الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المكاسب المحرمة - السيد الخميني ج 2

المكاسب المحرمة

السيد الخميني ج 2


[ 1 ]

المجلد الثاني المكاسب المحرمة تأليف العلامة الاكبر والاستاذ الاعظم آية الله العظمى مولانا الامام الحاج آقا روح الله الموسوي الخميني قدس سره مع تذييلات لمجتبى الطهراني محرم الحرام - 1381 مؤسسة اسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع قم - ايران - تلفون 25212

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم اجمعين. وبعد فهذا هو المجلد الثاني من مهمات مسائل المكاسب المحرمة وما يتعلق بها، ويستطرد لها مما هي اصعب طريقا، واحوج إلى التحرير والتحقيق، واكثر ابتلاء من ساير مسائلها المسألة الرابعة في القمار القمار حرام اجماعا، وكتابا وسنة، إذا كان اللعب بالآلات المعدة لذلك مع رهان، وهو المتيقن من عنوان القمار والميسر، في الكتاب والسنة ومعقد الاجماع ; ولا فرق بين انواعه من النرد والشطرنج وغيرهما ; حتى اللعب بالجوز والبيض، للصدق على اللعب بهما عرفا، ولو للتعارف بالمقامرة معهما. ولو شك في الصدق فلا شبهة في الحاقه به نصا وفتوى.

[ 3 ]

انما الاشكال والكلام في صدق العنوانين على اللعب بالآلات بلا رهان، وعلى اللعب بغيرها برهان أو غيره، ولا ينبغى الريب في عدم صدقهما على الاخير، وان يظهر من بعضهم اطلاقهما على مطلق المغالبة، لكنه خلاف المتبادر والمرتكز في الاذهان من القمار، وخلاف كلمات اللغويين فيه، وفى الميسر الذى هو اخص منه واو مساوق له، على ما يأتي الاشارة إليه. والظاهر عدم صدقهما على ما قبله ايضا، لان القمار عرفا ليس مطلق المغالبة برهان، فلا يقال لمن جعل الرهان بازاء الغلبة في حسن الخط ; أو تجويد قرائة القرآن، أو سرعة العدو أو الرمى ونحوها، انه مقامر، ولا لفعلها انه قمار، والعرف اصدق شاهد عليه، ويؤيد ما ذكرناه بل يشهد عليه ما ورد من جواز السبق والرماية مع شرط الجعل عليه (1) مع اباء قوله تعالى: انما الخمر والميسر، والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه (2) عن التخصيص وسيأتى ان الميسر هو مطلق القمار. واما عدم صدق الميسر فكذلك بناء على انه القمار، واوضح منه بناء على التفسير الاتى، ولا يبعد عدم صدقهما على اللعب بالآلات بلا رهان، كما تشهد به كلمات كثير من اللغويين، كصاحب القاموس، والمجمع، والمنجد، ومنتهى الارب، ومحكى لسان العرب، فانها طفحت بقيد الرهان. ففى القاموس قامره مقامرة وقمارا فقمره، راهنه فغلبه، وفى المنجد قمر يقمر قمرا: راهن ولعب في القمار، ثم قال قامره مقامرة وقمارا راهنه ولاعبه في القمار إلى ان قال: تقامر القوم تراهنوا ولعبوا في القمار إلى ان قال: القمار مصدر كل لعب يشترط فيه ان يأخذ الغالب من المغلوب شيئا، سواء كان بالورق أو غيره، وفى المجمع: القمار بالكسر: المقامرة وتقامروا العبوا بالقمار واللعب بالآلات المعدة له على اختلاف انواعها، نحو الشطرنج والنرد وغير ذلك، واصل القمار الرهن على اللعب بالشئ من هذه الاشياء، وربما اطلق على اللعب بالخاتم والجوز، ويظهر


(1) الوسائل - كتاب السبق والرماية - الباب 3. (2) سورة المائدة - الاية 92.

[ 4 ]

ذلك ايضا من المقنع (1) الذى هو متون الاخبار بشهادة الصدوق. نعم يظهر من بعض اطلاقه على مطلق المغالبة، وهو غير ثابت على فرض ثبوته اعم من الحقيقة، وان كان حقيقة فهو مخالف للعرف العام، وهو مقدم على غيره (تأمل) واما عبارة الصحاح فلم يظهر منها المخالفة لما قلناه، وكان ما حكى عن ابن دريد مجملة، ويظهر منه ان يطلق على المغالبة في الفخر وهو على فرض صحته يأتي فيه ما تقدم آنفا فالانصاف ان اثبات صدقه على ما ذكر مشكل، ولا اقل من الشك فيه، فلا يمكن اثبات حرمة الثلثة بالمطلقات على فرض وجود الاطلاق. وكذا بما دلت على حرمة الميسر كالآية الكريمة وغيرها، فانه على ما يظهر من اللغويين بل من بعض الاخبار، اما عبارة عن الجزور التى كانوا يتقامرون عليها، أو عبارة عن اللعب بالقداح وهو لعب العرب، وعلى هذا التفسير اخص من القمار، سواء فسر باللعب بالآلات مطلقا، أو مع الرهان ام فسر بالمغالبة مطلقا، لان اللعب لا يكون الا بالرهان، ولا يبعدان يكون كذلك على التفسير الاول لقوة احتمال ان يكون كناية عن التفسير الثاني. وكيف كان لا تكون الصور الثلث منطبقة عليه ولو مع الغاء الخصوصية عن لعب العرب بالازلام، لان غاية ما يمكن دعوى الغائها هو حيث الالات لا حيث الرهان بل الاقرب ان الميسر مطلق القمار كما فسر به في بعض كتب اللغة كالمجمع والمنجد وبعض كتب الادب، وكذا بعض التفاسير كمجمع البيان، وحكى عن ابن العباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة والحسن (2) ويؤيده مقابلته للازلام التى قمار العرب وتشهد له الروايات. كرواية جابر (3) عن ابى جعفر عليه السلام قال: لما انزل الله على رسوله انما الخمر


(1) باب الملاهي. (2) راجع مجمع البيان - في تفسير قوله تعالى (يسئلونك عن الخمر والميسر الخ) سورة البقرة - الاية 218. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بعمرو بن شمر

[ 5 ]

والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه قيل: يا رسول الله ما الميسر، قال: كل ما تقومر به حتى الكعاب والجوز ". وعن تفسير العياشي (1) عن الرضا عليه السلام " قال سمعته يقول الميسر هو القمار " وعنه عليه السلام (2) " ان الشطرنج والنرد واربعة عشر وكل ما قومر عليه منها فهو ميسر " وهو المناسب لمادة اليسر، ففى مجمع البيان (3) اصله من اليسر خلاف العسر، وفى مجمع البحرين المسير القمار، وقيل: كل شئ يكون منه قمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز الذى يتقامرون به، وقال: ويقال سمى ميسرا لتيسر اخذ مال الغير فيه من غير تعب ومشقة. فتحصل مما ذكر عدم استفادة حكم الصور الثلث من الروايات وغيرها الواردة في حرمة القمار، والميسر، الا ان يقال: ان حكم اللعب بالالات بلا رهان يستفاد من قوله تعالى انما الخمر والميسر (الخ) بناءا على ان المراد بالميسر فيها هو آلات القمار لا القمار، بقرينة كون المراد بالثلثة الاخر المذكورة الذوات، وبقرينة حمل الرجس عليها، وهو يناسب الذوات لا الافعال الا بتأول سواء اريد به النجس المعهود كما ادعى الاحماع عليه شيح الطائفة في محكى التهذيب في مورد الاية وهو واضح، ام اريد الخبيث فانه ايضا يناسب الذوات: وحمله على اللعب والشرب لا يخلو من ركاكة. وتشهد له جملة من الروايات كرواية جابر المبقدمة، ورواية محمد بن عيسى (4) قال: كتب إليه ابراهيم بن عنبسة يعنى إلى على بن محمد عليه السلام " ان رأى سيدى


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به - هما مرسلتان. (3) في تفسير قوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر الخ) سورة المائدة - الاية 90. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 104 - من ابواب ما يكتسب به - مرسلة.

[ 6 ]

ومولاى ان يخبرني عن قول الله عزوجل يسئلونك عن الخمر والميسر الاية جعلت فداك، فكتب كل ما قومر به فهو الميسر ". وفى عدة روايات عد النرد والشطرنج من الميسر (1) والحمل على اللعب بها خلاف الظاهر فحمل الرجس وعمل الشيطان في الاية المتقدمة على المذكورات باعتبار ذاتها، إذ كما يصح ان يقال: ان الخمر رجس خبيث يصح ان يقال: ان الشطرنج كذلك كما تشعر به الامر ولوند بالغسل يد المقلب له، وكونها من عمل الشيطان باعتبار انها مصنوعة بيد الانسان باغرائه ووسوسته فيصح ان يقال ان ذات الخمر والآلات الحاصلة باغرائه من عمله ولو بقرينية الروايات المتقدمة. وتدل عليه رواية ابى الجارود (2) عن ابى جعفر (ع) فانه بعد بيان معنى المذكورات قال: " كل هذا بيعه وشرائه " والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم وهو رجس من عمل الشيطان ". فان الظاهر منها ان نفس المذكورات التى لا يجوز بيعها رجس من عمل الشيطان، فعليه يكون الامر بالاجتناب عن الآلات ذواتها مقتض لحرمة الانتفاع بها انتفاعا مقصوه ا متعارفا، ولا شبهة في ان اللعب بها للتفريح والمغالبة من الانتفاعات المقصودة المتداولة، سيما لدى الامراء وخلفاء الجور، وليس الامر بالاجتناب مخصوصا باللعب برهان، بل اعم منه سيما مع كيفية تعبير الاية الكريمة بانه رجس من عمل الشيطان. نعم ورد في بعض الروايات تفسير الميسر بالقمار، كرواية الوشاء (3) عن ابى الحسن عليه السلام قال سمعته يقول " الميسر هو القمار " وعن تفسير العياشي نحوها (4) وفى


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - 102 - 104 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بابى الجارود. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به - صحيحة على الظاهر - في سندها سهل والامر فيه سهل (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 104 - من ابواب ما يكتسب به - مرسلة

[ 7 ]

رواية ابى الجارود (1) عن ابى جعفر عليه السلام في قول الله تعالى انما الخمر (الخ) " واما الميسر فالنرد والشطرنج وكل قمار ميسر " فيمكن حمل الروايات المتقدمة على بيان المراد من الاية كما يظهر منها، والروايتين المتقدمتين آنفا على تفسير الميسر مطلقا لا المراد بالاية، واما الاخيرة فيحتمل فيهما ان يكون المراد بكل قمار كل آلة له بقرينة النرد والشطرنج، كما يحتمل ان يكون المراد بهما بقرينة كل قمار اللعب بهما ففيها اجمال. بل يمكن ان يقال ان الروايات في تفسير الميسر على طوائف: منها ما دلت على انه الآلات كالروايات المتقدمة. ومنها ما دلت على انه الرهن، كصحيحة معمر بن خلاد (2) عن ابى الحسن عليه السلام قال " النرد والشطرنج والاربعة عشر بمنزلة واحدة وكل ما قومر عليه فهو ميسر "، ورواية العياشي في محكى تفسيره عن ياسر الخادم (3) عن ابى الحسن الرضا عليه السلام قال سألته عن الميسر قال: " التفل من كل شئ قال: والتفل ما يخرج بين المتراهنين من الدرهم وغيره " وضبط التفل مختلف في الوسائل ففى مورد بالتاء والفاء وفى مورد بالثاء المثلثة والقاف، وفى مورد بالنون والعين ولم يظهر معنى مناسب في اللغة لما فسر في الرواية ومن المحتمل ان يكون بالنون والفاء محركة بمعنى الغنيمة فيكون ما بين المتراهنين نفل وغنيمة. ومنها ما دلت على انه الالات والرهن جميعا كالمحكى عن تفسير العياشي (4) عن الرضا عليه السلام قال سمعته يقول " ان الشطرنج والنرد واربعة عشر وكل ما قومر عليه منها فهو ميسر ". فان الظاهر منه ان الشطرنج وتالييه ذاتهما ميسر وكل ما قومر عليه ايضا ميسر، وما قومر عليه هو الرهن، وارجاع احد المعطوف والمعطوف عليه


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بابى الجارود. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 104 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - 104 - من ابواب ما يكتسب به - مرسلة. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به - مرسلة.

[ 8 ]

إلى الآخر بان يقال: ان المراد بالشطرنج وتالييه رهانها أو ان المراد بما قومر عليه ما قومر به: خلاف الظاهر سيما الاول منهما. فيمكن ان تجعل الرواية شاهدة جمع لساير الروايات بان يقال: ان المراد بالتفاسير المذكورة التفسير بالمصاديق، ويكون الميسر في الآية جميع المذكورات من آلاته، والعمل والرهن ولو باستعمال اللفظ في اكثر من معنى مع قرينية الروايات أو استعماله في جامع انتزاعي أو ارادة المعاني ولو بنحو من الكناية كما في غيره من الموارد الكثيرة الواردة في الكتاب العزيز المفسرة بالروايات، وعليه ايضا يصح الاستدلال بالآية الكريمة على حرمة اللعب بالآلات بلا رهن بمثل ما تقدم. واما ما عن امير المؤمنين عليه السلام انه قال " كل ما الهى عن ذكر الله فهو من الميسر " (1) فلابد من تأويله، أو تقييده ; اورد علمه إليه، مع انه ضعيف سندا. ثم ان ما ذكرناه من استفادة الحكم من الاية الكريمة لا ينافى ذيلها بتوهم ان ما يوجب الوقوع في البغضاء والعداوة القمار برهن لا مطلق اللعب بالآلات للتفريح ونحوه، وذلك مضافا إلى ان التنافس في الغلبة على الخصم ليس باقل من التنافس في تحصيل الاموال التى تجعل رهنا سيما عند ارباب التنزه والمترفين وعليه يوجب ذلك الوقوع فيهما: ان الوقوع فيهما ليس علة للحكم، ضرورة حرمة الخمر والميسر برهن مطلقا، سواء حصل منهما العداوة والبغضاء ام لا، كما لا يحرم مطلق ما يوقع فيهما، فالوقوع فيهما احيانا ومعرضيتهما لذلك نكتة الجعل، ولا ريب في حصوله باللعب بلا رهن. مضافا إلى ان مفاد الآية: ان الشيطان يريدان يوقعهما بينكم، لا ان السر وقوعهما، ولا يجب وقوع مراده دائما بل يكفى كونهما في معرض ذلك، ولا شبهة في ان اللعب بلا رهان في معرض ذلك، ويكون آلة وشبكة للشيطان لايقاع فساد، ولو كان في الآية نوع كناية أو استعارة لا يفترق ايضا بين اللعب برهن و


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 100 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة.

[ 9 ]

غيره. والانصاف ان استفادة الحكم من الاية ليست بعيدة. ويمكن الاستدلال على المطلوب بروايات: منها رواية ابى الجارود (1) عن ابى جعفر عليه السلام في قول الله انما الخمر والميسر (الخ) وفيها " اما الميسر فالنرد والشطرنج وكل قمار ميسر " ثم عد الانصاب والازلام فقال: " كل هذا بيعة وشرائه والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم وهو رجس من عمل الشيطان " (الخ). بتقريب ان المراد من الميسر في الآية ان كان الآلات أو الاعم منها كما تشهد به الرواية فقد مرت دلالتها على المطلوب، وان كان المعنى المصدرى وكان التقدير في الخمر وغيرها ما يناسبها كالشرب والعبادة: يكون المراد بالنرد و الشطرنج في الرواية ايضا اللعب بهما، ويكون عطف كل قمار عليهما عطف العام على الخاص بقرينية كونها مفسرة للميسر، فعلي هذا يراد بقوله كل هذا بيعه و شرائه (الخ): الخمر وآلات القمار والانصاب والازلام فكأنه قال: شرب الخمر و اللعب بالآلات القمار وعبادة الانصاب حرام، وبيع المذكورات والانتفاع بها حرام، فيكون المراد منها بقرينة المحمول: متعلقات الموضوعات فتدل على حرمة الانتفاع بآلات القمار، سواء الشطرنج وغيره. والانتفاع المتعارف المطلوب من تلك الآلات بما هي آلات يعم اللعب للتنزه والتفريح بلا رهن. واما ما افاد شيخنا الانصاري (2) من الشاهدين على ان المراد بالقمار ليس المعنى المصدرى (فغير وجيه) سيما مع بنائه في غير المورد على ان المقدر في كل من المذكورات ما يناسبها، إذ مع استظهار ذلك من الآية لا محيص عن حمل الشطرنج والنرد على اللعب بهما وارجاعهما إلى عنوان القمار لا العكس، ومع الغض عنه لا يكون الشطرنج والنرد قرينة على ان المراد بكل قمار آلاته، لاحتمال ان يراد


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بابى الجارود. (2) في المسألة الخامسة عشر من النوع الرابع مما يحرم الاكتساب به - في القمار

[ 10 ]

بهما نفسهما، وبكل قمار عنوان القمار أي المعنى المصدرى، فيكون المنظور اثبات شمول الآية للآلات وللقمار. وعليه وان يمكن الاستدلال الآية ببركة الرواية لكن لا بطريق افاده، بل باطلاق الاجتناب المأمور به، واما قوله كل هذا بيعه وشرائه (الخ) لا يدل على ما رامه لان المشار إليه بهذا: ما يصح بيعه من المذكورات أي الخمر والشطرنج والنرد و نحوهما والانصاب والازلام، من غير احتياج إلى ارتكاب خلاف الظاهر أي حمل القمار الظاهر في المعنى المصدرى على الآلات. سيما ان ارادة الآلة من القمار لا تخلو من بعد بخلاف ارادتها من الميسر، والانصاف ان التمسك بها لا يحتاج إلى ذلك التكلف، بل على احتمال يكون للآية الدلالة عليه وعلى احتمال للرواية. ومنها موثقة زرارة (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " انه سأل عن الشطرنج ولعبة شبيب التى يقال لها لعبة الامير، وعن لعبة الثلث فقال: ارايتك إذا ميز الله الحق و الباطل مع ايهما تكون، قال مع الباطل، قال: فلا خير فيه " فان لا خير فيه وان لم يدل لو خلى ونفسه علي التحريم، لكن مقتضى اطلاق الشطرنج وغيره شمولها للعب برهان، ولا شبهة في حرمته، فيكون ذلك قرينة على انه كناية عن حرمة الارتكاب وجعله كناية عن معنى اعم بعيد جدا، ولا شبهة في ان ذكر المذكور فيها من قبيل المثال. نعم لو لا لعبة الامير وما بعدها يمكن دعوى الخصوصية في الشطرنج لكثرة الروايات في خصوصه وتشديد الامر فيه، لكن مع ذكر غيره لا يبقى مجال لتوهم الخصوصية فتدل على حرمة اللعب بكل آلة، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين جعل الرهن وعدمه ودعوى الانصراف غير مسموعة سيما مع تداول المغالبة بلا رهن في عصر الصدور بين الخلفاء واتباعهم، بل لا يبعد ان يكون كثير من الاسؤلة مربوطة


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به - موثقة بابن فضال وابن بكير.

[ 11 ]

باللعب بلا رهن حيث كان محل الخلاف بين فقهاء العامة. فعن الشافعية (1) حلية اللعب بالشرنج، وعن الحنابلة (2) يكره اللعب به وعن الشافعي (3) هو مكروه وليس بمحظور، ولا ترد شهادة اللاعب به الا ما كان فيه قمار وعنه (4) ان النرد مكروه وليس بمحظور لا يفسق فاعله، والخلاف انما هو مع اللعب بها بلا رهن والا فالقمار حرام عند الجميع، ولعل فتوى بعض العامة بعدم حرمة اللعب بها بلا رهن لجلب نظر الخلفاء والامراء. ثم على ما ذكر يشكل استفادة الحرمة من الرواية وكذا الرواية الآتية الا ان يقال: ان كون محط نظر السائل ما ذكر لا يوجب عدم الاطلاق فلا يجوز رفع اليد عن اطلاقها. ومنها حسنة الفضيل بن يسار (5) قال: " سألت ابا جعفر عليه السلام عن هذه الاشياء التى يلعب به الناس والنرد والشطرنج حتى انتهيت إلى السدر، فقال: إذا ميز الله بين الحق والباطل مع ايهما يكون، قلت مع الباطل قال فمالك والباطل ". بتقريب تقدم في الرواية السابقة. ومنها رواية تحف العقول (6) قال في ذيلها: " وذلك انما حرم الله الصناعة التى حرام هي كلها التى يجئ منه الفساد محضا نظير البرايط والمزامير والشطرنج وكل ملهوبه والصلبان والاصنام وما اشبه ذلك من صناعات الاشربة الحرام وما يكون منه وفيه الفساد محضا ولا يكون فيه ولا منه شئ من وجوه الصلاح: فحرام تعليمه وتعلمه والعمل به واخذ الاجر عليه وجميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلها الا ان تكون صناعة (الخ)


(1) و (2) راجع ج 2 - فقه المذاهب ص 51. (3) راجع الخلاف - كتاب الشهادات - مسألة 51 (4) أي عن الشافعي - راجع الخلاف - كتاب الشهادات - مسألة 53 (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 104 - من ابواب ما يكتسب به - حسنة بعبد الله بن عاصم والميثمي. (6) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 2 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 12 ]

فانه عد الشطرنج وكل مهلوبه أي ساير آلات القمار مما يجئ منه الفساد محضا، فلا يصح القول ان في اللعب بها للتفريج صلاحا، وهو يؤيد ما في صدرها من تفسير الصلاح بما فيه قيام الناس كالمأكول والملبوس لا مطلق ما فيه غرض كالتفريح والتفرج. وتدل على المطلوب فقرة اخرى منها وهى قوله: " وكذلك كل مبيع ملهوبه وكل منهى عنه مما يتقرب به لغير الله، أو يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي أو باب من الابواب يقوى به باب من ابواب الضلالة أو باب من ابواب الباطل أو باب يوهن به الحق فهو حرام محرم بيعة وشرائه وامساكه و ملكه وهبته وعاريته وجميع التقلب فيه الا في حال تدعو الضرورة فيه إلى ذلك ". ضرورة ان آلات القمار اوضح مصاديق الملهوبه الذى يقوى باب من ابواب الباطل ويوهن به الحق، واللعب بها ولو بلا رهن من مصاديق التقلب فيها، فلا اشكال في دلالتها لولا الخدشة في سندها. ويمكن الاستدلال للعموم بروايات واردة في الشطرنج والنرد بضميمة ما دلت على التسوية بينهما وبين غيرهما. كمرسلة ابن ابى عمير (1) عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور " قال: الرجس من الاوثان هو الشطرنج وقول الزور الغناء " ونحوها رواية زيد الشحام (2). ودلالتهما لا تقصر عن دلالة رواية ابى الربيع الشامي (3) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال سأل عن الشطرنج والنرد فقال: لا تقربوهما "، ولا شبهة في اطلاقها للعب بلا رهن. ورواية الحسين بن عمر بن يزيد (4) عنه عليه السلام وليس في سندها الا سهل الذى امره سهل ومحمد بن عيسى الذى لا يبعد وثاقته " قال: يغفر الله في شهر رمضان الا لثلثة صاحب مسكر أو صاحب شاهين أو مشاحن " ونحوها رواية عمر بن يزيد الصيقل (5) مع تفسير الشاهين بالشطرنج، ولفظ الصاحب وان يشعر أو يدل على نحو


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به - الثانية ضعيفة بدرست والثالثة ضعيفة بخالد وابى الربيع الشامي والرابعة صحيحة على الاصح والخامسة ضعيفة بمحمد بن حكم وعمر بن يزيد.

[ 13 ]

ادمان، لكن لا شبهة في صدقه على المقيم على اللعب بلا رهن والظاهر اطلاقهما له، وموثقة مسعدة (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " انه سأل عن الشطرنج فقال دعوا المجوسية لاهلها لعنها الله ". وموثقة السكوني (2) عنه عليه السلام " قال نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن اللعب بالشطرنج والنرد " ونحوها رواية المناهى (3) عنه صلى الله عليه وآله. ورواية ابن بصير عن مستطرفات السرائر (4) عن ابى عبد الله عليه السلام، قال: بيع الشطرنج حرام واكل ثمنه سحت واتخاذها كفر واللعب بها شرك، والسلام على اللاهى بها معصية وكبيرة موبقة، والخائض فيها يده كالخائض يده في لحم الخنزيز لا صلوة له حتى يغسل يده كما يغسلها من مس لحم الخنزير والناظر إليها كالناظر في فرج امه، واللاهى بها والناظر إليها في حال ما يلهى بها، والسلام على اللاهى بها في حالته تلك في الاثم سواء " (الخ). والانصاف ان الخدشة في دلالة الروايات وفى اطلاقها في غير محلها. نعم هي لا تدل على حرمة اللعب بمطلق الالات لاحتمال خصوصية في النرد والشطرنج كما يظهر من التأكيدات الواردة فيهما، سيما الشطرنج لكن يمكن الاستدلال على المطلوب بعموم المنزلة في صحيحة معمر بن خلاد (5) عن ابى الحسن عليه السلام " قال: النرد والشطرنج والاربعة عشر بمنزلة واحدة، وكل ما قومر عليه فهو ميسر.


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به - ان كانت مسعدة التى تكون في سند الرواية الاولى مسعدة بن زياد فهى صحيحة وان كانت مسعدة بن صدقة فهى موثقة. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 104 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بشعيب بن واقد. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 103 - من ابواب ما يكتسب به - صحيحة ظاهرا. (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 104 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 14 ]

والظاهر انه بصدد نفى الخصوصية عن آلة خاصة كالنرد والشطرنج والحاق ساير الآلات بهما، هذا كله حال اللعب بالآلات المعدة للقمار. واما اللعب بغيرها مع رهن، فقد حكى عن جمع حرمته تكليفا وعن بعض (1) دعوى الاجماع أو عدم الخلاف فيه، لكن الاعتداد بها لا يجوز بعد تراكم الادلة واحتمال تشبثهم بها، بل من المحتمل ان يكون نقله من الاجتهاد في كلمات القوم واستظهار الحرمة تكليفا منها مع ارادة كلهم أو بعضهم الوضعية، فلا اعتداد بنقل الاجماع وعدم الخلاف، كما لا اعتداد بدعوى صدق القمار عرفا على مطلق اللعب برهن لما قلنا من الجزم بعدم صدقه على المغالب في الخط والقرائة والعدو ونحوها، وكلمات اللغويين مختلفة، فربما يظهر من اطلاق بعضهم كصاحب القاموس ومنتهى الارب ومحكى لسان العرب انه مطلق المغالبة برهن، لكن صريح مجمع البحرين وظاهر المنجد ان للالات المعهودة دخالة في الصدق، ولا يبعد استظهار الدخالة من غيرهما كصاحب الصحاح واقرب الموارد، كما لا يبعد دعوى عدم الاطلاق في عبارة القاموس وما بمثلها، فلا يمكن استفادة صدقه على ما ذكر من كلماتهم لو لم نقل بالعكس. (كما ان دعوى) استفادة كونه قمارا موضوعا من بعض الروايات مثل ما فسرت الميسر بكل ما تقومر به حتى الكعاب والجوز، أو قومر عليه، بدعوى ان المراد التغالب به أو عليه ومن رواية اسحق بن عمار (2) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام " الصبيان يلعبون بالجوز والبيض ويقامرون، قال لا تأكل منه فانه حرام، حيث عدهما من القمار مع عدم كونهما آلة له وبرواية العلاء بن سيابة (3) عنه عليه السلام وفيها " وكان


(1) هو العلامة الطباطبائى في مصابيحه. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به - موثقة على على الظاهر. (3) الوسائل - كتاب السبق والرماية - الباب 3 - ضعيفة بعلاء بن سيابة والظاهر ان محمد بن موسى الذى يكون في سندها هو محمد بن موسى السمان وهى ضعيفة به ايضا.

[ 15 ]

يقول: ان الملئكة تحضر الرهان في الخف والحافر والريش وما سوى ذلك فهو قمار حرام): (ليست وجيهة). لان عد اللعب بالجوز والبيض من القمار لعله لاجل تعارف اتخاذهما آلة للقمار ". واين هذا مما لا يكون كذلك، مع ان الاطلاق اعم (ودعوى) ارادة مطلق المغالبة من قوله كل ما قومر عليه أو به كما ترى (فانها بلا بينة) واطلاقه احيانا على مطلق المغالبة أو على المغالبة في التفاخر كما يظهر من بعض اللغويين لا يوجب حمل الاخبار عليه، مع ان الظاهر من الجوهرى في الصحاح ان المستعمل في غلبة التفاخر: من قمر يقمر بضم الميم، وفى المغالبة في اللعب بكسرها، ورواية اسحق لا تدل الا على استعماله وهو اعم، ورواية ابن سيابة على خلاف المطلوب ادل، لان الظاهر منها ان المسابقة في المذكورات ليست قمارا وان غيرها قمار حرام مع ان الصدق في جميعها سواء، فلا محالة تحمل الرواية على الالحاق الحكمى، وتنزيل غير القمار منزلته. واحتمال ان يكون المراد ان غير المذكورات قمار حرام، وهى قمار غير حرام (بعيد جدا) مع ما عرفت من اباء الآية الكريمة من التخصيص مضافا إلى ان الاستعمال اعم. والانصاف ان الاستدلال للحكم بصدق عنواني القمار والميسر عليه في غير محله. (كما ان الاستدلال له) بالآية الكريمة أي قوله انما الخمر الميسر (الخ) تارة بان يقال: ان عطف الازلام على الميسر ظاهر في كونه عنوانا مقابلا له فيكون الاستقسام بالازلام محرما لا بعنوان القمار وبالغاء الخصوصية منها عرفا يستفاد الحكم في مطلق استنقاذ المال باللعب، فان الظاهر المتفاهم منه ان كون الازلام رجسا من عمل الشيطان ليس لخصوصية في القداح ولا في عددها ولا في الجزور التى كانوا يقتسمونها، بل لاستنقاذ المال بوجه غير مستقيم كالتجارة ونحوها بتوسط الازلام ونحوها، واخرى بقوله: انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء (1)


(1) سورة المائدة - الاية 93.

[ 16 ]

(الخ) بدعوى ان ما يوجب ذلك يكون من عمل الشيطان ويجب الاجتناب عنه (غير وجيه). لان استظهار مغايرة اللعب، بالازلام مع القمار بمجرد العطف مع عد اللغويين الازلام قمار العرب: غير صحيح، وتخصيصه بالذكر لعله لاجل التعارف بينهم، لا لا شدية حرمته من غيرها حتى يقال: ان الشطرنج كانه اشد كما يظهر من التأكيد والتشديد في امره والغاء الخصوصية وان يمكن بالنسبة إلى بعض الآلات كتبديل الازلام بالاوراق ونحوها، لكن بالنسبة إلى مطلق اللعب برهن: غير ممكن كالقرائة والخط والمصارعة ونحوها. وقد مر ان ذيل الآية ليس تعليلا حتى يدل على حكم غير المورد. نعم لا يبعد جواز الاستدلال على المطلوب بقوله تعالى: لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض (1) بان يقال انه بعد معلومية ان قوله: لا تأكلوا كناية: يحتمل ان يكون كناية عن مطلق التصرفات فيكون المراد لا تتصرفوا في الاموال الحاصلة بالباطل الا ما حصل بتجارة عن تراض، ويحتمل ان يكون كناية عن تحصيل الاموال بالباطل فيكون النهى متعلقا على سبب تحصيلها فيكون المعنى لا يجوز تحصيل المال بالاسباب الباطلة كالقمار والبخس والسرقة و نحوها ويرجح هذا الاحتمال بالروايات الواردة في تفسيرها. كصحيحة زياد بن عيسى (2) " قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قوله عزوجل ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل فقال: كانت قريش يقامر الرجل باهله أو ماله فنهاهم الله عزوجل عن ذلك ". فان الظاهر منها ان الله تعالى نهاهم عن القمار بالمعنى المصدرى لا عن التصرف في الاموال. ونحوها رواية العياشي عن اسباط بن سالم (3) " قال: كنت عند ابى عبد الله (ع) فجاء رجل فقال: اخبرني عن قول الله عزوجل: يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم


(1) سورة النساء - الاية 33. (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به - الثانية مرسلة.

[ 17 ]

بينكم بالباطل قال يعنى بذلك القمار " وقريب منها رواية محمد بن عيسى المروية عن نوادر ابنه (1). واظهر منها رواية العياشي الاخرى عن محمد بن على (2) عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل " قال: نهى عن القمار ; وكانت قريش يقامر باهله وماله فنهاهم الله عن ذلك ". ويؤيده استثناء التجارة عن تراض فكأنه قال: لا يجوز استنقاذ الاموال بشئ من الاسباب الباطلة، لكن لابد وان يكون بنحو التجارة عن تراض، فإذا كان النهى متعلقا بالاسباب التى تحصل بها الاموال كالقمار والبخس والربوا والسرقة كما فسرت بها ايضا على ما حكى ; ويكون المعنى لا يجوز تحصيل المال بتلك الامور: تدل الآية باطلاقها على حرمة كل لعب يكون فيه رهن، وكذا لو كان المذكور جزء مدلولها، واحتمال ان يكون النهى ارشادا إلى البطلان: غير وجيه ; لان ما تدخل في الآية غالبا لا تكون من قبيل المعاقدات التى تتصف بالصحة والبطلان فلا يجوز رفع اليد عن ظاهر النهى الدال على التكليف. والانصاف ان الاستدلال بالآية لا يخلو من وجه وان لا يخلو من مناقشة بان يقال: ان غاية ما يمكن اثبات دخوله في الآية القمار لورود روايات فيه يصح اسناد بعضها، فحينئذ يمكن ان يكون النهى عن الاكل كناية عن تحصيل المال باسباب كالقمار مقابل التجارة، لا كالسرقة والخيانة ; فمع تعلق النهى بالتحصيل بالاسباب أو بالاسباب لا يستفاد منه الحرمة التكليفية لظهوره في الارشاد إلى البطلان وعدم السببية كساير الموارد من الاشباه والنظائر. نعم لو قام دليل على دخول السرقة والظلم ونحوهما فيها لامكن الاستدلال بها بما تقدم، مضافا إلى امكان ان يقال: ان القمار الوارد في الاخبار المفسرة


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به الاولى صحيحة على تأمل والثانية مرسلة.

[ 18 ]

بمعنى الرهن، كما قيل: انه اصله، فعليه يمكن حفظ ظهور الآية في دلالتها على حرمة التصرف في الاموال الحاصلة بالباطل، بل لقائل ان ادخال القمار في الآية تعبدي لا مفاد لها كتفسير الاوثان بالشطرنج، فلا يجوز رفع اليد عن ظاهرها بدخول مصداق تعبدي فيها لا يعلم كيفية ارادته ودخوله. واما الروايات فقد استدل الشيخ الانصاري (1) برواية ياسر الخادم (2) عن الرضا (ع) " قال سألته عن الميسر قال: التفل من كل شئ قال: والتفل ما يخرج بين المتراهنين من الدرهم وغيره " وبمصححة معمر بن خلاد (3) " كل ما قومر عليه فهو (ميسر) وبرواية جابر (4) عن ابى جعفر عليه السلام وفيها " قيل يا رسول الله ما الميسر قال: كل ما تقومر به حتى الكعاب والجوز " قال رحمه الله: والظاهر ان المقامرة بمعنى المغالبة على الرهن. والانصاف عدم دلالتها على المطلوب، فان رواية ياسر تدل على حرمة ما يخرج بين المتراهنين وهو غير مطلوبنا في المقام، وكذا الصحيحة فان ما قومر عليه هو المجعول بين المتقامرين وحرمته لا تدل على حرمة العمل ولو كان المقامرة بمعنى المغالبة فيها مع انه غير مسلم بل الظاهر منها ومما عبرت بمثلها هو القمار المعروف. ومن هنا لا يصح الاستدلال برواية جابر ان كان محطه الكلية المذكورة واما ان كان محطه قوله حتى الكعاب والجوز بدعوى ان عد الجوز مما قومر به دليل على ان ما ليس بآلة القمار داخل فيه وملحق به وبالغاء الخصوصية يثبت الحكم لساير آلات اللعب برهن (ففيه) مضافا إلى ان اللعب بالجوز والبيض مما اتخذ آلة للتقامر لا يبعد صدق


(1) في المسألة الخامسة عشر - من النوع الرابع - في المراهنة على اللعب بغير الآلات المعدة للقمار. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - 104 - من ابواب ما يكتسب به - مرسلة (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 104 - من ابواب ما يكتسب به. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بعمرو بن شمر.

[ 19 ]

القمار عليه لاجل ذلك الاتخاذ: ان الغاء الخصوصية منه إلى غيره مما هو غير متخذ آلة مشكل بل ممنوع لخصوصية فيما اتخذ آلة ذلك دون غيره كالتخيط وتجويد القرائة والسبق بالسباحة والعدو إلى غير ذلك، فالحاق ما اتخذ آلة له به لا يدل على الحاق غيره به. فالعمدة في المقام روايات باب السبق والرماية. كمرسلة الصدوق المروية في الفقيه في باب حد من شرب الخمر وما جاء في الغناء والملاهي (1) قال: وقال الصادق عليه السلام " ان الملئكة لتنفر عند الرهان و تلعن صاحبه ما خلا الحافر والخف والريش والنصل وقد سابق رسول الله صلى الله عليه وآله اسامة بن زيد واجري الخيل ". قال المحدث الكاشانى (2) في ذيلها: ويأتى هذا الحديث في باب عدالة الشاهد مسندا مع ما في معناه وفى آخره وما عدى ذلك قمار حرام، وما حكى في الباب المشار إليه روايتان بسند واحد عن العلا بن سيابة (3). احديهما " قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن شهادة من يلعب بالحمام قال: لا بأس إذا لم يعرف بفسق، قلت: فان من قبلنا يقولون قال عمر هو شيطان، فقال: سبحان الله اما علمت ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ان الملئكة لتنفر عند الرهان وتلفن صاحبه ما خلا الحافر والخف والريش والنصل فانها تحضره الملائكة وقد سابق رسول الله صلى الله عليه وآله اسامة بن زيد واجري الخيل ". وثانيتهما بهذا الاسناد " قال: سمعته يقول لا بأس بشهادة الذى يعلب


(1) كتاب الحدود - الباب 11 - والوسائل - كتاب السبق والرماية - الباب 1 - مرسلة معتمدة. (2) الوافى - ج 9 - باب فضل اجراء الخيل والرمى من ابواب الجهاد - ص 25 - ثم لا يخفى ان المرسلة التى تكون في الوافى تشتمل على فقرة زائدة على المرسلة التى تكون في الفقيه والوسائل وهى هذه " فانها تحضره الملائكة ". (3) الوافى - ج 9 - باب عدالة الشاهد من ابواب القضاء والشهادات - ص 149 ضعيفة بعلا بن سيابة.

[ 20 ]

بالحمام ولا بأس بشهادة صاحب السابق المراهن عليه فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد اجرى الخيل وسابق وكان يقول ان الملئكة تحضر الرهان في الخف والحافر والريش وما عدى ذلك قمار حرام ". وانت خبير بما في اجتهاد الكاشانى من كون المرسلة عين المسندة، فان ظاهر الصدوق في المرسلة ان قوله ان الملئكة لتنفر (الخ) من كلام الصادق عليه السلام لا منقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وصريح الرواية الاولى وظاهر الثانية انه من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله مضافا إلى ان الرواية الاولى الشبيهة بالمرسلة في الفقرات مشتملة على جملة زائدة وهى قوله فانها تحضره الملائكة (1) " على ما في نسختي من لا يحضر و الوسائل "، واما الثانية فلا مجال لاحتمال وحدتها مع المرسلة، فالظاهر استقلال المرسلة وهى من المرسلات التى يشكل طرحها للارسال نعم لو كانت عين المسندة وقطعة منها يشكل الاستناد إليها لاجل العلابن سيابة لكن قد مر بعد ذلك، وكيف كان فالظاهر من المرسلة حرمة السباق فيما عدى المذكورات. (والمناقشة) في دلالتها تارة بان الرهان يمكن ان يكون جمع الرهن وهو المال المرهون أو مصدرا بمعنى جعل المال رهنا لا بمعنى السباق واللعب. واخرى بان نفار الملئكة ولعنها لا يلازمان الحرمة ولا يدلان عليها، لامكان نفارهم عن المكروهات أو بعضها سيما مثل اللعب واللهو مما ينافى قداستهم، واما اللعن فقد ورد في المكروهات ايضا كأنها (في غير محلها). لقوة ظهور الرواية في الرهان بمعنى السبق سيما مع استشهاده بمسابقة رسول الله صلى الله عليه وآله اسامة بن زيد بل هو دليل على ان المستثنى السباق بالمذكورات، فانه


(1) يمكن ان يقال: ان هذا الايراد غير وارد على المحدث الكاشانى لان المرسلة التى نقلها في الوافى تشتمل على هذه الجملة وهى " فانها تحضره الملائكة ". ولكن يقال: ان هذه المرسلة ارسالها بالصدوق وما نقلها الصدوق في كتابه " من لا يحضره الفقيه " غير مشتملة عليها كما نقلها عن الصدوق في الوسائل، فما نقلها في الوافى عن الصدوق خلاف ما كانت موجودة في الققيه والوسائل فراجع (م - ط).

[ 21 ]

لو كان المراد المال المرهون أو جعل الرهن دون المسابقة لما كان لاستشهاده بالسياق وجه وكان عليه الاستشهاد بجعل رسول الله صلى الله عليه وآله الرهن، فإذا كان المستثنى ما ذكر يكشف عن المستثني منه فلا اشكال من هذه الجهة. واما لعن الملائكة وكذا لعن الله تعالى ولعن رسول الله صلى الله عليه وآله فالظاهر منه ان العمل الموجب له محرم واستعماله احيانا في مورد الكراهة كما عن ابى الحسن موسى عليه السلام (1) " قال لعن رسول الله صلى الله عليه وآله ثلثة الآكل زاده وحده، والنائم في بيت وحده، والراكب في الفلاة وحده "، وقد ورد في الدواب (2) " لا تلعنوها فان الله عزوجل لعن لاعنها " لا ينافى ظهوره في الحرمة وقد ورد مادة اللعن قرب اربعين موردا في القرآن الكريم لا يكون مورد منها في امر مكروه أو شخص مرتكب له فراجع، بل غالب استعماله في موارد التشديد على المحرمات أو الاشخاص المرتكب لها أو الكفار و المنافقين والشيطان وامثالهم فلا شبهة في ظهوره في الحرمة، واوضح منها دلالة رواية العلابن سيابة الثانية بل هي صريحة في المطلوب لكنها ضعيفة. فالانصاف ان الحرمة لو لم تكن اقوى فهى احوط سيما مع حكاية عدم الخلاف من بعض الاعاظم واستظهاره من جمع كما قال الشيخ الانصاري: فلا اظن الحكم بحرمة الفعل مضافا إلى الفساد محل اشكال ولا محل خلاف كما يظهر من كتاب السبق والرماية وكتاب الشهادات (انتهى). واما الاستشهاد بصحيحة محمد بن قيس (3) عن ابى جعفر عليه السلام " قال قضى امير المؤمنين في رجل آكل هو واصحاب له شاة فقال: ان اكلتموها فهى لكم وان لم تأكلوها فعليكم كذا فقضى فيه ان ذلك باطل لا شئ في المؤاكلة من الطعام قل منه أو كثر، ومنع غرامة فيه " بدعوى ان سكوت الامام عليه السلام عن منع اللعب دليل على جوازه وان كان باطلا لا يوجب غرامة. (وفيه ما لا يخفى) فان الاشتهاد اما بسكوت


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 30 - من ابواب آداب السفر إلى الحج وغيره (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 10 - من ابواب احكام الدواب. (3) الوافى - ج 9 - باب قضايا غريبة من ابواب القضاء والشهادات - ص 169 -

[ 22 ]

الباقر عليه السلام عن بيان الحكم (ففيه) انه بصدد بيان قضاء مولينا امير المؤمنين عليه السلام ولم يكن لاعب عنده حتى ينهاه، أو بان سكوته عن بيان منع على عليه السلام دليل على عدم منعه عليه السلام وهو دليل على الجواز (ففيه) انه عيه السلام بصدد بيان قضائه في الواقعة لا مطلق ما وقع فيها، ولهذا لم يذكر كيفية الدعوى والمدعى والمدعى عليه، ولعل امير المؤمنين عليه السلام نهى عن العمل ولم يكن أبو جعفر عليه السلام بصدد نقله مع ان الواقعة كانت قضية خارجية لم تظهر حالها، فلا معنى لاستفادة شئ من سكوته. ثم ان في الرواية اشكالا وهو ان نفى الغرامة خلاف القواعد، لان المعاقدة ان كانت فاسدة كان الاكل موجبا للغرامة لانه كالمقبوض بالبيع الفاسد. وما يقال ان الاباحة المالكية ترفع الغرامة: ليس بشئ لان ما يوجب رفعها هو الاباحة المطلقة لا في ضمن معاملة فاسدة، فلو باع شاة في بيع فاسد وقال خذها وكلها فهل يمكن دفع الغرامة بالاباحة المذكورة. فالاولى ان يقال: ان كيفية الدعوى والمدعى والمدعى عليه غير مذكورة في الرواية ولم يكن أبو جعفر عليه السلام بصدد بيان تمام الواقعة بل كان بصدد بيان نحو القضاء، فعليه يحتمل ان يكون المدعى في الواقعة صاحب الشاة مع اظهار اصحابه المعجز عن الاكل بعد تمامية المشارطة وقيل التصرف في الشاة، فاراد اخذ الغرامة التى جائت بعهدة اصحابه بتوهم صحة المعاقدة، فمنع امير المؤمنين الغرامة. والقول بعدم صدق الغرامة عليه: وهم: فان الغرامة ما يلزم ادائه من المال ولهذا يقال للمديون الغريم فالمال المشارط عليه يقع على عهدة المتخلف فيكون غرامة وصاحبه غريما. فمع هذا الاحتمال لا دلالة في الصحيحة على خلاف القواعد " فتدبر ". واما المغالبة بغير عوض في غير ما استثنى فقد حكى عن الاكثر عدم جوازها، ويظهر من موارد من التذكرة الاتفاق عليه. والظاهر ان دعوى العلامة معللة لا يمكن الاتكال عليها سيما مع عدم تعرض قدماء اصحابنا لذلك ظاهرا، وسيما مع تقييد شيخ الطائفة المسابقة على الاقدام و بالمصارعة وبالطيور بعوض في موضوع الحرمة، بل ظاهره في المسابقة بالسفن و

[ 23 ]

نحوها التقييد ايضا، لاستدلاله بما استدل لغيرها وهو قوله لا سبق الا في نصل أو خف أو حافر، وكيف كان فقد استدل الشيخ الانصاري عليه بادلة حرمة القمار وادعى صدقه على مطلق المغالبة وهو كما ترى، وقد مرت كلمات اللغويين المشحونة باعتبار الرهن، ولا شبهة في عدم صدقه عرفا على المغالبة في الخط والقرائة والمصارعة وغرس الاشجار وحفر الانهار والبناء ونحوها مع رهن فضلا عن عدمه. والاولى الاستدلال له بمرسلة الفقيه المتقدمة " قال قال الصادق عليه السلام: ان الملائكة لتنفر عند الرهان " (الخ) بدعوى ان المراد بالرهان مطلق المسابقة كما هو احد معانيه على ما يظهر من اللغة بقرينة استشهاده بانه قد سابق رسول الله صلى الله عليه وآله اسامة بن زيد واجري الخيل، فلو كان مراده من الرهان السباق برهن أو مال الرهانة لما يناسب الاستشهاد بذلك فتدل على حرمة مطلق المغالبة. ويمكن المناقشة فيه بان الظاهر من الرهان السبق برهن، واطلاقه على المسابقة لعله للمناسبة بينهما ولزوم السباق له فيكون ذلك قرينة على ان مراده من الاستشهاد بالسباق هو ما يشتمل على الرهن فقد ورد ان رسول الله صلى الله عليه وآله اجرى الخيل وجعل سبقها اواقى من فضة ولعله كان مع اسامة بن زيد. ويشهد له رواية العلا بن سيابة (1) وفيها " لا بأس بشهادة الذى بلعب بالحمام، ولا بأس بشهادة [ صاحب السباق ] (2) المراهن عليه فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد اجرى الخيل وسابق، وكان يقول ان الملائكة تحضر الرهان في الخف والحافر والريش وما سوى ذلك فهو قمار حرام ". فان الظاهر ان استشهاده بسباق رسول الله صلى الله عليه وآله وعمله: لنفى البأس في سباق صاحب السباق المراهن عليه لا مطلق السباق والحمل على مطلقه بدعوى ان محط نظره مطلق اللعب كما يظهر من قوله يلعب بالحمام بلا قيد ومن استشهاده بمسابقة ذاتها (بعيد جدا) بل الاظهر ان استشهاده للسبق برهن، واتكل على وضوح المراد. ومثله


(1) الوسائل - كتاب السبق والرماية - الباب 3. (2) هذه الجملة في نسخة الوافى

[ 24 ]

في البعد توهم ان الاستشهاد بقوله صلى الله عليه وآله، لا بعمله، أو بعمله في اصل السبق وبقوله فيه برهن، فان كان ذلك تكلف وبعيد عن الافهام، فالتشبث بالمرسلة وكذا برواية ابن سيابة في غير محله، كالاستدلال بقوله: " لا سبق الا في خف " (1) (الخ) أو بمثل قوله في الشطرنج وغيره (2) " إذا ميز الله بين الحق والباطل مع ايهما يكون قال مع الباطل قال فلا خير فيه ". فان قوله لاخير فيه وان كان كناية عن الحرمة كما مر، لكن لا يمكن الالتزام بحرمة مطلق الباطل، لقيام الضرورة والسيرة على خلافها، فلابد من حمله على قسم معهود منه، ولا يبعد ان يكون المراد به ما في قوله تعالى لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل المفسر بالقمار، وغاية اقتضاء اطلاقه حرمة اكل المال المتحصل من الاسباب الباطلة، أو حرمة تحصيل المال بها على ما تقدم احتماله مع الجواب عنه. ومنه يظهر الجواب عن روايات يظهر منها حرمة مطلق الباطل أو كل ما الهى عن ذكر الله ونحوها (نعم) في مقنع الشيخ الصدوق ولا تلعب بالصوالج فان الشيطان يركض معك والملائكة تنفر عنك، وروى ان من عثرت دابته فمات دخل النار و اجتنبت الملاهي كلها واللعب بالخواتيم والاربعة عشرو كل قمار فان الصادقين (ع) قد نهوا عن ذلك اجمع (3) (انتهى). مع ما في اوله من الشهادة على ان كل ما فيه روايات مسندة موجودة في الكتب الاصولية عن المشايخ العلماء الفقهاء الثقات، و مع ما في ذيل هذه العبارة من الجزم بان الصادقين (ع) نهوا عن ذلك اجمع فلا اشكال في سندها. واما دلالتها فيمكن ان يقال: ان الملاهي مطلق آلات اللهو واللعب كما تشهد به كلمات اللغويين، ففى الصحاح: والهاه أي شغله إلى ان قال: الهو لهوا إذا لعبت به وتلهيت به مثله وفى القاموس: لها لهوا: لعب كالتهى والهاه ذلك


(1) الوسائل - كتاب السبق والرماية - الباب 3 (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به. (3) باب الملاهي من المقنع.

[ 25 ]

والملاهي آلاته وفى المنجد: لها يلهو لهو الرجل: لعب إلى ان قال: الملهى بالكسر آلة اللهو الجمع ملاه نعم فيه: آلات الملاهي آلات الموسيقى، لكن يمكن ان يقال: ان الظاهر منه انها مصداق من الملاهي بعد تفسير اللهو باللعب، وفى مجمع البيان عن المجاهد: كل لعب لهو، وقيل: اللعب ما رغب في الدنيا واللهو وما الهى عن الاخرة. فتحصل من ذلك وجوب اجتناب آلات اللهو واللعب كآلات القمار ونحو الصولجان والكره، بل يمكن الغاء الخصوصية من الخواتيم والصولجان واسراء الحكم إلى مطلق اللعب، وعليه يمكن الاستدلال للمطلوب برواية سماعة (1) " قال قال أبو عبد الله عليه السلام: لما مات آدم عليه السلام شمت به ابليس وقابيل فاجتمعا في الارض فجعل ابليس وقابيل المعارف والملاهي شماتة بآدم عليه السلام فكل ما كان في الارض من هذا الضرب الذى يتلذذ به الناس فانما هو من ذلك ". ويمكن المناقشة في سند المقنع بان يقال ان ما في اوله لا يدل على توثيق جميع ما في سلسلة السندلانه قال: انى صنفت كتابي هذا وسميت كتاب المقنع لقنوع من يقرؤه بما فيه، وحذفت الاسناد منه لئلا يثقل حمله ولا يصعب حفظه ولا يمله قاريه إذ كان ما ابينه فيه في الكتب الاصولية موجودا مبينا عن المشايخ العلماء الفقهاء الثقات رحمهم الله (انتهى) وفيه احتمالان. احدهما انه بصدد الشهادة على موجودية ما في المقنع في الكتب الاصولية فتكون شهادة على وجدانه فيها، وانما ذكرت الاسناد فيما ذكرت لا لاثبات الكتب بل لاغراض اخر كحفظ السلسلة ورجال الاسانيد كالاسناد الموجودة في عصرنا إلى الكتب الاربعة، وبصدد شهادة اخرى وهى توثيق صاحب الاصول، و على هذا يكون ما فيه بمنزلة رواية صحيحة لو قلنا بقبول توثيق عدل واحد في رجال السند.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 100 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة ظاهرا بعبد الله بن قاسم.

[ 26 ]

وثانيهما ان يكون بصدد بيان وثاقة طرقة إلى الاصول لا توثيق اصحابها بان يكون قوله: مبينا حالا، لا خبرا بعد خبر، فيكون مراده ان وجودها في الكتب معلوم مبين بوسيلة المشايخ الثقات، ولعل هذا الاحتمال اقرب لبعد امتياز المقنع عن ساير كتبه سيما مثل من لا يحضر مضافا إلى ان ظاهر قوله واجتنب الملاهي كلها انه نهى عنه بقرينة قوله فان الصادقين (ع) قد نهوا عن ذلك اجمع ومعه لا يبقى الا ارسال الصدوق وهو وان كان من الارسالات التى قلنا انه يشكل طرحها لكن يحتمل ان يكون مثل اللعب بالخواتيم ونحوها داخلا في القمار عنده كما قال جمع: ان القمار مطلق المغالبة، ومعه لا يبقى ظهور في ان كل ما ذكرها بعناوينها منهية عنه مع ان عين النواهي غير مذكورة، فمن المحتمل ان لا تدل بجهات تقدم بعضها على الحرمة. فرعان احدهما انه هل المأخوذ بالقمار والمال الذى جعل رهنا محرم بعنوان ما يقامر عليه زائدا على حرمة التصرف في مال الغير كما قلنا في ثمن الخمرو العذرة أو كان حاله كالمقبوض بالعقد الفاسد. يمكن الاستشهاد للاول بصحيحة معمر بن خلاد (1) عن ابى الحسن عليه السلام " قال النردو الشطرنج والاربعة عشر بمنزلة واحدة، وكل ما قومر عليه فهو ميسر " وقريب منها رواية العياشي عن الرضا عليه السلام (2). فان الظاهر منهما ما قومر عليه بمنزلة الميسر لا بنحو المجاز في الحذف بل على نحو الحقيقة الادعائية بملاك ترتب الآثار فيكون ما قومر عليه بعنوانه محرما ومنزلا منزلته، وهذا اقرب من جعل الرواية مفسرة للاية الكريمة أي انما الخمر والميسر (الخ) لانه مع عدم اشعار فيها لذلك وانما احتمال أو ظن ناش من ورود الميسر في الآية، مع ان الحمل على التفسير يوجب ارتكاب خلاف ظاهر: بعيد في الآية وهو استعمال الميسر وارادة القمار وما قومر عليه، بل ما ورد في تفسيرها


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 104 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 27 ]

كراويتى جابر (1) ومحمد بن عيسى (2) ليس فيهما ما قومر عليه بل فسر فيهما بما قومر به فلا وجه لجعل مثل صحيحة معمر بن خلاد تفسيرا لها. مضافا إلى انه لو جعلت مفسرة ايضا تدل على المقصود ظاهرا، لان الظاهر منها ان ما قومر عليه بما هو كذلك داخل فيها ومراد منها وان لا يخلوا من نحو مناقشة، وكيف كان لا شبهة في ظهورها فيما ذكرناه بل يمكن استظهار حرمته على صاحب المال منها أيضا بان يقال: ان ما قومر عليه حرام لا بعنوان اكل مال الغير حتى يقال: لا معنى لحرمته على صاحبه، بل بعنوان انتزاعي آخر هو عنوان ما قومر عليه، فيحرم بهذا العنوان على جميع الناس. وبعبارة اخرى ان اخذ مال المقامرة من صاحبه بعنوان الغلبة في القمار والالتزام بمقتضى مقامرتهما، يجعل المال معنونا بعنوان محرم، فلا يجوز لاحد التصرف فيه ولو صاحب المال. نعم لو اخذ ماله بعنوان ان القمار ليس بسبب لا بأس به ويجوز تصرفه فيه. واما احتمال خروج المال شرعا عن المالية بمجرد حصول التقامر عليه ضعيف جدا بل مقطوع الخلاف، لكن الاحتمال المتقدم موافق للادلة ولا يخالفه عقل أو نقل، وقد وقع نظيره في الشرع كحرمة الاكل على مائدة يشرب عليها الخمر، فلا يجوز رفع اليد عن اطلاق الدليل بمجرد الاستبعاد أو تخيله. ولا يتوهم ان ما ذكر نظير ما قيل في المغصوب انه لا يجوز لصاحب المال ابضا التصرف فيه، ولا يخفى ضعفه، وذلك لان حرمة المغصوب انما هو بعنوانه وهو التسلط على مال الغير والاستيلاء عليه، وحرمة تصرفه باعتبار التصرف في مال الغير عدوانا، فلا معنى لحرمته على صاحب المال بخلاف ما نحن فيه فان الحرمة متعلقة بعنوان آخر غير التصرف في مال الغير " فتدبر " الثاني القمار باقسامه من الكبائر لظاهر قوله تعالى يسئلونك عن الخمر


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به - الاولى ضعيفه بعمرو بن شمر والثانية صحيحة على تأمل.

[ 28 ]

والميسر قل فيهما اثم كبير (1) ولا ينافيه قوله تعالى واثمهما اكبر من نفعهما، لان اكبريته منهما لا تنافى كونه كبيرة في نفسه كما يقتضيه صدر الآية، وفى رواية على بن يقطين (2) عن ابى الحسن عليه السلام في باب تحريم الخمر " قال فاما الاثم في كتاب الله فهى الخمر والميسر واثمهما كبير كما قال عزوجل "، ولروايتي الفضل بن شاذان واعمش (3) الواردين في عد الكبائر وفى سندهما ضعف وان قيل ان سند الاولى باحد طرقه لا يخلو من حسن بل صحح بعضهم ذلك وقال الشيخ الانصاري في باب الكذب انه لا يقصر عن الصحيح وسيأتى الكلام فيه. ويمكن الاستدلال على المطلوب برواية على بن ابراهيم في تفسيره عن ابى الجارود (4) في قوله تعالى انما الخمر والميسر (الخ) وفى آخرها " وقرن الله الخمر والميسر مع الاوثان "، ولا ريب في انه ليس مراده من الاخبار بالمقارنة بينها صرف الاخبار بامر ضروري لا فائدة فيه بل مراده بيان عظمة خطبهما وحرمتهما و انه لهذه جعلهما قرينا للشرك، ولعله تشير إلى ذلك ما دلت على ان شارب الخمر كعابدوثن، وما دلت على ان الرجس من الاوثان الشطرنج. وقد استدل أبو عبد الله عليه السلام على رواية عبد العظيم الحسنى الصحيحة (5) على ان شرب الخمر من الكبائر بقوله: " ان الله نهى عنها كما نهى عن عبادة الاوثان " وهو اشارة إلى الآية المتقدمة، وليس مراده مجرد تعلق النهى بهما، بل المراد ان النهى عنهما مقارنان أو مشابهان في الكيفية فتدل على ان الخمر والميسر في العظمة


(1) سورة البقرة - الاية 216. (2) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 9 - من ابواب الاشربة المحرمة - ضعيفة بحسن بن على بن حمزة. (3) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس - ضعيفة. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بابى الجارود. (5) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس.

[ 29 ]

والكبر كعبادة الاوثان وليس الاقتران بينها لصرف الجمع في التعبير بلا نكتة. ويمكن الاستدلال عليه بما دلت على ان الشطرنج كبيرة كرواية ابى بصير المحكية في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطى (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: " بيع الشطرنج حرام واكل ثمنه سحت واتخاذها كفر واللعب بها شرك، والسلام على اللاهى بها معصية وكبيرة موبقة والخائض يده فيها كالخائض يده في لحم الخنزير " (الخ)، وهى كما ترى تدل على المقصود بجهات عديدة تظهر بالتأمل فيها والمراجعة إليها، واشتمالها على ما يجب تأويله وهو قوله: لا صلوة له حتى يغسل يده: لا يوجب الوهن فيها كما ان الاستبعاد من بعض فقراتها لا يوجب ذلك. وتدل عليه ايضا مرسلة ابن ابى عمير (2) ورواية زيد الشحام (3) عن ابى عبد الله عليه السلام وفيهما " قال: الرجس من الاوثان: الشطرنج " بناء على ان المراد تنزيله منزلته " تأمل ". ويؤيده رواية الحسين بن عمر بن يزيد (4) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال يغفر الله في شهر رمضان الا لثلثة صاحب مسكر أو صاحب شاهين أو مشاحن ". وقريب منها رواية عمر بن يزيد (5) وهما وان كانا في المزاولين بهما لكن تشعران أو تدلان على عظمتهما إلى غير ذلك، فلا ينبغى الشبهة في كونه كبيرة، ويتم المقصود في ساير انواع القمار بعموم التنزيل في صحيحة معمر بن خلاد (6) عن ابى الحسن عليه السلام المتقدمة، فلا يبعد استفادة التسوية بين انواعه، بل لا يبعد ان يكون مراده


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 103 - من ابواب ما يكتسب به - صحيحة ظاهرا. (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به الثانية ضعيفة بدرست والثالثة صحيحة على الاصح. (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به - تقدم البحث في سندها. (6) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 104 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 30 ]

من ذلك نفسي الفرق بين الشطرنج وغيره سيما مع قوله: " وكل ما قومر عليه فهو ميسر ". نعم انه يستفاد من ذيل صحيحة معمر ان التصرف فيما قومر عليه ايضا كبيرة لاطلاق التنزيل والهوهوية، ويمكن الاستدلال عليه بموثقة السكوني (1) عن ابى عبد الله قال: كان ينهى عن الجوز يجئ به الصبيان من القمار ان يؤكل " و " قال: هو سحت " بضميمة روايتي الفضل بن شاذان واعمش، وقد عد السحت فيهما من الكبائر فينقح موضوعهما بالموثقة لكنهما ضعيفتان. المسألة الخامسة في الكذب وقد اختلفوا في ماهية الصدق والكذب والمشهور ان الاول مطابقة الخبر للواقع والثانى مخالفته له. وقد يقال: ان الاول مطابقة الحكم للواقع والثانى مخالفته له، وان رجوع الصدق والكذب إلى الحكم اولا وبالذات والى الخبر ثانيا وبالواسطة قال به التفتازانى، وهذا بوجه نظير قول من قال: ان الالفاظ موضوعة للمعانى المرادة ان كان مراد التفتازانى بالحكم الادراك الذهنى والحكم النفسي وسيجئ الاحتمالات في كلامه. اقول: لا شبهة في ان الكلام بنفسه مع قطع النظر عن صدوره من متكلم مريد دال على المعنى، فلو نقشت بواسطة الحوادث الكونية: كلمة " السماء فوقنا " و " السماء تحتنا " فلا يمكن ان يقال: انا لا نفهم منهما شيئا اصلا، أو هما لا يحكيان عن مدلولهما، أو يقال: ان المدلول منهما شئ واحد، أو ان مدلولهما ليس موافقا ولا مخالفا للواقع، فعليه تكون الجملة الاولى صادقة والثانية كاذبة.


(1) الوسائل: - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به - موثقة بالسكوني.

[ 31 ]

وتوهم ان ما يحكيان عنه ليس بنحو الدلالة، بل بنحو الخطور لانس الذهن ; خلاف الوجدان وهو اصدق شاهد على عدم الفرق في الدلالة بين الكلام الصادر عن متكلم شاعر وبين الصادر من غيره، فبطل القول بان الالفاظ موضوعة للمعاني المرادة، أو الوضع عبارة عن التعهد بارادة المعنى من اللفظ، أو ان الدلالة عبارة عن ابراز ما في الضمير وما فيه حاك عن الواقع، مضافا إلى ان الكلام الصادر من المتكلم لا يحكى الا عن الواقع، ونفس الامر مستقيما من غير دلالة على المعاني الذهنية وصورها، وهو وجدانى جدا، فيكون الصدق والكذب من صفات الخبر اولا وبالذات، وانما يتصف المتكلم بكونه صادقا أو كاذبا لاجل اخباره، فلا محالة تكون سعة اتصافه بالصادق والكاذب تابعة لاخباره، لعدم امكان ان يكون الخبر صادقا وقد اخبر به المتكلم، ومع ذلك لا يكون صادقا وكذا في الكذب. لكن ترى في العرف والعادة عدم اطلاق الكاذب على الخاطى والمشتبه، فلا يقال لمن صنف كتابا مشتملا على احكام اجتهادية مخالفة للواقع: انه كاذب، ولا لمن اخبر باعطاء شئ لزيد غدا فمنعه مانع عنه: انه كذب وان كان معذورا. وبالجملة ان العرف يطلقون على مثله الخطاء والاشتباه أو نحوها، ولا يقال: انه كاذب أو كذب فلان، ولازم ذلك ان يكون امثال ذلك خارجة عن الصدق والكذب بالمعنى المصدرى، وان لم تخرج عن احدهما بمعنى حاصل المصدر أي نفس الكلام. ويظهر من المنجد دخالة الاعتقاد فيه قال: كذب ضد صدق: اخبر عن الشئ بخلاف ما هو مع العلم به. ثم ان ما ذكرناه غير مقالة النظام فانه لم يفرق بين الكلام والمتكلم أي بين الصدق والكذب وبين الصادق والكاذب، بل الظاهر عدم التزام احد به. ويمكن ان يقال: ان عدم انتساب إلى المفتى بالاحكام المخالفة للواقع و كذا غيره المخبر بمقالة كاذبة مع اعتقاده صدقها وامثال ذلك: انما نشأ من ادب العشرة واحتراز الناس عن استعمال لفظ يشعر بالذم أو يدل عليه أو نتسابه إلى غيره ولو مع ارادة خلاف ظاهره واقامة قرينة عليه، والظاهر من قوله كذب فلان أو

[ 32 ]

هو كاذب في مقالاته انه كذب عمدا، ولا اقل من اشعاره بذلك، وهو نحو اهانة بالطرف أو خلاف ادب، بل قد يكون سلب انتساب بعض القبائح موجبا للهتك والاهانة فيحترز الناس عنه، فان في السلب ايضا اشعارا بالذم فلا يقال للرجل الشريف: انه ليس بسارق ولا زان. فعدم انتساب الكذب، للاحتراز عن الاهانة، ولهذا نرى احترازهم عن ذلك مختلفا باختلاف عظمة الطرف، فاستعمل الخطاء والاشتباة ونحوهما مكانه وشاع الاستعمال فصار منشأ لتوهم عدم الصدق والا فلا ينبغى الاشكال في صدق الكاذب على من اخبر بكلام مخالف للواقع، وانما يختص ما ذكرناه بالكلام والاقوال دون الافعال فيقال لمن شرب الخمر خطاء: انه شربها وهكذا فلعله لكثرة الاطلاع بالاقوال المخالفة للواقع خطاء فان الكتب ملؤ من ذلك، فصارت كثرة استعمال الخطاء ونحوه منشأ لذلك بخلاف الاشتباه في الافعال، فان الابتلاء بها قليل في موارد الاستعمال " فتدبر ". ثم ان التفتازانى (1) فسر قول صاحب التلخيص: صدق الخبر مطابقته للواقع، بمطابقة حكمه، فلا يخلو مراده منه، اما الحكم النفساني والادراك بان هذا ذاك أو غيره، أو الادراك بوقوع النسبة أو لا وقوعها، كما يؤيده قوله بعد ذلك في مقام الجواب عن الاشكال بان القضية المشكوك فيها ليست متصفة بصدق ولا كذب، لعدم الحكم فيها: ان الحكم بمعنى ادراك وقوع النسبة أو لا وقوعها، و حكم الذهن بشئ من النفى والاثبات وان لم يتحقق، لكن إذا تلفظ بالجملة الخمرية مع الشك، بل مع القطع بالخلاف، فكلامه خبر لا محالة (انتهى ملخصا) فيكون حاصل مراده ان ادراك النفس وحكمها بان هذا ذاك، أو ادراكه بوقوع النسبة أو لا وقوعها متصف بالكذب اولا وبالذات ; ولاجله يتصف الخبر به. وفيه ما لا يخفى، فان لازمه ان المخبر بقوله: السماء تحتنا، مع اعتقاده بانها فوقنا لا يكون صادقا ولا كاذبا، ولا مقالته صدقا ولا كذبا، لان اعتقاده وادراكه


(1) راجع المطول - ص 31 - ط عبد الرحيم.

[ 33 ]

موافق للواقع، واخباره مخالف له ولاعتقاده، فلا يكون اخباره صادقا لمخالفته لهما ولا كاذبا لان موصوفية الكلام بالكذب على هذا المبنى ثانيا وبواسطة الادراك النفساني المخالف للواقع، وليس الامر كذلك ههنا " فتدبر ". أو كان مراده من الحكم ايقاع المتكلم وجعله الخبر للمبتدا وفيه ان هذا فعل المتكلم وليس له محكى يطابقه أو لا يطابقه. أو كان مراده منه النسبة الحكمية وهو مع كونه خلاف ظاهرهم مقدوح فيه. بان النسبة الحكمية التصورية ليس لها واقع محكى يطابقها ولا يطابقها، و التصديقية منها عين الخبر، فانه ليس الا ما يحكى عن كون هذا ذاك أو هذا لذاك. ولو كان مراده منه الحكم بالوقوع أو اللا وقوع. يرد عليه مضافا إلى ما تقدم: ان الحكم الكذائي مجردا عن متعلقه لا يتصف بالصدق والكذب بل لا تحقق له، وباعتبار متعلقه يتصف ثانيا وبالعرض بهما لما عرفت من ان الجملة الخبرية تدل على مفادها ولو لم يصدر من متكلم شاعر، فالحكم بالوقوع واللاوقوع لا دخالة له لاتصافها بهما ثم ان الظاهر ان الكذب لا يتقوم بالقول واللفظ بمعنى كونه قولا خارجا من الفم معتمدا على المخارج مخالفا مضمونه للواقع حتى لا تكون الاشارة والكتابة، بل المبالغات والكنايات والمجازات كذبا، فان الاشارة والكتابة ليستا الفاظا، بل الاولى فعل والثانية نقش حاك عن الواقع. وفى المبالغات وتاليتيها لم تستعمل الالفاظ في المعاني التى يراد الاخبار بها جدا، وليست من قبيل استعمال اللفظ في غير ما وضع له حتى المجازات على ما هو التحقيق من انها من قبيل الحقائق الادعائية، لا كما ذكره السكاكى في الاستعاره بل باستعمال اللفظ في معناه الموضوع له وتطبيق المعنى على المراد الجدى ادعاء ففى مثل " زيد اسد " استعمل لفظ الاسد في معناه، وادعى ان زيدا مصداق لماهية الاسد، فعليه لا يكون قوله ذلك مع عدم شجاعة زيد كذبا، اما بالنسبة إلى المفاد الاستعمالى فلعدم تعلق الارادة الجدية به وسيأتى اعتباره في الصدق والكذب لا الجد مقابل الهزل

[ 34 ]

بل مقابل الاستعمال، واما بالنسبة إلى المعنى المراد أي الاخبار بالشجاعة فلعدم التلفظ به، واوضح منها الحال في الكنايات والمبالغات، ولا مطلق الايصال إلى خلاف الواقع والافهام له والدلالة عليه حتى يكون مثل نصب علامة الفرسخ على ما دونه للدلالة على الفرسخ، واظهار الكلام جزما لافهام اعتقاده بمضمونه، والاذان قبل دخول الوقت للاعلام بدخوله، والمشى على زى الاشراف، والاغنياء لارائة خلاف ما هو عليه: كذبا، ولازمه ان يكون في بعض الاحيان كذب واحد اكاذيب كثيرة، بل غير محصورة كمن اخبر بان اليوم الكذائي جمعة وكان سبتا، فان لازم كونه جمعة ان يكون بعده سبتا، وبعد بعده احدا وهكذا وقبله خميسا وقبل قبله اربعاء وهكذا والالتزام بها كما ترى. بل الظاهر ان الكذب بالمعنى المصدرى عرفا عبارة عن الاخبار المخالف للواقع. والاخبار لم ينحصر باللفظ والقول الخارج من الفم بل يشمل الكتابة والاشارة ونحوهما عرفا كما يطلق على ما في الصحف والمجلات واليوميات وفى مثل المجازات وتاليتيها يكون المتكلم مخبرا عن لازم كلامه لا عن مضمونه، فالقائل بان زيدا كثير الرماد اخبر عن سخائه، فلو لم يكن زيد شجاعا ولم يكن في كلامه تأول آخر يكون المخبر كاذبا والخبر كذبا وكذا في النظائر، وفى مثل جعل النصب دون الفراسخ إذا لم يكتب عليها ان هذا رأس الفرسخ لم يكن مجرد الوضع اخبارا وكذبا عرفا، والمؤذن قبل الوقت لم يخبر بالوقت، والماشي على غير زيه لم يخبر بشئ ولا يقال انه اخبرني بكذا، ولوازم المخبر عنه ليست باخبار، بل الاخبار انما هو عن الملزوم وهى لوازم المخبر عنه. وما ذكرناه هو الموافق لفهم العرف، فعليه ليس الاخبار أو الخبر عبارة عن القول أو اللفظ المحتمل للصدق والكذب بل اعم منه، ومما قام مقامه، لكن لا بنحو يشمل مطلق ماله حكاية. ولعل السر فيه ان الصدق والكذب عبارة عن القاء الجملة الخبرية لافادة مضمونها أو لافادة جملة اخرى فتندرج فيهما المجازات والمبالغات والكنايات إذا اريد بها

[ 35 ]

الاخبار، وكذا يدخل الكتابة وان احتمل فيها ما يأتي في الاشارة وهو ان الاشارة المستعملة مكان الجملة الاخبارية كالاشارة (بنعم) و (لا) في جواب هل زيد قائم؟ فالظاهر ان اطلاق الصدق والكذب عليها باعتبار قيامها مقام القول عرفا بخلاف ساير الافعال الحاكية عن خلاف الواقع فانها ليست من مقولة الاخبار والاقوال ولا نائبا منابها، بل لها دلالة مستقيمة على الواقع في مقابل الاخبار. فاذان المؤذن قبل الوقت ليس بكذب، لان مقالته أي فصوله بما انها حاكية عن معانيها لا تحكى عن دخول الوقت لا مطابقة ولا التزاما، بل ايقاع هذا العمل كاشف عن دخول الوقت للتعارف والعادة، ففرق بين الاعمال القائمة مقام الاقوال و غيرها مما هي كاشفة عن واقع لزوما. واما لوازم المخبر به في المثال المتقدم أي الاخبار بان هذا يوم السبت فلا يقال فيها: انه اخبر بامور غير محصورة لانه لم يخبر الا عن يوم السبت، واللوازم المذكورة لوازم المخبر عنه الوحداني ففى قوله: زيد طويل النجاد، اخبار عن طول قامته أو شجاعته، لا عن طول النجاد، بخلاف قوله: هذا يوم السبت فانه اخبار عن مضمونه، لا عن الايام الاخر. ثم ان الكذب هل يتقوم على افهام الغير مضمون الجملة فلا يقال للجملة التى لا مخاطب لها انها صدق أو كذب، أو لا يتوقف الا على صدور الجملة المخالفة للواقع من المتكلم. يمكن ان يقال: ان الصدق والكذب متفرعان على الحكاية عن الواقع، والحكاية فرع الدلالة أو هي هي، ومعنى الدلالة الفعلية على شئ كون الكلام هاديا ومرشدا إلى الواقع أو إلى مفاد الجملة المنطبق عليه، والدلالة الفعلية بما انها من الامور الاضافية تحتاج إلى الاطراف من الدال والمدلول والمدول عليه فلا يتصف الكلام بالدلالة الفعلية الا إذا كان عند المتكلم مخاطب مهدى بكلامه بالفعل إلى مضمون الجملة الحاكية عن الواقع، ومع فقد المهدى بالفعل لا تكون الدلالة والهداية فعلية، لان المتضائفين متكافئان قوة وفعلا بل يكون الكلام دالا اقتضاء أي له اقتضاء الدلالة لا فعليتها،

[ 36 ]

وليس المتكلم مهديا وهاديا باعتبارين، لان كلامه ليس هاديا له إلى الواقع أو إلى مدلوله التصديقي. ويؤيد ذلك ما قال المحقق الطوسى رحمه الله (1) بلفظه: دلالة اللفظ كما كانت وضعية كانت متعلقة بارادة المتلفظ الجارية على قانون الوضع، فما يتلفظ به ويراد به معنى ما، ويفهم عنه ذلك المعنى يقال: انه دال على ذلك المعنى، وقول شارح حكمة الاشراق (2) فالدلالة الوضعية تتعلق بارادة اللافظ الجارية على قانون الوضع حتى انه لو اطلق واراد به معنى وفهم منه لقيل انه دال عليه وان فهم غير، فلا يقال انه دل عليه. وهما كما ترى ظاهر ان في ان الدلالة كما هي متوقفة على ارادة اللافظ متوقفة على فهم المخاطب فإذا لم يدل الكلام على مضمونه فعلا لا يعقل مطابقته للواقع ومخالفته، لكونهما متفرعتين على الحكاية والدلالة، ومع فقدهما لا يتصف الكلام بالصدق والكذب، والمتكلم بالصادق والكاذب بل لازم ذلك عدم الكذب في الاخبار التى لا تفيد المخاطب فايدة خبرية كقوله: السماء تحتنا لمن يعلم مخالفته للواقع. فيعتبر فيه ان يكون الكلام دليلا وهاديا بالفعل إلى الواقع ومع العلم ليس كذلك. ويمكن ان يناقش فيه بان الكذب ليس عبارة عن مخالفة مضمون الجملة بعد الدلالة بهذا المعنى الذى ظاهر كلام العلمين المتقدمين أي بعد ارادة المتكلم وفهم السامع، بل الصدق والكذب عبارة عن موافقة مضمونها ومخالفته للواقع فحينئذ يقال: ان جملة " السماء تحتنا والسماء فوقنا " لا محالة يكون لهما مضمون ومعنى مع قطع النظر عن فهم السامع ; والالزم ان لا يفهم منهما معنى الا على وجه دائر، فإذا كان لهما مضمون فلا محالة يكون معنى تصديقي لا تصوري ولازمه مخالفة الاولى للواقع دون الثانية وهما الصدق والكذب، فإذا صدرتا من المتكلم بنحو الجد يتصف لا محالة بالصادق والكاذب فالدلالة بالمعنى المتقدم غير دخيلة في صدق الكلام والمتكلم وكذبهما.


(1) راجع منطق شرح الاشارات - في شرح الاشارة - 7. (2) راجع هوامش اللئالى في المنطق - في مبحث الدلالات.

[ 37 ]

ولو سملت دخالتها فيهما فيمكن ان يقال: ان الدلالة عبارة عن كون الشئ بحيث يلزم من العلم به العلم بشئ آخر، فهذا المعنى التعليقي حقيقة الدلالة فلا تكون الدلالة اقتضائية وتعليقية، بل معناها عبارة عن امر تعليقي حاصل بالفعل، فالكلام بهذا المعنى دال بالفعل على معناه، لانه بحيث يلزم من فهمه فهم المعنى، وهو امر فعلى أي هذا الامر التعليقي حاصل بالفعل. ولعل مراد العلمين ليس ما يوهم ظاهر كلامهما، بل يكون مرادهما ان اللفظ إذا اطلق واريد به المعنى بالارادة الاستعمالية وكان بحيث يفهم منه المعنى على قانون الوضع: كان دالا، فقوله: رأيت اسدا إذا اريد به الرجل الشجاع من غير قيام قرينة: لا يدل عليه ; لعدم كونه مفهما للمعنى المقصود، بخلاف ما إذا عمل المتكلم بقانون الوضع واقام القرينة فانه يدل على المعنى، وكذا الحال في مخالفة قانون الوضع أو اطلق اللفظ واراد المعنى الحقيقي لكن اقام قرينة المجاز، فعليه لا يكون مرادهما مما ذكرا تبعية الدلالة للارادة ولا تبعيتها لفهم المخاطب فعلا بوجه " تأمل ". ثم ان ما ذكرناه اخيرا متفرعا على ما تقدم: غير وجيه، لان باب دلالة الالفاظ على معانيها غير باب مطابقة مضمون الكلام لنفس الامر والثانى ليس من باب الدلالة في شئ وما هو من بابها عبارة عن احضار المعاني في ذهن المخاطب بالقاء الكلام، وهو حاصل في الاخبار الضرورى الصدق أو الكذب. ولو قلنا: بان الدلالة عبارة عن ارشاد المخاطب إلى معاني الالفاظ: تكون في المقام حاصلة ايضا، فانها لا محالة تحضر المعاني في ذهن المخاطب، وكونها ضروريا غير مربوط بالدلالة. ثم ان المبالغات والمجازات والكنايات انما تتصف بالصدق والكذب إذا اريد بها الاخبار عن واقع، ولو كان لازما لها دون ما اريد بها انشاء المدح والذم، فانها لا تتصف بهما بالغة ما بلغت، وفهم المعنى التصديقي عن الانشاء ليس بمخبر به نظير انشاء البيع الذى ينتقل الذهن منه إلى كون البايع سلطانا عليه، وانشاء الزواج الدال على

[ 38 ]

كون المرأة خلية فلا تتصف لاجله بهما، واما قضية جواز مدح من يستحق الذم أو العكس فهى امر آخر. ثم " ان التحقيق " ان الميزان في صدق المتكلم وكذبه استعمال الجملة الاخبارية في معنى موافق أو مخالف للواقع فمع عدم الاستعمال فيه أو الاستعمال في معنى مخالف لظاهر الكلام المخالف للواقع لم يكن كاذبا إذا كان المعنى المراد موافقا للواقع، فالمتلفظ بالفاظ مهملة لا يكون كاذبا إذا لم يستعملها في معنى، وكذا المتلفظ بالفاظ لا يعلم اللافظ انها موضوعة أو مهملة أو لا يعلم مضمون الجملة مطلقا اولا يعلم انها انشائية أو اخبارية، كل ذلك بشرط عدم الاستعمال في خصوص معنى مخالف للواقع ولو غلطا وعلى خلاف قانون الوضع. ولو علم ان لها معنى كاذبا اجمالا من غير العلم بخصوص المعنى ولو اجمالا، فلا يبعد عدم الاتصاف به، ويحتمل الاتصاف إذا القى الكلام لافادة المعنى الواقعي، ولو علم ان مضمونها اما هذا أو ذاك وكان احدهما موافقا والآخر مخالفا، فان القى الكلام بلا استعمال في المعنى الكاذب أو في المعنى الواقعي لا يكون كاذبا، والا فعلى الاول كاذب وعلى الثاني لو صادف المخالفة لا يبعد ان يكون كاذبا. ولو علم ان الجملة موضوعة لخصوص معنى غير موافق للواقع لكن لا يعرف معنى الفاظها بان لا يعلم ان في قوله: رأيت اسدا أي لفظ بمعنى الحيوان المفترس و ان علم ان مضمون الجملة مفيد لرؤيته، فحينئذ ان استعمل مجموع الجملة في المعنى: يكون كاذبا مع عدم الموافقة، وان لم يكن استعماله على قانون الوضع وكان غلطا نظير ان يستعمل الاسد في رجل بلا نصب قرينة وقال: رأيت اسدا واراد زيدا وكان مخالفا للواقع: فانه كاذب بلحاظ هذا الاستعمال وان كان صادقا بحسب ظاهر لفظه بان رأى اسدا وبالجملة الميزان في الكذب والصدق مخالفة المعنى المستعمل فيه وموافقته للواقع، لا صحة الاستعمال. هذا ان استعمل مجموع الجملة في المعنى بلا لحاظ استعمال المفردات، واما ان لاحظ استعمالها، فان استعمل خصوص بعض الالفاظ في خصوص بعض المعاني و

[ 39 ]

ان كان الاستعمال خطاء يتصف بالكاذب والصادق وان القى الكلام بلا ارادة استعمال الفاظه في معانيه بل لغاية فهم المخاطب العارف بالمعنى لا يكون كاذبا على اشكال ولو القى الكلام ليكون كل لفظ منه حاكيا عن معناه الواقعي فالظاهر الاتصاف ان اراد من الالفاظ معانيها الواقعية وان لم يعرفها نظير الاستعمال في المعلوم بالاجمال أي واقعه المعلوم عند الله تعالى ومما ذكرناه من اعتبار الاستعمال في المعنى المخالف للواقع في الكذب لا يبقى اشكال في عدم كون التورية كذبا، ضرورة ان المورى استعمل الجمل في المعاني الموافقة للواقع ولو على خلاف قانون الوضع ولمحاورات كاستعمال اللفظ المشترك في غير المعنى المسؤل عنه مثلا فان قال في جواب قوله أزيد في الدار؟: ليس زيد في الدار مريدا غير ما في السؤال، أو قال: ليس في الدار مريدا غيره ليس كاذبا، لان المستعمل فيه موافق للواقع فرضا، والظاهر المخالف له غير مستعمل فيه، بل لو استعمل الالفاظ في معانيها واراد بحسب الجد غيرها بنحو من الادعاء لا يكون كاذبا وهو ظاهر، كما ان خلف الوعد ليس كذبا وهو معلوم، وكذا الوعد ولو مع اضمار عدم الانجاز لانه انشاء لا اخبار، هذا جملة من الكلام في موضوعه. واما حكمه فحرمته في الجملة ضرورية لا تحتاج إلى اقامة الدليل عليها و ان كان في دعوى حكم العقل بها نظر فالاولى البحث عن خصوصيات اخر. منها الظاهر ان الادلة منصرفة عن الكذب عند نفسه مع عدم مخاطب بل الظاهر انصرافها عن التكلم به عند مخاطب لم يسمع الكلام لصممه أو لم يفهم معناه لعدم تميزه أو جهله به فان المتكلم بالجملة الكاذبة عند المذكورين ليس بمخبر وان صدر منه الكذب، والمنع عنه باحتمال ان يكون مراد الشارع عن المعنى عنه تنزه لسان المتكلم عن التقول بالكذب: احتمال عقلي غير مناف لانصرافها، وفى الروايات اشعارات وتأييدات لذلك كقوله: " الكاذب على شفا مخزاة وهلكة " (1) وقوله: " من كثر كذبه ذهب بهائه " (2) وقوله: " ان مما اعان الله به على الكذابين النسيان " (3) وقوله: " ان الكذاب يكذب حتى يجئ بالصدق فلا يصدق " (4)


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب الحج - الباب 138 - من ابواب احكام العشرة سيأتي البحث في سندها انشاء الله.

[ 40 ]

وقوله: " الكذب يسود الوجه " (1) وقوله: " اجتنبوا الكذب وان رأيتم فيه النجاة فان فيه الهلكة " (2) إلى غير ذلك. وهل يلحق بالخبر الكاذب ما يفيد فائدته كالتورية والانشاء كما حكى الشيخ الانصاري (3) عن بعض الاساطين: ان الكذب وان كان من صفات الخبر الا ان حكمه يجرى في الانشاء المنبئ عنه كمدح المذموم، وذم الممدوح، و تمنى المكاره، وترجى غير المتوقع (الخ)، وكالافعال المفيدة فائدته كتأوه السالم لافادة العلة، وتلبس الغنى لباس الفقير لافادة فقره، وتلبس الجاهل لباس العلماء لافادة كونه منهم، ونصب العلامة دون الفرسخ لافادة كونها رأسه، ونصب الرايات والبيارق لافادة اقامة العزاء مع مخالفتها للواقع، وامثال ذلك. ففى الجواهر (4) قد يقال: انه وان كان من صفات الخبر لكن يجرى حكمه في الانشاء المنبئ عنه مع قصد الافادة، واما الكذب في الافعال فلا يخلو من اشكال والتورية والهزل من غير قرينة داخلان في اسمه أو حكمه. (انتهى). أو لا يلحق شئ منها به مطلقا، أو يفصل بين الاخبار المفيدة فائدته كالتورية والهزل وبين غيرها، أو بين الكلام المفيد فائدته وغيره فلا تلحق به الافعال غاية ما يمكن الاستشهاد به لالحاق الجميع ان يقال: ان العرف مساعد لالقاء الخصوصية عن الكذب إلى كل ما يفيد فائدته، فانه عبارة عن جملة اخبارية متقومة بالفاظ وهيئة خاصة حاكية عن معنى تصديقي مخالف للواقع فإذا قيل: ان الكذب قبيح عقلا أو حرام شرعا، لا يرى العقل والعرف قبحه وحرمته متعلقين على الالفاظ الخاصة والهيئات المخصوصة والمعاني التصديقية، لا بنحو تمام الموضوع ولا جزئه، سيما مع ان الظاهر ان تكون الحرمة شرعية بملاك القبح العقلي وان كان العقل


(1) و (2) المستدرك - كتاب الحج - الباب 120 - من ابواب احكام العشرة. (3) في المسألة الثامنة عشر - من النوع الرابع - في الكذب. (4) في النوع الرابع فيما هو محرم في نفسه مما يكتسب به - في حرمة الكذب تعمدا.

[ 41 ]

لا يحكم بالقبح المستلزم لصحة العقوبة لكن يدرك انه قبيح ومذموم ولو اخلاقا و بعد حكم الشرع يرى انه بمناطه مع انه من الواضح لدى العقول ان لا دخالة للالفاظ هيئة ومادة، وكذا للمعانى بما انها مستفادة من خصوص تلك الالفاظ في القبح والمذمومية بل يدرك ان الذم والقبح لارائة خلاف الواقع والقاء ما يكون مخالفا له. وعلى هذا كل كلام أو فعل يفيد فائدته ملحق به إذا اوجده الفاعل لافادة خلاف الواقع كالتورية والهزل والانشاءات والافعال المفيدة خلاف الواقع. لا اقول: ان العلة هي الاغراء حتى يمنع ذلك بدعوى الاجماع على حرمة الكذب ولو لم يوجبه. بل اقول: ان تحريمه بملاك قبحه وهو موجود فيما يفيد فائدته أو اقول: ان العرف يرى ان الالفاظ ومعانيها التصديقية غير دخيلة في موضوع الحكم ولو بنحو جزء الموضوع، وان تمام الموضوع للحرمة هو ما يحكى عن خلاف الواقع باى دال كان. ويمكن تأييد المدعى أو الاستشهاد له بما وردت في التورية وما يقتضى الجمع بينها كما روى عن الاحتجاج (1) انه سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل في قصة ابراهيم عليه السلام " قال: بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم ان كانوا ينطقون قال: ما فعل كبيرهم وما كذب ابراهيم عليه السلام قيل: وكيف ذلك فقال: انما قال ابراهيم: فاسئلوهم ان كانوا ينطقون ان نطقوا فكبيرهم فعل وان لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا فما نطقوا وما كذب ابراهيم " ثم ذكر تورية يوسف عليه السلام وابراهيم عليه السلام في قضية اخرى وكيفية الموارات فيها، ويظهر منها انهما ما كذبا موضوعا بل اخبرا تورية. والظاهر من عدة من الروايات انهما ارادا الاصلاح فلم يكن قولهما كذبا حكما. كرواية الحسن الصيقل (2) " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انا قد روينا عن


(1) ص - 194 - مرسلة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة - مجهولة بالصيقل.

[ 42 ]

ابى جعفر عليه السلام في قول يوسف عليه السلام: ايتها العيرانكم لسارقون فقال: والله ما سرقوا وما كذب وقال ابراهيم عليه السلام بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم ان كانوا ينطقون فقال: والله ما فعلوا وما كذب قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما عندكم فيها يا صيقل؟ قال: قلت: ما عندنا فيها الا التسليم قال: فقال: ان الله تعالى احب اثنين وابغض اثنين احب الخطر (1) فيما بين الصفين واحب الكذب في الاصلاح وابغض الخطر في الطرقات وابغض الكذب في غير اصلاح ان ابراهيم عليه السلام انما قال: بل فعله كبيرهم هذا، اراد الاصلاح ودلالة على انهم لا يفعلون وقال يوسف عليه السلام ارادة الاصلاح. ورواية عطا عن ابى عبد الله عليه السلام (2) " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا كذب على مصلح ثم تلا: " ايتها العيرانكم لسارقون " ثم قال: " والله ما سرقوا وما كذب " ثم تلا: بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم ان كانوا ينطقون ثم قال: " والله ما فعلوه وما كذب " ويمكن الجمع بان يقال: ان المنفى في رواية الاحتجاج موضوع الكذب كما هو صريحها وفى الروايتين وما بمعناهما حكم الكذب فيكون المراد ان التورية محكومة بحكم الكذب إذا لم تكن للاصلاح ومع كونها له ليست بكذب أي حكما ايضا كما ليست به موضوعا، ويؤيده ما دلت على ان المصلح ليس بكذاب كما في صحيحة معوية بن عمار (3). وعن كتاب الاخوان (4) بسنده عن الرضا عليه السلام " قال: ان الرجل ليصدق على اخيه فيناله عنت من صدقه فيكون كذابا عند الله، وان الرجل يكذب على اخيه، يريد به نفعه، فيكون عند الله صادقا ". وعن ابى عبد الله عليه السلام (5) " قال: الكلام ثلثة: صدق، وكذب، واصلاح بين


(1) الخطر: التبختر في المشى. (2) الوسائل: - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة - مجهولة بمعمر بن عمرو وعطاء (3) و (4) و (5) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة - الثالثة مرسلة.

[ 43 ]

الناس " وبالجملة مقتضى الجمع بين رواية الاحتجاج وغيرها ان التورية لا تجوز الا مع ارادة الاصلاح وفى مورده مع امكانها تجب أو ترجح فتستفاد من مجموع الروايات عدم جواز التورية الا في مورد الاستثناء وليس ذلك الا لاجل الحاق الصدق المفيد فائدة الكذب والموجب لافادة خلاف الواقع بالكذب، فيتعدى إلى الانشاء المفيد فائدته، بل الافعال إذا افادت فائدته. ويمكن تأييد ذلك برواية ابى بصير (1) التى قد يقال: انها موثقة: قال قيل لابي جعفر عليه السلام وانا عنده: ان سالم بن ابى حفصة واصحابه يروون عنك انك تكلم على سبعين وجهالك منها مخرج فقال: ما يريد سالم منى، ايريد ان اجئ بالملائكة والله ما جائت بها النبيون، ولقد قال ابراهيم عليه السلام: انى سقيم، وما كان سقيما و ما كذب، ولقد قال ابراهيم عليه السلام: بل فعله كبيرهم هذا، وما فعله وما كذب، ولقد قال يوسف عليه السلام: ايتها العيرانكم لسارقون، والله ما كانوا سارقين وما كذب " فان الظاهر ان سالما اراد الا يراد على ابى جعفر عليه السلام بانه يورى في الكلام و يأتيه على وجوه ليمكن له المفر عند الايراد عليه فأجاب عنه بانه لا بأس به في مورد تقتضي المصلحة كما فعل ابراهيم يوسف عليهما السلام لكن الاظهر ان الرواية بصدد دفع الاشكال عن اصل التورية فيظهر منها ان قول ابراهيم عليه السلام ويوسف عليه السلام من قبيل التورية فيكون مفادها نحو مفاد رواية الاحتجاج، فتحصل مما مران مقتضى رواية الاحتجاج وابى بصير كون كلام ابراهيم ويوسف عليهما السلام تورية، ومقتضى الروايات المتقدمة انهما ارادا الاصلاح فما كذبا، ومقتضي المجموع ان التورية كذب في وعاء التشريع، ولها مصداقان، محبوب و مبغوض، وانما سماها كذبا، لا دعاء كونها ذلك. ويؤيد ما ذكرناه بل يدل عليه ما وردت في استثناء عدة الرجل اهله إذا لا يريد ان يتم لهم من الكذب.


(1) الوافى - كتاب الايمان والكفر - باب الكذب - من ابواب ما يجب على المؤمن اجتنابه - ج 3 - ص 158.

[ 44 ]

كرواية عيسى بن حسان (1) " قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: كل كذب مسئول عنه صاحبه يوما الا كذبا في ثلثة ; رجل كايد في حروبه فهو موضوع عنه أو رجل اصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الاصلاح ما بينهما أو رجل وعد اهله شيئا وهو لا يريد ان يتم لهم ". ورواية المحاربي (2) عن جعفر بن محمد عليه السلام عن آبائه (ع) عن النبي صلى الله عليه وآله " قال ثلثة يحسن فيهن الكذب: المكيدة في الحرب، وعدتك زوجتك والاصلاح بين الناس " وفى رواية الحارث الاعور (3) " ولا يعدن احدكم صبيه ثم لا يفى له، ان الكذب يهدى إلى الفجور، والفجور يهدى إلى النار " (الخ). بان يقال: ان حقيقة الوعد والوعيد ليست اخبارا عن واقع يطابقه أو لا يطابقه بل تعهد وتهديد وان كانا على نحو الاخبار والقاء الجملة الخبرية نظير الجعل بنحو الاخبار في باب الجعالة فإذا قال: من رد ضالتي اعطيه كذا، ليس اخبارا بل انشاء بصورة الاخبار أو اخبار بداعي الانشاء، فقوله: انى اعطيك غدا كذا. ليس اخبارا بل انشاء قرار وعهد، وله انجاز وخلف، لا صدق وكذب، واطلاق صادق الوعد والوعد المكذوب أو غير المكذوب ليس باعتبار الاخبار عن واقع، بل بنحو من المشابهة والتأول، كقوله: يبكى كذبا، ويتاوه ويتمنى ويترجى كذبا، و نظائرها. فتحصل من ذلك ان عدة الرجل اهله ليست من قبيل الاخبار، ومعذلك استثناء من الكذب، فيستكشف منه ان الكذب في المستثنى منه اعم من الكذب الحقيقي والحكمى الادعائي فيصح الاستثناء منه، فيستفاد منها ان كل ما كان له نحو كشف عن الواقع، ولو كان من قبيل الانشاءات: داخل في الكذب حكما، ومحرم الا ثلثة ويؤيد


(1) و (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة - الاولى ضعيفة بعيسى بن حسان وابى مخلد والثانية ضعيفة باحمد بن الحسين وغيره. (3) الوسائل - كتاب الحج - الباب 140 - من ابواب احكام العشرة - ضعيفة بابى وكيع.

[ 45 ]

ايضا بما دل على ان الهزل محرم، كمرسلة سيف بن عميرة (1) عن ابى جعفر عليه السلام " قال: كان على بن الحسين عليه السلام يقول لولده: اتقوا الكذب، الصغير منه والكبير، في كل جد وهزل " ورواية الاصبغ بن نباتة (2) " قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا يجد عبد طعم الايمان، حتى يترك الكذب، هزله وجده " بدعوى ان الهزل مقابل الجد، والجد اخبار حقيقة، والهزل ليس باخبار جدا، بل القاء الجملة الخبرية، لا بداعي الاخبار، بل بداعي المزاح والهزل، فلا يكون له واقع لا يطابقه. ودعوى ان المراد من الكذب هزلا الاخبار عن الواقع بداعي الهزل: خلاف الظاهر، لان الاخبار الحقيقي جد، لاى غاية كان، فالهزل المقابل له هو مالا يكون اخبارا جدا، لا انه اخبار جدا لغاية الهزل، فاتضح منها ان ما يفيد فائدة الخبر كذب في عالم التشريع، وان لم يكن اخبارا عن الواقع هذا غاية ما يمكن الاستشهاد عليه لا لحاق غير الكذب به انشاء كان أو فعلا. ويمكن المناقشة في الاول، بان القاء الخصوصية انما هو في موارد يفهم العرف ان الموضوع الملقي ليس موضوعا للحكم، وانما اتى به للمثالية، أو لجرى العادة، ونحو ذلك، كقوله: " رجل شك بين الثلث والاربع " (3) ; وقوله: " اصاب ثوبي دم رعاف " (4) أو " رجل افطر يوما من شهر رمضان " (5) ونظائرها مما يرى العرف ان الحكم للشك والدم والافطار، لا للرجل والثوب، واما إذا كان الحكم متعلقا بموضوع واريد اسرائه منه إلى موضوع آخر بوجوه ظنية كما نحن فيه، حيث تعلق الحكم على الكذب، ولا يفهم العرف منه غيره، لكن اريد اسرائه منه إلى ما يفيد فائدته،


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 140 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 140 - من ابواب احكام العشرة - حسنة بقاسم بن عروة. (3) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 10 - من ابواب الخلل الواقع في الصلوة. (4) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 42 - من ابواب النجاسات. (5) الوسائل - كتاب الصوم - الباب 8 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم.

[ 46 ]

بالوجوه الظنية والاعتبارية، فهو قياس، لا القاء خصوصية عرفا. وفى الثاني، بان اثبات كون مناط الحرمة هو القبح العقلي غير ممكن في المقام، لعدم دليل عليه بل يحتمل ان يكون عنده مناط آخر مجهول عندنا، والكشف الظنى لا يغنى من الحق شيئا وبالجملة لا دليل على ان ما ادركه العقل من القبح هو العلة للحكم وهو يدور مدارها توسعة وتضييقا، وصرف احراز الاقتضاء لا يفيد شيئا، مع امكان منع القبح في الافعال والانشاءات الكاشفة عن خلاف الواقع بمجرد ذلك إذا لم ينطبق عليها عناوين اخر، فمثل مدح من لا يستحق المدح، وذم من لا يستحقه، وسؤال غير الفقير، ونظائرها، ليس قبحها بمناط الكشف عن غير الواقع بل نفس تلك العناوين قبيحة بذاتها، لا بملاك الكذب، ولهذا لا قبح في التعفف، و ان كان بغرض افهام الغنى، وان يحسبه الجاهل غنيا من التعفف، ولا قبح في انشاء البيع الكاشف عن مالكية المنشئ، وان كان بغرضه، وبالجملة ان الوجه المذكور ممنوع صغرى وكبرى. وفى الروايات الواردة في عدة الرجل اهله، والواردة في الجد والهزل (1) بوقوع التعارض بين عنوان الكذب المأخوذ فيها الظاهر في الاخبار المخالف للواقع، وبين عنواني العدة والهزل الظاهرين في غير الاخبار، ولا يبعد تحكيم الصدر على الذيل ; وحمل العدة والهزل على نوع من اخبار المخالف للواقع ولا اقل من التعارض الموجب للاجمال، وفيما قلنا في وجه الجمع بين روايات التورية بان هذا الجمع غير مقبول لدى العقلاء ولا يصح اثبات حكم شرعى بهذا النحو من الملازمات العقلية الخارجة عن فهم العرف، مع ان لازم ما ذكر من الجمع دعوى كون التورية كذبا ليترتب آثاره من الجواز عند ارادة الاصلاح وعدمه عند عدمها ثم دعوى ان ما اريد بها الاصلاح ليس بكذب أي ليس بكذب ادعاء لاثبات جوازها عند ارادة الاصلاح وهو كما ترى امر منكر مخالف للمحاورات العقلائية لافهام المعاني.


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 140 - 141 - من ابواب احكام العشرة.

[ 47 ]

بيانه ان قول ابى جعفر عليه السلام على ما في رواية الصيقل (1) " ما كذب ابراهيم عليه السلام ويوسف عليه السلام " وما عن رسول الله صلى الله عليه وآله في رواية عطا (2) " لا كذب على مصلح " ثم تلا الآية المربوطة بقضيتهما ونفى الكذب عنهما الظاهر في نفيه حكما لا موضوعا: انما يصح في فرض كون قولهما بنحو التورية إذا اريد بنفى الموضوع النفى ادعاء مع ان التورية ليست بكذب حقيقة فلابد في تصحيح ذلك ان يقال: ان التورية مطلقا كذب ادعاء والمراد من نفيه عنهما في الروايتين نفى الحكم بلسان نفى الموضوع الادعائي ادعاء " فتدبر " ; مع ان مقتضى دعوى كونها كذبا جوازها عند ارادة الاصلاح فان الكذب كذلك، ومقتضى دعوى عدم كونها كذبا ادعاء عند ارادة الاصلاح عدم كون حكمها حكم الكذب الاصلاحي فيلزم منه نفى الجواز لارادة الاصلاح، لا اثباته لذلك بل لازمه التعارض بين الروايات والانصاف ان ما ذكرناه من الاستنتاج للتعميم: غير وجيه خارج عن المحاورات. فتحصل من جميع ذلك عدم قيام دليل على الحاق ما ليس بكذب به تورية كان أو انشاء أو فعلا مع انه قد وردت التورية في روايات ظاهرة في جوازها مطلقا، كرواية محمد بن ادريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب عبد الله بن بكير بن اعين (3) عن ابى عبد الله عليه السلام " في الرجل يستأذن عليه فيقول للجارية: قولى: ليس هو ههنا قال: لا بأس ليس بكذب "، والظاهر ان المشار إليه كان محلا خاليا، حتى يخرج الاخبار عن الكذب، ومقتضى اطلاقها جواز التورية ولولا لارادة الاصلاح. نعم في سند الروايات التى نقلها ابن ادريس من بعض الاصول ككتاب البزنطى وابن بكير وغيرهما كلام وهو انه لم يثبت عندنا ان تلك الاصول كانت معروفة في عصر ابن ادريس نحو كتاب الكافي والتهذيب وغيرهما مما هي معروفة واضحة الصدور من اربابها بحيث لم نحتج إلى العنعنة في اثبات كونها منهم، ولم يذكر ابن ادريس طريقه إليها، ومن المحتمل ان ثبوت كونها منهم عنده بوجوه اجتهادية و


(1) و (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة - تقدم البحث في سندهما (3) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة.

[ 48 ]

قرائن لو قامت عندنا لم نتكل عليها لاختلاف اجتهادنا معه، وليس ابن ادريس ومن في طبقته ونظائره عندنا كصدوق الطائفة ونظائره ممن كان عصره قريبة من عصر صاحب الاصول ولم يكن دأبه الاجتهاد واعمال النظر والاتكال على القرائن الاجتهادية لاثبات شئ، ولهذا لا يبعد الاعتماد على مرسلاتهم التى ارسلوها ارسال المسلمات دون مرسلات اضراب محمد بن ادريس رحمه الله. مضافا إلى ان في مستطرفات السرائر: ومن ذلك ما استطرفناه من كتاب عبد الله بن بكير الحسين عنه عن ابى عبد الله عليه السلام ثم ساق الحديث، ويظهر من الاحاديث المذكورة بعده ان احاديثه منقولة عن عبد الله بواسطة الحسين وهو يحتمل ان يكون الحسين بن سعيد الاهوازي لكنه مجرد احتمال أو ظن بذلك فلا حجية في الرواية وان اغمضنا عن الاشكال الاول. وكرواية عبد الاعلى مولى آل سام (1) " قال: حدثنى أبو عبد الله عليه السلام بحديث فقلت: جعلت فداك اليس زعمت لى الساعة كذا وكذا فقال: لا فعظم ذلك على فقلت: بلى والله زعمت قال: لا والله ما زعمت قال: فعظم ذلك على فقلت: بلى والله قد قلته قال: نعم قد قلته اما علمت ان كل زعم في القرآن كذب ". فانها ظاهرة الدلالة في جواز التورية مطلقا فان دفع عبد الا على عن اطلاق كلمة زعمت التى بمعنى قلت وتستعمل في حق وباطل ليس من الاصلاح الذى يجوز الكذب أو ما بحكمه ولهذا لا يجوز الكذب في نظيره. وكرواية ابى بصير (2) المتقدمة الواردة في قصة سالم بن ابى حفصة فان ابا جعفر عليه السلام لم يعلل جواز القاء كلام ذى وجوه وكذا تورية ابراهيم عليه السلام ويوسف عليه السلام بارادة الاصلاح، فيفهم منها ان القاء كلام ذى وجوه وارادة بعض الوجوه المخفية


(1) الوسائل - كتاب الحج الباب 142 - من ابواب احكام العشرة - مجهولة بمحمد بن مالك. (2) الوافى - كتاب الايمان والكفر - باب الكذب - من ابواب ما يجب على المؤمن اجتنابه - ج 3 ص 158.

[ 49 ]

لا مانع منه كما فعل يوسف وابراهيم عليهما السلام. ويظهر من ذيل رواية سويد بن حنظلة المنقولة في كتاب الطلاق (1) وعن المبسوط (2) روايتهما: جوازها ايضا " قال: خرجنا ومعنا وابل بن حجر نريد النبي صلى الله عليه وآله فاخذه اعداء له وتحرج القوم ان يحلفوا فحلفت بالله انه اخى فخلى عنه العدو فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال: صدقت، المسلم اخو المسلم ". فان الظاهر منها وان كان حلفه على الاخوة النسبية لكن يظهر منها نفى الكذب عن التورية، ويفهم منه جوازه لذلك، لا لارادة الاصلاح وان كان المورد كذلك فلو كانت التورية غير جائزة الا مع ارادة الاصلاح لكان عليه التنبيه عليه لا الحكم بالجواز لمجرد نفى الكذب. فتحصل مما مر ان التورية وكذا الانشاءات والافعال المفيدة فائدة الكذب لا تكون محرمة، للاصل وقصور الادلة، بل دلالة بعض الروايات على الجواز ثم انه قد يستشكل على رواية الاحتجاج (3) في توجيه تورية ابراهيم بان كسر الاصنام صدر من ابراهيم عليه السلام، وان كانت الاصنام ينطقون، فيلزم الكذب بالاخبار بالملازمة، فان ملاك الصدق والكذب في الشرطيات صدق الملازمة و كذبها. (وفيه) ما لا يخفى فان كلام ابراهيم عليه السلام من قبيل التعليق على امر محال ; لاثبات ان المعلق عليه محال، لا لاثبات الملازمة فالكلام سيق لنفى العمل لكونه معلقا على محال لا لتحققه بتحقق المعلق عليه نظير قوله تعالى: ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط (4) فانه ليس بصدد الاخبار بالملازمة بين دخول الجنة وولوج


(1) راجع الخلاف - كتاب الطلاق - مسألة 60 - في جواز الحيلة في الاحكام - ص 459. (2) كتاب الطلاق - باب الحيل. (3) ص 194 - مرسلة. (4) سورة الاعراف الاية 38.

[ 50 ]

الجعل في سم الخياط، ضرورة عدم التلازم بينهما بل بصدد بيان استحالة دخولهم الجنة بالتعليق على محال عادى، وبالجملة نظائر هذا الكلام كناية عن عدم التحقق أو استحالته لا اخبار بالملازمة كما هو واضح. ثم ان الظاهر ان الاخبار المطلقة متصرفة عن الكذب في مقام الهزل وان فرض الاخبار بالواقع لهذا الغرض، لكن مع قيام قرينة حالية أو مقالية شاهدة على الهزل كما لو كان المجلس من المجالس التى اعدت له، بل لا يبعد الانصراف عن اخبار غير مفيدة كما لو اخبر بخلاف واقع واضح لا يؤثر في المخاطب شيئا كالاخبار ببرودة النار وحرارة الثلج، بل ولو كان غير مفيد لمخاطب خاص كما لو علم المتخاطبين كذب القضية فان المتفاهم من اخبار الباب والاشعارات التى فيها هو حرمة الكذب في الاخبار المتداولة المعمولة بين الناس، لافادة مضمونها كقوله مما اعان الله به على الكذابين النسيان (1) وقوله: ان الكاذب على شفاء مخزاة وهلكة (2) وقوله: العبد إذا كذب كان اول من يكذبه الله ونفسه يعلم انه كاذب (3)، إلى غير ذلك، وبناء على انصراف الاخبار عن الهزل لا يمكن اثبات حرمته بما وردت في الكذب هزلا فانها وان كانت مستفيضة فلا ينظر إلى ضعف اسنادها مع ان بعضها لا يخلو من حسن، كرواية الاصبغ لكن فيها ما لا تدل على الحرمة كرواية الاصبغ (4) والحارث الاعور (5) بل مرسلة سيف بن عميرة (6) فان قول على بن الحسين (ع) على ما في الرواية لولده في مقام النصيحة لتهذيبهم عن الذمائم لا يدل على التحريم مع ان في مادة التقوى ايضا اشعارا بعدمه فلا يبعد ان يكون الامر لمجرد الرجحان. بل يمكن الخدشة في دلالة رواية ابى ذر (7) وفيها " يا اباذر ويل للذى يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ويل له " فان انشاء الويل اعم من التحريم ولو سلمت


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب الحج - الباب 18 - من ابواب احكام العشرة. (4) (5) و (6) و (7) الوسائل - كتاب الحج - الباب 140 - من ابواب احكام العشرة.

[ 51 ]

دلالتها كما يأتي بيانها انشاء الله تعالى، فلا تصلح لاثبات الحكم لضعفها سيما في مثل المقام الذى ادعى الاعلام السيرة على ارتكابه كما لا تبعد. فالاقوى عدم الحرمة في الهزل مع قيام القرينة، ولا يخلو عدمها من رجحان في الاخبار الغير المفيدة مطلقا لكن الاحوط الاحتراز سيما في الثاني. وقد ادعى بعض المدققين في تعليقته على مكاسب شيخنا المرتضى (1) الاجماع على حرمته ولو لم يكن فيه اغراء لكون المخاطب مثلا عالما بعلم المتكلم بعدم مطابقة كلامه للواقع. ثم ان مقتضى الاصول العقلية والنقلية جواز الاخبار عن قضية مشكوك فيها، فلو شك في ان زيدا قائم: يجوز له الاخبار بقيامه، لانه من الشبهة المصداقية لادلة الكذب، الا ان يدعى وجوب الصدق، لا بمعنى وجوبه مطلقا، بل بمعنى انه لو اراد المتكلم الاخبار يجب عليه ان يصدق فلابد له من احراز كونه صدقا بعلم أو امارة لكن اثبات ذلك مشكل بل ممنوع وان افتى به صاحب الوسائل ومستدركه (2)، فان الاخبار لا تصلح لاثباته، اما القصور الدلالة كما هو كذلك غالبا، أو لقصور السند فراجعها أو يقال: بالغاء الخصوصية مما وردت متواترة بحرمة الفتوى بغير علم، وما وردت بحرمة القضاء، وكذا الشهادة كذلك، (وفيه) ان غاية ما يمكن الغائها هو الكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام في خصوص الاحكام ولو كان بنحو الاخبار لا الفتوى، فلو اخبر عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وآله بانه قال كذا في مورد الشبهة الحكمية: يكون محرما لفحوى ادلة حرمة الفتوى بغير علم دون الاخبار بالامور الاخر كالاخبار بان للنبى صلى الله عليه وآله صفة كذائية أو نحو ذلك، فضلا عن الاخبارات العادية بالنسبة إلى غيرهم أو يقال: ان الاخبار في مورد الشك جز ما اخبار عن علم المخبر وهو كذب اوله مفسدته (وفيه) منع كونه اخبارا عنه بل ينتقل السامع منه إليه، وقد تقدم عدم الدليل على حرمة


(1) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله. (2) كتاب الحج - الباب 1 - عن ابواب احكام العشرة.

[ 52 ]

مثله ومنع كون مناط الكذب فيه. والاولى الاستدلال عليه مضافا إلى العلم الاجمالي المنجز في الموارد المشكوك فيها فان في كل مورد منها يعلم اجمالا بانه اما الاخبار عن الثبوت كذب محرم أو الاخبار عن عدمه فلا يجوز عقلا الاخبار باحد الطرفين بحملة من الروايات كحسنة على بن جعفر (1) عن اخيه موسى بن جعفر (ع) عن آبائه في حديث " قال ليس لك ان تتكلم بما شئت لان الله عزوجل يقول ولا تقف ما ليس لك به علم ". فان الظاهر منها ان الاية الكريمة تشمل القول بغير علم فتكون هي مضافا إلى الرواية دليلا على المطلوب، وفى المجمع (2) انها اعم من القول بغير علم و الاعتقاد بما لا يعلم وغيرهما والمتيقن من الرواية هو القول بغير علم بقرينة استشهاده بالآية الشريفة ومقتضى اطلاقها عموم الحكم لجميع مصاديق الاخبار بغير علم، ولا دليل على اختصاصها بالاخبار عن الله تعالى، وصحيحة هشام بن سالم (3) " قال: قلت لابي عبد الله (ع): ما حق الله على خلقه قال: ان يقولوا ما يعلمون و يكفوا عمالا يعلمون فإذا فعلوا ذلك فقد ادوا إلى الله حقه " ونحوها رواية زرارة (4). ويمكن المناقشة فيها ابن مطلق ثبوت حق منه تعالى على خلقه لا يدل على وجوب ادائه إذ لعله من الحقوق المستحبة أو يقال: ان الحق فيها منصرف إلى ما هو من قبيل احكام الله تعالى لا مطلق القول بغير علم، وموثقة زياد بن ابى رجاء (5) عن


(1) الوسائل - كتاب القضاء - الباب 4 - من ابواب صفات القاضى وما يجوزان يقضى به - حسنة بسعد آبادى. (2) في تفسير قوله تعالى " ولا تقف ما ليس لك به علم " سورة بنى اسرائيل الاية 36 (3) (4) الوسائل - كتاب القضاء - الباب 4 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به - الثانية مرسلة وضعيفة بجعفر بن سماعة. (5) الوسائل - كتاب القضاء - الباب 4 - من ابواب صفات القاضى وما يجوزان يقضى به.

[ 53 ]

ابى جعفر عليه السلام " قال: ما علمتم فقولوا وما لم تعلموا فقولوا: الله اعلم ان الرجل لينتزع الآية من القرآن يخر فيها ابعد ما بين السماء " الا ان يناقش فيها بان ذيلها قرينة على ان المراد من القول بغير علم مثل الفتوى والاخبار عن الله تعالى لا مطلقا، الا ان يقال: ان ذكر مصداق اهم المصاديق لا يصير قرينة على الاختصاص فالعبرة باطلاق الصدر واما المناقشة فيها باشتمالها على ما لا يجب جزما وهو القول بان الله اعلم (ففى غير محلها) ; لانه كناية عن عدم جواز القول بغير علم فالظاهر المتفاهم منها عدم جوازه. وتؤيد المطلوب رواية ابى يعقوب اسحق بن عبد الله (1) والظاهر صحتها عن ابى عبد الله عليه السلام " ان الله تعالى خص عباده بآيتين من كتابه، ان لا يقولوا حتى يعلموا، ولا يردوا ما لم يعلموا، وقال تعالى: الم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب، ان لا يقولوا على الله الا الحق وقال: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ". لكن الظاهر اختصاصها بالاحكام ونحوها، ورواية زرارة (2) " ان من حقيقة الايمان ان لا يجوز منطقك علمك ". ويؤيده ايضا فحوى صحيحة محمد بن مسلم (3) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: إذا سئل الرجل منكم عما لا يعلم فليقل: لا ادرى ولا يقل: الله اعلم، فيوقع في قلب صاحبه شكا، وإذا قال المسئول: لا ادرى، فلا يتهمه السائل " فتأمل "، مضافا إلى قبح الاخبار بغير علم، بل الظاهر عدم جوازه في ارتكاز المتشرعة، وكان منزلته منزلة الكذب لديهم. هذا مع قطع النظر عن الاستصحاب في بعض الموارد، والا فقد يمكن التمسك به لاحراز الموضوع، فإذا شك في طلوع الشمس بعد اليقين بعدم طلوعها يقال: ان


(1) الوافى - باب النهى عن القول بغير علم - من ابواب العقل والعلم ج 1 - ص 48 (2) الوسائل - كتاب القضاء - الباب 4 - من ابواب صفات القاضى وما يجوزان يقضى به. (3) الوافى - باب النهى - بغير علم - من ابواب العقل والعلم ج 1 - ص 48.

[ 54 ]

الاخبار بطلوعها كان كذبا، والآن كما كان فينقح به موضوع الحرمة، وهذا ليس باستصحاب تعليقي بل تنجيزي على عنوان كلى قبل تحقق مصاديقه كاستصحاب حرمة شرب الخمر واكل الربا، واستصحاب وجوب صلوة الجمعة الذى يرجع إلى فعل المكلف أي عنوانه ويجرى الاصل الحكمى مع الغض عن الموضوعي على عنوان كلى فينحل العلم الاجمالي حكما. نعم استصحاب عدم طلوع الشمس لا يثبت كون الاخبار بالطلوع كذبا ومحرما كما لا يخفى، هذا بالنسبة إلى اصل المسألة، واما لو قلنا بحرمة القول بغير علم هل يجرى الاستصحاب ويقوم مقام العلم الموضوعي بدليله فيستصحب عدم طلوعها ويخبر به أو لا، الظاهر جريانه لما قلنا في محله من قيامه مقامه بدليله. هذا إذا قلنا بان العلم المأخوذ في ادلة حرمة القول بغير علم: العلم الوجداني واما ان قلنا بان المراد به في نظائر المقام الحجة كما هو الحق فلا اشكال في وروده عليها واخراج موضوعه عن القول بغير علم. ثم ينبغى التنبيه على امرين: احدهما ان الكذب هل هو من الكبائر مطلقا أو لا كذلك، أو يختلف حكمه باعتبار المخبر به، أو لا يكون فيه اقتضاء الحرمة بذاته اصلا، وانما يحرم تبعا لفساد متعلقه ويصير كبيرة ايضا بتبعه فإذا لم يكن في المتعلق مصلحة ولا مفسدة لا يكون حراما، وهذا العنوان الاخير وان كان تقديمه على التنبيه انسب، لكن لما كان تحقيقه متوقفا على ذكر الروايات اخرناه عنه. وقد استدل على كونه مطلقا كبيرة بروايات. منها رواية عيون الاخبار باسانيده عن الفضل بن شاذان (1) عن الرضا عليه السلام ورواية الاعمش (2) عن جعفر بن محمد عليه السلام في حديث شرايع الدين حيث عد فيهما


(1) و (2) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس.

[ 55 ]

من الكبائر، والثانية ضعيفة بلا اشكال، وقد حاول بعضهم تحسين الاولى أو تصحيحها بان للصدوق إلى الفضل ثلث طرق منها عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار النيسابوري عن على بن محمد بن قتيبة النيسابوري عن الفضل بن شاذان، وهو طريق حسن بل صحيح، لان الصدوق روى في كتاب عيون الاخبار روايته من ثلث طرق وقال عقيب ذلك: وحديث عبد الواحد بن محمد بن عبدوس عندي اصح وهو توثيق رجال السند سيما عبد الواحد، ويؤيده تصحيح العلامة رواية هو في سندها، وتبعه الشهيد الثاني محتجا بذلك وبكونه من المشايخ الذين ينقل عنهم الصدوق بغير واسطة مع تكرر ذلك الظاهر منه الاعتماد عليه. (وفيه) ان قول الصدوق راجع إلى متن الرواية، فانها بطريقها الاخر مشتملة على بعض الزيادات المخالف للمذهب كمعصية الانبياء وغير ذلك، مع ان تصحيح السند بهذا الاصطلاح لعله غير معهود عند الصدوق وامثاله، وتصحيح العلامة لعله لقرائن دالة على صحة المتن ولهذا حكى عن مختلفه تارة بانه لا يحضرني حال عبد الواحد بن عبدوس، واخرى ان ثبت وثاقته صار الخبر صحيحا، ومعه لا يمكن الاعتماد على تصحيحه، وتكرر نقل الصدوق وترضيه لا يفيد ان شيئا يمكن الاتكال عليه، وعلى بن محمد بن قتيبة ايضا لا يخلو من كلام، وان قال النجاشي: اعتمد عليه الكشى، وانه فاضل. واما الطريق الآخر ففيه جعفر بن نعيم الشاذانى، ولم يرد فيه شئ الا ترضى الصدوق عليه، وهو غير كاف في الاعتماد عليه، واما المحكى عن الصدوق بانى لم اذكر في مصنفاتي الا ما صححه شيخي ابن الوليد فان كان المراد تصحيح السند فيوجب ذلك الاشكال في تصحيحات ابن الوليد، ضرورة اشتمال مصنفاته على روايات ضعاف إلى ما شاء الله وان كان المراد تصحيح المتن فهو غير مفيد لنا، والطريق الثالث ضعيف لقنبر بن على بن شاذان وابيه. ثم انه يمكن الاشكال في اطلاقهما بان يقال: انهما بصدد بيان عد الكبائر لا بيان حال كل كبيرة، وبعبارة اخرى انهما بصدد بيان العد لا المعدود حتى يؤخذ

[ 56 ]

باطلاقهما، وهو نظير ان يقال: ان في الشريعة واجبات: الصلوة والصوم والحج (الخ) وفيها محرمات: الربوا والكذب والسرقة (الخ) حيث لا يمكن الاخذ باطلاقه بالنسبة إلى كل واحد منها، فيدفع به الشك في شرطية شئ أو مانعيته، بالنسبة إلى الصلوة وغيرها، أو بالنسبة إلى بعض المصاديق المشكوك فيه. الا ان يقال: يكشف الاطلاق فيهما من ذكر تقييدات فيهما، كتقييد قتل النفس بالتى حرم الله تعالى، واكل مال اليتيم بقوله: ظلما، وما اهل لغير الله بغير ضرورة ; واكل الربوا ببعد البينة، وحبس الحقوق بغير عسر ; فلولا كونهما في مقام البيان لا وجه لذكر القيود، فان البيان على نحو العد والاهمال لا يناسبه. ويمكن ان يقال: ان ذكر تلك القيود انما هو بتبع ورودها في الكتاب الكريم حيث قال: ولا تقتلوا النفس التى حرم الله الا بالحق (1) وقال: ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما (2) وقال: انما حرم عليكم الميتة إلى ان قال: فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم (3) وقال بعد آية الربا: فمن جائه موعظة (4) (الخ) قال في حق الغريم: وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة (5). والشاهد عليه ان هذه القيود في الموارد الخمسة وردت في الروايتين، فيكون ذكرها بتبع الكتاب لا لكونه في مقام البيان من جميع الجهات، الا ان يدعى ان الاشارة إلى القيود المذكورة في الكتاب ايضا دليل على كونه في مقام البيان وفيه تأمل. والانصاف ان الاتكال عليهما لاثبات كون الكذب في الجملة كبيرة مشكل فضلا عن اثبات كونه كذلك بجميع مصاديقه. وقد يستشكل (6) عليهما وعلى كل ما دلت على كونه من الكبائر بانها معارضة


(1) سورة بنى اسرائيل - الاية 35. (2) سورة النساء - الاية 11. (3) سورة البقرة - الاية 168. (4) سورة البقرة - الاية 276. (5) سورة البقرة - الاية 280. (6) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله.

[ 57 ]

لصحيحة عبد العظيم الحسنى (1) الحاكية لدخول عمرو بن عبيد على ابى عبد الله عليه السلام " قال: فلما سلم وجلس تلا هذه الاية الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش ثم امسك فقال له أبو عبد الله عليه السلام: ما اسكتك؟ قال: احب ان اعرف الكبائر من كتاب الله " فعدها ولم يعد منها الكذب، ويمكن الجمع بان المراد من الروايات التى عدته كبيرة بيان ما يكون كبيرة في الجملة ولو بالنسبة إلى بعض مصاديقه ومن الصحيحة ما يكون كبيرة بجميع مصاديقه وحينئذ لا يبقى في الروايات دلالة على كون الكذب كبيرة. ثم قال: ان قلت: لعل المراد بالصحيحة خصوص الكبائر الثابتة في الكتاب ومن الروايتين وغيرهما مطلقها كما يشهد به قوله: " اريد ان اعرف الكبائر من كتاب الله " فلا مانع من حمل الكذب فيها على اطلاقه قلت: الظاهر ارادة معرفة مطلقها إذ من الظاهر تعلق من كتاب الله باعرف، لا بالكبائر مع ان الكبائر المذكورة في الصحيحة اعم مما في كتاب الله كترك الصلوة وشئ مما فرضه الله فانه استشهد على كونه كبيرة بقول رسول الله صلى الله عليه وآله فلا وجه للحمل المذكور ولا شاهد عليه. ويؤيد ما ذكرناه ايضا عد خصوص اليمين وشهادة الزور في تلك الرواية من الكبائر إذ مع كون مطلق الكذب منها لا وقع لذلك " انتهى مخلصا " (وفيه) مضافا إلى ان الجمع المذكور ليس جمعا عقلائيا رافعا للتعارض والا لصح الجمع بين قوله: اكرم العلماء، ولا تكرم العلماء، بحمل الاول على القرشى والثانى على غيره، فلا وجه ولا شاهد لحمل الكبائر في مورد على قسم منها وفى مورد آخر على قسم آخر مع وحدة اللفظ والمقام: ان ما ذكره غير تام لان الصحيحة مشتملة على ما لا يكون بجميع مصاديقه محرمة فضلا عن كونه كبيرة كالربا فان كثيرا من مصاديقه جائز " تأمل " وغيره مشتملة على ما يكون كبيرة بجميع مصاديقه كالقمار واللواط والسرقة والتعرب بعد الجهرة والقنوط من رحمة الله والاستخفاف بالحج و غيرها، فلا يتم ما ذكره: من الجمع مع ان الظاهر من سؤال عمر وارادة معرفة


(1) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس.

[ 58 ]

الكبائر من كتاب الله فتصدى أبو عبد الله عليه السلام لذكر ما تكون كذلك في كتاب الله حتى يوافق جوابه لمسؤله، وما لا يكون كتاب الله دالا على كونها كذلك لا مجال لذكرها لعدم امكان معرفتها منه. ولعل ذكر ترك الصلوة والفرائض لاهميتها وان لم يدل الكتاب على كونها كبيرة. والظاهر ان المراد بالفرائض غير مطلق الواجبات بل من قبيل الحج والزكوة والصوم ونحوها من الاصول. نعم يبقى سؤال وهو: ما وجه عدم ذكر بعض الكبائر التى دل الكتاب على كونه كبيرة كالميسر الذى فيه اثم كبيرا واللواط الذى سماه فاحشة وعذب قوما به، والنقص في المكيال والميزان قال: ولا تنقصوا المكيال والميزان انى اراكم بخير وانى اخاف عليكم عذاب يوم محيط، والافتراء على الله تعالى إلى غير ذلك. ويمكن ان يقال ان عمرو بن عبيد اختنقه البكاء ولم يتمالك نفسه فخرج صارخا قبل ان يتم أبو عبد الله عليه السلام عد الكبائر ولعل فيها اشعارا بذلك حيث قال فيما قال: وقطيعة الرحم لان الله يقول: لهم اللعنة ولهم سوء الدار قال: فخرج عمرو وله صراخ من بكائه وليس فيه ما يدل على سكوت ابى عبد الله عليه السلام واتمام كلامه، فلا يمكن استفادة الحصر بالمذكورات فيها مع الاحتمال المذكور الذى لا يبعد اشعار الرواية به. واما ما جعله مؤيدا لمرامه: من عد خصوص اليمين وشهادة الزور فيها (ففيه) مضافا إلى ان اليمين ليس من الاخبار بل انشاء وحرمته بعنوانه غير حرمة الكذب وانما يقال: الايمان الكاذبة باعتبار متعلقها فلا وجه لجعله مؤيدا: ان اختصاص ذكره وذكر شهادة الزور التى هي من كتمان الشهادة ايضا لاجل استفادة حكمهما من كتاب الله وقد اراد السائل معرفة الكبائر منه. نعم لو قلنا باستفادة كون مطلق الكذب كبيرة من الكتاب يتوجه السؤال عن وجه اختصاصهما بالذكر ويمكن ان يكون لا جعل اختصاصهما به في الكتاب واما عدم ذكر الكذب المطلق فيها كعدم ذكر كثير من الكبائر وقد مر

[ 59 ]

ما يمكن ان يكون وجهاله. ومنها موثقة محمد بن مسلم (1) عن ابى جعفر عليه السلام " قال: ان الله تعالى جعل للشر اقفالا وجعل مفاتيح تلك الاقفال الشراب، والكذب شر من الشراب "، و نحوها رواية اخرى (2) الا ان في ذيلها " وشر من الشراب: الكذب ". ويحتمل بعيدا ان يكون قوله: شر من الشراب غير مراد به التفضيل بل يكون من نشوية واراد به ان الكذب شرناش من الشراب أي من جملة الشرور المترتبة على الشراب الكذب كما تشهد به رواية محمد بن سنان (3) عن ابى الحسن الرضا عليه السلام " قال: حرم الله الخمر لما فيها من الفساد ومن تغيير عقول شاربها وحملها اياهم على ابكار الله عزوجل والقرية عليه وعلى رسله وساير ما يكون منهم من الفساد والقتل والقذف والزنا " (الخ) حيث جعل فيها الكذب علي الله وعلى رسوله وعلى المؤمنات ناشيا من الخمر وتؤيده الروايات الكثيرة القائلة بان الخمر رأس كل اثم ومفتاح كل شر (4). ويؤيده ايضا ان قوله في الموثقة ان الله جعل للشر اقفالا، ويراد به مطلق الشر ومن البعيد ان يراد بذيله استثناء الكذب مع ان الشراب مفتاح الكذب ايضا، لكن معذلك كله ان ما ذكر خلاف المتفاهم العرفي. ثم ان من المحتمل ان يكون المراد من الموثقة بيان امر تكويني أي بيان كيفية صدور الشرور من شاربها وان كان ذلك بنحو الاستعارة والادعاء بان ادعى ان طبيعة الشر في الانسان كأنها موجودة متمثل جعل الله تعالى اقفالا له لولاها لخرج معربدا مفسدا وذلك لان طبيعة الشهوة والغضب والشيطنة في الانسان مقتضية للفساد بنحو الاطلاق بلا قيد وشرط من ناحيتها ومقتضى قوة الشهوة الالتذاذ بكل ما يمكن باى طريق كان بلا قيد مطلقا وكذا مقتضى القوتين الآخرتين وانما حاجزها وعقالها


(1) و (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 138 - من ابواب احكام العشرة. (3) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 15 - من ابواب الاشربة المحرمة. (4) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 8 - من ابواب الاشربة المحرمة.

[ 60 ]

واقفالها وملكات اخر جعلها الله تعالى في الانسان وديعة رأسها العاقلة وبعدها الحياء والشرف والخوف من الله ومن الناس وعز النفس وعظمتها وطلب الكمال و امثالها، ومفتاح كل تلك الاقفال ورافع بلك الحواجز الشراب، بمعنى ان ذاته كذات المفتاح وشربه آليته الفعلية لا بمعنى ترتب جميع الشرور على شربه فعلا بل بمعنى رفع الحاجز عما هو مقتض للفساد، فلا يبالى معه بما فعل وما فعل به، و يأتي بما يمكنه ويهويه من مشتهياته ومقتضيات قواه المائلة إلى الفساد، فلا يبالى بقتل النفس المحترمة ولا بالزنا بالمحارم ولا بغير ذلك. هذا حال الشراب واما الكذب فهو شر منه في هذه الخاصة من جهتين، من جهة ان الشراب رافع الموانع عن الشرور والكذب محرك وداع إليها فانه قد يثير الشهوات والقوى الغضبية والشيطنة إلى العمل على مقتضياتها فهو من هذه الحيثية شر منه، ومن جهة ان المفاسد المترتبة على الكذب لا يقاس بالمفاسد المترتبة على الخمر لا بمعنى ان كل كذب كذلك بل بمعنى ملاحظة الطبيعتين في الجامعة البشرية، فمقنن القوانين لجميع عائلة البشر إذا نظر إلى الكذب ومفاسده بنحو الوجود السارى والى الخمر ومفاسدها كذلك يرى ان مفاسد الكذب اكثر واعظم، لان جميع الاديان الباطلة انما حدثت وانتشرت بالكذب. والكذب الواحد قد ينتهى إلى خراب البلدان وقتل النفوس الزكية وانتهاك حرمات عظيمة. وبالجملة لا تقاس المفاسد المترتبة على الكذب في الجامعة البشرية على المفاسد المترتبة على الخمر أو ساير المعاصي. لكن على هذا الاحتمال لا يمكن اثبات حرمة الخمر بهذه الرواية فضلا عن كونها كبيرة فضلا عن اثبات حرمة الكذب أو كونه كبيرة في الجملة فضلا عن جميع مصاديقه، وذلك لان تلك المفاسد لو كانت مترتبة على الخمر أو على الكذب ولو بنحو المسببية والمعلولية لما توجب حرمتهما لما قرر في محله من عدم حرمة مقدمة الحرام وان كانت علة تامة فضلا عما إذا لم تكن كذلك كما في المقام، فان الخمر ليست علة تامة لما ذكر بل تكون رافعة للموانع وكذا الكذب وان كان بعض مصاديقه داعيا إلى اتيان المحرم

[ 61 ]

لكن لا يكون علة تامة له. نعم يمكن ان يقال: ان المقصود بالرواية ان الخمر صارت محرمة لاجل تلك المفاسد لا لكون سبب المحرم محرما بل كونها مفتاحا لاقفال الشرور صار نكتة لحعل التحريم القانوني على جميع مصاديقها، وللتوعيد عليها بالعذاب فصارت كبيرة، ولما كان الكذب شرا منها تكون شريته نكتة لجعل الحرمة على جميع مصاديقه ولكونه كبيرة. الا ان يناقش فيه بان تلك المفاسد لو كانت علة للحرمة وكونها كبيرة لكان لما ذكر وجه، لان المعلول تبع لعلته في التحقق والشدة والضعف والكمال والنقص. لكنه احتمال فاسد لعدم دوران الحرمة مدارها، بل عدم دوران كون الخمر كبيرة مدارها كما لا يخفى. واما إذا كانت المفاسد نكنة الجعل فلابد في اثبات مقداره وكيفيته من دليل. لما في الخمر فيظهر من جملة من الروايات: ان جميع مصاديقها كبيرة قليلها وكثيرها، وان نكتة ذلك هي ما تترتب عليها من المفاسد كصيرورة العبد بحال لا يعرف ربه، وصيرورته مشركا وغير ذلك، ولا دليل على ان الكذب إذا كان ببعض مصاديقه شرا من الشراب بالمعنى المتقدم: صار ذلك علة لجعل الحكم على جميع مصاديقه على نحو القانونية. بل لعل شريته صارت موجبة لجعله على خصوص ما يترتب عليه ذلك لا مطلقا، وذلك للفرق بين الخمر والكذب من جهة ان فساد الخمر نوعي بل عمومى لمتعارف الناس عند تعارف شربها فالشرب المتعارف يوجب السكر في متعارف الناس ويوجب صيرورة الشارب بحيث لا يعرف ربه ولا يبالى بما فعل وما فعل به، ولاجل تلك النوعية أو العمومية صارت محرمة وكبيرة بجميع مصاديقها ضربا للقانون. واما الكذب وان كان بملاحظة مجموع افراده ومقايستها لمجموع افراد الخمر يكون شرا منها لكن ليس شره عاما كشر شرب الخمر ولا يترتب على كل

[ 62 ]

مصداق منه شر. وترتبه على بعض مصاديقه لا يوجب جعل الحرمة على مصاديقه فضلا عن جعلها كبيرة، فلا يستقاد حرمة جميع مصاديقه أو كونه كبيرة من الرواية على هذا الاحتمال، وكذا لا يستفاد منها الحرمة لو كان المراد بيان ان الكذب شر من الخمر في الخاصة المترتبة عليها بالنسبة إلى كل شخص أي انه يوجب الدخول في المعاصي ويجعل النفس مائلة إلى الشهوات والمعاصي وان لم نعلم كيفيته، كما ورد: ان الكذب يهدى إلى الفجور (1) وورد ان الخبائث حطت في بيت ومفتاحه الكذب (2). وتوهم ان الوجدانيات لا يمكن ان تخفى علينا (في غير محله) لان كثيرا ما تخفى علينا ملكاتنا الخبيثة وخصوصيات اميالنا، ولعل شرية الكذب من الشراب لكونه هاديا إلى الشرور بخلاف الخمر فانها رافعة للمانع، فعلى هذا الاحتمال ايضا لا تدل على حرمة الكذب والخمر، لان رافع مانع المحرمات والهادي إليها لا يلزم ان يكون محرما نفسا فضلا عن كونه كبيرة بل ولا محرما بالغير، لان مقدمة الحرام ليست بحرام. وفيها احتمال آخر وهو ان الجملتين صدرتا على نحو من الادعاء والمبالغة أو ان الثانية كذلك. بان يدعى ان الخمر رافعة لجميع الموانع عن الشرور، ويدعى ان الكذب شر منها، فحينئذ اما ان يدعى ان الكذب شر منها في تلك الخصوصية أي كونه مفتاحا للشرور أو يراد انه شر منها من جميع الجهات، فعلى الاول لا تدل على الحرمة فضلا عن كونه كبيرة، وعلى الثاني تدل على كونه كبيرة، لان المبالغة في شريته منها انما تصح إذا كان معصية عظيمة ومع كونه صغيرة لا تصح الادعاء ولا مصحح للمبالغة. فإذا قيل: فلان اشجع من الاسد، أو فلان اجمل من الشمس والقمر: يكون ظاهرا في ان القائل في مقام تعظيم الكمال فيكون شجاعته وجماله بحد يصح ان


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 140 - من ابواب احكام العشرة. (2) المستدرك - كتاب الحج - الباب 120 - من ابواب احكام العشرة.

[ 63 ]

يرجحهما في مقام المبالغة على الاسد والشمس والقمر، ولا يلزم بما ذكرنا خلاف الواقع والضرورة، فان الكذب في نفسه لا يكون اكبر من الخمر ولهذا لو دار الامر بين ارتكاب احدهما ولم يترتب على الكذب مفاسد اخر لا شبهة في وجوب اختيار الكذب وذلك لان هذا المحذور غير لازم على فرض الادعاء والمبالغة فتدل الرواية على اكبرية الخمر حقيقة على كون الكذب كبيرة لا اكبريته منها، وهنا احتمال آخر وهو كون الجملتين كناية عن كونهما كبيرة. ثم ان مقتضى اصالة الظهور تعين الاحتمال الاول أو الثاني فان فيهما ايضا و ان كان التشبيه بالاقفال والمفاتيح على نحو الاستعارة والتجوز لكن لا ادعاء زائدا عليه ويكون قوله: والكذب شر من الشراب على نحو الحقيقة بخلاف سائر الاحتمالات فان فيها نحو تأول زائدا عليه، وعليه يسقط الاستدلال بالرواية للمقصود، ولو منع ترجيح الاول فلا ترجيح للحمل على ما يستفاد منه كونه كبيرة. ثم على فرض استفادة الحرمة وكونه كبيرة يقع الكلام في ان قوله: والكذب شر من الشراب هل يراد به ان هذه الطبيعة بنفسها مع الغض عن لواحق اخر شر من طبيعة الشراب كذلك، أو يراد به انها بوجودها السارى شر منها فيكون كل مصداق منها شرا من طبيعة الشراب أو كل مصداق منه، أو يراد ان هذه الطبيعة على نحو الاهمال شر منه لو باعتبار بعض مصاديقه فيكون الانتساب إلى الطبيعة اما لعدم كونه في مقام البيان أو للادعاء بان الطبيعة ليست الا ما يترتب عليها الفساد الذى جعلها كبيرة، فيكون الكلام مبينا على دعوى ان المصاديق المترتبة عليها المفاسد كالذى ينطبق عليه عنوان النميمة أو الافتراء على الله تعالى تمام حقيقته وغيرها بمنزلة العدم، فحينئذ يستفاد منها كونه كبيرة في الجملة لا بجميع مصاديقه. وما ذكرناه من الاحتمالات تأتى في امثال هذا التركيب كقوله: الرجل خير من المرئة، والرطب خير من العنب إلى غير ذلك ولا يبعد ان يكون الاحتمال الاول اظهر لكل في المقام لما لم يمكن الحمل عليه، ضرورة عدم كون الكذب بنفسه

[ 64 ]

شرا من الخمر وكذا لا يمكن الحمل على الاحتمال الثاني على نحو الحقيقة فلابد من الحمل على حقيقة ادعائية، اما دعوى كون الطبيعة بنفسها شرا من الشراب أو دعوى كونها بجميع مصاديقها كذلك، أو دعوى كونها كذلك بلحاظ بعض المصاديق والارجح: الاول ثم الثاني، فعليه يستفاد منها كونها كبيرة بنفسه أو بجميع مصاديقه ولا يستفاد منها اكبريته من الشراب حقيقة بل هو ادعاه يثبت به كونه كبيرة لكن الشأن في ترجيح الاحتمال الذى يستفاد منه كونه كبيرة من بين الاحتمالات المتقدمة الكثيرة. الا ان يدعى ان الظاهر من الجملة الاولى ان الشراب من الكبائر بجعل ما ذكر كناية عنه وظاهر الجملة الثانية بعد عدم امكان الحمل على الحقيقة هو دعوى كون طبيعة الكذب بلا قيد شر من الشراب، ولازم هذه الدعوى كونه كبيرة بنفسها ولا يلزم منه اشكال كما توهم، فانه إذا قامت القرينة على عدم ارادة الحقيقة لا يجوز طرح الرواية بل تحمل على الحقيقة الادعائية ولازمها كون الكذب بنفسه وعلى نحو الاطلاق شرا من الشراب ادعاء ولازم ذلك كونه كبيرة على نحو الاطلاق الا ان يقال: مجرد هذا التشبيه والدعوى لا يدل على كونه كناية عن كونها كبيرة كما ورد: ان حب الدنيا رأس كل خطيئة مريدا به ان حبها ام الخطايا مع انه غير محرم بلا شبهة، فيمكن ان يكون المراد بالرواية التنبيه على مفاسد الخمر والكذب لا بيان حرمتهما ولا قرينة على كونه بصدد بيان الحرمة فضلا عن كونهما كبيرة فدعوى كون الجملتين كناية عن حرمتهما أو كونهما كبيرة عارية عن الشاهد ومخالفة لاصالة الظهور، وبعبارة اخرى ان الجملة الاولى بعد كونها استعارة تكون لها ظهور ثانوى لاجل قيام القرينة في المعنى الاستعاري وجعل هذا المعنى الاستعاري كناية عن امر آخر وهو الحرمة أو كونه كبيرة: خلاف الظاهر لابد فيه من قيام قرينة وهى مفقودة. ويؤيد ما ذكرناه ان حرمة الخمر كانت معلومة في عصر صدور الرواية بالكتاب والسنة لم يحتج إلى بيانها والمحتاج إليه بيان مفاسدها ومصالح منعها، فالجملة الاولى

[ 65 ]

سيقت لبيانها والثانية تبع لها في المفاد فتدل على انه شر من الشراب في هذه المفاسد والتبعات فلا تكون الرواية بصدد بيان الحرمة حتى يؤخذ باطلاقها لحرمة جميع المصاديق بل لا يصح التمسك بها لاثبات الحرمة ولو في الجملة " تأمل ". ومن بعض ما ذكرناه يظهر حال ما روى عن العسكري عليه السلام (1) " قال: جعلت الخبائث كلها في بيت واحد وجعل مفتاحها الكذب ". ومنها المرسلة التى ذكرها الشيخ (2) قال: وارسل عن رسول الله صلى الله عليه وآله الا اخبركم باكبر الكبائر: الا شراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور أي الكذب وعن ابن ابى جمهور (3) عنه صلى الله عليه وآله " قال: الا انبئكم باكبر الكبائر قلنا: بلى يا رسول الله قال: الا شراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس ثم قال: الا وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت ". والتفسير في الاولى يمكن ان يكون من الراوى فتكون الرواية دالة على اعم من الكذب، وان كان من المروى عنه تختص به، ودلالتهما على كون المذكورات كبيرة لا تنكر. والاشكال بان الضرورة قائمة بان الكذب وكذا عقوق الوالدين ليس اكبر الكبائر: لا يوجب طرحهما بل تصير قرينة على ان الكلام مبنى على المبالغة فيفهم انهما كبيرة حيث يدعى في مقام المبالغة انهما اكبر الكبائر كما مر نظيره، ولا يبعد اطلاقهما وان امكنت المناقشة فيه بان يقال: انه بصدد بيان اكبرية المذكورات عن غيرها بعد مفروغية حكمها لا بيان كونها محرمة أو كبيرة أو يقال: انه بصدد عد اكبر الكبائر، لا حال المعدود، فلا اطلاق لهما من هذه الجهة. ومنها رواية انس (4) " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المؤمن إذا كذب بغير عذر لعنه سبعون الف ملك وخرج من قلبه نتن حتى يبلغ العرش فيلعنه حملة العرش


(1) راجع - ج 3 - من ج 15 - البحار ص 43 - (2) المكاسب في المسألة الثامنة عشر من النوع الرابع - في الكذب. (3) المستدرك - كتاب الشهادات - الباب 6. (4) المستدرك - كتاب الحج - الباب 120 - من ابواب احكام العشرة - مرسلة.

[ 66 ]

وكتب الله عليه بتلك الكذبة سبعين زنية اهونها كمن يزنى مع امه "، ودلالتها على كونه كبيرة لا تنكر ولو مع قطع النظر عن قوله: وكتب الله (الخ) لان الظاهر انه بصدد بيان عظمة الذنب وكبره سواء كان بصدد الاخبار عن الواقع أو بصدد المبالغة. نعم ظاهر ذيلها كونه بصدد الاخبار عن الواقع وان كان عدد السبعين كناية عن الكثرة مبالغة وهو مطروح لقيام الضرورة على اهونية الكذب من حيث هو من الزنا فضلا عن الزنا بالام وهو لا يوجب طرح صدرها الدال على كونه كبيرة. ومنها رواية ابى ذر (1) عن النبي صلى الله عليه وآله في وصية له " قال: يا اباذر من ملك ما بين فخذيه وما بين لحييه دخل الجنة قلت: وانا لنؤاخذ بما تنطق به السنتنا فقال: وهل يكب الناس على مناخرهم في النار الا حصائد السنتهم انك لا تزال سالما ما سكت فإذا تكلمت كتب لك أو عليك يا اباذر ان الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس ليضحك بها فيهوى في جهنم ما بين السماء والارض يا اباذر ويل للذى يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له " (الخ). والظاهر ان قوله: يا اباذر ويل للذى (الخ): تفريع على قوله: وهل يكب الناس على مناخرهم في النار (الخ). واحتمال كونه كلاما مستأنفا غير مربوط بالصدر: بعيد، فتدل على ان الكذب موجب لدخول النار، وقد مر سابقا ان الظاهر من صحيحة عبد العظيم الحسنى (2) ان ايعاد رسول الله صلى الله عليه وآله العذاب على شئ من شواهد كونه كبيرة بل ايعاده ايعاد الله، ولم يظهر من الروايات الدالة على ان الكبيرة ما اوعد الله عليه النار: ان اللازم ايعاده في الكتاب العزيز ونحوه فتدل الرواية على حرمة سائر انواع الكذب بالفحوى. ويمكن المناقشة فيها بانها منصرفة إلى من يصدر منه كرارا ويشتغل به بل لا يبعد دعوى ظهورها في ذلك فيكون مصرا به والاصرار بالمغائر كبيرة على ما


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 140 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس.

[ 67 ]

في الروايات. ومنها روايات كثيرة تدل على اختلاف التعابير والمضامين بان الكذب لا يجتمع مع الايمان، كمرسلة الصدوق (1) " قال: كان امير المؤمنين عليه السلام يقول: الا فاصدقوا ان الله مع الصادقين وجانبوا الكذب فانه يجانب الايمان "، وعن ابى جعفر عليه السلام " الكذب خراب الايمان " (2)، وصحيحة معمر بن خلاد (3) عن ابى الحسن الرضا عليه السلام " قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله يكون المؤمن جبانا قال: نعم قيل: ويكون بخيلا قال: نعم قيل: ويكون كذابا قال: لا " وعن النبي صلى الله عليه وآله (4) " قال: ثلث خصال من علامات المنافق: إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا وعد خلف ". وعن دعوات الراوندي (5) " قال رجل له صلى الله عليه وآله: المؤمن يزنى قال: قد يكون ذلك قال: المؤمن يسرق قال: قد يكون ذلك قال يا رسول الله المؤمن يكذب قال لا قال الله تعالى انما يفترى الذين لا يؤمنون "، وعن تفسير العياشي عن العباس بن هلال (6) عن ابى الحسن الرضا عليه السلام " انه ذكر رجلا كذابا ثم قال قال الله تعالى انما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون " إلى غير ذلك. ولما استشهد بالآية الكريمة في الاخيرتين فالاولى صرف الكلام إلى مفادها مع قطع النظر عن الروايات قال تعالى: انما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله واولئك هم الكاذبون (7) يمكن تقريبها للمدعى بان يقال: انها وان وردت بعد قوله تعالى: وإذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا: انما انت مفتر بل اكثرهم لا يعلمون، وبعد قوله ولقد نعلم انهم يقولون: انما يعلمه بشر (الخ). لكنه بصدد بيان كبرى كلية


(1) و (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 138 - من ابواب احكام العشرة الثانية مرسلة ضعيفة. (3) الوسائل - كتاب الحج - الباب 138 - من ابواب احكام العشرة. (4) و (5) و (6) المستدرك - كتاب الحج - الباب 120 - من ابواب احكام العشرة (7) سورة النحل - الاية 107.

[ 68 ]

وهى ان اختلاق الكذب مقصورة على الذين لا يؤمنون بآيات الله من غير اختصاص بالكذب على الله تعالى ويؤكد التعميم قوله: واولئك هم الكاذبون، لظهوره في ان الكاذب مقصور على غير المؤمن وان غير المؤمنين بآيات الله هم الكاذبون منحصرا، فيظهر منه ان الكذب مطلقا من خواص غير المؤمن، ولما كان في مقام تعظيم الكذب وتكبيره ولو بدعوى ان الكاذبين غير المؤمنين يفهم منه انه عظيمة كبيرة والا لما صحت الدعوى. وهنا احتمال آخر فيها وهو انها بصدد رد القائلين وانشاء ذمهم لا الاخبار بامر واقعى حتى يحتاج في تصحيحها إلى التأول والدعوى نظير ما نسب إلى زينب الكبرى (ع) في جواب عبيدالله لعنه الله حيث قال الحمد لله (الخ) " قالت: انما يفتضح الفاجر وهو غيرنا فانه ظاهر في انشاء الذم لا الاخبار عن واقعة ونظير قولك في رد من قال لك: انت بخيل: ان البخيل من ياكل مال الناس فان ذلك رد قوله بانشاء ذم بالجملة الخبرية لا الاخبار بان آكل مال الناس بخيل فيكون المقصود من قوله: انما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون رد قولهم بانشاء ذم لهم. وهنا احتمال ثالث وهو ان الاية بصدد ردهم بجملة اخبارية وهى ان الذين يقولون: بانك مفتر ويقولون: يعلمه بشرهم يفترون الكذب في انتساب الافتراء، اليك وانهم الكاذبون، ولا يبعد ان يكون الاحتمال الثاني اقرب إلى الذوق في المقام. ثم انه لو سلم رجحان الاحتمال الاول ولو بضميمة الروايتين المتقدمتين، يكون في دلالتها على حرمة الكذب مجال مناقشة لا مكان ان يكون المراد بدعوى قصر الكذب على غير المؤمن ونفى اتصاف المؤمنين به هو ان الكذب لما كان صفة خبيثة دنية يناسب ارذال الناس والمؤمن شريف كامل لا يناسب صدوره منه فسلب الصفة عنه ليس لكونه معصية كبيرة بل لكونه صفة ردية قبيحة قذرة لا تناسب مقام المؤمن وعليه لا تدل على كونه محرما نظير قوله: المؤمن لا يخلف الوعد، وانه لفى شغل عن اللهو والمؤمنون عن اللغو معرضون إلى غير ذلك.

[ 69 ]

وما ذكرناه من الاحتمال جار في جميع الروايات التى تكون بهذا المضمون وقد مرت جملة منها ولعل في بعضها شهادة على ما ذكرناه فراجع مع ان في كل منها نحو مناقشة يظهر بالتأمل فيها. ومنها جملة من الروايات التى يستفاد منها ان شهادة الزور عدل الشرك (1) متمسكا فيها قوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور (2) كرواية دعائم الاسلام (3) عن ابي جعفر عليه السلام وفيها " فمن الزور ان يشهد الرجل بما لا يعلم أو ينكر ما يعلم وقد قال الله عزوجل واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به فعدل تبارك اسمه شهادة الزور بالشرك " وعن تفسير الشيخ ابى الفتوح (4) عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال في خطبته على المنبر: " ان شهادة الزور تعادل الشرك بالله تعالى ثم تلا قوله تعالى واجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور " وقريب منها عن ابن ابى جمهور عن النبي صلى الله عليه وآله (5). فتدل هذه الروايات على ان مقارنة قول الزور للشرك في الآية الكريمة ليست بمجرد كونه من المحرمات بل لكونه عد لا للشرك في كونه كبيرة خصه تعالى بالذكر قريبا للشرك من بين سائر المحرمات تنبيها على عظمه وكبره كما يوافقه الاعتبار. ويؤيده صحيحة عبد العظيم الحسنى (6) عن ابى عيد الله عليه السلام في تعديد الكبائر وفيها وشرب الخمر لان الله نهى عنها كما نهى عن عبادة الاوثان فتمسك لكونه كبيرة بمقارنته في الكتاب العزيز لعبادة الاوثان مشيرا إلى قوله تعالى: انما الخمر


(1) الوسائل والمستدرك - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس. (2) سورة الحج - الاية 31. (3) و (4) المستدرك - كتاب الشهادات - الباب 6. (5) المستدرك - كتاب الشهادات - الباب 6. (6) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس.

[ 70 ]

والميسر والانصاب والازلام رجس (1) (الخ) فيظهر منها ان المقارنة له في الذكر في الكتاب للتنبيه على عظمة الذنب وكبره ولهذا استفدنا منها كون القمار كبيرة. فحينئذ نقول: ان قول الزور الذى جعل عدلللشرك يكون كبيرة لعين ما ذكر في الرواية وهو اعم من شهادة الزور فيشمل الكذب مطلقا، فتدل الآية باطلاقها بضميمة الروايات على ان الكذب مطلقا من الكبائر. الا ان يناقش في الاستدلال بها مضافا إلى ضعف الروايات، عدى الصحيحة التى يأتي الكلام فيها: بان الزور يأتي في اللغة بمعنى الباطل والكذب والشرك بالله وغيرها. والحمل على مطلق الباطل الاعم من جميع المذكورات وغيرها وجميع الاقاويل الباطلة: خلاف الضرورة: فان مطلق الباطل ليس بحرام ضرورة، والحمل على خصوص الكذب يحتاج إلى شاهد بعد عدم ارادة مطلق الباطل، ولعله اراد خصوص شهادة الزور كما يظهر من الروايات المتقدمة فان الظاهر منها انه تعالى عدل بين خصوصها مع الشرك لا مطلق الكذب وتكون الشهادة من مصاديقه ويؤيد عدم ارادة مطلق الكذب في الآية عدم استشهاد النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام في شئ من الروايات الواردة في الكذب على كثرتها بالآية الكريمة الا المرسلة التى ذكرها الشيخ (2) ولم اعثر على اصلها مع احتمال كون التفسير من الراوى، ومن البعيد دلالة الآية على حرمة الكذب مطلقا وعدم استشهادهم بها في شئ من الروايات الكثيرة، واستشهادهم بها لشهادة الزور على ما في الروايات المتقدمة وللغناء على ما في روايات كثيرة (3) ولو سلمت دلالتها على حرمة الكذب لكن يمكن ان يكون جعله عد لا للشرك بملاحظة بعض مصاديقه كشهادة الزور كما دلت عليه الروايات والكذب على الله تعالى ورسوله والبدع ونحوها. وكون الكذب بكثير من مصاديقه


(1) سورة المائدة - الاية 92. (2) في المسألة الثامنة عشر من النوع الرابع - في الكذب. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 71 ]

ذا مفسدة عظيمة يكفى في جعله مقارنا للشرك تعظيما له ولا يلزم ان يكون بجميع مصاديقه كبيرة وجعله باطلاقه قرينا له لا يوجب كونه باطلاقه كبيرة وليس اطلاق للاية من هذه الجهة يؤخذ به كما لا يخفى " فتدبر ". واما صحيحة عبد العظيم عليه السلام فلا تكون مؤيدة للمطلوب لان الآية النازلة في الخمر والميسر تفارق الاية في قول الزور فان في قوله: " انما الخمر والميسر و الانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " جعلت العناوين الاربعة أو الثلثة موضوعة لقوله: رجس ومن عمل الشيطان، والنهى، فتكون وحدة السياق، ووحدة النهى شاهدة على المطلوب ولهذا استشهد أبو عبد الله عليه السلام في الصحيحة لكون الخمر كبيرة بان الله تعالى نهي عنها كما نهى عن عبادة الاوثان، ولعل نظره إلى وحدة الامر وكيفية الاداء في المذكورات ثم لا يخفى ان الامر بالاجتناب بمنزلة النهي وفى قوته، اما قوله: فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور (1) يكون فيه الامر بالاجتناب مكررا فلم تكن هذا الآية بمثابة الآية المتقدمة ولعل في التكرار نحو اشارة إلى اختلافهما. ومنها مرسلة الصدوق في ضمن تعديده لالفاظ رسول الله صلى الله عليه وآله عد منا قوله: " اربى الربا الكذب " ويصح الاستدلال بها للمطلوب سواء قلنا بان التفصيل على وجه الحقيقة أو على نحو المبالغة لدم صحة دعوى كون صغيرة اربى الربا الذى هو من اعظم الكبائر. ويمكن المناقشة فيها بان المذكور في المرسلة الفاظ كثيرة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والظاهر عدم صدورها في مجلس واحد بل كان في مقامات عديدة وقد جمعوها في رواية ولم يعلم ان تلك اللفظة في أي مقام صدرت منه (ص) ولعله كان في مقام لم يكن له اطلاق " تأمل ". أو يناقش بانه ليس بصدد بيان حكم الكذب بل بصدد ترجيحه على الربا فهى نظير قوله: اكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور حيث قلنا


(1) سورة الحج - الاية 31.

[ 72 ]

بانه بصدد بيان حكم آخر، هو اكبرية هذا من ذاك بعد الفراغ عن اصل الحكم فلا يجوز التمسك باطلاقه. ومنها غير ذلك مما هو ضعيف سندا أو دلالة أو جميعا كما عن النبي صلى الله عليه وآله " من اعظم الخطايا اللسان الكذوب " (1)، وعن على عليه السلام " وعلة الكذب اقبح علة (2) " وعنه عليه السلام " ولا سوئة اسوء من الكذب (3)، وعن النبي صلى الله عليه وآله " واياكم والكذب فانه من الفجور وانهما في النار (4) "، وعن كتاب الغيبة للفضل بن شاذان بسند صحيح عن عبد الله بن العباس (5) قال: " حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله " ثم حكى عنه ما هو من اشراط الساعة إلى ان قال: " ويكون الكذب عندهم ظرافة فلعنة الله على الكاذب وان كان مازحا "، وفى دلالتها اشكال لان اللعن لا يدل على كبر المعصية فتحصل مما ذكر عدم قيام دليل على كون الكذب بنحو الاطلاق من الكبائر، نعم لا شبهة في كونه كبيرة في الجملة لان الاخبار الدالة عليه مستفيضة بل لعلها متواترة من طرق الفريقين والمتيقن منه الكذب على الله وعلى رسوله والائمة عليهم السلام وشهادة الزور والتهمة بناء على كونها من مصاديق الكذب. واما لو قلنا انها اعم من وجه منه فحاله كالنميمة مما دلت الروايات على كونها كبيرة فإذا انطبقت على الكذب لا يوجب صيرورته كبيرة فان الحكم المتعلق على عنوان لا يسرى إلى عنوان آخر متحد معه في الوجود، كما انه لو صار موجبا لفساد لا يوجب ذلك حرمته لاجله فضلا عن صيرورته كبيرة كما مرت الاشارة إليه. بل يمكن ان يقال: ان الكذب في غير ما دل الدليل على كونه كبيرة كالموردين المتقدمين من الصغائر لرواية ابى بصير (6) قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: " ان العبد ليكذب حتى يكتب من الكذابين فإذا كذب قال الله تعالى: كذب وفجر "، و


(1) و (2) و (3) و (4) المستدرك - كتاب الحج - الباب 120 - من ابواب احكام العشرة. (5) المستدرك - كتاب الجهاد - الباب 49 - من ابواب جهاد النفس. (6) الوسائل - كتاب الحج - الباب 138 - من ابواب احكام العشرة - مرسلة.

[ 73 ]

رواية الحارث الاعور (1) عن على عليه السلام قال: " لا يصلح من الكذب جد ولا هزل ولا يعدن احدكم صبيه ثم لا يفى له ان الكذب يهدى إلى الفجور والفجور يهدى إلى النار وما يزال احدكم يكذب حتى يقال: كذب وفجر وما يزال احدكم يكذب حتى لا تكذب كذا ولعله لا تجد موضع ابرة صدق فيسمى عند الله كذابا ". والظاهر من رواية ابى بصير ان قوله: فإذا كذب تفريع على قوله حتى يكتب من الكذابين ومعناه انه بعد كتبه منهم إذا كذب قال تعالى: كذب وفجر ومعناه و لو بمناسبة المقام فسق فانه انسب من سائر معانيه فيظهر منه انه بعد كتبه منهم إذا كذب صار فاجرا فاسقا ; مع انه لو كان كبيرة صار المرتكب له بمجرد ارتكابه فاسقا فتدل هي والتى بعدها على ان مجرد تكرار الكذب لا يوجب الفسق بل لابد فيه من كونه مدمنا وكذابا مطبوعا على الكذب بل ظاهر الاولى انه بعد ذلك لابد من صدور كذب منه حتى يقال: انه فاجر، وتدل الروايتان على ان الاصرار الموجب للفسق في الكذب غير الاصرار في سائر المعاصي لو قلنا فيها بكفاية مطلق التكرار أو عدم التوبة، واحتمال ان المراد بقول الله: فجر انه اخزاه وهتك ستره كاحتمال ان يكون الفجور عند الله غير ما في ظاهر الشريعة وكاحتمال انه تعالى لا يقول بكل فاجر: انه فاجر فاسق خلاف الظاهر. ويؤيد صغرة قوله في الرواية الثانية: الكذب يهدى إلى الفجور فانها مشعرة بعدم كونه منها بل تدل ايضا على عدم كونه في نفسه موجبا للنار، ويؤيده ان في كثير من الروايات جعل الكذاب موضوعا للحكم. ويظهر من جملة من الروايات ان ما يخالف الايمان أو ما هو من علائم النفاق المطبوعية على الكذب، كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الكذاب هو الذى يكذب في الشئ قال: لا، ما من احد الا يكون ذلك منه ولكن المطبوع على الكذب " وهى بمنزلة التفسير لما دل على ان الكذب


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 140 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 138 - من ابواب احكام العشرة.

[ 74 ]

يجانب الايمان فان قوله: ما من احد (الخ) يدل على ان كل احد وان كان مؤمنا يبتلى بالكذب ولكن الكذاب هو المطبوع عليه ولعل السائل كان ذهنه مسبوقا بان الكذاب فاجر فاسق أو انه لا يكون مؤمنا فسئل ما سئل، واما احتمال ان يكون نظره إلى قوله تعالى: سيعلمون غدا من الكذاب الاشر (1): فليس بشئ فانه مربوط ببعض الامم السالفة ولا يناسب المقام فراجع. وابعد منه احتمال ان يكون السؤال والجواب راجعا إلى تفسير اللغة بل هو مقطوع الخلاف ولا يناسب قوله: ما من احد (الخ). وكرواية الحسن بن محبوب المروية عن اختصاص الشيخ المفيد (2) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام يكون المؤمن بخيلا قال: نعم قلت: فيكون جبانا قال: نعم قلت: فيكون كذابا قال: لاثم قال: جبل المؤمن على كل طبيعة الا الخيانة والكذب وعن النبي صلى الله عليه وآله " ان المؤمن ينطبع على كل شئ الا على الكذب والخيانة (3) و عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلث من كن فيه كان منافقا وان صام وصلى وزعم انه مسلم: من إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب وإذا وعد خلف (4) " (الخ) وقريب منها روايات اخر، فتحصل مما ذكر ان الكذب في نفسه في غير بعض انواعه الذى دل الدليل على كونه كبيرة صغيرة. نعم لا دلالة في رواية ابى خديجة (5) عن ابى عبد الله عليه السلام " الكذب على الله و على رسوله من الكبائر " على عدم غيره منها لان نكتة اختصاصهما بالذكر بعد اهمية الموضوع لعلها كثرة القالة على رسول الله، وتوهم انه في مقام التحديد كما ترى. ثم ان ههنا كلاما آخر لابد من التعرض له تتميما للمرام وهو احتمال ان يكون الكذب من العناوين اللا اقتضائية حتى من حيث الحرمة بحسب حكم الشارع فيكون تحريمه باعتبار اللواحق، ولا بأس بالاشارة إلى حكم العقل في المقام ثم إلى حكم


(1) سورة القمر - الاية 26 (2) و (3) و (4) المستدرك - كتاب الحج - الباب 120 - من ابواب احكام العشرة. (5) الوسائل - كتاب الحج - الباب 139 - من ابواب احكام العشرة - ضعيفة.

[ 75 ]

الشارع الاقدس. فنقول: يحتمل بحسب التصور ان يكون الكذب قبيحا ذاتا ويكون علة تامة له لا ينفك عنه فيكون في موارد مزاحمته مع ما هو اقبح منه باقيا على قبحه وان جاز أو لزم ارتكابه، لاختيار العقل اقل القبيحين، وان يكون مقتضيا له بمعنى ان فيه اقتضائه ويؤثر ذلك في القبح الا ان منعه مانع عن فعليته كاقتضاء النار للاحراق فلا ينافى ذلك الاقتضاء عدم التأثير فعلا. فعليه لا يكون الكذب المنجى للمؤمن من الهلكة قبيحا فعلا ومعنى كونه مقتضيا انه لولا ذلك المانع لصار فعليا فحينئذ يكون الكذب مزاحا وفى موارد لا يترتب عليه صلاح ولا فساد قبيحا لاقتضائه الذاتي وفقدان ما يمنعه عن الفعلية، و ليعلم ان الاقتضاء والتأثير والعلية كلها ههنا ليست على حذو علل التكوين، وان يكون لا اقتضاء ذاتا ويكون قبحه وحسنه بالوجوه والاعتبار وعروض جهات مقبحة أو محسنة ولا يكون قبيحا ولا حسنا مع عدم عروض شئ منهما وهذا هو المراد من كون القبح بالوجوه والاعتبار وان يظهر من الشيخ الانصاري (1) في المقام الثاني ما يشعر بخلاف ذلك. والظاهر ان هذا الاحتمال اضعف الاحتمالات فان العقل يدرك قبحه وحزازته في نفسه فيرى الكذب الذى لا يترتب عليه مفسدة ومصلحة قبيحا له حزازة بلا شبهة وانما الكلام في الاحتمالين الآخرين ولا يبعد ترجيح الاول بدليل انه في المورد الذى يتوقف انجاء النبي صلى الله عليه وآله أو المؤمن على الكذب يرى العقل انه لو كان انجائه متوقفا على الصدق كان احسن فلا يسوى بين الكذب والصدق التقديرى في هذا المورد وهذا شاهد على ان العقل يدرك قبحه فعلا لا اقتضاء بالمعنى المتقدم. وان شئت قلت ان الكذب مع تجرده عن كافة المتعلقات والنظر إلى ذاته بذاته له قبح ما عقلا لا ينفك عنه والجهات الخارجية لا تأثير لها في رفعه ولهذا يتمنى العاقل ان يكون الصدق مكان الكذب منجيا للنبى صلى الله عليه وآله وليس ذلك الا لعدم رفع حزازته


(1) في المسألة الثامنة عشر من النوع الرابع - في الكذب.

[ 76 ]

وقبحه ان لزم ارتكابه وله نظائر تظهر بالتأمل. ثم لو كان حكم الشارع بحرمته بملاك حكم العقل فلا محالة يتبعه فيه فكما ان قبحه بناء على اقوى الوجوه باق ولو مع عروض المصالح تكون حرمته ايضا باقية معذلك بناء على ما قويناه في باب تزاحم المقتضيات وباب الاهم والمهم من ان الحكم باق بفعليته في المزاحمين وفى الاهم والمهم جميعا وان كان المكلف معذورا في ترك المهم مع الاشتغال بالاهم وفى احد المتزاحمين مع الاتيان بالمزاحم الآخر فيكون الكذب على ذلك محرما فعلا وان كان معذورا في ارتكابه. واما حديث وجوبه مقدمة لانجاء النبي صلى الله عليه وآله وهو لا يجتمع مع الحرمة قد فرغنا عن تهجينه ولو قلنا بوجوب المقدمة فلا تنافى بينه وبين حرمة الكذب لما قلنا من انه على فرض وجوبها يكون متعلقه هو عنوان الموصل بما هو، والتفصيل يطلب من مظانه ولكن الشأن في كون الحكم الشرعي بمناط حكم العقل إذ لا دليل عليه وليس حكم العقل بقبحه في ذاته بمثابة تكشف منه الحرمة الشرعية. بل يمكن الاستيناس لعدم وحدة المناطين بما دلت في باب جواز الكذب في الاصلاح على حب الله تعالى الكذب في الاصلاح فانه لو كانت حرمته بمناط حكم العقل لما صار محبوبا في شئ من الموارد، لان الكذب الاصلاحي على ذلك مبغوض بذاته وان كان العبد معذورا فيه، فالحكم بالمحبوبية دليل على ان حكم الشارع بالتحريم والتجويز ليس بملاك حكم العقل والحمل على المحبوبية بالعرض خروج عن ظاهر الدليل بلا دليل. ودعوى ان القبيح عقلا لا يمكن ان يصير محبوبا شرعا: يمكن دفعها بانه وجيه لو كان المناط منحصرا بما ادركه العقل أو كان المناط بحيث يكشف حكم الشرع منه ولعل فيه مناطات اخر مجهولة علينا. ثم بعد فرض عدم الدليل على وحدة المناط في حكم العقل والشرع لابد من اخذ اطلاق ادلة حرمة الكذب لو كان، وكذا الاخذ بالمخصص والمقيد والحكم بعدم الحرمة في موردهما.

[ 77 ]

وهل يمكن ان يقال: ان حرمة الكذب في الشرع بالوجوه والاعتبار بالمعنى المتقدم وان كان قبحه بذاته عقلا، وليستأنس له بروايات. كمرسلة سيف بن عميرة (1) عن ابي جعفر عليه السلام قال: " كان على بن الحسين عليه السلام يقول لولده: اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل فان الرجل إذا كذب في الصغير اجترء على الكبير " (الخ) بدعوى ان الظاهر من التعليل ان الامر بالاتقاء عن الصغير ليس لذاته بل لاجل عدم الاصلاح بالكبير، فلو كان الكذب الصغير محرما لما يناسب هذا التعليل وهو نظير قوله في روايات التثليت: " ومن اخذ بالشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم (2) " فالامر بالاتقاء عن الصغير ارشادى لغرض عدم الوقوع في المحرم وهو الكذب الكبير. ومعلوم ان كبر الكذب وصغره باعتبار ترتب الفساد على المخبر به ومراتب الفساد والا فنفس الكذب من حيث ذاته لا يتصف بهما، ومن ذلك يمكن الاستيناس للمطلوب بان الكذب في حد ذاته لا يكون شيئا وانما حرمته وحليته وكبره وصغره باعتبار الوجوه المنطبقة عليه. ورواية حماد ومحمد (3) عن الصادق عليه السلام عن آبائه في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام " قال: يا على ثلث يحسن فيهن الكذب: المكيدة في الحرب وعدتك زوجتك والاصلاح بين الناس " وفيها ايضا " يا على ان الله احب الكذب في الصلاح وابغض الصدق في الفساد "، وقريب منها روايات. ورواية الصدوق (4) عن الصادق عليه السلام " اليمين على وجهين " إلى ان قال " فاما اليمين التى يوجر عليها الرجل إذا حلف كاذبا ولم يلزمه الكفارة فهو ان


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 140 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب القضاء - الباب 12 - من ابواب صفات القاضى وما يجوزان يقضى به. (3) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة - في سندها مجاهيل. (4) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 12.

[ 78 ]

يحلف الرجل في خلاص امرء مسلم أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص أو غيره ". وفى موثقة زرارة (1) عن ابى جعفر عليه السلام في باب الحلف كاذبا للعشار قال: " فاحلف لهم فهو احل من التمر والزبد " وفى نسخة (احلى) مكان (احل) وكانها اصح. بدعوى انلو لم تكن حرمته بالوجوه والاعتبار لما صار احب إلى الله و لا حسنا ولا احلى أو احل من التمر ولا مأجورا عليه لاجل طرو عنوان ذى مصلحة عليه، بل كان من قبيل تزاحم المقتضيات في مقام العمل وللكاذب عذر في اختيار اقل المحذورين والمبغوضين. ويمكن ان يناقش فيه بان غاية ما يمكن ان يستشهد بتلك الروايات ما عدى الاولى ان الكذب ليس علة تامة للحرمة وليست الحرمة لازم ذاته، لان الظاهر منها انه محبوب وحسن في الاصلاح، ومقتضى تزاحم المقتضيات كما مر بقاء الموضوع على حرمته ومبغوضيته، لا صيرورته محبوبا حنسا، والحمل علي المحبوبية العرضية مع كونه مبغوضا بالفعل ذاتا بعيد جدا. ولما الدلالة على ان حرمته بالوجوه والاعتبار فلا، لامكان ان يكون مقتضيا للحرمة ويكون العنوان الطارى من قبيل المانع عن تأثيره فيمكن ان يكون ما فيه اقتضاء الحرمة والمبغوضية غير محرم ولا مبغوض لاجل عروض المانع بل يمكن ان يصير محبوبا فعلا لعدم التنافى بين المبغوضية الاقتضائية والمحبوبية الفعلية سيما إذا كانت المحبوبية بالعرض كما في المقام فان محبوبيته لاجل كونه في الصلاح فالصلاح محبوب بالذات وهو محبوب ثانيا وبالعرض، وإذا دار الامر بين الاحتمالين لا يمكن رفع اليد عن اطلاق ادلة حرمة الكذب لو فرض اطلاق فيها بل يمكن كشف حال الموضوع من اطلاقها والحكم بكونه مقتضيا للحرمة لولا عروض ما يمنعه عن تأثير مقتضاء بدليل دال عليه، واما الرواية الاولى فلا دلالة لها على المطلوب بل ولا اشعار فيها به، لان الاجتراء على المعصية الكبيرة بارتكاب الصغيرة طبيعي للنفس فاشار في


(1) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 12.

[ 79 ]

الرواية إليه والتعليل صحيح موجه بعد كون المحرمات ذات مراتب. نعم لولا كونها كذلك لكان لما ذكر وجه. ثم ان الظاهر وجود الاطلاق والعموم في اخبار كثيرة ربما توجب كثرتها الاطمينان والوثوق بصدور بعضها اجمالا فلا ينظر إلى ضعف اسانيدها، كرواية وصية النبي صلى الله عليه وآله لابي ذر رضى الله عنه (1) وفيها " ولا يخرج من فيك كذبة ابدا قلت: يا رسول الله فما توبة الرجل الذى يكذب متعمدا قال الاستغفار وصلوات الخمس تغسل ذلك ". وقيل هذه الفقرة فقرة يمكن دعوى الاطلاق فيها ايضا وان لا يخلو من اشكال، ورواية عيسى بن حسان (2) " قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول كل كذب مسئول عنه يوما الا كذبا في الثلثة " (الخ)، ونحوها رواية الطبرسي (3) عنه عليه السلام ولعلهما واحدة. وعن جعفر بن احمد القمى عن احمد بن الحسين باسناده (4) عن ابى جعفر عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حيدث: والكذب كله اثم الا ما نفعت به مؤمنا " (الخ)، وعن الطبرسي نحوه (5)، وعن جامع الاخبار (6) عن الصادق عليه السلام " الكذب مذموم " وفى دلالتها اشكال، وفى رواية ابى اسحق الخراساني (7) قال: " كان امير المؤمنين عليه السلام يقول: اياكم والكذب " (الخ)، وفى رواية الحسن الصيقل (8) عن ابى عبد الله (ع) " ان الله احب إلى ان قال: وابغض الكذب في غير الصلاح "، وفى


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 140 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة - ضعيفة بعيسى بن حسان وابى مخلد السراج. (3) المستدرك - كتاب الحج - الباب 122 - من ابواب احكام العشرة. (4) و (5) و (6) المستدرك - كتاب الحج - الباب 122 - من ابواب احكام العشرة. (7) الوافى - باب الكذب - من ابواب ما يجب على المؤمن اجتنابه - ج 3 - ص 157. (8) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة - ضعيفة بالحسن الصيقل.

[ 80 ]

رواية انس (1) المتقدمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله " المؤمن إذا كذب لعنه سبعون الف ملك " (الخ) وعن فقه الرضا (2) " واياكم والكذب فانه لا يصلح الا لاهله " وعن على (ع) (3) " الكذب اقبح علة "، وعنه عليه السلام (4) " لا سوئة اسوء من الكذب " وعنه عليه السلام (5) " اوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله حين زوجنى فاطمة فقال: اياك والكذب فانه يسود الوجه " وعن النبي صلى الله عليه وآله (6) قال: " واجتنبوا الكذب وان رأيتم فيه النجاة فان فيه الهلكة " وعنه صلى الله عليه وآله (7) " اياكم والكذب فانه من الفجور وانهما في النار " وقد مر في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله (8): " ولعنة الله على الكاذب وان كان مازحا " إلى غير ذلك فلا ينبغى الاشكال في حرمته مطلقا الا ما استثنى. الامر الثاني في مسوغات الكذب الاعم من الشرعية والعقلية وبالعنوان الاولى أو الثانوي قال الشيخ الانصاري (9): يسوغ الكذب لوجهين احدهما الضرورة إليه ثم جعل الاكراه والاضطرار وكذا الدوران بين المحذورين منه ثم بعد كلام جعل الاخبار الواردة في باب اليمين لنجاة مال نفسه أو غيره مربوطة بالمقام مع انه على فرض كونها مربوطة به يكون مقتضى اطلاقها جواز الكذب لمال نفسه ولو غير معتد به، وصريح بعضها جوازه لمال غيره، وهذا العنوان غير التسويغ للضرورة إذ لا ينطبق عليه احد العناوين المتقدمة. اما الاكراه والدوران بين المحذورين فظاهر إذ لا يجب على الانسان حفظ مال نفسه فضلا عن مال غيره إذا لم يكن تحت يده. واما الاضطرار فلا يصدق الا مع كون المال بمقدار يكون دفعه موجبا للحرج ولو قلنا: ان مطلق دفع المال إلى الظالم حرجى لا يصح ذلك بالنسبة إلى مال الغير إذا لم يكن تحت يده. ومقتضى اطلاق بعض الروايات جواز الحلف كاذبا في خلاص


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) المستدرك - كتاب الحج - الباب 120 - من ابواب احكام العشرة. (8) المستدرك - كتاب الجهاد - الباب 49 - من ابواب جهاد النفس. (9) في المسألة الثامنة عشر من النوع الرابع - في الكذب - في مسوغاته.

[ 81 ]

ما لم مسلم وان لم يكن امانة عنده وتحت يده، فلو كانت تلك الروايات من ادلة الباب لابد من جعل المسوغ زائدا على اثنين أو تعميم المسوغ الثاني بما يشمل مورد الاخبار. والامر سهل. والذى ينبغى ان يقال: ان المكلف تارة يكون مكرها على الكذب فاكرهه المكره به بعنوانه، واخرى يكون مضطرا إليه إذا كان في تركه ضرر عليه نفسا أو عرضا أو مالا بمقدار معتد به أو مطلقا في بعض الاحيان. وثالثة يكون كذبه لترجيح اخف المحرمين على الآخر كما لو كلفه على شرب الخمر من لا يأمن سوطه وسلطانه فرجح الكذب للتخلص، وهذا غير عنوان الاضطرار المرفوع بادلته كما لا يخفى، وسيأتى الكلام في تلك العناوين انشاء الله، فهل يمكن استفادة مورد رابع من الروايات الواردة في باب الحلف اولا لابد من نقل بعضها ليتضح الحال. فمنها صحيحة اسماعيل بن سعد الاشعري (1) عن ابى الحسن الرضا عليه السلام في حديث " قال: سألته عن رجل احلفه السلطان بالطلاق أو غير ذلك فحلف قال: لا جناح عليه وعن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلفه لينجو به منه قال: لا جناح عليه وسألته هل يحلف الرجل على مال اخيه كما يحلف على ماله قال نعم ". ومنها موثقة زرارة (2) " قال قلت لابي جعفر عليه السلام نمر بالمال على العشار فيطلبون منا ان نحلف لهم ويخلون سبيلنا ولا يرضون منا الا بذلك قال: فاحلف لهم فهو احل (احلى خ ل) من التمر والزبد ". ومنها صحيحة الحلبي (3) " انه سأل ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحلف لصاحب العشور يحرز (يجوز خ ل) بذلك ماله قال: نعم ". ومنها موثقة اخرى لزرارة (4) " قال: قلت له: انا نمر على هؤلاء القوم فيستحلفونا على اموالنا وقد ادينا زكوتها فقال: يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤا قلت: جعلت فداك بالطلاق والعتاق قال: بما شاؤا ".


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 12.

[ 82 ]

إلى غير ذلك مما هي نحوها أو قريب منها، وجه الاستفادة دعوى اطلاقها للحلف الصادق والكاذب لانجاء ماله أو مال غيره كائنا ما كان فهو عنوان غير العناوين السالفة وغير الكذب في الاصلاح. ويمكن المناقشة فيها بانها بصدد بيان حكم آخر وهو جواز الحلف. توضيحه: ان الحلف عبارة عن جملة انشائية تأتى بها لتاكيد الجملة الاخبارية أو الانشائية في بعض الاحيان وهى غير الجملة الاخبارية المؤكدة بها ولا تتصف بالصدق والكذب واطلاقهما احيانا عليها انما هو بنحو من التأويل والتسامح فيقال: اليمين الكاذبة أو الصادقة باعتبار متعلقهما، ولما ورد في الكتاب العزيز النهى عن جعل الله تعالى عرضه للايمان فقال تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم وورد في الروايات النهى عنها كاذبا أو صادقا يمكن ان يكون ذاك وذلك منشأ للشبهة في ان اليمين غير جائزة حتى لانجاء المال، والتخلص من العشار وغيره فسألوا عن حكم اليمين من حيث هي فلا اطلاق فيها يشمل اليمين المقارنة للجملة الكاذبة لان جواز نفس اليمين غير مربوط ولا ملازم لجواز الكذب، بل لا معنى للاطلاق بالنسبة إلى المقارن والمتعلق فان معنى الاطلاق هو كون نفس طبيعة موضوع حكم من غير دخالة شئ آخر فيه فتكون الطبيعة في أي مورد وجدت محكومة به واليمين من حيث هي انشاء لا كذب فيها واسراء حكم الكذب عليه من متعلقه لا معنى له فتكون الروايات اجنبية عما نحن بصدده. ويؤيد ما ذكرناه موثقة زرارة الثانية فان ظاهرها انه مع اداء الزكوة كانوا يطلبون منه زكوة ماله فكان محط سؤاله اليمين الصادقة بان حلف على انه ليس في المال زكوة أو حق للفقراء، والحمل على اليمين بجملة اخرى كاذبة خلاف الظاهر فتشهد بان مورد السؤال نفس الحلف، ومنها يستكشف مورد سائر الاخبار واما مرسلة الصدوق الآتية (1) فظاهرة بقرينة قوله عليه السلام: إذا حلف كاذبا لم يلزمه الكفارة في انشاء عهدة عليه أو الالتزام بعمل كأن يقول: لو كان هذا مال زيد


(1) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 12.

[ 83 ]

على كذا أو انفق كذا. لكن يمكن دفع المناقشة بان يقال: مقتضى القرائن الموجودة في نفس الاخبار ان محط السؤال والجواب فيها هو الحلف كاذبا، اما صحيحة اسمعيل بن سعد فان السؤال عن حلف السلطان بالطلاق منشأه احتمال وقوعه مع عدم موافقة مقدمه للواقع فانه مع صدقه لا يحتمل وقوعه فقوله: ان كان هذا مال زيد فأمر أتى طالق وان كان انشاء لكن وقوع الطلاق عند العامة انما هو فيما إذا كان مال زيد وكان القائل في مقام انكاره، فعليه كان محط الحلف بالطلاق والعتاق في مورد كان المسئول بالحلف يحلف في مقام انكار ما كان واقعا أو اثبات ما لم يكن كذلك فيكون قوله: وعن رجل يخاف على ماله من السلطان (الخ) مورد الحلف كذبا ايضا. ومنها يظهر حال ما ورد فيها السؤال عن الحلف بالطلاق والعتاق، كصحيحة معاذ (1) بياع الاكسية بناء على وثاقته بشهادة المفيد " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: انا نستحلف بالطلاق والعتاق فما ترى احلف لهم فقال: احلف لهم بما ارادوا إذا خفت "، وصحيحة اسمعيل الجعفي (2) بناء على وثاقته بشهادة العلامة والمجلسي وغيرهما " قال: قلت لابي جعفر عليه السلام امر بالعشار ومعى المال فيستحلفونى فان حلفت تركوني وان لم احلف فتشوني وظلموني فقال: احلف لهم قلت: ان حلفوني بالطلاق قال: فاحلف لهم قلت: فان المال لا يكون لى قال: تتقى مال اخيك وصحيحة زرارة (3) عن ابى جعفر عليه السلام " وفيها قلت: انى رجل تاجر امر بالعشار ومعى مال فقال: غيبه ما استطعت وضعه مواضعه قلت: فان حلفني بالعتاق والطلاق فقال: احلف له ثم اخذ تمرة فحلف بها من زيد كان قدامه فقال: ما ابالى حلفت لهم بالطلاق والعتاق أو اكلتها ". وهى كما ترى ظاهرة جدا في جواز الكذب والحلف كذبا ونحوها موثقة زرارة المتقدمة وما هي بهذا المضمون فان موردها بقرينة السؤال عن الحلف بالطلاق والعتاق


(1) و (2) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 12. (3) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 12.

[ 84 ]

هو الحلف كاذبا، لا اقول: في مورد الحلف بهما حتى يقال: انه انشاء بل اقول: ان مورد الحلف بهما هو الكذب لولا الانشاء فيستكشف منه ان مورد الا سؤلة في غيره هو الحلف كذبا فقوله: فيستحلفونى أي يستحلفونى كذبا بالقرينة المذكورة. وتشهد لما ذكرناه ايضا ما اشبر فيها إلى الثقية والضرورة والاضطرار كصحيحة ابى الصباح (1) عن ابى عبد الله عليه السلام وفيها " قال: ما صنعتم من شئ أو حلفتم عليه من يمين في تقية فانتم منه في سعة " ورواية سماعة (2) عنه عليه السلام " قال: إذا حلف الرجل تقية لم يضره إذا هو اكره واضطر إليه وقال: ليس شئ مما حرم الله الا وقد احله لمن اضطر إليه " لان الظاهر منها ان التقية والاضطرار والاكراه صارت منشأ للجواز ولولا تلك العناوين المجوزة لم يكن جائزا بل رواية سماعة كالصريح بذلك، ولا شبهة في جواز الحلف صادقا مطلقا كما فعل الائمة (ع) كثيرا وقد حلف أبو عبد الله عليه السلام في صحيح ابى الصباح المتقدم وحلف أبو الصباح بمحضره والحمل على عدم الكراهة كما ترى بل هو مقطوع الخلاف وتشهد له ايضا مرسلة يونس عن بعض اصحابه عن احدهما (3) في رجل حلف تقية " فقال ان خفت على مالك ودمك فاحلف ترده بيمينك فان لم تر ان ذلك يرد شيئا فلا تحلف لهم " فان الظاهر ان النهى عن الحلف للحرمة فيكشف منه ان مورده الحلف كاذبا. واما مرسلة الصدوق فالظاهر منها جدا ان موردها الحلف كاذبا لا الانشاء " قال في الفقيه (4): وقال الصادق عليه السلام اليمين على وجهين احدهما، إلى ان قال والآخر على ثلثة اوجه فمنها ما يوجر الرجل عليه إذا حلف كاذبا ومنها مالا كفارة عليه ولا اجر ومنها مالا كفارة عليه فيها والعقوبة فيها دخول النار فاما التى يوجر عليه الرجل إذا حلف كاذبا ولم يلزمه الكفارة فهو ان يحلف الرجل في خلاص امرء مسلم أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص أو غيره، إلى ان قال: واما التى عقوبتها


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب الايمان الباب 12 - الظاهر ان في الثانية ارسال. (4) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 12 - والفقيه - باب الايمان والنذور والكفارات - الحديث 20 - ج 3 - ص 405.

[ 85 ]

دخول النار فهو ان يحلف الرجل على مال امرء مسلم أو على حقه ظلما فهذه يمين غموس توجب النار ولا كفارة عليه في الدنيا ". فان الظاهر من الحلف كذبا هو الحلف على اخبار مخالف للواقع وليس نفي الكفارة قرينة على كون الحلف لانشاء الالتزام فان نفيها كما يكون في انشاء الالتزام لدفع الظلم كذلك يكون في الاخبار كاذبا كما صرح فيها بنفى الكفارة في اليمين الغموس ولا اشكال في انها حلف في مقام الدعوى لانكار حق الغير فكما قال فيها: لا كفارة عليه قال فيما تقدم فلا شبهة في ان الظاهر من الروايات ان مصبها الحلف كذبا وليس في مورد منها السؤال عن الاعم أو خصوص الصدق، فعلى هذا يكون هذا عنوان آخر غير عنوان الاضطرار والاكراه والدوران بين المحذورين وغير الكذب في الاصلاح لو خصصناه به ولا نتعد إلى مطلق المصلحة ولو لنفسه وسيأتى الكلام فيه انشاء الله. ولا يتوهم ان مطلق اعطاء المال الظالم ظلما حرج على المظلوم فيكون الجواز للاضطرار، وذلك لممنوعيته بنحو الاطلاق فان اخذ العشار والوالى بعد تعارف اخذهما من الناس ليس بحرجى مضافا إلى ان مقتضى بعض الروايات جواز الكذب والحلف عليه لانجاء مال غيره ولو لم يكن تحت يده كاطلاق ذيل صحيحة اسمعيل بن سعد المتقدمة (1) ومرسلة الصدوق. ومن المعلوم ان الحلف على مال الغير الذى لا يكون امانة عنده وتحت يده ليس لاضطرار وضرورة. ثم انه بما ذكرناه من ان محط الروايات الحلف كاذبا تكون اخص مطلقا من مطلقات حرمة الكذب فتوهم التعارض بالعموم من وجه لعله ناش من توهم اعمية موردها من الكذب وقد عرفت ما فيه. واما ما افاده الشيخ الانصاري من معارضتها لمفهوم رواية سماءة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: إذا حلف الرجل تقية لم يضره إذا هو اكره أو اضطر إليه وقال " ليس شئ مما حرم الله الا وقد احله لمن اضطر إليه فان مفهومها عدم الجواز في غير حال الضرورة والاكراه والكذب مع امكان التورية ليس مضطرا إليه فلا يحوز بمقتضى


(1) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 12.

[ 86 ]

اطلاقه ويجوز لحفظ المال بمقتضى اطلاق الروايات فبعد التعارض يرجع إلى اطلاقات حرمة الكذب. (ففيه) مضافا إلى عدم المفهوم للشرطية كما حقق في محله يمكن ان يقال: ان المورد ليس من مفهوم الشرط فان قوله: إذا حلف الرحل تقية ظاهر في ان حلفه كان للخوف والتقية والحمل على الاعم من التقية الخوفية والتقية المداراتية والتحبيبية خلاف الظاهر، وعليه لا يكون قوله: إذا هو اكره أو اضطر إليه الا لبيان حال القيد، ولا يكون شرطية مستقلة وفى مثلها لا مفهوم لها إذ يكون ذكرها تبعا للقيد وبيانا لحاله. فلو كان مفهوم فلابد ان يكون للقيد وهو لا مفهوم له، مضافا إلى امكان ان يقال: ان المفهوم للشرطية على القول به ليس لدلالة وضعية لفظية لادات الشرط بمعنى عدم وضع اداته للعلة المنحصرة وهو واضح بل بجهات اخرى عمدتها الاطلاق. وانما يمكن دعوى المفهوم فيما إذا كان المتكلم بصدد بيان حال ما عدى مورد التعليق كقوله: " إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ " حيث يكون المتكلم به بصدد بيان حد عدم الانفعال لافادة انفعال الماء القليل. ولو نوقش في المثال فلا مشاحة فيه، وفى رواية سماعة ليس المتكلم بصدد بيان حال حرمة الكذب وحدودها بل بصدد بيان ان الاضطرار يرفع حكمه بعد مفروضيته. وان شئت قلت: سيقت الشرطية لبيان رفع الاضطرار حكم الكذب وفى مثله لا مفهوم لها ولهذا قال في ذيلها ليس شئ مما حرم الله (الخ) ان كان هذا من تتمة الحديث فالمفهوم للشرطية محل اشكال من وجوه عمدتها عدم المفهوم لها رأسا. ثم لو سلمنا المفهوم لها في نفسها لكن في المقام تكون تلك الروايات المتقدمة قرينة على عدم المفهوم فلا تقع المعارضة بينه وبين تلك الروايات، ضرورة ان كثرتها في هذا المقام والمقامات الاخر نظيره من غير تعرض أو اشارة إلى التورية دليل على عدم اعتبار العجز عنها سيما ان بعضها شاهدة على جواز الحلف كاذبا مع امكان التورية، كرواية معمر بن يحيى الصحيحة على الظاهر (1) " قال:


(1) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 12.

[ 87 ]

قلت لابي جعفر عليه السلام ان معى بضايع للناس ونمر بها على هؤلاء العشار فيحلفونا عليها فنحلف لهم فقال: وددت انى اقدر على ان اجيز اموال المسلمين كلها واحلف عليها كل ما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقية ". إذ من المعلوم ان المراد بالحلف المسئول عنه هو الحلف كذبا كما تقدم كما ان الظاهر ان مورد ود ابى جعفر عليه السلام الحلف لانجاء اموال المسلمين مورد السؤال المذكور لا سنخ مخالف له مع ان ابا جعفر عليه السلام لا يعقل الجائه واضطراره إلى الكذب لقدرته على انحاء التورية بل الظاهر منها ومن غيرها كمرسلة الصدوق وموثقة زرارة المتقدمة ان الكذب محبوب وحسن ومأجور عليه، فلو كان في مورد امكان التورية محرما ولو مع غفلة الحالف لا يصير محبوبا واحلى من التمر بل يكون محرما مبغوضا وان كان المكلف معذورا كسائر المبغوضات المأتى بها غفلة. وما ذكره الشيخ الانصاري لرفع الاستبعاد عن تقييد الاخبار بان موردها مورد الغفلة عن التورية مضافا إلى عدم تماميته في بعض الاخبار كما اشرنا إليه ولا يناسبه التعبير بالمأجورية وكونه احلى أو احل من التمر والزبد (غير وجيه) لامكان ان يقال ان كون التورية مغفولا عنها يؤكد الاستبعاد المذكور فان الكذب لو كان محرما مع امكان التورية وكان القيد مما يغفله العامة كان على المعصوم عليه السلام بيانه ولا يمكن الامر بالحلف كاذبا في تلك الروايات الكثيرة من غير اشارة إلى ان جوازه موقوف على عدم امكانها " فتدبر ". ثم ان هذه الروايات معارضة بروايات دلت علي حصر جواز الكذب بثلثة، كرواية عيسى بن حسان (1) " قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول كل كذب مسئول عنه صاحبه يوما الا كذبا في ثلثة، رجل كايد في حروبه فهو موضوع عنه أو رجل اصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا يريد بذلك الاصطلاح ما بينهما أو رجل وعد اهله شيئا و هو لا يريدان يتم لهم "، ومرسلة ابى يحيى الواسطي (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " قال: الكلام


(1) و (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة.

[ 88 ]

ثلثة صدق وكذب واصلاح بين الناس ". وتشعر بالحصر بعض ما تأتى في المستثنى الآخر. وحمل هذه الروايات على الحصر الاضافي: بعيد بل لا وجه له في المقام و تقييد الحصر ليس بجمع عقلائي مقبول عرفا الا ان يدعى ان كثرة استعمال الاستثناء في اخبارنا في غير الحصر الحقيقي توجب وهنا في دلالته عليه، بل القرينة العقلية قائمة في المقام على عدم الحصر، لوضوح ان الكذب لانجاء المؤمن من الهلكة غير مسئول عنه، وكذا في موارد دوران الامر بينه وبين المحذور الاشد كالزنا وشرب المسكر مضافا إلى ان في نفس تلك الروايات ايضا اختلافا كالروايتين المتقدمتين والذى يسهل الخطب ضعف الروايتين سندا وضعف سائرها المشعرة بذلك سندا و دلالة، وكثرة الروايات المقابلة لها وفيها الصحيحة والموثقة مما لا تصلح هي لمعارضتها فتحصل مما مر جواز الكذب لتخلص مال نفسه أو غيره وهو عنوان آخر غير ما تقدم. ثم يظهر من تلك الروايات جواز الكذب لتخلص نفسه أو غيره من سائر المؤمنين من انحاء الضرر النفسي والعرضي لالقاء الخصوصية عرفا وفحوى الروايات واطلاق بعضها كمرسلة الصدوق (1) الدالة على مأجورية الكاذب إذ حلف في خلاص امرء مسلم أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص أو غيره، ويظهر منها عدم خصوصية للعشار واعوان الظلمة بل هو مقتضى تعليق الحكم على الخوف على نفسه أو ماله أو مال غيره فان الظاهر منه ان الموضوع للحكم ذلك، ولا دخالة لظالم خاص فيه فاحتمال الخصوصية في عمال الظلمة بدعوى ان دفع المال إليهم موجب لتقويتهم وتقوية سلطانهم فلهم خصوصية من بين الظلمة (ضعيف) مخالف لظواهر الروايات، وصريح المرسلة ومقتضي اطلاق تلك الروايات جواز الحلف كاذبا وجواز الكذب في كل ضرورة واكراه سواء تمكن من التورية ام لا. نعم لولاها وكان المستند في جوازه ادلة نفى الاضطرار والاكراه كان عدم


(1) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 12.

[ 89 ]

التمكن منها معتبرا في جوازه من غير فرق بين الاكراه والاضطرار لعدم صدقهما مع امكانها بنحو لا يخاف المورى عن كشف الواقعة لدهشة ووحشة مستولية عليه. ودعوى صدق الاكراه ولو مع امكانها لان المكره اكرهه على الواقع وطلب منه الكذب وان امكن التخلص عنه بالتورية فمع امكانها لا يخرج الكذب عن وقوعه عن اكراه بخلاف الاضطرار فانه مع امكانها لا يصدق انه مضطر على الكذب (غير وجيهة) لان الاكراه على الواقع المجهول عن علم المكره غير ممكن ومع امكان التورية والتفصى عن اكراهه بها أو بغيرها لا يصدق انه مكره على الكذب وان كان مكرها على التنطق بالالفاظ، والفرق بينه وبين الاضطرار بذلك غير ظاهر، فلو طلب منه قتل مؤمن محقون الدم وامكنه التخلص عنه بقتل كافر مهدور لا يصدق انه مكره على قتل المؤمن، لان المكره طلب منه قتل المؤمن. واما وجه افتراق الفقهاء بين الكذب حيث اعتبروا في جوازه عدم امكان التورية وبين العقود والايقاعات والالفاظ المحرمة كالسب والتبرى فلم يعتبروا امكانها في لغويتها بل صرح بعضهم بعدم اعتبار العجز عنها كما حكاه الشيخ الانصاري رحمة الله فلعله لذهابهم إلى عدم اطلاق في الروايات الواردة في باب الحلف فلا تشمل الحلف الكاذب بما تقدم وجهه والجواب عنه، فيكون تجويزهم الكذب بمقتضى مثل حديث الرفع وقد تقدم ان المستند فيه إذا كان ذلك لا محيص عن اعتبار العجز عنها واما عدم اعتباره في باب العقود والايقاعات فلورود روايات خاصة في لغويتها مع الاكراه ومقتضى اطلاقها عدم اعتباره ولهذا عطفوا عليها السب والبرائة كما نسب إليهم الشيخ الانصاري (1) ذلك لورود روايات فيهما راجعة إلى قضية عمار وغيرها من غير اشارة فيها إلى لزوم التورية مع الامكان. ثم انه لا شبهة في اعتبار العجز عنها في الدوران بينه وبين محذور اشد الذى هو احد العناوين المجوزة له وذلك لوضوح انه مع امكانها ليس من دوران الامر بين المحذورين الا ان يقال بحرمة التورية بلا عذر كالكذب أو يقال: ان الكذب عبارة


(1) في المسألة الثامنة عشر من النوع الرابع - في الكذب

[ 90 ]

عن التقول بكلام ظاهر في مخالفة الواقع وان لم يكن ظاهره مرادا، وهما فاسدان مر الكلام فيهما. ومن مسوغات الكذب ارادة الاصلاح والروايات الواردة في هذا الباب على طوائف: منها ما دلت على استثناء الكذب في الاصلاح بين الناس، كرواية الصدوق (1) في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام وفيها " يا على ثلث يحسن فيهن الكذب المكيدة في الحرب، وعدتك زوجتك، والاصلاح بين الناس " ونحوها رواية المحاربي (2) عن الصادق عن آبائه عنه صلى الله عليه وآله، ورواية الطبرسي (3) عن ابى عبد الله عليه السلام، وقريب منها رواية عيسى بن حسان (4) ورواية الجعفريات (5) عنه صلى الله عليه وآله، وفى مرسلة الواسطي (6) عن ابى عبد الله (ع) " الكلام ثلثة صدق وكذب واصلاح بين الناس " (الخ). ومنها ما دلت على استثناء ما يراد به نفع المؤمن، كرواية الصدوق (7) عن الرضا عليه السلام " قال: ان الرجل ليصدق على اخيه فيناله عنت من صدقه فيكون كذابا عند الله وان الرجل يكذب على اخيه يريد به نفعه فيكون عند الله صادقا "، وعن الطبرسي في المشكوة (8) عن الباقر عليه السلام " قال: الكذب كله اثم الا ما نفعت به مؤمنا أو دفعت به عن دين مسلم " ونحوها رواية جعفر بن احمد القمى باسناده (9) عن ابى جعفر عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وعن الشيخ المفيد باسناده عن صالح بن سهل الهمداني (10) قال: " قال الصادق عليه السلام: ايما مسلم سئل عن مسلم فصدق فادخل


(1) و (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة. (3) المستدرك - كتاب الحج - الباب 122 - من ابواب احكام العشرة. (4) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة. (5) المستدرك - كتاب الحج - الباب 122 - من ابواب احكام العشرة. (6) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة. (7) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة. (8) و (9) و (10) المستدرك - كتاب الحج - الباب 122 - من ابواب احكام العشرة.

[ 91 ]

على ذلك المسلم مضرة كتب من الكاذبين ومن سئل عن مسلم فكذب فادخل على ذلك المسلم منفعة كتب عند الله من الصادقين ". ومنها مادلت على استثناء ارادة الصلاح، كرواية وصية النبي صلى الله عليه وآله (1) وفيها " يا على ان الله احب الكذب في الصلاح وابغض الصدق في الفساد " وهذا اعم من عنوان الاصلاح بين الناس سيما مع استثناء الكذب للاصلاح بين الناس ايضا في هذه الوصية كما تقدم ورواية الصيقل (2) عن ابى عبد الله عليه السلام في قضية ابراهيم عليه السلام ويوسف عليه السلام وفيها بعد ذكر حب الله تعالى الكذب في الاصلاح " قال: ان ابراهيم انما قال: بل فعله كبيرهم هذا ارادة الاصلاح ودلالة على انهم لا يفعلون وقال يوسف عليه السلام ارادة الاصلاح " ورواية عطا (3) عنه عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا كذب على مصلح ثم تلا ايتها العير انكم لسارقون ثم قال والله ما سرقوا وما كذب ثم تلابل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم ان كانوا ينطقون ثم قال: والله ما فعلوه وما كذب ". والظاهر منهما ان ابراهيم عليه السلام ويوسف عليه السلام انما قالا ذلك ارادة الاصلاح ولم يكن قولهما كذبا محرما بل كان كذبا محبوبا عند الله فما كذبا عند الله، و الاصلاح الذى اراد ابراهيم: هو التنبيه على فساد رأى عابدي الاوثان وارجاعهم إلى الحق، كما ان الاصلاح الذى اراد يوسف ظاهرا ابقاء اخيه عنده ليجئ يعقوب النبي عليه السلام عنده، والحمل على ارادة ابراهيم عليه السلام الصلح بين نفسه والقوم وارادة يوسف عليه السلام رفع الخصومة بينه وبين اخوته كما ترى. ويمكن الاستشهاد بهما بل برواية معوية بن حكيم عن ابيه عن جده (4) عن ابى عبد الله عليه السلام على ان المراد من صحيحة معوية بن عمار (5) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: المصلح ليس بكذاب " هو الاعم من الاصلاح بين الناس، مضافا إلى ان كلمة اصلح ومصلح إذا اضيفت إلى مثل بين الناس يكون معناها التوفيق بينهم وإذا قيل


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة. (2) و (3) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة. (4) و (5) الوسائل - كتاب الحج - الباب 141 - من ابواب احكام العشرة.

[ 92 ]

اصلح الشئ مقابل افسده واصلح الامر يكون بمعنى ايقاع الصلاح والفساد وإذا اطلق وقيل: المصلح ليس بكذاب يكون اعم فإذا كذب لارادة نفع لاخيه أو دفع ضرر عنه يصح ان يقال: اراد الاصلاح بكذبه وانه مصلح الا ان يدعى الانصراف إلى الاصلاح بين الناس. ثم ان التعارض المترائى بين مفهوم الحصر في رواية عيسى بن حسان و رواية الطبرسي عن ابى عبد الله عليه السلام، وكذا مفهوم العدد في مقام التحديد في مرسلة الواسطي ورواية وصية النبي صلى الله عليه وآله وغيرهما وبين سائر الروايات يمكن دفعه بما اشرنا إليه سابقا: من ان القرينة العقلية قائمة بعدم ارادة الحصر من الاستثناء في المقام، ضرورة ان العقل حاكم بان الكذب للفرار من مفسدة اعظم من مفسدته غير مسئول عنه، مضافا إلى ما تقدمت من الروايات في المسألة المتقدمة المجوزة للكذب لانجاء ماله أو نفسه أو مال غيره أو نفسه فلابد من التصرف في الحصر بنحو لا يخالف ما تقدم فيصير مفادها بعد رفع التعارض جواز الكذب لكل مصلحة ونفع كائنا ما كان. ويمكن ارجاع الروايات الواردة في جوازه لتخلص النفس والمال إليها فيكون الجواز فيها ايضا للمصلحة والنفع الا ان يقال: ان سند هذه الروايات عدى صحيحة معوية بن عمار والروايات المتقدمة التى لها عنوان آخر ضعيفة، واستفاضتها و كثرتها وان توجب الوثوق بصدور بعضها اجمالا لكن لابد معه من اخذ ما هو اخص مضمونا وهو الاصلاح بين الناس فيقال بجوازه فيه المتطابق عليه الروايات دون غيره مع ان الالتزام بجوازه في مطلق الصلاح والنفع غير ممكن بل لعله موجب لاخراج الاكثر البشيع. واما الصحيحة فيمكن دعوى انصرافها إلى الاصلاح بين الناس كما تقدم. ثم ان القول بجواز الكذب في الوعد مع الاهل كما ورد في الروايات مشكل لضعفها واجمال المراد منها فان الظاهر من استثناء عدة الاهل من الكذب ان المراد بها الاخبار عن خلاف الواقع، والظاهر من عنوان العدة انها انشاء، فيمكن ان

[ 93 ]

تجعل العدة قرينة على تصرف في الكذب فيراد به الاعم منه ومما هو شبيه به كالوعد الذى لا يراد انجازه، ويمكن ان يجعل الكذب قرينة على ان المراد بالوعد الاخبار بالاعطاء مع عدم ارادة الاتيان به، وكيف كان الاحوط لو لم يكن الاقوى عدم جوازه الا مع اكراه أو اضطرار كما قد يتفق ويمكن حمل الروايات على مورد الاضطرار " تأمل ". المسألة السادسة في معونة الظالم معونة الظالم في ظلمه محرمة بلا اشكال وقد تقدم البحث عن حرمة الاعانة على الاثم مستقصى مضافا إلى الادلة الخاصة في المقام انما الكلام في جهات اخر ككونها كبيرة مطلقا أو لا كذلك أو يفصل بما يأتي وكونها محرمة ولو في غير ظلمة وغيرهما مما يأتي الكلام فيه. فنقول: ان الظالم قد يكون ممن يتلبس بظلم ما، وقد يكون شغله ذلك كالسارق القاطع للطريق، وقد يكون سلطانا أو اميرا جائرا، وقد يكون مدعى الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ويكون غاصبا لولاية ائمة الحق كخلفاء بنى امية و بنى العباس لعنهم الله، فهل تكون معونة جميع الطوائف في ظلمهم كبيرة؟ يمكن الاستدلال عليه في اول العناوين برواية طلحة بن زيد وفى سندها محمد بن سنان (1) وهو لا بأس به وعن شيخ الطائفة (2) ان كتاب طلحة معتمد عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلثتهم "، ونحوها عن كنز الكراجكى (3) مرسلا عن الباقر عليه السلام، بناء على ان المراد بكونهم شركاء


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به. (2) راجع تنقيح المقال للمامقاني - في ترجمة طلحة بن زيد ابى الخزرج النهدي الشامي - ج 2 - ص 109. (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به - مرسلة.

[ 94 ]

تسويتهم في درجة الاثم والعقوبة وبناء على ان الظلم مطلقا من الكبائر كما يستظهر من بعض الروايات ولو قيل بامتناع كونهم في درجة واحدة، ضرورة ان القتل اعظم من الرضا به والاعانة عليه، لصار ذلك قرينة على بناء الكلام على المبالغة كقوله: " شارب الخمر كعابدوثن (1) وقد تقدم ان المبالغة انما تحسن وتصح ان كان المورد معصية عظيمة كبيرة، ولو كانت صغيرة لا تصح المبالغة فيها، فالتسوية بينها مبالغة: دليل على كونهما من الكبائر. نعم يمكن ان يقال: انه بعد حكم العقل بعدم التسوية بينهم كما يمكن ان يجعل الكلام مبنيا على المبالغة يمكن ان يقال: ان المراد بها شركتهم في اصل الاثم لا في درجته، وبعبارة اخرى يكون في مقام بيان اصل الشركة لا كيفية الاشتراك والتسوية فلا تدل الا على ان المعين له يكون عاصيا، فاستظهار الاحتمال الاول الدال على المقصود مشكل، كما يشكل استفادة حرمة الاعانة في غير ظلمه منها، وجه الاستفادة ان الضمير في قوله: والمعين له، يرجع إلى العامل ويكون مقتضى الاطلاق عدم جواز اعانة العامل سواء في ظلمه ام لا. (وفيه) ان الظاهر منه ولو لاجل مقارنته للراضي به الراجع ضميره إلى الظلم وبمناسبة الحكم والموضوع عرفا ان المراد به المعين له في ظلمه، مضافا إلى ان الاطلاق فيه ممنوع لانه في مقام بيان التسوية أو الاشتراك بين الثلثة لا في مقام بيان حكم المعين له فلا اطلاق فيه. وبرواية الصدوق (2) باسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث " قال: من تولى خصومة ظالم أو اعانه عليها نزل به ملك الموت بالبشرى بلعنة ونار جهنم وبئس المصير " ونحوها عنه صلى الله عليه وآله في حديث المناهى (3)، بدعوى ان الظاهر من قوله: " من تولى خصومة ظالم " ان من قام بامر خصومته بان يقبل وكالته في تلك الخصومة


(1) المستدرك - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 5 - من ابواب الاشربة المحرمة (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 95 ]

الظالمانة، أو اعان الظالم في الخصومة، أو اعان المتولي فيها بشره ملك الموت بكذا، فتدل على ان تولى الخصومة من الظالم والاعانة عليها كبيرة موجبة للدخول في النار. وقد تقدم ان الظاهر من صحيحة عبد العظيم الحسنى (1) في عد الكبائر ان ايعاد رسول الله صلى الله عليه وآله النار علي معصية كاشف عن كونها كبيرة الا ان يناقش في الرواية بان المراد من الظالم فيها السلطان الجائر بقرينة سائر فقراتها المذكور فيها السلطان وهى قوله: " ومن خف لسلطان جائر "، وقوله: " من دل سلطانا على الجور " وقوله: " ومن علق بين يدى سلطان جائر "، وقوله: " ومن سعى باخيه إلى سلطان " (الخ). ويحتمل ان يكون المراد من تولى خصومته: القيام بامر القضاوة من قبله وان كان بعيدا، بل الحمل على خصوص السلطان ايضا بعيد بل غير صحيح في الرواية الثانية لكن الرواية لا تصلح لاثبات حكم لضعفها سندا. ومضمرة ورام بن ابى فراس (2) المرسلة قال: " قال عليه السلام: من مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم انه ظالم فقد خرج من الاسلام ". وعن كنز الكراجكى (3) عن رسول الله صلى الله عليه وآله نحوها تقريبا الا ان في ذيلها " فقد خرج من الايمان "، وعن جامع الاخبار (4) عنه صلى الله عليه وآله نحوها، وعن السيد فضل الله الراوندي (5) في نوادره باسناده الصحيح على ما شهد به المحدث النوري (ره) في مستدركه عن موسى بن جعفر عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من نكث بيعة أو رفع لواء ضلالة أو كتم علما أو اعتقل ما لا ظلما أو اعان ظالما على ظلمه وهو يعلم انه ظالم فقد برئ من الاسلام ". ودلالة هذه الروايات على المطلوب لاجل تلك المبالغة العظيمة فيها ضرورة ان الخروج من الاسلام والايمان والبرائة منه ليس على نحو الحقيقة بل بنحو


(1) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به - مرسلة. (3) و (4) و (5) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 96 ]

المبالغة وهى لا تصح أو لا تحسن في الصغيرة فلو صحت في بعض الاحيان لكن الظاهر المتفاهم من نحوها كونها كبيرة عظيمة في نظر القائل: فلا ينبغى الاشكال في دلالتها في مورد الاعانة على الظلم سيما مع اقترانها في الاخيرة مع نكث البيعة و رفع لواء الضلالة. واما الدلالة على الاعانة في غيره فلا، لان الظاهر حتى من غير الاخيرة الاعانة في ظلمه لا مطلقا ولا اقل من عدم اطلاقها مع محفوفيتها بما تصلح للقرينية بل مقتضى تقييد الاخيرة دخالة القيد في الحكم فتكون مقيدة لاطلاقها مع فرض الاطلاق أو رافعة لاجمالها على فرضه. وتوهم دلالة قوله: " من تولي خصومة ظالم أو اعانه عليها " على الاعم للاطلاق الشامل للخصومة في غير مورد الظلم (ضعيف مخالف لفهم العرف)، مع انه مع ارادة الاطلاق لكان اختصاص الخصومة بالذكر: بعيدا، ومع التسليم فالرواية ضعيفة ; لكن لا يبعد القول بكونها كبيرة في مورد الاعانة على الظلم لتظافر الروايات و اعتبار بعضها وتصحيح الاخيرة ولم يحضرني كتاب الراوندي حتى انظر سندها. واما اعانة الظلمة الذين كان الظلم شغلا وصفة ثابتة لهم كقطاع الطريق دون الخلفاء والسلاطين: فيمكن الاستدلال على كونها كبيرة في مورد الاعانة على ظلمهم مضافا إلى الروايات المتقدمة بجملة اخرى. منها رواية ابن ابى يعفور (1) " قال كنت عند ابى عبد الله (ع) إذ دخل عليه رجل من اصحابنا فقال له: جعلت فداك انه ربما اصاب الرجل منا الضيق والشدة فيدعى إلى البناء يبنيه والنهر يكريه والمسناة يصلحها فما تقول في ذلك فقال أبو عبد الله عليه السلام ما احب انى عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء وان لى ما بين لابتيها لا ولا مدة بقلم. ان اعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد ". فان صدرها وان كان في مورد الدخول في اعمال خلفاء الجور أو الامراء من قبلهم لكن ذيلها بمنزلة كبرى كلية تشمل جميع الظلمة سواء كانوا منهم أو مثل


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من بواب ما يكتسب به مجهولة ببشير.

[ 97 ]

سلاطين الجور والحكام من قبلهم أو مثل قطاع الطرق وامثالهم ممن شأنهم و شغلهم الظلم ودعوى انصرافها إلى خصوص الطائفة الاولى أو هي والثانية (كأنها في غير محلها). ويظهر منها بقرينة صدرها: ان اعانتهم في غير ظلمهم ايضا محرمة كبيرة فان السؤال عن البناء والنهر واصلاح المسناة وهى غير مورد الظلم. الا ان يقال: ان مورد السؤال غير مذكور فيها ومعلوم ان عدم ذكره كان للتقية والخوف ومن المحتمل ان يكون المعهود من مورده امير المدينة مثلا ونحوه، وكان البناء والنهرو والمسناة المدعو إليها من الاموال المغصوبة كالاراضى الخراجية التى كانت تحت يدهم غصبا أو من اموال الناس المغصوبة وكان الاعمال فيها اعانة عليهم في ظلمهم، فان ابقاء المغصوب تحت يد الظالم ظلم مستمر منه والتصرف فيه ظلم. ولعل العمال لما كانوا غير مستقلين في التصرف وكانوا يدا للغاصب عدوا معينا لهم لا ظالما في تصرفهم. وعلى هذا الاحتمال الجائى من اجمال السؤال لا يمكن استفادة حرمة اعانة الخلفاء والامراء من قبلهم في غير مورد ظلمهم منها فضلا عن سائر الظلمة. الا ان يقال: ان قوله عليه السلام: " ما احب انى عقدت لهم عقدة " (الخ): كناية عن عدم جواز مطلق الاعانة عليهم كانت في مورد ظلمهم ام لا فيدفع به الاحتمال المتقدم. والقول بان ما احب لا يدل على الحرمة بل يدل علي الكراهة: ضعيف جدا وان قال به الشيخ الانصاري (1) فان قوله: " ان اعوان الظلمة " كبرى كلية وبمنزلة تعليل لما تقدم فكيف يصح الحمل على الكراهة فهو كقوله تعالى: ان الله لا يحب كل مختال فخور (2) ويظهر منها ايضا ببركه قوله: ما احب (الخ) ان الاعوان اعم ممن تلبس باعانة ما أو كان شغله الاعانة عليهم إذ لولا ذلك لامكن دعوى الانصراف. والتحقيق ان يقال: ان قوله: ان اعوان الظلمة كذا مع قطع النظر عن


(1) في المسألة الثانية والعشرين - من النوع الرابع - في معونة الظالمين. (2) سورة لقمان الاية 17.

[ 98 ]

صدره: له جهات من الظهور كظهور الظلمة في نحو الامراء والسلاطين والخلفاء أو الاعم منهم وممن شغله ذلك، وظهور الاعوان ولو باعتبار الاضافة إلى الظلمة فيمن شغله العون كالجندي والقاضي والكاتب ونحوهم، ولا تشمل من اعان في مورد أو موردين فلا يقال له: هو من اعوان الظلمة، وظهور الجملة ولو بمناسبة الحكم والموضوع والاضافة إلى الموصوف بوصف الظلم في ان المعين معينهم في ظلمهم كعمال الخلفاء والسلاطين بحسب النوع. وبلحاظ صدر الرواية يقع التعارض بدوا بين الظهورين الاخيرين وبين قوله عليه السلام: " ما احب انى عقدت لهم عقدة " (الخ) فان الظاهر انه كناية عن مطلق العمل لهم، بل وبين الظهورين أو الظهور الاخير وبين المذكورات في مورد السؤال، لان البناء ونحوه لا يكون معينا للظلم ولا شغله الاعانة فيدور الامر بين رفع اليد عن ظاهر الذيل وحمله بقرينة الامثلة وقوله عليه السلام: انى لا احب (الخ) على مطلق العمل لهم كان اعانة عليهم أو في ظلمهم ام لا فتكون التوسعة لذلك تعبدية، وبين جعل قوله عليه السلام كناية عن الدخول في اعمالهم التى كان اعانة عليهم في ظلمهم لا محالة بحسب النوع فيكون موافقا للظهورين أو عن الاعانة لهم في ظلمهم بقرينة تطبيق الكبرى عليه فيكون موافقا للاخير وكاشفا ببركة الكبرى عن مورد السؤال المجهول عندنا كما تقدم. والاظهر ولو بمناسبة الحكم والموضوع وبانه عليه السلام استشهد ظاهرا بالكبرى المذكورة وعليه يكون حملها على ما تقدم واعمال التعبد في غاية البعد: جعل الكبرى قرينة على المعنى المكنى عنه وانه احد المعنيين المتقدمين فتكون حاصل المعنى المراد: ان الدخول في ديوانهم المستلزم لكونه عونا على ظلمهم محرم أو ان الاعانة على ظلمهم محرمة. واما الروايات الاخر التى علق فيها الحكم على اعوان الظلمة مثل موثقة السكوني (1) عن جعفر بن محمد عليه السلام عن آبائه (ع) " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به - موثقه بالسكوني.

[ 99 ]

كان يوم القيامة نادى مناد: اين اعوان الظلمة ومن لاق لهم دواة أو ربط لهم كيسا أو مد لهم مدة قلم فاحشروهم معهم ". ورواية السيد فضل الله الراوندي (1) التى صححها المحدث النوري عن موسى بن جعفر عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الظلمة واعوان الظلمة من لاق لهم دواة أو ربط لهم كيسا أو مد لهم مدة احشروه معهم "، و قريب منهما رواية ورام بن ابى فراس (2) الا ان فيها " واعوان الظلمة واشباه الظلمة حتى من برء لهم قلما " (الخ). ورواية القطب الراوندي (3) وفيها " اين الظلمة واعوانهم حتى من لاق لهم دواة " (الخ) فالكلام فيها انه يحتمل في رواية السكوني ان يكون عطف من لاق لهم (الخ). على اعوان الظلمة (بالواو) لافادة امر زائد على الاعانة في ظلمهم فكأنه قال: اعانتهم في ظلمهم وفى غيره كالاعانة في الليق والربط والمد سواء فتكون بحسب هذا الظهور مخالفة لساير الروايات فان بعضها بلا عاطف فيكون ما بعد بيانا وفى بعضها عطف (بحتى) لافادة اخفى مراتب الاعانة فتكون المذكورات بحسب رواية السكوني مقابلة للاعانة وبحسب غيرها مصداقها لكن الاظهر الاولى حمل العطف في رواية السكوني على عطف الخاص على العام فتطابق بين الروايات لاظهرية غيرها منها كما لا يخفى. ثم ان ما ذكرناه في رواية ابن ابى يعفور (4) من وقوع التعارض بين صدرها وذيلها يأتي في تلك الروايات ايضا، لكن الاظهر في مفادها ان مطلق الاعانة على ظلمهم محرم ومعصية كبيرة ولا تختص الحرمة بالاشتغال المعتد به. واحتمال ان يكون المراد بمن لاق ونحوه من كان شغله ذلك (وهم) وانما


(1) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به. (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 100 ]

قلنا: على ظلمهم، لان ذكر مثل الدواة والقلم والكيس في تلك الروايات مما هي آلات الظلمة سيما الحكام في ظلمهم لانفاذ الاحكام وجمع المظالم: دليل على اختصاص الاعانة بمورد الظلم والمذكورات من الموارد الخفية للاعانة على الظلم لا مطلق الاعانة على الظالم، فلو كان المراد الثاني لكان عليه ذكر غيرها مما لا دخل له في ظلمهم كاعطاء كأس ماء ونحوه. واما مرسلة عوالي اللئالى (1) " انه دخل على الصادق رجل فمت له بالايمان انه من اوليائه فولى عنه وجهه فدار الرجل إليه وعاود اليمين فولى عنه فاعاد اليمين ثالثة فقال عليه السلام له: يا هذا من اين معا شك فقال: انى اخدم السلطان وانى والله لك محب فقال: روى ابى عن ابيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من السماء من قبل الله عزوجل: اين الظلمة اين اعوان الظلمة اين من برء لهم قلما اين من لاق لهم دواة أين من جلس معهم ساعة فيؤتى بهم جميعا فيؤمر ان يضرب عليهم بسور من نار فهم فيه حتى يفرغ الناس من الحساب ثم يؤمر بهم إلى النار ". فهى مع ضعفها واشتمالها على ما لا يمكن الالتزام به: ظاهرة في ان الرجل كان معروفا عند ابي عبد الله عليه السلام ولهذا ولى عنه وجهه، ولعل خدمته كانت من قبيل ما صدق عليه الظلم أو الا اعانة عليه، فلا دلالة فيها على حرمة مطلق العون. فتحصل من جميع ذلك ان الروايات المتقدمة لا تدل الا على حرمة اعانة الظالم في ظلمه كما صرح بالقيد في بعضها وهى ظاهر الروايات الاخيرة بل وغيرها. واما ما في بعض الروايات (2) " من علق سوطا بين يدى سلطان جائر جعلها حية طولها سبعون الف ذراع فيسلط الله عليه في نار جهنم خالدا فيها مخلدا ": فموردها الاعانة على الظالم في ظلمه بل لا يبعد ان يكون المراد منه ولو بمناسبة الحكم والموضوع هو السواط الذى كان شغله ضرب المظلومين والمجرمين بنظر حاكم الجور فهو من الظلمة ومعين الظلمة في ظلمهم


(1) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 101 ]

واما رواية ابن بنت الكاهلى (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " من سود اسمه في ديوان ولد سابع حشره الله يوم القيامة خنزيرا "، وفى رواية عن الكاهلى (2) عن ابى عبد الله عليه السلام " من سود اسمه في ديوان الجبارين من ولد فلان حشره الله يوم القيامة حيرانا " كذا في الوافى (3) والوسائل ويحتمل ان يكون (خنزيرا) مصحف (حيرانا) أو بالعكس وكون الروايتين واحدة، وكانت الاولى ايضا عن الكاهلى لكن لا يعبأ بهذا الاحتمال. وعن الشيخ المفيد في الروضة (4) عن ابن ابى عمير عن الوليد بن صبيح الكابلي عن ابى عبد الله عليه السلام " من سود اسمه في ديوان بنى شيصبان حشره الله يوم القيامة مسودا وجهه " وبنى شيصبان كناية عن بنى العباس وشيصبان اسم شيطان على ما في القاموس، والظاهر منها أو من بعضها حرمة الدخول في ديوانهم بان يصير من اعضاء ديوان الظالم أو ديوان غاصب الخلافة كالشرطي والجندى والقاضى والامير وحواشي السلطان وامثالهم، لا مثل خياط السلطان وبنائه ومعماره كما قال الشيخ الانصاري (5) ولعله اراد بما ذكر بيان المراد في رواية ابن ابى يعفور والا فالظاهر من قوله: من سود اسمه (الخ) هو ما ذكرناه، وقد مر ان الروايات الواردة في اعوان الظلمة ظاهرة أو منصرفة إلى اعوانهم في الظلم فما افاده من ان معمار السلطان وبنائه من اعوانه حق، لكن تلك الروايات لا تدل على حرمة مطلق عون السلطان والظلمة. واما الروايات المتقدمة آنفا فالظاهر منها ان الدخول في ديوانهم وصيرورته


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به - مجهولة لابن بنت الوليد. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 44 - من ابواب ما يكتسب به. (3) باب عمل السلطان - وجوائزهم - من ابواب وجوه المكاسب ج 10 - ص 27. (4) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به. (5) في المسألة الثانية والعشرين من النوع الرابع - في معونة الظالمين.

[ 102 ]

من اعضاء حكومتهم محرم، ولعله لاجل ملازمته للاعانة على الظلم، أو لصيرورته موجبا لقوة شوكتهم، أو يكون نفس الدخول في ديوانهم اعانة على حكومتهم الجائرة الظالمة وان كان مقتضى الجمود على ظواهرها ان الدخول فيه حرام ذاتا لا لترتب معصية أو عنوان آخر عليه ويأتى بعض الكلام فيه في المسألة الآتية، ولا يبعد اختصاص ذلك بخلفاء الجور الغاصبين لخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله والمدعين لها و الاسراء إلى غيرهم مشكل لخصوصية فيهم لعنهم الله كما لا يبعد الاختصاص في رواية يونس بن يعقوب (1) قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: لا تعنهم على بناء مسجد. والمراد من الاعانة على بناء المسجد ليس مطلق العمل فيه ولو لحوائج نفسه كالبناء والعملة العاملين لاجل حوائجهم من غير نظر إلى صاحب العمل، فاعانتهم اخص من ذلك. ضرورة انه لا يقال للتاجر الذى يتجر لاغراضه وحوائجه: انه معين الفقراء أو معين الظلمة بمجرد بيع المتاع منهم كبيعه من سائر الناس ولا لمن باع الآجر والجص من البانى للمسجد كبيعه من سائر الناس: انه اعانه على بناء المسجد. نعم لوخص نفسه لبناء المسجد وانتخبه من سائر الابنية مع تسهيل لامره أو قصد التوصل إليه يمكن ان يقال: انه معينه في بنائه وكذا لو وقف نفسه للبيع من الظالم والعمل له يمكن ان يقال: انه معينه ويمكن توجيه نظر الشيخ إلى ذلك " تأمل ". بل لو صار شخص بنائهم أو معمارهم أو خياطهم لحوائج نفسه وانما انتخب ذلك لكونه انفع له في معاشه لا يقال: انه معينهم. وتشهد لما ذكر رواية صفوان الجمال (2) " قال: دخلت على ابى الحسن الاول عليه السلام فقال: يا صفوان كل شئ منك حسن جميل ما خلا شيئا واحدا قلت: جعلت


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به - لا يخلو من حسن. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بمحمد بن اسمعيل الرازي.

[ 103 ]

فداك أي شئ قال: اكرائك جمالك من هذا الرجل يعنى هرون الرشيد قلت: والله ما اكريته اشرا ولا بطرا إلى ان قال: اتحب بقائهم حتى يخرج كرائك قلت: نعم قال: من احب بقائهم فهو منهم ومن كان منهم كان ورد النار " (الخ). فان صدرها لا يدل على الحرمة فان عدم كونه الشئ جميلا حسنا اعم منه بل لعله يشعر بالكراهة كما ان التعليل بعدم جواز حب بقائهم دليل على ان اكرائه بنفسه غير محرم والا لعلل به لا بامر خارج فتدل على ان العمل لهم لحوائج نفسه ليس بحرام. واما حب بقائهم فامر آخر ليس مورد بحثنا ومع حرمته لا توجب تحريم امر آخر خارج عنه. ويشهد له ايضا صحيح الحلبي الآتي (1) في المسألة الآتية وفيها قال: " و سألته عن رجل مسكين خدمهم رجاء أن يصيب معهم شيئا فيغنيه الله به فمات في بعثهم قال: هو بمنزلة الاجير انه انما يعطى الله العباد على نياتهم " فانه كالصريح في ان العمل لهم بنية حوائجه لا بنية العون عليهم محلل وان الاجير لهم لم يرتكب حراما، ولا يخفى ان عنوان الاجير والخادم غير عنوان الديواني والدخول في شئون السلطنة كما مر. وقد تقدم ان اسراء الحكم من تلك الروايات الواردة في خلفاء الجور المدعين لخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى غيرهم مشكل لخصوصية فيهم دون سائر الظلمة والسلاطين والامراء سيما مثل سلاطين الشيعة وامرائهم. ومما تقدم يظهر الكلام في جملة من الروايات المأخوذة فيها عنوان المعونة أو العون، كرواية الفضل بن شاذان (2) عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون وعد فيها في جملة الكبائر معونة الظالمين والركون إليهم: وفى صحيحة أبى حمزة (3) بناء على ان مالك بن عطية هو الاحمسي الثقة عن على بن الحسين عليه السلام " قال:


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 48 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس - ضعيفة. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 104 ]

اياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ". وعن تفسير العياشي عن سليمان الجعفري (1) " قال: قلت لابي الحسن عليه السلام ما تقول في اعمال السلطان فقال: يا سليمان الدخول في اعمالهم والعون لهم والسعى في حوائجهم عديل الكفر والنظر إليهم على العمد من الكبائر التى يستحق بها النار ". وفى رواية شاذان بن جبرئيل (2) عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث الاسراء وما رآه مكتوبا علي ابواب النار ومن جملته " لا تكن عونا للظالمين "، فان الظاهر أو المنصرف منها ولو بمناسبة الحكم والموضوع العون على ظلمهم سيما مع التقييد في بعض ما تقدم وغيره ومع ما تقدم من رواية صفوان وصحيح الحلبي. ويؤيده رواية اعمش (3) حيث عد فيها من الكبائر ترك اعانة المظلومين، ومعلوم ان المراد تركها فيما ظلموا لا مطلقا، والظاهر انصراف السلطان في رواية الجعفري إلى بنى العباس (لع) والسؤال والجواب ناظران إليهم، فانهم محل الحاجة في ذلك الزمان، فلا يبعد القول بحرمة اعانتهم مطلقا والسعى في حوائجهم والدخول في اعمالهم بل والنظر إليهم لكن الظاهر لزوم توجيه الاخير بوجه، مع امكان الخدشة في سند الرواية فان العياشي وان كان ثقة وادرك الجعفري وهو ثقة لكن ليس لنا طريق صحيح إلى تفسيره، ومعروفيتها بحيث اغنتنا عن السند غير ظاهرة ولم يذكر صاحب الوسائل طريقه إليه الا ان يدعى الاطمينان والوثوق بكون ما عن تفسيرة من ه والعلم عند الله. واما الروايات الواردة في الدخول في اعمالهم والغشيان في سلطانهم والقرب من السلطان وحواشيه فليست من المسألة التى تعرضنا لها ككثير مما تقدم وانما تعرضنا لها تبعا للقوم وسيأتى الكلام فيها انشاء الله في المسألة الآتية


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به. (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس - ضعيفة.

[ 105 ]

المسألة السابعة في الولاية من قبل الجائر الولاية من قبل الجائر محرمة، كانت على المحرمات أو المحللات أو ما اختلط فيها المحرم والمحلل، وذلك لان السلطنة مجعولة بجعل الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وآله وبجعله تعالى أو بجعل رسول الله صلى الله عليه وآله بامره تعالى مجعولة لامير المؤمنين والائمة الطاهرين من بعده، واساس السلطنة وشئونها غير اساس تبليغ الاحكام الذى هو من شئون رسول الله صلى الله عليه وآله من حيث رسالته ونبوته، ومن شئون الائمة بارجاع رسول الله صلى الله عليه وآله الامة إليهم في اخذها بامره تعالى بضرورة المذهب وللروايات المتواترة من الفريقين كحديث الثقلين (1) وحديث سفينة نوح (2) وغيرهما، وانما وجب طاعتهم لكونهم سلاطين الامة وولاة الامر من قبل الله تعالى، لا لكونهم مبلغين لاحكامه تعالى، لان المبلغ لها لا امر ولا حكم له فيما يبلغها ولا يكون العمل طاعة له بل الحكم من الله والاطاعة له وانما اقواله وآرائه كاشفات عن حكم الله تعالى واما اوامرهم الصادرة منهم بما انهم ولاة الامر وسلاطين الامة فتجب اطاعتها لكونهم كذلك ولكون الامر امرهم لا لكشفه عن امر الله تعالى. نعم انما يجب طاعتهم لاجل امر الله تعالى بها في قوله: اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم (3) ولجعل السلطنة والولاية لهم من قبله تعالى ولولا ذلك لم تجب، لان السلطنة والولاية مختصة بالله تعالى بحسب حكم العقل فهو تعالى مالك الامر والولاية بالذات من غير جعل وهى لغيره تعالى بجعله ونصبه، وهذه السلطنة والخلافة


(1) و (2) الوسائل - كتاب القضاء - الباب 5 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به. (3) سورة النساء - الاية 62.

[ 106 ]

والولاية من الامور الوضعية الاعتبارية العقلائية فالسلطنة بشئونها وفروعها لهم من قبله تعالى ولا يجوز لاحد التصرف فيها وتقلدها اصلا وفرعا، لان تقلدها غصب والتصرف فيها وفى شئونها كائنة ما كانت تصرف في سلطان الغير. نعم يمكن ان يقال ان الغصب بما انه الاستيلاء على مال الغير أو حقه عدوانا وعامل السلطان ولو من تقلد من قبله امر امارة بلد أو ولاية ناحية أو تقلد امر القضاوة والوزارة ونحوها ليس مستوليا على شئون السلطنة بل الاستيلاء انما هو من السلطان وهو غاصب للخلافة والسلطنة بشئونهما، وعماله اياديه وليسوا مستولين على شئونها حتى الامر الذى كانوا متولين له بنصب من السلطان بل هو نظير غصب السلطان بلدا بوسيلة عماله فان الغاصب له هو السلطان لا غير واياديه لا يعدون سلطانا ومستوليا عليه وان كان تصرفهم فيه محرما بعنوان التصرف في مال الغير بغير اذنه. ففى المقام ان تقلد امر من شئون السلطنة والخلافة محرم، لا بعنوان الغصب بل بعنوان التصرف في سلطان الغير بلا اذنه وعدوانا، لكن ما ذكرناه مختص ظاهرا بمن تولى منصبا من قبله كالقضاوة والحكومة والامارة بل والولاية على الجباية و سائر انحاء المناصب دون مثل الجندي وخدمة الدوائر ونظائرهم، للفرق بين شئون السلطنة بفروعها ومثل ما ذكر، لان تولى الامور المتقدمة تصرف في شئون السلطنة ولو لم يكن المتصرف مستوليا ومع الاستيلاء غصب للشئون بخلاف مثل الخادم والجندى فصيرورة شخص جنديا أو خادم دائرة غير تقلد المناصب ليست محرمة لا بعنوان الغصب ولا بعنوان التصرف في سلطان الغير، فلابد من التماس دليل آخر على حرمتها ويأتى الكلام في الروايات الخاصة. ومما تقدم يظهر النظر فيما يظهر من المحقق صاحب الجواهر (1) من ان الولاية على المحلل حلال لولا الاخبار الخاصة، إذ ظهر انها محرمة مع الغض عنها لكن لا بعنوان ذاتها بل بعنوان التصرف في سلطان الغير فلابد في تقلد شئ من المناصب وشئون السلطنة من الاذن من ولاة الامر أو المنصوب من قبلهم.


(1) في المسألة الرابعة - في بيان الولاية من التجارة.

[ 107 ]

ثم انه يظهر منهم ان الولاية من قبل السلطان العادل الحق قد تصير واجبة علينا إذا عينه أو يتوقف القيام بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر عليه ومن قبل الجائر تحرم إذا كانت على محرم وكذا إذا كانت على ما يشتمل على محرم ومحلل كالحكومة على بعض البلدان المشتملة على خراج ونظام وسياسة ومحرمات كالقمرك وغيره إذا لم يأمن من اعتماد ما يحرم والظاهر من التعبيرات ان الولاية بما ذكر صارت بعنوانها واجبة أو محرمة فان كان هذا الظاهر مرادا: فهو غير وجيه لان الوجوب في الموردين لم يتعلق بذاتها وعنوانها. اما في الاول فلان الواجب عنوان اطاعة السلطان العادل، لا عنوان الولاية، وهما عنوانان، ولا يلزم من وجوب احدهما وجوب الاخر وان كانا منطبقين على الوجود الخارجي وقد قالوا نظير ذلك في غير المقام كوجوب الوضوء والغسل بالنذر والعهد والقسم ويرد عليهم نظر ما اوردناه في المقام. واما في الثاني فمضافا إلى عدم وجوب المقدمة شرعا انها لو كانت واجبة فالتحقيق ان الوجوب في المقدمة لم يتعلق بما هي مقدمة بالحمل الشايع وبالعناوين الذاتية لها بل يتعلق بعنوان الموصل بما هو كذلك كما هو محتمل كلام الفصول وهو عنوان آخر غير عنوان ذات المقدمة فالولاية بعنوانها الذاتي لا تصير واجبة إذا توقف واجب عليه ولان التولية على امر محرم لا توجب حرمتها ولا تسرى حرمة ذلك المحرم إليها لعدم وجه للسراية، ومقدمات الحرام ليست محرمة لو فرضت كونها من مقدماتها هذا مع قطع النظر عن الروايات الخاصة الآتية. نعم قد عرفت انها من قبل الجائر محرمة سواء كانت على محلل أو محرم بعنوان التصرف في سلطان الغير. واما الروايات فيظهر من بعضها ان حرمتها لما اشرنا إليه. كرواية ابى حمزة (1) عن ابى جعفر عليه السلام " قال: سمعته يقول: من احللنا له شيئا اصابه من اعمال الظالمين فهو له حلال وما حرمناه من ذلك فهو له حرام ". والظاهر ان المراد


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به - مرسلة.

[ 108 ]

بما حرمناه ذكر بعض مصاديق ما يقابل الجملة الاولى لا اثبات قسم ثالث غير مذكور فيكون المراد ما لم نحلل له فهو حرام، ودلالتها على المطلوب مبنية على ان يكون المراد من شئ اصابه عملا من اعمالهم على ان يكون (من اعمال الظالمين) بيانا للشئ فحاصل المعنى ان كل ولاية أو نحوها اصابها موقوفة حليتها على تحليلنا فتدل على ان عدم الجواز في غير صورة التحليل بجهة التصرف في سلطانهم ومع اجازتهم لا يكون التقلد لها عدوانا فيحل. لكن الاظهر ان المراد بالشئ الاموال التى اصابها من اعمالهم فحينئذ يحتمل ان يكون المراد منه ما يقع في يده من الزكوات والغنائم وخراج الاراضي الخراجية إلى غير ذلك مما يكون جمعها والتصرف فيها مختصا بوالى الحق ويكون ولاة الجور ظالمين في الاخذ والاعطاء فيها، فتدل على ان تجويزهم وتحليلهم لما اصابوا موجب للحلية لان تحليلهم اجازة لما اخذه من غير حق فيتعين زكوة وخراجا باجازتهم في هذا المقدار، إذ اعطاء الزكوة والخراج لوالى الجور لا يوجب وقوعهما وتعينهما لكونه غاصبا ومع اجازة والى الحق يتعينان وتحليل ما اخذه المتقلد لولاية اجازة لما اخذه فوقع زكوة وخراجا فحل له، وعلى هذا الاحتمال تدل بالملازمة على ان تصرفاتهم وتقلدهم للولاية محرمة لاجل التصرف في سلطان الغير وكذا لو كان المراد من شئ اعم منها ومن مجهول المالك واحتمال اختصاصه بالثاني لا وجه له، ولو لم نقل ان الظاهر اختصاصه بما تقدم لظهور الحلية بالتحليل في انه يكون لصاحب الحق. واظهر منها ما هي نظيرها عن الكشى في رجاله عن ابى حمزة الثمالى (1) " قال: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: من احللنا له شيئا من اعمال الظالمين فهو له حلال لان الائمة مفوض إليهم فما احلوا فهو حلال وما حرموا فهو حرام "، وعن اختصاص الشيخ المفيد عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابن ابى عمير مثله (2). فهى كما ترى ظاهرة في ان التحليل متعلق بالاعمال وتقلدها، ولعل المراد بالتفويض


(1) و (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 109 ]

تفويض السلطنة وشئونها فيكون تحليلهم لحقهم وانهم سلطان من قبل الله. وعن السيد هبة الله معاصر العلامة عن صفوان بن مهران (1) " قال: كنت عند ابى عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من الشيعة فشكا إليه الحاجة فقال له: ما يمنعك من التعرض للسلطان فتدخل في بعض اعماله فقال: انكم حرمتموه علينا فقال: خبرني عن السلطان لنا اولهم قال: بل لكم قال: اهم الداخلون علينا ام نحن الداخلون عليهم فقال: بل هم الداخلون عليكم قال: فانما هم قوم اضطروكم فدخلتم في بعض حقوقكم " (الخ). وعن الاختصاص عن اسحاق بن عمار (2) " قال: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام عن الدخول في عمل السلطان فقال: هم الداخلون عليكم ام انتم الداخلون عليهم فقال: لابل هم الداخلون علينا قال: لا بأس بذلك ". والظاهر منهما جواز دخول الشيعة في اعمالهم لكونها حقهم من قبل ائمتهم، وان ذلك نحو استنفاذ لحقهم وحق ائمتهم ولعل ذلك اذن عام أو كاشف عنه للشيعة الامامية. ويؤيد المطلوب رواية الحسن بن الحسين الانباري (3) عن ابى الحسن الرضا عليه السلام " قال: كتبت إليه اربع عشر سنة استأذنه في عمل السلطان (الخ)، حيث ان الظاهر منها معهودية لزوم الاذن منهم وانه مع عدم الاذن لا يجوز الدخول ومعه يجوز، ولا معنى للاستيذان فيما يكون محرما ذاتا فلابد وان يكون مخللا مع قطع النظر عن حقهم عليهم السلام. ورواية على بن ابى حمزة (4) " قال: كان لى صديق من كتاب بنى امية إلى


(1) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 41 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 48 - من ابواب ما يكتسب به - مجهولة بالحسن بن الحسين الانباري. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 47 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة لان في سندها ابراهيم بن اسحاق وهو مشترك ولعله الاحمري الضعيف.

[ 110 ]

ان قال فقال أبو عبد الله عليه السلام لولا ان بنى امية وجدوا لهم من يكتب ويجبى لهم الفئ ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا " (الخ). والظاهر ان تعييرهم في الدخول في اعمالهم لاجل سلب حقهم به، وفيها اشعار بان الولاية لهم وليس لغيرهم الدخول فيها، وفيها احتمال آخر وهو ان الدخول في اعمالهم الموجب لشوكتهم وقوتهم محرم، لا لكونه مقدمة للحرام بل لتعلق الحرمة عليه لتلك النكتة فكانت غير مربوطة بالروايات المتقدمة، وكيف كان الظاهر مما تقدم ان عدم جواز التولية لاجل حرمة التصرف في سلطانهم. وهنا طوائف اخرى: منها ما تدل على الحرمة الذاتية كرواية تحف العقول (1) وفيها " فوجه الحلال من الولاية ولاية الوالى العادل الذى امر الله بمعرفته وولايته والعمل له في ولايته إلى ان قال: فالولاية له والعمل معه ومعونته في ولايته وتقويته حلال محلل وحلال الكسب معهم وذلك لان في ولاية والى العدل وولاته احياء كل حق وكل عدل إلى ان قال واما وجه الحرام من الولاية فولاية الوالى الجائر وولاية ولاته الرئيس منهم واتباع الوالى فمن دونه من ولاة الولاة إلى اذناهم بابا من ابواب الولاية على من هو وال عليه والعمل لهم والكسب معهم بجهة الولاية لهم حرام ومحرم ومعذب من فعل ذلك على قليل من فعله أو كثير لان كل شئ من جهة المعونة له معصية كبيرة من الكبائر وذلك ان في ولاية الوالى الجائر دوس (دروس خ ل) الحق كله واحيا الباطل كله واظهار الظلم والجور والفساد وابطال الكتب وقتل الانبياء والمؤمنين وهدم المساجد وتبديل سنة الله وشرايعه فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم الا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم والميتة " (الخ). ولا يخفى انها ظاهرة الدلالة على الحرمة ذاتا. وما ذكر فيها من العلل علل للتشريع فكأنه قال: لما كانت المفاسد العظيمة مترتبة على الولاية من قبل الجائر


(1) ص 332 - في تفسير معنى الولايات - والوسائل - كتاب: التجارة - الباب 2 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 111 ]

وان الحكومات الجائرة الباطلة منشأ كل مفسدة حرمها الله تعالى وحرم الدخول فيها في اعمالهم والولاية من قبلهم، والا فالمفاسد المذكورة لم تترتب على كل ولاية، ضرورة ان في عصر بنى امية وبنى العباس لعنهم الله لم يكن نبي لكن المنظور بيان علة التشريع كليا فدلالتها على الحرمة الذاتية غير خفية. ورواية زياد بن ابى سلمة (1) " قال: دخلت على ابى الحسن موسى عليه السلام إلى ان قال: فقال لى يا زياد: لان اسقط من حالق فاتقطع قطعة قطعة احب إلي من ان اتولى لاحد منهم عملا أو اطأبساط رجل منهم الا لماذا قلت: لا ادرى جعلت فداك قال: الا لتفريج كربة عن مؤمن اوفك اسره أو قضاء دينه يا زياد ان اهون ما يصنع الله عزوجل بمن تولى لهم عملا ان يضرب عليه سرادق من نار إلى ان يفرغ الله عزوجل من حساب الخلائق ". دلالتها على الحرمة الذاتية لاجل ان ابا الحسن عليه السلام مع كونه ولى الامر وصاحب الحق قال ما قال وعلله بما ذكر واستثنى ما استثنى فلو كانت الحرمة للتصرف في حقهم فقط لما كان لذلك كله وجه. وموثقة مسعدة بن صدقة (2) " قال: سئل رجل ابا عبد الله (ع) عن قوم من الشيعة يدخلون في اعمال السلطان يعملون لهم ويجبون لهم ويوالونهم قال: ليس هم من الشيعة ولكنهم من اولئك ثم قرء أبو عبد الله (ع) هذه الآية لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم إلى ان قال: ثم احتج الله على المؤمنين الموالين للكفار فقال: ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم انفسهم إلى قوله: ولكن كثيرا منهم فاسقون فنهى الله عزوجل ان يوالى المؤمن الكافر الا عند التقية ". والظاهر من استثناء التقية ان المراد بالموالات ليس المحبة والوداد بل التولى


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب فبه - ضعيفة بزياد بن ابى سلمة وغيره. (2) الوسائل - كتاب التجارة الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 112 ]

للامور والتصدي لاعمالهم أو الاعم منه، ومن الموالات ظاهرا باظهار المحبة والوداد سيما مع ان الظاهر من صدرها ان نفى التشيع عن الجماعة ليس لخصوص الموالات بل الظاهران من عمل لهم ودخل في اعمالهم ليس من الشيعة ويكون منهم، ومعلوم ان هذا النفى والاثبات بوجه من التأويل، وذلك لاشتراكهم حكما ودلالتها على الحرمة الذاتية واضحة. ورواية سليمان الجعفري (1) " قال: قلت لابي الحسن الرضا (ع) ما تقول في اعمال السلطان فقال: يا سليمان الدخول في اعمالهم والعون لهم والسعى في حوائجهم عديل الكفر " (الخ). والظاهر منها ان الثلثة المذكورة محرمة بعناوينها. واحتمال ان تكون الحرمة في الدخول في اعمالهم لاجل التصرف في سلطان الغير (بعيد). ومن هذا القبيل الروايات المستفيضة (2) عن الرضا (ع) حين سألوه عن وجه الدخول في ولايه العهد فأجاب بان التقية اوجبت ذلك، وان يحتمل فيها ان يكون جوابه كذلك لحفظ قلوب المستضعفين الظانين بان الدخول فيها مناف للزهد كما يشعر به بعض الروايات، أو لكون الدخول تقوية لسلطان الجور وتثبيت سلطانه فأجاب بما اجاب عليه الصلوة والسلام. ومن هذا القبيل رواية ابن بنت ا لكاهلى (3) وغيرها عن ابى عبد الله (ع) " قال: من سود اسمه " (الخ). والمراد الدخول في ديوانهم والتقلد لاعمالهم اعم من التولية و غيرها. والظاهر منها ان الدخول والتقلد محرم بذاته ; لا ان الحرمة لانطباق عنوان محرم عليه كالتصرف في سلطان الغير أو لامر خارج كالابتلاء بالمحرمات فيها. ومنها ما تدل على ان الحرمة لامر خارج. كصحيحة ابى بصير (4) " قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن اعمالهم فقال لى: يا ابا محمد


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 48 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به - الثانية مجهولة بجهم بن حميد

[ 113 ]

لا ولا مدة فلم ان احدكم لا يصيب من دنياهم شيئا الا اصابوا من دينه مثله، أو حتى يصيبوا من دينه مثله (الوهم من ابن ابى عمير)، والظاهر منها ان النهى عن الدخول في اعمالهم للارشاد إلى حفظ دينهم، وان الدخول فيها والاصابة من دنياهم ملازم لاصابتهم من دينه، اما لملازمته للمعصية نوعا أو لارجاع الامور المحرمة إليه أو لحصول المحبة والوداد لهم قهرا. ونحوها رواية جهم بن حميد (1) " قال: قال أبو عبد الله عليه السلام اما تغشى سلطان هؤلاء قال: قلت: لا قال: ولم قلت: فرارا بدينى قال: وقد عزمت على ذلك قلت: نعم قال لى: الآن سلم لك دينك ". ورواية داود بن زربى (2) " قال: اخبرني مولى لعلى بن الحسين عليه السلام قال: كنت بالكوفة فقدم أبو عبد الله عليه السلام الحيرة فاتيته فقلت: جعلت فداك لو كلمت داود بن على أو بعض هؤلاء فادخل في بعض هذه الولايات فقال: ما كنت لافعل " إلى ان قال: " جعلت فداك ظننت انك انما كرهت ذلك مخافة ان اجور واظلم وان كل امراة لى طالق وكل مملوك لى حر وعلي وعلي ان ظلمت احدا أو جرت عليه وان لم اعدل قال: كيف قلت فاعدت عليه الايمان فرفع رأسه إلى السماء فقال: تناول السماء ايسر عليك من ذلك "، بناء على ان المراد انه ايسر من العدل كما هو الارجح فتكون دالة أو مشعرة بالمطلوب. ومنها ما هي ظاهرة في الحرمة بلا عنوان وان لا يبعد دعوى دلالتها على الحرمة ذاتا فتكون من الطائفة السالفة. كصحيحة الوليد بن صبيح (3) قال: دخلت على ابى عبد الله عليه السلام فاستقبلني زرارة خارجا من عنده فقال لى أبو عبد الله عليه السلام: يا وليد اما تعجب من زرارة سألني


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به - مجهولة بجهم بن حميد. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به - صحيحة. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 114 ]

عن اعمال هؤلاء أي شئ كان يريد، يريدان اقول: لا، فيروى (1) ذلك على ثم قال يا وليد متى كانت الشيعة تسئل عن اعمالهم انما كانت الشيعة تقول يؤكل من طعامهم ويشرب من شرابهم ويستظل بظلهم متى كانت الشيعة تسئل عن هذا ". ورواية يحيى بن ابراهيم (2) " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: فلان يقرئك السلام وفلان وفلان فقال: وعليهم السلام قلت: يسئلونك الدعاء قال: وما لهم قلت: حبسهم أبو جعفر فقال: ومالهم وماله فقلت: استعملهم فحبسهم فقال: فما لهم وماله الم انههم الم انههم الم انههم هم النارهم النارهم النار ثم قال: اللهم اجدع عنهم سلطانهم قال: وانصرفنا من مكة فسألنا عنهم فإذا قد اخرجوا بعد الكلام بثلثة ايام "، إلى غير ذلك. ثم ان هذا الطوائف لا منافاة بينها، اما الاخيرة مع ما دلت على الحرمة الذاتية فواضح، واما مع ما دلت على الحرمة لاجل التصرف في سلطانهم فلعدم المنافاة بين حرمتها ذاتا ومن حيث التصرف المذكور، فانهما عنوانان مختلفان في محط تعلق الحكم ومتحدان خارجا، فلكل حكم مستقل، وقوله: " من احللنا شيئا من اعمال الظالمين فهو حلال، لا دلالة له على عدم الحرمة ذاتا للولاية، ولا على تحليلهم ما حرمه الله تعالى ذاتا أو جواز ذلك لهم، بل لما كان في التحريم الذاتي استثناء كما سيأتي انشاء الله يكون في مورد الاستثناء منه ايضا احتياج إلى تحليلهم، فان الحلية الشرعية الذاتية الاولية لا تنافى الحرمة من حيث الغصب أو التصرف في حق الغير، وبالجملة ان قوله: من احللنا (الخ) لا يتعرض لمورد التحليل ولا لجوازه مطلقا، ومعلوم انهم لا يحللون ما حرمه الله تعالى لكن في مورد تحليل الله لا تحل الا باذنهم ورضاهم فلا منافاة بين تلك الطائفة وبين ما دلت على الحرمة الذاتية أو على الحرمة بلا عنوان. واما بعض ما تقدمت مما دلت على استيذانهم في الدخول الظاهر منه انه


(1) لا يبعد ان يكون بصيغة المجهول (منه). (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 115 ]

محلل مع قطع النظر عن الاستيذان منهم محمول على الاستيذان في مورد الاستثناء عن الحرمة ذاتا كما تشعر أو تدل عليه بعضها، وقد اشرنا إلى انه لا اطلاق فيها يشمل مطلق التولى والتقلد فإذا لا منافاة بينهما بوجه، وكذا بينها وبين ما تشعر أو تدل على الارشاد فان غاية ما فيها عدم الدلالة على الحرمة ذاتا لا الدلالة على عدمها، فلو كان فيها اشعار به فلا يقاوم ظهور غيرها كما لا يخفى. فتحصل من جميع ذلك ان ما هو من قبيل المناصب والولايات وامثالهما تحرم بعنوانين، احدهما بعنوان التصرف العدواني، وثانيهما بعنوانها الذاتي. وما لا يكون كذلك أي ليس من المناصب وشئون السلطنة والحكومة تحرم فيما تحرم بجهة واحدة وهى الدخول في اعمال السلطان وقد تقدم المراد منه، هذا إذا لم تنطبق عليه عناوين اخر كاعانة الظالم في ظلمه وتقوية شوكة الظالمين و نحوهما. ثم انه يسوغ الدخول في اعمالهم امران احدهما القيام بمصالح العباد وقد ادعى عليه الاجماع وعدم الخلاف، واستدل عليه الشيخ الانصاري (1) بان الولاية ان كانت محرمة لذاتها كان ارتكابها لاجل المصالح ودفع المفاسد التى هي اهم من مفسدة انسلاك الشخص في اعوان الظلمة بحسب الظاهر (وفيه) ان هذا الاستدلال اخص من المدعى فان المدعى جواز الدخول والتولية لمصلحة ولو راجحة كما هو مورد دلاله الاخبار مضافا إلى ان المدعى استثناء المورد عن الحرمة كما اعترف به وتدل عليه الاخبار، لا من باب ترجيح احد المتزاحمين، ولو آل الامر إلى مزاحمة المقتضيات فقلما يمكن احراز اهمية الدخول في الولاية المحرمة من جهتين، بل قد تنطبق عليه عناوين محرمة اخر كتقوية شوكة الظالمين والاعانة للخلفاء الغاصبين ان قلنا بان مطلق اعانتهم ولو في غير ظلمهم محرمة كما سبق الكلام فيه، فلا يمكن ترجيح مقتضيات المصالح ودفع المفاسد على مقتضياتها الا نادرا. فالاولى التمسك للمطلوب بالروايات الكثيرة الواردة في هذا المضمار وبيان


(1) في المسألة السادسة والعشرين من النوع الرابع - في الولاية من قبل الجاير.

[ 116 ]

مقدار دلالتها، ففى صحيحة الحلبي (1) " قال: سأل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل مسلم وهو في ديوان هؤلاء وهو يحب آل محمد صلى الله عليه وآله ويخرج مع هؤلاء في بعثهم فيقتل تحت رايتهم قال: يبعثه الله على نيته قال: وسألته عن رجل مسكين خدمهم رجاء ان يصيب معهم شيئا فيغنيه الله به فمات في بعثهم قال: هو بمنزلة الاجير انما يعطى الله العباد على نياتهم "، وارسل الصدوق في مقنع (2) عنه عليه السلام نحو الفقرة الاولى منها. والظاهر منهما ان الدخول في ديوانهم والخروج معهم في غزوهم حرمة و حلية: تابعان لنية الشخص، فان كان في نيته الدخول للصلاح يحل، وان كان لغيره فلا ; بل لعله يمكن استفادة الحلية زائدة على مورد نية القيام بصلاح العباد سيما مع ذيل الاولى وان لا يخلو من اشكال، وكيف كان لا شبهة في دلالتهما على ان الدخول بنية القيام بمصالح العباد أو الاسلام جائز فهما مع صحة اوليهما سندا لا خدشة في دلالتهما. ثم ان الظاهر منهما ان الجواز فعلى لا حيثى فتدلان على انه مع خلوص نية الصلاح كما يجوز شرعا بالعنوان الاولى ويستثنى من المحرم الذاتي الالهى يكون الامام عليه السلام راضيا بدخوله كذلك فيكشف منهما الرضا في كل مورد كذائي والاذن العام لمن دخل كذلك، فيحل فعلا ومن الحيثين. وفى مستطرفات السرائر نقلا من كتاب مسائل الرجال (3) عن ابى الحسن على بن محمد عليه السلام " ان محمد بن عيسى كتب إليه يسئله عن العمل لبنى العباس واخذ ما يتمكن من اموالهم هل فيه رخصة فقال: ما كان المدخل فيه بالجبر والقهر فالله قابل العذر وما خلا ذلك فمكروه "، إلى ان قال: " وكتبت إليه في جواب ذلك اعلمه ان مذهبي في الدخول في امرهم وجود السبيل في ادخال المكروه على عدوه و


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 48 - من ابواب ما يكتسب به. (2) باب المكاسب والتجارات - والوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 117 ]

وانبساط اليد في التشفي منهم بشئ اتقرب به إليهم فأجاب: من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراما بل اجرا وثوابا ". وفى رواية زياد بن ابى سلمة (1) عن ابى الحسن موسى عليه السلام " فقال لى يا زياد لئن اسقط من حالق فاتقطع قطعة قطعة احب إلى من ان اتولى لاحد منهم عملا أو اطأبساط رجل منهم الا لماذا قلت: لا ادرى جعلت فداك قال: الا لتفريج كربة عن مؤمن اوفك اسره أو قضاء دينه " (الخ). وهى وان كانت متعرضة لجواز دخوله عليه السلام لتلك الغايات لكن الظاهر ان ذلك لبيان مورد الجواز حتى يستفيد منه السامع، لا لبيان اختصاص الجواز به. فيكشف منها ايضا الاذن العام والرضا المطلق للدخول في حقهم مضافا إلى الجواز شرعا وذاتا. وفى رواية يونس بن عمار (حماد - خ ل) (2) قال: وصفت لابي عبد الله عليه السلام من يقول بهذا الامر ممن يعمل عمل (مع - خ ل - يب) السلطان فقال: إذا ولوكم يدخلون عليكم المرفق وينفعونكم في حوائجكم قال: قلت: منهم من يفعل ذلك ومنهم من لا يفعل قال من لم يفعل ذلك فابرأوا منه برى الله منه "، وظاهر ان استفصاله وتخصيص البرائة بمن لم يفعل: دال على ان من يفعل لا يكون بهذه المثابة فيدل على الجواز ذاتا، وعلى الاذن العام بما مر. وعن الشيخ المفيد في الروضة (3) عن على بن جعفر عليه السلام " قال: كتبت إلى ابى الحسن عليه السلام ان قوما من مواليك يدخلون في عمل السلطان ولا يؤثرون على اخوانهم وان نابت احدا من مواليك نائبة قاموا فكتب اولئك هم المؤمنون حقا عليهم مغفرة من ربهم واولئك هم المهتدون " ونحوها رواية اخرى عنه (4). وعن ابى الجارود (5) عن ابى جعفر عليه السلام " قال سألته من عمل السلطان والدخول


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به - الثانية مجهولة باحمد بن محمد البازقى وغيره. (3) و (4) و (5) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 118 ]

معهم قال: لا بأس إذا وصلت اخوانك وعضدت اهل ولايتك ". وعن الوليد بن صبيح (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: من سود اسمه في ديوان بنى شيصبان حشره الله يوم القيمة مسودا وجهه الا من دخل في امرهم على معرفة وبصيرة وينوى الاحسان إلى اهل ولايته ". وعن محمد بن سنان (2) عنه عليه السلام " قال: سألته من عمل السلطان والدخول معهم وما عليهم فيماهم عليه قال: لا بأس به إذا واسى اخوانه انصف المظلوم واغاث الملهوف من اهل ولايته ". وعن رجال الكشى في ترجمة محمد بن اسمعيل بن بزيع (3) عنه " قال: قال ابو الحسن الرضا عليه السلام ان لله تعالى بابواب الظالمين من نور الله له البرهان ومكن له في البلاد ليدفع بهم عن اوليائه ويصلح الله به امور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمنين من الضرر، إليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمن الله روعة المؤمنين في دار الظلمة، اولئك هم المؤمنون حقا، اولئك امناء الله في ارضه، إلى ان قال: فهنيئا لهم، ما على احدكم ان لو شاء لنال هذا كله، قال: قلت: بماذا جعلني الله فداك، قال: يكون معهم فيسرنا بادخال السرور على المؤمنين من شيعتنا، فكن منهم يا محمد ". فان الظاهر من ذيلها الترغيب في دخول شيعته في اعمالهم لهذا المقصد وحمله على انه لو كان معهم لفعل كذا خلاف الظاهر جدا، مع ان تقريره لكونهم معهم على الفرض كاف في المطلوب، سيما مع هذه التوصيفات، الا ان يقال: ان ذلك وما هي نظيره لا دلالة فيها على جواز الدخول، لانه اخبار عن وجود امثال هؤلاء في ديوانهم وابوابهم ولعله كان دخولهم اجبارا وقهرا أو تقية واضطرارا فالعمدة دلالة ذيلها. نعم لا يبعدان يكون قوله: فكن منهم يا محمد لترغيبه بالاحسان إلى الشيعة لو كان ذلك في زمان تقلده عملهم ويحتمل ان يكون صدوره في زمان لم يكن متقلدا.


(1) و (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. (3) راجع تنقيح المقال للمامقاني - في ترجمة محمد بن اسمعيل بن بزيع ابى جعفر مولى المنصور.

[ 119 ]

واما احتمال كون المذكورين في رواية محمد بن اسمعيل ونظائرها من غير المتقلدين لامرهم بل من اشراف البلد الذين لهم ذهاب واياب في ابوابهم: فهو خلاف ظاهر قوله: " ومكن له في البلاد " (الخ) بل خلاف ظاهر قوله: بابواب الظالمين، سيما مع كون الراوى لها مثل محمد بن اسمعيل ولبعضها على بن يقطين وهما متقلدان لاعمالهم، ولعلها صادرة لترغيبهم في البقاء على بابهم. وتشهد له رواية محمد بن عيسى بن يقطين (1) " قال: كتب على بن يقطين إلى ابى الحسن عليه السلام في الخروج من عمل السلطان فاجابه: انى لا ارى لك الخروج من عمل السلطان، فان لله عزوجل بابواب الجبابرة من يدفع بهم عن اوليائه وهم عتقائه من النار فاتق الله في اخوانك أو كما قال " ومنها يظهر المراد من قوله في رواية ابن بزيع " ان الله بابواب الظالمين " (الخ). فهذه جملة من الروايات، ونحوها جملة وافرة اخرى متوافقة المضمون دالة على جواز الدخول في اعمالهم لاصلاح حال المؤمنين والقيام بمصالحهم، وتظافرها وكثرتها اغنيانا عن النظر إلى الاسناد والمصادر للوثوق والاطمينان بصدور جملة منها مع ان فيها صحيحة الحلبي (2) المتقدمة، وصحيحة على بن يقطين (3) قال: قال لى ابو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ان لله تبارك وتعالى مع السلطان اولياء يدفع بهم عن اوليائه " بناء على ان قوله ذلك لترغيبه في بقائه على شغله كما تشهد به مضافا إلى رواية محمد بن عيسى المتقدمة روايته الاخرى (4) انه كتب إلى ابى الحسن موسى عليه السلام " قال: ان قلبى يضيق مما انا عليه من عمل السلطان وكان وزيرا لهارون فان اذنت جعلني الله فداك هربت منه فرجع الجواب لا اذن لك بالخروج من عملهم واتق الله أو كما قال ". واحتمال التقية بعيد ولو بملاحظة سائر الروايات.


(1) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 48 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من اواب ما يكتسب به.

[ 120 ]

واما رواية الحسين بن زيد (1) عن الصادق عليه السلام في مناهى رسول الله صلى الله عليه وآله " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من تولى عرافة قوم اتى به يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه فان قام فيهم بامر الله عزوجل اطلقه الله وان كان ظالما هوى به في نار جهنم "، وقريب منها غيرها: فلا تدل على المقصود، لانها بصدد بيان التحذير عن الدخول في الرياسة حتى مثل رياسة قبيلة، لا في مقام بيان جواز الرياسة فضلا عن الرياسة من قبلهم حتى يؤخذ باطلاقها. ويحتمل ان تكون في مقام بيان ان الرئيس ان كان عادلا فكذا وان كان ظالما فكذا، وهى نظير قوله: العالم ان كان عاد لا يجوز حكمه وقضائه وان كان فاسقا فلا حيث لا تعرض له لجواز تحصيل العلم ولا يجوز التمسك باطلاقه له. ثم ان في المقام روايات ربما يقال بالتعارض بينها في نفسها وبينها وبين الروايات المتقدمة المجوزة للدخول في اعمالهم لغرض القيام بمصالح العباد، كذيل رواية تحف العقول حيث " قال: فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم الا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم والميتة ". وظاهرها بملاحظة التنظير الضرورة في المعاش، لا الاضطرار في الدخول للخوف منهم فتكون نحو موثقة عمار (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " سئل عن اعمال السلطان يخرج فيه الرجل قال: لا الا ان لا يقدر على شئ ياكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة فان فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى اهل البيت ". وظاهرهما عدم جواز الدخول الا عند الاضطرار في المعاش. وفى رواية محمد بن ادريس (3) المتقدمة " ما كان المدخل فيه بالجبر والقهر فالله قابل العذر وما خلا ذلك فمكروه ". والمراد بالمكروه المحرم بلا ريب بقرينة المقام وبقرينة ذيلها الآتى فهى تدل على عدم الجواز الا في مورد القهر والجبر.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 48 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 121 ]

وفى موثقة مسعدة بن صدقة (1) " قال: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام عن قوم من الشيعة يدخلون في اعمال السلطان "، إلى ان قال: " فنهى الله عزوجل ان يوالى المؤمن الكافر الا عند التقية "، ونحوها رواية على بن يقطين (2) " قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: ما تقول في اعمال هؤلاء قال: ان كنت لابد فاعلا فاتق اموال الشيعة قال: فاخبرني على: انه كان يجبيها من الشيعة علانية ويردها عليهم سرا "، بناء على ان الموالاة في الاولى بمعنى النصر والدخول في اعمالهم، وعلى ان المراد باللابدية في الثانية كونها للخوف من سلطانهم وسوطهم لولا الدخول كما هو كذلك من مثل على بن يقطين. فهذه الروايات بمقتضى الحصرفى كل عنوان منها تعارض بعضا بعضا وتعارض مع ما تقدمت من الروايات المجوزة للدخول لنية صلاح المؤمن. ويمكن ان يقال لا معارضة بين انفسها، لانها إذا عرضت على العرف والعقلاء يجمعون بينها بان المجوز للدخول مطلق العذر وانما ذكر في كل منها مصداق منه والا فلا ينقدح في الاذهان من الحصرفى رواية التحف مثلا ارادة سلب الجواز حتى مع التقية أو القهر والجبر وهكذا في غيرها والانصاف ان الناظر فيها لا يشك في ان المراد سلب الجواز بلا عذر من غير خصوصية لعذر خاص بين الاعذار سيما مع ملاحظة عمومات التقية ورفع الاضطرار والاستكراه، وكذا لا معارضة بينها وبين الروايات المتقدمة، لان الروايات الواردة في الاعذار متعرضة للعناوين الثانوية ورتبتها متاخرة عن الروايات المقيدة والمخصصة للعناوين الاولية. وان شئت قلت: ان موضوع اخبار الاعذار هو المحرم الاولى، والروايات المخصصة رافعة لموضوعها في مورد التخصيص فتكون حاكمة عليها لا معارضة معها مضافا إلى ان في تلك الروايات ما تشهد على ان المراد بها غير مورد الورود في الولاية للاصلاح أو لايقاع المكروه عليهم.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 122 ]

ففى رواية محمد بن ادريس بعد السؤال عن العمل لبنى العباس والجواب بعدم الجواز فيما عدى مورد الجبر والقهر قال: " فكتبت إليه في جواب ذلك اعلمه ان مذهبي في الدخول في امرهم وجود السبيل إلى ادخال المكروه على عدوه و انبساط اليد في التشفي منهم بشئ اتقرب به إليهم فأجاب: من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراما بل اجراء وثوابا ". فيظهر منها صدرا وذيلا انه عليه السلام حمل العمل لبنى العباس في المكاتبة الاولى على العمل المتعارف الذى كانوا يدخلون فيه لاغراض انفسهم فأجاب بعدم الجواز الا مع الجبر والقهر فلما كتب إليه ثانيا بان مدخله لمقصد كذا اجاب بانه ليس بمحرم بل فيه اجر وثواب، وهذه شاهدة جمع بين سائر الروايات، مع ان الموالات في موثقة مسعدة يمكن ان تكون بمعنى النصرة والاعانة فيكون الدخول في اعمالهم لغرض ايقاع المكروه عليهم أو غرض اعانة المؤمن ورفع المكروه عنه خارجا عنها موضوعا " تأمل ". ثم ان ههنا روايات اخر ربما يتوهم التنافى بينها وبين ما تقدمت، كمرسلة الصدوق (1) قال: " قال الصادق عليه السلام: كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان " ورواية زياد بن ابى سلمة (2) " قال: دخلت على ابى الحسن موسى عليه السلام فقال لى: يا زياد انك لتعمل عمل السلطان قال: قلت: اجل، قال لى: ولم قلت: انا رجل لى مروة وعلي عيال وليس وراء ظهرى شئ إلى ان قال: فان وليت شيئا من اعمالهم فاحسن إلى اخوانك فواحدة بواحدة، والله من وراء ذلك " (الخ). وفى المستدرك (3) عن السيد هبة الله عن صفوان الجمال " قال: دخل زياد بن مروان العبدى على مولاى موسى بن جعفر عليه السلام فقال لزياد: اتقلد لهم عملا فقال: بلى يا مولاى فقال: ولم ذاك قال: فقلت: يا مولاى انى رجل لى مروة على عيلة وليس لى مال فقال: يا زياد والله لان اقع من السماء إلى الارض فانقطع قطعة


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به. (2) كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 123 ]

ويفصلني الطير بمناقيرها مفصلا مفصلا لاحب إلى من ان اتقلدهم عملا فقلت: الا لماذا فقال: الا لاعزاز مؤمن أو فك اسره ان الله وعد من يتقلد لهم عملا ان يضرب عليه سرادقا من نار حتى يفرغ الله من حساب الخلائق فامض واعزز من اخوانك واحدا والله من وراء ذلك يفعل ما يشاء "، وكانه سقط منها شئ وكان الاصل واحدا بواحد واحتمال ارادة اعزاز واحد منهم بعيد جدا بل فاسد ; ويشهد له رواية زياد المتقدمة ويأتى احتمال وحدتهما. وعن الشيخ المفيد عن على بن رئاب (1) " قال: استاذن رجل ابا الحسن موسى عليه السلام في اعمال السلطان فقال: لا، ولا قطعة قلم الا لاعزاز مؤمن أو فك اسره ثم قال: كفارة اعمالكم الاحسان إلى اخوانكم ". وعن الفضل بن عبد الرحمن (2) " قال: كتبت إلى ابى الحسن عليه السلام استاذنه في اعمال السلطان فقال: لا باس ما لم بغير حكما ولم يبطل حدا وكفارته قضاء حوائج اخوانكم ورواية الحسن بن الحسين الانباري (3) عن ابى الحسن الرضا عليه السلام " قال كتبت إليه اربع عشر سنة استاذنه في عمل السلطان فلما كان في آخر كتاب كتبته إليه اذكراني اخاف على خيط عنقي وان السلطان يقول لى: انك رافضي ولسنا نشك في انك تركت العمل للسلطان للرفض فكتب إلى أبو الحسن عليه السلام: فهمت كتابك وما ذكرت من الخوف على نفسك فان كنت تعلم انك إذا وليت عملت في عملك بما امر به رسول الله صلى الله عليه وآله ثم تصير اعوانك وكتابك اهل ملتك وإذا صار اليك شئ واسيت به فقراء المؤمنين حتى تكون واحدا منهم كان ذا بذا والا فلا ". ورواية العياشي (4) عن ابى عبد الله عليه السلام وفيها " قد ترى مكاني من هؤلاء القوم فقال: انظر ما اصبت فعد به اصحابك فان الله يقول: ان الحسنات يذهبن السيئات ". فان الظاهر من تلك الطائفة حرمة عمل السلطان وانما يكفرها قضاء


(1) و (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 48 - من ابواب ما يكتسب به. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 124 ]

حوائج المؤمنين والتى مرت تدل على نفى البأس بل والفضل والرجحان فيه لذلك. ويمكن ان يقال ان الورود في اعمالهم وديوانهم تارة يكون لمحض اعزاز المؤمن وفك اسره ونحوهما واخرى لذلك ولمعيشته وثالثة لمحض المعاش ونحوه ورابعة لمعونتهم وتقوية سلطانهم. والاخبار الواردة في المقام طائفة منها ناظرة إلى الاولى كذيل رواية ابن ادريس في المستطرفات (1) وبعض فقرات رواية زياد بن ابى سلمة وزياد العبدى (2) حيث استثنى فيهما من عدم جواز الدخول ما كان لمصلحة مؤمن والظاهر ان منها ايضا رواية محمد بن اسمعيل (3) المتقدمة وهذا النحو من الدخول راجح وفيه اجر وثواب. وطائفة منها ناظرة إلى الثانية كرواية ابى الجارود (4) عن ابى جعفر عليه السلام قال: سألته من عمل السلطان والدخول معهم قال: لا باس إذا وصلت اخوانك و عضدت اهل ولايتك "، وما هي بمضمونها فان الظاهر منها السؤال عن الدخول في اعمالهم للمعيشة ونحوها من اغراضه فأجاب بنفى الباس إذا وصلت أي إذا قصدت ذلك في خلال عملك لا بمعنى كون القصد موضوعا بل بمعنى القصد الطريقي " فتدبر ". والحمل على ان ذلك بوجوده الواقعي شرط الجواز بنحو الشرط المتأخر: بعيد غايته. وطائفة منها ناظرة إلى الثالثة وهى الروايات المتقدمة المشتملة على قوله: فواحدة بواحدة، وعلى ان كفارة عملهم قضاء حوائج الاخوان. واما رواية زياد بن ابى سلمة فان الظاهر من صدرها انه كان واردا في عمل السلطان ومشتغلا به لاجل معيشته، وقد حذره أبو الحسن عن العمل لهم الا لاعزاز مومن ونحوه، والظاهر ان قوله عليه السلام: فان وليت (الخ) بعد فرض كونه متوليا لامرهم


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به. (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به. (4) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 125 ]

وعاملا لهم يراد به، ان وليت في اشتغالك باعمالهم بما يحتاج اليك اخوانك فاحسن إليهم حتى يكون لك عمل صالح في مقابل السيئ، ولعله اشار بذلك وبقوله: والله من وراء ذلك إلى قوله تعالى: خلطوا عملا صالحا واخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم ان الله غفور رحيم (1) فيكون حاصل مفادها ان الوارد في اعمالهم المعيشة ارتكب حراما فان احسن إلى اخوانه يكون واحدا بواحد وعسى الله ان يتوب عليه. واظهر منها رواية زياد العبدى، ولا يبعد ان يكون هو زياد بن ابى سلمة بل و لا يبعد ان يكون العبدى مصحف (القندى) ويكون زياد بن ابى سلمة زياد بن مروان القندى ولعل مروان كان مكنى بابى سلمة فان الروايتين كأنهما في قضية واحدة نقلت الثانية بالمعنى ولهذا لا تخلو من نحو اغتشاش. وانما قلنا: هي اظهر في المقصود لعدم اشتمالها على الشرطية بل قال: امض واعزز اخوانك (الخ) فأمره بالاعزاز لمن كان مشتغلا بعملهم للهداية إلى طريق لو سلكه عسى الله ان يتوب عليه. واما رواية على بن رئاب فلان قوله كفارة اعمالكم (الخ) لا يراد به الدخول لاعزاز المؤمن، لانه مضافا إلى عدم تناسب الكفارة مع نفى الحرمة عرفا فانها لتكفير السيئة أو النقيصة الحاصلة منها: ان الدخول لذلك له اجر وثواب حسب الروايات المتقدمة قلا معنى المكفارة فيه، فيكون ذاك وذا قرينة على ان المراد باعمالهم ما دخلوا فيها لمقاصدهم كما هو كذلك بحسب النوع ومنه يظهر حال مرسلة الصدوق ورواية العياشي. واما رواية الحسن الانباري فالظاهر ان ابا الحسن عليه السلام كان لم يصدقه في دعواه الخوف على نفسه، أو كان عليه السلام عالما بعدم وقوع مكروه عليه لو لم يدخل في عملهم والا لاجازه بلا شرط. والمظنون بل المعلوم ان اشتراطه بما ذكر تعليق على امر غير مقدور له، فان التولى لهم في ذلك العصر مع انتخاب جميع الكتاب والاعوان من غيرهم ومن خصوص الشيعة كان غير ممكن عادة كما ان المواساة للفقراء بحيث


(1) سورة التوبة - الاية 103.

[ 126 ]

يكون المتولي للامر كاحد منهم كانه غير ميسور له. ففى الحقيقة ان هذه الرواية من الروايات الناهية عن الدخول في اعمالهم مطلقا مع ان ظاهرها مخالف للقواعد ولهذا حملناها على ما تقدم، كما ان رواية الفضل مخالفة لروايات الباب، لان الظاهر منها عدم حرمة التولى ذاتا ما لم يغير حكما أو يبطل حدا، وقد عرفت دلالة الروايات على حرمته ذاتا ومقتضى اصول المذهب حرمة التولى بغير اذنهم، مضافا إلى التنافى بين صدرها وذيلها، فان نفى البأس ينافى الكفارة كما مر، فلابد من حملها على ان كفارة عملهم لمعيشته كذا فانه المتعارف في اعمالهم. ثم ان مقتضى اطلاق الادلة جواز الدخول في اعمالهم للمقصد الراجح بما تقدم ولو لزم من التصدى جمع الزكوات والخراج من غير الشيعة وايصالها إلى السلطان الجائر، فان التولى لامورهم في مثل ولاية النواحى لا ينفك عن مثله فالسكوت عنه في تلك الروايات الكثيرة دليل على جوازه بالنسبة إلى من كان على مذهبهم وكان معتقدا بلزوم ايصال الخراج والزكوات والغنائم إليهم، ففى الحقيقة هو الزامهم بما التزموا به، مع انه قد يكون التولى لخصوص ذلك ومقتضى الاطلاق جوازه و حمل الروايات على ما لا يلزم عن التولى سوى اعزاز المؤمن ونحوه في قوة طرحها لعدم امكان العمل بها، أو ندرة ذلك جدا مع انه لا دليل لحملها على ذلك سوى الحصر في بعضها وقد عرفت حاله. وقد اشارت إلى ذلك رواية صفوان بن مهران (1) " قال: كنت عنده ابى عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من الشيعة إلى ان قال: فقال ان لهم سيرة واحكاما قال: اليس قد اجرى لهم الناس على ذلك قال: بلى قال: اجروهم عليهم في ديوانهم و اياكم وظلم المؤمن ": بل في الروايات ما هي كالصريح في توليهم ذلك كرواية على بن يقطين (2) المتقدمة الحاكية عن جبايته اموال الشيعة علانية والرد إليهم


(1) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 127 ]

سرا بعد توصية ابى الحسن عليه السلام وما اشتملت على كتابة ابى عبد الله عليه السلام إلى النجاشي والى الاهواز وفارس وغير ذلك وسيجئ انشاء الله ما ينفع بالمقام في جوائز السلطان. ثم ان الشيخ الانصاري (1) جمع بين رواية مهران بن محمد بن ابى نصر (2) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: سمعته يقول: ما من جبار الا ومعه مؤمن يدفع الله عزوجل به من المؤمنين وهو اقلهم حظا في الاخرة يعنى اقل المؤمنين حظا بصحبة الجبار "، و بين مثل رواية محمد بن اسمعيل بن بزيع (3) بحمل الاولى على من تولى لهم لنظام معاشه قاصدا الاحسان في خلال ذلك إلى المؤمنين ودفع الضرر عنهم، وحمل الثانية على من لم يقصد بدخوله الا الاحسان إلى المؤمنين فذهب إلى كراهة الاول واستحباب الثاني اقول: وفى رواية المفضل بن عمر (4) " قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما من سلطان الا ومعه من يدفع الله به عن المؤمنين اولئك اوفر حظا في الآخرة ". وانت خبير بان الجمع بين هذه الرواية وكذا الروايات المتقدمة وبين رواية مهران بما ذكره: غير مقبول عرفا سيما مع كون الورود في عملهم أو الصحابة لهم لغرض الهى محض نادرا جدا. فحمل بعض منها على ذلك مع شواهد عليه كما مر الكلام فيه وان لا يبعد، لكن حمل جميع تلك الروايات الكثيرة عليه، بعيد حدا، بل غير صحيح، سيما في الرواية المتقدمة إذا كان قوله: يعنى اقل المؤمنين حظا بصحبة الجبار من تتمة الحديث ليكون ذلك بمنزلة التعليل الدال على ان صحبة الجبار علة لاقلية حظه، فمقتضاها اقلية حظ مطلق المصاحب سواء كان لمحض غرض راجح ام لا، فتلك الرواية معارضة لرواية محمد بن اسمعيل وغيرها، ولا يصح الجمع المذكور. والتفصيل بين الدخول بنحو الصحابة وغيرها ايضا: بعيد، لان موضوع رواية


(1) في المسألة السادسة والعشرين من النوع الرابع - في الولاية من قبل الجائر. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 44 - من ابواب ما يكتسب به. (3) راجع تنقيح المقال للمامقاني في ترجمة محمد بن اسمعيل بن بزيع ابى جعفر مولى المنصور. (4) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب.

[ 128 ]

مهران ورواية المفضل واحد والمراد بالمعية فيهما واحد وهو الصحابة كما فسرت بها. نعم لا شبهة في ان الورود لمحض الاحسان على المؤمنين ارجح وافضل منه لغايتين لكن ذلك لا يوجب صحه الجمع بين الروايات سيما بين الروايتين المتقدمتين ومن المحتمل ان يكون لفظ (حظا) في رواية مهران بتقديم الخاء المعجمة على الطاء الغير المعجمة، وكان التفسير من بعض الرواة، وكان الاصل الذى فيه الرواية مأخوذا بالمناولة لا بالقرائة وكان تفسيره لاشتباه وقع في الخط، وما ذكرناه وان كان غير معتمد في نفسه لكن بعد ورود قوله: " اوفر حظا " في رواية اخرى، وبعد التصرف فيها وورود روايات اخر تؤيدها، لابعد فيه، سيما مع قرب وقوع الاشتباه في مثل الكلمة المذكورة التى يكون منشأ الاشتباه فيها تغيير محل النقطة قليلا وفى مثله ليس الاحتمال المذكور مخالفة معتدا بها للاصل العقلائي سيما مع ورود الروايات على خلافه والامر سهل. ثم انه قد يجب عقلا تصدى الولاية فيما كان جائزا لتوقف الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه لكن حكى عن غير واحد استحبابه. وقد تصدى الشيخ الانصاري (1) لتوجيه كلامهم بان نفس الولاية قبيحة محرمة لانها توجب اعلاء كلمة الباطل وتقوية شوكته وترك الامر بالمعروف قبيح آخر و ليس احدهما اقل قبحا من الآخر فيكن المقام من قبيل تزاحم المقتضيين، ويمكن الحكم باستحباب اختيار احدهما لمصلحة لم تبلغ حد الالزام ثم ذكر كلام المحقق صاحب الجواهر بانه يمكن تقوية عدم الوجوب بتعارض ما دل على وجوب الامر بالمعروف وما دل على حرمة الولاية عن الجائر بناء على الحرمة الذاتية والنسبة عموم من وجه (الخ). اقول: وقوع التعارض بين الادلة وكذا التزاحم بين المقتضيات موقوف على اطلاق الادلة وكشف المقتضى في مورد التزاحم منها أو حكم العقل استقلالا بوجود المقتضى في المزاحمين ويمكن انكار اطلاق ادلة الامر بالمعروف لمورد توقفه


(1) في المسألة السادسة والعشرين من النوع الرابع - في الولاية من قبل الجائر.

[ 129 ]

على الولاية من قبل الجائر بان يقال: ان وجوب الامر بالمعروف انما هو لاقامة الفرائض ولا اطلاق فيها يشمل ما يوجب سقوط فريضة أو ارتكاب محرم ; فلا يقع التعارض بينها وبين ادلة حرمة الولاية، وليس المراد ان كل عامين من وجه كذلك حتى يقال: باستلزامه نفى التعارض بينهما مطلقا وهو خلاف ما عليه الفقهاء وخلاف الواقع، لان كل عنوان محكوم بحكم لا ينظر حكمه إلى حكم عنوان آخر بل يلاحظ الاطلاق بالنسبة إلى حالات الموضوع مع قطع النظر عن حكم آخر وبلا لحاظ إليه. بل مرادنا ان في المقام خصوصية موجبة لذلك وهى ان موضوع ادلة وجوب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر هو الامر بالواجبات والنهى عن المحرمات، ومن الواضح بحكم العقل والعقلاء ان ايجابهما ليس لاقتضاء في نفسهما بحيث يكون انشاء الامر والنهى أو نفسهما ذا مصلحة قائمة بهما بل هو للتوصل بهما إلى فعل الواجب وترك الحرام، ولهذا لا يجبان الا مع احتمال التأثير، ويشهد له قوله: " انها فريضة تقام بها الفرائض " (1) فتلك العناوين التوصلية إذا وقعت متعلقة للامر لا ينقدح في اذهان العرف والعقلاء الا ان الامر بها للتوصل لا لمصلحة ذاتية نفسية، وبالجملة انهما واجبان للغير لا غيريان فإذا كان كذلك لا يستفاد من ادلة وجوبهما اطلاق يشمل ما يستلزم منه ارتكاب محرم أو ترك واجب فان ما وجب لاقامة الفريضة لا اطلاق لوجوبه لمورد اماتتها. وان شئت قلت: ان المتفاهم من ادلة وجوبهما انه معلق بعد استلزام ترك واجب أو فعل حرام، ودليل حرمة الولاية مطلق في موضوعه، على نحو التنجيز ولا يعارض المعلق المنجز، بل دليله حاكم على دليل الحكم المعلق، فكما لا تعارض بين الادلة بما عرفت لا مجال للتزاحم بعد عدم اطلاق يكشف منه المقتضى وعدم استقلال العقل بوجود المقتضى حتى في مورد لزوم ارتكاب الحرام. هذا بالنسبة إلى المقتضى الذى قام بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر واما المقتضيات التى في المعروف والمنكر فلا وجه لتزاحمها مع مقتضى الحرمة في تقلد الولاية لان تزاحم المقتضيات انما هو في التكاليف المتوجهة إلى مكلف واحد فإذا دار امر مكلف بين


(1) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 1 - من ابواب الامر والنهى.

[ 130 ]

شرب الخمر وقتل النفس المحترمة: يقدم الشرب، ومع تساوى المقتضيات: يتخير واما مع دوران الامر بين ارتكاب مكلف محرما وارتكاب مكلف آخر محرما، فلا وجه لملاحظة المقتضيات ولا يجوز ارتكاب شخص محرما لدفع ارتكاب شخص آخر محرما ولو كان مقتضاه اهم، فلو توقف ترك شرب الخمر من زيد على ارتكاب عمرو محرما دون شربها في المقتضى لا يمكن الالتزام بجوازه أو وجوبه. نعم فيما إذا كان وجود شئ مبغوضا مطلقا ويجب على كل مكلف دفعه يكون من قبيل تزاحم المقتضيات، فإذا توقف انجاء النبي صلى الله عليه وآله من يد ظالم اراد قتله على شرب الخمر أو غيره من المحرمات يجب عقلا انجائه بارتكاب المحرم. هذا كله بناء على ان يكون وجوب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر شرعيا واما بناء على كونه عقليا ويرى العقل لزوم حفظ اغراض المولى التى لا يرضى بنقضها وقبح ترك المنع عن مخالفة المولى وعن نقض اغراضه من غير فرق بين كون الناقض نفسه أو غيره من سائر المكلفين: فلا يبعد القول بتزاحم المقتضيات القائمة بالمعروف والمنكر مع مقتضى حرمة التولى من الجائر، لكنه في غاية الاشكال الا في العظائم التى يعلم يلزم حفظها كما اشرنا إليه. واما لو توقف ترك شرب الخمر من زيد على ارتكاب عمرو معصية دونه فتجويز ارتكابه لدفعه في غاية الاشكال بل غير ممكن ولا اظن التزام فقيه به سواء قلنا بان وجوب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر عقلي أو نقلى. ولو قيل: ان العبيد لمولى واحد بمنزلة شخص واحد في توجه التكليف فكما يقع التزاحم في تكليف شخص واحد كذلك يقع في العبيد لمولى واحد، أو قيل: ان حفظ اغراض المولي واجب على العبيد كلهم ولابد من رفع اليد عن غرضه المهم لاقامة الاهم كما في الموالى العرفية فإذا علم العبد ان نقض غرضه المهم موجب لحفظ غرضه الاهم يحكم العقل بلزوم حفظه. يقال: ان ما ذكر غير مقنع، اما الاول فواضع لعدم دليل على كونهم كذلك، و اما الثاني فله وجه في الموالى العرفية فان اغراضهم معلومة وموارد رضاهم وسخطهم واضحة

[ 131 ]

لدينا وما المولى الحقيقي فاحكامه ليست لاغراض راجعة إليه والعياذ بالله بل احكامه لمحض اللطف على العباد ولمصالحهم وفى مثله لا يصح ما ذكر، ولا يجوز العقل مخالفته لدفع مخالفة الغير وايقاع نفسه في المهلكة لعدم وقوع غيره فيها، فهل ترى من نفسك جواز شرب الخمر إذا راى المكلف دوران الامر بين شربه وشرب غيره وعلم انه لو لم يشربها غيره، فلو كان المورد من قبيل المتزاحمين لابد من الالتزام بالتخيير في المورد وكذا الالتزام بلزوم ارتكاب القمار مثلا لمنع شرب الخمر وهو مخالف لضرورة الفقه والعقل. هذا كله مع الغض عن اخبار الباب واما بالنظر إليها فمحصل الكلام فيه: ان من اراد التولى لولاية الجائر فقد يعلم بانه إذا تولاها يمكن له دفع منكر أو منكرات أو اقامة فريضة أو فرائض وقد يظن ذلك وقد يحتمل بمعنى انه يحتمل مع توليه تأثير امره بخلاف ما إذا لم يتولها وعلى أي تقدير قد يكون المنكر موجودا والمعروف متروكا وقد لا يكون كذلك لكن علم أو ظن أو احتمل وجودها فيما ياتي وعلى أي تقدير تارة يكون مأمونا من ارتكاب المعصية في ديوانهم واخرى لا يكون أو يكون في معرض ارتكابها إلى غير ذلك من الفروض فهل يمكن استفادة جواز الدخول من الروايات الخاصة في جميع الفروض أو لا. اقول: ما يمكن ان يستدل به على المطلوب روايات: منها صحيحة الحلبي (1) " قال سأل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل مسلم وهو في ديوان هؤلاء وهو يحب آل محمد صلى الله عليه وآله ويخرج مع هؤلاء في بعثهم فيقتل تحت رايتهم قال: يبعثه الله على نيته قال: وسألته عن رجل مسكين خدمهم رجاء ان يصيب معهم شيئا فيغنيه الله به فمات في بعثهم قال: هو بمنزلة الاجير انه انما يعطى الله العباد على نياتهم ". وفى مرسلة الصدوق (2) قريب من الفقره الاولى، بناء على ان المراد بالرجل المسلم المحب لهم هو الشيعي فان ترك الاستفصال عن ان وروده في ديوانهم هل هو بالقهر والجبر والتقية أو بالاختيار: دليل على ان الوارد بالاختيار إذا كان وروده بنية


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 48 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 132 ]

صالحة يحشره الله على نيته. بل الظاهر ان وروده وخروجه إلى الغزو بالاختيار لان الحشر على نيته انما هو في مورده لا في مورد الجبر والقهر مع انه لو كان وروده بنحو الجبر فلا محالة كان خروجه كذلك ايضا أو بحسب النوع فلا يبقى مجال لنيته والحشر عليها، مضافا إلى انه لو كان مقهورا في الورود كان على السائل ذكر كونه مكرها والا فظاهر السؤال انه كان مختارا، فلا شبهة في ان ظاهرها ان الورود والخروج كانا باختياره وان الثواب و العقاب فيهما حسب نيته ان كانت خيرا فيثاب وان شرا فيعاقب، وتخصيصه بنية اصلاح حال الشيعة والاحسان إليهم يحتاج إلى مخصص. الا ان يقال: ان الظاهر من الرجل المسلم المحب مقابل المسلم الناصب وهو غير الشيعي فحينئذ يكون قوله: يبعثه الله على نيته كقوله: عليه ما عليه، لا يدل على كونه مثابا مع نية الخير فان الثواب لا يكون الا مع الولاية والتصديق بامامتهم (ع) بل مع اطلاقها بالنسبة الينا والى غيرنا يشكل ايضا استفادة الحكم منها. لكن الاحتمال بعيد لان الظاهر ان السائل في الفقرة الاولى كان شيعيا وفى الفقرة الثانية كان السائل هو الحلبي ومن العبيد جدا ان يسئل الشيعي سيما مثل الحلبي العريق في التشيع خلفا عن سلف وابا عن جد رضوان الله عليهم عن حال المخالف بعد موته لاجل الدخول في اعمالهم، بل الظاهر ان السؤال عن حال الشيعي بان ذلك موجب لعقوبته ولو كان المراد بالسؤال معرفة حكم المسألة فلا وجه للسؤال عن عمل غيرنا فان فقهاء اصحابنا كانوا يسئلون المسائل ويحفظونها في اصولهم للبث في الشيعة فلا وجه للسؤال عن حال غيرهم. مضافا إلى ان قوله في ذيل الرواية: انما يعطى الله العباد على نياتهم، يكشف المراد عن قوله: يبعثه الله على نيته، ويدفع الاحتمال المتقدم، بل هو كبرى كل لافادة ان الاجر بحسب النيات ولا شبهة في انه راجع إلى من يليق باعطاء الثواب والاجر عليه وهو الشيعي بحسب اصول المذهب فلا ينبغى الاشكال في ان السؤال عن الرجل من هذه العصابة.

[ 133 ]

ومنها الروايات الكثيرة الواردة في جواز الدخول مع نية الاحسان إلى الاخوان وقد مرت جملة منها، بدعوى الغاء الخصوصية منها، أو دعوى الفحوى والاولوية القطعية، فان الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فريضة عظيمة فكيف يمكن جواز الدخول لصلة الاخوان المستحبة وعدم جوازه مع توقف فريضة عظيمة عليه. والتحقيق ان الروايات الواردة في الجواز على كثرتها ضعيفة سندا لكن الوثوق والاطمينان حاصل بصدور بعضها اجمالا فلابد من الاخذ باخصها مضمونا، فانها على طوائف: منها ما يظهر منها الجواز مطلقا، كرواية صفوان بن مهران (1) ورواية اسحق بن عمار (2) المرويتين في المستدرك الظاهر منهما جوازه لكونه حقهم. ومنها جوازه مع نية الاحسان إلى اهل ولايته إذا دخل على معرفة وبصيرة كرواية الوليد بن صبيح (3). ومنها جوازه لاعزاز المؤمن أو فك اسره أو قضاء دينه كرواية زياد بن ابى سلمة (4) وصفوان بن مهران وعلى بن رئاب، (5) ويظهر من هذه الطائفة الجواز لشئ من منافع الشيعة لكن الظاهر من قوله: لاعزاز المؤمن (الخ) ان الغاية للدخول إذا كانت نحو ذلك يجوز الدخول وكون الاعزاز ونحوه غاية محركة لا يمكن الا مع العلم أو الوثوق والاطمينان بان الدخول فيها يمكنه منه والا فمع احتماله أو ظنه لا يمكن ان يصير الاعزاز غاية بل يكون رجائه غاية. ومنها ما دلت على جوازه إذا وصل اخوانه وعضد اهل ولايته كما في رواية


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. (2) كتاب التجارة - الباب 41 - من ابواب ما يكتسب به. (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به. (5) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 134 ]

ابى الجارود (1) أو إذا واسى اخوانه وانصف المظلام واغاث الملهوف من اهل ولايته كما في رواية محمد بن سنان (2) أو إذا وصل اخوانه وعاد اهل ولايته كما في رواية ابى الجارود الاخرى. ومنها ما دلت باختلاف التعابير علي ان الله في ابواب الظلمة من يدفع عن اوليائه كمرسلة الصدوق عن التهذيب (3) ومرسلته الاخرى عن المقنع (4) وروايات محمد بن عيسى بن يقطين (5) وسدير (6) وهشام بن سالم (7) والمفضل بن عمر (8) ومهران بن محمد بن ابى نصر (9) وحمران بن نعم (10)، ومن جملتها صحيحة على بن يقطين (11) لكن هي بنفسها لا تدل على المطلوب و القرائن الشاهدة على كونها مربوطة به من الضعاف، كما ان الاستناد في كون ساير تلك الطائفة كذلك لاجل قرينيتها كرواية محمد بن عيسى بن يقطين (12) " قال: كتب على بن يقطين إلى ابى الحسن عليه السلام في الخروج من عمل السلطان فاجابه: انى لا ارى لك الخروج من عمل السلطان فان لله عزوجل بابواب الجبابرة من يدفع بهم عن اوليائه وهم عتقاء من النار فاتق الله في اخوانك أو كما قال "، وبعض روايات اخر، والظاهر منها ان الدخول في اعمالهم والبقاء فيها جائز بل راجح للدفع عن اوليائه تعالى، وان عدم اجازته للخروج لذلك لا للخوف عليه


(1) و (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. (3) و (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به. (5) و (6) و (7) و (8) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. (9) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 44 - من ابواب ما يكتسب به. (10) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. (11) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به. (12) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 135 ]

من شر السلطان. نعم لا يبعد ذلك الاحتمال في رواية اخرى عنه (1) تتضمن من الاذن للهرب من هرون (لع) فاجابه " لا اذن لك بالخروج من عملهم واتق الله أو كما قال ". ومن هذه ايضا ما اشتملت على السؤال عن ان قوما من الموالى يدخلون في عملهم ولا يؤثرون على اخوانهم (الخ) فأجاب: اولئك هم المؤمنون حقا كرواية السيارى (2) عن على بن جعفر في مكاتبته إلى ابى الحسن عليه السلام والظاهر منها ايضا جواز الدخول لذلك وهى ايضا قرينة على المراد في الروايات المتقدمة فلابد من الاخذ باخص مضمونا منها، والظاهر ان المتيقن منها جواز الدخول مع العلم بان في دخوله يدفع عن الشيعة ويحفظ منافعهم بوجه من الوجوه، ولعل من مجموع تلك الروايات الكثيرة جدا المتقاربة المضمون يحصل الاطمينان بجواز الدخول لذلك مع علمه بتوفيقه. واما رواية الحسن بن الحسين الانباري المتقدمة وان كانت اخص منها لكن قد تقدم ان الظاهر منها ان ابا الحسن عليه السلام لم يصدقه في دعواه وعلق الجواز على امر غير ممكن في العادة ولعله لخصوصية فيه عرفها منه. ثم انه يقع الكلام في انه هل يمكن الغاء الخصوصية منها أو القطع بالاولوية واسراء الحكم إلى كل مصلحة اونية حسنة أو إلى خصوص مورد التمكن من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر مطلقا أو مع العلم أو الوثوق بالتأثير فيه تردد، من حيث انه لو كان مطلق المصالح سيما التمكن منهما من المجوزات أو الموجبات للدخول في سلطانهم لاشاروا إليه في تلك الروايات الكثيرة جدا مع كون الامر بالمعروف والنهى عن المنكر من الفرائض المهمة العظمية ولم ينهوا عن الدخول بنحو مطلق تارة وبنحو الحصر اخرى في مواضع كثيرة، ومعه كيف يمكن الغاء الخصوصية أو دعوى الاولوية القطعية بل مع تظافر الروايات الدالة على الحرمة الا في مورد كان الورود لاجل مصالح الشيعة والدفع عنهم تقيد صحيحة الحلبي بناء


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به. (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 136 ]

على اطلاقها لمطلق نية الخير. هذا كله مع احتمال ان يكون التسويغ للورود في سلطانهم في تلك الاعصار تسويغا سياسيا لمصلحة بقاء المذهب، فان الطائفة المحقة في ذلك العصر كانت تحت سلطة الاعادي وكانت خلفاء الجور وامرائهم من الد الاعداء لهذه العصابة، فلولا دخول بعض امراء الشيعة وذوى جلالتهم في الحكومات والتولى للامور لحفظ مصالحهم والصلة إليهم والدفع منهم: لكان الافراد السواد منهم في معرض الاستهلاك في الدول بل في معرض تزلزل الضعفاء منهم من شدة الضيق عليهم، فكانت تلك المصلحة موجبة لترغيبهم في الورود في ديوانهم. ربما تشهد لما ذكرناه التعبيرات التى في بعض الروايات. كرواية محمد بن اسمعيل بن بزيع (1) " قال: قال أبو الحسن عليه السلام ان لله بابواب الظالمين من نور الله له البرهان ومكن له في البلاد ليدفع بهم عن اوليائنا ويصلح الله به امور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمنين من الضر واليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا وبهم يؤمن الله روعة المؤمنين في دار الظلمة، اولئك هم المؤمنون حقا اولئك امناء الله في ارضه، اولئك نور الله في رعيته يوم القيامة، ويزهر نورهم لاهل السموات، كما تزهر الكواكب الدرية لاهل الارض، اولئك نورهم يوم القيامة يضئ منه القيامة، خلقوا والله للجنة خلقت الجنة لهم فهنيئا لهم، ما على احدكم ان لو شاء لنال هذا كله قال: قلت: بماذا جعلت فداك قال: يكون معهم فيسرنا بادخال السرور على المؤمنين من شعيتنا فكن منهم يا محمد. وكرواية احمد بن محمد السيارى (2) وغيرهما، فان الناظر فيها لا يستبعد بان تكون تلك الفضائل والمرغبات لاجل مصلحة عظيمة فوق اكرام المؤمن بل في رواية محمد بن اسمعيل اشارات إلى ما ذكرناه، ولا يلزم ان يكون تلك المصلحة


(1) راجع تنقيح المقال - للمامقاني في ترجمة محمد بن اسمعيل بن بزيع ابى جعفر مولى المنصور. (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 137 ]

موجبة لايجاب الدخول في ديوانهم سيما بالنحو العموم ولعله مستلزم لمفاسد، ولعلهم عليهم السلام الزموا بعض اصحابنا المؤثرين في حفظ هذا المقصد على الدخول كما تشهد عليه ما دلت على منع على بن يقطين من الخروج عن ديوانهم. ففى رواية على بن يقطين " لا اذن لك بالخروج من عملهم واتق الله " وفى رواية اخرى بعد عدم اذنه بالخروج: علله بان لله بابواب الجبابرة من يدفع بهم عن اوليائه، ومن هذه يظهر المراد من الرواية المتقدمة، ويضعف احتمال ان يكون عدم اذنه للخوف على نفسه بل لا يبعد ان يكون الظاهر منهما ان دخوله كان بامر منه عليه السلام والزامه لا لمحض الجواز أو الاستحباب. وبالجملة ان المتيقن من مجموع الروايات ان جواز الدخول في ديوانهم عليهم اللعنة كان لاصلاح حال الشيعة ولعل سره ضعف الشيعة وقلة عددهم والخوف من تشتتهم ولا يجب التنبيه على غايات الاحكام والمصالح الكامنة فيها، وعلى هذا الاحتمال، يكون المقام من قبيل تزاحم المقتضيات وترجيح اقتضاء الدخول لحفظ الشيعة على اقتضاء حرمة الدخول من غير اشكال، وتوجه الروايات القائلة بان قضاء حوائج الاخوان ونحوه كفارة عمل السلطان سيما على ما بنينا عليه من بقاء المزاحم المهم على حرمته مع مزاحمته للاهم، كما انه على هذا الاحتمال لا يصح الغاء الخصوصية بالنسبة إلى مطلق مصلحة ولا دعوى الاولوية القطعية في الامر بالمعروف والنهى عن المنكر. وما ذكرناه وان كان مخالفا لظاهر بعض الروايات الغير المعتمدة لكن الاتكال في المقام على استفادة الحكم من مجموع الروايات الضعاف التى حصل الوثوق بصدور بعضها، ونتيجته ما عرفت فاسراء الحكم إلى جواز التولى في ديوانهم للامر بالمعروف والنهى عن المنكر مشكل بل غير صحيح حتى في صورة العلم بانه مع توليه يدفع ارتكاب منكر معمول وترك معروف متروك فضلا عن غيرها هذا حال الاخبار. واما كلمات الاصحاب وان توافقت ظاهرا من زمن شيخ الطائفة على اختلاف

[ 138 ]

التعابير بجوازه لكن لا يظهر منها الاجماع أو الشهرة على جوازه لخصوص الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقد نسب إلى العلامة في المنتهى دعوى عدم الخلاف فيه، وهو غير صحيح لان دعواه ذلك في مسألة اخرى (1) قال: اما السلطان الجائر فلا يجوز الولاية منه مختارا الا مع علم التمكن من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وقسمة الاخماس والصدقات على مستحقهما وصلة الاخوان ولا يكون في ذلك مرتكبا للماثم أو غلبة الظن بذلك، اما إذا انتفى العلم والظن فلا يجوز الولاية من قبل الجائر بلا خلاف. وانت خبير بان دعواه عدم الخلاف راجعة إلى مورد انتفاء العلم والظن، و احتمال الرجوع إلى جميع ما تقدم مقطوع الفساد، فقول صاحب مفتاح الكرامة حكاية عن غيره (2): ان العلامة في المنتهى نفى الخلاف عن ذلك كله، ليس موافقا للواقع، كما ان دعوى الراوندي (3) الاجماع انما هي فيما إذا تمكن مع التولى من ايصال الحق لمستحقه. نعم ظاهر الشيخ في النهاية (4) وابن ادريس في السرائر (5) والمحقق و العلامة (6) ومن تأخر منهم جوازه لذلك، وانت خبير بعدم ثبوت اجماع معتبر أو شهرة معتمدة من ذلك سيما مع كون المسألة مما كثرت فيها الادلة والروايات ولا يظن ان يكون لهم مستند سواها، لكن معذلك تطابق فتاوى من عرفت يسلب الجرأة على المخالفة فالمسألة محل تردد. الثاني مما يسوغ الولاية العذر كالاضطرار أو التقية أو الاكراه، وهذا اولى من جعل الثاني خصوص الاكراه فانه على ذلك يزيد المستثنى مما ذكر، ضرورة جواز الدخول مع التقية وهى غير الاكراه، وتدل على الجواز معها عمومات التقية وخصوص رواية مسعدة المتقدمة، وكذا مع الاضطرار وهو غيره ايضا، ويدل على


(1) في البحث الثالث من المقصد الثاني من التجارة - من عمل السلطان. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) راجع مفتاح الكرامة في الولاية من قبل العادل أو الجائر من المتاجر - ص 114.

[ 139 ]

الجواز معه مضافا إلى حديث الرفع موثقة عمار (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " سئل عن اعمال السلطان يخرج فيه الرجل قال: لا الا ان لا يقدر على شئ ياكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة فان فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى اهل البيت "، كما انه يدل على الجواز مع الاكراه مضافا إلى الادلة العامة خصوص بعض الروايات المتقدمة. وينبغى التنبيه على امور: الاول كما يباح بالاكراه نفس الولاية المحرمة: يباح به ما يلزمها من المحرمات الاخر سواء كانت لازمة لمنصبها مما لا تنفك عنه أو يقع الاكراه بخصوصها وهذا على الاجمال مما لا اشكال فيه، انما الاشكال في ان الادلة الدالة على الجواز لحديث الرفع وغيره هل لها اطلاق بالنسبة إلى جميع المحرمات سواء كانت حق الله محضا ام من حقوق الناس ايضا دما كان أو عرضا أو مالا، أو تختص بخصوص حق الله ولا تشمل حق الناس ولو كان قليلا وكان الايعاد على كثير، أو يفصل بين العظائم و المهمات وغيرها سواء كانت من حق الله تعالى أو حق الناس، أو يفصل بن المهمات وغيرها في حق الله مع الاختصاص بخصوصه أو يفصل بين ما إذا كان الضرر الذى اوعد به المكره اعظم مما اكرهه عليه فيرتفع وبين غيره. قد يقال: باختصاص الادلة بحق الله محضا وعدم شمولها لحق الناس ويتشبث له، تارة بان المستفاد من ادلة الاكراه ان تشريعه لدفع الضرر فلا يجوز دفعه بالاضرار بالغير ولو كان الاضرار ادون. واخرى بان حديث الرفع مسوق للامتنان على جنس الامة ولا حسن في الامتنان على بعضهم بترخيص الاضرار ببعض آخر، فإذا توقف دفع الضرر على نفسه بالاضرار بالغير لم يجز. وثالثة بان دليل الاكراه لو عم للاكراه على الاضرار بالغير لعم نفى الاضطرار


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 48 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 140 ]

له ايضا فان سياقهما واحد، ولا وجه للافتراق بينهما والتالى باطل لقبح تشريع الاضرار بالغير لدفع ضرر نفسه ولهذا لم يجوز احد هتك اعراض الناس ونهب اموالهم إذا توقف عليه صون عرضه وماله مع انه يجوز ارتكاب المحرمات وترك الواجبات لذلك. ورابعة بقوله: انما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية بتقريب ان المستفاد منه انه كل ما شرعت التقية لحفظه إذا بلغته فلا تقية ومن المعلوم ان التقية كما شرعت لحقن الدماء شرعت لحفظ الاعراض والاموال ايضا ومقتضاه انه إذا بلغت هتك الاعراض ونهب الاموال فليس تقية. ويرد على الاول والثانى بل على الجميع ان الاختصاص بغير ما تعلق به حق الناس مخالف لمورد نزول قوله تعالى: الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان (1) فانه بحسب قول المفسرين وبعض الروايات المعتمدة نزل في قضية عمار حيث اكراه على البرائة عن النبي صلى الله عليه وآله وسبه وشتمه ففى مجمع البيان: اعطاهم عمار بلسانه ما ارادوا منه ثم قال: وجاء عمار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكى قال صلى الله عليه وآله: ما وراك فقال: شر يا رسول الله ما تركت حتى قلت منك وذكرت الهتهم بخير فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح عينيه ويقول: ان عادوا لك فعدلهم بما قلت فنزلت الاية عن ابن عباس وقتادة " انتهى ". وتدل عليه رواية مسعدة الاتية (2) وشأن نزول الاية لا يوجب تقييد اطلاقها أو تخصيص عمومها فقوله: الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان: مطلق شامل لمطلق الاكراه، ولا وجه لاختصاصه بخصوص الايعاد على القتل وان كان شأن نزوله خاصا كما ان الحال كذلك في سائر الايات. فلا ينبغى الاشكال في اطلاقه سيما مع كون الغناية بهذه الفقرة أي الاستثناء كما دلت عليه الرواية الاتية وكلمات المفسرين، بل الاختصاص بحق الله مخالف


(1) سورة النحل - الاية 108. (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 29 - من ابواب الامر والنهى.

[ 141 ]

لظاهر الاية سواء كان قوله: من كفر بالله من بعد ايمانه الا من اكره مربوطا بما سبق من الايات وهو قوله تعالى: وإذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا: انما انت مفتر (1) إلى ان قال: وقد نعلم انهم يقولون انما يعلمه بشر إلى ان قال: انما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله واولئك هم الكاذبون من كفر بالله (الخ). ويكون محصل المعني من قال انك مفترو كاذب هو مفترو كاذب وكافر الا من اكره، والظاهر منه ان كل مكره ليس عليه بأس ولا يكون مورد ذم الله تعالى في الافتراء على رسول الله وتكذيبه وهو واضح، أو كان اول الكلام ويكون محصل المعنى ان من كفر بالله بعد ايمانه بالارتداد وايجاد اسبابه من القول والفعل فعليه غضب من الله وعذاب عظيم الا من اكره بايجادها. وعلى هذا الاحتمال لابد من ان يراد بالكفر في قوله: من كفر خصوص اسبابه أي من اوجد اسبابه أو الاعم منها حتى يصح الاستثناء، فان الاكراه على الكفر الباطني والاعتقادي غير ممكن وعلى فرضه غير معفو، كما ان في الاية تقييدا بقوله: وقلبه مطمئن بالايمان، فالمراد بالاكراه الاكراه على الاسباب ومقتضى اطلاقه جواز كل ما يوجب الكفر من تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسبه وشتمه والعياذ بالله مع كونه مكرها كما تدل عليه الروايات. وتدل على اطلاقها ايضا رواية عمرو بن مروان (2) ولا يبعد ان تكون معتمدة عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رفع عن امتى اربع خصال خطاؤها ونسيانها وما اكرهوا عليه وما لم يطيقوا وذلك قول الله عزوجل: ربنا لا تؤاخذنا " إلى ان قال: " وقوله الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان، وعن العياشي عنه عليه السلام نحوها (3). حيث تدل على انه تعالى رفع عن الامة ما اكرهوا عليه مطلقا بمقتضى الاية الكريمة. ويمكن تقريب دلالة الاية ايضا على رفع مطلق ما اكرهوا عليه: بان الاكراه


(1) سورة النحل - الاية 103. (2) الوسائل - كتاب الامر بالعروف الباب 25 - من ابواب الامر والنهى. (3) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 25 - من ابواب الامر والنهى.

[ 142 ]

إذا صار موجبا لرفع الحرمة عن هتك عرض النبي صلى الله عليه وآله وتكذيبه في نبوته وكتابه و هو من اعظم المحرمات وموجبا لرفع هدر دمه الذى من الوضعيات من جهة صار موجبا لرفع حرمة هتك سائر الاعراض فضلا عن الاموال التى هي دون الاعراض ولرفع ساير الوضعيات ايضا. وتدل على الاختصاص ايضا رواية مسعدة بن صدقة (1) المعتمدة بل لا يبعد ان تكون موثقة " قال: قيل لابي عبد الله عليه السلام: ان الناس يروون ان عليا عليه السلام قال على منبر الكوفة: ستدعون إلى سبى فسبوني ثم تدعون إلى البرائة منى فلا تبرأوا منى فقال: ما اكثر ما يكذب الناس على علي عليه السلام ثم قال: انما قال ستدعون إلى سبى فسبوني ثم تدعون إلى البرائة منى وانى لعلى دين محمد صلى الله عليه وآله ولم يقل: ولا تبرأوا منى فقال له السائل: ارايت ان اختار القتل دون البرائة فقال: والله ما ذلك عليه وماله الا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث اكرهه اهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان فانزل الله عزوجل فيه: الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا عمار ان عادوا فعد فقد انزل الله عذرك وامرك ان تعود ان عادوا ". ومعلوم ان الظاهر منها ان الاية لا تختص بقضية عمار أو قضية نحو قضيته هذا، مع ان اطلاق قوله: ستدعون إلى سبى فسبوني، وكذا اطلاق الاجازة بالبرائة: يقتضى جوازهما بمجرد الدعوة ممن يخاف سوطه أو سيفه من غير اختصاص بالايعاد على القتل وكلامه هذا ليس ظاهرا في كونه على وجه الاخبار بالغيب بل الظاهر قيام القرائن عليه، لان له عليه السلام كان اعداء علم من عداوتهم ذلك عادة، فلا معنى للحمل على موضوع خاص علمه عليه السلام من طريق الغيب، ولا حجة على رفع اليد عن اطلاق الدليل بمحض ذاك الاحتمال. وتدل عليه ايضا صحيحة بكر بن محمد (2) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: ان التقية ترس المؤمن ولا ايمان لمن لا تقية له فقلت له: جعلت فداك قول الله تبارك وتعالى: الا من


(1) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 29 - من ابواب الامر والنهى. (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 29 - من ابواب الامر والنهى.

[ 143 ]

اكره وقلبه مطمئن بالايمان قال: وهل التقية الا هذا ". ورواية الجعفريات (1) عن على بن ابى طالب عليه السلام " قال: قلت: يا رسول الله الرجل يؤخذ يريدون عذابه قال: يتقى عذابه بما يرضيهم باللسان ويكرهه بالقلب قال صلى الله عليه وآله هو قول الله تبارك وتعالى الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ". ورواية عبد الله بن عجلان (2) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: سألته فقلت له ان الضحاك قد ظهر بالكوفة ويوشك ان تدعى إلى البرائة من على عليه السلام فكيف نصنع قال: فأبرأوا منه قلت ايهما احب اليك قال: ان تمضوا على ما مضى عليه عمار بن ياسر اخذ بمكة فقالوا له ابرء من رسول الله فبرء منه فانزل الله عزوجل عذره الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان "، إلى غير ذلك. فتحصل مما ذكر عدم الاختصاص بحق الله تعالى محضا وكذا بالايعاد بالقتل و بقضية عمار أو نحوها. وان شئت قلت مقتضى اطلاق حديث الرفع واطلاقات التقية وعموماتها عدم الاختصاص. وانما نشأت دعوى الاختصاص من مجرد استبعاد أو وجوه ظنية، و مع فرض شمولها بما تقدم لبعض الاعراض المهمة التى من حقوق الناس يرفع هذا الاستبعاد وتدفع تلك الوجوه، مضافا إلى ان دعوى كون حديث الرفع منة أو شرع ذلك لدفع الضرر فلا وجه لشموله ما هو خلاف المنة أو موجب للضرر (مدفوعة) بان ما ذكر من قبيل نكتة التشريع لا علة الحكم نظير جعل العدة لنكتة عدم تداخل المياه، وفى مثله يتبع اطلاق الدليل. ودعوى الانصراف ممنوعة سيما بعد كون الاية في مورد حق الغير. واما التشبت بقوله: انما جعلت التقية (الخ) بالتقريب المتقدم ففى غيره مورده بل هو من الادلة على التعميم يظهر وجهه بعد نقل الروايات المشتملة عليه. ففى


(1) المستدرك - كتاب الامر بالمعروف - الباب 28 - من ابواب الامر والنهى. (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 29 - من ابواب الامر والنهى.

[ 144 ]

صحيحة محمد بن مسلم (1) عن ابي جعفر عليه السلام " قال: انما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس التقية، وفى موثقة ابى حمزة الثمالى (2) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية "، وفى مرسلة الصدوق في الهداية (3) قال: " قال الصادق عليه السلام: لو قلت ان تارك التقية كتارك الصلوة لكنت صادقا والتقية في كل شئ حتى يبلغ الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية ". وانت خبير بان الظاهر منها ان عدم التقية منحصر بالدم والحصر في محله، لان المراد من قوله: انما جعلت التقية (الخ) ان التقية شرعت في اول تشريعها لحقن الدم، لان اول تشريعها ونكتته ومورده قضية عمار بن ياسر كما تقدم وكان موردها حقن الدم فقوله ذلك اشارة ظاهرا إلى تلك القضية واشارة إلى نكتة عدم التقية في الدم، فتكون الروايات دالة على عموم التقية فيما عدى بلوغ الدم ولا وجه لرفع اليد عن هذا الظاهر بتخيل ان الحصر غير صحيح لان التقية مشروعة في الاعراض والاموال ايضا، وذلك لما عرفت من ان الحصر باعتبار مبدأ التشريع وصرف بيان نكتة عدم التقية مع بلوغ الدم وليس المراد منه حصر مورد التقية بالدم حتى يأتي فيه ما ذكر فلا مجال للاشكال في العموم، سيما مع قوله في المرسلة: ان التقية في كل شئ حتى بلغ الدم (الخ) وبما ذكرناه يحفظ ظهور (انما) في الحصر وظهور الآية والروايات المتقدمة، بل مع احتمال ما ذكر لا يصح رفع اليد عن الاطلاقات والاخبار المتقدمة، بل لازمه وقوع المعارضة بين هذه الروايات وظاهر الكتاب والروايات المتقدمة بعد عدم التفكيك بين الاعراض والاموال " تأمل ". نعم يأتي كلام في عموم هذه الروايات واطلاقها من جهة اخرى فانتظر. واما ما قيل من ان تلك الروايات اجنبية عن الباب، لان المراد بها ان التقية لحفظ الدم فإذا لم يحقن الدم على أي حال فلا مورد للتقية (ففيه ما لا يخفى) من ارتكاب خلاف الظاهر، فان من المعلوم ان الروايات الثلث متوافقة المضمون فتكون


(1) و (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 31 - من ابواب الامر والنهى. (3) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 29 - من ابواب الامر والنهى.

[ 145 ]

الموثقة المصرحة بفاعل بلغ كاشفة عن فاعله في الروايتين وتذكير الضمير باعتبار الاتقاء، ولا شبهة في ان الظاهر من قوله: إذا بلغت التقية الدم: ان التقية إذا صارت موجبة لاراقته وهى منتهية إليه، لا ان الدم إذا يهرق وتكون التقية لغوا لا اثر لها، فان حق العبارة لافادة ذلك ان يقول: فإذا لم يحقن الدم فلا تقية، مضافا إلى ان الحمل على ما ذكر حمل على امر واضح لعل ذكره لا يخلو من ركاكة. واما الاشكال الثالث وهو ان دليل الاكراه لو عم لعم دليل الاضطرار (ففيه) مضافا إلى عدم الملازمة بينهما إذ يمكن ان يدعى عموم الاول لاجل مورد نزول الآية والروايات المتقدمة دون الثاني: ان دليل الاضطرار ايضا عام يشمل الاضطرار بمال الغير فإذا اضطر إلى شرب ماء أو اكل خبز غيره يرفع دليل الاضطرار حرمة التصرف في مال الغير بغير اذنه لكن لا يسقط ضمانه لعدم الاضطرار إلى اكله أو شربه مجانا، وبالجملة كما ترفع حرمة الخمر بالاضطرار ترفع حرمة التصرف في مال الغير به. واما إذا اكره على اعطاء ماله فدفع مال الغير لدفع شره فليس ذلك مشمولا لدليل الاضطرار، لانه مكره وملجأ في اعطاء ماله لدفع شر متوجه إليه وانما اراد دفع شر متوجه إليه بمال غيره، وبعبارة اخرى انه ليس ملجأ باعطاء مال غيره ولا مضطرا إليه بل ملجأ ومضطر إلى اعطاء مال نفسه لانه الذى اراد منه المكره وانما اراد دفع شره بمال غيره. وان شئت قلت: شمول دليل الاضطرار نصا وفتوى لمورد تعلق حق الغير كالاضطرار إلى اكل مال الغير دليل على عدم الاختصاص بحق الله تعالى، وعدم تجويزهم دفع اكراه المكره المتوجه إليه باعطاء مال غيره ليس لاجل عدم شمول دليل الاضطرار لحق الناس والا لزم عدم افتائهم في المسألة المتقدمة بل لاجل عدم صدق الاضطرار على التصرف في مال الغير فيما إذا توجه الاكراه إليه خاصة، للفرق بين الاضطرار على التصرف في مال الغير وبين دفع الاكراه والالجاء المتوجهين إليه بمال غيره، فالمكره لاجل الايعاد عليه إذا لم يدفع ماله مضطر إلى دفعه لا دفع بدله، وانما اراد دفع الشر المتوجه إليه ورفع الجائه باعطاء بدله مع عدم الاضطرار إليه بل

[ 146 ]

لو اكرهه على دفع مال بلا انتساب إليه أو إلى غيره وكان عنده من مال نفسه ما يدفع به شره ليس له اعطاء مال غيره لعدم الاضطرار إلى اعطاء مال الغير. نعم لو لم يكن في الفرض عنده غير مال غيره يجوز دفعه بدليل رفع الاكراه كما لو اضطر إلى صرف مال ولم يكن عنده غير مال الغير يجوز صرفه بدليل رفع الاضطرار. واما ما قيل: من عدم الفرق بين قوله: انت مخير بين اعطاء مالك ومال غيرك وبين قوله: اعطني مال غيرك والا اخذت مالك الا بمجرد العبارة (ففيه ما لا يخفى) لانه في الفرض الاول اكرهه على احدهما في عرض واحد فلابد له من اختيار اقلهما محذورا عقلا، وفى الثاني اكرهه على خصوص مال الغير لا على ماله ومال غيره، والفرق بينهما في غاية الوضوح، فإذا اكرهه على مال غيره يكون الشر متوجها إلى الغير ويكون المكره وسيلة لاجراء ما اراد المكره، ودفع الشر عن الغير بايقاعه على نفسه غير لازم بخلاف ما إذا اكرهه على مال نفسه فانه لا يجوز اعطاء مال الغير، لان الشر متوجه إليه لا إلى غيره، وقد عرفت ان صدق الاضطرار فيه ايضا محل اشكال، ولو سلم الصدق فدعوى انصراف الادلة عن مثله قريبة بخلاف دعوى الانصراف في دليل الاكراء. وان شئت قلت ان التلازم ين الفقرتين في التعميم وعدمه على فرضه ليس عقليا بل عرفى بلحاظ وحدة السياق وهى من ادنى مراتب الظهور على تسليم اصله، ومع قيام قرينة على التفرقة تقدم عليه، وفى المقام قامت الادلة على شمول دليل الاكراه لحق الناس كما تقدم الكلام فيه. ولولا بعض الجهات لقلنا بان مقتضى وحدة السياق التعميم في دليل رفع الاضطرار لكن العرف والعقلاء يفرقون بين الاكراه على مال الغير وعرضه وبين الاكراه على ماله وعرضه واراد دفعه بمال الغير أو عرضه، فان الاقدام على الاول ليس قبيحا و ليس من قبيل ايقاع الضرر المتوجه إليه على غيره بخلاف الثاني ومقتضى الامتنان التجويز في الاول دون الثاني، وما ذكر من جهات وخصوصيات موجبة للتفرقة بين الفقرتين وكانها صارت موجبة لفتوى الفقهاء أو معظمهم على جواز التقية في كل

[ 147 ]

شئ الا الدم وعدم جواز دفع الضرر المتوجه إليه إلى غيره. هذا كله مضافا إلى دليل الحرج، لان ايجاب تحمل الضرر لدفع الضرر المتوجه إلى الغير حرجى بخلاف عدم تجويز دفع الضرر المتوجه إليه بايقاعه على غيره. وما قيل ان ذلك في غير الفاعل الشاعر واما هو فمباشرته جزء اخير من العلة التامة الموقعة للغير في الضرر، وتجويز هذه المباشرة تجويز للاضرار بالغير دفعا للضرر المتوعد به عن نفسه وهو قبيح مخالف للامتنان (مدفوع بما مر) ; وكون مباشرة الفاعل جزء اخيرا لوقوع الضرر لا يوجب عدم كون الضرر متوجها إلى الغير ابتداء ولو باستعمال الفاعل الشاعر كرها فان ارادة المكره بالكسر توجهت إلى الاضرار بالغير اولا ثم اراد تحصيله بوسيلة المكره ارادة غيرية مقدمية، فالمكره لو تحمل الضرر اللازم للتخلف عن امره فانما تحمله لصرف الضرر عن غيره وهو حرجى نفاء الشارع منة على العباد، وكون الفاعل شاعر الا يدفع ما هو مناط في المقام. ولعمري ان ما افاده شيخنا الانصاري في غاية السداد، وما قال بعضهم اشكالا عليه ; وقد اشرنا إلى عمدته وجوابها (غير سديد) فراجع تعليقة الفاضل الايروانى على المكاسب، وقد تحصل من جميع ما ذكرناه شمول ادلة الاكراه لمطلق المحرمات سواء كانت متعلقة لحق الناس ام لا. ثم ان هيهنا موارد يمكن القول باستثنائها من تلك الكلية قد ذكرناها في رسالة التقية ونذكر بعضها هيهنا. منها بعض المحرمات التى في ارتكاز المتشرعة من العظائم والمهمات جدا، كمحو كتاب الله الكريم والعياذ بالله بجميع نسخه وتاويله بما يخالف الدين أو المذهب بحيث يوجب ضلالة الناس والرد على الدين أو المذهب بنحو يوجب الاضلال وهدم الكعبة المعظمة ومحو آثارها، وكذا قبر النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام كذلك إلى غير ذلك. فان الظاهر ان الادلة منصرفة عن امثال ذلك سيما بعضها، وانما شرعت التقية لبقاء المذهب الحق ولولاها لصارت تلك الاقلية المحقة في معرض الزوال و الاضمحلال والهضم في الاكثرية الباطلة وتجويزها لمحو المذهب والدين خلاف غرض

[ 148 ]

الشارع الاقدس، بل لعل بعض حقوق الناس كالاعراض الكثيرة المهمة في ارتكاز المتشرعة كذلك، ففى تلك المقامات لابد من ملاحظة اقوى المقتضين واهم المناطين. وتشهد لما ذكرناه موثقة مسعدة بن صدقة (1) عن ابى عبد الله عليه السلام وفيها " وتفسير ما يتقى مثل ان يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدى إلى الفساد في الدين فانه جائز ". بل يشكل تحكيم الادلة فيما إذا كان المكره بالفتح من الشخصيات البارزة الدينية في نظر الخلق بحيث يكون ارتكابه لبعض القبايح موجبا لهتك حرمة المذهب ووهن عقايد اهله. ومنها الدم فقد نفى ابن ادريس (2) الخلاف بين الاصحاب في نفى التقية في قتل النفوس وكذا العلامة في كتاب المنتهى في باب الامر بالمعروف، وفى الرياض (3) الاجماع على استثناء انفاذ امر الجائر في قتل المسلم، وكذا ادعاء الاردبيلى (4) وبقسميه في الجواهر (5) وادعاه في المستند (6) وهو ظاهر شيخنا الانصاري، وهو منقول عن جماعة، والمستند فيه مضافا إليه: صحيحة محمد بن مسلم وموثقة ابى حمزة ومرسلة الصدوق المتقدمات الدالة على نفى التقية إذا بلغت الدم. لكن يمكن ان يناقش فيها بان عنوان الاكراه غير عنوان التقية كما يظهر


(1) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 25 - من ابواب الامر والنهى. (2) راجع مفتاح الكرامة في الولاية من قبل العادل أو الجائر - ص 114 - (3) في اواخر الفصل الاول من التجارة - في المسألة السادسة في الولاية. (4) راجع شرح الارشاد - في (مبحث) الامر بالمعروف وفى مبحث الولاية من قبل العادل أو الجاير من المتاجر. (5) كتاب التجارة - المسألة الرابعة - في بيان الولاية. (6) في المسألة السادسة من المقصد الرابع من المكاسب - في بيان عدم جواز تولية القضاء لسلطان الجائر.

[ 149 ]

من الاخبار، فان التقية عبارة عن الاحتراز والتجنب عن شر قوم مخالف للمذهب باتيان اعمال توافق مذهبهم من غير ان اكرهوه على اتيانها واوعدوه على تركها. ففى رواية مسعدة بن صدقة المعتمدة (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " ان المؤمن إذا اظهر الايمان " إلى ان قال: " لان للتقية مواضع من ازالها عن مواضعها لم تستقم له وتفسير ما يتقى مثل ان يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدى إلى الفساد في الدين فانه جائز ". وظاهر التفسير سيما في مثل المقام انه بصدد بيان الحقيقة ولعله اعم من التقية الخوفية والمداراتية. ويظهر من جملة من الروايات ان التقية مقابل الاذاعة وهى ايضا بوجه داخلة في التفسير، فانها عبارة عن كتمان المذهب خوفا وتجنبا من المخالف، واما الاكراه عبارة عن تحميل الغير عملا وايعاده على تركه بما يلجأه إلى العمل أو الايعاد على فعل شئ بما يلجأه على تركه، وايضا التقية واجبة حسب الادلة الكثيرة وراجحة في بعض الموارد، ودليل الاكراه رافع للحكم، فمقتضى دليل الرفع رفع الحرمة أو الوجوب عما اكره عليه، لا جعل الوجوب أو الاستحباب لفعله أو تركه. ومقتضى دليل التقية جعل الحكم لانفيه، وايضا ظاهر ادلة التقية انها شرعت لحفظ دماء الشيعة واعراضهم واموالهم من غير خصوصية للمتقى، ودليل الرفع منة على المكره ولو حظ فيه حفظ نفسه وعرضه وماله، فبعد كونهما عنوانين مختلفين موضوعا وحكما وموردا وغاية: لا وجه لتسرية الحكم من التقية إلى الاكراه بل ظاهر قوله: انما جعلت التقية ليحقن به الدم (الخ) ان تشريعها لحفظ الدم سواء كان دم المتقى أو غيره من افراد الشيعة فإذا بلغت الدم أي صارت موجبة لاراقة ما شرعت لاجله فلا تقية. واما نفى الاكراه لما شرع لحفظ مصلحة خصوص المكره فلا يكون بلوغه دم غيره مخالفا لتشريعه فحينئذ يكون هذا الحكم مختصا بالتقية وبقى دليل نفى ما اكرهوا على عمومه، ودعوى الغاء الخصوصية ممنوعة بل لا مورد لها، لان خصوصية


(1) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 25 - من ابواب الامر والنهى.

[ 150 ]

ما اكره تخالف خصوصية التقية فان في مورد الاكراه توجه الشرالى الغير ويكون المكره وسيلة وآلة للمكره ومورد التقية ليس كذلك نوعا، وايضا جعل التقية لحفظ مطلق دم الشيعة ورفع ما اكره لحفظ خصوص المكره فكيف يمكن ان يقال بالغاء الخصوصية عرفا أو يدعى وحدة المناط أو يدعى ان سلب التقية في الدماء لاهميتها فلا فرق بين البابين. لكن يمكن دفع المناقشة مضافا إلى ان التقية اعم لغة فانها بمعنى التجنب و التحذر والمخافة فصدقت على التحرز من كل مكروه وشر فإذا اكرهه على امر فاتى به تجنبا من شره يصدق عرفا ولغة انه فعله تقية واتقاء فلا وجه لتقييد عمومات التقية بخصوص ما ذكر بمجرد كون مورد بعض الاخبار ذلك مع امكان حملها على التفسير بالمصداق كما هو شايع والا لصارت مضامينها متناقضة. بل رواية مسعدة ايضا لا يبعدان تكون ظاهرة في التفسير بالمصداق لان قوله: مثل ان يكون قوم: ظاهر في ان ما بعده احد المصاديق المذكور من باب المثال، و مقابلتها للاذاعة والافشاء في جملة من الروايات لا تدل على الحصر فقوله: " الحسنة التقية والسيئة الاذاعة " (1) لا يدل على ان ما لا يقابل الاذاعة ليس تقية بل للتقية موارد غيرها، ومضافا إلى ان الظاهر من جملة من الروايات ان الاكراه ايضا تقية. كرواية محمد بن مروان (2) " قال قال لى أبو عبد الله عليه السلام ما منع ميثم رحمه الله من التقية فوالله لقد علم ان هذه الاية نزلت في عمار واصحابه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان "، وفى رواية درست (3) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: ما بلغت تقية احد ما بلغت تقية اصحاب الكهف " (الخ)، مع ما في رواية عبد الله بن يحيى (4) انه عليه السلام ذكر اصحاب


(1) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 24 - من ابواب الامر والنهى. (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 29 - من ابواب الامر والنهى - مجهولة بمحمد بن مروان. (3) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 26 - من ابواب الامر والنهى. ضعيفة بدرست الواسطي. (4) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 29 - من ابواب الامر والنهى.

[ 151 ]

الكهف فقال: " لو كلفكم قومكم ما كلفهم قومهم فقيل له ما كلفهم قومهم فقال كلفوهم الشرك بالله العظيم فاظهروا لهم الشرك واسروا الايمان ". فيظهر من ضم الروايتين ان الاكراه ايضا من التقية ومضافا إلى روايات فيها صحاح (1) قال: التقية في كل ضرورة، أو التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم، و لا شبهة في ان المكره يكون ملجأ ومضطرا إلى اتيان ما اكره عليه عرفا، وتكون الضرورة الجأته إلى اتيانه، والا لما يأتمر بامر المكره فهو ضرورة فيها التقية: انه لو بنينا على مقابلة العنوانين بل مباينتهما لامكن الالحاق في الاحكام بصحيحة بكر بن محمد (2) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: ان التقية ترس المؤمن ولا ايمان لمن لا تقية له فقلت له: جعلت فداك قول الله تبارك وتعالى: الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان قال: وهل التقية الا هذا " فانها ان دلت على ان الاكراه تقية حقيقة فهو والا بما انها دلت على ان التقية ليست الا الاكراه على سبيل المبالغة كقوله هل الاسد الا زيد تدل على الالحاق الحكمى بلسان الهوهوية، وبالجملة انها حاكمة على اخبار التقية التى منها صحيحة محمد بن مسلم (3) وغيرها " إذا بلغت التقية الدم فلا تقية " بتنقيح موضوعها. فتحصل مما ذكرناه انه كما ان التقية إذا بلغت الدم فهى منفية كذلك لا اكراه بعد بلوغه. ثم ان مفاد قوله: فإذا بلغت الدم فلا تقية هل هو حرمتها أو عدم وجوبها ومنشأ الاحتمالين انه بعد معلومية ان نفى عنوان التقية من الحقايق الادعائية ولابد فيها من مصحح للدعوى. فيحتمل ان يكون المصحح لها حرمتها في الشريعة كقوله: لا رفث ولا فسوق و


(1) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 25 - والمستدرك 24 - من ابواب الامر والنهى. (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 29 - من ابواب الامر والنهى. (3) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 31 - من ابواب الامر والنهى.

[ 152 ]

لا جدال في الحج (1) وقوله: لا تعرب بعد الهجرة ولا وصال في صيام (2) ونظائرها فيدعى ان الحرمة الشرعية اوجبت سد طرق وجودها فليس لها تحقق وجود كساير الجمل الاخبارية التي تستعمل في مقام الانشاء كقوله: يعيد صلوته ويغسل ثوبه (3). فانها لم تستعمل في المعاني الانشائية بل تستعمل في معانيها بادعاء انه لا يترك أو لا يوجد فيفهم منها الوجوب أو الحرمة. ويحتمل ان يكون المصحح نفى الحكم المتعلق بها فانها واجبة ولا دين لمن لا تقية له، ومع نفى حكمها في الشريعة يصح ان يدعى عدمها كقوله: لارضاع بعد فطام (4)، ولا يمين في غضب ولا في جبر (5) ولا اكراه ونظائرها: ويمكن ترجيح هذا الاحتمال بان يقال: ان كل موضوع ذى حكم في الشريعة إذا تعلق النفى به يكون ظاهرا في نفيه بلحاظ حكمه الا ان قامت قرينة على خلافه، مضافا إلى ان قوله: انما جعلت التقية ايضا من الحقائق الادعائية بلحاظ جعل الحكم عليها، والمناسبة بينه وبين الفقرة الثانية تقتضي ان يكون النفى بلحاظ نفى هذا المجعول فكأنه قال: انما وجبت التقية لكذا فإذا بلغت الدم فلا وجوب، لكن مع ذلك يكون الاحتمال الاول ارجح لو لم نقل بتعينه لفهم العرف مع خلو ذهنه عن الشبهات ولمناسبة الحكم والموضوع، ولان الظاهر ان الجملة سيقت لبيان اهمية الدماء وانه تعالى اوجب التقية لحقنها فإذا كان حقنها موجبة لوجوبها وكونها دينا ولا دين لمن تركها لا محالة يكون البلوغ إلى اراقتها موجبا لحرمتها. فهذه قرائن على ان النفى ليس بلحاظ نفى الحكم لو سلم الظهور المدعى


(1) سورة لبقرة - الاية 193. (2) الوسائل - كتاب الصوم - الباب 4 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه. (3) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 41 - من ابواب النجاسات. (4) الوسائل - كتاب النكاح - الباب 5 - من ابواب ما يحرم بالرضاع. (5) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 16 -

[ 153 ]

في الوجه المتقدم، وكذا المناسبة بين الحكم والموضوع تقتضي ان يكون النفى بلحاظ التحريم والاثبات بلحاظ الايجاب، وهذا هو التناسب بين الفقرتين، لا ما ذكرناه في الوجه السابق، مضافا إلى ان نفى الموضوع في المقام بلحاظ نفى حكمه: غير صحيح، ولا يكون هذا مصححا لنفى الموضوع لخصوصية فيه، لان الاغراض الاكيدة في عامة الناس قائمة بحفظ نفوسهم ونفوس من يتعلق بهم بحيث لو لا الخوف من عذاب الله تعالى والجزاء الشرعي والعرفي في الحكومات والسياسات لكان كل شخص يهم بحفظ نفسه ونفس عائلته ومتعلقيه وان توقف على اراقة الدماء بالغة ما بلغت. ففى مثل المورد إذا نفى الشارع وجوب التقية إذا بلغت الدم ولم يحرمها: لا شبهة في استعمال عامة الناس الا من شذ منهم التقية لحفظ دمائهم بل لحفظ اعراضهم بل لا يبعد استعمالهم لحفظ اموالهم المهمة، ومع عدم منع استعمالها في الشريعة وكثرة تحققها لشدة اهتمام الناس بها لا يصح سلب الموضوع ادعاء، فالاخبار الادعائي بعدم تحقق شئ كثير الوجود خارجا وغير ممنوع شرعا لا مصحح له، وبالجملة نفى الموضوع بلحاظ نفى الحكم ليس صحيحا بنحو الاطلاق بل لابد من ملاحظة خصوصيات الموارد، فقد يصح الدعوى، وقد لا تصح، والمقام من قبيل الثاني. فان قلت: فما تقول في قوله: " لا يمين في غضب " و " لا يمين لولد مع والده " و " لا للمرأة مع زوجها " (1) إلى غير ذلك مما هو كثير التحقق ويكون نفي الموضوع بلحاظ نفى الحكم وعدم الانعقاد. قلت: في مثل هذه الموارد يكون المصحح لغوية وجود الموضوع فكان ما لا يترتب عليه اثر في الشرع ولا في العرف لا يكون موجودا فيصح تعلق النفى به، واما المقام فيترتب على التقية آثار مهمة عند العقلاء هي حفظ نفوسهم وساير اغراضهم.


(1) الوسائل - كتاب الايمان - الباب 10.

[ 154 ]

وبالجملة لابد في نفى الموضوع التكويني الموجود خارجا من ادعا ومصحح له، فقد يكون المصحح ندرة الوجود، وقد يكون عدم ترتب آثار الوجود عليه، وقد يكون عدم ترتب الاثر المتوقع منه عليه، وقد يكون ممنوعية وجوده وسد طرق تحققه تشريعا وليس في المقام مصحح غير الاخير، مع ان فهم الاصحاب ذلك من الروايات ايضا من المؤيدات القوية لو لم نقل من الحجج الكافية ودليل على الظهور العرفي: فتردد بعض المدققين (1) فيه في غير محله. ثم انه لو قلنا بعدم استفادة احد الوجهين منها أو استفادة الوجه الثاني من الوجهين فقد يقال: بمعارضة دليل حرمة القتل لدليل حرمة ايقاع النفس في الهلكة ومزاحمة الحكمين أو مزاحمة حرمة قتل النفس لحرمة التسبيب لقتل النفس المحترمة أي نفس من يتعلق به إذا كان الايعاد بقتله ولا دليل على الترجيح فيتخير بينهما (نعم) قد يتحقق الترجيح والاهمية في احد الطرفين كما لو اوعده على قتل بعض متعلقيه لو لم يقتل جماعة عديدة أو اوعده على قتله وقتل جميع متعلقيه لو لم يقتل واحدا. اقول: في دوران الامر بين مباشرة القتل وبين محرم آخر دونه لا ينبغى الاشكال في اقلية محذور ارتكاب الثاني وعدم مزاحمته لمقتضى القتل، والايقاع في الهلكة في المقام ليس قتل نفسه مباشرة ولا تسبيبا، بل لما امكنه صرف شر الغير عن نفسه كان ذلك الصرف واجبا ولو عقلا أو عدم صرفه نحو ايقاع لها في الهلكة، فصرف شر الغير عن نفسه واجب أو الايقاع في الهلكة بهذا المعنى حرام لكنه دون حرمة مباشرة القتل، الا ترى انه لو دار الامر بين قتل جابر نفسا محترمة وبين قتلك نفسا محترمة اخرى لا يمكن القول بالتخيير بين القتل مباشرة لحفظ النفس المحترمة وترك المباشرة وايقاع الغير في الهلكة بدعوى مزاحمة المقتضيين و عدم الترجيح. واما قوله في دوران الامر بين قتل المكره بالفتح شخصا وقتل المكره بالكسر


(1) هو العلامة الشيخ محمد حسين الاصبهاني.

[ 155 ]

بعض من يتعلق به باذن ذلك من قبيل الدوران بين حرمة القتل وحرمة التسبيب له (ففيه) ان ذلك ليس تسبيبا لقتل من يتعلق به. فان التخلف عن امر المكره ليس سببا عرفا وعقلا للقتل: مع ان المباشرة للقتل اشد محذورا من هذا المعنى المفروض وان سمى تسبيبا. بل يمكن ان يقال: انه لو دار الامر بين مباشرته لقتل شخص واحد وبين مباشرة المكره لقتل اشخاص عديدة لا يجوز مباشرة القتل، لان الواجب دفع قتلهم مع الامكان لكن إذا توقف على ارتكاب القتل مباشرة فلا دليل على جوازه وترجيح مقابله، وهل هذا الا نظير دوران الامر بين ارتكاب شرب الخمر وارتكاب جمع كثير شربها. وبالجملة لم يتضح وجوب حفظ النفوس بارتكاب قتل النفس (نعم) لو كان المتوعد على قتله من يجب حفظه على أي تقدير كالنبى صلى الله عليه وآله والوصى عليه السلام يجب قتل غيره لحفظه. هذا مع قطع النظر عن دليل الحرج والا فلا تصل النوبة إلى حكم العقل فانه على فرض كون المرفوع في الدم حكم التقية وسكوت الرواية عن حكم بلوغ الدم يكون مقتضى دليل نفى الحرج جواز ارتكاب الدم، لما مر من الشر والضرر المتوجه إلى الغير يكون وجوب دفعه بتحمل الضرر على النفس حرجى. وان شئت قلت: ايجاب حفظ نفس الغير أو حرمة قتله بايقاع الضرر على نفسه حرجى سيما إذا كان الضرر المتوعد عليه من النفوس أو الاعراض المتعلقة به، فمع قيام الدليل الشرعي لا قبح لحكم العقل وترجيحه ولو قلنا بان المستفاد من دليل نفى التقية في الدماء الحرمة، فان قلنا بانه شامل لجميع انحاء التقية في عرض واحد وكان مفاده تحريمها مطلقا في الدم: تكون النسبة بينه وبين دليل نفى جعل الحرج العموم من وجه، لان عدم التقية في الدم اعم من ان يلزم الحرج في تركه، وعليه يكون دليل نفى الحرج حاكما عليه كحكومته على ساير الادلة وكون دليل التقية من الاحكام الثانوية: لا ينافى الحكومة المتقومة بلسان الدليل مع ان قوله فلا تقية حكم اولى متعلق بعنوانها. وان قلنا بان روايات نفى التقية بلحاظ قوله: " انما جعلت التقية لتحقن بها

[ 156 ]

الدم " ناظرة إلى قضية عمار كما اشرنا إليه تكون واردة مورد الاكراه الذى هو مورد قضية عمار فلا محالة لا يجوز اخراجه بدليل الحرج للزوم اخراج المورد، و هو مستهجن، ومع بقاء مورد الاكراه كذلك أي عدم جواز اراقة الدم مع الاكراه، والتوعيد على القتل لا يجوز اخراج ما عداه بالضرورة، فان القتل إذا لم يجز مع التوعيد على القتل لا يجوز مع ما دونه وما هو اهون منه. وبعبارة اخرى لا يصح التفكيك عقلا وعرفا في الدليل، فلابد من رفع اليد عن تحكيم دليل الحرج في المقام وهو اهون من عمل التعارض، مع انه على فرضه لابد من رفع اليد عن اطلاق الآية اما لكونه عملا بالدليلين في الجملة أو للاجماع المدعى والشهرة المحققة المرجحين على اطلاق الكتاب بل المقيدين له. ثم ان مقتضى اطلاق قوله: " إذا بلغت التقية الدم فلا تقية " عدم الفرق بين افراد المؤمنين من حيث الصغر والكبر، والعلم والجهل، والذكورة والانوثة حتى الحمل بعد ولوج الروح، ولا بين المريض وغيره، ولا بين من في حال النزع وغيره على تأمل في الاخير بل والمستحق للقتل قصاصا وغيره فانه محقون الدم وان جعل الله لوليه سلطانا على قتله. واما المؤمن المستحق للقتل حدا كالزاني محصنا واللاطى فالظاهر انه غير محقون كما تسالم عليه الفقهاء في كتاب القصاص وادعى عليه الاجماع بل عن الرياض دعوى تظافر النصوص عليه، ولعله اراد بها ما دلت على انه يقتل ونحو ذلك " تأمل " فدعوى شيخنا الانصاري ان ظاهر المشهور عدم التقية فيه ناشية من اطلاقهم في المقام، ولكن مقتضى تصريحهم بعدم محقونيته مطلقا جواز التقية فيه، وهو لا يخلو من وجه، فان الظاهر ان الحد ليس حقا للحاكم كالقصاص بالنسبة إلى ولى الدم بل الحاكم لكونه مسيس العباد وله السلطان والولاية يكون مختصا باجراء الحدود وليس لغيره اجرائها، فلو قتل شخص من يجب قتله حدا اختيارا لا قصاص عليه ولادية كما قالوا وليس عليه الا الاثم ويرتفع مع الاكراه، بل الظاهر انصراف قوله: انما جعلت التقية (الخ) عن مثله، ضرورة ان التقية لم تجعل لحقن دم مثله،

[ 157 ]

فاطلاق ادلة الاكراه والتقية محكم، كما ان غير المؤمن من ساير الفرق خارج عن مصب الروايات وان التقية جعلت لحقن دم المؤمن خاصة ومقتضى العمومات جواز قتل غيرهم بالاكراه وحال الضرورة. ثم الظاهر ان الدم كناية عن القتل باى سبب كان باراقة الدم أو غيرها، وما دون القتل جرحا كان أو غيره خارج وداخل في جواز التقية أو وجوبها. التنبيه الثاني ان ما ذكرناه انما هو في الاكراه والتقية الا كراهية ولا بأس بالاشارة إلى حكم ساير اقسامها من التقية المداراتية المشروعة لمراعات حسن العشرة معهم - والتقية الخوفية المشروعة لحفظ الشأن من شئون الشيعة سواء كان من المتقى أو غيره من اخوانه المؤمنين، والتقية الكتمانية في مقابل الاذاعة و والافشاء الواجبة لكتمان سرهم كما وردت في كل منها اخبار عديدة. فهل يجوز جميع اقسام التقية لما دون الدم فيجوز الاضرار بالغير مالا وعرضا لقسم من الاقسام المتقدمة ام لا. ربما يقال: ان مقتضى صحيحة محمد بن مسلم (1) وموثقة ابى حمزة (2) العموم لان الظاهر منهما ان التقية فيما عدى الدم مشروعة كائنا ما كان، وكانت التقية ما كانت وهو مقتضى عموم مرسلة الصدوق (3) " والتقية في كل شئ حتى يبلغ الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية ". ويمكن المناقشة فيه بان الروايتين الاولتين انما سيقتا لافادة عدم التقية في الدم وانه إذا بلغت الدم فلا تقية ولا شبهة في اطلاقهما من هذه الجهة وفى هذا الحكم أي حرمة التقية في الدم فيستفاد منهما السلب الكلى في الدم واما في غيره فلا يستفاد منهما الايجاب الكلى بمعنى جواز جميع انحاء التقية في غيره فيظهر منهما انه مع عدم بلوغها الدم ففيه تقية بنحو الاجمال، لا بنحو الاطلاق والكلية بحيث يظهر منهما مشروعيتها بجميع انحائها واقسامها المتقدمة، وذلك من غير قرق بين القول بالمفهوم


(1) و (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 31 - من ابواب الامر والنهى (3) المستدرك - كتاب الامر بالمعروف - الباب 29 - من ابواب الامر والنهى.

[ 158 ]

في الشرطية وعدمه، فان مفهومها على القول به انه إذا لم تبلغ الدم ففيه تقية، لا فيه جميع انحائها، لما حقق في محله ان مفهوم نحو تلك القضية الايجاب الجزئي والمقام نظير قوله: " إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شئ " الدال بمفهومه انه مع عدم البلوغ يتنجس في الجملة. ومنه يظهر الحال في المرسلة فان قوله ": التقية في كل شئ حتى يبلغ الدم " عام بالنسبة إلى افراد ما عدى الدم من المال والعرض والجرح بما دون القتل لا بالنسبة إلى انحاء التقية. فإذا ثبت في كل شئ تقية في الجملة ولو عند الاكراه والتوعد بالقتل يصح ان يقال: التقية في كل شئ ما عدى القتل، ففى القتل سلب كلى وفى مقابله ايجاب جزئي. ومما ذكرنا يظهر الحال في عدم عمومها واطلاقها بالنسبة إلى موارد الاكراه سواء قلنا بانه تقية عرفا ولغة وبحسب الاخبار أو يلحق بها حكما بما تقدم، اما على الاول فبالبيان المتقدم، واما على الثاني فلانه لا يزيد على الملحق به والمتفرع عليه. (نعم) لا نحتاج في اثبات الحكم مطلقا في موارد الاكراه بهذه الرواية بل يكفى فيه مثل دليل الرفع وساير ما تقدمت الاشارة إليها. ومما تقدم يظهر عدم جواز الاستدلال على جوازها مطلقا برواية ابى عمر الاعجمي (1) عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث انه قال: " لا دين لمن لا تقية له والتقية في كل شئ الا في النبيذ والمسح على الخفين " فانها بصدد بيان ان فيما عدى النبيذ و المسح تقية، فيظهر منها امران، احدهما عدم التقية مطلقا فيهما والثانى ثبوتها لكل ما عداهما في الجملة لعدم كونها بصدد بيان جواز انحاء التقية، فلا اطلاق فيها. هذا مع احتمال ان يكون المراد بالمستثنى منه المحرمات والواجبات الالهية مما لا يتعلق بها حق الناس بقرينة استثناء المذكورين وعدم استثناء الدم " تأمل ". نعم مقتضى عموم صحيحة زرارة (2) عن ابى جعفر عليه السلام " قال " التقية في كل


(1) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 25 - من ابواب الامر والنهى. مجهولة بابى العمر الاعجمي. (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 25 - من ابواب الامر والنهى

[ 159 ]

ضرورة وصاحبها اعلم بها حين تنزل به "، وصحيحة اخرى عنه (1) وعن غيره " قالوا سمعنا ابا جعفر عليه السلام يقول: التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد احله الله ": جوازها في كل شئ يضطر إليه كما إذا خاف على نفسه أو عرضه أو نفس من يكون بمنزلته من اهله وخاصته وعشيرته الاقربين أو عرضهم، أو على ماله الذى إذا سلب عنه يقع في الحرج والمشقة الشديدة من غير فرق بين حق الله وحق الناس ما عدى الدم ; و اما غيره مما استثنى في بعض الروايات كرواية الاعجمي فلابد من تأويلها وقد تعرضنا لها في رسالة التقية. وما ذكرناه من شمولها لحق الناس وان كان بعيدا سيما بعض مراتبه لكن لا محيص عنه بعد تطابق النص والفتوى عليه. قال الشيخ في النهاية في باب الامر بالمعروف: فاما اقامة الحدود فليس يجوز لاحد اقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى إلى ان قال: ولا يجوز له ان يحكم بمذهب اهل الخلاف فان كان قد تولى الحكم من قبل الظالمين فليجتهد ايضا في تنفيذ الاحكام على ما يقتضيه شريعة الاسلام والايمان فان اضطر على تنفيذ حكم على مذهب اهل الخلاف بالخوف على النفس أو الاهل أو المؤمنين أو على اموالهم جاز له تنفيذ الحكم ما لم يبلغ ذلك قبل النفس فانه لا تقية في قبل النفوس. وقال في المكاسب في جملة من كلامه: فان لم يتمكن من اقامة حق على وجه والحال ما وصفناه في التقية جاز له ان يتقى في جميع الاحكام والامور ما لم يبلغ ذلك إلى سفك الدماء المحترمة. اقول والحال الذى وصقه في التقية هو الخوف على النفس أو على الاهل أو على بعض المؤمنين. وفى المراسم (2) وقد فوضوا عليهم السلام إلى الفقهاء اقامة الحدود والاحكام بين الناس بعد ان لا يتعدوا واجبا ولا يتجاوز واحدا إلى ان قال: فان اضطرتهم تقية به اجابوا داعيها الا في الدماء خاصة فلا تقية فيها.


(1) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 25 - من ابواب الامر والنهى. (2) في آخر كتاب الحدود - في باب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر.

[ 160 ]

وفى السرائر بعد دعوى الاجماع على عدم جواز اقامة الحدود الا للامام عليه السلام والحكام من قبله قال: فان خاف على نفسه من ترك اقامتها فانه يجوز له ان يفعل في حال التقية ما لم يبلغ قبل النفوس إلى ان قال: فان اضطر إلى تنفيذ حكم على مذهب اهل الخلاف على النفس أو الاهل أو المؤمنين أو على اموالهم جاز تنفيذ الحكم ما لم يبلغ ذلك قتل النفوس فانه لا تقية له في قتل النفوس. وفى الشرايع (1) فان اضطر إلى العمل بمذهب اهل الخلاف جاز إذا لم يمكن التخلص عن ذلك ما لم يكن قبلا لغير مستحق. وفى المنتهى (2) فان اضطر إلى استعمال ما لا يجوز من ظلم مؤمن أو قهره جاز ذلك للضرورة ما لم يبلغ الدماء فلا يجوز التقية فيها على حال. لكن يمكن المناقشة في اطلاق الحكم مضافا إلى غاية بعده في بعض المراتب وامكان ان يقال بان تلك الادلة الصادرة على وجه الامتنان منصرفة عن الموارد التى يلزم منها وقوع الضرر أو الحرج على الغير " تأمل ": ان مقتضى تلك الادلة عموما و اطلاقا وان كان جواز التقية في كل مورد يضطر إليه ابن آدم من غير فرق بين حق الناس وغيره لكن مقتضى حكومة دليل نفى الحرج كحكومته على ساير الادلة تخصيص الحكم بموارد لا يلزم منها الحرج على الغير بفعله ولازمه التفصيل في حقوق الناس بين ما إذا توجه الشر والضر على الغير ويكون دفعه عنه مستلزما لوقوع الدافع في شر وضر وحرج كما في الموارد المتقدمة في كلام الشيخ وابن ادريس وغيرهما، فانه لو فرض ان السارق اقر بالسرقة عند من كان منصوبا من قبل والى الجور للقضاء وكان مقتصى مذهبهم القطع بالاقرار مرة واحدة كما قال به ابو حنيفة ومالك والشافعي، وحاف القاضى واضطر إلى الحكم على مذهبهم وانفاذه، ففى مثله يجوز له، لان الشر حسب اقراره ومذهبهم متوجه إليه فايجاب دفعه عنه بما يلزم


(1) في كتاب الامر بالمعروف. (2) في المبحث الثالث من المقصد الثاني من التجارة - في عمل السلطان - مسألة 2.

[ 161 ]

منه وقوع الشر عليه حرجى، واما تجويزه لدفع اضطراره ليس حرجيا على غيره أو ينصرف الدليل عنه، لانه شر توجه إليه لا من قبله بل من قبل اقراره ومذهب الباطل ولو سلم كونه حرجيا ومنع الانصراف يتعارض دليل الحرج في مصداقين وتسلم ادلة ان التقية في كل شئ يضطر إليه. واما إذا توجه الشر إلى المتقى واراد دفعه بالتوجه إلى غيره كما لو ظن انه امامى وخاف منه على عرضه فاراد هتك عرض شيعي لدفع التوهم والشر عن نفسه ففى مثله يكون تجويزه حرجا على غيره وهو منفى. واما تحريم دفع ضرره بايقاع شر على الغير فليس من الاحكام الحرجية فان الضرر متوجه إليه لا من قبل الشارع (نعم) مع تجويزه ايقاع الشر على الغير يندفع اضطراره لكن مقتضى الادلة عدمه وهذا التفصيل غير مستبعد عقلا وموافق للقواعد، ولعل الفتاوى المتقدمة مختصة بالموارد التى من قبيل الاول. ومما ذكرناه يظهر الحال في مسألة اخرى وهى انه لو اضطر إلى اكل مال الغير دون خوف الموت فانه يجوز بدليل رفع الاضطرار فيما إذا لم يلزم منه حرج على غيره. فان دليل رفع الاضطرار يرفع الحرمة الشرعية ولكن المال مضمون عليه، لعدم اضطراره على الاكل المجاني لعدم معنى له واما لو فرض ان المضطر لا مال له رأسا ولا يتوقع منه الجبران وكان صرف المال الذى اضطر إليه موجبا لوقوع الحرج على صاحبه: فالظاهر عدم جوازه، لحكومة دليل نفى الحرج على الادلة الثانوية ايضا حتى مثل حديث الرفع فان الرفع القانوني نحو جعل وحكم من الشارع. ولو نوقش فيه فقوله ما جعل عليكم (1) (الخ) دال ولو بمناسبة كونه في مقام الامتنان، وان هذه ا لملة سهلة سمحة، على ان مطلق احكامه وضعا ورفعا ليست حرجية. هذا كله في التقية الاكراهية والاضطرارية واما إذا لم يخف على نفسه أو ما يتعلق به ولم يكن مكرها فهل تجوز أو تجب التقية بارتكاب المحرمات لو خاف على عرض بعض المؤمنين أو ماله دون نفسه التى لا يوازنها شئ الظاهر عدم جواز


(1) سورة الحج - الاية 77.

[ 162 ]

التمسك له بمطلقات ادلة التقية، لان عنوانها غير صادق ظاهرا الا على الخوف على ما يتعلق بالمتقي من النفس والعرض والمال سواء كان منه أو ممن يتعلق به الذى بمنزلته واما الخوف على ساير الناس فليس مورد التقية، ولا هي صادقة عليه، فقوله " التقية تزس المؤمن وحرزه ": ظاهر في انها حافظها عن توجه الضرر إليه فلابد في المقام من التماس دليل آخر. ربما يتمسك برواية الاحتجاج (1) عن أمير المؤمنين عليه السلام على جواز ارتكاب المحرمات ولو اعظمها كالتبرى عنه عليه السلام وفيها " ولئن تبرء منا ساعة بلسانك و انت موال لنا بجنانك لتبقى على نفسك روحها التى بها قوامها ومالها الذى به قيامها وجاهها الذى به تمسكها وتصون من عرف بذلك (من ظ) اوليائنا واخواننا فان ذلك افضل من ان تتعرض للهلاك وتنقطع به عن عمل في الدين وصلاح اخوانك المؤمنين، واياك ثم اياك ان تترك التقية التى امرتك بها فانك شائط بدمك و دماء اخوانك معرض لنعمتك ونعمتهم للزوال مذل لهم في ايدى اعداء دين الله، و قد امرك الله باعزازهم فانك ان خالفت وصيتى كان ضررك على اخوانك ونفسك اشد من ضرر الناصب لنا الكافر بنا ". وانت خبير بانها اخص من المدعى. اما الفقرة الاولى منها فلا دلالة فيها على جواز البرائة فيما إذا خاف على مال مؤمن أو عرضه فان قوله: " وتصون من عرف بذلك " (الخ) ظاهر في صيانة نفوسهم سيما مع ذكر النفس والمال والجاه بالنسبة إلى المتقى ; فلو كان الخوف على غيره في المال والجاه كالخوف على نفسه فيهما لكان اولى بالذكر، ولا اقل من قصور دلالتها على جميع مراتب الخوف. وقوله " وصلاح اخوانك " عطف على قوله: " عن عمل في الدين " أي نتقطع عنه وعن صلاح اخوانك فلا ربط له بالمقام. واما الفقرة الثانية أي قوله: " واياك ثم اياك " (الخ) فظاهرها من اولها إلى آخرها انها مربوطة بزمان كان الشيعة في الاقلية التامه وفى معرض الزوال والهضم لو ترك التقية وفشى امرهم، ولا شبهة في ان ضرر تركها والحال هذه اكثر من ضرر النصب


(1) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 29 - من ابواب الامر والنهى.

[ 163 ]

والكفر على المذهب الحق، فان في تركها مظنة ذهاب اهل الحق ومذهبهم في مثل ذلك العصر الذى كانت عدتهم محصورة جدا وكذا في مثل عصر الصادقين عليهما السلام والكاظمين عليهما السلام حيث كان تركها موجبا لاطلاع ولاة الجور واعداء دين الله لعنهم الله على حزب الحق وتحزبهم في الخفاء لابقاء الحق واحياء سنة الله تعالى وذلك كان موجبا لارافة دمائهم وزوال نعمتهم وذلهم تحت ايدى اعداء الله، واين ذلك مما نحن بصدده من جواز ارتكاب المحرمات حتى مثل سب الائمة عليهم السلام (والعياذ بالله) عند الخوف على هتك مؤمن أو جمع منهم أو الخوف على اموالهم من غير ترتب تلك المفاسد على تركها. وما ذكرناه فيها جار في ساير الروايات الواردة في التقية أو في المقام، كالمحكى عن تفسير الامام عليه السلام (1) قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من صلى الخمس كفر الله عنه من الذنوب " إلى ان قال: " لا تبقى عليه من الذنوب شيئا الا الموبقات التى هي جحد النبوة أو الامامة أو ظلم اخوانه أو ترك التقية حتى يضر بنفسه واخوانه المؤمنين "، وعنه قال الحسن بن على عليه السلام (2): قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ان الانبياء انما فضلهم الله على خلقه اجمعين بشدة مداراتهم لاعداء دين الله وحسن تقيتهم لاجل اخوانهم في الله "، وعنه عن امير المؤمنين عليه السلام (3) " التقية من افضل اعمال المؤمن يصون بها نفسه واخوانه عن الفاجرين " إلى غير ذلك. فان الظاهر ان جعل ترك التقية من الموبقات وقرينا لجحد النبوة والامامة ليس لمحض حفظ مال مؤمن أو عرضه مثلا، بل لما كان تركها في تلك الازمنة موجبا لفساد في الدين أو المذهب صار بتلك المنزلة، والا فمن الواضح ان الموجب بتركها لنهب مال مؤمن لا يكون مرتكبا لموبقة قرينة لجحدهما، وكذا الحال ظاهرا في مداراة الانبياء لاعداء دين الله وتقيتهم لاجل اخوانهم فان الموجب لفضيلتهم


(1) المستدرك - كتاب الامر بالمعروف - الباب 24 - من ابواب الامر والنهى. (2) المستدرك - كتاب الامر بالمعروف - الباب 27 - من ابواب الامر والنهى. (3) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 28 - من ابواب الامر والنهى.

[ 164 ]

ليس نفس المداراة والتقية بل لما كانت دعوتهم واشاعة دينهم بين الناس موقوفة بمداراة اعداء الله وحفظ المؤمنين صارا بتلك المنزلة هذا مع الغض عن ضعف السند وعدم الاطلاق. ومما ذكرناه يظهر عدم صحة التشبث لاثبات المدعى أي جواز ارتكاب المحرمات بالروايات (1) الكثيرة المتقدمة الدالة على جواز التولى من قبل الجائر لصلاح حال الشيعة: لما عرفت من ان الظاهر من مجموعها أو المتيقن منها بعد ضعف اسنادها جواز التولى فيما إذا كان صلاح المذهب ولولا التولى لخيف تشتت الشيعة وذهاب حزبهم مع قلة عددهم وضعفهم وقوة اعدائهم وشدة اهتمامهم لعنهم الله بهضمهم وهلاكهم كما هو ظاهر، فلولا امثال على بن يقطين والنجاشى ومحمد بن اسمعيل ومن يحذو حذوهم لخيف على الشيعة الانقراض والا فما اظن ارتضاء منصف بان تلك الترغيبات الواردة منهم عليهم السلام سيما في رواية ابن بزيع للورود في ديوانهم لمحض حفظ مال من شيعي أو عرضه مع حرمة الورود فيه ذاتا وملازمة ورود امثالهم للابتلاء، بمعاصي اخر تقية. فتجويز ذلك والترغيب الاكيد فيه ليس الا لحفظ المصالح السياسية الكائنة في تلك الظروف المقدم على ارتكاب أي معصية يبتلى بها في ديوانهم، فكيف يمكن تجويز ارتكاب محرم كشرب الخمر أو سب امير المؤمنين عليه السلام (والعياذ بالله) في مثل زماننا لحفظ مال شيعي وعرضه. وكذا لا يصح التشبث بما ورد في روايات عديدة من جواز الحلف كذبا لانجاء مال مؤمن من العشار أو اللص وغيره (2) كما في بعضها، ضرروة عدم جواز التعدي منه إلى ساير المعاصي، كما ان الكذب في الصلاح جايز نصا وفتوى لكن لا يمكن التعدي منه ولعله كما قالوا ان قبح الكذب بالوجوه والاعتبار ومع ترتب الصلاح عليه لا يكون قبيحا فلو توقف انجاء مال مؤمن من العشار أو غيره وكذا الاصلاح


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - والمستدرك 39 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب الايمان الباب 12.

[ 165 ]

بين المؤمنين على معصية اخرى كسب النبي صلى الله عليه وآله وشرب الخمر لا يمكن الالتزام بالجواز كما هو واضح. فتحصل من جميع ذلك عدم دليل على جواز ارتكاب المحرم لحفظ مال أو عرض، فلو دل دليل على وجوب حفظ شئ مطلقا لابد من ملاحظة الاهم ومعاملة باب التزاحم، ثم لو قلنا بجواز التقية في هذا المورد فلا شبهة في عدم جواز الاضرار بالغير لدفع الاضرار عن مؤمن آخر وهو واضح، والفرق بينه وبين التقية الاضطرارية ظاهر. الثالث قال الشيخ الانصاري في كتاب البيع: ان حقيقة الاكراه لغة وعرفا حمل الغير على ما يكرهه، ويعتبر في وقوع الفعل من ذلك الحمل اقترانه بتوعيد منه مظنون الترتب على ترك ذلك الفعل مضر بحال الفاعل أو متعلقه نفسا أو عرضا أو مالا وقال في المقام: ان الاكراه يتحقق بالتوعيد بالضرر على ترك المكره عليه ضررا متعلقا بنفسه أو ماله أو عرضه أو باهله ممن يكون ضرره راجعا إلى تضرره وتألمه " انتهى ". اقول ان ما ورد في الاخبار عنوانان، احدهما ما اكرهوا عليه، وثانيهما ما استكرهوا عليه، ولا شبهة في رجوعهما إلى معنى واحد، كما ان الاستكراه أو الاكراه الوارد في بعض الاخبار راجعان إلى ذلك ايضا فلابد من النظر في معنى قوله: فرفع ما اكرهوا عليه " عرفا ولغة، والظاهر انهما متطابقان على ان معنى اكرهه عليه حمله على ذلك قهرا وكرها، بمعنى ان متعلق القهر و الكره الحمل فيكون معنى اكرهه على ذلك كقوله اجبره عليه والزمه عليه أي حمله عليه قهرا وجبرا والزاما وكرها. واما بناء على ما ذكره الشيخ لا يكون الكره والقهر في الحمل على الفعل، بل إذا كان الفعل مكروها له وهو يكرهه صدق الاكراه عليه ولو كان الحمل عليه بلا قهر وجبريل يكون حمله عليه بالاستدعاء أو اعطاء المال عليه، ضرورة صدق حمله على ما يكرهه فإذا امره من لا ينبغى مخالفته بامر كرهه فاتاه صدق عليه انه حمله

[ 166 ]

على ما يكرهه. وتوهم ان الحمل بمعنى الالزام والقهر: باطل، ضرورة انه اعم منه إذ يصدق قوله: حملني صديقى أو اخى على ذلك المكروه بلا شائبة تأول وبالجملة ليس في قوله اكرهه على ذلك الا مادة واحدة هي الكره فهى اما متعلقة بالهيئة وما يستفاد منها، فيكون المعنى حمله عليه كرها أي قهرا فيكون نظير اجبره والزمه، أو راجعة إلى المتعلق فيكون المعنى حمله على ما يكرهه فيكون الحمل مطلقا غير مقيد بالالزام والقهر والكره. وتوهم اعتبار الكره في كليهما كما ترى: لا وجه له، ومع الدوران بينهما لا شبهة في ان الاول موافق للعرف فلا يقال لمطلق الحمل والتحميل على ما يكرهه: انه اكرهه عليه، وموافق لقاعدة الاشتقاق كما يظهر بالنظر في الامثال والنظائر و لكلمات اللغويين. ففى منتهى الارب في معنى الاستكراه " وبنا خواست وستم بركارى داشتن " ومنه الحديث " رفع عن امتى الخطاء وما استكرهوا عليه " وفى الصحاح و اكرهته على كذا حملته عليه كرها، ونحوه في المجمع وفى معيار اللغة " اكرهته على الامر اكراها حملته عليه قهرا "، وفى المنجد اكره فلانا على الامر حمله عليه اكره الرجل حمله على امر يكرهه، ترى كيف يفرق بين الجملتين. فلا ينبغى الاشكال ان معنى اكرهه عليه حمل عليه قهرا وكرها، وعليه لا يتحقق الاكراه على الامر بالتوعد بالضرر مطلقا إذ قد يكون التوعد به لا يوجب القهر على الفعل والالزام عليه كما لو اوعد ابنك بانك لو لم تفعل كذا لقتلت نفسي، أو قالت اهلك لو لم تفعل كذا لهتكت سرى، أو قال صديقك: لو لم تفعل لهجرتك وكانت هجرته شاقا عليك فان في تلك الموارد ونظائرها لا يصدق اكرهه على العمل نعم صدق حمله على مكروه بل ولا يتوقف صدق اكره عليه على التوعد بالمكروه. فلو خاف المأمور شر الآمر كفى في الصدق اوعده على الشر ام لا، فاعتبار الايعاد لا يصح طردا وعكسا كما ان اعتبار الظن على ترتب الضرر غير ظاهر بل يكفى الخوف على ترتبه وان لم يحصل الظن به بل التحقيق انه لا يعتبر كون المأمور به مما يكرهه المأمور بل ما يعتبر في الصدق

[ 167 ]

أي كان لازما فيه ان يكون المكره مقهورا في اختياره بمعنى انه ما اختاره الا للخوف عن مخالفة امر الجائر وعدم اختياره وارادته له تارة لاجل كراهته له و منفوريته لديه واخرى لكونه مخالفا لصلاحه وان كان مشتاقا إليه كمال الاشتياق كالمشتهيات التى يتركها المؤمن خوفا من عذاب الله فانه مع كمال اشتياقه بها يحمله العقل والدين على تركه. والظاهران توهم اعتبار ذلك نشأ من توهم ان الارادة عبارة عن الشوق التام في طرف الفعل والكراهة التامة في جانب الترك أو انهما من مباديها دائما، ولهذا ان بعض اهل التحقيق لما راى ان في الافعال الصادرة من الفاعل ما لا يتعلق به الشوق بل يتنفر منه كمال التنفر ومعذلك يريده ويوجده كقطع يده ورجله للعلاج والانتحار لاجل بعض الدواعى الفاسدة قال: بعد جعل الارادة عبارة عن الشوق المتأكد: ما من فعل ارادي الا ويصدر اما عن شوق طبيعي أو شوق عقلي وقال ايضا: إذا اشتد الشوق العقلي وغلب على الكراهة الذوقية فلا محالة يشرب الدواء وانت خبير بما فيه من التكلف وعدم الموافقة للموازين العقلية لمحض توهم ان الارادة هي الشوق المتأكد مع ان اصل المبنى فاسد، فان الارادة من القوى الفعالة الحاملة على الفعل والمحركة للعضلات نجوه والشوق والحب والبغض و الكراهة من الامور التى لا فعالية لها فالشوق لا يكون محركا للعضلات بلغ ما بلغ من الشدة والارادة كثيرا ما تتعلق باشياء مع كمال الكراهة ومع فقدان الشوق رأسا. وادراك العقل المصلحة وترجيح الفعل على الترك بالقضاء العقلي أو القوة الحاكمة والقاضية غير الشوق الذى ينفعل النفس به لا بمعنى فعاليته بل بمعنى عروضه لها وليس الاشتياق من شئون العاقلة بل العقل مدرك للمصالح والمفاسد ولا يليق به الحب والبغض واضرابهما من الانفعاليات. وما في مسفورات اهل النظر من نسبة الشوق ونحوه إلى المبدء تعالى جده لابد من تأويله كما ورد في الكتاب والسنة من اشباه ذلك مما لا يليق بظاهرها بساحة

[ 168 ]

قدسه جل وعلا. ولعمري لا داعى للالتزام بما يخالف الوجدان والبرهان لتصحيح ما قال بعض اهل النظر أن الارادة هي الشوق المؤكد مع عدم برهان عليه. فتحصل من ذلك ان الاكراه على الشئ لا يعتبر في مفهومه كون ذلك الشئ مما اكرهه الفاعل وهو واضح وكذا لا يكون تحققه متقوما لذلك أو ملازما له، فالاولى في تحديد مفاد قوله اكرهوا عليه تبعية كلمات اللغويين الموافقة للعرف والاعتبار أو ايكال الامر إلى العرف كما صنعه المحقق صاحب الجواهر. ثم ان اعتبار عدم امكان التفصى عرفا بما لا يحصل منه ضرر آخر معتد به مما لا ينبغى الريب فيه. الرابع قال الشيخ الانصاري قدس سره: قبول الولاية مع الضرر المالى الذى لا يضر بالحال رخصة لا عزيمة، فيجوز تحمل الضرر المذكور لان الناس مسلطون على اموالهم بل ربما يستجب تحمل ذلك الضرر للفرار عن تقوية شوكتهم " انتهى ". مقتضى اطلاقه فيما لا يضر بالحال كونه رخصة حتى مع اقتضاء التقية ذلك ومع كونه في دار التقية وهو مبنى على عدم وجوب التقية وهو غير تام فلابد في هذه الصورة من التفصيل بين ما إذا كان المورد من موارد التقية الواجبة فيكون القبول عزيمة وبين غيره ان قلنا بان رفع ما اكرهوا عليه على سبيل الرخصة كما اشتهر بينهم مطلقا ولا يبعد في الجملة. ومقتضى تخصيصه الحكم بالضرر المالى الغير المضران القبول عزيمة مع المالى المضر بالحال، والظاهر ان المراد به ما كان دفعه موجبا للحرج وهو مبنى على ان رفع الحرج على سبيل العزيمة وهو خلاف المعهود منهم وان رجحناها في بعض الموارد أو مطلقا في رسالة التيمم، وكذا مقتضاه انه عزيمة مع الضرر العرضى والنفسي مطلقا وهو محل تأمل فانها مبنية على حرمة جعل المؤمن نفسه في معرض الهتك والضرر أي ضرر كان ولو ولم يبلغ حد التهلكة والمسألة بشقوقها محل اشكال وتأمل وتحتاج إلى مزيد فحص وتحقيق.

[ 169 ]

القسم الخامس مما يحرم التكسب به ما يجب على الانسان فعله عينا أو كفاية تعبدا أو توصلا على المشهور وعليه الفتوى كما عن المسالك (1) وفى الرياض بعد تقييد الوجوب بالذاتي لاخراج التوصلى كاكثر الصناعات الواجبة بلا خلاف بل عليه الاجماع في كلامه جماعة وهو الحجة. وفى مفتاح الكرامة (2) لم يعرف الخلاف الا من علم الهدى لكن قال حكى عن علم الهدى جواز الاجرة على مثل التكفين والدفن لانه واجب على الولى ولا يجوز لغيره الا باذنه " انتهى "، وعليه لا يكون هو مخالفا في المسألة. وكيف كان الظاهر من عنوان الفقهاء الاعم من التوصلى والتعبدي ومن ذهابهم نصا أو ظاهرا إلى الجواز في المستحبات ان موضوع البحث هو الواجبات، اما لان وصف الوجوب ينافى الاكتساب كما صرح به بعضهم وياتى الكلام فيه أو ان الامر تعبدي ثابت بالاجماع والشهرة، واما التعبدية فلا تنافى الاكتساب عندهم و لهذا قالوا بجوازه في المستحبات، لكن المتأخرين عمموا البحث في التعبديات مطلقا مستحبة كانت أو واجبة وفى الواجبات توصلية أو تعبدية فلابد من البحث تارة في ان وصف التعبدية مناف للاكتساب ام لا، واخرى في ان وصف الوجوب مناف له ام لا. اما الاول فقد يقال مضافا إلى عدم المنافاة: ان تضاعف الوجوب يؤكد الاخلاص


(1) في القسم الخامس مما يحرم التكسب به من التجارة - في ما يجب على الانسان فعله (2) في القسم الخامس مما يحرم التكسب به من المتاجر - فيما يجب على الانسان فعله ص 92.

[ 170 ]

والقائل صاحب مفتاح الرامة (1) وفى الجواهر (2) قال في مقام عدم المنافاة ان المنافاة واضح المنع ضرورة كون الاجارة مؤكدة له باعتبار تسبيبها الوجوب ايضا، وسبقهما إلى ذلك السيد في الرياض في المستحبات قال في مقام بيان عدم المنافاة ان غايتها هنا عدم ترتب الثواب لا حرمته مع امكان ترتبه حينئذ ايضا فانها بعده تصير واجبة وتصير من قبيل ما وجبت بنذر وشبهه، ولا ريب في استحقاق الثواب حينئذ ووجهه ان اخذ الاجرة حينئذ صار سببا لوجوبها عليه ومعه يتحقق الاخلاص في العمل لكونه حينئذ لمجرد الاطاعة والامتثال لله تعالى وان صارت الاجرة منشأ لوجه الامر الايجابي إليه " انتهى ". والعجب منه رحمه الله حيث صرح قبل ذلك باسطر بان اخذ الاجر في الواجبات مناف للاخلاص نعم بين كلامه وكلامهما فرق يتضح عن قريب. اقول ان مراد الاولين من تأكد الاخلاص وتضاعف الوجوب في كلام الثاني يحتمل احد الامور. اما ان الامر في العبادي متعلق بذات العبادة والامر الاجارى ايضا كذلك لان قوله اوفوا بالعقود بمنزلة قوله: صل وصم، واعمل كذا وكذا. فالامر الاجارى يؤكد الامر العبادي بل الامر إذا تعلق بموضوع عبادي يصير عباديا إذ ليست العبادية من كيفيات الامر بل هي من قيود المأمور به، فإذا تعلق بموضوع كذلك يصير عباديا قهرا، ولما كان الموضوع واحدا يؤكد احد الامرين الآخر، ولما كانا عباديا يؤكد الاخلاص. وأما ان المراد بتضاعف الوجوب وتاكد الاخلاص ان تعلق الامر الاجارى يوجب امكان قصد الاخلاص به فانه وان كان توصليا لكن مع قصد التقرب يصير عباديا بالمعنى الاعم فالمكلف قبل تعلق الامر الاجارى لا طريق له للاخلاص الا قصد الامر


(1) في القسم الخامس - مما يحرم التكسب به من المتاجر - فيما يجب على الانسان فعله ص 92 - (2) في القسم الخامس مما يحرم التكسب به من التجاره - فيما يجب على الانسان فعله

[ 171 ]

العبادي وبتعلقه زاد طريق آخر يمكن معه قصد الاخلاص فلو نذر اتيانه زاد طريق آخر وهكذا، ولعل مراد صاحب الرياض هذا الوجه إذ لم يعبر بالتأكد، والتضاعف لكن الاظهر ان مراده تبديل الامر استحبابى بعد الاجارة بالوجوبى بمعنى سقوط ذلك وثبوت ذا بتوهم وحدة متعلقهما. واما ان المراد به ان متعلق الامر الاجارى والعبادي لما كانا متحدين في الخارج فللعامل ان يقصدهما لله تعالى فيكون الامر بهذا المعنى مؤكدا للاخلاص و موجبا لزيادته بتعدد سببه ولعله اقرب إلى ظاهر الاولين. ويرد على الوجه الاول ان التأكيد في الاوامر ونحوها انما هو فيما إذا تعلق امر بموضوع لغاية وغرض فإذا كان الموضوع مهتما به مثلا يؤكده الامر اما بالفاظ التأكيد أو بتكرار الامر، واما إذا كانت الاوامر بجهات عديدة فلا تكون من التأكيد في شئ. وفى المقام يكون الامر العبادي كالامر بصلوة الفريضة انما تعلق بها بجهة و غرض غير جهة الامر الاجارى. فلو فرض تعلق الثاني ايضا بذات العبادة لا يمكن ان يكون مؤكدا للاول الا ان يراد بالتأكيد معناه المعروف، مضافا إلى أن الامر الاجارى انما تعلق بموضوع آخر هو الوفاء بالعقد فقوله: اوفوا بالعقود (1). موضوعه العقود ومتعلقه الوفاء، والامر الصلوتى تعلق بالصلوة ولا يعقل تجافي احدهما عن متعلقه الي متعلق الاخر. نعم إذا اوجد الصلوة وفاء باجارته وقلنا بصحة الاستيجار يكون مصداق الصلوة معنونا بعنوانين ذاتي هو الصلوة وعرضى هو الوفاء بالاجارة وكذا في النذر واطاعة الوالد ونظائرهما. وما كان هذا شأنه لا يمكن ان يكون مؤكدا، لان موطن تعلق الاوامر موطن اختلاف الموضوعات والمتعلقات وموطن اتحدها وهو الخارج لا يكون موطن تعلقها. فما يقال ان الامر الاجارى بمنزلة صل وصم وغير ذلك: غير تام: وخلط بين موضوعات الاحكام ومتعلقاتها وبين مصاديقها الغير المأمور بها. وبهذا ظهر الجواب


(1) سورة المائدة - الاية 1.

[ 172 ]

عن الاحتمال الثاني فان مبناه ايضا زعم تعلق الامر الاجارى بنفس الموضوعات العبادية ومع اختلاف المتعلقات والموضوعات كما عرفت لا معنى لقصد التقرب بامر متعلق بموضوع اجنبي عن الاخر لتصحيح ذلك الأجنبي وهو واضح بل يظهر النظر بما تقدم في الوجه الثالث ايضا فان تعدد الاوامر على موضوعات مختلفة لا يوجب تأكد الاخلاص في احد الموضوعات بل على الفرض يوجب تعدده حسب تعددها. هذا كله مع ورود اشكال اساسى على جميع الوجوه وهو ان الاشكال في المقام انما هو دعوى المنافاة بين قصد التقرب واخذ الاجر للعمل فلا يمكن للموجر الاتيان بالعمل المستأجر فيه ومع عدمه لا تصح الاجارة فلا امر اجارى حينئذ حتى يصحح العبادية أو يؤكد الاخلاص. وبعبارة اخرى ان تأكيد الامر الاجارى الاخلاص موقوف على وجوده وهو موقوف على صحة الاجارة فلا يمكن تصحيحها بما ذكر. وان شئت قلت ان صحتها موقوفة على قدره المؤجر ايجاد العمل المورد للاجارة وهو غير ممكن للتلازم بين اخذ الاجر وبطلان العمل العبادي فلابد من دفع هذه الغائلة ومع عدم دفعها لا يمكن تعلق امر اوفوا بالعقود حتى يقال انه يؤكده. وقد تصدى المحققون لدفعها بالداعى على الداعي تارة وياتى الكلام فيه و بالامر الاجارى اخرى وقد فصله السيد الطباطبائى في تعليقته بما ملخصه: انه مع الغمض عن الوجه السابق يمكن ان يقال: انه إذا لم يكن قصد الامتثال بالنسبة إلى الامر الاولى المتعلق بالعبادة، لان المفروض ان غرضه اخذ الاجرة فبعد ايقاع عقد الاجارة يمكن ان يكون داعيه امتثال الامر الاجارى ولا يضر توصليته، لان الامر التوصلى والتعبدي لا يفترقان الا في المتعلق فمع عبادية المتعلق يكون الامر تعبديا كما في المقام. ودعوى ان المعتبر قصد الامر الصلوتى: مدفوعة أو لا بالمنع غاية الامر يعتبر فيه كون الداعي هو الله من أي وجه كان، وثانيا ان امر اوفوا بالعقود في قوة قوله صلوا وصوموا (الخ) فالامر الاجارى عين الامر الصلوتى. وقال في ذيل تصحيح العبادات الاستيجارية عن الغير بعد تكرار الوجهين

[ 173 ]

المتقدمين: ان قلت: " ان ذلك مستلزم للدور فان الوجوب من حيث الاجارة موقوف على صحتها وهى موقوفة على صحة العمل الموقوفة على الوجوب: قلت ثم حكى وجها عن الشيخ وقال وثانيا وهو التحقيق في الجواب ان المعتبر في متعلق الاجارة ليس ازيد من امكان ايجاده في الخارج في زمان الفعل وفى المقام ان تعلق الاجارة والامر الايجارى سبب في هذا الامكان، وبهذا اجبنا عن اشكال الدور في التعبدى بناء على كون قصد القرية من قيود المكلف به. بدعوى ان الامر موقوف على تحقق الموضوع والمفروض عدمه الا بالامر حيث قلنا: لا يعتبر في صحة توجه الامر الا امكان ايجاد الموضوع ولو كان الامر هو السبب " انتهى ". وفيه مضافا إلى ما اشرنا إليه من ان الامر الاجارى متعلق بعنوان الوفاء بالعقد وهو امر توصلي لعدم اعتبار العبادية في متعلقه ولو قصد الامتثال به يتقريب بعنوان امتثال امر الوفاء بالعقد، ولا يعقل ان يكون مجرد ذلك موجبا لامتثال الامر الصلوتى أو مقربا لاجل امرها، بل لو تعبد بالامر الاجارى من غير التعبد بالامر الصلوتى لا يصير مقربا مطلقا إذ لم يات بمتعلق الاجارة ولم يمتثل الامر الاجارى ايضا. ومجرد اتحاد العنوانين في المصداق لا يوجب ان يصير ايجاد احد العنوانين بداعوية امره أو بداع قربى آخر مربوط به. الا نرى انه لو امر باكرام العالم وامر باكرام الهاشمي، وكان الامران تعبديين غير ساقطين الا بقصد التعبد فاكرم المكلف من ينطبق عليه العنوانان بداعوية امر العالم مع عدم داعوية امر الهاشمي اصلا: لا يعقل سقوط الامرين وتقربه بعنوانين، لان التقرب بعبادة فرع اتيانها بداعوية امرها أو بجهة مقربة اخرى قائمة بها أو راجعة إليها. ومجرد اتحاد العالم مع الهاشمي في الخارج لا يوجب حصول التقرب قهرا على زعم الفاعل. ومضافا إلى ما اشرنا إليه من عدم تعقل تجاوز الامر من عنوان اوفوا بالعقود إلى عنوان الصلوة والصوم ونحوهما وكذا الحال في النذر واليمين والعهد فان اوامرها لا تتعلق الا بعنوان الوفاء بها، فلا يمكن ان ينحل قوله: اوفوا بالعقود، إلى صل

[ 174 ]

وصم وهكذا ولا يكون في قوة ذلك الا على تأويل ومسامحة وهو لا يصح العبادية فلا وجه محصل لتصحيحها بالامر الاجارى. ان الاشكال في المقام ليس في منافاة عقد الاجارة أو الامر الاجارى للاخلاص بل الاشكال في منافاة العمل المأتى به بازاء الاجرة للاخلاص ومعذلك كيف يمكن له تسليم مورد الاجارة وايجاده فلا يمكن معه تصحيح الاجارة فلا تصل النوبة إلى الامر الاجارى حتى يبحث في امكان التقرب به، فمع الغض عن رفع تلك الغائلة بالداعى على الداعي أو نحوه لا يمكن تصحيحها. وليس الاشكال في المقام نظير الاشكال في التعبدى والتوصلى أي ليس الاشكال في ان المكلف عاجز عن العمل من قبل فقد الامر حتى يقال: ان القدرة معتبرة وقت العمل والامر محققها. بل الاشكال في ان التنافى الواقعي الحاصل بين الاخلاص واخذ الاجر في مقابل العمل يوجب بطلان الاجارة، هذا العجز الآتى من قبل التنافي الواقعي لا يعقل رفعه بالامر الاجارى فالمقايسة بين البابين في غير محلها. ثم ان اشكال الدور وجوابه وان كان راجعا إلى باب النيابة لكن مناطه موجود في المقام وسياتى الكلام في النيابة. ثم انه يرد على القائل بتصحيح العبادة بالامر الاجارى ايضا بان مورد الاجارة على المفروض هو الواجب العبادي، فالعبادية مأخوذة في موضوع الاجارة وموردها ; ومعنى العبادية مع قطع النظر عن الوقوع مورد الاجارة ان يكون المأتى به بداعوية الامر المتعلق به أو كونه لله تعالى من غير جهة تعلق الاجارة وامرها. والوفاء بهذا العقد لا يمكن ان يكون باتيان الذات بقصد الامر الاجارى، لان المأتى به بقصده لم يكن متعلق الاجارة حتى يكون ايجاده كذلك وفاء بالعقد ومتعلقا للامر بالوفاء. وبالجملة لابد من محفوظية عباديتها قبل تعلق الاجارة، ومع الغض عن امرها لكون العبادية بما هي مأخوذة في موضوعها وفى مثله لا يمكن الوفاء بعقدها الا مع الاتيان بالعبادة بما هي عبادة بغير الامر الاجارى. (نعم) يمكن ايقاع الاجارة بما يقع عبادة من قبل الامر الاجارى أو الاعم منه

[ 175 ]

لكنه خروج عن موضوع البحث في المقام. ثم ان المعروف في جواب الاشكال عن المنافاة للاخلاص طولية داعى الامتثال عن داعى اخذ الاجر فلا منافاة. وقدرد ذلك تاره بمنع الطولية، واخرى بمنع اجدائها. وخلاصة ما افاده بعض اهل التحقيق (1) في منع الطولية ان مورد الاجارة هو ذات العمل العبادي فينحل إلى الذات وحيثية الامتثال والعبادية، والموجر يأتي بالذات بداعي تحقق المستأجر عليه وداعي الامتثال فيكون من التشريك في اصل الفعل، لا من قبيل غاية الغاية. والحاصل أن تحقق عنوان المستأجر عليه يتوقف على حصول امرين ذات العبادة وعنوان الامتثال والآتي بالذات انما ياتي بها بقصد تحقق عنوان المستاجر عليه وقصد امتثال امر الله ليتحقق كلا جزئين من المستأجر عليه فيكون من قبيل التشريك في القصد لا داعى الداعي " انتهى ". (وفيه) ان مورد الاجارة هو العمل بداعي الامتثال ومعناه ان جعل الاجر في مقابل العمل الماتى به بداعوية الامتثال أي يكون الامتثال تمام الداعي والمحرك له فلو اتى به بداعيين داعى الامتثال وداعي تحقق عنوان المستأجر عليه: لم يكن آتيا بمورد الاجارة والموضوع المستاجر عليه ولم يكن فعله وفاء بعقد الاجارة، ومعه كيف يمكن التشريك في مقام الوفاء مع كونه رافعا له ومعدما لموضوعه. وبعبارة اخرى ان عقد الاجارة في مثل المقام لا ينحل إلى عقدين ولا الاجارة إلى اجارتين حتى يقال ان لذات العمل وفاء اتى يداعى الامتثال ام لا وللامتثال وفاء بل وقعت الاجارة على عمل خاص لا يمكن ايجاد موردها بلا تلك الخصوصية، وهى العمل الذى يتحقق بمحركية امره فقط أو كونه لله خالصا وفى مثله لا يمكن ايجاده بلا داع الهى أو بداع مشترك فلا محيص في مقام الوفاء الا باتيانه بداعي الله وان كان هذا بداعي آخر في طوله، فالطولية مقتضى ذات تعلق الاجارة بالعمل بداعي الله لا يمكن سلبها عنها هذا هو التحقيق في الجواب.


(1) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله.

[ 176 ]

واما ما يقال في دفعه: ان ذات المقيد والقيد ملحوظان بالمعنى الحرفى في مورد الاجارة لا بالمعنى الاسمى فلا يكون شئ منهما موردا للغاية وللاجارة، فمع عدم وجاهته ضرورة أن مورد الاجارة الصلوة المتقيدة وهى ملحوظه استقلالا و باللحاظ الاسمى: ان الاخذ حرفا أو اسما اجنبي عن دفع الاشكال فلا الاسمية في اللحاظ مضر بالمقصود ولا الحرفية دافع للاشكال على فرض وروده. ثم أن المحقق المستشكل اورد اشكالا آخر ويظهر من بعض تعبيراته و تنظيراته ان اشكاله كبروى وفى عدم اجداء الداعي على الداعي، ومن بعض تعبيراته ان اشكاله صغروى وفى عدم كون المقام من قبيل داعى الداعي، ويحتمل ان يكون مراده ان داعى الداعي مرجعه إلى التشريك ونقص العلية. وكيف كان لابد من تعرض الاحتمالين أو الاحتمالات وسيأتى انشاء الله الكلام في الكبرى. وحاصل ما افاد في منع الصغرى انه ليس المراد بقولنا يجب اتيان الفعل بداعي الامتثال الاعم من كون الامتثال بنفسه داعيا أو باعتبار ما اكتنف به من العوارض مثله كونه مستعقبا أو موجبا لامر كذا فانها عوارضه. وبعبارة اخرى الاعم من ان يكون القرب والامتثال علة تامة أو ناقصة للفعل بل لابد وان يكون علة تامة، والقام ليس كذلك فان الامتثال يصير علة ناقصة إذا كان الغرض منه حصول ما يترتب عليه فان عليته من حيث ترتب الاثر عليه بحيث تنتفى بفرض انتفائه وهو معنى نقص العلية، فان معنى تمامها ترتب المعلول عليه، ولو فرض انتفاء كل موجود ووجود كل معدوم ; والحاصل ان اعتبار خصوصية في الغاية تنتفى غائيتها بانتفائها ينافى عليتها التامة وتصير ناقصة " انتهى مورد الحاجة ". اقول لا ينبغي الريب في ان العلة لاثر في التكوين لا يمكن ان تكون ذات العلة بقيد ترتب الاثر عليها أو كونها مستعقبة أو موجبة للاثر بحيث ان تكون العلة مركبة من الذات واحد العناوين والقيود المذكورة، للزوم تقدم الشئ على نفسه وكون الشئ من قيود علة نفسه، ان كان المراد الاستعقاب والايجاب الواقعيين وبالحمل الشايع. وان كان المراد بها العنايون فمضافا إلى عدم امكان

[ 177 ]

تأثيرها وجزئيتها للاثر الوجودى: يلزم منه ان يكون المتأخر متقدما، لان تلك العناوين بما انها من المضايفات لا يمكن انتزاعها لا بعد فعلية العلة ووجود المعلول، فتكون انتزاعها من العلة والمعلول في رتبة واحدة. ومقتضى دخالتها في العلية تقدمها على المعلول مضافا إلى لزوم كون المتضايفات غير متكافئات. ثم بعد ما ثبت ان العلة للمعلول نفس ذاتها بلا دخالة تلك القيود إذا فرض كون اثر غاية لايجاد الفاعل علته، فلا محالة يكون تصور الاثر والتصديق بفائدته ولزوم تحققه منشأ لتحريك الفاعل نحو علته ليس الا لعدم امكان داعوية العلة الغائية إلى غير ما يترتب عليه الاخطأ وغلطا، فلا محالة إذا رأى الفاعل ان الاثر مترتب على الذات بلا قيد يصير منبعثا إليها فقط وهو واضح. فحينئذ نقول ان الاجر دنيويا أو اخرويا الهيا أو خلقيا إذا فرض ترتبه على عبادة بما هي عبادة فلا محالة تكون العبادة بما هي عبادة علة لترتبه عليها لا بما انها مستعقبة للاثر أو موجبة لها لما تقدم محذور القيدية. فعليه لا يمكن ان يصير الاثر علة غائية لغير العبادة بما هي التى هي تمام العلة للاثر الذى هو فائدة وجودا وعلة فاعلية الفاعل ماهية وتصورا فالقول بكون الامتثال علة ناقصة، اما لاجل أن تلك العناوين شريكة معه في العلية فقد تقدم استحالته، أو لاجل ان العلة وان كانت ذاته بذاته لكن الغابة تدعو إلى العلة وغير العلة: فقد اتضح امتناعه فلا مناص عن ان تكون الغاية علة للفعل بغاية الامتثال أي بمحركيته وداعويته بلا دخالة شئ آخر وهو المطلوب. فإذا كانت الاجرة بازاء العمل بداعي الامتثال وكان الاجير بصدد تسليم مورد الاجارة لاخذ الاجرة بازاء المستأجر عليه فلا محالة ينقدح في نفسه الداعي إلى ايجاد العمل لله وبباعثية الامر العبادي بلا تشريك فيه لما عرفت من امتناعه. وبما ذكرناه يظهر النظر في الاحتمال الثالث في كلامه. ثم ان ما ذكره في معنى العلية التامة صحيح لكن لا يراد بذلك الا انها بذاتها بلا ضم ضميمة اخرى وشريك في العلية علة ومؤثر، لا انها علة حتى مع عدم علة نفسها.

[ 178 ]

إذ مع عدمها تعدم (نعم) لو فرض محالا وجودها بلا علة تكون مؤثرة وموجدة للمعلول وفى المقام انتفاء الداعي الاعلى يوجب انتفاء ذات الداعي المعلولة له لا انتفاء شريكها مع بقاء ذاتها. ان قلت قد قرر في محله ان الجهات التعليلية ترجع إلى الجهات التقييدية و ان الغايات عناوين الموضوعات ولذا كان التحقيق بناء على وجوب المقدمة وجوب الموصلة منها بمعنى ان الواجب هو الموصل بما هو موصل، لان الايصال إلى ذى المقدمة غاية وجهة تعليلية فترجع إلى الجهلة التقييدية فتتعلق الارادة بالموصلة بعنوانها من دون دخالة شئ آخر، ففى المقام لما كان اخذ الاجر غاية، لابد وان يكون عنوانا للموضوع وحيثية تقييدية له فلا محالة يكون تمام الداعي لايجاد الفعل اخذ الاجر فيمحض الفعل في غير الله، ولا شركة لامر الله وداعي الله فيه رأسا قلت هذه مغالطة نشأت من مقايسة ارادة الفاعل ومقدماتها على ارادة الامر والمشرع، أو قياس ارادة الفاعل ومقدماتها على حكم العقل على الموضوعات العقلية وهو قياس باطل ومع الفارق. فان حكم العقل وكذا ارادة المشرع المنكشفة بهبا موضوعها العناوين، فإذا ادرك العقل الملازمة بين وجوب ذى المقدمة والمقدمة الموصلة يكشف حكم الامر على هذا العنوان أي الموصل، لان الغايات في الاحكام العقلية موضوع بحسب الواقع والجهات التعليلية ترجع إلى التقييدية وبالجملة يكشف العقل بادراك الملازمة وجوبا شرعيا على عنوان الموصل وهذا وجوب شرعى مستكشف بالعقل بناء على الملازمة واما الفاعل فلم يتعلق ارادته علي العناوين والطبايع الكلية في ايجاد الامر الخارجي ولو تعلقت احيانا بها لا يكفى تعلقها بها للايجاد المساوق للتشخص فلا محالة تنشأ من ارادته المتعلقة بالطبايع ارادة متعلقة بما يريد بمباديها بتوسط بعض الصور الموجودة في الذهن فإذا اعتقد ان الاثر الكذائي المطلوب مترتب على وجود كذا فلا محالة يصير تصور تلك الغاية مع ساير المبادى باعثا له نحو العلة أي الذات التى يترتب عليها الاثر بنفسها لا بقيد وعنوان، فان المفروض ان العلة هي الذات لا شئ آخر،

[ 179 ]

فلا محالة ينبعث نحوها فتصور العطشان ان رفع العطش مترتب على شرب الماء بلا ضم ضميمة وتصديقه به يبعثه مع ساير المبادى إلى ذات شربه بلا ضم ضميمة اجنبية عن التأثير وهو واضح. وقد مر ان المؤثر في المعلول ذات العلة ولا يعقل ان تكون العلة ذاتها المتقيدة بترتب الاثر عليه، ففى المقام يكون ما قابل الاجر الصلوة بداعي امر الله تعالى فلا محالة يكون الاجر داعيا ومحركا إلى ذات الصلوة بداعي الله تعالى من غير امكان دخالة الاجر واشتراكه مع داعى الله في اتيانها، للزوم تأخر المتقدم وتقدم المتأخر بالذات وان شئت قلت ان تصور اخذ الاجر علة فاعلية الفاعل بساير المبادى لايجاد الصلوة بداعوية امرها، والصلوة بداعوية امرها يترتب عليها الاجر فلا يعقل تجافى علة فاعلية الفاعل عن مقام عليتها وتقدمها ووقوعها في رتبة داعوية امر الصلوة لايجادها. والانصاف ان القول بالتشريك أو التمحض في غير الله تعالى بالبيان المتقدم: غير وجيه، بل دعوى امر غير معقول كما مر. ثم انه على تسليم الداعي على الداعي اوردوا عليه بعدم اجدائه في وقوع الفعل امتثالا وقريبا حتى قال: بعض الاعاظم (1) انه لو كان هذا اشكالا لكان اولى واحق من ان يكون جوابا. وحاصل دعويهم: ان الامتثال والتقرب متوقفان على وقوع جميع الدواعى الطولية والعرضية الهية، ومع كون بعض ما في السلسلة غير الهى لا يقع الفعل عبادة، وفرقوا بين الغايات المترتبة على الافعال بجعل الهى وغيرها بان ما كان بجعله تعالى يرجع إليه ولم يضر بقربيته دون ما كان لغاية غير الله تعالى. وبالجملة بعد تسالمهم على صحة العمل إذا كان الامتثال للطمع في اجر الله والخوف من عقابه استشكلوا في الغايات المتوقعة من غيره تعالى. اقل قبل الورود في الجواب لابد من التنبيه على امر وهو ان في المقام قد يكون الداعي إلى امتثال امر الله تاما مستقلا في نفسه بحيث ينبعث المكلف منه سواء كان في مقابله اجرام لا، وقد يكون الداعي إليه مفقودا بحيث لولا الاجر لما كان آتيا


(1) هو المحقق النائيني رحمه الله.

[ 180 ]

بالفريضة، وقد يكون الداعي إليه ناقصا وضعيفا لا يصلح للبعث ويتم بالاجر. وكذا الداعي إلى اخذ الاجر قد يكون مستقلا تاما وقد يكون ضعيفا ناقصا أو مفقودا. فتصوير الداعي على الداعي يأتي في بعض الصور لا جميعها، ومع رفع الاشكال عما هي اسوء حالا من الجميع يتم المطلوب وهى الصورة التى لا داعى للفاعل اصلا لاتيان الفريضة، وانما يتحقق داعيه بواسطة الاجرة بمعنى ان الفاعل لا يهتم بامر الشارع والعياذ بالله لكن يهتم بعقوده وعهوده لمروته. ثم لو فرض بقاء الاشكال في هذه الصورة لا يلزم منه الحكم ببطلان جميع الصور المتقدمة، ضرورة ان من لا ينبعث بالامر الاجارى ولا يكون الاجر ايضا داعيا له ولو بنحو ضعيف لا يقاس في البطلان بمورد الداعي على الداعي. فلو فرض ان الفاعل لا يؤثر في نفسه الاجرة رأسا ويأتى بمورد الاجارة لداعوية الصلوة فقط لا وجه للحكم ببطلانها سواء قلنا بصحة الداعي على الداعي ام لا. بل لو كان الداعيان مستقلين أو داعى الصلوة مستقلا وداعي الاجر ضعيفا يمكن القول بالصحة و لو قلنا ببطلان ما يأتي بالداعى على الداعي، لانه من قبيل الضميمة المباحة كما نسب القول بالصحة في مثلها إلى كاشف الغطاء إذا كان الداعيان مستقلين ومال إليه شيخنا العلامه اعلى الله مقامه. والاولى بالصحة فرض ضعف الداعي الغير الالهى وان كان الفرضان لا يخلو من اشكال سيما الاول منهما. وكيف كان لو فرض في المقام عدم الداعي الالهى رأسا في نفسه ودعاه إلى العمل بداعي الله الاجرة فهل الداعي على الداعي يوجب صحته ام يعتبر فيها ان يكون جميع الدواعى الطولية والعرضية الهية. وان شئت قلت لا شبهة في ان الامر بنفسه في شئ من الموارد لا يكون محركا وباعثا تكوينيا نحو العمل، بل هو انشاء البعث الاعتباري. فان هيئة الامر وضعت لا يقاع البعث نحو المادة. واما عليتها تكوينا للانبعات فغير معقول والالزم عدم تقكيك العمل عن الامر وهو كما ترى. بل تصور الامر ايضا ليس محركا ما لم يكن في نفسه مباد اخر كالخوف والطمع والحب والمعرفة. فحينئذ يقع الكلام في ان

[ 181 ]

المعتبر في العبادة ان تكون تلك المبادى الموجودة في النفس الباعثة لايجاد متعلق الامر امتثالا له تعالى كلها مربوطة به تعالى فيكون خوفه من الله ورجائه إليه وطمعه في اعطائه تعالى باعثا لاطاعته ومحركا له، ام لا يعتبر فيها الا كون العمل لله تعالى خالصا بلا شركة شئ معه فإذا صار شئ دنيوى سببا لايجاد عمل لله تعالى، ولا يكون في اتيان الفعل بداعي الله شريكا وان كان الاتيان بداعي الله معلولا لداعى غير الله يقع الفعل عبادة. التحقيق هو الثاني لان الامتثال والاطاعة عقلا ليسا غير اتيان المأمور به حسب دعوة الامر ولاجل موافقته كان الباعث الاقصى عليه ما كان. وكون نفس الامر محركا بلا غاية اخرى ومباد اخر: محال، لان كل فعل اختياري لابد له من مبادى كالتصور والتصديق بالفائدة وادراك لزوم ايجاده واصطفائه وارادته، والامر بما هو ليس محركا تكوينا ولا مترتبا عليه بما هو فائدة. ولو فرض في مورد ترتبها عليه يكون مبدء المحرك والغاية الباعثة هي تلك الفائدة، لا نفس امر الامر بما هو فلابد في تحرك المكلف حسب دعوة الامر من غاية وتلك الغاية لا يعقل ان تحرك العبد الا نحو امتثال الامر واطاعة المولى فتحقق الامتثال والطاعة مما لابد منه والا لتخلفت المتحركية عن المحركية والمعلول عن العلة ; ولا يعتبر في العبادة عقلا الا وقوع الفعل امتثالا واطاعة لله تعالى وكان تحرك العبد حسب دعوة امره بلا شركة شئ آخر في هذه الرتبة. وبالجملة إذا كان الاتيان للامتثال والاطاعة محضا وبلا دخالة شئ فيه يصير العمل عبادة، لان العبادة اطاعة المولى وحركة العبد على طبق امره كانت الغاية لها ما كانت، وقد عرفت بما لا مزيد عليه امتناع اشتراك الغايات في ترتب الآثار على ذى الغايات بل هي علة العلة لا شريكتها، والشاهد على عدم اعتبار شئ آخر في صيرورة الفعل قربيا وعباديا مضافا إلى ما ذكر الادلة المرغبة في العبادات بالوعد على ترتب آثار اخروية أو دنيوية عليها وتسالمهم على صحة العبادة إذا كان الاتيان والاطاعة بطمع الجنة أو لخوف النار بل بطمع سعة الرزق ونحوها مع ان كل ذلك

[ 182 ]

خارجة عن الالهية والغايات المذكورة غير الله تعالى. وما يقال: ان طمع الاجران كان من الله والخوف ان كان من عذاب الله فهو غير مضر بالاخلاص دون ماكان الاتيان لطمع في غير الله تعالى كحطام الدنيا ومنها الاجرة (غير وجيه)، لان الداعي ليس عبارة عما يخطر في الذهن بل عبارة عن الغاية المحركة حقيقة، ولا ينبغى الريب في ان المحرك في تلك العبادات المأتى بها طمعا وخوفا: هو نفس متعلقات الاضافات وحاصل المصادر والنتائج من غير ادنى دخالة للاضافات وحيث الصدور من فاعل خاص ولهذا صارت محركات مع فرض سقوط الاضافة إلى الله بل مع الاضافة إلى عدو الله تعالى. توضيح ذلك ان اعطاء الله تعالى الحور العين بازاء عبادة ينحل إلى حصول الحور والاعطاء واضافته إليه تعالى والمحرك للفاعل الذى طمعه ترتب تلك الفائدة على عمله لا يخلو اما ان يكون نفس حصول الحور العين له استقلالا من غير دخالة اضافة الله تعالى والاعطاء أي المعنى المصدرى، أو نفس الاضافة إليه تعالى فقط من غير دخالة للمضاف إليه والمعنى المصدرى أو نفس المعنى المصدرى بلا دخالة غيره، أو يكون محركه مركبا من الحور والاضافة إليه تعالى بمعنى ان المضاف بما هو مضاف أو الاضافة الخاصة علة، أي غير ذلك من انحاء التركيب الثنائي أو الثلاثي، ففى غير مورد واحد وهو كون تمام العلة الاضافة إلى الله تعالى بحيث لا يكون نظر الفاعل إلى المتعلق الا كونه كرامة الله تعالى ويكون تمام المحرك حيث الانتساب إليه جل وعلا يكون لغير الله دخالة في التحريك والايجاد اما بنحو تمام العلة أو بنحو الاشتراك والجزئية هذا بحسب التصور. واما بحسب الواقع فلا يمكن حصول تلك المرتبة الرفيعة الا لخلص اولياء الله تعالى والمحبين المجذوبين له تعالى بحيث كان تمام نظرهم إليه لا إلى غيره وكان ما ورائه تعالى من الجنة وغيرها مغفولا عنها وهم غافلون عن غير الله و يشتغلون به من غيره صلى الله عليهم. واما غيرهم من متعارف الناس فلا يكون محركهم الا النتائج ومتعلقات الاضافات

[ 183 ]

ولهذا لو فرض اعتقادهم بترتب تلك الاثار المطلوبة على افعالهم من غير توسيط فاعل ومن غير ربط أو اضافة إلى احد لا وجدوها طمعا للاثار وحرصا على الشهوات والمستلذات. فلو فرضنا ان مفاتيح الجنة والنار بيد عدو الله الشيطان الرجيم " والعياذ بالله " وكان هو معطى الجنة ومدخل النار وكانت طاعة الله تعالى وعصيانه بلا جزاء اصلا، لكنه تعالى امران يعبدوه، بلا جزاء وان لا يعصوه بلا عقاب على عصيانه وامر بمخالفة الشيطان ونهى عن طاعته وكان الشيطان امر بمخالفة الله تعالى ونهى عن طاعته واعطى للمخالفين له تعالى الجنة وادخل المطيعين له تعالى النار: لعلم اولو الالباب ان المطيع لله تعالى على الفرض كالكبريت الاحمر أو اندر منه. ولعمري ان هذا واضح لمن تأمل في غايات افعاله وتدبر في حالات نفسه و مكائدها وليس هذا معنى دقيقا عرفانيا خارجا عن فهم الناس بل شئ يعرفونه مع التنبيه على المحرك الاصلى في الاعمال وتميزه عن غيره. فالاضافة إليه تعالى اما ساقطة رأسا وكان المحرك التام هو رجاء الوصول إلى المشتهيات النفسانية والنيل إلى الشهوات والاهواء أو الخوف من التبعات والعذاب، كما ان الامر كذلك بحسب النوع، اولها نحو دخالة ضعيفة أو قوية على حسب مدارج العاملين وهو مقام المتوسطين، واما الخلوص التام فلا يناله الاكمل الاولياء بل لا يصدقه الا الاوحدي من الناس، جعلنا الله منهم، وعصمنا الله من انكار مقامات اوليائه عليهم صلواته. والى ما اشرنا إليه يشير ما ورد عن المعصومين (ع) من تقسيم العبادة تارة إلى عبادة الاجير وعبادة العبيد وعبادة الاحرار واخرى إلى عبادة الحرصاء وهو الطمع والعبيد والاحرار، إذ من المعلوم ان الاجير لا يكون مطمح نظره في العمل الا النيل بالاجر ويكون عمله خالصا لاجل الاجرة من غير دخالة الاضافات، والحريص يرغب إلى المال من أي طريق حصل ولا دخالة في اخماد نار حرصه للاضافات. ومن كان ناظرا إلى اضافة الله والى كراهة المولى لا إلى متعلقاتها فهو

[ 184 ]

ليس من الاجراء ولا الحرصاء، بل هو من العرفاء بالله والمخلصين من اوليائه تعالى. فتحصل من جميع ذلك صحة صلوة الخائف والطامع وهى دليل على ان العبرة في الصحة ليست الا اطاعة امر الله تعالى بلا تشريك غيره فيها، ولا ينظر إلى غايات محركة للطاعة والعبادة. وان شئت قلت انه بعد ما كان الداعي ليس عبارة عن الخطور بل هو المحرك وبعد ما كان المحرك التام وعلة فاعلية الفاعل بحسب متن الواقع هو الخوف من العذاب أو الطمع إلى المشتهيات بلا دخالة شئ آخر فيه وانما يقال: افعل كذا لان يدخلنى الله الجنة أو لخوف الدخول في نار الله، لمجرد كون المورد كذلك، وان الجنة والنار بيد الله وتحت قدرته، لا لان العلة للايجاد الجنة مع تلك الاضافة أو نفس الاضافة وهو نظير ان يقال: ان الشمس في الفلك الرابع مشرقة والنار في جهنم محرقة حيث لا يراد نفى علية الشمس والنار بذاتهما، بل بيان للمورد والواقعة فإذا كان الامر بحسب الواقع في متعارف الناس والمكلفين كذلك لا يعقل امرهم بما هو خارج عن تحت قدرتهم، ضرورة ان حصول الخلوص التام طولا و عرضا لا يمكن لمتعارف الناس ; بل ولا لخواصهم الا من عصمه الله تعالى فلو كان الاخلاص التام معتبرا لسقط التكليف عن عامة الناس لعجزهم عنه، مع انه لو كان الامتثال والعبادية لا يحصل الا بالخلوص الكذائي كان على الله تعالى واوليائه (ع) بيانه وارشاد الناس إليه وتكليفهم به، لا الترغيب فيما يضاده وينافيه، مضافا إلى ان في الآيات والروايات ما تدل على ان للاعمال الحسنة آثارا ولوازم في النشأة الاخرة كظاهر قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. (1) (الخ) وقد ورد حديث (2) عن


(1) سورة الزلزال - الاية 7. (2) راجع مجمع البيان - في تفسير هذه الاية.

[ 185 ]

امير المؤمنين عليه السلام ان هذه الآية احكم آية في كتاب الله فعليه يكون ظاهرها مرادا بلا تأول. والظاهر منها ان عمل الخير بنفسه مورد الرؤية ويؤكده قوله: يومئذ يصدر الناس اشتاتا ليروا اعمالهم (1) فيظهر منها ان الاعمال بنفسها متجسدة مرئية فيها والناس متلذ بها، فلو فرض ان الآتى بالصلوة لله تعالى والمجيب لدعوة اقم الصلوة انما يأتي بها ويطيعة تعالى طمعا للوصول إلى الصورة البهية اللازمة لعلمه فهل يمكن ان يقال: عمله باطل أو يقال للجنة خصوصية. فلو قيل: ان امثال ذلك خارج بدليل قلنا: مرجع هذا إلى عدم اعتبار الخلوص فيها وان تلك الافعال ليست بعبادة وهو خلاف الضرورة، فان الاجماع بل الضرورة على اعتبار الخلوص في العبادات وقصد غير الله مضربها، فيكشف منهما ومما ذكرناه عقلا ونقلا انه لا يعتبر في العبادية الا الخلوص في نفس العمل أي كونه امتثالا له تعالى من غير تشريك في هذه الرتبة ولا ينظر إلى مبادى التحريك. ويؤيد ما ذكرناه بل يدل عليه اطلاق ادلة الامر بالمعروف فان المعروف ان كان من العبادات والمكلف التارك كان غير منبعث عن امر الله تعالى فأمره والده أو من يحتشم منه أو من يحبه، ولا يرضى بمخالفته واقعا فاتى بالتكليف الالهى وامتثل امر الله اطاعة لوالده أو غيره لابد وان تقع صحيحة والالزم ان يكون الامر بالمعروف معدما لموضوعه بل موجبا لانقلابه بالمنكر فان اتيان العمل العبادي لغير الله من المنكرات. وليس المراد بالامر بالمعروف الموعظة الحسنة بل المراد به وما هو الواجب الامر المولوي لغرض البعث به، ولهذا لا يجب إذا لم يحتمل التأثير فان معه لا يمكن الامر حقيقة. وبالجملة لا شبهة في وجوب الامر بالمعروف فلابد وان يكون الانبعات ببعث الآمر في طول الاتيان بالعمل عبادة واطاعة لله تعالى غير مضر بالعبادية وهو المقصود. ويويد عدم مضرية وقوع الشئ طاعة وامتثالا مع عدم رجوع جميع السلسلة إلى المطاع امر الله تعالى باطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله واولى الامر (ع)، فلو خرج المأتى


(1) سورة الزلزال - الاية 5.

[ 186 ]

به بواسطة كون الغاية اطاعة امر الله تعالى عن طاعة الرسول صلى الله عليه وآله واولى الامر (ع) لزم امتناع تعلق الامر بها لكونه معدما لموضوعه. وليس المراد باطاعتهم اخذ الاحكام منهم أو العمل بالاحكام الشرعية الالهية التى كانوا مبينين لها، لان كل ذلك ليس اطاعة لهم بل المراد اطاعة أو امرهم السلطانية الصادرة منهم بما هم حكام وسلاطين كالامر بالغزو والجهاد وغيرهما من شئون السلطنة كما فصلناه في رسالة " لا ضرر "، وبالجملة فالقائل ببطلان العبادة في الموارد المذكورة ومنها مورد البحث: اما يقول بعدم صدوق الطاعة في تلك الموارد فيرده العقل والنقل، واما ان يدعى مع صدقها عدم صدق العبادة فيرده ايضا العقل و النقل، فان اطاعة امر الله تعالى وامتثاله خالصا بمعنى عدم التشريك في اتيان العمل وعدم كونه لغير الله ولو بنحو جزء العلة عبادة له تعالى، واما ان يقول باعتبار شئ زائد في حصول التقرب وسقوط الامر العبادي فهو مع بطلانه خلاف الفرض والمبحوث عنه في المورد. ومما ذكرناه يظهر النظر في كلام المحقق التقى في تعليقته من التشبث بحكم العرف والعقلاء: بانهم لا يشكون في انه إذا جعل زيد اجرة لعمرو في اطاعة شخص فاطاعه طلبا للجعل لا يستحق من هذا الثالث مدحا ولا ثوابا، وكذا لو امر المولى عبده بخدمة ثالث فاطاع العبد أو امره امتثالا لامر المولى انه لا يعد مطيعا له ولا يستحق منه اجرا ومدحا مع ان اطاعة هذا الثالث لحصول اطاعة المولى، فاطاعته غاية لفعله واطاعة المولى غاية لهذه الغاية " انتهى ". (وفيه) بعد الغض عن مسامحته في التعبير وجعل اطاعة المولى غاية لغاية وقد مر معنى الداعي على الداعي والمقصود منه ويأتى الاشارة إليه: ان الاعتراف بمأجورية العبد عند مولاه في اطاعة الثالث وباستحقاقه للجعل على الجاعل في المثال الاول ملازم للاعتراف بحصول الامتثال والاطاعة للثالث، ضرورة ان الجعل في مقابل طاعته وامتثال المولى لا يحصل الا باطاعة الثالث، فلو توقف صدق الطاعة على كون جميع المبادى طولا وعرضا راجعا إلى المطاع لما يمكن صدق الطاعة في المثالين، فلا يمكن استحقاق

[ 187 ]

الاجر والثواب من الجاعل والمولى فمع صدقها يسقط امر الثالث بلا ريب ولو كان الامتثال والاطاعة معتبرة فيه. وليست الاطاعة في الاوامر العقلائية مخالفة لها في الاوامر الالهية، فكما تحصل في مورد المثالين تحصل في امره تعالى بلا افتراق من هذه الجهة بينهما وكما يسقط امر الثالث في موردهما تسقط اوامر الله في نظائر الموردين. واستحقاق الاجر والثواب وحصول القرب ليس شئ منها معتبرا في وقوع العمل عبادة، ولهذا انكر طائفة من المتكلمين والفقهاء استحقاقهما في اطاعة اوامر الله تعالى ولا يحصل العلم بالقرب الفعلى في العبادات، وببالي ان المحقق القمى رحمه الله قال في موضع من القوانين ان عبادتنا لم يحصل بها القرب بل لعلها موجبة للبعد ومعذلك لا ينكرون صحتها وسقوط الامر بها، وتدل على عدم الملازمة بين الصحة و حصول القرب واستحقاق الثواب روايات مستفيضة دالة على ان المقبول من الصلوة ما يؤتى بها باقبال القلب وانما يصعد منها ما كان كذلك (1)، فلا يعتبر في صحة العبادة غير ما تقدم، وليس الكلام في المقام في الرياء ولعل فيه بحسب الاخبار تضييق ليس في غيره من الامور المباحة. وبما مر من المراد من الداعي على الداعي يظهر سقوط قول بعض الافاضل (2) حيث قال: والحق بطلان الداعي على الداعي وان بنى معظم اساتيدنا تصحيح اخذ الاجر في العبادات على اساسه. وانت لو تأملت علمت ان الداعي اعني المحرك الباعث إلى العمل لا يعقل في غير الافعال الاختيارية، ودعوة الامر ليست فعلا من افعال المكلف فضلا عن ان يكون اختياريا ومعذلك كيف يعقل ان يدعو امر إلى ان يكون امر آخر داعيا. وهل الداعي يكون عن داع مع انه يلزم التسلسل في الدواعى " انتهى ". وانت خبير بان حكمه ببطلان ما ذهب إليه معظم الاساتيد ناش من قلة التدبر


(1) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 17 - من ابواب اعداد الفرائض والباب 3 - من ابواب افعال الصلوة. (2) هو المحقق الايروانى رحمه الله.

[ 188 ]

في مرادهم وعدم تحصيل مغزى مرامهم، فتوهم تارة ان مرادهم ان امرا عن الاوامر صار موجبا لدعوة امر آخر مع ان دعوته ليست فعلا من المكلف، واخرى ان لازم كلامهم ان الداعي بالداعى وهو موجب للتسلسل مع ان مرادهم بمعزل عما فهم، بل المراد ما اشرنا إليه من ان الامر يدعو إلى المتعلق انشاء وايقاعا وليس علة لتحرك العبد بذاته بل بعد تحقق بعض المبادى كالخوف والرجاء وغيرهما في النفس صارت تلك المبادى ومباد اخر: موجبة لتحرك العبد حسب دعوة الامر و تحريكه الايقاعى واطاعته لمولاه، وهذه المبادى في طول اتيان العمل بداعوية الامر فاين ذلك من كلامه من لزومه للتسلسل أو كون شئ موجبا لدعوة الامر بل قلما يتفق اتيان فعل لابداعى الداعي. ثم لو شككنا في اعتبار الاخلاص في العمل زائدا عن الاخلاص العرضى فمقتضى الاطلاق فيما تمت مقدماته والاطلاق المقامى في بعض الاحيان عدم اعتباره و مع فقده فاصالة البرائة العقلية ومثل دليل الرفع تكون مرجعا. هذا كله فيما قيل أو يقال في منافاة التعبدية واخذ الاجر. واما منافاة وصف الوجوب له وهو الذى كان مورد نظر الفقهاء فقد استدلوا عليه بامور. ونحن نفرض المقام فيما إذا كان الواجب عينيا تعينيا ثم نشير إلى سائر الاقسام. فمنها ما افاده العلامة الانصاري (قده) قال: فان كان العمل واجبا عينيا تعينيا لم يجز اخذ الاجرة، لان اخذ الاجرة عليه مع كونه واجبا مقهورا من قبل الشارع على فعله اكل للمال بالباطل، لان عمله هذا لا يكون محترما، لان استيفائه منه لا يتوقف على طيب نفسه لانه يقهر عليه مع عدم طيب النفس والامتناع " انتهى ". وانت خبير بان دليله الذى انتهي إليه بعد قوله: لان ولان: اخص من المدعى فان مدعاه عدم جواز اخذها في مطلق الواجبات الكذائية، ودليله على عدم احترام عمله جواز استيفائه منه بلا توقف على طيب نفسه وقهرا بدليل الامر بالمعروف مع ان دليل الامر بالمعروف لا تكفى في مطلق الموارد كما لو كان الواجب

[ 189 ]

موسعا سيما مثل قضاء الفوائت وبعض صلوات الآيات، فلا يمكن الاستيفاء بلا طيب نفسه ولا يجوز الزامه باتيانه فلابد من استيفاء المنفعة المطلوبة من عقد الاجارة لا اقول: استيجارة في اتيان العمل في زمان خاص حتى يقال: ان الاستيجار له ليس استيجارا للواجب، بل اقول: باستيجاره لاتيان الواجب لكن بعد الاستيجار يجوز له مطالبة حقه بلا تقييد للموضوع مع انه قد لا يمكن الزامه على العمل وقهره عليه " تأمل ". مضافا إلى ان ما كان مالا عند العقلاء وتكون المعاملة عليه عقلائية منسلكة في التجارة عن تراض فلابد في دعوى كون اخذ الاجر عليه من اكل المال بالباطل من دليل تعبدي مسقط لماليته، أو لاضافته الي مالكه حتى يصير بتحكيم ذلك الدليل خارجا عن موضوع الاول وداخلا في الثاني، أو دل دليل على عدم صحة المعاملة كالاجارة الغررية ونحوها، ومجرد ايجاب الشارع وامكان استيفاء المنفعة بغير عقد الاجراة لا يوجب سقوط الشئ عن المالية كيف وقد فرض امكان استيفاء المنفعة العقلائية المقومة للمالية لدى العقلاء بطريق آخر، فامكانه بذلك لا يعقل ان يكون معد ما لماليته وكثيرا ما يمكن استيفاء منفعة بلا عقد اجارة مثلا واستنقاذ عين بلا عقد بيع. واما جواز القهر عليه والزامه على الايجاد بدليل الامر بالمعروف فهو اجنبي عن جواز الزامه لاستيفاء المنفعة وان يترتب عليه الاستيفاء قهرا. وبالجملة فرق بين جواز الالزام على اعطاء عمله لاستيفاء المنفعة وبين جواز الزامه على ايجاد الواجب الالهى وان ترتب نفع للملزم بالكسر على عمله. فلو سلم منافاة جواز الالزام على الوجه الاول لبقاء الاحترام للمال فلا يسلم منافاته له على الوجه الثاني المورد لادلة الامر بالمعروف، وقد تقدم ان مجرد امكان الاستيفاء بوجه غير الاجارة لا يوجب اسقاط المالية فالتعبير في المقام بقوله ان استيفائه منه لا يتوقف على طيب نفسه الموهم لاعطاء حق من قبل الشارع لاستيفاء منفعة عمله كانه في غير محله.

[ 190 ]

وكذا لا ملازمة عقلا ولا عرفا بين جواز الاسيتفاء قهرا وبين سقوط المالية والاحترام كما في نظائره، فلو خاف على نفسه التلف يجوز بل يجب الانتفاع بمال الغير قهرا عليه كالدخول في حمامه وليس ثوبه وركوب دابته مع امتناعه ومعذلك يجوز الاستيجار منه بلا اشكال ويكون ضامنا مع الانتفاع بها، بل جواز الاستيفاء مجانا لا يوجب بطلان المعاملة عليه ايضا ولا تصير به خارجة عن التجارة عن تراض، كما جاز للمارة الاكل مجانا، ولا شبهة في جواز الاشتراء ايضا الا ان يقال: في المقام بلزوم الاستيفاء مجانا هو اول الكلام. فتحصل مما ذكر ان شيئا من المذكورات لا يصلح لاسقاط مالية العمل ولا لاسقاط الاضافة إلى الفاعل ولا يدل شئ منها على بطلان المعاملة. واما ما افاده في ذيل كلامه من حكم العقلاء بان اخذ الاجر على ما وجب من قبل المولى اكل للمال مجانا وبلا عوض (ففيه) منع الا إذا فهم من امره المجانية وهو ليس محل الكلام، والشاهد على ما ذكرناه انه لو صرح المولى بانه لا بأس باخذ الاجر فيما اوجبت عليك لم يحكم العقلاء بالتنافى بين ايجابه ونفى بأس اخذه مع انه يقع التنافى على ما افاده. لا اظن منه قدس سره انه لو ورد دليل معتبر على جواز اخذ الاجر في الواجب عمل معه معاملة المعارض للكتاب والسنة، بل الظاهر ان اخذ الاجر في مقابل فعل الحرام ايضا لا يكون من قبيل اكل المال بالباطل عند العقلاء إذا لم يكن الفعل باطلا عرفا، ولهذا ان العقلاء يعاملون على المحرمات ولا يرون اخذ الاجر أو العوض فيها من قبيل الاكل بالباطل كالسرقة و الظلم، وليس الباطل هو الشرعي فالدليل على بطلانها غير ذلك كقوله: ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، بتقريب قدمناه أو عدم امكان تنفيذ المعاملة على المحرمات وايجاب الوفاء بها. وربما يقال (1) في جواب مقالة الشيخ: ان لمال المسلم حيثيتين من الاحترام. احديهما حيثية اضافته إلى المسلم ومقتضى احترامه بهذه الحيثية ان لا يتصرف


(1) هو المحقق المدقق الحاج الشيخ محمد حسين الاصفهانى رحمه الله.

[ 191 ]

احد فيه بغير اذنه وله السلطنة على ماله وليس لاحد مزاحمته في سلطانه. ثانيتهما حيثية ماليته ومقتضى حرمتها ان لا يذهب هدرا وبلا تدارك، ومن الواضح ان الايجاب والمقهورية وسقوط اذنه موجبة لسقوط احترامه من الحيثية الاولى دون الثانية ولذا جاز اكل مال الغير في المخمصة بلا اذنه مع بقائه على احترامه ولهذا يضمن قيمته بلا اشكال، مضافا إلى ان هدر المال غير هدر المالية والمضر الثاني لا الاول ولهذا يصح المعاملة مع الكافر الحربى مع سقوط احترام ماله من الحيثيتين وذلك لعدم هدر مالية ماله " انتهى ملخصا ". وفيه أو لا انه ليس للمملوك الا اضافة واحدة إلى مالكه، هي اضافة المملوكية ولها احكام عقلائية وشرعية واحترامات كذلك ومع الغض عن تلك الاضافة لاحرمة له مطلقا ضمانا كانت أو غيره فالحيثية الثانية في كلامه أي ذات المالية مقطوع الاضافة لا حرمة لها، وعدم الذهاب هدرا من آثار اضافة المال إليه ومن الاحكام العقلائية المترتبة على اضافة المال إليه أي على اضافة المالكية لا حيثية مقابلة لها، فاضافة المال إلى المسلم أو المال المضاف إليه موضوع تلك الاثار. وجواز الاكل في المخمصة بلا اذن صاحبه وقهرا عليه ليس من جهة سقوط احترام الاضافة إلى المسلم، لان لازم سقوط احترامها عدم الضمان بلا ريب، لان موضوع دليل الضمان الاتلافي وغيره هو مال الغير المتقوم بالاضافة. وليس الضمان من جهة احترام ذات المال ساقط الاضافة أو مع سلب احترام اضافته، بل لاجل ان حكومة دليل رفع الاضطرار انما هي على بعض الاحكام المترتبة على اضافة المالكية وهو حرمة التصرف فيه بلا اذنه ورضاه دون الحكم الوضعي وهو الضمان، لان المضطر انما يضطر إلى الاكل وهو يسد رمقه لا الاكل المجاني، فليس مضطرا إلى الاكل المجاني، فليس في الاكل في المخمصة سقوط الاضافة إلى المسلم، وتحقق الضمان باتلاف ذات المال بلا اضافة إلى مالكه وهو واضح، وكذا الكلام في مال الكافر الحربى فانه لم تسقط الاضافة المالكية عن الحربى، ولماله احترام في الجملة وفى اتلافه ضمان في الجملة.

[ 192 ]

ومجرد ان للمسلم جواز تملكه وانه ملك ان يملك لا يوجب سقوط اضافته إليه وسقوط احكام الاضافة واحترامها واحترامه مطلقا، ولهذا يورث ماله ويضمن التالف الغير المسلم، بل لا يبعد القول بضمان المسلم لو اتلفه بلا تملك وان جاز تملك عوضه ايضا، ومجرد ملك ان يملك لا يوجب جواز التصرف بلا اذنه ما دام في ملكه و لا سلب ضمانه إذا اتلفه الا ان يقال: بانصراف ادلة الضمان عن مثل المورد والمسألة محتاجة إلى المراجعة. وثانيا ان مورد الكلام في المقام هو اخذ الاجرة على اتيان الواجب وصيرورة المكلف اجيرا على ايجاد ما وجب عليه وهو المعنى المصدرى أي نفس الاضافة الصدورية. وان شئت قلت ان الواجب عمل المكلف وايجاده لا حاصل عمله والمعنى الاسم المصدرى، فعليه لو سقطت حرمة عمله من حيث الاضافة إليه أي من حيث الاضافة الصدورية فلا تقع الاجارة عليه صحيحة لانها وقعت على ما سقطت حرمته. وبعبارة اخرى ان للعمل اعتبارين مع وحدته الخارجية اعتبار الاضافة إلى العامل وهو اضافة صدورية وهى مقومة لاعتبار ملكية العامل له واعتباره في نفسه وكونه شيئا بحياله وحاصلا من ايجاد الفاعل وهو حاصل عمله لا نفسه. وما تعلق به التكليف وان كان الطبيعة لكن الامر باعث إلى ايجادها بنحو قرر في محله فيجب عليه ايجادها، وكذا ما هو محل البحث صيرورته اجيرا في الواجب أي في الايجاد الكذائي ; فلو سقطت حرمة عمله من حيث اضافته إلى الفاعل لا محيص عن القول بالبطلان. فالاولى في الجواب ما تقدم من ان الايجاب والالزام لا ينافى بقاء احترامه واضافته وصحة الاستيجار عليه. ومنها ما افاده بعض اعاظم العصر (1) قال في بيان منشأ بطلان الاجارة على المحرمات والواجبات ما حاصله: انه يعتبر في الاجارة وما يلحق بها امران:


(1) هو المحقق النائيني رحمه الله.

[ 193 ]

الاول ان يكون العمل ملكا للعامل بان لا يكون مسلوب الاختيار بايجاب أو تحريم شرعى، لانه إذا كان واجبا عليه فلا يقدر على تركه وإذا كان محرما عليه لا يقدر على فعله، ويعتبر في صحة المعاملة كون الفعل والترك تحت اختياره. الثاني ان يكون العمل ممكن الحصول للمستأجر فلو لم يكن كذلك كما إذا تعلق تكليف عليه مباشرة فلا تصح الاجارة عليه وان انتفع به فان مجرد الانتفاع لا يصححها فانه معتبر في جميع المعاملات لاخراجها عن السفهية ثم فرع على ذلك بطلان الاجارة على الواجبات لفقد الامرين وعلى المحرمات لفقد الاول منهما. ويرد على الامر الاول انه ان اريد به ان التكليف يسلب الاختيار تكوينا فهو كما ترى وهو لا يريده جزما، فلابد وان يكون المراد بسلب الاختيار انه بعد الايجاب والتحريم ليس مختارا من قبل الشارع في ايجاد الفعل وتركه، أي لا يكون الفعل مباحا عليه ومرخصا فيه، ويراد بقوله فإذا كان واجبا لا يقدر على تركه انه لا يجوز تركه فهو كما ترى مصادرة واضحة فان المدعى انه إذا اوجب الله تعالى عملا لا يجوز اخذ الاجر عليه، والدليل المذكور انه إذا كان واجبا لا يجوز تركه ويجب اتيانه وليس مرخصا في فعله وتركه فلا يجوز اخذ الاجر عليه وهو عين المدعى ويطالب بالدليل، على انه إذا كان كذلك لم لا يجوز اخذ الاجر عليه، وان اريد انه إذا وجب تكليفا سلبت القدرة الوضعية عنه: فهو ايضا مصادرة واضحة، والانصاف ان هذا لا يرجع. إلى محصل. وعلى الامر الثاني بان المراد بامكان الحصول للمستأجر ان كان امكان المملوكية له بمعنى ان يصير العمل أو نتيجته ملكا له كملكية الهيئة الحاصلة بالخياطة ونحوها، فلا شبهة في عدم اعتبار ذلك في صحة الاجارة، ضرورة صحتها على تعمير المساجد و الطرق والقناطير وكذا صحتها على عمل للاجنبي. وان كان المراد بامكان الحصول له صيرورة العمل ملكا له بمعنى كونه مالكا للابراء والالزام: فلا ريب في ان هذا المعنى حاصل له فله ابرائه وإبرامها وفسخها مع الخيار ولهما الا قالة إلى غير ذلك من احكام مالكية العمل أو المنفعة، وبابرائه

[ 194 ]

أو فسخها يسقط حقه المعاملى وان وجب من قبل الشارع ويجب عليه الامر بالمعروف بشرائطه. وان كان المراد من الحصول امكان تحققه على نحو المعاقدة والمعاملة عليه: فلا ريب في امكان حصوله له بهذا المعنى فان من له غرض عقلائي من نفع أو غيره في وجود عمل صادر من الغير واستاجره علي ايجاده فاوجده على طبق غرضه: فقد حصل العمل له. واما ما قال في خلال كلامه ان مجرد الانتفاع لا يصحح الاجارة (غير وجيه)، لان الانتفاع العقلائي الموقوف على وجود عمل في الخارج يصححها كالاستيجار لتعمير المساجد ونحوه، بل لا يعتبر في صحتها الانتفاع ايضا فان كان لفعل اثر مورد لغرض عقلائي يصح الاجارة عليه وان لم ينتفع المستأجر به فالميزان في صحتها كون العمل مرغوبا فيه لغرض عقلائي. ومنها ما عن شرح الاستاد على القواعد (1): من ان المنافاة بين صفة الوجوب والتملك ذاتية، لان المملوك والمستحق لا يملك ولا يستحق ثانيا. (وفيه) مضافا إلى التنافى بين دعوى ذاتية التنافى بين صفة الوجوب والتملك الظاهرة في ان التنافى لذاتهما، لا لامر آخر، وبين تعليله الظاهر في ان التنافى بين المملوكين والمستحقين بالذات لا بين صفة الوجوب والتملك، وتوجيه كلامه بان مدعاه اتحاد ماهية الوجوب والتملك افحش: انه ان اراد بما ذكر ان الايجاب من الاسباب المملكة فإذا تعلق بعمل يوجب صيرورته للموجب ومع كونه له لا يمكن جعله لشخص آخر، لعدم امكان كون المملوك مملوكا ثانيا، ففيه منع كونه مملكا لا عند العقلاء وهو واضح ; ضرورة ان الاب أو المولى إذا امرا بعمل لا يصير ان مالكين له لدى العقلاء بحيث يعدان ذا مال بعهدة الولد والمملوك فصارا مستطيعين لاجل ذلك وصار المال موروثا إلى غير ذلك من الآثار كاجارته بالغير نحو الدابة ولا عند الشارع لعدم الدليل على جعل السببية له بل الدليل على خلافه فان فعل الابن


(1) هو المحقق الاعظم كاشف الغطاء رحمه الله.

[ 195 ]

المأمور به لا يصير ملكا لابيه بضرورة الفقه. ولو ادعى الفرق بين اوامر الله تعالى وامر غيره ففيه ما لا يخفى، لان الايجاب في جميع الموارد بمعنى واحد ولو كان المنشى له مختلفا، مضافا إلى عدم الدليل على سببية ايجاب الله تعالى لتملكه الاعتباري ولو قلنا بصحة اعتبار الملكية له تعالى عند العقلاء بهذا المعنى الاعتباري وسنشير إليه والى فساده. وان اراد بذلك ان الايجاب مستلزم لقطع سلطنة المكلف وحدوث سلطنة للمولى ولا معنى للملكية مع سقوط انحاء السلطنة عن المالك فان اعتبار الملكية عند العقلاء بلحاظ آثارها ومع عدم الاثر مطلقا لا معنى لاعتبارها. (ففيه) ان المدعى ان كان قطع جميع انحاء السلطنة ومنها السلطنة على المعاملة والاجارة فهو مصادرة، لان الكلام في انه هل يصح اخذ الاجر على الواجبات وان الايجاب يوجب بطلان الاجارة أو لا، وبالجملة نحن مطالب بالدليل على هذا المدعى وان كان المدعى قطع بعض انحائها وهو عبارة اخرى عن سلب اختياره و سلطنته تشريعا عن الفعل والترك وهو عبارة اخرى عن الوجوب الرافع للترخيص فهو بهذا المعنى مسلم لكن لا يوجب سلب الملكية فان اعتبارها متقوم بترتب الاثر في الجملة فكثيرا ما سلب بعض انحاء السلطنة عن المالك مع بقاء ملكيته عند العقلاء فتحصل مما ذكر عدم المنافاة بين صفة الوجوب والتملك وعدم منشأية الوجوب لملكية الله تعالى حتي لا تجتمع ملكيته مع ملكية غيره. واما ما في تعليقة الطباطبائى (ره) من ان السر في عدم المنافاة: ان ملكية المستأجر في طول طلب الشارع واستحقاقه، وقد نطقت بامكان الملكية الطولية الالسن وصار كالاصل المسلم، وقد مثلوا تارة بملكيته تعالى للاشياء وملكية رسول الله صلى الله عليه وآله والائمة (ع) لها مع ملكية كل مالك لملكه واخرى بملكية العبد والمولي لمال العبد طولا. (ففيه) ان الطولية المدعاة في المقام عكس الطولية في المثالين، فان فيهما يقال: ان الناس مملوكون لله تعالى مع املاكهم، والعبد وملكه لمولاه، وفى

[ 196 ]

المقام يقال: ان امر الله تعالى اوجب ملكيته تعالى للعمل والمستأجر ملك ما ملك الله فالله تعالى ملك ذات العمل والمستأجر ملك المملوك له تعالى، وهو بوصف مملوكيته في طول الذات. وانت خبير بان هذا النحو من الطولية لا يصحح اعتبار الملكية بل ينافيه وهو يناقضه، فهل يصح القول بان الثواب ملك لزيد، وبما انه ملك لزيد ملك لعمرو، وهل هذا الا التناقض في الاعتبار لدى العقلاء والعرف والمسألة عرفية لا عقلية لابد في حلها من المراجعة إلى الاعتبارات العقلائية، لا الدقائق العقلية مع ان مثل هذه الطولية لا يدفع به التنافى في العقليات ايضا فهل يمكن تحريم شئ وايجابه بوصف كونه محرما عقلا. مضافا إلى ان الطولية في المثالين ايضا مما لا اصل لها، فان ملكيته تعالى للاشياء بهذا المعنى الاعتباري المبحوث عنه في مثل المقام غير ثابتة، بل لا معنى لها، فهل ترى من نفسك انه تعالى ملك الاشياء بهذا المعنى المعروف مع ان لازمه انه لو وهب بتوسط نبى من انبيائه شيئا من عبده: سقطت ملكيته وانتقلب إلى العبد، فلو كان سبيل ملكيته للاشياء ما لدى العقلاء لابد من الالتزام بآثارها وهو كما ترى. والظاهران اولوية التصرف والسلطان على التصرفات الثابتة لله تعالى عقلا و للنبى صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام بجعله تعالى: اوجبت توهم كونهم مالكين للاشياء تلك المالكية الاعتبارية، والسلطنة على سلب الملكية واقرارها غير الملكية كما نشاهد في السلاطين العرفية والقوانين العقلائية، فان السلطان مثلا ليس مالكا للاشياء بحيث لو مات صارت جميع ما في مملكته ارثا لوارثه ويكون السلطان مستطيعا باعتبار ملك رعيته، بل يكون الملك للرعية والسلطان اولى بالتصرف. فلله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وللائمة سلاطين البشر سلطنة على النفوس والاموال من غير ان تكون الاموال ملكا اعتباريا لهم بحيث لو باعوا سلبت منهم الملكية والسلطنة.

[ 197 ]

واما العبد وملكه فمسألة مشكلة يقع الكلام فيها تارة في صحة مالكيته و اخرى في كيفية مالكية المولى لما له على فرض مالكيته هل هو نظير مالكية اولى الامر أو نحو آخر فلا يصح جعل ما هو مشكل ومحل كلام شاهدا على غيره، ولا حل مشكلة بمشكلة. واما قضية مالكيته تعالى بالاضافة الاشراقية التى قد يرى ادخالها في تلك المسائل فامر غير مربوط بالمالكية المبحوث عنها في مثل المقام، وعلى المحصل ان يجتنب من ادخال مسائل غير مربوطة بالفقه فيه، إذ في اختلاط العقليات سيما مثل تلك المسائل الغير المنحلة عند اهلها بالعرفيات مظنة اعوجاج اذهان المشتغلين واغتشاش افكارهم، ولهذا ترى مقايسة بعضهم (1) الملكية الاعتبارية العقلائية بالاضافة الاشراقية، وتوهم ان مالكيته تعالى بتلك الاضافة.... تجتمع مع مالكية المخلوقين فلا محالة تجتمع مالكتيان اعتباريتان طولا غفلة عن ان القياس مع الفارق، فالمخلوق لله تعالى يمكن ان يكون مملوكا اعتباريا لغيره، والمملوك الاعتباري لشخص لا يعتبر مملوكا لاخر لدى العرف والعقلاء. واعجب منه قياس الملكيتين المستقلتين على مملوك واحد باجتماع اوصياء ووكلاء متعددين على شئ واحد مستقلا فيهما، مع ان الفارق لدى العرف والعقلاء اوضح من ان يخفى، فان الملكية نحو اضافة لازمها اختصاص المال بالمالك أو نحو اختصاص له به وكون شئ بكليته ملكا مختصا باكثر من واحد تناقض في الاعتبار. واما استقلال التصرف اللازم للوصية ليس الا نفوذ تصرفه بلا احتياج إلى ضم نظر آخر واجازته فلو باع احد الوصيين أو الوكيلين جميع دار من رجل وباع الآخر جميعها من آخر فهل يمكن القول بحصتهما وعدم تعارضهما فلولا التنافى بين الملكيتين المستقلتين على شئ واحد لم يقع التعارض بينهما، فلابد من القول بوقوعهما صحيحين وكل منهما صار مالكا لجميعه وهو كما ترى واضح الفساد وليس ذلك الا لوضوح التنافى


(1) هو المحقق الشيخ محمد حسين الاصبهاني رحمه الله.

[ 198 ]

المذكور لدى العرف والعقلاء فقياس ملك التصرف مع ملك العين مع الفارق والسند حكم العرف. ومنها ما تمسك به النراقى قال ما محصله: وان كان واجبا مطلقا أي غير متقيد باخذ الاجر عليه لا يجوز اخذ الاجر عليه وان كان فيه منفعة للمستأجر كانقاذ ولده لان ايجاب الله على الاجير تمليك للمستأجر، ولان منافع العبد ملك الله تعالى وهو وان اذن له انحاء التصرفات الا ان ايجابه لفعل يوجب عدم اذنه في التصرف واخذ العوض بل الايجاب تفويت تلك المنفعة وطلبها لنفسه واخراجها من يده ومن كونها مملوكة له " انتهى ". (وفيه) بعد الغض عن التنافى بين صدر كلامه وذيله كما يظهر بالتأمل، وبعد الغض عن ان دليله الاول اخص من المدعى، لعدم كون جمع الواجبات التى فيها نفع للمستأجر ; مثل انقاذ ولده الذى ربما يتوهم تمليك المنفعة له، ضرورة ان مثل الحج واجب الهى لا يتوهم ان يكون ايجابه على المكلف تمليكا لمن لا نفع فيه: ان ايجاب الله ليس تمليكا بوجه حتى في مثل انقاذ الغريق ولا جعل حق حتى في مثل تجهيز الميت، بل وجوبهما حكم شرعى محض ولهذا لا يترتب عليها شئ من احكام الملك والحق، فلا يجوز الاعراض والاسقاط، ولا النقل، ولا سائر التصرفات المربوطة بالملك والحق ويجوز بل يجب الانقاد بلا اذن الغريق ووالده ومع نهيهما ودعوى ان منافع العبد مملوكة لله لا للعبدو ان اجاز التصرف فيها الملازمة لدعوى ان جميع الاعيان الخارجية ايضا كذلك غريبة منه، ومخالفة لضرورة الفقه من مملوكية الاعيان والمنافع للناس (نعم) وقع الكلام في ان عمل الحر قبل الاجارة ملك له أو لا وهو امر آخر غير ما يدعيه. واما ساير دعاويه كقوله: ان ايجابه يوجب عدم اذنه في التصرف وانه تفويت المنفعة وانه طلب لنفسه وسلب المملوكية عن العبد، فكلها مصادرات ان كان المراد من سلب الاذن وغيره الاعم من الوضعيات وغير مفيدة لو لم يرد الاعم.

[ 199 ]

ثم ان هناك الاستدلالات ضعيفة لا يحتاج في دفعها إلى زيادة مؤنة من عدم ترتب آثار الملك على العمل من الابراء والاقالة، ومن لغوية بذل العوض بما يتعين على الاجير، ومن ان الواجب تعود منفعته إلى الاجير، فاخذ الاجر عليها اكل للمال بالباطل، ومن ان ادلة انفاذ العقود قاصرة عن الشمول للمورد أو شك في شمولها، و من ان المتبادر من ايجاب شئ طلبه مجانا إلى غير ذلك. ويمكن الاستدلال على المطلوب بان جل الواجبات العينية التعيينية كالصلوة والصوم والحج ونحوها اعتبر فيها مضافا إلى اصل الوجوب كونها على ذمة العبد نحو الديون الخلقية. اما الحج فلظاهر قوله تعالى ولله على الناس حج البيت (1) (الخ) فان اعتبار " له " عليه غير اعتبار الايجاب وقد ورد في روايات اطلاق الدين عليه كرواية الخثعمية وغيرها. ومن الممكن استفادة هذا الاعتبار من قوله تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم (2) ومن قوله تعالى ان الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (3) " تأمل " مع ان وجوب قضاء الواجبات اقوى شاهد على ذلك الاعتبار فانه لو كان الحج مثلا واجبا عليه تكليفا محضا بلا اعتبار كونه عليه لما كان معنى لقضائه عنه بعد موته، لان التكليف ساقط عنه بل غير متوجه به، فلابد وان يكون في عهدته شئ لم يسقط عنه بسقوط التكليف وسقط باتيان الغير كالولد الاكبر وغيره وليس الا اعتبار امر وضعي وكون تلك الواجبات دينا عليه، ولا محالة يكون الدائن الطالب هو الله تعالى. الا ان يقال بمقالة علم الهدى: من ان القضاء ليس نيابة عن الميت وانما هو واجب اصلى خوطب به القاضى وسببه فوات الفعل من الميت والميت لا يثاب عليه.


(1) سورة آل عمران - الاية 91. (2) سورة البقرة الاية 179. (3) سورة النساء الاية 104.

[ 200 ]

وهو كما ترى بل لابد من تأويل كلام السيد كما اوله بعضهم وكيف كان يظهر مما مر ان الاعمال الواجبة ملك الله تعالى ودين على العبد فلا يجوز اجارة نفسه لما لا يملكه، ويكون ملكا للغير. ثم ان الاعتبار المذكور انما يكون في النذر بجعل العبد لله على نفسه وتنفيذه تعالى وباب الكفارات المعينة كلها من قبيل الدين وفى المخيرة اشكال عقلي قابل الدفع بتصوير جامع اعتباري أو انتزاعي وليس الكلام ههنا في الواجب التخييري ويأتى الكلام فيه. فاتضح مما ذكر وجه عدم جواز اخذ الاجر على الواجبات التى بتلك المثابة. ففى الزكوة والخمس لابد وان تؤديان بعد الموت بعنوانهما مع ما يعتبر فيهما فيستكشف منه ان نفس العمل الواجب اعتبرت فيه العهدة والدينية ويلحق بها ما ليس كذلك لعدم القول بالفصل " تأمل ". بل يمكن دعوى منافاة اخذ الاجرة على الواجب العينى التعييني في ارتكاز المتشرعة ولعل الوجوه التى تشبث بها الاعاظم والمحققون مع ضعفها كما مر: تشيثات بعد الفراغ عن عدم الجواز في ارتكازهم مع انه لم ينقل الجواز في الواجب المذكور من احد وانما نقل الخلاف في الاجر على القضاء ونحوه ما الكفائيات، و التعين فيها في بعض الاحيان عقلي لا شرعى فالمسألة مظنة الاجماع فالاقوى فيما يعتبر فيه العهدة والذمة عدم الجواز وفى غيرها هو الاحوط بل لا يخلو من قوة. ثم ان بما ذكرناه يظهر الكلام في الواجب التخييري ولابد من تمحيض الكلام فيه من وقوع الاجارة على الواجب، فالقول بالصحة فيما إذا وقع العقد على خصوصية متحدة مع الواجب لا عليه: اجنبي عن محط الكلام. وتوجيه كلام الشيخ في الواجب التخييري بان مراده الوقوع على الخصوصية غير مرضى فانه خروج عن البحث لا تفصيل بين التخييري وغيره، بل التفصيل بين التعييني والتخييري سواء كان التخيير شرعيا أو عقليا مقتضى الدليل الذى تمسك به في اثبات عدم الجواز من سلب احترام عمله لاجل ان استيفائه منه لا يتوقف على

[ 201 ]

طيب نفسه، لانه يقهر عليه مع امتناعه واحد اطراف التخييري ليس كذلك فبقى على احترامه. نعم لو ضاق الوقت أو عجز الا عن احد الاطراف بحيث يتعين عليه الاتيان به: كان مقتضى دليله عدم الجواز لسلب احترامه، وان استيفائه لا يتوقف على طيب نفسه، كما ان التفصيل المذكور لازم الاستدلال على المطلوب بان الوجوب الشرعي موجب لسلب قدرة العبد واختياره كما لا يخفى. واما بناء على ما ذكرناه من ان الواجبات التى اعتبر فيها الدينية والملكية للواجب تعالى: لا يجوز الاجر عليها، فلا يفترق بين التخييري والتعييني، فان الاجارة على احد الاطراف في التخييري الشرعي بحيث يكون مورد الاجارة هو الواجب اجارة على عمل ملكه الله تعالى، لان كل طرف من طرفي التخيير إذا وجد يكون ملكا له وكذا لو اجره على اتيان واجب في مكان كذا أو زمان كذا أو غيرهما من الخصوصيات في التخيير العقلي لان العمل الخاص ملك له تعالى وان اكتنف على امر زائد والاجارة على ملك الغير المتخصص بخصوصية زائدة: باطلة. وبالجملة الاجارة اما وقعت على الخاص أو على الخصوصية فعلى الاول باطلة لوقوعها على ملك الغير وعلى الثاني خروج عن محط البحث. نعم هنا كلام آخر وهو تصوير الملكية في الواجب التخييري وانه هل يمكن ملكية الامر المردد اولا. اقول ان قلنا بان الملكية بما انها من الامور الاعتبارية لا تحتاج إلى محل معين موجود كالاعراض الخارجية المحتاجة إلى المحل كما ذهب إليه شيخنا الانصاري واستشهد عليه بتصريح الفقهاء بصحة الوصية باحد الشيئين بل لاحد الشخصين فلا كلام. وان قلنا بعدم امكانه فيمكن ان يقال: ان اعتبار الدينية أو الملكية في الواجبات ليس من قبيل الانتزاع من الوجوب حتى يتبعه في اللوازم بل لو كان منتزعا من التكليف لكان اللازم سقوط بسقوطه مع ثبوت الدين حتى مع سقوط الوجوب بموت: وتخيل كون الوجوب واسطة في الثبوت لا العروض: باطل، لان المورد ليس

[ 202 ]

من قبيله بل الانتزاعيات تابعة لمنشأ انتزاعها ثبوتا وسقوطا، مضافا إلى ان الدينية والمكية لو كانتا منتزعتين من التكليف لكان اللازم انتزاعهما من كل تكليف وهو واضح الفساد، وكذا الحال لو كان الوجوب واسطة للثبوت أو العروض فالوساطة ومنشأية الانتزاع فاسدتان، مع انه يكفى في المقام عدم الدليل على الانتزاعية فإذا لم يثبت ذلك يمكن ان تكون الملكية معتبرة بعنوان واحد هو جامع حقيقي بينها أو انتزاعي مع فقد الحقيقي كصاع من صبرة بنحو الكلى في المعين لا بنحو الفرد المردد، وبالجملة مع قيام الدليل على اعتبار العهدة والدينية في واجب تخييري كالتخييريات، في باب الكفارات بل و كالصلوة في الاماكن الاربعة بما ذكرناه من الوجه في ملكية المذكورات لله تعالى ودينيتها: لا يجوز رفع اليد عنه الا مع قيام الدليل على الامتناع، ومع احتمال الامكان فالدليل متبع، مع ان الامكان فيها ثابت، ففى الكفارة المرتبة والمخيرة معا ككفارة حنث اليمين حيث يجب فيه عتق رقبة أو اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم مخيرا بينها فان عجز عن الجميع فصيام ثلثة ايام: يمكن جعل عنوان واحد منها القابل للصدق على كل منها كالصاع من الصبرة على القادر وعلى العاجز عنها صيام ثلثة ايام، وقس عليه غيره مما هو اخف مؤنة في الاعتبار. ومما ذكرناه يظهر الكلام في الواجب الكفائي من حيث امكان اعتبار العهدة والدينية فانه لو قلنا فيه بانه واجب على كل مكلف وان سقط عنهم بايجاد واحد منهم فلا اشكال في صحة اعتبار العهدة عليهم والسقوط باداء بعضهم. وان قلنا بان المكلف فيه واحد من المكلفين القابل للانطباق على كل مكلف في الخارج وان لم يكن الانطبق الا بنحو التبادل بمعنى انه لا يجب عليهم عرضا كالصاع من الصبرة المبتاع فانه منطبق على كل صاع من صيعان الصبرة لكن المملوك ليس الاصاعا واحدا فهو منطبق على كل تبادلا (نعم) قد يكون المكلف في الكفائي واحدا بشرط لا وقد يكون لا بشرط والفرق واضح، فاعتبار العهدة والدينية ايضا مما لا اشكال فيه.

[ 203 ]

وتوهم ان الواحد العنوانى كلى وهو غير قابل التوجه التكليف إليه (فاسد) لان صحة التكليف تابعة لقابليته للبعث والانبعاث، وما تعلق بالعنوان القابل للانطباق على الخارج قابل له، بل التكاليف كثيرا ما تتعلق بالعناوين كقوله: لله على الناس، بل في مثل قوله: يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود، يكون التكليف متعلقا بعنوان قابل للانطباق على الافراد في عمود الزمان وكثير من تكاليف اهل العرف كذلك، فيقول المولى لعبيده: فليفعل واحد منكم كذا، ومعلوم لدى العقل والعقلاء انه لو ترك الجميع الامر المتعلق بواحد عنواني يكون الجميع مستحقا للعقوبة لانطباقه على كل منهم تبادلا. نعم لو قلنا بان الواجب الكفائي نظير الواجب التخييري أو نظير الفرد المنتشر ففى صحة العهدة تأمل واشكال وان كان مقتضى كلام الشيخ الاعظم في نظيره صحة الاعتبار. وكيف كان لو اعتبرت في الكفائي العهدة والدينية يكون الكلام فيه كالعيني فان المفروض وقوع الاجارة على الواجب ومع كون العمل ملكا لله تعالى لا يصح تمليكه لغيره، لكن ليس في الواجبات الكفائية ظاهرا ما يعتبر فيها العهدة والدينية لله تعالى، ولا جعل استحقاق وعهدة لغيره، وقد مر ان تجهيز الميت وكذا انقاذ الغريق بل وطبابة الطبيب ليست من هذا القبيل، وليس فيها من آثار الحق والملك شئ، فالاقوى صحة الاستيجار في الكفائيات الا ان ثبت في كفائى اعتبار الملكية له تعالى أو لغيره. تنبيه وبما ذكرناه ظهر الكلام في الواجبات النظاميات على فرض تسليم كونها واجبات فان وجوبها لا يقتضى الدينية والعهدة لاحد، لا لله تعالى ولا لغيره كما تقدم، ولا دليل على اعتبارها زائدة على الوجوب، فمقتضى القاعدة جواز اخذ الاجر عليها من غير ورود اشكال ولا شبهة نقض لما ذكرناه، لكن الشأن في ان حفظ النظام

[ 204 ]

واجب أو الاخلال به حرام وعلى الثاني يكون ما هو الجزء الاخير من العلة التامة للاخلال محرما بناء على حرمة مقدمة الحرام، فلو كان ذلك ترك ما يتوقف عليه النظام يكون ذلك الترك محرما ومع اقتضاء حرمة الشئ وجوب ضده العام يكون الفعل واجبا، وعلى الاول يجب ما يتوقف عليه النظام بناء على وجوب المقدمة لكن التحقيق عدم وجوب المقدمة مطلقا، وعدم اقتضاء الامر بالشئ النهى عن ضده العام ولا عن ضده الخاص، وعلى فرض وجوبها واقتضائه لا يكون في التكليف التوصلى اعتبار الدينية، ولو فرض الاعتبار أو الانتزاع في غيره والاعتبار الخارج المستقل: غير ثابت. وتوهم ان المستحق لتلك الواجبات النظامية من وجب النظام له (غير وجيه) ضرورة عدم ترتب اثر من آثار الحق فيها كالنقل والاسقاط والاحتياج إلى الاذن ونفوذ النهى عن التصرف وغيرها فهى على فرض وجوبها واجبات شرعية لغرض متعلق بحفظ النظام أو لمبغوضية اختلاله. وكيف كان فنحن في فسحة من الاشكال المعروف، وكذا من كان اعتماده في حرمة اخذ الاجرة على الواجبات على امر تعبدي كالاجماع، لكن لابد للمتمسك بالوجوه الاخر كالوجوه العقلية من الدفاع عن الاشكال وبيان وجه التفرقة بينها و بين غيرها، ومع عدم صحة الدفاع يعلم بطلان الوجه المتشبث به إذا لا يمكن القول بالاخراج تخصيصا. وقد ذكروا للتخلص وجوها. منها ما ذكره بعض الاعاظم (1) قال عقيب ما ذكره من اعتبار امرين في الاجارة ونحوها، احدهما ان لا يكون الاجير مسلوب الاختيار بايجاب أو تحريم شرعى وثانيهما ان يكون العمل ممكن الحصول للمستأجر كما تقدم الكلام فيهما ما حاصله: ان الواجبات النظامية ما عدى القضاء يجوز اخذ الاجر عليها لحصول الشرطين، اما الثاني فواضح. واما الاول فلان الواجب في النظام المعنى المصدرى كالطبابة وما تقع بازائه الاجرة


(1) هو المحقق النائيني رحمه الله.

[ 205 ]

هو حاصل المصدر لانه مال لا المصدر الذى معنى آلى هما وان كانا متحدين خارجا الا انهما مختلفان اعتبارا فللشارع تفكيكهما وايجاب المصدر واعتبار ملكية اسمه، والواجبات النظامية كذلك الا القضاء، فان التكليف تعلق بنتيجة عمل القاضى وهو فصله الخصومة فلا يجوز اخذ الاجر عليه واما المصدر فليس بمال. وكبف كان لو وجب بذل العمل وحرمة احتكاره يجوز اخذ الاجر عليه ولو وجب نتيجة العمل عليه فلا يجوز، لان المصدر آلى غير مالى واسمه خارج عن ملكه ونظير الاعمال في الشقين الاموال، فانه قد يتعلق تكليف أو وضع بنفس الملك كباب الخمس والزكوة فلا يجوز اخذ العوض عليه وقد يتعلق تكليف بالتمليك و الاعطاء فيجوز كوجوب بيع الطعام في المخمصة. فان التكليف حرمة حبسه و احتكاره الطعام ولم يتعلق بنفس المال " انتهى ". (وفيه) مضافا إلى ان امكان الحصول الذى ادعى الظهور فيه: غير ظاهر بالمعنى الذى تقدم منه فانه اعتبر فيه زائدا على الانتفاع بالعمل حصول العمل له، وبهذا المعنى لا يكون امكانه ظاهرا في الواجبات النظامية. فان المعنى المصدرى وكذا حاصله امر غير باق وغير حاصل للمستأجر، والانتفاع بهما وان كان ممكنا له لكنه انكر كفاية الانتفاع في الصحة والبقاء الاعتباري في حاصل المصدر مشترك بين الواجبات النظامية وغيرها فلابد له من القول بالصحة مطلقا. واثر العمل كالهيئة في المخيط وان كان حاصلا له لكنه ليس مورد الاجارة لانه ليس مصدرا ولا حاصله كما هو واضح مضافا إلى ان الاثر حاصل له في بعض الواجبات الغير النظامية كقرض الكفن وحفر القبر فيما إذا كان واجبا على شخص تعيينا ولو عقلا، وكذا لو كان للصلوة و غيرها اثر باق حاصل للمستأجر كتعلم اجزائها وكيفيتها فلابد له من القول بالصحة فيها أو عدم المانع من هذه الجهة: ان التكليف في جميع الموارد متعلق بالمصادر لا باسمائها ونحن وان قلنا في محله بان الاوامر متعلقة بالطبايع مقابل من قال بتعلقها بالايجاد لكنه كلام آخر وفى مقام آخر إذ لا شبهة في ان مفاد الهيئة ايقاع البعث إلى المادة وهي نفس الطبيعة والبعث إليها تحريك إلى تحصيلها وهو ملازم

[ 206 ]

لايجادها عرفا وعقلا ; لان الطبيعة ليست طبيعة بالحمل الشايع الا بالوجود وبالاخرة يتعلق التكاليف بافعال المكلفين سمى ايجاد الطبيعة أو تحصيلها. فما قال في جملة من كلامه ان التكليف لو تعلق بحاصل المصدر فكذا: ليس على ما ينبغى، لان حاصل المصدر ليس مورد تعلق التكاليف كما ان الاجارة في الاعمال تتعلق باعمال المؤجر لا بحاصل المصدر واسمه فانه مع قطع الاضافة عن الفاعل ليس قابلا للاستيجار لكونه مستقلا غير مربوط بالفاعل، مع ان الاشكال في المقام هو قيام الضرورة والسيرة على الاستيجار بالنحو المتعارف في الواجبات النظامية ولا معنى لتصحيح امر متخيل غير منطبق على ما في يد المسلمين والجامعة البشرية. ومن الواضح ان الاجارة وقعت وتقع على الاعمال بالمعاني المصدرية فيستأجر الخياط ليخيط له، والصباغ ليصبغ وهكذا فحاصل المصادر ونتائج الاعمال وآثارها كلها خارجة عن محط الاجارة وهو واضح جدا. واما مالية الاعمال كمالية حاصل المصادر ونتائج الاعمال ليست ذاتية بل يعتبرها العقلاء باعتبار تعلق الاغراض العقلائية بها، فالاعمال بالمعنى المصدرى اموال لتعلق الرغبات والاغراض بها. وان شئت قلت ان في الاعمال كالخياطة والنجارة وغيرهما امورا ثلثة، المصدر وحاصله، وهما متحدان وجودا ومختلفان اعتبارا والاثر المرتب عليه المعلول له، والا ولان موجودان متصرمان متقضيان لابقاء لهما الا بالاعتبار في بعض الاحيان، والثالث ربما يكون من الموجودات القارة الباقية. فما وقع لدى العقلاء مورد الاجارة هو الشخص باعتبار عمله بالمعنى المصدرى و مفاد الاجارة أو لازمها انتقال عمل المؤجر إلى المستأجر أي عمله بالمعنى المصدرى ; وهذا بعينه متعلق التكليف سواء كان الشئ من النظاميات أو غيرها أو من قبيل القضاء أو غيره. فالواجب على القاضى الحكم والقضاء بالمعني المصدرى وهو الفاصل للخصومة أو الواجب فصلها وكلاهما فعلان اختياريان، لكن الاول بلا وسط والثانى مع الوسط.

[ 207 ]

واما حاصل المصدر ونتائج الاعمال أي آثارها فلم يقعا مورد الاجارة بل لا معنى له كما هو واضح. واما المالية فلا يعقل ان تكون في اسم المصدر لا في المصدر فانها قائمة اعتبارا بالاشياء في الوجود الخارجي أو بلحاظه، والفرض ان المصدر واسمه شئ واحد خارجا وحقيقة فكيف يعقل ان يكون الشئ الواحد مالا وغير مال في ظرف وحدته. فكأنه وقع الخلط بين المصدر واسمه وبين العمل واثره. ثم لو سلمنا ما ذكره كان لازمة تصحيح اجارة مطلق الواجبات، نظامية كانت أو غيرها، ضرورة ان التكاليف الشرعية متعلقة باعمال المكلفين بالمعنى المصدرى ولو قيل بصحة تعلقها بحاصل المصدر لكنه يحتاج إلى دليل والا فظاهر الادلة ما ذكر فحينئذ مورد تعلق التكليف غير مورد تعلق الاجارة، لان موردها بزعمه هو حاصل المصدر أو نتيجة العمل وهما غير متعلقين للتكليف فلو فرض ان يكون شئ منها متعلقا لغرض العقلاء لابد من القول بصحة الاجارة عليه. وحديث عدم الحصول للمستأجر قد مر ما فيه بل لازم كلامه ان يكون الاستيجار للمحرمات صحيحة لولا دليل آخر غير ما تشبث به " فتدبر ". وبما مر من البيان تظهر الخدشة في وجه افتراقه بين التكليف في باب الخمس والزكوة وبين التكليف في باب المخمصة بان في الاول تعلق بالملك وفى الثاني بالاعطاء لما مر من عدم معنى لتعلقه بغير اعمال المكلفين ففى قوله تعالى: آتوا الزكوة كقوله: اقيموا الصلاة: تعلق التكليف بالايتاء والاقامة بالمعنى المصدرى. فمتعلق التكليف في باب الزكوة والخمس وباب الاعطاء في المحمصة شئ واحد والاختلاف بينهما في امر آخر. وهو ان ما وراء التكليف في باب الزكوة والخمس يكون اعتباران آخران. احدهما جعل عشر الاموال الزكوية وخمس الغنائم لاربابهما بنحو الاشاعة كما هو الاقوى أو بغيره، أو بنحو جعل الحق كما قيل. وثانيهما اعتبار العهدة والدينية في نفس التكليف على الظاهر ولهذا لا يصح بيعهما ولا يصح اخذ الاجرة على اعطائهما ولم يعتبر شئ منهما في باب المخمصة

[ 208 ]

فيصح بيع المال من المضطر والاعطاء بضمان بل لا يبعد صحة اخذ الاجر على الاعطاء على اشكال. ومنها ما افاده الشيخ الانصاري (قده) من التفصيل بين الواجب العينى وبين الواجب الكفائي فمنع اخذ الاجرة على الاول دون الثاني وجعل من الثاني اخذ الطبيب الاجرة على حضوره عند المريض إذا تعين على علاجه، فان العلاج وان كان معينا عليه الا ان الجمع بينه وبين المريض مقدمة للعلاج واجب كفائى عليه وعلى اوليائه ومن الاول اخذها على بيان الدواء إذا تعين عليه فلا يجوز. وانت خبير بان ما ذكره ليس حلا للاشكال الذى وقعنا فيه من ان الشهرة و السيرة على جوازه في الواجبات النظامية مطلقا من غير تفصيل بين التعين بالعرض وغيره، ضرورة ان بناء العرف من المتشرعة وغيرهم على اخذ الاجرة واعطائها بازاء الطبابة والعلاج لا على محض الحضور (نعم) مع حضوره عند المريض يتزايد الاجر. قلت ان السيرة مستقرة في الواجبات الكفائية، ضرورة ان النظام قائم فعلا، والقائم بامره لا ينحصر حتى يتعين عليه، والطبيب غير منحصر فلا يتعين عليه. قلت كلا فان في هذا العصر الذى كثر فيه الاطباء كثرة مدهشة لا يكون في غالب القراء وكثير من صغار البلاد الا طبيب واحد أو كحال كذلك، وكذا ساير من قام به النظام، وكثيرا ما يتعين على الطبيب العلاج ولا يمكن للمريض واوليائه الا رجاع إلى الخارج ولا احضار الطبيب منه ومعذلك لا يختلج في ذهن احد من المسلمين الا من شذ ممن له حظ من العلم عدم جواز أخذ الاجر على طبابته بل لو تفوه احد بذلك يعد من المنكر. هذا حال عصرنا فكيف بسائر الاعصار الغابرة التى قل فيها الطبيب فضلا عن المتخصص وكذا الحال في سائر ما يحتاج قيام النظام إليه. والانصاف ان ما ذكره قدس سره مجرد تصور غير مطابق للواقع ولا دافع للاشكال لكن مع الغض عنه لا يرد عليه ما اورد عليه بعض اهل التحقيق (1) من ان المتعين على الطبيب


(1) هو المحقق المدقق الحاج الشيخ محمد حسين الاصبهاني ره.

[ 209 ]

ان كان الطبابة فلا يعقل ان تكون مقدماتها واجبا كفائيا، ضرورة ان المقدمة تابعة لذيها فلا يعقل وجوب ذى المقدمة تعينا على احد ووجوب مقدماتها كفائيا، وان كان الواجب العلاج فيجب على الطبيب باعلام الدواء وعلى الاولياء بالاستعلام، فهنا واجبان تعينيان ولكل مقدمات تجب تعينا عليه فلا وجوب كفائيا " انتهى ملخصا ". (وفيه) ان الواجب النفسي في المثال حفظ النفس وهو واجب كفائي وله مقدمات منها العلاج أي بيان الدواء وهو متعين على الطبيب كما صرح هو به في اسطر قبل ذلك، وعليه لو قلنا بان الوجوب المقدمى مترشح من ذى المقدمة على جميع المقدمات الطولية والعرضية أي المقدمات ومقدمات المقدمات في عرض واحد، لان الملاك متحقق في كلها: فلا يلزم من تعين بعض المقدمات على بعض المكلفين تعين مقدمات مقدماتها عليه فإذا وجب حفظ النفس وجوبا مطلقا علي جميع المكلفين كفاية اجتماعا أو انفرادا ترشح منه على مبنى القوم وجوبا مقدميا على جميع المقدمات كالعلاج ومقدماته وهكذا ومع تعين بعض المقدمات على بعض عقلا لعجز غيره لا تتعين مقدمات اخرى عليه سواء كانت مقدمات بلا وسط أو معه. نعم لو قلنا بان ترشح الوجوب من ذى المقدمة إلى المقدمات طولا بمعنى ان الوجوب مترشح منه إلى المقدمة بلا وسط ومن المقدمة إلى مقدمتها وهكذا، و يكون الوجوب المقدمى في مقدمة المقدمة تابعا للمقدمة في الكفائية والتعينية. لكان للاشكال وجه لكن المبنى غير وجيه. هذا على مسلك القوم من ترشحية وجوب المقدمة عن ذيها قهرا وعلية وجوبه لوجوبها ولكن على مذهبنا من ان الوجوب المقدمى على فرضه مجعول اختياري متوقف على مقدمات ومباد كوجوب ذى المقدمة: يقع الكلام على طور آخر ولعل لازمه عدم لزوم تبعية وجوب المقدمة لذيها في بعض الاطوار. ثم ان الشيخ الانصاري تعرض لنقوض اخر غير الطبابة بعضها مربوط بالمقام وبعضها بالتعبديات منها جواز اخذ الوصي الاجرة على تولي اموال الطفل الموصى عليه

[ 210 ]

حتى فيما تعين عليه العمل فأجاب عنه سابقا بانه لا ينافى ما ذكرنا حكم الشارع بجواز اخذ الاجرة بعد العمل عليه كما اجاز للوصي اخذ اجرة المثل أو مقدار الكفاية لان هذا حكم شرعى لا من باب المعاوضة. وقال في المقام: واما اخذ الوصي الاجرة على تولى اموال الطفل فمن جهة الاجماع والنصوص المستفيضة على ان له ان يأخذ شيئا، وانما وقع الخلاف في تعيينه فذهب جماعة إلى ان له اجرة المثل حملا للاخبار على ذلك، ولانه إذا فرض احترام عمله بالنص والاجماع فلابد من كون العوض اجرة المثل. وبالجملة فملاحظة النصوص والفتاوى في تلك المسألة ترشد إلى خروجها عما نحن فيه " انتهى ". اقول توهم بعضهم (1) المناقضة بين هذا ودليله السابق فان مبنى السابق على انه حكم شرعى لا من باب العوض واعترف في المقام باحترام عمله بالنص والاجماع فالعوض اجرة عمله بل هو مناقض لاصل دليله على حرمة اخذ الاجر على الواجبات حيث تمسك بعدم حرمة العمل المتعلق للوجوب. ويندفع بان ما اعترف به هو قيام الاجماع والنصوص على اصل الاخذ واما كونه على وجه اجرة المثل فلم يعترف به بل حكاه عن جماعة في تعيين مقداره وان له اجرة المثل للاخبار ولاحترام عمله ولم يظهر ارتضائه لذلك، بل قوله: و بالجملة فملاحظة النصوص (الخ) ظاهر في ان مدعاه خروجها تخصصا لا تخصيصا فيرجع هذا إلى ما سبق منه هذا ولكن الشأن في ان الشارع المقدس ان جعل الاجر بازاء عمله فقد اذن في اكل المال بالباطل وهو لا يلتزم به، والقول بانه اجاز الاخذ مجانا وبلا عوض وبلا لحاظ عمله خلاف الضرورة مع انه ايضا من قبيل اجازة اكل المال بالباطل. وقد تصدى بعض المحققين (2) لدفعه بما حاصله: ان المقصود نفى اعتبار المعاوضة المالكية بين عمل الوصي بعد وجوبه عليه وبين ما رخص في اكله من مال


(1) هو المحقق الحاج الشيخ محمد حسين الاصبهاني رحمه الله. (2) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله.

[ 211 ]

الصغير بل اعتبار العوضية انما هو في نظر الشارع قبل وجوبه، والوجوب و الرخصة متفرعان عليه، فاعتبار العوضية قبل تعلق الوجوب وبهذا اللحاظ ليس اكلا للباطل. (وفيه) ان اعتبار العوضية لشئ يكون في ظرف تحققه مسلوب المالية اكل للمال بالباطل، وماليته قبل تعلق الوجوب عليه مع الاشكال فيها كما ياتي، وكذا صالحيته لها في نفسه لا تصحح العوضية ولا تدفع بها الاشكال، وبالجملة ان الترخيص في اخذ المال ان كان بلا عوض ومجانا وعلى صرف التعبد فهو مع كونه خلاف القطع مرجعه إلى الاذن في اكل المال بالباطل ; وان كان بلحاظ العمل الخارجي فالمفروض انه خارج عن المالية بالايجاب، وان كان بلحاظ العمل تعلق الوجوب فهو غير متحقق ولا يكون ما لا قبل تحققه لكون المفروض ان في ظرف تحققه لا مالية له، وما كان كذلك لا يعقل اعتبار ماليته قبل تحققه. والانصاف ان الوجه المذكور مع اعمال الدقة فيه لا يفى بدفع الاشكال، مع ان ظاهر الفتاوى والمتفاهم من النصوص عرفا هو جواز الاخذ في مقابل العمل وان اختلفوا في ان مقدار المأخوذ هل هو اجرة المثل أو قدر كفايته أو اقل الامرين. والتوجيه المتقدم على فرض صحته في نفسه لا يدفع الاشكال ولا ينطبق على الواقع كالتوجيه الاخر لبعض اهل التحقيق (1) وهو ان الشارع اعتبر استحقاق الصغير بعمل الوصي بعوض فلا عوض على الواجب بل ايجاب العمل منبعث عن استحقاق الصغير له فهو من باب وجوب اداء ما يستحقه الغير " انتهى ". وانت خبير بان هذه التكلفات والوجوه الاختراعية المخالفة للنصوص والفتاوى انما يتشبث بها إذا الجأنا دليل عقلي قاطع على ارتكابها، وقد تقدم ان طريق التخلص عن الاشكال المتقدم لا ينحصر بما ذكره الشيخ للوجه الذى قدمناه في مبنى حرمة اخذ الاجر على الواجبات ومعه لا يستكشف اعتبار الشارع لذلك الذى ادعاه الموجه المتقدم في خلال كلامه، مع بعض مناقضات فيه اغمضنا عنه مخافة التطويل، فتحصل


(1) هو المحقق المدقق الشيخ محمد حسين الاصبهاني رحمه الله.

[ 212 ]

مما مر ان دفاع الشيخ الاعظم غير دافع. ومنها وجوب بذل العوض على المضطر فقد اجاب عنه الشيخ بان العوض للمبذول لا للبذل. (وفيه) مضافا إلى ان المضطر ربما يضطر إلى عمل من الغير ولا اظن بالتزامهم على عدم جواز اخذ الاجر معه: ان مقتضى دليله وهو ان جواز الاستيفاء قهرا وعلى رغمه يوجب سلب احترام عمله: مسلوبية احترام مال يقهر المالك على اتلافه بل قد يكون الالجاء والاضطرار مؤديا إلى ان يكون المالك مباشرا لاتلافه كما لو اضطر إلى طلى دواء لا يتمكن منه الا مالكه فيلزم ويقهر على الطلى والاتلاف ولا اظن باحد الالتزام بالمجانية. فما في تعليقة بعض المحققين (1) من ابداء الفرق بين الاعمال والاعيان (غير وجيه) ومنه يظهر الكلام في جواز اخذ الام المرضعة اجرة ارضاع اللباء إذا وجب عليها دفعا واشكالا. ومنها اخذ الاجر على العمل العبادي النيابي فان اخذه لو كان منافيا للاخلاص لكانت العبادات الاستيجارية على وجه النيابة باطلة والاستيجار عليها باطلا، والنص والفتوى متطابقان على صحتها وصحته فلابد من الالتزام بعدم المنافاة. ولقد تصدى الشيخ الاعظم لدفع الاشكال وابداء الفرق بين المقامين، ولا بأس بالاشارة إلى ماهية النيابة في اعتبار العقلاء قبل التعرض لدفاع الشيخ ليتضح ما يمكن ان يكون فارقا بين المقامين. فنقول الظاهر اختلاف ماهية الوكالة والنيابة في اعتبار العقلاء فان الوكالة عبارة عن تفويض امر إلى الغير وايكاله إليه من غير اعتبار كون الوكيل نازلا منزلته في الاعتبار أو عمله نازلا منزلة عمله وانتساب العمل إلى الموكل باعتبار كونه فعلا تسبيبا له، ففى الوكالة يكون الوكيل والموكل ممتازين في عالم الاعتبار، والفعل صادر مباشرة من الوكيل، وتسبيبا من الموكل، وليست الوكالة في العباديات، فلا تصح في الحج والصلوة وغيرهما مما هي افعال عبادي مباشري، ونظيرها في العرف


(1) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله.

[ 213 ]

حضور اعيان المملكة في الاعياد لدى السلطان للسلام، فانه مع عذر بعضهم عن الحضور يقبل ذلك النيابة لا الوكالة لدى العقلاء وهو دليل على اختلافهما. واما النيابة في العمل فيحتمل تصورا ان تكون عبارة عن تنزيل شخص نفسه منزلة غيره فيه، بمعنى تبديل شخصية النائب بشخصية المنوب عنه في صقع الاعتبار، فتكون مبينة على انساء النائب وافنائه وتحول وجوده بوجود المنوب عنه كما في باب الاستعارة على المذهب الحق من كون بنائها على تناسى التشبيه والمشبه والمشبه به، بل مبنية على دعوى كون شخص اسدا حقيقة فيحسن اثبات لوازم الاسد له ونفى لوازم غيره عنه، وله اشباه في العرف، كمجالس الشبيه والعزاء المعروفة في بعض البلاد فصار شخص شمرا وآخر ابن زياد إلى غير ذلك، فان في تلك الصحنة تتبدل الاشخاص بشخصيات اخر فهي مبنية على تناسى الشخصيات الحقيقية ولها نظائر اخر في مجالس اللهو سيما في هذه الاعصار فحينئذ يكون ما صدر منه منتسبا إلى الشخصية الثانية أي المنوب عنه ومسلوبة عن الاولى، فلو كانت النيابة في الاعمال كذلك لا يعقل ان يقع الاجر في مقابل العمل فان صقع اتيانه صقع فناء النائب و وجود المنوب عنه فقط والعمل عمله ولا معنى للاجر في عمل المنوب عنه. وفى هذا الاعتبار لا يكون للعمل اعتباران فان النائب وعمله منسيان فالنائب هو المنوب عنه ليس الا والعمل عمله ليس الا، فالاجرة في هذا الاعتبار تقع بازاء تنزيل النائب شخصه منزلة المنوب عنه وتبديل نفسه باخرى في عمل فصقع العمل ليس صقع اعتبار الاجرة إذ العمل عمل المنوب عنه فلا اجر له في عمل نفسه لنفسه، فبقى اشكالان. احدهما ان الاجران كان بازاء التنزيل لابد من استحقاقه بمجرد التنزيل الذى هو امر اعتباري وبناء قلبى وان كان بازاء التنزيل والعمل يعود الاشكال وينهدم هذا الاساس وكذا ان كان بازاء التنزيل المقيد بالعمل. والجواب ان الاجر بازاء التنزيل في العمل وهو وان لم يتحقق الا بالعمل و يتوقف تحققه عليه لكن لا يكون العمل جزءا أو قيدا له، نظير ان يقع اجر على ارادة

[ 214 ]

ضرب زيد بناء على عدم انفكاكها عن المراد خارجا فان ذلك لا يوجب ان يكون الاجر بازاء الضرب جزءا أو قيدا، ففرق بين جعل شئ جزءا أو قيدا للمستأجر فيه، وبين توقف تحققه عليه، فما نحن فيه علي فرض كون النيابة هي ما تقدم بيانها لا محيص عن كونه من قبيل الثاني، لعدم الجمع بين اعتبار النيابة بما ذكر، وبين كون العمل جزءا أو قيدا لان اعتبار الجزئية والقيدية اعتبار كون العمل للموجر والنائب وهو مضاد لاعتبار النيابة. وان شئت قلت: ان العمل مترتب على التنزيل ومتاخر عنه رتبة فلا يعقل تقيده به للزوم صيرورة المتأخر عن الشئ في رتبته " تأمل ". أو قلت: ان النيابة مبنية على التناسى فرضا والتقيد المذكور مبنى على تذكر العمل وهما متنافيان فالاجر في مقابل التنزيل الغير المنفك من العمل، وهذا بوجه نظير قوله: " نية المؤمن خير من عمله " بناء على كون المراد منه ان العمل الموجود بنية احد الجزئين التحليليين منه خير من جزئه الآخر، حتى لا يرد عليه الاشكال المعروف، فكما ان الخيرية للنية الملازمة للعمل من غير دخالة العمل في موضوع الافضلية لعدم تعقل دخالته، كذلك في المقام يكون الاجر بازاء النيابة في العمل الغير المنفكة عنه وغير المتقيدة به. ثانيهما ان الاخلاص لو كان معتبرا في العمل طولا وعرضا فلا شبهة في بطلان هذا العمل، لان اخذ الاجر محرك الفاعل حقيقة في اتيان العمل، ضرورة انه لولا الاجر لما نزل نفسه منزلته ولولا التنزيل في العمل لما عمل فالعمل مستند إلى الاجر بالاخرة. والجواب بالفرق بين كون شئ غاية لعمل أو غاية للعمل المغيى كباب الداعي على الداعي على ما تقدم وبين كون شئ متوقفا عليه من غير غائيته له مثلا لو استأجره للمسافرة يكون السفر لاجل الاجرة ولازمه اتيان الصلوة قصرا فيصح ان يقال: لولا الاجرة لما صلى قصرا، لان القصر لاجل السفر والسفر للاجرة. لكن ليس هذا: من قبيل ترتب ذى الغاية على غايته بل من قبيل كون شئ من آثار المغيى واحكامه ففى ما نحن فيه لم يجعل الاجر في مقابل العمل النيابي على

[ 215 ]

ما تقدم من ان العمل عمل المنوب عنه، ولا يعقل فيه الاجر في افق الاعتبار، فلا يمكن ان يكون الاجر في سلسلة غاياته. نعم لولا الاجر لما صار النائب منوبا عنه ولا تتبدل شخصيته بشخصيته ولولا ذلك لما عمل وبالجملة مع التحفظ على الاعتبار المتقدم وعدم الخلط تندفع الاشكالات. ان قلت ان ما ذكرت من الامثلة امور تكوينية واقعية فاين هي من المورد الذى من الاعتباريات والتنزيليات فالمحرك الواقعي ليس التنزيل والدعوى بل امر واقعى هو الاجر. قلت بل المحرك على هذا الفرض هو التنزيل وتبديل الشخصية بناء وذهنا، ولا شبهة في مؤثريته ومبدئيته للارادة والاعمال احيانا، الا ترى ان من نزل نفسه منزلة السلطان لعبا ولهوا يؤثر ذلك في نفسه بحيث يعمل اعماله بل ربما يحصل في نفسه نحو تجبر وتبختر وليس ذلك الا لكون هذا التنزيل والبناء مؤثرا في النفوس وصيرورته مبدء للارادة، بل مبدئها ليست الامور الخارجية وانما هو امور ذهنية وادراكات نفسانية وربما تكون امثال ما ذكر موثرة في النفس ومبدء للارادة والتحريك مع الغفلة والذهول عن الاجر رأسا. وبالحملة بعد ما عرفت من عدم امكان الجمع بين كون النيابة ما ذكرت وبين وقوع الاجرة بازاء العمل لا محيص عن الالتزام ببعض ما ذكرناه. ومما ذكرناه يظهر الخلط في كلمات الشيخ الاعظم حيث انه مع جعل اعتبار النيابة تنزيل الشخص منزلة المنوب عنه خلط في لوازمه وجعل للعمل الخارجي عنوانين. احدهما كون فعل النائب والاخر فعل المنوب عنه مع ان لازم هذا الاعتبار عدم انتساب الفعل إلى النائب بوجه كما مر. فقوله: فالصلوة الموجودة في الخارج على جهة النيابة فعل للنائب: يناقض في افق الاعتبار لقوله: وفعل للمنوب عنه بعد نيابة النائب يعنى تنزيله منزلة المنوب عنه فان فعل النائب ليس الا عملا قلبيا واعتبارا وادعاء نظير الحقايق الادعائية لكنه ملازم أو موقوف في التحقق الخارجي على العمل الخارجي، فالنيابة على هذا المبنى

[ 216 ]

ليست من الاعمال الخارجية ولا يمكن ان يكون العمل الخارجي فعلا للنائب بعد التنزيل، وما ذكره رحمه الله مضافا إلى مخالفته للاعتبار المتقدم مستلزم لورود الاشكال السابق عليه كما ياتي بيانه. ثم لو قلنا بان حقيقة النيابة هي تنزيل الشخص مقام الشخص يمكن دفع بعض اشكالات اخر عن النيابة في العبادات. منها ان النائب لا امر له بالنسبة إلى العمل والامر متوجه إلى المنوب عنه حقيقته، اما الامر الحقيقي فواضح، ضررة ان الاضافات تشخصها بتشخص اطرافها فيستحيل خروجها من حد إلى حد، فلا يمكن ان يتخطى الامر المتوجه إلى المنوب عنه منه إلى نائبه ومعه لا يمكن انبعاثه لعدم تعلق الانبعاث عن الامر المتوجه إلى الغير، واما الانتساب الاعتباري التنزيلى بلحاظ تنزيل النائب منزلة المنوب عنه فلا يفيد لان الانبعاث حقيقة لا يمكن الا عن البعث الحقيقي فمجرد التنزيل الاعتباري الادعائي لا يوجب توجه الامر إليه حقيقة والتوجه الادعائي لا يمكن ان يصير باعثا حقيقة. ويندفع بان حقيقة النيابة إذا كانت لدى العقلاء ما تقدمت، وقد امضاها الشارع وانفذها بالاخبار المتظافرة كروايات ابن مسلم (1) وابن ابى يعفور (2) والبزنطي (3) وصفوان بن يحيى (4) عن الصادق والرضا عليهما السلام " انه يقضى عن الميت الحج والصوم والعتق وفعاله الحسن " مما هي ظاهرة في صحة النيابة وجوازها يستكشف منهما أي من الاخبار الممضية ومن فرض كونها ما تقدمت التوسعة في الادلة الواقعية من حيث توجه التكليف إلى الوجود التنزيلى توسعة حقيقية بمقدار سعة دائرة الامضاء والانفاذ. ففى الحج لولا دليل النيابة قلنا بلزومه على المستطيع مباشرة ومع عجزه لا يقوم غيره مقامه لكن بعد قيام الدليل بجوازها حيا في حال عجزه وميتا نستكشف


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 12 - من ابواب قضاء الصلوة.

[ 217 ]

بسقوطه عنه بالاتيان الاعم بوجوده التنزيلى ويستكشف منه توجه التكليف باعم. لا يقال: لازم ذلك وجوبه على المتبرع إذا نزل نفسه منزلته فانه يقال: نعم يجب عليه بما انه المنوب عنه مادام تنزيله ولهذا يجب عليه نية الوجوب لكن لا يجب عليه التنزيل ولا ادامته. نعم لو اجر نفسه للنيابة يجب عليه الوفاء بالاجارة بتنزيل نفسه منزلته في العمل ومعه ينوى الوجوب ان وجب على المنوب عنه ولو تركه يعاقب على ترك العمل بالاجارة إذا قلنا بوجوب الوفاء بالعقود ولا يعاقب على ترك الحج لان التكليف متوجه إلى المنوب عنه لا النائب. وتوجهه عليه بعد التنزيل توجه إلى المنوب عنه ايض أبو جوده التنزيلى فمع اتيانه سقط عنه، لاتيانه بوجوده التنزيلى ومع تركه بقى على ذمة المنوب عنه لا النائب. وبالجملة لازم ادلة النيابة توسعة التكليف إلى الوجود التنزيلى، وهذه توسعة حقيقية ببركة التحكيم والتعبد كما قلنا بنظيرها في باب الاجزاء في المأتى به بالتكليف الظاهرى حيث قلنا بان مقتضى ظواهر الادلة الاولية كقوله: " لا صلوة الا بطهور " وان كان اشتراط الصلوة مثلا بالطهارة الواقعية لكن بعد تحكيم قوله: " كل شئ طاهر " على ادلة الشروط صارت النتيجة توسعة دائرة الشرط إلى الطهارة الظاهرية، فالصلوة المأتى بها بالطهارة الظاهرية مصداق حقيقي للصلوة ببركة التعبد والتوسعة المستكشفة بدليل الاصل. ففى المقام يكون توجه التكليف إلى الوجود التنزيلى حقيقيا ببركة استكشاف التوسعة من الادلة فيكون الانبعاث عن البعث، مع امكان ان يجاب في المقام بوجه آخر غير مبنى على ما ذكرناه ومحصله: عدم الاحتياج إلى توجه الامر إلى الآتى بها بعد قيام الدليل على سقوطها عن عهدة المنوب عنه باتيان النائب نظير اداء دين الغير تبرعا، غاية الامر يقصد في المقام التقرب والتعبدية. ومما ذكرناه يظهر الجواب عن اشكال آخر وهو انه كيف يمكن تقرب المنوب عنه بعمل النائب، فان القرب المعنوي كالحسى فكما ان قرب شخص من آخر مكانا

[ 218 ]

لا يوجب قرب غيره فكذلك في القرب المعنوي. (وفيه) ان القرب المعتبر في العبادة لو كان من الحقايق الواقعية كالكمالات الروحانية من حصول نحو تنزه وتجرد عن المادة لكان حصولها للمنوب عنه بفعل النائب ممتنعا لكن لا يعتبر ذلك فيها جز ما، ولما القرب الاعتباري وسقوط الامر أو سقوط المكلف به عن عهدته بفعل الغير بمكان من الامكان، ويستكشف ذلك كله من ادلة النيابة فالنائب يأتي بالفعل بما انه منوب عنه فيحصل قرب المنوب عنه لا قرب نفسه، ولا وجه لحصول القرب له في العمل عن غيره اللهم الا تفضلا، فهذا القرب الاعتباري لا مانع من حصوله مع قصد تحصيله للغير، كما ان سقوط التكليف أو المكلف به ممكن فقياس القرب في المقام بالقرب الحسى مع الفارق. مضافا إلى ان اعتبار نية التقرب أو حصول القرب في العبادات غير ظاهر إذ لا دليل عليه فلا يعتبر فيها الا الاخلاص وكونها لله تعالى ومعه يسقط التكليف أو المكلف به عن عهدة المنوب عنه وهذا موجب لامتيازه عن غيره ممن يشتغل ذمته ويمكن ان يصير ذلك موجبا للتفضل عليه باعطاء الثواب أو سقوط العقاب عنه. بل يمكن ان يقال: ان عمل النائب عن المنوب عنه يوجب وصول صورة عمله البهية إليه كما ورد في بعض الروايات (1) يدخل على الميت في قبره الصلوة والصوم والحج والصدقة والدعاء. ويحتمل ان تكون النيابة في اعتبار العقلاء عبارة عن تنزيل العمل منزلة عمل المنوب عنه، اما بان يوجد العمل نازلا منزلته ويكون بنفس وجوده عملا للمنوب عنه فلا يكون منتسبا إلى النائب في وعاء الاعتبار بوجه فيكون الاجرة للتنزيل لا للعمل، واما ان يكون التنزيل بعد تحقق العمل فيكون عند وجوده عملا للنائب و بالتنزيل للمنوب عنه، فعلى الاول تندفع الاشكالات المتقدمة بنحو ما مر بل لا يرد على هذا الفرض اشكال استحقاق الاجرة بنفس التنزيل فان التنزيل ههنا تنزيل العمل فلا يمكن تحققه بغيره. واشكال المنافاة للاخلاض مندفع بان الاجر في مقابل التنزيل وهو غير العمل وان كان موقوفا عليه بل يظهر مما تقدم عدم امكان كون الاجر


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 1 - من ابواب النيابة.

[ 219 ]

مقابل العمل في الفرض ايضا، لان اعتبار تحقق العمل عملا للمنوب عنه ينافى اعتبار الاجر المتقوم يكون العمل عملا للاجير فلا يعقل الجمع بين الاعتبارين فلا يعقل ان يكون الاجر بازاء العمل، وقد مر ان التوقف غير الغائية. وهذا بوجه نظير اعطاء الاجر للافطار بالتمر مثلا، فان ذلك الاجر لا يعقل ان يقع بازاء الصوم ولو قيدا، لانه بازاء ما يبطله أو ينتهى إليه، فالصوم لا يكون بازاء الاجر ولو توقف تحقق استحقاق الاجر بتحقق الصوم فلا يكون الاجر له ولا غاية له. ومجرد التوقف غير مضر. واما مطالبة الامر في المقام للانبعاث ببعثه فقد تقدم انه لا تتوقف صحة العبادة على الامر، ففى المقام لما فرض كون النيابة عبارة عن قيام العمل مقام عمل المنوب عنه عرفا فمنه ومن دليل تنفيذ النيابة يعلم ان العمل النيابي موجب لسقوطه عن ذمة الميت، فيصير ذلك موجبا لانبعاث المتبرع إلى الاتيان عن جد، كما يستكشف منها صحة الاجارة للنيابة وقد مر امكان حصول التقرب له. وعلى الثاني ايضا يمكن دفع الاشكالات، اما اولها فبما مر، واما قضية الاخلاص فكذلك بان يقال: ان الاجرة على جعل العمل منزلة عمل المنوب عنه لا على ذاته نظير اخذ الاجر على اتيان عمل عبادي في مكان كذا فان جعله فيه ليس عباديا معتبرا فيه الاخلاص، الا ان يقال: بالفرق بين ماكان ذات العمل مطلوبا متعلقا للامر فيكون القصد إلى اتيانه خالصا وجعله في مكان خاص غير عبادي يصح اخذ الاجر عليه، وبين ما لا يكون العمل مطلوبا كالمقام حيث لا يكون مطلوبا من النائب وانما هو في ذمة المنوب عنه فاتيان النائب له بطمع الاجر لله تعالى. ففرق بين المقام والصورتين السابقتين، فان فيهما يكون الاجر مقابل التنزيل ولا يعقل جعله مقابل العمل كما مر، واما في المقام فالعمل عمل النائب يأتي به ليجعله وسيلة لجلب النفع فحينئذ لو قلنا بمقالة الشيخ من مخالفة ذلك للاخلاص فلا مفر منه. واما الاشكالات الاخر فيندفع بالتأمل فيما سبق. ثم ان لوازم النيابة في الصورتين الاخيرتين تخالف مع الصورة الاولى ففيهما

[ 220 ]

لابد من مراعات شرائط صلوة المنوب عنه لا شرائط نفسه بل النائب يراعى في شرائط الفاعل ما هو تكليفه، فلا يجب على الرجل الاخفات أو الستر نحو ستر المرئة لو كان نائبا عنها يجوز الاقتداء به ان كان نائبا عنها أو عن الميت بخلاف الصورة الاولى. ولكن الانصاف ان ما لدى المتشرعة وسائر العقلاء وظاهر النصوص في النيابة ليس شيئا مما تقدم، ضرورة ان الاستيجار انما يقع في العمل عن الغير فيأخذ الاجر ويقع في عرف المتشرعة ارتكارا وعملا في مقابل العمل عن الغير فيأخذه ليعمل الحج عن غيره لا لتنزيل نفسه منزلة غيره في العمل ولا لتنزيل عمله كذلك وهو واضح غير قابل للخدشة، كما هو ظاهر الاخبار الواردة في الحج عن الغير. ففى رواية عبد الله بن سنان " قال: كنت عند ابى عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل فاعطاه ثلثين دينارا يحج بها عن اسمعيل ولم يترك شيئا من العمرة إلى الحج الا اشترط عليه حتى اشترط عليه ان يسعى في وادى ثم قال يا هذا إذا انت فعلت هذا كان لاسمعيل حجة بما انفق من ماله وكانت لك تسع بما اتعبت من بدنك ". ولعمري انها كالصريح في كون الاجر في مقابل العمل عنه. فما تقدم من التصورات اجنبية عن عمل المسلمين وعن مفاد النصوص كالرواية المتقدمة وغيرها مما هي منقولة في كتاب الحج التى هي ظاهرة الدلالة في ذلك، فلابد من دفع الاشكال عن هذه الواقعة التى بيد المسلمين ومفاد النصوص وهو لا يندفع بما تقدم ولا بما افاده الشيخ الانصاري فيستكشف من النصوص صحة العبادات الاستيجارية بنحو الداعي علي الداعي ولا يرد عليها ما اوردناه علي الاستيجار في عبادة نفسه كما لا يخفى. واما الاشكال بانه كيف يسقط عمل عن عهدة شخص بفعل آخر وكيف يتقرب المنوب عنه بفعل نائبه فليس موجها بعد قيام الدليل، وتقدم الوجه فيهما. فتحصل من ذلك ان النيابة في الاعمال في ظاهر الشريعة ولدى المتشرعة هي اتيان العمل عوض الغير وبدله كاداء الدين عنه كما صرح به في رواية الخثعمية

[ 221 ]

فهل ترى من نفسك ان المعطى لدين غيره وعن قبله ينزل نفسه منزلة أو عمله منزلة عمله. وبالجملة ليس في النصوص الا نحو قوله: " يحج عنه " أو " يصلى عنه " و ليس مفاد ذلك الا نحو قوله: " قضى دينه عنه ". واما ما افاده شيخنا العلامة في صلوته ولعله يظهر من خلال كلمات الشيخ الانصاري ايضا. من ان المعتبر في صحة الاجارة قرب المنوب عنه لا قرب العامل فالاشكال بمنافاة اخذ الاجر للقربة المعتبرة في العبادة كالجواب الداعي على الداعي في غير محله (فغير وجيه)، لان حصول القرب على فرض اعتباره مترتب على العمل الخالص لله تعالى فان اتى به بعد الخلوص لنفسه تصير مقربة، وان اتى به لغير يصير الغير مقربا، فلابد من لحاظ منشأ حصول القرب للمنوب عنه، وليس هو الا اتيان النائب العمل لله. مع ان اتيانه للاجر ينافى كونه لله تعالى، فالاجر بنافى الاخلاص ومع عدمه لا يحصل القرب للمنوب عنه، ولهذا لواتى الاجير بالعمل رياء لا يقع عن المنوب عنه لعدم صلاحيته لحصول القرب له فالاشكال في محله وكذا الجواب. واما الشيخ الانصاري فلا تخلو كلماته عن اضطراب، فان الظاهر من بعضها ان الاجر للعمل المأتى به تقربا إلى الله تعالى نيابة عن غيره، وهو ظاهر في كون الاجر في مقابل العمل المقيد لكن الظاهر انه غير المقصود منه بقرينة سائر كلماته ويظهر من بعضها ان الصلوة الموجودة في الخارج على جهة النيابة فعل للنائب بجهة وللمنوب عنه بجهة، والظاهر من مجموع كلماته انه ايضا غير مراد أي لا يعنى ان للصلوة وجودين اعتبارا حتى يرد عليه بانه ليس لها الا وجود واحد ينسب إلى النائب بوجه والى المنوب عنه بوجه. ويظهر من بعضها ان المنطبق على الصلوة الموجودة في الخارج على وجه النيابة عنوانان احدهما ذات الصلوة وهى منسوبة إلى المنوب عنه بوجه، وثانيهما نيابة النائب في فعلها وهى عنوان زائد على ذات الصلوة يقع الاجر بازائه لا بازاء ذات الصلوة

[ 222 ]

والظاهر من مجموع كلماته بعد جعل بعضها قرينة على بعض ان هذا مراده قال: فالموجود في ضمن الصلوة الخارجية فعلان نيابة صادرة عن الاجير النائب فيقال: ناب عن فلان وفعل كانه صادر عن المنوب عنه، فيمكن ان يقال على سبيل المجاز: صلى فلان، ولا يمكن ان يقال: ناب فلان، فكما جاز اختلاف هذين الفعلين في الآثار فلا ينافى اعتبار القربة في الثاني جواز الاستيجار على الاول الذى لا يعتبر فيه القربة " انتهى " وهذه العبارة قرينة على مراده في ساير الفقرات، وكيف كان لو كان مراده تعدد العمل كما توهم فهو خلاف الواقع، لان الصلوة المأتى بها واحدة حقيقة و اعتبارا، وانما التعدد في انتسابها إلى النائب والمنوب عنه، وان كان مراده ما ذكرناه فهو مخالف لما عليه عمل المتشرعة وظاهر الشريعة، لما تقدم من ان الاجر مجعول في مقابل العمل في عرف المتشرعة وهو الظاهر من الاخبار. وبما ذكرناه يظهر النظر في وجه آخر منسوب إلى الشيخ، وهو ان النيابة عنوان يلحق الفعل المنوب عنه وبه يصير متعلقا للاجارة، وهو كون الصلوة عن فلان ; فالصلوة من حيث ذاتها عبادة ومن حيث وصفها أي كونها عن الغير معاملة محضة نظير الصوم والصلوة في البيت " انتهى ". والظاهر ان ذلك ايضا راجع إلى الوجه المتقدم، ويرد عليه ما يرد عليه من انه تصور وتخيل غير مربوط بما بيد المتشرعة وعليه عملهم وغير موافق للظواهر، كما ان الظاهر رجوع الوجه الآخر المنقول عن رسالة القضاء إلى ذلك: وهو ان للصلوة قيدين، احدهما كونها عن قصد القربة، وثانيهما كونها عن الغير ويؤخذ الاجر على هذا القيد. ويرده ما يرد سابقه مع ان تلك الوجوه لا تدفع اصل الاشكال، ضرورة ان المؤجر لا يأتي بالعمل خالصا لله تعالى، وانما يأتي به طلبا وطمعا في الاجر، وبهذا، يفترق فعل الاجير لعمل الغير عن فعله لعمل نفسه في مكان كذا مثلا. فاخذ الاجر لاتيان صلوته الفريضة في مكان كذا لا يضر بالاخلاص إذا اخذه للخوصية بعد تحقق داعيه لاتيان فريضته، فالفرق بينهما واضح، والتخلص عن الاشكال ما

[ 223 ]

تقدم. فتحصل مما مرصحة العبادات الاستيجارية " والسلام على محمد وآله ". خاتمة وفيها مسئلتان الاولى جوائز السلطان الجائر وعماله وصلاتهم بل مطلق المال المأخوذ منهم مجانا أو بعوض لا يخلو عن صور تعرض لمهماتهم الشيخ الاعظم قدس سره. منها ان لا يعلم ان في جملة اموال الجائر مال محرم يصلح ان يكون المأخوذ منه. ولا يكون ما في يده طرف العلم الاجمالي ; وبعبارة اخرى تكون الشبهة في امواله بدوية. والاولى عنوان المسألة بما ذكرناه أي جعل العنوان السلطان الجائر وعماله كما هو صريح نهاية الشيخ وظاهر المحقق ولهذا فسر صاحب الجواهر الجائر في عبارة الشرايع بالسلطان الجائر، وهو ظاهر العلامة في التذكرة والقواعد كما يظهر بالتأمل. وانما قلنا ذلك لان مخالفة قواعد العلم الاجمالي في المسائل الآتية لابد لها من مستند معتمد معمول عليه. وما يمكن ان يقال باستثنائه منها نصا وفتوى هو نحو جوائز السلطان الجائر وعماله والحاق مطلق الظالم به كالسارق أو مطلق من لم يتورع عن الخرام أو مطلق المال المخلوط به: محل اشكال وكلام كما يأتي انشاء الله. وكيف كان ان في جوائز السلطان وصلاته وسايرما يؤخذ منه بعوض أو بلا عوض شبهتين: احديهما احتمال ان لا يكون المال منه وتكون يده عليه غاصبة، وهو مدفوع في هذه الصورة بقاعدة اليد واطلاق ادلتها، وببعض الروايات الآتية ولو بالفحوى. وثانيتهما احتمال ممنوعية اخذ الجائزة والصلة وغيرهما من خصوص السلاطين الجائرين سيما مثل الغاصبين للخلافة، واحتمال عدم جواز اكل اموالهم والتصرف فيها كاحتمال حرمة عشرتهم وصحابتهم والدخول عليهم وهو مدفوع باصالة البرائة والحل.

[ 224 ]

ولعل تمسك الشيخ الاعظم بالاصل لدفع الشبهة الثانية لا الاولى، فوقوع بعضهم كالفاضل الايروانى في حيص وبيص من تمسكه بالاصل أو حمل الاصل على قاعدة اليد لعله في غير محله. ولعل ما ذكرناه ظاهر قوله: فلا اشكال في جواز اخذه وحلية التصرف فيه للاصل (الخ) ولو فرض عدم ظهوره فلا اقل انه محتمله، مضافا إلى عدم الاشكال في الاحتياج إلى الاصل لدفع تلك الشبهة، ولا تندفع بقاعدة اليد ولا بالعلم بكون المال ماله، إذ احتمال ان جوائزه وعطاياه محرمة علينا ولو علمنا انها امواله لاحتمال مبغوضية مطلق التماس معهم بشئونه سيما ماكان مظنة لجلب الحب والوداد غير مدفوع الا بالاصل، فالحكم بالجواز الفعلى والحلية الفعلية يتوقف على قاعدة اليد و الاصل كليهما. نعم تندفع الشبهتان ببعض الروايات الاتية فالتمسك بالاصل مع الغض عنها. ثم قال الشيخ الاعظم ربما يوهم بعض الاخبار انه يشترط في حل مال الجائر ثبوت مال حلال له مثل ما عن الاحتجاج عن الحميرى " انه كتب إلى صاحب الزمان عليه السلام يسأله عن الرجل من وكلاء الوقف مستحل لما في يده لا يتورع عن اخذ ماله ربما نزلت في قرية وهو فيها أو ادخل منزله وقد حضر طعامه فيدعوني إليه فان لم آكل من طعامه عاداني عليه فهل يجوز لى ان آكل من طعامه واتصدق بصدقة وكم مقدار الصدقة وان اهدى هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فيدعوني إلى ان انال منها وانا اعلم ان الوكيل لا يتورع عن اخذ ما في يده فهل على فيه شئ ان انا نلت منه (الجواب) ان كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما يده فكل طعامه واقبل برء والا فلا ". بناء على ان الشرط في الحلية هو وجود مال آخر فإذا لم يعلم به لم يثبت الحل " انتهى ". وهو مبنى على ان يكون السؤال في الرواية عن شخص غير مبال في مال الوقف وغير متورع عن اكله، فيكون محط شبهته ان يد غير المتورع معتبرة كساير الايادي ويعامل مع ما في يده معاملة ملكه أو انها ساقطة لاجل عدم تورعه و عدم مبالاته. وبعبارة اخرى ان من لم يتورع عن مال الوقف تسقط يده فيما كانت معتبرة

[ 225 ]

لو لم يكن كذلك ولا يكون السؤال عن حيث العلم الاجمالي أو التفصيلي يكون ما في يده حراما حتى تكون الرواية اجنبية عن الصورة المفروضة. والظاهر ان السؤال ناظر إلى الوجه الاول، والجواب بانه ان كان له معاش (الخ) مناسب له بل لعله ليس امرا تعبديا لكونه ظاهرا موافقا لبناء العقلاء ايضا في ترتيب الاثر على اليد ; لان من لم يكن له طريق معاش سوى السرقة أو غصب مال الغير كالوقت ونحوه لا يعامل العقلاء مع ما في يده معاملة ملكه ولو في الشبهة البدوية. وعلى ان تقدير ان المراد من الجواب بعد فرض كون السؤال عن الحيثية المتقدمة انه إذا لم يكن للرجل مال ومعاش غير الوقف لا يؤخذ بره ولو مع عدم العلم تفصيلا أو اجمالا بكونه من مال الوقف، وهو عبارة اخرى عن سقوط اعتبار يده فيما تعتبر يد غيره، وعلى ما ذكرناه يسقط الاشكال على الشيخ من هذه الجهة بان الرواية اجنبية عن الصورة الاولى. نعم هنا اشكال آخر عليه وهو ان موضوع السؤال والجواب فيها وان كان عن يد الشخص الذى لا يتورع عن الحرام الذى في يده، لكن المفروض وجود ممر حرام معلوم بالتفصيل عنده وكان غير متورع عنه، فأجاب في الفرض بما اجاب الذى قلنا انه موافق لبناء العقلاء ظاهرا، وهو غير الصور المذكورة أي صورة العلم الاجمالي بكون حرام في يده أو عدمه، فمروض السؤال والجواب حيثية غير مربوطة بالصور المذكورة في المقام. ثم ان الظاهر من الرواية انه ان كان له مال آخر يجوز اخذ بره واما لزوم العلم الوجداني بكون المال غير الوقف وبكونه حلالا فلا، فلو فرض احراز كونه غير الوقف بالبينة واحراز كونه حلالا بكونه في يده يكون كافيا لتحقق موضوع الرواية وتكون ادلة حجية البينة واليد حاكمة عليها ومنقحة لموضوعها. فما افاده الشيخ من لزوم العلم بمال حلال له غير ظاهر ان اراد بالعلم هو الوجداني منه. نعم ربما يستشكل في احراز اليد عنوان مال آخر الذى هو مذكور في الرواية لعدم الدليل على حجية مثل تلك الامارات لمثل هذه اللوازم وللكلام فيه

[ 226 ]

محل آخر. ومنها ان يعلم اجمالا بان في اموال الظالم مالا حراما يمكن ان تكون الجائزة منه تماما أو بعضا مع عدم العلم ولو اجمالا بان الجائزة مشتملة على الحرام، وبعبارة اخرى تكون الجائزة طرف العلم الاجمالي، وفيها صورتان. احديهما صورة عدم تنجيز العلم الاجمالي لاجل الجهات المشتركة مع ساير المباحث ككون الاطراف غير محصورة ونحوه. ثانيتهما صورة عدم المانع من تنجيزه من هذه الجهات مع قطع النظر عن خصوصية المورد، وقبل الورود في المطلب لابد من التنبيه بامر ربما صار الخلط فيه موجبا للخطاء في كثير من مباحث العلم الاجمالي. وهو ان العلم بالتكليف بحسب الكبرى الكلية قد يتعلق بتكليف فعلى يعلم بعدم رضا المولى بتركه كائنا ما كان لاجل اهميته عنده نظير قتل النبي صلى الله عليه وآله وقتل الولد في لموالى العرفية، ومع يسقط جميع الاصول العقلية و الشرعية وجميع الامارات العقلائية والشرعية ويجب عقلا الاحتياط التام حرجيا كان ام لا ولا عذر الا العجز العقلي، وذلك لانه مع هذا العلم الوجداني بالتكليف الفعلى الكذائي لا يحتمل جواز الترخيص في العمل بالامارات ولو في الشبهات البدوية وكذا في العمل بالاصول، لان جواز الترخيص بها مساوق لاحتمال اجتماع النقيضين، ضرورة ان العلم الوجداني بعدم رضا المولي بترك الواقع لا يجتمع مع احتمال الترخيص في تركه، فان اجازة العمل بالامارة أو الاصل ولو في الشبهة البدوية ملازمة للترخيص في ترك الواقع على فرض تخلفها عنه. بل العلم بهذه المرتبة من الاهمية بيان على التكليف الواقعي، وان شئت قلت كاشف عن ايجاب الاحتياط، وهو بيان وارد على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ففى هذه الصورة لا يمكن الترخيص في الشبهات البدوية فضلا عن اطراف العلم أو بعضها، وفى مثله يصح ان يقال: ان الترخيص في الاطراف ترخيص في المعصية وهو محال لكن هذه الصورة قليلة الاتفاق في الشرعيات ويجب فيها على المولى عقلا ايجاب الاحتياط.

[ 227 ]

في الشبهات البدوية مع عدم العلم بهذه المرتبة من الاهمية. وقد يتعلق العلم بالحجة كاطلاق دليل أو عموم عام أو نحو ذلك من ظاهر الكتاب والسنة، لا العلم بالتكليف الواقعي الفعلى، فاطلاق الكتاب يقتضى حرمة الميتة والخمر، كانتا معلومتين تفصيلا أو اجمالا ام مجهولتين، ولكن العلم بالاطلاق لا يلازم العلم الوجداني بالتكليف الواقعي الفعلى، وان يلازم العلم بقيام الحجة على الواقع، لكن يحتمل وجدانا تخلفها عن الواقع وان لا عذر للعبد مع قيام الحجة في التخلف عنها، وفى هذه الصورة لا مانع عقلا من الترخيص في المخالفة القطعية فضلا عن الاحتمالية. وهذه الصورة هي التى ينبغى ان يبنى عليها المباحث الآتية ومباحث العلم الاجمالي في باب الاشتغال، فمع عدم امتناع الترخيص في الاطراف جميعا أو بعضا يلاحظ مقتضى الادلة المرخصة ويؤخذ بها، وان اقتضت الترخيص في جميعها، فان الترخيص في الجميع يلازم غمض العين عن التكليف الواقعي لمصالح اهم منه ولم لم نعلم بها، فالترخيص في جميع الاطراف في هذه الصورة كالترخيص في الشبهة البدوية والترخيص في العمل بالامارات في امكانه، كما ان الجميع مشتركة في الصورة الاولى في الامتناع. فمباحث العلم الاجمالي في باب القطع ينبغى ان تكون من قبيل الصورة الاولى كما ان مباحث العلم الاجمالي في باب الاشتغال كعدم تنجيزه في الشبهة الغير المحصورة أو في صورة الاضطرار إلى بعض الاطراف أو في صورة عدم الابتلاء به إلى غير ذلك من مباحث التنجيز واللاتنجيز والانحلال التعبدى وغير ذلك: ينبغى ان يبحث عنها في فرض الصورة الثانية، فانه ساقطة مع الصورة الاولى كما لا يخفى على اولى النهى. وبحثنا في المقام من قبيل الصورة الثانية، فمع فرض هذه الصورة لو كان العلم الاجمالي غير منجز كالشبهة الغير المحصورة أو كفرض الاضطرار إلى بعض الاطراف وغيرهما من موارد عدم التنجيز فحكمها حينئذ كالصورة الاولى بعين ما ذكر فيها. ثم انه حكى عن جماعة كراهة الاخذ ونحن وان بنينا على عدم التعرض

[ 228 ]

الالمهمات المسائل لكن لا بأس هنا بالاشارة الاجمالية. فنقول ان هيهنا عناوين كراهة كل منها على فرض ثبوتها غير مربوطة بالآخر كما ان رفعها لا يكون على نسق واحد (منها) عنوان الاستعطاء من السلطان وعماله (ومنها) اخذ جوائزهم (ومنها) التصرف في نفس المأخوذ استعطاء بما هو مأخوذ كذلك أو بنحو الجائزة بلا استعطاء بما هو مأخوذ كذلك (ومنها) التصرف في المال المنسوب إليهم وان لم يكن بنحو الاستعطاء أو الجائزة وعلم كونه ماله وحليته (ومنها) التصرف في المال واخذه بما انه مال مشتبه حليته وحرمته. والظاهر ان الصورة الاولى خارجة عن محل البحث وان كان الاستعطاء مكروها مطلقا ولعله من الجائر اشد كما هو ظاهر بعض الروايات الآتية، وما استدلوا لها في المقام بعضها راجع إلى العنوان الاخير وبعضها إلى الثاني أو الثالث ايضا كما ان ما ذكر في رفع الكراهة من اخبار ذى اليد واخراج الخمس على فرض صحته انما هو راجع إلى رفع الكراهة الحاصلة بالعنوان الاخير دون غيره. اقول: يمكن تعميم مثل قوله: " دع ما يريبك " (1) وقوله: " من ترك الشبهات نجى من المحرمات " (2)، وكذا أخبار التثليث والتوقف (3) إلى جميع الصور المتقدمة بان يقال: في كل من تلك الصور شبهة الحرمة فكما ان في الاموال التى بيده ريب و شبهة كذا في الاستعطاء واخذ الجائزة من السلطان وعماله والتصرف فيها بل في مطلق المال المنسوب إليهم فقوله: دع ما يريبك شامل لجميعها. لكن الظاهر عدم ثبوت الكراهة الشرعية التابعة لحزازة ذاتية من تلك الاخبار على كثرتها، لان لسانها لسان الارشاد إلى عدم الابتلاء بالمحرمات كما يظهر من قوله: " فمن ترك الشبهات نجى من المحرمات، ومن اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم " وقوله: " والمعاصي حمى الله فمن يرتع حولها يوشك ان يدخلها " (4).


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب القضاء - الباب 12 - من ابواب صفات القاضى وما يجوزان يقضى به.

[ 229 ]

مضافا إلى ان الناظر في الاخبار الواردة في عدم جواز الفتياء بغير علم والقضاء (1) كذلك، وما ورد من نحو قوله: " بين رشده، وبين غيه "، (2) وغير ذلك مما وردت في العلم يقطع بان المراد منه فيها على كثرتها كتابا سنة وليس خصوص العلم الوجداني بل الاعم منه ومما حصل من ظاهر الكتاب والسنة، فمن افتى بظاهر الكتاب والسنة وقضى على موازين القضاء افتى وقضى بعلم، وبين الرشد ما دل الدليل الشرعي على رشده لا خصوص ما علم وجدانا وكذا المراد من الريب والشك والجهل ونحوها المقابل له ليس الوجداني منها، فعليه تكون ادلة اليد وساير الامارات حاكمة أو واردة على مثل تلك الروايات ومعدمة لموضوعها تعبدا وتحكيما كما ان الريب من جهة الشبهة الحكمية مدفوع بمثل حديث الرفع الحاكم عليها. نعم يبقى سؤال قلة المورد أو فقدانه في تلك الادلة، وللكلام فيه محل آخر. وكيف كان اثبات الكراهة الشرعية بها: غير وجيه. نعم يمكن الاستدلال لها في بعض تلك العناوين المتقدمة أو جميعها ببعض روايات خاصة كرواية حريز (3) ولا يبعد صحتها إذ ليس في سندها ما يناقش فيه الا سهل بن زياد وهو سهل، وفى طريق الكافي بدل حريز حديد وهو ابن حكيم الثقة " قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول اتقوا وصونوا دينكم بالورع وقووه بالتقية و الاستغناء بالله عزوجل عن طلب الحوائج إلى صاحب السلطان انه من خضع لصاحب سلطان ولمن يخالفه على دينه طلبا لما في يديه من دنياه اخمله الله عزوجل ومقته عليه، ووكله إليه، فان هو غلب على شئ من دنياه فصار إليه منه شئ نزع الله جل اسمه البركة منه ولم يأجره على شئ منه بفقة في حج ولا عتق ولا بر ". فان الظاهر من صدرها استحباب الاستغناء عن طلب الحوائج من صاحب السلطان


(1) الوسائل - كتاب القضاء - الباب 4 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به. (2) الوسائل - كتاب القضاء - الباب 12 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقتضى به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 230 ]

بل لا يعبد استفادة كراهة طلبها منه ايضا. والفقرة لثانية أي قوله: من خضع (الخ) ظاهرة في شدة كراهة الخضوع له طلبا لما في يديه ولو بنحو الجائزة المترتبة على جلب قلبه. والفقرة الثالثة أي قوله: فان هو غلب على شئ (الخ) ان كانت مربوطة بخصوص الخاضع لطلب الدنيا، لا دلالة فيها الا على عدم البركة والخير في المال الذى يصير إليه بتلك الوسيلة ولو بنحو الجائزة، فتدل على كراهة التصرف المأخوذ جائزة في هذا الفرض لا مطلقا وان كانت اعم من ذلك ويراد بها من صار إليه شئ من امواله مطلقا فلا بركة فيه: تدل على كراهة المأخوذ منهم عطية وجائزة ونحوهما، ولا يبعد على هذا الفرض استفادة كراهة القبول ايضا " تأمل "، والا ظهر الاحتمال الاول فلا دلالة فيها على كراهة مطلق الجائزة (نعم) تدل على كراهة قسم منها، واحتمال رجوع الضمير إلى طالب الحوائج: بعيد. واما ساير الروايات فلا دلالة فيها على الكراهة الشرعية، لا في المال ولا في ساير العناوين المتقدمة اما قوله: " ان احدكم لا يصيب من دنياهم شيئا " (الخ)، فانه في ذيل صحيحة ابى بصير (1) وبمنزلة التعليل لحرمة الدخول في اعمالهم، والظاهر ان المراد منه انهم استعملوكم في الحرام لا محالة، فلا يمكن استفادة الكراهة من التعليل الوارد في الدخول المحرم. واما المروى عن موسى بن جعفر عليه السلام " والله لولا انى ارى من ازوجه من عزاب " (الخ) (2) فلان وجه عدم قبوله غير معلوم، ولعله للاحتراز عن المشتبه احتياطا ومعه لا تدل على الكراهة الشرعية، وبمثلها يجاب عن رواية العلل مرسلة (3) " وكان الحسن عليه السلام والحسين عليه السلام ياخذان من معوية الاموال فلا ينفقان من


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 51 - من ابواب ما يكتسب به مجهولة بمحمد بن الحسن المدنى وغيره. (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 44 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 231 ]

ذلك على انفسهما ولا على عيالهما ما تحمله الذبابة بفيها ". نعم قد تشعر بالكراهة صحيحة الوليد بن صبيح (1) " قال دخلت على ابى عبد الله عليه السلام فاستقبلني زرارة " إلى ان قال: " يا وليد متى كانت الشيعة تسئل عن اعمالهم انما كانت الشيعة تقول يؤكل من طعامهم ويشرب من شرابهم ويستظل بظلمهم "، إذ لا يبعد ان يكون ذلك تقريرا على حزازة اكل طعامهم (الخ) ولولا قوله: يستظل بظلهم، لكان من المحتمل ان يراد من السؤال عن الاكل والشرب دفع احتمال نجاستهم فلا يخلو ما ذكر من الاشعار بالحزازة. ولكن اثبات الكراهة بذلك مشكل فلا دليل عليها. بل لا يعبد دلالة بعض الروايات على عدمها كقوله: " لا بأس بجوائز السلطان " (2) وقوله: " جوائز العمال ليس بها بأس " (3) بناء على ان البأس اعم من الحرمة أو استعماله غالبا في الكراهة، وان احتمل في المقام بمناسبة غلبة شبهة الحرمة رجحان ارادة نفيها، لا نفى الكراهة أو الاعم منها، وكقوله: " ان الحسن والحسين عليهما السلام كانا يقبلان جوائز معوية " (4) إذ كان بصدد بيان الحكم من حكاية عملهما، فلا يبعد ظهورها في نفى البأس مطلقا لولا رواية العلل المتقدمة، وكبعض الروايات الدالة على اجازة الاخذ والحج بها، واوضح منها رواية عمر اخى عذافر (5) المشتملة على حكاية ذهاب متاعه ووعد عامل المدينة اعطاء عوضه، وفيها " فائت العامل فتنجز منه ما وعدك فانما هو شئ دعاك الله إليه لم تطلب منه ". فان الظاهر منها انه مع عدم الطلب لا حزازة في اخذه ولا في المأخوذ، لانه من دعوة الله تعالى وعطيته، مضافا إلى ان الطلب مكروه لا حرام، والظاهر منها رفع ما ثبت بالطلب، وهذه الرواية رافعة لاجمال رواية حريز المتقدمة لو كان فيها اجمال. فتحصل من ذلك ان في المأخوذ مع الاستعطاء أو بالملق والخضوع حزازة وفى


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 45 - من ابواب ما يكتسب به. (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 51 - من ابواب ما يكتسب به. (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 51 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 232 ]

التصرف فيه كراهة، وبدون ذلك لا دليل على كراهته الشرعية. ثم ان الكراهة لو كانت من ناحية الاستعطاء أو الملق والاستعطاف أو لاجل كون الاخذ والاستفادة منه معرضا لحصول المحبة له أو قلنا بكراهة نفس الاخذ فلا ترفع باخبار ذى اليد ولا باخراج الخمس وهو واضح بل الظاهر عدم رفعها مطلقا باخباره بما هو ذو اليد. نعم لو قلنا بان المراد من مثل قوله: " دع ما يريبك " هو الريب الوجداني وقلنا باستفادة الكراهة منه: يمكن ان يقال: برفعها باخبار من يوثق بصدقه كان بذى اليدام لا، لرفع الريب عرفا، وكذا لا يرفع باخراج الخمس وان قلنا باستحبابه، لعدم الملازمة بين استحبابه وعدم الكراهة في التصرف في البقية، والامر سهل. واما الصورة الثانية وهى صورة عدم المانع من تنجيز العلم الاجمالي بالجهات العامة المذكورة في محلها فمع الغض عن اخبار الباب وغيرها قد يقال: ان العلم الاجمالي حاصل بان هذا المال الذى اجاز الجائر في تصرفه أو اعطاه جائزة لغير الجائر أو غيره مما في يده ومقتضاه الاجتناب عن الجميع ولو قلنا بان الخروج من محل الابتلاء مؤثر في عدم تنجيزه فان الاموال التى تحت يد الجائر غير خارج عنه، ضرورة عدم استهجان الخطاب بالنسبة إليها وانها مورد ابتلائه من حيث امكان الابتياع واجازة التصرف ونحو ذلك وبالجملة اعتبار عدم الخروج بهذا النحو عن محل الابتلاء خلاف الضرورة مع الغض عن فساد اصل المبنى، فالعلم الاجمالي موجب للتنجيز. ويمكن المناقشة فيه بان العلم الاجمالي بان هذا لزيد المغصوب منه أو ذلك غير مفيد، لان مال زيد مثلا بما هو ماله وبهذا العنوان ليس موضوعا للحكم وما هو موضوع له هو مال الغير بلا اذنه أو مال اخ مسلم بغير طيب نفسه ولم يتعلق علم اجمالي بهذا العنوان، لان ما في يد الجائز الغير المأذون فيه من قبله كما هو مفروض المسألة معلوم تفصيلا انه للغير ولامرء مسلم لا يطيب نفسه بالتصرف فيه كما هو معلوم الحرمة تفصيلا، فالحكم الشرعي وموضوعه معلومان تفصيلا بالنسبة إلى ما في يد الجائر و ان لم يعلم انه له أو لغيره وما اجاز في التصرف فيه مشتبه بدوى بالنسبة إلى الموضوع

[ 233 ]

ذى الحكم، وكذا بالنسبة إلى الحكم وان علم اجمالا ان هذا لزيد لو ما في يد الجائر وبالجملة ما علم اجمالا ليس موضوعا للحكم ولا اجمال فيما هو موضوع له. وهذا بوجه نظير ما علم تفصيلا بكون مايع خمرا وعلم اجمالا بانها اما من هذا العنب أو ذاك فان العلم الاجمالي غير متعلق بموضوع ذى حكم فلا يكون منجزا في عرض العلم التفصيلي، فالعلم الاجمالي المذكور لا يمنع عن اصالة الحل. وقد يقال لا مسرح لاجراء ادلة حل ما لم يعلم بحرمته في المقام يعنى في باب اباحة التصرف في جوائز السلطان اصلا، لانه ان كان هناك اصل أو امارة تقتضي جوازه كاليد واصالة صحة تصرف المسلم على تقدير جريانهما فالحل مستند إليه، والا فاصالة عدم ملك المجيز لما اجازه أو عدم سبب ملك المجاز له ; بل اصالة عدم ملك المجاز حاكمة على اصالة الحل " انتهى ". اقول اما اليد واصالة الصحة فيأتي الكلام فيهما، واما الاصول الموضوعية المذكورة ففى جريانها اشكال، اما اصالة عدم سبب الملك التى قررها المورد المحقق طاب ثراه بان ما في يد الجائر صار ملكا له بسبب حادث كالشراء والصلح والتوريث و نحوها، وكلها مسبوق بالعدم، فاصالة عدم حدوث سبب الملك حاكمة على اصالة الحل فيرد عليها بان ما هو موضوع للحكم الشرعي أي حرمة التصرف أو عدم حليته هو ملك الغير بغير اذنه أو مال الاخ المسلم لا بطيب نفسه، وهذا الحكم ثابت معلوم مع قطع النظر عن بعض الروايات الواردة بهذا المضمون ويؤيده الروايات فالاستصحاب ان احرز موضوع هذا الحكم يصير حاكما على اصالة الحل فلابد من النظر في ان الاصل المذكور أو ساير الاصول الموضوعية المذكورة هل يصلح لاحراز موضوع الدليل الاجتهادي أو لا، فنقول: ان اصالة عدم حدوث سبب الملك لا تفيد سواء قلنا بان السببية مجعولة استقلالا، أو قلنا بان المجعول هو المسبب عقيب وجود السبب، لانه على الاول يكون ترتب السبب على المسبب عقليا وان كانت السببية شرعية، فاصالة عدم وقوع السبب لا تثبت عدم ملكية ما بيد الجائر وان اغمض عن الاشكال المطرد في نحو تلك الاصول العدمية بعد كون الجعل متعلقا بالجانب الوجودى، وكذا على الثاني، لان السببية

[ 234 ]

غير مجعولة على الفرض، فعدم حدوث السبب لا اثر له رأسا واصالة عدم حدوث الملك له غير اصالة عدم حدوث السبب الا ان يقال: انه على هذا الفرض يكون السبب موضوعا لترتب المسبب الشرعي عليه فبنفيه ينفى مع الغض عن الاشكال المطرد. ثم لو بنينا على اثبات عدم ملكية الجائر باصالة عدم السبب لكن عدم ملكيته ليس موضوعا لحرمة التصرف وعدم الحل. بل الموضوع ملك الغير بغير اذنه في التصرف أو التصرف في ملك الغير بغير اذنه ومال الاخ المسلم بغير طيب نفسه والاصل المذكور لا يفيد لاثبات الموضوع. ومن هنا يظهر الكلام في اصالة عدم ملكية المجيز لهذا المال وكذا اصالة عدم ملك المجاز. ان قلت: ان احتمال الحل ناش من احتمال كونه مال الجائر واصالة عدم كونه ماله يدفع هذا الاحتمال تعبدا. قلت ان الحل لازم اعم لكون المال مال الدافع ومال غيره مع اذنه وكونه من المباحات وكونه مال الاخذ المجاز واقعا لكن لما علم وجدانا أو بطريق معتبر عدم كونه الا مال الدافع أو المغصوب منه لا محالة يكون احتمال الحل منحصرا بكونه مال الدافع فتكون الملازمة بين عدم كونه مال الدافع وبين عدم الحل مطلقا علمية، وفى مثله لا يثبت الا بالاصل المثبت، فان نفى اللازم الاعم بنفى احد الملزومات للملازمة العلمية عقلي ومن الاصل المثبت. ثم هنا اصل آخر تمسك به المحقق المتقدم طاب ثراه (1) وهو اصالة عدم وقوع الاذن من المالك في مورد اذن الجائر، وهو بهذا الظاهر مخدوش، لانها من قبيل استصحاب الكلى لاثبات حال الفرد، فان استصحاب عدم وقوع الاذن من المالك لا يثبت ان هذا الموجود ملك لمالك لم يأذن فيه. وان اراد منها اصالة عدم كون الاذن المحقق الصادر من الجائر من المالك على ان يكون اللام في الاذن للعهد (فيرد عليه) ان الاذن المحقق ليست له حالة سابقة بالكون


(1) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله.

[ 235 ]

الناقص، واستصحاب عدم الكون المحمولي غير مفيد، وبالجملة يرد عليه ما يرد على اصالة عدم القرشية والتفصيل في محله، مضافا إلى انه مع تسليم جريانه ايضا غير مفيد، لان استصحاب عدم كون الاذن المحقق من مالكه لا يثبت عدم اذنه مطلقا ولو بغير هذا الفرد الا بالملازمة العلمية نظير ما تقدمت الاشارة إليه آنفا. نعم يمكن تقرير الاصل بوجه آخر بان يقال: ان هذا المال كان سابقا لمالك لم يأذن في التصرف فيه، لا بنحو المعلوم بالاجمال أو الفرد المردد، حتى يقال: بانه لا شك في هذا المعنى الاجمالي أو الفرد المردد حتى يستصحب، ولا تتحد القضية المتيقنة والمشكوك فيها، لا موضوع المتيقنة مجمل أو مردد، وليس هذا المعنى المجمل أو المردد مشكوكا فيه، بل يشار إلى الفرد الواقعي والمالك الحقيقي فيقال: ان هذا المال كان لمالك موجود مشخص واقعا لم يأذن فيه وان لم اعرفه. وهو لا يضر بالعلم بالواقع فيستصحب هذا العنوان، وهو عين العنوان المأخوذ في الدليل الاجتهادي فينقح به الموضوع ويترتب عليه الحرمة، ويدفع به موضوع اصالة الحل. الا ان يقال: بورود نظير شبهة الغروب والمغرب في المقام فكما يقال: بعدم جريان استصحاب عدم الغروب هناك، لانه ان كان عبارة عن سقوط القرص فهو معلوم التحقق وان كان زوال الحمرة فهو معلوم العدم فلا شك في البقاء بل الشك في انطباق مفهوم الغروب على هذا أو ذاك وهو اجنبي عن الاستصحاب يقال هيهنا بان لا شك في الواقع، لان الاجازه من الجائر متيقنة، ومن الطرف الاخر متيقنة العدم، والشك في انطباق المالك على الجائر أو الطرف فليس من البقاء. لكن الظاهر عدم وقع للشبهة لا هناك ولا ههنا لتحقق الشك وجدانا في بقاء النهار هناك وان كان منشأه في الواقع الاشتباه في المفهوم فدوران الامر بين الامرين المعلوم كل منهما على فرض محقق الشك في بقاء النهار. فالشك في بقائه تارة يكون لاجل الشك في ذهاب الحمرة بعد احراز المفهوم واخرى لاجل الشبهة في المفهوم وهى محققة الشك وجدانا لا منافيته، وكذلك

[ 236 ]

في المقام، لان الشك في بقاء عدم اذن المالك الواقعي وجدانى وان كان منشأه العلم الجمالى بان مالكه هو الجائر المجيز أو غيره. وبالجملة لا يمكن انكار هذه الواقعة أي العلم بعدم اجازة المالك الواقعي لهذا المال والشك في بقائه و تبدله. نعم هنا شبهة اخرى هي ان المعتبر في الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة و المشكوك فيها. وبعبارة اخرى يعتبر تعلق الشك بعين ما تعلق به اليقين وليس في المقام كذلك، لان العلم قد تعلق بشئ والشك بالآخر. ويتضح ذلك بالتدبر في مورد استصحاب الكلى من القسم الثاني كالفرد المردد بين طويل العمر وقصيره بعد مضى زمان احتمال بقاء القصير فانه قد يراد فيه استصحاب الكلى بين الحيوانين منقطع الاضافة عن الخصوصيات فلا كلام فيه ههنا بل الظاهر وحدة القضيتين وعدم الاشكال من هذه الجهة، و قد يراد استصحاب شخص الحيوان الموجود في الخارج بان يقال: قد علم تحقق حيوان شخصي خارجي وجزئي حقيقي قبل مضى زمان العلم بزوال القصير وبعده شك في بقاء ذلك الجزئي فيستصحب. (وفيه) ان القضية المتيقنة ههنا غير القضية المشكوك فيها، لان اليقين تعلق بالحيوان مردد بين القصير والطويل، ضرورة عدم تعلقه بخصوص الطويل أو القصير والشك في البقاء لم يتعلق بالحيوان المردد بينهما بل هنا احتمالان كل تعلق باحد طرفي الترديد، احتمال بقاء الحيوان وهو متعلق بالطويل واحتمال عدمه وهو متعلق بالقصير. وبعبارة اخرى ما هو محتمل البقاء وهو الطويل محتمل التحقق من اول الامر كما ان ما هو محتمل الزوال محتمل التحقق، وما هو يقيني التحقق ومحتمل البقاء هو الكلى الجامع بينهما. وان شئت قلت ان المتيقن هو المعلوم بالاجمال إذا لو خط الموجود الخارجي بخصوصيته فان الحيوان في الخارج وان كان جزئيا حقيقيا لكن العالم مردد بين كونه طويل العمر أو قصيره وهذا عبارة اخرى عن العلم الاجمالي ; والفرد المردد بحسب وجدان العالم والشك في البقاء لم يتعلق بهذا المعلوم بالاجمال ; لان معنى

[ 237 ]

تعلقه به ان يشك في بقاء هذا المعلوم المجمل المردد فإذا علم بوجود حيوان مردد بين الفرس والحمار وشك في موت ما هو المردد المجمل بان احتمل موته سواء كان فرسا أو حمارا كان الشك متعلقا بعين ما تعلق به اليقين وتكون القضيتان متحدتين. واما في المقام فليس كذلك لانه لا يحتمل زوال الحيوان المردد بين الطويل والقصير كما هو واضح، وما نحن فيه كذلك لان المال الذى لم يتعلق به اذن المالك معلوم بالاجمال ومردد بين كونه للجائر أو غيره وبعد اذن الجائر علم بتبدل عدم اذنه بالوجود وعلم ببقاء عدم اذن الطرف لو كان مالكا لكن الشك في بقاء عدم كان المالك لاجل احتمال كون المالك غير الجائر ; لا لاحتمال عدم التبدل سواء كان المالك جائرا ام غيره فمحتمل البقاء محتمل التحقق لا متيقنه. وبالجملة المتيقن معلوم بالاجمال ومحتمل البقاء احد المحتملين دون الآخر فاستصحاب عدم وقوع الاذن من المالك كاستصحاب عدم التمليك منه غير جار " فتدبر فانه حقيق به ". واما استصحاب الكلى فلا مسرح له في المقام لان احد طرفي الترديد مالك والآخر غير مالك ولا يعقل ان يكون الجامع بينهما القابل للصدق عليهما المالك الغير الآذن مع ان في استصحاب الجامع في المقام اشكالا نغمض عنه. ثم ان الظاهر جريان الاصل الحكمى وهو اصالة بقاء حرمة التصرف في المجاز فيه من قبل الجائر، لان عدم جوازه قبل اجازته كان معلوما بالتفصيل وان كان منشأه معلوما اجمالا، وهو نظير العلم بنجاسة مايع تفصيلا مع التردد في ان نجاسته من وقوع قطرة من دم زيد فيه أو عمرو فالتردد في المنشأ لا في المعلول، فالعلم التفصيلي متعلق بحرمة التصرف في المال المأخوذ والشك في بقائها عينا ففرق بين المقام وما تقدم كما يظهر بالتأمل، كما ان استصحاب عدم النقل بعد تمليك الجائر لا مانع منه. ثم انه ربما يتوهم ان اليد معتبرة في المأخوذ بعد العلم التفصيلي بحرمة ما في يد الجائر (وفيه) ان ما قلنا في عدم تأثير العلم الاجمالي وعدم منجزيته

[ 238 ]

في حرمة التصرف، لا قبل الاجازة ولا بعدها، للعلم التفصيلي بحرمة الجميع قبلها و حرمة ما في يد الجائر بعدها، وان العلم بان هذا مال زيد أو مال الجائر لا يؤثر في حرمة التصرف: غير جار ههنا، لان اليد امارة عقلائية انقذها الشارع وهى كاشفة عن مالكية ذى اليد ويترتب على ما في يده جميع آثار الملكية الواقعية من البيع والشراء والصلح والاجارة ونحوها بل يجوز الشهادة على ملكية ذى اليد، ومع العلم الاجمالي بان بعض ما في يده ليس منه تسقط يده عن الا مارية والحجية سواء كان مستندها الدليل الشرعي كقوله: " من استولى على شئ منه فهو له "، أو بناء العقلاء ; لعدم البناء جزما على ترتيب آثار ملكية ذى اليد على مالين يعلم بان احدهما مغصوب وعلى احدهما المعين فلا محالة تسقط عن الاعتبار، وذلك من غير فرق بين كون المالين تحت يده أو نقلهما أو نقل واحدا منهما إلى غيره ومن غير فرق بين ما إذا اجاز في تصرفهما أو تصرف واحد منهما أو لا فالعلم التفصيلي بحرمة التصرف اجنبي عن المقام، مع ان اعتبار اجازة التصرف فيه ونفوذ تمليكه مستندا إلى اليد موقوف على اعتبارها قبلهما فلا يعقل توقف حجيتها على احدهما. نعم لو قلنا بان المستند لها هو الدليل التعبدى أي قوله: " من استولى على شئ " (الخ) بناء على عدم وروده امضاء لما في يد العقلاء يمكن ان يقال ان اطلاقه يقتضى حجيتها ولو في موارد لم يحرز بناء العقلاء على العمل أو احرز عدم بنائهم عليه فيصح ان يقال انه مع خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء مطلقا بناء على سقوط اثر العلم به أو مع سقوط العلم بوجه آخر تكون اليد حجة بالنسبة إلى سائر الاطراف فيفصل بين كون المستند في اعتبار اليد بناء العقلاء فيقال بعدم اعتبارها مطلقا وبين كونه الدليل الشرعي فيفصل بين سقوط العلم عن التنجيز وعدمه. هذا بناء على اطلاق ادلة اعتبار اليد بالنحو المشار إليه لكنه لا يخلو من تأمل. ويمكن دعوى بناء العقلاء على ترتيب آثار اليد في بعض الاطراف المبتلى به مع كثرة الاطراف وان لم تبلغ حد غير المحصورة والمسألة محتاجة إلى الفحص والتأمل.

[ 239 ]

واما اصالة الصحة المتشبث بها للمقصود فان كان المراد منها اصالة الحمل على المباح في دوران الامر بين حرمة العمل وحليته فيقال: ان تصرف الجائر في الجائرة بنحو الاجازة في التصرف فيها أو الاعطاء لها محمول على الاباحة الواقعية ولازمها ملكيته ونفوذ اجارته وتمليكه فيدفع بها احتمال حرمة تصرف المجاز واحتمال عدم النقل إليه والاصول الحكمية محكومة لاصالة الصحة ولو قيل بعدم حكومتها على الاصول الموضوعية لما عرفت من عدم جريانها فليس في المقام الا اصالة حرمة التصرف واصالة عدم الانتقال. فيمكن ان يناقش فيها بان المحرز من بناء العقلاء على اعتبار اصالة الصحة وكذا الادلة الشرعية التى يظهر منها مفروغية اعتبارها في الابواب المتفرقة الكثيرة كجواز الاكتفاء بتجهيز الميت الصادر من المسلم مع احتمال فساده، والادلة المرغبة إلى الجماعة مع احتمال بطلان صلوة الامام والمأمومين الحائلين في الصفوف، وادلة تنفيذ الوكالة وجواز ترتيب الاثار على فعل الوكيل وكذا الوصي إلى غير ذلك من الادلة الظاهرة في جواز الاتكال على فعل الغير من اول الفقه إلى آخره، وفلما كان في الفقه موضوع نحو اصالة الصحة في وفور الادلة على اعتباره وان لم يكن شئ منها بعنوانها لكن يعلم منها مفروغيتها هو حمل الفعل الذى له جهة صحة وجهة فساد على الصحة الواقعية مع الشرائط المقررة في محله. فبناء العقلاء على ترتيب آثار الصحة على افعال تقع تارة صحيحة واخرى فاسدة كالعقود والايقاعات وكانوا يشهدون على ما ملكه الغير ببيع وصلح ونحوهما ويتزوجون المطلقات ولا يعتدون باحتمال الفساد، ولم يحرز بنائهم على حمل فعل مردد بين الحرمة والحلية التكليفية على الحلية الواقعية فيحلفون على كون فعله حلالا و يشهدون عليه مع احتمال الحرمة بل خلافه محرز إذ الدوران بين الحرمة والحلية ليس من دورانه بين الصحة والفساد بالمعنى المتقدم الذى هو موافق للعرف والاعتبار، وهذا العنوان وان لم يكن موضوع دليل لفظي بل هو عنوان مأخوذ في كلام الفقهاء، لكن يمكن الاستيناس به لاختصاص حجيتها بالمورد المتقدم.

[ 240 ]

وكيف كان نحن لا نحتاج إلى الدليل على العدم بل يكفى عدم الدليل على اعتبارها في المورد. وان اريد منها الصحة الوضعية أي نفوذ اجازته وصحة هبته وجائزته ليستكشف منها ملكية الجائر ويترتب عليها آثارها. (ففيه) ان المسلم من بناء العقلاء والادلة الشرعية غير مورد العلم الاجمالي سواء كان منجزا ام لا، مضافا الي انه لا يثبت باصالة الصحة الا صحة العقد ونحوه وكون المال لغيره: لا ينافيها كما قرر في محله. مضافا إلى امكان الاستدلال بعدم جواز ترتيب تلك اللوازم أي كشف الملكية ونحوها عليها بقوله في رواية حفص بن غياث الواردة في اعتبار اليد " ولو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق ". فان الظاهر منها ان سلب اعتبار اليد موجب لاختلال نظم السوق مع انه لو ترتبت على اصالة الصحة تلك اللوازم وثبتت بها الملكية وغيرها من الآثار لما اختل نظام السوق بواسطة عدم اعتبارها بل لما احتاج المسلمون إلى اعتبارها في قيام سوقهم ولو فرض في بعض الموارد النادرة الاحتياج إليه لما كان موجبا لاختلاله مع عدم اعتبارها مطلقا. فتحصل من جميع ما مر ان في بعض الموارد على بعض المباني تكون اليد حجة ويصح الاستناد إليها ويدفع بها استصحاب حرمة التصرف وعدم الانتقال، وفى ساير الموارد تكون اصالة حرمة التصرف وعدم الانتقال محكمة وتقدم على اصالة الحل تحكيما. هذا كله فيما علم اجمالا بان هذا المال المأخوذ مثلا من الغير أو ذلك فيما هو في معدود. واما إذا علم ان في اموال فلان مال محرم وكان له طرق معاش محللة وبعض طرق محرمة فالظاهر قيام بناء العقلاء والسيرة المتشرعة على اعتبار يده، وهذه الصورة خارجة من مفروض مسئلتنا هذه وسيأتى الكلام فيها.

[ 241 ]

ثم ان الشيخ الانصاري تعرض لمسألة اخرى في ذيل المسألة الثانية تكون من شقوقها أو مسألة مستقلة وهى صورة تنجيز العلم الاجمالي جميع الاطراف. وتفصيل القول فيه بوجه يتضح الحال في مطلق العلم الاجمالي انه تارة يكون العلم الاجمالي من قبيل المقام، وهو ما كان الاطراف مسبوقة بالعلم التفصيلي مع عدم ايجاب جريان الاصل فيها للمخالفة العملية، فاستصحاب حرمة التصرف في كل من الاطراف جار وحاكم على اصالة الحل بناء على جريانه في الاطراف في هذا الفرض وبناء على عموم ادلة الحل للاطراف المعلوم بالاجمال. واما في ساير الصور وفى مطلقها بناء على سقوط الاصول في الاطراف بالمعارضة أو عدم جريانها فربما يقال: مقتضى اطلاق ادلة الحل وخصوص صحيحة عبد الله بن سنان (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال ابدا حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه، حلية جميع الاطراف وسقوط العلم الاجمالي رأسا وقد تقدم عدم محظور عقلي فيه. (وفيه) ان في الصحيحة احتمالات: احدها ان المراد بالشئ هو الموجود المتشخص كما هو ظاهره والضماير راجعة إليه فيكون المعنى كل موجود شخصي في الخارج فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى يتميز الحلال والحرام ويعرف الحرام بعينه، فيختص بمورد اختلاط الحلال و الحرام وحصول موجود شخصي عرفى، كاختلاط الخل والخمر، وهذا بعيد جدا سيما مع عدم تحقق الغاية مطلقا أو نوعا. ثانيها هذا الاحتمال، لكن مع ارجاع ضمير فيه إلى جنس الشئ المتشخص استخداما فالمعنى كل متشخص في جنسه نوع حلال ونوع حرام مع الجهل بانطباق احد العنوانين عليه فهو حلال حتى تعرف انه حرام بعينه باندراجه تحت النوع الحرام فيختص بالشبهة البدوية أو يعم اطراف العلم الاجمالي باطلاقه. ثالثها ان يراد بالشئ الطبيعة فالمعنى كل طبيعة قسم منها حلال وقسم حرام فهى حلال حتى تعرف القسم الحرام فتدعه، وهذا كالثاني في الاختصاص بالشبهة


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 4 - من ابواب ما يكستب به.

[ 242 ]

البدوية أو الاطلاق. رابعها ان يراد بالشئ مجموع شيئين فصاعدا مع اعتبار الوحدة فيراد كل مجموع فيه حلال وحرام أي بعضه حلال وبعضه حرام فذلك المجموع حلال ابدا حتى تعرف الحرام فتدعه، واما احتمال ان يكون المراد من قوله: " فيه حلال وحرام " احتمالهما: فبعيد غايته. فعلى الاحتمال الاول والرابع تكون واردة في خصوص المعلوم بالاجمال أو المختلط بنحو ما مر لكن الاحتمالين ضعيفان مخالفان لفهم العرف اما الاول فظاهر واما الرابع فلان حمل كل شئ على كل مجموع واحد بالاعتبار في غاية البعد، فالاظهر هو الاحتمال الثالث. ويؤيده ورود نظيرها في ذيل روايات الجبن، كرواية عبد الله بن سليمان (1) " قال سألت ابا جعفر عليه السلام عن الجبن فقال لقد سألتنى عن طعام يعجبنى " إلى ان قال: " قلت " ما تقول في الجبن قال اولم ترنى آكله قلت بلى ولكني احب ان اسمعه منك فقال سأخبرك عن الجبن وغيره كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه ". فان السؤال عن الطبيعة ولو بلحاظ وجودها لا عن خصوص مصداق أو مصاديق منضمة بعضها ببعض ولعل منشأ سؤاله علمه بان يجعل في بعض الامكنة فيه الميتة، كما ربما تشهد به رواية ابى الجارود (2) " قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن الجبن فقلت له: اخبرني من راى انه يجعل فيه الميتة فقال: أمن اجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم ما في جميع الارضين " (الخ)، فعليه لا يراد بها خصوص المعلوم بالاجمال بل اما يراد بها خصوص المشتبة بدوا أو مقتضى اطلاقها التعميم لكن الاخذ بهذا الاطلاق مشكل أو ممنوع.


(1) و (2) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 61 - من ابوب الاطعمة المباحة - الاولى مجهولة لان عبد الله بن سليمان مشترك بين المجاهيل والثانية ضعيفة بابى الجارود.

[ 243 ]

اما اولا فلاعراض الاصحاب عنه فانه لم ينقل جواز ارتكاب الجميع الا عن شر ذمة من المتأخرين، والكلام ههنا في مطلق المعلوم بالاجمال لا خصوص الجوائز و سيأتي الكلام فيها. واما ثانيا فلان العقل وان لا يأبى عن تجويز ارتكاب جميع الاطراف لما تقدم لكن العرف والعقلاء يأبون عنه بعد ما لا يحتمل تخصيص الواقع، لان الحكم الظاهرى لا يخصص الاحكام الواقعية حتى يحتمل في مورد التخصيص عدم الاقتضاء في الموضوع ولا يحتمل ان يكون عروض الشبهة موجبا لتغيير مفسدته فلا محالة يكون الموضوع، باقيا على مفسدته لكن في الشبهة البدوية يكون التحليل الظاهرى لمصلحة في التوسعة أو مفسدة في التضييق تكون في نظر الشارع الاقدس مراعاتها اهم من المفسدة المبتلى بها في بعض الاحيان بخلاف اطراف العلم الاجمالي فان ترك العقول بحالها من الزام الاجتناب لا يوجب مفسدة غالبة على مفسدة الواقع ولا يكون في ترك الاطراف مضيقة وحرج. وان شئت قلت: ان ما ذكرناه سابقا من عدم كون الترخيص في جميع الاطراف ترخيصا في المعصية انما هو بنظر العقل الدقيق المخالف لنظر العرف واما بهذا النظر فيكون الترخيص في جميع الاطراف مستبعدا أو قبيحا فتكون مثل تلك الرواية قاصرة عن اثباته، فلو صح ذلك فلابد من الالتزام بجواز ايقاع المكلف نفسه في الشبهة فيخلط الحرام بالحلال عمدا فيرتكب الجميع وهو كما ترى. وتوهم ان الرواية متعرضة لحال ما كان مشتبها بطبعه وبلا اختيار (تحكم) وبالجملة ان الرواية في محيط العرف مخصصة أو منصرفة عن اطراف العلم الاجمالي. واما موثقة مسعدة بن صدقة (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال سمعته يقول كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثواب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 4 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 244 ]

فبيع قهرا أو امرأة تحتك وهى اختك أو رضيعتك والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة " ففى كونها من ادلة اصالة الحل اشكال. منشأه عدم انطباق شئ من الامثلة المذكورة فيها على اصالة الحل لان احتمال السرقة في المال الذى اشتراه من الغير مدفوع باليد الحاكمة عليها وكذا الحال في المملوك، واحتمال اختية امرأة تحته وكذا احتمال كونها رضيعته مدفوع ببناء العقلاء على عدم الاعتناء بتلك الاحتمالات فيما بايديهم، ولعل منشأه قاعدة اليد فانها لا تنحصر على مورد الشك في ملكية الاعيان بل الاستيلاء واليد على كل شئ امارة عقلائية على ملكيته له بالمعنى الاعم. فمن استولى على موقوفة بعنوان التولية عليها وبعمل عملها معها يبنى العقلاء على ولايته وان يده واستيلائه اسارة عليها، ومن استولى على امرأة استيلاء زواج بحكم العقلاء بكونها زوجته ويعمل معها معاملة زوجيته الواقعية من غير اعتناء باحتمال انها اخته أو رضيعته هذا بالنسبة إلى استيلاء الغير واضح. والظاهر انه كذلك لو شك المستولي بعد استيلائه سيما مع معاملته مع المستولي عليه معاملة الملكية أو الزوجية فمن كانت تحته امراة يعامل معها معاملة الزواج ثم شك في انها اخته أو رضيعته لا يعتنى به، لان، الاستيلاء الزواجى كاشف عن زوجيته ولو اعتنى بشكه يعد مخالفا لطريقة العقلاء كما ان الامر كذلك فيما استولى عليه من الاموال. ولعل قوله: " من استولى على شئ منه فهو له " يعم مطلق الاستيلاء فيعم كونه له لمطلق الاختصاص الاعم من الاختصاص الملكى ولو استشكل فيه فلا ينبغى الاشكال في بناء العرف، مع ان مقتضى الاستصحاب عدم كونها رضيعته، واما استصحاب عدم كونها اخته النسبية فجريانه مبنى على جريان الاصل في الاعدام الازلية. وكيف كان ليس شئ من الامثلة مورد جريان اصالة الحل، فلابد من دفع الاشكال اما بان يقال ان الامثلة المذكورة لم تذكر مثالا لقوله كل شئ هو لك (الخ) بل ذكرت على سبيل التنظير بامور عقلائية للتشابه بينها وبين اصالة الحل بوجه فكأنه قال:

[ 245 ]

كما ان في الموارد المذكورة يبنى على الحل كذلك يبنى عليه في مطلق ما شك فيه من غير نظر إلى وجه البناء عليه، فتكون الرواية بصدد بيان اصالة الحل والامثلة تقريب بالاذهان بوجه. أو يقال: ان قوله: " هو لك " جملة وصفية لقوله: " كل شئ " و " حلال " خبره، فكأنه قال: كل شئ استوليت عليه حلال حتى تعلم خلافه، بدعوى ان الامثلة قرينة عليه وفى ضمير الفصل اشعار به فتكون الرواية بصدد بيان جواز ترتيب آثار الحلية على ما استولى عليه تأسيسا أو ارشادا ان قلنا بموافقته لبناء العقلاء. أو يقال: ان المراد بقوله: " كل شئ هو لك حلال " ليس اصالة الحل بقرينة الامثلة بل المراد بيان الحلية المنكشفة بتلك الامارات تأسيسا أو ارشادا، والمراد بالمعرفة هي الوجدانية أو الاعم منها، ومن البينة المقدمة عليها كما جعل في ذيلها الاستبانة وقيام البينة غاية للحل، أو يقال: ان المراد بالحلال معنى عام بنحو الجمع في التعبير يشمل مورد الاصل والامارة لا خصوص واحد منهما، فقد ظهر انها من ادلة اصالة الحل على بعض الاحتمالات، والانصاف ان الاتكال عليها لاصالة الحل واجرائها في اطراف العلم مشكل في مشكل ولو سلم ذاك وذلك يأتي فيها ما قلناه في صحيحة ابن سنان. ثم ان السيد الطباطبائى تمسك بروايات لعدم لحوق حكم الشبهة المحصورة في المقام بل مطلقا أي في غير الجوائز وغير السلطان وعامله في الجملة أو في جميع الاطراف. منها ما وردت في شراء السرقة والخيانة كصحيحة ابى بصير (1) " قال: سألت احدهما عن شراء الخيانة والسرقة قال: لا، الا ان يكون قد اختلط معه غيره، فاما السرقة بعينها فلا، الا ان يكون من متاع السلطان فلا بأس بذلك "، ورواية الجراح المدائني (2) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: لا يصلح شراء السرقة الخيانة إذا عرفت ". وموثقة سماعة (3) " قال: سألته عن شراء الخيانة والسرقة فقال: إذا عرفت انه


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 1 - من ابواب عقد البيع و شروطه - الثانية ضعيفة بجراح المدائني.

[ 246 ]

كذلك فلا، الا ان يكون شيئا اشتريته من العامل ". اقول اما الكلام في السلطان وعامله فسيأتي انشاء الله، واما في غيرهما فمحصل الكلام فيه: ان الروايتين الاخيرتين مساقهما كمساق ساير ما وردت في شراء السرقة والخيانة كقوله في حديث المناهى (1) " ومن اشترى خيانة وهو يعلم فهو كالذى خانها "، وقوله: " من اشترى سرقة وهو يعلم فقد شرك في عارها واثمها "، وقوله في بيع الجارية المسروقة (2) " إذا انبائهم انها سرقة فلا يحل، وان لم يعلم فلا بأس " هو التفصيل بين العلم والجهل لا العلم الاجمالي والتفصيلي فلا دلالة فيها على مطلوبه. مع ان توهم نفى الباس عن بعض الاطراف بالخصوص بلا مرجح كما ترى " تأمل " وعن كليهما دفعة أو تدريجا مخالف للروايات المذكورة، ضرورة ان من اشترى مجموع امرين يعلم كون احدهما سرقة أو اشترى مخلوطا من المسروق وغيره فقد اشترى السرقة وهو يعلم وصدق انه اشترى السرقة مع معرفته بانها سرقة. مضافا إلى ان الظاهر من مرسلة ابن ابى نجران (3) عن ابى عبد الله " قال: من اشترى سرقة وهو يعلم فقد شرك في عارها واثمها " ان الشركة في العار امر عقلائي لا تعبدي. ومن الواضح ان شراء اطراف ما علم كون بعضها سرقة دفعة أو تدريجا عار وعيب لدى العقلاء ويعد مشتريها آكل مال السرقة، والظاهر ان شراء بعض الاطراف ايضا لا يخلو من عار وعيب بخلاف مورد الشك البدوى مع قيام الطرق العقلائية على ملك البايع، وبالجملة ان الظاهر من تلك الروايات هو تجويز المجهول لا المعلوم بالاجمال، وتوهم الاطلاق غير وجيه وعلى فرض التسليم فلا شبهة في الانصراف. واما صحيحة ابى بصير فيمكن ان يقال فيها: ان الاختلاط مع غيره في مقابل السرقة بعينها هو الاشتباه بغيره فان قوله: بعينها تأكيد للسرقة كانه قال: السرقة


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 1 - من ابواب عقد البيع وشروطه

[ 247 ]

نفس السرقة ولا شبهة في ان المختلط بمعنى الامتزاج إذا اشترى يقع الاشتراء بالسرقة بعينها ونفسها ; وكذا إذا اشترى المعلوم بالاجمال باطرافه يصدق انه اشترى السرقة بعينها، فتلك الجملة قرينة على ان الاختلاط ليس هو الامتزاج ليلزم التناقض بين الجملتين، بل يراد به الاشتباه شبهة بدوية، ولو سلم دلالتها على جواز شراء المختلط بالحرام فالظاهر ان السؤال عن الحكم الوضعي أي صحة الشراء كما هو كذلك في جميع الاسؤلة الواردة في الاسباب الشرعية والعقلائية، فالمراد ان شراء السرقة غير جائز واما إذا اختلط بغيره فيصح شرائه، لانه مال يمكن تطهيره باخراج خمسه أو التصالح أو الصدقة فلا ربط لها بعدم اعتبار العلم الاجمالي. وبالجملة ان تصحيح شراء المختلط لا يدل على جواز اكل المشترى اياه لعدم كونها في مقام بيان غير صحته ولو فرض اطلاقه فلا محالة وجب اخراج خمسه بادلة ثبوته في المال المختلط بالحرام. ولو اغمض عن ذلك فلابد وان يقال: ان الاختلاط موجب للتحليل واقعا و خروج الملك عن ملكية صاحبه ودخوله في ملك الغاصب ليصح الشراء، وهو بعد الغض عن مخالفته للقواعد المحكمة وعدم امكان تركها الا بادلة قاطعة صريحة معمول عليها، وهذه الرواية مع الاحتمال المتقدم لا تصلح لذلك: موجب لوقوع التعارض بينها وبين سائر الروايات المتقدمة، لان سلب العلم ولو اجمالا عن الطريقية والحجية غير ممكن، فلابد من التصرف في المعلوم فلابد وان يقال: ان موضوع الحكم في الصحيحة هو المال المختلط علم به ام لا، فشراء المال المختلط بالسرقة صحيح واقعا علم بها ام لا. ومضمون تلك الروايات ان شراء المعلوم باطل اجمالا كان العلم، ام تفصيلا، مختلطا كان المعلوم، ام لا، فتتعارض الطائفتان تعارض العموم من وجه والترجيح مع سائر الروايات بوجوه لو قلنا بعمل العلاج في تعارض العامين من وجه، ومع القول بالتساقط فمقتضى القواعد العامة عدم الجواز.

[ 248 ]

ومنها ما وردت في باب الربوا. كصحيحة الحلبي (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال: اتى رجل ابى فقال: انى ورثت مالا وقد علمت ان صاحبه الذى ورثته منه قد كان يربى وقد اعرف ان فيه ربا واستيقن ذلك وليس يطيب لى حلاله لحال علمي فيه، وقد سالت فقهاء اهل العراق واهل الحجاز فقالوا: لا يحل اكله فقال ابو جعفر عليه السلام: ان كنت تعلم بان فيه مالا معروفا ربا وتعرف اهله فخذ رأس مالك ورد ما سوى ذلك وان كان مختلطا فكله هنيئا فان المال مالك واجتنب ما كان يصنع صاحبه فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى من الرباء وحرم عليهم ما بقى فمن جهل وسع له جهله حتى يعرفه فإذا عرف تحريمه حرم عليه ووجب فيه العقوبة إذا ركبه كما يجب على كل من يأكل كل الرباء ". وقريب منها صحيحته الاخرى (2)، ورواية ابى الربيع الشامي (3) " قال: سئلت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اربى بجهالة ثم اراد ان يتركه قال اما ما مضى فله وليتركه فيما يستقبل ثم قال ان رجلا أتى ابا جعفر عليه السلام وذكر الحديث المتقدم. وانت خبير بان مورد بحثنا بعد الفراغ عن الحكم الواقعي وعدم الفرق بحسب اطلاق الادلة والطرق الاجتهادية بين المعلوم والمجهول أي كان الحكم متعلقا بنفس الطبيعة من غير قيد وانما العلم كان طريقا محضا إلى الواقع. واما إذا اختلف الحكم الواقعي بحسب حال العلم والجهل فهو خارج عن محط البحث ونحن وان لم تكن بصدد تنقيح المسألة المعنونة عند الفقهاء في باب الربا لكن من الواضح للمراجع ان المبحوث عنه عندهم في المال الربوي الحاصل بجهالة، والمال المورث ممن كان يربى هو الحكم الواقعي فذهب ابن الجنيد إلى التفصيل بين المختلط و المعزول في الربا بحهالة وفى المورث ممن يربى، وقواه بعض المتأخرين استنادا إلى تلك الروايات فيظهر ان مورد كلامهم غير ما نحن بصدده.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 5 - من ابواب الرباء. (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 5 - من ابواب الرباء - الثانية مجهولة بابى الربيع الشامي - وفى سندها خالد بن جرير وهو لم يوثق.

[ 249 ]

واما صحيحة الحلبي المتقدمة فالظاهر من قوله فيها: " فان المال مالك " ان المختلط ماله واقعا، ولما كان احتمال كون الاختلاط من النوافق بعيدا جدا لا يبعدان يقال: ان الامر برد الربا المعروف إلى صاحبه ان كان معروفا محمول على الاستحباب. بل يمكن ان يقال: ان الامر بالرد لما تعلق بصورة واحدة وهى معروفية المال وصاحبه تكون ساير الصور أي صورة اختلاطه مع معروفية الصاحب وعدمها، وصورة كون الصاحب غير معلوم مع معروفية المال وعدمها داخلة في عدم لزوم الرد، وذكر احد مصاديق المفهوم غير عزيز، ويكون التعليل للجميع، لا لخصوص صورة الاختلاط فيكون الحمل على الاستحباب حينئذ اقرب. وعليه يمكن ان يكون المفروض في السؤال والجواب صورة جهالة المورث بحكم الربا بالقرينة المذكورة وبمحفوفية الرواية بما لا يبعد ان تكون قرينة عليه زائدة على ما ذكرناه وهو قوله: فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد وضع ما مضى (الخ) فان الظاهر ان التناسب بينه وما تقدم هو مفروضية جهالة المورث. ويؤيده ايضا رواية ابى الربيع المتقدمة عن ابى عبد الله عليه السلام حيث استشهد عليه السلام بعد بيان حكم الربا بجهالة بقول ابيه عليه السلام وهو ما في رواية الحلبي بعينها وهو شاهد على ان مورد قول ابى جعفر عليه السلام ايضا هو الربا بجهالة. ويحتمل ان يكون مورد السؤال فيها هو الربا مع عدم العلم بكونه بجهالة أو لا، فحينئذ لا يبعد القول بامارية يد المورث لما في يده لاطلاق قوله: " من استولى على شئ منه فهو له "، ولبناء العقلاء فحينئذ يكون قوله: " فان المال مالك " لاجل انتقاله إليه ممن يكون ماله بامارة شرعية فيحمل الامر برد ربا المعروف على الاستحباب، بل لو قلنا في تلك المسألة بالتفصيل كما قال به ابن الجنيد يكون ذلك في الحكم الواقعي كما اشرنا إليه، وقريب مما ذكرناه يقع الكلام في صحيحة الحلبي الاخرى، وكيف كان اثبات ما رامه السيد رحمه الله بهذه الروايات مشكل بل ممنوع، هذا كله في غير روايات الباب.

[ 250 ]

واما الروايات الخاصة بحوائز السلطان وعماله. فمنها صحيحة ابى ولاد (1) " قال قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما ترى في رجل يلى اعمال السلطان ليس له مكسب الا من اعمالهم وانا امر به فانزل عليه فيضيفني ويحسن إلى وربما امر لى بالدراهم والكسوة وقد ضاق صدري من ذلك فقال لى: كل وخذ منه فلك المهنأ (الحظ - خ ل) وعليه الوزر ". والظاهر ان الرجل المسئول عنه من هو داخل في ديوان السلطان نحو الوزير والمستوفى والوالى، وبالجملة المراد منه اهل الديوان لا من يعمل للسلطان شخصه كالخياط ونحوه، ولا غير الديواني كمن يعمل للسلطان كالسراج والصيقل، و يظهر من الجواب ان المراد منه غير الشيعي المجاز من قبل الائمة (ع) في الدخول في اعمالهم وهو واضح ويراد بقوله " ليس له مكسب " ان لا معيشة له الا من اعمالهم، وليس المراد الكسب المساوق للتجارة ظاهرا حتى يقال ان المراد منه الاجير للسطان في عمل. والظاهر ان تقييد مورد السؤال بما ذكر ليس لمجرد بيان الواقعة من غير نظر إلى احتمال دخالته في الحكم، بل هو لامر ارتكازى عقلائي ; وهو ان من لا مكسب له ولا طريق لمعيشته الا الحرام لا يعتنى العقلاء بيده ولا يعملون مع ما في يده معاملة ملكه نظير ما مر في رواية الاحتجاج (2) في قضية وكيل الوقف حيث قيد فيها جواز اخذ بره يكون معاش ومال له غير الوقف، وقد قلنا ان الجواب موافق ظاهر بناء العقلاء في اعتبار اليد. وعلى ذلك يكون التقييد لاحتمال دخالته في الحكم فكأنه قال: من لا معاش له الا من عمل السلطان يجوز اخذ جائزته والاكل من طعامه، لا للعلم التفصيلي بحرمة ما في يده، فان العلم به ممنوع نوعا ; لاحتمال كون ما اعطاه من غير الحرام كارث أو هدية ونحوهما، وقلما يتفق للوارد على الوالى والعامل العلم التفصيلي


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 51 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 51 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 251 ]

بحرمة عطيته ونحوها، مضافا إلى ان السؤال معه بعيد جدا. وقوله: " ولك المهنأ وعليه الوزر " لا يراد به ظاهرا ان الوزر في ذلك المال محقق معلوم حتى نحتاج في توجيهه إلى ان المفروض في السؤال معلومية حرمته على العامل سواء كان من الخراج ونحوه أو من صلب مال السلطان أو من الظلم على العباد، وكان قوله: " لا مكسب له غير اعمالهم " لافادة ذلك، وان احتمل الحلية للاخذ، لاحتمال جواز بعضها للشيعة. بل الظاهر ان ذلك تعبير عرفى يقال في مورد المشتبه عند السائل فيقال لمن يأكل من طعام المضيف: ان حظه لك ووزره عليه أي ان كان فيه وزر، فالتعبير جار على ما تعارف عند الناس وليس له ظهور في فرض الوزر الفعلى المحقق وبالجملة ليس ذيل الرواية قرينة على فرض العلم التفصيلي بل الصدر قرينة على الذيل لو سلم ظهور ماله نعم الظاهر في مفروض السؤال هو مورد العلم الاجمالي مع خصوصية زائدة هي قوة احتمال كون الجائزة من الحاصل في اعمالهم إذ لا مكسب له غيره ومن ترك الاستفصال يستفاد ان الحكم جار فيما إذا علم اجمالا باشتمال اموال العامل على محرم غير نحو الخراج والزكوة سيما مع كثرة الظلم في ديوانهم واخذهم مال الناس زائدا على الاموال المفروضة في الاسلام. ثم الظاهر ان مورد الرواية هو كون الجائزة والضيافة من اطراف المعلوم بالاجمال وساير الصور خارجة عنه حتى مورد العلم الاجمالي باشتمالهما على محرم لغاية بعد حصول العلم لمن ورد على العامل وصار ضيفا له بفتة على اشتمال ضيافته أو جائزته على العين المحرمة. فمورد السؤال والجواب هو الصورة التى قلنا فيها بحرمة التصرف بحكم الاستصحاب أي ما إذا كان بعض الاطراف مجازا أو جائزة دون ساير ما في يد المجيز، فالصورة التى فرضها الشيخ الانصاري في ذيل الصورة الثانية خارجة عن مورد الرواية وانما موردها هو الصورة الثانية، وقد عرفت حال اليد واصالة الصحة والخروج عن محل

[ 252 ]

الابتلاء، فصحيحة ابى ولاد مخالفة لاستصحاب حرمة التصرف في المال وللعلم الاجمالي الموجب لسقوط اليد عن الاعتبار، لما عرفت من سقوطها ولو لم تكن الاطراف أو بعضها جائزة التصرف له. الا ان يقال: ان جريان الاستصحاب وسقوط اليد عن الاعتبار انما هو في مورد علم اجمالا ان هذا المجاز أو الجائزة من مال الغير أو ذاك الذى تحت يد المجيز ويلحق به ما إذا لم يكن للمجيز معيشة الا من الحرام كالسرقة وقطاع الطريق وغيرهما ممن كان طريق معاشه منحصرا في غير المشروع، واما من كان له طرق مشروعة لمعاشه فيده معتبرة ولو علم اجمالا بان في امواله مغصوبا أو محرما، لما مر ان بناء العقلاء وسيرة المتشرعة علي معاملة الملكية مع ما في يد التاجر وغيره ولو مع العلم بان في امواله محرما، وتدل عليه الرواية المتقدمة في متولى مال الوقف. فيمكن ان يقال في المقام ان مورد السؤال هو جائزة من يلى عمل السلطان و لا مكسب له غيره، والظاهر ان ضيق صدره لاجل اعتقاده بان ما في يد العامل حرام نوعا ولو كان من قبيل الخراج والمقاسمة والزكوة، لعدم اهليتهم لاخذها، ولعله الظاهر من تقييده بان لا مكسب له غير اعمالهم، وقد قلنا بسقوط اليد لدى العقلاء إذا كان ذو اليد ممن لا شغل له الا الحرام. والجواب بالحل لعله لاجل كون نوع ما في يد العمال من الخراج و المقاسمة والزكوة مما اخذها السلطان بدعوى ولايته الشرعية حلالا اخذه وشرائه وكان الزارع المأخوذ منه فارغ الذمة منها شرعا كما ياتي الكلام فيه. فحينئذ يكون يد العامل الذى لا شغل له الا عمل السلطان على الجوائز والاموال الاخر كيد التاجر الذى لا شغل له الا التجارة وان علم ان في تجارة هذا وما في يد ذاك محرما، فكما ان يد التاجر كاشفة عن ملكيته ومعتبرة لدى العقلاء والمتشرعة كذلك يد العامل على الاموال التى تحت استيلائه كاشفة عن كونه مأخوذة خراجا ومقاسمة ونحوهما لا ظلما وعدوانا ; فهذه اليد معتبرة لدى العقلاء والمتشرعة بعد حلية ما ذكر وان علم اجمالا ان في جملة الاموال التى تحت يدهم مالا مغصوبا.

[ 253 ]

فلا يبعد ان تكون الروايات الواردة في حل الجوائز موافقة للقاعدة بعد البناء على حلية الخراج ونحوه وجواز اخذها وشرائها من السلاطين وعمالهم. ولو نوقش في كاشفيتها عن كون المأخوذ خراجا ونحوه فلا اقل من اعتبارها لدى العقلاء وعدم الاعتناء بكونه مأخوذا ظلما وعدوانا. وان شئت قلت كما ان ما في يد عامل الصدقات من قبل السلطان العادل يعامل معه معاملة ملكيته الاعم من الملكية الشخصية والسلطنة على جهة الولاية فيشترى العقلاء والمتشرعة منه ما في يده وان علم ان ما في جملة الاموال التى تحت يده حراما ولا يعتنى باحتمال كون المحرم هذا البيع كذلك في المقام بعد الفرض المتقدم. وبعبارة اخرى ان وجه التوقف عن الاخذ والمعاملة معه اما احتمال كونه من مال الصدقة فالمفروض انه اجاز ولى الامر الحقيقي لذلك، أو العلم الاجمالي باشتمال ما في يده على المظلمة فقد عرفت عدم اعتناء العقلاء بذلك في الاشباه والنظائر. وان ابيت عن كل ما ذكر فلا ينبغى الاشكال في ان الروايات الواردة في الباب على كثرتها لا تدل على الحل في غير المورد المتقدم أي مورد العلم الاجمالي بان في اموال العامل محرما واحتمل كون المأخوذ منه، واما ساير الصور الاربع و كذا الصورة التى تعرض لها الشيخ الانصاري في ذيل الصورة الثانية فلا دلالة لها عليه، لان قوله: جوائز السلطان لا بأس به، وقوله: امر بالعامل فيجيزني بالدراهم آخذها قال نعم قلت واحج بها قام نعم ونحوهما: منصرفة إلى ما هو المعمول المتعارف المعهود من جائزة السلاطين وعمالهم من غير علمهم بانها محرمة أو فيها محرم بل من غير العلم بان هذا أو ذاك محرم، وبالجملة ليست الروايات بصدد تحليل مال الغير على الاخذ بمجرد كون المأخوذ منه سلطانا وعاملا له. وان شئت قلت ان الروايات بصدد بيان جواز اخذ جائزتهم، لا تحليل المحرم المعلوم بالتفصيل أو الاجمال فلا اطلاق لها من هذه الجهة.

[ 254 ]

نعم لما كانت الصورة الثانية كالملازم لجوائزهم بمعنى ان العلم بكون بعض اموالهم محرما حاصل لنوع الناس فلا محالة تكون هذه الصورة مشمولة للحكم. وتشهد لما ذكرناه روايات (منها) صحيحة معوية بن وهب (1) " قال قلت لابي عبد الله عليه السلام اشترى من العامل الشئ وانا علم انه يظلم قال اشتر منه "، و قريب منها رواية عبد الرحمن بن ابى عبد الله عنه عليه السلام (2) (ومنها) موثقة اسحق بن عمار (3) " قال سألته عن الرجل يشترى من العامل وهو يظلم قال يشترى منه ما لم يعلم انه ظلم فيه احدا " وهى كالنص فيما ذكرناه فانه استثنى فيها صورة العلم تفصيلا أو اجمالا بان فيه الحرام. (ومنها) صحيحة ابى عبيدة (4) عن ابى جعفر عليه السلام " قال سألته عن الرجل منا يشترى من السلطان من ابل الصدقة وغنم الصدقة وهو يعلم انهم يأخذون منهم اكثر من الحق الذى يجب عليهم قال: فقال ما الابل الا مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس حتى تعرف الحرام بعينه ". وليس المراد بقوله ذلك العلم التفصيلي وتجويز شراء ما علم اجمالا ان فيه حراما بل المراد به ما هو المتعارف من شراء الصدقات حيث لا يعلم بان في مورد الشراء محرما وان علم بان في اموال العامل محرما، ويمكن ان يكون بعينه تأكيدا للحرام فيعم العلم الاجمالي ايضا، وبالجملة ليس المراد تجويز شراء اموال المظلوم الا إذا علم تفصيلا وهو واضح. نعم هنا روايات ربما يتوهم تنافيها لما ذكرناه ومعارضتها لتلك الروايات. (منها)، صحيحة ابى بصير (5) " قال سألت احدهما عن شراء الخيانة و السرقة قال: لا، الا ان يكون قد اختلط معه غيره فاما السرقة بعينها فلا، الا ان


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 52 - من ابواب ما يكتسب به. (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 53 - من ابواب ما يكتسب به. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 52 - من ابواب ما يكتسب به. (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 1 - من ابواب عقد البيع وشروطه.

[ 255 ]

يكون من متاع السلطان فلا بأس بذلك ". (ومنها) موثقة سماعة (1) " قال سألته عن شراء الخيانة والسرقة فقال إذا عرفت انه كذلك فلا الا ان يكون شيئا اشتريته من العامل "، وقريب منها رواية احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن ابيه (2) عن ابى عبد الله عليه السلام حيث دلت على جواز شراء الخيانة والسرقة المعروفة بعينها من السلطان وعماله وانت خبير بان في الصحيحة احتمالات احدها ان يراد بالمسروق من متاع السلطان ما كان لشخصه، ولعل نفي البأس لكونه ناصبا، وقد ورد فيه خذ ماله اينما وجدت، وعلى هذا الاحتمال لا تنافى بينها وبين ما تقدمت لكنه بعيد عن مذاق الشارع سيما بالنسبة إلى السلطان الذى تقتضي التقية المداراة معه للمصالح العامة ويكون في تركها مظنة الفتن العظيمة، والظاهر ان سيرة الائمة (ع) المعاملة معهم في املاكهم واموالهم معاملة الملاك، ولا ينافى ذلك ان يكون الحكم الاولى هدر دمهم ومالهم، كما ان الزواج معهم ايضا صحيح واقعا في دار التقية لان احكامها واقع ثانوى. ثانيها ان يراد به ما سرق من السلطان بما هو سلطان أي يجوز شراء ما سرق من بيت المال باعتبار ان بيت المال من المسلمين وليس للسلطان الجائر ولاية عليه، و هو ايضا بعيد لما تقدم في الوجه الاول. ثالثها ان يراد به متاع السلطان المسروق من الناس والمأخوذ منهم خيانة فيراد تجويز شراء المسروق إذا كان السلطان وعماله سارقا فيراد به التفصيل بهن السلطان الجائر وغيره فاجاز شراء مال المظلوم سرقة من السلطان لا من غيره، و هو ابعد الوجوه، بل ينبغى القطع بفساده لمخالفته للقواعد المحكمة العقلية و الشرعية وللاخبار المتقدمة ولظاهر الرواية. رابعها ان يراد بمتاع السلطان ما اخذه بعنوان السلطنة الشرعية من الخراج وغيره خيانة على الاسلام وعلى ائمة الحق الولاة للامر، ولا بأس بتسمية هذا


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 1 - من ابواب عقد البيع وشروطه. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 52 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 256 ]

سرقة، وهو اقرب الاحتمالات من حيث موافقته للعقل ولساير الروايات ولسيرة الائمة واصحابهم ; فلابد من حملها عليه وان لا يخلو من مخالفة ظاهر ولو نوقش فيه فلا اقل من عدم ظهورها في الاحتمال الثالث حتى يتوهم مخالفتها لما تقدم، وعليه تحمل الروايتان الاخريان، فيراد من شئ اشتريته من العامل هو ما يكون العامل بما هو عامل كفيلا لبيعه. واما احتمال تجويز شراء المال المسروق من الناس ان كان السارق عاملا فينبغي القطع بفساده فلا يراد بتلك الروايات اثبات مزية للسلطان أو العامل زائدة على تجويز الشراء من بيت المال منهم، بل لا اظن مما وردت في الروايات السابقة من تحليل جوائز السلطان وعماله وان علم انهم يظلمون الناس ويأخذون منهم زائدا عن الحق المقرر عليهم ارادة اثبات مزية لهم على ولاة الحق، بل الظاهر انه اريد بها تجويز الاخذ منهم على نحو الاخذ من الوالى العادل، لا اثبات الجواز فيما لا يجوز لو كان المعطى السلطان العادل وعماله. ولهذا قلنا ان تلك الروايات موافقة القواعد بعد جواز شراء الصدقات والخرائج وعليه يلحق به كل مورد يكون من قبيل المقام، لا لالغاء الخصوصية من الروايات، فانه ممنوع بل لاقتضاء القواعد ذلك. ثم بما ذكرناه في مفاد الروايات يتضح عدم معارضتها لرواية الاحتجاج المتقدمة (1) الواردة في بعض وكلاء الوقف المستحل لما في يده وفيها " الجواب ان كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه واقبل بره والا فلا " فان موردها و هو عدم ممر يحل لنا الاخذ منه غير مورد الروايات حيث كان في ايديهم من الصدقات والخرائج وهى حلال لنا. ومنها ان يعلم تفصيلا حرمة ما يأخذه فيحنئذ تارة يعلم بامكان رده إلى مالكه أو من بحكمه، واخرى يعلم بعدم امكانه، وثالثة يشك في ذلك، وعلي التقادير قد يعلم يرضا مالكه باخذه، وقد يعلم بعدم رضاه، وقد يشك فيه، وعلى التقادير


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 51 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 257 ]

قد يحصل العلم بالحرمة قبل وقوعه في يده ; وقد يحصل بعده، وقبل التعرض لحال الصور لا بأس بالاشارة إلى مفاد الادلة الاجتهادية وحدود دلالتها. فنقول منها موثقة سماعة (1) عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث " ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كانت عنده امانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فانه لا يحل دم امرء مسلم ولا ماله الا بطيبة نفس منه "، والظاهر من نفى الحلية في مقابل الحلية بطيب نفسه هي الواقعية لا الاعم منها ومن الظاهرية حتى يقال: باستفادة حكمين منها، احدهما نفى الحل الواقعي واثباته لدى طيب نفسه، وثانيهما نفى الحلية الظاهرية الذى بمنزلة جعل الاحتياط عند الشك في طيب نفسه فكأنه قال: لا يحل ماله مطلقا واقعا وظاهرا الا مع طيب نفسه فيحل معه واقعا، فيكون الاستثناء من قسم من المستثنى منه، فان هذا الاحتمال مخالف للظاهر وموجب للتفكيك بين الصدر والذيل وان لا يمتنع الجمع بينهما بجعل واحد. وعلى ما استظهرناه ربما يقال: بجواز التصرف في اموال المسلم مع الشك في رضاه لو لم يحرز عدم رضاه بالاصل وهو مخالف فتوى العلماء، وسيرة العرف على ما حكى وادعى (وهو غير بعيد)، ويمكن الاستشهاد له بموثقة ابى بصير (2) في باب حرمة سب المؤمن عن ابى جعفر عليه السلام " قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر واكل لحمه معصية وحرمة ماله كحرمة دمه " بدعوى كونه بصدد بيان الكيفية في حرمة المال لا اصل الحرمة بدليل تغيير اسلوب البيان فيها، ومقتضى اطلاق التشبيه وجوب الاحتياط لدى الشك كما وجب في الدم، ولذا اشتهر بينهم وجوبه فيه كما ى جب في الدم. وربما يقال: ان الظاهر عرفا في مثل المورد الذى جعل الطيب سببا لجواز التصرف هو عدم جوازه الا باحراز السبب وقيام الحجة (وفيه) ان الظاهر انه بصدد


(1) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 3 - من ابواب مكان المصلى - موثقة لزرعة وسماعة. (2) الوسائل - كتاب الحج الباب 158 - من ابواب احكام العشرة.

[ 258 ]

بيان الحكم الواقعي في المستثنى والمستثنى منه، فأن اريد بما ذكر ان الاحراز غاية للحكم الواقعي فمع كونه خلاف ظاهر استثناء عنوان الطيب الظاهر في الواقعي منه لا احرازه كما في جميع العناوين المأخوذة في الاحكام: يلزم الالتزام بحرمة التصرف واقعا مع طيب نفس صاحب المال واقعا ما لم يحرز وهو كما ترى ; ولا اظن التزامهم به. وان جعل احراز الطيب استثناء من الحكم الظاهرى فلا حكم ظاهري مجعول الا ان يجعل نفى الحل اعم من الظاهرى والواقعي والاستثناء لخصوص الظاهرى أو قيل بعموم المستثنى والمستثنى منه فيراد منه لا يحل المال واقعا وظاهرا الا مع طيب نفسه واقعا فيحل واقعا والا مع احرازه فيحل ظاهرا، وكل ذلك تعسفات لا ينبغى التقول بها. ثم الظاهر ان انتساب عدم الحل إلى ذات المال مبنى على ادعاء وتنزيل كما في الاشباه والنظائر على ما هو التحقيق، لا على حذف المضاف كما قيل، فيكون مقتضى اطلاق التنزيل ونفى حلية الذات نفى حلية مطلق التصرفات. ودعوى الانصراف إلى التصرفات الراجعة إلى نفع المتصرف لا ما يرجع إلى نفع صاحب المال (غير وجيهة) بل الظاهر منه تحديد حمى المالكية وتثبيت سلطنة المالك والمنع عن دخالة الغير في سلطانه، فلا وجه لدعوى الانصراف عن التصرف النافع له برغم انفه المخالف لسلطنته، ومن غير فرق بين كون منعه لذلك لعرض عقلائي أو لا. وابعد منها دعوى كونه القدر المتيقن منه خصوصا مع عدم عموم لفظي الا باعتبار حذف المتعلق الراجع في تشخيصه إلى العرف، فان القدر المتيقن لا يضر بالاطلاق والا لما سلم اطلاقه في الفقه، وحذف المتعلق ممنوع كما اشرنا إليه، و بالجملة دعوى عدم حلية الذات انما تحسن إذا كان جميع التصرفات غير حلال أو نزل حلالها منزلة العدم وهو يحتاج إلى دلالة. نعم يمكن دعوى الانصراف عن مورد لم يكن في نفس المالك رضا ولا كراهة فعلا ولو ارتكارا إذا كان التصرف لمجرد الايصال إليه بل يمكن الاستيناس للحكم

[ 259 ]

في هذه الصورة بل وصورة الشك في الرضا باخبار اللقطة إذا اطلاقها يقتضى جواز الالتقاط مع الشك في رضا صاحبه ومع العلم بخلو نفسه من الطرفين (نعم) الظاهر عدم اطلاقها لحال العلم بعدم الرضا. فادلة حرمة التصرف وكذا دليل جعل الاحتياط في الاموال مع الشك على فرض وجوده منصرفة عن مثل المقام، فعليه يجوز اخذ المال للرد إلى صاحبه مع العلم بخلو ذهنه ومع الشك في رضاه. ثم الظاهر من طيب نفسه هو الفعلى منه ولو بنحو الارتكاز والاختزان في النفس و ان كان غافلا عنه، فلا يعتبر الالتفات إلى طيب نفسه، بل يكفى ما هو المخزون فيها كما لا يكفى التقديرى منه مع عدم تحققه فعلا، والالزم الالتزام بجواز التصرف مع كراهته الفعلية إذا احرز انه على تقدير التفاته بجهة كعلمه وورعه يصير راضيا و تطيب نفسه به وهو كما ترى، ثم ان الكلام في هذه الرواية جار في ساير ما بمضمونها أو قريب منها. إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى حال الصور المتقدمة من حيث الحكم التكليفى و الوضعي. فنقول اما لو علم برضا صاحب المال فلا اشكال في جوازه في جميع الموارد، كما لو علم عدم رضاه ولو باخذه ورده إليه، فلا ينبغى ايضا التأمل في حرمته لاطلاق الادلة، سواء كان عدم الرضا أو المنع بجهة عقلائي ام لا. ودعوى الانصراف وعدم الاطلاق قد عرفت ما فيهما. وقد يقال بتعارض الرواية مع نحو قوله عون الضعيف صدقة، كموثقة السكوني (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " عونك الضعيف من افضل الصدقات "، بدعوى ان اخذ المال من الغاصب والرد إلى صاحبه من العون عليه، ومع نحو قوله: " كل معروف صدقة " كما في صحيحة معوية بن وهب (2) فان ذلك معروف فيكون مستحبا كالصدقة، بل


(1) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 59 - من ابواب جهاد العدو. (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 1 - من ابواب فعل المعروف

[ 260 ]

مع نحو قوله: " ما على المحسنين من سبيل " (1) فان ما ذكر احسان على صاحبه، فمع عدم رضاه أو منعه يمكن ان يقال بسقوطهما بالتعارض والرجوع إلى اصالة الحل. بل يمكن ان يقال بحكومتها عليها (نعم) لو كان المنع لغرض عقلائي، فالظاهر عدم جوازه لعدم صدق الاحسان ونحوه، أو مع صدقه يكون مشوبا بالاسائة فيقدم جانب الحرمة. (وفيه) مضافا إلى ان سنخ تلك الروايات الواردة في المستحبات لا اطلاق لها حتى يزاحم المحرمات: ان التصرف في مال الغير بلا اذنه أو مع منعه ظلم عليه لا اعانة واحسان، ومنكر لا معروف، فيكون خارجا عن مفادها موضوعا، ولو سلم فلا شبهة في انصرافها عن مثل المورد، فلا وجه للتعارض بينها وبين ما تقدم. بل لقائل ان يقول: ان تنزيل العون والمعروف منزلة الصدقة يستشعر منه عدم جواز التصرف بغير اذن صاحبه، كما ان الصدقة لا تصح ولا تجوز بجهة محرمة فكما لا تجوز الصدقة بمال الغير أو بماله إذا تعلق به حق الغير كذلك لا يجوز العون و الاحسان مع كون مورده التصرف في مال الغير بلا اذنه أو مع منعه. نعم قد عرفت جواز الاخذ لمجرد الايصال إلى صاحبه في مورد خلو ذهنه عن الرضا والكراهة ولو ارتكازا، وان لا يجوز ساير التصرفات لتعليقها على طيب نفسه الظاهر في الفعلية، وكذا يجوز في مورد الشك في طيب نفسه لكونه من الشبهة المصداقية للادلة، ولانصراف دليل جعل الاحتياط في مورد الشك عنه على فرض وجود دليل لفظي كما اشرنا إليه، ولو كان الحكم اجماعيا يكون المتيقن منه غير المورد. هذا إذا لم يلحق مورد الشك في عدم الرضا بالعلم به بالاصل فلابد من بيان حال الاستصحاب ومورد جريانه ولا جريانه. فنقول مقدمة ان المحتمل في قوله: " لا يحل مال امرء مسلم الا بطيبة نفس منه " ان يكون بصدد بيان حكم المستثنى أي الحلية مع الطيب، فيكون المراد من قوله لا يحل ماله الا بالطيب: انه لا يتحقق الحل الا بالطيب الذى سببه،


(1) سورة البقرة - الاية 92.

[ 261 ]

ومع فقده ينتفى المسبب، لا بصدد جعل عدم الحل على موضوعه فحاصل المراد ان الحل مسبب عن الطيب وينتفى بانتفائه وهو امر عقلي لا مجعول شرعى وان يكون بصدد بيان حكم المستثنى منه أي جعل عدم الحل مع فقد الطيب، وان يكون بصدد بيان حكمهما فيكون المجعول عدم الحل مع فقد طيب نفسه والحل مع تحققه، وتظهر الثمرة عند الشك في بعض الموارد. ثم ان قوله: لا يحل، يمكن ان يكون بصدد بيان مجعولية هذا الامر العدمي بنفسه وان فرض استلزامه للحرمة، ويمكن ان يكون كناية عن مجعولية الحرمة نظير قوله: ان الخبر الكذائي لا يوافق القرآن، أو ان فلانا لا يوافق الفلان في كذا حيث يراد به المخالفة، وقوله: فلان لا يرضى بذلك، ويراد به كراهته لا نفى رضاء، وهو الاظهر. والاظهر انها بصدد بيان حكم المستثنى منه كما يظهر من صدرها أي قوله: " فان دمائكم واموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم " (الخ)، أو بصدد بيان الجملتين لا بيان خصوص المستثنى. ثم انه على القول بجعل السببية في مثل المقام أي جعل سببية الطيب للحل أو عدمه لعدمه: لا يفيد الاستصحاب على جميع الاحتمالات، لان نفى المسبب بنفى سببه عقلي وان كان جعل السببية شرعا، كما ان ترتب المسبب على سببه عقلي لا شرعى، فلو قلنا بجعل سببية الطيب للحل فاستحصاب عدم الطيب لنفى الحل عقلي، بل نفى الحل على الفرض الاول مما تقدم عبارة عن سلب الحكم الشرعي، لا اثبات الحكم أي عدم الحل فاثباته بهذا السلب ايضا عقلي، ولو اغمض فاثبات الحرمة بسلب الحل ايضا عقلي. واما على القول بجعل المسبب عقيب السبب في مثل المقام، فاثبات المسبب باستصحاب سببه لا مانع منه، واما نفيه بنفيه لا يخلو من كلام، هذا على الاحتمال الاول، واما على غيره فان قلنا بجعل المسبب عقيب السبب فلا اشكال في ان استصحاب عدم الطيب لعدم الحل: غير مثبت وان كان اثبات الحرمة به مثبت الا ان يكون المجعول

[ 262 ]

حرمة التصرف فالاصل انما يجرى ان كان المجعول المسبب عقيب السبب وقلنا بانه الحرمة عقيب عدم طيب نفسه. ثم ان جريان الاستصحاب موقوف على احراز موضوع الدليل الاجتهادي به وهو انما يحرز وينقح إذا كان الموضوع بقيوده مجرى الاصل، ففى المقام موضوع عدم الحل أي الحرمة مال امرء مسلم بلا طيب نفسه فلابد من تنقيحه بالاصل حتى يترتب عليه الحكم، فان كان ذلك بقيوده مسبوقا بالتحقق يجرى الاصل، فلو علم ان صاحب المال الكذائي كان لا يطيب بالتصرف فيه وشك في تبديله يستصحب و يحكم بالحرمة من غير فرق بين اعتبار طيبه سابقا أو لا، كما لو كان صاحب المال غير بالغ واحتمل عند بلوغه حصول طيب نفسه فاستصحاب عدم طيب نفسه قبل البلوغ كاف لاثبات الحرمة حال البلوغ، لكفاية كون الموضوع ذا اثر حال الشك. الا ان يناقش في المثال بان موضوع الحكم هو امر كذا وهو رجل بالغ، وبالغاء الخصوصية تدخل المرئة فيه، لا غير البالغ، فيأتي فيه الاشكال الذى في الفرض الآتى " فتدبر ". واما ان علم بعدم طيب نفسه قبل انتقال المال إليه فاستصحاب عدم طيب نفس صاحب المال الذى هو موضوع الحكم لا يجرى، لعدم الحالة السابقة اليقينية للمستصحب، وما هو مسبوق بالتيقن هو عدم طيب نفسه بهذا المال لا بما هو مضاف إليه، وهو مع قطع الاضافة ليس موضوعا للحكم، واثبات الاضافة بعد الجرالى زمان الملكية عقلي وليس الموضوع مركبا بل بسيط مقيد، وبهذا يظهر عدم جريان استصحاب عدم الطيب بعدم المغصوب منه أو بعدم المغصوب " فتدبر ". هذا حال الحكم التكليفى، واما الوضعي منه فنقول: ان الاخذ اما ان يكون بعد العلم بالحرمة أو قبله وعلى التقديرين قد يكون مع العلم برضاه، وقد يكون مع العلم بعدمه، أو مع العلم بخلو ذهنه منهما، أو مع الشك في رضاه وعدمه، أو خلود ذهنه وعدمه، وعلى أي تقدير تارة يكون الاخذ باكراه واضطرار تقية وتارة يكون باختيار، فإذا كان بعد العلم به ومع الاختيار فالضمان وان لم يثبت ظاهرا لكن ثبوته

[ 263 ]

واقعا تابع لعدم رضاه واقعا، كما ان عدمه تابع لرضاه واقعا ولا دخل للعلم والجهل فيهما، فمع العلم برضاه جاز الاخذ ظاهرا لكنه موجب لضمان اليد، ومع العلم بعدمه لا يجوز ظاهرا ومتجر فيه وان لم يضمن واقعا، وفى صورة الشك ايضا يكون الضمان الواقعي تابعا لعدم رضاه. نعم مع احراز عدم طيب نفسه بالاصل كما في بعض الصور يحكم بضمانه و مع عدم جريانه فالحكم به تابع لمقدار دلالة دليل الاحتياط في الاموال، فان دل على لزومه في الحكم الوضعي ايضا يحكم بالضمان احتياطا، وان قلنا باختصاص دليله بالتكليف وعدم دليل على الوضعي كما لا يعبد فلا يحكم به، لكون الشبهة مصداقية لادلته، ومع العلم بعدم كراهته ورضاه فعلا لو اخذه بقصد الرد إليه يكون محسنا ولا ضمان عليه. نعم هنا كلام وهو ان نفى السبيل عن المحسن هل يختص بمن كان محسنا فعلا وفاعلا، أو بمن كان محسنا فعلا، أو بمن كان محسنا فاعلا وان لم يكن كذلك واقعا. فمن اخذ ضالة ليردها إلى شخص بتخيل انه صاحبها وكان غيره لم يضمن على الاخير دون غيره، ومن اخذها ليردها إلى شخص بتخيل انه غير صاحبها وكان صاحبها فتلف قبل الرد لم يضمن على الثاني، مقتضى الاشتقاق ان كان الاختصاص بالثاني لكن مقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع الاختصاص بالثالث ولو كان مكرها أو مضطرا لاجل التقية في اخذه فمع رضاه لا اشكال فيه ومع عدمه يمكن ان يقال: ان الاخذ الاكراهي والاضطراري كلا اخذ بمقتضى دليل الرفع الرافع لذات ما اكرهوا عليه وما اضطروا إليه، ومقتضى رفع الذات رفع جميع آثاره وضعا وتكليفا وهو حاكم على دليل ضمان اليد والاتلاف، لان موضوعهما الاخد والاستيلاء والاتلاف، ودليل الرفع يرفعهما ويجعلهما بمنزلة العدم. نعم لابد للاخذ من ارتكاب ما هو اقل محذورا فيقصد الرد إلى صاحبه ومع قصد التملك يضمن وكذا مع عدم قصد رده إليه لاطلاق دليل اليد. ودعوى عدم اطلاقه غير وجيهة كدعوى ان الاخذ بمنزلة عدمه مطلقا فانه لا يضطر

[ 264 ]

إلى اخذه بلا قصد رده ولا يكره عليه كذلك بل هو مضطر إلى مهملة الاخذ لا مطلقه ولا قسم خاص منه. ان قلت ان دليل الرفع ينفى ما يضطر إليه وهو لا يضطر إلى الاخذ بلا ضمان و مقتضاه نفى الحكم التكليفى لا الوضعي. قلت لا يعقل تقييد الموضوع بحكمه فالرفع انما يتعلق بالاخذ الذى هو موضوع ضمان اليد لا بالاخذ الضمانى، وبعبارة اخرى ان موضوع الضمان هو الاخذ والاستيلاء ولا يعقل ان يكون الاخذ الضمانى، ودليل الرفع يرفع الموضوع. ان قلت لازم ذلك عدم الضمان في الاكل في المخمصة وهم لا يلتزمون به. قلت فرق بين المقامين، فان في المخمصة لا يضطر الا إلى سد الرمق وهو يحصل بنفس المال، لا بمال الغير، ولا بالمال المجان، وفى المقام يضطر إلى اخذ مال الغير لا اخذ ذات المال وهو مرفوع " تأمل " مع ان مقتضى امتنانية دليل الرفع عدم المجانية في الاكل، واما في المقام فلما كان الضمان على الجائر لا يكون نفى الضمان عن الاخذ منافيا للامتنان. هذا كله إذا كان الاخذ بعد العلم بالحرمة، واما إذا كان قبله فلا يخلو اما ان يكون شاكا ملتفتا أو غافلا، أو قاطعا بانه مال الجائر ; فعلى الاول اما ان يكون يد الجائر معتبرة عنده وامارة على ملكيته أو لا فعلى الثاني يستصحب عدم طيب نفس صاحب المال ان كان المال مسبوقا بكونه للغير مع عدم طيب نفسه بان يكون هذا المعني الموضوع للحكم بجميع قيوده مسبوقا باليقين، واما إذا كان بعض قيوده مسبوقا به وبعض آخر حاصلا بالوجدان فلا يجرى الاصل ولا يحرز به الربط لكونه مثبتا. وهذا نظير ما لو كان موضوع جواز التقليد الفقيه إذا كان عادلا أو الفقيه العادل ; فانه إذا كان الموضوع مسبوقا باليقين بقيوده يجرى الاستصحاب بخلاف ما لو كان فقاهته مسبوقة بالتحقق دون عدالته وكانت عدالته محرزة بالوجدان حال الشك في فقاهته، فان اجراء استصحاب كونه فقيها لاحراز موضوع الدليل بالاصل والوجدان:

[ 265 ]

غير صحيح، لعدم اثبات الكون الرابط أو التوصيف به الا بالاصل المثبت. نعم لو كان الموضوع مركبا كأن دل الدليل على ان التقليد يصح من رجل عالم وعادل: يمكن احرازه بالاصل والوجدان وان لا يخلو من كلام، والمقام من قبيل الاول فلا يجرى الاصل، وفى صورة عدم جريانه لا يجوز الاخذ مع الاختيار الا للايصال إلى صاحبه مع الامكان ولاجراء حكم مجهول المالك مع عدمه، ومع الاضطرار والاكراه ياتي فيه الكلام المتقدم. واما مع القطع بكونه مال الجائر أو الفغلة أو الالتفات بنائه على اعتبار يده واخذه بعنوان التملك: فيقع الكلام فيه في مقامين، احدهما في انه هل يكون الاخذ بنية التملك مع الجهل بكونه للغير موجبا للضمان أو لا، الثاني بناء على الضمان هل يبقى حكمه مع نية الحفظ بعد العلم بالحال اولا اما الاول فعن الشهيد والطباطبائي عدم الضمان مع الجهل، واستدل الاول بان يده يد امانة فيستصحب ولعل مراده انه بحكم الامانة في عدم الضمان، و لعل موضوع كلامه هو القسم الشايع من المأخوذ وهو مورد جهله بانه مال الغير مع الالتفات والاتكال على يده ; لا مطلق الجهل ولعل وجهه انه مع الاتكال بالامارة الشرعية في الاخذ بعنوان التملك يرفع الضمان، ويكون حاله حال الامانة، بتخيل ان الامر بالعمل بالامارة أو الاذن به ينافى التضمين وهو كما ترى، ولعل موضوع كلامه مطلق الجهل. ووجه عدم الضمان ان رفع ما لا يعلمون اعم من الوضعي كساير فقراته. (وفيه) ان دليل جعل الاحتياط حاكم على ما لا يعلمون " تأمل " مع ان شموله لمورد قيام الامارة على الخلاف ومورد القطع به غير ظاهر مضافا إلى عدم التزام الاصحاب بذلك. وقد يقال: ان دليل اليد لا يشمل مورد الجهل لان ظاهره الاختصاص بما إذا اخذ المال قهرا على المالك (وفيه ما لا يخفى)، ضرورة اطلاقه لجميع انحاء الاخذ فالاوفق بالقواعد هو الضمان. المقام الثاني وينبغى تعميم البحث إلى كل ما كان اخذه موجبا للضمان سواء

[ 266 ]

علم بالواقعة حال الاخذ ام لا. قد يقال: انه إذا نوى الحفظ والرد إلى صاحبه زال الضمان وذلك لدخوله تحت عنوان الاحسان الموجب لعدم الضمان المخصص لعموم على اليد في الابتداء والاثناء، والحاصل انه إذا انقلبت اليد من العدوان والخيانة إلى الاحسان والامانة ينقلب الحكم، وربما يرد ذلك بان يد الاحسان غير مقتض للضمان وهو لا يزاحم اليد المقتضى للضمان. (وفيه) ان مدعاه تخصيص دليل اليد بدليل الاحسان وليس المقام من قبيل تزاحم المقتضى مع اللامقتضى إذ لازمه الضمان حتى إذا كان محسنا من اول الامر وهو كما ترى. فالجواب عن القائل بالانقلاب ان مقتضى دليل الاحسان هو نفى السبيل عن المحسن بما هو محسن لا نفيه ولو عما يقتضى اسائته أو غير احسانه، ومقتضى دليل اليد ان حدوثها على الشئ موجب للضمان مستمرا إلى زمان التعدية فموجب الضمان حدوث اليد الغير الاحساني فقط وليس للاستيلاء الاحساني اثر في الضمان حتى يرفع بدليل الاحسان، وبعبارة اخرى ان الموجب للضمان اليد العدواني وهى غير مرفوعة بدليل الاحسان وما صدر عنه احسانا ليست موجبة للضمان حتى يرفع، فتحصل منه ان مقتضى القواعد عدم الانقلاب ولهذا لا يلتزمون به في يد الغاصب وعلى أي تقدير يجب على الاخذ رد المأخوذ إلى صاحبه بعد العلم بالقضية مع العلم بعدم رضا صاحبه بقائه عنده بل مع الشك ايضا بدليل الاستصحاب فيما جرى فيه والاحتياط في الاموال ودليله في صورة عدم رضاه، مضافا إلى حكم العقل والى انه ظلم وعدوان اطلاق الادلة. فان اطلاق قوله في مثل صحيحة الشحام (1) " لا يحل دم امرء مسلم ولا ماله الا بطيبة نفسه " عدم حل حفظه وحبسه وغيرهما وان فرض عدم صدق التصرف عليها، لان مفادها اعم منه، ودعوى تقدير التصرف قد مر بطلانها، ولازم عدم الحل التخلص عنه


(1) الوسائل - كتاب القصاص - الباب 1 - من ابواب القصاص في النفس.

[ 267 ]

باقرب ما يمكن التخلص كالمتوسط في الارض المغصوبة وذلك بحكم العقل. واما التشبث بادلة وجوب رد الامانات (فغير سديد)، لان المورد ليس من قبيل الامانات، بل من الغصب أو نظيره الا ان يدعى الاولوية وهى غير ظاهرة، فالدليل عليه ما عرفت. ويدل عليه في الغاصب صحيحة الحذاء (1) عن ابى جعفر عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من اقتطع مال مؤمن غصبا بغير حقه لم يزل الله معرضا عنه ماقتا لاعماله التى يعملها من البر والخير لا يثبتها في حسناته حتى يرد المال الذى اخذه إلى صاحبه "، و نحوها مرسلة رواية اخرى (2) وعن النبي صلى الله عليه وآله (3) " من اخذ عصا اخيه فليردها ". والصحيحة تدل على وجوب الرد فورا، ولو كان وجوبا عقليا للتخلص عن غضب الله، والظاهر من الرد الايصال إلى صاحبه وايقاعه تحت سلطانه ويده ولا يكفى مجرد التخلية بينه وبين صاحبه، وهو موافق لحكم العرف والعقلاء بخلاف باب الوديعة حيث ان ارتكاز العقلاء والمناسبات تقتضي صرف ظواهر الادلة لو دلت على وجوب الرد كما عليه الفقهاء ايضا، وما ذكرناه مناسب لاخذ الغاصب باشق الاحوال بل الظاهر لزوم الرد والايصال وان كان ضرريا أو حرجيا، لما ذكر من اخذه بالاشق، ولانصراف دليلهما عنه. وهل المأخوذ بغير عدوان وغصب وان كان على وجه الضمان كالاخذ مع الجهل أو الجبر يلحق بالغصب أو بالوديعة فلا يجب الا التخلية، الاقرب الحاقة بالغصب في وجوب ايصاله إلى صاحبه والتخلص عنه باقرب الطرق، لعدم حل الاموال الا بطيب نفس صاحبها (نعم) لو كان الايصال حرجيا يمكن رفعه بدليله. ثم لو كان المالك مجهولا فهل يجب الفحص عنه أو لا، اختار الشيخ الاعظم الثاني تمسكا باطلاق جملة من الروايات كرواية على بن ابى حمزة (4) " قال كان لى صديق


(1) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 78 - من ابواب جهاد النفس. (2) و (3) المستدرك - كتاب الغصب - الباب 1. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 47 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بعلى بن ابى حمزة البطائني وفى سندها ابراهيم بن اسحاق وهو مشترك ولعله الاحمري الضعيف

[ 268 ]

من كتاب بنى امية فقال لى: استأذن لى على ابى عبد الله عليه السلام فأستأذنت له فاذن له، فلما ان دخل سلم وجلس ثم قال: جعلت فداك انى كنت في ديوان هؤلاء القوم فاصبت من دنياهم مالا كثيرا واغمضت في مطالبه إلى ان قال فقال الفتى: جعلت فداك فهل لى مخرج منه قال ان قلت لك تفعل قال افعل قال فاخرج من جميع ما كسبت في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله ومن لم تعرف تصدقت به " الحديث. فان مقتضى اطلاقها جواز التصدق بلا فحص، والحمل على مورد اليأس عن معرفة صاحبه كالحمل على عدم معرفته بعد الفحص خلاف الظاهر. نعم لا يبعد انصرافه عن مورد يعلم بالعثور عليه بالفحص سيما إذا علم بمعرفته بالفحص قليلا وبالجملة ان ترك الاستفصال دليل العموم بل ذيلها دال على عدم لزوم الفحص إذ من البعيد بل غير الممكن انه كان تفحص عن صاحب الاموال الكثيرة والاشخاص المتفرقة ويئس عن معرفتهم في اشهر قلائل، مع ان عدم ذكره الفحص دليل العدم. والعمدة هي ترك الاستفصال والاطلاق والا فمن الممكن المناقشة في حجية قول الراوى في بقائه اشهر قلائل. والانصاف تمامية دلالتها لو لا ضعف سندها. الا ان يقال لا معنى للاطلاق وترك الاستفصال في المقام لانه قضية شخصية يحتمل علم الامام عليه السلام بالواقعة وان المورد لا يجب فيه الفحص " فتدبر ". واما ساير الروايات ففى اطلاقها اشكال. كصحيحة محمد بن مسلم (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " في رجل ترك غلاما له في كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا فانطلق الغلام فعصر خمرا ثم باعه قال: لا يصلح ثمنه " إلى ان قال: " ثم قال أبو عبد الله (ع) ان افضل خصال هذه التى باعها الغلام ان يتصدق بثمنها ". فان الظاهر انه بصدد بيان افضلية هذه الخصلة من غيرها فكأن له خصالا معهودة هي افضلها، لا بصدد بيان وجوب التصدق، وكيف كان لا اطلاق فيها كما لا يخفى، ومنه يظهر الكلام في رواية ابى ايوب (2).


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 55 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 269 ]

وكرواية ابى على بن راشد (1) " قال: سئلت ابا الحسن عليه السلام: قلت جعلت فداك اشتريت ارضا إلى جنب ضيعتي بالفى درهم فلما وفيت المال خبرت ان الارض وقف فقال: لا يجوز شراء الوقف، ولا تدخل الغلة في مالك وادفعها إلى من وقفت عليه قلت: لا اعرف لها ربا قال: تصدق بغلتها "، فان الظاهر من قوله: " لا اعرف لها ربا " ان من المحتمل عنده ان لا يكون له رب رأسا وان وقفت الارض لمطلق الخيرات، والا كان حق التعبير في مجهول المالك ان يقول: لا اعرف ربه، والحاصل ان الظاهر ان الوقف كان مجهول المصرف لا مجهول المالك، مع ان في متنها ايضا كلاما. وكرواية على بن ميمون الصائغ (2) " قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عما يكنس من التراب فابيعه فما اصنع به قال تصدق به فاما لك واما لاهله ". فان الظاهر من قوله اما لك واما لاهله ان كون الذرات للغير غير معلوم وكان نظره التخلص من المحتمل ويحتمل ان تكون الذرات معرضا عنها ويراد بما ذكر التخيير بين التملك والتصدق لنفسه أو التصدق عن اهله " تأمل ". واما روايته الاخرى (3) ففى معلوم المالك فلا يمكن العمل بظاهرها. وكيف كان ليس في الروايات ما يمكن الاستناد إليها لترك الفحص الواجب عقلا والمؤيد بما دلت على وجوب الفحص في عدة موارد، فالاقوى وجوبه عقلا. وقد يقال: ان من بيده المال المجهول مالكه ان علم بعثوره على مالكه بالفحص يجب عليه ولو شك فيه فاما ان يكون التردد بين من يقدر على ايصال المال إليه ومن لا يقدر، أو بين من يقدر على الايصال إلى كل منهم، وعلى الاول يجب الفحص إذا كان تردده بعد العلم بكونه محصورا بين المقدورين، وبدونه لا يجب الفحص، لان خروج بعض الاطراف المعين من العلم الاجمالي عن مورد التكليف يوجب عدم


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 17 - من ابواب عقد البيع - مهملة بمحمد بن جعفر الرازي. (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 - من ابواب الصرف - مضمرة وضعيفة بعلى بن ميمون الصائغ.

[ 270 ]

وجوب الاحتياط بالنسبة إلى البعض الآخر بل يرجع فيها إلى اصالة البرائة، ومع سقوط التكليف فلا مقتضى للفحص " انتهى ". لازم ما ذكره اجراء البرائة في الشك في القدرة على الايصال ابتداء، ومبناه على ما يظهر من كلامه ان القدرة من القيود الشرعية المستكشفة بالعقل. ويرد عليه بعد الاشكال في مبناء بما قرر في محله من ان القدرة ونحوها من الاعذار العقلية لامتثال التكاليف لا قيودها شرعا أو عقلا، وان التكاليف الكلية القانونية فعليات على موضوعاتها من غير تقييد بالعلم والقدرة والالتفات وغيرها فحينئذ يجب الاحتياط عقلا مع الشك في القدرة ويجب الفحص: ان ما ذكر انما يتم لو قلنا بان الواجب على الغاصب ونحوه الايصال إلى صاحب المال وجوبا شرعيا. واما ان قلنا بعدم وجوبه شرعا بل ليس في المال المغصوب ونحوه الا حرمة الاستيلاء على اموال الناس عدوانا وبلا حق وحرمة التصرف فيها ونحوه كالحفظ والحبس وانما يجب الايصال تخلصا عن المحرم المعلوم عقلا: فلا شبهة في وجوب الفحص عقلا ولو عند الشك في القدرة، ونحوه ما إذا قلنا بتكليفين وجوب الايصال وحرمة التصرف والاستيلاء ونحوهما، والانصاف انه لا يمكن مساعدة القائل المدقق التقى في المبنى ولا البناء. ثم انه هل يتعين عليه الفحص أو يتعين الرد إلى الحاكم فانه ولى الغائب والرد إليه بمنزلة الرد إلى صاحبه، أو يتخير بينهما بان يقال: يجب عليه التخلص من الحرام وهو يحصل باحدهما. الظاهر عدم تعين الرد إلى الحاكم وعدم التخيير، لان ولاية الحاكم على الغائب ليس على نحو الاطلاق إذ لا دليل عليه، وانما هي ثابتة فيما إذا لم يمكن الرد إلى صاحبه الغائب أو المفقود حسبة، وليس للغاصب ومن بحكمه ترك الفحص والرد إلى الحاكم بل وليس للحاكم القبول الا في بعض الموارد حفظا للتضييع ومؤنة الحفظ وغيره على الغاصب. نعم يمكن نفى وجوبها على غير الغاصب ولو كانت يده يد ضمان لنفى الحرج والضرر بناء على ثبوت نفى الضرر كنفى الحرج كما هو المعروف عند المتأخرين،

[ 271 ]

فالاقوى وجوب الفحص وتعينه عليه، الا ان يقال: بدلالة حسنة داود بن ابى يزيد أو صحيحته (1) على تعين الرد إلى الحاكم. روى عن ابى عبد الله عليه السلام " قال قال رجل انى اصبت مالا وانى قد خفت فيه على نفسي ولو اصبت صاحبه دفعته إليه وتخلصت منه قال فقال له أبو عبد الله عليه السلام: والله ان لو اصبته كنت تدفعه إليه قال أي والله قال فانا والله، ماله صاحب غيرى قال: فاستحلفه ان يدفعه إلى من يأمره قال: فحلف فقال: فاذهب فاقسمه في اخوانك و لك الا من مما خفت منه قال فقسمته بين اخواني "، بدعوى اطلاقها لكل مال مجهول غصبا كان أو غيره وان المراد بكون المال له عليه السلام انه ولى امره لا مالكه الخاص كما في الاشباه والنظائر حتى في سهم الامام عليه السلام علي احتمال غير بعيد، فيكون الفقيه قائما مقامه، فاطلاقها يقتضى وجوب ارجاع كل مجهول مالكه إلى الحاكم الا ما خرج كاللقطة. (وفيه) منع الطلاقها لقوة احتمال ان يكون المراد به اللقطة بل لا يبعد ظهور قوله اصبت مالا في الاصابة والعثور عليه فجأة ومن باب الاتفاق كاللقطة دون المأخوذ جائزة أو غصبا. مضافا إلى احتمال ان يكون السؤال بعد الفحص واليأس أو الفحص سنة كما عن الصدوق وربما يشعر به قوله: " ولو اصبت صاحبه " (الخ) مضافا إلى ان الامر بالتصدق مع عدم اليأس عن صاحبه وامكان العثور عليه، بعيد جدا، بل مقطوع الخلاف، مع انها قضية شخصية يشكل فهم الحكم الكلى منا، فتحصل من ذلك تعين الفحص عليه. ثم ان مقتضى القواعد لزوم الفحص إلى ان حصل اليأس سواء حصل قبل تمام السنة ام لا ولو لم يحصل إلى الزائد عن السنة يجب الا ان يقال: مقتضى اطلاق ادلة اللقطة ثبوت احكامها ولو اخذها غصبا وعدوانا أو ضمانا، ففى صحيحة الحلبي (2) عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث " قال واللقطة يجدها الرجل ويأخذها قال يعرفها سنة


(1) الوسائل - كتاب اللقطة - الباب 7 - والتردد بين الحسنة والصحيحة من جهة موسى بن عمر - (2) الوسائل - كتاب اللقطة الباب 2

[ 272 ]

فان جاء لها طالب والا فهي كسبيل ماله " ونحوها غيرها، ولا ينبغى الاشكال في اطلاقها للاخذ الاحساني والغصبى وغيرهما. وتوهم ان الحكم بانه كسبيل ماله بعد تعريف السنة حكم ارفاقي لا يناسب الغاصب (مدفوع) بان الحكم الارفاقى يناسب ايضا الغاضب التائب الذى اراد ايصال المال إلى صاحبه بتعريف السنة، فإذا كان مقتضى الاطلاق اسراء الحكم إلى الغاصب ومن بحكمه لا مانع من اسرائه إلى مطلق المأخوذ غصبا أو ضمانا. الا ان يقال مضافا إلى ان الالتزام بالحكم في المتلقط غصبا وعدوانا مشكل، ولعل الفقهاء لا يلتزمون به: انه لو فرض جواز الاخذ بالاطلاق لكن لا يصح اسراء الحكم من اللقطة إلى غيرها، ودعوى الغاء الخصوصية باطلة لعدم مساعدة العرف معه، كما ان اسراء الحكم، إلى المقام من النص الوارد في ايداع اللص: غير ممكن، فعن حفص بن غياث (1) " قال سالت ابا عبد الله عليه السلام من رجل من المسلمين أو دعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا، واللص مسلم، هل يرد عليه فقال: لا يرده، فان امكنه ان يرگه على اصحابه فعل، والا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها " (الخ) . فان اسراء الحكم إلى غير الوديعة لا يصح وان لا يبعد الاسراء إلى مطلق الغاصب كما عن الفقهاء. ثم ان الظاهر من صدر الرواية انه سئل عن حكم ما في يد اللص مع الشك في كونه منه سيما بلحاظ قوله: " واللص مسلم " الظاهر أو المشعر بان السؤال عن اعتبار يد اللص المسلم وان كان الجواب ظاهرا في مفروغية كون ما اودعه للغير، فيمكن ان يجعل الحكم قرينة على ان الموضوع المال المسروق. الا ان يقال بامكان ان تكون يد اللص لدى الشارع الاقدس امارة على كون ما في يده للغير فيجب ترتيب آثار ملكية غيره، فيؤخذ بظاهر الصدرو يحمل الحكم على مفروغية كونه للغير، لقيام الامارة عليه وهى يد اللص الذى شغله ذلك الحصول الغلبة التى يمكن ان تكون مبنى حجية اليد، لكن الانصاف ان ذلك بعيد عن فهم العرف


(1) الوسائل - كتاب اللقطة الباب 18 - ضعيفة بقاسم بن محمد وغيره.

[ 273 ]

من الرواية، وكيف كان لا يمكن فهم حكم المقام منها. ثم بعد الفحص واليأس يقع الكلام في تكليفه على حسب القواعد قال السيد الطباطبائى: مع قطع النظر عن النصوص الاحتمالات عديدة: وجوب التصدق، ووجوب الامساك والوصية به حين الموت، ووجوب الدفع إلى الحاكم، والتخيير بين اثنين منها أو الثلثة، ثم قال وجه الثالث ان الحاكم ولى الغائب فيجب الدفع إليه لانه بمنزلة الدفع إليه ولا بأس به، وان كان في تعينه نظر الا ان يقال: إذا جاز وجب لانه القدر المتيقن حينئذ لكنه مشكل لامكان تعين الاولين ايضا (نعم) الوجه الاول يمكن دفعه بما ذكره المصنف من انه مع الشك يكون الاصل الفساد. لكن يمكن ان يقال: ان الاصل المذكور لا يقتضى حرمة التصدق حتى يتعين الاخر، لان المفروض احتمال وجوبه كما يحتمل وجوب غيره والعقل حاكم بالتخيير في مثل ذلك فيجوز التصدق بمعنى الدفع إلى الفقير وان كان لا يجوز له اخذه ولا للمتصدق ترتيب آثار الملك عليه والثمر هو جواز الدفع بدون الاعلام فيجوز له التصرف حينئذ " انتهى ". (وفيه) ان مقتضى عدم حلية مال امرء مسلم الا بطيبة نفسه وحرمة ابقاء التسلط و الاستيلاء عليه عدوانا وبلا حق: حرمة التصرف فيه بالتصدق وحرمة الامساك فيندفع احتمالهما تعيينا أو تخييرا، فيبقى احتمال وجوب الرد إلى الحاكم، ولا يدفع بما ذكر، بل مقتضى ولاية الحاكم وكونه بمنزلة صاحبه وجوب الرد إليه تخلصا عن الامساك المحرم أو توسلا إلى الواجب ان قلنا بوجوب الرد والايصال شرعا، لحكومة دليل ولايته على دليل عدم حل مال المسلم ودليل وجوب رد المغصوب، فتحصل منه ان غير احتمال الرد إلى الحاكم مدفوع بالدليل. مضافا إلى انه مع فرض جريان اصالة فساد الصدقة واصالة عدم وقوعه صدقة لا يبقى مجال للرد إلى الفقير بغير جهة الصدقة، لعدم احتمال جواز اتلاف مال الغير واعطائه بالفقير بغير وجه الصدقة فضلا عن احتمال وجوبه، فالمحتمل مدفوع بالاصل، وغير الصدقة لا يحتمل، فمقتضى القواعد مع الغض عن النصوص الخاصة وجوب

[ 274 ]

الارجاع إلى الحاكم. واما الاخبار فمنها المطلقات المتقدمة وفى دلالتها على وجوب التصدق تعيينا أو تخييرا اشكال، اما رواية على بن ابى حمزه (1) في قضية بعض كتاب بنى امية لعنهم الله فلاحتمال ان يكون امر ابى عبد الله عليه السلام اذنا له في التصدق وكان امر المجهول بيد الامام عليه السلام ولا اطلاق فيها يدفع هذا الاحتمال ; واما صحيحة محمد بن مسلم (2) ورواية ابى ايوب (3) فلاحتمال ان يكون قوله: " يتصدق بثمنه " على صيغة المجهول، فعليه لا يكون بصدد بيان فاعل الصدقة وان كان المظنون كونه على صيغة المعلوم لكن الظن غير حجة. وتوهم ان السائل سأل عن وظيفته فلابد من كون الجواب عنها (مدفوع) بان جوابه في الصحيحة قوله: " لا يصلح ثمنه " واما قوله: " ان افضل خصال " (الخ) فكلام مستأنف. نعم لا يبعد ذلك في رواية ابى ايوب وان احتمل مع قرائة ان يتصدق بصيغة المجهول ان الصدقة احب ففهم الراوى عدم جواز اكل ثمنه " تأمل " مضافا إلى ما تقدم من عدم اطلاق فيها نظير قوله: " احب الاشياء عندي صلوة الليل " حيث لا اطلاق فيه يدفع الشك في شرط أو مانع. واما رواية ابى على بن راشد (4) فموردها غير المورد لما تقدم ان ظاهرها عدم معرفة رب للموقوفة راسا وهو غير مجهول المالك المعلوم ملكيته لشخص، كما ان رواية ميمون الصائغ (5) ايضا غير موردنا. واما موثقة اسحق بن عمار (6) " قال سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن رجل نزل في


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 47 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة. (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 55 - من ابواب ما يكتسب به. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 17 - من ابواب عقد البيع. (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 - من ابواب الصرف (6) الوسائل - كتاب اللقطة - الباب 5.

[ 275 ]

بعض بيوت مكة فوجد فيه نحوا من سبعين درهما مدفونة فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع قال يسأل عنها اهل المنزل لعلهم يعرفونها قلت فان لم يعرفوها قال: يتصدق بها ". فلا يبعد دلالتها على المقصود بان يقال: ان موردها يد ضمان بل عدوان وغصب فان اخراج المال من مكة إلى الكوفة بغير حق ولا فحص عن صاحبه يوجب الضمان ويكون عدوانا، ومقتضى اطلاق الذيل وجوب الصدقة عليه عند اليأس عن صاحبه. وتوهم ان الامر بالصدقة بعد التعريف عند صاحب البيت دليل على وجوب الصدقة قبل الفحص (مدفوع) بان الفحص انما يجب توصلا ومقدمة لا تعبدا ونفسا، ولا شبهة في ان وجدان دراهم مدفونة في بيوت مكة التى هي محل ورود الحجاج من البلاد المتفرقة النائية في سنين كثيرة يوجب اليأس عن معرفة صاحبها كما هو واضح، فالامر بالتصدق في مورد اليد الغاصبة والضامنة مع الغاء الخصوصية عن المورد موجب لفهم عموم الحكم إلى كل يد غصب وضمان، ولا يحتمل عرفا خصوصية الدفن ولا بيوت مكة ولا الدراهم. الا ان يقال: ان في مورد الرواية خصوصية لا يمكن الغائها وهى احتمال كون الدراهم المدفونة لارب لها، لاحتمال انها من السنين القديمة التي انقرض اربابها، فلا يكون من مجهول المالك المعلوم ان له مالكا. ولو فرض وجود مورد في المقام كذلك يمكن التفصيل بينه وبين غيره لهذه الرواية وللرواية الواردة في الوقف كما تقدمت. والتمسك باستصحاب بقاء مالكها أو ان لها ربا لالحاق غيرها بها محل اشكال من وجوه مع ان احتمال خصوصية الدفن حاصل ولا يصح الغائها كما نرى اختلاف الاحكام مع اختلاف خصوصية في الموضوع نظير المقام كالدار يوجد فيها الورق والدابة يوجد في جوفها الشئ (1) والسمكة يوجد في جوفها المال (2).


(1) الوسائل - كتاب اللقطة - الباب 9. (2) الوسائل - كتاب اللقطة - الباب 10.

[ 276 ]

واما صحيحة يونس بن عبد الرحمن (1) " قال سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام وانا حاضر إلى ان قال فقال رفيق كان لنا بمكه فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا فلما ان صرنا في الطريق اصبنا بعض متاعه معنا فاى شئ نصنع به قال: تحملونه حتى تلحقوهم بالكوفة قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع قال: إذا كان كذلك فبعه وتصدق بثمنه، قال له على من جعلت فداك قال: على اهل الولاية " فغير مربوطة بالمقام، لان وجود المتاع من الرفقة عند بعضهم كان برضا صاحبه واذنه ثم نسى فبقى عنده فلا تكون يده غاصبة أو ضامنة، مضافا إلى احتمال ان يكون امره بالتصدق اذنا منه عليه السلام، فاستفادة حكم المورد منها في غير محلها. ومنه يظهر الكلام في موثقة هشام بن سالم (2) الراجعة إلى اجير يقوم في الرحى ففيها الامر بالدفع إلى المساكين ونحوها احتمالا صحيحة (3) منه ايضا، ويعلم الحال ايضا في رواية نصر صاحب الخان (4) ورواية حفص بن غياث (5) وبالجملة يشكل استفادة حكم المورد من الروايات الآمرة بالتصدق. واما مرسلة الحلى في السرائر فغير حجة. ودعوى جبرها بالشهرة المحققة غير ظاهرة ; لعدم معلومية استناد المشهور على فرض ثبوت الشهرة بها، ونفس الشهرة على فرضها غير حجة في المقام، لقرب استنادهم بالاخبار الكثيرة المتدمة وغيرها وتخلل الاجتهاد فيها. ثم ان جملة من الروايات الدالة على لزوم حفظه والوصية به كصحيحة هشام بن سالم وذيل موثقته وصحيحة معوية بن وهب (6) ورواية الهيثم (7) فموردها عدم


(1) الوسائل - كتاب اللقطة - الباب 7. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 22 - من ابواب الدين والقرض. (3) الوسائل - كتاب الميراث - الباب 6 - من ابواب ميراث الخنثى. (4) الوافى - كتاب المعايش والمكاسب - الباب 53 - من ابواب رجوه المكاسب - ج 10 - ص 53. (5) الوسائل - كتاب اللقطة - الباب 18. (6 - 7) الوسائل - كتاب الميراث - الباب 6 - من ابواب ميراث الخنثى.

[ 277 ]

اليأس عن معرفة صاحبه، ضرورة ان الامر بالطلب لا يحسن الا في مورد الاحتمال العقلائي بالمعرفة إذ الطلب بدونه لغو فالامر فيها محمول على مورد الرجاء وعدم اليأس مع ان في نفسها شواهد على ذلك ولو فرض الاطلاق في بعضها يجب تقييده بمثل صحيحة يونس بن عبد الرحمن المتقدمة، فالقول بالتخيير بين التصدق والحفظ في غير محله بعد كون الحكمين في موردين ورتبتين إذ مع الرجاء يجب الفحص ولا يجوز التصدق ومع اليأس مورد التصدق لو قلنا به. فتحصل من جميع ذلك ان مقتضى الادلة والقواعد وجوب الفحص ومع اليأس الرجوع إلى الحاكم ولكن مؤنة الحفظ وغيره على الآخذ كمؤنة الفحص. هذا كله لو لم نقل باطلاق حسنة داود بن ابى يزيد أو صحيحته وقلنا باختصاصها باللقطة، والا فالامر اوضح لحكومتها على الادلة الآمرة بالتصدق فيكشف منها ان الامر به من قبيل الاذن (نعم) لو قيل بدلالة الروايات على الاذن الكلى لا يبقى مجال للبحث ولا ثمرة له، لعدم لزوم الرجوع إلى النواب بعد اذنهم العام. الا ان يقال اذن كل امام معتبر حال حيوته كاذن النواب لكنه غير وجيه بل لعله خلاف اصول المذهب، فالاحوط بل الاقوى وجوب الرجوع إلى الحاكم للاشكال في رواية ابن ابى يزيد كما تقدم وعدم اطلاق في الباب، ولا اعتماد على الشهرة المحكية بمامر لكن مع ذلك لا يبعد عدم لزوم الارجاع إلى الحاكم لكثرة موارد الامر بالتصدق في مجهول المالك مع السكوت عن الارجاع إلى الحاكم، وقوة احتمال الاطلاق في بعض الروايات كصحيحة ابن مسلم واوضح منها رواية ابى ايوب مؤيدة بالشهرة المنقولة لكن الاحوط التصدق باذن الحاكم وتوكيله. ولا ينبغى الريب في ان مصرف المال التصدق بعد اليأس كما هو مفاد الادلة و مقتضى قاعدة لزوم ايصال المال إلى صاحبه حتى الامكان فان الحفظ مع اليأس يعد لغوا، وتؤيده الروايات الوادة في مجهول المالك وان اختلفت مواردها. ثم لو قلنا بتعين التصدق عليه فتصدق فجاء صاحبه ولم يرض به فهل يضمن مطلقا أو لا كذلك، أو يفصل بين يد الضمان وغيره.

[ 278 ]

اختار الشيخ الاعظم الضمان بعد الاشكال في ادلة الضمان وفى اطلاق ما دلت على وجوب التصدق بدعوى تحكيم استصحاب الضمان فيما تقتضي اليد الضمان على البرائة في اليد الغير المقتضية له بعد عدم القول بالفصل ورد ذلك بان التحقيق جريان استصحاب عدم الشغل بالبدل حتى في مورد يد الضمان، لان معنى ضمان اليد انه إذا تلف يضمن فما لم يتلف لا ضمان فيستصحب. (وفيه) مضافا إلى ان مقتضى ظاهر دليل ضمان اليد ان الاشتغال بالعين تنجيزي لا تعليقي ويأتى في محله تحقيقه: انه لو بنينا على التعليق يجرى الاستصحاب التعليقي فان الاتلاف ولو بالتصدق قبل الفحص موجب للضمان ويكون التعليق شرعيا فرضا ; والاستصحاب التعليقي حاكم على الاستصحاب التنجيزي كما قرر في محله، فلا اشكال من هذه الجهة، وانما الاشكال من جهة تحكيمه الاستصحاب على البرائة في المقام، لان الاجماع على عدم الفصل غايته اثبات التلازم بين الحكمين الواقعيين، واثبات احد المتلازمين باستصحاب الآخر مثبت ولو كان التلازم شرعيا، فان تحقق الملازم بتحقق ملازمه عقلي. هذا ان ادعى عدم الفصل بين الحكمين الواقعيين كما هو ظاهره من دعوى التحكيم، وان ادعى التلازم بين الحكمين الظاهريين فلا وجه للتحكيم بل الوجه التعارض، هذا مضافا إلى جريان استصحاب عدم الضمان في الطرف الآخر ايضا فمع عدم القول بالفصل واجدائه يتعارض الاصلان فالاقوى بحسب الاصل التفصيل. كما ان الاقوى بحسب قاعدة اليد والاتلاف الضمان مطلقا ودعوى انصراف دليله إلى ماكان الاتلاف عليه لاله: في غير محلها، كدعوى ظهور الاتلاف في العلية التامة وهى في المقام مفقودة، لان الضمان موقوف على عدم اجازة المالك بما ذكره الشيخ من ضمانه أو لا ورفعه بالرضا بالصدقة وان امر بالتأمل، لكنه اوجه ; لان التصدق بعد فرض عدم جواز الرجوع إلى الفقير وقد ادعى الشيخ الاعظم عدم القول بجوازه اتلاف لماله عرفا ومقتض للضمان فلا وجه لكونه مراعى بامر متأخر غير دخيل في الاتلاف.

[ 279 ]

وربما يقال لا دليل على ضمان الاتلاف يؤخذ باطلاقه وما اشتهر ان من اتلف مال الغير فهو ضامن مستنقذ من الموارد الجزئية. (وفيه) ان دليل موثقة ابى بصير (1) في باب حرمة سباب المؤمن عن ابى جعفر عليه السلام: " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سباب المؤمن فسوق إلى قوله وحرمة ماله كحركة دمه " فانه في قوة قوله: " من اتلف مال الغير فهو ضامن "، لان معنى حرمة ماله انه لا يذهب هدرا بل هو محترم لابد من جبره كدمه فانه لا يطل دم رجل مسلم أي لا يهدر، وبالجملة التصدق بمال الغير موجب للضمان ولو كان يده يد امانة واحسان. وتوهم ان التصدق احسان في غير محله. هذا مع الغض عن اخبار وجوب التصدق، واما بنظر إليها فالظاهر استفادة عدم الضمان منها للملازمة العرفية بين الزامه على التصدق والاتلاف وعدم الضمان واما في باب اللقطة فلم يكن التصدق متعينا عليه بل هو مختار بين الاخذ لنفسه والحفظ لصاحبه والتصدق بالضمان. مضافا إلى دلالة رواية داود بن ابى يزيد عليه بناء على ان المراد بالاصابة اعم من اللقطة وكذا رواية على بن ابى حمزة، هذا حال الصورة الثالثة، واما الصورة الرابعة فقد احال الشيخ الاعظم تحقيقها على كتاب الخمس ونحن نقفوا اثره. المسألة الثانية مقتضى القواعد ان ما اخذه السلطان الجائر المستحل لاخذ الخراج والمقاسمة باسمها ومن الغلات وغيرها بعنوان الزكوة عدم وقوعها خراجا وزكوة وبقائها على ملك صاحبها وعدم نفوذ تصرفاته من البيع ونحوه وبقاء الخراج والزكوة على ذمة المالك أو في امواله هذا مما لا اشكال فيه، كما لا اشكال عقلا في جواز انفاذ ما اخذه كذلك اخذا واعطاء وانفاذ معاملاته على المأخوذ وعدم قبح شئ من ذلك عقلا بن هو مستحسن لرفع الحرج والضرر عن صاحب الزكوة والخراج وعن ساير المسلمين، بل قد يلزم عقلا إذا توقف نظام الممالك الاسلامية عليه، فلا بد في ذلك من اتباع الادلة ولا يجوز طرح ظاهر دليل معتمد بتوهم مخالفته للعقل.


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 158 - من ابواب احكام العشرة.

[ 280 ]

ولا يخفى انه لا ملازمة بين انفاذ المأخوذ زكوة وخراجا ووقوعهما كذلك وانقاذ المعاملة عليها وضعا وبين حلية الاخذ وحلية التصرفات في المأخوذ على الجائر لامكان صحة شئ وضعا وحرمته تكليفا فلا مانع من حرمة البيع وقت النداء وصحته. فلو دل دليل على نفوذ اعمال السلاطين في اخذ المذكورات والمعاملة عليها لا يكشف منه حلية تصرفاتهم واخذهم واعطائهم تكليفا لان كل ذلك تصرف في سلطان الوالى العادل فله المنع عن تصرفاتهم والانفاذ على فرض وقوعها، وقد استفيض نقل الاجماع وعدم الخلاف والشهرة على جواز الشراء من السلطان الجائر، وتدل على جوازه بل جواز مطلق المعاملة جملة من الروايات. منها صحيحة الحذاء (1) عن ابى جعفر عليه السلام: " قال: سألته عن الرجل منا يشترى من السلطان من ابل الصدقة وغنم الصدقة وهو يعلم انهم يأخذون منهم اكثر من الحق الذى يجب عليهم قال فقال ما الابل الا مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه قيل له فما ترى في مصدق يجيئنا فيأخذ من صدقات اغنامنا فنقول بعناها فيبيعناها فما تقول في شرائها منه فقال ان كان قد اخذها وعزلها فلا بأس قيل له فما ترى في. الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا ويأخذ حظه فيعزله بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه فقال: ان كان قبضه بكيل وانتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل ". وهى بفقراتها الثلث تدل على المطلوب أي نفوذ اخذ الجائر بمعنى وقوع ما اخذه صدقة وجواز الشراء منه ونفوذه بل جواز ساير المعاملات عليه، اما الفقرة الاولى فدلالتها ظاهرة سيما مع تسمية ما زاد عن الحق الواجب حراما ومفروضية كون المأخوذ حقا واجبا عليهم. والمناقشة فيها تارة بان السائل في مقام السؤال عن حكم آخر وليس بصدد السؤال من السلطان الجائر فلا اطلاق فيها من هذه الجهة وقوله: " يأخذون منهم


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 52 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 281 ]

اكثر " (الخ) لا يدل على كون السلطان جائرا، لان عمال السلطان العادل يمكن ان يصدر منهم الظلم احيانا بلا اطلاع من السلطان عليه وضمير الجمع لا يرجع إلى السلطان بل إلى عماله الذين يأخذون الصدقات، ومعلوم ان السلطان لا يأخذ بنفسه بل لعل مفروضية كون الاخذ حقا قرينة على ان السؤال عن السلطان العدل، واخرى بان الالتزام بمضمونها غير ممكن لانه مخالف للقواعد لتجويزه الشراء في غير مورد واحد وهو العلم التفصيلي بالحرام ومقتضاه جوازه مع العلم الاجمالي حتى اشتراء جميع اطرافه دفعة لصدق عدم معرفته بالحرام بعينه ومفصلا وهذا موهن لها فيشكل العمل بها، (مدفوعة) بان الظاهر الذى كالنص ان السؤال عن السلطان الجائر الذى كانت صدقاتهم محل الابتلاء والسؤال عن كلى لم يكن محل الابتلاء رأسا ولا متوقعا لذلك مقطوع الخلاف ويشهد له ايضا قوله: " الرجل منا يشترى من السلطان " إذ من المعلوم ان المراد به هو الشيعة الامامية قبال السلطان الذى ليس منا، فالحمل على عمال سلطان العدل وفرض ظلمهم لا ينبغى احتماله، فلا اشكال من هذه الجهة، كما انه من المحتمل في قوله: " حتى تعرف الحرام بعينه " ان يكون قوله: (بعينه) تأكيدا للحرام لا قيدا للمعرفة، ومع لا تكون الرواية مخالفة للقواعد. مضافا إلى ان اطلاقها مخالفة لها فيتقيد عقلا فلا يصح طرحها، وليس في السؤال ما يدل على ان المعلوم بالاجمال في مورد الشراء بل الظاهر ان مراده ان السلطان إذا كان في امواله مظلمة يجوز الشراء منه ام لا، والانصاف ان الخدشة فيها في غير محلها، وقد تقدم ان الحكم ليس مخالفا للعقل بل موافق للاعتبار والعقل لتنظيم امر المسلمين والاسلام مع عدم بسط يد السلطان العادل وتسهيل الامر على الامة فلا معنى لردها بعد الاقرار بظهورها وصحتها واعتماد الاصحاب عليها والعمل بها. واما احتمال رجوع ضمير لا بأس به إلى الابل المذكور اخيرا ويراد به لا بأس بشراء الابل الا ما علم انه حرام وقد علم ان ابل الصدقات حرام حسب القواعد وانما اجمل في الكلام تقية (لا ينبغى لا صغاء إليه) إذ هو في غاية السقوط كما لا يخفى.

[ 282 ]

كما ان الظاهر من الفقرتين الاخيرتين ان السائل اراد السؤال من مسئلتين مربوطتين بعمال الصدقات ومقسمها وشراء ما اخذوا بعد ما سئل الحذاء مسئلته، والحمل على غيرها خلاف ظاهر الكلام وسياقه وفهم العقلاء منه واحتمال كون الفقرتين مستقلتين في مجلس غير مجلس سؤال الحذاء ضعيف، مع ان ظاهر المصدق والقاسم هو عمال السلطان فلا اشكال فيها، لا سندا، ولا دلالة، ولا عملا. والظاهر ان تعليق نفى البأس في الفقرة الثانية بالاخذ والعزل لاجل ان قبلهما لا يتعين زكوة وصدقة ولا ولاية للجائر مطلقا حتى تصح معاملته للملك المشاع بناء على اشاعة الزكوة كما هي الارجح وانما نفذت تصرفاته بعد الاخذ والعزل حفظا للمصالح وتسهيلا على العباد. ثم انه لا دلالة في الرواية على سقوط الضمان من الجائر، لان مجرد وقوع ما اخذه صدقه وصحة الشراء من ابل الصدقات وغيره لا يلازم سقوط الضمان عنه، لان الزكوة بعد حصولها لابد في صرفها من تصرف ولى امرها أو اذنه والظالم ليس بولي فلابد من رفع ضمانه من دلالة دليل على صحة صرفه في مصارفها الشرعية، والصحيحة لا دلالة عليها، وان كان المظنون قويا وقوعها مصرفا إذا صرفها في المصارف الشرعية، و التفكيك بين الوقوع في الاخذ وبين الوقوع في الاعطاء في غاية البعد، لكن مجرد الاستبعاد ليس بحجة. نعم تدل على ذلك بل وعلى جميع المطالب المتقدمة حسنة ابى بكر أو صحيحته (1) " قال دخلت على ابى عبد الله عليه السلام وعنده اسمعيل ابنه فقال ما يمنع ان ابى السماك ان يخرج الشباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس ويعطيهم ما يعطى الناس ثم قال لى لم تركت عطائك قلت مخافة على دينى قال: ما منع ابن ابى السماك ان يبعث اليك بعطائك، اما علم ان لك في بيت المال نصيبا ". فان الظاهر من صدرها وذيلها ان ما اعطى من بيت المال شباب الشيعة وكذا لو اعطى نصيبه ابن ابى السماك من بيت المال يقع على ما هو عليه ومصرفا شرعيا، كما


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 51 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 283 ]

ان التعبير ببيت المال وان لابي بكر فيه نصيبا دليل علي ان المأخوذ من الناس وقع خراجا وزكوة، فتدل الرواية مضافا إلى ما دلت عليه السابقة على خروج الغاصب من الضمان لو عمل في الصدقات على طبق الشرع. والخدشة فيها بان الدخول في اعمالهم محرم وقد سوغه فيها (في غير محلها)، لا مكان ان يكون لدخول شباب الشيعة مصلحة مجوزة لذلك، كما ان احتمال كون نصيبه من بيت المال من وجوه اخر غير ما هو المعهود من بيت المال: لا يصغى إليه، فالرواية ظاهرة الدلالة نقية السند معمول بها. وتدل على المطلوب من وقوع المذكورات على ما هي عليها وسقوطها عن المأخوذ منه وصحة شرائها: جملة من الروايات التى وقع السؤال فيها عن الاشتراء عن العامل، كصحيحة معوية بن وهب (1) " قال قلت لابي عبد الله عليه السلام اشترى من العامل الشئ وانا اعلم انه يظلم فقال اشتر منه "، ونحوها رواية عبد الرحمن بن ابى عبد الله (2) وكموثقة أسحق بن عمار (3) " قال سألته عن الرجل يشترى من العامل وهو يظلم قال: يشترى منه ما لم يعلم انه ظلم فيه احدا ". فان اختصاص العالم بالذكر كرارا في الروايات يدل على ان السؤال ليس عن مطلق الظالم أو عن مطلق من بيده مال الغير بل يكون عن الصدقات التى في يد العامل فتكون تلك الروايات نظير رواية ابى عبيدة فهى تدل على المقصود في الجملة إذ لا اطلاق لها فتكون في مقام بيان حكم آخر. وتدل عليه ايضا موثقة سماعة (4) " قال سألته عن شراء الخيانة والسرقة فقال إذا عرفت انه كذلك فلا الا ان يكون شيئا اشتريته من العامل " ونحوها رواية محمد بن عيسى (5) مرسلة عن ابى عبد الله عليه السلام بل وصحيحته عن ابي بصير عن احدهما (ع) (6) وفى


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 52 - من ابواب ما يكتسب به. (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 53 - من ابواب ما يكتسب به. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 1 - من ابواب عقد البيع. (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 52 - من ابواب ما يكتسب به. (6) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 1 - من ابواب عقد البيع.

[ 284 ]

ذيلها " فاما السرقة بعينها فلا الا ان يكون من متاع السلطان فلا بأس بذلك ". ضرورة ان المراد من السرقة والخيانة التى اجاز اشترائها ونفى البأس عنه ليست الا ما اخذها السلطان وعماله عن الناس باسم الخراج والزكوة بغير حق خيانة وسرقة أو كان بحكمها، ضرورة عدم خصوصية للسلطان الجائر وعماله في ذلك أي في السرقة من اموال الناس، والشاهد عليه مع وضوحه الروايات المتقدمة الدالة على عدم جواز شراء ما يعلم انه ظلم فيه احدا وما عرف انه حرام بعينه. وكيف كان لا ينبغى الاشكال في دلالتها على نفوذ المعاملات وسقوط الزكوة و نحوها من ذمة صاحبها (نعم) لا دلالة لها على سقوط الضمان على الوالى الجائر، وتدل عليه ايضا ما دلت على جواز تقبل خراج الاراضي الخراجية وجزية الرؤوس بل ما دلت على جواز تقبل الارض من السلطان. فمن الاولى موثقة اسمعيل بن الفضل الهاشمي بطريق الصدوق (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال سألته عن الرجل يتقبل خراج الرجال وجزية رؤوسهم وخراج النخل و الشجر والاجام والمصائد والسمك والطير وهو لا يدرى لعل هذا لا يكون ابدا أو يكون أيشتريه وفى أي زمان يشتريه ويتقبل منه فقال إذا علمت ان من ذلك شيئا واحدا قد ادرك فاشتره "، ورواها الكليني باختلاف يسير وفى روايته ارسال. ومن الثانية رواية اسمعيل بن الفضل الهاشمي (2) عن ابى عبد الله عليه السلام " قال سألته عن الرجل استأجر من السلطان من ارض الخراج بدراهم مسماة أو بطعام مسمى ثم آجرها وشرط لمن يزرعها ان يقاسمه النصف أو اقل من ذلك أو اكثر وله في الارض بعد ذلك فضل ايصلح له ذلك قال نعم إذا حفر لهم نهرا أو عمل لهم شيئا يعينهم بذلك فله ذلك قال وسألته عن الرجل استاجرا رضا من ارض الخراج بدراهم مسماة " إلى ان قال " إذا استأجرت ارضا فانفقت فيها شيئا أو رممت فيها فلا بأس بما ذكرت ". ورواية الفيض بن المختار (3) " قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام جعلت فداك ما تقول


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 12 - من ابواب عقد البيع. (2) و (3) الوسائل - كتاب الاجارة - الباب 21.

[ 285 ]

في الارض اتقبلها من السلطان ثم أو اجرها من آخرين على ان ما اخرج الله منها من شئ كان لى من ذلك النصف أو الثلث أو اقل من ذلك أو اكثر قال لا بأس ". ويدل عليهما جميعا صحيحة الحلبي (1) عن أبى عبد الله (ع) وفيها " لا بأس ان يتقبل الارض واهلها من السلطان " إذ الظاهران المراد باهلها جزية رؤوسهم. اما دلالة الاولى والثالثة فظاهرة، واما الثانية فلدلالتها على نفوذ عمل السلطان في استيجار الاراضي الخراجية فتدل علي ان ما اخذه اجرة وقعت كذلك لصحة الاجارة، فتدل نفوذ عمله وصحة اجارة الاراضي التى امرها اصالة بيد الحاكم العدل. وقد يورد على دلالتها بانها بعد ما كانت في مقام بيان حكم آخر بعد الفراغ عن ان السلطان آخذ لا محالة عن مستعملي الارض الضريبة فلا دلالة على جواز اصل التقبل بل جوازه مفروغ عنه ولعل جوازه لاجل ان السلطان يأخذ ما يأخذه البتة وبعد ذلك كل مستعمل الاراضي يرضون لا محالة ان يتقدم واحد ويضمن للسلطان ما هو آخذ منهم ثم يدفعون ما هو عليهم لهذا المتقبل فان ذلك امان لهم من جور الجائرين واعتداء المأمورين فهم يدفعون بطيب النفس لهذا ليدفع عنهم الظلامات " انتهى ". (وفيه) مضافا إلى ان صحيحة الحلبي في مقام بيان جواز التقبل من السلطان كما لا يخفى: ان ما ذكره من طيب نفس مستعملي الارض بما ذكره غريب، ضرورة ان الفرار من الافسد إلى الفاسد ومن الظلم الكثير إلى الظلم القليل بالنسبة لا يوجب طيب النفس بالفاسد وبالظلم، ومعلوم انهم لا يرضون باداء الخراج وجزية الرؤوس، وانما يطيب نفسهم بوقوع هذا الظلم بيد من لا يجوز فوق ذلك، وهذا غير طيب النفس على اصل الاداء، مع ان طيب نفسهم لا يفيد بعد كون الامر بيد ولى الامر العادل. ومن هنا يظهر فساد ما لو يقال: ان من المحتمل ان يكون مستعملي الارض ممن يعتقد بلزوم اداء الخراج إلى الوالى الجائر بتوهم انه على الحق فكان ادائهم بطيب نفسهم، لما عرفت من ان طيب نفسهم لا تأثير له، مضافا إلى ان هذا الطيب المبنى على امر فاسد لا يفيد، فهو نظير طيب النفس في المعاملة الفاسدة مع ان المقبوض


(1) الوسائل - كتاب المزارعة والمساقات - الباب 18.

[ 286 ]

بها كالمقبوض غصبا وكيف كان لا ينبغى الاشكال في دلالة الروايات على المقصود فلا ينبغى اطالة الكلام فيه. ينبغى التنبيه على بعض الامور الاول مقتضى القواعد اختصاص الحكم بما يأخذه السلطان فانه المتيقن من نفوذ امره ويحتاج في النفوذ على الذمم أو على المال المشاع قبل الاخذ إلى دليل وقد دل الدليل على نفوذه بالنسبة إلى تقبل الخراج وجزية الرؤوس، بل لو فرض وجود دليل على جواز المعاملة مع ما اخذ من الخراج وجزية الرؤوس يستفاد منه جوازها بالنسبة إلى الذمم ايضا، لان جعل الخراج والجزية بيد الوالى فإذا دليل على جواز المعاملة على المأخوذ يكون دالا على صحة جعله ونفوذه على الذمم و لازمه العرفي في جواز الحوالة على ما جعله ونفوذها. واما الزكوة والخمس مما كان المجعول بجعل الهى غير مربوط بالوالى فلا دليل على نفوذ امره قبل اخذه، بل ظاهر الفقرة الثانية من صحيحة ابى عبيدة المتقدمة عدم نفوذه الا بعد الاخذ والعزل كما اشرنا إليه سابقا. واحتمال ان يكون ذلك لاجل كون الزكوة حقا لا ملكا فلا ملكية الا بعد الاخذ والعزل (ضعيف) لما قرر في محله من كونها ملكا بنحو الاشاعة والاشتراك، كما ان احتمال كون زكوة الاغنام قبل العزل مجهولة (فاسد) بعد البنا، على الاشاعة. نعم لو كانت من قبيل الكلى في المعين يمكن ان تكون النكتة ما ذكر لكنه مع ضعفه يمكن توصيفه بما يخرجه عن الجهالة، وكيف كان عدم الجواز لا يحتاج إلى دليل خاص بل يكفى عدم الدليل على النفوذ، ودعوى الغاء الخصوصية عن الحراج والجزية واسراء الحكم إلى الزكوة والخمس (في غير محلها) لاحتمال الفرق بين المجعول الالهى وبين ما جعله الوالى. كما ان النشبث بعدم الفرق بين ما جعله الله تعالى وما جعله رسول الله صلى الله عليه وآله

[ 287 ]

أو امير المؤمنين عليه السلام ومقتضى ترك الاستفصال في الادلة جواز التقبل حتى فيما بقى الجعل من زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين عليه السلام فإذا نفذ فيما جعلا نفذ فيما جعله الله تعالى (غير وجيه) باحتمال الفرق وعدم الدليل على التسوية وكفى الاحتمال في عدم جواز الاسراء، مضافا إلى عدم العلم ببقاء ما جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين عليه السلام إلى ذلك الزمان ومجرد الاحتمال غير كاف، ولعل ترك الاستفصال في مثل صحيحة الحلبي لعدم بقاء مجعولهما فالاقوى بحسب القواعد والاخبار التفصيل بين المجعول الالهى وما جعله الوالى. ثم لا يخفى ان نقل الاجمال وعدم الخلاف في هذه المسألة التى ظاهر كلمات اكثر الفقهاء أو كلهم على ما قال الشيخ الاعظم اختصاصه بالمأخوذ موهون لا يتكل عليه، كما ان ابداء القول الثالث كالتفصيل المتقدم مع اقتضاء الدليل وعدم ثبوت الاجماع على عدم الفصل لا مانع منه. ثم ان استشهاد الشيخ الانصاري لعدم الفرق بين المأخوذ وغيره بظاهر الاصحاب في باب المساقات حيث يذكرون ان خراج السلطان على المالك الا ان يشترط خلافه غير ظاهر، فانه لو فرض توجه ظلم إلى مالك الاشجار أو اراضى فمع جعل المساقات أو المزارعة لا معنى لتوجهه وتعلقه إلى المزارع والساقي، واما إذا شرط عليهما اداء المظلمة فهو شرط سائغ يجب الوفاء به، فلا تدل كلماتهم في المساقات ولا في المزارعة على ما رامه. الثاني مقتضى القواعد الاولية حرمة اداء الزكوات والاخماس، وكذا الخراج والمقاسمة وجزية الرؤوس إلى حكام الجور إذا امكن ذلك ولم يكن مخالفا للتقية فلابد من حرمة منعهم ووجوب التأدية إليهم من قيام الدليل عليه. ويمكن التفصيل في هذه المسألة ايضا بالنظر إلى الادلة الخاصة بين الخراج وجزية الرؤوس مما يكون التعيين بجعل الوالى وبين الزكوات والاخماس مما هو يجعل الله تعالى بان يقال: ان اللازم العرفي من تنفيذ جعل الوالى ما ضرب على الارض من خراجا وعلى الرؤوس جزية لزوم ادائه، فان السلاطين عدولا كانوا أو فساقا انما جعلوا الخراج

[ 288 ]

والجزية على الناس بان يؤدوا إليهم لا إلى غيرهم، وكان صرفها في مصارفها بيدهم من غير اختيار لاحد فيه، فإذا دل الدليل على نفوذ جعل الوالى الجائر كان لازمه العرفي أو مدلوله المطابقى هو وجوب الرد إليه وعدم جواز التخلف والخيانة، وهو نظير ما إذا ورد دليل على انقاذ معاملة كان مفادها انتقال سلعة بثمن فان لازم ذلك صيرورة كل من السلعة والثمن منتقلا إلى من انتقل إليه بحسب الجعل ولازمه العرفي حرمة المنع والخيانة السرقة. فإذا ضرب الوالى على كل جريب من ارض درهما بان يؤدى إليه ما ضرب عليها ليصرفه في لمصارف المعهودة، ودل دليل على نفوذ ذلك: كان لازمه صيرورته مالك التصرف شرعا بحسب الوضع ولو حرم عليه تكليفا كما مر ولازم ذلك عرفا حرمة منعه ووجوب ادائه إليه. وتشعر بذلك أو تدل عليه صحيحة ابى بصير ومحمد بن مسلم (1) جميعا عن ابى جعفر عليه السلام " انهما قالا له هذه الارض التى يزارع اهلها ما ترى فيها فقال كل ارض دفعها اليك السلطان فما حرثته فيها فعليك مما اخرج الله منها الذى قاطعك عليه وليس على جميع ما اخرج الله منها العشر انما عليك العشر فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك ". فان الظاهر منه ان عليه ما قاطعه عليه السلطان ان يرد عليه فانه المتفاهم عرفا من نظائره لولا قرينة أو دليل على خلافه. ولما الزكوات ونحوها فلا دلالة بل ولا اشعار في ادلة انفاذ المعاملات على المأخوذ منها على وجوب ادائها إلى السلطان وهو واضح، مضافا إلى قيام الدليل على وجوب منعها عنهم وهو صحيحة عيص بن القاسم (2) عن ابى عبد الله عليه السلام في الزكوة " قال ما اخذ منكم بنو امية فاحتسبوا به ولا تعطوهم شيئا ما استطعتم فان المال لا يبقى على هذا ان يزكيه مرتين "، ورواية ابى البخترى (3) عن جعفر عليه السلام عن ابيه عليه السلام " ان عليا عليه السلام كان يقول اعتد في زكوتك بما اخذ العشار واخفها عنه ما استطعت.


(1) الوسائل - كتاب الزكوة - الباب 7 - من ابواب زكوة الغلات. (2) و (3) الوسائل - كتاب الزكوة - الباب 20 - من ابواب المستحقين. للزكوة

[ 289 ]

فالتفصيل بينهما غير بعيد، واما رواية على بن يقطين (1) " قال قلت لابي الحسن عليه السلام ما تقول في اعمال هؤلاء قال: ان كنت لابد فاعلا فاتق اموال الشيعة قال: فاخبرني على انه كان يجبيها من الشيعة علانية وبردها عليهم في السر "، فمع ارسالها وكونها في قضية شخصية راجعة إلى على بن يقطين ولعل ما كان يتولى أو في اهبة توليه من الاراضي لم تكن اراضى الخراج المعهودة " تأمل ": ان الظاهر من قوله: " أموال الشيعة " ان ما اخذ منهم كان اموالهم واخذ منهم جورا وظلما، ولا بأس باطلاق الجباية عليه بعد جعل السلطان ظلما، ولهذا كان يرد عليهم خفاء وهم لا يؤدون الخراج إلى ولى المسلمين بحق مع انه غير جائز. ومن المحتمل ان يكون ذلك اذنا منه عليه السلام لعلى بن يقطين بأن يأخذ ما على الشيعة من الخراج وغيره ويرد إلى مستحقيهم فليس المراد من الرد إليهم الرد إلى من اخذ منهم. ومنه يظهر الكلام في رواية احمد بن زكريا الصيدلانى (2) عن رجل من بنى حنيفة من اهل بست وسجستان " قال: وافقت ابا جعفر عليه السلام في السنة التى حج فيها " ثم حكى قضية كتابة ابى جعفر عليه السلام إلى والى سجستان وامحاء الوالى خراجه من ديوانه وقوله: " لا تؤد خراجا ما دام لى عمل "، فانها ايضا مع ضعفها واردة في قضية شخصية لا يعلم ان الخراج المأخوذ منه كان من الاراضي الخراجيه أو من ملكه الشخصي. واما رواية ابن جمهور (3) المشتملة على كتابة ابى عبد الله عليه السلام إلى النجاشي والى الاهواز وفارس فلا دلالة لها رأسا لان الظاهر منها انه امر باداء الخراج من ماله عنه فراجع.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به. (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 46 - من ابواب ما يكتسب به. تمت التذئيلات بيد العبد المحتاج إلى ربه الغنى مجتبى بن عبد العلى الطهراني عفى الله عنهما.

[ 290 ]

ثم لا يبعد ان يكون التفصيل المذكور ظاهر جملة من الاصحاب، وقد حكى عباراتهم شيخنا الانصاري واولها بما هو خلاف ظاهرها فانهم تعرضوا الخصوص الخراج والمقاسمة وافتوا بحرمة الجحود والانكار والمنع مع دعوى الاتفاق عليه ولا اظن اسرائهم الحكم إلى الزكوة مع ورود رواية صحيحة على وجوب المنع ثم ان شيخنا الانصاري تعرض لفروع وتبيهات اخر سيأتي حكم بعضها انشاء الله تعالى في خلال كتاب البيع ونحن نختم الكلام هيهنا حامدا له حكى عباراتهم شيخنا الانصاري واولها بما هو خلاف ظاهرها فانهم تعرضوا الخصوص الخراج والمقاسمة وافتوا بحرمة الجحود والانكار والمنع مع دعوى الاتفاق عليه ولا اظن اسرائهم الحكم إلى الزكوة مع ورود رواية صحيحة على وجوب المنع ثم ان شيخنا الانصاري تعرض لفروع وتبيهات اخر سيأتي حكم بعضها انشاء الله تعالى في خلال كتاب البيع ونحن نختم الكلام هيهنا حامدا له تعالى شكرا لنعمائه مصليا على محمد وآله الطاهرين، لا عنا على اعدائهم اجمعين وكان ذلك في يوم السبت ثامن شهر جمادى الاولى سنة ثمانين وثلثماة بعد الالف. المطبعة العلمية - قم

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية