلي كاف في صدق التجارة عن تراض، كما أن الرضا كاف عن القبول على الاشبه، فان تمام المعاملة حصل بانشاء الموجب، وتأثيره يحتاج إلى رضا القابل، ولو لم نقل في الاصيلين فلا ينبغي الاشكال في كفاية الرضا بالمعاملة في الفضولي. وأما هدم المعاملة وفسخها كنفس المعاملة يحتاج إلى الايقاع والانشاء، ولا يكفي الرضا في هدمه وفسخه كالفسخ في المعاملة الخيارية. الثانية: إن الرد هل يوجب الفسخ والهدم بحيث لا يصح لغير الراد الاجازة

[ 322 ]

أو لا يوجب إلا عدم صحة لحوق إجازة الراد به، فلو رد بيع الفضولي ثم باع المبيع صح باجازة المالك الفعلي؟ أقول: لا دليل على كونه فسخا وحلا، أما الاجماع على فرضه فالمتيقن منه غيره، وأما دعوى ارتكاز العقلاء فالعهدة على مدعيها، والانصاف أنها لم تثبت، وأما الاخبار التي أشار إليها الشيخ (قده) ففي دلالتها على أن الراد لا يجوز له الاجازة بعده إشكال فضلا عن الدلالة على الفسخ والهدم. فقوله عليه السلام في موثقة زرارة: (ذلك إلى مولاه إن شاء فرق بينهما، وإن شاء أجاز) (1) غاية دلالته على إشكال أن الامر دائر بين الشيئين لا ثالث لهما: إما الاجازة وإما التفريق والاجازة بعد التفريق والتفريق بعد الاجازة ليست له، وأما دلالته على الهدم والفسخ بحيث لو أسرينا الحكم إلى باب المعاملات لم يكن لغيره الاجازة إذا تملكه فلا. بل يمكن أن يقال: إن اعتبار الفسخ في العقود إنما هو بعد تمامية العقد وصيرورته مؤثرا موجبا لنقل العوضين، فارجاع العوضين إلى صاحبيهما لا يمكن إلا بفسخ العقد أو إقالته أو انفساخه، وليس للموجب أن يقول بعد تمامية المعاملة: (ارجعت ايجابي) ولا للقابل أن يقول: (أرجعت قبولي) بل الموجب لرجوع العوضين هو فسخ العقد وحله. وأما قبل تماميته ومؤثريته فالاعتبار هو قبول الايجاب أو إجازة العقد الفضولي وعدم القبول وعدم الاجازة، والرد يرجع إليه ولا تأثير له زائدا على ذلك، إذ العقد لم ينسب إليه بوجه، ولم يكن مؤثرا، ولم يتم نصاب مؤثريته، فما للقابل والمجيز هو عدم القبول والقبول بمقتضى سلطنتهما على مالهما، وأما فسخ العقد الذي لا مساس له بهما ولا تأثير له


(1) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب نكاح العبيد والاماء الحديث 2.

[ 323 ]

فلا وجه له، ولا سلطنة للمجيز والقابل على فعل الغير. الثالثة: في التصرفات التي يقال: إنها موجبة لفوات محل الاجازة، وهي مسألة استطرادية مناسبة لعقد البحث، لان عقد البحث إنما هو في أحكام الرد لا في مفوت محل الاجازة. وكيف كان لو أخرج المالك ما عقد عليه الفضولي عن ملكه ببيع أو عتق أو هبة أو صلح ونحوها فلا إشكال على النقل في وقوعه صحيحا وعدم نفوذ إجازته، لصيرورته أجنبيا، وأما التعبير بخروج العقد عن قابلية تأثير الاجازة ففيه مسامحة، لان العقد باق على قابليته، والاجازة من المجيز الذي صار أجنبيا غير صالحة للتنفيذ، فلو أجاز المالك الجديد صح، كما أنه لو تملكه البائع صحت إجازته على الاشبه، ومع الشك قد عرفت حكمه. كما أنه لا إشكال على الكشف الحقيقي في عدم وقوعه صحيحا بناء على كون الكشف موافقا للقواعد، لان مقتضى اطلاق (أوفوا بالعقود) وغيره رفع جميع الشكوك الطارية، منها احتمال دخالة عدم تصرف المالك في الصحة كشفا. وأما لو قلنا بأنه على خلاف القواعد، وعدم إطلاق في الادلة الخاصة كما هو الحق صح عقد المالك، لعدم الدليل على انتقال ما له، فمقتضى الاصل المحرز لموضوع دليل السلطنة والعمومات الصحة. ولو قيل: إن اعتبار ملكية المجيز إلى زمان الاجازة غير معقول، للزوم الخلف أو الانقلاب ففيه أنه على فرض عدم الاطلاق لا دليل على

[ 324 ]

صحة الكشف في فرض تصرف المالك، لا أنه يعتبر في الكشف ملكية المجيز إلى زمان الاجازة، فالكشف انما يثبت في عقد لم يتعقبه تصرف المالك، فالاجازة المتأخرة عنه غير مؤثرة، ففرق بين اعتبار عدم تصرف من المالك الاول وبين اعتبار مالكيته إلى زمان الاجازة. ويلحق بالكشف الحقيقي الكشف الحكمي الانقلابي الواقعي، فانه على فرض صحته يوجب انقلاب الواقع من الاول عما هو عليه، فينقلب الملك إلى اللاملك، ولازمه صيرورة تصرفه تصرفا في ملك الغير، كما أنه يلحق بالنقل الكشف التعبدي إذا لم يكن لدليله إطلاق. وأما الكشف الحكمي أي الانقلابي العنواني فعلى فرض الاطلاق لدليله فيه وجوه: صحة العقد الثاني وبطلان الفضولي وعكسه، وصحة الفضولي والعقد الثاني معا، فصح الاول إلى تحقق الثاني، وتظهر الثمرة في النماء والمنافع للعين من زمان تحقق الاول إلى تحقق الثاني. أما صحة الثاني فلانه عقد واقع من أهله ولا مزاحم له، لان مقتضى الكشف الحكمي المذكور هو النقل حال الاجازة من الاول، وهو انما يصح إذا بقي على ملك المجيز، والفرض أنه على ملكه إلى زمان الثاني، فلا مانع من صحة الاول إلى زمانه، ولا من صحة الثاني، وليس لازم صحة الاول إلى الثاني كون التمليك محدودا حتى يقال: إن التمليك في قطعة من الزمان ليس ببيع، بل العقد الاول وقع بلا قيد والاجازة تعلقت به كذلك، لكن التأثير لا يصح إلا فيما لا مانع له. وبالجملة العقد والاجازة وقعا على نحو الاطلاق أي بلا قيد، والتملك كذلك، لكن لبقاء الملكية إلى ما بعد الثاني مانع، فلم يبق، ولازم ذلك رجوع المشتري إلى البدل، كما أن له الفسخ، هذا مع قطع النظر عن قاعدة (كل مبيع تلف قبل القبض) التي يحتمل شمولها للمقام على

[ 325 ]

إشكال، ولكن مع ذلك لا يخلو صحتهما من إشكال، ولعل الاقوى بطلان الفضولي وصحة الثاني. مضافا إلى أنه مجرد فرض، وإلا فليس لدليل الكشف كذلك إطلاق، كما أنه ليس على القواعد على ما مر في محله، بل يمكن الاشكال في العقد الاول من ناحية عدم القدرة على التسليم ولو فرض كونه على القواعد. وقد يقال في مورد الاخراج عن الملك كالبيع والهبة: إنه لا يبقى محل للاجازة حتى على الكشف الحقيقي، لان المجيز بعد فرض صحة البيع أجنبي، والكاشفية حكم شرعي مترتب على إجازة المالك حال الاجازة. وهو لا يخلو من غرابة، لان اعتبار الملكية إلى حال الاجازة ينافي الكشف الحقيقي، وتوهم كون المجيز أجنبيا غير صحيح حتى على فرض صحة البيع، لان الاجازة متعلقة بحال العقد، فهي من المالك لا الاجنبي، مع أن الصحة فرع بطلان الكشف، ومع صحة الكشف لا يعقل صحة العقد. ولولا تصريحه باعتبار مالكيته حال الاجازة لامكن توجيه كلامه بما تقدم كرارا من أن الكشف على خلاف القواعد، فيقتصر على مورد اليقين، وهو غير المورد، وإن كان يرد عليه حينئذ أن لازم ذلك عدم صحة الكشف مع التصرف غير الناقل، كالاجارة وهو لا يقول به. ومما مر ظهر الحال في التصرفات غير الناقلة كالاجارة ونحوها، فانها على الكشف الحقيقي وما يلحق به كالانقلاب الحقيقي والكشف التعبدي من أول العقد تقع باطلة، وعلى النقل وما يلحق به تقع صحيحة. وأما الرهن فعلى النقل وما في حكمه صح وبطلت الاجازة لان الرهن ينافي البيع، بخلاف الاجارة، وعلى الكشف الحقيقي وما في حكمه بطل الرهن بناء على كون الكشف على القواعد. ومنه يظهر النظر في كلام بعض الاعاظم (قده) في الدورة الاولى،

[ 326 ]

حيث جعل الرهن كالاجارة، وفي الدورة الثانية، حيث ذهب إلى بطلان الاجازة حتى على الكشف قائلا: (إن المفروض صحة الرهن). وفيه أن فرض الصحة من قبيل أخذ القضية بشرط المحمول، وعليه لو صحت الاجارة أيضا بطلت الاجازة، إذ معنى صحتها أنها صدرت من مالكها والكشف يضاده، وكذا لو فرض صحة الكشف بطلت الاجارة والرهن، فلا بد من البحث في الصحة والفساد مع عدم فرض الصحة لاحد الطرفين. فحينئذ نقول: لو كان الكشف على القواعد صحت الاجازة وبطلت التصرفات، لدفع احتمال اعتبار عدمها بالاطلاق، ومع عدم كونها على القواعد لا يمكن إثبات الكشف إلا في المورد المتيقن. وأما التصرفات غير المعاملي كاستيفاء المنفعة فعلى الكشف الحقيقي توجب الضمان، كما أن التلف تحت يد غير المالك كذلك، لقاعدة الاتلاف في الاول وقاعدة اليد في الثاني. وقد يقال: إن العين أمانة شرعية فلا ضمان، وهو غير مرضي، لان الامانة الشرعية هي ما إذا أذن الشارع أو أوجب حفظ مال الغير كما في اللقطة بعد التعريف ونحوها، وفي المقام لا دليل على ذلك، بل مقتضى وجوب الوفاء بالعقد هو لزوم الرد واقعا وإن جهل به المستولي، ولو فرض عدم وجوب الوفاء إلا بعد استناد العقد إليه بالاجازة فلا شبهة في أن العين على الكشف مال المشتري، ويجب ردها، ولا يجوز إدامة الاستيلاء عليها إلا باذن مالكها، والحكم الظاهري كاستصحاب بقاء العين على ملكه لا يستفاد منه الامانة الشرعية، بل لسان هذا الاستصحاب ينافيها، فان الحكم بكون المال مالك غير مناسب للامانة الشرعية لمالكه. ولو قيل: إن الاستصحاب يحكم بملكيته، وهو حاكم على قاعدة

[ 327 ]

اليد يقال: إن لازمه عدم الضمان مع الاتلاف أيضا، ولا يلتزم به أحد. وبالجملة قاعدة اليد موجبة للضمان من غير فرق بين العلم والجهل ووجود حكم ظاهري وعدمه، كما هو المتسالم عندهم في تعاقب الايادي وغيره، فالاشبه الضمان على الكشف الحقيقي، كما أن الاشبه عدم الضمان حتى مع الاتلاف على الكشف الحكمي المعروف، أي بناء على الانقلاب في العنوان لا الانقلاب الحقيقي، فان مقتضى ذلك أن كل تصرف وقع قبل الاجازة كان في ملكه، وكل ما وقع بعدها كان في ملك صاحبه، ولا يعقل انقلاب ما قبل الاجازة بما بعدها بالاجازة، فعليه كان إتلاف المنافع قبلها إتلافا لمال نفسه، والاجازة بعد تحققها تنقل العين بعد إتلاف المنفعة بيد مالكها، فلا وجه لضمان الاتلاف فضلا عن ضمان التلف. مسألة: لو لم يجز المالك وكان المبيع في يد البائع الفضولي فله انتزاعه منه مع منافعه المستوفاة وغيرها مما تلفت تحت يده، وقد مر الكلام فيه مستقصى في المقبوض بالبيع الفاسد، فلا نطيل، والمناسب هاهنا البحث عن الايادي المتعاقبة. فنقول: لو تعاقبت الايادي على عين وكانت العين موجودة في يد أحد من في السلسلة فهل يجب على كل منهم رد العين إلى صاحبها؟ فان كانت موجودة عنده يردها وإلا يأخذها ممن كانت عنده ويردها وهل يجوز لصاحب العين الرجوع إلى كل من في السلسلة كانت العين عنده أم لا؟ حكم المسألة مختلف بحسب اختلاف المباني المتقدمة، فان قلنا بأن مقتضى قاعدة (على اليد) هو كون العين على عهدة الآخذ، ولازمه

[ 328 ]

العرفي أداؤها عند وجودها، وضمانها عند التلف، أو قلنا بأن عهدة العين عليه، ولازمه العرف ما ذكر فيجوز له الرجوع إلى كل واحد وإلى الجميع، كما يجب عليهم ردها. والفرق بين الاحتمالين هو أنه في الثاني لم يعتبر العين على العهدة كما في الدين، بل العين الخارجي بخارجيتها يكون الآخذ متعهدا لها، والظاهر أن باب الكفالة من هذا القبيل، فان اعتبار كون الشخص على العهدة كالدين غير عقلائي بخلاف اعتبار كونه مورد تعهده، وهذا الاحتمال أقرب مما ذكره السيد الطباطبائي (قده) وتبعه غيره، وأسلم من الاشكالات السابقة. وإن قلنا بأن مقتضى القاعدة هو الضمان عند التلف بمعنى تحقق ماهية الضمان على عهدته وهي ماهية تعليقية، ولا يبعد أن يكون ذلك مراد المشهور على ما نسب إليهم، وعليه لا يجب ردها على غير من هي في يده، وليس للمالك الرجوع إلى غيره ممن في السلسلة، وقد مر الكلام في الاستظهار من لفظ القاعدة، وأن المختار هو الاخير. وأما المنافع المستوفاة وغيرها فلا شبهة في ضمان المستوفى بل في ضمان من تلفت تحت يده، وقد مر الكلام فيها وفي دفع الاشكالات عنها. وأما غيره فقد يقال بضمان كل من كان قبله في السلسلة دون المتأخر بدعوى أن مقتضى (على اليد) أن يكون ضمان العين مع خصوصياتها من منافعها وصفاتها الموجودة والمتجددة ولو عند من تأخر عن الآخذ على آخذها. وفيه ما لا يخفى، فان الضمان على الفرض ضمان اليد، فان كان المدعى أن في ضمان المنافع والصفات لا يعتبر اليد حتى تبعا ويكفي اليد على العين فهو لا يستأهل الجواب، ضرورة أن الضمان بلا وجه، ومعه لا فرق بين المتقدم والمتأخر.

[ 329 ]

وإن كان المدعى أن وقوع اليد على العين وقوع على المنافع والصفات تبعا ولا يلزم الاستيلاء الاستقلالي فهو صحيح، لكن لازمه عدم ضمان غير من استولى على المنافع والصفات بتبع العين، ومع عدم تحقق الوصف والمنافع إلا عند أحد من في السلسلة لا وجه لضمان غيره، فلو صار الغنم سمينا عند أحد وصار هزالا عنده فوصف السمن لم يكن موجودا عند السابق ولا تحت يده، ضرورة عدم كون المعدوم تحت اليد، فلا مقتضي للضمان بالنسبة إلى غيره سابقا كان أو لاحقا. ويمكن تقرير الضمان بأن يقال: على فرض كون العين المأخوذة على العهدة يكون ما في العهدة في الصفات والمنافع تبعا للخارج، فلو صار الخارج ذا صفة اعتبرت الصفة في العين المعتبرة في الذمة، فيشتغل الذمة بها. أو يقال: على فرض تعلق العهدة بالعين الموجودة عكس الفرض الاول تكون العين الموجودة متعلقة للعهدة، فكلما حصل التغيير فيها حصل فيما هو متعلق العهدة، فيجب أداؤه لرفع الضمان والعهدة. ولكنه مخدوش بتقريريه، لان اعتبار العهدة أو التعهد للعين تبع لقاعدة اليد، لا يمكن تخلفه سعة وضيقا عنها، ومقتضى القاعدة أن ما وقع اليد عليه وكان مأخوذا صار مضمونا بأي نحو فرض، والاوصاف أو المنافع الحاصلة بعد خروج العين عن تحت استيلاء الآخذ لا يعقل أن تصير مضمونة، لعدم وقوع اليد عليها لا تبعا ولا استقلالا. ويتلوهما في الضعف لو قيل: إن المنافع والاوصاف لا يلزم أن تقع تحت اليد، بل اليد على العين كافية في الضمان، وخروج عهدة العين لا يكون إلا بأدائها وأداء منافعها وقيم أوصافها، لان ثبوت العهدة بالنسبة إلى المنافع والاوصاف التي لم تكن موجودة لا عند وقوع العين تحت

[ 330 ]

اليد ولا بعده ما دام كونها تحت اليد ممنوع، ولو قيل بأن اليد على العين كافية للضمان بالنسبة إلى المنافع إذ خروج العهدة بأداء قيم المنافع انما هو فيما ثبت الضمان فيه. مع أن المبنى أيضا مخدوش، ضرورة أن الدليل الوحيد للضمان هو اليد من غير فرق بين ضمان الاعيان والمنافع، كما أن خروج العهدة بالنسبة إلى المنافع غير خروجها بالنسبة إلى الاعيان، فدعوى أن خروج عهدة العين متوقف على أداء المنافع خالية عن الشاهد، بل الشاهد على خلافها، كما أن دعوى صدق الاتلاف مع جعل العين تحت يد الغير ممنوعة، وعلى فرض التسليم في الجملة غير مطردة، كما هو واضح. والانصاف أنه لا دليل على ضمان المتقدم، سواء بقيت العين و تلفت المنافع الحاصلة تحت يد المتأخر أو تلفت العين أيضا، وسواء في ذلك الاوصاف والمنافع والقيم إذا قلنا بالضمان فيها أيضا. هذا كله حكم المالك مع من وقعت العين تحت يده، وقد بقي حكم قرار الضمان، وسيأتي الكلام فيه. وأما حكم المشتري مع الفضولي فيقع الكلام فيه تارة في الثمن وأخرى فيما يغرمه للمالك زائدا على الثمن. فهاهنا مسألتان: الاولى لا إشكال في جواز رجوعه إلى الفضولي بالثمن مع جهله بكونه فضوليا، سواء كان موجودا أو تالفا منه أو لا، هذا بحسب الحكم الواقعي وأما بحسب الظاهر ومقام الترافع فان كان المشتري شاكا في كونه فضوليا وبقي على شكه واحتمل كون البائع مالكا يجب عليه ترتيب آثار الملكية فلا يجوز له أخذ الثمن أو التصرف فيه، ويجوز التصرف

[ 331 ]

المالكي في المبيع، كل ذلك لقاعدة اليد الكاشفة عن المكية إلا أن تقوم البينة على ملكية غيره، ولمدعي الملكية إقامة الدعوى على البائع وعلى المشتري. فان أقام على المشتري فحكم الحاكم بملكية المدعي متكلا على البينة العادلة فللمشتري الرجوع إلى الثمن إلا إذا أصر بالاقرار بعد البينة أو ادعى العلم وعدم الاتكال على اليد. وإن إتكل الحاكم على اليمين المردودة لا يجوز له الرجوع، كما أنه لو حكم الحاكم بعلمه لا يجوز له الرجوع، لعدم حجية علمه بالنسبة إلى غيره، وعدم كون الحكم حجة على الواقع، بل هو فاصل للخصومة، ولو أقام الدعوى على البائع فكذلك أيضا. ولو اتكل الحاكم في الدعويين على البينة وكانت عند المشتري فاسقة فلا يجوز له النقض ظاهرا، فهل يجوز باطنا؟ الظاهر ذلك، كما لو ظهر فساد اجتهاده عنده قطعا لا اجتهادا، وفروع المسألة موكولة إلى محلها. وإن كان المشتري عالما بالفضولية فان كان الثمن موجودا استرده بلا إشكال حتى مع تملكيه مجانا، مع أن هذا الفرض خارج عن محط البحث، إذ محطه ما إذا باع الفضولي كالغاصب لنفسه واشترى المشتري منه وتبادلا بحسب الخارج بين المثمن والثمن بعنوان أداء كل منهما العوض ففرض تمليكه مجانا أي بلا ارتباط بالمعاملة كفرض عدم تحقق المعاملة، وفرض تسليمه النقد وإجازة تصرفه فيه من غير نظر إلى المعاملة خارج عن محل البحث. فلا بد من تخصيص البحث في هذا الفرع والفرع اللاحق بما إذا وقع البيع والشراء ممن لا يعتني بالقوانين العرفية والشرعية كما هو الحال في الظلمة والسرقة، فانهم يبيعون أموال الناس كاموالهم كما هو الحال في

[ 332 ]

المقبوض بالبيع الفاسد مع علمهما بالفساد، فالخمار يبيع الخمر كالخل، وأما المعتني بأحكام الشرع فلا يمكن له الجد بالمعاملة والتسليم بعنوان العوض. فيقع الكلام حينئذ في أن التبادل كذلك أي مع الجد به هل يوجب عدم جواز الاسترداد مع وجود الثمن وعدم الضمان مع الاتلاف أو التلف؟ أما مع وجوده فلا ينبغي الاشكال في جوازه، بل في عدم جواز أخذ البائع الثمن والتصرف فيه، لان الاداء إنما هو بعنوان لا ينطبق على الواقع، ولا يكون الاداء مجانا وابتداءا. وبالجملة إن التسليم انما هو بعنوان عوض المبيع، فلا يجوز له الاخذ والتصرف، ولم يحصل مجوز له من ملك أو إجازة تصرف، والرضا المعاملي والعمل على طبقه ليس مجوزا ولا مملكا. والشيخ الاعظم (قده) أصاب فيما أفاد من عدم جواز تصرف البائع في الثمن، وأنه أكل مال بالباطل، لكن ذلك مخالف لما أفاد في الفرع الآتي من أن المشتري سلطه على الثمن للتصرف والاتلاف، إلا أن يكون مراده في المقام التصرف المعاملي، وفي الفرع الآتي التصرف غير المعاملي، وهو أيضا غير خال عن الاشكال، كما أن ظاهره في المقام أن جواز الاسترداد لعدم حصول الملكية الظاهر منه أنه لو حصلت الملكية لم يجز الاسترداد، مع أنه تمليك مجان، وجاز الرجوع والاسترداد مع بقائه على ما هو عليه. واحتمال أن يكون مراده أن التمليك من المشتري إذا كان في مقابل تمليك الفضولي أي التمليك الباطل لا يجوز له الرجوع - لان المقابلة ليس بين المالين، بل بين تمليك الاصيل وتمليك الفضولي بالمعنى المصدري - مقطوع الخلاف، بل غير صحيح في نفسه. ولو تلف الثمن فالمعروف عدم الضمان، بل هو المنسوب إلى المشهور

[ 333 ]

بل ادعي الاتفاق عليه، وقد تقدم الكلام فيه، و حاصله أن الدليل على الضمان هو قاعدة اليد، وليس شئ مخصصا أو مقيدا لها. وما أفاد الاعلام (قدهم) من أن التمليك مجاني أو أن الادعاء يصحح التمليك الاعتباري لا التسليم الخارجي قد مر الكلام فيها، وقلنا أن التسليط ليس مجانيا، والشاهد عليه أنه لو سلطه على الثمن ولم يؤد البائع السلعة يرجع إلى الثمن، وكذا لو لم يؤد البائع المثمن وظهر عنده تناكله لم يؤده الثمن بلا إشكال، وكذا الشاهد عليه أنه يقع المماكسة في القيمة بينهما. وما أفاد الشيخ الاعظم (قده) - من أنه سلطه مقابل ملك غيره فلم يضمنه شيئا من كيسه فهو كالهبة الفاسدة - فيه أن ضمان اليد لا يتوقف على تضمينه، بل اليد تمام الموضوع له، إلا أن يسلطه عليه مجانا، ولا شباهة لذلك بالهبة الفاسدة، بل هو عمل على طبق البيع الفاسد. نعم لو أغمض عن قاعدة اليد فلا دليل على الضمان، لما مر في باب المقبوض بالبيع الفاسد من أن الدليل الوحيد هو اليد مع التلف وقاعدة الاتلاف معه، لا قاعدة الاقدام وكل ما يضمن بصحيحه، فراجع. ثم إن كل ذلك فيما إذا باع الفضولي لنفسه، وأما إذا باع لماكله ودفع المشتري الثمن إليه ليرده إلى المالك فالظاهر عدم الرجوع إذا تلف في يد الفضولي بلا إفراط وتفريط، ضرورة أن يده أمانية كيد الوكيل بل هو الوكيل في الرد إلى المالك فلا وجه للضمان إلا إذا أفرط أو أتلف ولم يتضح ما أفاد الشيخ (قده) من ثبوت الرجوع إليه مطلقا. وقد اتضح مما مر حكم ما إذا كان الثمن كليا فدفع المشتري بعض أفراده، فانه على ما قررناه ضامن ويجوز الرجوع إليه في التلف والاتلاف.

[ 334 ]

المسألة الثانية: الغرامات التي يتحملها المشتري على أنحاء: منها - ما تكون في مقابل العين كزيادة القيمة على الثمن، كما إذا تلفت العين ورجع إليه المالك وكانت القيمة المأخوذة منه أكثر من الثمن، ومنها - ما تكون في مقابل ما استوفاه كسكنى الدار والثمرة، ومنها - ما تكون في مقابل المنافع غير المستوفاة، ومنها - الغرامة من جهة حفر نهر أو غرس أو نفقة أو نقص وصف ونحو ذلك. ثم لو كان المشتري عالما فلا رجوع في شئ مما ذكر، إذ لا دليل عليه، وأما إذا كان جاهلا فالظاهر الرجوع في الجميع. أما الاخير منها فقد ادعي الاجماع عليه، وتدل عليه قاعدة الغرور وهي قاعدة مسلمة لها دليل مستقل بعنوانها، ولا يكون مستندها قاعدة الاتلاف، ولا قاعدة الضرر، بل لا يمكن أن يكون المستند ذلك، لان عنوان الغرور منطبق على حيثية تباين حيثية الاتلاف و الاضرار، ضرروة أنه صادق في المقام على بيع مال الغير خدعة وتدليسا، فالعنوان صادق قبل الاتلاف والضرر رتبة بل وزمانا، وقاعدتا الاتلاف والضرر لا تنطبقان إلا بعد الاتلاف والضرر، فالعنوانان متباينان، ولا يعقل كون دليل قاعدة ما دل على قاعدة مباينة لها، ولو سومح فلا أقل من كونهما معها من قبيل العامين من وجه، وفي مثله أيضا لا يمكن أن يكون الدليل على قاعدة الغرور ما هو نسبته اليهما كذلك، فلا بد إما من إنكار قاعدة الغرور أو إثباتها بغير دليل الاتلاف والاضرار. والتحقيق أنها قاعدة برأسها وعنوانها، لا لما نسب إلى النبي صلى الله

[ 335 ]

عليه وآله (المغرور يرجع إلى من غره) لعدم ثبوت استناد الاصحاب في الحكم إليه، وقرب احتمال استنادهم إلى الروايات الآتية. والعجب من بعض الاجلة حيث قال: (ربما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله المغرور يرجع إلى من غره - كما حكي من المحقق الثاني في حاشية الارشاد - ويمكن دعوى انجبار ضعفها بالشهرة، فان هذه القضية بهذا اللفظ متداولة في ألسنتهم) ضرورة أن المرسلة بهذا الارسال لا يمكن دعوى جبرها مع عدم استنادهم إليها، وقرب احتمال اصطيادها من الاخبار الخاصة. كرواية إسماعيل بن جابر التي هي صحيحة أو كالصحيحة، إذ ليس في سندها إلا محمد بن سنان، وهو ثقة على الاصح - قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نظر إلى امرأة فأعجبته، فسأل عنها، فقيل: هي ابنة فلان، فأتى أباه فقال: زوجني ابنتك فزوجه غيرها فولدت منه، فعلم بعد أنها غير ابنته وأنها أمة، قال: ترد الوليدة على مواليها، والولد للرجل، وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غر الرجل وخدعه) (1). ولا يخفى أن المتفاهم عرفا أن غرور الرجل وخدعته علة للرجوع، فيفهم منه أن المغرور يرجع إلى من غره وخدعه، ويستفاد منه قاعدة كلية سارية، والظاهر من أخذ العنوان هو موضوعيته، فالغرور موجب للرجوع في الخسارات، كان إتلافا أو لا وضررا أو لا. ثم لا يخفى أن عناوين الغرور والخدعة والتدليس بحسب اللغة والعرف


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب العيوب والتدليس - الحديث - 1 من كتاب النكاح.

[ 336 ]

ودلالة الاخبار ترجع إلى شئ واحد، وقد فسر في اللغة كل بالآخر، وقوله عليه السلام في الرواية المتقدمة: (كما غر الرجل وخدعه) ظاهر في أنهما بمعنى واحد، لا أن الغرور قاعدة والخدعة قاعدة اخرى، أو كل من العنوانين جزء موضوع، وهو واضح. وقد ورد في باب تدليس الجارية بلفظ الغرور في رواية دعائم الاسلام فقال في القرن والجذام ونحوهما: (ويرجع بالمهر على من غره بها، وإن كانت هي التي غرته رجع به عليها) (1) فيظهر منها أن التدليس والغرور أمر واحد. فيصح الاستدلال لقاعدة الغرور بروايات باب التدليس كمعتبرة رفاعة بن موسى فقال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام - إلى أن قال - وسألته عن البرصاء قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في أمرأة زوجها وليها وهي برصاء أن لها المهر مما استحل من فرجها، وأن المهر على الذي زوجها، وانما صار عليه المهر لانه دلسها، ولو أن رجلا تزوج امرأة وزوجه إياها رجل لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شئ وكان المهر يأخذه منها) (2) وقريب منها غيرها. ويظهر من ذيلها ومن بعض روايات أخر التفصيل بين العالم والجاهل، والظاهر أن الجاهل خارج موضوعا، لا أنه مدلس ولا حكم له، واعتبار العلم في مادة الخديعة والتدليس ظاهر من العرف واللغة. وفي المجمع والقاموس والصحاح (التدليس: كتمان عيب السلعة عن المشتري) وقريب منه في المنجد وفيه وفي المجمع والقاموس (غره:


(1) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب العيوب والتدليس الحديث 5 من كتاب النكاح. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب العيوب والتدليس - الحديث 2.

[ 337 ]

خدعه وأطمعه بالباطل) وفي المنجد (خدعه: أظهر له خلاف ما يخفيه) وفي المجمع (الخدع: إخفاء الشئ). وبعد ما كان الغرور بمعنى الخدعة وقد أخذ فيها العلم يتضح حال الغرور أيضا، مع أن عدم الاحراز والشك كاف في عدم جواز التمسك بقاعدة الغرور في مورد الجهل، كما أن التفصيل المستفاد من الرواية المتقدمة وغيرها سار في قاعدة الغرور أيضا، بعد كونهما معنى واحدا، فاثبات الضمان بقاعدة الغرور في الجاهل بالواقعة في غاية الاشكال، بل غير ممكن، لانه متوقف على إثبات كون الغرور غير التدليس والخديعة وإثبات أعميته من حال العلم والجهل، وهما في معرض المنع. ثم إن الظاهر من نحو قوله صلى الله عليه وآله: (المغرور يرجع إلى من غره) وكذا موارد سائر الروايات أن الحكم بالرجوع ثابت فيما إذا كان الغرور والخديعة دخيلا بنحو من الدخالة في إقدام المغرور، كما لو دعاه إلى ارتكابه وزينه في نظره وأغراه به، أو أخفى العيب بحيث لو كان ظاهرا لما أقدم عليه، كموارد روايات التدليس. وأما لو كان للفاعل داع إلى الاقدام بحيث لم يؤثر دعوته ولا إغراؤه فيه وكان ممن يرتكب حتى مع علمه بالواقعة فهو خارج عن القاعدة. كما أن الظاهر أن الرجوع إنما هو في الخسارات الواردة عليه لاجل غروره، فلو لم تحصل له خسارة فلا رجوع، فحينئذ لو كان الرجل عازما على اشتراء الطعام لاكله وأكل عائلته فقدم إليه طعام الغير أو طعام نفسه فأكله وكانت قيمته مساويا لما عزم على اشترائه أو أقل منه لم يقع في خسارة وضرر عرفا، أو أراد استئجار محل لسكناه بقيمة فسلم إليه دارا ليسكنها فاتضح أنها لنفسه أو لغيره لم يكن واقعا في خسارة عرفا، وفي المنافع المستوفاة أيضا كذلك إذا كان محتاجا إليها بحيث لو لم تكن حاصلة له

[ 338 ]

لحصلها بطريق آخر، ففي جميع تلك الموارد لم يقع في خسارة، وهو خارج عن مفاد القاعدة، فما هو المعروف من الضمان ليس على إطلاقه متجها وما يظهر من روايات التدليس بأنها حكمت بالضمان مع حصول النفع له لا ينافي ما ذكرناه، لان حصول النفع شئ وعدم تحقق الخسارة شئ آخر، فالمهر في تلك الروايات الحاكمة بضمانه خسارة على الزوج، وليس الدخول بها مقابلا له حتى يقال بعدم تحقق الخسارة. ثم إن الظاهر من عدة من الروايات وصريح بعضها أن الغار ضامن، واحتمال أن يكون الحكم بالجبر تكليفيا أو أن للمغرور حق الرجوع وليس من قبيل الضمان ساقط، ففي رواية إسماعيل بن جابر (وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد) (1) ويستفاد منها قاعدة كلية، وكذا يستفاد القاعدة والضمان من رواية رفاعة بن موسى المتقدمة (2) وفي روايات شاهد الزور في أبواب الشهادات (يضمنان الصداق) (3) وليس في الروايات ما يخالف الضمان، فان رجوع المغرور إلى الغار يؤيد الضمان، وهذا لا إشكال فيه. إنما الاشكال في أن الغار ضامن لصاحب المال المتلف في عرض المتلف، ولصاحب المال الرجوع إلى أيهما شاء، فلو رجع إلى الغار لا يرجع الغار إلى المتلف، ولو رجع إلى المتلف يرجع هو إلى الغار نظير ضمان اليد في الايادي المتعاقبة بناء على ما قالوا من استقرار الضمان على من تلف عنده أو بيده، أو أن الضمان على المتلف، وليس للمالك الرجوع إلى الغار، بل له أخذ ماله من المتلف، وبعد أخذه منه يرجع هو إلى الغار، أو أن الضمان على الغار دون المتلف، فمن أتلف مال الغير وهو مغرور لا يضمن


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب العيوب والتدليس - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب العيوب والتدليس الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 13 - من كتاب الشهادات - الحديث 1.

[ 339 ]

شيئا، بل الغرور موجب لتوجه الضمان الذي كان بحسب القواعد على المتلف إلى الغار وسلبه عن المغرور؟ وجوه، أوجهها بحسب جمع الروايات أولها، فانها على طوائف: منها - ما هو ظاهر في أن الضمان على الغار ابتداء، كرواية إسماعيل ابن جابر المتقدمة، قال: (ترد الوليدة على مواليها، والولد للرجل، وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غر الرجل وخدعه) (1) يظهر منها أن القيمة على الغار، ولا بد من إعطائها الموالي، فللموالي مطالبة القيمة منه، فيكون الغار ضامنا لهم، لا أن الزوج ضامن قيمة الولد للموالي، وبعد إعطائها يجوز له الرجوع إلى الغار، فلو كان الحكم كذلك كان عليه البيان بعد كونه في مقام بيان الحكم، ويستفاد من ذيلها أن القاعدة الكلية كذلك، فكل من غر الرجل وخدعه في كل مورد يكون ضامنا للمضمون له ابتداء. وكرواية رفاعة بن موسى المتقدمة (2) وفيها (أن المهر على الذي زوجها، وانما صار عليه المهر، لانه دلسها) إذ الظاهر منها أن كل مدلس يتوجه الضمان إليه، فللزوجة مطالبة مهرها من الولي ابتداء، بل المتفاهم منها ومن السابقة وغيرها مما هو قريب منها أن الضمان الذي كان على المغرور لولا الغرور يتعلق بالغار. ومنها - ما هو ظاهر في أن الضمان على المغرور، وله الرجوع إلى الغار بعد أداء الغرامة، كرواية جميل المتقدمة، وفيها (يأخذ الجارية المستحق، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب العيوب والتدليس - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب العيوب والتدليس - الحديث 2.

[ 340 ]

الجارية وقيمة الولد التي أخذت منه) (1) وقريب منها رواية زرارة، وفيها (يرد إليه جاريته، ويعوضه بما انتفع، قال: كان معناه قيمة الولد) (2) وروايته الاخرى (3). ولا منافاة بين الطائفتين، والجمع بينهما أن الضمان على المغرور وعلى الغار جميعا، كما في ضمان الايادي المتعاقبة، ولصاحب المال الرجوع إلى أي منهما، لكن لو رجع إلى المغرور يرجع هو إلى الغار، ويستقر الضمان عليه. ومنها - رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي عبد الله عليه السلام (في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها طلقها فتزوجت، ثم جاء زوجها فأنكر الطلاق قال: يضربان الحد، ويضمنان الصداق للزوج، ثم تعتد ثم ترجع إلى زوجها الاول) (4) وبمناسبة الحكم يعلم ثبوت كونهما كاذبين، وأن شهادتهما زور، وفي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في الشهادة بالموت (ويضرب الشاهدان الحد، ويضمنان المهر لها عن الرجل) (5). ولا منافاة بينهما وبين ما تقدمت فان قوله عليه السلام: (يضمنان الصداق للزوج) إنما هو بعد فرض أداء الزوج الصداق، كما لعله المتعارف في تلك الازمنة والظاهر من جملة من الروايات. كما أن الظاهر من رواية أبي بصير أنهما ضمنا المهر، ويجوز للمراة الرجوع إليهما، وكان الصداق الذي ترجع به إليهما هو من قبل الرجل، فلا يجوز لها بعد الاخذ منهما الرجوع إلى الرجل بالمهر، فالجمع بين جميع الروايات بما تقدم من ضمان الغار والمغرور وجواز الرجوع إليهما ورجوع المغرور بعد الاداء إلى الغار.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 88 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 5 - 2 - 4. (4) و (5) الوسائل - الباب - 13 - من كتاب الشهادات الحديث 1 - 2.

[ 341 ]

وبما ذكر يظهر أنه لو أبرأ المضمون له المغرور المتلف ليس له الرجوع إلى الغار، فلو أبرأت المرأة الزوج من المهر ليس لها الرجوع به إلى الغار، لان الضمان كان عنه. وبعبارة أخرى إن الزوج ضامن للزوجة، والغار ضامن لها عن الزوج، أي ضامن لها ما هو ضامن لها، فعليه ضمان ما هو ضامن، فإذا سقط ضمان الزوج سقط ضمانه، نظير الضمان بمعنى ضم ذمة إلى ذمة بوجه، ولو أبرأت المرأة الغار لم يكن له تأثير إلا في عدم جواز رجوعها إليه، فلها أخذ المهر من الزوج بعد إبراء الغار، وللزوج الرجوع إليه بعد الاداء. واستدل على رجوع المشتري إلى البائع في المقام بقاعدة الاتلاف، قال الشيخ الاعظم (قده): (فان البائع متلف عليه ما يغرمه فهو كشاهد الزور الذي يرجع إليه إذا رجع عن شهادته). أقول: لا بأس بالتعرض لقاعدة الاتلاف وحدودها عرفا وشرعا، ثم النظر في أن المقام مشمول لها وإن تعرضنا لاصل القاعدة فيما سبق. فالظاهر أن قاعدة الاتلاف بنطاق أوسع من مفهوم الاتلاف أمر عقلائي، فلو أتلف مال الغير أو أفسده أو أكله أو عيبه أو أفسده على صاحب المال ولو لم يفسده في نفسه - كمن سلم مال الغير إلى غاصب لا يمكن أخذه منه، أو أخرج الطير من قفصه إلى غير ذلك من التضييع والافساد - فهو ضامن عند العقلاء يرجع بعضهم إلى بعض في الضمان. ويدل على ذلك روايات في أبواب متفرقة منها - موثقة سماعة قال: (سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه فقال: هذا فساد على أصحابه، يقوم قيمة ثم يضمن الثمن الذي أعتقه، لانه أفسده على

[ 342 ]

أصحابه) (1). وصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه قال: ذلك فساد على أصحابه فلا يستطيعون بيعه ولا مؤاجرته، قال يقوم قيمة فيجعل على الذي أعتقه عقوبة، وإنما جعل ذلك لما أفسده) (2). يظهر منهما ومن غيرهما أن الافساد على المالك موجب للضمان سواء كان في نفسه فسادا أم لا، فالعلة للضمان هو الفساد على المالك بنحو لا يمكن له الانتفاع المتوقع من ملكه، فالحيلولة بين المالك وملكه كالقائه في البحر أو إخراج طيره من القفص ونحو ذلك إفساد على المالك، وموجب للضمان، ويستفاد من ذلك قاعدة الاتلاف وأوسع منها، فيفهم العرف منه أن الافساد بالتعييب أو بالحرق ونحوهما موجب للضمان. نعم مقتضى قاعدة الاتلاف هو ضمان النقص الحاصل للمال، لا التقويم بما ذكر في تلك الطائفة، ولعل التقويم لاجل عدم إمكان الاستفادة من العبد الذي أعتق شقص منه، فهو بحكم التلف، وكيف كان لا يضر ذلك بالمقصود من استفادة الضمان للاتلاف والافساد. ومنها رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في وطئ أحد الشركاء الجارية المشتراة وفيها (تقوم الجارية، ويغرم ثمنها للشركاء، فان كانت القيمة في اليوم الذي وطأ أقل مما اشتريت به فانه يلزمه اكثر الثمن، لانه أفسدها على شركائه، وإن كانت القيمة في اليوم الذي وطأ أكثر مما اشتريت به يلزمه الاكثر لاستفسادها) (3).


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من كتاب العتق - الحديث 5 - 9. (3) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب حد الزنا - الحديث 4 من كتاب الحدود.

[ 343 ]

والظاهر أن الافساد لاجل احتمال الحبل كما يشعر به أو يدل عليه بعض روايات الباب، أو يقيد بحصول الحبل كما يدل عليه بعض آخر، وكيف كان يستفاد منها قاعدة الاتلاف وأزيد منها كما أشرنا إليه. ومنها - ما وردت في ضمان الاجير إذا أفسد، كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سئل عن القصار يفسد، فقال: كل أجير يعطى الاجرة على أن يصلح فيفسد فهو ضامن) (1) ومعلوم أن الضمان لاجل الافساد من غير دخالة للاجير فيه، نعم لا يبعد أن يستفاد من نحوها أن المصلح من غير أخد الاجر إذا أفسد من غير تقصير فهو غير ضامن لقاعدة الاجسان. وكرواية إسماعيل بن أبي الصباح أو إسماعيل بن صباح أو إسماعيل عن أبي الصباح، وفيها (عن القصار يسلم إليه المتاع فيخرقه أو يحرقه أيغرمه؟ قال: غرمه بما جنت يده) (2) ويظهر منها أن الجناية مطلقا موجب للضمان. ومنها حسنة سدير عن أبي جعفر عليه السلام (في الرجل يأتي البهيمة قال: يجلد دون الحد، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لانه أفسدها عليه، وتذبح وتحرق وتدفن إن كانت مما يؤكل لحمه، وإن كانت مما يركب ظهره أغرم قيمتها وجلد دون الحد، وأخرجها من المدينة التي فعل بها فيها إلى بلاد أخرى حيث لا تعرف، فيبيعها فيها كي لا يعير بها صاحبها) (3). ويظهر منها أن الافساد على صاحب المال - بأن يمتنع عليه التصرفات المطلوبة ولو بحكم الشارع الاقدس - موجب للضمان، فمن جعل عصير عنب الغير خمرا أو أراق على كر من الخل قطرة من خمر يكون ضامنا، لانه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من كتاب الاجارة - الحديث 1 - 8. (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم - الحديث 4 من كتاب الحدود.

[ 344 ]

أفسده على صاحبه، بل الظاهر أن المناط في الضمان هو الافساد على صاحب المال لا إفساد نفس المال، وإفساد المال أيضا لاجل الافساد على صاحبه موجب للضمان. والمراد من الافساد على الصاحب جعله بحيث يمتنع عليه التصرف شرعا كالمذكور في الرواية، أو عقلا كما لو ألقاه في البحر بحيث لا يرجى عوده، فانه إتلاف على صاحبه وإفساد عليه، بل لو سلم مال الغير إلى ظالم لا يمكن استرجاعه شمله الرواية، فمضمون الرواية أعم من قاعدة الاتلاف، لان إتلاف المال إفساد على صاحبه كما أن الموارد المتقدمة إفساد عليه. ويظهر من ذيل الرواية أنه بعد الاغترام يكون ما أدى غرامته للضامن، فان الظاهر أن الفاعل في (أغرم) و (أخرجها) و (يبيعها)، هو الضامن، ويفهم عرفا منه أن الثمن له كما هو واضح، ويستفاد ذلك من بعض الروايات المتقدمة أيضا. بل الظاهر أن الاعتبار العرفي مساعد لذلك، فمن كسر زجاج الغير وأدى غرامته تاما يتملك بأداء الغرامة الاجزاء المكسورة، نعم لو كان لشئ مادة وصورة ذات قمية وأتلف صورته وأدى غرامتها كانت المادة لمالكه والمسألة محل كلام وإشكال، ولها محل آخر. ومنها موثقة إسحاق بن عمار على رواية الصدوق (قده) قال: (سألت أبا إبراهيم عليه السللام عن الرجل يرهن الرهن بمأة درهم وهو يساوي ثلاثمأة درهم فيهلكه أعلى الرجل أن يرد على صاحبه مأتي درهم؟ قال: نعم، لانه أخذه رهنا فيه فضل وضيعه) (1) ويفهم من التعليل أن كل من ضيع مال الغير وأهلكه فهو ضامن.


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الرهن الحديث 2.

[ 345 ]

واحتمال ان يكون الضمان لليد - فانه إذا هم على الاهلاك تتبدل يده الامانية بالضمان، فلو هلك أيضا يكون ضامنا - بعيد جدا، لظهورها في أن التضييع والاهلاك موجب للضمان. وإن شئت قلت: إن الغاصب مثلا لو أتلف المال المغصوب يكون ضمانه ضمان إتلاف لا ضمان يد، لقوة سببية الاتلاف. نعم على رواية الكليني (قده) يكون الضمان لليد، لان الظاهر من قوله: (فيهلك) هو الهلاك، لا بفعله، وقوله عليه السلام: (ضيعه) على رواية الكليني محمول على الاهمال والتفريط بقرينة (هلك) و (يهلك). وأما رواية أبان بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (في الرهن إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع بحقه على الراهن فأخذه، وإن إستهلكه تراد الفضل بينهما) (1) فان كان (استهلكه) بمعنى أهلكه يكون كموثقة إسحاق على رواية الصدوق (قده) وإن كان المراد منه جعله في معرض الهلاك - فكأنه طلب هلاكه - يكون نحو رواية الكليني (قده) راجعا إلى ضمان اليد. وكيف كان لا إشكال في دلالة الادلة المتقدمة على قاعدة الاتلاف بنطاق أوسع على ما مر. وهل هنا قاعدة أخرى؟ وهي قاعدة التسبيب، ومحل الكلام ما إذا لم يكن التسبيب موجبا لصدق الاتلاف عرفا كالالقاء في النار أو في البحر أو عند حيوان مفترس، فان الضمان في مثله للاتلاف، لصدق المتلف عرفا على الملقي. ويمكن الاستدلال عليها بأخبار كثيرة في أبواب متفرقة، منها - روايات ضمان من رجع عن شهادته، كمرسلة جميل عن أحدهما (ع) قال في الشهود إذا شهدوا على رجل ثم رجعوا عن شهادتهم وقد قضي


(1) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الرهن الحديث 2.

[ 346 ]

على الرجل: (ضمنوا ما شهدوا به وغرموا، وإن لم يكن قضي طرحت شهادتهم، ولم يغرموا) (1). وصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه لاسلام قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل شهد عليه رجلان بأنه سرق، فقطع يده حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق، وليس الذي قطعت يده، وانما شبهنا ذلك بهذا، فقضي عليهما أن غرمهما نصف الدية، ولم يجز شهادتهما على الآخر) (2) وقريب منها غيرها. ومنها - روايات شاهد الزور كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام، (في شاهد الزور ما توبته؟ قال: يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله) الخ (3). وصحيحة جميل عنه عليه السلام في شاهد الزور قال: (إن كان الشئ قائما بعينه رد على صاحبه، وإن لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل) (4). دلت الطائفة الاولى على أن الشاهد لما صار سببا أو جزء سبب على لزوم حكم القاضي وكان القاضي ملزما شرعا بالحكم بعد تمامية ميزان القضاء كان الغرم عليه لا على القاضي الملزم بالحكم، والشاهد حال شهادته وإن كان معذورا لكن العذر موجب لرفع العقوبة والتكليف، لا لرفع الحكم الوضعي والضمان، فشهادتهما موجبة لانقطاع يد المالك عن ماله بنحو. ولو قيل: إن الشاهدين أيضا يجب عليهما الشهادة وهما محسنان ولا سبيل على المحسن يقال: وجوب الشهادة لا يرفع الضمان، والاحسان


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 14 - من كتاب الشهادات - الحديث 1. (3) و (4) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الشهادات الحديث 1 - 2

[ 347 ]

بالنسبة إلى المحكوم عليه ممنوع، وانما لم نقل بضمان القاضي مع انه بحكمه انقطع يد المالك عن ماله لا بصرف شهادة الشهود لان شهادة الشهود سبب أصيل في انقطاع يده وذهاب ماله، تأمل. نعم إسراء الحكم من موردهما إلى غيرهما مشكل إلا بدعوى إلغاء الخصوصية، وهي مشكلة. وأما الطائفة الثانية وهي العمدة فدلالتها على المطلوب لاجل أن الاتلا ف هاهنا غير المعنى المعهود، أي إفناء المال وإهلاكه، ضرورة أن المدعي الكاذب الذي شهد الشاهدان زورا بنفعه لو أخذ المال وأتلفه أو تلف عنده ضمن بضمان الاتلاف أو اليد، والمتلف هو المدعي حقيقة لا الشاهدان، ولا يعقل أن يكون لشئ واحد إتلافان وتلفان، فاتلاف المدعي غير إتلاف الشاهد، فالمدعي متلف ومفن للمال، وضامن بضمان الاتلاف، والشاهد موجب بنحو لقطع يد المالك عن ماله وامتناع تصرفه فيه، ففي الحقيقة يكون الشاهد سببا لذهاب المال من يد مالكه، فيكون قد أتلف المال على المالك، أي أذهب من يده، وهذا غير ضمان اليد وغير ضمان الاتلاف، بل ضمان لاجل التسبيب لخروج المال من يد مالكه، لا التسبيب الابتدائي وبلا وسط، كاخراج الطير من قفصه أو تسليم المال إلى الظالم الذي لا يرجى الاخذ منه أو تخمير العصير العنبي ونحوها مما قدمنا أنها يستفاد حكمها من أدلة ضمان الاتلاف. بل المقام من قبيل التسبيب مع الوسط، فان الشهادة موضوعة لوجوب حكم الحاكم، وحكمه فاصل للخصومة وموجب لانقطاع يد المالك من ماله في ظاهر الشرع، فشاهد الزور موجب لذهاب ماله عن يده كما عبر به في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة. فالمراد من ذهاب ماله فيها وإتلاف مال الرجل في صحيحة جميل

[ 348 ]

أمر واحد، وهو انقطاع يده من ماله بنحو لا يرجى العود، وإن كان المتلف الحقيقي شخصا آخر كما هو المفروض في المقام. ويستفاد من قوله عليه السلام: (بقدر ما ذهب من ماله) وقوله عليه السلام: (بقدر ما أتلف من ماله) أن تمام الموضوع للضمان هو الاتلاف على مالكه والاذهاب من يده، فيستفاد من التعبيرين اللذين بمنزلة التعليل عرفا أن كل فعل يوجب ذهاب المال من يد مالكه تكوينا أو شرعا بلا وسط أو مع الوسط بنحو ما في المقام موجب للضمان. لكن مع ذلك فالمسألة لا تخلو من إشكال، لا لاحتمال أن يكون الضمان في شاهد الزور جعليا لتأديبه، ضرورة انه مخالف للظاهر، فان قوله عليه السلام: (ضمن بقدر ما أتلف) ظاهر في أن الضمان للاتلاف، مع أن الروايات التي بصدد بيان مجازاته من التعزير والحبس والطواف به حتى يعرفه الناس ساكتة عن التضمين، فيعلم أن الضمان أمر والتأديب والسياسة أمر آخر. ولا لاحتمال أن يكون الاتلاف بمعنى إتلاف المال كما هو ظاهر الروايات، لا إلاتلاف على المالك كما مر احتماله، وكان مبنى الاستدلال لضمان التسبيب، وانما نسب إليه الاتلاف عناية لكون الوسائط كأنهم مسلوبوا الاختيار، فان القاضي والمجري لحكمه ملزمان شرعا بالحكم والاجراء، فلا يمكن استفادة قاعدة التسبيب بنحو الاطلاق، لان نسبة الاتلاف إليه بالعناية انما تصح إذا كانت الوسائط جميعا مسلوبي الاختيار كالقاضي، وأما مع كون المتلف الحقيقي غير مسلوب الاختيار كما في المقام فلا تصح العناية والانتساب كذلك. بل لان الاسراء من المورد إلى سائر الموارد لا بد وأن يكون لاجل فهم العلية وتمامية الموضوع، إما لظهور اللفظ في ذلك، ففي المقام ممنوع، للفرق بين ذكر الحكم وتعقبه بما يفهم منه علته ولو لم يذكر فيه أداة التعليل

[ 349 ]

كقوله عليه السلام في رواية اسماعيل بن جابر: (وعلى الذي زوجه قيمة ثمن الولد يعطيه موالي الوليدة كما غر الرجل وخدعه) (1) وبين ذكره مجردا عنه كقوله عليه السلام: (ضمن بقدر ما أتلف) حيث إنه بصدد بيان الحكم، ويشكل فهم العلية منه بحيث يعمم ويخصص. وإما لالغاء الخصوصية عرفا، وهو أيضا مشكل بعد كون المورد ذا خصوصية ظاهرة، ولهذا يضرب الحد بما يرى الامام عليه السلام ويطاف ويحبس مضافا إلى الضمان، نعم لا إشكال في دخالة الاتلاف بالمعنى الذي تقدم في الحكم، وأما كونه تمام الموضوع والعلة التامة فغير ظاهر. ثم إن هنا روايات كثيرة مثل ما دلت على ضمان من أضر بطريق المسلمين (2) وضمان خطأ القاضي على بيت المال (3) وضمان المفتي (4) وضمان الطبيب والبيطار (5) وضمان صاحب البختي المغتلم (6) وضمان صاحب الدابة إذا أفسدت بالليل (7) إلى غير ذلك مما يمكن أن يقال:


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب العيوب والتدليس - الحديث 1 من كتاب النكاح. (2) الوسائل - الباب - 8 و 9 و 11 - من أبواب موجبات الضمان من كتاب الديات. (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب آداب القاضي - الحديث 1. (4) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب آداب القاضي - الحديث 2. (5) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب موجبات الضمان من كتاب الديات. (6) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب موجبات الضمان من كتاب الديات. (7) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب موجبات الضمان من كتاب الديات

[ 350 ]

إنه يستفاد منها أو من أكثرها كون الضمان تسبيبيا لكن مع مجال المناقشة فيها، لان أوضحها روايات الاضرار بطريق المسلمين، ويقرب فيها احتمال أن يكون جعل الضمان لاجل صلاح المارة لا للتسبيب، بل الاضرار ليس تسبيبا بمعناه الواقعي، وإن كان له دخالة في حصول الضرر وعدوه من الاسباب، أي أطلقوا عليه ذلك. وكيف كان لا يمكن الاسراء إلى موارد أخر، واستفادة قاعدة التسبيب بنحو ما رمناه، نعم لا بد من الاسراء إلى بعض الموارد التي تكون نظير ما في الروايات على ما أفتى به الفقهاء في باب الضمان وموجباته، والكلام فيها موكول إلى محله. وكيف كان لا يدخل المورد الذي نحن بصدده وهو ضمان البائع ما غرمه المشتري في دليل الاتلاف ولو بنطاقه الواسع على ما مر، لان البيع أو تسليم المبيع إلى المشتري ليس إفسادا لمال المشتري المغترم، ولا إتلافا له بوجه. كما أن ما دلت على الضمان بالتسبيب على ما مر بعضها وأشرنا إلى بعض على طوائف: منها - ما لا يتوسط فيه بين السبب والتلف فعل اختياري رأسا، كضمان من أضر بطريق المسلمين فينفر الدابة ويوجب التلف، بل مع عثر المارة، فان وضع القدم ولو كان فعلا اختياريا لكن العثر الذي هو موجب للاتلاف والتلف ليس اختياريا. ومنها - ما يتوسط فيه بينهما فعل اختياري، لكن فاعله كان ملزما عقلا أو شرعا كموارد ضامن الشاهد إذا رجع أو كان زورا في موارد القطع. ومنها - ما يتوسط فيه بينهما فعل فاعل مختار غير ملزم كالشاهد الراجع وشاهد الزور في الاموال، فان المتلف هو المحكوم له، وهو مختار.

[ 351 ]

ومنها - ما يكون الواسطة فيه كالآلة عرفا، كضمان الطبيب إن قلنا بأن الطبابة على النحو المتعارف في هذا العصر مشمولة للرواية باطلاقها، وأما لو كان الطبيب مباشرا كالبيطار فالضمان للاتلاف. ومنها - ما يكون الضمان فيه لاجل ترك الحفظ اللازم، كضمان صاحب البختي المغتلم، وضمان ما أفسدت الدابة بالليل، والدابة الداخلة على مستراح دابة أخرى (1) وضمان صاحب الكلب إذا عقر (2). وما نحن بصدده ليس مشمولا لمورد من تلك الموارد، لعدم سببية البيع ولا تسليم المبيع بنحو من الاسباب المتقدمة في تلف ماله أو غرامته، من غير فرق بين ما لا ينتقع به وغيره. فان قيل: لولا البيع لما وقع في الغرامة يقال: نعم لكن البيع ليس سببا، بل حصول المبيع في يده موضوع لحصول الغرامات، وهو غير السبب، كما أنه لولا وجود المقتول لما وقع القتل، لكنه ليس مستندا إليه، وهو واضح. واستدل الشيخ (قده) على الضمان بقاعدة الضرر، بل عد التغريم في مورد النفع بلا رجوع إلى الغار ضررا عظيما، وقال: (صدق الضرر وإضرار الغار مما لا يخفى). أقول: تمامية المدعى تتوقف على كون القاعدة مشرعة للضمان، وعلى كون مطلق الغرامة ضررا وعلى كون الغار سببا للضرر، وفي الجميع نظر، لما حققنا في محله من أن القاعدة من النواهي السلطانية السياسية


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب موجبات الضمان - من كتاب الديات. (2) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب موجبات الضمان - من كتاب الديات.

[ 352 ]

لا مشرعة للضمان ولا حاكمة على أدلة الاحكام الشرعية، ومع الغض عنه لا مانع من كونها مشرعة، وتوهم عدم جواز استفادة نفي الاحكام الضررية واثبات الضمان من لفظ واحد واستعمال فارد فاسد، لانه مع بقاء النفي بحاله لا إشكال في أن نفي الضرر والضرار مع وجودهما في الخارج من الحقائق الادعائية لا المجاز في الكلمة ولا في الحذف، ولا بد في إدعاء نفي الحقيقة في الخارج من مصحح، وهو في المقام سد جميع أنحاء الضرر في حيطة الاسلام، فلو أجاز الشارع الاقدس إيقاع الضرر على الغير نفسا أو مالا لم يصح دعواه، كما أنه لو شرع الاحكام الضررية فكذلك. وهكذا لو أوقع شخص ضررا على الغير نفسا كالقتل والجرح أو مالا ولم يحكم بجبره لم يصح دعواه، فمصحح الدعوى هو سد جميع أنحاء الضرر، فيستفاد منها القصاص والديات والتقاص والضمانات، وإن شئت قلت: إن إطلاق ادعاء نفي الضر شامل لجميع ما ذكر. نعم قد أوردنا على صحة هذه الدعوى في محله، لكن الكلام مع الغض عنه، وما قيل - من أن القاعدة لو كانت مثبتة للحكم لما استقام حجر على حجر، ولزم تدارك كل خسارة من بيت المال أو من الاغنياء - غير ظاهر، لان الخسارات الواقعة على الاشخاص في السوق من المعاملات ونحوها غير مربوط بشرع الاسلام وقوانينه، وتحمل الضار الخسارة السوقية لا يوجب إشكالا، فاثبات الضمان والقصاص والدية بها لا مانع منه، بل هو مقتضى الاطلاق. ثم على فرض تمامية هذا المدعى يمكن المناقشة في كون كل غرامة ضررا عرفا، فلو ذهب لاستئجار دار بمأة دينار فأشار إليه شخص بأن يسكن في دار إجارتها مأة دينار أو أقل فسكن فاتضح أنها للغير فأخذ الاجارة منه ليس ضررا عليه عرفا، فانه كان يستأجرها لسكناه، ولم تكن

[ 353 ]

زائدة على قيمتها العادلة. وبالجملة إعطاء قيمة ما يحتاج إليه الانسان لا يعد ضررا عرفا، ولو سلم ذلك يمكن المناقشة في المقدمة الاخيرة، فان البائع وإن كان ضارا لكنه ليس سببا للضرر بوجه، فلو قلع المالك الشجر من أرضه يكون الضار هو القالع بلا إشكال وإن كان إضراره لا حكم له وضعا ولا تكليفا، ومع كونه متلفا وضارا لا يعقل أن يكون البائع أيضا متلفا و ضارا، بل البائع ليس سببا للاضرار بوجه. نعم لولا البيع وحصول العين بيده لم يتوجه إليه ضرر، لكن مجرد ذلك لا يوجب صدق الاضرار والاتلاف، كما أنه لولا المظلوم لما وقع ظلم، ومع ذلك لا يكون المظلوم سببا له، فالبائع محقق موضوع البناء في الملك لا سبب بنائه أو هدمه، كما أن باني البناء أيضا ليس سببا لهدمه، وإن صدق أنه لولا البناء لما وقع الهدم. وكيف كان فالمعتمد في المقام قاعدة الغرور، وشمولها لجميع موارد المقام محل مناقشة. ثم إن الظاهر من الاخبار المتقدمة التي تستفاد منها قاعدة الغرور أن الغار والمغرور كليهما ضامنان وأن لصاحب المال الرجوع إلى أي منهما شاء وإن استقر الضمان على الغار كما مر الكلام فيه مستقصى. كما أن الظاهر من دليل اليد ضمان الايادي المتعاقبة، والمعروف أن السابق يرجع إلى اللاحق ويستقر الضمان على من تلف في يده، فيقع الاشكال في مقامين: أحدهما: إن مقتضى وحدة التالف وحدة الضمان، فكيف يمكن تحقق ضمانات

[ 354 ]

كثيرة لشئ واحد، وكيف يمكن أن يكون المهر على الزوج وعلى الغار كما هو مقتضى الروايات (1) وبالجملة إن تعدد اشتغال الذمم ينافي البدلية المقتضية للوحدة. والجواب أن الضمان والغرامة وجبر الخسارة والبدلية والعوضية ماهيات لا تقبل التكرار لا عرضا ولا طولا، فالغرامة لا يعقل أن تتكرر بحيث يقع لها مصداقان بصفة الغرامة، فإذا كان عليه عشرة فأدى العشرين لا يعقل وقوع تمام العشرين بصفة الغرامة، كما أنه إذا أدى العشرة لا يعقل أن تقع العشرة الثانية غرامة وجبرانا وعوضا وبدلا، بل في المثال الاول تقع العشرة المشاعة غرامة وفي الثاني يقع أول مصداق غرامة، فإذا ضمن الاثنان أو الاكثر مال الغير بضمان اليد مثلا يقع على عهدة كل المال بعنوان الغرامة، فاشتغل ذمة كل منهما أو منهم بضمان البدل أو ضمان الخسارة ولازم ذلك بعد عدم تعقل التكرار في الماهية أن كلا منهم ضمن ما ضمن الآخر، أي المال بعنوان الغرامة. كما أن لازم ذلك هو أن كلا منهم مكلف بأداء الغرامة، لكن إذا اغترم أحدهم سقط باغترامه عنوان الغرامة، والمفروض أن ما تعلق بذمم الباقين هو المال بعنوان الغرامة والبدلية لا غير، فإذا سقطت البدلية و الغرامة ينتفي موضوع الضمان والغرامة. فالاشكال ليس من ناحية اشتغال الذمم، بل من ناحية أن اللازم وجوب اغترامات كثيرة عن شئ واحد، وقد علم أن ذلك غير لازم من اشتغالات الذمم، لان كل ذمة مشتغلة مستقلة بعنوان واحد لا يعقل لتكرار فيه.


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب العيوب والتدليس من كتاب النكاح والمستدرك - الباب - 1 - منها.

[ 355 ]

وهذا نظير كفالة أزيد من واحد عن شخص واحد، فان كلا كفيل مستقلا، وعلى عهدة كل إحضار المكفول، ولكن عنوان الاحضار أمر غير قابل للتكرار، ولا يعقل إحضار ان بعد كون المطلوب والمضمون صرف الوجود. وهذا أمر موافق لاعتبار العقلاء وللادلة، فان ظاهر (على اليد ما أخذت) (1) أن كل أخذ سبب للضمان إذا تلف، فإذا تلف يضمن كل آخد بضمان مستقل تعيينا، لكن ماهية الضمان تأبى عن التكرار، وإن شئت قلت: كل منهم ضامن لما ضمنه غيره. ومما ذكرنا يظهر حال ضمان المهر، فان المهر أيضا أمر لا يقبل التكرار فالزوج ضامن لما ضمنه الغار، والغار كذلك، وإذا أدى كل منهما في عرض الآخر لا يقع تمام ما أديا مهرا، وهو واضح. وربما يقال: إن الواحد الذي يعتبر في محال متعددة تارة يكون واحدا شخصيا، وأخرى كطبيعي البدل واحد طبيعي، فالاول لا تتبدل وحدته بفرضها في محال متعددة اعتبارية بخلاف الثاني، فان طبيعي البدل يتحصص بكل ذمة، ومورد اللاشكال هو البدل، ففرض البدلية يقتضي الوحدة، وفرض تعدد الذمم المقتضي لتعدد الحصص مناف للبدلية. وفيه أن تعدد الذمم لا يوجب تحصص الطبيعي بعد فرض عدم إمكان التكرار فيه، وما يوجب التحصص هو القيود اللاحقة بالطبيعي لا اعتباره في الذمم، إذ ليس الاعتبار فيها كالوجود الذهنى الموجب للتكثر، ولا برهان على أن الاعتبار كذلك مقتض للتحصص، بل الواقع على خلافه لان الماهية غير القابلة للتكرار إذا اعتبرت في الذمم يكون ما اعتبرت في


(1) سنن البيهقي ج 6 ص 95 وكنز العمال - ج 5 ص 327 - الرقم 5713.

[ 356 ]

ذمة عين ما اعتبرت في الاخرى. ولعل الخلط بين الوجود الذهني والاعتباري في الذمم موجب للاشتباه فلا فرق بين الواحد الشخصي والنوعي في ذلك أصلا، مع أن في الوجود الذهني إذا تعلق اللحاظ بنفس الماهية أيضا كلاما. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في ظاهر كلامه وتبعه السيد الطباطبائي (قده) من ضمان الكل على البدل فهو كالفرار من المطر إلى الميزاب، لانه تخلص عن إشكال عقلائي باشكال عقلي مخالف لظاهر الادلة فانه لا وجود للذمة على البدل، كما أنه لا يعقل وقوع يد بنحو على البدل على مال الغير، فالايادي المتعينة وقعت على المال، ولازمه ضمان الايادي المتعينة، فالذمة على نحو البدل مع أنها غير متحققة بل ممتنع الوجود لا دليل على ضمانها بهذا النحو، ويمكن إرجاع كلامه إلى ما ذكرنا بتكلف. كما أن ما أفاده بعض الاعاظم (قده) - من عدم إمكان كون المال الواحد في عهدة شخصين على نحو الاستقلال في عرض واحد، ويمكن ذلك إذا كان ضمان أحدهم في طول ضمان الآخر رتبة وإن كان في عرض الآخر زمانا، ففي تعاقب الايادي يكون الغاصب الاول ضامنا لما يكون مخرجه في ذمة الثاني، و الثاني ضامن لما يضمنه الاول، ثم كرر هذه الدعوى، ولم يأت بشئ مقنع، ولم يبرهن على عدم إمكان العرضية ولا على إمكان الطولية - فيه أن الضمان عرضا لا امتناع فيه، إذ غاية تقريره أن بدل الواحد واحد، ومقتضى الضمان المتعدد تعدد البدل، فيكون الواحد متكثرا أو المتكثر واحدا، وهو محال. وفيه ما عرفت من أن اعتبار الواحد الكذائي في الذمم المتعددة لا يوجب

[ 357 ]

تكرر البدل، فإذا قيل: إن مهر الزوجة على الزوج وعلى الغار وجاز للزوجة الرجوع إلى كل منهما وهما ضامنان في عرض واحد للزوجة يرجع ذلك عند العقل والعقلاء إلى أن ما اعتبر في عهدة الزوج هو الذي اعتبر في عهدة الولي، فان المهر كالاعيان الشخصية غير قابل للتكرر. ولو أغمض عن ذلك فالطولية التي ادعاها لا ترجع إلى محصل، ولا يدفع بها الاشكال فانه إن كان المراد من قوله: (إن الاول ضامن لما في ذمة الثاني والثاني ضامن لما يضمنه الاول) أن كل واحد منهما ضامن لما يضمنه الآخر فلا يعقل الطولية، للزوم تقدم كل على الآخر رتبة، وهو محال، مع أن الاشكال بحاله مع الغض عما ذكرناه. وإن كان المراد أن كلا ضامن لما تعلق في ذمة الآخر، فهو أفسد لانه مع ورود الاشكال المتقدم عليه يرد عليه أنه لا وجه لضمان ما في العهدة، لعدم وقوع اليد عليه، ولا سبب آخر للضمان. وإن كان المراد أن الاول ضامن للعين، والثاني ضامن لها بوصف كونها مضمونة، فالضمان تعلق بها موصوفة بوصف الضمان، فالطولية لاجل أن موضوع الضمان في الثاني هو شئ متقيد بضمان الاول ففيه - مضافا إلى أن السبب للضمان هو اليد على المال لا غير، لظهور دليله وكونه على نسق واحد في الجميع، ولانه لو كان المقيد دخيلا في الضمان لا يعقل ضمان الاول، لفقد القيد، فلا يعقل ضمان الثاني أيضا، لان موضوعه متقيد بضمان الاول - أنه لا يدفع به الاشكال أيضا، لان المهم في الاشكال كون بدل الواحد أزيد من واحد، ولازم ضمان الاول العين وضمان الثاني العين المتقيدة بضمان الاول أن كليهما ضامنان للمالك فعلا، وعلى كل واحد منهما بدل، وللمالك الرجوع إلى أي منهما شاء، ومجرد كون ضمان الثاني متأخرا رتبة عن ضمان الاول لا يوجب نفي البدلية.

[ 358 ]

نعم لو كان التأخر بمعنى عدم اجتماع الضمانين وعدم تعدد البدلين كان له وجه، كضمان الغارم للمغترم، وضمان الثاني للاول في تعاقب الايادي، لكن الواقع غير ذلك كما اعترف به. والانصاف أن ما أتعب به نفسه الشريفة مع عدم صحته في نفسه وعدم دفع الاشكال به تبعيد للمسافة، فالتحقيق ما تقدم من غير لزوم التزام الطولية. وأما ما أفاده المحقق الخراساني (قده) من (أن المأخوذ في عهدة كل واحد عينا، وهي ليست إلا اعتبار خاص عقلائي له منشأ مخصوص وله آثار خاصة من وجوب رد العين عينا لو كانت اليد واحدة، وكفائيا لو كانت متعددة، ووجوب التدارك عند التلف من دون اشتغال الذمة به أصلا حتى زمان التلف، لبقاء ضمان العين مع عدم التأدية، ولذا لو رجع التالف على خلاف العادة يجب رده، فلا اشتغال ذمة كي يلزم اشتغال ذمة المتعدد ببدل واحد، وأما كون الواحد في عهدة المتعدد بحيث يجب على كل واحد كفائيا رده فهو بمكان من الامكان) انتهى ملخصا. فهو - مع كونه فرارا عن الاشكال، والمقصود دفعه على مذهب المشهور، ومع عدم صحته في نفسه إن أراد أن ضمان اليد عقلائي، لان ضمانها على ما مر ليس عقلائيا، سيما مع تعاقب الايادي على وجه المطلوب والمفتي به، فلا بد من الرجوع إلى قاعدة اليد التعبدية، وقد مر في محله أن الاظهر فيما هو المذهب المشهور كما هو الامر في سائر أبواب الضمان - أن الاشكال لا يدفع بذلك، سيما على مسلكه في الواجب الكفائي بأنه سنخ وجوب متعلق بالكل، ولو أتى الجميع يكون الكل ممتثلا، فان تعلق التكليف على كل واحد بأداء البدل عرضا يلزم منه تعدد البدل لشئ واحد مع الغض عما ذكرناه من أن سنخ البدل أمر لا يقبل التكرار، فعلى ما سلكناه

[ 359 ]

لا إشكال مع اشتغال الذمم، وعلى ما ذكره يرد الاشكال حتى مع عدم الاشتغال. مع أن ما أفاده لو سلم في ضمان اليد، لا يتم في باب الغار والمغرور الظاهر من الادلة أن كليهما ضامنان، فراجع. مع أن لازم عدم اشتغال الذمة وكون عهدة العين تستتبع أحكاما تكليفية أنه لو مات الضامن لا يجوز الرجوع إلى تركته، ولا أظن التزامه به إلا أن يلتزم بأنه أيضا حكم عقلائي لم يردع عنه الشارع، وهو كما ترى وقد وجهه بوجه غير مرضي في تعيلقته، فراجع. الماقم الثاني: المعروف أن المالك إذا رجع إلى أحد من في السلسلة في الايادي المتعاقبة وأخذ منه العوض فله الرجوع إلى اللاحق ممن في السلسلة دون السابق، فكل سابق له الرجوع إلى لاحقه بلا وسط أو معه دون العكس ويستقر الضمان على آخر من فيها. ومفروض الكلام فيما إذا لم يكن غرور في البين ولا إتلاف، بل فيما إذا تلف بأفة سماوية ما في يد الاخير ولم يكن أحد من في السلسلة مغرورا. والانصاف أن المسألة من المشكلات، وإقامة البرهان عليها في غاية الاشكال، ولهذا تراهم يتشبثون بأمور غير مرضية، وكل يذهب يمينا وشمالا ولم يأتوا بشئ يمكن الاتكال عليه، ولا بد قبل التعرض لما أفادوا رحمهم الله تعالى من تقديم أمور: الاول: قد مر غير مرة أن ظاهر (على اليد) الضمان لما وقع تحت اليد من

[ 360 ]

الاعيان وأوصافها ومنافعها ولو كانت على بعضها تبعا، دون ما لم يقع تحت اليد، فلو غصب العين التي لها منافع تدريجا وخرجت عن تحت يده بغصب آخر قبل فوات المنافع وفاتت تحت يد الثاني يكون الاول ضامنا لنفس العين. والثاني لها وللمنفعة الفائتة، ولو حصل لها وصف مرغوب فيه لدى ثالث وفات في يد رابع ضمنا الوصف، لوقوعه تحت يدهما، وأما الاولان فلا يضمنان ذلك. فما قيل - من أن اليد موجبة لنقل كل خسارة من المالك إلى الاحد بمعنى أن الخسارات الواقعة على المالك لولا يد الضمان تكون على الضامن بواسطة أخده - غير مرضي لو أراد بذلك أن الخسارات - مطلقا سواء كان اليد واقعة على منشأها أم لا - مضمونة، ضرورة أن لا دليل في الباب إلا قاعدة اليد، وظاهرها أن ما وقع تحت اليد فهو عليها، ومعنى كونه عليها في العرف أنه لو تلف يكون على عهدته، فما لم تقع اليد عليه لا دليل على كونه مضمونا. فالقول بانتقال الخسارات إلى الاخذ مع كونه تعبيرا غير مرضي لا دليل عليه، كما أن احتمال كون المضمون نفس العين لا المنافع والاوصاف غير مرضي، لمنع الظهور في اليد الاستقلالية غير التبعية، بل مقتضى الاطلاق أعم. الثاني: لا ينبغي الاشكال في أن باب الغرامات والضمانات عند العقلاء غير باب المعاوضات، فمن أتلف مال الغير ألزمه العرف بالغرامة من غير اعتبار التالف ملكا له، ولو عبر أحيانا بالبدل والعوض ليس معناه أن

[ 361 ]

المعاوضة وقعت بحكم العرف قهرا على الطرفين بين المعدوم والموجود، بل باب الغرامات باب جبر الخسارة، ولا يخطر ببال أحد من العرف المعاوضة والمبادلة، كما لا يخطر ببالهم أن الخسارة جبر عوض موجب لكون التالف المعدوم ملكا للغارم أو أن المعدوم حال عدمه ملك لصاحبه، وانما هو احتمال أحدثه بعض المحققين (قده) هذا حال العرف. وأما الضمان في الشرع فليس أمرا مغايرا لما في العرف، والدليل عليه أن الادلة الواردة في باب الضمانات لم تتعرض لكيفية الضمان بل أوكله الشارع الاقدس إلى العرف، وانما حكم بالضمان في الموارد الكثيرة من غير استشمام اعتبار المعاوضة بين التالف والغرامة. فما قد يقال: من أن باب الغرامة باب المعاوضة الشرعية القهرية لا دليل عليه، بل ظواهر الادلة التي اوكلت باب كيفية الضمان إلى العرف على خلافه، مع أن الضرورة قاضية بأن الضمان في أبوابه معنى واحد، فعليه لا يملك الختان شيئا إذا كان المختون عبدا، وكذا البيطار الذي عيب عضوا من الحيوان، وكذا لو زالت صفة الصحة تحت يده فأغرمه لم يملك الغارم شيئا، فما ادعى بعض من انه مقتضى العوضية لا ينبغي الاصغاء إليه. والظاهر وقوع الخلط بين عوضية موجود مملوك لموجود مملوك وبين باب الغرامة بمجرد التعبير عنها بالبدل والعوض، غفلة عن أن عوض التالف ليس معناه إلا جبر الخسارة. وأما ما ورد في باب غرامة وطئ البهيمة فالتعويض الشرعي غير بعيد فيه، لكن لا يقاس المعدوم بالموجود، كما أن بعض الامثلة التي ذكرت شاهدة - من قبيل بدل الحيلولة وأجزاء المكسورة للتالف - مع كونها غير مسلمة قياس المعدوم بها مع الفارق. والعجب من بعض أهل التحقيق (قده) حيث قال: (إن مرجع

[ 362 ]

الضمان إلى انتقال الخسارة من المضمون له إلى الضامن، فيملك المضمون له على عهدة الضامن بدله ملكا متزلزلا، ولازم ذلك كون العين ملكا للضامن متزلزلا ووقوع المعاوضة القهرية. ثم إنه رحمه الله بعد ما تنبه ظاهرا للتالي الفاسد له ذهب إلى أن المضمون له يملك شأنا البدل على عهدة الضامن، وكذا الضامن يملك شأنا للعين، وانما يصير فعليا بالتلف ورجوع المالك. وأنت خبير بما فيه، أما الملكية المتزلزلة للعين المغصوبة ففي غاية العجب، نعم على فرض ذلك لا يبعد حكم العرف بالمعاوضة القهرية، وأما الملكية الشأنية التي ترجع إلى عدم الملكية فعلا، بل إذا تلفت تصير ملكا ويصير البدل ملكا لصاحب العين فلا تنتج ما رامه من حصول المعاوضة القهرية، ولو رجع كلامه إلى المعاوضة بعد التلف فقد مر الكلام فيه. الثالث: يحتمل في بادئ النظر أن يكون مفاد قاعدة اليد ضمان كل الايادي المستولية على مال بالنسبة إلى شخص المالك فقط، فله الرجوع إلى كل منهم جمعا أو تفريقا، وليس لاحد منهم الرجوع إلى غيره، لعدم الدليل عليه سوى القاعدة التي فرض كون مفادها ذلك. ويحتمل أن يكون مفادها ضمان من أخذ المال من المالك وتلقاه منه دون غيره، فله الرجوع إلى الاول دون غيره ممن في السلسلة، ولا رجوع للثاي إلى الثالث. ويحتمل أن يكون مفادها هو ضمان كل آخذ للمأخوذ منه، فللمالك الرجوع إلى مبدأ السلسلة فقط، فلو رجع إليه رجع هو إلى تاليه وهكذا.

[ 363 ]

ويحتمل أن يكون مفادها ضمان كل لصاحب المال ولمن سبقه بضمان مستقل ومضمونات مستقلة. ويحتمل أن يكون المفاد ضمان كل من في السلسلة لصاحب المال على ما تقدم من ضمانات متعددة، لكن المضمون واحد غير قابل للتكرار، وضمان كل سابق للاحقه بمعنى أنه ضامن للضامن بما هو كذلك، فيرجع إلى أنه ضامن لما يضمنه للمالك، فالثاني ضامن للمالك - لوقوع يده على ماله - ضمنه غيره، وضامن للاول بما هو ضامن أي ضامن للضامن، فيجب عليه جبران دركه الذى يؤدي إلى المالك، والثالث ضامن للضامن الثاني الذي هو ضامن للضامن الاول، أي ضامن ضامن الضامن، وهكذا. فيرجع إلى ضم ذمم متعددة إلى ذمم. هذه محتملات القضية، ولا تنحصر بها، لكن الشأن في الاستفادة منها بحسب فهم العرف والعقلاء الذي هو المرجع في مثل المقام لا الاحتمالات الدقيقة العلمية التي لا يوافقها العرف والعقلاء. فنقول لا إشكال في أن قوله صلى الله عليه وآله: (على اليد ما أخذت) (1) بصدد بيان اليد الآخذة، فاطلاقه يقتضي أن يكون الاستيلاء بأي نحو حصل والآخذ أي شخص كان، كما أنه لا إشكال بحسب الاطلاق في شمول الايادي المتعاقبة، فكل أخذ موضوع للضمان بلا وسط أو مع الوسط بحكم الاطلاق. انما الكلام في أن له إطلاقا بالنسبة إلى تضمين غير المالك حتى ينتج ما هو المعروف بينهم في ضمان الايادي المتعاقبة، فيقال: إنه لو فرض ورود دليل بأن الآخذ الثاني ضامن للمالك وللضامن الاول يكون المتفاهم عرفا أنه ضامن للمالك قيمة ماله مثلا، وضامن للضامن ما ضمنه للمالك، فعليه جبران ضمان الضامن لو وقعت الخسارة عليه، والثالث ضامن للثاني ما ضمنه للاول الذي هو ضامن للمالك، وهكذا.

[ 364 ]

وحينئذ لو فرض إطلاق لدليل اليد يكون مقتضى الاطلاق ضمان الجميع للمالك، وضمان كل لاحق للسابق بما أنه تلقى العين منه بلا وسط أو مع الوسط. لكن الظاهر عدم إطلاق كذائي، بل هو خارج عن متفاهم العرف والعقلاء، بل لنا أن نقول: إن دليل اليد ناظر إلى اليد الآخذة، وإطلاقه يقتضي أن الاخذ والاستيلاء بأي نحو كان، والآخذ أي شخص كان، وإلى المأخوذ، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين أنحاء الماليات والماخوذات. وأما المأخوذ منه فليس الدليل بصدد بيانه، ولا إطلاق فيه من هذه الجهة، والمتيقن هو الضمان للمالك، بل لو كان بصدد بيانه أيضا كان منصرفا عرفا إلى الضمان بالنسبة إلى المالك لا الضامن، سيما في مورد يكون تحقق موضوع الدليل بنفسه، فانه وإن أمكن عقلا لكن لا يستفاد من إطلاق الدليل، وسيأتي وجه آخر لعله أحسن من هذا الوجه وأسلم من الاشكال الذي في هذا الوجه. إذا عرفت ذلك فيمكن إرجاع كلام الشيخ الاعظم (قده) إلى دعوى إطلاق دليل اليد بالنسبة إلى الضامن، فأراد تصحيح ضمان الايادي المتعاقبة بنحو ما هو المعروف بواسطة الاطلاق في دليل اليد بنحو ما ذكرناه. فقوله: (السابق اشتغلت ذمته بالبدل قبل اللاحق) ليس المراد منه الاشتغال بالبدل حال وجود العين، بل المرد الاشتغال بالامر التعليقي أي ضمان المبدل إذا تلف، ضرورة عدم اجتماع البدل والمبدل، فعبر عن الضمان بالاشتغال بالبدل. وقوله: (فإذا حصل المال في يد اللاحق فقد ضمن شيئا له بدل) يراد منه أنه ضمن شيئا مضمونا. وقوله: (فهذا الضمان يرجع إلى ضمان واحد من البدل والمبدل

[ 365 ]

على سبيل البدل) يراد به أنه إذا حصل المال في يد الثاني ضمن المبدل للمالك بالمعنى التعليقي، أي عليه دركه إذا تلف بمقتضى دليل اليد، وضمن البدل، أي ضمان اليد الاولى للضامن بمعنى تعليقي أيضا، أي إذا تدارك فعليه ضمان التدارك، وذلك أيضا بدليل اليد وإطلاقه. وبعبارة أخرى إذا وضع الثاني يده على العين حصلت قضيتان تعليقيتان الاولى إذا تلفت فعليك جبرها للمالك لوقوع يدك على ماله، والثانية إذا تدارك الضامن الاول فعليك ضمان التدارك، لوقوع العين التي ضمنها في يدك من يده أو بعد وقوعها في يده، وإذا تلفت العين خرجت القضية الاولى من التعليقية إلى التنجيزية، وتبقي الثانية على تعليقيتها إلى أن يؤدي الدرك. وقوله بعد ذلك: (والحاصل أن من تلف المال في يده ضامن لاحد الشخصين على البدل من المالك ومن سبقه في اليد - إلى قوله -: وهذا اشتغال شخص واحد بشئين لشخصين على البدل) يؤكد ما ذكرناه من أن الاستناد إلى دليل اليد في الضمان للمالك، وهو واضح، وفي الضمان للضامن بتلقية المال منه، فلو فرض إطلاق لدليل اليد يشمل الامرين ويكون حاصله على اليد ما أخذت من المالك بوسط أو بلا وسط، وعليها ما أخذت من الضامن بوسط وبلا وسط، فيكون المالك والضامن كلاهما مضمونا لهما، لكان لازمه العرفي هو ما ذكره القوم في ضمان الايادي المتعاقبة. وعليه لا يرد إشكال على الشيخ (قده) لا ما أورده المحقق الخراساني (قده) ولا ما أورده السيد الطباطبائي (قده) ولا غيرهما، نعم يرد عليه إشكال واحد، وهو عدم الاطلاق لدليل اليد. ودعوى الاطلاق أمر يمكن صدوره من الشيخ الاعظم (قده) دون ما احتمله المحققون مما يرد عليه ما أوردوه، بل وزائد عليه مما لا داعي لذكره.

[ 366 ]

وعلى ما احتملناه يكون الغاية في دليل اليد غاية لامرين: أحداهما - الضمان بالنسبة إلى المالك، فأداء المأخوذ إليه غاية لرفعه، وبه يرتفع موضوع الضمانات الاخر، وثانيهما - ضمان الضامن، غايته رجوعه إلى الغاصب السابق، فبارجاع المال إليه يرتفع ضمانه لدركه وإن فعل حراما وليس دليل اليد متعرضا للزوم أداء المال إلى صاحبه، بل مفاده بيان الضمان وغايته. والانصاف أن ما ذكرناه في توجيه كلامه وإن كان مخالفا في الجملة لظاهره، لكنه أولى مما ذكروه مما لا ينبغي صدوره من مثله، فتدبر جيدا وهنا احتمال آخر لبيان ضمان الايادي بما ذكروه، نذكره في آخر البحث، فانتظر. وأما ما أفاده بعض الاعاظم (قده) - من أن غرض المصنف إثبات الضمان الطولي وبيان عدم اجتماع الضمانين عرضا وأن يد اللاحق ليست كيد السابق ضامنة للمال مجردا عن خصوصية كونه في ذمة غيره، ثم أطال الكلام، ومحصله (أن يد السابق تعلقت بالعين مجردة عن خصوصية كونها مضمونة بخلاف يد اللاحق، فانها تعلقت بها مع هذه الخصوصية، ولازم هذه الطولية هو ما ذكروه في تعاقب الايادي - وقال في خلال كلماته -: إن الاول ضامن لما يكون مخرجه في ذمة الثاني، والثاني ضامن لما يضمنه الاول، وبهذا أراد تصحيح الطولية ولوازمها) - فأنت خبير بما فيه، وقد تقدم بعض الكلام معه، وقلنا: غاية تقرير الطولية هي أن خصوصية كونها مضمونة مأخوذة في موضوع الضمان بالنسبة إلى يد اللاحق، فيد السابق تعلقت بنفس العين، ويد اللاحق تعلقت بها متقيدة بضمان الاول، فيكون ضمانه قيدا للموضوع للثاني، فيكون الثاني في طول الاول.

[ 367 ]

وفيه أنه إن كان المراد أن القيد دخيل في الموضوع بحيث يكون أخذ نفس العين تمام الموضوع بالنسبة إلى يد السابق وبعض الموضوع بالنسبة إلى اللاحق فهو واضح الاشكال، ضرورة عدم إمكان التفكيك في دليل اليد، فموضوعه إما نفس أخذ العين فيكون ما هو الموضوع في الاول هو الموضوع في الثاني، فلا قيد لموضوع الضمان، ويكون كونها مضمونة غير دخيل في الموضوع بما هو موضوع وإن كان مقارنا له، فهو كسائر المقارنات ككونه في يوم الجمعة أمام فلان ونحو ذلك مما هي من مقارنات الموضوع لا دخيلة فيه، أو الموضوع أخذ ما هو مضمون فلا يعقل ضمان الاول، وكذا ضمان الثاني، وهو واضح. فاحتمال كون الأول هو نفس أخذ العين بخلاف الثاني واضح البطلان. وإن كان المراد إثبات الطولية بتقرير أن ما مع المتقدم متقدم وما مع المتأخر متأخر ففيه أنه لا تصح هذه الكلية، فان للتقدم الرتبي وتأخره ملاكا خاصا لو فقده ما معه لم يكن متقدما، فلو فرض شئ في رتبة علة شئ لا يكون مقدما على المعلول، لان مناط التقدم الرتبي هو العلية لا غير، وهي مفقودة في المقارن، مع أن وصف المضمون متأخر عن الموضوع، فتدبر. وأما احتمال أن يكون المراد أن الخصوصية مضمونة كالعين كما في سائر الخصوصيات الواقعة تحت اليد ففي غاية البعد والفساد، لانه يهدم الطولية التي رامها، كما هو واضح. ثم إن هذه الطولية لا توجب رفع إشكال اجتماع الضمانات، لان يد الاول أوجبت الضمان، ويد الثاني مع قيد كون المأخوذ مضمونا أوجبت الضمان أيضا وهكذا، فكل يد ضامنة فعلا ومعا ولو كان أسباب الضمان متفاوتة أو متقدما بعضها على بعض.

[ 368 ]

إلا أن يرجع الكلام إلى ما ذكرناه من أن كلا ضامن لعنوان لا يعقل التكرار فيه، وهو مع كونه مخالفا لظاهر كلامه أو صريحه يدفع الاشكال ولو لم يكن الضمانات طولية، فالطولية لا تدفع الاشكال، وما ذكرناه دافع بلا لزوم التزام بالطولية. ثم إنه ذكر في خلال كلامه أن كل واحد من الاول والثاني ليس ضامنا مطلقا وعلى أي تقدير، وهذا كما ترى مخالف لدليل اليد ومناقض لجملة من كلامه، وغير صحيح في نفسه. ثم إن ما فرع على الطولية من رجوع السابق إلى اللاحق دون العكس غير صحيح، لان الطولية التي أصر عليها هي ضمان الثاني للمالك ما ضمنه الاول، فان رجع ذلك إلى أن الثاني ضامن للعين التي ضمنها الاول فلا يلزم من ذلك رجوع الاول إلى الثاني، وإن رجع إلى أنه ضامن لضمانه فان كان المراد أنه ضامن للمالك كذلك أي أنه ضامن الاول للمالك وهكذا بحيث يكون المالك مضمونا له والضامن مضمونا عنه ففيه - مع عدم دليل عليه، ودليل اليد لا يقضتي ذلك - أن لازم هذا الضمان إما نقل الذمة على ما هو المذهب في الضمان العقدي أو ضم ذمة إلى ذمة، وكلاهما في المقام غير صحيح، ومخالف لما رامه القائل، إذ لازمه عدم حق للمالك بالنسبة إلى كل سابق، أو عدم حق المطالبة إلا بعد إهمال السابق، وهو كما ترى. ولو فرض صحة ذلك فلا دليل على الرجوع إلى المضمون عنه، فان في الضمان العقدي لو كان بلا إذنه لا يجوز له الرجوع، فجواز الرجوع والضمان على فرض الاداء يحتاج إلى دليل مفقود. ثم إن في كلامه موارد من الاشكال والتنافي لا مجال لسردها، فراجع. كما أن تفريعه أمرين آخرين على الطولية - وهما صحة رجوع المالك إلى كل وإذا رجع إلى أحدهم وأخذ الغرامة ليس له الرجوع إلى

[ 369 ]

غيره - غير وجيه، فان ذلك غير مربوط بالطولية، بل هو من لوازم عدم إمكان التكرر في ماهية الضمان كما تقدم. والانصاف أنه رحمه الله بعد تفصيل وكر وفر وتكرار وتناقض صدر وذيل لم يأت بشئ. وأما ما أفاد السيد الطباطبائي (قده) في وجه رجوع السابقين إلى اللاحقين وجعله أحسن مما ذكره صاحب الجواهر والشيخ (قدهما) فالظاهر عدم صحته في نفسه، وعدم وفقه مع مبناه في باب ضمان اليد، قال: (إذا أدى العوض فقد ملك العين التالفة، فيقوم مقام المالك في جواز الرجوع إلى المتأخر - وذكر في توضيحه مقدمات -: الاولى - إنه لا إشكال في أن المالك إذا صالح العين التالفة التي اعتبر وجودها في ذمة ذوي الايدي مع غيرهم أو مع أحدهم يقوم المصالح مقامه في جواز المطالبة. الثانية - إن مقتضى القاعدة دخول المعوض في ملك من خرج عنه العوض. الثالثة - في باب الغرامات المدفوع يكون عوضا عن العين التألفة، ولازمه اعتبار كون العين ملكا للدافع، فان ذلك مقتضى العوضية، فلو كان للعين التالفة اعتبار عقلائي يكون للدافع) انتهى ملخصا. وفيه - مضافا إلى أن اعتبار المعدوم ملكا يحتاج إلى دليل قوي لا مفر منه إلا بذلك، كما لو ثبت حكم شرعي قاطع موقوف صحته على نحو هذا الاعتبار، فيقال. إن الشارع اعتبر المعدوم ملكا، وهو في المقام مفقود، لان صحة رجوع السابق إلى اللاحق أول الكلام، وتوقف صحته على الاعتبار الكذائي ممنوع. وأما ما أفاد في ذيل كلامه (قده) - من مسلمية الخيار بعد التلف،

[ 370 ]

فيرجع إلى المثل أو القيمة، مع أن الفسخ من حينه فليس ذلك إلا اعتبار كون العين التالفة ملكا لمالكه الاول، انتهى - ففية - بعد تسليم ثبوت الخيار عرفا أو شرعا بعد التلف، وتسليم الرجوع إلى المثل أو القيمة - لا ملزم لاعتبار المعدوم ملكا، فان الفسخ ليس معاملة بل فسخ، ولازمه العرفي الرجوع إلى العين مع وجودها، وإلى العوض مع عدمها من غير اعتبار العدم ملكا للطرف ثم للمالك، فانه مخالف للواقع، وبالجملة الحكم الشرعي أو العقلائي بالرجوع إلى المثل ليس معلولا لاعتبار العدم ملكا، بل هو أمر خارج عن بناء العقلاء، ولا دليل على الاعتبار المذكور، بل الدليل على خلافه، كما يظهر بالرجوع إليهم. ومضافا إلى أن في أبواب الضمانات مطلقا ليس الامر كذلك عند العقلاء والشارع الاقدس، لان المضمون له بعد ما تلف ماله وخرج بالتلف عن ملكه ملك في ذمة الضامن مثله أو قيمته جبرا من غير اعتبار ملكية الضامن أو المالك للتالف، وضمان اليد أيضا لا يقصر عن سائر الضمانات -. أن معنى استقرار العوض بعد التلف على ذمتهم - كما في كلامه - أن العين بماليتها ونوعيتها تصير ملكا مستقرا للمضمون له، ولا شبهة في أن ذلك التضمين بدل عن التالف، ومعه كيف يجوز على مبناه أن يملك المضمون له البدل على ذمة الضامن والمبدل التالف، فهل هذا إلا الجمع بين البدل والمبدل والعوض والمعوض؟! وتوهم أنه يصير بالاداء عوضا فاسد جدا، لانه يؤدي العوض الذي على عهدته، لا أنه عوض جديد، فعلى هذا ليس للمالك بعد تلف العين إلا العين التي على عهدة الضامن بماليتها ونوعيتها وجهاتها الاخر، والعين التالفة على فرض صحة ما زعمه تكون ملكا للضامن بمجرد استقرار الضمان، وفي

[ 371 ]

تعافب الايادي تصير ملكا لكل منهم، وهو كما ترى، فلا ملك له حتى يصالحه، مع أنه في الايادي المتعاقبة على مبنى اعتبار العين على جميع الذمم واستقرار الضمان بالتلف لا مجال للقول بأن كلا منهم ضامن، ويجب على كل منهم الدفع حتى يكون لشئ واحد غرامات كثيرة، فلا بد إما من الالتزام بالضمان بنحو البدلية كما أفاد الشيخ (قده) وتبعه القائل المعظم وإما الالتزام بأن ما اعتبر في ذمة كل عين ما اعتبر في ذمة الباقين، نظير ما ذكرناه في تصوير اشتغالات الذمم، فعلى كلا القولين لو صالح مع أحدهم سقط الضمان عن الكل، فمالكية الضامن للتالف لا تثمر جواز الرجوع إلى الباقين، وهذا ظاهر. ثم إن جواز مصالحة المالك العين التالفة موقوف على مالكيته لها، واعتبار ملكية المعدوم بما هو معدوم محال، لان المعدوم كذلك لا يدرك ولا يشار إليه، فلا بد من اعتباره موجودا، واعتبار الوجود الذهني لا يفيد، بل لا بد من اعتبار الوجود الخارجي، واعتبار ملكية الملحوظ خارجا تصديقا يوجب الاعتبار التصديقي للوجود، ضرورة أن القيود التصورية في الموضوع بعد الحكم على الموضوع المقيد تنقلب تصديقية، ولازم ذلك التعبد بوجود العين في الخارج مملوكة لمالكها إن كان الشارع هو الملاحظ أو المؤيد للحاظ العرف، وهذا التعبد الشرعي تعبد بسقوط الضمان إن كان بنحو الاطلاق، فانه تعبد حينئذ بعدم تلف العين، وإن كان التعبد من حيث أثر خاص وهو كون العين مضمونة على الضامنين فهو فرع كون ضمانهم بلحاظ وجود العين مملوكة ولو اعتبارا، مع أن وجودها يدفعه ولو تعبدا، فالتعبد بوجود العين مملوكة لا يعقل أن يكون بلحاظ ترتب أثر الضمان عليه، مع أن الضمان مترتب على تلفها.

[ 372 ]

ولو قيل: إن التعبد بالوجود لاثر آخر، وهو جواز رجوعه إلى الضامن وجواز مصالحته مع الغير، لان يرجع إليهم ويقوم مقام المالك في ذلك يقال: إن جواز الرجوع مترتب على الضمان المترتب على التلف ولا على وجود العين مملوكة، فانه يدفع الضمان الدافع للجواز. ومن هنا يظهر أنه لو فرض إمكان اعتبار مملوكية التالف بما هو تالف ومعدوم لا يصحح مصالحته مع من في السلسلة أو غيره قيامه مقام المالك في جواز المطالبة والاخذ من الضامنين، لان مملوكية التالف ليست دخيلة في ضمانهم بوجه، فان موضوع الضمان في الاتلاف ليس إلا ذلك، وفي اليد هو اليد أو التلف بعد مرور اليد عليه. بل لو قيل بأن عدم المملوكية دخيل لكان أقرب، فتلف ماله وسلب مملوكيته عنه موجب للضمان، لا مملوكية التالف، وهو واضح، فنقل التالف إلى غير من في السلسلة أيضا لا يوجب قيامه مقامه في المطالبة والاستحقاق بعد عدم استحقاق المالك لذلك، فضلا عمن في السلسلة، فانه مضافا إلى ذلك يرد عليه ما تقدم من أن المالك بعد الاستيفاء ليس له استحقاق بالنسبة إلى من في السلسلة حتى يقوم غيره مقامه فيه، لانه بالاستيفاء سقط المأخوذ عن الذمم. ويرد على المقدمة الثانية أن ذلك مسلم في المعاوضات دون باب الخسارات، وقد تقدم ما في المقدمة الثالثة. ثم إنه يرد عليه أن ما ذكره مخالف لمبناه في ضمان اليد من أن نفس العين تقع على العهدة، وهي باقية إلى زمان الاداء وحصول الغاية، فان لازمه أن يكون أداء المثل أو القيمة نحو أداء للعين حتى يسقط الضمان بحصول غايته، فعلى هذا لا يكون أداء المثل أو القمية عوضا من التالف. بل أداء للعين، وبه تحصل غاية الضمان، والعوضية انما تناسب مذهب

[ 373 ]

المشهور في باب ضمان اليد، كما تناسب ضمان الاتلاف. وكلمات القائل المعظم (قده) مختلفة في الباب، فقد يعبر بالعوض والبدل، وقد يعبر بالاداء لما في العهدة، وعلى أي حال لازم مذهبه عدم العوضية. فحينئذ مع تسليم جميع المقدمات لا تنتج ما رامه، فاتضح أن الوجوه التي استند إليها في التعويض القهري العرفي أو الشرعي كالوجه الذي ذكره صاحب الجواهر أو المحقق الرشتي أو السيد الطباطبائي (قدهم) لا يصح الاستناد إليها، وبطل المبنى والبناء فيها. وبما ذكرنا يظهر الكلام في ما جعله السيد الطباطبائي (قده) موافقا للتحقيق من (أن اللاحق صار سببا لاستقرار الضمان والعوض في عهدته، من غير فرق بين الاتلاف والتلف، وان حال اللاحق بالنسبة إلى السابق كحال الغار بالنسبة إلى المغرور، فان الوجه في رجوعه إلى الغار كونه سببا لاستقرار العوض في ذمته، فاللاحق بحيلولته بين السابق وبين العين التي يمكن له الرد لولا حيلولته سبب لاستقرار العوض) انتهى ملخصا. فان مذهبه في باب ضمان اليد أن نفس العين على العهدة، ولا تتبدل إلى المثل أو القيمة بالتلف أو الاتلاف، فهي باقية عليها إلى زمان الاداء ولو بمثلها أو قيمتها، فانهما أيضا نحو أداء عند تعذر العين، فلا وجه حينئذ لما ذكره من سببية اللاحق لاستقرار الضمان أو العوض على العهدة كما هو واضح. بل لا معنى على هذا المبنى لاستقرار الضمان بعد كون العين على العهدة من غير تغيير فيها، ومن غير دخالة شئ آخر في الضمان إلا اليد، فعليه لا يصح رجوع السابق إلى اللاحق وإن كان متلفا، فان الاتلاف

[ 374 ]

كالتلف غير دخيل في الضمان واستقراره. نعم على مذهب المشهور يصح الفرق بين الاتلاف والتلف، لان اليد لا توجب إلا حصول معنى تعليقي، وهو أنه لو تلف عليك مثله أو قميته، فإذا أتلف اللاحق المال صار إتلافه سببا لتعلق المثل أو القيمة على عهدته، فله الرجوع إليه، وأما لو تلف سماويا فلا رجوع، لعدم دخالة يد اللاحق ولا حيلولته في تحقق الضمان وتعلق العوض بعهدته، لعدم دخالة يد اللاحق ولا حيلولته في تحقق الضمان وتعلق العوض بعهدته، لان تمام الموضوع للضمان هو اليد والتلف، والحيلولة كالحجر جنب الانسان في باب الضمان أو استقراره، فوجود الحيلولة وعدمه على السواء في ذلك، وهو واضح. هذا مع أنه على فرض التسليم لا يتم المدعى على النحو الكلي، للفرق الواضح بين أخذ اللاحق عن السابق قهرا عليه أو أخذه باستدعاء منه والتماس أو بمعاملة، فان سبب الحيلولة في غير القهر هو السابق، سيما إذا استدعى منه الاخذ والرد إلى مالكه ولم يقبل السابق. مضافا إلى أن الحيلولة إنما تؤثر إذا كان السابق عازما على رد المال إلى المالك ومنعته الحيلولة، وأما إذا لم يرده إليه سواء كان المال بيده أو لا فلا وجه للقول بسببية الحيلولة، ومجرد إمكان الرد لا دخل له في الضمان أو رفعه. وأما مقايسة المقام بباب الغرور فغير مرضية، لان قاعدة الغرور قاعدة برأسها بعنوان الخديعة والغرور، ولها دليل برأسه وغير مربوط بباب التسبيب، وقد مر في السابق الاشارة إليها وإلى دليلها، والغار كثيرا ما لا يكون سببا للضمان، كما إذا أتلف المغرور المال، فانه متلف، وعلى المتلف الضمان وإن كان له الرجوع إلى الغار، فراجع. وأما ما أفاده المحقق الخراساني (قده) من أن ضمان اليد ورجوع السابق

[ 375 ]

إلى اللاحق حكم عرفي لم يردع عنه الشرع فقد مر ما فيه من أن أصل ضمان اليد بما ذكره الفقهاء ليس عرفيا عقلائيا فضلا عن أحكام تعاقب الايادي. وغاية ما يمكن أن يقال في تقريب فتوى المعروف، إنه لا يعتبر في قاعدة اليد إلا اعتبار كون المأخوذ على الآخذ، فما لم يتحقق فيه العهدة ولم يعتبره العقلاء أو الشارع في عهدة لا تشمله القاعدة، كأخذ المباحات التي لا مالك لها، وأما لزوم كون المأخوذ ملكا أو حقا أو سلطنة ونحوها فلا، فكما أن أخذ مال الغير سواء كان عينا أو منفعة أو حقا موجب للضمان، لصدق كون المأخوذ عليه، كذلك غصب المساجد والضرائح المطهرة والاوقاف العامة مما لا مالك لها موجب لضمان اليد، لصدق كونها عليه، وكذلك الاخماس والزكوات بناء على عدم ملكيتها لاحد، و الاداء بحسب الظهور العرفي وفهم العقلاء في كل مورد بنحو، ففي الاملاك والحقوق والمنافع هو الرد إلى صاحبها، وفي الاوقاف العامة إذا كانت لها متول هو الرد إليه، وفي الضرائح هو الايصال إلى محالها، وفي المساجد هو التخلية و وضعها تحت اختيار المسلمين، وهكذا، فلا قصور لدليل اليد صدرا وذيلا لشمول المذكورات، بل ذكرنا سابقا أن إمكان الادلة أيضا غير معتبر في ضمان اليد، وذكر الغاية لتحديد الموضوع كذكر الغاية في قاعدتي الطهارة والحلية، فان اتفق عدم إمكان الاداء في مورد لا يوجب ذلك عدم الشمول. إذا عرفت ذلك نقول: إن وصف كونه مضمونا أمر قابل لوقوع اليد عليه كسائر الاوصاف تبعا للعين، وصح فيه العهدة، وكونه على الآخذ، وعهدة وصف المضمون على الضامن الثاني للضامن الاول ترجع عرفا إلى ضمان الخسارة الواقعة عليه من قبل ضمانه، وليس

[ 376 ]

معنى ذلك أن المضمون له هو المالك، بل المضمون له هو الضامن لما ضمنه للمالك. وبالجملة إطلاق (على اليد) يقتضي شمولها لكل ما يصدق فيه أنه عليه بوجه، والمضمون له غير مذكور ومحول إلى فهم العرف والعقلاء، وفي المقام يكون الضامن مضمونا له بالنسبة إلى ضمانه، ولا يوجب ذلك الضمان رفع ضمان الضامن الاول ونقله إلى الضامن الثاني لان موضوع ضمان الثاني هو ضمان الاول، ولا يعقل رفع الموضوع بالحكم، وليس الضمان بالنسبة إلى المالك حتى يقال: معناه النقل أو الاداء عند عدم أداء الاول، بل لازم ضمان الثاني للاول ليس إلا جبر خسارته، وغاية هذا الضمان إرجاع المال المضمون إلى الضامن الاول، فانه أداء للوصف المأخوذ ولعل كلام الشيخ الاعظم (قده) يرجع إلى ذلك وإن كان بعيدا من ظاهره. ولو قيل: إن الوصف القائم بالعين لا بد وأن يكون مضمونا للمالك لا لغيره قلنا: قد أشرنا إلى أن قاعدة اليد لا تتكفل لبيان المضمون له، فحينئذ لو كان المأخوذ قابلا لكونه على الضامن الثاني للضامن الاول وللمالك ايضا نأخذ بهما فنقول: ان الضمان للمالك بمعنى أنه لو لم يؤد الضامن فأنا ضامن على النحو الذي عليه العامة في ا لعقدي لا معنى له في المقام، لان الثاني ضامن للمالك مطلقا بدليل اليد، فلا معنى لضمانه ثانيا عن الضامن بهذا المعنى. وأما بمعنى نقل الضمان إليه، أي نقل هذا المعنى التعليقي إليه، ولازمه سلب ضمان الاول بالنسبة إلى المالك وثبوت الضمان بالنسبة إلى الثاني فمضافا إلى أن الثاني ضامن للمالك لاخذه العين، ولا معنى للضمان فوق الضمان أن هذا النحو من الضمان غير عقلائي، وإنما ذهبنا إليه في الضمان العقدي للتعبد، مع أن موضوع ضمان الثاني هو ضمان الاول، فلا بد من

[ 377 ]

بقاء ضمان الاول حال بقاء الحكم، وهو ينافي النقل. فتحصل من ذلك أن الضمان للمالك لا وجه له، وأما الضمان للضامن فله وجه، لتصور العهدة وإطلاق الدليل على ما عرفت، وبعد لا تخلو المسألة عن الغموض والاشكال، وإن كان هذا الوجه لا يبعد الاتكال عليه. ثم لا يخفى أن هذا الوجه غير الوجه الذي أفاد الشيخ (قده) في ظاهر كلامه، وهو ظاهر، وغير الوجه الذي وجهنا به كلامه وأنكرنا إطلاق الدليل كما يظهر بالتأمل، فراجعه. ثم لو أرجع العين من في آخر السلسلة إلى سابقه وهو إلى سابقه وهكذا حتى وصلت إلى الغاصب الاول فضمان كل سابق في الدور الثاني يسقط بالاداء إلى لاحقه في هذا الدور، لان الغاية وهي تأدية المأخوذ أي الوصف حصلت بأداء العين، فوصف كونه مضمونا كما هو المأخوذ أي الوصف حصلت بأداء العين، فوصف كونه مضمونا كما هو مأخوذ بالتبع مردود كذلك، وكل لاحق في السلسلة الثانية أي الدور القهقري ضامن للسابق، فاعطاء كل موجب لرفع ضمانه وتضمين الوصف على الآخذ، فلو رجع المالك إلى أحدهم كان له الرجوع إلى لاحقه في هذا الدور، وليس له الرجوع إلى اللاحق في الدور الاول، وكذا الحال لو أرجع الآخر إلى من في مبدأ السلسلة أو إلى أحد الاوساط. وبالجملة كل سابق في الدور الاخير يرجع إلى لاحقه فيه لا في الدورات الآخر، والوجه هو الوجه الذي في السلسلة الاولى. ولو أبرأ المالك أحد من في السلسلة فهل يبرأ الجميع أو لم يبرأ إلا من أبرأه أو برأ ومن هو متقدم عليه دون المتأخر أو العكس، وجوه لا يبعد الاختلاف بحسب المباني في باب الضمان اليد، فمن قال: بأن نفس العين على الذمة، وهي باقية إلى زمان الاداء ولو بالمثل أو القيمة، ولا فرق في الضمان حال وجودها وتلفها فلا بد إما من الالتزام بأن الابراء بمنزلة الاستيفاء،

[ 378 ]

فمعه تحصل غاية الضمان التي هي الاداء، فان الابراء أيضا نحو استيفاء، فعليه يلزمه القول بأنه مع وجود العين أيضا يكون الابراء استيفاء للمأخوذ، ولازمه خروج العين الموجودة عن ملك مالكه، لعدم تعدد المال له، والمفروض وصول ماله الذي أخذ منه، وهذا مما لا أظن التزام أحد به. ولو قيل: لو فرض قصور دليل اليد عن ذلك فلا قصور لغيره، كقوله عليه السلام: (الغصب كله مردود) (1) يقال: إذا فرض حصول الغاية لدليل اليد يقع التعارض بينه وبين ما ذكر، وهو حاكم عليه، فتدبر. وحيث لا يمكن الالتزام بذلك، ولا يسع للقائل التفصيل بين زمان وجود العين وغيره بعد وحدة الدليل ووحدة المضمون وعدم تغيره حال الوجود والتلف فلا يمكن أن يقال: إن زمان الوجود ليس الابراء استيفاء بخلاف حال التلف، فلا بد له من الالتزام بأن إبراء ذمة أحدهم لا يلازم براءة ذمة الآخرين، كما أن في حال وجود العين لا يكون إبراء أحدهم إبراء للآخرين. والتفصيل بين من كان العين الموجودة بيده وغيره بأن الاستيفاء لا يؤثر بالنسبة إليه دون غيره كما ترى. نعم على المذهب المعروف في باب ضمان اليد يصح التفصيل بين حال الوجود وحال التلف، والالتزام بأن إبراء ذمة حال الوجود لا يلازم إبراء غيرها، لان في حال الوجود ليس على الآخذ مثل أو قيمة، وانما عليه معنى تعليقي: هو أنه لو تلف عليك، وهذا المعنى التعليقي نحو ضمان مسبب عن الاخذ والاستيلاء، فكل من الايادي ضامنة بهذا المعنى، ومعنى إبرائه هو الابراء عن الضمان لا الاستيفاء للمضمون، وذلك واضح، فإذا


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 4 من كتاب الخمس.

[ 379 ]

أبرأ أحدهم يرجع ذلك إلى أنه إذا تلف لم يكن عليك، وهو لا ينافي بقاء ضمانات أخر. وأما بعد التلف فحيث يكون المثل أو القيمة على عهدتهم وليس للمضمون له إلا مال واحد على ما عرفت فابراء أحدهم ملازم لبراءة غيره، فلا بد من البحث على هذا المبنى. فنقول: التحقيق أنه كلما كان إبراء الضمان مستلزما لابراء البدل والعوض أو عينه لا يعقل بقاء ضمان غيره، لا لاجل استيفاء حقه أو كون الابراء بمنزلة الاخذ، بل لما عرفت سابقا من أن عنوان البدل والعوض وجبر الخسارة و نحوها من العناوين التي لا تقبل التكرار، ومعلوم أن (على اليد) انما يوجب اشتغال الذمم بعنوان الضمان وجبر الخسارة، ومثل هذا غير قابل للتكرار، فحينئذ لو أبرأ أحد من في السلسلة من البدل أو العوض فلا يعقل بقاء البدل على ذمة غيره، وليست الذمم مشغولة بغير ذلك، فلازمه رفع الاشتغال من جميع الذمم، سواء كان الابراء بمنزلة الاخذ والاستيفاء أم لا. وأما إذا لم يستلزم إبراؤه لابراء غيره كما لو أبرأه حال وجود العين فلم يبرأ غيره، لما عرفت من أن الضمانات كثيرة، وليس ضمان أحدهم عين ضمان الباقين، ولا مستلزما وجودا أو عدما له، فلصاحب المال إبراء أحدهم دون غيره، فتدبر جيدا. وأما التفصيل الذي افاده المحقق الرشتي (قده) بين المتقدم والمتأخر وذهب إلى براءة المتقدم بدعوى أن من لوازم اشتغال ذمته بحكم قاعدة الضمان رجوعه إلى من تأخر، فإذا أبرأ المتأخر فقد أبرأه عما عليه سواء كان ابتداء أو بواسطة الرجوع إلى من يرجع إليه، وأما المتأخر فهو باق على شغل ذمته، لان الابراء ليس كأداء المبدل وقبضه، بل

[ 380 ]

للمالك حقوق كثيرة، وللضمان تعلقات عديدة، فاسقاط احدها لا يلازم إسقاط غيره. ففيه - مضافا إلى ما عرفت من عدم الفرق بين الابراء والاستيفاء وأخذ البدل بعد كون الابراء إسقاطا للمضمون الذي لا يعقل فيه التكرار والتعدد - أنه على فرض التعلقات العديدة والغمض عما ذكرناه أن ما أفاده على هذا المبنى غير تام، لان أساس ضمان الآخذ للمالك في الايادي المتعاقبة غير أساس ضمانه للغاصب السابق، فموضوع الضمان للمالك هو أخذ ماله من غير دخالة شئ آخر فيه، كما هو ظاهر دليل اليد، فضمان غيره وعدم ضمانه غير دخيل فيه، وأساس ضمان الغاصب المتأخر للمتقدم ليس أخذ مال المالك بلا إشكال، بل أمر آخر، وهو أخذ وصف المضمونية كما عرفت، وهو تمام الموضوع لضمان الايادي المتأخرة بالنسبة إلى الايادي المتقدمة، فلا دخالة لهذا الوصف في ضمانهم للمالك، كما لا دخالة للملك في ضمانهم للايادي المتقدمة وإن كان أخذ الوصف لا يمكن إلا بأخذ العين، فحينئذ إذا أبرأ المالك أحد من في السلسلة فانما أبرأه عن ضمانه، لا عن ضمان غيره، إذ ليس له إبراؤه إلا من حقه، فإذا رجع إلى من سبق الذى أبرأه فله الرجوع إليه وإن أبرأه المالك، لان رجوعه لاجل ضمانه للوصف مع عدم حصول غايته، فالقول بعدم جواز الرجوع إليه مع الغض عما ذكرناه غير مرضي. ولو سلم عدم جواز رجوعه إليه فلا نسلم عدم جواز رجوع المالك إلى من تقدمه، لمنع اللزوم المذكور، ألا ترى أنه لو أبرأ الغاصب الاول مثلا أحد من في السلسلة عن ضمانه فلا إشكال في عدم جواز رجوعه إليه لو رجع إليه المالك، مع أن لازم ما ذكره هو براءة ذمته من المالك أيضا وهو واضح الفساد، ولا أظن التزامه به، فيستكشف منه عدم اللزوم. مضافا إلى أن ما ذكره من أن اشتغال ذمة المتقدم من لوازمه - بحكم

[ 381 ]

القاعدة - رجوعه إلى من تأخر من الايادي - بعد إصلاح العبارة، ضرورة عدم إرادة نفس الرجوع، بل المراد جوازه - إن كان المراد أن اشتغال المتقدم لازمه بقول مطلق جواز ذلك فهو ممتنع، للزوم تأثير اليد المتقدمة لتحقق اليد المتأخرة عنها، وتحقق حكمه قضاء لعدم انفكاك اللازم عن ملزومه. وإن كان المراد أن اشتغال المتقدم لازمه ذلك بعد تحقق المتأخر وترتب حكمه عليه فيرد عليه - مضافا إلى لزوم التفكيك في دليل اليد بأن يكون تمام الموضوع في مورد اليد فقط، وفي مورد اليد مع قيد آخر، فان اليد من الغاصب الاول تمام الموضوع إذا لم يتعقبها يد أخرى، ومع تعقبها يكون هي مع قيد آخر موضوعة، وهو اليد التي يصح رجوعها إلى المتأخر، وهو كما ترى - أن اللزوم لما لم يكن عقليا هو واضح لا بد وأن يكون بجعل شرعي، وليس في المقام شئ سوى دليل اليد، فيلزم من ذلك أن يكون دليل اليد متكفلا لجعل الضمان لليد الاولى والثانية، حتى يترتب عليهما جواز الرجوع، ثم جعل اللازم لاشتغال ذمة المتقدم، وهو مستحيل من دليل واحد وجعل فارد. هذا مع أنه لو كان استفادة الضمان من دليل اليد كافية في اللزوم المذكور فلاحد أن يدعي اللزوم بالنسبة إلى الايادي المتأخرة بأن يقول: إن اشتغال ذمة المتأخر من لوازمه جواز رجوع المتقدم إليه، فإذا برأ المتقدم سقط جواز الرجوع، فانه موقوف على رجوع المالك إليه، وأخذه منه، وبعد الابراء ليس للمالك ذلك، فلا يصح الرجوع إلى المتأخر. ومما ذكرناه يظهر الكلام لو أراد بما ذكره أن اشتغال ذمة المتأخر من لوازم اشتغال المتقدم، فيرد عليه ما ذكرناه حرفا بحرف، والانصاف أن ما ذكره غير مرضي لا بحسب المبنى ولا بحسب البناء، هذا كله مع تلف العين.

[ 382 ]

وأما لو تعاقبت الايادي عليها مع بقائها فهل للمالك الرجوع إلى كل من جرت يده عليها، ويجب عليه تحصيلها والتأدية إليه أو وجوب الرد مختص بمن في يده فعلا؟ استدل على الاول بقاعدة اليد، وهو مبني على أن يكون المراد منها عهدة العين بجريان اليد عليها، فيجب عليه الرد حال وجودها، أو يكون المراد منها الحكم التكليفي فقط، وهو وجوب ردها، وأما على المذهب المنصور من كون القاعدة بصدد الضمان على ما تقدم فلا تدل على وجوب الرد. وبقوله عليه السلام (الغصب كله مردود) (1) وهو مبني على إطلاقه بالنسبة إلى الغاصب، وفيه إشكال، لانه بصدد بيان مردودية كل مغصوب أو المغصوب كله، فيشكل الاطلاق بالنسبة إلى الآخذ والغاصب، سيما مع وروده في خلال حديث وارد لحكم آخر، وفيه (وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم على غير وجه الغصب، لان الغصب كله مردود) وهو كما ترى ليس بصدد بيان حال الغصب والغاصب، بل بصدد بيان أن الغصب كله مردود إلى صاحبه، وليس هو من صوافي الملوك التي تكون للامام عليه السلام. وأما التشبث بالقاعدة العقلائية فهو فرع ثبوتها بهذا العرض العريض في تعاقب الايادي، وهو ممنوع، نعم لا يبعد في الجملة، وهو لا يفيد. ويمكن الاستدلال عليه بالاستصحاب بأن يقال: إن العين إذا وقعت في يد كل غاصب أو من بحكمه يجب عليه ردها إلى صاحبها، وبعد خروجها عن تحت يده يشك في بقاء الوجوب فيستصحب كما يستصحب حكم الغاصب


(1) الوسائل (الباب - 1 - من ابواب الانفال (الحديث 4 (من كتاب الخمس.

[ 383 ]

بالنسبة إلى كل منهم، لكنه مبني على ثبوت وجوب الرد حتى بالنسبة إلى الغاصب الذي يتعذر عليه الرد إما لاجل عجزه عنه لضيق الوقت ونحوه أو لجهله وغفلته. وقد فرغنا عن ثبوت الاحكام الكلية القانونية الفعلية من غير فرق بين العالم والجاهل والقادر والعاجز، وذكرنا الافتراق بين مبادئ الاحكام الشخصية والقانونية، والتفصيل يطلب من مظانه. ثم إن مؤونة الرد على الغاصب وإن بلغت إلى حد الحرج فضلا عن الضرر زائدا على المؤونة المتعارفة، فان أدلة نفي الحرج والضرر منصرفة عنه، فيؤخذ الغاصب بأشق الاحوال وإن كان الاخذ موجبا لضرره وحرجه، وهذا معنى أخذه بأشقها، والدليل عليه إطلاق وجوب الرد من غير دليل حاكم. نعم لو كان الآخذ جاهلا بالموضوع فالمؤونة عليه إلا إذا كانت زائدة على المتعارف أو موجبة للحرج عليه. ثم إن هاهنا فروعا لا يسع لنا التعرض لها، هذا تمام الكلام في الفضولي، والله الهادي. مسألة: لو باع الفضولي مال غيره مع مال نفسه فهل يصح في ماله مطلقا أو يبطل مطلقا أو يفصل بين ما إذا قلنا بصحة الفضولي وعدمها، أو بين إجازة الفضولي بناء على الصحة وبين ما لم يجز، أو بين القول بالكشف الحقيقي فيصح مطلقا وغيره، أو بين علمهما أو علم أحدهما بالفضولية وعدمه؟ وجوه واحتمالات؟

[ 384 ]

وقبل النظر إلى النص الخاص والاجماع لا بأس بصرف الكلام إلى مقتضى القواعد والاشكالات الواردة فيه، وهي مختلفة، فبعضها وارد على جميع الاحتمالات. منها - أن العقد المتعلق بالمالين واحد لا يتجزأ، ولا يعقل تعلق وجوب الوفاء بالنسبة اليهما على المالك فقط، أو على الفضولي فقط لو أجاز، ولا عقد بالنسبة إلى كل منهما مستقلا حتى يجب الوفاء على المالك وإن لم يجب على غيره، ووجب على الفضولي أيضا على القول بالصحة. وبالجملة ليس في المقام إلا عقد واحد لم يتعلق به وجوب الوفاء، فلا بد من وقوعه باطلا، وكذا الحال في دليل نفوذ البيع ودليل التجارة عن تراض. وهذا الاشكال يرد على جميع الاحتمالات حتى مع صحة الفضولي على الكشف الحقيقي، فالقول بعدم الاشكال بناء على صحة الفضولي وإجازة المالك، أو بناء على الكشف الحقيقي ليس على ما ينبغي، فلا بد من دفعه على جميع المباني. ثم إن المحققين (قدهم) تفصوا عن الاشكال بدعوى انحلال العقد إلى عقدين، بل ادعى بعضهم أن العقد الواقع على المركب مطلقا منحل إلى العقود حسب أجزاء المركب كالتكليف المتعلق بالمركب الارتباطي. بل أقام بعضهم البرهان على المدعى، فقال: إن وحدة التمليك والملكية طبيعية لا شخصية، لوضوح تعدد اعتبار الملكية بتعدد المملوك، لا أن المالين معا ملك واحد، بحيث تكون الاضافة الشخصية قائمة بالمتعدد ومع تعدد الملكية يتعدد التمليك، لان الايجاد والوجود متحدان بالذات وليس العهد إلا الجعل والقرار المعاملي المتعلق بالملكية، ولا العقد إلا ارتباط أحد القرارين بالآخر، فلهما وحدة طبيعية وتعدد بالشخص، وعدم

[ 385 ]

تجزي البسيط لا ينافي التعدد. أقول: الظاهر منه ومن بعض آخر أن العقد في كل مركب بل وفي كل بسيط خارجي عرفا قابل للتجزئة والتفصيل - كقطعة من الذهب، أو واحد من الاحجار الكريمة - بل وفي كل شئ قابل للكسر المشاع منحل إلى العقود، فان كل جزء سواء كان من الاجزاء الخارجية كالمركب الاعتباري أو الاجزاء غير الخارجية ككل مثقال من قطعة من الذهب أو قيراط من الاحجار الكريمة أو كسر مشاع من كل شئ مملوك قد انتقل إلى المشتري بالبيع والقرار العقدي، فالعقد منحل إلى ما شاء الله بحسب الاجزاء الخارجية وغيرها، ولازمه أن كل جزء ينتقل بعقدين: عقد على نفسه وعقد عليه بما له كسر مشاع. وأنت خبير بأن هذا خروج عن طريق العقل والعرف، أما العقل فلان العقد بما أنه فعل اختياري من العاقد لا بد وأن يكون بما له من المتعلق موردا للتصور والتصديق بالفائدة وسائر المبادئ التصورية والتصديقية، ومع الذهول والغفلة والجهل لا يعقل تعلق الارادة به، فالقرار على نفس الشئ المركب الخارجي كالبيت ونحوه أو غيره كالذهب والفضه والحيوان ونحوها مسبوق بمبادئ الارادة بالوجدان، ومبادئها لا تنحل إلى مبادئ الاجزاء بالوجدان، ضرورة أن بائع البيت أو البستان ذاهل عن أكثر أجزائهما، بل لا يعقل منه الاحاطة بها، كما أن الوجدان شاهد بأن بائع المركب سيما المركبات العقلية ذاهل عن أجزائها حين البيع، فكيف مع ذلك يقال: إن البائع والمشتري لهما عقود وقرارات بالنسبة إلى كل جزء جزء مع فقد المبادئ مطلقا. ولو قيل: إن القرار على المركب قرار على الاجزاء ارتكازا يقال هذا صحيح إن أريد أنه بقرار واحد ينتقل الاجزاء، وأما دعوى أنه قرارات متعددة فهي فاسدة جدا.

[ 386 ]

وأما حكم العرف فهو أقوى شاهد على فساد هذه المزعمة، فلو قيل لبائع حيوان: إن لي معك قرارات وعهودا: منها أن يكون عين الفرس لي مقابل مقدار من المال، ومنها أن يكون رجله لي بكذا وعد جزء جزء منها يحمل كلامه على الدعابة واللعبة. فالحق أن المبيع في المركبات الاعتبارية فضلا عن الحقيقة واحد، والبيع واحد، والعقد كذلك، ونقل الكل بعقد واحد لا ينفك عن نقل الاجزاء من غير لزوم قرار خاص مستقل بالنسبة إليها، فمن باع فرسا لم يخطر بباله حين البيع أجزاؤه سيما الاجزاء الباطنة، ولم يكن قراره إلا قرارا واحدا ولا عقده إلا واحدا على واحد، لكن نقل الفرس نقل لشخصيته المشتملة على الاجزاء، كما أن في باب التكليف على المركبات أيضا لا أساس لقضية الانحلال، بل الانحلال غير صحيح لا في العام الاستغراقي ولا المجموعي ولا في المركبات مطلقا، لان العام الاستغراقي دال بدواله على تعدد الحكم من غير معنى للانحلال فيه وفي المركبات والمجموعي حكم واحد لموضوع واحد، والتفصيل يطلب من مظانه. وأما البرهان الذي أفاده بعض ففيه أن المركبات لها وحدة عرفية، وإلا خرجت عن كونها مركبات، فإذا كانت واحدة فالمملوك واحد والبيع تعلق به، نعم ملكية المملوك الواحد الذي له أجزاء ملكية الاجزاء في النظر التفصيلي، كما لو أغمض النظر عن المركب ولوحظ الاجزاء، فالنقل في المركب نقل واحد لامر واحد ذي الاجزاء، وهذا واضح مع أن ما ذكر لا يأتي بالنسبة إلى المركبات الحقيقة، فتدبر. ومنه يظهر النظر في كلام السيد الطباطبائي (قده) حيث استشهد بقول العرف: إن هذا الجزء ملكي بهذا العقد، وقال هذا معنى الانحلال إذ معناه أن الجزء له بهذا العقد لا بعقد مستقل، ولهذا لو قيل له: إنك

[ 387 ]

عقدت عليه قال: لا بل عقدت على الكل، ولو قال: نعم كذب، وهو أجنبي عن الانحلال، هذا بالنسبة إلى بيع الاصيل ماله المركب ذا الابعاض. وأما البحث فيما نحن بصدده فلا يخلو إما أن يكون مال نفسه وغيره غير مرتبطين كالكتاب والفرس، وإما أن يكونا في ضمن مركب اعتباري أو حقيقي، كالشركة بالاشاعة بينهما في دار أو حيوان ونحوهما، أو كانا قسمتين مفروزتين كما كان نصف الدار مفروزا لاحدهما والآخر للآخر، وعلى أي حال قد يكون البائع والمشتري عالمين بالواقعة، وقد يكونان جاهلين، أو أحدهما جاهلا. فعلى الاول تارة تقع المقاولة بينهما بالنسبة إلى الفرس فيحصل التراضي في قميته وبالنسبة إلى الكتاب كذلك، ثم من باب السهولة يقول: بعتهما بكذا، أو يقول: بعت هذا بكذا وهذا بكذا، فلا إشكال في أنه يكون بانشاء واحد موجدا لمبادلتين أو مبادلات، فان (بعت) الانشائي لا يدل إلا على إيقاع المادة وايجادها، وهو معنى وحداني، سواء كان المتعلق واحدا أو كثيرا مجتمعا في اللفظ أو معطوفا بعضها على بعض بالواو. فلو قال: (بعت فرسي) يدل ذلك بدوال متعددة على نقل فرسه بالبيع، ولو قال بعد ذلك: (وكتابي) يدل العطف والمعطوف على نقل الكتاب أيضا من غير أن يكون لفظ (بعت) ومعناه مختلفا في الموردين بل دلالة نقل الفرس بالجملة المعطوف عليها لاجل جعل الفرس مفعولا لبعت، والعطف يدل على مفعول آخر، وهكذا. ولو قال: (بعت كل صاع بكذا) مشيرا إلى صبرة فيها عشرون صاعا يدل الكلام بالدوال المختلفة على مبادلة كل ما في الصبرة من الصيعان من غير اختلاف في معنى (بعت) فبانشاء واحد يتحقق مبادلات متعددة ومنشآت كثيرة، كل ذلك بالدلالت الكثيرة العرفية، فمن قال

[ 388 ]

إن التمليك واحد نوعي في مثل بيع الدار وفيما نحن فيه كأنه غفل عن أن معاني الحروف والهيآت جزئية لا يعقل الكلية فيها، وغفل عن أن في (بعت فرسي) و (بعت فرسي وكتابي) لا يستعمل (بعت) إلا في معنى واحد، واختلاف المتعلقات لا يعقل أن يؤثر في معناه. وكذا الكلام فيما إذا باع كل نصف في المشاع فقال: (بعت نصف الفرس بكذا ونصف الآخر بكذا) وفي المفروز كما قال: (بعت الطرف الشرقي بكذا والغربي بكذا) ففي أمثال ذلك يكون مبادلات مختلفة وبيوع متعددة، لان البيع اسم للمشنأ الاعتباري لا للانشاء ولا اللفظ ولا الاثر المترتب على المعاملة، أي النقل الواقعي، ولا مانع من وحدة اللفظ والانشاء وكثرة المنشآت بعد مساعدة العرف والعقلاء. ولا يشك عاقل في أنه إذا قال: (بعت داري بكذا وكتابي بكذا) أنه أنشأ بيع داره وبيع كتابه ببيعين وعقدين بسلعتين وثمنين، فإذا كان أحدهما لآخر صح بالنسبة إلى ماله، سواء أجاز مالك الآخر أو لا، وسواء صح الفضولي أو لا، وسواء جهل البائع والمشتري بأن بعضه مال غيره أو لا من غير ثبوت خيار تخلف الشرط أو تبعض الصفقة للجاهل. وأما لو كان المبيع واحدا اعتباريا أو حقيقيا وكان بعضه للغير فباع الكل صفقة واحدة فهل يكون امتيازهما واقعا في الملكية موجبا لصيرورة المنشأ بيعين وعقدين؟ لا يبعد ذلك إذا كانا عالمين بالواقعة حين الانشاء ملتفتين بها، فان حصول قصد الفضولية في بعض و الاصالة في بعض منهما قهري إلا في بعض الموارد النادرة على إشكال. بل لا يبعد ذلك مع علم البائع المنشئ للمعالة، فان ماهية البيع تنشأ بفعله، و القابل يقبل ما فعل، نعم لما كان بحسب الظاهر صفقة واحدة للمشتري مع جهله خيار التبعض، ولو جهل البائع المنشئ بالواقعة فمجرد

[ 389 ]

الامتياز الواقعي لا يوجب ظاهرا صيرورة البيع متكثرا والعقد متعددا. بل التحقيق عدم التكثر و الانحلال حتى مع علمهما أو علم البائع بالواقعة، لان الاصالة والفضولية غير دخيلتين في إنشاء المبادلة وتحقق البيع، فبيع الفضولي كبيع الاصيل في الماهية ومقام الانشاء والتحقق، وإنما الافتراق بينهما بأمر خارج عن ماهية البيع، فحينئذ علمهما بالفضولية لا يوجب فرقا في مورد الانشاء، ولا يوجب اختلاف الانشاء والمنشأ، فالانشاء والمنشأ في المجموع بما هو مجموع واحد غير منحل، و هذا ظاهر لو اعطي التأمل حقه. لكن مع وحدة العقد يجب على الاصيل الوفاء به، ولا دليل على لزوم كون العقد لواحد، كما لو كان شخص وكيلا عن شريكين في بيع فرسهما وغفل الوكيل عن الوكالة وظن أنه لاحدهما فباع الفرس، فلا شبهة في لزوم الوفاء على كل منهما سواء قلنا بانحلال العقد إلى عقدين أو لا، والمقام لا يقصر عن بيع الشريكين المذكورين إلا في أصالة أحدهما في المقام وهو غير فارق بعد كون العقد هو النقل الانشائي. وأما قضية تخلف القصد فهي ساقطة، لا لما ذكره المحقق الخراساني (قده) من أن الجملة ليست إلا نفس الابعاض بالاسر، فالتعاقد عليها والقصد بها هو التعاقد والقصد على الاجزاء، فانه غير مرضي لما تقدم من أن مبادئ تعلق القصد بالمجموع غير مبادئ تعلقه بالاجزاء، والمجموع بما هو موضوع الحكم أو العقد فان فيه الابعاض لحاظا واعتبارا. مع أن ما ذكره لو صح انما يصح في المركبات الاعتبارية لا الحقيقية عقلا، كفص ياقوت ونحوه إذا كان مشتركا مشاعا أو عرفا كبيت ودار ونحوهما، فان لها هيئة بها صارت هي هي، مع أن حديث كون المركب هو الاجزاء بالاسر غير مرضي، والعهدة على محله. و لا لما ذكره تلميذه المدقق (قده) من عدم تعلق القصد بملكية

[ 390 ]

المجموع ولا مجموع الملكيات، لعدم تحقق المجموع وعدم اعتبار ملكيته، والملكيات المتعددة من الافعال التوليدية التسبيبية للعاقد دون مجموعها، فانه أيضا غير مرضي لا عقلا ولا عرفا، لما تقدم من اختلاف مبادئ الكل والجزء، ولما يلزم منه من عدم صحة أكثر المعاملات، فان الاجزاء التي هي موجودة حقيقة غير متمولة، كالحبوبات ونحوها مما لا يتمول كل حبة منها الفرض أن المجموع لا وجود له، فالتمليك بالنسبة إلى الكل غير صحيح، ولا يتعلق به القصد على زعمه، وعلى كل جزء لا مالية له لا يتحقق العقد والمعاملة. والحل أن الامور العرفية لا تقاس بالعقليات، والعرف أصدق شاهد على وجود الجملة وتعلق القصد بها ووحدة المعاملة فيها، فمن باع وزنة من الحنطة لم يبع آحاد حبات الحنطة التي لا مالية لها، فكما أن المجموع بما هو مجموع دخيل في المالية عرفا وعقلا كذلك المجموع ملك، بمعنى أنه إن لوحظ المجموع بما هو حيث تفنى فيه الاجزاء يكون هو ملكا واحدا والاجزاء أجزاء لمكله، وجزء الملك ملك، وإن فصل المجموع إلى الاجزاء بحيث سقطت الاجزاء عن الجزئية تكون كل ملكا مستقلا، نظير جوهرة واحدة فانها ملك واحد بالضرورة، وليست لها أجزاء فعلية، ليقال: إن المركب هو الاجزاء بالاسر، لكن إذا قسمت قسمين يكون كل قسم ملكا مستقلا بعد ما كان الكل ملكا واحدا، فالعرف والعقل مخالفان لما أفاده (قده) بل سقوط الاشكال لاجل أن القصد لا يعقل أن يتعلق إلا بما هو فعلي اختياري، والعقد بما هو معنى إنشائي ينشأ بالصيغة اختياري يصح تعلق القصد به، وماهية العقد ليست إلا المعنى المنشأ سواء ترتب عليه الاثر كعقد الاصيلين أو لم يترتب كالفضولي، وكالايجاب من الموجب،

[ 391 ]

والاثر المترتب - أي النقل الواقعي عرفا أو شرعا - غير دخيل في العقد والايجاب، وغير متعلق للقصد، ولم يكن فعلا إردايا للموجب. فحينئذ نقول: إن ما هو المقصود العقد إلانشائي المتعلق بالواحد فيما كان المتعلق واحدا عرفا كالدار أو عقلا كالدابة، وهو حاصل غير متخلف عن القصد، فما قصده العاقد هو العقد الانشائي وايجاد ماهية البيع، وهو حاصل بانشائه وما هو غير حاصل أي النقل الواقعي المنوط باجازة المالك غير مقصود، ولا يعقل أن يكون مقصودا، لانه ليس فعلا للعاقد حتى يتعلق به القصد، فلا أساس للاشكال رأسا. وأما تخلف الداعي فلا إشكال فيه، ولا دخل له في صحة المعاملة. وأما حديث عدم تعلق الرضا إلا بالمجموع فغير صحيح لا لما أفاده السيد الطباطبائي (قده) من أن الرضا بكل جزء حاصل في ضمن الكل وليس الرضا به متقيدا بوجود الجزء الآخر، بل هو من باب تعدد المطلوب، لان تعدد المطلوب في المقام غير معقول، فان الرضا المقارن للتجارة الذي هو شرط في صحتها ولا بد وأن تكون التجارة عن رضا منه إن كان متعلقا بالمجموع أي المطلوب الاعلى يتحقق العقد مقارنا لهذا الرضا ولا عقد آخر مقرونا بالرضا بالمرتبة الدانية، ولا يعقل أن يكون العقد عن الرضا بمرتبة عقدا عن الرضا بمرتبة أخرى، إلا أن ينحل العقد إلى عقدين، فسقط حينئذ تعدد المطلوب. وأما تعدد المطلوب في اللب وبنحو الداعي فهو غير مربوط بصحة العقد، بل لان المعتبر في العقد أن لا يكون عن إكراه الغير، والرضا المعتبر هو ما في قبال الاكراه عن الغير، وأما الزائد على ذلك فلا يعتبر فمن باع ظل رأسه بلا كره ولاجل الحوائج فلا يرضى بالمعاملة، بمعنى أنه ليس بطيب واشتياق ورضا بمعناهما، لكنه صحيح لرضاه بالمعاملة في

[ 392 ]

قبال الكره، ومعلوم أن هذه المعاملة ليست عن إكراه مكره، فشرطها حاصل، وقد مر التفصيل في باب بيع المكره. وأما حديث لزوم الجهالة ففي غاية السقوط، لان لزوم الغرر أو الجهالة أحيانا في معاملة لا يوجب بطلانها مطلقا ففي المقام ليس ضم مال الغير إلى ماله موجبا للجهالة في الثمن مطلقا حتى يرد الاشكال ولو ظاهرا، بل في غالب الموارد لا جهالة فيه، فلو باع المال المشترك بينهما بالاشاعة بثمن أو باع مال غيره وماله المفروزين وكانا جنسا واحدا ذاتا ووصفا أو كانا جنسين وعلما قيمة كل منهما وأشباه ذلك فلا يكون جهالة ولا غرر. وأما إذا لم يعلما قيمة كل وعلما قيمة المجموع فاشكال لزوم الغرر أو الجهالة المضرة بالمعاملة على تقدير تسليمه مشترك بين المقام وغيره حتى في مورد كان المالان ملكا لشخص وباعهما صفقة واحدة من غير علم بقيمة كل منهما، فالاشكال ساقط من الرأس ولو سلم حصول الغرر أو الجهالة المضرة في مثل المورد. وبعبارة أخرى إن الاشكال لم يرتبط بصحة بيع مال الغير مع مال نفسه، بل هو في بيع شيئين جهل قيمة كل منهما مع العلم بمجموع الثمن صفقة واحدة. وأما ما أفاد المحشون رحمهم الله فلا يخلو من غرابة، فانهم أجابوا عن الاشكالات السابقة - بأن العقد المتعلق بالمركب ينحل إلى عقود، ولكل عقد حكمه من وجوب الوفاء وتعلق القصد به والرضا به، ولما وصلوا إلى المقام قالوا: إن العقد وقع على الجملة، و التبادل بين المجموع والمجموع، ويكفي ذلك في رفع الغرر، فان كان مرادهم بالانحلال أن العقد وقع على المجموع والتبادل بين المجموع والمجموع ومع ذلك ينحل إلى العقود ففيه أن العقد على المجموع

[ 393 ]

عمل عمله وحصل التبادل به فلا يعقل التبادل بين الاجزاء بعقد آخر مع، أنه له عقد آخر غير العقد على المجموع. وإن كان المراد أن العقد على المجموع حقيقة عقد على الاجزاء، لان الاجزاء بالاسر هو المجموع، ولان المجموع لا وجود له ولا ملكية له كما صرح به بعضهم فلا معنى لمقابلة المجموع بالمجموع، فهاهنا عقود كثيرة وقصود كذلك، لا عقد وعقود، وهذا الاشكال أوضح ورودا على من ادعى أن لا معنى لملكية المجموع، ولا معنى لتعلق القصد والرضا به كما مرت حكايته عنه. وأما نحن فمع الغض عما تقدم آنفا من عدم ربط إشكال الغرر والجهالة بالمقام نقول إن كل مورد يكون فيه عقدان وثمنان مع جهالة ثمنهما فهو باطل، كما لو قال: (بعت هذا ببعض العشرة وهذا ببعضها الآخر) وأما لو جمع بينهما بثمن واحد فهو لا ينفك عن لحاظ الوحدة في المبيع، لعدم تعقل بيع متعدد مع وحدة الثمن، فحيئنذ يكون بيعا واحدا لا متعددا ولا ينحل إلى بيعين، كما لو قال بعتهما بعشرة أو بعت هذا وهذا بعشرة هذا مع جهالتهما بقيمة كل منهما. وأما مع العلم بها كما لو كان جزءا مشاعا أو من صبرة واحدة أو معلوم القيمة عندهما، ولو كانا مختلفين جنسا وقيمة فلا إشكال في عدم الجهالة، كان المنشأ عقدين أو عقدا واحدا. هذا حكم المسألة بحسب القواعد، ثم إن الكلام في ضم ما يقبل التمليك إلى ما لا يقبله بحسب القواعد هو الكلام في المقام، هذا ومع الغض عن القواعد فهل يمكن تصحيح البيع في المقام وفيما يقبل ولا يقبل بجميع الاحتمالات والشقوق فيهما بصحيحة الصفار - التي رواها المشايخ الثلاثة (قدهم) باسنادهم عن محمد بن الحسن الصفار - (أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن على العسكري (ع)

[ 394 ]

في رجل له قطاع أرضين، فيحضره الخروج إلى مكة والقرية على مراحل من منزله، ولم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه وعرف حدود القرية الاربعة، فقال للشهود: اشهدوا أني قد بعت فلانا يعني المشتري جميع القرية التي حد منها كذا والثاني والثالث والرابع، وانما له في هذه القرية قطاع أرضين، فهل يصلح للمشتري ذلك وانما له بعض هذه القرية وقد أقر له بكلها؟ فوقع عليه السلام: لا يجوز بيع ما ليس بملك، وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك) (1). والنسخ التي عندي من الوسائل والكافي والتهذيب والفقيه ومرآت العقول والحدائق كلها متفقة في ذلك تقريبا، ولكن لم يكن في نسخة الوافي من قوله: (وإنما له في هذه) إلى قوله: (وإنما له بعض هذه القرية) والظاهر سقوط تلك الجملة من قلم النساخ، لا من قلم صاحب الوافي (قده) حين الاستنساخ، والمنشأ للاشتباه اشتراك كلمة (وإنما له) فوقع نظر الناسخ بعد كتابة (وإنما له) على الجملة الثانية المبدوة بذلك (2). وأما ما في المستدرك عن نهاية الشيخ (قده) فانما هو نقل لبعض الرواية بالمعنى، إذ ليس النهاية كتاب الحديث. وكيف كان مع الغض عن القواعد استفادة الحكم من الصحيحة مشكلة، لاحتمالات كثيرة فيها: منها - أن يكون السؤال عن قضية شخصية خارجية، والجواب


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1 - ورواها المشايخ (قدهم) مع إختلاف يسير في الالفاظ. (2) وقد عثرت بعد على الرواية في الوافي في أبواب الشهادات (باب ما يجوز أن يشهد عليه وما لا يجوز) وكانت موافقة لسائر الكتب فالسقوط هاهنا مقطوع به (منه دام ضله).

[ 395 ]

عن تلك القضية أو الجواب عن حكم كلي بالقاء كبريين كليتين. ومنها - أن يكون السؤال عن قضية كلية كما هو دأب أصحاب الكتب من أصحابنا، فانهم إذا أرادوا استفادة الحكم الكلي كثيرا ما ذكروا أمرا جزئيا مريدا به الاشباه والنظائر، كقول زرارة (أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من المني) (3) ولا ينافي ذلك ذكر خصوصيات القضية. ثم السؤال الكلي إما عن البيع المتحقق إيجابا وقبولا، أو عن حال الايجاب على ما يملك وما لا يملك، وأن المشتري هل له قبول هذا الايجاب ويصلح له ذلك؟ فان كانت القضية شخصية سؤالا وجوابا يستفاد منها أن بيع ما يملك في ضمن ما لا يملك صحيح في مثل تلك القضية الشخصية بخصوصياتها، وسيأتي الكلام فيها، وإن كان الجواب كليا في جواب القضية الشخصية فيحتمل في قوله عليه السلام: (لا يجوز بيع ما ليس يملك) الخ أن يكون بصدد بيان صحة البيع فيما يملك إذا وقع مع غيره، فكأنه قال: كل بيع وقع على ما يملك وما لا يملك صح فيما يملك، فحيئنذ يمكن استفادة الحكم للموضوع الكلي سواء كان في الخصوصيات موافقا للقضية المسؤول عنها أم لا. ويحتمل أن يكون بصدد إبطال البيع الواقع على المجموع واختصاص الصحة بما إذا وقع الانشاء على خصوص ما يملك، بأن يقال: إن القرية بما هي ليست مملوكة فلا يجوز بيعها، ووجب الاشتراء من المالك على ما يملكه أي وجب أن يكون الايقاع على ما يملكه حتى يصح. ويأتي الاحتمالان على احتمال كلية السؤال أيضا. وبالجملة تتوقف الاستفادة بناء على كون القضية شخصية سؤالا

[ 396 ]

وجوابا أو على فرض الكلية على أن يكون المراد من قوله عليه السلام: (وقد وجب الشراء من البائع على ما يملك) أن الشراء صار لازما على البائع إذا باع ما يملك وما لا يملك، وفي نسخة الكافي بدل (من البائع) (على البائع) فيؤيد هذا الاحتمال. وبالجملة كما يحتمل أن يكون المراد أن الشراء صار واجبا على المالك يحتمل أن يكون المراد وجب الشراء من المالك على ما يملك، على أن يكون الشراء بالمعنى المصدري، أي وجب الاشتراء منه على شئ ملكه، وعلى هذا الاحتمال المؤيد بسائر النسخ التي فيها (من البائع) تدل الرواية على البطلان. نعم في رواية الكافي بعد ذكر المكاتبة المتقدمة بهذه العبارة (وكتب هل يجوز للشاهد الذي أشهده بجميع هذه القرية أن يشهد بحدود قطاع الارض التي له فيها إذا تعرف حدود هذه القطاع بقوم من أهل هذه القرية إذا كانوا عدولا؟ فوقع عليه السلام: نعم يشهدون على شئ مفهوم معروف) فيدعى أن هذا الذيل قرينة على ترجيح احتمال تصحيح البيع المذكور ببعض مضمونه. وفيه - مضافا إلى ان تلك المكاتبات التي جمعها المشائخ الثلاثة رضوان الله عليهم كانت مكاتبات مستقلة غير مجتمعة، وكان الصفار سأله بنحو ما والدليل عليه أن الكتب الثلاثة قد جمعها مختلفة من حيث التقديم والتأخير، ولو كانت المكاتبة مجتمعة مع غيرها لما وقع ذلك، فراجع كما أنه لو كانت المكاتبة المتقدمة، مذيلة بتلك المكاتبة لما أسقطها الصدوق والشيخ (قدهما) فعلم من ذلك أن المكاتبة الثانية كانت مكاتبة مستقلة لم نعلم كونها مربوطة بتلك القضية أو قضية أخرى وإن كان المظنون ارتباطها بتلك القضية، لكن الظن لا يغني من الحق شيئا - أن ترجيح احتمال الصحة لا يخلو من إشكال لان السؤال انما هو

[ 397 ]

عن جواز الشهادة بحدود القطاع إذا أشهد على حدود القرية، وليس بصدد بيان صحة البيع، ولعل البيع على المجموع باطل، ولا بد من بيع القطاع مع الاشهاد على حدود القرية بأن يقول: (اشهدوا أني بعت القطاع الموصوفة بكذا بمساحة كذائية من القرية التي حدودها كذا وكذا) تأمل. ثم إنه لا يبعد ترجيح احتمال تصحيح المعاملة الواقعة على المجموع بالنسبة إلى ما يملكه بناء على كون الصحة موافقة للقاعدة، لبعد التعبد على خلاف القواعد العقلية والعقلائية والشرعية، ولا ينقدح في ذهن العرف أن الرواية بصدد التعبد بما هو على خلاف القواعد، ولو انعكس البناء انعكس الاستظهار، فلو قيل بأن لازم الصحة عدم وقوع ما قصده المتعاملان ووقوع، ما لم يقصدا يستبعد العرف غاية الاستبعاد كونها بصدد التعبد بذلك فيرجح الحمل على البطلان مطلقا. ثم لو قلنا بدلالتها على صحة البيع بالنسبة إلى ما يملكه فهل يمكن رفع تمام الشكوك التي في المقام وفي بيع ما يقبل التمليك وما لا يقبله ككون الضميمة خمرا، ومنها الشك في شمولها لما لا يقبله؟ وقد يقال: إن ترك الاستفصال دليل على عدم الفرق بين كون الملك للغير وبين كونه وقفا مثلا بعد فرض القضية جزئية خاصة بالمورد سؤالا وجوابا. وفيه أن ترك الاستفصال انما هو دليل العموم إذا لم يكن انصراف في البين، ولا يبعد الانصراف إلى الملك وعن الوقف، سيما في زمان الصفار الذي كان الوقف فيه قليلا ونادرا جدا، بل احتمال الانصراف حين الصدور يدفع الاستدلال. ثم لو سلم ذلك فلا يدل تركه إلا على صحة كون الضميمة وقفا، ولا يمكن استفادة ضميمة الخمر والخنزير من ترك الاستفصال المذكور، فلا بد من التشبث بالغاء الخصوصية، والظاهر عدم صحة إلغائها بعد كون

[ 398 ]

مثل الخمر والخنزير وآلات اللهو والقمار ونحوها لها خصوصيات ظاهرة، ولو كان الجواب كليا يكون المناط إطلاق الجواب لو فرض إطلاق له لا خصوصية المورد. فقد يقال: إن صحيحة الصفار لا تشمل ما لا يقبل التمليك كبيع الوقف، فان عدم جواز البيع فيه ليس لكونه غير مملوك للبائع، بل لعدم قابليته للملكية، ولهذا لا يحوز بيع الوقف ولو كان مملوكا للبائع فلا معنى لتعميم ما لا يملكه البائع هنا إلى ما كان وقفا، فان ملاك فساد البيع عليه فيه عدم قابليته للتمليك، لا عدم كونه مملوكا بالفعل، لعدم قبوله للملك، وفيه أن قبول الشئ للتمليك وكونه ملكا للبائع شرطان لصحة البيع فعلا، فلو كان الشئ قابلا للتمليك ولم يكن ملكا فعلا للبائع أو كان ملكا ولم يكن قابلا للتمليك بطل لفقد الشرط في كلا الفرضين، ولو اجتمع في مورد عدم القابلية للتمليك وعدم الملكية يكون باطلا، لفقد شرطين لا شرط واحد. ولو قيل: إن غير القابل فاقد للمقتضي وغير الملك فاقد للشرط وفقد المقتضي مقدم في النسبة يقال: لا فرق بينهما في وجود الاقتضاء إذا لوحظ نفس الشئ مع قطع النظر عن المانع أو فقد الشرط، فان الوقف مال قابل للمبادلة في نفسه كمال للغير، ولو لوحظ حيثية الوقفية وحيثية مالية الغير يمكن أن يقال: إن مال الغير لا يقتضي بيعه كمال الوقف. وبالجملة تقدم أحد الشرطين على الآخر ممنوع، كما أن كون أحدهما من قبيل عدم المقتضي والآخر من قبيل الشرط غير واضح ولو قيل: إن القضية السلبية ظاهرة في سلب المحمول لا الموضوع فقوله عليه السلام: (لا يحوز بيع ما ليس يملك) محمول على عدم كونه مملوكا مع قابليته لذلك، والحمل على سلب القابلية كأنه سلب بسلب الموضوع.

[ 399 ]

يقال: سلب الموضوع في قوله عليه السلام: (ما ليس يملك) هو فقد الشئ كالقرية في المثال لا فقد القابلية لعدم أخذ القابلية موضوعا للملك والانصاف أنه لو سمع العرف أن الشارع الاقدس حكم بأنه لا يجوز بيع ما ليس يملك وسمع أن الاوقاف العامة ليست ملكا لاحد أو أن الخمر والخنزير ليستا ملكا لاحد يفهم من ضمهما بطلان بيعها، ولا ينظر إلى ما أبداه أهل الدقة، فهذه الامور خارجة عن متفاهم العرف الذي هو الميزان في فهم الاحاديث وفقهها. وفي قبال القول بعدم التعميم هو ما أفاده بعضهم من أن المدار عموم الجواب لا خصوص السؤال، وأن قوله عليه السلام: (وجب الشراء من البائع على ما يملك) يدل على تحليل العقد ونفوذه فيما يملكه وإن اختص قوله عليه السلام: (لا يجوز بيع ما ليس يملك) بما يقبل التمليك فلا يدور صحة الاستدلال مدار عدم نفوذ البيع بالنسبة إلى الضميمة، بل انما يدور مدار نفوذ البيع في الجزء الآخر الذي يملكه، والصحيحة تدل باطلاقها على صحته. وفيه أن لذلك وجها لو كان عليه السلام: (ووجب الشراء من البائع على ما يملك) كبرى مستقلة في قبال الجملة المتقدمة عليها، وليس الامر كذلك، بل الجملتان أيضا ليستا كبريين، بل هما بيان حكم الموضوع المسؤول عنه من غير ذكر الموضوع، واكتفى بالحكم لفرض الموضوع في السؤال، ولا يصح تقدير شئ آخر غير السؤال، فقوله عليه السلام: (لا يجوز بيع ما ليس يملك) ليس بصدد بيان عدم جواز بيع مال الغير مطلقا، وكذا قوله عليه السلام: (ووجب الشراء) ليس بصدد بيان صحة شراء المالك ماله، فانهما غير مربوطين بسؤال السائل، وما هو المربوط لم يذكر موضوعه في الجواب، لاتكاله على

[ 400 ]

السؤال، فكأنه قال: إذا باع القرية مع كون قطاع منها لغيره صح فيما يملك دون ما لا يملك، فلا عموم للجواب، ولا إطلاق بالنسبة إلى ما يقبل التمليك وما لا يقبله، فالصحيحة متكفلة لبيان حكم موضوع شخصي. وأما قوله: (يدل على التحليل) فان كان المراد التحليل في النفوذ واللانفوذ صح، ولا ينتج، وإن كان المراد التحليل في البيع ثم دعوى استفادة التحليل في غير المقام مما ضم القابل للتمليك إلى غيره فكلا الامرين ممنوعان، لامكان الصحة في بعض مضمون عقد واحد، وقياس غير قابل بالمقام مع الفارق، كما أن دعوى استفادة العموم بالنسبة إلى الوقف وإلغاء الخصوصية عنه - فيحكم بسريان الحكم إلى الخمر والخنزير ونحوهما - قد مر الاشارة إلى فسادها. ثم إن الجواب لما كان عن موضوع شخصي مفروض في السؤال لا بد من مراعاة خصوصيات السؤال، فلو فرض أن السؤال بصدد فهم الحكم الكلي لا المخصوص بالقرية والجواب أيضا يكون حكما كليا لكن لا يمكن إسراء الحكم من الموضوع المفروض وأشباهه إلى موضوع مغاير له بمجرد كون دأب أصحابنا السؤل في مفروض شخصي عن الحكم الكلي للاشباه والنظائر، كما لا يخفى، فالحكم كلي على الموضوع المفروض بقيوده. فحيئنذ نقول: إن المفروض في السؤال هو علم البائع بالواقعة وإيقاع البيع على التمام والاشهاد عليه ظاهرا لاجل إرضاء المشتري بالنسبة إلى اشتراء قطاعه لا برجاء الرجوع إلى المالك والاجازة منه، ولا بنحو بيع الغاصب كما يظهر بالتأمل فيها، فعليه لا يصح إسراء الحكم إلى مورد جهله بالواقعة، ولا إلى الموضوعات المنفصلة كضم حيوان إلى حيوان مثلا، ولا إلى مورد يكون النظر إلى الرجوع إلى المالك. بل لنا أن نقول: إن مضمون الصحيحة خارج عن باب ضم ماله

[ 401 ]

إلى مال غيره والبيع بنحو الجد، لقرب احتمال أن يكون البيع بالنسبة إلى سائر القرية صوريا غير جدي، فالصحة في هذا المورد لا تدل على الصحة فيما إذا باع المالين جدا، وإطلاق البيع عليه لعله بنحو من المسامحة، فحيئنذ لا تدل الصحيحة على بطلان الفضولي كما استدل بها له صاحب الحدائق (قده). ولو نوقش فيما ذكرنا بالنسبة إلى ضم ما يقبل التمليك إلى مثله فلا ينبغي المناقشة في عدم استفادة حكم ما لا يقبله منها، فتدبر جيدا. ثم إن المحكي عن بعض أن صحة البيع فيما يملكه مع الرد تتقيد بما إذا لم يتولد من عدم الاجازة مانع شرعي، كلزوم الربا وبيع الآبق بلا ضميمة، ولا بأس ببسط الكلام في الموضوع الاول منهما. فنقول: لو باع درهما ودينارا بدرهمين ودينارين وكان الدرهم مثلا للغير فهل يصح البيع في حصته مطلقا اؤ لا مطلقا أو يصح إذا أجاز صاحب الدرهم ويبطل إذا لم يجز؟ وجوه بحسب التصور. فان قلنا بأن المعاملة المذكورة تنحل إلى بيعين وعقدين وكان كل سلعه في مقابل مثلها مع الزيادة - فالدرهم في قبال درهم ومقدار من الدينار - بطل مطلقا، أو قلنا بصرف كل إلى ما يماثله فالدرهم يقع في مقابل الدرهمين والدينار في مقابل الدينارين فكذلك بطل مطلقا وإن قلنا بصرف كل إلى ما يخالفه صح مطقا، وهذه الاحتمالات تأتي مع البناء على وحدة العقد، فيبطل في فرض ويصح في فرض. وأما إن قلنا بأنه عقد واحد والتقابل بين المجموع والمجموع فمقتضى القاعدة الصحة، لعدم كون المجموع من بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة المشروط فيه المماثلة، لان ماهية البيع كما مر مرارا هي المبادلة الانشائية الحاصلة بالايجاب على ما هو التحقيق، أو بالايجاب والقبول على

[ 402 ]

ما هو المعروف، سواء كانت موضوعة للتأثير فعلا كبيع الاصيلين أو لا كبيع الفضولي، فبيع الاصيل كبيع الفضولي ماهيته عبارة عن مبادلة مال بمال إنشاء، فهذة الماهية أي البيع المتحقق بالانشاء مؤثر في النقل الواقعي أو موضوع لحكم العقلاء بالنقل، والاثر والمؤثرية الفعلية غير دخيلين في تحقق الماهية، ولهذا كان بيع الفضولي مصداقا للبيع كبيع الاصيل بلا تفاوت بينهما من هذه الجهة، فالشرائط معتبرة في مقام إنشاء البيع وتحققه، لا في مقام تأثيره وموضوعيته للتاثير إلا بعض الشرائط. فحينئذ نقول: إن ما دل على أن الذهب بالذهب مثلا بمثل والحنطة بالحنطة مثلا بمثل ظاهر في أن المماثلة معتبرة في مقام التبادل والتقابل الانشائي، كما أن قوله تعالى: (أحل الله البيع وحرم الربا) (1) المفسر بالبيع الربوي ظاهر في حرمة المبادلة بين الربويين بالزيادة، فإذا كان البيع في مقام تحققه وإنشائه غير ربوي حل وصح وإن فرض أنه ينتج بعده حال الاجازة مثلا وجود ربح وزيادة. فعليه إن بيع المركب من الربوي وغيره بمثله إذا فرض وقوع التبادل بين المجموع والمجموع صح في حصة الاصيل أجاز غيره أم لم يجز، ضرورة أن إجازته غير دخيلة في ماهية البيع ولا في النقل بالنسبة إلى حصة الاصيل، والمنقول إلى ملكه وإن كان درهما مع الزيادة وما خرج من كيسه بسببية البيع أقل مما دخل فيه، لكنه خارج عن البيع بالحمل الشائع أي التبادل الانشائي المتحقق بالانشاء، فالبيع بالحمل الشائع ليس ربويا وإن ينتج نتيجته. والظاهر أن بيع الشيئين بشيئين حال اجتماعهما غير منحل إلى بيعين وإنشاءين ومنشأين، ولو قيل بالانحلال فهو بالنسبة إلى النتيجة لا السبب


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 275.

[ 403 ]

وعليه فمقتضى القاعدة الصحة في حصة الاصيل سواء أجاز المالك الآخر حصته أم لا يجز. وأما الوجه الذي ذكر للتفصيل بين الاجازة وعدمها وأنه صحيح معها وباطل مع الرد فغير وجيه. هذا حال القاعدة، وأما الروايات الواردة في التخلص عن الربا بضم غير الجنس إلى الربوي فالظاهر عدم دلالتها على شئ غير ما هو مقتضى القاعدة، وليس فيها إعمال تعبد. ففي صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: (سألته عن الصرف فقلت له: الرفقة ربما عجلت فخرجت فلم نقدر على الدمشقية والبصرية وإنما يجوز بنيسابور الدمشيقة والبصرية، فقال: وما الرفقة؟ قلت: القوم يترافقون ويجتمعون للخروج فإذا عجلوا فربما لم يقدروا على الدمشقية والبصرية فبعثنا بالغلة فصرفوا ألفا وخمسين منها بألف من الدمشقية والبصرية، فقال: لا خير في هذا، أفلا يجعلون فيها ذهبا لمكان زيادتها؟ فقلت له اشتري ألف درهم ودينارا بألفي درهم، فقال: لا بأس بذلك، إن أبي كان أجرأ على أهل المدينة مني، فكان يقول هذا، فيقولون: إنما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، وكان يقول لهم: نعم الشئ الفرار من الحرام إلى الحلال) (1). وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين، إذا دخل فيها ديناران أو أقل أو أكثر فلا بأس به) (2) وقريب منهما غيرهما.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب الصرف - الحديث 1 - 4 من كتاب التجارة.

[ 404 ]

والظاهر منها أن المعاملة تصح لاجل دخول غير الجنس، وأن البيع وقع بين المجموع والمجموع، وهذا موجب للخروج عن عنوان الذهب بالذهب والفضة بالفضة الموجب للربا إذا زاد أحدهما، ولا يستفاد منها صرف كل جنس إلى ما يخالفه تعبدا ولو لم يقصد المتعاملان، ضرورة أن هذا النحو من الصرف بلا قصد أمر بعيد عن الاذهان وإعمال تعبد مخالف لحكم العقلاء، وفي مثله يحتاج إلى التصريح. والظاهر من الروايات عدم إعمال التعبد، بل الارجاع إلى القواعد فان أهل المدينة لم يتعبدوا بقول أبي جعفر عليه السلام، وكان ذلك العمل فرارا في نظرهم من الربا، لكن كان الفرار غير جائز ومستبعد عندهم، فقالوا: هذا فرار، فأجاب عليه السلام: (نعم الشئ الفرار من الحرام إلى الحلال) فكون ذلك فرارا من عنوان إلى عنوان كان متسالما بينهم، لكن الاشكال عليه أن الفرار لا يجوز، فأجاب عليه السلام بما حاصله أن المحرم هو الزيادة في مقابلة الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة، ومقابلة المجموع بالمجموع خارجة عن العنوان المحرم وداخلة في المحلل. وأما الصرف ولو بلا قصد فهو أمر بعيد عن الاذهان، ومحتاج إلى التعبد، نعم الصرف إذا قصده المتعاملان ليس ببعيد، لكنه مخالف لاطلاق الروايات كصحيحة الحلبي (1) ورواية أبي بصير (2) بل وظهورها فان الظاهر من (لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين) أو قوله عليه السلام في رواية أبي بصير: (سألته عن الدراهم بالدراهم وعن فضل ما بينهما فقال: إذا كان بينهما نحاس أو ذهب فلا بأس) أن المقابلة بين المجموع والمجموع لا بأس بها.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الصرف - الحديث 4 - 7.

[ 405 ]

وأما قوله عليه السلام في صحيحة ابن الحجاج: (أفلا يجعلون فيها ذهبا لمكان زيادتها؟) فلم يتضح منه أنه أراد من ذلك في قبال زيادتها بل الظاهر أنه لاجل الزيادة والفرار من الحرام أمر بأن يجعلوا فيها الذهب. كما أن قوله عليه السلام: (لو جاء بدينار لم يعط ألف درهم) وقوله عليه السلام في صحيحة ابن الحجاج الاخرى (كان محمد بن المنكدر يقول لابي: يا أبا جعفر رحمك الله والله إنا لنعلم أنك لو أخذت دينارا والصرف بثمانية عشر فدرت المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين ما وجدته، وما هذا إلا فرار، فكان أبي يقول: صدقت والله، ولكنه فرار من باطل إلى حق) (1) لم يتضح منه أن الفرار لاجل جعل الدينار مقابل الدرهم، بل هذا محتمل. كما يحتمل أن يكون المراد أن ضم الدينار إلى الدراهم لا يوجب أن يكون الدينار الواحد مقابلا لالف درهم، بل بحسب اللب يكون الزيادة لاجل سعر الدرهم وزيادة سعر الدمشقية والبصرية، وجعل المجموع مقابل المجموع فرارا. وبالجملة لا يستفاد من تلك الروايات الصرف الاختياري فضلا عن الصرف مع عدم القصد المخالف للقواعد، كما أن الظاهر منها أن العلاج مخرج للبيع عن الربوي. نعم هنا كلام يجب التعرض له وإن كان خارجا عن محط البحث، لاهميته وعدم تحقيق الحق فيه، وهو أن الربا مع هذه التشديدات والاستنكارات التي ورد فيه في القرآن الكريم والسنة من طريق الفريقين مما قل نحوها في سائر المعاصي ومع ما فيه من المفاسد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مما


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الصرف - الحديث 2.

[ 406 ]

تعرض لها علماء الاقتصاد كيف يمكن تحليله بالحيل الشرعية كما وردت بها الاخبار الكثيرة الصحيحة، وأفتى بها الفقهاء إلا من شذ منهم. وهذه عويصة بل عقدة في قلوب كثير من المتفكرين، وإشكال من غير متنحلي الاسلام على هذا الحكم، ولا بد من حلها، والتشبث له بالتعبد في مثل هذه المسألة التي أدركت العقول مفاسد تجويزها ومصالح منعها بعيد عن الصواب. والتحقيق في حلها موقوف على مقدمة، وهي أن ما سماه الاسلام رباء وحرمه قسمان: أحدهما الربا المعاوضي الجاري في النقود وفي المكيل والموزون كالحبوب ونحوها من المكيلات والموزونات، فقد منع الشرع الانور التعامل بها إلا مثلا بمثل. وهذا القسم على قسمين: أحدهما - ما إذا كان بين المثلين تفاضل في القيمة كالارز العنبر والشنبة مثلا والصنف الاعلى من الحبوب والادنى، فقد تكون قيمة الاعلى أضعاف الادنى، وكالليرة الانكليزية مع العثمانية، وكالدراهم المختلفة في الجودة والرداءة، وأمثال ذلك مما اختلف قيمها السوقية، وأظهر منها الحنطة والشعير والاصول والفروع، وفرع أصل مع فرع آخر منه، كالجبن مع الزبد والسمن مما ألحقها الشارع بالمثلين، فمنع التعامل فيها إلا مثلا بمثل مع ما ترى من اختلاف القيم فيها. وثانيهما - ما لم يكن كذلك، كالدينارين من صنف واحد وكر من حنطة مع كر آخر من صنف واحد وصفة واحدة. والقسم الثاني الربا القرضي مما حرمه الشارع وشدد عليه النكير بما لا مزيد عليه كتابا وسنة، وقد عد الكتاب أخذ الزائد عن رأس المال ظلما، فقال تعالى شأنه: (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) (1) فأخذ الزيادة ظلم.


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 279.

[ 407 ]

وقد نزلت الآية الشريفة على ما في التفاسير في خالد بن الوليد أو غيره ممن كان أربى في الجاهلية وأراد الاخذ في الاسلام، فنهاه الله تعالى، ومعلوم أن كونه ظلما وفسادا أوجب حكم الله تعالى بالتحريم، فالتحريم معلول الظلم بدلالة ظاهر الآية الكريمة، والظلم علته أو حكمته كما أن الاخذ إيذان بحرب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله. وفي رواية محمد بن سنان (إن علي بن موسى الرضا عليه السلام كتب إليه وعلة تحريم الربا لما نهى الله عزوجل عنه، ولما فيه من فساد الاموال، لان الانسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهما وثمن الآخر باطلا - إلى أن قال -: وعلة تحريم الربا بالنسيئة لعلة ذهاب المعروف، وتلف الاموال، ورغبة الناس في الربح، وتركهم القرض، والقرض صنائع المعروف، ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الاموال) (1). وفي صحيحة هشام بن الحكم (أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن علة تحريم الربا، فقال: إنه لو كان الربا حلالا لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه، فحرم الله الربا لتنفر الناس من الحرام إلى الحلال وإلى التجارات من البيع والشراء، فيبقى ذلك بينهم في القرض) (2). ثم إن الاقسام التي ذكرناها منها ما لا يكون بحسب العرف وعند العقلاء من الربا، وهو أول القسمين من القسم الاول: فان قيمة من من الارز العنبر إذا ساوت منين من غيره لا يعد، مبادلة من منه بمنين رباء، إذ لا نفع ولا زيادة في ذلك إلا حجما، والزيادة الحجمية ليست ميزانا للنفع والزيادة في التجارة.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الربا - الحديث 11 - من كتاب التجارة.

[ 408 ]

وكذا الحال إذا بودلت الليرة الانكليزية بالليرة العثمانية مع زيادة تكون معها مساوية للاولى في القيمة السوقية لا يكون رباء ولا زيادة. وكذا الحال في كل مثلين كانا كذلك، فإذا فرض أن الدرهم الكويتي يكون ضعف قيمة العراقي فاشتراء الواحد بالاثنين لا زيادة فيه ولا نفع ولا ربا. وأولى بذلك ما ألحق بالمثليات كالشعير بالحنطة والفروع بالاصول، فإذا بودل من من السمن بأمنان من اللبن أو الجبن لا يكون ذلك من الربا بحسب نظر العرف وبحسب الواقع، كما أن المبادلات بالفضل فيها لا فساد فيها ولا ظلم، ولا توجب انصراف الناس عن التجارات والزراعات، وهو واضح. وأما الربا القرضي وكذا مبادلة من مساو في الاوصاف بمنين نسيئة مثلا ففيه ما ذكر من الفساد والظلم وتزلزل السوق وغيرها من المفاسد المذكورة في كتب علماء الاقتصاد. ثم إن الاشكال المتقدم والعويصة والعقدة المشار اليهما انما هي في تجويز الحيلة في هذين القسمين: أي الربا القرضي والربا المعاملي في المتساويين بحسب القيمة السوقية. وأما تجويزها في القسم الاول فلا إشكال فيه أصلا ولا عقدة ولا عويصة، لان المثليات كسائر الامتعة لها قيمة قد ترتفع وقد تنخفض، واشتراء من من الحنطة الجيدة بمنين أو بأمنان من الشعير كاشتراء سائر الامتعة بقيمتها السوقية واشتراء دينار أو درهم له قيمة سوقية تساوي دينارين من غير صنف أو درهمين كذلك ليس فيه إشكال وعويصة رأسا، بل لعل سر تحريم الشارع المقدس المبادلة فيها إلا مثلا بمثل خارج عن فهم العقلاء، وانما هو تعبد، فالحيلة في هذا القسم لا إشكال فيها.

[ 409 ]

وأما القسمان الآخران أي الربا القرضي والمعاملي الذي يعامل ربويا فلم يرد فيهما حيلة على ما يأتي الكلام فيه إلا في بعض الاخبار القابلة للمناقشة فيها سندا ومتنا، أو القابلة للجمع بما لا يلزم منه ذلك، بل لو فرض ورود أخبار صحيحة دالة على الحيلة فيهما لا بد من تأويلها أو رد علمها إلى صاحبها، ضرورة أن الحيل لا تخرج الموضوع عن الظلم والفساد وتعطيل التجارات وغيرها مما هي مذكورة في الكتاب والسنة، فإذا فرض أن القرض إلى سنة بربح عشرين في مأة ظلم فلو عمل بالحيلة وباع مأة دينار بمأة وعشرين نسيئة إلى سنة كان ظلما وفسادا بلا ريب ولا إشكال، ولو كان في مبادلة أكرار من الحنطة بضعفها إلى سنة مع تساوي جنسهما صنفا وصفة ظلم وفساد لا يعقل إخراجه عنهما بضم منديل إلى الناقص، وهو واضح، كما لا يعقل تجويز الظلم والفساد. وإن شئت قلت: لو ورد نص في الجواز كان مناقضا للكتاب والسنة المستفيضة، وليس من قبيل التقييد والتخصيص. ولو قيل: إن ما ذكر من الظلم والفساد نكتة جعل الحكم لا علته يقال: مسلم، لكن ذلك يوجب صحة التخصيص والتقييد، وأما المخالفة لتمام الدلالة فلا يمكن تصحيحها بذلك، وفي المقام إذا كان الحكمة في حرمة الربا ما ذكر من المفاسد لا يجوز التخلص عنه في جميع الموارد بحيث لا يشذ منه مورد، للزوم اللغو في الجعل، فتحريم الربا لنكتة الفساد والظلم وترك التجارات وتحليله بجميع أقسامه وأفراده مع تغيير عنوان لا يوجب نقصا في ترتب تلك المفاسد من قبيل التناقض في الجعل أو اللغوية فيه. ثم إنه لو كانت الحيلة بتلك السهولة مصححة لاكل الربا نتيجة فلم لم ينبه عليها رسول الله نبي الرحمة صلى الله عليه وآله، لئلا يقع الامة

[ 410 ]

في ذلك الحرام الذي هو إيذان بحرب من الله ورسوله (1) ودرهم منه أعظم من سبعين زنية بذات محرم (2) وفي نقل أنه صلى الله عليه وآله كتب إلى عامله في مكة بقتال المرابين إن لم يكفوا عن المراباة فلو كان الانتفاع بمثل الربا جائزا بسهولة وانما يحتاج إلى ضم شئ إلى شئ أو تغيير كلام لما احتاج إلى كلفة القتال وقتل النفوس، بل كان عليه صلى الله عليه وآله تعليم طريق الحيلة حفظا لدماء المسلمين. فيعلم مما ذكر وما لم يذكر أن لا سبيل إلى الحيلة في تلك الكبيرة الموبقة. وأما الروايات التي يقال إنها وردت للتخلص عن الربا فصنفان: صنف منها - وهو الصحاح الكثيرة - لم يكن شئ منه واردا للتخلص عنه، بل ورد للتخلص عن بيع المثل بالمثل مع الزيادة فيما كان السعر السوقي كذلك، ولا شبهة إنه لم يكن يصدق الربا فيما إذا بيع الشئ بقيمته السوقية كان المتبادلان ذهبا وفضة أو غيرهما من الحبوب. وبالجملة إن في الشرع الاقدس في المقام عنوانين محرمين: أحدهما - الربا في المثليات وغيرها، وثانيهما - مبادلة المثليات مع الزيادة، كان فيها الربا أم لا، وتلك الاخبار على كثرتها وصحتها وردت في التخلص عن مبادلة المثليات التي لا يصدق عليها الربا، كمبادلة ألف درهم وضح بألفين غلة مما كان السعر السوقي كذلك، وتلك المبادلة غير صحيحة، لا لاجل الربا بل لاجل عنوان آخر: هو مبادلة المثل بالمثلين، فوردت الحيلة للتخلص عنه من غير ربط له بباب الربا، وإطلاق الربا على مثله لو كان فهو توسع وتجوز.


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 279. (2) الوسائل - 1 - من أبواب الربا - الحديث 12 من كتاب التجارة

[ 411 ]

وهذه الروايات هي التي أوردها الشيخ الحر في الوسائل في الباب السادس من أبواب الصرف، وقد تقدم بعضها، وإن تأملت فيها ترى أن محط السؤال والجواب فيها هو المبادلة بين الدراهم التي تختلف قيمها السوقية لاجل الجودة والرداءة، أو كون بعضها غلة وبعضها وضحا. ففي صحيحة ابن الحجاج المتقدمة بعد كلام (فبعثنا بالغلة فصرفوا ألفا وخمسين منها بألف من الدمشقية والبصرية) (1). وفي صحيحة اسماعيل بن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: (سألته عن الرجل يجيئ إلى صيرفي ومعه دراهم يطلب الاجود منها فيقاوله على دراهمه فيزيده كذا وكذا) (2). وفي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (سألته عن الدراهم بالدراهم وعن فضل ما بينهما) الخ (3). فالسؤال في تلك الروايات عن العلاج والتخلص عن مبادلة المثل بالمثلين مثلا بعد كون القيمة السوقية كذلك، فعلموهم الائمة عليهم السلام طريق التخلص بضم شئ من غير الجنس يخرج به عن معاملة المثل بالمثل لان المجموع غير مماثل لمقابله، والمعاملة واقعة بين المجموع والمجموع. فقوله عليه السلام في ذيل بعضها: (نعم الشئ الفرار من احرام إلى الحلال) وفي بعضها (فرار من باطل إلى حق) صحيح، لان المحرم والباطل هاهنا هو تبادل المماثل بالمماثل مع زيادة، لا الربا المنتفي في هذا القسم عرفا وعقلا، فمعنى الفرار من الباطل إلى الحق هو الفرار من تبادل المماثلين مع الزيادة إلى تبادل غير المماثلين كذلك. فلا ينبغي أن يقال: إنها وردت للتخلص عن الرباء، بل ينبغي أن


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب الصرف الحديث 1 - 6 - 7 من كتاب التجارة. .

[ 412 ]

يقال: إنها وردت للتخلص عن معاملة المثل بالمثل بزيادة، لان تحصيل ربح القرض بالحيلة، فرار من الباطل إلى الباطل لا إلى الحق، لترتب المفاسد التي في القرض بالربح عليه بالحيلة. والمتفاهم من صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين، إذا دخل فيها ديناران أو أقل أو أكثر فلا بأس به) (1) هو المعاملة النقدية، وفيها تكون الزيادة لاجل الاختلاف في السعر، فلا ترتبط الصحيحة بباب الربا والعلاج فيه. ومن ذلك الباب رواية الحسن بن صدقة عن أبي الحسن عليه السلام التي أوردها الشيخ الحر (قده) في الباب العشرين من أبواب الربا، فلا إشكال في هذه الروايات رأسا. ولا يصح الخلط بينها وبين الروايات الواردة في التخلص عن الربا في القرض التي أوردها الشيخ الحر في الباب التاسع من أحكام العقود، فان الصحاح المتقدمة غير مربوطة بباب القرض والربا المعاملي، بخلاف تلك الروايات المختصة بالقرض، لكنها روايات ضعاف إلا رواية واحدة منها. وهي ما رواها الشيخ (قده) باسناده عن أحمد بن محمد عن ابن أبي عمير عن محمد بن إسحاق بن عمار قال: (قلت لابي الحسن عليه السلام: يكون لي على الرجل دراهم فيقول أخرني بها وأنا أربحك، فأبيعه جبة تقوم علي بألف درهم بعشرة آلاف درهم أو قال: بعشرين ألفا وأؤخره بالمال قال: لا بأس) (2).


(1) الوسائل - الباب 6 - من أبواب الصرف - الحديث 4 من كتاب التجارة. (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب احكام العقود - الحديث 4.

[ 413 ]

ومحمد بن إسحاق وإن وثقه النجاشي لكن العلامة توقف فيه، لما نقل عن الصدوق من أنه واقفي، ويظهر من محكي كلام ابن داود أيضا التوقف، ولقد تصدى بعضهم لاثبات عدم كونه واقفيا، وكيف كان فهو إما واقفي ثقة أو إمامي كذلك. وسائر الروايات ضعاف، بل بعضها مشتمل على ما لا يليق بساحة الامام عليه السلام، كرواية محمد بن إسحاق بطريق مجهول عن الرضا (ع) وفيها بعد السؤال عن الحيلة قال: (لا بأس به قد أمرني أبي ففعلت) (1). وفي الفقيه (روى محمد بن إسحاق بن عمار أنه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام عن ذلك فقال له: مثل ذلك) (2) وفي رواية مسعدة ابن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام بعد السؤال عن الحيلة قال: (لا بأس بذلك، قد فعل ذلك أبي، وأمرني أن أفعل ذلك في شئ كان عليه) (3). وأنت خبير بأن بعض الاعمال - وإن كان مباحا فرضا - لا يرتكبه المعصوم عليه السلام المنزه عن ارتكاب ما هو موجب لتنفر الطباع، كتحصيل النفع بالحيلة وكاتيان النساء من الخلف، فهذا وأشباهه لو كانت مباحة لم يرتكبه الامام عليه السلام. ولهذا ففي نفسي شئ من محمد بن إسحاق الصراف الواقفي بقول الصدوق الذي هو أخبر من متأخري أصحابنا بحال الرجال. ومقتضى تلك الروايات أنه كان تحصيل النفع كذلك عملا لعدة من المعصومين وهم الباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام، نعم ذيل رواية مسعدة ظاهر في أن العمل في بعض الموارد لاعطاء النفع بالحيلة، لكن ظاهر غيرها أن تحصيل النفع كذلك فعلهم عليهم السلام، وأنا لا أرضى بذلك


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب احكام العقود الحديث 6 - 6 - 3.

[ 414 ]

فهذة الروايات نظير روايات بيع العنب لمن يعلم أنه يجعله خمرا (1) حيث اشتملت على أن الائمة عليهم السلام يفعلون ذلك، فمثل هذه الروايات غير قابلة للعمل لاشتمالها على أمر منكر. مع أن طبع القضية في مورد تلك الروايات كون القرض أو تأخيره مبنيا على بيع شئ بأكثر من قيمته، وهذا لا يخرج الموضوع عن الربا، فانه بمنزلة الشرط، فإذا قال المقترض: أقرضني كذا أو أخرني إلى كذا فقال المقرض: بع كذا بكذا حتى أفعل يكون القرض والتأخير مبنيا عليه لا داعيا لذلك، وهو عين الربا وعين القرض بالشرط. ففي رواية الشيباني قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يبيع البيع والبائع يعلم أنه لا يسوى والمشتري يعلم أنه لا يسوى إلا أنه يعلم أنه سيرجع فيه، فيشتريه منه، قال: فقال: يا يونس إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لجابر بن عبد الله: كيف أنت إذا ظهر الجور وأورثتم الذل؟ قال: فقال له جابر: لا بقيت إلى ذلك الزمان، ومتى يكون ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: إذا ظهر الربا يا يونس، وهذا الربا فان لم تشتره رده عليك، قال: قلت: نعم، قال: فلا تقربنه) (2) وفي التهذيب والوافي عنه قال: (لا تقربنه فلا تقربنه) مع أن المورد في تلك الروايات أوضح في كونه رباء. وعن نهج البلاغة عن علي عليه السلام في كلام له: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: يا علي إن القوم سيفتنون بأموالهم - إلى أن قال -: ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والاهواء الساهية، فيستحلون الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع) (3).


(1) الوسائل - الباب 59 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب أحكام العقود الحديث 5. (3) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب الربا الحديث 4 من كتاب التجارة.

[ 415 ]

وكيف كان إن صدق على أمثال تلك الحيل الربا ولم تخرجها الحيل عن الموضوع فتكون تلك الروايات وأمثالها مخالفة للكتاب والسنة القطعية ولو منع عن ذلك وقيل بأنه عنوان آخر وكان البيع داعيا للتأخير أو القرض فالتخالف والتنافي بينها وبين الاخبار الصحيحة المتقدمة والكتاب بحاله. بيانه: أن قوله تعالى: (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) (1) ظاهر في أن أخذ الزيادة عن رأس المال ظلم في نظر الشارع الاقدس، وحكمة في الجعل إن لم نقل بالعلية، وظاهر أن الظلم لا يرتفع بتبديل العنوان مع بقاء الاخذ على حاله، وقد مر أن الروايات الصحيحة وغيرها عللت حرمة الربا بأنه موجب لانصراف الناس عن التجارات واصطناع المعروف، وأن العلة كونه فسادا وظلما. ومعلوم أنه إذا قيل: إن أخذ الزيادة بالربا ظلم وقيل خذ الزيادة بالحيلة وبتغيير العنوان يرى العرف التنافي بينهما والتدافع في المقال، نظير أن يقول: إن شرب الخمر حرام، ولعن رسول الله صلى الله عليه وآله شاربه وساقيه.... إلى آخره، وقال أيضا: إن شربها لفسادها وسكرها ثم قال: لا بأس بالقائها في كبسولة وأكلها مع ترتب الفساد والسكر فانه يعد ذلك تناقضا في المقال وتنافيا في الحكم، ولا يصح أن يقال: إن الشرب حرام لا الاكل، وإن العلة حكمة للتشريع. أو ويقال: إن بيع المصحف من الكافر حرام، والعلة فيه أن لا يدخل المصحف في سلطة الكفار ثم يقال: لا بأس بهبته، فهل يصح أن يقال: إن البيع حرام والبيع ليس هبة، والعلة ليست علة حقيقية، بل حكمة للحكم؟ والمقام كذلك، فان الله تعالى سمى الربا ظلما والاخبار ناطقة بأن


سورة البقرة: 2 - الآية 279.

[ 416 ]

علة تحريمه ذاك وذلك، ثم وردت عدة أخبار بأن لا بأس بأكل هذه الزيادة بحيلة، مع أن المفاسد تترتب عليه عينا وبلا فرق بينهما، فهل يكون ذلك إلا تهافتا في الجعل وتناقضا في القانون، بل لغوية فيه؟! مع تلك الاستنكارات والعويلات، وهل ترضى بالقول بارتكاب الائمة عليهم السلام ما يترتب عليه تلك المفاسد بحيلة. فتلك الروايات وما هي لازم مفادها تحصيل الربا والحيلة في أكل الربا مما قال المعصوم عليه السلام في حقها: (ما خالف قول ربنا لم نقله) أو (زخرف) أو (باطل) إلى غير ذلك (1). وأما الاشتهار في الفتوى فان أريد بالتشبث به تصحيح أسناد هذه الروايات فمع عدم معلومية استنادهم إليها - بل يمكن أن يكون فتوى جمع منهم لاجل توهم كونه موافقا للقاعدة، فانه بيع وعقد وتجارة وفتوى جمع منهم للاستناد إلى الصحاح المتقدمة التي وردت في تبادل الدراهم بالدراهم مع الزيادة التي قد عرفت مفادها، وقد نرى ان المحققين (قدهم) تمسكوا بتلك الروايات للتخلص عن الربا - قد عرفت أنه على فرض صحتها أيضا لا يصح العمل بها. وإن أريد بالتشبث به أن الشهرة معتبرة وحجة ففيه أن الشهرة إذا حصلت من تخلل الاجتهاد فلا اعتبار بها، بل الاجماع الحاصل بتخلل الاجتهاد لا حاصل له ولا اعتبار به، وليست هذه المسألة في تخلل الاجتهاد فيها إلا كمسألة منزوحات البئر، بل تخلل الاجتهاد هاهنا أقرب. ولقد قال صاحب الجواهر (قده) في تلك المسألة: (ولا استبعاد في خفاء هذا الحكم على المتقدمين، وظهوره لغيرهم، لان مثله غير عزيز


الوسائل - الباب - 9 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 15 و 14 و 48.

[ 417 ]

فكم من حكم خفي عليهم وظهر لغيرهم في الاصول، والفروع) انتهى مع أن دعوى الاجماعات فيها لعلها أكثر من هذه المسألة. وبالجملة لا حجية في الاجماع ولا في الشهرة في مثل تلك المسائل الاجتهادية الواردة فيها الاخبار والآيات. وبحثنا في هذه المسألة استطرادي انجر بنا الكلام إليه، ولا يمكن لنا التعرض لجميع أطراف المسألة والفروع التي ربما يتوهم منها جواز ارتكاب الربا بالحيلة، وانما تعرضنا لطرف منها لعل الله يحدث للناظر بعد ذلك أمرا وبالتامل فيما ذكرناه يظهر وجود قرينة عامة على جمع الاخبار في المقام في الابواب المتفرقة، فترى في مورد ينهى عن بيع المعدود مثلا بمثل إلا يدا بيد، وفي مورد نفي البأس عن النسيئة، وفي مورد نفي البأس في الاشياء المختلفة إذا كان يدا بيد، أو نهي عن بيع الحنطة بالشعير إلا يدا بيد، وفي مورد نفي البأس مطلقا أو حتى في النسيئة. ووجه الجمع على ما ذكرناه هو فيما إذا لزم منه الربا لا يجوز، وفي غيره يجوز، وإن كان الالتزام في تلك الموارد بالتفاضل حتى نسيئة لافساد معتد به فيه، لانها ليست كالربا القرضي إلا إذا أريد التخلص عن الربا القرضي بتلك الحيل فلا يجوز، والتفصيل والتنقيح فيها موكول إلى محله. ثم إن مقتضى ترك الاستفصال في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج صحة المبادلة ولو كانت الضميمة من غير المالك، فان قوله: (فبعثنا بالغلة فصرفوا ألفا وخمسين منها بألف من الدمشقية والبصرية) أعم من أن تكون دراهم الرفقة مخلوطة أو خلطوها حين البعث، لعدم الداعي إلى إفرازها في ظروف متعددة بعد ما كان السعر معلوما، والمقدار معهودا، فقوله عليه السلام في مقام الجواب: (أفلا يجعلون فيها ذهبا؟)

[ 418 ]

بلا استفصال يستفاد منه الصحة ولو كان الذهب من واحد منهم بعد وقوع المعاملة على المجموع، مع أن مقتضى إطلاقه أيضا ذلك. فحينئذ لو كانت الضميمة من غير المالك صحت المبادلة، كما هي مقتضى القواعد أيضا على ما عرفت من أن اعتبار المماثلة انما هو حين البيع الانشائي الذي هو حقيقة البيع، كما أن مقتضى إطلاق صحيحة الحلبي ورواية أبي بصير أيضا أن الضميمة لا يلزم أن تكون للمالك، بل مقتضى اطلاقهما الصحة ولو كانت الضميمة من الغير بلا إذنه، فيستفاد منهما الصحة مطلقا، بل الظاهر من الروابات أن الضميمة لاجل إخراج البيع عن عنوان المثل بالمثل. وقد عرفت أن الاعتبار بالبيع الانشائي الذي هو حقيقة البيع، لا يترتب الاثر الذي هو حكم القانون عند العقلاء أو الشرع، فما هو فعل اختياري للمتعاملين إيقاع المبادلة وإنشاء البيع. وبعبارة أخرى إيجاد موضوع حكم العقلاء أو الشرع أو جزء موضوعه كما في الفضولي واعتبار المماثلة انما هو لهذا الفعل الاختياري وعنده، فلو خرجت المعاملة عن مبادلة مثل بمثل بأي نحو كان خرجت عن موضوع الادلة، وحديث الانحلال قد عرفت ما فيه، فلا نعيده، هذا بعض الكلام في المثال الاول. وأما بيع العبد الآبق مع ضميمة من الغير فهل لا يصح مطلقا أو يصح كذلك أو يصح على فرض إجازة الغير؟ وجوه، وتحقيق أصل صحة بيع الآبق ولا صحته وصحته مع ضميمة موكول إلى محله. والظاهر أن الصحة مع الضميمة أمر تعبدي، وإلا فلو فرض عدم الغرر في بيع الآبق كما لا يبعد بعد صحة عتقه حتى في الكفارات لا تحتاج إلى الضميمة، ولو فرض تحقق الغرر لا يدفع بالضميمة، سيما إذا كانت

[ 419 ]

غير معتد بها. فما عن السيد المرتضى (قده) في رد العامة من أن الضميمة تخرجه عن الغرر غير ظاهر، فلا بد من ملاحظة ما ورد فيه، ففي صحيحة رفاعة بن موسى النخاس قال: (سألت أبا الحسن موسى عليه السلام قلت له: أيصلح لي أن اشتري من القوم الجارية الآبقة وأعطيهم الثمن وأطلبها أنا؟ قال: لا يصلح شراؤها إلا أن تشتري منهم معها ثوبا أو متاعا، فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهما، فان ذلك جائز) (1) والظاهر أن طلبها لرجاء الوصول إليها، ويشكل إطلاقه لصورة العلم بعدم الوصول. وكيف كان لا يبعد شمول قوله عليه السلام: (أن تشتري معها ثوبا أو متاعا) لما لا يكون ملكا للبائع، فلو كان البائع مجازا لبيع ثوب فضمه في البيع إلى الآبقة صح أن يقال: باع جاريته مع ثوب، وكذا لو اشترى جاريته مع متاع الغير صح أن يقال: عمل بقول أبي الحسن عليه السلام، بل لا يبعد شموله للفضولي، فان بيع الفضولي وشراءه بيع حقيقة، فلو ضم إلى الآبقة متاعا من غير إذن صاحبه وباعهما واشتراهما عمل بقوله عليه السلام، والاجازة وعدمها خارجتان عن ماهية البيع والشراء. ودعوى الانصراف إلى كون المتاع لمالك الرقيق أو الانصراف إلى البيع الناقل عهدتها على مدعيها. بل يمكن أن يقال: إن قوله عليه السلام: (فتقول لهم: اشتري منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع) من غير ذكر ضمير الخطاب فيه مع ذكره في الجارية لاجل عدم لزوم كون المتاع لهم. وبالجملة الاشتراء منهم صادق في مورد الوكالة والفضولية حال


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب عقد البيع - الحديث 1.

[ 420 ]

إجراء صيغة البيع، ولا يعقل تغيره عما هو عليه بالاجازة وعدمها، فدلت الرواية على الصحة حتى مع رد الفضولي، سيما مع كون الامر بالضميمة حكما تعبديا كما تقدم. ونحوها موثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله، قال: لا يصلح إلا أن يشتري معه شيئا آخر، و يقول: أشتري منك هذا الشئ وعبدك بكذا وكذا، فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه) (1) كذا في الفقيه والتهذيب، وفي الكافي (فان لم يقدر على العبد كان ثمنه الذي نقد في الشئ) فان صدرها كالصحيحة يقتضي إطلاقه عدم الفرق بين كون الضميمة لمالك العبد وعدمه، بل يشمل الفضولي أيضا. وأما قوله عليه السلام: (فان لم يقدر) فظاهره غير معمول به وغير ممكن الالتزام، ويحتمل أن يكون المقصود أنه لو لم يقدر على العبد فلم يذهب ماله بلا عوض واصل إليه ولو ببعضه، فحينئذ لو احرز كون المراد ذلك وأحرز كونه علة للحكم لا بد من التفضيل فيما إذا كان الضميمة للغير بنحو الفضولي بين اجازته وعدمها، لكن لا يمكن إحرازهما، فلا بد من العمل على صدرها وعلى الصحيحة، نعم لو قلنا بأن المراد من الاشتراء الاشتراء المؤثر كان اللازم التفصيل المتقدم. ثم إن القوم أطالوا في كيفية التقسيط في المقام وما هو نظيره، ولا جدوى في الاطالة بعد عدم كون المسألة فقيهة، والضابط الذي أفاده السيد الطباطبائي (قده) حسن، فراجع.


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب عقد البيع - الحديث 2.

[ 421 ]

مسألة: لو باع من له نصف الدار مشاعا نصفها ففيه صور كثيرة نتعرض لبعضها، وقبل الورود في المسألة لا بأس إلى ماهية الكسر المشاع. فقد يقال: إن الشئ له نصفان بنحو الاشاعة سواء كان مملوكا أم لا وقال في مقام تحقيقة: (إن الشئ القابل للقسمة في نفسه موجود واحد، ومن حيث القبول للانقسام يكون وجوده بالفعل وجود الاقسام بالقوة، فالاقسام موجودات خارجية لكنها قبل الافراز وجودها على حد الامور الانتزاعية التي نحو وجودها وجود مناشئ انتزاعها، فالمنشأ موجود بالفعل، والامر الاتنزاعي موجود بالقوة بنحو وجود المقبول بوجود القابل فهو خارجي بخارجية منشأه، وجزئي حقيقي بجزئية منشأه، وحيث إن تلك القسمة المتساوية لقسمة أخرى متساوية النسبة إلى تمام أجزاء ذلك الموجود بالفعل يقال: إنها مشاعة وسارية في الكل) انتهى. ثم رتب عليه الفرق بين الكلي في المعين والاشاعة، وأن الافراز والقسمة تمييز الحصص لا أنها مبادلة. وأنت خبير بما فيه من الخلل والخلط بين العقليات والعرفيات الذي هو منشأ تلك الاشتباهات، مع أنه يرد عليه - بعد الغض عن تنظيره بالامور الانتزاعية - أن الاقسام في الجسم لا يعقل أن تكون موجودة بالفعل، ومعنى موجوديتها بالقوة ليس إلا أن ما هو الموجود هو قوة وجود الاقسام، كما أن الموجود في النواة قابلية وجود النخلة وقوته، والتعبير بتحقق وجودها بالقوة مسامحة، وموجبة للاشتباه في بعض الاحيان. فحينئذ نقول: إن الموجود بالفعل هو الجسم فقط، والاقسام غير

[ 422 ]

موجودة، فالجزء المشاع إذا كان هو القسم المعدوم، فلا يعقل مالكيته، ولو فرض مالكيته يلزم منه أن يملك كل شريك القسم المعدوم بالفعل، فيخرج الشئ غير المنقسم عن كونه ملكا لهما ولو فرض أنهما يملكان قوة القسم، وقابليته يلزم أيضا أن يكون الجسم الموجود بالفعل غير مملوك لهما، لان الصورة غير قوة الوجود، والشئ شئ بصورته، والكل موجود بصورته، والاقسام غير موجودة، وقوة وجودها غيرها ومنه يظهر النظر في قوله: (إن تلك القسمة متساوية النسبة) فان المعدوم لا يعقل فيه النسبة إلى شئ موجود أو معدوم، فالاشاعة ليست متحققة قبل اعتبار العقلاء، كما سنشير إليه، مع أنه لو كان، المشاع هو ما ذكر يلزم التميز وارتفاع الاشاعة بالتقسيم قهرا، فأي القسمين يكون حينئذ لواحد منها والآخر للآخر؟ وأقوى شاهد على عدم كون الاشاعة ذلك أن التقسيم بأي نحو وقع لا يرفع الاشاعة، وانما يرفعها التقسيم الاعتباري المرضي به. وبعبارة أخرى إن الرضا بالتقسيم يوجب رفع الاشاعة وحصول التمييز، ولو لم يحصل الانفكاك في الجسم المقسوم، كما انه لو كانت قطعة من الاراضي مشتركة بينهما فجعلا علامة لتجديد الحدود ورضيا بالتقسيم حصل به التقسيم والتمييز مع عدم حصول الانفكاك في الجسم المشترك، والتقسيم الانفكاكي بلا تراضيهما عليه لا يوجب التقسيم ورفع الاشاعة، فيعلم من ذلك أن الاشاعة أمر غير قابلية الجسم للتقسيمات وان رفعها أمر غير التقسيمات الفعلية والتمييزات التكوينية، مع أن لازم ما ذكره أن التقسيم بمعنى تمييز الحصص لا يحصل في الحبوبات ونحوها إلا بورود الانفكاك والتقسيم على كل حبة حبة، لا ما هو المتعارف عند العقلاء من تقسيمها، أو ان التقسيم فيها يرجع إلى مبادلة بين المالين، وهو لم يلتزم به. كما أنه خلاف الواقع واللازم في تلك المباحث الرجوع إلى العرف والعقلاء، لا إلى المعاني العقلية والفلسفية.

[ 423 ]

والتحقيق أن الكسر المشاع اعتبار عقلائي في نفس الموضوعات الخارجية، كاعتبار الملكية والرقية والحرية ونحوها، حيث يعتبرها العقلاء في الموجودات الخارجية، فمع اعتبارها فيها يصدق عليها بالحمل الشائع تلك العناوين، فيقال: إن الدابة ملك، وإن زيدا عبد وعمرا حر، فالجسم الخارجي إذا لوحظ ذاته بكون أمرا وحدانيا غير ذي الاجزاء والابعاض، وإذا اعتبر الكسر فيه بنحو اللاتعين والافراز يكون الملحوظ والمعتبر كسرا مشاعا في مقابل الافراز والتعين والتمييز الاعتباري، فالاشاعة والافراز أمران اعتباريان في نفس الخارج نحو اعتبار الملك والحق، فكما أن الملك لا واقعية له إلا واقعية اعتبارية في نفس الخارج كذلك الاشاعة لا واقعية لها إلا اعتبارا، وكذا الافراز. فالكسر المشاع هو الجزء الخارجي المعتبر بنحو اللاتعين واللاإفراز غير متقوم بالتقسم الخارجي أو قوة تقسيمه، وغير مربوط بهما، فمن ملك نصف الدار ملك نصف الموجود الخارجي الذي اعتبره العقلاء بنحو اللاامتياز، فإذا انقسم الدار إلى ما شاء الله يكون ملكه في نصف الاجزاء محفوظا. وإن شئت قلت: إنه كما أن لازم ملكية الكل بنحو التعيين ملكية الاجزاء، بمعنى أنه إذا لوحظ الكل وفنى الاجزاء فيه ليس بهذا اللحاظ إلا ملك واحد، ولم يكن الاجزاء موجودا وملحوظا بهذا اللحاظ، وإذا لوحظ الاجزاء أجزاء الكل تكون أبعاض ملكه، وأبعاض الملك المعين ملك كذلك، وإذا انفصلت الاجزاء وانقسم الكل خارجا يكون كل قسم ملكا مستقلا معينا خارجا عن الجزئية للكل، فكذلك الامر في ملكية الكسر المشاع. فمن ملك النصف مشاعا يكون مالكا له بنحو اللاتعين، ومالكا لابعاضه - اي نصف النصف وهكذا - بنحو التبعية اشاعة، فإذا لوحظ أنصاف النصف وأنصاف إنصافه يكون مالكا لنصف كل منها إشاعة، وإذا انقسم

[ 424 ]

الجسم إلى اقسام إلى ما شاء الله تعالى يكون كل قسم نصفه المشاع مملوكا له، فإذا أراد المالكين التقسيم والافراز لا بد من توافقهما على ذلك أو تعيين القسم بالقرعة، وسيأتي تتمة لذلك في باب بيع صاع من الصبرة، وسنوضح أن للاشاعة موردين ومعنيين، فراجع. ثم إن مفهوم الكسور كالنصف والثلث مفاهيم كلية هي نفس الطبائع من غير دخالة القيود اللاحقة بها أو العوارض الحافة بها في الخارج فيها، فكل ما هو زائد عن نفس الطبيعة خارج عن المفهوم كقيد الاشاعة والافراز في العقل أو عروضهما في الخارج ولو بنحو من الاعتبار، وإذا أضيفت إلى الموضوعات فقد يفهم بتعدد الدال والمدلول الاشاعة، وقد يفهم خلافها، فإذا قيل نصف العبد أو الدابة لي يحمل النصف على الاشاعة بواسطة إضافة النصف إلى ما لا امتياز لنصفه ولا انقسام له، وإذا قيل: نصف هذا الجيش كذا يكون ظاهرا في النصف عددا، والظاهر أن منه ما إذا أضيف إلى قطيعة إبل أو غنم فقيل: نصف هذه القطيعة لي. وكيف كان إذا أضيف إلى الدار التي لا تقسيم فيها يحمل على الاشاعة لاجل الاضافة إلى ما ليس فيه تقسيم فعلي وإفراز، هذا، كما أن كون النصف ملكا لهذا والنصف لذاك أيضا خارج عن نطاق المفهوم فضلا عن النصف المملوك لهذا وذاك معا. فلا ينبغي الاشكال في أن النصف بما له من المعنى إذا أضيف إلى ما لا قسمة له فعلا ولا إفراز يفهم منه النصف المشاع من غير إضافة إلى شخص والاضافة إلى شخص أو أشخاص تحتاج إلى دال آخر غير النصف المضاف إليه، فإذا باع من له النصف النصف ولم يرد إلا معنى هذا العنوان فمع قطع النظر عن القواعد الاخر يكون النصف مشاعا، ولو لم يكن ظهور آخر يصح وقوعه للمنشئ المالك للنصف وللمالك الآخر ولهما، فإذا قلنا: إنه لا دليل على وقوعه للمالك فعلا صح وقوعه له باجازته، كما صح وقوعه للآخر باجازته، ولهما

[ 425 ]

باجازتهما، فأية إجازة تقدمت يقع لصاحبها، ولا وجه صحيح للقول بالبطلان، لان البيع وقع على النصف المشاع، والاجازة لاحقة به بما له من العنوان، ولا تعتبر نية المالك في الانشاء، بل قالوا: إن نية الخلاف أيضا غير مضر، والانشاء وإن لم يكن لواحد من المالكين، ولا ترجيح فيه ولا تخصص له، لكن الاجازة من أيهما وقعت صارت معينة ومخصصة وهذا بوجه نظير قوله: (بعت هذا لاحدكما بشعرة) فقبل أحدهما، فان القبول معين ومحصص، ولا وجه للبطلان في المثال فضلا عن المقام. ثم إن صور المسألة كثيرة نتعرض لمهماتها، منها - ما ذكره الشيخ الاعظم (قده) وهو ما إذا علم أنه لم يقصد إلا معنى هذا اللفط أي أنشأ البيع جدا على هذا العنوان بما له من المعنى. ولا بد أولا من بيان محط البحث، فان كان محطه ما إذا لم يرد إلا هذا المفهوم حتى في ضمن الهيئة الكلامية بأن يكون غافلا عن الاصول العقلائية والظواهر المدعاة كظهور التصرف في كونه في ماله وظهور البيع في بيع ماله فلا وجه صحيح للنزاع، ولا تنطبق الاصول المذكورة عليه، فانها لكشف المراد، والفرض أن المراد معلوم ومع الغفلة عن تلك الاصول ولو ارتكازا لا معنى لجريانها، وإن كان محطه عدم إرادة غير النصف بحسب الاستعمال الافرادي. وإن كان الجد ولو ارتكازا على خلافه جريا على الاصول العقلائية، فلا معنى للنزاع أيضا، فانه أراد بيع ماله جدا، فان النصف وإن كان ظاهرا في معناه لا غير ولا يعقل إرادة غير معناه منه حقيقة لكن لحوق دوال أخر يجعل الكلام ظاهرا في بيع حصته، كما أن الامر كذلك في جميع الهيئات الكلامية. فإذا قيل: أكرم العالم العادل يوم الجمعة لا يدل العالم إلا على معناه، ولا يريد المتكلم منه إلا معناه، وكذلك سائر المفردات، لكن بعد

[ 426 ]

ضم بعضها إلى بعض يفيد ما هو المراد جدا. وقد يقال: محط البحث خلوه عن الارادة التفصيلية مع تعلق إرادته الجدية إجمالا بما يقتضيه ظهور الكلام ولو بلحاظ المقام، وهو لا يدفع الاشكال لان الارادة التفصيلية لا تعتبر في المعاملات، بل المعتبر هو الارتكازي منها، فحينئذ مع التفات المنشئ إلى الواقعة ولو إجمالا يكون مريدا لكون النصف المملوك له مبيعا، فالالتفات إلى ظهور الكلام ولو بلحاظ المقام لا ينفك عن الارادة الاجمالية والارتكازية بانتقال ماله، وهو مناف لفرض خلوه عن الارادة وعدم قصده إلا مفهوم النصف. ومع فرض عدم التفاته ولو ارتكازا وإجمالا إلى مقتضيات الاصول العقلائية ومقتضى المقام لا موقع لجريان الاصول رأسا، ولا لجريانها لكشف مراده، فان جريانها موقوف على نحو التفاف من المتكلم، نظير قاعدة أصالة الصحة وقاعدة التجاوز، فانهما لا تجريان في الغافل مع احتمال انطباق الصحيح قهرا على العمل. ومما ذكرنا يظهر أن التمسك بأصالة الصحة لكشف كون المبيع نصفه المختص بالمنشئ غير وجيه، سواء قلنا بظهور النصف في المشاع بلا عنوان أو في النصف المملوك لهما مع خلو إرادته إلا عن النصف وغفلته عن اللوازم والملازمات العقلائية، كمن غفل عن أن النصف له، فان جريان أصالة الصحة في مثله ممنوع. مضافا إلى أن محط جريان أصالة الصحة انما هو فعل الفاعل فإذا كان عمله مرددا بين الصحيح والفاسد يحمل على صحيحه، لبناء العقلاء على ذلك، وفي المقام الذي لم يرد إلا النصف لا يقتضي فعله إلا صحة إنشائه على النصف فلو شك في صحة إنشائه بوجه من الوجوه يحمل على الصحيح، وأما النفوذ لاجل اشتراطه بأمر عقلائي أو شرعي خارج عن فعل المنشئ فهو خارج عن محط أصالة الصحة.

[ 427 ]

نعم لو كان فقد الشرط الشرعي أو العقلائي موجبا لبطلان المعاملة الانشائية فدار الامر بين الصحيح والفاسد يحمل على الصحيح، فلو شك في أن ما حصله في التجارة من التجارة بالخمر أو التجارة الربوية يحمل على الصحة ويحكم بحلية ما في يده، وأما لو أنشاء معاملة ويحتمل أن يكون في نفوذه شرط آخر مع صحة إنشائه ومنشأه فالحمل على الصحة لا يقتضي تحقق شرطه، لان فقد الشرط لا يؤثر في بطلان فعله، فالحمل على الصحة في المقام الذي يعلم أن إنشاءه وقع على النصف بما هو الذي هو ظاهر في المشاع أو في المشاع من الحصتين لا يوجب صرف هذا الظاهر كما لا يخفى عند التأمل. وأما ظهور مقام التصرف في تصرفه في ماله أو في تصرفه فيما له السلطنة عليه فان كان المراد منه أن الغلبة تكون أمارة عقلائية على أن تصرفه في ماله - كما قد يقال نظيره في الشبهة غير المحصورة - فهو كما ترى، سيما في مثل المقام الذي كان المال مشتركا بينهما، بعد الغض عن أن الامارة انما هي لكشف المراد، والمقام خارج منه رأسا. وإن كان المراد أن الغلبة موجبة للانصراف فلا يبعد في غير المقام وأما في المقام فحيث كان المفروض ظهور النصف في المشاع أو في المشاع من الحصتين فلا معنى لانصراف مقام التصرف، فان مقام التصرف تابع في الظهور لموضوعه، ولا يعقل دفعه عن الظهور سيما بعد فرض معلومية عدم إرادته إلا النصف. وأما دعوى ظهور (بعت) و (ملكت) في كون البائع هو بنفسه بائع لا بما هو منزل الغير أو ظهوره من حيث إسناده إلى نفسه في التميلك الحقيقي لا الانشائي، أو دعوى أن التمليك ليس إلا التسبيب إلى الملكية واتخاذ الملك لنفسه كأنه ليس بقيد عرفا، بخلاف الاتخاذ لغيره

[ 428 ]

فمقتضى إطلاق الكلام عدم كونه للغير حتى الموكل والمولى عليه فضلا عن الفضولي. ففيها - مع الغض عن الاشكال المشترك - أنه قد تكرر منا أن ماهية البيع ليست إلا النقل إلانشائي، وما هو فعل الموجب ليس إلا ذلك، بلا افتراق بين الاصيل والفضولي والمكره وغيره في ذلك، والنقل الواقعي القانوني الذي تارة يترتب على فعله وأخرى لا يترتب خارج عن ماهية البيع، وإلا يلزم عدم صدق البيع على الفضولي ونحوه، فحينئذ لا معنى لتنزيله منزلة الغير في الفضولي ونحوه، لعدم إيجاده إلا المعنى الانشائي والمبادلة الانشائية، كما أن الاصيل أيضا كذلك، فالايجاد الحقيقي بمعنى ايجاد الذي يترتب عليه الاثر واتخاذ الملك بمعنى اتخاذ الاثر المترتب على الملك كل ذلك خارج عن فعل البائع، أصيلا كان أو فضوليا، والنقل القانوني أو الشرعي الواقعي أمر مترتب على البيع الحقيقي أي المنشأ بانشاء المتكلم، غاية الامر شرط النقل الذي هو خارج عن حقيقة البيع قد يكون حاصلا وقد لا يكون، كالفضولي وكالقبض في بيع الصرف. فقوله: (ملكت) و (بعت) ليس معناه أوجدت الاثر اي النقل الواقعي القانوني، بل معناه أوجدت المبادلة الانشائية، وهذا فعل الفضولي لا صاحب المال، فالفضولي يوجد ماهية البيع حقيقة، واسناده إلى نفسه صحيح، واتخاذه الملك بالمعنى الانشائي صحيح، والاثر أي النقل الواقعي مترتب على الموضوع الموجود بفعله. نعم الظاهر انصراف تلك العناوين إلى أن الموجد لها صاحب السلعة فجميع ما ذكر في المقام لا يخرج عن الانصراف، وهي في غير المقام غير بعيد، لكن في المقام الذي فرض عدم إرادته إلا النصف الظاهر في المشاع أو المشاع من الحصتين لا يصح، لما مر من أن تصور عدم إرادته

[ 429 ]

إلا النصف في الهئية التركيبية وبلحاظها كما هو مفروض المقام موقوف على غفلة المتكلم عن الواقعة وعن الارتكاز العقلائي، وإلا خرج عن ظاهر موضوع البحث، وفي مثله لا معنى للانصراف مطلقا، فكما لو علم أن المتكلم أراد نصف صاحبه لا معنى للانصراف فكذلك لو علم أنه أراد النصف المشاع بنحو من الوجهين، فالانصراف انما يصح فيما إذا شك أنه أراد نصفه أو نصف غيره على ما سيأتي الكلام فيه. وبما ذكرنا يظهر النظر في كثير من كلمات الاعيان، سيما بعض المدققين منهم. والتحقيق فيما إذا لم يرد إلا النصف وقلنا بأن الظاهر منه - ولو لاجل الاطلاق - هو النصف المشاع بلا عنوان وقوعه لنفسه لا للوجوه المذكورة، بل لان الانشاء جدا تعلق بعنوان صالح للوقوع على حصة نفسه وإن كان في نفسه صالحا لحصة غيره أو للنصف من حصتهما لكن شرط التأثير الفعلي حاصل بالنسبة إلى حصة نفسه، لان المنشئ صاحب المال، والموضوع صالح للوقوع عنه، وشرط الوقوع من غيره مفقود، لفرض عدم إجازته وعدم كونه وكيلا أو وليا، فالعقد على النصف بلا عنوان عقد من صاحب المال على عنوان صالح للتطبيق على ماله، فالمقتضي موجود والشرائط حاصلة، فلا وجه لعدم وقوعه، فوجب عليه الوفاء بعقده. وإن شئت قلت: البيع على عنوان النصف من هذه الدار أو النصف المشاع منها نظير وقوع البيع على العنوان الكلي، وقابل للوقوع على كل نصف فرض في الدار، فإذا باع صاحب النصف المشاع النصف المشاع القابل للوقوع على ماله ولم يقيده بما ينافيه وقع بالنسبة إلى نصفه، لحصول شرائطه وهو المخصص، ولا يعقل وقوعه فعلا بالنسبة إلى غيره، لعدم وجود الشرط، وبعد وقوعه لنفسه لا معنى لضم إجازة مجيز إليه، كما

[ 430 ]

هو واضح. هذا حال أحد الفروض في هذه الصورة، وهو فرض ظهور النصف في المشاع بلا عنوان مع كون البائع أجنبيا بالنسبة إلى نصف غيره. والفرض الثاني ما إذا قلنا بظهوره في النصف ممن الحصتين ظهورا بحسب الاطلاق، أي يقتضي إطلاق الكلام ذلك، ولعل منشأ دعوى الظهور في النصف من الحصتين مقايسة الامر الاعتباري والاقسام الاعتبارية بالاقسام الخارجية التكوينة، حيث إن النصف الخارجي مشترك بينهما، فتوهم أن النصف كذلك ولو في الاعتباريات والانصاف المعتبرة في المبيع خارجا، مع أن القياس مع الفارق، فانه في الخارج لا يكون نصف غير مشاع بخلاف ما في الاعتبار، فان نصف كل منهما لا يشاركه غيره، ولهذا لا يجوز التصرف في الموجود الخارجي إلا باذن الشركاء، ويصح التصرفات الاعتبارية في النصف المختص بلا دخالة إذن شريكه فنقول: إن النصف الاعتباري الذي اعتبر في الدار الموجودة في الخارج لا تعين له بوجه إلا تعين كونه نصفا، فتعين النصف من الحصتين كسائر التعينات خارج عن حيطته. وكيف كان لو كان ظاهرا في الحصتين والفرض عدم إرادته إلا ذلك ولا يمكن ذلك إلا مع الغفلة عن الواقعة، وفي مثله كما ذكرناه لا تجري الاصول اللفظية والمقامية، ومع فرض الجريان لا يبعد تقديم ظهور المتعلق عليها، وكونها تبعا للظهور للمتعلقات كما تقدم، فظهور النصف في الحصتين إما خال عن المعارض أو مقدم عليه. ولو كان البائع غير أجنبي عن التصرف كالوكيل والولى ونحوهما والصورة بحالها فتقدم ظهور المتعلق أولى من السابق، لعدم محل للاصول المقامية والكلامية حتى دعوى الانصراف لاجل الغلبة، لمنع الغلبة في

[ 431 ]

مثل الفرض. والعجب من بعض أهل التدقيق حيث ذهب إلى أن مادة البيع ظاهر في التمليك الحقيقي، وهو أجنبي عن الاطلاق، وأنت خبير بأن لازم ظهور المادة عدم صدق البيع على الفضولي وبيع المكره، إلا أن يقول بأنها منصرفة إليه، وفي المقام لا وقع للانصراف، والبيع بالمعنى الحقيقي أي النفوذ والنقل الواقعي الاعتباري محقق في المقام بالنسبة إلى الحصتين. فما أفاد الشيخ الاعظم (قده) - من التفصيل بين ما كان المعارض لظهور النصف هو انصراف المبيع إلى مال البائع في مقام التصرف أو ظهور التمليك في الاصالة - في غير موقعه. كما أن التشبث بأن ظهور المقيد وارد على ظهور المطلق، ومراده من المقيد هو ظهور النصف في المشاع من الحصتين في غير محله، لما عرفت من أن التعارض بين الاطلاقين، ومقتضى الاطلاق بعد تماميته لا يوجب التقدم ولو كان ثبوت قيد فضلا عن المقام، حيث كان مقتضى إطلاق مقام التصرف ثبوت القيد أيضا، وهو كون النصف له. والعجب من بعض المدققين (قده) حيث ذهب إلى نحو ما أفاده الشيخ (قده) من تقديم ظهور المقيد على المطلق كما تقدم هو وما فيه، وذهب هاهنا إلى خلافه بوجه غير وجيه. ومحصله أن المدلول المطابقي لاطلاق الانشاء وهو عدم كون التمليك للغير منفردا ومشتركا معارض للمدلول الالتزامي لاطلاق النصف، وهو إضافته اليهما معا، والمدلول المطابقي لاطلاق النصف وهو عدم إضافته إلى البائع بخصوصه وإلى شريكه بخصوصه معارض للمدلول الالتزامي لاطلاق النصف، والمدلول الالتزامي لكل مناف للمدلول الالتزامي للآخر، وكل من الاطلاقين مثبت لامر وناف لآخر، ولا ترجيح لتقديم أحدهما على الآخر.

[ 432 ]

وأنت خبير بأن الاطلاق ليس من الدلالات اللفظية حتى يقال له مدلول مطابقي والتزامي، فالنصف انما يدل على نفس الطبيعة، والقيود كلها خارجة عن مفهومه، ومدلوله، ودلالته عليها دلالة لفظية بالمطابقة، وإذا لم يأت المتكلم والمنشئ بقيد كاضافته إلى نفسه أو صاحبه يقال: إنه مطلق، و المدعي يدعي أن النصف بلا قيد هو المشاع بين الحصتين، فما هو من المداليل اللفظية هو نفس النصف الدالة على الطبيعة، وعدم اضافته إلى هذا أو ذاك من فعل المنشئ، حيث أتى بها ولم يأت بالقيد، لا من الدلالة المطابقية. بل لو قيل بأن الدلالة على النصف المشترك مدلول مطابقي كان أقرب إلى الصواب ولو لم يكن صحيحا أيضا، وكذا الحال في جانب الانشاء. والتحقيق أن لا معارضة بين المداليل المطابقية، أي ما دلت عليه نفس طبيعة النصف، ونفس طبيعة الانشاء، وإنما المعارض إطلاق كل لاطلاق الآخر، وكل منهما مثبت باطلاقه لشئ مخالف للآخر. ولو قلنا بأن النصف ظاهر في المشاع بلا قيد وكان البائع وكيلا أو وليا لصاحب النصف فالظاهر بطلانه، لعدم الترجيح، وما ذكرناه في الفرض السابق لا يجري هاهنا، لتحقق جميع الشرائط، كما أن الاصول العقلائية المذكورة لا تجري في المقام، والقياس بالكلي في غير محله، لان الاشاعة تخالف الكلي كما تقدم، ولو كان من قبيل الكلي في المعين لكان لازمه عدم ملك المشتري بعد البيع للحصة الخارجية، وكان كلي النصف على عهدة البائع. وكيف كان هو خارج عن مفروض الكلام، لان الكلام في النصف المشاع، ولا ترجيح في البين، فيقع باطلا. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) أطال الكلام في المقام بما لا ربط له

[ 433 ]

بالمسألة، كتنظير المقام بما ذكروا في ما لو أصدق المرأة عينا فوهبت نصفها المشاع قبل الطلاق، فقال جماعة إن الزوج استحق النصف الباقي، لا نصفه وقيمة نصف الموهوب، قال: وليس ذلك إلا من جهة صدق النصف على الباقي، فيدخل في قوله تعالى: (فنصف ما فرضتم) (1). وفيه أن المفروض في المقام لا ينطبق على نصفه المختص، لعدم الترجيح على ما أشرنا إليه، وأما في مورد مهر المرأة فالمخصص محقق، لان الموهوب خارج عن ملكه، والطلاق سبب للتنصيف فعلا، فإذا وجد السبب لارجاع النصف المشاع بلا عنوان وكان النصف المشاع موجودا يؤثر السبب فيه، ولا معنى للرجوع إلى القيمة إلا مع تعذر النصف المشاع، فالتخصيص ليس بلا مخصص بخلاف المقام. وأما الاقرار بالنصف فان قلنا بأن النصف ظاهر باطلاقه في النصف من النصيبين فلا إشكال في الحمل عليه، لعدم معارضة شئ له، لعدم أصول لفظية، أو مقامية في المقام، فما لم يقم دليل على إرادة النصف الخاص به يؤخذ بظاهره. نعم قد يقال: إن المقر إذا قال: (أقر بأن النصف له) يكون ظاهرا في النصف المختص، بخلاف ما إذا قال: (نصفه لفلان) وفيه إشكال، لعدم ظهور الاقرار فيما هو نافذ وجائز سيما في المقام الذي كان المقر به مشتركا بينهما، وكيف كان لا إشكال في الاخذ بالظهور بعد تسليمه. وأما إذا قلنا بظهور النصف في المشاع مطلقا وبلا قيد فقال: (نصف الدار لزيد) فالظاهر عدم نفوذه مطلقا، أما بالنسبة إلى حصة غيره فظاهر وأما بالنسبة إلى حصته منفردا أو ومشتركا فلان الاقرار بأمر أعم لا يدل


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 237.

[ 434 ]

على الاخص، والاقرار هو نافذ على المقر بعد ظهور كلامه، والفرض عدم ظهوره إلا في النصف القابل لكونه له أو لغيره أو لهما، فلا وجه للاخذ به، وهذا واضح. وبهذا الكلام في الفرع الآخر، وهو إقرار أحد الشريكين بالثلث، ولما ذكرنا وما لم نذكره مما ذكره الشيخ (قده) مقام آخر، هذا كله فيما إذا علم أن البائع لم يرد إلا النصف. وأما إذا علم انه أراد شيئا معينا كنصف صاحبه أو نصفه ففيه صور كثيرة: كالعلم بارادة حصته أو حصة صاحبه أو العلم بارادة حصته أو النصف من الحصتين، أو حصة صاحبه أو النصف من الحصتين أو العلم بارادة حصته أو حصة صاحبه أو النصف من الحصتين، وعلى أي حال تارة يكون أجنبيا عن النصف الآخر وأخرى وكيلا أو وليا، ويتصور صور أخر أيضا. وكيف كان لو كان أحد المحتملات عدم إرادته إلا النصف فتارة يكون احتمال عدم الارادة لاحتمال الجهل بالواقعة، وأخرى لاحتمال الغفلة. وعلى الثاني يمكن أن يقال: إن أصالة عدم الغفلة توجب انحلال العلم الاجمالي إذا قلنا بأنها أمارة عقلائية، ويحتمل ذلك حتى على القول بأنها أصل عقلائي، والتحقيق موكول إلى محله. ولو لم يكن هذا الفرض طرف العلم فان كان أحد الاطراف في الفروض حصة نفسه فقد يقال: إن الترجيح لظهور مقام البيع في إرادة حصة نفسه على ظهور المتعلق لاقوائية هذا الظهور، بل لا منافاة بينهما، لان الاول حاكم على الثاني، وقد مر شطر من الكلام حول ما قيل أو يقال لتقديم هذا الظهور أو ظهور الانشاء، فلا نطيل، وقلنا: لا يبعد تقديم ظهور المتعلق.

[ 435 ]

ولعل السر فيه أن مقام التصرف وكذا الانشاء ونحوه أمور توصلية آلية لا تتوجه نفس السامع إليها ابتداءا، بل التوجه التام إلى المتعلق والموضوع فإذا انقدح ظهور منه في الاذهان يدفع ظهور مقام التصرف أو الانشاء، ولو لم يسلم ذلك فلا مجال لتقديم الاول عليه، لان كلها ظهورات من قبل الاطلاق، ولا ترجيح لاحدها على غيره، سيما إذا كان البائع وكيلا أو وليا، فان الظهور في الحصتين لو سلم لا يعارضه شئ كما مر، وبالتأمل فيما مر يظهر الكلام في جميع الصور. نعم ما ذكرناه إنما هو في المشاع، وأما في غيره كما لو كان له عبد ولصاحبه عبد وكان اسمهما غانما مثلا فقال: (بعت غانما) وعلمنا أنه إما أراد بيع عبده أو عبد صاحبه، ففي هذا المورد وأشباهه ليس لظهور المقام وسائر الظهورات كالانشاء ومادة البيع ولو من قبل الانصراف بعد تمامية الاطلاق معارض، لاجمال المتعلق، وتلك الظهورات ترفع الاجمال، وهذا ما حكي عن الفخر (قده) من الاجماع على انصرافه إلى عبده، وهو في محله، لكن مقايسة المشاع به غير وجيهة، كما أفاده الشيخ الاعظم (قده). مسألة: يجوز للاب والجد من قبل الاب التصرف في مال الطفل بالبيع والشراء، وهذا في الجملة من واضحات الفقه، ويدل عليه عدة روايات. منها - رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال، وأن يكون الربح بينه وبينهم، فقال: لا بأس به من أجل أن

[ 436 ]

أباه قد أذن له في ذلك وهو حي) (1) دلت بتعليلها على أن إذن الاب موجب لصحة المعاملات الواقعة على مال الصغير، سواء كان في حال حياته - بأن يوكل من يعمل ذلك - أو كان بعد مماته بالايصاء والاجازة فيظهر منه أن له التصرف بالبيع والشراء ونحوهما، وأنه ولي الطفل، وأن تصرفاته نافذة سواء كانت فيما ملكه الطفل حال حياته أو فيما انتقل إليه بعد مماته، بل دلالتها على الاول أوضح، فلا يصغى إلى قول من يقول: إن الروايات لا تدل على وجود مال للصغير حال حياة الوالد. وليس في سندها من يتأمل فيه إلا مثنى بن الوليد، ولا يبعد حسن حاله بل وثاقته، وقد نقل عن الكشي عن العياشي عن علي بن الحسن ابن فضال أنه لا بأس به، وهو توثيق منه. ومنها - رواية خالد بن بكير (2) وفيها دلالة على صحة إذن الوالد في العمل بمال صغاره. ومنها - رواية أبي الربيع قال: (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون في يديه مال لاخ له يتيم وهو وصيه أيصلح له أن يعمل به؟ قال نعم كما يعمل بمال غيره، والربح بينهما، قال: قلت له: فهل عليه ضمان؟ قال: لا إذا كان ناظرا له) (3). ويظهر منها أن الناظر له البيع والشراء لاجل كونه ناظرا، ولازمه ولاية الاب، ومقتضى الاطلاق عدم الفرق بين المال الذي لليتيم حال حياة أبيه وبين ما كان منتقلا إليه بموته. ومنها - صحيحة ابن رئاب قال: (سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن رجل بيني وبينه قرابة مات وترك أولادا صغارا وترك مماليك وغلمانا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 92 - من كتاب الوصايا - الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب من تجب عليه الزكاة الحديث 6.

[ 437 ]

وجواري ولم يوص فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتخذها أم ولد؟ وما ترى في بيعهم؟ قال: فقال: إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم وكان مأجورا فيهم، قلت: فما ترى فيمن يشتري الجارية فيتخذها أم ولد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم، فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم) (1). والظاهر منها أن ترك الوصية انما هو بالنسبة إلى الجواري والغلمان، وكان المراد من القيم والولي من نصبه الاب، فان نصب قضاة الجور لا أثر له، ونصبه عليه السلام ونصب فقيه منا مفروض العدم، أما نصبه عليه السلام فظاهر، وأما نصب فقهائنا فلانه لم يكن ميسورا في تلك الازمنة، فالمراد هو القيم بحق، وليس إلا القيم من قبل الاب أو الجد، ومنها - صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع، وفيها بعد فرض عدم وصية الاب وجعل القاضي عبد الحميد قيما قال: (فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن، إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي) الخ (2). ويظهر منها أن ضعف قلبه لاجل أن الاب لم يصير إليه الوصية، وإلا فلم يضعف قلبه، ويتضح منها أن جواز توصية الاب ونفوذ ما فعله القيم من قبله كان معروفا بين أصحابنا، بل يظهر من تقرير أبي جعفر عليه السلام أن وصية الاب وجعله القيم توجب صحة ما فعله الوصي من بيع الجواري وغيرها، ولولا ذلك لكان عليه النتبيه على أن جعله أيضا لا يفيد، فانه شبهة حكمية مهمة يجب التنبيه فيها على الواقع لو كان مخالفا


(1) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب عقد البيع - الحديث 2

[ 438 ]

لزعم ابن بزيع وعبد الحميد. ومنها - رواية عبيد بن زرارة - التي هي كالصحيحة بل صحيحة على الاصح - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إني لذات يوم عند زياد ابن عبد الله إذ جاء رجل يستعدي على أبيه فقال: أصلح الله الامير إن أبي زوج ابنتي بغير إذني فقال زياد لجلسائه الذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ فقالوا: نكاحه باطل، قال: ثم أقبل علي فقال: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه، فقلت لهم: ألستم فيما تروون أنتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن رجلا جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت ومالك لابيك؟ قالوا: بلى، فقلت لهم: فكيف يكون هذا وهو وماله لابيه ولا يجوز نكاحه؟ قال: فأخذ بقولهم وترك قولي) (1). أقول: بعد تعذر الاخذ بظاهرها - على فرض ظهورها في مملوكية الابن وملكه لابيه مع إمكان إنكار الظهور خصوصا في مثل المورد الذي لا يكون الابن رقا، وفرض كون المال للابن - لا بد من حملها على معنى كنائي، كما يقول العرف في مورد صحة تصرف الغير أو جوازه بأن العبد وما في يده لمولاه، فيراد نفوذ تصرف الاب إما في المورد خاصة، وهو بعيد أو في كل مورد كان فيه الابن ولي التصرف كمال إبنه ونحوه لا مال نفسه، وهو خلاف إطلاقها أو في كل مورد كان فيه الابن نافذ التصرف وجائزة حتى في أمواله، كما هو مقتضى الاطلاق خرج منه أمواله حال كبره إلا فيما استثني، وبقي الباقي لو لم نقل بانصرافها عنها، كما لا يبعد لمعهودية استقلال المكلف في نفسه وماله، وعدم سلطنة الغير حتى الاب


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد - الحديث 5.

[ 439 ]

عليها، بل كالضروري فتنصرف الادلة عنها، فحينئد ليس خروج أمواله ونفسه حال كبره من قبيل التقييد حتى يتوهم أنه من التقييد الاكثري وإن كان الاشكال في غير محله مطلقا، فتدل على ولاية الجد وتقدمها عند التزاحم على ولاية الاب في كل مورد له الولاية. بل يستفاد منها أمران: أحدهما - أن للاب التصرف في مال ولده الصغير ونفسه، لانه وماله لابيه، وللجد وإن علا ذلك أيضا، للكبرى المذكورة، وسيأتي الكلام فيه. ويحتمل على بعد قراءة (مالك) بفتح اللام وإرادة أن كل ما كان للابن فلابيه، فلا تدل على حدود ولاية الجد ولا الاب، نعم بعد ثبوت الولاية وحدودها للاب تثبت للجد بتلك الرواية، لكن مع مخالفة ذلك للذوق العرفي مخالف للروايات الاخر، سيما ما ورد فيه أن مال الولد للوالد كرواية سعيد بن يسار (1). ومنها - رواية قرب الاسناد عن موسى بن جعفر عليه السلام في صورة اختلاف هوى الاب والجد قال: (الذي هوى الجد أحق بالجارية، لانها وأباها للجد) (2). وطريق الاستفادة منها كما قبلها. ثم إن في باب تصرفات الاب في مال الابن روايات كثيرة قابلة للجمع، فانها بين مطلق ومقيد، فيحمل المطلقات على المقيدات، وقد جمع في بعضها بين تحديد حدود جواز الاخذ بمورد احتياج الاب وعدم السرف وبين قوله (ص): (أنت ومالك لابيك) كصحيحة محمد بن


(1) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد الحديث 8.

[ 440 ]

مسلم (1) وصحيحة أبي حمزة (2). فيظهر منهما ومن غيرهما حدود جواز الاخذ بلا إذن من الابن، وأن المقصود من قوله صلى الله عليه وآله ليس ولاية الاب على ولده الكبير، أو جواز أخذه من ماله كيفما كان، وهذا لا يوجب رفع اليد عن إطلاق رواية عبيد وقرب الاسناد بعد عدم ورود تقييد بالنسبة إلى التصرفات الاعتبارية في نفس الولد وفي ماله له. وبالجملة إن ما ورد في الروايتين مورده هو التصرف الاعتباري، ويظهر من الكبرى أن كل تصرف اعتباريا كان أو غيره نافذ وجائز، لكن ورد في التصرفات الخارجية في الماليات قيود، فيؤخذ بها في موردها ولا حجة لرفع اليد عن الروايات في غير مورد القيود. فما قد يقال من أنه حكم أخلاقي ساقط، لان نفوذ التصرف ولزوم الاخذ به لا يمكن أن يعلل بأمر أخلاقي كما أن احتمال كونه نكتة الجعل غير ظاهر وإن لم يكن بذلك البعد، بل ربما يشعر به بعض الروايات، كرواية العلل (3) ورواية الحسين بن علوان (4) لكنهما مع ضعفهما وإعراض الاصحاب عن ثانيهما - كاعراضهم عن رواية سعيد بن يسار (5) على الظاهر المحكي - لا يبلغ الاشعار به حدا يمكن رفع اليد به عن مثل صحيحة عبيد وغيرها. فلا ينبغي الاشكال في الحكم بالنسبة إلى ولاية الاب والجد في التصرف في مال الطفل بالبيع والشراء له كما هو محل كلامنا.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به الحديث - 1 - 2 - 9 -. (4) الوسائل - الباب - 67 - من كتاب العتق - الحديث 1. (5) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 4.

[ 441 ]

وربما يختلج بالبال أن رواية الحسين بن أبي العلاء دالة على عدم ورود ما عن النبي صلى الله عليه وآله لبيان حكم، وكان مورده خاصا لنصيحة الولد الذي استعدى على أبيه، قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما يحل للرجل من مال ولده؟ قال: قوته بغير سرف إذا اضطر إليه، قال: فقلت له: فقول رسول الله صلى الله عليه وآله للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال له: أنت ومالك لابيك؟ فقال: إنما جاء بأبيه إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله هذا أبي وقد ظلمني ميراثي عن أمي، فأخبره الاب أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه، وقال: أنت ومالك لابيك، ولم يكن عند الرجل شئ، أو كان رسول الله يحبس الاب للابن؟!) (1). فان الظاهر منها أن قوله صلى الله عليه وآله مخصوص بهذا المورد فقط، لغرض انصراف الولد عن والده، لكن فيه مع كلام في سندها أن ما ورد هذه الجملة فيها روايات كثيرة صحيحة السند لا يمكن رفع اليد عنها بمثل هذا الاشعار الضعيف. مع أن عدم قبول دعوى الولد دليل على أن قوله (ص) ليس موعظة، بل الحكم الشرعي يقتضي ذلك في مورد الانفاق على نفسه وولده، ولم يتضح أن دعوى الولد كانت غير ما أقر الوالد به، ولهذا لم ينكر عليه بأنه صرفه في غير نفقتي ونفقته، تأمل. فتحصل من جميع ما مر أن الروايات التي في الباب بعضها مورد الاعراض، وظهوره مقطوع الخلاف، فلا بد من طرحها أو تأويلها كروايتي سعيد بن يسار (2) - على الظاهر - والحسين بن علوان (3) وبعضها مطلقات


(1) و (2) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 8 - 4. (3) الوسائل - الباب - 68 - من كتاب العتق - الحديث 1.

[ 442 ]

متصرفة عن التصرف في مال الكبير ونفسه كيفما كان، وعلى فرض إطلاقها تحمل على المقيدات، ويعمل بها في غير موردها، وهو مورد ولاية الاب والجد على مال الطفل ونفسه. والظاهر المتفاهم منها بحكم التعليل عدم الفرق بين الجد وجد الجد وإن علا، نعم ربما يستشكل في صحة التمسك بالنبوي على ولاية جد الجد وإن علا بلزوم إثبات الحكم موضوعه كالاشكال في الاخبار مع الواسطة، فان كون الابن وماله لابيه ثبت به، فكيف يمكن إثبات كون الاب وماله الذي من جملته بحكم النبوي إبنه وأمواله للجد وهكذا جد الجد. وفيه - مضافا إلى إمكان دفع الاشكال في المقام بما قيل في الجواب عن الاشكال في الاخبار مع الواسطة، وسلم المقام من الاشكال الذي أوردنا عليهم هناك بأن لا كبرى كلية في باب حجية الاخبار، بل لا دليل على حجيتها إلا بناء العقلاء، والاخبار الواردة فيها على كثرتها لا يكون مفادها إلا تنفيذ بناء العقلاء، وأما النبوي المستشهد به في الاخبار الصحيحة فيستفاد منه كبرى كلية قابلة للانحلال عرفا وإن فرض موافقة العقلاء معها أيضا، فلا مانع عقلا من تحقق موضوع كل لاحق بحكم سابقه. ومضافا إلى أن هاهنا كلاما لا يجري في الاخبار مع الواسطة، وهو أنه يفهم العرف من التعليل المذكور أن الاجداد كالجد القريب وكالاب في الولاية، وهذا حجة لا يصح رفع اليد عنها إلا أن يثبت الامتناع، ولم يكن طريق مطلقا للدفاع عنه، وهو ممنوع، لامكان أن يقال: إن هذا الحكم أي ثبوت ولايتهم كان بدليل آخر، وهذه الكبرى تكشف عنه كما أن الظاهر كذلك في الاحكام الالهية التي وردت الروايات فيها، فان جعل الولاية للاب والجد وإن علا ليس بجعل النبي صلى الله عليه وآله، بل بجعل إلهي، بل لا يبعد أن يكون حكم الله تبارك وتعالى بنفوذ تصرفاتهم موضوعا لانتزاع الولاية، لا أن المجعول هي بلا وسط.

[ 443 ]

وكيف كان بعد إمكان ثبوت الولاية لهم بطريق آخر يكشف عنه ذلك النبوي لا يجوز رفع اليد عن ظاهره بمجرد توهم الامتناع. وأما في الاخبار مع الواسطة فلم يدل دليل على حجية الوسائط، فان الادلة على فرض كونها مؤسسة انما تدل على حجية رأس السلسلة، وغيره لم يكن ثابتا إلا بدليل حجية ما في الرأس، ثم ما بعده إلى آخرها، وهناك لا محيص إلا بما ذكروا، ويرد عليهم ما ذكرنا في محله. ومضافا إلى أن الظاهر من هذه الروايات سيما رواية قرب الاسناد أنها بصدد بيان أحقية الجد من الاب، لا بصدد بيان أصل الولاية، فانها مفروض التحقق وإن يفهم منها أيضا الولاية في الاب والاجداد كما مر. مضافا إلى ذاك وذلك - أن الاشكال انما يرد لو كانت الولاية الثابتة للجد مترتبة على ولاية ابنه، وهكذا كل سابق بالنسبة إلى لاحقه، بمعنى أن ولاية الاب ثابتة لابنه الصغير بلا وسط ولابيه بوسط، نظير الوساطة في العروض أو في الثبوت، مع كون ولاية الواسطة علة منحصرة، لولاية ذي الواسطة، فتكون ولايته دائرة مدار ولاية الواسطة، وعليه يلزم الاشكال المذكور، كما يلزم سقوط ولاية ذي الواسطة إذا سقطت ولاية الواسطة بموت أو جنون وجرى الحكم في جميع السلسلة الآباء والاجداد، فإذا سقطت ولاية أحدهم سقطت ولاية المتقدم عليه دون المتأخر. وأما إذا ثبتت ولاية جميع ما في السلسلة في عرض واحد فلا يلزم الاشكال كما لا يسقط ولاية السابق بسقوط ولاية اللاحق. والظاهر من الادلة كروايتي عبيد وقرب الاسناد هو ذلك عرفا، فان قوله صلى الله عليه وآله: (أنت ومالك لابيك) كناية بحسب فهم العرف عن ثبوت الولاية للاب، كما ثبتت للابن، بل الاب أحق بذلك منه، فثبوتها تبعا مضافا إلى مخالفته لفهم العرف مخالف لتقدم ولاية الجد على الاب، فان الثبوت إذا كان بتبع الواسطة أو بمعلوليتها

[ 444 ]

لا يعقل أن يتقدم عليها لدى التعارض، وهو ظاهر. مع أن التعليل في رواية قرب الاسناد يثبت الحكم للجد من غير شائبة وساطة، فان قوله عليه السلام: (لانها وأباها للجد) ظاهر جدا في أن ولاية الجد ليست تبعية، والجد أعم من الجد الادنى والاعلى، ولا وجه لرفع اليد عن ظهوره بمجرد ورود الحكم في مورد الجد الادنى مع مناسبة الحكم والموضوع لذلك، ودلالة التعليل عليه أيضا. فالامر ظاهر مع عدم حكاية الخلاف في المسألة، بل يظهر من الجواهر وغيره أنه أي عدم اعتبار حياة الاب اجماعي، نعم ما وقع فيه الخلاف بين قدماء أصحابنا ومتأخريهم هو اعتبار حياة الاب في ولاية الجد في باب النكاح لا في هذا الباب. والعجب من بعض أهل التدقيق (قده) حيث توهم أن اعتبار حياة الاب في مسألتنا هذه محل خلاف الاصحاب، كما أن رواية فضل بن عبد الملك (1) غير مربوطة بالمقام، بل هي مربوطة بباب النكاح، فراجعها، وفي دلالتها إشكال تعرض له صاحب الجواهر (قده) وغيره، فلا نطيل البحث. ثم انه هل يعتبر العدالة في موضوع الولاية؟ قال الشيخ (قده) المشهور عدم اعتبارها، للاصل والاطلاقات، ولم يتضح مراده من الاصل. ويمكن تقريره بوجوه: منها - أن عنوان ولاية الاب من العناوين التي يمكن تصورها قبل وجودها، فيقال: إن هذا العنوان لم يكن متقيدا بالعدالة، فإذا جعل الشارع ولاية الاب نشك في صيرورة العنوان متقيدا بها، فنقول: إن عنوان ولاية الاب غير متقيد وغير مشروط بالعدالة استصحابا، وصدق العنوان على مصداقه وجداني، وليس من الاصل المثبت - كما لو شك في وجوب إكرام العلماء لاجل النسخ - فان استصحاب


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد الحديث 4

[ 445 ]

الوجوب جار، فإذا وجب إكرام العلماء بالاستصحاب وجب إكرام المصاديق الخارجية من غير شبهة إثبات. وفيه - مع الغض عن بعض الاشكالات - أن إثبات أن الاب ولي بلا شرط أو أنه ولي وإن كان فاسقا باستصحاب عدم كون العنوان متقيدا لا يمكن إلا بالاصل المثبت، بل التحقيق أن استصحاب عدالة زيد لاثبات كون زيد عادلا مثبت، فان في استصحاب العدالة لا بد وأن يكون موضوع القضية المتيقنة هو عدالة زيد، ومحمولها موجودة، فيقال: إن عدالة زيد كانت موجودة والآن موجودة بحكم الاستصحاب، وهذا لا يثبت كون زيد عادلا، فان وجود العدالة لزيد لازمه العقلي كونه عادلا ومتصفا بها. نعم لو أريد إجراء الاستصحاب المنتج يقال: إن زيدا كان عادلا والآن زيد عادل، فيحرز به موضوع صحة الطلاق عنده، وجواز الاقتداء به، ضرورة أن الكبرى الشرعي هو كون الشاهد والامام عادلا، لا عدالتهما موجودة، وهذا واضح عند التأمل في ميزان الاصول المثبتة وغيرها. وبهذا يظهر الجواب عن وجه آخر في تقرير الاصل، وهو أن يقال: إن تعلق جعل الشارع بولاية الاب أو الجد معلوم بنحو الاجمال، وتعلقه بقيد زائد وهو شرط العدالة مشكوك فيه، فيستصحب عدم تعلقه به، فان استصحاب عدم تعلق الجعل بالقيد الزائد على فرض جريانه لا يثبت كون الاب وليا بلا شرط الا بالاصل المثبت. ومنها - أصالة عدم كون الولاية المجعولة مشروطة على نحو استصحابات الاعدام الازلية، بأن يقال: إن هذه الولاية المجعولة - مشيرا إلى ماهيتها - لم تكن قبل وجودها مشروطة بالعدالة، وعند وجودها يشك في الاشتراط فيستصحب، كما يقال: إن هذه المرأة لم تكن في الازل قرشية وعند

[ 446 ]

الوجود في قرشيتها فيستصحب. وفيه ما في سائر استصحابات الاعدام الازلية من الاشكالات، وقد فصلناها في محله، مضافا إلى أن استصحاب عدم مشروطية الولاية لا يثبت أن الاب الفاسق أو الاب مطلقا أو الاب حتى مع عدم كونه عادلا ولي إلا بالاصل المثبت، فتدبر جيدا، وراجع مظانه. وأضعف منها إجراء استصحاب الكون المحمولي لاثبات الكون الرابط، فانه من أوضح مثبتات الاصول وأزيف من الجميع توهم تركب الموضوع من عدم أزلي ووجود، فانه مع امتناعه في ذاته لا واقعية له بحسب الادلة في الباب وفي غيره، مع ورود إشكال مثبتية الاصل فيه أيضا، هذا حال الاصل. وأما الاطلاق فلا إشكال فيه، ضرورة أن موثقة محمد بن مسلم المتقدمة (1) الدالة على نفوذ تصرف الوالد في مال ولده لها إطلاق من جهة ترك الاستفصال في صدرها ولو لم يكن تعليل الذيل، ومن جهة إطلاق التعليل، كما أن ترك الاستفصال في رواية خالد بن بكير (2) أيضا دليل على الاطلاق، وكذا رواية أبي الربيع الشامي في الاتجار بمال اليتيم (3) ويدل على عدم اعتبارها في الجد ترك الاستفصال وإطلاق التعليل في رواية عبيد بن زارة المتقدمة (4) بل إطلاق التعليل في رواية علي بن جعفر المتقدمة (5) فلا إشكال في الاطلاق.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 92 - من كتاب الوصايا - الحديث 1 - 2. (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 6 (4) و (5) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد - الحديث 5 - 8.

[ 447 ]

إنما الكلام في الموانع التي ذكرها القائل بالاعتبار، مثل ما عن الايضاح من أنها ولاية على من لا يدفع عن نفسه، ولا يصرف عن ماله، ويستحيل من حكمة الصانع أن يجعل الفاسق أمينا يقبل إقراراته وإخباراته عن غيره، وحاصله يرجع إلى أن تولية أمره إليه تؤول أحيانا إلى تلف مال الصغير. وأنت خبير بأن رفع اليد عن الحجة القائمة وهي إطلاق الادلة لا يمكن إلا مع قيام حجة شرعية أو عقلية غير ممكن الدفع، ومع إيجاد الاحتمال لا يصح الاخذ بالدليل العقلي لرفع اليد عن الحجة القائمة. وفي المورد لو احتملنا أن في ترك الولاية للاب والجد ولو كانا فاسقين مفسدة غالبة على تلف مال الصغير أحيانا لا دافع لهذا الاحتمال، ولا يجوز رفع اليد عنها معه، مع إمكان أن يقال: لو لم يجعل الشارع الولاية للاب والجد الفاسقين فان أهملها ولم يعين حافظا لاموال الصغار فالفساد أفحش، ولو لم يهمل وجعل أمرهم على والي المسلمين ففيه مفاسد كثيرة: منها - أن الاب الفاسق لو علم أن مال الطفل في معرض تصرف الوالي أتلفه قبل إطلاع الوالي وعماله، ولا دافع لذلك إلا أن يجعل لكل بيت فيه طفل يحتمل أن يكون له مال جواسيس للاطلاع على بواطن أمرهم، وفيه من المفاسد ما لا يخفى. ومنها - أن لازم ذلك أن يصرف الوالي قسمة مهمة إلى ما شاء الله من بيت مال المسلمين الذي هو لسد حاجات المملكة الاسلامية لهذا المصرف من جعل عدة كثيرة لكل صقع وبلد وقصبات وقرى لذلك: وإعطاء الاجر لهم، وقل المتبرع لذلك جدا، وصرف أموال كثيرة لاحتمال كون الاب الفاسق يتجاوز عن الحدود مع الحاجات الكثيرة الازمة المراعاة غير جائز، وأخذ الاجرة من مال الطفل إلى زمان كبره للعمال يوجب

[ 448 ]

نفاد المال في غالب الطبقات. ومنها - أن اللازم حينئذ على الوالي أن يمنع الآباء والاجداد وأوصيائهم مع عدم ثبوت عدالتهم عن التصرف في مطلق الاموال التي علم أن فيها مالا من الصغير إلى أن يعلم الحال وتتضح الواقعة، وفيه مفسدة عظيمة، بل لازمه حصول التباغض والتباعد بين الشعب والحكمومة، وهو من أفسد الامور، ضرورة أن الواقعة عامة البلوى، و إثبات العدالة بالبينة الشرعية أو الطرق الاخر غير ميسور. هذا كله مع بسط اليد للحاكم الشرعي والوالي الحق، وإلا صار ذلك الحكم الشرعي وسيلة لاكل ولاة الجور أموال الصغار والكبار، كما لا يخفى على المطلع بسيرتهم خذلهم الله تعالى. ثم إن المقصود من هذا المقال ليست اثبات حكم شرعي بالعقول ضرورة عدم إحاطة عقولنا بالمصالح والمفاسد والنظام التشريعي، بل المقصود لزوم الاخذ بالاطلاقات في مقابل صاحب الايضاح الذي تشبت بالدليل العقلي، فمقصودنا أنه لو وصل الامر إلى حكم العقول لكان الحكم بثبوته أولى من عدمه. ثم إن دليل صاحب الايضاح لا يقتضي اعتبار العدالة، بل غاية اقتضائه على فرض التمامية هو اعتبار الوثاقة والامانة، فربما يكون الفاسق أوثق في الاموال من بعض العدول، كما أن الامر كذلك أيضا لو كان الدليل على الاعتبار آية النبأ (1). نعم لو كان الدليل عليه آية الركون (2) فعلى فرض تماميته لازمه اعتبار العدالة موضوعيا، فان جعل الولاية للظالم ركون إليه، والركون


(1) سورة الحجرات: 39 الآية 6. (2) سورة هود: 11 - الآية 113.

[ 449 ]

إليه محرم، فإذا كان محرما فهو قبيح، ولا يعقل صدور القبيح من الحكيم جل وعلا. فالاب الفاسق كالاجنبي، كان وثيقا أو لا كان تصرفه، موافقا للصلاح أو لا. فما قيل من أن العدالة على فرض اعتبارها لا تكون كعدالة المفتي والقاضي موضوعيا غير ظاهر بحسب مقتضى الادلة. انما الشأن في دلالة الآيتين، فان غاية تقريب آيه الركون هو ما أشرنا إليه من أن الركون إلى الظالم ذو مفسدة ملزمة وقبح عقلي مستكشف منها، وارتكاب القبيح محال عليه تعالى شأنه، فيجعل هذا كبرى لصغرى هي أن جعل الولاية للظالم ركون إليه، فينتج أن جعلها له محال عليه تعالى. وفيه أن ذلك قياس فعل الباري المتعال بأفعال المكلفين، مع أنه مع الفارق جدا، فان أفعاله تعالى موافقة لصلاح النظام الكلي التكويني لا النظام التشريعي المحدود، كما أن جعله التشريعي لا بد وأن يوافق صلاح نظام التشريع العام، وهما مما لا يحيط به العقول المحدودة، ولهذا ترى أنه تعالى نهى عن التعاون على الاثم والعدوان، ومع ذلك جميع أسباب الاثم والعدوان موجودة بارادته وفعله، ولا شبهة في وجوب حفظ نفس المؤمن علينا، وهو تعالى قادر على حفظها ولم يحفظها، بل وكل ملك الموت باماتتها. فما قيل - من أن النهي عن الركون إلى الظالم لازمه العقلي عدم ركون الآمر إليه، أو قيل: بأن قوله تعالى: (لم تقولون ما لا تفعلون) (1) لازمه عدم ركون القائل - غير صحيح، وقياس لفعله بفعلنا، وهو باطل. هذا مع إمكان دعوى ظهور الآية الكريمة في الركون إلى ولاة الجور، فان قوله تعالى: (فتمسكم النار.... وما لكم من دون الله من


(1) سورة الصف: 61 - الآية 2.

[ 450 ]

أولياء ثم لا تنصرون) (1) سياقه يشهد بأن الركون إليه أمر عظيم، ومن الكبائر وذو مفسدة عظيمة، حيث أوعد عليه بالنار وعدم الاولياء والناصر لهم. وهذا يناسب الركون إليهم، حيث ورد فيهم وفي اعانتهم ما ورد في الاخبار (2) لا الركون والميل إلى فاسق كان سبب فسقه عدم رد السلام الواجب أو إصراره عليه، فان نفس ارتكاب كثير من المحرمات لم يرد فيها نحو ما في الاية: ويشهد له عدم إحتمال المفسرين هذا المعنى الاعم. وفي المجمع روى عنهم عليهم السلام أن الركون المودة والنصيحة والطاعة (3) ومعلوم أن ذلك في ولاة الجور والظلمة. وفي رواية الحسين بن زيد في مناهي النبي صلى الله عليه وآله أنه تمسك بالآية في خلال ما قال في حق من تولى خصومة ظالم أو أعان عليها ومن مدح سلطانا جائرا ومن ولى جائرا على جور (4). وفي رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في عد الكبائر (ومعونة الظالمين والركون إليهم) (5) وفي رواية الاعمش في عدها (وترك معاونة المظلومين والركون إلى الظالمين) (6) مضافا إلى أن الظالم عرفا هو الذي ظلم غيره، والفاسق ليس ظالما عرفا. وأما آية النبأ فتارة يستدل بها لرفض أقوال الاولياء مع فسقهم،


(1) سورة هود: 11 - الآية 113. (2) الوسائل - الباب - 42 - من أبواب ما يكتسب به. (3) مجمع البيان - سورة هود: 11 - ذيل آية 113. (4) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 1. (5) و (6) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب جهاد النفس - الحديث 33 - 36.

[ 451 ]

فيقال: إن بين مفاد الآية ودليل جعل الولاية بلازمه تعارض العموم من وجه لان لازم جعل الولاية هو قبول إقراراته وإخباراته بالنسبة إلى ما تولاه، وإطلاقه يقتضي وجوب قبول قول الولي الفاسق، والآية الشريفة باطلاقها تشمل الولي الفاسق، فيتعارضان فيه، فيجب رفع اليد عن مفاد الاخبار، لعدم إمكان تعارضها مع الكتاب. وما قيل - من أن عدم قبول قول الفاسق من حيث هو غير مناف لقبول إقراراته وإخباراته من حيث ولايته ووكالته، حيث إن من ملك شيئا ملك الاقرار به - غير وجيه، لان ما ذكر إنما هو الحكم الحيثي كحلية الغنم في قبال حرمة الموطوء، فان قوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الانعام) (1) حكم حيثي للبهيمة مقابل السباع مثلا، وليس فيه إطلاق حتى يعارض ما دلت على حرمة الموطوء، بخلاف الآية الشريفه، فانها كافلة لحكم فعلي له إطلاق على فرض الدلالة، فتعارض دليل اعتبار قول الاولياء، كما أن من ملك شيئا ملك الاقرار به لو كان مفاد رواية أو معقد إجماع يكشف عن الحكم على هذا العنوان لكان مفاده معارضا للآية الكريمة بالعموم من وجه، فلا بد من الاخذ بها ورفض إطلاق الرواية أو معقد الاجماع. نعم لو كان خصوص قبول إخبار الولي الفاسق مجمعا عليه يؤخذ به ويقيد به الآية الكريمة، كما أنه لو كان دليل لفظي على أن المالك لشئ يسمع إقراراته وإخباراته بالنسبة إليه أمكن أن يقال: إن قوله صلى الله عليه وآله: (أنت ومالك لابيك) (2) ينزل غير المالك منزلته في الاحكام، ويقدم على إطلاق الآية، هذا. لكن التحقيق أن الآية الكريمة لا تدل على رفض قول الفاسق مطلقا،


(1) سورة المائدة: 5 - الآية. (2) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1.

[ 452 ]

فان مورد نزول الآية والتعليل بعدم إصابة القوم بجهالة دليل على أن في المهمات - نحو خبر الوليد بكفر بني المصطلق - لا يصح الاعتماد على الخبر الواحد، سيما إذا كان المخبر فاسقا مثل الوليد، لان الاعتماد في مثله يوجب تجهيز الجيش وقتال المرتدين وقتال العام الموجب للاصباح نادمين أية ندامة عظمية!! ففي مثله لا بد من التثبت والتفتيش عن الواقعة لا العمل بقول الواحد أو الاثنين، سيما إذا كان فاسقا، بل العمل بقول العدلين أيضا في مثل تلك الواقعة على خلاف طريقة الدول والعقلاء، فالآية أجنبية عن الحكم بعدم قبول قول الفاسق مطلقا، وبقبول قول العادل مع عدم انقداح الردع من الآية عن بناء العقلاء على العمل بقول الملاك وذوي الايادي والاولياء، ولهذا لم يعهد التمسك بها لذلك إلا نادرا. وبما ذكرناه يظهر النظر فيما نقل عن بعض مقرري بحث الشيخ الانصاري (قده) في اللقطة من التمسك بها لاعتبار العدالة في الملتقط، وأن أعمال الفساق كأقوالهم لا يجوز الاعتماد عليها، فانه إذا وجب التثبت في قولهم وجب في فعلهم بمعنى عدم ترتيب آثار الوجود على الفعل المحتمل صدوره منهم، وأيضا يظهر من التعليل أن العلة هي مطلق الحذر عن الوقوع في مخالفة الواقع، وأيضا تفريع الوقوع في الندم على ترك التثبت يشمل الافعال كالاقوال، فان الندامة فيها أكثر منها في الاقوال، فانه مع ورود ما أوردناه على الاول عليه يزيف بأنه لا دليل على أن أعمال الفساق كأقوالهم، بل الدليل على خلافه، فان أعمال الفساق تحمل على الصحة بلا ريب بخلاف أقوالهم، وأيديهم أمارة على ملكية ما في يدهم، ولو لزم من إسقاط اعتبار اقوالهم إسقاط كل ما يحتمل خلافه منهم للزم

[ 453 ]

الاختلال في سوق المسلمين. وأما التعليل فيظهر منه أن الاشياء الخطيرة نحو إصابة قوم من المسلمين بالقتل والسبي علة لا مطلق الجهالة ولو لم يترتب عليها مفسدة، كما أن الندامة الحاصلة من إصابة طائفة من المسلمين لا تقاس بها الندامة في أمر جزئي غير مهتم به. وأما رواية الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن الجد إذا زوج ابنة ابنه وكان أبوها حيا وكان الجد مرضيا جاز، قلنا فان هوى أبو الجارية هوى وهوى الجد هوى، وهما سواء في العدل والرضا، قال أحب إلي أن ترضى بقول الجد) (1) ففيها - مع ضعف سندها وإعراض الاصحاب عنها، فعن العلامة دعوى الاجماع على ولاية الفاسق في التزويج - أن رفع اليد عن الاطلاقات الكثيرة التي بعضها في مقام الحاجة مع كون العدل قليلا في غاية الاشكال. والجمع بين المطلق والمقيد وإن كان عقلائيا لكن فيما إذا القي المطلق إلى أصحاب الحديث والكتب، وأما ذكر المطلق في مقام الحاجة مع كون المقيد مقصودا - سيما إذا كان قليل الوجود - وذكر مقيده بعد ذلك منفصلا فهو بعيد، والجمع بينهما ليس عقلائيا، بل الظاهر وقوع التعارض بينهما والترجيح للروايات المطلقة، فتدبر. مضافا إلى أن اعتبار العدالة في باب التزويج لا يستلزم اعتبارها في غيره، ولا يمكن إلغاء الخصوصية بعد وجودها جزما، فلا ينبغي الاشكال في المسألة. وهل يشترط في تصرفهما المصلحة أو يكفي عدم المفسدة أم لا يعتبر


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد - الحديث 4.

[ 454 ]

شئ؟ قد يقال: مقتضى إطلاق الادلة عدم اعتبار شئ. أقول: أما الروايات المتقدمة الواردة في الايصاء بمال الطفل فليس فيها ما يتوهم منها الاطلاق إلا رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) فان في ذيلها بعد فرض إذن الاب في المضاربة وكون الربح بينهما علل عدم البأس به، بقوله: (من أجل أن أباه قد أذن له في ذلك وهو حي) (1) بتقريب أن الصغرى لا تصلح لتقييد الكبرى، فان المورد غير مخصص. ويظهر من التعليل أن تمام العلة لعدم الباس هو إذن الاب، ومقتضى تعميم التعليل كون إذن الاب نافذا في مطلق التصرف في ماله ولو كانت فيه مضرة فضلا عما إذا لم تكن مصلحة. وبالجملة الميزان هو الاخذ بالكبرى وإطلاقها كما هو الوجه في سائر المقامات، كالاخذ بكبرى (لا تنقض اليقين بالشك) (2) مع ورودها في مورد الطهور، ولكن الاطلاق هاهنا مشكل. أما بالنسبة إلى مورد الاضرار فلا ينبغي الاشكال فيه، ضرورة أنه لا ينقدح من ذلك في ذهن أحد أن للولي أن يفعل في مال المولى عليه بما يوجب فناءه وتلفه أو يهبه لمن يشاء. وأما في مورد عدم الصلاح فلا يمكن الجزم بالاطلاق بعد وجود خصوصية في المورد يمكن للمتكلم الاتكال عليها، فان العمل بمال اليتيم فيه صلاح له، لتنمية ماله بالتجارة وحصول الربح له، وهذه الخصوصية توجب عدم الاعتداد بالاطلاق، وهذا بخلاف مثل روايات الاستصحاب فان الاخذ بالاطلاق فيها لا مانع منه، بل مناسبة الحكم والموضوع تؤيد نفي الخصوصية لو احتمل دخالتها.


(1) الوسائل - الباب - 92 - من كتاب الوصايا - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نواقض الوضوء - الحديث 1.

[ 455 ]

فالعمدة الروايات الوارد فيها قول رسول الله صلى الله عليه وآله: (انت ومالك لابيك) وقد تقدم أنها وردت في موردين: أحدهما مورد التصرفات الاعتبارية كالتزويج، مثل روايتي عبيد بن زرارة (1) وعلي بن جعفر (2) المتقدمتين، حيث علل نفوذ تزويج الجد وتقدمه على الاب بأن الاب وماله لوالده، أو أن الابنة ووالدها لجدها، وثانيهما مورد التصرف الخارجي في ماله، كرواية العلل (3) وسعيد بن يسار (4) ولا سيما الثانية. ويمكن أن يقال في تقريب الاطلاق حتى في مورد الاضرار: إن التعبير بأن الولد وماله للوالد بعد كونه تنزيلا في الاحكام يقرب صحة التصرف وجوازه حتى مع الاضرار، فان الاعتبار هو تصرفه في ماله، لا مال غيره. وكيف كان لو فرض الاطلاق يتقيد بالروابات المقيدة، كصحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام (إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال الرجل: أنت ومالك لابيك، ثم قال أبو جعفر عليه السلام: ما أحب أن يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج إليه مما لا بد منه، إن الله لا يحب الفساد) (5) فيظهر منها حدود جواز التصرف ومقدار التنزيل، وهي مقدمة بل حاكمة على جميع الروايات الواردة في المقام، سواء فيه ما اشتملت على ذكر النبوي وغيره، فتخرج من الاطلاق - على فرضه - التصرفات الضررية وما هو فساد عرفا، كتزويج الصغيرة بغير كفوها أو بمن اشتمل التزويج به


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد الحديث 5 - 8. (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 9 - 4 - 2.

[ 456 ]

على مفسدة دينية أو دنيوية، ويبقى في الاطلاق ما فيه الصلاح والغبطة وما لم يشتمل على الفساد، وإن لم يكن فيه مصلحة. كما يدل على ذلك أيضا موثقة عبيد بن زارة عن أبي عبد الله (ع) وفيها (الجد أولى بذلك ما لم يكن مضارا) على رواية الكليني (قده) (1) والروايات الواردة في تقويم الاب جارية ولده الصغار كصحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام (في الرجل يكون لبعض ولده جارية، وولده صغار، هل يصلح أن يطأها؟ فقال: يقومها قيمة عدل ثم يأخذها، ويكون لولده عليه ثمنها) (2) وقريب منها غيرها. والظاهر منها أن الوالد له التصرف الاعتباري بالبيع والشراء في مال ابنه الصغير، لكن لا بما يوجب الفساد، فالقيمة العادلة لا غبطة فيها إلا في بعض الاحيان ولا فساد، فتحصل مما مر كفاية عدم المفسدة. نعم هنا بعض الروايات الدالة على جواز التصرف حتى مع الاضرار، كروايتي سعيد بن يسار (3) والحسين علوان عن زيد بن علي عن آبائه عليهم السلام (4) وقد مر ما فيهما من ضعف الثانية وإعراض الاصحاب عنها، بل وعن الاولى ظاهرا، بل لم يعمل بالتعليل فيهما أحد حتى شيخ الطائفة (قده) مضافا إلى معارضتهما لما هو أصح سندا وأقوى دلالة، ومؤيدة بالكتاب أيضا، فلا نصلحان للاعتماد عليهما. بقي الكلام في الآية الشريفة (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب نكاح العبيد والاماء - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 4. (4) الوسائل الباب - 67 - من كتاب العتق - الحديث 1.

[ 457 ]

أحسن) (1) اعتبرت في التصرفات المصلحة أو الاصلحية والاحسنية وسيأتي الكلام فيها مستقصى في ولاية عدول المؤمنين انشاء الله تعالى. ولا بأس بالاشارة إلى بعض الجهات المربوطة بالمقام، فنقول: بعد فرض صدق اليتيم على من له الجد وعدم انصراف الآية عن الجد أو عن الاولياء إما أن يكون المقصود بالقرب هو التصرفات الخارجية، فمقتضى الآية على هذا جواز التصرف الخارجي في أموال اليتامى لعامة المكلفين أن كان فيه صلاح لليتيم أو على وجه الاصلحية، وقد دلت بعض الروايات على جوازه إذا كان فيه نفع لليتيم (2) وفي بعض آخر جواز اختلاط ماله بمال اليتيم واشتراكهما في الاكل (3) وفيها (والله يعلم المفسد من المصلح) إشارة إلى الآية الشريفة (وإن تخالطوهم فاخوانكم، والله يعلم المفسد من المصلح) (4) فعلى هذا الاحتمال لا تنافي الآية لما نحن بصدده من نفوذ تصرفات الجد بيعا وشراء ونحوهما، كما لا يخفى. أو يكون المقصود به أعم منها ومن التصرفات الاعتبارية، والجمع بين الارشاد إلى الحكم الوضعي والتحريم تكليفا لا مانع منه، وليس من الاستعمال في أكثر من معنى واحد، لما أشرنا إليه سابقا من أن الاوامر والنواهي لا تستعمل في النفسيات والارشاديات وغيرهما إلا في معناهما أي البعث والزجر، وانما يختلف المتفاهم العرفي منهما باختلاف المتعلقات، فإذا قال: (لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه) و (إذا قمتم إلى الصلاة


(1) سورة الاسراء: 17 - الآية 34. (2) الوسائل - الباب - 71 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 73 - من أبواب ما يكتسب به. (4) سورة البقرة: 2 - الآية 220.

[ 458 ]

فاغسلوا) الخ (1) يفهم العرف أن الزجر في الاول والبعث في الثاني إرشاديان، لا بمعنى استعمالهما في الارشادية، فانه ضروري الفساد، بل لان الصلاة لما كانت مطلوبة ولها صحة وفساد وشروط وموانع يفهم العرف من الزجر عن الصلاة في شئ أن ذلك الشئ مانع، ولاجل ذلك تعلق به الزجر فيها، وأن الوضوء شرط، ولهذا تعلق به الامر حال اتيانها. وأما إذا تعلق بشئ له ملحوظية نفسية كقوله: (آتوا الزكاة) و (لا تشربوا الخمر) يفهم منهما أن مطلوبية أداء الزكاة نفسية. ومبغوضية الشرب كذلك، وفي الموردين لم يستعمل اللفظ هيئة ومادة إلا في معنى واحد وفي المقام قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم) إن كان أعم من البيع ونحوه والاكل ونحوه يفهم العرف من عدم القرب والزجر عن التصرف الاعتباري أنه إرشاد إلى البطلان، وعن الاكل ونحوه أنه محرم نفسي. وكيف كان لو كان المراد الاعم كانت النسبة بينها وبين ما دل على نفوذ تصرفات الجد العموم من وجه، فيتعارضان في اليتيم إذا لم يكن تصرفه على وجه أحسن. فحينئذ إن كانت الآية بصدد بيان الزجر عن التصرفات إلا على الوجه المذكور تكون الروايات بلسانها حاكمة عليها، فان قوله (ص): (أنت ومالك لابيك) (2) يفهم منه عرفا أن الاعتبار ولو تنزيلا اعتبار مال الاب لا اعتبار مال الابن ولا اعتبار مالهما، ولهذا قال عليه السلام في بعض الروايات (المال للاب). وتوهم أنه بعد فرض ثبوت المال للابن حيث قال صلى الله عليه وآله:


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 6. (2) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 1.

[ 459 ]

(مالك) لا وجه للحكومة مدفوع بأن المتفاهم من هذا التركيب ونحوه أن المال مال الاب بحسب التنزيل لا الابن، ولهذا تمسك به الائمة عليهم السلام في جواز التصرف، ولو كان اعتبار ملكيته في قبال الاب محفوظا ولم يكن التنزيل موجبا لا فناء اعتبارها لما كان وجه للتمسك به. وبالجملة هذه العبارة صدرت في مقام اثبات أن الملك للاب خاصة، كما يقال: (العبد وما في يده لمولاه) في المخاطبات. وإن كانت بصدد تحديد التصرفات بعد فرض جوازها لقوم فكأنه قال: من كان له التصرف لا بد وأن يكون تصرفه على وجه أحسن كانت بلسانها حاكمة على دليل نفوذ التصرف لو كان الدليل نحو قوله له أن يتناول من ماله ويتصرف في نفسه، وأما مثل قوله صلى الله عليه وآله: (أنت ومالك لابيك) يوجب عدم وصول النوبة إلى ما ذكر وكان حاكما على مفاد الآية. وما ذكرناه إنما هو بعد تسليم بعض ما لا يكون مسلما، وسيأتي التعرض لها انشاء الله تعالى. مسألة: ومن جملة أولياء التصرف في مال من لا يستقل بالتصرف في ماله الحاكم، وهو الفقيه الجامع لشرائط الفتوى ولا بأس بالتعرض لولاية الفقيه مطلقا بوجه إجمالي، فان التفصيل يحتاج إلى إفراد رسالة لا يسعنا المجال له. فنقول: من نظر إجمالا إلى أحكام الاسلام وبسطها في جميع شؤون الجامعة من العباديات التي هي وظائف بين العباد وخالقهم، كالصلاة

[ 460 ]

والحج، وإن كان فيهما أيضا جهات اجتماعية وسياسية مربوطة بالحياة والمعيشة الدنيوية، وقد غفل عنها المسلمون سيما مثل ما في الاجتماع في الحج في محبط الوحي ومركز ظهور الاسلام، ومع الاسف قد أغفلوا بركات هذا الاجتماع الذي سهل تحققه لهم الشارع الاقدس بوجه لا يتحقق لسائر الدول والملل إلا مع جهاد عظيم ومصارف خطيرة. ولو كان لهم رشد سياسي واجتماعي أمكن لهم حل كثير من المسائل المبتلى بها بتبادل الافكار والتفاهم والتفكر في حاجاتهم السياسية والاجتماعية، ومن القوانين الاقتصادية والحقوقية والاجتماعية والسياسية لرئي أن الاسلام ليس عبارة عن الاحكام العبادية والاخلاقية فحسب، كما زعم كثير من شبان المسلمين بل وشيوخهم، ذلك للتبليغات المشومة المسمومة المستمرة من الاجانب وعمالهم في بلاد المسلمين طيلة التاريخ لاجل إسقاط الاسلام والمنتسبين إليه عن أعين الشبان وطلاب العلوم الحديثة، وإيجاد الافتراق والتباغض بين المسلمين قديمهم وحديثهم، وقد وقفوا في ذلك إلى حد لا يتيسر لنا رفع هذه المزعمة والتهمة بسهولة وفي أوقات غير طويلة. فعلى المسلمين وفي طليعتهم الروحانيون وطلاب العلوم الدينية القيام على ضد تبليغات أعداء الاسلام بأية وسيلة ممكنة، حتى يظهر أن الاسلام قام لتأسيس حكومة عادلة فيها قوانين مربوطة بالماليات وبيت المال، وأخذها من جميع الطبقات على نهج عدل، وقوانين مربوطة بالجزائيات قصاصا وحدا ودية بوجه لو عمل بها لقلت الجنايات لو لم تنقطع، وانقطع بذلك المفاسد المترتبة عليها، كالتي تترتب على استعمال المسكرات من الجنايات والفواحش إلى ما شاء الله تعالى، وما تترتب على الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وقوانين مربوطة بالقضاء والحقوق على نهج عدل وسهل من غير اتلاف الوقت والمال كما هو المشاهد في المحاكم الفعلية وقوانين

[ 461 ]

مربوطة بالجهاد والدفاع والمعاهدات بين دولة الاسلام وغيرها. فالاسلام أسس حكومة لا على نهج الاستبداد المحكم فيه، رأى الفرد وميوله النفسانية على المجتمع، ولا على نهج المشروطة أو الجمهورية المؤسسة على القوانين البشرية التي تفرض تحكيم آراء جماعة من البشر على المجتمع، بل حكومة تستوحي وتستمد في جميع مجالاتها من القانون الالهي، وليس لاحد من الولاة الاستبداد برأية، بل جميع ما يجري في الحكومة وشؤونها ولوازمها لا بد وأن يكون على طبق القانون الالهي حتى الاطاعة لولاة الأمر. نعم للوالي أن يعمل في الموضوعات على طبق الصلاح للمسلمين أو لاهل حوزته، وليس ذلك استبدادا بالرأي، بل هو على طبق الصلاح، فرأيه تبع للصلاح كعمله. وبعد ما عرفت ذلك نقول: إن الاحكام الالهية سواء الاحكام المربوطة بالماليات أو السياسيات أو الحقوق لم تنسخ، بل تبقى إلى يوم القيامة، ونفس بقاء تلك الاحكام يقضي بضرورة حكومة، وولاية تضمن حفظ سيادة القانون الالهي وتتكفل لاجرائه، ولا يمكن إجراء أحكام الله إلا بها، لئلا يلزم الهرج والمرج، مع أن حفظ النظام من الواجبات الاكيدة، واختلال أمور المسلمين من الامور المبغوضة، ولا يقوم ذا ولا يسد عن هذا إلا بوال وحكومة. مضافا إلى أن حفظ ثغور المسلمين عن التهاجم وبلادهم عن غلبة المعتدين واجب عقلا وشرعا، ولا يمكن ذلك إلا بتشكيل الحكومة، وكل ذلك من أوضح ما يحتاج إليه المسلمون، ولا يعقل ترك ذلك من الحكيم الصانع، فما هو دليل الامامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الامر عجل الله تعالى فرجه الشريف سيما مع هذه السنين المتمادية، ولعلها تطول والعياذ بالله إلى آلاف من السنين، والعلم عنده تعالى.

[ 462 ]

فهل يعقل من حكمة الباري الحكيم إهمال الملة الاسلامية وعدم تعيين تكليف لهم؟ أو رضي الحكيم بالهرج والمرج واختلال النظام؟ ولم يأت بشرع قاطع للغدر لئلا تكون للناس عليه حجة. وما ذكرناه وإن كان من واضحات العقل، فان لزوم الحكومة لبسط العدالة والتعليم والتربية وحفظ النظم ورفع الظلم وسد الثغور والمنع عن تجاوز الاجانب من أوضح أحكام العقول من غير فرق بين عصر وعصر أو مصر ومصر، ومع ذلك فقد دل عليه الدليل الشرعي أيضا، ففي الوافي عقد بابا في أنه ليس شئ مما يحتاج إليه الناس إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة، وفيه روايات: منها - رواية مرازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شئ، حتى والله ما ترك الله شيئا يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا أنزل في القرآن إلا وقد أنزل الله تعالى فيه) (1) وقريب منها غيرها، ونظيرها تقريبا في خطبة حجة الوداع (2). وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: (إن امير المؤمنين صلوات الله عليه قال: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بينت للامة جميع ما تحتاج إليه) (3) وأية حاجة كالحاجة إلى تعيين من يدبر أمر الامة ويحفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في عصر الغيبة مع بقاء أحكام الاسلام التي لا يمكن بسطها إلا بيد والي المسلمين وسائس الامة والعباد.


(1) أصول الكافي - ج 1 ص 59. (2) أصول الكافي - ج 2 ص 74. (3) الوافي - ج 1 ص 62.

[ 463 ]

وفي رواية العلل بسند جيد عن الفضل بن شاذان عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في حديث قال: (فان قال: فلم جعل أولي الامر وأمر بطاعتهم؟ قيل: لعلل كثيرة: منها أن الخلق لما وقفوا على حد محدود وأمروا أن لا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيه أمينا يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم، لانه إن لم يكن ذلك كذلك لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيما يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والاحكام. ومنها أنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا إلا بقيم ورئيس لما لا بد لهم من أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بد لهم منه، ولا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم ويقسمون به فيئهم، ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم. ومنها أنه لو لم يجعل لهم إماما قيما أمينا حافظا مستودعا لدرست الملة وذهب الدين، وغيرت السنة والاحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبهوا ذلك على المسلمين، لانا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم، فلو لما يجعل لهم قيما حافظا لما جاء به الرسول لفسدوا على نحو ما بينا، وغيرت الشرائع والسنن والاحكام والايمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين) (1). وفي نهچ البلاغة، (فرض الله الايمان تطهيرا من الشرك - إلى أن قال: -


(1) البحار - ج 6 ص 60 الطبع الحديث.

[ 464 ]

والامامة نظاما للامة) (1). وفي خطبة الصديقة سلام الله عليها (ففرض الله الايمان تطهيرا من الشرك - إلى أن قالت: - والطاعة نظاما للملة، والامامة لما من الفرقة) (2) إلى غير ذلك مما يدل على لزوم بقاء الولاية والرئاسة العامة. ثم بعد ما وضح ذلك يبقى الكلام في شخص الوالي، ولا إشكال على المذهب الحق أن الائمة والولاة بعد النبي صلى الله عليه وآله سيد الوصين أمير المؤمنين وأولاده المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين خلفا بعد سلف إلى زمان الغيبة، فهم ولاة الامر ولهم ما للنبي صلى الله عليه وآله من الولاية العامة والخلافة الكلية الالهية. أما في زمان الغيبة فالولاية والحكومة وإن لم تجعل لشخص خاص، لكن يجب بحسب العقل والنقل أن تبقيا بنحو آخر، لما تقدم من عدم إمكان إهمال ذلك، لانهما مما تحتاج إليه الجامعة الاسلامية. وقد دلت الادلة على عدم إهمال ما تحتاج إليه الناس، كما تقدم بعضها ودلت على أن جعل الامامة لاجل لم الفرقة، ونظام الملة، وحفظ الشريعة وغيرها، والعلة متحققة في زمن الغيبة ومطلوبية النظام وحفظ الاسلام معلومة لا ينبغي لذي مسكة إنكارها. فنقول: إن الحكومة الاسلامية لما كانت حكومة قانونية بل حكومة القانون الالهي فقط - وإنما جعلت لاجل إجراء القانون وبسط العدالة الالهية بين الناس - لا بد في الوالي من صفتين هما أساس الحكومة القانونية، ولا يعقل تحققها إلا بهما: إحداهما العلم بالقانون و ثانيتهما العدالة، ومسألة الكفاية داخلة


(1) نهج البلاغة - الحكمة 244. (2) كشف الغمة - ج 2 ص 110 - طبعة النجف عام 1385 وفيها (وطاعتنا نظاما للملة وإمامتنا لما للفرقة).

[ 465 ]

في العلم بنطاقه الاوسع، ولا شبهة في لزومها في الحاكم أيضا، وإن شئت قلت: هذه شرط ثالث من أسس الشروط. وهذا مع وضوحه - فان الجاهل والظالم والفاسق لا يعقل أن يجعلهما الله تعالى واليا على المسلمين، وحاكما على مقدراتهم وعلى أموالهم ونفوسهم مع شدة اهتمام الشارع الاقدس بذلك، ولا يعقل تحقق إجراء القانون بما هو حقه إلا بيد الوالي العالم العادل - دلت عليه الادلة اللفظية، ففي نهج البلاغة (لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والاحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع ولا المعطل للسنة فيهلك الامة) (1) فترى أن ما ذكره (ع) يرجع إلى أمرين: العلم بالاحكام والعدل. وقد ورد في الاخبار اعتبار العلم والعدل للامام عليه السلام، وكان من المسلمات بين المسلمين الاول لزوم علم الامام والخليفة بالاحكام، بل لزوم كونه أفضل من غيره، وإنما الخلاف في الموضوع، كما أنه لا خلاف بين المسلمين في لزوم الخلافة، وإنما الخلاف في جهات أخر، ولا زال طعن علمائنا على من تصدى للخلافة بأنه جهل حكما كذائيا. وأما العدل فلا ينبغي الشك من أحد المسلمين في اعتباره، فالعقل والنقل متوافقان في أن الوالي لا بد وأن يكون عالما بالقوانين وعادلا في الناس وفي إجراء الاحكام. وعليه فيرجع أمر الولاية إلى الفقيه العادل، وهو الذي يصلح لولاية المسلمين، إذ يجب أن يكون الوالي متصفا بالفقه والعدل، فالقيام


(1) نهج البلاغة - الخطبة 131.

[ 466 ]

بالحكومة وتشكيل أساس الدولة الاسلامية من قبيل الواجب الكفائي على الففهاء العدول. فان وفق أحدهم بتشكيل الحكومة بجب على غيره الاتباع، وإن لم يتيسر إلا باجتماعهم يجب عليهم القيام اجتماعا، ولو لم يمكن لهم ذلك أصلا لم يسقط منصبهم وإن كانوا معذورين في تأسيس الحكومة، ومع ذلك كان لكل منهم الولاية على أمور المسلمين من بيت المال إلى إجراء الحدود، بل على نفوس المسلمين إذا اقتضت الحكومة التصرف فيها، فيجب عليهم إجراء الحدود مع الامكان، وأخذ الصدقات والخراج والاخماس، والصرف في مصالح المسلمين وفقراء السادة وغيرهم وسائر حوائج المسلمين والاسلام، فيكون لهم في الجهات المربوطة بالحكومة كل ما كان لرسول الله والائمة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين. ولا يلزم من ذلك أن تكون رتبتهم كرتبة الانبياء أو الائمة (ع) فان الفضائل المعنوية أمر لا يشاركهم عليهم السلام فيه غيرهم. فالخلافة لها معنيان واصطلاحان: أحدهما الخلافة الالهية التكوينية، وهي مختصة بالخلص من أوليائه كالانبياء المرسلين والائمة الطاهرين سلام الله عليهم، وثانيهما المعنى الاعتباري الجعلي، كجعل رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام خليفة للمسلمين، أو انتخاب فلان وفلان للخلافة. فالرئاسة الظاهرية الصورية أمر لم يعتن بها الائمة عليهم السلام إلا لاجراء الحق، وهي التي أرادها علي بن أبي طالب عليه السلام بقوله على ما حكي عنه: (والله لهي أحب إلي من إمرتكم) (1) مشيرا إلى النعل التي لا قيمة لها.


(1) نهج البلاغة - الخطبة 33.

[ 467 ]

وفي نهج البلاغة في الخطبة المعروفة بالشقشقية (أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لالقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولالفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز) (1) وأما مقام الخلافة الكبرى الالهية فليس هينا عنده، ولا قابلا للرفض والاهمال وإلقاء الحبل على غاربه. فللفقيه العادل جميع ما للرسول والائمة عليهم السلام مما يرجع إلى الحكومة والسياسة، ولا يعقل الفرق، لان الوالي - أي شخص كان - هو مجري أحكام الشريعة والمقيم للحدود الالهية والاخذ للخراج وسائر الماليات والمتصرف فيها بما هو صلاح المسلمين، فالنبي صلى الله عليه وآله يضرب الزاني مأة جلدة والامام عليه السلام كذلك والفقيه كذلك، ويأخذون الصدقات بمنوال واحد، ومع اقتضاء المصالح يأمرون الناس بالاوامر التي للوالي، وبجب إطاعتهم. فولاية الفقيه - بعد تصور أطراف القضية - ليست أمرا نظريا يحتاج إلى برهان، ومع ذلك دلت عليها بهذا المعنى الوسيع روايات نذكر بعضها: فمنها - ما أرسله في الفقيه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أللهم ارحم خلقائي، قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون عني حديثي وسنتي) (2) ورواه في عيون الاخبار بطرق ثلاثة (3) رجال كل يغاير الآخر كما وأن


(1) نهج البلاغة - الخطبة الثالثة. (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 50. (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 53 والطرق مذكورة في الباب - 54 - من أبواب الوضوء - الحديث 4.

[ 468 ]

محال نقل الحديث متفرقة، فذكر في خلال ما يقرب من مأتي حديث، وزاد في آخره (فيعلمونها الناس من بعدي) وعن معاني الاخبار بسند رابع غيرها نحوها (1) وعن المجالس بسند مشترك مع الرابع في أواخره، وفي آخره (ثم يعلمونها) (2) وعن صحيفة الرضا عليه السلام باسناده عن آبائه عليهم السلام نحوها (3) وعن غوالي اللئالي نحوها، وفي آخرها (أولئك رفقائي في الجنة) (4) وقريب منها عن الراوندي (5) وغيره. فهي رواية معتمدة لكثرة طرقها، بل لو كانت مرسلة لكانت من مراسيل الصدوق التي لا تقصر عن مراسيل مثل ابن أبي عمير، فان مرسلات الصدوق على قسمين: أحدهما ما أرسل ونسب إلى المعصوم عليه السلام بنحو الجزم كقوله: قال أمير المؤمنين عليه السلام كذا، وثانيهما ما قال: روي عنه عليه السلام مثلا، والقسم الاول من المراسيل المعتمدة المقبولة. وكيف كان معنى الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر معهود من أول الاسلام، ليس فيه إبهام، والخلافة لو لم تكن ظاهرة في الولاية والحكومة فلا أقل من أنها القدر المتيقن منها، وقوله صلى الله عليه وآله: (الذين يأتون من بعدي) معرف للخلفاء لا محدد لمعناها، وهو واضح، مع أن الخلافة لنقل الرواية والسنة لا معنى لها، لان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن راويا لرواياته حتى يكون الخليفة قائما مقامه في ذلك.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 53 - 50. (3) و (4) و (5) المستدرك - الباب - 8 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 10 - 48 - 52.

[ 469 ]

فيظهر من الرواية أن للعلماء جميع ما له صلى الله عليه وآله إلا أن يدل دليل على إخراجه فيتبع. وتوهم أن المراد من الخلفاء خصوص الائمة عليهم السلام في غاية الوهن، فان التعبير عن الائمة عليهم السلام برواة الاحاديث غير معهود، بل هم خزان علمه تعالى، ولهم صفات جميلة إلى ما شاء الله لا يناسب للايعاز إلى مقامهم عليهم السلام (أنهم رواة الاحاديث) بل لو كان المقصود من الخلفاء أشخاصهم المعلومين لقال: علي وأولاده المعصومون عليهم السلام، لا العنوان العام الشامل لجميع العلماء. كما أن احتمال الاختصاص بالراوي والمحدث دون الفقيه أوهن من السابق، أما بالنسبة إلى ما ذكر في ذيله بالطرق الكثيرة وهو قوله (ص): (فيعلمونها الناس من بعدي) فواضح لان المحدث والراوي ليس شغله تعليم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله إلا إذا كان فقيها مثل الكليني والصدوقين ونظائرهم (قدهم) فان الرواي محضا لا يمكنه العلم بأن ما روى هو سنة رسول الله صلى الله عليه وآله أم لا، إذ كثير من الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام لم تصدر لبيان الحكم الواقعي، لكثرة ابتلائهم بولاة الجور، وليس لنا طريق إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ورواياته إلا من قبل الائمة الهداة عليهم السلام، والرواية من غير طريقهم في غاية القلة. وأما بالنسبة إلى المرسلة التي ليس لها هذا الذيل فلانه - مع إمكان أن

[ 470 ]

يقال: إن هذه الجملة سقطت إما من قلم المصنف رحمه الله تعالى أو النساخ، فان في دوران الامر بين زيادة جملة وسقوطها كان الثاني أولى، لغاية بعد الاول، وزيادة وقوع الثاني عند الاستنساخ، وإن كان هو أيضا خلاف الاصل في نفسه - لا شك أن المطلوب من بسط السنة هو بسط سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وروايتها، لا ما ينسب إليه ولو كان كذبا وعلى خلاف سنته. والذي يتيسر له إحراز السنة وعلاج المتعارضين بالموازين التي قررت في محلها مما ورد عنهم عليهم السلام وغير ذلك وتشخيص المخالف للكتاب والسنة عن الموافق لهما هو المجتهد المتبحر والمحدث الفقيه، لا ناقل الحديث كائنا من كان. مع أن مناسبة الحكم والموضوع ترشدنا إلى ذلك، فان منصب خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله والولاية من قبله لا يعقل أن يكون لرجل عامي غير مميز لاحكام الله تعالى بمجرد حكاية أحاديث فهو كالمستنسخ للاحاديث، وقد يتوهم ان لازم جعل الخلافة للفقهاء كونهم في عرض الائمة عليهم السلام، وسيجئ دفعه بعد ذكر الروايات. ومنها - رواية علي بن أبى حمزة قال: (سمعت أبا الحسن موسى ابن جعفر عليه السلام يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الارض التي كان يعبد الله عليها وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله وثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شئ، لان المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام

[ 471 ]

كحصن سور المدينة لها) (1). وليس في سندها من يناقش فيه إلا علي بن أبي حمزة البطائني، وهو ضعيف على المعروف، وقد نقل توثيقه عن بعض، وعن الشيخ في العدة (عملت الطائفة باخباره) وعن ابن الغضائري (أبوه أوثق منه) وهذه الامور وإن لا تثبت وثاقته مع تضعيف علماء الرجال وغيرهم إياه لكن لا منافاة بين ضعفه والعمل برواياته اتكالا على قول شيخ الطائفة، وشهادته بعمل الطائفة برواياته وعمل الاصحاب جابر للضعف من ناحيته، ولرواية كثير من المشائخ وأصحاب الاجماع عنه كابن أبي عمير وصفوان بن يحيى والحسن بن محبوب وأحمد بن محمد بن أبي نصر ويونس بن عبد الرحمان وأبان بن عثمان وأبي بصير وحماد بن عيسى والحسن بن على الوشاء والحسين بن سعيد وعثمان بن عيسى وغيرهم ممن يبلغ خمسين رجلا، فالرواية معتمدة. ورواها بطريق آخر بلا لفظ (الفقهاء) ومن البعيد جدا زيادة اللفظة، وأما سقوطها فليس ببعيد وإن كان خلاف الاصل في نفسه، لكن في الدوران يقدم النقص. كما أن التناسب بين الحكم والموضوع يؤيد ذلك، فان الثلمة التي لا يسدها شئ والتعليل بأنهم حصون الاسلام لا ينطبق إلا على الفقيه المؤمن، ولهذا ورد في رواية أخرى (إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شئ) (2) وأما الرواية الاخرى التي ذكر فيها (المؤمن) فليس فيها تلك الجملة، ولهذا ليس من البعيد سقوط لفظة (الفقيه) من قوله: (إذا مات المؤمن بكت عليه) الخ. وكيف كان بعد ما علم بالضرورة ومرت الاشارة إليه من أن في


(1) و (2) أصول الكافي - ج 1 ص 38 - باب فقد العلماء - الحديث 3 - 2

[ 472 ]

الاسلام تشكيلات وحكومة بجميع شؤونها لم يبق شك في أن الفقيه لا يكون حصنا للاسلام كسور البلد له إلا بأن يكون حافظا لجميع الشؤون من بسط العدالة وإجراء الحدود وسد الثغور وأخذ الخراجات والماليات وصرفها في مصالح المسلمين ونصب الولاة في الاصقاع، وإلا فصرف الاحكام ليس باسلام. بل يمكن أن يقال: الاسلام هو الحكومة بشؤونها، والاحكام قوانين الاسلام، وهي شأن من شؤونها، بل الاحكام مطلوبات بالعرض، وأمور آلية لاجرائها وبسط العدالة، فكون الفقيه حصنا للاسلام كحصن سور المدينة لها لا معنى له إلا كونه واليا له نحو ما لرسول الله وللائمة صلوات الله عليهم أجمعين من الولاية على جميع الامور السلطانية. وعن أمير المؤمنين عليه السلام (الجنود بأذن الله حصون الرعية - إلى أن قال: - وليس تقوم الرعية إلا بهم) (1) فكما لا تقوم الرعية إلا بالجنود فكذلك لا يقوم الاسلام إلا بالفقهاء الذين هم حصون الاسلام، وقيام الاسلام هو إجراء جميع أحكامه ولا يمكن إلا بالوالي الذي هو حصن. وبما ذكرناه ظهرت دلالة سائر الروايات، ولا يحتاج في بيان دلالتها إلى إتعاب النفس، كموثقة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم) (2) ونقلها في المستدرك عن نوادر الراوندي قائلا باسناده الصحيح عن موسى بن جعفر (ع) (3)


(1) نهج البلاغة - الرسالة 53 في عهده عليه السلام إلى مالك (ره). (2) أصول الكافي - ج 1 ص 46. (3) المستدرك - الباب 35 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 8.

[ 473 ]

وعن دعائم الاسلام عن جعفر بن محمد عليه السلام نحوه (1) إلا أن في ذيلهما (فاحذروهم على أديانكم). وكيف كان قوله (ص): (أمناء الرسل) بالتقريب المتقدم يفيد كونهم أمناء لرسول الله صلى الله عليه وآله في جميع الشؤون المتعلقة برسالته، وأوضحها زعامة الامة وبسط العدالة الاجتماعية، وما لها من المقدمات والاسباب واللوازم، فأمين الرسول أمين في جميع شؤونه، وليس شأن رسول الله (ص) ذكر الاحكام فقط حتى يكون الفقيه أمينا فيه، بل المهم إجراء الاحكام، والامانة فيها أن يجريها على ما هي عليها. ويؤكد ذلك ما في رواية العلل المتقدمة حيث قال في علل الامامة والامر بطاعتهم: (إن الخلق لما وقفوا على حد محدود - إلى أن قال -: ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيه أمينا يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم - إلى أن قال -: فجعل عليهم قيما يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود) (2) فإذا ضم إلى ذلك قوله صلى الله عليه وآله: (الفقهاء أمناء الرسل) يعلم منه أنهم أمناء الرسل لاجل ما ذكره من إجراء الحدود والمنع عن التعدي والمنع عن اندراس الاسلام وتغير السنة والاحكام، فالفقهاء أمناء الرسل وحصون الاسلام لهذه الخصوصية وغيرها، وهو عبارة أخرى عن الولاية المطلقة. ومنها - التوقيع المبارك المنسوب إلى صاحب الامر روحي فداه وعجل الله تعالى فرجه، نقله الصدوق عن محمد بن عصام عن الكليني عن اسحاق ابن يعقوب قال: (سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي فورد التوقيع بخط مولانا صاحب


(1) المستدرك - الباب - 11 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 5. (2) البحار - ج 6 - ص 60 الطبع الحديث.

[ 474 ]

الزمان عجل الله تعالى فرجه أما ما سألت عنه أرشدك وثبتك - إلى ان قال -: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله) الخ (1) وعن الشيخ (قده) روايته في كتاب الغيبة بسنده إلى محمد بن يعقوب، والرواية من جهة إسحاق بن يعقوب غير معتبرة. وأما دلالته فتارة من ناحية قوله عليه السلام: (أما الحوادث الواقعة) الخ، وتقريبها أن الظاهر أنه ليس المراد بها أحكامها، بل نفس الحوادث، مضافا إلى ان الرجوع في الاحكام إلى الفقهاء من أصحابهم عليهم السلام كان في عصر الغيبة من الواضحات عند الشيعة، فيبعد السؤال عنه، والمظنون أن السؤال كان بهذا العنوان، فأراد السائل استفسار تكليفه أو تكليف الامة في الحوادث الواقعة لهم، ومن البعيد أن يعد السائل عدة حوادث في السؤال ويجيب عليه السلام بأن الحوادث كذا، مشيرا إلى ما ذكره، وكيف كان لا إشكال في أنه يظهر منه أن بعض الحوادث التي لا تكون من قبيل بيان الاحكام يكون المرجع فيها الفقهاء. وأخرى من ناحية التعليل بأنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله، وتقريبها بأن كون المعصوم حجة الله ليس معناه أنه مبين الاحكام فقط، فان زرارة ومحمد بن مسلم وأشباههما أيضا أقوالهم حجة، وليس لاحد ردهم وترك العمل برواياتهم، وهذا واضح. بل المراد بكونه وكون آبائه الطاهرين عليهم السلام حجج الله على العباد أن الله تعالى يحتج بوجودهم وسيرتهم وأعمالهم وأقوالهم على العباد في جميع شؤونهم، ومنها العدل في جميع شؤون الحكومة، فأمير المؤمنين عليه السلام حجة على الامراء وخلفاء الجور وقطع الله تعالى بسيرته عذرهم


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 9.

[ 475 ]

في التعدي عن الحدود والتجاوز والتفريط في بيت مال المسلمين والتخلف عن الاحكام، فهو حجة على العباد بجميع شؤونه، وكذا سائر الحجج، وسيما ولي الامر الذي يبسط العدل في العباد، ويملا الارض قسطا وعدلا، ويحكم فيهم بحكومة عادلة إلهية. وأنهم حجج الله على العباد أيضا بمعنى أنه لو رجعوا إلى غيرهم في الامور الشرعية والاحكام الالهية من تدبير أمور المسلمين وتمشية سياستهم وما يتعلق بالحكومة الاسلامية لا عذر لهم في ذلك مع وجودهم، نعم لو غلبت سلاطين الجور وسلبت القدرة عنهم (ع) لكان عذرا عقليا مع كونهم أولياء الامور من قبل الله تعالى، فهم ححج الله على العباد والفقهاء حجج الامام عليه السلام، فكل ما له لهم بواسطة جعلهم حجة على العباد، ولا إشكال في دلالته لولا ضعفه. مضافا إلى أن الواضح من مذهب الشيعة أن كون الامام حجة الله تعالى عبارة أخرى عن منصبه الالهي وولايته على الامة بجميع شؤون الولاية لا كونه مرجعا للاحكام فقط، وعليه فيستفاد من قوله عليه السلام: (أنا حجة الله وهم حجتي عليكم) أن المراد أن ما هو لي من قبل الله تعالى لهم من قبلي، ومعلوم أن هذا يرجع إلى جعل الهي له عليه السلام وجعل من قبله للفقهاء، فلا بد للاخراج من هذه الكلية من دليل مخرج فيتبع. ويؤيد ذلك بل يدل عليه قول أمير المؤمنين (ع) لشريح: (قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي) (1) بتقريب أن الفقيه العدل ليس نبيا ولا شقيا، فهو وصي، والوصي له ما للموصي. ونحوه ما عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (اتقوا الحكومة، فان الحكومة إنما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 2.

[ 476 ]

وصي نبي) (1) فيظهر أن القضاء للامام والرئيس العالم العادل، ولما ثبت كون القضاء للفقيه ثبت أنه للرئيس والوصي، فتدبر. ومنها - مقبولة عمر بن حنظلة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فانما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فانما يأخذ سحتا وإن كان حقا ثابتا له، لانه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال تعالى: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به (2) قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فاني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله) الحديث (3). والرواية من المقبولات التي دار عليها رحى القضاء، وعمل الاصحاب بها حتى اتصفت بالمقبولة، فضعفها سندا بعمر بن حنظلة مجبور، مع أن الشواهد الكثيرة المذكورة في محله لو لم تدل على وثاقته فلا أقل من دلالتها على حسنه، فلا إشكال من جهة السند. وأما الدلالة فلاجل تمسك الامام عليه السلام بالآية الشريفة لا بد من النظر إليها ومقدار دلالتها حتى يتبين الحال. قال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها، وإذا


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب صفات القاضي - الحديث - 3. (2) سورة النساء: 4 - الآية 60. (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 1.

[ 477 ]

حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) (1) لا شبهة في شمول الحكم للقضاء الذي هو شأن القاضي والحكم من الولاة والامراء - وفي المجمع (أمر الله الولاة والحكام أن يحكموا بالعدل والنصفة) (2) ونظيره قوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض، فاحكم بين الناس بالحق) (3). ثم قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم، فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) الخ (4) كما لا شبهة أيضا في أن مطلق المنازعات داخلة فيه - سواء كانت في الاختلاف في ثبوت شئ ولا ثبوته، أو التنازع الحاصل في سلب حق معلوم من شخص أو اشخاص، أو التنازع الحاصل بين طائفتين المنجر إلى قتل وغيره - الذي كان المرجع بحسب النوع فيها هو الوالي لا القاضي، سيما بملاحظة ذكره عقيب وجوب إطاعة الرسول وأولي الامر فان اطاعتهما بما هي اطاعتهما هي الائتمار بأوامرهم المربوطة بالوالي، وليس المراد بها اطاعتهما في الاحكام الالهية، ضرورة أن إطاعة الاوامر الالهية إطاعة الله لا إطاعتهما، فلو صلى قاصدا إطاعة رسو ل الله (ص) أو الامام (ع) بطلت صلاته، نعم اطاعة أوامرهم السلطانية إطاعة الله أيضا، لامره تعالى باطاعتهم. ثم قال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) الخ (5) وهذه الآية أيضا مفادها أعم من التحاكم إلى القضاة وإلى الولاة لو لم نقل بأن الطاغوت عبارة عن خصوص السلاطين والامراء،


(1) سورة النساء: 4 - الآية 58. (2) مجمع البيان ج 2 ص 63 طبعة صيدا. (3) سورة ص: 38 - الآية 26. (4) و (5) سورة النساء: 4 - الآية 59 - 60.

[ 478 ]

لان الطغيان والمبالغة فيه مناسب لهم لا للقضاة، ولو أطلق على القضاة يكون لضرب من التأويل أو بتبع السلاطين الذين هم الاصل في الطغيان، وبظهر من المقبولة التعميم بالنسبة اليهما. ثم إن قوله: (منازعة في دين أو ميراث) لا شبهة في شموله للمنازعات التي تقع بين الناس فيما يرجع فيه إلى القضاة، كدعوى أن فلانا مديون وإنكار الطرف ودعوى أنه وارث ونحو ذلك، وفيما يرجع فيه إلى الولاة والامراء، كالتنازع الحاصل بينهما لاجل عدم أداء دينه أو ارثه بعد معلوميته، وهذا النحو من المنازعات مرجعها الامراء، فإذا قتل ظالم شخصا من طائفة ووقع النزاع بين الطائفتين لا مرجع لرفعه إلا الولاة، ومعلوم أن قوله: (في دين أو ميراث) من باب المثال، والمقصود استفادة التكليف في مطلق المنازعات، واستفسار المرجع فيها، ولهذا أكد الكلام لرفع الابهام بقوله: (فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة) ومن الواضح عدم تدخل الخلفاء في ذلك العصر بل مطلقا في المرافعات التي ترجع إلى القضاة وكذلك العكس، فقوله (ع) (من تحاكم إليهم في حق أو باطل فانما تحاكم إلى الطاغوت) انطباقه على الولاة أوضح، بل لولا القرائن لكان الظاهر منه خصوص الولاة. وكيف كان لا إشكال في دخول الطغاة من الولاة فيه، سيما مع مناسبات الحكم والموضوع، ومع استشهاده بالآية التي هي ظاهرة فيهم في نفسها، بل لولا ذلك يمكن أيضا أن يقال بالتعميم، للمناسبات المغروسة في الاذهان، فيكون قوله بعد ذلك: (فكيف يصنعان؟) استفسارا عن المرجع في البابين، واختصاصه بأحدهما سيما بالقضاة في غاية البعد لو لم نقل بأنه مقطوع الخلاف. وقوله عليه السلام: (فليرضوا به حكما) تعيينا للحاكم في التنازع، فليس لصاحب

[ 479 ]

الحق الرجوع إلى ولاة الجور ولا إلى القضاة، ولو توهم من قوله (ع): (فليرضوا) اختصاصه بمورد تعيين الحكم فلا شبهة في عدم إرادة خصوصه، بل ذكر من باب المثال، وإلا فالرجوع إلى القضاة الذي هو المراد جزما لا يعتبر فيه الرضا من الطرفين. فاتضح من جميع ذلك أنه يستفاد من قوله عليه السلام: (فاني قد جعلته حاكما)) أنه عليه السلام قد جعل الفقيه حاكما فيما هو من شؤون القضاء وما هو من شؤون الولاية، فالفقيه ولي الامر في البابين، وحاكم في القسمين، سيما مع عدوله عليه السلام عن قوله: (قاضيا) إلى قوله: (حاكما) فان الاوامر أحكام، فأوامر الله ونواهيه أحكام الله تعالى، بل لا يبعد أن يكون القضاء أعم من قضاء القاضي وأمر الوالي وحكمه، قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (1) وكيف كان لا ينبغي الاشكال في التعميم. بل يمكن الاستشهاد بأن المراد من القضاء المربوط بالقضاة غير ما هو مربوط بالسلطان بمشهورة أبي خديجة قال: (بعثني أبو عبد الله عليه السلام إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارء في شئ من الاخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، إجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا، فاني قد جعلته عليكم قاضيا، واياكم أن يخاصم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر) (2). فان الظاهر من صدرها إلى قوله عليه السلام: (قاضيا) هي المنازعات التي يرجع فيها إلى القضاة، ومن تحذيره بعد ذلك من الارجاع إلى السلطان الجائر وجعله مقابلا للاول بقوله عليه السلام: (وإياكم) الخ


(1) سورة الاحزاب: 33 - الآية 36. (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 6.

[ 480 ]

هي المنازعات التي يرجع فيها إلى السلطان لرفع التجاوز والتعدي لا لفصل الخصومة. ثم قد تنقدح شبهة في بعض الاذهان بأن أبا عبد الله عليه السلام في أيام إمامته إذا نصب للامارة أو القضاء شخصا أو أشخاصا كان أمده إلى زمان إمامته، وبعد وفاته وانتقال الامامة إلى من بعده بطل النصب وانعزل الولاة والقضاة. وفيها ما لا يخفى، فانه مع الغض عن أن مقتضى المذهب أن الامام إمام حيا وميتا وقائما وقاعدا أن النصب لمنصب سواء كان نصب الولاة أو القضاة أو نصب المتولي للوقف أو القيم على السفهاء والصغار لا يبطل بموت الناصب، فمن الضروري في طريقة العقلاء أن مع تغيير السلطان أو هيئة الدولة ونحوهما لا ينعزل الولاة والقضاة وغيرهم من المنصوبين من قبلهم، ولا يحتاجون إلى نصب جديد، نعم للرئيس الجديد عزل من نصبه السابق وتغييره، ومع عدمه تبقى المناصب على حالها. وفي المقام لا يعقل هدم الائمة اللاحقين عليهم السلام نصب الامام أبي عبد الله عليه السلام، لانه يرجع إما إلى نصب غير الفقهاء العدول وإرجاع الامر إليه - فمع صلاحية الفقهاء العدول كما يكشف عنها نصب أبي عبد الله عليه السلام إياهم لا يعقل ترجيح غيرهم المرجوح بالنسبة إليهم عليهم ولو كان عدلا إماميا، وقد تقدم أنه كالضروري لزوم كون الوالي عالما بالقوانين، والجاهل لا يصلح لهذا المنصب ولا لمنصب القضاء - أو إلى إرجاعهم إلى ولاة الجور وقضاته، وهو ظاهر الفساد، كالاهمال لهذا الامر الضرري الذي يحتاج إليه الامم، ولا يعقل بقاء عيشهم إلا بذلك، فمن نصبه الامام عليه السلام منصوب إلى زمان ظهور ولي الامر عليه السلام.

[ 481 ]

مضافا إلى أن من الضروري في الفقه أن نصبه باق، ولا زال تمسك الفقهاء بمقبولة عمر بن حنظلة لاثبات منصب القضاء للفقهاء، كما أن من فهم منها الاعم استدل بها لذلك، وهذا واضح. وهنا شبهة أخرى، وهي أن الامام عليه السلام وإن كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وولي الامر، وله نصب الولاة والقضاة لكن لم تكن يده مبسوطة، بل كان في سيطرة خلفاء الجور، فلا أثر لجعل منصب الولاية لاشخاص لا يمكن لهم القيام بأمرها، وأما نصب القضاة فله أثر في الجملة. وفيها - أنه مع وجود أثر في الجملة في جعل الولاية أيضا كما لا يخفى، فان جعل المرجع للشيعة يوجب رجوعهم إليه ولو سرا في كثير من الامور، كما نشاهد بالضرورة - أن لهذا الجعل سرا سياسيا عميقا، وهو طرح حكومة عادلة إلهية، وتهيئة بعض أسبابها حتى لا يتحير المتفكرون لو وفقهم الله لتشكيل حكومة إلهية، بل هو زائدا على الطرح بعث لهم إلى ذلك، كما هو واضح. ولقد تصدى بعض المتفكرين لطرح حكومة وتخطيطها في السجن لرجاء تحققها في الآتي، ووفق بعضهم لذلك حتى في عصرنا، فالرسول صلى الله عليه وآله عين خلفاء بخصوصهم، وهم الائمة الاطهار صلوات الله عليهم، وفي نصبهم وتعيينهم مصالح: منها تحقق أمة عظيمة بلغت في الحال بحمد الله إلى عدد كبير جدا، بل الغالب في العظماء من الانبياء وغيرهم الشروع في الطرح أو العمل من الصفر تقريبا. فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله قد قام بالرسالة ولم يؤمن به في أول تبليغه إلا طفل صغير السن عظيم الشأن وامرأة جليلة، ولكن قام باعباء الرسالة ونشر الدعوة عن عزم راسخ وإرادة قوية وقوة قدسية غير

[ 482 ]

آيس عن حصول مقصده، وجاهد وتحمل المشاق طيلة حياته حتى بلغ الامر إلى أن نشر الاسلام في العالم، وبلغت عدة المسلمين في الحال قريبا من سبعمائة مليونا، وسيزيد إنشاء الله، والله غالب على أمره. وأبو عبد الله عليه السلام قد أسس بهذا الجعل أساسا قويما للامة وللمذهب بحيث لو نشر هذا الطرح والتأسيس في جامعة التشيع وأبلغه الفقهاء والمتفكرون إلى الناس ولا سيما إلى الجوامع العلمية وذوى الافكار الراقية لصار ذلك موجبا لانتباه الامة والتفاتهم إليه، وخصوصا طبقة الشبان، فلعله يصير موجبا لقيام شخص أو أشخاص لتأسيس حكومة اسلامية عادلة تقطع أيادي الاجانب من بلاد المسلمين، واللازم على العلماء الاعلام والمبلغين أيدهم الله تعالى أن يقوموا بهذا الامر الحيوي ويزيلوا اليأس من قلوبهم وقلوب الطلاب والمحصلين وسائر الناس، فانه مبدأ الخمود والقعود عن الوصول إلى الحق. ومنها - صحيحة القداح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة - إلى أن قال -: وإن العلماء ورثة الانبياء، إن الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر) (1) وقريب منها رواية أبي البختري (2) مع اختلاف في التعبير. وقد وقع سهو في قلم النراقي (قده) في العوائد حيث وصف رواية أبي البختري بالصحة مع أنها ضعيفة، ولا يبعد أن يكون مراده صحيحة القداح وعند الكتب وقع سهو من قلمه الشريف. ثم إن مقتضى كون الفقهاء ورثة الانبياء - ومنهم رسول الله صلى الله


(1) أصول الكافي ج 1 ص 34. (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 2.

[ 483 ]

عليه وآله وسائر المرسلين الذين لهم الولاية العامة على الخلق - انتقال كل ما كان لهم إليهم إلا ما ثبت أنه غير ممكن الانتقال، ولا شبهة في أن الولاية قابلة للانتقال كالسلطنة التي كانت عند أهل الجور موروثة خلفا عن سلف. وقد مر أنه ليس المراد بالولاية هي الولاية الكلية الالهية التي دارت في لسان العرفاء وبعض أهل الفلسفة، بل المراد هي الولاية الجعلية الاعتبارية، كالسلطنة العرفية وسائر المناصب العقلائية، كالخلافة التي جعلها الله تعالى لداود (ع) وفرع عليها الحكم بالحق بين الناس وكنصب رسول الله صلى الله عليه وآله عليا (ع) بأمر الله تعالى خليفة ووليا على الامة، ومن الضروري أن هذه أمر قابل للانتقال والتوريث، ويشهد له ما في نهج البلاغة (أرى تراثي نهبا) (1) فعليه تكون الولاية أي كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما يرجع إلى الحكومة والامارة منتقلة إلى الفقهاء. نعم ربما يقال: إن المراد بالعلماء الائمة عليهم السلام، كما ورد (نحن العلماء) (2) وفيه ما لا يخفى، ضرورة أنه مع عدم القرينة يكون لفظ (العلماء) ظاهرا في الفقهاء غير الائمة عليهم السلام، فراجع ما ورد في العلماء والعالم والعلم، مع أن قوله عليه السلام في صحيحة القداح: (من سلك طريقا يطلب فيه علما) لا ينطبق على الائمة عليهم السلام بالضرورة، فهو قرينة على أنهم غير الائمة (ع). كما أن قوله في ذيل رواية أبي البختري (فمن أخذ بشئ منها فقد اخذ حظا وافرا) لا ينطبق عليهم سلام الله عليهم بالضرورة، فحينئذ يكون قوله عليه السلام: (فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فان


(1) نهج البلاغة - الخطبة الثالثة. (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 18.

[ 484 ]

فينا أهل البيت) الخ (1) أمرا متوجها إلى العلماء بأن علمهم لا بد وأن يؤخذ من معدن الرسالة حتى يصير العالم بواسطته وارثا للانبياء، وليس مطلق العلم كذلك، أو متوجها إلى الامة بأن يأخذوا علمهم من ورثة الانباء أي العلماء، وكيف كان لا شبهة في أن المراد بهم فقهاؤنا رضوان الله عليهم وأعلى الله كلمتهم. وأوهن منه ما قيل من أن وراثة الانبياء بما هم أنبياء لا تقتضي إلا تبيلغ إلاحكام، فان الوصف العنواني مأخوذ في القضية، وشأن الانبباء بما هم أنبياء ليس إلا التبليغ، نعم لو قيل: إنهم وارث موسى وابراهيم عليهما السلام مثلا صح الوراثة في جميع ما لهم. وذلك لان هذا التحليل خارج عن فهم العرف، ولا ينقدح في الاذهان من هذه العبارة إلا الوراثة من موسى وعيسى وغيرهم، سيما مع إتيان الجمع في الانبياء، فان الظاهر منه إرادة أفرادهم، ويكون العنوان مشيرا إليهم لا مأخوذا بنحو الموضوعية. ولو سلمنا ذلك فلا شبهة في أن ما ثبت لعنوان النبي (ص) في الكتاب والسنة لا بد وأن يورث، وقد قال الله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (2) ونحن لا نريد إلا إثبات وراثة هذا المعنى، إذ فيه جميع المطالب، وهذا واضح وجدا. كما أن عنوان الرسول والنبي في متفاهم العرف واحد وإن ورد الفرق بينهما في الروابات بأن (النبي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك، والرسول يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك) (3) ولا شبهة


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب صفات القاضي - الحديث 2. (2) سورة الاحزاب: 33 - الآية 6. (3) أصول الكافي - ج 1 ص 176.

[ 485 ]

في أن الوراثة ليست في هذا المعنى الذي في الروايات، ضرورة أن الفقهاء لم يكن منزلتهم كذلك، بل المراد في الرواية هو النبي المأمور بالابلاغ، وهو الرسول عينا، فحينئذ إذا ثبت شئ للرسول ثبت للفقيه بالوراثة، كوجوب الاطاعة ونحوها، فلا شبهة من هذه الجهة أيضا. والعمدة شهبة أخرى، وهي أن احتفاف الرواية بتعظيم العلماء بأن من سلك طريقا يطلب فيه علما كذا، وأن الملائكة بالنسبة إليهم كذا، وأن الموجودات يستغفرون لطالب العلم، وأن فضلهم كذا، وبقوله (ص): (إن الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر) ربما يمنع عن فهم عموم التوريث، وإن لا يبعد ولو لاجل المناسبات التي ذكرناها من قبل. وكيف كان لا يفهم منها انحصار إرث الانبياء في العلم أو الرواية، ضرورة أن للنبي صلى الله عليه وآله جهات شتى ورثها الائمة عليهم السلام، وقوله عليه السلام في رواية أبي البختري: (وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم) لا يراد به الحصر، بل المراد منه أنهم عليهم السلام أورثوا العلم بدل الدرهم والدينار، فالحصر لو كان إضافي، مع أن (انما) لا تدل على الحصر، بل لا تفيد إلا التأكيد والتثبيت، فتوهم ان هذا الحديث مناف لما سبق وهادم للولاية في غاية الفساد، للزوم أن يكون هادما لوراثة الائمة (ع) أيضا، وهو ضروي البطلان. مع أنه لا منافاة بينه وبين ما سبق، لان الاخبار السابقة دالة على النصب، كقوله صلى الله عليه وآله: (خلفائي) و (حصون الاسلام) و (أمناء الرسل) و (جعلته حاكما) فلو لم يكن إرثه إلا العلم ولم يورث غيره لكن كما أنه جعل الائمة عليهم السلام خلفاء ونصبهم للخلافة على الخلق أجمعين جعل الفقهاء خلفاء ونصبهم للخلافة الجزئية، والفرق بينهم (ع)

[ 486 ]

وبين الفقهاء من هذه الجهة هو الفرق بين السلطان وبين الامراء المنصوبين من قبله في الامصار. وبهذا يظهر أن جعل الخلافة للفقهاء لا يكون في عرض جعلها للائمة عليهم السلام كما توهم، فان لازم جعل أمير المؤمنين عليه السلام خليفة على الكل أنه ولي على قاطبة الخلق من غير استثناء، فهو ولي وأمير على الحسنين سلام الله عليهما وعلى الفقهاء وعلى سائر الناس، فإذا جعل الخلافة الجزئية للفقهاء لا يفهم منه إلا أنهم تحت سلطة الامير عليه السلام، لانه أمير على الكل، مع أن التقييد عقلا ونقلا من أسهل التصرفات. وبما ذكرنا يظهر الوجه في دلالة روايات أخر غير سديدة الاسناد كما عن الفقه الرضوي أنه قال: (منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء من بني إسرائيل) (1) وكان موسى على نبينا وآله وعليه السلام وكثير من الانبياء ممن لهم الولاية على بني اسرائيل. وكالرواية المروية عن جامع الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي، فأقول: علماء أمتي كسائر أنبياء قبلي) وعن عبد الواحد الامدي في الغرر عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (العلماء حكام على الناس) (2) وفي نسخة (حكماء) وهي خطأ وكرواية تحف العقول عن سيد الشهداء عن أمير المؤمنين عليهما السلام وفيها (مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه) (3) وهي وإن كانت مرسلة، لكن اعتمد على الكتاب صاحب


) (1) البحار - ج 78 ص 346. (2) و (3) المستدرك - الباب - 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 33 - 16.

[ 487 ]

الوسائل (قده) ومتنها موافق للاعتبار والعقل. وقد يقال: إن صدر الرواية وذيلها شاهد على أن المراد بالعلماء بالله الائمة عليهم السلام، وأنت إذا تدبرت فيها صدرا وذيلا ترى أن وجهة الكلام لا تختص بعصر دون عصر، وبمصر دون مصر، بل كلام صادر لضرب دستور كلي للعلماء قاطبة في كل عصر ومصر للحث على القيام بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر في مقابل الظلمة، وتعييرهم على تركهما طمعا في الظلمة أو خوفا منهم. ثم وجه كلامه عليه السلام إلى عصابة المسلمين بأن المهابة التي في قلوب الاعداء منكم (إنما هي بما يرجى عندكم من القيام بحق الله وإن كنتم عن أكثر حقه تقصرون، فاستخففتم بحق الائمة عليهم السلام - ثم جرى في كلامه عليه السلام إلى أن قال -: وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمة رسول الله محقورة، والعمى والبكم والزمنى في المدائن مهملة لا ترحمون - إلى أن قال -: وبالادهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون، كل ذلك مما أمر الله به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون، وأنتم أشد مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون، ذلك بأن مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلا بتفرقكم عن الحق) إلى آخرها مما هي وعظ ودستور لقاطبة المسلمين حاضرهم وغائبهم الموجود منهم ومن سيوجد. والعدول عن لفظ (الائمة) إلى (العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه) لعله لتعميم الحكم بالنسبة إلى جميع العلماء العدول الذين هم أمناء الله على حلاله وحرامه، بل انطباق هذا العنوان على غير الائمة أظهر، إذ توصيفهم عليهم السلام بذلك يحتاج إلى القرينة.

[ 488 ]

والظاهر من الخبر شموله لهم ولسائر العلماء في العصور المتأخرة للمناسبات التي هي عامة لجميع الاعصار، بل لا يبعد دعوى ظهور الرواية صدرا وذيلا في غير الائمة عليهم السلام. وتوهم أن العالم بالله له مقام فوق مقام الفقهاء فاسد، لان المراد بالعالم بالله ليس معنى فلسفيا أو عرفانيا، كما أن في صدر الرواية استشهد بقوله تعالى: (لولا ينهاهم الربانيون والاحبار) (1) والرباني عبارة أخرى عن العالم بالله، وكيف كان فمن نظر إلى الرواية وتعميم وجهة الخطاب فيها لا ينبغي له التأمل في ظهورها في المقصود. وبعد ثبوت كونهم ولاة لا مانع من التمسك بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله في كتب العامة والخاصة على ما قيل من أنه قال: (السلطان ولي من لا ولي له) (2) ومعلوم أن المراد السلطان العادل، ولو كان فيه إطلاق يقيد بما مضى. فتحصل مما مر ثبوت الولاية للفقهاء من قبل المعصومين عليهم السلام في جميع ما ثبت لهم الولاية فيه من جهة كونهم سلطانا على الامة، ولا بد في الاخراج عن هذه الكلية في مورد من دلالة دليل دال على اختصاصه بالامام المعصوم عليه السلام، بخلاف ما إذا ورد في الاخبار أن الامر الكذائي للامام عليه السلام، أو يأمر الامام بكذا وأمثال ذلك فانه يثبت مثل ذلك للفقهاء العدول بالادلة المتقدمة. ففي مثل ما وردت في باب الحدود كرارا من ذكر الامام كقول أبي عبد الله عليه السلام: (من أقر على نفسه عند الامام - إلى أن قال -:


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 63. (2) سنن البيهقي - ج 7 ص 105.

[ 489 ]

فعلى الامام أن يقيم الحد عليه) (1) أو قوله عليه السلام: (الواجب على الامام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحد، ولا يحتاج إلى بينة مع نظره، لانه أمين الله في خلقه) (2) وكما عن أبي جعفر عليه السلام (إذا شهد عند الامام شاهدان - إلى أن قال -: أمر الامام بالافطار) (3) إلى غير ذلك من الموارد المشتملة على لفظ الامام تكون أدلة ثبوت الولاية من قبلهم كافية في إثبات ذلك للفقيه، هذا مع الغمض عن الادلة الخاصة الدالة على الثبوت للفقيه، كما في الحدود وغيرها. ثم إنا أشرنا سابقا إلى أن ما ثبت للنبي صلى الله عليه وآله والامام عليه السلام من جهة ولايته وسلطنته ثابت للفقيه، وأما إذا ثبت لهم (ع) ولاية من غير هذه الناحية فلا، فلو قلنا بأن المعصوم عليه السلام له الولاية على طلاق زوجة الرجل أو بيع ماله أو أخذه منه ولو لم يقتض المصلحة العامة لم يثبت ذلك للفقيه، ولا دلالة للادلة المتقدمة على ثبوتها له حتى يكون الخروج القطعي من قبيل التخصيص. فحئنيد يقع الكلام في سهم الامام عليه السلام من الخمس، فانه بناء على كونه ملكا للامام عليه السلام لا دليل على ولاية الفقيه عليه، ولذا تشبثوا فيه بأمور غير مرضية، وادعى بعضهم العلم برضى الامام عليه السلام بتلك المصارف المعهودة لحفظ الحوزات العلمية ونحوها، وليت شعري كيف يحصل القطع بذلك؟ أفلا يحتمل أن يكون الصرف في بعض الجهات أرجح في نظره الشريف عليه السلام؟ كالصرف في رد الكتب الضالة الموجبة لانحراف المسلمين، سيما شبانهم، وكالصرف في الدفاع


(1) و (2) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب مقدمات الحدود - الحديث 1 - 3. (3) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 1.

[ 490 ]

عن حوزة الاسلام، إلى غير ذلك مما لا علم لنا به، فدعوى القطع لا تخلو من مجازفة. ثم لو فرض قطع الفقيه بالرضا لكنه لا يفيد ذلك لغيره، فان كل آخذ لا بد له في صحة تصرفه من القطع برضاه، وليس الامر مربوطا بالتقليد ونحوه كما هو ظاهر. ولكن الشأن في ثبوت المالكية لهم عليهم السلام، والذي يظهر لي من مجموع الادلة في مطلق الخمس سواء فيه سهم الامام عليه السلام أو سهم السادة كثر الله نسلهم الشريف غير ما أفادوا. أما في سهم السادة فلانه لا شبهة في أنهم مصرف له، لا أنهم مالكون لجميع السهام الثلاثة، ضرورة أن الفقر شرط في أخذه، والمراد به عدم واجدية مؤونة سنته حسب المتعارف وبعبارة أخرى إنه على الوالي أن يعطي السادة مؤونة سنتهم من السهام الثلاثة، فلو زادت عن مؤونتهم كانت للوالي، ولو نقصت عنها كان عليه جبران النقص من سائر ما في بيت المال، كما دل عليه الدليل، ولا شبهة في أن نصف الخمس يزيد عن حاجة السادة بما لا يحصى. وقد أشرنا سابقا إلى أن جعل الخمس في جميع الغنائم والارباح دليل على أن للاسلام دولة وحكومة، وقد جعل الخمس لاجل نوائب الحكومة الاسلامية، لا لاجل سد حاجات السادة حسب، إذ نصف خمس سوق كبير من أسواق المسلمين كاف لذلك، بل الخمس هو لجميع نوائب الوالي، ومنها سد حاجة السادة. ففي مرسلة حماد بن عيسى عن العبد الصالح عليه السلام قال: (وله - يعني للامام (ع) - نصف الخمس كملا، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لابناء سبيلهم، يقسم بينهم

[ 491 ]

على الكفاف والسعة ما يستغنون به في سنتهم، فان فضل عنهم شئ فهو للوالي، وإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وانما صار عليه أن يمونهم لان له ما فضل عنهم) (1) ونحوها غيرها. ومعلوم أن الزيادة التي ترجع إلى الوالي انما هي لسد نوائبه من جميع احتياجات الدولة الاسلامية، فعن رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى رضوان الله عليه عن تفسير النعماني باسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام (وأما ما جاء في القرآن من ذكر معايش الخلق وأسبابها فقد أعلمنا سبحانه ذلك من خمسة أوجه، وجه الامارة ووجه العمارة - ثم قال -: فأما وجه الامارة فقولة: واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين (2) فجعل لله خمس الغنائم) الخ (3) فترى كيف جعل الخمس بأجمعه من وجوه الامارة والولاية. كما أنه لا شبهة في أن السهام لا تقسم بين الطوائف الثلاث على السواء بل هو موكول إلى نظر الوالي، ففي صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام (فقيل له: أفرأيت إن كان صنف من الاصناف أكثر وصنف أقل ما يصنع به؟ قال: ذاك إلى الامام عليه السلام، أرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله كيف يصنع؟ أليس انما كان يعطي على ما يرى؟ كذلك الامام) (4).


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب قسمة الخمس - الحديث 1. (2) سورة الانفال: 8 - الآية 41. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 12. (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب قسمة الخمس - الحديث 1.

[ 492 ]

ثم إن الروايات التي وردت في تقسيم الخمس ستة أقسام (1) - وفي بعضها (فلا يخرج منهم إلى غيرهم) (2) - محمولة على الجعل التشريعي الابتدائي، أو على مورد قلة الخمس وعدم الكفاية، ولا ينافي ذلك ما ورد متكررا (أن سهم الله لرسول الله، وسهم رسول الله للامام) (3) أو أن الزائد يرجع إلى الوالي، والتقسيم بنظره، كما لا يخفى، هذا جملة من الكلام في سهم السادات. وأما في سهم الامام عليه السلام فلان المتفاهم من الكتاب والسنة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وكذا الائمة الطاهرين سلام الله عليهم أولياء التصرف في السهم كل في عصره، لا أنه ملك لهم، فقوله تعالى: (وأعلموا أنما غنتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى) الخ (4) ظاهر فيما ذكرناه عند التأمل، فانه لا إشكال في أن مالكيته تعالى للسهم ليست كمالكية زيد لثوبه أي المالكية الاعتبارية، ضرورة عدم اعتبار العقلاء الملكية بهذا المعنى له تعالى بحيث لو وكل رسول الله صلى الله عليه وآله ببيعه خرج عن ملكه ودخل ثمنه فيه، وهذا واضح. مع أن اعتبار الملكية الاعتبارية له تعالى ولرسول الله معا غير معقول لا عرضا ولا طولا، بل الطولية لا ترجع إلى محصل، ولتحقيقه مقام آخر، وقد ورد في الروايات (أن ما لله هو للرسول) (5). والملكية التكوينية التي قد تمور في بعض الالسن مورا مما لا صحة لها


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب قسمة الخمس - الحديث. - 2 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس. (4) سورة الانفال: 8 - الآية 41. (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس والباب - 1 - من أبواب الانفال.

[ 493 ]

في مثل المقام الذي هو مقام بيان حكم فقهي عقلائي، لا بيان الدقائق الفلسفية والعرفانية، مع أن القرائن قائمة على عدم إرادتها. وأما مالكية التصرف والاولوية من كل أحد فلا مانع من اعتبارها له تعالى عند العقلاء، بل يرى العقلاء أنه تعالى أولى بالتصرف في كل مال ونفس وإن كانت ماهية الاولوية أمرا اعتباريا، لكن اعتبار معقول واقع من العقلاء، فقوله تعالى: (فان لله خمسة) معناه أنه تعالى ولي أمره. فحينئذ إن حمل قوله تعالى: (وللرسول) على ولاية التصرف فلا إشكال فيه بحسب اعتبار العقلاء ولا بحسب ظواهر الادلة ولوازمها، ويؤكده وحدة السياق، ضرورة أن التفكيك خلاف الظاهر يحتاج إلى دلالة. وأما إن حمل على الملكية الاعتبارية بحيث يكون رسول الله (ص) مالكا نحو مالكيته الشخصية لثوبه وفرسه فمع أنه يسلتزم التفكيك المخالف للظاهر مخالف للنص والفتوى، فان كونه له بهذا المعنى لازمه التوريث لورثته، والاخبار المتظافرة تدل على أن ما لرسول الله (ص) للامام بعده. ففي صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام قال: (سئل عن قول الله: واعلموا أنما غنتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى، فقيل له: فما كان لله فلمن هو؟ فقال: لرسول الله، وما كان لرسول الله فهو للامام) الخ (1). وفي رواية أبي علي بن راشد قال: (قلت لابي الحسن الثالث عليه السلام: إنا نؤتى بالشئ فيقال: هذا كان لابي جعفر عليه السلام عندنا فكيف نصنع؟ فقال: ما كان لابي بسبب الامامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنة نبيه) (2) فالقول بكونه


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب قسمة الخمس - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الانفال - الحديث 6.

[ 494 ]

مالكا شخصا باطل جدا. ومنه يظهر بطلان القول بأن الرسول مالك بجهة الرئاسة والولاية إن كان المراد أن الولاية جهة تعليلية وواسطة في الثبوت، فان التوالي الفاسدة لازمة على هذا الفرض أيضا. بقي احتمال أن يكون المالك هو جهة الرئاسة لا نفس الرئيس، وانما الوالي ولي على هذا المملوك، وهو مع بعده في نفسه - فان هذا الاعتبار خصوصا إذا كان الوصف قائما بشخص واحد بعيد عن الاذهان يحتاج ثبوته إلى دلالة ناصة أو ظاهرة - موجب للتفكيك المخالف للظاهر أيضا، فان كونه لله ليس معناه مالكية جهة الرئاسة، ولو قيل: إن جهة الالوهية مالكة فهو أفحش مع لزوم تفكيك أفحش أيضا. مضافا إلى أن ذلك لا يوجب حفظ ظهور اللام في الملكية لو كان ظاهرا فيها كما قيل، ضرورة أنه على هذا الفرض ليس الرسول مالكا، بل الرئاسة مالكة، وانما الرئيس مالك التصرف، وهذا الاحتمال أيضا ضعيف. فبقي احتمال آخر، وهو أن الله تعالى ولي أصالة وحقا، والرسول ولي من قبله، وبعد رسول الله يكون الامام وليا من قبل الله أو من قبل رسوله، فالسهام الثلاثة في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله كانت تحت ولايته، فان في عصره لم يكن الامام عليه السلام وليا، وبعد ارتحاله صارت السهام تحت ولايته وتصرفه. فما في الروايات من أن (ما لرسول الله فهو للامام) (1) ليس المراد منه أنه في زمان رسول الله كذلك، بل المراد أن ما كان له صار بعد وفاته للامام، كما صرح به بعض الروايات، كرواية حماد بن عيسى


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب قسمة الخمس والباب - 1 - من ابواب الانفال.

[ 495 ]

الطولية، ففيها (فسهم الله وسهم رسول الله لاولي الامر من بعد رسول الله) (1) ولا ينافي ذلك قوله عليه السلام فيها: (وله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة وسهم مقسوم له من الله) ضرورة أن القسم الثالث للامام حال إمامته، لا حال إمامة غيره، ولهذا كان الاسهم جميعا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله للامام علي بن أبي طالب عليه السلام، لا للحسنين عليهما السلام، لانهما لم يكونا إمامين في عصره. ثم إن نكتة جعل السهام ثلاثة مع أن حكمها في جميع الاعصار واحد - ففي عصر رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن لسهم الله حكم غير ما لسهم رسول الله وكذا سهم الامام - لعلها بيان مقام ولاية الرسول وذوي القربى وتعظيمهم بأن جعل الله تعالى سهما لنفسه وسهما لرسول الله وسهما للامام بعده، وجعل رسول الله وليا على السهام كالامام في عصره. وأما تثليث سهام السادة فلبيان أن اليتامى والمساكين وأبناء السبيل من أهل البيت مصارف، ويكون ارتزاقهم منها، كبيان المصرف في الزكاة. وبالجملة من تدبر في مفاد الآية والروايات يظهر له أن الخمس بجميع سهامه من بيت المال، والوالي ولي التصرف فيه، ونظره متبع بحسب المصالح العامة للمسلمين، وعليه إدارة معاش الطوائف الثلاثة من السهم المقرر ارتزاقهم منه حسب ما يرى، كما أن أمر الزكوات بيده في عصره يجعل السهام في مصارفها حسب ما يرى من المصالح، هذا كله في السهمين. والظاهر أن الانفال أيضا لم تكن ملكا لرسول الله والائمة صلوات الله عليهم أجمعين، بل لهم ملك التصرف، وبيانه يظهر مما تقدم، فقوله


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب قسمة الخمس - الحديث 8.

[ 496 ]

تعالى: (يسألونك عن الانفال قل: الانفال لله والرسول) (1) أظهر من آية الخمس فيما ذكرناه، لعدم ذكر اللام في الرسول، وهو كالنص بأن ما لله وما للرسول على نحو واحد. ولا ريب في أن الله تعالى ولي في التصرف في الانفال، لا مالك لها كمالكية زيد لثوبه، وكذا الرسول بمقتضى العطف، وعليه فجميع ما ورد في الاخبار من (أن الانفال لرسول الله ولنا بعده) (2) يراد منه أنهم أولياء التصرف، ففي رواية حماد عن العبد الصالح عليه السلام في باب الانفال (وله أن يسد بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك مما ينوبه - إلى أن قال -: والانفال إلى الوالي) (3). والمسألة وإن لم يكن المقام محل بحثها، لكن لا ينبغي الشبهة في أن الانفال أيضا ليست ملكا شخصيا يرثها ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله أو ورثة الائمة عليهم السلام للذكر مثل حظ الانثيين، وهذا ضروري الفقه، ففي الانفال ونحوها تأتي الاحتمالات المتقدمة في السهم، والاظهر فيها ما تقدم، ومقتضى ولايته أن له أخذ بعض الانفال لنفسه لو اقتضت المصلحة. وعلى ذلك يكون الفقيه في عصر الغيبة وليا للامر ولجميع ما كان الامام عليه السلام وليا له، ومنه الخمس، من غير فرق بين سهم الامام وسهم السادة، بل له الولاية على الانفال والفئ، والتفصيل في محله. ثم إن المتحصل من جميع ما ذكرناه أن للفقيه جميع ما للامام عليه السلام إلا إذا قام الدليل على أن الثابت له عليه السلام ليس من جهة ولايته وسلطنته، بل لجهات شخصية تشريفا له أو دل الدليل على أن الشئ


(1) سورة الانفال: 8 - الآية 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث. - 4

[ 497 ]

الفلاني وإن كان من شؤون الحكومة والسلطنة لكن يختص بالامام (ع) ولا يتعدى منه، كما اشتهر ذلك في الجهاد غير الدفاع، وإن كان فيه بحث وتأمل. وليعلم أن كل ما ورد ثبوته للامام أو السلطان أو والي المسلمين أو ولي الامر أو للرسول أو النبي أو ما يشابهها من العناوين يثبت بأدلة الولاية للفقيه، نعم لا يثبت للفقيه ما شك في ثبوته للامام عليه السلام أو علم عدم ثبوته له، وقد عد بعض الاعلام (قده) موارد، وادعى عدم بثوتها لهم عليهم السلام، أو أنه مما شك فيه، وأكثر الموارد المذكورة ثابت لهم وللفقيه، لكونها من شؤون الحكومة والسلطنة أو القضاء. ثم إنه لو ثبت للقاضي بحسب الادلة شئ لا يكون من شؤون الحكومة ثبت ذلك للفقيه، لانه القاضي المنصوب من قبلهم عليهم السلام، والتفصيل والنظر في كل مورد يحتاج إلى تطويل الكلام، وهو خارج عن وضع الرسالة ثم إن الامور الحسبية - وهي التي علم بعدم رضا الشارع الاقدس باهمالها - إن علم أن لها متصديا خاصا أو عاما فلا كلام، وإن ثبت أنها كانت منوطة بنظر الامام عليه السلام فهي ثابتة للفقيه بأدلة الولاية، ومع الغض عنها لو احتمل أن إجرائها لا بد وأن يكون بنظر شخص كالفقيه العادل أو الشخص العادل أو الثقة فاللازم الاخذ بالمتيقن، وهو الفقيه العادل الثقة، وإن تردد بين المتباينين لا بد وأن يجرى بنظرهما. ولا يخفى أن حفظ النظام وسد ثغور المسلمين وحفظ شبانهم من الانحراف عن الاسلام ومنع التبليغات المضادة للاسلام ونحوها من أوضح الحسبيات ولا يمكن الوصول إليها إلا بتشكيل حكومة عادلة إسلامية، فمع الغض عن أدلة الولاية لا شك في أن الفقهاء العدول هم القدر المتيقن، فلا بد من

[ 498 ]

دخالة نظرهم، ولزوم كون الحكومة باذنهم، ومع فقدهم أو عجزهم عن القيام بها يجب ذلك على المسلمين العدول، ولا بد من استئذانهم الفقيه لو كان. ثم إن ما ذكرنا من أن الحكومة للفقهاء العدول قد ينقدح في الاذهان الاشكال فيه بأنهم عاجزون عن تمشية الامور السياسية والعسكرية وغيرها لكن لا وقع لذلك بعد ما نرى أن التدبير والادارة في كل دولة بتشريك مساعي عدد كبير من المتخصصين وأرباب البصيرة، والسلاطين ورؤساء الجمهور من العهود البعيدة إلى زماننا إلا ما شذ منهم لم يكونوا عالمين بفنون السياسة والقيادة للجيش، بل الامور جرت على أيدي المتخصصين في كل فن، لكن لو كان من يترأس الحكومة شخصا عادلا فلا محالة ينتخب الوزراء والعمال العدول أو صحيح العمل، فيقل الظلم والفساد والتعدي في بيت مال المسلمين وفي أعراضهم ونفوسهم. كما أن في زمان ولاية أمير المؤمنين عليه السلام لم يجر جميع الامور بيده الشريفة، بل كان له ولاة وقضاة ورؤساء الجيش ونحوهم، والآن ترى أن تمشية الامور السياسية أو العسكرية وتنظيم البلاد وحفظ الثغور كل موكولة إلى شخص أو أشخاص ذوي الصلاحية بنظرهم. ثم إنه قد يتخيل وقوع المعارضة بين أدلة جعل الولاية للفقيه وبين أمثال قوله صلى الله عليه وآله: (كل معروف صدقة) (1) وقوله صلى الله عليه وآله: (عونك الضيعف من أفضل الصدقة) (2) وقد تعرض الشيخ الاعظم (قده) لذلك وقال بعد تصديق المعارضة وكون النسبة بينهما عموما


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب فعل المعروف - الحديث 2 من كتاب الامر بالمعروف. (2) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب جهاد العدو - الحديث 2.

[ 499 ]

من وجه: (إن مثل التوقيع المبارك حاكم على تلك الروايات). ولكن التحقيق أن مثل تلك الروايات لا يراد بها مطلق المعروف مقابل المنكر حتى يدخل فيه جميع الراجحات حتى الصلاة والصوم وجميع ما للرسول والامام صلوات الله عليهما والفقهاء كي يلزم الهرج والمرج ويكون لكل أحد التدخل في شؤون الحكومة وفي أموال الناس إذا كان التصرف صلاحا وذا نفع. وبعبارة أخرى لا يراد من تلك الروايات ما يختل به نظام الفقه، بل المراد منها بعد كونها مستحبة بل أحكاما أخلاقية هو البعث إلى فعال الخير مثل البر والصلة بالنسبة إلى الاخوان المسلمين، ومثل ذلك لا يصلح للمعارضة مع أدلة الاحكام الالزامية، كقوله عليه السلام: (لا يحل مال إلا من وجه أحله الله) (1) أو قوله عليه السلام: (لا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه) (2) ومثل أدلة الولاية التي قطعت أيدي غير الفقهاء عن التصدي لها مع وجودهم. وأنت إذا راجعت أبواب المعروف ترى وضوح ما ذكرناه، ففي رواية عمر بن يزيد قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام: المعروف شئ سوى الزكاة، فتقربوا إلى الله عزوجل بالبر وصلة الرحم) (3) وفي رواية أبي بصير قال: (ذكرنا عند أبي عبد الله عليه السلام الأغنياء من الشيعة فكأنه كره ما سمع منا فيهم، فقال: يا ابا محمد إذا كان المؤمن غنيا وصولا رحيما له معروف إلى أصحابه أعطاه الله أجر ما ينفق في البر مرتين ضعفين) الخ (4).


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الانفال - الحديث 2 - 6. (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب فعل المعروف - الحديث 7 - 13 من كتاب الامر بالمعروف.

[ 500 ]

وفي غير واحد من الروايات (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) (1) حيث إن الظاهر منها أن المعروف عبارة عن إعطاء شئ زائدا على الزكاة أو أعم منه ومن التواصل والتعارف، فالروايات المذكورة أجنبية عن المورد ونحوه. ومما ذكرنا يظهر حال قوله صلى الله عليه وآله: (عونك الضيعف من أفضل الصدقة) ضرورة أن مثل ذلك الحكم الاخلاقي الاستحبابي لا يصلح للمعارضة مع أدلة الاحكام الالزامية، مثل (لا يحل مال) ونحوه، ولا مثل أدلة الولاية، وهو واضح. ثم لو سلمنا كون المراد بالمعروف النطاق الواسع منه فالظاهر أن النسبة بينه وبين أدلة الولاية العموم المطلق، لان كل ما يتولى الفقيه فهو من المعروف، وبعض المعروف ليس مما يتولى الفقيه بعنوان الولاية والفقاهة، كصلة الرحم ونحوها، وخروج بعض الموارد كالقضاء بالدليل لا يوجب انقلاب النسبة مع أن الخروج غير مسلم عند بعض. ولو سلم كون النسبة عموما من وجه لكن تقدم أدلة الولاية على قوله صلى الله عليه وآله: (كل معروف صدقة) إما لخروج موضوعه عن كونه معروفا بأدلتها، لان تصرف غير الولي في شؤون الولاية من المنكرات، أو لاجل أن مثل هذه الاخبار لا تتعرض لفاعل المعروف، وانما يستفاد ذلك من إطلاقها، وبعد ورود التحديد والتقييد يقدم ذلك عليها. كما أن أدلة ولاية الفقيه على الضعيف مثل الصغير والمجنون ونحوههما يخرج الموضوع عن كونه ضعيفا، فان المتفاهم من عون الضعيف أنه لما لم يقدر على فعل كذائي ولم يكن له من يتكفله فعونه راجح، فالحاكم رسولا كان أو إماما أو فقيها ولي أمره، فيخرج عن الضعيف المنظور


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب فعل المعروف - الحديث 6 و 9 و 12.

[ 501 ]

في مثل الرواية، أو يخرج عن الحكم بعد جعل الله تعالى عونا له، كما لا يراد به التصرف في مال الصغير الذي له ولي، كالاب والجد، والامر سهل بعد وضوح المطلب. مسألة: لو فقد الفقيه أو لم يمكن الوصول إليه أو الاستجازة منه فلا إشكال في جواز بعض التصرفات لعدول المؤمنين، لكن يقع الكلام في حدود التصرفات الجائزة، وفي كون العادل حينئذ وليا، كما أن الفقيه ولي أو لا ومحصل الكلام فيه أن البحث قد يقع في الحسبيات، أي ألتي لا يرضى الشارع الاقدس باهمالها وتكون مطلوبة مطلقا، وقد يقع في مقتضى الاخبار الخاصة. أما الاول فان أحرز عقلا أو بالادلة الشرعية أن الشئ الفلاني مطلوب مطلقا ولم يكن لنظر شخص دخالة فيه فلا إشكال في وجوبه كفاية على كل مكلف ولو كان كافرا، وإذا تحقق سقط عن غيره، ونظيره في التكاليف إنقاذ الغريق، وإن كان نظر شخص أو أشخاص دخيلا فيه فان أحرز بدليل أن للشخص الفلاني أو الصنف الفلاني النظر خاصة يتبع الدليل، ومع فقده فان أحرز أن نظره بنحو الاطلاق شرط سقط التكليف بفقده، وإن أحرز أن فقده لا يوجب السقوط والمطلوبية فان أحرز حينئذ أن النظر لا يختص بشخص أو صنف فالباقون على السواء في توجه التكليف إليهم، وإن أحرز دخالة نظر أحد بخصوصه يتبع، وإن احتمل دخالة نظر ودار الامر بين الاقل والاكثر يؤخد بالقدر المتيقن كما لو احتمل أن نظر الفقيه أو العادل أو المسلم دخيل، فالمسلم العادل الفقيه

[ 502 ]

متيقن، وان دار الامر بين المتباينين لا بد وأن يجتمع نظرهما، فمع الاجتماع يصح التصرف، ولو فقد أحدهما فان أحرز عدم السقوط قام الآخر بالامر، وإن فقد أيضا وأحرز عدم السقوط قام غيره إلى أن تصل النوبة إلى الكافر، وهنا احتمالات ناشئة من عدم إحراز السقوط في مورد أو موارد لا يهمنا التعرض لها. ثم إن في الحسبيات المذكورة لا دليل على نصب الشارع للتصدي لما ذكر حتى يكون كل متصد لذلك بحكم العقل أو الشرع وليا منصوبا من قبل الشرع، بحيث يترتب على ولايته ما يترتب على ولاية الفقيه من نصب غيره وعزله إلى غير ذلك. بل لا يستفاد من البيان المتقدم إلا وجوب تصديه وعدم جواز إهماله فإذا انحصر دليل ولاية عدول المؤمنين عليها بذلك لا يستفاد منه ولايتهم عليها عند فقد الفقيه الذي هو ولي الامر، كما أنه لو يتم دليل ولاية الفقيه لم يثبت في الحسبيات ولايته عليها. وأما الثاني أي مقتضى الاخبار الخاصة فلا بد من ذكرها وبيان مقدار دلالنها ليتضح الامر. فمنها - صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: (مات رجل من أصحابنا ولم يوص، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصير عبد الحميد القيم بماله، وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي، لانهن فروج، قال: فذكرت ذلك لابي جعفر عليه السلام، وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا ولا يوصي إلى أحد، ويخلف جواري، فيقيم القاضي رجلا منا ليبيعهن، أو قال: يقوم بذلك رجل منا، فيضعف قلبه، لانهن

[ 503 ]

فروج، فما ترى في ذلك؟ فقال: إذا كان القيم به مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس) (1). ورواها الشيخ (قده) نحوها إلا أنه قال: (فصير عبد الحميد ابن سالم القيم بماله). والمحتمل من القيم في قوله: (فصير عبد الحميد القيم بماله) هو القيم بالمعنى المصطلح، أي نصبه قيما لذلك، وكذا في قوله عليه السلام: (إذا كان القيم به مثلك) فعلى هذا الاحتمال لا تدل الرواية على جعل مثل عبد الحميد منصوبا لتكفل أمر الصغار، بل الظاهر منها أن من شرائط نصب القيم أن يكون متصفا بما اتصف به محمد بن اسماعيل وعبد الحميد، ففرق بين قوله: (مثلك قيم) أو (إذا كان القيم مثلك لا بأس) فكأنه عليه السلام أنفذ نصب قاضي الكوفة، لا أنه جعل مثلهما منصوبا. فحينئذ إن فهمنا منها أن الانفاذ متعلق بعنوان كل منصوب من قبل قضاتهم إذا كان مثلهما تدل على جعل المنصب ولو إنفاذا لكل منصوب من قبلهم، من دون نصب منه بنفسه لمثلهما، فلا يستفاد منها ما هو المقصود، بل ولا جواز تصرف مثلهما في أموال الصغار، مع أن المحتمل إنفاذه في تلك القضية الشخصية لو لم نقل بأنه ظاهرها بملاحظة صدرها وذيلها، تأمل. ويحتمل أن يكون المراد من قوله: (فصير) الخ الاقامة بأمر البيع أي جعله متصديا للبيع، فقوله عليه السلام: (لا بأس به) إجازة لمثلهما في البيع، لا نصب وجعل ولاية منه حتى يكون مثلهما وليا كالفقيه ليكون له نصب غيره وعزله، ولا يكون التصدي من قبيل الحسبيات حتى لا يجوز التصدي إلا مع الضرورة.


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب عقد البيع - الحديث 2.

[ 504 ]

نعم من ترك الاستفصال في المورد يمكن استفادة جواز تصدي البيع ولو لم يصل إلى حد الضرورة، لكن لا يلزم منه الولاية بالمعنى المذكور فغاية الامر استفادة جواز التصرف لمثلهما لا الولاية على الصغير أو على أموره وكذلك الامر على الشق الثاني من السؤال وهو قوله: (أو قال: يقوم بذلك رجل منا) والظاهر أن أحمد بن محمد بن عيسى الراوي عن محمد بن اسماعيل كان مرددا في رواية محمد بين قوله: (فيقيم القاضي) وقوله: (يقوم بذلك رجل منا). وكيف كان لا يستفاد منه أيضا النصب وجعل الولاية، بل غاية الامر دلالته على جواز التصرف بيعا وشراء ونحوهما لمثلهما ولو لم يبلغ حد الضرورة. ولكن استفادة عموم الحكم موقوفة على احراز كونه بصدد الاجازة مطلقا أو في مقام بيان الحكم الكلي الشرعي، وهما محل إشكال في المورد لان ظهور كلام الامام عليه السلام في بيان الحكم الشرعي انما يكون في غير ما كانت الاجازة فيه بيده، كما لا يخفى على المتأمل، وعموم الاجازة أيضا غير محرز، وعلى فرضه فبقاؤها بعد رحلته عليه السلام محل كلام، لان إلاجازة غير جعل المنصب، فلا بد في بقائها من دليل. ثم إن الظاهر من قوله: (فيقيم القاضي رجلا منا ليبيعهن) هو الاحتمال الثاني، إذ لا معنى للنصب والولاية للبيع، بل ظاهر قوله:

[ 505 ]

(فصير عبد الحميد القيم بماله) ذلك أيضا، للفرق بين (القيم على الشئ) (والقيم به) فيظهر من صدرها وذيلها أن القاضي أمره بالبيع وجعله قائما بأمره لا القيم على الصغار أو المال، كالقيم على الوقف لو كان له اعتبار صحيح في مثل المال الذي أراد بيعه، فان اعتبار التولية ونصب الولي في مثله محل إشكال لو لم نقل إنه محل منع، مع أن الترديد في سؤال محمد بن اسماعيل يمنع عن الاخذ بأحد الطرفين، فلا يظهر من الرواية إلا جواز تصدي مثلهما للبيع. ثم إن المتيقن من مورد الجواز هو استجماع صفاتهما الاحتمالية التي يحتمل دخلها في الاجازة، كالتشيع والفقاهة والعدالة والوثاقة - إن كان بينهما افتراق - وحسن التدبير وغاية الاحتياط في العمل وغيرها. وما قيل من أن الامر دائر بين الاحتمالات غير وجيه، ضرورة أن التشيع أو الفقاهة أو حسن التدبير صرفا لا يعقل أن يكون مورد الاجازة ولو مع اتصافه بالخيانة والظلم، واحتمال كفاية العدالة والوثاقة لا يوجب الحكم بالجواز بعد احتمال دخالة غيرهما بنحو جزء الموضوع. وليس المقصود إثبات الفقاهة لمحمد و عبد الحميد حتى يقال: إن عبد الحميد ليس صاحب كتاب، بل المقصود احتمال كونه فقيها، وعدم ذكر الكتاب له أو عدم كونه ذا كتاب أو أصل لا يدل على سلب الفقاهة عنه، بل كونه صاحب كتاب لا يدل على الفقاهة، نعم لو كان لشخص كتب في الابواب المختلفة وقدم راسخ في الفقه يثبت به فقاهته. وكيف كان لا دليل على عدم فقاهة عبد الحميد أو ابن بزيع، ومع الاحتمال لا دليل على الجواز بدونها. وما أفاده الشيخ الاعظم (قده) - من أن احتمال الفقاهة مناف لاطلاق المفهوم الدال على ثبوت البأس مع عدم الفقيه ولو مع تعذره - غير ظاهر، فانه

[ 506 ]

مع ورود الاشكال في احتمال العدالة أيضا - فان الاطلاق دال على ثبوت البأس في تكفل الفاسق ولو مع تعذر العادل، وهو خلاف الواقع - أن مفروض الواقعة حال وجود الفقيه بل والامام عليه السلام، وفي مثله لا يكون العادل جائز التصرف، مع أن إطلاق السؤال وترك الاستفصال دليل على أن البيع لم يكن ضروريا ومن الحسبيات التي لا يجوز أن تهمل، بل ويجب إقدام العادل عليها مع فقد الفقيه، مضافا إلى أن الاطلاق يقتضي المنع مع وجود الفقيه وتعذره، وهو قابل للتقييد عند التعذر في الحسبيات. وكيف كان مع احتمال كونهما فقيهين عادلين لا مجال لاستفادة الجواز لمطلق العدول، ومع احتمال كونهما محتاطين غاية الاحتياط أو كونهما مدبرين دقيقي النظر في المعاملات لا يصح إثبات الجواز للفقيه العادل إلا مع استجماعه للاوصاف المحتملة. ومنها - صحيحة إسماعيل بن سعد الاشعري قال: (سألت الرضا عليه السلام عن رجل مات بغير وصية، وترك أولادا ذكرانا وغلمانا صغارا، وترك جواري ومماليك، هل يستقيم أن تباع الجواري؟ قال: نعم - إلى أن قال -: وعن الرجل يموت بغير وصية وله ورثة صغار وكبار أيحل شراء خدمه ومتاعه من غير أن يتولى القاضي بيع ذلك، فان تولاه قاض قد تراضوا به، ولم يستأمره الخليفة، أيطيب الشراء منه أم لا؟ فقال: إذا كان الاكابر من ولده معه في البيع فلا بأس به إذا رضي الورثة بالبيع وقام عدل في ذلك) (1). ويأتي فيها ما تقدم في رواية ابن بزيع من احتمال نصب شرعي أو إجازة شرعية إلهية أو نصب سلطاني إو إجازة منه، نعم لا يحتمل فيها إجازة شخصية، لان الظاهر من السؤال والجواب هو التكليف الكلي


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب عقد البيع - الحديث 1.

[ 507 ]

وأما احتمال النصب بالنسبة إلى نفس الصغير فلا وجه له لا فيها ولا في غيرها من الروايات، كما أنه لا ظهور لها ولا لغيرها إلا في أصل الجواز، لا النصب بالنسبة إلى المال أيضا لو كان للنصب وجه صحة بالنسبة إليه. نعم يحتمل فيها كغيرها أن يكون الجواز حكما شرعيا، وأن يكون إجازة من الامام عليه السلام، وقد مر أن لا ظهور لكلامه في بيان الحكم الالهي في مثل المقام الذي كان له ولاية أمره، بل هو محتمل، كما أن الاجازة السلطانية أيضا محتملة. ثم إن في قوله عليه السلام: (إذا كان الاكابر من ولده معه) الخ احتمالين: أحدهما - رجوع ضمير (معه) إلى القاضي الذي تراضوا به، ويكون المراد أن القاضي المذكور إذا باع بمحضر عدل لا بأس به، فتدل على لزوم نظارة العدل في البيع، أما جواز استقلاله لذلك فلا، إلا أن يقال: إن القاضي الجائر لا دخالة لفعله في الصحة، فهي ناشئة من نظر العدل محضا، فتدل الرواية التزاما على الصحة لو أوقعه بنفسه، وله وجه لو دلت على أن العدل رضي بذلك، وهو محل تأمل. وثانيهما - رجوع الضمير إلى المشتري، ويكون المراد إلغاء عمل القاضي، وتوقف الصحة في قمسة الاكابر على رضاهم وفي قسمة الصغير على قيام العدل في البيع، أي يكون البيع برضا الكبير والعدل، فتدل على أن فعل العدل نافذ في حصة الصغير، فتتم الدلالة، وهذا أوفق بمناسبة الحكم والموضوع. ومنها - موثقة سماعة قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية، وله خدم ومماليك وعقد (1) كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: إن


(1) العقد جمع العقدة: الضيعة.

[ 508 ]

قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس) (2) وفي نسخة التهذيب (فأسهم) بدل (قاسمهم) فيه أيضا لا تدل إلا على جواز التقسيم أو الاسهام من غير دلالة على الولاية على الصغير أو على ماله، ولا الدلالة على كون الجواز حكما إلهيا أو إجازة منه عليه السلام، فيأتي في جميع الروايات ما مر من الكلام في بقاء إجازته بعد إرتحاله. ثم إنه لو أحرز كون الحكم شرعيا إلهيا أو أحرز كونه سلطانيا وقلنا ببقائه بعد رحلته فلا إشكال، وكذا لو تردد بينهما وعلم ببقائه حتى على فرض كونه سلطانيا، وكذا لو علم أنه سلطاني وشك في بقائه لجريان الاستصاحب على العنوان، وأما لو تردد بينهما وعلمنا ببقائه على فرض كونه شرعيا وعدم بقائه على الفرض الآخر أو شك في بقائه على هذا الفرض فالظاهر عدم جريان استحصاب الكلي، لان الجامع المتيقن ليس حكما شرعيا ولا سلطانيا ولا موضوعا ذا أثر شرعي، وكذا استصحاب الفرد المردد لذلك الوجه بعينه، ولان الشك ليس في بقاء الفرد المردد بل في بقاء ما شك في حدوثه. فتحصل من جميع ذلك أن لا دليل على ولاية العدل أو الثقة ولا على جواز تصرفه في مال الايتام في زمان الغيبة إذا لم يكن الامر من الحسبيات، واما فيها فله التصرف مع فقد الفقيه واتصافه بما يحتمل دخالته في الجواز. ثم إن مقتضى صحيحة إسماعيل اعتبار العدالة، ومقتضى موثقة سماعة إعتبار الوثاقة، فان قلنا، بأن اعتبار العدالة إنما هو في البيع والشراء وسائر التصرفات الناقلة واعتبار الوثاقة إنما هو في مثل التقسيم وتمييز


(1) الوسائل - الباب - 88 - من كتاب الوصايا - الحديث 2 وفيه (قال: سألته...)

[ 509 ]

المشتركات فلا إشكال. وأما إن قلنا بأن المستفاد من كل من الدليلين اعتبار الوصف في كل التصرفات فهل الاعتبار بالوثاقة، وانما ذكرت العدالة لاجل ذلك ولو بالمناسبة في المقام، أو أن الاعتبار بالعدالة، والوثاقة بنحو الاطلاق إذا نسبت إلى الشخص تكون مساوقة للعدالة - وربما قيل: إن الوثاقة مستعملة في الروايات في العدالة - أو أن الوثاقة والعدالة أخذتا على نحو الطريقية إلى حصول التصرف حسب مصلحة الصغير، ولا تكونان معتبرتين على نحو الموضوعية؟ وجوه: أردؤها الاخير، فان ذلك يؤدي إلى الهرج والمرج، مضافا إلى عدم الدليل عليه حتى يمكن الخروج عن مقتضى القواعد والادلة لاجله. كما أن دعوى ان الوثاقة هي العدالة بلا بينة - سيما في المورد الذي كان الموضوع فيه الجهات المالية، فانها فيها بمعنى كونه معتمدا عليه، كما أن الامر كذلك عرفا ولغه، ودعوى استعمالها في الروايات بمعنى العدالة - غير وجيهة. نعم قد أطلق الثقة على مثل زكريا بن آدم أو العمري وابنه الذين هم عدول وثقات، لكن لا دلالة لذلك على استعمال الثقة في العدل الامامي بل أطلقت بمعناها الذي هو كون الشخص معتمدا عليه، وكون المورد عادلا ككونه وكيلا من الناحية لا يوجب استعمال اللفظ في غير معناه. كما أن رفع اليد عن ظهور صحيحة اسماعيل بن سعد في دخالة العنوان لا وجه له إلا بعض الاعتبارات التي لا يمكن الركون إليها، فعليه يقع التعارض بين قوله عليه السلام: (فلا بأس به إذا رضي الورثة وقام عدل في ذلك) كما في الصحيحة وبين قوله عليه السلام: (إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس) كما في الموثقة، نظير التعارض بين قوله

[ 510 ]

عليه السلام: (إذا خفي الاذان فقصر) (1) و (إذا خفي الجدران فقصر) (2). والظاهر أن مفهوم قوله عليه السلام في صحيحة إسماعيل: (وقام عدل في ذلك) نظير مفهوم الشرط أيضا أو عينه ولو بحسب العرف العام ومناسبته لقوله عليه السلام: (إذا كان الاكابر من ولده) وكذا قوله عليه السلام: (إذا رضي الورثة) ضرورة تعليق الحكم فيهما، بل في المنجد إن (إذا) ظرف للمستقبل متضمن معنى الشرط. فحينئذ إن كانت العدالة أخص من الوثاقة يمكن التقييد، فتصير النتيجة اعتبار العدالة، وإن كان بينهما العموم من وجه ولو بحسب مقام الاثبات - حيث جعل الشارع ظهور الصلاح أمارة تعبدية للعدالة ولو لم يحصل بها الظن فضلا عن الوثوق - فيأتي فيه ما فصل في الاصول في باب تعدد الشرط ووحدة الجزاء. ولو سلم عدم المفهوم لصحيحة اسماعيل ووجوده في موثقة سماعة بناء على المفهوم في الشرط يقع التعارض بين ظهور أخذ عنوان العدالة في الموضوعية وبين حصر الموضوع في الثقة بناء على أن بين العناوين عموما من وجه. وبالجملة يكون في الموثقة دلالات ثلاث ومداليل ثلاثة: أصل الدخالة، وكون الثقة تمام الموضوع لاجل الاطلاق، وكون الموضوع منحصرا، وفي الصحيحة دلالتان: أصل الدخالة وكونها تمام الموضوع للاطلاق، ولا تعارض بينهما في أصل الدخالة ولا في تمامية الموضوع، بل التعارض بين الحصر اللازم منه نفي دخالة العدل فضلا عن كونه تمام الموضوع وبين


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب صلاة المسافر - الحديث 3 - 1 وكلاهما نقل بالمضمون.

[ 511 ]

ثبوت دخالة العدل. فحينئذ إن قلنا بأن الدلالة على الحصر دلالة وضعية لفظية ويقدم ذلك على ظهور الفعل أي ظهور أخذ العنوان في الموضوع في الدخالة يرفع اليد عن ظهور مفاد الصحيحة، ويحمل العدل على الثقة ويقال: إنه مأخوذ بما أنه ثقة، فيكون الموضوع هو الثقة، وكذا إن قلنا بأن الظهورين متكافئان، فان دلالة الموثقة على الحصر ودلالة الصحيحة على اعتبار العدالة تسقطان بالمعارضة، وتبقى دلالة الموثقة في دخالة الثقة، وكونها تمام الموضوع بحالها. وإن قلنا بأن الدلالة على الحصر باطلاق أداة الشرط أو الشرط أو الجزاء فان قلنا بتقدم ظهور أخذ العنوان في الموضوعية وكونه بيانا يرفع به موضوع الاطلاق يؤخذ بالصحيحة في موضوعية العدالة. وأما الموثقة فان قلنا بأن الاطلاق قابل للتفكيك بالنسبة إلى مقتضياته يرفع اليد عن اقتضائه الحصر ويؤخذ بمقتضاه بالنسبة إلى تمام الموضوعية، فتكون العدالة تمام الموضوع، والوثاقة أيضا تمام الموضوع، كموضوعية كل من الجريان والكرية للاعتصام وما جرى من قلم بعض الاعلام (قده) من أن أمثال ذلك لا بد فيها من الالتزام بالجامع لا يصغى إليه، لكون المقام أجنبيا عن القاعدة العقلية. وإن قلنا بعدم التفكيك تحمل الموثقة على أن المراد بالثقة هو العدل، هذا كله مع الغض عن أدلة العلاج في المتعارضين، وإلا فالظاهر الترجيح للصحيحة، لذلك ولشهرة موضوعية العدل ظاهرا. ثم إن مفاد الروايات المربوطة بالعدل والثقة هو التصرف في مال اليتيم بيعا وقسمة، فهل يصح إسراء الحكم إلى نفس اليتيم وإلى المجنون نفسا ومالا والى الغائب والمحجور عليه؟ الظاهر هو العدم، أما على احتمال إنشاء الاجازة بنفس قوله عليه السلام: (لا بأس به) فلان

[ 512 ]

الاجازة والانشاء لموضوع لا تكون إجازة لموضوع آخر مغائر له، وما قرع الاسماع من إلغاء الخصوصية ليس هذا مورده. وكذا على القول بأن ذلك كاشف عن إجازة سابقة، فان الموضوع الخاص لا يكشف عن موضوع أعم أو أجنبي. والظن بعدم الفرق بين النفس والمال أو بين المجنون ومثله وبين الصغير غير مغن عن الحق، ودعوى القطع عهدتها على القاطع، وأنى لنا القطع بذلك. بل وكذا على القول بأنه حكم إلهي، فان غاية ما يمكن دعواه هو إلغاء الخصوصية بالنسبة إلى سائر التصرفات غير البيع والقسمة كالاجارة والمضاربة ونحوها، أو بالنسبة إلى اليتيم وإسراء الحكم إلى صغير جن والده، أو حجر عليه، وأما بالنسبة إلى نفس الصغير فلا فضلا عن إسراء الحكم إلى غيره من المجنون والغائب ونحوهما، فان ذلك قياس لا نقول به. ثم إن أدلة ولاية الفقيه لا تنافي ولاية العدل أو جواز تصرفه بلا ولاية إن استندنا فيها إلى ما لا تدل إلا على جعل الولاية له، كقوله صلى الله عليه وآله: (الفقهاء أمناء الرسل) (1) أو (حصون الاسلام) (2) فان جعل الولاية في أمر أو أمور للفقيه لا ينافي جعلها لغيره، أو إجازة التصرف له وإن استندنا إلى قوله عليه السلام: (فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا) (3) فان قلنا بأن دلالة الهيئة على التعيينية دلالة لفظية وضعية أو اللفظ منصرف إليها يقع التخالف بينه وبين ما دل على جواز تصرف العدل والثقة، لكن المبنى ساقط، مع أنه قابل للجمع كما يأتي.


(1) المتقدم في ص 472. (2) المتقدم في ص 470. (3) المتقدم في ص 474.

[ 513 ]

وإن قلنا بأن مقتضى الاطلاق حملها عليها يكون دليل تصدي العدل بيانا يرفع به موضوع الاطلاق، مع أن المبنى أيضا غير وجيه. وإن قلنا بأن البناء على التعيينية ونحوها كالعينية والنفسية من أجل تمامية الحجة عقلا أو عند العقلاء كما قررنا في الاصول فمع بيان من المولى ولو منفصلا يرتفع موضوع الاحتجاج، سواء كان بين الدليلين عموم من وجه أو التساوي أو غيرهما. وإن استندنا إلى ما دل على الحصر، كقوله عليه السلام: (مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله) (1) حيث دل ولو بالمناسبات على الحصر، ويمكن تقريب الحصر في مثل قوله صلى الله عليه وآله: (خلفائي) (2) أو (ورثة الانبياء) (3) بأن يقال: إن مقتضى الخلافة والوراثة ثبوت كل ما كان للنبي صلى الله عليه وآله له إلا ما دل الدليل فيه على خلافه، فإذا قال: (علي عليه السلام خليفتي) يكون مقتضاه أن كل ما ثبت للنبي صلى الله عليه وآله ثبت له، ومما ثبت له حصر الولاية به في عصره، ولازمه النفي عن غيره، فحينئذ مقتضى خلافة الفقهاء ووراثتهم حصر الولاية بهم ونفي ثبوتها لغيرهم، ولازم حصرها بهم حصر كل ما هو من شؤون الولاية بهم، ومنها التصرف والتصدي لامر الصغار، فيقع التعارض بينهما وبين ما دل على ثبوت ذلك للعدل. لكن الذي يسهل الخطب أن بين الدليلين عموما مطلقا، لان الثابت للفقيه كل التصرفات الثابتة للوالي، ومنها التصرف في مال الايتام، ولازم الحصر نفي جميع ذلك عن غيره، وما دل على ثبوت التصرف الخاص للعدل يخصص عموم الحصر أو يقيد إطلاقه، كما أن عموم ولاية الفقية


(1) المتقدم في ص 486. (2) المتقدم في ص 467. (3) المتقدم في ص 482.

[ 514 ]

مخصص بأدلة ولاية الاب والجد، فكما أن عموم ولايته أو إطلاقها قابل للتخصيص والتقييد كذلك إطلاق الحصر أو عمومه، ففي المقام ثبت الولاية للفقيه وجاز التصرف للعادل بناء على ثبوت الحكم للعدل في زمان الغيبة لكن قد عرفت الاشكال فيه. ثم إنه هل يجوز مزاحمة عدل للآخر؟ لا بأس بتفصيل الكلام في صور المزاحمة: منها - مزاحمة فقيه لفقيه آخر، ولا بد من فرض الكلام كبرويا، أي جواز المزاحمة وعدمه في موارد تحققها، وأما التكلم في حصول المزاحمة في بعض الموارد وعدمه أو الشك في الموضوع فهو خارج عن البحث، وصور المزاحمة كثيرة جدا بعد ثبوت الولاية المطلقة للفقيه، نظير ما إذا نصب المتولي للوقف أو القيم للصغار، فهل للآخر ضم آخر إلى المنصوب أو عزل ما نصبه الآخر ونصب غيره أو لا؟ ولو أخذ فقيه الاخماس والزكوات وجعلها في مكان فهل للآخر التصرف فيها بلا إذن الاول وبسطها في محالها؟ وهكذا في سائر موارد المزاحمة. وأما ما أفاده الشيخ (قده) وغيره - من مثال المزاحمة بأن دخل فقيه في مقدمات فعل ووضع يده عليه هل للآخر مباشرة نفس الفعل الذي لم يقع من الاول؟ - فالظاهر أنه ليس من باب المزاحمة، لان الثاني لم يزاحم الاول في وضع يده، ولا في سائر المقدمات، ومباشرة نفس البيع الذي لم يتكفله الآخر ليس مزاحمة لا في المقدمات ولا في ذي المقدمة، بخلاف ما ذكرناه من الامثلة، فانها من باب المزاحمة كما لا يخفى. ثم إنه لا إشكال في عدم الاشكال الثبوتي في المقام، فان مزاحمة أحد الفقيهين للآخر ليست كمزاحمة الرسول صلى الله عليه وآله والامام عليه السلام التي يكون جوازها مخالفا للمذهب، فلو ورد دليل ظاهره ذلك لا بد وأن

[ 515 ]

يأول أو يطرح، إلا أن يقال: إن للرسول صلى الله عليه وآله أو الامام عليه السلام أن يجيز مزاحمته في بعض الامور، ففي الحقيقة لا يكون ذلك مزاحمة، بل الاجازة تخرجه عن المخالفة، وكيف كان لو دل دليل على جواز مخالفة الفقيه لا مانع من العمل به، لكن الشأن في ذلك. وإجمال الكلام أن المستند لولاية الفقهاء لو كان ما دل على نيابتهم وولايتهم فهل يمكن إطلاقه لحال المزاحمة؟ فيه إشكال، من جهة أن القيود التي تأتي من قبل الحكم لا يمكن أن تؤخذ في الموضوع، فالتقييد بها محال، ومعه لا مجال للاطلاق، وهذا نظير ما قيل في التوصلي والتعبدي من أن قصد الامتثال لا يمكن أخذه في الموضوع، فلا يمكن التقييد ولا الاطلاق. وفي المقام يكون تزاحم الوليين المنصوبين في تصرفهما مترتبا على جعل الولاية، لان الشك ليس في جواز تزاحم شخص لشخص ولا عالم لعالم، بل في جواز تزاحم ولي منصوب لولي كذلك، فهو متأخر عن جعل الولاية ولا يمكن تقييد الدليل به، فلا يمكن الاطلاق، هذا على رأي من ذهب إلى الامتناع في تلك المسألة، لكن المقرر في محله عدمه، ولهذا رجحنا أصالة التوصلية. بل لقائل أن يقول: إن بين المقام وباب التعبدي والتوصلي فرقا، فان الحكم هاهنا منحل إلى أحكام، لان نظير قوله صلى الله عليه وآله: (العلماء ورثة الانبياء) منحل إلى جعل الوراثة والخلافة لكل فقيه فقيه، بل ليس ذلك من باب الانحلال، وانما يستفاد من صيغة الجمع بدلالة وضعية، فعلى هذا يكون ما يأتي من قبل حكم موضوع مأخوذا في موضوع حكم آخر، ولا إشكال فيه، وانما الاشكال فيما إذا أخذ ما يأتي من قبل الحكم في موضوع نفس هذا الحكم.

[ 516 ]

إلا أن يقال: إن الفساد المتوهم بحاله، لان الجعل في العمومات واحد على الموضوعات المتعددة، ومع وحدته وعرضية الحكم بالنسبة إلى تمام الافراد والموضوعات يأتي الاشكال، فتدبر. وهنا إشكال آخر في إمكان الاطلاق، وهو أن التزاحم لا يكون بين الاحكام المتعلقة بالطبائع، ولا بين الحكم المتعلق بطبيعة وبين الفرد الخارجي، بل التزاحم بين الفردين في وجودهما الخارجي، فوجوب الصلاة لا يزاحم وجوب الازالة، ولا يزاحم الازالة الخارجية، بل المزاحمة بين وجود الصلاة والازالة في وقت واحد، فلا يمكن الجمع بينهما للتزاحم. وقد حقق في محله أن الاوامر والاحكام في باب المطلقات متعلقة بالطبائع، ولا يعقل إسراؤها إلى الافراد الخارجية، بل ولا إلى القيود اللاحقة بالطبائع، لان الطبيعة بما هي لا قيد لها، ولا يمكن مرآتيتها للافراد، والقيود بما هي أجنبية عن نفس الطبيعة وإن لحقت بها في العقل أو اتحدت معها في الخارج، فالمزاحمة التي بين الافراد متأخرة عن الجعل والمجعول بمرتبتين أو المراتب، وفي مثله لا يعقل الاطلاق بالنسبة إلى المتأخر وبالنسبة إلى مورد التزاحم، كما لا يعقل أن يكون المنشئ للحكم ناظرا من الطبيعة إلى الافراد، فضلا عن النظر إلى مزاحمة فرد لفرد آخر من موضوع آخر. فعليه لا يعقل إطلاق مثل قوله: (الفقهاء خلفائي) لحال المزاحمة بين فرد من التصرف لفقيه وفرد آخر من التصرف لفقيه آخر. ولو سلمنا إمكان الاطلاق لكن لا يقتضي إطلاق الولاية على أموال الصغار والاوقاف العامة والاخماس والزكوات وغير ذلك جواز المزاحمة، لان حكم الولاية حيثي على الامور المذكورة، وليس مقتضى الاطلاق إلا

[ 517 ]

ثبوت هذا الحكم الحيثي عليها، لا جواز المزاحمة للفقيه الذي يرجع إلى تحديد سلطنته الذي هو نحو ولاية عليه. نظير قوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الانعام) (1) فانه لا يقتضي حلية البهيمة التي للغير وإن اقتضى حليتها من جهة كونها بهيمة حتى حال كونها مال الغير، وله نظائر كثيرة، كقوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن) (2) وقوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) (3). وبالجملة الولاية على مال الصغير بما أنه ماله وإن كانت ثابتة عليه حتى حال كونه تحت يد فقيه آخر، لكن لا يقتضي ذلك ولاية على الفقيه ولا جواز التصرف في سلطانه، ولا منافاة بين الحكم الحيثي والحكم الفعلي المقابل له، فبهيمة الانعام حلال من حيث هي بهيمة، وحرام من حيث كونها ملكا للغير، ولا يستفاد من أدلة الولاية ولاية الفقهاء بعضهم على بعض، بل لا يعقل أن يكون فقيه وليا على فقيه ومولى عليه له. وبعبارة أخرى أن سلطة فقيه على مال ونحوه سلطة بحق، ولا بد في رفعها من السلطة عليه ولا تكفي السلطة على المال، نعم مقتضى الولاية دفع سلطنة الغاصب واليد الجائرة. ويمكن أن يقال: إن مقتضى إطلاق الخلافة والوراثة أن يكون لكل فقيه كل ما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله، فان الظاهر من الادلة أن كل فقيه خليفة، ووارث، فمما ثبت له صلى الله عليه وآله أن ليس لاحد مزاحمته تكليفا ووضعا. سواء كان المزاحم فقيها وخليفة له أم لا، وهذا ينتقل إلى كل فقيه، ولازمه عدم جواز مزاحمة أحد له فقيها وخليفة كان أم لا، وفي مقابل ذلك أن لرسول الله صلى الله عليه وآله


(1) و (2) سورة المائدة: 5 - الآية ا - 4. (3) سورة الانعام: 6 - الآية 118.

[ 518 ]

أن يزاحم كل أحد خليفة كان أم لا، وهذا أيضا قابل للانتقال والتوريث لكن هما معا غير ممكن التوريث، للزوم التناقض. فحينئذ إن قلنا بعدم ترجيح بينهما فلا يصح الحكم بأحد الطرفين، ولكن الظاهر الذي لا ينكر أن الترجيح لوراثة عدم المزاحمة، فان ذلك موافق للاعتبار العقلائي وحكم العقل وبناء الحكومات، وأما توريث المزاحمة بحيث يرجع إلى الهرج وجواز مزاحمة هذا لهذا وبالعكس فأمر ينكره العقول ومخالف لطريقة العقلاء، ولازم هذا الوجه قيام الدليل الاجتهادي على عدم جواز المزاحمة، وبطلان تصرف المزاحم وحرمته. وتوهم أن مزاحمة فقيه لفقيه من قبيل مزاحمة النبي لنفسه غفلة عن أن مثل قوله صلى الله عليه وآله: (خلفائي) و (ورثة الانبياء) أجنبي عن تنزيلهم منزلة نفسه، بل مضاد له، لان الخلافة والوراثة لازمهما التعدد ولحاظه، وهو يخالف التنزيل، والهوهوية الاعتبارية، نعم له وجه في مثل قوله (ع): (منزلة الفقيه كمنزلة الانبياء في بني إسرائيل) على إشكال فيه أيضا. ولو أغمضنا عما تقدم وشككنا في الولاية مع المزاحمة، فتارة يتصدى فقيه جامع للشرائط وعند تصديه لم يكن الاخر جامعا للشرائط إما لعدم إجتهاده حال تصدي الاول أو عدم عدالته ثم صار جامعا فيشك في ولايته وجواز مزاحمته حينئذ للآخر فمقتضى الاصل عدم الولاية، فانه حال تصدي الاول لم يكن وليا، فيستصحب عدمها، والحكم الكلي على العنوان لم يكن منطبقا عليه قبل تصدي الاول حتى يستصحب. وأخرى يكون تصديه حال جامعية الاخر للشرائط، فحينئذ إن أحرزنا من الادلة أن الولاية بلا قيد ثابتة للفقيه لكن احتملنا أن سبق أحد من الفقهاء موجب لسقوط ولاية غيره حال تصديه، نستصحب ولايته

[ 519 ]

الثابتة قبل تصدي الآخر، وإن لم نحرز ذلك لكن احتملناه مع احتمال أن الولاية المحدودة مجعولة له دار الامر بين الفرد القصير والطويل، فلو كان المجعول الولاية المحدودة كانت مقطوعة الزوال، ولو كانت مطلقة فان لم نحتمل على هذا الفرض السقوط كانت مقطوعة البقاء، وإن احتملناه كانت محتملة البقاء. وعلى أي حال فجريان الاستصحاب في القدر المشترك أي الكلي موقوف على كون الولاية الكلية المشتركة المنتزعة من المجعولين حكما إلهيا أو موضوعة له، وإلا فلا يجري، وهذا هو الظاهر، ولو أغمض عنه فأصالة عدم الولاية المطلقة بدعوى حكومتها على أصالة بقاء الكلي مثبتة كما ذكر في محله، فتحصل مما مر أن استصحاب الكلي متوقف على أمر غير مرضي. ثم إنه ظهر مما مر حكم ما إذا شرع الفقيه في مقدمات عمل كالمقاولة للبيع وإرسال الساعي لجمع الزكاة في ناحية أو المقدر لتقدير مساحة الاراضي الخراجية مقدمة لجعل الخراج إلى غير ذلك فانه إذا قلنا بأن النبي صلى الله عليه وآله إذا شرع في المقدمات ليس لاحد الدخالة بنحو من الانحاء فيها ولا في ذيها كما لا إشكال فيه، فهذا الامر ينتقل إلى الفقهاء أي إلى كل واحد منهم بمقتضى الوراثة والخلافة وإطلاقهما، فليس لاحد من الفقهاء الدخول فيما دخل فيه فقيه آخر لذلك، لا لما أفاده الشيخ (قده) حتى يجاب عنه بأن مزاحمة إمام لامام آخر لا دليل على عدم جوازها، وقد مر أن لسان الادلة آب عن إفادة ما ذكره الشيخ (قده)، هذا حال مزاحمة فقيه لفقيه آخر. وأما مزاحمة الفقيه لغيره ممن يجوز له التصدي فلا إشكال في جوازها لان غاية ما دلت عليه الادلة جواز قيام العدل أو الثقة لبيع مال الايتام،

[ 520 ]

وغاية ما يمكن الاستفادة منها جواز مطلق التصرفات في أموالهم مع المصلحة وأما كونهما وليين عليهم أو على أموالهم فلا دليل عليه كما مر فضلا عن كونهما بمنزلة الامام عليه السلام أو النبي صلى الله عليه وآله. فحينئذ مقتضى إطلاق الخلافة والوراثة جواز مزاحمة الفقيه لغيره، خرج منه مزاحمة فقيه لفقيه آخر كما مر وبقي الباقي، هذا إذا صدقت المزاحمة مع شروع العدل في المقدمات، وإلا فالامر أوضح، كما ظهر جواز مزاحمة عدل لعدل آخر، هذا لو صدقت المزاحمة مع الدخول في المقدمة وإلا فلا شبهة في جوازه. نعم لو قلنا بأن العدل ولي من قبل الله على الايتام وأموالهم فلا مجال لتصرف غيره مع وجوده، كما لا مجال للتصرف في مال الصغير لغير الاب والجد مع وجود أحدهما. ولو شك في أن المجعول للعدل هو الولاية من قبل الله أو صرف جواز التصرف أو الولاية من قبل الامام والنصب من قبله لا يصح التمسك باطلاق دليل الخلافة والوراثة، لان الشبهة مصداقية بالنسبة إليه، لدوران الامر بين ما لا يكون من شؤون الولاية للنبي صلى الله عليه وآله حتى يورث - كما إذا كان نصبا شرعيا إلهيا - وبين ما يكون كذلك، والامر سهل بعد ما ظهر أن لا دليل لجواز تصدي العدل في زمان الغيبة في غير الحسبيات، ولا فيها مع وجود الفقيه. ثم إنه قد يتوهم من ظاهر بعض الآيات والروايات جواز تصرف كل أحد في مال اليتيم إذا كان فيه مصلحة. منها - قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) (1) بتقريب أن مفهوم الاستثناء جواز تصرف كل من كان مورد النهي عن


(1) سورة الانعام: 6 - الآية 152.

[ 521 ]

القرب في ماله إذا كان على وجه صالح أو أصلح. وفيه أولا أن الظاهر جريان النزاع الذي في مفهوم الشرط في مفهوم الاستثناء أيضا، وهو أن المفهوم في قوله عليه السلام: (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ) (1) هل هو قضية كلية هي أن غير البالغ حده ينجسه كل شئ كما أفاده الشيخ الاعظم (قده) أو قضية جزئية هي التنجيس في الجملة كما عن المحقق صاحب الحاشية (قده)؟ ونحن اقتفينا في ذلك أثر المحقق المزبور، فلو قيل: (لا ينجس الماء شئ من النجاسات إلا إذا كان قليلا) لا يكون مفهومه إلا أنه إذا كان قليلا انتقضت القضية الكلية التي في المستثنى منه، ولازم ذلك ثبوت حكم جزئي للمستثنى، وإن شئت قلت: إن المفهوم حقيقة هو (ليس لا ينجسه شئ) وهو لا يفيد إلا القضية الجزئية. وكذا الكلام في المقام الذي كان النهي متعلقا بكل المكلفين، فان الاستثناء فيه لا يفيد إلا سلب النهي عن عموم المكلفين، فقوله تعالى: (لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) ليس مفهومه أقربوا ماله بوجه كذا، فان ذلك ليس مفهوما له، ضرورة عدم وجوب ذلك على جميع المكلفين أو بعضهم ولا جواز ذلك مقابل النهي، فان الجواز أيضا ليس مفهوما له، بل المفهوم سلب عدم قربهم جميعا، وهو ينتقض بجواز قرب بعضهم، ولو لم يسلم ما ذكر لكن إثبات القضية الكلية أيضا مشكل، فلا أقل من الاجمال والرجوع إلى سائر القواعد. ولو قيل: إن إثبات القضية الجزئية هناك إنما هو لاجل أخذ عنوان الشئ أو الكل ونحوهما في المنطوق، ولازمه ما ذكر من الجزئية، فان


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الماء المطلق - الحديث 1 و 2 و 5 و 6 وفيه (إذا كان الماء قدر كر لا ينجسه شئ).

[ 522 ]

مفهوم (لا ينجسه شئ) (ينجسه شئ) أو (ليس لا ينجسه شئ) وهو القضية الجزئية، وكذا إذا أخذ مثل العنوان في المنطوق في الجملة الاستثنائية، وأما مع عدم أخذ العنوان فلا محيص عن الالتزام بأن المفهوم كلي كما في المقام، فمفهوم قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) هو ثبوت جواز القرب للجميع، فكأنه قال: اقربوا بالتي هي أحسن. يقال: إن الاستثناء هو اخراج ما دخل في المستثنى منه بالارادة الاستعمالية، فيعلم أن الجد يغاير الاستعمال، فألفاظ المستثنى منه استعملت في معانيها الواقعية، ولولا الاستثناء لحكمنا بأن ما أريد في الاستعمال موافق للجد، فبالاستثناء نكشف أن الجد يخالفه، فالاستثناء تقطيع عن الحكم السابق بمقدار المستثنى، لا حكم مقابل للمستثنى منه ابتداء، وانما لازم هذا الاخراج والتقطيع ثبوت حكم مقابل للمستثنى منه في الجملة. فقوله: (أكرم العلماء إلا الفساق منهم) لا يثبت بمفاده الاولي حكما مخالفا للمستثنى منه: هو حرمة الاكرام أو جوازه أو غيرهما، بل يخرج الفساق عن وجوبه، فلا يدل إلا على نفيه، وإن كان لازم ذلك بعد عدم خلو الواقعة عن حكم ثبوت حكم مغاير للوجوب من غير تعيين واحد من الاحكام. ففي قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم) الخ انما يقطع الاستثناء حرمة التقرب بالوجه الصالح أو الاصلح، فيكون مفاده الاولي ليس لا تقربوا عند الاحسن، وهذا أعم من نفي العموم، ليكون مفهومه قضية جزئية أو عموم النفي، ليكون قضية كلية، فلا يمكن إلا إثبات الجزئية، لكونها قدرا متيقنا، هذا مقتضى الصناعة في الاستثناء مع الحفظ على قاعدة الاستثناء وأنه إخراج لما دخل في الاستعمال.

[ 523 ]

وأما ما ينقدح في أذهاننا من الحكم المنافي فيقال في المقام اقربوا بالوجه الاحسن فلعله من تكرر السماع عن المشائخ من أن الاستثناء عن النفي إثبات وعن الاثبات نفي، فتوهم أن المقصود أن المفاد الاولي لقوله: (لا تهن العلماء إلا الفساق) هو أهنهم وبالعكس، مع أن الاستثناء إخراج عن السابق، والمفهوم ما ذكرناه لا إثبات لحكم مخالف. نعم إن ما ذكرناه أمر مجزوم به في الموارد التي أخذت العناوين الكلية أو الماهيات في المستثنى منه، كقوله: (لا ينجس الماء شئ إلا إذا كان قليلا) وأشباهه، وأما في مثل الآية الكريمة فلا جزم بذلك، ومعه استفادة العموم مشكلة، إلا أن يقال: إن العرف يفهم العموم في مثل الآية بلا نظر إلى الاعتبار في الاستثناء، والعهدة على مدعيه. وثانيا مع الغض عن ذلك وتسليم كون الحكم عموميا لا بد في إثبات أن العمل بالاصلح أو الصالح تمام الموضوع للجواز من إحراز كون الآية بصدد بيان حكم المستثنى، كما أنها بصدد بيان حكم المستثنى منه، ومع إحراز عدمه أو عدم إحرازه لا يصح التمسك بها لرفع الشك في دخالة بعض أمور أخر في الموضوع كالاجازة من الاولياء، والظاهر عدم كونها إلا في مقام بيان حكم المستثنى منه، كما يظهر من قوله تعالى قبل ذكر المحرمات: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) (1) ثم عد محرمات، منها ذلك، فالقائل جل وعلا في مقام بيان المحرمات. فحينئذ يكون قوله ذلك في مقام بيان حرمة التصرف في مال اليتيم بغير صلاح، لا في مقام بيان التصرف بصلاح حتى يتمسك باطلاقه لرفع الشكوك، ولو لم يسلم إحراز عدمه فلا أقل من تسليم عدم إحراز كونه في مقام البيان، فاحتمال كون لزوم التصرف باذن الوالي أو الولي لا دافع له،


(1) سورة الانعام: 6 - الآية 151.

[ 524 ]

فلا يفيد العموم شيئا. وأما توهم أن مناسبة الحكم والموضوع تفيد كون التصرف بوجه أصلح تمام الموضوع للحكم فغير صحيح، ضرورة أن العناية بحفظ مال الايتام تقتضي أن لا يكون الامر هرجا، وأن يكون التصدي من أشخاص صالحين محتاطين، لا من كل مكلف ولو كان فاسقا خائنا مدعيا للاصلاح والصلاح والاحسان، حيث معها لا يجوز تضمينه، ويؤدي إلى تضييع مال الايتام كثيرا، وقد يتوهم دلالة قوله تعالى: (يسألونك عن اليتامي قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فاخوانكم، والله يعلم المفسد من المصلح) (1) على جواز التصرف الاصلاحي لكل أحد. وفيه ما لا يخفى، فان الظاهر منه - مع الغض عن الروايات - أن السؤال مربوط بنفس اليتامي لا بأموالهم، فقوله تعالى: (إصلاح لهم خير) لعل المراد منه التربية الصالحة، وقوله تعالى: (وإن تخالطوهم) الخ ترغيب في حسن المعاشرة معهم نحو معاشرة الاخوان بعضهم مع بعض، ولو فرض أن السؤال مربوط بأموال اليتامى لكن لم يعلم أن السائلين أولياء الايتام الشرعية أو العرفية أو أشخاص أخر، فلعلهم أولياء شرعية من الوصي أو القيم من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله، وعليه فاستفادة العموم منه غير صحيحة. بل لعل المستفاد من قوله تعالى: (فاخوانكم) عدم جواز التصرف في أموالهم إلا باذن من له الاذن كما هو حال الاخوان بعضهم مع بعض حيث إن الاخوة لازمها عدم التصرف إلا باذنه أو باذن من له الاذن. وأما الروايات الواردة في الباب فيظهر منها عدم العموم، ففي صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لما نزلت إن الذين


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 220.

[ 525 ]

يأكلون أموال اليتامي ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا، وسيصلون سعيرا) (1) أخرج كل من كان عنده يتيم، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله في إخراجهم، فأنزل الله ويسألونك عن اليتامي قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فاخوانكم، والله يعلم المفسد من المصلح) (2) ومن البعيد أن يكون اليتامي وأموالهم تحت أيدي الاشخاص بلا إذن من رسول الله صلى الله عليه وآله أو ممن له الاذن، فلا يبعد أن يكون السائلون أولياء الأيتام بنحو القيمومة أو الوصاية، ومن البعيد جدا أن يكون الامر بنحو الهرج. وفي رواية أبي الصباح (3) وغيرها ذكرت كيفية المخالطة مع الايتام التي في حجورهم، فراجعها، ولا يبعد أن تكون الكيفية المذكورة فيها لاجل مراعاة الايتام، حيث إن إفرادهم في المأكل والمشرب وجعل طعامهم ممتازا عن طعام عيال من يتولى أمرهم يوجب إدراك الايتام الخفة وألم اليتم، وفي ذلك ضربة روحية على الايتام مخالفة لصلاحهم ومضرة بمستقبلهم، فأجاز الله تعالى الاختلاط بنحو الاخوة وإرادة الاصلاح، وهو يعلم المفسد من المصلح. وكيف كان لا تدل الآية ولا الروايات على جواز تصرف كل أحد بقصد الاصلاح فلا يمكن رفع اليد عن القواعد لاجلها، كما لا تدل على ذلك الروايات الواردة في جوا بعض التصرفات الجزئية في أموالهم إذا كان على وجه الصلاح أو عدم الفساد لمن دخل بعض البيوت التي فيها الايتام تحت أيدي أوليائهم الشرعية أو العرفية، كرواية الكاهلي (4) الآتية وغيرها مما هي أجنبية عن جواز تصرف كل أحد في أموالهم، ونفوذ


(1) النساء: 4 - الآية 10. (2) الوسائل - الباب - 73 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 5. (3) الوسائل - الباب - 73 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث - 1. (4) الوسائل - الباب - 71 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 1.

[ 526 ]

التصرفات الاعتبارية من كل أحد بالرغم من الاولياء الشرعية، ولا الروايات الواردة في الاتجار بمال اليتيم (1) فانها أيضا مربوطة بالاولياء الشرعية أو العرفية الذين كان مال الايتام تحت أيديهم. ومعلوم أنه لم يكن في وقت من الاوقات أمر الصغار والايتام هرجا كان لكل أحد أخذ أموالهم لحفظها أو المضاربة بها، مع أن أكثر ما وردت (2) في هذا المنوال في مقام بيان أحكام أخر. وبالجملة ليس فيها ما يدل ولو باطلاقه على جواز تصرف كل أحد بلا إذن الاولياء، فراجع كتاب الزكاة والتجارة، نعم في تلك الروايات اختلاف لا بد في جمعها وتحقيقها من النظر فيها في محله. ثم إنه هل يعتبر في تصرفات غير الاب والجد ملاحظة الغبطة والمصلحة أو لا يعتبر إلا عدم المفسدة؟ وجهان: مقتضى الاصل الاولي ذلك، لكن مقتضى أدلة ولاية الفقيه عدم اعتبار المصلحة، كما كان الامر كذلك للاولياء الاصل. فالعمدة هي الادلة الخاصة، كعموم قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) (3) ولا بأس بصرف الكلام في مفاده بقدر اقتضاء المقام تبعا للمشائخ. فنقول: بعد القطع بأن المراد من القرب المنهي عنه ليس معناه الحقيقي، بل هو كناية عن معنى آخر يحتمل أن يكون كناية عن التصرفات الخارجية الوجودية كالاكل والشرب وغيرهما، أو عن التصرفات الاعتبارية كالبيع والاجارة ونحوهما، أو عنهما، أو عن التصرفات الخارجية وتركها


(1) الوسائل - الباب - 75 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب من تجب عليه الزكاة. (3) سورة الانعام: 6 - الآية 152.

[ 527 ]

أو عن التصرفات الاعتبارية وتركها، أو عنهما وعن تركهما، أو عن أمر ثبوتي جامع لجميع التصرفات ونحوها حتى نحو الابقاء تحت اليد الملازم لترك التصرف فانه أيضا ثبوتي، هذا بحسب الاحتمال. لكن لا يعقل الجمع بين التصرفات وتركها لعدم الجامع بين الفعل والترك، وعدم إمكان الكناية عن الفعل والترك، أي الشئ ونقيضه أو ضده، ضرورة عدم إمكان استلزام شئ لهما وعدم إمكان الانتقال إلى الشئ ونقيضه أو ضده بكناية واحدة. فاحتمال إرادة التصرفات الخارجية وتركها أو الاعتبارية وتركها أو هما وتركهما ساقط ويبقى الباقي، ولازم الاحتمال الاول كون النهي تكليفيا ولازم الثاني كونه إرشادا إلى البطلان، ولازم الثالث التكليف في التصرفات الخارجية والارشاد في الاعتبارية، لا بمعنى استعمال النهي في التكليف أو الوضع أو فيهما، بل بما نبهنا عليه كرارا من أن النواهي والاوامر لم تستعمل إلا في معانيها، أي الزجر والبعث، لكن لازم الزجر عن معنى نفسي هو المنع عنه بنفسه، فيعلم منه التكليف، وعن معنى آلي أو مترقب منه الصحة والفساد هو الارشاد إلى البطلان، فقوله صلى الله عليه وآله (لا تبع ما ليس عندك) (1) زجر يفهم منه الارشاد إلى عدم الصحة عرفا، وقوله (لا تشرب الخمر) زجر يفهم منه مبغوضية الشرب، فإذا جمع بين الموضوعين يفهم التكليف فيما يناسبه، والوضع كذلك. ثم إن القرب المنهي عنه المأخوذ كناية إن كان القرب المكاني فالمعنى الكنائي لا بد وأن يكون مناسبا له حتى ينتقل منه إليه، وهو التصرفات الخارجية الملازمة للقرب المكاني كالاكل والشرب والركوب ونحوها، دون التصرفات الاعتبارية، فانها غير مناسبة للقرب والبعد المكاني.


(1) سنن البيهقي - ج 5 ص 339.

[ 528 ]

ولو أريد به الكناية عن التصرفات الاعتبارية لا بد فيه من تأويل كتنزيلها منزلة التصرفات الخارجية الملازمة للقرب المكاني. وإن أريد بالقرب معنى أعم من المكاني كالمنسوب إلى المعاني والمجردات، فيقال العبد قريب من ربه، وهو تعالى أقرب إليه من حبل الوريد، والمعنى الكذائي قريب إلى الفهم أو بعيد عنه إلى غير ذلك: فهل يصح الكناية به عن التصرفات الاعتبارية المحضة كعقد البيع والاجارة من الفضولي مع عدم تماسه بالعين بأن يقال العقد نحو قرب والتصرف الاعتباري نحو قرب أو لا. وهذا أوجه لان كون القرب موضوعا لمعنى عام، أو مرادا به معنى عام ليس معناه أنه نظير الشئ من الامور العامة الصادقة على كل موجود ووجود، ضرورة لزوم اعتبار نحو من القرب بين الشيئين حتى يقال: إنه قريب منه، وكذا البعد، فهما من المعاني الاضافية والنسبية، فلا يطلقان إلا في مورد يكون بين الشيئين نحو قرب وبعد، كقرب المكانة وقرب النسب، وأما مجرد إجراء عقد غير مؤثر في العوضين فليس قربا ولا مقابله بعدا، فلا يطلق عليه القرب ولو بمعناه العام إلا بتأويل كتنزيل ذلك منزلة التصرف الخارجي، بل لا يصدق على مجرد العقد التصرف في العين أيضا، وإلا لزم حرمته، لحرمة التصرف في مال الغير فاطلاق التصرف على الاعتبارات في مثل الفضولي مبني على مسامحة وتأويل فالعقد على مال اليتيم ليس قربا منه بوجه ولو فرض وضعه لمعنى أعم من القرب المكاني، مع أن الظاهر أن صدق القرب والبعد على غير المكاني والزماني مبني على تشبيه وتأويل. ولو أغمض عن ذلك فلا شبهة في أن المتبادر منهما إلى الاذهان العرفية مع عدم القرينة هو المكاني أو الزماني ولو لاجل الانصراف، فلا بد من

[ 529 ]

حمل الكلام مع عدم القرينة على ذلك، ولما لم يكن للقرب الزماني هاهنا وجه فهو محمول على المكاني، فيكون ذلك قرينة على أن المكنى عنه هو التصرفات الخارجية الملازمة للقرب المكاني. هذا مضافا إلى أن القرائن الكثيرة الموجودة في المقام تجعل الكلام ظاهرا في التصرفات العينية: منها - أن المتعلق هو الاعيان الخارجية، وهو مال اليتيم، والقرب والبعد عن الاعيان ظاهر في المكاني منه، فإذا قال: لا تقرب بيت اليتيم أو ثوبه لا يفهم منه إلا النهي عن القرب المكاني، ومال اليتيم أمر منتزع من الاعيان كالبيت والثوب وعنوان لها، وتوهم أن عنوان المال مناسب للتصرفات الاعتبارية ساقط لا يعتنى به كما لا يخفى. ومنها - أن النهي إذا تعلق بعنوان له نفسية كعنوان الخمر والفقاع ونحوهما يكون ظاهرا في الحرمة التكليفية، ومال اليتيم له نفسية، فالنهي المتعلق به ظاهر في التكليفية، فلا بد من كون المراد به التصرفات الخارجية فان مجرد العقد على مال اليتيم ليس بحرام جزما، كما أن العقد الفضولي ليس بحرام. ومنها - أن الآيات التي وقعت تلك الآية الشريفة خلالها كلها في محرمات نفسية، وفيها بعض الواجبات النفسية، والظهور السياقي نحو ظهور معتبر. ومنها - أن قوله تعالى في صدر الآيات في سورة الانعام: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) (1) ظاهر بلا ريب في المحرمات التكليفية عند الاطلاق، فيدل ذلك على أن المتلو كله من المحرمات التكليفية، ولا شبهة في أن مجرد بيع مال اليتيم وإجارته ونحوهما لا تكون محرمة، فيستكشف


(1) سورة الانعام: 6 - الآية 151.

[ 530 ]

منه أن المراد هو التصرفات الخارجية التي هي محرمة تكليفا. ومنها - أن تلك الآية الكريمة وقعت في سورة الاسراء في خلال آيات المحرمات والواجبات والمواعظ والحكم، وفي ذيلها قوله تعالى: (ذلك مما أوحى اليك ربك من الحكمة) (1) والظاهر أن الاشارة متوجهة إلى جميع المذكورات التي هي من الحكم والنصائح، وهو يدل على أن النهي تكليفي لا إرشادي، فان نحو قوله: لا يصح البيع وبطلت الاجارة ونحو ذلك ليس من الحكم والنصائح، فإذا كان الحكم تلكيفيا فلا بد وأن يتعلق بالتصرفات العينية لا الاعتبارية. فالظاهر أن الآية الكريمة كسائر ما وردت في حرمة أكل مال اليتيم ولا تعرض لها لنحو البيع والاجارة ونحوها، كما لا تتعرض سائر الآيات التي هي في خلالها للحكم الوضعي، فقوله تعالى: (لا تقربوا الزنا) (2) لا يفهم منه إلا الحرمة التكليفية، ولا يفهم منه حرمة إجارة الزانية للزنا وبطلانها، وكذا قوله تعالى: (لا تقربو الفواحش) (3) لا يدل إلا على حرمتها لا على بطلان الاكتساب بها، ولا فرق بينهما وبين الآية الكريمة، فبناء على ذلك تكون الآية الكريمة أجنبية عما نحن بصدده. ثم إن المراد بالاحسن إما الافضل أو مجرد الحسن، وأما إرادة الخالي عن المفسدة فبعيدة، فعلى الاول لا بد في تحقيقه من بيان أمر، وهو أنه قد عرفت فيما سبق أن ما يمكن أن يراد بالنهي عن القرب بنحو الكناية إما التصرفات الاعتبارية كالبيع والصلح، أو الخارجية كالاكل والشرب، أو هما معا أو أمر ثبوتي أعم منهما ومن الابقاء الملازم للترك. فحينئذ نقول: إن المكنى عنه إما عنوان وحداني لا تكثر فيه كعنوان


(1) و (2) سورة الاسراء: 17 - الآية 39 - 32. (3) سورة الانعام: 6 - الآية 151.

[ 531 ]

التصرف الاعتباري أو الخارجي أو مطلق الامر الثبوتي الاعم أو عنوان ناظر إلى الكثرات مثل كل تصرف أو كل أمر ثبوتي مما تدل على الكثرة، ونحوه ما إذا كان الملحوظ عناوين التصرفات نحو الاكل والشرب أو البيع والهبة، فان كان الملحوظ والمكنى عنه العنوان الوحداني الاعم أي الامر الثبوتي أعم من التصرفات والابقاء من غير لحاظ المصاديق والكثرات فلا يعقل أن يكون الاحسن تفضيلا إن كان التفضيل في المصاديق لا في الحيثيات والكيفيات، فان المفروض أن العنوان المأخوذ وحداني غير ناظر إلى الكثرة، فتفضيل هذا العنوان غير معقول، لعدم كون شئ مقابله يكون مفضلا عليه، فالعنوان جامع لجميع ما يتصور من التصرفات ونحوها وليس شئ منها خارجا عنه يكون مفضلا عليه. وأما التفضيل في الكيفية فلا يعقل إلا إذا قدر في الكلام تقدير مناسب له، بأن يقال: لا تقربوا مال اليتيم بكيفية وخصلة إلا الكيفية التي هي أحسن، وهو خارج عن الفرض، هذا إذا أريد المعنى الوحداني الجامع بين الكل. وأما إذا أريد الجامع الوحداني من الامور الاعتبارية فالتفضيل لا بد وأن يقع بينه وبين غيره من الترك، والتصرف الخارجي، وكذا الكلام في الجامع بين التصرفات الخارجية أو الجامع بينهما، وأما إذا أريد بالمكنى عنه الافراد والكثرات فلا مانع من التفضيل فيها بعضها على بعض. ثم لو كان المراد أحسن من كل شئ فلازمه عدم الجواز لو كان جميع التصرفات أو بعضها مساويا لا تفضيل فيها أو لا يكون في بعض التصرفات حسن، لعدم صدق التفضيل، ولو أريد أحسن من الترك فلازمه جواز البيع مثلا لو كان أحسن من تركه وإن كانت الاجارة أصلح، إلى غير ذلك من لوازم التفضيل مما لا داعي لذكرها مع بطلان أصل

[ 532 ]

المبنى، كما لا داعي لذكر الاحتمالات ولوازمها في فرض تقدير الكيفية والخصلة ثم لو قلنا بأن المكنى عنه هو التصرفات الاعتبارية فهل يلاحظ الاحسنية في نفس تلك التصرفات فقط أو الاحسنية في الجهة المالية أعم من التصرفات أو أعم منها ومن الجهات المعنوية الخارجية المربوطة باليتيم وصلاحه؟ ولازم الاحتمال الاول هو جواز بيع نصف داره مشاعا إذا كان أصلح من سائر المعاملات، وإن كان حصول الشركة موجبا للضرر أكثر من النفع الحاصل من بيعها، ولازم الثاني جوازه وإن كان الشريك فاسدا مؤذيا شارب الخمر موجبا لفساد الطفل إن كانت الجهات المالية محفوظة الظاهر المتفاهم من الآية على فرض كونها في مقام البيان في المستثنى أيضا هو لحاظ مصالح اليتيم من جميع الجهات، لا من الجهات المالية فقط، فلو كان هنا مشتريان أحدهما شخص صالح توجب الشركة معه وجاهة الطفل وتربيته الصالحة النافعة له طيلة حياته، والآخر شخص فاسق خائن توجب شركته سقوط الطفل عن الوجاهة وعن أعين الناس، وكان الاول يشتري أكثر من الثاني ليس للولي قصر نظره على المالية، بل لا بد من ملاحظة مصلحة الطفل. وبعبارة أخرى المراد بالتي هي أحسن ليس أحسن من حيث الجهات المالية فقط، بل المتفاهم أن الآية سيقت لمراعاة حال اليتيم وحفظ مصالحه، لا لمصلحته المالية فقط، فلا بد للولي من مراعاة جميع الجهات، وعلى ذلك - أي بناء على أن اللازم مراعاة مصلحة اليتيم - لو كان الاحسن بمعنى الحسن وكانت المعاملات متفاضلة بعضها أغلى من بعض وساوت في الجهات الاخرى ليس للولي بيعه إلا بأغلى الثمن، لان الادون وإن كان مشتملا على المصلحة والحسن لكن إذا لوحظ صلاح اليتيم لا يكون صلاحه إلا البيع بأغلى، لا بما دونه لانه خلاف صلاحه عرفا، وعد الولي خائنا عاملا

[ 533 ]

على خلاف صلاحه، ففي هذه الحيثية يشترك الحسن مع الاحسن. ثم إن الامر في الاحسن دائر بين احتمالين: أحدهما التفضيل، والآخر مجرد الحسن، وعلى الاول يلزم تقدير المفضل عليه، وهو خلاف الاصل، كما لا يبعد أن يكون الثاني خلاف الظاهر، ومع الدوران بينهما فالترجيح غير معلوم، فيلزم منه إجمال يسري إلى المستثنى منه، ولازمه عدم حجيته إلا في المتيقن، وهو التصرف بلا صلاح وحسن فلا يمكن الاستفادة من الآية الكريمة إلا عدم جواز التصرف بلا مصلحة، وأما لزوم مراعاة الاصلح فلا، فلو دل دليل على صحة التصرف مع المصلحة لا تعارضه الآية الكريمة. هذا بعض الكلام في الآية الشريفة، وقد تقدم أن الظاهر منها هو الحرمة التكليفية المتعلقة بالتصرفات الخارجية، كما تقدم أن الآية ليست بصدد البيان في المستثنى، وعليه فكل ما قلنا أو قيل في الاحتمالات الجارية في المستثنى مبنى على فرض غير واقع. وأما الروايات: فمنها - ما تعرضت للتصرفات الاعتبارية، كصحيحة علي بن رئاب قال: (سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن رجل بيني وبينه قرابة مات وترك أولادا صغارا وترك مماليك له: غلمانا وجواري، ولم يوص، فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتخذها أم ولد؟ وما ترى في بيعهم؟ قال: فقال: إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم باع عليهم ونظر لهم وكان مأجورا فيهم، قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية فيتخذها أم ولد؟ فقال: لا بأس بذلك إذا باع (إذا أنفذ ذلك خ ل) عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم، فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم) (1).


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب عقد البيع - الحديث 1.

[ 534 ]

والظاهر منها أن التصرف الاعتباري يختص بالقيم والولي، وليس لغيرهما ذلك، وصحة تصرف القيم والولي موقوفة على كونه ذا مصلحة، ضرورة ظهور عناية واضحة في ذلك بتكراره في قوله عليه السلام: (باع عليهم ونظر لهم) الظاهر في مراعاة صلاحهم، وفي قوله عليه السلام: (القيم لهم الناظر فيما يصلحهم) الظاهر في أن القيمومة لا تكفي للصحة والنفوذ، بل لا بد منها ومن مراعاة المصلحة، ويظهر منه أن القيم موظف بالنظر فيما يصلحهم. ثم إنها تشمل من عدا الاب خاصة أو من عدا الاب ووصيه من سائر الاولياء جدا كان أو وصيه القيم عليهم أو فقيها أو القيم من قبله أو عدول المؤمنين لو قلنا بولايتهم، خرج منها الجد بالادلة المتقدمة، وبقي الباقي. ومنها - ما تعرضت للتصرفات الخارجية كرواية عبد الله بن يحيى الكاهلي التي لا يبعد أن تكون صحيحة أو حسنة كالصحيحة قال: (قيل لابي عبد الله عليه السلام: إنا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام، ومعه خادم لهم فنقعد على بساطهم، ونشرب من مائهم، ويخدمنا خادمهم، وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا، وفيه من طعامهم، فما ترى في ذلك؟ فقال: إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس، وإن كان فيه ضرر فلا، وقال عليه السلام: بل الانسان على نفسه بصيرة، فانتم لا يخفى عليكم، وقد قال الله عزوجل: والله يعلم المفسد من المصلح) (1). والظاهر أن السؤال عن جواز الدخول في بيت اليتيم والتصرف في أمواله، فأجاب بأن المجوز للدخول والتصرف كونه منفعة لهم، والظاهر أن المنفعة المترتبة على نفس الدخول مجوزة، كما لو كان في دخوله جلب


(1) الوسائل - الباب - 71 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 1

[ 535 ]

أنظار المحسنين إلى الايتام أو أعم منه ومما يترتب على دخوله، كما لو كان معه محسن يريد جلب نظره إليهم، أو دخل وأراد إهداء هدية نافعة لهم عرفا. وليست الرواية سؤالا وجوابا ناظرة إلى عوض التصرفات فضلا عن عوض المثل، ولا ناظرة إلى الضمان فيما أتلف أو تصرف فيه، بل ناظره إلى المنافع الغالبة المترتبة على الدخول عليهم، ولعل ذلك لمراعاة حال الايتام والكفيل لهم والداخلين على الكفلاء، فان في المنع مطلقا ضيقا على الكفيل والواردين عليه، وفي التجويز مطلقا تصرفا في مال الايتام بلا وجه وضررا عليهم، فأجاز الشارع الاقدس للداخل عليهم الدخول بشرط كونه منفعة لهم، بحيث يقال عرفا: إن دخول فلان كان بنفع اليتيم. ولا ينبغي الاشكال في أن الداخل إذا تصرف في مالهم وأدى عوضه لا يكون دخوله بنفعهم عرفا، وليس المراد جزما تعقب تصرفه بشئ مساو للاضرار بهم فضلا عن كونه أقل. فما قيل - من أن الاصل الذي تلاحظ الزيادة بالنسبة إليه هو الدخول في بيت اليتيم والقعود على بساطه والاكل من طعامه، فما يتعقبه مما يصل إلى اليتيم زيادة بالاضافة إلى ذلك الاصل، فمع تعقب التصرفات بشئ لا بأس، لكن أتى بالشرطية الثانية لدفع توهم أن مجرد التعقيب بشئ كاف في الجواز، فلا بد أن لا يكون معه ضرر أصلا، ثم حمل كلام الشيخ الاعظم (قده) على ذلك، ثم قال: فتدبر فانه حقيق به، انتهى ملخصا - مما لا ينبغي أن يصدر من مثله، فان قوله عليه السلام: (إن كان في دخولكم منفعة عليهم) انما هو لمراعاة حال اليتيم. ولا شبهة في أن من أتلف من ماله عشرة دنانير ثم عقب ذلك باهداء دينار له لا يقال إن في دخوله على اليتيم منفعة له، وكذا لو عقبه بمثل ما أتلف، ففي أمثال المقام لا بد من الرجوع إلى العرف لا التحليلات

[ 536 ]

العقلية الموجبة للخروج عن فهم الاخبار. ومما ذكرناه من أن كلامه عليه السلام سيق لمراعاة حال الايتام يظهر عدم التنافي بين مفهومي الشرطيتين، فان القرينة في المقام قائمة على أن المراد من النفع أمر زائد على ما أتلف على اليتيم زيادة يقال معها عرفا إن في دخوله منفعة، فعلى هذا يكون الميزان الشرطية الاولى ومفهومها، فذكر الثانية بيان مصداق من المفهوم، ولعل ما ذكر جار في غير المقام أيضا، فتحمل الشرطية الثانية على بيان مصداق من مفهوم الاولى في جميع الموارد إلا في ما دل الدليل على خلافه، ولو لم يسلم في سائر المقامات ففي المقام لا بد من تسليمه، لقيام القرينة عليه، فتدبر. فتحصل مما مر أن الداخل إن رأى أن في دخوله منفعة للايتام مع لحاظ ما أتلف عليه جاز، وإلا لم يجز، سواء كان ضررا عليه أم لا. ثم لا يبعد أن تكون الاجازة مختصة بأشباه ما في الخبر من الدخول على من تكفل الايتام واختلط بهم، كما في الروايات المتقدمة المفسرة لقوله تعالى: (وإن تخالطوهم فاخوانكم) الخ (1) فأجاز الشارع الاقدس للكفيل الاختلاط بالايتام في الاكل والشرب ونحوهما لنكتة احتملناها سابقا وأجاز للداخل الاختلاط بهم مع حصول النفع لهم. وأما في غير هذه الصورة وأشباهها فمشكل وإن احتمل جوازه مطلقا نظرا إلى أن قوله عليه السلام: (إن كان في دخولكم عليهم) الخ ظاهر في أن تمام الموضوع مراعاة حال اليتيم وحصول النفع له، سواء كان في بيت كفيل أو لا، وفيه تأمل، فان إيصال النفع لا يتوقف على التصرف في ماله، والخروج عن القواعد مشكل خصوصا مع احتمال أن تكون الاجازة بهذا النحو لمراعاة الداخل والمدخول عليه والايتام جميعا كما أشرنا إليه.


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 220.

[ 537 ]

كما لا يصح إلحاق التصرفات المعاملية بالتصرفات المباشرية الخارجية الواردة في حسنة الكاهلي بدعوى الاولوية، بتقريب أنه لو جاز التصرف الذي هو لانتقاع المتصرف دون اليتيم بمجرد عدم الضرر والمفسدة لجاز معه التصرف الراجع إلى اليتيم بالاولوية، حيث إنه ليس فيه إلا تحمل كلفة اليتيم، فانه - مضافا إلى أن تلك الاولويات الظنية على فرضها لا يعتمد عليها في الفقه، وليس لاحد دعوى القطع بعد ما نرى في الفقه ما لا يصل إليه عقولنا، ومضافا إلى أن المبنى غير وجيه، لما عرفت من أن المراد من المنفعة ما يصل إلى اليتيم زائدا عما أتلف عليه، فلا وجه لدعوى الاولوية، وإلحاق المشابه بالمشابه باطل وقياس لو لم نقل: إن إلحاق الاولي أيضا قياس باطل - قد تقدم أن المحتمل قريبا في إجازة الداخل هو مراعاة الوارد والمورود عليه والايتام جميعا، ومع هذا الاحتمال لا يمكن إلحاق غيره به، مع أن صحيحة علي بن رئاب الواردة في التصرف المعاملي تدفع هذه المزعمة، لما عرفت من أن الظاهر منها اختصاص صحة تلك التصرفات بالولي، ولا تنفذ من غيره. ثم إنه في رواية الكاهلي التي يظهر منها اشتراط جواز تصرف الداخل بحصول منفعة للايتام قد تمسك عليه السلام بقوله تعالى: (والله يعلم المفسد من المصلح) (1) وفي روايات جواز مخالطة اليتيم التي لم يشترط فيها المنفعة تمسك به أيضا. فربما يتوهم نحو منافاة بينهما على ما استظهرناه من رواية الكاهلي بأن النفع لا يصدق إلا مع زيادة عن ثمن المثل بمقدار يقال معه عرفا: إن في الدخول على الايتام منفعة لهم، بل ربما يتوهم أن روايات الاختلاط شاهدة على أن المراد بالمصلح عدم المفسد، فتحمل رواية الكاهلي على


(1) سورة البقرة: 2 - الآية: 220.

[ 538 ]

ذلك، فتصير النتيجة كفاية أداء مقدار ما أتلف من مال الايتام في جواز الدخول، وهو المراد من المنفعة. لكنه زعم غير وجيه، لما عرفت من أن في كون الايتام في منازل من يكفلهم مختلطين بهم غير ممتازين في المأكل والمشرب عنهم وعن أطفالهم بحيث لا يمسوا ألم اليتم مصلحة بل مصالح كثيرة ربما ترجح على المصالح المادية، بل ربما تورث في المستقبل تأهلهم لجلب المنافع المادية أيضا، فاجازة الاختلاط والاكل في مأدبة واحدة كالاخوان وكالآباء والاولاد إجازة لامر ذي مصلحة ومنفعة، فلا تنافي بينها وبين رواية الكاهلي لدى التأمل. ثم إنه على ما ذكرناه في قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم) الخ (1) من عدم كونه في مقام بيان حكم المستثنى وأن الاجمال في الاحسن يوجب الاجمال في المستثنى منه فلا يكون حجة إلا في الحرمة بغير مصلحة لا تنافي بينه وبين روايتي ابن رئاب و الكاهلي، سواء أريد بالآية الكريمة التصرفات الاعتبارية أو الخارجية أو كلاهما، كما هو واضح. وأما لو قلنا بالاطلاق في الجملتين وبنينا على ظهور الاحسن في التفضيل فان قلنا بأن المراد منها التصرفات الاعتبارية يقع التعارض بينها و بين صحيحة ابن رئاب من جهتين: إحداهما أن عموم مفهوم الآية يقتضي جواز تصرف كل أحد إذا كان على الوجه الاحسن، والصحيحة قصرت نفوذ التصرف في الاولياء، وثانيتهما أن في الآية اعتبرت الاحسنية، والظاهر من الصحيحة كفاية المصلحة والحسن في تصرف الولي. والجمع بينهما بتخصيص الآية بها إن قلنا بأن المستفاد من الرواية قصر جواز التصرف بالولي، وإنما استفدنا منها كفاية المصلحة لاجل


(1) سورة الانعام: 6 - الآية 152.

[ 539 ]

التوصيف الوارد فيها كقوله عليه السلام: (الناظر فيما يصلحهم) فحينئذ إن لزم التخصيص الاكثري المستهجن يجب طرح الرواية والاخذ بالآية وإلا تخصص بها. وإن قلنا بأن المستفاد من الرواية نفوذ تصرف الولي إذا كان بوجه حسن تقيد الآية الشريفة بها، فتصير النتيجة توقف نفوذ تصرف كل أحد على أن يكون بالوجه الاحسن إلا الأولياء، فان تصرفهم نافذ بالوجه الحسن ومما ذكر يظهر الكلام فيما إذا أريد بالآية التصرفات العينية الخارجية وكذا إذا أريد الامران، ولا داعي لطول الكلام بعد فساد المبنى. مسألة: عن المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر، والظاهر أن هذا العنوان بمناسبة كتاب البيع، وإلا فمقتضى الادلة على فرض تماميتها عدم تملك الكافر له، وهو أعم من العنوان، ولا بد من تمحيص البحث في ذلك مع قطع النظر عن طريان عناوين أخر، كعنوان الاهانة، ولزوم التنجيس، فان ذلك على فرض تماميته لا يختص بالكافر، مضافا إلى عدم تماميته. أما الاهانة فلا إشكال في حرمتها، لكن تعلق الحكم بهذا العنوان لا يسري إلى عنوان البيع المتحد معه في الخارج، على ما حقق في اجتماع الامر و النهي، فلا يكون البيع بعنوانه محرما، مع أن التحريم لا يوجب البطلان، بل لازمه الصحة. مضافا إلى ما في دعوى لزوم الاهانة، فانها ممنوعة في أصل النقل والتملك الاعتباريين، بل وفي التسليط الاعتباري والخارجي أيضا، وقد

[ 540 ]

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله (1) (أنه كتب إلى عدة من الملوك كتابا يدعوهم إلى الاسلام وكتب فيه آية من الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) الخ (2) ولو كان التسليط الخارجي إهانة لما فعل فان أجزاء المصحف كنفسه، إلا أن يفرق بين الاجزاء التي وقعت بين الكلام الخارجي وغيرها، وكيف كان ليس النقل ونحوه إهانة بالكتاب، بل لعل نشره تعظيم له. وأضعف من ذلك التشبث بحرمة التنجيس، لعدم الملازمة بين النقل والتسليط وبين التنجيس، ولو تم ذلك لما اختص بالكفار، مضافا إلى أن حرمة التنجيس لا توجب حرمة البيع أو النقل أو التسليط، ولو قلنا بحرمة مقدمة الحرام. ويتلوهما في الضعف دعوى استفادة الحكم من حرمة التنجيس بالاولوية القعطية، وهي كما ترى. فالعمدة هي آية نفي السبيل (3) والنبوي المشهور (4) أما الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) ففيها مع قطع النظر عن صدرها احتمالات حسب ما في التفاسير وغيرها، لكون السبيل بمعنى النصر أو بمعنى الحجة في الدنيا أو الآخرة أو بمعنى السلطنة الاعتبارية أو الخارجية. ولكن الظاهر عدم استعمال السبيل إلا في معناه، وهو الطريق في جميع الاستعمالات التي وقعت في الكتاب الكريم وغيره، ومواردها كثيرة جدا في الكتاب العزيز، لكن أريد منه في بعضها معناه الحقيقي بحسب


(1) البحار - ج 20 ص 386. (2) سورة آل عمران: 3 - الآية 64. (3) سورة النساء: 4 - الآية 141. (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب موانع الارث - الحديث 11 وكنز العمال - ج 1 ص 17 - الرقم 246 وجامع الصغير - ج 1 ص 123

[ 541 ]

الجد، وفي أغلبها المعنى المجازي بنحو الحقيقة الادعائية نحو (سبيل الله) و (سبيل المؤمنين) و (سبيل المجرمين) و (سبيل المفسدين) و (سبيل الرشد) و (سبيل الغي) إلى غير ذلك بدعوى كون المعنويات كالحسبيات ونحوها آية نفي السبيل، فلم يستعمل السبيل في النصر أو الحجة. بل من الممكن أن يكون المراد نفي جعل السبيل مطلقا، فالمراد أنه تعالى لن يجعل للكافرين طريقا وسبيلا على المؤمنين لا في التكوين ولا في التشريع، أما في التكوين فلانه تعالى أيد رسوله صلى الله عليه وآله والمؤمنين بتأييدات كثيرة معنوية وصورية، وإمداد من الملائكة والوعد بالنصر، وغير ذلك مما توجب قوة وشدة واطمئنانا للجيش الاسلامي، كما قال تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) (1) وقال: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) (2) وقال: (يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) (3) وقال: (ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين) (4) وقال: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) وقال: (إذا جاء نصر الله والفتح) (5) وقال: (نصر من الله وفتح قريب) (6) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي توجب تقوية النفوس والاطمئنان بالفتح، وأمثال ذلك من أقوى علل النصر والفتح، مضافا إلى واقعياتها من نزول الملائكة وإمدادهم.


(1) و (3) و (4) سورة آل عمران: 3 - الآية 123 - 125 - 124. (2) سورة التوبة: 9 - الآية 25. (5) سورة الفتح: 48 - الآية 1. (6) سورة النصر: 110 - الآية 1. (7) سورة الصف: 61 - الآية 13.

[ 542 ]

فالله تعالى جعل طرقا كثيرة للمؤمنين على الكافرين في التكوين ولم يجعل ولن يجعل للكافرين على المؤمنين طريقا وسبيلا، إذ لم يؤيدهم بتأييد صوري أو معنوي يوجب تقويتهم وغلبتهم، فهذه التأييدات والسبل أمور زائدة على ما هو المشترك بين طوائف البشر من إعطاء العقل والقوة والقدرة فعلى هذا يصح أن يقال: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا في التكوين، بل جعل لهم عليهم سبيلا بل طرقا وسبلا، وكذا لم يجعل طريقا لهم على المؤمنين في الاحتجاج، فان كتاب المؤمنين تاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل حجة المؤمنين حجة ظاهرة قوية. وأما في التشريع فلانه لن يجعل الله للكافرين سلطة اعتبارية على المؤمنين مثل ما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وليا وسلطانا على الناس ومن بعده خلفاءه المعصومين عليهم الصلاة والسلام، ومن بعدهم العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه، فهذا أيضا طريق وسبيل لن يجعله لهم عليهم كما أن الحجة للمؤمنين على الكافرين في القيامة. فتحصل من ذلك أن نفي السبيل مطلقا لازمه نفي جميع السبل تكوينا وتشريعا، فلم يكن الامر دائرا بين أحد المعاني، كما يظهر من المفسرين وغيرهم هذا مع الغض عن صدر الآية، وأما مع ملاحظته وهو قوله تعالى (الذين يتربصون بكم فان كان لكم فتح من الله قالوا: ألم نكن معكم؟ وإن كان للكافرين نصيب قالوا: ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين؟ فالله يحكم بينكم يوم القيامة، ولن يجعل الله) الخ (1). فقد يقال: إن وقوعه بعد قوله تعالى: (فالله يحكم بينكم) الخ دليل على أن المراد نفي السبيل في القيامة، وأنت خبير بأنه ليس بشئ. نعم يمكن أن يقال: إن قوله ذلك لنكتة مذكورة في الصدر، وهو


(1) سورة النساء: 4 - الآية 141.

[ 543 ]

قوله تعالى: (لكم فتح من الله) فجعل الفتح منه تعالى وبتأييده وإمداده وقال في الكفار: (إن كان لهم نصيب) فلم يسمه فتحا ولا نسبه إلى نفسه، فلعل قوله: (ولن يجعل الله) ناظرا إلى هذه التفرقة، وأن النصيب الذى لهم ليس بامداد من الله وتأييد وجعل سبيل، بخلاف فتح المسلمين، فانه فتح من قبل الله وجعل سبيل للمسلمين عليهم، لكن مع ذلك لا توجب تلك المناسبة صرف الكبرى إلى خصوص المورد، فلا يبعد استفادة مطلق السبيل منه. ثم إن إسراء الحكم من المؤمنين إلى كتاب الله وسائر المقدسات والقول بتحريم النقل إليهم أو بطلانه أو عدم تملك الكافر إياها - إما بدعوى أن تسلطهم عليها سبيل على المؤمنين أو بأن علة نفي السبيل موجودة فيها. فان حرمة القرآن أعظم من حرمة المؤمنين - غير وجيه، فان مالكية الكتاب ونحوه من كتب الاحاديث والفقه وغيرها أو كون المالك مسلطا على ماله بالبيع والشراء ليس سبيلا على المؤمنين لو لم نقل بأن نشرها في بلاد الكفار و بسط المعارف الالهية والاحكام والشرائع الاسلامية في أصقاعهم نحو سبيل للمؤمنين على الكافرين وطريق منهم عليهم لنفوذ الاحكام والحقائق الاسلامية في قلوبهم. ولعل ذلك يوجب انصرافهم أو تزلزلهم عن تلك الخرافات الموجودة في كتبهم التي حرفت عن أصلها، ولم يتضح أن علة نفي السبيل على المؤمنين احترام المؤمن، بل يمكن أن يكون له وجه سياسي هو عطف نظر المسلمين إلى لزوم الخروج عن سلطة الكفار بأية وسيلة ممكنة، فان تسلطهم عليهم وعلى بلادهم ليس من الله تعالى، فانه لن يجعل للكافرين عليهم سبيلا وسلطة، لئلا يقولوا: إن ذلك التسلط كان بتقدير من الله وقضائه، ولا بد من التسليم له والرضا به، فانه تسليم للذل والظلم،

[ 544 ]

وأبى الله تعالى عن ذلك، فان العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وبهذه النكتة السياسية لنا أن نقول: إن نشر الكتاب العزيز مع ما له من المحاسن والمعاني العالية والاسلوب الخاص به ومع اشتماله على الحقائق و المعارف التي تخلو منها سائر الكتب المتداولة كالتوراة والاناجيل الموجودة بأيديهم راجح بل لازم، والمسلمون مأمورون بتبليغ الاسلام والاحكام، وأحسن وسيلة لذلك نشر كتاب الله تعالى في بلاد الكفار، وكذا نشر سائر الكتب المقدسة المشتملة على الاخبار والمعارف الالهية. والقول بلزوم حفظ القرآن وسائر المقدسات عن الوصول إليهم خلاف مذاق الشارع الاقدس من لزوم تبليغ الاسلام، و بسط أحكامه، ولزوم هداية الناس مع الامكان بأية وسيلة ممكنة، واحتمال مس الكتاب أحيانا لا يزاحم تلك المصلحة الغالبة. ولهذا أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله على ما في التواريخ مكاتيبه الشريفة المشتملة على آية كريمة من القرآن إلى السلاطين المعاصرين له، مع احتمال مسهم إياها، وذلك لاهمية إبلاغ الاسلام وتبليغ الشريعة، نعم لو كان دليل متبع على عدم الجواز فلا مناص من العمل به لكن لا دليل عليه، إذ قد عرفت عدم دلالة الآية الكريمة. وأما النبوي المشهور (الاسلام يعلو ولا يعلى عليه) (1) فلا إشكال في كونه معتمدا عليه، لكونه مشهورا بين الفريقين على ما شهد به الاعلام، والشيخ الصدوق (قده) نسبه إلى النبي صلى الله عليه وآله جزما، فهو من المراسيل المعتبرة. لكن دلالته على حرمة نقل المصحف وغيره من المقدسات إلى الكفار


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب موانع الارث - الحديث - 11 وكنز العمال - ج 1 ص 17 - الرقم 246 - وجامع الصغير ج 1 ص 123.

[ 545 ]

ممنوعة، أما على ما هو الظاهر منه من كونه جملة إخبارية فلانه محمول إما على كون الاسلام يعلو على سائر الاديان حجة وبرهانا نظير قوله تعالى: (هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) (2) أي ليعليه على الاديان حجة وبرهانا، وإما على غلبته على الاديان خارجا وفي الحديث: (إن ذلك عند ظهور القائم عليه السلام) (3) فلا ربط له بالمقصود. وأما على الحمل على إرادة إلانشاء جدا من الجملة الاخبارية فلانه له بالمقصود. وأما على الحمل على إرادة إلانشاء جدا من الجملة الاخبارية فلانه يكون المفاد الاسلام يجب أن يعلو ولا بد أن لا يعلى عليه أو يحرم أن يعلى عليه، ويراد به حث المسلمين وتحريضهم على الجهد في علو الاسلام حجة وغلبة خارجية. فعليه يكون نشر كتب الاسلام وفي طليعتها الكتاب الكريم من وسائل علوه وغلبة حجته، بل دخيلا في غلبته خارجا أيضا، فلو لم تدل الرواية على لزوم نشره بالنقل إليهم وغيره فلا تدل على ما راموه. والانصاف أنه لم يدل دليل على حرمة النقل أو عدم تملك الكافر إياه أو سائر الكتب المقدسة، فمقتضى القاعدة صحة نقله إليه وتملكه له على نحو ما صح للمسلم. هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الجزء، والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


(1) سورة التوبة: 9 الآية 33. (2) البحار - ج 53 - ص 4 - الطبع الحديث .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية