الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




كتاب البيع - السيد الخميني ج 1

كتاب البيع

السيد الخميني ج 1


[ 1 ]

كتاب البيع 1 تأليف العلامة الاكبر والاستاذ الاعظم اية الله العظمى مولانا الامام الحاج آقا روح الله الموسوي الخميني قدس سره مؤسسه مطبوعاتي اسماعيليان قم - تلفن 25212

[ 2 ]

الكتاب: البيع المؤلف: الامام الخمينى قدس سره الشريف الناشر: مؤسسه اسماعيليان: قم، تليفون 25212 الطبعة: الرابعة عدد المطبوع: 1000 دوره (1 - 5) الطباعة والتجليد: مؤسسه اسماعيليان تاريخ النشر: 1410 هجري قمرى - هجري شمسي 1368 القطع وعدد الصفحات: وزيرى - 400 / 2 صفحه

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين. كتاب البيع وهو ماهية ذات إضافة إلى المتبايعين والى المثمن والثمن، وله أحكام، ولهذا تنقسم مباحثه إلى ما يبحث فيه عن ماهيته وما هو مربوط بها، كألفاظ الايجاب والقبول وما هو بحكمها كالمعاطاة، وإلى ما يبحث فيه عن شرائط المتبايعين وما يتفرع عليها، وإلى ما يبحث فيه عن شرائط العوضين والاقسام التي باعتبارهما، كباب الصرف والسلم والربا والنقد والنسيئة والقبض وغيرها، وإلى ما يبحث فيه عن أحكامها وما وقع في ضمنها، كالخيارات والشروط وأحكامهما، ولما كان بحثنا على طبق كتاب البيع للشيخ الاعظم (قده) اقتفينا أثره وإن كان الترتيب يقتضي غيرذلك.

[ 4 ]

المبحث الاول في ماهية البيع، ولابد في تحصيل تعريفها من تقديم أمور: الاول: أما رمناها من ماهية البيع هي التي تترتب عليها أبواب الكتاب من شرائط العوضين والمتبايعين وغير ذلك، وليس ما ذكر هو البيع المقابل للشراء ولو كان ذلك موافقا للعرف واللغة، بل المراد تحصيل معنى ما هو المصطلح عند الفقهاء، وهو المتقوم بالايجاب والقبول والتمليك والتملك، فتعريفه في المقام بتمليك العين بالعوض أو تبديل مال بمال ونحوهما مما هو فعل البائع غير وجيه. كما أن الظاهر أن البيع من مقولة المعنى لا اللفظ، فليس الايجاب والقبول مطلقا أو المستعملان استعمالا إيجاديا أو المؤثران عرفا أو شرعا بيعا عرفا ولغة وإن يطلق عليهما أحيانا، فيقال بيع صحيح أو فاسد، فانهما يطلقان على الاسباب، وأما المسببات فلا تتصف بهما، بل يدور أمرها بين الوجود والعدم، إلا أن يقال: إن المسبب الانشائي أيضا يتصف بالصحة والفساد كما هو التحقيق، كما أن الانشاء أي الاستعمال الايجادي للايجاب والقبول ليس بيعا، وكذا الاثر الحاصل اعتبارا عقيب إنشاء التمليك والتملك، بل هو عبارة عن التمليك والتملك أو التبديل والتبدل، وسيأتي الفرق بينهما وما هو الحق في المقام. وما ذكرناه يجري في المعاطاة أيضا، فليس بيع المعاطاة عبارة

[ 5 ]

عن التعاطي الخارجي الحسي، بل هو قائم مقام اللفظ في البيع بالصيغة وإنشاء فعلي له، كالاشارة القائمة مقام هيئة الامر، وليس المراد بالقيام مقامه أن البيع بالصيغة أصيل والمعاطاة نائبة منابه، بل لعل الاصيل الاقدم في باب المعاملات هو المعاطاة، وكيف كان يكون البيع من مقولة المعنى بما ذكر حتى في المعاطاة. ثم هاهنا إشكال عقلي في جميع العقود المتقوم تحقق أثرها بالقبول، وهو أنه لا إشكال في أن الايجاب قبل لحوق القبول به لا يكون مؤثرا فعلا في تحقق التمليك والتملك الاعتباريين لا عند العقلاء ولا عند المنشئ والموجب، ضرورة أن الموجب أيضا لا يرى خروج المثمن عن ملكه ودخول الثمن فيه بمجرد إيجابه، فمع العلم بعدم تأثير إنشائه في تحصيل المعنى الاعتباري المطلوب كيف يمكن له الاستعمال الايجادي للايجاب والقصد إلى حصول الملكية، ضرورة أن القصد إلى حصولها وتحقق الجد به متوقف على التصديق بترتب الاثر عليه وبكونه آلة للايجاد، ومع التصديق بعدم ذلك وبتوقفه على فعل الغير لا يعقل القصد إلى إيجاده، فكيف يمكن إنشاء ما لا يمكن أن يتحقق ويحصل؟! ولو قيل بامكان تعلق القصد بشئ لا يترتب عليه أثر إلا بالقصد كالتعظيم والتوهين من الامور القصدية - فان القيام ليس تعظيما وتوهينا إلا بقصدهما - فمن الممكن أن يتعلق القصد بما لا يترتب عليه الاثر إلا به، يقال له: إن القيام والركوع والسجود آلات للتعظيم، فإذا أدرك الانسان عظمة الطرف فصار ذلك الادراك وسائر المبادئ محركة له للقيام ونحوه من آلات التعظيم يصير ما فعل إظهارا لعظمته وتعظيما له، وإذا كان في النفس مبادئ التحقير السخرية فأوجد آلات التعظيم بتلك المبادئ صار ما فعل إظهارا لحقارته وتحقيرا له، وليس في شئ من ذلك قصد التعظيم والتحقير

[ 6 ]

علة لهما، مع أن القياس باطل، فان فيما نحن بصدده ليس قصد الايجاد موجبا للوجود حتى يقال: إن الموجب لما علم أن قصده كذلك موجب لترتب الاثر عليه يقصده لا محالة. والتحقيق أن يقال: إن ألفاظ المعاملات إيجابا أو مع قبول لا يعقل أن تكون مؤثرات لتحقق ما يتوقع منها كالملكية في البيع، لان الملكية والزوجية وغيرهما من الماهيات الاعتبارية المتقومة باعتبار العقلاء حدوثا وبقاءا، وليس لها حتى بعد الاعتبار حقيقة غير متقومة به، فلا يصح أن يقال: إنها وإن كانت اعتبارية لكن بعد الاعتبار القانوني الكلي لا يحتاج تحققها به، ضرورة أن مصاديق الامر الاعتباري اعتبارية أيضا. وبالجملة ليست للملكية والزوجية ونحوهما حقيقة مع الغض عن اعتبار العقلاء، لا أقول: إن اللازم فعلية اعتبار العقلاء، بل أقول: إنه لو عرضت عليهم الاسباب المملكية ليعتبرون الآثار والنتائج، وإن شئت قلت: تكفي الفعلية الارتكازية، وعليه لا يعقل أن يكون الايجاب والقبول موجبا لايجاد الملكية ووجودها فضلا عن الايجاب المجرد، إذ لازمه أن تكون ألفاظ المعاملات مؤثرات في نفوس العقلاء ونفس الموجب والمنشئ لها، مع أن للاعتبارات مبادئ ومناشئ حاصلة في صقع النفوس لا يعقل أن تكون تلك الالفاظ منها، فضلا عن كونها علة تامة وسببا وحيدا لها. فالتحقيق إن الاسباب المملكة بحسب المعروف ليست أسبابا حقيقة فالحيازة ليست سببا لحصول الملكية، أي هذا المعنى الاعتباري المتقوم بالاعتبار، بل هي كسائر الاسباب موضوعات لاعتبار العقلاء، فإذا تحققت الحيازة تصير موضوعة لاعتبار الملكية عقيبها من غير أن تصير علة للاعتبار أو الامر الاعتباري المتقوم به، وكذلك ألفاظ العقود، فانها أيضا موضوعات لاعتبارهم، بمعنى أنهم يعتبرون الملكية إذا استعملت هذه

[ 7 ]

الالفاظ في معانيها جدا، فإذا علم المتبايعان أن انتقال السلعة إلى أحدهما والثمن إلى الآخر في اعتبار العقلاء موقوف على إنشاء التمليك والتملك جدا فلا محالة يقصدان بألفاظهما ذلك جدا، ولو مع العلم بأن الالفاظ ليست موجدات لمعانيها حقيقة بل موضوعات للاعتبار. وبالجملة إن الاشكال مبني على مبنى فاسد، وهو موجدية الايجاب للتمليك أو الملكية، ومع عدم صحته انفسخ الاشكال، فمع العلم بترتب الاثر المطلوب على الانشاء جدا ولو بنحو الموضوعية يتمشى القصد لا محالة إلى ذلك. ولو سلم أن العقود مؤثرات كالتأثير التكويني فلا مجال لتوهم تأثير الايجاب لحصول الملكية للمتبايعين قبل لحوق القبول به، ولا إشكال عند كافة العقلاء في أن الاثر حاصل بعد لحوق القبول وتمامية المعاملة، فتكون ألفاظ الايجاب جزء المؤثر لاتمامه، فإذا علم الموجب أن جزئيتها للتأثير موقوفة على إنشاء التمليك جدا واستعمال الالفاظ في معانيها بقصد تحقق آثارها في موطنها فلا محالة يتعلق قصده به، ولا إشكال في جزئيتها للاثر بعد انصرامها وتقضيها بعد ما كان لها اعتبار بقاء وبقاء اعتباري كالعقد الفضولي المتعقب بالامضاء بناء على النقل، والوصية المعلقة على الموت. وعلى ذلك يسهل دفع الاشكال إن قلنا بأن الايجاب مؤثر في ظرف القبول أو بضمه، فان الموجب مع علمه بذلك ينشئ سبب التمليك أو جزئه ليؤثر في ظرفه، أي بعد القبول، وهذا وإن لم يكن من قبيل التعليق في الانشاء لكن يتوقف تأثيره على تحقق القبول وعلى الظرف الخاص، فلا تغفل.

[ 8 ]

ومما ذكرناه يظهر النظر في كلام الشيخ الاعظم حيث قال: (تحقق القبول شرط للانتقال في الخارج لا في نظر الناقل، إذ الاثر لا ينفك عن التأثير، فالبيع وما يساويه معنى من قبيل الايجاب والوجوب لا الكسر والانكسار، كما تخيله بعض) ثم أمر بالتأمل. ولعله ناظر إلى أن الانتقال كما لا يحصل في الخارج لا يحصل بنظر الناقل أيضا، لوضوح أن الآثار المتوقعة من العقود إنما تترتب عليها بعد تماميتها وبضم القبول إلى الايجاب، وأن الايجاب فقط لا يؤثر في النقل وهذا أمر واضح لا يغفل عنه الناس، مع أن التأثير إن كان مشروطا لا يعقل ترتب أثره على الايجاب بلا شرط، ولا يكون توقفه على الشرط من قبيل انفكاك الاثر عن التأثير. وأوضح منه نظرا كلام بعض أعاظم العصر حيث قال: (إن البيع الذي من فعل البائع لا ينفك عن تحقق اسم المصدر وإن لم يترتب عليه الاثر خارجا، فهو نظير الكسر الذي لا ينفك عنه الانكسار وإن كان من جهة ترتب الاثر، مثل الايجاب الذي لا يكون منشأ للآثار إلا إذا صدر ممن له الاهلية له، ضرورة أن اسم المصدر في التمليك هو الملك فإذا تحقق في الخارج لا يعقل معه عدم تحقق الاثر الذي هو الانتقال، فالتفكيك بين تحقق اسم المصدر والاثر لا يرجع إلى محصل) وتوهم أن مراده من الاثر ليس ما هو المعهود بينهم، بل المراد منه أحكام الملكية من قبيل وجوب التسليم وحرمة التصرف غير وجيه، ولو أراد ذلك فهو أفسد.

[ 9 ]

الامر الثاني: لا شبهة في أن ما هو عمل المتبايعين بحسب الغالب هو التمليك والتملك، وتبديل الاضافة المالكية والمملوكية باضافة أخرى، فالتبادل يقع بين الاضافات، كما لا شبهة في أن مراد صاحب المصباح من تفسيره البيع بمبادلة مال بمال هو المبادلة في الملكية ونحوها، وإلا فلا معنى معقول له فان المبادلة بين الشيئين لابد وأن تكون في شئ وحيث: إما في جوهر ذاتهما أو صفاتهما الحقيقية، أو اضافاتهما غير الاضافة الملكية، كالاضافة الزمانية والمكانية وغير هما، ومعلوم أن شيئا منها لا معنى له في المقام، ولا يمكن أن يكون مراده، فلا محالة يكون مقصوده التبادل في الملكية ولو بالمعنى لا عم الذي سنشير إليه، وهو عبارة أخرى عن التمليك بالعوض من هذه الجهة وإن كان بينهما اختلاف من جهة أخرى. وقد يقال: إن بين التعريفين فرقا معنويا، فان ظاهر تعريف المصباح أن المقابلة تقع بين المملوكين، والتعريف الآخر أن المقابلة بين السلطنتين والمتعارف تبديل الاموال لا تبديل الملكية التي هي عبارة عن السلطنة على الاموال، فان الناس مسلطون على أموالهم لا على سلطنتهم، وباب الاعراض عن الملك ليس من جهة شمول السلطنة، فان الاعراض إذهاب موضوع السلطنة، وليس مندرجا في موضوعها، فالمعاوضات عبارة عن تبديل المملوكين عكس باب الارث الذي هو تبدل المالكين. والحاصل أنه في عالم الاعتبار كل من المتبايعين واجد لاضافة بينه وبين المملوك، والتبديل عبارة عن حل الاضافة القائمة بالمثمن وجعلها قائمة بالثمن، وهذا الحل من آثار واجدية الاضافة، لا أن الاضافة

[ 10 ]

بتمامها تتبدل باضافة أخرى، فالاضافة هي السلطنة، وليس للناس سلطنة على السلطنة، وهكذا. فالحق إن البيع مبادلة مال بمال، وليس عبارة عن تمليك العين بالعوض، فالملكية جدة اعتبارية لها نحو تحقق في الاعتبار، وبها تتبدل الاموال، وأما هي بنفسها فليست قابلة للتبديل، لانه ليس للمالك ملكية على الملكية، بل لا فرق بين البيع وغيره في ذلك، حتى مثل الهبة المجانية، فان الواهب لا يملك المتهب ابتداءا، بل يعطيه المال، فإذا أعطاه إياه تنخلع عنه الاضافة، ويلبسها الآخر، انتهى ملخصا. وفيه موارد كثيرة للنظر نذكر مهماتها: منها - ما عرفت من أن التعريفين من هذه الجهة يرجعان إلى معنى واحد وإن اختلفا من جهة أخرى كما سيأتي. ومنها - أن السلطنة ليست هي الملكية، بل هي من الاحكام العقلائية للملكية، وتوهم وحدتهما أوقعه في الاشكال، وقال ما قال، وقوله صلى الله عليه وآله: (الناس مسلطون على أموالهم) (1) ينادى بما ذكرناه، فان اضافة الاموال إلى الناس هي الاضافة المملوكية، فقوله صلى الله عليه وآله: " الناس مسلطون على أموالهم " مساوق لقوله: " الناس مسلطون على أملاكهم " فان الناس لا يسلطون على الاموال بلا إضافة مالكية بينها وبينهم، فلو رجعت السلطنة إلى الملكية يكون قوله ذلك عبارة أخرى عن قوله: الناس ما لكون لا ملاكهم، وهو كما ترى من قبيل توضيح الواضح. فلا شبهة في أن السلطنة من أحكام الملكية لا نفسها، وأما باب الاعراض فهو أيضا من شؤون السلطنة على الاموال، ولا ضير في إيجابه


(1) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث.

[ 11 ]

إعدام موضوع السلطنة، إذ في جميع المعاملات كذلك، فالبيع موجب لذهاب موضوع السلطنة على السلعة، فلا فرق بين الاعراض والبيع والصلح والهبة من هذه الجهة، فكما أن السلطنة على الاموال لازمها السلطنة على البيع وإعدام سلطنة البائع على المبيع باعدام موضوعها كذلك لازمها السلطنة على الاعراض وإعدامها باعدام موضوعها، فما هو منشأ إشكاله منفسخ، وبه ينفسخ ما يترتب عليه. ومنها - أن ما ذكره من أن التبديل عبارة عن حل الاضافة القائمة بالسلعة وجعلها قائمة بالثمن، وهو من آثار واجديتها لا أن الاضافة تمامها تتبدل باضافة أخرى غير وجيه، لان حل الاضافة من طرف المملوك وبقاءها في طرف المالك مما لا يعقل. من غير فرق بين الاعتباريات وغيرها. ضرورة أن المملوك بما هو مملكوك مملوك المالك، والمالك مالك المملوك، وهما متكافئان لا يعقل المملوك بلا مالك، ولا المالك بلا مملوك فلا يعقل خلع اضافة المملوكية وبقاء اضافة المالكية، ولا تبديل اضافة المملوكية وعدم تبديل اضافة المالكية. وعليه يكون ما التزمه كرا على ما فر منه مع توالي فاسدة. وبما ذكرناه يظهر أن ما تخيله في باب الارث أيضا غير صحيح، بل مخالف لظواهر أدلة الارث. ثم إن هذا الحل أي خلع الاضافة وجعلها قائمة بالغير لا يعقل أن يكون من آثار تلك الاضافة، لان الاضافة قائمة بالطرفين، والفرض أن الملكية عبارة عن السلطنة، ولازمه كونها أيضا قائمة بالطرفين، فحينئذ خلع طرف الاضافة خلع حيثية ذاتها أو جزء ذاتها، وهو لا يمكن أن يكون من آثارها، بل ولا يمكن أن يكون للناس سلطنة على سلطنتهم والفرض أن السلطنة هي الملكية القائمة بالطرفين، فخلع الاضافة تصرف

[ 12 ]

في السلطنة ولو ببعض حقيقتها على مبناه غير الوجيه، فيكون من قبيل السلطنة على السلطنة. ومنها - أن ما ذكره من أن الملكية من قبيل الجدة الاعتبارية ينافي تفسيرها بالاضافة، والحق أنها من الاضافة الاعتبارية بوجه بعيد، وإن شئت قلت: إنها أقرب في الاعتبار إلى الاضافة، والامر سهل. ومنها - أن قوله في الهبة: " إن الواهب لا يملك المتهب ابتداءا بل يعطيه المال، فإذا أعطاه إياه ينخلع عنه الاضافة ويلبسها الآخر " من غرائب الكلام، ضرورة أن الاعطاء الخارجي ليس بهبة، فالمراد من قوله: " يعطيه المال " إن كان الاعطاء الخارجي بلا قصد هبته فلا يعقل انخلاع الاضافة، وإن كان الاعطاء هبة فهو التمليك مجانا، فعدم التمليك وانخلاع الاضافة لا يجتمعان، وهو واضح. الامر الثالث: أن ما ذكرناه في الامر المتقدم من أن ماهية البيع عبارة عن تبديل الاضافات انما هو في مقابل من قال: إن ماهيته تبديل المال بالمال أو العين بالمال، فيقع التبادل بين المالين ابتداءا، ولا يتوهم من ظاهر ما قلناه أن المراد هو التبادل بمعناه المعهود، بمعنى أن البائع يبدل اضافته الخاصة التي بينه وبين العين باضافة خاصة بين المشتري والثمن، فان ذلك غير معقول حتى لدى العرف، لعدم معقولية استقلال الاضافة ولو الاعتبارية منها بلا طرف ولو آنا ما، ولازم انتقالها من البائع إلى المشتري استقلالها وجودا واعتبارا بلا طرف، وهو كما ترى. ولا يتوهم أن عدم إمكان استقلالها عقلي لا عرفي، والمقام

[ 13 ]

متقوم بتشخيص العرف، فان العرف والعقلاء أيضا لا يتعقلون اضافة الملكية بلا مالك ولا مملوك، بل ما هو المتعارف لدى العقلاء هو تمليك العين بالعوض غالبا، ولازمه سلب المالكية عن نفسه وأيقاع الاضافة المالكية للطرف وهما بما هما سلطانان على السلعة والثمن كان لهما أنحاء التصرفات فيهما من التمليك المجان وبالعوض و الاعراض، والاخير سلب المالكية عن نفسه، والاولان إيقاع المالكية لغيره، و لازمه سلبها عن نفسه، وهو عبارة أخرى عن تبديل العين بالعوض في المكلية أي إعطاء الملكية للغير بالعوض، وعن تمليك العين بالعوض. ثم إن حقيقة البيع عبارة عن مبادلة مال بمال ولا دخل في الاضافة المالكية فيها، ووجود الاضافة المالكية بحسب الغالب لا يوجب دخالتها في الماهية وتقومها بها، و الدليل عليه صدق عنوان البيع على بيع الاعيان الموقوفة فيما يجوز بيعها، مع أنه لا مالك لها سيما الموقوفات العامة، فإذا ملكها ولي الامر كالمتولي والحاكم بالعوض صدق عليه البيع عرفا ولدى العقلاء بلا ريب، وكذا بيع الحاكم الاجناس الزكوية وأمثالها لو قلنا بأنها ليست ملكا لاحد، بل عينها الشارع المصارف خاصة، وكذا الحال في بعض أقسام البيع الفضولي الذي يأتي الكلام فيه إن شاء الله، وكذا بيع الكلي في الذمة مع عدم مالكية الشخص له، إذ لا يعتبر العقلاء مالكية الانسان لما في ذمته ولا يعد ما لا له. لكن لما كان للذمم اعتبار على حسب اختلافها فيه يكون لصاحبها سلطنة على تمليك كلي فيها حسب مقدار الاعتبار العقلائي، فيكون ذلك تمليك مال لا تمليك مال مملكوك أو تبديل الاضافة التي بين المالك والمملوك، فإذا ظهر أن في الامثلة المتقدمة ونظائرها صدق عنوان البيع، ومن الواضح عدم اختلاف ماهية البيع في تلك الموارد وغيرها من موارد تحقق الاضافة

[ 14 ]

المالكية نستكشف أن ماهيته لا يتقوم بالاضافة المالكية وإن كانت متحققة في غالب الموارد، فالمراد بتبادل الاضافات هو إعطاء اضافة بعوض، وهذا عين تمليك عين بعوض، فان التمليك إعطاء الاضافة لا تبديل اضافة محققة باضافة أخرى محققة، فتدبر جيدا. الامر الرابع: لا شبهة في أن المتعارف عند الناس في أوائل تمدنهم قبل تعارف الاثمان هو تبادل الامتعة بعضها ببعض حسب ما مست الحاجات إليه، فكانوا يعاوضون الحنطة بالشعير والمزروع بالملبوس وهكذا، والآن أيضا تكون المعاوضة بين العينين متعارفة سيما بين أهل البوادي والقرى، فهل هي معاملة مستقلة غير البيع أو هي هو؟ قد يتوهم من التعبير في البيع بالتمليك بالبدل أو بالعوض أن ماهية البيع متقومة بكون المبيع أصلا والثمن بدلا بمعنى أن المبيع مطلوب بالذات والثمن بدل لماليته. وهو وهم، فان التعبير بذلك ليس لاجل كون المبيع مطلوبا ذاتا بخصوصياته الذاتية، والثمن مطلوبا لاجل بدليته، ومطلوبية بدليته عرضية مع أن ذلك أيضا لا يصح كليا، بل المراد بالعوض هو العوض في المعاملة أي يكون التمليك في مقابل التمليك لا مجانا وبلا عوض، ومجرد تعارف كون المبيع سلعة وعروضا ومقابله الاثمان لا يوجب تقوم حقيقة البيع بذلك وصحة سلبه عن بيع الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم وعن البيع الربوي والصرف مع شيوع إطلاقه عليها عرفا وفي الشرع، فالبيع تمليك عين بعوض أو مبادلة مال بمال، كان العوض من الاثمان أم لا. نعم البائع والمشتري في بيع الاعيان بالاثمان معلوم لدى العرف،

[ 15 ]

لكن في بيع الدرهم بالدرهم يمكن أن يكون كل واحد منهما بايعا، فمن أوجب التمليك بالعوض بائع فلا يتعين فيه البائع لدى العرف ولا المشتري فلو باع دينارا بدينارين أو بدراهم وقبل الآخر صار الاول بائعا والثاني مشتريا، ولو انعكس انعكس لو لم نقل بجواز بيع الاثمان بالعروض، لعدم التعارف ومخالفته لبناء العرف والعقلاء، وإلا كما لا يبعد - وحكي عن العلامة لو باع دينارا بحيوان ثبت الخيار للبائع مدعيا عليه الاتفاق، فيدل على صحته لدى الفقهاء - انتفى الفرق من هذه الجهة أيضا، بل لو فرض إنشاء العقد بصيغة المعاوضة والمبادلة من غير تقدم أحدهما كما لو وكلا ثالثا لا جرائه لم يكن خارجا عن حقيقة البيع، بل هو أيضا تمليك العين بالعوض، نعم يمكن الفرق بينه وبين البيع بالاثمان بأن كلا من المتبايعين ملك عينه بالعوض، وهو لا يوجب الخروج عن حقيقة البيع ولا التفاوت الجوهري بينه وبين البيع بالاثمان. الامر الخامس: قالوا: لا إشكال ولا خلاف في اعتبار كون المبيع عينا، فلا يعم المنافع والحقوق، وربما يتشبث لذلك بانصراف الادلة إلى ما هو المعهود خارجا أو الشك في شمول المطلقات لغير بيع الاعيان. وأنت خبير بأن ما هو المقصود هاهنا تحصيل مفهوم البيع عرفا، سواء كان صحيحا شرعا أم لا، لا ما هو المؤثر شرعا، وإلا كان اللازم تقييد الموضوع بكل ما يعتبر في مؤثريته شرعا، وعليه لا يتجه التمسك بالاجماع أو تسالم الاصحاب وعدم الخلا ف، ولا بانصراف الادلة أو الشك في إطلاقها، إذ كل ذلك أجنبي عن المقصود، إلا أن يتشبث باتفاق

[ 16 ]

الاصحاب لتحصيل معناه العرفي، وهو كما ترى، لانهم بصدد بيان التفاوت بين البيع والاجارة المؤثرين، ولا أقل من احتمال ذلك، فلا يمكن استكشاف المعنى العرفي منه، فلا تغفل. نعم ربما يتمسك بالتبادر عرفا، وصحة سلب البيع عن تمليك المنفعة بالعوض، وفيه منع التبادر، والتبادر الناشئ من الغلبة غير مفيد، وأما صحة السلب فمع رجوعها إلى التبادر على ما حقق في محله ممنوعة أيضا، ضرورة تعارف البيع لدى العقلاء والعرف في موارد بيع غير الاعيان، كما يتعارف بين الزراع بيع آثار الاعمال في الارض، مثل الشيار وحفر الجداول وتصفية الاراضي إلى غير ذلك إذا أرادوا ترك الزرع أو الهجرة من قريتهم، ولا أظن بأحد منهم الترديد في صدق البيع عليه. وقد تعارف في عصرنا بيع حق عقلائي أو اعتبار كذلك يتخيلون في الدكاكين وغيرها، يسمونه (سر قفلي) أو حق الماء والطين، ولا أظن بأحدهم عد ذلك غير البيع ولا الشبهة في صدق مفهوم البيع عليه، بل الظاهر صدقه على بيع السلطان قطعة من مملكته وحومة تصرفه مع قيام الضرورة عل عدم بيع الاراضي والدور المملوكة للاشخاص، ولو فرض كون جميع تلك الناحية معمورة لاشخاص معلومين يصح بيعها لدى العقلاء، وهو ليس من بيع الاعيان، بل هو بيع معنى اعتباري، ولو نوقش في المثال فلا ينبغي المناقشة في أصل الدعوى، فبيع المنافع والحقوق بيع عرفا ولغة ولو فرض بطلانه. ثم إنه لو اعتبر كون المبيع عينا فيراد منها ما تقابل المنفعة والحق، فتعم العين الشخصية والملك المشاع والكلي في المعين والكلي في الذمة والدين، وربما يقال: لا إشكال في شئ منها إلا الاخيرين، فان فيهما إشكالا، وهو أنه لابد في المبيع أن يكون ملكا ومعروضا للملكية، وهما

[ 17 ]

ليسا كذلك لعدم وجودهما، مع أن الملكية عرض محتاج إلى المحل. أقول: الاشكال جار في الكلي في المعين والمشاع أيضا، ضرورة أن الكلي بأي وجه فرض وبأي قيد تقيد لا يخرج عن الكلية، ففي الكلي في المعين ما هو موجود في الخارج هو المتشخصات المتعينات التي غير قابلة للصدق على الكثيرين، والكلي في المعين ماهية صادقة على كل واحد من الافراد الموجودة في المعين، فصاع من صبرة يصدق على كل صاع متحقق فيها، ولهذا يصح تعيينه في أي صاع أراد البايع، وما هو كذلك لا يعقل أن يكون موجودا متشخصا، ولا فرق بينه وبين الكلي في الذمة إلا من جهة التقيد، فالكلي في المعين كلي مقيد بقيد لا ينطبق لاجله إلا على المصاديق المتحققة في الصبرة، الكلي في الذمة لو لم يتقيد بشئ يصدق على كل فرد من الطبيعة، وهذا لا يوجب الافتراق في الكلية، ولا يخرج الكلي به عن الكلية إلى الشخصية المتقومة بالوجود، وهكذا الكلام في المشاع، فان النصف والثلث وغير هما من الكسور لم تكن متعينة متشخصة في الخارج، وما ليس كذلك ليس بموجود خارجي. وبالجملة الموجود في الخارج هو العين، وأبعاضها المعينة موجودة بتبعها لو قلنا بموجوديتها فعلا، وإلا كما هو التحقيق لا يكون الموجود إلا نفس العين، وقبل القسمة الفرضية لم تكن الاجزاء موجودة بوجه، وبعدها تصير موجودة فرضا، ومع التقسيم الخارجي تخرج من الجزئية إلى الاستقلال، وصارت موجودة بوجودها الشخصية، وهذا الجزء بهذا المعنى المتشخص أو المتعين ولو بالقوة ليس الكسر المشاع، بل هو أمر معين، والمشاع لا يعقل أن يكون معينا، ومع عدم التعيين يأتي الاشكال المتقدم فيه. والجواب في الجميع هو التشبث بأن الملكية ليست من الاعراض الخارجية، بل من الاعتبارات العقلائية، ولا مانع من اعتبارها في موضوع

[ 18 ]

اعتباري آخر، والكلي في الذمة وكذا سائر الامثلة ليست معدومة مطلقا حتى في الاعتبار، بل هي موجودات اعتبارية، مورد اعتبارها قد يكون في الذمة، وقد يكون في خارجها، ومع موجوديتها يعتبرها العقلاء ملكا ومملوكا، فلا إشكال من هذه الجهة، وأما تحقيق اعتبار العقلاء في الملك المشاع والكلي في المعين والفرق بينهما فموكول إلى محله. والانصاف أن الاشكال فيهما أقوى، والجواب أصعب من الاخيرين وأما الاشكال الآخر المختص بالكلي في الذمة بين الا مثلة والجاري في عمل الحر من عدم ماليته لصاحب الذمة والحر فقد مر دفعه. ويؤيد ما ذكرناه من عدم اعتبار كون المبيع عينا في نظر العقلاء عدم الاشكال في عدم اعتبار كون العوض عينا، وعدم الخلاف فيه، ولا شبهة في صدق عنوان البيع عليه، واحتمال الالحاق شرعا مقطوع الفساد، ووجه التأييد أن العوض والمعوض يختلفان بالاعتبار حسب انشاء البيع، وأما بحسب الواقع فكل من المثمن والثمن عوض عن الآخر، فماهية البيع هي المبادلة بينهما، وجعل كل منهما عوضا عن الآخر، وبدلا عن صاحبه، فالعين بدل الثمن وعوضه، والثمن بدل العين وعوضها، فكما لا يعتبر في العوض بمعنى الثمن كونه عينا كذلك في العوض الآخر الذي هو مبيع، لعدم الفرق بينهما من جهة العوضية والمعوضية، ومن وقوع التبادل عليهما. ولعل التزام الاعاظم بالفرق بينهما ناش إما من كلام الفقهاء في مقام الفرق بين البيع والاجارة بأنه نقل الاعيان وهي نقل المنافع، وقد أشرنا إلى أن اتفاقهم على فرض تحققه لا يكون كاشفا عن المفهوم العقلائي، ولا يثبت به اللغة والمعنى العرفي، وإما من نحو قوله: " البيع هو تمليك العين بالعوض " فالتزموا في المبيع أن يكون عينا دون العوض،

[ 19 ]

وفيه أن صحة هذا التعريف أول الكلام. والانصاف أن توهم الفرق بينهما عرفا تكلف، وشرعا لو فرض ثبوته خارج عن محط بحثنا. ثم لا إشكال في صدق البيع مع كون العوض منفعة، وأما عمل الحر فقد استشكل فيه الشيخ الاعظم باحتمال اعتبار كون المبيع مالا قبل المعاوضة، واحتمال عدم مالية عمل الحر. أقول: هذا وإن كان أمرا مستقلا كان علينا بيانه في تحصيل مفهوم البيع، لكن نتعرض له تبعا في ضمن هذا الامر، فنقول: قد مر عدم اعتبار كون المبيع ملكا للبائع كبيع ولي الوقف الموقوفة العامة، بل ولا يعتبر في العوض ذلك أيضا، كما إذا اشترى الحاكم بالصدقات أو بالخراج شيئا وقلنا بعدم كونهما لمالك، بل جعلا لمصرف خاص، وكتبادل الوقف العام بمثله إذا اقتضت المصالح، فيرجع إلى تبادلهما في الولاية أو السلطنة، ولا بأس به للصدق العرفي، فهل يعتبر كونهما مالين قبل وقوع المعاوضة عليهما أم لا؟ الظاهر عدم الاعتبار، فإذا فرض كون شئ غير مال لدى المشتري أو البائع لكن بعد النقل صار مالا يكون تبادلهما بيعا عرفا، وموردا لاعتبار العقلاء وموافقا لاغراضهم، فإذا فرض عدم مالية عمل الحر قبل وقوع المعاوضة عليه وصار مالا بعده يكون بيعه بيعا عرفيا عقلائيا. بل قد يقال بعدم اعتبار كونهما مالا رأسا، فان المعاوضة عليهما بيع وإن كان فاسدا، وفيه ما لا يخفى، فان المنظور هاهنا هو البيع الذي من مقولة المعنى لا ألفاظ المعاملة حتى تتصف بالصحة والفساد، وأمر المعنى دائر بين كونه مورد الاعتبار العقلاء وعدمه، ومع عدمه لا يكون بيعا، فانه ماهية اعتبارية، ومعلوم أن اعتبارات العقلاء انما

[ 20 ]

هي لاغراض واحتياجات ومصالح بحسب التمدن والتعيش، ولا معنى لاعتبار ما لا يتعلق به غرض ولا فائدة له رأسا، فهل يصح اعتبار عقد الازدواج بين الشجرين، فيقال: إنه نكاح فاسد، أو أنه ليس إلا أضحوكة؟! فتبديل من من ماء البحر بمن منه في البحر كتبديل كف من تراب بكف منه في البر أضحوكة لا بيع ولا معاملة أخرى. ثم أن عمل الحر مال سواء كان كسوبا أم لا، ضرورة أن خياطة الثوب أو حفر النهر مال يبذل بازائه الثمن، وليس المال إلا ما يكون موردا لرغبة العقلاء وتقاضاهم، ومعه يبذلون بازائه الثمن. نعم ماليته باعتبار توقع حصوله ووجوده، لكن لا بمعنى أنه قيد له، بل بمعنى كونه مالا بلحاظه، فيكون ذلك كجهة تعليلية لذلك، فالفرق بين عمل الكسوب وغيره من جهة صدق المال في الاول دون الثاني، - كما التزم به الطباطبائى (قده) في تعليقته - ليس على ما ينبغي. نعم فرق بينهما في تحقق الضمان بحبسه، فان الظاهر أن حبس الحر الكسوب موجب للضمان لدى العقلاء بخلاف غيره، وهذا جار ظاهرا في العبد، وفي سائر الاموال أيضا، فان العبد أو الفرس أو غيرهما قد يكون معدا للاجارة وتحصيل مال الاجارة، وقد لا يعد لذلك، كما في عبيد السلاطين والخلفاء، فانهم لمجرد ازدياد الشوكة والعظمة ولا تكون عبيدهم معدين للكسب، فحبس مثل هذا العبد لا يوجب ضمان المنافع لدى العقلاء، وكذا أفراس السلاطين والاشراف مما لا تكون معدة للاجارة بل لركوبهم فليس غصبها موجبا لتقدير منفعة لها وتضمين الغاصب إياها، وكذا الحال في بيت معد لاقامة العزاء لا غير، فيجري فيه ما ذكر. ففي جميع تلك الموارد يفترق المعد للاجارة عن غيره لدى العقلاء

[ 21 ]

نعم مع استيفاء الغاصب منفعة منها يكون ضامنا لها، وهو واضح، والظاهر عدم تعبد في المقام من قبل الشارع غير ما لدى العقلاء، فتدبر. وأما حصول الاستطاعة بمجرد كون الحر كسوبا فممنوع، لان الاستطاعة عبارة عن واجدية الزاد والراحلة فعلا، وعمل الحر ولو كان كسوبا يوجد بالتدريج، فتحصيل الزاد في طريق الحج من قبيل تحصيل الاستطاعة، وليست حاصلة بالفعل. وأما الحقوق ففيها جهتان من البحث: الاولى في ماهياتها وأقسامها وأحكامها على سبيل الاجمال، الثانية في صحة جعلها عوضا أو معوضا. أما الاولى فلا شبهة في أن الحق ماهية اعتبارية عقلائية في بعض الموارد، وشرعية في بعض الموارد، كاعتبارية الملك والسلطنة والولاية والحكومة وغيرها، فهو من الاحكام الوضعية، كما لا ينبغي الريب في أنه ماهية واحدة ومعنى وحداني في جميع الموارد، وليس له في كل مورد معنى مغائر للاخر، وبعبارة أخرى أنه مشترك معنوي بين مصاديقه كأخواته. فهل اعتباره عين اعتبار السلطنة أو عين اعتبار الملكية أو لا هذا ولا ذاك بل هو اعتبار آخر مقابلهما؟ يظهر من الشيخ الانصاري (قده) أنه عبارة عن السلطنة مقابلا للملك، ومن عدة من المحققين أنه مرتبة ضعيفة من الملك ونوع منه، وربما يقال: إنه نحو سلطنة وملك، فيكون الحق والملك والسلطنة معنى واحدا وإن كان الحق أخص منهما، ويظهر من بعض محققي المحشين على بيع الشيخ أنه في كل مورد اعتبار مخصوص له آثار خاصة، فحق الولاية وحق التولية والنظارة والرهانة والاختصاص ليس إلا نفس تلك الاعتبارات، والاضافة فيها بيانية، وحق التحجير عبارة عن اعتبار كونه أولى بالارض، وحق القصاص والشفعة والخيار عبارة عن السلطنة.

[ 22 ]

أقول: قد أشرنا إلى أن الاعتبار في الحقوق ليس مختلفا وإن اختلفت متعلقاتها، وما ذكره من الامثلة المتقدمة أي الولاية والتولية ونحوهما ليس شئ منها من الحقوق، بل هي اعتبارات أخر غير الحق والملك والسلطنة، فالولاية والوصاية من الاعتبارات المجعولة بذاتها غير مربوطة بالحق، والظاهر أن الاختصاص في الخمر ليس من الحقوق أيضا فالقول بأن المذكورات كلها من الحقوق والالتزام بأن الحق في كل مورد له معنى على حدة في غاية الاشكال، ومخالف لارتكاز العقلاء والعرف. فإذا صح ما ذكرناه من وحدانية حقيقته كما هو كذلك عرفا ولغة وتبادرا فالتحقيق أنه غير الملك والسلطنة، والشاهد عليه مضافا إلى فهم العرف وارتكاز العقلاء صدقه في موارد لا يعتبر فيها الملك ولا السلطنة، فلو سبق إلى مكان في المسجد والاراضي المتسعة من الاملاك والموقوفات فلا شبهة في أنه لا يملك المكان المسبوق إليه بوجه من الوجوه، لا ملكا ضعيفا ولا شديدا لو سلم تصور الشدة والضعف في الملك، مع أن المعروف أنه أحق به من غيره، ويتعلق به حق له على المكان، وتوهم مالكيته للتمكن فيه كلام شعري لا ينبغي الاصغاء إليه، ومخالف لاعتبار العقلاء، ولو حفر نهرا وأوصله إلى الشط فما لم يدخل الماء في نهره لم يكن مالكا للماء بلا شبهة بوجه من الوجوه. ولكن يمكن أن يقال: إن له حق الحيازة، وفي مورد التحجير يثبت حق على الارض، ولا تصير ملكا له بلا ريب، ومن أمثال ما ذكر يظهر أن اعتباره غير اعتبار الملك، ولا يكون مساوقا له ولا أخص منه كما أن تخلفه عن السلطنة أحيانا دليل على عدم مساوقته لها ولا أخصيته منها، فإذا انتقل حق التحجير والاستحلاف والقذف وغيرها إلى الصغير أو كانت تلك الحقوق للمحجور عليه بسفه وغيره لا شبهة في اعتبار الحق

[ 23 ]

لهم كاعتبار الملك، كما لا شبهة في عدم اعتبار السلطنة لهم حتى لدى العقلاء بالنسبة إلى بعضهم، كالصغير غير المميز والمجنون، فالسلطنة فيها لوليه القانوني العرفي أو الشرعي. وما قد يقال: إن سلطنتهم سلطنة القاصر ليس بشئ، لان القاصر مسلوب السلطنة لا مفوضها، وللوصي والقيم والجد والاب والحاكم سلطنة مستقلة عليه وعليها، وليس حالهم حال الوكيل، وهو واضح. وربما تعتبر السلطنة في بعض الموارد ولا يعتبر الحق ولا الملك، كسلطنة الناس على نفوسهم، فانها عقلائية، فكما أن الانسان مسلط على أمواله مسلط على نفسه، فله التصرف فيها بأي نحو شاء لولا المنع القانوني لدى العقلاء والشرعي لدى المتشرعة. فما أفاد الشيخ الاعظم من عدم إمكان قيام السلطنة بطرفيها بشخص واحد إن أراد الامتناع العقلي للتضائف الذي بينهما، فلا دليل على الامتناع كلية، بل في كثير من الموارد يقوم طرفا الاضافة بشئ واحد، وإن أراد عدم اعتبار العقلاء فهو أيضا ممنوع، فان الناس لدى العقلاء مسلطون على أنفسهم كما أنهم مسلطون على أموالهم، بل في هذا العصر تعارف بيع الشخص دمه وجسده للامتحانات الطبية بعد موته، وليس ذلك إلا لتسلطه على نفسه لدى لعقلاء، فسلطنة الناس على أنفسهم عقلائية، وأما كون الشخص ذا حق على نفسه فغير عقلائي، إذ لا يعتبرون العقلاء أن الانسان ذو حق على نفسه. فلو قال الشيخ الاعظم: إن الحق لا يقوم بطرفيه على شخص واحد فيكون محقا ومحقا عليه كان وجيها، وإن بقي الاشكال عليه من جهة تخيل أن الحق مطلقا أو في الشفعة والخيار يتعلق على الطرف، فيكون مطلقا أو في الشفعة والخيار سلطانا وسلطانا عليه، مع أن الامر ليس

[ 24 ]

كذلك كليا ولا في المثالين، لان حق الخيار قائم بالعقد وحق الشفعة قائم بالعين لا على الطرف، فتوجيه بعضهم كلامه ليس على ما ينبغي. نعم يمكن توجه كلامه بوجيه آخر سيأتي التعرض له، بل الظاهر عدم اعتبار ملكية الانسان لنفسه، وقد تقدم أن ماهية البيع لا تتقوم بكون المبيع ملكا، بل يكفى في تحققها السلطنة على التمليك. فتحصل مما ذكر أن الحق ليس ملكا ولا مرتبة منه، ولا سلطنة ولا مرتبة منها، أي لا يكون عينهما ولا أخص منهما، وإلا لما تخلف عنهما. ويؤيد المدعى بل يدل عليه أن الملك في جميع الموارد اضافة بين المالك والمملوك، حتى في مالكية شئ في ذمة الغير، لان الملكية متقومة بالاضافة الحاصلة المذكورة وتكون ذمة المديون كمحفظة للمال لا دخالة لها في اعتبار الملكية، وإن شئت قلت: حال الذمة حال الخارج بالنسبة إلى الاعيان الخارجية المملوكة، فكما أن الخارج ظرف للمملوك من غير دخالة له في اعتبار الملكية كذلك الذمة. وأما الحق فكثيرا ما يعتبر بين ذي الحق ومن عليه الحق ففي حق الاستحلاف يكون للمدعي حق على المدعى عليه لان يستحلفه، فيكون الاستحلاف مورد الحق، والمدعي صاحبه، والمنكر من عليه الحق، وإذا حلف المنكر أدى ما عليه، وليس في شئ من الموارد حال الملك كذلك حتى في ملكية ما في الذمة كما عرفت وما يرى من اعتبار (عليه) في الذمم فانما هو باعتبار الدين لا الملك، إذ الدين له اضافة إلى الدائن وإلى المديون فيكون فيه اعتبار (له) و (عليه) دون الملك، فان اعتبار (عليه) ليس في شئ من موارده دخيلا في اعتباره. ويؤيده أيضا أنه يعتبر في الحق أحيانا الاداء الدين دون الملك، لان الحق كالدين يعتبر في بعض الموارد على الغير، فيصح فيه الاداء

[ 25 ]

ويصدق عليه، وأما الملك فلا يعتبر فيه العهدة، ولا يصح فيه الاداء والتأدية كما لا يصح ذلك الاعتبار في السلطنة، فلا يقال: أدى سلطنته أو سلطانه كما يقال: أدى حقه. ثم أن الظاهر أن الحق في مثل استحقاق العقوبة في العاصي واستحقاق الثواب في المطيع، بل وحق الجار على الجار في الجملة وأنحائها من هذا القبيل، فيكون لله تعالى حق على العاصي أن يعاقبه، وللمطيع على ما قالوا حق على الله تعالى أن يثيبه، مع عدم اعتبار الملكية والسلطنة في نحو الاخير بالضرورة. ثم أنه بعد ما علم أن الحق اعتبار مقابل الاعتبارات الاخر المتقدمة فهل يكون مقتضاه ذاتا جواز النقل والاسقاط أو تستتبعه عند العقلاء سلطنة على ذلك، كما قلنا في الاموال المملوكة: إن الملكية اعتبار عقلائي ومن أحكامها السلطنة على التقليب والتقلب؟ الظاهر هو الثاني، فان واجدية الحق ليست عبارة أخرى عن السلطنة والقدرة الاعتبارية على المذكورات بل لدى العقلاء كل ذي حق سلطان على حقه وله التقليب والتقلب فيه. نعم قد يعبر عن السلطنة بالحق بالمعنى الاعم، فيقال: له حق على إسقاط حقه أو نقله، ولا شبهة في عدم اعتبار حق على الحق، بل له السلطنة على الحق، وبها يجوز المذكورات، فالسلطنة القائمة على الاموال والاملاك والحقوق مقومة لنفوذ المعاملات لدى العقلاء، لا نفس الملك ولا نفس الحق، ولهذا قد يتحقق الملك والحق ولا سلطنة على المذكورات كالمحجور عليه، وقد تتحقق السلطنة لشخص بلا واجديته للملك والحق كالاولياء. وقد فسر بعض الاعاظم الحق بالسلطنة الضعيفة، ومع ذلك التزم بجواز نقله، مع إنكاره فيما تقدم إمكان نقل الملك لكونه سلطنة، ولا يعقل

[ 26 ]

السلطنة على السلطنة، والناس مسلطون على أموالهم لا على سلطانهم، مع أن نقل الحق الذي هو سلطنة على زعمه لازمه السلطنة على السلطنة نعم قال في خلال كلامه: " فإذا كان الحق عبارة عن اعتبار خاص الذي أثره السلطنة الضعيفة على شئ ومرتبة ضعيفة من الملك فهو بجميع أقسامه وانحائه قابل للاسقاط " انتهى. وأنت خبير بأن صدر كلامه هذا مخالف لما تقدم منه " أنه سلطنة ضعيفة " كما أنه مخالف لقوله في ذيله: " ومرتبة ضعيفة من الملك " بعد ما فسر الملك بالسلطنة، ولازم كلامه هذا مع ما تقدم منه " أنه سلطنة ضعيفة " أثرها سلطنة ضعيفة، وهو كما ترى. فلو اكتفى بالجملة الاولى وهي قوله: " اعتبار خاص الذي أثره السلطنة " بلا تقيدها بالضعيفة كان حقا. ثم أن الظاهر من ذيل كلامه أن قوام الحق بقابليته للاسقاط، فإذا لم يقبل فلا يكون حقا، واستظهر من الشهيد أيضا، وفي الاستظهار نظر، كما أن قوام الحق بقابليته للاسقاط بمعنى أن عدمها مساوق لعدمه غير ظاهر إن كان المراد قابليته فعلا بمعنى لزوم سقوطه بالاسقاط، وما ليس كذلك فليس بحق، كما لا يبعد ذلك بالنظر إلى جميع كلامه، لا بمعنى اقتضائه لذلك وإن أمكن حصول المانع له. وبالجملة إن أراد الثاني فلا بحث، وإلا ففيه إشكال، لان الحق كما مر اعتبار خاص، ومن أحكامه السلطنة على أمور، كالاسقاط والنقل فلو فرض سلب جميع آثاره فلا شبهة في عدم اعتباره، كما أن سلب جميع آثار المكلية مساوق لسلب اعتبارها لدى العقلاء، وأما سلب بعض الآثار مع بقاء بعضها فلا، فالحق يعتبر مع حفظ السلطنة ولو في بعض الآثار وبعبارة أخرى ليس حال الاسقاط في الحق كحال النقل في البيع، من حيث أن شرط عدم الاسقاط كان مخالفا لمقتضاه، كما أن شرط عدم النقل

[ 27 ]

مخالف لمقتضى البيع، ضرورة أن شرط عدم الاسقاط غير مناف لمقتضاه لدى العقلاء، ولعل مراده أن الحق في حد نفسه قابل للاسقاط لكن لو كان مراده ذلك لم يتجه إشكاله على السيد الطباطبائى (قده) فانه أيضا صرح بأن الحق بحسب طبعه يقتضى جواز إسقاطه ونقله لو لا المنع التعبدي. ثم أنه قد يقال: إن الحقوق على أقسام: منها - ما لا ينتقل بالموت ولا يصح إسقاطه ولا نقله، وعد منه حق الابوة، وحق الولاية، وحق الاستمتاع بالزوجة، وحق السبق بالرماية قبل تمام النضال، وحق الوصاية وأنت خبير بأن شيئا منها ليس من قبيل الحقوق، فمثل الولاية والوصاية ونحوهما، من الوضعيات المقابلة للحق والملك والسلطنة، والاستمتاع بالزوجة جائز شرعا، ويجب عليها التمكين، والزوج مسلط عليها في الاستمتاعات وأما كونه حقا فغير معلوم، وفي السبق قبل تمام النضال لم يثبت حق، بل هو عقد لازم ظاهرا يجب الوفاء به، فقيل تمامه يجب الاتمام بناء على لزومه، ولو قيل: إنه مثل الجعالة فلا شئ قبل تمامه، وبعده يملك عليه الجعل. وكيف كان لم يثبت مورد أحرز كونه حقا ومع ذلك لم يكن قابلا للاسقاط والنقل والانتقال. ومنها - ما يصح نقله وإسقاطه وينتقل بالموت، كحق الخيار والقصاص والرهانة والتحجير ونحوها، وربما يقال بعدم قبول حق الخيار والشفعة والرهانة للنقل إلى الغير، بحيث يكون له الخيار وله تملك حصة الشريك أو له استيقاء الدين، فان ذلك غير صحيح أو غير معقول. أقول: الخيار حق قائم بالعقد، ولصاحب الخيار سلطنة على الفسخ والامضاء، ولازم الفسخ رجوع كل من العين والثمن إلى محله الاول،

[ 28 ]

فترجع العين إلى البائع والثمن إلى المشتري بالفسخ، وهذا المعنى قابل للنقل إلى الغير، وليس مقتضاه إلا فسخ العقد بالمعنى المذكور، من غير فرق بين النقل إلى الاجنبي أو إلى طرف المعاملة، فكما يصح جعل الخيار أولا لاجنبي ولاي طرف من المتعاملين - وليس لازمه إلا ما ذكر أي فسخ العقد ورجوع العوضين إلى صاحبهما الاول لا إلى الاجنبي - فكذلك حال النقل. ومن ذلك يعلم حال حق الشفعة أيضا، فانه حق قائم بالعين المشاعة المبتاعة ليضمها إلى ملكه، وهذا بهذا المعنى قابل للنقل إلى الاجنبي وإلى الطرف، فيثبت لهما ذلك الحق، أي حق ضم المبتاع إلى ملك الشفيع. وأما الرهن فليس بحق، بل الحق بعد الشرائط المذكورة في محله قائم بالعين المرهونة لاستيفاء الدين منها، وهذا قابل للانتقال إلى الاجنبي ليكون له حق استيفاء دين الدائن منها، نعم لا يصح جعله للراهن، لان له ذلك قبل الجعل، فلا معنى لنقل ما هو حاصل إلا أن يرجع إلى الاسقاط، وهو على فرض صحته أمر آخر. ومنها - ما هو قابل للنقل إلى من هو مثله، كحق القسم القابل للانتقال إلى الضرة لا غير، أقول: بل الظاهر جواز نقله إلى الغير حتى إلى الرجل، سيما إذا قلنا بجواز أخذ العوض بازائه، كما هو الاشبه، لا مكان أن يشتري الاجنبي هذا الحق ويبيعه أو يصالحه الضرة، وليس معنا انتقال هذا الحق أن يكون للمنتقل إليه حق الاستيفاء مباشرة، بل معناه كونه صاحب قسم الزوجة، فله الاسقاط، وله الاستيفاء لو لا المانع، وله النقل إلى غيره. ثم أن الحق بما هو معنى اعتباري قائم باعتبار العقلاء وبما أنه اضافة خاصة تتقوم بالاطراف لا يكون معنى نقله ما هو المتفاهم من ظاهر النقل

[ 29 ]

والانتقال، بل حاله حال البيع بما مر ذكره من أن إنشاء النقل جدا موضوع الاعتبار العقلاء ذلك الحق لغيره، وإلا فلا يعقل النقل بمعناه الواقعي اللازم منه استقلال الاضافة بلا طرف حتى لدى العرف. ومنها - ما يشك في صحة إسقاطها أو نقلها وانتقالها، وعد منها ما لا يكون حقا جزما وما يشك في كونه حقا، وما يكون قابلا للاسقاط والنقل على فرض ثبوت حقيته، كحق السبق في إمام الجماعة. ثم أنه لو شك في كون شئ حقا أو حكما فلا أصل لاثبات أحدهما، فلابد من الرجوع إلى الاصول العملية، وأما لو شك في كون حق قابلا للاسقاط أو النقل فان كان الشك لاجل الشك في القابلية العرفية فلا يصح إحرازها بالعمومات، لرجوع الشك إلى الصدق، وإن كان في القابلية الشرعية فقد يقال بجواز التمسك بعمومات تنفيذ العقد والصلح والشرط وسلطنة الناس على أموالهم لتصحيح المعاملة وكشف القابلية، إذ شأن العمومات رفع هذا الشك. وربما يرد ذلك بأن أدلة إنفا المعاملات في مقام بيان إنفاذ الاسباب شرعا عموما أو إطلاقا فإذا أحرزت قابلية النقل وشك في اعتبار سبب خاص فدليل عموم المعاملة كدليل الصلح والشرط يرفع هذا الشك، وأما إذا شك في قبوله للنقل لا من حيث خصوصية سبب من الاسباب فلا يمكن رفعه بأدلتها. وفيه أنه لا شبهة في أن قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (1) أو قوله عليه السلام: " الصلح جائز بين المسلمين " (2) أو " المؤمنون عند شروطهم " (3)


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) الوسائل - الباب 3 من كتاب الصلح الحديث 2. (3) الوسائل - الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 30 ]

ظاهر في لزوم الوفاء بكل معاقدة أو صلح أو شرط يصدق عليها تلك العناوين عرفا، فعدم وجوب الوفاء في مورد أو موارد مخالف لهذه العمومات والاطلاقات، فإذا ألقيت تلك العمومات إلى العقلاء لا يشكون في أن الشارع بصدد إنفاذ كلية العقود والشروط وماهية الصلح بلا قيد وشرط والشك في عدم القابلية الشرعية راجع إلى الشك في اعتبار الشارع شرطا وقيدا في المثمن أو الثمن، وبالجملة إلى عدم انفاذه معاملة خاصة، فإذا شك في أن البيع الربوي صحيح يرجع ذلك الشك إلى احتمال اعتبار الشارع شرطا في العوضين بعد كون المعاملة عقلائية، ولا شبهة في أن العمومات رافعة له، ولا دليل على دعوى كونها بصدد إنفاذ الاسباب فقط حتى ترجع إلى الحكم الحيثي بل الظاهر منها أنها أحكام فعلية بصدد إنفاذ المعاملات العقلائية والعقود العرفية، ولا يزال الفقهاء الذين هم من العرف والعقلاء يتمسكون بها لاثبات صحه المعاملات. هذا مع عدم جريان الاشكال في مثل " الناس مسلطون على أموالهم " (1) مع شموله للحق الذي هو مال، وبالقاء الخصوصية أو الفحوى يسري الحكم إلى ما ليس كذلك، لكنه يأتي الكلام فيه. نعم هنا شبهة أخرى وهي أنه استثني من أدلة نفوذ الشرط ما هو مخالف لكتاب الله أو غير موافق له أو حرم حلالا أو أحل حراما، وكذا استثنى من دليل إنفاذ الصلح ما أحل حراما أو حرم حلالا، والظاهر من مخالفة الكتاب مخالفة حكم الله تعالى ولو ثبت من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله أو أخبار الائمة الطاهرين سلام الله عليهم، كما أن الظاهر أن لا خصوصية للتحليل والتحريم، بل المراد تغيير حكم الله تعالى


(1) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث.

[ 31 ]

كما يشهد به اختلاف التعبير في الشرط، فيراد في الصلح أيضا ظاهرا استثنمطلق ما يخالف حكم الله، ولا يبعد إسراء العرف والعقلاء هذا الاستثناء إلى سائر المعاملات، بل لا يبعد أن يكون ذلك حكما عقليا واستثناء لبيا يدركه العقل، ولو قلنا بأن الشرط أعم من الشرط الضمني والابتدائي بل مطلق العقود والمجعولات العقلائية فالامر أوضح. وعلى هذا لو شك في معاملة من جهة اعتبار الشارع الاقدس قيدا أو شرطا في العوضين به يخرجان عن القابلية للانتقال لا يصح التمسك لرفعه بالعمومات، لكونه من التمسك بها في الشبهة المصداقية، وهو غير جائز ولو في المخصصات اللبية، كما قررنا في محله، وإحراز المصداق بالاصل محل إشكال يطول التعرض له، ولعله يأتي الكلام فيه. نعم يمكن أن يقال: إن دليل سلطنة الناس على أموالهم الشامل للحقوق المالية لفظا ولغيرها بالفحوى يرفع الشك في اعتبار الشارع قيدا للعوضين، ضرورة أن كل قيد يوجب عدم قابلية العوضين للنقل تضييق لسلطنة المتعاملين، ومناف للعموم المذكور، فالعموم يكشف عن عدم اعتبار الشارع قيدا، ويكشف عن عدم كون المعاملة مخالفة لحكم الله تعالى، وينقح بهذا الدليل موضوع عمومات الصلح والعقد والشرط، فيتمسك بها لانفاذ المذكورات، ولكنه لا يخلو من مناقشة يأتي الكلام فيها. الجهة الثانية - وهي مورد البحث الاصيل - أنه هل يعتبر في البيع أن لا يكون الحق عوضا ولا معوضا، أي يكون الاعتبار فيه على وجه لو جعل الحق عوضا أو معوضا لخرج عن صدق البيع، ولابد في صدقه أن يكونا عينين أو منفعتين أم لا مطلقا أو يفصل بين العوض والمعوض؟ يمكن تقريب الاول بأن المعتبر في البيع تمليك العوضين، فيقوم كل منهما مقام الآخر في الملكية، وهذا المعنى غير متصور في نقل الحقوق،

[ 32 ]

لان اعتبار الحق غير اعتبار الملك والسلطنة كما مر، وأيضا لا يكون الحق مملوكا لذي الحق، بل له اضافة خاصة بها يستحق، لا باضافة مالكية حتى يكون له إضافتان: إضافة حق وإضافة مالكية الحق، نعم لكل ذي حق وملك سلطنة عليهما وهي من الاحكام العقلائية لهما، فان لم يكن الحق ملكا ولا مملوكا وإن أطلقا عليه بنحو من المسامحة لا يكون نقله بيعا سواء كان من طرف أو طرفين. وفيه منع اعتبار التمليك والتملك في ماهية البيع، كما مر من صدق البيع على بيع الوقف العام مع عدم دخول ثمنه في ملك أحد، وكما في بيع الغلات الزكوية بالنقد الزكوي بناء على عدم مملوكية الزكاة لاحد، بل يكون الاصناف مصارف لها كما لا يبعد. ففي أمثال ذلك يكون التبادل بين المالين في السلطنة من طرف أو طرفين لا في الملكية، مع وضوح صدق البيع عليه، وهو شاهد على عدم اعتبار التمليك والدخول في الملك في العوضين لدى العقلاء، وقد مر ضعف التفصيل بين العوض والمعوض، وتوهم صحة المبادلة بين العينين في السلطنة دون الحقوق في غاية الضعف. والانصاف أن نقل الحقوق بالعوض بل بالحقوق، والاملاك بها أو بالعكس بيع عرفا، فبيع حق التحجير بالثمن بيع لدى العقلاء. ثم أنه يظهرمن الشيخ الاعظم تقسيم الحقوق ولو تصورا على أقسام: منها - ما لا يقبل المعاوضة بالمال، وهذا لا إشكال في عدم صحة بيعه، ومنها - ما لا يقبل النقل كنقل الحق إلى من عليه الحق، فجعل المانع فيه لزوم قيام طرفي السلطنة الفعلية بشخص واحد، ومنها - ما لا محذور فيه من هذه الجهة، كحق التحجير وكالحقوق التي على الاشخاص من غيرهم، وجعل المانع فيها عدم ماليتها.

[ 33 ]

وأنت خبير بأن ما ذكرناه - الذي بمنزلة التفسير لكلامه، ولا يبعد أن يكون المتفاهم من جملة كلامه - يدفع به الاشكال عنه بأن الحقوق مطلقا ليست كذلك حتى نحتاج إلى الدفع بما فعله العلمان في تعليقتهما من اختصاص كلامه بحق الشفعة والخيار، فيرد عليه بأنهما ليسا على الاشخاص بل الاول متعلق بالاعيان والثاني بالعقود كما مر، أو يرد عليه بأن دليله أخص من مدعاه، كما قال الطباطبائي (قده). نعم أن مدعاه في القسم الثاني حق وإن كان دليله غير وجيه، لعدم كون الحق سلطنة أولا لما مر من اختلاف اعتبارهما، وعدم امتناع قيام طرفي السلطنة الاعتبارية بشخص واحد ثانيا، والاولى أن يقال: إنه لا يعتبر العقلاء كون الشخص ذا حق على نفسه، كما لا يعتبرون كون الشخص الواحد دائنا ومديونا، أي مديونا لنفسه، فالحق على الاشخاص من الاعتبارات التي تتقوم بشخصين. وأما القسم الثالث فلا يمكن مساعدته فيه، لان بعض الحقوق أموال تبذل بازائها الاثمان، ولا يعتبر في المالية إلا ذلك. ثم أن الشيخ الاعظم دفع توهم النقض عليه في القسم الثاني ببيع الدين على من هو عليه بالفرق بين اعتبار الملكية والسلطنة على الاشخاص فان هذه السلطنة متقومة بأطراف ثلاثة: السلطان والمسلط عليه وما فيه السلطنة، فالسلطنة على المنكر في استحلافه على فرض كون الحق سلطنة متقومة بالمدعي والمنكر والاستحلاف، وأما اعتبار الملكية فلا يتقوم إلا بالمالك والمملوك، وأما الذمة كالخارج لا دخالة لها في اعتبارها، فليس في الملك مملوك عليه. وهو كلام متين، وما قيل - من عدم قابلية ما في الذمة لان يكون مملوكا لمن عليه، وعدم قابلية نقل الغير إليه ولو آناما، فصيرورة

[ 34 ]

الانسان مالكا على نفسه آناما حتى يسقط عنه ويبرأ ذمته مستحيل - مدفوع بما أفاده الشيخ (قده) ومر تقريره، ضرورة، أن اعتبار مالكية ما في الذمة ليس اعتبار المالكية على النفس، بل هو اعتبار المالكية لما في الذمة وهو ليس بمستحيل، بل هو نظير بيع الدين على من هو عليه من الاعتبارات العقلائية، فنرى أن العقلاء يبيعون كرا من الحنطة التي على العهدة على من عليه كبيعهم على غيره. نعم هذا الاعتبار له أمد خاص، وليس كاعتبار ملكية الاعيان، فنرى أنهم لا يرون بعد البيع والانتقال إليه أنه مالك لما في ذمته مطلقا وبلا أمد كمالكيته لسائر الاشياء، ولهذا تكون نتيجة مالكيته براءة ذمته أو السقوط منها، والمسألة ليست عقلية حتى يقال: لو صحت مالكيته حدوثا لصحت بقاءا، أو يقال: لا يعقل أن يكون أثر الملكية سقوطها، للزوم كون الشئ معدما لنفسه، بل هي عقلائية اعتبارية لابد من تبعية العقلاء فيها في أصل الاعتبار ومقداره وأمده، ولا شبهة في اعتبار الانتقال حدوثا، لابقاء الملكية، ولا إشكال فيه. ثم أن بعض الاعاظم بعد الاشكال في مالكية الشخص لما في ذمته أراد توجيه بيع الدين على من هو عليه، فقال: " إن البيع لم يقع على ما في الذمة بقيد كونه فيها، لان هذا القيد يوجب امتناع تحققه، بل يقع البيع على الكلي وهو من من الحنطة مثلا فيصير المشتري أعني المديون مالكا لذلك الكلي على البائع، وحيث كان البائع مالكا لمن من الحنطة على ذمة المديون وهو المشتري فينطبق ما على البائع على ما كان له على المديون، فيوجب سقوط ذمتهما، وهو أشبه شئ بالتهاتر " انتهى وهو غريب، لان المتعارف لدى العقلاء بيع ما في الذمة لا بيع كلي بغير اعتبار ذلك، فيحينئذ لابد من تصحيح هذا الاعتبار بأن يقال:

[ 35 ]

إن هنا اعتبارات ثلاثة: أحدها من من حنطة، ثانيها المن المتقيد بالذمة ثالثها المن الذي ظرفه الذمة واعتبر على العهدة، ولا شبهة في أن الدين اعتبر على العهدة والذمة، ومع ذلك قابل للتحقق الخارجي، وذلك لان الاعتبار فيه على النحو الثالث، وعدم كون الذمة والعهدة إلا مخزن الامر الاعتباري، لا قيده ليمتنع معه تحققه، فكما يقال: إن فلانا أدى دينه وما في ذمته، فبرأ منه، ولا يكون من قبيل التهاتر ونحوه بالضرورة فكذا في المقام يقع المعاملة على الدين، أي الحنطة التي في الذمة لا على حنطة كلي بلا علامة ولا على الحنطة المتقيدة بكونها في الذمة. والانصاف أن الخروج عن الاعتبارات العقلائية التي محط هذه المباحث إلى العقليات الاجنبية منها يوقع الفقيه فيما لا ينبغي لشأنه. ثم أنه رحمه الله أنكر قابلية الحق للعوضية بعد تسليم كونه قابلا للنقل واستدل عليه بأنه يعتبر في البيع أن يكون كل من الثمن والمثمن داخلا في ملك مالك الآخر، ولا شبهة في أن الحق لا يكون قابلا لذلك، فانه مباين مع الملك سنخا وإن كان من أنحاء السلطنة بالمعنى الاعم، ومن المراتب الضعيفة للملك، ولكن كونه كذلك غير كاف لوقوعه عوضا، لانه لابد من حلول الثمن محل المثمن في الملكية، فلابد أن يكون كل منهما من سنخ الآخر. وفيه مضافا إلى التناقض بين الاعتراف بكونه من المراتب الضعيفة للملك مع دعوى مباينتها سنخا، ضرورة عدم التباين السنخي بين مراتب شئ واحد، ومضافا إلى عدم صحة دعوى كونه من أنحاء السلطنة وكونه من مراتب الملك كما مر - أنه لا دليل على اعتبار ذلك في البيع، بل قد تقدم تعارف تبديل الملك بالسلطنة وبالحق لدى العقلاء وصدق البيع عليه عرفا.

[ 36 ]

فلو أراد بما ذكر أنه يعتبر في البيع أن يكون كل من الثمن والمثمن في درجة واحدة في الملكية، ولا يكفي فيه مبادلة مرتبة قوية بمرتبة ضعيفة منها، وأراد بالمباينة السنخية المباينة في المرتبة بتقيد كل مرتبة بالحد الذي هي فيه كان الاشكال أوضح، ضرورة عدم اعتبار وحدة الدرجة في صدق البيع على فرض صحة كون الملك ذا مراتب، وإلا لزم على مبناه عدم صحة جعل المنافع عوضا لتصريحه بأضعفية مرتبتها من ملك الاعيان. ولو رجع كلامه إلى ما تقدم منا من أن الحق سنخ اعتبار مخالف للملك، ويعتبر في البيع التمليك والتملك فقد مر جوابه، هذا كله في الحقوق القابلة للنقل. وأما الحقوق القابلة للاسقاط سواء كانت قابلة للنقل أم لا فهل يصح جعل إسقاطها أو سقوطها مقابلا عوضا أو معوضا ويكون عنوان البيع معه صادقا عليه عرفا أم لا؟ أقول: لا ينبغي الاشكال في الصدق إذا جعل الاسقاط بالمعنى المصدري عوضا بل معوضا، بمعنى جعل عمل صاحب الحق ملكا للطرف على عهدته، كجعل الخياطة والكتابة بالمعنى المصدري على عهدة الخياط والكاتب، وإن قلنا باعتبار التمليك والتملك في البيع، ضرورة أن العمل الكذائي صار بالتمليك وجعله عوضا ملكا للطرف على عهدة صاحب الحق كسائر موارد جعل أعمال الحر والعبد عوضا طابق النعل بالنعل. وكذا الحال لو جعل السقوط بالمعنى المصدري على عهدة صاحب الحق القادر عل تحصيله بالاسقاط، كجعل مخيطية الثوب وكناسة المسجد بالمعنى المصدري على عهدة الخياط والكناس، فيكون هذا المعنى ملكا للطرف على عهدتهما وتكون لهما القدرة على إيجاده وتسليمه.

[ 37 ]

وما قيل -: إن الاسقاط بالمعنى المصدري والسقوط بما أنه اسم المصدر ليسا كالخياطة ونحوها مما يملكه البائع، لان هذا معنى حرفي غير قابل لان يتمول إلا باعتبار نفس الحق - ليس بوجيه، فانه - مضافا إلى أن الخياطة وسائر أعمال الحر والعبد أيضا من المعاني المصدرية، وليس شئ منها بذاتها متمولة، بل اعتبار ماليتها لاجل الآثار المرغوبة المطلوبة منها لدى العقلاء، وهذا كاف في جعلها عوضا ومضافا إلى عدم كون حاصل المصدر معنى حرفيا - أن دعوى الفرق بين الخياطة وسائر أعمال الحر والعبد وبين هذا العمل غير صحيحة، لان كلا منهما قابل للنقل والتمليك. والعجب أنه بعد ما ادعى أن المصدر واسمه لا يقبل الدخول في ملك الغير والخروج عن ملك المشتري ليكون البائع مالكا لهذا العمل، قال: " ولا يقاس ذلك بشرط الاسقاط في ضمن عقد لازم، لان في باب الشرط يملك المشروط له على المشروط عليه إسقاط الحق أو سقوطه ولا ملازمة بين قابليته للدخول تحت الشرط وبين قابلية وقوعه ثمنا، لان إسقاط الحق يصير بالشرط مملوكا للغير على صاحب الحق، ولكن لا يمكن أن يكون بنفسه مملوكا ويحل محل المبيع في الملكية " انتهى. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن دعوى عدم قابليته للدخول في ملك الغير ليكون مالكا على صاحبه تنافي دعوى قابليته للدخول في ملك الغير بدليل الشرط، لان دليل الشرط لا يجعل غير القابل قابلا، بل هو من النواقل لما هو قابل له، فلو جعل انتقاله بدليل الشرط دليلا على قابليته للتملك فالنقل بالبيع أولى، فانه بعد ثبوت قابليته له لا يبقى وجه لقصور تمليكه بالبيع. وأما قوله: " لا يمكن أن يكون بنفسه مملوكا ويحل محل المبيع في الملكية " فغير متضح المراد، فان أراد أنه لا يصير بلا سبب كذلك فهو

[ 38 ]

حق، لكنه غير مربوط بالمدعى، ضرورة أن البيع سبب للنقل والتمليك وإن أراد أنه بغير الشرط من سائر الاسباب لا يمكن أن يصير مملوكا ليرجع إلى قصور الاسباب في السببية أو تقيد القبول بوجه خاص فهو كما ترى، مضافا إلى سوء التعبير، والانصاف أن التفرقة بين هذا العمل وغيره لا ترجع إلى محصل. بقي شئ، وهو أنه هل يعتبر في صدق البيع أن يكون العوضان منتقلين إلى الطرف بنحو من الانتقال أي في الملكية أو السلطنة أو الحق أو لا يعتبر ذلك فيصح جعل نفس السقوط عوضا أو معوضا؟ قد يقال: يكفي في طرف العوض كل ما يصلح للعوضية وإن لم يكن على وجه النقل، كما في الاجارة بالنسبة إلى المعوض، فانه لا إشكال في صحة اجارته ليعمل عملا للغير أو لكنس المسجد أو نحو ذلك مما لا ينتقل العمل فيه إلى المستأجر، بل يملك عليه أن يعمل ذلك للغير. ثم قال في مورد آخر: " ليس المراد بعوضية الاسقاط كون التمليك بازاء العمل، بل المراد أن يكون العوض هو الدين مثلا على وجه الاسقاط فلو قال: بعتك هذا بدينك علي بأن يكون ساقطا كفى، لصدق البيع عليه، فتشمله العمومات، وكذا الحق الذي لا يقبل إلا الاسقاط " انتهى. أقول: أما الاجارة فلم يتجه قياسها بالمقام بعد الاعتراف بأن المستأجر يملك على المؤجر العمل للغير وللمسجد، فان المعوض فيها على وجه النقل بلا شبهة، لان المنقول هو العمل للغير أو المسجد، والمنقول إليه المستأجر، وأما دعوى عدم اعتبار النقل في العوض فيصح جعله سقوط الحق أو الدين فغير وجيهة، لان البيع عرفا متقوم بالنقل، فالاعراض مقابل الاعراض والتمليك مقابل الاعراض لا بنحو يكون ذلك المعنى المصدري على عهدته، وكذا السقوط مقابل التمليك أو السقوط ليس

[ 39 ]

شئ منها بيعا عرفا، ولا أقل من الشك في الصدق. وقوله: " المراد أن يكون العوض هو الدين على وجه الاسقاط بأن يقول: بعتك هذا بدينك بأن يكون ساقط " لا يصحح الامر، لان هذا عبارة أخرى عن التمليك في مقابل سقوط الدين أو الحق، فلا يكون الدين عوضا، بل سقوطه عوض، وهو ليس ببيع عرفا، فلو قال: بعتك هذا بسقوط دينك لا يكون بيعا عرفا. إذا عرفت ما تقدم فاعلم أنه قد عرف البيع بتعاريف عديدة لا داعي لنقلها وتضعيفها إلا ما أفاده المحققون المتأخرون، فقد عرفه الشيخ الاعظم بعد الاشكال في سائر التعاريف بانشاء تمليك عين بمال، وهو قريب مما عرفه بحر العلوم على ما حكي عنه بأنه إنشاء تمليك العين بعوض على وجه التراضي. نعم يرد على الثاني ما لا يرد على الاول، وهو أن مقتضى إطلاقه جواز جعل العوض ما ليس بمال، وقد تقدم اعتباره في ماهية البيع عرفا وكذا يرد عليه إخلال زيادة قيد التراضي بالمقصود، لعدم اعتباره في مفهوم البيع عرفا بلا شبهة. ويرد عليهما أن الانشاء غير البيع، فان حقيقته نفس التبديل لا إنشاؤه وكذا لا يعتبر فيه التمليك، وكذا لا يعتبر أن يكون المعوض عينا كما تقدم. ومن ذلك يعرف الاشكال في تعريفه بأنه تمليك عين بعوض في ظرف تملك المشتري، والعجب أن من عرفه بذلك أراد التخلص عن كون البيع إيقاعا، فقال: " لازم تعريف الشيخ أن يكون البيع إيقاعا، وغير متوقف على القبول " وأنت خبير بأن تعريفه ذلك أيضا يقتضي كونه إيقاعا لو كان ذلك إيقاعا، لان تمليكه في ظرف تملك المشتري إيقاع ومن فعل البائع، وما لا يكون إيقاعا هو التمليك والتملك، أي الماهية الاعتبارية

[ 40 ]

المتقومة بهما، ولا يخرج التمليك بمجرد كونه في ظرف القبول عن كونه إيقاعا. وأردء من الكل ما عرفه بعض أهل التحقيق في تعليقته بعد النقض على تحديد الشيخ بجملة من الموارد التي التزام كونها تمليكا مشكل، منها - بيع العبد ممن ينعتق عليه، فان الملك التحقيقي إن كان ممتنعا شرعا أو عقلا فلا فرق بين زمان طويل أو قصير، ومنها - بيع الدين على من هو عليه قائلا: إنه لا فرق في امتناع مالكية الشخص لما في ذمته بين زمان طويل وقصير، ومنها - بيع العبد من نفسه في بعض الموارد، لعدم الفرق في الامتناع بين الزمانين أيضا، ومنها - شراء العبد تحت الشدة من الزكاة، ومنها - اشتراء آلات المسجد والقنطرة من الزكاة، ومنها - البيع بازاء سقوط الحق، قال: " ولا يبعد أن يقال: إن البيع جعل شئ بازاء شئ، فيختلف أثره بحسب الموارد " انتهى. وأنت خبير بأن كثيرا من موارد النقض بين ما لا يرد عليه وما لا يصدق عليه البيع، فبيع العبد ممن ينعتق عليه لا شبهة في كونه تمليكا لدى العرف، إذ لا فرق لدى العقلاء في ملكية العمودين وغير هما من العبيد والاماء، فالبيع عرفي عقلائي، والمالكية محققة، والتعبد الشرعي الانعتاق بعد الشراء لم يظهر منه عدم تحققها، والدليل على عدم مالكية العمودين منصرف إلى المستقرة كسائر الاملاك، مع أنه تعبد، والكلام في مفهوم البيع عرفا، وقد مر الكلام في بيع الدين ممن هو عليه، وكذا الحال في بيع العبد من نفسه فانه بعد فرض صدقه لدى العقلاء لا مانع من الالتزام بمالكيته لها آناما كما تقدم نظيره، وأما فيما إذا كان العوض سقوطا فقد تقدم عدم صدق البيع عليه، نعم يرد عليه نحو الشراء من الزكوات كما تقدم.

[ 41 ]

وأما تعريفه بما ذكر فلا يوافق العرف واللغة، ويرد عليه النقض إلى ما شاء الله، كجعل شئ بازاء شئ مكانا، وكالجعالة، والطلاق خلعا ومباراة، والاجارة، والهبة غير المجانية، والصلح، وكذلك جعل الله الثواب مقابل العمل إلى غير ذلك. والعجب منه حيث قال: " هذا المسلك وإن كان غير معروف ولا مألوف الا أن المتبع هو البرهان " وفيه أن كون ما ذكر خلاف المعروف والمألوف لدى العقلاء جميعا أقوى دليل على بطلانه، فان البيع من المعاني العرفية الاعتبارية، ولا سبيل للبرهان فيه إن كان مراده البرهان الاصطلاحي، ولو أراد أن معناه عرفا ولدى العقلاء ذلك فلا معنى لعدم معروفيته ومألوفيته، مع أن ما ذكر ليس معناه العرفي والعقلائي جزما. والظاهر أن أسد التعاريف هو ما حكي عن المصباح، اي مبادلة مال بمال على ما هو الظاهر المتفاهم من كونها بين الطرفين، والبيع بالمعنى المعهود لدى العقلاء أمر اعتباري مضاف إلى الطرفين، ولا يصغى إلى ما قيل -: إن هيئة باب المفاعلة لمجرد تعدية المادة وإنهائها إلى الغير، فلا فرق بين كاتبه وكتب إليه، ولا بين ضاربه وضربه، إلا في أن كاتب بهيئته دال على ما أفاد الحرف أو كان لازم النسبة، والدليل عليه استعمال باب المفاعلة في الكلام الفصيح في غير ما كان بين الاثنين - وذلك لان الاستعمال أعم، سيما مع قيام القرينة العقلية أو غيرها على معنى. ولا شبهة في أنه إذا كتب إلى زيد لا يقال: بينهما مكاتبة، وإذا أنهى البحث إلى طرفه لا يقال: بينهما مباحثة، أو باحثه، إلى غير ذلك من الامثلة، والسند هو التبادر والمعروفية عند أهل اللغة والعرف، كما اعترف بها، وليس شئ أقرب إلى إثبات اللغة من التبادر سيما عند أهل اللغة والعرف.

[ 42 ]

نعم يبقى كلام، وهو أنه هل يعتبر في باب المفاعلة أن يكون التفاعل بين الشخصين والفاعلين أو تختلف الموارد؟ ففي مثل تقابل جسم بجسم يكون المقابلة بين الشيئين وإن كان موقعه شخصا واحدا، ففي ما نحن بصدده لو أوقع البائع المبادلة بين العوضين كفى في تحقق معنى الفاعلة لكن الظاهر أن المعتبر فيها أن يكون كل من الطرفين فاعلا والآخر مفعولا به، ففي المبادلة يقال: بادل زيد ماله عمروا وعمرو زيدا. ثم لو سلمنا عدم اعتبار التفاعل في الباب يمكن أن يقال: إن التعريف للبيع المصطلح في كتاب البيع أي الماهية المتقومة بالايجاب والقبول وذلك لان الظاهر في كل عنوان موضوع للحكم أو مأخوذ في الحدود وغيرها هو الفعلية مقابل الشأنية والامكان، وكذلك الالفاط موضوعة للعناوين الفعلية، فالنار موضوعة للماهية الحارة بالفعل لا الاعم منها ومما هي بالقوة لا أقول: إنها موضوعة للموجود، فانه واضح البطلان، بل الالفاظ موضوعة للطبائع، لكن للمتصف الوصف العنواني فعلا، فلا تصدق النار على ما هي نار بالقوة والشأنية، ولا العالم للمتلبس بالعلم شأنا وبالقوة، فعلى هذا يكون البيع هو المبادلة الفعلية، وهي متقومة بالايجاب والقبول ضرورة عدم فعلية التبادل في الاضافة إلا مع القبول، فالايجاب لا يكفي في فعلية التبادل، كما لا يخفى. ثم أنه يرد على هذا التعريف أمور قابلة للدفع: منها - أنه تعريف بالاعم، فان المبادلة بين المالين يمكن أن يكون في ذاتهما أو صفتهما أو سائر الاضافات غير الاضافة الملكية أو نحوها، ويدفع بأن الظاهر من المبادلة بين المالين أن تكون المالية دخيلة فيها، فتكون المبادلة بين المالين بما هما كذلك وسائر المبادلات ليست بما هما مالان. وتوهم شموله لتبادل مالية أحدهما بمالية الآخر بمعنى أن ما كانت

[ 43 ]

ماليته عشرة دراهم صارت بالتبادل عشرين وبالعكس مدفوع بأنه غير معقول عادة، فالقرينة العقلية دالة على عدم إرادته، وتوهم عدم جواز الاتكال على القرائن اللفظية أو العقلية في الحدود وهم بعد فهم العقلاء من الكلام ما هو المقصود، ولا شبهة في أن المتفاهم من هذا الكلام هو التبادل في الملكية ونحوها. ومنها - أن الظاهر منه اعتبار المالية الفعلية للمتبادلين حال التبادل، وقد مر عدم اعتبارها، فلو فرض أن عمل الحر ليس مالا إلا بعد النقل فهو بيع لدى العقلاء، ويدفع بأن ما تقدم مجرد فرض وتخيل لا واقع له وإلا فكل مورد يبذل العقلاء في مقابل شئ ثمنا يكون ذلك الشئ مالا فعلا، فعمل الحر مال بلا شبهة، وكذا كل ما يجعله العقلاء في قبال الثمن، ولو كان الاثر مترقب فيه، ولم يكن ذلك الاثر فعليا، فتوقع ترتب الاثر على الشئ يوجب فعلية ماليته، ولا شبهة في أن المراد بالتعريف تحديد ما لدى العقلاء من المعاملة، لا ما لا وجود له إلا فرضا وتخيلا. وأما النقض بمثل الصلح والاجارة والهبة ونحوها فقد تصدي الاعلام لجوابه، فلا نطيل بالبيان. ثم أن ما ذكر من التحديد يكون للمعنى المصطلح عليه لدى الفقهاء حيث قالوا كتاب البيع مقابل الاجارة والصلح وغيرهما، وهو غير المعنى اللغوي بلا شبهة، سواء قلنا بأن البيع اللغوي هو التمليك أم قلنا بأنه التمليك المتعقب بالقبول أو التملك، أما الاول فظاهر، وأما الثاني فلان التمليك المتعقب عبارة عن فعل البائع مع التقيد بأمر آخر يحصل بفعل المشتري، ومعلوم أنه ليس المراد بالبيع المصطلح في قولهم: كتاب البيع هو المعنى المصدري المتقيد، بل المراد منه هو الماهية المتقومة بالتمليك والتملك من غير نظر إلى اعتبار تقدم فعل البائع فضلا عن كونه فعله مع

[ 44 ]

تقيد، فهذا المعنى المصطلح عليه من البيع ليس مادة للمشتقات كباع ويبيع ولا هو معنى مصدريا حتى يدعى أن المتبادر من المصدر ومشتقاته هو التمليك المتعقب، فيرد عليه لزوم التفكيك بين بعت الاخباري والانشائي لعدم إمكان إنشاء التمليك المتعقب بالقبول الذي هو فعل الغير، ضرورة أن إنشاء التمليك المتعقب فعلا غير ممكن، لان وصف التعقب لا يحصل له إلا بعد تحقق القبول، لانه عنوان إضافي ومتضائف للمتعقب بالفتح، وهما متكافئان، ومجرد وثوق الموجب بحصول القبول لا يوجب إمكان إنشائه للمتعقب فعلا كما توهم بعضهم، ولو أريد به الذي يتعقب بعد فيكون كرا على ما فر منه من المفاسد، مع أن صريح كلامه هو المتعقب بالفعل. وقد أورد بعض أهل التحقيق على دعوى التبادر بأن جميع الالفاظ موضوعة لنفس المعاني المجردة عن أنحاء الوجود، فالبيع إذا كان التمليك فالموضوع له طبيعي التمليك القابل لانحاء الوجود لا الطبيعي الموجود بوجود إنشائي، ولا الطبيعي الموجود بوجود حقيقي، فعليه دعوى تبادر التمليك الحقيقي أو الانشائي منه بلا وجه، لعدم دخل كلا الوجودين في الموضوع له والمستعمل فيه قطعا. ثم برهن على دعواه بما لا يخلو عن الخلط، ثم قال ما حاصله: إن المعاني المعاملية والطلبية لها وجود إنشائي ووجود حقيقي هو في المعاملات عين كونها معاني اعتبارية، فالمستعمل فيه فيها نفس الطبيعي، وإن كان المستفاد منها تارة نفس الطبيعي كما في تحديد البيع وأخرى أحد الوجودين من الانشائي والحقيقي بمناسبات الحكم والموضوع، ثم قال: " ولا تستوحش من مخالفة لكلمات الاعيان بعد موافقته للبرهان المساوق للعيان " انتهى. أقول: كأنه رحمة الله لم يصل إلى مغزى مرامهم من دعوى التبادر

[ 45 ]

وصحة السلب، فزعم أن المراد تبادر نحو وجود من الطبيعي، وهو خلاف الواقع لعدم احتمال إرادة أحد منهم أن البيع ونحوه موضوع لوجود التمليك أو المبادلة على نحو عموم الوضع وخصوص الموضوع له، بل هنا أمور ثلاثة: الاول طبيعي التبادل الجامع بين الانشائي والحقيقي لو سلم تحقق الجامع بينهما، والثاني طبيعي التبادل الانشائي وطبيعي التبادل الحقيقي، والثالث مصاديق التبادلين ووجوداتهما الانشائية والحقيقية، والمدعي للتبادر يدعي تبادر التبادل الحقيقي، أي طبيعيها الذي ينطبق على الكثيرين، ولا يدعي تبادر الوجود الحقيقي حتى يتوهم ورود الاشكال عليهم، وإلا فأول ما ورد عليهم لزوم كون البيع موضوعا للاشخاص ولم يقل به أحد وعلى ما ذكرناه لا يرد على القائل بالتبادر شئ مما ذكره وزعم أنه موافق للبرهان المساوق للعيان. ثم أن دعوى وضع ألفاظ المعاملات للطبيعي الجامع بين الوجود الانشائي والحقيقي فرع وجود الجامع بينهما، والظاهر عدمه إن قلنا بأن الوجود الانشائي ليس إلا إنشاء المبادلة والتمليك من غير أن يكون هنا تبديل وتمليك، ولا جامع بين نفس المبادلة والتمليك وبين إنشائهما، مع أن الانشاء من المعاني الحرفية الايجادية، وقد حقق في مقامه عدم الجامع بين المعاني الحرفية فضلا عن الجامع بينها وبين المبادلة التي هي معنى اسمي أو حرفي مبائن للانشاء، ومع عدم الجامع ينهدم أساسه. وعلى هذا لو قيل بأن البيع صادق حقيقة على مثل البيع الفضولي لابد من الالتزام بالاشتراك اللفظي، ويؤيده أن تقسيم المعاملات إلى الصحيحة والفاسدة صحيح بلا تأويل وتجوز، وهو آية وضعها للاسباب أو صيرورتها حقيقة فيها بكثرة الاستعمال. وأما إن قلنا بأن الوجود الانشائي عبارة عن المبادلة الانشائية الحاصلة

[ 46 ]

بانشائها، فيكون الانشاء سببا والمنشأ أي المبادلة الانشائية مسببا، فلا إشكال في وجود الجامع، ويكون بيع الفضولي بيعا حقيقة كسائر البيوع كما هو الحق، بل لا يبعد القول بأن البيع موضع للتبادل الانشائي بنحو ما ذكر وحصول التبادل حقيقة خارج عن الماهية وأثر لها. ثم على فرض وضعها للمسببات فلا تتصف بالصحة والفساد، بل أمرها دائر بين الوجود والعدم إلا على بعض التصاوير التي أشرنا إليه في الاصول مما لا يخلو من إشكال، نعم عل ما ذكرنا أخيرا من كونه موضوعا للتبادل الانشائي فلا إشكال في اتصافه بالصحة والفساد. وعلى فرض وضعها للاسباب فالتحقيق أنها موضعة للاعم من الصحيح منها، ولو فرض وضعها للصحيح فلا شبهة في عدم وضعها للصحيح الشرعي، ضرورة عدم اصطلاح خاص ووضع مستبد للشارع الاقدس، ولو فرض وضعها للصحيح عنده فلا ينبغي التأمل في لزوم كون اختلافه مع العرف في المفهوم، والقول بعدم اختلافهما فيه - ويرجع ردع الشارع إلى التخطئة في المصادق - غير تام، لانه مع اتفاقهما في المفهوم لا يعقل الردع والتخطئة في المصداق بعد كون تطبيق المفاهيم على المصاديق في المقام ضروريا، لانه إذا كان البيع عرفا هو الايجاب والقبول بلا اعتبار العربية والتقديم والتأخير مثلا وكان الشارع لا يخالف العرف فيه فوجد البيع بلا عربية مع جميع الخصوصيات المعتبرة فيه عرفا فلا يعقل رجوع تخطئة الشارع إلى عدم مصداقية ما وجد للماهية، ضرورة أن تطبيقها عليه وجداني بداهة، فلابد من اعتبار الشارع قيدا فيها حتى لا تنطبق على الفاقد، وهذا هو الاختلاف مفهوما. إلا أن يقال: إن الالفاظ وضعت للصحيح بالحمل الاولي أو للمؤثر كذلك، وهو بديهي البطلان، فاختلاف نظر الشارع والعرف على فرض

[ 47 ]

وضعها للصحيح - أي لماهية إذا وجدت في الخارج كانت مؤثرة صحيحة - انما هو في المفهوم، نعم يصح للشارع المقنن أن يعتبر في التأثير زائدا على ماهية البيع قيودا أخر، وهو خارج عن البحث، كما هو واضح. ثم على فرض وضعها للاسباب الصحيحة الراجع إلى الاختلاف في المفهوم لا يصح التمسك بالاطلاق إذا شك في اعتبار قيد أو شرط. وقد يقال بجوازه في العبادات والمعاملات على مذهب الصحيحي، والسر فيه أنه ليس الموضوع له عنوان الصحيح، بل ما يكون جامعا للشرائط الشرعية بحسب ما يستفاد من الادلة، بمعنى أنها طريق إلى الموضوع له الواقعي، وهو نظير ما يقال في دفع الاشكال على الاعمي من أن المطلوب هو الصحيح قطعا فكيف يتمسك بالاطلاق، فيقال في جوابه: إن عنوان الصحة ليس شرطا حتى يمنع معه التمسك به، ثم مثل القائل بأمثلة أجنبية عن باب الاطلاق، نحو قوله عليه السلام: " لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال " (1) وغيره ما هو ظاهر في تحديد الموضوعات. ويرد عليه أن أدلة إثبات الاجزاء والشرائط لا يعقل أن تكون طريقا إلى الموضوع له الواقعي إلا أن يكون لها مضافا إلى لسان إثبات ما يعتبر في الموضوع لسان نفي الغير، وإلا فمجرد لسان الاثبات لا يحرز الموضوع له الواقعي ومن الواضح أنه ليس لها مفادان، وإلا لوقع التعارض بين الادلة المثبتة بعضها مع بعض. وبالجملة الامارة على ثبوت قيد لموضوع لا تكون أمارة على نفي اعتبار قيد آخر، ومع الشك فيه لا يجوز التمسك بالاطلاق، والتنظير


(1) الوسائل - الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 من كتاب الصوم.

[ 48 ]

بدفع الاشكال عن الاعمي في غير مورده، لان ماهية العبادة والمعاملة على الاعم ليست غير ما لدى العرف، ولم يخرج من أدلة الانفاذ عنوان الصحيح حتى ترجع الشبهة مصداقية، وانما خرج منها بعض عناوين خاصة فيرجع عند الشك إليها بلا إشكال. وقد يقال بناءا على كون الاسامي للمسببات يشكل التمسك بالاطلاق لان أمرها دائر بين الوجود والعدم لا الصحة والفساد، إلا أن ترجع الادلة الرادعة إلى التخصيص الحكمي، فيجوز التمسك بأدلة الامضاء للمسببات، لكن التخصيص الحكمي مع إمضاء الموضوع موجب للغوية الاعتبار، فلا معنى لاعتبار ما لا أثر له، فلابد من القول برجوع الردع إلى التخصص ورفع الموضوع وعدم الاعتبار، فتكون الشبهة مصداقية لدى الشك في الردع، لرجوعه إلى الشك في اعدام الموضوع. لكن التحقيق جواز التمسك باطلاق أدلة الامضاء، إذ لا يعقل رجوع الردع إلى إعدام موضوع أدلة الانفاذ، لان موضوعها هو المسببات العقلائية المتقومة باعتبار العقلاء، وليس رفع اعتبارهم تحت قدرة التشريع فلا مجال فيه إلا للتخصيص الحكمي، ومعه يصح التمسك بالاطلاقات، وحديث اللغوية انما يصح إذا كان الشارع معتبرا لما لا أثر له، والفرض أن أدلة الانفاذ انما ترد لامضاء مالدى العقلاء، وليس للشارع اعتبار مستقل، نعم له التصرف والتخصيص الحكمي، فلا إشكال من هذه الجهة، مع أنه قد عرفت أنها موضوعة للمسببات، ومع ذلك تتصف بالصحة والفساد، فالاشكال مندفع من أصله. ثم أن التحقيق عدم جواز التمسك بالاطلاق لو وضعت الالفاظ للاسباب الصحيحة، وكانت أدلة الانفاذ ناظرة إلى الاسباب لا المسببات وأما إذا كانت ناظرة إلى المسببات فلا ينبغي الريب في أن إطلاقها ملازم

[ 49 ]

الانفاذ الاسباب العرفية، وكشف الاسباب الصحيحة، بمعنى كاشفية إطلاق إمضاء المسبب عن كون ما هو السبب لدى العرف هو السبب شرعا، وأن ما لدى العرف هي الاسباب الصحيحة، ضرورة عدم مخالفة الشارع للعرف والعقلاء في معنى البيع المسببي، وكذا في سائر المسببات من العقود والايقاعات، فالبيع عند الجميع مبادلة مال بمال أو تمليك عين بعوض، والاختلاف لو كان انما هو في الاسباب فقط، وينشأ منه الاختلاف في تحقق المسببات لا في ماهيتها. فحينئذ إذا قال: " أوفوا بالعقود " وكان المراد منه وجوب الوفاء بالمسببات أي المعاني المنشأة بالالفاظ أو المعاني التي تعتبر لدي الانشاء الجدي للايجاب والقبول على اختلاف المسالك وكان مقتضى عمومه لزوم الوفاء بكل معاقدة مسببية فلا محالة تكون الاسباب التي تنشأ تلك المسببات منها أسبابا عنده، وإلا فلا يعقل إنفاذ المسبب بنحو الاطلاق، فمن يرى المعاقدة باللفظ الفارسي غير محققة ولا واجبة الوفاء لا يعقل منه الاطلاق والعموم في لزوم الوفاء بكل معاقدة عقلائية، والمفروض أن العقد المسببي لدى العقلاء عين ما لدى الشارع مفهوما وعنوانا، ودليل الامضاء متعلق بالعناوين لا بالخارجيات، وانما تنطبق العناوين على الخارجيات في الخارج. فما أفاده بعض الاعاظم من أن إمضاء المسبب لا يلازم إمضاء السبب لعدم الاتحاد بينهما ولا الملازمة في غاية السقوط، وفي كلامه محال أنظار تركناها مخافة التطويل، كقوله: " إن نظر العرف متبع في تشخيص المفاهيم لا تطبيقها على المصاديق " تبعا لبعض المحققين، وقوله: " إن تنفيذ المسبب يفيد لتنفيذ السبب إن لم يحكم العقل بالاحتياط في الشك في المحصل " إلى غير ذلك.

[ 50 ]

وأعجب مما ذكر أنه بعد الاشكال على ما ذكر تشبث بأمر آخر لجواز التمسك باطلاق دليل إمضاء المسبب لامضاء السبب بما حاصله أن المنشأآت بالعقود ليست من باب المسببات، بل المنشأ من قبيل الايلام بالضرب، وعنوان ثانوي لفعل الفاعل، ويكون متعلق إرادته أولا، فالمتكلم يوجد المعنى ابتداءا بلا واسطة، والالفاظ آلات لا أسباب نظير الكتابة بالقلم، والنجارة بالقدوم مما هي أفعاله بلا وسط وإن كانت بالآلة فإذا كان التلفظ بهذه الالفاظ فعلا له فالاثر الحاصل منها فعل له أيضا بلا واسطة، لان المصدر متحد مع اسمه، ولا يباينه إلا اعتبارا، ولا تفاوت بين الايجاد والوجود، فلو تعلق الامضاء بالاثر الحاصل من الافعال يكون إمضاءا للمصدر أيضا، لاتحاد الاثر مع التأثير، فامضاء الاثر إمضاء للمصدر، لعدم الفرق بينهما خارجا، انتهى ملخصا. وأنت خبير بما فيه من الخلط، لان الالفاظ بعد كونها آلات لايجاد المعاني المنشأة بها لا يعقل أن تتحد مع ذي الآلات، للزوم آلية الشئ لايجاد ما هو عينه خارجا، وهو بمنزلة آلية الشئ لايجاد نفسه، مع أن المعاني المنشأة في المقام اعتبارية صقعها أفق النفس، والالفاظ متحققة في الخارج، مضافا إلى أن وجودات الالفاظ متدرجة متصرمة بخلاف المعاني، فكيف الاتحاد بينهما. واتحاد المصدر واسمه أجنبي عن المقصود، لان المصدر إما يراد منه التلفظ فاسمه الحاصل منه اللفظ، وهما متحدان ذاتا مختلفان اعتبار، لكن غير مربوط بالمقام، أو يراد منه مصاديق اللفظ أو التلفظ مثل بعت وآجرت فهي ليست بمصادر، ولو أريد المصدر من بعت مثلا، أي البيع بالمعنى المصدري مع اسم المصدر أي البيع بلا انتساب فهو أجنبي عن المقام لعدم التلفظ به أو يراد منه المعنى المنشأ، فالمصدر التبديل أو المبادلة،

[ 51 ]

واسمه الحاصل منه ذات التبادل غير المنتسب إلى الفاعل أو المفعول، فهو أيضا أجنبي وأما الآلات مع ذيها فمختلفات ذاتا وماهية، ولا اتحاد بينهما بوجه حتى يكون إمضاء أحدهما إمضاء الآخر. وقد اعترف رحمه الله بأن ألفاظ العقود مركبات والمنشأآت الحاصلة بها بسائط، وعليه كيف يمكن الاتحاد الذاتي بينهما؟ ولما كان هذا الكلام ظاهر البطلان حكي عن بعض مقرري بحثه أن قال: " إن المصدر واسمه لما كانا متحدين فامضاء الاثر إمضاء للتأثير بأسبابه " وفيه أن هذا لا يصلح مطلوبه بل يفسده، لان البيع المسببي عبارة عن المعنى المصدري أي التبديل أو المبادلة، لا أثره وحاصله، مضافا إلى أن اتعابه نفسه الشريفة انما هو لاثبات الاتحاد بين المصدر واسمه حتى يكون إمضاء أحدهما إمضاء الآخر بتوهم أن السبب والمسبب غير متحدين، فلا يكون إمضاء المسبب إمضاء سببه، لعدم الاتحاد مع أن الآلة وذي الآلة أيضا غير متحدين ذاتا بل متباينان حقيقة فكيف يكون إمضاء أحدهما إمضاء الآخر المبائن معه؟ وهل هذا إلا الكر على ما فر منه؟ ثم لو قلنا وسلمنا أن النسبة بين العقد السببي والمسببي نسبة المصدر واسمه يمكن الخدشة في دعوى كون إمضاء أحدهما إمضاء الآخر على ما ذهب إليه من أن المناط في كون إمضاء اسم المصدر إمضاء المصدر وحدتهما ذاتا، بأن يقال: لا شبهة في أن المصدر واسمه مختلفان عنوانا ومفهوما واعتبارا كما صرح هو بتباينهما، فحينئذ نقول: إن أدلة الانفاذ من الاطلاق والعموم انما تعلقت بالعناوين أو المصاديق الذاتية، لا المصاديق مع كل ما يتحد معها. أما المطلقات فواضح، لان في قوله تعالى: " أحل الله البيع "


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 275.

[ 52 ]

مثلا انما جعل الحلية - لو فرض كونه في مقام الجعل - على طبيعي البيع وماهيته المطلقة، لا على الافراد، وانما يحكم بحلية الافراد لكون الماهية موجودة بعين وجودها، لا لكون متعلق الحكم هو الافراد. وأما في العمومات نحو " أوفوا بالعقود " (1) فان العقد عبارة عن نفس الطبيعة، والدال على الكثرة كالجمع واللام يدل على كثرة نفس الطبيعة، وإن شئت قلت: إن وجوب الوفاء متعلق بالافراد الذاتية للعقد، لا بها وما يتحد معها، فإذا فرض كون المطلقات والعمومات بصدد تنفيذ المعاملات المسببية أي حاصل المصدر على زعمه فلا يكون إمضاء اسم المصدر إمضاء المصدر، لان متعلق الامضاء عنوان اسم المصدر، وهو يخالف المصدر، ويباينه عنوانا ومفهوما، والاتحاد الخارجي لا يفيد بعد الاختلاف في المتعلق. ألا ترى أنه لو قيل اسم المصدر لا يكون منتسبا إلى فاعل لا يسري هذا الحكم إلى المصدر، لمكان اتحادهما خارجا، لان الحكم تعلق على مورد الاختلاف، أي الماهية والعنوان، والتشبث بالاتحاد الخارجي غير مفيد. والانصاف أن ما أفاده تبعيد للمسافة، مع عدم صحته في نفسه، ولا يحتاج تصحيح الدعوى إلى تلك التكلفات، فتدبر. ثم أنه بما ذكرناه يظهر النظر فيما رامه في الاصول وبنى على هذا المبنى غير المسلم، وهو إدخال المعاملات على فرض وضعها للمسببات في النزاع في باب الصحيح والاعم، فراجع. هذا كله هو الكلام في مقام الثبوت والتصور، وأما في مقام الاثبات فلا شبهة في أنه ليس للشارع في باب المعاملات اصطلاح خاص ووضع مخصوص مقابل العقلاء، فما هو المسمى لدى العقلاء هو المسمى


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 53 ]

لدى الشارع وإن تصرف في بعضها أو كلها بزيادة قيد أو شرط على المسمى، فعليه لا ينبغي الريب في جواز التمسك بالعموم والاطلاق لرفع الشك في اعتبار شئ زائد على المسمى، سواء كانت الالفاظ لدى العقلاء موضوعة للصحيح عندهم أو للاعم. نعم بناءا على وضعها للاعم عندهم قد يختلج بالبال صحة التمسك بالاطلاق لرفع القيود المعتبرة في الصحة زائدة على المسمى العرفي، فتكون المعاملة عند الشارع بهذا اللحاظ أوسع نطاقا مما لدى العقلاء. وبعبارة أخرى يدفع بالاطلاق القيد العقلائي مع احتمال عدم اعتباره شرعا، لكنه مجرد تصور لا واقعية له ظاهرا. ثم أن الظاهر أن ألفاظ المعاملات موضوعة للمسببات، للتبادر، وإن لا يبعد وضعها لاسباب أيضا، ولعل وضعها لها تعيني بدعوى أن تقسيمها إلى الصحيحة والفاسدة صحيح بلا تأول وتجوز، فلو كان بين الاسباب والمسببات جامع لكانت موضوعة له، لكن بعد عدم تعقله كما مر لابد من الالتزام بالوضع تعيينا أو تعينا، لكن قد عرفت أن المسببات الانشائية تتصف بالصحة والفساد، فالتوصيف بهما لا يدل على وضعها للاسباب، ولا يحتاج إلى التكلف، فالحق أنها موضوعة المسببات. وكيف كان قد تحصل مما مر أن التمسك بالاطلاقات مفيد، ويرفع الشك عن الاسباب والمسببات مطلقا.

[ 54 ]

المبحث الثاني في أقسام البيع بحسب الاسباب، وهو على قسمين: المعاطاة والبيع بالصيغة ولا يخفى أن هذا تقسيم للبيع السببي بالذات وللمسببي بالتبع وبالعرض أي باعتبار أسبابه، وعلى ذلك فالمعاطاة بقول مطلق هي الافعال التي هي أسباب لانشاء معاملة من عقد أو إيقاع بناءا على جريانها فيهما، سواء كان الفعل بنحو التعاطي كما هو ظاهر التعبير بالمفاعلة، أم بنحو الاخذ والاعطاء، كما في النسيئة والسلم والقرض، فليس المقصود بالمعاطاة قصرها على عنوان التعاطي والتفاعل، بل هي اصطلاح لمعنى أعم منه، فللمعاطاة وجوه وأقسام حسب تقسيم العقود والايقاعات اللفظية، وليست مقصورة على الوجهين المذكورين في كتاب شيخنا الاعظم (قده). والظاهر أن مراده بالوجهين انما هو في خصوص المقام الذي هو مورد كلام الاصحاب، فقوله ذلك مقدمة لبيان مراد القوم، لا قصر المعاطاة عليهما. ثم الاولى النظر إلى القواعد في المعاطاة صحة ولزوما ثم النظر إلى ما يخالفها من إجماع أو شهرة أو غيرهما. فنقول: تدل على صحتها السيرة المستمرة العقلائية من لدن تحقق التمدن والاحتياج إلى المبادلات إلى زماننا، بل الظاهر أن البيع معاطاة أقدم زمانا وأوسع نطاقا من البيع بالصيغة، فلا ينبغي الشبهة في أن البشر

[ 55 ]

في أول تمدنه واحتياجه إلى التبادلات كان يبادل الاجناس بالاجناس من غير إنشاء المعاملات باللفظ أو الالتزام بايقاعها به، وكان الامر كذلك في جميع الاعصار، سواء كانت المعاملة بين الاجناس أو بينها وبين الاثمان في زمان تعارفها ورواجها، وكانت الاسواق من كل ملة جارية على المعاطاة، وقلما يتفق الانشاء اللفظي في إيقاع نفس المعاملة وإن كان التقاول قبل إيقاعها متعارفا، وقد كانت متعارفة في عصر النبوة وبعده بلا شبهة، فلو كانت غير صحيحة لدى الشارع أو غير مفيدة للملكية مع بناء العقلاء عليها ومعاملة الملكية مع المأخوذ بها مطلقا لكان عليهم البيان القابل للردع، ومعه كان اشتهاره كالشمس في رابعة النهار، لان ردعها موجب لتغيير أسواق المسلمين في المعاملات كما هو واضح. أضف إلى ذلك سيرة المتشرعة من العلماء والصلحاء وغيرهم، ولم يعهد منهم إجراء الصيغة لدى شراء الخبز واللحم وغيرهما، ولا يكون بناؤهم على صرف الاباحة، بل بناؤهم على الملكية، فلو قيل للمتدين المبالي بالديانة: إن ما اشتريت من السوق ليس مالك بل بقي على ملك السوقي لتعجب منه، ولرمى القائل بالانحراف والجزاف، فدعوى عدم مبالاتهم ليست في محلها، بل الظاهر بناء العقلاء بل المتشرعة على اللزوم أيضا. وبالجملة لا فرق لديهم بين إنشاء البيع بالصيغة وبين المعاطاة في شئ من الآثار صحة ولزوما، وليس شئ مما توهم صالحا للردع عن السيرة كما سيأتي بيانه. واستدل على المطلوب بقوله: " أحل الله البيع " (1) ولابد من البحث في مفاده وإطلاقه، فنقول: الظاهر من صدر الآية وذيلها أي قوله: " فله ما سلف " على احتمال، وقوله: " يمحق الله الربا "


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 275.

[ 56 ]

هو التعرض للربا الحاصل بالمعاملة، لا نفس المعاملة الربوية، فحينئذ يحتمل في قوله تعالى: " ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا " (1) أن يكون مرادهم بالتسوية مثلية الربح الحاصل بالبيع للربا اي الزيادة الحاصلة بالبيع الربوي أو الاعم منه حتى يشمل الربا القرضي، أو يكون مرادهم التسوية بين البيع الذي ليس فيه الربا والبيع الذي فيه ذلك. وعلى الاحتمال الاول يكون قوله تعالى: " أحل الله البيع وحرم الربا " معناه أحل الله الزيادة الحاصلة بالبيع غير الربوي، وحرم الزيادة الربوية ردعا لزعمهم ودفعا لتوهمهم، ولا شبهة في دلالة الآية على هذا الاحتمال على صحة البيع غير الربوي، ضرورة أن تحليل نتيجة المعاملة ليس تحليلا مالكيا، بل لعله لا يعقل أن يكون كذلك، لان عمل المتعاملين ليس إلا تمليك الاعيان بالاثمان، وتملكه بها، واباحة تصرف المشتري في الاعيان والبائع في الاثمان من أحكام ملكيتهما لهما، وفي الرتبة المتأخرة عن حصول الملكية، وهي رتبة قطع يد المشتري عن الثمن والبائع عن المثمن، فلا تأثير لاباحتهما، ولا معنى لها، والاباحة في عرض التمليك والتملك أو المتقدمة عليهما غير مقصودة لهما، ولا منشأة بانشائهما كما هو واضح. فإذا أباح الله تعالى الزيادة والربح في البيع فلا محالة تكون تلك الاباحة لاجل مالكية المشتري أو البائع، ولا سبب للملكية غير البيع، ضرورة بطلان توهم أن الله تعالى أحل الربح الحاصل بالبيع تعبدا ومستقلا بلا سببية البيع وعلى رغم المتبايعين، فيكون ما قصدا غير واقع وما وقع غير مقصود لهما. وبالجملة تحليل الربح تنفيذ لحصول الملكية، لا تحليل مستقل


(1) سورة البقرة: 2 - الآية: 275.

[ 57 ]

تعبدي، وتنفيذ الملكية تنفيذ السبب المحصل لها لا جعل ملكية مستلقة تعبدا كما هو واضح. وبهذا البيان يمكن الاستدلال بالآية على بطلان البيع الربوي، بأن يقال: إن لازم تصحيحه بزيادة في مثل بيع المثل بالمثلين هو التعبد بوقوع ما لم يقصدا وعدم وقوع ما قصدا ولما كان هذا في غاية البعد لدى العرف والعقل فلا محالة تستلزم حرمة الزيادة عندهم للبطلان. وعلى الاحتمال الثاني يكون قوله: " وأحل الله البيع وحرم الربا " بصدد دفع توهم التسوية بين البيعين، ولا شبهة أيضا في دلالته على الصحة سواء كان البيع هو السبب أم المسبب، بتقريب أن قوله تعالى ذلك لردع توهم التسوية، وكانت دعواهم التسوية لتصحيح أكل الربا لا لمجرد تسوية إنشاء لانشاء أو مبادلة لمبادلة، بل مرادهم أن البيع غير الربوي مثل الربوي في تحصيل النتيجة، وأن النتيجة الحاصلة منهما غير مختلفتين، ولازم ردعهم - بأنهما في هذه الخاصية أي ترتب النتيجة عليهما ليسا مثلين، بل الله تعالى أحل البيع، فنتيجته الحاصلة حلال، وحرم الربا، فنتيجته حرام - هو صحة هذا وفساد ذاك. وبالجملة مقصود القائلين بالتسوية بين البيعين هو التسوية في الربحين ليدفعوا عن أنفسهم عار أكل الربا، والردع المتوجه إلى دفعه ينفي التسوية بينهما في هذه الخاصية، ويثبت العار عليهم، وعليه لا شبهة في دلالة الآية على الصحة إن كان المراد بالبيع السببي منه، وعلى تنفيذ ما لدى العقلاء إن كان المراد المسببي منه. ثم أن المراد بالحلية والحرمة: التكليفيتان على الاحتمال الاول، وتحتمل التكليفية على الاحتمال الثاني، وإن كان الاظهر هو الوضعية على هذا الاحتمال، لان الحل والحرمة إذا نسبا إلى الاسباب التي يتوصل بها إلى

[ 58 ]

شئ آخر بل إلى مسببات يتوصل بها إلى النتائج يكونان ظاهرين في الحكم الوضعي وتصحيح الاسباب وتنفيذ المعاملة، لكن لا بمعنى استعمالهما في الحكم الوضعي أو التكليفي كما يتخيل، بل بمعنى استعمالهما في معناهما اللغوي أي المنع وعدمه، أو المنع والرخصة، وانما يفهم التكليف والوضع بمناسبات الحكم والموضوع. كما أن الامر كذلك في صيغة الامر والنهي، فانهما في الوضعيات والتكليفيات تستعملان في معنى واحد، هو المعنى اللغوي، أي البعث والزجر، لكنهما ان تعلقا بالعناوين النفسية كالصلاة والخمر يفهم منهما أن المطلوب والمبغوض نفسهما، وأن البعث والزجر تكليفيان، وإن تعلقا بمثل الاسباب ومالها كلية إلى تحصيل الغير، وكذا بشئ في المركبات الاعتبارية المتوقعة منها الصحة والفساد يفهم منهما الانفاذ والامضاء والصحة والفساد والشرطية أو الجزئية أو المانعية ونحوها فقوله: " لا تشرب الخمر " كقوله: " لا تصل في وبر ما لا يؤكل " في استعمال النهي في معناه الحقيقي، أي الزجر، لكن تعلقه بالعنوان الاول دال على ممنوعيته الذاتية ومبغوضيته في نفسه، وبالثاني دال على مانعية الوبر عن الصلاة لا حرمته التكليفية، وأن لبسه فيها من قبيل وقوع حرام في واجب، و ذلك بمناسبة الحكم والموضوع. وكذا الحال في الامر، بل الظاهر أن الحال كذلك في عناوين الحل والحرمة والوجوب والجواز والفرض والمنع والرخصة وغيرها، فانها مستعملة في معانيها الحقيقية، لكن يفهم العرف بمناسبات الحكم والموضوع الوضع والتكليف، فقوله تعالى: " أحل الله البيع " وقوله: " حلت الصلاة في كذا " وقولة: " حرم البيع الربوي " وقوله: " حرم الصلاة في

[ 59 ]

كذا " كقوله تعالى: " ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث " (1) في كون الاستعمال في الجميع انما هو في المعنى اللغوي الحقيقي وإن اختلفت في إفادة الوضع والتكليف بلحاظ المتعلقات فقول، بعضهم: إن الحل في الآية الكريمة استعمل في القدر المشترك بين الوضع والتكليف، كأنه في غير محله في المقام وسائر المقامات، لما عرفت. ثم أن في المقام تكون الدلالة على الاحتمالين المتقدمين مختلفة، ولا شبهة في أن البيع في الآية لم يستعمل في الماهية الاعتبارية والآثار المترتبة عليها، وكذا لا يراد بقوله: " أحل الله البيع " إفادة التكليف والوضع بمعنى أن يكون المراد أن البيع بعنوانه حلال وضعا وتكليفا وكذا في الربا لو كان المراد به البيع الربوي كما لا يخفى. ثم أن في إطلاق الآية الكريمة إشكالا أما أولا فلان الظاهر أنها ليست في مقام حلية البيع وحرمة الربا، بل بصدد بيان نفي التسوية بينهما في قبال من قال: إنما البيع مثل الربا، فتكون في مقام بيان حكم آخر فلا إطلاق فيها يدفع به الشك عن الاسباب المحتملة وغيرها، وأما ثانيا فلان الظاهر من الآية أن قوله: " وأحل الله البيع " الخ إخبار عن حكم شرعي سابق لا إنشاء فعلي للحل والحرمة، بقرينة قوله: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا: انما البيع مثل الربا " (2) فلابد وأن يكون حكم البيع والربا مسبوقا بالجعل حتى يتوحه على القائل بالتسوية التعيير والتوعيد. مضافا إلى أن قولهم بالتسوية ظاهر في مسبوقية سلبها، لا كلام ابتدائي، فظاهر الآية والعلم عنده تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا


(1) سورة الاعراف: 7 - الآية 157. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 275.

[ 60 ]

كذا، وذلك لاجل قولهم مخالفا لقوله تعالى: " انما البيع مثل الربا " مع أن الله تعالى كان أحل البيع وحرم الربا، فقولهم بما أنه في قبال حكم الله تعالى صار موجبا للعذاب والعقاب الاخروي، فعليه لا تكون الآية بصدد بيان الحل والحرمة بل بصدد الاخبار عن حلية وحرمة سابقتين، ولعلهما كانتا بلسان رسول الله صلى الله عليه وآله، أو لعلهما مستفادتان من نحو قوله تعالى، " أوفوا بالعقود " (1) وتجارة عن تراض (2) بضميمة بعض آيات تحريم الربا المخصصة له، ولعلهما، كانتا متقدمتين في النزول على قوله: " وأحل الله البيع " الخ وإن كانت آية وجوب الوفاء في المائدة التي يقال: إنها أخيرة السور نزولا، لعدم ثبوت كونها بجميع آياتها كذلك، ولو سلم كما يظهر من بعض الروايات ففي ما عداها كفاية. وبالجملة لا يصح التمسك باطلاق الآية، لاحتمال أن يكون الحكم المجعول سابقا بنحو خاص، وكان القائل بالتسوية ادعى التسوية بين المجعولين، فلا يظهر حال المجعول، هل هو مطلق أو مقيد، ويمكن الذب عنهما بأن قوله تعالى: " ذلك بأنهم قالوا " الخ إخبار عن قولهم فلابد وأن يكون قولهم: البيع كالربا من غير تقييد صونا لكلامه تعالى عن الكذب، فيظهر منه أنهم في مقام بيان تسوية مطلق البيع غير الربوي لمطلق البيع الربوي، أو مطلق نتيجة الاول للثاني على الاحتمالين المتقدمين فحينئذ يكون إخبار الله تعالى بأن الله أحل البيع وحرم الربا موافقا لقولهم موضوعا، أي يكون الموضوع في قوله: " وأحل الله البيع " هو الموضوع لقولهم: " إنما البيع مثل الربا " فيكون إخبارا بتحليله مطلق البيع وتحريمه مطلق الربا. وبعبارة أخرى أن قولهم: " البيع مثل الربا " ثابت بحكاية الله تعالى،


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) سورة النساء: 4 - الآية 29.

[ 61 ]

إذ كان بصدد بيان حكاية قولهم، ولا يعقل تخلف حكايته عن قولهم إطلاقا وتقييدا، وقولهم بنحو الاطلاق كاشف عن كونه مرادهم بالطريق العقلائي، فيثبت أنهم ادعوا مماثلة مطلق البيعين، وأخبر الله تعالى بأنه أحل البيع الذي قالوا: إنه مماثل للربا وحرم الربا، فالاخبار بنحو الاطلاق بالقرينة المتقدمة حاك عن تحليله مطلق البيع، وتحريمه مطلق الربا، تأمل (1). لا يقال: لو كان إخبارا لما أمكن مطابقته للواقع، لان غير البيع الربوي لا يكون حلالا مطلقا كبيع الغرر والمنابذة والملامسة وغيرها، فانه يقال - مضافا إلى إمكان أن يكون هذا الاخبار قبل ورود تحريم تلك البيوع، وكان البيع قبله على قسمين: صحيح محلل هو غير الربوي وفاسد محرم هو الربوي -: إنه إخبار على فرضه عن التحليل القانوني، ولا يلزم أن يكون إخبارا عنه بمخصصاته ومقيداته، كما أن إخبارات الائمة (ع) وفتاويهم يمكن أن تكون كذلك أو لمصالح هم أعلم بها، لعل منها فتح باب الاجتهاد الذي به بقاء الدين القويم. ثم أن هنا كلاما آخر لدفع شبهة عدم كونه في مقام البيان، وهو أن ردع القائلين تارة يكون ببيان عدم التسوية، بأن يقال: إنهما غير مثلين، فان أحدهما حلال والآخر حرام، وأخرى يكون ببيان حكم المضوعين، ليكون ردعا لهم بلازم الكلام نحو الآية الشريفة، فانها ردع لهم ببيان حكم الموضوعين، فحينئذ تكون في مقام بيان حكمهما ليترتب عليه


(1) وجهه أن قولهم: " إن البيع مثل الربا " أيضا في مقام بيان التسوية، فلا إطلاق له، مع إمكان أن يقال: إن الظاهر من الآية صدرا وذيلا أنها بصدد بيان تحريم الربا لا تحليل البيع، لان تحليله لم يكن محط كلامهم، فلا إطلاق فيه من هذه الجهة (منه دام ظله).

[ 62 ]

ردعهم، وهذا لا يضر بالاطلاق تأمل. وبما ذكرناه يدفع توهم كون الآية في مقام التشريع، فلا إطلاق لها. ويمكن أن يوجه كون الآية في مقام الانشاء بوجه بعيد، بأن يقال: إن قوله: " الذى يأكلون الربا " الخ إخبار عن حالهم في القيمة، وقوله: " ذلك بأنهم " الخ إخبار عن قولهم في الدنيا بعد تحليل البيع وتحريم الربا بنحو الاخبار عن الغيب، فيكون قوله: " وأحل الله البيع " إنشاءا، وحاصل المعنى أن آكل الربا كذا وكذا في الآخرة لقوله: " انما البيع مثل الربا " في الدنيا " وأحل الله البيع " أي بعد هذا التحليل والتحريم، تأمل. ويستدل بقوله تعالى: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " (1) ويمكن تقريب دلالة الآية على المقصود أي صحة البيع بما تقدم في الآية السابقة، فيقال: الظاهر أن اسم الفعل الناقص هو الاموال، " وتجارة " سادة مسد الخبر، والمعنى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالاسباب والطرق الباطلة كالقمار والسرقة والخيانة ونحوها إلا أن تكون الاموال أموال التجارة أي الحاصلة بها، فأحل الاموال الحاصلة بها، وهو ملازم لصحتها عرفا، فان الاموال الحاصلة بها هي ما صارت متبادلة بوسيلتها كالبيع ونحوه، وحلية الاكل أثر لهذا التبادل المالكي المترتب عليه قهرا، لا بجعل المتعاملين، ولما كان الترخيص الاستقلالي التعبدي غير المربوط بتبادل المالكين بعيدا جدا، بل خلاف الواقع جزما - إذ يكون من قبيل وقوع ما لم يقصدا وعدم وقوع ما قصدا، ويرجع الامر إلى أن تحصيل المال بطريق التجارة عن تراض لا أثر له وتكون التجارة مقارنة لتحليل الشارع، وهو خلاف ظاهر الآية أو نصها وخلاف فهم العقلاء - فلا محالة تكون اباحة التصرف ولو في الجملة دليلا على حصول الملك


(1) سورة النساء: 4 - الآية 29.

[ 63 ]

بالتجارة وتحقق الاثر العقلائي لدى الشارع، وهو المقصود. مضافا إلى دلالة التقييد بالباطل على أن التجارة المقابلة له حق وسبب ثابت عند الله وهو عين التنفيذ والتصحيح، فكما أن الاسباب الباطلة ملغاة لدى الشارع ولهذا عدها باطلة كذلك التجارة عن تراض معتبرة لديه، لانها حق بمقتضى المقابلة، فلا شبهة في دلالتها على المطلوب. كما لا ينبغي الاشكال في إطلاقها سيما مع كون الاستثناء منقطعا، إذ لا يأتي فيه ما ربما يقال في بعض الاستثناءات المتصلة: إن المتكلم في مقام بيان المستثنى منه لا المستثنى، فان ذلك في المنقطع بعيد، سيما في المقام إذ قيد التجارة بالتراضي منهما، وهو يؤكد كونه في مقام البيان، تأمل. وبالجملة يظهر منها أن الاكل بالتجارة مرخص فيه، لكونها حقا ثابتا وطريقا مستقيما لتحصيل الاموال، ويؤكد إطلاقها مقابلتها بالباطل الذي يشعر بالعلية، بل يدل عليها لدى العرف، فيفهم من المقابلة أن التجارة عن تراض لكونها حقا سبب للملكية وموجبة لجواز الاكل والتصرف. ومن هنا يمكن التوسعة في السبب الحق لكل ما هو سبب حق لدى العقلاء لتحصيل المال، كسائر المعاوضات العقلائية غير البيع لو قلنا بأن المراد بالتجارة في الآية هو البيع، ولعل نكتة اختصاصه بالذكر على هذا الفرض كونه السبب الغالبي لتحصيل الاموال لا لخصوصية فيه، ولهذا يمكن دعوى إلقاء الخصوصية عرفا منه وإسراء الحكم إلى كل غير باطل ولو لم يفهم العلية من الباطل وبالمقابلة من الحق. لكن الظاهر عدم اختصاص التجارة بالبيع، بل تشمل سائر المكاسب كالصلح والاجارة وغيرهما، بل يمكن التوسعة على فرض العلية لكل سبب حق ولو لم يكن من قبيل المعاملات، كالحيازة والصيد ونحوهم، وإن قلنا بعدم صدق التجارة عليها، كما أن الباطل أعم من المعاملة الباطلة وغيرها

[ 64 ]

كالبخس (كالنجش خ ل) والقمار والظلم، كما هو المروى عن أبي جعفر عليه السلام (1). بل يمكن التوسعة لغير الاموال، فيقال: إن المفهوم منها سلب سببية كل سبب باطل وإثبات سببية كل سبب حق للمسببات مطلقا، فتشمل النكاح، فانه سبب حق، لكن هذا الاحتمال لا يوافقه العرف. وبالجملة استفادة صحة جميع المعاملات المعنى الاخص كالبيع والصلح والاجارة ونحوها منها بلا إشكال، واستفادة صحة نحو الوصية والوقف والحيازة محتملة. هذا كله بناءا على أن المراد بالباطل هو المعنى العقلائي والعرفي، كما هو ظاهر كل عنوان أخذ في موضوع الاحكام، وأما لو أريد به ما هو بغير الوجه الشرعي ومن مقابله ما هو بالوجه الشرعي كما قال به الاردبيلي (قده) فيسقط الاستدلال بها على البيع فضلا عن غيره، لانه مع الشك في اعتبار شئ فيه تصير الشبهة مصداقية، لكنه احتمال ضعيف. لا يقال: إن في المروي عن أبي جعفر عليه السلام (2) عد الربا من أكل المال بالباطل، فلابد أن كون المراد منه الباطل شرعا كما قال الاردبيلي (قده) فانه يقال: على فرض ثبوت الرواية وعدم كون الربا أو بعض مراتبه من الباطل عرفا لابد من حملها على الباطل حكما لا موضوعا. وبعبارة أخرى المراد الالحاق الحكمي، ولا يظهر من الرواية أن المراد بالباطل في الآية هو الباطل الشرعي، ولهذا لا يزال الاصحاب يتمسكون باطلاق الآية الكريمة لرفع بعض الشكوك. ثم أن الآية على جميع الاحتمالات تدل على المقصود، أي سواء قرئت التجارة مرفوعة حتى يكون الكون تاما، أم منصوبة ويكون اسمه " تجارة " مقدرة، أم يرجع الضمير إلى الاموال " وتجارة " خبره،


(1) و (2) مجمع البيان ج 3 ص 37 طبعة صيدا.

[ 65 ]

بدعوى أن الاموال نفس التجارة أم بتقدير الاموال وسد التجارة مسدها وسواء كان الاستثناء متصلا أم منقطعا، وسواء فهم من قوله: " بالباطل " العلية ومن مقابله كذلك أم لا، ومن غير فرق بين أن يكون المراد من الاكل عنوانه أو يكون كناية عن التصرف إجمالا أو عن جميع التصرفات أو كناية عن التملك، والتقريب في الجميع ما تقدم. واستدل أيضا بقوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (1) والظاهر أن العقد استعارة إما عن الحبل الذي ربط بنحو حصل فيه العقدة بادعاء أن الاضافة الاعتبارية هي الحبل وأن تبادل الاضافتين هو العقدة فاستعمل العقد الذي بمعنى ربط حقيقي بنحو خاص تحصل به العقدة وأريد منه الاضافة الاعتبارية ادعاءا واستعارة، وإما عن عقد العسل أي غلظ تشبيها للمعقول بالمحسوس، ويحتمل أن تكون " العقود " جمع العقد بكسر العين بمعنى القلادة واستعير عنه، بدعوى أن التعاقد بينهما كالقلادة على عنقهما. والاول هو الاظهر، لمساعدة فهم العرف له، ويشهد له قوله تعالى: " ولا تعزموا عقدة النكاح " (2) وقوله: " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " (3) إذ يظهر منهما أن الاعتبار في العقد هو الربط الخاص الذي تحصل به العقدة إدعاءا، ويؤيده ما حكي عن الكشاف " والعقد العهد الموثق، شبه بعقد الحبل ونحوه " ومنه قول الحطيئة. قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا وقول صاحب مجمع البيان: " وأصله عقد الشئ بغيره، وهو وصله به كما يعقد الحبل ". وأما العهد فالظاهر أنه الجعل في الذمة والعهدة، والمعاهدة هي قرار


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) و (3) سورة البقرة: 2 - الآية 235 - 237.

[ 66 ]

كل من الطرفين في عهدته أن يفعل كذا، ومعاهدة الله هي التعهد والقرار على ذمته مع الله أن يفعل كذا، وكأن اعتبار العهد والنذر واحد وإن اختلفا في بعض الاعتبارات. وكيف كان يختلف معنى العقد والعهد، وليس العقد هو العهد أو العهد المشدد أو أوكد العهود، والشاهد عليه مضافا إلى ما مر أن العهد حقيقة في المعاهدات الاعتبارية بين الاشخاص وفي مثل عاهدت الله، والعقد استعارة ومجاز في المعاني العقدية الاعتبارية كما يشهد به الاعتبار والوجدان ويظهر بعض أئمة الادب واللغة، كصاحب مجمع البيان والبيضاوي وصاحب الكشاف كما مر آنفا. نعم الظاهر أنهما بحسب المصداق من قبيل العموم من وجه، فربما يتفق تصادقهما على مصداق واحد باعتبارين. والعجب ما اتفق لصاحب المجمعين حيث قالا: " الفرق بين العقد والعهد أن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد، ولا يكون إلا بين المتعاقدين والعهد قد ينفرد به الواحد، فكل عهد عقد، ولا يكون كل عقد عهدا " انتهى. وأنت خبير بأن لازم ما ذكرا أعمية العهد من العقد لا العكس، ولعل الاشتباه من النساخ وإن كان بعيدا. ووقع نظير هذا الاشتباه لبعض أهل التحقيق، فجعل كل عهد عقدا ولا عكس، مع ذهابه إلى أن العهد هو مطلق الجعل والقرار، كمجعولاته تعالى في المناصب، كالامامة والخلافة، وكتكاليفه تعالى، وجعل العقد ربط شئ بشئ، فراجع كلامه، مع أن ما جعله من العهد - كالمناصب والتكاليف تشبثا بقوله تعالى: " لا ينال عهدي الظالمين " (1) وقوله تعالى: " وعهدنا إلى ابراهيم واسماعيل أن طهرا بيتي " الخ (2) ولهذا زعم أن


(1) و (2) سورة البقرة: 2 - الآية 124 - 125.

[ 67 ]

العهد مطلق الجعل والقرار - هو معنى آخر من العهد ظاهرا، أي الوصية فقوله: " لا ينال عهدي " أي وصيتي بالولاية والامامة، وكذا قوله: " وعهدنا إلى ابراهيم " أي أوصينا إليه، وأما العهد المستعمل في المعاهدات والمعاقدات العهود لله تعالى نحو عاهدت الله على كذا فليس نحو قوله: " وعهدنا إلى ابراهيم " بل هو معنى آخر منه. ثم أن من أراد أن يخرج المعاطاة من العقود بدعوى أن العقد هو العهد المشدد، وتشديده انما هو باللفظ فلا يخلو كلامه إما أن يراد بالتأكيد والتشديد اللزوم مقابل الجواز، فنرجع دعواه إلى أن المعاطاة عقد غير لازم والعقد اللازم ما عقد باللفظ، فدليله عين مدعاه، وإما أن يراد بالتأكيد والتشديد المعهود منهما، فيقال في جوابه: إن العقد المسببي لا يعقل فيه التأكيد، لانه مبادلة بين المالين مثلا، وهي دائرة بين الوجود والعدم لا المؤكد وغيره، والعقد السببي على فرض كونه عقدا لا يعقل فيه أيضا التأكيد بما هو سبب، لان قوله: بعت هذا بهذا لا تأكيد فيه بوجه، ولو قيل بعت البتة هذا بهذا فمضافا إلى عدم وقوع العقود المتعارفة كذلك لا يفيد التأكيد شيئا، إذ لا يحصل به شئ غير ما حصل بالاول، فيكون التأكيد لغوا، فلو فرض كون العقد هو العهد المؤكد لابد من إخراج مطلق العقود لفظا ومعاطاة عن مفاد " أوفوا بالعقود " واختصاصه بالعهود القابلة للتأكيد كالعهد على اتيان عمل، فانه قابل للتأكيد، ولو اتفق أحيانا تأكيد بين المتعاقدين بعدم تخلفهما عن مقتضى العقد فهو خارج عن عنوان العقد لا تأكيد لمضمونه، كما هو واضح. ثم بعدما تبين أن العقد بحسب المفهوم ليس بمعنى العهد أو العهد المؤكد أو الموثق، ويكون بحسب الاستعمال في المعاني الاعتبارية استعارة عن عقد الحبل ونحوه، فيقع الكلام أولا في المعنى الحقيقي منه هل هو

[ 68 ]

مطلق الربط بوجه حصل منه العقدة أو الربط المشدد والمستوثق؟ وثانيا في أن الاستعارة من مطلقه أو القسم الموثق والمؤكد منه بناءا على أن المعنى الحقيقي مطلقه؟ الظاهر المتبادر أن عقد الحبل ونحوه هو مطلق الربط الذي حصل منه العقدة، فقوله عقد الحبل نقيض حله، وعقد الخيط جعل فيه عقدة، كما في المنجد، والعقدة أعم من المشدودة وغيرها كما ترى في كتاب المنجد طبع مثالها بنحو غير المشدد، وكتب في ذيلها " عقدة ". الظاهر أن العقدة بالفارسية " گره " وفي منتهى الارب (گره بستنگاه) وهو مطلق ما جعل في الحبل والخيط بحكم التبادر، وفي الصحاح " والعاقد: الناقة التي قد أقرت باللقاح، لانها تعقد بذنبها " ومن الواضح أنها لا تعقده مستوثقا، وفي القاموس فسر العاقد كما في الصحاح، وعلى هذا يمكن أن يكون مراده من قوله: " عقد الحبل والبيع والعهد يعقده: شده " هو مطلق الربط الخاص، لا تشديده وتوثيقه، تأمل. ويشهد لما ذكرناه شعر الحطيئة المتقدم، إذ لو كان العقد أوكد العهود أو الموثق منها لما صح قوله في مدح القوم: بأنهم إذا عقدوا شدوا العناج وشدوا الكرب، ويشهد لعدم الاستيثاق والتوكيد في معناه قول من فسره بمطلق العهود، كابن عباس وجماعة من المفسرين على ما في مجمع البيان، وكذا الاقوال التي حكاها فيه في معنى العقود. وبالجملة الظاهر أنه ليس في المعنى الحقيقي من العقد اعتبار التوكيد والتوثيق، كما أن الظاهر استعارة اللفظ الموضوع للطبيعة له، ووجه الاستعارة ومصححها هو دعوى أن الربط الاعتباري هو الحبل وتبادل الاعتبارين كتبادل طرفي الحبل بنحو يرتبط وتحصل فيه العقدة، ولا سبيل إلى القول باستعارة الفظ بمناسبة أحد مصاديق معناه، وهو العقد الموثق

[ 69 ]

ضرورة أن العقد الموثق ليس معنى العقد، واللفظ لم يوضع إلا لماهية المعنى، وخصوصيات المصاديق خارجة عن الموضوع له، فحينئذ لو أريد الاستعارة من قسم خاص لابد من ارتكاب تأول آخر وادعاء كون العقد المشدد والمستوثق هو العقد دون غيره، حتى يكون اللفظ مختصا به ادعاءا ثم استعارته للربط الاعتباري. وإن شئت قلت: يلزم منه سبك مجاز من مجاز واستعارة من استعارة وهو خلاف الاصل وخلاف المعهود من الاستعمالات. فتحصل مما مر أن العقد بالمعنى الاستعاري هو مطلق المعاملة بلحاظ الربط الاعتباري المتبادل. ومما ذكر يعلم أنه من مقولة المعنى لا اللفظ، وإنما اللفظ آلة إيجاده أو موضوعه على احتمالين تقدم الكلام فيهما، فعليه لا فرق بين اللفظ والفعل في تحققه الاعتباري، ولا دخالة للفظ في معناه إلا إيجادا لا تقويما، والمعاطاة كذلك عينا، فيكون التعاطي كاللفظ آلة للايجاد أو موضوعا للاعتبار. فتوهم عدم صدق العقد على المعاطاة - لان قوله: بعت ينشأ به معنيان: أحدهما بالمطابقة، وهو تبديل أحد طرفي الاضافة بمثله، وهو يحصل بالفعل أيضا، وثانيهما بالالتزام، وهو التزام كل من المتعاقدين بما أوجداه من التبديل، ومن هذه الجهة يسمى التبديل القولي عقدا وعهدا مؤكدا، وهذا المعنى لا يمكن أن يتحقق بالفعل، لانه ليس للفعل دلالة التزامية، نعم قد يوجد هذا المعنى بفعل آخر كالمصافقة - غير وجيه من وجوه بعضها يظهر مما تقدم. ومنها أن الالتزام بما أوجداه ليس معنى التزاميا لمثل بعت وسائر ألفاظ المعاملات، نعم بناء العقلاء على العمل بعقودهم وعهودهم، فان كان المراد من المعنى الالتزامي ذلك فمع عدم كونه مدلولا التزاميا

[ 70 ]

لا يختص بالعقد بالصيغة. ومنها أنه لو فرض كون الالتزام بذلك معنى التزاميا فلا شبهة في تحققه في المعاطاة أيضا، لان المدلول الالتزامي لازم المعنى لا المعنى المفاد باللفظ فإذا كانت المعاطاة كالبيع بالصيغة في إنشاء المعنى المطابقي أي المبادلة فلا محالة يكون لازم معناه منشأ بالتبع، سواء أنشئ المعنى بالقول أو الفعل. ثم أن لازم قوله الاخير التفصيل بين المعاطاة المقارنة للتصفيق وغيره. ثم أن معنى الوفاء بالعهد والنذر والعقد ونحوها هو العمل على طبق مقتضياتها، فان كان المقتضي العمل الخاص مثل نذر صوم وصلاة، يكون وفاؤه باتيان المنذور لا عدم فك النذر والعهد، وإن كان مقتضاها عرفا تسليم العوضين، يكون الوفاء به، لا بعدم فسخها، فمن لم يفسخ عقد البيع ولم يعمل على مقتضاه بتسليم العين لا يقال عرفا: إنه وفي بعقده، لانه لم يفسخه وإن لم يعمل على مقتضاه. وإن شئت قلت: إن الوفاء وعدمه من لو احق العقد بعد مفروضية وجوده، فاعدام العقد خارج عن عدم الوفاء به، كما أن إيجاده غير الوفاء به إلا أن يقال: إن الوفاء إبقاء العقد الحادث وعدم الوفاء إعدامه، وهو غير صحيح. وكيف كان المتفاهم عرفا من مثل أوفوا بالعقود وبالعهود هو العمل على مقتضاها عرفا، ولعله يختلف معناه عرفا في استعماله مع الباء كما هو الشائع المتعارف في العقود والعهود والوعد والنذر، وقلما يتفق استعماله فيها مجردا عن الباء مع استعماله بدون باء في نحو " أوفوا المكيال والميزان " فان الشائع استعماله في نحوه بغير باء، ولعله يراد بالثاني الاتمام مقابل التنقيص والخسران، كما يظهر من موارد استعماله في الكتاب الكريم وغيره، وبالاول العمل بالمقتضى وافيا والقيام بأمر الشئ بجميع مقتضياته، والمحافظة عليه

[ 71 ]

كما هو أحد معانيه، ويمكن إرجاع الاول إلى الثاني بوجه وبالعكس. وكيف كان إن اختص العمل بالمقتضى بخصوص تسليم العوضين فوجوبه في المعاطاة الحاصلة بالتعاطي لا موضوع له، نعم فيما حصلت باعطاء الثمن وأخذه كما في السلم أو باعطاء السلعة وأخذها كما في النسيئة - وبالجملة في كل مورد أنشئ العقد بالاخذ والاعطاء في أحد العوضين - يكون وفاؤه متصورا في غير المأخوذ، وأما إن قلنا بعدم اختصاصه به حتى يشمل الرجوع إلى ما أعطاه فيأتي وجوب الوفاء في المعاطاة الحاصلة بالتعاطي أيضا، فمن أعطى ثم استرجع لم يف بعقده. وليس المراد بالاسترجاع مطلق أخذ ما أعطى، بل المراد أخذه بعنوان إرجاع ما أعطى، فالايفاء به العمل بمقتضاه وافيا، والمحافظة عليه، فمن لم يسلم السلعة كمن سلمها ثم استرجعها غير موف به، ولا محافظ عليه. ثم أنه قد يستشكل في عموم الآية، تارة بأن مسبوقيتها بما علم من الشارع وجوب الوفاء به - كطائفة من العقود التي بين الله وبين خلقه كالايمان به وبكتبه ورسله، وكالصلاة والزكاة وغيرهما، وكبعض العقود التي بين الناس كالبيع والنكاح وغير هما - مانعة عن الاخذ بأصالة العموم لانها بمنزلة القرينة، أو ما يصلح للقرينة، فيظن أن يراد بها العقود المعهودة، لان المائدة على ما قال المفسرون أخيرة السور النازلة في أواخر عهد النبي صلى الله عليه وآله، مضافا إلى أن قوله: " أحلت لكم بهيمة الانعام " الخ (1) تفصيل لبعض العقود على ما قيل، وهذا أيضا مما يوجب ضعف الحمل على العموم. وأخرى بأن مسبوقيتها بما ذكر توجب مع الحمل على العموم استعمال


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 72 ]

الامر في التأكيد والتأسيس معا، وهو كاستعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد في الفساد، والحمل على التناسي خلاف الاصل، وترجيح - أحد المعنيين يحتاج إلى دليل. وثالثة بأن المراد بالآية المعنى المجازي، ومعه تتسع دائرة الكلام ومجال الجدال، انتهى. ثم أورد بعض الاشكالات المبتنية على كون العهد بمعنى العقد الموثق ولما مر فساد المبنى لا يبقى مجال لاشكالاته المبنية عليه، فنرجع إلى جواب ما مر. فنقول: يجاب عن الاول بمنع القرينية في كل مسبوقية كيفما كانت أو الصالحية لها ففي نحو المورد الذي ورد إنفاذ بعض العقود في سنين طويلة زائدة على عشرين سنة لا يعد ذلك قرينة أو صالحة لها لدى العقلاء، ألا ترى أنه إذا قال المولى: أكرم زيدا كلما جاءك ثم بعد سنين قال: أكرم عمروا كلما جاءك وهكذا أمر باكرام عدة أشخاص، وكان كلهم من العلماء ثم بعد سنين عديدة قال أكرم العلماء كلما جاؤوك لا يمكن ترك إكرام غير العلماء المذكورين قبله باعتذار احتمال كون المراد بالعموم المعهود. والتحقيق أن العام حجة ظاهرة عند العقلاء، لابد في رفع اليد عنها من ثبوت القرينة أو ما يصلح للقرينية بنحو يتكل عليها العقلاء، وهي غير ثابتة في المقام، بل الثابت خلافه. والعجب من المستشكل حيث مثل بمثال ظاهر في العهد وقاس المقام به، مع أن في ثبوت نزول المائدة بجميع آياتها في آخر عمره الشريف كلاما، وإن كان وردت به رواية (1) مضافا إلى إمكان أن يقال: إن كون المائدة آخرة ما نزلت مؤيد للعموم ومؤكد له، لان الوحي لما كان منقطعا


(1) مجمع البيان ج 3 ص 1 50 - طبع صيدا.

[ 73 ]

بعدها فلابد من تقنين قوانين كلية يرجع إليها البشر في سائر الادوار الى آخر الابد فتنزيل آية مجملة لا يصح الاتكال عليها في شئ من الموارد والمحاوج في آخر العهد وآخر الوصية والتقنين لا ينبغي احتماله. مع أن ما ذكره مبني على أن جميع المحرمات والواجبات التكليفية داخلة في مفهوم العقد، وهو ضعيف كما تقدم، فحينئذ بقي بعض المعاملات التي ورد تنفيذها في الكتاب، ومن البعيد جدا أن يراد بذلك العموم خصوص تلك المعاملات، إلا أن يقال: أريد بالعقود ما ذكر في الكتاب وما أنفذها النبي صلى الله عليه وآله بالسكوت، وهو أبعد. وكيف كان لا وقع لهذا الاشكال رأسا كما أن كون " أحلت لكم بهيمة الانعام " (1) تفصيل الآية مبني على أن العقد مطلق المحلل والمحرم وقد عرفت ضعفه، ومعه لا موجب لضعف الحمل على العموم. وعن الثاني بمنع لزوم استعمال الامر في الاكثر، لان لفظ الامر لا يستعمل في التأسيس أو التأكيد، بل هو مستعمل في معناه أي البعث لكنه ينتزع منه التأكيد إن كان مسبوقا بأمر متعلق بعين ما تعلق به ثانيا وثالثا، وإلا يكون تأسيسا، وفي الموارد لم يستعمل الامر إلا في البعث والاغراء، وهذا بمكان من الوضوح. وعن الثالث بمنع اتساع دائرة الكلام مع المجازية، لان للمجازات بواسطة القرائن ظهورات عرفية عقلائية، وهي حجة رافعة للاحتمالات المخالفة، وقد مر ما هو الظاهر منها. هذا كله إن قلنا بأن العقد غير العهد مفهوما فضلا عن كونه عهدا مستوثقا، وقد مر أن الامر كان مبنيا على الاستعارة، فلا يعتبر قول أهل اللغة في مصحح الدعوى، لانه أمر ذوقي اجتهادي.


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 74 ]

وأما إن بنينا على تبعية أهل اللسان من اللغوي وغيره فالظاهر منهم إطلاق العقد على نحو البيع، ففي الصحاح " عقدت البيع والحبل والعهد فانعقد " وعن الراغب " العقود باعتبار المعقود والعاقد ثلاثة أضرب - إلى أن قال -: وعقد بينه وبين غيره من البشر - إلى أن قال -: وظاهر الآية يقتضي كل عقد سوى ما كان تركه قربة أو واجبا " وعن البيضاوي " العقد: العهد الموثق - ثم حكى شعر الحطيئة المتقدم ثم قال -: ولعل المراد بالعقود ما يعم العقود التي عقدها الله وألزمها إياهم من التكاليف وما يعقدون بينهم من عقود الامانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به أو يحسن إن حملنا الامر على المشترك بين الوجوب والندب " انتهى. ومنه يظهر أن المراد بالتوثيق مطلق الربط الخاص وإن لم يكن لازما ولهذا جمع بين التفسير بالعهد الموثق وبين حسن الوفاء به، وهو بمنزلة المفسر لسائر كلمات أهل اللغة ممن عبر بالشد كالقاموس والمعيار، ففيهما " عقد البيع والحبل والعهد شده " ولا أظن أن يكون مرادهما أو مراد من عبر بنحوهما من شد البيع وإحكامه كما في المنجد غير إيقاعه، كما هو ظاهر المحكي عن أقرب الموراد " عقد الحبل والبيع والعهد واليمين ونحوها عقدا: أحكمه وشده، وهو نقيض حله " وعنه " حل العقدة حلا نقضها وفتحها ومنها المثل يا عاقد اذكر حلا: أي أترك سبيلا لحل ما تعقد ". واحتمال أن يكون المراد به غير البيع المتعارف بين الناس من المعاطاة ونحوها مما لا يكون مفاده إلا التمليك والتملك بل يكون مرادهم زائدا على الصيغة ونحوها التشديد والاحكام بقول أو عمل في غاية البعد، بل لعله مقطوع الخلاف، ولعل المراد بالشد ما يعبر عنه بالفارسية ب‍ (بستن عقد). ويشهد لما قلناه من أن البيع ونحوه بمصاديقه المتعارفة داخل في العقود

[ 75 ]

تمسك الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين بالآية الكريمة لاثبات لزوم بعض العقود المتداولة، كالشيخ في مواضع من الخلاف وابن زهرة والعلامة والشهيد ومن تأخر عنه، بحيث يظهر منهم مفروغية دخولها في العقد، فلا ينبغي الاشكال في جواز التمسك بالآية الكريمة لصحة المعاطاة. وبما ذكرناه يدفع إشكال النراقي (قده) بأن العقد الموثق إما العقد اللازم شرعا فلابد من إحرازه، ومعه لا حاجة إلى التمسك بالآية، أو الموثق العرفي، فلابد من اثباته، وليس مجرد بنائهم على الابقاء على متقضى العهد توثيقا له، لان ما لا يقصد فيه الاتيان البتة ليس عهدا، فحصول التوثيق يحتاج إلى أمر آخر، وعلى المستدل إثبات التوثيق عرفا، انتهى. وذلك لما مر من أن مراد أهل اللسان من التوثيق في المقام ما يشمل اللزوم العرفي، ومن الواضح أنه ليس المراد بالعقود هي اللازمة شرعا بل المراد ما هي لدي العرف كذلك، وليس المراد بالوثاقة أمرا زائدا على اللزوم أو الاعم منه على احتمال، فيصح التمسك بالآية لصحة كل معاملة على الثاني، ولصحة المعاملات المبنية على اللزوم في محيط العرف على الاول، نعم مع الشك في الموضوع لا يصح الاستدلال. وأضعف من ذلك إشكاله الآخر، وهو احتمال كون المراد بالعقود في الآية سائر معاني العهد كالوصية والامر والضمان، قال: " ولو سلمنا أن للعهد معنى يلائم العقود الفقهية فارادة ذلك من الآية غير معلومة، وذلك لما عرفت أن المتسالم بين اللغويين والفقهاء من أهل اللسان وغيرهم شمول العقد للعقود الفقهية، هذا مع الغض عما تقدم من أن العقد غير العهد ". ثم أنه قد يستشكل في الآية الكريمة بلزوم تخصيص الاكثر، لخروج المعاملات الجائزة، وهي أكثر من اللازمة، بل وخروج العقود الخيارية

[ 76 ]

فيخرج بخيار المجلس مطلق البيوع. هذا على الاحتمال المتقدم من مباينة مفهوم العقد للعهد، وعلى فرض أن المراد به العهد أو الموثق منه وعلى فرض عمومه لكل جعل شرعي يلزم ذلك أيضا، لخروج المستحبات، وهي فوق حد الاحصاء. وفيه - مضافا إلى أن كل تخصيص أكثري ليس مستهجنا، بل الاستهجان انما يلزم لو كان الداخل قليلا جدا، وأما مع كثرته إلى ما شاء الله كما في المقام فلا يكون مستهجنا، ولو فرض أن الخارج أكثر - أن في المقام لا يلزم ذلك، أما على الاحتمال الاول فلان المراد بالعقود الافراد منها لا الانواع، ضرورة أن الجمع المحلى يدل على تكثير الطبيعة فردا لا نوعا كما في جميع المقامات، فالكثرة النوعية تحتاج إلى قرينة، مع أن القرينة في المقام على خلافها، لان وجوب الوفاء يلحق العقد بوجوده لا بطبيعته وماهيته النوعية، تأمل. وكيف كان لا شبهة في أن الظاهر من الجمع المحلى والكل ونحوهما هو كثرة الافراد، كما لا شبهة في أن أفراد العقود اللازمة ملات الخافقين وأفراد العقود الجائزة في جنبها كالمعدوم، وأما الخيارات كخيار المجلس وغيره فليست من قبيل التخصيص في العموم، بل هي تقييد في الاطلاق كما هو ظاهر لدى التأمل، والبيع الربوي والغرري ونحوهما وإن خرجت بالتخصيص لكن لم تكن في جنب غيرها كثيرة. وأما على الاحتمال الثاني فان كان المراد به العقد اللازم فخروج العقود الجائزة موضوعي، وإن كان الاعم منها فلا يلزم ذلك أيضا، لانصراف الآية الكريمة بمناسبة حكمها عن العقود الجائزة شرعا بعد فرض ورود المائدة في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، والعقود الجائزة عرفا قليلة لو فرض خروجها، وإن أريد بالعهد مطلق المجعول الشرعي

[ 77 ]

فلا يلزم ذلك أيضا، لان المستحبات خارجة انصرفا بمناسبة الحكم والموضوع كالعقود الجائزة. ثم أن مبنى إشكال تخصيص الاكثر هو أن الآية كانت متكفلة لاثبات الوجوب التكليفي أو اللزوم الوضعي، وأما على فرض كونها بصدد الارشاد إلى الصحة فلا إشكال رأسا، فكان الاولى تأخير بيان هذا الاشكال والجواب إلى بحث إثبات اللزوم بالآية، والامر سهل. فتحصل من جميع ذلك أن الآية دالة على صحة المعاطاة. وربما يستدل للمطلوب بقوله تعالى: " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا " (1) كما حكي عن بعض أجلة العصر قدس سره. ويمكن الاستدلال بالآية الاولى لصحة عقد النكاح ولزومه، بدعوى أن المراد بايتاء القنطار إيتائه مهرا وعدم جواز الاخذ الاجل صحته ولزومه ولازمهما صحة العقد المشتمل عليه ولزومه، وبالقاء الخصوصية يسري الحكم إلى سائر العقود. وبالآية الثانية بأن يقال: إن قوله: " وقد أفضى " الخ كناية عن الجماع كما قال به عدة من المفسرين، ووردت به روايات أو عن الخلوة وإلقاء الستر كما عن بعض آخر، ووردت به الرواية أيضا، وعلى أي حال يكون هو علة مستقلة للتعجب من أخذ المهر، وقوله: " وأخذن منكم ميثاقا غليظا " علة مستقلة أخرى، فتدل على أن أخذ الميثاق الغليظ علة للصحة واللزوم، فيسري الحكم إلى كل عقد، لان المراد بالميثاق الغليظ هو ألفاظ عقد النكاح، أو قرار النكاح وعقده، ولك أن تقول: إن


(1) سورة النساء: 4 - الآية 20 و 21.

[ 78 ]

المراد بقوله: " وقد أفضى بعضكم إلى بعض " هو المراودات والمواصلات التي تكون قبل عقد النكاح، ويكون ذلك توطئة لبيان العلة، وهي أخذ الميثاق الغليظ، فليس في المقام إلا علة واحدة، فتتم الدلالة بعموم العلة هذا غاية ما يمكن الاستدلال بهما. لكنك خبير بوهنه، أما عدوى إلقاء الخصوصية عن عقد النكاح والاسراء إلى كل عقد فهي ممنوعة جدا، لان لعقد النكاح في جميع الملل خصوصية ليست لغيرها، مضافا إلى أن الظاهر أن الآية الثانية مفسرة للاولى، ومبينة لوجه عدم جواز الاخذ، فلا تكون الاولى مستقلة الدلالة. وأما الثانية فمضافا إلى أن قوله: " وقد أفضى " كناية ظاهرا عن الجماع - ويكون الظاهر منها أن علة التعجب الافضاء وأخذ الميثاق الغليظ مجموعا لاكل مستقلا، كما أن الامر كذلك في الاشباه والنظائر فاحتمال استقلال كل منهما مدفوع الظهور المؤيد بمناسبة الحكم والموضوع وهي أن جعل المهر لاجل التمتع لالمحض عقد الازدواج، فكأنه قال: كيف تأخذون المهر مع أخذ الميثاق الغليظ والتمتع بها، والتصرف فيها ذلك التصرف المهتم به فتدل الآية على أن كل واحد من الافضاء ومن أخذ الميثاق الغليظ لا يكفي في عدم جواز الاخذ، فلابد من اجتماعهما، ومع الاسراء إلى غير النكاح لابد من القول بأن العقود في حد نفسها لا توجب عدم جواز أخذ ما يعطى عوضا، فتدل على عكس المطلوب - أن دعوى أن الميثاق الغليظ عبارة عن نفس إيقاع النكاح غير صحيحة، بل الظاهر أن المراد بالغليظ هو ما يتعارف في خصوص النكاح الذي هو في غاية الاهمية عند عامة الملل من الالزامات والالتزامات وأخذ العهدة والتغليظ في القرار والجعل كما هو واضح، فبيع طاقة من الخضرة بدرهم ليس من الميثاق الغليظ، ولو أطلق عليه لكان مضحكا.

[ 79 ]

هذا مع أن الآية الكريمة واردة لبيان استقرار المهر بالدخول كما عليه الاصحاب، وتدل عليه الروايات المعمول بها (1) وقد ورد في بعض الروايات الصحيحة " الميثاق هي الكلمة التي عقد بها، وأما قوله: " غليظا " فهو ماء الرجل يفضيه إلى إمرأته " (2) ولعل المراد أن العقد صار غليظا والعهد مشددا بالافضاء، والانصاف أن الآية لا دلالة لها في باب النكاح على المقصود فضلا عن غيره. وربما يستدل عليه بالمرسلة المشهورة أي قوله صلى الله عليه وآله: " الناس مسلطون على أموالهم " (3) بتقريب أن ظاهره اثبات السلطنة لهم بأنواعها على النحو المتداول بين العرف، فإذا تداولت المعاطاة بينهم يشملها الحكم، ولازمه كون أسبابها العرفية أسبابا شرعية. وفيه أن ما لدى العرف في إنفاذ المعاملات يتوقف على أمرين: أحدهما سلطنة المالك على ماله، فمثل المجنون والطفل غير المميز ليس سلطانا لدى القعلاء، فلابد في إنفاذ المعاملة من السلطنة على المال، ثانيهما إيقاع المعاملة على طبق المقررات العقلائية، فبيع المجهول المطلق بمجهول مطلق ليس نافذا لديهم، لا لقصور سلطنة المالك، بل لمخالفته للمقرر العقلائي، فتسلط الناس على أموالهم شئ، ولزوم تبعية العاقد للمقررات العقلائية شئ آخر، وليست المقررات العقلائية ناشئة عن السلطنة وليس من شؤونها، بل هي قواعد لديهم لتنظيم الامور وسد باب الهرج. فتبين من ذلك أن إنفاذ سلطنة الناس على أموالهم على النحو المقرر لدى العقلاء لا يلزم إنفاذ المعاملات العقلائية، لان السلطنة على الاموال


(1) الوسائل - الباب 54 من ابواب المهور من كتاب النكاح. (2) الوسائل - الباب 1 من ابواب عقد النكاح الحديث 4. (3) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث.

[ 80 ]

أحد شرائط النفوذ الدى العقلاء، وليس في محيط العرف والعقلاء السلطنة على الاموال موجبة للسلطنة على المقررات، فالناس مسلطون على أموالهم وتابع للمقررات لا مسلطون عليها، فالسلطنة على الاموال شئ أجنبي عن نفوذها بالنسبة إلى الاسباب المقررة للمعاملات. ومما ذكرنا يظهر أن البيع ليس نوعا من السلطنة على الاموال، ولا المعاطاة حصة منها أو نوعا عرفيا منها، فما قد يقال في جواب الشيخ الانصاري: إنه يمكن أن يقال: إن المعاطاة أحد الانواع إذ ليس المراد منها النوع المنطقي، بل الاعم منه ومن الصنف - ليس على ما ينبغي، كما أن كلام الشيخ أيضا غير وجيه، لان البيع والصلح ونحوهما ليست من أنواع السلطنة على الاموال، فالناس مسلطون على أي نقل شاؤوا لا على أسبابه، لان أسبابه ليست من شؤون السلطنة على الاموال. كما أنه مما ذكرنا ظهر ما في كلام بعض آخر في مقام التقريب، قال ما محصله: " إن السلطنة ليست إلا القدرة على التصرفات المعاملية هنا المتحققة بترخيص الشارع تكليفا ووضعا، فتتحقق بالترخيص الوضعي وإنفاذ ما يتصدى له ذو المال القدرة على المعاملة بما هي مؤثرة في مضمونها فالسلطنة على البيع وعلى المعاطاة حصة من طبيعي السلطنة، فالاطلاق بلحاظ الكم والكيف جميعا، لان السلطنة منتزعة بلحاظ الترخيص التكليفي والوضعي، فلا محالة تكون الاسباب إما ملحوظة ابتداءا أو بتبع لحاظ المسببات، وبهذا الاعتبار لها نفود ومضي بحسب الاسباب ". وفيه - مضافا إلى أن المجعول بالرواية السلطنة على الاموال من غير لحاظ الترخيص التكليفي أو الوضعي، ومن غير لحاظ الاسباب والمسببات وليست السلطنة منتزعة منهما وبلحاظهما، بل هي حكم وضعي مجعول ابتداءا واستقلالا - أن السلطنة على البيع والمعاطاة ليست حصة من طبيعي

[ 81 ]

السلطنة على الاموال، ولا دليل على أن الجاعل في مقام إنفاذ الاسباب أو المسببات، بل الحصص لطبيعي السلطنة على الاموال السلطنة على كل نحو من أنحاء التصرفات، كالتصرف بالنقل مثلا من غير نظر إلى سببه بل ومن غير لحاظ النقل وسببه والمسبب منه بوجه، بل الملحوظ طبيعة السلطنة المجعولة على الاموال، وهي تصحح أحد أركان نفوذ المعاملة، والركن الآخر هو أسباب النقل، ولا تعرض للرواية له، بل هي مهملة من هذه الجهة، بل لا معنى لا طلاقها بالنسبة إلى ما ليس حصة للطبيعي ضرورة أن السلطنة على العقد ليست حصة من طبيعي السلطنة على الاموال والسلطنة على النقل وإن كانت حصة منها لكن لا تصحح السلطنة على النقل السلطنة على العقد، للفرق بين نحو قوله: " أحل الله البيع " و " أوفوا بالعقود " الذي موضوعه البيع والعقد، وبين جعل السلطنة على الاموال. ودعوى لحاظ الاسباب والمسببات في هذا الجعل غير مرضية، ضرورة أن الاطلاق غير العموم، فليست الماهية المطلقة مرآة لمصاديقها وحصصها فضلا عن ما ليس بمصداقها ولا حصتها. هذا كله لو سلم الاطلاق، وأما لو قيل بعدمه وإنما هو مسوق لجعل السلطنة في مقابل الحجر وأريد به أن الناس مسلطون لا محجورون عن التصرفات، فالامر أوضح. ولعل ما ذكرناه هو منظور المحقق الخراساني، لا ما زعم تلميذه المحقق من " أن المراد بقوله: الناس مسلطون أنهم غير محجورين، فأورد عليه بأن الظاهر منه هو ثبوت السلطنة لهم من حيث إضافة المال إليهم، والحكم بالمقتضى استنادا إلى ثبوت مقتضيه إما اقتضاء أو فعلا لعدم المانع معقول، لكن الحكم بعدم المانع استنادا إلى ثبوت المقتضي غير معقول، فلا معنى لحمل دليل السلطنة على أن المالك غير محجور في قبال

[ 82 ]

المحجور " انتهى. وأنت خبير بأن المحقق الخراساني بصدد بيان عدم الاطلاق في الرواية ومراده بأنه مسوق لعدم الحجر ليس أنه في الحجر بقوله ذلك ابتداءا، بل الظاهر أن مراده أنه جعل السلطنة في قبال الحجر، فلا إطلاق فيه من حيث العقد وكيفيته. مضافا إلى أن ما أورد عليه من أن الحكم بالمتقضى (الخ) غير وارد ولو فرض أن الرواية بصدد بيان عدم الحجر، ضرورة أن الملكية ليست مقتضية للسطلنة بالمعنى المعهود للاقتضاء، بل السلطنة من الاحكام العقلائية للاموال، وليس في الرواية ما يشعر باستناد قائله في الحكم بالسلطنة على وجود المتقضي أو عدم المانع، فهل ترى أنه لو ورد من الشارع بدل " الناس مسلطون " " الناس غير محجورين عن أموالهم " وجوب رده، لعدم معقولية الاستناد إلى المقتضي، في الحكم بعدم المانع، نعم ظاهر " الناس مسلطون " جعل السلطنة لا رفع الحجر وإن كان رفعه لازمه، لكنه غير عدم المعقولية. مع إمكان أن يقال: إن الحكم بالمقتضى بعد كون مقتضيه مفروض التحقق إنما هو لدفع توهم الحجر، والمقام كذلك، لان المقتضي وهو كون المال مضافا إلى صاحبه مفروض، فالمحتمل وجود الحجر، فلابد من دفعه، فالقائل بصدد دفعه لا محالة، لكن الظاهر عدم إهماله وكونه في مقام بيان جعل السلطنة فعلا وإن لا يدفع باطلاقه الشك في الاسباب المملكة كما تقدم. ويمكن أن يقال: إن دليل السلطنة حكم حيثي لا يدفع به الشك عن خصوصيات السبب المملك نظير حلية البهيمة، فان قوله: " أحلت لكم بهيمة الانعام " ليس حكما فعليا مطلقا حتى يعارض دليل الغصب ودليل

[ 83 ]

حرمة الموطوءة، بل حكم بالحلية الذاتية مقابل حرمة لحم الخنزير والكلب وهو لا ينافي الحرمة بالغصب والوطئ. ففي المقام أيضا يقال: إن دليل جعل السلطنة حكم حيثي على نفس المال، فلا إطلاق فيه بالنسبة إلى الاسباب ولا الطواري والعوارض، فلا يعارض أدلة حرمة بعض المحرمات التي بينها وبينه عموم من وجه بل لا تكون أدلة المحرمات والواجبات التى بينها وبينه عموم مطلق مقيدة له، فتوهم التعارض ساقط على هذا الاحتمال، كما أنه ساقط على الاحتمال المتقدم، بل لو فرض الاطلاق فيه فلا يعارض أيضا معها، لان هذا الحديث على فرض صدوره ليس بصدد تأسيس حكم، بل الظاهر أنه بصدد إنفاذ حكم العقلاء، لان كافة العقلاء يحكمون بثبوت سلطنة الناس على أموالهم و ليس مستند الفقهاء والمسلمين في هذا القاعدة إلى هذا الحديث المرسل. فعليه يكون هذا الحكم على طبق حكم العقلاء، ولا ريب في أن حكمهم تعليقي على عدم ورود حكم من السلطان الحقيقي على النفوس والاموال، وهو الله تعالى، فإذا ورد حكم من الشارع الاقدس يكون واردا على هذا الحكم التعليقي، فتحصل منه أنه لا إطلاق له على فرض إمكانه يدفع به الشك عن الاسباب. ثم أن هنا بعض إشكالات عقلية أوردها بعض أهل التحقيق: منها - أن السلطنة معلولة للملكية، فمتأخرة عنها وعن عدمها البديل، فكيف يعقل أن تكون علة لزوال الملكية، للزوم تقدم المتأخر بالطبع. ومنها - أن الملكية علة للسلطنة، فإذا كانت السلطنة علة لزوالها لزم علية الشئ لعدم نفسه. ثم أتعب نفسه في الجواب عنهما، وأبعد المسافة مع أن الجواب عن نحوها سهل، وهو أن الملكية ليست علة للسلطنة، بل ولا موضوعة لها

[ 84 ]

كموضوعية الجواهر للاعراض، ضرورة أن السلطنة أمر اعتباري عقلائي لا وجود لها في الخارج. وما أفاد ذلك المجيب بأن السلطنة عبارة عن القدرة التي هي صفة نفسانية في غاية السقوط، إذ هي أمر اعتباري قابل للجعل ابتداءا كجعل الحكومة والولاية ونحوهما من سائر الوضعيات. نعم في جعل السلطنة على الاموال المضافة إلى الناس لابد من تحقق الملكية حالها، لكون السلطنة مضافة إليها من غير أن يكون الملك علة لوجودها، فالسلطنة اعتبارية، كما أن الملكية اعتبارية فلا علية ولا معلولية كما لا علية للسلطنة على زوال الملكية، بل ولا علية للعقد على زوالها نحو علية العلل التكوينية كما هو واضح، فالاشكالات العقلية في غير محلها. نعم هنا إشكال آخر، وهو أن ظاهر قوله صلى الله عليه وآله: " الناس " الخ أن جميع التصرفات في الاملاك انما هي في ظرف تحقق الملكية، فلا تشمل التصرفات المزيلة لها كالبيع والعتق والاعراض و نحوها فلابد من حملها على التصرفات التي يبقي معها الملك. وفيه ما لا يخفى أما بالنظر إلى محيط العقلاء وحكمهم بتسلط الناس على أموالهم فلا شبهة في أن التصرفات المزيلة للملكية من أوضح أنحاء السلطنة على الاملاك، والرواية إنفاذ لما لدى العقلاء كما مر، ولو أغمض عنه فلا إشكال أيضا، لان الظاهر لزوم انحفاظ الملك حال إعمال السلطنة وإخراج المال عن الملكية بأعمال السلطنة لا ينافي ذلك. وإن شئت قلت: إن السلطنة على الاملاك أوجبت نفوذ المعاملة عليها، وبايقاع المعاملة خرجت الاملاك عن الملكية، وانتفى موضوع السلطنة. مع أن لازم ما ذكر عدم السلطنة على الاكل والشرب ونحوهما،

[ 85 ]

وهو كما ترى، بل لازمه عدم صحة البيع وسائر المعاملات رأسا، لانها لا تكون إلا في ملك، فلابد على هذا الاشكال أن يكون الملك منحفظا بعد البيع، وهو كما ترى، هذا كله مع أن السلطنة مجعولة للمالك على المال، فليس المال موضوعا لها، وسيأتي الكلام فيه في باب الاستدلال على اللزوم. واستدل للمطلوب أيضا بقوله عليه السلام: " والمسلمون عند شروطهم " (1) بدعوى شمول الشروط للابتدائية منها تمسكا بالتبادر وجملة من الروايات قال الشيخ الانصاري: " إن الشرط يطلق في العرف على معنيين: أحدهما المعنى الحدثي - ومنه المشتقات كالشارط ونحوه ثم حكى كلام صاحب القاموس ورده ثم قال -: الثاني ما يلزم من عدمه العدم من دون ملاحظة أنه يلزم من وجوده الوجود أولا، وهو بهذا المعنى جامد، واشتقاق المشروط والشارط منه ليس على الاصل، ولهذا ليسا بمتضايفين في الفعل والانفعال، بل الشارط هو الجاعل والمشروط ما جعل له الشرط " ثم ذكر اصطلاح النحاة وأهل المعقول. ولقد تكلف بعض المحشين، وتصدى لارجاع الثاني إلى الاول، وجعله من المشتقات، وبعض آخر لارجاع جميع المعاني إلى معنى واحد، وهو تقيد أمر بآخر إما واقعا أو بجعل جاعل. والذي يظهر من كلمات اللغويين أن الالزام والالتزام إما مطلقا أو في البيع ونحوه أحد معانيه، وأما المعنى الثاني فلم أر شاهدا عليه في اللغة، ففي القاموس " الشرط إلزام الشئ والتزامه في البيع ونحوه، الجمع الشروط " ونحوه في أقرب الموارد، وظاهرهما أنهما بصدد بيان ماهية


(1) الوسائل - الباب 6 من ابواب الخيار من كتاب التجارة والباب 40 من ابواب المهور من كتاب النكاح.

[ 86 ]

المعنى اللغوي لا بعض مصاديقها، ولو كان الشرط عندهما مطلق الالزام والالتزام كان التقييد لغوا بل مخلا، وكذا الظاهر منهما أنه الالتزام الذي ظرفه البيع، لا أن البيع معلق عليه أو متقيد به، ضرورة أن البيع المعلق على الشرط لا يكون الشرط فيه، وكذا الحال في المتقيد، فالظاهر منهما ما لدى الفقهاء من الشروط في ضمن العقد. ثم أن قولهما في خلال الكلام " شارطه: شرط كل منهما على صاحبه " وقول الاول: " وذو الشرط: عدي بن جبلة، شرط قومه أن لا يدفن ميت حتى يخط هو موضع قبره " لا دلالة فيه على كونه بمعنى مطلق الالزام، بل كلامهما في شرح الماهية قرينة على المراد منه في خلال الكلام. وفي معيار اللغة " شرط عليه كذا في البيع ونحوه: الزامه إياه، فالتزم هو لما اشترط عليه " وظاهره أيضا نحو ما تقدم وإن كان دونه في الظهور. نعم في المنجد " الشرط إلزام الشئ والتزامه " وهو ظاهر في الاطلاق وإن كان مسبوقا بقوله: " شرط عليه في بيع ونحوه: ألزمه شيئا فيه ". وربما يشعر بكونه مطلق الالزام أو العهد ما عن أصبغ بن نباتة وقد سئل " كيف سميتم شرطة الخميس يا أصبغ؟ قال: لانا ضمنا له الذبح وضمن لنا الفتح " (1) لكنه ضعيف لكونه مخالفا لقول جل أهل اللغة في وجه التسمية، مع احتمال كون الضمان في عقد البيعة. وأما الشرط بالمعنى الثاني فهو معنى عرفي كما ادعاه الشيخ، ولم يظهر من اللغة أنه أحد معانيه، ولعله دعا بعض المحشين إلى التكلف بإرجاعه إلى الاول، والى المعنى الاشتقاقي، ويحتمل بعيدا أخذه من الشريط بمعنى


(1) البحار - ج 42 ص 181 الطبع الحديث عن الاختصاص.

[ 87 ]

الخوص المفتول يشرط به السرير ونحوه. فالعمدة في المقام تحصيل المعنى الاول، هل هو في اللغة والعرف بمعنى الالزام والالتزام في البيع ونحوه أو مطلق الالتزام؟ وقد عرفت أن كلمات اللغويين مختلفة لا يمكن الاتكال عليها، ولا تصح تخطئة الطائفة الاولى بمجرد استعماله في الاخبار في الشرط الابتدائي، لانه أعم، سيما بعد قيام القرينة، كما في بعض الروايات الآتية، وقد عرفت أن صاحب القاموس غير متفرد بذلك، بل فيما رأيت من اللغة أن صاحب المنجد متفرد فيما قال، كما أن صاحب مجمع البيان متفرد في جعل الشرط في البيع بمعنى العلامة. وكيف كان لا شبهة في أن الشرط ليس بمعنى مطلق الجعل والقرار فلا يقال لجعل النصب والاشارات الشرط، ولا مطلق الجعل المستتبع للالزام والضيق، كما ادعاه بعض المحشين على بيع الشيخ الانصاري، فلا يقال لجعل الامارة الشرعية المستتبعة للضيق والالزام الشرط. ولا بمعنى لزوم شئ لشئ كما ادعاه بعض آخر، فلا يقال للحجية المجعولة لخبر الواحد مثلا باعتبار لزومها له: الشرط، ولا لجعل الوجوب للصلاة باعتبار لزومه لها، وإطلاق الشرط على الطهارة للصلاة ليس باعتبار اللزوم، بل باعتبار تعليقها عليها وعدمها بعدمها. ثم أنه لا شبهة في صدق الشرط عرفا ولغة على الالزام والالتزام في ضمن المعاملات، سواء كان الالزام أو الاشتراط بعنوانهما أو بالحمل الشائع، بل الظاهر أن مطلق الجعل في ضمنها - سواء كان إلزاما أم مستتبعا له، أم كان الالزام من أحكامه - يكون شرطا عرفا. كما أن له معنى آخر في العرف، وهو ما علق عليه شئ تشريعا وجعلا أو تكوينا وخارجا، فيصدق على نحو الجعالة والسباق وسائر

[ 88 ]

الشروط المتداولة بين الناس مما جعل شئ معلقا على شئ، فيقال للمعلق عليه الشرط لا بمعنى الشرط المصطلح النحوي، فلا تغفل، كما أنه يطلق بهذا المعنى أيضا على ما يتوقف عليه وجود شئ ويلزم من عدمه العدم. فهل هذا معنى جامد، فيكون الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم أي الذوات الجامدة الكذائية، كما ادعاه الشيخ أو معنى حدثي اشتقاقي كما تكلف لاثباته بعض أهل التحقيق؟ لا يبعد صحة ما ذهب إليه الشيخ وكونه موافقا للعرف، لان إطلاق الشرط عرفا على مثل الوضوء للصلاة وعلى مطلق الاسباب والعلل انما هو لاجل أن عدمها يوجب عدم ما يتوقف عليها، ولا ينقدح في الاذهان اللزوم والملازمة ونحوهما وإن كان مثله لازم المعنى العرفي. ولو سلم أن ذلك معنى حدثي اشتقاقي لكن لا ينبغي الشبهة في أن هذا المعنى التعليقي غير ذلك المعنى المتقدم، فالالزام والالتزام في ضمن المعاملات معنى مخالف لكون الشئ موقوفا عليه أو ملزوما لشئ، ولا جامع بينهما، ضرورة أن المجعول في ضمن المعاملة في العرف واللغة ليس المعاملة معلقة عليه، لعدم توقف وجودها على وجوده، فهي معنى تنجيزي يشترط في ضمنها شئ على أحد المتعاملين مثلا، فلا يكون قرارهما معلقا، بل من قبيل قرار في قرار، وإن كان حكمه العقلائي ثبوت الخيار للمشروط له لو لم يعمل المشروط عليه الشرط، وهو أمر غير التعليق والتوقف. ولا يقال: إن التزام المشروط له بالعمل والوفاء بالعقد موقوف على عمل المشروط عليه بالشرط، فإن ذلك من الاحكام العقلائية للشرط لا معنى الشرط في العقد.

[ 89 ]

وتوهم أن الجامع بينهما لزوم شئ لشئ مدفوع - بعد الغض عن أن هذا معنى عام لمطلق لزوم شئ لشئ، وهو أعم منهما لا جامع بينهما - بأنه في الشروط الضمنية ليس شئ لازما لشئ، للفرق بين جعل شئ لشئ وجعله لازما له ولا ملازمة بينهما. ولو فرض أيضا يكون ذلك لازم الجعل لا عينه ومعناه. بل كون شئ لازم شئ ليس من الشرط بالمعنى الثاني أيضا، فإنه على فرض حدثيته يكون المجعول الابتدائي والمعنى المطابقي هو تعليق شئ على شئ، فلا يكون ذلك جامعا بينهما، ولا معنى واحد منهما. ومما ذكر علم أن توهم كون الجامع تقيد شئ بشئ ليس بشئ، لان الشروط الضمنية ليست قيدا للبيع ولا المبيع، فإذا باع حمارا بدينار وشرط عليه زيارة بيت الله لا يكون بيعه مقيدا بها، وهو واضح، وليس المبيع عبارة عن الحمار المقيد بزيارة بيت الله، بل المبيع هو الحمار، والشرط أمر آخر جعل في ضمن البيع، ولهذا كان له خيار تخلف الشرط لدى العقلاء، لا خيار تخلف الوصف والقيد. ثم مع عدم الجامع بينهما لا يحمل قوله صلى الله عليه وآله " المؤمنون عند شروطهم " (1) على المعنيين، إما لعدم إمكانه كما قالوا، أو لعدم الحمل عليه إلا مع القرينة، لكونه خلاف المتعارف، فلابد وأن يراد منه أحد معنييه، وقد دلت النصوص على إرادة المعنى الاول منه، ولا دلالة على إرادة الثاني إلا توهم دلالة بعض الروايات عليها، وسيأتي الكلام فيها. ثم على فرض إرادة المعنى الاول فهل تشمل الالتزامات الابتدائية أو لا؟ الظاهر المتبادر من الشرط هو الضمني، ولا يطلق على الابتدائي


(1) الوسائل - باب 20 من ابواب المهور الحديث 4 من كتاب النكاح.

[ 90 ]

بنحو الحقيقة، فإذا التزم إتيان شئ لا يقال؟ شرط إتيانه أو شرط عليه ذلك، ولا أقل من الشك في الشمول، ودعوى تبادر الاعم ضعيفة، واستعماله في الروايات أو غيرها في الابتدائي أعم من الحقيقة، مع إمكان التفصي عن الجل أو الكل. أما مثل قوله عليه السلام: " شرط الله قبل شرطكم " (1) و " شرط الله آكد " (2) فقرينة مجاز المشاكلة فيه موجودة، وأما مثل قوله عليه السلام: " الشرط في الحيوان ثلاثة أيام " (3) فاطلاق الشرط فيه على الخيار لا يبعد أن يكون باعتبار أن جواز العقد وعدم لزومه معلق عليه ومشروط به ويؤيده قوله عليه السلام: " حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع للمشتري " (4) وفي بعض الروايات " فإذا مضت ثلاثة أيام فقد وجب الشراء " (5). وأما بعض فقرات دعاء التوبة من الصحيفة الكاملة وهو " وأوجب لي محبتك كما شرطت، ولك يا رب شرطي أن لا أعود " (6) فلان الحب معلق على التوبة، والشرط في الفقرة الثانية ضمني. وأما إطلاقه على البيع في روايات باب من باع سلعة بثمن حالا وبأزيد منه مؤجلا كقوله عليه السلام: " أمره - أي رسول الله صلى الله


(1) الوسائل - الباب 38 من ابواب المهور الحديث 1. (2) المستدرك - الباب 5 من ابواب الخيار الحديث 2 (3) الوسائل - الباب 4 من ابواب الخيار الحديث 1 (4) الوسائل - الباب 5 من ابواب الخيار الحديث 2 (5) الوسائل - الباب 3 من ابواب الخيار الحديث 9 (6) الصحيفة السجادية الدعاء ()

[ 91 ]

عليه وآله - أن ينهاهم عن شرطين في بيع (1) " وفي بعضها " نهى صلى الله عليه وآله عن بيعين في بيع " (2) والمراد منهما واحد ظاهرا، وهو بيع سلعة بثمنين حالا ومؤجلا، فلعله لاجل كونه في قوة الشرط، فكأنه قال: إن كان حالا فبكذا، وإن كان مؤجلا فبكذا، فبهذا الاعتبار يكون شرطا، وباعتبار التبادل يقال: بيعان في بيع. وفي باب اشتراء الطعام وتغير السعر قبل قبضه روايات (3) يظن منها إطلاقه على البيع أو مطلق القرار، وكذا في باب السلف وغيره، والكل قابلة للتوجيه، والارجاع إلى الشرط بمعنى التعليق أو الشرط الضمني فلا فائدة في نقلها. وأما الروايتان الواردتان في أبواب المهور على فرض دلالتهما فلا تثبت بهما اللغة، لكن ربما يقال: يمكن إثبات اجراء حكم الشروط في الابتدائية بهما ولو للالحاق حكما، ففي رواية منصور بزرج عن عبد صالح عليه السلام قال: " قلت له: إن رجلا من مواليك تزوج امرأة ثم طلقها فبانت منه، فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلا أن يجعل لله عليه أن لا يطلقها ولا يتزوج عليها، فأعطاها ذلك ثم بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ فقال: بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له: فليف للمرأة بشرطها، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: المؤمنون عند شروطهم " (4). والجواب عنها - مضافا إلى أن الظاهر منها كون عقد الازدواج


(1) و (2) الوسائل - الباب 2 من ابواب أحكام العقود الحديث 3 - 4. (3) الوسائل - الباب 26 من ابواب أحكام العقود. (4) الوسائل - الباب 20 من ابواب المهور - الحديث 4.

[ 92 ]

مبنيا على الشرط إما في ضمنه صريحا أو بنحو يعد في ضمنه عرفا، كما إذا كان إجراء العقد بعد المقاولة مبنيا عليه، ولا مضائقة في كون نحو هذه الشروط مشمولا للادلة وصادقا عليه الشرط - أن الالحاق الحكمي انما يتم لو سلمت الرواية عن الاشكال، وهو معارضتها بما دلت على بطلان هذا النحو من الشروط ولهذا حملت على التقية أو الاستحباب، ومحل الكلام فيها باب الشروط. وفي رواية ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل قال لامرأته: إن نكحت عليك أو تسريت فهي طالق، قال: ليس ذلك بشئ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من اشترط شرطا سوى كتاب الله فلا يجوز ذلك له ولا عليه " (1) حيث يظهر من استدلاله أن شرطيته مفروغ عنها، وعدم الجواز لمخالفته لكتاب الله، ولا أقل من إثبات الالحاق حكما. وفيه - مضافا إلى قوة احتمال أن يكون الشرط في ضمن العقد ولو بنحو ما تقدم - أن استدلاله مبني على التقيه، ضرورة أن الطلاق لا يقع بهذا النحو، سواء كان الشرط سائغا أم لا، ولعل مبنى الناس دخول هذا النحو من الالتزام في قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " ولو لقرائن عندهم، لا لاقتضاء العرف واللغة. ثم لا يخفى أنه لو بنينا على أعمية الشرط للشروط الابتدائية إما عرفا ولغة أو إلحاقا وتعبدا لا يوجب ذلك الالتزام بدخول البيع وغيره من المعاملات فيها، بداهة أنه لا يكون الالزام والالتزام معنى مطابقيا للمعاملات والا التزاميا لها، لان البيع مبادلة خاصة أو تمليك عين بعوض، وهو عنوان غير عنوان الالزام والالتزام، وبناء العقلاء على لزوم لعض المعاملات غير


(1) الوسائل - الباب 38 من ابواب المهور الحديث 2.

[ 93 ]

كونها الالزام والالتزام، كما أن التزام المتعاملين بالعمل على المعاملة غير كونها إلزاما والتزاما. نعم لو قيل بان الشرط مطلق الجعل والقرار لكان البيع ونحوه داخلا فيه، وكذا لو قيل بأنه مطلق القرار المستتبع للالتزام ولو مع عدم الدلالة عليه حتى الدلالة الالتزامية، لكنهما ضعيفان كما تقدم. فتحصل من ذلك أن تسلمهم بأن الشرط لو شمل الابتدائي يكون البيع ونحوه داخلا فيه غير مرضي. نعم لا يبعد إلقاء الخصوصية عرفا من الشروط الضمنية إلى الابتدائية بل إلى مطلق القرار والجعل بمناسبة الحكم والموضوع، بأن يقال: إن العرف يفهمون من قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " أن ما يكون المؤمن ملزما به هو جعله وقراره من غير دخالة عنوان الشرط فيه فالضمنية والابتدائية والشرط وسائر عهوده على السواء في ذلك، تأمل، وربما يأتي تتمة لذلك. ثم أنه لا شبهة في دلالة " المسلمون عند شروطهم " (1) على نفوذ الشرط، سواء قلنا باستفادة التكليف منه، لما أشرنا إليه والى وجه في الادلة السابقة فراجع، أم قلنا باستفادة الوضع منه، بأن يقال: إن الشروط أمور اعتبارية لا معنى لكون المسلم عندها على الحقيقة، فيكون الكلام مبنيا على ادعاء كون الشروط أمورا متمثلة حسا، بحيث يصح القيام عندها، ولا تصح الدعوى إلا إذا كانت الشروط معتبرة عند الشارع فلو كانت ملغاة عنده وبحكم العدم كانت غير صحيحة، فصحتها منوطة بانفاذها واعتبارها. ثم أن تلك القضية جملة خبرية استعملت في معناها الاخباري لكن


(1) الوسائل - الباب 6 من ابواب الخيار - والباب 40 من ابواب المهور

[ 94 ]

بداعي الانشاء وجعل الداعي، كما في الاشباه والنظائر، فيستفاد منه حكمان: وضعي وتكليفي، فهل الحكم التكليفي تعبدي مولوي إيجابي أو استحبابي أم إرشاد إلى حكم العقلاء بلزوم العمل بها؟ فيه كلام يأتي إنشاء الله تعالى في بحث الشروط مع سائر المباحث المربوطة بها. هذا كله فيما دلت على صحة المعاطاة وإفادتها للملكية كما في البيع بالصيغة، وعليها فهل في لازمة مطلقا كما عن ظاهر المفيد، أو إذا كان الدال على التراضي لفظا كما عن بعض معاصري ثاني الشهيدين، وعن جماعة من متأخري المحدثين، أو غير لازمة مطلقا كما عن أكثر القائلين بالملكية؟ مقتضى القواعد هو الاول، واستدل عليه باستصاحب بقاء الملك بعد رجوع المالك الاصلي، فهل الاستصحاب كلي من القسم الثاني أو شخصي؟ وعلى الاول هل هو جار في المقام على فرض جريانه في غيره؟ وعلى أي حال هل هو معارض بأصل آخر أولا؟ ربما يقرر كونه من الثاني بأن المعاطاة موجبة للملك ويتردد بين كونه متزلزلا أو مستقرا، وبعد الفسخ يتردد في بقاء الكلي، للشك في كونه ما هو مقطوع الزوال أو مقطوع البقاء، فالاصل على فرض جريانه من القسم الثاني، وقد قال الشيخ الاعظم بامكان دعوى كفاية تحقق القدر المشترك في الاستصحاب، ثم أمر بالتأمل. ولعل وجهه أن الكلي الطبيعي متكثر الوجود في الخارج لا جامع بين أفراده خارجا، بل الجامع بنعت الجامعية والاشتراك أمر عقلي لا موجود خارجي، كما حقق في محله، فالقدر المشترك لا تحقق له حتى يستصحب لكنه بعيد عن مذاق الشيخ، مع إمكان أن يقال: حكم العرف في المقام مخالف لحكم العقل الدقيق البرهاني، فكأن قول الرجل الهمداني المصادف للشيخ الرئيس موافق للحكم العرفي العقلائي، ولهذا اشتهر بينهم أن

[ 95 ]

الطبيعي يوجد بوجود فردما، وينعدم بعدم جميع أفراده. ويمكن أن يكون وجهه ما قلنا في غير المقام بأن جريان استصحاب الكلي موقوف على أن يكون المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا له، وهما منتفيان في المقام، لان المملوك لدى العقلاء والعرف هو الموجودات الخارجية المتكثرة، والجامع الانتزاعي منها ليس مملوكا ولا ملكا في قبال الخصوصيات، فلا يقال لمن ملك بستانا ودكانا: إنه ملك ذلك وذاو الجامع بينهما، نعم يصح أن يقال: إنه ملكهما بعين ملكية هذا وهذا، فان المجموع عين الجميع ذاتا بنظر العرف، لكن الجامع غيرهما، فلو كان الجامع مملوكا يكون في المملوكين مملوكات ثلاثة، وهو كما ترى، والشارع أيضا اعتبر ملكية هذا وذاك دون الجامع، فالمعنى الانتزاعي ليس ملكا شرعا ولا عرفا، فلا يجري استصحابه. ويمكن دفعه بأن الملك في اعتبار العقلاء أمر كلي قابل للصدق على الكثيرين، والخصوصيات الخارجية مصاديقه، ضرورة عدم اعتبار العقلاء في كل مملوك ملكية مستقلة باعتبار مستقل يقابل الاعتبار الآخر، فالملكية الاعتبارية نظير الماهيات الاصيلة في هذا المعنى، فلا يكون الجامع في قبال المصاديق مملوكا مستقلا حتى يلزم مملوكات ثلاثة في صورة مملوكية المصداقين لان الجامع موجود بعين وجود المصاديق، فهذا المعنى الكلي جامع بين الملكية المستقرة والمتزلزلة، وموجود عرفا سابقا وشك في بقائه، فيستصحب ويترتب عليه الحكم، وهو حرمة تصرف الغير فيه بلا إذنه، وجواز تصرفاته الناقلة وغيرها. إن قلت: تعتبر في الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة والقضية المشكوك فيها، وليس في المقام كذلك، لان المتيقن هو وجود ملك قابل للصدق على المتزلزل والمستقر، وفي زمان الشك لا يكون احتمال البقاء إلا للملك

[ 96 ]

المستقر، فلا يحتمل الصدق على المتزلزل. قلت: فرق بين قابلية الصدق على الكثيرين والصدق الفعلي، والكلي هو القابل له وما لا يمتنع صدقه عليها، لا ما يصدق فعلا، والكلي في القسم الثاني ومنه المقام كذلك، أي قابل للصدق ولو لم يصدق فعلا، والمناط في أشباه المقام حكم العرف لا العقل البرهاني، والمفروض أنه بنظر العرف تكون الطبيعة الجامعة موجودة معهما بوجود واحد، والاختلاف بينهما في الخصوصيات، وهذا حكم عقلائي قلما يتفق التنبه بخلافه، ولهذا يقال بلا نكير: إن نوع الانسان والحيوان باق، وهو حكم عرفي مخالف للتحقيق الفلسفي الدقيق. وقد يقال بحكومة استصحاب عدم تحقق الفرد الطويل على الاستحصاب المذكور، لان الشك في بقائه مسبب عن الشك في حدوث الطويل. وفيه أن عدم الفرد سواء كان علة العدم الكلي كما قيل أم عين عدمه لا يصح استصحابه، لرفع الشك عن بقاء الكلي، أما على الاول فواضح، لان عدم المعلول بعدم علته عقلي لا شرعي ولو كانت العلية والسببية شرعية، لان ترتب المعلول على علته ليس شرعيا مع جعل السببية والعلية فضلا عما كانت تكوينية وغير جعلية. نعم لو كان المجعول شيئا عقيب شئ يمكن استصحاب الثاني لاثبات الاول، أو نفيه لنفيه على إشكال في الثاني، ومن المعلوم أن القمام وأشباهه ليس كذلك، لان نفي الطبيعي بنفي أفراده أو اثباته باثباتها عقلي لا شرعي بناءا على عليتها له. وكذا إن قلنا بأن عدم الطبيعي بعدم أفراده ووجوده بوجود فرد منه وذلك لان نفي الكلي المشترك بين الفردين بنفي الفردين ليس شرعيا والعينية انما هي في الخارج لا في الماهية والاعتبار، فان خصوصية الفرد

[ 97 ]

غير الجامع بينهما عرفا وعقلا، فنفي زيد بالاستصحاب لا يثبت به نفي الانسان ولو بضم الوجدان إلى عدم فرد آخر منه، فانه عقلي، فنفي الملك المستقر بالاستصحاب لا يثبت نفي الملك الكلي ولو بضم القطع بعدم المتزلزل وعدم سبب آخر للملك، ومما ذكرناه يظهر النظر في كلام السيد الطباطبائى رحمه الله. وقد يستشكل في استصحاب الكلي في المقام بأن القسم الثاني قد يجري فيه استصحاب الشخصي كالكلي وقد لا يجري، فإذا شك في إيجاد رافع أحد الحادثين يجري استصحاب الشخص الحادث، كما لو شك في إيجاد الوضوء أو الغسل بعد العلم بالحدث المردد، وأما لو شك بعد الوضوء في بقاء الحدث الشخصي فلا يجري استصحاب الشخص، لان الامر دائر بين مقطوع الارتفاع ومشكوك الحدوث، فلا مناص عن استصحاب الكلي. وأما في المقام فلا يجري استحصاب الكلي أيضا، لان اختلاف الملك ليس إلا بنفس الارتفاع والبقاء، فينتفي أحد ركني الاستصحاب، لان الجائز مقطوع الارتفاع واللازم مشكوك الحدوث. وبعبارة أخرى لازم ذلك أخذ ما في عقد المحمول في الاستصحاب في عقد موضوعه بعد عدم الاختلاف بين الملكين إلا من جهة البقاء والارتفاع، لان حاصله يرجع إلى استصحاب الملك الباقي، فيكون مفاده الحكم ببقاء الباقي، وهو كما ترى، ومرجع هذا الاشكال في الحقيقة إلى أن النوعين من الملك متباينان بتمام هويتهما، انتهى ملخصا. وفيه أولا أن جريان استصحاب الشخص فيما ذكره ممنوع، لان الشخص الموجود بالحمل الشائع غير متيقن، إذ لا علم بالوجود الشخصي بخصوصيته الشخصية مع التردد بين الشخصين، ولو أريد بالشخصي والموجود الخارجي والجزئي الحقيقي هذه العناوين بالحمل الاولي فهي كليات صادقات

[ 98 ]

على الكثيرين ولو صدقا عرضيا. وبالجملة مع الشك في كون الموجود هذا المصداق أو ذاك لا يعقل العلم بالشخص الحقيقي الخارجي بالحمل الشائع، والظاهر وقوع الخلط بين الشخصي والجزئي بالحمل الاولي والشائع. هذا إن أريد به الشخصي والوقعي المعين، وإن أريد الفرد المردد فان أريد المردد الواقعي فلا يعقل وجوده وتحققه، بل وتعلق العلم به، وإن أريد المردد عندنا والمعين في الواقع حتى يرجع الامر إلى العلم الاجمالي بأحدهما فالمعلوم أيضا كلي قابل للصدق على كل من طرفي الترديد، مضافا إلى أن الفرد المردد بما هو كذلك ليس موضوعا لحكم، فالاحكام إما متعلقة بالطبائع أو بأفرادها، ومما ذكرنا يظهر النظر في كلام الطباطبائي في تعليقته. وثانيا أن أساس الاشكال ومرجعه على ما اعترف به إلى زعم أن الملك الجائز واللازم متباينان بتمام هويتهما، وهو بمكان من الضعف، ضرورة أن المراد بتباينهما بتمام الهوية إما التباين بحسب الوجود أي يكون وجود أحدهما غير وجود الآخر فهو مع سوء التعبير بل فساده لا ينافي وحدتهما نوعا أو جنسا ومعها يجري استصحاب الكلي، ولا يرد عليه شئ مما زعمه. وإما التباين بحسب الماهية، فلازمه مع سوء التعبير أيضا إما الالتزام بأن أحدهما ملك والآخر ليس بملك فهو خروج عن محط البحث بعد فساده في نفسه، ضرورة أن الكلام في اللزوم بعد الفراغ عن سببية المعاطاة للمليكة أو الالتزام بعدم كون واحد منهما ملكا، فهو أفسد، أو الالتزام بأن الملك في البيع اللازم والجائز مشترك لفظي وحقيقتهما متباينتان بتمام الذات فهو أيضا ضروري الفساد، مع أنه مخالف لتعبيراته من تنوعه بنوعين، وأن الاختلاف بينهما ليس باختلاف الحقيقة والماهية من غير جهة الارتفاع بالفسخ واللارتفاع به، وأن جهة تقسيمه اليهما منحصر بالبقاء

[ 99 ]

والارتفاع مما ينادي بوجود ما به الاشتراك بينهما، وهو طبيعي الملك. فحينئذ ينفسخ جميع ما نسج على زعم التباين، ضرورة جريان استصحاب الكلي، وهو معلوم التحقق ومشكوك الارتفاع من غير لزوم أخذ ما في عقد المحمول في الموضوع، ولا يدور أمر طبيعة بين ما هو مقطوع الارتفاع ومشكوك الحدوث، وبالجملة لا فرق بين المقام وغيره، وأما الاشكال بأنه من قبيل الشك في المتقضي فمدفوع - مضافا إلى جريانه فيه كما حقق في محله - بأنه ليس منه، فان العقد الجائز باق ما لم يفسخ والفسخ رافعه. ثم أعلم أنه يجري استصحاب الكلي على أي حال سواء كان الملك مختلفا في الجائز واللازم أم غير مختلف، وعلى الاول كان اختلافهما نوعيا أو صنفيا أو بالمراتب، غاية الامر يتردد المستصحب بين كونه من القسم الاول من الكلي أو الثاني منه وسيأتي الكلام فيه، وأنه بحكم القسم الثاني، فانتظر. وأما الاستصحاب الشخصي فلابد فيه من إحراز عدم اختلاف الملك الجائز واللازم بأنحائه، فقد يقال في دفع احتمال اختلافهما نوعا أو بالمراتب بأن الملكية عرفا وشرعا ليس إلا اعتبار معنى مقولي لا يخرج عن مقولة الجدة والاضافة، وليست الملكية المقولية نوعين ولا مقولة الجدة ذات مراتب، فلا محالة لا يكون اعتبارها نوعين أو ذات مراتب. وفيه أن الملكية الاعتبارية وإن كانت شبيهة بمقولة الجدة أو الاضافة لكن كون اعتبارها تبعا للمقولة أو اعتبار مقولة كذائية غير ثابت، بل الثابت خلافه، ضرورة أن اعتبار الملكية كان بين طوائف في أوائل التمدن في الجملة، ولم يكن من العلم بالمقولات واصطلاحات الفلسفة وكشف الحقائق عين ولا أثر، والآن أيضا ليس في اعتبار العقلاء الملكية أدنى تنبه

[ 100 ]

وتوجه بالمقولات جدة أو اضافة أو غيرهما، وإنما قلنا: إن الملكية الاعتبارية شبيهة بمقولة الاضافة أو الجدة، لا أنها مأخوذة منهما أو أنها اعتبارهما، فكون الجدة غير متنوعة بنوعين أو غير ذات مراتب أجنبي عن الملكية الاعتبارية، ولو سلم كونها اعتبارهما أو مأخوذة منهما لكن لا دليل على تبينها لهما في جميع الخصوصيات، فلعل الجدة الاعتبارية ذات مراتب دون الحقيقية. فالاولى أن يقال في دفع توهم كونها ذات مراتب شدة وضفعا: إن معنى كون شئ كذلك أن لحقيقتها عرضا عريضا كالنور الذي بعض مراتبه أشد في النورية من بعض. وكالبياض والسواد، وأما لو كان شيئان في درجة واحدة من الطبيعة وكان صدقها عليهما متواطئا فلا تكون ذات مراتب وإن كان أحدهما غير زائل لبقاء علته دون الآخر، إذ ليس ذلك مناط التشكيك، كما هو واضح. فحينئذ نقول: إن الملكية لدى العقلاء ليست ذات مراتب، فلا يكون شخص بالنسبة إلى شئ مالكا وبالنسبة إلى شئ آخر أملك، ولا شئ مملوكا وشئ أشد مملوكا، ولو زالت الملكية في مورد بزوال سببها ولم تزل في مورد فليس ذلك دليلا على كونها ذات مراتب. وأما احتمال كون الجواز واللزوم أو الاستقرار والتزلزل من منوعات الملك وفصوله أو مصنفاته، وكونهما موجبين للتعدد النوعي أو الصنفي أو الفردي فمدفوع بأن الضرورة قائمة على أن اختلاف الملك جوازا ولزوما أو مستقرا ومتزلزلا ونحوهما ليس بذاته مع قطع النظر عن الاسباب والعقود المملكة، ولا أظن دعواه من أحد، بل المدعي يدعي أن الاختلاف بسبب الاسباب والمملكات، فلابد له من تسليم أن الاسباب مختلفة لدى العقلاء أي العقد قسمان: لازم وجائز وبتبعه يكون الملك كذلك.

[ 101 ]

فحينئذ نقول: إن المتصور أن العقد اللازم إما سبب قهرا للملك اللازم، ويكون العقد واسطة للثبوت بالنسبة إلى الملك اصطلاحا، أو يكون واسطة للثبوت بمعنى آخر غير اصطلاحي، وهو اعتبار اللزوم عقيب اعتبار اللزوم أو عقيب العقد اللازم واعتبار الجواز كذلك، أو يكون من قبيل الواسطة في العروض بمعنى أنه ينسب اللزوم إلى الملك بالعرض والمجاز. لا سبيل إلى كون العقد سببا قهرا، لان السببية والمسببية الحقيقيتين غير معقولتين في الاسباب العقلائية أو التشريعية، وأما الوساطة في الثبوت بالمعنى الثاني فلا معنى لها، بل ولا تعقل، لان اعتبار اللزوم والجواز في العقد يغني عن اعتبارهما في الملك، فيكون اعتبارهما لغوا محضا. وتوهم أن اعتبارهما في الملك لا العقد تدفعه الضرورة، بداهة عدم إمكان إنكار أن العقد على قسمين لدى العقلاء والشارع الاقدس، وإرجاع الملك إلى صاحبه الاول بفسخ العقد لا بارجاع العين مستقلا وابتداءا، فلا محالة يكون العقد لازما أو جائزا في اعتباراتهم، ومع هذا الاعتبار لا معنى لاعتبار آخر لغو يكون وجوه وعدمه على السواء، فلا يبقى إلا الوجه الاخير أي كون الوساطة في العروض، والاتصاف بالعرض والمجاز، وهو لا يوجب الاختلاف نوعا أو صنافا أو فردا كما هو واضح. فتحصل من جميع ذلك صحة ما أفاده الشيخ رحمه الله وإن كان في برهانه ضعف. ومما ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال باختلاف الاسباب الاختلاف المسببات، وأضعف منه الاستدلال بأن اختلاف الاسباب لو لم يكن موجبا لاختلاف المسببات لا يقتضي اختلاف الاحكام، فان المراد باختلاف الاحكام إن كان اختلاف أحكام الاسباب فهو لا يقتضي لا اختلاف

[ 102 ]

الاسباب لا اختلاف المسببات، وإن كان المراد اختلاف أحكام المسببات ويكون المراد بالاحكام الجواز واللزوم فهو مصادرة واضحة، وإن كان المراد أن الاسباب المختلفة تكشف عن المسببات المختلفة فمع سوء التعبير غير صحيح، لما عرفت من عدم السببية والمسببية الحقيقية في أشباه المقام. ثم إن الشيخ الاعظم أشار في المقام إلى ما ربما يقال: من إن استصحاب بقاء علقة المالك الاول مقدم على الاستصحاب المتقدم كليا كان أو شخصيا وفصله في أول الخيارات بما هو غير مرضي تقريبا ودفعا. وما يمكن أن يقال في تقريبه وجوه: منها - أن يقال: كانت للمالك قبل البيع مضافا إلى علاقة الملكية علاقة أخرى في علاقة استرجاع العين إليه لو خرجت عن ملكه، خرجت منه العقود اللازمة، فمع الشك في لزوم المعاطاة يشك في بقاء العلقة الثانية، فتستصحب، ومع حصول المعلق عليه تصير علاقة الاسترجاع فعلية، وهو حاكم على استصحاب الملكية، لان الشك في بقاء الملك ناش من الشك في تأثير فسخه ونفوذه ومع حكم الشارع ببقاء علاقة استرجاع العين يكون فسخه مؤثرا. وفيه أن التعليق في المقام عقلي انتزاعي لا شرعي، لان الشارع حكم في العقود الجائزة بجواز الرجوع تنجيزا، ولا دليل على هذا الحكم التعليقي شرعا، وفي مثله لا يجري الاستصحاب، كما قرر في محله. وبالجملة الحكم الشرعي التعليقي غير متيقن، والتعليقي العقلي المنتزع غير مفيد، مع إمكان أن يقال: إن الشارع لم يحكم إلا بجواز العقد، وأما جواز الاسترجاع فليس حكما شرعيا، بل لازم حل العقد استرجاع العين، فجوازه لازمه العقلي، مضافا إلى أنه بعد خروج العقود اللازمة يكون الحكم بحسب الواقع للعقود الجائزة أو غير اللازمة، ومع الشك لا يمكن إحرازه لحصول الموقوف عليه.

[ 103 ]

ومنها - أن يقال: إن للمالك علاقة المالكية قبل البيع، ومن المحتمل حدوث علاقة أخرى هي علاقة جواز استرجاع العين عند زوال العلاقة الاولى، فطبيعي العلاقة كان موجودا وشك في زوالها، فيستصحب، وهو من القسم الثالث الجاري على الاوقوى، وفيه أن طبيعي العلاقة الجامع بين علاقة الملكية وعلاقة الاسترجاع لا أثر له، وإثبات العلاقة الثانية باستصحاب الكلي مثبت. ومنها - أن يقال: إن في زمن خيار المجلس كان فسخه لو فسخ مؤثرا وبعد افتراقهما يحتمل بقاؤه، وفيه أن ذلك من تعليق الموضوع ولا يجري استصحابه. ومنها - أن في زمن الخيار كان المحتمل وجود علاقة جواز استرجاع العين، فيستصحب طبيعي العلاقة، وفيه - مضافا إلى أن الخيار من الحقوق وجواز الاسترجاع حكم، ولا جامع بينهما إلا بعض العناوين العرضية الانتزاعية التي ليست بحكم شرعي ولا موضوعه - أن طبيعي تلك العلاقة لا أثر له وإثبات القسم الخاص باستصحاب الكلي مثبت. ومنها - أن في زمان الخيار جاز الفسخ وضعا، ومن المحتمل وجود جواز وضعي آخر، لاحتمال كون المعاطاة جائزة، ومعه يجوز الفسخ وضعا أي يكون نافذا، فيستصحب طبيعي الحكم الوضعي، ومع حكم الشارع في زمان الشك ببقاء الجواز الوضعي ونفوذ الفسخ يرفع الشك في بقاء الملك وعدمه. وفيه أن الجواز الوضعي في زمان الخيار ليس حكما شرعيا، بل حكم عقلي مستفاد من جعل الخيار، وهو حق مجعول لذي الخيار، وليس للشارع في زمان الخيار مجعول إلا ذلك، نعم لازم ذلك عقلا نفوذ الفسخ، وهو ليس بحكم شرعي، فعليه إن الجامع بينه وبين الجواز في

[ 104 ]

العقود الجائزة ليس حكما شرعيا ولا موضوعا له وإن كان لازمه تحقق الفسخ ورجوع العين، لكنه ليس من قبيل الموضوع الذي يترتب عليه الحكم حتى يجري فيه الاستصحاب، مضافا إلى أن خيار المجلس ليس في جميع الموارد، فالدليل أخص من المدعى. ثم لو شككنا في أن اللزوم والجواز من خصوصيات الملك أو مقوماته أو من خصوصيات السبب المملك فلا ينبغي الاشكال في عدم جريانه بناءا على عدم جريانه في القسم الثاني، لا لان الشبهة مصداقية، ضرورة عدم معنى لها في المقام، لان الشبهة المصادقية في دليل " لا تنقض " لابد أن تلاحظ بالنسبة إلى اليقين والشك لا إلى الواقع، ومن الواضح أن اليقين لم يتعلق بالجزئي، بل بطبيعي الملك، غاية الامر أن في القسم الثاني من الاستصحاب يكون طرف الشبهة غالبا أمرين طويل العمر وقصيره ولا ثالث لهما، وفي المقام طرف الشبهة أمور ثلاثة، لعدم إحراز كون اللزوم من خصوصيات المسبب أو السبب، ومعه يتردد الموجود الخارجي الجزئي من الملك بين أن يكون ملكا جائزا بخصوصيته أو لازما بخصوصيته بناء على كونهما من خصوصيات المسبب أو شخصا آخر - أي شخص الملك - بلا خصوصيتهما بناء على كونهما من خصوصيات السبب، فالمتيقن هو طبيعي الملك الجامع بين الثلاثة، وكل منها مشكوك فيه، فالكلي متعلق اليقين بلا ريب، والخصوصيات الثلاث غير متعلق له بلا ريب. فأين الشبهة المصداقية حتى يقال في دفعها بجواز التمسك بالعام في المخصص اللبي كما في المقام. والانصاف أن الاشكال والجواب أجنبيان عن المقام مع ما في الجواب من الاشكال أو الاشكالات. بل لان الاستصحاب في المقام من استصحاب الكلي نظير القسم الثاني

[ 105 ]

واشترك معه في الاشكالات كقولهم: إن الشك في البقاء مسبب عن الشك في حدوث الطويل، والاصل عدمه، ويقال في المقام: إن الشك في البقاء مسبب عن الشك في حدوث الملك اللازم أو الملك بلا تخصص بخصوصية والاصل عدمهما. وقولهم: إن الامر دائر بين مقطوع الارتفاع ومحتمل الحدوث، ويقال في المقام: إن الامر دائر بين حدوث الملك الجائز وهو متيقن الارتفاع وما هو محتمل البقاء، أي الملك اللازم أو الملك المتشخص بلا خصوصية اللزوم والجواز، وهو محتمل الحدوث، فلو صحت الاشكالات الواردة في القسم الثاني صح في المقام أيضا. ومما استدل به للزوم المرسلة المعروفة " الناس مسلطون على أموالهم " (1) وقد قربها الشيخ (قده) بوجه لا يرد عليه الاشكال المعروف من أن الشبهة مصداقية، وحاصله أن إطلاق السلطنة كما يقتضي السلطنة على جميع التصرفات كذلك يقتضي منع الغير عن المزاحمات، وتملك مال الغير بالفسخ مناف لاطلاق سلطنته، فيدفع به، ويستكشف منه عدم نفوذ فسخه. وقد أورد عليه بأن السلطنة متفرعة على مالية المال للشخص تفرع الحكم على موضوعه، وكل إطلاق مهما بلغت سعته لا تتجاوز عن سعة موضوعه، فالاطلاق يتقضي ثبوت السلطنة في مرتبة متأخرة عن انحفاظ المالية، فنفس انحفاظها لا تدخل في مدلول اثبات السلطنة، فلا يكون رفعها برفع المالية قصرا لاطلاقها. وفيه أن السلطنة مجعولة للمالك مضافة إلى ما له، فيكون المالك مسلطا وما له مسلطا عليه، ومقتضى ثبوت السلطنة على المال ليس إلا تحقق ماله بما هو ماله في ظرف السلطنة، لعدم تعقل الاضافة بلا مضاف إليه،


(1) البحار - ج 2 ص 272 - الطبع الحديث.

[ 106 ]

لا لان المال موضوع الحكم، فعليه لابد من ملاحظة أن إبقاء المال واحتكاره لنفسه وازالته عن نفسه هل هما من حصص السلطنة على المال أولا، وعلى فرض كونهما كذلك لا وجه لخروجهما عن الاطلاق بعد فرض الاطلاق لدليلها، ومن الواضح أنهما من حصصها. وما قرع سمع المستشكل من أن الحكم لا يتجاوز عن سعة موضوعه لا شبهة فيه، لكن ليس المقام كذلك، لان السلطنة مجعولة للمالك، وهو سلطان على ماله، والفرض أن المال محفوظ في الابقاء وهو واضح، وفي الازالة أيضا، لانها تتعلق بالمال وزال المال بعد تعلقها به، فالاعراض مثلا متعلق بالمال، وفي الرتبة المتأخرة عنه يخرج المال عن كونه ما لا له، فاطلاق دليل السلطنة شامل لابقاء المال وازالته، ولهذا لو صرح القائل بأنك سلطان على مالك إبقاءا وإزالة لا يعد منكرا ومنافيا لمقتضى الاطلاق وأما لو قال: إنك سلطان على مالك وإن خرج عن ملك يعد ذلك منافيا لاقتضاء الاطلاق، وحكما مستأنفنا لا بيانا لاطلاق حكمه، وهو واضح. وبالجملة إن الابقاء والازالة من حالات الملك اعتبارا ومن أنحاء التصرفات فيه، فحفظ المال واحتكاره من أنحاء السلطنة، كما أن إخراج المال بالبيع والهبة والاكل والشرب وغيرها مما نزيل الملك من أنحائها، بل إعدام الملك وازالته من أوضح مصاديق التسلط ومراتب السلطنة. ثم إن هذا الحكم موافق للحكم العقلائي في الاملاك، فان السلطنة عليها ثابتة لدى العقلاء كافة، وأنت إذا راجعت محيط العقلاء ترى أن إبقاء الملك وازالته عندهم من شؤون سلطنته على أمواله، كل ذلك لان السلطان هو المالك، والمسلط عليه هو ماله، وهو محفوظ مع أنحاء التصرف. ومما ذكرناه يظهر النظر في كلام بعض أهل التحقيق، قال ما حاصله: " إن مقتضى سلطنته على جميع التصرفات وإن كان بنحو الالتزام نفي سلطنة

[ 107 ]

مزاحمة لسلطنته، لكن المنفي بالالتزام ليس أنحاء السلطنة التي لا تنافي سلطنته، فمثل الاشتراء بدون اختيار البائع مناف لسلطنته على البيع، فالاخذ بالشفعة مناف لسلطنة المالك، لكن السلطنة على الاسترداد التي في الحقيقة سلطنة على إزالة الملكية غير مزاحمة لسلطنته، لان المالك له السلطنة على الملك لا على الملكية، فكما ليس له السلطنة على إزالة الملكية ابتداءا كذلك ليس له السلطنة على إبقاء الملكية حتى تكون سلطنة الغير على ازالتها مزاحمة لها، ولهذا قلنا إن الاقالة والتفاسخ على خلاف القاعدة " انتهى ملخصا. وفيه أن سلطنة المالك على ملكه تكفي في كونه سلطانا على إبقائه وإزالته من غير احتياج إلى السلطنة على الملكية، مع أن السلطنة على الملك بما هو ملك سلطنة على الملكية، فازالة ملكيته من غير اختياره من أوضح مراتب المزاحمة لسلطنته، كما أن سلطنته على إزالة ملكه عن نفسه من أوضح مراتب السلطنة وأقواها، مع أنه لو لم يكن له السلطنة على الازالة لا ينبغي الفرق بين الاعراض عن ملكه وهبته وتمليكه، فلا وجه لتفصيله بين الازالة ابتداءا أو بأسباب كالبيع ونحوه، مع أن الاعراض أيضا غير الازالة اعتبارا، فالالتزام بالتفصيل فاسد، والالتزام بعدم السلطنة في جميعها أفسد. وأما دعوى أن دليل السلطنة ورود في مقابل الحجر فهو في الحقيقة مثبت للسلطنة الاضافية لا مطلقها - كما مر تأييده سابقا بأن أصل السلطنة حكم عقلائي ثابت للاموال، فدليل السلطنة لم يرد لاثبات المقتضي، بل بعد فرض ثبوته لدى العقلاء ورد لدفع توهم المانع، وهو حجر المالك عن التصرف في ماله، لا بمعنى أن معنى إثبات السلطنة رفع الحجر، بل بمعنى ورود دليلها في مقابل الحجر، فلا إطلاق له بالنسبة إلى جميع أنحاء السلطنة - فمدفوعة بأنه لا يصح إنكار إطلاقه، لان الظاهر كونه بصدد

[ 108 ]

بيان إثبات السلطنة، ومجرد الاحتمال لا يوجب رفع اليد عن الدليل وإحراز كون المتكلم في مقام البيان ليس المراد منه الاحراز القطعي، بل لو اقتضى ظاهر الكلام أن المتكلم بصدد بيان حكم الموضوع لكفى، وإلا لانسد باب صحة التمسك بالاطلاق، ولا شبهة في أن ظاهر دليل السلطنة أن المتكلم بصدد بيان تسلط الناس على أموالهم، فانكار إطلاقه في غير محله. ويمكن الاشكال فيه بما مر، وهو أن دليل جعل السلطنة متعرض لجعلها على الاموال لا على الاحكام والقوانين، ولهذا قلنا بعدم رفع الشبهة عن أسباب التمليك، كاعتبار اللفظ أو العربية أو نحوهما، فيقال في المقام أيضا بأن السلطنة على الاموال سلطنة عليها نقلا وإبقاءا في مقابل النقل وأما السلطنة على الابقاء في مقابل جعل الشارع جواز الفسخ فيسقط الفسخ عن التأثير فلا، لان ذلك سلطنة على حكم الشارع، فكما لا يمكن التمسك به لاثبات التشريع لا يمكن لسلبه. ويمكن الجواب عنه بالفرق بين ما ذكرناه سابقا وبين المقام، لان الكلام هناك في أن إطلاق دليل السلطنة على الاموال لا يقتضي إلا كون المالك سلطانا على أي تصرف في أمواله، وأما أن صيغة البيع كذلك أو أنه يحتاج إلى اللفظ فليس تحديدا لسلطنته، بل هي من المقررات القانونية عرفا أو شرعا. نعم لو منع المالك عن البيع مثلا أو عن البيع من شخص أو أشخاص أو في وقت كذا يكون تحديدا لها ومقتضى الاطلاق دفع احتمالها، فليس مقتضى دليل السلطنة جواز البيع بلفظ الهبة أو جوازه بغير لفظ. وأما هاهنا فلما كان تملك ملك المالك عنه بغير اختياره تحديدا لسلطنته بلا إشكال، لان له السلطنة على إبقائه، وتملكه كذلك مخالف لاطلاق سلطنته، فلا محالة يدفع ذلك باطلاق الدليل، ويكشف منه عدم

[ 109 ]

نفوذ الفسخ ولزوم البيع، والفارق أن إيجاب إيقاع العقد عربيا ليس تحديدا للسلطنة على المال، وأما أخذ ماله بأي نحو كان فهو تحديد لها، فدليل السلطنة لا يكشف عن التشريع في الاول، ويكشف عن عدم التشريع في الثاني، فتدبر. فان قلت: قد اعترفت سابقا بأن دليل السلطنة ليس لبيان حكم تأسيسي، بل لانفاذ ما لدى العقلاء، وما لديهم هو حكم معلق على عدم ورود دليل يدل على إعمال السلطنة الالهية، فلا سلطنة للعبد مقابل سلطنة مولاه، بل مع كونه تأسيسيا أيضا كذلك، لعدم جعل السلطنة للعبد مزاحمة لسلطنة مولاه، فهي أيضا معلقة لبا، ومع احتمال ورود دليل يدل على إعمال سلطنته تصير الشبهة في دليل السلطنة مصداقية لا يصح التمسك بالعام معها. قلت: إن التعليق ليس من قبيل التقييد بالمتصل، بل نظير التقييد بالمنفصل العقلي، ومعه يكون الشك في تحقق المعلق عليه نظير الشك في ورود المخصص، فلا تكون الشبهة مصداقية، ألا ترى أنه لو شك في ورود دليل وارد على دليل آخر له إطلاق لا يمكن رفع اليد عن الدليل المورود احتمالا باحتمال دليل وارد عليه. وإن شئت قلت: إن إطلاق دليل السلطنة أو الدليل المورود احتمالا يكشف عن عدم حصول المعلق عليه أو الوارد، فلو ورد كل مشكوك الحكم حلال ثم شك في أن التتن حلال أولا لاحتمال ورود أمارة على حرمته لا يرفع اليد عن الاطلاق باحتمال ورود دليل حاكم أو وارد. وكذا لو كانت السلطنة معلقة واقعا ولبا على عدم إعمال الله تعالى السلطنة - لكن يكون التعليق بحكم المنفصل واحتمل في مورد إعماله تعالى السلطنة - لا يصح رفع اليد عن إطلاق دليل السلطنة، بل يدفع باطلاقه

[ 110 ]

احتمال وجود الرافع. ثم إن بناء العقلاء وإن كان معلقا على عدم ورود ما يخالفهم من الشارع الاقدس لكن لا يرفعون اليد عما لديهم من البناء بمجرد احتمال ورود دليل مخالف مع عدم منجزية الاحتمال ككونه قبل الفحص، فبناؤهم على العمل بخبر الثقة والظواهر واليد وأصالة الصحة وغيرها، إلا أن يصل إليهم ما يمنعهم عنه بطريق متعارف. وأما توهم أن حكم سلطنة الناس على أموالهم حيثي - فلا يدفع به احتمال نفوذ الفسخ كما لا يدفع بدليل حل بهيمة الانعام احتمال حرمتها بالوطئ - فمدفوع بأن إطلاق الحكم الحيثي على موضوعه يدفع الاحتمال المخالف لتلك الحيثية، فلو احتملنا خروج قسم من بهيمة الانعام عن الحلية الذاتية يدفعه الاطلاق على فرضه، ففي المقام تملك المال بلا إذن مالكه مخالف لحيثية سلطنته، فهو مدفوع بالاطلاق، ويكشف منه عدم نفوذه هذا كله مع الغض عن ضعف سنده - ومنه يظهر وجه الاستدلال بما عن أبي عبد الله عليه السلام في موثقة سماعة " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه " (1) فان تملك مال الغير بغير طيبة نفسه غير حلال، ويكشف منه عدم نفوذ الفسخ. وربما يتخيل عدم إمكان إرادة الحكم التكليفي والوضعي منها فلابد من الحمل على التكليفي لانه أظهر، وفيه أن الحل والجواز والمنع وعدم الحل في موارد التكليف والوضع بمعنى واحد، ولا يستعمل شئ منها في الحكم التكليفي أو الوضعي، كما أن الامر كذلك في الاوامر والنواهي، فان هيئة الامر في قوله: " صل " و " صم " وقوله: " إذا قمتم إلى


(1) الوسائل - الباب 3 من ابواب مكان المصلى الحديث 1 - والباب 1 من ابواب القصاص في النفس الحديث 3.

[ 111 ]

الصلاة فاغسلوا وجوهكم " الخ (1) لا تستعمل إلا في البعث وإن اختلف فهم العرف بحسب المتعلقات، كما أشرنا إليه سابقا. ففي قوله عليه السلام: " التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له " (2) لم يستعمل الحل إلا في معناه، وهو مقابل المنع فإذا اضطر إلى شرب الفقاع فقد أحله الله، ورفع منعه هو الجواز تكليفا وإذا اضطر إلى غسل الرجلين في الوضوء أو لبس الميتة في الصلاة فقد أحله الله، ويفهم منه رفع المنع أيضا، لكن رفع منع الميتة في الصلاة ظاهر في الوضع، فغير الممنوع والحل الذي عبارة أخرى منه مستعمل في معناه، ويفهم منه التكليف في مورد والوضع في آخر من غير استعمال اللفظ في الحكم التكليفي أو الوضعي، فان كلا منهما غير الموضوع له، وفي المقام إن قوله عليه السلام: " لا يحل " الخ استعمل في معناه أي مقابل المنع، ويفهم التكليف أو الوضع بحسب متعلقه. ثم إن انتساب نفي الحل إلى ذات المال مبني على الادعاء، لان ذاته لا تكون حلالا أو حراما، والدعوى انما تصح إذا كان المال بجميع شؤونه غير حلال، فلو حل المال ببعض شؤونه البارزة الشائعة لم تصح الدعوى بأن الذات غير حلال، ومن الواضح أن من جملة شؤون المال ومن أوضحها هو التصرفات المعاملية، فلو حل للغير تلك التحولات التي من أشيع التحولات فيها كانت دعوى عدم حلية الذات مستهجنة. وإن شئت قلت: إن إطلاق عدم حلية الذات يقتضي عدم حلية جميع تحولاتها سواء سميت تصرفا أم لا، ولا وجه لتقدير في الكلام في


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 6. (2) الوسائل - الباب 25 من ابواب الامر والنهي الحديث 2 من كتاب الامر بالمعروف.

[ 112 ]

أمثال تلك التراكيب كما قرر في محله، ولو فرض لزوم التقدير فلا وجه لتقدير شئ خاص، بل عدم ذكر شئ دليل العموم، بل مناسبة الحكم والموضوع تقتضي عموم المقدر، فما قيل: من أن المقدر هو التصرف وليس الفسخ تصرفا خيال في خيال يظهر ضعفه مما مر. ثم لو سلمنا أن المقدر التصرف حتى يكون ذلك وزان قوله عليه السلام في التوقيع المبارك المحكي " لا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه " (1) فالظاهر أن التصرف مطلق التحول والتقلب، حسيا كان أم لا، كما يشهد به العرف، ضرورة أن قوله: " له التصرف في هذا الملك تصرف الملاك في أملاكهم " يراد منه مطلق التصرفات معاملية كانت أم غيرها، وظاهر في مطلقها بلا شائبة مجاز وتأول، وتقسيم التصرف إلى المعاملي وغيره صحيح غير مجاز بحكم التبادر. فالتصرف إذا نسب إلى الاموال ظاهر في الاعم بلا شبهة، فما في التوقيع المشار إليه " وأما ما سألت عنه من أمر من يستحل ما في يده من أموالنا ويتصرف فيه تصرفه في ماله من غير أمرنا " الخ (2) ظاهر في الاعم، ولا ينبغي الريب في أن المراد منه الاعم. وتوهم الاختصاص بمثل الاكل والشرب من التقلبات الحسية بعيد عن الوصاب، فقوله عليه السلام بعد ذلك: " فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه " أيضا ظاهر في الاعم وأريد منه ذلك. مضافا إلى أن الظاهر من كلمات اللغويين التعميم، ففي المنجد " صرف الدنانير: بدلها بدراهم أو دنانير سواها - المال: أنفقه - صرف الشئ: باعه - الدراهم: بدلها... صرفه في الامر: فوض الامر إليه...


(1) و (2) الوسائل - الباب 3 من ابواب الانفال الحديث 6 من كتاب الخمس.

[ 113 ]

تصرف في الامر احتال وتقلب فيه.... الصراف والصير في بياع النقود بنقود غيرها، والمتصرف الحاكم على قطعة من المملكة " انتهى. وتوهم أن المراد من التبديل هو التبديل المعاطاتي أي التصرف الخارجي كما ترى، ضرورة أن التبديل المعاملي كالبيع هو الامر السببي لا الفعل الخارجي، فحينئذ يكون التوقيع أيضا من أدلة الباب. ومع الغض عن كل ما مر والتسليم بأن المقدر في الرواية المتقدمة هو التصرف، وهو عبارة عن التصرفات الحسية يمكن إلقاء الخصوصية بمناسبة الحكم والموضوع والتعميم. كما يظهر مما مر الاشكال في مناقشاتهم، كقولهم: إن ظاهر " لا يحل " الحرمة التكليفية دون الوضعية أو أن لمقدر هو التصرف كما في التوقيع، أو أن الجمع بين الحكم التكليفي والوضعي لا يجوز باستعمال واحد إلى غير ذلك. وقد يقال: إن الحلية المنوطة الرضا حلية التصرف في المال لا حلية إزالة اضافة المال إليه كما مر نظيره في دليل السلطنة، بل هنا إشكال آخر، وهو أن ثبوت الحرمة المولوية لا ينافي الصحة، والحلية هنا تناسب التكليف لانتسابها إلى الاعيان لا الاسباب. وفيه أنه على فرض تسليم ورود الاشكال في دليل السلطنة بدعوى أن الناس مسلطون على الاموال لا على الملكية، وإن المالك لا يسلط على الابقاء والازالة كما تقدم مع جوابه لا يرد هاهنا، لان عدم حلية الاموال أعم من التصرفات الحسية كما مر، ولا شبهة في أن إزالة الاضافة عن المالك من التصرفات الناقلة والمعاملية، وأما قضية الظهور في الحرمة المولوية فقد مر دفعها، فظهرت مما ذكر صحة الاستدلال بالموثقة. فان قلت: ظاهر صدرها هو الحكم التكليفي كما أن حرمة الدم أيضا

[ 114 ]

تكليفية فصارا قرينة على المراد في الذيل، والحرمة التكليفية قرينة على خصوص التصرفات الحسية، ومع التعميم لا تنافي الصحة. قلت: يظهر النظر في هذا الاشكال بعد نقل الموثقة، وهي ما عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه " (1). وأنت خبير بأن قوله صلى الله عليه وآله: " فانه لا يحل " الخ تعليل للمقصود بالقاء كبرى كلية، ولا معنى لتقييد الكبرى بالمورد، ولا قرينية له كما يظهر في الاشباه والنظائر، غاية الامر هناك علم بدخول الحرمة التكليفية في الكبرى، فحينئذ لو قلنا بأن الحرمة تلكليفية والوضعية معنيان لعدم الحل ويكون الاستعمال فيهما من قبيل استعمال اللفظ في الاكثر كان لما ذكر وجه، وأما بعد ما عرفت أن التكليف والوضع من خصوصيات المورد، والمعنى المستعمل فيه شئ واحد فلا يتجه ما ذكر. ثم إنه يظهر من الموثقة أعمية التصرف من التصرف الحسي، لان عدم رد الامانة وحبسها ليس تصرفا محسوسا كالاكل والشرب، فلو كان التصرف منحصرا بالتحولات المحسوسة لم تنطبق الكبرى الكلية على المورد المستدل عليه، فتدبر. واستدل ايضا للمطلوب بقوله تعالى: " لا تأكلوا أموالك بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض " (2) ويمكن الاستدلال عليه بالمستثنى منه مع قطع النظر عن الاستثناء، وبالاستثناء مع الغض عن المستثنى منه، وبالحصر المستفاد من الجملتين، وما قبل من عدم إمكان


(1) الوسائل - الباب 1 من ابواب القصاص في النفس الحديث 3. (2) سورة النساء: 4 - الآية 29.

[ 115 ]

الاستدلال لمقصود واحد بالمستثنى والمستثنى منه - لانهما لا محالة متناقضان فيؤول إلى كون المدعى أمرين متناقضين - كأنه ناش من عدم التأمل في كيفية الاستدلال بهما، وسيتضح كيفيته. أما الاستدلال بالمستثنى منه فيمكن تقريبه بأن المحتمل فيه أحد الامرين: الاول أن يراد بالنهي عن أكل المال بالباطل سلب سببية الباطل للنقل ولتمليك، فيكون النظر في المستثنى والمستنثى منه إلى عدم نفوذ الاسباب الباطلة، ونفوذ التجارة أو مطلق الاسباب غير الباطلة، فيكون المستثنى منه دالا على بطلان الفسخ ابتداءا، لانه باطل ولغو عرفا ولدى القعلاء بعد كون المعاطاة عندهم لازمة، كما يظهر بالتأمل في بناء العقلاء وسيرتهم، والثاني أن يراد بالنهي عن الاكل عنوان أكل المال الحاصل بسبب باطل، فيكون النظر ابتداءا إلى حرمة أكله وإن كان لازمها بطلان السبب وعدم نفوذه، فيدل المستثنى منه على حرمة المال الحاصل بسبب باطل، والفسخ سبب باطل عرفا، فأكل المال به حرام، فيكشف عن كون الفسخ غير نافذ، حيث لم يكن وجه لحرمته غيره. ثم إن تنفيذ الشارع ما هو باطل لدى العقلاء إن كان من قبيل التخصيص مع حفظ الموضوع فلا شبهة في جواز التمسك بالآية مع احتمال ورود المخصص، كما لا شبهة في عدم جوازه لو كان حكم العقلاء بالبطلان واللغوية معلقا على عدم ورود التنفيذ والاجازة من الشارع الاقدس المالك للمال والمالك إذا كان هذا الحكم كالقيد الحاف بالكلام، ووجهه واضح. وأما لو كان من التعليقات النظرية التي بحكم المنفصلات فيقع الكلام في أن المقام من قبيل ما قلنا في دليل السلطنة بأن التعليق لما كان غير حاف بالكلام يصح التمسك بالمطلق لدفع شبهة إعماله تعالى السلطنة أم لا يكون من هذا القبيل، بل لا يصح التمسك بها مطلقا؟ الاقوى هو

[ 116 ]

الثاني، للفرق بين دليل السلطنة وبين المقام، لان التعليق هناك في الحكم مع حفظ الموضوع، فمع احتمال ورود مزاحم أقوى للسلطنة يتمسك باطلاقه كما مر، وأما في المقام فيكون التعليق في موضوع الحكم، لان المفروض أنه مع ورود دليل من الشارع يخرج الباطل عن كونه باطلا، فهو من قيود موضوع الحكم، فيكون التمسك بها نظير التمسك في الشبهة المصداقية للعام. ثم إن الظاهر عدم كون الاخراج من قبيل التخصيص، لان الآية آبية عن التخصيص الحكمي، فمن المستهجن عرفا أن يقال: لا تأكلوا ما حصل بالباطل إلا هذا الباطل، فلا يحتمل تجويز الباطل تخصيصا، مضافا إلى أن حكم العقلاء في مثل المقام أي في نحو الفسخ بالبطلان وعدم التأثير معلق على عدم ورود التنفيذ من المالك الحقيقي، وبعد وروده لا يرون الفسخ لغوا وبلا أثر، والمراد بالعقلاء هم الخاضعون لله تعالى والذين يرونه مالكا حقيقيا، له التصرف في الاموال والنفوس، فيكون المحيط محيط التوحيد لا الالحاد وعدم الاعتناء بالمبادئ، ولو شككنا في أن المقام من قبيل التخصيص أو رفع الموضوع لا يصح التمسك بها أيضا بعين ما ذكر. وربما يقال: إن الاستدلال بها صحيح لو كان الفسخ من الاسباب المفيدة للملك بخلاف ما لو قلنا بأن شأنه رفع أثر السبب المملك، فان الاكل حينئذ بالسبب الاول لا الفسخ. وفيه أن ذلك يتم لو قلنا بأن الآية تدل على الحرمة إن حصل المال بسبب باطل مستقل، لكنه خلاف فهم العرف، بل الظاهر منها إلقاء تأثير الباطل ولو بمناسبة الحكم والموضوع، مستقلا كان أولا، والفسخ مؤثر في دفع المانع عن تأثير السبب الاول، فيكون الاكل بالسبب الباطل ولو بنحو جزء العلة.

[ 117 ]

وبالجملة الظاهر من الآية الكريمة أن الحاصل بالباطل مطلقا محرم، والاختصاص بالسبب التام أو المقتضي خلاف فهم العرف ومناسبة الحكم والموضوع. وأما الاستدلال بالمستثنى فهو بأن يقال: إن إطلاق تجويز الاكل من الحاصل بالتجارة يقتضي جوازه بعد الفسخ أيضا، وهو كاشف عن عدم نفوذه، وإلا لم يكن وجه لجوازه، ولا يخفى أن الاطلاق مبني على التقريب الثاني من التقريبين المتقدمين، وهو أن النظر فيها إلى حرمة التصرف وجوازه، وأما إن كان المراد تنفيذ التجارة وسلب تأثير الاسباب الباطلة عرفا لدى الشارع أيضا فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى حالات الاكل والتصرف حتى يشمل ما بعد الفسخ، لانها على الفرض بصدد تنفيذ البيع لا حرمة الاكل، وأقوى الاحتمالين ثانيهما، فيصح التمسك بالاطلاق، فما في تعليقة الطباطبائي من عدم الاطلاق غير جيه، إلا أن يراد به ما يأتي فيها. وقد يقال: إن الشبهة في المقام مصداقية، فان حصر مجوز الاكل في التجارة عن تراض إنما يراد به أكله على أن يكون ملكا للآكل، لئلا ينتقض بالاباحات ولم يعلم بعد الرجوع بقاؤه على ملكه. وفيه - مضافا إلى أن الاستدلال بالمستثنى غير مبني على إفادة الحصر وسيأتي الكلام في عدم إفادة الآية الحصر، ويأتي أيضا أنها لو دلت على الحصر لا ينتقض بالاباحات ونحوها - أن التقييد في الآية غير صحيح، لان الملك بأي سبب حصل يجوز لمالكه أكله، فلا دخالة للتجارة في جوازه، بل تمام الموضوع له كونه ملكا، فالآية الكريمة على الظاهر بصدد بيان جواز أكل ما حصل بالتجارة من الاموال التي بين الناس، ولا تقييد فيما حصل بالتجارة بكونه ملكا وإن كان لازم جواز ما حصل بها كونه ملكا، لكن هذا غير التقييد، والمضر بالتمسك هو التقييد، وهو غير

[ 118 ]

صحيح، فتدبر. نعم هنا شبهة أخرى، وهي أن الآية على الاحتمال الاول من الاحتمالين المتقدمين بصدد تنفيذ التجارة، فكأنه قال التجارة نافذة، فيأتي فيها ما يأتي في " أوفوا بالعقود " من الشك في الموضوع بعد الفسخ، وسيأتي الكلام فيه، وعلى الاحتمال الثاني يكون الموضوع لحلية الاكل هو المال الحصل بالتجارة. فحينئذ إن قلنا بتقييد المال بكونه حاصلا بالتجارة فمع الفسخ يشك في الموضع، لان التجارة تنتفي مع فرض تأثير الفسخ، فلا يكون المال مال التجارة، ومع احتمال الانتفاء تصير الشبهة مصداقية، وإن قلنا بعدم التقييد لان المعلول لا يتقيد بعلته - وإن لا مانع منه في مثل المقام - فلا إطلاق فيه، لعدم إمكان إطلاق المعلول حال عدم علته، فلا محالة يكون موضوع الاطلاق مضيقا ذاتا، أي يكون حصة من المال التي تكون بحسب الواقع معلولة للتجارة، ولا يعقل إطلاق تلك الحصة لحال فقد علتها، لان حال فقدها حال فقد المعلول. وتوهم أن الوجود الحدوثي للتجارة كاف في جواز الاكل - ولا يتوقف الحل على بقائها وبقاء العقد - فاسد للزوم حلية المال الحاصل بالبيع مع فرض مؤثرية الفسخ واقعا، وهو ضروري البطلان، فإذا كان مع العلم بمؤثريته كذلك يكشف هذا عن ضيق ذاتي أو قيد في المال بحيث لا ينطبق إلا على المال الحاصل بالتجارة مع بقاء السبب، فتدبر جيدا. وأما الاستدلال بالحصر المستفاد من مجموع الجملتين فمبني على كون الاستثناء متصلا، وتقريب الاتصال تارة بأن قوله: " بالباطل " قيد توضيحي ذكر لبيان علة الحكم، فكأنه قال: " لا تأكلوا أموال الناس إلا أن تكون تجارة، فان كل أكل باطل " وأخرى بأن المستثنى منه

[ 119 ]

محذوف أي " لا تأكلوا أموالكم بوجه من الوجوه إلا بوجه التجارة، فان الاكل بغير هذا الوجه باطل ". وأنت خبير بأن الكلام ليس في إمكان كون الاستثناء متصلا حتى يوجه تصوره وإمكانه، بل في ظهور الكلام، ولا شبهة في أن ما ذكر لوجه الاتصال خلاف الظاهر، وتأويل مخالف لفهم العقلاء ولكلمات المفسرين وللروايات الواردة في نزول الآية الكريمة، ففي صحيحة زياد بن عيسى قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله عزوجل: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " فقال: كانت قريش يقامر الرجل بأهله وماله فنهاهم الله عزوجل عن ذلك " (1) وعن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " قال: ذلك القمار " (2) ونحوهما غيرهما (3). والظاهر منها كظاهر نفس الآية أن النهي عن الاكل بالسبب الباطل فالقيد احترازي لا توضيحي، والاستثناء منقطع، وتوهم أن الاستثناء المنقطع خلاف الفصاحة باطل جدا، بل قد تقتتضي الفصاحة الانقطاع، وقد ورد في الكتاب العزيز في غير المقام، كقوله تعالى: " لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما " (4). ثم على فرض كون الاستثناء متصلا يمكن أن يقال بعدم دلالة الآية على الحصر في التجارة، لان قولة: " بالباطل " تعليل، بمعنى أن المتفاهم العرفي منه أن البطلان موجب لذلك، والظاهر المتفاهم أن استثناء التجارة


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 35 من ابواب ما يكتسب به الحديث 1 - 14 -. (4) سورة الواقعة: 56 - الآية 25 و 26.

[ 120 ]

في مقابل الباطل لكونها حقا، والعلة تعمم وتخصص، فيستفاد منه حلية الاكل بكل حق، وعدمها بكل باطل، فيدخل في الحق ما لا يكون تجارة كالاباحات والقرض والتملك في مجهول المالك وغيرها، فلا ينتقض الحصر بها حتى نحتاج إلى ارتكاب بعض التكلفات والتوجيهات كما وقع من بعضهم، كما أنه على فرض كونه منقطعا يفهم من الآية الكريمة التنويع بين الباطل والحق بمناسبة الحكم والموضوع، فلا فرق بين الاتصال والانقطاع في ذلك، أي في دلالة الآية عرفا على أن الباطل لبطلانه سقط عن السببية، أو صار موجبا لحرمة الاكل مما حصل به في مقابل الحق الثابت سببيته. ثم إنه يأتي الاشكال المتقدم في التمسك المستثنى منه، وهو أن الباطل العرفي لما كان معلقا على عدم تصرف من الشارع الاقدس تصير الشبهة مع احتمال تصرفه موضوعية. فتحصل مما ذكرناه عدم صحة التمسك بالآية لاثبات اللزوم، لا بالجملة المستثنى منها، ولا المستثنى، ولا الحصر المستفاد منهما على فرضه، إلا أن يتشبث بالاستصحاب لاحراز الموضوع، وفيه كلام. واستدل في خصوص البيع بالاخبار المستفيضة في خيار المجلس، كقوله عليه السلام: " أيما رجل اشترى من رجل بيعا فهما بالخيار حتى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع " (1) فان المعاطاة بيع، والاستدلال تارة بجعل الخيار، إذ الخيار مختص البيع اللازم، ومقتضى الاطلاق وجود الخيار في بيع المعاطاة، فهو لازم، وأخرى بمفهوم الغاية بأن يقال: إن ماهية الخيار مغياة بعدم الافتراق، ومعه يسقط الخيار، وهو ملازم للزوم، ومقتضى الاطلاق دخول البائع بالمعاطاة، وثالثة بقوله (ع):


(1) الوسائل - الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 4.

[ 121 ]

" وإذا افترقا وجب البيع " إذ الاطلاق يقتضي أن يكون واجبا فعليا من جميع الجهات، وأدلة سائر الخيارات مقيدة له، لا حيثيا. أقول: إن قلنا بأن جعل الخيار للبيع الجائز ذاتا لا مانع منه كجعل الخيارات المتعددة للبيع فلا دلالة لجعل الخيار على لزومه، لانه كاللازم الاعم الذي بثبوته لا يحرز الملزوم الخاص. وإن قلنا بعدم صحة جعله للجائز ذاتا بحسب حكم العقل أو العقلاء فان كان هذا الحكم كالقيد الحاف بالكلام فيكون قوله عليه السلام: " البيعان بالخيار " مقيدا بكون بيعهما لازما ففي مورد الشك في كون بيع لازما كالمعاطاة لا يصح التمسك باطلاقه، لان الشبهة مصداقية. وإن قلنا بأن حكم العقل أو العقلاء كالمخصص المنفصل لا يوجب تقييد الموضوع عند صدوره وكان القيد لبيا منفصلا، فان قلنا بجواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية في مثله كما قالوا، فيمكن التمسك باطلاق " البيعان بالخيار " لاثبات الخيار في المعاطاة، وكشف لزومها، نحو التمسك بقولة: " لعن الله بني أمية قاطبة " في مورد الشك في إيمان واحد منهم لجواز لعنه، وكشف عدم إيمانه، إذ في المخصص اللبي المنفصل جاز التمسك بالعام، وإن قلنا بعدم الفرق بين المخصصات اللبية واللفظية في عدم جواز التمسك في الشبهة المصداقية، كما اخترناه في محله فلا يصح التمسك باطلاقه لكشف حال الموضوع. إلا أن يقال: إن الشبهة المصداقية للمخصص اللبي الذي لا يجوز فيها التمسك بالعام هو ما إذا خرج من العام عنوان بحسب حكم العقل وشك في مورد أنه مصداق الخارج أولا، وأما إذا شك في أصل الخروج ولو من جهة عدم إحراز مصداق للعنوان العقلي كما فيما نحن بصدده، حيث لم يحرز، أن للبيع مصداقا جائزا، فليس الشك فيه من قبيل الشبهة

[ 122 ]

المصداقية للمخصص المحرز مخصصيته، والتفصيل في محله. ويمكن أن يقال: إنه لا فرق في عدم جواز التمسك بين ما ثبت تحقق أفراد من العنوان الخارج وشك في فرد آخر وعدمه إذا كان المخصص عقليا، ضرورة أن تحقق الفرد وعدمه لا دخالة له في الحكم، فحكم العقل بأن المؤمن لا يلعن ثابت، وموجب لعدم دخول المؤمن في قوله: " لعن الله بنى أمية " من غير نظر إلى خصوصيات المصاديق وخروجها ودخولها، فلو شك في فرد أنه مؤمن أولا مع العلم بعدم إيمان غيره منهم يكون من الشبهة المصداقية للمخصص، لا الشبهة في أصل التخصيص لان التخصيص بحكم العقل، وهو على النحو الكلي لا الجزئي، ولا شك في خروج المؤمن عن هذا العام، والشك في المصداق غير الشك في التخصيص، وما نحن فيه كذلك بناءا على كون التخصيص أو عدم الدخول بحكم العقل، فتدبر جيدا. وأما الاستدلال بمفهوم الغاية ففيه أن ماهية الخيار غير الجواز الحكمي، ضرورة أن الخيار حق مجعول لذي الخيار، قابل للنقل والاسقاط والارث والجواز الحكمي بخلافه، فانه حكم للمعاملة كالهبة والوكالة غير مجعول لاحد ولا قابل لما ذكر، فنفي ماهية الخيار لا ينافي بقاء الجواز الحكمي. وأما الاستدلال بذيل الرواية أي قوله عليه السلام: " وإذا افترقا وجب البيع " ففيه أنه لا شبهة في أن الموضوع في صدرها وذيلها واحد فلو كان الموضوع في الصدر مطلق البيع أو مقيده كان في الذيل كذلك، فحينئذ نقول: إن أصالة الاطلاق في الصدر تقتضي كون البيع بلا قيد موضوع الحكم، وإطلاقه شامل للبيع بالصيغة والمعاطاة، كانت لازمة واقعا أم جائزة، وأصالة الاطلاق في الذيل تقتضي الوجوب مطلقا بعد الافتراق في الموضوع المأخوذ في الصدر، فيقع التعارض بينهما، لان

[ 123 ]

الوجوب المطلق يضاد البيع الجائز، فلابد إما من رفع اليد عن إطلاق الذيل أو الصدر. وعلى أي تقدير لا يصح التمسك بالذيل لاثبات اللزوم في مورد الشك أما على الاول فلان الوجوب الحيثي لا ينافي الجواز، ولو قلنا بالوجوب الفعلي وارتكبنا التقييد بالنسبة إلى الجائز على فرضه كان التمسك به تمسكا في الشبهة المصداقية للمخصص، وأما على الثاني فلان البيع في الصدر إذا اختص بالبيع اللازم يكون في الذيل كذلك، فتصير الشبهة مصداقية لا يجوز التمسك بالعام فيها، سواء كان التخصيص متصلا أم منفصلا لفظيا أو لبيا. هذا إن قلنا بصحة جعل الخيار لمطلق البيع ولو كان جائزا، ولو قلنا بعدم صحته فلابد أن يكون الموضوع في الصدر مقيدا لبا والذيل تابع له فصارت الشبهة مصداقية أيضا. هذا كله مع الغض عن الروايات، وأم بالنظر إليها فهي على طوائف: منها - وهي الاكثر ما لم يصرح فيها بالمفهوم، كقوله عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم: " البيعان بالخيار حتى يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام " (1) ونحوها في عدم ذكر المفهوم صحيحة زرارة (2) ورواية علي بن أسباط (3) والحسين بن عمر بن يزيد عن أبيه (4) وغيرها. ومنها - ما صرح به، وهي صحيحة فضيل عن أبي عبد الله (ع) قال: " قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ فقال لي: ثلاثة أيام للمشتري


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 1 - 2 - 5 - 6.

[ 124 ]

قلت: وما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما " (1) وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أيما رجل اشترى من رجل بيعا فهما بالخيار حتى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع " (2). ومنها - ما فيها حكاية فعل أبي جعفر عليه السلام، كصحيحة الحلبي عن أبى عبد الله عليه السلام أنه قال: " إن أبي اشترى أرضا يقال لها العريض، فلما استوجبها قام فمضى، فقلت له: يا أبة عجلت القيام، فقال: يا بني أردت أن يجب البيع " (3) ونحوها غيرها (4). أما الطائفة الاولى فلا شبهة في عدم دلالتها على المقصود مع الغض عما مر بيانه، فان دلالتها مبنية على أن يكون المراد بالخيار ماهيته المطلقة حتى تدل الغاية على سلبها، فيدعى أنه ملازم للزوم، وهو غير مراد بلا ريب، لان جعل الغاية لماهية الخيار المطلقة - مع كونها واقعا لخيار واحد فقط، وسائر الخيارات على كثرتها غير مغياة بالافتراق - مستهجن فلابد من إرادة الخيار الخاص، أي خيار المجلس، ولازمها سلبه خاصا وهو غير ملازم للزوم. ومنه يظهر الكلام في صحيحة فضيل، فان قوله عليه السلام: " فلا خيار " محمول على الخيار المذكور في الصدر، لتبعية ذيلها لصدرها في ذلك، مع أن سلب ماهية الخيار مطلقا مع ثبوت جميع الخيارات إلا واحد منها مستهجن.


(1) ذكر صدرها في الوسائل في الباب 3 من ابواب الخيار الحديث 5 وذيلها في الباب 1 منها الحديث 3. (2) الوسائل - الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 4. (3) و (4) الوسائل - الباب 2 من ابواب الخيار الحديث 1.

[ 125 ]

فإذا كان جميع الروايات بصدد بيان ثبوت خيار خاص وسلب الخاص بعد الغاية - لا لانه المفهوم منها، ضرورة أن المفهوم الاصطلاحي انما هو فيما إذا علق السنخ على الغاية لا الشخص - لا يبقى ظهور لرواية الحلبي في الاطلاق ولا لبيان حكم آخر غير ما في سائر الروايات، فلابد من حمله على الوجوب الحيثي. وبعبارة أخرى لو دار الامر بين الحمل على الوجوب الفعلي المطلق والالتزام بأنها بصدد بيان أمر آخر غير ما في الروايات، وكذا الالتزام بخروج جميع الخيارات على كثرتها تقييدا وبين الحمل على الوجوب الحيثي فالترجيح للثاني، بل لو لا إلا الاخراج الكثير لكفى في تعينه. وأما الروايات الاخيرة - فمضافا إلى ظهورها باعتبار قوله عليه السلام: " استوجبها " في البيع بالصيغة وإلى بعد اشتراء الاراضي والقرى معاطاة وتعارف البيع بالصيغة فيها - أنها قضية شخصية لا يعلم الحال فيها، فلا إطلاق لها يشمل المعاطاة، فتدبر جيدا. واستدل به بقوله تعال؟ " أؤفوا بالعقود " (1) وقد مر بعض الكلام فيه، ولا نعيد إلا التنبيه على أمر، وهو أن الوفاء كما مر عبارة عن العمل بمقتضى العقد أو العهد ونحوهما، ولا يكون إبقاء العقد وفاءا له عرفا، ولهذا لو ترك العمل بمقتضاه يقال: ما وفي بعقده مطلقا، ولا يقال: وفي به من حيث عدم الفسخ. وبعبارة أخرى إن المنظور إليه ليس العقد إبقاءا وإزالة في وجوب الوفاء، بل المنظور إليه مفاد العقد ومقتضاه، ولا شبهة في أن مقتضى العقود والعهود مختلف، فالعهد على عمل: مقتضاه لزوم إتيانه، والوفاء به: هو العمل، والبيع وإن كان مقتضاه الاولي هو التمليك لكن الوفاء به


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 126 ]

عرفا عبارة عن تسليم المبيع لا في الجملة، بل مع البقاء عليه، فمن لم يسلم مطلقا أو سلمه ورجع إليه بعنوان استرجاع المبيع لم يكن موفيا بعقده ففي المعاطاة كان الوفاء في السلف معاطاة باعطاء المبيع في وقته والبقاء عليه وعدم الاسترجاع بعنوانه، وباعطاء الثمن في النسيئة كذلك، وفيما كان التعاطي من الطرفين يكون الوفاء بعدم الاسترجاع، وإبقاء مقتضى المعاملة. فتحصل من ذلك أن الوجوب تعلق بالوفاء بالعقود، أي العمل على مقتضاها حسب اختلاف المتقضيات، لا بابقائها وعدم فسخها. فحينئذ نقول: يمكن تقريب دلالة الآية الكريمة على اللزوم تارة بأن يقال: إن إيجاب الوفاء والالزام بالعمل على مقتضاها كناية عن لزوم العقد، وانما أمر به إرشادا إلى ملزومه، بمعنى أنه أنشأ بهذا الكلام اللزوم للعقود، كما في الاخبار عن الملزوم بالقاء اللازم في الكنايات، فكما أن قوله: فلان كثير الرماد إخبار عن جوده الملزوم له عادة يكون قوله: " أوفوا بالعقود " كناية عن جعل اللزوم للعقود، لان لزوم العمل بمقتضى العقد ملازم عرفا لخروج زمامه عن يد المتبايعين، وإلا فمع كون زمامه بيدهما إبقاءا وإزالة لم يكونا ملزمين بالعمل بمقتضاه، فمن كان له عدم العمل على مقتضى عقده بمجرد إنشاء كلمة لا يكون ملزما بالعمل على طبق عقده، فقوله: " أوفوا بالعقود " من قبيل إلقاء اللازم وإرادة الملزوم كسائر الكنايات. وأخرى بأن يقال: إن إيجاب العمل والوفاء بالعقود إلزام نحو إلزامات العقلاء، لا إيجاب تعبدي متعلق بعنوان الوفاء حتى يكون المتخلف عن العمل بالعقود مستحقا لعقابين: أحدهما على غصب مال الغير، والثاني على عدم الوفاء بعقده فانه بعيد، فيكون قوله ذلك نظير إلزام العقلاء أو نظير إلزام العقل

[ 127 ]

برد مال الغير إلى صاحبه إن قلنا بعدم وجوبه شرعا، وانما غصبه وحبسه محرم لا رده واجب، ولازم هذا الالزام والايجاب لزوم العقد بالتقريب المتقدم. والفرق بينهما أن في التقريب الاول جعل اللازم كناية عن ملزومه وإرشادا إليه، وفي الثاني يكون الالزام ثابتا لللازم، ويثبت اللزوم بالملازمة، لعدم الانفكاك بين لزوم العمل بالمقتضى ولزوم العقد، أو للتنافي بين لزوم العمل وجواز العقد. وثالثة بأن يقال: إن وجوب الوفاء مولوي شرعي بحيث يعاقب المتخلف على تركه بعنوانه، فحينئذ قد يقال: إن إيجاب الوفاء بالعقد لاجل إيجاب مولوي آخر متعلق بابقاء العقد، حتى يدفع التنافي العقلائي بين إيجاب الوفاء وجواز العقد وإباحة فسخه، وهو بعيد غايته، ولا أظن التزامهم به، فان لازمه وجوب إبقاء العقد والعمل بمقتضاه مع نفوذ الفسخ. وقد يقال: إن لازم إيجاب الوفاء لزوم العقد وخروج زمام العقد عن يدهما بالتقريب المتقدم، والفرق بينه وبينهما واضح، وعلى أي تقدير يستفاد من الآية لزوم العقد معاطاة كغيرها. والاقرب بحسب الجمود على اللفظ هو الوجه الثالث، ولعل الاقرب بحسب الاعتبار وبعد ثبوت العقابين مع حبس مال الغير تخلفا عن مقتضى العقد هو الوجه الثاني، سيما مع حكم العقلاء بلزوم الوفاء بالعقود والشروط ولا أظن التزام القوم بالوجوب الشرعي المولوي في الوفاء بعقد البيع ونحوه. وكيف كان لا يفترق الامر على ما ذكرناه في الاحتمالات الثلاثة، إذ على جميعها يثبت المطلوب. ثم على ما ذكرناه لا يرد إشكال الشبهة المصداقية الذي يرد على تقريب الشيخ الانصاري (قده) على ما يأتي، ضرورة أن المدعى كون

[ 128 ]

الآية مثبتة للزوم العقود، فكأنه قال: العقود لازمة، ومقتضى لزومها سقوط الفسخ عن التأثير، ودفع احتمال حل العقد به. كما أن توهم أن مقتضى عقد البيع أن المبيع ملك للمشتري بالعوض، والقيام بهذا المقتضى التحفظ عليه بابقائه وعدم ازالته، وأما مقتضى الملك فهو أجنبي عن مورد العقد، والوفاء هو العمل بمقتضى العقد لا مقتضى مقتضاه، مدفوع بما مر من أن التسليم والتسلم وعدم الاسترجاع بعنوانه من المقتضيات العرفية للعقد، فلو عقد البيع على عشرة أرطال ولم يسلمها خارجا ولم يفسخ العقد لا يقال: وفي بعقده بلا شبهة، كما يظهر بالمراجعة إلى العرف والعقلاء. نعم التصرف في المبيع ونحوه أجنبي عن الوفاء بالعقد، فلزوم التسليم المقتضى للعقد عرفا ملازم للزومه. وربما يتوهم أن الامر بالوفاء بالعقود والشروط إما إرشاد إلى حسنه ورجحانه عقلا ولدى العقلاء، أو موعظة حسنة يثبت بها الاستحباب، سيما مع اختصاص الخطاب بالمؤمنين والمسلمين. وفيه - مضافا إلى عدم الحجة على ترك حجة ظاهرة بلا قرينة معتمدة ومجرد كون شئ حسنا لا يوجب صرف الامر عن الوجوب لو كان ظاهرا فيه، كما هو المعروف. ولا صرفه عن الحجية كما عندنا، وبالجملة لا يكون ذلك قرية عقلائية - أن التخلف عن العهود والعقود قبيح لدى العقلاء أيضا، والعمل بمقتضاها لازم، وبعض العقود الجائزة لديهم كالوكالة والعارية سنخها مناسب للجواز، ولعل سنخها خارج عن سنخ المعاقدة والمعاهدة، لا تخصيص في أمر قبيح. نعم لا يبعد أن يكون ذلك الارتكاز العقلائي موجبا لترجيح الاحتمال الثاني من الاحتمالات المتقدمة، كما أشرنا إليه، واختصاص المؤمن

[ 129 ]

والمسلم بالذكر لا يدل على الترجيح الاستحبابي لو لم يكن مشعرا بالوجوب. هذا كله بناءا على ما هو التحقيق من أن مقتضى العقود العمل بها أخذا وإعطاءا وتسليما وتسلما، وأما لو قلنا بأن مقتضاها هو إبقاؤها وعدم فسخها فيمكن أن يقرر اللزوم بأن يقال: إن عقد المعاطاة مثلا لو كان جائزا بحسب بناء العقلاء لم يكن مانع من إلزام الوفاء به وإيجابه، وكان إيجاب الوفاء وتحريم الهدم دالا على بقائه على جوازه شرعا، للزوم كون متعلق التكليف مقدورا للمكلف، ولا منافاة بين الحكم الوضعي أي نفوذ الفسخ وحرمته. وأما لو كان لازما لديهم فلابد من جعله جائزا شرعا حتى يصح التكليف به، فيرجع الامر الى أن الشارع جعل المعاطاة اللازمة جائزة، ثم جعل فسخها محرما، فأقدر المكلف على التخلف ثم أوجب الوفاء، وهو مما لا يقبله الاذهان المستقيمة، ويرده العقلاء، فإذا دار الامر بينه وبين حمل الامر بالوفاء على الارشاد إلى اللزوم بأن يقال: كأنه قال: أوف بالعقد، لانه لا ينهدم بالفسخ، والتخلف غير ممكن عندي، نحو قوله: لا تصل في وبر غير المأكول أو في الدار المغصوبة إرشادا إلى عدم صحتها وعدم إمكان إيجادها فالترجيح للثاني. إن قلت: يمكن أن يجعل الامر بالوفاء إرشادا إلى الجواز، فان وجوب الوفاء وحرمة نقض العقد لا يعقل إلا أن يكون العقد جائزا. قلت: هذا أشبه شئ بالاحجية، ولا يقبله العقلاء، ضرورة أن بيان جواز العقود أو جعله بلسان إيجاب الوفاء بها من أقبح الكنايات وأفحش الاحاجي، ولا يصدر من متعارف الناس، مضافا إلى أن الارشاد إلى الجواز لا يصح هاهنا، لان الجواز لازم التحريم المولوي، ومع عدمه لا يصح الارشاد إلى الجواز، ومع سوق الكلام للحرمة المولوية لا يمكن

[ 130 ]

أن يكون إرشادا إلى الجواز، لان الجمع بين الارشاد والتحريم المولوي بكلام واحد كأنه غير ممكن، ولو أمكن لا يحمل الكلام عليه إلا مع قيام القرينة، مع أنه لا يدفع به الاشكال المتقدم، أي جعل غير المقدور مقدورا، وجعل الحرمة له، ولا فرق في استبعاده وعدم قبول الاذهان له بين كونهما في كلام واحد أو كلام متعدد. وبالجملة إن الارشاد إلى الجواز لا يمكن إلا مع كون الوجوب مولويا والجمع بين الارشادية الطريقية والمولوية النفسية لعله غير جائز، ولو جاز لا يخرج الجعل عن القبح العقلائي. ويمكن أن تقرر الدلالة على اللزوم بوجه آخر، وهو أن وجوب الوفاء مقتض لحرمة نقضه ونكثه، والامر بالشئ وإن لم يقتض النهي عن نقيضه عقلا فضلا عن الضد الذي كالنقيض، لكن لا يمكن إنكار الاقتضاء عرفا بمعنى أن لازم جعل الوجوب عرفا تحريم النقض. ثم إن حرمته تختلف عرفا بحسب اختلاف الموضوعات، فحرمة نقض العهد استعملت في معناها، وهو المنع، لكنها تفيد التكليف عرفا إن كان متعلقها أمرا نفسيا، كحبس المبيع وعدم تسليمه واسترجاعه، والوضع إن كان المتعلق مناسبا له كالفسخ، فكما أن النهي عن البيع ظاهر في الارشاد إلى الفساد كذلك النهي عن الفسخ، من غير استعمال اللفظ في غير ما وضع له، وسر الحمل على الوضع هو السر في حمل النواهي المتعلقة بالمعاملات عليه، وبالجملة " أؤفوا بالعقود " يفيد تحريم النقض، وتحريم الفسخ ظاهر في سلب تأثيره. ثم إن هذا الوجه إنما يصح إن قلنا بأن الوفاء أعم من إبقاء العقد والعمل على سائر مقتضياته من تسليم العوضين وعدم الاسترجاع، دون ما لو قلنا باختصاصه بابقائه، بدعوى أنه مقتضاه لا غير كما قيل، أو قلنا

[ 131 ]

باختصاصه بغيره من الآثار، بدعوى أن الوفاء عرفا هو العمل على مقتضاه من التسليم ونحوه، وإبقائه ليس من مقتضياته عرفا كما قويناه. أما على الثاني فواضح، لان المفروض استفادة الوضع من تعلق النهي بالفسخ وهو فرع تعلق الوجوب بالابقاء، وأما على الاول فلان إفادة الوضع أي عدم تأثير الفسخ بقوله: " أوفوا بالعقود " بدعوى أنه سيق لافادة عدم تأثير الفسخ بانتقال المخاطب من وجوب الوفاء إلى حرمة النقض، أي الفسخ، ومن حرمته إلى فساده وعدم تأثيره كالاكل من القفاء، وكالالغاز لا يحمل عليه الكلام. وأما إن كان المراد الاعم فلا يلزم ذلك وإن فهم منه، لكن مع ذلك كون ذلك من الاستفادات العرقية محل إشكال ومنع إلا أن يمنع الرجوع إلى العرف في الاستفادات العقلية بالملازمة. ويمكن تقرير الدلالة بوجه آخر، وهو أن مقتضى إطلاق دليل وجوب الوفاء حرمة التصرفات الناقضة للعقد لا مطلق التصرفات، حتى يقال: إن حرمتها ليست مقتضاه بل مقتضى مقتضاه، فمن التصرفات الناقضة الاخذ بعنوان التملك وفسخ العقد، فإذا حرم هذا الاخذ يستكشف منه عدم تأثير الفسخ العملي المبرز ببسط اليد للاخذ، إذ مع تأثيره لاوجه لحرمة الاخذ، لانه تصرف في ملكه. لا يقال: إن كلامنا في المعاطاة، وتأثير الفسخ العملي المعاطاتي أول الكلام، لانا نقول: إن الكلام في اللزوم بعد الفراغ عن صحة المعاطاة، مع أن مورد الشك هو البيع المعاطاتي الذي ادعي الاجماع على بطلانه أو جوازه، ومثل الفسخ ليس داخلا في معقده، فهو صحيح على القواعد، ويرد على هذا الوجه أن الفسخ إن حصل على فرض تأثيره بأول وجود المبرز - وهو بسط اليد قبل وصولها إلى المال والتصرف فيه -

[ 132 ]

تكون حرمة التصرف الواقع بعده غير ثابتة، ولا يمكن اثباتها بالآية، لاحتمال حصول الفسخ بأول وجود المبرز وإن حصل بالتصرف، فلا محالة وقع التصرف في مال الغير، وإثبات حرمته بالآية إن أمكن لكن لا تستلزم الحرمة قبل تحقق الفسخ للزوم، كما هو واضح. واستدل الشيخ الانصاري (قده) للمقصود بوجه يمكن تقريره بما لم يرد عليه بعض الشبهات، وهو أن المراد بوجوب الوفاء العمل بمقتضى العقد، فتحرم التصرفات الناقضة لمقتضاه، كالاخذ للتملك وسائر التصرفات الناقضة للعهد، ومنها التصرفات الواقعة بعد الفسخ، وكان هذا لازما مساويا لدى العرف والعقلاء للزوم، وهو أمر يعتبره القعلاء عقيب الحكم التكليفي كسائر الوضعيات، فانها أيضا معتبرة عقيب الاحكام التكليفية، لا مجعولة أو معتبرة بالذات. وعلى ما قررناه لا يرد عليه أن العقد لا يتقضي حرمة التصرف، بل هي مقتضى مقتضاه، لما عرفت من أن المراد بالتصرفات ظاهرا بمناسبة استفادة الحكم من " أوفوا بالعقود " هو التصرفات الناقضة للعهد، كالتصرف بعنوان الاسترجاع في المعاملة وتملك ماله ونحو ذلك، لا بعنوان غصب مال الغير، والتصرفات الناقضه منافية لمقتضى العقد بلا شبهة. وكذا لا يرد عليه أن مقتضى انتزاعية شئ عن شئ صحة حمل المنتزع على المنتزع منه، إذ تحقق الامر الانتزاعي بتحقق منشأه، ومع تحققه تجب صحة الحمل، كحمل الفوق على ما انتزع منه الفوقية، وفي المقام لا يصح انتزاع اللزوم من حرمة التصرفات، وفي غير المقام أيضا لا يصح انتزاع الملكية من جواز التصرفات مطلقا أو انتزاع سلبها عن منعها مطلقا، لما عرفت أن المحتمل في كلامه بل ظاهر صدره أن المراد بالانتزاع ليس على نحو الانتزاعات المعروفة، بل المراد منه اعتبار العقلاء

[ 133 ]

شيئا عقيب شئ، مثلا إن المكلية لا يعتبرها العقلاء كيفما اتفق وجزافا بل اعتبارها موقوف على أثر في الجملة، وما لا أثر له مطلقا يسقط عنه اعتبارها، فإذا سلبت آثار الملكية مطلقا عن مال وحرم على المالك جميع التصرفات الحالية وغيرها يسقط لدى العقلاء اعتبار الملكية له، ولو أجيز لشخص في مال جميع التصرفات الوضعية والتكليفية يعتبره العقلاء ملكا له لا أنه تنتزع الملكية من التصرفات أو جوازها كانتزاع الفوقية والتحتية. وما ذكرناه وإن كان مخالفا لظاهر ذيل كلامه، وهو أن الحكم الوضعي لا معنى له إلا ما انتزع من الحكم التكليفي، لكن التأمل في صدره وشتات كلماتهم لعله يعطي عدم إرادتهم المعنى المصطلح في الانتزاعيات. فالعمدة في المقام هو الاشكال المعروف، وهو أن الشبهة مصداقية بعد الفسخ، فقد أجاب عنه المحققون بوجوه: منها - ما أفاده بعض الاعاظم (قده) بما حاصله أنه بناءا على تأصل الحكم الوضعي في الجعل يكون مفاد قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " أن العقد لازم، فيكون الامر إرشادا إليه، وبناءا على انتزاعيته فمفاده وجوب الوفاء حتى بعد الفسخ، ولازمه عدم تأثير الفسخ، وتوهم لزوم الشبهة المصداقية مدفوع بأنه بناءا على الانتزاعية لابد وأن يكون الحكم التكليفي المتأصل على نحو يناسب الوضع، والمناسب أن يتعلق الوفاء بالمعنى المصدري أي الالتزام والتعقيد، فإذا كان الالتزام بما التزم به واجبا فمعناه أن كل واحد من المتعاقدين ليس مالكا لالتزامه الذي ملك صاحبه، انتهى. وفيه أن البناء على تأصل الوضع في الجعل لا يوجب ظهور الآية في الارشاد إليه، كما أنه بناءا على عدم التأصل لا إلزام لرفع اليد عن ظاهرها وحملها على ما يناسب الوضع، فكأنه رحمه الله فرغ من لزوم حمل

[ 134 ]

الآية على ما يفيد اللزوم، ثم يتفحص عن تأويل موجب لانطباقها على اللزوم، أو كأن مفاد الآية الكريمة وظهورها تابعان لبنائنا. مضافا إلى أنه على فرض تعلق الامر بالمعنى المصدري لا يوجب ذلك سلب مالكية الطرفين عن المعنى الوضعي والالزام التكليفي لو لم يدل على النفوذ باعتبار أن التكليف يكشف عن القدرة على متعلقه لا يدل على سلب القدرة وضعا، مع أن وجوب الوفاء بالالتزام والتعقيد غير لزومهما، بل لازمه وجوب الوفاء بمقتضاهما، فحينئذ إن كان المراد كفاية حصول المعنى المصدري الذي هو آني التحقق في وجوب الوفاء مطلقا لزم وجوبه حتى بعد الفسخ المؤثر، وهو ضروري البطلان، وإن كان المراد وجوبه ما دام باقيا ففيه مع عدم بقائه ولو اعتبار لو سلم ترجع الشبهة إلى المصداقية، ولا يذهب عليك أن ما ذكره غير ما ذكرناه في تقريب الآية بالوجوه المتقدمة، فتدبر. ومنها - ما ذكره بعض المحققين تارة بأن العقد الذي يجب الوفاء به دائما هو الانشاء الذي أنشأه أولا، وهو أمر آني التحقق غير قابل الارتفاع، فيجب الوفاء به حتى بعد بناء أحدهما على الانتقاض وعدم العمل بمقتضاه، وهو المراد من اللزوم، وأخرى بأن المراد بالعقد هو سببه وهو موجود تدريجي غير باق نظير إخبار العادل، فيجب الوفاء به والعمل على مقتضاه مطلقا، وهو المراد باللزوم. أقول: ما أفاده من الوجهين نظير ما ذكروا في جواب استدلال القائل بأن المشتق حقيقة في الاعم بقوله تعالى: " لا ينال عهدي الظالمين " (1) ببيان أن الظاهر وحدة ظرف الظلم وعدم النيل، فلابد من صدق الظالم على من قضى عنه الظلم، عنه الظلم، فأجيب عنه بأن الحكم المستمر إن تعلق بموضوع


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 124.

[ 135 ]

آني الوجود لابد وأن يكون تحقق موضوعه آناما كافيا لترتب الحكم المستمر عليه، والظلم آني الوجود غالب، وعدم النيل مستمر الوجود، فلابد من رفع اليد عن الظهور المذكور بالقرينة العقلية، وفي المقام أيضا يكون الانشاء آنيا، واللفظ متصرما غير قابل للبقاء، ووجوب الوفاء المترتب على كل منهما مستمر، فالوجوب المستمر مترتب على الموضوع الآني أو المتصرم، فلا معنى لعدم الموضوع في ترتب الحكم المذكور. ويدفع الجوابان بأنه لا ينبغي الاشكال في أن الظاهر من نحو قوله: " أوفوا بالعقود " وجوب الوفاء بالعقد المفروض التحقق، كما في قوله: " لا ينال عهدي الظالمين " لكن في الثاني على تسليم ما ذكر فيه قامت قرينة عقلية على صرف ذلك الظهور، وأما في المقام فلما كان لدى العقلاء زائدا على الانشاء واللفظ عنوان اعتباري آخر باق في ظرف الاعتبار يرد عليه الفسخ والحل ونحوهما، وقد عبر عنه بقوله تعالى: " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " (1) حيث اعتبر للنكاح عقدة كالعقدة التي في الحبل، كان زمام إبقائها وحلها بيد شخص، وفي الروايات أيضا ما يدل على هذا الاعتبار، كقوله عليه السلام: " فإذا افترقا وجب البيع " (2) فلا محالة يجب الاخذ بالظهور المذكور، إذ لا مانع منه، ولا قرينة لصرفه عما هو المتفاهم عرفا ولدى العقلاء، مع أنه لا معنى لوجوب الوفاء باللفظ أو بالانشاء، بل ما هو الواجب هو الوفاء بالعقد الاعتباري الباقي، ومع الفسخ يحتمل عدم بقائة وتأثير فسخه فتصير الشبهة مصداقية. وأجاب ثالثة بأن الفسخ أيضا يحتاج إلى موافقة المتعاقدين كالعقد،


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 237. (2) الوسائل - الباب 1 من ابواب الخيار الحديث 4.

[ 136 ]

ولو قيل باحتياج العقد في البقاء إلى الطرفين قلنا يكفي فيه الالتزام السابق من الفاسخ، فيضم إلى الالتزام المستمر من الطرف. وفيه أن احتياج الفسخ إلى الطرفين انما يمكن دعواه إذا كان الفسخ معاملة جديدة وتمليكا مستأنفا، وهو غير صحيح كما لا يخفى، وأما إذا كان عبارة عن حل المعاملة السابقة فلا مجال لذلك، ضرورة أن رفع المعاهدة بعدم بقاء أحدهما أو كليهما على عهده، كما نرى في الروابط والعهود بين الدول، حيث أن إيجاد الرابطة يحتاج إلى توافق الطرفين، وقطع أحد الطرفين يكفي في رفعها وفسخها. وبالجملة إن العقلاء يرون الفرق بين العقد والربط وبين الفسخ والحل مع أن احتمال الفرق بينهما في هذه الجهة يكفي في صيرورة الشبهة مصداقية فلابد من إثبات الاحتياج إلى الطرفين، وأنى لنا به. مضافا إلى أن احتمال تأثير الفسخ شرعا يكفي في صيرورة الشبهة مصداقية، والتشبث بحكم العرف في بقاء العقد أو عدم تأثير الفسخ رجوع عن هذا الوجه إلى وجه آخر آت، هو ما أشار إليه أيضا. وأما دعوى ربط الالتزام السابق بالالتزام المستمر فمما لا تقبلها العقلاء، لا لصيرورة مضمون الالتزامين مختلفا حتى يجاب بأن الزمان غير دخيل في مضمون المعاملات، بل ظرف لوقوعها، ولا لان ربط الموجود بالمعدوم محال كما قيل، حتى يقال في دفعه بأن ذلك ليس من قبيله، بل من قبيل ربط موجود سابق اعتباري بموجود اعتباري آخر، ولا إشكال عقلي فيه، بل لان الالتزام المعدول عنه لا يصلح أن يكون طرفا للعقد والربط، وليس المراد في مثل المقام دفع الاشكال بأي نحو اتفق، بل لابد من مساعدة العرف والعقلاء عليه. فالعمدة في الجواب عن الاشكال هو الوجه الآخر، وهو أن موضوع

[ 137 ]

وجوب الوفاء العقد العرفي، وهو باق مع الفسخ غير المؤثر عرفا وإن كان مؤثرا في الشرع. ومحصل الكلام فيه أنه لا شبهة في أن الموضوعات التكوينية المتعلقة للاحكام لا تنقلب عما هي عليها مع تصرف الشارع فإذا ورد أكرم كل عالم ثم ورد لا تكرم الفساق منهم لا يكشف ذلك عن أن العالم هو العادل لا شرعا ولا عرفا، بل يكون ذلك تخصيصا حكما بلا ريب، وقد قلنا فيما سبق: إن بعض الموضوعات المتعقلة للحكم إذا تصرف الشارع في حكمه انقلب موضوعه عرفا، كالباطل في قوله: " لا تأكلوا أموالكم " الخ، فانه وإن كان عرفيا إلا أنه ينقلب عرفا إلى غير الباطل إذا جعله الشارع مؤثرا، مثلا إن الفسخ إذا كان في العرف غير مؤثر يعد لغوا وباطلا، لان مفهوم الباطل، عبارة عما لا أثر له، فإذا جعله الشارع مؤثرا يخرجه بذلك عن عنوان الباطل، لان في خروج الشئ عنه يكفي ترتب أثر عليه في الجملة، ولا يجب أن يكون ذا أثر بجميع الاعتبارات، وفي جميع الاوعية فالبطلان متقوم بعدم كون شئ ذا أثر بوجه ومقابله غير الباطل وهو ما يكون مؤثرا في الجملة، كما أن الامر كذلك في سلب المالية وثبوتها فان الاول متقوم بسلب الاثر مطلقا، وما لا رغبة فيه مطلقا لا يعد مالا وثبوتها مقابل ذلك، ومتقوم بثبوت الاثر في الجملة، وتحقق الرغبة فيه كذلك. إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في أن الموضوعات الاعتبارية كالعقد والعهد والملكية والزوجية وأمثالها مما أعتبرها العقلاء ملحقة فيما ذكر بالموضوعات التكوينية فلا يصير حكم الشارع موجبا لانقلابها، ويكون تصرفه تخصيصا أو ملحقة بالباطل ونحوه، ويكون تصرفه موجبا للانقلاب، وخروج الامر الاعتباري عما هو عليه، بأن يقال: إن منع الشارع عن بيع كالبيع الربوي يخرجه عن صدق عنوان البيع عليه، لان سلب النقل شرعا يوجب

[ 138 ]

عدم اعتبار العقلاء النقل والتبادل، فصار موجبا لانقلاب الموضوع لا التخصيص الحكمي. فحينئذ لو شككنا في اعتبار الشارع أمرا في المعاملات أو في منعه عن معاملة أو شككنا في أن الفسخ مؤثر لدى الشارع يصير الشكوك موضوعية لا يصح معه التمسك بعموم الادلة وإطلاقها. ففي المقام لو قلنا بأن البيع العرفي يصير بسبب الفسخ المؤثر شرعا منفسخا، ويصير اعتبار البقاء وعدم الانفساخ به بواسطة حكم الشارع منقلبا إلى عدمه عرفا تصير الشبهة مع الشك في التأثير موضوعية، ولو قلنا ببقاء الاعتبار العرفي وأن الفسخ على فرض تأثيره شرعا من قبيل التخصيص الحكمي خرجت الشبهة عن الموضوعية، ومع الشك في كونه من أي القبيلتين تصير الشبهة أيضا موضوعية ثم لا يبعد أن تكون الامور الاعتبارية ملحقة بالتكوينية، فان نهي الشارع وردعه عن معاملة لا يوجب سلب اعتبار العقلاء إياها، كما ترى أن بيع آلات اللهو والخمر والبيع الربوي بيع حقيقة لدى العقلاء، واعتبار النقل والانتقال حاصل، والفرق بينها وبين الباطل الذي رجحنا خروجه عن عنوانه بالجعل الشرعي واضح، فان الباطل هو ما لا أثر له مطلقا، ومع جعله مؤثرا تبدلت اللامؤثرية إلى المؤثرية، سيما مع تبعية أمة كبيرة عن الجاعل الشارع، فلا معنى لصدق الباطل عليه مع كونه مؤثرا. وأما البيع ونحوه من المعاملات العقلائية فلا يتقوم إلا باعتبار التبادل لدى العقلاء، وهو حاصل في محيط العقلاء، ولا يمكن للشارع سلب اعتبارهم المنوط بالمبادئ التكوينية، ومع عدم سلبه صدق العناوين المطلوبة عليه فالبيع الربوي بيع حتى في بلاد المسلمين، وحكم الشارع بفساده لم يخرجه عن التبادل العرفي، فلا محالة يكون ردع الشارع بمنزلة التخصيص

[ 139 ]

كالتخصيص في الاحكام المتعلقة بالموضوعات التكوينية. وربما يقال فرارا عن التخصيص وعن صيرورة الشبهة مصداقية بعد بيان أن موضوع الحكم ليس أمرا واقعيا حتى تكون موارد الاستثناء من قبيل تخطئة العرف، بل هو اعتباري، والمراد بالاعتبار هو اعتبار العرف الذي لا واقع له إلا ذلك، ما حاصله: يبقى الكلام في كون تمام موضوع الحكم هو الشئ باعتبار العرف أو باعتبار الشرع، وبعبارة أخرى هل المعتبر باعتبار العرف أخذ بنحو الموضوعية للحكم أو بنحو المعرفية لما هو كذلك باعتبار الشرع؟ والصحيح هو الثاني، إذ على الاول يلزم كون موارد الاستثناء تخصيصا حكميا، لا تقييد الموضوع وأخذ الموضوع العرفي في مقام الاثبات بنحو المعرفية للموضوع الشرعي، للتلازم الذي يراه الشارع بين العهد العرفي والشرعي، فيكون الاستثناء تخصيصا في هذه الملازمة، لا تخطئة لنظر العرف، ولا تضييقا لدائرة الموضوع الحقيقي ولا تخصيصا حكميا، انتهى. وفيه - مضافا إلى أن هذا مجرد تصور وتخيل لا يساعده العرف والعقلاء، ولا تساعده ظواهر الادلة، ضرورة أن موضوعات الاحكام في المقام كموضوعاتها في سائر المقامات، فكما لا اصطلاح للشارع الاقدس في التكوينيات لا اصطلاح له في الاعتباريات، فليست العقود الشرعية غير العقود العرفية ماهية ومفهوما، والظاهر من الادلة ترتب الحكم على الموضوع العرفي في التكوينيات والاعتباريات، وأخذ الموضوع العرفي معرفا إلى الموضوع الشرعي مخالف للظواهر، لان أخذ كل عنوان موضوعا لحكم ظاهر في موضوعيته، والحمل على المعرفية يحتاج إلى قرينة عقلية أو لفظية ومجرد استبعاد التخصيص لا يصير قرينة - أن أخذ الموضوعات العرفية معرفات إلى الموضوعات الشرعية لازمه عدم تعلق الحكم بالمعرف بالكسر

[ 140 ]

وتعلقه بالمعرف بالفتح، فيرجع الامر بالاخرة إلى وجوب الوفاء بالعقد الشرعي، فعاد محذور التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، ضرورة حصول الشك في الموضوع من الشك في اعتبار أمر شرعي فيه، ومن الشك في نفوذ الفسخ، مع أن التخصيص في الملازمة المذكورة يلازم التضييق في الموضوع الحقيقي، لان الموضوع الحقيقي بعد تخصيص الملازمة إما موافق للموضوع العرفي وهو خلف، أو مخالف له، والمخالفة لا يمكن إلا بقيد موجب للامتياز. مع أن جعل الحكم للموضوع الوقعي بمعرفية الموضوع العرفي لا يجتمع مع كون النظر إلى جعل الملازمة، لعدم إمكان الجمع بين النظر الآلي والاستقلالي، ومع تسليم إمكانه لابد من قيام قرينة عليه، وإلا لا يحمل الكلام عليه. ولو أراد بما ذكر أن الشارع لما رأى الملازمة بين الموضوع العرفي والشرعي علق الحكم على العرفي، للتلازم المذكور لصار الاستثناء تخصيصا حكميا، وقد فرمنه، بل مع رؤية الملازمة واقعا يكون الاستثناء نسخا لا تخصيصا. ولو رجع كلامه إلى أن الاحكام متعلقة بالموضوعات العرفية ويستكشف منه أن الموضوع الشرعي عين العرفي فهو صحيح معقول موافق للظواهر والاعتبار، لكن لازمه التخصيص الحكمي، وهو يفر منه، والفرق بينه وبين سابقه أن في هذا الوجه لا يدعى ملاحظة الشارع التلازم بينهما، وليست نكتة الجعل ذلك، بل الجعل القانوني فيه كسائر المجعولات القانونية. نعم لو كان مفاد الادلة جعل نفس الملازمة المذكورة ابتداءا أو الاخبار عنها كان الاستثناء تخصيصا في الملازمة، ويصح التمسك بالعام في مورد احتمال التخصيص، لكنه خلاف الظواهر جدا.

[ 141 ]

فتحصل مما ذكرناه أن الموضوعات الاعتبارية ملحقة بالموضوعات الخارجية، نعم يفترقان من جهة أخرى، وهي أن الخارجيات لا تختلف باختلاف الاعتبار، وأما الاعتباريات فيمكن اختلافها باختلافه، مثلا يمكن أن يعتبر الشارع النقل والانتقال في خصوص البيع غير الربوي، فيكون تخصيصاته تخصصات بملاحظة اعتباره، وهو لا ينافي أن يكون التخصيص حكميا بلحاظ اعتبار العقلاء. وبعبارة أخرى إن الحكم العام القانوني متعلق بالعقود العرفية، وكانت الارادة الجدية مخالفة للاستعمالية، كما في سائر التخصيصات، لكن إخراج العقود باعتبار عدم اعتبار النقل فيها شرعا، فالاستثناء تخصيص حكمي بلحاظ محيط العرف، وتخصص بلحاظ محيط الشرع واعتباره. وهذا سالم من الاشكالات المتقدمة من غير لزوم التخصيص المستنكر أي تنفيذ اعتبار العرف موضوعا ثم التخصيص حكما، وإن أمكن الذب عن الاستنكار بأن السكوت عن اعتبارات العرف وعدم الردع غير الاعتبار المستقل موضوعا والتخصيص حكما، والمستبعد أو المستنكر على فرضه هو الثاني دون الاول. ثم على ما ذكرناه يصح التمسك بالعام في مورد الشك في تأثير الفسخ لان ما يضر بالتمسك به هو التخصص العرفي لا الشرعي، فالعام متبع مع الشك في التخصيص، وإن كانت نتيجة التخصيص التخصص بلحاظ الشرع. وهاهنا وجه آخر لدفع إشكال الشبهة المصداقية، وهو أنه لا ريب في أن تلك الامور الاعتبارية لا واقعية لها إلا في أفق الاعتبار وإن كان اعتبارها اعتبار أمر في الخارج، فتعتبر الملكية والزوجية خارجا للمالك والزوج، لكن لا يلزم منه كونها محققة مع قطع النظر عن الاعتبار.

[ 142 ]

كما أنه لا شبهة في أن ردع الشارع عن أمر اعتباري عقلائي لا يكون مؤثرا تكوينا في رفع اليد عن اعتبارهم، بل ربما يكون ردعه مؤثرا لاجل تحقق مباد وخصوصيات، وربما لا يكون كذلك، فمن الاول نكاح بعض المحارم الذي لولا ردع الشارع كان جائزا لدى العرف، والطلاق بشرائطه المقررة، حيث تكون تلك الشرائط شرعية واتبع المسلمون الشريعة في الاعتبار، ومن الثاني البيع الربوي وبيع آلات اللهو والقمار ونحوها مما يعتبرها القعلاء حتى بعد ردع الشارع، وبالجملة ليس مجرد ردع الشارع موجبا لانقلاب اعتبار العقلاء، ولو فرض تأثيره فلا إشكال في أن المؤثر هو الردع الواصل لا الواقعي، فانه غير صالح لقطع اعتبارهم، فلو فرض أن الشارع بحسب الواقع جعل الفسخ مؤثرا ولم يصل إلى العقلاء لا ينقطع اعتبارهم لبقاء العقد ولو مع احتمال تأثيره شرعا، فالموضوع العرفي باق قطعا، والشبهة ليست مصداقية، فيصح التمسك بالعام لدفعها. إن قلت: ما الفرق بين المقام وعنوان الباطل حيث اعترفت بأنه مع احتمال كون الفسخ مؤثرا صارت الشبهة مصداقية في قوله: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " (1)؟ قلت: الفرق أن الباطل عنوان انتزاعي عن منشأ واقعي، وعناوين المعاملات أمور اعتبارية لا انتزاعية، فللباطل واقعية بواقعية منشأ انتزاعه وهو ما لا أثر له بحسب الواقع وبحسب جعل العقلاء والشارع، فان كان شئ ذا أثر واقعا ولو بنظر طائفة من العقلاء أو بحسب جعل الشارع الاقدس لا يكون باطلا ولغوا، بل يكون حقا، وهذا أمر واقعي تصير الشبهة مع احتمال تحققه مصداقية. وبالجملة الباطل ما هو مسلوب الاثر بالسلب الكلي واقعا، وماله أثر جزئي معتد به لا يكون باطلا ولغوا، فللباطل وجود واقعي ولو بوجود


(1) سورة النساء: 4 - الآية 29.

[ 143 ]

منشأه مع قطع النظر عن اعتبار العقلاء، بخلاف الامور المتقومة بالاعتبار فان واقعيتها به، فلا يدفع الاعتبار العقلائي باحتمال الردع، بل لا يدفع كثيرا ما بوصول الردع أيضا كما أشرنا إليه. ومما استدل به للمطلوب قوله صلى الله عليه وآله: " المؤمنون عند شروطهم " (1) وقد مر البحث فيه من بعض الجهات، وتقدم عدم ثبوت صدق الشرط على القرار الابتدائي، وعلى فرض شموله له فشموله لمثل البيع وسائر العقود محل إشكال، بل الظاهر عدم صدقه عليه، نعم لا يبعد القول بالقاء الخصوصية عرفا وبمناسبة الحكم والموضوع عن الشروط الضمنية، وإسراء الحكم إلى البدوية، بل إلى مطلق القرار كما مر، فيشمل الحكم للعقود والشروط الابتدائية على تأمل. ثم إن تلك الجملة إخبارية بداعي الانشاء، والاخبار بالوقوع في مثل المقام لا يصح إلا مع دعوى عدم تخلف المأمور عن الايجاد، وبعبارة أخرى إن الاخبار بالوقوع مبني على دعوى الوقوع، وأن المخبر به لابد من تحققه لسد الآمر جميع أنحاء عدمه، فكأنه مدع بأن المؤمن لا يتخلف عن قوله، وهذا الادعاء لا يصح إلا مع كون المسلم ملزما بايقاعه، فيفهم منه لزوم الايجاد بنحو أبلغ. وهذا نظير قول المولى لعبده: تذهب إلى السوق وتشتري كذا، إذ هو إخبار بداعي البعث على نحو بليغ، ومبني على دعوى التحقق وعدم التخلف، بدعوى أن مطلوبه غير قابل للمخالفة، فما قيل: من أن قوله صلى الله عليه وآله " المؤمنون " الخ لا يدل إلا على الرجحان غير وجيه، هذا مع قطع النظر عن تمسك الائمة عليهم السلام به، وإلا فالامر أوضح. ثم إن الظاهر منه هو إيجاب العمل على طبق الشروط لا إبقاؤها


(1) الوسائل - الباب 20 من ابواب المهومر الحديث 4.

[ 144 ]

وعدم فسخها وعدم الرجوع عنها، كما قلنا في الوفاء بالعقود، فيكون مفاده كمفاده، وطريقا الاستدلال به نحوه على ما مر من الوجوه، فالالزام على العمل على طبق الشرط دليل على خروج زمام أمره عن يده عرفا، فراجع ما مر في الآية حتى يظهر وجه استفادة الحكم الوضعي أي الصحة والنفوذ، والتكليفي أي وجوب الوفاء واللزوم أيضا. ويظهر من الروايات الواردة في باب الشروط تلك الاحكام الثلاثة كصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله عزوجل " (1) حيث تدل على الحكم الوضعي أي النفوذ، وكموثقة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يقول: من شرط لامرأته شرطا فليف لها به، فان المسليمن عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " (2) وهي تدل على الحكم التكليفي والوضعي، أي الصحة والنفوذ، وتدلان على أن قوله عليه السلام: " المسلمون " الخ يدل على الوضع والتكليف، ويمكن استفادة اللزوم من موثقة منصور بن يونس عن أبي الحسن عليه السلام في باب المهور (3). واستدل للمطلوب بقوله تعالى: " أحل الله البيع " (4) وقد مر أن فيه احتمالين: أحدهما أن يكون المراد به حلية ما حصل، أي الربح بقرينة الصدر والذيل، وعليه لا يبعد إطلاقه بأن يقال: إن حل ما حصل باعتبار حل التصرفات، وإطلاقه يقتضي حليتها حتى بعد الفسخ، وهو


(1) و (2) الوسائل - الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 1 - 5. (3) الوسائل - الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4. (4) سورة البقرة: 2 - الآية 275.

[ 145 ]

مساوق للزوم، وثانيهما أن المراد تحليل البيع غير الربوي مقابل تحريم الربوي. وقد ذكرنا أنه ليس منظور من قال: " إن البيع مثل الربا " التسوية بين الانشاءين والبيعين بعنوانهما، بل المراد التسوية بينهما في حصول الربح والزيادة دفعا لعار أكل الربا، فنفي التسوية ايضا بهذا اللحاظ، فيرجع المقصود إلى نفيها في حصول الربح، فتكون الآية بصدد بيان حلية المال الحاصل، فيكون لها إطلاق من هذه الجهة، وهذا أيضا غير بعيد، وإن لا يخلو من تأمل وخدشة. ثم إن الخدشة فيه بالشبهة المصداقية كالخدشة في الآية المتقدمة، والجواب الجواب. ثم إن ما ذكرناه في تقرير الاصل في صدر المبحث هو استصحاب الملكية، وأما استصحاب بقاء العقد فلم نتعرض له وفي المقام يمكن إجراؤه لتنقيح موضوع " أوفوا بالعقود " وغيره، وكيف كان لا إشكال في أن الاصل لزوم عقد المعاطاة حسب القواعد. بقي الكلام في حال ما تمسك به في الباب على خلاف القواعد والادلة المتقدمة، أما الاصل أو الاصول التي تمسك بها صاحب الرياض والجواهر فلا وقع لها في المقام بعد الادلة الاجتهادية، ولعل تمسكهم بها مبني على زعم عدم دلالة الادلة المتقدمة. وأما الاخبار فمنها - رواية خالد بن الحجاج (أو نجيح) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يجئ فيقول: اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا، قال: أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به، إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام " (1)


(1) الوسائل - الباب 8 من ابواب أحكام العقود الحديث 4.

[ 146 ]

ومنها - صحيحة الحلبي قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل يزرع الارض فيشترط للبذر ثلثا وللبقر ثلثا، قال: لا ينبغي أن يسمي شيئا، فانما يحرم الكلام " (1) ونحوها غيرها. والظاهر من قوله عليه السلام: " يحلل الكلام ويحرم الكلام " مع الغض عن صدره ومورده أن طبيعة الكلام توجب الحلية والحرمة، ومقتضى إطلاقه أعميتهما من التكليفية والوضعية، لما ذكرنا سابقا من عدم اختلاف مفهوم الحل والحرمة في التكليف والوضع، كما أن مقتضى إطلاقه كونه محللا ومحرما بلا وسط ومع الوسط، فالمحلل تكليفا بلا وسط كتحليل صاحب الامة إياها للغير وطء أو غيره، ومع الوسط كعقد النكاح الذي يوجب تحقق الزوجية، وبها تحل الاستمتاعات، والمحرم بلا وسط كالظهار، ومع الوسط كالطلاق الذي يوجب قطع الزوجية، ومعه تحرم الاستمتاعات، والمحلل الوضعي كالقعود الصحيحة التي توجب نفوذ المعاملات وتحقق النقل ومحرمه كالشرط المفسد للعد. ولما كان الظاهر أن موضوع الحكم نفس طبيعة الكلام كان مقتضى الاطلاق شموله للكلام الذي محلل ومحرم معا، كالفسخ الذي يوجب تراد العينين فيحرم المثمن على المشتري، ويحلله للبائع، وفي الثمن بالعكس، أو محلل فقط ومحرم كذلك. بل مقتضى إطلاقه شموله لكلام الشارع أيضا، فحينئذ يكون نفوذ المعاطاة وصحتها ومحلليتها وضعا بواسطة الكلام، وهو قوله: " أوفوا بالقعود " ونحوه، فكلامه في مقام التشريع تارة يكون محللا وتارة يكون محرما مع الوسط أو بلا وسط، وتوهم أن كلامه لم يكن سببا لهما بل كاشف عن إرداته ورضائه ناش من قياس الله تعالى بغيره من المخلوقات


(1) الوسائل - الباب 8 من كتاب المزارعة وا لمساقاة الحديث 4.

[ 147 ]

ولو أريدت الارادة التشريعية فهي ملازمة للتشريع، ولم تكن نفسها محللة أو محرمة. وبالجملة لا سبيل لانكار المحللات والمحرمات التشريعية، فعليه تكون المعاطاة نافذة لاجل الكلام المحلل لها وضعا، فعليه لا يلزم تخصيص الاكثر في قوله عليه السلام: " انما يحلل الكلام " كما أفاد الشيخ الاعظم لان كلية المحرمات والمحللات ترجع إلى سببية الكلام لهما. ولو قيل: منطوق قوله عليه السلام: " انما يحلل " الخ معارض لمفهومه في نحو المعاطاة، لان مقتضى المنطوق على فرض إطلاقه لما ذكر نفوذ المعاطاة، ولما كانت هي غير الكلام لا تكون محللة، فالفعل لا يكون موجبا لتحقق المعاملة ونفوذها، يقال: إن الاشكال وارد على مسلك القوم أيضا، فان البيع لفظا محلل، أي ألفاظه سبب لحلية المعاملة ونفوذها، وبعد تحقق النقل يكون ذلك أي النقل سببا للحلية التكليفية والحرمة التكليفية دون البيع، فالبيع سبب للنقل، والنقل سبب لهما، فيقع التعارض المذكور. والجواب عن الاشكال - مضافا إلى أن المعارضة من قبيل المقتضي واللا مقتضي، ضرورة أن مقتضى المفهوم عدم اقتضاء غير اللفظ للتحليل والتحريم، لا اقتضاؤه لنفي التحليل كما لا يخفى - أنه لو دار الامر بين رفع اليد عن الاطلاق أو حمل المفهوم على أنه لم يكن محللا بذاته، وهو لا ينافي أن يكون كذلك لاجل الكلام الجاعل له محللا، فالترجيح للثاني، بل مع كون المحلل والمحرم يرجع إلى الكلام بالاخرة ولو مع الوسط يدفع المنافاة. ثم إن مقتضى الظهور اللفظي والسياقي سببية كل من المحرم والمحلل للتحريم والتحليل على نسق واحد، أي يكون كل منهما سببا مؤثرا في مسببه على ما تتصور السببية والمسببية في مثل المقام، والتفكيك بينهما خلاف

[ 148 ]

الظاهر جدا. فما أفاده الشيخ الانصاري (قده) من الاحتمالات الاربعة أو الخمسة كلها خلاف الظاهر، أما غير الاول فظاهر، إذ لازم الجميع ارتكاب خلاف الظاهر لفظا وسياقا، فان الظاهر من محرمية الكلام أن يكون مؤثرا في التحريم، فالعقود الفاسدة كقولها ملكتك بضعي خارجة عن محط الرواية لانها لغو غير مؤثرة، فلا تكون محللة ولا محرمة، وحمل ما وردت في المزارعة على ذلك غير وجيه، كما يأتي. كما أن مقتضى وحدة السياق كون المحللية على وزان المحرمية، فالتفكيك خلاف ظاهر آخر كما أن عدم الكلام لا يؤثر في شئ، لا أنه يؤثر في المحرمية، مع أن حمل الكلام على عدمه من أغرب المحامل، والاشكال المتقدم وارد على الثالث والرابع مع إشكال آخر في الاخير، وهو تفكيك لازم فيه. وأما الوجه الاول فيرد على ظاهره أن تقييد الكلام في الفقرتين باللفظ الدال على التحليل والتحريم الظاهر في الدلالة الوضعية اللفظية كحللت أو حرمت بلا وجه، وخلاف ظاهر الرواية، إلا أن يراد به ما هو أعم من ذلك، فلا كلام فيه، إلا أنه خلاف ظاهره. هذا مع الغض عن صدر الرواية، وأما بالنظر إليه فالظاهر من قول السائل في رواية خالد أن سؤاله لم يكن من حيث قول القائل: " اشتر هذا الثوب " الخ، بل من حيثية أخرى المتفاهمة من كلامه، وهي أن اشتراء الثوب وأخذ الربح المذكور جائز أولا؟ فأجاب عليه السلام بأنه مع كونه مختارا في الاخذ والترك لا بأس به، وهو كناية عن عدم تحقق البيع الملزم عرفا، وفي مقابله الذي فيه بأس ما إذا سلب الاختيار منه، والمراد به تحقق البيع الذي هو ملزم عرفا، وقوله عليه السلام: " انما

[ 149 ]

يحلل الكلام " الخ كناية عن البيع السالب للاختيار عرفا، وليست العناية باللفظ مقابل المعاطاة، بل العناية بالبيع السالب له مقابل اختياره، ومعه لا يستفاد منه ما هو المدعى من اعتبار اللفظ في التحريم والتحليل، ولا بأس بجعل الكلام كناية عن مطلق البيع في المقام، لقلة تحقق المعاطاة في بيع ما ليس عنده. مضافا إلى أن المراد بالكلام في المقام ليس نفس الطبيعة، ضرورة أنها قد تحققت بالتقاول، فالمراد به كلام خاص، وبقرينة المقام يكون المراد هو البيع الخاص، أي بيع ما ليس عنده، فكأنه قال: لما لم يقع البيع الخاص لا بأس بأخذ الربح، فان البيع بعد الشراء، وما فيه بأس هو البيع قبل الشراء وأخذ الربح ثم الشراء، فعليه لا تكون الرواية دالة على حصر المحلل والمحرم في اللفظ. ويشهد لما ذكر بعض الروايات في باب بيع ما ليس عنده كصحيحة منصور (1) وغيرها، هذا ولكن سيأتي التحقيق في مفاد الحديث صدرا وذيلا في الفضولي، فانتظر. ثم إن في دلالة " انما " على الحصر كلاما وإشكالا، تعرضنا له في مقامه. وأما صحيحة الحلبي ونحوها فظاهرها أن شبهة السائل كانت في جواز اشتراط الثلث للبذر والثلث للبقر من غير نظر إلى كون الاشتراط باللفظ أو بغيره، فتكون العناية في الجواب بمحرمية الشرط الكذائي لا عدم كون غير اللفظ محرما، فهي قرينة على أن المراد بالكلام هو الكلام الخاص، أي الاشتراط، نعم لو كان غرضه السؤال عن صحة نية كون الثلث للبذر كان المناسب في الجواب حصر المحرم في اللفظ على إشكال فيه أيضا، وأما المناسب لشبهته بيان أن الشرط محرم، وهو لا يناسب الحصر.


(1) الوسائل - الباب 8 من ابواب أحكام العقود الحديث 6.

[ 150 ]

وربما يتمسك بروايات أخر لاعتبار اللفظ لا دلالة في شئ منها بوجه، بل ولا إشعار فيها لذلك، منها - ما تمسك بها الشيخ الاعظم (قده) وادعى إشعارها به، كرواية يحيى بن الحجاج - الموثقة على احتمال غير بعيد - قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال لي: اشتر هذا الثوب وهذه الدابة وبعنيها أربحك فيها كذا وكذا، قال لا بأس بذلك اشترها ولا تواجبه البيع قبل أن تستوجبها أو تشتريها " (1). قال الشيخ: " إن الظاهر أن المراد من مواجبة البيع ليس مجرد إعطاء العين للمشتري " انتهى، وهو حق لكن لا يفيده شيئا، ولا يوجب إشعارها باعتبار اللفظ، لان الايجاب والاستيجاب لا يلزم أن يكونا باللفظ فان اللفظ لا يدل على الايجاب بمفهومه وعنوانه، وانما يطلق عليه الايجاب إما باعتبار أن لفظ البيع علة لثبوت معنى اعتباري أو باعتبار كونه علة للالزام، وبأيهما يطلق على اللفظ يصح إطلاقه على المعاطاة، فلا إشعار فيها بأن الايجاب والاستيجاب باللفظ. بل يمكن دعوى أن إطلاقها يقتضي صحة المعاطاة لو كانت بصدد البيان من هذه الجهة، بل لقائل أن يقول: إنه مع تسليم أن المراد بالاستيجاب هو البيع بالصيغة يكون مقتضى مقابلة الاشتراء للاستيجاب وعطفه بلفظة " أو " أن المراد به هو الاشتراء معاطاة، فتدل على صحتها. لكن الانصاف أن العناية بعدم إيقاع البيع قبل اشترائه من غير نظر إلى اللفظ وغيره، فلا دلالة ولا إشعار فيها لما ذكره. وكرواية العلاء قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يبيع البيع فيقول أبيعك بده دوازده أو ده يازده، فقال: لا بأس،


(1) الوسائل - الباب 8 من ابواب أحكام العقود الحديث 13.

[ 151 ]

انما هذه المراوضة فإذا جمع إليه البيع جعله جملة واحدة " (1). وأنت خبير بأنه لا إشعار فيها لما ذكره، إلا أن يراد بقوله (ع): " جعله جملة واحدة " لفظة واحدة على أن يراد بالجملة اصطلاح النحاة وهو كما ترى، ضرورة أن المراد به جعله مبيعا واحدا، وحاصل المراد أن المقاولة لا بأس بها، لكن إذا عزم البيع باعه جملة واحدة، أي سلعة واحدة، مضافا إلى أن العناية فيها بأمر آخر غير اعتبار اللفظ. ومنها - روايات وردت في بيع المصحف، كرواية سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن بيع المصاحف وشرائها، فقال: لا تشتر كتاب الله، ولكن اشتر الحديد والورق والدفتين، وقل: اشتري منك هذا بكذا وكذا " (2). ويمكن تقريب الاستدلال بها بأن قوله عليه السلام: " قل اشتري " الخ ظاهر في الوجوب الوضعي الشرطي، فيدل على اعتبار اللفظ فيه، وبالقاء الخصوصية يسري الحكم إلى مطلق البيع، بل وسائر المعاملات. وفيه - مضافا إلى أن قوله عليه السلام: " قل: اشتري " الخ لا دلالة فيه على أن المراد به الايجاب وإيقاع المعاملة كذلك، بل لعله الظاهر في المقاولة قبل البيع من غير نظر إلى إيقاعه باللفظ أو بالمعاطاة - أن في مثل المجموع الذي يراد بيع بعضه لابد من ذكر ما يقع عليه البيع لدفع الجهالة، ففي مثله لا يمكن أو يشكل المعاطاة، فاعتبار اللفظ في مثله لا يدل على اعتباره في غيره، مع أن العناية فيها بعدم بيع المصحف وبيع الحديد ونحوه، وليست العناية بايقاعه باللفظ، فقوله عليه السلام: " قل: اشتري منك " الخ كناية عن إيقاع البيع كذلك، أو بيان لذلك،


(1) الوسائل - الباب 14 من ابواب أحكام العقود الحديث 5. (2) الوسائل - الباب 31 من ابواب ما يكتسب به الحديث 2.

[ 152 ]

ولا يراد به وجوب التلفظ. ومنه يظهر الكلام فيما وردت في المزارعة كصحيحة عبد الله بن سنان أنه قال: " في الرجل يزارع فيزرع أرض غيره، فيقول: ثلث للبقر وثلث للبذر وثلث للارض، قال: لا يسمي شيئا من الحب والبقر، ولكن يقول: أزرع فيها كذا وكذا، إن شئت نصفا وإن شئت ثلثا " (1) لان تقريب الدلالة ورده كما تقدم. وكذا الحال فيما وردت في جواز بيع الثمار قبل بدو الصلاح مع الضميمة فراجع (2) وأما رواية اشتراء الطن من القصب (3) وغيرها فلا ينبغي توهم إشعارها. بقي الكلام في دعاوي الاجماع أو الشهرة، فلابد من ملاحظة كلمات القوم حتى يتضح الحال. قال شيخ الطائفة في الخلاف مسألة (59): " إذا دفع قطعة إلى البقلي أو إلى الشارب وقال: اعطني بقلا أو ماءا فأعطاه فانه لا يكون بيعا، وكذلك سائر المحقرات، وانما يكون اباحة له يتصرف كل واحد منهما فيما أخذه تصرفا مباحا من غير أن يكون ملكه، وفائدة ذلك أن البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل أو أراد صاحب القطعة أن يسترجع قطعته كان لهما ذلك، لان الملك لم يحصل لهما، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يكون بيعا صحيحا، وإن لم يوجد الايجاب والقبول، قال ذلك في المحقرات دون غيرها، دليلنا: أن العقد حكم شرعي ولا دلالة في الشرع على وجوده هاهنا، فيجب أن لا يثبت، فأما الاستباحة بذلك


(1) الوسائل - الباب 8 من كتاب المزارعة والمساقاة الحديث 5. (2) الوسائل - الباب 3 من ابواب بيع الثمار الحديث 1. (3) الوسائل - الباب 19 من ابواب عقد البيع الحديث 1.

[ 153 ]

فهو مجمع عليه لا يختلف العلماء فيها " انتهى. الظاهر أنه أراد نفي البيع شرعا، لبعد إرادة نفي البيع العرفي، ضرورة صدق البيع على المعاطاة عرفا، فان بيع المعاطاة بأقسامها كان متعارفا شائعا من زمن قديم، وكان مقدما عهدا على البيع بالصيغة، فلا أظن بمثل الشيخ إنكار الصدق عرفا، ولو لا ذيل كلامه لكان من المحتمل قريبا إرادة قسم خاص نادر من التعاطي، وهو ما أريدت به الاباحة بعد ظهور نفي البيع في نفيه عرفا. ويشهد له قوله: " وانما يكون اباحة له يتصرف كل منهما فيما أخذه " الخ، لان الاباحة من باب الافعال لابد فيها من المبيح والمباح له سيما مع تفريع " يتصرف كل منهما " الخ عليها، لكن ذيل كلامه شاهد على إرادته سلب البيع الصحيح الشرعي، كما يشهد به مضافا إلى ذلك نصه في المبسوط بأنه ليس بعقد صحيح هو بيع. ثم إن الظاهر من استدلاله على مطلوبه أي عدم كونه بيعا بأن العقد حكم شرعي، ولا دلالة في الشرع على وجوده، وتخصيصه الاجماع بثبوت الاباحة عدم تحقق الاجماع في الحكم الاول في عصره، وإلا لاستدل به لا بفقد الدليل، ضرورة أنه مع وجود دليل قطعي كالاجماع أو دليل لفظي من طريق أصحابنا على البطلان لا معنى للتمسك بفقد الدليل للفساد بل لو كان دليل على الفساد من طرق العامة لاشار إليه، كما هو دأبه، مع أن من سيرته في كتاب الخلاف التمسك باجماع أصحابنا كلما تحقق، فعدم دعواه في خصوص هذا الكتاب دليل على عدمه. أضف إليه أن ترك دعوى الاجماع في نفي البيع الذي عقد البحث وعنون المسألة له ودعواه فيما ذكره تطفلا وتفرعا شاهد أيضا على عدم الاجماع في عصره، ولم يقم دليل على بطلانه عنده.

[ 154 ]

وعلى هذا لا يصح الاتكال على دعوى إجماع الغنية فضلا عن دعوى من تأخر، مع ما في إجماعات الغنية من الكلام. مضافا إلى أن أعاظم الاصحاب كابن ادريس والعلامة، بل وغيرهم (قدهم) حتى قدماء أصحابنا لم يظهر منهم دعواه، بل ظاهر العلامة أن القول بكفاية التعاطي في الحقير وغيره كان قولا معروفا حيث قال: " الاشهر عندنا أنه لابد من الصيغة " فما عن الشهيد (قده) في القواعد - من أنه يفيد الاباحة لا الملك عندنا - غير معتمد بعد ما عرفت، مع أنه إشعار بدعوى الاجماع. فالانصاف أن المسألة كانت من المسائل الاجتهادية منذ عصر المفيد والشيخ ومن تأخر عنهم (قدهم) ولهذا تراهم يستدلون عليها بالادلة والاصول: كفقد الدليل على الصحة، وأصالة بقاء الملك، وقصور الافعال عن الدلالة على المقاصد، وأن الايجاب والقبول ما حصلا، فما حصل البيع إلى غير ذلك، مع أن المحقق الثاني (قده) ادعى أن المعروف بين الاصحاب أن المعاطاة بيع وإن لم يكن كالعقد في اللزوم. ثم إنه قد يقال بأن نظر شيخ الطائفة (قده) وغيره ليس في بطلان المعاطاة مطلقا، بل في بطلانها إن تأخر الايجاب عن القبول، كما يظهر من مثالهم، لكنه غير وجيه، يظهر ذلك من التأمل في كلماتهم، فان الظاهر من الخلاف أن المقصود مطلق المعاطاة، بدليل ذكر قول أبي حنيفة و استدلاله بعدم حصول الايجاب والقبول، وهو ظاهر في عدم تحققه لا عدم تحقق شرطه، كما يظهر ذلك من المبسوط أيضا، بل كلام ابن زهرة في الغنية وكلمات العلامة كالصريح في ذلك، والامر سهل.

[ 155 ]

تنبيهات الاول: هل يعتبر في المعاطاة جميع ما يعتبر في البيع بالصيغة وكذا الشرائط المعتبرة في العوضين وغيرهما، وتلحق بها الاحكام الملحقة بالبيع بالصيغة كالخيارات، أو لا يعتبر فيها شئ منها، ولا يلحق بها حكم من أحكامه أو يفصل بين الاقسام المتصورة في المعاطاة، وكذا بين الشرائط والاحكام؟ ولابد في إتضاح ذلك من البحث في الاقسام المتصورة فيها. فمنها - أن يكون التعاطي بعنوان إباحة التصرفات إما مطلقا أو التصرف في الجملة، لا أقول: إن ما في يد العقلاء من المعاطاة كذلك، حتى يقال: إنه خلاف الواقع، بل أقول: لو فرض إيقاعها كذلك هل يعتبر فيها ما يعتبر في البيع بالصيغة، ويلحقها ما يلحقه؟ لابد مقدمة من بيان أمر، وهو أنه هل تكون إباحة جميع التصرفات أي كل ما يكون للمالك لشخص مستلزما لانتزاع ملكيته؟ بأن يقال: إن الملك في نظر العقلاء إنما يعتبر بلحاظ الآثار، ولا يعتبره العقلاء فيما لا أثر له مطلقا، فكما أن سلب مطلق الاثر عن شئ بالنسبة إلى شخص يوجب سلب ملكيته وعدم اعتبارها له، لان اعتبارها بلحاظ الآثار، فما لا أثر له مطلقا لا حالا ولا استقبالا لا يكون ملكا في اعتبارهم، كذلك إثبات جميع آثار الملكية لشخص يوجب اعتبارها له، فإذا أباح المالك جميع التصرفات التي هي له لغيره يكون ذلك عبارة أخرى من التمليك بحيث لو صرح مع ذلك بعدم التمليك يعد تناقضا، فترجع تلك الاباحة

[ 156 ]

المطلقة في مقابل الاباحة كذلك إلى التمليك بالعوض، وهو عبارة أخرى عن البيع، فيكون حالها حال بعض الاقسام الآتية. لكن التحقيق أن هذه الاباحة لا ترجع إلى التمليك ولا تنتزع الملكية منها عرفا، فان إباحته كذلك لا ترجع إلى سلب أنحاء التصرفات عن المالك ولهذا تصح الاباحة المطلقة لاشخاص متعددة، مع أن ملكية تمام شئ لا تعقل لاكثر من واحد، كما أن إباحته كذلك لا توجب سلب جميع الآثار عن نفسه، فيجوز له المنع عن تصرفاته والرجوع عن إباحته، ومعه لا تسلب علاقة ملكيته. إلا أن يقال بالفرق بين الاباحة بلا عوض ومع العوض، فيلتزم بسلب الملكية عن المبيح وثبوتها للمباح له في الاباحة المطلقة المعوضة، وسيأتي الكلام فيها. ثم لو قلنا بأن الاباحة المطلقة وغيرها لا تفيد إلا صيرورة الشئ مباحا لا ملكا يقع الكلام في أنه هل يعتبر في المعاطاة كذلك ما يعتبر في البيع بالصيغة من شرائط نفس البيع فيما يمكن اعتباره في المعاطاة كتقدم الايجاب على القبول وكالتوالي بينهما؟ قد تمسك الشيخ الانصاري (قده) لنفي اعتبارها بدليل السلطنة، وقد تقدم في محله عدم صلاحية دليلها لنفي الشكوك الراجعة إلى الاسباب. نعم يمكن التمسك له بمفهوم " فلا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه " (1) وبالاستثناء في موثقة سماعة (2) وغيرها: " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه " بناء على إطلاق المفهوم والمستثنى فان الظاهر حينئذ أن تمام الموضوع لجواز التصرف وحل مال الغير هو الاذن


(1) الوسائل - الباب 3 من ابواب الانفال الحديث 6. (2) الوسائل - الباب 1 من ابواب القصاص في النفس الحديث 3.

[ 157 ]

وطيب النفس، فإذا طابت نفسه يحل ماله من غير دخالة شئ آخر فيه فإذا شك في توقف الحلية على شئ آخر غير ذلك يدفع باطلاقهما، ولا يرد عليه ما يرد على دليل السلطنة، كما هو واضح لدى التأمل. نعم يمكن التشكيك في إطلاقهما بدعوى أن القائل بصدد بيان المنطوق والمستثنى منه، ويمكن تقريب إطلاقهما بأن الحكم بعدم جواز التصرف في مال الغير بلا إذنه وجوازه باذنه وكذا الحكم بعدم حليته بغير طيبة نفس منه وحليته مع طيبتها ليس من الاحكام التعبدية، بل من الاحكام العقلائية ولدى العقلاء أيضا عدم الحل بلا طيب نفس المالك والحل معه ثابت من غير دخالة شئ آخر فيه. وعليه فلا ينقدح في ذهن العرف من الروايات إلا ما لديهم، فيستكشف منه أن طيب النفس تمام الموضوع للحل من غير دخالة شئ آخر فيه، وبه يدفع الشك في اعتبار الشرائط المعتبرة في البيع فيها، كتقدم الايجاب على القبول وكذا ما يشك في اعتباره في المتعاملين أو العوضين، كعدم الجهالة بهما أو بأحدهما، وكاعتبار التقابض في الصرف والتساوي في المكيل والموزون، ولا دليل على اعتبارها في المعاطاة المذكورة، لان دليل النهي عن بيع الغرر (1) غير شامل لها موضوعا، والنهي عن مطلق الغرر غير ثابت، مع أنه منصرف إلى المعاوضة بين الاموال، ولا يشمل نحو الاباحة المقابلة للاباحة، وأدلة اعتبار التقابض مخصوصة ببيع الصرف والمورد خارج عنها موضوعا، ولو سلم التعدي إلى غير البيع فلا وجه للتعدي إلى مثل المقام، ودليل حرمة الربا مخصوص بالتقابل بين العينين كقوله: الذهب بالذهب مثلا بمثل ونحوه. والآيات الكريمة المربوطة بالربا لا إطلاق فيها حتى يشمل غير البيع


(1) كنز العمال - ج 2 - ص 208 - الرقم 4457 و 4458.

[ 158 ]

فضلا عن المقام، وأما الاحكام المتعلقة بالبيع نحو الخيارات فعدم شمولها للمقام واضح. هذا كله في المعاطاة التي يراد بها الاباحة مطلقة أو غيرها، وأما ما يراد بها التمليك فمع عدم حصول الملك بها وحصول الاباحة فان قلنا بأن الاباحة الحاصلة إباحة مالكية متحققة في ضمن التمليك كما قيل فحكمها كالصورة السابقة، لانصراف الادلة عن مثلها لو لم نقل بخروجها موضوعا عن البيع، وإن قلنا بعدم إباحة مالكية بل الشارع بعد القاء ما قصده المتبائعان حكم تعبدا بالاباحة، فلا دليل على أن المعاطاة مع فقد الشرائط موضوعة للحكم بها، فلابد من الرجوع إلى السيرة، والاخذ بالقدر المتيقن منها، وسيأتي الكلام فيها. وأما ما دل على اعتبار شئ في البيع أو تعلق حكم بعنوانه فالظاهر انصرافه عن مثل هذه المعاطاة التي لا تؤثر على طبق قصد المتبائعين، مضافا إلى أن ظاهر أدلة الخيارات غير مثلها، والامر سهل في هذه الفروض المخالفة للواقع. وأما الصورة التي هي موافقة لعمل العقلاء وسيرتهم، وكذا تكون مقتضى الادلة المتقدمة، وهي أن المعاطاة بيع صحيح شرعا وعرفا سواء قلنا بلزومها أم جوازها، فالظاهر اعتبار الشرائط التي دل دليل لفظي على اعتبارها في البيع فيها مع تمامية مقدمات الاطلاق. وأما ما ثبتت شرطيتها بالاجماع أو الشهرة فلا يصح إثباتها للمعاطاة ضرورة أن المجمعين كلماتهم مختلفة في المعاطاة، فكثير منهم نفوا عنوان البيع عنها، ومعه كيف يمكن إثباتها بهما فيها. وأم الخيارات فالظاهر ثبوتها بأدلتها لها على القول بلزومها، لاطلاق أدلتها، وعقلائية بعضها إلا ما كان ثبوته بالدليل اللبي، وبناء على عدم

[ 159 ]

اللزوم فلا يبعد أيضا ثبوتها للاطلاق، ولا يلزم منه اللغوية سيما مع صيرورتها لازمة بتلف أحد العوضين، كما أن جعل الخيارات المتعددة غير مستلزم للغوية وتحصيل الحاصل بعد إمكان سقوط بعض وبقاء بعض، بل على مسلكنا من الفرق بين الاحكام والخطابات القانونية وغيرها يدفع إشكال اللغوية في أمثال المقام، وأما قضية اجتماع المثلين فهي كما ترى. ثم إن ما ذكروا من ثبوت جميع شرائط العقد في المعاطاة بناء على لزومها إلا الصيغة فقط وأرسلوه إرسال المسلمات غير وجيه، ضرورة أن ما لدى العقلاء من المعاطاة لا يعتبر فيها كثير من الشروط التي اعتبرها الفقهاء في البيع بالصيغة، كالتوالي بين الايجاب والقبول، مع أن بناء العرف في المعاطاة على خلافه، كما أن الشروط التي ثبتت بالاجماع لا يمكن اثباتها لها، ولو على القول بصحتها ولزومها وكونها كسائر البيوع، لما أشرنا إليه آنفا. الثاني: كما تتحقق المعاطاة بتعاطي الطرفين كذلك تتحقق باعطاء طرف واحد بحيث يكون إعطاؤه وأخذه كالتعاطي موجبين لتحققها. وقد يقال بعدم تعقل توقف المعاطاة المقصود بها المبادلة على العطاء من الطرفين، بل لابد في تحققها من الاعطاء والاخذ لطرف واحد، لان الآخذ إن أخذ العين المنشأ باعطائها التمليك منشئا به القبول لما ملكه المعطي تتم به المعاملة، ويكون إعطاء الثمن بعدها وفاءا، وإن لم يكن منشئا لقبول ما ملكه الاول لم يجد إعطاؤه ولو بقصد المعاوضة، لان الاعطاءين المستقلين كالايجابين كذلك في عدم انعقاد المعاملة بهما، وكان كل منهما

[ 160 ]

ناقصا بلا قبول، فالعطاءان من الجانبين تمليكان مستقلان لا تمليك واحد معاوضي. وفيه مضافا إلى إمكان أن يقال: إن ماهية البيع مبادلة مال بمال وهي قد تتحقق بالايجاب والقبول، وقد تتحقق بانشاء المبادلة والمعاوضة بين المالين من غير احتياج إلى القبول بعنوانه، فلو أنشأ وكيل المتعاملين التبادل بين المالين فقال بادلت بينهما تقع المبادلة، وهي ماهية البيع المتحققة بسبب آخر أيضا، وهو الايجاب والقبول. وبالجملة ليس الايجاب والقبول بعنوانهما مقومين لماهية البيع، بل هما من أسباب تحققها، كما أن إنشاء المبادلة بما ذكر من أسبابه، بل لو قال أحد طرفي المعاملة: بادلت عيني بعينك وقال الآخر: بادلت أيضا عيني بعينك فالظاهر تحقق البيع وصحته، لان ماهية المبادلة تحققت عرفا بايقاعهما، بل البيع والشراء بالنحو المتعارف إنما حدثا بعد تعارف الاثمان وإلا فالتبادل بين الاعيان لم يكن نوعا بالبيع والشراء، بل بالمعاوضة والمبادلة. وتوهم أن ماهية البيع متقومة بالايجاب والقبول ناش من تعارف الاثمان في هذه الاعصار، مع أن المبادلة بين الاعيان شائعة، سيما في القرى والبلاد الصغار جدا، وليست تلك المبادلة إلا بيعا، وليست المبادلة عنوانا والبيع عنوانا آخر، فالبيع مبادلة مال بمال كما مر، بل صدق عليها تمليك العين بالعوض أيضا. فالقول بأن إعطاء شئ في مقابل إعطاء آخر ليس معاملة، لكونهما تمليكين مستقلين ليس على ما ينبغي، لان إنشاء تمليك بازاء تمليك إذا تحقق من المتعاملين يكون كل منهما مربوطا بالآخر لا مستقلا بلا ربط بينهما، ولو أريد من الربط الربط المطاوعي فلا دليل على اعتباره، كما أن توهم كون المعاوضة والمبادلة معاملة مستقلة وليست ببيع فاسد، نعم

[ 161 ]

يمكن أن يقال: إنه لا يصدق عليها البيع المقابل للشراء، وهو لا يضر. فمضافا إلى ما ذكر أن الاخذ يمكن أن يقصد به القبول تارة، فتمت المعاملة به، ويمكن أن يقصد به تحقق الايقاع العملي الخارجي فلا يكون قبولا، فكما يصح الاعطاء قاصدا به الايجاب يصح الاعطاء بعد الاعطاء قاصدا به قبول الايجاب العملي. بل يمكن أن يقال: إن الايجاب اللفظي في البيع بالصيغة إذا وقع عقيب إيجاب فقال البائع: بعتك داري بألف وقال الآخر: بعتك الالف بدارك يكون الايجاب الثاني قبولا بالحمل الشائع، فيصدق عليه الايجاب باعتبار، وقبول الايجاب الاول باعتبار وكذا الحال في المعاطاة المقصود بالاعطاء الثاني قبول ما أوجبه الاول باعطائه، فتدبر. فلا إشكال في وقوع المعاطاة باعطاء الطرفين، كما لا إشكال في وقوعها باعطاء طرف واحد وأخذه بعنوان القبول. والاشكال بأن القبول لابد وأن يكون بعد تمامية الايجاب، مع أن الاخذ متمم الاعطاء الايجابي، ولا يعقل أن يكون قبولا مدفوع، أما على مسلكنا فواضح، وأما على مسلك القوم فلان لزوم تأخر القبول لاجل كونه مطاوعة، ولا يلزم أن يكون ذلك بالتأخر الزماني، بل يكفي التأخر الرتبي، نظير الكسر والانكسار، فالعطاء فعل واحد إذا نسب إلى الفاعل يكون إعطاءا، وإذا نسب إلى القابل يكون أخذا وقبولا ومطاوعا، والدليل على عدم لزوم التأخر الزماني جريان المعاطاة في النسيئة والقرض عند العقلاء. والاشكال بأن القصد لا يمكن أن يكون مشخصا للفعل بعد ما كان نفس ذات الفعل مبهما غير معنون بعنوان البيع وغيره - لعدم إمكان تعلق القصد بما يحتاج في عنوانه إليه، للزوم الدور، وهذا إشكال سار

[ 162 ]

فيما ذكروا في العناوين القصدية - مدفوع بأن القصد انما تعلق بايقاع البيع مثلا، ولما كان الاعطاء محققا له إذا نشأ من القصد الكذائي تعلق قصد آخر بعنوان الاعطاء، وهذا الاعطاء الناشئ عن قصد إيقاع المعاملة ولو مع الواسطة وبقصد ثانوي مقدمي ينتزع منه البيع المعاطاتي من غير أن يتوقف العنوان على قصده، فتدبر جيدا. وقد يقال بعدم تحققها باعطاء طرف واحد وأخذه، لان المناط في تحقق عنوان العقد بالفعل هو كون الفعل مصداقا لذلك العنوان، وأما مجرد القصد من غير أن يكون كذلك فلا أثر له. ومن هنا يظهر أن مثل الصلح والهبة المعوضة والنكاح والضمان ونحوها لا يمكن إيجادها بالفعل، لعدم وجود فعل يكون مصداقا لها، فعمدة الاشكال في المعاطاة من طرف واحد أن الاعطاء كذلك ليس مصداقا لخصوص تبديل أحد طرفي الاضافة بمثله الذي يسمى بيعا وإن قصد به التعويض، وأما التعاطي من الطرفين فنفس هذا التبديل المكاني بطبعه الاصلي تبديل لاحد طرفي الاضافة الاعتبارية باضافة أخرى، والمفروض أنهما قصدا به التبديل البيعي، فتحقق به عنوان البيع، انتهى ملخصا. وأنت خبير بما فيه، فان اعتبار صدق عنوان المعاملة على الفعل وإن كان حقا لكن الصدق انما هو بعد قصد المتعاملين، ومع القصد ينسلك الفعل تحت أحد العناوين، فلو فرض التعاطي بقصد تحقق الصلح أو الهبة أو غير هما يصير الفعل مندرجا تحت ما قصد، ولا وجه لدعوى عدم إمكان تحقق الصلح والهبة والنكاح بالمعاطاة، بل لو لا التعبد الشرعي لكان النكاح والطلاق بالمعاطاة صحيحا بحسب القواعد، لعدم الفرق بين العناوين فيها. وكذا الحال في الاعطاء والاخذ من طرف واحد بعنوان الايجاب

[ 163 ]

والقبول، فلا فرق بين الاعطاء من طرفين أو طرف واحد في أنه مع عدم القصد لا يكون واحد منهما بيعا ولا غيره من سائر المعاملات، ومع القصد يتحقق ما قصد بكل منهما، وأعجب شئ في المقام قوله: " إن التبديل المكاني بطبعه الاصلي تبديل لاحد طرفي الاضافة الاعتبارية " لكنه رحمه الله رجع عما ذكره في الهامش. ولو لم يتحقق أخذ وإعطاء في الخارج مطلقا، كما إذا تقاولا من غير إعطاء وأخذ، أو كان كل من العوضين بيد الطرف المقابل، أي يكون التعاطي حاصلا من قبل باختيارهما أو غيره فأرادا إيقاع المعاملة بصرف قصد كون كل من الثمن والمثمن بازاء الآخر فالظاهر عدم تحققها بذلك ودعوى أن إبقاء كل عين في يد الغير وإمساكه كاف في تحققها غير وجيهة لان المعاملة لدى العرف تتوقف على إيقاع فعلي بنحو من الانحاء. وأما الامثلة التي ذكرها الشيخ الاعظم (قده) لتحقق المعاطاة بلا إعطاء وأخذ كأخذ الماء مع غيبة السقاء ووضع الفلس في المكان المعد له وكذا غيره من المحقرات كالخضر، ومن هذا القبيل دخول الحمام ووضع الاجرة في كوزه مع غيبته فالظاهر حصول المعاطاة بها لو فرض أنها من المعاملات العقلائية، فان الاعطاء لا يلزم أن يكون بالاقباض في يده، بل لو أعد محلا لالقاء الثمن يعد إلقاؤه فيه نحو إعطاء وتسليم عرفا. لكن الشأن في أن مثل دخول الحمام معاملة من إجارة أو جعالة أو هبة ونحوها، بل الظاهر أنه من قبيل الاباحة بالعوض، ولهذا لا ينقدح في ذهن أحد أن دخوله في الحمام إجارة له أو لبعضه أو اتهاب لمقدار من الماء أو لمنافع الحمام، ولعل ماء السقاء أيضا كذلك، نعم لا يبعد أن يكون نحو الخضر المعلومة المقدار والعدد من قبيل البيع المعاطاتي، وتحقق الاعطاء والاخذ فيه كما مر.

[ 164 ]

الثالث: في تميز البائع من المشتري في المعاطاة وغيرها، والاولى تقديم كلام قد أشرنا إليه، وهو أن البيع قد يطلق ويراد به مقابل الشراء، وقد يطلق ويراد به مقابل الصلح والاجارة ونحوهما، والثاني هو البيع المسببي المعبر عنه بمبادلة مال بمال، وهو مسبب أو معتبر من الاسباب الخاصة، كالايجاب والقبول، لكنه غير متقوم بهما، بل لا يعقل تقوم المسبب بسببه، أو الامر الاعتباري بموضوع اعتباره، وكذا لا يعقل تقييد المسبب أو الامر الاعتباري بسببه أو بموضوع اعتباره، للزوم تقدم الشئ على نفسه، وهو محال حتى في الاعتباريات، فاذن ما هو ماهية البيع المسببي عبارة عن مبادلة مال بمال من غير تقييد بسبب خاص. نعم يمكن أن يدعى أن هذا الامر الاعتباري لا يعتبر إلا من الايجاب والقبول، أو أنه متوقف على الايجاب ومطاوعته، فإذا فقدا ينتفي موضوع الاعتبار أو السبب، وبه ينتفي المسبب أو الامر الاعتباري، لكنه ضعيف ضرورة تحقق المبادلة عرفا بمعاوضة العينين من غير اعتبار كون أحد الاعطاءين إيجابا والآخر قبولا، بل المبادلة كما تحصل بالايجاب والقبول تحصل بايجابين، بأن يقول أحدهما: ملكتك هذا العين بدرهم وقال الآخر: ملكتك الدرهم بعينك. بل الظاهر تحققها بايجاب واحد بلا قبول، فلو قال وكيل المتبايعين: بادلت بين ماليهما أو قال: بعت هذا العين بثمن كذا فيكفي مثله في تحقق المبادلة، فان القبول انما يحتاج إليه لاظهار الرضا بما أوقع الموجب، وهو غير محتاج إليه في المثال، لان إيقاع المبادلة بين المالين أو التمليك بالعوض

[ 165 ]

مع إذن الطرفين تمام السبب والموضوع للمبادلة العقلائية، وقد عرفت أن المبادلة بين المالين تمام حقيقة البيع من غير تقييد بسبب خاص. والظاهر أن منشأ توهم اعتبار القبول والمطاوعة في البيع وتوهم تقومه بهما انما هو من شيوع إيقاع المعاملات بالايجاب والقبول فصار ذلك سببا لزعم انحصار السبب فيهما أو تقوم الماهية بهما، ولعل توهم التقوم نشأ من الخلط بين البيع السببي والمسببي أيضا، مع أن المتأمل لا يشك في أن البيع المسببي ليس إلا المبادلة المذكورة من أي سبب حصل. ومما ذكر يظهر النظر في كلام بعض المحققين قال: " إن حقيقة العقد بيعا كان أو غيره تتقوم بتسبيب من أحد الطرفين ومطاوعته من الآخر لا من تسبيبين، فالتسبيب من كل منهما إلى الملكية إيجابان بعنوان الهبة إن تعقبهما قبول، وإلا لم يكونا هبة ولا بيعا " انتهى. وفيه أن العقد لا يتقوم بما ذكر، وكذا البيع المسببي كما عرفت، نعم غالب العقود في الخارج كذلك من غير دليل على انحصار السبب بهما بل الارتكاز على خلافه. إذا عرفت ذلك ففي العقد بالصيغة يكون الموجب والقابل معلومين غالبا، فالموجب من أوقع تمليك شئ بشئ، والقابل مطاوعه سواء كان الايجاب من صاحب السلعة أو صاحب الثمن. وتوهم أن امتيار البائع من المشتري أمر واقعي - فالبائع من بذل خصوصيات ماله وأمسك على ماليته بأخذ البدل، والمشتري من رغب في خصوصيات الاعيان التي يتلقاها من المأكول وغيره - مدفوع بعدم العكس والطرد، كما لا يخفى، فان صاحب الثمن لو أنشأ تمليك ثمنه بعوض من العروض وقبل صاحب العروض يكون الاول موجبا والآخر قابلا عرفا، وبهما يتحقق البيع القلائي، كما أن تمليك دراهم بدينار وقبوله

[ 166 ]

وبالعكس بيع عرفي بلا ريب. وأما في المعاطاة فتارة يقع الكلام في مقام الثبوت كما هو مورد البحث في المقام، فلو علم أن إعطاء الثمن يكون بقصد إيجاب المعاملة وإعطاء المثمن أو أخذ الثمن بقصد القبول يكون الموجب صاحب الثمن والقابل صاحب السلعة، وأخرى في غيره. فما ذكره الشيخ الانصاري (قده) في امتياز البائع من المشتري انما يصح في غير مقام الثبوت، وهو مقام الترافع، ولا يبعد البناء على ذلك في مقام الترافع وتشخيص المدعي من المنكر، بدعوى أن سيرة العقلاء بجعل المثمن مبيعا والثمن عوضه طريق إلى الواقع، فيحكم بالامتياز كذلك وكذا الحال في الصورة الثانية في كلام الشيخ. وأما إذا لكل منهما متاعا أو نقدا وتبادلا بلا قصد إلى الايجاب والقبول فلا ينبغي الاشكال في كونه بيعا عقلائيا ومبادلة بين المالين، وأما تشخيص البائع من المشتري في مثله فانما يلاحظ إن قلنا بلزوم وجود البائع والمشتري في جميع البيوع، وقد عرفت عدم لزومه وإمكان تحقق المبادلة بايجابين بل بايجاب واحد. فحينئذ يمكن أن يقال بصدق البائع عليهما، وعدم صدق المشتري على واحد منهما، ولا محذور فيه، وإن أبيت عنه فيمكن أن يقال بصدقهما عليهما باعتبارين، إذ المشتري لا يلزم أن يكون منشئا للقبول بعنوانه وبالحمل الاولي، بل القبول بالحمل الشائع هو الميزان في صحة المعاملة فحينئذ نقول: إن تعاطي كل منهما إيجاب باعتبار عطاء سلعته بعوض وقبول باعتبار أخذ سلعة الغير بازاء سلعته، ولا يلزم منه أن تكون جميع المعاملات كذلك، لان ما تشخص فيه الموجب والقابل بالايجاب والقبول لا يعتبر شئ آخر فيه يعد باعتباره الموجب قابلا وبالعكس.

[ 167 ]

ثم إن دعوى انصراف الادلة المثبتة للحكم على البائع والمشتري عن مثل المورد الذي يكون كل منهما بائعا ومشتريا غير وجيهة، إذ أي انصراف في مثل قوله عليه السلام: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " وتوهم أن مراد الشيخ (قده) انصراف ما أثبت الحكم للبائع بحياله، وللمشتري كذلك لا ما أثبته لهما كما في قوله عليه السلام: " البيعان بالخيار " فاسد جدا، إذ لا منشأ لهذا الافتراق كما لا يخفى، والاولى إيكال الامر إلى أدلة الاحكام، لا دعوى الانصراف وعدمه مطلقا، وإن كان عدمه أوجه. الرابع: إن أصل المعاطاة بالمعنى الاعم يتصور على وجوه شتى بحسب قصد المتعاملين، تعرض لبعضها الشيخ الاعظم (قده) ويظهر حكم البقية منها ظاهرا: أحدها - أن يقصد كل منهما تمليك ماله بمال صاحبه، ويكون هو في قبضه قابلا ومتملكا بازائه، وهذا لا إشكال فيه كما مر، وليس مراد الشيخ من ذكر هذا القسم القصر عليه في معاطاة المالين حتى يتوهم التدافع بين كلامه هنا وما مر منه. ثانيها - أن يقصد كل منهما تمليك ماله لغيره بازاء تمليكه له، فتكون المقابلة بين التمليكين لا الملكين، والظاهر من الشيخ أن هذه المعاملة متقومة بالعطاء من الطرفين، فلو مات الثاني قبل الدفع لم تتحقق المعاطاة وأوردوا عليه بوجوه: منها - أن هذا يتصور على وجهين: أحدهما ما ذكره، والثاني ما إذا أعطى أحدهما ماله بعنوان التمليك مقابل تمليكه، وأخذ الآخر بعنوان القبول، فيكون الاول مالكا على عهدة الثاني تمليكه، وقد تحققت

[ 168 ]

المعاطاة بالاعطاء والاخذ من غير احتياج إلى الاعطاء. وقد رد الايراد بعض أهل التحقيق " بأن التعاوض بين الشيئين ربما يكون بلحاظ ذاتهما لا بلحاظ إضافة أخرى زائدة على الذات، لقبولهما بذاتهما للاضافة كالملكية، فانها مضافة بذاتها، فمرجع التمليك بازاء التمليك إلى جعل اضافة الملكية بازاء اضافة الملكية، ومقتضى التضايف بين العوضية والمعوضية حصولهما معا، وعدم انفكاك أحد المتضايفين عن الآخر " انتهى. وأنت خبير بما فيه من الخلط بين المقام الذي يكون المفروض فيه مقابلة تمليك بتمليك، وهما من فعل المتعاملين وبين مقابلة اضافة باضافة وهي غير ما نحن بصدده، فلابد في المقام من ملاحظة التضايف بين عوضية تمليك ومعوضية تمليك آخر. لا التضايف بين الملكيتين أو الاضافتين. ولا شبهة في حصول المتضايفين عند تمليك خارجي وتمليك على عهدة الطرف، من غير أن يكون الايجاد الخارجي دخيلا في حصول التضايف أو ماهية المعاملة. والانصاف أن الاشكال وارد على الشيخ (قده) إن كان مراده انحصار هذا القسم بما ذكر. ومنها - " أن في أصل المقابلة بين التمليكين غموضا وخفاءا، فان التمليك بالاعطاء حال تعلقه بمتعلقه ملحوظ آلي، وفي جعل نفسه معوضا يحتاج إلى لحاظ استقلالي، ولا يعقل اجتماع اللحاظين المتباينين في ملحوظ واحد، فلابد من أن تكون هذه المعاملة في ضمن معاملة أخرى كالصلح على التمليك بازاء التمليك، فيستحق كل منهما التمليك من الآخر بازاء تمليك نفسه " انتهى.

[ 169 ]

وفيه - مضافا إلى أنه على فرض ورود الاشكال لا يندفع بايقاع هذه المعاملة في ضمن صلح ونحوه، فان العمل بالصلح لابد وأن يكون على طبق ما وقعت المصالحة عليه، وهو مقابلة تمليك بتمليك، أي إيقاع هذه المعاملة المعاطاتية، والمفروض أن إيقاعها غير معقول، للزوم الجمع بين اللحاظين المتنافيين، فيقع الصلح باطلا لعدم إمكان تحقق متعلقه، وتوهم أن مقتضى المصالحة التمليك الاستقلالي فاسد، وخروج عن محط البحث. ومضافا إلى أن لزوم الجمع بين اللحاظين ممنوع، بل لابد في هذه المعاملة من لحاظ التمليك استقلالا، ولا يلزم لحاظ متعلقه، ولازم التقابل بين التمليكين حصول الملكية، تأمل -. أنه يمكن الفرق بين إيقاع التمليك باللفظ والتزام الاشكال فيه وإيقاعه بالمعاطاة، ووجه الفرق أن الالفاظ آلات لمعانيها الانشائية أو الاخبارية، ومع لحاظها آلة لا يعقل لحاظها مستقلا، وأما الافعال فليست بذاتها أو بالمواضعة آلات لشئ، فيمكن لحاظ الاعطاء الخارجي المقصود به التمليك مستقلا، ولهذا نرى بالوجدان إمكان الاخبار عن الاعطاء الخارجي المقصود به التمليك، فيقول عند إعطائه تمليكا: إعطائي كذا أو تمليكي كذا، من غير لزوم اجتماع اللحاظين اللازم في الايقاع باللفظ. ومنها - " أنه ليس التمليك بالمعنى المصدري مالا، بل المال هو الحاصل من المصدر، وليس هذا الفعل إلا آلة لحصول اسم المصدر، فلا يمكن أن يقابل بالمال، فمقابلة التمليك بالمال باطلة فضلا عن مقابلة التمليك بالتمليك، لان التمليك ليس بمال، وفرق، بين البيع بازاء التمليك وبيع المال على أن يخيط له ثوبا، فان الفعل في الاول آلي بخلاف الثاني فانه استقلالي يبذل بازائه المال " انتهى.

[ 170 ]

وفيه أن الاستقلالية والآلية أجنبيتان عن مالية الاشياء وعدم ماليتها، بل المالية تابعة بحسب اعتبار العقلاء لتعلق الرغبات بشئ، ومع تعلقها تعتبر فيه المالية، ويبذل بازائه المال، كان آليا أم لا، فالحيازة والخياطة والكتابة بالمعاني المصدرية أموال ولو باعتبار الآثار المترتبة عليها، فالآثار جهات تعليلية لتعلق الرغبات بالاشياء وصيرورتها أموالا، فلا الاستقلالية ميزان المالية، ولا الآلية ميزان سلبها أو مانعة عن اعتبارها، فالتمليك باعتبار متعلقه وبالجهة التعليلية يمكن أن تتعلق به الرغبات ويصير مالا يبذل بازائه المال، وفي كلامه بعض مناقشات تركنا نقل تتمة كلامه وما يرد عليه. نعم يرد على هذا الوجه أن الاعطاء الواحد لا يمكن أن يكون تمليكا للعين وتمليكا لتمليكها، فان رتبة موضوع التمليك ومتعلقه متقدمة عليه، فلا يعقل أن يكون نفس التمليك تمليكا لنفسه، فلابد من تعلق تمليك آخر به، فحينئذ إن كان تمليك العين تمليكا لها فقط خرج الكلام عن محط البحث، وإن أريد بالاعطاء التمليك للعين وللتمليك يلزم أن يكون التمليك مملكا لنفسه، وهو تقدم الشئ على نفسه. مضافا إلى أن اتصاف الاعطاء بالتمليك في الرتبة المتأخرة عن تمليك العين، فلا يعقل أن يكون تمليكا للتمليك، وإن لم يقصد بالاعطاء تمليك العين فلا يتصف بالتمليك، فلا يصلح ذلك الاعطاء المجرد لابراز تمليك التمليك، ولا يعقل تعلق القصد بكونه تمليكا، كما هو واضح. نعم لا مانع من تمليك كلي التمليك باللفظ، فيقال: ملكتك تمليكي للعين الكذائي، فيتعلق على ذمته التمليك لها ملكا للطرف، وفي مقام الابراء لابد من تمليك العين لحصول نفس التمليك، ولا يلزم في مقام الاداء أن يكون المؤدى منظورا بالاستقلال، وأما الفعل فلا يعقل في بعض الفروض المتقدمة أن يكون تمليكا للتمليك الكلي، ولا يصلح لذلك في

[ 171 ]

بعضها، فتدبر. ثم قال الشيخ الاعظم (قده) في ذيل كلامه: " إن التمليك بازاء التمليك بعيد عن معنى البيع، وقريب إلى الهبة المعوضة - ثم قال -: فالاولى أن يقال: إنها مصالحة وتسالم على أمر معين، أو معاوضة مستقلة " انتهى. أقول: بل هو بيع، لما مر من أن التمليك مال يبذل بازائه المال، لتعلق غرض العقلاء به، وأن المبادلة بينهما مبادلة بين المالين، وقد مر فيما سلف عدم اعتبار كون المعوض من الاعيان، ضرورة صدق مفهوم البيع عرفا ولغة على بيع الحقوق والاعمال ونحوهما، ومجرد عدم التعارف لا يوجب انصراف الادلة أو عدم شمولها له، وما هو المعتبر في المعاملات كون كيفية إيقاها متعارفة لدى العقلاء، فلا يصح إيقاع البيع بلفظ الاجارة، أو إيقاع المعاطاة بالعطاس مثلا، وأما تعارف المتعلقات فغير معتبر، فإذا تعلق غرض صنف بل أو شخص بشئ فبذل بازائه المال واشتراه بالمال صدق عليه عنوان البيع، وإن لم يكن متعلق الغرض مالا متعارفا، كما لو تعلق الغرض بدفع العقارب عن بيته، واشترى كل عقرب بعشرة دنانير، وكان غرضه الاشتراء لافنائها، فان ذلك بيع عرفا ولغة، فلا ينبغي الاشكال في كون مبادلة التمليك بالتمليك بيعا، لا صلحا ولا هبة ولا معاملة مستقلة. ثالثها - أن يقصد الاول إباحة ماله بعوض ويقبل الآخر بأخذه، فتكون المقابلة بين الاباحة والعوض عروضا أو ثمنا. رابعها - أن يقصد كل منهما الاباحة بازاء الاباحة. ثم إن الشيخ تعرض لاشكالين في هذين القسمين مع عدم اختصاصهما بالمعاطاة، لان الاول منهما وهو الاشكال في صحة إباحة جميع التصرفات

[ 172 ]

حتى المتوقفة على الملك لا يختص بالبيع أو معاملة أخرى، بل هو إشكال على الاباحة الكذائية، سواء كانت بدوية مستقلة وبلا عوض أم كانت مع العوض في البيع بالصيغة أو بغيره أو سائر المعاملات، والثاني وهو الاشكال في صحة العقد المركب من الاباحة والتمليك لا يختص بالمعاطاة، بل يشمل البيع بالصيغة أيضا لو لم نقل بشموله لسائر المعاوضات. وكيف كان فالاشكال الاول تارة عقلي وأخرى عقلائي وعرفي، وثالثة شرعي من ناحية الادلة الشرعية، فالاشكال العقلي وكذا العقلائي انما هو من ناحية تشخيص ماهية البيع، بمعنى أنه إشكال على فرض خاص بحيث لو تبين بطلان الفرض ينتفي موضوع الاشكال، وحاصل الاشكال العقلي أن ماهية البيع عبارة عن تبادل اضافة المالكية والمملوكية في العوضين بمعنى أن لصاحب السلعة اضافة إلى سلعته وهي اضافة المالكية والمملوكية وكذا لصاحب الثمن إلى ثمنه، وحقيقة البيع عبارة عن تبديل الاضافة القائمة بالسلعة وصاحبها بالاضافة القائمة بالثمن وصاحبه، فلا يعقل تحقق الماهية بلا هذه المبادلة، فالاباحة بازاء التمليك تضاد التبادل المعتبر في ماهية البيع، وبهذا يظهر الاشكال العقلائي أيضا، فان ذلك لا يكون بيعا عقلائيا أيضا. وفيه منع كون ماهية البيع لدى العقلاء متقومة بما ذكر أي بتبادل الاضافتين المذكورتين، بل قد عرفت سابقا أن تبادل الاضافتين بالمعنى المفهوم منه غير معقول للزوم استقلال الاضافة بلا مضاف ومضاف إليه ولو آنا ما، وهو محال حتى لدى العرف والعقلاء وحتى في الامور الاعتبارية. والشاهد على أن ماهية البيع غير متقومة بما ذكر ما ذكرناه في أوائل هذه الرسالة من أن بيع الوقف العام المسوغ بيعه بيع عرفا وعقلا وشرعا بلا شائبة إشكال، وكذا اشتراء وقف بثمن وقف آخر لاحد مسوغاته بيع، مع

[ 173 ]

أن تبديل الاضافة بما ذكر غير معقول في مثله، لعدم كونه ملكا، ومنه ومن أشباهه يعلم أن ماهية البيع ليست ما ذكر، ومن ذلك بيع الغاصب لنفسه، ولعل اشتراء العقلاء الثوب مثلا للفقير من هذا القبيل على تأمل فيه بل إشكال، وليس ذلك إلا لاجل أن ماهية البيع أوسع نطاقا مما ذكر فبيع الوقف بالوقف هو تبادل مال بمال وإذا اشترى حاكم عينا زكوية بنقد زكوي من حاكم آخر يكون هذا التبادل بيعا، ولا تبادل في الملكية بناء على عدم مالك للزكاة، كما هو الاقرب، نعم لو قلنا: إن مالكها الفقراء أو الجهات يخرج ما ذكر عن مورد النقض. وكيف كان لا إشكال في عدم تقوم ماهية البيع بتبادل الاضافتين فانقطع الاشكال العقلي والعقلائي، وأما الاشكال من ناحية الدليل الشرعي فهو توهم منافاة ذلك لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله " لا بيع إلا فيما تملك " (1) وعنه صلى الله عليه وآله: " لا طلاق إلا فيما تملكه ولا بيع إلا فيما تملكه " (2). وأنت خبير بأن مثله أجنبي عما نحن بصدده من لزوم دخول الثمن في كيس من يخرج المبيع من كيسه، بل الظاهر أنه بصدد بيان عدم نفوذ بيع مال الغير بلا إذنه، بل الظاهر من الثانية بقرينة الفقرة الاولى أن المراد من الملك ملك التصرف لا الملك المعهود، وفي المقام يكون البيع باذن مالكه، وكان البائع مالكا للتصرف. ثم لو سلمنا أن البيع هو ما ذكر، وسلمنا ورود الاشكالات المتقدمة يمكن الذب عنها بأن يقال: إن الاباحة المطلقة تارة تكون بلا عوض فلا تنافي جواز تصرف المالك فيما أباحه، وأخرى تكون مع العوض فهي


(1) و (2) المستدرك - الباب 1 من ابواب عقد البيع الحديث 3 - 4.

[ 174 ]

تنافي عرفا بل عقلا بقاء جواز التصرف للمالك، لان كل تصرف إذا أبيح بعوض يصير متعلقه متعلقا لحق المباح له، لاجل العقد المذكور والمعاملة المفروضة، فكان تصرف غيره فيه تصرفا في متعلق حق الغير بلا وجه، وهو غير جائز لدى العقلاء، ويرى العقلاء التنافي بين إباحة لبس عباء مطلقا بعوض ولبس المبيح بلا إذن المباح له، فتكون نتيجة المعاوضة قطع يد المالك الاول عن جميع التصرفات وثبوتها للمباح له. فحينئذ لا يعتبر العقلاء الملكية للمالك الاول، لان اعتبارها بلحاظ أثر ولو في الجملة، والفرض سلب الآثار مطلقا، ومع سلبها عنه تثبت للمباح له، لان ثبوت جميع أنحاء التصرفات له مع سلبها عن غيره ملازم عرفا لاعتبار الملكية له، فحينئذ لو التفت المبيح بهذا اللازم العقلائي لرجع إباحته إلى التمليك، وإلا لتحقق الملك بلا قصده ولا مانع منه، وعلى ذلك تندفع الاشكالات. نعم لو قلنا ببقاء جواز التصرف للمبيح لا تصير إباحته موجبة لسلب ملكيته، وكذا لو قلنا بجواز الرجوع عن إباحته، لكنهما غير وجيهين، لان جعل الاباحة بالعوض من العقود العقلائية على الفرض، فينسلك في عموم وجوب الوفاء بالعقد، فيتعلق حق من المباح له بالمال ويجب على المالك تسليم العين لاستفادته وتصرفاته فيها، ولا يجوز له التصرف بوجه بعد كون جميعها حق المباح له. بل مقتضى القاعدة انتقال حق التصرفات إلى وارثه، لانه حق وقد تركه، هو لوارثه، فمع سقوط جميع أنحاء التصرفات عن المبيح لا مأخذ لاعتبار الملكية له، ولما ثبتت التصرفات بأجمعها للطرف بلا مزاحم ثبتت الملكية له. ولو اغمض البصر عما ذكرناه أو نوقش فيه بمنع قطع ملكية المبيح

[ 175 ]

فلنا أن نقول: إن الاشكالات غير واردة رأسا، لان الاباحة المذكورة ليس لازمها دخول الثمن في ملك المباح له إذا باع، ولا خروج المثمن عن ملكه، بل لازمها جواز بيعه عن مالكه، وأخذ ثمنه له، والتصرف فيه بمقتضى إباحته المطلقة لو فرض شمول نطاقها لذلك، وليس له بيعه لنفسه أو لمالكه، وأخذ الثمن لنفسه تملكا بالبيع أو مستقلا، لان الاباحة ليس لازمها تملك المباح له. وبالجملة لازم الاباحة المطلقة إباحة التصرف في الملك أو عوضه وثمنه على فرض إطلاقها لذلك أيضا، لا بيعه لنفسه، فعليه يندفع الاشكال من غير احتياج إلى التكلف. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) بعد إيراد الاشكال تعرض لدفعه بوجوه نذكر بعضها، منه - " أن المبيح أن يقصد بنفس هذه الاباحة تمليكا للمباح له، فتكون إنشاء تمليك له، ويكون بيع المخاطب بمنزلة قبوله، نظير ما قال العلامة: بأن قول الرجل لمالك العبد: اعتق عبدك عني بكذا استدعاء لتمليكه، واعتاق المولى عنه جواب لذلك الاستدعاء فيحصل النقل والانتقال بهذا الاستدعاء والجواب، ويقدر وقوعه قبل العتق آنا ما، فيكون هذا بيعا ضمنيا لا يجتاج إلى الشروط المقررة لعقد البيع " انتهى، ويظهر منه رحمه الله أن الاشكال فيه من ناحية عدم كون المقصود كذلك فيما نحن فيه. أقول: إن الاباحة قد تكون في خصوص ما يتوقف على الملك كالبيع مثلا، فان قلنا بأن الاعطاء بقصد الاباحة إنشاء تمليك يكون الاخذ الخارجي قبولا لابيع المخاطب، فلا يلزم إشكال من هذه الجهة. وقد يكون الاعطاء بقصد إباحة جميع التصرفات حتى الموقوفة على الملك، فحينئذ إن قلنا: إن لازمه إنشاء التمليك لاجل اشتمال الاباحة

[ 176 ]

على ما يتوقف على الملك فيرجع الامر إلى التمليك المنجز بصورة الاباحة فيأتي فيه ما تقدم من أن الاخذ قبول لا البيع، فيتملك الشئ بالاعطاء والاخذ. وفرق بين المقام وما ذكره العلامة، لان فيما ذكره يكون الاستدعاء من غير المالك من غير تعقبه بشئ غير العتق وفي المقام يكون الاعطاء من المالك قاصدا به انشاء التمليك للآخذ، والاخذ قبول، فالبيع محقق قبل بيع المشتري. وقد يكون الاعطاء بقصد الاباحة في التصرفات غير الموقوفة على الملك وبقصد التمليك فيما يتوقف عليه، ففي هذه الصورة لا يعقل أن يكون التمليك تنجيزيا، للزوم تمليك شئ واحد من حيث وعدم تمليكه من حيث، وهو غير عقلائي، بل غير معقول، فلابد وأن يقال: إن الاعطاء باحة تنجيزية فعلية بالنسبة إلى ما لا يتوقف على الملك، وتمليك تعليقي، ولما كان التعليق على البيع غير ممكن لابد من أن يكون معلقا على إرادته، فلزم منه إنشاء اباحة تنجيزية وإنشاء ملك تعليقي باعطاء واحد، وهو غير جائز على مسلكهم. للزوم محذور استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد. نعم لو قلنا بجوازه حتى في مثل التعليق والتنجيز، أو قلنا بالفرق بين كون الفعل آلة للانشاء وبين كون القول كذلك وجوزنا في الاول لاندفع الاشكال. لكن الظاهر عدم التزامهم به، بل لعل استعماله في التعليق والتنجيز غير جائز، ولو جوزنا في العرضيين التنجيزيين أو التعليقين. ثم لو كانت إرادة البيع متحققة حال الاعطاء يكون الاخذ قبولا من غير احتياج إلى أن البيع المتأخر كذلك، ولو قلنا بأن إيجاب المباح له قبول يلزم منه - مضافا إلى محذور استعمال اللفظ في أكثر، لعدم

[ 177 ]

جامع بين القبول وتملك المال من المبيح وبين الايجاب والتمليك للمشتري - أن البيع على ما يظهر منه في المقام هو النقل والانتقال بمعنى تبادل الاضافتين وخروج المبيع عن ملك البائع، ودخول الثمن في ملكه بدلا عنه، وهو مبنى الاشكال العقلي الذي تمسك به قدس سره، وفي المقام لا تكون إضافة مالكية بين البائع والعين، وبالايجاب تتحقق الاضافة، فلا يمكن أن يكون ذلك الايجاب محققا للاضافة ومبادلا لها، نعم لو لم نقل بمقالته كما تقدم لا يرد الاشكال المذكور. ثم إنه يرد الاشكال على مقالة العلامة، فانه لو كان الاعتاق جوابا للاستدعاء ويحصل النقل والانتقال به وبالاستدعاء للزم أن تحصل الملكية مع العتق لو كان الاعتاق سببا لهما عرضا - وهو محال - ودخول المعتق الحر في ملك المالك بلا سبب لو كان الملكية متأخرة عنه، وحصول العتق بعد الملكية بلا سبب لو كان الاعتاق انشاءا للعتق، مع أن تقدير وقوع النقل قبل العتق بلا وجه إن كان المراد به الاعتاق، وتأخر العتق عن سببه آناما محال إن كان المراد به العتق المنشأ بالسبب. مضافا إلى أنه لا دليل على عدم احتياج البيع الضمني إلى الشروط المقررة، بل القول ببطلان البيع الضمني أقرب إلى الواقع من الالتزام بعدم احتياجه إلى الشروط. ويمكن أن يوجه كلامه بأن الاستدعاء المذكور منحل إلى أمرين: أحدهما: العتق، والثاني: التمليك متقدما عليه المفهوم من قوله: " عنى " وقوله: " اعتقت عنك " بواسطة اشتماله على " عن " عتق بعد التمليك، ويدل على حصول التمليك كلمة " عنك " فكأنه قال: " ملكتك فاعتقته عنك ". والمراد بتقدير الملك آناما تحقق الملك في الرتبة المتقدمة على العتق

[ 178 ]

فكان قوله: " اعتقته عنك " كناية عن البيع متقدما على العتق، وعتق بعده، تأمل فانه مع ذلك لا يسلم عن الاشكال، لان الانشاء الواحد لا يصح أن يكون عتقا وتمليكا عرضا، فضلا عن كونه إنشاءين طوليين. نعم يصح ذلك في القبول بناء على ما ذكرناه من أن تمام ماهية البيع يحصل بالايجاب، والقبول كالاجازة في الفضولي، بل يكفي فيه الرضا الباطني ولو لم يكن له مبرز، فضلا عن إبرازه ولو بأول كلمة من قوله: " اعتقت العبد عنه " فتحصل الملكية به، والعتق عنه باتمام الكلام الانشائي. وأما دفعه بالملك التقديري جمعا بين دليل السلطنة وما دل على توقف البيع على الملك فغير وجيه، لما ذكره الشيخ (قده) ولان الملك التقديري لا يوجب التوفيق بين الدليلين، فان ظاهر أدلة اعتبار الملك هو الملك التحقيقي إلا أن يراد بالتقديري التحقيقي آناما، ويكون الكاشف له هو الادلة، لكنه - مع مخالفته لظاهر القائل - فيه محذور تحقق الملك رغما لقصد المتبايعين. وأما الاشكال الثاني فمندفع بأن الظاهر صدق عنوان البيع عليه وإن لم يكن مثله معهودا متعارفا. والاشكال عليه تارة بأن البيع مبادلة مال بمال، والاباحة ليست بمال، وأخرى بأن البيع تبادل اضافة الملكية القائمة بالمالك، وهي مفقودة وثالثة بأن أصل التبادل مفقود في المقام كما لا يخفى، مدفوع بالمنع من عدم ماليتها، فان ميزان المالية تعلق الرغبات بالشئ، ولا يلزم أن تكون لخاصية فيه، كما أن الاوراق النقدية مال لا لخاصية في ذاتها، بل لاعتبارها الحاصل من معتمدها (پشتوانه) والاباحة المتعلقة بما فيه الخاصية المطلوبة مال بالجهة التعليلية، ولهذا يبذل بازائها المال.

[ 179 ]

وأما حديث تبادل الاضافة بما ذكر فقد مر دفعه، وأما توهم فقدان أصل التبادل فمعلوم الدفع، لتحققه بالضرورة، فان الاباحة إذا كانت بعوض فلا محالة تكون معوضة، وهو كاف في البيع، بل الظاهر تحقق تبادل الاضافات أيضا على فرض لزومه وعدم امتناعه، بل بوجه معقول مر بيانه ظاهرا. ثم لو فرض عدم صدق البيع عليه فلا ينبغي الاشكال في صدق التجارة عليه، وكذا صدق العقد بعد ما تقدم صدقه على المعاطاة، فهو تجارة صحيحة وعقد لازم واجب الوفاء، ولو قلنا بأنه معاوضة مستقلة يكفي في صحتها ولزومها الادلة العامة، نحو أوفوا بالعقود والشروط، وأما دليل السلطنة فقد مر أنه قاصر عن ذلك. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من الاشكال في شمول الادلة لها، لعدم كونها معاوضة مالية ليدخل كل من العوضين في ملك الآخر، بل كلاهما ملك المبيح فيخرج عن المعاوضات المعهودة شرعا وعرفا، ثم جزم بكفاية دليل السلطنة والشروط لو كانت معاملة مستقلة، ففيه - مضافا إلى أن أحد العوضين هنا الاباحة لا العين، فعدم خروج العين عن ملك المبيح لا ينافي ماهية المعاوضة، لانها لم تكن عوضا كما هو الحال في الاجارة وحديث عدم المالية وعدم المعهودية قد مر الكلام فيه - أنه لو كان الخروج عن المعاوضات المعهودة عرفا وشرعا موجبا لقصور شمول الادلة لها لم يفرق بين كونها معاوضة مستقلة أو بيعا واكتسابا وتجارة، والمعاملة المستقلة إذا لم تكن معهودة خرجت عن دليل الشرط أيضا، ضرورة أن القول بشمول دليل الشرط لها مبني على شمول الشرط للابتدائي، فالشرط الابتدائي بيعا كان أو معاملة مستقلة متساوي النسبة لادلة الشروط، فلا وجه للاستشكال في مورد والجزم بالشمول في آخر، كما أن التمسك في ذيل

[ 180 ]

كلامه بأصالة التسلط للجواز ليس على ما ينبغي، فان الناس مسلطون على أموالهم لا على الاحكام والاسباب، كما ظهر منه أيضا. الخامس: مقتضى القاعدة جريان المعاطاة في كل عقد أو إيقاع يمكن إنشاؤه بالفعل، فان الفعل كالقول آلة للايجاد والايقاع الاعتباري، ومع الايقاع كذلك يصير المنشأ مصداقا للعناوين العامة والخاصة، ودليل صحتها ولزومها هو الادلة الخاصة أو العامة. نعم ما لا يمكن إيقاعه بالفعل فهو خارج عن البحث، ولعل الوصية أو بعض أقسامها منه، وأما النكاح فقد يتوهم أنه كذلك أيضا بتوهم أن الفعل فيه ملازم لضده، وهو الزنا والسفاح، وهو كما ترى، ضرورة أن الزنا لدى العرف غير النكاح والزواج، سواء كان بالقول أو الفعل فلو تقاول الزوجان وقصدا الازدواج ثم أنشأته المرأة بذهابها إلى بيت المرء بجهيزتها مثلا وقبل المرء ذلك بتمكينها في البيت لذلك تحققت الزوجية المعاطاتية وتترتب عليها أحكامها من جواز النظر والوطئ ووجوب النفقة وغيرها. نعم لو قصدا حصوله بنفس الوطئ يكون ذلك الوطئ محرما، لكن لا مانع من ترتب الزواج عليه، فان السبب المحرم يمكن أن يكون مؤثرا وضعا. مع إمكان أن يقال: إن الوطئ الخارجي منطبق عليه عنوان السبب خارجا وعنوان الوطئ المحرم، والمحرم عنوان، والمحلل عنوان السبب بما هو سبب، وهما منطبقان على الخارج، نظير باب اجتماع الامر والنهي ولو قيل: إن المبغوض لا يكون سببا نظير ما يقال على الاجتماع: إن

[ 181 ]

المبعد والمبغوض لا يكون مقربا فقد فرغنا عن جوابه في محله من أن حيثية المبغوض بالذات غير المقرب وغير السبب هاهنا. نعم ما يمكن أن يقال في المقام: إن لوطئ ليس من الاسباب العرفية والعقلائية للزواج، وما قلنا من أن القاعدة تقتضي أن تجري المعاطاة في مطلق المعاملات ليس المراد منه أن كل فعل أو إشارة ونحوها يمكن أن يكون سببا، بل لابد في الاسباب أن تكون عقلائية، ففي مثل الوصية للعتق بعد الموت أو التمليك بعده وإن أمكن إفهامها بالاشارة ونحوها، لكن ليس مثل تلك الافعال أسبابا عقلائية. وقد يقال: إن الوطئ غير محرم، لعدم اقتضاء الحرمة فيه إذا كان مقارنا لحصول الزوجية، وهو كما ترى، إذ الوطئ إذا لم يكن من إزدواج صحيح فهو محرم بضرورة الفقه ولدى المتشرعة، مع أن الزوجية متأخرة عن الوطئ، فانه سببها، ولا يعقل حليته بسبب الزوجية، ومع عدم سببيتها يكون من وطئ الاجنبية المحرم بالضرورة. وكذا يمكن إيقاع الطلاق بالفعل المفهم له ولو بالقرائن والمقاولات السابقة، لكن جريان المعاطاة فيه خلاف الادلة الشرعية، بل إيقاع النكاح بها أيضا مخالف لارتكاز المتشرعة وتسالم الاصحاب، بل الظاهر عدم الخلاف في عدم جريانها فيهما. وربما يستشكل في مثل القرض الرهن والوقف مما يشترط صحته بالقبض بأن المعاطاة فيه إن كانت بنفس القبض مع أن القبض شرط الصحة يلزم منه اتحاد الشرط والمشروط، وهو محال، إذا لشئ لا يعقل أن يكون نفسه مصححا لفاعلية نفسه أو متمما لقابليتها. وربما يجاب عن خصوص القرض بأنه تمليك بالضمان، فالعقد مثلا مؤثر في الملك، والقبض الخارجي مؤثر في خصوصيته، وهو الضمان بوضع

[ 182 ]

اليد عليه، وحيث أنهما متلازمان في نظر الشارع فلا يتحقق الملك الملازم للضمان إلا بعد تحقق العقد المتعقب بالقبض، فلا يلزم اتحاد الشرط والمشروط في القرض المعاطاتي، بل اتحاد السببين لامرين متلازمين، فالقبض بما هو فعل أنشئ به الملك سبب له، وبما هو استيلاء خارجي سبب للضمان، وسببية شئ واحد بحيثيتين حقيقيتين لامرين لا محذور فيه. وفيه أن العقد إذا كان سببا تاما للملك وكذا القبض للضمان فلابد مع ملازمة المسببين من ملازمتهما أيضا، وإلا يلزم تفكيك المسبب عن سببه التام، وهو محال، فلابد من الالتزام بعدم صحة القرض إلا معاطاة وهو كما ترى، ولو كان السبب للملك العقد المتعقب بالضمان فان كان التعقب بنحو الاشتراط لزم المحذور المتقدم الذي فر منه، وإن كان بنحو التقييد لزم في القرض المعاطاتي تقييد الشئ بنفسه، وهو مستلزم للاثنينية، ومع عدمها محال، مع أن ما ذكره خروج عن ظاهر الفقهاء من أن القبض شرط للصحة. ثم قال: والجواب العام أن الفعل الخارجي الخاص له حيثيتان: من حيث الصدور من الراهن مثلا إقباض، ومن حيث مساسه بالمرتهن القابض، قبض، كالاعطاء والاخذ في المعاطاة البيعي، فهاك فعلان حقيقة كل منهما قائم بطرف، فلا مانع من كون أحدهما بمنزلة المقتضي والآخر بمنزلة الشرط. وفيه أن القرض المعاطاتي عقد يتم على مسلكهم بالاعطاء والاخذ، فالاخذ متمم تحقق المعاطاة، فلا يمكن أن يكون شرطا للمحذور المتقدم. نعم يمكن أن يقال: إن الاخذ الخارجي واحد ذو حيثيتين: حيثية الاخذ بالمعنى المصدري، وهي متممة المعاملة، وحيثية الحصول في اليد وهي شرط الصحة، ولا مانع من كون إحدى الحيثيتين شرطا لتأثير

[ 183 ]

الاخرى، فان الشرط في أمثال الموارد المذكورة ليس القبض بالمعنى المصدري، ولهذا لو كان الشئ بيد المرتهن مثلا قبل عقد الرهن ثم انعقد يكون الشرط حاصلا، فالشرط هو كون العين في يد المرتهن، ومعلوم أن الاخذ بالمعنى المصدري متقدم على ما هو حاصل المصدر، والشرط وهو الحصول في يد المرتهن وإن كان متأخرا عن ذات الاقباض، لكن يصح أن يكون شرطا لتأثيره، كما أن القبض شرط لصحة العقد المتقدم وجودا. ثم إن ذلك على فرض كون الشرط في مثل المعاملات كالشرط في التكوين، وإلا فالامر سهل. ثم لو فرض ورود الاشكال المتقدم لا يلزم من ذلك بطلان المعاطاة في المعاملات المذكورة، وعدم جريانها فيها، بل لازمه أن يتعدد الاعطاء والاخذ، فمرة لانعقاد العقد، ومرة أخرى لحصول القبض، هذا إذا كان الشرط القبض، وإلا فالقبض متمم المعاملة بوجوده الحدوثي، وبقاء المقبوض في يد الطرف آناما بعد المعاملة بمنزلة الشرط. فتحصل من ذلك أنه كل ما يمكن إيقاعه بالمعاطاة صحت فيه، إلا أن يدل دليل على عدم جريانها فيه. السادس: في ملزمات المعاطاة، وموضوع البحث فيها بعد البناء على عدم لزومها في الجملة، سواء قلنا بالملك أم الاباحة أما على القول بالملك فالاصل فيها اللزوم بالادلة المتقدمة، لما قرر في محله من جواز التمسك باطلاق مثل " أوفوا بالعقود " فيما عدا مورد تيقن الخروج.

[ 184 ]

ومحصله أن لمثل " أوفوا بالعقود " - مضافا إلى عمومه الافرادي - إطلاقا يستفاد منه ومن مقدمات حكمة قررها المحقق الكركي من لزوم اللغوية، وتبعه غيره استمرار الحكم، فقوله: " أوفوا بالعقود " عموما وإطلاقا بمنزلة قوله: " أفوا بكل عقد مستمرا " أي يكون وجوب الوفاء به مستمرا، وهذا الاطلاق متفرع على العموم، فان حكم العام موضوع الاطلاق، ولازم التفرع أن تخصيص العام رافع لموضوع الاطلاق لا مخالف لاصالة الاطلاق، وتقييد الاطلاق لا يوجب تخصيص العموم فمع الشك في خروج فرد من العام يكون المرجع لرفعه أصالة العموم ومع الشك في خروج فرد في قطعة من الزمان يكون المرجع أصالة الاطلاق لا العموم، ومع الشك في الاقل والاكثر من خروج القطعات يدفع الشك في الزائد بأصالة الاطلاق. ففي المقام لما قام الاجماع فرضا على عدم لزوم المعاطاة والمتيقن منه عدم لزومها ما دام بقاء العينين لا يكون الاجماع مخصصا للعموم، بل مقيد للاطلاق، وفي مقدار الزائد من المتيقن تكون أصالة الاطلاق رافعة للشك، فما ذكره الشيخ الانصاري (قده) هاهنا موافق للتحقيق وإن لم يذكر وجهه، وأما ما ذكره في الخيارات فمنظور فيه. والتفصيل يطلب من مظانه. ثم إن الظاهر عدم جواز التمسك للزوم بالوجوه الثمانية المتقدمة في كلام الشيخ (قده) فان منها ما يكون المال كموضوعه. كقوله صلى الله عليه وآله: " الناس مسلطون على أموالهم " (1) أو موضوعه نحو


(1) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث.

[ 185 ]

قوله صلى الله عليه وآله: " لا يحل مال امرئ مسلم " (1) ومنها ما يكون الملك موضوعه، كاستصحاب بقاء الملك، ففي مثلهما لا يصح التمسك بعد تلف العينين بهما، لان الحكم متعلق بالموضوع المفروض الوجود والمال المعدوم لا يحكم بأن الناس مسلطون عليه أو لا يحل التصرف فيه بلا رضا صاحبه، والمعدوم لا يعتبر ملكا حتى يستصحب، مع ما في الاستصحاب من الاشكال الآخر، وهو معارضته باستصحاب جواز المعاملة ولعله مقدم على الاستصحاب المذكور بالحكومة، تأمل. ثم لو قلنا بالملك فمع تلف العينين يكون المرجع بناءا على ما قدمنا أصالة الاطلاق في نحو " اوفوا بالعقود " و " المؤمنون عند شروطهم " (2) ولا يجري الاستصحاب مع إطلاق الدليل الاجتهادي. ويظهر من الشيخ الاعظم (قده) عدم جريانه في نفسه بدعوى أن الجواز هنا غير متعلق بالعقد، وليس ذلك على نحو جواز البيع الخياري من عوارض العقد، بل لو شك في كونه متعلقا بالعقد أو بالعوضين أو كان نحو جواز الرجوع الثابت في الهبة لا يجري الاستصحاب أيضا، وبالجملة حيث كان الجواز بمعنى جواز تراد العينين وارتفع مورد التراد امتنع بقاؤه. وفيه أنه إن كان المراد بالتراد هو الخارجي التكويني فلا شبهة في أن الجواز في المعاطاة لا يتعلق به، ضرورة نفوذ الفسخ اللفظي مع بقاء العينين فلابد وأن يراد به التراد الاعتباري، وهو تابع لفسخ العقد، ولا يعقل تحققه بغيره، نعم يمكن الفسخ بالقول وبالفعل أي التراد الخارجي بقصد فسخه، فالجواز متعلق بالعقد المتعلق بالعينين على نحو تعلق الخيار، فانه


(1) الوسائل - الباب 1 من ابواب القصاص في النفس الحديث 3 وفيه: " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه ". (2) الوسائل - الباب 20 من ابواب المهور الحديث 4.

[ 186 ]

حق متعلق بالعقد المتعلق بالعين. فحينئذ إن قلنا بامكان بقاء حق الخيار مع تلف العينين فلا مجال لانكار إمكان بقاء الجواز في المقام، ومع الشك يكون مجرى الاستصحاب نعم لا يجري في المقام للدليل الاجتهادي. وما أفاد رحمه الله من أنه لا دليل في مقابل أصالة اللزوم على ثبوت أزيد من جواز تراد العينين، فيه أنه إن كان المراد من جوازه أخذ العينين والتصرف فيهما من غير جواز فسخ المعاملة فهو ليس في مقابل أصالة اللزوم الذي لا شك في تعلقه بالعقد، أو المراد جواز ردهما في الملكية أي تملكهما من غير فسخ فهو أيضا كذلك، لانه تملك جديد غير مقابل لاصالة اللزوم، كجواز التملك تقاصا، أو المراد التراد الاعتباري الذي هو عبارة أخرى عن فسخ المعاملة، فهو مقابل أصالة اللزوم، نعم القدر المتيقن منه جوازه ما دام بقاء العينين، ومعه يمكن الاستصحاب بعد التلف. ثم لو جوزنا الفسخ في البيع الخياري بعد تلف العينين - مع أن لازمه ترادهما اعتبارا، وقلنا: لا مانع من اعتبار تراد المعدومين - لا مانع من ترادهما في المقام أيضا، فالمتيقن وإن كان ثبوت جوازه حال وجودهما، لكن لا مانع من ترادهما الاعتباري بعد التلف، فيجري الاصل. ثم مما ذكرناه يظهر الكلام في تلف إحدى العينين، هذا على القول بالملكية. وأما على القول بالاباحة هل الاصل اللزوم أو الجواز؟ يمكن أن يقال: إن مقتضى وجوب الوفاء بالعقد مضافا إلى الالتزام بالملكية تسليم كل منهما العوض وتمكينه على جميع التصرفات، وعدم المنع من قبله، وإلا لم يكن موفيا بالعقد، والمتيقن من تصرف الشارع هو حيثية حصول الملك عنده لا عند العرف، فانه ليس في مجال التشريع، فالملكية العقلائية

[ 187 ]

باقية بلوازمها، وتعبد الشارع بعدم الملكية عنده فقط. بل الظاهر من جواز تصرف كل منهما فيما بيده حتى الموقوفة على الملك أن الشارع أبقى الاباحة اللازمة للملك على حالها. بل لنا أن نقول: إن الاباحة في المقام ليست مالكية، لان المالك لم ينشئ الاباحة، وليس في وسعه بعد التمليك جعل الاباحة، ولا الاباحة الشرعية بمعنى جعل ما ليس بسبب للاباحة سببا لها وسلب السببية العقلائية عنه، فانه بعيد يحتاج إلى دليل واضح، ولا بمعنى جعل الاباحة في موضوع المعاطاة بحيث لا يرتبط بسببيتها، بأن يقال: أسقط السببية مطلقا وجعلها موضوعا لامر أجنبي، وهذا أيضا التزام غريب يحتاج إلى دليل محكم، ولا بمعنى جعل الاباحة تبعا لرضا المالك بالتصرف، ضرورة أن رضاه ليس إلا الرضا المعاملي، وليس له الرضا بتصرف الغير في ملك نفسه، فانه ليس في وسعه، ولا الاباحة الشرعية المسببة عن رضا الطرفين تقديرا فان الرضا التقديري لا يعتد به، مع أنه لا يكون كليا، وإحرازه في كل معاملة غير ممكن. فحينئذ يمكن أن يقال: إن المالك بعقده صار سببا لحصول الملكية وتحقق موضوع الاباحة الشرعية، ضرورة أن الناس مسلطون على أموالهم عرفا وشرعا، فبهذا المعنى يمكن أن يقال: إن الاباحة مالكية، أي إن سبب تحققها المالك، مع قطع النظر عن الاجماع في المعاطاة، وكذا شرعية لان الشارع أباح تصرف كل شخص في ملكه، فالمعاطاة سبب للملكية العقلائية والاباحة التابعة لها، والشارع لم يكن من وسعه التصرف في الملكية العقلائية، وانما له عدم اعتبار الملكية أو التعبد بعدم ترتيب آثار الملكية العقلائية، وما ثبت بالاجماع هو الاول فقط. بل الظاهر من الاجماع فرضا على جواز جميع التصرفات وإباحته مع

[ 188 ]

عدم الملكية شرعا هو التصرف من جهة من جهة دون سائر الجهات، فالاباحة شرعية ومالكية بمعنى، وليس بشئ منهما بمعنى آخر. فحينئذ يتمسك بالادلة للزوم، ومع الغض عنه يمكن أن يقال: إن الاصل اللزوم إن قلنا بالاباحة المالكية، بدعوى أن المعاطاة تنحل إلى شيئين: التمليك مقابل التملك، والاباحة بالعوض، وهي متحققة في ضمن الاول، فإذا قام الاجماع على عدم حصول الملك بقيت الاباحة بالعوض، وعقدها لازم على القواعد، لكن المبنى فاسد كما لا يخفى. وإن قلنا بالاباحة الشرعية فان قلنا: إن الشارع أسقط سببية المعاطاة لحصول الملكية وأثبت لها سببية للاباحة يمكن القول باللزوم بدليل وجوب الوفاء بالعقود، فان السبب الشرعي كالسبب العقلائي في وجوب الوفاء بمقتضاه، ومجرد عدم قصدها لا يوجب سلب العقدية أو سلب المقتضي ومع وجود المقتضي يكون الوفاء به العمل بمقتضاه، ولو كان بسببية شرعية. إلا أن يقال: إن الادلة منصرفة إلى المقتضيات العقلائية التي تكون مقصودا للمتعاملين، وهو غير ظاهر، سيما مع التفات المتعاملين إلى السببية الشرعية، تأمل. وإن قلنا بان الاباحة الشرعية حكم ثابت منه لموضوع هو المعاطاة فلا يمكن إثبات اللزوم بالادلة، لان ترتب الاثر على الموضوع ليس مقتضاه، وترتيبه عليه ليس وفاءا به، فمثله خارج عن مفاد الادلة، فيمكن التمسك باطلاق دليل السلطنة للجواز. إلا أن يقال: إن العقد المعاطاتي متحقق عرفا، وهو موضوع لحكم شرعي، والشارع وإن أسقط التأثير في الملك لكن لم يسقط ولو تعبدا عقديته، ودليل لزوم الوفاء شامل له بالنسبة إلى إبقاء العقد بحاله، وما لم ينحل بقي الاباحة الشرعية، لبقاء موضوعه، فدليل اللزوم موجب لابقاء

[ 189 ]

موضوع الاباحة، ولا مانع منه، لان دليل اللزوم كميقتضي ترتيب الآثار يقتضي إبقاء العقد، تأمل. ولا يرفع اليد عنه بالدليل أو التشبث باللغوية، وليس في المقام شئ منهما، ولا صلاحية لدليل السلطنة لرد العوض بعد دليل اللزوم، لان السلطنة ليست على الاحكام الشرعية. وأما التمسك بأصالة بقاء سلطنة المالك الثابتة قبل المعاطاة وتحكيمها على أصالة بقاء الاباحة الثابتة قبل رجوع المالك ففيه إشكال، لعدم كون الشك في بقاء الاباحة الشرعية مسببا عن الشك في بقاء السلطنة، بل هو مسبب عن الشك في مقدار جعل الشارع، وليس نفي الاباحة من الآثار الشرعية لبقاء السلطنة. نعم هما متضادان، فاطلاق دليل السلطنة المثبت لجواز التراد النافي لبقاء الاباحة بعد الرجوع والرد كاف في أصالة عدم اللزوم. وقد يقال في وجه عدم الحكومة: إن المراد بالسلطنة إما القدرة شرعا - تكليفا ووضعا - على التصرف أو لازمها، وهو عدم سلطنة الغير، فالاستصحاب على الاول جار وغير مناف لجواز تصرف الغير، فلكل منهما التصرف فيه، أحدهما بالملك والآخر بالاباحة الشرعية، وعلى الثاني - ومرجعه إلى استصحاب محجورية غير المالك قبل المعاطاة -، فلا يجري استصحاب المحجورية، ضرورة تبدلها باللامحجورية بواسطة المعاطاة، فيستصحب اللامحجورية. وفيه أن المراد بالسلطنة حسب إطلاق دليلها هو السلطنة التامة المطلقة على جميع التصرفات وعلى منع الغير عنها، ضرورة أن سلطنة الغير على تصرف ما مناف لاطلاق السلطنة. فحينئذ نقول: إن المتيقن من جواز تصرف المباح له هو حال عدم

[ 190 ]

منع المالك، والسلطنة على المنع كانت متحققة قبل المعاطاة ولم يعلم بانقلابها بالمعاطاة، فمع الغض عن دليل السلطنة والشك في البقاء تستصحب، وبعبارة أخرى أنا نشك في مقدار سقوط السلطنة بعد تحقق المعاطاة، فكما يجري استصحاب بقاء الاباحة يجري استصحاب بقاء السلطنة المتحققة قبل المعاطاة المقتضية للسلطنة على منع المباح له عن التصرف. ثم قال هذا القائل: " التحقيق أن يقال: إن الاجماع قائم على جواز الرجوع في المأخوذ بالمعاطاة، واستصحابه حاكم على استصحاب الاباحة " وفيه أن الاجماع قائم فرضا على جواز العقد المعاطاتي، ولازمه العقلي، أو العقلائي جواز الرجوع، ولا إجماع على جواز الرجوع بمعنى النفوذ الوضعي له حتى يستصحب، ولا أقل من الشك فيه. هذا إذا كانت العينان باقيتين، وأما مع تلفهما فيمكن تقريب أصالة اللزوم، بأن يقال: إن الاباحة الشرعية مترتبة على بيع المعاطاة، أي هذا البيع العقلائي الذي كان لدى العقلاء موجبا للملك واللزوم، فالتعاطي في بيع المعاطاة سبب عقلائي لحصول النقل والانتقال ولزوم المعاملة، وقد قام الاجماع فرضا على عدم حصول الملك مع بقاء العينين. فمن إطلاق دليل سببية العقد ولو معاطاة للملك اللازم - وذلك الاجماع - نستكشف تصرف الشارع في السبب، وجعل ما هو تمام السبب جزءه، وجزؤه الآخر تلف العينين، فيرفع اليد عنه في مورد القيد، ويؤخذ بالاطلاق في غير مورده، مع الغمض عن عدم اعتبار ملكية المعدوم، وهذا نظير بيع الصرف، حيث تصرف الشارع في السبب وأخرجه عن تمامية السبب إلى بعضه، ونظير الوقف. وبالجملة إن إطلاق الادلة المقتضية للسببية المطلقة مقيدة بمقدار ثبوت القيد، وفيما عداه كان محكما، ولازمه أصالة اللزوم.

[ 191 ]

ثم مع الغض عنه يمكن أن يقال: إن مقتضى قاعدة الضمان باليد هو ضمان المتعاملين بالمثل أو القيمة الواقعية، بدعوى أن إطلاق " على اليد " (1) يقتضي الضمان مطلقا، خرج منه الامانة المالكية بالدليل أو الانصراف، والامانة الشرعية بالدليل، وبقي الباقي، والمقام ليس من الامانة المالكية، ضرورة أن التمليك بالعوض ليس منها، ولهذا يكون المقبوض بالبيع الفاسد مضمونا، والمقام منه، وأما الاباحة الشرعية الثابتة بالاجماع فلا تلازم عدم الضمان، والمتيقن منه ثبوت الاباحة لا سلب الضمان، نظير إباحة أكل مال الغير لدى الضرورة، فان مجردها لا يوجب نفي ضمان الاتلاف ولا ضمان اليد، بل المقام أولى بذلك من الاكل في المجاعة، فمقتضى ضمان اليد ضمانهما بالمثل أو القيمة الواقعية وهو مشترك مع الجواز والفسخ في الاثر. ومع الغض عنه أيضا يمكن أن يقال: إن موضوع حكم الشارع بالاباحة لما كان العقد المعاطاتى العقلائي فما دام بقاء العقد بقيت الاباحة، وبفسخه ترتفع، والعقد كان جائزا قبل تلف العينين فرضا، ولهذا لو فسخ أحدهما ارتفعت الاباحة عن الطرفين، وهذا الجواز لما كان متعلقا بالعقد العقلائي الذي هو موضوع للاثر الشرعي وبتلف العينين يشك في بقائه، فيجري استصحاب الجواز، وثمرته حل العقد بالفسخ وارتفاع الاباحة، فيكون تلف العين في يده مع استرداد الاباحة، وهو موجب للضمان بالمثل أو القيمة. إلا أن يقال: إن ما ذكر له وجه لو كان الفسخ من الاصل، بأن يقال: إن حل العقد من الاصل يوجب ارتفاع الاباحة ولو حكما منه، وبعد ارتفاعه لا يبقى وجه لعدم الضمان بالمثل أو القيمة، فان ما يتوهم


(1) سنن البيهقي - ج 6 ص 95.

[ 192 ]

كونه سببا لرفع الضمان هو الاباحة الشرعية، والفرض ارتفاعها، ولكن المبنى فاسد، والفسخ انما يكون من حينه لا من الاصل، ولهذا لا يضمن المباح له المنافع المستوفاة حال الاباحة بالفسخ بالضرورة. ولو تلفت إحدى العينين وقلنا بالاباحة فقد نقل عن الشهيد (قده) القول بأصالة عدم اللزوم، لاصالة بقاء سلطنة مالك العين الموجودة، ورده الشيخ الاعظم (قده) بأنها معارضة بأصالة برأة ذمته عن مثل التالف أو قيمته، وأبطل التمسك بقاعدة اليد، ثم قال: " إن أصالة بقاء السلطنة حاكمة على الاصل المذكور - ثم تشبث بعموم " الناس مسلطون على أموالهم " - بدعوى أن السلطنة على المال الموجود بأخذه، وعلى التالف بأخذ بدله الحقيقي، أي المثل أو القيمة " انتهى. أقول: إن السلطنة على رد المال الموجود لا يلازم ضمانه بالمثل أو القيمة بعد كون المفروض تلف العين سماويا، فان الاباحة الشرعية الثابتة للطرفين مع رجوع إحدى العينين لا تقتضي إلا سلب الاباحة عن الطرف المقابل، لا ضمان العين. وبالجملة لا دليل على الضمان بعد الاعتراف بأن اليد لا تقتضي الضمان فان الاباحة الشرعية لا تقتضي الضمان، وكذا السلطنة على استرجاع العين فلا منافاة بين بقاء السلطنة وبراءة الذمة عن المثل والقيمة حتى يتعارض الاصلان. ثم إنه لم يتضح وجه حكومة أصالة بقاء السلطنة على أصالة براءة الذمة مع أن ترتبهما ليس شرعيا، بل لا ترتب بينهما رأسا، فان المنافي لبراءة الذمة على فرضه انما هو الرد، لا أصالة بقاء السلطنة. وبما ذكرناه يظهر النظر في قوله: " إن ضمان التالف ببدله المعلوم " الخ لما عرفت من عدم الدليل عليه بعد الغض عن قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد " وأما التمسك بقاعدة السلطنة على المال التالف لاخذ بدله

[ 193 ]

الحقيقي فغير وجيه، لان موضوع دليل السلطنة المال المفروض التحقق، لا هو في حال وجوده وعدمه، ضرورة أن المعدوم لا يكون موضوع السلطنة، ولا هو ومع عدمه بدله. والقياس بدليل اليد حيث إن مقتضاه على قول رد العين ومع عدمها ضمان المثل أو القيمة في غير محله، لما يأتي في محله من أن قاعدة اليد تقتضي عهدة نفس العين فقط على هذا القول، لكن الخروج عن عهدتها يختلف لدى العقلاء فمع تحقق العين يكون الخروج عن عهدتها بتسليمها، ومع التعذر عنها يكون بالمثل ومع التعذر بالقيمة، وليس مفاد قاعدة اليد ضمان المأخوذ بنفسه، ومع فقده ببدله. ثم إنه بناءا على ما يظهر من الشيخ الاعظم (قده) من ملازمة بقاء السلطنة على العين لاشتغال ذمته بالمثل أو القيمة كان عليه رحمه الله التمسك بدليل السلطنة الثابتة للعين الموجودة، وكشف اشتغال الذمة بالعين التالفة، وهو حاكم على أصالة البراءة، لا التمسك بالاصل أو السلطنة على العين التالفة. إلا أن يقال: مع احتمال حصول الملك بتلف أحد العوضين تصير الشبهة موضوعية، وعليه لا يصح التمسك به في العين التالفة أيضا، لاحتمال وقوعها عوضا اعتبارا بعد التلف. ولو كان أحد العوضين دينا في ذمة أحد المتعاطيين فعلى القول بالملك يملكه من في ذمته، فيسقط عنه، وهو في حكم التالف، لما مر من إطلاق أدلة اللزوم، والمتيقن من الخروج عنه غير هذه الصورة، فبعد السقوط يكون العقد لازما لا يجوز لاحدهما الرجوع. وقد يتشبث لعدم الرجوع بوجوه: منها - أن ما في الذمة يتشخص بتشخص الاطراف والاضافات، ومع سقوطه لا يعقل عوده، لان المعدوم يمتنع أن يعود، ولعل نظر الشيخ الاعظم (قده) بقوله: " الساقط لا يعود "

[ 194 ]

إلى هذا الوجه. وفيه أن الكلي المورد للمعاملة ما هو قابل للصدق على الخارج وعلى الكثيرين، وما هو متشخبقيد التشخص لا يعقل أن يتحقق في الخارج وينطبق على الكثيرين، فما في الذمنفس الطبيعة بلا خصوصية موجوديتها في الذمة وتخصصها بالاضافات، فعودها ليس من إعادة المعدوم. وبعبارة أخرى إن الطبيعة بنفسها لا تتكثر، وانما تتكثر بالوجود والتشخص، والمفروض أن في المقام ليس ما في الذمة هو الموجود الشخصي المتخصص بالخصوصيات، فمثل تلك الطبيعة لا كثرة فيها، إذ الشئ لا يتكثر بنفسه، فإذا اعتبرت تلك الطبيعة في الذمة ثم سقطت واعتبرت ثانية وثالثة لا تكون في تلك الاعتبارات الكثيرة إلا نفسها، لعدم لحوق ما يوجب التكثر والغيرية بها، فمن من حنطة بلا قيد وخصوصية من منها ولو لوحظ ألف مرة، واختلاف الاعتبار واللحاظ لا يوجب اختلاف المعتبر والملحوظ، فحديث اعادة المعدوم ناش من الخلط بين الطبيعة بلا قيد والطبيعة الموجودة في الذمة المتخصصة بالخصوصيات. وأما ما قال صاحب المقال: " إن كان المراد بجواز التراد التراد الملكي الباقي بعد التلف ففي المقام لا يعقل، لان تلف العين لا ينافي بقاء مليكة التالف اعتبارا قبل الرجوع، بخلاف السقوط، فانه لا معنى لاشتغال ذمته بمثل الساقط للغير قبل الرجوع، فان اعتبار سقوط ما في الذمة وبقاؤه متنافيان مع التسالم على عدم اشتغال ذمته بشئ للغير قبل الرجوع " انتهى ملخصا. ففيه أن التراد الملكي انما هو تبع للفسخ، إذ لا يعقل بقاء العقد وتراد العين ملكا، فمع الفسخ ينحل العقد، وترجع ذمة المديون مشتغلة بعين ما اشتغلت، ولو قلنا بلزوم الرد في الملكية فاللازم اعتبار الكلي في

[ 195 ]

ذمة المديون قبل الرجوع ملكا له لا للغير، وبالرجوع صار ملكا للدائن كما في الفسخ في العين التالفة، وعدم مالكية الشخص لما في ذمته في المقام ونظائره غير مسلم. وما قيل: من إنه لا يعقل مالكية الشخص لما في ذمته لعله خلط بين المالكية والدائنية، فانه لا يعقل أن يكون الشخص دائنا لنفسه، وأما مالكيته لما في ذمته فهو أمر معقول، ولعل في بيع الكليات يكون الاعتبار بمليكة الكلي أولا ونقله إلى الغير بعده. ومنها - أن حق الخيار أو جواز الرجوع يسقط بسقوط ما في الذمة لان موضوعهما يرتفع بالسقوط، فلا يبقي لهما متعلق. وفيه أن متعلق الحق أو جواز الفسخ هو العقد لا العين، كما تقدم الكلام فيه، ومعه يكون متعلقه وموضوعه هو الامر الاعتباري الباقي كما في سائر الخيارات، ولو قلنا في المعاطاة بالجواز الحكمي لا حق الخيار يكون موضوعه أيضا العقد الباقي. ومنها - أن رجوع الذمة مشغولة بعد الفسخ لا يصحح تعلق حق الخيار، فانه لابد من أن يكون متعلق الحق في رتبة سابقة على الفسخ موجودا حتى يتعلق به، فيفسخ ويأخذ بحقه. وفيه أن متعلق الحق وهو العقد موجود في رتبة سابقة، ولازم حله لدى العقلاء رجوع الذمة مشغولة بما اشتغلت به أولا، ومما تقدم ظهر النظر فيما قيل: من أن عود الذمة اشتغال جديد غير الاشتغال الاول، والذي ذهب لا يعود، والعائد شخص آخر، فان تجدد الاشتغال بتجدد المشتغل به وتكثره، وقد عرفت عدم تجدده وتكثره. ومنها - أنه يعتبر في جواز الرجوع خروج الملك عن ملك من انتقل إليه إلى ملك من انتقل عنه، وهذا ممتنع في المقام، لانه إذا رد المشتري

[ 196 ]

العين الموجودة إلى المديون فلابد من أن يخرج الدين عن ملكه ويدخل في ملك المشتري، ودخون الدين في ملك المديون نتيجته السقوط دائما نظير انعتاق العمودين، فيمتنع الرجوع. وفيه - مضافا إلى منع تقوم الفسخ بخروج الملك عن ملك شخص ودخوله في ملك الآخر، كما تقدم نظيره في البيع، وقلنا لا يتقوم بتبادل الاضافات كذلك - أنه لا دليل على ملازمة ملكية الشخص لما في ذمته للسقوط عنها، وقياس المقام بالعمودين مع الفارق بعد قيام الدليل فيهما دون المقام، بل لا يخلو المقيس عليه من المناقشة أيضا، وبالجملة لا مانع من مالكية الشخص لما في ذمته وانتقاله إلى غيره. هذا كله مضافا إلى أن اللازم في مثل المقام الرجوع إلى بناء العقلاء وعملهم، لا إلى مناقشات عقلية لا ترجع إلى محصل، ولا شبهة في أن العقلاء يبيعون بما في الذمم وتكون نتيجته سقوط ما فيها. ثم لو كان لهم خيار في البيع الكذائي وفسخوا يصح الفسخ عندهم بلا ريب، ولازمه رجوعهم إلى من عليه الدين بدينهم كما هو بناؤهم جزما، فالمناقشات المذكورة كالشبهة في مقابل البداهة. هذا على القول بالملك وأما على القول بالاباحة فقد يقال: إن المعاملة باطلة لفقد الاثر، وهو كما ترى، لكفاية الاثر في الجملة في الصحة، ويترتب على الاباحة صحة التصرفات الاعتبارية من البيع والصلح والاسقاط ونحوها. وربما يقال: إن المعاطاة على ما في الذمة تلازم السقوط، لان التحقيق أن بيع المعاطاة المفيد للاباحة هو ما قصد المتبائعان به التمليك لا الاباحة، ولازم ذلك تسليط كل منهما صاحبه على ماله، لما قلنا: من إن المتعاملين أوجدا مصداق التسليط المذكور، ولازمه الاباحة المالكية، ولازم

[ 197 ]

ذلك التسليط سقوط ما في الذمة، لعدم تعقل تسلط الشخص على ما في ذمته، كما لا يعقل ملكيته لما في ذمته انتهى ملخصا. وفي المبنى والبناء إشكال، أما في الاول فلان المتبائعين في المعاطاة وغيرها لا ينشئان إلا التمليك بالعوض، وقبوله أو التبادل بين المالين والتسليط الخارجي ليس موضوعا لحكم، والتسليط الاعتباري الذي هو مفاد قاعدة تسلط الناس على أموالهم ليس في البيع ونحوه من منشئآت المتعاملين، وانما هو حكم عقلائي أو شرعي مترتب على مال الناس، والمتعاملان يحققان موضوع السلطنة لا نفسها، وقد قلنا سابقا: إن الاباحة المالكية في البيع ونحوه غير صحيحة، بل غير معقولة، وطيب نفسهما في المعاملات طيب نفس معاملي أو طيب نفس بالمعاملة، لا طيب مطلق ولهذا قالوا: إن المأخوذ بالبيع الفاسد كالمأخوذ غصبا. وأما في الثاني فلعدم صحة دعوى امتناع تسلط الناس على ما في ذمتهم، بل صحة المعاملات على الكلي موقوفة على تسلطهم على ما في ذممهم، لان صحة المعاملة موقوفة على تسلط الشخص على ما أوقع المعاملة عليه. وبالجملة لا دليل على ما ذكره، بل الدليل على خلافه، بل لو سلم الامتناع في غير المقام لا يسلم فيه، لان الكلي على ذمته للغير ولا مانع من تسلطه على مال الغير في ذمته بتسليطه، فيصح بيعه وصلحه، كما لو وكله لذلك. ثم لو قلنا بسقوط الدين عن الذمة فلابد وأن يقال بلزوم المعاطاة، لا لما ذكروا من عدم إمكان التراد، بل لما ذكرناه سابقا من أن مقتضى أدلة لزوم المعاملات تمامية الاسباب العقلائية في التأثير، ومع قيام الاجماع على عدم اللزوم في ظرف بقاء العينين يستفاد منه ومن إطلاق الادلة أن

[ 198 ]

تأثير السبب مشروط بعدم بقاء العينين على ما هما عليه، ومع سقوط إحداهما يؤثر السبب في الملكية. وأما مع القول بعدم السقوط فان قام الاجماع على الجواز حتى في مثل المورد أي المعاطاة على الدين فهو، وإلا فالاصل اللزوم، ولو نقلت العينان أو إحداهما بعقد جائز أو لازم فمقتضى ما ذكرناه من أصالة اللزوم في غير مورد الاجماع هو لزومها، لعدم ثبوته على فرض تحققه في مثل المورد، وأما التشبث بامتناع التراد فغير وجيه، لما عرفت من أن المراد بالتراد ليس الخارجي منه، والتراد الاعتباري تبع للفسخ، وهو ممكن. والتحقيق أن الحق في الخيار والجواز في المقام قائمان بالعقد، ومع حله ترجع العين إلى محلها الاول اعتبارا حتى في مورد تلفها حقيقة أو حكما كالنقل لازما، ولازم رجوع العين استحقاق الطرف نفس العين، لكن مع فقدها يكون حكمه العقلائي رد ما هو الاقرب إليها من المثل أو القيمة نظير ما قد يقال في قاعدة اليد. إن قلت: لازم رجوع العين إلى الفاسخ صيرورتها مملوكة له مع أنها مملوكة للمشتري الثاني، ولا يعقل مملوكية شئ واحد بتمامه لشخصين في زمان واحد. قلت: يمكن أن يقال: إن العين التالفة أو ما بحكمه تعتبر بالفسخ على عهدة الطرف، ولا محذور في كون شئ واحد ملك شخص وعلى عهدة أشخاص متعددين، كالايادي المتعاقبة على عين مغصوبة، فان كلا منهم على عهدته العين على قول، فيجب عليه ردها أو رد مثلها أو قيمتها مع أنها مملوكة للمالك المغصوب منه. وبالجملة إن للعقلاء أحكاما ثلاثة: أحدها أن الفسخ عبارة عن حل العقد، ومقتضاه رجوع كل ما وقع عليه المعاقدة إلى أصله، وثانيها أن

[ 199 ]

بعض الخيارات العقلائية لا يسقط بالتلف أو النقل، ولازم ذلك أن الخيار حق قائم بالعقد، وهو حكم ثالث عقلائي، ولازم تلك الاحكام أنه مع تلف العين أو نقلها إذا انفسخ العقد بفسخ ونحوه ترجع العين اعتبارا إلى مالكه الاصلي بنحو ما مر، لان رجوع المثل أو القيمة ليس حلا للعقد أو لازم حله، لعدم وقوعه عليهما، ومقتضى رجوع التالف أو ما بحكمه إلى المالك الاولي بالفسخ استحقاقه لنفس العين، ولهذا لو رجع التالف بنحو خرق العادة يكون للمالك الرجوع إليه لدى العقلاء، وليس ذلك إلا لان الفسخ يوجب الهدم، وهو يوجب استرجاع العين، ومع فقدها يكون إعطاء المثل أو القيمة بدلا، لكونهما بمنزلتها وأقرب إليها، لا لرجوع المثل أو القيمة عند فقدها. ويمكن أن يقال: إن للبيع لازما عقلائيا هو عهدة تسليم العوضين بحيث لو تعذر التسليم من الاول كان العقد باطلا أو كان خياريا، ولو تعذر بعد ما لم يكن في زمان العقد متعذرا صار خياريا، ومع التعذر لا يرجع إلى المثل أو القيمة، لعدم وقوع العقد عليهما، والفسخ ليس له شأن إلا هدم العقد، ومع هدمه كان لكل من الطرفين عهدة إرجاع العين إلى صاحبه، لان التسليم مقتضى المعاوضة، ومع هدمها فاللازم عند العقلاء عهدة تسليم العين، ومع التعذر يرجع إلى الاقرب إليها من المثل أو القيمة، ولا معنى للخيار هاهنا. والفرق بين هذا والذي قبله أن الوجه السابق مبني على كون العين على العهدة نظير ضمان اليد على قول، وهذا مبني على عهدة التسليم، نظير الكفالة والضمان على قول العامة، فانه عهدة أداء ما في ذمة الغير. وأما تصحيح ذلك بما يقال: من أن العقد الواقع على عين خارجية وقع على شخصها ونوعها وماليتها التي هي من أعراضها الاعتبارية، ومع

[ 200 ]

فقد الشخص تبقى نوعيتها وماليتها، ورد المثل ردهما، ومع فقد المثل تبقى قيمتها، فيجب ردها، فغير مرضي، لان النوع الموجود بوجود الشخص غير قابل للصدق على غيره، وما هو قابل له لم يقع عليه العقد ضرورة عدم وقوع العقد على جزئي وكلي، ويأتي ما ذكر في القيمة أيضا، هذا على القول بالملك. وأما على الاباحة فان قلنا بأن لازم التصرف الموقوف على الملك هو صيرورة ذلك ملكا للناقل آناما فمقتضى أصالة اللزوم صيرورة المعاطاة لازمة بعد النقل بعد ما كان للزوم أثر، وهو عدم صحة حل العقد اللازم منه الرجوع بالمثل أو القيمة، وإن قلنا بعدم ملكيته له آناما فالتمسك بأصالة السبب لحصول الملك بعد النقل والتمليك غير صحيح، لان لازمها سببية العقد لملكية ما هو ملك للغير له. نعم يمكن أن يقال: إن المتيقن من الاجماع على عدم تأثير السبب غير المورد، فمقتضى إطلاق السببية حصول الملك قبل النقل آناما، فيتحقق به موضوع أصالة اللزوم، فلو عادت العين فاما أن يكون بفسخ أو إقالة أو سبب جديد من إرث ونحوه، فان كان بالفسخ أو الاقالة فعلى ما ذكرناه من أصالة اللزوم وأصالة استقلال السبب لا كلام، ومع الغض عنه والتشبث بعدم إمكان الرد يمكن أن يقال: إن الفسخ والاقالة عند القعلاء هو حل العقد وإرجاع العين إلى الحالة الاولى، ورجوع الملكية الاولى، لا ملكية جديدة، فهي من قبيل إعادة المعدوم عرفا، وليست المسألة عقلية حتى يقال بامتناعها. وبالجملة حكم العقلاء في الفسخ هو استرجاع الملكية الاولى، فعليه لا يمتنع الرد والاسترداد، بل لو عادت بملكية حادثة يمكن أن يلتزم بجواز الرد، لان الفسخ عبارة عن حل القعد، وبحله لدى العقلاء

[ 201 ]

ترجع نفس العين إلى من انتقلت عنه حتى مع تلفها كما تقدم، فحينئذ لو فسخ العقد والعين موجودة في ملكه ولو بملك جديد يكون مقتضى حل العقد رجوعها بنفسها لا بمثلها أو قيمتها، إذ لم يتعلق العقد بهما حتى يكون مقتضى حله رجوعهما، فالقول بامتناع التراد غير وجيه. لكن التحقيق حسب ما أشرنا إليه أن لا شأن للفسخ إلا حل العقد وأما رجوع العين فليس مقتضى الفسخ، بل مع حل العقد تصير العين ملكا للبائع بالسبب السابق، وانما تصير ملكا له لو لا المانع، ومعه لا ترجع إليه، كما إذا كانت تالفة حقيقة أو حكما، لكن لازم الفسخ كون الطرفين ملزما برد العوضين إلى صاحبه، فيكون لهما عهدة الرد كما تكون عهدة التسليم في البيع، ولزوم التسليم انما هو مع بقاء العين، ومع تلفها ولو حكما يرجع ما هو الاقرب إليها، وهذا من غير فرق بين حصول الملك الجديد وعدمه، فلو عادت بفسخ أو ملك جديد يكون مقتضى عهدة الرد ردها، والاحتمالات الاخر مبنية على مبنى غير مرضي. نعم لو فسخ في حال كانت العين للمفسوخ عليه بفسخ أو ملك جديد فمقتضى فسخه حل المعاوضة، فحينئذ ترجع العين إلى ملك الفاسخ بالسبب السابق، ولا منافاة بينه وبين عروض ملك للغير، لان العقد باق عرفا واعتبارا ولم تسلب من العوضين صفة العوضية، لعدم المنافاة بينها وبين المعاوضة الاخرى عليهما، فبعد حل العقد ترجع العين المملكوك للمفسوخ عليه إلى الفاسخ بالسبب السابق. وقد يقال: إن مطلق التصرفات الناقلة أو الموقوفة على الملك موجبة لسقوط الرد مطلقا، لان العين تخرج بها عما هي عليها، ولابد في الرد من بقائها على ما هي عليها، كما في خيار العيب، والجواز هاهنا كخيار العيب، وهو كما ترى مصادرة ظاهرة، لان المدعى أنه بالنقل يسقط الرد

[ 202 ]

والدليل المذكور أن العين لما خرجت عما هي عليها أي انتقلت إلى الغير سقط ردها، وهو عين المدعى. وقد يقرر بما حاصله إن المراد بالجواز هو رد العين في هذه المعاوضة ومع تخلل معاوضة أخرى ينتفي موضوع الجواز، فالموضوع معلوم الارتفاع. وفيه أن الموضوع هو العقد، وهو معلوم البقاء اعتبارا مع ترتب الاثر عليه كما في المقام، وتوهم أن المعاوضة الثانية موجبة لانعدام المعاوضة الاولى فاسد، لعدم التزاحم والتضاد بينهما، ولهذا يكون النقل بالبيع ونحوه في البيع الخياري غير مسقط للخيار، ولو قيل بأن الموضوع هو العين فهي أيضا باقية ذاتا وصفة، أي بما هي متعلقة للمعاوضة. والقول بالفرق بين المقام والخيار بأن في الخيار يمكن أن يقال: إن الزائل العائد كالذي لم يزل، وفي المقام يكون الزائل العائد كالذي لم يعد كلام شعري لم يصح حتى في مقام الخطابة. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) تعرض لفروع في ذيل كلامه لاثمرة فيها، ولهذا أعرضنا عنها وعن بعض التنبيهات غير المفيدة. القسم الثاني في البيع بالصيغة وما يتعلق به فصل: في ألفاظ عقد البيع، قد مر في بحث المعاطاة أنها بيع صحيح لازم كسائر البيوع، وهي متعارفة بين العقلاء، كما أن البيع بالصيغة أيضا

[ 203 ]

متعارف، فالتعاطي - كالقول - أحد أسباب إنشاء البيع، ولولا دليل على الخلاف كان مقتضى القواعد صحة البيع بالصيغة، ولزومه بلا شرط وعلى نحو الاطلاق. ولا ينافي ما مر من لزوم المعاطاة وصحتها مع البحث عن شرائط الصيغة، لاحتمال اعتبار الشارع في خصوص صيغة البيع شرائط للصحة أو اللزوم، ومع فقدها يقع البيع فاسدا، لان ما وقع هي الصيغة الفاقدة لشرط التأثير، وهي غير صحيحة ولا مؤثرة، ولم يقع سبب آخر كفعل من إعطاء وأخذ أو إشارة أو نحوهما، ومع فقد السبب الفعلي مطلقا والسبب القولي الصحيح لا وجه لوقوع البيع لا معاطاة ولا بالصيغة، ولا دليل على أنه لو لم يراع شرائط صحة الصيغة يقع البيع معاطاة، بل الدليل على خلافه، سيما مع القول بلزوم المعاطاة، كما هو التحقيق. نعم لو اعتبر في العقد بالصيغة شرائط للزوم فمع عدم مراعتها يقع صحيحا غير لازم، فحينئذ يكون للبيع المعاطاتي مصداق واحد، وهو الصحيح اللازم، وللبيع بالصيغة مصداقان أحدهما ما روعيت فيه شرائط اللزوم فيقع لازما وثانيهما ما لم تراع فيه فيقع صحيحا غير لازم بمقتضى دليل الصحة ودليل اعتبار الشرط، وأما الفاسد منهما فلا كلام فيه. ثم إن هاهنا كلاما آخر، وهو أنه لا إشكال في تعارف العقد المعاطاتي بالاعطاء والاخذ، وكذا في تعارف العقد بالصيغة، كما لا شبهة في صدق البيع عليهما، بل قد مر أنه يصدق العقد أيضا عليهما. فهل البيع عرفا ولدى العقلاء منحصر بهما أو يكون البيع بالاشارة بل بكل مظهر كتابة أو اشارة أو غيرهما بيعا عقلائيا بدعوى أن البيع ليس إلا المبادلة بين المالين أو تمليك عين بعوض، فالاشارة المفهمة والكتابة وغيرهما آلات لانشاء المعنى الاعتباري، وليس للفظ ولا لعمل

[ 204 ]

خاص خصوصية في ذلك، فالاشارة وسائر المبرزات آلات للانشاء في عرض واحد، وكل منها سبب مستقل لايقاع المعاملة؟ الظاهر ذلك. إلا أن يقال: إن ماهية البيع وإن كانت المبادلة لكن لابد في تحققها من سبب عقلائي، واللفظ والتعاطي سببان عقلائيان بلا شبهة، وأما سائر المبرزات فليست من الاسباب العقلائية لايجاد الطبيعة وإن كانت بواسطة القرائن مفهمة للمقصود، فهل ترى أن المتعاملين لو تقاولا بأن إيجابي هو العطسة مثلا وقبولك وضع الكف على الكف صدق على ما فعلا البيع ونحوه، والاشارة بالحاجب والسبلة لا تقصر من ذلك، فهي وأمثالها ليست أسبابا عقلائية، ولا تتحقق الماهية بها عند العقلاء. فحينئذ لو قلنا: بأن إشارة الاخرس سبب عقلائي في عرض سائر الاسباب لا تكون قائمة مقام اللفظ، بل هي سبب كاللفظ. لكن يمكن المناقشة فيه بأن الاشارة إذا لم تكن سببا عقلائيا فلابد من الالتزام بأن العجز شرط في السبب، فيكون المؤثر الاشارة الصادرة من الاخرس بحيث يكون السبب مركبا من الاشارة وقيد الخرس، وهو كما ترى، فلابد وأن يقال: إن إشارته قائمة مقام السبب، فلابد في الصحة والنفوذ من دليل خاص غير الادلة العامة. ولو سلم يمكن المناقشة في إطلاق أدلة التنفيذ وعمومها لمثل هذا الفرد النادر الوقوع جدا، بدعوى انصرافها عن مثله، وصرف ندرة الوجود وإن لم يوجب الانصراف، لكن تعارف القسمين المتقدمين وعدم تعارف غيرهما وندرة وجوده بحيث يلحق بالعدم ربما يوجب صرف الاذهان عنه وانصراف الادلة، وفي مثله لابد في نفوذه من دليل، لعدم تعارفه حتى يقال: إنه أمر متعارف، ولم يردع عنه الشارع فهو ممضى، ولو لا دليل خاص لم يسعنا الحكم بصحته ولزومه، إلا أن ينكر عدم التعارف،

[ 205 ]

ويقال: إنه متعارف في بعض الظروف والحالات، وهو كاف في عدم الانصراف، وهو مشكل، لان ما هو المتعارف هو بيع الاخرس ومعاملته بنحو المعاطاة والاشارات القبلية كالمقاولات لتعيين المبيع والقيمة مثلا. وأما كون إشارته لايقاع المعاملة بحيث يكون الاخرس مستثنى من سائر العقلاء الذين يكون مبايعتهم بالمعاطاة فهو غير مسلم بل مسلم الخلاف فالشائع في الظرف الخاص هو معاملة الاخرس لا بيعه بالاشارة في مقام إجراء الصيغة. وكيف كان لو قلنا بعدم صدق البيع على ما يوقع بالاشارة حقيقة لا محيص عن القول بعدم صدقه بالنسبة إلى بيع الاخرس بها، لان ماهية البيع لا تختلف بالنسبة إلى الناطق وغيره، إلا أن يلتزم بالاشتراك اللفظي وهو كما ترى، أو يقال: إن إشارة الاخرس سبب عقلائي دون إشارة غيره، وهو أيضا غير مرضي، فلابد على هذا الفرض من القول بأن بيع الاخرس ملحق بالبيع، وهو يحتاج إلى الدليل. وأما لو قلنا بأن البيع عرفا ولغة صادق على البيع بالاشارة حتى من غير الاخرس فلازمه أن بيعه يقع بالفعل، ولا يكون قائما مقام البيع بالصيغة، لان المفروض أن الاشارة أحد الاسباب في قبال اللفظ وسائر الافعال، فلا فرق بين إشارة الاخرس وغيره في أنها آلة لايجاد المبادلة، فكما أن إشارة غير الاخرس لا تقوم مقام لفظه كذلك إشارة الاخرس، غاية الامر أن غيره قادر على إيجاد البيع باللفظ والاشارة وسائر الافعال والاخرس عاجز عن إيقاعه باللفظ، فكما أن العاجز عن الكتابة لا تقوم إشارته مقام كتبه أو لفظه كذلك الاخرس. وبعبارة أخرى إن إشارة الاخرس كاشارة غيره آلة لايقاع البيع بلا وسط وابتداءا في عرض اللفظ، ولا تكون إشارته إشارة إلى اللفظ

[ 206 ]

والايقاع باللفظ المشار إليه. فما قال بعض أهل التحقيق - من أن الاخرس كغيره له عهد مؤكد وعهد غير مؤكد، والاشارة منه عهد مؤكد كاللفظ من غيره، فليس مجرد كون الاشارة فعلا موجبا لكون معاملة الاخرس معاطاة دائما أو أن فعله منزل منزلة القول من غيره دائما، بل له سنخان من العهد كما في غيره بلحاظ قوة الدلالة على مقصده وضعفها نوعا - غير وجيه، لان اشارته إن كانت باعتبار قوة دلالته عهدا مؤكدا فمع الغض عن عدم صحة المبنى وعدم الفرق بين الاشارة وسائر الافعال والغض عن عدم الاختلاف لدى العقلاء في عقد المعاطاة وغيرها في الصحة واللزوم يلزم منه أن تقوم اشارة غير الاخرس ايضا مقام لفظه في ذلك، ولازمه الالتزام بأن عقد المعاطاة عبارة عن الاخذ والاعطاء، وأما الاشارة ونحوها مما لها قوة الدلالة فتكون كالعقود اللفظية ولا أظن التزامهم به. وما قال رحمه الله في خلال كلامه: من أن الاشارة من مثل الاخرس عهد مؤكد غير مرضي، لان الاشارة بلحاظ رفع الاشتباه تكون كذلك كما صرح به القائل، وهو مشترك بين الاخرس وغيره، ورفع الاشتباه ليس من الامور النسبية. مضافا إلى أن قوة الدلالة على تبديل العينين وعلى مقاصد المتبائعين غير مؤكدية العهد، فصراحة الدلالة على التبديل كظهور الدلالة عليه لا تفيد مؤكدية العهد، فلابد في مؤكديته - على فرض كون موضوع اللزوم العهد المؤكد - من دلالة غير الدلالة على أصل التبديل. نعم يمكن أن يقال: إن اشارة الاخرس على قسمين: أحدهما ما هي آلة لايقاع المبادلة، فهي كسائر الاسباب سبب ابتدائي له، وليست قائمة مقام اللفظ الدى العقلاء، وثانيهما ما هي اشارة إلى سبب آخر هو اللفظ

[ 207 ]

ليكون ذلك آلة لايجاد المعاملة، وهي قائمة مقام اللفظ، لان ما هو السبب لايقاعها هو اللفظ المشار إليه. وبعبارة أخرى إن إشارته تارة تكون سببا وأخرى إشارة إلى السبب. فالاول في عرض سائر الاسباب. والثاني قائم مقام السبب اللفظي لكن تصور الثاني لا يخلو من خفاء وغموض، بل الظاهر عدم إمكانه للجمع بين اللحاظين المختلفين، بل لو فرض صحته وإمكانه فوقوع العقد به مشكل، لان الاشارة إلى السبب لا توجب وجوده وتحققه، كما أن حمل كلام القوم عليه مشكل أو ممنوع. وللاخرس نوع آخر من المعاملة يقوم مقام اللفظ عرفا، وهو تحريك لسانه للافادة، فان تحريكه انما هو لايجاد اللفظ الدال على المعنى، لا لايقاع المعنى، فالاخرس إذا أراد التلفظ يحرك لسانه تقليدا لغيره، ولا يلزم أن يعرف الالفاظ بعناوينها حتى يقال: إن نوع الخرسان لا يعرفونها للصمم، بل تكفي المعرفة إجمالا بأن غيره يوجد البيع تارة بالفعل، وأخرى باللسان، وأراد بتحريك لسانه إيقاع المعاملة كغيره الذي يوجد باللفظ وتحريك اللسان، كما أن تحريك لسانه يقوم مقام قراءته. ولكن الظاهر عدم اعتبارهم تحريك لسانه، وظاهرهم قيام اشارته مطلقا مقام اللفظ في إفادة الصحة واللزوم، وهو موافق للتحقيق على فرض كونه معاملة عقلائية، وكون مطلق المعاملات العقلائية مشمولة للادلة، وعدم انصرافها إلى ما هو المعهود المتعارف، أو عدم انصرافها عن إشارة الاخرس إن قلنا بانصرافها عن إشارة غيره. ومقتضى القواعد على هذا المبنى صحة معاملاته بالاشارة بأي وجه اتفقت ولزومها، ومع فقد الاطلاق لابد من التماس دليل آخر على أن إشارة الاخرس قائم مقام بيعه اللفظي، ومع الشك في صحة المعاملة بها

[ 208 ]

رأسا لا يحكم بالصحة ومع الشك بين الاقل والاكثر - أي لو شك في أن الاشارة كافية أو مشروطة بالعجز عن الكتابة أو مشروطة بلوك اللسان - لابد من مراعاة القيود المحتملة، لعدم جريان البرأة في المحصلات والاسباب والمسببات. وما يقال: - من أن جريانها في الاسباب الشرعية التي ترجع إلى جعل السببية والتسبيب بناءا على ما هو التحقيق لا مانع منه، ويرفع به الشك عن المسبب، لان الشك في تحققه ووجوده ناش عن الشك في اعتبار شرط أو قيد في سببه، ومع رفعهما بحديث الرفع يرفع الشك في تحققه ويحكم بوجوده، وهو مقدم على استصحاب عدم النقل وبقاء الملك، تحكميا للاصل الجاري في السبب على الجاري في المسبب، ولو كان الاول أصل براءة والثاني استصحابا - غير وجيه، لان إثبات ترتب المسبب على السبب موقوف على إثبات أن الاقل تمام السبب والسبب التام، ومع احتماله والشك في نقصه وتمامه لا يحكم بترتبه عليه، وجريان حديث الرفع في القيد المشكوك فيه لا يثبت كون البقية تمام السبب. وليس المقام من الموضوعات المركبة حتى يقال باثبات جزء بالاصل والآخر بالوجدان، بل الامر فيه دائر بين كون الاشارة سببا تاما حتى يترتب عليه المسبب أو ناقصا، وتمامه شرط كذائي، وإذا كانت سببا تاما يكون المؤثر أو الموضوع للاثر نفسها بلا دخالة شئ، لا نفسها وعدم شئ آخر، وما لم يحرز أنها تمام السبب لا يحكم بترتب المسبب عليها، واثبات تماميتها بالاصل مثبت، بل الاصل مثبت من ناحية أخرى أيضا، والتفصيل في محله. وقد تمسك الشيخ الاعظم (قده) بفحوى روايات طلاق الاخرس

[ 209 ]

كموثقة السكوني قال: " طلاق الاخرس أن يأخذ مقنعتها ويضعها على رأسها ويعتزلها " (1) ونحوها رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام (2) وقريب منهما رواية أبان بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) وكصحيحة ابن أبي نصر البزنطي أنه سأل أبا الحسن الرضا عليه السلام " عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت ولا يتكلم، قال: أخرس هو؟ قلت: نعم، ويعلم منه بغض لامرأته وكراهة لها، أيجوز أن يطلق عنه وليه؟ قال: لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك، قلت: فانه لا يكتب ولا يسمع كيف يطلقها؟ قال: بالذي يعرف به من حاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه " (4). ويمكن المناقشة فيه - مضافا إلى ما قيل من احتمال التوسعة في خصوص باب الطلاق والنكاح لحفظ الفروج، فلا يمكن التعدي منه إلى غيره، تأمل - أن ما رمناه في المقام هو إثبات كون إشارة الاخرس بمنزلة بيعه اللفظي في الصحة واللزوم، وأن بيعه بالاشارة لا يكون معاطاة بعد تسليم أن بيع المعاطاة غير لازم أو مفيد للاباحة، والروايات المتقدمة لم يظهر منها إلا أن طلاق الاخرس بكذا وكذا، وأما أنه قائم مقام طلاقه اللفظي أو أنه طلاق معاطاتي حكمه حكم الطلاق اللفظي فلم يظهر منها، فمع تسليم الفحوى لا يصح الاستدلال بها إلا للصحة، لا اللزوم. وبعبارة أخرى: يظهر منها بعد التسليم أن إشارة الاخرس بيعه، لا بيعه اللفظي حتى يكون لازما، وعدم كون الطلاق من غير العاجز في الشرع على قسمين: معاطاتي وبالصيغة لا يلازم أن لا يكون للاخرس طلاق معاطاتي، ولعل طلاقه معاطاتي، وعدم وقوعه جائزا لاجل عدم


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب مقدمات الطلاق - الحديث 3 - 2 5 - 1.

[ 210 ]

كون الطلاق على قسمين: وأما البيع الذي هو في الشرع على قسمين، مختلفي الحكم فرضا فلم يثبت بتلك الاخبار أن إشارة الاخرس من أي قسم منهما، فتدبر. ثم إن في تقدم إشارة الاخرس على كتابته أو العكس كلاما، ربما يستشعر تقدم الكتابة من صحيحة البزنطي، ويمكن تقريبه بأن الطلاق لما لم يقع إلا بلفظ خاص " هو أنت طالق " والكتابة واجدة للصيغة فاقدة للتلفظ بها، والاشارة ونحوها فاقدة لكليهما، ولعله صار موجبا لامر أبي الحسن الرضا عليه السلام في صحيحة البزنطي بالكتابة أولا ومع فرض العذر أمر بغيرها، وبهذة المناسبة يمكن فهم تقديم الكتابة عليها، لكن على فرض تسليم الترتيب في الطلاق يشكل إسراء الحكم إلى البيع، لانه يقع باللفظ وغيره حال الاختيار، ولا دخالة للفظ في أصل تحققه، وإن كان دخيلا في لزومه فرضا فالمناسبة المذكورة غير متحققة في البيع، فتأمل. وقد وردت روايات في باب الوصية (1) لعلها أولى بالتمسك بها من روايات الطلاق وإن لا تخلو من إشكال. وأما ما وردت في التلبية والتشهد والقراءة كموثقة السكوني (2) هي أجنبية عن المقام، ولا يستفاد منها صحة بيع الاخرس بتحريك لسانه وإشارة إصبعه، لان في العبادات تعتبر المباشرة، والمطلوب فيها إتيان المكلف بنفسه بأي وجه أمكن، دون باب المعاملات كما لا يخفى. ثم إن الايجاب والقبول لما اشتملا على مادة المفردات وهيئتها وهيئة الجملة التركيبية يقع الكلام تارة في مواد الالفاظ من حيث الصراحة


(1) الوسائل - الباب 48 و 49 - من كتاب الوصايا. (2) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب القراءة في الصلاة - الحديث 1.

[ 211 ]

والظهور والحقيقة والكناية والمجاز، ومن لزوم أخذ العنوان بالحمل الاولي وعدمه، وأخرى في هيئة المفردات من حيث اعتبار كونها جملة فعلية أو فعلا ماضيا، وثالثة في هيئة تركيب الايجاب والقبول من حيث الترتيب والموالاة. أما الكلام في المواد فمحصل القول فيها بل في غيرها أيضا يتضح بعد بيان أمر، وهو أن موضوع الحكم في باب المعاملات بيعا كانت أو غيره لدى العقلاء وبحسب الاطلاقات والعمومات هو المعاملات المسببية وما كان بالحمل الشائع عقدا وتجارة وبيعا وصلحا واجارة وغيرها، وهذا المعنى المسببي بالحمل الشائع تارة ينشأ بالهيئة المأخوذة فيها مواد تصدق عليها عناوين المعاملات بالحمل الاولي نظير بعت وآجرت وصالحت، وأخرى ينشأ ما هو بالحمل الشائع أحدها بغير ما ذكر، كايقاع البيع بلفظ ملكت، والاجارة بلفظ سلطت، وهكذا، وثالثة ينشأ بالكنايات والمجازات أو بالافعال والكتابات أحيانا، إلى غير ذلك. ولا ينبغي الاشكال في أن موضوع وجوب الوفاء لدى العقلاء وفي قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (1) هو المعنى المسببي، أي المعاقدة الواقعية، والنقل الواقعي وبالحمل الشائع، وهو تمام الموضوع للاحكام لدى العرف والعقلاء من غير نظر إلى آلات إنشائه وإيجاده، ففيما أنشئ البيع بلفظ " بعت " ليس موضوع الحكم إلا التمليك والتملك الواقعي، لا ما هو متحقق بهذا العنوان والسبب. فتوهم لزوم أخذ عناوين المعاملات في الصيغة في غاية الفساد، كما أن موضوع الادلة الشرعية أيضا كذلك، وتوهم أن موضوعها ما هو


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 212 ]

مأخوذ في الادلة الشرعية كالبيع في " أحل الله البيع " (1) والصلح في قوله عليه السلام: " الصلح جائز بين المسلمين " (2) وهكذا، أيضا في غاية السقوط، ضرورة أن هذه العناوين بما هي عناوين بالحمل الاولي ليست موضوعة لحكم، بل الموضوع هي العناوين بالحمل الشائع سواء كانت آلة الانشاء لفظا مأخوذ فيه العناوين أم لا، بل من غير فرق بين كون الآلة لفظا أو غير، فالبيع المسببي المنشأ باللفظ الصريح عين ما أنشئ باللفظ غير الصريح أو بالفعل أو بالاشارة أحيانا، ولهذا لم يحتمل أحد اعتبار وقوع العقد بلفظ " عاقدت " والبيع بخصوص لفظ " بعت " والتجارة بلفظ الانجار، مع أن الايقاع بغير الالفاظ الدالة على العناوين لا يصدق عليها هي بالحمل الاولي، فالبيع والاجارة والصلح عقد لا بالحمل الاولي، و التمليك بالعوض بيع لا بهذا الحمل، مع أنها موضوعات للاحكام بلا ريب. وبالجملة كل معاقدة تحققت بأي سبب وجدت يجب الوفاء به لدى العقلاء. فاللازم بيان أن ألفاظ الكنايات والمجازات والمشتركات اللفظية أو المعنوية هل يمكن إيقاع المعاملات بها أو لا؟ ومع الامكان هل تكون مشمولة للادلة أو تكون منصرفة عنها؟ قال: بعض الاعاظم قدس سره في مقام بيان عدم صحة إيقاعها بألفاظ الكنايات: " إنه لا شبهة في الفرق بين الحكايات والايجاديات، فان الحكايات لا يتعلق غرض بها إلا إظهار ما في الضمير بأي وجه اتفق إذا لم يكن خارجا عن المحاورات، وأما الايجاديات فانها لا توجد إلا بما هو


(1) سورة البقرة 2 - الآية 275. (2) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الصلح الحديث 2.

[ 213 ]

آلة لايجادها ومصداق لعنوانها، فلو لم يكن مصداقا لعنوان وآلة لايجاده بل كان للازمه أو ملازمه لم يوجد الملزوم أو الملازم الآخر به وإن كان الغرض من إيجادهما إيجاد الملزوم أو الملازم الآخر، إذ لا عبرة بالدواعى والاغراض في الايجاديات، والكنايات لما كانت قسيم المجازات - فان قوله: " طويل النجاد " استعمل في نفس معناه الحقيقي، وألقي معنى اللفظ إلى المخاطب لينتقل إلى ملزومه، وهو طول القامة، والانتقال إليه من دواعي استعمال هذه الالفاظ في معانيها، لا أنها استعملت في طول القامة - فالاقوى عدم صحة إنشاء العنوان بها، فان إنشاء اللازم وإيجاده في الانشاء القولي ليس إيجادا للملزوم عرفا، وكون الملزوم مقصودا وداعيا من إيجاد اللازم لا أثر له، لما عرفت من أن الدواعي والاغراض لا أثر لها ولو قيل بأن الملزوم وإن لم ينشأ أصالة إلا أنه منشأ تبعا وفي المرتبة الثانية من الايجاد، يقال: إن الايجاد بهذا النحو في كمال الضعف من الوجود، فينصرف الاطلاق عنه، ولا يشمله العمومات لخروجه عن الاسباب المتعارفة " انتهى ملخصا. أقول: ويظهر النظر فيه بعد اتضاح حال الكنايات في الاخبارات والانشاءات، وهو أن الالفاظ في باب الكنايات مستعملة في معانيها الموضوعة لها، وكذلك الجملة التركيبية بالارادة الاستعمالية للدلالة على المعنى المكنى عنه، فالاخبار بالكناية إخبار جدا وحقيقة عن المكنى عنه، لا عن المعنى المستعمل فيه، فقوله: " زيد كثير الرماد " لم يكن إخبارا عن كثرة رماده جدا لينتقل منها أي - من المعنى المخبر به - إلى جوده، وليس الجود من دواعي الاخبار بكثرة الرماد، بل الجود هو المخبر به حقيقة دون كثرة الرماد، ولهذا يكون صدق هذا الكلام وكذبه بمطابقة المعنى المكنى عنه للواقع وعدمها، فلو لم يكن لزيد كثرة الرماد ولا الرماد

[ 214 ]

ولكن كان جوادا كان الاخبار صدقا، لان الاخبار ليس عن كثرة الرماد ولو كان كثير الرماد ولم يكن جوادا كان الاخبار كذبا، فلو كان المعنى المكنى عنه من قبيل الدواعي وكان الاخبار عن كثرة الرماد حقيقة لكان الكذب والصدق تابعين للمخبر به، أي كثرة الرماد وعدمها. وكذا الحال في ما إذا كان القائل في مقام إنشاء مدح أو ذم بالكناية ففيه أيضا تستعمل الالفاظ في معانيها الحقيقية من غير أن يكون المراد إفهام معانيها جدا، بل يراد به إفادة المعنى الكنائي، فقوله في مقام الاستهزاء: " زيد حاتم " مريدا به ذمه إنشاء للذم لا إخبار عن كونه حاتما، ولعل غالب الكنايات في كلمات البلغاء والشعراء من قبيل إنشاء المدح أو الذم، سواء أتي الكلام بالجملة الاخبارية أو الانشائية، وليس إنشاؤهما من قبيل الدواعي على الاخبار حتى يكون متصفا بالصدق والكذب، بل هو إنشاء للمدح أو الذم، كما لو أنشئا باللفظ الصريح، والكناية أبلغ. فما زعم رحمه الله - من أن إنشاء اللازم وإيجاده في الانشاء القولي ليس إيجادا للملزوم عرفا - فيه خلط، لان باب الكنايات ليس من قبيل إنشاء اللازم أو الاخبار به، بل من قبيل إنشاء الملزوم والاخبار به، فقوله: " خذ هذا الثوب واعطني درهما عوضه " إنشاء بيع كناية لا غير. وما ذكرناه هو الفارق بين المعاني الكنائية والمعاني الالتزامية، لان في باب الدلالات الالتزامية يقع الاخبار حقيقة عن الملزوم، ويكون الملزوم والمعنى المطابقي دالا على اللازم والمعنى الالتزامي، فلو قال طلعت الشمس لا يكون مخبرا إلا عن طلوعها، ويدل طلوعها على وجود النهار وذهاب الليل، لا بالدلالة اللفظية، بل بدلالة المعنى على المعنى، ويكون الانتساب إلى اللفظ بالوسط، ولهذا يكون مناط الصدق والكذب في هذا الاخبار طلوع الشمس وعدم طلوعها دون لوازم خبره، وما قال القائل إلا كذبا واحدا أو صدقا واحدا ولو كان داعيه من الاخبار إفهام لازمه،

[ 215 ]

لان الانتقال إلى اللازم انتقال إليه من المعنى الملزوم المخبر به جدا. وأما الكنايات فليست بتلك المثابة، بل الالفاظ مستعملة في معانيها بالاستعمال الصوري آلة للاخبار بالمعنى الكنائي أو إنشائه، فقول القائل: " فلان يده مبسوطة وبابه مفتوح " كناية عن جوده وكثرة زائريه ليس إخبارا حقيقة إلا عن جوده وكثرة وارديه، دون بسط يده وفتح بابه، ولعل الممدوح لا يد له ولا باب ومع ذلك يكون الاخبار صحيحا. ومما ذكرناه يظهر أن إيجاد المعنى المكنى عنه بالكناية ليس ضعيف الوجود أو في كمال ضعفه حتى يدعى الانصراف، بل كثيرا ما تكون الكنايات أبلغ في إفادة المرام، مع أن ضعف الوجود لا يوجب الانصراف. كما يظهر منه أن الملزوم ليس منشأ تبعا وفي المرتبة الثانية من الايجاد بل منشأ ابتداء وأصالة، ولا منشأ غيره، وهذا واضح جدا. كما يظهر منه ما في المحكي عن المحقق الخراساني رحمه الله فانه بعد الاعتراف بالصحة في المجازات استشكل في الكنايات نظرا إلى عدم تأكد المعاهدة بها لسراية الوهن من اللفظ إلى المعنى لما بينهما من الارتباط، بل نحو من الاتحاد، لما عرفت من عدم وهن في الدلالة ولا في المدلول. مضافا إلى ما تقدم من أن التصريح والتكنية غير مربوطين بتأكيد العهود، ولو رجع اعتبار التأكيد إلى اعتبار التصريح في الدلالة فهو مصادرة. بقي شئ، وهو دعوى انصراف الادلة عن العقود المنشأة بالكنايات بل بالمجازات، وعدم شمول العمومات لها، لخروجها عن الاسباب المتعارفة، وهي في العمومات غير وجيهة، للزوم حمل اللام في " أوفوا بالعقود " على العهد، وهو في غاية البعد، وقد فرغنا في محله من عدم احتياج العمومات إلى مقدمات الحكمة، وأما الاطلاقات فانصرافها ليس بذلك البعد

[ 216 ]

وإن أمكن دفعه بأن المناسبة بين الحكم والموضوع توجب التوسعة إلى كل تجارة وبيع، لان ما هو موضوع الحل هو البيع المسببي، والتجارة كذلك وآلات الانشاء لا دخالة لها في الحل والحرمة، كما أن في عرف العقلاء لا اعتناء بالآلات، بل المنظور إليه بينهم هو العهود والعقود والتجارات. مضافا إلى ما قلناه في آية التجارة عن تراض (1) من استشعار العلية من قوله تعالى: " بالباطل " ويقابله الحق، فكأنه قال: إن التجارة عن تراض حق، فيحل أكل المال بها، فعليه يؤكد الاطلاق بل يعمم التعليل، فتدبر جيدا. ثم قال بعض الاعاظم قدس سره في مقام بيان عدم الجواز ببعض المجازات والمشتركات ما حاصله: " لا شبهة في أن البيع وغيره من عناوين العقود والايقاعات عنوان بسيط غير مركب من الجنس والفصل، فلا يمكن إيجادها بالتدريج، فالتمليك البيعي والقرضي ونحوهما من الهبة والاجارة يكون في كل منها تمليكا بعين كونه بيعا أو قرضا أو نحوهما، أي لا يكون التمليك جنسا وبيعيته فصلا، وكذا في القرض ونحوه وإن قلنا بأن كل واحد منها مبائن في السنخ مع الآخر. مضافا إلى أن التمليك في الجميع أمر واحد والاختلاف بينها كالاختلاف بين أفراد البيع، فإذا كان بسيطا لا يمكن أن يوجد تدريجا. ثم رتب عليه أن المجازات غير المشهورة لما احتاجت إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي فحالها أردأ من الكنايات، لان ما يوجد به بحسب الدلالة التصورية هو معناه الحقيقي، وبحسب الدلالة التصديقية معناه المجازي، فيتناقضان وما قال المشهور بأن بعتك بلا ثمن لا يفيد فائدة الهبة مع وجود


(1) سورة النساء: 4 - الآية 29.

[ 217 ]

القرينة الصارفة مبني على أن ما أوجد أولا بلا مجئ قرينة كان معاندا لما أوجد ثانيا، ولا يمكن إرجاع ما أوجد عما هو عليه في الايجاديات، ورتب عليه أيضا أنه في بعض المشتركات اللفظية والمعنوية لا يصح الايقاع للزوم إيجاد البسيط بالتدريج " انتهى. وأنت خبير بما في مقدمته ونتيجتها، أما في الاولى فلان جميع تلك العقود مركبة من جنس وفصل اعتباريين، ضرورة أن ماهية البيع سواء أريد بها الماهية المركبة من الايجاب والقبول أم نفس الايجاب عبارة عن التمليك بالعوض مع القبول على فرض، وبغيره على آخر، فالتمليك جنس اعتباري هو ما به الاشتراك بين البيع والقرض والهبة والاجارة ونحوها من العقود التمليكية، وما به الامتياز والفصل المميز الاعتباري هو كونه بعوض أو بلا عوض، أو بالضمان، أو ما به الامتياز كونه متعلقا بالعين أو بالمنفعة، وبالجملة نفس التمليك جنس مشترك اعتباري وكل منها ممتاز في نوعيته عن الآخر. والعجب من دعواه بأن الخصوصيات المميزة من قبيل الخصوصيات الفردية كما به الامتياز في أفراد البيع، وهي بمكان من الضعف، ضرورة أن المشخصات الفردية انما تلحق بالشئ بعد وجوده تحققه، والبيع والقرض أو نحوه ممتازان بماهيتهما النوعية، سواء ألحقت بها المشخصات الفردية أم لا، فلا شبهة في أن ماهيات العقود مركبات اعتبارية، نعم اعتبار تحققها لدى العقلاء والشارع دفعي لا تدريجي، وهو أمر آخر، فإذا أنشأ الموجب الملكية بالعوض بدالين وقبل المشتري يعتبر العقلاء عقيبهما انتقال المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع دفعة لا تدريجا، فالانشاء تدريجي التحقق كالمنشأ بتعدد الدال والمدلول، واعتبار النقل بالحمل الشائع دفعي بعد تحقق الانشاء إيجابا وقبولا.

[ 218 ]

وأما في الثانية فلان باب المجازات والمشتركات لفظية ومعنوية لا يفترق عن باب الحقائق في أن إنشاء الماهية يكون بدوال متعددة، واعتبار النقل حقيقة يكون دفعة. وما زعم - من وقوع التناقض بين ما يوجد بحسب الدلالة التصورية وبحسب الدلالة التصديقية أي بين المعنى الحقيقي التصوري والمجازي التصديقي - غير وجيه، ضرورة أنه إن أراد لزوم التناقض بحسب الواقع فلا وجه له بعد عدم إنشائه إلا المعنى المجازي، وانما جعل اللفظ الموضوع للمعنى الحقيقي آلة لايجاد المعنى المجازي، فلا وجه للتناقض، وإن أراد لزومه بنظر غير المتبائعين فهو أيضا غير وجيه، لان ذلك الكلام ما لم يتم لا ظهور فيه، ومع تماميته يكون ظاهرا في إنشاء المعنى المجازي فحسب هذا مع الغض عن عدم معقولية التناقض بين المعنى التصوري والتصديقي. وما قال في خلال كلامه: من أن المعنى الايجادي لا يمكن أن يرجع عما هو عليه بعد إيجاده فهو صحيح بحسب الكبرى، لكن لا تنطبق على المورد لعدم إيجاد المعنى، الحقيقي في الالفاظ المستعملة مجازا والمعنى المجازي الموجد لا ينقلب عما هو عليه، وفي كلامه محال أنظار تركناها مخافة التطويل. فتحصل من جميع ما تقدم صحة إيقاع البيع بالكنايات والمجازات القريبة والبعيدة وبالالفاظ المشتركة بعد الدلالة العقلائية، وأن آلات الايقاع لا دخالة لها في صحته وصحة سائر المعاملات. ودعوى توقيفية أسباب المعاملات لانها أسباب شرعيه في غاية السقوط، كما أن دعوى لزوم إيقاعها بالعناوين الواردة في الشريعة أو بما يرادفها - لانها بهذه العناوين موضوعة للاحكام الشرعية، فلا يجوز إيقاع البيع بلفظ الهبة مثلا، وإيقاع النكاح بغير ما اشتملت على عنوان النكاح

[ 219 ]

أو ما يرادفه - غير وجيهة، لما عرفت من أن الاحكام متعلقة بحقائق المسببات لا المسببات متقيدة بتحققها بسبب خاص، فوجوب الوفاء تعلق بالعقد الذي بين المتعاملين، وهو من مقولة المعنى، والالفاظ غير دخيلة فيها إلا دخالة الايجاد، وإلا فالموضوع للحكم نفس المسببات بحسب الادلة الشرعية وحكم العرف والعقلاء، سيما مع ملاحظة مناسبة الاحكام والموضوعات من أن العقد بما هو قرار محترم يجب الوفاء به، لا بما أن اللفظ الموجد له كذا وكذا. فعلى ذلك البحث عن ألفاظ الايجاب والقبول، وأن أيهما مختص وأيهما مشترك يقع زائدا، كما أن احتمال اعتبار العربية ساقط، بل احتمال اعتبار كون عقد كل ملة بلسانهم الخاص بهم أقرب، سيما مع القول بأن الادلة منصرفة إلى المعهود من العقود، ضرورة أن العقود المتعارفة في كل ملة هي ما أنشئت بلسانهم، وإن كان الاحتمال المذكور أيضا مدفوعا بالاطلاقات والعمومات، ودعوى الانصراف قد عرفت ما فيها، كما أن اللحن في المادة أو الهيئة أو إعرابها إن لم يضر بتحقق المعاملة عرفا ولدى العقلاء غير مضر بالصحة. مسألة: هل يعتبر في العقود إيقاعها بالايجاب والقبول وتتقوم بهما أو يصح إيقاعها بالايجاب فقط؟ مقتضى الاطلاقات هو الثاني، فلو وكل أحد المتبائعين الآخر في إيقاع البيع فقال: بعتك هذا الثوب بدرهم أو بعت هذا بهذا تم البيع وصح، لان حقيقته ليست إلا تمليك عين بعوض أو مبادلة مال بمال، وقد حصلت بهذا اللفظ من غير احتياج إلى ضم القبول، فضمه

[ 220 ]

أمر زائد، وانما احتيج إليه إذا كان مجري الايجاب هو البائع من غير وكالة عن المشتري، فلابد في وقوعه من إيقاع الايجاب، وما دل على القبول من فعل أو قول. وأما إذا كان الوكيل أو الوصي من الطرفين شخصا واحدا فلا يلزم أن يوقع الايجاب من قبل أحدهما والقبول من الآخر، بل له إيقاع المبادلة بصيغة واحدة، كقوله: بادلت بينهما أو بعت هذا بهذا، بل يمكن القول بأن مجرد الرضا بالايجاب كاف بعد كون تمام الماهية منشأ بالايجاب، فلا يحتاج إلى إيقاع القبول مطلقا. نعم المعهود بين الناس إيقاعه بالايجاب والقبول، لكنه لا يصير هذا موجبا لتقومه بهما، أو لانصراف الادلة عنه كما تقدم. وتدل عليه مضافا إلى العمومات والاطلاقات صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: " جاءت إمرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت زوجني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لهذه؟ فقام رجل فقال: أنا يارسول الله صلى الله عليه وآله زوجنيها، فقال: ما تعطيها؟ فقال: مالي شئ، قال: لا، فاعادت، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام، فلم يقم أحد غير الرجل، ثم أعادت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله في المرة الثالثة: أتحسن من القران شيئا؟ قال: نعم، قال: قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه " (1) وقريب منها رواية سهل الساعدي (2). وتدل عليه روايات (3) في أبواب عقد النكاح، والظاهر من الرواية


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب المهور - الحديث 1. (2) المستدرك - الباب - 1 - من ابواب عقد النكاح - الحديث 4. (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب عقد النكاح.

[ 221 ]

المتقدمة أن قول الرجل: " زوجنيها " لم يكن إلا الاذن له صلى الله عليه وآله لتزويجها إياه، لا إيقاع التزويج، وقوله صلى الله عليه وآله: " قد زوجتكها على ما تحسن " إيقاع تمام ماهية الزوجية من غير احتياج إلى ضم أمر آخر إليه، كما أن الامر كذلك واقعا، فان ماهية الزوجية ليست إلا العقدة المعهودة، فإذا وكل الزوجان شخصا لايقاعها فقال: " زوجتكها " فقد أوقع علقتها، بل البيع والتزويج ونحوهما في جميع الموارد تحصل بالايجاب، والقبول ليس له شأن إلا تثبيت ما أوقع الموجب، فإذا حصل ذلك بالتوكيل فلا وجه لضم أمر آخر إليه يسمى قبولا، بل يقع القبول في مثله زائدا. مسألة: الظاهر عدم اعتبار الماضوية، وما قيل - من أن الماضي صريح في إنشاء العناوين به، لانه وضع للتحقق والثبوت، فإذا كان المتكلم في مقام إيجاد المبدأ بالهيئة كقوله: " بعت " كان صريحا في تحقق الامر الاعتباري، والمضارع ليس بصريح، لانه موضوع لتلبس الفاعل بالمبدأ، وهو ملازم للتحقق ولو في التلبس الحالي، فالمضارع كاسم الفاعل لا يصح إيقاع البيع به، ثم ادعى القائل بأن المراجعة إلى الروايات الواردة في الابواب المختلفة توجب القطع بأن الفعل المضارع والامر في هذه الابواب وقعا مقاولة ووعدا واستدعاء انتهى -. مدفوع - بعد الغض عن صحة المعاملات بالالفاظ غير الصريحة كنايه كانت أو مجازا أو غيرها - بأن الفعل الماضي ليس صريحا أيضا في الانشاء، لان هيئته موضوعة للحكاية عن تحقق صدور الحدث من الفاعل

[ 222 ]

وليس مرادنا الآن بيان وضع جميع هيئاته، بل المراهيئات الماضي المتعدى من قبيل بعت وآجرت وأنكحت واستعمالها في المعنى الانشائي ليس على وجه الحقيقة والصراحة، بل القرائن المقامية أوجبت ظهورها في الايقاع، وهذا دليل على عدم اعتبار الصراحة في ألفاظ العقود. مضافا إلى أن هيئة المضارع أيضا موضوعة للحكاية عن تحقق صدور الحدث في الاستقبال، والفرق بينهما ليس إلا في السبق واللحوق، لا بمعنى كونهما بالعمنى الاسمي جزء لمعناهما، بل بمعنى وضعهما لحصة من التحقق بالمعنى الحرفي الملازمة للسبق واللحوق، والتفصيل موكول إلى محله. فحينئذ يكون حال المستقبل كالماضي في الدلالة على الحكاية عن التحقق، وفي أن استعمالهما في الانشاء والايقاع ليس على نحو الحقيقة، ويحتاج إلى القرائن اللفظية أو الحالية، بل المضارع بما أنه مشترك بين الحال والاستقبال لعله أولى بالصحة. وأما اسم الفاعل والمفعول فصحة الايقاع بهما موقوفة على جواز الايقاع بالكنايات، فقوله: " أنا بائعك هذا بهذا " في مقام إيقاع البيع، وقول المرأة: " أنا منكوحتك على كذا " في مقام إنشاء النكاح صحيح على القواعد. وتشهد عليها في الفعل المضارع الروايات الواردة في الابواب المتفرقة سيما باب النكاح، كرواية أبان بن تغلب قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: تقول: أتزوجك متعة على كتاب الله وسنة نبيه لا وارثة ولا موروثة كذا وكذا يوما وإن شئت كذا وكذا سنة بكذا وكذا درهما، وتسمي من الاجر (الاجل خ ل) ما تراضيتما عليه قليلا كان أو كثيرا، فإذا قالت: نعم

[ 223 ]

فقد رضيت، وهي امرأتك، وأنت أولى الناس بها " الحديث (1). وأنت خبير بأنها في مقام بيان كيفية إجراء الصيغة بخصوصياتها، وتعليمه بما ذكر كيفية إجراء صيغة المتعة، فلا وجه للحمل على المقاولة، سيما مع قوله: " فإذا قالت نعم " الخ. فلا ينبغي الاشكال في صحة التزويج وغيره بالفعل المضارع، وأما الامر فان كان إنشاء للايجاب أو القبول ولو بالكناية أو المجاز بنحو مفهم لدى العقلاء فالظاهر جوازه، ومجرد شباهته بالاستدعاء أو الامر المولوي لا يوجب عدم صحة الانشاء به كما مر. مسألة: هل يعتبر تقديم الايجاب على القبول مطلقا أو لا كذلك أو يعتبر في غير العقود الاذنية دونها؟ وهنا بعض تفاصيل أخر لا يهم ذكره. والذي يظهر من الشيخ الاعظم قدس سره عدم الصحة إذا كان القبول بلفظ " قبلت " و " رضيت "، والصحة إذا كان بلفظ الامر والاستيجاب على القواعد، وكذلك إذا كان بلفظ " اشتريت " و " تملكت " ونحوهما، وفصل بعضهم بين العقود الاذنية وغيرها. والذي ينبغي التنبيه عليه مقدمة أن القبول كما أشرنا إليه ليس له شأن إلا تقرير ما أوجده الموجب وتثبيته، لان قول الموجب بعتك هذا بهذا أو بادلت بين هذا وهذا إيقاع لتمام ماهية البيع، ولا تحتاج تلك المعاملة في تحققها إلى إيقاع ملكية المشتري للمثمن أو البائع للثمن، لان ذلك أمر قد فرغ منه البائوأ وقعه، وانما تحتاج إلى قبول عمله حتى


(1) الوسائل - الباب - 18 - في ابواب المتعة - الحديث 1 .

[ 224 ]

يترتب عليه الاثر، ويكون موضوعا لاعتبار العقلاء النقل، ففي الحقيقة شأن القبول شأن شكر الله سعيك، لا النقل والانتقال الجديد، بل لو قال بعد إيجاب البائع: نقلت الثمن اليك في مقابل نقلك المثمن يعد أمرا زائدا وإن كان صحيحا، لدلالته على الرضا والقبول لايجاب البائع. فما أفاده الشيخ الاعظم قدس سره - من أن انشاء القبول لابد وأن يكون جامعا لتضمن النقل وللرضا لانشاء البائع - غير مرضي. كما أن ما ذكره بعض الاعاظم قدس سرهم - من أن الموجب والقابل في العقود المعاوضية كل منهما ينشئ أمرين: أحدهما بالمطابقة، وثانيهما بالالتزام، فالموجب ينقل ماله إلى ملك المشتري مطابقة ويتملك مال المشتري عوضا عن ماله التزاما، والقابل بعكس ذلك - منظور فيه من وجوه تظهر بالتأمل. فعلى ما ذكرناه كل ما دل على هذا المعنى المطاوعي ولا يكون له شأن إلا إنفاذ ما أوجده البائع يكون قبولا، كقبلت ورضيت ونحو ذلك وأما مثل " اشتريت " الذي مفاده نقل مال الطرف إلى ملكه بازاء نقل ثمنه إليه فليس من قبيل القبول، بل هو إيجاب من قبل المشتري، فان ماهية البيع التي ليست إلا مبادلة مال بمال كما يمكن إيقاعها بالايجاب من طرف البائع يمكن إيقاعها بايجاب المشتري، فإذا قال المشتري اشتريت هذا بهذا أو تملكت هذا بهذا لم يبق محل لايجاب البائع، بل لابد له من قبول هذا الايقاع، وبقبوله يتم موضوع اعتبار العقلاء، لان إيجاب البائع بعد قول المشتري إن كان تمليكا جديدا وتملكا كذلك فلا يرتبط بايقاع المشتري وإن كان إيقاعا لما أوقعه المشتري فلا يحتاج إليه، بل المحتاج إليه تنفيذ ما أوقعه. نعم لو كان المراد من قوله تملكت: " قبلت تمليك " كان قبولا،

[ 225 ]

وهو خارج عما فرضه الشيخ الانصاري قدس سره وداخل في القسم الاول. فما أفاد الشيخ قدس سره - من أن نحو " اشتريت " إذا وقع عقيب الايجاب يوجب تحقق المطاوعة ومفهوم القبول - غير مرضي، بل مخالف لما أفاده من أنه أنشأ ملكيته للمبيع بازاء ماله عوضا، ففي الحقيقة أنشأ المعاوضة كالبائع، إلى أن قال: فليس في حقيقة الاشتراء من حيث هو معنى القبول، فانه إذا كان كذلك كيف يتحقق بتأخره معنى المطاوعة، فإذا قال البائع: " نقلت مالي إليك بالعوض " وقال المشتري: " نقلت مالك إلي بالعوض " لا يكون ذلك قبولا بلا إشكال، لان معنى القبول والمطاوعة تثبيت ما جعله البائع، لا إيقاع أمر نظير إيقاعه. ثم كيف يكون مع تقدمه على الايجاب من قبيل تقدم القبول على الايجاب مع اعترافه بأنه لا يكون فيه معنى القبول، والفرض أنه لم يقع موقع القبول أيضا. وقد يقال: إن الاشتراء والابتياع بمفهومهما متضمن لاتخاذ المبدأ، فان كان بعنوان اتخاذه من الغير فهو مطاوعة قصدية، وإن كان بعنوان اتخاذ المبدأ ابتداء لا من الغير فهو مساوق لبعت وشريت. وفيه أن المطاوعة إنما هي مطاوعة فعل الغير بالمعني المصدري، وهو غير اتخاذ المبدأ من الغير، وإن كان المراد من الاتخاذ من الغير القبول لفعله فهو ليس من اتخاذ المبدأ بل يكون معنى الانفعال، وهو غير قائل به. وعلى ما ذكرناه يخرج مثل " اشتريت " و " تملكت " بالمعنى الاول ونحوهما عن باب تقديم القبول على الايجاب، وكذا الامر والاستدعاء فانهما بحسب المتعارف ليسا إلا الاذن في إيقاع المعاملة، فإذا أوجب المأمور، وقال: بعتك هذا بهذا فقد تمت بهذا الانشاء، فالامر إذن في الايقاع لا قبول

[ 226 ]

للايجاب، وتمام حقيقة المعاملة تحصل بالايجاب فقط بعد ما كان باذن المشتري، وهو أيضا خارج عن باب تقديم القبول على الايجاب، إلا أن يستعمل الامر في القبول مجازا أو يؤتى به كناية عنه، فيدخل في القسم الاول، فما ينبغي أن يكون محط الكلام هو القسم الاول سواء أنشئ القبول بلفظه أو لفظ مرادف له أو أنشئ بالمجاز أو الكناية أو نحوهما. والتحقيق جواز تقديمه عليه، لان القبول وإن كان مطاوعة وتنفيذا لما أوقعه البائع لكن يمكن إنشاؤه مقدما على نحوين: أحدهما بنحو الاشتراط، بأن يقول: إن ملكتني هذا بهذا قبلت نظير الواجب المشروط فيتحقق القبول والمنشأ بعد الايجاب، ويكون مطاوعة له حقيقة، وتحصل الملكية بعد القبول الحقيقي، أي المنشأ بلا فصل لو فرض اشتراط حصولها بعده في الحال، وهو صحيح على القواعد إلا أن يثبت الاجماع على بطلانه. وثانيهما بنحو الواجب التعليقي، فكما يمكن الامر بأمر متأخر من غير اشتراط يمكن إيقاع الايجاب أو القبول كذلك، فللقابل أن يقبل الايجاب في موطن تحققه، فانشاؤه حالي والمنشأ استقبالي. وتوهم أن الايجاب والقبول من قبيل الكسر والانكسار فاسد وخلط بين الامور الاعتبارية والتكوينية، فسنخ معنى القبول وإن كان بنحو لا يمكن أن يتحقق في عالم الاعتبار إلا متأخرا عن الايجاب لكن الايقاع بالنحوين المتقدمين يوجب وجوده متأخرا عنه، فلفظ القبول متقدم وحقيقته متأخرة. وما أفاده الشيخ الاعظم قدس سره من أن تقدم القبول مستلزم لعدم تحقق النقل في الحال، وهو معتبر في المعاملة - غير مرضي، لعدم الدليل عليه، وانما يعتبر العقلاء حصول الاثر في المعاملات المتعارفة بعد القبول، لكونه جزءا متمما لموضوع اعتبارهم، فان اعتبار حصول النقل

[ 227 ]

متقوم بالايجاب والقبول، فمع أحدهما فقط لا يتحقق موضوع الاعتبار وهذا ليس لاجل أن للقبول خصوصية لابد من وقوع التمليك والنقل به حالا، بل قد عرفت أن القبول ليس بناقل، بل الناقل إيقاعا هو الايجاب. فحينئذ لو أغمض عن الاشكال العقلي بأن المعنى المطاوعي لا يمكن تحققه إلا متأخرا عن الايجاب لا يكون هذا إشكالا، فإذا قبل المشتري ما أوجبه البائع متأخرا وأوجب البائع بعد قبوله تم موضوع الاعتبار. هذا مع ما مر ذكره من أن إيقاع القبول على نحو الواجب المشروط أو المعلق يدفع الاشكال، لان الانتقال حاصل بعده حقيقة. وأما التفصيل بين العقود الاذنية وغيرها فلا وجه له، بل لا معنى معقول للعقود الاذنية، لان عقد الوكالة مثلا عقد، من حكمه العقلائي جواز الاتيان بما أو كل أمره إليه، لا أنه نفس الاذن في الاتيان، بل الاذن في التصرف أو الاتيان في عقد الوكالة لغو لا معنى له، فالموكل لا يوقع إلا الوكالة، وليس معنى الوكالة الاذن في التصرف، فانه إيقاع لا يحتاج إلى القبول، ولا يترتب عليه آثارها، فالوكالة أمر اعتباري لا يعتبره العقلاء إلا بعد القبول بخلاف الاذن، فالمأذون لو رد الاذن يكون مأذونا مادام الاذن باقيا، والوكيل لو لم يقبل الوكالة أو رد الايجاب لا يكون وكيلا، ولا يترتب على فعله الآثار، فلو رد الوكالة ثم فعل ما أو كله إليه لا بعنوان قبول الوكالة لا يكون نافذا بخلاف المأذون وبالجملة لا فرق بين العقود في ذلك جوازا وامتناعا وصحة وفسادا. مسألة: الظاهر عدم اعتبار الموالاة بين الايجاب والقبول، ولا عدم الفصل

[ 228 ]

بالاجنبي بينهما، من غير فرق بين كون دليل إنفاذ المعاملات " أوفوا بالعقود " (1) أو نحو " أحل الله البيع " (2) ومن غير فرق بين أنحاء العقود. وربما يتشبث بدليل عقلي على الاعتبار، فيقال: لما كان في العقود المعاوضية خلع ولبس أو إيجاد علقة فلابد وأن يكون مقارنا للخلع لبس ومقارنا لايجاد العلقة قبول، وإلا فيقع الاضافة أو العلقة بلا محل ومضاف إليه. ثم إن هذا القائل بعد الجزم بالاعتبار في العقود المعاوضية وبعدمه في العقود الاذنية تردد في العقود العهدية غير المعاوضية، وجعلها محل الاشكال، واختار الاعتبار بعده. وأنت خبير بأن إقامة الدليل العقلي على الاعتبار والالتزام بلزوم الاضافة بلا مضاف إليه وبلا محل ينافي الترديد في قسم من العقود بعد التصديق بأنها عقد، وفيها نقل وانتقال، ضرورة أن عقد الهبة أيضا موجب للخلع واللبس، فلو كان مقتضى عدم الموالاة هذا الامر الممتنع عقلا فلا معنى للترديد. إلا أن يقال: إن ترديده على فرض التسليم وأن الدليل هو أمر عرفي لا عقلي، وقد تقدم وجه النظر في التفصيل بين العقود الاذنية وغيرها. ثم إنه لو تم هذا الدليل العقلي لكان لازمه امتناع تحقق العقود مطلقا، لان قيام الاضافة بذاتها وبلا محل محال، سواء كان في آن أو في زمان طويل، فطول الزمان وقصره شريك العلة في الامتناع، بل لو لم يفصل القابل بين قبوله والايجاب يلزم ذلك، لان الايجاب حسب الفرض


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 275.

[ 229 ]

علة للخلع، فبتحققه يتحقق الخلع، والقبول تدريجي الوجود، فيلزم التالي الفاسد. بل على هذا المبنى يكون الامتناع من قبل الايجاب، ولا ربط له بالقبول أو تأخره أو عدم الموالاة بينهما ثم لو صح الخلع يكون المالك بواسطته أجنبيا عن العين، فليس له اللبس لقطع سلطنته، وأما التمليك على ما هو الحق فهو يحصل باعمال السلطنة وسلبها بعده، هذا مع إمكان أن يقال على هذا المبنى غير الوجيه وابتناء المسألة على أمر عقلي: إنه لا يلزم التالي مع عدم الموالاة، لان الخلع واللبس الايقاعيين حصلا بالايجاب، لانه تمام ماهية المعاملة، فالموجب بايجابه يملك المشتري ويتملك الثمن إيقاعا وإنشاء. وإن شئت قلت: الموجب هو المبادل بين المالين إيقاعا، وليس للقبول شأن إلا إنفاذ ذلك وتثبيته، فيحصل بالايجاب الخلع واللبس الايقاعيان، وبعد ضم القبول إليه يحصل الخلع واللبس الواقعيان الاعتباريان فلا يوجب الفصل تحقق الاضافة بلا محل كما لا يخفى. وقد يقال: إن الايجاب يفيد النقل من حينه، فإذا تأخر القبول عنه فاما أن يكون قبولا لتمام مضمون الايجاب، فعلى فرض الصحة لزم حصول النقل قبل تمام العقد أو بعض مضمونه أعني النقل من حين تحقق القبول، فيلزم عدم المطابقة بين الايجاب والقبول، وهو معفو في الفصل القليل دون الكثير. وفيه أن لنا اختيار الشق الاول من غير لزوم التالي الفاسد، لما عرفت من أن الايجاب تمام ماهية العقد، والقبول كالاجازة في الفضولي فيمكن القول بالصحة من حين الايجاب كشفا أو حكما، تأمل. أو يقال: إن الايجاب ليس مضمونه النقل من حينه، بل مضمونه

[ 230 ]

التمليك بالعوض أو التبديل بين المالين، لكن ترتب الاثر عليه عرفا وشرعا يعني اعتبارهما لتحقق النقل موقوف على ضم القبول إليه وإن شئت قلت: بعد ضمه يؤثر في النقل لا النقل في الحين، فالقبول قبول لتمام مضمونه. وبعبارة أخرى إن الاسباب مؤثرات في نفس المسببات، والزمان ظرف لتحققها لا قيد له، وهو واضح موافق للتحقيق، فالشق الاول مختار، ولا إشكال فيه. وأما ما يقال في مقام بيان اعتبار التوالي - بأن العقد المركب من الايجاب والقبول القائمين بنفس المتعاقدين بمنزلة كلام واحد، مرتبط بعضه ببعض، فلابد في ترتب الحكم عليه من تحققه بنحو الوحدة الاتصالية والفصل الطويل أو بالاجنبي يقدح بالهيئة الاتصالية والوحدة الاعتبارية، أو يقال: إن العقد بما أنه موضوع الاثر الواحد لابد وأن يكون واحدا عرفا، والفصل مخل بوحدته العرفية - فغير وجيه، لان العقد والبيع والتجارة ونحوها عبارة عن المعاني المسببية، وقد مر في المعاطاة بيان أن العقد ليس من مقولة اللفظ، فعقدة النكاح الواردة في الكتاب العزيز (1) عبارة عن العلقة المتبادلة بين المتعاملين، كأنها بتبادل الاضافتين صارت عقدة كعقدة الخيط، وهي أمر باق يصح أن يعبر عنه بقوله تعالى: " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " فلابد من ملاحظة هذا الربط والعلقة المسببية، وهي ليست من الامور المتدرجة الوجود، ولا من مقولة الالفاظ حتى تلاحظ هيئتها الاتصالية، فقياسها بالقراءة و التشهد والصلاة ونحوها مع الفارق، وقد تقدم أن بالايجاب يتم العقد والبيع، والقبول بمنزلة الاجازة.


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 237.

[ 231 ]

نعم ما هو المعتبر ارتباط قرار هما وعهد هما أي عهد البائع وقراره بقبول المشتري، وهو حاصل مع بقاء الايجاب الاعتباري أي المعنى المسببي بنظر العقلاء فما لم يصر الايجاب الكذائي منسيا ومعرضا عنه صح ضم القبول إليه، فلو قال: بعتك هذا الفرس قم وتفكر في صلاحك، فقام وتأمل ساعة أو ساعتين بل يوما أو يومين فاختار القبول يصدق العقد عليه، ويجب الوفاء به عرفا وشرعا، كما أن العهود الكتبية بين الدول وبين الشركاء في التجارات لا يعتبر فيها التوالي لدى العقلاء، فالمضر عدم ربط المسببات، والمعتبر ربطها، لا التوالي بين الايجاب والقبول وبين الاسباب، من غير فرق بين كون دليل التنفيذ " أوفوا بالعقود " (1) أو " أحل الله البيع " (2) و " تجارة عن تراض " (3). ثم إن مقتضى تقريب الشيخ الاعظم ذيل كلام الشهيد (قد هما) عدم الفرق في عدم الصحة بين اعتبار العقد وغيره، لان برهانه وهو أن الايجاب والقبول بمنزلة كلام واحد مرتبط بعضه ببعض، فيه الهيئة الاتصالية، فيقدح تخلل الفصل بهيئته الاتصالية جار في غيره أيضا، لان البيع والتجارة أيضا على هذا المبني عبارة عن الايجاب والقبول والمرتبطين، وبمنزلة كلام واحد. وما قيل في بيان الفرق - بأن العقد ربط ووصل، ففي مفهومه معتبر ذلك، فلابد أن لا يتخلف العقد اللفظي أحد جزئيه عن الآخر، بخلاف البيع والتجارة، إذ ليس مفهومهما كمفهومه مقتضيا للربط - مع كونه غير مرضي في نفسه غير مربوط باستدلال الشيخ - قدس سره - فراجع. ثم إن ما ذكره الشيخ ليس مختصا بالامور المتدرجة، بل كل أمور


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1. (2) سورة البقرة: 2 - الآية - 275. (3) سورة النساة: 4 - الآية 29.

[ 232 ]

يجمعها عنوان واحد وله هيئة خاصة اتصالية أيضا كذلك، كالعسكر والدار والبستان والبلد، فالتدريج والقرار غير دخيلين، ولا يبعد أن لا يخالف الشيخ - قدس سره - لذلك، وإنما خص بالامر التدريجي، لان المقام من قبيله. وقد عدل بعض الاعاظم عن تقريب الشيخ - قدس سره - بقوله: " كل أمرين أو أمور يجمعها عنوان واحد - كالصلاة - يجب أن لا يفصل بينها فاصل مخل بالجهة الجامعة " لكن يظهر من ذيل كلامه أيضا الفرق بين العقد والبيع، وفي كلامه موارد أنظار، يظهر للناظر الدقيق. وأما التفصيل بين العقود الاذنية وغيرها فقد مر ما يفسده. مسألة: ومما نقل اعتباره عن جمع التنجيز، قالوا: فالتعليق في العقود وما بحكمه موجب للبطلان. وما يمكن أن يتشبث به في وجه الاعتبار ما قيل في امتناع الواجب المشروط بحيث يرجع الشرط إلى الهيئة، تارة بأن الهيئات حروف لا يعقل تعليقها بشئ، للزوم لحاظ المعنى الآلي استقلالا، وأخرى بأن الحروف، - ومنها الهيئات - معاني جزئية لما حقق من خصوص الموضوع له فها، والجزئي غير قابل للتقييد والتعليق، وثالثة بأن الهيئات بما أنها حروف إيجادية لا حكائية تكون آلة لايجاد المادة اعتبارا، والايجاد كالوجود غير قابل للتعليق، فان الوجود والايجاد تكوينيا كانا أو اعتباريا يستحيل تعليقهما، فكما أنه لا يمكن أن يعلق وقوع الضرب على شخص على كونه عدوا كذلك يستحيل إيجاد البيع وإنشائه معلقا، فان إيجاد المعنى المقصود

[ 233 ]

باللفظ إما لا يحصل رأسا أو يحصل مطلقا، فوقوع الايجاد معلقا مرجعه إلى التناقض، فكلام القوم ومحط النزاع التعليق في المنشأ لا الانشاء. ونحن قد فرغنا عن الجواب عنها في الواجب المشروط، وقلنا بامكان التعليق في المعاني الحرفية، وكذا إمكان تعليق الجزئيات وتقييدها، وأما الوجه الثالث الذي تشبث به بعض أعاظم العصر رحمه الله وزعم أن النزاع في تعليق المنشأ لا الانشاء، ففيه أن قياس الايجاد الاعتباري بالتكويني مع الفارق، ولا يلزم من امتناع التعليق في التكوين امتناعه في التشريع وعالم الاعتبار، فإذا قال: إن جاءك زيد فاضربه يكون القيد قيد الهيئة لا المادة، والبعث الاعتباري معلق على مجيئه، فما لم يجئ لا بعث بالضرروة، وفي ظرف تحقق المجئ يتحقق البعث الاعتباري، وبالجملة قبل حصول المعلق عليه لا إيجاب ولا وجوب، وانما يتحققان بعد تحققه. والانشاء غير التلفظ بالالفاظ الموقعة له، والتلفظ من التكوين - ولا يعقل تعليقه - بخلاف الانشاء والايقاع الذي هو أمر اعتباري نظير الايجاب والتلفظ بلفظ دال عليه، ولعل القائل رحمه الله تعالى خلط بينهما فوقع فيما وقع، وقوله: " يلزم منه التناقض " غير وجيه، لانه انما يلزم لو كان الايجاد وعدمه بالفعل، لكن في الواجب المشروط يكون الانشاء مشروطا ولازم اشتراطه تحقق الايجاب والوجوب بعد الشرط، وكذلك الحال في إنشاء البيع، فإذا قال: " إن طلعت الشمس بعتك هذا بهذا " جعل إيقاع البيع مشروطا بتحقق طلوعها، فالايجاد الاعتباري مشروط، وفرق بين قوله: " بعتك هذا يوم الجمعة " مريدا به أو جدت بيع يوم الجمعة وقوله: " بعتك هذا بهذا إن جاء يوم الجمعة " لان يوم الجمعة في الاول وصف للمنشأ بخلاف الثاني، فانه قيد للهيئة وشرط للانشاء، والعهدة في حله بجميع

[ 234 ]

جوانبه على بحث الواجب المشروط. مع أن التعليق في المنشأ لا معنى له، لان المعاني التصورية لا يعقل فيها التعليق، فلا معنى لتعليق زيد أو تعليق بيع الدار، بل التعليق لابد وأن يرجع إلى المعاني التصديقية، خبرية كانت أو إنشائية، فتدبر. ثم لو تم الدليل العقلي الذي أقامه فلا يدل ذلك على تحرير محل النزاع، فلعل القوم لم يتم عند هم هذا الدليل، ولهذا إن المشهور على ما حكي رجوع القيود في الواجب المشروط إلى الهيئة لا المادة، بل رجوع القيد إلى المنشأ في المقام لازمه أن ينشأ بالفعل المك مثلا يوم الجمعة فالنتيجة إن ملك يوم الجمعة لك بالفعل، فيكون الشئ ملكا للمنشئ من الآن إلى يوم الجمعة وملك يوم الجمعة للطرف، فيجوز أن يملك غيره ملك يوم السبت وآخر ملك يوم الاحد، وهكذا نظير باب الاجارة، فيكون الجميع مالكا بالفعل كل ملكية قطعة من الزمان، مع أن الملك ليس متكثرا بتكثر الزمان، وليس المملوك متعددا في المملوكية كالمنافع في كل يوم. فالتحقيق أنه إن رجع القيد إلى الانشاء صح مطلقا، وإن رجع إلى المنشأ بطل مطلقا، لعدم تعدد المملوك حتى ينتقل في وقت ويبقى مملوك آخر، ويكون كل قطعة من الزمان مكثرا له، فالمملوك هو نفس الشئ والزمان ظرف له، المالك للبيت ليس له بيوت عدد أيام السنة أو عدد ساعات السنة، فله أن يملك غيره ما ملكه، وهو نفس الطبيعة. وأما إذا رجع القيد إلى الهيئة فالتمليك لنفس الطبيعة، ولا يتحقق التمليك إلا بعد حصول القيد أو المعلق عليه، والسر أن القيد إن رجع إلى الهيئة يكون الطبيعة مطلقة بلا قيد، والانشاء والتمليك معلقا على شئ، وإن رجع إلى المنشأ المادة يكون التمليك بلا قيد، فلابد وأن يتحقق، ولامتناع انفكاك المنشأ عن الانشاء يصير الملكية موجودة، لكن

[ 235 ]

لا الملكية المطلقة، بل المقيدة بيوم الجمعة، فللشئ ملاك متعددة حسب اقتضاء القيود الراجعة إلى المادة، وأيضا لازم رجوع القيد إلى المادة تمامية العقد فعلا، وعدم جواز الرجوع من المتعاقدين قبل حصول القيد والمعلق عليه، بخلاف ما لو رجع إلى الهيئة، لان العقد على فرض حصول القيد فمع عدمه لا عقد بينهما، بل إنشاء معلق لو حصل المعلق عليه صار إنشاءا وعقدا. وربما يقال: إن التعليق يوجب عدم الجزم بايقاع المعاملة، هو معتبر فيه. وفيه منع الصغرى، فان الانشاء المعلق جزمي على فرض التعليق كالاخبار المعلق، فإذا قال: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " لا شبهة في إخباره جزما بالفساد على فرض تعدد الآلهة بلا شائبة ترديد واحتمال خلاف، وكذلك إذا قال: إن جاءك زيد بعتك هذا بهذا، فان البيع على الفرض جزمي، نعم حصول المعلق عليه ربما يكون مشكوكا فيه، وهو لا يوجب عدم الجزم على فرضه، بل لو علقه على أمر محال لا يضر بالجزم كما لا يخفى. بل يمكن منع الكبرى لعدم دليل على لزوم الجزم في المعاملات ولا العبادات فان لم يعلم أن الفلان عبده أو الفلانة زوجته فقال: أنت حر لوجه الله وأنت طالق برجاء إصابة لواقع فأصاب صدق أنه أعتق عبده وطلق زوجته، وإذا قال: بعتك هذا المال برجاء أنه ما له وكان في الواقع ما له صدق أنه باع ما له، فلا يعتبر الجزم في الصدق العرفي، ولا دليل على اعتباره، وإطلاق الادلة وعمومها يدفع احتماله، ودعوى الانصراف قد مر ما فيها. وأما تحصيل الاجماع أو الشهرة المعتبرة في هذه المسألة التي للعقل

[ 236 ]

فيها قدم راسخ فغير ممكن، ولهذا ترى تشبثهم بالدليل العقلي أو العرفي، مع ما يقال: من أن المسألة لم تكن معنونة، وانما استندوا إلى باب الوكالة والوقف ونحو هما. فالتحقيق عدم اعتبار التنجيز في المعاملات مطلقا سواء كانت معلقة على معلوم في الحال أو الاستقبال أو مجهول كذلك، بل أو معلوم العدم كذلك ثم بأن تحققه. مسألة: لا إشكال في اعتبار التطابق بين الايجاب والقبول، إذ مع عدمه لا يصدق عليهما العقد، ولا للمطاوع القبول، بل قد عرفت أن القبول بمنزلة اجازة الفضولي، فلابد وأن يكون متعلقا بعين ما أوجب، وهو واضح. وانما الكلام في تشخيص الصغرى في بعض الموارد، والمناط الكلي أن في كل مورد ينحل العقد عرفا إلى عقدين أو إلى عقد وشئ آخر فقبل القابل البعض المنحل يقع التطابق بينهما، مثلا لو قاول المشتري البائع في بيع فرسه بألف وبيع ثوبه بألف بحيث لا يكون بين البيعين ارتباط في الغرض فباعهما بألفين، وكان ذلك لاجل الجمع في التعبير والسهولة ينحل البيع لدى العقلاء إلى بيع هذا بألف وذاك بألف، فإذا قبل أحدهما يصدق أنه باع فرسه بألف، ويكون القبول مطابقا للايجاب، بخلاف ما إذا كان في الواقع وبنظر العقلاء أو في نظر المنشئ ربط بينهما، فباع المجموع بما هو مجموع، فإنه مع قبول البعض لا يكون قبولا لما أنشأه ولا مطابقا لايجابه، فلو باع الباب فقبل أحد مصراعيه لا يتحقق المطاوعة والتطابق.

[ 237 ]

وهكذا الكلام في الشروط والمتعلقات، ففي مثل الشرط لو قلنا بالانحلال وأنه التزام في التزام كما لا يبعد في بعض الموارد يكون القبول بلا شرط قبولا ومطابقا للايجاب، وبالجلمة لا إشكال في الكبرى، وتشخيص الصغريات على عهدة العرف، والموارد مختلفة. مسألة: قالوا ومن جملة الشروط أن يقع كل من الايجاب والقبول في حال يجوز لكل واحد من المتعاملين الانشاء، فلا يصح مع فقد هما أو فقد أحد هما الاهلية ولو في بعض العقد، فلو كان المشتري في حال إيجاب البائع غير أهل للقبول أو خرج البائع حال القبول عن الاهلية لم ينعقد. وقد يفصل بين ما كان عدم الاهلية بنحو يمتنع معه التعاهد والتعاقد كموت الموجب أو نومه أو إغمائه أو جنونه حال القبول، وككون القابل حين الايجاب كذلك وبعده صار أهلا وبين ما لا يكون كذلك، ككون المشتري صغيرا حال الايجاب أو محجورا أو صيرورة البائع محجورا حال القبول، بدعوى أن مناط المعاهدة مع الغير يتقضي كونهما معا قابلا للتخاطب والمعاقدة فإنه لا ينقدح القصد الجدي في نفس العاقل إلى المعاهدة مع من هو كالجدار أو كالحمار، وعلمه بالتفاته فيما بعد لا يصحح المعاهدة معه فعلا، وأما فقد الاهلية من غير تلك الناحية فلا يضر بصدق العقد، ولهذا كان صحة بيع المكره على القواعد إذا انضم إليه رضاه. أقول: ليست ماهية البيع إلا تمليك عين بالعوض أو مبادلة مال بمال حسب ما فصل في محله، ويقال للبيع ونحوه العقد باعتبار العقدة

[ 238 ]

الحاصلة إدعاء من تبادل الاضافتين على ما مر، وهذه العقدة والمبادلة أنشئت بفعل الموجب و إيجابه من غير دخالة مخاطبة ومعاهدة فيه، فإذا قال البائع: بعت مالي بمال زيد فقد أنشأ المبادلة وأوقع المعاوضة مع عدم تخاطب وتعاهد في البين، فإذا انضم إليه قبول الطرف صار موضوعا لاعتبار العقلاء والشرع للنقل العقلائي، فلو فرض أن المشتري مجنون أو مغمى عليه ولا يمكن مخاطبته لا يضر ذلك بايجاب الموجب، أي التبادل بين المالين أو تمليك العين بالعوض، فإذا أفاق وقبل ما أوجبه تم نصاب موضوع الاعتبار، فوزان الايجاب والقبول وزان العقد الفضولي والاجازة فكما أن المجيز لا يضر عدم أهليته بصحة البيع ونفوذه مع أهليته حال الاجازة كذلك حال القبول. فقوله: إن القصد الجدي لا ينقدح في نفس العاقل إلى المعاهدة مع من هو كالجدار أو كالحمار أجنبي عن باب البيع ونحوه، وخلط ناش من زعم أن البيع معاهدة بين الطرفين حال إيقاعه، وقد عرفت أنه ليس إلا التمليك بعوض، وهو يحصل بفعل البائع، كان الطرف حال الايقاع كالجماد والحمار أم لا، وليس التخاطب دخيلا في ماهية المعاملات. هذا إذا كان المشتري غير أهل حين الايجاب، وكذا إذا خرج البائع عن الاهلية حين القبول، فلو أوقع الايجاب فصار مغمى عليه فقبل المشتري لم يضر بالعقد والبيع، فإذا أفاق يرى أن تمليكه بالعوض صار مورد القبول وتمت المعاوضة. بل يمكن أن يقال: إنه لو مات صحت معاوضة وإن احتاجت إلى إمضاء الورثة، لان المال قبل القبول انتقل إليهم، والورثة قائمون مقامه في ذلك، تأمل. فمقتضى القواعد عدم اعتبار هذا الشرط، نعم لابد من بقاء رضا

[ 239 ]

الموجب في الصحة الفعلية، بل يمكن أن يقال: يكفى رضاه حال القبول أو بعده، فلو أوجب برضا منه ثم رجع عن رضاه ثم رضى ثانيا حال القبول كفى، بل لو رد الايجاب لا يبعد القول بالصحة مع رضاه ثانيا فالرد لا يبطل الايجاب، ويأتي ما يفيد المقام في البيع الفضولي إن شاء الله تعالى. وأما ما أفاد الشيخ - قدس سره - في جواب النقض بالوصية التمليكية - بأن القبول شرط لا ركن، فان حقيقة الوصية الايصاء، ولذا لو مات قبل القبول قام وارثه مقامه، ولو رد جاز له القبول بعد ذلك - ففيه أن الوصية وإن كانت إيقاعا وهي الايصاء لكن قد يتحقق معها عنوان آخر كالتمليك، فانه عنوان متحقق بنفس الايصاء، فقوله: ملكت زيدا بعد موتي كذا ينطبق عليه عنوانان: الايصاء، وهو إيقاع تمت الوصية به، والتمليك، وهو إيجاب يحتاج إلى القبول كسائر الايجابات، من غير فرق بينه وبين التمليك التنجيزي حال الحياة، ولا بينه وبين التمليك بالعوض، فالتمليك المجاني هبة، وهي عقد قائم بالطرفين، بل لو أوصى بالتمليك بعوض دون قيمته مثلا صحت ظاهرا، وأما قضية قيام الوارث مقامه مع فرض كونه حقا فلا مانع منه، وأما جواز القبول بعد الرد فهو موافق للقاعدة في الفضولي وغيره، إلا أن يدل الدليل على خلافها، وإلا فمجرد الرد لا يوجب هدم بيع الفضولي ولا هدم الايجاب، سيما على ما اخترنا من أنه تمام البيع. فرع: لو اختلف المتعاقدان اجتهادا أو تقليدا في شروط الصيغة فأوقع كل حسب رأيه فتارة يوقع كل على خلاف رأي صاحبه، فأنشأ البائع بغير

[ 240 ]

الماضوية مع كونها معتبرة لدى المشتري فقبل المشتري بالفارسية مع اعتبار العربية لدى البائع، وأخرى يوقع أحدهما على خلاف رأي صاحبه دون الآخر فهل يصح العقد مطلقا، أو لا مطلقا، أو يفصل بين الصورة الاولى وغيرها، أو يفصل بين ما إذا كان العقد بنظر أحد الطرفين صحيحا وبين غيره، أو يفصل بين الشرائط، فما كان البطلان فيه مستندا إلى فعل واحد منهما يصح دون ما كان مستندا إلى فعلهما، أو يفصل بين الشرائط التي كان المستند في رفعها لدى الشك الامارات وبين ما كان المستند فيه الاصول، أو يفصل بين المجتهد والمقلد، أو يفصل بين كون بطلان رأي الطرف مقطوعا به وبين كونه مظنونا بالظن الاجتهادي، أو يفصل بين ما إذا لم يكن قائل بصحة العقد المركب من الايجاب والقبول الكذائي وغيره؟ وجوه: قال: الشيخ الاعظم - قدس سره - أردؤها الاخير، لكنه لم يتعرض لجميع المحتملات، ويتلوه في الضعف التفصيل بين القطع بالخلاف والظن المعتبر، كما فصل في باب الاجزاء السيد الطباطبائي - قدس سره - قائلا: إن دليل حجية ظن المجتهد متساوي النسبة إلى الظنين، فإذا ظن بجزئية السورة في زمان وتبدل رأيه ظنا في زمان آخر لم يهدم هذا الاجتهاد اجتهاده الاول، ولا اجتهاد غيره اجتهاده، لان ظنه حجة في الزمن الاول كهذا الظن، نعم لو تبدل إلى العلم بالخلاف يهدم اجتهاده الاول كما أن المجتهد الآخر إذا علم خطأه لا يجوز له ترتيب الاثر. وفيه أن الطرق الاجتهادية الظنية إذا قامت على خلاف اجتهاده الاول أو اجتهاد مجتهد آخر يكشف منها فعلا بطلان الاجتهاد السابق وخطاؤه، ومع قيام الامارة المعتبرة على بطلانه أو بطلان كل اجتهاد يخلافه لا يكون دليل الحجية متساوي النسبة اليهما، بل يختص الاجتهاد الفعلي بالحجية دون

[ 241 ]

غيره، فلو دل دليل على طهارة الغسالة وكان في طريقه ضعف وكان مقتضى اجتهاده الاول وثاقة الراوي ثم تبدل رأيه إلى عدم الوثاقة فلا شبهة في هدم اجتهاده الثاني الاول، لقيام الطريق الفعلي على بطلانه، ولا وجه لانطباق دليل حجية الظن عليه. نعم هنا تفصيل آخر في باب تبدل الرأي والاجزاء، وهو القول بالاجزاء فيما إذا كان الاتيان بالعمل مستندا إلى الاصول العملية، كأصالتي الحل والطهارة، وكحديث الرفع، بل والاستصحاب، دون ما إذا كان المستند الامارات العقلائية أو الشرعية، وقد جحنا هذا التفصيل في باب الاجزاء وباب تبدل الرأي. والظاهر جريانه في المقام أيضا، لان المفروض أنه بحديث الرفع مثلا رفعت شرطية العربية واقعا، ومعنى ذلك أن إيجاب الشاك بالفارسية إيجاب واقعي لدى الشارع الاقدس، فإذا ضم إليه قبول بالعربية ثم ركنا المعاملة، لانها متقومة بايجاب صحيح واقعي وقبول كذلك، والمفروض تحققهما. فما أفاده السيد الطباطبائي قدس سره - من أن العقد متقوم بطرفين، فمع اعتقاد أحدهما بطلانه ولو ببطلان أحد جزئيه لا يجوز له ترتيب الاثر - انما يتم بناء على كون مدرك الفتوى الامارة، مثل إطلاق دليل وجوب الوفاء بالعقد أو الشرط، فان المجتهد الآخر الذي يرى عدم الاطلاق أو ناقش في دلالة الدليل لا محالة يرى إيجابه باطلا لخطأ الامارة، وأما مع الاستناد إلى حديث الرفع فلا معنى لاعتقاد البطلان، لان الباطل ما كان على خلاف المقرر الشرعي، ومع جريان الحديث يكون الشرط مرتفعا، أي يعامل معه معاملة الرفع، فيكون الايجاب من الشاك صحيحا لا يعقل تخلفه عن الواقع، لعدم واقع له يطابقه أو لا يطابقه.

[ 242 ]

والحاصل أن الايجاب فعل البائع لا المشتري، والشارع أسقط اعتبار العربية عن فعله ولو حكما، ولازمه مؤثرية إيجابه الفارسي، فإذا ضم إليه قبول مؤثر صار العقد صحيحا، وهو نظير الاقتداء بمن اجتهاده مخالف له، لكنه يرى صحة صلاة إمامه واقعا، لاستناده في لبس ما هو مانع واقعا إلى دليل الرفع الحاكم على أدلة اعتبار الشرائط والموانع فصار المصداق الواجد للمانع الواقعي والفاقد للشرط كذلك مصداقا للصلاة حقيقة بدليله، فلا يرى المأموم بطلان صلاته. فعلى هذا يكون البيع المركب من الايجاب والقبول وهو فعل تشريكي من الموجب والقابل صحيحا عند هما، لصحة الايجاب والقبول واقعا، هذا إذا تمت دلالة حديث الرفع بما قررناه لدى الطرفين في موضوع الشاك في الحكم، وإلا فلا يحكم بالصحة واقعا. وبما ذكرناه يظهر وجه الصحة في الصورة الاولى من الصور المتقدمة أي صورة إجراء كل منهما على خلاف رأي صاحبه فيما إذا كان استنادهما إلى الاصل لا الامارة، هذا كله بالنسبة إلى المجتهدين. وأما لو كان العاقدان أو أحدهما مقلدا واستندا في الصحة إلى رأي المفتي فالظاهر هو البطلان مطلقا، لان استناد المقلد إلى رأي المفتي استناد إلى الامارة لا الاصل، فدليل التقليد عقلائي من باب أمارية رأي المجتهد للواقع ولو كان المجتهد مستندا في حكمه إلى الاصل، والتفصيل يطلب من مظانه، فان لنا طريقا إلى الصحة مطلقا في تبدل الرأي بالنسبة إلى المجتهد والمقلد. ثم إن الشيخ الاعظم - قدس سره - جعل المسألة مبنية على أن الاحكام الظاهرية المجتهد فيها بمنزلة الواقعية الاضطرارية أو هي أحكام عذرية، وليس مراده ظاهرا أن الواقع تابع لاجتهاد المجتهد، وأن مؤدى

[ 243 ]

اجتهاده حكم واقعي حتى يلزم منه التصويب كما زعم السيد الطباطبائي (قده) بل مراده أن المستفاد من أدلة اعتبار الامارات والاصول هو لزوم ترتيب آثار الواقع عند الشك، فالعقد الفارسي عند الشك في اعتبار العربية بمنزلة العربي في لزوم ترتيب الآثار عليه، كما أن مرادنا من الاجزاء في باب الاصول ذلك، بدعوى أن حديث الرفع بعد عدم جواز حمله على الرفع واقعا لدى الشك في الحكم يحمل على ترتيب أثاره، كترتيب آثار الحل والطهارة الواقعيين في أصلهما، غاية الامر أن ما بنينا عليه أن دليل اعتبار الامارات قاصر عن ذلك، بخلاف أدلة الاصول، وذهب بعضهم في الامارات أيضا إلى الاجزاء فالمسألة مبنية على ما ذكره رحمه الله، لا على ما ذهب إليه السيد الطباطبائي (قده). ثم قال السيد: " إن ترتيب الاثر على ظن المجتهد الآخر جاز فيما كان فعله موضوعا للاثر بالنسبة إليه، كالنكاح وغيره دون ما كان فعله قائما مقام فعله، كاستيجار الولي للقضاء عن الميت من يعتقد بطلان صلاته، فان فعل الاجير فعل المستأجر، وما نحن فيه بمنزلة ذلك، لان العقد متقوم بطرفين، ويجب على كل من المتبايعين إيجاد عقد البيع، وهو عبارة عن الايجاب والقبول - ثم قال -: البيع فعل واحد تشريكي لابد أن يكون صحيحا في مذهب كل منهما " انتهى ملخصا. وفيه - بعد الغض عن البعد عن مذاق الشارع من أن يجوز تزويج زوجة الغير باجتهاده وأن يجوز لمن يرى بطلان الطلاق أن يتزوج بالمطلقة بالطلاق الباطل - أنه بمقتضى تساوي نسبة دليل حجية ظن المجتهدين إلى الظنين - كما جعل ذلك في صدر كلامه مبنى ذلك القول - لا يعقل ترجيح اجتهاد غيره على اجتهاده، فمن يرى بطلان العقد كيف يرفع اليد عن ظنه، ويجب عليه ترتيب آثار الصحة، وهذا معنى اتباعه ظن غيره، ودليل

[ 244 ]

تساوي النسبة على فرض تماميته لا يصحح ذلك. وأما قضية كون فعل الاجير فعل المستأجر ففيها أن الاجير ينوب عن الميت لا المستأجر، ولهذا ذهب في العروة الوثقى إلى وجوب عمل الاجير على مقتضى تكليف الميت اجتهادا أو تقليدا، واحتمال أن يكون الاجير مكلفا باتيان الفعل نيابة عن المستاجر الذي كان لو فعل فعل نيابة عن الميت في غاية السقوط. ثم إن تنزيل المقام منزلة ما ذكر غير وجيه، ضرورة أن العقد المركب من الايجاب والقبول لا يعقل أن يكون فعل كل واحد من المتعاقدين فكيف يكون الموجب موجبا وقابلا، والقابل كذلك، ولا شك في أن الايجاب فعل الموجب، وهو موضوع الاثر بالنسبة إلى القابل، فإذا ضم إليه القبول صار عقدا تاما، وقوله: " البيع فعل تشريكي " الخ مصادرة محضة. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) فصل بين الشروط، وقال: " إن هذا كله - يعني ابتناء المسألة على ما ذكره - إذا كان بطلان العقد عند كل من المتخالفين مستندا إلى فعل الآخر كالصراحة والعربية ونحو هما، وأما الموالاة والتنجيز وبقاء المتعاقدين على صفات صحة الانشاء إلى آخر العقد فالظاهر أن اختلافها يوجب فساد مجموع العقد " انتهى. والظاهر أن مراده أن ما هو من قبيل تلك الشروط يسري فساده إلى إنشاء الآخر، فلا يجدي في الصحة كون الاحكام الظاهرية بمنزلة الواقعية الاضطرارية. أقول: هذا حق بحسب الكبرى، لكن التنجيز ليس من هذا القبيل، أما إذا كان عند الموجب معتبرا دون القابل فلان الموجب إذا أنشأ الايجاب منجزا فقال: " بعتك هذا بهذا " وقال القابل: " لو طلعت الشمس قبلت " لا يسري

[ 245 ]

التعليق إلى الايجاب من القبول، بل لا يعقل ذلك، وهو واضح. وتوهم لزوم عدم المطابقة بين الايجاب والقبول مدفوع - مضافا إلى أنه أمر آخر - بأن هذا المقدار من المطابقة أي مطابقة الانشاءين لا دليل عليه، فلو فرض الجهل بطلوع الشمس وكانت طالعة فقبل معلقا عليه يقع القبول فعليا، بل لو كانت غير طالعة لا يضر بالمطابقة، لما مر من أن الموجب لا يوجب التمليك الحالي، بل الحال ظرف لايجابه وإنشائه، والمنشأ نفس التمليك، فإذا ضم إليه القبول يتم السبب، سواء لحق به في الحال أو الاستقبال. وأما إذا كان القابل قائلا بالاعتبار دون الموجب، فقال الموجب: " بعتك إن طلعت الشمس " وقال القابل: " قبلت " فربما يقال: إن التعليق يسري إليه، وهو غير وجيه، للفرق بين كون القبول معلقا أو كونه قبول أمر معلق، والمقام من قبيل الثاني، فالايجاب معلق، والقبول قبول منجز لهذا المعلق، ففرق بين قوله عقيب الايجاب: " قبلت إن طلعت الشمس " وبين قوله: " قبلت إيجابك المعلق " فلا يسري التعليق في الثاني إليه. وأما الموالاة فان كان القابل يرى اعتبارها فلا كلام فيه، إذ لا يصح له القبول إلا بعد الايجاب بلا فصل، نعم يمكن أن يقال: إنه لو قبل مع الفصل وصح منه الجد يجوز للموجب ترتيب آثار الصحة وإن لا يخلو من إشكال، لاحتمال كون مصب الادلة ما إذا كان إيجاب الوفاء ذاتا للطرفين لا لطرف واحد. وإن يرى الموجب اعتبارها فأوجب ولم يقبل المشتري إلا مع الفصل صار الايجاب بنظر الموجب فاسدا، لانه يرى الايجاب غير صالح لضم القبول إليه، فقبل تحقق القبول خرج إيجابه عن الصحة التأهلية بنظره،

[ 246 ]

فيبطل إيجابه، ويأتي في القابل ما مر في الموجب مع إشكاله. وكذا الكلام في بقاء الاهلية، فان القائل باعتباره إن كان هو الموجب خرج إيجابه المتعقب بالحجر مثلا عن صلاحية تعقبه بالقبول بنظره، وإن كان هو القابل، يرى الايجاب المتعقب بالحجر كلا إيجاب. ويأتي فيهما بالنسبة إلى من يصح عنده العقد ما مر آنفا إيرادا وجوابا. هذا كله فيما إذا كانت الشرائط المذكورة من قبيل الشرائط الشرعية واختلفا في الاعتبار وعدمه. وأما إذا اختلفا في تحقق عنوان العقد وكان منشأه الاختلاف في أحد المذكورات، بمعنى أن القائل باعتبار التنجيز مثلا كان منشأ اعتباره دعوى امتناع الانشاء معلقا وأن القائل باعتبار الموالاة يدعي عدم حصول الهيئة الوحدانية المعتبرة عرفا في حصول العقد وأن القائل باعتبار بقاء الاهلية يدعي عدم تحقق المعاقدة والمعاهدة إذا لم يكن المتعاقدان على صفة الاهلية من أول العقد إلى آخره وأن القائل بالترتيب يدعي عدم تعقل تحقق القبول قبل الايجاب لانه معنى مطاوعي، فلا شبهة في عدم إمكان التصحيح بنظر الطرفين أو الطرف القائل بالاعتبار بدليل الرفع أو المبنى الذى أشار إليه الشيخ (قده) وهو واضح، وهذا أمر سار في كل شرط كان كذلك. وبالجملة إن اختلاف المباني في اعتبار الشروط موجب لاختلاف الحكم صحة وفسادا.

[ 247 ]

مسألة: لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه، وصار مضمونا عليه، ويجب عليه رده، ولا يجوز له التصرف فيه، وتوهم أن الاذن الضمني في التصرف يرفع حرمته، وتسليم العين المأذون في تصرفها يرفع الضمان مدفوع لا لان الجنس لا يبقى بلا فصل، ولا لان البسائط ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز، لانهما كما ترى، بل لان إيقاع العقد بالرضا به وإرادته ومباديها، وأما الرضا بالتصرف في المبيع أو الثمن فليس من مبادئ العقد ولا من لوازمه، بل لا معنى له، لان العاقد إن رضي بالتصرف في مال نفسه قبل تمام المعاملة فهو خلاف الفرض، ولا يفيد شيئا، وإن رضي به بعد صيرورة المال ملكا للطرف فالمال في هذا الظرف ليس ملكا له، وإن رضي بتصرف المشتري مثلا فيما صار ملكا له فلا وجه لهذا الرضا، بل لا معنى له، ولا يعقل الجد به إلا مع احتمال فساد المعاملة، والرضا بنحو الرجاء أو التعليق - وهو لا يعقل أن يتحقق في ضمن المعاملة - والرضا المستقل والمستأنف لا كلام فيه. ومن ذلك يظهر الكلام في دفع توهم رفع الضمان، لان تسليم العين انما هو بعنوان الوفاء بالعقد، وهو لا يدفع الضمان بعد تخلفه عن الواقع. ويدل على الضمان النبوي المشهور " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " (1) وقد اشتهر بين متأخري المتأخرين جبر سنده بعمل قدماء الاصحاب، وهو مشكل، لان الظاهر من السيد علم الهدى وشيخ الطائفة والسيد ابن زهرة (قد هم) هو إيراده رواية واحتجاجا على العامة،


(1) سنن البيهقي - ج 6 ص 95 وكنز العمال - ج 5 ص 327 - الرقم 5713.

[ 248 ]

لا استنادا إليه للحكم. قال السيد في الانتصار في مسألة ضمان الصناع: " ومما يمكن أن يعارضوا به - لانه موجود في رواياتهم وكتبهم - ما يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: على اليد ما جنت حتى تؤديه " والظاهر منه عدم اعتماده عليه، بل أورده معارضة لا استنادا. وأورده شيخ الطائفة في مسائل الخلاف في غير مورد، وفي المبسوط رواية واحتجاجا على القوم، كما هو دأبه في كتابيه، لا استنادا، ففي غصب الخلاف مسألة (20) بعد عنوانها وذكر خلاف أبي حنيفة قال: " دليلنا أنه ثبت أن هذا الشئ قبل التغيير كان ملكه فمن ادعى أنه زال ملكه بعد التغيير فعليه الدلالة، وروى قتادة عن الحسن عن سمرة (1) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: على اليد ما أخذت حتى تؤديه ". والظاهر أن مستنده هو الامر الاول، أي الاصل، ولو كان الاستناد إلى قول النبي صلى الله عليه وآله لا وقع للاستدلال بعدم الدليل على زوال ملكه، فايراد الرواية لمحض الاحتجاج على أبي حنيفة، بل مع احتمال ذلك لا يثبت الاستناد، ونحوه بعض مسائل أخر في غصب الخلاف ووديعته. وأورد في أول غصب المبسوط عدة روايات من طرقهم منها هذه الرواية، والظاهر من نقل خصوص رواياتهم فيه وفي سائر كتب المبسوط مع وجود روايات معتمدة من طرقنا هو الاحتجاج عليهم، لا الاستناد إليها كما يظهر بالرجوع إليه. وفي غصب الغنية " ويحتج على المخالف بقوله صلى الله عليه وآله: على اليد


(1) سنن البيهقي ج 6 ص 95.

[ 249 ]

ما قبضت حتى تؤدي " وهو ظاهر في عدم الاعتماد عليه، ونحوه بعينه في كتاب الاجارة، إلا أن فيه " ما أخذت " بدل " ما قبضت " واحتمال أن يكون الاحتجاج عليهم بما هو مسلم بين الفريقين ضعيف يدفعه ديدنه في الكتاب، مع أن مجرد الاحتمال لا يثبت الاستناد، واللازم في الجبر إثباته. وقد تفحصت نكت النهاية المنسوبة إلى المحقق مظان إمكان الاستدلال به فلم أجده، مع أن تلك الموارد محال الاستدلال به لو تم سنده ودلالته عنده. كما أن الظاهر عدم وجوده في المقنع والهداية والمراسم والوسيلة وجواهر الفقه، وقد استشكل الاردبيلى (قده) في سنده وسند قاعدة ما يضمن بصحيحه، وتمسك بأصل البراءة من الضمان في مقابلهما. نعم إن ابن إدريس تمسك به في السرائر في موارد، ونسبه جزما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مع عدم عمله بالخبر الواحد، ثم شاع الاستدلال به بين المتأخرين من زمن العلامة، وكأنه اختلفت حالاته من عصر قدماء أصحابنا إلى عصرنا، ففي عصر السيد والشيخ كان خبرا مرويا عنهم على سبيل الاحتجاج عليهم، ثم صار مورد التمسك في العصر المتأخر ثم صار من المشهورات في عصر آخر، ومن المشهورات المقبولات في هذه العصور، حتى يقال: لا ينبغي التكلم في سنده. فالبناء على الاعتماد عليه مشكل، وترك العمل به - مع جزم ابن إدريس بصدوره عن رسول الله صلى عليه وآله مع طريقته في العمل بالاخبار وإن أمكن أن يكون ذلك باجتهاد منه، وقيام قرائن عنده ربما لا تفيدنا علما ولا عملا، واختلاف عبارات الحديث بحيث ربما يكشف عن تكرره

[ 250 ]

وتظافره، واعتماد محققي أصحابنا من بعد ابن إدريس إلى عصرنا مع تورعهم والتفاتهم إلى ضعفه ولابد من الجبر في مثله، وهو لا يمكن إلا باعتماد قدماء الاصحاب عليه، ولعله شهادة منهم على اتكال الاصحاب عليه - مشكل آخر. ولعل من مجموع ذلك ومن اشتهاره بين العامة قديما على ما يظهر من علم الهدى رحمه الله ومن إتقان متنه وفصاحته بما يورث قوة الاحتمال بأنه من كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله لاسمرة بن جندب وأشباهه ربما يحصل الوثوق بصدوره، ولعل بناء العقلاء على مثله مع تلك الشواهد لا يقصر عن العمل بخبر الثقة. لكن بعد اللتيا والتي في النفس تردد، لان ابن إدريس وإن نسبه جزما في غير موضع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لكن في كتاب غصب السرائر تمسك في مسألة بالاصل وعدم الدليل، ثم قال: " ويحتج على المخالف بقوله صلى الله عليه وآله: على اليد " الخ. وهذا يوجب حصول الاحتمال بأن سائر الموارد من قبيل الاحتجاج عليهم لا التمسك به، وإن كان خلاف ظاهره، ولم أر إلى الآن فيما عندي من كتب العلامة تمسكه به لاثبات حكم، وإنما نقل عن ابن جنيد وابن إدريس التمسك به على ما حكي، وحدوث الاشتهار بعده لا يفيد شيئا، فتدبر لعل الله يحدث بعد ذلك شيئا. ثم إن في فقه الحديث كلاما طويل الذيل، فان في كل واحد من كلماته مفردا وفيها مركبة بحثا وتعمقا، ربما يأتي في خلال المباحث الآتية إشباع الكلام فيه. والذي هو مورد بحثنا هاهنا أن الحديث يدل على الحكم التكليفي أو الوضعي؟ ربما يقال: إن كلمة " على " سواء أسند إلى فعل المكلف

[ 251 ]

أو إلى عين ومال ظاهرة في التكليف، ولابد فيه من التقدير، وفي المقام يكون المقدر الحفظ، والمعنى يجب على الآخذ حفظه إلى زمان الاداء، سيما مع اضافتها إلى " اليد " فان الظاهر منها هو التكليف المناسب لليد، وهو الحفظ في المقام، وسيما مع ظهور الموصول في عين ما أخذت، فانه لا يناسب الضمان، لان الضمان بعد التلف، فالرواية ظاهرة في التكليف أو مجملة، واعترف الشيخ الاعظم (قده) بالظهور في التكليف فيما أسند الظرف إلى فعل المكلف دون ما إذا أسند إلى مال من الاموال. أقول: الظاهر ظهور " على " في الاستقرار على العهدة، من غير فرق بين إسنادها إلى الفعل أو المال، فقوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت " الخ (1) ظاهر في استقرار الحج على عهدة المستطيع، وأنه صار دينا عليه، ولهذا لو ذهبت استطاعته وجب عليه الحج واستقر في ذمته، ولو مات يخرج من ماله، فلو كان صرف تكليف سقط بموته، أو سلب استطاعته لم يكن وجه له، والوضع في الآية الكريمة يستفاد من " على " لا غير، والظاهر أن هذا منشأ ما ورد في قضية الخثعمية عن رسول الله صلى الله عليه وآله " دين الله أحق بالقضاء " (2). والظاهر من " على " الاستعلائية أن المال أو العمل والفعل محمول على العهدة، ومستقر عليها كاستقرار زيد على السطح، بدعوى أن العهدة والذمة شئ يقع ثقل المال ونحوه عليه، فمثل لله علي كذا أو علي أن أفعل كذا ظاهر في أن ذلك الامر دين من الله تعالى عليه، ولهذا يقال: إنه وفي به، ويؤمر بالوفاء بالنذر، وفي التكليف المحض لم يصح ذلك الاطلاق إلا بتأول.


(1) سورة آل عمران: 3 - 97. (2) كنز العمال - ج 3 ص 56 الرقم 1037.

[ 252 ]

ثم إن إضافة " على " إلى " اليد " وجعل ما أخذت عليها إما مبنية على دعوى أن الشخص عبارة عن اليد الآخذة، كما أن الامر كذلك في إطلاق العين وإرادة الربيئة، فانه أيضا مبني على دعوى أن الربيئة باعتبار جمع قواه - كأنه في قوة واحدة هي العين - صار جميع حقيقته هو العين. ففي المقام يدعى أن الغاصب ونحوه كأنه صار يدا، فأطلق اليد وأراد معناها الحقيقي استعمالا وادعى كون الشخص الآخذ هو اليد، فأراد جدا أن ما أخذ الشخص على عهدته، وهو نظير ما روي عنه صلى الله عليه وآله في حق المؤمنين " هم يد على من سواهم " (1) بدعوى أنهم لوحدتهم واجتماعهم وجمع قواهم على ضد الكفار، وكون مظهر طردهم إياهم وخذلانهم بهم هو أيديهم أنهم يد واحدة على من سواهم. أو مبنية على الكناية عن الشخص الآخذ، كما يقال في مقام لزوم رد الامانة أو الدين: " بأي يد أخذت لابد أن ترده بها " أو يقال: " اليد تعرف اليد " في بيان أن كل من أخذ شيئا لابد أن يرده هو بعينه ولا يحوله إلى غيره. ثم إن الظاهر هو أن نفس ما أخذ يعلق على عهدة الآخذ، ولا مانع من جعل الشخص على العهدة اعتبارا، كما في الكفالة، فإن فيها يكون الشخص المكفول على عهدة الكفيل، وهو أمر عرفي، تأمل. فيمكن أن تقع العين على العهدة إلى زمان الرد، وهو يختلف عرفا، فمع كون العين موجودة يكون الرد والتأدية بوجه، ومع تلفها فما هو الاقرب إليها يعد من مراتب الرد والتأدية عرفا، وبالجملة بعد تصور عهدة العين الخارجية يؤخذ بالظهور ولا حجة في رده.


(1) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب القصاص في النفس.

[ 253 ]

إلا أن يقال: إن ما وقع عليه اليد هو الموجود الخارجي، فان كان ما وقع عليه اليد بوجوده الخارجي على عهدة الآخذ فلا إشكال في عدم بقائه بعد التلف والمعدومية، فلابد أن يسقط الضمان بتلفه، وكذا إن كان ذلك الماهية الموجودة، والماهية المعراة عن الوجود لم يقع عليها اليد ولا يمكن وقوعها عليها، وإن اعتبر الشئ الواقع عليه اليد في العهدة لا بوجوده الخارجي فلا إشكال في عدم وقوع اليد عليه، لا بوجوده الخارجي. وإن قيل: إنه يعتبر الوجود الخارجي باقيا ففيه - أنه مع كون ما وقع عليه اليد هو الوجود الخارجي الحقيقي لا ما يعتبر بقاؤه الذي يرجع إلى الوجود الاعتباري، ضرورة عدم بقاء الوجود الحقيقي - أن ذلك خلاف ظاهر الحديث، فان الظاهر منه أن المضمون ما هو الموجود خارجا، لا الاعم منه ومن المعدوم الذي يعتبر موجودا باقيا. وبالجملة ما وقع عليه اليد لا يبقى بعد التلف والعدم بالضرورة، واعتبار البقاء يرجع إلى الوجود الاعتباري، وهو غير المضمون، فلا وجه معقول مقبول عرفا وعقلا لما أفيد، وهذا هو المحذور لو فرض ظهور الحديث فيما ذكر، مع أنه ممنوع كما سيأتي مفصلا. وهنا احتمال آخر لعله مراد من قال بضمان المثل أو القيمة، وهو أن ماهية الضمان أمر تعليقي، هو أنه لو تلف المضمون تكون الخسارة عليه، فقوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما أخذت " معناه أن ضمانه عليه إلى زمان الاداء، والضمان فعلي، لكن ماهيته أمر تقديري، فثبوت هذا الامر التقديري قد يكون تقديريا - كما قبل الاخذ، فإنه يصح أن يقال: إن أخذته كان ضمانه عليك، ولا يصح أن يقال: ضمانه عليك - وقد يكون فعليا كما بعده، فيصح أن يقال: إن ما أخذت مضمون عليك، ومعنى ذلك أنه لو تلف لابد لك من جبران خسارته،

[ 254 ]

فالضمان ثابت فعلا وإن كان ماهيته أمرا تقديريا. بل يمكن أن يكون غير تقديري، وهو عهدة درك خسران الغير ونحوه، وهو فعلي مع وقوع اليد، وتقديري مع عدمه، وعلى هذا لا يرد عليه أن الظاهر من " على اليد " ثبوت الضمان والعهدة فعلا لا تقديرا، وهذا أوفق بفهم العقلاء. إلا أن يقال: إن ضمان العين لدى العقلاء عبارة عن عهدة نفسها، بمعنى أنه إذا جعل شئ في ضمان شخص وقبله يطالب بنفس العين لا مثلها وقيمتها، ومع فقدها يطالب بالعوض، فإذا قال الحمامي: ضع ثوبك هاهنا وعلي ضمانه يرجع صاحب الثوب إليه بعين ثوبه بمقتضى الضمان، ومع التلف يرجع إلى مثله أو قيمته اضطرارا، لكونهما من مراتب أداء العين، فالمعنى الاول مع كونه ظاهر الرواية أوفق بارتكاز العقلاء. ويمكن أن يدفع بأن الضمان في جميع الموارد بنظر العرف عبارة عن عهدة الخسارة لدى التلف، فمطالبة نفس العين ليست لاجل اقتضاء الضمان بل لان العين مع وجودها لابد وأن ترد ضمن الطرف أم لا، ومع التلف يطالب بالعوض، لاقتضاء الضمان، وسيأتي تتمة لذلك. ثم إن الشيخ الاعظم - قدس سره - بعد استظهار الحكم الوضعي من الحديث قال: " ومن هنا كان المتجه صحة الاستدلال به على ضمان الصغير بل المجنون إذا لم يكن يدهما ضعيفة، لعدم التميز والشعور " فأورد عليه بعض أهل التحقيق بأن مفاد " على اليد " إما جعل حكم وضعي أو الخبر عن جعله، فالاول لا يصح على مسلكه، لامتناع جعل الوضع ابتداء، وانتزاعه من التكليف لا يصح في المقام، لاعترافه بظهوره، في الوضع لا التكليف، والثاني لا مانع منه، لكن المبنى غير وجيه، وعلى التسليم انتزاعه هنا محال، لان الامر الانتزاعي تابع لمنشأه قوة وفعلا

[ 255 ]

تبعية ما بالعرض لما بالذات، ولا تكليف للصغير فعلا حتى ينتزع منه ضمان فعلا، والخطاب المشروط بزمان البلوغ حكم تقديري، فيكون الامر الانتزاعي منه تقديريا، لان فعلية الامر الانتزاعي وتقديرية منشأه محال " انتهى ملخصا. أقول: بعد فرض ظهور " على اليد " في الوضع وإطلاقه الشامل ليد الصغير والمجنون المميزين لا يجوز رفع اليد عنه إلا بدليل، والمدعى في المقام هو قيام الدليل العقلي على خلافه، فلو أمكن التوجيه بما يدفع به الدليل العقلي بأي وجه ممكن لا يجوز رفع اليد عن الحجة، ولو كان الدفع بعيدا عن الاذهان بنحو لا يصح الالتزام به في مقام الاثبات والاستظهار من الادلة. وفي المقام يمكن دفعه على التقديرين: أما على فرض أن " على اليد " إنشاء لا إخبار، فلا مكان أن يقال: إنه ظاهر في جعل الحكم الوضعي لكن العقل يدفع هذا الظهور، لامتناع جعل الوضع ابتداء على الفرض، فيصير حكم العقل قرينة على إنشاء الوضع بلا جد وجعل واقعي بداعي الارشاد إلى الحكم التكليفي الذي هو منشأ لانتزاع الوضع لدى العقلاء، وانما أنشئ بصورة الوضع للارشاد إلى مقدار سعة التكليف الذي هو منشأ انتزاع الوضع واقعا، فاطلاقه دليل على ثبوت حكم تكليفي يطابق هذا الانشاء الصوري الارشادي، ويكون منشأ لانتزاع وضع واقعي مطابق للانشاء المذكور، وما ذكر وإن كان بعيدا عن الاذهان بل شبيها بالاكل من القفا لكن كاف في إمكان الاخذ بالظهور، ومعه يجب الاخذ به. وأما تصوير توجيه التكليف إلى الصغير والمجنون فيأتي في الفرض الثاني، وهو كون " على اليد " إخبارا عن جعل سابق، فبعد فرض صحة المبنى لا يرد عليه ما ذكره المستشكل، لامكان أن يقال: إن

[ 256 ]

الصغير والمجنون قابلان لتوجه التكليف المعلق على زمان البلوغ والافاقة اليهما، ولا دليل على بطلانه، والاجماع لم يثبت بهذا النحو، لان المتيقن منه التكليف بالاداء في الحال، وحديث رفع القلم (1) لو فرض التعميم للتكليف لعله ظاهر في المنجز لا المعلق. فيمكن أن يقال: إن الصغير والمجنون المميزين مكلفان بأداء الغرامة على نحو الواجب المعلق، سيما على مسلك الشيخ (قده) من رجوع القيود في الواجب المشروط إلى المادة، فلا يصح على مذهبه اشتراط التكليف بالبلوغ والافاقة، فلابد من أخذ القيد إما قيدا للمكلف به أو قيدا وعنوانا للمكلف، وفي المقام بعد قيام الحجة على ضمان الصغير المميز يتعين الاول. وبالجملة المقصود دفع الاشكال العقلي عن الظاهر الحجة، لعدم جواز رفضه بمجرد إشكال قابل للدفع ولو بتكلف، نعم يبقى الاشكال في المجنون الذي لا يفيق والصغير الذي يموت قبل بلوغه. ويمكن دفع الاشكال بوجه يعم الموارد، وهو الالتزام بالتكليف الفعلي القانوني على الناس جميعا، وجعل الجنون والصغر من قبيل الاعذار العقلية التي التزمنا ببقاء فعلية التكليف معها، فلا مانع من تعلق الوضع حتى مع العذر عن التكليف، لكن الانصاف أن تلك التكلفات لاجل مبنى غير وجيه في غير محلها. وربما يستدل على ضمان المقبوض بالبيع الفاسد بروايات وردت في الامة المسروقة. منها - حسنة جميل التي هي كالصحيحة عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجئ مستحق الجارية،


(1) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 2 من كتاب القصاص.

[ 257 ]

قال: يأخذ الجارية المستحق، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي أخذت منه " (1) والاستدلال بها مبني على عدم كون المورد من باب استيفاء المنفعة، ولا ضمان الاتلاف مباشرة أو تسبيبا، وقد أشار الشيخ الاعظم - قدس سره - إلى دفع احتمالهما، بأنه نماء لم يستوفه المشتري، وليس استيلادها من قبيل إتلاف النماء، بل من قبيل إحداث نماء غير قابل للملك، فهو كالتالف لا المتلف. وقد تشبث بعض أهل التحقيق لكونه من قبيل الاتلاف بأنه " يمكن أن يقال: إن النطفة وإن كانت من الرجل إلا أنها كانت مكملة بدم الام، وكانت تكونها حيوانا بالقوى المودعة في الرحم، فكان صيرورتها حيوانا من قبل الام، فقد أتلفها الرجل على الاب (2) خصوصا إذا قيل بتكونه من نطفة المرأة، وكان اللقاح من الرجل " انتهى. وفيه ما لا يخفى، فان صيرورة نطفة الرجل حيوانا بما ذكر لا توجب أن يكون الولد لصاحب الجارية حتى يصير التحرير إتلافا لما له، بل اللازم لو سلم أن يكون صاحب الولد ضامنا للدم التالف وقيمة القوى المودعة، لا لقيمة الولد سيما إذا قلنا بضمان قيمة يوم الاداء، كما يقتضى ظاهر الرواية المتقدمة وغيرها، وإن أفتوا بضمان قيمة يوم الولادة، فان الولد بعد فطامه قد كمل ونمى بغير لبن الجارية ودمها والقوى المودعة فيها: ومنه يظهر النظر في قوله: " على فر ض كون النطفة من المرأة " فان الولد الحاصل من نطفتها صار ولدا للوالد، وخرج عن الملك، فلو كان ذلك موجبا للضمان لابد من تقويمه حال كونه في جوف أمه، أي حال الخروج عن ملك صاحبه، لا التقويم في زمن الاداء، كما هو


(1) الوسائل - الباب - 88 - من ابواب نكاح العبيد - الحديث 5. (2) كذا موجود في الاصل المطبوع، والصواب " المالك ".

[ 258 ]

ظاهرها، مع أن الخروج بالحكم الشرعي من قبيل التلف السماوي لا الاتلاف حتى بالتسبيب، فان السبب للحكم الشرعي ليس فعله، بل نتيجة فعله موضوع للحكم. وأضعف منه قول بعضهم: إن المشتري استوفى منفعة الرحم باشغاله بمائه، ولا أقل من أنه أتلف منفعته على المالك بذلك، فانه كان مستعدا لانماء نطفة الرق، فسلب عنه ذلك باشغاله بنطفته، فان استيفاء منفعة الرحم على فرض صحته لا يوجب أن يكون المضمون قيمة الولد، كما أن إتلاف منفعته على المالك لا يوجبه، بل اللازم على الفرض أن يكون المضمون منفعة الرحم، والولد لا يعد منفعة الرحم، وليست نسبة الرحم إلى الولد كنسبة الثمرة إلى الشجرة، بل هو محل نشوئه عرفا، كما أن إتلاف منفعة الرحم لا يوجب ضمان قيمة الولد. نعم ظاهر بعض الروايات أن الضمان لاجل الانتفاع، كرواية زرارة، قال: " قلت لابي جعفر عليه السلام: الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجئ الرجل فيقيم البينة على أنها جاريته لم يبع ولم يهب، فقال: يرد إليه جاريته، ويعوضه بما انتفع، قال: كان معناه قيمة الولد " (1)، ولعل المفسر هو زرارة، فيظهر منها أن قيمة الولد لاجل كون الولد من قبيل المنافع المستوفاة. والعجب من بعض الاعاظم حيث قال: إن العرف وإن يرى الولد منفعة لكن ليس نظره متبعا في تشخيص المصاديق، والظاهر أنه تبع المحقق الخراساني في ذلك. وفيه أن الشارع لما كانت خطاباته مع العرف كخطابات العرف مع العرف وليست له طريقة خاصة غير طريقة العقلاء لا محالة يكون في تشخيص


(1) الوسائل - الباب - 88 - من ابواب نكاح العبيد - الحديث 2.

[ 259 ]

المفاهيم ومصاديقها في خطاباته نظر العرف متبعا، كما أن الامر كذلك في خطابات العرف بعضهم مع بعض، ولهذا لا يعد لون الدم دما، والتفصيل موكول إلى محله. وفي رواية أخرى عن زرارة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه، فولدت منه أولادا ثم أن أباه يزعم (ثم أتاها من يزعم خ ل) أنها له، وأقام على ذلك البينة، قال: يقبض ولده، ويدفع إليه الجارية، ويعوضه في قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها " (1). وفي قوله (ع): " ويعوضه " الخ احتمالان: أحدهما أن ما أصاب من لبنها وخدمتها أي المنافع المستوفاة منها جعل عوضا من قيمة الولد، فقدر القيمة بما أصاب منها تعبدا، والثاني ولو بملاحظة سائر الروايات أن قيمة الولد تقدير لما أصاب من اللبن والخدمة، فقيمته على هذا ليست لاجل استيفاء المنفعة التي هي الولد ولا بازاء تفويت منافع الجارية، ولا لاجل ضمان اليد على الجارية، ويتبعه ضمان المنافع، بل لاجل استيفاء سائر المنافع أي اللبن والخدمة، لكن لما كان قدرهما ربما يكون مجهولا أو معرضا للنزاع قدره الشارع بقيمة الولد، تأمل. وتحقيق المسألة موكول إلى محله، والآن لم نكن إلا بصدد فقه الروايات، لا الدخول في المسألة وجمع مداركها. وكيف كان لا تدل تلك الروايات على ما رام الشيخ الاعظم (قده) اثباتها، نعم إطلاق حسنة جميل يقتضي الرجوع إلى المثمن ولو بعد تلفه بالتلف السماوي، لان الرجوع إليه ليس عرفا مختصا بوجوده كما لا يخفي، فدلت هي على المطلوب، في الجملة على إشكال.


(1) الوسائل - الباب - 88 - من ابواب نكاح العبيد - الحديث 4.

[ 260 ]

واستدل للمطلوب بقاعدة كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وهذه القاعدة وعكسها ليستا مورد نص أو معقد إجماع، ولهذا لو فرض عدم مطابقة مضمونهما للقواعد الادلة أو عدم معنى صحيح لهما لا نبالي. فنقول: قد جزم الشيخ الاعظم (قده) بأن المراد بالضمان في الجملتين هو كون درك المضمون عليه، بمعنى كون خسارته ودركه في ماله الاصلي فإذا تلف وقع نقصانه فيه، لوجوب تداركه منه، وقد جعل هذا المعنى جامعا للضمان في العقود الصحيحة والفاسدة، والضمان في مثل تلف الموهوب بشرط التعويض قبل دفع العوض، ثم قال: " إن المراد بالضمان بقول مطلق هو لزوم تداركه بعوضه الواقعي، وتداركه بغيره يحتاج إلى دليل ". فكأنه أراد بذلك أن الضمان ظاهر في الضمان الواقعي ما لم يرد دليل وقرينة على خلافه، وفي المقبوض بالبيع الصحيح قامت القرينة على الضمان بالمسمى، ولم تقم في الضمان بالبيع الفاسد، فيحمل على المعنى الظاهر فيه، وهذا ليس تفكيكا في الضمان، لان الجامع محفوظ، والخصوصيات في الموارد لا تنافي وجود الجامع، وبلحاظه لم يكن تفكيك. أقول: لا شبهة في أن رد مال الغير إلى صاحبه بحسب اقتضاء العقد ليس دركا ومن قبيل الضمان، فإذا كان المثمن موجودا في يد البائع فرد المشتري الثمن لا يصدق أنه أدى دركه، وكذا لو كان موجودا في يد المشتري ورد الثمن لا يقال: إنه دركه، وكان الشيخ (قده) يعترف بذلك، ولهذا فرض مورد التلف، ولا شبهة في أن دفع الثمن إلى البائع بعد تلف المبيع في يد المشتري ليس إلا كدفعه في حال وجوده، سواء كان في يد البائع أو المشترى. وبالجملة تلف المبيع لا دخالة له في الضمان بوجه، ولا دخالة له

[ 261 ]

في كيفية رد مال الغير بوجه، فتلف المبيع لا يعقل أن يكون مضمونا على صاحبه، لعدم تعقل ضمان الشخص ماله، كما أن رد مال الغير ليس من قبيل الدرك، فما جعله جامعا بين العقد الصحيح والفاسد غير مرضي. وأضعف منه في تصحيح عدم التفكيك ما قال بعض الاعاظم (قده) من أنه " يمكن أن يقال بأن الضمان في الصحيح والفاسد كليهما بالمثل والقيمة، فان الضمان بالمسمى في الصحيح قبل القبض، وهو خارج عن القاعدة، فانها أسست لموارد ضمان اليد، وهو يتحقق بالقبض، ويقال: إن بالقبض ينتقل الضمان، ومعنى انتقاله أن المسمى يصير بعد القبض هو المثل أو القيمة، ومعنى ضمان القابض بعد قبضه مع أن المقبوض ملكه أنه لو تلف وطرأ عليه فسخ أو انفساخ يجب عليه رد المثل أو القيمة، فالمثل أو القيمة هو المضمون في الصحيح والفاسد " انتهى. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن حمل قوله: " كل عقد يضمن بصحيحه " على أنه يضمن بعد فسخه وبعد تلف المبيع - فأراد بالعقد فسخه أو الفسخ بعد العقد والقبض والتلف - من أغرب المحامل، فطرح دليل خير من مثله، مع أن قوله: " إن الضمان بالمسمى قبل القبض وهو خارج عن القاعدة فانها أسست لموارد ضمان اليد " تخريص منه، لعدم دليل على الخروج، ولا على تأسيسها لما ذكر، فلو كان المراد بتلك القاعدة قاعدة اليد لا معنى لتغيير عبارة جامعة صحيحة خالية من الخلل بهذه العبارة المجملة المحتاجة إلى التأويل والحمل. وقد يقال: إن معنى الضمان كون الشئ في ضمن العهدة، إذ ليس معنى هذه المادة إلا ما يفيد التضمين والمضمون وأشباه ذلك، وبالجملة الضمان - كما يناسبه معناه الاصلي - كون الشئ في ضمن شئ، فإذا نسب إلى الشخص فمعناه أنه في ضمن عهدته، وهذا المعنى قد يكون

[ 262 ]

بتسبيب من الشخص، كما في عقد الضمان حتى ضمان النفس، وكما في المعاوضات تعهد كل منهما والتزامه بأخذ المال ببدله، وقد يكون بجعل من الشارع، والعهدة في كل مقام لها آثار وضعية وتكليفية، ولا يختلف معنى العهدة باختلافها، فمفاد القاعدة أنه كل مورد كان عهدة مورد العقد على المتعاقدين في الصحيح فعهدته عليهما في الفاسد، انتهي ملخصا. وفيه - مضافا إلى أن ما ذكره في معنى الضمان وأصله اللغوي مخالف للعرف واللغة، والاول ظاهر، ويعلم الثاني بالمراجعة إلى كتب اللغة - ان كل عهدة ليست ضمانا، فعهدة أداء الدين غير كونه ضامنا له والدين متعلق بالعهدة، لكن المديون ليس ضامنا، وبناء العقلاء في باب البيع ونحوه على تسليم العوضين معنى غير الضمان في العرف واللغة، فلا يقال بعد تحقق البيع أن كلا من المتبايعين ضامن للاداء أو للمال، وهو واضح، فلا جامع بما ذكر بين ضمان اليد والتزام المتبايعين لتسليم العين، إذ الثاني ليس بضمان. ويمكن أن يقال: إن المراد بالضمان في الجملتين هو الضمان المعهود المتعارف أي الضمان بالمثل أو القيمة الواقعية، وعهدة الاداء في فرض وجود العين لو قلنا بأن عهدة الاداء أيضا ضمان، وإلا فهي خارجة عن القاعدة - وإن فرض دخولها في قاعدة اليد قلنا بافادة قاعدتها الضمان مع الزيادة - وذلك لان العقد في البيع الصحيح تمام السبب لقلب اليد المالكية إلى غيرها، فالسلطنة والاستيلاء على المال قبل العقد سلطنة واستيلاء على مال نفسه، وبعده على مال غيره، من غير أن يكون هذا الاستيلاء باذن مالكي أو استيمان شرعي أو مالكي، فذلك الاستيلاء يوجب الضمان بمقتضى إطلاق على اليد، فالعقد تمام السبب للقلب المذكور، وبعض السبب للضمان، لان الاستيلاء أيضا دخيل فيه، ولهذا لو كانت

[ 263 ]

العين بيد المشتري وتحقق العقد لا يوجب ضمانا، فالعقد الصحيح بعض السبب للضمان. إن قلت: المبيع إن تلف قبل قبضه مضمون على البائع، فصحيح البيع لا يوجب الضمان، قلت: لا دليل على دخول البيع في أصل القاعدة، لانها ليست بصدد بيان موارد الضمان، فالبيع داخل في العكس، غاية الامر لابد من تقييده بالاجماع. هذا إن قلنا باختصاص قوله: " كل مبيع تلف " الخ بالبيع، إذ لا دليل على التوسعة والاسراء إلى سائر العقود من نص أو إجماع. نعم ربما يقال: إنه موافق للقواعد العرفية، وهو غير مسلم، ولو سلم يمكن أن يقال: إن التالف لما كان بحسب النص من مال البائع ونحوه فلابد من الالتزام بانفساخ العقد آناما قبل التلف حتى يصح رجوع المسمى وإلا فمع بقاء العقد لا معنى لذلك، فعليه يكون كل عقد بيع ونحوه من العقود موجبا للضمان مع بقائه، فلو فرضنا أن التلف وقع مع بقاء العقد كان الضمان بالمثل والقيمة الواقعية، لكن العقود تنفسخ بالتلف، فالعقد سبب للضمان، وبالتلف ينفسخ، والانفساخ بحكم الشرع أو العرف لا يوجب رفع السببية، بل يوجب رفع السبب، فالمراد بالسببية السببية الذاتية، وفائدة الجعل تظهر في العقد الفاسد. هذا حال العقود الصحيحة، والعقود الفاسدة أيضا كذلك، أي يكون العقد جزء السبب للضمان، والاستيلاء جزؤه الآخر، فلا الاستيلاء بذاته سبب - ولهذا لو استولى عليه باذن منه أو بأمانة شرعية لا يوجب ضمانا - ولا العقد بنفسه بلا استيلاء سبب، لكن الاستيلاء المسبوق بالعقد الفاسد بتوهم صحته صار موجبا للضمان، ولو في هذا الموارد الشخصي الذي لم تكن قيود أخر توجب تمامية السبب ولو كان اليد تمام السبب،

[ 264 ]

لكن العقد صار سببا بنحو للوقوع فيها. وهذا الاحتمال أقرب من سائر الاحتمالات، ولا يوجب التفكيك في معنى الضمان وإن لزم منه تفكيك في الضامن، لكنه لا مانع منه بعد عدم تعرض القاعدة إلا للضمان. ثم إن الظاهر من صدر كلام الشيخ الاعظم (قده) وذيله حيث كان بصدد دفع توهم التفكيك بين الجملتين أن الضمان بمعنى كون درك المضمون عليه أمر جامع بين الموارد التي عدها، أي الضمان الجعلي والواقعي وأقل الامرين من العوض الجعلي والواقعي في مثل تلف الموهوب بشرط التعويض قبل دفع العوض، وأن الموارد من أنواع الجامع بخصوصيات لا حقة إليه، وعلى هذا يحتمل أن يكون مراده من قوله: " المراد بالضمان بقول مطلق هو لزوم تداركه بعوضه الواقعي " هو أن الاطلاق يقتضي الضمان الواقعي، وغيره يحتاج إلى التقييد. وبالجملة مراده لزوم التمسك بالاطلاق لرفع القيود الزائدة إلا ما قامت القرينة على المقيد، كالضمان الجعلي في الصحيح، فضمان الفاسد بقي على إطلاقه المتقضي للضمان الواقعي، ويحتمل أن يكون مراده دعوى انصراف الضمان إلى الواقعي ما لم يدل دليل على خلافه، والاحتمال الثالث الذي يلوح من خلال كلماته: أن المعنى الحقيقي للضمان هو الواقعي منه، وغيره ليس معنى حقيقيا له. ويرد على الاحتمال الاول مضافا إلى ما تقدم أنه على فرض كون الضمان هو المعنى الجامع فأصالة الاطلاق لا تثبت أحد مصاديقه، لان كل مصداق يحتاج إلى قيد يدفعه الاطلاق، فالحمل على الضمان الواقعي كالحمل على الضمان الجعلي يحتاج إلى معين، ولا يمكن تعيينه بالاطلاق، مع أنه لا إطلاق في القاعدة يحرز به كيفية الضمان، لانها بصدد بيان إيقاع

[ 265 ]

الملازمة بين الضمان في العقد الصحيح والضمان في العقد الفاسد، لا بصدد بيان أصل الضمان أو كيفيته، فكأنه قال: الملازمة بين الضمانين محققة، بمعنى أن الضمان في العقد الفاسد لازم الضمان في العقد الصحيح. وعلى الاحتمال الثالث أنه مناقض للصدر الذي يكون بصدد بيان تحصيل معنى واحد جامع بين الموارد لئلا يلزم التفكيك، فان الضمان بالمعنى الحقيقي إن كان الواقعي منه لا يكون الضمان الجعلي ضمانا حقيقة، وانما يطلق عليه بضرب من التأويل، فالمعنى الذي جعله في صدر كلامه للضمان غير صحيح، والتفكيك بين الجملتين واقع لا محالة، كما أنه على الفرض الثاني يلزم التفكيك أيضا، مع أن هذا الاحتمال بعيد عن ظاهر كلامه. ثم إنه على ما ذكرناه فلا إشكال في استفادة الضمان بالمثل أو القيمة الواقعية من القاعدة، وأما على مسلك الشيخ الاعظم (قده) وغيره ممن جعل للضمان معنى واحدا مشتركا أعم من المسمى وغيره فلابد في إثبات كيفيته وتعيين أحد المصاديق من التشبث بدليل آخر، وقد عرفت أن الاطلاق لا وجه له، وعلى فرضه لا يفيد لاثبات الضمان الواقعي. بل لقائل أن يقول: إن القرينة قائمة على الضمان بالمسمى، وهي كون الضمان في الصحيح به، فقرينة المقابلة والسياق تقتضي أن يكون الضمان في الفاسد، مثل ما في الصحيح، ولو نوقش فيه فلا أقل من عدم الدليل على الضمان الواقعي. ثم إن الظاهر من القاعدة إيقاع الملازمة بين الضمانين أو جعل الضمان للفاسد مما يكون في صحيحه ضمان، من غير تعرض لشئ آخر. فما قد يقال: من أن القاعدة أسست لموارد ضمان اليد، أو أسست لموارد تمييز اليد المجانية عن غيرها، أو أسست لتمييز موارد التسليط المجاني عن غيره، أو أسست للضمان الناشئ عن المعاوضة أو المجانية بالنسبة

[ 266 ]

إلى ما دخل تحت اليد كلها تخريص. ثم إن المنقول في عبارة القاعدة مختلف، فان كانت العبارة " كل ما يضمن بصحيحه " الخ فلا شبهة في شمولها للعقود والايقاعات، فتشمل مثل الجعالة والخلع أيضا وإن قلنا إنهما إيقاعان، وأما على فرض كونها " كل عقد يضمن " الخ فلا تشملهما، إلا إذا قلنا بأنهما عقدان شبيهان بالايقاع. وعلى أي حال فالظاهر من قوله: " كل عقد " هو العموم الافرادي كالاشباه والنظائر، وظاهر ذيلها كون العقد ذا فرد صحيح وفاسد فعلا، فلو أخذنا بظهور الصدر لابد من التصرف في الذيل بحمله على الفرض والتقدير، وهو خلاف الظاهر جدا، فالاولى رفع اليد عن ظهور الصدر في العموم الافرادي. لكن لم يتضح رجحان الحمل على الصنف عند دوران الامر بينه وبين النوع، مع أن الارتكاز العرفي وشيوع الاستعمال يقتضيان الحمل على النوع، ولهذا قد يحتمل في قوله تعالى: " أوفوا بالعقود " (1) وجوب الوفاء بأنواعها فقبال من قال بظهوره في الافراد، ولم أر احتمال الصنف في كلماتهم. وبالجملة إن العقود بحسب المتعارف تارة يراد بها الافراد، وهو الظاهر ابتداءا، ومع قيام قرينة على عدم إرادتها تحمل لدى العرف على الانواع، والحمل على الاصناف يحتاج إلى دليل، ولم يتضح وجه جزم الشيخ (قده) بذلك، مع كونه بصدد بيان نفس القاعدة لا مدركها، والظاهر منها أن الصلح مثلا لما لم يكن بنفسه موجبا للضمان لا يدخل في أصل القاعدة ولو اقتضى صنف منه ذلك، وكذا الهبة، والبيع لما كان


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 1.

[ 267 ]

بنفسه موجبا للضمان ففاسده موجب له ولو فرض أن بعض أصنافه ولو بواسطة الشرط لا يوجبه. ولو قيل: لا داعي للحمل على خصوص النوع أو الصنف بل يمكن أن يقال: إن ألفاظ العموم تدل على تكثير المدخول بأي كثرة ممكنة نوعا وصنفا وفردا، ومع عدم إمكان التكثير الفردي يؤخذ بغيره، وينتج الشمول للانواع والاصناف، ولعله الظاهر من الشيخ الاعظم (قده) حيث قال: " إن العموم ليس باعتبار خصوص الانواع " فانه ظاهر في أنه باعتبار الاعم منها ومن الانصاف. يقال: إنه أيضا خلاف الظاهر، ضرورة أن الظاهر من مثل كل عقد كذا أو مثل " أوفوا بالعقود " خصوص التكثير الافرادي، فان العقد عبارة عن نفس الطبيعة، والالفاظ الدالة على الكثرة تكثرها، ولا دلالة فيها على النوع والصنف وكثرتهما، ولو منعه مانع منه يحمل على الانواعي منه عرفا. بل ربما يقال: إنه لخصوص التكثير النوعي كما قالوا في: " أوفوا بالعقود " مع أن لازمه في كثير من الموارد تكثر الحكم وتكرره، وهو مما لم يلتزمه أحد، فإذا قال: أكرم كل عالم وقلنا بالتكثير الافرادي والانواعي والاصنافي يتعلق الحكم بالافراد لاجل الانحلال، وعلى عنوان الانواع وعلى عنوان الاصناف، فان كان زيد فردا منه وتحت صنف وصنف صنف كان اللازم منه وجوب إكرامه تارة باعتبار كونه فردا من العالم، وأخرى باعتبار كونه تحت صنف، وثالثة باعتبار كونه تحت صنف صنف، وهو كما ترى. مضافا إلى أن التكثير الكذائي مستلزم للحاظ نفس الطبيعة بما هي، ولحاظها مع الخصوصيات المنوعة والمصنفة في عرض واحد وبنحو الاستقلال

[ 268 ]

حتى تتكثر بورود ألفاظ التكثير من جميع الجهات، وهو على فرض إمكانه خلاف وجدان المستعملين. ثم إن لازم التكثير النوعي والصنفي في المقام وقوع التعارض بين أصل القاعدة وعكسها في مثل عارية الذهب والفضة والصلح غير المجان، لان مقتضى شمول الصنف ضمان الفاسد منه، ومقتضى شمول النوع عدم الضمان، فيدخل الفرد باعتبار الصنف في الاصل وباعتبار النوع في العكس فيتعارض الحكمان. هذا لو قلنا: بأن قضية العكس أيضا حكم اقتضائي سالب للضمان اقتضاء، وأما لو قلنا بأن سلب الضمان فيه لعدم اقتضائه فلا يأتي ما ذكر ثم إن بعض الاعاظم (قده) رجح العموم الافرادي في القاعدة، وقال: ما احتمل بعضهم في العبارة من أن معناها أن كل شخص من العقود يضمن به لو كان صحيحا يضمن به مع الفساد هو المعنى الصحيح للقاعدة، لانها كجميع القضايا الحقيقية، الحكم فيها مرتب على فرض وجود الموضوع. وأنت خبير بما فيه، لان مقتضى القضية الحقيقية على فرض صحة تفسيرها بما ذكر ليس إلا فرض وجود أفراد الطبيعة لا فرض فرد منها مقام فرد آخر، فقوله: " كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده " معناه على طبق القضية الحقيقية المفروضة أنه كل عقد إذا وجد في الخارج وكان صحيحا موجبا للضمان إذا وجد فاسده في الخارج كان موجبا للضمان وهذا غير فرض وجود الفاسد صحيحا، فالحقيقية تقتضي فرض وجود الموضوع، لا فرض وجود منه وجودا آخر، أو فرض وصف من الفرد وصفا آخر. ومع تسليم ذلك كله يلزم لغوية القاعدة، لان الفرد الصحيح لا يمكن

[ 269 ]

أن يتحقق فاسدا، والفرض لا يوجب الضمان، فكل فرد صحيح لو كان فاسدا كذا لا ينتج أصلا، فلابد من طرح القاعدة على هذا المبنى أو رفض المبنى، وهو الحق إلا أن يقال: إن كل عقد فاسد لو فرض أنه صحيح ويضمن كان هو كذلك، وبالعكس، وهو يدفع الاشكال الاخير، لكنه مخالف لظاهر القاعدة جدا. نعم يمكن أن يقال: إن قاعدة كل ما يضمن قضية شرطية متصلة، ومفادها إما الاخبار عن الملازمة بين المقدم والتالي أو إيقاع الملازمة، أو إيقاع الضمان في الفاسد على فرض الضمان في الصحيح، فحينئذ إما أن تكون إخبارا أو انشاء للملازمة بين الافراد الفعلية من الصحيح والفاسد أي الافراد الخارجية التى تتصف بهما، ولازمه أن لا يكون في العقد الفاسد ضمان إلا أن يوجد عقد صحيح فيه الضمان، وهو كما ترى، وإما أن يكونا على الفرض والتقدير كما هو قضية القضايا الشرطية، فيراد بها أن كل عقد فرض أنه موجود في الخارج صحيحا وكان فيه الضمان لو فرض أنه موجود فاسدا يكون فيه الضمان، فحينئذ يمكن الاخذ بظهور الصدر في العموم الافرادي، فيقال: كل فرد لو وجد في الخارج وكان صحيحا وفيه الضمان لو وجد في الخارج فاسدا فكذلك، فيشمل الاجارة بلا أجرة، والبيع بلا ثمن مثلا. وبالجملة بعد ما لا يمكن الالتزام بما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أن الفرد الصحيح والفاسد هو الفعلي منهما لابد مما ذكر، وهو ليس مخالفا للظاهر بعد قضاء حق القضية الشرطية كما هو، والاخذ بظاهر العموم الافرادي. ثم إن الباء في قوله: " بصحيحه " و " بفاسده " استعملت في السببية المطلقة، كما أفاد الشيخ (قده) وجه السببية وأشرنا إليه سابقا وأما احتمال الظرفية فبعيد، بل غير صحيح، لان الظرفية الحقيقية

[ 270 ]

غير متحققة، فان العقد لم يكن ظرفا حقيقة، فلابد من التأويل والتناسب وهو في المقام ليس إلا نحو سببية للعقد، فيرجع الامر إلى ترك استعمال الباء في السببية واستعمالها في الظرفية بمناسبة السببية، وهو كما ترى. فالمتحصل من مجموع ما ذكرناه أن في عبارة القاعدة احتمالات: أحدها - أن كل عقد يضمن بصحيحه ضمان المسمى يضمن بفاسده ضمان المثل، وثانيها - يضمن بفاسده ضمان المسمى، وثالثها - الضمان الواقعي في الصحيح والفاسد كما قررناه. فهل لهذه القاعدة الكلية على الاحتمالات أو بعضها مدرك؟ فعن المسالك التشبث باقدام الآخذ على الضمان، وعن المبسوط تعليل الضمان في موارد كثيرة من البيع والاجارة الفاسدين بدخوله على أن يكون المال مضموما عليه بالمسمى، فإذا لم يسلم له المسمى رجع إلى المثل أو القيمة. أقول: لابد في اثبات الضمان بالاقدام من كبرى كلية هي أن كل من أقدم على ضمان فهو مستقر عليه، وصغرى هي أن الآخذ أقدم على ضمان كذائي، أما الكبرى فلا دليل عليها، سيما مع ما يلوح من العبارة المنقولة عن شيخ الطائفة (قده) حيث علل الضمان بالمثل بالاقدام على الضمان بالمسمى، لان الاقدام على ضمان خاص لا يعقل أن يصير منشأ لاستقرار ضمان آخر عليه بواسطة الاقدام، ولهذا احتمل شيخنا الانصاري في كلام الشيخ (قد هما) ما هو قريب جدا، فراجع. مع أن عبارة الشيخ في بيع المبسوط وغصبه على ما عثرت عليها ليست كما نقلها، بل ظاهرة في ضمان اليد بدليها. ثم على فرض أن يكون المراد التمسك بالاقدام فالظاهر أنه مصادرة، لان الدخول على أن يكون المال مضمونا عليه بالمسمى عبارة أخرى من إيجاد البيع، فيرجع الحاصل إلى أن من باع ولم يسلم له العوض كان ضامنا،

[ 271 ]

ومعلوم أن لا إقدام للمتبايعين إلا على البيع، وما ذكر عين المدعى، مع أن الضمان بالمسمى في العقد الصحيح ليس لاجل الاقدام على شئ إلا حصول البيع، فماهية البيع الصحيح توجب ضمان المسمى لا غير، فتدبر جيدا. وأما الصغرى فما هو أقدم عليه ضمان المسمى لا مطلقا، بل ضمانه في مقابل ملكية العين، وهو لا يقتضي أن يكون مقدما على ضمان المسمى مع فساد المعاملة، فضلا عن ضمان المثل أو القيمة، فاعتراف الشيخ الاعظم (قده) بأنه أقدم على ضمان المسمى ليس بوجيه، كما أنه لم يقدم على كون التلف السماوي بعهدته، فكيف يصح التشبث بالاقدام لاثبات ضمان مطلق التلف عليه، هذا على ما قرروا في معنى الضمان والقاعدة. وأما على ما قلناه من سببية العقد لتبديل اليد المالكية إلى غير المالكية فما أقدم عليه هو ذلك لا غير ولم يقدم على كون الضمان عليه، والكلام هاهنا في الاقدام لا ضمان اليد الذي هو قهري، لان لزوم رد المسمى ليس ضمانا كما عرفت، فهو لم يقدم إلا على المعاملة، لا على كون التلف أو ضمان المسمى عليه. نعم يمكن تقريب الاقدام على الضمان الواقعي على مبنى غير وجيه، وهو أن معنى الضمان أن خسارته من كيسه، فمن تلف ماله وقع خسارته عليه، وهو أيضا نحو ضمان وأحد معاني " ما يضمن بصحيحه " فحينئذ نقول: إن المشتري مثلا أقدم بواسطة إقدامه المعاملي على ان تكون خسارة المبيع عليه، وتخرج من كيسه، لان إقدامه المعاملي يرجع إلى أن المبيع له وخسارته عليه، وهذه هي الخسارة الواقعية، وكل من أقدم على ضمان استقر عليه ذلك الضمان والخسارة ولو مع فساد العقد، لكن المبنى فاسد، والكبرى ممنوعة.

[ 272 ]

ثم إن الشيخ الاعظم (قده) استشكل على طرد القضية وعكسها بأنه قد يكون الاقدام محققا ولا ضمان، كما قبل القبض، وقد لا يكون إقدام مع تحقق الضمان، كما إذا شرط في عقد البيع ضمان المبيع على البائع إذا تلف في يد المشتري، وكما إذا قال: بعتك بلا ثمن وآجرتك بلا أجرة. أقول: الظاهر عدم ورود النقوض، أما قبل القبض فعدم الضمان لاجل انفساخ العقد قبل التلف، والاقدام المعاملي زال موضوعه، فهو خارج عن القاعدة والاقدام موضوعا، والنقض انما يرد لو لم يكن ضمان مع بقاء العقد،. وأما قضية شرط الضمان على البائع فلا ترد على قاعدة الاقدام بما قررها شيخ الطائفة (قده) وهو أن الاقدام على ضمان المسمى، موضوع للحكم على ضمان المثل مع عدم سلامة المسمى، وفي مورد شرط الضمان على البائع قد أقدم المشتري على ضمان المسمى، وهو لا ينافي الشرط المذكور نعم لم يقدم على ضمان المثل والقيمة، وهو ليس موضوع الضمان. وأما البيع بلا ثمن والاجارة بلا أجرة فليسا بيعا ولا إجارة، فمع التفات المتعاملين لا يعقل منهما الجد على حصول العنوان، ومع عدم التفاتهما لا تتحقق ماهيتهما، والعقد موجود بوجودهما، فمع كون المنشأ بيعا مثلا والمفروض عدم كونه معاملة أخرى غيره لا يعقل أن يكون عقدا فهو خارج عن القاعدة موضوعا وعن مدركها أيضا: وأما خبر اليد فقال الشيخ الاعظم (قده): إن دلالته ظاهرة وسنده منجبر إلا أن مورده مختص بالاعيان، فلا يشمل المنافع والاعمال المضمونة أقول: أما سنده فقد مر الكلام فيه، وأما عدم شموله للمنافع فمن وجوه منها - ما يظهر من الشيخ (قده) في الامر الثالث من عدم صدق الاخذ على المنافع، قال: " ولا إشكال في عدم شمول صلة

[ 273 ]

الموصول للمنافع، وحصولها في اليد بقبض العين لا يوجب صدق الاخذ ودعوى أنه كناية عن مطلق الاستيلاء الحاصل في المنافع بقبض الاعيان مشكلة ". ومنها - ما نسب إلى الشيخ من عدم صدق الاخذ باليد في المنافع، لا الاخذ، والنسبة في غير محلها ظاهرا. وكيف كان يرد على الثاني أن القرينة في المقام قائمة على أن المراد باليد ليس الجارحة المخصوصة، ضرورة أن كون العهدة على اليد لا معنى له فالجارحة لا تكون ضامنة، ولا عليها شئ، فلابد أن يراد بها الشخص، إما استعارة أو كناية كما مر، فكأنه قال: " من أخذ شيئا فعليه حتى يرده " وأما الاخذ وإن كان ظاهرا في الحسي، ويكون نحو أخذ الميثاق والعهد على نحو من التأويل لكن استعماله شائع في الاستيلاء، وإذا دار الامر بين تخصيص الموصول بخصوص ما يؤخذ حسا كالثوب والدرهم والدينار أو الاخذ باطلاقه وحمل الاخذ على الاستيلاء فلا شبهة في أن الثاني أولى، لشيوع استعماله في أخذ البيت والملك والدار والبلد وغيرها مما لا يكون فيها أخذ حسي، بل مجرد استيلاء عليها. وإن شئت قلت: إن المتفاهم العرفي من قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد " بعد فرض صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه ضرب قاعدة كلية للضمان، لا في خصوص المأخوذ حسا، ولهذا إن الشيخ الاعظم (قده) بارتكازه العقلائي اعترف شموله لجميع الاعيان وإن أنكر شموله للمنافع، مع أن لازم شموله لمطلق الاعيان كونه كناية عن الاستيلاء فحينئذ لا نبالي بعدم صدق الاخذ أو الاخذ باليد بعد صدق الاستيلاء. ومنها - أن الاستيلاء على المنافع غير معقول لو فرض أن المراد بالاخذ الاستيلاء، لانه معنى اضافي يتوقف على المستولي والمستولى عليه،

[ 274 ]

والمنافع أمور تدريجية الوجود متصرمة التحقق توجد شيئا فشيئا، وتنعدم أو تستوفى، فلا يكون ما مضى منها وما سيأتي متحققين، وفي مثله لا يمكن الاستيلاء فعلا عليه، لان الاضافة بين الموجود والمعدوم غير معقولة، فمنافع الدار ظرفيتها القابلة للسكنى في عمود الزمان، ومنافع الدابة ظهرها القابل للركوب والحمل في عمود الزمان، وهما أمران متصرمان يتبعان الزمان، لان الظرفية في هذا الآن لا تبقى في الآن الآخر، والظهر القابل للركوب في هذا الآن لا يبقى في آن آخر، فلا يعقل الاستيلاء في مثلها. وأما ما يقال: من أن حيثية سكنى الدار القائمة بها فعليتها بفعلية مضايفها في طرف الساكن، والمتضايفان متكافئان في القوة والفعلية، فلا استيلاء حقيقة إلا على الدار بالنسبة إلى المنافع الفائتة فهو غير وجيه، لان ظاهره أن سكنى الدار منفعته، وهو خلاف الواقع، لان منفعة الدار لدى العقلاء عبارة عن أمر قد تستوفى بالسكونة، وقد تتلف وتصير هدرا بتركها خاليا من الساكن، وكذا منفعة الدابة، فمن حبس الدابة فقد أتلف منفعتها على صاحبها عرفا. ويمكن الجواب عن الاشكال بأن الشئ المتصرم يوجد شيئا فشيئا وينعدم، وفي حال وجوده ولو وجودا مستمرا غير مستقر يقع تحت اليد فيكون الاستيلاء على موجود وإن لا يبقى آنين، فيقع وجوده الآني المستمر تحت اليد، وبتلفه يصير مضمونا على ذي اليد المستولي عليه، فذلك الوجود المستمر في عمود الزمان يقع تحت اليد بنحو الاستمرار والانصرام، وبانعدامه يصير ضامنا شيئا فشيئا. فحينئذ لو تلفت العين المستأجرة وقلنا ببطلان الاجارة الصحيحة حين الانهدام أو بكشفه عن بطلانها من رأس بالنسبة إلى حال الانهدام فلا تصير

[ 275 ]

المنافع المتأخرة مضمونة عليه في الفاسد، لعدم الضمان في الصحيح من الاجارة بالنسبة إليها، فيكون مفاد على اليد من هذه الحيثية موافقا لقاعدة ما يضمن، تأمل. نعم لو قلنا بعدم بطلانها يكون مقتضى قاعدة ما يضمن ضمان المنافع المعدومة إلى آخر مدة الاجارة، ولا يكون مدركها على اليد لعدم اليد عليها، كما أنه لو غصبت العين المستأجرة بالاجارة الفاسدة من المستأجر وغصبها من الغاصب آخر يكون مقتضى قاعدة ما يضمن ضمان المنافع إلى آخر المدة على المستأجر، ولا تقتضي قاعدة اليد ضمان المستأجر لمنافع زمان الخروج عن يده غصبا، لان المنافع التي تحت يد الغاصب تدريجا لم تكن تحت يد المستأجر، وكذا الحال في الغاصب الاول، وما يقال في تعاقب الايادي بالنسبة إلى الاعيان لا يأتي بالنسبة إلى المنافع. وربما يقال: إن المنافع قد يقدر وجودها عرفا فتملك كما في الاجارة فكما أن تقدير وجودها مصحح لتمليكها وتملكها فكذا للاستيلاء عليها عرفا، وعدم الاستيلاء بالدقة العقلية لا ينافي الاستيلاء عرفا الذي هو المدار هنا. وفيه - مضافا إلى أن تقدير وجود المنافع في العرف والعادة ممنوع، وانما هو أمر أبداه العلماء بزعم الامتناع العقلي، وأما في محيط العقلاء فالاجارة وإن كانت بلحاظ المنافع لكن بلحاظ تحققها في ظرفها، وأنت إذا راجعت العرف لا ترى تقدير وجودها، بل الاجارة بلحاظ المنافع التي ستوجد، والعرف لا يأبى عن مالكية ما هو موجود في ظرفه، فالوجود التقديري الفرضي لا يكون مصححا للاجارة ولا مرغوبا فيه، بل المصحح والمرغوب هو الوجود الحقيقي في ظرفه لا التقديري، وتقدير الوجود عبارة أخرى عن الوجود التقديري، ولو فرض الفرق بينهما فلا شبهة في أن العرف

[ 276 ]

لا يقدرون وجود المنافع كما يظهر للمراجع إليهم - أنه على فرض التسليم في باب الاجارة، لكن لا يوجب ذلك تحقق الاستيلاء، لان الاستيلاء الحقيقي على الموجود المقدر أو على تقدير الوجود مما لا معنى له، مع أن الاستيلاء عليه لا يوجب الضمان، لانه تابع لليد على الوجود الحقيقي للشئ لا على وجوده التقديري، والمفروض عدم اليد على الوجود الحقيقي، وبتقدير الوجود لا يصير الوجود الواقعي تحت اليد، وهو واضح. ومنها - عدم صدق التأدية في المنافع مطلقا، فان ظاهر قوله صلى الله عليه وآله: " حتى تؤدي " كون عهدة المأخوذ مغياة بأداء نفس المأخوذ، والمنافع لتدرجها في الوجود لا أداء لها بعد أخذها في حد ذاتها بخلاف العين التي لها أداء في حد ذاتها وإن عرضها الامتناع ابتداءا أو بقاءا. ومنه يعلم أن جعل الغاية محددة للموضوع حتى يكون دليلا على ضمان المأخوذ غير المؤدى لا يجدي شيئا، فان الظاهر منه أيضا ما كان من شأنه أن يؤدى بعد أخذه لا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، هذا ما أفاده بعض أهل التحقيق. وفيه - مضافا إلى إمكان معارضته بما أفاد في دفع الاشكال المتقدم بأن المنافع إذا كانت مقدرة الوجود صح تمليكها وتملكها وصيرورتها تحت الاستيلاء عرفا، ولازم ذلك أن المنافع المتدرجة واقعا صارت مقدرة الوجود في زمان وقوع الاجارة، فتقدير وجودها فعلا يخرجها عن تصرم الوجود إلى ثباته وقراره، فوجودها في الحال مصحح التملك والاستيلاء فعليه يكون هذا الموجود الثابت القار تقديرا من شأنه ذاتا أن يؤدى، والتلف ابتداءا أو بقاءا لا ينافي الشأنية، كما أن التلف العارض للعين في الآن الاول من الاخذ لا ينافي شأنيه التأدية. وبالجملة إن لوحظت التأدية بالنسبة إلى الوجود الواقعي المتصرم

[ 277 ]

فهي وإن لا تمكن، لكن لا يعقل فيه الاستيلاء والاخذ، وإن لو حظت بالنسبة إلى ما يمكن فيها الاستيلاء والتملك في الحال فالتأدية فيها ممكنة ذاتا، وشأنيتها لا تنافي التلف العارض لبعض وجودها، كما لا تنافي التلف العارض لاصل الوجود في العين، مع أن إمكان الاداء في الجملة كاف في حفظ ظهور الغاية، ولا يلزم إمكان الاداء بجميع خصوصياتها، وتمام وجودها تأمل - أن حل الاشكال بأن يقال: إن الظاهر من الخبر أن جميع العناية فيه بجعل الضمان على المأخوذ، وانما ذكرت الغاية لتحديد الموضوع، ومعناه أن الحكم بالضمان تعلق على المأخوذ غير المؤدى من غير نظر إلى إمكان التأدية ولا إمكانها، وشأنية التأدية ولا شأنيتها، فهذا نظير قوله عليه السلام: " كل شئ هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه " (1) وقوله عليه السلام: " كل شئ نظيف حتى تعلم أنه قذر " (2) حيث أن الظاهر منهما جعل حكم الحلية والطهارة للمشكوك فيه من غير نظير إلى حصول العلم حتى يدعى ظهوره في إمكان حصول العلم أو شأنيته، فهل ينقدح منهما في ذهن أحد أن المشكوك فيه لا يكون حلالا وطاهرا إذا لم يكن له شأنية تبديله بالعلم. وبالجملة الظاهر من قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد " الخ جعل الضمان على غير المؤدى سواء أمكن الاداء أم لا، أو كان له شأنية الاداء أم لا، مع أن الجمود على ظاهره ودعوى لابدية شأنية الاداء في المأخوذ لا السلب بانتفاء الموضوع يقتضي أن يكون الضمان مادام العين موجودة، فان المعدوم ليس له شأنية الاداء، وعدم الاداء فيه من السلب بانتفاع الموضوع، والشأنية في زمان الوجود لا يجعل السلب في زمان التلف


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب ما يكتسب به الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب النجاسات - الحديث 4.

[ 278 ]

سلبا بانتفاء المحمول، تأمل. مع أن القضية السالبة المتلقاة من الغاية المذكورة هي ما لم يؤد المأخوذ، وموضوعها المأخوذ، ومحمولها الاداء على فرض صيرورة الجملة تامة، وسلبها بسلب المحمول هو في زمان بقاء الموضوع أي المأخوذ، وشأنية الاداء أجنبية عن مدلول الغاية والمغيا لو فرض أن التشبث بها يصحح المدعى. والتحقيق ما عرفت من عدم ظهور الغاية فيما ذكر، وانما يراد بها تحديد متعلق الحكم كالمثالين المتقدمين. نعم هنا كلام آخر سيأتي بيانه في الامر الرابع في بيان ضمان المثلي وحاصله أن ظاهر " على اليد " الخ لو كان ضمان نفس المأخوذ والمفروض أنه شامل للضمان بعد التلف فلا محالة تكون تأدية المثل في المثلي والقيمة في القيمي أداء لدى الشارع على فرض ثبوت الرواية، وإلا لزم توالي فاسدة، فراجع، وبذلك يفرق بين الرواية والروايتين المتقدمتين (1). ثم على فرض تسليم ظهورها فيما ذكر فالظاهر مساعدة العرف لالقاء الخصوصية، فان الظاهر منها بيان جعل الضمان على آخذ مال الغير، وعدم رفعه إلا بأدائه من غير دخالة لا مكان الاداء عرفا في تحقق الضمان بعد فرض صدق الاستيلاء واليد عليه. وبعبارة أخرى إن الاداء غاية للضمان ورافع له، لا عدمه أو إمكانه دخيل في حدوثه، وبعبارة ثالثة إن تمام الموضوع للضمان في نظر العرف هو الاستيلاء على مال الغير لا الاستيلاء على شئ ممكن الاداء، بل ولا على المأخوذ غير المؤدى. وربما يقال: إن المنفعة إذا دخلت في العهدة دخلت بجميع شؤونها


(1) في ص 277.

[ 279 ]

وامتناع أداء شخصيتها لكونها تدريجية لا يوجب امتناع سائر المراتب، ولا كونها بقول مطلق مما لا أداء لها حتى لا يعمها الخبر. وفيه أن ظاهر الخبر مع الغض عما ذكرناه هو إمكان أداء ما أخذ واستولى عليه لا أداء بعض مراتبه. وأما ما قيل في جوابه - بأن الطبيعي من كل معنى موجود بوجودات متعددة والحصة منه الموجودة مع هذا الشخص غير موجودة مع الشخص الآخر، فإذا تلف الشخص تلف الطبيعي الموجود بهذه الحصة والفرد الآخر طبيعي آخر، فإذا تلف الشخص تلف بجميع شؤونه، لكن من أحكام عهدة العين التالفة شرعا وعرفا أداء بدلها بطبيعتها المماثلة وبماليتها أو بأخيرتهما فقط، لا أن أداء المثل والقيمة أداء نفس ما دخلت في العهدة - فلا يخلو من إشكال، لان موجودية الطبيعي بوجودات متعددة اللازم منها أن عدم كل فرد عدم الطبيعي ووجود كل فرد وجوده حكم عقلي برهاني، لو ابتنت عليه تلك المسائل العرفية للزم منه عدم جريان استصحاب الكلي من القسم الثاني والثالث، لان جريانه مبني على أن المحتمل للبقاء عين ما تيقن وجوده، وهو مبني على أن الطبيعي، مع كل فرد عين الطبيعي مع الفرد الآخر، مع سقوط الاضافات وأن عدم الطبيعي بعدم جميع أفراده، ووجوده بوجود فرد ما، وهو حكم عقلائي عرفي. فعلى هذا إن الشخص إذا فات لم ينعدم به الطبيعي المشترك، ولا المالية المشتركة، وإن فاتت الحصة المتقومة بالشخصية والمالية المتقومة بها، وفي مقام الاداء يكفي أداء النوع المشترك والمالية المشتركة، وهو نحو أداء عرفا، ولهذا يقدم العرف المثل في المثلي على القيمة، فلو تلف الشئ بجميع شؤونه ولم يكن أداء المثل نحو أداء له بنوعيته وماليته لم يبق وجه لذلك الحكم العقلائي.

[ 280 ]

إلا أن يقال بعدم ملاك رأسا لهذا الحكم العقلائي، وهو كما ترى، ومجرد الاقربية والتماثل لا يوجب التعين ما لم يكن نحو أداء للمضمون، تأمل. ومنها - أن الظاهر من خبر اليد أن نفس المأخوذ على عهدة الآخذ في زمان وجوده وفي زمان تلفه، وإن اختلف حكم العقلاء في الزمانين، والعين لاستقرار وجودها قابلة لوقوعها في العهدة في الزمانين، وأما المنافع والاعمال فلتصرمهما لا يمكن أن تقعا فيها، لا في زمان وجودهما، وهو واضح، ولا في حال تلفهما، لان التالف إن وقع في الذمة بنحو التصرم والتدرج فلا يبقى فيها آنين، ولازمه عدم الضمان، وإن وقع فيها بنحو الاستقرار واللاتدرج فلا وجه له، لان اليد على المتدرج لا على المستقر الثابت، واليد على المتدرج لازمها وقوع المتدرج في الذمة. وفيه أن التدرج والتصرم الواقعيين من لوازم وجود المنافع والافعال المتدرجة، وما وقع في الذمة من الاعيان وغيرها عنوانها اعتبارا، وهو ليس بمتدرج، فكما أن الاعيان لا تقع في الذمة بعد تلفها مع لوازمها الوجودية كذلك المنافع، واعتبار الشئ المتدرج لا يلازم التدرج الواقعي فيما يعتبر. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) بعد بنائه على قصور قاعدة اليد عن الشمول للمنافع والاعمال المضمونة استدل على المطلوب بروايات: منها - ما عن رسول الله صلى الله عليه وآله " وحرمة ماله كحرمة دمه " والرواية بسند موثق عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية وحرمة ماله كحرمة دمه " (1) ورواها الصدوق مرسلا في ضمن ألفاظ


(1) الوسائل - الباب - 158 - من أبواب أحكام العشرة - الحديث 3.

[ 281 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله في رواية طويلة (1) والظاهر أن ما رواها الصدوق جمع روايات صادرة عنه صلى الله عليه وآله متفرقات، ومن البعيد صدورها جميعا في مجلس واحد. وكيف كان فما عن أبي جعفر عليه السلام رواية مستقلة، ويحتمل في قوله صلى الله عليه وآله: " وحرمة ماله " الخ أن يكون التنزيل والتشبيه في أصل الحرمة، أي كما أن دمه حرام ماله حرام، وتكون الحرمة تكليفية، وهذا الاحتمال في غاية البعد، لان الظاهر أنه صلى الله عليه وآله في مقام تعظيم المؤمن، وهو لا يناسب بيان مجرد حرمة التصرف في ماله، والحمل على المبالغة خلاف الظاهر لا يصح ارتكابه إلا مع قرينة، ومجرد كونه في مقام التعظيم أو كون بعض فقراتها مبالغة لا يوجب القرينية، مضافا إلى بعد حمل الحرمة على التكليفية، وعلى المعنى المصدري. بل الظاهر منه أن الحرمة بمعنى ما لا يجوز هتكه، ولا يذهب هدرا، فدلت على أن احترام ماله كاحترام دمه، ومقتضى عموم التنزيل والتشبيه أن كل احترام ثبت لدمه كان ثابتا لماله، ولا شبهة في أن احترام دمه بعدم اراقته وعدم هدره فكذا المال، فلا يجوز إتلافه، ولو أتلف لا يذهب هدرا. فما قيل: من أن احترام الدم لا يقتضي غير حرمة الاراقة واحترام المال لا يقتضي إلا حرمة التصرف فيه غير وجيه، لان حرمة الدم إراقة وهدرا مفروغ عنها بلا شبهة من صدر الاسلام، فعموم التشبيه دال على أن حرمة المال أيضا كذلك، فيفهم منه أنه لا يجوز إتلافه، ومع الاتلاف لا يذهب هدرا، والحمل على بعض آثار احترام الدم


(1) الفقيه - ج 4 ص 272 - الرقم - 828 ورواها ايضا في ص 300 الرقم 9. 9

[ 282 ]

خلاف الظاهر. وربما يقال: إن الظاهر أن احترام المال ليس لحيثية ماليته القائمة بذات المال المقتضية لتداركه، بل لحيثية اضافته إلى المسلم، لان الظاهر أن الحيثية المأخوذة في موضوع الحكم تقييدية، فيكون الاحترام بلحاظ رعاية مالكية المسلم وسلطانه على المال، ورعايتهما لا تقتضي إلا عدم التصرف فيه بلا رضاه لا تدارك ماليته، فانه راجع إلى حيثية ماليته لا ملكيته للمسلم، ولو كان حيثية الاحترام راجعة إلى المالية لكان بذله مجانا من صاحبه هتكا وإن كان جائزا، مع أنه ليس كذلك قطعا، ومنه يستكشف أن الاحترام راجع إلى مالكيته، والتصرف باذنه عين رعاية سلطانه. وفيه من الغرابة ما لا يخفي، لان كون الحيثية تقييدية لا يقتضي أن يكون الحكم للقيد لا للمقيد، بل يقتضي أن يكون للمقيد بما هو كذلك، فمال المؤمن بما أنه ماله حرمته كحرمة دمه، لا سلطان المؤمن على ماله حرمته كذا، فالمال بذاته ساقط الاضافة لا احترام له، كالمباحات الاصلية التي لا يحرم التصرف فيها، ومع الاتلاف لا تتدارك، والمال المضاف إلى المؤمن محترم لا يجوز التصرف فيه، ولا يذهب هدرا، فالاحترام للمال المضاف بحسب صريح الرواية، لا لاضافة المؤمن إليه ولو كانت هي منشأ له. ثم إن مال المؤمن ومالكيته غير سلطنته عليه، فان السلطنة من الاحكام العقلائية للملك والمال، والخلط بينهما صار موجبا للاشتباه في بعض الموارد، ومنه المقام، حيث أن المستشكل لاجل كون الحيثية تقييدية بدل موضوع الحكم باضافة الملكية، وقرن إضافة الملكية باضافة السلطنة، فقال: " إن رعاية مالكيته وسلطانه لا تقتضي إلا عدم التصرف فيه " تأمل. ثم إن ما في ذيل كلامه من أن الاحترام لو كان للمال لكان بذله

[ 283 ]

من مالكه هتكا جائزا ناش من عدم رعاية الاضافة في موضوع الحكم، وتخيل أن لزوم التدارك راجع إلى المال بذاته، وهو كما ترى. ثم إنه ربما يستشكل على الاستدلال بالرواية لتضمين أعمال الحر، تارة بأنها ليست بمال، وأخرى بأن الادلة منصرفة عنها، ويرد على الاول بأن الاعمال الواقعة تحت الاجارة مال عرفا، بل الظاهر أن أعمال الحر الكسوب مال ولو لم تقع تحت الاجار وعلى الثاني بمنع الانصراف، بل مناسبة الحكم والموضوع تقتضي التعميم بلا إشكال. فالعمدة في المقام أن ما رمنا اثباته بتلك الرواية - وهو ضمان ما تلف من المنافع والاعمال بلا إتلاف وتسبيب من المشتري أو البائع - لا يمكن إثباته، ضرورة أن حرمة دم المؤمن أيضا لا تقتضي ذلك، فلو فرض أن مؤمنا كان تحت سلطنة شخص فمات حتف أنفه أو بآفة سماوية لم يكن المسلط عليه ضامنا، فكيف يمكن إثبات الضمان بها للمنافع غير المستوفاة والاعمال كذلك مع عدم تسبيب للاتلاف والتلف. نعم هذه الموثقة دليل لقاعدة الاتلاف في الجملة أو مطلقا لو ألقى الخصوصية إلى كل مال محترم، وهو مشكل، ومنه يعلم عدم تمامية الاستدلال عليه بمثل " لا يصلح ذهاب حق أحد " (1) " ولا يصلح ذهاب حق امرئ مسلم " (2). ومنها - قوله صلى الله عليه وآله: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفسه " (3) ودلالته على الضمان ولو في الجملة غير ظاهرة، إلا أن يقال: إن عدم الحل شامل لحال تلفه أيضا كما سبق من الشيخ نظيره في قوله


(1) و (2) الوسائل - الباب - 20 - من كتاب الوصايا - الحديث 3 - 1 (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 3 وفيه " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله....).

[ 284 ]

صلى الله عليه وآله: " الناس مسلطون على أموالهم " (1) وعدم الحل في زمان التلف لازمه الضمان، وهو كما ترى صغرى وكبرى. ومنها - حديث نفي الضرر (2) ودلالته على الضمان إما بتقريب أن نفي الضرر حقيقة إدعائية، ومصححها أن الضرر المحكوم بالتدارك ينزل منزلة العدم، فيدعى أن ظاهر " لا ضرر " هو النفي باعتبار لزوم التدارك كما عن بعض الفحول. وإما بتقريب أن المصحح هو الاعم من ذلك، أي النفي باعتبار نفي كون أحكامه تعالى ضررية، ونفي حلية إيقاع الضرر على الغير، والحكم بتدارك الضار الضرر الواقع منه على الغير، بدعوى أن إطلاق نفي الحقيقة يتقضي الشمول لجميع ذلك. وفيه - مضافا إلى أن الدليل أخص من المدعى، وهو إثبات الضمان بتلف سماوي - أن التحقيق في دليل نفي الضرر أنه حكم سلطاني من رسول الله صلى الله عليه وآله، ونهي منه عن الاضرار وإيقاع الحرج على الغير، كما يشهد به مورد القضية صدرا وذيلا، وقد فصلنا ما عندنا من الشواهد في رسالة مفردة. ثم بعد عدم دلالة ما دلت على احترام مال المسلم ونحوه وكذا دليل نفي الضرر على المقصود يمكن الاستدلال بها على عدم ضمان من تلف الشئ تحت يده بلا تسبيب ومباشرة، كالتلف السماوي، فان احترام مال المسلم يقتضي عدم أخذ ما تلف منه، وكذا حكم الشرع بضمانه ضرري يدفع بدليل نفي الضرر، ضرورة أن أخذ درك مال الغير بلا سبب، وبمجرد وقوع الشئ تحت يده ضرر، والحكم ضرري.


(1) البحار - ج 2 ص 272 - الطبع الحديث. (2) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب إحياء الموات.

[ 285 ]

ويمكن الجواب عن معارضة دليل اليد ودليل الاحترام بأن الثاني موضوعه المال، ولا تعرض له لموضوعه ضيقا وسعة، ودليل اليد المثبت للضمان بالمثل أو القيمة يحقق موضوع دليل الاحترام، فاحترام مال المضمون له الثابت بدليل الضمان يقتضى رده إليه وعدم حبسه، وأما بالنسبة إلى دليل الضرر فدليل ضمان اليد أخص مطلقا من دليل نفي الضرار، فلا مساغ للحكومة مع الاخص المطلق، بل يخصص به ذلك، نعم لو قيل بعدم شمول دليل نفي الضرر للمأخوذ غصبا بدعوى انصرافه عنه يكون بينهما عموم من وجه، ولو كان دليل نفي الضرر حاكما عليه لابد من القول بعدم ضمان اليد إلا في مورد الغصب. ويمكن أن يقال: إن إثبات أصل الضمان ليس حكما ضرريا، بل الحكم بلزوم الاداء ضرري أي موجب للضرر، فحينئذ يكون دليل اليد سالما عن المعارض، ودليل وجوب الاداء لما كان مفاده وجوب أداء مال الغير لا يكون ضرريا، أي يخرج بواسطة دليل اليد المثبت للضمان عن موضوع الضرر، تأمل. فاتضح مما مر عدم دليل كافل لتمام مضمون قاعدة " كل عقد يضمن " الخ حتى قاعدة اليد، ففي مثل المنافع الفائتة في غير يد القابض والعمل الصادر من الاجير من غير تسبيب من المستأجر لا دليل على ضمانهما. ثم إن التحقيق عدم الفرق بين علمهما بالفساد وجهلهما أو علم أحدهما، وقد يقال: إنه مع دفع المالك ماله إلى الطرف عالما بفساد المعاملة شرعا أو شاكا في صحتها يكون دفعه كاشفا عن عدم ارتباط رضاه بالصحة شرعا، بل هو كاشف عن رضاه بكون ماله في يد صاحبه مع ما هو عليه من عدم الاستحقاق شرعا فيكون أمانة مالكية في يده لا يضمنه لو تلف، بل مع كونه معتقدا بالصحة لو لم يكن اعتقادها قيدا مقوما

[ 286 ]

بل كان داعيا أو مقارنا يكون حكمه كما ذكر. وفيه أن مفروض المسألة هو المقبوض بالبيع الفاسد، فحينئذ لو كانت المعاملة عقلائية والفساد من ناحية إخلال شرط شرعي فلا إشكال في أن العقد في محيط العقلاء كان صحيحا يترتب عليه الاثر عرفا، من غير فرق بينه وبين الصحيح شرعا، كما ترى أن بيع الخمر والخنزير وآلات اللهو من البيوع العقلائية من غير نظر منهم في ذلك إلى اعتبار الشرط الشرعي، فعليه لا شبهة في أن الرضا الحاصل في إيقاعه رضى بالعقد فقط، بل لا معنى لكونه راضيا بالتصرف، فانه من قبيل الرضا بتصرف الغير في مال نفسه الذي هو غير مربوط به، وبالجملة الرضا العقدي لا يفيد شيئا. وأما الدفع الذي هو مورد كلامه فلا شبهة في أنه مع بنائهما على الصحة العقلائية يكون من قبيل العمل على مقتضى العقد، فهل ترى أن بائع الخمر إذا دفعها إلى المشتري يكون دفعه بغير عنوان العمل على مقتضى عقده. ولهذا لو باع كليا لا يؤدي إلا المصداق المنطبق عليه، ولو باع شخصا لا يرى هو ولا غيره من العقلاء إلا كونه مستحقا لما وقع عليه العقد، فتوهم أن العالم بالفساد الشرعي يكون أداؤه ودفعه لا بعنوان العمل بالمعاملة ومقتضاها في غاية الضعف. فلا ينبغي الاشكال في عدم كون تسليم الثمن أو المثمن إلى الطرف من قبيل الامانة المالكية، ولا في أن الرضا المعاملي والرضا بالدفع الذي هو مقتضى المعاملة لا يوجبان رفع الضمان، فمقتضى قاعدة اليد ضمانه عالما كان أم جاهلا، نعم لو كان الشرط غير المراعى في المعاملة من الشرائط العقلائية فمع الالتفات يكون الجد بالمعاملة مشكلا، ومع فرضه لا تكون المعاملة متحققة، فيخرج الموضوع عن محط البحث، وهو

[ 287 ]

المقبوض بالبيع الفاسد، لعدم البيع ولو عرفا. وقد يفرق بين المقام والمعاطاة بأن التسليط عن الرضا بقصد حصول الملك هناك ابتدائي لا مرتب على أمر غير حاصل، فعدم تأثيره في الملك لا يوجب عدم صدور التسليط عن رضاه، لانه غير مرتب على الملك، بل الملك مرتب عليه فلا معنى لان يتقيد الرضا به، انتهى ملخصا. وفيه أن عدم تقيد العلة بالمعلول لا يوجب أن يكون العلة مطلقا، بل لا إطلاق فيها ولا تقييد، ولا ينطبق إلا على المقيد، أي ما هو المؤثر في الملك هو التسليط عن رضاه غير مقيد بحصول الملك منه، ولكن لا إطلاق فيه بحيث يكون الرضا شاملا لحال عدم الملك، فحينئذ تكون النتيجة عدم الرضا في ظرف عدم الملك، وهو مرادنا من أنه لا ينطبق إلا على المقيد. وإن شئت قلت: إنه راض بتسليط يكون مبدءا للملك لا بنحو التقييد بمعلوله، بل بمعنى ضيقه الذاتي، كما أن الامر كذلك في العلة والمعلول، فلا معنى لبقاء الرضا مع عدم حصول الملك، أو إطلاق الرضا لحال عدم الملك، فالقاعدة تقتضي الضمان في المعاطاة مع عدم حصول الملك وكذا في المعاطاة الفاسدة. ويتلو كلامه في الضعف ما أفاد في الفرق بين المقام وبين ما علم المشتري بالغصب، حيث أن تسليطه للغاصب على ماله عن رضاه موجب للاذن في التصرف ومانع عن الضمان، بما حاصله أن تمليك الغاصب بعنوان المعاملة الحقيقية غير معقول، وعلى فرض معقوليته بتمليك عنوان المالك و ادعاء أن الغاصب هو المالك فبين الاقباض هنا وهناك فرق، فانه هنا جريا على تشريعه معقول، بخلاف إقباض عنوان المالك، فانه غير معقول فان الاقباض أمر خارجي يتعلق بذات القابض، وليس من مقتضيات

[ 288 ]

الجعل التسليم إلا إلى المالك الحقيقي أو العنواني، والاول غير متحقق، والثاني غير معقول، فهذا الاقباض الصادر عن الرضا المتعلق بذات الغاصب لا بعنوانه يفيد جواز التصرف له، وينافي تضمينه، انتهى. وفيه أن بيع الغصب إن صدر عمن لا يعتني بالقواعد والمقررات ويكون ممن يقول: إن الحلال ما حل في يدك فلا شبهة في أن تسليطه لا يفيد جواز التصرف، إن كان مباليا بالمقررات وقلنا في تصحيح بيعه بالحقيقة الادعائية فلا شبهة في أن الادعاء تكون نحو الادعاء في باب الاستعارة على مسلك السكاكي، ويكون الدعوى أن الشخص هو المالك، فيبيعه ويسلم إليه بعنوان كونه مالكا، ضرورة إن التمليك والتملك بعد الادعاء يكون بين الشخصين الخارجين، ولا يكون التمليك لعنوان المالك ثم انطباق المالك على الشخص، وهو ظاهر، ضرورة إن الغاصبين في مقام المعاملة يقولان: ملكتك هذا بهذا وقبلت، لا ملكت المالك وأنت هو، فحينئذ يكون التسليم باعتبار كونه مالكا لا بعنوان ذاته كيف ما كان. وأما التشبث بقاعدة الغرور فمع كون القابض الجاهل ممن لا يبالي بالشرائط الشرعية، وكان تمام همه المعاملة العقلائية، بحيث لو علم بالواقعة لاقدم على المعاملة فلا شبهة في عدم صدق الغرور بالنسبة إليه، لعدم خدعة في البين، وعدم استفادة الطرف من جهله، وانما أعطاه العوض بما أنه ماله، وأخذه كذلك، من غير نظر إلى حال الشرع في ذلك. نعم لو كان مباليا بأحكام الشرع بحيث لو علم بالواقعة لما أقدم على المعاملة ولا أخذ العوض لا يبعد صدق الغرور، لان الطرف العالم انما أقبضه ما هو ماله بنظر القابض خدعة وحيلة لاتمام المعاملة، وأخذ العوض، فابقاء جهله بحاله مع كونه موجبا للاقدام وإعطائه ما ليس بنظره

[ 289 ]

ماله نحو غرور وخدعة، نظير إعطاء ماله لشخص بعنوان كونه ملك القابض، فانه إذا أتلفه أو تلف في يده ليس ضامنا لقاعدة الغرور، أو أعطى ما له لشخص بعنوان وقوع المعاملة الصحيحة عليه، وصيرورته ماله مع عدم وقوع المعاملة رأسا تأمل. وأما عكس القاعدة أي كل عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده فيحتمل أن يراد به سلب ما ثبت في الاصل، فمفاد الاصل أن كل عقد صحيحه سبب للضمان ففاسده كذلك، ومفاد العكس أن كل عقد لا يكون صحيحه سببا للضمان لا يكون فاسده سببا له، فيكون المقصود سلب السببية للضمان، لا إثبات السببية لعدمه، وهذا المعنى السلبي بالسلب البسيط وإن كان أعم من سلب الاقتضاء وثبوت الاقتضاء المقابل لاصل القاعدة، لكن القضية بحسب هذا الاحتمال غير ناظرة إلا لجهة السلب لا لما ينطبق عليه انطباقا غير ذاتي. ويحتمل أن يكون المراد به هذا المعنى الاعم أي ما لا يقتضي الضمان وما يقتضي اللاضمان حتى يكون الاصل والعكس حاصرين لجميع أنواع العقود تصورا، أي ما يقتضي الضمان أو اللاضمان أو لا يقتضي شيئا منهما، ويحتمل أن يكون المراد به خصوص ما يقتضي عدم الضمان بقرينة مقابلته مع ما يقتضيه. ولا يبعد أن يكون الظاهر المعنى الاول لكن لما لم يكن أصل القاعدة وعكسها مفاد دليل أو معقد إجماع لا ثمرة للاستظهار، فالاولى الرجوع إلى مبنى العكس حتى يتضح المراد منه. فمقتضى ما عن شيخ الطائفة (قده) في الرهن الفاسد " إن صحيحه لا يوجب الضمان، فكيف يضمن بفاسده؟ " أن الصحيح لا يقتضي الضمان فكذا الفاسد، فيكون المدعى فقدان سبب يقتضي الضمان في الصحيح والفاسد، لا وجود سبب لعدمه، وهو مقتضى تقريب الشيخ الانصاري

[ 290 ]

قدس سره من أن سبب الضمان إما الاقدام عليه وإما حكم الشارع به، وكلاهما مفقودان، لعدم الاقدام، ولغوية العقد شرعا، ولازمه عدم ما يقتضي الضمان، ثم إنه يرد على ما ذكر ما أورد عليه الشيخ الانصاري (قده) من عدم ثبوت الاولوية، لاحتمال أن يكون للضمان سبب يرتفع بالمعاملة الصحيحة دون الفاسدة، ولا يبعد أن يكون مقتضى الدليل الآخر الذي أشار إليه الشيخ (قده) على فرض تماميته هو اقتضاء عدم الضمان، لاحتمال أن تكون الامانة المالكية أو الشرعية تقتضي سلب الضمان على احتمال يأتي الاشارة إليه. قال الشيخ: " إن قلت: إن الفاسد وإن لم يكن له دخل في الضمان إلا أن مقتضى عموم " على اليد " هو الضمان، خرج منه المقبوض بصحاح العقود التي تكون مواردها غير مضمونة على القابض، وبقي الآخر، قلت: ما خرج به المقبوض بصحاح تلك العقود يخرج به المقبوض بفاسدها، وهي عموم مادل على أن من لم يضمنه المالك سواء ملكه إياه بغير عوض، أو سلطه على الانتفاع به أو استأمنه عليه لحفظه، أو دفعه إليه لاستيفاء حقه، أو العمل فيه بلا أجرة، أو معها، أو غير ذلك فهو غير ضامن، فالدليل المخصص لقاعدة الضمان عموم ما دل على أن من استأمنه المالك على ملكه غير ضامن، بل ليس لك أن تتهمه " انتهى ملخصا. ثم تشبث في الهبة الفاسدة بفحوى ذلك العموم. أقول: لم نجد عموما أو إطلاقا في الادلة بهذه التوسعة التي ادعاها رحمه الله، ولعل نظره إلى بعض الروايات في باب الامانة والعارية والاجارة كمرسلة أبان بن عثمان عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: " وسألته عن الذي يستبضع المال فيهلك أو يسرق أعلى صاحبه ضمان؟ فقال: ليس

[ 291 ]

عليه غرم بعد أن يكون الرجل أمينا " (1) رواها في الكافي وفي التهذيب بسند كالصحيح عنه عليه السلام، ونحوها أو قريب منها روايات أخر في الاعارة والاجارة وغيرهما، بدعوى أن ذيلها بمنزلة التعليل، فيفهم منه أن كل أمين لا غرم عليه، سواء كان الاستيمان في العقد الفاسد أو الصحيح وسواء كان المدفوع بعنوان الامانة أو ما يفيد معناها ولو بالحمل الشائع، وبدعوى أن التسليم في باب الاجارة والمضاربة ونحوهما يكون من قبيل جعل العين أمانة، وبالجملة إذا استأمن الرجل غيره بأي نحو كان لا يكون ضامنا. وفيه - مضافا إلى إمكان الخدشة في كون ما ذكر بمنزلة التعليل، واحتمال أن يكون بيانا لمورد القضية أي بعدما جعلته في المورد أمينا لا غرم عليه، وهذا نحو أن يسأل الطبيب عن الرمان فيقول: بعد أن كان حلوا لا مانع منه، أترى يفهم منه أن كل حلو لا مانع منه؟ - أن في الرواية احتمالات: أحدها - أن المقصود الاخبار عن قضية واقعية، هي أنه إذا كان أمينا لا تصدر منه الخيانة والافراط والتفريط فلا يكون ضامنا بحسب الواقع، وعلى هذا لا يكون تعليلا يستفاد منه غير المورد. ثانيها - أن يراد به أنه بعد ما اتخذته أمينا وجعلت المال أمانة عنده لم يحكم عليه بالغرم إلا مع قيام البينة، وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الاتخاذ أمينا في عقد الوديعة انما يصدق مع صحته، وأما مع فساده فلا، لان المراد ليس كونه أمينا واقعا أو كونه مورد وثوق المودع، بل المراد أنه مع اتخاذه في العقد والقرار أمينا - وجعلت بضاعتك أمانة لديه - لم يحكم عليه بالغرم، فلا يكون صادقا في فاسد العقد، لانه لم يتخذه أمينا مطلقا


(1) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الوديعة الحديث 4.

[ 292 ]

بل في العقد مع البناء على صحته. ثالثها - أن يراد أنه بعد اتخاذه أمينا لا يكون ضامنا بالتلف السماوي من غير إفراط وتفريط، فيأتي فيه الاشكال المتقدم. رابعها - أن يكون المراد أنه بعد ما كان أمينا واقعا لا يضمن، ومقتضى التعليل أن لا يضمن الامين بالتلف السماوي مطلقا، ويضمن غير الامين ففي المقبوض بالعقد الفاسد مثلا إذا كان القابض أمينا ثقة لا يضمن، بخلاف غير الامين. خامسها - أن يراد أن كل من استأمنته لا يضمن، بمعنى أن كل من جعلت الشئ عنده بعنوان الامانة ليس بضامن، فيشمل الصحيح والفاسد وهذان الاحتمالان بعيدان. هذا كله بناء على أن المراد بالاستبضاع هو المعاملة الخاصة التي يقال لها: البضاعة، كما هو الظاهر. ثم لو قلنا باستفادة عدم الضمان منها في فاسد عقد الامانات فاستفادته في مثل الاجارة والرهن والوقف لو قلنا بأنه عقد أو يكون موضوع القاعدة أعم من العقد مشكلة، لامكان أن يقال: إن الاستبضاع نحو أمانة، حيث إن التاجر يسلم مال التجارة إلى غيره ليتجر به وكان النفع للمالك، فتسليم العين بهذا العنوان نحو استئمان، وأما تسليم العين المرهونة للمرتهن والعين المستأجرة للمستأجر فليس في شئ منهما استئمان وجعلها أمانة، بل هو باعتبار الوفاء بالعقد ليس إلا. وليس المراد من الرواية المتقدمة أن تشخيص الدافع أمانة الطرف أو تسليمه العين باعتقاد أنه أمين رافع للضمان، حتى يقال في مثل الرهن والاجارة: إن الامر كذلك، بل المراد أن جعل الشئ أمانة وأخذ الشخص في هذا القرار أمينا رافع له، ولا شبهة في أن الراهن لم يجعل المرتهن

[ 293 ]

في رهنه أمينا، وكذا المؤجر، وإن كان التسليم مع اعتقاد هما بأمانة الطرف والوثوق به، لكن ذلك ليس موضوعا للحكم كما يظهر بالتأمل، مع أن التسليم بالاعتقاد المذكور لا يصدق كليا. ولا يبعد أن تكون الروايات التي بصدد بيان الحكم في تلك الابواب المختلفة على كثرتها على طائفتين: إحداهما - كقوله عليه السلام في الحمامى: " انما هو أمين " (1) وقوله عليه السلام: " صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان " (2) إلى غير ذلك مما هي بهذا المضمون - بصدد بيان ما تقدم آنفا، ويكون المراد منها أن من جعل أمينا أي اتخذه صاحب المال أمينا عليه لا ضمان عليه، إما واقعا في غير مورد الافراط والتفريط، وإما ظاهرا وفي مقام الدعوى، أي يطالب البينة من صاحب المال واليمين عليه، وهذا تعبير شائع في كتاب القضاء. فحينئذ لو سلمنا شمول الادلة المذكورة لصحيح الاجارة والرهن والمضاربة وغيرها لا سبيل إلى دعوى شمولها لفاسدها، لان المالك لم يتخذ طرفه أمينا مطلقا، بل انما يعمل على طبق عقد الاجارة ونحوها، والكلام في الفاسد هاهنا كالكلام في المقبوض بالبيع الفاسد، ولو كان المراد من نحو قوله: " مؤتمن " التنزيل منزلة الامين، فلا يتعدى عن مورده، وهو واضح. والطائفة الثانية - كقوله عليه السلام: " إذا كان مسلما عدلا فليس عليه ضمان " (3). وقوله عليه السلام: " كان أمير المؤمنين عليه السلام يضمن القصار والصانع احتياطا للناس، وكان أبي يتطول عليه


(1) الوسائل - الباب - 28 - من كتاب الاجارة - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الوديعة - الحديث 1 - 2

[ 294 ]

إذا كان مأمونا " (1). وقوله عليه السلام: " في رجل استأجر حمالا فيكسر الذي يحمل أو يهريقه فقال: - على نحو من العامل - إن كان مأمونا فليس عليه شئ، وإن كان غير مأمون فهو ضامن " (2). ومنها قوله عليه السلام في الرواية المتقدمة: " بعد أن يكون الرجل أمينا " (3) لان الاستبضاع ليس على نحو الامانة حقيقة، بل كان حاله حال القصار والحمال ونحوهما، - انما هي بصدد بيان التغريم في مقام القضاء والتفصيل بين الامين والثقة والعدل وغيرهم، فيحكم بغرم غير المأمون وعدم غرم المأمون، أي في مقام القضاء ومطالبة البينة وتوجه اليمين. وهذه الطائفة كالطائفة الاولى وردت في موارد يكون لها حالتان: إحداهما الضمان إذا كان التلف عن إفراط وتفريط، وثانيتهما عدمه إذا كان سماويا بغيرهما، فذلك المورد مفروض في تلك الروايات، فلا يعقل تشخيص الموضوع والمورد بها، فلا يمكن استفادة حكم العقود الفاسدة التي لم يعلم أن لها حالتين منها، فتدبر. مع أن التفصيل بين الامين وغيره في الضمان أعم من وجه مع المدعى. وأما التشبث بموثقة إسحاق بن عمار قال: " قلت لابي إبراهيم عليه السلام: الرجل يرهن الغلام والدار فتصيبه الآفة على من يكون؟ قال: على مولاه، ثم قال: أرأيت لو قتل قتيلا على من يكون؟ قلت: هو في عنق العبد، قال: ألا ترى فلم يذهب مال هذا؟ ثم قال: أرأيت لو كان ثمنه مأة دينار فزاد وبلغ مأتي دينار لمن يكون؟ قلت:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من كتاب الاجارة - الحديث 3 - 10 (3) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الوديعة - الحديث 4

[ 295 ]

لمولاه، قال: كذلك يكون عليه ما يكون له " (1) بدعوى استفادة العلية من ذيلها، فكأنه قال: " كل من له الغنم فعليه الغرم " ومعلوم أن في فاسد تلك العقود يكون الغنم لصاحب المال، فالغرم عليه، فلا يضمن بفاسدها. فأنت خبير بما فيه، لعدم الدليل على كونه علة للحكم، بل الظاهر أنه تقريب إلى ذهن السائل في المورد، كما أن صدرها الراجع إلى قتل العبد تقريب لا تعليل، ولو كان تعليلا للزم منه التخصيص الكثير بل المستهجن، لان كلية موارد الضمان من الغصب والايادي غير المحقة ولو لم تكن غصبا والمقبوض بالعقود الفاسدة التي فيها ضمان والمقبوض بالسوم وغيرها خارجة عنه. ثم إن المستفاد من الادلة الواردة في هذه الابواب هل هو الضمان في مورده، وعدمه في مورده بنحو الاقتضاء كما في إيجاب الصلاة وتحريم الخمر، فلا يجوز شرط عدمه في مورد يقتضي الضمان ولا شرط الضمان في مورد يقتضي عدمه، ويكون الاشتراط مخالفا للشرع بدعوي أن قوله: " لا ضمان على الحمال " مثلا: مخالف لشرط الضمان، وكذا شرط عدم الضمان مخالف لقوله صلى الله عليه وآله مثلا: " على اليد " الخ وللادلة الخاصة للضمان، أو يكون شرط عدم الضمان في مورد الضمان مخالفا للشرع دون شرط الضمان في مورد عدمه، بدعوى أن الظاهر من جعل الضمان أنه حكم اقتضائي، لان ثبوت الحكم لا يكون إلا عن اقتضاء، وأما أدلة نفي الضمان فلا تدل إلا على عدمه، وهو لا يقتضي إلا عدم ثبوته، لعدم اقتضائه، وكونه عن اقتضاء لابد من الدلالة، وهي مفقودة، أو يكون شرط عدم الضمان في مورده أيضا غير مخالف للشرع، بدعوى أن الضمان انما هو لمراعاة المالك، فالادلة منصرفة


(1) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الرهن - الحديث 6

[ 296 ]

عن مورد الاشتراط برضا المالك؟. لا يبعد رجحان هذا الاخير، ويدل عليه الروايات الدالة على جواز الشرط في العارية، فانها تدل على جواز شرط الضمان فيما لا ضمان مع عدمه وجواز شرط عدم الضمان فيما فيه الضمان، كالذهب والفضة، ففي صحيحة زرارة قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: العارية مضمونة، فقال: جميع ما استعرته فتوى فلا يلزمك تواه، إلا الذهب والفضة، فانهما يلزمان إلا أن تشترط عليه أنه متى توى لم يلزمك تواه، وكذلك جميع ما استعرت فاشترط عليك لزمك، والذهب والفضة لازم لك وإن لم يشترط عليك " (1) وفي صحيحة أخرى عنه قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن وديعة الذهب والفضة، قال: فقال: كل ما كان من وديعة ولم تكن مضمونة لا تلزم " (2) ومعلوم أن المراد منه اشتراط عدم الضمان، وإلا فمن قبيل توضيح الواضح، وتدل عليه بعض الروايات في كتاب الاجارة، فراجع. هذا بحسب القواعد ومقتضى تلك الروايات، وأما البحث الفقهي الجامع فمحتاج إلى المراجعة والتفصيل. ثم إنه قد يستدل للعكس بأن المالك في القبض الصحيح إذا سلط القابض على ماله مجانا تخرج يده عن عموم " على اليد " إما تخصصا أو تخصيصا، وملاكه في الفاسد بعينه هو الملاك في الصحيح، ولا أولوية لاحدهما. وفيه أن التسليط في مثل عقد الاجارة والرهن ليس مجانا، لان التسليم لاجل الحق القائم بالعين لاستيفاء المنفعة، ولو فرض أن الثمن في الاجارة في مقابل المنفعة لكن للمستأجر حق على العين لاستيفائها، والتسليم لاجل


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب العارية - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الوديعة - الحديث 3.

[ 297 ]

هذا الحق لا المجان، مع أنه لم يرد دليل في التسليم المجان. ودعوى الانصراف عن هذا النحو من التسليم الذي هو لاعطاء مورد حق الغير في غير محلها، ولو سلم الانصراف عن صحاح تلك العقود فلم يتضح وجه لانصرافه عن فاسدها، كما لا دليل على التخصيص. ودعوى عدم الاولوية غير وجيهة، لان التسليم في الفاسد بزعم تعلق حق الغير به، فمثله غير خارج عن عموم اليد تخصصا أو تخصيصا. ودعوى أن العقود من قبيل الدواعي على التسليم لا العنوان للعقد الصحيح غير وجيهة، ضرورة أن التسليم لاجل الوفاء بالعقد لا غير، والوفاء انما هو في العقود الصحيحة لدى المتعاملين، فتوهم إطلاق الرضا في غير محله، كما مر نحوه في البيع الفاسد، فتدبر. نعم هنا كلام آخر يأتي الاشارة إليه في ضمن النقض الآتي. ثم إنه قد يرد النقض على العكس بعقد الاجارة، فان صحيحه لا يضمن به بلا إشكال، لكن فاسده يضمن به على ما هو صريح الرياض وظاهر كلمات الاصحاب كما عن الاردبيلي (قده) وإن ادعى خلافه المحقق الثاني (رحمه الله) على ما حكي عنه. ولابد في المقام من تقديم أمور حتى يتضح المقصود: الاول: أن ماهية الاجارة بحسب الاحتمال إما عبارة عن نقل المنافع بحيث لا تكون في إيقاع عقدها إضافة بين المستأجر والعين المستأجرة، بل الاضافة بينه وبين المنافع هي إضافة الملكية، فيكون مثل ملكتك منافع الدار من قبيل اللفظ الصريح، وأكريت وآجرت من قبيل الكناية، لعدم صراحتهما في تمليك المنفعة ونقلها. وإما عبارة عن إضافة بين العين المستأجرة والمستأجر من غير تضمنها لنقل المنافع، وانما يكون نقلها تبعا للاضافة المذكورة، لا بسبية الاجارة

[ 298 ]

ابتداء، نظير نقل منافع العين في البيع، فانها ليست تحت جعل المتعاملين، وانما تنتقل إلى المشتري تبعا لنقل العين لا بسببية العقد مستقيما، وهذان الاحتمالان في طرفي الافراط والتفريط، ومخالفان لاعتبار العقلاء في ماهية الاجارة. وإما عبارة عن إضافة خاصة لاستيفاء المنفعة أو للانتفاع بالعين، بمعنى كون الاستيفاء والانتفاع غاية ملحوظة فيها أو إضافة متضمنة لنقل المنفعة، فتكون إضافة بين العين والمستأجر متضمنة لنقل المنفعة بالعوض أو إضافة لازمها البين نقل المنافع، فيكون عقد الاجارة سببا للاضافة الناقلة، فيكون النقل أيضا مسببا ملحوظا ولازما بينا له، وبهذا يفترق عن الاحتمال المتقدم الذي زيفناه. ويتلوه في الضعف الاحتمال الاول من الاحتمالات الاخيرة، فان لازمه عدم نقل المنافع، والعرف على خلافه، وبهذا يظهر ضعف احتمال كونها عبارة عن التسليط على العين للانتفاع أو استيفاء المنفعة، فبقي الاحتمالان. ولا يبعد أقربية الثاني بحسب الفهم العرفي، فالاجارة إضافة خاصة لازمها نقل المنافع، فقوله: أكريت الدابة - أي أعطيتها بالاجر - هو اللفظ الصريح لعقد الاجارة، بخلاف ملكت المنفعة مريدا به إيقاع الاجارة، فانه ليس بصريح. الثاني: الظاهر أن عقد الاجارة بما هو لا يقتضي لزوم جعل المستأجر مستوليا على العين المستأجرة، سواء كان مورد الاجارة الحر أو الدابة أو المساكن، لان ماهية الاجارة - سواء كانت عبارة عن نقل المنافع، أو الاضافة المستلزمة لذلك، أو غيرهما من الاحتمالات المتقدمة عدا احتمال أن تكون عبارة عن التسليط على العين لاستيفاء المنفعة الذي زيفناه -

[ 299 ]

لا تقتضي إلا تمكين المستأجر لاستيفاء حقه من العين، ومن المعلوم أن مجرد ذلك غير الاستيلاء، ولا يستلزمه، فان الاستيلاء عبارة عن الاستبداد والتسلط على الشئ، ومجرد التميكن للتصرف لا يقتضيه. فإذا آجر دابة وكانت بيد المؤجر وتحت استيلائه وأذن المستأجر لاستيفاء حقه منها عمل بمقتضى عقد الاجارة، وكذا الحال في المساكن وغيرها، فإذا آجر بيتا من السفينة أو القطار وأذن في استيفاء المنفعة منه عمل بمقتضاها، مع أن المستأجر ليس ذا يد عليه ومستوليا، بل السفينة والقطار بجميع بيوتهما تحت استيلاء مديرهما، وكذا بيوتات الملك القاهر تحت سلطته ولو آجر بعضها. وما ذكرناه هو مقتضى القواعد، ومقتضى الاجارة في نفسها، ولو فرض في بعض الموارد تعارف يوجب إيقاع العقد مبنيا عليه فهو خارج عن المقتضى، وكالشرط الضمني. فما قد يقال - بأن إجارة الحر تقتضي عدم الاستيلاء، لعدم إمكان أن يدخل تحت اليد، وإجارة مثل الدابة لا تقتضيه، وتكون بالنسبة إلى الاستيلاء بنحو اللااقتضاء، ومثل إجارة الدار الاجرة مقابلة لكون العين مدة الاجارة في يد المستأجر - غير مرضي، لان الحر قد يقع تحت الاستيلاء، ضرورة أن الاسير والمحبوس تحت اليد والاستيلاء عرفا وواقعا وعدم صيرورة الحر مضمونا باليد غير عدم إمكان دخوله تحتها، ولو لا انصراف دليل اليد عن غير الاموال لقلنا في النفوس بالضمان مع الاستيلاء العرفي عليها. وأما قوله في مثل إجارة الدار: إن الاجرة في مقابل كون العين في يد المستأجر ففيه ما لا يخفى، فان الاجرة لو لم تكن في مقابل المنفعة صرفا فلا أقل من كونها في مقابل الاضافة المستلزمة لنقل المنفعة، بحيث

[ 300 ]

يكون نقلها من المقومات لا بنحو دخول التقييد وخروج القيد. وبالجملة الاستيلاء على العين، لا عين ماهية الاجارة ولا لازمها، والشاهد عليه أن ماهية الاجارة حقيقة واحدة لا يعقل أن تكون في مورد مقتضية لشئ، وفي مورد لعدمه، وفي ثالث لا تقتضي شيئا فالتحقيق أنها لا تقتضي الاستيلاء مطلقا. والعجب منه رحمه الله حيث قال في صدر كلامه بأنه بناء على أن العقد متعلق بالعين لا يكون في الفاسد والصحيح ضمان، لان العين على هذا الوجه أمانة مالكية، ومقتضى كون العين تحت يد المستأجر مجانا أن لا تكون مضمونة، وقال في المقام في بيان مبنى هذا الوجه: إنه لا شبهة في أن الاجرة تقع في مثل الدار والعقار مقابلة لكون العين المستأجرة تحت اليد، فما معنى المجانية الرافعة للضمان، مع كون الاجرة في مقابله، إلا أن يفرق بين كون الاجرة في مقابل ذات العين أو مقابل الاستيلاء عليها، وهو كما ترى. الثالث: بناء على ما ذكرناه من أن عقد الاجارة لا يقتضي لزوم جعل مورد الاجارة تحت يد المستأجر لو سلط المؤجر مع علمه بذلك المستأجر على العين يكون ذلك التسليط الذى برضاه مع فقد ما يقتضيه شرعا أو لدى العقلاء غير موجب للضمان جزما، وكذا الحال لو شك في اقتضاء الاجارة للتسليط، فان تسليطه على ماله حينئذ تسليط، ورضى به على أي حال، سيما إذا كان المورد من موارد جريان الاصول العقلية والشرعية، ففي مثله يخرج المورد عن دليل ضمان اليد، من غير فرق في الموردين بين الصحيح والفاسد، فان تسليطه ذلك ليس باقتضاء العقد حتى يقال: إنه عمل بمقتضاه، وبالجملة هذا التسليط في العقد الفاسد ولو كان بزعم صحته لكن زعمه صار موجبا للتسليط بلا اقتضاء أمر وإلزام

[ 301 ]

من الشارع أو العقلاء، وفي مثله لا وجه للضمان. نعم لو اعتقد أن عقدها يقتضي جعل العين تحت يد المستأجر فجعلها تحت يده عملا بمقتضى الاجارة فالظاهر الضمان في الفاسد، ولا الادلة الخارجية لكان مقتضى القواعد الضمان في الصحيح أيضا، لعدم تسليطه برضاه مطلقا، بل عمل على طبق مقتضى المعاملة، ومثله مشمول دليل اليد. الرابع: بناء على ما قلناه في مقتضى الاجارة لا تكون هي نقضا على عكس القاعدة في مورد قلنا بعدم الضمان في الصحيح والفاسد، كبعض الموارد المتقدمة، سواء قلنا بأن نفي الضمان هو نفي الاقتضاء، أم قلنا باقتضاء النفي، أو قلنا بأن الباء للظرفية وأما فيما قلنا فيه بالضمان في الصحيح والفاسد - وهو مورد اعتقاد المالك أن مقتضاها التسليط على العين، ومورد الاشتراط الضمني، فان قلنا بأن الباء للسببية من حيث ذات العقد، أي يراد أن كل عقد صحيحه سبب من حيث ذاته للضمان ففاسده كذلك، وكذا في العكس - فلا يرد النقض أيضا، لان عقد الاجارة صحيحه وفاسده من حيث ذاته بلا نظر إلى الادلة والجهات الخارجية يقتضي الضمان في الموردين المتقدمين، كما عرفت، وأما لو أريد به أن كل عقد لا يكون فيه ضمان على أن تكون الباء للظرفية أو لا يكون سببا له ولو بالجهات الخارجية فيكون الموردان نقضا عليه، لان عقد الاجارة صحيحه لا يوجب الضمان بحسب الادلة الشرعية، مع أن القاعدة تقتضي الضمان في فاسده، كما عرفت. وأما بناء على أن العقد يقتضى التسليط على العين المستأجرة فالظاهر ورود النقض عليه، سواء قلنا بأن الاجارة عبارة عن نقل المنافع أو قلنا بأنها إضافة خاصة بين العين والمستأجر أو غير ذلك، فانه على جميع الاحتمالات لا ينبغي الشبهة في أن العقد سبب لايقاع حق للمستأجر على

[ 302 ]

العين المستأجرة، وهو حق استيفاء المنفعة منها، كما هو مقتضى ارتكاز العقلاء في ماهية الاجارة، فحينئذ تكون العين أيضا بنحو مصب الاجارة وليس المراد بكونها مصبا أن عقد الاجارة موجب لنقلها كما هو واضح، بل المراد منه أعم من ذلك، وإلا فعلى أي احتمال لا تكون مصبا، وبالجملة أن العين المستأجرة تصير بسبب العقد متعلقة لحق المستأجر، وهو كاف في مصبيتها له. نعم لو قلنا بأن المراد بالضمان في الصحيح ضمان المسمى يكون العين في الاجارة غير مضمونة به، فتكون الاجارة خارجة عن القاعدة، كما لو قلنا بعدم تعلق حق عليها بل الاجارة ناقلة للمنفعة فقط كان للتفصيل مجال، لكنه خلاف مقتضى الاجارة بحسب ارتكاز العقلاء. ومن الموارد التي قيل بنقضه على العكس ضمان الصيد على المحرم إذا استعار من المحل، مع أن صحيح العارية لا يضمن به، ولابد من فرض الكلام في اعارته خارج الحرم، وهو موضوع كلام القوم، حيث جعلوا المانع عدم جواز إمساك المستعير المحرم، إذ في الحرم لا يجوز الاعارة أيضا، بل يجب الارسال على المحل والمحرم. والنقض انما يتوجه بعد ثبوت أمور: منها - فساد تلك العارية، إذ على فرض صحتها لا يكون الضمان نقضا، بل تقييد لادلة عدم ضمان العارية الصحيحة. ويمكن الاستدلال على فسادها بالآية الكريمة " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " (1) بعد ظهور الصيد في المصيد، أي الحيوان الوحشي، ولا يراد به المعنى المصدري، وذلك بقرينة إضافته إلى البر وإلى البحر في الآية المتقدمة عليها، وبقرينة قوله تعالى: " متاعا لكم


(1) سورة المائدة: 5 - الآية 96.

[ 303 ]

وللسيارة " (1) وبقرينة الآيتين المتقدمتين، أي قوله تعالى: " ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " (2) وقوله تعالى: " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " (3) وانما أطلق على الحيوان: الصيد باعتبار كونه في معرض لاصطياد وهو إطلاق شائع. فعلى هذا حرمت الآية الكريمة ذات الصيد، وتحريمها كما قلنا في الاشباه والنظائر مبني على دعوى كونها بتمام حقيقتها حراما ممنوعا، ومصحح الدعوى كون الصيد ممنوعا بجميع تقلباته اصطيادا وحيازة وتملكا وبيعا وشراء واعارة واستعارة واستئمانا وإمساكا وغيرها. وقد قلنا: إن الحرمة تكليفا ووضعا ليست بمعنيين مختلفين حتى يقال كما قيل: لا جامع بينهما، بل هي بمعنى المنع، وهو في جميع الموارد معنى واحد، لكن المنع عن الامور النفسية كشرب الخمر والاصطياد ظاهر في ممنوعية نفسها في الشريعة، وهي مساوقة للحرمة التكليفية، وإذا نسب إلى الامور الآلية وما هو وسيلة إلى حصول. أثر كالبيع والصلح والاجزاء والشروط في المركبات يكون ظاهرا في الوضع، وهذا بعينه كالنهي المتعلق تارة بمثل الشرب والاكل ونحوهما من النفسيات وأخرى بمثل البيع وشئ في المركبات، ففي قوله: " لا تشرب الخمر " و " لا تصل في وبر ما لا يؤكل " لم يستعمل النهي في معنيين، بل استعمل في الزجر عن متعلقه، لكن الزجر عن النفسيات ظاهر في المنع النفسي والحرمة التكليفية، وعن غيرها كالبيع ونحوه ظاهر في الوضع، فقوله تعالى: " حرمت عليكم صيد البر " يفهم منه حرمة اصطياده وإمساكه والانتفاع به، كشرب لبنه وأكل بيضه ونحوهما وبطلان بيعه وشرائه


(1) و (2) و (3) سورة المائدة: 5 - الآية 96 - 94 - 95.

[ 304 ]

وعاريته ووديعته وإجارته ونحوها. ويمكن الاستدلال على بطلان العارية بما دل على عدم جواز الانتفاع به وحرمة إمساكه، ضرورة أن الانتفاع بالمستعار من مقومات العارية، ولا يجمع عرفا بين تحريم جميع الانتفاعات وإنفاذ عاريته، ومع عدم الانفاذ شرعا تقع باطلة، ولو قلنا بأن ملكية المعير المحل تسلب بمجرد وقوع الصيد في يد المحرم لكان البطلان أوضح، لان بقاء ملكية المستعار في ملك المعير من مقومات العارية. ومنها - عدم زوال ملكية المعير المحل بمجرد تسليم العين إلى المحرم المستعير، إذ مع زوالها لا يكون الضمان على فرضه مربوطا بالعارية الفاسدة، لان التسليم إلى المحرم وتسلم المحرم بأى نحو كان موجب لسقوط ملكه، وهذا غير مرتبط بالاعارة وعقدها، بل لا يكون الضمان حينئذ ضمان اليد. وقد يقال: إن المستفاد من الدليل الدال على زوال ملك المحرم عن الصيد الذي عنده زوال ملك المعير، وهو كما ترى، بل زوال ملك المحرم أيضا محل كلام، ويظهر من جملة من الروايات بقاء ملكه، وهو الآن ليس محط بحثنا، وأما زوال ملك المعير فلا دليل عليه، وربما يقال: إن المستفاد من مجموع ما ورد في باب الاحرام أن كلما وقع الصيد تحت يده وإن كان ملك غيره يخرج عن المملوكية، وهو دعوى بلا شاهد، بل لو وجب على المستعير المحرم إرسال الصيد لم يلزم منه زوال ملك المعير بمجرد تسليمه، بل زوال ملكه بعد الارسال غير معلوم، كما يأتي الكلام فيه. وأما ما قيل بانتساب زواله إلى المشهور فالظاهر من كلمات القوم غير ذلك، ففي لمبسوط " إذا كان في يد رجل حلال صيد لم يجز للمحرم

[ 305 ]

أن يستعير منه، لانه لا يجوز له إمساكه، فان استعار منه بشرط الضمان ضمنه باليد، وإن تلف في يده لزمه قيمته لصاحبه، والجزاء لله ". وفي الشرائع " ولا يجوز للمحرم أن يستعير من محل صيدا، لانه ليس له إمساكه، ولو أمسكه ضمنه وإن لم يشترط " وفي القواعد " فليس للمحرم استعارة الصيد من محرم ولا محل، فان أمسكه ضمنه للمحل وإن لم يشترط عليه " وفي التذكرة " لا يحل للمحرم استعارة الصيد من المحرم ولا من المحل، لانه يحرم عليه إمساكه، فلو استعاره يجب عليه إرساله، وضمن للمالك قيمته، ولو تلف في يده ضمنه أيضا بالقيمة لصاحبه المحل، وبالجزاء لله تعالى، بل يضمنه بمجرد الامساك وإن لم يشترط صاحبه الضمان عليه، فلو دفعه إلى صاحبه برئ منه وضمن لله تعالى " وتلك العبارات كما ترى ظاهرة من وجوه في بقاء ملك المعير. وربما يتمسك بالآية الكريمة لزوال ملكه، وغاية ما يمكن في تقريبها أن يقال: إن الآية كما مرت الاشارة إليه دلت على حرمة ذات الصيد بنحو الحقيقة الادعائية، ومصححها حرمة جميع التقلبات تكليفا ووضعا، ومنه حرمة الاصطياد مباشرة وتسبيبا، بل ودلالة واشارة، ومنه حرمة إرجاع الصيد إلى بيت مغلق، ومنه إرجاعه إلى الصياد، فانه نحو إمساك أو تسبيب له، فيستفاد منها وجوب إرساله، ولازمه الخروج عن ملك صاحبه. وفيه أن استفادة وجوب إرسال مال الغير وحرمة إرجاعه إلى صاحبه من الآية مشكلة جدا، إذ لا إطلاق لها يشمل مورد كون الصيد مال الغير، ولو سلم وجوبه لكن كونه ملازما لخروجه عن ملكه ممنوع، كما أن إيجاب أكل مال الغير في المخمصة لا يلازم خروجه عن ملك مالكه. والوجوه التي ذكرت أو ما يمكن أن يقال له ضعيفة، مثل أن يقال:

[ 306 ]

إن إيجاب الارسال مساوق لسلب جميع الانتفاعات به، وهو مساوق لسلب الملكية، لان اعتبار الملكية انما هو بلحاظ الآثار وما لا أثر له لا يعتبر ملكيته، نظير أمر الشارع باهراق الخمر، فانه كاشف عن عدم كونها مملوكة، وكأمره بارسال المحرم صيده المملوك له، فانه كاشف عن سلب ملكيته. وفيه أنه لو فرض التسليم في المثالين لكن لا نسلم في المقام، لان الحكم بالاتلاف مع الضمان مؤكد الملكية لا مزيلها، ومقتضى دليل ضمان الاتلاف كونه مضمونا عليه، نعم لو دل دليل على عدم ضمانه بالارسال كان لما ذكر وجه. ومثل ما قيل: من أن الامر في المقام دائر بين التخصيص والتخصص، وأصالة العموم تقتضي عدم التخصيص، لان جواز التصرف والارسال مع بقاء الملكية تخصيص لدليل حرمة التصرف في مال الغير، فأصالة الاطلاق كاشفة عن خروجه عن ملكه. وفيه - مضافا إلى أن الخروج عن ملك صاحبه قهرا تقييد لدليل السلطنة، بل وعدم حل مال الغير بغير طيب نفسه بناء على كونه أعم من الوضع والتكليف - أن أصالة العموم والاطلاق غير جاريتين مع العلم بمراد المتكلم والشك في التخصيص والتقييد، كما هو مقرر في محله. ومنها - ثبوت الضمان لو تلف الصيد تحت يد المستعير، إذ مع عدمه لا يكون نقضا على القاعدة. ويمكن أن يقال: إنه لو قلنا بمقالة الشيخ الاعظم (قده) من عموم " على اليد " لجميع الموارد - وانما خرج المقبوض بصحاح العقود وفاسدها بمخصص - هو عموم ما دل على أن من لم يضمنه المالك واستأمنه على ملكه فهو غير ضامن، فيمكن أن يدعى انصراف الدليل المخصص

[ 307 ]

عن مورد حرم الشارع إمساكه، فيبقي المورد تحت دليل اليد، وأما لو قلنا بانصراف دليل اليد عن الامانات العرفية حتى الفاسد منها، لان تسليم المالك فيها ليس بالزام شرعي أو عقلائي، وفي مثله دليل اليد قاصر عن شموله، فلا ضمان، ولا نقض. إلا أن يقال: إن ذلك في مورد لا يكون المعير العاقد للعارية يرى نفسه ملزم بالوفاء بعقده ولو في محيطه، فان ترك العمل بالوعد وعدم الوفاء بالقرار عار على بعض النفوس، فيكون العمل على طبقه بالزام عرفي، وفي مثله يمكن دعوى عموم دليل اليد حتى في صحاح العقود الامانية، إلا أنها خارجة بالادلة الشرعية وبقي فاسدها فيكون نقضا عليها، تأمل. ثم إن موارد النقض على القاعدة عكسا أو أصلا لا توجب طعنا فيها على فرض تماميتها، لانها عام قابل للتخصيص والتقييد. الثاني: من الامور المتفرعة على المقبوض بالبيع الفاسد وجوب رده فورا، وقد تمسك الشيخ (قده) لذلك بما دل على حرمة إمساكه، كالتوقيع المنسوب إلى ولي العصر روحي له الفداء " لا يحل لاحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه " (1) ولا تبعد دلالتها على حرمة الامساك والحبس على المالك بمناسبة الحكم والموضوع، وبقوله صلى الله عليه وآله: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفسه " (2) حيث دل على حرمة المال مطلقا،


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الانفال - الحديث 6. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 3 =

[ 308 ]

وقد مر في نظائره أن الانتساب إلى الذات مبني على حقيقة إدعائية، ومصحح الدعوى أنها محرمة بجميع شؤونها، وفي المقام يكون من شؤونها الامساك والحبس، فإذا كان الامساك حراما كان الرد واجبا، لفهم العقلاء من حرمته وجوب رده على صاحبه. والظاهر أن مراد الشيخ (قده) من الاستدلال بحرمة الامساك على وجوب الرد هو دعوى فهم العرف من نحو قوله: لا تمسك مال الناس لزوم الرد إلى صاحبه، سيما من مثل هذه الرواية المصدرة بلزوم رد الامانات إلى أهلها معللة بأنه " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه " ولابد من انطباق الكبرى الكلية التي هي تعليل أو بمنزلته على الصغرى، فان لم تكن الكبرى دالة على وجوب الرد لم يصح جعلها تعليلا لوجوبه، إلا أن يقال: وجوب رد الامانة لا يلازم إيصالها إلى صاحبها، بل يراد منه رفع اليد والتخلية بينها وبين صاحبها، لكنه خلاف ظواهر الادلة. وكيف كان لا أظن أن يكون مراد الشيخ الاستدلال من حرمة الضد على وجوب ضده أو من وجوب نقيض الامساك على وجوب الرد فانه أمر لا يمكن أن يغفل الشيخ الاعظم (قده) عن فساده، ولا يمكن توهم رجوعه عن مبناه في الاصول، مع أنه على القول به لا يلزم وجوب الرد، لان الرد متقوم برفع يد الدافع وإثبات يد القابض، والرفع مقدم على الاثبات دائما، فيتصف هو بالوجوب دون ما تأخر عنه، تأمل. فما في تعليقة المحقق الخراساني إشارة وتعليقة تلميذه المدقق تفصيلا كأنه في غير محله، مع أن في تعليقة الثاني وجوها من الخلل: منها - قوله: " إن الامساك والرد بمعنى الايصال من مقولة واحدة


= وفيه " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله...).

[ 309 ]

وهما مثلان لا ضدان، لان استيلاء المشتري واستيلاء المالك مقولة واحدة " وفيه أن الرد بمعنى الايصال غير استيلاء المالك، بل هو فعل المشتري، والاستيلاء صفة المالك بعد الايصال إليه، والايصال لا يكون مع الاستيلاء من مقولة واحدة لو قلنا بأن هذه الامور من المقولات، وبالجملة هما ضدان أو شبيهان بالضد، وليس مثلين، وهو واضح. ومنها - قوله: " التخلية بمعنى رفع اليد من المال أمر عدمي وهو نقيض الامساك لا ضده " وفيه أن نقيض الامساك هو عدمه المجامع مع عدم وضع اليد على المال رأسا، ومع رفع اليد بعد الوضع، فلو كان رفع اليد نقيضه لزم جواز ارتفاع النقيضين، فان عدم وضع اليد رأسا لا إمساك ولا رفع اليد، مضافا إلى أن رفع اليد عن المال ليس معنى عدميا، بل له نحو من الثبوت، والمعنى العدمي هو سلب اليد عن الملك. فحينئذ لو قلنا بأن رفع اليد دائما مقدم على الايصال يختص الرفع بالوجوب، ولا تصل النوبة إلى الايصال، فيشكل ما أفاده المحقق الخراساني، وإن قلنا بأن الايصال لا يتوقف على رفع اليد، بل هو أمر مقابل له فقد يتحقق الايصال مقابل الامساك، وقد يتحقق رفع اليد بلا إيصال كان الامر كما أفاد المحقق الخراساني من كون التخلية ثالث الضدين. ومنها - قوله: " إن أريد من التخلية المعنى الوجودي، وهو تمكين المالك " وفيه أنه لا ينبغي احتمال أن تكون التخلية بمعنى التمكين، إذ قد يتحقق التمكين عقيب التخلية ولا يتحقق، فكيف تكون هو هي؟ فيسقط ما فرعه عليه. ومنها - قوله في ذيل كلامه: " منع المالك عن ملكه ليس مشمولا لقوله صلى الله عليه وآله " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله " بدعوى أن الافعال المشمولة له ما يمكن صدوره عن طيب نفسه وصدوره لا عنه، ومنع

[ 310 ]

المالك ليس له حالان " وفيه أن الظاهر من الحديث حصر الحلية في أمر واحد، وهو طيب نفس المالك وما لا يكون كذلك داخل في المستثني منه سواء كان له حالان أم لا، وهو ظاهر. ثم لا تبعد دلالة " على اليد ما أخذت " الخ على وجوب الرد بناء على أن الظاهر منه عهدة نفس العين لا ضمان تلفها فقط، ولازم عهدتها وجوب إيصالها، وبمناسبة الحكم والموضوع يفهم الفورية أيضا، ولا يلزم مما ذكر عدم التناسب بين المغيا والغاية، للفرق بين قوله: " أد ما أخذت حتى تؤديه " وقوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " لان الثاني مسوق لبيان العهدة ألتي هي اعم من الضمان عند التلف والنقصان، وفي مثله لا حزازة في الغاية، فتدبر، لكن في المبني إشكال. ويمكن الاستدلال لوجوب الرد بروايات متفرقة في أبواب اللقطة والتجارة والجهاد والوديعة وغيرها. ثم إنه قد يقال: لا ينبغي الاشكال في عدم جواز التصرف فيه مع جهل الدافع لا مع علمه، لتحقق الاذن في ضمن التمليك، والاذن مقيد بالملكية العرفية لا الشرعية، وهي حاصلة، والمقيد بالقيد الحاصل كالمطلق، ودعوى أن البائع لم يصدر منه إلا التمليك وقد صار لغوا فأين الاذن؟ مدفوعة بأن هذا التمليك له حيثيتان، فهو إذن من حيثية وتمليك من أخرى، وبطلان التمليك لا يوجب بطلان الاذن، لانه غير مشروط بصيغة خاصة، فيكون تصرفه بطيب نفسه، فهو جائز، ولا يجب الرد. وفيه ما مرت الاشارة إليه غير مرة من أن الاذن في التصرف في التمليك ونحوه مما لا معنى له، ولا يرجع إلى محصل، لانه إما أن يتعلق بالمبيع قبل نقله، فهو خلاف المفروض، وإما أن يتعلق به بعده، فلا يعقل الجد إليه، لانه إذن في تصرف المشتري في ماله، وهو لا يمكن

[ 311 ]

جده، ولا أثر لاذنه وطيب نفسه في تصرف صاحب المال في ماله إذا تخلف عن الواقع وكان مال نفسه، مع أن اشتمال التمليك على حيثية الاذن خلاف الواقع والوجدان. ولو سلم ما ذكره فنفي الاشكال عن عدم جواز التصرف مع جهل الدافع غير وجيه، لان الجاهل بالحكم الشرعي إذا لم يكن مباليا بحكم الشرع وكان تمام همه المعاملة العرفية من غير فرق بين علمه وعدمه حاله حال العالم، فلابد من التفصيل بين الجاهل المبالي بحكم الشرع وغيره. ويتلوه في الضعف ما يقال: من أن تسليط المالك للمشتري يكون على وجه الداعي لا العنوانية، فاعتقاد وجوب الوفاء واستحقاق المشتري يدعوه إلى دفعه عن رضاه، لا أن الرضا يتعلق بالدفع بعنوان ما يستحقه، وهو وجداني، وذلك لان الواقع والوجدان على خلافه، ضرورة أن البائع انما يدفع العين عملا بعقده ووفاء به ودفعا لملك الغير إليه، وهذا التسليط لا يوجب الاذن في التصرف كيفما كان، ولا الاذن في ماله، فلا وجه للخروج عن حرمة التصرف في مال الغير بغير طيبة نفس منه. ونحوهما في الضعف ما يقال: من أن تسليط المشتري على ماله وإن لم يكن مجانا لكنه يسلطه عليه عن رضاه بازاء سلطانه على مال المشتري عن رضاه وإن اعتقد حصول الملك شرعا إما بالعقد السابق أو بنفس تسليطه الذي قصد به حصول الملكية، والغرض من التمليك حصول هذا المعنى بنحو أوفى، وذلك لان التسليط انما هو بعنوان الوفاء بالعقد أو بعنوان التمليك بعين التسليط لا التسليط على ماله، والتسليط كذلك لا يفيد شيئا بعد بطلان المعاملة وبقاء العين على ملك صاحبه، وليس التسليط عن رضاه في مقابل تسليط غيره، بل التسليم باعتبار كونه ملك غيره، والتسلم بعنوان كونه ملكه.

[ 312 ]

وقوله: " والغرض من التمليك حصول هذا المعنى بنحو أوفى " غير تام، لان الغرض من التمليك صيرورة الشئ ملكا له، وأما تسلطه على ماله فمن شؤون ملكيته، ولو كان الغرض حصول السلطنة فلا محالة يقصد التمليك، لاجل حصولها عقيبه لا التمليك مع أثره، فانه غير معقول أو غير واقع. هذا كله في البيع ونحوه حتى الهبة بلا عوض فان الواهب لا ينشئ إلا التمليك، ومبادئ التمليك تخالف مبادئ الرضا بالتصرف ومبادئ الاذن فيه، ولا يعقل أن تكون مبادئ أحدهما عين مبادئ الآخر، كما لا يعقل أن يكون للتمليك حيثيتان: حيثية ذاته وحيثية أخرى، وهو واضح. وأما العقود التي قد يطلق عليها العقود الاذنية نحو الوكالة والوديعة والعارية وغيرها مما هي بهذه المثابة فان قلنا: إن عناوينها غير مشتملة على الاذن ولا ملزومة لها وانما يترتب عليها أحكام شرعية وعقلائية من قبيل الجواز التكليفي والوضعي فحالها حال البيع ونحوه، وإن قلنا باشتمالها على الاذن أو لزوم الاذن لها فلا شبهة في أن العناوين بحقائقها العرفية كذلك، ولا دخل للصحة الشرعية فيه. فحينئذ لا يترتب على فاسدها أحكامها الشرعية، لكن تصرفات القابض مأذون فيها، لتحقق الاذن، وعدم الدوران فيه بين الصحة والفساد، بل بين الوجود والعدم، والفرض أنه موجود، فلو وكله في بيع داره وقلنا بأنها مشتملة على الاذن في بيعه فبطلان الوكالة شرعا لا يستلزم عدم الاذن إلا أن يقال: إن الاذن متقيد بالوكالة الصحيحة شرعا، وهو كما ترى. فما أفاده الطباطبائي (قده) في مطلق العقود يصح في تلك العقود على هذا المبنى وعلى ما قررناه، لا على ما قرره.

[ 313 ]

ثم لو قلنا بوجوب الرد هل تكون مؤونته على القابض مطلقا، أو على المالك كذلك، أو فيه تفصيل؟ قد يقال بالتفصيل بين المؤونة التي يقتضيها طبع الرد إلى صاحبه وبين المؤونة الزائدة على المتعارف، فالاول على القابض دون الثاني، فان أدلة الضرر متقيدة بما هو في طبعه ضرر، وأما الزائد فينفي بدليل نفي الضرر، ذهب إليه المحقق الخراساني وتبعه بعض أعاظم العصر رحمهما الله تعالى. وفيه أن طبع الرد بما هو لا يقتضي مؤونة رأسا، وانما يكون في مقدمات بعض مصاديقه مؤونة، فان كان المراد من الاقتضاء بالطبع هو اقتضاء ذاته فلا يوجد مورد يكون الرد بذاته ذا مؤونة، بل هي في المقدمات أحيانا. ولو سلم أن الرد في الجملة كذلك لكن لا شبهة في أنه لا يقتضيها بذاته وطبعه، وإلا لم تكن منفكة عن مصاديقه والواقع خلافه، فيعلم من ذلك عدم الاقتضاء طبعا وذاتا، والاقتضاء في بعض المصاديق لو سلم انما هو للخصوصية الشخصية لا لطبع الرد، ومثله يكون مشمولا لدليل نفي الضرر، فكما أن الوضوء والغسل ضرريان ببعض مصاديقهما لا بطبعهما ودليل نفي الضرر حاكم على أدلتهما كذلك المقام بلا فرق بينهما، وانما قلنا فيما إذا كان شئ بطبعه ضرريا: إن دليل نفي الضرر ليس حاكما على دليله، لاجل لزوم لغوية الجعل، وقيام القرينة العقلية، والمورد ليس كذلك، لان الرد ليس بطبعه ضرريا، ومقتضى حكومة دليل نفي الضرر أن المؤونة على المالك مطلقا، كانت متعارفة أم زائدة عليها. هذا إذا قلنا: إن الرد ضرري ببعض مصاديقه، وأما بناء على أن المؤونة في المقدمة لا في نفس الرد كما هو كذلك، فان قلنا بأن المقدمة واجبة شرعا فالكلام كما تقدم، وإن قلنا بعدم الوجوب الشرعي، بل

[ 314 ]

لزومها من قبيل اللابدية العقلية كما هو التحقيق فان قلنا بأن دليل نفي الضرر يستفاد منه نفي الحكم الذي جاء من قبله الضرر سواء كان في نفس الموضوع أو مقدماته فالامر كما تقدم أيضا، وإن خصصناه بالضرر الجائي من قبل ذات الموضوع فالمؤونة مطلقا على القابض، لوجوب الرد عليه مطلقا، ولا دليل على نفي الحكم الجائي من قبله الضرر، فالتفصيل غير وجيه على أي حال. ثم إن التحقيق أن في كل مورد قلنا بأن الرد ضرري أو يلزم منه الضرر يكون الرد غير واجب، لا أنه واجب والمؤونة على الطرف، نعم بعد عدم وجوبه وجب عليه التخلية. هذا كله مع الغض عما ذكرناه في محله من الاشكال في حكومة دليل نفي الضرر على أدلة الاحكام وأن مفاده نهي سلطاني من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله. ومما ذكرناه يظهر حال دليل نفي الحرج فيما لزم من المؤونة ذلك. ثم هنا تفصيل آخر أشار إليه السيد الطباطبائي وذكره بعض أعاظم العصر (قدهما) وهو أنه يجب الرد إذا نقل القابض المال إلى بلد آخر مع كون المالك في بلد القبض، وأما إذا كان المقبوض في بلد القبض وانتقل المالك إلى مكان آخر فلا يجب نقله إليه، بل يرده إلى وكيله أو الحاكم، لعدم دليل على لزوم الدفع إلى شخص المالك في هذه الصورة. وفيه أن الدليل على وجوب الرد إلى المالك في هذه الصورة إطلاق دليل وجوب الرد كقوله صلى الله عليه وآله: " على اليد " الخ بناء على دلالته على المطلوب، كما ذهب إليه ثاني القائلين، وسائر ما تقدم، نعم لو كان الوكيل وكيلا في القبض أو في مطلق الامور فالرد إليه رد إلى موكله في هذه الصورة وفي غيرها، فالقول بعدم الدليل على وجوب الرد ليس

[ 315 ]

على ما ينبغي. ومنه يظهر الحال في فرع آخر، وهو أنه لو نقله القابض من بلد القبض إلى بلد آخر وانتقل المالك إلى بلد ثالث فان مقتضى وجوب الرد إلى المالك هو النقل إليه إلا أن يتقيد بدليل نفي الضرر أو الحرج، فتدبر. فما قال بعض الاعاظم (قده): - من أنه يحتمل أن لا يكون الرد إلى بلد القبض أو البلد الذي انتقل إليه المالك واجبا إلا إذا كان في بلد القبض خصوصية، بأن يكون قيمته أغلى أو راغبه أكثر - ليس بوجيه، لعدم الدليل على لزوم الرد إلى بلد القبض، وانما الدليل على وجوب الرد إلى مالكه كان في بلد القبض أم لا. نعم يمكن أن يقال: إن الدافع إذا كان جاهلا بالفساد مع مبالاته بالشرع بحيث لو كان عالما لما أقدم على المعاملة ولم يدفع ماله إلى القابض وكان القابض عالما بالحكم وحال الدافع كانت المؤونة على القابض، سواء كانت متعارفة أم زائدة عليها، بل ولو لزم من دفعها الحرج عليه، لكونه بحكم الغاصب، بل هو الغاصب المأخوذ بأشق الاحوال، لانصراف أدلة نفي الضرر والحرج عن مثله، ولو كان القابض جاهلا مع مبالاته بالشرع والدافع عالما بالحكم وحال القابض فليست المؤونة عليه مطلقا، سواء قلنا بشمول دليل نفي الضرر لمثل المورد أم لا، ولا يجب عليه الرد، لانصراف دليل وجوبه عنه، نعم يجب عليه التخلية ورفع اليد عنه. الثالث: لو كان للعين المبتاعة منفعة استوفاها المشتري قبل الرد كان عليه عوضها، لقاعدة اليد بما تقدم الكلام فيها، ولقاعدة الاتلاف التي هي

[ 316 ]

قاعدة عقلائية لم يردع عنها الشارع، بل أمضاها في موارد كثيرة. بل يمكن استفادتها من الروايات الواردة في شهادة الزور، كصحيحة جميل عن أبي عبد الله عليه السلام " في شهادة الزور إن كان قائما وإلا ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل " (1) ونحوها غيرها. ومن بعض ما وردت في تلف الرهن بتفريط المرتهن، كموثقة إسحاق بن عمار قال: " سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الرجل يرهن الرهن بمأة درهم، وهو يساوي ثلاثمأة درهم فيهلك، أعلى الرجل أن يرد على صاحبه مأتي درهم؟ قال: نعم، لانه أخذ رهنا فيه فضل فضيعه " الخ (2) ونحوها في رواية الصدوق إلا أن فيها " فيهلكه " فدل التعليل على أن كل من ضيع مال الغير فهو ضامن، ومعلوم أن تمام العلة بنظر العرف هو التضييع، لا تضييع الرهن، فعلى رواية الصدوق عين قاعدة الاتلاف وعلى رواية الكليني عينها أو أعم منها، ومن قوله صلى الله عليه وآله: " حرمة مال المؤمن كحرمة دمه " (3) على إشكال تعرضنا له في باب الفضولي. فما قيل من أن الاتلاف عبارة عن تضييع المال لا إفنائه بالاكل والشرب فلا تشمل قاعدة الاتلاف لمثله في غاية الضعف، لان قاعدة الاتلاف عقلائية، وما عند العقلاء ليس عنوان الاتلاف والتلف، بل مطلق إعدام مال الغير بأي نحو كان كما هو واضح، مضافا إلى أن الاتلاف أعم من التضييع ولو بمناسبة الحكم والموضوع، كما أن ما في روايات شهادة الزور أيضا ليس الاتلاف بمعنى التضييع، فالقاعدة محكمة


(1) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الشهادات - الحديث 3. (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الرهن - الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 158 - من أبواب أحكام العشرة - الحديث 3 من كتاب الحج.

[ 317 ]

ممضاة شرعا. وقد خالف في ذلك ابن حمزة (رحمه الله) في الوسيلة قائلا بعدم الضمان لقاعدة الخراج بالضمان، وقد تمسك بها شيخ الطائفة (قده) في المبسوط في بيع المصراة قال: " ولا يرد اللبن الحادث، لان النبي صلى الله عليه وآله قضى أن الخراج بالضمان " (1) وقال في كسب المبيع المعيب: " ولا يرد الكسب بلا خلاف، لقوله صلى الله عليه وآله: الخراج بالضمان (2) " وقال في الخلاف في مسائل العيب: " فيما إذا اشترى جارية حاملا فولدت في ملك المشتري عبدا مملوكا ثم وجد بالام عيبا، فانه يرد الام دون الولد - ثم قال -: دليلنا عموم قوله: الخراج بالضمان (3) ". نعم نسب قبيل تلك المسألة إلى رواية عائشة " أن النبي صلى الله عليه وآله قضى أن الخراج بالضمان " (4) والرواية منقولة عن صحاح العامة سوى صحيحي البخاري والمسلم، وانما رووها " فيما قضى عمر بن عبد العزيز في عبد اشترى واستعمله ثم انكشف كونه معيبا فقضى أن عمله للبائع، فروى عليه عروة عن عائشة أنه وقع مثله في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن عمله للمشتري، لان الخراج بالضمان " (5) وعن ابن ماجه عن عائشة " إن رجلا اشترى عبدا فاستغله ثم وجد فيه عيبا فرده فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قد استغل عبدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الخراج بالضمان " (6) ولعل رواية عائشة المنقولة في الخلاف غير ما في


(1) و (2) و (3) و (4) سنن البيهقي - ج 5 ص 321. (5) سنن البيهقي - ج 5 ص 321 مع اختلاف يسير. (6) سنن ابن ماجه - ج 2 ص 31.

[ 318 ]

ذيل قضاء ابن عبد العزيز، وإن أمكن أن تكون تقطيعا. وكيف كان جواز الاستناد إليها محل إشكال، ومجرد تمسك الشيخ وابن حمزة (قدهما) بها لا يجبر سندها، وأما مفادها فتارة يلاحظ مع قطع النظر عن المورد في قصة عمر بن عبد العزيز، وأخرى مع لحاظه، فعلى الاول يحتمل أن يكون المراد من الخراج هو الخراج المضروب على الاراضي أو الرؤوس أيضا، ومن الضمان تعهدات والي المسلمين تدبير أمورهم وسد حاجاتهم، وجميع ما على الوالي في صلاح فالمراد أن الخراج المأخوذ من الاراضي وغيرها بازاء ما على الوالي من التعهدات على إدارة الامور. وأن يكون المراد بالخراج هو المنافع، ومن الضمان ضمان الاتلاف أو الضمان بعد التلف، فالمراد أن العين إذا تلفت أو أتلفت وكان ضمانها بالمثل أو القيمة على المتلف أو على من تلفت عنده تكون منافع العين بازاء ذلك الضمان، فالعين المضمونة بالتلف لا تضمن منافعها، بل ضمان العين كاف عن ضمان المنافع، وهذا الاحتمال غير ما ذهب إليه أبو حنيفة على ما في صحيحة أبي ولاد (1). وأن يكون المراد من الضمان ضمان اليد، كضمان الغصب، والمقبوض بالبيع الفاسد، فيراد أن العين إذا كانت على عهدة شخص وضمانه فالخراج بازائه، فيوافق لرأي أبي حنيفة وابن حمزة. وأن يكون المراد أعم من ضمان الاتلاف واليد. وأن يكون المراد الضمان الجعلي نظير قوله: ألق مالك في البحر، وعلي ضمانه أو ضع مالك في مكان كذا وعلي ضمانه أو الاعم منه ومما تقدم.


(1) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب الاجارة - الحديث 1.

[ 319 ]

ثم المراد بالخراج إما المعنى المصدري أي الانتفاع بالشئ فيختص بالمنافع المستوفاة، أو يراد به حاصله أي كل ما هو خارج من الشئ ومنفعة له فيكون أعم منها. ثم إن الضمان في الاحتمالات المتقدمة ما عدا الاولى هو الضمان العرفي المعهود، أي الغرامة وعهد جبران الخسارة ولو بنحو التعليق على التلف، والباء للمقابلة، وأما ما في مورد الرواية المتقدمة - أي مورد اشتراء العبد - فليس الضمان فيه بالمعنى العرفي والعقلائي، لان العقد والقرار والتمليك والتملك والتقبيل والتقبل ليس شئ منها ضمانا عرفا كما أن خسارة المال من كيس صاحبه ليس ضمانا عرفا ولغة. فقول بعض الاعاظم (قده): إن الظاهر من الرواية ولو بمناسبة الحكم والموضوع هو الضمان الجعلي المالكي الممضى شرعا - فينحصر مورده بالبيع الصحيح - غير وجيه، لان البيع والشراء ليسا عبارة عن جعل الضمان، ولا متضمنين لذلك، كما أن الباء على هذا الاحتمال ليست للسببية ولا للمقابلة، فان منافع مال الانسان له لاجل كونه ماله لا لتعهده وضمانه ولا بازائهما. فحينئذ نقول: إن مورد الرواية مراد بلا شبهة وداخل في عنوان الخراج بالضمان ولو بنحو التجوز والتأول، وإرادة غيره لابد وأن يكون بنحو استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد أو في معنى جامع انتزاعي لو فرض وجوده، وهو على التقديرين خلاف الاصل كما أن لازمه استعمال لفظة باء في معنيين، وهو خلاف الاصل على فرض إمكانه، فليست الرواية دليلا على فتوى أبي حنيفة وابن حمزة، ولا على فتوى شيخ الطائفة، حيث قال: " إن حصل من المبيع نماء قبل القبض كان ذلك للبائع إذا أراد الرد بالعيب، لان ضمانه على البائع، لظاهر الخبر، أي

[ 320 ]

خبر " الخراج بالضمان ". مع أنه فسره بغير ذلك، وقال: قوله صلى الله عليه وآله: " الخراج بالضمان " معناه أن الخراج لمن يكون المال يتلف في ملكه، ولما كان المبيع يتلف في ملك المشتري، لان الضمان انتقل إليه بالقبض كان الخراج له، والظاهر أن هذا التفسير بملاحظة مورد الرواية، لا أنه معنى الضمان عرفا، ولو كان معناه ما ذكره أولا لا يكون ظاهرا في الضمان المعهود، لما تقدم من أنه مع إرادة نماء الملك في البيع الصحيح لا يحمل على الضمان المعهود، فلابد من دليل على إرادة غير مورد البيع، وهو مفقود. وهنا احتمال آخر ذكره بعض المحشين، وهو أن الخراج خسارة الضامن، فيراد أن الخسارة - وفي المقام خسارة منفعة خدمة العبد - انما تثبت بسبب الضمان، وحيث لا ضمان في المنفعة لفرض كون العبد ملك المشتري فلا غرامة، واستشهد لذلك بما نقله الفخر عن أبي عمرو بن علاء بأن الخراج ما لزمك أداؤه. واحتمال آخر غير بعيد بملاحظة مورد الرواية، وهو أن الخراج ليس مطلق المنفعة لا لغة ولا عرفا، فلا يقال لمنفعة الدابة والدار: إنها خراج بل عبارة عما وضعته الدول على الاراضي والرؤوس أو مطلق ما أخذوا بعنوان الضرائب، ويطلق على ضريبة العبد، قال شيخ الطائفة (قده) في المبسوط: " ويقال للعبد الذي ضرب عليه مقدار من الكسب في كل يوم أو كل شهر: عبد مخارج " فحينئذ يمكن أن يكون المورد مما كان استعمال العبد بنحو الضريبة، بقرينة ذكر الخراج، ويكون المراد أن الخراج - أي ضريبة العبد - في مقابل تعهدات مولاه في تدبير أمره وتأمين معاشه وغير ذلك مما يجب شرعا ويثبت عرفا على المولى بالنسبة إلى عبده ومملوكه. وكيف كان لا يمكن إثبات هذا المعنى المخالف للقواعد العقلائية

[ 321 ]

والشرعية بهذه الرواية المجملة الضعيفة السند، وأما الروايات الواردة في باب شرط الخيار والرهن ففيها إرجاع إلى المعنى العقلائي، وهو تبعية نماء الملك له، وكون خسارة الملك على مالكه، فهي أجنبية عن فتوى أبي حنيفة. ثم إن بعض الاعاظم (قده) استظهر من قوله صلى الله عليه وآله: " الخراج بالضمان " معنى لا يخلو التعرض له من فائدة، قال ما حاصله: " أن مفاده بمناسبة الحكم والموضوع هو الضمان الجعلي الفعلي الاصلي الممضى من الشارع - ثم بعد دعوى عدم شموله للبيع الفاسد والضمان القهري كما في ضمان المغصوب قال: - انحصر الاحتمال في التعهد المصدري الذي أمضاه الشرع، وهذا يحتمل وجهين: الاول أن كل من تعهد لشئ كان مالكا لمنافعه وخواصه، فيشمل الاعارة بشرط الضمان، وعارية الذهب والفضة، والثاني أن يكون منشئا ضمان العين والداعي إليه هو تملك المنافع، فينحصر بباب البيع، والظاهر هو المعنى الاخير بقرينة الباء الظاهرة إما في السببية أو المقابلة، ومقتضاهما أن تكون السببية والمقابلة من الطرفين أي تملك المنافع صار داعيا للضمان، والضمان صار سببا لكون المنافع له، كما في كل علة غائية، وهذا يختص بضمان المشتري المبيع، فان المقصود الاصلي من ضمان المبيع وجعل الثمن بازائه هو أن ينتفع به، والظاهر من القاعدة أن الضمان فعلي، وهو يناسب باب البيع، فان المشتري ضامن للمبيع والبائع ضامن للثمن، فلهما منافعهما " انتهى. وفسر الضمان في آخر المعاطاة عند تعرضه للقاعدة بأن معنى ضمان البائع للثمن والمشتري للمثمن أن دركهما عليهما، بحيث لو تلف ثم طرأ على المعاوضة فسخ أو انفساخ يجب عليهما رد مثله أو قيمته. وأنت خبير بما فيه من وجوه: كدعوى ظهور الخبر في المعنى الاخير، لما عرفت أن الضمان لا ينطبق على جعل الثمن مقابل العين

[ 322 ]

وبالعكس، ولا على القرار والعقد، فانها ليست ضمانا عرفا ولغة. هذا إذا كان المراد بالضمان ما هو ظاهره في المقام، وأما لو كان مراده به ما صرح به في تفسيره في المعاطاة فالنظر فيه أوضح، لان ذلك الضمان المشروط بالتلف وفسخ المعاملة لا تحقق له فعلا، مع أنه ادعى ظهور الخبر في الضمان الفعلي، فيكون معنى الخبر على مسلكه أن منافع المبيع فعلا للمشتري بسبب الضمان المفقود فعلا المتحقق على فرض التلف وفسخ العقد، وهو كما ترى من غرائب التوجيه والاستظهار. مضافا إلى أن هذا الضمان المشروط بالفسخ والتلف ضمان اليد، وهو ضمان قهري لا جعلي، وقد ادعى ظهور الخبر في الجعلي، وأعجب منه أنه جعل مبنى استظهاره ظهور الباء في السببية أو المقابلة، وادعى أن مقتضى السببية أن تكون من الطرفين، مع أنها لا تقتضي ذلك بلا شبهة وحمل السبب على العلة الغائية خلاف ظاهر آخر، كما أن المقابلة من الطرفين لا محصل لها. ثم إن الضمان بالمعنى الذي فسره لم يكن الخراج داعيا له، ضرورة أن المشتري يشتري لاجل الفائدة والنفع، لا أنه يجعل ضمانه عليه بالمعنى المدعى لاجل الفائدة، فكلامه هاهنا وفيما تقدم لا يخلو من تهافت واضطراب وضعف وخلل، سيما قوله: " إن الشارع إذا أخرج هذا الفرد من الضمان من المفهوم النفس الامري وخطأ العرف في تطبيق المفهوم على المصداق " الخ، ضرورة أنه لا معنى للتخطئة في مثل المقام مما لا واقعية للموضوع إلا ما اعتبره العقلاء، وهو واضح. هذا كله في المنافع المستوفاة، وأما غيرها الفائتة تحت يده فهي أيضا مضمونة عليه، لقاعدة اليد، لما تقدم من أن للمنافع نحو وجود تدريجي يقع تحت اليد تبعا للعين، وتتلف تدريجا وتصير مضمونة تدريجا، وقد

[ 323 ]

تقدم أن تلك المنافع قد يستوفاها المشتري، وقد لا يستوفاها وتصير تالفة وليس الاستيفاء دخيلا في تحقق النفع كما توهم، فراجع. ولقاعدة احترام مال المسلم وأن احترامه كاحترام دمه، فكما أن دمه لا يهراق، ولو أهريق لا يذهب هدرا فكذا ماله، لعموم التشبيه، ذمع أنه موافق للقاعدة العقلائية في المقام، فالتمسك بالاصل لنفي الضمان غير وجيه. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) بعد الذهاب إلى عدم تمامية دليل الضمان تمسك بالاصل لنفيه مطلقا، ولنفيه مع علم البائع بالفساد، وفيه أن التمسك بالاصل لنفيه مطلقا بناء على عدم الدليل عليه صحيح، لكن في مورد التفصيل بين علم البائع وجهله غير وجيه، لان مبنى التفصيل هو البناء على إطلاق أدلة الضمان وشمولها للمنافع المستوفاة وغيرها، ودعوى خروج مورد علم البائع عنها - لا ندراجه تحت دليل نفي الضمان عن الامانات لان تسليطه مع علمه يكون مجانا وبلا عوض فصارت العين أمانة - غير مفيدة، لان نفي الضمان حينئذ مستند إلى الادلة الاجتهادية لا الاصل، ولو قلنا بأن أدلة الضمان منصرفة عن مورد الامانات المالكية والشرعية لكان المعول في نفي الضمان هو أدلة الامانات، والقاعدة العقلائية في الامانات المالكية لا الاصل. ثم إن التفصيل بين علم البائع وجهله لا وجه له بعد كون المعاملة عقلائية والمتعاملين غير مباليين بحكم الشرع، وقد تقدم التفصيل بين كون المشتري جاهلا مباليا بحكم الشرع مع علم البائع بالفساد وبحال المشتري، فقلنا بامكان التمسك في مثله بقاعدة الغرور لدفع الضمان حتى ضمان الاتلاف عن المشتري، وبين غيره، فيكون ذلك قولا سادسا في ضمان المنافع.

[ 324 ]

وأما التمسك بقاعدة " ما لا يضمن " فغير وجيه، لا لما قال السيد الطباطبائي (قده) من أن المنافع ملحوظة في البيع فلا تكون مجانية، لان لحاظ المنافع من قبيل الدواعي والثمن بازاء المبيع خاصة، بل لان الظاهر من القاعدة هو سلب الاقتضاء، لا اقتضاء السلب كما تقدم، فلا تنافي ثبوت الضمان بوجود سبب. مضافا إلى أن المنافع ليست مصب العقد، فهي خارجة من القاعدة موضوعا، مع أن القاعدة كما أشرنا إليه لم تكن ثابتة بنفسها باجماع أو غيره فلابد من لحاظ مدركها، ومع لحاظه يكون الضمان موافقا للقاعدة بدليل اليد وغيره، لعدم تسليم المبيع مجانا وبلا عوض، وأما الروايات المشار إليها وقد تقدم نقل بعضها فليست بصدد بيان المنافع، ولهذا سكتت عن المنافع المستوفاة أيضا، فراجعها. نعم في رواية زرارة (1) على إحدى النسختين دلالة على المنافع المستوفاة، لكن وجود منافع غير مستوفاة للامة التي تؤخذ للاستيلاد زائدة على اللبن والخدمة غير معلوم لو لم نقل إنه معلوم العدم، وأما المنافع التي استوفاها غير القابض أو تلفت تحت يده فربما يأتي الكلام فيها في تعاقب الايادي. الرابع: إذا تلف المبيع فان كان مثليا وجب مثله أو قيميا وجبت قيمته. وقد استدل شيخ الطائفة (قده) عليه بقوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (2) قال في الخلاف في بيان


(1) الوسائل - الباب - 88 - من أبواب نكاح العبيد - الحديث 4. (2) سورة البقرة: 2 - الآية 194.

[ 325 ]

المنافع المضمونة: " والمثل مثلان: مثل من حيث الصورة، ومثل من حيث القيمة، فلما لم يكن للمنافع مثل من حيث الصورة وجب أن يلزمه من حيث القيمة " ثم ادعى إجماع الفرقة عليه. أقول: تقريب الضمان بعد ما كان ظاهر الآية هو الاعتداء بالمثل، وهو يناسب التقاص لا الضمان أن يقال: إن الحكم بأخذ مثل ما اعتدى عليه أو قيمته كاشف عرفا عن كون الآخذ ذاحق عليه، فيكون الاخذ بهما بحق، وتقاصا لما اشتغلت ذمته به، لا أخذا مجانا وبلا عوض، فيستفاد من إجازة الاخذ بالمثل والقيمة أن الاعتداء موجب للضمان، ولا يكون محرما صرفا، ولا إجازة الاخذ إجازة ارتكاب محرم في مقابل ارتكاب المتعدي محرما، ولهذا لا يفهم من الآية الكريمة إجازة ارتكاب التجاوز بأهل من ارتكب التجاوز بأهله. فالظاهر من الآية أن المأخوذ من مال المتعدي يصير ملكا للمظلوم، ويكون الاخذ بالحق الثابت، فما قيل بأن الآية لم تدل على الضمان بل تدل على جواز التقاص في غير محله، وبالجملة ظاهرها إجازة الاعتداء بالمثل لا زائدا عليه، وهو دليل على الضمان كما هو مبنى استدلال شيخ الطائفة والطبرسي وغيرهما (قدهم) بها على الضمان. لكن يرد عليه أنه لا شبهة في دخول الاعتداء بالحرب في الآية لو لم نقل باختصاصها به، لاجل كونها في خلال آيات الجهاد كقوله تعالى: " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فان قاتلوكم فاقتلوهم " (1) وقوله تعالى: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين، الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم " الخ (2) ثم قال تعالى: " وأنفقوا


(1) و (2) سورة البقرة: 2 - الآية 191 - 193.

[ 326 ]

في سبيل الله، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (1). فالآية على ما قال المفسرون راجعة إلى وقعة الحديبية وصد المشركين رسول الله صلى الله عليه وآله في عام الست في ذي القعدة عن المناسك، ودخل في سنة السبع في ذي القعدة للمناسك، واعتمر وقضى المناسك. فمعنى " الشهر الحرام بالشهر الحرام " يحتمل أن يكون أن ذا القعدة الذي قضيتم مناسككم فيه بازاء ذي القعدة في السنة السابقة التي فيها منعتم عنها، ويحتمل أن يراد أن قتالكم معهم في الشهر الحرام بازاء قتالهم معكم فيه، وقوله: " والحرمات قصاص " على المعنى الثاني يراد به ظاهرا أن القتال في الحرم والشهر الحرام والبلد الحرام قصاص في مقابل حربهم معكم وهتكهم الحرمات الثلاث. فقوله: " فمن اعتدى " تفريع على ذلك، فهو إما مختص بالحرب فلا دلالة فيه على الضمان المطلوب، أو كبرى كلية، فلا محالة يكون الاعتداء بالحرب داخلا فيها، ولا يمكن إخراج المورد عنها وتخصيصها بمورد الماليات، ومع دخول الحرب وكونه مورد الآية لا يمكن إرادة المثلية في المعتدى به بأن يراد أن المقاتلين إذا قتلوا منكم عددا معلوما اقتلوا منهم بهذا العدد خاصا وإذا أصاب سهم واحد منهم عضوا خاصا منكم لا يجوز لكم التعدي عن ذلك العضو، وهذا واضح. فلا يراد بالمثل في مورد ورود الآية المماثلة في مقدار الاعتداء، بل الظاهر أن المراد منه أن الكفار إن اعتدوا عليكم اعتدوا عليهم كما أنهم اعتدوا عليكم، فإذا لم يكن المثل في موردها كذلك لا يمكن استفادة ضمان المثل في غير موردها بإطلاقها، والمثلية في أصل الاعتداء لا تفيد في إثبات المطلوب، بل القرينة المذكورة أي عدم تقدير المقابلة بالمثل وجواز التجاوز


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 195.

[ 327 ]

عنه قائمة على عدم دخول الماليات فيها، فهي إما مختصة بالحرب أو شاملة لما هو نظيره، كمدافعة اللص والمهاجم. واستدل عليه أيضا بأن العين المأخوذة قد دخلت في العهدة بحيثية شخصها وطبيعتها التي لها أفراد مماثلة، وماليتها وأدائها بنفسها أداء بجميع شؤونها، فإذا تلفت فقد امتنع الخروج عن عهدة تشخصها دون الحيثيتين الاخريين، فيجب أداء مثلها، فانه أداء لهما، ومع تعذر المثل بقي إمكان الخروج عن عهدة ماليتها، فيجب أداء قيمتها، فلها مراتب من الاداء، انتهى. وتقريبه على وجه لا يرد عليه بعض الايرادات المتوهمة أن المراد بدخول العين في العهدة بجميع شؤونها ليس دخولها مستقلا حتى تكون مضمونة بشخصها مستقلا وبنوعها وماليتها كذلك، فيكون على عهدة الآخذ من شخصي، من الحنطة ومن كلي ودرهم، كل منها مستقلا، فان ذلك خلاف الضرورة، بالمراد أن جميع الشؤون موجودة بوجود واحد، فيكون عليه شئ واحد ذو شؤون، فلا يرد عليه أن لازم ما ذكر أنه لو غصب منا من الحنطة اشتغل ذمته بمن شخصي وكلي ودرهم هو قيمته. والمراد بالشؤون المذكورة هو الشؤون التي يساعد عليها العرف في باب الضمانات والغرامات، لا الحيثيات العقلية الفلسفية، والعرف لا يساعد إلا على ما ذكر، فلا يرد عليه ما قد يقال: من أن لازم ذلك أن يقع على عهدته الاجناس القريبة والبعيدة إلى جنس الاجناس، لان ذلك خلط بين العرفيات والعقليات. والمراد بالمالية هو ما يعتبرها العقلاء بحسب اختلاف الازمان من الاثمان لا الاعم منها ومن كل ما له مالية من العروض، فان مالية الشئ لدى العقلاء تتقدر بالاثمان، نعم لو فرض أنه في محيط أو زمان كان

[ 328 ]

ميزان المالية ومقياسها غير الاثمان كان ذلك ماليتها، فلا يرد عليه أن لازم ما ذكرت جواز أداء القيمة بعروض آخر. والمراد من بقاء الطبيعي والمالية بعد تلف العين هو البقاء عرفا لا عقلا، وقد حكم العرف بأن المهملة توجد بوجود فرد ما وتنعدم بعدم جميع الافراد، وليس ذلك إلا لاجل أن الطبيعي بنظر العرف شئ واحد باق ببقاء فردما، كما هو رأي الرجل الهمداني، وهذا هو المبنى لجريان الاستصحاب في القسم الثاني والثالث من الكلي، وإلا فعلى حكم العقل الدقيق البرهاني أن الطبيعي كما يوجد بوجود فردما ينعدم بعدم فردما، فلا يجري الاستصحاب، لعدم العلم بالحالة السابقة. فلا يرد عليه أن الطبيعي متكثر بتكثر الافراد وأن الطبيعي الموجود في فرد غير الطبيعي الموجود مع فرد آخر، فانه موجود بوجودات متعددة، فان ذلك خلط بين حكم العقل والعرف، هذا غاية تقريبه والدفاع عنه. لكن يرد عليه بعد البناء على حكم العرف فيما ذكر أن الطبيعي إذا وجد بفردما في مكان خاص وانحصر وجوده بذلك الفرد فيه فكما أن وجوده بوجود هذا الفرد في ذلك المكان عدمه أيضا بعدمه فيه، لفرض انحصاره به، والعدم في المكان الخاص لا ينافي الوجود مطلقا وفي غير ذلك المكان، ومعلوم أن العهدة بمنزلة المكان الخاص، فإذا وقعت العين تحت يده يقع شخص واحد على عهدته، فإذا انعدم انعدم الطبيعي، وخرج عن العهدة بانعدامه وامتناعه، كما ينعدم بانعدام الفرد المنحصر في البيت، ووجوده خارج البيت وعلى غير العهدة أجنبي عنهما، والمفروض أن الشؤون موجودة بوجود واحد، وليس لها استقلال في الضمان والذمة، فالوجه المذكور لا ينطبق على حكم العقل ولا العرف، إذ لا يعقل بقاء الطبيعي المنحصر بالفرد مع انعدامه، والطبيعي المضاف إلى العهدة والواقع تحت

[ 329 ]

اليد منحصر بالفرد، كما هو المفروض. وكذا الكلام في المالية الاعتبارية، وبالجملة لا تقع اليد إلا على الفرد والطبيعي والمالية المتحدين معه، ولا معنى لعهدة غيرها. نعم لو كان على عهدته أفراد من الطبيعي بقي ما بقي فردما على عهدته، لكنه خلاف المفروض، هذا إذا كان المراد بالوقوع على العهدة أن العين بوجودها الخارجي على العهدة بمعنى أن الضامن كالكفيل من الشخص متعهد للعين الخارجية. وأما إذا كان المراد أن العين المأخوذة تعتبر في العهدة كما تعتبر الكليات فيها بمعنى أن الشخص الخارجي اعتبر على عهدته، فيمكن أن يقال: إن الشخص المعتبر باق بوجوده الاعتباري على العهدة إلى زمان الاداء عينا في حال وجوده، ومثلا أو قيمة في حال تلفه، وانعدام الوجود الخارجي غير مربوط بالوجود الاعتباري. لكن يرد عليه أن اعتبار الشخص الخارجي في الذمة إن كان بمعنى انسلاخه عن الوجود الخارجي اعتبارا وحك الخارج عنه، وتقديره في الذمة فيكون الوجود الخارجي معدوما في الاعتبار وتعبدا، فيلزم منه أن يجوز التصرف فيه بلا إذن صاحبه، وأن لا يكون تلفه أو إتلافه موجبا للضمان وهو كما ترى. وإن كان الوجود الخارجي محفوظا، ويقدر هو في الذمة أيضا فان كان المقدر فانيا في الخارج ولا حكم له بحياله يلزم الاشكال المتقدم من عدم البقاء، وان كان الخارج فانيا في المقدر اعتبارا و تعبدا يلزم الاشكال الاخير من عدم الضمان بتلفه وإتلافه، وإن كان كل من المقدر والخارج مستقلا بحياله يلزم أن يكون للشخص مال في الخارج ومال آخر في ذمة الآخذ، ومع تعاقب الايادي أموال حسب تعددها، وهو كما ترى، وسيأتي

[ 330 ]

التحقيق في معنى " على اليد " عن قريب. ويمكن أن يقال: إن كيفية الضمان أمر عقلائي لا يختص بمحيط الشرع ولا بالمسلمين، وحكم العقلاء في الغرامات والضمانات في المثليات بالمثل، ومع فقد المثل بالقيمة، وليست المسألة لا في أصلها ولا في تعيين المثلي والقيمي من الاجماعيات والتعبديات، واستدلال شيخ الطائفة (قده) وغيره بآية الاعتداء وغيرها مع عدم تمامية دلالة غالبها انما هو تشبثات وتخريجات لامر واضح بين العقلاء. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أن المثل أقرب وبعده القيمة لعله لا يريد دوران الامر مدار الاقربية حتى يقال: إن لازمه مع فقد المثل من جميع الجهات، مراعاته من بعض الجهات، ولعل مراده بيان نكتة حكم العقلاء في المثلي والقيمي. ويمكن أن يقال في نكتة بناء العقلاء: إن المماثل للشئ إذا لم يكن مختلفا مع مماثله في الاوصاف والخواص - كمن من حنطة من صبرة مع آخر منها، ومثل ما يحصل من المكائن الحديثة، حيث لا اختلاف بين أفراده في الجنس والوصف والخاصية - يكون أداؤه أداء للتالف المماثل بجميع ما هو دخيل في أغراض العقلاء، فان الرغبات انما تتعلق بالاشياء بلحاظ آثارها وخواصها ومنافعها، والمثلان متحدان في جميع ذلك، والاختلاف بينهما بشئ ليس مورد رغبتهم وأغراضهم، ككون أحدهما هوية غير هوية الآخر. فمن أتلف كأسا من مصنوعات معمل خاص وأدى عوضه كأسا آخر من مصنوعاته فقد أدى ما أتلفه بجميع الجهات الدخيلة في أغراض العقلاء ورغباتهم، فيكون أداؤه تأدية لما أتلفه، لان اختلاف الهويتين غير منظور فيه بوجه من الوجوه، وما هو منظور فيه هو الجنس والوصف والخاصية، وهما مشتركان فيها

[ 331 ]

بلا اختلاف بينهما، ومع فقد المثل كذلك يحكم العقلاء بجبران القيمة، فإذا أتلف منا من حنطة جيدة وأراد تأدية من ردي لم يعد ذلك أداء لما أتلفه، ولكن القيمة جبران له، والمراد بالقيمة هو النقد الرائج، لا العروض المتقومة كما هو المعلوم من بناء العقلاء. والشارع الاقدس أو كل أمر كيفية الضمان إلى العرف، ولهذا لم يتعرض لضمان المثلي مع كثرة ما وردت في الغرامات والضمانات في أبواب متفرقة، وذلك لعدم تعبد في كيفية الضمان ظاهرا، فالمسألة لا تحتاج إلى زيادة مؤونة وتشبث، لا في أن الضمان في المثلي بالمثل وفي القيمي بالقيمة ولا في تعيين المثلي والقيمي، فان الاول عقلائي والثاني موكول إلى العرف كسائر موضوعات الاحكام. وإن اشتهيت زيادة تشبث فنقول: إن قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما أخذت " الخ. بعد ظهوره في الحكم الوضعي والضمان وبعد إرادة الحكم التكليفي المحض منه لا محالة يشمل حال التلف تحت يده، ومع البناء على ظهوره في أن نفس ما أخذت عليه إلى زمان التأدية، والحمل على عهدة نفسه ما دام موجودا وبدله في زمان التلف في غاية البعد، والبناء على أن الحمل على الضمان بالمثل أو القيمة ابتداء خلاف الظاهر. فنقول: إذا كان ظاهره أن ما أخذ عليه إلى زمان التأدية فاما أن يراد التعليق على المحال، والمقصود بقاء الضمان دائما لتعذر الاداء بعد التلف، أو يراد به سقوط الضمان بالتلف لتعذر الغاية ولغوية بقاء الضمان لكنهما خلاف فهم العقلاء، بل خلاف الضرورة، فلا محالة يكون التعليق على ممكن، ولازمه أن أداء المأخوذ بعد التلف بالمثل كما هو حكم العقلاء في المثلي وبالقيمة في القيمي أداء لدى الشارع الاقدس، لانه لو كان للاداء بعد تعذر العين وتلفها كيفية لدى الشارع غير ما عند العقلاء لكان

[ 332 ]

عليه البيان في هذه القضية المبتلى بها، ومع عدمه يكشف أن الاداء هو ما ذكر، هذا ولكن سيأتي أن ظاهر، " على اليد " غير ما عليه المحققون المتأخرون. ثم بعد ما كان الضمان بما ذكر من القواعد العقلائية لا يمكن إثبات إجماع أو شهرة معتمدة في الباب، كما لا يصح دعواهما في تشخيص المثلي والقيمي، فهما موكولان إلى العرف، سيما الثاني منهما، فانهما كسائر العناوين المأخوذة في الادلة التي مرجع تشخيصها العرف واللغة، والظاهر أن حكم العرف في ضمان المثل في المثلي انما هو فيما له مثل عادة كالحبوبات ولا يلاحظ فيه الشاذ النادر، فما لا مثل له عادة ليس بمثلي وإن وجد له نادرا. ثم إن التعاريف المذكورة للمثلي لا تخلو من مناقشة، والظاهر أن تعاريف أصحابنا في الاعصار التي لم تحدث فيها المعامل الحديثة كانت على طبق المثليات في تلك الاعصار، وأظن أن شيخ الطائفة (قده) وغيره ممن نسب إليهم تعريف المثلي بما نسب لو كانت في عصرهم هذه المعامل لعرفوه بما يشمل محصولها، فانه من أوضح مصاديق المثلي. ولو شك في كون شئ مثليا أو قيميا لابد من الرجوع إلى الاصل وقبل بيان مقتضاه لابد من مقدمة نافعة في المقام وغيره، وهي أن الذمة في باب الضمانات هل تشتغل بنفس الاعيان وتكون نفس العين على عهدة الضامن مطلقا، سواء كان الضمان ضمان اليد أو الاتلاف، وكان أداء المثل والقيمة أداء لها كما مر تقريبه، أو يتعلق الضمان بالمثل مطلقا، وكان أداء القيمة مع تعذره نحو أداء له أو بدلا اضطراريا، أو يتعلق ابتداءا في المثلي بالمثل وفي القيمي بالقيمة مطلقا، كما نسب إلى المشهور، أو يتعلق بالقيمة مطلقا حتى في ضمان اليد أو تفصيل بين ضمان اليد وغيره؟

[ 333 ]

ربما يقال: " لو بني على الاعتماد على المتعارف وتنزيل إطلاقات الضمان عليه فهو ليس إلا الضمان بالمالية مطلقا، وليست الخصوصيات العينية ملحوظة في نظر العرف إلا عبرة إلى مرتبة مالية المال، ولذا لو سقط المثل عن المالية لم يلتفتوا إليه أصلا، ولا يرون دفعه تداركا، وكذا لو زاد في المالية لا يرون المالك مستحقا لازيد من قيمة ماله، وبالجملة ليس النظر في الاموال إلا إلى ماليتها، بل لو كان خصوصية مال مطلوبة كان ذلك عرضا خارجيا غير دخيل في حيثية الضمان، وانما يدور الضمان مدار التمول في أي عين كان بلا خصوصية للنقدين ولا للمماثل ولا لغيرهما " انتهى. وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن اعتبار المالية في الاشياء انما هو لاجل الرغبات، فما لا يكون موردها إما لعدم خاصية ونفع فيه أو لكثرته وابتذاله لا يكون متمولا، ولا يعتبر العقلاء فيه المالية، فالمالية تبع للرغبات، وهي تبع لخواص الاشياء ومنافعها، فالخصوصيات العينية ملحوظة ابتداء، وبلحاظها تعتبر المالية. نعم ربما يتفق أن يكون النظر إلى مالية الشئ وتغمض العين عن خصوصياته، ولكنه ليس ميزانا نوعيا أو كليا، فخصوصية الاعيان مطلوبة بالذات، وتتبعها المالية لا العكس، نعم مع سقوط المثل عن المالية ليس رده تداركا، وذلك لسقوط المنافع والخصوصيات التي لاجلها تتعلق الرغبات بها أو لابتذالها الموجب لسلب الرغبات. والعجب منه حيث زعم أن المثل إذا زادت ماليته لا يرى العقلاء استحقاق المالك لازيد من قيمة يوم التلف، مع أن بناء العقلاء على خلاف ذلك، فلو أتلف كرا من حنطة يرى العرف ضمانه بكر منها لا بقيمتها يوم التلف، وأعجب منه دعوى أن جبران المالية يمكن بأي مال كان

[ 334 ]

فلو أتلف منا من الحنطة كان له الجبران بأمنا من التبن تكون قيمتها مساوية للتالف، وليس للمالك مطالبة الحنطة، مع أنه مخالف حكم العرف والعقلاء، وهو واضح. فدعوى أن الضمان مطلقا بالمالية ممنوعة. والاولى صرف الكلام إلى روايات الباب فنقول: أما قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد " الخ فظاهر في ضمان العين المأخوذة، بدعوى كون نفسها على العهدة كما مر، ولا ينافيه آية الاعتداء على فرض دلالتها على ضمان المثل والقيمة، لان الظاهر منها هو تجويز الاعتداء بهما، أي التقاص، وغاية ما هو لازمه عرفا أن ذلك بحق، وعلى عهدة الغاصب ما يكون تقاصه بالمثل أو القيمة، وهو أعم من كون المثل أو القيمة على العهدة أو نفس العين عليها، إذ لازم ذلك أيضا التقاص بالمثل أو القيمة، فاللازم أعم، فلا تعارض الآية مادلت على ضمان نفس العين، فان ذلك الظهور كاشف عن كيفية الضمان فيها. كما أن دليل احترام مال المؤمن وأنه كدمه لا يدل إلا على عدم هدره، ولابد من جبره، ولازمه الضمان، لكن لا يدل على أن العين على العهدة أو المثل، ودليل اليد يرفع الاجمال عنه، كما لا تنافيه الروايات الدالة على الضمان بقول مطلق، من غير تعرض لكون العين أو المثل على العهدة، وهي كثيرة متفرقة في أبواب العارية والوديعة والاجارة وغيرها. وهنا طائفة أخرى لعل ظاهرها عهدة نفس العين، وهي كثيرة أيضا، منها - صحيحة الصفار قال: " كتبت إلى أبي محمد عليه السلام رجل دفع إلى رجل وديعة وأمره أن يضعها في منزله أو لم يأمره، فوضعها في منزل جاره فضاعت، هل يجب عليه إذا خالف أمره وأخرجها من

[ 335 ]

ملكه؟ فوقع عليه السلام هو ضامن لها إن شاء الله " (1). ومنها - صحيحة على بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام، قال: " سألته عن رجل استأجر دابة فأعطاها غيره فنفقت، ما عليه؟ قال: إن كان شرط أن لا يركبها غيره فهو ضامن لها، وإن لم يسم فليس عليه شئ " (2) ونحوهما غيرهما، كبعض ما وردت في الاتجار بمال اليتيم في كتاب الزكاة (3) وكرواية زيد بن علي المشتملة على تضمين أمير المؤمنين عليه السلام الحمال الذي عليه قارورة فكسرها (4) وكبعض روايات عارية الذهب والفضة الدالة على أن الذهب والفضة مضمونان (5) حيث إن الظاهر من نسبة الضمان إلى الاعيان أن نفسها على العهدة، فان الضمان بمعنى الكفالة، وكفالة الشئ عبارة عن جعله على عهدته، ككفالة الشخص، ولازمها لزوم أدائه في ظرف وجوده، وأداء مثله أو قيمته في ظرف تلفه، والحمل على عهدة المثل أو القيمة أو عهدة البدل أو الخسارة خلاف الظاهر. ومن هذه الطائفة الموافقة لحديث " على اليد " يستكشف المراد من الضمان في الطائفة المتقدمة، وتوهم أنه لا فائدة في جعل العين على العهدة بعد كون الاداء بالمثل أو القيمة على أي حال فاسد، فان في جعل العين على العهدة فائدة: هي أن الاعتبار في القيمي بقيمة يوم الاداء لا يوم التلف، ويختلف الحكم في مقام القضاء وجريان الاصل أيضا.


(1) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الوديعة - الحديث 1. (2) الوسائل - الباب - 16 - من كتاب الاجارة - الحديث 1. (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب من تجب عليه الزكاة. (4) الوسائل - الباب - 30 - من كتاب الاجارة - الحديث 13. (5) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب العارية.

[ 336 ]

وربما يتوهم أن بعض الروايات مخالف لما ذكر، كصحيحة أبى ولاد، ففيها قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: فما ترى أنت؟ فقال: أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل - إلى أن قال: - فقلت له: أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ قال: نعم قيمة بغل يوم خالفته " الخ (1) كذا في موضع من الوسائل. وفي الوافي نقل " البغل " معرفا في جميع الموارد، ولعله أصح وإن لم يفترق الحكم في المقام، لان المراد بقوله (ع): " كراء بغل " أو " قيمة بغل " ليس كراء أي بغل أو قيمة أي بغل، فانه مخالف للضرورة، بل المراد كراء بغل مثل بغله وقيمة مثله، وهو لا يفترق عن كراء شخص البغل وقيمته، لما تقدم أن اختلاف الرغبات واختلاف القيم انما هو باختلاف الآثار والخواص والمنافع، والشخص بما هو شخص غير شخص آخر ليس مورد الرغبة نوعا، ولا تختلف القيم باختلاف الهويات مع التماثل في جميع الآثار والخواص والمنافع والصفات. ثم إن وجه توهم مخالفة الصحيحة لرواية " على اليد " وغيرها استظهار العهدة والذمة من قوله: " يلزمني " وجوابه عليه السلام بقوله: " نعم قيمة بغل يوم خالفته " مع أن ظاهر " يلزمني " و " يلزمك " وجوب الاداء، فقوله (ع): " نعم قيمة بغل يوم خالفته " ظاهر في أن اللازم والواجب عليك أداء قيمة المتلف، وكان مبدأ اللزوم على فرض التلف يوم المخالفة، فلو تلف قبله لم يلزمك شئ، ولا يجب عليك القيمة، ولا تعرض فيها لكيفية الضمان، وأن الذمة مشغولة بنفس العين وأداء القمية نحو أداء لها، أو مشغولة بالقيمة لدى التلف، ولا أقل من أن ما ذكرناه أحد الاحتمالين المساويين، فدعوى ظهورها في أن القيمة على


(1) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب الاجارة - الحديث 1.

[ 337 ]

العهدة مقابل ظهور " على اليد " ممنوعة، فهي إما ظاهرة فيما لا يخالف قاعدة اليد أو غير ظاهرة فيما يخالفها. وكرواية زيد بن على عن آبائه عليهم السلام قال: " أتاه رجل تكارى دابة فهلكت وأقر أنه جاز بها الوقت فضمنه الثمن ولم يجعل عليه كراء " (1) وفيها - بعد ضعف سندها بالحسين بن علوان، ومتنها بموافقته لابي حنيفة، ولهذا حملها الشيخ (قده) على التقية، وما احتملناه سابقا من أن سقوط الكراء فيما يضمن بالقيمة مع التلف لعله لاجل عدم تضمين زائد على ضمان القيمة، ويكون الكراء داخلا في ضمان القيمة لا يجرى في الكراء المسمى، لاحتمال كونه زائدا على كراء المثل - أن قوله: " فضمنه الثمن " لا يدل على أن عهدته مشغولة بالثمن، لان تضمين أمير المؤمنين عليه السلام ليس بمعنى جعل الضمان تشريعا، وهو واضح، بل بمعنى تضمينه في مقام القضاء وتضمين الثمن في القيمي لا يخالف كون العهدة مشغولة بالعين، فتدبر، وكيف كان لا يمكن رفع اليد عما سبق بمثل هذه الرواية هذا كله في كيفية ضمان اليد. وأما ضمان الاتلاف فيما إذا لم يكن فيه ضمان اليد فظاهر جملة كثيرة من الروايات أنه نحو ضمان اليد يكون نفس ما أتلفه على العهدة، وليعلم أنه لو فرض أن مقتضى الادلة ضمان العين في الاتلاف أيضا لا وجه للتحاشي عنه بعد كون الميزان فيه هو الاعتبار، وصحة اعتبار نفس العين في العهدة تالفة أو موجودة كما مر في ضمان اليد، ومعها لا حجة لترك ظاهر الادلة بمجرد الاستبعاد، سيما مع ثمرة عملية لذلك الاعتبار، وهي كون الاعتبار بقيمة يوم الاداء، كما أنه لو كان مقتضى الادلة في باب الاتلاف ضمان المثل في المثلي والقيمة في القيمي أو ضمان القيمة مطلقا نلتزم به


(1) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب الاجارة - الحديث 5.

[ 338 ]

إذ لا دليل عقلا أو نقلا على أن باب الضمانات مطلقا على كيفية واحدة، ولو كان الضمان معنى واحدا في جميع الابواب لا يلزم أن يكون متعلقه واحدا في جميعها، فلو كان مقتضى الادلة أن ضمان اليد متعلق بنفس العين وضمان الاتلاف بالمثل والقيمة نلتزم به، ونحكم بمقتضاها، تأمل وانتظر. وكيف كان فمما تدل على أن ضمان الاتلاف كضمان اليد رواية العلاء بن الفضيل - ولا يبعد أن تكون صحيحة، إذ ليس في سندها من يناقش فيه إلا العبيدي ومحمد بن سنان، وهما ثقتان على الاصح - عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن رجل يسير على طريق من طرق المسلمين على دابته فتصيب برجلها، قال: ليس عليه ما أصابت برجلها، وعليه ما أصابت بيدها، وإذا وقف فعليه ما أصابت بيدها ورجلها، وإن كان يسوقها فعليه ما أصابت بيدها ورجلها أيضا " (1) وموثقة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه ضمن القائد والسائق والراكب فقال: ما أصاب الرجل فعلى السائق، وما أصاب اليد فعلى القائد والراكب " (2) ونحوهما روايات أخر. وظاهرها أن الضمان متعلق بنفس المتلف، وتقع هي في عهدة الضامن فان مضمون تلك الروايات موافق لقوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما أخذت " (3) ولا ينافي ذلك شمولها لجناية الانسان بالتلف وغيره، لان مقتضى الكبرى الكلية ضمان نفس الشئ، غاية الامر جعل الشارع في جنايات الانسان دية ومقتضى تقديرها عدم اعتبار العين في الذمة، ولا يصح رفع اليد عن ظهورها


(1) و (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 2 - 5 من كتاب الديات. (3) سنن البيهقي - ج 6 ص 95.

[ 339 ]

بالنسبة إلى غير الانسان حتى في صحيحة الحلبي التي سئل فيها عن اصابة الدابة إنسانا برجلها، فأجاب بالكبرى الكلية، فقال: " ليس عليه ما أصابت برجلها، ولكن عليه ما أصابت بيدها " (1) بل لا بعد في عهدة نفس الانسان أو جنايتها وإن قدرها الشارع بتقدير لا يتجاوز عنه، نظير تقدير دية الكلب، وبالجملة ظاهر هذه الروايات عهدة نفس ما أصابت الدابة. ومنها يظهر المراد في مثل رواية عبد الله بن جعفر في قرب الاسناد بسنده عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام " أنه كان يضمن الراكب ما وطأت الدابة بيدها ورجلها، ويضمن القائد ما أوطأت الدابة بيدها، ويبرئه من الرجل ". بل يستكشف المراد من الروايات الدالة على أن المتلف ضامن لما أتلف وأن تعلق الضمان بشئ عبارة عن كونه على عهدة الضامن، كما يستكشف ذلك من بعض ما وردت في الديات، مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أيما رجل فزع رجلا من الجدار أو نفر به عن دابته فخر فمات فهو ضامن لديته، وإن انكسر فهو ضامن لدية ما ينكسر منه " (2) فان ضمان الدية عبارة عن كونها على عهدته، فيظهر منها أن تعلق الضمان بالشئ عبارة عن كونه على العهدة، كما هو الظاهر منه عرفا، والمقصود الاستشهاد والتأييد لما يفهم من الروايات. فحينئذ تدل على المقصود كل ما كان مضمونها كذلك، كموثقة


(1) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب موجبات الضمان الحديث - 3 من كتاب الديات. (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب موجبات الضمان الحديث 2 من كتاب الديات.

[ 340 ]

سماعة قال: " سألته عن الرجل يحفر البئر في داره أو في أرضه، فقال: أما ما حفر في ملكه فليس عليه ضمان، وأما ما حفر في الطريق أو في غير ما يملك فهو ضامن لما يسقط فيه " (1) وصحيحة أبي الصباح قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام: من أضر بشئ من طريق المسلمين فهو له ضامن " (2) وموثقة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أخرج ميزابا أو كنيفا أو أوتد وتدا أو أوثق دابة أو حفر شيئا في طريق المسلمين فأصاب شيئا فعطب فهو له ضامن " (3) إلى غير ذلك. وتعارض تلك الروايات صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال: " سألته عن بختي مغتلم قتل رجلا فقام أخو المقتول فعقر البختي وقتله، ما حاله؟ قال: على صاحب البختي دية المقتول، ولصاحب البختي ثمنه على الذي عقر بختيه " (4) وأما صحيحة الحلبي في مفروض المسألة حيث قال: " صاحب البختي ضامن للدية، ويقتص ثمن بختيه " (5) فلا تدل على أن الثمن على العهدة، لاحتمال كون الاقتصاص لاجل أن البختي على عهدته. كما أن الظاهر عدم مخالفة ما وردت في شهادة الزور لما مر لو لم نقل بموافقتها معها، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب موجبات الضمان الحديث 3 - 2 من كتاب الديات. (3) الوسائل الباب - 11 - من ابواب موجبات الضمان - الحديث 1 من كتاب الديات. (4) و (5) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب موجبات الضمان الحديث 4 - 1 من كتاب الديات.

[ 341 ]

" في شاهد الزور ما توبته؟ قال: يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله إن كان النصف أو الثلث إن شهد هذا وآخر معه " (1) وصحيحة جميل عن أبي عبد الله عليه السلام في شاهد الزور قال: " إن كان الشئ قائما بعينه رد على صاحبه وإن لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل " (2). أما الاولى فلا تدل إلا على وجوب أداء المقدار المتلف، وأما الثانية فالظاهر منها ضمان نفس المال، والمراد بقدر ما أتلف نصفه أو ثلثه أو نحوهما كما في الاولى، فكأنه قال: إنه ضامن لنصف ماله أو ثلثه. وأما موثقة السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام في السفرة المطروحة وفيها: " يقوم ما فيها ثم يؤكل، لانه يفسد وليس له بقاء، فان جاء طالبها غرموا له الثمن " (3) فالظاهر منها أن التقويم قبل الاتلاف للاذن فيه، فما لم يقوم لا يجوز له ذلك، وهو حكم تعبدي لصلاح حال المالك لئلا يفسد ماله. بل لعل التضمين قبل الاتلاف للاجازة في التصرف، كما تشهد به مرسلة الصدوق قال: " قال الصادق عليه السلام: أفضل ما يستعمله الانسان - إلى أن قال -: وإن وجدت طعاما في مفازة فقومه على نفسك لصاحبه ثم كله، فان جاء صاحبه فرد عليه القيمة " (4) فان ظاهرها أن مريد الاكل لابد له من تقويمه، وجعل القيمة على نفسه ثم يأكله فجعل الضمان هنا اختياري للواجد وقبل الاتلاف، وإن كان بالاتلاف يستقر عليه، وكيف كان إن ذلك لا يخالف ما تقدم.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الشهادات - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب اللقطة - الحديث - 1. (4) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب اللقطة - الحديث 9.

[ 342 ]

وهنا روايات أخر ربما يحتمل مخالفتها لما تقدم، مثل ما وردت في نكاح البهيمة، كحسنة سدير المشتملة على تغريم قيمة البهيمة لصاحبها معللة بأنه أفسدها عليه (1) وصحيحة عبد الله بن سنان المشتملة على تقويم البهيمة وأخذ الثمن من الفاعل (2). ولا يخفى عدم مخالفتهما لما مر، بل يمكن أن يقال بظهورهما في أن العين مضمونة، حيث إن الظاهر منهما أن المعتبر في التقويم والتغريم يوم الاحراق، مع أن يوم الافساد يوم الوطئ، ولعل الفصل بينهما كان كثيرا بحيث تختلف القيمة في اليومين، مع أنه لم يستفصل، فيظهر منه أن الميزان قيمة يوم الاداء، فينطبق على ما تقدم، إلا أن يقال: إنه لا دليل على خروج البهيمة من ملك صاحبها بالوطئ، لكن لما كان الحكم الشرعي ذبحها تقوم وتذبح، فلا شاهد فيها لما ذكر، مع أنه قد يكون يوم التغريم غير يوم الاداء، فتدبر. وأما ما وردت من أن في فقاء عين الدابة ربع ثمنها يوم فقئت العين (3) فهو أمر تعبدي على خلاف القواعد في أرش الجنايات، كما أن ما وردت في دية الكلب (4) كذلك، فلا تخالف لما مر، كما لا تخالفه ما وردت في عتق أحد الشركاء حصته من أنه يقوم ويجعل قيمته على المعتق (5) فان المراد إلزامه بالشراء، فهي أجنبية عن المقام، فراجعها، وإن أمكن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب نكاح البهائم - الحديث 4 من كتاب الحدود. (3) الوسائل - الباب - 47 - من أبواب ديات الاعضاء - الحديث 3 من كتاب الديات. (4) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب ديات النفس - الحديث 3 (5) الوسائل - الباب - 18 - من كتاب العتق.

[ 343 ]

استفادة قاعدة الاتلاف منها كما يأتي. فالعمدة في المقام صحيحة علي بن جعفر عليه السلام المتقدمة الظاهرة في أن قيمة البختي على القاتل، فلابد إما من التصرف فيها بارجاعها إلى سائر الروايات، بأن تحمل على الكناية عن وجوب الاداء، أو تحمل على أن قيمة البختي في تلك الازمنة كانت ثابتة لم تختلف إلى زمان الاداء أو تقيد سائر الروايات بها، فانها أخص منها، أو إرجاع سائر الروايات إليها، فيقال: يراد بقوله عليه السلام: " عليه ما أصابت بيدها " وما هي بمضمونه أن عليه درك ذلك أو خسارته وغرامته، أو إرجاعها إلى رواية قرب الاسناد، ويراد به أن عليه ضمانه، ويراد بالضمان بدله مثلا أو قيمة، وتحمل سائر ما اشتملت على ضمان العين على ضمان المثل والقيمة وضمان الدرك والبدل ونحوها. والاولى إرجاع الصحيحة إلى سائر الروايات، لان التصرف في رواية واحدة أولى من التصرف في تلك الروايات الكثيرة، والتقييد المشار إليه بعيد، لان القيميات هي المتيقن من المطلقات، بل التقييد مستهجن، هذا غاية ما يمكن في تقريب كون العين على العهدة كما ذهب إليه المحققون. والتحقيق أن يقال: إن الضمان المعهود المغروس في أذهان العقلاء هو عهدة الغرامة والخسارة، ففي المثلي بالمثل، وفي القيمي بالقيمة يوم الاتلاف، وإن ضمان العين بمعنى أن نفس العين على عهدة الضامن في المثليات والقيميات خلاف المتعارف والمعهود عندهم، وفي مثله لابد من ورود دليل صريح مخالف لبنائهم وديدنهم، كما في دية الكلب التي وردت فيها روايات صريحة معتبرة. وأما مثل ما وردت في باب الضمانات كضمان اليدو الاتلاف كحديث اليد وغيره مما مر من الدلالة على تعلق الضمان بالاعيان وما وردت

[ 344 ]

في جنايات البهائم ومما هي دون ذلك في الدلالة فلا ينقدح في ذهن العرف والعقلاء منها ما يخالف بناءهم في الضمانات، فلا يفهم من قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما أخذت " أن نفس المأخوذ حال التلف في العهدة، فضلا عن سائر الرويات، فان البناء على وقوع ما أصابت الدابة على العهدة أمر مستنكر في نظر العرف، فحمل تلك الروايات على كثرتها على الضمان المعهود المغروس في أذهان العقلاء حمل قريب جدا، موافق لفهم العرف والعقلاء، مع الغمض عن المعارض، وبه يدفع التعارض المتوهم بين الروايات، فيكون الضمان في جميع أبوابه ما هو المعروف بين الاصحاب والمعهود عند العقلاء، وهذا أقرب بنظر القاصر عجالة وإن خالف ما مر منا آلى الآن يمحو الله ما يشاء ويثبت. بل الظاهر من حديث اليد غير ما أفاده المحققون مما لازمه التعرض لاداء التالف حتى يلتزم بأن أداء المثل والقيمة أداء للشئ بنحو، كما أشرنا إليه. والتحقيق أن الغاية المذكورة فيه غاية للضمان والعهدة في زمان وجود العين فان قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما أخذت " يراد منه أن الآخذ ضامن للمأخوذ، بمعنى أنه لو تلف تكون خسارته عليه وغاية هذا الامر التعليقي أي عهدة الخسارة على فرض التلف هو أداء نفس العين ليس إلا، فلو استولى أحد على مال غيره يكون ضامنا، أي على عهدته خسارته ما لم يصل المال إلى صاحبه وإن خرج عن استيلاء المستولي، وقع تحت استيلاء غيره أم لا. وهذا هو الظاهر من حديث اليد الموافق لبناء العقلاء في باب الضمان فان قوله مثلا: ألق مالك في البحر وعلي ضمانه أي علي خسارته لو تلف فالضمان عهدة الخسارة للمال بالتلف أو نحوه. وعلى هذا توافق مضامين جميع الروايات في باب الضمانات، فان

[ 345 ]

قوله عليه السلام: " عليه ما أصابت الدابة بيدها أو رجلها " أي هو ضامن لاتلافه أي عليه عهدة الخسارة، ضرورة أن الحمل على اعتبار نفس ما أصابت على عهدة السائق أو الراكب بأن يكون في يد مكسورة نفس اليد على العهدة أمر غريب عندا العرف والعقلاء لو لم نقل إنه مستنكر عندهم. فتجمع بما ذكرنا الروايات الواردة في القيميات وسائر المطلقات الواردة في باب الضمان، فتدبر تعرف. هذا مضافا إلى ما تقدم من مفاسد اعتبار نفس العين على العهدة، فراجع. والظاهر أن ما اشتهر بين الاصحاب على ما حكي من ضمان المثل في المثلي والقيمة في القيمي ليس لامر تعبدي، بل للارتكاز العقلائي، ولهذا حملوا تلك الروايات على المعهود ظاهرا، فتدبر. ولو شككنا في أن شيئا مثلي أو فيمي فهل مقتضى الاصل الاشتغال أو البراءة؟ أقول: الشبهة إما مفهومية كما لو شك في أن مفهوم المثلي ينطبق على ما يخرج من المعامل، أو مصداقية كما لو أتلف شيئا ولم يعلم أنه من هذا المثلي أو ذاك القيمي، وعلى أي حال يحتمل بحسب التصور أن يكون الضمان متعلقا بالعين مطلقا، وتكون هي على عهدة الضامن، وباعطاء المثل في المثلي والقيمة في القيمي تسقط عن عهدته بحكم الشرع والعقلاء، أو متعلقا بعنوان البدل والعوض ونحوهما مطلقا، أو متعلقا بالمثل كذلك، فيكون إعطاء القيمة عند إعواز المثل بدلا عنه ويسقط المثل باعطائها عند الاعواز، أو متعلقا بالقيمة مطلقا حتى في المثلي، أو متعلقا بالمثل في المثلي وبالقيمة في القيمي. ثم إن القيمة في جميع الموارد إما أن تعتبر بلا خصوصية بمعنى أن القيمة القابلة للاداء بكل قيمي معتبرة ومتعلقة للضمان، أو تعتبر بخصوصية الاثمان، وقد عرفت الحق فيها، لكن لا بأس بذكر مقتضى الاصل على

[ 346 ]

التقادير، ومقتضاه على فرض الشك في كيفية الضمان، وأنه على أي نحو من الانحاء المتقدمة، ونحن نذكر بعض الصور، ويتضح حال البقية منه. فنقول: إن كان الضمان متعلقا بنفس العين فان قلنا بأن القيمة بلا خصوصية معتبرة في الاداء فالقاعدة وإن تقضي الاشتغال لكن تحصل البراءة اليقينية باعطاء مثل ساوت قيمته للتالف أو كانت أكثر، لان المضمون إن كان مثليا فهو مثله، وإن كان قيميا كان قيمته بلا خصوصية وإن كانت قيمته أقل من التالف أو احتمل ذلك فأداء المماثل وشيئا تكون قيمته بمقدار النقيصة يوجب القطع بالبراءة، من غير فرق في الموردين بين الشبهة المفهومية أو الموضوعية، وليس للمضمون له الامتناع عن المثل مع مساواة قيمته للتالف، ولا للضامن الاكتفاء بالمثل مع نقصه عنه قيمة. وإن قلنا بأن القيمة عبارة عن خصوص الاثمان فالضمان لا يقطع بالبراءة إلا باعطائهما، أي المثل والقيمة، ومعه يقطع بها، لكن لا يجب عليه تمليكهما، لقاعدة الضرر، بناء على أن مفادها رفع الحكم الضرري حتى مثل المورد وإن كانت القاعدة أجنبية عن رفع الاحكام، وعلى فرض التسليم فجريانها في مثل المورد محل إشكال، لكن لا دليل على وجوب تمليكهما له لا عقلا ولا نقلا، وما يجب عليه هو إيصال ماله إليه، وهو يحصل باعطائهما ليختار ما يختار. وأما ما قال السيد في تعليقته (قده): من أن مقتضى القاعدة وجوب الاحتياط إذ لا فرق بين المقدمة العلمية والمقدمة الواقعية، فكما لا تجري قاعدة نفي الضرر في الثانية كذلك في الاولى ففيه - بعد البناء على جريان القاعدة في المقدمة الواقعية، والغض عن الاشكال الذي تقدم بيانه - أن ما ذكروا في جريانها في المقدمة الوجودية هو أن طبيعة الرد الواجب

[ 347 ]

المتوقف على المقدمات ضررية، ودليل نفي الضرر لا يشمل ما كانت بطبعها ضررية، وهو لا يجري في المقدمة العلمية، لان إيصال مال الغير لا يتوقف على إيصالهما، فلا يكون الرد ضرريا بطبعه، ولا متوقفا على إيصال شئ أجنبي عنه، بل العلم بالبراءة يتوقف عليه، فايجاب إعطاء ماله مجانا ضرر منفي بالقاعدة، بل لا يتوقف العلم بالبراءة على تمليكهما له وإعطائهما مجانا، بل لو جعلهما باختياره واختار أحدهما سقط الاشتغال فلو أخذهما بعنوان أخذ ما هو مضمون على الضامن ولم يختر واحدا منهما ولم يحصل التراضي بينهما فاللازم الرجوع إلى القرعة التي لكل أمر مجهول. وما قيل - من أن مصب أدلة القرعة الشبهة الموضوعية المحضة لا ما تستند إلى الحكمية غير وجيه، لما قلناه في قاعدة القرعة من أن مقتضى الادلة أنها لكل مجهول أو مشتبه تزاحم الحقوق فيه، كما أن ما اشتهر بين المتأخرين - من أن كثرة التخصيص الوارد على قاعدتها موجبة لكشف قيد حاف بدليلها، فلابد في العمل بها من عمل المشهور - لا أساس له لان التوهم ناش ء عن توهم إطلاق أدلتها لكل مجهول تزاحم الحقوق فيها أم لا، وقد فرغنا عن دفعه، فراجع رسالتنا في الاستحصاب حتى يتضح لك الامر، لكن لابد في مراجعة القرعة من إرجاع الامر إلى الحاكم الشرعي، وأما لو لم يأخذهما ولم يرضيا بالتصالح فيرجع إلى الحاكم، وهو إما يلزمهما بالتصالح أو يختار أحدهما، وهذا اختيار في مقام القضاء ورفع الخصومة، وهو غير الاختبارم المذكور في الاخذ بأحد الخبرين للفتيا، فالقول بأن دليل الاختيار راجعه إليه في غير محله. ومما ذكرناه يظهر الحال في الصور التي يتعلق عنوان بالذمة، وأريد إسقاطه بأداء شئ مردد، كما لو قيل بتعلق المثل مطلقا بالذمة أو البدل والعوض ونحوهما من العناوين، نعم لو قلنا بأن المثل في الذمة مطلقا حتى

[ 348 ]

في القيمي، وانما كان أداء القيمة رافعا للضمان في القيمي إرفاقا على الضامن، فمقتضى القاعدة الاحتياط، وهو يحصل بأداء المثل. وأما ما يقال في الفرض من أن المسألة تندرج في الشك في التعيين والتخيير فكل على مسلكه في تلك المسألة - فإما أن نقول: بأن سقوط الذمة اليقينية بأداء المعين - وهو المثل - يقيني وبغيره مشكوك، والاصل عدم سقوطه، أو نقول: بأن ثبوت المالية مقطوع، وثبوت تعيينها بالمماثلة من حيث الحقيقة مشكوك، وهو ضيق والناس منه في سعة - ففيه مالا يخفى، فان المفروض إذا كان ثبوت المثل مطلقا حتى في القيمي في الذمة، والارفاق انما هو في مقام الاداء، بمعنى أن أداء القيمة موجب لسقوط المثل عن الذمة في القيمي، لا في مقام الثبوت في الذمة، فلا وجه لدعوى أن ثبوت المالية مقطوع، فانها خلاف المفروض، وبالجملة إن الدوران بين التعيين والتخيير في المقام انما هو في مقام الاسقاط، وهو يقتضي الاحتياط. وبعبارة أخرى إن النزاع في الدوران بين التعيين والتخيير وأن المرجع فيه هل البراءة أو الاحتياط أجنبي عن مثل المقام، بل هو في التكليف المردد بينهما ثبوتا، لا في الوضع الذي لا معنى للتخيير فيه، فتدبر جيدا. إن قلت: يمكن تقريب البراءة بأن ضمان أصل المثل الجامع بين المثل في المثلي والقيمي معلوم، والخصوصيتين مشكوك فيهما، إلا أن في خصوصية مثل القيمي لا ضيق على المكلف، فلا تكون مورد البرأة، بخلاف خصوصية مثل المثلي، فانها ضيق عليه، وهو في سعة منه، قلت: أما في الشبهة المفهومية فلا يجري ذلك التقريب بوجه، فان المضمون معلوم بجميع خصوصياته، فلو أتلف ثوبا من المعمل الكذائي يتعلق على ذمته عنوان ثوب من ذلك المعمل، وهو مبين بجميع خصوصياته، والشك في انطباق عنوان المثلي عليه أو القيمي، وهو ليس مجرى البراءة كما هو واضح،

[ 349 ]

وأما في الشبهة الموضوعية فيمكن أن يقال: إنه بعد الترديد في أن هذا المثل على عهدته أو ذاك يكون أصل المثل معلوما، والشك في الخصوصية الزائدة، فتجري البراءة بالتقريب المتقدم. لكن يرد عليه أن العنوان المنتزع من المضمون بعد استقرار الضمان لا يعقل أن يكون مضمونا، فما هو المضمون إما هذا أو ذاك لا الجامع الانتزاعي بعد استقرار الضمان، مع أن الجامع بينهما لا مثلي ولا قيمي، فلا يعقل أن يكون ضمانه بأحدهما، وجريان البراءة على فرض صحته في إحدى الخصوصيتين لا يثبت الخصوصية الاخرى، وهو واضح، مع أن الالزام باحدى الخصوصيتين أيضا ضيق عليه، وكذلك الحال في لزوم الاحتياط لو قلنا بأن ما على الذمة في المثلي مثله وفي القيمي قيمته. وقد يقال: إنه على هذا الفرض أن الاصل تخيير الضامن، لانه يعلم إجمالا باشتغال ذمته بالمثل أو القيمة، وبعد قيام الاجماع على عدم وجوب الموافقة القطعية في الماليات ينتهي الامر إلى الموافقة الاحتمالية، وهي تحصل بأداء كل ما أراد، واشتغال ذمته باحدى الخصوصيتين التي اختارها المالك غير معلوم، فالاصل هو البراءة عنها. وفيه أن ما هو مظنة الاجماع هو تمليك تمام الاطراف لتحصيل البراءة اليقينية، وأما لو أمكن تحصيلها بغير ذلك فلا يكون مظنة الاجماع، وفي المقام يمكن تحصيلها باعطائهما لا على وجه التمليك، بل على أن يتعين ما في ذمته بواحد منهما، فمع التسليم يعلم بسقوط ذمته عما تعلق بها، ويحصل علم إجمالي للطرفين، بأن أحدهما للقابض والآخر للدافع، ولا دليل على لزوم رفع جهله، ولا على توقف البراءة على علم الآخذ تفصيلا بما له وجواز تصرفه فيه، فلابد في مثله من القرعة بعد الرجوع إلى الحاكم. ويمكن تحصيل البراءة اليقينية بوجه آخر، وهو جعلهما تحت اختيار

[ 350 ]

القابض ليختار أحدهما عوضا عن ماله، فمع اختياره يسقط ذمة الدافع، ولو لم يختر ولم يتسلم يرجع الامر إلى الحاكم لفصل الخصومة بما يرى، فلا يرجع الامر إلى اختيار الدافع بعد إمكان الموافقة القطعية وعدم كونها مخالفة للاجماع. هذا كله في غير صورة البناء على أن الضمان مطلقا بالقيمة، وأما فيها فالاصل البراءة مع الشك في القيمة، لدوران الامر في مقام الاشتغال بين الاقل والاكثر، سواء قلنا بأن المعتبر في القيمة هو الاثمان أم لا. بقيت صورة أخرى وهي ما لو بنينا على إجمال الادلة وعدم إحراز واحد من المحتملات وكان جميع ما تقدم طرف الاحتمال، فهل الاصل البراءة باعتبار أن الاشتغال بالمالية السارية في المثل والقيمة معلوم وبالخصوصيات الزائدة مشكوك فيه، فتجري البراءة عنها، أو اللاشتغال لان من المحتملات وقوع نفس العين على الذمة، وهي مبانية للقيمة السارية في المثل والقيمة، فيدور أطراف العلم بين المتباينين؟ إلا أن يقال: إن أداء المثل أداء للقيمة السارية، فيرفع به الضمان وتخرج العهدة عنه يقينا، وفيه أن من المحتمل أن القيمة بخصوصية الاثمان على عهدته ومعه لا يقطع بالبراءة. وبالجملة بعد العلم الاجمالي بأنه إما أن اشتغلت ذمته بالعين أو بالمثل أو بالبدل أو بالقيمة بخصوصية الاثمان أو بالقيمة السارية فيها وفي العروض لا يمكن العلم بالبراءة باعطاء المثل فقط أو القيمة فقط، فيأتي في هذه الصورة أيضا ما ذكرناه في الصور السالفة. وقال بعض الاعاظم (قده) على فرض إجمال أدلة الضمان مقتضى الاستصحاب تعلق الخصوصيات الصنفية أي الصفات بالذمة، ونشك في الفراغ بأداء القيمة، فالاصل تخيير المالك، وأوضحه في ضمن أمور: " الاول

[ 351 ]

أن المشهور جواز المصالحة على التالف ولو كان قيميا بأي مقدار من الذهب والفضة، وهو دليل على عدم انتقال القيميات إلى القيمة، وإلا لزم الربا، الثاني: أن مقتضى على اليد استقرار نفس العين في الذمة حال الوجود، ومع التلف لا يمكن بقاؤها في العهدة، لا وضعا ولا تكليفا، لكن سقوط شخص العين لا يقتضي أن تكون المالية المتقدرة بقيمة خاصة في الذمة، بل يمكن أن يكون غير شخص العين من سائر الصفات في ذمته، بل يمكن أن يتعلق بها ماليته غير متقدرة بالقيمة، والمالية في الجارية عبارة عما تخدم المالك، وفي الحنطة عما يشبعه ونحو ذلك، الثالث: أن قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد " وإن يقتضى استقرار المثل في الذمة في المثلي والقيمة في القيمي على ما هو المرتكز في الذهن إلا أن المثلي والقيمي مجملان مفهوما، فلابد من الرجوع إلى الاصل العملي، والاستصحاب يقتضي كون التخيير للمالك، وذلك لان القابض دخل في عهدته تبعا للعين جميع ما له دخل في مالية الشئ، غاية الامر سقطت الخصوصية، وأما وصفه فلم يعلم سقوطه بالتلف إلا إذا أحرز كونه قيميا، بناء على الاجماع على كون القيمي مضمونا بالقيمة، فيستصحب اشتغال الذمة، وبالجملة الاصل هو المثلية، إما للاستصحاب، أو لما أفاده الشيخ (قده) من الادلة الاجتهادية وإجمال المخصص " انتهى ملخصا. وفيه ما لا يخفي من مخالفة المقدمات للفرض الذي بناها عليه، ومن تناقض الصدر والذيل، ومن الخلل في نفسها، ومن عدم انتاج ما أراد على فرض تماميتها، ونحن نشير إلى بعض موارد النظر فيها. منها - أنه قد مر منه رحمه الله أن مقتضى المذهب المشهور من أن مقتضى كون الضمان في المثلي بالمثل وفي القيمي بالقيمة أن الاصل تخيير الضامن، وقال في الامر الثالث هاهنا: إن مقتضى " على اليد " وإن

[ 352 ]

كان استقرار المثل في الذمة في المثلي والقيمة في القيمي إلا أنهما مجملان مفهوما، فلابد من الرجوع إلى الاصل، والاستصحاب يقتضي كون التخيير للمالك، ولا يخفى أن هذا عين فرض المشهور، فكيف بنى عليه تخيير الضامن تارة، وتخيير المالك أخرى. ومنها - أنه قال في المقدمة الثانية: إن مقتضى " على اليد " استقرار نفس العين على العهدة، وفي المقدمة الثالثة: إن مقتضاه استقرار المثل في المثلي والقيمة في القيمي، وقال فيها أيضا: إن القابض بعد أن وضع يده على المال استقر تمام ماله دخل في المالية على عهدته تبعا للعين، وهو كما ترى مناقضات في كلامه. ومنها - أنه بعد البناء على إجمال الادلة، وقيام الاجماع على أن ضمان القيمي بالقيمة استصحب ضمان الوصف إلى زمان إحراز كونه قيميا، مع أن الاجماع على فرضه قام على الواقع، ومع الشبهة المفهومية لم يعلم من أول الامر أن الضمان بالمثل أو القيمة، فلا متيقن حتى يستصحب إلى زمان الاحراز، وبالجملة بعد قيام الاجماع يكون القيميات مضمونة بالقيمة لا بالمثل، فلا يقين بتعلق الخصوصيات الوصفية على العهدة. ومنها - أن الامور المذكورة مبتنية في صدر كلامه على إجمال أدلة الضمان، مع أن الظاهر من المقدمة الثانية والثالثة هو دلالة الادلة نحو " على اليد " على كيفية الضمان، فكيف الجمع بينهما؟ ومنها - أن الاستصحاب على فرض جريانه لا ينتج تخيير المالك، بل مقتضاه لزوم المثل معينا، فلا يجوز له اختيار القيمة مع عدم رضا الدافع، وهو رحمه الله تارة يقول: إن مقتضاه تخيير المالك، وأخرى يقول: إن الاصل هو المثلية، إما للاستصحاب أو لما قاله الشيخ (قده) فيكف الجمع بينهما؟

[ 353 ]

ومنها - أن ما قال من بقاء المالية على الذمة غير متقدرة بمقدار من القيمة، ثم التجأ إلى جعل بعض الاوصاف أو الخواص عبارة عن مالية الشئ مع أنهما مناط المالية لا نفسها لا يخفى ما فيه. منها - أن الامر الاول لو تم لكان كافيا للاستصحاب، للكشف عن تعلق بعض أوصاف العين وخصوصياتها بالذمة، فيستصحب بقاؤها بعد التلف، ومقتضاه أصالة المثلية، والامر الثاني أيضا لا يخلو من دخالة ما في بعض الصور، فلم يكن احتياج إلى الامر الثالث المخل بالمبنى، لكن تمامية الامر الاول تتوقف على ثبوت شهرة أخرى على جريان الربا في الصلح، وعلى ثبوت أن مبنى المشهور تعلق الذهب والفضة في القيميات على الذمة، ومع احتمال أن يكون بناؤهم أو بناء بعضهم المخل بالشهرة على أن المالية الاعتبارية والقيمة الجامعة الاعتبارية ولو بما لا تنطبق إلا على الاثمان تتعلق بها لا يستكشف بالشهرة المذكورة ما أراده لعدم جريان الربا في مثل هذه المالية، بل لابد أيضا من إثبات أن الاثمان في جميع أعصار أهل الفتوى كانت منحصرة في النقدين، فتدبر. الخامس: حكي عن القواعد " أنه لو لم يوجد المثل إلا بأكثر من ثمن المثل ففي وجوب الشراء تردد " انتهى. أقول: الاولى توسعة دائرة البحث بأن يقال: إن زيادة قيمة المثل عن قيمة التالف يوم التلف تارة تكون لزيادة القيمة السوقية، مع عدم تعذر المثل وندرته، بل مع كثرته زادت القيمة السوقية لجهات، وأخرى لطريان الاعواز عليه، مع كونه مثليا شائعا زمان التلف، كما لو عرض

[ 354 ]

على بضع الحبوب إعواز وغلت قيمته، ولكن كان مورد الرغبة، وهذه الصورة أيضا من الزيادة السوقية، وثالثة ما إذا طرأ الاعواز مع عدم الرغبة وعدم زيادة القيمة السوقية لكن المالك لا يرضى إلا بزيادة على قيمة المثل، ورابعة ما إذا كان الشئ في أصله نادر المثل وإن وجد له مثل أو مثلان، ففي هذه الصورة تارة تكون زيادة القيمة لكثرة الرغبات، وأخرى لعدم بيع مالكه إلا بالزيادة، وعلى جميع التقادير قد يكون الشئ مغصوبا، وقد يكون مقبوضا بالبيع الفاسد ونحوه، مع العلم بالفساد أو الجهل به وعلى أي حال تارة يكون المتعاملان مقدمين على المعاملة العقلائية غير مباليين بحكم الشرع، وأخرى لا يكون كذلك، كما إذا أراد المشتري مثلا التمتع بالمبيع في الحال وكان من نيته الجبران، لما يرى بطلان المعاملة. فهذه صور نتعرض لمهماتها ليظهر حال البقية، وقبل العرض لها لابد من التنبيه على أمر. وهو أنه لا إشكال في حكومة دليل نفي الحرج على الادلة الاولية، كما أنه لا إشكال في حكومة دليل نفي الضرر عليها بناء على وروده لنفي الاحكام الضررية، فهل يكون لاحد دليلي نفي الحرج والضرر حكومة على الآخر أم هما متعارضان في مورد اختلافهما؟ ما يمكن أن يقال لحكومة دليل نفي الحرج هو أن مفاد دليل فني الضرر سلب تحقق الضرر، ولازمه سلب جعل الحكم الضرري، ودليل نفي الحرج متعر ض بدلالته اللفظية لسلب جعله، ولما كان الجعل مقدما وسببا لوجود المجعول يكون الدليل المعرض لسلبه متعرضا لنفي السبب، وهو بلسانه مقدم على ما تعرض لوجود المسبب أو نفيه، وحاكم عليه. وإن شئت قلت: إن دليل نفي الحرج متعرض لما لا يتعرض دليل نفي الضرر له، بل لا يصلح أن يتعرض له، نظير تعرض دليل لموضوع دليل

[ 355 ]

آخر توسعة أو تضييقا. وأنت خبير بأن تحكيم دليل على آخر بعد أن يكون بينهما عموم من وجه - والقاعدة العقلائية فيهما التعارض والتساقط - لابد وأن يكون عقلائيا مقبولا لدى العرف، بحيث لو عرض الدليلان على العقلاء لا ينقدح في ذهنهم التعارض والتخالف، كدليل نفي الحرج مع الادلة الاولية، لكونه بمنزلة المفسر لها، ولهذا ورد في رواية عبد الاعلى " هذا وأشباهه يعرف من كتاب الله: ما جعل عليكم في الدين من حرج " (1) مع أن بين دليل وجوب الوضوء ودليل نفي الحرج العموم من وجه. والظاهر من الرواية أن تقدم دليل الحرج عليه أمر عقلائي يعرفه العقلاء والعرف من كتاب الله، لا أنه أمر تعبدي وإن كان إثبات المسح على المرارة تعبديا ظاهرا، فما يعرف من كتاب الله هو عدم وجوب المسح على البشرة بدليل نفي الحرج، وهو شاهد على أن الجمع والتقديم عقلائي، مع أنه لا يحتاج إلى الشاهد. ودليل نفي الحرج نفي الحرج والضرر ليسا بهذه المثابة، ولا يساعد العرف على التقديم والتحكيم ظاهرا، وما ذكرناه في وجه التحكيم غير مرضي في محيط العقلاء، ولابد فيه من المقبولية العقلائية، وفرق بين المقام وبين الدليل المتعرض لموضوع دليل آخر توسعة وتضييقا نظير لا شك لكثير الشك مثلا بالنسبة إلى أدلة الشكوك. فما قيل في ضابط الحكومة - من أنه تعرض أحد الدليلين لما يتعرضه الآخر - غير وجيه باطلاقه، بل لا مناص فيها عن مقبوليتها لدى العقلاء وإلا فدليل الضرر أيضا متعرض لما لا يتعرضه دليل الحرج، وبالجملة الظاهر عدم حكومة أحد الدليلين على الآخر.


(1) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب الوضوء - الحديث 5.

[ 356 ]

ثم لو قلنا بحكومة دليل نفي الجرح على نفي الضرر فان كان في مورد من الصور المتقدمة إيجاب أداء المثل حرجيا وضرريا ومنع المالك عن المثل حرجيا لا ضرريا يقع التعارض بين مصداقين من دليل الحرج، فيتمسك بدليل نفي الضرر، فيحكم على الادلة الاولية، وإلا يقع التعارض بين دليل نفي الضرر والحرج من جانب، ودليل نفي الحرج من جانب آخر وبعد السقوط تبقى الادلة الاولية بلا معارض، ومنه يظهر الحال في الصور جميعها، نعم في مورد الغصب لما كانت أدلة نفي الحرج والضرر منصرفة عنه يحكم بوجوب أداء المثل كائنا ما كان، هذا كله بناء على مسلك القوم من حكومة دليل نفي الضرر على أدلة الاحكام. وأما بناء على ما سلكناه من أن دليل نفيه نهي سلطاني سياسي أجنبي عن نفي الاحكام الضررية فلزوم الضرر لا يوجب رفع الحكم، نعم لو لزم منه الحرج يرفع بدليله. إذا عرفت ذلك فنقول: أما الصورة الاولى والثانية مما تكون الزيادة بالقيمة السوقية فلا إشكال في وجوب الشراء، لا دلة الضمان وإطلاق دليل السلطنة وعقلائية الحكم بعد فرض الضمان، وأما دعوى شيخ الطائفة (قده) عدم الخلاف في الغصب فلا يستفاد منها حكم المقام، وقول الحلي (قده): " البيع الفاسد يجري عند المحصلين مجرى الغصب في الضمان " ليس دعوى الشهر، ولا يظهر منها إلا أنه مثل الغصب في أصل الضمان لا في جميع الجهات، ولا يعارض الادلة دليل نفي الضرر، لعدم ضررية اشتراء الشئ بثمن مثله، وجبران خسارة مال الغير وإن كان ضرريا فيما إذا تلف عنده لكن لا يرفع بدليل نفيه بالضرورة، لانه ضرري بطبعه، ولمعارضته بضرر الطرف، إلا أن يقال: إنه من قبيل عدم النفع لا الضرر. نعم لو لزم من شرائه الحرج عليه ينفى حكمه بدليله، إلا أن يلزم

[ 357 ]

من منع المالك حرج عليه، فيتعارض الحرجان ويبقى دليل لزوم أداء المثل بلا معراض. ولو قيل: إن دليل الحرج بما أنه امتناني لا يشمل ما لو كان الامر على خلاف الامتنان بالنسبة إلى الطرف، فلا يجري في المقام وإن لم يلزم حرج على المالك، فان منعه خلاف الامتنان، قلنا: هذا ما اشتهر بينهم في أمثال المقام من أن دليل الحرج والرفع والضرر ونحوها مما تكون أحكاما امتنانية لا إطلاق فيها إذا كان في مورد خلاف الامتنان، ولهذا قالوا بصحة الصوم الضرري أو الحرجي إذا أقدم المكلف عليه. أقول: هذا أحد الموارد التي صار الخلط بين الاحكام القانونية والشخصية سببا للاشتباه. والتحقيق أن الاحكام الامتنانية انما هي امتنانية بحسب القانون الكلي ولا يلاحظ فيه آحاد المكلفين، فإذا كان في جعل قانون امتنان على الامة كان الحكم امتنانيا، وإن فرض مصادمته في مورد لشخص أو أشخاص، وكونه موجبا لحرمانهم عن حق أو ملك، كما أن المصالح والمفاسد في الاحكام على رأى العدلية ليست بمعنى كون الحكم بالنسبة إلى كل أحد ذا مصلحة وكما في الاحكام السياسية والجزائية، فانها أحكام امتنانية على الامة وإن كان فيها ضرر وحرج على الجاني، فحديث الرفع امتناني مع أن جواز أكل مال الغير عند الاضطرار بلا إذن صاحبه أو مع نهيه خلاف المنة بالنسبة إليه، وهذا لا ينافي الامتنان بحسب القانون، وبالجملة الخلط بين الاحكام القانونية والشخصية موجب لكثير من الاشتباهات، فتدبر جيدا. مضافا إلى أن رفع اليد عن إطلاق الادلة لا يصح إلا مع إحراز الحجة، ومع احتمال كون الامتنان في تلك الادلة نكتة التشريع لا علة الحكم لا يصح رفع اليد عن الاطلاق، بل مع وجود الاطلاق واحتمال الانصراف لا يجوز

[ 358 ]

رفع اليد عنه، مع أن الامتنان في تلك الادلة انما هو بالنسبة إلى صاحب العناوين المذكورة لا غيرهم بلا إشكال وشبهة، ففي حديث الرفع انما يكون الامتنان على غير العالمين وعلى المضطرين وغيرهما لا على مطلق الامة، فقوله صلى الله عليه وآله: " رفع عن أمتي....... ما لا يعلمون " (1) منة على من لا يعلم، لا على العالم أيضا وهكذا، وقوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (2) منة على من وقع في الحرج، لا على مطلق الامة، وهو ظاهر، فعليه لو كان الحكم على خلاف الامتنان بالنسبة إلى صاحب العناوين يمكن أن يقال: لا يشمل موردا لا يكون فيه الامتنان، وأما إذا كان بالنسبة إليه امتنانيا لا بالنسبة إلى غيره فلا محيص إلا من الاخذ بالاطلاق، فتدبر حتى لا تتوهم التناقض بين صدر كلامنا وذيله. أما الصورة الثالثة وهي ما إذا طرأ الاعواز على المثلي، وكان المثل عند من لا يبيعه إلا بأزيد من ثمن المثل زيادة يعتد بها فالظاهر عدم وجوب الشراء على مسلكهم، لان اشتراء الشئ بأزيد من ثمنه ضرر عرفا منفي بدليله، وهذه الزيادة زائدة على طبع الخسارة. والشيخ الاعظم (قده) مع اعترافه بلزوم الضرر عرفا قال: " ولكن الاقوى مع ذلك وجوب الشراء وفاقا للتحرير، كما عن الايضاح والدروس وجامع المقاصد، بل إطلاق السرائر، ونفي الخلاف المتقدم عن الخلاف، لعين ما ذكر في الصورة الاولى " أقول: أما نفي خلاف الخلاف فهو في الغصب، ولا تعرض له للمقام إلا بضم قول الحلي إليه، وقد عرفت ما فيه، والتمسك بأدلة الضمان


(1) الوسائل - الباب - 56 - من أبواب جهاد النفس - الحديث 1 (2) سورة الحج: 22 - الآية 78.

[ 359 ]

لا وجه له بعد حكومة دليل نفي الضرر عليها، إلا أن تدفع الحكومة بدعوى عدم لزوم الضرر في الدفع، ولزومه في الشراء لا يوجب رفع وجوبه، لكونه مقدمة، ولزوم الضرر في المقدمة خارج عن دليل الضرر. وفيه أن ظاهر " لا ضرر ولا ضرار " هو ادعاء عدم وجودهما في حومة التشريع، ومع إيجاب ذي المقدمة الذي يلزم من مقدماته الضرر لا تصح الدعوى المذكورة، فنفى الضرر بعدما لم يكن متعلقا بنفس الاحكام لعدم معنى لضرريتها لا محالة يرجع إلى أنه لا يلزم من قبلها ضرر، والمقدمة الوجودية الضررية يكون تحمل ضررها من قبل حكم الشارع، فيشملها الدليل. أو يقال: إن القابض أقدم على الضرر، فلا يشمله دليله، وفيه ما مر من أن الاقدام حتى على الضمان غير واقع في عمل المتعاملين اللذين أقدما على المعاملة العقلائية حتى مع علمهما بفساد المعاملة، فضلا عن الاقدام على الضرر، بل هما أقدما على كون كل عوض مقابل عوضه لا غير. نعم كون المتعامل معتنيا بالدين مع علمه بالفساد يتجه الضمان والاقدام، بمعنى أن العالم أراد أخذ مال غيره بصورة إيقاع المعاملة، لا المعاملة الحقيقة، لكنه غاصب يؤخذ بأشق الاحوال، وخارج عن مورد الاخذ بالبيع الفاسد المتعارف بين الناس، فتدبر. وقد يقال: إن القبض انما يكون إقداما على ضمان المثل وإن كان بأضعاف قيمته إذا كان حكمه في الشريعة ذلك، فإذا علل كون الحكم هو ذلك بالاقدام كان دورا، وفيه أن أدلة الضمان تقتضي الضمان كائنا ما كان، من غير توقفه على شئ، وانما يوجب الاقدام عدم شمول نفي الضرر لمورده، فثبوت حكم الضمان كائنا ما كان لا يتوقف على الاقدام، بل سلب الضمان بدليل نفي الضرر موقوف على عدمه.

[ 360 ]

وقد يقال: " إن وجوب الشراء في صورة عدم وجوده إلا عند من لا يبيعه إلا بثمن غال في غاية الاشكال، بل لا وجه له، لان الشئ إذا لم يكن مثله كثيرا مبذولا فهو قيمي، من غير فرق بين التعذر الطارئ والبدوي، أي الذي أوجب كون الشئ قيميا من أول الامر هو الذي أوجب سقوط المثل عن الذمة ما دام التعذر، وبالجملة وجوده عند من لا يبيعه إلا بأضعاف قيمته في حكم التعذر، ومقتضى قاعدة الضرر عدم وجوب شرائه على الضامن " انتهى. وفيه أن الشئ قد يكون قيميا لدى العقلاء، وهو ما لا يكون لماهيته مثل بحسب التعارف ولو وجد له مثل أو مثلان اتفاقا، لا يعد مثليا كالحيوانات والاواني العتيقة التي توجد في الحفريات، وقد يكون بحسب طبعه وماهيته ذا مثل كالحبوب، فالحيوانات قيميات وإن وجد لها مثل ندرة، والحبوب مثليات وإن طرأ عليها إعواز أحيانا، ومجرد الاعواز لا يوجب التبديل بالقيمة، سيما إذا طرأ عليها بعد الاتلاف والتلف، وظاهر قوله: " سقوط المثل ما دام التعذر " أن الشئ إذا صار نادر الوجود تبدل بالقيمة في الذمة، وإذا صار كثير الوجود تبدل بالمثل، وهو كما ترى. والتحقيق أن الضمان في المثليات بالمثل، أعوز أم لا، غاية الامر أنه عند الاعواز والتعذر أداء القيمة مع المطالبة نحو أداء للمثل. ثم إنه مع دعوى سقوط المثل عن الذمة في ظرف التعذر لا وجه للتشبث بدليل نفي الضرر، لان التمسك به فرع البناء على أن المثل على عهدته ووجب شراؤه، فيرفع بدليله.

[ 361 ]

تذنيب: فيه مسألتان: الاولى: قال الشيخ الاعظم (قده): " لا فرق في جواز مطالبة المالك بالمثل بين كونه في مكان التلف أو غيره " وقال السيد الطباطبائي (قده): " لا إشكال في جواز مطالبة المالك ماله من العين أو المثل في أي مكان كان، لعموم " الناس مسلطون " وإن لم تكن العين أو المثل موجودا في ذلك المكان، إذ غايته أن معه ينتقل إلى القيمة " انتهى. أقول: أما جواز مطالبته بالعين أو المثل مع إمكان أدائهما فلا إشكال فيه، ومع عدم إمكانه محل إشكال، ولا تبعد استفادة عدم الجواز من بعض مادل على وجوب إنظار المعسر بالقاء الخصوصية، مع أن في إمكان الجد على مطالبة ما لا يمكن أداؤه فعلا كلاما، لان المطالبة الجدية لا يعقل إلا مع حصول مبادئها، ومن المابدئ احتمال انبعاث المطالب عنه ببعثه ومطالبته، ومع العلم بعدم إمكان انبعاثه لا يعقل تحقق الجد، وهو كالامر بأمر غير معقول مع العلم بعدم معقوليته. وما اشتهر بينهم من أن الانشاء قليل المؤونة لو كان المراد به أن التلفظ بألفاظ الانشاء كذلك فهو ليس بانشاء، وإن كان المراد أن الانشاء جدا كذلك فهو ممنوع، بل هو كسائر الافعال الاختيارية منوط بمبادئ لا يعقل تحققه بدونها، وتوهم أن المصلحة في نفس الانشاء في المقام، لانه به ينتقل الشئ إلى القيمة - نظير ما يقال في باب قصد الاقامة: إنه قد يكون المصلحة في نفس القصد لا في المقصود، وفي باب الامر: قد يكون المصلحة في نفسه لا في المأمور به - مدفوع بأن إنشاء المطالبة جدا بمعنى إرادة حصول المطلوب من الطرف جدا لا يجتمع مع عدم إرادة إيجاده

[ 362 ]

حتى تكون المصلحة في الانشاء لا المنشأ، وكان المراد حصول الانشاء لا المنشأ، وهذا أمر جار في نظائر المقام مما ذكر أو لم يذكر. وربما تكون المصلحة في الانشاء الجدي لا المنشأ، لكن تصير ذلك علة لارادة المنشأ جدا، لحصول المصلحة الكامنة في الانشاء، فيكون المنشأ مطلوبا جدا بالعرض وثانيا. نعم يمكن مع تعذر المثل مطالبة قيمته لكن هو خلاف ظاهر الطباطبائي (قده) فراجع. هذا مع أن المطالبة جدا لمصلحة فيها على فرض صحتها لا توجب الانتقال إلى القيمة مع الغض عما يأتي، لان ما يوجب ذلك هو مطالبة العين جدا بمعنى البعث إليها على أن تكون هي المطلوبة، لانفس البعث. وأما ما ذكره السيد (قده) من أنه معه ينتقل إلى القيمة فلا وجه له في العين، سواء أراد بما ذكر أنه مع عدمها في ذلك المكان تنتقل إليها مطلقا، أم أراد أنه مع عدمها فيه والمطالبة تنتقل إليها، لعدم الدليل عليه، فلا دليل السلطنة يقتضي ذلك، ولا دليل اليد حتى بناء على أن العين على العهدة إلى زمان الاداء. وتوهم أن عهدة العين عهدة تشخصها ونوعيتها وماليتها، ومع تعذر الشخص والمثل يبقى تعهد القيمة، ومقتضى دليل السلطنة جواز المطالبة عند فقدها في ذلك المكان بالمثل أو القيمة، ومع عدم المثل تبقي القيمة على عهدته، وله المطالبة بها ورفع اليد عن شخصها ونوعها مدفوع - مضافا إلى أن ذلك لا يصحح كلامه، لانه مدع بأن التعذر يوجب الانتقال إلى القيمة، وهو غير ما ذكر من الوجه - بأن العهدة غير مشغولة بالعين، ونوعها وماليتها مستقلة، بحث يكون له إسقاط البعض وإبقاء الآخر، وإلا كان له مع وجود العين وحضورها إسقاط شخصيتها ومثليتها الملازمة للشخصية، ومطالبة المثل في غير مورد الشخص، وكذا إسقاط المثل

[ 363 ]

والشخص والقيمة الملازمة لهما، ومطالبة القيمة في غير العين، وهو واضح الفساد. وبالجملة لا يقتضي دليل اليد إلا عهدة نفس العين لا غير، والجهات الآخر مندكة فيها، فلا يقتضي إلا عهدة واحدة لامر ذي شؤون، فلا وجه للانتقال إلى القيمة، فلو أمكن للقابض إحضار العين بلا حرج يجب عليه وإلا فلا، ويجب على المالك الصبر إلى زمان إمكانه إلا أن يكون غاصبا، فيجب عليه الاحضار ولو مع الحرج، وأما مع تلفها واستقرار الضمان بالمثل فمجرد عدم وجوده في بلد المطالبة لا يوجب التبديل إلى القيمة، بل مع التعذر أيضا لا دليل على الانتقال، نعم مع التعذر العرفي يكون الاداء بالقيمة نحو أداء للمثل، وهو غير الانتقال إلى القيمة قهرا. الثانية: هل المدار في مطالبة المثل على مكان الغصب والاستيلاء، أو مكان التلف، أو مكان المطالبة، ولو مع اختلاف القيم فيها؟ ذهب الشيخ الاعظم (قده) إلى أن للمالك المطالبة ولو كانت قيمته في مكان المطالبة أزيد منها في مكان التلف وفاقا لجمع، وعن الحلي (قده) أنه الذي يقتضيه عدل الاسلام والادلة وأصول المذهب، قال الشيخ: هو كذلك لعموم " الناس مسلطون على أموالهم " (1) وعن ظاهر شيخ الطائفة والقاضي (قد هما) أن المدار في المثل على بلد الغصب. وقال السيد الطباطبائي (قده): " إن المدار على مكان وجود العين في يده إلى زمان التلف، فللمالك مطالبتها في أي مكان نقلها إليه، فلو


(1) البحار - ج 2 ص 272 الطبع الحديث.

[ 364 ]

أدارها في البلدان له إلزامه بالرد إلى كل واحد منها، لان له أن يقول: إني أريد بقاء مالي في ذلك البلد الذي وصل إليه، وليس له إلزامه بالنقل إلى مكان لم يصل إليه وإن كان المالك هناك، وكذا بالنسبة إلى المثل، له المطالبة به في جميع الامكنة التي وصلت العين إليها إلى زمان التلف، ومع التعذر له قيمة المثل في تلك الامكنة، والوجه فيه انصراف أدلة الضمان، لان المستفاد من قوله عليه السلام: " المغصوب مردود " (1) و " من أتلف " و " على اليد " ونحو ذلك وجوب الرد والدفع في مكان ذلك المال " انتهى. وفيه ما لا يخفي، أما في العين الموجودة فلا دليل على لزوم رد العين إلى كل مكان وصلت إليه، وإرداة المالك بقاء ماله في مكان لا يلزم تبعيتها، ومثل قوله (ع): " المغصوب مردود " لا يدل إلا على وجوب رده إلى صاحبه، ودعوى الانصراف إلى الايصال إلى كل مكان وصل إليه من غرائب الدعاوي، ولو فرض انصراف فهو بالنسبة إلى مكان الغصب، وهو أيضا ممنوع. نعم لا يبعد الفرق بين الاشياء التي تتعلق الرغبات العقلائية بوجودها في مكان الغصب أو كان لردها إلى مكان مؤونة أو مشقة فأراد الدافع ردها إليه في غيره، والظاهر أن للمالك الامتناع عنه ومطالبة رده إليه، وما لا يكون كذلك نحو خاتم غصب منه في مكان وأراد رده في مكان آخر لا تختلف الحال فيهما، فالظاهر وجوب قبوله وعدم لزوم رده إلى مكان الغصب، كما أن للمالك مطالبته في ذلك المكان، وسيأتي الوجه فيه. ولو قيل: إن مقتضى دليل السلطنة تسلط المالك على إبقاء العين


(1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 3 وفيه " الغصب كله مردود ".

[ 365 ]

في أي مكان وصلت إليه ومع نقلها منه للمالك أن يطالبه بالارجاع إليه، يقال: إن مقتضى دليلها ليس إلا عدم جواز التصرف في سلطانه، وعدم جواز مزاحمته فيه زائدا على سلطانه في مطلق التصرفات، فلا يجوز للغير نقل ماله من مكان إلى مكان، وأما إرجاعه إلى كل مكان أداره فيه فلا يقتضيه دليل السلطنة، إذ هو سلطنة على الغير لا على المال. وأما مع تلف العين وتعلق المثل على الذمة فلا دليل على لزوم أدائه في كل مكان دارت العين فيها، والانصراف ممنوع، ولو فرض انصراف يكون إلى بلد الاستيلاء والغصب أو بلد التلف، لا إلى كل بلد وصلت العين إليه. ولا بأس بالاشارة إلى مفاد دليل الضمان من هذه الحيثية حتى يتضح الامر من هذه الجهة ومن بعض جهات أخر، فنقول: إن قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما أخذت " الخ يحتمل فيه بحسب التصور أن يكون المراد بالموصول هو الشخص المأخوذ بهويته الشخصية، وتكون العهدة مشغولة بها لا الاوصاف والاضافات التي لا دخالة لها في اختلاف الشخصية، سواء كانت موجبة الاختلاف الرغبات والقيم أم لا، فمن غصب عين مال وصارت عنده ناقصة ساقطة عن المالية فردها إليه لم يكن عليه شئ، لرد المأخوذ المتشخص بشخصيته، والجهات الآخر غير مأخوذة ولا مضمونة. أو الشخص بصفاته الوجودية مطلقا أو ما هي موجبة لاختلاف الرغبات، ولازمه أنه مع بقاء العين يجب ردها وجبر خسارة نقصها، ومع تلفها يجب أداء المثل، ولابد فيه من مماثلته لها بجميع الخصوصيات والصفات الوجودية على الاحتمال الاول، وبجميع ماله دخل في الرغبات على الثاني. أو الشخص بجميع صفاته الوجودية والانتزاعية مطلقا، أو ما هي

[ 366 ]

موجبة لاختلاف الرغبات، ولازمه مع بقاء العين ما مر، ومع تلفها أداء المماثل بنحو ما مر، فلو تلف الثلج في الصيف مضمونا عليه يجب عليه أداؤه وجبران اختلاف القيمة. أو الشخص كذلك مع حيثية ماليته حتى يجب جبران اختلاف القيمة السوقية لو لم نقل بأن اختلافها ناش من اختلاف الرغبات الناشئ من اختلاف العين في حيثية. أضعف الاحتمالات هو الاول، ولا يبعد أن يكون أقواها ما قبل الاخير، ولو باعتضاد ارتكاز العقلاء في باب الضمانات، بأن يقال: الظاهر من دليل اليد وغيره هو وقوع المثل في المثلي على العهدة جبرانا لخسارة المضمون له، والمثل في باب الضمانات وجبر الخسارات هو ما يكون مماثلا للتالف في الحيثيات التي تكون دخيلة في الرغبات واختلاف القيم ولو لو تكن الحيثية من الاوصاف الوجودية، وما لا دخل له في الرغبات واختلاف القيم لا يصير مضمونا، إذ لا دخل له في جبر الخسارة والعوضية ولو كانت من الصفات الوجودية، ولو فرض أن اختلاف اللون في مثلي لا يوجب اختلاف الرغبة والقيمة لا تجب المماثلة فيه، إذ لا معنى للضمان فيه عرفا، كما أنه لو فرض أن اختلاف حيثية غير وجودية بل انتزاعية موجب لاختلافهما تكون تلك الحيثية مضمونة كالثلج في الصيف أو في المناطق الحارة، فلو تلف الثلج في الصيف مضمونا عليه وأراد أداء مقدار مماثل له في الوزن في الشتاء الذي سقطت فيه ماليته أو نقصت لاجل اختلاف الفصل لا يعد ذلك أداء مماثل ما تلف عنده ولا جبران خسارته. وأما اختلاف القيمة السوقية فقد يكون لاختلاف حيثية في العين عرفا كالثلج في الصيف والشتاء أو في المناطق الحارة والباردة، وقد لا يكون كذلك عرفا وإن فرض رجوعه بالآخرة إليه بتدقيق وتحقيق،

[ 367 ]

فعلى الاول مضمونة دون الثاني لمساعدة العرف والعقلاء في الاول دون الثاني، سيما مع بقاء العين، فمن غصب ثلجا في الصيف وأبقاه بعينه إلى الشتاء وأراد تسليمه لا يساعده العقلاء، بخلاف ما لو أراد تسليمه بعد يوم ولو مع نقص قيمته السوقية، وكذلك لو تلفت وأراد الجبران بالمماثل. وتوهم أن الانتزاعيات لا تقع تحت اليد، ولابد في الضمان منه مدفوع بأن وقوعها تبعي بوقوع العين تحت اليد، ولا يلزم الوقوع استقلالا وإلا لزم عدم ضمان الاوصاف الوجودية أيضا ككون العبد عالما صانعا وكون الدابة مرتاضة، والعين صحيحة سليمة، مع أنها مضمونة لوقوعها تحت اليد تبعا، فظهر مما ذكرنا ضعف القول بوجوب رد العين أو المثل في كل مكان دارت العين وأراد المالك رد هما إليه. السادس: لو تعذر المثل في المثلي فهل يجب على الضامن دفع القيمة مع مطالبة المالك أو لا؟ ولعل الاولى أن يقال: لو تعذر المثل هل للمالك حق مطالبة القيمة أم لا؟ فان مطالبة المثل جدا غير ممكن، ومطالبة القيمة إذا لم تكن بحق لم يترتب عليه أثر، وجوازها وكونها بحق ملازم لوجوب دفعها وكيف كان ففيه وجهان: استدل للاول بوجوه: منها - أنه مقتضى دليل اليد، فانه ظاهر في أن نفس العين على عهدته ولو مع تلفها، وانما أداء المثل أو القيمة لكونهما نحو أداء لها، لان أداء المثل أداء لها بجهتها النوعية المشتركة وبجهتها المالية، فهو أقرب إليها، ومع عدم المثل وإعوازه فالقيمة نحو

[ 368 ]

أداء لها بجهتها المالية، وإنما يجب أداء المثل مراعاة لحال المالك، لكونه أقرب شئ إلى ماله المتلف، فمع إعواز المثل ومطالبة القيمة يجب أداؤها، لانه مع إعراضه عن المرتبة الكاملة يجب دفع النازلة. وفيه - مضافا إلى ما مرمن الاشكال في المبنى بأن المتفاهم من دليل اليد هو ضمان المثل في المثلي والقيمة في القيمي، وأن وقوع العين على العهدة خلاف فهم العرف والعقلاء - أن كون دليل الضمان بالمثل أو القيمة لمراعاة حال المالك، بحيث كان له الاعراض عن مرتبة، والاخذ بمرتبة أخرى غير معلوم، ولهذا لو كان المثل في المثلي موجودا ليس له الاعراض عن المثلية، ومطالبة القيمة، بل هو ملزم بقبول المثل، والتفصيل بين حال الاعواز وعدمه من هذه الجهة غير وجيه. ومنها - أن اليد إذا وقعت على العين وقعت عليها بخصوصيتها الشخصية وبجهتها النوعية والمالية، فكل تلك الجهات وقعت على عهدته، ومقتضى دليل السلطنة جواز إلقاء خصوصية المثلية ومطالبة خصوصية المالية من غير فرق بين القول بأن مقتضى دليل اليد هو عهدة نفس العين بشؤونها أو ضمان المثل في المثلي والقيمة في القيمي، فان ضمان المثل وكونه على العهدة متضمن لضمان القيمة أيضا، فله إلقاء جهة المثلية ومطالبة القيمة. وفيه - مضافا إلى ما مر من أن لازم ذلك جواز إلقاء خصوصية المثل والعين ومطالبة القيمة مع وجود العين والمثل وهو كما ترى - أن دليل الضمان لا يدل إلا على ضمان نفس العين على المبنى الاول، والمثل في المثلي على المبنى الثاني، وليس في ضمان العين ضمانات، ولا في ضمان المثل ضمانان عرضا أو طولا حتى يصح للمالك إسقاط جهة ومطالبة جهة أخرى وشؤون العين ليست مضمونة، بل العين مضمونة وهي ذات مثل ومتقومة بقيمة، فالشؤون للعين المضمونة، لا مضمونة كالعين، وهكذا الكلام

[ 369 ]

في المثل على المبني الثاني، وأما دليل السلطنة على الاموال فلا يقتضي مطالبة غير ما على عهدة الضامن، وهو المثل في المثلي، ولا معنى لاقتضائه أداء قيمة المال إلا إذا قيل بتبدل المثل بالقيمة عند الاعواز، وهو أول الكلام. ومنها - ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) من أن منع المالك ظلم، وإلزام الضامن بالمثل منفي بالتعذر، ومقتضى الجمع بين الحقين وجوب القيمة. وفيه أن منع المالك عن القيمة انما يكون ظلما لو ثبتت القيمة على عهدة الضامن، وهو أول الكلام، ومع ضمان المثل إلزام الضامن بغير ما للمضمون له لعله ظلم، ولو قيل: إن المثل مشتمل على المالية فتعذر المثل لا يوجب سلب سلطنة المالك عن المالية، فقد مر جوابه بأن العهدة لا تشتغل إلا بالمثل لا به وبالقيمة، ولا دليل على الانقلاب بمجرد التعذر، نعم لو كان التعذر إلى الابد أو إلى أمد بعيد جدا يمكن أن يقال: إن منع المالك ظلم، وهو لا يخلو من تأمل أيضا، لكن الرجوع إلى القيمة في الفرض عقلائي دون غيره، لكن إطلاق كلام الشيخ يقتضي الحكم بوجوب القيمة مع التعذر ولو إلى أمد قريب. ثم إنه لم يتضح مراده من الجمع بين الحقين، إذ ليس للضامن حق ضرورة أن كون الالزام منفيا بالتعذر غير ثبوت الحق، وفي طرف المالك أيضا محل إشكال، إذ ليس له حق المطالبة فعلا مع تعذره، وحق مطالبة القيمة غير ثابت، مع كون الذمة مشغولة بالمثل فقط. ومنها - ما أفاده أيضا، وهو التمسك بقوله تعالى: " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) فان الضامن إذا ألزم بالقيم مع تعذر المثل لم يعتد عليه أزيد مما اعتدى. وفيه - مضافا إلى ما تقدم من أن الآية بما أنها راجعة إلى الاعتداء


(1) سورة البقرة: 2 - الآية 194.

[ 370 ]

في الحرب لا يمكن استفادة المثلية منها بالمعنى المنظور ولو قلنا بأنها كبرى كلية فراجع - أن الظاهر منها مع الغض عما ذكر أن الاعتداء لابد وأن يكون بالمثل وإلزام الضامن بالقيمة اعتداء عليه بما وراء المثل، ولم يرخصه الشارع، ولو سلم أن الآية كناية عن عدم الاعتداء زيادة على مقدار اعتداء الغاصب أو الضامن لكن لا يفهم منها جواز الاعتداء والاقتصاص بكل شئ ليس مقدار ماليته أزيد من المضمون، لعدم كونها حينئذ إلا بصدد المنع عن التعدي بالزيادة لا جواز الاخذ بما لا يكون زائدا فلا إطلاق فيها من هذه الجهة. ثم إن احتمال كون الآية إرشادا إلى ضمان المثل في المثلي والقيمة في القيمي بعيد غايته، مع ملاحظة سياقها وشأن نزولها. ومنها - ما تشبث به بعضهم وتبعه آخر، وهو أن الصبر إلى أن يوجد المثل ضرر عليه، وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن دليل نفي الضرر لو نفى الاحكام الضررية فلا حكم ضرري في المقام، لان ما على عهدة الضامن هو المثل، ولم يمنع الشارع باطلاق دليل أو عمومه عن أخذه ولزوم التأخير مع التعذر عقلي، مضافا إلى أن اثبات القيمة لا يمكن بدليل نفي الضرر إذ ليس شأنه إلا نفي الحكم الضرري، لا إثبات أمر مباين أو مخالف كاثبات القيمة مع ضمان المثل، مع أن التأخير ليس ضرريا دائما. ومنه يظهر الكلام في دليل نفي الحرج لو كان التأخير حرجيا، لان دليل نفيه لا يفي باثبات أمر آخر، ولهذا قلنا في رواية عبد الاعلى في باب المسح: إن تمسك الامام عليه السلام بدليل نفيه انما هو


(1) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب الوضوء - الحديث 5.

[ 371 ]

لرفع وجوب المسح على البشرة، وأما أمره بالمسح على المرارة فليس بمقتضى دليل الحرج. هذا كله لو قلنا بأن " لا ضرر ولا ضرار " حاكم على الادلة الاأولية، وأما إن قلنا بأنه حكم سلطاني من رسول الله صلى الله عليه وآله على أمته، ونهي منه عن الاضرار بالغير وإيقاع الحر عليه فلا يصح التمسك به أيضا لاثبات القيمة، لان تأخير أداء المثل لو كان حرجيا أو ضرريا فلا يكون بفعل الضامن، وليس للمالك على الضامن قيمة المثل حتى يكون تأخير أدائها موجبا للاضرار أو إيقاع الحرج. ومنها - التمسك ببناء العرف مع عدم ردع الشارع، بدعوى أن بناءهم عند تعذر المثل مطالبة القيمة، وإلزام الضامن على أدائها، وفيه أنه غير ثابت في العذر إلى أمد، سيما إذا كان الامد قريبا واتصاله على فرضه إلى عصر المعصوم عليه السلام غير ثابت. ومنها الالتزام بالانقلاب إلى القيمة عند تعذر المثل، بأن يقال: إن الوضع منتزع من التكليف، ولا يعقل التكليف بأداء المتعذر، فلابد من التكليف بأداء القيمة، لان احتمال سقوط الضمان مطلقا مخالف الضرورة، فمع التكليف بها ينتزع اشتغال الذمة بالقيمة، وهو المطلوب، فللمالك مطالبتها وليس للضامن التأخير. وفيه - مضافا إلى أن التحقيق إمكان جعل الوضع ابتداء ووقوعه، وجعله لا يتوقف على إمكان الاداء فعلا - أنه لو سلم ذلك يمكن أن يقال: إن مقتضى إطلاق أدلة الضمان أن المثل على عهدة الضامن في المثلي: ولو مع التعذر، فيكشف منه تكليف مناسب لحال التعذر، وهو التكليف التعليقي، فينتزع منه الوضع فعلا، لان التكليف فعلي متعلق بأمر استقبالي، وهو يصحح الضمان بالمثل، وعدم الانقلاب إلى القيمة فيما إذا تعذر إلى أمد.

[ 372 ]

ويمكن أن يجاب بوجه آخر ينتج عدم الانقلاب ولو مع التعذر إلى الابد، وهو أن التكاليف القانونية فعلية على موضوعاتها غير مقيدة ولا معلقة، والاعذار العقلية ليست قيودا لها، فحرمة شرب الخمر مجعولة على عنوانها مطلقا، والجاهل بحرمتها أو موضوعها والمضطر إلى ارتكابها عقلا معذوران في ارتكاب الحرام الفعلي كما فصلناه في باب الاشتغال، فيكون التكليف الفعلي القانوني المتعلق بعنوانه منشأ لانتزاع الوضع مطلقا. ولو قيل في تقريب الانقلاب: بأن جعل المثل لدى تعذره لغو، سيما إذا كان التعذر إلى الابد كما أن التكليف به كذلك بل هو ممتنع، يقال: كلا، أما فيما إذا كان إلى أمد فواضح، وأما مع التعذر مطلقا فلوجود الاثر، لان الاشتغال بالمثل موجب لاعتبار قيمة يوم الدفع، بخلاف ما إذا كان التبدل من حين التعذر، مضافا إلى ما قلناه في محله: من أن اللغوية في المجعولات القانونية تلاحظ بالنسبة إلى الحكم الكلي القانوني، لا إلى آحاد المكلفين وخصوصيات التكليف، للزوم توالي فاسدة تعرضنا لها في الباب المشار إليه. ثم لو قلنا بالانقلاب فكما يجب على الضامن عند المطالبة أداؤها يجب على المالك قبولها، وليس له الرد، ولو امتنع منه تلقى عنده أو ترد إلى الحاكم، فلا وجه للتفصيل. ثم إن في زمان اعتبار القيمة احتمالات ووجوها كثيرة لابد في تحقيق ما هو الحق من ذكر أمور: الاول: قد عرفت أنه لا دليل على انقلاب المثل عند إعوازه إلى القيمة، وربما يقال: إنه لو استندنا في لزوم القيمة إلى قوله تعالى: " فاعتدوا عليه " الخ وإلى أن المتبادر من إطلاق الضمان هو وجوب الرجوع إلى ما هو الاقرب إلى التالف بعد تعذر المثل توجه القول بصيرورة التالف

[ 373 ]

قيميا بمجرد تعذر للمثل، إذ لا فرق في تعذره بين الابتدائي كما في القيميات وبين الطارئ بعد التمكن، كما فيما نحن فيه، ودعوى اختصاص الآية وإطلاقات الضمان في الحكم بالقيمة بتعذر المثل ابتداء لا يخلو من تحكم، هكذا أفاد الشيخ الاعظم (قده) وتبعه في الجملة بعضهم. وفيه أنه لو استندنا إلى الآية نظير استناد شيخ الطائفة (قده) وقلنا بأن مماثل ما اعتدى هو المثل في المثلي والقيمة في غيره، فتدل على ضمان المثل في المثلي سواء أعوز ابتداء أم طرأ عليه، فان الاعواز لا يوجب خروج الشئ عن المثلي إلى القيمي، لان الميزان في القيمي ليس عدم وجود المثل له في الخارج اتفاقا، بل بعض الاشياء بحسب الخلقة الاصلية أو بحسب الصناعة مثلي ولو أعوز مثله، وبعضها قيمي كذلك ولو وجد له مثل نادرا، فالحنطة مثلية بحسب الخلقة ولو فرض عروض الاوعواز والقحط حال وقوع اليد عليها أو بعده، والآية الكريمة بناء على ما ذكر دالة على ضمان المثل في المثلي وكان الحكم متعلقا بنفس الطبيعة كما هو الشأن في جميع الاحكام وموضوعاتها، وإعواز المثل أحيانا لا يخرج الشئ عن المثلية، ولا يرفع الحكم عن الموضوع أي طبيعة المثل في المثلي، كما أن ارتكاز العقلاء أيضا كذلك في الضمانات، ولهذا لو فرض الاعواز في مدة طويلة ثم وجد المثل وشاع يحكم العقلاء بوجوب أداء المثل، وكذا لو أعوز وأراد الضامن إعطاء الفرد النادر المماثل ليس لصاحب المال عدم قبوله لدى العقلاء. وبالجملة إن الضمان بالمثل قانون كلي لم يلاحظ فيه الاعواز وعدمه، ولو قلنا بلزوم أداء القيمة عند الاعواز فليس لاجل انقلابه إليها، بل لاقربيتها إليه في مقام التأدية، وهذا نظير القول بأن ظاهر قاعدة اليد ضمان نفس العين وأداء المثل في المثلي والقيمة في القيمي، نحو أداء لها من غير انقلاب العين اليهما.

[ 374 ]

وأما قوله رحمه الله: " إنه لا فرق في تعذر المثل بين تحققه ابتداء كما في القيميات " الخ فقد عرفت ما فيه، ومنه يظهر النظر فيما قال بعض أعاظم العصر (قده) من أن الذي يوجب في ضمان العين عند تلفها استقرار القيمة في الذمة لا المثل هو الميزان للتعذر الطارئ للمثل، لما عرفت من أن ميزان القيمية والمثلية غير مربوط بالتعذر وعدمه، فتدبر جيدا. الثاني: قد ذكرنا سابقا أن قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد " الخ موجب لضمان العين المأخوذة بجميع صفاتها الحقيقية والانتزاعية والاضافية مما هي دخيلة في الرغبات واختلاف القيم، فالدابة مضمونة بوصف ارتياضها وصحتها وسلامتها، والثلج المأخوذ في الصيف وفي قارة إفريقا مضمون بالوصف المذكور، لانه موجب لاختلاف الرغبات والقيم، وقد عرفت وقوعها تحت اليد تبعا، وهو كاف في الضمان، ولهذا يكون وصف الصحة والسلامة مضمونا بلا إشكال لوقوعه تحتها تبعا. فلو وقع شئ تحت يده واتصف بصفات موجبة لزيادة الرغبات ولو بعمل من الآخذ كما لو حك العقيق وخاط الثوب وجعل الدابة مرتاضه ونحو دلك ثم زالت الصفات عنه ضمن الغاصب صفاته، فمع وجود المغصوب يجب رده وأداء قيمة الصفات التالفة، ومع تلفه لابد من رد مثله بصفاته إن كان مثليا، ورد أعلى القيم من زمن الغصب والاخذ بالبيع الفاسد إلى زمان التلف إن كان علو القيمة لاجل صفات ولو انتزاعية واضافية. وأما مجرد زيادة القيمة السوقية إن لم ترجع إلى وصف أو فقد وصف فضمانها مشكل، لعدم مساعدة العرف عليه، بل يمكن أن يقال: إن القيمة تعتبر للشئ بازائة وإزاء صفاته الموجبة للرغبات، ولا تلاحظ وصفا للشئ.

[ 375 ]

الثالث: أن الاحتمالات ومبانيها كثيرة نتعرض لمهماتها مهمات مبانيها، ومحصل الكلام فيها أنه إما أن نقول: بأن مقتضى أدلة الضمان هو وقوع العين على العهدة في المثلي والقيمي حال التلف والتعذر، ولا تنقلب إلى غيرها إلى زمان الاداء بالمثل أو القيمة أو نقول: بأن مقتضاها ضمان المثل في المثلي والقيمة في القيمي، وعلى هذا الاحتمال إما أن نقول: ببقاء المثل على العهدة إلى زمان الاداء حتى مع تعذره مطلقا، وأن أداء القيمة عند التعذر نحو أداء للمثل، أو نقول: بانقلابه إلى القيمة وقت عروض التعذر، وبانقلاب العين في الاحتمال الاول إلى القيمة وقت تعذر الاداء، فهذه الاحتمالات هي المعتد بها من بين الاحتمالات. فان قلنا بالاحتمال الاول فعن جمع من الحققين أن الاعتبار بقيمة وقت الاداء، بتقريب أن مالية العين حاله لا تحتاج إلى عناية، بخلاف غير حاله كحال التعذر أو التلف أو المطالبة، فانها تحتاج إلى عناية ومعين، بل نفس التكليف بأداء مالية العين تقتضي تعين ماليتها عند تعلق الاداء بها، لانها قيمتها بالفعل. وأنت خبير بأن هذا التقريب قاصر عن إثبات مطلوبهم، لان التكليف على هذه المبنى لم يتعلق بأداء القيمة والمالية، ضرورة عدم انقلاب العين إلى القيمة، وليس دليل لفظي دال على وجوب أداء قيمة العين حتى يستظهر منه ما ذكر. فالاولى أن يقال: إن مقتضى هذا المبنى وجوب الخروج عن عهدة العين التي تكون في ذمته بأداء قيمتها التي هي نحو أداء لها، وما هو نحو أداء لها عرفا هو أداء قيمتها الفعلية لا القيم الآخر، فلو فرض أن قيمتها حال الاداء مأة وقبلها خمسون فأداء الخمسين ليس نحو أداء لها، ولو فرض أن قيمتها قبلها مأتان يكون أداء مأة أداء لها، وأداء مأتين أداء مع زيادة

[ 376 ]

غير ملزمة. ثم إن ما ذكر لا ينافي ما ذكرناه من لزوم اعتبار العين على مبنى تعلقها بالذمة مع جميع صفاتها الدخيلة في الرغبات والقيم، فالعين بأوصافها على العهدة وأداء قيمتها بلا لحاظ تلك الاوصاف ليس أداء لها عرفا، والظاهر أن نظر الاعيان في اعتبار قيمة يوم الاداء هو قيمتها مع لحاظ الاوصاف المذكورة، وإلا فأدلة الضمان حجة عليهم. وقد يقال: " إن المالية بلحاظ حال التلف مالية حقيقية موجودة مضمونة، وأما المالية قبل التلف فموجودة لكنها غير مضمونة، ولهذا لا يجب تداركها مع دفع العين إذا نقصت ماليتها، والمالية بعد التلف ليست موجودة، بل مفروضة بفرض وجود العين، ولا تدارك حقيقة إلا للمالية المتحققة بتحقق العين لا المتقدرة للعين المفروضة، فالاعتبار بقيمة يوم التلف، هذا على فرض كون العين على العهدة، وأما إذا قلنا بأن المثل عليها إلى وقت الاداء فالاعتبار بيومه، لان المثل كلي متحقق في الذمة له مالية موجودة لا مفروضة، وهو الفارق بين بقاء العين على العهدة إلى زمان التفريغ وبقاء المثل إلى زمان الاداء، فان العين حيث كانت شخصية وقد تلفت فلا وجود لها ولا مالية إلا بالفرض، بخلاف المثل، فانه كلي لا يتوقف اشتغال الذمة به على وجود شئ يطابقه خارجا، فلا تلف له، فماليته حال الاداء متحققة لا مفروضة " انتهى. وفيه أن الفرق بينهما بما ذكره غير مرضي، لان الكلي انما له مالية لا باعتبار نفسه من حيث هي، بل باعتبار مالية مصاديقه المحققة أو المقدرة، فتكون مصاديقه التي هي تحت قدرة الضامن أو البائع جهة تعليلة، ليصرورة الكلي في الذمة مالا، نظير الاوراق النقدية، فانها مال باعتبار الذهب والفضة وغير هما التي هي بازائها ويقال لها: " پشتوانه " ولهذا لو أسقطت الدولة

[ 377 ]

اعتبارها سقطت ماليتها، والكلي إذا كان على ذمة معتبرة أمكن لصاحبها إيجاد مصاديقه مهما أراد أو يطالب آجلا أو عاجلا يكون مالا، ومع عدم الامكان مطلقا لا تعتبر له المالية، فكما أن مالية الكلي باعتبار غيره وهو مصاديقه كذلك مالية العين التي هي في الذمة باعتبار أنها مضمونة، وأن صاحب الذمة قادر على أدائها بمثلها أو قيمته، والعين المعدومة خارجا غير معدومة في صقع الاعتبار، ولها مالية باعتبار إمكان تأديتها بالمثل والقيمة، فلا فرق بين الكلي في الذمة وبين العين فيها، لا من جهة المعدومية من جهة والموجودية من أخرى، فان كلا منهما معدوم خارجا وموجود اعتبارا، ولا من جهة المالية، فان كلا منهما بذاته مع قطع النظر عن إمكان تحقق ما لا مالية له، ولهذا لا يعتبر الكلي في ذمة من لا يمكنه إيجاد مصداقه عاجلا ولا آجلا ولا مالية له، فالعين المعتبرة في ذمة من أمكنه أداء مثلها أو قيمتها مال، والمسألة عقلائية لا عقلية، فالاعتبار على هذا المبنى بقيمة يوم الاداء مع اعتبار جميع الاوصاف الدخيلة في الرغبات. وأما قوله: " إن المالية قبل التلف غير مضمونة وإن كانت موجودة " فان أراد بها القيمة السوقية فلا كلام، وقد مر وجهه، وإن أراد الا إعم منها ومن الجهات والاوصاف الدخيلة في الرغبات فقد مر أنها مضمونة بدليل الضمان. ثم لو تمسكنا بقوله تعالى: " فاعتدوا عليه " الخ فتارة نقول: بأنه متعرض للتقاص بعد الفراغ عن الضمان ولا تعرض له للضمان، وإن يستكشف منه أن ذمة المقاص عنه مشغولة بشئ، فلا يكون منافيا لدليل اليد لو قلنا بدلالته على أن نفس العين على العهدة حتى بعد تلفها، فيكون الكلام حينئذ كما تقدم، كما أنه لو قلنا بدلالته على ضمان المثل في المثلي

[ 378 ]

وأن مفاد دليل اليد وغيره أيضا ضمان المثل في المثلي والقيمة في القيمي وقلنا ببقاء المثل على الذمة إلى وقت الاداء من غير انقلابه إلى القيمة فالكلام هو ما تقدم بلا فرق بينهما. ولو قلنا: بأن مفاد القاعدة ضمان نفس العين، ومفاد الآية ضمان المثل في المثلي والقيمة في القيمي يقع التعارض بينهما ظاهرا، وطريق الجمع إما بأن يقال: إن الآية كالنص في ضمان المثل والقاعدة ظاهرة، فيجب تحكيم النص، أو يقال: إن القاعدة ظاهرة فرضا في عهدة نفس العين، والآية لو كانت نصا أو كالنص فانما هي نص في الاعتداء بالمثل لا في ضمان المثل، والاعتداء بالمثل لازم أعم، غاية الامر لو خليت ونفسها يمكن أن يقال باستكشاف ضمان المثل، لكن مع لحاظ قاعدة اليد الدالة على ضمان العين وعهدتها لا يستكشف منها إلا ذلك، لعدم التنافي بين كون العين على العهدة والاعتداء بالمثل، بل لازم عهدتها الاعتداء به، وهذا الجمع هو الاقرب بل المتعين، هذا على فرض تسليم ظهور القاعدة فيما ذكر، وكون الآية دليل الضمان، وإلا فلا تصل النوبة إلى ما ذكر. ولو قلنا: بالانقلاب إلى القيمة عند التعذر فتارة يكون التعذر بدويا، أي حين تلف العين كان المثل متعذرا، وأخرى طارئا، فعلى الاول يكون الاعتبار بقيمة العين يوم التلف، لانه يوم الانقلاب إليها، ولا وجه لاعتبار قيمه سائر الايام، إلا أن يقال: بضمان القيم أيضا، فتنقلب إلى أعلى القيم من حين الاخذ إلى حين التلف مع مراعاة جميع الاوصاف الدخيلة في زيادة القيم. وعلى الثاني أيضا كذلك إن قلنا بأن المثل والقيمة كليهما غرامة نفس العين، وأن ضمان المثل في المثلي لسد خلل مال الغير بمقدار الامكان، وهو ماهيتها النوعية، ومع عدم الامكان من هذه الجهة لابد من ضمان

[ 379 ]

قيمتها، لانها سد لخللها في هذا الحال بالمقدار الممكن، فلابد حينئذ من اعتبار قيمة يوم تلفها. وأما إن قلنا: بأن العهدة مع التعذر الطارئ تشتغل بالمثل، ولابد من الخروج عن عهدته لا عهدة العين، لان المفروض عدم كون العين على العهدة فلا وجه لمراعاة قيمتها، فالمثل المضمون ينقلب إلى القيمة لا العين المفقودة غير المضمونة، فحينئذ لابد من اعتبار قيمة المثل يوم التعذر، هذا إذا قلنا بضمان المثل في المثلي، ولو قلنا بأن العين على العهدة إلى زمان تعذر المثل ثم تنقلب إلى القيمة كان المدار قيمة يوم التعذر. ثم إن الوجه في اعتبار أعلى القيم من حين الاخذ إلى حين التلف هو ما أشرنا إليه سابقا من أن العين مضمونة بجميع أوصافها الدخيلة في الرغبات، فلو قلنا بأن وصف التقويم أيضا من الاوصاف الواقعة تحت اليد تبعا فلا محالة تكون القيمة العالية مضمونة، ومع تنزلها لم يرتفع الضمان فلو تلفت العين صارت بقيمتها العالية مضمونة. وأما بعد التلف فلا وجه لضمان زيادة قيم الامثال إلى حين التعذر أو الاداء، لان العين التالفة خرجت عن تحت اليد، ووقوعها على العهدة على القول به أو وقوع مثلها غير كونهما تحت اليد، فلا وجه لضمان زيادة قيم أمثال العين أو العين المفروضة الوجود، فيسقط كثير من الاحتمالات كأعلى القيم من حين الاخذ إلى حين الاعواز أو المطالبة أو الاداء أو من حين التلف إلى الاحيان المشار إليها. فما قال بعض أعاظم العصر (قده) بأن الانقلاب إلى القدر المشترك بين العين والمثل، أي أعلى القيم من زمان الاخذ إلى زمان إعواز المثل وجيه، لانه لو قلنا بضمان القيمي بأعلى القيم من حين الغصب إلى حين التلف ينتج في المقام ضمانه بأعلى القيم من حين أخذ العين إلى زمان إعواز

[ 380 ]

المثل، لان معنى الضمان بأعلى القيم هو استقرار مراتب القيمة السوقية في عهدة الضامن بشرط تلف المضمون، فإذا تعذر رد المثل بقي ارتفاع قيمته على العهدة، كما أن ارتفاع قيمة العين أيضا عليها، انتهى. ففيه ما عرفت من أن كون الشئ على العهدة غير كونه تحت اليد، والموجب للضمان هو الثاني، ولهذا لو كان عليه صاع من الحنطة بواسطة القرض أو البيع ولم يؤده مع المطالبة لم يضمن ارتفاع قيمته، وذلك لعدم وجه للضمان، لعدم كون ما في الذمة تحت اليد، فالقول بضمان أعلى القيم في الغصب إلى زمان التلف لا ينتج ما ذكر، وتوهم شمول آية الاعتداء لذلك بزعم أن عدم أداء الدين والمثل حين ارتفاع قيمته اعتداء يعتدى فيه بالمثل وهو القيمة فاسد، لان الاعتداء مع المطالبة اعتداء في تأخير أداء ما في ذمته، لا اعتداء في قيمته، مضافا إلى ما عرفت من أن الآية الكريمة ليست دليلا على الضمان، وبالجملة إن ما ذكر ليس له وجه فضلا عن كونه وجيها. وينبغي التنبيه على جهات: الاولى: أن المحكي عن التذكرة " أن المراد باعواز المثل أن لا يوجد في البلد وما حوله " وعن المسالك زيادة قوله: " مما ينقل عادة منها إليه " وعن جامع المقاصد إيكال الامر إلى العرف، وقال بعض الاعاظم (قده): " إن الذي يوجب في ضمان العين عند تلفها استقرار القيمة لا المثل هو الميزان للتعذر الطارئ للمثل، وبعبارة أخرى عدم وجود المماثل بحسب الخلقة الالهية أو مطلقا المقتضي لاستقرار قيمة العين في الذمة عند تلفها هو الموجب لصدق تعذر المثل ".

[ 381 ]

وفيه ما نقدم في بعض المباحث السالفة من أن الميزان في القيمي لدى العرف غير الميزان في تعذر المثل بعد كونه بحسب الماهية مثليا، فراجع. وأما الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع والعنوان فصحيح لا محيص عنه إذا كان الموضوع مأخوذا في دليل لفظي أو معقد إجماع، وهو في المقام مفقود، أما الدليل اللفظي فظاهر، وأما الاجماع فالظاهر عدم ثبوته، لان المسألة عقلائية لا تعبدية، ومن المحتمل قريبا رجوع كلمات القوم إلى الامر العقلائي، فلا يمكن كشف إجماع تعبدي في مثله. وأما الاتكال على بناء العقلاء في أصل المسألة - أي في كون الاعواز سببا لدى العقلاء لعدم الالزام بالمثل، وجواز مطالبة القيمة ولزوم أدائها لدى الاعواز، بأن يقال: إن كيفية التغريم موكولة إلى العرف، وهم يلزمون بالمثل عند وجوده، وأما عند تعذره وإعوازه فلا يلزمون به، ولو بالحمل من البلاد النائية - فهو غير بعيد في الجملة، وأما إلزامهم بالقيمة مع إعواز المثل إلى أمد فهو غير ثابت، سيما إذا كان قريبا، نعم في الاعواز المطلق أو مع أمد بعيد جدا فالظاهر الرجوع إلى القيمة والالزام بها في العرف. وقد يقال: إن مناط جواز المطالبة بالبدل مجرد عدم وجوده في البلد وما يقرب منه مما يحتاج نقله إلى مضي زمان، فان للمالك أن لا يصبر إلى زمان النقل، لان مقتضى السلطنة على ماله جواز مطالبة ماليته فعلا بأخذ البدل، وإن أمكن إعطاء نفس المال بعد مضي مقدار من الزمان حسبما ذكروه في بدل الحيلولة، وقد قال هذا القائل فيما سبق: " إن للمالك إلقاء جهة المثلية والمطالبة بمالية ماله بدليل السلطنة ". وقد مر ما فيه من أن ما على الضامن ليس أمورا متعددة قابلة لالقاء بعض وإبقاء بعض، ولهذا لا يلتزم القائل ولا غيره بأنه مع وجود

[ 382 ]

العين للمالك إلقاء ما عدا قيمتها والمطالبة بها، مع أن دليل السلطنة لو اقتضى ما زعمه اقتضى ذلك أيضا، وبالجملة ليس على الضامن في المثلي إلا المثل، ولا يفي دليل السلطنة عند تعذره بالالزام بالقيمة، فانها ليست على عهدته، وأما قضية بدل الحيلولة فسيأتي إنشاء الله الكلام فيها. وقال الشيخ الاعظم (قده): " إن مقتضى عموم وجوب أداء مال الناس وتسليطهم على أموالهم أعيانا كانت أم في الذمة وجوب تحصيل المثل كما كان يجب رد العين أينما كانت ولو كانت في تحصيله مؤونة كثيرة، ولذا كان يجب تحصيل المثل بأي ثمن كان " انتهى. ولعل مراده من عموم وجوب أداء مال الناس هو مثل قوله صلى الله عليه وآله: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفسه " (1) بأن يقال: إن مقتضى انتساب نفي الحلية إلى ذات المال أنه لا يحل بجهة من الجهات، ومنها حبسه وعدم رده إلى صاحبه، ولا يحل حبس الاموال التي في الذمة وإبقائها فيها، بل يجب إخراجها إلى الخارج وجعلها تحت سلطنة المالك. ولعل العطف في قوله: " وتسليطهم " تفسيري، وأراد به دليل السلطنة، وأن مقتضى إطلاق دليلها هو التسليط على إخراج ما في الذمم إلى الخارج بالمطالبة، فحبس ماله الذي في ذمة الغير مخالف لاطلاق سلطنته، فلابد من نفيه وإعطاء المثل ولو بالحمل من البلاد النائية، وتحمل مؤونة كثيرة، إلا إذا كان تحملها حرجيا. ثم إن بناء العقلاء في باب الضمانات والغرامات لو كان عدم الالزام بالمثل لدى تعذره عرفا، بأن لا يوجد إلا نادرا يلحق بالمعدوم أو في البلاد النائية فهل يوجب ذلك تقييد دليل السلطنة أو أن دليلها رادع لبنائهم؟ بدعوى أن بناءهم ليس بحجة إلا مع الامضاء وعدم الردع، وإطلاق دليل

[ 383 ]

السلطنة رادع، كما قال بعض أهل التدقيق. ويمكن أن يقال: إن سلطنة الناس على أموالهم لما كانت عقلائية لا يفهم من دليلها إلا ما هو المرتكز عندهم، والارتكاز العقلائي قرينة على أنه يراد منه ما هو المرتكز عندهم. وإن شئت قلت: إنه منصرف إلى ما هو المرتكز، ولا إطلاق له بالنسبة إلى غيره، فكانت النتيجة عدم صلاحيته للرادعية، فان العقلاء مع قولهم بسلطنة الناس على أموالهم بناؤهم على عدم إلزام الضامن بالمثل عند التعذر، وإذا كان دليل السلطنة على طبق حكم العقلاء فلا محالة لا يشمل مثل المقام، فتدبر. نعم يمكن القول: برادعية مثل قوله صلى الله عليه وآله: " لا يحل مال امرئ " الخ، لان عدم الحلية الكليفية شرعية لا عقلائية، ومعه لا مانع من رادعيته، ولا يأتي فيه ما قلناه في دليل السلطنة. ثم إن إطلاق دليل عدم حل مال المسلم الشامل للمتعذر عرفا لا عقلا كما يستفاد منه جواز المطالبة بالمثل ولزوم خروج الضامن عن عهدته ولو بالحمل من سائر البلاد ما لم يكن حرجيا يستفاد منه عدم جواز المطالبة بالقيمة، لدلالته التزاما على بقاء المثل في العهدة وعدم الانقلاب عند التعذر العرفي، تأمل. وكيف كان لا مجال للتمسك بدليل السلطنة وعدم حل مال الغير لجواز مطالبة القيمة، ضرورة أنها ليست على عهدته كما عرفت، فما هو مال الغير وله سلطان عليه هو المثل، ومقتضى دليل السلطنة على فرض ودليل حرمة مال الغير هو الالزام بالمثل لا غير، فما قيل: من أن للمالك إلقاء حيثية المثل المطالبة بالقيمة قد تقدم ما فيه، كما أن ما قيل: من أن مقتضى دليل السلطنة جواز المطالبة بالمثل والقيمة معا لا يرجع إلى محصل. ثم إن الشيخ الاعظم (قده) قال: " ورود في بعض أخبار السلم

[ 384 ]

أنه إذا لم يقدر المسلم إليه على إيفاء المسلم فيه تخير المشتري، ومن المعلوم أن المراد بعدم القدرة ليس العذر العقلي، بل الظاهر منه عرفا ما عن التذكرة، وهذا يستأنس به للحكم فيما نحن فيه " انتهى. أقول: الاخبار المشار إليها على كثرتها أجنبية عن الدلالة على تخيير المشتري بين إلزام البائع بأداء القيمة وبين الصبر، بل جملة منها تدل على أنه إذا لم يقدر على إعطاء جميع المسلم فيه فلا بأس بأخذ بعض وأخذ رأس مال البقية، فكأن الشبهة فيها في جواز انحلال البيع الواحد، والصحة في بعض المبيع، والفسخ أو الانفساخ في بعض، وبعضها يدل على تخييره بين أخذ رأس المال والانظار، وأنت خبير بأنها أجنبية عن الذي نحن بصدده من جواز الالزام بالقيمة عند تعذر المثل عرفا، وبعضها يدل على أنه إذا لم يف البائع كان المشتري أحق بماله، وهو دليل على الانفساخ بمجرد عدم الوفاء، وبعضها يدل على أنه إذا كان له على رجل تمر أو حنطة ونحوهما يجوز أخذ قيمتها مع تراضيهما، وبالجملة ليس في الروايات ما يصح الاستئناس به للمقام، فراجعها. هذا إذا كان مراده الاستئناس من حكم تلك المسأله، وأما لو كان المراد الاستئناس من التعذر العرفي على أن التعذر في المقام عرفي، كما لا يبعد أن يكون ظاهر كلامه، ففيه أن حمل التعذر الوارد في لسان الدليل في مسألة على العرفي لا يوجب الاستئناس في مسألة أجنبية لم يرد فيها ذلك، وكان مقتضى إطلاق دليلها جواز المطالبة مع التعذر العرفي كما تقدم، ولو فرض الاستئناس فلا يصح معه تقييد الدليل ورفع اليد عن إطلاق الحجة. الثانية: الميزان في القيمة مع تعذر المثل يختلف باختلاف المباني، فان قلنا

[ 385 ]

ببقاء العين على العهدة إلى زمان الاداء فالميزان قيمتها يوم الاداء مع لحاظ جميع الاوصاف المضمونة كما تقدم الوجه فيه، ومنها وصف الانحصار وعزة الوجود. فما قيل من أن الميزان على ذلك قيمة يوم التلف - لان العين في زمان فقدها لا تكون لها قيمة موجودة، وقبل زمان التلف قيمتها غير مضمونة، فما هي موجودة ومضمونة قيمة يوم التلف - غير وجيه، لما عرفت من أن العين على فرض كونها في العهدة لها وجود اعتباري متقوم باعتبار إمكان أداء غرامتها، كما أن متمولية المثل باعتبار إمكان الوجود، وإلا فهو بنفسه ليس بمال، وقد عرفت أن بعض الاوصاف التالفة مضمونة حتى مع وجود العين، وكذا الحال لو قلنا بعهدة المثل وبقائه إلى زمان الاداء مع القول بأن اللازم أداء قيمة المثل، وأن له في الضمان استقلالا. وأما إن قلنا بأن أداء المثل بعنوان غرامة العين ومع تعذره تكون القيمة غرامة لها فالمثل والقيمة غرامة العين على الترتيب، فاللازم مراعاة قيمة يوم تلف العين، لان المفروض أن العين لم تكن على العهدة حتى يقال: إن في زمان الاداء لها وجود اعتباري متقوم، والمثل الذي في العهدة لا تلاحظ قيمته على هذا، لان القيمة غرامة العين لا المثل، فلابد من مراعاة قيمتها حال التلف مع اعتبار جميع الخصوصيات الدخيلة في التقويم، وإن قلنا بضمان القيمة لدى التعذر فان كان التعذر من أول الامر كان الاعتبار بقيمة يوم التلف أيضا وإن كان طارئا وكانت المثل أو العين على العهدة إلى زمان التعذر، فالاعتبار بقيمة يوم التعذر. ثم على جميع المسالك لابد من مراعاة القيمة مع لحاظ التعذر ومراتبه، فلو فرض أن يوم الاداء كانت العين على فرض تحققها منحصرة بالفرد، وباعتباره قيمتها غالية لابد من مراعاة تلك القيمة لدى الاداء، كما أنه

[ 386 ]

لو كانت في زمان وجودها تحت يد الضامن منحصرة، ولاجله كانت غالى القيمة وفي زمان الاداء خرجت عن الانحصار لابد من تغريم وصف الانحصار، وهذا غير اختلاف القيمة السوقية التي قلنا بعدم ضمانها، والمراد بقيمتها حال انحصار الوجود أو عزته هي ما تلاحظ باعتبار رغبة العقلاء، لا باعتبار أغراض أخر كما أشار إليه الشيخ الاعظم (قده). ومما ذكرناه من اختلاف المباني في اعتبار زمان القيمة يظهر الحال في اعتبار مكانها، فمع القول ببقاء العين أو المثل على العهدة بعنوان ذاته استقلالا فالاعتبار بقيمة بلد الاداء، فان أداء قيمة بلده نحو أداء لهما، لا قيمة سائر البلاد كما ذكرنا في زمان الاداء، ولا فرق بين الزمان والمكان من هذه الجهة، وإن قلنا بأن المثل على العهدة لا العين وأداء القيمة عند تعذر المثل غرامة للعين، فالمعتبر قيمة بلد تلف العين، ولو قلنا بأن التعذر موجب لضمان القيمة فالتعذر البدوي موجب لضمان قيمة بلد التلف، والتعذر الطارئ موجب لضمان قيمة بلد التعذر، وفي جميع الفروض لابد من لحاظ الاوصاف التي تقدم ذكرها. الثالثة: لو خرجت العين التي تحت يده عن التقويم وسقطت ماليتها كما لو أخذ الثلج في الصيف وحفظه إلى الشتاء ورده، أو أخذ الماء في المفازة ورده عند الدجلة فمقتضى ما ذكرناه في دليل اليد من أن الاوصاف الدخيلة في الرغبات وزيادة القيم مضمونة من غير فرق بين الحقيقية وغيرها لوقوعها تحت اليد تبعا ضمان ذلك، وهذا غير اختلاف القيمة السوقية.

[ 387 ]

فما أفاده بعض أهل التحقيق تبعا لشيخه المحقق الخراساني - بأن عهدة اليد مغياة بأداء المأخوذ، فلا ينبغي الشك في خروج العين عنها بأدائها وإن سقطت عن المالية، كما لا ريب في الخروج عنها بأدائها مع تنزل قيمتها - غير وجيه في نحو المثالين المتقدمين مما هو متيقن مورد البحث. هذا إذا كان دليل الضمان قاعدة اليد، وأما لو كان قاعدة الاتلاف فقد يقال: إن الظاهر منها هو إتلاف المال لا إتلاف المالية، وإخراج العين من مكان إلى مكان آخر لا مالية لها فيه إزالة لماليتها، وليس كجعل الخل خمرا باعمال عمل فيه، فانه إزالة صفة الخلية ويتبعها زوال المالية، فضمانه من حيث إزالة الصفة لا من حيث إزالة المالية. وفيه أن إزالة الصفة الدخيلة في المالية إذا كانت مضمونة لا يفرق فيها بين الصفات الحقيقية والاعتبارية والاضافية الدخيلة في المالية، فنقل الماء من المفازة إلى شاطئ الدجلة سلب لصفة دخيلة في التقويم، وإزالة تلك الصفة كازالة صفة الخلية إتلاف للمال ومشمول لدليل الاتلاف، كما أن حبس الثلچ من الصيف إلى الشتاء إزالة صفة إضافية دخيلة في التقويم. ثم إنه بناء على ما ذكرناه في مفاد دليل اليد لا فرق بين بقاء العين كما تقدم وبين تلفها تحت يده مع كونها موصوفة بصفة دخيلة في زيادة القيمة ولو كانت عند تلفها زائلة، فلو سقطت العين عن القيمة لاجل زوال صفة دخيلة في المالية صارت مضمونة بتلك الصفة، سواء قلنا بأن العين على العهدة أو المثل. ومما ذكرناه يظهر الحال في إسقاط الدول الدرهم عن الاعتبار، فان الدرهم مع وصف رواجه واعتباره تحت يده ومضمون عليه، ولابد

[ 388 ]

من لحاظ هذه الصفة وتدارك العين الموصوفة بهذه الصفة، سواء كان سقوطه عن الاعتبار موجبا لزوال المالية أو لنقص القيمة، فان دليل الضمان يشملهما باعتبار واحد، وما قيل: من أنه مع سقوط المالية كلية ليس أداء المثل تداركا - لان تغريم العين ليس إلا من حيث رعاية ماليتها، وما ليس بمال لا يتدارك به المال، ومع بقاء المالية في الجملة يكفي أداء المثل - غير وجيه، لان الغرامة إن كانت بلحاظ المالية فكما أن ما ليس بمال لا يتدارك به المال كذا المالية النازلة لا تتدارك بها المالية الغالية، والتحقيق ما عرفت من ضمان الاوصاف الدخيلة في المالية مطلقا، لا ضمان المالية. ثم إن النصوص الواردة في باب الدين والقرض فيما إذا أسقط السلطان الدراهم عن الرواج - ففي بعضها أن عليه الدراهم الرائجة كما أخذ الرائجة، وفي بعضها أن له أداء الدراهم الساقطة لا الرائجة - لا يستفاد منها حكم المقام، لان باب ضمان اليد أجنبي عن باب القرض، فان اليد واقعة على الشئ بجميع خصوصياته وصفاته من غير دخالة الجعل والقرار فيها، وأما القرض فهو عقد واقع على نفس الدرهم والدينار لا الدرهم في مكان أو زمان كذا، فمع تنزل قيمة الدرهم باسقاطه السلطان ورواج ما هو الاعلى منه ليس على المقترض إلا الدراهم الاولى، تأمل. ومفروض السؤال في الروايات تنزل القيمة لا سقوطها عن المالية، وبينهما فرق عرفا، كيف كان لا يقاس بين البابين. ثم إن للاخبار المشار إليه وجه جمع مقبول عرفا، وهو أن في صحيحة يونس بطريق الكليني موضوع الحكم ما إذا أعطى ما ينفق بين الناس ثم سقطت الدراهم بحيث لا تنفق بينهم، فقال: " لك أن تأخذ منه ما ينفق

[ 389 ]

بينهم كما أعطيته ما ينفق بينهم " (1) وأما صحيحته الاخرى بطريق الشيخ (2) فالمفروض فيها ما يكون السقوط موجبا للوضيعة، لاعدم الانفاق، فتكون الدراهم بعد إسقاط السلطان رائجا وإن كان فيها وضيعة فحكم (ع) بأن له الدراهم الاولى المأخوذة لا الثانية، ومعلوم أن لا اختلاف بينهما، وهذان الحكمان عقلائي. وأما صحيحة صفوان فمضمرة لا يعلم أن المسؤول عنه الامام عليه السلام أو صفوان، لاحتمال أن يكون المسؤول عنه صفوان وكان الحكم اجتهادا منه، هذا حال سندها. وأما متنها فهو هذا " سأله معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم عن رجل وسقطت تلك الدراهم، وتغيرت ولا يباع بها شئ الصاحب الدراهم الدراهم الاولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس؟ فقال: لصاحب الدراهم الدراهم الاولى " (3) فيحتمل أن يكون المراد أنها حين استقراضه كانت ساقطة ولم يعلم المستقرض، ولهذا لم يأت بلفظة فاء، فتكون جملة " وسقطت " الخ جملة حالية للاستقراض، وعدم التصدير بلفظة " قد " سهل، فيكون الحكم فيها على موضوع ثالث، وهو الاستقراض في حال السقوط. وإن شئت قلت: إن صحيحة يونس الاولى صريحة في مفادها، وهو التفصيل بين الرواج وغيره، وهذا الصحيحة لها ظهور ضعيف قابل للحمل عرفا على ما ذكر، فيحمل عليه جمعا، فيرتفع التعارض بينهما، وأما سائر الجموع كما عن الصدوق والشيخ وما أفاده بعض الاعاظم (قدهم) فغير وجيه، فراجع.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 20 - من ابواب الصرف الحديث 1 - 2 - 4.

[ 390 ]

الرابعة: لو شككنا في الخروج عن العهدة بأداء ما سقط عن المالية فتارة يفرض بقاء العين وسقوطها عن المالية، وأخرى تلفها، وعلى الثاني تارة مع البناء على بقاء العين على العهدة إلى زمان التدارك، وأخرى مع البناء على وقوع المثل عليها بتلف العين إلى زمانه، وثالثة مع البناء على انقلاب العين أو المثل إلى القيمة عند التعذر. فعلى الاول لو دفع العين مع سقوطها عن القيمة وشك في الخروج عن العهدة لاجل الشك في أن التدارك هل يجب بالمالية أو بخصوصية العين أو بكليهما؟ فمقتضى الاصل بقاء نفس العين على العهدة، وعدم سقوطها بأداء ما سقطت عن القيمة إلى أن يؤدي قيمتها مع ذلك، وليست خصوصية العين شيئا مضمونا وخصوصية المالية شيئا آخر مضمونا مستقلا حتى يقال: إن أداء خصوصية العين موجب لسقوط ضمانهما، والاشتغال بخصوصية المال مشكوك فيه، ضرورة إن المضمون شئ واحد وإن كان له مالية، لكن ماليتها ليست مضمونة مستقلا، والمفروض عدم إحراز ضمان المأخوذ بماليته ومعه يشك في الخروج عن عهدة العين فيستصحب. وقد يقال: " لا مجال لهذا الاصل، إذ لم يثبت للعهدة أثر شرعا وعرفا إلا وجوب دفع العين، فلا معنى للتعبد بالقيمة من التعبد ببقاء العين إلا بالاصل المثبت، لان بقائها مع دفع العين ملزوم عادة أو عقلا لوجوب التدارك بالمالية، نعم أصالة بقاء الخروج عن عهدة العين بدفعها قبل سقوطها عن المالية لا بأس بها " انتهى.

[ 391 ]

وفيه أن أصالة بقاء اشتغال الذمة لازمه عقلا وجوب الخروج عن العهدة وهذا لازم أعم للحكم الواقعي والظاهري، كما أن وجوب الطاعة لازم أعم للحكم الواقعي والظاهري، وفي مثله لا شائبة للمثبتية، فكما أن استصحاب وجوب صلاة الجمعة جار ولازمه العقلي لزوم الاطاعة والاتيان بالمستصحب إذ مع عدم الاتيان يستحق العقوبة على الواقع لو فرض المصادفة، لتمامية الحجة وانقطاع العذر، ولو كان حكم العقل بلزوم الاتيان من آثار الواقع لما جرى الاستصحاب، لان الاثر عقلي، كذلك في المقام إن لزوم الخروج عن العهدة حكم عقلي للاعم من الواقعي والظاهري، فكما أن العقل حاكم بلزوم الخروج عن عهدة مال الغير مع العلم بالاشتغال كذلك مع استصحاب بقاء العهدة حاكم بلزوم الخروج عنها، لتمامية الحجة على الواقع. وبالجملة لا يراد باستصحاب بقاء العهدة ترتيب أثر الواقع على الموضوع حتى يقال: إنه أثر عقلي لا يترتب عليه إلا مع القول بالاصل المثبت، بل يراد إثبات الاشتغال فقط، ومعه يحكم العقل بلزوم الخروج عن العهدة بأي شئ يمكن، والمفروض أن أداء العين الساقطة عن المالية لا يوجب العلم بالخروج، فلابد من أداء القيمة أيضا لتحصل البراءة القطعية، بل قاعدة الاشتغال لعلها كافية. وأما الاصل الآخر الذي نفي البأس عنه فلا أصل له، لان الاصل التنجيزي لا معنى له، لعدم تحقق الدفع حتى يقال: إنه كان كذلك سابقا، بل هو يرجع إلى التعليق في الموضوع بأن يقال: إنه لو دفعت العين قبل خروجها عن المالية لكانت مسقطة للعهدة والآن كذلك، وهو مبني على جريان الاستصحاب في التعليقات الموضوعية، وهو ضعيف، نعم لو قلنا بأن قاعدة اليد كما أفادت عهدة العين أفادت حكما تعليقيا، وهو الخروج عن العهدة بالاداء، وكان هذا الحكم شرعيا لا عقليا محضا جرى

[ 392 ]

الاستصحاب التعليقي، وهو حاكم على التنجيزي كما قرر في محله. ومما ذكرناه يظهر الحال في سائر الصور، فان استصحاب بقاء العين على العهدة في فرض تعلقها بالذمة حتى بعد التلف وبقائها إلى زمان التدارك جار مع الشك في أن أداء المثل الساقط عن القيمة تدارك أو لا، وحكمه لزوم الخروج عن عهدتها بأداء القيمة أيضا، والاستصحاب التعليقي المقابل غير جار على فرض، وحاكم على آخر كما مر. لكن القائل: بعدم جريان الاستصحاب الاول في فرض وجود العين للمثبتية وجريان الثاني ذهب إلى جريان الاول في المقام دون الثاني فقال: الاصل بقاء العين في العهدة وعدم سقوطها إلا بدفع القيمة والمثل تداركا لحيثية الطبية النوعية ولحيثية المالية " وفيه بعد الغض عما ذكرناه أن استصحاب بقاء العين على العهدة لا يثبت لزوم التدارك بالمثل والقيمة جميعا، لانه ليس أثرا شرعيا للواقع، بل العقل يحكم بلزوم أدائهما لتحصيل القطع بالبراءة. إلا أن يقال: إن لزوم أداء المثل في المثلي والقيمة عند التعذر حكم شرعي، ومع الاستصحاب يعلم إجمالا بلزوم دفع أحدهما أو هما معا، فأثر الاستصحاب حكم شرعي مردد، والعلم الاجمالي بالحكم الظاهري منجز، وفيه أنه على هذا المبنى لا يكون ما ذكر شرعيا، بل عقلي لاجل الاقربية إلى المأخوذ وقال في بيان عدم جريان الثاني: إنه لم يثبت في السابق سقوط العهدة بأداء المثل بذاته حتى يقال ببقائه على حاله، بل بما هو أقرب إلى التالف، وهو أمر لبي، فيشك فعلا في أن الاقرب إليه في نظر الشارع هو المماثل في الصورة فقط أو المماثل للمالية أو هما معا، فلا يقطع بسقوط العهدة إلا بهما معا. وفيه أنه مع الغض عما ذكرناه لا وقع لهذا الاشكال، لان مصداق

[ 393 ]

المثل الموجود في الخارج إذا سقط عن المالية يصح أن يقال: إن هذا الموجود كان دفعه مسقطا لما في الذمة في زمان ماليته والآن كما كان، ومنشأ الشك كائنا ما كان لا يضر بالاستصحاب مع وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها، فان كون المالية منشأ للاقربية أو الصورة النوعية أو هما معا محقق الشك، وهذا نظير ما إذا علم أن زيدا واجب الاكرام ولم يعلم أن منشأ وجوبه علمه أو هاشميته، فانه مع زوال علمه يشك في وجوب إكرامه، فيستصحب بلا إشكال، ومع البناء على أن المثل في العهدة عند تلف العين لا مانع من جريان استصحاب بقائه، وحكمه العقلي ما عرفت. واستشكل القائل فيه بأن منشأ الشك في كفاية أداء المثل الشك في أن المالية من مقومات المثل الذي اشتغلت الذمة به حتى لا يسقط ذمة المثل بأداء المماثل في الصورة فقط أو من حالاته حتى يسقط بأدائه، فالموضوع الذي قد اشتغلت الذمة به مردد بين مقطوع البقاء بعد أداء المثل ومقطوع الارتفاع بعد أدائه، وإذ لا موضوع محرز فلا مجال للاستصحاب. وفيه أن هذا هو الاشكال المعروف في القسم الثاني من استصحاب الكلي، وهو مدفوع في محله، وفي المقام إن ما في العهدة إما المثل المتقوم بالقيمة أو المثل غير المتقوم بها، وهما صنفان من الكلي، أي المثل بلا شرط، فلا إشكال في صحة استصحاب الطبيعي، ومعه يحكم بلزوم الخروج عن العهدة والقطع بالبراءة وقضية الدوران بين مقطوع البقاء على فرض ومقطوع الارتفاع على فرض آخر محققة الشك أو لازمه، فكل أمر مشكوك فيه على فرض يكون أحد طرفيه مقطوعا به، ولو قلنا بأن التعذر يوجب الانقلاب إلى القيمة وشك في أن الخروج عن القيمة في المثل تعذر أو لا يستصحب بقاء المثل، وحكمه العقلي ما عرفت من لزوم رد المثل والقيمة فتدبر.

[ 394 ]

الخامسة: لو دفع القيمة عند تعذر المثل ثم تمكن منه فان قلنا بأن العين على العهدة إلى زمان التدارك وقلنا بأن أداء المثل نحو أداء ناقص للعذر عن أداء التمام بتلفها، وأن أداء القيمة عند تعذر المثل أداء للعين بوجه أنقص من أداء المثل وكذا لو قلنا بأن المثل على العهدة وأداء القيمة نحو أداء ناقص للمثل للعذر عن الاداء التام فلا محيص عن القول بأن وجدان المثل موجب لرفع العذر عن أداء ما في العدة، وأن الاداء الناقص لا يعد أداء عند رفع العذر، فكما أن العين لو رجعت بخرق العادة لابد من أدائها إلى مالكها وأخذ المثل أو القيمة، كذلك أداء القيمة أداء عذري لبعض مراتب العين أو المثل، ومع إمكان الاداء بجميع مراتبه أو بمرتبته الكاملة لابد من أدائه. وأما إن قلنا بأن أداء المثل في المثليات غرامة تامة وجبران كامل للخسارة وأداء القيمة عند تعذره أيضا غرامة كاملة وجبران تام في باب الغرامات فلابد من التفصيل بين رجوع العين خرقا للعادة وبين رفع العذر والتمكن عن المثل بعد أداء القيمة، بتقريب أن العين بما لها من الهوية الخاصة لا تجبر بالغرامة، لان الهويات لا توجب اختلاف الرغبات، فمن من حنطة يجبر بمن آخر منها مع تساويهما في جميع الاوصاف الموجبة لاختلاف الرغبات، وكونه ذا هوية خاصة لا دخالة له في باب الغرامات فلو أتلف منا منها وأدى منا مماثلا من جميع الجهات الموجبة لاختلاف الرغبات فقد أدى الغرامة تامة، وأجبر الخسارة كاملة، وخرج عن عهدة ما يكون مضمونا عليه لكن لم يجبر الهوية الشخصية لعدم كونها دخيلة

[ 395 ]

في الغرامة، لان الدخيل فيها عرفا هو الطبيعة الموصوفة بصفات دخيلة في الرغبات، فإذا فرض رجوع العين بشخصها بخرق العادة فللمالك مطالبة الهوية، لعدم جبرها فرضا، والهوية ملكه، والمثل وإن كان تمام الغرامة لكنه غرامة لما هو دخيل في باب الغرامة والضمان، لا لما هو خارج عنه. وأما مع تعذر المثل فتكون القيمة تمام دركه وكمال جبره، وذلك لان القيمة ليست في عرض سائر الاوصاف كالعربية في الفرس، والخلوص والكون في بلد كذا في الحنطة، فالقيمة بدل من المثل وغرامة له تاما غير ناقص في الغرامة، فمع وجود المثل يكون هو تمام غرامة العين، ومع فقده أو كون العين قيمة تكون القيمة تمام غرامتها وجابرة للخسارة ومعه لا معنى لبقاء المثل على العهدة. وأما التفصيل الذي أفاده الشيخ (قده) فغير وجيه، بل لو عكس الامر وقال في صورة عدم سقوط المثل عن العهدة كانت القيمة من قبيل بدل الحيلولة، بدعوى أن القيمة غير جابرة لحيث النوع والمثل، وأما مع الانقلاب إلى القيمة سواء كان الانقلاب للمغصوب أم مثله فلا رجوع كان أوجه. كما أن ما قال بعض المحشين من أن مبنى الشق الاول من كلام الشيخ - أي عدم جواز الرجوع مع كون المثل على العهدة - هو أن للمالك إسقاط خصوصية المماثل للطبيعة ومطالبة حيثية المالية، ومع إسقاط الاولى وأخذ الثانية لا وجه للرجوع غير وجيه، فانه مضافا إلى ما سبق منا من عدم جواز إسقاط بعض الحيثيات وإبقاء بعضها أن المبنى لو كان ذلك لكان اللازم التفصيل بين ما إذا أسقط المالك حيثية المثلية وطالب بالبقية وبين ما إذا طالب بالقيمة بلا إسقاط، فانه مسلط على ماله على فرضهم. مع أن الكلام في المقام ممحض فيما إذا أخذ القيمة غرامة من غير نظر إلى

[ 396 ]

إسقاط المثلية، وأخذها أعم منه. ومن ذلك يتضح ما في كلام الشيخ (قده) من فرضه المراضاة بين الغريم والمالك بأن القيمة عوض للمثل، مع أنه لو فرض المراضاة بينهما لم يكن فرق بين الصور، ولا يتجه التفصيل، مضافا إلى أن المفروض أخذ الغرامة ولو من غير رضاه لا المراضاة بالمعاوضة، ولو فرض مراضاة فانما هي لاخذ الغرامة لا للمعاوضة فان باب أخذ الغرامات أجنبي عن باب المعاوضات. السابع: لو كان التالف في المأخوذ بالبيع الفاسد قيميا فلا إشكال في كونه مضمونا بالقيمة في الجملة. ومحط الكلام هو أنه كما أن المثلي المضمون بالمثل مع وجود مثله يكون ضمانه بالمثل قهريا إجباريا في طرفي الضامن والمضمون له، بمعنى أن الضامن ملزم بأداء المثل وليس له الخيار بينه وبين أداء القيمة حتى الدراهم والدنانير، فضلا عن القيمة السارية في سائر الاجناس كما زعم بعضهم، وقال: إن الضمان في باب الغرامات إنما هو بالقيمة السارية في كل متقوم، والمقصود جبر الخسارة بأي وجه كان، وهو كما ترى مخالف لعمل العقلاء وللمتفاهم من أدلة الضمانات، وكذا المضمون له ملزم بأخذ المثل، وليس له المطالبة القيمة، واحتمال كونه بمقتضى دليل السلطنة مسلطا على إلقاء خصوصية المثل ومطالبة القيمة قد عرفت ما فيه فهل يكون حال القيمة في القيمي كذلك؟ بمعنى أن كلا منهما ملزم بأداء القيمة وأخذها، بحيث لو وجد مثل للقيمي من جميع الجهات نادرا

[ 397 ]

كان للمضمون له إلزام الضامن بأداء القيمة، وكذا لو وجد ذلك في يد الضامن كان له إلزام المضمون له بالقيمة، وبالجملة ضمان القيمة في القيمي قهري لا يجوز لهما التخلف عنه أو أن الضمان بها إرفاقي، فلو أراد الضامن تحصيل المثل وأداءه ليس للمضمون له رده ومطالبة القيمة، وكذا لو كان المثل بحسب الاتفاق تحت يد الضامن كان للمضمون له مطالبته، وليس للضامن إلزامه بالقيمة؟ الظاهر عدم استفادة شئ ما ذكر من نفس إطلاق أدلة الضمان، كقاعدة اليد والاتلاف واحترام مال المسلم، فانها غير متعرضة لهذه الخصوصيات. نعم ما يمكن أن يقال: هو أن أدلة الضمانات على كثرتها في الابواب المتفرقة غير متعرضة لكيفية ضمان المثلي والقيمي، مع أن بيانها محل الحاجة جدا لو كان للشارع طريقة خاصة، فانها أمر مورد للابتلاء في كل يوم مرارا، وفي مثله لا يصح إهماله مع اختلاف طريقته للعرف، فيستكشف منه أن طريقته هي طريقة العقلاء بعينها. والمراد بالاطلاق في كلام الشيخ الاعظم (قده) وغيره ليس بالمعنى المعهود، بل المراد منه ذكر الضمان بلا بيان الكيفية في المثلي والقيمي، وهذا نظير ما يقال في أدلة تطهير النجاسات: إن من عدم بيان كيفيته يمكن استكشاف وحدة طريقة الشارع مع العرف في كيفية تطهيرها، وإلا كان عليه البيان مع هذا الابتلاء العام، فالاهمال وعدم البيان في موارد كان للعرف طريق خاص فيها وكان المورد محل الابتلاء كاف في استكشاف وحدة الطريقتين، فلابد في المقام مع الغض عن الادلة الخاصة التي نتعرض لها والبناء على كون المرجع هو الادلة العامة والقواعد الكلية كقاعدة اليد وغيرها من مراجعة طريقة العرف في باب الضمان. والظاهر أن نظر العرف في ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقميمة أن

[ 398 ]

المثل نحو أداء للمضمون وجبر لخسارة المضمون له، كما أن القيمة في القيمي أو عند تعذر المثل في المثلي كذلك، وأن البناء على تضمين القيمة ليس بناء تعبديا إلزاميا مطلقا، أي حتى مع وجود مثله في يد الضامن أو مع إرادة الضامن أداء المثل من جميع الجهات بنظر العرف، فان الالزام بالقيمة مع ذلك كأنه خلاف بناء العقلاء في الغرامات وإن لم نقل به في باب القرض ونحوه. نعم يمكن استفادة لزوم الغرامة بالقيمة في مطلق الضمانات من بعض روايات الرهن، كموثقة إسحاق بن عمار قال: " سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الرجل يرهن الرهن بمأة درهم، وهو يساوي ثلاثمأة درهم فيهلك، أعلى الرجل أن يرد على صاحبه مأتي درهم؟ قال: نعم، لانه أخذ رهنا فيه فضل وضيعه، قلت: فهلك نصف الرهن، قال: على حساب ذلك، قلت: فيترادان الفضل، قال: نعم " (1) ورواها الصدوق عن صفوان بن يحيى عن إسحاق بن عمار نحوها إلا أنه قال: " فيهلكه ". يظهر منها بترك الاستفصال أن الرهن سواء كان مثليا أم قيميا وسواء كان المثل متعذرا أم لا، أو وجد للقيمي مثل أم لا إذا هلك بتفريط منه مضمون بالقيمة، لان سقوط مأة درهم دليل على أن الضمان بالقيمة وإلا فلا وجه للسقوط، كما أن لزوم تأدية مأتي درهم دليل على أن الدراهم على عهدته في المثلي والقيمي مطلقا. ويظهر من التعليل أن إتلاف مال الغير مطلق بل التلف تحت يده تفريطا موجب لضمانها في المثليات والقيميات، ضرورة أن المتفاهم عرفا من قوله (ع): " لانه أخذ رهنا فيه فضل وضيعه " أن تمام العلة للضمان هو التضييع من غير دخالة للرهن والفضل فيه، وهو يفيد قاعدة الاتلاف


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الرهن - الحديث 2.

[ 399 ]

مع الزيادة، وهي بيان كيفية الضمان، وأنه بالقيمة مطلقا، بل لو قرئ " يهلك " على نسخة الشيخ والكليني (قدهما) بفتح الياء على أنه مضارع مجرد يمكن استفادة ضمان اليد في الجملة منها أيضا، فلا شبهة في دلالتها على الضمان بالقيمة. والظاهر أن مراد الشيخ الاعظم (قده) مما دلت على أنه إذا تلف الرهن بتفريط المرتهن سقط في ذمته بحساب ذلك هو هذه الرواية وما شابهها ضروررة دلالتها على سقوط مأة درهم بتلف الرهن الذي يساوي ثلاثمأة، ودل ذيلها على الحساب بالنسبة لو تلف النصف، والعجب أن السيد الطباطبائي (قده) قال: " لم أعثر على هذا الخبر " فكأنه زعم أن مراد الشيخ وجود رواية مشتملة على لفظ السقوط، وإلا فدلالة الروايات على السقوط بالحمل الشائع واضحة. كما أن حمل مثلها على التراضي بينهما واحتسابهما كذلك غريب، ضرورة أن قوله عليه السلام: " على الرجل أن يرد على صاحبه مأتي درهم " حكم إلزامي دال على أن لزوم أداء القيمة لاشتغال ذمته بها، وإلا لم يكن وجه للزوم أدائها، وأين هذا من التراضي بينهما! ويدل على المقصود قوله (ع): " على حساب ذلك " بعد فرض تلف النصف وقوله: " فيترادان الفضل " الذي صدقه أبو إبراهيم عليه السلام. بل نفس هذه العبارة المنقولة عن أمير المؤمنين عليه السلام في الرهن على ما في بعض الروايات تدل على أن الضمان بالقيمة، لاأن معنى تراد الفضل أن الدين يسقط بحساب الرهن التالف مضمونا، فان زاد الرهن سقط من الضمان بمقدار الدين، وأخذ الراهن فضله، وإن نقص سقط بمقداره من الدين وأخذ المرتهن البقية، والسقوط والتهاتر لا معنى لهما إلا مع الضمان بالقيمة، فلو فرض أن العهدة مشتغلة بالمثل أو العين لا وجه

[ 400 ]

للتهاتر، بل لابد في المثلي من أداء مثله، وفي القيمي تبقى العين على العهدة إلى زمان الاداء، فالسقوط والتهاتر القهري لا وجه له إلا مع الضمان بالقيمة، مع أن في الروايات تصريحا بذلك. ففي صحيحة أبي حمزة قال: " سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول علي عليه السلام: يترادان الفضل، فقال: كان علي عليه السلام يقول ذلك، قلت: كيف يترادان؟ فقال: إن كان الرهن أفضل مما رهن به ثم عطب رد المرتهن الفضل على صاحبه، وإن كان لا يسوى رد الراهن ما نقص من حق المرتهن، قال: وكذلك قول علي عليه السلام في الحيوان وغير ذلك " (1). وفي صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في الرهن إذا كان أكثر من مال المرتهن فهلك أن يؤدي الفضل إلى صاحب الرهن، وإن كان الرهن أقل من ماله فهلك الرهن أدى إلى صاحبه فضل ماله، وإن كان الرهن يسوى ما رهنه فليس عليه شئ " (2) ونحوها غيرها مما تدل على أن الضمان بالقيمة من وجوه. وتدل أيضا عليه ما دلت على احتساب ما استفاد المرتهن من غلات الارض مما عليه، كصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قضى أمير المؤمنين عليه السلام في كل رهن له غلة أن غلته تحسب لصاحب الرهن مما عليه " (3) ورواية إبراهيم الكرخي قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل رهن بماله أرضا أو دارا لها غلة كثيرة، فقال: على الذي ارتهن الارض والدار بماله أيحتسب لصحاب الارض والدار ما أخذه من الغلة، ويطرحه عنه من الدين له " (4) فان الغلة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الرهن - الحديث 1 - 4. (3) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الرهن - الحديث 1 - 5.

[ 401 ]

مطلق فائدة دار أو أرض أو نحو ذلك حتى نحو الزرع والثمر، فتدل الروايات باطلاقها على الاحتساب، ولو كان المضمون مثل الزرع والثمر كما دلت عليه صحيحة محمد بن قيس (1). وتدل عليه أيضا روايات متفرقة: منها - موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام " أنه قضى في رجل أقبل بنار فأشعلها في دار قوم فاحترقت الدار واحترق أهلها واحترق متاعهم، قال: يغرم قيمة الدار وما فيها، ثم يقتل " (2) فان الظاهر منها أن الدار وما فيها يغرم بالقيمة ولو كان المتاع مثليا أو قيميا وجد له مثل أحيانا، واحتمال عطف " ما فيها " على القيمة فيكون المراد أنه يغرم قيمة الدار ويغرم ما فيها من غير تعرض للقيمة وغيرها بعيد مخالف لظاهرها، كما أن احتمال أن في مورد قضاء أمير المؤمنين عليه السلام كان متاع الدار قيميا لا يوجد مثله بعيد، لان ظاهرها أن ذلك من قضاياه الكلية وأحكامه لا قضية خارجية، مع أنه لو سلم كانت حكاية أبي عبد الله عليه السلام لافادة الحكم لا لنقل التاريخ، فلابد من بيان ما هو دخيل في حكمه، فلو كان متاع البيت قيميا وكان حكم المثلي غير القيمي كان عليه بيان خصوصية الواقعة الدخيلة في الحكم. وكيف كان يستفاد منها قاعدة كلية، وهي أن إتلاف مال الغير موجب لضمان القيمة، فان وجوب الغرامة لاجل الضمان لا اقتراحا، وهو واضح، كما أن خصوصية النار والاشعال في الدار ونحوها ملغاة بنظر العرف، والظاهر منها أن التسبيب لاتلاف مال الغير موجب للضمان بالقيمة.


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الرهن - الحديث 6. (2) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب موجبات الضمان - الحديث 1 من كتاب الديات.

[ 402 ]

ومنها - موثقة السكوني في قضية السفرة المطروحة (1) ففيها " فان جاء طالبها غرموا له الثمن " فان التغريم بالقيمة مع أن بعض ما فيها من قبيل المثلي دليل على أن الضمان مطلقا بالقيمة إلا أن يقال: إن ذلك تعبد خاص في المورد للاذن في الاكل، فهو ضمان جعلي لاجل جواز الاكل، فيستقر بالاكل، كما تشهد به مرسلة الصدوق كما تقدم. ومنها - في خصوص القيميات صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر عليهما السلام قال: " سألته عن بختي مغتلم قتل رجلا فقام أخو المقتول فعقر البختي وقتله ما حاله؟ قال: على صاحب البختي دية المقتول ولصحاب البختي ثمنه على الذي عقر بختيه " (2) وقريب منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (3) ومقتضى إطلاقهما عدم الفرق بين ما وجد له مثل أو لا، وليس غلبة فقدان المثل بحد توجب الانصراف. ومنها - موثقة سماعة قال: " سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، فقال: هذا فساد على أصحابه يقوم قيمة، ويضمن الثمن الذي أعتقه، لانه أفسده على أصحابه " (4) وقريب منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام (5) ويظهر من التعليل أن ضمان الثمن معلول إفساد مال الغير مطلقا، ولا يختص بهذا النحو من الافساد في الجملة، كما هو واضح. نعم يمكن أن يقال: إن التعليل مناسب لاصل الضمان لا لكونه بالقيمة، فلا يدل على أن الضمان بالقيمة في مطلق المضمونات. ومنها - رواية علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: " سألته


(1) الوسائل - الباب - 23 - من كتاب اللقطة - الحديث 1. (2) و (3) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب موجبات الضمان - الحديث 4 - 1 من كتاب الديات. (4) و (5) الوسائل - الباب - 18 - من كتاب العتق - الحديث 5 - 1.

[ 403 ]

عن رجل أصاب شاة في الصحراء - إلى أن قال -: وإن لم تعرف فكلها وأنت ضامن لها إن جاء صاحبها يطلب ثمنها أن تردها عليه " (1) وعن كتاب علي بن جعفر مثله إلا أنه قال: " إن جاء صاحبها يطلبها أن ترد عليه ثمنها " والظاهر صحة الثانية، والاولى ضعيفة، وظاهرها بعيد عن الاذهان إن قيل: الظاهر منها ضمان نفس العين وأريد بأدائها الاداء التنزيلي بأداء قيمتها كما قلنا في " على اليد " بحسب بعض الاحتمالات، والظاهر غلط النسخة، والاصل " ترده عليه " كما تشهد به الصحيحة، بل قوله (ع): " يطلب ثمنها ". ومنها - صحيحة أبى ولاد الآتية إلى غير ذلك. فتحصل من جميع ما ذكر أن مقتضى الاخبار ضمان الاشياء بالقيمة مطلاق، مثلية كانت أم قيمية، متعذرة المثل كانت أم لا، ولابد من الخروج عن مقتضاها من دليل مخرج، والظاهر أن المثلي الذي وجد مثله خارج عنها، ويكون ضمانه بالمثل كما ادعى الاجماع عليه، وقال صاحب الجواهر: " إنه من قطعيات الفقه " وعن غاية المراد " أطبق الاصحاب على ضمان المثلي بالمثل إلا ما يظهر من ابن الجنيد " وقد أول كلامه أيضا، وكيف كان لا دليل على خروج مطلق المثلي، بل الخارج ما هو موجود مثله، لا المتعذر ولا نادر الوجود. وأما صحيحة صفوان الجمال " أنه سمع أبا عبد الله على السلام يقول: من وجد ضالة فلم يعرفها ثم وجدت عنده فانها لربها أو مثلها عن مال الذي كتمها " (2) وفي نسخة من الفقية وعن الكافي " ومثلها " بالواو


(1) الوسائل - الباب - 13 - من كتاب اللقطة - الحديث 7. (2) الوسائل - الباب - 14 - من كتاب اللقطة - الحديث 1.

[ 404 ]

فلا تقاوم تقدم مع اختلاف النسخ واغتشاش المتن، لان المفروض وجودها عند الراجد، فلابد من التقدير بأنه لو كانت تالفة فمثلها، فتعرضت لفرض غير مذكور، مع أنه لا يلائم نسخة الكافي والفقيه وظهورها في تعلق ضمان المثل بالمال الخارجي، وهو خلاف المتسالم عندهم وخلاف أدلة الضمانات، مع أن الحمل على المماثل في القيمة بقرينة قوله: " من مال الذي كتمها " غير بعيد، سيما إذا قلنا بأن المثل بالمعنى المعهود إصطلاح حادث. ولهذا قال الشيخ (قده) في قوله تعالى: " فاعتدوا عليه " الخ: إن القيمة مثل عند تعذر المثل، فحمله على العأم، بل الحمل عليه مقتضى الجمع بينها وبين صحيح علي بن جعفر المتقدمة المصرحة بضمان الثمن. ثم إن الاعتبار في القيمة إما أن يكون بيوم الاداء وهذا هو الاقوى لو قلنا بأن العين في المضمونات على العهدة إما بشخصيتها أو بمطلق خصوصياتها أو بخصوصياتها الدخيلة في الغرامات أو قلنا بأن المثل على العهدة حتى في القيميات، لما قلنا بأن العهدة إذا اشتغلت بالعين أو المثل لابد من الخروج عنها، وهو بأداء قيمة يوم الاداء، فانها نحو أداء لهما، وأما أداء قيمة الايام السالفة أو المستقيلة فلا يعد أداء إذا نقصت القيمة عن يوم الاداء، وأداء وزيادة إذا زادت. وما قيل: من أن مالية العين له بذاتها، وإذا أضيفت إلى الازمان تكون مع تلك الاضافة قيمته مطلقا لا ينبغي إصغاؤه، كما أن ما قيل: من أن العين في زمان التلف لا قيمة لها إلا فرضا قد مر ما فيه. نعم المبنى غير مرضي لما تقدم منا، لا لما ذكره بعض الاعاظم (قده) من أن جعل الاداء غاية للضمان ملازم لامكان أداء المضمون، والشخص بعد التلف لا يمكن أداؤه، واللازم الالتزام بسقوط الضمان، وتلك لان

[ 405 ]

أداء المثل أو القيمة نحو أداء عرفا، فجعل الاداء غاية حتى في زمان التلف لازمه أن يكون أداء المثل أو القيمة أداء عند الشارع، كما هو كذلك عرفا. وقد ناقض القائل قوله ذلك بما تقدم منه في ذيل الامر الرابع بأن أداء المأخوذ يعد أداء عرفا وعادة بأداء مثله أو قيمته، ومع أدائهما فكأنه لم يتلف منه شيئا، ويصدق أنه هو الذي أخذه، إلى غيرذلك من تعبيراته، ومع ذلك قال في المقام أيضا: إن أداء القيمة ليس أداء للمصداق، فلا وجه لسقوط ما في الذمة بأمر مبائن له، ولا يعقل تعين القيمة للبدلية بنفسها، فراجع. ثم إن القائل جعل أمرا آخر مبنى القول بيوم الدفع، وهو أن قوام الشئ بماليته لا بشخصيته ومثليته، فما يبقى في الذمة ما هو الركن للشئ، وهو ماليته التي هي عبارة عما ينتفع به من غير تقديرها بقيمة، فلو كان المأخوذ حقة من الحنطة فتلفت بقي في الذمة ما يشبع عشرة أنفس إلى زمان المطالبة، فيقوم بقيمة هذا اليوم انتهى ملخصا. وفيه ما لا يخفى من مخالفته لما تقدم منه، ونفى الشبهة عنه بأن المرتكز في الاذهان أن المثل في المثلي مضمون، وكذا القيمة في القيمي، ولما هو بناء العقلاء في الغرامات. ثم إن تفسيره المالية بما ينتفع به، وما ينتفع به بما يشبع عشرة أنفس في الحنطة مثلا من غرائب الكلام، فان الخصوصيات التي ينتفع بها تكون منشأ لماليات الاشياء لانفسها، ثم لو بقي في الذمة عنوان ما يشبع عشرة أنفس، فلا معنى للزوم أداء قيمة الحنطة مثلا، فان المثل لم يتعلق بالذمة كما ذكره، وعنوان ما يشبع يصدق على الحنطة والشعير وغيرهما، ولو قيل بأن ما يشبع من الحنطة مضمون فيها فهو كر على ما فر منه مع قيد

[ 406 ]

غير صححيح. وإن قلنا بأن القيميات مضمونات بالقيمة فان قلنا بأن المثل في المثليات والقيمة في القيميات يتعلق بالعهدة حال الاخذ، فتكون العين مضمونة بالمثل حتى في زمان وجودها، ويكون أداء نفس العين موجبا لسقوط المثل عن العهدة، وكذلك القيمي يكون مضمونا بالقيمة بمعنى أن قيمته بالفعل على الذمة، وأداء العين موجب لسقوطها عكس الاحتمالات السابقة، كان الاعتبار بيوم الاخذ والغصب، فانه يوم تعلق القيمة بالعهدة ولا وجه لتعلق قيمة العين في سائر الازمنة عليها، لانها ليست قيمتها فعلا وبلا قيد. وإن قلنا بأن معنى ضمان العين أمر تعليقي، هو أنه لو تلفت يقع على ذمته المثل في المثلي والقيمة في القيمي يكون الاعتبار بيوم التلف. ومبنى أعلى القيم من يوم الاخذ إلى يوم التلف هو ضمان الاوصاف حتى وصف التقويم، وهو ضعيف. وأضعف منه احتمالات أخر، كاحتمال الاعلى من يوم الاخذ إلى يوم الاداء، أو من يوم التلف إلى يوم الاداء لابتنائهما على كون ما في العهدة مضمونا وأن العين التي هي في العهدة لو علت قيمته صارت مضمونة، وهو كما ترى، ضرورة أن الاعتبار في قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد ما أخذت " الخ أن العهدة مترتبة على الاخذ، وأن الاستيلاء والاخذ سبب للعهدة والضمان، فجعل العهدة استيلاء خلاف الاعتبار في القاعدة وخلاف فهم العرف، ولو جعل الاستيلاء الذي هو العهدة سببا لعهدة أخرى لزم أن يكون فوق العهدة عهدة، وهو كما ترى، مع أن اللازم للمبنى المذكور أن يكون الحكم محققا لموضوعه، وهو وإن كان ممكن الدفع عقلا كما في الاخبار مع الواسطة، لكن هناك كان موافقا لارتكاز العرف بخلافه ها هنا، لبعده عنه جدا، مضافا إلى أن الاستيلاء الذي كان بحكم الشرع قهرا على

[ 407 ]

الضامن خارج عن دليل اليد، ضرورة عدم موافقة العقل والعقلاء على ذلك، وبالجملة إن الضمان من أحكام المأخوذ لا المضمون. ولا يبعد أن يكون أقواها بنظر العرف احتمال ما قبل الاخير الذي نتيجته اعتبار قيمة يوم التلف، هذا بحسب مقتضى قاعدة اليد وإطلاقات أدلة الضمان. وأما بحسب الادلة الخاصة فلابد من النظر فيها حتى يتضح الامر، منها - صحيحة أبى ولاد الحناط قال: " اكتريت بغلا إلى قصر ابن هبيرة ذاهبا وجائيا بكذا وكذا وخرجت في طلب غريم لي، فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت أن صاحبي توجه إلى النيل فتوجهت نحو النيل، فلما أتيت النيل خبرت أن صاحبي توجه إلى بغداد فاتبعته وظفرت به، وفرغت مما بيني وبينه، ورجعنا إلى الكوفة، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوما فأخبرت صاحب البغل بعذري، وأردت أن أتحلل منه مما صنعت وأرضيه فبذلت له خمسة عشر درهما، فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصة وأخبره الرجل، فقال لي: ما صنعت بالبغل؟ فقلت: قد دفعته إليه سليما، قال: نعم بعد خمسة عشر يوما، قال: فما تريد من الرجل؟ فقال أريد كراء بغلي فقد حبسه علي خمسة عشر يوما، فقال: ما أرى لك حقا، لانه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف فركبه إلى النيل والى بغداد فضمن قيمة البغل وسقط الكراء، فلما رد البغل سليما وقبضته لم يلزمه الكراء قال: فخرجنا من عنده وجعل صاحب البغل يسترجع فرحمته مما أفتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئا وتحللت منه، وحججت تلك السنة فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام بما أفتى به أبو حنيفة، فقال: في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الارض بركتها، قال: فقلت لابي عبد الله عليه السلام: فما ترى أنت؟ فقال: أرى له عليك

[ 408 ]

مثل كراء بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل ومثل كراء بغل راكبا من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إياه، قال: فقلت: جعلت فداك قد علفته بدراهم، فلي عليه علفه؟ فقال: لا لانك غاصب، قال: فقلت: أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ قال: نعم قيمة بغل يوم خالفته، قلت: فان أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز، فقال: عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترده، فقلت من يعرف ذلك؟ قال: أنت وهو، إما أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فان رد اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين اكترى كذا وكذا فيلزمك، فقلت: إني كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحللنى، فقال: إنما رضي بها وحللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم، ولكن ارجع إليه فأخبره بما أفتيتك به، فان جعلك في حل بعد معرفته فلا شئ عليك بعد ذلك، قال أبو ولاد: فلما انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري فأخبرته بما أفتاني به أبو عبد الله عليه السلام، وقلت له: ما شئت حتى أعطيكه؟ فقال: قد حببت إلى جعفر بن محمد عليهما السلام، ووقع له في قلبي التفضيل وأنت في حل، وإن أحببت أن أرد عليك الذي أخذته منك فعلت) (1). وقد اختلفت نسخ الحديث، ففي الوسائل ومرآة العقول نقلها كما نقلتها بتنكير " البغل " في كلام أبى عبد الله عليه السلام في ضمان الكراء وضمان البغل، وفي الوافي عن الكافي والتهذيب نقله معرفا باللام في جميع الموارد، وفي غصب الوسائل نقله منكرا في بعض الموارد ومعرفا في بعض. وكيف كان الظاهر أن أبا حنيفة تشبث بما عن النبي صلى الله عليه وآله


(1) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب الاجارة - الحديث 1 إلا أنه أسقط ذيله وذكر تمامه في الكافي ج 5 ص 290 و 291.

[ 409 ]

" الخراج بالضمان " (1) بزعم أن المراد منه أن الخراج مقابل الضمان، أي وقوع العين تحت اليد مضمونة ولو لم تتلف، مع أن الرواية على فرض صدورها محتملة لمعنى آخر أقرب إلى الفهم، وهو أن العين إذا كان لها خراج وتلفت تحت يد من استوفى خراجها أو تلف الخراج تحت يده يكون الخارج بازاء ضمانه، أي ما استقر على عهدته من قيمة العين، فان قيمتها تلاحظ باعتبار منافعها، فمع أداء قيمتها لا تؤخذ منافعها، وهذا أمر لا تستبعده العقول بخلاف ما أفتى به أبو حنيفة، فانه مخالف للعقل والعدل الاسلامي، فلهذا استرجع صاحب البغل، وتحلل منه أبو ولاد مع فتواه بنعفه، وقال الصادق عليه السلام: ما قال، وقال المكاري: ما قال كما في ذيلها. ثم إنه لا فرق بحسب الواقع بين تنكير البغل وتعريفه في مقدار الكراء لما أشرنا إليه سابقا من أن الهوية بما هي لا دخالة لها في القيم والرغبات وما هي دخيلة فيها الخواص والآثار والاوصاف، ككون البغل قويا سريع السير مرتاضا غير شموس، فكل ما كان بهذه الاوصاف المرغوبة كيون كراؤه عين كراء غيره، فقوله (ع): " له عليك كراء بغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل " يراد به البغل المماثل لبغله بحسب فهم العرف وارتكاز العقلاء، لا كراء أي بغل شاء كان مخالفا لبغله أم لا، ومع المماثلة لا فرق بين كراء شخص بغله أو كراء مماثله، وهو واضح. وأما مورد الاستشهاد للمقصود ففقرتان منها: أولاهما قوله: " أرأيت لو عطب أو نفق أليس كان يلزمني؟ قال: نعم قيمة بغل يوم خالفته " ويمكن الاستشهاد بها لاثبات قيمة يوم التلف، بأن يقال: إن أبا ولاد سأل عن الضمان إذا عطب أو نفق، ولا شبهة في أن الذهن


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 321.

[ 410 ]

الخالي عن المناقشات ينقدح فيه من قوله: " لو عطب أو نفق أليس يلزمني؟ " أنه يلزمني قيمة البغل حال تلفه، فانها قيمته الفعلية لا قيمة الزمان الماضي أو الاستقبال، وإطلاق كلامه لما كان يقتضى ضمان التلف تحت يده مطلق أجاب عليه السلام بأن ضمان التلف ثابت لا مطلق، بل حال الغصب والمخالفة، فقيد يوم المخالفة لدفع توهم الضمان لو تلف قبل الغصب، وهو في المثال من الكوفة إلى قنطرتها. ففي الجواب تصديق لقول أبي ولاد من حيث، وهو لزوم القيمة إذا تلف التي في ارتكازه وارتكاز كل عاقل أنها تعتبر حال التلف، إذ هي القيمة له فعلا، وردع له من حيث، وهو الذي لازم إطلاقه من أن الضمان على فرضا التلف ثابت من وقت الاخذ، فقال عليه السلام: إنه ثابت يوم الغصب والمخالفة، فقوله (ع): " يوم خالفته " قيد لقوله عليه السلام: " نعم " أو للفعل المدلول عليه به، كما هو ظاهر التركيب اللغوي، والقيمة الموردة للتصديق قيمة يوم التلف. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) فبعد لزوم توجيه الوجه الاول - بأن مراده من إضافة القيمة المضافة إلى البغل إلى اليوم ثانيا هو أن القيمة مضافة إلى البغل، وهو مضاف إلى اليوم، لا لافادة تقييده، بل لافادة تقييد القيمة المضافة إليه، وأن المضاف إلى المضاف إلى الشئ مضاف إلى ذلك الشئ ثانيا أي مع الواسطة، ويشعر به قوله عقيب ذلك وتفريعا عليه، فيكون إسقاط حرف التعريف من البغل للاضافة - يكون مخالفا للظاهر جدا، لان إضافة البغل إلى اليوم غير مأنوسة، ومخالفة للذوق والفهم العرفي، فلو أراد إضافة القيمة إلى اليوم بعد اضافتها إلى البغل كما يوهم ظاهر كلامه فهو أبعد لو سلم إمكانه، كما أن إضافة المجموع إليه غير صحيح، وكونه قيد الاختصاص وإن أمكن بلحاظ ثانوي ولا إشكال

[ 411 ]

في تقييد المعاني الحرفية عقلا لكنه مخالف للظاهر جدا. ثم إنه قد يقرر عدم إمكان ما هو ظاهر كلام الشيخ (قده) في الاضافة اللفظية بأن لفظ القيمة لم يذكر على النهج الخاص إلامرة واحدة ولا يعقل وجوده الشخصي مرة أخرى لتضاف إلى اليوم، وفيه أن ذلك مبني على زعم أن في الاضافة اللفظية لابد من جعل المضاف في اللفظ مرتبطا بالمضاف إليه، مع أنه في المتصرمات غير معقول، فان الارتباط المذكور لا يعقل أن يكون قبل الاستعمال، وهو واضح، ولا بعده فانه لا مضاف ولا مضاف إليه بعد تمامية ذكر المضاف، لانعدام المضاف وعدم تحقق المضاف إليه ولا حال الاستعمال لعدم تمامية المضاف وعدم وجود المضاف إليه. بل التحقيق أن اللفظ المضاف لا يفيد إلا معناه، وكذا المضاف إليه، والربط المذكور مفاد الهيئة، فكما يمكن أن يفيد الاخبارات المتعددة عقيب ذكر المبتداء - فيقال زيد عالم قادر عادل، فهذه الهيئة أو الهيئات تفيد المعاني التصديقية المتعددة، ولا يحتاج إلى تكرار المبتداء - كذلك يمكن أن يفيد الاضافات المتعددة بالعطف، ويمكن إفادة المتعددة منها بغير العطف فيقال: غلام زيد هند من غير لزوم تكرار اللفظ، فالاضافة مفاد الهيئة لا المضاف أو المضاف إليه، نعم يمكن الاشكال بأن هذا غير معهود في الاستعمالات، وهو أمر غير عدم المعقولية. ويقرر الامتناع في الاضافة المفهومية بعدم تعقل ملاحظة مفهوم القيمة في المثال مع مفهومين مترتبين في مرحلة الاستعمال في استعمال واحد متقوم بلحاظ واحد، فان لازمه اجتماع اللحاظين في لحاظ واحد، وفيه أن ذلك مبني على لزوم لحاظ المضاف حال استعمال المضاف إليه، وهو غير مسلم، بل غير صحيح، لان كل لفظ استعمل في معنى يلاحظ المعنى ويستعمل اللفظ فيه، وبعد الانتقال إلى اللفظ المتأخر والمعنى المتأخر ينصرم اللفظ

[ 412 ]

ويذهل عن المعنى بوجه تفصيلي وإن كان محفوظا في الارتكاز خصوصا في الجمل المشتملة على القيود الكثيرة، فعند ذكر المضاف لا يلاحظ إلا معناه، كما أن الملحوظ في حال ذكر المضاف إليه هو معناه، واشتمال الجملة على هيئة ملحوظة على النحو الحرفي موجب لتحقق الاضافة وإفادة الربط، فلو فرض أن الهيئة الكذائية كانت دالة على إضافة أمرين بالمضاف لا يأبى العقل عن صحتها، وإن كان الاشكال عدم كون مثله معهودا في الاستعمالات فهو معنى آخر غير عدم المعقولية، مع أن ما ذكره على فرض صحته يلزم منه اجتماع الملحوظين في لحاظ واحد، وهو غير ممنوع. ولو قيل: إن تشخص اللحاظ بالملحوظ فمع تعدده يتعدد يقال: إن تعدد اللحاظ والملحوظ في عرض واحد ممكن وواقع، وأما الاشكال بأن المعاني الحرفية غير قابل للحاظ والتقييد فقد فرغنا عن تهجينه في الاصول، فراجع. وأما قوله -: " تعلق الظرف بقوله (ع): " نعم " يعني يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل بعيد جدا، بل غير ممكن، لان السائل إنما سأل عما يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة بعد العلم بكون زمان المخالفة زمان حدوث الضمان " - ففيه أن الظاهر هو السؤال عن أصل الضمان، وإلا كان الحق أن يقول: " ما يلزمني يوم المخالفة؟ " ولعل منشأ السؤال ما سمع عن أبي حنيفة من أن ضمان الاصل لا يلائم ضمان الكراء، وأن الخراج بالضمان، ورأى السائل أن أبا عبد الله عليه السلام أثبت الكراء فأراد أن يستفسر منه أنه مخالف لابي حنيفة في الكراء وضمان أصل البغل أو في الكراء فقط. وبعبارة أخرى إن أبا حنيفة ادعى الملازمة بين ضمان البغل وسقوط الكراء بتوهم أن الخراج بالضمان، وحيث رد أبو عبد الله عليه السلام عليه بأن الكراء ثابت زعم أبو ولاد أو احتمل أن ثبوت الكراء كاشف

[ 413 ]

عن عدم ضمان الاصل، للملازمة بين ثبوت الضمان وسلب الكراء على ما أفتى به أبو حنيفة فسأل أنه مع ثبوت الكراء هل يثبت الضمان؟ وقال: " أرأيت لو عطب؟ " الخ، ولعل همزة الاستفهام في " أليس يلزمني " من زيادة النساخ وإن كان ثبوتها أيضا لا مانع مته، وبالجملة سأل ابو ولاد عن ضمان الاصل باحتمال سقوطه مع ثبوت الكراء، فأجاب عليه السلام بثبوته، أي ثبوت هذا المعنى التعليقي، أي لو عطب أو نفق يلزمه، لا مطلقا بل يوم المخالفة، فكأنه قال: يلزمك يوم المخالفة والاستيلاء على مال الغير غصبا قيمة بغل إذا عطب أو نفق فهذا المعنى التعليقي ثابت بالفعل يوم الغصب، كما قلنا في خبر " على اليد " فمضمون الصحيحة موافق لخبر " على اليد " مع اختلاف غير جوهري، وهو ذكر القيمة، لكون المورد من القيميات. وربما يقال تأييدا للشيخ الاعظم (قده): " إن هذه الفقرة ظاهرة في قيمة يوم المخالفة من غير لزوم ما ارتكبه الشيخ من مخالفة القواعد العربية، والخروج عن طريقة أهل اللسان، فانه بناءا على أن يكون " يوم خالفته " متعلقا ب‍ " نعم "، فيكون المعنى أنه يلزمك يوم المخالفة القيمة، أما أنها قيمة ذلك يوم أو غيره فالحديث ساكت عنه، إلا أنه بالالتزام يدل على أن المدار قيمة يوم المخالفة، فانه لو لم يكن يوم المخالفة إلا يوم دخول نفس العين في العهدة لكان ذكر القيمة بلا موجب، لان مالية المال إذا قدرت بالقيمة يوم المخالفة فلا محالة تكون القيمة قيمة ذلك اليوم لانه لا يعقل أن يكون الضمان بقيمة يوم المخالفة فعليا ويقدر قيمة يوم ما بعد المخالفة " انتهى. وأنت خبير بما فيه، فان ذكر القيمة ليس لكونها ثابتة فعلا على عهدته، بل لاجل أنه لو تلف البغل ثبتت القيمة، فلم تقدر القيمة

[ 414 ]

يوم المخالفة، ولا يكون الضمان بمعنى ثبوت القيمة على عهدته فعلا وثبوتها على فرض التلف تقدير لها بيوم التلف عرفا، لان ضمان قيمة الشئ إذا تلف هو قيمته حال التلف، وسائر القيم ليست قيمته فعلا، فتصير العبارة على فرض تعلق الظرف ب‍ " نعم " هكذا " يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل إذا تلف " وهي ظاهرة في قيمة يوم التلف، وإن كان ثبوت هذا المعنى التعليقي يوم المخالفة، والعجب أنه مع البناء على تعلق الظرف ب‍ " نعم " جعله في كلامه متعلقا بالقيمة حتى قال ما قال. وأعجب منه قوله: إن " البغل " في بعض نسخ الكافي و الاستبصار محلى باللام، فيكون يوم المخالفة حالا من القيمة، وفيه أن الحال وصف مبين للهيئة، ولا يكون اليوم وصفا للقيمة، فجعله حالا مخالف للواقع وللقواعد العربية. ثم إن في العبارة على فرض تجرد البغل عن اللام احتمالين: أحدهما كون البغل منونا، والثاني كونه مضافا إلى اليوم، والثاني بعيد، وعلى فرضه لا يكون ظاهرا في قيمة يوم المخالفة، ولا يكون الظرف حينئذ متعلقا ب‍ " نعم " أو الفعل المستفاد منه، ولعل اضافته إليه للدلالة على أن في يوم المخالفة الذى كان أوائل سيره لعل البغل كان سمينا نشيطا على صفات ويحتمل زوالها عنه بعده، فهي مضمونة كما تقدم، فلابد من لحاظه بتلك الصفات ولم يحتمل زيادة صفة مرغوبة عليه في خلال ذلك السفر، لكن يحتمل قريبا بل يظن مع ذاك التعب وسرعة السير به لاخذ الغريم في المسافات البعيدة زوال الصفات المرغوبة، فالاعتبار بيوم المخالفة على هذا الوجه ليس لدخالته ذاتا، بل لاحتمال موصوفيته بما ذكر. وبالجملة الظاهر منه على فرض الاضافة أن البغل الموصوف بصفات يوم المخالفة مضمون بقيمة يوم التلف بالتقريب الذي تقدم.

[ 415 ]

وأما لو قرئ منونا يكون الظرف متعلقا ب‍ " نعم "، ولا فرق في المقصود بين تنكيره وتعريفه، لما عرفت من أنه مع التنكير يراد المماثل من الجهات المرغوب فيها، وأما قول الشيخ الاعظم (قده): " إن إسقاط حرف التعريف من البغل للاضافة، لا لان ذا القيمة بغل غير معين حتى توهم الرواية مذهب من جعل القيمي مضمونا بالمثل، والقيمة انما هي قيمة المثل " فغير ظاهر، لانه مع إسقاط حرف التعريف والاضافة إلى اليوم يستفاد منه قيمة البغل بالصفات التى في ذلك اليوم أو قيمة ذلك اليوم، ومع التنكير ظاهر في أن عليه يوم المخالفة قيمة بغل مماثل لبغله إذا عطب أو نفق، وهو نص على خلاف ذلك المذهب، فكيف يوهمه. ثم إن في قوله: " فان أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز فقال (ع): " عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترده عليه " احتمالات كثيرة حاصلة من تعلق " يوم ترده " ب‍ " عليك " أو بالقيمة أو بالعيب، وعلى أي تقدير يكون المراد من الرد رد قيمة ما به التفاوت أي الارش أو رد البغل، وعلى أي تقدير يكون المراد ب‍ " عليك " حكم وضعي أو تكليفي، ولازم كل احتمال معلوم عند التأمل، ويشترك الكل في شبهة، وهي أنه لو لم يتعقب الامر برد الارش والبغل لزم أن لا يكون ضمان أصلا، فان قيمة يوم الرد أو عيب يومه أو ضمان يومه لا يتحقق إلا بتحقق اليوم، وهو كما ترى، وأيضا يشترك الكل في شبهة أخرى، وهي أن القيمة في غير يوم التلف فرضي لا واقعي، لان قيمة يوم رد البغل أو رد الارش ليست متحققة، لان البغل الموجود فعلا لم يكن متحققا في الزمان الآتي فكيف يمكن تحقق قيمته، فهي إذن فرضي لا واقعي، ولازمه جعل ضمان تعبدي فرضي غير مرتبط بالتعيب والتلف إلا في فرض ضمان يوم التلف. والظاهر أن يكون اليوم متعلقا ب‍ " عليك " نظير الجملة السابقة، فحينئذ

[ 416 ]

ليس المراد منه أن الضمان يتعلق بعهدته يوم الرد، ضرورة أن يومه غير دخيل في أصل تعلق الضمان، فلابد من حمله على ما تعارف تعبيره، بأن عليك رد التفاوت يوم ترد البغل، أي إذا ترده ترد ما به التفاوت أيضا، من غير عناية إلى دخالة يوم الرد في شئ، فحينئذ يستفاد منه قيمة يوم التلف والعيب بعد ضم قوله: " إن أصاب البغل " الخ إليه، كما مر نظيره في الفقرة السابقة. وقال صاحب الجواهر (قده) في كتاب الغصب: " إن الموجود فيما حضرني من نسخة التهذيب الصحيحة المحشاة " ترده عليه " من دون لفظ اليوم، ومعناه ترد الارش عليه مع البغل، وهو غير بعيد، وإن كان حق العبارة حينئذ " تردها " بضمير التأنيث، لكن أمره سهل، فيكون نسخة الجواهر موافقا لما استظهرناه، كما أن ما ذكرناه موافق لقواعد باب الضمان من ضمان قيمة يوم التلف في القيميات، كما هو ظاهر " من أتلف " و " على اليد ". نعم هنا كلام، وهو أن العيب والنقص لو ارتفع هل يرتفع الضمان به مطلقا، أو لا مطلقا، أو تفصيل بين الوصف القابل للزيادة كالسمن فلا يرتفع وغيره فيرتفع، أن تفصيل بين أن يكون زوال العيب عودا للحالة السابقة عرفا كما لو نسي العبد فتنزل سعره ثم زال النسيان أو شمست الدابة ثم زال وصفها، فان في مثلهما عودا للوصف السابق أو يكون زواله بحصول وصف مماثل له، كما لو زال شعرها فتنزلت قيمتها ثم نبت شعرها مثل الاول؟ والاقوى هو هذا التفصيل، فان في مثل الوصف العائد يكون غاية قاعدة اليد حاصلة، فانه لو أدى العبد بعد ذكره يكون مؤديا لما أخذ، بخلاف ما إذا زال وصف وحصل مثله، فانه ضامن لما أخذه ولو تبعا،

[ 417 ]

وما أداه مثله لا عينه، ولا يرتفع الضمان به، وهذا نظير ما لو خرب البناء تحت يده مضمونا ثم بنى نحوه، فان ذلك لا يرتفع به الضمان، وهو واضح، وما قلنا في ضمان اليد يأتي في ضمان الاتلاف، فان المتلف لو عاد عينا عرفا سقط الضمان بخلاف ما لو عاد مثله. ثم إن في قوله: " فمن يعرف ذلك " احتمالين: أحدهما من يعرف قيمة البغل، وعلى ذلك جرت كلماتهم، ثم وقعوا في حيص بيص في إرجاع الحلف والبينة إلى شخص واحد، وهو خلاف قواعد باب القضاء فهرب كل مهربا. والثاني الذي هو ظاهر الرواية وإن لم أر احتماله في كلماتهم أن يكون المراد من يعرف قيمة ما بين الصحيح والمعيب، لان الجملة الاولى قد أعرض عنها سؤالا وجوابا، وتوجه السائل إلى مسألة أخرى هي ضمان العيب، فأجاب بضمان قيمة ما بين الصحيح والمعيب، فقوله: " من يعرف ذلك " عقيب هذه الجملة ظاهر في الرجوع إلى الثانية، والاختصاص بالاولى بعيد جدا، والرجوع اليهما بعيد أو غير ثابت. ومع الرجوع إلى الثانية يمكن أن يقال: إن الظاهر من قوله (ع): " إما أن يحلف هو على القيمة فيلزمك " هو الحلف على قيمة البغل المعيوب الموجود بين أيديهما، لا على قيمة أيام أخر، ومعلوم أن في الاختلاف بينهما في قيمة المعيوب يكون صاحب البغل منكرا، لانه يريد أن يجلب النفع إلى نفسه، فينكر زيادة قيمة المعيب، بخلاف صاحبه، فانه يريد دفع الضرر عن نفسه، فيدعي زيادة قيمته، فمع كون قيمة الصحيح خمسين فان كانت قيمة المعيب عشرين يكون التفاوت ثلاثين، وإن كانت ثلاثين يكون التفاوت عشرين، فالضامن يدعي الثلاثين وصاحب البغل ينكره، فالقول قوله، فيحلف أو يرد الحلف إلى صاحبه.

[ 418 ]

وأما قوله (ع): " أو يأتي صاحب البغل بشهود بشهدون أن قيمة البغل يوم أكرى كذا وكذا " صريح في أن اختلافهما راجع إلى قيمته حال الصحة دون حال العيب وإن كان الاختلاف لتشخيص ما به التفاوت بينهما، ومن المعلوم أن في هذا الاختلاف يكون القول قول الضامن وصاحب البغل مدع للزيادة. وبالجملة ظاهر الجملة الاولى هو الاختلاف في قيمة المعيب، فيتوجه الحلف إلى صاحب البغل، وصريح الجملة الثانية أن الاختلاف بينهما في قيمة الصحيح، لان يوم الكراء يوم صحة البغل، والاختلاف في قيمة الصحيح لتشخيص ما به التفاوت، فيكون صاحب البغل مدعيا والضامن منكرا، فالرواية متعرضة لصورتين من صور الدعوى بحسب الظهور والصراحة وموافقة للقاعدة، ويستفاد منها الصورة الثالثة. وما ذكرناه وإن كان مخالفا للظاهر في الجملة أي الظهور في وحدة القضية لكن ليس ذلك الظهور بمثابة أمكن معه رفع اليد عن القواعد المسلمة، سيما مع لاحتمال الذي ذكرناه بالتقريب المتقدم، ولا أقل من التعارض بين الظهور الذي قربناه وظهور سياق الكلام في وحدة القضية، فلا يصح الاستدلال بها وتخصيص القواعد المحكمة. وإن شئت قلت: إنه بعد ظهور السؤال والجواب في قضية التفاوت بين الصحيح والمعيب أن طبع النزاع فيها يرجع إلى الاختلاف في قيمة الصحيح أو قيمة المعيب أو فيهما معا، وفي الاختلاف الاول كان المالك مدعيا، وفي الثاني منكرا، ولم يكن أبو عبد الله عليه السلام بصدد بيان جميع خصوصيات باب القضاء في اختلافهما، لانه كان محولا إلى القاضي عند حضور المتخاصمين، بل أجمل عليه السلام في ذلك، ومع ذلك يمكن كشف مورد الاختلاف من الرواية بعد معهودية أن البينة على المدعي

[ 419 ]

واليمين على المدعى عليه بين المسلمين من زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وكان في عصر أبي عبد الله عليه السلام هذا الحكم معروفا معلوما، ومن القواعد المحكمة المغروسة في الاذهان، ومعها يستكشف من فتوى أبي عبد الله عليه السلام بتوجه الحلف إلى المالك أن محل الخلاف قيمة المعيب ولا محالة كان الضامن مدعيا، والمالك منكرا، والقضية الثانية التي أفتي فيها باقامة المالك البينة على أن قيمة البغل يوم الاكراء كذا يستكشف من فتواه أن هذه قضية أخرى يتوجه الحلف فيها إلى الضامن والبينة على المالك. وبما أن احتمال تخصيص القاعدة المعروفة من عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كان بعيدا في الاذهان يستكشف مورد القضيتين، مع أنك قد عرفت أن طبع هذا الخلاف يكون ذا جهتين وحيثيتين، فبأحدهما يكون المالك مدعيا، وبالاخرى منكرا. وما ذكرناه لو لم يكن ظاهر الرواية أو مستكشفا منها فلا أقل من كونه احتمالا مساويا لا يمكن استظهار خلافه، ولا يصح تخصيص مثل تلك القاعدة بها، مع أن التخصيص بخصوص كراء البغل أو كراء الدابة غير وجيه جدا، وبمطلق الغاصب غير ممكن الالتزام، وما قيل: من أن ذلك مقتضى أخذ الغاصب بأشق الاحوال ليس بشئ ولا أظن التزامهم بخروج مطلق الغاصب عن قواعد باب القضاء. ولعل نظرهم في الحمل على قيمة نفس البغل إلى قوله: " من يعرف ذلك؟ " فان البغل لو كان موجودا لا يقال ذلك، ولم يجب الامام عليه السلام بما أجاب، بل أرجعهما إلى أهل الخبرة، ولم يحكم بالحلف، فانه بعد فقد البينة، فيعلم منه عدم إمكان إقامتها لفقد البغل، ولهذا قال: " أو يأتي صاحب البغل " الخ، لان قيام البينة حال الاكتراء ممكن.

[ 420 ]

وفيه - مضافا إلى أن ما ذكر مجرد تخريص ظني لا يتكل إلى ظهور - أن تفاوت ما بين الصحة والعيب الحاصل حين حدوثه أيضا مجهول نوعا لغيرهما، لانهما عارفان بمقدار نشاط البغل وصفاته الدخيلة في القيمة، وأما مقدار حصول العيب فمعلوم للغاصب، وكذا للمكاري بحسب تخصصه في تلك الامور، وأن كسر اليد إذا مضى عليه خمسة أيام مثلا كان بحسب الحدوث بأي مقدار ونقص من القيمة كذا، ولما كان الميزان يوم حدوث العيب - والاندمال لا ينظر إليه - يكون إقامة البينة غير ميسورة فأرجعهما إلى الحلف بأن قيمة البغل في زمان الحدوث كذا وكذا، وما ذكرنا وإن كان لا يخلو من تكلف لكن كفى في مقابل ما قيل، وفي عدم جواز رفع اليد عن الظهور وترك القواعد في باب القضاء. ومما ذكرناه في معنى الصحيحة يظهر أن ما رامه الشيخ الاعظم (قده) من استفادة قيمة يوم الغصب من الفقرة الثانية غير وجيه، كما يظهر بالتأمل. ثم إن الصحيحة وإن وردت في مورد الغصب لكن لا تبعد استفادة حكم الضمان مطلقا منها، بأن يقال: لو كان المستفاد منها ما يحتمل دخالة الغصب فيه كأعلى القيم مثلا لم يصح إسراء الحكم إلى مطلق باب الضمان لكن بعد استفادة قيمة يوم التلف منها لا يحتمل خصوصية في الغصب بالنسبة إلى يومه، لان قيمة يوم التلف قد تكون أقل من سائر الايام، ومعه لا خصوصية في الغصب، فيفهم العرف منها أن ما ذكره من ضمان يوم التلف حكم الضمان، لا ضمان الغاصب، وإلا يلزم أن يكون ضمانه في بعض الاحيان أقل من غيره، سيما مع كون ضمان يوم التلف عقلائيا. مع ما عن الحلي (قده) من أن البيع الفاسد يجري عند المحصلين مجرى الغصب في الضمان، ولعل نظر المحصلين أيضا إلى الامر العقلائي، وهو أن أبواب الضمان على نسق واحد، هذا إذا كان مراد الحلي (قده)

[ 421 ]

تسوية البابين في كيفية الضمان أيضا لا في أصل الضمان. ومما يمكن الاستشهاد به للمطلوب أي ضمان المقبوض بالبيع الفاسد بقيمة يوم التلف روايات الرهن المتقدمة، كموثقة أبان بن عثمان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " في الرهن إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع بحقه على الراهن فأخذه، وإن استهلكه ترادا الفضل بينها " (1) بناء على أن المفروض في الجملة الثانية أيضا الضياع وأراد التفصيل في موضوع الضياع بين التفريط وغيره أو بين التضييع وغيره، فتدل في الرهن أنه مع ضياعه بتفريط أو تضييع يسقط المقدار المقابل، ويترادان الفضل، والظاهر منه أن الاستهلاك موجب للتهاتر، وأن به ينتقل الرهن إلى القيمة وأما إذا كانت الجملة الثانية في غير فرض الضياع بأن يراد من الاستهلاك الاهلاك والاتلاف فتخرج عن مورد ضمان التلف. وكموثقة إسحاق بن عمار قال: " سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يرهن الرهن بمأة درهم وهو يساوي ثلاثمأة درهم فيهلك، أعلى الرجل أن يرد على صاحبه مأتي درهم؟ قال: نعم، لانه رهن رهنا فيه فضل وضيعه، قلت: فهلك نصف الرهن، قال: على حساب ذلك، قلت: فيترادان الفضل، قال: نعم " (2) بناء على المحكي عن الكافي والتهذيب كما نقلناه من فرض الهلاك، لا الاتلاف والاهلاك كما في رواية الصدوق، ويظهر من التعليل أن كل من هلك مال الغير تحت يده بتضييع ضمن قيمته يوم التلف، فيدل على المقصود في الجملة، كما أن ذيلها المفروض فيه الهلاك على جميع النسخ يستفاد منه ذلك بدعوى موافقة فهم العرف في أن العلة في الجملة المتقدمة جارية في حكم الذيل أيضا، وأما


(1) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الرهن - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الرهن - الحديث 2.

[ 422 ]

احتمال دخالة خصوصيات الرهن في الحكم فبعيد مخالف لفهم العرف سيما في باب الضمان. وكصحيحة محمد بن قيس (1) وغيرها الظاهر منها فرض التلف والتهاتر وتراد الفضل بمجرد التلف، والظاهر منها أن القيمة تتعلق بالذمة حال التلف، واحتمال أن يكون المراد قيمة يوم التفريط لا يوم التلف بعيد جدا لا يحتمله العرف والعقلاء. ثم إن إسراء الحكم منها إلى الموارد بعد التعليل المتقدم انما هو بدعوى أن العقلاء يفهمون منها أن خصوصيات المورد من الرهن والفضل ونحوهما غير دخيلة في الحكم، وما هو تمام الموضوع هو التلف مضمونا سيما مع كون الضمان في القيميات لديهم بقيمة يوم التلف، واحتمال دخالة التعدي والتفريط في الضمان بعيد بالنسبة إلى بعض مراتب التعدي، كركوب الدابة مثلا نصف ساعة مما يوجب انقلاب يد الامانة إلى الضمان، فيكون الدليل عليه هو قاعدة اليد، ولو منعت دلالتها فلا إشكال في التأييد، فتدبر. والانصاف أن المراجع إلى أخبار أبواب الضمانات وارتكاز العقلاء فيها لا ينبغي له الريب في أن الضمان في القيميات مطلق بقيمة يوم التلف نعم ربما يتوهم من بعض الروايات خلاف ذلك، مثل ما وردت عن أبي عبد الله وأبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا عليهم السلام: " في الرجل يأتي البهيمة فقالوا جمعيا: إن كانت البهيمة للفاعل ذبحت، فإذا ماتت أحرقت بالنار، ولم ينتفع بها، وضرب هو خمسة وعشرون سوطا ربع حد الزاني، وإن لم تكن البهيمة له قومت وأخذ ثمنها منه، ودفع إلى صاحبها وذبحت وأحرقت بالنار، ولم ينتفع بها، وضرب خمسة وعشرون سوطا فقلت: ما ذنب البهيمة؟ فقال: لا ذنب لها ولكن رسول الله


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الرهن - الحديث 4.

[ 423 ]

صلى الله عليه وآله فعل هذا، وأمر به لكيلا يجتري الناس بالبهائم وينقطع النسل " (4). ورواية سدير عن أبي جعفر عليه السلام " في الرجل يأتي البهيمة قال: يجلد دون الحد، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لانه أفسدها عليه، وتذبح وتحرق وتدفن إن كانت مما يؤكل لحمه، وإن كانت مما يركب ظهره أعزم قيمتها، وجلد دون الحد، وأخرجها من المدينة التي فعل بها فيها إلى بلاد أخر حيث لا تعرف، فيبيعها فيها كيلا يعير بها صاحبها " (5) بدعوى أن الظاهر منهما أن الاعتبار بيوم أداء القيمة لا يوم الافساد، فان يومه يوم إتيان البهيمة، ويوم الذبح والتغريم غيره. وفيه نظر أما بالنسبة إلى ما يركب ظهره فانه لا يخرج عن ملك صاحبه، وتغريم الواطئ ليس من قبيل تغريم الضمانات، بل لتمليك الدابة عليه قهرا، فهو خارج عن المورد، وأما بالنسبة إلى ما يؤكل لحمه فان قلنا بعدم خروجه عن ملك صاحبه أيضا فالتقويم حال الاتلاف يدل على أن الاعتبار بيوم التلف، وإن قلنا بخروجه إما لظهور قوله: " أفسدها عليه " أو لسلب الملكية عرفا بعد سلب جميع آثارها فيمكن أن يقال: إن ظاهرهما أن الوطئ سبب لتلك الاحكام، أي التقويم والذبح والحرق، والظاهر ترتب الاحكام عليه بلا مهلة، فيكون الاعتبار بتقويم يوم الوطئ والافساد، وانما لم يذكره إما للاتكال على الظهور العرفي أو لعدم اختلاف قيم الحيوانات في أيام قلائل، سيما في تلك الازمنة، وتخلف زمان التقويم عن زمان الوطئ بأزمنة كثيرة بعيد نادر. ثم إنه حكي عن الشهيد الثاني (قده) الاستشهاد بصحيحة أبي ولاد


(4) و (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب نكاح البهائم الحديث 1 - 4 من كتاب الحدود.

[ 424 ]

على اعتبار أعلى القيم من حين الغصب إلى التلف، قال الشيخ الاعظم (قده) لم يعلم لذلك وجه صحيح، ولم أظفر بمن وجه دلالتها على هذا المطلب. أقول: يمكن توجيهه بأن يقال: بناء على كون البغل نكرة منونة والظرف متعلقا ب‍ " نعم " على ما هو مقتضى القاعدة لا شبهة في أن المراد به بغل مشابه للتالف فيما هو دخيل في الغرامات، وعلى ذلك كما أن اللازم اعتبار المشابهة في وصف الصحة والسلامة والعربية كذلك اللازم اعتبار المشابهة في القيمة إذ المشابه التام ما هو مشابه في كل الجهات، وكما أن الاوصاف المذكورة لو سلبت عن العين لابد من اعتبارها في الضمان كذلك القيمة الغالية لو سلبت عنها لابد من اعتبارها فيه. وأما بناء على تتابع الاضافات فاضافة البغل إلى يوم المخالفة وإن كانت ظاهرة على ما قيل في أن الاعتبار بقيمة يومها، لكن بعد التجزية والتحليل يمكن استفادة أعلى القيم منها، بأن يقال: إن اليوم بما هو غير دخيل في الغرامة كما هو واضح، وكذا يوم المخالفة بعنوانه، بل باعتبار تحقق الغصب والاستيلاء على مال الغير بلا إذنه، وهذا أمر مستمر من وقت المخالفة إلى زمان التلف، فلو كانت القيمة في يوم من الغصب عشرة وفي آخر عشرين وفي ثالث رجعت إلى العشرة فأدى العشرين يصدق أنه أدى قيمة حال الاستيلاء مطلقا المستمر من أول زمانه إلى زمان التلف، لان الاعلى مشتمل للادنى، وأما لو أدى العشرة لا يصدق إلا أداء قيمة يوم كانت قيمته عشرة، فضمان قيمة حال الاستيلاء بقول مطلق هو ضمان الاعلى، وغيره ضمان حال خاص، هذا على النسخ التي كان فيها البغل بلا لام. وأما على غيرها فيمكن أن يقال: إن الظرف متعلق ب‍ " نعم "، والمعنى يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل بقول مطلق، فلو كان اللازم عليه أعلى

[ 425 ]

القيم يصدق لزومها بلا تقيد بزمان خاص بخلاف غيره، ولو جعل الظرف قيدا للقيمة يأتي فيها ما مر من تتابع الاضافات. لكن كل ذلك مجرد تصورات وتخريجات لا يساعد عليها العرف والعقلاء في باب الضمانات، وقد عرفت ظهورها في قيمة يوم التلف، كما عرفت أن إضافة القيمة إلى البغل توجب ظهورها في المشابهة من غير جهة القيمة عرفا فإذا قيل: عليك قيمة بغل مشابه لبغلك يفهم منه عرفا بقرينة إضافتها إليه أن المراد بالمشابهة هي المشابهة في الاوصاف التي يتقوم بها، لا نفس القيمة وعلوها. ومما ذكرناه يظهر عدم صحة الاستناد في ضمان أعلى القيم إلى دليل ضمان اليد، لان الظاهر منه عرفا أن المأخوذ في القيميات مضمون بالقيمة، فيكون المعنى: على الآخذ قيمة المأخوذ إذا تلف، وهو ظاهر في قيمة ذات المأخوذ بأوصافه المأخوذة تبعا غير نفس القيمة، لان الظاهر من قوله: عليه قيمة المأخوذ بخصوصياته هو الخصوصيات المقابلة للقيمة المتقومة بها لا نفس القيمة، لان القيمة لا قيمة لها، والظاهر أن مراد القائل بأن العين مضمونة في جميع الازمنة التي منها زمان ارتفاع قيمتها هو ما ذكرناه من أن خصوصية علو القيمة أيضا مضمونة كسائر الخصوصيات، وقد ظهر جوابه. وأما ما أفاده الشيخ الاعظم (قده) في توجيهه - " من أن العين إذا ارتفعت قيمتها في زمان وصارت ماليتها مقومة بتلك القيمة فكما أنه إذا تلفت حينئذ يجب تداركها بتلك القيمة فكذا إذا حيل بينها وبين المالك حتى تلفت، إذ لا فرق مع عدم التمكن منها بين أن تتلف أو تبقى، نعم لو ردت تدارك تلك المالية بنفس العين، وارتفاع القيمة السوقية أمر اعتباري لا يضمن بنفسه، لعدم كونه مالا وإنما هو مقوم لمالية المال

[ 426 ]

وبه تمايز الاموال قلة وكثرة، فان ردت العين فلا مال سواها يضمن، وإن تلفت استقرت عليا تلك المراتب، لدخول الادنى تحت الاعلى نظير ما لو فرض للعين منافع متفاوتة متضادة، حيث إنه يضمن الاعلى منها " انتهى - فغير وجيه، لان المتبع في المقام هو أدلة الضمانات، نحو دليل اليد، وأما الحيلولة فليس عليها دليل مستقل بهذا العنوان، فلابد من لحاظ دليل الضمان، فان قلنا بأن القيمة السوقية كسائر الاوصاف مضمونة بتبع العين لابد من القول بالضمان، كانت العين باقية ومردودة أم لا، لان رد العين ليس رد تلك المراتبة من المالية، والمفروض أنها مضمونة، فكما أن العين إذا عيبت وردت معيوبة لابد من جبران العيب وغرامته، لان صفة السلامة مضمونة بتبع العين، ولابد من جبرها بعد عدم إمكان ردها، فكذلك صفة علو القيمة، ولا يعقل أن تكون العين جابرة لتلك المرتبة من المالية، كما لا يعقل أن تكون جابرة لصفة السلامة. وإن قلنا بأن القيمة السوقية غير مضمونة، وقلنا بالفرق في الغرامات بينها وبين سائر الاوصاف كما أشار إليه رحمه الله فلا وجه للزوم جبرانها ولو تلفت العين، ضرورة أن التلف لا يوجب خروج الشئ عما هو عليه، فالتفصيل بين رد العين وتلفها غير وجيه، وما قيل: من أن القيمة مضمونة إلا أن الاجماع قام على عدم لزوم جبران تفاوت القيمة السوقية مع رد العين فيه - مضافا إلى ما عرفت من أن القيمة لا تكون مضمونة، لظاهر دليل الضمانات وبناء العقلاء في بابها - أن الاجماع غير ثابت في مثل المسألة، لقرب احتمال أن يكون نظر الفقهاء إلى أدلة الضمانات وقواعد باب الغرامات. ثم إن الظاهر أن مراد الشيخ (قده) من تنظير المقام بالمنافع المتفاوتة المتضادة ليس في أصل الضمان، بل في دخول الادنى تحت الاعلى، فلا يرد

[ 427 ]

عليه ما أوردوا عليه من إبداء الفرق بين المقام ومورد التنظير. وربما يستند في ضمان أعلى القيم إلى قاعدة الضرر، ويمكن تقريبها مع الغض عما قلنا فيها، بأن يقال: إن دعوى عدم الضرر بنحو الحقيقة الادعائية لا مصحح لها إلا بسد الشارع الاقدس جميع أنحاء الضرر على الامة، بأن ينهى عن الاضرار ويسد الضرر بعد وقوعه بايجاب الجبران وعدم جعل حكم ضرري، فلو كان من حكم الشارع هدر أموال الغير وعدم لزوم جبران الخسارات مع شيوع إيقاع الضرر والخسارة بين الناس شيوعا فاحشا، وشيوع تلف الاموال المحترمة تحت أيديهم لم تصح دعوى عدم الضرر، فلازم صحة هذه الدعوى وإطلاقها عدم هدر الاموال، وهو يساوق الضمان، ولكن دليله أخص من المدعى، إذ قد لا يصدق الضرر في المقام. وأما ما قيل: من أن تضمين أعلى القيم مستفاد من قوله تعالى: " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (1) فان العين في زمان علو قيمتها كانت تحت يد الضامن، وكان معتديا في ذلك، فللمالك الاعتداء عليه بمثل ذلك، وهو القيمة الغالية فقد عرفت ما فيه عند التعرض للآية الكريمة في ضمان المثلي، فراجع وعن الحلي (قده) وغيره الاستدلال على أعلى القيم بقاعدة الاشتغال، وقال الشيخ الاعظم (قده)، لا بأس بالتمسك باستصحاب الضمان المستفاد من حديث اليد، وفيه - بعد الغض عن عدم صحة التمسك بالاصل مع الادلة الاجتهادية والقواعد العقلائية الممضاة - أن التمسك به فرع البناء على أن المستفاد من أدلة الضمانات تعلق نفس العين بالذمة في المثليات والقيميات، أو تعلق المثل بها فيهما، فانه مع الشك في السقوط

[ 428 ]

كان الاصل الاشتغال، ويصح استصحاب بقاء العين أو المثل على العهدة لترتب وجوب أدائهما أو حرمة حبسهما على صاحبهما، وأما بناء على ضمان القيمة في القيمي فالاصل البراءة، للدوران بين الاقل والاكثر. وقد يقال: بناء على تعلق العين بالذمة إن قاعدة الاشتغال محكمة لو قلنا بأن العين تسقط عن الذمة بأداء المثل في المثلي والقيمة في القيمي، فمع أداء الاقل يشك في السقوط، والاصل الاشتغال، ويجري الاستصحاب وأما لو قلنا بأن العين لا يعقل سقوطها عنها مع امتناع تأديتها التي هي الغاية فلا شك في السقوط، وانما الشك في التكليف الزائد، لان الواجب تدارك مالية ما في العهدة، وهي مرددة بين الاقل والاكثر. وفيه أن القائل ببقاء العين على الذمة وعدم سقوطها إلى الابد لابد وأن يقول بأن العين لما كانت لها خصوصية شخصية، وهي بهذه الخصوصية على الذمة لا يعقل سقوطها، لامتناع تأديتها، وأن يقول: إن اللازم على المكلف الخروج عن عهدة غرامتها وضمانها من غير أن يتعلق بالقيمة تكليف مستقل يتردد بين الاقل والاكثر، ومن غير أن يتعلق بالذمة وراء نفس العين بجميع جهاتها شئ، حتى يقال: إن المالية مرددة بين الاقل والاكثر، فلا المالية على العهدة ولا التكليف متعلق بأداء القيمة مستقلا، بل العين على العهدة، ولابد من الخروج عن عهدة غرامتها، وإن لم تسقط بعد أداء الغرامة أيضا، لمكان استقرارها على الذمة بشخصيتها ومع أداء الاقل يشك في الخروج عن عهدة الغرامة والضمان، فالاصل الاشتغال، ويصح الاستصحاب، تأمل جيدا. وقد يقال: " إن الاصل الاشتغال مع البناء على ضمان القيميات بالقيمة، لان المالية القائمة بالاعيان التي هي من حيثياتها وشؤونها أمر اعتباري بسيط، لا من الاعراض الخارجية حتى تكون لها قلة وكثرة أو

[ 429 ]

زيادة ونقص، ولا هي عبارة عن الدينار والدرهم اللذين لهما قلة وكثرة، لانهما غير قائمين بالحنطة والشعير، بل لهما مالية اعتبارية مساوية لمالية الحنطة أو غير مساوية، نعم المالية القائمة بالعين يتدارك بهما بعد تلفها، لانهما ممحضان في المالية كسائر المسكوكات، فالقلة والكثرة ليستا فيما اشتغلت به الذمة، ولا في مالية الدرهم والدينار، بل فيما يتدارك به خارجا في مقام الاداء، فلا محالة لا تتردد بين الاقل والاكثر، بل بنحو التباين، فان أنحاء المالية بسائط متباينة، فيشك في أن المالية التي قد اشتغلت الذمة بها هذه المالية المتعينة أو مالية أخرى متعينة، وهما بسيطان متباينان، فلا مجال إلا للاشتغال " انتهى. وأنت خبير بما فيه من الخلط بين العقليات والعرفيات، والخروج عن طريقة العقلاء في باب الضمانات، وعن ظواهر أدلة الضمانات الموكولة إلى العرف، مع أنه بعد اللتيا والتي لم يأت بشئ مثبت، لعدم قابلية هذه المالية الاعتبارية للزيادة والنقص والقلة والكثرة، لان المنظور في ثبوت القلة والكثرة ليس الحقيقية منهما الثابتة للكم المتصل أو المنفصل، بل المراد القلة والكثرة في الاعتباريات، فالمالية المساوية لعشرة دراهم أقل من المالية المساوية للعشرين، وهي أكثر منها بلا ريب لدى العرف والعقلاء ألا ترى أنه لو اشتغلت ذمته بما يتردد بين المالية المساوية للعشرين أو العشرة فأدى ما يساوي ماليته العشرين يرى العقلاء تأدية ما عليه بلا تسامح، ولا يكون عرفا من قبيل المصالحة على المتباينين، مع أنه لو كان كما ذكره من الترديد بين المتباينين كانت تأدية ما يساوي ماليته العشرين المباينة للعشرة غير كافية في رفع الاشتغال، ضرورة عدم إمكان اندراج المبائن في مباينه، ولا أظن حتى من القائل أن يلتزم بأنه مع أداء أعلى القيم يشك في البراءة الضمان، وهو دليل واضح على أن الاعلى والادنى

[ 430 ]

من قبيل الاقل والاكثر لا المتباينين، والاولى إيكال هذه الابواب إلى العرف والعقلاء حتى يتضح المطلوب. ثم إنه لا عبرة بزيادة القيمة بعد التلف حتى على القول بأن القيمي مضمون بالمثل، لا عمدة دليل الضمان قاعدة اليد، وهي لا تشمل المثل الذي على العهدة، ولو قلنا بأن ارتفاع القيم مضمون، وذلك لان موضوع دليل اليد هو الاستيلاء على مال الغير، وكون الشئ على العهدة والذمة غير كونه تحت اليد والاستيلاء، فما في العهدة خارج عن دليل اليد موضوعا، وهو واضح. مضافا إلى أنه لو قلنا بأن كون الشئ على العهدة نحو استيلاء عليه ينصرف دليله عنه، لان استقرار المثل على الذمة انما هو بدليل اليد، ولو قلنا بامكان كون الدليل محققا لموضوعه، وإمكان شموله له حكما، كما يقال في القضايا الحقيقة والاخبار مع الواسطة، لكن الامكان العقلي غير الشمول العرفي ودلالة الدليل، فلا يستفاد من دليل اليد ضمان المثل، وأن المثل المضمون به مضمون بضمان آخر هو علو قيمته، نعم لو كان دليل الضمان قاعدة الضرر بالتقريب المتقدم أو آية الاعتداء لكان لضمان الزيادة حال التلف وجه، لكن قد عرفت الخدشة فيهما، هذا كله في الضمان بحسب اختلاف الازمنة ويأتي الكلام أيضا في اختلاف القيمة بحسب الامكنة. فعلى ما ذكرناه من الاستظهار من أدلة الضمان ومن ظهور صحيحة أبي ولاد في أن الاعتبار بيوم التلف لا إشكال في ضمان قيمة مكان التلف أيضا، بتقريب أن المتفاهم من الادلة أنه إذا تلف المأخوذ عليه قيمته في القيميات، وهو ظاهر في أن القيمة الفعلية عليه، وهي قيمة حال التلف في مكان التلف، وقيم سائر الامكنة كسائر الازمنة تقديرية،

[ 431 ]

فيقال: لو كان هذا الشئ في مكان كذا كانت قيمته كذا، وهو خلاف ظواهر الادلة. وأما بناء على أن الاعتبار بقيمة زمان الغصب كما قرب الشيخ الاعظم (قده) دلالة صحيحة أبي ولاد عليه فالالتزام بقيمة مكان التلف مشكل بل غير ممكن، لان لازم الجمع بين اعتبار زمان الغصب ومكان التلف أن يقال: إن المضمون قيمة يوم الغصب في مكان التلف، فإذا كان للعين في يوم الغصب أو نحوه قيمة في المكان الذي تتلف فيه بعد كانت مضمونة عليه فكان المضمون قيمة الشئ في المكان المذكور يوم الغصب بعد تلفه، بمعنى أن المضمون قيمتة في ذلك المكان يوم الغصب، ولا يمكن استفادة ذلك من أدلة الضمانات كقاعدة اليد وصحيحة أبي ولاد وغيرهما. فان قلت: مقتضى إطلاق أدلة الضمانات ضمانه يوم التلف في مكان التلف، ومقتضى صحيحة أبي ولاد ضمان قيمة يوم الغصب، والجمع بينهما بأن يقال بضمان قيمة يوم الغصب في مكان التلف، قلت: مضافا إلى ما عرفت من عدم دلالة الصحيحة على ضمان قيمة يوم الغصب إنه ليس جمعا عقلائيا، لان ظاهر الصحيحة على فرض دلالتها على ضمان يوم الغصب هو ضمان ذلك المكان أيضا، لا المكان الآخر، ولعل الشيخ (قده) بنى على ضمان يوم التلف كما يظهر من خلال زمان التلف ومكانه واحدا. ثم إنه لو تعذر الوصول إليه مع عدم التلف كما لو غرق أو سرق أو ضاع أو أبق فالظاهر تسالمهم على بدل الحيلولة، وانما الكلام في دليله، واستدل عليه بأمور: منها - قاعدة اليد، وربما تقرر دلالتها " بأن الظاهر منها بمناسبة غايتها أن المأخوذ بنفسه في عهدة ذي اليد، والعهدة مع وجود العين

[ 432 ]

تكليفية، ومع تلفها مالية يجب تداركها بحصة مماثلة لها، وعند تعذر ردها وعدم تلفها لا تكون عهده التكليف ولا عهدة تدارك نفسها، حيث إنها غير تالفة، فلو لم يجب تداركها من حيث فوات السلطنة على الانتفاعات بها كان اعتبار عهدتها فعلا لغوا، فالالتزام بكونها في العهدة فعلا يقتضي الالتزام بأثر لها فعلا " انتهى. وفيه أن اعتبار العهدة في باب الضمانات لا يكون اعتبارات كثيرة في كل حال وآن لها بحسبها غايات وآثار، بل لابد وأن لا يكون اعتبار الامر الوضعي بحسب الجعل القانوني لغوا وإلا يلزم سقوط الدين عن ذمة المديون لو فرض عدم قدرته على الاداء في برهة من الزمان، لعين ما ذكر، وهو كما ترى، مع أن الاثر لا يجب أن يكون بدل الحيلولة بل للعهده آثار أخر، منها جواز المصالحة وجواز أخذ الاجرة وغير ذلك. ويمكن تقريب دلالتها بأن يقال: بناء على كون نفس العين على العهدة لا تكون القاعدة متكفلة إلا لعهدة العين، فمعنى " على اليد " أن ما أخذ على عهدة الآخذ إلى زمان الاداء، وحكم العهدة موكول إلى العقلاء، وهو مختلف لديهم، فان كان المأخوذ موجودا مقدور التسليم يجب رده، لاقتضاء العهدة ذلك ولو كان في محل آخر يحتاج إلى النقل والمؤونة، وإن كان تالفا تقتضي العهدة رد بدله مثلا أو قيمة، وإن كان موجودا لكن انقطع يد الغاصب والمغصوب منه عنه - كما لو غصبه غاصب قاهر لا تمكن إزالة يده عنه إلى الابد - تقتضي العهدة أيضا رد بدله مثلا أو قيمة، لان التلف بعنوانه غير دخيل في الضمان والغرامة لدى العقلاء، بل الموضوع لهما انقطاع يد المالك عن ملكه للتالي، ففي المثال المذكور ليست العين تالفة بالوجدان، ولا تقتضي العهدة ردها بالضرورة، وحكمها لدى العقلاء الغرامة برد المثل في المثلي والقيمة في

[ 433 ]

القيمي، وكذا العهدة تقتضي البدل مع احتمال الرجوع والعود، كما لو احتمل خروج ما ألقى في البحر بواسطة أمواجه. وبالجملة ليس عنوان التلف مأخوذا في قاعدة اليد حتى يقع البحث في صدقه ولا صدقه، بل هي على هذا المبنى لا تدل إلا على عهدة العين، وحكم العهدة عقلائي، وهو ما ذكرناه. بل لو فرض أخذ الاتلاف والتلف فيها كان الحكم ما ذكرناه، بل يمكن إسراء ما ذكر إلى قاعدة الاتلاف بأن يقال: إن إتلاف مال الغير ليس بعنوانه موضوعا للضمان والغرامة، بل لكونه موجبا لانقطاع يد المالك عن ملكه أبدا، ومع فرض انقطاع يده كذلك مع وجوده كان ملاك ضمان الاتلاف موجودا، وهو حكم عقلائي فقاعدة الاتلاف مع لحاظ المناسبات المغروسة في ذهن العقلاء تفيد ضمان ما قطع يد المالك عنه أبدا، أو مع احتمال العود من باب الاتفاق كغرق مال الغير، هذا إذا قلنا بأن العين على العهدة. وأما لو قلنا بأنها تدل على ضمان المثل والقيمة فيمكن أن يقال: إن التلف غير مذكور في القاعدة، ومناسبات الحكم والموضوع في باب الغرامات والضمانات توجب استفادة ضمان خسارة مال الغير ولو مع وجوده، كما قلنا في انقطاع يده عنه مطلقا كمثال الغاصب القاهر، وكالغرق والاباق والسرقة، فان المتفاهم من دليل اليد الدال على لزوم جبر خسارة المالك أن انقطاع يده عنه خسارة يجب جبرها، وهو برد مثله في المثلي وقيمته في القيمي، على هذا تحمل الروايات الواردة في ضمان العارية إذا سرقت أو ضاعت، فان الضمان فيها ليس إلا ضمان اليد لا شيئا آخر خارجا عن ضمان الاتلاف واليد، وسيأتي تتميم البحث عن قريب. ومنها - قاعدة السلطنة، قال الشيخ الاعظم (قده): " إن تسلط

[ 434 ]

الناس على مالهم الذي فرض كونه في عهدته يقتضي جواز مطالبة الخروج عن عهدته عند تعذر نفسه، نظير ما تقدم في تسلطه على مطالبة القيمة لمثل المتعذر في المثلي " انتهى. وفيه - مضافا إلى ما تقدم من الاشكال في المثلي المتعذر - أن التنظير مع الفارق، فان في المثلي يكون المثل على العهدة، فيمكن أن يقال: إنه مشتمل على حيثية المثلية والمالية، ومقتضى دليل السلطنة جواز إسقاط الحيثية الاولى ومطالبة الحيثية الثانية، وأما في المقام فلا تكون العين على عهدته على مسلك الشيخ القائل بأن مقتضى دليل اليد ضمان المثل في المثلي والقيمة في القيمي. وعلى مسلك بعض المتأخرين عنه من أن ظاهر " على اليد " أن نفس العين على العهدة، وباقية ألى زمان الاداء، فالظاهر عدم التزامهم بأن العين في زمان وجودها على عهدة الضامن كما هي في عهدته في زمان تلفها، لانها في زمان التلف على عهدته كعهدة الدين، فهي على عهدته في زمان تلفها، لانها في زمان التلف على عهدته، فإذا مات يتعلق الضمان بأمواله، وأما في زمان وجودها، فليس الامر كذلك، لان لازمه أن يكون للمالك ما لان: أحدهما على عهدة الضامن والآخر في الخارج، وهو كما ترى، أو الالتزام بما نسب إلى أبي حنيفة من صيرورة المغصوب ملكا للغاصب، وهو أفحش، فعلى هذا عهدة العين في زمان وجودها عهدة أدائها فقط لا كونها على ذمة الضامن كما بعد التلف. فلابد للقائل بأن ظاهر دليل اليد أن نفس العين على العهدة إما من الالتزام بان " على اليد " ليس دليل الضمان، بل دليل على عهدة الاداء فقط، كما التزم به بعضهم، أو الالتزام بأن المستفاد منها أمران: أحدهما عهدة العين بمعنى عهدة أدائها في زمان وجودها، والثاني عهدتها

[ 435 ]

عند التلف، بمعنى كونها على ذمة الضامن، بحيث تكون من أموال المضمون له يتصرف فيها كيف شاء، واستفادتهما منه مشكلة، بل ممنوعة لان نحو العهدة في زمان الوجود يغاير نحوها في زمان التلف. وبعبارة أخرى إن من ضروريات الفقه أن العين التالفة تحت يد الغاصب ونحوه مضمونه عليه يجب أداء مثلها أو قيمتها، وذمة الضامن مشغولة بمال المضمون له، سواء قلنا: إن العين على ذمته أو المثل والقيمة، ومن ضروريات الفقه أن العين في زمان وجودها ليست بهذا النحو مضمونة وليست ذمة الضامن مشغولة بمال المضمون له، بحيث يكون كأحد أمواله يتصرف فيه كيف شاء، فالاولى اشتغال الذمه بالمال نحو الديون، والثانية عهدة العين، أي عهدة أدائها، لا اشتغال الذمة بها كاشتغالها بالديون. وكيف كان ليس في زمان وجودها مال على ذمة الضامن يكون موضوعا لدليل السلطنة، وانما موضوعه المال الخارجي، ويكون سلطانا عليه، وسلطنته عليه لا تقتضي السلطنة على الغير، ولا على ماله، بل لو خرجت العين عن تحت استيلاء الضامن بوقوعها تحت يد أخرى أو وقوعها في البحر ونحوه لا يصلح دليل السلطنة لايجاب ردها إلى صاحبها لقصوره عن إثباته، نعم ما دام كونها تحت يده يصح التمسك بدليلها، للالزام باخراجها عن تحت يده، لان إطلاق السلطنة يقتضي دفع المزاحمات لسلطانه، وأما لزوم استرجاعها إلى يد المالك فليس مفاد دليلها، كما أنه قاصر عن جواز الزام الضامن على عقد بيع أو مصالحة، كما احتمله السيد المحشي رحمه الله. وأما دليل نفي الضرر بتقريب سبق منا على مباني القوم وإن لا مانع من جريانه في العدميات وغيرها، وفي سد الخلل وغيره كما عرفت لكن لا يلزم منه أداء المثل أو القيمة في جميع الموارد، لان غاية ما يستفاد

[ 436 ]

منه هو سد خلل الضرر وجبرانه، فإذا أمكن جبره بأعطاء الاجرة وقيم المنافع يكون كافيا، نعم لو لم يمكن الجبر إلا بأداء المثل أو القيمة لصح التمسك به لو لا فساد المبنى، كما أن التمسك بآية الاعتداء على فرض كونها دليل الضمان لا بأس به، ولكن مر الكلام فيها. هذا كله في ضمان بدل الحيلولة في الجملة، ويتم الكلام في فروعه في ضمن أمور: الاول: أن التعذر إما أن يكون بنحو يسقط التكليف بالاداء معه بمعنى عدم كون الضامن قادرا على أدائه، أو يسقط تكليفه به بقاعدة الحرج ونحوها أو لا، وعلى الاول تارة يعلم بعدم الوصول إليه للتالي أو يظن به أو يحصل اليأس من الوصول أو لا يرجى وجدانه، وأخرى يعلم بوصوله أو يظن أو يرجى حصوله في زمان طويل جدا أو قصير كذلك أو متوسط، فهل أدلة الضمان كافية لاثبات الضمان في جميع الصور؟ يظهر من الشيخ الاعظم (قده) ثبوته بها في غير ما إذا حصل في زمان قصير جدا متمسكا بدليل اليد على ما في النسخ الصحيحة من المتاجر على ما قيل، وبأنه جمع بين الحقين، وبدليل السلطنة. ويمكن تقريب قاعدة اليد بأن يقال: إن قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد " ظاهر في الضمان الفعلي للمأخوذ إلى زمان الاداء، فكأنه قال: إن غرامة المأخوذ على الآخذ إلى زمان أدائه، وهذا بعينه ضمان الحيلولة غاية الامر خرج منه انصرافا صورة حضور العين أو حصولها في زمان قصير جدا بحيث لا يطلق عليه الغرامة والضمان، وبقي الباقي، فعلى هذا تكون قاعدة اليد مسوقة لضمان الحيلولة ليس إلا، لان الغاية لا تناسب ضمان التلف، ويلحق به ما بحكم التلف، وأما سائر الصور فتدخل فيها فالضمان بدليل اليد ثابت إلى رد العين، فلابد من أداء قيمة اللوح

[ 437 ]

المغصوب إلى زمان الاداء. أو يقال: إن قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد " شامل باطلاقه لمطلق العهدة والضمان، سواء كان فعليا كما قلنا آنفا أو معلقا على التلف ونحوه كما قالوا، والغاية إما لحصول ما يمكن حصوله فتكون لافادة ضمان الحيلولة، أو غاية لمطلق الضمان ولو لم تحصل في بعض المصاديق، وكيف كان تدل القاعدة على ضمان بدل الحيلولة بأقسامها. أو يقال: إن معنى " على اليد " هو الضمان المعلق على التلف ونحوه، أو أن الضمان الفعلي هو أمر معلق على التلف ونحوه، كما احتملناه سابقا، لكن المناسبات المغروسة في ذهن العقلاء توجب استفادة الضمان في جميع الصور، فان ما هو المناط لدى العرف في باب الغرامات كما تقدم هو انقطاع يد المالك عن ماله من غير فرق بين انقطاعها عنه دائما أو في مدة غير قصيرة. ومما ذكرناه يظهر الحال في التعذر غير الموجب لسقوط التكليف وإن احتاج إلى مقدمات توجب التأخير زمانا غير قصير، لعدم الفرق عرفا فيما هو المناط في الغرامات بين انقطاع اليد عن ماله مع عدم إمكان العود إلا في زمان طويل، وبين توقف العود إلى مقدمات اختيارية توجب التأخير كذلك. فهذه ثلاثة أوجه في تقريب " على اليد " للضمان في الصور المتقدمة وإن كان الوجهان الاولان لا يخلوان من مناقشة، لعدم مساعدة العرف عليهما، لكن الوجه الاخير غير بعيد سيما بالنسبة إلى بعضها، وأما سائر الادله فقد عرفت ما في التمسك بها. الثاني: أن ثبوت المثل أو القيمة مع تعذر العين كثبوتهما مع تلفها في أن على الضامن أن يدفعهما، وليس للمالك الامتناع إن كان دليل بدل الحيلولة

[ 438 ]

قاعدة اليد، كما تمسك بها الشيخ الاعظم (قده) سواء قلنا بأن مفادها عهدة العين إلى زمان الاداء أو عهدة المثل أو القيمة لدى التلف ونحوه، وذلك لان العين على الاول تقع عهدة الضامن في زمان الحيلولة بنحو ما تقع عليها في زمان وجودها أو تلفها، فكما أن دليل السلطنة الذي تمسك به الشيخ (قده) لا يقتضي السلطنة على إبقاء العين على عهدة الضامن في حال وجودها أو تلفها، لان ذلك سلطنة على غيره لا على ماله، ودليل السلطنة على الاموال حيثي لا يقتضي السلطنة على نفس الغير وماله، فليس للمالك إلزام الآخذ على بقاء العين على عهدته، وللضامن إلزامه على الاخذ، وله إخراج ذمته عن ماله، كما أن للمديون أداء دينه في وقته، وليس للدائن الامتناع عنه، كذلك الحال في الحيلولة، إذ المفروض أن العين على عهدته بنحو واحد في زمان وجودها وتلفها والحيلولة بينها وبين صاحبها، فله إفراغ عهدتها عنها في جميع الصور. وأولى بذلك على الاحتمال الثاني، لان مقتضى دليل اليد على هذا الفرض أن على الآخذ المثل أو القيمة إذا تلف المأخوذ، ومع فرض استفادة ضمان بدل الحيلولة منه لابد من دعوى ان الميزان في اشتغال الذمة بالمثل أو القيمة هو انقطاع يد المالك عن ماله كما قررناه، فحينئذ يكون للضامن رفع شغله، وليس للمالك سلطنة على إبقائهما على عهدته، لانها سلطنة على الغير. وبالجملة إن مفاد دليل اليد واحد، ولا يعقل أن يفيد في مورد عهدة العين أو شغل الذمة بالمثل أو القيمة وفي مورد غير ذلك، فلو كان دليل الحيلولة ذلك لا محيص عن الالتزام بأن للدافع حق الرد وللمالك مطالبة ماله. وكذا الكلام لو كان الدليل آية الاعتداء، لما مر من أن تجويز

[ 439 ]

التقاص كاشف عن كونه بحق وعن ضمان الطرف واشتغال ذمته، ومعه لا فرق بين التلف والتعذر. وكذا لو كان حديث الضرر بما قربناه لاشتغال الذمة. وكذا قاعدة السلطنة إن قلنا: إن السلطنة على المال تقتضي لزوم جبرانه ببدله، ولازمه العقلائي أن البدل على عهدته لانه لازم الجبران بحق، نعم لو قلنا بأن قاعدتها تقتضي وجوب الجبران بالبدل عند مطالبة المالك فلا تقتضي اشتغال الذمة ولا العهدة، فحينئذ ليس للضامن أداء البدل الزاما، كما أنه ليس له إلزام المالك بالمطالبة ولا يجب عليه البدل الا بعد المطالبة، وللمالك المطالبة وتركها لقاعدة السلطنة، لكن في المبنى إشكال. وأما قولهم: إن المالك مخير بين المطالبة والصبر ومع المطالبة يجب الاداء فقد مر ما فيه في بعض النظائر وحاصله أن المراد بالمطالبة إما مطالبة العين المتعذرة أو مطالبة بدله وجبران خسارته، فعلى الاول لا يعقل المطالبة الجدية مع علمه بالتعذر، بل ليس له المطالبة حينئذ وعلى فرض تعقلها وجوازها لا دليل على وجوب أداء البدل لو لا تعلقه بالذمة فجواب المطالبة هو العذر عن الاداء ولا دليل على تبديل العين بالعوض عند المطالبة، كما أن المطالبة الصورية ليست موضوعا لحكم ولا موضوعا لتبديل العين بالعوض وعلى الثاني فان طالب مع عدم كون البدل على عهدته فهي مطالبة في غير موردها، ولا أثر لها، وإن طالب مع كون البدل على عهدته فله إفراغ ذمته، وليس للمالك الامتناع منه، فالحاصل ان المطالبة على فرض غير معقولة وغير جائزة، وعلى فرض له إفراغ ذمته كسائر الاشتغالات. الثالث: بعد بذل بدل الحيلولة هل يملكه المضمون له أو يكون له

[ 440 ]

التصرف المطلق من غير ملكية؟ قال الشيخ الاعظم (قده): " لو لا ظهور الاجماع وأدلة الغرامة في الملكية لاحتملنا أن يكون مباحا له إباحة مطلقة ". أقول: تقريب دلالة أدلة الغرامات أن يقال: إن قوله صلى الله عليه وآله: " على اليد " بلسان واحد دال على الضمان، فكما أن في التلف يكون أداء المضمون أداء لمال المالك و مقتضاه تملكه بالاخذ فكذلك في المقام، وبهذا التقريب يمكن أن يقال في سائر الادلة الدالة على الضمان فرضا. وفيه أن تقريب دلالة قاعدة اليد مثلا على الضمان في باب الحيلولة كما تقدم هو أن المناسبات المغروسة في الاذهان توجب الحكم بأن الملاك في باب الغرامة انقطاع يد المالك عن ماله، فحينئذ نقول: إن الضمان بدليل اليد على حسب مقدار الانقطاع، ففي التلف لما كان يده منقطعة من حيث المالية والملكية والسلطنة ونحوها كان على الآخذ غرامته بنحو ذلك وهى لا تحصل إلا بصيرورة المأخوذ ملكا له والمالك مسلطا عليه والحيلولة إن كانت كذلك - كما لو قلنا في المال الذي غرق في البحر أنه صار خارجا عن ملك مالكه، ومباحا أصليا يملكه من سبق إليه، كما يشعر أو يدل عليه بعض روايات اللقطة - كان مقتضى الجبران والغرامة صيرورة البدل ملكا للمالك وأما لو لم نقل بخروجه عنه مطلقا أو في بعض صور أخر غير الغرق فلا يقتضى دليل اليد إلا جبر ما قطعت يد المالك عنه والفرض أن المال بقي على ملك المالك، وما انقطعت يده عنه هي السلطنة عليه بحيث يتصرف فيه كيف شاء، فلابد من جبران ذلك، وهو يحصل باعطاء المثل أو القيمة يتصرف المضمون له كيف شاء حتى التصرف الموقوف على الملك ولا يتوقف ذلك على صيرورة المال ملكا له.

[ 441 ]

وبهذا يظهر الحال في سائر أدلة الضمان، فدعوى ظهور أدلة الغرامات في الملكية غير ظاهرة إن أريد به الدلالة اللفظية، وإن أريد به الدلالة الالتزامية بأن يقال: إن دليل الغرامات يدل على لزوم جبر مال الغير، وفي المقام ليس الجبر إلا بالاباحة المطلقة حتى المتوقفة على الملك وسلب جواز مطلق التصرفات عن الضامن، وهو ملازم عرفا لسلب مالكية الضامن وثبوت مالكية المضمون له، لان الملكية لا اعتبار لها مع سلب جميع آثارها، وتعتبر عرفا مع ثبوت جميع آثارها فهو أيضا غير وجيه في المقام، لان ذلك لو سلم إنما هو في مورد السلب والثبوت على نحو الاطلاق في جميع الازمنة وأما مع سلبها مطلقا في بعض الازمنة أو سلبها في الجملة في جميعها أو ثبوتها كذلك فلا، والمقام بحسب كثير من صوره يكون السلب والاثبات فيه في بعض الازمنة أو يحتمل كونهما في بعضها، ومعه لا مجال لما ذكر وان أريد بالدلالة الالتزامية أن إباحة ما يتوقف على الملك مثل البيع أو الوطئ أو العتق ملازم للملكية، لان هذه الاباحة إباحة معلولة للملك، ولا يعقل تحققها إلا مع ثبوت علتها. ففيه أن الاباحة في المقام ليست معلولة للملكية، لان أدلة الغرامات لا تفيد كما عرفت إلا لزوم جبر الخسارة والمفروض أن المأخوذ بقي على ملك صاحبه، فهو مال مملوك له انقطعت عنه سلطنته واستفادته منه، فلابد من جبر هذه الخسارة لا غير، وهو يحصل في البيع والانتقالات الآخر بإباحتها لا بمعنى نقلها عن ملكه، بل بمعنى إباحة نقلها عن ملك الضامن وأخذ قيمتها المملوكة للضامن والتصرف فيها بما شاء وأما البيع لنفسه وعن ملكه فلا تقتضيه أدلة الغرامات. وأما في وطئ الجارية فلابد للضامن من تحليل وطئها وسائر الاستمتاعات منها لو فرض كون الامة بدلا عن أمة لا قيمتها، كما في سائر

[ 442 ]

القيميات. وأما العتق فلابد من إباحة الضامن عتقه من ماله في الكفارات المتعلقة على ذمة المالك، وفي العتق الاستحبابي للثواب لابد من إباحته وإعطاء الثواب له، فلا تتوقف تلك التصرفات بحسب أدلة الغرامات على كون الشئ ملكا للمضمون له، فتدبر. مع أن الوطئ والعتق خارج عن موضوع البحث، لان العبد والامة قيميان، والتصالح في مورد لا يوجب أن يكون بدل الحيلولة، تدبر. الرابع: يظهر من الشيخ الاعظم (قده) وغيره مفروغية ضمان منافع العين المتعذرة ونماءاتها المتصلة والمنفصلة قبل أداء غرامتها، وجعلوا محل الكلام والاشكال فيها بعد أداء الغرامة واختاروا عدمه، وعلله الشيخ (قده) بصدق الغرامة الموجبة لخروج الغارم عن عهدة العين وضمانها. والتحقيق على فرض كون دليل الضمان قاعدة اليد أنه بالنسبة إلى ما قبل أداء الغرامة إن قلنا بأن دليل اليد يوجب ضمان توابع المأخوذ ومنافعه مطلقا ولو لم تقع تحت اليد تبعا فيكون مفاد القاعدة أن اليد على الشئ توجب ضمانه وضمان توابعه ومنافعه بوقوع اليد عليه لا عليها ولو تبعا، فلا محيص عن القول بالضمان، وهو واضح. وأما إن قلنا بأن اليد على العين لا تكفي لضمان ما ذكر، بل الظاهر من دليل اليد هو ضمان ما وقع تحت اليد وصار مأخوذا، غاية الامر يعم الاخذ الاستقلالي والتبعي فضمان النماءات والمنافع لاجل وقوع اليد عليها تبعا، فلابد وأن يقال: إن التوابع الموجودة حال كون الشئ تحت اليد مضمونة، دون ما حدثت بعد خروجة عن تحت اليد، فلابد من التفصيل بين المنافع قبل الغرامة، فالحادثة بعد التعذر والخروج عن تحت اليد غير

[ 443 ]

مضمونة، لقصور دليل اليد عن اثبات الضمان فيها، والظاهر من دليل اليد ذلك، فضمان ما لايد عليه ولو تبعا لا يثبت بدليلها، وبهذا ظهر مبنى ضمان المنافع والنماءات الحاصلة للعين في الايادي المتعاقبة ولا ضمانها، وسيأتي انشاء الله الكلام فيها، والعجب منهم مع ذهابهم إلى أن ضمان المنافع لاجل وقوع اليد عليها تبعا قالوا في المقام بضمان توابع العين المتعذرة قبل أداء غرامتها، ونفي الاشكال بعضهم عنه. وأما بالنسبة إلى ما بعد أدائها فالذي ينبغي أن يقال: أنه على المبنى الاول في معنى " على اليد " فان قلنا بأن الغرامة غرامة عن العين وجميع لواحقها فلا ضمان بالنسبة إلى المنافع الحادثة بعدها، لاداء غرامتها فرضا وإن قلنا بأنها غرامة العين ومنافعها الموجودة قبل الاداء وأما ما حصلت بعده كالنتاج الحاصلة بلقاح بعده وكذا النماءات المتصلة والمنافع الحادثة بعده فلم تكن غرامة لها فعليه ضمانها، لان المفروض بقاء العين على ملك صاحبها والنتاج والنماءات تابعة لها في الملكية ومضمونة بضمانها. بل يمكن أن يقال: إن ما أدى ليس غرامة العين، لما مر أن دليل اليد لا يقتضى أن يكون البدل في الحيلولة ملكا للمضمون له، بل هو ملك الغارم ويتصرف المضمون له فيه أي تصرف شاء، فبد الحيلولة ليس غرامة عنها، لانها باقية على ملك مالكها، كما أن المدفوع باق على ملك الدافع، وانما سلطه عليه بدلا عن قطع سلطنته عن ماله، فعلى هذا لم يخرج الغارم عن عهدة العين وضمانها، فلو تلفت وكانت قيمتها أكثر من المدفوع يضمنها الغارم، هذا إذا قلنا بأن حدوث اليد على شئ سبب لضمانه وضمان توابعه ولو احقه. وأما على المذهب المنصور فلا ضمان لما لم يقع تحت يده ولو تبعا نعم لو كان دليل الضمان قاعدة الضرر يمكن القول بالضمان على إشكال

[ 444 ]

في المبنى والبناء، وكذا الحال في آية الاعتداء لو كانت دليلا في المقام. الخامس: لو زال التعذر فالظاهر ثبوت التراد، بل قيل: لا خلاف بينهم فيه، من غير فرق بين مثل الغرق والسرقة والضياع مما يعد تلفا عرفا وبين ما لا يعد كذلك إلا أنه متعذر الحصول، بل الظاهر أن الامر كذلك لو فرض رجوع التالف الحقيقي بخرق العادة. انما الكلام في وجهه، فيحتمل أن يكون الوجه اقتضاء ماهية البدلية والغرامة ذلك، لان البدل ما لم يتحقق المبدل منه، ومع تحققه لا معنى للبدلية والغرامة، ويمكن أن يقال: إن أداء القيمة في القيمي والمثل في المثلي أداء لبعض شؤون العين، وبعض شؤونها متعذر الاداء وهو هويتها وشخصيتها ومقتضى " على اليد " عهدة العين بخصوصيتها الشخصية وأداء القيمة أداء لماليتها وأداء المثل أداء لنوعيتها لا شخصيتها وهويتها، فانهما غير مضمونين بالغرامة، وليس أداء القيمة والمثل غرامة لهما، لعدم المالية لهما، وعدم كونهما مورد رغبات الناس، فمع تعذر العين لا يمكن أداؤها، فإذا زال التعذر وجب الرد وأما احتمال المعاوضة الماليكة أو القهرية العقلائية أو القهرية التعبدية الشرعية فضعيف. أما الاول فواضح، ضرورة عدم انقداح معاوضة في ذهنهما وعدم إنشائها، والثاني كذلك، لعدم اعتبار العقلاء التالف الحقيقي ملكا للغارم في مقابل ما يؤدي غرامة وليس اعتبار الضمان فيه غيره في التالف العرفي وكذا الثالث، لان أدلة الغرامات والضانات لا تدل على المعاوضة، والعرف لا يفهمون منها الا ما هو المعهود لديهم، وليست الغرامة لدى المتشرعة غير ما لدى العقلاء. وقد يقال: " عدم جواز الجمع بين العوض والمعوض لا يختص بالمعاوضات، إذ هو مقتضى العوضية، إذ لا معنى لكون الشئ عوضا عن

[ 445 ]

شئ مع بقاء ذلك الشئ بحاله وفي محله، نعم الفرق بين المقامين أن في المعاوضات لابد من اعتبار وجود العوض المقابل في كل من الطرفين بخلاف باب الغرامات، فانه يفرض المعوض تالفا ومعدوما فيؤخذ بدله من حيث أنه غير موجود وحينئذ فلا معنى لبقاء العين على ملك مالكها، وحيث إنها مال في حد نفسهاو لابد له من مالك فلابد أن ينتقل قهرا إلى من أعطى البدل " انتهى. أقول: لولا تعليله أمكن أن يقال: إن دعواه يرجع إلى حكم العقلاء وإن كانت تلك الدعوى أيضا مخدوشة، لكن ظاهر تعليله أنه مع فرض كون المعوض معدودما لا معنى لكونه مملوكا، وفيه أنه مع فرض معدوميتة لا معنى لفرض كونه مملوكا ومالا ولا شيئا آخر، فما وجه قوله: " حيث إنها مال في حد نفسها " الخ، ولو أراد رفع اليد عن اعتبار المعدومية فحينئذ لا يكون معدوما، فهو ملك لصاحبه. ثم كون الشئ مالا لا يسلتزم أن يكون له مالك ضرورة مالية المعادن ونحوها ولا مالك لها، نعم لو كان الشئ مملوكا لابد له من مالك ثم لو كان لابدية الانتقال قهرا إلى من أعطى البدل لاجل البدلية فالمفروض أن حال البدلية كان المبدل معدوما فرضا، فلا يعقل الجمع بينهما، وإن كان ذلك مقتضى كون الشئ مالا فهو أفحش، لان كون الشئ مالا لو فرض احتياجه إلى مالك لا يلزم أن يكون مالكه معطي البدل، مع فرض عدم اقتضاء البدلية ذلك، بل الاقرب على هذا البيان بقاؤه على ملك مالكه. والتحقيق أن الغرامة عنوان مستقل وماهيتها تقتضي رجوع المتعذر بعد رفع تعذره إلى ملك المالك لو فرض خروجه منه، هذا في التالف ولو عرفا، وأما المتعذر غير التالف فقد عرفت أن العين والغرامة كل بقي

[ 446 ]

على ملك صاحبه. ثم الظاهر أن العين التالفة عرفا تبقى على ملك مالكها، لعدم دليل على خورجها منه، ولا تقتضي ماهية الغرامة ذلك ولهذا لا يقولون به في بدل الحيلولة، كما أن العين المتعذرة باقية عليه، فلو ارتفع العذر ورجعت التالفة فهل يجب ردها إلى صاحبها قبل وقوعها تحت يده أولا؟ الظاهر قصور الادلة اللفظية عن إثبات وجوبه، أما مثل " لا يحل مال امرئ مسلم " الخ (1) و " لا يجوز لاحد أن يتصرف " الخ (2) فعلدم شمولهما لما لا تكون تحت يد الغارم، ومجرد قدرته على ردها إلى صاحبها لا يوجب شمولهما لها، فالشئ الذي هو خارج عن تحت يده لا يكون في تصرفه، وإن قلنا بأن الامساك تصرف. وأما " على اليد " فدلالته متوقفة على أن يقال: إن الاخذ بوجوده الحدوثي علة لعهدة العين ووجوب الاداء حين وجودها وضمانها حين تلفها عقلائي لازم للعهدة، وهو محل تأمل، لقوة احتمال أن يكون المراد به الضمان، أي لو تلفت عليه خسارتها، أو لو انقطع يده عنها بأخذه فعليه خسارتها، بل التحقيق ذلك كما مر. نعم يمكن التمسك باستصحاب وجوب الاداء الثابت قبل التعذر بأن يقال: أن التعذر لا يوجب سقوط الوجوب، بل الوجوب على فعليته في الاعذار العقلية غاية الامر أن المكلف معذور في مخالفته، وقد قررنا في محله أن التكاليف القانونية لا تخرج عن الفعلية بواسطة الجهل والعذر وأن مبادئ جعل القوانين


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 3 وفيه " لا يحل دم أمرئ مسلم ولا ماله ألا بطيبة نفسه ". (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الانفعال - الحديث 6 من كتاب الخمس.

[ 447 ]

الكلية وغاياتها غيرهما في توجه التكليف إلى الاشخاص، فراجع. فحينئذ لو علمنا بأن لا مزاحم للتكليف إلا العذر العقلي وهو علة منحصرة فلا يبقى شك في ثبوت التكليف، ولو احتملنا أن المساوق للعذر تحقق علة لسقوطه فيستصحب بقاؤه. وأما استحصاب عدم التكليف فغير جار، لان العذر العقلي لا يوجب السقوط، فبقي احتماله، فلا متيقن حتى يستصحب، ولو قلنا بسقوط التكليف بالاعذار فمع العلم بكون العذر علة منحصرة ولا علة غيره فمع رفع العذر لا يبقى شك، ومع احتمال عدم الانحصار ومقارنة العذر لعلة أخرى له يجري استصحاب عدم التكليف وبقاء السقوط على حاله، ولا يجري استصحاب الوجوب، لانتقاضه باليقين بالسقوط، ولعل مراد الشيخ الاعظم (قده) من جريان استصحاب الوجوب وعدم جريان استصحاب عدمه ما ذكرناه وإلا فيرد عليه إشكال ظاهر، إذ بعد البناء على سقوط الوجوب لا وجه لاستصحابه. السادس: لو رجعت العين التالفة عرفا كما لو خرج ما في البحر بواسطة الامواج أو وجدت العين المسروقة أو الضائعة فهل ترجع الغرامة إلى ملك الغارم بمجرد ذلك، بدعوى أن الغرامة بازاء العين التالفة مادامت تالفة، وبعد تغير العنوان ورجوع التالفة ترجع الغرامة إلى الغارم، وهذا نظير ما يقال في التيمم بدل الغسل بناء على الرافعية: إن الرفع عن موضوع خاص، فإذا تبدل زالت الرافعية، أو لا ترجع إلا بعد رد العين إلى صاحبها، بدعوى أن التلف جهة تعليلية للزوم الغرامة، وأن الغرامة بازاء العين لاجل انقطاع يد المالك عنها أبدا عرفا ومقابل الانقطاع رجوعا إليه؟ وهذا أوجه بنظر العرف، فلا يرد عليه أنه على فرض كونه جهة تعليلية ينتج زوال الملكية بمجرد التيسر، لان ما هو العلة انقطاع

[ 448 ]

خاص هو التلف عرفا أو ما بحكمه كالتعذر ومقابل هذا سلب هذا الانقطاع لا وصوله بيده والظاهر أن العرف في جانب الانقطاع يحكم بعلية الانقطاع الخاص كما ذكر، ولكن في جانب سلبه لا يوافق إلا برجوعها إلى المالك، ولو شك فيه يستصحب بقاء الملكية أو السلطنة. وأما الاوصل التي تمسك بها الشيخ الاعظم (قده) وهي استصحاب كون العين مضمونة بالغرامة وعدم طرو ما يزيل ملكيته عن الغرامة أو يحدث ضمانا جديدا فبين مثبت وغير جار على مسلكه، فان استصحاب عدم السبب المزيل لاثبات الملكية وكذا عدم سبب ضمان جديد لاثبات بقاء الضمان مثبت، واستصحاب كون العين مضمونة بالغرامة لا أصل له، ألا أن يرجع إلى استصحاب بقاء الغرامة على ما هي عليه، وهو من الشك في المقتضي، لاحتمال كون الملكية على عنوان خاص لا يقتضي البقاء أو علتها علة خاصة لا تقتضي العلية فيما زاد، فتدبر. وكذا استصحاب بقاء الملكية شك في المقتضي، وهو غير جار على مسلكه. وبهذا يظهر الحال في بدل الحيلولة على القول بملكيته للمضمون له، وأما على القول بصيرورته مباحا له وله التصرف فيه بما شاء فيقع الكلام في قطع الاباحة هل هو بمجرد رفع التعذر أو مع الوصول؟ أقربهما الثاني. ثم لو قلنا: إن مجرد وجدان المال في الفرع الاول ورفع التعذر في الثاني يوجب رجوع الغرامة ورفع الاباحة عنها فهل يتجدد ضمان جديد بمجردهما أو يعود الضمان الاول لا من الاول بل بعد الوجدان، أو لا ضمان بعدهما إلا إذا وقعت العين تحت يده مطلقا، أو عداونا؟ وجوه: أقربها رجوع الضمان الجديد بالسبب الاول، وذلك لاقتضاء الغرامة ذلك عرفا، لان مقتضى دليل الضمان هو كون حدوث اليد على شئ موجبا لضمانه ولزوم غرامته والغرامة ما دامت كونها غرامة توجب رفع الضمان،

[ 449 ]

ومع سلب عنوان الغرامة عن المدفوع عاد الضمان بسبب سابق، وهو اقتضاء اليد، وهذا أمر عرفي عقلائي لازم عنوان الغرامة ومقتضى ذاتها عرفا، من غير أن يكون تقييد وتحديد، بأن يكون الغرامة رافعة للضمان إلى أمد كذا بنحو التقييد. وأما الضمان الجديد الحادث بسبب حادث فلا دليل عليه بعد العمل بمقتضى اليد وعدم يد جديدة على العين، كما أن القول بعدم الضمان مطلقا خلاف فهم العقلاء من الادلة وبنائهم في باب الغرامات، بل هو مقطوع الخلاف. ثم على فرض عدم رجوع الغرامة إلا بعد رد العين فالظاهر عدم جواز حبسها ومطالبة الغرامة، لدليل تسلط الناس على أموالهم وعدم مزاحم له، إلا أن يقال: لازم الغرامة عند العقلاء جواز حبسها ومطالبة إعادة الملكية على فرض ملكية المالك، وإعادة السلطنة على فرض جبران السلطنة، فله أن يقول: سلب الملكية أو سلب السلطنة بدل عن سلب سلطنتك، ولازم البدلية جواز مطالبة المبدل عند أداء البدل، فله الحبس في جميع الصور. وأولى بذلك ما لو قلنا برجوعها إلى الغارم، سواء قلنا بالمالكية ورجوع الملك أو قلنا بسلب سلطنته عنها حال التعذر ورجوعها عند التمكن، فالظاهر جواز حبسها ومطالبة الغرامة، لان ذلك لازم الغرامة والبدلية لدى العقلاء. وما قيل - من أن جواز الحبس في باب المعاوضات، والمعاملات انما هو للشرط الضمني، وفي باب انفساخها لقيام الاجماع، والمقام ليس من المعاوضات، ولو كان منها يكون من قبيل المعاوضة القهرية التعبدية، فلا شرط ضمني ولا قيام إجماع، والقاعدة تقتضي وجوب رد العين وعدم جواز حبسها حتى على القول برجوع الغرامة لدى التمكن - منظور فيه،

[ 450 ]

لان في باب المعاوضات أيضا ليس شرط ضمني من المتعاملين، ولا قيام إجماع تعبدي في مورد فسخها، بل لزوم التسليم والتسلم من الاحكام العقلائية لباب المعاوضات وباب انفساخها، كما أن الامر كذلك في باب الغرامات، فان الغرامة بدل العين أو لماليتها أو لسلطنتها، ومقتضى البدلية عرفا جواز حبس المبدل ومطالبة البدل، ومع هذا الحكم العقلائي لا يفهم من دليل لزوم رد المال إلى صاحبه لزومه مطلقا، سواء ادى بدله أم لا، فدليل إيجابه منصرف عنه. السابع: لو خرجت العين عن التقويم، فان عدت تالفة عرفا فالظاهر خروجها عن الملكية، لعدم اعتبار ملكية ما تكون تالفة كرطوبة اليد إذا بقيت من الماء المغصوب، فانها لاتعد ملكا للمغصوب منه، بل الظاهر عدم تحقق حق الاولوية فيها أيضا، فانها عرفا كالاعراض مثل اللون والرائحة. وأما لو لم تعد تالفة فهل الخروج عن المالية موجب للخروج عن ملكية مالكها كما هو مختار الطباطبائى (قده) في تعليقته أولا؟ الظاهر هو الثاني، لعدم تبعية الملكية للمالية، فان وردا واحدا مجتنى من شجرة مملوكة ملك لصحابه في العقل والشرع، لتبعية الثمرة للشجرة في الملكية ولو لم يعد مالا ولا يبذل بازائه مال، والثلج في الشتاء من الماء المملوك ملك وليس بمال وهكذا، ومن ذلك أجزاء الزجاجة المسكورة والفاكهة الفاسدة. ثم على فرض ملكية ما ليس بمال لا يجوز التصرف فيه بلا إذن صاحبه ولو قلنا بعدم شمول مثل قوله صلى الله عليه وآله: " لا يحل مال امرئ

[ 451 ]

مسلم " الخ (1) و " لا يجوز لاحد " الخ (2) مما تعلق فيها الحكم على عنوان المال له، للقبح العقلي والعقلائي المستكشف منه عدم رضا الشارع به فانه ظلم مع أن الاستيلاء عليه غصب محرم شرعا وقبيح عقلا، مضافا إلى إمكان أن يقال: إن الادلة المذكورة شاملة له، لقرب احتمال إرادة ما له ارتباط واضافة إلى الغير كاضافة المالكية من المال، بل لا يبعد شمولها لاضافة الاختصاص أيضا، والمال المأخوذ فيها نظير ما يقال في العرف: إن هذا مالي وذاك مال زيد، ولا شبهة في عدم اختصاص هذا الاطلاق بما يبذل بازائه المال، فانه يقال: إن هذه الحبة مال زيد وإن هذه الورد ماله ولا يراد به إلا ما هو مضافا إليه إضافة مالكية مع عدم المالية له، وليس فيه تأول وتجوز، وكيف كان لا يجوز التصرف في ملك أحد كما لا يجوز في ماله. ثم لو فرض بقاء ملكية ما خرجت عن التقويم فهل تخرج من ملك مالكها بعد أداء غرامتها؟ الظاهر عدمه، لانها لا تقع بازاء خصوصية الهوية، لما عرفت في بعض المباحث السالفة من أنها بازاء العين في ماليتها أو في خصوصياتها المرغوبة فيها الموجبة لازدياد الرغبات والقيم، والعين المملوكة غير المتقومة غير ملحوظة في الغرامات والضمانات، فبقاء ملكيتها غير مانع من أخذ الغرامة بتمامها، ولا يلزم منه الجمع بين البدل والمبدل منه. بل لو فرض وقوع الغرامة بازاء الهوية لا يقتضي ذلك خروجها عن ملك صاحبها، لان باب أداء الغرامات ليس من المبادلات والمعاوضات


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 3 وفيه " لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه ". (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الانفعال - الحديث 6 من كتاب الخمس.

[ 452 ]

المالكية - وهو واضح، ضرورة عدم إنشاء مبادلة بين الطرفين - ولا العقلائية، لعدم اعتبار العقلاء ملكية ما يعطي غرامته للغارم، بل الظاهر المرتكز بينهم بقاؤه على ملكية صاحبه، ولهذا يقال بحسب ارتكازهم: إن مال المغصوب منه سرق وغرق وضاع حتى بعد الغرامة، وإذا وجد يقال: إن ماله وجد، لا مال الغارم، ولا يعتبر العقلاء أداء الغرامة معاوضة، ولا رد العين معاوضة أخرى، أو انفساخا لمعاوضة، ويؤيده أن الغرامة في التلف الحقيقي وغيره على نهج واحد مع وضوح عدم اعتبار العقلاء ملكية التالف الحقيقي في مقابل الغرامة والادلة الشرعية لا تدل إلا على الضمان ولزوم الغرامة ولا يستفاد منها إلا ما لدى العرف، فاحتمال المعاوضة القهرية التعبدية ضعيف. بقي الكلام في خصوص الخياطة بالخيط المغصوب، فان لم يصر الخيط بعد الاخراج تالفا ولم يوجب إخراجه تلف شئ من الغاصب فلا إشكال في لزوم رده، وعدم لزوم الغرامة وإن أوجب تلف مال الغاصب، كما إذا انجر إلى تلف ثوبه، ومثل الخشبة المستدخلة في البناء إذا كان إخراجها موجبا لهدم البناء، فهل يجب رد المغصوب وإن صار ما صار، لان الغاصب يؤخذ بأشق الاحوال لاجل انصراف أدلة نفى الحرج والضرر عنه، أو لا يجب، لان ذلك أمر سفهي تنصرف أدلة وجوب الرد وحرمة الحبس عن مثله، بل لابد من الغرامة بدلا للحيلولة، أو يكون بحكم التالف تجب غرامته، ويجوز للغارم التصرف فيه أو يبقى على ملكه بعد الغرامة أيضا؟ وجوه، لعل الاول أقرب إلى القواعد، ويشهد له بعض الروايات الواردة في من غصب أرضا فبنى فيها " أنه يرفع بناؤه وتسلم التربة إلى صاحبها، ليس لعرض ظالم حق " (1) وفي من زرع أو


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الغصب - الحديث 1.

[ 453 ]

غرس في أرض الغير " أنه يقلعه ويذهب به حيث شاء " (1) وإطلاق نحو " المغصوب مردود " (2) و " الحجر المغصوب في الدار رهن على خرابها " (3). لكن الانصاف أن المسألة مشكلة، فان الروايتين الاولتين لا يستفاد منهما حكم المقام، فان العرق والبناء بقاؤهما في ملك المالك غصب وبلا حق، وفي المقام بقاء ملك المالك في ملك الغاصب، و " المغصوب مردود " لا إطلاق فيه يشمل ما يستلزم خراب المال المحترم، والحجر المغصوب لا يبعد أن يكون كناية عن استلزام الغصب الضرر على الغاصب من قبل الله ولا يستفاد منه ما رمناه، فلا دليل في المسألة على جواز غرق سفينة فيها ملايين من مال الغاصب، وهدم بناء مشتمل على طبقات كثيرة بمجرد كون لوح مغصوب فيها، أترى إمكان الالتزام بأنه لو كان خاتم مغصوب ضاع في بناء مشتمل على عشر طبقات من الغاصب يحكم بلزوم هدم البناء للعثور على الخاتم! فالاقوى الالتزام بالبدل للحيلولة والحكم بتعذر تسليم العين مع بقائها على ملك مالكها. وإذا انجر إلى تلف الخيط فهل هو بحكم التلف تجب غرامته، ويجوز التصرف فيه، أو أن الخيط في هذا الحال غير تالف، فهو ملك لصاحبه والثوب ملك للغاصب، فيقوم الخيط فان ساوي قيمته في هذا الحال مع سابقه أو زادت فهي لصاحبه، وأن نقصت يجبره الغاصب، أو يجب


(1) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الغصب - الحديث 2. (2) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 3 وفيه " الغصب كله مردود ". (3) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الغصب - الحديث 5 وفيه " الحجر الغصب ".

[ 454 ]

غرامته وبقيت العين على ملك صاحبها أو ألزم الغاصب باخراجه ومع تلفه يغرم؟ وجوه. ثم إنه ذكر الشيخ الاعظم (قده) قسما آخر، وهو ما لو خرج المضمون عن الملكية مع بقاء حق الاولوية فيه كما لو صار الخل خمرا، والاولى بسط الكلام في نحو المثال في جهتين: الاولى: أن المعروف بينهم أن الخمر لا تكون ملكا عند الشارع فإذا صار الخل خمرا خرج عن ملك صاحبه، وظاهر بعضهم عدم الفرق بين الخمر المتخذة للتخليل وغيرها. والمحتمل في المقام ابتداء أمور: منها - أن الشارع أسقط الملكية العقلائية عن الخمر ونحوها، فردعهم عن اعتبار الملكية فيها، وهذا غير موجه، لان سلب اعتبار العقلاء ليس بيد التشريع، والعقلاء على اعتبارهم في ملكية الخمر ونحوها، فلا يرجع إسقاط الملكية العقلائية إلى محصل، ومنها - أن الشارع خطأهم في ملكيتها وهو أيضا غير صحيح، لعدم واقعية للملكية إلا الاعتبار فلا معنى للتخطئة فيها، ومنها - أن الشارع لم يعتبر ملكيتها في قبال العقلاء، فيكون له بما أنه مقنن اعتبار وراء اعتبارهم، ومنها - عدم تصرفه في ناحية اعتبار الملكية، لكنه أسقط آثار الملكية. لا يقال: إسقاط جميع الآثار مساوق لاسقاط الملكية، للغوية اعتبارها مع سلب جميعها، فانه يقال: اعتبار الملكية عقلائية، والشارع تبع لهم، وليس له اعتبار مستقل في قبالهم حتى يقال: إنه لغو، ولا ملزم له لسلب اعتبارها، بل له السكوت عنه وسلب الآثار، بل بعد سلب الآثار لعل سلب الملكية كان لغوا، مضافا إلى ممنوعية سلب جميع الآثار كما يأتي. ثم إن هذين الاخيرين محتملان، والاول أقرب إلى كلمات العلماء، والثاني أقرب إلى الاعتبار، لان الملكية ليست من الحقائق الشرعية،

[ 455 ]

واعتبار الشرع غير دخيل في حصولها، بل هي من الاعتبارات العقلائية في جميع الموارد، وللشارع النهي عن ترتيب الآثار وضعا وتكليفا وإن أمكن له سلب الملكية في محيط تقنينه، لكن سلب الآثار أقرب إلى الفهم بحسب ظاهر الادلة كقوله صلى الله عليه وآله: " ثمن الخمر سحت " (1) وسائر ما وردت في الخمر مما يمكن دعوى انصرافها عن العصير المغلي للتثليث أو التخليل على فرض صيرورته خمرا، بل ظاهر شيخ الطائفة (قده) في رهن الخلاف عدم قيام إجماع على عدم ملكية الخمر قال: " الخمر ليست بمملوكة ويجوز إمساكها للتخليل والتخلل - ثم قال -: دليلنا إجماع الفرقة على نجاسة الخمر، وعلى تحريمها الاجماع، فمن ادعى صحة أنها مملوكة فعليه الدلالة " حيث تمسك في مورد المسألة المبحوث عنها بعدم الدليل، فلو قام الاجماع على عدم المملوكية تمسك به جزما كما هو دأبه في الكتاب وصرح في أوله. ثم لو قلنا بسلب الآثار لا يبعد القول بعدم سلب جميعها عن المتخذة للتخليل كسلبها عن المتخذة للشرب، فالعصير المغلى بنفسه لو فرض صيرورته خمرا بالغليان لم تهتك حرمته، ولا يوجوب ذلك جواز إراقته، ولا سلب الضمان لو أهريق، لقصور الادلة عن اثبات سلب الاحكام عن مثله، نعم الخمر المتخذة للشرب لا حرمة لها، ويجب إهراقها، كما أراقها رسول الله صلى الله عليه وآله على ما في الروايات وأمر باهراقها (2). بل لا يبعد أن يكون ما يؤخذ للشرب مسلوب الاحترام، ولو مثل العصير القابل للتخليل والتخمير على إشكال بل منع، بل لو قلنا بسلب الملكية عن الخمر شرعا يمكن أن يقال بقصور الادلة عن شمول مثل العصير المغلي المتخذ للتخليل أو مطلقا قبل أن يصير خمرا متعارفة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 55 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 6 - 1

[ 456 ]

يشربها الفساق، والمسألة مشكلة تحتاج إلى التتبع والتحقيق، ونحن نذكر الآن على سبيل الاحتمال ولوازم المحتملات. الثانية: لو قلنا بأن المتخذة للتخليل أو ما تصير خلا ملك ولم يسقط الشارع ملكيتها وإن سلب آثارها، لا يبقى مجال للبحث عن أنها بعد التخليل من المباحات التي تصير ملكا لمن سبق إليها أو ترجع إلى ملك مالكها قبل التخمير. وأما لو قلنا بسلب الملكية فهل تصير بعد التخليل من المباحات أو ترجع إلى ملك صاحبها قبل التخمير، أو يفصل بين ما اتخذت للتخليل وغيرها ولو صارت خلا قهرا وبلا قصد؟ الظاهر هو الثاني، لا لكون حق الاولوية من المراتب الضعيفة للملك ومع سلب المرتبة الشديدة والشك في زوال الضعيفة تستصحب، ضرورة أن لازم الشدة والضعف في ماهية أو حقيقة بقاء نفس الحقيقة في جميع المراتب، فالسواد شديده وضعيفه سواد، ولا يعقل أن يكون ضعيف الملك غير ملك، ولا شديد حق الاولوية غير حقها، ولازم ذلك كون الملك عبارة عن حق الاولوية مطلقا وهو كما ترى، مضافا إلى أنه مع كون حق الاولوية مرتبة من الملكية لابد من سلبها وزوالها، لان الخمر غير مملوكة مطلقا والالتزام بملكيتها كذلك كما ترى، مع أن المعاني الاعتبارية لا تقبل التشكيك، وليست الملكية مقولة حقيقة، بل شبيهة ببعض المقولات في بعض الحيثيات، ولا لكون الاولوية من آثار الملكية السابقة المتحققة عند زوالها، ضرورة أن أثر الشئ لا يعقل تحققه بعد عدمه. بل لان للمالك سلطنة عقلائية ممضاة من الشارع على ماله لقوله صلى الله عليه وآله: " الناس مسلطون على أموالهم " (1) فهذه السلطنة سلطنة على أنحاء


(1) البحار - ج 2 ص 272 - الطبع الحديث.

[ 457 ]

التصرفات الحقيقة والاعتبارية حتى السلطنة على الحفظ وعلى سلب يد الغير والمنع عن استيلائه، ويمكن أن يعبر عنها بالاولوية وبالحق أحيانا، ومع زوال ملكية العين بقي بعض شؤون السلطنة جزما كسلطنة حفظها للتخليل، وسلطنة المنع عن استيلاء الغير عليها وحيازتها، وكان هذا من الواضحات لدى العقلاء والمتشرعة، فيستكشف منه أن المال في القاعدة واسطة للثبوت في بعض الآثار، فلا يرد أن الاثر لا يعقل بقاؤه مع رفع موضوعه، فحينئذ مع رجوعها خلا ترجع إلى ملك صاحبها وسلطانه لا إلى الغير الاجنبي منها، ولا تصير من المباحات بعد التخليل، ولو شك في بقاء السلطنة تستصحب، ومع الغض عنه يجري الاستصحاب الحكمي، كاستصحاب حرمة التصرف بيها وعدم حليتها، لان الموضوع في الاستصحاب عرفي يلاحظ فيه وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها، وحكم الحرمة وعدم الاجنبي منها، ولا تصير من المباحات بعد التخليل، ولو شك في بقاء السلطنة تستصحب، ومع الغض عنه يجري الاستصحاب الحكمي، كاستصحاب حرمة التصرف بيها وعدم حليتها، لان الموضوع في الاستصحاب عرفي يلاحظ فيه وحدة القضية المتيقنة والمشكوك فيها، وحكم الحرمة وعدم الحلية وإن تعلق بعنوان مال الغير في لسان الادلة لكن بعد تحقق مصداق مال الغير يصير الموجود الخارجي معلوم الحرمة، فيقال: إن هذا العصير لا يحل التصرف فيه بلا إذن زيد مثلا، وبعد غليانه يشك في بقاء الحكم المتعلق بهذا الشخص، فيستصحب لوحدة القضيتين. والعجب من السيد الطباطبائي (قده) حيث أنه مع تصديقه بأن الموضوع في الاستصحاب عرفي قال: " إن الحكم تعلق بعنوان مال الغير ومع خروجه عن ملكه يرتفع الحكم قطعا " وأنت خبير بأن هذا يرجع إلى أخذ الموضوع من الدليل لا من العرف، فتدبر جيدا. هذا بعض الكلام في المقبوض بالبيع الفاسد، والفروع الآخر موكولة إلى كتاب الغصب، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية