الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المكاسب المحرمة - السيد الخميني ج 1

المكاسب المحرمة

السيد الخميني ج 1


[ 1 ]

المجلد الاول المكاسب المحرمة تأليف العلامة الاكبر والاستاذ الاعظم اية الله العظمى مولانا الامام الحاج آقا روح الله الموسوي الخمينى قدس سره مع تذييلات لمجتبى الطهراني مؤسسة اسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الثالثة تاريخ النشر: 1410 هجري قمري الكتاب: المكاسب المحرمة المؤلف: الامام الخمينى قدس سره الشريف الناشر: مؤسسه اسماعيليان: قم تليفون 25212 الطبعة: الثالثه عدد المطبوع: 1000 دوره (1 - 2) الطباعة والتجليد: مؤسسه اسماعيليان تاريخ النشر: 1410 هجري قمرى - 1368 هجري شمسي القطع وعدد الصفحات: وزيرى - 632 صفحه

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمدلله الذى نور بنوره قلوب العلماء العالمين، وفضل مدادهم على دماء الشهداء المخلصين، والصلوة والسلام على رسوله محمد صلى الله عليه وآله خاتم السفراء المقربين وعلى آله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على اعدائهم اجمعين وبعد فان هذه اللئالى التى تكون بين يديك هي الدرر التى اشتاقت إليها نفوس رواد العلم، والكواكب التى انتظرت عيون اهل التحقيق والفقاهة طلوعها على سطوح الحلم، لا، بل هي تحقيقات وافية، وتدقيقات كافية، لا يصل إليها الا من كان حاويا لاس الاصول، وفارقا عن المعقول والمنقول، والحق بالحق اقول، و لا يكون لهذا القمر المنير افول، وهى من تأليفات اعظم الفحول العلامة المحقق، والنحرير؟ المدقق سيدنا الاستاذ الاكبر، آية الله الحاج آقا روح الله الخمينى ادام الله ايام افاداته فلما رأيت ان هذا الكتاب مشتمل على روايات كثيرة متفرقة في كتب الاحاديث، وعلى اقوال العلماء المندرجة في كتبهم خطر بالبال ان اذيله بتذييلات نافعة وتعليقات كاشفة، وهى ذكر مآخذ الروايات والاقوال لسهولة المراجعة إليها، و ذكر اوصاف الروايات من الصحة والضعف والارسال وغيرها مع جهتها على مذهب الاستاذ، لينتفع من مرامه في علم الرجال، فعرضت ما بالبال للاستاذ فاستحسنه و اجاز، فشرعت فيها مستعينا بالله ولله در من يدعو لى التوفيق من الله الرفيق، و ارجو من الفضلاء العفو عن الزلل والخطأ 22 ذى الحجة الحرام 1380 المجتبى الطهراني

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على اعدائهم اجمعين إلى يوم الدين في المكاسب وقد اختلف كلمات الاعيان في تقسيمها في المقام، فقسمها المحقق إلى محرم ومكروه ومباح (1) لكن جعل المقسم ما يكتسب به مع عده ما لا ينتفع به وما يجب على الانسان فعله من الاقسام: وهما ليسا من اقسام ما جعله مقسما، وكذا ما ذكرها في المكروهات كبيع الصرف والاكفان وغيرهما مما هي من انواع المكاسب المكروهة لا ما يكتسب به المكروه، والظاهران مراده ما يكون الاكتساب به محرما أو مكروها أو مباحا وفى المراسم (2) قسم المكاسب على خمسة اضرب حسب الاحكام الخمسة ثم المعايش على ثلثة اضرب، وكذا العلامة (3) جعل المقسم المتاجر وقال: تنقسم بانقسام الاحكام الخمسة، ومثل للواجب


(1) راجع الشرايع الفصل الاول من كتاب التجارة (2) اول كتاب المكاسب (3) راجع القواعد - الفصل الاول من المقصد الاول من التجارة

[ 4 ]

بما يحتاج الانسان إليه لقوته وقوت عياله مع انحصار الوجه بالمتجر كما صنعه ابن حمزه (1) وللمكروه بالصرف ونحوه، وللمحظور باقسام، عدمنها ما لا ينتفع به، كالحشرات ونحوها، والظاهر منه ان الا قسام للتجارة، وان الاحكام الخمسة هي التكليفية لا مع الوضعية فيرد عليه اولا بان ما عد واجبا غير وجيه، لان التجارة لا تصير واجبة شرعا ولو كان الطريق في تحصيل قوت العيال منحصرا بها، لما حقق في محله من عدم وجوب ما يتوقف عليه الواجب حتى المقدمات الوجودية، وعلى فرض وجوب ما يتوقف عليه، يتعلق الوجوب بعنوان آخر غير عنوان ذوات الموقوف عليها (وما ربما يقال) انها صارت واجبة بالعرض (ليس وجيها) والتفصيل يطلب من مظانه. وثانيا ان الحرمة في كثير مما ذكره غير ثابتة أو ثابتة العدم، كالتجارة بمالا ينتفع به، فانها من حيث هي تجارة ونقل وانتقال ليست محرمة: والتصرف في مال الغير بعد بطلان المعاملة وان كان محرما لكنه غير مربوط بالتجارة، وكذا التجارة بالاعيان النجسة غير ثابتة الحرمة على ما يأتي الكلام فيها انشاء الله. وثالثا ان المقسم في التجارة الواجبة والمستحبة والمكروهة هو الكسب المنتهى إلى النقل والانتقال العقلائي الممضى، اعني النقل والانتقال الواقعي الذى يوصل المكلف إلى حفظ النظام مثلا، بناء على ما هو التحقيق من وجوب المقدمة الموصلة لا المطلقة: على فرض تسليم وجوب المقدمة: وفي المحرمة لو كان كذلك يلزم صحة المعاملة وهى خلاف الواقع المسلم عندهم، فلابد وان يكون المراد فيها المعاملة العقلائية التى زعم العقلاء النقل فيها، فلا يكون المقسم واحدا: الا ان يقال: ان المقسم نفس طبيعة المعاملة الجامعة بين الصحيحة والفاسدة، وحيثية الايصال من خصوصيات القسم، ثم ان المحرم على فرض ثبوته هو المعاملة العقلائية، أي انشاء السبب جدا لغرض التسبيب إلى النقل والانتقال، لا النقل والانتقال، ولا هو بقصد ترتب الاثر، ولا تبديل المال


(1) راجع كتاب البيوع من الوسيلة

[ 5 ]

أو المنفعة، لان الظاهر ان المعاملات هي الاسباب التي قد تنتهى إلى المسببات وقد لا تنتهي إليها ولهذا صح تقسيمها إلى الصحيحة والفاسدة بلا تأول، فلو كانت عبارة عن النقل والتبديل لكان امرها دائرا بين الوجود والعدم، لا الصحة والفساد، ولا يعقل ان يكون المحرم النقل وما يتلوه، لانهما غير ممكن التحقق بعد وضوح بطلان تلك المعاملات نصا وفتوى، وارادة النقل العقلائي مع قطع النظر عن حكم الشرع ولو لاعدم الانفاذ، لا ترجع إلى محصل، لعدم الوجود للنقل اللولائى، كما لا وجود للنقل الوهمي: وما يمكن ان يتصف بالحرمة هو المعاملة السببية أي الانشاء الجدى بقصد حصول المسببات، لا بمعنى كون القصد جوء الموضوع، بل بمعنى ان موضوع الحرمة الانشاء الجدى الملازم له ثم ان ما ذكرناه هيهنا لا ينافي ما اخترناه من دلالة المتعلق بمعاملة، على صحتها، وفاقا لبعض اهل الخلاف (1) لان الكلام هناك في الدلالة العرفية أو العقلية، وفى المقام في تصوير متعلق الحرمة بعد الفراغ عن بطلان المعاملة وحرمتها، مع ان ما ذكرناه هناك لا يخلو من كلام. فلنرجع إلى اقسام المعاملات المحرمة أو ما قيل بتحريمها: الاول الاكتساب بالاعيان النجسة، وفيه جهتان من البحث. الجهة الاولى وهى المهم في المقام، في حرمته شرعا، بمعنى ان يقاع المعاملة عليها محرم وان لم يترتب عليها المسبب ولا يحصل النقل والاستدلال عليها بحرمتها ونجاستها وعدم المنفعة المعتد بها لها، ليس على ما ينبغى، لانها لا تقتضي الحرمة الشرعية لنفس المعاملة، الا ان يراد بالاولين بيان تحقق موضوع الروايات، كرواية تحف العقول وغيرها، فالاولى صرف الكلام إليها فنقول: ان ما دلت أو يتوهم دلالتها على عموم المدعى روايات ضعيفة الاسناد، بل


(1) حكى هذا القول عن ابى حنيفة والشيبانى

[ 6 ]

في كون بعضها رواية تأمل ونظر، ودعوى جبر اسنادها غير وجيهة، لعدم احراز استناد الاصحاب إليها. الا ان يدعى الجزم على ان لا مستند لهم غيرها، وهو محل كلام لاحتمال استفادتهم الحكم الكلى من الموارد الخاصة ولو بالغاء الخصوصية كما يظهر ذلك من بعضهم. فمنها رواية تحف العقول (1) وهى اخفى سندا " واوضح دلالة من غيرها، وفيها بعد ذكر وجوه الحلال من وجه التجارات (فهذا كله حلال بيعه وشراؤه و امساكه واستعماله وهبته وعاريته، واما وجوه الحرام من البيع والشراء، فكل امر يكون فيه الفساد مما هو منهى عنه من جهة؟ اكله أو شربه أو كسبه (لبسه ظ) أو نكاحه أو ملكه أو امساكه أو هبته أو عاريته، أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد نظير البيع بالربا أو البيع للميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو لحم السباع من صنوف سباع الوحش والطير أو جلودها أو الخمر أو شئ من وجوه النجس، فهذا كله حرام ومحرم، لان ذلك كله منهى عن اكله وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام) ولا ينبغى الاشكال في دلاتها على عموم المدعى. وحمل الحرام على الوضعي بدعوى عدم ظهوره في التكليفى سيما في زمان الصدور: غير صحيح، كما يتضح بالنظر إلى فقرات الرواية، سيما مع ذكر اللبس والامساك وساير التقلبات فيها فقوله: جميع التقلب في ذلك حرام نتيجة لما تقدم فكأنه قال: كما ان الاكل والشرب واللمس وغيرها حرام، كذلك ساير التقلبات، كالبيع والشراء والصلح والعارية وغيرها ايضا حرام، فهى كالنص في الحرمة التكليفية. ومنها رواية الفقه الرضوي (2) وفيها (كل امر يكون فيه الفساد مما قد نهى عنه من جهة اكله وشربه ولبسه ونكاحه وامساكه لوجه الفساد ومثل الميتة والدم ولحم


(1) الوسائل - كتاب التجارة الباب 2 - من ابواب ما يكتسب به (ضعيفة) (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 2 - من ابواب ما يكتسب به وسيأتى البحث في سندها

[ 7 ]

الخنزير والربا وجميع الفواحش ولحوم السباع والخمر وما اشبه ذلك، فحرام ضار للجسم وفساد للنفس) ودلالتها دون السابقة، لاحتمال ارادة الحرمة الوضعية ولا قرينة على التكليفية، لان الظاهر منها ان قوله: فحرام في مقابل حلال بيعه الخ وقوله: ضار للجسم: اشارة إلى نكتة لتحريم الاكل والشرب وغيرهما، فيمكن الخدشة في دلالتها وان كان الارجح ايضا ارادة الحرمة الشرعية فيها: ومنها رواية دعائم الاسلام (1) عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال (الحلال من البيوع، كل ما هو حلال من المأكول والمشروب وغير ذلك مما هو قوام للناس وصلاح ومباح لهم الانتفاع به، وما كان محرما اصله، منهى عنه لم يجز بيعه ولاشراؤه) وهى ضعيفة الدلالة، لان الظاهر من جواز البيع وعدم جوازه هو الجواز الوضعي، لان الاوامر والنواهي وكذا الجواز وعدمه إذا تعلقت بالعناوين الآلية التوصلية تكون ظاهرة في الارشاد إلى عدم امكان التوصل بها إلى ما يتوقع منها فقوله: لا تصل في وبر ما لا يؤكل (2) كقوله لا يجوز الصلوة في وبره، ظاهر ان في عدم صحتها معه وكذا قوله: لاتبع ما ليس عندك واحل الله البيع، بل وحرم بيع كذا يدل على الحكم الوضعي، و السر فيه عدم النفسية لتلك العناوين وعدم كونها منظورا " فيها، بل هي عناوين آلية للتوصل الي ما هو المقصود من النقل والانتقال، فاستفادة الحرمة النفسية لعنوان البيع منها، تحتاج إلى قيام قرينة. ومنها رواية الجعفريات (3) باسناده عن على بن ابي طالب سلام الله عليه قال (بايع الخبيثات ومشتريها في الاثم سواء) وفى دلالتها تأمل، لعدم ظهورها في ان الاثم لنفس البيع والشراء، فانها في مقام بيان حكم آخر بعد فرض اثم لهما، فلا يظهر منها ان الاثم المفروض لاجل نفس عنوان البيع والشراء أو لاخذ الثمن والتصرف فيه واخذ الخمر وشربه وان لا تخلو من اشعار على ان المحرم البيع والشراء. واما


(1) المستدرك - كتاب التجارة الباب 2 من ابواب ما يكتسب به وسيأتى البحث في سندها (2) راجع الوسائل - كتاب الصلوة - الباب - 2 - من ابواب لباس المصلى (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب - 1 - من ابواب ما يكتسب به (ضعيفة)

[ 8 ]

الروايات الخاصة: فمنها ما وردت في العذرة، كرواية سماعة بن مهران (1) ولا يبعد ان تكون موثقة قال (سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام وانا حاضر، قال: انى رجل ابيع العذرة فما تقول قال: حرام بيعها وثمنها وقال: لا بأس ببيع العذرة) ويحتمل ان يكون قوله: وقال: رواية مستقلة، صدرت في مورد آخر جمعها مع ما قبلها سماعة في كلام واحد كما يؤيده قوله: وقال: وذكر العذرة بالاسم الظاهر، وكيف كان لا يبعد ان يقال في مقام الجمع ان المراد بحرام بيعها وثمنها، الجامع بين الوضعي والتكليفى وبقوله، لا بأس ببيع العذرة، نفى الحرمة التكليفية، ويؤيده ما تقدم من ان الحرمة إذا تعلقت بالعناوين التوصلية الالية، ظاهرة في الوضعية، وإذا تعلقت بالعناوين النفسية، ظاهرة في التكليفية، وفى المقام لولا قوله: ولا بأس الخ يكون الظاهر من قوله: حرام الخ التكليفية، لعدم معنى للوضعية بالنسبة إلى الثمن الا بتكلف بعيد، والحمل على الجامع خلاف الظاهر، والحمل على التكليفية بالنسبة إلى البيع وان كان خلاف الظاهر ايضا، لكنه ارجح من الحمل على الجامع، لكن قوله: لا بأس ببيع العذرة. قرينة على ان المراد من الحرمة، المعنى الاعم، سيما إذا كانت تلك الفقرة في ذيل الاولى فكأنه قال: يحرم بيعها وضعا ولا بأس به تكليفا. وما ذكرناه وان لا يخلو من التكلف لكنه ارجح من ساير ما قيل في وجه الجمع بل لا يبعد ان يكون مقبولا مع ملاحظة ان في الشريعة بيعا لا بأس بع بعنوانه وما هو حرام كذلك مع بطلانهما (تأمل) فتدل على عدم حرمة بيعها ذاتا وان كان باطلا، وان مساقها ليس مساق الخمر الحرام بيعها بعنوانه على ما هو ظاهر جملة من الروايات الاتية. ثم انه على فرضع عدم مقبولية الجمع المذكور ولا ساير ما قيل في وجهه، فالظاهر لزوم العمل على ادلة العلاج خلافا للشيخ الاعظم (2) قال: ان الجمع بين الحكمين


(1) الوسائل - كتاب التجارة الباب 40 - من ابواب ما يكتسب به (2) راجع المكاسب - في حرمة بيع العذرة

[ 9 ]

في كلام واحد لمخاطب واحد يدل على ان تعارض الاولين ليس الا من حيث الدلالة فلا يرجع فيه إلى المرجحات السندية أو الخارجية (انتهى) ويريد بالاولين، رواية يعقوب بن شعيب (1) ومحمد بن مضارب. (2) وفيه اولا ان رفع اليد عن قواعد باب التعارض لا يجوز الا بعد احراز كون رواية سماعة صادرة في مجلس واحد لمخاطب واحد، وهو غير مسلم، لاحتمال جمعهما في نقل واحد خصوصا مع اشعار نفس الرواية بذلك كما تقدم، وبعد صدور مثلها في كلام واحد، مضافا إلى ان الراوى سماعة الذى قيل في مضمراته، انها جمع روايات مستقلات في نقل واحد، وقد سمى المروى عنه في صدرها واضمر في البقية، فيظهر منه ان دأبه الجمع في النقل عن روايات مستقلة متفرقة. وثانيا ان كون تعارض الاولين من حيث الدلالة: لا يوجب رفع اليد عن ادلة العلاج بل هو محقق موضوعها: نعم: لو كشف ذلك عن وجه الجمع بينهما، كان لما ذكر وجه، لكنه كما ترى، لان الميزان في جمع الرواياتين هو الجمع المقبول العقلائي، وهو امر لا يكاد يخفى على العرف، وليس امرا تعبديا " يبنى عليه تعبدا "، و مع عدم وجه الجمع بينهما عرفا يحرز موضوع ادلة التعارض. وعدم العمل بادلة التعارض في رواية واحدة مشتملة على حكمين متنافيين، لا يوجب عدم العمل بها في الحديثين المختلفين المستقلين كما في المقام، مع ان عدم الرجوع إلى المرجحات في رواية مشتملة على حكمين متنافيين، غير مسلم، لامكان ان يقال بصدق قوله: يأتي عنكم الخبران المختلفان (3) وقوله: يروى عن ابى عبد الله عليه السلام شئ ويروى عنه خلاف ذلك فبايها آخذ (4) (الخ) على مثلها، ودعوى الانصراف إلى النقلين المنفصلين ممنوعة جدا بل مناسبات الحكم والموضوع تقتضي عموم


(1) و (2) راجع الوسائل - كتاب التجارة - الباب 40 - من ابواب ما يكتسب به الاولى مجهولة عندي بعلى بن مسكين والثانية ضعيفة بمحمد بن مضارب (3) و (4) راجع الوسائل والمستدرك - كتاب القضاء - الباب 9 - من ابواب صفات القاضى وما يقضى به

[ 10 ]

الحكم للمتصلين ايضا. ثم انه على فرض تسليم دلالة الرواية على حرمة بيع العذرة تكليفا بتسليم جمع شيخ الطائفة وحمل حرمة البيع على التكليفية فهل يمكن اسراء الحكم إلى ساير النجاسات، كالبول والدم وغيرهما بدعوى الغاء الخصوصية واستفادة ان حرمة بيع العذرة لقذراتها ونجاستها. ام لا، لمنع الغاء الخصوصية عرفا، فان الطباع تتنفر عن العذرة ما لا تتنفر عن غيرها، وان في بيعها نحو مهانة للنفوس الابية، لعل الشارع الاقدس لم يرض للمؤمن تلك المهانة والدنائة، فحرم بيعها تكليفا. بخلاف ساير النجاسات كالخمر والخنزير والكلب حتى البول، فلا يمكن اسراء الحكم إليها، وهو الارجح، واما خرؤ ساير الحيوانات الغير المأكولة، فالظاهر صدق العذرة عليها، ولو سلم عدم الصدق، فالغاء الخصوصية عن عذرة الانسان واسراء الحكم إلى ساير العذرات النجسة غير بعيد وان لا يخلو عن اشكال. ومنها ما وردت في الخمر وهى روايات مستفيضة متقاربة المضمون مروية عن الكافي (1) والفقيه (2) والمقنع (3) وجامع الاخبار، وعقاب الاعمال ودعائم الاسلام، وفقه الرضا، ولب اللباب للرواندى، وعوالي اللئالى (4) واسنادها وان لا تخلو عن خدشة، لكن يمكن دعوى الوثوق والاطمينان بالصدور اجمالا. ففى رواية جابر (5) عن ابى جعفر عليه السلام قال (لعن رسول الله صلى الله عليه وآله في الخمر عشرة غارسها وحارسها وعاصرها، وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبايعها و مشتريها وآكل ثمنها) وقريب منها غيرها:


(1) راجع كتاب المعيشة - باب بيع العصير والخمر (2) راجع كتاب الحدود - باب حد من شرب الخمر (3) باب شرب الخمر والغناء (4) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 47 - من ابواب ما يكتسب به (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 55 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بعمرو بن شمر

[ 11 ]

ولا شبهة في دلالتها على المدعى في خصوص الخمر، فان الظاهر من لعن البايع والمشترى في مقابل آكل الثمن، انهما بما لهما من العنوان ملعونان، فيظهر منه ان البيع والاشتراء محرمان وان لم يترتب عليهما اثرهما المطلوب شرعا: أي النقل والانتقال واما اسراء الحكم إلى ساير النجاسات: فغير جائز، لخصوصية في الخمر ليست في غيرها. نعم الظاهر كون سائر انواع المسكرات بحكمها، لاحتمال صدقها عليها ولو ببعض المناسبات، ولعموم التنزيل في روايات عديدة، كرواية ابى الجارود (1) وفيها (اما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا اخمر فهو خمر) ورواية عطاء بن يسار (2) عن ابى جعفر عليه السلام (قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله كل مسكر حرام وكل مسكر خمر) وصحيحة على بن يقطين (3) عن ابى الحسن الماضي عليه السلام (قال ان الله عز وجل لم يحرم الخمر لاسمها، ولكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر) إلى غير ذلك. فان دلالتها على المطلوب لاتكاد تخفى، لاطلاق التنزيل، ولان الحمل يقتضى الاتحاد، وبعد عدم كونه تكوينا لابد من تصحيحه، وتصحيح الدعوى كونهما واحدا " من جميع الجهات في التشريع، والحمل على بعض الآثار: غير وجيه لعدم وجاهة الحمل وصحته مع اختلافهما في جميع الآثارا لا في حرمة الشرب مثلا، الا ان تكون سائر الآثار بحكم العدم فيحتاج إلى دعوى اخرى وهى خلاف الظاهر، بل الحمل مع موافقتهما في جملة من الآثار يعد غير وجيه عرفا. وان شئت قلت: ان مقتضى تحكيم تلك الروايات على الروايات المشتملة على لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الخمر وبايعها (الخ) ان ما ثبت لها في تلك الروايات، ثبت لسائر المسكرات فان هذه الروايات منقحة لموضوعها ومعه لا مجال للتشكيك في الدلالة،


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 1 - 15 - 19 - من ابواب الاشمة المحرمة الا؟ لم‍؟ سلة والثانية محمولة؟...؟

[ 12 ]

وخصوص ما ورد في الفقاع في رواية سليمان بن جعفر (1) قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام ما تقول في شرب الفقاع، فقال خمر مجهول يا سليمان فلا تشربه، اما يا سليمان لو كان الحكم لى والدارلى لجلدت شاربه ولقتلت بايعه، ورواية الوشاء (2) التى لا يبعد ان تكون صحيحة، المحكية عن رسالة تحريم الفقاع للشيخ الطوسى (قده) قال كتبت إليه يعنى الرضا عليه السلام اسأله عن الفقاع، فكتب حرام وهو خمر ومن شربه كان بمنزلة شارب الخمر، قال وقال أبو الحسن عليه السلام لو ان الدار لى لقتلت بايعه ولجلدت شاربه. ثم ان هيهنا جملة من الروايات في بيع الخنزير والكلب والميتة وغيرها (3) وفى دلالتها اشكال ومنع، كما ان التمسك بقوله تعالى انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه (4) بدعوى ان وجوب الاجتناب متفرع على الرجس فيدل على علية الرجس لذلك وان المذكورات واجبة الاجتناب لكونها رجسا فتدل الآية على وجوب الاجتناب عن كل رجس ومقتضى اطلاق وجوب التجنب عنه الاجتناب عن جميع التقلبات ومنها البيع والشراء غير وجيه. لان الظاهر منها ان وجوب الاجتناب متفرع على الرجس الذى هو من عمل الشيطان، وكون الشئ من عمله باى معنى كان لا يمكن لنا احرازه الا ببيان من الشارع ومع الشك في كون شئ من عمله كالبيع والشراء لا يمكن التمسك بها لاثبات وجوب الاجتناب هذا مع ان نفس الخمر ليست من عمله وان كانت رجسا فلابد من تقدير و لعل المقدر الشرب لا مطلق التقلبات.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 56 - من ابواب ما يكتسب به - لا يبعد ان تكون مجهولة لان في سندها محمد بن اسمعيل وهو مشترك ولعله الرازي المجهول (2) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب - 28 - من ابواب الاشربة المحرمة - صحيحة على الاصح (3) راجع الوسائل والمستدرك - كتاب التجارة - الباب 5 - من ابواب ما يكتسب به (4) سورة المائدة الاية - 92

[ 13 ]

الا ان يقال ان جعل الخمر من عمله وهى من الاعيان مبنى على ادعاء، و المصحح له هو كون جميع تقلباتها من عمله، ومع حرمة شربها فقط لا يصح ان يقال انها من عمله بنحو الاطلاق، والمجاز في الحذف قد فرغنا عن تهجينه في محله. ثم ان الرجس مطلقا أو في خصوص المورد بمناسبة ذكر الميسر والانصاب والازلام يشكل ان يكون بمعنى النجاسة المعهودة وان كان له وجه صحة لو ثبتت ارادته لكن استحضار كونه بمعناها مشكل بل ممنوع، ويتلوها في عدم صحة التمسك بها للمطلوب قوله تعالى: والرجز فاهجر (1) فانه كونه بمعنى النجاسة المعهودة غير ظاهر كما لم يحتمله الطبرسي في تفسيره ولم ينقل احتماله من المفسرين وعلى فرضه لا يبعد ان يكون المراد من هجره الهجر في الصلوة كما لعله الظاهر من قوله تعالى قبلها وثيابك فطهر فيكون من قبيل ذكر العام عقيب الخاص وكيف كان فالاستدلال للمطلوب بها محل اشكال ومنع. الجهة الثانية (وهى ايضا مهمة اصيلة في المقام) هي ان الاثمان المأخوذة في مقابل الاعيان النجسة هل هي محرمة بعنوان ثمن النجس أو الحرام، أو ثمن الخمر والخنزير وغيرهما، وبعبارة اخرى ان المكسب بمعنى ما يكتسب حرام وهذا غير حرمة التصرف في مال الغير، ويدل عليه النبوى المعروف: ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (2) وقريب منه ما عن عوالي اللئالى (3) عن النبي صلى الله عليه وآله ان الله تعالى إذا حرم على قوم اكل شئ حرم عليهم ثمنه. وعن نوادر الراوندي (4) عن موسى بن جعفر عليه السلام عن آبائه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله ان


(1) سورة المدثر آية - 5 (2) لم اجده في كتب الاحاديث ولكنه موجود في الكتب الفقهية - راجع الخلاف كتاب البيوع - مسألة 308 - 310 (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 6 - من ابواب ما يكتسب به (4) الوسائل والمستدرك - كتاب التجارة - الباب 1 - 3 - من ابواب ما يكتسب به

[ 14 ]

اخوف ما اخاف على امتى من بعدى، هذه المكاسب المحرمة والشهوة الخفية و الربا وفى الكافي عن البرقى مرسلة نحوها (1) بناء على ان المكاسب جمع المكسب بمعنى ما يكتسب وهو ثمن المحرمات (تأمل). وفى صحيحة محمد بن مسلم (2) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ان رجلا من ثقيف اهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله راويتين من خمر فامر بهما رسول الله صلى الله عليه وآله فاهريقتا و قال ان الذى حرم شربها حرم ثمنها. وهى تشعراو تدل على ملازمة حرمة الشئ شربا أو اكلا أو انتفاعا لحرمة ثمنه. وفى رواية ابى بصير (3) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن ثمن الخمر قال اهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله راوية خمر بعد ما حرمت الخمر فأمر بها (4) ان تباع فلما ان مربها الذى يبيعها ناداه رسول الله صلى الله عليه وآله من خلفه، يا صاحب الراوية ان الذى حرم شربها فقد حرم ثمنها فامر بها فصبت في الصعيد، فقال ثمن الخمر ومهر البغى وثمن الكلب الذى لا يصطاد من السحت: ولعلها اوضح في التعميم لمكان ارداف الخمر بمهر البغى وثمن الكلب (تأمل). ويمكن استفادة العموم من الموارد الخاصة الواردة فيها الروايات كثمن الخمر والنبيذ والمسكر والميتة والكلب والعذرة ومهر البغى واجر الكاهن واجر الزانية واجور الفواحش والرشوة وغيرها (5) المستفاد من مجموعها ولو بالمناسبات والغاء الخصوصية ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، والظاهر منها ان الثمن محرم بعنوان ثمن الحرام أو ثمن النجس، لان الظاهر من تعلق حكم على عنوان موضوعيته، فالحمل على حرمته باعتبار التصرف في مال الغير بلا اذنه خلاف ظواهر الادلة، ويشهد له ان الظاهر ان ذلك التعبير لم يرد في شئ من المعاملات الباطلة من جهه فقد ما يعتبر فيها.


(1) راجع الكافي كتاب المعيشة باب المكاسب الحرام (2) و (3) الوسائل = كتاب التجارة - الباب - 55 من ابواب ما يكتسب به - الاولى (صحيحة) وليس في سندها الا ابراهيم بن هاشم وهو ثقة والثانية ضعيفة بقاسم بن محمد الجوهرى (4) الظاهر انه على صيغة المجهول والآمر احد الحضار (منه) (5) راجع الكافي - كتاب المعيشة - باب السحت والوسائل - كتاب التجارة، الباب 5 - من ابواب ما يكتسب به

[ 15 ]

ثم ان الظاهر استفادة جهة اخرى من تلك الروايات غير اصيلة في البحث عنها في المقام وهى بطلان المعاملة، لان تحرم الثمن لا يجتمع عرفا مع الصحة و ايجاب الوفاء بالعقود فلازمه العرفي بطلانها وان كان الثمن بعنوانه محرما، مضافا إلى الاجماع على البطلان، بل يستفاد ذلك من بعض الروايات الظاهرة في الارشاد عليه كرواية دعائم الاسلام (1) عن ابى عبد الله عليه السلام: من اكترى دابة أو سفينة فحمل عليها المكترى خمرا أو خنازير أو ما يحرم، لم يكن على صاحب الدابة شئ وان تعاقدا على حمل ذلك، فالعقد فاسد، والكرى على ذلك حرام: وعنه عليه السلام (2) وما كان محرما اصله منهى عنه لم يجز بيعه ولا شرائه. وعنه عليه السلام (3) عن آبائه ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الاحرار وعن بيع الميتة والخنزير والاصنام وعن عسب الفحل وعن ثمن الخمرو عن بيع العذرة وقال هي ميتة. وعن على بن جعفر في قرب الاسناد (4) عن اخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الماشية تكون للرجل فيموت بعضها يصلح له بيع جلودها ودباغها ولبسها قال: لا، ولو لبسها فلا يصل فيها. وفى جامع البزنطى كما عن السرائر (5) عن الرضا عليه السلام في اليات الاغنام قال: لا يأكلها ولا يبيعها. وفى مرسلة ابن ابى نجران أو ابن ابى عمير (6) عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن نصراني اسلم وعنده خمرو خنازير و عليه دين هل يبيع خمره وخنازيره فيقضي دينه قال: لا. وفى رواية يونس (7) اسلم رجل وله خمر أو خنازير ثم مات وهى في ملكه وعليه دين قال: يبيع ديانه أو ولى له غير مسلم خمره وخنازيره ويقضى دينه وليس له ان يبيعه وهو حى ولا يمسكه) ولا يضربها لو فرض عدم العمل على الجزء الاول منها.


(1) و (2) و (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 32 - 2 - 5 من ابواب ما يكتسب به (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 5 - 6 - 57 - من ابواب ما يكتسب به - الاولى مجهولة بعبدالله بن حسن، والثانية صحيحة، والثالثة مرسلة، و الرابعة لا يبعد حسنها

[ 16 ]

وفى صحيحة ابن اذينة (1) قال كتبت الي ابى عبد الله عليه السلام اسأله عن رجل له كرم ايبيع العنب والتمر ممن يعلم انه يجعله خمرا " أو سكرا " فقال: انما باعه حلالا في الا بان الذى يحل شربه أو اكله فلا بأس ببيعه. حيث تشعر بان حلية الشرب والاكل موجب لعدم البأس، فما كان حراما لا يحل بيعه (تأمل). وقريب منها غيرها، والانصاف ان المناقشة في بعض ما ذكر سندا " أو دلالة لا تضر بالوثوق على ثبوت الحكم من جميعها، فلا ينبغى التأمل في البطلان، هذا حال الادلة اللفظية في المقامات الثلثة. واما كلمات الفقهاء من دعاوى الاجماع وغيره فمختلفة، فمنها ما تعرضت للحكم الوضعي أو ظاهرها ذلك كعبارات الخلاف والوسيلة والغنية والتذكرة، فالشيخ في الخلاف ادعى الاجماع على عدم جواز بيع ما كان نجسا "، وعدم جواز بيع السرجين النجس والخمرو المنى وغيرها (2) وهو ظاهر في عدم الجواز الوضعي، ويؤيده تعبيره بعدم الجواز في كثير من الموارد التى لا تكون التجارة بعنوانها محرمة كقوله: لا يجوز بيع العبد الآبق منفردا، وقوله لا يجوز بيع الصوف على ظهور الغنم منفردا " (3) وقوله لا يجوز السلم في اللحوم، ولايجوز ان يؤجل السلم إلى الحصاد والدياس (4) إلى غيرذلك، فالجواز واللاجواز في المقامات ظاهر ان في الوضعي كما مر. واما السيد ابن زهرة والعلامة في التذكرة فقد ذكرا في شرايط العوضين الطهارة أو الاباحة، ففى التذكرة (5) يشترط في المعقود عليه الطهارة الاصلية إلى ان قال: ولو باع نجس العين كالخمر والميتة والخنزير لم يصح اجماعا، ثم تمسك بالآيتين فمورد دعوى الاجماع هو عدم الصحة. ثم قال: لا يجوز بيع السرجين النجس


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 59 - من ابواب ما يكتسب به (2) و (3) راجع الخلاف - كتاب البيوع - مسألة 270 - 310 - 311 - 274 - 276 (4) راجع الخلاف - كتاب السلم - مسألة - 12 - 7 (5) راجع الفصل الرابع من المقصد الاول من كتاب البيع - مسألة 1 - 3

[ 17 ]

اجماعا منا، وبه قال مالك والشافعي واحمد، للاجماع على نجاسته فيحرم بيعه، إلى ان قال: ولانه رجيع نجس فلم يصح بيعه كر جيع الآدمى. والظاهر من الحرمة: الوضعية، ولو بالقرائن، مع ان مورد دعواه ا لاجماع، عدم الجواز الظاهر في الوضعي، وكذا الحال في ساير كلماته، ولو بملاحظة عنوان البحث وملاحظة استدلالاته المناسبة للبطلان، لا حرمة البيع بعنوانه، اعني الانشاء عن جد كما لا يخفى. وقال: ابن زهرة (1) في جملة من كلامه، واشترطنا ان يكون منتفعا به تحرزا مما لا منفعة فيه كالحشرات وغيرها، وقيدنا بكونها مباحة تحفظا من المنافع المحرمة، ويدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره الا ما اخرجه الدليل، ثم تمسك باجماع الطايفة. واما ابن حمزة (2) فقد ذكر ما لا يجوز تملكه في شريعة الاسلام من اقسام بيع الفاسد. ثم ان جملة من الاجماعات المدعاة في الموارد الخاصة ايضا موردها الحكم الوضعي، كمحكي اجماع التذكرة على عدم صحة بيع الخمر والميتة، وكذا ما عن المنتهى والتنقيح في الميتة، واجماع الخلاف على عدم جواز بيع اشياء منها الكلب (3) وعن المنتهى الاجماع على عدم صحة بيعه (4) وعن اجارة الخلاف الاجماع على عدم صحة جعل جلد الميتة اجرة، وعن المبسوط: (5) لا يصح بيع الخنزير و لا اجارته ولا الانتفاع به اجماعا. ومنها ما تعرضت لحرمة مطلق الانتفاع أو خصوص التكسب به، بمعنى ان ما يكتسب بالاعيان النجسة حرام كالاجماعين المحكيين عن شرح الارشاد و التنقيح (6) قالا في بيان حرمة بيع الاعيان النجسة: انما يحرم بيعها لانها


(1) راجع الغنية - كتاب البيع في شرائط صحة انعقاد البيع (2) راجع الوسيلة كتاب البيع فصل - 20 (3) راجع كتاب البيوع مسألة - 302 (4) في النوع الاول فيما يحرم التكسب به مسألة 4 - (5) راجع كتاب البيوع فيما يصح بيعه وما لا يصح (6) راجع كتاب لمتاجر من مفتاح الكرامة

[ 18 ]

محرمة الانتفاع، وكل محرم الانتفاع لا يصح بيعه، اما الصغرى فاجماعية (انتهى) فان أخذ الثمن من أوضح الانتفاعات بها، وأما اصل ايقاع البيع فليس انتفاعا كما هو ظاهر. وفى المنتهى (1) جعل عنوان البحث كذلك (في ضروب الاكتساب و فيه مباحث: البحث الاول فيما يحرم التكسب به وهو أنواع: الاول الاعيان النجسة) (انتهى) وهو كما ترى ظاهر في أن محط البحث امور يحرم التكسب بها، أي كسب المال بها، ولهذا يشكل في دعاويه الاجماع على حرمة بيع الامور المذكورة في حلال بحثه، أن يكون مراده حرمة عنوان البيع، مع أن في استدلالاته ما ينافى ذلك فراجع. وعن التحرير (2) يحرم التكسب فيما عدى الكلاب الاربعة اجماعا منا (انتهى) والظاهر أنه ليس معنى التكسب نفس المعاملة بل تعاطى الثمن في مقابل الاعيان. وفى المراسم (3) تقسيم المكاسب على خمسة أضرب حسب الاحكام الخمسة، ومراده المتاجر، ثم قسم المعايش، إلى ثلثة أضرب: مباح ومحظور، ومكروه. ولعل مراده بالمعايش مقابل المكاسب، وهو ما يكتسب وما هو معيشته بالاكتساب وان كانت عبارته مشوشة، ولعل ذلك هو المراد من عبارة المحقق، حيث جعل المقسم ما يكتسب به، وقسمه إلى اقسام، لعدم صحة العبارة الا بالحمل على ان التقسيم لما يكتسب أي ما يتعاطى في مقابل المذكورات، فكأنه قال ثمن الاعيان النجسة حرام، وكذا باقى الاقسام، ولا يضر كون بعض الاقسام حراما بعنوان الثمن وبعضها بعنوان كونه مال الغير، وهذا وان كان خلاف ظاهر قوله ما يكتسب به، وكذا يستشكل في المكاسب المكروهة، حيث ان ذات المعاملة مكروهة، لكن لا يبعد ان يكون لفظة (به) زائدة من قلم النساخ، والا فالكلام في المكاسب المحرمة وهى جمع مكسب بمعنى ما بكسب لا ما يكتسب به. واما


(1) في المقصد الثاني من كتاب التجارة (2) في الفصل الاول من المقصد الاول فيما يحرم التكسب به (3) اول كتاب المكاسب

[ 19 ]

في المكروهات فلعله قائل بكراهة ما يكسب فيها ايضا ككراهة اصل العمل كما لا يبعد. ومنها ما هي ظاهرة في الحرمة التكليفية لاصل المعاملة، أو يدعى ظهورها فيها كعبارة نهاية شيخ الطائفة (1) وفى الانتصار (2) ومما انفردت به الامامية القول بتحريم بيع الفقاع وابتياعه، إلى ان قال: وان شئت ان تبنى هذه المسألة علي تحريمه، فنقول: قد ثبت حظر شربه، وكل ما حظر شربه حظر ابتياعه وبيعه، و التفرقة بين الامرين خروج عن اجماع الامة (انتهى) وهو دعوى الاجماع في خصوص الفقاع، لو سلم ظهوره في الحرمة التكليفية، ولا ريب في حرمة البيع والشراء في الخمر والفقاع وكل مسكر، انما الكلام في ساير انواع النجاسات والمحرمات. وعن نهاية الاحكام (3) بيع الدم وشرائه حرام اجماعا، لنجاسته وعدم الانتفاع به، ويحتمل بملاحظة التعليل بعدم الانتفاع به ان يكون المراد بالحرمة الوضعية منها، ويحتمل ان يكون هذا الاجماع مستنقذا من الاجماع على عدم الانتفاع به، بتوهم ان نفس البيع والشراء من الانتفاعات. وعنه ايضا الاجماع على تحريم بيع العذرة وشرائها، ويأتى فيه ما تقدم مع قرب احتمال الخلط بين المقامات الثلثة المتقدمة، فتوهم من الاجماع على عدم جواز البيع الاجماع على حرمته نفسا. هذا مع ما تقدم من ظهور حرمة البيع في الوضعية، ولا بد في بيان الحرمة التكليفية في نفس ايقاع المعاملة من بيان اوضح مما ذكر. فتحصل مما مر عدم دليل معتد به معتمد في غير المسكرات على حرمة عنوان المعاملة شرعا، الا ان يدعى ان اعتماد الاصحاب على خبر تحف العقول، أو كفاية


(1) راجع باب المكاسب المحظورة من كتاب التجارة (2) راجع كتاب البيع مسألة 5 (3) راجع اول كتاب المتاجر من مفتاح الكرامة

[ 20 ]

مطابقة فتويهم لمضمونها في جبر سندها، وفى كلتا الدعويين منع، بل لم يثبت مطابقة فتوى المشهور لمضمونها كما ظهر مما تقدم من الاجماعات المنقولة. بقيت فروع الاول هل يلحق بالاعيان النجسة المايعات المتنجسة بها إذا لم تكن قابلة للتطهير، أو مطلقا، أو لا تلحق بها مطلقا، أو تلحق في بعض الاحكام، وجوه. يمكن ان يستشهد بالحاق كل متنجس بما تنجس به في الحكم، بمعني ان ما تنجس بالخمر أو ساير المسكرات يلحق بها في الاحكام الثلثة المتقدمة، أي حرمة عنوان البيع و حرمة ثمنه بما هو ثمنه، وبطلان المعاملة، وفى غيرها فيما له من الحكم، برواية جابر (1) عن ابى جعفر عليه السلام (قال اتاه رجل فقال: وقعت فارة في خابية فيها سمن أو زيت، فما ترى في اكله، قال فقال أبو جعفر عليه السلام: لا تأكله، فقال الرجل: الفارة اهون على من ان اترك طعامي من اجلها، قال فقال له أبو جعفر عليه السلام: انك لم تستخف بالفارة، انا استخففت بدينك، ان الله حرم الميتة من كل شئ). بتقريب ان التمسك بالكبرى مع عدم انطباقها على المورد المسؤل عنه وهو الطعام، لايتم الا بتنزيل المتنجس بالميتة منزلتها، فيظهر منه ان المتنجس بالميتة ميتة حكما، فيتعدى إلى غيرها بالغاء الخصوصية، أو عدم القول بالفصل، وفيه ما لا يخفى، فان الظاهر انه لم يتمسك بالكبرى لاثبات حرمة الزيت والسمن، بل بعد بيان حرمتهما بقوله: لا تأكله لما قال الرجل ما قال، اراد بيان ان الميتة من الفارة وغيرها حرام بحكم الله تعالى، والاستخفاف انما هو بحكمه تعالى لابها، مع احتمال تفسخ الفارة وارادة الرجل اكل الزيت بما فيه تأمل مضافا إلى عدم دلالة الرواية بوجه على ارادة التنزيل، فان ارادته من تلك العبارة في غاية البعد، بل لا تخلو من استهجان، فضلا عن استفادة عموم التنزيل، وعن اسراء الحكم إلى ساير المتنجسات كل بحسبه، فيقال باسراء حكم كل نجس إلى ما تنجس به.


(1) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 5 - من ابواب الماء المضاف، ضعيفة بعمرو بن شمر

[ 21 ]

ويتلوه في الضعف التشبث بقوله نجسه أو ينجسه في المتنجسات، كالمفهوم من قوله: إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شئ (1) وقوله: في النبيذ ما يبل الميل ينجس حبا من ماء (2) بتقريب ان قوله ينجسه الشئ الفلاني أي يجعله نجسا، وبعد عدم صيرورته نجسا عينا بحسب الواقع، لا محالة ينزل على التنزيل، ومقتضى اطلاق التنزيل ثبوت مطلق حكم كل نجس له، فإذا تنجس بالخمر ينزل منزلتها، و تثبت له احكامها وهكذا. وفيه مضافا إلى ان الظاهر ان مقابلة النجس والمتنجس من اصطلاح الفقهاء، ولا يبعد القول بان المتنجس نجس كسائر النجاسات تأمل، انه بعد تسليم التنزيل لا يكون ذلك الا في النجاسة لا في حيثيات اخر، وغايته لزوم غسل ما تنجس بملاقى كل نجس بنحو ما تنجس به، فيكون ملاقي الولوغ كالولوغ في نجاسته، وملاقى الخمر كالخمر فيها وهكذا لافى ساير الآثار. وبعبارة اخرى، فرق بين تنزيل شئ منزلة الخمر. كما ورد في الفقاع انه خمر، وبين تنزيله منزلتها في النجاسة، كما يقال: ان الشئ الفلاني نجس كالخمر أو ان الخمر صيرتها نجسا نحو نجاستها. هذا مضافا إلى ان استفادة التنزيل من تلك الروايات مشكلة، بل ممنوعة مطلقا، حتى في النجاسة فضلا عن ساير الآثار كما لا يخفى، فلا دليل على كون كل متنجس بحكم ما تنجس به مطلقا. كما لا دليل على حرمة عنوان التجارة كالبيع وغيره في المايعات المتنجسة الغير القابلة للتطهير كالدبس والسمن فضلا عما تقبله، عدى رواية تحف العقول والرضوى على اشكال في الثانية. وهما غير صالحتين لاثبات حكم لضعفهما، بل عدم احراز كون الثانية رواية، لقرب احتمال كونه كتاب فتوى لفقيه جمع بين الروايات، الا فيما نسبه إلى المعصوم، فيكون مرسلة غير معتمدة. وعدى ما عن الجعفريات عن على بن ابي طالب صلوات الله عليه (3) قال (بايع الخبيثات ومشتريها في الاثم سواء). وفيه ما مر من


(1) ما وجدته في كتب الاحاديث بلفظة (بلغ) ولكنه موجود بلفظة (كان) محل (بلغ) فراجع (2) الوسائل كتاب الطهارة الباب 38 - من ابواب النجاسات (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 1 - من ابواب ما يكتسب به

[ 22 ]

الاشكال في دلالته، لكونه في مقام بيان الحكم بالتسوية، فلا يستفاد منه ان الاثم لنفس البيع والشراء، مضافا إلى ان في سنده اشكالا بجهالة بعض رواته. واما اجماعات الغنية والمنتهى والمسالك فليس شئ منها على هذا العنوان، أي حرمة البيع كما يأتي، كما انه ليس دليل على ان ثمن المتنجس المايع سحت، الا النبوى المتقدم من طرق العامة، ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، وفيه مضافا إلى ضعف السند، امكان الخدشة في الدلالة، بدعوى انصرافه إلى المحرمات الاصلية، لاما صار حراما بتبع الغير، ولو نوقش فيه وقيل باطلاقه فلا دافع لضعفه. وقد يتوهم جبر سنده باستناد الشيخ وابن زهرة والحلى والعلامة وغيرهم به، وفيه ان بناء شيخ الطائفة وابن زهرة بل والعلامة كالسيد المرتضى في ايراد الروايات التى من طرق العامة على الزام فقهائهم، لا على الاستناد بها في الفتوى، كما لا يخفى على الناظر في تلك الكتب، ولهذا ترى ان الشيخ استند في عدم جواز بيع الخمر باجماع الفرقة (1) ثم اورد روايات من العامة عليه، ولم يستند بواحد من روايات اصحابنا مع كثرتها، وان ابن زهرة (2) بعد الاستدلال على اشتراط كون المنفعة مباحة بالاجماع، قال ويحتج على من قال من المخالفين بجواز بيع الكلاب مطلقا، وبيع سرقين ما لا يؤكل لحمه، وبيع الخمر بوكالة الذمي على بيعها، بما رواه من قوله صلى الله عليه وآله: ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (انتهى) والغفلة عن هذه الدقيقة أو جبت توهم جبر سند بعض الاخبار التى ليست من طرقنا، مع ان الجابر هو الاستناد في الفتوى، بحيث يحرزان الفتوى الكذائية من المشهور مستندة إلى رواية كذائية، وهذا غير ثابت بذكر الرواية في تلك الكتب المعدة لبيان الاستدلال على مذهب الامامية، والرد على مخالفيهم، ككتاب الانتصار والناصريات، وكتاب مسائل الخلاف، وكتاب المنتهى والتذكرة، و


(1) راجع الخلاف كتاب البيوع مسألة - 311 (2) راجع الغنية اول كتاب البيع

[ 23 ]

قد اقتفى ابن زهرة اثر علم الهدى في غنيته كثيرا، بل يشعر أو يدل كلامه المتقدم على عدم اعتبار الرواية المتقدمة عند اصحابنا، وانما احتج بها الزاما عليهم، وليس عندي كتاب السرائر مع الاسف، وكيف كان لا يمكن الاستناد بمثل النبوى في الحكم، كما لم يستندوا عليه اصحابنا المتقدمون، اعتمادا وفتوى. والا النبوى المتقدم عن عوالي اللئالى (ان الله إذا حرم على قوم اكل شئ حرم عليهم ثمنه) وسنده اوهن من سابقه، مع انه في المأكول، والغاء الخصوصية منه واسراء الحكم إلى المشروب المحرم اصلا وتبعا محل تأمل، ومر حال رواية التحف والرضوى والغاء الخصوصية من الروايات الكثيرة الواردة في نجاسات ومحرمات خاصة بان ثمنها سحت مشكل بالنسبة إلى المتنجسات، لاحتمال ان تكون لاعيان النجاسات خصوصية توجب غلظة في الحكم لا تكون في المتنجس بها. والاستدلال على المطلوب بما وردت في العصير غير وجيه، واوهن منه الاستدلال بروايات امر فيها باهراق الماء والمرق المتنجسين (1) فان الاستدلال بها لبطلان المعاملة بها محل اشكال، فضلا عن الاستدلال لحرمة البيع أو حرمة الثمن، لان الانتفاع بصاع من الماء ليس الا للتوضى أو الشرب عادة، وهما غير جائزين بالماء النجس أو المشتبه به، وليس لها نفع آخر، ولعل الامر بالاراقة كناية عن عدم نفع له، وكذا المرق لانفع له الا الاكل الممنوع منه، فلا تدل تلك الروايات على الغاء مالية الملاقي للنجس، وان كان الاحتياط حسنا، بل ينبغى تركه واما بطلان المعاملة به فالظاهر تسلمه لدى الاصحاب في الجملة، كما هو مقتضى دعوى اجماع الغنية والمنتهى، قال في الاول (2) وقيدنا بكونها مباحة، تحفظا من المنافع المحرمة، و يدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره، الا ما اخرجه الدليل من بيع الكلب المعلم للصيد، والزيت النجس للاستصباح به تحت السماء، وهو اجماع الطائفة،


(1) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 8 - من ابواب الماء المطلق (2) اول كتاب البيع

[ 24 ]

ثم استدل على المخالف في بعض الفروع بالنبوي المتقدم. ودعوى الاجماع بملاحظة ذيل العبارة وصدرها تعم المتنجس، والظاهر دعواه على البطلان الا ان يقال: ان الظاهر من العبارة ان الاجماع هو الدليل المخرج للكلب وتاليه، لاعلى الكلية المتقدمة (تأمل). وقال: في الثاني (1) بعد تقسيم المتنجسات بالجامد والمايع، والثانى ان يكون مايعا، فحينئذ اما ان لا يطهر كالخل والدبس فهذا لا يجوز بيعه اجماعا، لانه نجس لا يمكن غسله، ولا يطهر بالغسل فلا يجوز بيعه كالخمر (انتهى) وهذا التقسيم وان كان في ذيل البحث عما يحرم التكسب به، لكن ظاهر كلامه دعوى الاجماع على الحكم الوضعي، ولعله استفاد حرمة التكسب به، من الحكم الوضعي، ولو كانت الحرمة لاجعل عدم انتقال المال إلى البايع، فيكون مراده من حرمة التكسب اعم مما حرم بعنوان التكسب أو بعنوان التصرف في مال الغير. وكيف كان ان ظاهره الاجماع على بطلان المعاملة، لا حرمة الثمن بعنوانه. ويمكن التشبث للبطلان بنقل الخلاف الاجماع كرارا، على ان ما كان نجسا لا يجوز بيعه في بيع القرد والسرجين النجس والمنى على اشكال، وحكى عدم جواز بيع ما لا يقبل التطهير عن جملة من كتب القدماء والمتأخرين. والانصاف ان بطلانها في الجملة مفروغ عنه لدى الاصحاب، فلا ينبغى الخدشة فيه. الثاني يمكن بحسب التصوران يكون موضوع الحكمين المتقدمين (في غير المسكرات والاحكام الثلثة فيها) ما كان محرم الانتفاع من جميع الجهات، بحيث لو كان فيه جهة حلية لم تترتب عليه الاحكام أو بعضها، أو يكون الموضوع ما كان محرم الانتفاع ولو بجهة من الجهات، ولو كان محلل الانتفاع بجهات اخر، فيكون جلد الميتة مثلا موضوع الحكمين، أي البطلان وحرمة الثمن، ولو جاز الاستقاء به للبساتين، وبيع لاجله بمجرد كونه محرم اللبس مثلا، أو يكون الموضوع ما كان فيه جهة حرمة إذا اتجربه لاجلها، دون ما كان فيه جهة حلية واتجربه لا جذبها


(1) في القسم الثاني من قسمي النجس فيما يحرم التكسب به

[ 25 ]

فالعناوين المشتملة على جهتين يكون حكم الاتجار والتكسب بها تابعا لوقوعهما لتلك الجهة، فالعصير المغلى يحل بيعه للتخليل، ولا يحل للتخمير أو الشرب ثم على هذا الاحتمال يمكن ان يكون شرط الحرمة الاتجار لاجل جهة الفساد فمع عدم قصد جهة من الجهات يكون محللا، أو يكون شرط الحلية قصد جهة الصلاح فلا يحل الا معه، ويكون الاتجار به على نحو الاطلاق وبلا قصد جهة محرما، (وهنا احتمالات اخر) كاحتمال ان بكون المحرم بيعه لمن يعلم انه يستعمله في الحرام، والمحلل بيعه لمن يعلم انه يستعمله في المحلل، إلى غير ذلك. فالاولى صرف الكلام إلى مفاد الروايات، ليتضح مقدار دلالتها في العناوين النجسة، ثم البحث عن مستثنياتها على فرض عموم فيها. فنقول المستفاد من فقرات من رواية تحف العقول هو الاحتمال الثالث: قال واما تفسير التجارات في جميع البيوع، ووجوه الحلال من وجه التجارات التى يجوز للبايع ان يبيع مما لا يجوز له، وكذلك المشترى الذى يجوز له شرائه مما لا يجوز، فكل مأمور به مما هو غذاء للعباد وقوامهم به في امورهم، ووجوه الصلاح الذى لا يقيمهم غيره، مما يأكلون ويشربون إلى ان قال: وكل شئ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه وشرائه وامساكه واستعماله وهبته وعاريته واما وجوه الحرام من البيع فكل امر يكون فيه الفساد مما هو منهى عنه من جهة اكله، إلى ان قال: أو شئ يكون فيه وجه من وجوه الفساد، نظير البيع بالربا، أو بيع الميتة، إلى ان قال: فهذا كله حرام محرم، لان ذلك كله منهى عن اكله وشربه ولبسه وملكه وامساكه والتقلب فيه بوجه من الوجوه، لما فيه من الفساد، فجميع تقلبه في ذلك حرام (الخ) فان مقتضى اطلاق صدرها ان كل شئ يكون فيه وجه من وجوه الصلاح جاز الاتجار والتكسب به مطلقا وان كان فيه وجه أو وجوه من الفساد، ومقتضى اطلاق ذيلها مع قطع النظر عن الصدر، وعن جهة تأتى الاشارة إليها، ان كل ما فيه جهة من جهات الفساد يحرم الاتجار به، ومقتضى الجمع بينهما عرفا، ان ما فيه جهة صلاح

[ 26 ]

وفساد، إذا كان التقلب لاجل الصلاح يكون حلالا، وان كان بجهة الفساد يكون حراما، بل مقتضى مناسبة الحكم والموضوع وفهم العرف والعقلاء من الرواية، من ان جهة الفساد اوجبت حرمة المعاملة لاجل ترتب الفساد عليها، ان التقلبات بهذه الجهة محرمة، فلا اشكال في استفادة ذلك عرفا، مضافا إلى ظهور قوله: فجميع تقلبه في ذلك حرام. في ان تقلب هذا الشئ في ذلك الوجه الحرام حرام. واحتمال ان يكون المراد: ان تقلب الانسان في ذلك الشئ المشتمل على الفساد حرام. بعيد مخالف للظاهر، سيما مع ما مر من مناسبة الحكم والموضوع، و مقابلة الصدرو الذيل، مضافا إلى ظهور بعض فقراتها الاخر، مثل ما ذكر في تفسير الاجارات في ذلك ايضا، فلو كانت الرواية معتمدة، صارت موجبة للتصرف في ساير روايات الابواب، لحكومتها عليها لو فرض لها اطلاق، ونحوها رواية فقه الرضا عليه السلام والدعائم، فان مقتضى الجمع العقلائي بين صدرهما وذيلهما، والمناسبة بين الحكم والموضوع، ان الحلية والحرمة تابعتان للاستعمال في جهة الصلاح والفساد، على نحو ما تقدم في رواية التحف. نعم يمكن استفادة عدم الجواز، فيما إذا علم انه يستعمله في جهة الفساد، من رواية التحف وما يتلوها ايضا: هذا حال العمومات في الباب: واما غيرها فالروايات الواردة في الخمر على طائفتين، احديهما المستفيضة المشتملة على لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الخمر، وغارسها وحارسها إلى غير ذلك، كرواية جابر (1) عن ابى جعفر عليه السلام قال (لعن رسول الله صلى الله عليه وآله في الخمر عشرة: غارسها وحارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبايعها ومشتريها وآكل ثمنها) وقريب منها غيرها من الروايات الكثيرة من الفريقين (2)


(1) الوسائل كتاب التجارة الباب 55 من ابواب ما يكتسب به ضعيفة بعمرو بن شمر (2) الوسائل والمستدرك كتاب التجارة الباب 55 - 47 من ابواب ما يكتسب به

[ 27 ]

وهذه الطائفة قاصرة عن اثبات الحرمة لمطلق بيع الخمر، كما لو باع للتخليل لو فرض امكانه، أو باع للتداوي، ان قلنا بجوازه في مورد الاضطرار: لا لادلة رفع ما اضطر واليه، بل لقصور الروايات عن اثبات الحكم لغير البيع والشراء المتداولين في سوق الفساق. فلو فرض ان العصير المغلى بنفسه صار خمرا، ثم صار خلا، فعصره عاصر للتخليل فهل يمكن ان يقال: انه ملعون بلسان رسول الله صلى الله عليه وآله، لانه عصر ما يصير خمرا ولو صار خلا بعده، وكان عصره للخل، لا اظن باحد احتماله، وذلك لان الظاهر المستفاد من تلك الروايات، ان الشرب المعمول به، وكل ما هو من مقدماته أو مربوط به حرام، لا لحرمة المقدمة، فانها ليست بحرام جزما، بل لجعل الحرمة عليها سياسة لقلع الفساد. وكيف كان لاشبهة في عدم دلالة تلك الطائفة على حرمة المعاملة، ولا الثمن ولا بطلانها في غير ما قلناه والطائفة الاخرى ما دلت على حرمة ثمنها: كصحيحة محمد بن مسلم (1) عن ابى عبد الله عليه السلام (في رجل ترك غلاما له في كرم له يبيعه عنبا أو عصيرا، فانطلق الغلام فعصر خمرا ثم باعه، قال: لا يصح ثمنه. ثم قال: ان رجلا من ثقيف اهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله راويتين من خمر، فامر بهما رسول الله صلى الله عليه وآله فاهريقتا، وقال: ان الذى حرم شربها حرم ثمنها (الخ) وقريب منها غيرها، وهذه الطائفة ايضا قاصرة عن اثبات الحكم بنحو الاطلاق، لان المتعارف في بيع الخمر (بحيث كان غيره نادرا جدا سيما في تلك االازمنة) هو البيع للشرب الحرام واما التخليل فالظاهر عدم انقلاب الخمر خلا، وما وردت في بعض الروايات من تخليلها بالعلاج (2) لعلها التى كانت في حال الغليان، واختمرت في الجملة، دون ما صارت خمرا، ولهذا امر رسول الله صلى الله عليه وآله باهراقها، واهراق جميع ما في المدينة من الخمر،


(1) الوسائل كتاب التجارة الباب 55 من ابواب ما يكتسب به (2) الوسائل والمستدرك كتاب الطهارة الباب 77 - 48 من ابواب النجاسات والاوانى

[ 28 ]

(على ما في بعض الروايات (1) فلو كان انقلابها إلى الخل ممكنا، لكان من البعيد الامر باهراقها. ولهذا لا يجوز اراقة العصير المغلى بنفسه أو النار، ولو احرز كونهما خمرا، إذا اراد صاحبه ان يعمل به خلا أو دبسا. نعم لا يمكن حمل ما دلت على جعل الخمر العتيقة خلا على ما ذكرناه (2) فلابد من تأويل آخر فيها، لو ثبت عدم امكان جعلها خلا بالعلاج، ولو فرض امكانه لكن لا شبهة في عدم تعارفه، وعدم كونه من المنافع المطلوبة لها، ولعل الامر باراقتها (بعد فرض امكان التخليل) كان من الاحكام السياسية لقلع مادة الفساد، وقطع عذر الشاربين للخمر، حيث يمكن لهم الاعتذار باتخاذها للتخمير، وكيف كان فلا شبهة في ان المنفعة المتعارفة لها الشرب، والادلة منصرفة عن غيره، والتداوى بها (لو جوزناه في بعض الموارد النادرة) ليس بحيث يدفع الانصراف أو يمنع عن الاراقة. وبالجملة ان صاحب الرواية (في الرواية المتقدمة) انما اهدى الخمر لرسول الله صلى الله عليه وآله لكونها من احب الاشياء عندهم وقوله: ان الذى حرم شربها حرم ثمنها، لا يستفاد منه الا الثمن في بيع الخمر، حسب تعارقه عندهم، وكان صاحب الراوية يريد بيعها كذلك، لا المورد النادر الذى يجب أو يجوز شربها، فلو فرض في مورد صار العصير في غليانه خمرا يمكن تخليلها فبيعت لذلك، لاتدل مثل تلك الروايات على منعه كما لا يخفى ونحوها ما دلت على ان ثمن الخمر سحت، من الروايات المستفيضة (3) فان الظاهر منها ان التكسب بها في التجارة المتعارفة كذلك. وان شئت قلت: ان الادلة منصرفة إلى ما هو المعهود الشايع، والنادر بهذه المثابة منسى عن الاذهان، سيما مع المناسبات المغروسة فيها: هذا حال ما يمكن أو يتوهم استفادة حرمة اصل المعاملة بعنوانها منها: واما ما دلت على حرمة الثمن أو بطلان المعاملة، فمضافا إلى بعض ما مر، النبوى المتقدم: ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه: وفيما احتمالات: منها ان يراد به ان التحريم إذا تعلق بذات شئ، بان يقال: حرمت عليكم


(1) راجع الوسائل كتاب الاشربة الباب 1 من ابواب الاشربة المحرمة (2) راجع الوسائل كتاب الطهارة الباب 77 من ابواب النجاسات والاوانى (3) راجع الوسائل كتاب التجارة الباب 5 من ابواب ما يكتسب به

[ 29 ]

الميتة مثلا حرم ثمنه، لان تحريم الذات تحريم جميع منافعها، ومنها الثمن فيكون بيانا لحدود ما شرع الله تعالى، لا لاصل التشريع. أو يراد الاخبار بالملازمة بين ما إذا تعلق الحرمة بذات شئ وبين حرمة ثمنه، اما لان حرمة ذات شئ حرمة جميع الانتفاعات منها، بلا وسط كالشرب والاكل وهكذا، وهى ملازمة لحرمة ثمنه، لاجل اسقاط ماليته فلا يجوز معاملته، أو لحرمة ثمنه بما هو ثمنه نظير ما مر، واما لان حرمة ذاته بحرمة الانتفاعات المقصودة منه، ومع سلبها لا يصح بيعه لانه مسلوب المنفعة عرفا بهذا اللحاظ وفى محيط القانون فيكون ثمنه حراما لعدم وقوع المعاملة، أو مع سلبها يحرم ثمنه بحكم الشرع، وبعنوان كونه ثمنه نظير ما تقدم. أو يرادان الله إذا حرم شيئا في الجملة باى نحو، سواء تعلقت الحرمة بذاته، أو نهى عن شربه، أو اكله، أو لبسه، أو غير ذلك، حرم ثمنه، لاسقاط ماليته شرعا، أو لتحريم ثمنه بما هو. أو يراد انه إذا حرمت منافعه المقصودة، سواء حرمها بتعليق الحكم على ذاته أو على تلك المنفعة المقصودة حرم ثمنه. ولعل الاظهر من بينها هو ما قبل الاخير، لاقتضاء الاطلاق، وللتفاهم العرفي، واحتمال ان يكون نظره في ذلك إلى ما تعلق التحريم بذات الشئ: فبعيد جدا على جميع احتمالاته سيما الاول، ويؤيد الاحتمال المذكور النبوى المتقدم عن عوالي اللئالى: (ان الله إذا حرم على قوم اكل شئ حرم عليهم ثمنه) وصحيحة محمد بن مسلم (1) عن ابى عبد الله عليه السلام المتقدمة، وفيها ان الذى حرم شربها حرم ثمنها. وتؤيده ايضا الروايات الواردة في موارد كثيرة على تحريم الثمن، مع عدم تحريم جميع المنافع، سنشير إلى جملة منها. ثم ان مقتضى اطلاق النبوى وان كان حرمة ثمن ما حرم، سواء بيع لاستفادة المنفعة المحرمة أو المحللة، وسواء بيع لمن يستفيد منه المحرم اولا. لكن لا يبعد دعوى دلالتها على التحريم في القسم الاول من الشقين، لمناسبة الحكم والموضوع،


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب - 55 من ابواب ما يكتسب به

[ 30 ]

والوثوق بان التحريم انما هو للفساد المترتب عليه، فلا يشمل ما إذا بيع لصلاح حال الناس، وللجهة المحللة، سيما مع ما تقدم من دلالة رواية تحف العقول والرضوى والدعائم على ذلك وسيما مع ما ورد في الموارد العديدة من تجويز بيع المحرم لاستفادة المحلل، والغرض العقلائي المباح كروايات وردت في تجويز بيع الكلب الصيود (1)، ورواية ابى القاسم الصيقل الدالة على جواز بيع غلاف السيوف من جلود الميتة (2)، وما وردت في تجويز بيع الزيت المتنجس، للاستصباح تحت السماء، وممن يعمل صابونا (3)، وما دلت على جواز بيع المغنية، إذا كان الاشتراء لتذكر الجنة لا للتغني (4) وما دلت على جواز عمل الحبائل وغيرها بشعر الخنزير (5) الظاهر منها جواز بيعها، ضرورة ان عملها انما هو للمعيشة والتكسب، كما يظهر من الروايات، وما وردت في جواز بيع العجين من الماء النجس ممن يستحل الميتة (6) (تأمل) بل بعض الروايات في الخمر شاهد ايضا. كصحيحة جميل (7) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام (يكون لى على الرجل الدراهم فيعطيني خمرا، فقال: خذها ثم افسدها، قال على: واجعلها خلا) ويحتمل ان يكون المراد بعلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه، واستشهد أبو عبد الله عليه السلام بقوله، ويحتمل ان يكون المراد على بن الحديد، احد رواة السند، نقل عنه بعض الرواة المتأخر منه تفسيره للافساد. والظاهر منها جواز اخذها في مقابل الدين، ووقوعها عوضه إذا اخذها للتخليل وعن عبيد بن زرارة في الموثق (8) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأخذ


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 14 - من ابواب ما يكتسب به (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 38 - من ابواب ما يكتسب به (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - كتاب التجارة الباب - 6 - 16 - 58 - 7 من ابواب ما يكتسب به (7) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 31 - من ابواب الاشربة المحرمة (8) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 77 - من ابواب النجاسات

[ 31 ]

الخمر فيجعلها خلا، قال: لا بأس. والظاهر منه الاخذ من الغير لعدم تعارف جعل العصير خمر اثم خلا، وليس المراد من الخمر العصير المغلى جزما، ومقتضى اطلاقه جواز الاخذ ولو بشراء (تأمل) بل الظاهر من ذيل صحيحة ابى بصير (1) ان الحكم بحرمة التقلب في الخمر، لاجل ارادة الفساد، وفيها قلت: انى عالجتها وطينت رأسها ثم كشفت عنها، فنظرت إليها قبل الوقت، فوجدتها خمرا، ايحل لى امساكها قال: لا بأس بذلك، انما ارادتك ان يتحول الخمر خلا، ليس ارادتك الفساد. والانصاف ان الناظر فيما تقدم، يستظهر من قوله: إذا حرم الله (الخ) ان تحريم الثمن فيما إذا بيع في مورد الفساد لا مطلقا، ولا اقل من قصوره عن الاطلاق. ثم لا يبعد ان تكون كلمات الفقهاء أو جملة منها ايضا موافقة لما ذكرناه. قال في الخلاف (2) (في جملة من ادلته على جواز بيع الزيب النجس ممن يستصبح به تحت السماء) وروى أبو على بن ابى هريرة في الافصاح، ان النبي صلى الله عليه وآله اذن في الاستصباح بالزيب النجس وهذا يدل على جواز بيعه، وان لغيره لا يجوز إذا قلنا بدليل الخطاب. وقد جعل ابن زهرة (3) اباحة المنفعة من شرايط العوض تحفظا من المنافع المحرمة، وادخل كل نجس لا يمكن تطهيره فيها، فيظهر منه دوران الصحة والفساد مدار جواز الانتفاع وعدمه. وقد استدل العلامة في المنتهى غير مرة، على جواز البيع والاجارة، بجواز الانتفاع بالشئ. قال: يجوز اجارة الكلب، وهو قول بعض الشافعية، وقال بعضهم: لا يجوز. لنا انها منفعة مباحة، فجازت المعاوضة عنها (4) وقريب منه في التذكرة وقال: (في ما ليس بنجس من العذرات) انها طاهرة ينتفع بها فجاز بيعها (تأمل) واستدل على صحة بيع الكلب بصحة الانتفاع به في المنتهى والتذكرة. وقال في


(1) الوسائل كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 31 - من ابواب الاشربة المحرمة (2) كتاب البيوع مسألة - 312 (3) راجع الغنية اول كتاب البيع في شرائط صحة البيع (4) في النوع الاول فيما يحرم التكسب به

[ 32 ]

التذكرة (1) ان سو غنا بيع كلب الصيد صح بيع كلب الماشية والزرع والحائط، لان المقتضى وهو النفع حاصل، واستدل على عدم جواز اجارة الخنزير وبيعه، بان لا منفعة فيه. وقال: (2) يجوز بيع كل ما فيه منفعة، لان الملك سبب لاطلاق التصرف، والمنفعة المباحة كما يجوز استيفائها يجوز اخذ العوض عنها، فيباح لغيره بذل مال فيها. إلى غير ذلك من كلماته. وقد مر عن شرح الارشاد للفخر، والتنقيح للمقداد، (في الاعيان النجسة) انما يحرم بيعها لانها محرمة الانتفاع، وكل محرم الانتفاع لا يصح بيعه. هذا مع ان تحصيل الاجماع أو الشهرة المعتمدة في مثل هذا المسألة التى تراكمت فيها الادلة، وللاجتهاد فيها قدم راسخ: غير ممكن، سيما مع تمسك جملة من الاعيان بالادلة اللفظية هذا حال الكبرى الكلية، ولابد في الاستنتاج من البحث الكلى عن صغريها، ثم البحث عن جزئيات المسائل. فنقول: لا شبهة في ان الاصل الاولى (كأصالتي الحل والاباحة، وعموم خلق ما في الارض جميعا لنا) جواز الانتفاع بكل شئ، من كل وجه، الا ما قام الدليل على التحريم، وقد ادعى الاصل الثانوي على حرمة الانتفاع بالاعيان النجسة وبالمتنجسات مستدلا بالكتاب والسنة والاجماع. فمن الاول قوله تعالى (3) انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه، بدعوى رجوع الضمير إلى الرجس، وان وجوب الاجتناب عن المذكورات لانسلاكها فيه، اما حقيقة كالخمر، أو ادعاء كغيرها، وان الرجس هو النجس المعهود، ووجوب الاجتناب عن الشئ يقتضى عدم الانتفاع بشئ منه، والا لم يناسب التعبير بالاجتناب والتباعد عنه، فتدل على حرمة الانتفاع مطلقا عن كل رجس ونجس.


(1) كتاب البيع - مسألة - 2 (2) راجع التذكرة - كتاب البيع - مسألة 5 (3) سورة المائدة - الاية 92

[ 33 ]

وفيه أو لا ممنوعية رجوع الضمير إلى الرجس، إذ من المحتمل رجوع الي عمل الشيطان، بل لعله الانسب في مقام التأكيد عن لزوم التجنب عن المذكورات ولو سلم رجوعه إليه، لا يسلم الرجوع إليه مطلقا، بل مع قيد كونه من عمل الشيطان، والا فلو كانت علة وجوب الاجتناب كون الشئ رجسا لم يكن ذكر عمل الشيطان مناسبا. والرجوع إلى كل منهما مستقلا لو فرض امكانه خلاف الظاهر، فيمكن ان يقال (بعد رجوع الضمير إلى الرجس الذى من عمل الشيطان): ان الرجس على نوعين، ما هو من عمله يجب الاجتناب عنه، وما ليس كذلك لا يجب، فتدل أو تشعر على جواز الانتفاع في الجملة بالنجاسات. وثانيا ان الظاهر منها ولو بمناسبة قوله من عمل الشيطان، وبقرينة قوله متصلا به: انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة ان شرب الخمر والمقامرة وعبادة الاوثان رجس من عمله، لا بنحو المجاز في الحذف، بل بادعاء ان لا خاصية للخمر الاشربها، و لا للميسر الا اللعب، إذا كان المراد به آلاته، واما ان كان المراد اللعب بالآلة فلا دعوى فيه، ويكون قرينة على ان المراد بالخمر ايضا شربه، وبالانصاب عبادتها، بنحو ما مر من الدعوى، فان ايقاع العداوة والبغضاء والصدعن ذكر الله وعن الصلوة، انما هو بشرب الخمر والمقامرة، وامساكها للتخليل ليس من عمل الشيطان، ولا آلة له لايقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله، هذا مع ان في كون الرجس بمعنى النجس المعهود اشكالا، فانه (على ما في كتب اللغة) جاء بمعان، منها العمل القبيح، فدار الامر بين حمله على الرجس بمعنى القذر المعهود، وارتكاب التجوز في الاية زائدا على الدعوى المتقدمة، أو حمله على القبيح وحفظ ظهورها من هذه الحيثية، والثانى اولى. مع ان في تنزيل عبادة الاوثان (التى هي كفر بالله العظيم) منزلة القذارة، أو تنزيل نفسها منزلتها (أي منزلة القذارة الصورية في وجوب الاجتناب) ما لا يخفى من الوهن، فانه من تنزيل العظيم منزلة الحقير في مورد يقتضى التعظيم (تأمل) ومنه آية تحريم الخبائث، بتقريب ان النجاسات والمتنجسات من الخبيثات

[ 34 ]

وان الحرمة إذا تعلقت بذات الشئ تفيد حرمة مطلق الانتفاعات، لان التعلق بها مبنى على الدعوى، وهى انسب لها. ويظهر النظر فيه بعد ذكر الاية الكريمة قال تعالى (1) فسأكتبها (أي الرحمة) للذين يتقون و يؤتون الزكوة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذى يجدونه مكتو باعندهم في التوراة والانجيل يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث (الخ) فان مبنى الاستدلال على دعوى تعلق الحرمة على عنوان الخبيثات، وانت خبير بان الاية ليست بصدد بيان تحريم الخبائث، بل بصدد الاخبار عن اوصاف النبي صلى الله عليه وآله بانه يأمرهم بالمعروف (الخ). وليس المراد ان النبي صلى الله عليه وآله يحرم عنوان الخبائث أو ذاتها، ويحل عنوان الطيبات أو ذاتها، بل بصدد بيان انه يحل كل ما كان طيبا، ويحرم كل ما كان خبيثا بالحمل الشايع، ولو بالنهي عن اكله وشربه، فإذا نهى عن شرب الخمر، واكل الميتة، ولحم الخنزير، وهكذا، يصدق انه حرم الخبائث، فلا دلالة للاية على تحريم عنوان الخبائث، وهو ظاهر. ومن ذلك يظهر ان الاستدلال بمفهوم قوله تعالى (2) يسئولنك ماذا احل لهم قل احل لكم الطيبات، ليس على ما ينبغى، فان المراد من حلية الطيبات حلية ما كان طيبا بالحمل الشايع، لا ان الحلية متعلقة بعنوان الطيب اوذاته. وان شئت قلت: ان هذا جمع للتعبير عما هو حلال، لا ان الحلال في الشريعة شئ واحد: هو عنوان الطيب، والحرام شئ واحد: هو عنوان الخبيث المقابل له. هذا، مضافا إلى ان الظاهر بقرينة صدرها وذيلها حلية الاكل، كما تأتى الاشارة إليه. مع ان المفهوم (علي فرضه) لم يحل لكم غير الطيبات، لا حرم عليكم الخبائث فلا ينتج لما نحن بصدده، مضافا إلى امكان انكار المفهوم، ولو كان بصدد التحديد. ومنه قوله تعالى: والرجز فاهجر، بنحو ما تقدم من التقريب، وفيه انه لم يتضح


(1) سورة الاعراف الاية 155 - 156. (2) سورة المائدة الاية 6

[ 35 ]

ان المراد بالرجز الرجس، فانه بمعان، منها عبادة الاوثان، وفى المجمع انه بالضم اسم صنم فيما زعموا، وقال قتادة: هما صنمان: اساف وتائلة. (انتهى) ولعل الاقرب ان يكون الامر بهجر الاوثان أو عبادتها، واما النجس المعهود فمن البعيد ارادته في اول سورة نزلت عليه صلى الله عليه وآله (على ما قيل) أو بعد اقرء قبل تأسيس الشريعة اصولا وفروعا، على ما يشهد به الذوق السليم، ولهذا لا يبعد ان يكون المراد بقوله: وثيابك فطهر، غير تطهير اللباس، بل تنزيه نسائه أو اقربائه عن دنس الشرك (على ما قيل) أو غير ذلك مما فسر. هذا حال الآيات. واما الاخبار فقد استدل على حرمة مطلق الانتفاع بالنجس بل والمتنجس برواية تحف العقول، وقد مر ان المستفاد من موارد منها جواز التقليب في وجوه الصلاح، وانما عدم الجواز فيما إذا قلبها في وجه الفساد، فهى كغيرها من الروايات المتقدمة تدل على خلاف المطلوب، فراجع. وربما يتوهم امكان استنقاذ الكلية من الموارد الجزئية، كقوله تعالى (1) حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير فان تعلق الحرمة بذات العناوين المذكورة فيها يدل على حرمة جميع الانتفاعات، فانها اولى في تصحيح الدعوى، ونحوها قوله تعالى (2) انما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير (الخ). وكالروايات الكثيرة الدالة على وجوب اهراق الماء المتنجس، والمرق المتنجس، والقاء ما حول النجس في الدهن الجامد. وقوله: في صحيحة الكاهلى عبد الله بن يحيى، أو حسنته (3) عن ابى عبد الله عليه السلام، في مورد قطع اليات الغنم، ان في كتاب على عليه السلام ان ما قطع منها ميت لا ينتفع به: وفيه منع استفادة حرمة مطلق الانتفاعات في الموارد المذكورة، فضلا عن الاسراء إلى غيرها، اما الآيتان فلقرائن فيهما وفيما قبلهما وبعدهما، تدل على


(1) سورة المائدة الاية - 4 (2) سورة البقرة الاية - 168 (3) الوسائل - كتاب الصيد والذبايح - الباب 30 - من ابواب الذبايح

[ 36 ]

ان المراد بتحريم العناوين تحريم اكلها، منها ذكر لحم الخنزير للجزم بعدم ارادة جواز الانتفاع بغير لحمه، وعدم الجواز في الميتة. ومنها عدم ذكر الكلب، لعدم كونه مما يتعارف اكله، ومنها استثناء الاضطرار في المجاعة، فان المراد منه جواز اكلها في المخمصة؟. ومنها قوله تعالى (قبل الآية الثانية) كلوا من طيبات ما رزقناكم، واشكروا الله ان كنتم اياه تعبدون، انما حرم عليكم الميتة (الخ). وتعقيب الاولى بقوله تعالى: يسئلونك ماذا حل لهم (إلى قوله) فكلوا مما امسكن عليكم وقوله: وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم. فاحتفا فهما بما ذكر يوجب ظهورهما في ارادة الاكل، لا الانتفاعات الاخر، مع ان الشايع من المنافع منها، سيما الدم ولحم الخنزير هو الاكل. هذا مع ورود روايات يظهر منها ما ذكرناه. كرواية المفضل بن عمر (1) المروية عن ابى عبد الله عليه السلام بطرق لا يبعد حسن بعضها: قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام لم حرم الله الخمرو الميتة والدم ولحم الخنزير (إلى ان قال) ولكنه خلق الخلق، فعلم ما تقوم به ابدانهم وما يصلحهم، فاحله لهم واباحه تفضلا (إلى ان قال:) اما الميتة فانه لايد من منها احدا الاضعف بدنه، ونحل جسمه، وذهبت قوته، وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميتة الا فجأة. ثم ذكر مفاسد اكل الدم، واكل لحم الخنزير وشرب الخمر، ويظهر منها ان متعلق الحرمة في الآية الاكل والشرب لاغير، وقريب منها روايات أخر، يظهر منها ما ذكر. واما الروايات الآمرة باهراق الماء المتنجس، فلان الماء القليل الذى بقى في الاناء من فضل الكلب ونحوه لا فائدة له نوعا سوى الشرب أو الوضوء أو غسل شئ به، ومع عدم جوازها لابد من اهراقه، فلا تدل تلك الروايات على حرمة مطلق الانتفاع به، لو فرض له انتفاع، كصبه على اصل شجر ونحوه، مضافا إلى


(1) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 1 - من ابواب الاطعمة المحرمة نقلت هذه الرواية بسندين مرسلة ومسندة والمسندة ضعيفة بعبدالله بن سالم

[ 37 ]

ان الروايات الواردة فيه انما هي في مقام بيان احكام اخر، فقوله في الكلب: انه رجس نجس لا يتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب (1) في مقام بيان عدم جواز التوضى به، وطريق تطهير الاناء، لا عدم جواز ساير الانتفاعات، سيما مثل تطيين التراب به، وكذا حال ساير الروايات. واما ما فيها الامر باهراق المرق، فمضافا إلى عدم نفع له الا الاكل الممنوع، فالامر باهراقه في رواية السكوني (2) لذلك، والظاهر انه كناية عن حرمة اكله، كما يدل عليه قوله ويغسل اللحم ويؤكل: ان في رواية زكريا بن آدم (3) بهراق المرق، أو يطعمه اهل الذمة أو الكلب، واللحم اغسله وكله، واطعامهما نحو انتفاع به، سيما إذا كان الذمي ضيفا له، والكلب لماشيته وحراسته، وفيها ايضا تجويز بيع العجين النجس من المستحل، وكذا في مرسلة ابن ابى عمير (4) واما روايات القاء ما حول الجامد من الدهن وغيره فتدل على جواز الانتفاع. ففى موثقة ابى بصير (5) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الفارة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه، فقال: ان كان جامدا فتطرحها وما حولها، ويؤكل ما بقى، و ان كان ذائبا فاسرج به واعلمهم إذا بعته، والظاهر منها جواز الاسراج ولو بالجامد الذى حولها، وانما قال تطرحها، لعدم كونه معتدا به، مع قوة احتمال ان يكون كناية عن عدم اكله ونحوها غيرها. فتحصل مما ذكرناه جواز الانتفاع بصنوف النجاسات، ولا دليل عام على حرمة جميع الانتفاعات بها، كما لا دليل كذلك على حرمة بيعها، بل مقتضى اطلاق الادلة جوازه فيما ينتفع به، فلابد من التماس دليل على الخروج من الكليتين المتقدمتين،


(1) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 12 - من ابواب النجاسات (2) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 44 - من ابواب الاطعمة المحرمة - موثقة (3) الوسائل كتاب الاطعمه والاشربة - الباب - 26 من ابواب الاشربة - المحرمة (4) و (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب - 7 - 6 من ابواب ما يكتسب به الظاهر ان ابن رباط الذى يكون في سند رواية ابى بصير هو حسن بن على بن رباط وهو ثقة

[ 38 ]

ففى كل مورد ليس الدليل الا الادلة العامة يحكم بجواز الانتفاع به، وجواز البيع في ما ينتفع به، كالبول مما لا يؤكل كل لحمه والمنى، لعدم الدليل فيهما بالخصوص، فيجوز الانتفاع بهما في غير الشرب والاكل، وبيعهما، لو فرض لهما منفعة عقلائية كمنى الحيوانات للتلقيح المتعارف في هذا العصر. بقى الكلام في موارد خاصة، وردت فيها روايات يجب التعرض لها بالخصوص. منها الدم، والاظهر فيه جواز الانتفاع به في غير الاكل، وجواز بيعه لذلك. فان ما وردت فيه من الاية والرواية لاتدل على حرمة الانتفاع به مطلقا، فقد تقدم الكلام في الاية الكريمة، مع انه لم يكن في تلك الاعصار للدم نفع غير الاكل، فالتحريم منصرف إليه، ومنه يظهر حال الروايات الدالة على حرمة سبعة اشياء من الذبيحة، منها الدم، فان الظاهر منها حرمة الاكل، كما تشهد به نفس الروايات فان في جملة منها: لا يؤكل من الشاة كذا وكذا، ومنها الدم (1) وهى قرينة على ان المراد من قوله: حرم من الشاة سبعة اشياء: الدم والخصيتان (2) هو حرمة الاكل مع ان المذكورات لم يكن لها نفع في تلك الاعصار الا الاكل. فلا شبهة في قصور الادلة عن اثبات حرمة ساير الانتفاعات من الدم، ويتضح مما ذكر ان النهى عن بيع سبعة اشياء منها الدم (في مرفوعة ابى يحيى الواسطي) (3) يراد به البيع للاكل، لتعارف اكله في تلك الامكنة والازمنة، كما يشهد به الروايات، فالاشبه جواز بيعه إذا كان له نفع عقلائي في هذا العصر، والظاهر من شتاب كلمات الفقهاء ايضا: دوران حرمة التكسب بالنجاسات مدار عدم جواز الانتفاع، كما مرت جملة من كلماتهم. وبهذا يظهر لزوم ارجاع محكى اجماع النهاية في الدم على ذلك، سيما مع تعليله بعدم الانتفاع به ومنها العذرة، لا ينبغى الاشكال في جواز الانتفاع بارواث مأكول اللحم، وكذا جواز بيعها وساير القلب فيها عدى الاكل للسيرة المستمرة بين المسلمين


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 31 - من ابواب الاطعمة المحرمة

[ 39 ]

في الاعصار والامصار، قال الشيخ (1) سرجين ما لا يؤكل لحمه يجوز بيعه (إلى ان قال) ويدل على ذلك بيع اهل الامصار في جميع الاعصار لزروعهم وثمارهم، ولم نجد احدا كره ذلك، ولا خلاف فيه، فوجب ان يكون جائزا وعن السيد الاجماع على جواز الانتفاغ بها (2) والانصاف انه لا ينبغى اطالة الكلام في مثل المسألة، بل لابد من تأويل ظاهر المفيد وسلار (3) والشيخ في النهاية (4) مع تشويش عبارة النهاية، واحتمال كون مراد سلار من العذرة عذرة الانسان، أو مع عذرة غير المأكول، ومن الابوال مطلقها واستثنى منها بول الابل، وانما حرم بل غيره لعدم منفعة حتى في الظاهر منه، فيكون مما لا يجوز بيعه لذلك، بل ما ذكرناه محتمل كلام النهاية ايضا، ولم يحضرني كلام المفيد (رحمه الله) كما لا ينبغى التأمل في جواز الانتفاع بالعذرة النجسة، سيما عذرة الانسان، للسيرة المستمرة في الاعصار على الانتفاع بها في التسميد. فعن المبسوط. (5) ان سرجين ما لا يؤكل لحمه، وعذرة الانسان، وخرء الكلاب، لا يجوز بيعها، ويجوز الانتفاع بها في الزروع والكروم واصول الشجر بلا خلاف، ويظهر من العلامة وغيره ان جوازه للتسميد مفروغ عنه، انما الكلام في جواز بيعها وصحته، فهل يجوز مطلقا، كانت من الانسان أو غيره من الحيوانات الغير المأكولة، أو لا مطلقا، أو جاز في غير الانسان، أو العكس، وجوه يتضح الا وجه منها بعد النظر في الاخبار وكلمات الاصحاب فنقول ان الروايات الواردة في المقام (كما تقدم بعضها) قد علق فيها الحكم على عنوان العذرة، ففى رواية يعقوب بن شعيب (6) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ثمن العذرة


(1) راجع الخلاف - كتاب البيوع - مسألة - 310 (2) راجع الغنية - اول كتاب البيع (3) راجع المراسم - اول المكاسب (4) باب المكاسب المحظورة (5) كتاب البيوع فيما يصح بيعه وما لا يصح (6) الوسائل - كتاب التجارة الباب 40 - من ابواب ما يكتسب به وهى مجهولة عندي بعلى بن مسكين

[ 40 ]

من السحت وفى رواية محمد بن مضارب (1) عنه عليه السلام قال لا باس ببيع العذرة وفى موثقة سماعة (2) قال: سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام وانا حاضر، قال: انى رجل ابيع العذرة فما تقول، قال: حرام بيعها وثمنها، وقال: لا بأس ببيع العذرة. وعن دعائم الاسلام (3) عنه عليه السلام عن آبائه (ع) ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الاحرار (إلى ان قال) وعن بيع العذرة، وقال: هي ميتة. ويظهر من رواية المفضل بن عمر (4) عنه عليه السلام جواز الانتفاع بها، بل تشعر أو تدل على جواز بيعها. ثم ان العذرة هل هي خرء مطلق الحيوان (كما لعله الظاهر من اللغويين) أو خصوص الانسان (كما عن بعض اهل اللغة) فعلى الاول يشكل الاخذ بما دلت على ان ثمنها سحت، على فرض تعارض الروايات، وعدم مقبولية الجمع المتقدم منا، ولا ساير ما قيل في وجهه، لان ما يباع من العذرات النجسة ليس الا عذرة الانسان، واما عذرة الكلب والسنور ونحوهما فلا تباع، ولم يكن بيعها معهودا قط. وما في بعض الروايات الضعيفة (5) من النهى عن الصلوة في خف يتخذ من جلود الدارش، معللا بانه يدبغ بخرء الكلاب، لا يدل على ان خرئها كان يباع ويشترى، فمن المقطوع عدم معهودية بيعه، بل المتعارف بيع عذرة الانسان التى يحتاج إليها الناس للتسميد وكذا عذرة الحيوانات المأكولة اللحم، فلم يكن مورد السؤال في موثقة سماعة، ومورد ساير الروايات الاعما كان مورد البيع والشراء، لا مطلقا، وعليه يكون تقييد ما دلت على ان ثمن العذرة سحت، وبيعها حرام، بالاجماع والسيرة على صحة بيع عذرة المأكول اللحم مستهجنا، للزوم اخراج ما هو اكثر تداولا، أي ما هو لجميع صنوف


(1) و (2) الوسائل كتاب التجارة - الباب 40 - من ابواب ما يكتسب به. الاولى ضعيفة بمحمد بن مضارب. (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 5 - من ابواب ما يكتسب به (4) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 1 - من ابواب الاطعمة المحرمة (5) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 71 من ابواب النجاسات

[ 41 ]

الحيوانات المحللة اللحم، للزرع والطبخ والحمامات وساير احتياجات الناس، وبقاء عنوان واحد هو عذرة الانسان للزرع فقط، ولا فرق في الاستهجان بين التخصيص الكثير والتقييد كذلك. ووضوح حكم عذرة ما يؤكل لحمه بالاجماع والسيرة في عصرنا، لا يلازم وضوحه في تلك الازمنة، ضرورة ان الاحكام الواضحة في الاعصار المتأخرة كانت غالبا نظرية، بل مجهولة سابقا وفى اوائل الاسلام ونشر الاحكام حتى عصر الائمة (ع)، ولهذا خالف فيها المسلمون. فدعوى انصرافها إلى عذرة الانسان، لوضوح حكم خر، ما يؤكل لحمه: غير وجيهة. ولو منع الاستهجان، ولو بدعوى عدم محذور لاطلاق الحكم بالنسبة إلى ساير انواع غير المأكول لغرض المنع عن الموارد النادرة أو احتمال شيوع الاستفادة في الازمنة اللاحقة. يمكن الجمع بين الروايات، بتقييد روايات المنع بالاجماع والسيرة فيما يؤكل لحمه، فتنقلب النسبة بين الطائفتين المتباينتين إلى الاعم والاخص المطلق، فيقيد الاعم بالاخص فصارت النتيجة عدم الجواز في عذرة غير المأكول. وعلى الثاني: أي كونها مختصة بفضلات الانسان (كما نقل عن بعض اهل اللغة) يقع التعارض بينها لو كانت حجة في نفسها، لكن ليس فيها ما يعتمد عليه، عدى موثقة سماعة. فحينئذ ان احرزنا ان ذيلها رواية منفصلة جمعهما سماعة في النقل، (كما يقال في مضمراته) أو قلنا بجريان عمل التعارض واعمال العلاج في رواية واحدة مشتملة على حكمين متعارضين (كما هو الاقوى): لابد من اعمال قواعد التعارض فيها: من الاخذ بما هو الموافق للكتاب اولا، ومع فقده الاخذ بما يخالف العامة. و هذان الترجيحان للمجوز على ما حكى من كون المنع مذهب اكثر العامة. لكن الرجوع إلى المرجح انما هو بعد عدم احراز الشهرة الفتوائية على احد الطرفين (كما قرر في محله من انها لتميز الحجة عن غيرها) بل ولو قلنا بانها من المرجحات ايضا يقدم الترجيح بها على سايرها. فلا بد من عطف النظر إلى الاجماعات المنقولة و كلمات القوم.

[ 42 ]

فنقول: قال الشيخ في الخلاف (1) سرجين ما يؤكل لحمه يجوز بيعه، (إلى ان قال) دليلنا على جواز ذلك انه طاهر عندنا (إلى ان قال) واما النجس منه فلدلالة اجماع الفرقة، ثم استدل بالنبوي. وهو كما ترى دعوى الاجماع على ان السرجين النجس لا يجوز بيعه، والسرجين معرب سرگين، لا يطلق على عذرة الانسان، و الشاهد على ان المراد منه غيرها قوله في محكى المبسوط: (2) ان سرجين ما لا يؤكل لحمه، وعذرة الانسان، وخرء الكلاب، لا يجوز بيعها، ويجوز الانتفاع بها في الزروع والكروم واصول الشجر بلا خلاف وعن المسبوط ايضا: (3) اما نجس العين فلا يجوز بيعه، كجلود الميتة (إلى ان قال) والعذرة والسرقين، لكن لم يدع الاجماع عليه. وقال العلامة في التذكرة (4) لا يجوز بيع السرجين النجس اجماعا منا (إلى ان قال) ولانه رجيع نجس فلم يصح بيعه كرجيع الادمى، والظاهر منه الزام الخصم بما هو مورد تسلمه. فتحصل ان المراد به غير ما للادمي (فان قلت) هب ذلك، لكن يكفى ما في المبسوط: من دعوى عدم الخلاف في عذرة الانسان مستقلا (قلت) لم يتضح رجوع نفى الخلاف إلى عدم جواز البيع والى جواز الانتفاع كليهما، والمتيقن الثاني، ويكفى الشك فيه في عدم ثبوت الاجماع أو دعواه، فاتضح بطلان نسبة حكاية الاجماع إلى الشيخ والعلامة في التذكرة واوضح بطلانا نسبته إلى الثاني في المنتهى (5) قال فيه: لا يجوز بيع السرجين النجس، وبه قال الشافعي واحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز، لنا انه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة، ثم استدل بالروايات. وهو كما ترى لم يدع الاجماع الاعلى نجاسته، واستنتاج عدم جواز بيعه اجتهاد منه، بل لو كان بيعه مورد الاجماع لم يدع كذلك، الا ان يقال انه لالزامهم والاجماع من الفريقين على النجاسة.


(1) كتاب البيوع مسألة - 310 (2) و (3) كتاب البيوع فيما يصح بيعه وما لا يصح (4) كتاب البيع في شرط الطهارة في العوضين - مسألة 3 (5) فيما يحرم التكسب به مسألة - 3

[ 43 ]

ثم ان من الممكن الخدشة في دعوى العلامة في التذكرة الاجماع على عدم جواز بيع السرجين النجس: لانه معلل بقوله: للاجماع على نجاسته فيحرم بيعه، و في مثله يشكل اثبات الاجماع على الحكم الاول. وقال ابن زهرة في الغنية (1) وقيدنا بكونها مباحة، تحفظا عن المنافع المحرمة، ويدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره، الا ما اخرجه الدليل: من بيع الكلب المعلم والزيت النجس للاستصباح به تحت السماء، وهو اجماع الطايفة. (انتهى) والظاهر منه ان قوله وهو، بيان للدليل، فكان مورد الاجماع جواز بيع الكلب المعلم والزيت، ولو فرض رجوعه إلى جميع ما تقدم، لكن يكون محط كلامه عدم جواز بيع ما حرمت منافعه، دون ما حلت، وقد تقدم ان الانتفاع بالعذرات جائز قطعا. وقد تقدم ان دعوى الفخر والمقداد الاجماع في محكى شرح الارشاد و التنقيح انما هي على حرمة الانتفاع بالاعيان النجسة، وقد تقدم ايضا ما فيها، بل يظهر منهما ان عدم جواز البيع لعدم جواز الانتفاع، ومع جواز الثاني يجوز الاول ايضا. ومن بعض ما تقدم يظهر الكلام في قول الشهيد، قال في المسالك (2) في خلال كلام منه: وتحريم ذلك (أي بيع الارواث والابوال) مما لا يؤكل لحمه، فانه موضع وفاق. نعم عن نهاية الاحكام الاجماع على تحريم بيع العذرة وشرائها ولم يحضرني عبارتها. لكن اثبات الحكم به مشكل، لاحتمال ان دعواه مبنية على اجتهاده في كلام القوم، كدعوى شيخ الطائفة في الخلاف والمبسوط، ودعوى ابن زهرة، مع انه قد تقدم ان دعوى الاجماع في هذه المسألة التى تراكمت فيها الاخبار والادلة مشكلة. وكيف كان يشكل اثبات شهرة في بيع عذرة الانسان للمنافع المحللة، بحيث يرجح بها الرواية على عدم الجواز، أو تترك بها ما دلت على الجواز.


(1) في شرائط صحة انعقاد البيع (2) اول كتاب التجارة - فيما يحرم بيعه من التجارات

[ 44 ]

واما ما قيل في وجه عدم الجواز بندرة الانتفاع بها فلا تكون متمولة لدى العقلاء، أو باسقاط الشارع ماليتها فلا يجوز بيعها: فلا يخفى ما فيهما. فانه بعد ما نرى انها ذات منفعة عقلائية متداولة شايعة، كيف يقال: انها نادرة أو غير متمولة لدى العقلاء، ومالية الشئ تبع للخواص والمنافع المترتبة عليه. ولم يدل دليل على اسقاط الشارع ماليتها. فالاشبه بالقواعد الجواز، وان كان الحكم به مشكلا من حيث عدم العثور على استثناء احد عذرة الانسان من عدم جواز بيع الاعيان النجسة، وظهور كلماتهم في مطلق العذرات النجسة، كعبارات المتون الفقهية وغيرها، واحتمال ان يكون مرادهم بالسرجين النجس مطلق العذرات، ومظنونية رجوع قيد عدم الخلاف في محكى المبسوط إلى الحكمين جميعا، وخصوص اجماع النهاية الكاشف لااقل ولو ظنا عن اشتهار الحكم بينهم، وفهم المتأخرين عن عبارة الشيخ دعوى الاجماع على المطلق، بل لعلهم ارسلوا الحكم في عذرة الانسان ارسال المسلمات، يستدل بها على غيرها، كما تقدم عن العلامة، وعن الشيخ في الاستبصار في مقام جمع الاخبار حمل اخبار المنع على عذرة الانسان (إلى غير ذلك) مما يعثر عليه المتتبع. فالحكم بعدم الجواز احوط، بل لا يخلو من رجحان، سيما مع احتمال كون العذرة اسما للاعم، كما لعله تشهد به صحيحة محمد بن اسمعيل بن بزيع (1) في احكام البئر، وفيها: أو يسقط فيها شئ من عذرة كالبعرة ونحوها، واقتضاء انقلاب النسبة (بالتقريب المتقدم) عدم جواز بيع عذرة غير المأكول مطلقا، وليست لعذرة الانسان منفعة غير التسميد المحلل، فلا يحتمل ان يكون مرادهم نفى الجواز في غير مورد المنفعة المحللة. واحتمال ان يكون مرادهم سلب المالية العقلائية فكان حكمهم بعدم الجواز لاجله (كما قالوا في الحشرات ونحوها: بعيد جدا. فاذن فرق بين المقام وبين مثل الدم الذى كان نفعه المتداول محرما، لاحتمال ان يكون حكمهم بعدم الجواز فيه لفقدان نفع محلل، بخلاف العذرة


(1) الوسائل كتاب الطهارة - الباب 14 - من ابواب الماء المطلق

[ 45 ]

التى نفعها المتعارف هو المحلل. والانصاف ان كل واحد مما ذكر وان امكن النظر فيه، لكن يرجح في النظر عدم الجواز من مجموع هذه الوجوه، سيما عدم احتمال احد استثنائها على الظاهر. ومنها الميتة واجزائها التى تحلها الحيوة من ذى النفس السائلة فيقع الكلام فيها تارة في الحكم التكليفى، وهو حرمة الانتفاع بها وعدمها، بحيث يكون المحرم الانتفاع لبسا وافتراشا ونحوهما، وان لم يحصل منه محذور آخر كتنجيس ما يلاقيه من المايعات المشروبة والانتفاع منها. وبعبارة اخرى تكون نفس الانتفاع بها عنوانا مستقلا محرما، واخرى في الحكم الوضعي: ان بطلان المعاملة، و هنا كلام آخر يظهر في خلال البحث، وهو حرمة ثمنه بعنوانه، كما تقدم المقصود منه. فمما تدل على حرمة الانتفاع بها (بعد الآية الكريمة التى تقدم الكلام فيها) روايات منها موثقة سماعة (1) قال: سألته عن جلود السباع اينتفع بها، قال: إذا رميت فانتفع بجلده، واما الميتة فلا. والظاهر منها ولو بالغاء الخصوصية عرفا حرمة الانتفاع بالميتة مطلقا، سواء كان الانتفاع في الجامدات، أو المايعات، لزم منه محذور، أو لا، والحمل على انتفاع خاص (كجعل جلدها محلا للدبس و نحوه) يحتاج إلى دليل. ومنها رواية على بن ابي مغيرة (2) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشئ، فقال: لا، قلت: بلغنا ان رسول الله صلى الله عليه وآله مر بشاة ميتة، فقال: ما كان على اهل هذه الشاة إذ لم ينتفعوا بلحمها ان ينتفعوا باهابها، قال: تلك شاة لسودة بنت زمعة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها حتى ماتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان على اهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها ان ينتفعوا باهابها ان تذكى، وفى نسخة أي تذكى، ودلالتها واضحة. سيما إذا كان قوله (منها) متعلقا بالفعل، ويكون المراد هل ينتفع منها بوجه من الوجوه


(1) و (2) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 34 - من ابواب الاطعمة المحرمة

[ 46 ]

لكن في سندها ضعف بعلى بن ابى مغيرة، للوثوق بان توثيق العلامة تبع للنجاشي في ابنه الحسن بن على بن ابى مغيرة، وظاهر كلام النجاشي توثيق ابنه، فتعبير السيد صاحب الرياض عنها بالصحيحة غير وجيه ظاهرا. ومنها حسنة ابى مريم (1) وفيها نقل قضية اخرى شبيهة بها، لكن ليس لها اطلاق بالنسبة إلى جميع الانتفاعات، بل نقل قضية يظهر منها عدم جواز الانتفاع بها في الجملة. ومنها صحيحة عبد الله بن يحيى الكاهلى (2) على طريق الصدوق، بل الكليني ايضا بناء على وثاقة سهل بن زياد قال سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام وانا عنده عن قطع اليات الغنم، فقال: لا باس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثم قال: ان في كتاب على عليه السلام ان ما قطع منها ميت لا ينتفع به. يظهر منها ان عدم جواز الانتفاع بالميتة كان مفروغا منه، وانما لا ينتفع بالمقطوع لكونه ميتة حكما وتنزيلا أو حقيقة، ومقتضى اطلاع عدم الانتفاع بالاليات عدم الانتفاع بالميتة ايضا، الا ان يناقش في الاطلاق، بان يقال: ان حكم الميتة لما كان مفروغا منه لم تكن الرواية الا بصدد تنزيل الجزء المقطوع منزلة الميتة في عدم الانتفاع. فيكون الجزء تبعا في الحكم الثابت للميتة، فيكون مقدار عدم الانتفاع به كمقداره فيها، ولم يتضح فيها، وليست بصدد بيانه. وبعبارة اخرى انها ليست بصدد بيان عدم الانتفاع به ابتداء، بل بصدد بيان تشبيهه بها في الحكم الثابت، فلا اطلاق فيها. ومنها رواية الفتح بن يزيد الجرجاني (3) عن ابى الحسن، قال: كتبت إليه اسأله عن جلود الميتة التى يؤكل لحمها ذكيا، فكتب لا ينتفع من الميتة باهاب و


(1) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 34 - من ابواب الاطعمة المحرمة حسنة بحسن بن على بن فضال (2) الوسائل - كتاب الصيد والذبايح - الباب 30 - من ابواب الذبايح (3) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 33 - من ابواب الاطعمة المحرمة مجهولة بفتح بن يزيد وغيره

[ 47 ]

لاعصب، وكل ما كان من السخال، الصوف ان جز، والوبر والانفحة والقرن، ولا يتعدى إلى غيرها، وفى نسخة من الصوف. والظاهر وقوع سقط فيها، ويحتمل ان يكون الاصل الا الصوف، وكان قوله (وكل) عطفا على (باهاب). ويحتمل ان يكون قوله: وكل، مبتدءا " محذوف الخبر هو ينتفع به. وكيف كان فالظاهر اطلاقها، ولا يبعد فهم المثالية من المذكور، سيما مع ذيلها، فتدل على عدم جواز الانتفاع بالميتة مطلقا، لكنه ضعيفة السند. ومنها رواية على بن جعفر عليه السلام عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام (1) قال: سألته عن لبس السمور والسنجاب والفنك، فقال: لا يلبس ولا يصلى فيه، الا ان يكون ذكيا لكنها مع ضعفها مخصوصة باللباس. ومنها رواية تحف العقول عن الصادق عليه السلام (2) في حديث قال: وكل ما انبتت الارض فلا بأس بلبسه والصلوة فيه، وكل شئ يحل اكله فلا بأس بلبس جلده الذكى منه، وصوفه وشعره ووبره، وان كان الصوف والشعر والريش والوبر من الميتة وغير الميتة زكيا فلا بأس بلبس ذلك، والصلوة فيه ويمكن الخدشة في دلالتها بعد الغض عن سندها، بان الظاهر من قوله: فلا بأس بلبسه والصلوة فيه، انه بصدد بيان حكم اللبس في الصلوة، فقوله: فلا بأس بلبسه، كالامر المقدمى المذكور توطئة، كقوله: لا بأس بلبس الحرير والحرب فيه، ولا بأس بالجلوس في المسجد والقضاء فيه، ولا بأس باخذ الماء من الدجلة والشرب منه، إلى غير ذلك. فحينئذ يكون قوله: وكل شئ يحل اكله (الخ) بصدد بيان اللبس في الصلوة ايضا، وكذا الفقرة الاخيرة، فلا يستفاد منها حكمان: تكليفي مربوط باصل اللبس ووضعي مربوط بالصلوة، كما هو ظاهر عند العارف باساليب الكلام، ولا اقل من ان يكون احتمالا مانعا عن الاستدلال. ومنها رواية على بن جعفر (3) عن اخيه عليه السلام قال سألته عن الماشية تكون


(1) و (2) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 4 - 2 - من ابواب لباس المصلى (3) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 34 - من ابواب الاطعمة المحرمة

[ 48 ]

للرجل، فيموت بعضها، يصلح له بيع جلودهاو دباغها ولبسها، قال: لا ولو لبسها فلا يصلى فيها. وهى ايضا (مع ضعفها واختصاصها باللبس) يمكن التأمل في دلالتها على الحرمة، لضعف دلالة (لا يصلح) عليها، لو لم نقل باشعاره أو دلالته على الكراهة، سيما مع قوله: ولو لبسها، فان فرض اللبس في ما هو محرم لا يخلو من بعد. ومنها موثقة سماعة (3) قال: سألته عن اكل الجبن وتقليد السيف وفيه الكيمخت والفراء، فقال: لا بأس ما لم يعلم انه ميتة، وفيه انه لااطلاق في مفهومها، فانه بصدد بيان حكم المنطوق لا المفهوم، فلا يستفاد منها الا ثبوت البأس مع العلم في الجملة. بل التحقيق ان المفهوم قضية مهملة حتى في مثل قوله: إذا بلغ الماء قدر كرلا ينجسه شئ، هذا إذا قلنا بالغاء الخصوصية عن المنطوق، والا فلا يثبت الحكم في المفهوم الا بالنسبة إلى اكل الجبن وتقليد السيف، مع ان اثبات البأس اعم من الحرمة، مضافا إلى ان الظاهر ان الحكم في الجبن محمول على التقية، لو كان الجواب عن السؤالين. ومنها ما عن عوالي اللئالى (2) قد صح عنه صلى الله عليه وآله انه قال: لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب، وقال في شاة ميمونة ألا انتفعوا بجلدها، وعن ابن ابى ليلى عن عبد الله بن حكيم (3) قال: قرأ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله في ارض جهينة وانا غلام شاب، ان لاتستمتعوا من الميتة باهاب ولا عصب، وعن دعائم الاسلام (4) عن على عليه السلام انه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا ينتفع من اليمتة باهاب ولا عظم ولا عصب إلى غير ذلك. ثم ان هذه الروايات على طوائف: منها ما دلت على عدم جواز الانتفاع بالميتة مطلقا، ولو بالغاء الخصوصية عرفا، كموثقة سماعة ورواية الجرجاني وعلى بن


(1) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 34 من ابواب الاطعمة المحرمة (2) المستدرك - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 25 من ابواب الاطعمة المحرمة (3) المستدرك كتاب الطهارة الباب 37 من ابواب النجاسات (4) المستدرك كتاب الاطعمة والاشربة الباب 25 من ابواب الاطعمة المحرمة

[ 49 ]

ابى مغيرة. ومنها ما دلت على عدم جواز اللبس، كروايتي على بن جعفر ورواية تحف العقول (على اشكال مر الكلام فيه). ومنها ما دلت على عدم جواز الانتفاع باهاب ولا عصب، ويمكن جعلها من الطايفة الاولى، بدعوى الغاء الخصوصية. ومنها ما دلت على عدم جواز تقليد السيف إذا كان جلده من الميتة، وهى موثقة سماعة. وبازاء تلك الروايات روايات اخر، يستفاد منها جواز الانتفاع في موارد خاصة. منها رواية زرارة (1) قال: قد سألت ابا عبد الله عليه السلام عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء، قال: لا بأس. والظاهر ان السؤال عن الانتفاع بجلده، لا عن طهارة الماء ونجاسته بملاقاته، بل الظاهر ان مثل جلد الخنزير يجعل دلوا " لسقى الزراعات والاشجار، لا لشرب الآدمى، ويظهر منها بالغاء الخصوصية جواز الانتفاع بجلده لو لم يؤد إلى محذور كتنجس ملاقيه وكذا جواز الانتفاع بجلود ساير الميتات. ومنها صحيحة محمد بن عيسى بن عبيد عن ابى القاسم الصيقل وولده (2) قال: كتبوا الي الرجل جعلنا الله فداك: انا قوم نعمل السيوف، ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها، ونحن مضطرون إليها، وانما علاجنا جلود الميتة والبغال والحمير الاهلية، لا يجوز في اعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها وشرائها وبيعها ومسها بايدينا وثيابنا، ونحن نصلى في ثيابنا، ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا، لضرورتنا، فكتب عليه السلام اجعل ثوبا للصلوة، وكتب إليه جعلت فداك، و قوائم السيوف التى تسمى السفن نتخذها من جلود السمك، فهل يجوز لى العمل بها، ولسنا نأكل لحومها، فكتب لا بأس. والرواية صحيحة، ولا يضر بها جهالة ابى القاسم، لان الراوى للكتابة و الجواب هو محمد بن عيسى، وقوله: قال كتبوا أي قال محمد بن عيسى كتب الصيقل و ولده، فهو مخبر لا الصيقل وولده، والا لقال: كتبنا.


(1) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 14 - من ابواب الماء المطلق - مجهولة بابى زياد النهدي (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 38 - من ابواب ما يكتسب به

[ 50 ]

واحتمال كون الراوى الصيقل مخالف للظاهر جدا، سيما مع قوله في ذيلها: وكتب إليه، فلو كان الراوى الصيقل لقال وكتبت إليه. وليس في السند من يتأمل فيه، الا احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ومحمد بن عيسى بن عبيد، وهما ثقتان على الاقوى. والمظنون لو لا المقطوع به: ان قوله: نعمل السيوف مصحف عن قوله نغمد السيوف، فانهما شبيهتان كتابة في العربية، والشاهد عليه اولا رواية القاسم الصيقل (1) الظاهر انه ابن ابى القاسم، قال كتبت إلى الرضا عليه السلام انى اعمل اغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، فتصيب ثيابي فاصلي فيها، فكتب إلى اتخذ ثوبا لصلوتك، فكتبت إلى ابى جعفر الثاني انى كنت كتبت إلى ابيك بكذا وكذا فصعب ذلك على فصرت اعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية، فكتب (ع) إلى كل اعمال البر بالصبر يرحمك الله، فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس. فان الظاهر ان المكاتبة المشار إليها في هذه الرواية هي المكاتبة المتقدمة حيث كان ولد ابى القاسم من جملة المكاتبين، واحتمال كون القاسم الصيقل غير ابن ابى القاسم الصيقل بعيد. وثانيا ان عمل السيوف بمعنى صنعتها، (كما هو الظاهر من عملها) أو بمعنى تصقيلها، عمل مستقل كان في تلك الازمنة في غاية الاهمية، وهو غير عمل تغميدها الذى كان مباينا لهما، ومن البعيد قيام شخص بعملها معا في ذلك العصر. ويشهد له قوله: ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها، ونحن مضطرون إليها، فاية معيشة وتجارة اعظم من صنعة السيوف في تلك الازمنة ازمنة الحروب السيفية: عصر الصيف، واى احتياج لصانع الصيف إلى عمل الجلود. فلا شبهة في ان ابا القاسم وولده بحسب هذه الرواية كان عملهم اغماد السيف، وانما سألوا عن بيع الميتة وشرائها وعملها ومسها، وحملها على بيع السيوف لابيع الجلود (كما صنع شيخنا الانصاري) (2) طرح للرواية الصحيحة الصريحة. نعم في رواية عن ابى القاسم الصيقل (3) قال كتبت إليه انى رجل صيقل، اشترى


(1) الوسائل كتاب الطهارة - الباب 34 من ابواب النجاسات (2) راجع المكاسب في حرمة المعاوضة على الميتة (3) الوسائل كتاب التجارة - الباب 8 - من ابواب ما يكتسب به

[ 51 ]

السيوف وابيعها من السلطان الخ، يظهر منها ايضا ان شغله لم يكن عمل السيف بل كان صيقلا، وبمقتضى الروايتين انه كان يشترى السيوف ويغمدها ويبيع من السلطان ولعله كان شغله مختلفا بحسب الا زمان، ولعله كان تاجرا وله عمال اشتغلوا بتغميد السيوف، وعمال بالصيقل (تأمل) وكيف كان لا شبهة في بيعه الاغماد، ولا معنى لاعطائها بلا ثمن وبنحو المجانية. واما قوله: ونحن مضطرون إليها، ليس المراد من الاضطرار هو الذى يحل المحطورات، سيما في مثل رجل صيقل كان يبيع من السلطان، بل المراد الاضطرار والاحتياج في التجارة. ولهذا ترك القاسم العمل بالميتة بمجرد صعوبة اتخاذ ثوب للصلوة. بل لا وجه للاضطرار المبيح للمحظور إلى عمل خصوص الميتة في بلد المسلمين الشايع فيها الجلود الذكية في عصر الرضا والجواد عليهما السلام، مع حلية ذبائح العامة واعتبار سوقهم، وكون الصيقل الذى يشترى السيوف ويبيعها من السلطان مضطرا إلى عمل الميتة، ولم يمكن له اشتراء الجلود الذكية، مقطوع الفساد كما هو واضح، مضافا إلى ان الظاهر من الرواية انهم كانوا مضطرين الي عمل السيوف أو اغمادها، لا إلى عمل خصوص الميتة وقوله: لا يجوز في اعمالنا غيرها، لايراد منه ان عملهم خصوص الميتة، بل المراد انه لا يجوز عملهم، ولا تدور تجارتهم، الا مع الابتلاء بها، فلا يكون المراد الاضطرار بخصوصها. هذا بناء على نسخة الوسائل، وفى الحدائق (1) انما علاجنا من جلود الميتة من البغال والحمير، وعلى هذه النسخة ايضا لايراد بالاضطرار هو المبيح للمحظورات، سيما مع ملاحظة رواية القاسم الصيقل، ولم يظهر منها ان مراده من قوله: (صعب ذلك على) انه صعب عليه من جهة احتمال التقية في صدور الحكم من ابيه عليه السلام، ولعل مراده صعوبة غسل البدن واللباس وتعويضه للصلوات، وقوله: كل اعمال البر بالصبر، لم يظهر منه لوجه عدم جواز العمل بغير المذكى. والانصاف ان الرواية ظاهرة الدلالة على جواز بيع جلد الميتة وشرائه وساير الاستفادات منه، بل يظهر


(1) في بيع الاعيان النجسة من التجارة

[ 52 ]

من ذيل الثانية أي قوله كل اعمال البر بالصبر، ان الارجح ترك العمل بالميتة، فيكون شاهد جمع بينها وبين ما دلت على ان الميتة لا ينتفع بها، أو جلد الميتة لا ينتفع به وهو الحمل على الكراهة في ما لا محذور في الانتفاع بها مع انها اخص مطلقا من روايات المنع مطلقا. ومنها موثقة سماعة (1) قال: سألته عن جلد الميتة المملوح وهو الكيمخت، فرخص فيه، وقال: ان لم تمسه فهو افضل. وهى مع دلالتها على جواز الانتفاع بجلد الميتة يظهر منها ايضا وجه الجمع المتقدم. ومن تفسير الكيمخت فيها يظهر جواز التمسك بما دل على جواز لبسه على جواز الانتفاع بجلد الميتة، كصحيحة الريان بن الصلت (2) قال: سألت الرضا عليه السلام عن لبس الفراء والسمور (إلى ان قال) والكيمخت (إلى ان قال) لا بأس بهذا كله الا الثعالب. نعم هذا التفسير ينافى ما في رواية على بن ابى حمزة، حيث فسر فيها الكيمخت بجلود دواب منه ما يكون ذكيا ومنه ما يكون ميتة: وتشهد للحمل المتقدم ايضا رواية الحسن بن على (3) قال: سألت ابا الحسن عليه السلام فقلت جعلت فداك: ان اهل الجبل تثقل عندهم اليات الغنم فيقطعونها، قال هي حرام، قلت فيستصبح بها، قال: اما تعلم انه يصيب اليد والثواب وهو حرام. حيث يظهر منها ان وجه المنع هو تنجس الثوب واليد به، فتدل على كراهة الاستعمال ويحتمل ان يكون ارشادا إلى اولوية الترك، لئلا يبتلى بالنجاسة. ومنها صحيحة البزنطى (4) صاحب الرضا عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون له الغنم يقطع من الياتها وهى احياء، ايصلح ان ينتفع بما قطع، قال: نعم يذيبها ويسرج بها، ولا يأكلها


(1) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 34 - من ابواب الاطعمة المحرمة (2) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 5 - من ابواب لباس المصلى (3) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة الباب 32 - من ابواب الاطعمة المحرمة ضعيفة بمعلى بن محمد (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 6 - من ابواب ما يكتسب به

[ 53 ]

ولا يبيعها. والظاهر منها ان الممنوع من الانتفاعات هو الاكل والبيع ونحوه، فقوله: نعم تجويز الانتفاعات، وقوله: يذيبها من باب المثال، ولهذا قال بعده ولا يأكلها ولا يبيعها، ولم ينه عن غيرهما، فتدل على جواز مطلق الانتفاع بها غيرهما. وبضميمة ما دلت على ان الاليات ميتة ولو تنزيلا، يفهم ان لا حكم لها مستقلا غير ما للميتة، فتدل على جواز الانتفاع بالميتة في ما سوى الاكل والبيع. ومنها رواية دعائم الاسلام (1) عن على عليه السلام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لا ينتفع من الميتة باهاب ولا عظم ولا عصب، فلما كان من الغد خرجت معه فإذا سخلة مطروحة على الطريق، فقال: ما كان على اهل هذه لو انتفعوا باهابها، قال: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله، فاين قولك بالامس، قال ينتفع منها بالاهاب الذى لا يلصق وهى كما ترى حاكمة على كل ما دلت على عدم جواز الانتفاع بجلد الميتة بل بها مطلقا، فان الظاهر منها ان الانتفاع بالميتة لا محذور فيه، وانما المحذور من جهة السراية، ولعل الالصاق كناية عنها، ويحتمل ان يكون المراد بالجلد الذى لا يلصق، هو ما عولج بالملح والدباغ، فدلت على عدم جواز الانتفاع قبله، لكنها ضعيفة السند، وقد تقدم في ذيل رواية اللئالى (2) انه قال في شاة ميمونة ألا انتفعتم بجلدها. وهيهنا عدة روايات تدل على جواز اللبس. كرواية محمد بن ابى حمزة (3) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام أو ابا الحسن عليه السلام عن لباس الفراء والصلوة فيها، فقال: لا تصل فيها الا ما كان منه ذكيا. فان السكوت عن حرمة لبسها دليل علي جوازه، وانما الممنوع الصلوة فيها (تأمل) وكصحيحة الريان بن الصلت المتقدمة عن الرضا عليه السلام، وفيها نفى البأس عن لبس اشياء منها الكيمخت. ورواية على بن


(1) المستدرك كتاب الاطعمة والاشربة الباب 25 - من ابواب الاطعمة المحرمة (2) المستدرك كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 25 - من ابواب الاطعمة المحرمة (3) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 2 - من ابواب لباس المصلى ضعيفة بمحمد بن سليمان الديلمى وغيره

[ 54 ]

ابى حمزة (1) ان رجلا سأل ابا عبد الله عليه السلام وانا عنده، عن الرجل يتقلد السيف ويصلى فيه قال نعم فقال الرجل ان فيه الكيمخت قال وما الكيمخت فقال: جلود دواب منه ما يكون ذكيا ومنه ما يكون ميتة فقال: ما علمت انه ميتة فلا تصل فيه. وهى تدل على جواز تقليده، وانما لا يجوز الصلوة فيه. وعن الجعفريات (2) عن الصادق عن ابيه ان عليا عليه السلام كان يصلى في سيفه وعليه الكيمخت، فان قوله ذلك يدل على ان الكيمخت ميتة، والا فلا وجه لنقله. (تأمل) إلى غير ذلك. والانصاف ان لا معارضة بين الروايات، بل لما دلت على الجواز نحو حكومة على غيرها (كما تقدم)، فحمل اخبار الجواز على التقية فرع المعارضة، ومع الجمع العقلائي لا مصير لذلك. نعم ما يمنعنا عن الجرئة إلى الذهاب إلى الجواز، هو دعاوى الاجماع، وعدم الخلاف، وعدم وجدانه، والشهرة في المسألة اهمها ما حكى عن الحلى انه قال (بعد نقل صحيحة البزنطى المتقدمة الدالة على جواز الانتفاع باليات الغنم بهذه العبارة) لا يلتفت إلى هذا الحديث، فانه من نوادر الاخبار، والاجماع منعقد على تحريم الميتة والتصرف فيها بكل حال الا اكلها للمضطر. (انتهى) ويظهر من المسالك (3) ايضا ان عدم جواز الانتفاع باليات الميتة، والمبانة من الحى، موضع وفاق. وفى مفتاح الكرامة (4) بعد حكاية عدم جواز الانتفاع عن المحقق والعلامة والشهيدين والفاضل الهندي قال: وهو قضية كلام الباقين قطعا لوجهين: احدهما ان مفهوم اللقب معتبر اجماعا في عبارات الفقهاء، وبه يثبت الوفاق والخلاف، الثاني ملاحظة السوق والقرائن (انتهى) لكن يظهر منه عدم تحصيل الاجماع أو الشهرة من كلمات الفقهاء، وانما الاستفادة من اجتهاده، ولا يخفى ما فيه، كما ان صريح المحقق الاردبيلى، والمحدث


(1) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 50 - من ابواب النجاسات ضعيفة بعلى بن ابى حمزة (2) المستدرك - كتاب الصلوة - الباب 39 من ابواب لباس المصلى (3) كتاب الاطعمة والاشربة - في حرمة اكل ما ابين من حى (4) كتاب المتاجر - فيما لو كانت نجاسة الدهن ذاتية

[ 55 ]

المجلسي منع الاجماع، ويظهر من السيد الرياض (1) عدم عثوره على اتفاق الاصحاب حيث قال: مع ان ظاهرهم الاتفاق عليه كما قيل. والمحكى عن الروضة (2) جواز الاستصباح به وتبعه جملة من متأخري المتأخرين. وعن الشيخ (3) في ذيل حديث زرارة المتقدم في الاستقاء بجلد الخنزير، انه قال: الوجه انه لا بأس ان يستقى به، لكن يستعمل ذلك في سقى الدواب والاشجار و نحو ذلك. وهذا منه وان يحتمل ان يكون في مقام جمع الروايات ودفع التناقض عنها لكن لو لم يجز ذلك لسقى الدواب والاشجار ايضا يكون من قبيل الفرار من المطر إلى الميزاب. وعنه في النهاية وعن ابن البراج والمحقق في الشرايع والنافع وتلميذه كاشف الرموز والعلامة في الارشاد، جواز الاستقاء بجلودها لغير الصلوة والشرب، و عن صاحب التنقيح ميله إليه. وعن السرائر انه مروى، ولعله يشعر بميله إليه (تأمل). وصرح في القواعد (4) بجواز الوضوء بحوض اتخذ من جلد الميتة إذا كان كرا وعن ابن الجنيد وفقه الرضا ان جلد الميتة يطهر بالدباغ، فلا محالة يجوز الانتفاع به حينئذ عندهما، بل هو محتمل الصدوق، بل الصدوقين لموافقة فتواهما لو نوعا، ولنقل الاول رواية عن الصادق عليه السلام تدل على جواز جعل اللبن والماء ونحوهما في جلد الميتة، مع قوله قبيل ذلك (في حق كتابه) لم اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى ايراد ما افتى به، واحكم بصحته، واعتقد فيه انه حجة بيني وبين ربى. (انتهى) وهو ان لم يف بهذا العهد في كتابه (كما يظهر للمراجع به) لكن


(1) في النوع الاول فيما يكتسب به (2) في الفصل الاول من المتاجر (3) نقل صاحب الوسائل هذا الكلام عن الشيخ في ذيل حديث زرارة المتقدم راجع الوسائل كتاب الطهارة الباب 14 - من ابواب الماء المطلق (4) كتاب الطهارة - في الفصل الاول من النجاسات

[ 56 ]

رجوعه عنه في اول الكتاب في غاية البعد. وقال في المقنع (1) لا بأس ان تتوضأ من الماء إذا كان في زق من جلدة ميتة، ولا بأس بان تشربه. وتجويز ابن الجنيد ومن بعده وان كان مبنيا على طهارة جلدها بالدباغ، أو عدم تنجس المايع به (على احتمال في كلام الصدوق) لكن مع ذلك تكون استفادة الاجماع من كلام القوم مشكلا، فان الاجماع التقديرى ليس بشئ، هذا مع عدم وضوح مسلك ابن ادريس في باب الاجماع. فالاشبه الجواز والاحوط الترك، هذا حال جواز الانتفاع. وهل يجوز البيع وساير الانتقالات في ما جاز الانتفاع به، الاقوى هو الجواز، لعدم دليل على المنع سوى رواية دعائم الاسلام المتقدمة، وهى ضعيفة السند. و سوى روايات دلت على ان ثمن الميتة سحت كرواية السكوني (2) الموثقة عن ابى عبد الله عليه السلام قال: السحت ثمن الميتة ومرسلة الصدوق (3) قال قال عليه اجز الزانية سحت، (إلى ان قال) وثمن الميتة سحت. ورواية حماد بن عمرو (4) وانس بن محمد (5) عن ابيه جميعا عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلى قال: يا على من السحت ثمن الميتة وسوى صحيحة البزنطى (6) صاحب الرضا عنه في اليات مقطوعة وفيها يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها، ورواها الحميرى باسناده عن موسى بن جعفر عليه السلام وما عدى الاخيرة مخصصة بصحيحة محمد بن عيسى المتقدمة عن الصيقل التى يظهر منها جواز الانتفاع بجلد الميتة وجواز بيعها لذلك والظاهر ان العرف مساعد لالقاء الخصوصية والجمع بينها وبين ما تقدم، بان كل مورد يجوز الانتفاع بها يجوز بيعها لذلك، وانما يحرم


(1) كتاب الطهارة - باب الوضوء (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 5 - من ابواب ما يكتسب به الثالثة ضعيفة بحماد بن عمرو الرابعة ضعيفة بانس بن محمد (6) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 6 - من ابواب ما يكتسب به

[ 57 ]

بيعها ويكون ثمنها سحتا إذا بيعت للاكل ونحوه مما لا يجوز الانتفاع بها. ويؤيد ذلك رواية ابى مخلد السراج (1) قال كنت عند ابى عبد الله (ع) إذ دخل عليه معتب (2) فقال بالباب رجلان، فقال ادخلهما فدخلا. فقال: احدهما انى رجل سراج ابيع جلود النمر، فقال: مدبوغة، قال نعم، قال لا بأس، لقوة احتمال ان تكون جلود النمر للميتة، لبعد ذكيته، واشعار قوله مدبوغة بذلك، أو دلالته عليه، وذكر الدباغ لا يدل على صدور هاتقية، لعدم الحكم بطهارتها أو صحة الصلوة فيها. ولعل الدباغة دخيلة في الحكم، أو في رفع الكراهة، وتؤيده صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (3) قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الفراء اشتريه من الرجل الذى لعلى لااثق به، فيبيعني على انها ذكية، ابيعها على ذلك، فقال: ان كنت لا تثق به فلا تبعها على انها ذكية، الا ان تقول قد قيل لى انها ذكية. فان مقتضى اطلاقها جوزا الاشتراء والبيع، وان كان الرجل مجهول الحال، ولم يكن في سوق المسلمين، الا ان يقال: بكونه بصدد بيان حكم آخر وهو جواز الشهادة بمجرد قول البايع، مع عدم وثاقته، فاطلاقها مشكل بل ممنوع وكيف كان فلا بأس بالجمع المذكور، ولا يبعد حمل الاخيرة على ذلك ايضا، لان الانتفاع المتعارف من الاليات هو الاكل، واما الاذابة للاسراج فمن المنافع النادرة الغير المتداولة، فالنهى عن بيعها لعله لاجل المنفعة المتعارفة التى كانت البيوع لها. وان شئت قلت: انها منصرفة عن البيع للمنفعة النادرة، فالجواز مطلقا للمنافع المحللة لا يخلو من قوة، وقد استقصينا سابقا كلمات القوم، وقلنا: بان الظاهر منهم جواز البيع وساير الانتقالات مع جواز الانتفاع، إذا كان النفع عقلائيا موجبا لمالية الشئ فراجع.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 38 - من ابواب ما يكتسب به ضعيفة بابى مخلد وعلى بن اسباط (2) هو مولى ابى عبد الله عليه السلام (منه) (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 38 - من ابواب ما يكتسب به

[ 58 ]

فرع كما لا يجوز بيع الميتة للمنفعة المحرمة (كالاكل منفردا) لا يجوز بيعها في ضمن المشتبه بالمذكى، وكذ ا لا يجوز بيع المذكى الواقعي بينهما، لعدم جواز الانتفاع بواحد منهما عقلا، للعلم الاجمالي المنجز للواقع، فيكون اخذ المال في مقابل المذكى الذى سقط الانتفاع به مطلقا، أكلا للمال بالباطل. هذا مع كون المشترى مسلما، وكذا لو كان كافرا وقلنا: ان الكفار مكلفون بالفروع (كما هو الاقوى). واما لو قلنا: بعدم كونهم مكلفين بها، وجاز لهم اكل الميتة، والتصرف فيها، فالظاهر جواز بيع الواقعي المذكى منه، لان المسلم جاز له الانتفاع بالمذكى الواقعي مع الامكان، واخذ المال في مقابله انتفاع به، والكافر جاز له الانتفاع بالمشتبهين فرضا، ولا دليل على لزوم كون المبيع بشخصه ممكن الانتفاع للبايع، ولهذا لو كان البايع والمشترى مسلمين، واشتبه المذكى بالميتة لدى البايع دون المشترى، صح بيع المذكى الواقعي من المسلم العالم بالواقع، وليس اخذ المال بازائه اكلاله بالباطل. نعم مع جهل المشترى ايضا لا يجوز البيع بقصد المذكى الواقعي (كما مر) الا ان يقال بعدم جريان اصالة عدم التذكية في المشتبهين، ولو لم يلزم من جريانهما مخالفة عملية (كما فيما نحن فيه) وقلنا: بجريان اصالة الحل في احدهما تخييرا. فحينئذ يمكن ان يقال: بجواز البيع بالقصد المذكور (كما اختاره الشيخ الانصاري (1) ويأتى الكلام فيه). ويمكن ان يقال: بجواز بيع احدهما مخيرا، فللبايع ان يختار احدهما، ويبيعه من مسلم وغيره بمقتضى اصالة الحل وقال بعض المدققين (2) ان اصالة الحل لا يثبت بها الا جواز الاكل ولا يحز بها المذكى الواقعي والمفروض عدم جواز بيعه الميتة الواقعية فمع الشك في تحقق الموضوع القابل للنقل والانتقال، يحكم باصالة عدم الانتقال وان لم يكن هناك اصل يثبت به عدم كونه مذكى، وذلك نظير المال المردد بين كونه مال الشخص أو مال غيره، فانه وان قلنا: بجواز اكله إذا لم يكن مسبوقا


(1) راجع المكاسب في عدم جواز بيع الميتة منضمة إلى المذكى (2) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله

[ 59 ]

بكونه ملكا لغيره، لكن لانقول بجواز بيعه، للشك في الملكية المترتب عليها جواز البيع ونفوذه، (وفيه) ان مفاد اصالة الحل ليس حلية الاكل فقط، بل مقتضى اطلاق ادلتها جواز ترتيب جميع آثار الحلية على المشكوك فيه ظاهرا، ومن آثارها جواز البيع وصحته بل الظاهر ان مفاد اصالة الحل اعم من التكليفية والوضعية، فإذا شك في نفوذ بيع المشكوك فيه، يحكم بنفوذه باصالة الحل الوضعي. بل يمكن ان يقال ان جواز الاكل وساير الانتفاعات، كاشف عن ملكيته لدى الشارع ولو ظاهرا، كما ان النهى عن جميع التصرفات كاشف عن سقوطها لديه، أو يقال: ان ملكية الميتة المعلومة وما ليتها عقلائية، لابد في نفيهما من ردع الشارع، ولا دليل على الردع في مورد المشتبه، مع تجويز الشارع الانتفاعات بها، فمع ثبوت ماليته وملكيته وجواز التصرف فيه يصح بيعه باطلاق ادلة تنفيذه، فقوله بعد ذلك: بانه لا دليل على ترتيب جميع احكام عدم الحرمة الواقعية على الحلية الثابتة باصالة الحل في مشتبه الحكم، (جوابه) ان الدليل عليه اطلاق ادلة اصالة الحل، فان قوله: في صحيحة ابن سنان (1) كل شئ فيه حلال وحرام، فهو لك حلال ابدا، حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه: لا قصور فيه لاثبات جميع آثار الحلية الواقعية عليه، لان الحلية لما لم تكن واقعية: تحمل على الظاهرية، وبحسب ترتيب الآثار بلسان جعل الموضوع، واطلاقه يقتضى ترتيب جميع الآثار، واوضح منها موثقة مسعدة بن صدقة (2) لو قلنا: بانها من ادلة اصالة الحل، وان لا يخلو من مناقشة ذكرناها في محله. فتصحل مما ذكرناه، ان الحكم على صحة البيع لا يتوقف على احراز كونه مذكى بامارة معتبرة، أو احراز عدم كونه ميتة كذلك هذا، مضافا إلى امكان استصحاب كون المشتبه قابلا للنقل والانتقال، ومملو كايجوز فيه انحاء التصرفات فتكون تلك الاستصحابات حاكمة على استصحاب عدم الانتقال. وتوهم عدم بقاء الموضوع لعروض الموت على الحيوان قد فرغنا عن جوابه في محله، فمع عدم


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 4 - من ابواب ما يكتسب به

[ 60 ]

ثبوت المنع الشرعي يكون البيع عقلائيا، منسلكا تحت ادلة تنفيذه، فتحصل مما ذكر انه بعد قصور ادلة عدم جواز بيع الميتة الواقعية لاثبات الحكم في المشتبه، وبعد البناء على عدم جريان اصالة عدم التذكية، والبناء على جريان اصالة الحل، وساير الاصول الشرعية في احد الطرفين تخييرا: ان مقتضى الاصول صحة بيعه، وان قلنا: بان اصالة الحل لاتفى بذلك، بل الاستصحابات المذكورة مقدمة عليها. وقد يقال: انه يعتبر في صحة البيع الملكية، وكذا صحة الانتفاع بما هو ملك، وفى المقام ان باع المذكى الواقعي فقد اوقع البيع على ملكه، لكن صحة الانتفاع به مشكوك فيها، لاحتمال ان يكون مختاره غير مملوكه، وان اوقع البيع على المشتبه، يكون ملكيته له مشكوك فيها، فلا يمكن احراز الشرطين. (والجواب) انا نختار بيع احد المشتبهين، ونحرز الملكية بالاستصحاب كما تقدم لان المفروض جريان الاصول في احد الاطراف تخييرا. وقد يجاب عن الاشكال بعد اختيار بيع المذكى الواقعي، بان جواز الانتفاع بكل من المشتبهين تخييرا من آثار ملك المذكى الواقعي، الموجود يقينا في المشتبهين ومن منافعه، وهذا القدر كاف في تحقق الانتفاع المعتبر في صحة البيع فانه ليس من اكل المال بالباطل، (بعد تسليمهما للمشترى) وجواز انتفاعه باحدهما الذى هو نتيجة ملكية المذكى الواقعي المردد بينهما، (وفيه) ان جواز الانتفاع باحدهما المردد لا يعقل ان يكون من آثار ملكيته الواقعية لاحد الطرفين، فان اثر الملكية الواقعية جواز التصرف في خصوص الملك، لا في غيره، ولا في المردد بينه وبين غيره، مع ان الحلية التى من احكام الملك واقعا هي الحلية الواقعية لا الظاهرية ولا الاعم. والتحقيق ان ملكية المذكى الواقعي محققة لموضوع الاشتباه، كما ان الميتة الواقعية ايضا دخيلة في ذلك، وكذلك الاختلاط بينهما. واما الحلية الظاهرية فهى مجعولة على المشتبه بما هو كذلك، لا من آثار الواقع، ضرورة عدم امكان تعدى

[ 61 ]

الحكم والاثر من موضوعه إلى موضوع آخر. فلو قيل ان جواز الانتفاع الظاهرى كاف في صحه البيع، فالاولى حينئذ ان يختار صحة بيع احد الطرفين، لكن القائل المحقق استشكل في ذلك بانه يمكن ان يقال: ان المانع للبيع هو حرمة الانتفاع واقعا الذى هو غير معلوم الارتفاع، فراجع كلامه زيد في علو مقامه. هذا كله على المباني الغير المسلمة والتحقيق حسب اقتضاء العلم الاجمالي عدم جواز الانتفاع بواحد منهما، لا اكلا ولا بيعا من مسلم ولا من كافر، بناء على تكليفهم بالفروع، لكن هيهنا نكتة يجب التنبيه عليها، وهى ان العلم الاجمالي قد يتعلق بالحكم الفعلى والارادة الفعلية الجازمة، وفى مثله لا يمكن احتمال الترخيص لاحد الطرفين، فضلا عنهما، بل مع العلم بالارادة الفعلية للمولى لا يمكن احتمال صدور الترخيص منه في الشبهة البدوية ايضا، لعدم امكان احتمال وقوع التناقض في ارادته، فالعلم الاجمالي كذلك علة تامة لوجوب الموافقة وحرمة المخالفة ومع هذا العلم تطرح ادلة الاصول حتى في الشبهات البدوية. وقد يتعلق العلم بحجة شرعية لاجل اطلاق دليل أو عمومه لمورد المشتبه، كما في قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير، فان اطلاقه يقتضى حرمة الميتة واقعا، سواء كان الموضوع معلوما اولا، وفى مثله يمكن احتمال الترخيص في ارتكاب جميع اطراف المعلوم بالاجمال، فضلا عن بعضه، فمع ورود الترخيص يستكشف عن عدم فعلية ارادة المولى في المورد المشتبه، اما بتقييد الاطلاق أو بانحاء اخر من التصورات التى في الاصول وكيف كان إذا كان العلم الاجمالي من قبيل الثاني، كما في نوع الموارد، لا يجوز ترك ظاهر دليل معتمد دل على الترخيص في بعض الاطراف أو جميعها، لعدم حكم للعقل في مثله، وعدم كون الترخيص مخالفا للقواعد والعقول، ولعل الخلط بين المقامين صار موجبا لطرح بعض الروايات الصحيحة الدالة على الترخيص، في اطراف العلم الاجمالي. إذا عرفت ذلك فنقول: ان الكلام في المقام تارة في جواز الانتفاع باطراف المشتبه اكلا وغيره، فيظهر من الاردبيلى الميل إليه في مطلق المشتبهات، وتمسك

[ 62 ]

في المقام بصحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله عليه السلام: قال كل شئ فيه حلال و حرام، فهو لك حلال ابدا، حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه. وصحيحة ضريس الكناسى عن ابى جعفر عليه السلام (1) وهناك روايات اخر، ربما يأتي الكلام فيها مستقصى، في باب المال المختلط بالحرام انشاء الله، لكن الاقوى في المقام عدم جواز الانتفاع بهما، لا لطرح الادلة، بتوهم كونها خلاف العقل والقواعد، لما عرفت، بل لظهور صحيحتي الحلبي الآتيتين عرفا في عدم جواز اكلهما، أو اكل احد هما، وعدم جواز انتفاع آخر بهما الا بيعهما للمستحل، وان الطريق المنحصر في الاستفادة هو ذلك، وبهما يخصص كل ما دلت على تجويز ارتكاب اطراف الشبهة، لو سلمت دلالتها، وبهذا يظهر عدم جواز تعرف حالهما بالعرض على النار بالانبساط والانقباض، كما حكى عن الدروس الميل إليه، فان ذلك لو كان امارة مطلقا لكان على ابى عبد الله عليه السلام بيانه، لكشف الواقع وعدم ارتكاب خلاف القواعد، فلا يتعدى عن مورد رواية شعيب (2) في اللحم المطروحة، لو قلنا بجواز العمل بها في موردها. واخرى في صحة بيعهما ممن يستحل الميتة، ولا شبهة في انه كما يلزم من بيعهما جميعا رفع اليد عن ادلة حرمة بيع الميتة، وان ثمنها سحت، وعن دليل حرمة اقباض الميتة للاكل ممن تحرم عليه، فان الكفار ايضا مكلفون: كذلك يلزم من بيع المذكى الواقعي خلاف القواعد، سواء بين الواقعة للمشترى، واشترى هو ايضا المذكى اولا، فعلى الاول يلزم الجهالة والغرر في بعض الاحيان، كما لو كان احدهما مهزولا والاخر سمينا، واختلف قيمتهما، ان قلنا بانه غير مطلق الجهالة، و انها مفسدة كالغرر. وتسليط الكافر على الاكل والانتفاع المحرم عليه واستحلاله: لا يوجب حليته عليه، وعلى الثاني يلزم مضافا إلى ما ذكر، عدم مطابقة الايجاب للقبول، فانه ببيع المذكى بدرهم، والمشترى يقبلهما به، فلا مطاوعة بينهما، وليس


(1) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 65 - من ابواب الاطعمة المحرمة (2) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 37 من ابواب الاطعمة المحرمة - ضعيفة باسمعيل بن شعيب

[ 63 ]

هذا نظير بيع ما يملك وما لا يملك، حيث يقال فيه بانحلال والصحة فيما يملك، دون غيره. فان المطاوعة هناك حاصلة، والانحلال عقلائي أو تعبدي، ولا معنى للانحلال هيهنا، لعدم مقابلة مال بالميتة، لعدم ايجاب البيع بالنسبة إليها، بل لا يجوز له في هذه الصورة اخذ مقدار ثمن المذكي، لانه مأخوذ بالبيع الفاسد، فضلا عن جميعه، فالتلخص من بيع المجموع إلى بيع المذكى الواقعي، كما استحسنه المحقق، واختاره العلامة، فرار من المطر إلى الميزاب، لو كان نظرهما إلى الفرار عن بيع الميتة، لا الاستظهار، من صحيحتي الحلبي وعلى بن جعفر. ففى صحيحة الحلبي (1) قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: إذا اختلط الذكى والميتة: باعه ممن يستحل الميتة، واكل ثمنه، وفى صحيحته الاخرى (2) عنه عليه السلام انه سئل عن رجل كان له غنم وبقر، وكان يدرك الذكى منها فيعز له ويعزل الميتة ثم ان الميتة والذكى اختلطا كيف يصنع به، قال يبيعه ممن يستحل الميتة، ويأكل ثمنه، فانه لا بأس به، وعن على بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى عليه السلام (3) نحوها. وجه الاستظهار دعوى رجوع الضمير في قوله باعه أو يبيعه إلى المذكى، ثم ان اراد البايع وقوع البيع على المذكى، لابد من اخبار المشترى للواقعة، حتى يقع البيع صحيحا، فيستفاد منها بنحو من اللزوم لزوم اخبار الطرف بالواقعة قبل ايقاع البيع عليه، وان يظهر من المحقق والعلامة (ولو من اطلاق كلامهما) عدم لزوم الاخبار، (وفى الاستظهار نظر) لان المتفاهم العرفي منها ان الضمير راجع إلى المختلط، وان السؤال في الثانية عن حال المال المختلط الخارجي، وقوله: ما يصنع به أي ما يصنع بهذا الموجود المختلط، وقوله يبيعه أي يبيع ذلك المختلط، لا خصوص المذكى، والحمل على بيع خصوص المذكى وتسليم المجموع من باب المقدمة: بعيد عن الاذهان العرفية. والشاهد على ان المراد بيع المجموع، قوله: يبيعه ممن يستحل الميتة


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 7 - من ابواب ما يكتسب به

[ 64 ]

ويأكل ثمنه، فان الظاهر منه ان الاستحلال موجب لجواز بيع الميتة واكل ثمنها، وليس النظر إلى مقام التسليم، فقوله: يأكل ثمنه اشارة ظاهرة إلى ما هو مروى عن النبي صلى الله عليه وآله والوصى عليه السلام بان ثمن الميتة سحت، فكأنه قال إذا اشتبه الميتة والمذكى يحل ثمن الميتة، وليس بسحت في هذه الصورة، فالاقوى جواز بيعهما بل تعينه، وعدم جواز بيع المذكى الواقعي، لما عرفت من مخالفته للقواعد، واللازم الاقتصار على ظاهر الروايات فيبيعهما، كما هو ظاهر الشيخ وابن حمزة، والاحتمال المتقدم بعيد عن كلامهما جدا، وهو ظاهر الاردبيلى مشفو عابد عوى الشهرة عليه، قال بعد استبعاد حمل الخبرين على بيع الواقع المذكى: (أو تخصيص عدم الانتفاع بالميتة، وعدم جواز اكل ثمنه الا في هذه الصورة، وكذا تسليط الكافر على اكل الميتة للنص والشهرة، ومن لم يعمل بالخبر الواحد مثل ابن ادريس يطرحهما، ولم يجوز بيعه (انتهى) والظاهر منه اختيار هذا الوجه، وهو الاقوى. واما حملهما على جواز استنقاذ مال المستحل للميتة بذلك برضاه، وعدم البيع الحقيقي، كما عن العلامة واستجوده الاردبيلى، فيه ما لا يخفى من البعد. وابعد منه ما احتمله شيخنا الانصاري (1) من حملهما على صورة قصد البايع المسلم اجزائها التى لاتحلها الحيوة: من الصوف والوبر ونحوهما، قال وتخصيص المشترى بالمستحل، لان الداعي له على الاشتراء اللحم ايضا، ولا يوجب ذلك فساد البيع، ما لم يقع العقد عليه (انتهى) وانت خبيربان طرحهما خير من هذا الحمل المقطوع الخلاف، مع ورود بعض الاشكالات المتقدمة عليه، على فرض قصد البايع الاجزاء دون المشترى، كما هو ظاهر كلامه. ثم ان الميتة من غير ذى النفس السائلة تجوز المعاوضة عليها وعلى اجزائها القابلة للانتفاع العقلائي، لقصور الادلة عن اثبات منعها، واختصاصها أو انصرافها إلى غيرها.


(1) راجع المكاسب - في عدم جواز بيع الميتة منضمة إلى المذكى

[ 65 ]

ومنها الكلب البرى: وهو على اقسام، منها الكلب السلوقى الذى يستعمل في الصيد غالبا، وهو من احسن الكلاب، واخفها، ويقال بالفارسية (تازى) ولعل التسمية به لاجل كونه من بلاد العرب، كما في القاموس وغيره: ان السلوق كعبور قرية باليمن تنسب إليها تلك الكلاب، ومنها غير السلوقى، وهو اما ينتفع به انتفاعا عقلائيا للتصيد، أو لحراسة الماشية أو الحائط: أي البستان أو الزرع أو الدور و نحوها، أو لمنافع اخر كما يستعمل بعض الانواع منه في كشف الجرائم والتفتيشات، وقد يتخذ لصرف اللعب والتفريح والانس به، كما هو المتعارف عند اقوام، أو لا ينتفع به اما لصيرورته عقورا هراشا، أو مجنونا خارجا عن طاعة البشر بعروض داء الكلب عليه، وهو داء يشبه الجنون، يعرض الكلاب فتعض الناس، فيسرى إليه فيكلب ايضا، واما لذهاب ملكة التكالب عنه، أو صيرورتها ضعيفة فيه، كالكلاب المهملة التي تعيش في الازقة والشوارع، وهى غير صالحة للتصيد، وغير قابلة نوعا للتربية لساير المنافع. لا اشكال في جواز المعاوضة على القسم الاول، إذا كان صيودا، وهو المتيقن من الاخبار، وكلمات الاصحاب ومعا قد الاجماعات كما لا اشكال في عدم الجواز في الاخيرا ما لا ينتفع به، وهو المتيقن من الاخبار ومعا قد الاجماعات علي عدم الجواز انما الكلام في ساير الاقسام، والاولى صرف الكلام إلى اخبار الباب وهى على طائفتين: الاولى ما لم يذكر فيها قيد الصيد والاصطياد ونحوهما مما يمكن دعوى الاطلاق فيها كموثقة السكوني (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغى والرشوة في الحكم واجر الكاهن ورواية حماد بن عمرو (2) وانس بن محمد (3) عن ابيه جميعا عن جعفر بن محمد عليه السلام عن آبائه (ع) في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام قال يا على من


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 5 - من ابواب ما يكتسب به. (2) و (3) الوسائل كتاب التجارة - الباب 5 - من ابواب ما يكتسب به الاولى ضعيفة بحماد بن عمرو والثانية ضعيفة بانس بن محمد

[ 66 ]

السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب وثمن الخمر (الخ) ويمكن انكار الاطلاق فيهما، وما يشبه بهما مما هي في مقام عد جملة من السحت، أو من المنهى عنه، بان يقال: انها ليست بصدد بيان حكم كل عنوان، حتى يؤخذ باطلاقها، بل بصدد بيان عدما هو سحت، نظير ان يقال: ان في الشرع محرمات: الكذب، والغيبة، والتهمة، و الربا، إلى غير ذلك، أو في الشرع واجبات: الصلوة، والزكوة، والحج الخ أو قوله: (1) بنى الاسلام على خمس: الصلوة والزكوة (الخ). فانه لا يصح الاخذ بالاطلاق فيها، فيقال ان الكذب مطلقا حرام، ولا باطلاق وجوب الصلوة لرفع ما شك في جزئيته أو شرطيته فيها. والمقام من هذا القبيل، فان قوله: من السحت كذا وكذا في مقام عد اقسام السحت اجمالا لا بيان حكم الكلب والميتة، فالاخذ بالاطلاق في نحوه مشكل. وكحسنة الحسن بن على الوشا (2) قال سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام عن شراء المغنية قال: قد تكون للرجل الجارية تلهيه، وما ثمنها الا ثمن كلب، وثمن الكلب سحت، والسحت في النار، وقد اوردها في الوسائل، في باب تحريم بيع الكلاب ايضا، مع تقطيع، و توصيف الحسن بن على بالقاسانى، وهو من اشتباه النسخة، أو قلمه الشريف، والصحيح الوشا، لعدم رواية لغير الوشا في المقام في الكافي الشريف، و عدم ذكر من الحسن بن على القاسانى في الرجال، فهى عين الرواية المتقدمة، كما ان ما عن العياشي (3) في ذلك الباب عينها، وتمامها ما نقلناه، وكيف كان يمكن انكار الاطلاق فيها ايضا، بدعوى انها بصدد بيان حكم شراء المغنية وثمنها، لا شراء الكلب وثمنه، بل الظاهر كون ثمن الكلب مفروض الحكم وقد شبه ثمن المغنية به فلم تكن بسبب بيان حكم الكلب فلا اطلاق فيها (تأمل) ومن هذا القبيل، صحيحة ابراهيم بن ابى البلاد (4) قال: قلت لابي الحسن


(1) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 1 - من ابواب مقدمة العبادات (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 - من ابواب ما يكتسب به حسنة بحسن بن على الوشا. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 14 - من ابواب ما يكتسب به (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 من ابواب ما يكتسب به

[ 67 ]

الاول عليه السلام جعلت فداك، ان رجلا من مواليك عنده جوار مغنيات، قيمتهن اربعة عشر الف دينار، وقد جعل لك ثلثها، فقال: لا حاجة لى فيها ان ثمن الكلب و المغنية سحت. فان الظاهر ان ذكر الكلب مع عدم كونه مورد الكلام، لذكر التسوية بينهما، وكانه عليه السلام بصدد بيان نحو تحقير عن ثمن المغنيات وشرائها، بان ثمنها وثمن الكلب سواء، لا بصدد بيان حكم الكلب، من غير سبق سؤال وبمجرد الاقتراح، بقيت رواية جراح المدائني (1) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام، من اكل السحت ثمن الخمر، ونهى عن ثمن الكلب، وهى مع ضعفها، ووهن متنها لفظا، بحيث ربما لا يليق ذلك التركيب للفصيح، لا تصلح لاثبات حكم، لو سلم اطلاقها. والطائفة الثانية ما ذكر فيها ذلك، كموثقة محمد بن مسلم (2) وعبد الرحمن بن ابى عبد الله (التى هي كالصحيح) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: ثمن الكلب الذى لا يصيد سحت، ثم قال: ولا بأس بثمن الهر، ورواية ابى عبد الله العامري (3) قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن ثمن الكلب الذى لا يصيد، فقال: سحت، واما الصيود فلا بأس، ولا يبعد ان يكون الوليد العماري الراوى لذلك المتن بعينه عن ابى عبد الله عليه السلام (كما في الوسائل) هو الوليد العامري، واشتبه في النسخة، ومن المحتمل انه أبو عبد الله العامري، والروايتان واحدة، ورواية أبى بصير (4) عن ابى عبد الله عليه السلام في حديث ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ثمن الخمر، ومهر البغى، و ثمن الكلب الذى لا يصطاد، من السحت، وفى هذه الروايات (بعد وضوح عدم كون


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 14 - من ابواب ما يكتسب به الاولى ضعيفة بجراح وغيره (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 14 - من ابواب ما يكتسب به ضعيفة بقاسم بن وليد العماري وغيره (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 14 - من ابواب ما يكتسب به ضعيفة بقاسم بن محمد الجوهرى.

[ 68 ]

المراد من قوله: لا يصيد، ولا يصطاد، والصيود، هو عدم الاشتغال الخارجي فعلا، أو الاشتغال كذلك) وجوه من الاحتمال. احدها ان يكون قوله: الذى لا يصيد اشارة إلى اقسام ما عدا الكلب السلوقى، وقوله: والصيود، أو كلب الصيد، (كما في بعض الروايات) اشارة إلى السلوقى، بمعنى ان ذكر الموصول وصلته، لمحض معرفية موضوع الحكم، من غير دخالة للوصف فيه فيكون ذات السلوقى موضوعا لعدم الحرمة، سواء كان صيودا أو لا، وغيره موضوعا للحرمة، صيودا كان أو لا، لكن هذا الاحتمال بعيد عن ظواهر الاخبار، لان التوصيف والتقييد ظاهر ان في الموضوعية، أو الدخالة، سيما مثل قوله: واما الصيود. ثانيها ان يكون العنوان دخيلا، لكن يكون المراد من الصيود، والذى يصيد هو الكلب المعلم، كان سلوقيا أو لا، ومن الذى لا يصيد اولا يصطاد غير المعلم، بدعوى انصراف الاخبار اليهما، وفيها منع الانصراف، سيما مثل قوله: لا يصيد، و لا يصطاد، فان الظاهر منهما سلب الوصف، لا سلب القيد مع ثبوت اصل الوصف، فحينئذ يكون الصيود الذى في مقابله، هو ما ثبت له الوصف، ويتلوه في الضعف احتمال الانصراف إلى السلوقى المعلم، (نعم) لا يبعد انصراف قوله: كلب الصيد إلى المعلم، بل إلى السلوقى منه، ويأتى الكلام فيه. ثالثها ان يكون المراد من الصيود ما يتخذ للصيد، وفى مقابله ما لا يتخذ له وهو بعيد ايضا، لان الظاهر من العناوين ما هي ثابتة للكلاب، من غير دخالة اتخاذها لها، أو عدمه. رابعها ان يكون المراد ما ثبت له نفس العناوين، من غير دخالة للتعيين و عدمه، ولا للاتخاذ وعدمه، فما ثبت له انه الذى لا يصيد، يكون ثمنه سحتا، وما يصطاد. أو كان صيودا، ثمنه محلل. ثم الوصف يحتمل ان يكون بمعنى الشغل الفعلى، فيكون المراد من الذى لا يصيد، ما لا يكون شغله الفعلى الاصطياد، حتى لا يشمل كلب الصيد الذى جعل صاحبه شغله الحراسة مثلا، ومقابله ما يكون شغله ذلك، فينطبق غالبا على الاحتمال الثالث. ويحتمل ان يكون بمعنى زوال

[ 69 ]

ملكة الصيد عنه، وثبوتها له، فيكون معنى قوله: الذى لا يصيد، الذى سلب عنه وصف كونه صيودا وصائدا، وزالت ملكته، وفى مقابله ما ثبت له الوصف والملكة. ولا يبعد ان يكون الاقرب بين الاحتمالين الاخيرين هذا الاحتمال، بعد اظهريتهما من سائرها ويشهد لما قلنا من ان الموضوع في هذا الباب نفس العنوان، من غير دخالة للتعليم فيه، بعد اطلاق الادلة: ان الاخبار الواردة في حكم الصيد وجواز اكله (في ابواب الصيد والذبائح) (1) مشحونة بذكر الكلب المعلم، و كثر فيها التقييد بذلك العنوان، واما في المقام فلم يرد خبر مشعر بكون الكلب المذكور هو المعلم، وذلك لان الموضوع للحكم هناك هو الكلب المعلم، بخلافه هيهنا فتحصل مما ذكر، ان الاظهر في قوله: الكلب الذى لا يصيد، أو لا يصطاد، هو ما سلب عنه هذا الوصف، وهذه الملكة. وانما قلنا هذا الاحتمال اقرب من سابقه، لان الكلب الذى له ملكه الاصطياد بحيث لو استعمل في الصيد يصطاد، يصدق عليه انه صيود، ولا يصح سلب العنوان عنه، وليس المراد من لا يصيد، عدم العمل الخارجي، مقابل العمل كذلك، ولهذا قابله بالصيود، فالمراد منه ما ليس بصيود، والكلب الذى لو ترك يصيد، لا يقال انه لا يصيد، اوليس بصيود، بمجرد منع صاحبه عنه، ولهذا لاريب في ان الكلب المعلم صيود وصائد، ويصدق عليه انه يصيد ويصطاد، ولو لم يستعمله صاحبه في الصيد، ومنعه عنه. ثم بعد ما علم من قوة هذا الاحتمال، يقال: ان الصيود والصائد، وسائر المشتقات منه عناوين وصفية، صادقة على مطلق الاصطياد، كان الصيد من قبيل الغزال أو غيره من الحيوانات الممتنعة الوحشية من غير اعتبار قيد الحلية فيها، بحسب اللغة والعرف جزما، فإذا كان الكلب يصيد الذئب، أو ابن آوى، أو الثعلب، يصدق عليه انه صيود، وصائد عرفا ولغة، فالكلب الصيود ما كان يصيد الحيوان الممتنع، من غير دخالة خصوصية حيوان فيه.


(1) الوسائل - كتاب الصيد والذبايح - الباب 1، 3، 4، 5، 7، 10، 15 من ابواب الصيد

[ 70 ]

فيمكن ان يقال: ان مطلق الكلاب عدى الكلاب المهملة التى في الازقة والاسواق، مما زالت عنها ملكة الاصطياد والتكالب: داخل في عنوان الكلب الذى يصطاد والصيود، ولا يصح ان يقال: انها لا يصطاد أو ليست بصيود، وان كانت الماشية والحراسة ونحوهما، والكلب ما لم تكز له ملكة الاصطياد لا يتخذ للماشية وحفظ الاغنام ونحوهما، فالكلاب على صنفين (احدهما) ما زالت عنها صفة التصيد وهى التى صارت مهملة، ولم يكن لها التكالب، وهى الكلاب الدائرة في الازقة مهملة، أو العائشة على صدر صاحبها العياش الملاعب بها، والمؤانس معها على تأمل في الثانية، (وثانيهما) ما بقيت على صفتها وسلكتها السبعية، وهى صيود وسبع بطبعها، وصادق عليها انها تصبدو تصطاد، سواء اتخذت للاصطياد، أو لحفظ الاغنام، أو لحراسة البلد، أو القرية أو المزارع ونحوها، فالميزان في جواز البيع هو صدق الوصف عليها لا استعمالها في الصيد أو اشتغالها به، والظاهر صدق العناوين على جميع الانواع، فكلاب الاغنام والمواشى صيود، تصيد الذئب والغزال وغيرهما ولو فرض بعيد اسلب صفة الاصطياد، عن بعض ما يتخذ للحراسة يمكن الحكم بصحة معاملته، بعدم القول بالفصل، بل وبالاستصحاب (تأمل). ان قلت: لو فرض صدق العناوين لغة وعرفا لكن الاخبار منصرفة إلى الكلاب المستعملة للتصيد قلت: نمنع انصراف ذلك الوصف العنوانى سيما مع مقابلة الصيود للذى لا يصيد، فان الثاني اعم من الكلاب المتخذة للصيد، وزالت عنها صفتها وليس منحصرا بقسم منها، وكذا الاول مع ان الميزان الانصراف في زمان الصدور ولم يتضح الانصراف فيه (تأمل). نعم كلب الصيد عبارة عن الكلب الذى اتخذ له، ويكون شغله ذلك، إذ هو منصرف إليه أو منصرف إلى خصوص السلوقى منه، بخلاف الذى يصيد. وان شئت قلت: ان العناوين والمشتقات مختلفة، في افادة المعنى عرفا، الا ترى ان الماء الجارى لا يصدق عرفا الا على ما يكون جريانه عن منبع تحت ارض ونحوه، ولا يصدق على الماء الذى جرى من كوز وجرة ونحوهما مع صدق جرى الماء

[ 71 ]

وبجرى منه وهكذا في كثير من المشتقات، وفى المقام فرق بين عنوان كلب الصيد الذى لا يصدق علي كلب الماشية والزرع ونحوهما، لان شغل الحراسة غير شغل الصيد وبين كلب الذى يصيد والذى لا يصيد، فان صدق عنوان الذى لا يصيد يتوقف عرفا على عدم اقتدار الكلب على الاصطياد، أو على عدم اقتضائه فيه، والكلب الذى لو أغرى على الصيد يصيده، لا يقال انه لا يصيد أو هو الذى لا يصطاد بمجرد عدم استعمال صاحبه لو أو عدم اغرائه، سيما مع كون القضية موجبة سالبة المحمول، وفي مثلها يكون صدق ثبوت الصفة السلبية متوقفا على سلب الملكة بنظر العرف. ثم ان بين عنوان كلب الصيد وبين عنوان الكلب الذى لا يصيد، وكذا عنوان الكلب الذى يصيد، عموما من وجه، ان كان المراد بكلب الصيد هو الكلب السلوقى أي هذا الصنف، وان كان المراد السلوقى المتخذ للصيد، يكون بين العنوان المقابل له، أي غير السلوقى المتخذ له، مع عنوان الكلب الذى يصيد، المفهوم من الروايات، أو الكلب الصيود بالمعنى المتقدم، عموم من وجه ايضا وان كان المراد به مطلق كلب الصيد، أي الذى شغله ذلك، سلوقيا كان أو لا يكون بين المفهوم المقابل له أي الكلب الآخر الذى لا يكون شغله ذلك وهو الكلب الذى ليس بكلب الصيد، وبين الكلب الذى يصيد عموم من وجه ايضا فان قلنا: بعدم جريان العلاج في التعارض بالعموم من وجه وانهما متساقطان في جميع المفاد يكون المرجع عمومات حل البيع والتجارة عن تراض، وان قلنا: بجريانه فيه، وان المرجح للرواية بجميع مفادها كان الترجيح مع اخبار جواز البيع وحلية اكل الثمن لكونها موافقة للكتاب لو لم نقل بموافقتها للشهرة ايضا وان قلنا: بان التساقط و الترجيح منحصران بمورد الاجتماع يحل في مورد التعارض اكل الثمن ويجوز البيع اما لمرجعية العمومات أو مرجحيتها وتلحق ساير الموارد به بعدم القول بالفصل فتصير النتيجة على جميع الصور والتقادير جواز بيع جميع الكلاب النافعة، و ينحصر البطلان بغيرها. وتوهم لزوم تخصيص الاكثر المستهجن في ادلة المنع: فاسد، لاكثرية الداخل

[ 72 ]

فيها من الخارج، واغلبية الكلاب المهملة التى لاتصيد ولا تنفع عن غيرها وتؤيد ما ذكرناه الروايات العامة المتقدمة: أي رواية تحف العقول (1) ودعائم الاسلام (2) وفيه الرضا عليه السلام (3) بل ومفهوم النبوى صلى الله عليه وآله: ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه (4) فان بينها وبين روايات الباب وان كان عموما من وجه، لكن مفاد تلك الروايات أو بعضها حاكم على روايات الباب نحو حكومة. وما قد يقال: ان هذه الروايات تكون افرادها قليلة جدا، بالنسبة إلى مثل رواية التحف، وهى توجب تقديمها عليها للاظهرية (ليس بوجيه) لان قلة الافراد وكثرتها لا دخل لهما بمقام الظهور والدلالة، فان مقام انطباق العناوين على الافراد غير مقام الظهور والدلالة، نعم لو بلغ الاخراج الكثير إلى حد الاستهجان، فهو امر آخر، غير مقام الظهور كما لا يخفى. هذا، مضافا إلى ما عرفت: من حكومتها عليها، فلا ينظر إلى اقلية الافراد الا إذا استلزم التحكيم للاستهجان. ويؤيده ايضا اشتهار الحكم بين الاصحاب، من لدن زمن شيخ الطائفة بل قبله إلى الاعصار المتأخرة، والمفتى بالخلاف قليل، ربما يقال منحصر بالمفيد و ابن سعيد، والا فالمفتي بالخلاف في كتاب، رجع عنه في باب آخر، أو كتاب آخر، أو تردد فيه، بل ظاهر التذكرة (في كتاب الاجارة) (5) ان جواز بيع الكلاب التى لها منفعة محللة، مثل كلب الصيد، والماشية، والزرع، والحائط اجماعي، ويمكن استظهار الاجماع عليه من عبارة الغنية المتقدمة في بعض المسائل الماصية بل يمكن استظهاره من اجارة الخلاف (6) قال: يصح اجارة كلب الصيد للصيد، وحفظ الماشية، والزرع، إلى ان قال، دليلنا ان الاصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل، ولا بيع هذه الكلاب يجوز عندنا، وما يصح بيعه يصح اجارته بلا خلاف.


(1) و (2) و (3) و (4) راجع ص 6 - 7 - 13 - (5) راجع الركن الرابع - مسألة 5 - (6) مسألة 43

[ 73 ]

فان الظاهر من قوله: هذه الكلاب، كلاب الصيد والماشية والزرع، لا كلب الصيد فقط، والا لقال هذا الكلب، وقوله: كلب الصيد للصيد الخ مشعر بما اسلفناه من ان الكلب الذى يحفظ الماشية وغيرها، من الكلاب الذى يصيد، إذ ليس مراده ولو بقرينة الذيل استثناء كلب الصيد فقط، وان جعل للحفظ. هذا، مع ان بناء المسلمين ظاهرا على بيع هذه الكلاب النافعة، والظاهر ان هذا البناء والعمل متصل إلى الاعصار المتقدمة، حتى عصر النبي صلى الله عليه وآله وقبله، لانها اموال عقلائية لها منافع عقلائية. سيما في محيط الحجاز محيط تربية الاغنام والاجمال، وما كان كذلك لابد من مقابلته بالمال في الاعصار والامصار، الا ان يمنع مانع منه، مضافا إلى ما قالوا: من ترتيب آثار الملكية والمالية على تلك الكلاب: من اجارتها و هبتها ووقفها والوصية بها وجعلها مهرا للنكاح وعوضا للخلع وغرامة قيمتها و ان قدرها الشارع، والتقدير لا يدل على عدم الملكية والمالية، لانه يكون في كلب الصيد ايضا. ودعوى اشتهار عدم الجواز بين المتقدمين، في غير محلها، فان مجرد ايراد المحدثين كالكليني وغيره تلك الاخبار في كتبهم، لا يدل على ان فتويهم على المنع في غير كلب الصيد، سيما مع ما تقدم من الاستظهار عن مثل صحيحة ابن مسلم. وتخيل دعوى شيخ الطائفة الاجماع على عدم الجواز في الكلاب غير الكلب المعلم، وهى تدل لااقل على اشتهار الحكم في تلك الاعصار، (وهم). فانه قال في الخلاف مسألة 302 (1): يجوز بيع كلاب الصيد، ويجب على قاتلها قيمتها، إذا كانت معلمة، ولايجوز بيع غير الكلب المعلم على حال، وقال أبو حنيفة ومالك يجوز بيع الكلاب مطلقا، الا انه مكروه، (إلى ان قال) وقال الشافعي لا يجوز بيع الكلاب معلمة كانت أو غير معلمة، ولا يجب على قاتلها القيمة، دليلنا اجماع الفرقة، فانهم لا يختلفون فيه، ويدل على ذلك ايضا قوله تعالى: واحل الله البيع وقوله: الا ان تكون تجارة عن تراض، ولم يفصل، وروى جابر: ان النبي صلى الله عليه وآله


(1) كتاب البيوع

[ 74 ]

نهى عن ثمن الكلب والسنور، الاكلب الصيد، وهذا نص. (انتهى) وهو كما ترى ادعى الاجماع على جواز بيع الكلاب المعلمة، ولهذا قال: ويدل عليه ايضا (أي مضافا إلى الاجماع) قوله تعالى، وتمسك بدليل النفوذ، بل يمكن استظهار عدم اجماعية حكم ساير الكلاب من كلامه، بان يقال: لو كان الحكمان اجماعيين لاشار اليهما، ولم يدع في خصوص كلب الصيد، وتشهد بعدم اجماعيته بل اجماعية خلافه عبارته المتقدمة عن اجارة الخلاف فيمكن دعوى اشتهار الجواز بين المتقدمين والمتاخرين، فسقطت الروايات الدالة على عدم الجواز (لو سلمت دلالتها) عن الحجية رأسا. ومنها الخنزير البرى. لاشبهة في حرمة بيعه، بمعنى عدم صحته، وحرمة ثمنه، بمعنى كونه من المأخوذ بالبيع الفاسد، إذا بيع للانتفاع المحرم، وهو المتيقن من الاجماع، وما دلت على صحته وجواز اخذ ثمنه عوض الدين، كصحيحة محمد بن مسلم (1) عن ابى جعفر عليه السلام في رجل كان له على رجل دراهم، فباع خمرا وخنازير، وهو ينظر فقضاه فقال: لا بأس اما للمقتضى فحلال، واما للبايع فحرام. وصحيحة زرارة عن ابى عبد الله عليه السلام: في الرجل يكون لى عليه الدراهم، فيبيع خمرا أو خنزيرا، ثم يقضى منها قال: لا بأس أو قال: خذها ونحوهما غيرهما. محمولة على كون المتبايعين ذميين، أو مطروحة سيما مع اشتمالها على بيع الخمر، مع ان بطلانه و حرمة ثمنها ضروريان. واما الحمل على المنفعة المحللة، كالتخليل في الخمر و كالانتفاع بالخنزير في تربية الدواب، فكما ترى. وهل يجوز الانتفاع به في مثل ما اشرنا إليه، اعني تربية الدواب، فان المسموع بل لعله المعروف بين اهله، ان انس الخنزير بالخيل موجب لسمنها أو كمالها، وكذا البيع لذلك. مقتضى القواعد جوازهما، لكن عن المبسوط (2) الحيوان الذى هو نجس العين


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 60 - من ابواب ما يكتسب به (2) كتاب البيوع فيما يصح بيعه وما لا يصح

[ 75 ]

كالكلب والخنزير، وما توالد منهما، وجميع المسوخ، وما توالد من ذلك، أو من احدهما فلا يجوز بيعه ولا اجارته، ولا الانتفاع به، ولا اقتنائه بحال اجماعا، الا الكلب ثم قال: واما الطاهر غير مأكول اللحم (الخ) وهذه الدعوى منه مبنية ظاهرا على نجاسة المسوخ، والظاهر انها ليست مستقلة، قبال دعوى عدم جواز بيع الاعيان النجسة والانتفاع بها، ولست على عنوان الكلب والخنزير مستقلة، ولا على الحيوان كذلك وقد مر الكلام في كلام الاعلام سابقا، بان مسألة عدم جواز الانتفاع بالنجاسات مطلقا حتى فيما لا يلزم منه محذور وكذا بيعها: عدى ما استثنى منها، ليست اجماعية بل مسألة اجتهادية محل خلاف بين الاصحاب، والمتيقن من الاجماع (لو كانت المسألة من المسائل الاجماعية) هو حرمة بعض الانتفاعات كالاكل والشرب والبيع لهما، أو لما يلزم منه محذور. واما الانتفاعات الاخر، كالانتفاع المتقدم من الخنزير، أو تخليل الخمر ونحو ذلك فلم يثبت اجماعية حرمتها، سيما في مثل هذه المسألة الاجتهادية وسيما مع مخالفة ابن ادريس ومن تأخر عنه، على ما حكى في بعض اقسام المسوخ فالاشبه كانه جواز هذا الانتفاع به، للاصل وعدم دليل معتمد على خلافه: فان دعوى الاجماع قد عرفت حالها ومرسلة ابن ابى نجران (1) عن بعض اصحابنا عن الرضا عليه السلام قال: سئلته عن نصراني اسلم، وعنده خمر وخنازير، وعليه دين، هل يبيع خمره وخنازيره، فيقضى دينه قال: لا. ورواية يونس (2) في مجوسي باع خمرا أو خنازير إلى اجل مسمى، ثم اسلم قبل ان يحل المال قال: له دراهمه وقال: اسلم رجل وله خمرا أو خنازير ثم مات وهى في ملكه وعليه دين، قال: يبيع ديانه، أو ولى له غير مسلم خمره وخنازيره، فيقضى دينه، وليس له ان يبيعه وهو حى، ولا يمسكه. وهما مع ضعف الاولى بالارسال، والظاهر ان المراد ببعض الاصحاب فيها هو محمد بن مسكان عن معوية بن سعيد، وهما ضعيفان. والتأمل في الثانية باسمعيل بن مرار، و


(1) و (2) راجع ص 15 -

[ 76 ]

عدم انتساب الحكم فيها إلى المعصوم (ولعله فتوى يونس، وان كان بعيدا) واشتمالها على مالكية المسلم الخمر والخنازير للمنفعة الرائجة المحرمة منصرفتان إلى بيعهما للمنفعة المحرمة الرائجة فيهما، فان غيرها منفعة مغفول عنها نادرة جدا لكن مع ذلك الاحوط عدم الانتفاع به، وترك بيعه، لدعوى الاجماع المتقدمة ودعواه في الخلاف ايضا على عدم جواز بيعه وعدم العثور على فتوى احد بجوازه، أو جواز الانتفاع به وان امكن ان يقال: ان عدم التعرض لهذه المنفعة النادرة المغفول عنها غالبا لا يدل على عدم الجواز عندهم. نعم الاقوى في اجزائه بل اجزاء الكلب ايضا (نحو جلدهما وشعرهما) جواز الانتفاع بل جواز البيع للانتفاع المحلل للاصل وعموم حلية البيع والوفاء بالعقود، وجملة من الروايات الواردة في الخنزير مما يمكن الغاء الخصوصية، و اسراء الحكم إلى اخيه، ضرورة ان المانع لو كان هو النجاسة العينية، أو هي مع كونه ميتة، كرواية زرارة (1) (ولا يبعد ان تكون صحيحة، وان يكون سيف بن التمار هو سيف بن سليمان التمار الثقة) عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلت له ان رجلا من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير، قال: إذا فرغ فليغسل يده ورواية برد الاسكاف (2) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام انى رجل خراز ولا يستقيم عملنا الا بشعر الخنزير نخرز به قال: خذ منه وبره، فاجعلها في فخارة، ثم أو قد تحتها، حتى يذهب دسمها، ثم اعمل به، وقريب منهما روايتان اخريتان منه (3) ورواية عن سليمان الاسكاف (4) والظاهر منها (مضافا إلى جواز العمل) جواز البيع ايضا، ضرورة ان العامل للحمائل وكذا الخراز، انما يعملان للتجارة، ومعلوم ان صنعتهما ذلك، فصحة التجارة وجوازها مستفادة منها.


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 58 - من ابواب ما يكتسب به الثانية والثالثة ضعيفتان ببرد الاسكاف (4) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 13 - من ابواب النجاسات ضعيفة بسليمان الاسكاف

[ 77 ]

نعم روايات برد وسليمان الاسكاف ضعاف والعجب ان المحقق الاردبيلى (مع كثرة مناقشته في اسناد الروايات) بنى على عدم ضعفها مع ان مجرد نقل ابن ابى عمير كتابا لا يدل على صحته وكصحيحة زرارة (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سئلته عن الحبل يكون من شعر الخنزير، يستقى به الماء من البئر، هل يتوضأ من ذلك الماء، فقال: لا بأس به وهى وان كانت بصدد بيان التوضى من الماء، و الظاهر ان شبهته من جهة تنجس الماء أو احتماله لذلك، لكن نفى البأس عن الوضوء (مع انه نحو انتفاع بالحبل. سيما ان مقتضى اطلاقها جوازه لو كان المتوضى هو الذى يستقى الماء به) دليل على عدم حرمة الانتفاع به. وتوهم ان الوضوء ليس انتقاعا بالحبل، بل انتفاع بالماء، والانتفاع بالحبل انما هو اخراج الماء به، لا الوضوء من الماء الخارج (فاسد)، ضرورة ان الانتفاع بالحبل هو رفع نحو حاجة به، وشد الحبل بالدلو، والقائه في البئر، واخراج الماء منه، مقدمات الانتفاع، وانما الانتفاع هو شرب الماء والتوضى به ونحوهما، ففرق بين حرمة التصرف في الشئ، وحرمة الانتفاع به، فلو حرم الانتفاع بشجر مثلا لا يجوز الاستظلال به والتوقف تحت ظله توقيا عن الحر والمطر مع انه ليس تصرفا فيه، فلو حرم الانتفاع بالوادي لا يجوز شرب مائه، ولو بعد اخذه في قربة ولايجوز سقى الزرع والاشجار بمائه، ولو بعد جريانه في الانهار والسواقى، لصدق الانتفاع به وفى المقام لو اخرج الماء بالحبل من البئر، واهريق قهرا، لا يصدق انه انتفع بالبئر، ولا بالدلو والحبل، بخلاف ما لو استعمله في الحوائج. وقريب منها موثقته (2) عن ابى عبد الله عليه السلام وكروايته الاخرى (3) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء، قال: لا بأس. وفى الفقيه (4) وسئل الصادق عليه السلام عن جلد الخنزير، ثم ساق الحديث


(1) الوسائل - كتاب الطهارة الباب 14 - من ابواب الماء المطلق (2) و (3) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 14 - من ابواب الماء المطلق (4) كتاب الطهارة - باب المياه - رواية 16

[ 78 ]

نحوها وهى من المرسلات التى نسب الحكم جز ما إلى المعصوم عليه السلام، ولا تقصر عن مرسلات ابن ابى عمير، ولو كانت هي عين خبر زرارة لكان قوله ذلك دليلا على جزمه بصدور الرواية من القرائن، لو لم يكن توثيقا للنهدى الواقع في رجال الحديث، وتوهم ان جزمه باجتهاده لا يفيد لنا، ولعل القرائن التى عنده لا تفيدنا الجزم، في غير محله، لان الظاهر من مسلكه انه لم يكن اهل الاجتهادات المتعارفة عند الاصوليين، سيما المتأخرين منهم، فالقرائن التى عنده لا محالة تكون قرائن ظاهرة توجب الاطمينان لنا ايضا، وكيف كان، رد تلك المرسلات جرئة على المولى. ثم ان دلالتها على جواز الانتفاع به ظاهرة، وتوهم ان نظر السائل انما هو حيث انفعال الماء (وسوسة). والظاهر عدم الفرق بين الجلد والشعر، واطلاقها شامل لحال الضرورة وغيرها، ولا مخصص لها الا الشهرة المدعاة بعدم جواز الاستعمال اختيارا، والاجماعات المتقدمة على عدم جواز الانتفاع بالنجس والميتة، خرج حال الضرورة، للشهرة بالجواز، أو بالروايات المجبورة في هذا المقدار. اقول اما الشهرة أو الاجماع على عدم جواز الانتفاع بالاعيان النجسة، فقد مر الكلام فيهما فلا نعيده وقد ظهر هناك عدم ثبوت شهرة أو اجماع على الحكم، والمتيقن منهما لو ثبت اصلهما، هو الاستعمالات والانتفاعات الخاصة، لا مطلقا، ولا اظن قيام اجماع أو شهرة مستقلة في المقام، غير ما ادعى هناك، كما يظهر من دعوى الشيخ في الخلاف (1) ومحكى المبسوط، في الخنزير (2) مع ان علم الهدى (ره) (3) لا يرى نجاسة ما لاتحله الحيوة من نجس العين، فلا محالة يقول بجواز الانتفاع به، وقد مر كلام شيخ الطائفة في ذيل رواية زرارة المتقدمة، قال: الوجه انه لا بأس ان يستقى به لكن يستعمل ذلك في سقى الدواب، والاشجار، ونحو ذلك، ولو كان المنع ثابتا باجماع ونحوه لما قال ذلك، ولايجوز


(1) و (2) و (3) راجع مفتاح الكرامة في المحرمات من المتاجر

[ 79 ]

حمله على صرف الجمع بين الاخبار، ودفع التناقض عنها لما مر ولعدم ورود خبر على عدم جواز الانتفاع بشعر الخنزير، الا ان يقال هذا لاجل الجمع بين الخبر وادلة انفعال الماء القليل لكن لو كان المراد صرف ذكر الوجه لكان الاوجه ان يقال انه اخص من روايات الانفعال، وكيف كان الظاهر منه جوازه. وعن مقنع الصدوق، جواز الاستقاء بجلده (1) وظاهر المراسم جواز الانتفاع بغير اللحم والشحم منه (2) وعن مطاعم القواعد نحو المقنع (3) وعن المختلف جواز استعمال شعر الخنزير مطلقا، اضطر إلى استعماله ام لا (4) وعن كاشف اللثام موافقته (5) وقال الاردبيلى: والعقل يجوز استعماله (أي شعر الخنزير) فيما لا يشترط فيه الطهارة، وقد يستدل للحرمة في شعره بما عن السرائر: ان الاخبار به متواترة (6) قال في مفتاح الكرامة (7) وليس ما يحكيه الا كما يرويه، والشهرة تجبرها أو تعضدها، وانكار من انكر الظفر بخبر واحد لا يعتبر. (انتهى) وفيه ما لا يخفى، ضرورة عدم امكان عثور الحلى على اخبار متواترة لم يعثر على واحد منها احد من المحدثين، والفقهاء المتقدمين منه، والمتأخرين عنه،


(1) ما وجدت ذلك عن الصدوق في المقنع، بل يظهر منه خلاف ذلك لانه قال في باب الصيدو الذبايح (اياك ان تجعل جلد الخنزير دلوا تستقى به الماء) ولكن حكى صاحب مفتاح الكرامة في المحرمات من المتاجر عن الصدوق في المقنع بانه جوز الاستقاء بجلد الخنزير بان يجعل دلوا، وكذلك حكى في المختلف عن المقنع بانه (لا بأس ان يجعل جلد الخنزير دلوا يستقى به الماء) ثم اشكل عليه بانه ميتة لعدم وقوع الذكاة عليه، وهما كما ترى عكس ما قاله الصدوق في المقنع نعم يظهر منه في باب الوضوء عدم البأس بالوضوء من الماء الذى يكون في زق من جلدة ميتة وكذلك عدم البأس بشربه ولكن هذا غير صريح بجواز الاستقاء بجلد الخنزير كما لا يخفى ولعل الاستاذ دام ظله اتكأ في نقله على حكاية مفتاح الكرامة أو المختلف فراجع (م ط) (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) راجع مفتاح الكرامة - المحرمات من المتاجر

[ 80 ]

فلعله وقع اشتباه في نسخ السرائر، ولعله قال الاخبار بالجواز متواترة، فان له وجها لما تقدم من الاخبار الكثيرة على الجواز، أو اراد الاخبار الواردة في نجاسة الخنزير، بدعوى استفادة حرمة الانتفاع منها، وهو بعيد، فقول صاحب مفتاح الكرامة: انكار من انكر لا يعتبر كان له وجه لو ادعى الحلى ورود خبر واحد، لامكان اطلاعه عليه، والخفاء عن غيره، لا الاخبار المتواترة أو المستفيضة، فلو فرض ان الاخبار بالجواز كانت متواترة فلا يمكن عدم اطلاع الاصحاب عليها، ومع اطلاعهم عليها وترك نقلها والاكتفاء بنقل اخبار الجواز يكشف ذلك عن معللية تلك الاخبار، بل هو من ادل الدليل على الجواز، لكن الانصاف وقوع اشتباه في البين، وعدم اخبار متواترة لم يطلع عليها غيره، أو تركوا نقلها. ثم ان التفصيل بين صورة تحقق الدسومة وعدمه، والقول بالمنع في الاولى دون الثانية ضعيف، لان الروايات المقيدة لا تصلح لتقييد المطلقات، بل ولا للخروج عن الاصل مع الغمض عن المطلقات ولا يبعد حملها على الارشاد. (كما قيل) كما ان الاقوى عدم الفرق بين الاضطرار وغيره كما مر، وعن كشف اللثام انه إذا اضطر استعمل اجماعا، ولعله يكفى في الاضطرار عدم كمال العمل بدونه. (انتهى) فلو كان ذلك شرحا لمقصود المجمعين يرجع في الحقيقة إلى جوازه مطلقا، لان الاضطرار بهذا المعنى مرجعه الاختيار، فيمكن استشعار الجواز مطلقا منه، لكن في كون كلامه تفسيرا لكلامهم، أو كون مرادهم ذلك تأمل واشكال. ثم انه بناء على جواز الانتفاع باجزائه، يجوز بيعها والمعاوضة عليها، لظهور الروايات المتقدمة، ولعمومات حل البيع والتجارة. ومنها الخمر والفقاع وكل مسكر مايع، ولا شبهة اجمالا في حرمة بيعها و ثمنها وسقوط ماليتها، انما الكلام في ان الاحكام ثابتة للخمر مطلقا، حتى ما اتخذت للتخليل ونحوه أو لا، وقد مر الكلام فيه مستقصى سابقا، وقلنا ان الاخبار قاصرة عن اثبات الاحكام لنحو ذلك، لا ما اشتملت على لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الخمر

[ 81 ]

وساقيها وبايعها (1) (الخ) وهو ظاهر، ولا ما دلت على ان ثمنها سحت (2) فانها ايضا منصرفة إلى ما تعارف وشاع في بيع الخمر وساير المسكرات، مما توجب الفساد، لا المتخذ للاصلاح، وقد مرت شواهد على المطلوب فراجع. وعليه فلا دليل علي سقوط ماليتها مطلقا، اما الاخبار المتقدمة فظاهرة. واما ما اشتملت على الامر باهراقها، كرواية ابى الجارود (3) الحاكية لفعل النبي صلى الله عليه وآله واهراق ما في المدينة من الخمر، ورواية ابى بصير (4) وصحيحة محمد بن مسلم (5) الواردتين، في اهداء راوية أو راويتين من الخمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فامر بصبها، وقال: ان الذى حرم شربها حرم ثمنها، أو قال ثمنها سحت. فمع ضعف الاوليين وورود الجميع في قضية شخصية، ومن المحتمل عدم قابلية ما امر بصبها للتخليل: لا تدل على عدم ملكيتها وماليتها ولو مع امكان التخليل، والامن من الفساد: لامكان ان يكون الامر بالصب لمصلحة قاهرة، كما ان الامر كذلك في اول تحريم الخمر، ولعل الامر به امر سلطاني لقلع الفساد، ولعله لم يكن قلعه ممكنا الا بذلك، كما هو موافق للاعتبار، كالامر بقلع عذق سمرة بن جندب. فلا دليل على اسقاط الشارع مالية جميع اقسام الخمر، أو مليكتها، سيما مثل العصير المغلى بنفسه إذا قيل بانه خمر ومسكر، بل المتيقن من اجماع الخلاف والمنتهى والتذكرة وغيرها، غير ما ذكر. والانصاف انه لا دليل على اطلاق الحكم، بل ظاهر بعض الروايات على خلافه، كصحيحة جميل المتقدمة (6) وغيرها، ولا داعى إلى صرفها عن ظاهرها، نعم هي محمولة على ان الدائن لابد ان يؤدى الخمر للافساد، ومعه لا دليل على عدم صحة وقوعه، لكن مع ذلك ان المسألة مشكلة في غير العصير الذى


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 55 - من ابواب ما يكتسب به (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 5 - من ابواب ما يكتسب به (3) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 1 - من ابواب الاشربة المحرمة (مرسلة) وضعيفة بابى الجارود (4) و (5) تقدمتا في ص 14 - 17 (6) تقدمت في ص 30

[ 82 ]

يأتي الكلام فيه، وطريق الاحتياط ظاهر. ثم انه وردت روايات في خصوص العصير لابد من التعرض لها وحدود دلالتها. و قد نفى الريب صاحب مفتاح الكرامة (1) عن عدم جواز بيعه إذا نش وغلامن قبل نفسه، لانه يصير حينئذ خمرا، ولا يطهر الا بانقلابه خلا، قال: وقد نص عليه الاكثر من المتقدمين والمصنف في رهن التذكرة والمحقق في رهن جامع المقاصد، ولعل مراده تنصيصهم على خمريته، أو على عدم جواز المعاوضة عليه لصيرورته خمرا وهو الاقرب واختار هو عدم الجواز في ما إذا غلى بالنار ولم يذهب ثلثاه، لانه خمرا وكالخمر، قال: و هو الذى تقضى به قواعد الباب، ثم استدل ببعض الروايات الاتية، ونسب ذلك إلى نهاية الشيخ (2) عند قوله بكراهة اسلافه، وفيه اشكال، فانه قال: ويكره الاستسلاف في العصير، فانه لا يؤمن ان يطلبه صاحبه ويكون قد تغير إلى حال الخمر. فان مراده من التغير إلى حال الخمر غير الغليان بالنار كما هو ظاهر. بل يظهر من عبارته قبيل ذلك، التفصيل في صحة البيع بين ما غلى بنفسه وما غلى بالنار، قال: والعصير لا بأس بشربه وبيعه ما لم يغل. وحد الغليان الذى يحرم ذلك، هو ان يصير اسفله اعلاه، فإذا غلى حرم شربه وبيعه إلى ان يعود إلى كونه خلا، وإذا غلى العصير على النار لم يجز شربه إلى ان يذهب ثلثاه. (انتهى) وهى كما ترى ظاهرة في انه مع الغليان بنفسه لا يجوز شربه وبيعه، ومع الغليان على النار يحرم شربه فقط، ولعل نظره إلى ان الغليان بنفسه موجب لخمريته، دون الغليان على النار وعن الحلى نحوه تقريبا إلى قوله: وإذا غلى على النار وعليه يكون الحلى محرما مطلقا ولعل الظاهر من عنوان شيخنا الانصاري التفصيل على تأمل. وكيف كان: الاقوى جوازه مطلقا: غلى بنفسه ام لا، احرزت خمريته ام لا، قلنا بنجاسته ام لا، لماليته و ملكيته عرفا، وعدم دليل على سقوطهما، اما الروايات العامة فقد مر الكلام فيها.


(1) في المحرمات من المتاجر (2) باب الاشربة المحظورة والمباحة من كتاب الاطعمة والاشربة

[ 83 ]

واما ما وردت في خصوصه: فمنها رواية ابى بصير (1) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن ثمن العصير قبل ان يغلى، لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا، قال: إذا بعته قبل ان يكون خمرا وهو حلال فلا بأس، وهى مع قصور سندها واغتشاش ما في منتها قاصرة الدلالة لان الشرطية لا مفهوم لها لانها سيقت لبيان تحقق الموضوع: فان مفهوم إذا بعته كذا هو إذا لم تبعه واما مفهوم القيد فهو من مفهوم اللقب الذى لا يقال به ولو قيل به في الشرط وعلى فرض المفهوم فان قلنا بان قوله: إذا بعته قبل ان يكون خمرا جملة مستقلة، ولها مفهوم مستقل، وقوله: وهو حلال، عطف على قوله قبل الخ فيكون جملة اخرى مستقلة، أي إذا بعته وهو حلال، وقوله فلا بأس جزائهما. فتكون حالهما حال قوله: إذا خفى الاذان، فقصر وإذا خفى الجدران فقصر، فان العنوانين بينهما عموم من وجه لو لوحظ حال الاضطرار ايضا، فان قبل الخمرية اعم من كونه حلالا، كما إذا لم يغل، أو حراما إذا غلى على النار، بل بنفسه ايضا على احتمال والحلال اعم من كونه قبل الخمرية أو بعدها حال الاضطرار. وعليه ان الكلام فيهما هو الكلام فيما إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء من الاحتمالات. وقد رجحنا في محله اجمال الدليل والرجوع إلى الاصول العملية و ان لم يلحظ حال الاضطرار يكون منطوق الثانية اخص من الاولى فتقيد به، فيقع اشكال في المتن، لان ذكر الجملة الاولى يقع بلا وجه، بل الموضوع الحلية، فكان عليه ان يقول: إذا كان حلالا فلا بأس، وان قلنا بعدم تعدد المنطوق، بل الثانية قيد الاولى، والشرطية جملة واحدة مركبة. فقد يقال بناء على تحقق مورد الاجتماع والافتراق لهما، بان المفهوم ثابت مع رفع كل قيد، فيدل على ان العصير إذا حرم ففيه بأس، سواء قلنا بنجاسته ام لا، وسواء صار خمرا ام لا، وسواء باعه ممن يجعله


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 59 - من ابواب ما يكتسب به ضعيفة بقاسم بن محمد وعلى بن ابى حمزة

[ 84 ]

خمرا ام لا، والمراد بالبأس هنا الحرمة جزما، لان الثابت لحال كونه خمرا هو الحرمة، ففى غيرها كذلك. هذا غاية تقريب دلالتها على حرمة بيع العصير المغلى مطلقا، وفيه مضافا إلى انها بصدد بيان المنطوق لا المفهوم، فلا اطلاق فيه، والمتيقن منه ما إذا باعه ممن يجعله خمرا، أو يطبخه ويجعله بختجا، فان البختج على ما يظهر من الروايات مسكر يصطنعه الفساق واهل الاشربة المسكرة، وهو على ما قيل ما يسمى (مى پخته) أو (باده)، وكيف كان: لا اطلاق في المفهوم يثبت به المدعى، بل من المتحمل ان يكون المراد بقوله ليطبخه، أي يجعله بختجا، لبعد السؤال عن بيع العصير للشيرج، سيما من مثل ابى بصير: ان في المنطوق نفى البأس عن بيعه ليطبخه أو يجعله خمرا، فانه المتفاهم من جواب السائل، ولا يثبت في المفهوم الا نفى البأس المطلق، وهو صادق مع ثبوت البأس لاحد طرفي الترديد، وبعبارة اخرى لا يدل المفهوم الاعلى سلب التسوية بين طرفي الترديد لا ثبوت التسوية في الحكم المخالف، مع ان ثبوت البأس اعم من الحرمة وكون بعض موارده حراما لا يوجب كون البقية كذلك فدعوى الجزم أو الظهور في ساير الموارد في غير محلها. هذا مضافا إلى حكاية الرواية عن نسخة من التهذيب (1) وعن الوافى عنه (2) وعن الكافي (3) (فهو حلال) بدل وهو حلال، فتدل على جواز بيع العصير المغلى بالنار، بل وبنفسه، فان الظاهر عدم كونه خمرا بمجرد الغليان، وان فرض كونه مسكرا، مع انه ايضا غير معلوم، ومع الشك في خمريته ينسلك بالاستصحاب في موضوع الحكم، بناء على عدم دخالة عنوان القبلية في موضوعه، حتى يلزم المثبتية كما هو المتفاهم من المفهوم عرفا ومنها صحيحة الحلبي (4) قال سألت ابا عبد الله (ع) عن بيع العصير ممن يجعله حراما، قال لا بأس ببيعه حلالا ليجعله حراما، فابعده الله


(1) و (2) و (3) راجع الوافى باب بيع الخمر والعصير من ابواب وجوه المكاسب (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 59 - من ابواب ما يكتسب به

[ 85 ]

واسحقه، وصحيحة عمر بن اذينة (1) قال كتبت إلى ابى عبد الله عليه السلام اسأله عن رجل له كرم، ايبيع العنب والتمر ممن يعلم انه يجعله خمرا أو سكرا، فقال انما باعه حلالا في الا بان الذى يحل شربه أو اكله، فلا بأس ببيعه. ورواية ابى كهمس (2) قال سأل رجل ابا عبد الله عليه السلام عن العصير، فقال لى كرم وانا اعصره كل سنة، واجعله في الدنان وابيعه قبل ان يغلى، قال لا بأس، وان غلى فلا يحل بيعه، ثم قال هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا، إلى غير ذلك. وانت خبير بان تلك الروايات متعرضة لمسألة اخرى سيأتي الكلام فيها انشاء الله، وهى بيع العصير ممن يعلم انه يجعله خمرا، وهى غير ما نحن بصدده، وهو ان العصير بما انه حرام أو نجس هل يجوز بيعه أو لا، باع ممن يجعله خمرا أو خلاود بسا، فهذه الروايات اجنبية عن مسئلتنا، فان قوله في صحيحة الحلبي لا بأس ببيعه حلالا، أي بيعه ممن يجعله حراما، فالتفصيل بين زمان الحلية وبعده في موضوع خاص، وهو البيع ممن يجعله حراما وخمرا، فلا يبعد هذا التفصيل، أي جواز البيع ممن يجعله خمرا، في الا بان الذى يحل شربه، وحرمته في حال عروض الحرمة عليه، لو عملنا بهذه الروايات، بل رواية ابى كهمس ايضا راجعة إلى ساير الروايات، بملاحظة ذيلها: هو ذا نحن نبيع (الخ) فان الظاهر منها ان السؤال كان عن بيع العصير ممن يعلم انه يجعله خمرا، فقال أبو عبد الله عليه السلام (على ما فيها): هو ذا، أي عملك نحو عملنا، نحن ايضا نفعل ذلك ولعل بيع العصير ممن يجعله خمرا كان معهودا متعارفا، فحمل عليه السؤال. واما نحو مرسلة الهيثم (3) ورواية ابى بصير (4) عن ابى عبد الله عليه السلام


(1) تقدمت في ص 16 (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 59، من ابواب ما يكتسب به ضعيفة بابى كهمس (3) و (4) الوسائل، كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 2 - من ابواب الاشربة المحرمة الثانية ضعيفة بعلى بن ابى حمزة

[ 86 ]

(واللفظ من الاولى) قال: سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلى من ساعته، ايشربه صاحبه، فقال إذا تغير عن حاله وغلى فلا خير فيه، حتى يذهب ثلثاه، فلا يخفى ما فيه من الوهن في دلالتها على المقصود، واو هن منها ما دلت على ان الثلثين من العصير أو من الكرم حظ الابليس، فمقتضى الاصول والقواعد جواز بيع العصير المغلى مطلقا نعم بيعه ممن يجعله خمرا امر آخر، يأتي الكلام فيه، والاحتياط فيما يغلى بنفسه لا ينبغى تركه. تتميم قد تقدم جواز الانتفاع بالمتنجسات في غير ما تشترط فيه الطهارة فيجوز الانتفاع بالزيت والسمن النجسين ونحوهما في الاستصباح وغيره، الا ان يدل دليل بالخصوص على المنع، كما يجوز بيعها للمنفعة المحللة، وقد وردت في الزيت و السمن والعسل روايات: منها صحيحة معوية بن وهب (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت جر ذمات في زيت أو سمن أو عسل، فقال: اما السمن والعسل، فيؤخذ الجرذ وما حوله، والزيت يستصبح به وصحيحة زرارة (2) عن ابى جعفر عليه السلام قال: إذا وقعت الفارة في السمن فماتت فيه، فان كان جامدا فالقها وما يليها، وكل ما بقى وان كان ذائبا فلا تأكله، واستصبح به، والزيت مثل ذلك. وموثقة ابى بصير (3) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الفارة تقع في السمن، (إلى ان قال) وان كان ذائبا فأسرج به، واعلمهم إذا بعته. وموثقة معوية بن وهب (4) وغيره (بناء على كون الميثمى في السند احمد بن الحسن بن اسمعيل الثقة) عن ابى عبد الله عليه السلام في جر ذمات في زيت، ما تقول في بيع ذلك، فقال: بعه وبينه


(1) و (2) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 43 من ابواب الاطعمة المحرمة (3) و (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 6 - من ابواب ما يكتسب به

[ 87 ]

لمن اشتراه، ليستصبح به ورواية اسمعيل بن عبد الخالق (1) عن ابى عبد الله عليه السلام وفيها اما الزيت فلا تبعه الا لمن تبين له، فيبتاع للسراج، واما الاكل فلا، واما السمن فان كان ذائبا فهو كذلك (الخ) ثم ان الكلام يقع في مواضع: الاول هل صحة بيع هذا الدهن مشروطة باشتراط الاستصباح به، أو يكفى قصدهما لذلك أو لا يشترط شئ منهما. والاولى بسط الكلام في مطلق المبيع الذى حرمت منافعه كلا أو بعضا. فنقول: قد لا يكون له سوى المنفعة المحرمة، وقد تكون لو سويها منفعة محللة، لكن لا يبذل بلحاظها مال، كما لو حرمت منافع الخمر الا سقى الشجر بها وقد تكون له منفعة مباحة يبذل بازائها مال، لكن تكون في جنب المنفعة المحرمة مستهلكة مغفولا عنها، بحيث لاتعد له مالية لاجلها، كما لو كانت آلة قمار عتيقة مرغوبا فيها لدى طائفة يبذل بازائها عشرة آلاف، وكانت مادتها من خشبة تساوى قرانين، وقد تكون منفعته المباحة مرغوبا فيها، لكن لا بمقدار المنفعة المحرمة، وقد تتساويان أو تكون المنفعة المحللة غالبة إلى غير ذلك. لا اشكال في بطلان المعاملة في الصورتين الاولتين لسقوط ماليتهما في الشرع، فيكون دليل اسقاط المنافع حاكما على ادلة حلية البيع والتجارة، فان مبادلة ما لا يكون ما لا ليست بيعا ولا تجارة ولا عقدا، ولا كلام فيهما، واما ساير الصور فالظاهر عدم اشتراط صحة البيع فيها باشتراط الانتفاع بالمحلل في ضمن العقد، لعدم دليل عليه، ولعموم ادلة الوفاء بالعقود، وحلية البيع، وقد استظهر شيخنا الاعظم (2) عن السرائر الاشتراط، قال: ظاهر الحلى في السرائر الاول، فانه بعد ذكر جواز الاستصباح بالادهان المتنجسة اجمع، قال: ويجوز بيعه بهذا الشرط


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 6 - من ابواب ما يكتسب به ضعيفة بمحمد بن خالق الطيالسي (2) راجع المكاسب - المسألة الرابعة من المستثنيات من الاعيان النجسة في جواز المعاوضة على الدهن المتنجس

[ 88 ]

عندنا وفى الاستظهار كلام، لاحتمال ان يكون نظره إلى ان الجواز مع الاشتراط اجماعي، كما يظهر من قوله عندنا، ولم يحرز الاجماع على الصحة في غير الصورة، ولم يدل ذلك على ان مختاره لزوم الاشتراط، بل لا يدل على وجود القائل بالاشتراط، لان دعوى الاجماع على جوازه مع الاشتراط لاتدل على وجود الخلاف في غيره، ولعل الاصحاب لم يتعرضوا له، فلم يحرز الاجماع ولا الخلاف، تدبر وهل يعتبر في صحة البيع قصد المنفعة المحللة، بنحو لا يرجع إلى الاشتراط، وإلى كون العقد مبنيا عليه، بل كان من قبيل القصد الخارجي نظير الدواعى، أو يعتبر عدم قصد المنفعة المحرمة، أو لا يعتبر ذلك ايضا مطلقا، أو يفصل بين الصور. مقتضى القواعد عدم اعتبار شئ في صحته، فان قصد الانتفاع بالشئ سواء كان محرما أو محللا، لا دخل له في ماهية البيع، كما ان المنافع لا تقابل بالا ثمان فيه، بل وجود المنفعة موجب لصيرورته ما لا يبذل بازائه المال، فإذا فرض وجود منفعة فيه موجب للرغبة والمالية فيه يقع البيع لاجلها صحيحا سواء قصدها أو قصد المنفعة المحرمة. ودعوى ان قصد المنفعة المحرمة موجب للبطلان، لكون اكل المال حينئذ من الاكل بالباطل، لان صدقه لا يتوقف على تحقق المبادلة الحقيقية بين المال و المنفعة المحرمة، بل يكفى فيه كون الغرض من المعاملة فاسدا، ونتيجتها فاسدة كتحصيل المنفعة المحرمة، (غير وجيهة) لان الدعوى ترجع إلى التمسك بقوله تعالى لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض (1) وفيها ما لا يخفى، لان المراد بالباطل والتجارة وساير العناوين المأخوذة في الكريمة هو العناوين العرفية، لا ما هو باطل بحكم الشرع، أو تجارة صحيحة بحكمه، ولهذا ترى ان الفقهاء تمسكوا بها لصحة التجارة في الموارد المشكوك فيها، من جهة احتمال اعتبار شرط أو مانع، ولو كان المراد بالآية ما ذكر، لما صح الاستدلال بها في شئ من الموارد. فالمراد بالباطل في مقابل التجارة عن تراض، نحو السرقة والخيانة والبخس والقمار والظلم، كما عن ابى جعفر عليه السلام تفسيره ببعضها، ومن


(1) سورة النساء - الاية 33

[ 89 ]

التجارة هي التجارة العرفية. فعليه يصح الاستدلال بها لصحة البيع ولو مع قصد المنفعة المحرمة بعد ما كان للمبيع مالية عرفية بلحاظ المنفعة المحللة، لعدم اسقاط الشارع ماليته، حتى يقال: بتحكيم دليل الاسقاط على ادلة حلية البيع والتجارة و الوفاء بالعقود. فان الشئ إذا كان ذا منفعة محرمة ومنفعة محللة لا تسقط ماليته باسقاط بعضها، بل تقل ماليته في محيط التشريع والملتزمين بالشريعة والقانون، فيصير كانه لا منفعة له الا المحللة، فيكون ما لا في الشرع والعرف والتجارة به تجارة كذلك. وقصد الانتفاع بالمحرم لا دخل له بما ليته، ولا بماهية التجارة، بل الانتفاع به من متفرعات التجارة ومتأخر عنها فلو اشترى احد سكينا بقصد قتل المؤمن وباع البايع لذلك لا يوجب ذلك فساد المعاوضة، وصيرورة اخذ المال بازائه اكلاله بالباطل، بل يصح بيعهما، ويحرم على المشترى الاقدام على القتل، وسيأتى الكلام في الاعانة على الاثم، فما يظهر من الشيخ الاعظم في خلال البحث من التمسك بالاية الشريفة للبطلان كانه، غير وجيه نعم إذا كانت المنفعة المحللة في جنب المحرمة مستهلكة لا تلاحظ مالية الشئ باعتبارها، كما مر مثاله، فلا يصح بيعه بنحو الاطلاق أو بلحاظ المنفعة المحللة بقيمة ملحوظة لاجل المنفعة المحرمة لاسقاط الشارع ماليته من هذه الجهة، وكون المعاملة سفهية غير عقلائية بالقيمة الكذائية فان اعطاء مليون تومان في مقابل خشب آلة عتيقة لهوية اسقط الشارع ماليتها بلحاظ صورتها، معاملة سفهية غير عقلائية، ولا مشمولة لادلة تنفيذ المعاملات نعم صح بلحاظ مادتها وبقيمة الخشب لان سقوط المنفعة القاهرة صار سببا لملحوظية المنفعة المقهورة، كما لو فرض السقوط تكوينا فاللوح المنقوش العتيق البالغ سعره الالاف، لا تلحظ قيمة خشبه وقرطاسه في ماليته لدى العقلاء، لكن بعد محو النقش وسقوطه عن خاصيته وماليته يلاحظ الخشب والقرطاس والبيع بلحاظهما صحيح عقلائي بالقيمة الملحوظة لاجلهما ولعل مراد شيخنا الاعظم غير هذه

[ 90 ]

الصورة ولا يخلو كلامه في المقام من نوع تشويش وهل يصح البيع مع اشتراط الانتفاع بالمحرم في ضمن العقد التحقيق انه ان رجع الشرط إلى الالزام بالانتفاع بالمحرم، لا عدم الانتفاع بالمحلل، وكان للعين انتفاع محلل ايضا يفسد الشرط وفساد البيع مبنى على كون شرط الفاسد مفسدا لان المعاوضة وقعت على العينين وشرط انتفاع خاص محرم خارج عن حقيقة المعاوضة فالقائل بالصحة يمكن ان يقول بالتحليل وان رجع إلى ترك الانتفاع بالمحلل، وحصر الانتفاع بالمحرم، أو شرط ما يوجب عدم امكان الانتفاع بالمحلل كما لو شرط اكل الزيت النجس مثلا، فالوجه عدم الصحة لان مثله يرجع إلى الشرط المخالف لمقتضى العقد، فان الانتفاع بالمحرم ممنوع شرعا، والمالك شرط عدم الانتفاع بالمحلل فرضا فكأنه باع باسقاط جميع المنافع مطلقا وفى مثله لا تقع مبادلة مال بمال فان المالية في الاشياء متقومة بالانتفاع ومع سلبه مطلقا لم تقع صحيحة (فتدبر) و (تأمل) هذا حال القواعد، واما روايات الباب فالظاهر من موثقة ابى بصير هو اعلام المشترى بعد وقوع البيع والحمل على ارادة البيع خلاف الظاهر فتدل ولو بحسب الاطلاق على جواز الاشتراء بقصد الانتفاع بالمحرم مع الجهل بالواقعة، ويستفاد منه عدم اشتراط قصد النفع بالمحلل، وعدم مانعية قصد المحرم مع الجهل ولو من البايع بالغاء الخصوصية من غير دلالة على الاشتراط بعدم قصد المحرم مع العلم بالواقعة، وحرمته غير اشتراط البيع بعدمه، بل الظاهر من موثقة معوية بن وهب ذلك ايضا ولا اقل من ان اطلاقها يقتضى عدم الفرق بين الاعلام السابق واللاحق عن البيع نعم قد يقال بدلالة رواية اسمعيل بن عبد الخالق على اشتراط قصد الاسراج بل اشتراط شرطه وهو ضعيف سيما الثانية فان المتفاهم منها عرفا ان المقصود بالاعلام عدم ابتلاء المشترى بالحرام فيبتاع ويسرج به لا ان الابتياع للاسراج من شرايطه أو قصده من الشرايط، هذا مع ضعفها سندا ومعارضتها للموثقتين المتقدمتين لو سلم

[ 91 ]

ظهورها في الاشتراط والجمع العقلائي بينها ولو بمناسبة المورد والحكم والموضوع: هو الحمل على لزوم الاعلام حتى يحترز عنه، كان الاعلام قبل المعاوضة أو بعدها كما لا يخفى، أو حمل النهى على الكراهة جمعا بينها وبين ما دلت على جواز الاعلام بعدها، وهما اولى واقرب من حمل البيع على ارادته. والانصاف ان الروايات متوافقة المضمون، والظاهر من جميعها بقرينة المقام ان لزوم التبين لمحض التحرز، والبيع لغاية غير الاكل، كالاستصباح من غير دخالة فيه أو في قصد الاستصباح للصحة وهو ظاهر. ويمكن الاستشهاد لعدم جواز البيع مع قصد الانتفاع بالمحرم برواية تحف العقول (1) ودعائم الاسلام (2) بل بالرضوي والنبوى (3) ان الله إذا حرم (الخ) وقوله: ان الذى حرم شربه حرم ثمنه (4) وقوله ان الله إذا حرم اكل شئ حرم ثمنه (5) المحمولة باجمعها على التحريم مع قصد الفساد، وبالروايات الواردة في العصير (6) الدالة على انه إذا غلى لا يجوز بيعه ممن يجعله حراما وروايات حرمة بيع الخمر (7) المحمولة على ما إذا كان البيع لاجل الفساد و بعض الروايات الواردة في الجارية المغنية (8) إلى غير ذلك، وهى وان لم تبلغ حد استفادة الحكم جز ما في المقام لضعف مادلت وقصور غير الضعيف عن اثبات الحكم للمتنجس، لكن الحكم بالصحة جرأة، سيما مع الظن بمخالفته لمذاق الشرع (تأمل) فلا يترك الاحتياط فيه. الثاني لا شبهة في وجوب الاعلام شرطا لو قلنا باشتراط البيع به أو به وبقصد الاستصباح أو شرطه، كما لا ينبغى الاشكال في عدم وجوبه شرطا ولا شرعا لو قلنا باشتراط البيع باشتراط الاستصباح فباع بالشرط، اما عدم الوجوب الشرطي فواضح، واما الشرعي فلان المفروض عدم استفادته من روايات الباب ومع اشتراط الاستصباح به


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) راجع ص 6 - 7 - 13 - 27 من هذا الكتاب (6) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 59 - من ابواب ما يكتسب به (7) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 55 - من ابواب ما يكتسب به (8) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 - من ابواب ما يكتسب به

[ 92 ]

يرفع احتمال التسبيب إلى الارتكاب أو تحصيل شرطه أو رفع مانعه، فانه باشتراطه بشرط لازم الوفاء لدى العقلاء وبحكم الشرع، منعه عن الاكل وساير التصرفات غير الاسراج ومعه لا يكون سببا أو نحوه للاكل نعم يقع الاشكال في تسبيبه لتنجس ظروفه ومعرضية ابتلائه بالنجس في المأكول والمشروب ويأتى الكلام فيه. وان قلنا بعدم الوجوب شرطا فهل يستفاد من الروايات الوجوب النفسي لمصلحة في الاعلام ام لا، والتحقيق ان الظاهر منها ان الوجوب شرعى لغاية التحفظ عن وقوع المشترى في الحرام والابتلاء بالنجس، فعليه لا يجب ذلك إذا علم بعدم ابتلائه به من الشرب والملاقات ونحوهما، بل لا يجب مع علمه بعدم تأثير الاعلام فيه لكونه ممن لا يبالي بالدين وليس الكلام هيهنا في جواز البيع منه أو جواز تسليطه عليه في الفرض، فلو فرض انه باعه مع الغفلة عن عدم مبالاته واراد ان يعلمه بعد تحويل الزيت ثم بعده علم بانه لا يبالي بالنجس ولا تأثير لا علامه: لم يجب عليه ذلك، لان وجوب الاعلام نظير وجوب الاحتياط لانفسية له، بمعنى انه لا يكون الاعلام ذا مصلحة في نفسه وان كان الوجوب نفسيا بمعنى آخر، وبالجملة وجوبه للتوصل إلى امر آخر ومع حصوله على أي حال أو عدم حصوله كذلك: لا يجب، نظير وجوب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فانهما مع عدم احتمال التأثير لا يجبان كما هو واضح. ثم انى بنيت على قصر البحث في هذا الامر على ما ذكر مما هو مربوط بجوهر المسألة، لكن جمع من اصحاب البحث امروني بالتعرض لما افاده الشيخ الاعظم (1) من العناوين الاربعة، فنقتصر على البحث حول بعض ما افاده وحققه رحمه الله. قال: هنا امور اربعة احدها ان يكون فعل الشخص علة تامة لوقوع الحرام في الخارج كما إذا اكره غيره على المحرم ولا اشكال في حرمته وكون وزر الحرام عليه بل اشد لظلمه اقول: هنا جهات من البحث. الاولى الظاهران مراده بصيرورة فعل الشخص علة تامة لتحقق الحرام:


(1) راجع المكاسب في صحة بيع الدهن المتنجس بشرط الاستصباح ووجوب الاعلام بتنجس المبيع

[ 93 ]

ان يكون فعله علة تامة لتحقق الحرام من الغير كما هو مقتضى عنوان البحث والمثال بالمكره (وفيه) ان العلة التامة ما لا تكون لغيرها في تحقق المعلول دخالة، ويكون تمام التأثير في ايجاده مستندا إليها، والا لا تكون تامة، وفى المقام لا يمكن تصور كون العلة التامة هو المكره بالكسر لعدم دخالته في الايجاد الا تحصيل مورد ترجيح الفاعل المباشر بين ارتكاب الفعل وتحمل ما اوعده المكره عليه، وبعد فهو باق على اختياره واصطفائه احد طرفي الفعل. فالمكره لا يسلب اختيار المكره، فانه عبارة عن اصطفاء ما هو خير له، وهو باق على قوة التميز وترجيح احد طرفي الفعل واصطفائه على الاخر، من غير فرق بين الطرف المكره عليه والطرف الاخر وان يرجح غالبا اولهما، لكونه اقل محذورا، لا لكونه مسلوب الاختيار والارادة. ولهذا يحرم عليه مع الاكراه الاقدام على القتل، ويعاقب عليه ويقتل قصاصا فالفرق بين الفاعل المكره وبين المختار الاصطلاحي: ليس في وجود الاختيار وعدمه بل في امر مقدم على الاختيار الواقعي، وهو تحقق مورد الترجيح العقلي احد الطرفين، فانه قد يحصل بعلل غير اكراه المكره، كمن دار امره لاجل مرض بين الموت وقطع اليد فلا يقال انه مكره عليه بل هو مضطر فيه، أي يلجأه العقل بترجيح المصلحة الغالبة على المفسدة، أو بالفرار من المحذور الكثير إلى القليل من غير سلب قوة التميز والاختيار والارادة عنه، وقد يحصل باكراه مكره فدار امره بين تحمل ما أو عده عليه من القتل وغيره، وبين اتيان ما امره به، وفى هذه الصورة ايضا لم تسلب عنه المبادى المتقدمة بل يرجح اقل المحذورين ويختاره ويريده، وما هو كذلك شأنه كيف يمكن ان يكون علة تامة للفعل الصادر من المكره، بل قلنا في محله، ان ارادة الفاعل المباشر ايضا ليست علة تامة لوجود الفعل وتحققه خارجا، ضرورة توسط مبادا خربينها و بين وجود الفعل الخارجي كالقوى المنبثة في الاوتار والاعصاب ونفس الاوتار والاعصاب والعضلات، فالنفس في العالم الطبيعي فاعلة بالالة، وما هي شانها: لا تكون ارادتها علة تامة للفعل الخارجي فضلا عن كونها بالنسبة إلى الفعل المكره عليه كذلك، و

[ 94 ]

لهذا كثيرا ما تتخلف الارادة عن المراد نعم قد يمكن ان يقهر بعض النفوس القوية قوى الفاعل وآلاته وسخرها تحت ارادته بحيث تسلب الارادة والاختيار والفاعلية عنه ويصير متحركا وفاعلا بارادته و تكون قوى الفاعل كالالة للنفس المسخرة اياه، وفى مثله لا يكون الفعل صادرا عن المسخر بالفتح بل عن المسخر القاهر، وهو خارج عن البحث الجهة الثانية ان الفعل الصادر من المكره باكراه مكره، تارة لا يخرج بواسطة الاكراه عن الحرمة الفعلية، كالاكراه علي القتل، فانه محرم فعلى على المكره بالفتح ولو اوعده على القتل، واخرى يخرج عن الحرمة الفعلية بالاكراه، ولو لاه يكون محرما فعليا وثالثة يكون الفعل قبل تحقق الاكراه خارجا عن الحرمة الفعلية كما لو اضطر إليه ولم يفعله فاكره عليه. لا اشكال في حرمة الاكراه في الصورة الاولى، للقبح عقلا في تحريك الغير على معصية المولى فضلا عن اكراهه عليها، مع ان النص والفتوى متوافقان عليه، كما انه لا اشكال في عدم الحرمة من حيث الاكراه على الفعل في الاخيرة، ضرورة انه مع الضرورة صار مباحا ومرخصا فيه بل قد يكون الامر برفع الاضطرار به أو الاكراه عليه: واجبا كما لو ترك المضطر المشرف على الموت اكل الميتة أو مال الغير. نعم فيما يكون الحكم على نحو الترخيص لا يجوز للغير اكراهه عليه لكونه ظلما انما الكلام في الصورة الثانية، أي فيما صار الاكراه موجبا لرفع الحرمة عن المباشر (والتحقيق) ان العناوين مختلفة، فقد يكون تبديل العنوان الذى يتبدل به الحكم من قبيل عنوان عرضى مقابل للاخر كالمسافر والحاضر: فتكون لكل عنوان مصلحة خاصة به مستتبعة لحكم، فلا اشكال في مثله في جواز تبديل احدهما بالآخر للفاعل ولا يحرم من هذه الجهة على المكره وان حرم عليه الظلم، فلو اكره غيره على السفر لا يعاقب على الزامه بترك الصلوة التامة، فانها في السفر محرمة لا مصلحة فيها، ومن قبيل تبديل عنوان بعنوان آخر في عرضه، وقد لا يكون كذلك بان يكون العنوان المتعلق للحكم مبغوضا بنحو الاطلاق وانما اجاز

[ 95 ]

المولي في بعض الاحيان اتيان مبغوضه الجاء، كمن اجاز قطع يده لحفظ نفسه، فان قطعها مبغوض مطلقا، لكن ربما يختار الانسان مبغوضه الفعلى لدفع محذور اشد منه فيتأسف على وقوع تلك الواقعة التى الزمته على التسليم على المبغوض، وفى مثله تحصيل هذا العنوان قبيح، والاكراه على تحصيله كذلك. ثم ان الظاهر من اخذ العناوين العذرية في موضوع الترخيص هو كونه من قبيل الصورة الثانية، الا ان دل دليل على خلافه، ولهذا قلنا بعدم جواز اهراق الماء وتحصيل العذر والفقدان اختيارا، واستثنى الشارع الاقدس الباغى والعادي من المضطر في اكل الميتة، بل لو اضطر الفاعل نفسه بارتكاب محرم قد يجب عليه اتيانه ومعذلك يعاقب على الفعل بحكم العقل كالمتوسط في الارض المغصوبة، و الحاصل ان مثل المورد تفويت لغرض المولى، والقاء للنفس أو الغير في ارتكاب مبغوضه وهو قبيح عقلا، حرام شرعا، وان لم يكن مخالفة للامر. الجهة الثالثة كل مورد يكون الاكراه على محرم مع بقائه على ما هو عليه من الحرمة على المباشر كالاكراه على القتل: يكون وزره على المباشر قصاصا كان أو عقابا، وعلى المكره استحقاق العقاب وربما يجعل له جزاء في الدنيا، كما وردت رواية صحيحة بان الآمر بالقتل يحبس حتى يموت (1) والمكره بالفتح في الصورة الثالثة من الصور المتقدمة: فلا وزر عليه في الارتكاب حتى يكون وزره على غيره، والمكره بالكسر ربما لا يكون عليه وزر بل له اجر كما تقدم، وقد يكون عليه وزر الظلم، وفى الصورة الثانية لا وزر على المأمور، وعلى المكره وزر الظلم والاكراه بايجاد المبغوض وتفويت المصلحة، ولا دليل على كونه بمقدار وزر الفاعل لو كان مختارا. نعم ورد في باب اكراه الزوجة على الجماع نهارا في شهر رمضان: ان على المكره كفارتين وضرب خمسين سوطا، وان كانت طاوعته فعليه كفارة وضرب


(1) الوسائل - كتاب القصاص - الباب 13 - من ابواب القصاص في النفس

[ 96 ]

خمسة وعشرين سوطا، وعليها مثل ذلك (1) ووردت روايات بان من اغتصب امراة فرجها: يقتل، محصنا كان أو غير محصن (2) مع ان غير المحصن لا يقتل، وقد ذكر الفقهاء بلا نقل خلاف ان ضمان التلف على المكره بالكسر دون المكره والمقام لا يسع تحقيقه، قال الشيخ: وثانيها ان يكون فعله سببا للحرام كمن قدم إلى غيره محرما ومثله ما نحن فيه، وقد ذكرنا ان الاقوى فيه التحريم، لان استناد الفعل إلى السبب اقوى فنسبة فعل الحرام إليه اولى، ولذا يستقر الضمان على السبب دون المباشر الجاهل، بل قيل: انه لا ضمان ابتداء الا عليه، اقول ان كان فعله سببا؟ للحرام الفعلى وحصول المعصية فلا اشكال في قبحه عقلا وحرمته لا لقوة السبب بل لان مطلق تحريك الغير وامره بالمنكر محرم قبيح، فمن قدم الحرام إلى العالم به ليأكله: ارتكب محرما، واما مع جهل الفاعل المباشر بالواقعة فان قلنا بان المجهول موضوعا بقى على مبغوضيته كما قلنا في الاضطرار والاستكراه: فلا يجوز التسبيب وغيره، لا لقوة السبب وضعف المباشر بل هو نظير المحرم الفعلي بلا افتراق بينهما من هذه الجهة، وان قلنا بعدم بقائه على مبغوضيته وان الله يحب ان يؤخذ برخصه كما يحب ان يؤخذ بعزائمه كما في رواية ويظهر في بعض الروايات جواز ايجاد الجهل ومرجوحية السؤال لرفعه: فالتسبيب إليه جائز لانه تسبيب إلى الحلال الغير المبغوض هذا على القواعد، لكن يظهر من جملة من الروايات: عدم جواز ذلك، منها الروايات المتقدمة الدالة على وجوب الاعلام (3) ويظهر منها بالغاء الخصوصية عدم جواز التسبيب ونحوه في ساير المحرمات، ومنها ما وردت في العجين النجس من الامر ببيعه ممن يستحل (4) وفى رواية الامر بدفنه والنهى


(1) الوسائل - كتاب الصوم - الباب 12 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم (2) الوسائل - كتاب الحدود - الباب 17 - من ابواب حد الزنا (3) الوسائل - كتاب التجارة الباب 6 - من ابواب ما يكتسب به (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 7 - من ابواب ما يكتسب به

[ 97 ]

عن بيعه (1) وما وردت في الميتة المختلطة بالمذكى من الامر ببيعه من المستحل دون المسلم (2) وما وردت في اراقة المرق الكثير أو اطعامه الكلب أو الكافر (3). ثم ان ما نحن فيه أي بيع المتنجس مع عدم الاعلام: ليس من قبيل السبب، لعدم اشتراط الاكل ولا التواطؤ عليه. وصرف امكان ان يأكل منه: لا يوجب السببية، ولا يبعد ان يكون مراد الشيخ من كون فعل الشخص سببا للحرام وقوة السبب وضعف المباشر: ما اشرنا إليه من ان الفعل المجهول بقى على مبغوضيته ومعه لا يجوز التسبيب إلى ارتكاب الجاهل، وان وجود المبغوض مستند إلى السبب بنحو اقوى، وليس مراده صدق آكل النجس وشاربه على السبب حتى يستشكل عليه بان عنوان المحرم إذا كان اختيار مباشرة الفعل كما هو ظاهر ادلة المحرمات: لا ينسب إلى السبب بل ولا إلى العلة التامة فمن اوجرا لخمر في حلق الغير قهرا لا يصدق عليه انه شرب الخمر بل في مثله لا يتحقق عنوان المحرم رأسا، فان الشارب غير مختار، والعلة غير شارب. نعم إذا كان عنوان المحرم ما هو اعم صادق على السبب والمباشر كعنوان الاتلاف: صح ما ذكر، ووجه اقوائية السبب، ان عنوان الاتلاف صادق على فعلهما مع زيادة الاختيار في السبب (انتهى) (وفيه) ان نظر الشيخ ظاهرا إلى ما ذكرناه، فالسبب موجب لوجود المبغوض في الخارج وهو اقوى في ذلك من المباشر الجاهل، مضافا إلى ان التفريق بين المقامين بما ذكره كانه: في غير محله، فان الاتلاف لا يصدق حقيقة الا على فعل المباشر، والانتساب إلى السبب: مجاز بلا شبهة.


(1) الوافى - كتاب المطاعم والمشارب والتجملات - الباب 16 - من ابواب ما يحل من المطاعم وما لا يحل (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 7 - من ابواب ما يكتسب به (3) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 26 من ابواب الاشربة المحرمة وباب 44 - من الاطعمة المحرمة

[ 98 ]

فمن قدم مال الغير إلى جاهل فأكله: لا يكون ممن اتلف ماله حقيقة بل الآكل هو المتلف، ولا فرق بين آكل المال ومتلفه، فانه اتلفه بأكله، فكما لا يصدق الآكل حقيقة على القادم: لا يصدق المتلف عليه ايضا على الحقيقة. نعم يصح الانتساب المجازى في الثاني دون الاول، وهو الفارق بينهما، فإذا كان دليل الضمان نحو من اتلف مال الغير فهو ضامن: لا يصح الحكم بالضمان في الصورتين، لكن المستفاد من الاخبار المختلفة كقوله: من اضر بشئ من طريق المسلمين فهو له ضامن (1) وغيره: ان الضمان لا يدور مدار صدق الاتلاف، بل يترتب على التسبيب والمباشرة، والمراد من التسبيب ليس معناه المصطلح بل اعم من ذلك وللكلام محل آخر. ثم ان المثال الذى ذكره المستشكل للعلة التامة: مورد مناقشة والامر سهل ثم ان الشيخ تعرض لصورتين اخريين لا فائدة في التعرض لهما، لكن لا بأس بالتنبيه على امر. وهو: انه قدس سره جعل المورد تارة من مصاديق قاعدة التغرير، واخرى من باب التسبيب، وثالثة من باب عدم المانع، واختار الحرمة في العنوانين الاولين، وفصل في الثالث، وقد تقدم حال العنوانين لكن نقول في المقام: ان المورد ان كان منطبق العناوين الثلثة، فان دل دليل على حرمتها أو حرمة عنوانين سنها نفسيا: فمقتضاه عدم التداخل وبقاء كل عنوان على حرمته وكون المصداق الخارجي منطبق المحرمات بلا تداخل كساير موارد انطباق العناوين الواجبة أو المحرمة على شئ، لكن لاتدل الروايات التى في الباب ولا غيرها مما تمسك بها على قاعدة تغرير الجاهل، اما الاولى فلعدم دلالتها الاعلى وجوب الاعلام لئلا يقع المشترى في الحرام الواقعي لكن وجوبه ذلك هل للزوم تركه للتغرير، أو لكون تركه مستلزما لتحقق التسبيب بتسليط المشترى على شئ يتداول اكله وكان ذلك منفعته الشايعة فهو تسبيب، أو


(1) الوسائل - كتاب الديات - الباب 8 - 9 من ابواب موجبات الضمان

[ 99 ]

نظيره مما هو زائد على عنوان التغرير: فغير معلوم بل احتمال ان يكون للتسبيب أو نحوه اقرب إلى مفادها، إذ من المحتمل ان يكون وجوب الاعلام مختصا بمورد البيع والتسليط فيكون له دخالة فيه بنحو جزء السبب فكأنه قال: إذا بعته و سلطته على المبيع الذى في مظنة الاكل عادة: يجب عليك اعلامه لئلا تصير سببا لوقوعه في الحرام الواقعي وبهذا يظهر عدم دلالتها على وجوب الاعلام بنحو الاطلاق ولو علم بابتلاء المكلف بالحرام، لقصورها عن الدلالة عليه كذلك، ولا على قاعدة التقرير ولو نوقش في دلالتها على حرمة التسبيب فلا اقل من عدم دلالتها على شئ من العناوين المنطبقة على المورد. واما ما دلت على حرمة الفتوى بغير علم، كصحيحة ابى عبيدة (1) قال (قال أبو جعفر عليه السلام: من افتى الناس بغير علم ولا هدى من الله: لعنته ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه). فلا تدل على قاعدة الغرور لاحتمال ان يكون المراد بها الطعن على من افتى بالقياس والاستحسان وعمل الناس بفتياه مع علمهم بذلك، فيكون المقصود ان للعامل المرتكب للحرام وزرا ونظير وزره على المفتى بغير علم ولا هدى من الله تعالى نظير قوله: (من سن؟ سنة حسنة فله اجر من عمل بها ومن سن سنة سيئة فله وزر من عمل بها) (2) فان المراد من تحميل وزره عليه بقرينة مقابله: ان وزره عليه من غير نقصان عن وزره، وعليه فلا ربط لها بقاعدة التغرير ويحتمل بعيدا ان يكون المراد التشديد على المفتى المذكور بان لعنته ملائكة الرحمة والعذاب وعليه اوزار من عمل بفتياه، كان الوزر من العمل بهذه الفتيا أو غيره نظير ان يقال: من عمل كذا كان عليه وزر الاولين والاخرين،


(1) الوسائل - كتاب القضاء - الباب 4 - من ابواب صفات القاضى وما يقضى به (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر الباب 6 - من ابواب الامر والنهى وكتاب الوقوف والصدقات - الباب 1

[ 100 ]

ولو سلمت دلالتها على ان من افتى كذلك كان عليه وزر العامل بفتياه: لاتدل على القاعدة لان فتيا من التزم الناس بالعمل بقوله عقلا وشرعا سبب لوقوعهم في الحرام وليس ذلك من حيث التغرير، ولا يخفى انه ليس المراد بالوزر على هذا الاحتمال وزر عمل الجاهل المعذور، ضرورة انه لا وزر له بل يكون مثابا لانقياده بل ربما يكون فعله طاعة، فلا بد ان يحمل على الوزر التقديرى أي وزر العمل على فرض عدم معذوريته أو حمله علي نحو الضمانات، واما فعل الحرام الواقعي فلا قبح له ولا وزر على الفاعل المعذور في ارتكابه. ومما ذكرناه يظهر النظر في دلالة روايات (1) دلت على ان تقصير صلوة المأمومين على الامام، فانها مع ضعفها ومخالفتها لجملة اخرى دالة على عدم ضمان على الامام (تأمل): لاتدل على انه لصرف التغرير فان امام الجماعة الذى التزم قوم بالصلوة معه إذا صى بهم: يكون حاله حال من قدم إلى غيره محرما فيكون لفعله نحو تسبيب أو نظيره، زائدا " على التغرير، واما ما جعله مؤيدا " فلا يخفى ما فيه، فانه لو فرض تحريم سقى المكلف الجاهل الحرام: لا يدل ذلك على القاعدة كما مر فضلا عما هو مفاد رواية ابى بصير (2) واضعف منه تأييده الثاني، فتحصل مما ذكر انه لا دليل معتمد على قاعدة التغرير، وقد مر ان العقل حاكم بجواز التسبيب إلى ما كان مباحا ظاهرا " فضلا عن تغرير الجاهل به الا إذا احرزت مبغوضيته ولو في حال الجهل. وليعلم: ان قاعدة التغرير في الباب في ما في باب الضمان، فان لها فيه مدركا معتمدا. الثالث حكي غير واحد: الشهرة على وجوب كون الاستصباح تحت السماء، وعن السرائر نفى الخلاف عن عدم جوازه تحت الظلال (3) وعن المبسوط انه روى اصحابنا انه يستصبح به تحت السماء دون السقف (4) وسيأتى الكلام في حال الشهرة


(1) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 35 - من ابواب صلوة الجماعة (2) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 10 من ابواب الاشربة المحرمة (3) و (4) راجع مفتاح الكرامة في جواز الاستصباح بالدهن النجس من المتاجر

[ 101 ]

لكن لو سلم وجود شهرة جابرة للرواية أو فرضت صحتها: كان مقتضى الجمع العقلائي بينها وبين الروايات المتضافرة التى في مقام البيان: حملها على الاستحباب، بيانه يحتاج إلى مقدمة، وهى ان طهارة دخان المتنجس التى افتى بها الفقهاء ليس لدليل تعبدي بل لقصور دليل نجاسة الدهن المتنجس مثلا عن شموله للدخان والبخار، وعدم دليل على نجاستهما، وعدم جريان استصحاب النجاسة، فمقتضى الاصل الطهارة، فلو فرض في مورد علم بعدم الاستحالة وبقاء اجزاء الدهن اللطيفة وتصاعدها مع الدخان: يحكم بكونه نجسا لفرض عدم تحقق الاستحالة الرافعة للموضوع. نعم لو كانت الاجزاء صغيرة جدا بحيث يحتاج في دركها إلى المكبرات: لا تكون موضوعة للنجاسة، واما لو اجتمعت وصارت مقدارا " محسوسا " ولو قليلا و صغيرا ": تكون نجسة لعدم الاستحالة وعدم احتمال صيرورة الصغر موجبا للطهارة هذا إذا علم عدم الاستحالة ولو شك في ذلك كان الدخان محكوما بالطهارة لقصور الادلة الاجتهادية عن اثبات نجاستها، وعدم جريان الاستصحاب، لاختلاف القضية المتيقنة مع المشكوك فيها، أو الشك في وحدتهما، لكن معذلك كان الاحتياط حسنا سيما إذا كانت الا دخنة كثيفة والدهن غليظا وكثيفا تصير معرضية الاجزاء الدهنية للتصاعد قوية وربما صار مظنونا ومعه يحسن الاحتياط عنها لما يشترط فيه الطهارة ثم ان التدخين تحت الضلال والسقف إذا كان مدة معتدا بها كالساعة والساعتين يوجب ذلك تراكم الا دخنة وورودها في منافذ البدن كالاذن والانف والحلق وتراكمها فيها ربما يكون مظنة اجتماع الاجزاء اللطيفة الدهنية الغير المستحيلة ولا اقل من احتماله سيما، إذا كانت البيوت ضيقة وسقوفها منخفضة كما كانت كذلك نوعا في تلك الاعصار، وسيما مثل الادهان التى مورد السؤال، فإذا ورد نهى عن الاستصباح بهما تحت السقف والامر بالاستصباح تحت السماء: لا ينقدح في ذهن العقلاء منهما التعبد المحض الغير المرتبط بالنجاسة بل المفهوم منهما بمناسبة الحكم والموضوع: ان النجاسة صارت موجبة للحكم بذلك، فيفهم اهل العرف نجاسته ان

[ 102 ]

كان حكم الشارع بالتحرز الزاميا، ولهذا يظهر من شيخ الطائفة رحمه الله في عبارته الاتية أو قوما من اصحابنا قالوا بنجاسة دخان المتنجس للرواية المرسلة المتقدمة، وهو حق لو علمنا بلزوم الاجتناب فيفهم من دليله تخطئة الشارع العرف في وقوع الاستحالة، أو حكم بلزوم الاحتياط في الشبهة لمعرضية عدم الاستحالة، لكن مع ورود روايات كثيرة مطلقة في مقام البيان لم يكن فيها اثر من هذا القيد في مقابل رواية واحدة ناهية عن الاسراج تحت السقف: يكون الجمع العقلائي بينها حملها على الاحتياط الاستحبابى المطلوب في مثل المقام، سيما مع كونها مخالفة للاصول والحمل على التعبد المحض الغير المربوط بالنجس الاحتمالى أو المظنون: غير مساعد لفهم العرف والعقلاء ومناسبات الحكم والموضوع، كما ان الحمل على لزوم الاحتياط ورفع اليد عن الاصول والقواعد والاطلاقات الكثيرة الواردة في الباب: بعيد جدا، ومخالف لارتكاز العقلاء في مقام جمع الادلة فما ربما يقال ان مقتضى تعلق الحكم على العنوان واطلاقه عدم جواز الاستصباح به ولو لحظة بل ولو كان السقف مرتفعا إلى الثريا (ناش) من عدم التأمل في الرواية وارتكاز؟ العقلاء فان العناوين مختلفة، فربما لا تكون لها نفسية حتى يأتي فيها ما ذكر نظير قوله في روايات الباب واعلمهم إذا بعته (1) فان الاعلام بحسب حكم العرف ليس الا للتحفظ عن الابتلاء فمع العلم بعدمه لا يجب كما مرو ليس لاحدان يقول: ان مقتضى الاطلاق: وجوبه ولو مع لغوية الاعلام، ضرورة عدم الاطلاق لمثله، والمقام من قبيله، فان اهل العرف لا يفهمون من النهى عن الاستصباح تحت السقف: الا للتنزه عن النجس المحتمل أو المظنون، فلا اطلاق له يشمل ما ذكر. والانصاف ان الجمع بينها وبين المطلقات المتقدمة بما ذكرناه واشار إليه شيخنا الاعظم: من اجمل الجموع واوهن التصرفات. ثم انا لانقول: بان النهى لمراعات عدم تنجس السقف حتى يقال ان تنجسه لامانع منه، بل نقول: ان ذلك لمراعات حال المكلف المبتلي بالدخان تحت


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 6 - من ابواب ما يكتسب به

[ 103 ]

السقف، لا لكون تنجس بدنه ممنوعا شرعا ونفسا، بلما يشترط فيه الطهارة فالاجزاء الدخانية المجتمعة في الفم يحتمل فيها النجاسة ويحسن معه الاحتراز لمراعاة عدم الابتلاء بأكل النجس المحتمل، وكذا ما اجتمع منه في منفذ الاذن والانف بل و ما اجتمع منه في السقف ربما يوجب التنجيس فيحسن التنزه منه للصلوة وغيرها، هذا مع انها رواية مرسلة غير مجبورة، لعدم ثبوت الشهرة في المسألة عند قدماء اصحابنا، فضلا عن ثبوت الشهرة بالعمل بها، بل لو ثبتت الشهرة واحتمل استنادهم بها: تصير معللة لا يجوز الاتكال عليها لاحتمال ان يكون نظرهم إلى جمع الروايات بتقييد المطلقات بها، سيما وهو جمع عقلائي معروف لولا التنبه بما قدمناه، كما انه لو ثبتت ولم يحتمل استنادهم إليها: كانت حجة بلا اشكال في مثل تلك المسألة التى وردت فيها روايات مطلقة في مقام البيان، وترك الاصحاب العمل باطلاقها، فلا يجوز معذلك العمل بالاطلاق، وترك الشهرة في المسألة المخالفة للقواعد. الا ان يقال باحتمال ان يكون مستندهم في الحكم: قاعدة عدم جواز الانتفاع بالنجاسات، ولم يعملوا بتلك الروايات، للخدشة في اطلاقها، وهو كما ترى. وكيف كان فثبوت الشهرة محل اشكال بل منع لو لم نقل بثبوت الشهرة أو الاجماع على الجواز، كما ربما يظهر من الشيخ في الخلاف قال: في الاطعمة مسألة 19 إذا ماتت الفارة في سمن أو زيت أو شيرج أو بزرنجس كله، وجاز الاستصباح به، ولايجوز اكله ولا الانتفاع به لغير الاستصباح، وبه قال الشافعي ثم نقل اقوال القوم ثم قال: دليلنا اجماع الفرقه واخبارهم ثم قال: وروى أبو سعيد الخدرى ان النبي صلى الله عليه وآله سئل عن الفارة تقع في السمن والزيت فقال: استصبحوا به ولا تأكلوه وهو اجماع الصحابة، وروى ذلك عن على عليه السلام وابن عمر، ثم قال: مسألة 20 إذا جاز الاستصباح به فان دخانه يكون طاهرا ولايكون نجسا ثم تمسك بالاصل وعدم الدليل على النجاسة. قول: اطلاق المسألة الاولى يقتضى جواز الاستصباح تحت السقف سيما مع

[ 104 ]

التمسك باخبار الطايفة، فان الاخبار المشار إليها هي ما تقدمت من المطلقات التى في مقام البيان الدالة على الجواز مطلقا، وسيما مع تمسكه في مقابل من قال بعدم جواز الانتفاع برواية ابى سعيد المطلقة، وتؤكد الاطلاق بل كون نظره إلى الاستصباح تحت السقف: المسألة الاخرى التى ذكرها بعد الاولى، فان جواز الاستصباح به مع طهارة الدخان لا ربط بينهما لا من جهة انه إذا لم يجز بحكم الشارع الاستصباح تحت السقف. يدل ذلك على نجاسته لما قدمنا ذكره من فهم اهل العرف والعقلاء فيدل ذلك على ان عمدة نظر الشيخ إلى الاستصباح تحت السقف في المسألة الاولى وقد ادعى الاجماع على جوازه. وعن المبسوط (1) الادهان إذا ماتت فيها فارة: نجس (نجسة ظ) ويجوز عندنا وعند جماعة الاستصباح به في السراج، ولا يؤكل، ولا ينتفع به في غير الاستصباح، وفيه خلاف، وروى اصحابنا انه يستصبح به تحت السماء دون السقف وهذا يدل على ان دخانه نجس غير ان عندي ان هذا مكروه، واما دخانه ودخان كل نجس عندنا ليس بنجس، واما ما قطع بنجاسته قال قوم: دخانه نجس وهو الذى قدمناه من رواية اصحابنا وقال آخرون وهو الاقوى: انه ليس بنجس (انتهى). وهذه العبارة ايضا شاهدة بان مراده في الخلاف من الاستصباح: اعم مما تحت السماء، والخلاف الذى اشار إليه يحتمل ان يكون من العامة، ورواية الاصحاب تلك الروايات غير فتويهم بها، ويحتمل ان يكون خلاف بين اصحابنا لكنه غير معتد به عنده. فافتى بخلافه مع وجود رواية الاصحاب، وكيف كان يظهر من الخلاف ان الجواز مطلقا اجماعية، ولو قيل بظهور عبارة المبسوط في ان المسألة خلافية عند اصحابنا، فلا اقل من عدم الشهرة الجابرة أو المعتبرة في عصر شيخ الطايفة وقبله، ولهذا قال العلامة في محكى المختلف في جواب ابن ادريس المدعى بان ما ذهب احد من اصحابنا ان الاستصباح به تحت الظلال مكروه بل محظور بلا خلاف منهم: ان هذا الرد على شيخنا جهل وسخف، فان الشيخ اعرف باقوال علمائنا


(1) كتاب الاطعمة والاشربة فيما يكره كسبه

[ 105 ]

والمسائل الاجماعية والخلافية (انتهى) وهو كذلك فالشيح ادعى الاجماع على الجواز أو اخبر بخلافية المسألة فلا يمكن تصديق الحلى فيما ذكره. وقد يتوهم من عبارة الخلاف في البيوع بان الشيخ ادعى الاجماع على لزوم كون الاستصباح تحت الظلال (وهو خطاء) لانه ادعى ذلك علي جواز البيع لمن يستصبح تحت السماء لا على عدم جوازه تحت الظلال، قال (1) يجوز بيع زيت (الزيت ظ) النجس لمن يستصبح به تحت السماء، وقال أبو حنيفة يجوز بيعه مطلقا، وقال مالك والشافعي: لا يجوز بيعه بحال، دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم، وايضا قوله تعالى: واحل الله البيع وحرم الربا وقوله: الا ان تكون تجارة عن تراض، وهذا بيع وتجارة، وايضا دلالة الاصل، والمنع يحتاج إلى دليل، ثم تمسك عليهم بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه اذن في الاستصباح بالزيت النجس، وهو دليل على جواز بيعه للاستصباح، وان لغيره لا يجوز إذا قلنا بدليل الخطاب (انتهى). وهو كما ترى ادعى الاجماع وورود الاخبار على جوازه للاستصباح تحت السماء مقابل مالك والشافعي، ولهذا تمسك بالآية والاصل والرواية من طريقهم، وانما تمسك بدليل الخطاب إذا قلنا به وعلى نحو التعليق، فلو كانت المسألة بشقيها أي الجواز للاستصباح تحت السماء وعدمه له تحت الظل اجماعية: لتمسك به فيهما ولا يدعيه في خصوص الاولى، ولا يبعد دعوى ظهور عبارته في جوازه مطلقا، فتحصل من جميع ما تقدم ان المسألة ليست مشهورة ولا اجماعية لو لم نقل بقيام الشهرة على الجواز، فمقتضى اطلاق الادلة والقواعد الجواز. الرابع الاقوى جواز الانتفاع بهذا الدهن لغير الاستصباح، كعمل الصابون وطلى الاجرب والسفن، وكذا يجوز بيعه لذلك للاصل وعموم ادلة تنفيذ البيع وقد سبق لكلام في ان الاصل جوازهما بما لا مزيد عليه، مضافا إلى ان الظاهر من اخبار


(1) كتاب البيوع مسألة 312

[ 106 ]

الباب الجواز، فان قوله في صحيحة زرارة (1) عن ابى جعفر عليه السلام: وان كان ذائبا فلا تأكله واستصبح به والزيت مثل ذلك: ظاهر في ان المقصود عدم الاكل وجواز الانتفاع بساير الجهات، وانما خص الاستصباح بالذكر لمجرد المثال، وانه اوضح المنافع بعد الاكل، بل المافع الاخر غير معتد بها، فاختصاصه بالذكر وان وقع في روايات عديدة لكن ظاهر جعله مقابل الاكل في الصحيحة ورواية اسمعيل (2) حيث قال فيها: واما الزيت فلا تبعه الا لمن تبين له فيبتاع للسراج واما الاكل فلا: ان ساير الانتفاعات غير الاكل جائز، والا لقال: واما غيره فلا، بل المتفاهم من ساير الروايات ايضا ذلك لمساعدة اهل العرف مع الغاء الخصوصية. فيمكن ان يقال: انه لو فرض اطلاق دليل على عدم جواز الانتفاع بالنجس لجاز تقييده بها، فيقال بجواز الانتفاع في المتنجسات دون النجاسات. القسم الثاني الاكتساب بما يكون المقصود منه حراما ولو شأنا وهو على انواع الاول ما لا تكون له منفعة مقصودة الا الحرام وهو امور: منها هياكل العبادات المخترعة مثل الاصنام، ويأتى فيها ما تقدم في القسم الاول من البحث عن حرمة بيعها والمعاوضة عليها بعنوانها وعن حرمة ثمنها بعنوانه وعن بطلان المعاملة بها المترتب عليه كون ثمنها مقبوضا بالمعاملة الفاسدة (ثم) ان المعاملة كالبيع مثلا قد تقع بها للغاية المحرمة كمن باع الصنم للعبادة بنحو التواطى عليها، أو بنحو الاشتراط في ضمن العقد، وقد يبيع ممن يصدر منه الحرام كبيعها ممن يعبدها أو ممن يبيعها ممن يعبدها كبيع الصنم من مسلم يبيعه من الوثني، وقد تقع المعاملة مع العلم بعدم ترتب الحرام عليها اما للعلم بان المسلم المشترى لا يسلمها إلى الوثني، أو لانقراض الطايفة التى تعبدها كما لو اخرج صنم من الحفريات عن الاثار القديمة البائدة الهالك اهلها وانقرضت الطايفة التى تعبدها، وانما يشتريها قوم لحفظ الاثار العتيقة كما تعلق به اغراض العقلاء احيانا، وانما تشتريها


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 6 - من ابواب ما يكتسب به الثانية ضعيفة بمحمد بن خالد الطيالسي

[ 107 ]

لهيئتها وصورتها الصنمية بما انها من الاثار القديمة، وقد تباع لغرض كسرها، و هو تارة يرجع إلى المشترى كمن اراد ان يشتهر بين الناس بانه كاسر الاصنام، أو اراد الثواب الاخروي، واخرى إلى البايع كمن عجز عن كسرها أو كان له مؤنة اراد تحميلها على المشترى إلى غيرها من الصور. لا ينبغى الاشكال في حرمة بيعها وبطلانه في الصور التى يترتيب عليها الحرام لاستقلال العقل بقبح ما يترتب عليه عبادة اولاثان ومبغوضيته، بل قبح تنفيذ البيع وايجاب الوفاء بالعقد المترتب عليه عبادة غير الله تعالى، بل لو ادعى احد القطع بان الشارع الاقدس الذى لا يرضى ببيع الخمر وشرائها وعصرها ولعن بايعها ومشتريها و حرم ثمنها وجعله سحتا: لا يرضى بذلك في الصنم ولا يرضى ببيعه وشرائه ونحوهما، بل يستفاد من الادلة ان تحريم ثمن الخمر وساير المسكرات وتحريم بيعها وشرائها: للفساد المترتب عليها، ومعلوم ان الفساد المترتب على الاوثان وبيعها وشرائها: ام جميع المفاسد، وليس وراء عبادان قرية، بل يظهر من الروايات المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وآله (1) وابى جعفر عليه السلام (2) وابى عبد الله عليه السلام (3) مستفيضة ان مد من الخمر كعابد وثن: ان عبادته شرمنه يترتب عليها فوق ما يترتب عليه فكيف يمكن ذلك التشديد في الخمر لقلع الفساد دون الاوثان، مضافا إلى دلالة الروايات العامة المتقدمة كرواية التحف وغيرها على بعض المقصود، واشعار بعض ما وردت في الخمر (4) كقوله عليه السلام: ان الذى حرم شربها حرم ثمنها: على بعض، وخصوص صحيحة ابن اذينة (5) قال: كتبت إلى ابى عبد الله عليه السلام اسأله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه برابط؟ فقال: لا باس به، وعن رجل له خشب فباعه ممن يتخذ صلبانا قال: لا. ورواية عمر وبن حريث (6) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن التوت ابيعه يصنع للصليب والصنم؟ قال: لا، يدل على بعضه.


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 13 - من ابواب الاشربة المحرمة (4) الوسائل كتاب التجارة - الباب 55 - من ابواب ما يكتسب به (5) و (6) الوسائل كتاب التجارة الباب 41 - من ابواب ما يكتسب به في سند الاولى ابراهيم بن هاشم وهو ثقة

[ 108 ]

نعم الظاهر ان دلالة الاولى بالفحوى لان الصلبان شعار التنصر وليست كالصنم، و في وجوب كسرها وعدم الضمان شهادة على عدم ماليتها لدى الشارع فلا يصح بيعها وشرائها لتقومهما بها فخرجت بذلك عن شمول ادلة تنفيذ البيع تحكيما هذا مع دعاوى عدم الخلاف والاجماع على امور: منها التكسب بهيا كل العبادة كالصنم بل عن الرياض (1) الاستدلال على حرمة التكسب بها بالاجماع المستفيض النقل في كلام جماعة، وان انكر الاستفاضة صاحب مفتاح الكرامة (2) وعن المنتهى (3) حكاية عدم الخلاف على حرمة عملها المستلزمة لحرمة التكسب بها على ما قيل وعن مجمع البرهان (4) الاجماع عليها. وفى مفتاح الكرامة (5) بعد نقل الاجماع وعدم الخلاف عن بعض قال: و الامر سهل إذ الاجماع معلوم، وفى الجواهر (6) بلا خلاف اجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه. هذا حال ما علم ترتب الحرام عليه، ولا يبعد الحاق ما يكون مظنة لذلك به بل صورة احتمال ترتبه ايضا احتياطا لاهمية الموضوع وشدة الاهتمام به، فلا يقصر عن الاعراض والنفوس بل اولى منهما في ايجاب الاحتياط. نعم الادلة قاصرة عن اثبات الحكم للصورة التى يعلم بعدم ترتيب الحرام عليها سيما في صورة انقراض الطائفة الخبيثة العابدة لها وعدم احتمال عابد لها ولو في الاستقبال احتمالا عقلائيا، ضرورة عدم شمول الادلة اللفظية ولا معقد عدم الخلاف والاجماع لها وانصرافها عنها، بل لا يبعد عدم شمولهما لما إذا بيع الصنم الذى مورد العبادة ممن يخرجه عن تحت يدعا بديه ويحفظه بعنوان الآثار العتيقة في المحال المعدة لها فينقطع بذلك عن ايدى عبدته وان لا يخلو عن اشكال في هذه الصورة بل يمكن اجراء استصحاب وجوب الكسر وحرمة البيع ونفى المالية و


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) راجع مفتاح الكرامة فيما يكون المقصود منه حراما من المتاجر المحظورة (6) في النوع الثاني مما يحرم التكسب به من التجارة

[ 109 ]

بطلان المعاملة وسحتية الثمن فيها، على اشكال ناش من الاشكال في جريان الاستصحاب في الاحكام المستكشفة عن حكم العقل، لا لما ذكره شيخنا الاعظم، فانا قد فرغنا عن تصوير جريانها ودفع اشكاله، بل لما ذكرناه في محله من عدم جريان استصحاب الحكم الجزئي، لان الحكم المستكشف من مناط عقلي لا يمكن أو سعيته عن موضوعه ومناطه، ولا استصحاب الكلى لان الجامع بين الحكمين انتزاعي عقلي لا حكم شرعى، ولا موضوع ذو حكم كذلك، والتفصيل يطلب من مظانه، وبهذا يستشكل جريانه في بعض صور اخر كما إذا وجد صنم يعلم بانه كان معبودا في عصر الاسلام ثم انقرض عبدته ولا يحتمل عودهم، فان الادلة كما مرت قاصرة عن اثبات الاحكام لها لو بيعت لغرض حفظ العتيقة وقد عرفت حال الاستصحاب. الا ان يقال: ان تلك الاحكام سيما وجوب الكسر وسلب المالية غير مستكشفة من حكم العقل محضا حتى يأتي فيها ما ذكر بل حكمه من مؤيدات ثبوت احكامها شرعا. والادلة الشرعية نحو الاجماع والاخبار المتفرقة في الابواب: غير قاصرة عن اثباتها ومعه يمكن ثبوت تلك الاحكام بمناطات اعم مما ادركها العقل ومعه يجرى الاستصحاب، والمسألة تحتاج إلى مزيد غور. ثم ان الاستصحابات المشار إليها انما تجرى لو احرز تعلق الاحكام بصنم ولو من باب التطبيق وشك في بقائها، واما إذا احتمل عدم التعلق فلا، وذلك مثل صنم يحتمل صنعته بعد انقراض عابديه لاغراض اخر، بل لا يجرى فيما إذا علم كونه مصنوعا في اعصار قبل الاسلام مع انقراض عبدته في تلك الاعصار ولو علم بعبادتهم له، لعدم جريان استصحاب احكام الشرايع السابقة بل يمكن منع جريان الاستصحابات المتقدمة بان يقال: ان حرمة البيع غير ثابتة للصنم رأسا في صورة بيعه للاخراج عن يد عابديه، وفيما لا يترتب عليه الحرام فلا قضية متيقنة حتى تستصحب، وكذا حال ساير العناوين المتقدمة حتى وجوب الكسر وبالجملة، ليس الشك في بقاء الاحكام المذكورة، فتحصل مما ذكر ان الا شبه بالقواعد عدم المنع عن البيع في الصور الاخيرة سيما مثل ما خرج من حفريات

[ 110 ]

باداهلها وانقرض عبدته ولم يرج عودهم. ومما ذكرناه تظهر قوة صحة البيع لغرض ادراك ثواب الكسر أو غرض آخر في كسره موجب لماليته ومرغوبية اشترائه. الا ان يقال باستلزام ذلك لبعض الاشكالات العقلية (منها) ان الفساد المترتب على هياكل العبادة: علة لاسقاط ماليتها وايجاب كسرها. وايجاب الكسر سبب لترتيب الثواب عليه لايجابه، فلو صار ذلك علة لماليتها يلزم ان يكون الشئ علة لثبوت نقيض معلول علة علته، وذلك مستلزم لنفى علة علته المستلزم لعدم ذاته (ومنها) ان ايجاب الكسر مضاد لماليته فلو ثبتت المالية به يلزم ايجاد الشئ مضاده المستلزم لعدم ذاته (ومنها) ان ايجاب الكسر لو صار سببا للمالية يلزم منه عدم ايجابه بل عدم جوازه لانه مال محترم فيلزم من ايجاب الكسر عدمه. والجواب عنها ان الفساد لا يمكن ان يصير علة لاسقاط المالية الآتية من قبل معلوله أي ايجاب الكسر، للزوم كون الشئ علة لعدم معلول معلوله، وهو مستلزم لعدم معلوله المستلزم لعدمه، فهو علة لسلب المالية الثابتة لها من غير ناحية الكسر، وايضا ان ايجاب الكسر على فرض مضادته للمالية لا يمكن ان يكون مضاد اللمالية الآتية من قبله، لاستلزام ان يكون الشئ ضد معلوله، فيكون ضدا للمالية التى من غير ناحية الكسر، وايضا ان المالية الآتية من قبل وجوب الكسر لا يمكن ان تكون مانعة عن وجوبه، فالمالية من غير تلك الناحية مانعة عنه. ثم ان صحة البيع لغاية الكسر تتوقف على احراز ان المشترى يشتريه لتلك الغاية لان ماليته تتوقف على هذه الغاية، ومع الشك في كونه لها يشك في ماليته فلا تصح المعاوضة عليه، بل صحة صلحه وهبته ونحوهما ايضا تتوقف على ذلك الاحراز لعدم جوازها الا لتلك الغاية، وهذا الفرع غير ما تعرض له العلامة في محكى التذكرة (1) انه إذا كان لمكسورها قيمة وباعها صحيحة ليكسر وكان المشترى ممن يوثق بديانته فانه يجوز بيعها على الاقوى (انتهى) فان الظاهر من اعتبار القيمة للمكسور: ان مصحح البيع قيمة المادة وماليتها فلو قلنا في الفرع


(1) راجع مكاسب - شيخنا الاعظم في النوع الثاني مما يحرم التكسب به

[ 111 ]

الذى تعرضه بعدم اعتبار الوثوق في صحته لانقول به في هذا الفرع المتوقف ماليتها وصحة المعاوضة عليها على كون الاشتراء للكسر كما لا يخفى، وليس الثواب المترتب على الكسر وكذا ساير فوائد الكسر، نظير الفوائد المترتبة على الاشياء الموجبة لماليتها وصحة بيعه، كان المشترى يشتريها لتلك الفائدة ام لا، لان تلك الفوائد موجبة للمالية مطلقا من غير توقف على قصد انتفاع المشترى وكذا صحة المعاملة لا تتوقف عليه، بخلاف فائدة الكسر فانها ليست موجبة للمالية المطلقة بحيث يقال بصحة البيع معها مطلقا (فتدبر) فلابد فيه من البيع ممن يطمئن ويوثق به أو قامت القرائن على انه يبتاع لتلك الغاية ولو بالتسبيب ان لم يضر بالفورية لو قلنا بوجوب الكسر فورا. ثم ان بيع الصنم وابتياعه تارة يكونان بداعي هيئته كابتياع الوثني مثلا، و اخرى بداعي مادته كما كانت من الاحجار الكريمة، وثالثة بداعيهما بان تكون لهما مرغوبية صارت داعية إلى ابتياعه، وهذه الصور من صور بيع الاصنام يأتي فيها ما تقدم، وليس المراد من بيع الصنم بيع هيئته فانها ليست بصنم ولا متعلقة للمعاملة لدى العقلاء بل الصنم عبارة عن الموجود المتهئ بتلك الهيئة الخاصة، والهيئة ليست طرفا لاضافة المعاملة في مورد من الموارد بل طرفها هو المجود المتصور بحيثية تقييدية أو الموجود لاجل الصورة بالحيثية التعليلة فبيع الصنم محرم باطل في الصور المتقدمة التى قلنا بهما سواء بيع بداعي الهيئة أو المادة أو بداعييهما ثم ان الظاهر ان الفرع المتقدم المحكى عن التذكره كان المفروض فيه بيع الصنم الخارجي لابيع مادته، فعليه تصح الشرائط اعتبرها، من كون المادة ذات قيمة وكون البيع للكسر وكون المشترى موثوقا به، فان البيع إذا تعلق بالصنم الخارجي ولم تكن لمادته قيمة: يبطل لعدم اعتبار قيمة الهيئة، والفرض عدم قيمة للمادة، فلا يكون ما لا يبذل بازائه المال. ومفروض العلامة ليس ما كان الكسر موجبا للمالية كما فرضناه سابقا فان ذلك الفرض مغفول عنه نادر الاتفاق، واما اشتراط كونه للكسر لانه مع عدمه يصير مشمولا لادلة بطلان بيع الصنم: وهو وان كان باطلاقه

[ 112 ]

محل اشكال كما تقدم، لكن الظاهر ان المفروض في كلامه غير تلك الصور النادرة المتقدمة، واما اشتراط كون المشترى موثوقا به فهو شرط ظاهري لاحراز شرط المعاملة وهو كون الابتياع للكسر ومع عدم الوثوق به لا يحرز غالبا، فالشرائط وقعت في محلها على ما هو ظاهر عبارة التذكرة وهو وقوع البيع على الهيا كل الصحيحة للكسر وقد حملها الشيخ الانصاري (1) على خلاف ظاهرها ثم تنظر فيها نعم ما اورده على العلامة وارد على المحقق الثاني (2) على ما في العبارة المنقولة عن جامع المقاصد، فان المفروض فيها وقوع البيع على المكسور، لا على الصحيح قال: لو باع رضاضها الباقي بعد كسرها قبل ان يكسرها وكان المشترى موثقا به وانه يكسرها: امكن القول بصحة البيع (انتهى) اقول تأتى قوة صحته ولو لم يكن المشترى موثوقا به بل ولو مع العلم بعدم الكسر. فرع ما تقدم هي صور بيع الاصنام، واما بيع مادتها فالتحقيق عدم الصحة لو لم تكن لها قيمة رأسا أو كانت لها قيمة بلحاظ الصورة، كما قد يتفق ان تصير مادة بلحاظ تصورها بصورة ذات قيمة، أو تصير قيمتها زائدة عن قيمتها الاصلية، وهذا غير فرض كون قيمة الصنم الخارجي بلحاظ الهيئة، أو كانت لها قيمة لكن لا يمكن محو الصورة عنها الا بابطالها عن المالية، أو كانت لها قيمة لكن لا يمكن ابطال الصورة رأسا، ففى جميع الصور بطل البيع على الاقوى، اما الاولى فظاهرة، واما الثانية فلان المالية الاتية من قبل الصورة ساقطة لدى الشارع الاقدس، إذ الحكم بابطال الهيئة الموجب لابطال مالية المادة: لا يجتمع مع اعتبار ماليتها، فلا ضمان على كسرها الموجب لابطال ماليتها ومالية مكسورها، ومنه يظهر الحال في الثالثة. فان ايجاب الكسر بلا ضمان ملازم لاسقاط مالية المادة، وفى الرابعة يجب غرقها أو دفنها حسما لمادة الفساد فلا مالية لها على جميع


(1) و (2) راجع المكاسب - في النوع الثاني مما يحرم التكسب به

[ 113 ]

التقادير فلا يصح بيعها وكذا لا يصح لو كانت لها قيمة مستهلكة في قيمة الصورة لو باعها بالقيمة المساوية لقيمة الصورة، لان البيع كذلك مع سقوط الصورة عن المالية وفى محيط التشريع: سفهى غير عقلائي فلا تشمله ادلة تنفيذ المعاملات ولا يمكن كشف رضى الشارع فيها ومعه تقع باطلة، واما إذا كانت للمادة قيمة مستهلكة فبلحاظ سقوط قيمة الصورة: يكون بيع المادة بلحاظ قيمتها عقلائيا موردا لامضاء الشارع وتنفيذه المعاملات، فلو باع المادة بقيمتها يصح، وكذا لو كانت للمادة قيمة ملحوظة غير مستهلكة فباعها بقيمتها أو اكثر ما لم يصل إلى حد السفه. ثم ان في تلك الصور يصح البيع ولو مع شرط ابقاء الصورة فضلا عن عدم الاشتراط أو اشتراط الكسر، كان المشترى موثوقا بديانته ام لا، بل مقتضى القاعدة صحته ولو باعه من وثنى يبتاعه للعبادة وشرط على البايع عدم الكسر، بناء على عدم كون الشرط الفاسد مفسدا، لان ما وقعت عليه المعاملة هي المادة ولا مانع من بيعها لكونها غير الصنم. وكون الشرط فاسدا والتسليم اعانة على الاثم: لا يوجبان بطلان المعاملة. (ولو قيل): ان البيع المذكرو موجب لاشاعة الفساد بل يمكن بهذه الحيلة ترويج سوق بيع الاصنام وآلات الملاهي والقمار، والمقطوع من مذاق الشارع عدم امضاء تلك المعاملات. (يقال): ان المقطوع به من مذاق الشارع عدم تصحيح الشرط الكذائي وتحريم تسليم المبيع مع الهيئة الموجبة للفساد، لا بطلان المعاملة على المادة أي الخشب والحجر ونحوهما أو حرمة بيعها وثمنها، ولا فرق بين ما ذكر وبين بيع شئ كالفرس والشرط على البايع بتسليم صنم إليه أو صنع آلة لهوله، فان الشرط فاسد، والتسليم والصنع محرمان، دون المعاملة على الشئ المباح، ولا يلزم منه تشييع الفساد وترويج الباطل كما هو واضح. فتحصل مما مر ان بيع المادة في الفرض مطلقا: صحيح من غير توقف على اشتراط الكسر وكون المشترى موثوقا به كما قال به المحقق الثاني في عبارته المحكية. ثم ان البحث عن آلات القمار وآلات اللهو واواني الذهب والفضة والدراهم المغشوشة: نظير البحث عن هياكل العبادات فلا داعى إلى التكرار.

[ 114 ]

نعم لا يأتي فيها ما قلناه في الهياكل من الوجه العقلي على البطلان، ولا ما ذكرناه من فحوى ادلة حرمة الخمر، وان امكن دعوى الجزم بعدم تنفيذ الشارع المعاملات الواقعة على آلات القمار واللهو التى لا يقصد منها الا الفساد والحرام، هذا مع دعو عدم الخلاف والاجماع عليه بل الدعى السيد صاحب الرياض (1) الاجماع المستفيض عليه مضافا إلى الادلة العاملة المؤيدة وان ضعفت اسنادها، وتدل في خصوص آلات القمار: رواية ابى الجارود (2) عن ابى جعفر عليه السلام في قوله تعالى انما الخمر والميسر (الخ) وفيها. واما الميسر فالنرد والشطرنج وكل قمار ميسر إلى ان قال: كل هذا بيعه وشرائه والانتفاع بشئ من هذا حرام من الله محرم، ورواية ابى بصير (3) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: بيع الشطرنج حرام واكل ثمنه سحت (الخ) وفى رواية المناهى (4) ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع النرد ويمكن اسراء الحكم لساير آلاته بالغاء الخصوصية على اشكال. نعم في صحيحة معمر بن خلاد (5) عن ابى الحسن عليه السلام قال: النرد والشطرنج والاربعة عشر بمنزلة واحدة وكل ما قومر عليه فهو ميسر. ولعل عموم التنزيل وعدم الفصل بين اربعة عشر وغيرها والغاء الخصوصية عنها: كاف في المطلوب، وعن تفسير ابى الفتوح (6) عن رسول الله صلى الله عليه وآله رواية وفيها وامرني ان امحو المزامير والمعازف والاوتار و امور الجاهلية إلى ان قال: ان آلات المزامير شرائها وبيعها وثمنها والتجارة بها حرام: تدل على المطلوب في آلات اللهو ولا تخلو من اشعار أو دلالة بالنسبة إلى ساير آلات الفساد، فلا اشكال في الحكم اجمالا


(1) راجع مفتاح الكرامة - فيما يكون المقصود منه حراما من المتاجر (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بابى الجارود (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 103 - من ابواب ما يكتسب به (4) و (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 104 - من ابواب ما يكتسب به (6) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 79 - من ابواب ما يكتسب به - مرسلة

[ 115 ]

نعم لو كانت لبعض الالات منفعة محللة: تنسلك في القسم الاتى، كما ان اوانى الذهب والفضة كذلك، لعدم حرمة اقتنائها بل وتزيين الرفوف بها على الاقوى، و كذا لو قلنا بجواز الانتفاع بالسكة المغشوشة كالتزيين وغيره: تنسلك في القسم الآتى. النوع الثاني ما يقصد منه المنفعة المحرمة فيما إذا كان لشئ منفعة محرمة و محللة كاواني الذهب والفضة. وهو على اقسام: منها ان يكون المبيع كليا مقيدا بنحو لا ينطبق الاعلى المحرم كبيع العنب الذى ينتهى إلى التخمير، فيكون المبيع حصة من العنب كساير الكليات المقيدة بان يقال: كما ان العنب الاحمر لا ينطبق الا على مصاديق خاصة فإذا تعلق به البيع يكون المبيع حصة من الكلى لا تنطبق الا على مصاديقها: يصح تقييد الكلى باى قيد تراضى عليه المتعاقدان، فإذا باع العنب المنتهى إلى التخمير كان مصداق المبيع هو العنب المتعقب به، لا العنب المطلق، فإذا تسلمه المشترى ولم يستعمله في التخمير، يكشف عن عدم كونه مصداقا للمبيع ومنها ان يكون المبيع جزئيا خارجيا مع توصيفه بالوصف المتقدم، فيكون المبيع الموجود المنتهى فلو لم ينته إليه يكشف عن عدم كونه مبيعا أو عن تخلف الوصف. ومنها ان يكون القيد على نحو الشرط المتأخر، كان المبيع كليا أو جزئيا بحيث يكشف عدم الانتهاء عن عدم كونه مصداقا للمبيع أو عدم كونه مبيعا. والظاهر بطلان البيع في هذه الصور، لعدم عقلائية الملك الحيثى والفرق بين هذا القيد وقيد كون العنب احمر أو اصفر: ان مصداق الاحمر بعد تسليمه يكون ملكا طلقا للمشترى، واما العنب المنتهى إلى التخمير فليس ملكا له الا من حيث التخمير دون ساير الحيثيات ولم يعهد لدى العقلاء هذا النحو من الملكية، والا لجاز بيع الرداء الذى تحت السقف مثلا فلا يكون ملكه الا حصة من الرداء أو حيثية منه فإذا خرج عن تحت السقف خرج عن ملكيته وانت خبير بان هذا النحو من الملكية غير عقلائية ولا معهودة، فالعنب

[ 116 ]

المنتهى إلى التخمير لو صار ملكا: لازمه عدم ملكية العنب بنحو الاطلاق وبجميع الحيثيات، بل حصة أو حيثية خاصة منه، فلا يكون بما انه مأكول أو غير ذلك مبيعا ولا ملكا للمشترى وهو مخالف لاعتبار العقلاء وكذا الحال في التعليق والشرط. نعم يمكن المناقشة في الاشكال في الصورة التى يكون المبيع شخصيا بان يقال: ان المبيع هو الموجود الخارجي، والقيد من قبيل الوصف الذى يكون تخلفه غير مبطل، لكن يأتي فيها الاشكال الآتى في الصورة الآتية، أي اشتراط عدم الانتفاع الا بالمحرم ومنها ان يبيع الشئ واشترط على المشترى بان لا يتصرف فيه الا في المحرم وهو قد يرجع إلى شرطين احدهما ان لا يتصرف في المحلل وثانيهما ان يصرفه في المحرم، وقد يشترط عليه شرطا واحدا وهو عدم التصرف في المحلل من دون شرط الصرف في المحرم، ومن هذا القبيل ما إذا تواطئا عليه بحيث يقع العقد مبنيا عليه، واما مع التواطى عليه بحيث لا يرجع إلى بناء العقد عليه فهو خارج عن الفرض، والاقوى بطلان البيع في تلك الصور سواء رجع الاشتراط إلى شرطين ام لا، وسواء كان الشرط في ضمن العقدام بحكمه كما اشرنا إليه، لان مثل هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد فان اعتبار الملكية موقوف على كون الشئ ذا منفعة ولو في الجملة يصح للمالك الانتفاع به فلو فرض كون شئ مسلوب الانتفاع مطلقا لا يعتبره العقلاء مالا ولا ملكا، لا اقول ان الملكية والمالية نفس الانتفاعات بل اقول: ان مناط اعتبارهما لدى العقلاء: صحة الانتفاع ولو في الجملة فمسلوب الانتفاع بقول مطلق ليس ملكا ولا مالا، كما انه لو سلب مطلق الانتفاعات عن شئ بالنسبة إلى شخص لا يعتبره العقلاء ملكا ومالا له في بعض الاحيان. فحينئذ نقول إذا شرط البايع على المشترى ان لا ينتفع بالمبيع مطلقا: فهو في قوة بيع شئ بشرط عدم صيرورته ملكا للمشترى، فيكون مخالفا لمقتضى العقد وموجبا لبطلانه، سواء قلنا بان الشرط الفاسد مفسد ام لا، لان الخلاف في الشرط الفاسد انما هو في الشروط التى لا يضر اشتراطها بقوام المعاملة، واما الشروط

[ 117 ]

المنافية لماهيتها وقوامها: فلا ينبغى الكلام في مفسديتها، لرجوعها إلى التناقض في الجعل والتنافى في الانشاء، والمقام من قبيل ذلك، فان العنب مثلا مسلوب المنفعة بحسب قانون الشرع من حيث التخمير، فإذا كان مفاد الشرط تحريم الانتفاع بالمحلل، يرجع إلى انتقال شئ مسلوب المنفعة مطلقا، فلا تعتبر معه الملكية للمشترى فيكون الشرط في قوة البيع بشرط عدم الملكية وان لم يكن بعينه هو (لا يقال) ان هذا الشرط لا ينافي مقتضى العقد في محيط العقلاء وبحسب نظرهم والبطلان الشرعي غير المنافات لمقتضى العقد. (فانه يقال) يكفى في مخالفته لمقتضى العقد مخالفته له في محيط القانون اللازم الاجراء عقلا، ولهذا لا يصح بيع الخمر لاسقاط الشارع ماليتها فلا تكون معاملتها مبادلة مال بمال بلحاظ القانون الالهى. وان شئت قلت: اسقاط الشارع مالية شئ تخطئة العقلاء في حكمهم، ففى المقام ان شرط عدم الانتفاع بالمحلل في حكم شرط سلب المنفعة مطلقا ولو بلحاظ الشرع فيكون مخالفا لمقتضاه. (أو قلت): أو اشتراط عدم الانتفاع بالخمر الا في المحرم: ينحل إلى شرطين كما تقدم، احدهما شرط عدم الانتفاعات المحللة، وهو من الشروط السائغة لعدم كونه مخالفا للشرع، والثانى شرط الانتفاع بالمحرم، وهو باطل فلا محالة يكون المشترى محروما عن الانتفاع بالمبيع مطلقا شرعا وشرطا وهو المنظور من المخالفة لمقتضى العقد لدى العقلاء، فان الشئ المسلوب المنفعة مطلقا لا يعد ملكا ولا مالا. ويمكن الاستدلال على المطلوب بوجه آخر، وهو ان مالية الاشياء كما تقدم انما هي بلحاظ المنافع المترتبة عليها، فما لا منفعة له مطلقا ليس بمال، فإذا اشترط على المشترى ان لا ينتفع من العنب مثلا الا الانتفاع بالمحرم فلا محالة يكون البيع بلحاظ الانتفاع بالمحرم والمالية الآتية من قبله، مع ان هذه المالية ساقطة شرعا فما لية العنب الآتية من قبل المنافع المحللة ساقطة فرضا حسب اشتراط البايع، فلا يمكن ان يكون البيع صحيحا بلحاظ المالية الآتية من قبلها،

[ 118 ]

والمالية الساقطة شرعا لا تصلح للمبادلة، فيكون دليل اسقاطها حاكما على ادلة تنفيذ البيع بالخراج المعاملة عن موضوع ادلته وادخالها في اكل المال بالباطل، ولك ان تجعل هذا الاخير وجها ثالثا للبطلان، وهو الاستدلال بالآية الكريمة بعد تحكيم ما دلت على سقوط المالية الآتية من قبل المنفعة المحرمة على الآية، صدرا وذيلا كما اشرنا إليه. ولا يعتبر في الحكومة ان يؤخذ في الدليل الحاكم عين العنوان الذى اخذ في المحكوم، فكما ان قوله الخمر ليست بمال حاكم على الآية اخراجا وادخالا، كذلك ما دلت على اهراقها واتلافها بلا ضمان الظاهر منها اسقاط ماليتها حاكمة عليها، بل لا يبعد تحكيم الدليل اللبى على الدليل اللفظى، فإذا قام الاجماع على عدم مالية الخمر يكون منقحا لموضوع اكل المال بالباطل، فان اكل الثمن في مقابل ما ليس بمال اكل له بالباطل ومخرجا عن التجارة تعبدا ولو لم يطلق على مثله الحكومة كما قويناه في الاصول، فلا مشاحة فيه بعد كون الانتاج واحدا. وهنا تقريب رابع للبطلان بان يقال: ان الثمن واقع في مقابل العنب بشرط الانتفاع الخاص، وهذا الانتفاع لم يحصل للمشترى فيكون المال المأخوذ بلحاظه أو بلحاظ المالية الآتية من قبله: مأخوذا بلا حصول العوض، ومثله ليس بمعاملة لانها متقومة بتبادل الانتقالين ومع فقده لاتتحقق (تأمل) وقد ظهر مما ذكران القول بالبطلان هيهنا غير مبنى على القول بمفسدية الشرط الفاسد، ولهذا قلنا بالبطلان ولو مع شرط عدم الاستفادة بالمحلل، والسكوت عن الاستفادة بالمحرم فانه شرط سائغ لكن يبطل البيع لا لفساد الشرط بل للوجوه المتقدمة، وتؤيده الروايتان الواردتان في النهى عن بيع الخشب ممن يتخذه صلبانا: والتوت ممن يصنع الصليب أو الصنم (1) بل وما وردت في لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الخمر وغارسها وحارسها وبايعها (الخ) (2) المستفاد منها ان بايع العنب للخمر


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 41 - من ابواب ما يكتسب به (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 55 - من ابواب ما يكتسب به

[ 119 ]

ايضا " ملعون، ومعلوم ان ملعونيته لاجل عمله فعمله مبغوض بل يمكن ان يقال لا يجتمع مبغوضية البيع بعنوانه مع تنفيذه والالزام بالعمل على وفقه. نعم لو كانت المبغوضية بعنوان آخر كالاعانة على الاثم كما هو محتمل في المقام: لاتدل على البطلان، فلو نوقش في هذا ففي ما تقدم غنى وكفاية، لكن يمكن المناقشة في اساس التقريبات المتقدمة بان يقال: ان الشئ تارة يكون بلا منفعة واقعا وتكوينا، واخرى يكون ذا منفعة لكن المالك افرز جميع منافعه بصلح ونحوه واراد بيعه بلا منفعة مطلقا حتى الانتفاع ببيع ونحوه، أو اراد بيعه بلا منفعة بافراز منافعه لنفسه ففيها تأتى التقريبات المتقدمه حتى تقريب المخالفة لمقتضى العقد أو كونه في قوتها، واما إذا باع وشرط على المشترى ان لا ينتفع به مطلقا أو بغير المنفعة المحرمة: فلا يكون مخالفا لمقتضاه ولا في قوتها، لان البيع انما تعلق بذات الشئ وموجب لانتقال منافعه الي المشترى، لكن دليل الشرط صار موجبا لحرمانه عن التصرف في ماله، ولايكون مفاد الشرط عدم الانتقال حتى يقال بمخالفته لمقتضاه، بل الشرط في الرتبة المتأخرة عن اعتبار ملكية المبيع بمنافعه وانتقاله كذلك إلى المشترى فلا يمكن ان يكون الشرط رافعا لموضوعه أو دافعا له، فلا يعقل ان يكون مخالخا لمقتضى العقد الذى هو موضوع الشرط وتأثيره، غاية الامر ان يكون غير سائغ للزوم تضييع مال محترم به ففساد العقد مبنى على مفسدية الشرط وان شئت قلت: ان هذا الشرط نظير نذر عدم التصرف في ماله أو قلنا بصحته فانه لا يوجب خروج الملك عن الاعتبار لصاحبه أو سلب ماليته عنه، لان الملكية مفروضة في موضوعه ولا يعقل رفعها بدليله، ويمكن دفعها بان يقال: ان مالية الاشياء متقومة بوجود منفعة لها وامكان الانتفاع بها، فكما ان الشئ إذا كان مسلوب المنفعة مطلقا تكوينا لا يعتبره العقلاء مالا ولا ملكا، فكذلك إذا كان له منفعة غير ممكن الاستيفاء مطلقا ولو عادة، كدرة غرقت في البحر بحيث لا يرجى عودها إلى الابد، فانها لا تعتبر مالا وملكا لمالكه السابق هذا حال التكوين، ومحيط التشريع

[ 120 ]

والتقنين كذلك عند الملتزمين به ولهذا تزيد وتنقص المالية بواسطة الشروط، فلو شرط على المشترى عدم الانتفاع بالفروفى الشتاء وعدم انتقاله إلى الغير: تحط من خمسين إلى خمس بل الشروط لدى العقلاء ايضا معتبرة لازم الوفاء عقلا ووجدانا، فشرط عدم الانتفاع بالشئ في محيط القانون والشرع بل عند العقلاء الملتزمين باحكام العقل والوجدان والمجتنبين عن الخيانة والعدوان: مناف لمبادلة المال بالمال وموجب لسقوط الشئ عن المالية من غير ان يلاحظ بطلان الشرط وصحة المعاملة بل لولا بطلان الشرط ببطلان اصل المعاملة يمكن التأمل في بطلانه. وبالجملة ان العقلاء لا يعدون تلك الماملة معتبرة، وكذلك الامر في محيط التقنين، وليس ذلك من دفع الشرط لموضوعه أو رفعه له بل مثله يعد منافيا لمقتضى العقود لدى العقلاء، نظير بيع الشئ مسلوب المنفعة أو بشرط مسلوبيتها، فلا يكون ذلك الشرط من الشروط الغير السايغة، بل هو من المنافية لنفس المعاملة ولو بنحو من اللزوم، الا ان يقال: ان تخلف الشروط لا يوجب شيئا الا العصيان والخيار، فمع التخلف يصح المعاوضة فحينئذ يكون مالا لدى العقلاء والشرع، فلا يكون الشرط الكذائي مخالفا لمقتضى العقد و لا في قوتها، ولا مخالفته موجبا للعصيان بل ولا الخيار في بعض الصور، (وفيه) ان المالية الآتية من قبل تخلف الشرط والشرع أو المقارنة لذلك: غير معتبرة لدى العقلاء وكذا لدى الشارع. (ان قيل) ان المالية لا تأتي من قبل تخلفه، بل صحة المعاملة شرعا في صورة مخالفة الشرط: دليل على اعتبار الشرع مالية المبيع، ففى المقام لو شرط على المشترى عدم التصرفات المحللة وخالف وباعه صح بيعه، وهو كاشف عن اعتبار الشارع ماليته (يقال): ان صحة بيع المشترى في الفرض متوقفة على صحة ابتياعه مع الشرط المتقدم، فلو كانت صحة ابتياعه متوقفة على صحة بيعه: لزم المحال ولا تفيد الصحة في ساير الموارد لتصحيح ما نحن فيه، فلو باع شيئا وشرط على المشترى عدم بيعه من شخص فباعه منه صح، لان صحة بيع الاول وشرطه معلومتان وتخلف

[ 121 ]

الشرط لا يوجب بطلان المعاملة فرضا، واما في المقام تكون صحة المعاملة مع الشرط المذكور مشكوكا فيها فكيف يمكن الحكم بصحة بيع المشترى والكشف بها عن صحة البيع الاول، (فتوهم) ان صحة البيع الثاني كاشفة عن صحة الاول لا موجبة لها فلا دور (في غير محله) لعدم امكان كشفها عنها ايضا بعد توقف صحتها على صحة العقد الاول مع الشرط (فتدبر) ومنها ان يشترط عليه الانتفاع بالمحرم من غير الحصر فيه، فحينئذ قد يكون الشرط بحيث لا يعتبر بلحاظه شئ وفى مقابله ولو لبا: فيكون من قبيل التزام في التزام محضا، فلا شبهة في انه من صغريات أو الشرط الفاسد مفسد ام لا، وقد يعتبر بلحاظه شئ كما لو باع ما قيمته مأة بخمسين وشرط عليه ان يستفيد منه المنفعة المحرمة لغرض منه فيه، كان يكون بيته في جوار المشترى واراد الاستفادة المحرمة منه، ففى مثله يمكن ان يقال انه ايضا من صغريات كون الشرط الفاسد مفسدا، لان الميزان في باب المعاملات ملاحظة محط الانشاآت لا اللبيات، والمفروض ان انشاء المعاملة وقع بين العينين والشرط خارج عن محطها ولهذا لا يقسط عليه الثمن أو المثمن ومجرد كون زيادة ونقيصة فيهما بلحاظه: لا يوجب دخوله في ماهية المعاوضة، ومع عدم الدخول تكون المبادلة بين العينين والشرط زائد وباطل فيأتى فيه ما يأتي في الشروط الفاسدة. ويمكن ان يقال ان المالية الملحوظة من قبل الشرط إذا لم تحصل للطرف مع خروج شئ بلحاظها من كيسه: يكون اخذه بلا عوض لبا ومن قبيل اكل المال بالباطل حقيقة، فإذا باع ما قيمته مأة بخمسين وشرط عليه شيئا يوازى خمسين و لم يحصل له ذلك يكون مقدار المالية الواردة في كيس الطرف بلا حصول ما بلحاظه له من اكل المال بلا عوض وبباطل، ولا شبهة في ان البايع في المعاملة المفروضة لم يسقط مالية ما له ولم يجعله للمشترى مجانا بل جعله بلحاظ الشرط الذى بنظره مال وذو قيمة، وبعبارة اخرى ان العقلاء لا ينظرون إلى الفاظ المعاملات بل عمدة نظرهم إلى واقعها، وفى اللب تكون المقابلة بين العين مع لحاظ الشرط،

[ 122 ]

ومع عدم حصول الشرط له يكون ما بلحاظه لا عوض واقعا، وهذا من اكل المال بالباطل (لا يقال) يأتي ما ذكر في الشروط الصحيحة ايضا في صورة تخلفها كما لو شرط عربية فرس خارجي فبان عدمها، مع ان في تخلفه الخيار بلا اشكال (فانه يقال) لو قام دليل من اجماع أو غيره على الصحة في موارد تخلف الشرط والوصف: نقول بمقتضاهما في موردهما على خلاف القواعد دون غيره، فمورد النقض نظير ما نحن فيه والاقرب في النظر العاجل هو الوجه الاول وان لا يخلو من كلام، ويأتى الكلام فيهما في ابواب الشروط انشاء الله وساعدنا التوفيق منه تعالى. ثم ان الكلام في الاجارة نظيره في المقام مع أو ضحية البطلان فيها في بعض الفروع، كما لو آجر بيتا ليباع فيه الخمرا وآلات القمار، فان البطلان فيه واضح، ويظهر حال ساير الصور مما تقدم. ثم ان هنا روايات لا بأس بالتعرض لها، كرواية صابر أو جابر (1) قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يواجر بيته فيباع فيه الخمر قال: حرام اجره. وانت خبير بانها مع ضعفها سندا ولو كان الراوى صابرا: مخالفة للقواعد العقلائية والشرعية المحكمة ضرورة أو اجارة البيت إذا لم تكن للانتفاع المحرم لم تكن اجرته حراما، ومجرد بيع المستأجر فيه الخمر لا يوجب حرمة الاجرة، والا لزم حرمة اجرة الدكاكين والبيوت التى يقع فيها عمل محرم أو بيع حرام وهو كما ترى. فلا محيص عن حملها على ما إذا آجره لذلك والمظنون ان يكون (فيباع) مصحف (ليباع) وربما تشهد له رواية دعائم الاسلام (2) عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: من اكترى دابة أو سفينة فحمل عليها المكترى خمرا أو خنازيرا أو ما يحرم: لم يكن على صاحب الدابة شئ، وان تعاقدا على حمل ذلك فالعقد فاسد والكرى على ذلك


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 32 - من ابواب ما يكتسب به

[ 123 ]

حرام. وصحيحة ابن اذينة (1) قال كتبت إلى ابى عبد الله عليه السلام اسأله عن الرجل يواجر سفينته ودابته ممن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنازير قال لا بأس. فان التفصيل في رواية الدعائم ونفى البأس في الصحيحة: موافقان المحكمة بناء على عدم كون المراد بالصحيحة اجارتهما لذلك كما هو الظاهر منها ايضا. ومنها المعاوضة على عين مشتملة على صفة يقصد منها الحرام، ولها صور لانه تارة تقصد المعاوضة بين العين الموصوفة مع لحاظ زيادة القيمة لاجل الصفة، كمن باع الجارية المغنية المعدة للتغني ولا حظ لصفة تغنيها زيادة قيمة، واخرى تقصد المعاوضة على الموصوفة بلا لحاظ قيمة لاجلها، وثالثه تلاحظ الصفة من جهة انها صفة كمال فتزاد لاجلها القيمة من غير نظر إلى عملها الخارجي، فان زيادة القيم فيما هو موصوف بصفة كمال وان كانت غالبا للانتفاع بها لا لنفسها بما هي كمال، لكن قد تتعلق الاغراض بها ما هي فتزاد القيمة لاجلها، ورابعة هذه الصورة بلا ازدياد القيمة، وخامسة تلاحظ الصفة من حيث انها كمال قد يستفاد منها الحلال كالتغني في الاعراس وفي هذه الصورة تارة تكون المنفعة المحللة نادرة، واخرى شايعة إلى غير ذلك، والكلام في وجه الصحة في الصور المذكورة هو الكلام في الشروط بما مر، وكذا في وجه الفساد في الصور التى يبذل فيها المال بلحاظ الصفة سواء كان بلحاظ ظهور آثارها كما هو الشايع المتعارف في زيادة القيم ام بلحاظ نفسها من حيث هي صفة كمال، الا ان وجه البطلان في المقام لعله الا وضح منه في الشروط، لان الشروط من قبيل التزام في التزام، واما في المقام فالاوصاف من قيود المبيع فمقابلة المال لبا في مقابلها اوضح. فيمكن ان يقال كما ان الجارية المغنية إذا لم تكن لها قيمة الا بلحاظ وصف التغني فبيعت موصوفة بمأة دينار، تكون المعاملة باطلة، لان ذاتها لا قيمة لها فرضا وصفتها ساقطة القيمة شرعا، ففى محيط الشرع لا تكون لها قيمة ويكون اكل المال


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به في سندها ابراهيم بن هاشم وهو ثقة

[ 124 ]

بهذا اللحاظ اكلا بالباطل، لتحكيم دليل اسقاط المالية عنها على الاية الكريمة بوجه اشرنا إليه وكذا لو كانت لها قيمة في غاية القلة كدرهم مع قطع النظر عن صفة التغني فبيعت موصوفة بمأة دينار: يكون اخذ المال بازائها بلحاظ وصفها اكلاله بالباطل، وتكون المعاملة في محيط الشرع سفهية، فكذلك لو بيعت موصوفة مع لحاظ مقدار من المالية لصفتها واخذه بلحاظها مع سقوطها عن المالية في لحاظ الشارع فان اكل المال في مقابل شئ بلحاظ مالا مالية له اكل له بالباطل، والا وجه بالنظر بحسب القواعد وان كان الصحة لما تقدم في الشروط لكنه غير خال من المناقشة و التأمل. هذا حال ما بلاحظ بازاء الصفة مال، واما مع عدم لحاظه فمقتضى القواعد صحتها لاطلاق الادلة وعمومها وعدم وجه للفساد، ومجرد توصيف المبيع بصفة يترتب عليها الحرام: لا يوجب بطلان المعاملة، ولو فرض صدق الاعانة على الاثم عليها في بعض الاحيان: لا يقتضى ذلك بطلانها كما يأتي الكلام فيه، وبما ذكرناه يظهر التأمل في كلام شيخنا الاعظم (1) حيث نفى الاشكال عما لو لوحظ من حيث انه صفة كمال قد تصرف إلى المحلل فيزيد لاجلها الثمن وكانت المنفعة المحللة لتلك الصفة مما يعتد بها، واختار الصحة ايضا فيما كانت المنفعة المحللة نادرة وزادت القيمة لاجل صفة الكمال التى قد تصرف إلى المحلل، وذلك لان زيادة القيمة ليست لاجل صفة الكمال بما هي كذلك، بل تفاوت القيم في الاشياء بلحاظ الانتفاع بها، فصفة الكمال المنتفع بها توجب زيادة القيمة بمقدار مرغوبية الانتفاع، و لو فرض بذل بعض الاشخاص احيانا ما لا بلحاظ نفس صفة الكمال: فهو لا محالة لاجل بعض اغراض اخر لا بواسطة مالية الصفة بذاتها من غير جهة انتفاع وابراز، فعليه ان بذل المال ان كان للصفة بلحاظ ابرازها المحلل وتتقدر القيمة بلحاظها بتلك الحيثية: فلا اشكال في صحة المعاملة بحسب القواعد، كانت المنفعة نادرة ام لا.


(1) راجع المكاسب - مسألة الثانية من النوع الثاني مما يحرم التكسب به

[ 125 ]

نعم لابد في النادرة كونها ذات قيمة لدى العقلاء، وان زاد القيمة بمقدار الصفة بتمام الحيثيات المحللة والمحرمة ولو حظت للمحللة فقط جزافا: يأتي فيه الاشكال المتقدم من احتمال صدق اكل المال بالباطل عليه سيما إذا كانت المنفعة النادرة مما لا قيمة لها، فان لحاظ القيمة لما لا قيمة لها لا يجعلها ذات قيمة، كما ان لحاظ زيادتها لا يجعلها زائدة فبذل المال بلحاظ ما لا مالية لها والزيادة بلحاظ مالا زيادة لها: بذل بلا حصول مقابله لبا، وهو نظير ما تقدم من احتمال كونه من قبيل اكل المال بالباطل هذا بحسب القواعد. واما بحسب الاخبار فالظاهر شمول مثل قوله في التوقيع وثمن المغنية حرام (1) وقوله في صحيحة ابراهيم بن ابى البلاد (2) ان ثمن الكلب والمغنية سحت، وقوله في رواية الطاطرى (3) شرائهن وبيعهن حرام للجارية المغنية التى شغلها التغني وكانت معدة لذلك سواء كان الثمن المجعول في مقابلها بلحاظ كونها مغنية ومنشأ لهذا الاثر كلا أو بعضا، ام جعل بلحاظ نفس ملكة التغني مقطوع النظر عن العمل، أو مع النظر إلى الاثر المحلل كالقرائة بحسن صوتها أو التغني لزف الاعراس أو بلحاظ ذاتها أو صفتها الاخرى كالخياطة، لصدق كون ثمنها ثمن المغنية، فانها عبارة عن الذات الموصوفة بالصفة المعدة لذلك، والثمن يجعل في مقابل الموجودة في الخارج وهى الجارية المغنية، ومجرد عدم لحاظ كون الثمن لصفتها لم يخرجها عنها، ولا يضر بصدق كون الثمن ثمن المغنية نعم لو جعل الثمن بازاء وصفها أي الخياطة لم يصدق انه ثمن المغنية أو باع الكلى الموصوف بالخياطة وسلم الخياطة المغنية فكذلك لكن الاول مجرد فرض، لا واقعية له، بل هو باطل بجهة اخرى، والثانى خروج عن الفرض والمسألة، و بالجملة ان المبيع هو الجارية الموجودة في الخارج التى هي المغنية والثمن الذى بازائها ثمن هذه الموجودة المغنية، وهذا نظير بيع المسكر الخارجي ويجعل الثمن


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 - من ابواب ما يكتسب به الثالثة مهملة

[ 126 ]

بلحاظ كونه مادة سيالة لا بلحاظ مسكريته فانه من الواضح صدق كون الثمن بازائه ثمن المسكر، ومجرد اللحاظ لا يوجب بطلان الصدق ان قلت لعل نكتة تحريم ثمنها وجعله سحتا: هي سقوط مالية صفة التغني فيكون اكل المال بلحاظ الصفة الساقطة من قبيل اكل المال بالباطل، فالحكم بالحرمة والسحتية دائر مدار لحاظ مالية لها كما تقدم الكلام فيه، فإذا لم يجعل الثمن بلحاظها لم يكن اكلا للمال بالباطل. قلت الظاهر المتفاهم عرفا من الروايات ان الحكم لحرمة ثمنها وبيعها و شرائها انما هو للفساد المترتب عليها، فاراد الشارع قلع الفساد أو تقليله، ولا ينقدح في الاذهان منها كون التحريم لاجل كونه اكلا للمال بالباطل بل مع احتمال ذلك فالمرجع اطلاق الادلة، فإذا كانت الجارية مغنية واراد المشترى منها التغني وتشبث بحيلة لتصحيح المعاملة وتملك الجارية واراد البايع ايضا تصحيحها وحلية ثمنها بجعل الثمن بازاء ذاتها مجردة عن الصفة أو بلحاظ ساير اوصافها دون صفة التغني أو بازائها للاثر المحلل فرارا من الحرام إلى الحلال، لا يمكن لهما ذلك ولا تصحح تلك الحيلة البيع لصدق ان ثمنها ثمن المغنية لما عرفت، وهذا نظير ان ينهى المولى عن ضرب الجارية المغنية فضربها لكونها خياطة أو لذاتها حيلة لعدم مخالفته. (ان قلت) ان الاخبار محمولة على الغالب وهو مورد بيع المغنيات وتزييد القيمة لصنعتها (قلت) لو سلم ان الغلبة صارت موجبة للانصراف في موارد اخر: لا توجب ذلك في المقام، لان مناسبة الحكم والموضوع وفهم العرف من الروايات نكتة الجعل توجبان التعميم، بل الغاء الخصوصية لو كانت واردة في مورد خاص فالانصراف ممنوع والاطلاق محكم نعم لو تابت المغنية عن عملها وتركت الاشتغال به: فالظاهر صحة بيعها وان قلنا بصدق المشتق، لكون المبدء هو الملكة العلمية لا الصنعة والعمل لانصراف الاخبار عن هذه الصورة، بل يقوى احتمال عدم صدق المشتق، لاحتمال ان يكون المبدء التغني الذى من قبيل الحرفة فيكون الصدق لاتخاذه حرفة كالمكارى والتاجر، فإذا

[ 127 ]

تركت الحرفة واعرضت عنها بطل الصدق، كما ان الظاهر انصرافها عما إذا كان غرض المتعاملين حفظها عن التغني وكان البايع غير قادر عليه ولو كانت صفة التغني دخيلة في زيادة الثمن (نعم) يأتي فيه الاشكال المتقدم وهو احتمال صدق اكل المال بالباطل، واما إذا كان غرض المشترى ذلك دون البايع فالظاهر بطلانه، لشمول الاخبار له سواء علم قصد المشترى ام لا. ثم لو قلنا باستفادة البطلان من قوله: ثمن المغنية سحت أو حرام كما هو الارجح بالنظر: فهو، والاصحت المعاملة وان حرم ثمنها تكليفا بعنوان كونه ثمنها، هذا حال مثل قوله ثمن المغنية حرام وسحت مع قطع النظر عن مورد الروايات واما بالنظر إليه فلابد من نقلها وبيان مفادها، فمنها صحيحة ابراهيم بن ابى البلاد (1) قال: قلت لابي الحسن الاول جعلت فداك ان رجلا من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهن اربعة عشر الف دينار وقد جعل لك ثلثها فقال: لا حاجة لى فيها ان ثمن الكلب والمغنية سحت. والظاهر منها ان الجوارى كانت موجودة عند بعض الموالى وجعل ثلث قيمتهن لابي الحسن عليه السلام، فالقاعدة تقتضي صحة الوصية لو قلنا بان للجواري المغنيات قيمة بلحاظ ساير أو صافهن أو بلحاظ ذواتهن وان زعم الموصى بان لهن قيمة بلحاظ التغني وهذا الزعم الباطل لا يوجب بطلانها فلو فرض ان لهن قيمة واقعية ملحوظة لدى الشارع كان ثلثها لابي الحسن عليه السلام فرده الوصية دليل على ان بيعهن مطلقا حرام وثمنهن سحت سواء تباع بلحاظ قيمة التغني أو بلحاظ غيره والا لقال بعهن بلحاظ ساير اوصافهن واحتمال ان يكون ردها لمنافات القبول لمقام شرافته وتنزهه مخالف للظاهر من قوله ان ثمنها سحت، فان ظاهره ان ردها لاجل حكم الشارع بان ثمنهن سحت مع ان القبول بالنحو المتقدم لا ينافي مقامه (ع) كما ان احتمال ان يكون الموصى به قيمتهن بلحاظ الصفة المحرمة فجعل ثلث مالية تلك الجهة له عليه السلام فتكون الوصية


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 - من ابواب ما يكتسب به

[ 128 ]

باطلة: بعيد عن ظاهر الرواية، مع ان ترك الاستفصال دليل على الحرمة مطلقا، كما ان احتمال ان لا تكون لهن قيمة الا بلحاظ صفة التغني بعيد غايته بل مقطوع الخلاف. ومنها رواية ابراهيم بن ابى البلاد (1) قال اوصى اسحق بن عمر بجوار له مغنيات ان نبيعهن ونحمل ثمنهن إلى ابى الحسن عليه السلام قال ابراهيم فبعت الجوارى بثلثمأة الف درهم وحلمت الثمن إليه، فقلت له ان مولى لك يقال له اسحق بن عمر اوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنيات وحمل الثمن اليك وقد بعتهن وهذا الثمن ثلثمأة الف درهم فقال: لا حاجة لى فيه ان هذا سحت وتعليمهن كفرو الاستماع منهن نفاق وثمنهن سحت يمكن الاستدلال بها على البطلان مطلقا بان يقال: لو كان لبيع المغنيات وجه صحة ووجه فساد: كان مقتضى القاعدة حمله على الصحة لا الحكم بكون الثمن سحتا، فالحكم به ورد الثمن دليل على ان لا وجه صحيح في بيعهن، الا ان يقال: بظهورها في ان البيع وقع بلحاظ كونها مغنية، ولو حظت زيادة القيمة لاجلها كما هو الغالب الشايع من بيع المغنيات، أو يقال: بعدم جريان اصالة الصحة فيما كان الغالب على خلافها كما في المقام، ومعذلك فترك الاستفصال لا يخلو من اشعار بالبطلان مطلقا. ومنها صحيحة معمر بن خلاد (2) عن ابى الحسن الرضا عليه السلام قال خرجت وانا اريد داود بن عيسى بن على، وكان ينزل بئر ميمون، وعلى ثوبان غليظان فلقيت امراة عجوزا ومعها جاريتان، فقلت: يا عجوز أتباع هاتان الجاريتان؟ فقالت: نعم، ولكن لا يشتريهما مثلك، قلت: ولم؟ قالت: لان احديهما مغنية والاخرى زامرة (الخ) ويمكن الاستدلال بها للبطلان مطلقا بان يقال: لو كان الاشتراء بلحاظ ساير اوصافهن جائزا: لم يقررها عليه أو اشار إليه في نقله لمعر بن خلاد، الا ان يقال: ان العجوز كانت لم تبعهما الا بلحاظ قيمة وصفهما، ومنها بيع شئ مباح ممن يصرفه في الحرام


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 - من ابواب ما يكتسب به - مرسلة (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به

[ 129 ]

كبيع الخشب ممن يعمل صنما أو بربطا (1) ونحوهما، وبيع العنب ممن يعمل خمرا (2) فتارة يعلم البايع انه يصرفه في الحرام واراد ذلك فعلا، واخرى يعلم بعدم ارادته الحرام لكن يعلم بتجدد ارادته لذلك، وعليه تارة يكون البيع أو تسليم المبيع له موجبا لارادته كما لو كان العنب جيدا صالحا للتخمير فإذا باعه صار موجبا لارادته، واخرى يكون تجددها لالذك، وعلى ان حال تارة يكون البيع بداعي توصله إلى الحرام أو برجاء ذلك، واخرى لا يكون كذلك، وعلى أي حال تارة يترك الحرام مع تركه البيع، واخرى لا يترك لوجود بايع غيره والاولى صرف الكلام أو لا إلى الحكم الكلى، ثم الكلام في الروايات الخاصة فيقع الكلام في مقامين: احدهما فيما يمكن ان يستدل به على الحكم وهو امور: احدها حكم العقل بقبح اعانة الغير على معصية المولى واتيان مبغوضه، فكما ان اتيان المنكر قبيح عقلا، وكذا الامر به والاغراء نحوه قبيح كذلك تهيئة اسبابه والاعانة على فاعله قبيح عقلا موجب لاستحقاق العقوبة، ولهذا كانت القوانين العرفية متكفلة لجعل الجزاء على معين الجرم وان لم يكن شريكا في اصله، فلو اعان احد السارق على سرقته وهيئ؟ اسبابه وساعده في مقدماته، يكون مجرما في نظر العقل والعقلاء وفى القوانين الجزائية، وقد ورد نظيره في الشرع فيما لو امسك احد شخصا وقتله الآخر وكان ثالث نظر لهما: ان على القاتل القود، وعلى الممسك الحبس حتى يموت، وعلى الناظر أو الربيئة تسميل عينيه (3) ولا منافات بين ذلك وبين ما حررناه في الاصول من عدم حرمة مقدمات الحرام مطلقا، لان ما ذكرناه في ذلك المقام، هو انكار الملازمة بين حرمة الشئ وحرمة مقدماته، وما اثبتناه ههنا: ادراك العقل قبح العون على المعصية والاثم لا لحرمة المقدمة، بل لاستقلال العقل على قبح الاعانة على ذى المقدمة الحرام وان


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 41 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 59 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب القصاص - الباب 17 - من ابواب القصاص في النفس.

[ 130 ]

لم تكن مقدماته حراما، وهذا عنوان لا يصدق على اتيان الفاعل المقدمات. ولهذا لا يكون المجرم في اتيان مقدماته مجرما بل يكون مجرما في اتيان نفس الجرم نعم لواتى بالمقدمات ولم يوفق باتيان الحرام كان متجريا. وبالجملة يرى العقل فرقا بين الآتى بالجرم بمقدماته وبين المساعد له في الجرم ولو بتهيئة اسبابه ومقدماته، فلا يكون الاول مجرما في اتيان المقدمات زائدا عن اتيان الجرم واما الثاني فيكون مجرما في تهيئة المقدمات، فيكون في نظر العقل المساعد له كالشريك له في الجرم وان تفاوتا في القبح والظاهر عدم الفرق في القبح بين ما إذا كان تهيئة المقدمات بداعي توصل الغير إلى الجرم وغيره، فإذا علم بان السارق يريد السرقة ويريد ابتياع السلم لذلك: يكون تسليم السلم إليه قبيحا وان لم يكن التسليم لذلك، وان كان الاول اقبح، كما لا فرق في نظر العقل بين الارادة الفعلية والعلم بتجددها سيما إذا كان التسليم موجبا لتجددها، كما لا فرق بين وجود بايع آخر وعدمه، وان تفاوتت الموارد في القبح لكنها مشتركة في اصله ثم ان حكم العقل بالقبح في تلك الموارد ثابت ولو لم يصدق على بعضها عنوان الاعانة على الاثم والتعاون ونحوهما، فان العقل يدرك قبح تهيئة مقدمات المعصية والجرم، صدق عليها تلك العناوين ام لا، ولعل ما ورد في الكتاب (1) والاخبار من النهى عن التعاون على الاثم والعدوان، أو معونة الظالمين (2) أو لعن رسول الله صلى الله عليه وآله في الخمر غارسها وحارسها وبايعها ومشتريها وحاملها و ساقيها، (3) وكذا ما وردت من حرمة بيع المغنيات (4) واجارة المساكن لبيع بعض المحرمات (5) كلها: لذلك أو لنكتته.


(1) سورة المائدة - الاية 3 (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 42 من ابواب ما يكتسب وكتاب الجهاد - الباب 17 - من ابواب جهاد النفس (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 55 - من ابواب ما يكتسب به (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 - من ابواب ما يكتسب به (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 36 - من ابواب ما يكتسب به

[ 131 ]

ثم انه بعد ادراك العقل قبح ذلك، أي الاعانة على الاثم وتهيئة اسباب المنكر والمعصية: لا يمكن تخصيص حكمه وتجويز الاعانة عليها في مورد، كما لا يمكن تجويز المعصية، كما يشكل التخصيص ايضا لو كان الدليل عليه مثل قوله حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه لعن الخمر وغارسها (الخ) بناء علي الغاء الخصوصية عن الطوائف العشر إلى كل معين لشربها، أو إلى كل معين لمعصية، لكن الثاني ممنوع لانه مخصوص بالخمر ولا يتعدى إلى غيرها، ولايجوز الغاء الخصوصية عنها. (نعم) لو كان الدليل مثل قوله ولا تعاونوا على الاثم والعدوان لا منع من تخصيصه. ثانيها قوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم و العدوان (1) واستشكل عليه الفاضل الايروانى (2) تارة بان مؤداها الحكم التنزيهى بقرينة مقابلته للامر بالاعانة على البر والتقوى الذى ليس للالزام قطعا، واخرى بان قضية باب التفاعل هو الاجتماع على اتيان المنكر كأن يجتمعوا على قتل النفوس ونهب الاموال، لا اعانة الغير على اتيانه على ان يكون الغير مستقلا وهذا معينا له باتيان بعض مقدماته. ويرد على الاول انه لو سلمت في ساير الموارد قرينية بعض الفقرات على الاخر بما ذكر: لا يسلم في المقام لا تناسب الحكم والموضوع وحكم العقل شاهدان على ان النهى للتحريم، مضافا إلى ان مقارنة الاثم والعدوان الذى هو الظلم: لم تبق مجالا لحمل النهى على التنزيه، ضرورة حرمة الاعانة على العدوان والظلم كما دلت عليها الاخبار المستفيضة، وحمل العدوان على غير الظلم كما ترى، وعلى الثاني: ان ظاهر مادة العون عرفا وبنص اللغويين: المساعدة على امر و المعين هو الظهير والمساعد، وانما يصدق ذلك فيما إذا كان احد اصيلا في امر و اعانه غيره عليه، فيكون معنى (لا تعاونوا على الاثم والعدوان) لا يكن بعضكم لبعض


(1) سورة المائدة - الاية 3 (2) في حاشيته على المكاسب - في بيع العنب ممن يعمله خمرا - ص 15

[ 132 ]

ظهيرا ومساعدا ومعاونا فيهما ومعنى تعاضد المسلمين وتعاونهم: ان كلا منهم يكون عضدا ومعينا لغيره لا انهم مجتمعون على امر. ففى القاموس تعاونوا واعتونوا اعان بعضهم بعضا، ونحوه في المنجد وفى مجمع البيان في ذيل الآية قال امر الله عباده بان يعين بعضهم بعضا على البر والتقوى إلى ان قال: ونهاهم ان يعين بعضهم بعضا على الاثم (الخ) وكون التعاون فعل الاثنين لا يوجب خروج مادته عن معناها، فمعنى تعاون زيد وعمر، ان كلامنهما معين للاخر، وظهير له، فإذا هيئ كل منهما مقدمات عمل الآخر يصداق انهما تعاونا، وبالجملة كون التفاعل بين الاثنين لا يلازم كونهما شريكا في ايجاد فعل شخصي فالتعاون كالتكاذب والتراحم والتضامن مما هي فعل الاثنين من غير اشتراكهما في فعل شخصي، ولو كان المراد من حرمة التعاون على الاثم هو الشركة فيه: يكون مقتضى الجمود على ظاهر الاية هو حرمة شركة جميع المكلفين في اتيان محرم وهو كما ترى، فالظاهر من قوله: لا تعاونوا على الاثم والعدوان، عدم جواز اعانة بعضهم بعضا في اثمه وعدوانه وهو مقتضى ظاهر المادة والهيئة، ولو قلنا بصدق التعاون والتعاضد على الاشتراك في عمل فلا شبهة في عدم اختصاصه به. ثم ان المحكى عن المحقق الثاني (1) الايراد على التمسك بآية حرمة التعاون على الاثم لتحريم بيع شئ مما يعلم عادة التوصل به إلى محرم، بانه لو تم هذا الاستدلال فيمنع معاملة اكثر الناس، والجواب عن الاية المنع من كون محل النزاع معاونة مع ان الاصل الاباحة وانما المعاونة مع بيعه لذلك (انتهى) وفصل هذا الاجمال في مفتاح الكرامة (2) والجواهر (3) بانه قامت السيرة على معاملة الملوك والامراء فيما يعلمون صرفه في تقوية الجند والعساكر المساعدين لهم على الظلم والباطل، واجارة الدور والمساكن والمراكب لهم لذلك، وبيع المطاعم والمشارب للكفار في نهار شهر رمضان مع علمهم باكلهم فيه، وبيعهم بساتين العنب منهم مع العلم العادى بجعل


(1) و (2) راجع مفتاح الكرامة فيما يكون المقصود منه حراما - من المتاجر (3) فيما يكره التكسب به - من التجاره

[ 133 ]

بعضه خمرا، وبيع القرطاس منهم مع العلم بان منه ما يتخذ كتب ضلال اضف إليها ما ورد من جواز بيع المختلط بالمذكى من المستحل، وجواز بيع العجين النجس منه، وجواز اطعام المرق النجس لاهل الذمة، وجواز سقيهم مع تنجس الماء بملاقاتهم (1) إلى غير ذلك. اقول: اما صدق الاعانة فيما نحن فيه فسيأتي الكلام فيه وقد عرفت ان حكم العقل بالقبح لا يتوقف على صدق عنوان الاعانة، واما الموارد التى ذكروها وادعوا فيها السيرة: فالجواب اما عن السيرة ببيع المطاعم من الكفار وما هو نظير ذلك كبيع العنب لهم مع العلم بجعل بعضه خمرا، فحكم العقل بالقبح وصدق الاعانة على الاثم: فرع كون الاتيان بما ذكر اثما وعصيانا وهو ممنوع لا لكون الكفار غير مكلفين بالفروع أو غير معاقبين عليها، فان الحق انهم مكلفون ومعاقبون عليها بل لان اكثرهم الا ما قل وندر جهال قاصرون لا مقصرون. اما عوامهم فظاهر، لعدم انقداح خلاف ما هم عليه من المذاهب في اذهانهم بل هم قاطعون بصحة مذهبهم وبطلان ساير المذاهب نظير عوام المسلمين، فكما ان عوامنا عالمون بصحة مذهبهم وبطلان ساير المذاهب من غير انقداح خلاف في اذهانهم لاجل التلقين والنشو في محيط الاسلام، كذلك عوامهم من غير فرق بينهما من هذه الجهة، والقاطع معذور في متابعة قطعه ولايكون عاصيا وآثما ولا تصح عقوبته في متابعته. واما غير عوامهم فالغالب فيهم انه بواسطة التلقينات من اول الطفولية والنشو في محيط الكفر: صاروا جازمين ومعتقدين بمذاهبهم الباطلة بحيث كل ما ورد على خلافها ردوها بعقولهم المجبولة على خلاف الحق من بدو نشوهم، فالعالم اليهودي و النصراني كالعالم المسلم لا يرى حجة الغير صحيحة وصار بطلانها كالضروري له، لكون صحة مذهبه ضرورية لديه لا يحتمل خلافه.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 7 - من ابواب ما يكتسب به وكتاب الاطعمة و الاشربة - الباب 26 - من ابواب الاشربة المحرمة

[ 134 ]

نعم فيهم من يكون مقصرا لو احتمل خلاف مذهبه وترك النظر إلى حجته عنادا أو تعصبا كما كان في بدو الاسلام في علماء اليهود والنصارى من كان كذلك، وبالجملة ان الكفار كجهال المسلمين منهم قاصروهم الغالب ومنهم مقصر، والتكاليف اصولا وفروعا مشتركة بين جميع المكلفين عالمهم وجاهلهم قاصرهم ومقصرهم، والكفار معاقبون على الاصول والفروع لكن مع قيام الحجة عليهم لا مطلقا، فكما ان كون المسلمين معاقبين على الفروع ليس معناه انهم معاقبون عليها سواء كانوا قاصرين ام مقصرين كذلك الكفار طابق النعل بالنعل بحكم العقل واصول العدلية فتحصل مما ذكر ان ما ادعى من السيرة على بيع الطعام في نهار شهر رمضان من الكفار وساير ما هو نظيره: خارج عن عنوان الاعانة على الاثم أو تهيئة اسباب المعصية، لعدم الاثم والعصيان غالبا، وعدم العلم ولو اجمالا بوجود مقصر فيمن يشترى الطعام وغيره هذا مع غفلة جل اهل السوق لو لا كلهم عن هذا العلم الاجمالي وعدم انقداح ما ذكر في اذهانهم، فدعوى وجود السيرة مع العلم التفصيلي أو الاجمالي والتوجه والتذكر لذلك، غير وجيهة جدا. واما بيع القرطاس مع العلم باتخاذ كتب الضلال من بعضه، فمضافا إلى ما تقدم وعدم العلم الاجمالي رأسا: ان دفع اضلال الناس من الامور التى يهتم به الشارع الاقدس فكيف يمكن القول بجواز بيع القرطاس ممن يعلم انه يكتب فيه ضد الاسلام ورد القرآن الكريم والعياذ بالله، صدق عليه عنوان الاعانة على الاثم ام لا، واما ما ذكر من السيرة على معاملة الملوك لو سلم حصول العلم الاجمالي المذكور أي حصول العلم بصرفه في الظلم والعدوان: فلا تكشف تلك السيرة عن رضى الشارع بعد ما وردت تلك الروايات الكثيرة في باب معونة الظالم، حيث يظهر منها حرمة ايجاد بعض مقدمات الظلم ولو لم يقصد البايع ذلك. وان شئت قلت ان السيرة ليست من المسلمين المبالين بالديانة، وليست المعاملة معهم مع العلم بالصرف في الظلم الا كبيع الخمر وآلات الطرب الذى هو رواج في سوق المسلمين، ولا يمكن عده من سيرتهم الكاشفة ولا من سيرتهم بما

[ 135 ]

هم مسلمون. (أو قلت) ان تلك السيرة مردوعة بالروايات المستفيضة وانما الاتكال عليها لكشفها عن رضى الشارع، ومع تلك الروايات الصالحة للردع لا يمكن ذلك. هذا مع ان ترك المعاملة مع عمال الامراء والسلاطين كان مظنة للضرر ومخالفا للتقية سيما في اعصار الائمة عليهم السلام، ومعه لا يمكن الكشف عن الحكم الواقعي. ثالثها ادلة وجوب النهى عن المنكر بان يقال دفع المنكر كرفعه واجب ولا يتم الا بترك البيع، وربما نسب هذا الوجه إلى المحقق الاردبيلى، لكن لا يظهر منه ذلك بل الظاهر منه استبعاد جواز بيع العنب ممن يعلم انه يصنع خمرا، أو يظن ذلك مع وجوب النهى عن المنكر، قال (1). ومما يستبعد الجواز وعدم البأس وهو الباعث على تأويل كلامهم: ان يجوز للمسلم ان يحمل خمرا لان يشرب والخنزير لان يأكله من لا يجوز له اكله، وباع الخشب وغيره ليصنع صنما والدفوف والمزامير مع وجوب النهى عن المنكر وايجاب كسر الهيا كل وعدم جواز الحفظ وكسر آلات اللهو ومنع الشرب والحديث الدال على لعن حامل الخمر وعاصرها المذكور في الكافي وقد تقدم، وكذ اما تقدم في منع بيع السلاح لاعداء الدين فانه يحرم للاعانة على الاثم وهو ظاهر (انتهى). وهو في كمال الاتقان وحاصله دعوى منافاة ادلة النهى عن المنكر المستفاد منها ان سبب تشريعه لو كان شرعيا: قلع مادة الفساد والعصيان سيما مع تلك التأكيدات فيه والاهتمام به من وجوبه بالقلب واليد واللسان، ودلالة بعض الاحاديث على ايعاد العذاب لطايفة من الاخيار لمداهنتهم اهل المعاصي، وعدم الغضب لغضب الله تعالى، و النهى عن الرضا بفعل المعاصي، والامر بملاقات اهلها بالوجوه المكفهرة (2) وغيرها وكذا ساير ما ذكره مع تجويز بيع الخمر ممن يعلم انه يجعله خمرا والخشب ممن يجعله صنما وصليبا أو آلة لهو وطرب، مع ان فيه اشاعة الفحشاء والمعاصي وترويج


(1) راجع كتاب المتاجر من شرح الارشاد في القسم الثاني من المتاجر المحرمة. (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 18 - 37 من ابواب الامر والنهى.

[ 136 ]

الاثم والعصيان وملازم للرضى بفعل العاصى، وليس مراد الاردبيلى من قوله: لان يشرب الخمر، ولان يأكل لحم الخنزير، وليصنع صنما: كون البيع لغاية ذلك كما هو موهم كلامه فراجع كلامه في شرح الارشاد حتى يتضح مرامه وكيف كان لا بأس بصرف الكلام في الاستدلال بادلة النهى عن المنكر بنحو ما قرره شيخنا الاعظم (قده) (1) توجيها لكلام المحقق الاردبيلى. فنقول: ان دفع المنكر كرفعه واجب بناء على ان وجوب النهى عن المنكر عقلي، كما صرح به شيخنا الاعظم وحكى عن شيخ الطائفة وبعض كتب العلامة وعن الشهيدين والفاضل المقداد انه عقلي، وعن جمهور المتكلمين منهم المحقق الطوسى عدم وجوبه عقلا بل يجب شرعا، والحق هو الاول لاستقلال العقل بوجوب منع تحقق معصية المولى ومبغوضه، وقبح التوانى عنه سواء في ذلك التوصل إلى النهى أو الامور الاخر الممكنة، فكما تسالموا ظاهرا على وجوب المنع من تحقق ما هو مبغوض الوجود في الخارج سواء صدر من مكلف ام لا لمناظ مبغوضية وجوده، كذلك يجب المنع من تحقق ما هو مبغوض صدوره من مكلف ويرى العبد صدوره منه، فان المناط في كليهما واحد، وهو تحقق المبغوض وان اختلفا في ان الاول نفس وجوده مبغوض والثانى صدوره من مكلف مبغوض، فإذا هم حيوان باراقة شئ يكون اراقته مبغوضة للمولى ويرى العبد ذلك وتقاعد عن منعه، يكون ذلك قبيحا منه ويستحق للعقوبة لا لاهميته بل لنفس مبغوضيته كذلك لو رأى مكلفا يأتي بما هو مبغوض مولاه لاشتراكهما في المناط، والحاكم به العقل. فان قلت على هذا لا يمكن تجويز الشارع ترك النهى عن المنكر (قلت) هو كذلك لو كان المبغوض فعليا ولم يكن للنهى مفسدة غالبة، فلو ورد منه تجويز الترك يكشف عن مفسدة في النهى أو مصلحة في تركه لو كان ذلك متصورا في التروك والاعدام، فدعوى الطباطبائى في تعليقته علي المكاسب عدم قبح ترك النهى عن المنكر، في غير محلها. (نعم) ما اشار إليه الشيخ الانصاري من الاستدلال عليه بوجوب اللطف (غير وجيه) لما اشار إليه المحشى المحقق


(1) راجع المكاسب - في بيع العنب على ان يعمل خمرا

[ 137 ]

من كفاية ترهيب الله تعالى ونهيه في اللطف. ثم ان العقل لا يفرق بين الرفع والدفع بل لا معنى لوجوب الرفع في نظر العقل فان ما وقع لا ينقلب عما هو عليه، فالواجب عقلا هو المنع عن وقوع المبغوض سواء اشتغل به الفاعل أو هم بالاشتغال به وعلم بكونه بصدد وكان في معرض التحقق، وما يدركه العقل قبحه هو هذا المقدار الذى ادعاه شيخنا الانصاري لا التعجيز بنحو مطلق حتى يشمل مثل ترك التجارة والزراعة والنكاح إلى غير ذلك. نعم الظاهر عدم الفرق بين ارادته الفعلية وما علم بتجددها بعد البيع سيما إذا كان البيع سببا له كما مر، ولو بنينا على ان وجوب النهى عن المنكر شرعى فلا ينبغى الاشكال في شمول الادلة المدفع ايضا لو لم نقل بأن الواجب هو الدفع بل يرجع الرفع إليه حقيقة، فان النهي عبارة عن الزجر عن اتيان المنكر وهو لا يتعلق بالموجود الا باعتبار ما لم يوجد، فان الزجر عن ايجاد الموجود محال عقلا و عرفا، فاطلاق ادلة النهى عن المنكر شامل للزجر عن اصل التحقق واستمراره، فلو علم من احد ارادة ايجاد الحرام وهم به واشتغل بمقدماته مثلا: وجب نهيه عنه، فان المراد بالمنكر الذى يجب النهي عنه طبيعته لا وجوده، بل لو فرض عدم اطلاق فيها من هذه الجهة وكان مصبها النهى عن المنكر بعد اشتغال الفاعل به: لا شبهة في الغاء العرف خصوصية التحقق بمناسبات الحكم والموضوع، فهل ترى من نفسك انه لو اخذ احد كأس الخمر ليشربها بمرئى ومنظر من المسلم يجوز له التماسك عن النهى حتى يشرب جرعة منها ثم وجب عليه النهى، وهل ترى عدم وجوب النهى عن المنكر في الدفعيات والوجودات الصرفة الدفعية، ولعمري ان التشكيك فيه كالتشكيك في الواضحات. ثم لو قلنا بوجوب دفع المنكر فتارة يكون بوجوده السارى منكرا كشرب الخمر وتخميرها، واخرى بصرف وجوده، وعلى الاول تارة يكون المشترى مريدا لتخمير كل عنب يشتريه، واخرى لا يريد الا تخمير مصداق واحد، لا ينبغى الاشكال

[ 138 ]

في الحرمة على الاول لان دفع كل مصداق من المنكر واجب فرضا، و المفروض ان كل عنب يشترى الخمار يجعله خمرا فترك كل بيع: دفع عن منكر مستقلا فهو واجب. واما بناء على ان المنكر صرف وجود التخمير مثلا اولا يخمر المشترى الا مصداقا واحدا من المبيع، فهو يجوز بيعه الا فيما إذا تركه غيره، فلو علم بناء غيره على البيع يجوز له ذلك، لان دفع المنكر غير مقدور عليه لفرض وجود بايع آخر، فهو كثقيل يجب على جمع رفعه ولا يمكن ذلك الا باجتماع جميعهم، فلو علم بعضهم عدم اقدام بعض على الرفع لا يجب عليه اعمال القوة فانه لغو، أو لا يجوز لان دفع المنكر واجب مطلق على كل مكلف ولهذا يجب على كل منهم دفعه ولو بمنع الغير عن المخالفة ولو اجتمع الكل على بيع اعنابهم دفعة واحدة ممن يعلم انه يجعلها خمرا: يكون الكل عاصيا لانتقاض الدفع الواجب بفعلهم، فلو اجتمع القوم عدى واحد منهم كان ما عداه عاصيا ولو فرض تحقق البيع منه لو كان الغير تاركا، وذلك لان انتقاض الدفع الواجب غير جائز شرعا أو قبيح عقلا لكونه مخالفة للامر عقلا وعرفا ومجرد بناء الغير على الانتقاض لا يكون عذرا، فالبايع الواحد وان لا يقدر على الدفع لكنه قادر على انتقاضه وعلى المخالفة وهذا كاف في تحقق المعصية مع تحققه بفعله وانتقاض الدفع ببيعه. فلو امر المولى عبيده بدفع السارق عن سرقة ماله وكان متوقفا على بقاء الباب مسدودا: يجب على كل منهم دفعه بحفظ سد الباب، فلو علم بعضهم ان بعض العبيد يريد فتح الباب وتمكين السارق: لا يوجب ذلك البناء والعلم بفتحة على أي حال ان يكون معذورا في فتح الباب وتمكين السارق، فلو فتحه كان الفاتح عاصيا لا البانى على الفتح، وهذا بوجه نظير ان يتعذر قاتل مظلوم محقون الدم بانه صار مقتولا على أي تقدير فلو لم اقتله قتله غيرى، وتنظير المقام بحمل الثقيل غير وجيه، فان الواجب هناك هو الحمل وهو امر بسيط لا يتحقق الا بالاجتماع، ومع العلم بعدم اجتماعهم عليه: لا يجب على العالم ان يعمل القوة الغير المؤثرة فانه لغو، واما في المقام ان الواجب

[ 139 ]

هو الدفع عن التخمير لاجل مبغوضية تحققه، وكل واحد منهم مستقل في القدرة على نقضه، فمن نقضه فهو عاص، لا من بنى على نقضه. وبالجملة عدم امكان الدفع انما هو بعصيان الشركاء وعدم امكان دفعهم عنه فكيف يمكن ان يكون ذلك موجبا لجواز نقضه وعصيانه قبل عصيانهم بمجرد بنائهم عليه. وان شئت قلت ان بيع الغير وتسليم العنب موجب لتعجيزه عن دفع المنكر، لابنائه عليه، فما لم يتحقق التسليم من الغير تكون القدرة على الدفع باقية له فانه قادر على ابقاء الدفع ونقضه مادام الدفع لم ينتقض، فالانتقاض الموجب لتعجيز غيره محرم وهو حاصل بفعل البايع فعلا لا تقديرا وبناء، وهذا هو الاقوى. واما ما ذكره السيد في تعليقته على المكاسب من انه إذا امر الشارع على امر بسيط غير مقدور على آحاد المكلفين بل يتوقف على اجتماع جماعة: فلا محالة يكون الايجاب راجعا إلى المقدمات بالنسبة إلى الاحاد فتكون المقدمات واجبا نفسيا و ذلك العنوان البسيط الغير المقدور بالنسبة إلى الاحاد غرضا في المطلوب لا مطلوبا اوليا، ففى المقام يكون الواجب على كل مكلف ترك بيع العنب لاعنوان دفع المنكر لعدم القدرة عليه، ولا ترك بيع العنب الموصل إلى الدفع لانه ايضا غير مقدور عليه، فترك بيعه واجب على كل منهم إلى ان وقع العصيان من احدهم، وان البناء على العصيان لا يكون عصيانا (انتهى ملخصا) ففيه اولا ان اوامر الامر بالمعروف والنهى عن المنكر لاتفى بما ذكره بعد ما كان وجوبهما شرعيا لا عقليا كما هو مذهبه، وذلك لان تلك الاوامر كغيرها في ساير الابواب: متوجهة إلى آحاد المكلفين ولو انحلالا فقوله تعالى فلتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (1) نظير قوله تعالى (فلو لا نفر من كل فرقة طائفة) (الخ): (2) منحل إلى اوامر متوجهة إلى آحاد المكلفين لا مجموعهم ولا يعقل ان تكون متوجهة إلى الاحاد مستقلا والى المجموع بلفظ واحد،


(1) سورة آل عمران - الاية 100 (2) سورة التوبة - الاية 123

[ 140 ]

ولو فرض امكانه ثبوتا لا يستفاد منه اثباتا، فحينئذ يكون ايجاب الدفع على طبق الرفع ايضا: متوجها إلى الاحاد فلم يكن امر متوجها إلى المجموع حتى يقال: لابد من ارجاعه إلى السبب. وثانيا ان متعلق الاوامر هو الرفع المفهوم منها الدفع أو الدفع ايضا، ولايكون الدفع غير مقدور مطلقا حتى يقال: ان الامر بالمسبب الغير المقدور راجع إلى سببه، و كونه في بعض الاحيان غير مقدور: لا يوجب ارجاع الامر إلى السبب بالنسبة إليه حتى يكون مفاد الامر الواحد في المقدور شئ وفى غيره شئ آخر، ولو فرض فهم ذاك وذلك من الاوامر بالغاء الخصوصية على اشكال فيه من كلا المقامين سيما الثاني: فلا يلزم منه الارجاع إلى السبب، فان الامر كما يمكن ان يتعلق بآحاد المكلفين، يمكن ان يتعلق بمجموع منهم فيكون الامر واحدا والمأمور واحدا هو المجموع و يشترط فيه عقلا قدرة المجموع لا الاحاد فتكون الطاعة بايجاد المجموع والعصيان بتركهم أو ترك بعضهم، وعليه ايضا يفترق المقام عن حمل الثقيل بما تقدم بيانه. ثم انه قد تقدم ان المبنى للحرمة ان كان قبح تهيئة اسباب المعصية والاثم عقلا: فلا ينظر إلى صدق مفهوم الاعانة عرفا، فان موضوع حكم العقل ليس عنوانها بل مطلق تهيئة اسباب المعصية قبيح عقلا، نعم لا يتجاوز الحكم من تحصيل الشرايط والاسباب إلى مطلق ماله دخل في تحقق المعصية كتجارة التاجر العالم باخذ العشر منه إذا لم تكن تجارته لتقوية الظالم فانها ليست قبيحة عقلا بلا ريب وليست من قبيل تهيئة الاسباب ولا فرق في نظر العقل بين الاقسام المتقدمة في صدر البحث، وكذا لو كان المستند حكم العقل بدفع المنكر فان العقل لا يفرق بين وجوده ارادة المعصية فعلا وبين تجددها، ولا بين كون الداعي توصل الغير إلى الحرام وغيره، ولا وجود فاعل آخر وعدمه كما مر. واما ان كان المستند هو الاية الكريمة الناهية عن التعاون على الاثم والعدوان: فيقع البحث في المفهوم الاعانة على الاثم عرفا أي في هذا العنوان التركيبي المتعلق للنهى: تارة في انه هل يعتبر في صدق الاعانة على الاثم وقوع الاثم في الخارج، واخرى في انه هل يعتبر في

[ 141 ]

صدقها قصد المعين لتوصل الفاعل إلى الحرام، وثالثة في انه هل يعتبر قصد المعان عليه الحرام، أو يكفى تخيل المعين انه قصده، ورابعة في انه هل يعتبر علم المعين أو ظنه بترتب الاثم على ما يوجده. وخامسة في انه هل يعتبر العلم بتوقف الاثم على خصوص هذه المقدمة اولا. اما الاول فقد يقال باعتباره لان الظاهر من قوله: لا تعاونوا على الاثم أي على تحققة وهو لا يصدق الا معه، فإذا لم يتحقق خارجا واوجد شخص بعض مقدمات عمله لا يقال: انه اعانه على اثمه لعدم صدوره منه، وما يصدر منه كيف يكون ذلك اعانة على اثمه، وبالجملة الاعانة على تحقق الاثم موقوفة على تحققه والا يكون من توهم الاعانة عليه لانفسها ويكون تجريا لا اثما، ولهذا لو علم بعدم تحققه منه لا يكون ايجاد المقدمة اعانة على الاثم بلا شبهة. ولكن يمكن ان يقال: ان المفهوم العرفي من الاعانة على الاثم هو ايجاد مقدمة ايجاد الاثم وان لم يوجد، فمن اعطى سلما لسارق بقصد توصله إلى السرقة فقد اعانه على ايجادها، فلو حيل بين السارق وسرقته شئ ولم تقع منه يصدق ان المعطى المسلم: اعانه على ايجاد سرقته وان عجز السارق عن العمل، فلو كان تحقق السرقة دخيلا في الصدق فلابد وان يقال: ان المعتبر في صدق الاعانة ايجاد المقدمة الموصلة، أو الالتزام بان وجود السرقة من قبيل الشرط المتأخر لصدق الاعانة وكلاهما خلاف المتفاهم العرفي منها بل هما امران عقليان. أو يقال: لا يصدق عرفا الاعانة على الاثم حتى وجدت السرقة، فالفعل المأتى به لتوصل الغير إلى الحرام: مراعى حتى يوجذ ذو المقدمة وبعده يقال انه اعانه عليه وهو ايضا خلاف الواقع، (أو يقال) ان صدق الاعانة عليها فعلا باعتبار قيام الطريق العقلائي على وجود الاثم وبعد التخلف يكشف عن كونها تجريا لا اعانة، وهو ايضا غير صحيح لان الطريق العقلائي عليه لا يتفق الا احيانا ومع عدم القيام ايضا يقال: اعانه على ايجاده، فمن اعطى جصا لتعمير مسجد يقال: انه اعان على تعميره قبل تحققه بل مع عروض مانع عنه، ولهذا يصح ان يقال: انى اعنت فلانا

[ 142 ]

على؟ تعمير المسجد ولم يقع منه ذلك بلا شائبة تجوز. وان شئت قلت فرق بين كون الاثم بمعنى اسم المصدر وكونه بمعنى المصدر في صدق الاعانة، فلو كان بمعنى اسمه يعتبر في صدقها الوجود بخلاف ما إذا كان بمعنى المصدر، والمقام من قبيل الثاني، واما مورد النقض أي عدم الصدق مع العلم بعدم تحققه منه، فعدم الصدق باعتبار فقد قيد آخر معتبر فيه كما يأتي الكلام فيه، لكن مع ذلك كله لا يخلو الصدق من خفاء والمسألة من غموض وان كان الصدق اظهر عرفا واما الثاني فالاقرب اعتباره فان الظاهر ان اعانة شخص على شئ عبارة عن مساعدته عليه وكونه ظهيرا للفاعل، وهو انما يصدق إذا ساعده في توصله إلى ذلك الشئ وهو يتوقف على قصده لذلك، فمن اراد بناء مسجد فكل من اوجد مقدمة لاجل توصله إلى ذلك المقصد يقال ساعده عليه واعانه على بناء المسجد، واما البايع للجص؟ والآجر وساير ما يتوقف عليه البناء إذا كان بيعهم لمقاصدهم وبدواعي انفسهم: فليس واحد منهم معينا ومساعدا على البناء ولو علموا ان الشراء لبنائه (نعم) لو اختار احدهم من بين ساير المبتاعين البانى للمسجد لتوصله إليه كان مساعدا بوجه دون ما إذا يفرق بينه وبين غيره، لعدم قصده الا الوصول بمقصده، فالبزاز البايع لمقاصده ما يجعل سترا للكعبة ليس معينا على البر والتقوى ولا البايع العنب بمقصد نفسه ممن يجعله خمرا معين على الاثم ومساعد له فيه، بل لو اوجد ما يتوقف عليه مجانا لغرض آخر غير توصله إلى الموقوف لا يصدق انه اعانه و ساعده عليه، والتشبث ببعض الروايات والآيات لنفى اعتباره مع ان الاستعمال فيها من قبيل الاستعارة ونحوها في غير محله. واما الصدق على اعطاء العصا والسكين على مريد الظلم والقتل حينهما: فلعله لعدم التفكيك في نظر العرف بين اعطائه في هذا الحال وقصد توصله إلى مقصده، ولهذا لو جهل بالواقعة لا يعد من المعاون على الظلم، فلو اعطاه العصا لقتل حية واستعملها في قتل انسان: لا يكون معينا على قتل الانسان، وبالجملة

[ 143 ]

ان الصدق العرفي في المثال المتقدم لعدم التفكيك عرفا، ولهذا لو اعتذر المعطى بعدم اعطائه للتوصل إلى الظلم مع علمه بانه اراده: لا يقبل منه. والظاهر اعتبار ثالث القيود، فمع عدم قصد المعان عليه الاثم: لا يكون الاعانة على فعله الا اعانة على ما يتوهم انه اثم. وعدم اعتبار رابعها وخامسها فمن اعصر خمرا برجاء ان يشرب منها شارب أو اعطى سيكنا لظالم ليعمل به القتل لو احتاج إليه: يعد عملهما الاعانة على الاثم سيما إذا تحقق في الخارج، بل لا يبعد اعتبار التحقق في الصدق فيهما. ثم انه على القول باعتبار القصد وتحقق الاثم في مفهومها: لقائل ان يقول بالغاء القيدين حسب نظر العرف والعقلاء بالمناسبات المغروسة في الاذهان بان يقال: ان الشارع الاقدس اراد بالنهي عن الاعانة على الاثم والعدوان قلع مادة الفساد والمنع عن اشاعة الاثم والعدوان، وعليه لافرق بين قصده إلى توصل الظالم بعمله وعدمه مع علمه بصرفه في الاثم والعدوان، فالنهى عن الاعانة انما هو لحفظ غرضه الاقصى وهو القلع المذكور فيلغى العرف خصوصية قصد التوصل. وكذا يمكن ان يقال: ان الاعانة على الاثم والعدوان لما تصير عادة موجبة لتشويق العصاة على عملهم وجرئتهم على الاثم والعدوان، نهى الشارع عن اعانة من هم بمعصية سياسة لان يرى العامل بالمنكر نفسه وحيدة في العمل لا معين له فيه و الوحدة قد توجب الوحشة المؤدية إلى الترك كما ان رؤية المعين على عمل موجبة للجرئة، فالشارع نهى المسلمين عن تهيئة اسباب المعصية لمن ارادها لقلع مادة الفساد وانصراف الناس عن الاثم والعدوان، والى بعض ما ذكرناه اشارت رواية على بن ابى حمزة (1) عن ابى عبد الله عليه السلام وفيها لو لا ان بنى امية وجدوا لهم من يكتب ويجبى لهم الفئ ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا، فتحصل من ذلك انه بعد الغاء الخصوصية عرفا تستفاد من الآية حرمة تهيئة اسباب المعصية لمن


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 47 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بعلى بن ابى حمزة البطائني

[ 144 ]

هم بها، سواء كانت التهيئة لاجل توصله إليها ام لا، وسواء تحقق الاثم ام لا، و يؤيده حكم العقل ايضا بقبحها، ولكن معذلك لا يخلو الغاء الخصوصية وفهم العرف من الآية ما ذكرناه من تأمل وان لا يخلو من وجه. ثم ان هذا كله في كلى المسألة، واما في خصوص الخمر فالظاهر المتفاهم من المستفيضة الحاكية عن لعن الخمر وغارسها وحارسها وبايعها ومشتريها (الخ) ان اشتراء العنب للتخمير حرام بل كل عمل يوصله إليه حرام لا لرحمة المقدمة، فان التحقيق عدم حرمتها، ولا لمبغوضية تلك الامور بعناوينها، بل الظاهر ان التحريم نفسي سياسي لغاية قلع مادة الفساد، فإذا كان الاشتراء للتخمير حراما سواء وصل المشترى إلى مقصوده ام لا: تكون الاعانة عليه حراما لكونها اعانة على الاثم بلا اشكال، لان قصد البايع وصول المشترى إلى اشترائه الحرام والفرض تحقق الاشتراء ايضا فبيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا حرام واعانة على الاثم هذا إذا قلنا بعدم استفادة حرمة ايجاد مقدمات تحصيل الخمر من الروايات مطلقا سواء كان بقصده ام لا، فمن غرس العنب وعلم ان سيجعل خمرا، لا يحرم عليه إذا لم يكن غرسه لذلك، واما ان قلنا باستفادة الحرمة مطلقا من تلك التشديدات و التضييقات الواردة فيها: فيكون البيع كالاشتراء حراما لا لمحض الاعانة على التخمير. المقام الثاني في حال الروايات الواردة في المقام وهى على طائفتين: احديهما ما يمكن توجيهها بوجه لا تنافي ما تقدم من حكم العقل والنقل كصحيحة البزنطى (1) قال سألت ابا الحسن (ع) عن بيع العصير فيصير خمرا قبل ان يقبض الثمن فقال: لو باع ثمرته ممن يعلم ان يجعله حراما لم يكن بذلك بأس فاما إذا كان عصيرا فلا يباع الا بالنقد، بان يقال: ان السؤال عن ثمن العصير، و الجواب ايضا عن ثمن ما يعلم انه يجعل حراما وكذا عن ثمن العصير، فلا تنافى


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 59 - من ابواب ما يكتسب به في سندها سهل والامر فيه سهل.

[ 145 ]

بين نفى البأس عن ثمن العصير وبين حرمة الاعانة على الاثم المنطبق عنوانها على البيع. نعم في قوله فاما إذا كان عصيرا: اشعار أو ظهور في الجملة في جواز بيع العصير ممن يعلم انه يجعله خمرا، (لكن يمكن ان يقال) ان السؤال لما لم يكن في العصير عن ذلك ينزل الجواب عليه، وهو اثبات البأس ولو بنحو الكراهة بالنسبة إلى بيع العصير نسية لكونه في معرض الفساد، وكيف كان ليس لها ظهور معتد به في المنافات لما تقدم، هذا مع ان الضمير في قوله يجعله حراما يرجع إلى الضمير لا إلى ثمرته فيمكن (ان يقال) انه نفى البأس عن بيع ثمرته ممن يعلم انه يجعل العصير حراما ولا يعلم بانه يجعل هذه الثمرة حراما، وكرواية ابى بصير (1) قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن ثمن العصير قبل ان يغلى لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله حراما قال: إذا بعته قبل ان يكون خمرا وهو حلال فلا بأس، بان يقال: فيها ايضا ان السؤال انما هو عن ثمن العصير وكذا الجواب فلا ربط لهما باصل المعاملة و حرمتها، مع امكان ان يقال ان لفظة (أو) للترديد فيكون الابتياع مرددا بين كونه للحلال أو الحرام ومعه لا بأس ببيعه ايضا. والطائفة الثانية ما لا يمكن توجيهها أو يكون بعيدا مخالفا للظاهر، كصحيحة رفاعة بن موسى (2) قال سئل أبو عبد الله (ع) وانا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره قال: ألسنا نبيع خمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا، ومكاتبة ابن اذينة (3) قال كتبت إلى ابى عبد الله (ع) اسأله عن رجل له كرم ايبيع العنب والتمر ممن يعلم انه يجعله خمرا أو سكرا فقال انما باعه حلالا في الا بان الذى يحل شربه أو اكله فلا بأس ببيعه، ورواية ابى كهمس (4) وفيها ثم قال: هوذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا، وصحيحة الحلبي (5) قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن بيع عصير العنب ممن يجعله


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة الباب 59 من ابواب ما يكتسب به الاولى ضعيفة بعلى بن ابى حمزة وغيره (4) و (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 59 من ابواب ما يكتسب به. الاولى ضعيفة بابى كهمس.

[ 146 ]

حراما قال: لا بأس به تبيعه حلالا فيجعله حراما فابعده الله واسحقه، إلى غير ذلك فان حملها على وهم البايع ان المشترى يعمل هذا المبيع خمرا. أو احتمال ان يكون الضمير راجعا إلى مطلق العصير كما احتمله الاردبيلى (1)، بعيد جدا، كما يظهر منه ايضا ان الحمل عل خلاف الظاهر لعدم امكان الالتزام بها، وهو كذلك فانها مخالفة للكتاب أي آية النهى عن التعاون على الاثم والسنة المستفيضة و هي الحاكية للعن رسول الله صلى الله عليه وآله الخمر وغارسها (الخ) بالتقريب المتقدم، ولا يصح القول بتقييد الآية والسنة لاباء العقول عن ذلك فان الالتزام بحرمة التعاون على كل اثم الا بيع التمر والعنب الذى يشترى للتخمير بان يقال: ان الاعانة على غرسها وحرسها وحملها وغير ذلك كلها محرمة سوى خصوص الاشتراء له أو الالتزام بان الاعانة على كل اثم حرام الا على شرب الخمر الذى هو من اعظم المحرمات، كما ترى. (وتوهم) ان الاعانة على الاشتراء الحرام وهو ليس من المحرمات المهتم بها (مدفوع) بان المفهوم من الآية ولو بمئونة حكم العقل ان مطلق تهيئة اسباب الاثم منهى عنه، والبيع ممن يعلم انه يبتاع للتخمير من مقدمات التخمير بل الشرب المهتم به، مضافا إلى انه يظهر من بعض الروايات ان الاعانة على الاثم كنفس الاثم، كما ان الالتزام بعدم حرمة الاعانة على الاثم مطلقا فرارا عن التفصيل المستبعد بل الغير الممكن: غير ممكن إذ مقتضاه مخالفة الروايات للكتاب على نحو التباين لما تقدم من عدم امكان حمل النهى في الآية على التنزيه، وكذا لا يصح تخصيص السنة فان لسانها آبية عنه. فتلك الروايات بما انها مخالفة للكتاب والسنة المستفيضة وبما انها مخالفة لحكم العقل كما تقدم وبما انها مخالفة لروايات النهى عن المنكر بل بما انها مخالفة لاصول المذهب ومخالفة لقداسة ساحة المعصوم عليه السلام حيث ان الظاهر منها، ان الائمة عليهم السلام كانوا يبعيون تمرهم ممن يجعله خمرا وشرابا خبيثا ولم يبيعوه من غيره، وهو مما لا يرضى به الشيعة الامامية كيف ولو صدر هذا العمل


(1) راجع كتاب المتاجر من شرح الارشاد في القسم الثاني من المتاجر المحرمة.

[ 147 ]

من اواسط الناس كان يعاب عليه، فالمسلم بما هو مسلم والشيعى بما هو كذلك، يرى هذا العمل قبيحا مخالفا لرضى الشارع فكيف يمكن صدوره من المعصوم عليه السلام. واحتمال ان يكون البيع مشتملا على مصلحة غالبة أو تركه على مفسدة كذلك: توجب الجبران ومعه لا قبح فيه بل لعل القبح في تركه (فاسد) فانه مع كمال بعده في نفسه بل بطلانه لان في مثل تلك العناوين الاعتبارية ليست مصلحة ذاتية لا تصل إليها العقول. نعم قد تكون في بعض الاحيان مصلحة التسهيل أو مفسدة التضييق موجبة لمثل ذلك، لكنهما في المقام غير محققة، لان في ترك البيع لخصوص الخمار ليس تضييقا ولا في تسهيله مصلحة جابرة لمثل مفسدة ترويج الخمر وتشييع تلك الفاحشة انه مخالف لظاهر الاخبار فان مفادها ان الجواز لاجل كون البيع في ابان حليته، و انه إذا حل شربه واكله حل بيعه وان الوزر على صانعه، وهو مخالف لجميع ما تقدم من العقل والنقل، فنعم ما قال السيد في الرياض (1) حيث قال في مقاومة هذه النصوص وان كثرت واشتهرت وظهرت دلالتها بل وربما كان في المطلب صريحا بعضها لما مر من الاصول والنصوص المعتضدة بالعقول اشكال، والمسألة لذلك محل اعضال فالاحتياط فيها لا يترك على حال (انتهى) وليته جزم بذلك ورد تلك النصوص إلى اهلها فانا مأمورون بذلك ولك ان تقول ايضا ان تلك النصوص معارضة مع الرواية الواردة في المنع عن بيع الخشب للصنم والصليب. كصحيحة عمر بن اذينة (2) قال: كتبت إلى ابى عبد الله عليه السلام اسأله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذ برابط فقال: لا بأس به، وعن رجل له خشب فباعه ممن يتخذ صلبانا قال: لا، ورواية عمرو بن حريث (3) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن التوت


(1) راجع مفتاح الكرامة فيما يكون المقصود منه حراما من المتاجر. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 41 - من ابواب ما يكسب به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 41 - من ابواب ما يكتسب به مجهولة بابان بن عيسى وكذلك عمرو بن حريث لانه مشترك.

[ 148 ]

ابيعه يصنع للصليب والصنم قال: لا ولرواية صابر (1) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يواجر بيته فيباع فيه الخمر قال: حرام اجره، بناء على عدم الفصل بين تلك الموارد وعدم الفرق بين الاجارة وغيرها، وان المراد من الاخيرة اجارة البيت ممن يعلم انه يبيع فيه الخمر، والترجيح لتلك الروايات بالوجوه المتقدمة. ومما تقدم يظهر حال صحيحة ابن اذينة (2) قال: كتبت إلى ابى عبد الله عليه السلام اسأله عن الرجل يواجر سفينته ودابته ممن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنازير قال: لا بأس، مع احتمال ان تكون الاجارة لا لذلك وجهل المؤجر بالواقعة. فقد ظهر مما ذكرناه النظر فيما افاد الشيخ الاعظم، (3) من ان القول الفصل: التفصيل بين الصليب والصنم وبين الخمر والبرابط، والعمل بمضمون الروايات في مواردها لو لم يكن قولا بالفصل (انتهى) مع ان التفصيل بين الصليب والخمر بعيد بعد كون الصليب ظاهرا هو ما يصنع شبيه ما صلب به المسيح عليه السلام على زعمهم، وانما يكرمونه لذلك ولا يعبدونه كما يعبد الصنم كما زعم، قال: في كتاب المنجد الذى مصنفه منهم، الصليب العود المكرم الذى صلب عليه السيد المسيح، والظاهر منه انه عين ذلك العود، وهو بعيد، ولعل مراده ذكر الاصل والمنشأ، فما عن المغرب: هو شئ مثلث كالتماثيل تعبده النصارى كانه وهم، فحينئذ فالحكم بجواز بيع العنب والخشب ممن يصنع الخمر والبرابط وعدم جواز بيع الخشب ممن يعمل الصلبان: لا يخلو من بعد، فان الظاهر ان الخمر اشد حرمة من تكريم عود يتخيل كونه تكريما للسيد المسيح عليه السلام بل لو كان حراما لا يبعد ان يكون لوجه التشريع أو لكونه شعار النصارى وان يمكن ان يقار صيرورته شعارا لهم: اوجبت الاهتمام به وتحريم التسبيب إليه زائدا على غيره. (1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 39 - من ابواب ما يكتسب به. الاولى ضعيفة بصابر. (3) راجع المكاسب - المسألة الثالثة - من النوع الثاني مما يحرم التكسب به - في بيع العنب على ان يعمل خمرا.

[ 149 ]

ثم لو قلنا بحرمة البيع فهل يقع صحيحا أو لا، والتفصيل ان يقال ان المعاملة قد تقع معاطاة وقد تقع بالصيغة، فالاقوى صحتها على الاول، لان المحرم عنوان آخر منطبق على المعاملة الخارجية، سواء كان المستند حكم العقل بقبح تهيئة اسباب المحرم أو وجوب دفع المنكر أو حكم الشرع بوجوب دفعه أو حرمة التعاون عليه، لان موضوعات تلك الاحكام عناوين غير نفس المعاملة وبينهما عموم من وجه، والموضوعات الخارجية مجمع لهما، ولكل منهما حكمه، ومن ذلك يدفع استبعاد تنفيذ الشارع سببا يؤدى إلى مبغوضه، لان التنفيذ لم يقع الا علي عنوان البيع ونحوه وهو ليس بمبغوض، وكون عنوان آخر منطبق على ما ينطبق عليه عنوان المعاملة مبغوضا: لا يوجب تنفيذ المبغوض، وعلى الثاني تقع المزاحمة بعد وقوع المعاوضة بين دليل حرمة التعاون على الاثم ودليل وجوب تسليم المثمن، فان قلنا بترجيح الثاني يجب عليه التسليم ويعاقب على الاعانة على الاثم. اما على ما رجحناه في محله من بقاء الحكم في المتزاحمين على ما هو عليه من الفعلية: فواضح لانه خالف الحكم المحرم الفعلى بلا عذر، واما على القول بسقوط النهى فلارتكابه المبغوض بلا عذر وهو بوجه نظير المتوسط في ارض مغصوبة أو نظير ايقاع النفس في مهلكة العطش اختيارا: فيجب عليه حفظ نفسه بشرب الخمر ويعاقب عليه، وان قلنا بترجيح الاول فلا يجوز له التسليم، فحينئذ (ربما يقال) ان المعاوضة لدى العقلاء متقومة بامكان التسليم والتسلم ومع تعذره شرعا أو عقلا لا تقع المعاوضة صحيحة، ففى المقام يكون تسليم المبيع متعذرا شرعا لعدم جوازه فرضا وعدم جواز الزامه عليه لا من قبل المشترى ولا الوالى، ومع عدم تسليمه يجوز للمشترى عدم تسليم الثمن والمعاوضة التى هو حالها ليست عقلائية ولا شرعية فتقع باطلة. (وفيه) ان ما يضر بصحة المعاوضة هو العجز عن التسليم تكوينا أو نهى الشارع عن تسليم المبيع بعنوانه حيث يستفاد منه ردع المعاوضة، والمقام ليس من قبيلهما لعدم العجز تكوينا، وعدم تعلق النهى عن تسليم المبيع بعنوانه بل النهى

[ 150 ]

عن الاعانة على الاثم: صار موجبا لعدم التسليم، وبعبارة اخرى ان المانع العقلي أو الشرعي عن مقتضى المعاملة عرفا الذى منه التسليم لو صار موجبا لبطلانها: لا يوجب ان يكون مطلق المانع ولو بجهات خارجية كذلك، وهذا نظير ما لو كان احد المتبايعين مديونا للاخرنا كلا عن ادائه فحبس الدائن متاعه المبتاع لاستيفاء دينه، فان جواز ذلك لا يوجب مضادته لمقتضى المعاوضة بل هي صحيحة ووجب على المديون تسليم العوض، وعدم النكول في مقابل نكول الآخر، لاستيفاء دينه، ففى المقام لا يكون ترك التسليم ولا حكم الشرع به منافيا لمقتضى المعاوضة بعد ما كان ذلك لغرض آخر خارج عن المعاملة ومقتضاها. وان شئت قلت ان البايع قادر على التسليم وغير ممتنع عنه بشرط رجوع المشترى عن قصد التخمير فنكول البايع انما هو بتقصير من المشترى وتسبيب منه وفى مثله لا يكون النكول منافيا لمقتضى المبادلة بل يجب عليه تسليم الثمن و لا يجوز له النكول في مقابل نكوله المسبب عن تقصيره نعم لا يبعد الاستناد إلى رواية تحف العقول على البطلان لو لا ضعفها، لا إلى الفقرة التى ذكرها شيخنا الاعظم في اول مكاسبه وفى المقام، بل إلى فقرة اخرى ساقطة عن قلمه الشريف أو النسخة التى كانت عنده فما هو الموجود في التحف هكذا، وكذلك كل بيع (مبيع ظ) ملهوبه وكل منهى عنه مما يتقرب به لغير الله أو يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي وباب من ابواب الضلالة أو باب من ابواب الباطل أو باب يوهن به الحق: فهو حرام محرم بيعه وشرائه وامساكه وملكه (الخ) بان يقال ان ابواب الباطل تشمل مطلق المعاصي سيما مع وقوعها في مقابل ابواب الضلالة وباب يوهن به الحق، فالحديث متعرض لما يوجب الضلالة ككتب الضلال وبيع القرطاس لذلك، ومما يوجب الوهن في الاسلام كبيع السلاح لاعداء الدين ومنه بيع العنب مثلا ممن يجعله خمرا ويبيعه علنا في شوارع المسلمين أو جنب المشاهد المعظمة ولما يوجب الوهن في الاسلام، ولما يكون بابا من ابواب

[ 151 ]

الباطل وهو ساير المعاصي ولهذا اطلق الباطل على كثير منها في الاخبار كالقمار و الشطرنج والسماع ونحوها، ففى رواية الفضيل (1) قال: سألت ابا جعفر عليه السلام عن هذه الاشياء التى يلعب بها الناس والنرد والشطرنج حتى انتهيت إلى السدر (2) فقال إذا ميز الله الحق من الباطل مع ايهما يكون قلت مع الباطل قال: فما لك وللباطل وقد فسر قوله تعالى لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل بالسرقة والقمار و نحوهما. وجه الدلالة على البطلان ان الظاهر كما قالوا انها سيقت لافادته مضافا إلى ان العرف يرى التنافى بين تحريم المعاملة ومبغوضيتها وبين تنفيذها وايجاب الوفاء بها، هذا في غير بيع الخمر والتمر ممن يشترى للتخمير، واما فيه فالظاهر من الروايات المستفيضة الحاكية للعن رسول الله صلى الله عليه وآله الطوايف الخديلة في شرب الخمر مبغوضية اشتراء العنب للتخمير ولو بالغاء الخصوصية عرفا لو لم نقل بفهم العرف منها مبغوضية البيع ممن يعلم انه يجعله خمرا، ومع مبغوضية الاشتراء أو هو مع البيع بعنوانهما يستبعد تنفيذ المبايعة بل يكون الجمع بينهما من قبيل الجمع بين المتنافيين عرفا، وقد عرفت ان الحرمة فيها ليست مقدمية والفرق بينه وبين ما تقدم من تصحيح البيع المنطبق عليه عنوان محرم: واضح، ودعوى ان التحريم دليل على الصحة، في غير محلها فان المبغوض هو المعاملة العقلائية الرائجة بينهم من بيع الخمر و العنب للتخمير وامثالهما، ومع مبغوضيته لا محالة يتصدى الشارع لدفعه في عالم التشريع وهو ملازم لردعه، سيما ان الردع موجب لتقليل مادة الفساد والتنفيذ موجب لتكثيرها، لان كثيرا من الناس يرتكبون بعض المعاصي ويتنزهون عن اكل مال الغير بغير حق واشتغال ذمتهم به النوع الثالث ما يمكن ان يقصد به الحرام أي ماله شأنية ذلك، والاقوى


(1) الوسائل كتاب التجارة - الباب 8 - من ابواب ما يكتسب به حسنة بعبدالله بن عاصم والميثمي. (2) السدر كعبر لعبة للصبيان (مجمع)

[ 152 ]

بحسب القواعد عدم حرمته بهذا العنوان وصحة المعاملة عليه، وبيع السلاح لاعداء الدين ليس من مستثنيات هذا العنوان بل له عنوان خاص ينبغى البحث عنه مستقلا فنقول: ينبغى تقديم امر قبل النظر إلى الاخبار، وهو ان موضوع البحث ليس مطلق ما ينطبق عليه عنوان السلاح كائنا ما كان، بل الموضوع ما كان سلاح الحرب فعلا، وهو يختلف بحسب الازمان فربما كان شئ في زمان ومكان سلاح الحرب دون آخر، ففى الازمنة القديمة كانت الاحجار الخاصة والفلاخن والاخشاب آلة له اثم انقرض زمانها وخرجت تلك الآلات عن صلاحية السلاح فقامت مقامها اسلحة اخرى كالسيف والرمح والعمود والنيزك والترس والدرع ونحو هاثم انقرضت هي وقامت مقامها غيرها إلى هذه الاعصار فالمراد من السلاح في موضوع البحث سلاح اليوم أي الذى يستعمل في الحروب لا ما انقرضت ايامه وخرجت عن الاستعمال فيها، فان اراد بعض اعداء الدين و اهل الحرب حفظ الاسلحة القديمة لقدمتها وكونها عتيقة: لا مانع من بيعها وخارج عن موضوع بحث بيع السلاح من اهل الحرب بلا ريب كما لا يخفى، وكذا ليس المراد مطلق اعداء الدين، فان كل مخالف لنا في ديننا فهو عدونا في الدين لكن موضوع البحث اخص منه وهو الدولة المخالفة للاسلام أو الطايفة الكذائية، فلا ينبغى الكلام في جواز بيعه من يهودى في بلد المسلمين تابع لهم لولا جهات اخر. ثم اعلم ان هذا الامر أي بيع السلاح من اعداء الدين من الامور السياسية التابعة لمصالح اليوم فربما تقتضي مصالح المسلمين بيع السلاح بل اعطائه مجانا لطايفة من الكفار، وذلك مثل ما إذا هجم على حوزة الاسلام عدو قوى لا يمكن دفعه الا بتسليح هذه الطائفة وكان المسلمون في امن منهم، فيجب دفع الاسلحة إليهم للدفاع عن حوزة الاسلام وعلى والى المسلمين ان يؤيد هذه الطايفة المشركة المدافعة عن حوزة الاسلام بأية وسيلة ممكنة، بل لو كان المهاجم علي دولة الشيعة دولة المخالفين مريدين قتلهم واسرهم وهدم مذهبهم: يجب عليهم دفعهم ولو بوسيلة تلك الطائفة المأمونة، وكذا لو كانت الكفار من تبعة حكومة الاسلام ومن مستملكاتها واراد الوالى دفع اعدائه بهم إلى غير ذلك مما تقتضي المصالح.

[ 153 ]

وربما تقتضي المصالح ترك بيع السلاح وغيره مما يتقوى به الكفار مطلقا سواء كان موقع قيام الحرب أو التهيؤ له ام زمان الهدنة والصلح والمعاقدة، اما في الاولين فواضح، واما في الاخيرة فحيث خيف علي حوزة الاسلام ولو آجلا بان احتمل ان تقويتهم موجبة للهجمة على بلاد المسلمين والسلطة على نفوسهم واعراضهم، فنفس هذا الاحتمال منجزة في هذا الامر الخطير، لا يجوز التخطي عنه فضلا عن كون تقويتهم مظنة له أو في معرضه، ولا فرق في ذلك بين الخوف على حوزة الاسلام من غير المسلمين أو علي حوزة حكومة الشيعة من غيرها، كانت المخافة عليها من الكفار ام المخالفين، فلو كانت للشيعة الامامية حكومة مستقلة ومملكة كذلك كما في هذه الاعصار بحمدالله تعالى، وكانت للمخالف ايضا حكومة مستقلة وكان زمان هدنة ومعاقدة بين الدولتين لكن خيف على المذهب ودولته منهم ولو آجلا، لا يجوز تقويتهم ببيع السلاح ونحوه. وبالجملة ان هذا الامر من شئون الحكومة والدولة وليس امرا مضبوطا بل تابع لمصلحة اليوم ومقتضيات الوقت، فلا الهدنة مطلقا موضوع حكم لدى العقل ولا المشرك والكافر كذلك، والتمسك بالاصول والقواعد الظاهرية في مثل المقام في غير محله، والظاهر عدم استفادة شئ زائد مما ذكرناه من الاخبار، بل لو فرض اطلاق لبعضها يقتضى خلاف ذلك، أي يقتضى جواز البيع فيما خيف الفساد وهدم اركان الاسلام أو التشيع أو نحو ذلك: لا مناص عن تقييده أو طرحه، أو دل على عدم الجواز فيما يخاف في تركه عليهما كذلك: لابد من تقييده وذلك واضح. فمن الاخبار حسنة ابى بكر الحضرمي أو صحيحته (1) قال دخلنا على ابى عبد الله عليه السلام فقال له حكم السراج ما تقول فيمن يحمل إلى الشام السروج واداتها فقال: لا بأس، انتم اليوم بمنزلة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله انكم في هدنة فإذا كانت المباينة حرم عليكم ان تحملوا إليهم السروج والسلاح، ورواية هند السراج (2) قال:


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 8 - من ابواب ما يكتسب به الثانية ضعيفة بابى سارة وغيره.

[ 154 ]

قلت لابي جعفر عليه السلام اصلحك الله انى كنت احمل السلاح إلى اهل الشام فابيعه منهم، فلما عرفني الله هذا الامر ضقت؟ بذلك، وقلت لا احمل إلى اعداء الله فقال: احمل إليهم، فان الله يدفع بهم عدونا وعدوكم، يعنى الروم، وبعهم فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا، فمن حمل إلى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك، وهاتان الروايتان صارتا منشئا للقول بالتفصيل، تارة بين زمان الهدنة وغيره مطلقا، واخرى التفصيل كذلك في خصوص البيع من المخالفين والاخذ باطلاق ما تأتى للمنع عن البيع من الكفار. والتحقيق ان الروايتين قاصرتان عن اثبات هذا التفصيل في المقامين، لان السؤال فيهما عن حمل السلاح إلى الشام في عصر الصادقين (ع) وهو عصر لم تكن للشيعة الامامية مملكة مستقلة وحكومة على حدة، بل كان المسلمون كافة تحت حكومة واحدة هي سلطنة خلفاء الجور لعنهم الله، فلم يكن في حمل السلاح إلى الشام خوف على حوزة الشيعة وبلادهم، لعدم الموضوع لهما، ولهذا نزلهم منزلة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله حيث ان كلهم جمعية واحدة تديرهم حكومة واحدة لم تكن في تقويتها تقوية على خلاف حوزة الشيعة الامامية وحكومتها لعدم تشكيلهما، بل كانت تقوية للمسلمين مقابل الكفار كما اشار إليه في الرواية الثانية، فلا يجوز التعدي عن مثل تلك الهدنة التى كانت كهدنة في عصر اصحاب الرسول الله صلى الله عليه وآله إلى مطلق الهدنة والسكون، كما إذا كانت لنا سلطنة مستقلة ودولة على حدة، ولهم كذلك، و كانت بيننا هدنة وتعاقد ومعذلك يكون في تقويتهم فسادا ومظنته بل احتماله بحيث خيف على دولة التشيع وحكومته من ذلك، ويستفاد من تعليل الثانية ان كل مورد يدفع عدو قوى بعدو مأمون منه يجوز بيع السلاح منه لدفعه. وكيف كان لا يمكن القول بجواز بيع السلاح ونحوه من الكفار أو المسلمين المخالفين بمجرد عدم الحرب والهدنة، بل لابد من النظر إلى مقتضيات اليوم وصلاح المسلمين والملة، كما ان في عصر الصادقين عليهما السلام كان من مقتضيات الزمان جواز دفع السلاح إلى حكومة الاسلام وجنودها لمدافعة المشركين من غير ترقب فساد عليه،

[ 155 ]

وكلما كان كذلك يجوز بل قد يجب، فلا يستفاد منهما امر زائد عما هو مقتضى حكم العقل كما تقدم، ومنها صحيحة على بن جعفر عن اخيه موسى عليه السلام (1) قال: سألته عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة قال: إذا لم يحملوا سلاحا فلاب أس، و رواية الصدوق (2) في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام قال: يا على كفر بالله العظيم من هذه الامة عشرة إلى ان قال: وبايع السلاح من اهل الحرب، وهما صارتا منشئا لقول جمع بعدم جواز البيع منهم مطلقا. والتحقيق عدم اطلاقهما لما تقدم، ولا لعدم الجواز فيما إذا لم يكن خوف منهم ولا في تقويتهم احتمال ضرر على المسلمين كما لو كانوا تحت سلطة الاسلام بحيث لا يخاف منهم اصلا. اما الثانية فلان الحكم فيها معلق على اهل الحرب والظاهر المتفاهم منهم الجماعة المستعدون للحرب ولم تكونوا منقادين للمسلمين وتكون مباينة بينهم و بين المسلمين، ومعلوم ان اهل الحرب أي الطغاة على المسلمين يخاف منهم على حوزة الاسلام أو على نفوس المسلمين أو طايفة منهم سيما مع قوله صلى الله عليه وآله كفر بالله العظيم الذى لا يقال الا إذا كانت المعصية عظيمة، واحتمال ان يكون المراد باهل الحرب مطلق الخارج عن الذمة كيهودي خرج عنها في بلد المسلمين مقطوع الفساد. واما الاولى فمع امكان المناقشة في اطلاقها بان يقال: انها بصدد بيان جواز حمل مال التجارة غير السلاح، لا بيان عدم جواز بيع السلاح حتى يؤخذ باطلاقها، ان موردها حمل السلاح إلى ممالك المشركين المباينين للمسلمين في الحكومة والسلطنة والمشركون المجاورون للمسلمين في ذلك العصر، وهم مورد السؤال بحسب الطبع: من الداعداء المسلمين، وكانت بينهما المخالفة والمباينة، وفي مثله لا يجوز سواء كان الحمل إلى الكفار أو إلى المخالفين.


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 8 - من ابواب ما يكتسب به - الثانية مجهولة بحماد بن عمرو وغيره.

[ 156 ]

والظاهر من المباينة التى ذكرت في رواية الحضرمي هي المقابلة للهدنة التى كانت بين اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أي عدم الاجتماع تحت راية واحدة وتمايز الفريقين في الحكومة والسياسة، وفى مثله لا يجوز حمل السلاح لا إلى الكفار ولا إلى المخالفين، كما انه إذا كانت الهدنة بالمعنى المتقدم المشار إليه في الرواية أي نحو هدنة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان بلاد المشركين تحت راية سلطان الاسلام وحكومة المسلمين وكانت في تقويتهم تقوية جنود الاسلام وحدوده يجوز البيع منهم، لعدم دليل على المنع بل قيام الدليل على الجواز وهو قضية اقتضاء صلاح حوزة الاسلام والمسلمين، بل لاتبعد استفادته من رواية الحضرمي وهند السراج بدعوى ان موضوع جواز حمل السلاح هو الهدنة وكون المسلمين والكفار بمنزلة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله المخلوطين من المنافقين والمؤمنين، فالميزان هو الهدنة بهذا المعنى من غير خصوصية للمخالفين. فالمتحصل من الروايات عدم الفرق بين المخالفين وغيرهم في الحكم، وعدم التفصيل بين الهدنة والمحاربة كما نسب إلى المشهور، وفى زمان الهدنة بالمعنى المتقدم يجوز البيع مطلقا من مخالف ومشرك، كما يجوز فيما إذا كان الطرف مدافعا عن حوزة الاسلام أو التشيع مع الامن منه كما هو مفاد رواية السراج و موافق لحكم العقل، ولايجوز في زمان عدم الهدنة بالمعنى المتقدم وهو زمان البينونة وامتياز الحكومات بعضها من بعض سواء كان بينها تصالح وتعاقد ام لا، من غير فرق بين ان تكون الهدنة كذلك بين أمير المؤمنين عليه السلام ومعوية عليه اللعنة أو بينه وبين الكفار، وقد عرفت عدم اطلاق لرواية على بن جعفر والرواية الحاكية عن وصية النبي صلى الله عليه وآله نعم مقتضى اطلاق رواية السراد (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قلت له: انى


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 8 - من ابواب ما يكتسب به. نقل في الوافى هذه الرواية عن الكافي والتهذيب كما نقله الاستاذ دام ظله أي عن السراد عن ابى عبد الله ثم قال بعده (بيان: في الاستبصار عن السراد عن رجل عن

[ 157 ]

ابيع السلاح قال فقال: لاتبعه في فتنة ورواية الصيقل (1) قال: كتبت إليه انى رجل صيقل اشترى السيوف وابيعها من السلطان اجائز لى بيعها فكتب لا بأس به: جواز البيع في غير مورد الفتنة، وجوازه من السلطان مطلقا، لكنهما ان سلم اطلاقهما مقيدتان، بحكم العقل القطعي بما إذا لم يخف على حوزة الاسلام أو الشيعة، و برواية ابى بكر الحضرمي المفصلة بين عصر الهدنة والمباينة بالمعنى المتقدم، مع امكان الماقشة في اطلاق الثانية، بان الظاهر منها ان المراد بالسلطان هو السلطان المخالف، فموردها مورد الهدنة التى ذكرها في رواية الحضرمي، وفى الاولى بان الظاهر منها السؤال عن تكليفه الشخصي في ذلك العصر ولم يكن البيع من الكفار المستقلين في الحكومة مورد ابتلائه، بل كان بايعا للسلاح في داخلة مملكة الاسلام والمراد بالفتنة هي الفتنة الحاصلة بين طائفتين من المسلمين لا بين المسلمين و غيرهم، فانه لا معنى لعدم الجواز من المسلمين في الصورة مع ان في رواية السراج صرح بالجواز في صورة مدافعة المسلمين عن الكفار، وبالجملة لا اطلاق فيها يشمل جوازه من المشركين المستقلين في الحكومة أو المخالفين المستقلين فيها، و الانصاف انه لا يستفاد من الروايات شئ وراء حكم العقل. ثم ان الكلام في بطلان المعاملة كالكلام في بطلان معاملة بيع العنب للتخمير


ابى عبد الله، وكانه الصواب، لان السراد لا يروى عنه عليه السلام بلا واسطة). وفى الوسائل (نسخة عين الدولة) و (نسخة حاج موسى) عن السراج، وعلى أي حال ان كان المراد بالسراد هو الذى يروى عن الصادق عليه السلام بلا واسطة فالرواية صحيحة، وان كان المراد منه هو الذى يروى عنه مع الواسطة على ما نقله صاحب الوافى عن الاستبصار فالرواية ضعيفة للجهل بالواسطة، واما بناء على ان يكون الراوى هو السراج على ما في نسختي الوسائل فالرواية ضعيفة لان السراج مشترك وادعاء اتفاق جميع النسخ على خلاف نسخة عين الدولة في غير محله (م - ط). (1) الوسائل كتاب التجارة الباب 8 - من ابواب ما يكتسب به مجهولة بابى القاسم الصي‍؟

[ 158 ]

أو ممن يعلم انه يجعله خمرا، فالارجح البطلان كما تقدم، فلو قلنا في المقام بالصحة فلو إلى المسلمين نقض البيع حسب ما تناسب المصالح العامة. القسم الثالث الاكتساب بما لا منفعة فيه معتد بها عند العقلاء، ولعل عد هذا القسم في عداد الانواع المحرمة لامكان التمسك بحرمة نفس المعاملة بقوله تعالى (1) لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل بدعوى شمول الاكل بالباطل لتملك مال الغير بلا مال في قباله فيصدق على بيع البايع ونقله ما لا مالية له إلى غيره بعوض له مالية باعتبار تضمنه لنقل المال، أي العوض إلى نفسه انه اكل ما المشترى اعني تملكه بالباطل فيكون حراما بمقتضى الآية، وامكان التمسك بها لحرمة الثمن لا بعنوان التصرف في مال الغير بل بعنوان اكل المال بالباطل، بدعوى ظهورها في انه محرم بهذا العنوان ويمكن المناقشة في الاولى بان الاكل بالباطل وان كان كناية ولا يراد به الاكل مقابل الشرب: لكن لا يستفاد منه الا ساير التصرفات الخارجية نظير الشرب و اللبس لا مثل انشاء البيع والصلح ونحوهما مما لا يعد تصرفا عرفا، ولا اظن ان يلتزم احد بحرمة انشاء المعاملة على مال الغير مع عدم رضا صاحبه مع وضوح حرمة التصرف في مال الغير بلا رضاه فشمول الاية لمثل التملك الانشائى ممنوع وفى الثانية بان الظاهر ان الباطل عنوان انتزاعي من العناوين المقابلة للتجارة التى هي حق مثل القمار والسرقة والخيانة ونحوها، فاكل المال بالقمار حرام لكونه اكل مال الغير بلا سببية التجارة التى جعلها الشارع ولو بامضاء مالدى العقلاء سببا للنقل فلا يكون حراما، تارة بعنوان كونه مال الغير الذى لم ينتقل إليه بسبب شرعى، واخرى بعنوان كونه باطلا بل الباطل عنوان مشير إلى العناوين الاخر نعم نفس عنوان القمار حرام مستقل، واخذ الثمن في مقابل مالا مفنعة له حرام من جهة كونه تصرفا فيه بلا سبب ناقل، لا لانطباق عنوان آخر عليه حتى يكون محرما بعنوانين، وربما يتمسك للتحريم برواية تحف العقول حيث ان


(1) سورة النساء - الاية 33

[ 159 ]

ظاهر صدرها وهو قوله واما تفسير التجارات في جميع البيوع ووجوه الحلال من وجه التجارات التى يجوز للبايع ان يبيع مما لا يجوز له وكذا المشترى الذى يجوز له شرائه مما لا يجوز فكل مأمور به (الخ): حصر جميع الاقسام المحللة في الضابط الذى يذكره بعد ذلك للمحلات، وما لا منفعة فيه خارج عنه لعدم صلاح الناس فيه، فإذا خرج منه دخل في المحرم بمقتضى ما مر من ظهور صدرها في عدم خروج شئ من اقسام المحلل عن الضابط وفيه ان الرواية متعرضة لوجوه التجارات العقلائية المتعارفة بين الناس كالا مثلة المذكورة فيها في شقى الصحة والفساد، وليست متعرضة لما لاصلاح ولا فساد فيها كما هو مفروض المقام، لعدم اقدام العقلاء على مثلها فلم تكن للتعرض لها فائدة معتد بها، ويشهد له قوله في صدرها سأله سائل فقال: كم جهات معايش العباد التى فيها الاكتساب والتعامل بينهم ووجوه النفقات فقال: جميع المعايش كلها من وجوه المعاملات فيما بينهم مما يكون لهم فيه المكاسب اربع جهات (الخ) فهى متعرضة لما فيه الصلاح أو فيه الفساد محضا أو من جهة من الجهات ان قلت ان مقتضى اعطاء الضابط ذكر جميع المعاملات أو انما ذكر ضابط المحل وما كان في مقابله هو محرم، والضابط المذكور في المحرم مفهوم الضابط المتقدم، وانما ذكر مصداق المتعارف للمفهوم وترك ما لا يتعارف من المعاملات وما لا منفعة فيه عرفا اصلا، إذ عدم المنفعة يكفى في ردعهم عنها وعدم اقدامهم عليها فلم يكن كثير اهتمام في ذكرها، والردع عنها بخلاف ماله منفعة عرفية و لو محرمة: لاقدام الناس عليها. قلت ليس في الرواية شئ يمكن ان يدعى ان له مفهوما، بل ذكر فيها أو لا بنحو الاجمال ان المكاسب منها حرام ومنها حلال ثم ذكر تفسير التجارات بنحو الاجمال ايضا بقوله: وتفسير التجارات (الخ) مقدمة لبيان التفصيل، واشار إلى المحلل والمحرم بحيث فهم منه انه بصدد بيان كلا الضابطين، وفي مثله لم يكدان يكون الكلام دالا على المفهوم لو فرضت دلالته عليه في ساير الموارد، مضافا إلى ان النكتة التى صارت سببا لترك ذكر ما لا منفعة له في قسم المحرمات وهى كفاية

[ 160 ]

عدم الداعي للناس في ايقاع هذا النحو من المعاملة في ردعهم عنها: يمكن ان تكون نكتة لعدم التعرض لها في الضابطين، وانما تعرضنا لما ذكر مع عدم صلوح الرواية لاثبات حكم لتعرض بعض اعيان المدققين لها بما لا مزيد عليه (1) وفى كلامه الشريف مواد نقض وإبرام تركناها مخافة التطويل، فتحصل مما ذكران عد هذا النوع في المقام لا يخلو من وجه، وان كان الاقوى ما عرفت. ثم ان مالا منفعة معتد بها لدى العقلاء على انحاء: منها مالا منفعة له مطلقا لا عاجلا ولا آجلا، ولا يرجى منه المنفعة كذلك، ولايكون في نفس المعاملة به منفعة عقلائية أو غرض عقلائي نوعي أو شخصي كما لو توهم المتعاملان منفعة فيما لا نفع له فاوقعا المعاملة ثم انكشف الخلاف. ومنها مالا منفعة فيه مطلقا لكن كان للمشترى غرض عقلائي نوعي أو شخصي في اشترائه، كما لو هجمت الهوام الموذية بالزراعات على مملكة فتعلق غرض الوالى بدفعها من ناحية اشترائها بثمن غال تشويقا إلى جمعها أو على مزرعة شخصية فاراد صاحبها ذلك. ومنها ماله منفعة لا يعتد بها العقلاء فحينئذ تارة تكون بحيث يعد بلا منفعة لديهم، واخرى تكون له منفعة لكنها نادرة فلما؟ يتفق الانتفاع بها، ثم قد يكون عدم النفع لخسته كالخنفساء مثلا، أو لقلته كحبة من الحنطة فان لها منفعة بمقدارها لكن لاتعد منفعة عقلائية، وقد تكون له منفعة عقلائية لكن ابتذاله وكثرته جعله كما لا منفعة له ولا يقابل لذلك بالمال كماء الشطوط لسكان سواحلها، فعلى اول الفروض فان كان عدم المنفعة لخسته فلا ينبغى الاشكال في بطلانها وهو المتيقن من معقد الاجماع المحكى عن المبسوط (2) و غيره، ويدل عليه مضافا إلى ذلك عدم صدق واحد من عناوين المعاملات عليها


(1) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله (2) في فصل ما يصح بيعه وما لا يصح من كتاب البيوع.

[ 161 ]

لان حقيقة المعاوضة ونحوها كالهبة مجانا متقومة بتبديل الاضافات الحاصة، فالبيع عبارة عن مبادلة مال بمال أو عين بعين لا مطلقا، فان المبادلة المطلقة لا معنى لها ولا في ذاتهما أو اوصافهما الحقيقة، ولا في مطلق الاضافات بل في اضافة خاصة هي اضافة الملكية أو الاعم منها، ومن اضافة الاختصاص والهبة عبارة عن تمليك عين مجانا أو مقابل تمليك عين مثلا وحقيقتها ايضا نقل الاضافة الخاصة أو تبديلها وسيأتى التفصيل في مظانه انشاء الله تعالى، ويأتى ايضا بيان الحال في بيع الكلى في الذمة مما قد يقال انه ليس من قبيل التبادل في اضافة الملكية، ولو قلنا بان البيع تمليك عين بعوض وامثال ذلك: لا يوجب فرقا فيما نحن بصدده. وكيف كان فمع عدم اعتبار العقلاء الملكية أو الاختصاص لشئ بالنسبة إلى شخص: لا يمكن تحقق العناوين المتقومة بهما وهو واضح، ولاريب في ان اعتبار الملكية وكذا الاختصاص لدى العقلاء: ليس جزافا وعبثا بل للاعتبارات العقلائية كلها منا شئ ومصالح نظامية ونحوها، فاعتبار الملكية والاختصاص فيما لا ينتفع به ولا يرجى هي منه رأسا ولايكون موردا لغرض عقلائي نوعي أو شخصي: لغو صرف و عبث محض، فمثل البرغوث والقمل ليس ملكا لاحد، ولا لاحد حق اختصاص متعلق به، فما ربما يقال: ان للانسان حق اختصاص بالنسبة إلى فضلاته: ليس وجيها على اطلاقه فالنخامة الملقاة على الارض ليست ملكا لصاحبها، ولا له حق اختصاص بها، اعرض عنها ام لم يعرض، وبالجملة اعتبار الملكية وحق الاختصاص تابع لجهة من جهات المصالح، وما لا نفع فيه مطلقا ولا غرض لاحد في اقتنائه: لا يعتبر ملكا ولا مختصا باحد، فاساس المعاملات المتقومة بالاضافتين منهدم رأسا بل الظاهر عدم صدق شئ من عناوين المعاوضات والمعاملات مع فقد المالية مطلقا، فاعطاء قمل واخذ برغوث ليس بيعا ولا معاقدة ولا تجارة لدى العرف والعقلاء، لما عرفت من عدم مناط الاعتبار فيما لا نفع ولا مالية له. فما قيل من ان البيع عبارة عن تبديل عين بعين من غير اعتبار المالية فيهما ساقط

[ 162 ]

لا ينبغى؟ ان يصغى إليه، كما ان توهم الافتراق بين البيع وبين العقد والتجارة بما قيل ان البيع لو لم يصدق مع عدم المالية لكن صدق التجارة والعقد لا يتوقف عليها فيكفى في تصحيح المعاملة التمسك بدليل نفوذها (غير وجيه) لاشتراك الجميع في عدم الصدق وفي عدم المناط لاعتبار العقلاء، ولان المعاوضة بين العينين لو صدقت عليها عناوين البيع والصلح والاجارة ونحوها: صدقت عليها التجارة والعقد ومع عدم صدق شئ من العناوين الخاصة كيف تصدقان عليها بل عدم صدق التجارة ليس باخفى من عدم صدق البيع بل لو فرض الشك في الصدق كفى في عدم جواز التمسك بالادلة أو ببناء العقلاء. ومن هنا يظهر جواز التمسك بقوله تعالى (1) لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل (الخ) فان الظاهر منه ان الاكل بغير التجارة مطلقا منهى عنه، فالامر دائر بين الامرين لا ثالث لهما، فإذا لم تصدق على مورد التجارة عن تراض يدخل في مقابله، بل لو شك في صدق اكل المال بالباطل في مورد لكن علم عدم صدق تجارة عن تراض فيه: يرفع الشك عنه وينسلك في الاكل بالباطل، كما انه لو فرض الشك في صدق التجارة و علم انه اكل المال بالباطل: يرفع الشك عنه، فالعلم بكل طرف اثباتا ونفيا رافع للشك عن الاخر كذلك كما هو الشأن في المنفصلتين الحقيقيتين. نعم لو فرض صدق الاكل بالباطل وصدق التجارة عن تراض في مورد يقع التعارض بين صدر الاية وذيلها بناء على دلالتهما على الحكم الوضعي أي بطلان المعاملة وصحتها ولا ترجيح لاحدهما. واما الاستدلال على البطلان بسفهية المعاملة (فغير وجيه) لان البطلان من ناحيتها على فرض القول به انما هو بعد فرض صدق المعاملة، واما مع عدم الصدق كما في المقام فلا موضوع لها وسيأتى الكلام في ذلك في بعض الاقسام الاتية ويلحق بما تقدم في البطلان ما لا منفعة عقلائية له ولم يتعلق به غرض عقلائي كما لو اشترى الزيز لاستماع صوته والجعل لرؤية تلاعبه مع العذرة، وذلك لان المعاملة سفهية غير عقلائية والادلة العامة كقوله تعالى: اوفوا بالعقود (2)، واحل الله


(1) سورة النساء الاية 33 (2) سورة المائدة - الاية 1.

[ 163 ]

البيع (1) وتجارة عن تراض: غير شاملة لها، اما لعدم صدق تلك العناوين عليها كما لا يبعد ومع الشك فالمرجع اصل الفساد، أو لانصرافها عنها فانها امضائية لما لدى العقلاء وليست بصدد تأسيس امر زائد على ذلك سيما مثل الاعمال السفهية التى هي اضحوكة العقلاء وتتنفر عنها الطباع السليمة. فتوهم شمولها لها فاسد جدا كتوهم عدم الاحتياج إلى الدليل اللفظي في الامضاء بل يكفى عدم الردع في الكشف عنه، وذلك لان المفروض انها ليست عقلائية فلا تكون متعارفة ولم تكن كذلك بمرئى ومنظر من الشارع حتى يستكشف الامضاء من عدم الردع، بل لو فرض تعارض امر سفهى بين اراذل الناس لا يمكن كشف رضى الشارع عنه لو لم يصل الينا الردع، لغاية بعد رضاه بما هو سفهى تنبوعنه الطباع والعقول السليمة، وتتنفر عنه العقلاء مع كونه مربى العقول ومتمم المكارم بل لا يبعد صدق الاكل بالباطل على مثلها، ويلحق به ايضا " بيع مالا مالية له لقلته كحبة من خردل أو لكثرته وشيوعه كالثلج في الشتاء مع عدم تعلق غرض عقلائي بالمعاملة، وذلك ايضا لسفهيتها، فلو عاوض منا من ثلج بمن منه في الشتاء. أو منا من ماء بمن من تراب في ساحل البحر مع عدم غرض عقلائي خارجي: يعد سفها بل لا يبعد عدم صدق عنوان المعاملة عليها ولا اقل من الشك فيه، ولو نوقش فيه فلاريب في انصراف الادلة عنها بما تقدم ذكره. ويلحق به ايضا ماله منفعة نادرة جدا بحيث تعد لدى العقلاء كلا منفعة لندوره، كما لو سمع احدان في اقصى بلاد الافريقية حية كان علاج لذعه لذع العقرب فاشترى عقربا وحفظه لذلك مع عدم احتمال ابتدائه به، فان المعاملة سفهية باطلة، فالميزان في الصحة عقلائية المعاملة والخروج عن السفهية، سواء كانت متعلقة لغرض شخص خاص، كمن ابتلى بمرض لا يبتلى به غيره وكان دوائه شيئا لا يرغب فيه احد فان اشترائه لغرضه عقلائي والمعاملة من اوضح مصاديق المعاملات العقلائية وتشملها الادلة، أو لاغراض عقلائية نادرة لا بمثل الاسئلة المتقدمة.


(1) سورة البقرة - الاية 276

[ 164 ]

واما الثانية من الصور المتقدمة، أي مالا تكون له منفعة مطلقا أو عقلائية لكن كان في المعاملة غرض عقلائي موجب لاشترائه كالمثال المتقدم (فالتحقيق) صحتها وعقلائيتها وذلك لان مالية الشئ تابعة وجودا ومرتبة للعرضة والتقاضا، فما لا منفعة له مطقا أو تعلق باشترائه وحفظه أو اشترائه واعدامه، غرض سياسي أو غيره من الاغراض العقلائية فصار ذلك منشأ للرغبة إلى اشترائه: اوجبت تلك الرغبة و ذلك التقاضا حدوث المالية فيه، فلو تعلق غرض دولة باشتراء مالا منفعة له من ناحية من النواحى لاغراض سياسية فاوجدت بقدرتها السوق لذلك المتاع: صار ذا قيمة لدى لعقلاء من غير لحاظ ان اشترائه باى غرض كان، وبالجملة الشئ صار متمولا ابمجرد حدوث التقاضا، ويخرج المتمول عن كونه كذلك بمعدوميته مطلقا، كما ان مراتب التمول ايضا تابعة لكثرة العرضة أو التقاضا. فلا ينبغى الاشكال في صحة تلك المعاملات وصدق البيع والتجارة والعقد عليها، وكذا صدق مبادلة مال بمال. والحكم بالبطلان يحتاج إلى دليل هو مفقود ويمكن ادراجها ولو بالغاء الخصوصية في صدر رواية تحف العقول، فانها وان تعرضت للاشياء التى فيها صلاح العباد أو وجه من وجوه صلاحهم في معاشهم وحياتهم لكن يمكن ان يقال: الاشتراء لدفع المضار أو جلب منافع مشروعة غير كامنة في نفس المتعلقات داخل فيها بالغاء الخصوصية أو فهم العرف علة الحكم، ولو نوقش فيه فالرواية ساكتة عنه، ولا شبهة في عدم شمول ذيلها لمثل تلك المعاملة المترتب عليها دفع مضار عن العباد أو جلب منافع لهم. فتحصل من جميع ما تقدم ضابط الصحة والفساد، واما القول باعتبار كون المنفعة غير نادرة ولو مع كون الندرة بحيث لم تخرج بها المعاملة عن العقلائية، بدعوى اعتباره شرعا اما لقيام الاجماع عليه أو لدلالة بعض الروايات كما عن عوالي اللئالى (1) عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها، واكلوا ثمنها وان الله تعالى إذا حرم على قوم اكل شئ حرم عليهم ثمنه، وعن الدعائم (2) (1) و (2) المستدرك كتاب التجارة - الباب 6 - من ابواب ما يكتسب به

[ 165 ]

قريب منها، وعنه صلى الله عليه وآله ايضا في حديث (1) قاتل الله اليهود ان الله لما حرم عليهم شحومها جملوه (أي اذابوه) ثم باعوه واكلوا ثمنه، بناء على ان للشحوم منفعة نادرة محللة على اليهود فيقال: لولا ان المنفعة النادرة كالمعدومة في نظر الشارع، لما منعهم عن بيعه لاجلها، ومثل رواية التحف، ففيه ما لا يخفى، اما الاجماع فلان العمدة هو الاجماع المحكى عن المبسوط (2) كل ما ينفصل من الآدمى من شعر ومخاط ولعاب وظفر وغيره: لا يجوز بيعه اجماعا لانه لا ثمن له ولا منفعة فيه وعن موضع آخر منه فان كان مما لا ينتفع به فلا يجوز بيعه بلا خلاف مثل الاسد والذئب وساير الحشرات. وهما كما ترى دعوى الاجماع وعدم الخلاف على ما لا منفعة فيه ولا ينتفع به حتى الثانية، لان المذكورات من قبيل الامثلة بنظره وتشخيصه، لا من معقد الاجماع، ضرورة انه لم يدع الاجماع ولم يقم ذلك على عنوان الاسد والذئب وغيرهما، و الظاهر من معقدهما ما لا ينتفع به مطلقا وما لا منفعة له كذلك، ولو حملا على عدم الانتفاع العقلائي كما تقدم لا بأس به، لكن التعدي إلى ما يكون له المنفعة العقلائية النادرة مما لا وجه له، واضعف منه التمسك بالروايات فانها مع الغض عن سندها ظاهرة في ان اليهود باعوها للمنفعة المحرمة كما يشعر به التعليل الوارد فيها مع عدم معلومية حلية بعض المنافع لهم، ورواية التحف متعرضة للمعاملات المتعارفة، بل يمكن التمسك بها لصحة المعاملة في بعض الصور المتقدمة فالاقوى هو ما تقدم. القسم الرابع الاكتساب بما هو حرام في نفسه، والبحث فيه تارة عن حرمة عنوان الكسب وان الاجارة على المحرم محرمة اولا، واخرى عن حرمة الثمن بعنوان كونه ثمن الحرام، وثالثة عن حكمه الوضعي، وقد تقدم ان المقصود الاصلى بالبحث ههنا هو العنوانان الاولان، وان الثالث استطرادى يناسب البحث عنه في شرايط العوضين في الاجارة.


(1) الخلاف - كتاب البيوع - مسألة 311 (2) في فصل ما يصح بيعه وما لا يصح من كتاب البيوع.

[ 166 ]

فنقول يمكن الاستدلال على حرمة نفس الاجارة بقبح الاستيجار والايجار على معصية الله تبارك وتعالى، فكما ان نفس الاستيجار والايجار للقبايح العقلية: قبيحة بحكم العقل والعقلاء كايجار شخص والعياذ بالله نفسه أو من يتعلق به من نواميسه لارتكاب الفاحشة، كذلك هما قبيحتان لمعصية الله التى هي ايضا من القبايح العقلية، فالمدعى ادراك العقل قبح عنوان المعاملة على القبايح، وانها واسطة لثبوت القبح لنفس المعاملة. ودعوى ان القبح فاعلي لا فعلى نظير التجرى (غير وجيهة) ضرورة ان عنوان اجارة النواميس قبيح عقلا ولا ينافى ذلك كشفها عن دنائة الفاعل وسوء سريرته وفقدان الشرف والعز. ويمكن الاستدلال على حرمة الاستيجار عليها بفحوى ادلة وجوب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر بان يقال: ان المستفاد عرفا من تلك الادلة أو من فحويها: ان الامر بالمنكر والنهى عن المعروف محرمان، بل مطلق ما يوجب الاغراء على المحرم والترغيب إليه والتشويق إليه: محرم سواء ارتكب الطرف ام لا، ولا ريب في ان استيجار المغنية للتغني والمصور للتصوير المحرم. دعوة لهما إلى اتيان الحرام وتشويق إليه واغراء عليه، بل قبول الاجارة ايضا نحو ترغيب للمستأجر إليه مضافا إلى امكان الاستفادة من قوله تعالى (1) (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون؟ بالمنكر وينهون عن المعروف) بدعوى ان العنوانين ليس لصرف معرفيتهم بل الآية الكريمة في مقام تعييرهم وتقريعهم وذكر ما هو قبيح عقلا ومحرم شرعا من اعمالهم. وبدعوى ان لا خصوصية لعنوان الامر بالمنكر بل المراد اعم مما يفيد فائدته من الترغيب والتشويق إليه، وبدعوى انه ليس المراد من الامر بالمنكر ما يرجع إلى رد قول رسول الله صلى الله عليه وآله والى مخالفته في قوانينه، بل الظاهر ان الامر بالمنكر بالمحل الشايع والنهى عن المعروف كذلك، من صفات المنافقين ويكون محرما سواء كان الغرض رد قول رسول الله صلى الله عليه وآله ام لا (تأمل) وتؤيده رواية التحف


(1) سورة التوبة - الاية 68

[ 167 ]

نعم بناء على ان المستند فحوى ادلة الامر بالمعروف والآية الكريمة: لا يستفاد منهما حرمة الاستيجار والاجارة بعنوانهما بل المحرم ما ينطبق عليهما في الخارج بخلاف ما لو كان المستند الوجه الاول ورواية التحف، وببعض ما تقدم يمكن الاستيناس بحرمة الثمن ايضا، ويدل عليه قوله: ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، بتقريب ان لا خصوصية لعنوان الثمن في نظر العرف بل الظاهر منه ان تحريم الشئ لايلايم مع تحليل ما يقابله سواء صدق عليه عنوان الثمن ام كان عنوانه اجرا واجرة ونحوهما، وقد تقدم ان الرواية وان كانت ضعيفة لكن لا يبعد استنقاذ مضمونها من ساير الروايات في الابواب المتفرقة. ويمكن الاستدلال على بطلانها ببعض ما تقدم في بعض المسائل المتقدمة بان يقال: ان المحرم ليس مالا في نظر الشارع، ولهذا لو منع شخص عن تغنى جارية مغنية أو العبد المغنى: لا يكون ضامنا بالنسبة إلى تلك المنفعة المحرمة بلا اشكال وان كانا اجيرين لذلك، وما لا يكون ما لا في محيط التشريع لا تكون المعاملة عليه معاملة. وان شئت قلت ان سلب المالية عن شئ واسقاطها دليل على ردع المعاملة به، ويمكن الاستدلال عليه بوجه آخر وهو ان مقتضى ذات المعاملة لدى العقلاء امكان التسليم والتسلم، ومع منع الشارع عن تسليم المنفعة المحرمة وتسلمها: لا يعقل ان تكون المعاملة نافذة عنده، فمنع التسليم والتسلم دليل على ردع المعاملة فتقع باطلة، والاشكال المتقدم في بيع العنب ممن يعلم انه يجعله خمرا: غير وارد في المقام بما قررناه، لانه هناك لم يكن تسليم طرف المعاوضة بذاته محرما بل المحرم عناوين اخر منطبقة عليه وكان للبايع ان يقول: انى لا امتنع عن التسليم بشرط عدم جعله خمرا، فالتقصير متوجه إلى المشترى ولم يحرم الشارع تسليم العنب المقابل في المعاوضة، بخلاف المقام فان تسليم المنفعة التى مقابلة الثمن ومورد الاجارة ممنوع شرعا، وبوجه آخر وهو ان الآية الكريمة اعني (لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل) وان كان الموضوع فيها البطلان العرفي والعقلائي لا الشرعي

[ 168 ]

لكن بتحكيم ما دل على نفى المالية أو نفى تسليم المنفعة ينسلك في مفاد الآية فان اخذ مال الغير بلا انتقال منفعة إليه اكل المال بالباطل ويؤيده النبوى ورواية التحف فائدة استطرادية قد جرت عادة القوم بذكر كثير من المحرمات مما من شأنها الاكتساب بها ولو لم يتعارف ذلك، ونحن نذكر منها ما هو المهم بنظر البحث انشاء الله تعالى في ضمن مسائل: المسألة الاولى الظاهر عدم الخلاف والاشكال في حرمة التصوير في الجملة، وعن بعض ان في المسألة اقوالا اربعة، حرمة التصوير مطلقا من جهة التجسيم وغيره وذوات الارواح وغيرها، والتخصيص بالمجسمة والتعميم من الجهة الثانية، والتخصيص بذوات الارواح والتعميم من الجهة الاولى، والتخصيص من الجهتين فيكون المحرم عمل ذوات الارواح المجسمات، والاقوى هو الاخير وهو المتقين من معقد الاجماع المحكى. وتدل عليه مضافا إليه الاخبار الآتية، واما ساير الصور فلا دليل على حرمتها فان الاخبار على كثرتها تدور مدار عنوانين هما التصوير والتمثيل باختلاف التعابير الا رواية النواهي المذكور فيها النقش، ولا يبعد ان يكون الظاهر من تمثال الشئ وصورته بقول مطلق: هو المشابه له في الهيئة مطلقا أي من جميع الجوانب لا من جانب واحد، وتمثال الوجه أو مقاديم البدن تمثاله بوجه لا مطلقا، كما ان تمثال خلفه كذلك واطلاق التمثال على تمثال الوجه أو المقاديم بنحو من المسامحة كاطلاقه على تمثال الخلف، وان صار في الاولين شايعا حتى على خصوص الوجه مع عدم كونه حقيقيا بلا اشكال. واما الصورة فهى بمعنى الشكل الذى هو الهيئة وهيئة الشئ كتمثاله: ما يكون شبهه في جميع الجوانب، واطلاقه على النقوش والعكوس بنحو ما المسامحة ولذا يطلق على تمثال الوجه فقط، والاطلاق الشايع على النقش والرسم في الروايات على فرض تسليمه وعدم دعوى ان الوسائد وغيرها مما وردت فيها الروايات لعلها

[ 169 ]

كانت الصور والتماثيل فيها بنحو التجسيم كهيئة غزال مثلا نائم أو قائم بحيث كان صدق عليه الغزال المجسم: كان لاجل القرائن، ولهذا لو سئل عن العرف ان هذه الصورة أو المثال صورته من جميع الوجوه لاجاب بالنفى، ولا اقل من كون الصدق الحقيقي محلا للشك سيما مع الشواهد المذكورة في الجواهر وغيره وشواهد اخر تأتى الاشارة إلى بعضها ولو نوقش فيما ذكرو ادعى الصدق العرفي في المجسم وغيره. فنقول ان الظاهر طايفة من الاخبار بمناسبة الحكم والموضوع ان المراد بالتماثيل والصور فيها هي تماثيل الاصنام التى كانت مورد العبادة، كقوله: من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن الاسلام (1) وقوله: من صور التماثيل فقد ضاد الله (2) وفيه احتمال آخر ينسلك به في الطايفة الثانية، وقوله: اشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبى ورجل يضل الناس بغير علم ومصور تصور التماثيل (3) وقوله: ان من اشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون وامثالها فان تلك التوعيدات والتشديدات لا تناسب مطلق عمل المجسة أو تنقيش الصور، ضرورة أو عملها لا يكون اعظم من قتل النفس المحترمة أو الزنا أو اللواطة أو شرب الخمر وغيرها من الكبائر، والظاهر ان المراد منها تصوير التماثيل التى هم لها عاكفون مع احتمال آخر في الاخيرة، وهو ان المراد بالمصورون القائلون بالصورة والتخطيط في الله تعالى كما هو مذهب معروف في ذلك العصر. والمظنون الموافق للاعتبار وطباع الناس، ان جمعا من الاعراب بعد هدم اساس كفرهم وكسرا صنامهم بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وامره: كانت علقتهم بتلك الصور والتماثيل باقية في سر قلوبهم، فصنعوا امثالها حفظا لآثار اسلافهم وحبا لبقائها كما نرى حتى اليوم علاقة جمع بحفظ آثار المجوسية وعبدة النيران في هذه البلاد حفظا لاثار اجدادهم، فنهى النبي صلى الله عليه وآله عنه بتلك التشديدات والتوعيدات التى


(1) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 3 - من ابواب احكام المساكن ضعيفة بابى الجارود. (2) و (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 75 - من ابواب ما يكتسب به

[ 170 ]

لا تناسب الا للكفار ومن يتلو تلوهم قمعا لاساس الكفر ومادة الزندقة ودفعا عن حوزة التوحيد، وعليه تكون تلك الروايات ظاهرة أو منصرفة إلى ما ذكر، وعليه تحمل رواية ابن القداح (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام بعثنى رسول الله صلى الله عليه وآله في هدم القبور وكسر الصور. ورواية السكوني (2) عنه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام بعثنى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة فقال: لا تدع صورة الا محوتها، ولا قبرا الا سويته ولا كلبا الا قتلته، فان بعث رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين لذلك: دليل على اهتمامه به، والظاهر ان الصور كانت صور إليها كل والاصنام ومن بقايا آثار الكفر والجاهلية، ولا يبعد ان يكون الكلب في الرواية الثانية بكسر اللام وهو الكلب الذى عرضه داء الكلب وهو داء شبه الجنون يعرضه فإذا عقر انسانا عرضه ذلك الداء وما في بعض الروايات (3) من نكتة نجاسة الكلب ان النبي صلى الله عليه وآله امر بقتله فهو سر التشريع على فرض ثبوت الرواية، والا فلم يأمر النبي صلى الله عليه وآله بقتل مطلق الكلاب حتى كلاب الصيد والماشية، بل جعل لها دية كما ان ما في رواية السكوني (4) عن أمير المؤمنين عليه السلام الكلب الاسود البهيم لا تأكل صيده لان رسول الله صلى الله عليه وآله امر بقتله من سر التشريع فان امر النبي صلى الله عليه وآله بقتل الكلاب الغير الموذية: بعيد جدا لا يمكن تصديقه، واما ان تكون الكلاب أو بعضها مورد تعظيم اناس وعبوديتهم بعيد، ولم ينقل الينا، وان لا يبعد شئ من جهال الناس كما اتخذوا البقر والشيطان معبودا، ولعل امره بهدم القبور لاجل تعظيم الناس اياها بنحو العبادة للاصنام وكانوا يسجدون عليها، كما يشعر به بعض الروايات الناهية عن اتخاذ قبر النبي صلى الله عليه وآله قبلة ومسجدا،


(1) الوسائل - كتاب الصلاة - الباب 3 - من ابواب احكام المساكن - حسنة بجعفر بن محمد الاشعري وفي سندها سهل والامر فيه سهل (2) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 3 - من ابواب احكام المساكن - موثقة. (3) الوسائل - كتاب الطهارة - الباب 12 - من ابواب النجاسات (4) الوسائل - كتاب الصيد والذبائح - الباب 45 - من ابواب الصيد موثقة.

[ 171 ]

فعن الصدوق (1) قال: قال النبي صلى الله عليه وآله لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجدا، فان الله عزوجل لعن اليهود حيث اتخذوا قبور انبيائهم مساجد ويشهد له بعد بعث رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين لهدم القبور وكسر الصور لكراهة بقائهما وسيأتى جواز اقتناء الصور المجسمات. واما على ما ذكرناه يكون الحكم على وجه الالزام كما يساعده الاعتبار وتؤيدما ذكرناه صحيحة عبد الله بن المغيرة (2) قال سمعت الرضا عليه السلام يقول قال قائل لابي جعفر (ع) يجلس الرجل على بساط فيه تماثيل فقال: الاعاجم تعظمه وانا لنمتهنه (أي نحتقره) وما عن ابى الحسن (ع) (3) قال: دخل قوم على ابى جعفر عليه السلام وهو على بساط فيه تماثيل فسألوه فقال اردت ان اهينه، وفى رواية (4) قال جبرئيل انا لا ندخل بيتا فيه تمثال لا يوطأ فان الظاهر ان التحقير والاهانة بالصور في مقابل تعظيم الاعاجم، لانهم كانوا يعبدون اصناما وتماثيل وكانوا يعتقدون انها مثال ارباب الانواع التى يعتقدون انها وسائل إلى الله تعالى وبالجملة لاتستفاد من تلك الروايات حرمة مطلق المجسمات فضلا عن غيرها، بل هي مربوطة ظاهرا بعمل الاصنام وحفظ آثار الجاهلية وحفظ عظمتها الموهومة، ولا يبعد القول بحرمتها مطلقا وحرمة اقتنائها لذلك ووجوب محوها. واما الطائفة الاخرى فالظاهر منها حرمة عمل المجسمات وهى ما دلت على تكليف المصور بالنفخ، كمرسلة ابن ابى عمير (5) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من مثل تمثالا كلف يوم القيمة ان ينفخ فيه الروح، وقريب منها روايات اخر مستفيضة، لان الظاهر منها ان الامر بالنفخ ليس لمطلق التعجيز بلا تناسب بل كانه لم يبق من صورة الحيوان شئ سوى النفخ، فإذا نفخ فيه صار حيوانا، وهو ظاهر في المجسمة ذات الروح وليس مراد من يدعى انها ظاهرة فيها، ان نفخ غير المجسمة أي الاعراض


(1) الوسائل - كتاب الصلاة - الباب 26 - من ابواب مكان المصلى = مرسلة معتمدة (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 4 - من ابواب احكام المساكن - الثانية مرسلة. (5) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 3 - من ابواب احكام المساكن.

[ 172 ]

محال، حتى يقال في جوابه تارة بانه للتعجيز وهو مع الاستحالة اوقع، واخرى بامكان النفخ في الجواهر الموجودة في الصبغ، وثالثة راداة تجسيم النقش مقدمة للنفخ، ورابعة بامكان ذلك بملاحظة محله بل بدونها كامر الامام عليه السلام بالاسد المنقوش على ما حكى إلى غير ذلك، فانها اجنبية عن المدعى لان المراد ان الظاهر المتفاهم منها ان ما صنعه إذا نفخ فيه صار حيوانا معهودا، وهو لا يكون الا في المجسمات. ويؤيده ان المظنون بل الظاهر من بعض الروايات ان سر التحريم انما هو اختصاص المصورية بالله تعالى، وهو الذى يصور ما في الارحام، وهو الله الخالق البارئ المصور، فإذا صور انسان صورة ذى روح يقال له، انفخ فيها كم ا نفخ الله فيما صور ارغاما لانفه وتعجيزا، وهو ايضا يناسب المجسمة كما تشعر به أو تدل عليه الرواية المرسلة المحكية عن لب اللباب للراوندي (1) وفيها، ومن صور التماثيل فقد ضاد الله بناء على كون المضادة في مصوريته، فلا يكون في غيرها مضادة له، لانه تعالى لم ينفخ روحا في غير المجسمات، والحاصل ان الظاهر من تلك الطايفة هو حرمة عمل المجسمة من ذى الروح لاغيره من ساير الصور المتقدمة، لقصور الادلة عن اثبات حرمتها، واما ما تقدمت فلما عرفت. واما صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن تماثيل الشجر والشمس والقمر فقال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان، التى ادعى الشيخ الانصاري (3) انها اظهر من الكل: فلا ظهور فيها رأسا لعدم معلومية وجه السؤال اولا، لاحتمال ان يكون السؤال عن اللعب بها كما في رواية على بن جعفر (4) عن اخيه موسى عليه السلام انه سئل اباه عن التماثيل فقال: لا يصلح ان يلعب بها سيما مع


(1) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 75 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 94 - من ابواب ما يكتسب به (3) المكاسب - المسألة الرابعة من النوع الرابع مما يحرم الاكتساب به (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 94 - من ابواب ما يكتسب به. مجهولة بعبدالله بن حسن

[ 173 ]

ما ترى، من حمل السؤال المطلق على الاستفتاء من اللعب بها، أو عن اقتنائها أو عن تزويق البيوت بها، أو عن جعلها في البيت أو مقابل المصلى كما في جملة من الروايات ودعوى الانصراف إلى تصويرها ممنوعة. بل يمكن ان يقال ان السؤال عن التماثيل انما هو بعد الفراغ عن وجودها، فيكون ظاهرا أو منصرفا إلى ساير التصرفات فيها، وعدم ظهورها في الحرمة ثانيا، وما يقال: ان البأس هو الشدة والعذاب المناسبان للحرمة كما ترى، فان استعمال لا بأس في نفى المرجوحية والكراهة شايع، وعدم الاطلاق في ذيلها ثالثا، لان تماثيل الشجر لو اختصت بالمجسمات فاثبات البأس في الحيوان ايضا كذلك، ولو شملت بالاطلاق النقوش والرسوم فلا يكون في عقد المستثنى اطلاق، لكون الكلام مسوقا لبيان الصدرو عقد المستثنى منه، لا الذيل. ودعوى اختصاص السؤال بالنقوش بمناسبة عدم تعارف تجسيم الشجر وتالييه (غير وجيهة) لامكان ان يقال: ان المتعارف في تلك الازمنة: هو عمل الحجارى و تصوير الاشياء بالحجر والجص بنحو التجسيم، واما النقش والرسم فتعارفهما غير معلوم، ولا اقل من عدم احراز تعارف ترسيم المذكورات دون تجسمها بنحو يوجب الانصراف فانكار الاطلاق ضعيف جدا. ومن بعض ما تقدم يظهر الكلام في رواية ابى بصير (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتانى جبرئيل فقال: يا محمد ان ربك ينهى عن التماثيل، لعدم معلومية متعلق النهى كما تقدم، ويظهر من بعض ما تقدم ايضا الكلام في رواية تحف العقول حيث قال في الصناعات المحللة: وصنعة صنوف التصاوير ما لم تكن مثل الروحانى، فانه مضافا إلى ضعفها: في مقام بيان الصنوف المحللة لا المحرمة فلا اطلاق في عقد المستثنى يشمل المجسمات وغيرها، وسيأتى بيان معنى المثل واحتمال ان يكون المراد بها الاصنام.


(1) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 3 - من ابواب احكام المساكن - ضعيفة يعلى بن ابى حمزة وقاسم بن محمد

[ 174 ]

وقد يقال ان اظهر ما في الباب هو رواية الحسين بن زيد (1) عن الصادق عليه السلام عن آبائه في حديث المناهى وفيها، ونهى ان ينقش شئ من الحيوان على الخاتم، و فيه مضافا إلى ضعف السند وعدم ذكر الفاظ رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك النواهي بل نقلت نواهيه بنحو الاجمال، وهى مشتملة على المكروهات وغيرها فلا تدل على التحريم لا لان السياق مانع عن استفادته، حتى يقال مضافا إلى منع مانعيته ان نواهيه صلى الله عليه وآله كانت متفرقة وانما جمعها أبو عبد الله عليه السلام في رواية واحدة، بل لان ابا عبد الله عليه السلام لم ينقل الفاظ رسول الله صلى الله عليه وآله وليس قوله: نهى عن كذا وكذا الا اخبار على سبيل الاجمال، ومن والواضح ان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقل في تلك الموارد انى انهيكم عن كذا وانهكم عن كذا إلى آخرها، بل كان له صلى الله عليه وآله نواهى مختلفة بالفاظ مختلفة بعضها على سبيل التحريم وبعضها على سبيل التنزيه حكاها أبو عبد الله عليه السلام من غير ذكر الفاظه، فلا دلالة فيها على التحريم الا في بعض فقراتها: ان المنهى عنه هو النقش على الخاتم وهو امر آخر غير التصوير الذى نحن بصدده، لامكان ان يكون النقش عليه محرما أو مكروها، لا لحرمة التصوير بل لمبغوضية انتقاشه نظير النهى عن زخرفة المساجد مثلا أو انشاد الشعر فيها. وبهذا يظهر الكلام في رواية ابى بصير (2) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتانى جبرئيل فقال: يا محمد ان ربك يقرئك السلام وينهى عن تزويق البيوت قال أبو بصير فقلت: وما تزويق البيوت فقال: تصاوير التماثيل ورواية جراح المدائني (3) عنه عليه السلام قال لا تبنوا على القبور ولا تصوروا سقوف البيوت فان رسول الله صلى الله عليه وآله كره ذلك فان النهي عن تزويق البيوت وتصوير السقوف لا يدل على حرمة التصوير كما ان النهى عن البناء على القبور لا يدل على حرمة البناء أو كراهته وهذا واضح.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 94 - من ابواب ما يكتسب به ضعيفة بشعيب بن واقد وغيره (2) و (3) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 3 - من ابواب احكام المساكن - الاولى ضعيفة بعلى بن ابى حمزة وقاسم بن محمد والثانية ضعيفة بجراح المدائني

[ 175 ]

وربما يستدل على الاطلاق بموثقة ابى العباس (1) عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل فقال: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه، (وفيه) انها نقل قضية خارجية لم يتضح ان التماثيل التى يعملون له هي المجسمات أو غيرها، ولا معنى لاطلاق قضية شخصية، مضافا إلى ان التماثيل المذكورة على ما يظهر من مجمع البيان هي المجسمات المعمولة من نحاس وشبه ورخام ونحوها، مع ان انكار ابى عبد الله عليه السلام لا يدل على كونها محرمة على سليمان النبي عليه السلام بل لعلها كانت مكروهة عليه كراهة شديدة لا يليق ارتكابها بمثل النبي، فالتمسك بها لاثبات المطلوب ضعيف جدا. واما رواية عبد الله بن طلحة (2) عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: من اكل السحت سبعة إلى ان قال: والذين يصورون التماثيل، فمضافا إلى ضعفها، لا اطلاق فيها لانها في مقام العدو لا اطلاق فيها في المعدود كما مر نظيره، مع ان كون السحت راجعا إلى بيعها أو عملها غير متضح، كما ان سحتية اجر العمل لا تلازم حرمته لامكان ان يكون عدم التقابل بالمال لجهة اخرى (تأمل) وليست الرواية عندي حتى ارى تتمتها وكيف كان لا يصلح مثلها لاثبات حكم كما لا تصلح لذلك رواية الخصال (3) عن أمير المؤمنين عليه السلام اياكم وعمل الصور فانكم تسئلون عنها يوم القيمة لضعف سندها بل لا يبعد ظهور قوله: عمل الصور في عمل المجسمة وانصرافه عن ترسيمها ونقشها. فتحصل من جميع ذلك عدم قيام دليل صالح لاثبات حرمة غير المجسمات من ذوات الارواح، بل لقائل ان يقول: ان الادلة على فرض اطلاقها وعمومها و شمول مثل قوله: من مثل مثالا فكذا، ومن صور صورة فكذا، تماثيل جميع


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 94 - من ابواب ما يكتسب به. (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 75 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بعبدالله بن طلحة. (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 75 - من ابواب ما يكتسب به

[ 176 ]

الموجودات، وان ذكر النفخ فيها لمجرد التعجيز لا للتناسب، يوجب ذلك وهنا على المطلقات والعمومات لان عدم ذكر المتعلق فيها يدل على العموم، وهذه العناوين أي التصوير والصورة والتمثال تصح اضافتها إلى كل موجود جسماني بل وروحاني وكذا إلى اجزاء واعضاء كل موجود. بل بعض اعضائه فيصدق تمثال الرأس وصورة الرجل واليد والشجر وساقه وورقه وهكذا، فحينئذ يكون اخراج جميع الموجودات كلا وبعضا عن العمومات والاطلاقات وابقاء الصور التامة للحيوان فقط تحتها من التخصيص الكثير المستهجن، فيكشف ذلك عن قرائن حافة بها حين الصدور خرجت بها عن الاستجهان والمتيقن هو حرمة المجسمات المدعي عليها الاجماع، ودعوى الانصراف إلى خصوص الصور التامة أو خصوص صور الحيوانات كما ترى. نعم في رواية محمد بن مروان (1): من صور صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها وليس بنافخ فيها، لكنها ضعيفة لاشتراك ابن مروان وعدم ثبوت وثاقته، فلا يمكن اثبات الحكم بها لكن الانصاف ان هذا الوجه قابل للمناقشة والله العالم. فروع الاول لا شبهة في حرمة تصوير الاصنام للعبادة بها اولا بقاء آثار السلف الفاجر من غير فرق بين المجسمة وغيرها، ولا بين الايجاد التسبيبى والمباشري، ولا بين صور الروحانيين وغيرها، ولا الحيوان وغيره، فلو عمل صورة بعض ارباب الانواع المتوهمة التى كانت مورد تعبدهم أو صورة شجرة كذائية: كان حراما مطلقا ولا يجوز ابقائها واقنائها، وذلك لما نعلم من مذاق الشارع الاقدس انه لا يرضى ببقاء آثار الكفر والشرك للتعظيم أو لحب بقاء آثارهما والفخر بها كما ترى من بعض اولاد الفرس من الحرص على ابقاء الآثار القديمة المربوطة بالمجوس وعبدة النيران.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 94 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بمحمد بن مروان وغيره.

[ 177 ]

وقد مر ان جملة من الاخبار راجعة إلى هذه الناحية فالفروع الآتية انما هي في غير تلك الصور الخبيثة، ولا ينافى ذلك لما قدمناه سابقا من تجويز بيع الصنم الذى انقرض عصر عابديه وانما يشتريه بعض الناس لحفظ الآثار العتيقة، لان المنظور في ذلك المقام جواز المعاوضة عليه ان كان المقصود مجرد ذلك لاحفظ شعار الاجداد كما في المقام، كما لا ينافيه بعض الروايات الواردة في الوسائد المنقوشة بالنقوش التى كانت الاعاجم يعظمهما لو كان المراد منها صور ارباب الانواع ونحوها مما كانت مورد تعظيمهم بعد ما لم يكن الحفظ للتعظيم بل للتحقير كما في الروايات أو لمجرد استفادة التوسد والافتراش، فان الاحكام تختلف بالجهات والحيثيات، هذا مع عدم معلومية كون النقوش من قبيلها أو من سلاطينهم أو غير ذلك. إذا عرفت ذلك فنقول: ان الظاهر من الادلة هو حرمة تصوير الصور وتمثيل المثال، وهما لا يشملان الا للمصنوع بيد الفاعل مباشرة بمعنى صدور عمل التصوير منه وبيده، كما كانت صنعة الصور كذلك في عصر صدور الروايات فلا يشملان لايجاد الصور كيف ما كان، فلو فرضت مكينة صنعت لايجاد المجسمات وباشراحد لاتصال القوة البرقية بها فخرجت لاجلها الصور المجسمة منها: لم يفعل حراما ولم تدل تلك الادلة على حرمته، لعدم صدق تصوير الصور وتمثيل المثال عليه، فلو نسبا إليه كان بضرب من التأويل والتجوز، فان ظاهر من صور صورا أو مثل مثالا سيما في تلك الاعصار صدور هما من قوته الفاعلة، فيكون هو المباشر لتصويرها، فكما ان قوله: من كتب كتابا لا يشمل من اوجد الكتابة بالمطابع المتعارفة أو اخذ العكس منه، فمباشر عمل المطبعة واخذ العكوس ليس كاتبا ولا كتب شيئا كذلك صاحب المكينة العاملة للصور، وكذا العكاس ليسا مصورين وممثلين للصور والمثل الا بضرب من التأويل والتجوز ولا يصار إليه الا بدليل وقرينة من غير فرق بين العكوس المنطبعة في الزجاجة والمنعكسة منها إلى الصحايف وان كان عدم الصدق في الاول اوضح. نعم لو كان وجود شئ مبغوضا في الخارج كان ايجاده باى نحو كذلك

[ 178 ]

لاتحاد الايجاد والوجود ذاتا وانما اختلافهما بالاعتبار (تأمل) لكن لم يحرز في المقام ذلك، بل سيأتي ان الاقوى جواز اقتناء الصور وعدم وجوب كسرها، فعليه لا دليل على حرمة ايجادها باى نحو كان، الا ان يدعى ان ذلك المدعى لوتم في مثل قوله من صور صورة أو مثالا لايتم في مثل قوله: مثل مثالا، فان الظاهر منه حرمة مثول المثال وهو شامل للايجاد، أو مخصوص به، أو يدعى الغاء الخصوصية عرفا، وفهم الايجاد التسبيبى من الادلة بالقائها وهما ايضا محل اشكال ومنع، الا الظهور المدعى انما هو لهيئة الفعل فانها ظاهرة في الايجاد المباشرى الا مع قيام قرينة من غير فرق بين الموارد، بل الظاهر من قوله من مثل صورة أو مثالا هو تصوير الصورة وتمثيلها بقدرته وعلمه بذلك الصنع، والمباشر لاتصال القوة بالمكينة أو لالقاء الجص في القالب ربما لا يكون مصورا وعالما بالتصاوير ولا قادرا عليه. نعم في بعض الاحيان تقوم القرينة علي التعميم أو على التخصيص بغير المباشرة وهو امر آخر، واما في مثل المقام الذى كان المتداول في التصوير والتمثيل تحصيلهما بمباشرة اليد وقدرة الصنع، وربما يفعل بمثل المكائن والقوالب كما في هذا العصر ولم يكن ذلك ايضا متداولا في تلك الاعصار حتى يكون التداول قرينة على ارادة الاعم، فالظاهر من الادلة هو النحو الاول والتعميم يحتاج إلى دليل وهو مفقود، ودعوى الغاء الخصوصية ايضا ممنوعة ولا اقل من الشك فيه (نعم) لو كان وجودها مبغوضا كان الامر كان ذكر ويأتى الكلام فيه، ولكن الاحتياط بتركه مطلقا لا ينبغى ان بترك. الثاني هل تلحق صورة الجن والشيطان والملك بالصورة الحيوانية أو لا، قد يقال: ان مقتضى اطلاق الادلة ذلك لكن يمكن انكار اطلاقها بان يقال: العمدة في الادلة هو المستفيضة المشتملة على قوله: يكلف ان ينفخ فيها وليس بنافخ، و اما غيرها فقد تقدم ان جملة منها مربوطة بعمل تماثيل إليها كل المعبودة، وجملة اخرى لا اطلاق فيها، ولو وجد فيها ماله اطلاق فضعيف سندا، واما المستفيضة المشار إليها فالظاهر منها ان المحرم هو تمثال موجود يكون نحو ايجادها بالتصوير و

[ 179 ]

النفخ كالانسان وساير الحيوانات، فمع تصوير صورة حيوانية وتتميم تصويرها و بقاء نفخ الروح فيها ولو بنحو من المسامحة: كانه تشبه بالخالق في مصوريته ما في الارحام فيقال له يوم القيمة ايها المصور انفخ فيها كما نفخ الله تعالى في الصور بعد تسويتها واما مثل الجن والشيطان والملك مما تكون كيفية ايجادها بغير التصوير والتخليق التدريجيين وبغير التسوية والنفخ بل ايجادها بدعية دفعية سواء قيل بكونها مجردة ام لا ولايكون فيها نفخ روح كما في الحيوانات: فخارج عن مساق تلك الاخبار التى هي المعتمدة في حرمة عمل المجسمات، لاستفاضتها واعتبار اسناد بعضها كمرسلة ابن ابى عمير (1) هذا مضافا إلى ان المظنون بل الظاهر من مجموع الروايات ان وجه تحريم الصور والتماثيل هو التشبه بالخالق جلت قدرته في المصورية التى هي من صفاته الخاصة، والتصوير الخيالي من المذكورات ليس تشبها به تعالى لانه لم يصورها كذلك حتى يكون التصوير تشبها به، الا ان يقال: انه صار شبيها به في مطلق التصوير وهو كما ترى، ولا يلزم مما ذكرناه الالتزام بجواز تصوير حيوان غير موجود كالعنقاء مثلا أو مخلوق ذى رؤس عديدة لانا لانقول: باختصاص الادلة بالحيوانات الموجودة في الخارج، بل نقول باختصاصها بما يكون موجوديته كموجودية الحيوانات بالتخليق والتصوير، والمذكورات ليست كذلك، مع ان الالتزام بعدم الحرمة في بعض مصاديق مورد النقض ليس ببعيد وليس بتال فاسد. نعم يمكن التمسك برواية التحف لحرمة صور الروحانيين من الملائكة و غيرها حيث قال فيها في تفسير الصناعات المحللة: وصنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحانى، بدعوى ان الظاهر منها حرمة مطلق مثل الروحانى بل الظاهر خروج الانسان والحيوانات منها فان الروحانى ظاهر في موجود غلبت جهة الروح فيه، والالف والنون، من زيادات النسب فالروحاني مقابل الجسماني.


(1) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 3 - من ابواب احكام المساكن.

[ 180 ]

ففى رواية عن ابى عبد الله عليه السلام (1) ان الله خلق العقل وهو أو خلق من الروحانيين قال المحدث المجلسي: يطلق الروحانى على الاجسام اللطيفة وعلى الجواهر المجردة ان قيل بها، قال في النهاية في الحديث الملائكة الروحانيون يروى بضم الراء وفتحها كانه نسب إلى الروح والروح نسيم الريح والالف والنون من زيادات النسب ويراد به اجسام لطيفة لا تدركه البصر (انتهى) وفى المجمع نحو ما عن النهاية، وعن الجوهرى زعم أبو الخطاب انه سمع من العرب من يقول في النسبة إلى الملائكة والجن بضم الراء والجمع روحانيون وزعم أبو عبيدة ان العرب تقوله لكل شئ فيه الروح (انتهى) وكيف كان فالمتفاهم منه ولو انصرافا غير الحيوانات بل والانسان، وانما يطلق على علماء الشرايع بدعوى غلبة الجهات الروحية فيهم كأنهم ليسوا من عالم الاجسام، فعليه تدل الرواية على حرمة تصوير الروحانيين الغائبين عن الحواس مطلقا. لكن يمكن المناقشة فيه بعد الغض عن سندها واغتشاش متنها، بان الظاهر من مجموعها صدرا وذيلا في تفسير الصناعات: ان المراد بمثل الروحانى مثل هياكل العبادة، لان المذكور في جميع فقرا ت الرواية من ملاك الحلية والحرمة: هو كون الشئ صلاحا للعباد، أو كان فيه وجه من وجوه الصلاح، أو كون الشئ فسادا محضا، أو فيه جهة فساد، وان ما فيه جهة صلاح وجهة فساد لا يحرم الا إذا صرف في الفساد فيستفاد منها ان مثل الروحانيين التى فيها الفساد من جهة عبادة الناس اياها وتعظيمها المنافية للتوحيد والتنزيه: محرم صنعتها، واما ما ينتفع الناس بها ولو في التزيين وساير الاغراض العقلائية كتماثيل الموجودات كانت روحانيين ام لا: فهى محللة. وان شئت قلت ان ساير فقرات الرواية حاكمة على تلك الفقرة ومفسرة اياها، ويؤيد هذا الاحتمال ذكر الاصنام والصلبان في الضابطة التى ذكرت مقابلة ضابط الحلية فقال: انما حرم الله الصناعة التى حرام هي كلها التى


(1) البحار = كتاب العقل والجهل - باب علامات العقل وجنوده.

[ 181 ]

يجئ منها الفساد محضا نظير البرابط والمزامير والشطرنج وكل ملهوبه و الصلبان والاصنام وما اشبه ذلك من صناعات الاشربة الحرام إلى آخر فقراتها، والانصاف انها قاصرة عن اثبات الحرمة لمطلق صور الروحانيين وسيأتى تتمة لفقه الحديث. ثم على فرض تسليم دلالتها على حرمة مطلق مثل الروحانى فلا شبهة في عدم شمولها للحيوان والانسان كما تقدم، وعليه يكون مقتضى الجمع بين منطوقها وبين ذيل صحيحة ابن مسلم ان تصاوير غير الروحانى مكروه، ومقتضى الجمع بين مفهوم الرواية ومنطوق الصحيحة حرمة تصوير الروحانى لاخصية المفهوم منه، لكن الالتزام بكراهة غير الروحانى مخالف للاجماع والروايات المتضافرة، ومقتضى الجمع بين الروايات ورواية التحف ان تصوير الروحانيين ومطلق الحيوان محرم، لان مفهوم رواية التحف اخص من منطوق صحيحة ابن مسلم فيقيده، ومفاد الروايات المتقدمة المخصوصة بالحيوانات اخص من منطوق رواية التحف التى عد فيها من المحللات جميع صنوف التصاوير عدى الروحانى فيقيد بها، فيصير حاصل المجموع حرمة تصاوير ذوات الارواح من الروحانى وغيره، لكن جميع ذلك فرع جواز الاعتماد على رواية التحف لاثبات حكم وهو ممنوع، فعليه تكون حرمة تصوير الروحانيين بلا دليل بل دلت صحيحة ابن مسلم على جوازه، بل لا يبعد دلالة رواية محمد بن مروان عليه بناء على حجية مفهوم القيد في مثل المقام، لان الحيوان مخصوص أو منصرف إلى غير الملائكة والجن والشيطان بلا شبهة، بل لولا كون الحكم في تصوير الانسان من المسلمات لكان للمناقشة فيه ايضا مجال، لانصراف الحيوان عنه ايضا، والعلم بحرمة تصوير الانسان وعدم الفصل بينه وبين الحيوانات: لا يوجب كون المراد من الحيوان ما هو مصطلح قوم أو مطلق ذى الروح أو كون ذكره في الاخبار لمطلق التمثيل كما قربه السيد رحمه الله في حاشيته. واما ما قال: من ان المتعارف من تصوير الجن والملائكة ما هو بشكل واحد من الحيوانات فيحرم من هذه الجهة بناء على عدم اعتبار قصد كونه حيوانا مع فرض

[ 182 ]

العلم بكونه صورة له (ففيه) مضافا إلى ما اختاره من اعتبار القصد في صور المشتركات وليس ببعيد: ان الصور المتعارفة من تصويرهما ممتازة عرفا عن صور الحيوانات وان كانت شبيهة من بعض الوجوه بالانسان، لكن العرف يريها غير صورة الانسان، ففرق بين كون صورة للانسان أو لموجود آخر شبيه به. والصور المعمولة من قبيل الثانية، واما التشبث برواية ابى العباس ففيه ما لا يخفى، وقد تقدم الكلام فيها، فالاقوى عدم الحرمة وان كان الاحتياط لا ينبغى ان يترك، لاحتمال اطلاق بعض الاخبار أو فهم المناط منها أو الغاء الخصوصية، أو كون المراد بالحيوان مطلق ذى الروح ولو لمناسبات أو غير ذلك. نعم لو فرض ما صور يكون مثالا لحيوان أو الانسان فان قلنا بحصول التميز بينهما بالقصد كتميز ساير المشتركات كما لا يبعد: فيتبع الحكم القصد، فلو قصدهما وقلنا بصدق العنوانين عليها أو قصد نفس الصورة الخارجية بلا قصد عنوان وقلنا باطباقهما عليها أو قلنا بعدم اعتبار القصد والانطباق عليها قهرى: فالاقوى حرمتها من حيث انطباق عنوان الحيوان عليها في جميع الصور، ولايكون المورد من قبيل تزاحم المقتضيات ولا تعارض الادلة، لان الحكمين على عنوانين بينهما عموم من وجه، اما على ما قلناه من امتياز الصور المتعارفة للملائكة والجن عن صورة الحيوان والانسان: فواضح، وكذا على ما ذكره السيد الطباطبائى من ان الصور المتعارفة من قبيل صورة الانسان لكنه تصور صورة غير حيوانى للملائكة والجن، وعلى ان تقدير بين العنوانين عموم من وجه، فحينئذ لا منافاة ولا مزاحمة بين الدليلين، فعنوان صورة الملائكة حلال، وعنوان صورة الحيوان حرام، وانطباق العنوانين بسوء اختيار المكلف، فالصورة الخارجية مجمع العنوانين ومحرمة من حيث ومحللة من حيث أو حيثيات، من غير تزاحم أو تعارض نظير شرب الماء المغصوب، فانه من حيث شرب الماء ليس بمحرم، ومن حيث التصرف في مال الغير أو اتلافه حرام كما ان شرب المايع النجس المغصوب محرم من جهتين، فما في حاشية السيد المتقدم لا يخلو من خلط واشكال.

[ 183 ]

نعم لو كان بينهما تلازم بمعني عدم انفكاك صورة الملك عن صورة الحيوان في المقام، ودل دليل بالخصوص على جواز تصوير الملائكة، ودليل على حرمة تصوير الحيوان الذى يشترك معها في الصورة يقع التعارض بين الدليلين وهو خارج عما نحن فيه ومجرد فرض، كما انه لو فرض دليل على حرمة صورة مطلق الحيوان ودليل على جواز صورة الملك ولا تكون صورته الا صورة حيوان خاص: يخصص دليل الحرمة بدليل الجواز الملازم لجواز تصوير الحيوان الذى تلازم صورته للملك. الثالث لو اشترك اثنان أو اكثر في عمل صورة، فالظاهر قصور الادلة عن اثبات الحرمة لفعل كل من الفاعلين أو اكثر بعد عدم صدق عنوان: صور الصورا ومثل المثال على واحد منهما بلا ريب، ضرورة ان التمثال والصورة عبارة عن مجموع الصورة الخارجية والاجزاء لا تكون تمثالا لحيوان ولا صورة له، والفاعل للجزء لا يكون مصورا للحيوان، من غير فرق بين اشتغالهما بتصويره من الاول إلى الآخر أو تصوير احدهما نصفه و الآخر نصفه الآخر، أو عمل واحد منهما الاجزاء وتركيب الآخر بينها، لعدم الصدق في شئ منها، فان الظاهر من قوله: من صور صورة كون صدور الصورة أي هذا الموجود الخارجي الذى يقال له التمثال من فاعل، والفرض عدم صدورها منه و هو نظير قوله: من قال شعرا أو من كتب سطرا أو من مشى من بلده إلى مكة، واحتمال ان يكون المراد بهما انه من اوجد هيئة الصورة أو هيئة المثال وهو صادق على من اتمهما، اما باتيان النصف الباقي، أو بتركيب الاجزاء: بعيد عن ظاهر اللفظ ومخالف للمتفاهم من الاخبار، فان قلت ان المراد من قوله من صور صورة أو مثل مثالا ليس الاشخاص الخارجية بل المراد اشخاص الفاعلين، وفى المفروض ان الصورة صادرة من فاعل مختار قاصد وهو مجموع الاثنين، فهما فاعل واحد ومصور واحد، وذلك كما في قوله: من قتل نفسا ومن رد عبدى فله كذا فانه صادق على الواحد والاثنين، ولا يلزم منه استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد بتوهم ان المراد من لفظة (من) كل شخص وكل شخصين وهكذا، وذلك لان المراد كل شخص فاعل

[ 184 ]

فكأنه قال: كل فاعل، والفاعل يصدق على الاثنين والواحد بمعنى ان الاثنين فاعل واحد فلا يكون مستعملا في الوحدات والاثنينات. قلت ان الجمع بين العام الاستغراقي والمجموعي في كلام واحد وحكم واحد: لا يمكن، فان الاستغراق الملازم للانحلال يتقوم بعدم لحاظ الوحدة بين الاشخاص، والعام المجموعى متقوم بلحاظها، ففى قوله: اكرم العلماء ان لم يلحظ في تعلق الحكم وحدة الموضوع ولم يعتبر المجموع واحدا: ينحل إلى احكام عديدة حسب تعدد الافراد، وان لو حظت الوحدة والاجتماع يكون حكم واحد لموضوع واحد، ولا يعقل الجمع بين المجموعى والاستغراقي أي لحاظ الوحدة وعدم لحاظها هذا في المتعلق، وكذا الحال في المكلف ففى قوله: يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود (1) اما ان لا يلاحظ كون المؤمنين نفسا واحدة، فيكون كل مؤمن مكلفا بالوفاء، واما ان يلاحظ ذلك، فلا يمكن الانحلال إلى احكام كثيرة حسب تعدد المؤمنين، لان المكلف حينئذ يكون عنوانا واحدا هو مجموع المؤمنين ففى ما نحن بصدده بعد ما كان كل فاعل مستقلا في فعله وفاعلا لجزء من الصورة، ولا يمكن ان يكون الاثنان أو اكثر واحدا الا مع اعتبار الوحدة. اما ان تعتبر الوحدة في من يكون لفظة (من) كناية عنه أو لا، فعلى الاول لا يعقل جعل الحكم استقلالا، وعلى الثاني لا يعقل جعله للمجموع، والجمع بينهما جمع بين اللحاظين المتنافيين، ومجرد توهم جعل الحكم على الاشخاص الفاعلين أو على عنوان الفاعل: لا يصحح ذلك فلو قال: الفاعل للصورة كذا يأتي فيه ما ذكرناه من الاشكال، والمثالان المذكوران نقضا إلى قوله من قتل نفسا، وقوله من رد عبدى نظير ما نحن فيه في عدم الامكان (نعم) قد تقدم قرينة على عدم الفرق بينهما وقد يعلم بحصول المناط في الصورتين وهو امر آخر. ويمكن ان يناقش فيما ذكرناه ويقال ان (من) منطبق على الافراد والوحدات الحقيقية قهرا، وإذا لوحظ الاجتماع في الوحدات ينطبق على الوحدات الاعتبارية


(1) سورة المائدة - الاية 1

[ 185 ]

لاجل الاعتبار، كما في ادعاء كون الشجاع اسدا واطلاق الاسد على معناه فينطبق على فرد الحقيقي والادعائى، ففى المقام لا يحتاج الانطباق على الافراد الحقيقية إلى لحاظ، والافراد الاعتبارية انما تحتاج إليه ولا يضر لحاظ الاجتماع لتحقق الافراد الاعتبارية زائدة على الافراد الحقيقية بالانحلال، ففى الحقيقية يكون اللحاظ موجبا " لتوسعة دائرة الانحلال لا للجمع بين اللحاظين المتنافيين، لكنه على فرض صحته ثبوتا يحتاج إلى تكلف وتعسف وقيام قرينة وهى مفقودة في المقام، مع ان كلمة (من) وامثالها من قبيل المطلق لا العام فلا يردا بها الافراد حتى يأتي فيها ما ذكر. نعم يمكن جعل الحكم للعنوان وايجاد افراد اعتبارية له في التشريع بنحو الحكومة لكنه يحتاج إلى اعتبار مستأنف، زائدا على مفاد الادلة، وهو وان كان غير ممتنع لكنه غير ثابت، ضرورة ان الظاهر من الاخبار نحو قوله: من صور ومن مثل هو الاشخاص الحقيقية لا الاعم منها والاعتبارية كما اعترف به صاحب المقالة المتقدمة لكنه قال: ان المناط موجود فيما نحن فيه ايضا، وهو كما ترى لان المناط غير معلوم، وما يمكن ان يستشعر من الروايات، من انه مضاد لله تعالى في مصوريته، فيمكن ان يقال فيه، ان كل واحد من الفاعلين لم يفعل ما يضاد الله تعالى فانه تعالى مصور الصورة المنفوخة فيها، وكل من الفاعلين لم يفعل ذلك، والمجموع منهما ليسا شخصا واحدا مضادا له تعالى، مع ان في كون المناط ذلك بحيث يكون كالعلة في التعميم والتخصيص منعا، واسوء منه توهم الغاء الخصوصية عرفا سيما مع ما في الاخبار من انه يؤمر بالنفخ الظاهر منه ان المصور شخص واحد بخصوصية كونه مصورا وهى منفية في المقام. واما التشبث ببعض الاخبار لاثبات الحكم بالنسبة إلى الاثنين واكثر كقوله عليه السلام نهى عن تزويق البيوت (1) بدعوى انه اعم من ان يكون صادرا عن واحد و ما زاد، وكقوله عليه السلام وصنعة صنوف التصاوير ما لم تكن مثل الروحانى (2) وكقوله في


(1) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 3 - من ابواب احكام المساكن. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 2 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 186 ]

صحيحة محمد بن مسلم ما لم يكن من الحيوان (1) وكقوله في تفسير قوله تعالى يعملون ما يشاء (الخ): والله ما هي تماثيل الرجال والنساء (2) فان ظاهره حرمة عملهم لها ولو كان بالاشتراك، وبالجملة يظهر منها مبغوضية الصورة ولو صدرت من اكثر من واحد. (ففيه ما لا يخفى) لما تقدم ان الرواية الاولى راجعة إلى تزويق البيوت واجنبية عما نحن بصدده، مع امكان المناقشة في اطلاقها من الجهة المنظورة، لامكان ان يكون تزويق البيوت محرما على صاحب البيوت ولو بالتسبيب وان لم يكن بعض التصوير محرما على الفاعل (تأمل) وكيف كان لا يصح الاستناد إليها للمقام، و الثانية ايضا اجنبية عن المقام كما تقدم ويأتى بعض الكلام فيها انشاء الله، مع انها بصدد بيان صنوف الحلال والحرام ولا اطلاق فيه ا من حيث الفاعل، وكذا صحيحة ابن مسلم لما تقدم ويأتى، واضعف منها التمسك برواية ابى العباس (3)، ضرورة عدم معلومية الواقعة الخارجية ونفى تماثيل الرجال والنساء اجنبي عن الدلالة على حرمة عملهم ولو بالاشتراك، وعدم دلالتها على حرمة ذلك على سليمان النبي عليه السلام كما تقدم. والانصاف عدم نهوض الادلة لاثبات الحكم وان كان الاحتياط في الدين يقتضى التجنب عنه ولو بالاشتراك، لذهاب بعض الاساطين إلى حرمته، ومظنونية تحقق المناط، وعدم رضى الله تعالى يكون الشخصين ايضا مشابها له في مصوريته، و احتمال مساعدة العرف للتعدى والغاء الخصوصية واحتمال شمول رواية ابى بصير (4) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتانى جبرئيل فقال: يا محمد ان ربك ينهى


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 94 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 94 - من ابواب ما يكتسب به. موثقة بابان ابن عثمان. (4) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 3 - من ابواب احكام المساكن - ضعيفة بعلى ابن ابى حمزة وقاسم بن محمد

[ 187 ]

عن التماثيل للمقام، بناء على انها غير الرواية المتقدمة كما هو الظاهر، وبناء على ان النهى عن تصوير التماثيل إلى غير ذلك. ثم ان الظاهر من حرمة تصوير الصورو تمثيل المثال حرمة الاشتغال بها إذا انتهى إلى تحقق الصورة كما هو الظاهر من مثل قوله: لا تكتب سطرا، ولا تقل شعرا، فإذا اشتغل بالكتابة والانشاء فعل حراما واشتغل به، مع اتمام السطر والشعر فلو بداله فلم يتمها أو منعه مانع: لم يفعل الحرام وان كان متجريا على المولي، وبالجملة ليس المحرم تصوير الاجزاء، لان الحكم متعلق بعنوان تصوير الصورة، وتصوير بعض الاعضاء ولو بقصد الاتمام ليس تصوير الصورة، وليس المحرم هو الجزء الاخير فقط أو حصول الهيئة، فان الحكم لم يتعلق باحداث الهيئة حتى يقال: ان الجزء الاخير محققها على تأمل فيه ايضا، بل الحكم متعلق بالتصوير المنطبق على تمام الاجزاء إلى حصول الصورة كما ان المحرم في كتابة السطر تمام الاجزاء وان شئت قلت: ان المحرم هو العنوان الذى لا ينطبق الاعلى تمام الاجزاء (تأمل) الرابع هل يجوز اقتناء الصور المحرمة أو يجب كسرها، قال الشيخ الانصاري (1) المحكى عن شرح الارشاد للمحقق الاردبيلى ان المستفاد من الاخبار الصحيحة واقوال الاصحاب: عدم حرمة ابقاء الصور (انتهى) اقول: الحاكى صاحب مفتاح الكرامة (2) عن مبحث لباس المصلى من شرح الارشاد لكن فيه (3) ويفهم من الاخبار الصحيحة عدم تحريم ابقاء الصورة وكذا الصورة في الخاتم، وليس فيه ذكر من اقوال العلماء ولعله حكى عن نسخة اخرى غير المطبوعة، وما ذكره في ذلك المبحث لعله


المكاسب - المسألة الرابعة من النوع الرابع مما يحرم الاكتساب به. (2) في القسم الرابع من المتاجر المحظورة فيما نص الشارع على تحريمه. (3) أي في شرح الارشاد - في المطلب الاول من المقصد الرابع من كتاب الصلوة فيما يصلى فيه.

[ 188 ]

غير مناف لما ذكره في المقام حيث قال ما حاصله (1) تدل روايات كثيرة على جواز ابقاء الصور مطلقا وهو يشعر بجوازه، ثم نقل بالروايات فقال بعد ثبوت التحريم فيما ثبت يشكل جواز الابقاء، لان الظاهر ان الغرض من التحريم عدم خلق شئ يشبه بخلق الله وبقائه لا مجرد التصوير فيحمل ما يدل على جواز الابقاء على ما يجوز منها فهى من ادلة جواز التصوير في الجملة على البسط والستر والحيطان والثياب وهى التى تدل الاخبار على جواز ابقائها فيها لا ذو الروح التى لها ظل على حدتها التى هي حرام بالاجماع (انتهى). ويرجع كلامه إلى دعويين احديهما ان ما دلت على تحريم التصوير تدل على تحريم الابقاء، والثانية ان ما دلت على جواز الابقاء تشعر بجواز التصوير فصارتا موجبتين لحمل الاخبار المجوزة للابقاء على ما يجوز تصويره كتصوير غير ذى الظل من ذوات الارواح على البسط ونحوها، والاخبار المانعة عن التصوير على غيرها مما يحرم ابقائها ايضا، وتقريب دعواه الاولى ان ما يتعلق به الامر والنهى ان لم تكن من الماهيات التى لها بقاء بل حدوثها معانق لزوالها، فلا محالة يكون النهى عن وجودها وايجادها بالمعنى المصدرى وهما متحدان خارجا مختلفان اعتبارا، وان كانت من الماهيات التى لها بقاء وثبات في الخارج، فلا ينتقل ذهن العرف والعقلاء من النواهي مثلا على ان المبغوض صرف هذا المعنى المصدرى، وحاصله أي الايجاد والوجود بل المتفاهم العرفي من الاوامر والنواهي المتعلقة بها، ان تلك الماهية القارة الذات محبوبة أو مبغوضة له وانما امر بايجادها لمحبوبيتها بوجودها المستقر المستمر ونهى عنها لمبغوضيتها كذلك ولا تنتقل الاذهان إلى الايجاد والوجود بنحو الاستقلال كما لا تتوجه إلى احتمال ان يكون في نفس الامر والنهى مصلحة، وذلك لان تلك العناوين التوسلية والتوصلية لا ينظر إليها استقلالا الا مع قيام قرينة أو مع لابدية، فلو امر المولى بايجاد شئ له البقاء كبناء الابنية وغرس


(1) راجع شرح الارشاد كتاب المتاجر - في القسم الرابع من المتاجر المحرم فيما هو حرام في نفسه.

[ 189 ]

الاشجار وكتابة الكتب ونحوها: لا ينقدح في الاذهان منه ان نفس الايجاد المصدرى مطلوبة، لا الماهية المستقرة الوجود، وكذا لو نهى عن ماهية كذائية كعمل الاصنام والصور وآلات اللهو والقمار، كما يظهر للمراجع إلى الامثال والنظائر، وعليه يكون المدعى هو التفاهم العرفي لا الملازمة العقلية حتى ينتقض ببعض الموارد كما توهم الفاضل الايروانى (1) نقضه بمثل الزنا، والنتيجة الحاصلة منه، فانه حرام مع وجوب حفظه حاصله. ولا ينقضى تعجبي من نقضه ومثاله الأجنبي عن المقام، واما انكار الشيخ الانصاري (2) ذلك بقوله: ان الممنوع هو ايجاد الصورة وليس وجودها مبغوضا حتى يجب رفعه: فان رجع إلى نفى الملازمة عقلا فلا ينافى التفاهم العرفي وهو كاف في المقام، وان رجع إلى انكار فهم العرف فهو غير وجيه لمساعدة العرف لما ذكر بالتقريب المتقدم، الا ان قامت القرينة على خلافه، والانصاف ان المدعى بنحو ما قررناه متين لا محيص عنه. لكن يرد عليه بان المقام مما قامت القرينة على ان المحرم والمبغوض هو هذا المعنى المصدرى لا الماهية بوجودها البقائى، وذلك لان عمدة المستند في المسألة كما تقدم هي المستفيضة المشتملة على الامر بالنفخ، والظاهر منها بمناسبة الحكم والموضوع ان الامر به لاجل تعجيزه عن تتميم ما خلق وكانه يقال له: إذا كنت مصورا فكن نافخا كما كان الله كذلك، فيفهم منها ان الممنوع والمبغوض هو التشبه به تعالى في مصوريته فهذا المعنى المصدرى هو المنظور إليه، وبعبارة اخرى ان المناسبة توجب عطف الانظار إلى المعنى المصدرى الذى لولاها لكان غير منظور فيه مستقلا كما تقدم، وبما ذكرناه يظهر النظر في دعواه الاخرى وهى ان جواز الابقاء مشعر بجواز التصوير فانها ايضا موجهة لو لا القرينة على خلافها. ثم انه على فرض تسليم ما ذكره المحقق الاردبيلى لو دل دليل ولو بمعمومه أو


(1) في حاشيته على المكاسب - في ذيل قول الشيخ - وليس وجودها مبغوضا - ص 22 (2) في المسألة الرابعة من النوع الرابع.

[ 190 ]

اطلاقه على جواز ابقاء المجسمات: لا يكون معارضا للروايات الدالة على حرمة التصوير المستفاد منها حرمة الابقاء، ضرورة ان حرمة الابقاء المستفاد منها ليست بدلالة لفظية أو ملازمة عقلية حتى ينافيها، بل لانتقال ذهن العرف من النهى عن ايجاد تلك الماهية إلى ان الماهية بوجودها القار مبغوضة والنهى عن الايجاد توصلي لكن لو ورد ما دل على جواز ابقاء التماثيل تنعطف الاذهان إلى ان المبغوض والمنهى عنه هو العنوان المصدرى. وان شئت قلت ان بين الادلة جمع عقلائي، أو قلت ان تلك الاستفادة انما هي في صورة سكوت القائل فلا تنافى بين الادلة. واما الاخبار فعلى طائفتين: احديهما ما تتعرض للوسائد والستور والاثواب المصورات وهى كثيرة أو تشتمل على نفى البأس إذا كانت التماثيل عن اليمين أو الشمال أو تحت الرجل حال الصلوة، كصحيحة محمد بن مسلم (1) قال: قلت لابي جعفر عليه السلام اصلى والتماثيل قدامى وانا انظر إليها قال لا اطرح عليها ثوبا ولا بأس بها إذا كانت عن يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك، وان كانت في القبلة فالق عليها ثوبا وصل، ونحوها غيرها، فلا يبعد ان يستظهر منها بمناسبات ان التماثيل غير المجسمات، وان لا يبعد دعوى الاطلاق فيها أو في بعضها، لاحتمال ان تكون المصورات فيها مختلفة من حيث التجسيم وغيره كما يتعارف في اعصارنا، لكنه لا يخلو من اشكال وان كان الاطلاق اظهر في مثل الصحيحة (تأمل). والطايفة الثانية ما يمكن دعوى الاطلاق فيها أو دعوى ظهورها في المجسمات. فمنها صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: سألت احدهما عن التماثيل في البيت فقال: لا بأس إذا كانت عن يمينك وعن شمالك ومن خلفك أو تحت رجليك، وان كانت في القبلة فالق عليها ثوبا، والظاهر ان السؤال عن وجودها في البيت، فأجاب بعدم البأس الا إذا كانت في القبلة فيلقى عليها الثوب، والقائه لاجل الصلوة، ومقتضى عمومها عدم الفرق بين المجسمات وغيرها، وليس قوله: أو تحت رجليك قرينة


(1) و (2) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 45. من ابواب المصلى.

[ 191 ]

على الاختصاص بغيرها، ضرورة ان الطبيعة إذا كانت ذات افراد مختلفة يمكن القاء بعضها تحت الرجل: يصح ان يقال فيها ما ذكر، الا ترى عدم الشبهة في شمول العموم للصور المنقوشة على الجدران مع عدم امكان القائها تحت الرجل فلا اشكال في عمومها. وتوهم ان التماثيل في تلك الاعصار كانت غير مجسمات فالدليل منصرف عنها (فاسد) لعدم احراز ذلك بل يمكن ان يقال: تلك الاعصار لاجل قربها بعصر صنعة الاصنام المجسمات كانت فيها صنعة المجسمات متعارفة، مع ان قلة الافراد لا توجب الانصراف، مضافا إلى ان الدليل من قبيل العموم لا الاطلاق. واضعف منه توهم كون الدليل في مقام بيان حكم آخر وهو الصلوة في البيت فلو قال: لو كان في البيت صنم أو آلة لهو هل يجوز الصلوة فيه فأجاب بعدم البأس: لا يدل على جواز ابقائهما، وذلك لان السؤال كما تقدم انما هو عن التماثيل في البيت والظاهر منه ان السؤال عن وجودها فيه، وقوله: إذا كانت بحذاء القبلة الق عليها الثوب: لا يدل على ان السؤال عن الصلوة والظاهر انه عليه السلام اجاب عن مسئوله مع شئ زائد فقال: لا بأس أي لا بأس بوجودها في البيت، وإذا كانت بحذاء القبلة الق عليها الثوب لمكان الصلوة، فالانصاف ان المناقشة فيها في غير محلها. واما توهم ان تلك الرواية عين روايته المتقدمة آنفا فكما انها في مقام بيان حكم آخر فكذلك هي (ففيه ما لا يخفى) بعد كون الفاظهما مختلفة والمسئول عنه في احديهما أبو جعفر عليه السلام وفى الاخرى احدهما، وبالجملة لاحجة على وحدتهما بعد استفادة حكم زائد من احديهما. ومنها رواية على بن جعفر عليه السلام أو صحيحته (1) عن اخيه موسى عليه السلام قال: وسألته عن الدار والحجرة فيها التماثيل ايصلى فيها قال: لا تصل فيها وشئ منها مستقبلك الا ان لا تجدبدا فتقطع رؤسها والا فلا تصل، فان عمومها شامل للمجسمات لو لم نقل بان الظاهر من قوله: فتقطع رؤسها: الاختصاص بها وهى كالصريحة في ان ابقائها


(1) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 45 - من ابواب لباس المصلى.

[ 192 ]

جائز في نفسه، فان امكنه الصلوة في محل آخر ابقاها على حالها وان لم يجد بدا فتقطع رؤسها للصلوة. ومنها روايته الاخرى أو صحيحته (1) قال: وسألته عن البيت فيه صورة طير أو سمكة أو شبهه، يلعب به اهل البيت، هل تصلح الصلوة فيه قال: لا حتى يقطع رأسه أو يفسده، وان كان قد صلى فليس عليه الاعادة، ولا يبعد ظهورها في المجسمات لان الظاهر منها ان اهل البيت كانوا يلعبون بنفس الصورة لا بشئ فيه ذلك، وهو يناسب المجسمات، بل الظاهر من قوله فيه صورة طير أو سمكة: ان الصورة بنفسها فيه، لا ان فيه شيئا على الصورة (تأمل) كما يشعر قوله: ويقطع رأسه بذلك ايضا، و لو نوقش فيما ذكر فلا شبهة في اطلاقها فتشمل المجسمات، كما لاشبهة في تقريره للعب اهل البيت بها، وتجويزه ذلك فجواز الابقاء واللعب بها مفروغ عنهما، وعليها تحمل روايته الاخرى أو صحيحته (2) قال: وسألته عن رجل كان في بيته تماثيل أو في ستر، ولم يعلم بها وهو يصلى في ذلك البيت ثم علم، ما عليه؟ فقال: ليس عليه فيما لا يعلم شئ، فإذا علم فلينزع الستر وليكسر رؤس التماثيل، ضرورة ان المفروض ان الرجل يصلى في ذلك البيت فالامر بالنزع والكسر لمكان الصلوة كما في ساير الروايات، لا للوجوب نفسا كما هو واضح سيما مع اقتران الكسر بالنزع. ومنها رواية المثنى (3) عن ابى عبد الله عليه السلام ان عليا عليه السلام كره الصور في البيوت، ونحوها رواية حاتم بن اسمعيل عنه عليه السلام (4) ورواية يحيى بن ابى العلاء الموثقة (5) بناء على كونه يحيى بن العلا كما قيل عن ابى عبد الله عليه السلام انه كره الصور في البيوت، والظاهر منها ان الكراهة انما تعلقت بخصوص كونها في البيوت فلو كان ابقائها محرما، لما يناسب ذلك التعبير كما هو واضح، كما ان الظاهر ان الكراهة


(1) و (2) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 45 - من ابواب لباس المصلى. (3) و (4) و (5) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 3 - من ابواب احكام المساكن - الاولى ضعيفة بمثنى والثانية ضعيفة بحاتم بن اسمعيل وغيره.

[ 193 ]

هي بالمعنى المعروف، ولا يبعد ان تكون لاحد وجهين على سبيل منع الخلو، اما لاجل ان الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة كما ورد في روايات متضافرة، ان الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولا بيتا فيه كلب (1) وفى بعضها ولا بيتا فيه بول مجتمع في آنية (2) وفى بعضها ولا جنب (3) أو لاجل ان البيت معد للصلوة فيه ويكره وجود الصورة في بيت يصلى فيه مطلقا، أو إذا كانت بحذاء القبلة. وكيف كان يظهر من تلك الروايات جواز ابقائها وان كانت مكروهة في خصوص البيوت، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق بين المجسمة وغيرها، ومما ذكرناه يظهر الكلام في صحيحة زرارة (4) عن ابى جعفر (ع) قال: لا بأس بان تكون التماثيل في البيوت إذا غيرت رؤسها منها وترك ما سوى ذلك، فان الظاهر ان التقييد بالبيوت لما ذكرناه آنفا، فدالة على ان البأس فيها بلا تغيير مختص بالبيوت فتشعر أو تدل على جواز الابقاء والاقتناء، وكذا في رواية على بن جعفر (5) عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن مسجد يكون فيه تصاوير وتماثيل يصلى فيه فقال تكسر رؤس التماثيل وتلطخ رؤس التصاوير ويصلى فيه ولا بأس، فانها ايضا راجعة إلى الصلوة في مسجد فيه التصوير، ولا ينافى جواز ابقائها في غير المسجد أو فيه في غير حال الصلوة، فالامر بالكسر والتلطيخ لرفع البأس عن الصلوة فيه، لا لحرمة ابقائها كما هو واضح. فاحتمال ان تكون تلك الرواية شاهدة جمع بين الروايات وشاهدة على دعوى المحقق الاردبيلى بان يقال: ان الامر بكسر رؤس التماثيل لكونها مجسمة، وبتلطيخ رؤس التصاوير لكونها غير مجسمة وانما امر بتلطيخها لاجل الصلوة فتشهد


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 33 - من ابواب مكان المصلى (4) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 4 - من ابواب احكام المساكن - في سندها ابراهيم بن هاشم وهو ثقة. (5) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 32 - من ابواب مكان المصلى - مجهولة بعبدالله بن حسن

[ 194 ]

الرواية بان ما دلت على الكسر وقطع الرأس انما هي في المجسمات، وما دلت على جواز الابقاء والقاء ثوب مثلا عليها فهى في غيرها (غير وجيه) لما ذكرناه من ان الكسر واللطخ انما هما لرفع البأس عن الصلوة كما هو ظاهر الرواية، لا لوجوبهما مطلقا، ومعه لا شهادة لها على المدعى بل يستشعر منها جواز الابقاء لو لم نقل بدلالتها عليه. ثم انه قد تقدم في خلال الكلمات المتقدمة من اول البحث إلى ههنا الجواب عما استدل بها على حرمة الاقتناء كالتشبث برواية ابى العباس في تفسير قوله تعالى يعملون له ما يشاء (الخ)، ورواية القداح وغيرها من بعث رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين في هدم القبور وكسر الصور، وصحيحة محمد بن مسلم النافية للبأس عما لا يكون شيئا من الحيوان إلى غير ذلك. وقد يستدل عليها برواية تحف العقول بوجهين: احدهما ان المستفاد من الحصر فيها ان الله تعالى ما حرم شيئا الا ما يكون فيه الفساد محضا، ولا شبهة في ان الانتفاع من الصورة الحاصلة بالتصوير كالا قتناء والبيع والشراء ونحوها من منافع التصوير عرفا، ولهذا صح بذل المال بازاء التصوير بملاحظة الفوائد الحاصلة من الصورة الحاصلة، فلو كانت تلك المنافع محللة لما حرم لله تعالى التصوير بمقتضى الحصر، وبعبارة اخرى انها تدل على ان ما حرمه الله يكون فيه الفساد محضا والفرض ان التصوير حرام فلابد وان لا يكون فيه منفعة محللة كالاقتناء ونحوه. وثانيهما ان المستفاد منها ان التصوير فيه الفساد محضا فيضم إلى قوله: وكل ما منه وفيه الفساد محضا فحرام تعليمه وتعلمه وجميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات، فيستنتج منهما حرمة جميع التقلبات، ومنها الاقتناء. (وفيه) مضافا إلى امكان ان يقال ان التصوير امر والصورة الحاصلة منه شئ آخر مستقل في الوجود فإذا كان التصوير محرما يكون فيه الفساد محضا ولايجوز تعليمه

[ 195 ]

وتعلمه واخذ الاجر عليه وسابر التقلبات فيه وهو غير مربوط بالصورة الحاصلة منه: ان الظاهر من الرواية من اول تعرضها لتفسير الصناعات إلى آخرها بعد التأمل الاكيد فيها، ان ما كان فيه الفساد محضا حرم الله تعالى جميع وجوه التقلب فيه كالبرابط و المزامير ونحوهما مما ذكر فيها فان قوله: وذلك انما حرم الله (الخ) تعليل لكلامه السابق الدال على ان ما فيه مصلحة للعباد كالامثلة فيها حلال جميع تقلباته وان كانت تلك الصناعة قد يستعان بها على وجوه الفساد والمعاصي وتكون معونة على الحق و الباطل، وذلك لان المحرم من جميع الجهات وجميع التقلبات ما كان فيه الفساد محضا والظاهر ان قوله: وما يكون منه وفيه الفساد محضا ولايكون فيه ولا منه شئ من وجوه الصلاح فحرام تعليمه وتعلمه والعمل به واخذ الاجر عليه وجميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلها: تفسير لما اجمل فيها أي قوله: انما حرم الله الصناعة التى حرام هي كلها التى يجئ منه الفساد محضا، ويكون المراد من هذه الفقرة مقابل الفقرات السابقة، ان الصناعة التى هي حرام بجميع شئونها هي التى يجيئ منه الفساد محضا كالامثلة المذكورة، فلا تدل الرواية على ان كل محرم يجيئ منه الفساد محضا بل تدل على ان المحرم بجميع شئونه هو ما يجئ منه الفساد محضا فالكاشف انا من الفساد المحض هو المحرم بجميع الشئون لا المحرم في بعضها، و عليه فلا تدل على مطلوبهم ولو كان الحمر حقيقيا. هذا مضافا إلى ان الظاهر منها التعرض للصنايع التى نشأت الحرمة فيها عن الفساد الكائن في المصنوع كالبرابط والمزامير وساير الامثلة المذكورة فيها، دون ما كانت الصنعة محرمة لفساد فيها لا المصنوع كما في المقام حيث تكون الحرمة متعلقة بالتصوير لفساد فيه لكونه تشبها بالله تعالى في مصوريته، وتشهد لما ذكرناه فقرات الرواية سيما قوله: وما يكون منه وفيه الفساد (الخ) ولعله مراد الشيخ الانصاري (1) من ان الحصراضا في، فلا يرد عليه ما في تعليقة الطباطبائى من ان الحصر الاضافي يكفى في المقام، إذ يستفاد منه ان


(1) في المسألة الرابعة من النوع الرابع

[ 196 ]

عمل الصور الذى هو حرام ليس داخلا تحت ما فيه وجه الصلاح ووجه الفساد، لان ما كان كذلك ليس بمحرم بمقتضى الحصر، ومن المعلوم انه ليس داخلا فيما فيه الصلاح محضا فلا يبقى الا ان يكون داخلا فيما فيه الفساد محضا (انتهى) وذلك لان الرواية ساكتة عن الصنعة التى ليس في متعلقها فساد فالحصر انما هو فيما تعرضت له لا غيره، فصنعة التصوير الذى يكون في نفسها فساد خارجة عنها موضوعا، لكن الظاهر ان مراد الشيخ ليس ما ذكرناه كما يشهد به قوله: نعم يمكن ان يقال ان الحصر وارد في مساق التعليل واعطاء الضابطة (الخ) الظاهر منه تصديقه بان الحصر لو كان حقيقيا يدل على المطلوب مع انه على ما ذكرناه فالحصر حقيقي ولا يدل عليه (فتدبر) ومن بعض ما تقدم ذكره في معنى حديث تحف العقول: يظهر النظر في كلام المحقق التقى في تعليقته (1) وهو ان الحصران كان حقيقيا يكشف عن عدم تحقق مصداق يكون محرما ويجوز اقتنائه، وذلك لان العام لا يصير مجملا بمجرد احتمال وجود فرد للعام يعلم بخروجه عن الحكم على تقدير وجوده في الخارج فإذا قال: اكرم جيراني وعلم انه على تقدير وجود عدوله في جيرانه انه لا يريد اكرامه فانه لا يوجب اجمال العام بل يحكم بوجوب اكرامه ويكشف حال الفرد بانه ليس عدوه ففيما نحن فيه إذا ثبت حرمة الاكتساب بالتصوير لكن لا يعلم انه يجوز ساير الانتفاعات به حتى خرج عن العام المستفاد من الحصر تخصيصا، لان ذلك اثبات لحرمة الاكتساب في غير ما يكون فيه الفساد محضا فيكون تخصيصا في العموم المستفاد من الحصر، أو يكون مما يحرم جميع الانتفاعات به بعدم كون جهة صلاح فيه فالمتعين الثاني عملا باصالة العموم السليم عما يصلح للمعارضة (انتهى ملخصا) وذلك لما عرفت ان مفاد الرواية بعد التأمل في مجموعها: هو ان كل ما يحرم من جميع الوجوه، ففيه الفساد محضا، وكل ما كان فيه الفساد محضا، فهو حرام من جميع الوجوه، لا ان كل حرام، ففيه الفساد محضا، فعليه يكون


(1) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله

[ 197 ]

الحصر حقيقيا، ولا يستفاد منه الحكم المطلوب، ولايكون المورد من قبيل العام المذكور لو سلم في مورده جواز التمسك به لكشف حال الفرد، بل قد عرفت انها كما يظهر من فقراتها متعرضة لموضوعات فيها فساد محض أو صلاح كذلك، أو فيها صلاح وان تستعمل احيانا في الفساد، والحصران كان حقيقيا لا يوجب استفادة حكم خارج عن مدلول الكلام فكأنه قال: الحرمة الناشئة من الموضوعات منحصرة بما فيها الفساد، والحرمة الناشئة من نفس العمل كما في المقام خارجة عن مفادها موضوعا وهو لا يوجب اضافية الحصر. ثم بعد جواز اقتنائها يكون بيعها وساير التقلبات فيها جائزا على مقتضى القواعد (توهم) دلالة رواية التحف على عدم الجواز، بدعوى ان المستفاد منها ان الصورة المحرمة لا يجوز بيعها وشرائها وساير التقلبات فيها خرج منها الاقتناء وبقى الباقي (فاسد)، اما على ما ذكرناه في معنى الرواية من الوجهين فواضح، واما على ما ذكروه فلان موضوع الحكم على عدم جواز جميع التقلبات هو ما يكون فيه الفساد محضا والمفروض ان التصوير ليس كذلك لان فيه جهة صلاح وهى الاقتناء. وان شئت قلت ان المقام ليس من قبيل العام المخصص حتى يقال: انه حجة فيما بقى، بل الحكم في الموضوعات مستفاد من ضم صغرى هي ان التصوير مثلا محرم إلى كبرى هي ان كل محرم ففيه الفساد محضا فيستنتج ان الصورة فيها الفساد محضا فيجعل صغرى لكبري اخرى هي ان كل ما فيه الفساد محضا فحرام تعليمه وتعلمه و جميع التقلبات فيه، فالصورة كذلك، فإذا دل الدليل على جواز الاقتناء خرج التصوير عن عنوان الصغرى، ضرورة انه بعد جواز الاقتناء لا يكون فيه الفساد محضا فلا تنطبق عليها الكبرى فلا تستنتج النتيجة المطلوبة، ولعل ما ذكرناه هو مراد السيد في تعليقته وكيف كان لا دليل على حرمة البيع وساير التقلبات فيها كيفما كانت. ثم ان اخذ الاجرة على التصوير المحرم غير جائز لان الاجارة لذلك حرام و فاسد لما ذكرناه فيما سلف، من ان الفعل المحرم الذى يجب على الناس منع الفاعل عنه بادلة النهى عن المنكر: لا يكون محترما ومالا ولهذا لا يضمن المانع عنه اجرة

[ 198 ]

المثل للعمل بلا شبهة، فلو منع مانع عبد غيره من عمل الصورة المجسمة لا يكون ضامنا، فلا يكون ذلك العمل مالا لدى الشارع فلا يجوز اخذ الاجر عليه ويكون الاخذا كلا للمال بالباطل كما تقدم تقريره فراجع المسألة الثانية في الغناء فقد اختلف الكلمات في ماهيته وحكمه، ففسر بالسماع، وبالصوت، وبالصوت المطرب، وبالصوت المشتمل على الترجيع، أو هو مع الاطراب، وبالترجيع، وبالتطريب، وبه مع الترجيع، وبرفع الصوت مع الترجيع، وبمده، وبمده مع الترجيع والتطريب، أو احدهما، وبتحسين الصوت، وبحسنه ذاتا، وبمده وموالاته، وبالصوت الموزون المفهم المحرك للقلب، وبمد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، أو ما يسمى في العرف غناء وان لم يطرب، وبالصوت اللهوى، وبالحان اهل المعاصي والكبائر، وبما كان مناسبا لبعض آلات اللهو والرقص، وبالصوت المعد لمجالس اللهو، وبالصوت المثير لشهوة النكاح إلى غيرذلك، وعن المشهور انه مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب. وقد تصدى العلم الفقيه الشيخ محمد رضا آل الشيخ العلامة الشيخ محمد تقى رحمهما الله لتفسيره في رسالة لطيفة مستقلة (1) فقال: الغناء صوت الانسان الذى من شأنه ايجاد الطرب بتناسبه لمتعارف الناس، والطرب هو الخفة التى تعترى الانسان فتكاد ان تذهب بالعقل وتفعل فعل المسكر لمتعارف الناس ايضا. ثم تصدى لتشييده بذكر مقدمة حاصلها، ان الغناء من اظهر مظاهر الحسن ولاجله يطلبه من يطلبه فلابد لبيان ناموس الحسن فاقول: الحسن وان كان مما تحير فيه العقول ويدرك ولا يوصف ولكنه في المركبات لا يخرج عن حد التناسب، فاينما وجد فالتناسب سببه، فالخط الحسن ما تناسب واواته وميماته، والشعر الحسن ما تناسب الفاظه ومعانيه، ولا يوصف الحيوان بالحسن الا إذا تناسبت اعضائه، ولايقال للوجه انه جميل الا إذا تناسبت اجزائه وهكذا، والصوت بين مظاهر الحسن من اكثرها قبولا للتناسب فإذا كان الصوت متناسبا بمه، وزيره، وبزاته،


(1) هذه الرسالة غير مطبوعة.

[ 199 ]

ومده، وارتفاعه، وانخفاضه، واتصاله، وانفصاله: سمى بالغناء، وقد وضع لبيان هذه النسب واقسامها فن الموسيقى الذى هو احد اقسام العلوم الرياضية، ويخص في تناسب الالات باسم الايقاع، والعود بينها ميزان الغناء يعرف به صحيح الغناء من فاسده كما يعرف بالمنطق صحيح القضايا من فاسدها وعلى اوتارها الاربعة وكيفية شدها والاصبع التى يضرب بها يعرف اقسام الغناء ثم قال وإذا انشد الشعر على طبق مقررات الفن، اوجب لسامعه إذا كان من متعارف الناس: الطرب الخارج عن المتعارف حتى يكاد ان يفعل فعل المسكر فيصدر من الشريف الحكيم ما يأنف منه الانذال من اقوال وافعال يشبه اقوال السكارى وافعالهم، وفى كتب المحاضرات والتاريخ نجد حكايات ان تأملتها علمت ان ولع الغناء بالعقل لا يقصر عن الخمر بل يربو عليه. ثم قال: تقييد الصوت بصوت الانسان لمتابعة العرف فان اصوات البلابل وان تناسب واطربت لا يسمى غناء وبقيد التناسب يخرج ما اوجب الطرف بغيره من حسن الصوت اللغوى ذاتا أو لحسن صاحبه أو لحسن الفاظه ومعانيه ونحو ذلك، وبقيد المتعارف يخرج الخارج عنه، فلا اعتبار بمن هو كالجماد كما لا اعتبار بمن يطرب بادنى سبب كما ان الحال كذلك في حد المسكر، وبقولي: تكاد ان تذهب بالعقل يخرج الطرب الخفيف إذ لا اعتبار به كما لا اعتبار بالفرح والنشاط الحاصلين من بعض المشروبات المفرحة ما لم يبلغ مرتبة يزيل العقل عن المتعارف، وبالجملة الطرف في الغناء كالسكر في الشراب والعلة في تحريمه عين العلة فيه وهو ازالة العقل ثم تصدى لبيان عدم الاختلاف في كلمات علماء اللغة في ذلك وان مغزى الجميع واحد وان اختلف التعبير. ثم قال: وفذلكة القول: ان الغناء هو الصوت المتناسب الذى من شأنه بما هو متناسب ان يوجد الطرب اعني الخفة بالحد الذى مر، فما خرج منه فليس من الغناء في شئ وان كان الصائت رخيم الصوت حسن الاداء واحسن كل الاحسان ووقع من سامعه اقصى مراتب الاستحسان، كما انه من الغناء الصوت المتناسب وان كان من ابح ردى الصوت ولم يطرب بل اوجب عكس الطرب كما قيل (إذا غناني القرشى * دعوت الله بالطرش) فبين كل من الغناء والصوت المستحسن عموم من وجه وهو

[ 200 ]

محرم ايضا كالغناء الحسن لعموم الادلة، الا ان يدعى انصرافها إلى ما اوجب الطرف الفعلى ولقد احسن الشيخ قدس سره في قوله: ما كان مناسبا لبعض آلات اللهو والرقص وكانه تحاول ما ذكرناه، فان النسب الموسيقية تنطبق على النسب الايقاعية و لذلك يطابق اهل اللهو بينهما، وقد اعترض استاد الصناعة على الرشيد بان مغنيك يغنى بالثقيل وعوادك يضرب بالخفيف، فالصوت الخالى عن النسبة لا يكون غناء وان اوجب الطرب وقصد به اللهو، كما ان مجرد تحريك اولاتار لا يقال له ضرب ولايكون محرما، وكذلك مجرد تحريك الاعضاء لا يكون رقصا ما لم يكن على النسب المعينة (انتهى ملخصا). وانما نقلناه بتفصيل اداء لبعض حقوقه ولاشتماله على تحقيق وفوائد، والانصاف ان ما ذكره وحققه احسن ما قيل في الباب واقرب باصابة الواقع وان كان في بعض ما افاده مجال المناقشة، كانتهائه حد الاطراب بما يكاد ان يزيل بالعقل، وان العلة في الغناء عين العلة في المسكر، وذلك لعدم الشاهد عليه في العرف واللغة، لصدق الغناء على ما لم يبلغ الاطراف ذلك الحد ولم يكن من شأنه ذلك ايضا، فان للغناء اقساما كثيرة ومراتب كثيرة غاية الكثرة في الحسن والاطراب، فربما بلغ فيه غايته كما لو كان الصوت بذاته في كمال الرقة والرخامة وكان الصائت ماهرا في البحور الموسيقية وكان البحر مناسبا له كالبحر الخفيف مثلا فحينئذ لا يبعد ان يكون مزيلا للعقل ومهيجا للحليم وموجبا لصدور اعمال من الشريف الحكيم ما لا يصدر من الانذال والارذال، وان كانت القضايا المحكية عن بعض اهل الكبائر كبعض خلفاء الامويين والعباسيين لم يثبت كونها لمحض الغناء فان مجالس تغنيهم كانت مشحونة بانواع الملاهي والمعاصي كشرب الخمور و انواع آلات اللهو والترقص وغيرها حتى القضية المعروفة من وليد لعنه الله مع مغنيه لم يحرز كونها للغناء محضا، وربما لا يكون بتلك المرتبة كما لعله كذلك غالبا، وكلمات اللغويين ايضا لا يساعده، لعدم تقييد مهرة الفن بحصول تلك المرتبة بل هم بين من فسره بخفة تعترى الانسان لشدة حزن أو سرور أو خفة لسرور أو حزن.

[ 201 ]

نعم في المنجد. طرب اهتز واضطرب فرحا أو حزنا، ولعل مراده الاهتزاز والاضطراب في الروح كما عن الغزالي تفسيره بالصوت المزون المفهم المحرك للقلب واراد بالاول الخفة الحاصلة من السرور، وبالثانى الخفة الحاصلة من الحزن فيوافق غيره. ويرد عليه ايضا ان الظاهر منه في مقدمته وتحديده ان السبب الوحيد للحسن في المركبات هو التناسب وان الصوت بتناسبه موجب للطرب اوله شأنيته، مع انه مضافا إلى منافاته لما قال: ان من الغناء الصوت المتناسب وان كان من ابح ردى الصوت ولم يطرب بل اوجب عكس الطرب ثم تمثل بقول الشاعر: فان صريح كلامه في الحد ان الغناء هو ما يكون مطربا، وصريحه ههنا ان من الغناء ما لم يطرب بل اوجب العكس، (وتوهم) ان المراد بالثاني عدم حصوله بالفعل وان كان له شأنيته (فاسد) لان صوت ابح ردى الصوت لا شأنية له لايجاد الطرب بالحد المذكور غالبا بل دائما، واما صيرورته احيانا موجبا للاضحوكة والفرح فلا يوجب ان يكون مطربا كالغناء، لان الطرب هو الخفة والحال الخاص الذى يحصل بالتغنى لا مطلق الفرح، مضافا إلى انه لا يعتبر في الغناء مطلقا فعلية الطرب وعلى التوهم المتقدم يلزم اعتبار الفعلية في نوع منه: ان كون السبب الوحيد في المركبات هو التناسب ممنوع، ففى المقام لو لم يكن للصوت رقة ورخامة ولطف وصفاء ولو في الجملة لا يصير بالتناسب حسنا كصوت القرشى المنكر الذى يدعو الله السامع بالطرش. وبالجملة الصوت المنكر الردى لا يكون غناء عرفا وان كان صائته من مهرة الفن واوجده بكمال التناسب، والظاهر ان تسمية القائل صوت القرشى غناء من باب التهكم والاستهزاء كتسمية البخيل بحاتم والجبان بالاسد، بل لو كان صوت من ابح ردى الصوت مع تناسب يعلم به بعض المطربين والمهرة ويكون موجبا للطرب والخفة: لا يكون غناء فان بعض المطربين على ما حكى يكون بكيفية صوته مع ردائته موجبا لتفريح الحضار وحصول للخفة لهم بالحد الذى ذكرا اكثر من المغنى الذى

[ 202 ]

يكون بغناه موجبا له الا ان يقال: ان الطرب الحاصل من الغناء غير الفرح الحاصل من الصوت المذكور سنخا كما لا يبعد، وكيف كان ليس صوت مثل القرشى غناء سواء حصل منه الطرب ام لا، واما دعواه بان مرجع جميع التعاريف إلى ما ذكره ففيها ما لا يخفى بل يمكن ان يقال: ان ما ذكره غير موافق لواحد منها. نعم الظاهر ان المراد بالسماع أو الصوت هو الاصطلاحي منهما لكنهما ليسا تعريفا حيقية كما لا يخفى، ورجوعهما إلى تعريفه محل اشكال يظهر مما ذكرناه و نذكره، كما ان التوجيه الذى ارتكبه لكلام الشيخ الانصاري أي قوله: ما كان مناسبا لبعض آلات اللهو والرقص فالظاهر بل المعلوم غير وجيه، لعدم كون مراده من هذا الكلام هو بيان تناسب النسب الموسيقية والايقاعية. فالاولى تعريف الغناء بانه صوت الانسان الذى له رقة وحسن ذاتي ولو في الجملة وله شأنية ايجاد الطرب بتناسبه لمتعارف الناس، فخرج بقيد الرقة والحسن صوت الابح الردى الصوت، وانما قلنا له شأنية الاطراب، لعدم اعتبار الفعلية بلا شبهة، فان حصول الطرب تدريجي قد لا يحصل بشعر وشعرين فتلك الماهية ولو بتكرار افرادها لها شأنية الاطراب وهذ ا بوجه نظير ما ورد في المسكر بان ما كان كثيره مسكرا فقليله حرام فان الحكم تعلق بالطبيعة التى من شأنها الاسكار ولا ينافى عدم مسكرية قليلها، وماهية الغناء كذلك فلا ينافي عدم مطربية بعض مصاديقه فعلا، وقيد التناسب، لاجل ان الصوت الرقيق الرخيم ان لم يكن فيه التناسب الموسيقى لا يكون مطربا ولا غناء بل لا يتصف بالحسن حقيقة، فالمد الطويل لا يكون غناء و لا مطربا ولو كان في كمال الرقة والرخامة، ولو قيل انه حسن يراد به رقته ورخامته وصفائه الذاتي، والتقييد بشأنية الطرب لمعرفية التناسب الخاص أي التناسب الذى من واحد من الالحان الموسيقية، فهو في الحقيقة من باب زيادة الحد على المحدود. وبما ذكرناه تظهر الخدشة في الحد المنتسب إلى المشهور وهو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، فان الغناء لا يتقوم بالمد ولا الترجيع، ففى كثير من اقسامه

[ 203 ]

لا يكون مد ولا ترجيع ولعل القيدين في كلماتهم لاجل كون المتعارف من الغناء في اعصارهم هو ما يكون مشتملا عليهما، فظن انه متقوم بهما، كما ان المطربية الفعلية غير معتبرة فيه بما مر وان الصوت ما لم يكن فيه رخامة وصفاء ليس بغناء. ثم ان ما ذكرناه في المقام هو تحصيل ماهية الغناء من غير نظر إلى ما كان موضوعا للحكم الشرعي، ولعل موضوعه اعم أو اخص وسيأتى الكلام فيه، فتحصل من ذلك ان الغناء ليس مساوقا للصوت اللهوى والباطل، ولا لالحان اهل الفسوق والكبائر، بل كثير من الالحان اللهوية واهل الفسوق والاباطل خارج عن حده، ولايكون في العرف والعادة غناء، ولكل طائفة من اهل اللهو والفسوق والتغنى شغل خاص في عصرنا، ومحال خاصة معدة له، ولشغله وصنعته اسم خاص يعرفه اهل تلك الفنون ثم ان مقتضى كلمات كل من تصدى لتحديد الغناء انه من كيفية الصوت أو الصوت نفسه، وليست مادة الكلام دخيلة فيه، ولا فرق في حصوله بين ان يكون الكلام باطلا أو حقا وحكمة أو قرآنا أو رثاء لمظلوم، وهو واضح لا ينبغى التأمل فيه، واما حكمه فقد وردت روايات مستفيضة أو متواترة على حرمته وهى على طوائف: منها ما وردت في تفسير قوله تعالى واجتنبوا قول الزور (1) بانه الغناء، كصحيحة هشام (2) عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور قال: الرجس من الاوثان الشطرنج وقول الزور الغناء، وقد فسربه في رواية زيد الشحام (3) وابى بصير (4) وعبد الاعلى (5) وغيرهم، والظاهر المتفاهم من عنوان قول الزور هو القول الباطل باعتبار مدلوله كالكذب وشهادة الباطل والافتراء، والغناء كما عرفت من كيفية الصوت، أو الصوت، بكيفية، وهو عنوان مغاير لعنوان الكلام والقول، وفسرت الآية بقول القائل للمغني احسنت في صحيحة حماد بن عثمان (6) عن ابى عبد الله عليه السلام، مع ان قول احسنت


(1) سورة الحج - الاية 31. (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به - الثانية ضعيفة بدرست والثانية مجهولة بيحيى بن مبارك والثالثة ضعيفة بعلى بن ابى حمزة وغيره.

[ 204 ]

ليس بنفسه باطلا وزورا، وانما اطلق عليه باعتبار تحسين الغناء، فيقع الكلام في كيفية ارادة الكلام الباطل باعتبار مدلوله والغناء الذى صوت أو كيفيته بكلام واحد وكذا كيفية ارادة قول القائل احسنت من قول الزور، هل هي من قبيل المجاز اللغوى المشهور مع استعمال اللفظ في اكثر من معنى واحد أي في معنى حقيقي ومجازي بعلاقة كعلاقة الحال والمحل أو من قبيل الحقيقة الادعائية على ما سلكناه في المجازات تبعا لبعض مشايخنا رحمه الله (1) بمعني استعمال قول الزور في معناه، وادعاء ان الغناء منه، وكذا قول القائل للمغني احسنت، أو من قبيل اطلاق قول الزور وارادة مطلق الباطل بنحو من الادعاء حتى يدخل فيه المزامير والمعازف وغيرهما. أو اراد من قول الزور القول المشتمل على الباطل مدلولا وعلى الغناء جميعا حتى لاتدل الآية ولا الروايات المفسرة لها على حرمة الغناء بنفسه. أو اراد بقول الزور القول المشتمل على الباطل، اما نحو اشتمال الكلام على مدلوله، أو نحو اشتمال الموصوف على صفته واضافة القول إلى الزور لاتحاده معه اتحاد الصفة مع الموصوف، فالقول زور باعتبار اشتمال مدلوله على لباطل وزور باعتبار صفته، وهو الصوت الخاص، فيكون الغناء مستقلا محكوما بوجوب الاجتناب، والكلام المشتمل على الباطل بحسب مدلوله ايضا محكوم به، ولعل هذا الاحتمال الاخير أو ما يرجع إليه مما تقدم اقرب الاحتمالات إلى ظواهر الاخبار المفسرة كما اختاره بعض المدققين، لان الظاهر منها ان قول الزور هو الغناء أو هو من قول الزور، ومع قيام القرينة العقلية بانه ليس من مقولة القول يدور الاسر بين رفع اليد عن ظاهر جميع الاخبار المفسرة الدالة على ان الغناء الذى هو صوت خاص هو قول الزور بتمام مصاديقه وحملها على قسم خاص متحقق مع كلام خاص مدلوله الباطل والزور كما احتمله الشيخ واختاره (2)


(1) وهو العلامة الشيخ محمد رضا الاصبهاني - راجع كتابه الموسوم بوقاية الاذهان (2) في المسألة الثالثة عشر من النوع الرابع مما يحرم الاكتساب به.

[ 205 ]

وبعبارة اخرى ان الظاهر من الاخبار هو ان الغناء تمام الموضوع لصدق قول الزور عليه ومستعمل فيه، فعلى الاحتمال الذى رجحه الشيخ لابد من رفع اليد عن هذا الظاهر مع عدم حفظ ظهور الآية ايضا، فان ظاهرها حرمة قول الزور والحمل على الغناء بما ذكر حمل على غير مدلولها بحسب فهم العرف بل هو حملها على قسم خاص منه (تأمل)، وبين حفظ ظهور الاحبار وحملها على الغناء بالمعنى الحقيقي المعروف مع حفظ ظاهر الآية من حيث تعميمها بالنسبة إلى جميع الاقوال الباطلة، وان نعممهما لامر آخر لم نعممها له لولا الاخبار، وهو ارادة الزور باعتبار الوصف الحاصل له وهو الغناء، والحاصل انه بناء على ما رجحه الشيخ في معنى الآية بضميمة الروايات ان الغناء ليس قول الزور ولا هو قول الزور، واما على ما ذكرناه انه هو لاتحادهما خارجا وصدق احدهما على الآخر بالحمل الشايع، ولو فرضت المناقشة فيما ذكرناه فلا اقل من دخول الغناء تعبدا فيه، ومقتضى اطلاق الادلة انه بذاته وبلا قيد قول الزور. نعم هنا اشكال آخر وهو ان قول الزوران كان مطلق الباطل المقابل للحق والمراد بالباطل ما لا يكون فيه غرض عقلائي وما دخالة له في المعاش والمعاد: فلا شبهة في عدم حرمته بهذا الاطلاق، وبهذا العرض العريض فيدرو الامر بين حفظ ظهور هيئة الامر في قوله: واجتنبوا قول الزور في الوجوب، وتقييد قول الزور بقسم خاص وهو المحرمات الشرعية، فتكون الآية لبيان اجمال ما فصل في الشريعة من المحرمات كقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث (1) بناء على ان المراد بها المحرمات وبين حفظ اطلاق قول الزور وحمل الامر على الرجحان المطلق، ولا ترجيح للاول ان لم نقبل انه للثاني، لشيوع استعمال الامر في غير الوجوب وبعد رفع اليد عن الاطلاق، وعليه لادلة للاية الكريمة ولا للاخبار الدالة على ان قول الزور الغناء على حرمته. ويمكن ان يجاب عنه بان سياق الآية وذكر قوله: واجتنبوا قول الزور في تلو اجتنبوا الرجس من الاوثان: يوجب قوة ظهور في ان الامر للوجوب سيما مع اشعار مادة الاجتناب بذلك، فيصير قرينة على ان المراد من قول الزور ليس مطلق


(1) سورة الاعراف - الاية 156.

[ 206 ]

القول الباطل، مضافا إلى امكان ان يقال: ان قول الزور ليس مطلق القول الباطل بالمعنى المتقدم بل باطل خاص عرفا كالكذب والافتراء والسخرية ونحوها فلا يقال عرفا لمطلق القول الذى لا دخالة له في المعاد والمعاش انه قول الزور بل لعله لا يكون باطلا ويؤيده تفسير الآية بالاقوال المحرمة كالكذب وتلبية المشركين لبيك لا شريك لك الاشريكا هو لك تملكه وما ملك وعن رسول الله صلى الله عليه وآله (1) انه قام خطيبا فقال: يا ايها الناس عدلت شهادة الزور بالشرك بالله ثم قرء فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور، وهو مؤيد لما ذكرناه من السياق. فتحصل من جميع ما تقدم ان الآية الكريمة بضم الروايات المفسرة: تدل على حرمة الغناء بذاته إذا كان مقرونا بقول، وبالغاء الخصوصية عرفا يستفاد منها حرمته مطلقا، ولو وجد في مهمل لا يقال له قول أو وجد في الصوت بلا كلام، بل يمكن ان يقال: ان الغناء المتحقق في الكلام لا يقوم جميع قرعاته ورجعاته بالكلام بل يقع كثير منها في خلاله وقبله وبعده، ولا شبهة في ان الصوت الكذائي بمطلق وجوده غناء، فتدل الروايات على حرمته ولو بتلك القطعات الغير القائمة بالالفاظ، ولا شبهة في عدم الفرق بين تلك القطعات المحرمة والصوت المتحقق بلا كلام ان كان غناء، ومما ذكرناه يظهر الكلام في طايفة اخرى من الروايات وهى المفسرة لقوله تعالى ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين (2) كرواية محمد بن مسلم (3) عن ابى جعفر عليه السلام ولا يبعد ان تكون موثقة قال: سمعته يقول: الغناء مما وعد الله عليه النار، وتلا هذه الاية ومن الناس (الخ) وقريب منها روايات اخر، ووجه دخوله في لهو الحديث هو الوجه في دخوله


(1) المستدرك - كتاب الشهادات - الباب 6. (2) سورة لقمان - الاية 5. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به - حسنة بعلى بن اسمعيل وعدم البعد من ان تكون الرواية موثقة لاجل هذا الرجل.

[ 207 ]

في قول الزور. نعم هنا كلام آخر وهو ان الظاهر من الآية ان لهو الحديث قسمان والمحرم منه هو ما يشترى وتكون الغاية به اضلال الناس عن سبيل الله، وغاية ما تدل الروايات هو كون الغناء داخلا فيها، ومقتضاه ان يكون الغناء قسمين محرم هو ما يوجب الاضلال ومحلل هو غيره، ويمكن ان يقال: ان المراد بالاضلال عن سبيل الله ليس خصوص الاضلال عن العقايد بل جميع الواجبات فعلا والمحرمات تركا من سبل الله وكل شئ يوجب ترك واجب أو فعل محرم يكون صادا عن سبيل الله ومضلا عنه، فلو تعلم احد احاديث لهوية ليحدثها على قوم يوجب تحديثها، ولو اقتضاء ترك معروف أو فعل منكر يصدق عليه انه اشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله فحينئذ نقول: لولا الروايات المفسرة كان ظاهر الاية حرمة اشتراء لهو الحديث أي الاخبار الموجبة بمدلولها لالهاء الناس واضلالهم عن سبيل الله، كما ورد في سبب نزولها، ان النضر بن الحرث (1) كان يرخج إلى فارس فيشترى اخبار الاعاجم ويحدث قريشا وينصرفهم عن استماع القرآن، فلم تكن شاملة للغناء الذى هو من كيفيات الصوت ولا دخل له بمدلول الحديث ومضمونه، لكن بعد تفسيرها به وقلنا بدخوله فيها بالتقريب المتقدم في الاية المتقدمة: يصدق على من تعلم الغناء للتغني انه اشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، اما لانه بنفسه حرام وبايجاد يخرج المغنى و السامع عن سبيل الله، واما لانه بذاته مع تجريده عن معاني الالفاظ ومع سماعه و عدم فهم المعنى مما يترتب عليه ولو اقتضاء الصد عن سبيل الله والغفلة عن ذكر الله، وربما ينجربه إلى فعل الكبائر وترك الواجبات كما عن النبي صلى الله عليه وآله الغناء رقية الزنا (2) ومع العلم بان ذلك من مقتضيات ذات الغناء وتعلمه للتغني: يصدق انه تعلم للاضلال


(1) في تفسير مجمع البيان والكشاف وابو السعود نضر بن حرث وفي تفسير البرهان والمنهج والمقتنيات نضر بن حارث راجع المصادر المذكورة في تفسير قوله تعالى (ومن الناس من يشترى الخ) سورة لقمان الاية 5. (2) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 78 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 208 ]

أي تعلم ما يترتب عليه ذلك. فلا يقال: ان التغني بالمواعظ والقرآن لا يترتب عليه ذلك، لان هذا من مقتضيات نفس الغناء لو جرد عن مداليل الالفاظ، والمفروض ان الغناء بذاته داخل في الاية كما هو مفاد الاخبار، مع ان مقتضى اطلاق الاخبار ان مطلق الغناء داخل في الاية واوعد الله عليه النار، مع انه قلما يتفق لشخص ان يكون غاية تعلمه للغناء أو تغنيه الاضلال عن سبيل الله والصد عنه، فعليه يكون عد الغناء من الاية بنحو الاطلاق على الاحتمال المتقدم في الاشكال كحمل المطلق على الفرد النادر جدا، فقوله: الغناء مما اوعد الله عليه النار في الاية مع عدم دخوله فيها الا ما هو نادر كالمعدوم يعد مستهجنا قبيحا فلابد وان تحمل اللام على النتيجة اعم من كونها غاية أو لا، فلا ينافى في ذلك ما ورد في شأن نزولها كقوله تعالى: فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا (1) وكقول الشاعر (لدوا للموت وابنوا للخراب) والانصاف ان دلالة الطائفتين المتقدمتين على حرمة الغناء بذاته لا تأمل فيها، واما ما دلت على دخوله في قوله: والذين لا يشهدون الزور كصحيحة ابن مسلم (2) عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله: والذين لا يشهدون الزور قال: هو الغناء ففى دلالتها على الحرمه تأمل واشكال، ودلت على حرمته بذاته ايضا روايات كثيرة ربما يدعى تواترها وسيأتى الكلام في بعضها كصحيحة ريان بن الصلت (3) قال: سالت الرضا عليه السلام يوما بخراسان عن الغناء وقلت: ان العباسي ذكر عنك انك ترخص في الغناء فقال: كذب الزنديق ما هكذا قلت له سألني عن الغناء فقلت: ان رجلا اتى ابا جعفر عليه السلام فسأله عن الغناء فقال: با فلان إذا ميز الله بين الحق والباطل فاين يكون الغناء قال: مع الباطل فقال: قد حكمت، والظاهر منها حرمته كما يشهد به نحو التعبير فيها، ونحوها في الدلالة أو اظهر منها رواية عبد الاعلى الموثقة على الاظهر (4)


(1) سورة القصص - الاية 7 (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 209 ]

قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الغناء وقلت: انهم يزعمون: ان رسول الله صلى الله عليه وآله رخص في ان يقال: جئناكم جئناكم حيونا حيونا نحييكم فقال: كذبوا ان الله عزوجل يقول: ما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين (الخ)، وكصحيحة على بن جعفر (1) عن اخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال سألته عن الرجل يتعمد الغناء يجلس إليه قال: لا، وفى رواية سعد بن محمد الطاطرى (2) عن ابيه عن ابى عبد الله عليه السلام قال: سأله رجل عن بيع الجوارى المغنيات فقال: شرائهن وبيعهن حرام وتعليمهن كفرو استماعهن نفاق، والرواية إلى سعد موثقة بابن فضال، وعن الشيخ في العدة ان الطائفة عملت بما رواه الطاطريون، وكصحيحة ابراهيم بن ابى البلاد (3) قال: قلت لابي الحسن الاول جعلت فداك ان رجلا من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهن اربعة عشر الف دينار وقد جعل لك ثلثها فقال: لا حاجة لى فيها، ان ثمن الكلب والمغنية سحت، وسحتية ثمنها لاجل صفة التغني وكون الغناء حراما، وكحسنة نضر بن قابوس (4) قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: المغنية ملعونة ملعون من اكل كسبها، إلى غير ذلك. ثم انه ربما نسب إلى المحدث الكاشانى (5) وصاحب الكفاية الفاضل الخراساني (6) انكار حرمة الغناء واختصاص الحرمة بلواحقه ومقارناته من دخول الرجال على النساء واللعب بالملاهى ونحوها، ثم طعنوا عليهما بما لا ينبغى، وهو خلاف ظاهر كلام الاول في الوافى ومحكى المفاتيح والمحكى عن الثاني، بل الظاهر منهما ان الغناء على قسمين حق وباطل، فالحق هو التغني بالاشعار المتضمنة لذكر الجنة والنار والتشويق إلى دار القرار، والباطل ما هو


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به. (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 - من ابواب ما يكتسب به. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 15 - من ابواب ما يكتسب به. (5) و (6) راجع مفتاح الكرامة في القسم الرابع من المتاجر المحظورة فيما نص الشارع على تحريمه.

[ 210 ]

متعارف في مجالس اهل اللهو كمجالس بنى امية وبنى العباس قال في الوافى (1) ما محصله: ان الظاهر من مجموع الاخبار اختصاص حرمة الغناء وما يتعلق به من الاجر والتعليم والاستماع والبيع والشراء كلها بما كان على النحو المعهود المتعارف في زمن بنى امية وبنى العباس من دخول الرجال عليهن وتكلمهن بالاباطيل ولعبهن بالملاهى من العيدان والقضيب وغيرها دون ما سوى ذلك كما يشعر به قوله عليه السلام ليست بالتى يدخل عليها الرجال، ثم ذكر عبارة الاستبصار فقال: يستفاد من كلامه ان تحريم الغناء انما هو لاشتماله على افعال محرمة، فان لم يتضمن شيئا من ذلك جاز وحينئذ فلا وجه لتخصيص الجواز بزف العرائس ولا سيما وقد ورد الرخصة به في غيره، الا ان يقال: ان بعض الافعال لا يليق بذوى المروات وان كان مباحا، فالميزان حديث من اصغي إلى ناطق فقد عبده، وقول ابى جعفر عليه السلام إذا ميز الله بين الحق والباطل فاين يكون الغناء، وعلى هذا فلا بأس بسماع التغني بالاشعار المتضمنة ذكر الجنة والنار والتشويق إلى دار القرار إلى ان قال: وبالجملة لا يخفى على ذوى الحجى بعد سماع هذه الاخبار تميبز حق الغناء من باطله، وان اكثر ما يتغنى المتصوفة في محافلهم من قبيل الباطل (انتهى). وانت خبير بان ظاهر هذه العبارة بل صريحها صدرا وذيلا ان الغناء على قسمين قسم محرم وهو ما قارن تلك الخصوصيات بمعنى ان الغناء المقارن لها حرام، لا ان المقارنات حرام فقط ولهذا حرم اجرهن وتعليمهن والاستماع منهن، ولو لا ذهابه إلى تحريمه ذاتا لا وجه لتحريم ما ذكر، وقسم محلل وهو ما يتغنى بالمواعظ و نحوها، فقد استثنى من حرمة الغناء قسما هو التغني بذكر الله تعالى كما استثنى بعضهم التغني بالمراثي، وبعضهم التغني بالقرآن وبعضهم الحدى وبعضهم في العرائس، وهذا امر لم يثبت انه خلاف الاجماع أو خلاف المذهب حتى يستوجب صاحبه الطعن والنسبة إلى الخرافة والاراجيف، وقد اختاره النراقى في المستند (2) وبعض من تأخر عنه،


(1) كتاب المعايش والمكاسب - الباب 34 - من ابواب وجوه المكاسب المجلد 10 (2) في الفصل الثاني فيما يحرم التكسب ا ب‍؟ من المقصد الثالث من كتاب المطلق الكسب والاقتناء في الغناء ص 343 -.

[ 211 ]

كما لا يستوجبه من استثنى القرآن وغيره، فالصواب ان يجاب عنه بالبرهان كما صنع الشيخ الانصاري (1) فالاولى النظر إلى ما يمكن ان يستدل به على هذا التفصيل. فمنها دعوى قصور الادلة على اثبات حرمة مطلق الغناء لعدم الاطلاق فيما تدل على الحرمة، وعدم الدلالة عليها فيما يمكن دعوى الاطلاق فيها كقوله: الغناء شر الاصوات والغناء غش النفاق ونحوهما (وفيه) انه لا قصور في اطلاق كثير من الروايات كالروايات المفسرة لقول الزور بالغناء (2) وقد تقدم كيفية دخوله في الآية والقول بمعارضة تلك الاخبار لما فسره بقول احسنت للمغني، وبما فسره بشهادة الزور، لان الحمل يقتضى وحدة معناهما، وما عرفت يدل على انه غيره قد عرفت الجواب عنه في بيان الاخبار المفسرة لها، مضافا إلى ان الحمل يقتضى الاتحاد ولو وجودا فلو كان الغنى من مصاديقها يصح الحمل ويقال: انه الغنى أو ان الغنى هو، فلا تعارض بين الادلة المفسرة، ولايجوز رفع اليد عن الاطلاق بعد امكان ان يكون الكل مندرجا فيه ولو لم نعلم وجهه، بل لا يجوز الغض عن الاطلاق ولو لم يندرج فيه أو لم نعلم اندراجه، لامكان الالحاق حكما وكالاخبار المفسرة للهو الحديث فانها ايضا مطلقة بلا اشكال. والقول بان الغناء الخاص الذى يشترى ليضل عن سبيل الله ويتخذها هزوا داخل فيها لا غير: قد عرفت الجواب عنه، ولزومه للاستهجان في الاخبار الدالة على ان الغناء مما اوعد الله عليه النار بقوله: ومن الناس من يشترى (الخ) فلا ينبغى الشبهة في اطلاقها، وكالمحكى عن الرضا عليه السلام بطرق عديدة منها ما رواه الصدوق صحيحا عن الريان بن الصلت الثقة (3) قال: سألت الرضا عليه السلام يوما بخراسان


(1) في المسألة الثالثة عشر من النوع الرابع. (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به

[ 212 ]

عن الغناء وقلت ان العباسي (1) ذكر عنك انك ترخص في الغناء فقال: كذب الزنديق ما هكذا قلت له سألني عن النناء فقلت ان رجلا اتى ابا جعفر عليه السلام فسأله عن الغناء فقال: يا فلان إذا ميز الله بين الحق والباطل فاين يكون الغناء قال: مع الباطل فقال: قد حكمت وتقريب الدلالة ان الظاهر من انكار الرضا عليه السلام الترخيص ان قول ابى جعفر عليه السلام يدل على حرمته، والا فلو دل مقالته مع السائل بان الغناء من الباطل الجائز الارتكاب ولو مع حزازة: فنقل السائل عنه تجويزه نقلا بالمعنى فلم يمكن انكاره عليه، فالانكار دليل على عدم كون الغناء مرخصا فيه في كلام ابى جعفر عليه السلام وكان الرضا عليه السلام مستدلا على حرمته بقوله: وروى السائل خلافه كذبا عليه، ولا شبهة في اطلاق الرواية. ومنه يظهر الجواب عما يمكن ان يقال: بان التكذيب راجع إلى عدم ترخيص ابى الحسن عليه السلام أو عدم ترخيصه بقول مطلق، فان المراد بالترخيص ليس نحو قوله: انت مرخص فيه، بل ما يستفاد من كلامه، ولا شبهة في انه لو لم يدل كلام ابى جعفر عليه السلام على التحريم لما قال الرضا عليه السلام: انه كذب، و الفرض ان كلامه مطلق، والانصاف ان انكار دلالتها في غير محله. والعجب من النراقى حيث قال (2) ان الباطل لا يفيد ازيد من الكراهة و معذلك قال: ان تكذيبه ليس للمنع بل لذكره خلاف الواقع، وذلك لان ذكر ما يدل على كراهته في مقام الجواب ترخيص له فاين خلاف الواقع حتى يصح التكذيب سيما مع هذا التعبير الشديد ومنها رواية عبد الاعلى الحسنة الموثقة (3) فان عبد الاعلى هو ابن اعين وقد عده الشيخ المفيد من فقهاء اصحاب الصادقين والاعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والاحكام الذى لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم ولا اشكال في افادته التوثيق كما عن المحقق الداماد الجزم بصحة رواياته قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الغناء وقلت انهم يزعمون ان رسول الله صلى الله


(1) في مرآت العقول (العياشي) وزاد بعد الزنديق الديوث (منه) (2) راجع المستند - كتاب الكسب والاقتناء - في الفصل الثاني فيما يحرم التكسب به من المقصد الثالث في الغناء (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 213 ]

رخص في ان يقال: جئناكم جئناكم حيونا حيونا (1) نحييكم فقال: كذبوا ان الله عزوجل يقول: وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين لواردنا ان نتخذ لهوا لاتخذناه من لدن ان كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ثم قال: ويل لفلان مما يصف. رجل لم يحضر المجلس. وهى تدل على حرمة الغناء بمثل تلك العبارة الغير اللهوية الغير الباطلة بل الشريفة على نسخة حيونا ولو لم يكن محرما كان رخصه رسول الله صلى الله عليه وآله فلم ينكره أبو عبد الله عليه السلام ذلك الانكار مع التمسك بالآية الدالة على قذف الله الحق بالباطل ليدمغه وتعقيبه بقوله: ويل لفلان مما يصف. والظاهر ان المراد به رجل غايب كان ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله الترخيص فيه فلا شبهة في دلالتها على الحرمة ولا في اطلاقها لقول حق أو باطل، ومنها صحيحة على بن جعفر عن اخيه (2) قال سألته عن الرجل يتعمد الغناء يجلس إليه قال: لا، إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة فلا مجال لانكار اطلاقها. ومنها دعوى انصراف الادلة إلى الغناء المتعارف المعهود في زمن بنى امية وبنى العباس كما هو من متمسكات الكاشانى والخراساني في جملة من كلامهما، (وفيه) مضافا إلى عدم مجال لهذه الدعوى في بعض الروايات كصحيحة على بن جعفر الاخيرة الظاهرة في المنع عن الجلوس عند من يتغنى من غير ان يكون هنا معاصي اخر كالمزامير وغيرها كما هو ظاهرها وكحسنة عبد الاعلى الدالة على ان التغني بمثل الفاظ التحية ايضا حرام ومن الباطل وهى مفسرة لساير الروايات ايضا وشارحة للمقصود من كون الغناء باطلا بانه بذاته باطل ولهو وزور لا بملحقاته وبمدلول الكلام المعروض له بل يدفع بها توهم الانصراف في ساير الروايات ايضا لحكومتها على غيرها وتعميمها لو فرض الانصراف للحكومة كما لا يخفى على المتأمل: ان كون غالب افراده ما يتعارف في عصر الخبيثتين من اشتمالها على محرمات اخر


(1) وفى مرآت العقول جيئونا جيئونا نجيئكم والظاهر صحة ما في الوسائل (منه) (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 214 ]

ممنوعة، كيف؟ وان التغني بالاشعار عند الناس كان متعارفا في كل عصر، وربما يتفق معه ساير المحرمات، وكون المتعارف عند سلاطين الطائفتين أو الامراء في عصرهم وساير الاعصار ذلك: لا يوجب ان يكون نوع التغنيات كذلك حتى يدعى الانصراف. مضافا إلى ان كثرة افراد طبيعة في قسم لا توجب الانصراف فان الاطلاق عبارة عن الحكم على طبيعة من غير قيد، فلابد في دعوى الانصراف من دعوى كون الكثرة والتعارف وانس الذهن بوجه تصير كقيد حاف بالطبيعة وهو في المقام ممنوع سيما في مثل مقارنات الطبيعة لا مصاديقها واصنافها، مضافا إلى ان اللازم من دعوى الانصراف إلى اشباه ما تتعارف في عصر الامويين والعباسيين الالتزام بتخصيص تحريمه بما يكتنف بجميع ما يتعارف في مجالسهم الملعونة من دخول الرجال على النساء وشرب الخمور وارتكاب الافعال القبيحة والفواحش وضرب انواع الملاهي والتلهى بالاشعار المهيجة المورثة لاثارة الشهوات ورقص الجوارى والغلمان إلى غير ذلك، ومع فقد بعضها يقال بالجواز، فلا وجه لتجويز خصوص ما يكون من قبيل التغني بالقرآن والفضائل لقصور الادلة، بناء عليه عن اثبات حرمته ولو مع الاشعار الملهية والمهيجة لكون المتعارف في عصرهم اخص منه، ولا اظن التزامهم به، فدعوى الانصراف كدعوى عدم الاطلاق في الضعف. ومنها التمسك بروايات عمدتها صحيحة ابى بصير (1) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام اجر المغنية التى تزف العرايس ليس به بأس وليست بالتى يدخل عليها الرجال كذا في الوسائل عن المشايخ وفي الفقيه (2) لكن في مرآت العقول (3) ليست بسقوط (الواو)، بدعوى ان قوله: وليست بالتى (الخ) مشعر بالعلية أو دال عليها، فتدل على ان المحرم قسم منه وهو المقارن للمعاصي كدخول الرجال على النساء (وفيه)


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 15 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الجزء الثالث من كتاب من لا يحضره الفقيه = باب المعايش والمكاسب والصناعات - الحديث 20 - (3) كتاب المعيشة - الباب 37 - كسب المغنية وشرائها.

[ 215 ]

ان في الرواية على نسخة اثبات الواو احتمالات، كاحتمال ان تكون الجملة حالية عن فاعل تزف والمعنى ان اجر المغنية حلال إذا تزف العرائس ولم يدخل الرجال على النساء وان تكون الجملة بمنزلة التعليل فتدل على عدم حرمة الغناء بذاته ويحرم اجر المغنية لا للغناء، بل لدخول الرجال وسماع صوتها ورؤية وجهها وساير حركاتها الملازمة له، وان يكون المراد بها افادة حرمة قسم من الغناء وهو المقارن لدخول الرجال عليهن. فعلى الاحتمال الاول تدل على استثناء قسم خاص منه، وهو الذى في العرائس مع الشرط المذكور. وعلى الثاني تكون الرواية معارضة لجميع الادلة على ان الغناء حرام و مخالف مضمونها للاجماع. وعلى الثالث توافق كلام الكاشانى وموافقيه على اشكال وهو ان الظاهر من قوله: وليست بالتى (الخ) كون دخولهم عليهن بعنوانه موضوع الحكم، لا عنوانا مشيرا إلى نوع خاص من الغناء أو مجالس خاصة، وهم لا يلتزمون بظاهر الرواية، ولا وجه لحملها على خلاف ظاهرها، ولا ترجيح ظاهر في احدا الاحتمالات المتقدمة يمكن الاتكال عليه لو لم نقل بترجيح الاول حتى يلتئم بين الادلة، أو الاحتمال الثاني في نفسه لولا مخالفته لما ذكرنا، لان الظاهر من قوله: لا بأس وليست بالتى يدخل عليها الرجال: ان الفساد مترتب عليه وليس في الغناء بما هو فساد ولعل الحرمة في دخولهم لاجل كونهم اجنبيا يحرم التغني عندهم لا لذات الغناء. والانصاف ان طرح الادلة الظاهرة الدلالة بمثل هذه الرواية المشتبهة المراد مع اختلاف النسخ: غير جائز، سيما مع مخالفة مضمونها لجميع الاقوال سواء في ذلك نسخة اثبات الواو واسقاطها، مع احتمال ان تكون هي عين رواية اخرى لابي بصير (1) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن كسب المغنيات فقال: التى يدخل عليها الرجال حرام.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 15 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بعلى بن ابى حمزة.

[ 216 ]

والتى تدعى إلى الاعراس ليس به بأس وهو قول الله عزوجل ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، التى يدعى دلالتها على ان قسما منه حرام، وهو المقارن لدخول الرجال على النساء والتى تدعى الي الاعراس، فعدم حرمته ليس لخصوصية فيها بل لعدم دخولهم عليهن فيكون الحكم دائرا مداره (وفيه) مضافا إلى ورود بعض ما تقدم من الاشكالات عليها ايضا ككون الظاهر ان الحكم دائر مدار عنوان دخول الرجال ومع عدمه يحل ولو بكلمات لهوية ومقارنات محرمة ولم يلتزم به القائل: ان الظاهر منها التعرض لقسمين من الغناء وعدم تعرضها لساير الاقسام وليس فيها مفهوم والا لتعارض بين مفهوم الصدر والذيل، وجعل الجملة الثانية كناية عن عدم دخولهم عليهن خلاف الظاهر، فلا تدل على مدعاهم بوجه (نعم) فيها اشعار به لا يقاوم الروايات الدالة على انه بذاته حرام كصحيحة على بن جعفر المتقدمة وحسنة عبد الاعلى بل وغيرها بعد تفسيره في رواية عبد الاعلى. وقد يقال ان الظاهر من رواية على بن جعفر (1) عن اخيه عليه السلام قال سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والاضحى والفرح قال: لا بأس ما لم يعص به، والمروى عن تفسير الامام عن النبي صلى الله عليه وآله (2) في حديث طويل ذكرت فيه شجرة طوبى وشجرة الزقوم والمتعلقون باغصان كل واحدة منهما قال ومن تغنى بغناء حرام يبعث فيه على المعاصي فقد تعلق بغصن منه أي من الزقوم: ان الغناء على قسمين محلل ومحرم، فان كان المراد من محرمه هو ما يقترن بالمعاصى ثبت عدم حرمته بنحو الاطلاق، وان كان المراد منه غناء نهى عنه الشارع يكون عنوانا مجملا فيكون العمومات والاطلاقات مخصصة ومقيدة بالمجمل والعام المخصص والمطلق المقيد به ليس حجة.


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 15 - من ابواب ما يكتسب به - مجهولة بعبد الله بن حسن (2) نقله صاحب المستند في الفصل الثاني فيما يحرم التكسب به من المقصد الثالث من كتاب مطلق الكسب والاقتناء في الغناء

[ 217 ]

(وفيه) بعد تسليم المقدمات ان ذلك مسلم لو لم يعلم بان الغناء على قسمين و لم يتبين قسم الحلال من الحرام، واما في المقام الذى علم ان له قسما محللا هو الغناء في العرائس كما يأتي فلا يوجب قوله في تفسير الامام اجمالا هذا بالنسبة إليها مع ضعفها سندا ويأتى الكلام في رواية على بن جعفر واما التشبث بما اشتملت على كلمة مجلس أو بيت، كرواية الحسن بن هرون (1) قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: الغناء مجلس لا ينظر الله إلى اهله (الخ)، و صحيحة زيد الشحام (2) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة ورواية ابراهيم بن محمد عمن ذكره (3) عنه عليه السلام وفيها لا تدخلوا بيوتا الله معرض عن اهلها بعد السؤال عن الغناء، لتأييد اختصاص حرمته بنوع خاص منه (ففيه ما لا يخفى من الوهن) لعدم المفهوم فيها، وعدم دلالتها على الاختصاص، وعدم دلالتها على اقترانه بغيره من المحرمات (نعم) فيها اشعار به، كما ان التشبث بان ظاهر الادلة دخول الغناء في اللهو والباطل ونحوهما وهى غير محرمة بنحو الاطلاق فلا دليل على حرمته: قد تقدم الجواب عنه في خلال ما تقدم الكلام في الادلة، فتحصل من جميع ذلك حرمة الغناء بذاته فلابد من التماس دليل على الاستثناء. ويمكن ان يقال باستثناء ايام الفرح منه كعيد الفطر والاضخى وساير الاعياد المذهبية والملية، لصحيحة على بن جعفر (4) عن اخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والاضحى والفرح قال: لا بأس به ما لم يزمر به، والظاهر انها عين الرواية المتقدمة الا ان فيها ما لم يعص به وربما يحتمل ان يكون ما لم يزمر به في الاولى مصحفا عن ما لم يؤزر به: وهو غير بعيد، فيكون احديهما نقلا بالمعنى، وفى نسخة يؤمر به، وهى خطأ، وكيف كان فالظاهر ان على بن جعفر كان عالما بحرمة الغناء لكن لما كانت ايام العيد والفرح مناسبة للتلهي والتفريح


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به الاولى ضعيفة بحسن بن هارون وغيره. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 15 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 218 ]

في الجملة صارت موجبة لشبهته، ويحتمل ان يكون وجه حصول الشبهة صحيحة ابى بصير (1) المروية عن ابى عبد الله عليه السلام في تجويز اجر المغنية في الاعراس، فاحتمل ان ساير ايام الفرح والاعياد كذلك فسئل عنه فيها، فأجاب عليه السلام بعدم البأس ما لم يعص به أو ما لم يزمر به، وبعد عدم جواز حمل ما لم يعص به على ظاهره فانه من توضيح الواضح: فيه احتمالات، ابعدها ما احتمله الشيخ الانصاري (2) وهو ان المراد بالسؤال الصوت الحسن الاعم من الغناء المحرم، وبالجواب تجويز قسم منه وهو ما ليس بغناء، وتحريم قسم وهو الغناء. والانصاف ان هذا الحمل يساوق الطرح، ولعل ما دعاه إلى هذا الحمل البعيد بنائه على تعارضها مع الروايات الكثيرة المستفيضة أو المتواترة فرأى ان التصرف فيها اوهن من رفع اليد عنها، مع ان بينها وبين الروايات جمع عقلائي وهو حمل المطلقات عليها وتجويز الغناء في ايام الاعياد المقتضية للسرور والفرح، فقوله: ما لم يعص به أي ما لم يكن سببا لمعصية، أو ما لم يقترن بها، أو ما لم يتحد معها، كما لو كان التغني بالفحش والكذب ونحوهما من المحرمات، وبالجملة الظاهر المتفاهم منها ان الغناء في الاعياد وايام الفرح لا بأس به بذاته ما لم يقترن بمعصية، وهو بوجه نظير ما ورد في بعض الروايات من رفع القلم في بعض الاعياد، والمراد به ايضا على فرض صحته ما يناسب ايام العيد والسرور كالتغني والتلهى لا مطلق المعاصي، والظاهر ان المراد بقوله: ما لم يزمر به، ما لم يتغن في المزمار من زمر أو زمر من التفعيل غنى بالمزمار، فتدل على جواز الغناء في الاعياد دون المزامير مع احتمال ان يكون ما لم يؤزر فتوافق الاولى، لكن يشكل العمل بها لعدم قائل ظاهرا باستثنائه فيها بل عدم نقل احتماله من احد مع بعد تجويزه في العيدين الشريفين المعدين لطاعة الله تعالى والصلوة والانقطاع إليه تعالى كما يظهر من الادعية و الاذكار والعبادات الواردة فيهما وفي الاعياد المذهبية بل بعض الاعياد الملية، وضعف


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 15 - من ابواب ما يكتسب به. (2) في المسألة الثالثة عشر من النوع الرابع.

[ 219 ]

الرواية المشتملة على قوله ما لم يعص به بعبد الله بن الحسن المجهول وان كان كثير الرواية عن على بن جعفر، والظاهر اتقان رواياته، وعن الكفاية انه مروى في قرب الاسناد للحميري باسناد لا يبعد الحاقه بالصحاح (1) وان قال بعض المدققين (2) ما رايت ذلك في الكفاية في باب الغناء والمكاسب، وفى كتاب القضاء والشهادات، وكيف كان لم يصل الاعتماد عليها بحد يمكن تقييد الادلة سيما تلك المطلقات المستفيضة بها، والرواية الاخرى صحيحة لكن قوله: ما لم يزمر به يحتمل وجوها، منها ما تقدم، ومنها ما احتمله الشيخ الانصاري أي لم يرجع به ترجيع المزمار، أو لم يتغن به على سبيل اللهو، أو لم يقصد منه قصد المزمار، وليس ظهورها في الاول معتدا " به، امكن معه تقييد المطلقات الكثيرة فالاحوط بل الاقوى عدم استثناء ايام العيد والفرح. واما المراثى والقرائة بالقرآن فربما يقال: باستثنائهما، واستدل عليه بعمومات ادلة الا بكاء والرثاء وقرائة القرآن بدعوى ان التعارض بينها وبين ادلة حرمة الغناء من وجه ومقتضى القاعدة تساقطهما والرجوع إلى الاصل، ومقتضى ذلك توسعة الجواز بكل مورد ينطبق عليه أو يلازمه عنوان مستحب كاكرام الضيف وادخال السرور في قلب المؤمن وقضاء حاجته بل توسعة نطاقه إلى ساير ابواب الفقه فيقال: بمعارضة كل دليل في المستحبات مع ادلة المحرمات إذا كان بينهما عموم من وجه كالمقام بل يأتي الكلام في ادلة المكروهات مع الواجبات والمحرمات، وانت خبير بانه مستلزم لفقه جديد واختلال فيه، ولم يختلج ذلك التعارض والعلاج في ذهن فقهاء الشريعة، وليس مبنى فقه الاسلام على نحوه، وهو كاف في فساد هذا التوهم. نعم لا بأس ببيان سر عدم وقوع التعارض بين ادلة المستحبات والمحرمات، يظهر من الشيخ الانصاري فيه وجوه وان يترائى من تعبيراته انه بصدد بيان وجه واحد.


(1) الناقل عن الكفاية هو الشيخ الاعظم. (2) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله.

[ 220 ]

منها، ان مرجع ادلة الاستحباب إلى ايجاده بسبب مباح لا المحرم ويحتمل ان يكون مراده منه انصراف ادلته إلى ايجاده بطريق مباح وكيفية مباحة، فلا تكون مقدمته محرمة، ولا ينطبق عليه عنوان محرم، وهذا التعميم يظهر من التأمل في كلامه، ويحتمل ان يكون مراده اهمال ادلته، فلا اطلاق فيها بالنسبة إلى مورد المحرم. ومنها، ما ذكره في مقام بيان السر وحاصله ان ادلة المستحبات تفيد احكاما نحو الحكم الحيثى فلا ينافى طر وعنوان آخر من الخارج يوجب لزوم فعله أو تركه، وبعبارة اخرى ان دليل المستحب يدل على استحباب شئ لو خلى ونفسه أي مع خلوه عما يوجب لزوم احد طرفيه. ومنها، ما ذكره بقوله: والحاصل ان جهات الاحكام الثلثة اعني الاباحة و الاستحباب والكراهة لا تزاحم جهة الحرمة والوجوب، فالحكم لهما مع اجتماع جهتيهما مع احدى الجهات الثلث. وهذه الوجوه لا ترجع الي واحد، لان مبنى تزاحم المقتضيات على اطلاق الادلة وفعليتها وهو ينافى الوجهين الاولين، ومبنى انصراف الادلة أو اهمالها غير مبنى كون الحكم حيثيا غير فعلى، فكأنه اجاب عن الاستدلال؟ بواحد منها أو بان حال ادلة المستحبات لا تخلو من واحد منها. (وفيه) ان دعوى اهمال جميع ادلتها في غاية البعد بل مخالفة للواقع ولظواهر الادلة، كما ان دعوى الانصراف في الجميع كذلك، ولا يمكن اثباتها سيما بعد كون متعلق الاحكام في باب المطلقات نفس الطبايع من غير نظر إلى افرادها فضلا عن مزاحماتها، فالحكم ان تعلق بطبيعة كالغناء أو الرثاء أو القرائة ولم يقيد الموضوع بقيد مع تمامية مقدمات الحكمة: يكون مطلقا اعني ان الطبيعة بلا قيد موضوعه، فلا تكون الافراد بما هي موضوع الحكم فيها، ولا ينقدح في ذهن السامع افراد نفس الطبيعة ولا افراد طبيعة اخرى أو عنوانها حتى يقال: ينصرف الحكم أو الموضوع إلى افراد خاص أو صنف خاص من الطبيعة فضلا عن الافراد الغير المزاحمة لخصوص حكم آخر.

[ 221 ]

نعم ربما يتفق ان تكون الطبيعة مقارنة بحسب الوجود لشئ توجب انس الذهن أو تكون افرادها من حيث الكثرة والمعهودية بوجه موجب للانصراف، و لكن في مثل المقام لا وجه معتمد لدعواه، ويتلوهما في الضعف دعوى كون الاستحباب حكما حيثيا في جميع الموارد، ضرورة ان الظاهر من كثير من الادلة فعلية الحكم واما قضية تزاحم المقتضيات ففرع عدم سقوط الادلة بالتعارض والا فلا طريق لاثبات المقتضى. وقد يقال في توجيهه بان الحكم الاستحبابى معلق على عدم تحقق اقتضاء الحرام، واما التحريمي فلا تعليق فيه بالنسبة إلى اقتضاء الاستحباب لعدم مزاحمته معه فحينئذ لا يعارض المعلق المنجز. ويرد عليه، انه مخالف لادلة الاستحباب الظاهرة في الحكم الفعلى فان ظهورها في الفعلية كاشف عن عدم تحقق مقتضى التحريم وتحقق مقتضى الاستحباب، فاطلاق دليله كاشف عن عدم الحرمة، واقتضائها كالعكس فلا وجه للحكم بتعليقية احدهما. وقد يجاب عنه بان دليل الحرام قرينة على هذا التعليق فانه إذا تحقق في احدا لمتعارضين احتمال تصرف مفقود في الآخر تعين التصرف فيه وابقاء الآخر على ظهوره وهو من الجمع المقبول، ففى المقام حمل دليل الاستحباب على التعليق ممكن لان فعلية الاستحباب متوقفة على عدم تحقق مقتضى الحرمة بخلاف دليل الحرمة فانه غير قابل للتعليق على عدم تحقق مقتضى الاستحباب، لان مقتضاه لا يزاحم مقتضى الحرام فالفعلية مع اجتماع المقتضيين للحرمة، فإذا كان دليل الاستحباب قابلا للحمل على التعليق دون دليل الحرمة تعين حمله عليه وابقاء دليلها على ظاهره (انتهى). (وفيه) مضافا إلى ان ذلك ليس من الجمع المقبول فانه هو الجمع العرفي العقلائي لا العقلي الدقيق العلمي الذى لا سبيل للعرف إلى نيله كما فيما ذكره، و لا دليل على ان الجمع باى وجه ممكن اولى من الطرح واولى من عمل التعارض بل

[ 222 ]

الميزان فيه عدم اندراج الدليلين في الخبرين المختلفين والمتعارضين الوارد في ادلة العلاج بحسب نظر العرف وبالجملة هذا الوجه ليس موجبا لاخراج الادلة عن التعارض على فرضه: ان مقتضى الاستحباب يمكن ان يزاحم مقتضى الحرام في بعض ملاكه فيخرج الحرام عن كونه حراما فعليه يمكن ان يكون التعليق في دليل الحرام ايضا، ولا يتعين التصرف في دليل الاستحباب لتحقق احتمال التصرف في كليهما فيبقى التعارض بحاله. ويمكن ان يقال في المقام ونظائره ان الاحكام في المطلقات لم تتعلق الا بنفس الطبائع دون افرادها، ولم تكن ناظرة إلى احوال الافراد فضلا عن كونها ناظرة إلى طبيعة اخرى وافرادها أو حال المزاحمات بين الافراد أو المقتضيات في حال انطباق العناوين على الموضوعات الخارجية وعليه يكون حكم كل عنوان عليه فعليا من غير تعارض بين الدليلين، فان مصب التعارض بين الادلة هو مقام الدلالة والمدلول، والفرض ان الحكم متعلق بالطبايع وكل طبيعة تغاير الاخرى فلا مساس بين الدليلين والا الحكمين المتعلقين بالطبيعتين، فلا تعارض بين قوله البكاء والابكاء مثلا مستحب وبين قوله: الغناء حرام في مقام الدلالات وتعلق الاحكام بالموضوعات واما مقام انطباق العناوين على الافراد الخارجية فخارج عن باب تعارض الادلة والدلالات، لعدم كون الافراد من مداليل الادلة في المطلقات، فالعناوين التى بينها عموم من وجه بحسب التصادق خارج عن باب التعارض، فتحصل من ذلك ان حرمة الغناء على عنوانه باقية فعلية واستحباب قرائة القرآن والرثاء على ابى عبد الله الحسين عليه السلام كذلك من غير تعارض بين الدليلين أو تزاحم بين المقتضيين. نعم العقل في مقام الامتثال يحكم بلزوم الاحتراز من باب حفظ الغرض الاهم، فلو سمى هذا عدم مزاحمة مقتضى المستحبات لمقتضى المحرمات فلا بأس به بعد وضوح المراد، فالترجيح في مقام الامتثال بحكم العقل غير مرتبط بمقام جعل الاحكام على عناوين الموضوعات، هذا بحسب القواعد، واما لو فرض مورد

[ 223 ]

يكون بقاء الاستحباب مخالفا لارتكاز المتشرعة يكشف ذلك عن قيد في دليل الاستحباب، كما لو فرض ان اكرام الضيف بالمحرم لم يكن مستحبا بارتكاز المتشرعة أو بدليل آخر يكشف ذلك عن قيد في دليل استحبابه، كما ورد في صحيحة صفوان بن يحيى (1) عن ابى عبد الله عليه السلام لا تسخطوا الله برضى احد من خلقه (تأمل). ثم لو قلنا بتعارض الادلة فالترجيح لادلة حرمة الغناء بوجوه تأتى الاشارة إليها قريبا انشاء الله بنا على دخول العامين من وجه على فرض تعارضهما في ادلة العلاج ولو مناطا، أو بالغاء الخصوصية أو باستفادته من روايات العلاج، فتحصل من جميع ذلك أو التمسك لجواز التغني بالقرآن والمراثي بالاصل بعد تعارض الادلة (غير وجيه) كما ان التشبث بتعارف التغني في المراثى في بلاد المسلمين من زمن المشايخ إلى زماننا من غير نكير وهو يدل على الجواز غالبا كما قال به المحقق الاردبيلى (2) (غير وجيه)، لان التمسك اما بسماع المشايخ وعدم منعهم وانكارهم، فلا حجة فيه بعد اختلاف الاجتهادات مع ممنموعية كون عملهم عليه، بل فيهم من منعه ارقام من مجلسه، ولعل كثيرا منهم لا يمنعه لاشتباه في الموضوع والشك في تحققه، كما ان الامر كذلك غالبا بل الغالب عدم تحققه، أو يكون باتصال سيرتهم إلى زمن المعصومين (ع)، فهو ممنوع لان تلك المجالس المرسومة في هذه الاعصار لم تكن معهودة قبل عصر الصفوية بهذا الرواج، واما في عصر الائمة (ع) وبعده إلى مدة مديدة فلا شك في عدم تعارف انعقادها رأسا فضلا عن التغني فيها بمرئى ومنظر من المعصومين (ع) حتى يكشف عدم الردع عن الجواز أو الاستحباب. واما ما أيد به مذاهبه من ان التحريم للطرب علي الظاهر ولهذا قيد بالمطرب وليس في المراثى الطرب بل ليس الا الحزن (ففيه) منع كونه للطرب بل الممنوع بمقتضى اطلاق الادلة


(1) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 11 - من ابواب الامر والنهى. (2) راجع شرح الارشاد - في القسم الرابع من المتاجر المحرمة وفيما هو حرام في نفسه - في الغناء

[ 224 ]

طبيعة الغناء الذى عبارة عن صوت مطرب ولو اقتضاء، وقد تقدم ان المواد غير دخيلة في حرمة الغناء وموضوعه بلو لم يحصل الطرف في المراثى فانما هو لمضامين الكلام، واما نفس الصوت بما هو مطرف مع كونه غناء فموضوع المحرم متحقق ولو فرض منع مواد الكلام عن حصول الطرب فعلا، مضافا إلى ممنوعية عدم حصول الطرب احيانا فان الغناء قد يكون محزنا والطرف خفة ربما تحصل من الحزن أو شدته. بقى الكلام في الاخبار التى تمسك بها، كموثقة حنان بن سدير (1) قال: كانت امرأة معنا في الحى ولها جارية نائحة فجائت إلى ابى فقالت يا عم انت تعلم ان معيشتي من الله ثم هذه الجارية فاحب ان تسئل ابا عبد الله عليه السلام عن ذلك، فان كان حلالا، والا بعتها واكلت من ثمنها حتى يأتي الله بالفرج فقال لها ابى: والله انى لاعظم ابا عبد الله ان اسأله عن هذه المسألة قال: فلما قدمنا عليه اخبرته انا بذلك فقال أبو عبد الله عليه السلام: اتشارط؟ فقلت: والله ما ادرى تشارط ام لا، فقال: قل لها: لا تشارط وتقبل ما اعطيت، وصحيحة ابى بصير (2) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا بأس باجر النائحة التى تنوح على الميت إلى غير ذلك بدعوى ان النوح لا يكون الا مع التغني، أو ان متقضى الاطلاق شمول الغناء (وفيه) منع عدم كون النوح الا معه بل الظاهر ان عنوان الغناء غيره، وهما بحسب الحقيقة مختلفان بل متقابلان، ففى المنجد: ناحت المرأة الميت وعلى الميت: بكت عليه بصياح وعويل وجزع، ولو فرض انه نفس الصوت الخاص لا البكاء فخصوصيته مغايرة لخصوصية الغناء كما يشهد بها العرف، وتشهد بها رواية دعائم الاسلام (3) عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: صوتان ملعونان يبغضهما الله، اعوال عند مصيبة، وصوت عند نعمة، يعنى النوح والغناء، ورواية عبد الله بن سنان (4) عن ابى عبد الله عليه السلام قال:


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 17 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 17 - من ابواب ما يكتسب به. (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 15 - من ابواب ما يكتسب به. (4) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 24 - من ابواب القرائة - ضعيفة بابراهيم الاحمر.

[ 225 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اقرأوا القرآن بالحان العرب واصواتها، واياكم ولحون اهل الفسق واهل الكبائر فانه سيجئ من بعدى اقوام يرجعون القرآن ترجيع الغنا. النوح والرهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم، وعن القطب الراوندي (1) في دعواته عن الحسن بن على عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن جامع الاخبار عن حذيفة اليمان عنه صلى الله عليه وآله نحوها (2). والظاهر من مقابلة ترجيع الغناء والنوح انهما مغايران كما هو كذلك عرفا وخارجا، فلا تكون تلك الروايات شاهدة على مذهبه، فلو سلم اطلاقها فلم يسلم مساوقتهما وملازمتهما فحينئذ يأتي فيها ما تقدم في الجواب عن اخبار استحباب الا بكاء والرثاء، ولو فرضت معارضتهما فلاريب في ترجيح روايات حرمة الغناء عليها لموافقتها للمشهور، فان مقتضى اطلاق الاصحاب وعدم استثنائهم غير الاعراس و الحداء: قصره عليهما أو على اولهما كما يأتي الكلام فيه، وانما حكى عن بعضهم استثناء مراثي ابى عبد الله المحقق الثاني في محكى جامع المقاصد فأخذه عنه بعض من تأخر (3). فالشهرة مع عدم الاستثناء وهى اما مرجحة أو موهنة للاخبار المخالفة لها، و مخالفتها للعامة على ما حكى عن مذاهبهم ان التغني من حيث كونه ترديد الصوت بالالحان مباح لا شئ فيه، ولكن قد يعرض له ما يجعله حراما أو مكروها، وعن احياء الغزالي (4) عن الشافعي لا اعلم احدا من علماء الحجاز كره السماع، و قد حكى حمل بعضهم ما عن ابى حنيفة انه يكره الغناء ويجعل سماعه من الذنوب على النوح المحرم وموافقتها للكتاب بوجه لا يخلو من اشكال، وربما يستشهد


(1) و (2) المستدرك - كتاب الصلوة الباب 20 - من ابواب القرائة - في غير الصلوة. (3) راجع مفتاح الكرامة - في القسم الرابع من المتاجر المحظورة فيما نص الشارع على تحريمه - في الغناء. (4) الباب الاول في ذكر اختلاف العلماء في اباحة السماع من كتاب السماع و الوجد.

[ 226 ]

للجواز بما عن الصادق عليه السلام (1) انه قال لمن انشد عنده مرثية: اقراء كما عندكم أي بالعراق، ويتضح الجواب عنه مما تقدم مع عدم معلومية كيفية انشاده عنده و كيفية القرائة بالعراق، فالاقوى عدم استثناء المراثى والفضائل والادعية، وكذا عدم استثناء قرائة القرآن كما تدل عليه بالخصوص روايات: منها رواية عبد الله بن سنان المتقدمة، ويظهر منها ان الحان العرب المأمور بقرائة نحوها غير الحان اهل الفسوق والكبائر، وغير الترجيع بالغناء كما ان الواقع كذلك وجدانا، فان القراء في العراق والحجاز وسائر اقطار العربية يقرأون القرآن باصوات حسنة، والحان عربية لا تكون من سنخ التغني واصوات اهل الفسوق. ومنها ما عن عيون الاخبار باسانيده (2) عن الرضا عليه السلام عن آبائه عن على عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: اخاف عليكم استخفافا بالدين وبيع الحكم وقطيعة الرحم وان تتخذوا القرآن مزامير وتقدمون احدكم وليس بافضلكم في الدين. ومنها ما عن تفسير على بن ابراهيم بسنده (3) عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث قال: ان من اشراط الساعة اضاعة الصلوات واتباع الشهوات والميل إلى الاهواء إلى ان قال: فعندها يكون اقوام يتعلمون القرآن لغير الله ويتخذونه مزامير ويكون اقوام يتفقهون لغير الله وتكثر اولاد الزنا ويتغنون بالقرآن إلى ان قال ويستحسنون الكوبة والمعازف إلى ان قال: اولئك يدعون في ملكوت السموات الارجاس الانجاس والظاهر ان المراد باتخاذ القرآن مزامير قرائته على نحو ايقاع المزامير فان التصويت فيها لس قرآنا وقرائة


(1) نقطة صاحب المستند في كتاب مطلق الكسب والاقتناء في الفصل الثاني فيما يحرم التكسب به من المقصد الثالث - في جوار الحداء ص 343. (2) المستدرك - كتاب الصلوة - الباب 20 - من ابواب القرائة - في غير الصلوة. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به ضعيفة بعطاء بن ابى الرياح وغيره.

[ 227 ]

ومنها يظهر المراد في روايات مستفيضة دالة على استحباب قرائة القرآن بصوت حسن، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله (1) حسنوا القرآن باصواتكم فان الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا، وفى موثقة (2) ابى بصير قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إذا قرأت القرآن فرفعت صوتي جائنى الشيطان فقال: انما ترائى بهذا اهلك والناس فقال: يا ابا محمد اقرء قرائة بين القرائتين تسمع اهلك ورجع بالقرآن صوتك فان الله عزوجل يحب الصوت الحسن يرجع ترجيعا، وما حكى عن بعض الائمة من قرائته بصوت حسن، كما عن على بن الحسين (3) انه احسن الناس صوتا بالقرآن وكان السقائون يمرون فيقفون ببابه يستمعون قرائته فان المراد بالصوت الحسن مقابل اتخاذ القرآن مزامير والترجيع به ترجيع الغناء والتغنى به كما في الروايات المتقدمة وليس المراد بالصوت فيها ما هو المصطلح لارباب السماع والموسيقى بل المراد ما هو المتفاهم منه عرفا وما هو معناه لغة، ولهذا وصفه بالحسن ولا ملازمة بين الصوت الحسن والغناء وان لم يتصف الصوت بالحسن الا بتناسب بين قرعاته لكن ليس كل صوت متناسب قرعاته غناء. ضرورة ان الالحان العربية متناسبة القرعات ومعذلك لا تكون غناء كما جعلت مقابله في الرواية المتقدمة ويشهد به الوجدان. والمراد بالترجيع في موثقة ابى بصير ليس ترجيع الغناء كما تفسره الرواية المتقدمة، ولو حمل على ترجيع الغناء صارت معارضة لجميع الروايات الدالة على تحريم الغناء بل يصير مضمونها مخالفا للاجماع والضرورة، فان الظاهر من التعليل ان الصوت الحسن الذى يرجع به ترجيعا محبوب عند الله فلو كان المراد به الغناء لزم منه ان يكون الغناء كذلك وهو كما ترى، وحملها على الغناء في القرآن بتقييدها بالادلة المتقدمة: غير وجيه، لانه مضافا إلى منافاته للتعليل الظاهر في القاء الكبرى الكلية مستلزم للتقييد الكثير المستهجن، وان قلنا بجوازه في العرائس


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 24 - من ابواب قرائة القرآن - الاولى مهملة بحسن بن عبد الله وابيه والثالثة مرسلة.

[ 228 ]

والحداء، فلا شبهة في ان المراد بترجيع القرآن الصوت الحسن في مقابل ترجيع الغناء، وهو الذى يحبه الله تعالى وورد به ترغيب اكيد، وهو الذى حكى عن رسول الله صلى الله عليه وآله (1) انه قال: لم تعط امتى اقل من ثلث: الجمال والصوت الحسن والحفظ، فان الغناء ليس من اعطاء الله تعالى ابتداء بل لابد فيه من التعلم، والظاهر من الرواية انه كالجمال والحفظ. ومما ذكرناه يظهر الجواب عن مرسلة الصدوق (2) قال: سئل رجل على بن الحسين عن شراء جارية لها صوت فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة يعنى بقرائة القرآن والزهد والفضائل التى ليست بغناء فاما الغناء فمحظور، فان التفسير لو كان للامام عليه السلام فهى شاهدة جمع بين الاخبار كبعض ما تقدم وان كان من الصدوق كما هو الاقرب، فالصوت في الرواية محمول على الصوت الحسن فتصير كساير الروايات، واما الحمل على الغناء بدعوى ان الصوت قديراد به الغناء كما فسره به بعض اللغويين، وفى المنجد الصوت معروف، كل ضرب من الغناء، و فسره به في رواية دعائم الاسلام المتقدمة: بعيد عن الصوات سيما مع تنكيره، فان الظاهر منه ان لها صوتا حسنا لا انها تعلم بعض المقامات الموسيقية وبحورها، بل الظاهر ان هذا الاصطلاح على فرض ثبوته متأخر عن زمن السجاد عليه السلام ولعله صار مصطلحا في عصر الرشيد. ثم انه يظهر من المحقق في كتاب الشهادات (3) استثناء الحداء من الغناء حكما وهو المحكى عن العلامة في القواعد (4) والشهيد في الدروس (5) والخراساني (6) بل عنه دعوى الشهرة عليه، وفى شرح الفقيه للمجلسي


(1) نقله في مفتاح الكرامة - في القسم الرابع من المتاجر المحظورة فيما نص الشارع على تحريمه. (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 - من ابواب ما يكتسب به - مرسلة معتمدة (3) الشرايع - كتاب الشهادات - في المسألة الخامسة من الصفة الرابعة من صفات الشهود. (4) و (5) و (6) راجع مفتاح الكرامة - في القسم الرابع من المتاجر المحظورة فيما نص الشارع على تحريمه في الغناء.

[ 229 ]

الاول (1) ان ظاهر اكثر الاصحاب استثناء الحداء وفى الرياض (2) المستند (3) اشتهر استثنائه لكن تأمل صاحب مفتاح الكرامة (4) في الشهرة وجزم في الجواهر بعدمها (5) و احتمل تحققها على الخلاف، ولعله لاطلاق الاصحاب وعدم استثنائهم ذلك ما عدى المحقق ومن عرفت ممن هو بعده، والانصاف عدم ثبوت الشهرة المعتمدة في طرفي القضية. وقد يستدل على الاستثناء أو يؤيده بما روى انه صلى الله عليه وآله (6) قال لعبدالله بن رواحة: حرك بالنوق فاندفع يرتجز وكان عبد الله جيد الحداء وكان مع الرجال وكان انجشة (7) مع النساء فلما سمعه تبعه فقال صلى الله عليه وآله لانجشة: رويدك رفقا بالقوارير يعنى النساء. (وفيه) مضافا إلى ضعف السند، ان الظاهر منها ان ابن رواحة ارتجز لتحريك النوق والانشاد ببحر الرجز يخالف الغناء، ولا يحصل به الخفة والطرب الخاص بالغناء بل يحصل منه التهيج الخاص بالحرب ونحوه، فيمكن ان يقال: فيها اشعار بعدم جواز الحداء والتغنى للابل، فان تركه والاخذ بالرجز مع مناسبة الاول للسوق مشعر بممنوعيته، واما قوله: وكان عبد الله جيد الحداء: اخبار من الراوى، ولا يدل على


(1) كتاب الحج - باب الحداء والشعر في السفر. (2) في النوع الخامس من الفصل الاول مما يكتسب به في الاعمال المحرمة. (3) في الفصل الثاني فيما يحرم التكسب به من المقصد الثالث في جواز الحداء من كتاب مطلق الكسب والاقتناء - ص 343. (4) في القسم الرابع من المتاجر المحظورة فيما نص الشارع على تحريمه - في الغناء. (5) في النوع الرابع فيما هو محرم في نفسه مما يكتسب به في حرمة تكسب المغنيات (6) نقله في مفتاح الكرامة والجواهر في ذيل كلمات الفقهاء في المقام وهو ضعيفة. (7) انجشة مولى للنبى صلى الله عليه وآله (قاموس)

[ 230 ]

حدوه بالتغنى. نعم في محكي مناقب محمد بن على بن شهر آشوب (1) قال: وكان حادى بعض نسوته صلى الله عليه وآله خادمه انجشة فقال لانجشة ارفق بالقوارير وفى رواية لا تكسر القوارير، (وفيه) مضافا إلى ان الظاهر ان صدره من كلام ابن شهر آشوب لا رواية عن المعصوم: ان المظنون انه نقل بالمعنى حسب اجتهاده من قطعة من الرواية المتقدمة مع ان في معنى الحادى كلاما يأتي عن قريب. واستدل عليه بموثقة السكوني باسناده (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: زاد المسافر الحداء والشعر ما كان منه ليس فيه خنا، واسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وفى شرح الفقيه للمجلسي (3) والفقيه المطبوع في عصرنا سنة 1376 (4) وفى الوافى (5) الخنا، وكذا في مجمع البحرين في كلمة حدا، وفسره بالفحش قال: وفى بعض النسخ جفا، وذكر الحديث في مادة جفا ايضا، فالمظنون ان يكون الصحيح الخنا بمعنى الفحش لكن جعل في نسخة الوسائل الجفا في المتن والخنا فوق السطر مع علامة النسخة، وقال: في نسخة ليس فيه حنان ثم قال: و الحنان من معانيه الطرب (انتهى) لكن لم ارشاهدا على ما ذكره (نعم) الحنين من حن يحن جاء بمعنى الطرب وهو غير الحنان. ثم ان الرواية موثقة لا اشكال فيها سندا فان اسمعيل بن ابى زياد السكوني كثير الرواية ومتقنها، وعن الشيخ في مواضع من كتبه ان الامامية مجمعة


(1) المستدرك - كتاب الحج الباب 27 - من ابواب آداب السفر إلى الحج وغيره (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 37 - من ابواب آداب السفر إلى الحج وغيره (3) كتاب الحج - باب الحداء والشعر في السفر - ص 96. (4) كتاب الحج - باب الحداء والشعر في السفر - ج 3 - ب 79 (5) كتاب الحج - باب 37 - حقوق صحبة السفر وآداب المسافر من ابواب آداب السفر واصناف الحج.

[ 231 ]

على العمل بروايته وقد صرح المحقق في محكى المسائل العزية بانه من الثقات، والاجماع على العمل برواياته اجماع على العمل بروايات الحسين بن يزيدا لنوفلي فان رواية السكوني من غير طريقه نادرة جدا، فيكون المنصرف من رواياته ما هي بطريقه مع انه ايضا ممدوح بل حسن، انما الاشكال في دلالتها، منشأه الشك في معنى الحداء هل هو بمعنى سوق الابل مطلقا بأية وسيلة كان كما هو ظاهر القاموس قال: حدا الابل وبها حدوا وحداء وحداء: زجرها وساقها، بناء على ان ساقها معنى آخر له مقابل زجرها، أو سوقها بمطلق الصوت الاعم من الغناء كما يظهر منه في كلمة (دى دى) قال: ما كان للناس حداء فضرب اعرابي غلامه وعض اصابعه فمشى وهو يقول (دى دى) اراد يايدى فسارت الابل على صوته فقال له: الزمه وخلع عليه فهذا اصل الحداء (انتهى) (تأمل)، أو مشترك بين سوق الابل مطلقا والتغني لها كما هو محتمل الصحاح والمنجد ومجمع البحرين، ففى الاول الحدو سوق الابل والغناء لها، و قريب منه في تالييه أو هو سوق الابل بالغناء كما هو محتمل عبارة الصحاح وبعده و ظاهر الوافى والمسالك وشرح الفقيه للمجلسي والرياض والمستند ومجمع البرهان وغيرها ففى الاول هو سوق الابل بالترنم (1) وفى المسالك سوق الابل بالغناء لها (2) ونحوه غيره والظاهر منهم تفسيره مطلقا لا ما هو موضوع الحكم الشرعي أو مورد استثناء الفقهاء أو هو مباين للغناء كما هو صريح مفتاح الكرامة (3) تمسكا بشهادة العرف وكانه مال إليه في الجواهر (4) فان كان عبارة عن التغني للابل فتكون الرواية


(1) كتاب الحج - باب 37 - حقوق صحبة السفر وآداب المسافر من ابواب آداب السفر واصناف الحج. (2) في النوع الرابع من القسم الاول مما يكتسب به فيما هو محرم في نفسه في تفسير الغناء (3) في القسم الرابع من المتاجر المحظورة فيما نص الشارع على تحريمه في الغناء. (4) في النوع الرابع في ما هو محرم في نفسه مما يكتسب به في حرمة تكسب المغنيات.

[ 232 ]

اخص مطلقا من ادلة التحريم ولا مانع من تقييدها لها سواء في ذلك النسخ المختلفة، لان كونه مطربا من لوازم الغناء، فلا يرجع إليه القيد ولو كان الحنان بمعني الطرب. الا ان يقال: المأخوذ في الغناء هو المطربية الاقتضائية والمراد بالحنان هو بالمطربية الفعلية، لكنه مع بعده يفيد استثناء الغناء الا إذا اثر الطرب فعلا، وكذا لو كان احد معنييه التغني لها والاخر السوق بغير صوت، واما لو كان اعم من التغني بمعنى كونه اما مطلق سوق الابل بصوت أو غيره بالتغنى أو لا أو بمعنى سوقها بمطلق الصوت: فتفسير الرواية اعم من وجه من روايات التحريم فيأتى فيها ما تقدم من الكلام، وعلى فرض عمل المعارضة تقدم عليها روايات التحريم بوجوه، مضافا إلى انه على فرض الاعمية تصير مجملة لاحتمال رجوع القيد المجمل إليه وان لا يبعد ظهوره في الرجوع إلى الشعر لتأخره وكون الضمير مفردا وعدم احتمال رجوعه إلى المتقدم فقط وكيف كان فالمتحصل مما ذكر عدم استثناء الحداء من الغناء. نعم لا شبهة في استثناء زف العرائس منه في الجملة، لرواية ابى بصير المحكية بطرق عديدة صحيحة ومعتمدة. ففى صحيحته (1) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اجر المغنية التى تزف العرائس ليس به بأس وليست بالتى يدخل عليها الرجال وليس في سندها من يتأمل فيه غير ابى بصير وهو يحيى بن ابى القاسم بقرينة على بن ابى حمزة في روايته الاخرى، فان الظاهر ان الروايات الثلث عنه رواية واحدة، وهو ثقة على الاظهر فالاشكال على سندها ضعيف. واضعف منه الاشكال على دلالتها، ضرورة ان حلية الاجر ملازمة عرفا لحلية العمل، وفى روايته الاخرى المعتمدة (2) قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن كسب المغنيات فقال: التى يدخل عليها الرجال حرام، والذى تدعى الا الاعراس ليس به بأس، و هو قول الله عزوجل: ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله وفي روايته الثالثة الضعيفة بحكم الخياط (3) عنه عليه السلام قال: المغنية التى تزف العرائس


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 15 - من ابواب ما يكتسب به. (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 15 من ابواب ما يكتسب به.

[ 233 ]

لا بأس بكسبها. فالحكم في الجملة ثابت لا اشكال فيه. (ودعوى) ان تحريم الغناء بالادلة المتواترة وفيها ما لاتقبل التخصيص كما تقدم بل لعل قبحه عقلي لكونه موجبا للفجور والفسوق، فلا يمكن تخصيصها سيما بتلك الرواية الواحدة التى يمكن الخدشة في سندها ودلالتها (غير وجيهة) لمنع ابائها عن التقييد، ومجرد انطباق عنوان الباطل والزور عليه لا يوجب ذلك سيما في زف الاعراس الذى يناسب نحو ذلك وليس حرمته اشد من الربا، ولا لسان ادلته اشد واغلظ من ادلته وهى مخصصة بموارد كالربا بين الوالد والولد والزوج والزوجة وغيرهما وليس ملازما للدخول في المحرمات والفجور والفسوق بل لا يتفق في مجالس النساء الا نادرا، ولو فرض في مورد سببية له لا يحكم بالجواز لعدم اطلاق في دليل التجويز من هذه الحيثية. نعم الظاهر اختصاص الجواز بالمغنية لا المغنى وبمجلس العرس المختص بالنساء لا غير، بل الاحوط الاتقصار بزف العرائس لا غير، لانه مقتضى الرواية الاولى والثالثة، واما الثانية وان كان مفادها اعم لكن الظاهر عدم كونها رواية مستقلة مع ان مفهوم غيرها اخص من منطوقها فيقيد به، والظاهر من التقييد بزف العرائس في مثل المقام الاحتراز عن غيره فالاحوط الاقتصار عليه، بل لا يخلو من قوة، لكن لا بذلك التضييق بل لا يبعد الجواز في مقدمات الزف ومؤخراته المتداولة. نعم لا يستثني المجالس الاخر المستقلة في ايام الاعراس على الاحوط الاقوى، كما ان الاحوط الاقتصار على خصوص حضور النساء وعدم التغني واخذ الاجر مع حضور الرجال، وان كانت الروايات مشعرة بان المراد بقوله ليست يدخل عليها الرجال المجالس المعهودة التى تغنت المغنيات للرجال مقابل مجالس الاعراس، لكن لا يكفي الاشعار لتقييد الروايات، لاحتمال ان يكون المنع لمطلق دخول الأجنبي لكون صوتها بنحو التغني عورة، وان لم نقل: بان كلامها كذلك، بل الاحوط عدم دخول المحرم ايضا لان اسماع الغناء واستماعه محرم، ولو كان الاسماع لمحرم وانما الخارج زف الاعراس مع عدم دخول الرجال ومع وجود الرجال ولو المحارم

[ 234 ]

يكون التغني حراما وكذا اخذ الاجر عليه. الا ان يقال ان زف الاعراس إلى بيت الازواج وتجويز الغناء لذلك ملازم لسماع الاجانب فضلا عن بعض المحارم، فالتجويز للزف ملازم لتجويز الاسماع، لكن مقدار الملازمة هو الاسماع الاتفاقي للعابر ونحوه ولا يلزم منه جوازه للداخل لتلك الغابة، أو يقال: ان الرواية منصرفة عن المحارم وهو ليس ببعيد وان كان الاحوط ما ذكر، كما ان الاحوط عدم جاز اخذ الاجر للتغني المتحد خارجا مع محرم كالتغني بالكذب والفحش (نعم) لا بأس باخذ الاجر للغناء وان اقترنت معه المحرمات الخارجية، كما لو كان مقترنا بآلات اللهو وان كانت المغنية ضاربة لها مع تغنيها يجوز اخذه في مقابل تغنيها لا العمل المحرم المقارن له. تنبيه بناء على ما ذكرناه في موضوع الغناء من اعتبار الحسن الذاتي والرقة في الصوت في الجملة: لا يدخل فيه ساير الاصوات اللهوية كالتصنيفات المصطلحة بالالحان المعهودة عند اهل المعاصي والفساق، فلا تكفى الادلة الدالة على حرمة الغناء بعنوانه لاثباتها لها لعدم صدقه عليها، بل لا تكون موجبة للخفة المعهودة المعتبرة في الغناء وان يحصل به السرور ونحوه، ولا تصح دعوى الغاء الخصوصية عرفا كما هو ظاهر. نعم يمكن دعوى اندراجها في قول الزور ولهو الحديث بضميمة الاخبار المفسرة لهما بالغناء بان يقال ان الظاهر من الروايات المفسرة ان الغناء مندرج تحت عنوانهما واحتمال الالحاق الحكمى أو الموضوعي الراجع إلى الحكمى نتيجة بعيد جدا، بل فاسد مخالف للروايات كقوله: قول الزور الغناء (1) وقوله في جواب السؤال عن قول الزور: الغناء (2) وكقوله: الغناء مما قال الله عزوجل: ومن الناس من يشترى (الخ (3) واوضح منها قوله: الغناء مما اوعد الله عليه النار وتلا هذه الآية ومن الناس (الخ) (4) إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة في اندراجه في مفادها، ولا شك في عدم اندراج عنوانه بما هو فيه.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 235 ]

وقد مر ان الاقرب في وجه الاندراج ان يقال: ان اضافة القول إلى الزور تارة تكون باعتبار بطلان مقوله، واخرى باعتبار بطلان كيفية الصوت أو الصوت بالكيفية الباطلة، ولو لا قرينية الروايات لكانت الآية وكذا الآية الاخرى ظاهرة في الاعتبار الاول، لكن بعد قيام القرينة يكون مفادها اعم فيكون معنى الآية والعلم عنده تعالى يجب الاجتناب عن قول هو زور بمقوله أو بعارضه الذى هو صوت باطل، فاندراج الغناء فيه من قبيل اندراج مصاديق العناوين فيها، فالحكم متعلق بالصوت الزور والصوت اللهوى فيندرج فيه ساير الاصوات اللهوية، ويؤيده ما ارسل في مجمع البحرين (1) قال: وروى انه يدخل في الزور الغناء وساير الاقوال الملهية الا ان يناقش فيه بان غاية ما تدل الروايات اندراج الغناء في الآية، ولم يظهر منها كيفيته ولايكون الاندراج بالنحو المذكور للظهور المستند إلى الكلام ولو بمؤنة الاخباز، لعدم قرينيتها لكيفية الاندراج، فيمكن ان يكون ذلك بنحو من الكناية أو غيرها من انحاء الدلالات الخفية التى لا يعلمها الا المخاطب بالكتاب العزيز واهل بيته الخاص به وبالجملة لم يظهر من الروايات ان اندراج الغناء في الآيتين بعنوان اللهو من حيث الصوت حتى يشمل ساير الاصوات اللهوية والحاصل انه ليس نحو الاندراج بما تقدم الا مظنونا بالظن الخارجي الغير الحجة، لا المستند إلى الظهور ولو بقرينة، ولم يقم دليل على نحو الاندراج. ويمكن الاستدلال على حرمتها بما دل على حرمة مطلق اللهو كما هي ظاهر جملة من الفقهاء، كما لمحكى عن المبسوط والسرائر والمعتبر والقواعد والمختلف وغيرها وان كان ظاهر جمع آخر خلافها، ففى المقنع (2) والهداية (3) والفقه الرضوي (4) ومحكى الغنية (5) عطف سفر الصيد على سفر المعصية (باو) الظاهر في مغاير تهما،


(1) في لغت (زور) (2) باب 15 - الصلوة في السفر من ابواب الصلوة. (3) باب 53 - صلوة المسافر من ابواب الصلوة. (4) باب صلوة المسافر والمريض. (5) راجع مفتاح الكرامة - كتاب الصلوة - في صلوة المسافر.

[ 236 ]

وظاهر الخلاف (1) والنهاية (2) ايضا عدم كونه محرما. قال في الاول سفر الطاعة واجبة كانت أو مندوبا إليها مثل الحج والعمرة والزيارات وما اشبه ذلك فيه التقصير بلا خلاف، والمباح عندنا يجرى مجراه في جوازه التقصير، واما اللهو فلا تقصير فيه عندنا. وكيف كان يمكن ان يستدل عليها برواية حماد بن عثمان (3) عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل،: فمن اضطر غير باغ ولاعاد، قال: الباغى باغ الصيد و العادى السارق، وليس لهما ان ياكلا الميتة إذا اضطرا إليها، هي عليهما حرام ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما ان يقصرا في الصلوة وقريب منها ما روى عن عبد العظيم الحسنى (4) في اطعمة الجواهر والمستند وفيها، والعادي: السارق و الباغى: الذى يبغى الصيد بطر أو لهوا. بتقريب ان المتفاهم عرفا من تحريم الميتة ونحوها على من خرج لسفر الصيد لدى الاضطرار حتى عند خوف الموت، سواء قلنا بعدم جواز اكله حتي يموت أو قلنا بوجوب حفظ نفسه باكل الميتة، وهى محرمة عليه ويعاقب على اكلها كالمتوسط في ارض مغصوبة على بعض المباني: ان حرمة السفر صارت موجبة لذلك، وان الترخيص لدى الاضطرار منة من المولى على عبيده، ومع حصول الاضطرار بسبب امر محرم وبسبب طغيان العبد على مولاه منعه عن ذلك التشريف، فبمناسبة الحكم والموضوع عرفا ان المنع عند الاضطرار، وهذا التضييق والتحريج انما هو لارتكاب العبد قبيحا ومحرما، ولو كان السفر مباحا رخصه الله تعالى وذهب العبد لترخيصه، فلا يناسب


(1) كتاب صلوة المسافر - مسألة 1 (2) كتاب الصلوة - في باب الصلوة في السفر. (3) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 56 - من ابواب الاطعمة المحرمة ضعيفة بمعلى بن محمد. (4) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 56 - من ابواب الاطعمة المحرمة لا يبعد حسنها.

[ 237 ]

المنع عنها عند الاضطرار لسد رمقه، يشهد له مقارنته للسارق. والظاهر ان ذكر الباغي والعادي مثال لمطلق العاصى المتجاوز الطاغى بل عنوانها اعم لكل ذلك، وان التفسير لبيان بعض المصاديق كما فسر الباغى بالخارج على الامام العادل ايضا في مرسلة البزنطى (1) عن ابى عبد الله عليه السلام وفسر العادى بالمعصية طريق المحقين، وعن تفسير الامام (2) بالقوال بالباطل في نبوة من ليس بنبى وامامة من ليس بامام، وعن تفسير العياشي (3) الباغى الظالم والعادي الغاصب، ويشهد له ان الاية الكريمة نزلت في البقرة (168) والانعام (146) والنحل (116) بمضمون واحد، وفى المائدة (4) فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم. ومن نظر في الايات الاربع لا يشك في انها بصدد بيان حكم واحد ويكون المراد من قوله: غير باغ ولاعاد هو المراد من قوله: غير متجانف لاثم، أي غير متمائل له، وتكون الآى الاولى بصدد تفصيل ما اجمل في الاخيرة أو ذكر مصاديقها والظاهر من مجموعها ان الترخيص بما انه للامتنان مقصور على من لم يكن اضطراره بسبب البغى و التمايل إلى الاثم، والخارج على الامام عليه السلام اضطره إليه تمايله إلى الاثم المنتهى إلى تحققه والخارج إلى التصيد كذلك، وحمل قوله: غير متجانف لاثم على الميل إلى اكل الميتة واستحلالها، وحمل الحال على المؤكدة بعيد عن ظاهر الكلام وعن ظاهر ساير الآيات الموافقة لها في الحكم، فتحصل مما ذكرناه حرمة الخروج إلى الصيد. فيضم إلى ذلك ما دلت على ان التقصير في سفر الصيد لكونه مسير باطل وكونه لهوا


(1) الوسائل - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 56 - من ابواب الاطعمة المحرمة - مرسلة معتمدة. (2) و (3) المستدرك - كتاب الاطعمة والاشربة - الباب 40 - من ابواب الاطعمة المحرمة.

[ 238 ]

كرواية ابن بكير المعتمدة أو الصحيحة (1) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتصيد اليوم واليومين والثلثة أيقصر الصلوة قال: لا، الا ان يشيع الرجل اخاء في الدين فان التصيد مسير باطل لا تقصر الصلوة فيه، وموثقة زرارة (2) عن ابى جعفر عليه السلام قال: سألته عمن يخرج عن اهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزه الليل و الليلتين والثلثة هل يقصر من صلوته ام لا قال: انما خرج في لهو لا يقصر. الحديث فينتج ان اللهو والباطل محرم، وبالجملة يستفاد من رواية حماد بن عثمان المفسرة للاية حرمة سفر الصيد بالتقريب المتقدم ومن الروايات المعللة لعدم التقصير بان التصيد مسير باطل وانه خرج لللهو ان اللهو محرم. لكن اثبات حرمة سفره برواية حماد مشكل لضعفها بمعلى بن محمد، فانه مضطرب الحديث والمذهب بنص النجاشي والعلامة ويعرف حديثه وينكر عن ابن الغضائري، وقول النجاشي: كتبه قريبة، لا يوجب الاعتماد عليها، ومجرد كونه شيخ الاجازة لا يكفي في الاعتماد، إذ لا دليل مقنع عليه مع عدم ثبوت كونه شيخا، مضافا إلى امكان المناقشة في بعض ما تقدم من استفادة الحرمة من الايات وامكان ارجاع ساير الايات إلى الاخيرة. وحملها على الاحتمال المتقدم كما حملها عليه المفسرون بل في الجواهر (3) الاتفاق ظاهرا على تفسير المتجانف للاثم: بالميل إلى اكل الميتة استحلالا أي اقترافا بالذنب، وغير ذلك كامكان المناقشة في استفادة حرمة مطلق اللهو بنحو قوله: انه مسير باطل، أو انه خرج للهو لاحتمال دخالة خصوصيات سفر الصيد اللهوى في الحكم كالخروج مع البزاة والصقورة ونحوهما، فالغاء الخصوصية: مشكل (تأمل)، فاثبات حرمة اللهو مطلقا بما ذكر مشكل أو ممنوع. ويمكن الاستدلال عليها بوجه آخر وهو اثبات كون اللهو باطلا اما باندراجه


(1) و (2) الوسائل - كتاب الصلوة - الباب 9 - من ابواب صلوة المسافر. (3) في لواحق الاطعمة والاشربة - في المسألة التاسعة - في المضطر وكيفية الاستباحة

[ 239 ]

فيه أو مساوقته له، فيجعل صغرى لكبري حرمة كل باطل، فينتج حرمة مطلق اللهو، اما الصغرى فتدل عليها رواية عبد الله بن المغيرة (1) رفعها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث: كل لهو المؤمن باطل الا في ثلث: في تأديبه الفرس، و رميه عن قوسه، وملاعبته امرأته فانهن حق، والمستفاد منها مضافا إلى ان كل لهو باطل ما عدى الثلث: ان امثال المستثنى مما لها غاية عقلائية داخلة في اللهو، وان اللهو الحق منحصر في الثلث. وموثقة عبد الاعلى (2) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الغناء وقلت: انهم يزعمون ان رسول الله صلى الله عليه وآله رخص في ان يقال: جئناكم جئناكم حيونا حيونا نحييكم فقال: كذبوا ان الله يقول وما خلقنا السموات (الخ). بتقريب ان ابا عبد الله عليه السلام استدل على بطلان زعمهم بالآيات الكريمة، ولا يتم الاستدلال الا باندراج الغناء في اللهو اندراج اللهو في الباطل الذى ازهقه الله بالحق ودمغه فلو كان اللهو مرخصا فيه وكان حقا، أو كان على قسمين منها ما رخص فيه لم ينتج المطلوب فلابد في تمامية الاستدلال ان يكون كل غناء لهوا وكل لهو باطلا لينتج ان كل غناء باطل، ثم جعل النتيجة صغرى لكبري هي كل باطل مزهق مدموغ ممنوع فينتج كل غناء ممنوع بحكم الله تعالى فانتج منه: انه كيف رخص رسول الله صلى الله عليه وآله ما منعه تعالى. فتحصل منه مساوقة اللهو للباطل، أو اندراجه فيه كما ظهرت كيفية دلالتها على حرمة الباطل ايضا. ورواية محمد بن ابى عباد (3) وكان مستهترا بالسماع ويشرب النبيذ قال: سألت الرضا عليه السلام عن السماع فقال: لاهل الحجاز فيه راى وهو في حيز الباطل واللهو اما سمعت الله يقول: وإذا مروا باللغو مروا كراما. وظاهرها ان السماع منطبق عليه العناوين الثلثة وان لم يظهر منها مساوقة العناوين، (نعم) لا تخلو


(1) الوسائل - كتاب السبق والرماية - الباب 1 - مرفوعة ومجهولة بعمران بن موسى (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به - مجهولة بحسين بن احمد وغيره.

[ 240 ]

من اشعار على مساوقة الباطل واللهو كما تشعر بها الروايات المتقدمة التى في بعضها ان التصيد مسير باطل، وفى بعضها انما خرج في لهو: والعمدة في الباب موثقة عبد الاعلى، واما الكبرى فتدل عليها الموثقة بالتقريب المتقدم. وصحيحة الريان بن الصلت (1) قال: سألت الرضا عليه السلام يوما بخراسان وقلت: ان العباسي ذكر عنك: انك ترخص في الغناء فقال: كذب الزنديق ما هكذا قلت له. سألني عن الغناء فقلت: ان رجلا اتى ابا جعفر عليه السلام فسأله عن الغناء فقال: يا فلان إذا ميز الله بين الحق والباطل فاين يكون الغناء قال: مع الباطل فقال: قد حكمت وقد تقدم وجه دلالتها على حرمة الغناء ويدل ذيلها على ان حرمة الباطل كانت مفروغا عنها، وانما الزم أبو جعفر عليه السلام الرجل السائل بان الغناء من الباطل فيكون حراما، إذ لا شبهة في ان الرجل كان سؤاله عن جواز الغناء وعدمه، فان جوازه كان معروفا عند العامة كما تقدم فصار موجبا للشبهة، فأجاب بعدمه مستدلا بانه باطل. تدل عليها ايضا جملة من الروايات الدالة على ان الشطرنج وغيره من الباطل. كموثقة زرارة (2) عن ابى عبد الله عليه السلام انه سأل عن الشطرنج وعن لعبة شبيب التى يقال لها لعبة الامير وعن لعبة الثلث فقال: ارأيتك إذا ميز الله بين الحق و الباطل مع ايهما تكون؟ قال: مع الباطل قال: فلا خير فيه. ولا ريب في ان قوله: فلا خير فيه يراد به الحرمة لقيام الضرورة على حرمة الشطرنج والقمار باقسامه. ومرسلة يعقوب بن يزيد (3) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: الشطرنج من الباطل ونحوها غيرها وظاهر تلك الطايفة ان الباطل معلوم الحرمة ولذا كان في مقام بيان حرمة المذكورات اكتفى باندراجها فيه كما تقدم في رواية الريان من قوله قد حكمت لكن يمكن المناقشة فيما تقدم بان يقال: ان الاستشهاد بالآيات لا يكون من قبيل الاستدلال المنطقي والاستنتاج من صغرى وكبرى في مقابل الخصم الغير المعتقد بامامته، للزوم كون الاستدلال حينئذ بالظاهر المتفاهم عرفا حتى يجاب به الخصم


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به. (2) و (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 102 - من ابواب ما يكتسب به.

[ 241 ]

ولا ريب في ان الظاهر من الآية الاولى المستشهد بها في الرواية: انه تعالى لم يخلق شيئا لعبا بل لغاية بما يليق بذاته المقدسة. ومن الثانية انه تعالى لم يتخذ اللهو، وقد فسر بالمرأة والولد والصاحب، و لو يراد اعم منها يكون المعنى انه لم يتخذ مطلق اللهو، وبمناسبة السابقة انه تعالى غير لاه كما انه غير لاعب. ومن الثالثة انه تعالى مضافا إلى تنزهه عما ذكر يجعل الحق غالبا وقاهرا على الباطل باقامة البينة عليه كما فسرت بها، ومن يكون كذلك لا يكون لاهيا، وهو وجه المناسبة بينهما. وفى تفسير البرهان عن يونس بن عبد الرحمن رفعه (1) قال: قال أبو عبد الله (ع): ليس من باطل يقوم بازاء الحق الاغلب الحق الباطل وذلك قوله تعالى: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. ولا يبعد ان تكون الرواية غير مرفوعة، لان يونس لاقى ابا عبد الله عليه السلام وان قال النجاشي: ان لم يرو عنه وان لاقاه، لكن مع ورود ما هو ظاهر في روايته عنه (ع) لا حجة على كونها مرفوعة، ولعل النجاشي لم يطلع على روايته عنه لندرتها، كما ان ظاهر النجاشي انه رأى ابا عبد الله عليه السلام مرة واحدة بين الصفا والمروة مع انه في رواية العبيدي (2) سمعت يونس بن عبد الرحمن يقول: رأيت ابا عبد الله عليه السلام يصلى في الروضة بين القبر والمنبر ولم يمكننى ان اسأله عن شئ، ولا دلالة فيها ايضا انه لم يرو عنه مطلقا، ونعم مستند النجاشي على عدم روايته قول البرقى في الرواية المتقدمة: رفعه. وفي تفسير البرهان عن ايوب بن الحر (3) قال: قال لى أبو عبد الله عليه السلام: يا ايوب ما من احد الا وقد يرد عليه الحق حتى يصدع قلبه، قبله ام تركه، وذلك قول


(1) في تفسير قوله تعالى (بل نقذف بالحق الخ) سورة الانبياء الاية 18 - (2) راجع - ج 3 - تنقيح المقال للمامقاني - في ترجمة يونس بن عبد الرحمن مولى على بن يقطين. (3) في تفسير قوله تعالى (بل نقذف بالحق الخ) سورة الانبياء الاية 18 -

[ 242 ]

الله عزوجل في كتابه: بل نقذف (الخ)، فظهر ان الآيات الثلث اخبار عن تنزهه تعالى عن اللعب واللهو وانه تعالى يقذف الحق والحجج الدالة عليه على الباطل فيد مغه، فلا يستفاد منها بحسب ظاهرها حرمة الغنا ولا اللهو والباطل، مضافا إلى ان اللعب واللهو والباطل عناوين مختلفة لعل بينها عموما من وجه ومعه لا يمكن الاستنتاج القياسي كما لا يخفى، وعليه يمكن ان يكون الاستشهاد لمجرد مناسبة بين تنزيه الله تعالى عن عمل اللهو والباطل وتنزيه رسول الله صلى الله عليه وآله عن ترخيص الغناء، فلا يصح الاستدلال بها على حرمة مطلق اللهو. نعم فيها اشعار على عدم ترخيصه مطلقه، أو ان الغناء غير مرخص فيه لكونه لهوا، لكنه ليس بحيث يمكن الاستناد إليه على حرمة مطلقة، لاحتمال ان يراد بها ان الذى يبطل الباطل لا يرخص الغناء وما هو بمنزلته، وليس كل لهو وباطل كذلك واما رواية ابن المغيرة (1) الدالة على ان كل لهو المؤمن باطل (الخ) فهى مع الغض عن سندها من ادل الدليل على ان مطلق الباطل ليس بحرام، لانها دلت بواسطة استثناء المذكورات ان ما يترتب عليها الاغراض العقلائية كتأديب الفرس: لهو باطل ما سوى الثلثة، والضرورة قائمة بعدم حرمة امثالها. ثم انه لابد من حملها على ان كل لهو المؤمن باطل حكما، والا فماله غاية عقلائية ليس بباطل موضوعا، ولا يمكن الحكم بالحرمة لما عرفت فيكشف منها ان الباطل منه ما يكون محرما، ومنه غير محرم بل مكروه، واما ما ذكرناه من دلالة الروايات على مفروغية حرمة الباطل ولهذا استشهد لحرمة الشطرنج و غيره من انحاء القمار والغناء بكونها باطلا فبعد فرض التسليم لابد من حملها على معهودية حرمة قسم خاص من الباطل، والا فمطلقه لم يكن معهودا حرمتها بل كثير منه معهود حليته بلا شبهة، مضافا إلى احتمال ان تكون الروايات الواردة في ان الشطرنج والسدر ونحوهما باطل: اشار إلى انسلاكها في قوله تعالى: لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل، كما يشعر به قوله: لاخير فيه، وتشهد به جملة


(1) الوسائل - كتاب السبق والرماية - الباب 1.

[ 243 ]

من الروايات المفسرة للاية الكريمة بالقمار. كصحيحة زياد بن عيسى الحذاء (1) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قوله عز وجل: ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل، فقال: كانت قريش يقامر الرجل باهله لو ماله فنها هم الله عزوجل عن ذلك، وفى رواية اخرى عنه عليه السلام (2) يعنى بذلك القمار، وقريب منها غيرها وبالجملة لا دلالة في تلك الروايات على حرمة مطلق الباطل أو اللهو بل تدل اما على حرمة اكل المال به، أو على حرمة نوع خاص. ثم لو فرض قيام الدليل على حرمة الباطل، لكن كون الغناء والاصوات اللهوية منه عرفا محل اشكال، لان الباطل بمعنى الفساد الذى لا يترتب عليه الاثر، والذى لا مصرف له، والذى لا غرض فيه، وشئ منها لا ينطبق على الغناء ونحوه مما هو متعلق الاغراض العقلائية، ولولا منع الشارع الاقدس لما عد نحوه في الباطل والهزل واللغو فالاستدلال على حرمته بحرمة تلك العناوين على فرض ثبوتها: غير وجيه و استدل على حرمة مطلق اللهو بجملة من الروايات: منها رواية سماعة (3) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما مات آدم عليه السلام شمت به ابليس وقابيل فاجتمعا في الارض فجعل ابليس وقابيل المعازف والملاهي شماتة بآدم عليه السلام فكل ما كان في الارض من هذا الضرب الذى يتلذذ به الناس فانما هو من ذلك. ولا يخفى ما فيه فان قوله: من هذا الضرب اشارة إلى المعازف والملاهي فكأنه ضروب الملاهي والمعازف التى يتلذذ بها الناس من ذلك، والملاهي جمع الملهاة، فلا تدل على حرمة مطلق اللهو ولا الغناء. ومنها ما عن المجالس للحسن بن محمد الطوسى بسند ضعيف (4) عن ابى


(1) و (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 100 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بعبدالله بن قاسم. (4) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 100 - من ابواب ما يكتسب به - ضعيفة بعبدالله بن على لانه مشترك وفى سندها أبو الصلت وهو لم يوثق.

[ 244 ]

الحسن على بن موسى (ع) عن آبائه عن على عليه السلام قال: كل ما الهى عن ذكر الله فهو من الميسر، وفيه مضافا إلى بعد ان يراد بالكلية جميع صنوف الملهيات و الحاقها بالميسر حكما، لان الالحاق الحكمى بلسان الالحاق الموضوعي غير مناسب للبلاغة ومجرد اشتراكها في الالهاء لا يصحح الدعوى، فلا يبعد ان يكون المراد بالكلية صنوف المقامرة كما ورد كل ما قومر عليه فهو ميسر (1) ان المراد بالملهى عن ذكر الله ليس الغفلة عن التوجه إليه تعالى بالضرورة، فلا يبعد ان يكون المراد به ما يوجب الغفلة عنه تعالى بحيث لا يبالي بالدخول في المعاصي كما هو شأن المقامرات واستعمال الملاهي، أو كان المراد غفلة خاصة تحتاج إلى البيان من قبل الله تعالى. وبهذا يظهر الكلام في رواية اعمش (2) عن جعفر بن محمد عليه السلام في حديث شرايع الدين حيث عد فيها من جملة الكبائر الملاهي وقال: والملاهي التى تصد عن ذكر الله عزوجل مكروهة كالغناء وضرب الاوتار، وقوله: مكروهة يراد بها التحريم أو تكون بالنصب، ويكون المراد انها تصد عن ذكر الله كرها واستلزاما بلا ارادة من الفاعل (تأمل) وذلك لان التمثيل بالغناء وضرب الاوتار لافادة سنخ ما يكون صادا عن ذكر الله تعالى. فان ضرب الاوتار والغنى ونحوه توجب في النفس حالة غفلة عن الله تعالى واحكامه، ويكون الاشتغال بها موجبا للوقوع في المعاصي كما ورد في الغناء، انه رقية الزنا (3) وفى البربط، من ضرب في بيته اربعين صباحا سلط الله عليه شيطانا إلى ان قال نزع منه الحياء ولم يبال ما قال ولا ما قيل فيه (4) وفى رواية (5) فلا يغار بعدها حتى تؤتى نسائه فلا يغار وقال الله تعالى: (6) انما يريد الشيطان


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 35 - 104 - من ابواب ما يكتسب به. (2) الوسائل - كتاب الجهاد - اباب 46 - من ابواب جهاد النفس ضعيفة باعمش وغيره. (3) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 78 - من ابواب ما يكتسب به. (4) المستدرك - كتاب التجارة - الباب 79 - من ابواب ما يكتسب به. (5) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 100 - من ابواب ما يكتسب به. (6) سورة المائدة - الاية 92.

[ 245 ]

ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة، فلا دلالة فيها على حرمة مطلق اللهو. ومنها رواية الفضل بن شاذان المروية عن العيون وهي حسنة أو صحيحة ببعض طرقها، (1) وفيها في عد الكبائر، والاشتغال بالملاهى، (وفيه) ان الظاهر منها آلات اللهو لا مطلق الملهيات إلى غير ذلك مما هي دونها في الدلالة، فتحصل من جميع ذلك عدم قيام دليل على حرمة مطلق اللهو ولا على مطلق الاصوات اللهوية. نعم الاحوط الاجتناب عن بعض صنوف الاصوات اللهوية كالتصانيف الرائجة بالحان اهل الفسوق، لاحتمال مساواتها مع الغناء في دخولها في الباطل الذى ورد فيه: إذا ميز الله بين الحق والباطل فاين يكون الغناء في صحيحة الريان بن الصلت (2) واحتمال الغاء الخصوصية من الغناء والحاقها به ودخولها في التى تصد عن ذكر الله والهت عنه، وان كان للمناقشة فيها مجال والله العالم بالحال المسألة الثالثة الغيبة حرام بالادلة الاربعة والظاهر انها من الكبائر، و يمكن الاستدلال على كونها كبيرة بقوله تعالى: ولا يغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان يأكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه (3) بناء على ان ذيل الآية الكريمة تنبيه على تجسم على المغتاب في الآخرة بصورة اكل لحم ميتة اخيه، وهو ايعاد بالعذاب كما تدل على اصل تجسمها الآيات والاخبار الكثيرة. وفى المورد بعض الروايات: مثل ما عن النبي صلى الله عليه وآله (4): انه نظر في النار ليلة الاسراء فإذا " بقوم ياكلون الجيف فقال يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين ياكلون لحم الناس، وتشعر به أو تدل عليه ما عن جامع الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله (5) اجتنبوا الغيبة فانها ادام كلاب النار وبناء على انه تعرف الكبيرة بايعاد الله العذاب عليها ولو لم يكن ايعادا بالنار صريحا


(1) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس (2) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 99 - من ابواب ما يكتسب به. (3) سورة الحجرات - الاية 12. (4) و (5) المستدرك - كتاب الحج - الباب 132 - من ابواب احكام العشرة.

[ 246 ]

كما يظهر من صحيحة عبد العظيم الحسنى (ع) المفصلة التى فيها كثير من الكبائر، (1) أو كان المراد من ذيلها التنزيل الحكمى بمعنى ان الغيبة بمنزلة اكل لحم ميتة الاخ في الحكم بناء على ان اكل الميتة من الكبائر كما تدل عليه حسنة الفضل بن شاذان (2) عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون، وفيها عدا كل الميتة من الكبائر، ومعلوم ان ميتة الآدمى اما داخلة في اطلاقها، أو اكلها اعظم من ميتة غيرها، ويدل على هذا الاحتمال بعض الروايات: مثل ما عن تفسير الامام العسكري عليه السلام (3) اعلموا ان غيبتكم لاخيكم المؤمن من شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله اعظم في التحريم من الميتة قال الله عزوجل: و لا يغتب بعضكم بعضا (الخ). والظاهر ان قوله اعظم في التحريم من الميتة مبنى على ما قلناه: من اعظمية حرمة ميتة الانسان سيما الاخ من غيرها في ارتكاز المتشرعة، وان امكنت المناقشة في الاستدلال بالاية على كونها كبيرة بل على اصل تحريمها، بان من المحتمل ان يكون المراد بذيلها تنظير الغيبة والتفكه باعراض الناس باكل لحم ميتة الاخ في تنفر الطباع السليمة عنه وانتقاض اعراضهم كاكل لحومهم، فيكون ارشادا إلى حكم العقل، فلا تدل على التحريم فضلا عن كونها كبيرة، وتدل على هذا الاحتمال أي كونه تنظيرا وتشبيها موضوعا جملة من الروايات: كما في مجمع البيان (4) في شأن نزول الآية قال: نزلت في رجلين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله اغتابا رفيقهما وهو سلمان واسامة إلى ان قال: فقال لهما: مالى ارى خضرة اللحم في افواهكما قالا: يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما قال: ظللتم تأكلون لحم سلمان واسامة.


(1) الوسائل - كتاب الجهاد الباب 46 - من ابواب جهاد النفس. (2) الوسائل كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس. (3) المستدرك - كتاب الحج - الباب 32 - من ابواب احكام العشرة. (4) في تفسير قوله تعالى (ولا يغتب بعضكم بعضا الخ) سورة الحجرات الاية 12 -

[ 247 ]

وعن جامع الاخبار (1) قال صلى الله عليه وآله كذب من زعم انه ولد من حلال وهو ياكل لحوم الناس بالغيبة. وعن القطب الراوندي (2) مر رسول الله صلى الله عليه وآله بناس من اصحابه فقال لهم: تخللوا فقالوا: ما اكلنا لحما فقال: بلى مربكم فلان فوقعتم فيه. وعن العيون (3) ومعانى الاخبار (4) باسناده عن الرضا عليه السلام عن ابيه عن الصادق عليه السلام قال: ان الله يبغض البيت اللحم إلى ان قال: انما البيت اللحم البيت الذى تؤكل فيه لحوم الناس بالغيبة. ولا يبعد ان يكون الاحتمال الاخير اقرب إلى فهم العرف وان كان انكار دلالتها على اصل التحريم مكابرة، فدلالتها على الحرمة غير قابلة للانكار لظهورها وسياقها وعدم فهم مجرد الارشاد منها. نعم لاتدل على كونها كبيرة لما قلناه من اقربية الاحتمال الاخير، ولا اقل في عدم ظهورها في احد الاولين. ويمكن الاستدلال على كونها كبيرة بقوله تعالى. ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم (5) اما بدعوى ان الغيبة ملازمة لحب شيوعها (تأمل) أو بدعوى ان المراد من حب شيوعها ولو بملاحظة ورود الآية في ذيل قضية الافك: هو نفس اشاعتها أو يقال: ان حب شيوعها إذا كان كذلك فنفس الاشاعة اولى به، وبدعوى ان المراد بتشييع الفاحشة اظهارها وافشائها، واحتمال ان يكون المراد به حب شيوع نفس الفاحشة والمعصية بين المسلمين: بعيد عن ظاهر اللفظ وسياق الآية وان كان الاستدلال بنفس الآية للمدعى لا يخلو من تكلف وتعسف فالاولى الاستدلال بها بضميمة بعض الروايات. كمرسلة ابن ابى عمير (6) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من قال في مؤمن ما رأته


(1) و (2) المستدرك - كتاب الحج - الباب 132 - من ابواب احكام العشرة. (3) و (4) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (5) سورة النور - الاية 19 - (6) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة.

[ 248 ]

عيناه وسمعته اذناه فهو من اللذين قال الله عزوجل: ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم ومرسلاته بحكم الصحاح لكن في محكى امالي الصدوق روايتها عن ابن ابى عمير عن محمد بن حمران عنه عليه السلام وهو اما النهدي الثقة وهو الاقرب بناء على ان ابن ابى عمير لا يرسل الا عن ثقة والظاهر انها عين المرسلة أو من آل اعين وهو حسن لو لم يكن ثقة باعتبار عده ابن ابى عمير في محكى الامالى بسند صحيح من مشايخه مع ابان بن عثمان وهشام بن سالم، بل يمكن الاستشهاد على وثاقته بارسال ابن ابى عمير عنه على هذا الاحتمال، لكن يحتمل ان يكون ارساله عن هشام كما في الرواية الآتية ولا بأس به بعد وثاقة هشام، وكيف كان فالرواية صحيحة دالة على ان مطلق الغيبة داخل في الآية الكريمة فتدل على ان المراد بالآية ليس الحبب فقط ولا الشياع بمعناه المعروف، بل مطلق الاظهار وكشف الستر ولو كان المراد به الالحاق الحكمى بلسان الالحاق الموضوعي كما سنشير إليه في استماع الغيبة فلا يضربا لاستدلال على المطلوب. وكما في تفسير البرهان عن تفسير على بن ابراهيم (1) قال: حدثنى ابى عن ابن ابي عمير عن هشام عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من قال في مؤمن: ما رأت عيناه و سمعت اذناه كان من الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم في الدنيا والآخرة. وفي مجمع البحرين (2) وروى فيما صح عن هشام عن ابي عبد الله عليه السلام، وعليه فلا شبهة في كونها من الكبائر ولو فسرت بما أو عد الله تعالى عليه النار. ويمكن الاستدلال على كونها كبيرة بالاخبار الكثيرة البالغة حد التواتر اجمالا المشتملة على الايعاد على النار والعذاب من رسول الله صلى الله عليه وآله والائمة الطاهرين (3) بناء على ان ايعادهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما دلت عليه الروايات بل هو


(1) في تفسير قوله تعالى (ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة الخ) سورة النور - الاية 19 - (2) في لغة (شيع) (3) راجع المصادر المذكورة سابقا.

[ 249 ]

من الواضحات، وبناء على ان ايعاد رسول الله صلى الله عليه وآله بالعذاب والنار يكشف عن كون المعصية كبيرة كما يظهر من صحيحة عبد العظيم الحسنى (1) حيث استدل أبو عبد الله عليه السلام فيها على كون ترك الصلوة متعمدا كبيرة بقول رسول الله صلى الله عليه وآله: من ترك الصلوة متعمدا من غير علة فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله، فالخدشة في كونها كبيرة في غير محلها. وما في رواية ضعيفة عن جابر (2) قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في مسير فأتى على قبرين يعذب صاحبهما فقال: انهما لا يعذبان في كبيرة اما احدهما فكان يغتاب الناس (الخ): غير صالحة لمعارضة ما تقدم، كما ان ما عن الصدوق وغيره بل عن الاصحاب كما في مجمع البيان وعن الحلى (3) ان الذنوب كلها كبيرة وانما الصغر والكبر بالاضافة كانه في غير محله، لمخالفته للاعتبار والعقل والكتاب و الروايات بل ما نسب إلى الاصحاب غير ثابت. نعم للكبائر مراتب كما تشهد به الكتاب والسنة والعقل، وليس المقام محل تحقيق المسألة والعهدة على محله. ثم ان الظاهر اختصاص الحرمة بغيبة المؤمن فيجوز اغتياب المخالف الا ان تقتضي التقية أو غيرها لزوم الكف عنها، وذلك لا لما اصر عليه المحدث البحراني (4) بانهم كفار ومشركون اغترارا بظواهر الاخبار وقد استقصينا البحث معه في كتاب الطهارة عند القول بنجاسة المخالف وقلنا: ان الاسلام ليس الا الشهادة بان لا اله الا الله وان محمدا ئسول الله صلى الله عليه وآله،


(1) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 46 - من ابواب جهاد النفس. (2) المستدرك - كتاب الحج - الباب 132 - من ابواب احكام العشرة. (3) راجع - مجمع البيان في تفسير قوله تعالى (ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه الخ) سورة النساء - الاية 31. (4) الحدائق - كتاب التجارة - المسألة السادسة من المقام الثالث (في ان المخالف يجوز غيبته لانه ليس بمؤمن).

[ 250 ]

وذكرنا الوجه في الاخبار الكثيرة الدالة على انهم كفار أو مشركون، بل لقصور ادلة حرمة الغيبة عن اثباتها بالنسبة إليهم، اما مثل الآيتين المتقدمتين فلان الحكم فيهما معلق على المؤمنين والخطاب متوجه إليهم. وتوهم ان اختلاف الايمان والاسلام اصطلاح حادث في عصر الائمة عليهم السلام دون زمان نزول الآية الكريمة: فاسد جدا. اما اولا فلان الائمة لا يقولون بما لا يقول به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله كما هو من اصول المذهب، وتدل عليه الروايات فلا يكون الايمان عند الله ورسوله صلى الله عليه وآله غير ما عند الائمة (ع). واما ثانيا فلان الايمان كان قبل نصب رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام للولاية عبارة عن التصديق بالله ورسوله، ولم يكن قبل نصبه أو قبل وفاته على احتمال مورد التكليف الناس ومن الاركان المتوقف على الاعتقاد بها الايمان، لعدم الموضوع له، واما بعد نصبه أو بعد وفاته صلى الله عليه وآله صارت الولاية والامامة من اركانه، فقوله تعالى: انما المؤمنون اخوة (1) هو جعل الاخوة بين المؤمنين الواقعيين غاية الامر ان في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله كان غير المنافق مؤمنا واقعا لايمانه بالله ورسوله صلى الله عليه وآله، وبعد ذلك كان المؤمن الواقعي من قبل الولاية وصدقها ايضا، فيكون خطاب يا ايها المؤمنون متوجها إلى المؤمنين الواقعيين وان اختلفت اركانه بحسب الازمان، من غير ان يكون الخطاب من اول الامر متوجها إلى الشيعة حتى يستبعد، سيما إذا كان المراد بالمؤمن الشيعة الامامية الاثنى عشرية. واما الاخبار فما اشتملت على المؤمن فكذلك، وما اشتملت على الاخ لا تشملهم ايضا لعدم الاخوة بيننا وبينهم بعد وجوب البرائة عنهم وعن مذهبهم وعن ائمتهم، كما تدل عليه الاخبار واقتضته اصول المذهب، وما اشتملت على المسلم فالغالب منها مشتمل على ما يوجبه ظاهرا في المؤمن، كرواية سليمان بن


(1) سورة الحجرات - الاية - 10

[ 251 ]

خالد (1) عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله المؤمن من أئتمنه المؤمنون على انفسهم واموالهم والمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه والمهاجر من هجر السيئات وترك ما حرم الله، والمؤمن حرام على المؤمن ان يظلمه أو يخذله أو يغتابه أو يدفعه دفعة. ورواية الحرث بن المغيرة (2) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المسلم اخو المسلم هو عينه ومرآته ودليله، لا يخونه ولا يخدعه ولا يظلمه ولا يكذبه ولا يغتابه. ورواية ابى ذر عن النبي صلى الله عليه وآله في وصيته له (3) وفيها قال: يا اباذر سباب المسلم فسوق، و قتاله كفر، واكل لحمه من معاصي الله، وحرمة ماله كحرمة دمه قلت: يا رسول الله وما الغيبة قال: ذكرك اخاك بما يكره. ويمكن ان يقال: ان هذه الرواية كرواية عبد الله بن سنان (4) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الغيبة ان تقول في اخيك ما قد ستره الله عليه، وغيرهما مما فسرت الغيبة حاكمة على ساير الروايات، فانها في مقام تفسيرها اعتبرت الاخوة فيها، فغيرنا ليسوا باخواننا وان كانوا مسلمين فتكون تلك الروايات مفسرة للمسلم المأخوذ في سايرها، بان حرمة الغيبة مخصوصة بمسلم له اخوة اسلامية ايمانية مع الآخر، ومنه يظهر الكلام في رواية المناهى وغيرها. والانصاف ان الناظر في الروايات لا ينبغى ان يرتاب في قصورها عن اثبات حرمة غيبتهم، بل لا ينبغى ان يرتاب في ان الظاهر من مجموعها اختصاصها بغيبة المؤمن الموالى لائمة الحق (ع) مضافا إلى انه لو سلم اطلاق بعضها وغض النظر عن تحكيم الروايات التى في مقام التحديد عليها فلا شبهة في عدم احترامهم بل هو من ضروري المذهب كما قال المحققون، بل الناظر في الاخبار الكثيرة في الابواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الائمة المعصومون، اكثروا في الطعن واللعن عليهم وذكر مسائيهم.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة الاولى ضعيفة بابى كهمس والثانية مجهولة يمثنى الخياط والثالثة مجهولة بعدة رواة تكون في سندها والرابعة مرسلة غير معتمدة.

[ 252 ]

فعن ابى حمزة (1) عن ابى جعفر عليه السلام قال: قلت له: ان بعض اصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم فقال الكف عنهم اجمل ثم قال يابا حمزة ان الناس كلهم اولاد بغاة ما خلا شيعتنا (الخ). والظاهر منها جواز الافتراء والقذف عليهم لكن الكف احسن واجمل لكنه مشكل الا في بعض الاحيان، مع ان السيرة ايضا قائمة على غيبتهم فنعم ما قال المحقق صاحب الجواهر (2) ان طول الكلام في ذلك كما فعله في الحدائق من تضييع العمر في الواضحات. ثم ان الظاهر دخول الصبى المميز المدرك للحسن والقبح المتاثر عن ذكر معايبه فيها، لاطلاق الادلة وصدق الاخ عليه، وكذا المؤمن والمسلم بعد كونه معتقدا بما اعتقد به المسلمون كما هو الغالب في المميز المسلم مع اندراجه في الموضوع لو شك في الصدق بالآية الكريمة قال تعالى: يسئلونك عن اليتامى قل: اصلاح لهم خيرو ان تخالطوهم فاخوانكم (3) مع ان الشك في غير محله والآية نزلت على طبق العرف واللغة وليس فيها تنزيل وتاويل. (نعم) الادلة منصرفة عن غير المميز وعن المجنون والله العالم. وينبغى التنبيه على امور: الاول قد عرفت الغيبة بتعاريف في كتب اللغة، والفقه وفى الاخبار، ففى الصحاح اغتابه اغتيابا إذا وقع فيه، والاسم: الغيبة، وهو ان يتكلم خلف انسان مستور بما يغمه لو سمعه، فان كان صدقا سمى غيبة، وان كان كذبا سمى بهتانا، ونحوه في مجمع البحرين، وفى القاموس وغابه: عابه، وذكر بما فيه من السوء كاغتابه، و الغيبة فعلة منه تكون حسنة أو قبيحة، وفى المنجد: غابة غيبة واغتابه اغتيابا: عابه


(1) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 73 - من ابواب جهاد النفس - ضعيفة بابى حمزة. (2) في النوع الرابع فيما هو محرم في نفسه مما يكتسب به في بيان حرمة الغيبة. (3) سورة البقرة - الاية 218 - 219

[ 253 ]

وذكره بما فيه من السوء وعن المصباح اعتابه: إذا ذكره بما يكرهه من العيوب وهو حق والاسم: الغيبة، فان كان باطلا فهو الغيبة في بهت. وعن النهاية هو ان يذكر الانسان في غيبته بسوء مما يكون فيه، وفى منتهى الارب ما ترجمته: الغيبة ذكر السوء خلف شخص وهى اسم الاغتياب ان كان صدقا، وان كان كذبا سمى بهتانا، وقريب منه في معيار اللغة، وفيه وعن بعضهم اغتابه ذكره في غيابه بما فيه من حسن أو عيب، وفى مجمع البيان الغيبة: ذكر العيب بظهر الغيب على وجه تمنع الحكمة هذه نبذة من كلمات اللغويين، فقد ترى عدم توافقها واختلافها في جهات لا داعى في الخوض فيها. وقال الشهيد الثاني في رسالته (1) واما بحسب الاصطلاح فلها تعريفان: احدهما المشهور، وهو ذكر الانسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه مما يعد نقصانا في العرف بقصد الانتقاص والذم، والثانى التنبيه على ما يكره نسبته إليه الخ (انتهى) وعن جامع المقاصد (2) ان حد الغيبة على ما في الاخبار ان يقول في اخيه: ما يكرهه لو سمعه مما فيه، وعن النراقى الاول في جامع السعادات (3) الغيبة وهى ان يذكر الغير بما يكرهه لو بلغه، وعن اربعين البهائي (4) قد عرفت الغيبة بانها التنبيه حال غيبة الانسان المعين أو بحكمه على ما يكره نسبته إليه مما هو حاصل فيه و يعد نقصانا بحسب العرف قولا، أو اشارة أو كناية. تعريضا أو تصريحا (انتهى) وفى المستند (5) هي ان يذكر الانسان من خلفه بما فيه من السوء فلو لم يكن من خلفه


(1) في مقدمة كشف الريبة - في تعريف الغيبة لغة واصطلاحا. (2) راجع مفتاح الكرامة - في القسم الرابع من المتاجر المحظورة فيما نص الشارع على تحريمه في الغيبة. (3) ج 2 - في المقام الرابع من الباب الثالث - في ذكر رذيلة الغيبة وبيان حقيقتها - من انواع الرذائل. (4) في ذيل حديث ثلثين (5) في الفصل الثاني فيما يحرم التكسب به من المقصد الثالث - في حرمة الغيبة.

[ 254 ]

لم يكن غيبة، وحكى الشيخ عن بعض من قارب عصره وهو النراقى الاول ظاهرا (1) ان الاجماع والاخبار متطابقان على ان حقيقة الغيبة ان يذكر الغير بما يكرهه لو سمعه وانت خبير بان تلك التعاريف ايضا مختلفة لا ترجع إلى امر واحد. والظاهر ان كلمات الفقهاء بل اللغويين غالبا مشوبة بمضامين الاخبار و مستفادة منها، ويشهد له ما في المجمع فانه بعد تعريفه بما في الصحاح قال: وتصديق ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله ثم حكى قوله: اتدرون ما الغيبة (الخ). فيشكل الاستناد إليها في تشخيص اللغة والعرف الساذج مع ان اختلافها بما ترى يمنع عن الاستناد إلى شئ منها، فالاولى عطف النظر إلى ما يستفاد من ادلة الباب من تشخيص القيود المعتبرة في الموضوع المورد لتعلق الحرمة عليه، أو ما يمكن الاستناد إليه من فهم العرف والعقلاء في مفهومها. ولا شبهة في ان بعض القيود المأخوذة في الاخبار شرعية كاعتبار الاخوة الايمانية بين المغتابين كما هو المذكور في جميع الروايات التى بصدد بيان حدها وحقيقتها، وتحتمل شرعية بعض آخر ايضا كاعتبار تحقق العيب فيه مقابل البهتان، فان الظاهر عدم اعتباره في معناه اللغوى والعرفي كما هو ظاهر كلام المصباح حيث قال: وان كان باطلا فهو الغيبة في بهت، وظاهر كلام الطبرسي المتقدم، والتعريف المحكى عن الشهيد الذى نسبه إلى المشهور، وكذا تعريفه الآخر، والظاهر منه حصر معنى الغيبة لدى الفقهاء بهما، وان عدم هذا القيد مفروغ عنه لديهم بل لدى غيرهم: وظاهر معقد الاجماع المتقدم، وظاهر عنوان الوسائل حيث قال: باب تحريم اغتياب المؤمن ولو كان صدقا (2) بل لعله ظاهر جملة من كلمات اللغوى مثل الجوهرى والطريحي فان قوله والاسم الغيبة وهو ان يتكلم خلف انسان مستور بما يغمه لو سمعه: ظاهر في كونه بصدد بيان ماهية الغيبة، فبعد بيان ماهيتها بذلك وبقوله قبله اغتابه اغتيابا: إذا وقع فيه قسمها إلى قسمين قسم يقال له الغيبة، وقسم يقال


(1) في المسألة الرابعة عشر - من النوع الرابع - في حرمة الغيبة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة.

[ 255 ]

له البهتان، فالمقسم غيبة، والقسم كذلك، فالغيبة على ما هو ظاهر كلامه وكلام من عبر بمثله لها معنى عام مشترك بين البهتان والغيبة بالمعنى الخاص فيرجع كلامهم إلى كلام صاحب المصباح الذى كالصريح في ذلك بل يمكن الاستظهار من كلام الجماعة ان هذا التقسيم للغيبة امر حادث اصطلاحي فلو نوقش في الظهور فلا اقل من الاحتمال القريب وما ذكرناه محتمل القاموس ايضا حيث كان من دأبه ذكر المعاني المتعددة لشئ متعاقبا فقوله: غابه عابه وذكره بما فيه، لا يبعد ان يكون من قبيل تعداد المعاني لا العطف التفسيرى نعم ظاهر المنجد ان العطف تفسيرى لعدم جعل علامة التعداد بينهما، و ما ذكرناه هو الظاهر من شأن نزول لا يغتب بعضكم بعضا (الخ) على ما في مجمع البيان (1) قال: وقوله: لا يغتب بعضكم بعضا نزل في رجلين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله اغتابا رفيقهما وهو سلمان واسامة بعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليأتي لهما بطعام، فبعثه إلى اسامة بن زيد خازن رسول الله صلى الله عليه وآله على رحله فقال: ما عندي شئ، فعاد اليهما فقالا: بخل اسامة وقالا لسلمان: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغارمائها ثم انطلقا يتجسسان عند اسامة ما امر لهما به رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهما: مالى ارى خضرة اللحم في افواهكما قالا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما تناولنا يومنا هذا لحما قال: ظللتم تأكلون لحم سلمان و اسامة فنزلت الآية (انتهى) ومعلوم ان سلمان واسامة لم يكونا على ما وصفاهما، فقد نزلت الآية حسب هذا النقل في مورد التهمة. وظاهر الطبرسي الجزم بكون النزول لذلك، ولا يخلو هذا النحو من الارسال من مثله من نحو اعتبار، وهو مقتضى اطلاق صحيحة هشام (2) ومرسلة ابن ابى عمير (3) عن ابى عبد الله عليه السلام من قال في مؤمن: ما رأته عيناه وسمعته اذناه فهو من الذين قال الله (الخ) فان اطلاق ما سمعته اذناه يشمل غير الموافق للواقع، كما ان الآية الكريمة واردة في قضية الافك ومربوطة بها، فراجع الكتاب العزيز وان كان اطلاقها يشمل البهت وغيره، وهو الظاهر من بعض الروايات، مثل ما عن المجالس بسنده (4) عن


(1) في تفسير قوله تعالى (لا يغتب بعضكم بعضا الخ) سورة الحجرات - الاية 12. (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة - الثالثة ضعيفة بعلقمة بن محمد.

[ 256 ]

ابي عبد الله عليه السلام وفيها: ولقد حدثنى ابى عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من اغتاب مؤمنا بما فيه، لم يجمع الله بينهما في الجنة ابدا، ومن اغتاب مؤمنا بما ليس فيه فقد انقطعت العصمة بينهما وكان المغتاب في النار خالدا فيها وبئس المصير. ورواية داود بن سرحان (1) التى لا يبعد الاعتماد عليها قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الغيبة قال: هو ان تقول لاخيك في دينه ما لم يفعل وتبث عليه امرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد بناء على ان المراد من صدرها ان تنسب إليه ما لم يفعل مما كان مقتضى الديانة تركه، كان يقول: ظلم فلان، مع انه لم يفعل ذلك كما هو ظاهره، والرواية المحكية عن جامع الاخبار عن سعيد بن جبير (2) وفيها من اغتاب مؤمنا بما فيه ثم ساق، كما في رواية المجالس المتقدمة آنفا، وعن مكارم الاخلاق (3) في رواية قلت: يا رسول الله وما الغيبة قال: ذكرك اخاك بما يكره و عن سنن البيهقى (4) عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: اتدرون ما الغيبة قالوا: الله ورسوله اعلم قال: ذكرك اخاك بما يكره فان مقتضى كونه في مقام التحديدان يكون مطلق ذكر الاخ بالمكروه غيبة كان فيه ام لا. نعم هنا روايات لعلها صارت منشأ توهم اعتبار هذا القيد حتى عند بعض اهل اللغة: منها رواية مجالس الشيخ (5) واخباره عن ابى ذر في وصية له، وفيها يا اباذر سباب المسلم فسوق ان ان قال: قلت: يا رسول الله وما الغيبة قال ذكرك اخاك بما يكره قلت: يا رسول الله فان كان فيه الذى يذكر به قال: اعلم انك إذا ذكرته بما فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته. بدعوى ان مقتضى المقابلة بينهما


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة - عدم بعد الاعتماد لمعلى بن محمد. (2) المستدرك - كتاب الحج - الباب 132 - من ابواب احكام العشرة - مرسلة (3) ص 263 - (4) في ج 10 - ص 247. (5) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة.

[ 257 ]

ان يكونا عنوانين متباينين. (وفيه) ان مقتضى جوابه عن السؤال عن ماهية الغيبة بانها ذكرك اخاك بما يكره في مقام التحديد: ان ماهيتها عبارة عما ذكر، كان فيه ام لا، وكان سكوته عن ذكر القيد دليلا على عدم دخالته فيها، وكان عند ابى ذر ايضا مفروغا عنه ان ذكره بما ليس فيه غيبة، وانما سئل عن القسم الآخر هل هو غيبة اولا، وهو شاهد على ان ذكر ما لا يكون فيه داخل فيها عرفا بل يكون دخوله اظهر ولم يحتج إلى السؤال فحينئذ لا يبقى ظهور لذيلها في مقابلها تقابل التباين لو سلم ظهوره في نفسه بل الظاهر من الصدر والذيل ان ماهية الغيبة مطلق ذكر السوء وإذا لم يكن فيه يكون معذلك بهتانا فيرجع إلى قول صاحب المصباح، فان كان باطلا فهو الغيبة في بهت. وان شئت قلت: ان ظهور التحديد في الاطلاق اقوى من ظهور التقابل في كونه على نحو التباين مع انه ليس بظهور بل اشعار لولا الاحتفاف بما ذكر. ومنها رواية عبد الرحمن بن سيابة (1) والسند إليه صحيح وهو لا يخلو من مدح و حسن قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: الغيبة ان تقول في اخيك: ما ستره الله عليه واما الامر الظاهر مثل الحدة والعجلة فلا، والبهتان ان تقول فيه: ما ليس فيه. (وفيه) مضافا إلى احتمال ان تكون هي عين روايته الاخرى (2) عنه عليه السلام قال: ان من الغيبة تقول في اخيك: ما ستره الله عليه، وان من البهتان ان تقول في اخيك: ما ليس فيه، الظاهرة في ان التعريف لقسم منهما ولهما قسم أو اقسام اخر فتشعر أو تدل على اعميتها: ان الظاهر منها انه بصددبيان امر آخر وهو اعتبار كون ما يكره مما ستره الله عليه مقابل الامر الظاهر كالحدة، لابصدد بيان ماهية الغيبة مطلقا، ومعه لا يستفاد منها اعتبار كونه فيه، وذكر البهتان بما ذكر لا يدل على مقابلتهما بنحو التباين بل يصح ذلك ولو لاشتماله على زيادة هي الافتراء. بل التحقيق ان بين عنواني الغيبة والبهتان عموما من وجه، فان الغيبة عرفا


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة.

[ 258 ]

ذكر السوء خلف المغتاب، كان فيه ام لا، والبهتان الافتراء عليه، كان حاضرا " ام غائبا، فلا تقابل بينهما بالتباين ويصح التقابل بينهما لما ذكر، فلا تدل الروايات على ان التقابل بالتباين فلا معارضة بينها وبين ما تقدمت مما هي في مقام تحديد الغيبة كما لا يخفى، وبه يدفع توهم عدم امكان تعلق حكمين وارادتين على عنواني الاخص والاعم. فانه على فرض صحته انما هو في الاخص المطلق، لا من وجه، بل ولا مطلق الاخص المطلق، بل فيما إذا اخذ عنوان الاعم في الاخص كالرقبة والرقبة المؤمنة، لافيما كانا كذلك بحسب الانطباق، وبما ذكر يظهر حال غيرها مما تشعر بذلك. كرواية منسوبة إلى يحيى الازرق (1) وهو مجهول، والرواية ضعيفة وان كان الراوى عنه ابان وهو من اصحاب الاجماع لما قررناه في محله من عدم تصحيح نقل اصحاب الاجماع من بعدهم (نعم) رجحنا العمل بخصوص مرسلات ابن ابيعمير دون غيره ودون مسنداته. قال: قال لى أبو الحسن عليه السلام: من ذكر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقدبهته. ورواية ابن سنان (2) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الغيبة ان تقول في اخيك: ما ستره الله عليه واما إذا قلت: ما ليس فيه فذلك قول الله عزوجل: فقد احتمل بهتانا واثما مبينا، بل مرسلة الحسين بن سعيد (3) عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال: من قال في مؤمن: ما ليس فيه حبسه الله في طينة خبال حتى يخرج مما قال فيه وقال: انما الغيبة ان تقول في اخيك: ما هو فيه مما ستره الله عزوجل فإذا قلت فيه: ما ليس فيه فذلك قول الله عزوجل في كتابه: فقد احتمل بهتانا واثما مبينا. فانها مع ارسالها محمولة ولو جمعا بينها وبين ما في مقام التحديد على ما هو صرف غيبته بلا انطباق عنوان آخر عليه، واما إذا لم يكن فيه فمشمول معذلك لقوله تعالى: احتمل


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (3) المستدر ك - كتاب الحج - الباب 133 - من ابواب احكام العشرة.

[ 259 ]

بهتانا، مضافا إلى احتمال ان يكون فيها بصدد بيان قسم من الغيبة وهو الذى ستره الله عليه وكان فيه، لابصدد بيان ماهيتها الكلية. فالاظهر عدم اعتبار هذا القيد في عنوان الغيبة، فلو كان لعنوانها اثر خاص يترتب على من اغتاب مؤمنا بما ليس فيه كما لو قلنا: بوجوب الاستحلال منه أو الاستغفار له. والظاهر ان اعتبار كراهة المغتاب كما هو ظاهر جملة من كتب اللغة كالصحاح والمصباح ومعيار اللغة ومجمع البحرين وجملة من تعاريف الفقهاء كالتعريفين المتقدمين عن رسالة الشهيد الثاني والمحكى عن اربعين البهائي وعن جامع المقاصد قائلا: ان حقيقة الغيبة على ما في الاخبار ان تقول في اخيك: ما يكرهه مما هو فيه والاجماع المنقول المتقدم الذى حكاه شيخنا الانصاري عن بعض من قارب عصره ولعله اول النراقيين ايضا: من تخلل الاجتهاد. ودعوى دلالة الروايات عليه كما صرح به المحقق الثاني في عبارته المتقدمة وادعى الشيخ الانصاري (1) دلالة جملة من الاخبار عليه قال: وعلى هذا التعريف دلت جملة من الاخبار مثل قوله وقد سأله أبو ذر عن الغيبة انها ذكرك اخاك بما يكرهه، وفى نبوى آخر قال: اتدرون ما الغيبة قالوا: الله ورسوله اعلم قال: ذكرك اخاك بما يكرهه (انتهى). والاقوى عدم اعتباره في ماهية الغيبة كما هو ظاهر القاموس، ونهاية ابن اثير، ومنتهى الارب، والمنجد، ومجمع البيان، وعن بعض اهل اللغة، وهو صريح النراقى في المستند، لافى مفهومها العرفي وهو واضح لصدقها على ذكر السوء و لو لم يكرهه صاحبه ولهذا يقال: انه غير كاره لاغتيابه أو راض به من غير تأول، ولا بحسب الاخبار فان مقتضى اطلاقها عدم اعتباره. كرواية داود بن سرحان (2) وروايتي عبد الرحمن بن سيابة (3) ورواية يحيى الازرق (4)


(1) في المسألة الرابعة عشر - من النوع الرابع - في حرمة الغيبة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة. (3) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - 154 - من ابواب احكام العشرة. (4) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة.

[ 260 ]

وعبد الله بن سنان (1) المتقدمات، وغيرها مما في الوسائل (2) والمستدرك (3) بل ومرسلة ابن ابيعمير (4) وصحيحة هشام (5) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: من قال في مؤمن: ما رأته عيناه وسمعته اذناه فهو من الذين قال الله: ان الذين (الخ) بل ورواية عقاب الاعمال (6) وفيها: ومن مشى في عيب اخيه وكشف عورته كانت اول خطوة خطاها وضعها في جهنم، وكشف الله عورته على رؤس الخلائق. فان الظاهر ان المراد بما ذكر فيهما هو الغيبة لاعنوان آخر غيرها كما تمسك بهما الفقهاء في حرمتها، واما النبويان المتقدمان في كلام الشيخ، فالنسخ التى عندنا من الوسائل (7) والوافى (8) والمستند (9) حاكيين عن مكارم الاخلاق، وفى مجمع البحرين (10) وكشف الريبة (11) للشهيد قائلا: وقد جاء على المشهور قول النبي صلى الله عليه وآله فساق الحديث، والمحكى عن جامع السعادات للنراقي (12) وعن سنن البيهقى (13) (ذكرك اخاك بما يكره) لا بما يكرهه، كما في نقل الشيخ.


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (2) كتاب الحج - الباب 152 و 154 - من ابواب احكام العشرة. (3) كتاب الحج - الباب 132 و 133 - من ابواب احكام العشرة. (4) و (5) و (6) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (7) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (8) الباب 14 - من ابواب مواعظ رسول الله صلى الله عليه وآله ج 14 ص 56 - في وصايا النبي لابي ذرومواعظه. (9) في الفصل الثاني فيما يحرم التكسب به من المقصد الثالث - في حرمة الغيبة. (10) في لغة (غيب) (11) في المقدمة - في تعريف الغيبة لغة واصطلاحا. (12) في المقام الرابع من الباب الثالث - في ذكر رذيله الغيبة وبيان حقيقتها من انواع الرذائل - ج 2 -. (13) ج 10 - ص 247.

[ 261 ]

ولعله رواهما عن الجواهر (1) وهو من غلط النسخة أو سهو قلمه الشريف والنسخة الصحيحة ما نقلناه، والمظنون ان يكون لفظة يكره على صيغة المجهول فتساوق مع ما في منتهى الارب على ما تقدم، ولو قيل باحتمال كونها على صيغة المعلوم محذوفا مفعولها قلنا مع بعده في الجملة: ان غاية الامر تكون مجملة لا تصلح لتقييد المطلقات المتقدمة. واحتمال انصراف الادلة عما إذا رضى المغتاب أو لم يكرهه سيما ان ترك الغيبة من حقوق الاخوة ومع عدم الكراهة أو الرضا بها يكون بمنزلة الاسقاط (في غاية اوهن والضعف) ضرورة ان افشاء ما ستره الله تعالى على عباده من نحو المعاصي والقبائح والاعراض لا يجوز حتى على الفاعل أو الموصوف إذا اوجب هتكه وهتك عرضه فضلا عن غيره، وهو ليس من الحقوق التى جاز اسقاطها، وليس كل ما سمى حقا بين الاخوين جائز الاسقاط، فان عدم الخيانة ايضا " عد من الحقوق، ولعل الشارع لا يرضى بكشف ستر المؤمن مطلقا، رضى به ام لا. وفى الحديث: صونوا اعراضكم (2) وظني ورود ما دلت على عدم جواز هتك المؤمن عرضه، وان عرضه ليس بيده، وفي الحديث ليس ان يذل نفسه وان الله تبارك وتعالى فوض إلى المؤمن كل شئ الا اذلال نفسه (3) (تأمل) وبالجملة دعوى الانصراف لاوجه لها. وقلة الوجود لا توجب الانصراف بل المناسبات تقتضي قوة الاطلاق والانصاف ان رفع اليد عن اطلاق الآيات والروايات والتشديدات والاهتمامات الواردة في حرمة غيبة المؤمن واذاعة سره وهتكه وتعييبه وغير ذلك: غير ممكن فالاظهر الاقوى عدم اعتبار هذا القيد، وليس الكلام هيهنا في المتجاهر والمتهتك الذى لا يبالي بما قيل أو يقال فيه.


(1) في النوع الرابع فيما هو محرم في نفسه مما يكتسب به - في بيان حرمة الغيبة. (2) راجع مجمع البحرين - في لغة (عرض). (3) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 13 - من ابواب الامر والنهى و المستدرك - الباب 11 -

[ 262 ]

ثم على ما ذكرناه من عدم اعتبار كراهته يسقط البحث عن ان المراد بكراهته كراهة وجوده أو كراهة ظهوره أو كراهة ذكره، وان المراد بالموصول هل هو نفس النقيصة أو الكلام الذى يذكر الشخص به إلى آخر ما قاله الشيخ الانصاري (1) فانها مبنية علي ثبوت الرواية بنحو ما نقلها، أو ترجيح احتمال البناء للفاعل وكلاهما غير سديد، اما الاول فقد تقدم. واما الثاني فالارجح بالنظر البناء للمفعول فتكون الرواية مطابقة لسائر الادلة المستدل بها لحرمة الغيبة، ولو نوقش فيه فلا ترجيح للاحتمال الاخر فتكون مجملة كما تقدم. ثم ان قيد مستورية العيب ايضا ليس من قيود موضوعها عرفا ولغة كما تشهد به جميع الكلمات المتقدمة من اللغويين، والتعاريف المتقدمة من الفقهاء فانه ليس في واحد منها ذكر عن اعتباره. نعم ربما يقال بظهور كلام صاحب الصحاح والمجمع في اعتبار ه حيث قالا: و هو ان يتكلم خلف انسان مستور بما يغمه لو سمعه فانه ظاهر في التكلم بشئ مستور. وانت خبيربما فيه، فان المراد بالانسان المستور هو العفيف قال في الصحاح: ورجل مستور وستير أي عفيف والجارية ستيرة وفى القاموس: الستير: العفيف كالمستور ونحوهما في المنجد، والظاهر ان هذا القيد في تعريف الصحاح والمجمع مأخوذ من الرواية المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وآله: من القى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له (2) رواها في المستدرك عن القطب الراوندي ورواها الشهيد عن النبي صلى الله عليه وآله وعن سنن البيهقى عنه صلى الله عليه وآله، وفى المستدرك عن اختصاص الشيخ المفيد عن ابى الحسن الرضا عليه السلام، فقد ظهر من كلمات اللغويين والفقهاء في مقام التحديد و التعريف عدم اعتباره في مفهوم الغيبة فحينئذ تدل الاية أو الايات والروايات باطلاقها على حرمتها في عيب مستور وغيره ولابد في استثنائه ومقدار ذلك من التماس دليل صالح لتقييدها وكان الاولى ذكره وكذا ذكر بعض ما تقدم في المستثنيات والامر سهل.


(1) في المسألة الرابعة عشر - من النوع الرابع - في حرمة الغيبة. (2) المستدرك - كتاب الحج - الباب 134 - من ابواب احكام العشرة.

[ 263 ]

ومن الروايات التى يمكن الاستدلال بها على الاستثناء رواية عبد الله بن سنان (1) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الغيبة ان تقول في اخيك: ما قد ستره الله عليه، و قريب منها رواية عبد الرحمن بن سيابة (2) ويحتمل ان يكون المراد بما ستره الله عليه ما يكون مستورا " تكوينا مقابل المكشوف تكوينا، فمثل العمى والبرص و العور وطول القامة وقصرها مكشوف ولو فرض ستره بساتر كالعمامة والقميص و نحوهما ومثل الجبن والبخل والحرص والطمع مستور ولو فرض كشفها بالآثار و الظاهر ضعف هذا الاحتمال ولو بقرينة سائر الروايات الاتية. والاقوى الاظهر ان المراد بها مستوريتها عن الناس مقابل مشكوفيتها بينهم فالبرص المستور عن اعين الناس يكون مما ستره الله تعالى عليه، والبخل المكشوف لديهم بآثاره مما كشفه الله تعالى وهو من العيب الظاهر وهذا هو الموافق لسائر الروايات، كرواية داود بن سرحان (3) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الغيبة قال هو ان تقول لاخيك في دينه ما لم يفعل وثبت عليه امرا " قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد، ورواية عبد الرحمن بن سيابة (4) حيث مثل فيها للامر الظاهر بمثل الحدة والعجلة، واوضح منهما رواية يحيى الازرق (5) قال: قال لى أبو الحسن عليه السلام: من ذكر رجلا بما فيه مما عرفه الناس لم يغتبه، ومن ذكره بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه فالميزان هو المستورية والمعروفية بين الناس. ولا يخفى ان المعروفية في مقابل عدمها ليست المعروفية بين جميع الناس، بل المراد هو المعروفية العرفية كمن كان معروفا في بلد أو طائفة وقبيلة بل عند جمع معتد به، فحينئذ يقع الكلام في ان المعروفية في بلد مثلا توجب جواز غيبته مطلقا حتى في بلد آخر ولدى اشخاص اخر كان العيب مستورا " عنهم، أو ان الجواز مقصور بغيبته لدى العارفين فإذا صار معروفا لدى الناس جازت عندهم فقط، أو ان الجواز وعدمه


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة. (3) و (4) و (5) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة - الثالثة ضعيفة بيحيى الازرق.

[ 264 ]

دائر مدار علم السامع وعدمه ولو لم يكن معروفا لدى الناس، وبعبارة اخرى المعروفية عند الناس عرفا موضوعة للجواز مطلقا، أو لدى العارفين، أو ان الموضوع للجواز معلوميته لدى المستمع فتكون الغيبة المحرمة عبارة عن كشف ستر المؤمن فمع علم السامع لم يكن ذكره كشفا لستره ومع جهله يكون كشفا ولو كان مكشوفا لدى غيره بل في بلده ولدى الناس. لعل الاقرب بنظر العرف ولو بمناسبة الحكم والموضوع هو الاخير، لصدق الستر عليه بالاضافة إلى هذا الشخص، وليس المراد بالستر الستر من جميع الناس حتى يكون الكشف عند واحد كافيا لجوازها. الا ان يقال: كما انه ليس المراد به الستر من جميع الناس كذلك ليس المراد بمثل قوله: مما ستره الله عليه، الستر عن واحد واثنين مع مكشوفيته لدى اهل بلده ففى مثله لا يصدق ان ذلك مما ستره الله عليه، كما انه ان كان مستورا " لدى الناس وقد علم به واحد أو اثنان لا يقال: ان الله تعالى كشف عيبه، فالستر والكشف وان لم يكونا هو الكشف والستر لدى جميع الناس لكنهما لدى العرف عبارة عن حصولهما بنحو معتد به بحيث يقال: انه معروف بذلك لدى الناس، فحينئذ يقال ستره الله عليه أو كشف الله ستره فلا يجوز ذكره حتى لدى العارف به الا مع معروفيته به. الا ان يقال: ان العرف ولو بمناسبات يفهم من مثل الرواية انه ليس لاحد كشف ما ستره الله على عبده، ولا ذكره، ولو لم يكن كشفا ولم يكن مستورا "، و انه تعالى نهى عن بث الفاحشة واشاعتها، واما إذا لم يكن للذكر اثر في الطرف و يكون ذكره وعدم ذكره سواء بالنسبة إلى كشف الستر والعورة فالرواية قاصرة عن اثبات حرمته، وبعبارة اخرى المفهوم منها ان العبد لابد في ذلك ان يكون تابعا لله تعالى في اصل الستر ومقداره فان ستره الله مطلقا ستره كذلك وان كشفه كشفه بمقداره، لا ازيد، لكنه مشكل بعد اطلاق الكتاب والسنة وبعد اخذ عناوين في الروايات المجوزة مما يرى العرف عناية القائل بها نحو قوله: قد ستره الله عليه

[ 265 ]

لم يقم عليه فيه حد، فان الظاهر ان المراد بعدم قيام الحد مقابل قيامه: هو بيان تحديد مقدار الانتشار، وانه إذا صار محدودا " يصير لا محالة معروفا بذلك وانتشر عيبه فلا يكون ذكره غيبة، فالظاهر منه العناية بذكر التحديد وليس قيام الحد و عدمه موضوعا كما لا يخفى، سيما مع قرينية سائر الروايات، وكذا قوله: واما الظاهر مثل الحدة والعجلة فلا: ظاهر بمؤنة المثال في ان الميزان انتشار صفته كانتشار عجلته وحدته فانهما لا يخفيان على نوع من عاشره واوضح منهما رواية الازرق التى علق فيها الحكم على معرفة الناس، فالغاء الخصوصية من تلك الروايات مشكل بل ممنوع. وملخص القول في مفادها: ان في رواية العياشي (1) بعد الجزم بعدم كون المراد مما ستره الله عليه الستر التكويني كما تقدم احتماله، وبعد معلومية ان المراد المستورية أو المكشوفية لدى الناس. احتمالات: منها ان يكون الستر المطلق موضوعا للحرمة مقابل الكشف في الجملة، فإذا كان العيب مستورا " عن الناس مطلقا يكون ذكره غيبة محرمة، وإذا لم يكن كذلك ولو بظهوره عند بعض الناس لا يكون ذكره غيبة مطلقا. ومنها مقابل ذلك وهو ان يكون الستر في الجملة موضوعا لها مقابل الكشف المطلق لا بمعنى كشفه لدى جميع الناس، بل بمعنى كشفه عند من يعرف هذا الرجل بمعنى ان كل من يعرفه يعرفه بهذا العيب، فإذا كان مستورا " عند بعض يكون ذكره غيبة. ومنها ان يكون المراد بالستر ومقابله الستر والكشف العرفي أي الستر بمقدار يقال عرفا: انه مستور عن الناس، والكشف كذلك فلا ينافى علم بعض و لاجهله، وهذا الاخير اقرب الاحتمالات بل هو المتعين بملاحظة سائر الروايات، فان رواية داود بن سرحان كالصريحة في هذا الاحتمال، ضرورة ان قبل قيام الحد كان العيب معلوما عند بعض كالقاضي والشهود بل ومأمور الاجراء، فيظهر منها


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة.

[ 266 ]

عدم الاكتفاء بهذا القدر من المعلومية، بل لابد من انتشار نحو انتشاره بجريان الحد، كما ان هذا النحو من الانتشار ليس انتشارا مطلقا ولا مقابله مستورية مطلقة وكذا الحال في سائر الروايات، وبالجملة ان الظاهر منها هو الانتشار والاستتار العرفيان. ثم المتيقن منها انه عند الانتشار والمعروفية عند الناس عرفا لا يكون غيبة عند العارفين، ويحتمل ان يكون مقتضى اطلاقها جوازها لدى غيرهم، لكنه لا يخلو من اشكال لعدم الاطلاق في مفهوم رواية عبد الله بن سنان ان قلنا: باصل المفهوم، لكونها في مقام تحديد الغيبة واما اطلاقه بالنسبة إلى العارف وغيره: فغير ظاهر، وكذا الحال في رواية عبد الرحمن بن سيابة بطريق الحسن بن محبوب، بل هي اولى بعدم المفهوم لقوله: ان من الغيبة ان تقول (لخ)، وكذا في رواية داود بن سرحان فلا اطلاق في مفاهيم هذه الروايات، ورواية الازرق مع ضعفها لا يبعد ان يقال فيها: ان الظاهر من قوله ذكر رجلا بما عرفه الناس، ذكره عندهم، كما ان المراد بالجملة الثانية ان يذكره عند غير العارفين، فاطلاقها ايضا مشكل. بقيت رواية واحدة هي رواية عبد الرحمن بن سيابة بطريق يونس (1) فمع تسليم اطلاقها وعدم القول بانصرافها إلى ذكره عند من يعرفه بذلك: لا يمكن رفع اليد عن اطلاق الآيات والروايات الكثيرة بها مع كون الراوى عن يونس بن عبد الرحمن محمد بن عيسى، وقد استثناه ابن الوليد من رجال يونس وتبعه الصدوق و ضعفه جمع، ونحن وان لم نقل بضعفه لكن العمل برواياته في خصوص مورد الاستثناء مشكل سيما في مثل المسألة، وعدم ورود توثيق ممن يعتمد على توثيقاته في عبد الرحمن بن سيابة بل رماه صاحب المدارك على ما حكى بالجهالة وان لا يخلو من مدح ما، وكيف كان يشكل تقييد الاطلاقات بمثلها فالمسألة مشكلة، والاحوط ما ذكر بل لا يخلو من قوة. نعم ما هو المتيقن من مضمون الروايات لا بأس بالعمل به.


(1) الوسائل كتاب الحج الباب 154 من ابواب احكام العشرة.

[ 267 ]

واما قصد الانتقاص فالظاهر اعتباره في مفهومها عرفا فمن ذكر عيب مريض عند الطبيب ليعالجه من غير قصد التعييب والانتقاص لا يقال: انه اغتابه في العزف، وتشهد له كلمات كثير من اللغويين كالصحاح والمجمع حيث فيهما: اغتابه اغتيابا: إذا وقع فيه فان معنى وقع فيه وقيعة: ان يذكره بسوء ففى المنجد: وقع في فلان: سبه وعابه واغتابه، وكنهاية ابن اثير ومنتهى الارب ومعيار اللغة والمنجد وصدر كلام القاموس وما في ذيله والغيبة فعلة منه تكون حسنة أو قبيحة: لا ينافي صدره، لاحتمال ان يكون مراده تقسيم الغيبة اليهما فتكون الحسنة غيبة المتجاهر بقصد المنع عن المنكر مثلا بل لا يبعد ان يكون هذا ظاهر كلامه ولعله يرجع إلى كلام الطبرسي حيث قيد ذكر العيب بقوله: بوجه تمنع الحكمة، أو ان يكون مراده ان لها معنيين احدهما تعييبه وذكره بالسوء وثانيهما ذكره بما فيه من الحسن، أو يكون مراده ان الغيبة عبارة عن تعييب غيره سواء كان التعييب بشئ قبيح أو حسن فإذا عابه بشئ ولو كان حسنا واقعا اغتابه، بل لعل الاعتبار مقتضى كلام كل من قيده بما يكرهه من حيث ملازمة الاكراه نوعا للذكر في مقام الانتقاص وعدمه نوعا في غيره كمقام التلطف والترحم ونحوهما وهو صريح التعريفين في رسالة الشهيد والمحكى عن البهائي بل مقتضى سائر التعاريف بناء على ظهور ما يكرهه في ذلك. وكيف كان المتبادر من الغيبة اعتبار هذا القيد في مفهومها فيكون جميع الادلة التى علق فيها الحكم علي عنوانها ظاهرة فيه، مضافا إلى ظهور جلها لولا كلها مع الغض عما ذكر في اعتباره، كآية تحريمها بمناسبة ذيلها فان الظاهر من اكل لحم الاخ هو ذكره على سبيل الانتقاص وهو الظاهر من جميع الروايات الواردة بهذا المضمون، كما هو الظاهر من قوله: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الامن ظلم (1) فان ذكر السوء والجهر به عبارة اخرى عن التعييب سيما مع استثناه من ظلم، و قوله تعالى: ويل لكل همزة لمزة (2) كما عن اهل اللغة والتفسير والمتفاهم منهما


(1) سورة النساء - الاية 147. (2) سورة الهمزة - الاية 1.

[ 268 ]

عرفا، وقوله: ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة (الخ) (1) وهو المتفاهم من جل الروايات لفظا وسياقا وبمناسبات الحكم والوضوع فراجع ما وردت في حرمتها، وما وردت في وجوب ردها تجد صدق ما ذكرناه. نعم هنا بعض روايات يمكن ان يكون منشأ توهم عدم اعتباره: منها رواية الفضيل (2) عن ابى الحسن موسى عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك من اخواني يبلغني عنه الشئ الذى اكرهه الرجل فاسأله عنه فينكر ذلك، وقد اخبرني عنه قوم ثقات فقال لى يا محمد: كذب سمعك وبصرك عن اخيك فان شهد عندك خمسون قسامة فقال لك قولا فصدقه وكذبهم، ولا تذيعن عليه شيئا تشينه به و تهدم مروته فتكون من الذين قال الله: ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم في الدنيا والاخرة. بدعوى انها في صدد بيان حرمة الغيبة ومقتضى اطلاق صدرها ان مجرد ما يوجب شياع الفاحشة حرام وداخل في مفاد الاية أو يقال: ان سلم عدم كونها في مقام بيان حرمة الغيبة لكنها في مقام بيان حرمة اذاعة الفاحشة. ومقتضى اطلاق صدرها حرمة ذكر عيب الغير سواء كان بقصد الانتقاص ام لا، فيكشف من اطلاق الرواية اطلاق الآية والمعنى المراد منها وهو ان المراد باشاعتها مطلق فعل ما يوجب شياعها سيما مع ذكر الآية بنحو التفريع على الرواية والمتفرع على شئ يتبعه في الاطلاق والتقييد. مع امكان ان يقال: بقيام قرينة عقلية على التعميم وهى ان لا فائدة في التنبيه على دخول القاصد لاشاعة الفاحشة في عموم الآية، وانما يحسن التنبيه على ان قاصد السبب أي فعل ما يوجب اشاعة الفاحشة قاصد لاشاعتها بالحمل الشايع وان لم يكن قاصدا لها بالحمل الاولى، وكيف كان فمطلق ذكر عيب الغير سواء كان بقصد الانتقاص ام لا بل ولو كان بقصد الترحم والتلطف داخل في اطلاق الصدر، واطلاقه كاشف


(1) سورة النور - الاية 18 (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 157 - من ابواب احكام العشرة.

[ 269 ]

عن معنى الآية سمى غيبة ام لا. وفيه مضافا إلى ان مارمناه في المقام هو تحصيل مفهوم الغيبة عرفا أو ما يعتبر في عنوانها بدليل شرعى ليترتب عليه احكامها الخاصة، وقد علمت ان الرواية ولو مع استشهادها بالآية قاصرة عن اثبات عنوانها: ان اطلاق صدرها لما لم يقصد الانتقاص ممنوع، فان الظاهر من مجموع الرواية سيما قوله عليه السلام: ولا تذيعن عليه شيئا تشينه وتهدم مروته: ان النهى متعلق بذكر عيوبه لشينه وهدم مروته ولا اقل من ان يكون ذكره ملازما له، ومعه لا ينفك قصده عن قصد التعييب ولو بالحمل الشايع، فلا تشمل ما إذا كان قصده من ذكره عدم التعييب بل ذكره عند الطبيب لعلاجه، وعند الغنى للتحرم عليه، وعند الحاكم لدفع الظلم عنه، لعدم صدق انه شانه وهدم مروته واغتابه وعابه، وليس المراد من قصد الانتقاص قصد عنوانه ولامن حب شيوع الفاحشة في الآية حب عنوانه جزما، بل المراد حب شيوع ما هو فاحشة بالحمل الشايع وقصد الانتقاص كذلك، فلا ينبغى الاشكال في ان الظاهر من الرواية ان من ذكر عيب الغير و اذاعه وشأنه وهدم مروته: داخل في الآية كما لا شبهة في ان مفاد الآية ليس الا حرمة افشاء الفاحشة وهو الظاهر عرفا من قوله: يحب ان تشيع الفاحشة في فلان أو في الذين آمنوا، فحينئذ يكون ما في الرواية داخلا في الآية من غير تصرف فيها. واما ما افيد: من القرينة العقلية ومن تفريع الآية على الرواية وتبعيتها في الاطلاق (فغير وجيه) لان ذكر الآية انما هو لاخافة المكلف عن العذاب الاليم الموعود لمن يشيع الفاحشة في المؤمن، لا التنبيه على ان قاصد السبب قاصد للمسبب وليس ذكر الآية تفريعا على نحو سائر التفريعات حتى يقال: تتبعها في الاطلاق بل الظاهر ان ذكرها لمجرد التنبيه على ايعاد الله تعالى والتذكير بان اذاعة عيب الناس موجبة للعذاب الاليم، والانصاف ان الرواية بعيدة عن افهام ما ذكر: من الوجه العلمي والفنى. ومنها مرسلة ابن ابى عمير (1) عن ابى عبد الله عليه السلام وصحيحة هشام عنه عليه السلام قال: من قال


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة.

[ 270 ]

في مؤمن ما رأته عيناه أو سمعته اذناه فهو من الذين قال الله عزوجل ان الذين يحبون (الخ) بالتقريب المتقدم: من ان ظاهر اطلاق الصدر شموله لكل قول في مؤمن، ومن اطلاقه يكشف ان المراد بالآية معنى اعم مما هو ظاهرها أي مطلق ذكر الغير بالعيب باى قصد كان، ولا يأتي في هذه الرواية ما في الرواية المتقدمة وهو دعوى ظهورها في تعييب الناس. (وفيه) ان فيها احتمالين: (احدهما) ان يكون المراد بقوله ذلك الحاق القائل في مؤمن بالآية موضوعا كما هو ظاهر فهو من الذين قال الله (الخ)، فيدور الامر حينئذ بين التصرف في ظاهر الآية بما يشمل مطلق الذكر ولو لا لحب شيوع الفاحشة ولو بالحمل الشايع وحفظ اطلاق الرواية، وبين القول بقرينية الآية للمراد من قوله: من قال في مؤمن (الخ) بان من اغتاب مؤمنا أو من عيب مؤمنا فكذا، ولا شبهة في رجحان الثاني فانه ظهور لفظي حاف بالكلام، مانع عن الاطلاق، مع ان التصرف في الآية بما ذكر من ابعد التصرفات بل مناقض لظهورها بخلاف حمل الصدر الاغتياب والتعييب، بل لا يبعد ان يقال: ان قوله من قال في مؤمن (الخ) ظاهر في نفسه فيه فضلا عن محفوفيته بالآية. (وثانيهما) ان يراد به الالحاق الحكمى وعليه ايضا لايراد الحاق مطلق القول في مؤمن بل بمقتضى المناسبة بين الملحق والملحق به يراد الحاق اغتياب المؤمن وتعييبه به حكما، مضافا إلى ان الالحاق الحكمى خلاف ظاهر الرواية كما اشرنا إليه. ومنها الروايات الواردة في تفسير الغيبة كرواية عبد الرحمن بن سيابة (1) وداود بن سرحان (2) وعبد الله بن سنان (3) ومرسلة ابان (4)، فان مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين قصد الانتقاص وعدمه. (وفيه) ان ظاهرها انها بصدد بيان ان المستور غيبة دون غير المستور، لابصدد


(1) و (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة. (3) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (4) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة.

[ 271 ]

بيان ان المستور كذلك مطلقا، وبعبارة اخرى انها بصدد بيان حكم آخر وهو ان ما ستره الله غيبة لا ما هو امر ظاهر واما ان ما ستره الله مطلقا أو بقيد يكون كذلك فليست في مقام بيانه. وان شئت قلت: انها ليست بصدد بيان ادخال ما ليس بغيبة عرفا ولغة فيها تعبدا بل بصدد بيان اخراج قسم منها عنها فلا اطلاق لها في الجهة المنظورة، و اما ما عن النبي صلى الله عليه وآله: انها ذكرك اخاك بما يكره (1) فالظاهر منه بناء على البناء للمجهول ان الغيبة ذكر السوء، والمتفاهم منه عرفا هو تعييب الغير كما هو المتفاهم من قوله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء (2) وعلى البناء للمعلوم منصرف إلى التعييب والانتقاص، لان ذكره على غير جهته كذكره عند الطبيب ونحوه لا يكون مما يكرهه، ولو فرض نادرا كراهته فالرواية منصرفة عنه، والانصاف ان اعتبار هذا القيد آية ورواية وعرفا مما لا ينبغى ان ينكر. ثم ان الظاهر انصراف الادلة وكلمات الاصحاب واللغويين عن الذكر عند نفسه بلا مخاطب أو سامع. ودعوى اطلاقها بتقريب ان قوله في تفسير الغيبة: ذكرك اخاك بما يكره وقوله: إذا ذكرته بما فيه فقدا غتبته ونحوهما من قبيل قوله: ذكر الله حسن فكما لا يعتبر في ذكر الله ان يكون عند مخاطب كذلك في المقام، (ودعوى) ان نكتة حرمة الغيبة هي الفساد المترتب عليها من كشف ستر المؤمن وحصول العداوة بين الاحبة ونحوهما: غير ثابتة لامكان النهى عنها مضافا إلى ذلك لحفظ لسان المغتاب بالكسر وعدم اعتياده بالفحش والتعييب وتنزيه نفسه عن التفكه باعراض الناس، فلا مانع من اطلاقها. (ممنوعة) ضرورة ان المتفاهم من جميع الادلة بل وكلمات القوم هو الذكر عند الغير والقياس بذكر الله الذى بين العبد وخالقه مع الفارق ما لا يخفى، والانصاف


(1) راجع سنن البيهقى ج 10 - ص 247 - مكارم الاخلاق - ص 263 (2) سورة النساء - الاية 147 -

[ 272 ]

انه مع خلو الاذهان عن الاحتمالات العقلية والمناقشات العلمية لا ينقدح فيها من الادلة الا التعييب عند الناس، بل الظاهر اعتبار هذا القيد في مفهومها العرفي فلا يقال لمن ذكر غيره عند نفسه: اغتابه وعابه فما افاده شيخنا الانصاري (1): ان ظاهر الاكثر دخول ذكره عند نفسه في تعريف الغيبة وحكى عن بعض معاصريه التصريح به: غير ظاهر فان التعاريف المتقدمة وكلمات اللغويين منصرفة عنه بل بعضها ظاهر في عدم الدخول كما ان الادلة كذلك. نعم مع الغض عن الانصراف أو الظهور المذكور فالظاهر الدخول لما تقدم من عدم دليل على انها عبارة عن هتك ستر مستور. اما غير رواية داود بن سرحان أي روايتي ابني سنان وسيابة ورواية يحيى الازرق فلما تقدم: من ان الستر في مقابل الكشف النفسي المطلق، لكن بنظر العرف، فعليه إذا قال في اخيه: ما يكون مستورا عند الناس يكون مشمولا للموضوع المأخوذ فيها، لصدق انه قال في اخيه وذكر اخاه، فان الذكر والقول لا يتوقف صدقهما على وجود سامع ومخاطب. واما رواية داود وان اشتملت على البث وهو النشر والاذاعة الغير الصادقين على ذكره لدى نفسه فربما يقال بما انها في مقام التحديد: تدل على الحصر سيما مع ضمير الفصل وتعريف المسند إليه، لكن الظاهر انه ليس فيها العناية بعنوان البث و النشر بل العناية بعنوان ما قد ستره الله عليه ولهذا ذكر فيها مقدار الستر وهو ما لم يقم عليه حد، والا كان اللازم منه ان يكون البث والاذاعة محرما وهو لا يصدق مع الذكر عند واحد أو اثنين أو ثلاث. وتوهم انه بدليل آخر كما ترى فانها لو كانت في مقام بيان حدها بجميع جهاتها كانت حاكمة على سائر الادلة مضافا إلى انها متعرضة للافعال المحرمة بل ما تكون موجبة للحد فلو كانت في مقام التحديد من جميع الجهات كان لازمه قصرها بها و معارضتها لساير الادلة وهو (كما ترى)، مع امكان ان يقال: ان صدر الرواية


(1) في المسألة الرابعة عشر من النوع الرابع. في حرمة الغيبة.

[ 273 ]

غير مذكور فلا يعلم انه سأله ما الغيبة مثلا أو كان سؤاله بنحو لم يفهم منه القصر المدعى، ويؤيده ارجاع الضمير المذكر، فالقول الفصل هو ما تقدم: من الانصراف والظهور. فهل يعتبر فيها ان يكون المغتاب مذكورا بنحو التعيين فلا يكون ذكر احد الشخصين بنحو الابهام غيبة فضلا عن ذكر مبهم في غير محصور. والتفصيل ان المذكور بنحو الابهام كقوله: احدهما كذا أو واحد من التجار كذا، اما ان يكون معينا بحسب الواقع أو لا، وعلى الاول، اما ان يكون معلوما عند القائل أو عند المخاطب أو عندهما، أو ليس معلوما عند واحد منهما. الظاهر شمول الادلة لجميع صور المعين واقعا حتى المجهول عندهما فانه لو قال زيد كذا وكذا وكان مشتبها في غير محصور: يصدق انه ذكره اخاه بما يكره، فان صدق ذكره لا يتوقف على عدم كونه من اطراف الشبهة ولا على علم المخاطب والمتكلم به، فكما ان قوله: لعن الله قاتل زيد: لعن عليه، كان في اطراف المشتبه ام لا معلوما لدى القائل ام لا، كذلك لو ذكره بسوء ودعوى انصراف الادلة عن بعض الصور ناشئة من دعوى ان الغيبة عبارة عن هتك ستر مستور كما عليه شيخنا الانصاري، فمع عدم مقبولية الدعوى الثانية تدفع الاولى ايضا، وقد تقدم ما في الثانية. نعم لا شبهة في عدم حرمة غيبة من يكون مشتبها مطلقا أو في غير محصور عند السامع فضلا عن مجهوليته عندهما، لا لقصور الاطلاقات أو كون الغيبة بمعنى كشف الستر، بل لقيام السيرة على عدم الاجتناب عنها وورود نحوها في الاخبار و آثار الاخيار. والظاهر ان المراد بعدم الحصر ليس ما يقال في اطراف العلم الاجمالي بل الامر في المقام اوسع. واما غير المعين واقعا كما لو قال: احدهما بخيل وكانا بخيلين أو كانا غير بخيلين بناء على عدم توقف صدق الغيبة على اتصاف المغتاب بالمذكور، فهل يكون غيبة بان يقال: ان احدهما صادق على كل واحد من المعنيين بنحو ولهذا لو قال: اضرب احدهما يكون ضرب كل واحد منهما امتثالا فلو لم ينطبق عليه لما يكون كذلك، فيصدق عليه انه ذكر اخاه بما يكره لعدم الفرق بين ذكره تعيينا أو اخذ عنوان في

[ 274 ]

موضوع الكلام منطبق عليه بل يكون مغتابا لكل منهما لانطباق العنوان عليهما (تأمل) أو لا يكون غيبة لعدم ذكر هذا بعينه ولا ذاك بعينه بل اغتاب احدهما لا بعينه وهو غير مشمول للادلة. وجهان، لا يبعد ترجيح عدم الجواز في المحصور ولو بالغاء الخصوصيات والمناسبات. ثم ان هنا مشكلة وهى انه لا شبهة في شمول الادلة للاغتياب بنحو العام الاستغراقي كأن يقال: اهل بلد كذا، أو طائفة كذائية كذا، فانه ينحل إلى ذكر كل واحد من اهل البلد والطائفة، لكن ورد في روايات كثيرة في ابواب متفرقة تعييب طوائف واهل بلدان مما يكون ظاهرها الاستغراق والعموم والاطلاق. ويمكن ان يقال: انها مع ضعف كثير منها محمولة على محامل ككون النظر إلى اهل بلدان وطوائف في تلك الاعصار التى كانت اهاليها من الكفار أو المخالفين أو على امر اقتضائي كقوله في بعض الطوائف: ان لهم عرقا يدعوهم إلى غير الوفاء أو كانت الصفة ظاهرة فيهم كما ورد في طائفة انهم خلق مشوه إلى غير ذلك من المحامل. الامر الثاني فيما استثنى من الغيبة وحكى بجوازها بالمعنى الاعم، قال الشهيد في كشف الريبة (1): اعلم ان المرخص في ذكر مسائة الغير هو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصل إليه الا به فيدفع ذلك اثم الغيبة، وعن جامع المقاصد (2): ان ضابط الغيبة المحرمة كل فعل يقصد به هتك عرض المؤمن أو التفكه به أو اضحاك الناس منه، واما ما كان لغرض صحيح فلا يحرم كنصح المستشير والمتظلم وسماعه، والجرح والتعديل، ورد من ادعى نسبا ليس له، والقدح في مقالة باطلة خصوصا في الدين (انتهى). فان ارادا بما ذكرا من الضابط قصور اطلاق ادلة الغيبة عن شمول مورد يكون للمغتاب غرض صحيح، أو انصرافها عنه كما هو محتمل كلام الثاني وان كان


(1) في الفصل الثالث - في الاعذار المرخصة في الغيبة. (2) راجع المكاسب للشيخ الانصاري في المسألة الرابعة عشر من النوع الرابع.

[ 275 ]

بعيدا عن ظاهر الاول. (ففيه) منع لعدم قصور في الآية الكريمة بل سائر الآيات و كثير من الروايات فلها اطلاق من غير انصراف عن المورد المدعى، كما لا ينصرف ادلة سائر المحرمات نحو حرمت عليكم الميتة (الخ) وانما الخمر والميسر (الخ) عن موارد الصلاح. وان ارادا ان مصلحة احترام المؤمن أو مفسدة حرمة الغيبة لا تزاحم سائر المصالح مطلقا، لكون مصلحة حرمة المؤمن ومفسدة الغيبة ضعيفة لا تقاوم سائر المصالح المزاحمة كما هو ظاهر الشهيد ومحتمل جامع المقاصد (ففيه) منع كلية ذلك، لان الغيبة من كبائر الذنوب كما تقدم، وقد علم اهتمام الشارع بتركها من ادلة الباب والتعبيرات الواردة فيها وفي حرمة المؤمن، كما هو احد الطرق إلى كشف اهمية الاحكام، فلا شبهة في ان مفسدتها اهم من كثير من المصالح سواء رجعت إلى المغتاب بالفتح أو بالكسر أو غيرهما، (نعم) هو ثابت في الجملة فلابد من النظر في الموارد الخاصة. وان اراد ان الدليل قائم على استثناء مطلق موارد يكون للمغتاب فيها غرض صحيح فالظاهر فقدان ذلك بهذا العنوان العام. نعم وردت روايات وادلة في موارد خاصة لكن لا يمكن الغاء الخصوصية عنها إلى كل ذى مصلحة وملاك، مع ان عمدة ما وردت فيها الادلة المرخصة المتجاهر بالفسق والمتظلم والترخيص فيهما ليس للتزاحم وتقديم جانب المقتضى ظاهرا فلا وجه لاحتمال الغاء الخصوصية. فالاولى صرف الكلام إلى موارد الاستثناء وكذا موارد يقال أو يحتمل ان يقال بترجيح مقتضاها على مقتضى الغيبة بعد ما لم يكن في الباب ملاك كلى وضابط عام، كما يظهر من العلمين المتقدمين من دعوى الكلية، فمن الاول ما إذا كان المغتاب متجاهرا بالفسق، وهذا في الجملة لا اشكال فيه. وتدل عليه روايات كثيرة (1)، كالمستفيضة المتقدمة الدالة على ان الغيبة


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - 154 من ابواب احكام العشرة.

[ 276 ]

ان تقول في اخيك ما ستره الله عليه وان ما يعرفه الناس والامر الظاهر مما فيه فليس بغيبة، فانها غير مختصة بالعيوب الخلقية كالشلل والعور كما يظهر من رواية داود بن سرحان ويدل عليه اطلاق غيرها، والمراد بالمتجاهر بالفسق والفاسق المعلن بفسقه ان يتجاهر به بمرئى من الناس وعند جماعة معتد بها، والجهر عند اخصائه واصحابه ليس مرادا الا إذا كانوا عددا كثيرا معتدا به، كما انه ليس المراد التجاهر عند جميع اهل البلد بل إذا جهر بملا من الناس يصدق انه معلن ومتجاهر، فإذا شرب الخمر في السوق بمرئى من العابرين يكون متجاهرا فتشمله الروايات كقوله: إذا عرف الناس وإذا كان ظاهرا، ومفهوم ما ستره الله عليه لم يقم عليه حد. وحسنة هرون بن الجهم باحمد بن هرون (1) عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة، ورواية ابى البخترى (2) عنه عن ابيه عليهما السلام قال: ثلثة ليس لهم حرمة صاحب هوى مبتدع والامام الجائر والفاسق المعلن بالفسق، وما عن المفيد في الاختصاص (3) عن الرضا عليه السلام قال: من القى جلباب الحياء فلا غيبة له، وعن القطب الراوندي عن النبي صلى الله عليه وآله مثله (4) وما عن السيد فضل الله الراوندي (5) باسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اربعة ليس غيبتهم بغيبة: الفاسق المعلن بفسقه والامام الكذاب ان احسنت لم يشكر وان اسأت لم يغفر والمتفكهون بالامهات والخارج عن الجماعة الطاعن على امتى الشاهر عليها بسيفه، وما عن على عليه السلام: (6) من قال في اخيه المؤمن مما فيه مما قد استتر عن الناس فقد اغتابه، إلى غير ذلك مما له ادنى دلالة على المقصود.


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة - ضعيفة بابى البخترى. (3) و (4) و (5) المستدرك - كتاب الحج - الباب 134 - من ابواب احكام العشرة (6) المستدرك - كتاب الحج - الباب 132 من ابواب احكام العشرة.

[ 277 ]

كموثقة سماعة بن مهران (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: قال: من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم كان ممن حرمت غيبته و كملت مروته وظهر عدله ووجبت اخوته، فان دلالتها على المقصود مبنية على ان يكون المفهوم من قوله: من عامل الناس فلم يظلمهم وساير الفقرات هو الايجاب الكلى حتى ينطبق علي من لم يبال في دينه والمجاهر بالفسق، وعلى ان الجزاء كل واحد من الفقرات الاربع مستقلا حتى يكون مفاد الرواية ان من جاهر بفسقه لا تحرم غيبته ولم تكمل مروته (الخ). واما ان كان المفهوم منها الايجاب الجزئي، أو كان الجزاء مجموع الامور الاربعة حتى يكون المفهوم سلب المجموع الصادق على ثبوت بعضها: فلا دلالة لها عليه. (ودفع) الاشكال الاول بان شمولها لمطلق الفاسق غير مضر بعد خروج غير المعلن بالاخبار والاجماع (مدفوع) بانه موجب لخروج الفرد الشايع الكثير وابقاء النادر القليل ولو بالنسبة (تأمل). وصحيحة ابن ابى يعفور (2) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام بما تعرف عدالة الرجل بين المسلمين إلى ان قال: والدلالة على ذلك كله ان يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته في الناس (الخ) كذا في الفقيه (3) والوسائل وفى الوافى (4) وعن غيره حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه، وكذا نقلها الشيخ الانصاري ايضا، وعلى هذه النسخة لا ربط لها بما نحن بصدده، واما على ما في الفقيه فيمكن ان يقال: ان المراد بحرمة عثراته وعيوبه على المسلمين حرمة


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب الشهادات - الباب 41 - (3) ج 3 - الباب 17 - في العدالة. (4) كتاب الحسبة والاحكام والشهادات - باب عدالة الشاهد من ابواب القضاء و الشهادات ج 9

[ 278 ]

اظهارهما وذكرهما كما يحرم عليهم تفتيش ساير عيوبه، فان كان مفهوم قوله: ساتر الجميع عيوبه انه كاشف بجميعها أو بعضها ينطبق على المتجاهر، لكن الاظهر ان المقابل للساتر لجميع عيوبه الذى لا يصدق الا على الساتر عن جميع الناس: عدم الساتر كذلك فينطبق على الاعم من المتجاهر، وتخصيصه بالمتجاهر بالدليل يأتي فيه الاشكال المتقدم، مع ان الالتزام بجواز تفتيش عثرات المتجاهر مشكل. ورواية علقمة بن محمد عن الصادق عليه السلام وفيها: فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا ولم يشهد عليه عندك شاهدان فهو من اهل العدالة والستر وشهادته مقبولة وان كان في نفسه مذنبا، ومن اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية الله تعالى ذكره داخل في ولاية الشيطان، بناء على ترتب عدم جواز الاغتياب على كونه من اهل الستر، فإذا لم يكن كذلك بل كان متجاهرا بذنبه يجوز غيبته. لكن بعد تسليم كون من اغتابه عطفا على الجزاء وتسليم ترتب هذه الجملة على اهل الستر وتسليم ان مقابل اهل الستر المتجاهر بالفسق: لا تدل على المقصود، لان مفادها ان من كان كذلك تكون غيبته موجبة للخروج عن ولاية الله والدخول في ولاية الشيطان وبانتفائه ينتفى هذا الحكم أي كون غيبته بهذا الحد من العظمة بحيث يخرج مغتابه عن ولاية الله و يدخل في ولاية الشيطان ومع انتفائه لا يلزم ثبوت جواز الغيبة فهو نظير ان يقال: من شتم فقيها يخرج عن ولاية الله حيث لا يدل على جواز شتم غير الفقيه بل غاية ما يدل انتفاء هذه الخاصة عند انتفاء الفقاهة. ثم ان كان المستند في جواز غيبة المتجاهر بالفسق مثل حسنة هرون بن الجهم ورواية ابى البخترى وما بمضمونهما يشكل الحكم بالجواز بمجرد الاجهار بفسق، لاحتمال ان يكون المراد من قوله إذا جاهر الفاسق بفسقه وقوله: الفاسق المعلن بالفسق هو الذى لم يستتر فجوره ولا يبالي بظهور كل فسق، سيما مع ما يقال: ان المصدر المصاف يفيد العموم بناء على ان الفسق مصدر أو اسم مصدر وكان بحكمه فيه، وما يقال: ان المفرد المحلى ايضا كذلك ولا اقل ان يكونا بحكم المطلق فيكونان مساوقين لقوله: من القى جلباب الحياء عن وجهه، فان ارتكاب فسق واحد

[ 279 ]

علنا مع الاستحياء عن ساير الفسوق: لا يوجب القاء جلباب الحياء، وبالجملة فرق عرفا بين قوله: إذا جاهر الفاسق بفسق والفاسق المعلن بفسق، وبين ما في الروايتين، فان ذلك لا يصدق مع اجهار فسق ما. لا اقول: ان الصدق يتوقف على اجهار جميع فجوره بنحو الاستغراق وان كان ذلك مقتضى ما تقدم من العموم أو الاطلاق بل اقول: انه يتوقف على ان لا يعتنى بالناس في ذنوبه والقى جلباب الحياء عن وجهه فحينئذ يصدق العناوين عليه عرفا من غير توقف على الاجهار بالجميع. نعم ان كان المستند فيه المستفيضة المتقدمة المفسرة لها كقوله: هو ان تقول:: لاخيك في دينه ما لم يفعل وتبث عليه امرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد وغيره مما مر يكون الجهر بفسق ما موجبا لصدق عدم كونه مستورا وكونه مما يعرفه الناس. ثم ان مقتضى اطلاق الادلة مثل حسنة هرون بن الجهم وغيرها جواز اغتياب المتجاهر في غير ما تجاهر به، لكنها معارضة بالمستفيضة المتقدمة تعارض العامين من وجه فان قوله: الغيبة ان تقول لاخيك ما ستره الله عليه باطلاقه شامل لمن تجاهر في فسق آخر، ومع تعارضهما فالترجيح للمستفيضة لكونها موافقة للكتاب والسنة المعلومة، بل يمكن ان يقال: بعدم التعارض بينهما فان العرف ولو بملاحظة ارتكازاته ومناسبات الحكم والموضوع يجمع بين الطائفتين بان المتجاهر يجوز غيبته فيما تجاهر به دون ما استتر به، ولا ينقدح في الاذهان التنافى بينهما وان كانت النسبة العموم من وجه. وان شئت قلت: ان الروايات المفصلة بين الامر الظاهر والمستتر اقوى ظهورا من المطلقات في الاطلاق بل لاحد انكار اطلاقها أو دعوى انصرافها إلى الجواز فيما تجاهر به، بان يقال: ان تجويزها كانه معلول هتك عرض نفسه فإذا كان هاتكا له لا يجب على غيره الكف عنه دون ما إذا كان مستترا غير هاتك فلا يجوز لغيره هتكه، وكيف كان فالاحوط الاظهر عدم جوازها فيما لم يجاهر به من غير فرق بين ما كان ادون مما جاهر به أو لا، فما افاده الشيخ الانصاري (1) من الحاق الادون به غير ظاهر.


(1) في المسألة الرابعة عشر من النوع الرابع - في الغيبة فيما استثنى منها.

[ 280 ]

وهل تجوز فيما جاهر به في محيط لم يجاهر به وكان متسترا عنه فيه: الاحوط عدمه، بل لا يبعد دعوى انصراف الادلة عنه ولو بمناسبات مغروسة في الاذهان، وبملاحظة الروايات المستفيضة الواردة في الاهتمام باعراض المسلمين وحرمتها وعدم جواز اذاعة سرهم واحتقارهم واهانتهم. ثم المراد بالمتجاهر من ان متجاهرا بالفسق غير مبال عن ظهوره لدى الناس فمن جاهر بفسق مع توجيهه لدى الناس بوجه يمكن صحته ولو بعيدا: لم يكن متجاهرا جائز الغيبة ولو علم كذبه في محمله، فضلا عما إذا احتملت صحته ولو بعيدا، فلابد في الحكم بالجواز من احراز كونه متجاهرا بالفسق بما هو فسق من غير احتمال الصحة أو احتمال اعتذاره بعذر غير معلوم الفساد لم علم من طريق العقل والنقل احترام المسلم والاهتمام بشأنه وان عرضه كدمه لابد فيه من الاحتياط، ولايجوز التمسك بالاصول في جواز الوقيعة فيه بدعوى انه مع احتمال كونه متجاهرا بالفسق تكون الشبهة في العمومات مصداقية ومعها يكون الاصل البرائة، فانه مخالف لمذاق الشارع الاقدس، ولما يستفاد من الاخبار الكثيرة: من كثرة الاهتمام باعراض المؤمنين، مع ان الاصل عدم كونه متجاهرا أو عدم تحقق موضوع الجواز فان الجهر به حادث مسبوق بالعدم فيحرز به موضوع حرمتها نعوذ بالله من تسويلات الشياطين وحفظنا واياكم من الوقيعة في اعراض المسلمين. ثم ان مقتضى اطلاق الادلة آية ورواية حرمة غيبة الفاسق الغير المتجاهر و لو كان مصرا بفسقه، خلافا للطريحي في مجمع البحرين (1) فجوز غيبته متمسكا بعدم عموم في الغيبة من طرقنا والعمومات كلها من طرق العامة، وبالجملة من الروايات الدالة على اختصاص التحريم بمن يتصف بصفات مخصوصة كصحيحة ابن ابى يعفور، وموثقة سماعة بن مهران المتقدمتين بل يظهر منه ان الحكم بالجواز معروف حيث قال: وبما ذكرناه يظهر ان المنع من غيبة الفاسق المصر كما يميل إليه كلام بعض من تأخر ليس بالوجه، وربما يؤيد كلامه ببعض الروايات الضعيفة


في لغة (غيب).

[ 281 ]

كالمروى عن النبي صلى الله عليه وآله لا غيبة لفاسق أو في فاسق (1) وعنه صلى الله عليه وآله: قال: قولوا في الفاسق ما فيه كى تحذره الناس (2). وفيه ما لا يخفى سيما في انكاره العموم من طرقنا فان الآيات الكريمة المتقدمة لا قصور في اطلاقها فقوله: لا يغتب بعضكم بعضا مطلق في مقام البيان بلا ريب كما ان جملة من الروايات التى من طرقنا مطلقة يظهر للمتأمل المراجع، ولا ضير في نفى العموم الاصطلاحي، ومراده اعم من الاطلاق. واما صحيحة ابن ابى يعفور فمع اختلاف النسخ في نقلها ولعل الاصح نسخة الوافى (3) لا تدل على جواز غيبته بل تدل على جواز تفتيش عثراته وهو عنوان آخر غيرها، مع ان الالتزام بجواز تفتيش عثرات المتجاهر في غاية الاشكال، مضافا إلى احتمال ان يكون مقابل ساتر عيوبه كاشف عيوبه أو كاشف بعضها وهو منطبق على المتجاهر لا الفاسق المصر، ودلالة موثقة سماعة مبنية على ان يكون كل من الجمل الثلث في الشرط مستقلا، ويكون المقابل لكل جملة ايجابا جزئيا، ويكون كل جملة من الجمل الاربع في الجزاء مستقلا ولايكون المجموع جزاء واحدا، و كل ذلك محل اشكال، مع انه على فرض تمامية دلالتها معارضة بحسنة داود بن سرحان بل وروايتي عبد الرحمن بن سيابة وغيرها، والترجيح لهذه الطائفة لموافقتها للكتاب أو المرجع اطلاقه، وبهذا يظهر الكلام في سائر الروايات المتشبث بها مضافا إلى ضعفها، فالاقوى عدم جواز غيبة الفاسق ولو كان مصرا بفسقه. وربما يتمسك لجواز غيبة الفاسق أو المتجاهر برواية ابن ابى يعفور بطريق الشيخ (4) وهو ضعيف وفيها: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا غيبة لمن صلى في بيته ورغب


(1) المستدرك - كتاب الحج - الباب 134 - من ابواب احكام العشرة. (2) راجع كشف الريبة للشهيد الثاني في الفصل الثالث في الاعذار المرخصة للغيبة - في العذر الرابع؟. (3) كتاب الحسبة والاحكام والشهادات - باب عدالة الشاهد من ابواب القضاء و الشهادات ج 9 - (4) الوسائل - كتاب الشهادات - الباب 41.

[ 282 ]

عن جماعتنا ومن رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته وسقطت بينهم عدالته ووجب هجرانه (الخ). وهى كما ترى اوجبت الغيبة في ترك المستحب أو فعل الحرام ان كان الاعراض حراما. (وفيه) مضافا إلى ان مفادها غير المطلوب لعدم التزامهم بوجوب غيبة الفاسق أو المتجاهر محمولة على المورد الذى كان الاعراض عن جماعة المسلمين مخالفة لامام المسلمين أو في مظنتها ولعل الحكم سياسي، لان الظاهر ان الاعراض عن جماعة المسلمين في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله أو ما قاربه كان اعراضا عن والى المسلمين ومظنة للتوطئة على ضد الاسلام، وفى مثله يجب على المسلمين الوقيعة في المعرض وهجرانه ونحو ذلك، وما ذكروا لا يلائم بعض فقرات الحديث لكن لا محيص عنه هذا مع انه منقول بطريق صحيح مع خلوه عن هذه الزيادة. ومنه تظلم المظلوم واظهار ما فعل به الظالم وان كان متسترا به وهو في الجملة مما لا اشكال فيه بل جوازه في الجملة من الواضحات ضرورة ان نصب الوالى والقاضى في البلاد من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين للانتصاف من الظالم ورفع الظلم عن المظلوم وعدم تضييع حقوق الناس ولا زال رفع الناس امرهم وشكويهم إلى ولاة الامر والقضاة من غير نكير. وقد رفع الانصاري شكواه من سمرة بن جندب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله واغتابه عنده في دخوله في داره بلا استيذان ومع كون نسوته على حال غير مناسبة لدخوله عليهن ولم يمنعه عن اغتيابه وذكره بالسوء (1) (تأمل) ورفع الناس امرهم وشكواهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام إلى ما شاء الله، بل رفع الامر إلى الولاة والقضاة في دفع الظلامة مستلزم غالبا لاطلاع حواشيهما واصحابهما عليه ولم يعهد المنع منه، وقد اوجب الله تعالى اداء الشهادة وحرم كتمانها وهو مستلزم في كثير من الموارد لكشف ستر الناس واغتيابهم وهذا القدر مما لا شبهة في جوازه، انما الكلام والاشكال في جوازها مطلقا عند الحاكم وغيره للانتصاف من الظالم أو لا، وفي مورد الظلامة


(1) الوسائل - كتاب احياء الموات - الباب 12 -

[ 283 ]

وغيره في ساير عيوبه إلى غير ذلك من الموارد المشتبهة التى لا بد من التماس دليل على تسويغها، وقد استدل على المطلوب بل على اطلاقه بامور: منها قوله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم وكان الله سميعا عليما، (1) والاستدلال به لاصل المطلوب يتوقف على كون الاستثناء متصلا وكون الاستثناء من الجهر بالسوء، وكان تقديره لا يحب الله الجهر الا جهر من ظلم، فيكون بقرينة الاستثناء في مقام بيان الجهر بالسوء فيؤخذ باطلاقه لانواع الجهر بالسوء كالشتم والدعاء بالسوء والغيبة، ويتوقف اطلاع المطلوب على احراز كونه في مقام بيان عقد الاستثناء ايضا، ويمكن الخدشة في جميع ذلك، لعدم دافع لاحتمال كون الاستثناء منقطعا سيما مع عدم امكان استثناء من ظلم من ظاهر الكلام فيحتاج إلى تقدير. وما يقال: ان الاصل في الاستثناء الاتصال ان لم يرجع إلى ظهور في الكلام لايتبع ويشكل دعوى الظهور في المقام بعد كون الاتصال متوقفا على التقدير وهو خلاف الاصل ايضا وقد حكى عن ابن الجنى انه منقطع (2) وعن ابن عباس (3) وجماعة اخرى قرائة من ظلم معلوما وعليه يكون منقطعا ويكون المعنى، لكن من ظلم لا يخفى امره على الله تعالى، بقرينة سميعا عليما، أو كان التقدير لكن من ظلم جهر بظلامته و من ظلم جهر بظلمه، وعدم دليل على ان الاستثناء يكون من الجهر والتقدير، الا جهر من ظلم، لاحتمال كون التقدير في المستثنى منه ويكون التقدير، لا يحب الله الجهر من احد بالسواء الا من ظلم، أو جهر احد الا من ظلم، فيكون في مقام بيان الاشخاص لا الاقوال كما هو ظاهر عبارة تفسير القمى (4). فكأنه قال: لا يجوز من احد الجهر الا ممن ظلم، واما ان كل جهر لا يجوز فلا اطلاق لاثباته بل في مقام الاهمال من هذه الجهة فلا تدل الآية على حرمة الغيبة


(1) سورة النساء - الاية 147. (2) راجع مجمع البيان - في تفسير الاية المتقدمة. (3) وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء بن السائب وغيرهم. (4) ص 145 - في تفسير الاية المتقدمة.

[ 284 ]

حتى يتشبث بالاستثناء لتجويزها، ولو سلم الاطلاق في المستثنى منه كما لاتبعد دعوى الفهم العرفي على تأمل فلا يسلم في المستثنى، لعدم احراز كونه في مقام البيان فيه، فلو دلت على ان كل من ظلم يجوز له الجهر بالسوء لاتدل على جواز التقول بكل سوء والاجهار بكل قول وعند كل احد ومع معلومية الظالم وذكره باسمه، لعدم اطلاق في عقد الاستثناء، كما لعله يشهد له ما روى في مجمع البيان (1) عن ابى جعفر عليه السلام قال: في معناه اقوال: احدها لا يحب الله الشتم في الانتصار الا من ظلم فلا بأس له ان ينتصر ممن ظلمه مما يجوز الانتصار به في الدين عن الحسن والسدى، وهو المروى عن ابى جعفر عليه السلام ونظيره، وانتصروا من بعد ما ظلموا قال الحسن: ولايجوز للرجل إذا قيل له يا زانى ان يقابل له بمثل ذلك من انواع الشتم (انتهى) وهو مبنى على عدم اطلاق فيها لا في المستثنى منه ولا في المستثنى. نعم ظاهر رواية العياشي (2) عن ابى عبد الله في قول الله: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم قال: من اضاف قوما فاساء ضيافتهم فهو ممن ظلم فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه، ورواية الطبرسي في مجمعه (3) عنه عليه السلام في قوله تعالى: ان الضيف ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فلا جناح عليه ان يذكر سوء ما فعله، اطلاق الآية وشمولها لانواع الظلم وجواز غيبة الظالم مطلقا لكنهما مع ضعفهما معارضتان بما عن ابى جعفر عليه السلام آنفا فان الظاهر منها عدم جواز غيبة الظالم وانما يجوز الانتصار منه بما يجوز في الدين (تأمل) ومنها قوله تعالى: ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق (4) وهو اوضح دلالة واشمل مفادا من الآية المتقدمة سواء كان المراد من الانتصار طلب النصر كما هو احد معانيه


(1) في تفسير الاية المتقدمة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة - مرسلة. (3) في تفسير الاية المتقدمة. (4) سورة الشورى الاية 39 - 40.

[ 285 ]

يقال: انتصر على خصمه إذا استظهر أو الانتقام من الظالم. اما على الاول فلان مقتضى اطلاقه جواز الاستنصار وطلب النصر من كل من يرجو منه ذلك، واليا كان أو غيره، ولازمه جواز ذكر مسائة الظالم وغيبته عند من يرجو منه النصر، كان الظالم متجاهرا ام لا، والسامع عالما بمسائته ام لا. واما على الثاني فلان جواز الانتقام من الظالم مستلزم لجواز الانتصار من الغير والا فقلما يكون المظلوم بنفسه يمكنه الانتقام من ظالمه، والانتصار ملازم لذكر مسائة الظالم كما مر، ولا اقل من ان اطلاق الانتصار يقتضى جواز انتقامه بمعاونة الغير كعشيرته وقبيلته إذا لم يمكنه بنفسه وهو ملازم للغيبة. ثم ان مقتضى ظاهر الآية جواز اعانة الغير إذا استعانه المظلوم لدفع ظلامته والانتقام من الظالم، فإذا جاز للمظلوم الانتقام من الظالم وتوقف نوعا على الاستعانة بغيره كعشيرته واحبته وغيرهما جاز لهم نصره بظاهر الآية ولو بملازمة عرفية (نعم) لا يجوز لهم التعرض للظالم باغراضهم لا لكونهم آلة ووسيلة للانتقام للمظلوم هذا على المعنى الثاني واما على المعنى الاول فالامر اوضح. وربما يقول: ان لا اطلاق في الاية من جهة كيفية الانتصار بل هي بصدد بيان ان لكل مظلوم يجوز الانتصار والمتيقن منه جواز الاستنصار من الوالى والقاضي (وفيه) ان الاية سيقت لبيان جواز الانتصار بعد الظلم مقابل الظلم الابتدائي فلا اشكال في اطلاقها من هذه الحيثية. الا ان يقال: انها بصدد بيان عدم السبيل للمظلوم دون الظالم، وبيان صرف مقابلتهما، فلا اطلاق فيها من جهة كيفية الانتصار، لكنه ايضا غير وجيه، لان الظاهر منها انها بصدد بيان الجملة كما تشهد به الآيات المتقدمة عليها وانما ذكرت الجملة الثانية تطفلا، وعلى ما قررناه يمكن الاستدلال عليه بمثل قوله: فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (1) وقوله: والذين إذا اصابهم البغى هم ينتصرون (2) على كلام وتأمل واشكال.


(1) سورة البقرة - الاية 190. (2) سورة الشورى - الاية 37.

[ 286 ]

وربما يقال: ان تجويز الانتصار والانتقام للمظلوم بنفسه من الظالم يوجب الهرج والمرج، وانما نصب الوالى والقاضى للانتصاف والانتصار وتنظيم امور الناس ومعه كيف يطلق ذلك للناس بانفسهم، لكنه اعتبار ضعيف مخالف للاطلاق بل و الاعتبار الصحيح، وقد وقع نظيره في الشرع كتجويز التقاص للدائن وتجويز الدفاع عن النفس والعرض والمال، ودفع المشرف على بيت الرجل، وقتل من سب النبي صلى الله عليه وآله أو احد الائمة (ع) إلى غير ذلك. فهل ترى من نفسك وجوب القعود عن دفع السارق المهاجم على عرض الرجل وماله وعدم جواز دفعه ثم بعد فعله ما فعل يقال للمظلوم: لك الرجوع إلى المحاكم الصالحة وبالجملة لا وجه للاستبعاد بعد قيام الدليل. واما المؤيدات التي ذكرها الشيخ الانصاري (1) كدليل نفى الحرج، وان في تشريع الجواز مظنة الردع وغيرهما: فلا يخفى ما فيها من عدم صلاحيتها للخروج عن اطلاق ادلة التحريم كما اعترف به، كما لا يجوز غيبة من ترك الاولى بالنسبة إلى شخص كما لو ترك بعض مراتب الضيافة ما لم يصل إلى الهتك والتحقير والاهانة. أو استقضى حقه وكان الاولى تركه فضلا عن تارك الاولى الذى غير مربوط به كالغيبة في ترك المستحب ونحوه وان امكن الاستدلال على الجواز بروايات: منها ما عن تفسير العياشي (2) عن ابى عبد الله عليه السلام في قول الله: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم قال: من اضاف قوما فاساء ضيافتهم فهو ممن ظلم فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه، وقريب منها باختلاف مرسلة الطبرسي (3) بان يقال: ان الامر دائر بين احد التصرفين اما التصرف في الرواية وحمل اطلاقها على ما إذا ظلم المضيف ضيفه وحفظ ظهور عنوان الظلم في الآية، فان اسائة الضيافة اعم من وقوعها على نحو الظلم، أو التصرف في الآية وحمل الظلم فيها على الاعم مما هو المتفاهم عرفا وحفظ اطلاق الرواية، والثانى اولى، لان ظهور


(1) في المسألة الرابعة عشر - من النوع الرابع - في الغيبة فيما استثنى منها. (2) و (3) الوسائل - كتاب الحج - الباب 154 - من ابواب احكام العشرة.

[ 287 ]

المفسر حاكم على المفسر بالفتح بل الظاهر من قوله فهو ممن ظلم الالحاق الحكمى بلسان الالحاق الموضوعي، والا فمفهوم الظلم غير محتاج إلى البيان، فالرواية بلسانها مفسرة للاية ومنقحة للموضوع أو ملحقة لمطلق الاسائة في الضيافة بالظلم، ويتم المطلوب بدعوى الغاء الخصوصية عن الضيافة واسراء الحكم إلى ساير ما يكون اسائة ولو بنحو ترك الاولى، والحمل على مورد الظلم حتى يكون قوله: فهو ممن ظلم من توضيح الواضح: فبعيد، لكن الخروج عن الادلة المحكمة بمثل هذه المرسلة الضعيفة غير ممكن مع امكان ان يقال: اسائة الضيافة اخص من ترك الاولى بل لعلها لا تنطبق الا على الضيافة بنحو توهين وتحقير وهو ظلم وليس تطبيقه على ذلك توضيح الواضح. ومنها رواية حماد بن عثمان (1) قال: دخل رجعل على ابى عبد الله عليه السلام فشكا إليه رجلا من اصحابه فلم يلبث ان جاء المشكو فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما لفلان يشكوك فقال: يشكوني انى استقضيت منه حقى قال: فجلس أبو عبد الله مغضبا ثم قال: كانك إذا استقضيت حقك لم تسئ ارأيتك ما حكى الله عزوجل: ويخافون سوء الحساب اترى انهم خافوا ان يجور عليهم لا والله ما خافوا الا استقضاء فسماه الله عزوجل سوء الحساب فمن استقضى فقد اساء. كذا في الوسائل والكافي على نقل المجلسي في مرآت العقول (2) لكنه قال: وفى بعض النسخ القديمة بالصاد المهملة في الموضعين وفي الوافى (3) عن الكافي والتهذيب بالصاد المهملة في جميع المواضع. اقول واظن كونه بالضاد المعجمة في الموضعين الاولين لان الدائن في مقام


(1) الوسائل - كتاب التجارة - الباب 16 - من ابواب الدين والقرض - لا يبعد الاعتماد عليها وعدم البعد لمعلى بن محمد. (2) كتاب المعيشة - الباب 25 - في آداب اقتضاء الدين ج 3 - ص 389 - (3) كتاب المعايش والمكاسب باب اقتضاء الدين (127) من ابواب احكام الديون والضمانات ج 10 -

[ 288 ]

الدفاع عن الشكوى لا يناسب ان يقر بالاستقصاء وسوء المطالبة بل المناسب ان يقول: انى استقضيت حقى فلا وجه لشكواه وقول ابى عبد الله: كانك إذا استقضيت يناسب المعجمة طبقا لمقالة الدائن ثم لما كان الاستقضاء على كيفيتين احديهما بلا استقصاء وثانيتهما معه قال أبو عبد الله عليه السلام: لم يكن كل استقضاء غير سوء بل منه ما ينطبق عليه سوء الحساب والاستقصاء فيه فمن استقصى فقد اساء، فالمناسب للموضع الاخير بل لما قبله المهملة، ويؤيده ان مطلق الاستقضاء ليس اسائة كما هو واضح. وكيف كان لا دلالة للرواية على المقصود أي جواز الغيبة في ترك الاولى، لان الشكوى ان كان بمعنى تظلم المظلوم وذكر سوء ما فعل به كما فسربه في اللغة: فالظاهر منه كون المطالبة كانت مقرونة للظلم كالاهانة والتحقير وغيرهما فتدل على جواز غيبة الظالم عند مثل ابى عبد الله عليه السلام الذى يرجى منه دفع الظالم وظلمه سيما ان المشكو كان من اصحابه، وان كان اعم فلا دلالة فيها على ان الشاكى اغتابه لامكان الشكوى عنه بما لا يرجع إلى الانتقاص والغيبة مضافا إلى ان الظاهر من سياق الرواية وغضب ابى عبد الله وتطبيق الآية: ان مطالبته كانت بوجه منطبق عليه عنوان الظلم كالاستقصاء من الفاقد الموجب لخجلته وهتكه. ومما ذكرناه من معنى الشكاية والاحتمالين فيها يظهر النظر في الاستدلال بمرسلة ثعلبة بن ميمون (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان عنده قوم يحدثهم إذ ذكر رجل منهم رجلا فوقع فيه وشكاه فقال له أبو عبد الله عليه السلام وانى لك باخيك كله و أي الرجال المهذب (نعم) ظاهر وقع فيه انه اغتابه فقوله: شكاه يصير ظاهرا حينئذ في تظلمه وذكر سوء ما فعل به، ولا يدل ذيله على ان شكواه كان في ترك الاولى لان حقوق الاخوة بين واجبات ومستحبات، وترك شئ منهما مخالف للاخوة وكون الرجل مهذبا نعم لا يخلو نحو تعبيره من اشعار بترك الاولى لكنه لا يصل إلى حد الدلالة والظهور المتبع، مضافا إلى عدم دليل علي ان الرجل المذكور عنده


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 56 - من ابواب احكام العشرة

[ 289 ]

كان معروفا لدى الحضار فلعله شكا رجلا مجهولا للتشفي أو لدعاء ابى عبد الله عليه السلام له في دفع صنيعته به أو لعله كان متجاهرا بالفسق والظلم. ومن الثاني أي ما لا يكون من قبيل الاستثناء وكان من باب التزاحم أو يحتمل فيه ذلك موارد كثيرة ذكرها القوم. وجملة القول فيها انه لابد في الحكم بالجواز في كل مورد من احراز كونه من باب التزاحم باحراز المقتضى والملاك في الطرفين، واحراز اهمية مقتضى المقابل لعنوان الغيبة عن مقتضاها أو احراز التساوى بينهما أو احتمال الاهمية أو التساوى في مقتضى المقابل لها، وعدم احتمال الاهمية في الطرف أي في مقتضى الغيبة مع فقد احتمالها في مقابلها فحينئذ يحكم العقل بجواز ارتكابها لا لما افاده الشيخ الانصاري ومن تبعه: من تبعية الحكم لاقوى المصلحتين وعدم حرمة الغيبة شرعا في مورد اهمية الغير، فانه خلاف التحقيق في باب التزاحم في مقام الامتثال. (والتحقيق) ان الحكمين المتزاحمين في مقامه بقيا على فعليتهما مطلقا الا ان العقل يحكم بمعذورية الفاعل والمكلف عن ترك المهم بالاشتغال بالاهم أو ترك احد المتساويين بالاشتغال بالآخر، فترك الحكم الفعلى ومخالفته قد يكون لعذر فلا يعاقب عليه وقد يكون لا لعذر فيعاقب عليه، ولهذا لو ترك المتزاحمين فيما يمكن له تركهما استحق العقوبة على ترك كل واحد لمخالفته الحكم الفعلى بلا عذر مع قدرته على اتيانه، والتفصيل ورفع الاشكالات المتوهمة يطلب من محله. وعلى ما ذكرناه: من فعلية المتزاحمين لابد في ارتكاب كل من احراز العذر فيه ومع احتمال الاهمية في احدهما يكون ارتكابه بعذر محرز دون مقابله لعدم احرازه فيه. ثم ان احراز الاهمية في الموارد الخاصة أو احتمالها قد يكون بحكم العقل كاهمية دم المؤمن من الوقيعة فيه، وقد يكون بالنقل كما لو دلت الادلة على ان فلانا اشد من فلان، أو يحرز من اهتمام الشارع بشئ اكثر من الآخر بحسب لسان الادلة وكيفية التعبير فيها أو بعده في الكبائر دون الآخر إلى غير ذلك. ثم انهم تعرضوا لموارد لا بأس بذكر مورد منها لورود روايات فيها وهو

[ 290 ]

نصح المستشير، وجوازها في مورده بنحو الاجمال والايجاب الجزئي ثابت كما لو احرز في مورد اهمية النصح من الوقيعة في المؤمن، كما لو فرض ان في تركها يبتلى المؤمن بمفسدة عظيمة بل في بعض الموارد يجب النصح ولو لم يستشره ولعله مراد الشيخ الانصاري ايضا وان اوهم ذيل كلامه بخلافه، وكيف كان لابد في الحكم بجوازها في مطلق موارد النصح أو مطلق نصح المستشير من احراز وجوب النصح مطلقا أو مع الاستشارة وعدم جواز رد الاستشارة وترك النصح ولو بالسكوت و احراز كونهما من باب التزاحم واحراز اهمية النصح من الوقيعة في المؤمن أو احتمالها على نحو ما تقدم. واما لو كان بين الدليلين التعارض فالظاهر عدم جواز الغيبة سواء قلنا باندراج العامين من وجه في باب العلاج ام لا، لان عموم الكتاب مرجح لادلة حرمة الغيبة على الاول، ومرجع مع سقوط الدليلين على الثاني، ولا تعارض الاخبار الكتاب و ان كان بينهما عموم من وجه ولا يسقط العام الكتابى بالمعارضة معها، لانه مع كونه مخالفا لارتكاز المتشرعة، ولبناء الفقهاء ظاهرا يمكن استفادته من ادلة العلاج كرواية الميثمى (1) وغيرها. وان شئت قلت: ان الاخبار الواردة (2) بان ما خالف قول ربنا زخرف أو باطل أو لم نقله شاملة للعامين من وجه في مورد تعارضهما، وانما الخارج منها ما يكون بينهما جمع عرفى، ومعه يخرج موضوعا عن مخالفته في محيط التشريع على ما ذكرناه في ميزان المعارضة ومحلها ومحطها، ولو قيل: ان الحكم في المتعارضين متعلق بالطبايع والعناوين، والتعارض بينهما بالعرض، وهو خارج عن الادلة الدالة على ان ما خالف قول ربنا كذا، قلنا: مضافا إلى ان الظاهر دخوله فيها ولو بالغاء الخصوصية أو المناط القطعي انه لو سلم ذلك لكن المستفاد من الادلة ولو بمناسبات ان الخبر لا يعارض الكتاب ولا يسقط عموم الكتاب بمعارضته فلاحظ.


(1) و (2) الوسائل - كتاب القضاء - الباب 9 - من ابواب صفات القاضى وما يجوز ان يقضى به.

[ 291 ]

نعم الظاهر ان المورد من باب تزاحم المقتضيين وتحققه في كل من العنوانين مطلقا، لكن الشأن في اصل وجوب نصح المستشير أو نصح المؤمن مطلقا وعلى فرض وجوبه في اهميته من الغيبة وفي كليهما نظر، اما الاول فلعدم الدليل عليه الا روايات قاصرة الدلالة عن اثباته. كصحيحة عيسى بن ابى منصور (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: يجب للمؤمن على المؤمن ان يناصحه ونحوها صحيحة الحذاء (2) وصحيحة معوية بن وهب (3) والظاهر منها ثبوت حق للمؤمن على المؤمن فان الظاهر من يجب له عليه ثبوته عليه، واما كون ذلك شرعا على نحو الوجوب والالزام فلا دلالة عليه، فهو كسائر الحقوق الثابتة للمؤمن على المؤمن، ومادة الوجوب لو كانت ظاهرة في الوجوب الاصطلاحي لكن في مثل هذا التركيب ظاهرة في الثبوت ففرق بين قوله: وجب عليه كذا و قوله: وجب للمؤمن على المؤمن كذا فان الثاني غير ظاهر في الالزام، مع ان ظهور المادة في الوجوب مطلقا محل كلام. وكرواية جابر (4) عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله: لينصح الرجل منكم اخاه كنصيحته لنفسه. وفى دلالتها على الوجوب بعد الغض عن ضعف سندها نظر لانها في مقام بيان مقدار النصيحة وكيفيتها بعد الفراغ عن حكمها فلا تدل على وجوبها ورواية تميم الدارى الضعيفة (5) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدين نصيحة قيل: لمن يا رسول الله قال: لله ولرسوله ولائمة الدين ولجماعة المسلمين، وانت خبير بعدم دلالتها على الوجوب بل سياقها سياق الاستحباب وهنا طائفة اخرى بلسان آخر. كموثقة سماعة (6) قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ايما مؤمن مشى في حاجة


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 35 - من ابواب فعل المعروف - الرابعة ضعيفة بعمرو بن شمر. (5) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 35 - من ابواب فعل المعروف - ضعيفه بتميم الدارى وغيره. (6) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف الباب 36 - من ابواب فعل المعروف.

[ 292 ]

اخيه فلم يناصحه فقد خان الله ورسوله، ونحوها روايات وهى لاتدل على وجوب النصيحة مطلقا أو عند الاستشارة بل على انه لو مشى في حاجته يجب عليه نصحه واما وجوب المشى في حاجته أو وجوب نصيحته فلا ولعله مع علمه بابتلائه بالمعصية كالغيبة لا يجوز له المشى فيها، وكذا ما ورد في خصوص المستشير كقوله: من استشاره اخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه الله لبه، فلا يدل على الوجوب بل ظاهره الاستحباب، مع ان ما وردت في نحو هذا المساق مما لو حظ فيها حال جماعة المسلمين وجمعيتهم لا اطلاق فيها لحال وقوع ضرر أو حرج أو هتك ونحوها على بعض آخر من المسلمين. فوجوب نصح المسلم على فرضه حكم حيثى لا اطلاق له لحال ايقاع هتك لمسلم آخر بعد كون الملحوظ فيه حال المؤمنين وعدم ترجيح بعض على بعض. ثم لو سلم دلالتها على الوجوب واطلاقها ومزاحمة المقتضيين لكن الظاهر من ادلة الغيبة ومثل التعبيرات الواردة فيها: ان ملاكها اقوى من ملاك النصح ولا اقل من ان ذلك الاهتمام صار موجبا لاحتمال اهمية ملاكها، فالاقوى ملاحظة الموارد ففى كل مورد تحرز اهمية النصح أو تحتمل كما اشرنا إليه يحكم بجوازها دون مطلق الموارد، ومما ذكرناه وفصلناه يظهر حال ساير الموارد التى استثنى منها فلا داعى لتطويل الكلام بذكرها والله الهادى. الامر الثالث يحرم استماع الغيبة بلا خلاف كما في الجواهر (1) ومكاسب شيخنا المرتضى (2) وان قال في مفتاح الكرامة (3) ان الاصحاب تركوا ذكره لظهوره. وتدل عليه جملة من الروايات كالنبوي المعروف المنقول عن تفسير ابى الفتوح الرازي (4) انه قال: السامع للغيبة احد المغتابين، وقال الشهيد في


(1) في النوع الرابع فيما هو محرم في نفسه مما يكتسب به - في بيان حرمة الغيبة واستماعها. (2) في المسألة الرابعة عشر من النوع الرابع - في الغيبة - في حرمة استماعها. (3) في القسم الرابع من المتاجر المحظورة - فيما نص الشارع على تحريمه - في الغيبة. (4) المستدرك - كتاب الحج - الباب 136 - من ابواب احكام العشرة.

[ 293 ]

كشف الريبة (1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المستمع احد المغتابين وقال على عليه السلام: السامع للغيبة احد المغتابين (انتهى) وعن الغزالي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: المستمع احد المغتابين (2) وفى خبر المناهى: نهى عن الغيبة والاستماع إليها (3). وعن جامع الاخبار (4) وقال صلى الله عليه وآله: ما عمر مجلس بالغيبة الاخرب من الدين، فتنزهوا اسماعكم من استماع الغيبة، فان القائل والمستمع لها شريكان في الاثم، وهذه ان كانت من مرسلات الصدوق فلا تخلو من اعتبار، ولكن من المحتمل بل الظاهر ان تكون عطفا على قوله: عن سعيد بن جبير، فتكون من غير المرسلات المعتمدة. وعن كتاب الروضة (5) عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: الغيبة كفروا المستمع لها والراضي بها مشرك، وعن الشيخ المفيد في الاختصاص: (6) وعن امير المؤمنين عليه السلام: انه نظر إلى رجل يغتاب رجلا عند الحسن عليه السلام ابنه، فقال: يا بنى نزه سمعك عن مثل هذا، فانه نظر إلى اخبث ما في وعائه فافرغه في وعائك، كذا في المستدرك في باب تحريم اغتياب المؤمن، ولكن فيه في باب وجوب رد غيبة المؤمن (7): وفى الاختصاص: قال نظر امير المؤمنين (الخ). والظاهر ان اصل الرواية ما في باب الاغتياب وانما اسقط عنها في الباب المتأخر، فتكون مرسلة غير معتمدة لعدم انتسابه إلى الامام (ع) جز ما بل الظاهر ان ارسال المفيد جز ما غير ارسال الصدوق كذلك، حيث لا نستبعد الاعتماد على مرسلاته، لان المفيد كان من اهل النظر والاجتهاد، ولعل انتسابه جز ما مبنى على اجتهاده،


(1) في الفصل الاول في اقسام الغيبة - في ان حرمة استماع الغيبة كالغيبة. (2) ج 3 - احياء العلوم ص 128 - (3) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (4) المستدرك - كتاب الحج - الباب 132 - من ابواب احكام العشرة. (5) المستدرك - كتاب الحج - الباب 136 - من ابواب احكام العشرة. (6) المستدرك - كتاب الحج - الباب 132 - من ابواب احكام العشرة. (7) الباب 136 - من ابواب احكام العشرة.

[ 294 ]

بخلاف طريقة الصدوق وابيه، وكيف كان ليست المرسلة معتمدة. مع ان في متنها اشكالا، لان نهيه عليه السلام ابنه (ع) ان كان من استماع الغيبة المحرمة والعياذ بالله كانت الرواية مخالفة لاصول المذهب، ضرورة ان الحسن بن على (ع) لا يستمع إليها، وان كان من الاستماع الجائز فلا تدل على المقصود، فهى مطروحة أو غير دالة. وعن الشيخ ورام بن ابى فراس عن جابر (1): ولما رجم رسول الله صلى الله عليه وآله الرجل في الزنا قال رجل لصاحبه: هذا عقص كما يعقص الكلب، فمر النبي صلى الله عليه وآله معهما بجيفة فقال: انهشا منها قالا: يا رسول الله ننهش جيفة قال: ما اصبتما من اخيكما انتن من هذه وعن الشيخ ابى الفتوح في تفسيره عن ابى عم ابى هريرة نحوها بنحو ابسط (2) ولعل تلك الروايات مع كثرتها ومعروفية الحكم ودعوى المشايخ عدم الخلاف ووضوح الحكم كافية في ثبوت اصل الحرمة. مع امكان الاستدلال عليها بجملة من الروايات الظاهرة ولو بمناسبة الحكم والموضوع في ان هتك ستر المؤمن وكشف عورته وسوئته واذاعة سره محرم و مبغوض ذاتا، وان النهى عن الغيبة انما هو بلحاظ مراعاته وحفظ عرضه ومستوريته عن الكشف، لا اقول: ان حرمتها مقصورة عليه، بل اقول: ان المستفاد من جملة من الروايات كما وردت في تفسير الغيبة بان تقول في اخيك ما قد ستره الله عليه وكذا مما دلت على حرمة اذاعة سره. كصحيحة عبد الله بن سنان (3) قال: قلت له: عورة المؤمن على المؤمن حرام قال: نعم قلت: يعنى سفلته قال: ليس حيث تذهب انما هو اذاعة سره، وحسنة منصور بن حازم (4) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من اذاع الفاحشة كان كمبتديها. إلى غير ذلك، وما نرى من اهتمام الشارع الاقدس بشأن المؤمن


(1) و (2) المستدرك - كتاب الحج - الباب 132 - من ابواب احكام العشرة. (3) و (4) الوسائل - كتاب الحج - الباب 157 - من ابواب احكام العشرة - الثانية حسنة بعلى بن اسماعيل.

[ 295 ]

وعرضه اكيدا: ان هتكه وكشف سره مبغوض ذاتا، وان النهى عن الغيبة واذاعة السر لمبغوضيته الذاتية لا لصدوره من مكلف، فإذا كان كذلك كان الاستماع إليها محرما، إذا لزم منه اذاعة سره وكشف ستره لدى المستمع، فان كشف السر كما يتقوم بالذكر ونحوه يتقوم بالاستماع ونحوه، وبالجملة إذا كان هتك ستره مبغوضا، وحفظ عرضه مطلوبا ذاتا كحفظ دمه كما هو مستفاد من الروايات الواردة في الابواب المختلفة، فهو ملازم لمبغوضية الذكر والسماع جميعا، لان الكشف قائم بالتكلم والاستماع فإذا علم السامع ان المتكلم يريد كشف الستر المبغوض وجوده ذاتا في الخارج، وكان المبغوض قائما بطرفين وامكن له دفع تحققه وجب عليه ذلك، وحرم عليه الاستماع لان المفروض ان المبغوض ليس صدوره من المكلف، بل وجوده في الخارج نحو قتل النفس المحترمة، بل لا يبدع الالتزام بوجوب منع المؤمن عن افشاء سر نفسه وهتك عرضه ووجوب منع الطفل عن هتك ستر المؤمن وكشف سره. نعم على هذا الوجه لا تثبت حرمة مطلق استماع الغيبة بناء على ما تقدم: من ان حرمتها لا تختص بمورد كشف الستر، الا ان الظاهر عدم التفصيل بينهما (تأمل). بل يمكن ان يقال: ان ما ذكر لا يكفي لاثبات الحرمة لعنوان الاستماع، فانه سبب أو ملازم للمحرم، وما هو محرم كشف الستر اختيارا الا ان يقال: ان الكشف المبغوض صار سببا لجعل الحكم على الغيبة والاستماع، (تأمل) أو يقال: ان ذلك التحليل والتجزية عقلي، والعرف يفهم من الادلة حرمة الاغتياب والاستماع المتحدين مع الكشف (تدبر). ويمكن الاستدلال للحرمة بل لكونه كبيرة بمرسلة ابن ابى عمير المنقولة مستندة ايضا بسند صحيح وآخر حسن أو صحيح (1) عن ابى عبد الله عليه السلام قال: من قال في مؤمن: ما رأته عيناه وسمعته اذناه فهو من الذين قال الله عزوجل: ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم، بدعوى ان الظاهر من قوله:


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة.

[ 296 ]

فهو من الذين (الخ) هو ان المغتاب م صداق حقيقي للاية الكريمة، والتنزيل الموضوعي بلحاظ الحكم خلاف ظاهره، لانه مجاز يحتاج إلى التأويل والدعوى، فتكون الرواية مفسرة للاية بتعميم الحب للعمل الناشئ من الرضا والارادة وتعميم الشياع لمطلق النشو والنشر الشاملين للذكر عند واحد كما هو مقتضى اطلاق الرواية. فيصير مفاد الآية شاملا لكل عمل اختياري موجب لنشو الفاحشة ورفع الستر عنها في الجملة، فتشمل السامع كما تشمل المغتاب بلا افتراق بينهما، لان السامع ايضا عمل بفعله الاختياري وهو الاستماع ما هو موجب لنشو الفاحشة ورفع الستر عنها، وليس مفاد الاية حرمة اشاعة الفاحشة حتى يقال: ان الاشاعة عرفا من فعل المغتاب، بل مفادها حب شيوعها وهو اعم من الاشاعة، وبالجملة بعد تحكيم الرواية على الاية تفسير أو توضيحا تدل الاية على حرمة الاستماع وكونه من الكبائر ويمكن ان يناقش فيه بان الظاهر من الرواية وان كان الاندراج الحقيقي لكن حمل الاية على ما ذكر والتصرف في الحب والشياع بما ذكر خلاف ظاهر بل ظاهرين فدار الامر بين ارتكاب خلاف ظاهر واحد شايع في الشرع والعرف وهو التنزيل الحكمى بلسان الاندراج الموضوعي مع قيام قرينة عقلية عليه وهو عدم كون الاغتياب داخلا في مفادها وجدانا، وبين ارتكاب خلاف ظاهرين بعيدين عن الافهام غريبين عن الاذهان بلا قيام قرينة في نفس الاية الكريمة، ولا شبهة في تعين الاول فعليه يكون مفاد الرواية تنزيل المغتاب منزلة الذين يحبون ان تشيع الفاحشة، نعم مقتضى اطلاقها كون الغيبة كبيرة دون استماعها. واستدل المحقق التقي (1) في تعليقته على المكاسب على حرمته بفحوى الاخبار الكثيرة الدالة على حرمة الرضا بوقوع المحرم وان على الداخل اثمين اثم الرضا واثم الدخول، فان المراد في المقام حرمة الاستماع على وجه الرضا بفعل المغتاب (انتهى).


(1) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله.

[ 297 ]

ولو تم ما افاده امكن الاستدلال عليها بكونه من الكبائر لان قوله في صحيحة ابى الصلت الهروي (1) عن الرضا عليه السلام: ومن رضى شيئا كان كمن اتاه، وما عن امير المؤمنين عليه السلام، الراضي بفعل قوم كالداخل معهم فيه (2). يدلان على كونه من الكبائر باطلاق التنزيل، لكن الشأن في دلالتها، فان الظاهر منها ان المحرم عنوان الرضا بفعل محرم وهو شامل للرضا الذى له مظهر كما فيما نحن فيه، ولا تدل على حرمة عنوان آخر مغائر له وهو الاستماع، ولو كان على وجه الرضا. فان الاستماع كذلك ينحل إلى الرضا الذى هو امر قلبى والاستماع الذى من عمل الجوارح، ولا تقتضي حرمة العنوان الاول حرمة الثاني، لا باللفظ ولا بالفحوى، و لا ملازمة بين حرمة الرضا بالغيبة مع حرمة استماعها على وجه الرضا، ولو تم ما ذكره يكون على الداخل ثلثة آثام: اثم اصل الدخول والعمل واثم نفس الرضا حسب الروايات واثم الدخول على وجه الرضا بالفحوى المدعى، وهو كما ترى مخالف للروايات. مع ان ما ذكره من ان المراد في المقام حرمة الاستماع على وجه الرضا بفعل المغتاب غير ظاهر، بل المراد في المقام حرمة الاستماع مطلقا ولو استمع مع انزجاره عن فعل المغتاب وكراهته به، فكما ان الغيبة محرمة مطلقا ولو مع التنفر عنها، كذلك الاستماع، وليس المراد بالرضا هو الارادة والاختيار وغيرهما من مبادى الفعل الاختياري، كما لا يخفى على المتأمل. واما روايات وجوب رد الغيبة فهى اجنبية عن الدلالة على حرمة الاستماع، كما هي اجنبية عن الدلالة على جوازها، بل تدل على انه لو سمع الغيبة يجب عليه الرد، بل قلنا في بعض المسائل السابقة: ان مقتضى ادلة النهى عن المنكر الدفع عن المنكر الذى علم بالشرافه على الوجود، فكيف يجوز تمكين المغتاب على الغيبة وكشف ستر المؤمن بعذر ارادة الرد، وقد استدل شيخنا الانصاري (3) على كونه


(1) و (2) الوسائل - كتاب الامر بالمعروف - الباب 5 - من ابواب الامر والنهى. (3) في المسألة الرابعة عشر - من النوع الرابع - في الغيبة في حرمة استماعها.

[ 298 ]

من الكبائر بالنبوي: السامع للغيبة احد المغتابين لولا ضعف سنده، وفيه نظر يظهر بعد ذكر محتملات الرواية. فمنها ان يكون المغتابين على صيغة الجمع، وكان القائل بصدد ادراج السامع في المغتابين حكما بلسان الادراج الموضوعي، وتنزيله منزلة المغتاب فيكون المراد انه واحد منهم حكما، كما لو قال: زيد احد العلماء مع فرض عدم كونه عالما، فكأنه قال: السامع بمنزلة المغتاب، فعلى هذا الفرض تمت دلالتها لاطلاق التنزيل، الا على اشكال مشترك بين الاحتمالات تأتى الاشارة إليه، لكنه بعيد لعدم فائدة في ذكر الجمع لافادة هذا المعنى، بل لو قال: السامع مغتاب كان اولى وادل، كقوله: الفقاع خمرو الطواف بالبيت صلوة. ومنها ان يكون على صيغة التثنية، ويراد به تنزيل السامع منزلة المتكلم بالغيبة، سواء اريد به انه بمنزلة القائل بتلك الغيبة التى سمعها، أو اريد انه بمنزلة المتكلم بها، وان السامع كانه المتكلم بها، وعليه ايضا تمت الدلالة، لكن هذا اللسان كانه ينافى التنزيل بلسان اثبات الموضوع، لان لسان اثباته يقتضى ان يكون بايقاع الهو هوية لا الاثنينية والتغاير كما في الرواية. ومنها ان يراد به جعل العدل للمغتاب فكأنه قال: السامع مغتاب آخر عدل المغتاب وعليه ايضا لاتبعد تمامية دلالته، بان يقال: ان اطلاق العدلية يقتضى الاشتراك في جميع الاثار والاحكام. ومنها ان يراد بهذا الكلام الحكاية عن تنزيل سابق عليه، فإذا كان السامع منزلا منزلة المغتاب يصير المغتاب اثنين: الحقيقي والتنزيلي، والسامع احدهما، وهو الفرد التنزيلى، وعلي هذا الاحتمال يشكل الاستدلال لعدم وقوفنا على دليل التنزيل، وكيفية دلالته، حتى نتمسك باطلاقه، ويكفى في الحكاية التنزيل ببعض الآثار كاصل الحرمة، الا ان يقال: ان حكاية العدلية بقول مطلق كاشف عن التنزيل كذلك، وهو لا يخلو من وجه كما لا يخلو من تأمل. ومنها ان يراد به التنبيه على ان الغيبة كما يتوقف تحققها على المغتاب

[ 299 ]

يتوقف على السامع، وهو شريكه في الاثم، وليس حال السامع حال المضروب المتوقف تحقق الضرب عليه، بل هو دخيل في كشف ستر المؤمن وهتكه، وهو احد المغتابين بهذا الاعتبار، وعليه لا يكون في مقام بيان التنزيل حتى نتمسك باطلاقه على كونه من الكبائر الا ان يقال: يكفى كونه في مقام بيان كونه شريكا فيتمسك باطلاق الشركة في الاثم على المطلوب الا ان يناقش: بانه ليس في مقام بيان الشركة في الاثم ايضا، بل بصدد بيان سر كونه مأثوما، بانه باستماعه مأثوم والمغتاب بكلامه، فهو في مقام بيان اصل المأثومية مقابل عدم الاثم. وهذا الاحتمال غير بعيد عن ظاهر اللفظ والاعتبار، فتحصل مما ذكر عدم ظهور الرواية في التنزيل المطلق، حتى يستفاد منها كون الاستماع من الكبائر، هذا مضافا إلى ورود اشكال آخر، وهو ان عمدة ما دلت علي كون الغيبة كبيرة مرسلة ابن ابى عمير المتقدمة، وقد عرفت ان الاظهر فيها تنزيل المغتاب منزلة الذين يحبون ان تشيع الفاحشة، ومقتضى التنزيل المذكور انها كبيرة. وعليه يمكن ان يناقش في دلالة ما يدل على تنزيل المستمع منزلة المغتاب على كون الاستماع معصية كبيرة، بان يقال: ان التنزيل في لسان رسول الله صلى الله عليه وآله بان المستمع احد المغتابين يصح مع اشتراك المستمع للمغتاب في احكام حال التنزيل ومقتضى اطلاقه اشتراكهما في جميع الاحكام في حال الدعوى والتنزيل، وهو لا يقتضى اشتراكهما في الاحكام النازلة المتعلقة بالمغتاب بعد التنزيل والدعوى، فان صحة الدعوى واطلاق التنزيل لا تقتضيان ازيد من ثبوت جميع الاحكام حال التنزيل، ومن المتحمل ان يكون تنزيل المغتاب منزلة الذين يحبون ان تشيع الفاحشة، واثبات حكم حب شياعها عليه بعد تنزيل المستمع منزلة المغتاب، الا ان يقال: ان الغيبة لو كانت كبيرة كانت كذلك من اول الامر، ولا يمكن انفكاك الكبيرة عن اصل المعصية، لكنه غير ثابت لان الاحكام مجعولة وضعا وتكليفا، ويمكن ان تكون الغيبة ذات مفسدة ضعيفة في اول البعثة، فجعلت محرمة، ثم حدثت فيها مفاسد اخرى شديدة، كالمفاسد الاجتماعية، فجعلت كبيرة واوعد عليها النار

[ 300 ]

الاليم، فدعوى عدم امكان التفكيك تحتاج إلى بينة مفقودة في المقام. ودعوى ان رسول الله صلى الله عليه وآله العالم بالاحكام الآتية لا محالة ينزل الشئ منزلة الآخر في جميع الاحكام السابقة واللاحقة فالاطلاق يقتضى ترتبها عليه مطلقا (غير سديدة) لان طريق علمه الوحى الالهى، والمفروض عدم الايحاء إليه، ولو قلنا: بانه عالم بها لاحاطته باللوح المحفوظ فهو علم غير عادى ليس مناط جعل الاحكام في ظاهر الشريعة، ولا شبهة في تدريجية الاحكام نزولا واجراء وفعلية، وبالجملة الدعوى عدم الاطلاق بالنسبة إلى الاحكام المفقودة حال التنزيل وعدم ثبوته الا في الاحكام المحرزة حاله. وان شئت قلت: ان غاية ما اثبتناه بحكم الاطلاق في قبال مدعى كفاية التنزيل بلحاظ اظهر الآثار: ان جميع الاحكام الثابتة للمنزل عليه ثابت للمنزل، وان اظهرية الاثار لا توجب رفع اليد عن الاطلاق الا مع الانصراف، واما ان الاطلاق يقتضى ثبوت احكام غير ثابتة للمنزل عليه حال التنزيل للمنزل في ظرف ثبوتها للمنزل عليه فلا. بل يمكن الاشكال في التنزيلات الواردة في لسان الائمة عليهم السلام بناء على كشفها عن تنزيل رسول الله صلى الله عليه وآله بعين ما تقدم (نعم) لو كان التنزيل منهم، والدعوى والمجاز منهم، لا كاشفا عن تنزيله صلى الله عليه وآله يؤخذ باطلاقه، ولا ينظر إلى كيفية ثبوت الاحكام للمنزل عليه، ووجهه واضح. بل يمكن ان يقال: ان التنزيل بنحو الاطلاق في لسان الائمة المتأخرين عن عصر الوحى يكشف عن التنزيل المطلق في لسان رسول الله صلى الله عليه وآله ولو قلنا بالكشف، لان التنزيل لو كان في بعض الاحكام لكان عليهم البيان بعد كون النقل لبيان الحكم الشرعي، فمع تمامية مقدمات الاطلاق يؤخذ باطلاق الكاشف، ويكشف اطلاق المنكشف، فبقى الاشكال فيما إذا نقل تنزيل من رسول الله صلى الله عليه وآله من غير طريقهم عليهم السلام، فتحصل من جميع ما ذكرناه ان الاستدلال بالنبوي لكون الاستماع كبيرة: غير وجيه بوجوه.

[ 301 ]

ثم ان المحرم هل هو استماع الغيبة المحرمة، فتكون حرمته تابعة لحرمتها أو هو محرم مستقل في قبال الغيبة، من غير تبعية لها في الحكم. يمكن الاستدلال على استقلاله، وعدم تبعيته بالاخبار. منها: حديث المناهى (1) وفيه: ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن الغيبة والاستماع إليها، ونهى عن النميمة والاستماع إليها، بان يقال: ان الظاهر ان النهى متعلق باستماع طبيعة الغيبة، لا الغيبة المنهى عنها كما ان النهى عن الغيبة لم يتعلق بالغيبة المنهى عنها. وان شئت قلت: ان الظاهر ان متعلق النهى في الاول ومتعلق المتعلق في الثاني شئ واحد، وهو نفس طبيعتها، وكما ان مقتضى الاطلاق في قوله: نهى عن الغيبة حرمتها سواء حرم استماعها على المستمع ام لا فكذلك مقتضى اطلاق قوله: والاستماع إليها حرمته سواء حرمت الغيبة على المغتاب ام لا، وبذلك يعلم عدم تبعيته لها في الحكم، الا ان يناقش في اطلاق حديث المناهى بان يقال: ان نفس مناهى الرسول صلى الله عليه وآله ليست بايدينا حتى يمكن الاخذ باطلاقها والرواية الحاكية عنها انما جمع فيها شتات الاحاديث والنواهي الواردة بالفاظ غير مذكورة فيها، وانما هي في مقام عدها بنحو الاجمال والاهمال، وليس فيها اطلاق، وبالجملة لا اطلاق في الحاكى لكونه في مقام عد اصل المناهى بنحو الاهمال، ولا اقل من عدم احراز كونه في مقام بيان كل عنوان بخصوصياتها، ولا علم لنا بالمحكى عنه. ومنها ما عن جامع الاخبار عن سعيد بن جبير (2) قال صلى الله عليه وآله: ما عمر مجلس بالغيبة الاخرب من الدين، فتنزهوا اسماعكم من استماع الغيبة، فان القائل و المستمع لها شريكان في الاثم، بان يقال: ان اطلاق قوله فتنزهوا اسماعكم يقتضى عدم جواز الاستماع مطلقا، وكونه تفريعا على الجملة السابقة المذكورة


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (2) المستدرك - كتاب الحج - الباب 132 - من ابواب احكام العشرة.

[ 302 ]

فيها الغيبة المحرمة لا يوجب التقييد أو الانصراف، واما قوله: فان القائل (الخ) انما هو بصدد بيان ان طبيعة المغتاب والمستمع شريكتان في الاثم، لا ان كل مستمع شريك مع من اغتاب عنده حتى يقال: ان المفروض جواز اغتياب المغتاب ومعه لا اثم عليه حتى يشترك السامع معه فتكون هذه الفقرة قاصرة عن اثبات الحرمة في الفرض لادالة على جوازها. وان شئت قلت: ان المراد بقوله ذلك دفع توهم ان السامع لا يكون مغتابا فلا اثم عليه فقال: ان الاثم كما هو ثابت للمغتاب ثابت للسامع ايضا فهما شريكان في الاثم، الا ان يناقش ويقال: ان المتفاهم من صدرها وذيلها والتفريع المذكور انها متعرضة للغيبة المحرمة ولا اطلاق لها يشمل المحللة وقوله: ان القائل (الخ) فيه احتمالان احدهما ما ذكر، وثانيهما ان كل مغتاب شريك مع يستمع غيبته في الاثم، ولا ينافى ذلك تعلق الحكم بالطبايع، لان من يستمع غيبة المغتاب ايضا من الطبايع، ثم على فرض ان تكون الرواية بصدد دفع التوهم المتقدم لا اطلاق فيها، فانها حينئذ بصدد بيان ذلك، لا حكم الموضوع حتى يكون لها اطلاق. ومنها ما عن ابى عبد الله عليه السلام انه قال: الغيبة كفرو المستمع لها والراضي بها مشرك (1) بدعوى اطلاق المستمع للغيبة المحللة واختصاص الراضي بها بالغيبة المحرمة لقيام القرينة، ولم تقم في المستمع، الا ان يقال: ان عطف الراضي بها على المستمع لها وحمل محمول واحد عليهما قرينة على وحدة المراد منها. والانصاف عدم اطلاق في الروايات فانها بين مهملة ومنصرفة إلى المحرمة، واما النبوى المتقدم فقد عرفت انه محتمل لمعان، فعلى بعضها يدل على جواز الاستماع للغيبة المحللة، وعلى بعضها يدل على عدم الجواز، وعلى بعضها لا يدل على شئ منهما. فان قلنا: بان المغتابين على صيغة الجمع وقلنا: بان الظاهر منه عدم تنزيل المستمع منزلة غيره بل تنزيل استماعه منزلة تكلمه كما لا يبعد، أو قلنا: بانه على صيغة التثنية لكن جعل السامع عدلا للمغتاب،. والعدلية باعتباران استماعه بمنزلة تكلمه أو


(1) المستدرك - كتاب الحج - الباب 136 - من ابواب احكام العشرة.

[ 303 ]

قلنا: بانه كاشف عن تنزيل آخر وهو تنزيل استماعه منزلة تكلمه، تدل الرواية على حرمة الاستماع الا في مورد جاز له الاغتياب. وان قلنا: بتنزيل المستمع منزلة المغتاب وباقتضاء الاطلاق التنزيل في المحرم والمحلل تدل على جواز الاستماع إذا جاز للمغتاب الاغتياب، وان قلنا: انها بصدد بيان اصل الاشتراك، ودفع توهم اختصاص الحرمة بالمغتاب، فلا تدل على شئ منهما، فهى مجملة من حيث اللفظ و المعنى، وان كان الارجح تثنية الصيغة. ويمكن ان يستدل على حرمة استماع الغيبة المحللة فيما إذ الزم منه كشف ستر المؤمن واذاعة سره بان كان السامع جاهلا بالعيب: بما تقدم: من ان المستفاد من طوائف من الروايات حرمة عرض المؤمن، ومبغوضية انهتاكه ذاتا، ولو كان مسلوب الاضافة عن الفاعل المختار والمكلف العاقل، وكما ان المغتاب لا يجوز عليه هتك المؤمن بقوله كذلك لا يجوز للسامع كشف ستره باستماعه، فلو جاز ذلك على القائل لا يلزم ان يكون جائزا على المستمع لعدم رفع احترام المؤمن بنحو الاطلاق، ولهذا لا يجوز لسائر الناس اغتيابه بمجرد جوازه لواحد منهم، فالمرفوع احترامه بالاضافة لا مطلقا. ولو قيل: لازم تجويز الشارع اغتياب احد للمغتاب تجويز استماعه والا كان ذلك لغوا، يقال: لا ملازمة بينهما، لامكان ان يغتاب عند من جاز له استماع غيبته بل له استماع الغير بغير اختياره كما يتفق ذلك كثيرا، فله ان يسمع غيره فجأة والمقصود في المقام اثبات جواز الاستماع اختيارا، فلا ملازمة بين جواز الغيبة وجواز الاستماع الاختياري، وهذا الاخير اوجه ما في المقام في حرمة استماعها مطلقا، لكنه ايضا لا يخلو من اشكال لعدم احراز حرمة من اجاز الشارع غيبته والقدر المتيقن من الاخبار المشار إليها هو مبغوضية هتك غير من اجاز المولى هتكه ولو في الجملة، ولا دليل على حرمة هتكه ذاتا بنحو الاطلاق، ولا يستفاد ذلك من الاخبار المتقدمة، لان المستند لما ذكرناه ليس اطلاق دليل أو عمومه، بل هو مستفاد من مجموع الاخبار استنقاذا، واما عدم جواز غيبته لغير من اجيز فالاطلاق ادلة حرمة الغيبة من غير

[ 304 ]

مقيد، لا لهذا الوجه فتحصل مما ذكر عدم دليل معتمد على حرمة استماع الغيبة المحللة. ثم لو شككنا في ان الاغتياب كان على وجه الحلال أو الحرام قد يقال: ان مقتضى اصالة الصحة في قول المغتاب عدم جواز رده وردعه بل بمقتضى اماريتها تكشف عن جوازها واقعا، فيجوز للسامع استماعها لان من آثار جوازها واقعا جواز الاستماع أو من آثار عدم حرمتها واقعا عدم حرمة استماعها، هذا على فرض الترتب بين الحكمين الواقعيين وعلى فرض عدم احرازه تجرى اصالة الصحة ومعه لا تجرى الاستصحابات الموضوعية أو الحكمية الحاكمة بعدم جواز الاستماع على فرض جريانها لحكومتها عليها ومعه لا مانع من جريان اصل البرائة عن الاستماع. لكن في جريان اصالة الصحة في مثل المقام اشكال، لان الدليل على الاصل المذكور ليس الابناء العقلاء أو هو مع سيرة المتشرعة والقدر المتيقن منهما هو الافعال التى لها وجهان وجه صحة وضعية ووجه فساد كذلك اعم من العقود و الايقاعات وسائر الافعال كالصلوة والصوم وتجهيز الموتى وغيرها، واما في مطلق الافعال كما لو دار الامر بين كون الفعل الصادر مباحا أو لا، أو القول الكذائي مباحا أو لا، أو قبيحا أو لا، فلم يثبت بناء العقلاء أو المتشرعة على الحمل على الحلال الواقعي وترتيب آثاره عليه، سيما في مثل المقام الذى قد يستلزم الحمل على المباح الواقعي لحمل فعل مسلم آخر على الفساد والحرمة، فإذا قال: ظلمنى زيدا وجاهر بالفسق يكون حمل قوله على الصحة واقعا مستلزما للبناء على ظلمه أو جهره به. الا ان يقال: ان الحمل على الصحة في المقام حمل عليها باعتقاده، لا على الصحة الواقعية أو على الصحة من حيث، وهو لا ينافي البناء على صحة عمل المغتاب بالفتح، لجواز التفكيك بين اللوازم في الظاهر، وهما كما ترى مخالفان لحجية اصالة الصحة ببناء العقلاء لعدم التفكيك في بنائهم، ولا شبهة في ان بنائهم في العقود والايقاعات ونحوهما مما لها وجه صحة وفساد وضعا على الحمل على الصحة الواقعية لا الاعتقادية وترتيب الاثار الواقعية لا الاعتقادية والحمل على الصحة الاعتقادية

[ 305 ]

في مورد والواقعية في آخر تفكيك في بنائهم بلا دليل، والتفكيك في اللوازم و ان كان لا مانع منه ونحن بنينا على عدم حجية مثبتات اصالة الصحة لكن التفكيك في المقام مشكل فان البناء على صحة قول من قال: ان زيدا متجاهر بالفسق واقعا والبناء على عدم تجاهره واقعا كأنهما لا يجتمعان (تأمل) وبالجملة ان بناء العقلاء أو سيرة المتشرعة في مثل المورد غير محرزين وان؟ الشيخ الانصاري في الرسالة (1) الاشكال عن جريانها في الاقوال، واختار الجريان في الاعتقادات ايضا قال في الاقوال: الصحة فيها تكون من وجهين الاول من حيث كونه حركة من حركات المكلف فيكون الشك من حيث كونه مباحا أو محرما ولا اشكال في الحمل على الصحة من هذه الحيثية، ثم ذكر الوجه الثاني والوجوه التى فيه وتمسك في بعضها باصالة الصحة مع ان الظاهر عدم ابتنائه عليها فراجع. وقال في الاعتقادات إذا كان الشك في ان اعتقاده ناش عن مدرك صحيح من دون تقصير عنه في مقدماته أو من مدرك فاسد لتقصير منه في مقدماته فالظاهر وجوب الحمل على الصحيح لظاهر بعض ما مر: من وجوب حمل امور المسلمين على الحسن دون القبح (انتهى ملخصا) واشار ببعض ما مر إلى ادلة لفظية ناقش فيها رحمه الله. وقال المحقق التقى (2) في تعليقته على المكاسب يظهر مما ذكروه في تصرف بايع الامة ذى الخيار في امته المبيعة باللمس ونحوه: من انه يحمل على الفسخ حملا لتصرفه على المباح فان التصرف في المبيع مع عدم الفسخ محرم بل يحكم بفسخه قبل اللمس آنا ما لان ارادة الفسخ باللمس تقتضي وقوع الجزء الاول منه محرما و هو مناف لظهور حال المسلم في كون عمله سائغا جائزا مع ان الاصل عدم الفسخ فيعلم من ذلك كون اصالة الصحة معتبرة عندهم من باب الا مارية المقتضى للتقدم على الاصول (انتهى).


(1) راجع خاتمة الاستصحاب من الرسائل - في الامر السادس من المسألة الثالثة في اصالة الصحة في فعل الغير. (2) هو العلامة الميرزا الشيرازي الثاني رحمه الله.

[ 306 ]

وانت خبير بان هذا النقل لا يصلح لاثبات حجية اصالة الصحة لعدم ثبوت اجماع أو شهرة به وقد عرفت حال بناء العقلاء والسيرة مع ان حجية هذا النحو من المثبتات كأنها مقطوعة الفساد، وهذا نظير اثبات دخول الوقت باصالة الصحة إذا شك في صحة صلوته لاجل الشك في دخوله. نعم استدل المحقق المذكور في مورد آخر على وجوب حمل فعل المسلم على السائغ بقوله تعالى في قضية الافك: ولو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيرا وقالوا هذا فك مبين (1) قال رحمه الله: والضمير في سمعتموه راجع إلى ما عبر عنه بما ليس لكم به علم في الآية اللاحقة دل بمقتضى كلمة لولا الدالة على التنديم والتوبيخ على ان المسألة التى تنسب إلى الغير مما ليس للمخاطب به علم يجب الحكم بكونه افكا وكذبا، وفيه دلالة على كون اصالة الصحة في فعل المسلم من باب الظن النوعى وبقوله: فإذ لم يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون (2) دل على ان المدعين محكومون بالكذب ما لم يعلم صدقهم باقامة الشهود وبقوله: لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ان نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (3) والضمير في إذ سمعتموه ايضا راجع إلى المرجع في الآية السابقة فيقتضى الحكم بكون ما ليس للانسان به علم مما ينسب إلى غيره بهتانا (انتهى). وانت خبير بان الآيات الشريفة غير مربوطة بحمل فعل المسلم على الصحة بناء على ما هو المعروف: من انها واردة في عايشة، فان مورد اصالة الصحة ما إذا وقع فعل من فاعل ولم يعلم انه وقع على وجه الصحيح أو الفاسد، وفى المقام لم يقع فعل مردد بينهما بل كان الانتساب افكا وكذبا وكان السامع شاكا في صدور الفعل منها لا في صحة فعلها بعد صدوره، فالتعيير والتوبيخ انما هو على انتساب فاحشة إلى الغير بلا علم بل لعل مجرد انتساب قبيح إلى الغير بلا علم داخل في الافتراء والافك أو ملحق به.


(1) سورة النور الاية 12. (2) سورة النور الاية 13. (3) سورة النور الاية 16.

[ 307 ]

فالآيات الكريمة واردة في توبيخ من اشاع الفاحشة في المسلم بلا حجة وعلم، فهى غير مربوطة باصل الصحة، ولو كانت القضية مربوطة بمارية القبطية زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت عايشة افكة لم تدل الآيات على وجوب حمل فعل المسلم على الصحة ايضا بل واردة فيما ذكرناه، إذ لم يصدر فعل منها مرددا بين الصحيح والفاسد. الا ان يقال: ان الافك في مارية راجع إلى مبدء ولدها، وهو مردد بينهما، والتوبيخ لاجل عدم حمل فعلها على الصحة، لكنه كما ترى بعيد عن ظاهر الآيات كما لا يخفى، فان الظاهر منها ان القول بلا علم وحجة افتراء وافك، وان التوبيخ ورد لذلك، لا على القول مع الحجة والعلم على الخلاف، بل يحتمل ان يكون مبنى التوبيخ قيام الاستصحاب العقلائي أو الشرعي على عدم صدور القبيح بناء على ان البناء على العدم كاف في اثبات كون النسبة افكا (تأمل) بل لقائل ان يقول: ان الآيات تدل على عدم حجية اصالة الصحة في الاقوال، والا فمقتضى جريانها فيها و اماريتها على الواقع ثبوت الواقع بها، فيخرج الموضوع عن الافتراء، ولا وقع للتوبيخ مع حجيتها. ثم لو قلنا: بجريان اصالة الصحة في الاقوال والافعال مطلقا فالقدر الثابت منها ومن بناء العقلاء هو البناء على الصحة الواقعية وترتيب آثارها في خصوص مورد المشكوك فيه ومورد جريان الاصل فإذا شك في صحة الصلوة وفسادها تحمل على الصحة واقعا ويترتب عليها آثارها، واما لو كانت صحتها ملازمة لعنوان آخر فلا يثبت بها فلو صلى وشك في صحتها من اجل دخول الوقت وعدمه تحمل على الصحة الواقعية لكن لا يثبت بها دخوله ولا كون المصلى على طهر أو لباسه من محلل اللحم لو شك فيها، فعليه لا يترتب على صحة قول المغتاب جواز الاستماع، لان جريان اصالة الصحة في قوله بما انه فعل صادر منه وحركة من حركاته فيحمل على انه مباح من هذه الجهة لكن لا يثبت بها ان مقوله موافق للواقع وان المغتاب بالفتح جائز الغيبة أو متجاهر مثلا، فان جواز الاستماع مترتب على كون المغتاب بالفتح جائز الغيبة أو على كون قوله كاشفا عن كون غيبة المغتاب من مستثنيات حرمتها وليس مترتبا على صحة

[ 308 ]

فعل المغتاب وليس من آثار صحة فعله بما انه حركة من حركاته. وبالجملة ان المستثنى من حرمة استماع الغيبة ولو لفقد الدليل على حرمته هو موارد الاستثناء من حرمة الاغتياب واقعا وبجريان اصالة الصحة لا يثبت الاستثناء الواقعي. الا ان يقال: ان جواز الاستماع مترتب على جواز الاغتياب واقعا واصالة الصحة في قول المغتاب تثبت اباحة اغتيابه لان مقتضى اصالة الصحة فرضا اباحة الاغتياب واقعا فيترتب عليه جواز الاستماع لكنه مدفوع. اولا بانه لا دليل على ترتب جواز الاستماع على عنوان جواز الغيبة واباحتها، بل الثابت ان في موارد استثناء الغيبة يستثنى الاستماع بناء على ان المستمع بمنزلة المغتاب، ومفاد التنزيل ان كل مورد جازت الغيبة للمغتاب جاز استماعها، لا ان جواز الاستماع مترتب على عنوان الاباحة ولا تصلح اصالة الصحة لاثبات كون المورد من موارد الاستثناء، واما قوله: إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة لا يدل على ان حرمة الاستماع مترتبة على حرمة الغيبة بل ظاهرها ان المتجاهر لا غيبة له ولا يكون استماع ذمه استماع الغيبة لو قلنا باستفادة ذلك منه ايضا، واما استفادة ترتب حكم على حكم فلا. وثانيا انه قد اتضح فيما مر ان الحكم بجواز الاستماع في موارد جواز الاغتياب انما هو لاجل عدم الدليل على حرمته فتجرى اصالة البرائة والاباحة، و معلوم ان جريان اصالة الصحة في فعل المغتاب لا يفيد في احراز موضوع جريانهما وليس جريانهما من الآثار الشرعية للاباحة الواقعية كما لا يخفى. ثم على فرض عدم جريان اصالة الصحة أو معارضتها لاصالة الصحة في فعل المغتاب بالفتح على القول بجريانها، فالظاهر جريان الاستصحاب الموضوعي في بعض الاحيان كاستصحاب عدم كون المغتاب متجاهرا أو ظالما، لان الاستثناءات من الغيبة امور مستقلة غير مرتبط بعضها ببعض فمع معلومية عدم كون المغتاب بالفتح من موارد ساير المستثنيات وشك في كونه من مورد منها كما لو شك في كونه

[ 309 ]

متجاهرا وعلم بعدم كونه داخلا في سايرها يجرى استصحاب عدم كونه متجاهرا ويحرز موضوع عدم جواز اغتيابه وسماع غيبته بالاصل والوجدان فيحكم بحرمتهما فان كان اثر مترتبا على حرمته يترتب عليها كوجوب الرد ان قلنا: انه مترتب على الغيبة المحرمة وقلنا بوجوبه، فباستصحاب عدم كونه متجاهرا يحرز غيبته فيحكم بلزوم ردها بالادلة الدالة على لزوم رد الغيبة المحرمة لترتيب الآثار الشرعية مع الواسطة على الموضوع، لا بالاستصحاب فقط بل به وبالادلة الاجتهادية المترتبة بعضها على بعض كما قرر في محله. وهل يجوز أو يجب نهيه عن الغيبة بادلة النهى عن المنكر باستصحاب عدم كون المغتاب بالفتح متجاهرا مثلا اولا. لا اشكال في ان مجرد استصحاب عدم كونه متجاهرا لا يترتب عليه وجوب النهى عن المنكر، لان موضوعه صدور فعل منكر صادر عن فاعل على وجه المنكر عنده، ولهذا لا يجب النهى في موارد اختلاف الاجتهادات أو الاختلاف في تشخيص الموضوعات، فباستصحاب عدم كونه متجاهرا أو استصحاب كونها محرمة عليه لا يثبت كونه منكرا عنده حتى يترتب عليه حكمه. الا ان يقال: يجرى الاستصحاب التعليقي في القول الصادر منه بانه لو كان صادرا منه قبل تجاهره بالفسق بنظر القائل وعدم مسوغ آخر كان منكرا عنده والآن كذلك، لكن جريان الاستصحاب التعليقي في غير التعليقات الشرعية ممنوع، ويمكن اجراء الاستصحاب التنجيزي بان يقال: ان غيبة فلان كان منكرا لدى القائل في زمان و الآن كذلك فيحرز به موضوع وجوب النهى عن المنكر بناء على ان وجوب النهى عنه متعلق بالعنوان الكلى واعم من الرفع والدفع. نعم لو كان وجوبه مقصورا على رفع المنكر الموجود لا يصح استصحاب العنوان الكلى لاثبات منكرية الوجود الخاص الا بالاصل المثبت، وبالجملة استصحاب كون الغيبة منكرة يفيد على فرض وجوب النهى عن طبيعة المنكر سواء صارت قطعة منها أو فرد منها موجودة، ام كانت في معرض الوجود،

[ 310 ]

فإذا جرى استصحاب كون الغيبة الكذائية منكرة وعلمنا بوجود طبيعة الغيبة أو بمعرضيتها للوجود يترتب عليها وجوب النهى عن المنكر، وهذا هو الاقوى كما ذكرناه فيما سبق، هذا حال القواعد العامة وان لا يخلو الاستصحاب المذكور من كلام. لكن قد وردت في المقام جملة من الروايات لعل استفاضتها وكثرتها تغنينا عن النظر إلى اسنادها وضعف غالبها وهى على طائفتين: احديهما ما اخذ فيها عنوان نصر المؤمن وعونه وخذلانه وعدم نصره وعونه وهى الغالب منها، كرواية وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام (1) وفيها: يا على من اغتيب عنده اخوه المسلم فاستطاع نصره فلم ينصره خذله الله في الدنيا والآخرة، ورواية ابى الورد (2) عن ابى جعفر عليه السلام قال: من اغتيب عنده اخوه المؤمن فنصره واعانه نصره الله واعانه في الدنيا والآخرة، ومن لم ينصره ولم يعنه ولم يدفع عنه وهو يقدر عليه نصرته وعوته خفضه الله في الدنيا والآخرة، ونحوهما روايات اخر. والانصاف ان هذه الطائفة قاصرة عن اثبات الوجوب والحرمة ولسانها يناسب الرجحان والكراهة كما في اشباهها ونظائرها فان معنى الخذلان على ما في كتب اللغة والمستفاد من موارد الاستعمال، ومنها هذه الروايات هو ترك النصر والاعانة فكأنه قال: فمن لم ينصر المؤمن لم ينصره الله في الدنيا والآخرة، فكما ان من قوله: من نصره نصره الله في الدنيا والآخرة لا يستفاد وجوب النصر كذلك من مقابله لا يستفاد الحرمة، وقد وردت امثال تلك التعبيرات أو اشد منها في مرتكب المكروه. نعم هنا روايات علق الحكم فيها على الخذلان والنصر مطلقا،


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 156 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 156 - من ابواب احكام العشرة مجهولة بابى الورد.

[ 311 ]

كرواية سليمان بن خالد الصحيحة (1) باحد طريقيها عن ابى جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المؤمن من ائتمنه المؤمنون إلى ان قال: والمؤمن حرام على المؤمن ان يظلمه أو يخذ له أو يغتابه أو يدفعه دفعة، وصحيحة الفضيل بن يسار (2) قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ومرسلة ربعى بن عبد الله (3) عنه عليه السلام قال: المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يخذ له ولا يغتابه ولا يغشه ولا يحرمه. وصحيحة ابى المعزا (4) عنه عليه السلام قال: المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يخذ له و لا يخونه (الخ) ودلالتها على الحرمة لا تنكر لكن الخذلان بمعنى ترك النصر و الاعانة على ما في اللغة وهو بهذا المعنى العام لا يمكن الالتزام بحرمة تركه كما لا يمكن الالتزام بوجوب الاعانة والنصر الشاملين لانحائهما نفسا ومالا ويدا، وفى جميع الموارد فان عدم وجوبهما بهذا المعنى الوسيع من الواضحات، و بناء المسلمين من الصدر الاول إلى الآن على اهمال النصر بهذا المعنى الوسيع فلو كان واجبا لصار ضرور يا مع كثرة الابتلاء به، فلابد اما من التصرف في النصر و الخذلان بحملهما على مورد خاص كنصرة في وقوع ظلم عليه وهو ايضا محل اشكال أو منع أو حمل الروايات على الاستحباب والكراهة المهتم بهما والتعبير بما فيها لافادة شدة الاهتمام كما ورد نظيره بل اشد منه في حقوق الاخوة المستحبة. ففى رواية المعلى بن خنيس (5) عن ابى عبد الله عليه السلام قال قلت له: ما حق المسلم على المسلم قال: له سبع حقوق واجبات ما منهن حق الا وهو عليه واجب ان ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه نصيب قلت له: جعلت فداك وما هي؟ قال: يا معلى انى عليك شفيق اخاف ان تضيع ولا تحفظ وتعلم ولا تعمل قلت: لا قوة الا بالله، قال: ايسر حق منها ان تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك ثم عد


(1) و (2) و (3) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (4) الوسائل - كتاب الحج - الباب 122 - من ابواب احكام العشرة. (5) الوسائل - كتاب الحج - الباب 122 - من ابواب احكام العشرة

[ 312 ]

حقوقا لم يكن شئ منها واجبا بالضرورة كارسال خادمه إلى منزل ليخدمه وعيادة مريضه و شهود جنازته واعانته بنفسه وماله ولسانه ويده ور جله، والانصاف ان من تدبر في هذا السنخ من الروايات ليطمئن بان غلظة التعبيرات لافادة الاهتمام لا لافادة الوجوب أو الحرمة. والطائفة الثانية ما اخذ فيها عنوان لرد كالمروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله (1) انه قال في خطبة له: ومن رد عن اخيه غيبة سمعها في مجلس رد الله عنه الف باب من الشر في الدنيا والآخرة فان لم يرده عنه واعجبه كان عليه كوزر من اغتاب، ورواية المناهى (2) وفيها: الا ومن تطول على اخيه في غيبة سمعها فيه من مجلس فردها عنه رد الله عنه الف باب من الشر في الدنيا والآخرة فان هو لم يردها وهو قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة. وفيهما دلالة على الوجوب لكن اوليهما ظاهرة في ان ترك الرد والاعجاب بالغيبة محرم ولم يظهر منها ان تركه بنفسه محرم أو الرد واجب، ولو كان المراد ان من ترك الرد كان عليه وزر من اغتاب صارت مخالفة للرواية الثانية بل هما مخالفتان على أي تقدير، لان الظاهر من الاولى ان وزره كالمغتاب ومن الثانية انه كوزره سبعين مرة ولا يصح حملها على الراد الغير المعجب، ضرورة عدم امكان زيادة وزر غير المعجب عليه مع اشتراكهما في ترك الرد. الا ان يقال: ان المراد بالمثل في الاولى مشابهة وزرهما سنخا وهو لا ينافي زيادة احدهما على الآخر مقدارا وهو بعيد، أو يقال: انهما متعارضتان في حد الوزر لا في في اصله وهو ايضا مشكل ومعاملة الاطلاق والتقييد اشكل والانصاف ان اثبات وجوب الرد بهما مشكل متنا فضلا عن ضعفهما سندا سيما مع بعد كون وزر غير الراد للغيبة اكثر من المغتاب سبعين مرة. وتؤيد عدم وجوبه رواية ابى الدرداء (3) قال: قال رجل من عرض رجل عند


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 156 - من ابواب احكام العشرة. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 152 - من ابواب احكام العشرة. (3) المستدرك - كتاب الحج - الباب 136 - من ابواب احكام العشرة مجهولة بابى الدرداء.

[ 313 ]

النبي صلى الله عليه وآله فرد رجل من القوم عليه فقال النبي صلى الله عليه وآله: من رد عن عرض اخيه كان له حجابا من النار، فانه لو كان الرد واجبا على من سمعها كان النبي صلى الله عليه وآله وساير الحضار يردون عليه الا ان يقال: انه واجب كفائى وهو كما ترى مخالف لظاهر الروايات واما عدم نهيهم عنه لعله لعذر كعدم احتمال التأثير أو انتهائه برد الرجل، ويؤيده ايضا عده في خلال الحقوق التى جلها أو كلها غير واجب في رواية محمد بن جعفر العلوى (1) عن آبائه عن على عليه السلام قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: للمسلم على اخيه ثلثون حقا ثم عدها. فتحصل مما ذكر انه لا دليل معتد به على وجوب النصر ولا على حرمة الخذلان ولا على وجوب الرد أو حرمة تركه ان كان له عنوان آخر غير النهى عن المنكر، واما لو كان المراد النهى عن المنكر فلا شبهة في وجوبه مع شرائطه، لكن حمله عليه خلاف الظاهر ظاهرا، كما ان الانتصار والنصر عنوان آخر غير النهى عن المنكر وغير الرد. ثم ان مقتضى اطلاق الادلة سواء قلنا بوجوب النصر والرد أو قلنا باستحبابهما عدم الفرق بين العلم بوجود العيب في المغتاب بالفتح وصحة كلام المغتاب والعلم بعدمه والشك فيه، كان له حالة سابقة معلومة ام لا، وكذا عدم الفرق بين العلم بجواز غيبته للمغتاب والعلم بعدمه والشك فيه، كان له حالة سابقة ام لا، الا ان الظاهر انصرافها عما إذا علم جواز اغتيابه للمغتاب وبقى سائر الصور تحت اطلاقها (وتوهم) ان خروج جائز الغيبة يوجب ان تصير الشبهة في مورد الشك مصداقية (يدفعه) ان المدعى اطلاق الادلة لموارد الشك والانصراف منحصر بصورة العلم بالجواز وقيام الاستصحاب في مورد جريانه مقام العلم الموضوعي وان يخلو من وجه لكنه مشكل في المقام بل مطلقا. نعم ما ذكرناه انما هو في غير الحاكم والقاضى المعدين للانتصاف فيجوز لهم سماعها ولو في موارد الشك ولا يجب عليهم الرد لان نصبهما لذلك.


(1) الوسائل - كتاب الحج الباب 122 - من ابواب احكام العشرة ضعيفة. (* 9

[ 314 ]

ثم ان اطلاق الاخبار حاكم على اصالة الصحة في قول المغتاب بناء على جريانها وعلى الاستصحاب لو كان جريانه مقتضيا لجواز الغيبة. (نعم) يمكن ان يفرق بين المتجاهر بالفسق وغيره بان يقال: ان لسان ادلة تجويز غيبته نفى الموضوع و هو حاكم على ادلة وجوب النصر وحرمة ترك رد الغيبة فإذا شك في بقاء المتجاهر على صفته يستصحب الموضوع وينقح به موضوع ادلة لا غيبة فيخرج عن موضوع ادلة وجوب النصر والرد. ثم ان اطلاق الاخبار يقتضى وجوب النصر والرد باى نحو ممكن أو أي نحو شاء ولو بتكذيبه ومعارضته بالمثل (نعم) في بعض الموارد تعارض تلك الادلة مع ادلة اخرى بالعموم من وجه فلابد من العلاج ونحوه، هذا بناء على استفادة الحكم الا لزامى من الادلة، واما بناء على استفادة الحكم الاستحبابى كما رجحناه في ادلة النصر فلا يستفاد منها الاطلاق لصورة استلزام شئ موهن للمغتاب كتكذيبه وتحقيره ومعارضته بالمثل، لان تلك الادلة الواردة في شأن المؤمن واستحباب نصره وعونه لما وردت لمراعات حال العموم لا اطلاق لها يشمل حال استلزام عون مؤمن لترك عون مؤمن آخر فضلا عما استلزم تحقيره وتوهينه فعليه تحمل الروايات على نصر المؤمن بما لا ينافي المدارات مع المؤمن المغتاب بالنصيحة والموعظة الحسنة واللسان اللين لا التكذيب والتوهين. وربما يتشبث بالاستصحاب وحمل فعل المؤمن على السائغ لجواز تكذيب المغتاب أو وجوبه بان كلامه افك وبهتان بل حمل اخبار النصر والرد عليه بالخصوص، بل يتشبث بالآيات الواردة في الافك لذلك حيث ان مفادها توبيخ المستمعين الجاهلين بترك تكذيب القائل وانتسابه إلى الافك والبهتان. ويرد عليه ان استصحاب عدم صدور الفعل عنه مع انه ينفى موضوع اصالة الصحة، لان موضوعها الفعل الصادر عنه المردد بين الصحيح والفاسد فلا ينبغى التمسك بهما في مورد واحد لا يثبت كون كلامه مخالفا للواقع وان المتكلم به كاذب الا بالاصل المثبت، فان بين عدم وقوع الفعل من الفاعل وكون كلام المخبر كذبا والمخبر كاذبا ملازمة عقلية، (نعم) لا مانع من مقابلة المغتاب بنفى وقوع الفعل عنه بجريان

[ 315 ]

الاستصحاب وهو غير تكذيبه، وكذا الحال في اصالة الصحة على فرض جريانها لانها ليست حجة في اللوازم والملازمات بل غاية مفادها لزوم ترتيب آثار الواقع على المجرى وفى المقام يجوز ترتيب آثار الصحة الواقعية على فعل المغتاب بالفتح لكن ليس عدم موافقة كلام المغتاب للواقع وكونه كاذبا من آثارها. واما الايات الكريمة فاجنبية عن اصالة الصحة ومخصوصة بموردها أي القذف ولهذا يحد الشهود إذا كانوا اقل من الاربعة للقذف، ولولا النص والفتوى لكان الشك في جواز الحكم بالكذب والبهت في غير مورد نزولها وهو نساء النبي صلى الله عليه وآله لخصوصية في عرضه صلى الله عليه وآله ولا يمكن الغاء الخصوصية عنه. الا ان يقال: باشعار قوله: ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيرا بعدم الاختصاص أو دلالته عليه، وعلى ان حال ان الايات ير مرتبطة باصالة الصحة لما ذكرناه: من ان موضوعها الموجود بعد الفراغ عن وجوده لا المشكوك فيه سيما المحكوم بالعدم بحكم الاستصحاب. الامر الرابع في كفارة الغيبة الاولى بيان مقتضى القواعد والاصول والاحتمالات المتصورة مع قطع النظر عن النصوص الخاصة ومفادها تفصيلا فنقول: يحتمل بحسب التصور ان يكون الاستحلال والاستغفار الواردان في بعض الروايات واجبين نفسيين حتى الاول منهما فكان المقصود بالاستحلال هو اظهار ذلة المغتاب لديب المغتاب بالفتح فكما انه بغيبته اهانه وحقره اراد الشارع ان يحقر ويذلل نفسه بالاعتذار لديه والاستحلال عنه ارغاما لنفسه. ويحتمل ان يكونا واجبين شرطيين لصحة التوبة فتكون صحتها موقوفة عليهما أو على احدهما تخييرا أو تعيينا فتكون نفس الاستحلال شرطا لا تحليل المغتاب بالفتح ويحتمل ان يكون ا واجبين لتكفير الغيبة بهما أو بحدهما مستقلا من غير احتياج إلى الاستغفار والتوبة، ويحتمل في الاستحلال ان يكون واجبا للتوسل به إلى تحليل المغتاب فيكون تحليله مكفرا للسيئة أو شرطا لصحة التوبة أو مطلوبا نفسيا، وايضا يحتمل في التحليل ان يكون من قبيل غفران الذنب لا اسقاط الحق

[ 316 ]

ويحتمل ان يكون من قبيل اسقاطه، فالتصورات المذكورة في الاستحلال لا يتقوم على كون اغتياب المؤمن موجبا لثبوت حق على المغتاب. ثم في الاستحلال والاستغفار على التقديرات المذكورة احتمالات اخر ككون الاستحلال فقط واجبا، أو الاستغفار فقط، أو كليهما، أو واحد منهما، أو التفصيل بين امكان الاستحلال وعدمه، أو وصول الغيبة إلى المغتاب وعدمه، أو ترتب فساد عليه وعدمه إلى غير ذلك. ثم انه لا اشكال في جريان البرائة مع الشك في وجوبهما مستقلا أو في كونهما شرطا لصحة التوبة. بناء على ان التوبة واجبة نفسا لا لتكفير السيئة، وبناء على جريان البرائة في الشك في الاقل والاكثر، ولا في ان الاصل الاشتغال بناء على ان التوبة لتكفير السيئة ومحوها أو لاسقاط حق الله تعالى العقوبة بناء على ثبوت حق من الله تعالى على العباد في المعاصي لان استحقاق العقوبة بارتكاب الغيبة صار ثابتا على العبد، أو ان حق الله ثابت بارتكابها على ذمة العبد ولابد في اسقاطه من اليقين به وكذا لابد عقلا من اليقين بالمؤمن من العقوبة، لكن مقتضى اطلاق ادلة التوبة والاستغفار آية ورواية البالغة حد التواتر ان تمام الموضوع لتكفير السيئات هو التوبة عنها أو مع الاستغفار من غير دخالة شئ آخر فيه. نعم الظاهر اعتبار عدم حق الناس على التائب كما يدل عليه بعض الاخبار، ومع الشك في كون الغيبة من حق الناس يجرى استصحاب عدم تعلق حق عليه فيحرز به موضوع صحة التوبة من غير ان يكون مثبتا لان اطلاق الادلة يقتضى ان يكون توبة العبد مكفرة لسيئته، والادلة الدالة على اعتبار عدم حق الناس عليه: لا توجب تقييدا في عنوان التوبة بل يكون عدم ثبوت الحق عليه بمقتضاها موضوعا لصحة التوبة، بل هو اولى بالجريان من جريان استصحاب كون الشخص على وضوء لصحة الصلوة كما هو مورد ادلة الاستصحاب مع ورود لا صلوة الا بطهور فيها، وبالجملة مقتضى الاستصحاب عدم ثبوت حق على المغتاب فتصح توبته بمقتضى اطلاق الادلة،

[ 317 ]

بل لا يبعد جواز التمسك بدليل الرفع مع الغض عن الاستصحاب فينقح به الموضوع والتفصيل يطلب من محله، هذا حال القواعد، واما الاخبار فمنها ما هي مربوطة بالاستحلال وهى على طوائف: منها ما تدل على ان عدم الاغتياب وستر عورة المؤمن حق للمؤمن على المؤمن وهى روايات، أو ضحها دلالة رواية الكراجكى (1) عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: للمسلم على اخيه ثلثون حقا لابراء له منها الا بالاداء أو العفو وفيها ويستر عورته إلى ان قال: ويحب له من الخير ما يحب لنفسه ويكره له من الشر ما يكره لنفسه ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان احدكم ليدع من حقوق اخيه شيئا فيطالبه به يوم القيمة فيقضى له وعليه، فان الظاهر منها صدرا وذيلا ان تضييع حق ستر العورة وعدم الغيبة موجب لنحو عهدة للمغتاب لابراء له الا بالعفو وان من يدع من حقوق اخيه شيئا يكون مطالبا به فيحكم له عليه يوم القيمة فهى صريحة في ثبوت حق له عليه بتضييع حقه يحتاج إلى العفو: ومنها ما دلت على ان الله لا يغفر ذنب المغتاب حتى يفغر صاحب الغيبة له (2) وفى بعضها لا تغفر الا ان يحلله صاحبه (3) وفى بعضها من كانت لاخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحلها (4) وفى بعضها لا يعذب الله مؤمنا بعد التوبة والاستغفار الا بسوء ظنه واغتيابه للمؤمنين (5)، ومقتضى تلك الروايات بعد قرينية بعضها لبعض ان بالغيبة يثبت حق للمؤمن على اخيه وتحليله شرط صحة توبته أو قبولها وان الاستحلال لاجل برائته من حقه والبراء لاجل صحة توبته وغفر ان الله جل ذكره له.


(1) الوسائل - كتاب الحج - الباب 122 - من ابواب احكام العشرة ضعيفة بحسين بن محمد بن على الصيرفى. (2) و (3) المستدرك - كتاب الحج - الباب 135 - من ابواب احكام العشرة - و الوسائل - 155. (4) راجع كشف الربية - للشهيد الثاني - في الفصل الخامس في كفارة الغيبة. (5) المستدرك - كتاب الحج - الباب 132 - من ابواب احكام العشرة.

[ 318 ]

كما تشهد به ما عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة (1) ان قائلا قال بحضرته: استغفر الله فقال ثكلتك امك اتدرى ما الاستغفار. والاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على ستة معان: اولها الندم على ما مضى، والثانى العزم على ترك العود إليه ابدا والثالث ان تؤدى إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله اسلس ليس عليك تبعة (الخ) والظاهر ان الاولين عبارة عن حقيقة التوبة والاوسطين شرط صحتها أو قبولها والاخيرين شرط كمالها، والحاصل ان هذه الطائفة تدل من بين الاحتمالات المتقدمة في صدر البحث على ان الاستحلال للتوسل به إلى التحليل والبرائة من حق الغير وهى شرط صحة التوبة أو قبولها. ومنها ما هي مربوطة بالاستغفار، كرواية حفص بن عمر (2) عن ابى عبد الله عليه السلام قال سئل النبي صلى الله عليه وآله ما كفارة الاغتياب قال: تستغفر الله لمن اغتبته كلما ذكرته، كذا في الوسائل وفي مرآت العقول عن نسخة كما ذكرته وعن الجعفريات (3) من ظلم احدا فعابه فليستغفر الله له كما ذكره فانه كفارة له وعن امالي الشيخ المفيد بسنده (4) عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كفارة الاغتياب ان تستغفر لمن اغتبته، وعن كشف الريبة عنه صلى الله عليه وآله (5) كفارة من استغتبته ان تستغفر له، ولعل نسخة الوسائل في رواية حفص غير صحيحة وكانت مصحفة عن (كما ذكرته) لتشابههما خطا، وعلى فرض صحتها يمكن ان يراد به كلما اغتبته أي تستغفر الله له في كل مرة اغتبته فتوافق ساير الروايات، أو يراد به ان في كل ذكر من المغتاب والتوجه إلى اغتيابه


(1) في الحكم والمواعظ - ابن ابى الحديد - ج 4 - ص 467 - ط مصر - و ج 4 - ص 640 - ط بيروت وج 2 - ص 469 - ط طهران - وعبده - ج 2 - ص 125 - ط بيروت - وج 2 - ص 243 - ط مصر. (2) الوسائل - كتاب الحج - الباب 155 - من ابواب احكام العشرة. (3) المستدرك - كتاب الحج - الباب 135 - من ابواب احكام العشرة. (4) المستدرك كتاب الحج - الباب 135 - من ابواب احكام العشرة. (5) في الفصل الخامس - في كفارة الغيبة.

[ 319 ]

يستغفر الله له مرة، ولا يجب عليه تكراره الا ان يغفل عنه ويتذكر لاغتيابه مرة اخرى فيجب مرة ايضا. وكيف كان توهم تلك الروايات تكفير الذنب بالاستغفار له من غير احتياج إلى التوبة والاستغفار لنفسه، لكن الظاهر المتفاهم منها ان الاستغفار له كفارة و براء مما عليه من حق اخيه وظلمه اياه، وان شئت قلت: ان تلك الروايات لا تصلح لمعارضة ادلة وجوب التوبة أو تقييدها. ثم ان هذه الروايات معارضة للروايات المتقدمة فان مقتضى ما تقدمت توقف صحة التوبة على غفران المغتاب وتحليله، ويؤكدها ظهورا قوله: والغيبة اشد من الزنا ومقتضى هذه الروايات تكفيرها بالاستغفار له وكونه غير اشد من الزنا نافلا شبهة في تعارضهما وعدم جمع مقبول بينهما. نعم لا يبعد ان تكون موثقة السكوني (1) عن ابى عبد الله عليه السلام شاهدة جمع بين الطائفتين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من ظلم احدا ففاته فليستغفر الله فانه كفارة له، فان الظاهر منها ولو بقرينة سائر الروايات ان المراد الاستغفار لصاحبه لا لنفسه بل لعله المتفاهم من نفسها ولو بالارتكاز، فان الظاهر انه مع فوت المظلوم يكون الاستغفار لمراعات حاله نظير الصدقة من ماله إذا فاته، فتكون الرواية موجبة لحمل ما دلت على وجوب الاستحلال والاستغفار منه على صورة وجدانه وعدم فوقه كما هو ظاهر سوقها ايضا، ومع فوقه يكون الاستغفار له مرتبة من اداء حقه ولا مانع منه ظاهرا. نعم يمكن الاشكال على رواية السكوني بان مقتضاها ان الاستغفار موجب للبرائة عن الحقوق المالية ايضا عند فقد صاحب الحق وهو كما ترى، ويمكن ان يجاب عنه بان الظاهر من كون الاستغفار كفارة انه كفارة الظلم من حيث هو لا الضمان الحاصل باليد أو الاتلاف فلا تنافى بينها وبين ما دلت على وجوب التصدق في المال، وبالجملة ان تلك الرواية مع اعتبارها سندا حاكمة على الطائفتين


(1) الوسائل - كتاب الجهاد - الباب 78 - من ابواب جهاد النفس.

[ 320 ]

من الروايات ومفسرة لها وقرينة على المراد منها. واما رواية مصباح الشريعة (1) الدالة على التفصيل بين وصول الغيبة إلى صاحبها وعدمه: فلا تصلح للاستناد إليها لعدم ثبوت كونها رواية فضلا عن اعتبارها بل لا يبعد ان يكون كتابه من استنباط بعض اهل العلم والحال ومن انشاءاته، هذا كله مع الغض عن اسناد الروايات والقرائن القائمة في متونها والا فابواب المناقشة في الاسناد والدلالة في كثير منها مفتوحة، حتى في الصحيفة المباركة السجادية فان سندها ضعيف، وعلو مضمونها وفصاحتها وبلاغتها وان توجب نحو وثوق على صدورها لكن لا توجبه في جميع فقراتها واحدة بعد واحدة حتى تكون حجة يستدل بها في الفقه وتلقى اصحابنا اياها بالقبول كتلقيهم نهج البلاغة به لو ثبت في الفقه ايضا انما هو على نحو الاجمال وهو غير ثابت في جميع الفقرات هذا مع امكان المناقشة في دلالتها ايضا لان ما يمكن ان يستدل به هو الفقرة الثانية المبدوة بقوله: اللهم وايما عبد من عبيدك ادركه منى درك أو مسه (الخ) ولا شبهة في لزوم تأويلها وحلمها على ترك الاولى ونحوه والا فظاهرها مخالف لاصول المذهب وحملها على التلقين بغيره أو على الشرطية مع عدم تحقق تاليها بعيد، ولا اقل من تساوى احتمال ذلك واحتمال ارادة الحقوق الغير اللازمة، مع ان طلب ارضائه من الله تعالى لا يدل على لزومه، مضافا إلى عدم دلالتها على ان كل مظلمة لابد فيها من الاسترضاء، فان غاية ما يدل عليه ان في الاذى والظلم ما يكون من قبيل الحقوق ويحتاج إلى الاسترضاء، لا ان كل مظلمة كذلك. فقوله ايما عبد ادركه منى درك ظاهر في الضمانات المالية وقوله: أو مسه من ناحيتى اذى اعم ما يوجب القصاص وغيره، وقوله أو لحقه بى أو بسببي ظلم اعم من الجميع فحينئذ قوله: ففته بحقه أو سبقته بمظلمته لا يدل على ان كل ذلك موجب لثبوت حق عليه بل يدل على ان ما فاته بحقه أي ما هو موجب لثبوت حق كالضمانات يحتاج إلى الاسترضاء لا ان كل اذى ومظلمة يحتاج إليه، وعلى هذا سقط احتمال


(1) المستدرك - كتاب الحج - الباب 132 - من ابواب احكام العشرة.

[ 321 ]

دلالة ساير الفقرات عليه ايضا، ومن بعض ما ذكر يظهر الكلام في دعاء يوم الاثنين (نعم) لا يأتي فيه الاحتمال الاخير لذكر خصوص الغيبة فيه، لكن احتمال الحق اللازم فيه ابعد بل غير صحيح لذكر بعض ما لا يكون كذلك جز ما فيه. نعم لاتبعد دعوى العلم أو الوثوق والاطمينان بصدور بعض الروايات، وعليه يمكن ان يقال: ان مقتضى العلم الاجمالي بصدوره لزوم الاخذ باخصها ومع التباين بينها يجب الاحتياط. لكن يمكن ان يقال مضافا إلى ان كثرة الروايات في مثل المقام الذى يرجع جميعها إلى عدد معدود، لا توجب الوثوق بالصدور فضلا عن العلم به فعليك بالرجوع إليها حتى ترى ان كثيرا منها مرسلات عن النبي صلى الله عليه وآله يحتمل اخذ بعض الروات عن بعض، ومضافا إلى ان مضامين الروايات مختلفة وجوبا واستحبابا ومعه لا علم بتكليف الزامي: ان موثقة السكوني الحاكمة على جميعها تمنع عن تنجيز العلم الاجمالي، واما الرواية المذكورة فلا مناص عن العمل بها لكونها معتمدة موثقة لكن في دلالتها على المطلوب اشكال، لان قوله: ففاته، قرينة على ان الظلم الذى يجب الاستغفار لصاحبه هو ما يمكن جبرانه عند وجود المظلوم وليس مطلق الظلم مما يكون له جبران وكون الغيبة كذلك أو الكلام، بل لاتدل على وجوب الجبران عند عدم فوت صاحب المظلمة لعدم تعرضه له. الا ان يقال: ان الظاهر وجوب الاستغفار له فيدل على وجوب اداء الحق، ويمكن ان يقال: ان الامر دائر بين الاخذ باطلاق قوله: من ظلم احدا وحمل الاستغفار له على الاستحباب، لعدم قائل ظاهرا بوجوب الجبران في مطلق الظلم، أو حمل الظلم على ما يكون له جبران وابقاء الامر على ظاهره، وكيف كان لا دليل معتمد على وجوب الاستحلال أو الاستغفار للمغتاب فان ماله دلالة قاصرة سندا وغالبها قاصرة سندا ودلالة، وبعض ما هو معتمد كرواية السكوني قد عرفت حالها مع احتمال ان يكون الاستغفار المذكور هو الاستغفار لنفسه عن ذنبه وان المظنون ان يكون الاستغفار لصاحبه كما اشرنا إليه لكنه ظن خارجي لا حجية فيه (تأمل) نعم لو كانت روايات الاستغفار له تام السند لكان احتمال قرينيتها على المراد

[ 322 ]

فيها قريبا. وهنا احتمال آخر في متن الرواية وهو احتمال كون (ففاته) تصحيف (فعابه) كما في رواية الجعفريات المتقدمة لتشابههما كتبا، واحتمال العكس ابعدو عليه تخرج الرواية عن شهادة الجمع ولا يرد عليها الاشكال المتقدم في الحقوق المالية بل لعله صار قرينة على غلط النسخة، لكن الانصاف ان هذه الاحتمالات لا يعتنى بها والله الهادى كتبها العبد المفتاق إلى الله الكريم مؤلف هذه الوجيزة السيد روح الله ابن السيد مصطفى الخمينى عفى الله عنهما. يكون الاستغفار المذكور هو الاستغفار لنفسه عن ذنبه وان المظنون ان يكون الاستغفار لصاحبه كما اشرنا إليه لكنه ظن خارجي لا حجية فيه (تأمل) نعم لو كانت روايات الاستغفار له تام السند لكان احتمال قرينيتها على المراد

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية